######OpenITI# #META# Author: الإمام أحمد بن عمر #META# Title: التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي #META# Date: ت618 ه #META# Tafsir_type: تفاسير أهل السنة الصوفية #META# Source: altafsir.com #META#Header#End# ### | [1 - سورة الفاتحة] ### || [1.1-7] # قال الشيخ - رحمه الله ونفعنا به وبعلمه في الدارين -: سميت الفاتحة ~~لمعنيين: # أحدهما: أن الله تعالى بها فتح أبواب خزائن الحقائق التي ما فتح أبوابها ~~لأحد من العالمين على حبيبه ونبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم في هذا ~~الكتاب بعد أن أودع فيه حقائق جوامع الكلام التي أنزلها على جميع أنبيائه ~~ورسله - عليهم السلام - يدل على هذا المعنى قوله تعالى: # ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين # [الأنعام: 59]. # والثاني: أنها هي فاتحة فتوحات هذا الكتاب بأن الله تعالى ضمن فيها: ~~حقائق مراتب الربوبية ومراتب العبودية، ومراتب الأمور الدنيوية ومراتب ~~الأمور الأخروية التي هذا الكتاب مشتمل عليها سنجمع دقائق مبانيها. # 1- فمراتب الربوبية عشرة: # أولها: مرتبة الاسم؛ بأن له تعالى أسماء. # والثاني: الذات. # والثالث: الصفات. # فهذه المراتب الثلاثة حاصلة في { بسم الله الرحمن الرحيم } ~~[الفاتحة: 1]. # والرابع: الثناء. # والخامس: الشكر. # وهما حاصلان في { الحمد } [الفاتحة: 1]. # والسادس: الألوهية بمعنى الخالقية، وهي حاصلة في { لله } [الفاتحة: ~~1]. # والسابع: الربوبية بالوحدانية في الخالقية، وهي حاصلة في { رب ~~العالمين } [الفاتحة: 1]. # والثامن: الملكية بالمالكية، وهي حاصلة في { ملك } [الفاتحة: 1]. # والتاسع: المعبودية بالألوهية والوحدانية، وهي حاصلة في { يوم ~~الدين } [الفاتحة: 1]. # والعاشر: الهداية بالحق والإنعام من الأزل إلى الأبد، وهي حاصلة في { ~~اهدنا الصراط المستقيم } [الفاتحة: 1]. # 2- وكذلك في مرتبة العبودية عشرة: # أولها: معرفة الله تعالى بهذه المراتب. # والثاني: الإقرار بالربوبية لله تعالى وبعبودية نفسه له. # والثالث: معرفة النفس وخلوها عن مراتب الربوبية. # والرابع: العلم باحتياجه إلى الله تعالى واستغناء الله تعالى عنه. # والخامس: عبادة الله تعالى على ما هو أهله بأمره. # والسادس: الاستعانة بالله تعالى في عبوديته بالتوفيق والقدرة والتعلم ~~والإخلاص. # والسابع: الدعاء بالخضوع والخشوع والشوق والمحبة، فإنه خلق لهذا كما ~~قال تعالى: # قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعآؤكم # [الفرقان: 77] وقال تعالى: # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]. # والثامن: الطلب لوجدان الله تعالى وصفاته ونعمه، وهو المقصد الأعلى ~~والمنية القصوى. # والتاسع: الاستهداء عنه ليهتدى به وينعم عليه بإرشاده طريق الهداية. # والعاشر: الاستدعاء منه بأن ينعم عليه، ويديم ms0001 نعمته عليه، ولا يغضب ~~فيرده إلى الضلالة والغواية. # وهذه المراتب كلها حاصلة في { وإياك نستعين } إلى آخر السورة ~~فافهم جدا. # 3- ومراتب الأمور الدنيوية أربعة: # الملك والملك والتصرف فيهما بالملكية والمالكية، وفاتحة الكتاب مشتملة ~~على هذه المراتب كلها كما أشرنا إلى طرف منها، وسنبينها في تفسيرها إن ~~شاء الله تعالى، ولهذا المعنى أيضا سميت أم الكتاب؛ لأن أم الكتاب في ~~الحقيقة مصدر حقائق كل دين، وكتاب ومنشأ دقائق كل حكم وخطاب، كقوله ~~تعالى: # يمحوا الله ما يشآء ويثبت وعنده أم الكتاب # [الرعد: 39]. # وأما الحكمة في أن الله تعالى جعل افتتاح كتابه بحرف الباء واختياره على ~~سائر الحروف لا سيما على الألف بأنه أسقط الألف من ال " اسم " وأثبت ~~مكانه الباء، وقال: { بسم } فعشرة معان: # أحدها: إن في الألف ترفعا وتكبرا وتطاولا، وفي الباء انكسارا ~~وتواضعا وتساقطا، فالألف لما تكبرت وضعها الله تعالى والباء لما تواضعت ~~رفعها الله تعالى كما ورد في الحديث: # " من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله " # وقد ورد أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام أن يأتي الجبل ليسمعه ~~كلامه، فتطاول كل جبل طمعا أن يكون محلا لموسى عليه السلام، وتصاغر طور ~~سيناء في نفسه " متى أستحق أن أكون محلا لقدم موسى عليه السلام في وقت ~~المناجاة؟ " فأوحى الله تعالى إلى موسى: " أن ائت ذلك الجبل المتواضع ~~الذي ليس يرى لنفسه استحقاقا " فكذلك حال الباء مع الألف. # وثانيها: إن الباء مخصوصة بالإلصاق، وتصل كل حرف بخلاف أكثر الحروف ~~خصوصا الألف؛ لأن الألف مخصوصة بالقطع وتكون منقطعة عن الحروف كلها، ~~فلما كانت الباء واصلة للرحم في الحروف وصلها الله تعالى، ولما كانت ~~الألف قاطعة الرحم عن الحروف قطع الله معها كما روى عبد الله بن عوف: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيما يحكي عن ربه - جل ثناؤه -: # " أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم شققت لها اسما من اسمي فمن وصلها ~~وصلته ومن قطعها قطعته " # حديث صحيح. # وثالثها: إن الباء مكسورة أبدا فلما كانت ms0002 فيها كسرة وانكسار في الصورة ~~والمعنى وجدت شرب العندية من الله تعالى واسمه دون الألف كما قال تعالى: # " أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ". # ورابعها: إن في الباء وإن كانت في الظاهر تساقط وتكسر، ولكن في الحقيقة ~~رفعة درجة وعلو همته وهي من صفات المصدقين، وفي الألف ضدها. أما رفعه ~~درجتها فبأنها أعطيت نقطة وليست للألف هذه الدرجة، وأما علو الهمة فإنه ~~لما عرضت عليه النقطة ما قبلت إلا واحدا بسكون حاله كحال موحد لا يقبل ~~إلا واحدا، وعابد لا يعبد إلا معبودا واحدا، وقاصد لا يقصد إلا ~~مقصودا واحدا ومحب لا يحب إلا محبوبا واحدا. # وخامسها: إن للباء صدقا في طلب قربة الحق ونيل المقصود الحقيقي لا ~~يوجد في غيرها من الحروف وذلك أنها لما وجدت درجة حصول النقطة وبلغت هذه ~~المرتبة وضعتها تحت قدمها؛ لصدقها في طلب المقصود الحقيقي والمطلوب ~~الأصلي، وما تفاخرت بها بل أعرضت عنها حتى بلغت مقصدها الأقصى ومقصودها ~~الأعلى، فالباء مخصوصة من سائر الحروف بوضع النقطة تحتها ولا تناقضها ~~الجيم وإن كانت تحتها نقطة واحدة؛ لأن نقطة الجيم في وضع الحروف ليست ~~تحتها بل هي وسطها وكذلك الباء، وإنما موضع النقطة تحتها عند اتصالهما ~~بحرف آخر لئلا تشبها بالخاء والثاء بخلاف الباء فإن نقطتهما موضوعة تحتها ~~وإن كانت مفردة غير متصلة بحرف آخر. # وسادسها: إن الألف حرف العلة وهو معلول لا يتحمل الحركة، والباء حرف ~~صحيح غير معلول يتحمل الحركة وحالهما كما أن الله عرض الأمانة على أهل ~~السماوات والأرض من الملائكة وغيرهم # فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها ~~الإنسان # [الأحزاب: 72] فأمر الملائكة بالسجود له فأبى إبليس واستكبر فلعنه الله ~~وأسقطه عن قربته وطرده عن جواره وحضرته، واصطفى آدم من بريته واجتباه ~~لقربته وزاد في علو درجته وهداه إلى محبته ومعرفته. # وسابعها: إن الباء حرف تام متبوع في المعنى وإن كان ناقصا منكسرا ~~تابعا في الصورة، والألف حرف ناقص تابع في المعنى وإن كان تاما متبوعا ~~في الصورة ألا ترى أنك إذا نظرت إلى ms0003 صورة وضع الحروف وجدت الألف مقدما ~~على الباء متبوعا له، وإذا قلت الباء وجدت الألف تابعا وإذا قلت الألف ~~لم تجد للباء تبعية فالابتداء بالمتبوع التام في المعنى والناقص المنكسر ~~التابع في الصورة أولى من الابتداء بمن هو على مثل هذا. # وثامنها: إن الباء حرف عامل يعمل ويتصرف في غيره، فظهر لها من هذا الوجه ~~قدر وقدرة فصلحت للابتداء، والألف ليس بعامل ولا متصرف في غيره فليس له ~~هذا القدر والقدرة، فما صلح للابتداء والاقتداء. # وتاسعها: إن الباء حرف في صفاته مكمل لغيره، فكماله في صفاء نفسه بأنه ~~للإلصاق والاستعانة والإضافة، وفيه تواضع إذا لم تقبل من الحركات إلا ~~الكسرة، وله علو وقدر في تحميل الغير بأن يخفض الاسم التابع له ويجعله ~~مكسور الصفات نفسه بحيث كل اسم يجيء خلف الاسم التابع له يكون مسكورا ~~بالإضافة، والذي يجيء بعده يكون مكسور بالصفة إلى غير النهاية كما دخل ~~على الاسم، وجعل ميم بسم مكسورة، وجعل الهاء من الله مكسورة بالإضافة، ~~والنون من الرحمن مكسورة بالصفة، والميم من الرحيم أيضا مكسورة بالصفة ~~لو شئت هلم جرا، فالكامل المكتمل أولى بالإمامة والتقدم من الألف الذي ~~هو ناقص معلوم في نفسه منقص معلل لغيره، فإنه لو دخل في الفعل الماضي ~~يجعله مهموز الفاء معتل العين ناقص اللام. # وعاشرها: إن الباء حرف شفوي تفتح الشفة به ما لم تفتح بغيره من الحروف؛ ~~لأن بالميم وإن كان شفويا لا تفتح الشفة به كما تفتح بالباء حسا، وكان ~~أول انفتاح فم الذرة للإنسانية في عهد # ألست بربكم # [الأعراف: 172] بالباء في جواب { بلى } فلما كان الباء أول حرف نطق ~~به الإنسان وفتح به فمه، وكان مخصوصا بهذه المعاني اقتضت الحكمة الإلهية ~~اختيارها من سائر الحروف، فاختيارها ورفع قدرها وإعلاء شأنها وأظهر ~~برهانها وأعز سلطانها وجعلها مفتتح كتابه ومبتدأ كلامه وخطابه، وأعطاها ~~رفعة الألف وقامته وتقدمه على الحروف وإمامته فحذف الألف في { بسم ~~الله } وطول باؤه لإظهار تعظيمها وتفخيمها؛ إذ منها مرتبة الألف ~~وأثبتها مكانه وقرنها باسم ذاته وصفاته، ms0004 وجعلها معدن إشاراته ومنبع ~~كراماته مع بريته. # كما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: الباء بره بأوليائه، ~~والسين سره مع أصفيائه، والميم منته على أهل ولائه، وأخبرنا المؤيد بن ~~محمد الطوسي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن عيسى ابن مريم عليه السلام أرسلته أمه إلى الكتاب يتعلم فقال له ~~المعلم: قل: { بسم الله } ، فقال عيسى: وما { بسم الله } فقال: ما ~~أدري! فقال: الباء بهاء الله، والسين سناؤه، والميم منته ". # وأخبرنا الثعلبي ثنا أبو القاسم بن حسين بن محمد يقول: سمعت أبا بكر ~~محمد بن عمر الوراق يقول في { بسم الله }: إنها روضة من رياض الجنة لكل ~~حرف منها تفسير على حدة: # * الباء على ستة أوجه: # " بارئ " خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: # والله على كل شيء قدير # [البقرة: 284]. # " بصير " ، " باسط " رزق خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: # ويبقى وجه ربك # [الرحمن: 27]. # " باعث " الخلق بعد الموت للثواب والعقاب، من العرش إلى الثرى، بيانه: # وأن الله يبعث من في القبور # [الحج: 7]. # " بار " بالمؤمنين من العرش إلى الثرى بيانه: # إنه هو البر الرحيم # [الطور: 28]. # * والسين على خمسة أوجه: # " سميع " لأصوات خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: # أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى # [الزخرف: 80]. # " سيد " قد انتهى سؤدده من العرش إلى الثرى، بيانه: # الله الصمد # [الإخلاص: 2]. # " سريع " الحساب مع خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: # والله سريع الحساب # [البقرة: 202]. # " سلام " على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: # السلام المؤمن # [الحشر: 23]. # " ستار " ذنوب عباده من العرش إلى الثرى، بيانه: # غافر الذنب وقابل التوب # [غافر: 3]. # * والميم على اثنى عشر وجها: # " ملك " الحق من العرش إلى الثرى، بيانه: # الملك القدوس # [الحشر: 23]. # " مالك " خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: # قل اللهم مالك الملك # [آل عمران: 26]. # " منان " على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: # بل الله يمن عليكم # [الحجرات: 17]. # " مجيد " على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: # ذو العرش المجيد # [البروج: 15]. # " مؤمن " أمن خلقه من العرش ms0005 إلى الثرى، بيانه: # وآمنهم من خوف # [قريش: 4]. # " مهيمن " اطلع على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: # المؤمن المهيمن # [الحشر: 23]. # " مقتدر " على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: # وكان الله على كل شيء مقتدرا # [الكهف: 45]. # " مقيت " على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: # وكان الله على كل شيء مقيتا # [النساء: 85]. # " مكرم " أوليائه من العرش إلى الثرى، بيانه: # ولقد كرمنا بني ءادم # [الإسراء: 70]. # " منعم " على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: # وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة # [لقمان: 20]. # " مفضل " عما خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: # إن الله لذو فضل على الناس # [البقرة: 243]. # " مصور " خلقه من العرش الى الثرى، بيانه: # الخالق البارىء المصور # [الحشر: 24]. # قال الشيخ المحقق مصنف الكتاب رحمه الله تعالى: الباء بلاؤه لأنبيائه ~~وأحبائه، والسين سلامه لأوليائه وأصفيائه، والميم معروفة مع أهل ولائه في ~~ابتلائه ومعرفة مبتلاه بالابتلاء، وإنه لأوليائه وأصفيائه ومنته على أهل ~~سلامته بآلائه ونعمائه وسلامة القلب وصفائه. # قال رحمه الله تعالى: قيل: ما المناسبة في حمل هذه الحروف على هذه ~~المعاني؟ # قلنا: إن مناسبة حمل الباء على البلاء في ابتداء كلامه وابتداء خطابه أن ~~الإنسان في أصل الجبلة وبدء الخلقة خلق مجبولا على الابتلاء، قال الله ~~تعالى: # إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه # [الإنسان: 2] إنما بنى أمر خلقته على الابتلاء؛ لأنه خلق للمحبة ~~والولاء، كما قال تعالى: # فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]، والمحبة مظنة الابتلاء كما أخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا أحب الله عبدا ابتلاه وإذا أحبه حبا شديدا اقتناه فإن صبر ورضي ~~اجتباه، قيل: يا رسول الله وما اقتناه؟ قال: لا يبقي له مالا وولدا ". # وإن مناسبة حمل السين على السلامة في المرتبة الثانية من افتتاح الكتاب، ~~فلمعنيين: # أحدهما: أن السلامة مرتبة لأهل البلاء؛ لأن البلاء على نوعين: بلاء ~~المحبة وبلاء النعمة، فبلاء المحبة على نوعين: بلاء المحبة وبلاء المحنة، ~~وبلاء النعمة على نوعين: بلاء الرحمة وبلاء النقمة، فأما بلاء المحبة ~~فمخصوص بالأنبياء والأولياء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ms0006 # " إن البلاء موكل بالأنبياء والأولياء ثم بالأمثل فالأمثل " # ، فمنهم من يختص ببلاء المحنة كما كان حال أيوب عليه السلام، ومنهم من ~~يختص بلاء النعمة كما كان حال سليمان عليه السلام واعلم أن الطريق إلى ~~الله تعالى على جادة المحنة أقرب من جادة المنحة؛ لأن غبار بلاء المحنة ~~بناء خلص الأنبياء والأحباء أبرز، فنزه النبوة والمحنة عن تدنس غش ~~معدن الإنسانية، وبموت الحسية الحيوانية. # كما جاء: البلاء للولاء كاللهب للذهب، فأهل المحنة مجذوبون بجذبة البلاء ~~واصلون إلى المبلي غير منقطعين في رتبة البلاء بالغون إلى كعبة وصال ~~المحبوب، ألا ترى أن أيوب عليه السلام كيف وصل بجذبة # مسني الضر # [الأنبياء: 83]، إلى مشاهدة كمال # وأنت أرحم الراحمين # [الأنبياء: 83]، وذلك لأنه تمسك بيد الصبر على جذبة الضر فمسه الضر إلى ~~الضار، فأنسته لذة مشاهدة الضار عن شهود ألم الضر، فأرى أن الضر كان جذبة ~~فوصله إلى الضار فعرفها أنها رحمة في صورة بلاء المحنة رحمه بها محبوبه ~~وخلصه من حبس وجوده، فقال: # مسني الضر # [الأنبياء: 83]، أي أفنيتني عني بضاريتك # وأنت أرحم الراحمين # [الأنبياء: 83]، الواو فيه واو الحال أي: في هذا الحال أرحم علي من جميع ~~الراحمين؛ لأن رحمة الرحماء على المرحومين بالنعمة والمنحة في الظاهر ~~لدفع الفقر والمرض وذلك أيضا بلاء؛ بلاء النعمة لبعضهم رحمة وهم أهل ~~الوفاء، ولبعضهم نقمة وهم أهل الجفاء، كما قال تعالى: # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا # [الكهف: 7]. # فأهل الوفاء: أوفوا بما عهدوا الله على ترك الشهوات النفسانية والزينة ~~الدنيوية حتى اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم # بأن لهم الجنة # [التوبة: 111]. # وأهل الجفاء: نقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن ~~يوصل، وافسدوا استعدادهم بالركون إلى زينة الدنيا، واتباعهم الهوى أولئك ~~هم الخاسرون؛ فصارت عليهم النعمة في الظاهر نقمة في الحقيقة، فالنعمة ~~توجب الإعراض، كما قال تعالى: # وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه # [الإسراء: 83]. # ومس الضر يوجب الإقبال إلى الله تعالى؛ لقوله تعالى: # وإذا مسه الشر فذو دعآء عريض ms0007 # [فصلت: 51] فأنت رحمة علي بدفع النعمة والصحة على أنها مظنة الإعراض، ~~وأفنيتني بك عني فلما جاوز الضر حده آل إلى ضده، فما أبقي الضر مني ~~شيئا، وما بقي الضر كالنار إذ لم تبق من الحطب شيئا لا تبقى النار، ~~فإذا لم يبقى الضر ما بقي إلا الرحمة، فبنظر الرحمة نظرت إليك فرأيتك ~~رحمة أرحم الراحمين، فإذا تحققت هذا فاعلم أن المرتبة الثانية من بلاء ~~المحنة لأهل السلامة كما كان حال أيوب وإبراهيم ويونس وغيرهم من الأنبياء ~~- عليهم السلام - في المرتبة الثانية السلامة. # وأما المعنى الثاني: في حمل السين على السلامة في المرتبة الثانية فهو ~~أنا ذكرنا أن الباء في افتتاح الكتاب إشارة إلى البلاء لأهل الولاء، ~~وقررنا أن الإنسان لا يخلو من البلاء بحال، وأثبتنا أن البلاء على نوعين ~~بلاء المحبة وبلاء النعمة، فبلاء النعمة ما يكون مع سلامة الدين والدنيا ~~لأهلهما، فالسين بعد باء البلاء إشارة إلى أهل الصفاء كما ذكر. فإن قيل: ~~ما الفرق بين بلاء المحنة وبلاء النعمة التي هي الرحمة وكلاهما السلامة ~~في الدنيا والآخرة؟ قلنا: الفرق بينهما من وجهين: # أحدهما: أن بلاء المنحة وإن كانت السلامة ولكن يخلو بها صاحبها من ~~المحنة. # إما في ابتداء أمره: كما كان حال إسماعيل ويوسف - عليهما السلام - ~~ابتلاهما الله تعالى بالمحنة في حال عبادتهما فخلصهما منها بعد ذلك ~~وأعطاهما النبوة والملك كما حكى الله تعالى عن يوسف عليه السلام: # رب قد آتيتني من الملك # [يوسف: 101]. # أما في أثناء أحواله: كما كان لإبراهيم عليه السلام ابتلاه الله تعالى ~~بذبح ولده ورميه في المنجنيق إلى نار نمرود حتى خلصه الله من ذبح الولد ~~بعد التسليم عند الامتحان كقوله تعالى: # فلما أسلما وتله للجبين # [الصافات: 103]، وكقوله: # وفديناه بذبح عظيم # [الصافات: 107]، وخلصه عن النار بقوله: # قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء: 69]. # وأما في آخر عهده: كما كان حال زكريا ويحيى وجرجيس - عليهم السلام - ~~كانت فتنتهم في آخر عمرهم، ولهذا كان بلاء المحنة وبلاء المنحة مخصوصين ~~بالأنبياء والأحباء؛ لأنهما فرع بلاء المحبة ms0008 وهم مخصوصون بالمحبة وأهل ~~المحبة لا ينفكون عن المحنة والمنحة، ولا يخلو أهل المنحة في بعض الأحوال ~~من المحنة عن المنحة وإن كان الغالب على أحوالهم المحنة أو المنحة بخلاف ~~أهل بلاء النعمة، فإنه يمكن أهل بلاء الرحمة منهم أن يستديم نعمته في ~~سلامة الدين والدنيا، ولهذا أثبتناهم في المرتبة الثانية بإشارة السين ~~السلامة لهم وهم الأولياء والأصفياء مع أنه يمكن أن يصيب بعضهم المصائب ~~والمحن نادرا. # الفرق الثاني: أن سلامة أهل بلاء المنحة غير سلامة بلاء أهل بلاء ~~النعمة، وإن كانت سلامة بلاء النعمة داخلة في سلامة بلاء المنحة وهما ~~شريكان في اسم السلامة لا في المعنى؛ لأن سلامة بلاء النعمة راجعة إلى ~~البدن والمال والأولاد والأقرباء والأحباء في الدنيا، والآخرة راجعة إلى ~~عبور الصراط والنجاة من النار والدخول في دار السلامة كما قال تعالى: # ادخلوها بسلام آمنين # [الحجر: 46]. # وسلامة أهل بلاء المنحة وهم أهل المحبة من الأنبياء والأولياء في العبور ~~من النعمة إلى المنعم ومن البلاء إلى المبلي ومن دار السلام كما قال ~~تعالى في شرح عبورهم عن الجنة إلى مليك الجنة: # إن المتقين في جنات ونهر * في مقعد صدق عند ~~مليك مقتدر # [القمر: 54-55] أي: في عبورهم في جنات ونهر إلى مقعد صدق عند مليك ~~مقتدر، والإشارة في قوله تعالى: # قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء: 69] لهذه السلامة مودع في ترك سلامة أهل بلاء النعمة، وإنما ~~قوله تعالى للنار: # كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء: 69] كان بعد أن ألقي إبراهيم في النار لتخليص إبريز الخلة ~~عن دنس التفات لغير الخليل، وإن كان إبراهيم عليه السلام في بدء مقام ~~الخلة نظر إلى غير خليله بنظر العداوة، وقال: # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء: 77]، وأعرض عن الأغيار وقال: # إني وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض ~~حنيفا ومآ أنا من المشركين # [الأنعام: 79] وسعى على قدم العبودية إلى حضرة الربوبية: # وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين # [الصافات: 99]. # واعلم أن الطريق إليه بغير هدايته منسد، فأحال بعد إقامته شروط ms0009 العبودية ~~هداية الربوبية عليه، قال: { سيهدين } ليهديه الله إليه بقدم الوصال ~~كما هداه بنظر التوحيد متى رأى القمر بازغا قال: # هذا ربي # [الأنعام: 76]، إلى أن قال: # لا أحب الآفلين # [الأنعام: 76]، # إني وجهت وجهي # [الأنعام: 79] لأن الهداية بالنظر والتوحيد هداية أهل البداية، والبداية ~~بالقدم والوصول إلى الوحدة هداية أهل النهاية، وبين النظر والقدم مسالك ~~ومهالك كثيرة وقد انقطع فيها خلق عظيم من العلماء المتقين، وأعزة ~~السالكين وهلك فيها جمهور الحكماء المتفلسفين اللهم إلا عبادك منهم ~~المخلصين المجذوبين بجذبات المحبة من الأنبياء والمرسلين وأوليائك ~~المحفوظين على صراط المستقيم والدين القويم كما خلصت بفضلك ورحمتك خليلك ~~عليه السلام حين ابتليته بالإلقاء بالنار ليتخلص بالكلية من آفة التفاته ~~كما تخلص من آفة الالتفات إلى المال والولد فلما ألقي في النار أدركته ~~العناية الأزلية، وخلصت إبريز خلته عن آفة الالتفات إلى غير خليله من ~~نفسه ومن الوسائط كلها حتى جبريل حين تلقاه في الهواء ليمتحن إبريز خلته: ~~" بمحك هل لك من حاجة " ، فيرى هل هو صاف خالص أم فيه بقية روحانية بعد ~~بذل الجسم والروح تتعلق بالمناسبة الروحانية بجبريل عليه السلام فاشتعلت ~~نار الخلة بكبريت الغيرة وأحرقت بقيته الغيرية، فاشتعلت منها شعلة: " أما ~~إليك فلا " فرجع جبريل عليه السلام بخفي حنين، فعبر عن مقاطع الوسائط ~~بدلالية نور الخلة في خفاء العناية وصل الخليل إلى الجليل بالسلامة، ~~فالنار كانت واسطة تخليصه وتمحيصه بترك سلامة أهل بلاء النعمة لنيل سلامة ~~أهل بلاء المنحة وهي الوصول إلى المليك بالسلام. # وكذلك الفرق بين بلاء أهل المنحة وبين بلاء أهل النعمة أن بلاء المحنة ~~يكون الامتحان لأحباء في دار الدنيا كما كان محنة أيوب عليه السلام فلا ~~يدفع أنها تنقضي في دار الدنيا صورة ومعنى، وإما تنقضي في الدنيا بالمعنى ~~وبالموت صورة. بخلاف بلاء النعمة فإنه إما يدفع في الدنيا والآخرة صورة ~~ومعنى وإما أن يكون في الدنيا بالمعنى لا بالصورة بأن يكون في التنعم ~~ويكون في الآخرة بالصورة والمعنى. # وأما مناسبة حمل الميم في المرتبة الثالثة من حروف بسم ms0010 على معروفه مع ~~أهل بلائه وولائه في أثناء ابتلائه، وعلى منته على أهل سلامة في الابتلاء ~~بآلائه ونعمائه فظاهر، فإنه لو لم يكن معروفه ومع أهل بلائه بنعمة الصبر ~~لزال قدمهم عن جادة العبودية ورؤية رحمة الربوبية في عين البلاء وانقطع ~~نظريهم بحجاب البلاء عن الجمع كما كان في حق الأكثرين من المخذولين. # قال تعالى: # وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ~~ربي أهانن # [الفجر: 16] فرؤية الإهانة في البلاء من الخذلان، والصبر ليس من شأن ~~الإنسان لأن الإنسان خلق من عجل، والصبر من الله تعالى كما قال تعالى ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: # واصبر وما صبرك إلا بالله # [النحل: 127] فالبلاء لأهل الولاء المنحة نعمة الصبر كقوله تعالى: # ولنبلونكم بشيء من الخوف # [البقرة: 155]، إلى قوله: # وبشر الصابرين # [البقرة: 155]، أي: بشر بأن هذا البلاء ليس للإهانة كما كان في حق أهل ~~الخذلان بل للإعانة على نيل درجة الصبر ليستحقوا به الصلاة والرحمة ~~والهداية من الله تعالى، وإن أيوب عليه السلام وجد مرتبة الصابرين ونعم ~~العبد بمعروف الصبر من الله تعالى، كما قال تعالى: # إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب # [ص: 44]، وكذلك لو لم تكن منته على أهل السلامة في بلاء النعمة المنحة ~~الشكر ورؤية النعم من المنعم لزالت قدمهم عن الجادة كما كان حال قارون ~~وفرعون؛ انقطع نظريهم لحجاب البلاء في النعمة عن المنعم قال قارون: # قال إنمآ أوتيته على علم عندي # [القصص: 78]. # وقال فرعون: # أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي # [الزخرف: 51]، وقال: # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24]، وهذه الآفة مذكورة في جبلة كل إنسان كما قال تعالى: # إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]، وإنما تخلص من هذه الورطة من تخلص بمنته عليه في عطية ~~نعمة الصبر والشكر، فبقوة الصبر لا ينفق نعمة الله في معصية، وبقوة الشكر ~~ينفقها في سبيل الله تعالى ويستعين بهما على طاعته ليصفو ويسلم قلبه عن ~~كدورات الطغيان المنتهى عن الاستغناء، ويتنور بنور الشكر والصبر، فيرى ~~بصر بصيرته بذلك النور نعمة ms0011 الشكر من الشكور ونعمة الصبر من الصبور وهو ~~الله تعالى، فبقدر الصبر والشكر يصل السالك إلى الصبور والشكور كما قيل: ~~خطوتان وقد وصلت، وإن سليمان عليه السلام نال مرتبة العبدية بامتنان نعمة ~~الشكر ودعوة # وهب لي ملكا # [ص: 35] كانت لاستكمال نعمة الشكر، وإنما أيوب وسليمان - عليهما السلام ~~- اشتركا في نيل مقام نعم العبد لأن كل واحد منهما كان مخصوصا بالاتصاف ~~بصفة من صفات الله وهي الصبور والشكور، فلما اشتركا في الاتصاف بصفات ~~الله تعالى اشتركا في مقام نعم العبدية، والله أعلم. # ثم اعلم أن في { بسم الله الرحمن الرحيم } أربع مراتب: ~~الاسم والذات وصفة الجلال وصفة الجمال، وهذه هي مراتب الموجودات كلها ~~فإنها أربعة أقسام: الألوهية والروحانية والجسمانيات والحيوانيات، وهي كل ~~ذي روح، ففي الباء في أول هذه المراتب الأربع إشارة إلى أن وجود هذه ~~العوالم لي وليس لغيري وجود حقيقي إلا بالاسم. فللعالم، أعني ما سوى الله ~~تعالى، بالاسم والمجاز وجود لا بالمعنى والحقيقة، وإلى هذا إشارة بعضهم ~~بقوله: " ما نظرت في شيء إلا ورأيت الله فيه " ، وأوضح من هذا قول بعضهم: ~~" ما نظرت في شيء إلا ورأيت الله قبله ". # وصرح النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: # " لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله " # حديث متفق على صحته، فتحقيق { بسم الله الرحمن الرحيم } أن ~~وجودي بذاتي وهو الله وصفاتي كلها - التي هي إما من قبيل الجلال أو من ~~قبيل الجمال -، فبذاتي قائمة وما سواي وهو العالم اسم موجود بإيجادي ~~وقائم بقيوميتي # فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ~~ترجعون # [يس: 83]. وفيه أخرى وهي: أن الخلائق محجوبون عن الله تعالى بحجاب أسماء ~~أنفسهم وحجاب أسماء ما سواهم من العالم، وقد تصوروا لكل اسم مسمى فوقعوا ~~في تيه الشرك والتفرقة، وتاهوا في بيداء الضلالة وزلت قدمهم عن الصراط ~~المستقيم وجادة التوحيد والوحدة والوحدانية، فلما عبروا بقدم الصدق في ~~المتابعة عن حجب الأسماء وقطعوا مفاوزها بتعلم # وعلم ءادم الأسمآء كلها # [البقرة: 31] الذي كان آدم مخصوصا به، وعلموا أن لا طائل تحتها عرفوا ms0012 ~~أن هذه الأسماء على الأشياء كلها # إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ ~~أنزل الله بها من سلطان # [النجم: 23]. # ولكشف هذا القناع كان دعاء النبي: صلى الله عليه وسلم # " اللهم أرنا الأشياء كما هي " # لأن كل شيء بحسب نظر المظاهر أسماء بإزاء معنى يلائمه، كما سمي آدم لأنه ~~من أديم الأرض فهذا الاسم يلائم لآدم عليه السلام في الظاهر، وله في ~~الحقيقة اسم آخر بإزاء اسم حقيقي، فلما أودع الله تعالى فيه ما يلائم ~~لتلك الحقيقة وذلك قوله تعالى: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة: 30] فسماه بمناسبة المعنى الحقيقي المودع: خليفة. # فكذلك لكل شيء في الظاهر اسم وفي الحقيقة اسم آخر والآدمي مخصوص بتعليم ~~الأسماء كلها دون الملك وغيره، فلما خلصوا عن حبس حمل الأسماء ورفعوا ~~حجبها وصلوا إلى الله تعالى، وإذا وصلوا إلى الله تعالى منعوا من جلاله ~~وهو الرحمن وتمتعوا من جماله وهو الرحيم في تقدم الأسماء، وأما تقدم ~~الاسم في " بسم " فلوجوه: # منها ما قيل: للتبرك والتيمن. # ومنها ما قيل: للفرق بين التيمن واليمين. # ومنها ما قلت: أن له الأسماء الحسنى، وبحسب كل اسم له صفة فإطلاق اسم ~~المطلق شامل لكل اسم من الأسماء وأصلها من الصفات، وليس لله صفة إلا يدل ~~عليها اسم، فعلى هذا وقع الابتداء بما يدل على كل اسم وصفة والباقية ~~للتضمين أي: ابتدائي بأسمائي وصفاتي كلها وأنا الرحمن الرحيم الذي لي ~~تكونت الكائنات وظهر الموجودات إذ بي أسباب معايش أنواع المخلوقات عامة ~~بالرحمانية وأرتب درجات معاد أهل الكرامات والقربات خاصا بالرحمة. # ومنها: أن تقدم الاسم لتزكية النفوس وتصفية القلوب عن كل اسم ورسم، ~~ولتحلية الأسرار بأنوار الله تعالى لأن التحلية لا تكون إلا بعد التزكية؛ ~~لقوله تعالى: # قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى # [الأعلى: 14-15] أي: يزكي نفسه بذكر اسم ربه ويجلي روحه بتحلية الصلاة ~~والمناجاة مع ربه عز وجل. # ومنها: أن المحب لما تعلم اسم المحبوب نسي اسم نفسه، كما كان حال مجنون ~~قيل: ما اسمك؟ قال: ليلى، ms0013 وكذلك كان عصيان آدم نسيانه فلما علمه الرب ~~الأسماء كلها لقوله تعالى: # وعلم ءادم الأسمآء كلها # [البقرة: 31]، نسي اسم نفسه بأنه خليفة الله تعالى، واسم إبليس بأنه عدو ~~له، واسم الشجرة وأنه منهي عنها فاعتذر لله تعالى، فقال: # فنسي ولم نجد له عزما # [طه: 115]، وكذلك حال ابن منصور لتحقق في نظره أن كل شيء ما خلا الله ~~باطل، فعلم أن الله هو الحق فنسي عند سطوة تحقق اسم الحق نسي نفسه، فلما ~~جاء الحق زهق الباطل، قيل له: من أنت؟ قال: أنا الحق! فقدم الاسم هاهنا ~~ينسي العبد عند تحقق اسمه اسم ما سواه، فيتجلى له الله تعالى حقيقة لا ~~اسما ولا رسما، كما قال تعالى: # واذكر ربك إذا نسيت # [الكهف: 24] أي: إذا نسيت غير الرب. # وأما الإشارة إلى تحقيق تفسير كلمة { الله } قلنا كلمة الله مبنية على ~~أربعة أحرف: الألف ولامين وهاء، وحرفان منها متفقان في الجنسية متصلان، ~~وحرفان مختلفان مفترقان، والمتفقان أحدهما متحرك والثاني ساكن لمجموعها ~~في الصورة والمعنى دال على الإشارة إلى صفتيه ونعمتيه، أما صفتاه فهما ~~الظاهر والباطن، وأما نعمتاه فنعمة ظاهرة ونعمة باطنة، وأما صفتاه الظاهر ~~والباطن وهما مختلفان فيدل عليهما حرفان مختلفان الألف والهاء؛ لأن الألف ~~للإظهار والهاء للإضمار، كقولك: لست، تدل على النفي، فإذا دخلت الألف فيه ~~وتقول: ألست، تدل على الإظهار والإثبات وإذا أدخلت الهاء في آخر الكلمة ~~يكون للإضمار، كقولك: داره، لصاحب الدار مضمر ليس بظاهر، فالألف إشارة ~~إلى صفة الظاهر، والهاء إشارة إلى صفة الباطن، والحرفان المتفقان وهما ~~اللامان يدلان على نعمتيه فإنهما متفقان في الجنسية، كما قال تعالى: # وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة # [لقمان: 20]، هذا في الصورة. # وأما في المعنى إلى أن نعمه واحدة الآن؛ أي: نعمتان آلائه نعمتاه ~~فالتشديد فيه للتفخيم، فالإشارة في هذه اللفظة إلى أن الله تعالى مع ~~عباده نعمتين: نعمة الظاهر ونعمة الباطن، فاللنعمة الظاهرة معنيان، ~~أحدهما: نعمة إظهارك بالإيجاد بعدما كنت مخفيا في العدم، والثاني: نعمة ~~إلباس صورتك في الظاهر بعدما كنت مخفيا في ms0014 عالم الأرواح كما قال # ولقد خلقناكم ثم صورناكم # [الأعراف: 11] أي: خلقناكم في عالم الأرواح ثم صورناكم في عالم الأجسام. # وكذلك للنعمة الباطنة معنيان. # أحدهما: نعمة إبقائك في الوجود. # والثاني: نعمة إعطائك الروح الشريف، فإن عظمة الألوهية وعزة الوحدانية ~~كانت مقتضية للتفرد بالوجود ونفي الشركة مطلقا إلا أن الرحمة الواسعة ~~كانت مقتضية الإيجاد، فسبقت رحمته غضبه بإيجاد الخلق بالصفة الرحمانية ~~التي هي عامة في حق جميع الموجودات بالإيجاد وبإبقائها بالصفة الرحيمية، ~~فالإشارة في تحقيق حق كلمة الله أنه أربعة أحرف وبحسب كل حرف له نعمة، ~~فلو لم تكن نعمة الأربعة المناسبة للحروف لما كان للموجودات وجود أصلا، ~~أما مناسبة النعم الأربعة مع الحروف الأربعة فهي ما بينا أن النعمة ~~نعمتان: نعمة ظاهرة ونعمة باطنة، وللنعمة الظاهرة معنيان، وللنعمة ~~الباطنة معنيان كما مر ذكرها، وبينا أن الحروف على نوعين متفقان ~~ومختلفان، واحد منهما متحرك والثاني ساكن، فالمتحرك من أحد حرفيها مناسب ~~لنعمه الظاهرة من المعنيين المذكورين، والساكن مناسب لنعمة الباطنة، ولم ~~لم يكن بين ذاته وبين ذوات المكاشفين بصفات جماله وجلاله حجب الأثواب ~~الرحمانية والرحيمية واسطة لاحترقت ذواتهم وتلاشت أجسادهم كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " حجابه النور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ~~كل شيء أدركه بصره ". # وهذا كما أن الله تعالى لما أراد بالحكمة البالغة أن ينتفع أهل الأرض ~~بنور الشمس وحرارتها وخواصها جعل بين الشمس وبين الأرض فلك الزمهرير وهو ~~الهواء البارد، ثم البحر المحيط من الماء البارد واسطة حتى يندفع قوة ~~الحرارة ببرودتهما، ولو لم يكن ذلك لاحترقت الأرض ومن عليها فلإفشاء هذا ~~السر وكشفه هذه الحقيقة على أسرار شاكري نعمائه، جعل توقيع بسم الله ~~الرحمن الرحيم في صدر كتابه الكريم ليتحقق لهم أن الخلق حجاب الاسم ~~محجوبون عن الله تعالى، فلما عبروا بجذبات ألطافه عن حجاب الاسم وصلوا ~~إلى المسمى وهو الله فيتجلى لهم بالألوهية، فإذا أرادت سطوة التجلي أن ~~تمحقهم بالكلية فأدركتهم الصفة الرحمانية والرحيمية فتبقيهم بلا هم. # والمختار عندنا: أن كلمة الله أعظم الأسماء من وجوه: ms0015 # الأول: أن الأخبار تدل على هذا وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه دخل المسجد فإذا رجل يصلي يقول: # " اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الواحد الصمد الذي لم تلد ولم تولد ولم ~~يكن لك كفوا أحد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعا الله باسمه ~~الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب... " # الحديث. # وأما ما روى أبي ابن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " هو في قوله: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم ~~} [البقرة: 255] أو في قوله: { الم * الله لا إله إلا هو ~~الحي القيوم } [آل عمران: 2] " # فالأخبار دالة على أن الاسم الأعظم مودع في الدعاء والآيتين ولا بد أن ~~يكون مكررا في كل آية منهما وفي الدعاء هو الحي القيوم، فلما حضر النبي ~~صلى الله عليه وسلم الاسم الأعظم في هاتين الآيتين علمنا أن ذلك هو الحي ~~القيوم قلنا فلما نظرنا ما وجدنا الاسم المكرر في الآيتين والدعاء إلا ~~اسم الله، فتحقق بناء أن الاسم الأعظم هو الله. # وأما الجواب عن قول من احتج بالآيتين على أن الاسم الأعظم في إحدى ~~الآيتين ووجد فيهما: فلو كان للحصر لكان " أو " للشك هاهنا، ولو كانت ~~للشك لما وجد إلا في آية منهما دون الأخرى، كقولنا: زيد في هذا الدار أو ~~في هذه، فلا بد وأن يكون في دار واحدة فلما وجد في الآيتين، وما نفي عما ~~سواها علمنا أنه يحتمل أن يوجد في موضع آخر كما وجدنا في الدعاء في ~~الحديث. # والثاني: أن الاسم على نوعين: اسم الذات واسم الصفة، فكما أن الذات أشرف ~~من الصفة، فكذلك اسم الذات أشرف وأعظم من اسم الصفة، وقد بينا أن هذا ~~الاسم - أعني الله - اسم الذات وغيره من الأسماء الصفات فتعين أن يكون هو ~~الاسم الأعظم. # والثالث: أن الصفات داخلة في الذات، والذات ليس بداخل في الصفات، فأسماء ~~الصفات تكون داخلة في اسم الذات، ولا يكون اسم الذات داخلا في ms0016 أسماء ~~الصفات، فعلمنا أن الاسم الأعظم هو اسم الذات لا أسماء الصفات، وهذا ~~الاسم متعين للذات. # والرابع: أن من عزة هذا الاسم وعظمته لا يجمع ولا يثنى ولا يسقط منه ~~الألف واللام عند النداء حتى لا يتغير حروف لفظه بخلاف جميع الأسماء، ~~وهذا دليل واضح على أنه الاسم الأعظم. # والخامس: أنه لو سقط منه حرف كان الباقي أسماء الله تعالى، فإنك إن ~~أسقطت الهمزة بقي " لله " وهو من صفات الله، قال الله تعالى: # لله ملك السموت والأرض # [النور: 42]، وإن أسقطت اللام الأولى بقي " له " وهو أيضا من صفات الله ~~تعالى، قال الله تعالى: # له ملك السموت والأرض # [الفرقان: 2]، وإن أسقطت الثانية بقي " هو " وهو أيضا من صفات الله ~~تعالى، قال الله تعالى: # هو الله الخالق # [الحشر: 24]، فلما لم توجد هذه الخاصية في الأسماء غيره علمنا أنه الاسم ~~الأعظم. # والسادس: أن الله تعالى لما علم حبيبه صلى الله عليه وسلم عند إثبات ~~وحدانيته ونفي الإلهية من غير ذاته، قال: # فاعلم أنه لا إله إلا الله # [محمد: 19] فلو كان اسم أعظم غير من هذا لعلمه حبيبه مكان هذا خصوصا ~~عند نفي الشركة عن ذاته جل جلاله. # والسابع: أن لهذا اسم خصوصية في الإيمان؛ لأن الإيمان بدونه لا يصح ~~كقولك: " لا إله إلا الله " ولو قلت بدل الله أسماء من أسماء الصفات لا ~~يصح إسلامه فظهر أنه أعظم الأسماء. # والثامن: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالقتال على قبول هذا الاسم ~~كما قال: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا أن لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا ~~مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " # فكانت النجاة عن الدركات موقوفة على هذا الاسم، والفوز بالدرجات موقوفا ~~على هذا الاسم، وصون النفس عن القتل والمال عن النهب والولد عن الأسر ~~موقوفا على هذا الاسم، فوجب أن يكون هذا الاسم أعظم الأسماء. # والتاسع: أمر حبيبه صلى الله عليه وسلم عند الإعراض عن كل ما سوى الله، ~~والإقبال بالكلية إليه بذكر هذا الاسم، وقال: # قل ms0017 الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون # [الأنعام: 91]، فدل على أن هذا الاسم أعظم الأسماء. # والعاشر: أن الله تعالى لتعظيمه لهذا الاسم صانه عن تسمية غيره بهذا ~~الاسم، ومن عظمة هذا الاسم لم يتجاسر أحد من المنكرين ومن أعداء الدين أن ~~يتعلقوا بهذا الاسم ويسموا آلهتهم به أو غيرها، كما قال تعالى: # هل تعلم له سميا # [مريم: 65]؛ أي: هل تعلم شيئا له اسم الله سوى الله، فلعزة هذا الاسم ~~عند الله تعالى وكرامته عليه ما أنعم على أحد تسميته، كما أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لعزة كنيته عنده نهى عن التكني بكنيته قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " تسموا باسمي ولا تسموا بكنيتي " # فبهذا علمنا أنه أعظم الأسماء. # والحادي عشر: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن " # ، فاختصاص بهذين الاسمين بالمحبة لا شك أنه لاختصاص اسميه الله والرحمن، ~~كما خص هذين الاسمين بالذكر في الدعاء عن الأسماء كلها بقوله تعالى: # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن # [الإسراء: 110]، وذلك يدل على أنهما أشرف وأعظم من غيرهما، ثم إن اسم ~~الله أشرف من اسم الرحمن؛ لأنه قدمه في الذكر أولا وثانيا، ولأن اسم ~~الرحمن يدل على كمال الرحمة واسم الله يدل على الألوهية والقهر والعظمة ~~والعزة وغيرها من الصفات، فثبت بهذا أن اسم الله أعظم الأسماء وأحبها إلى ~~الله تعالى، والله أعلم. # والثاني عشر: أن الله تعالى أمر عباده بملازمة ذكر هذا الاسم وجعله سبب ~~الفلاح، كقوله تعالى: # واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون # [الجمعة: 10]، ومدح العباد على مداومته، وقال تعالى: # الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبهم # [آل عمران: 191]، وجعل مفاتح الجنة ثمنها كما قال النبي: صلى الله عليه ~~وسلم # " مفتاح الجنة لا إله إلا الله " # ، وقال: # " ثمن الجنة لا إله إلا الله " # ؛ بل جعل حقيقة مفتاح قلوب عباده المخلصين وبه فتح روزنة قلوب الطالبين ~~إلى عالم الأرواح، وبه نور أنوار المحبين بأنواع الجمال، وبه أزاح عن ~~أسرار المحققين أستار صفات الوجود بتدلي ms0018 صفات الجلال؛ ليهتدوا إلى شاطئ ~~وادي أيمن الوصال، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: # " والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا " # ، وقد تحقق للمتمسكين بعروته الوثقى أنهم به نالوا ما أرادوا، ووجدوا ما ~~طلبوا، وأعطوا ما سئلوا، وأجيبوا إذا دعوا فعرفوه أنه الاسم الأعظم. # والثالث عشر: أنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صرح بفضل ذكر هذا ~~الاسم على ذكر الأسماء كلها بقوله: # " أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء ~~الحمد لله " # ، فلو كان اسم أعظم من الله لكان هو الأفضل. # والرابع عشر: ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " قال موسى عليه السلام: يا رب علمني شيئا أذكرك فأدعوك به، قال: يا ~~موسى قل: لا إله إلا الله، قال: يا رب كل عبادك يقول لا إله إلا الله، ~~قال: لا إله إلا أنت إنما أريد شيئا تخصني به، قال: يا موسى لو أن ~~السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع وضعن في كفة ولا إله إلا ~~الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله " # ، حديث صحيح، فهذا صريح بأنه ليس شيء أعز وأعظم من كلمة الله. # والخامس عشر: أن هذا الاسم عند أكثر العلماء وكبار القراء لا سبيل للعقل ~~إلى كيفية اشتقاقه، وثبت أيضا أن كنه الحق لا سبيل للعقول إلى معرفته، ~~فكان لهذا الاسم زيادة مناسبة مع أن هذا المسمى من هذا الوجود وسائر ~~الأسماء ليس كذلك، فوجب أن يكون هذا الاسم أعظم الأسماء، ولهذا افتتح ~~كتابه الكريم والقرآن العظيم بهذا الاسم وجعله مبدأ خطابه وأثبته في صدر ~~كتابه؛ ليعلم أن ما أنزل في هذا الكتاب من أسماء الصفات والحمد والثناء ~~وإظهار الآيات وإثبات الحجج وذكر الآلاء والنعماء والأوامر والنواهي ~~والوعد والوعيد والإخبارات والآثار والقصص والمواعظ والعلوم والإشارات ~~والرموز والألفاظ والمعاني والنكت واللطائف والأسرار والدقائق والقراءات ~~والمحكمات والمتشابهات والآيات الناسخات والمنسوخات وغير ذلك من موجبات ~~الرحمة والعقوبة والهداية والضلالة كله صادرة عنه، كما ms0019 أن سلطانا يبعث ~~منشورا إلى ممالكه ومماليكه يكتب بأحب أسمائه إليه وأعظم ألقابه لديه في ~~طغر منشوره؛ ليعلم أن جميع الأحكام الواردة في المنشور صادرة عنه، فلما ~~كان توقيع المنشور الإلهي موشحا باسم الله علمنا أنه أحب أسمائه وأعظمها ~~قدرا، واكتفينا بهذا المقدار من شرح فضائل هذا الاسم وإقامة البينات على ~~شرفه وعظمته؛ إذ هو بحر زاخر ولا آخر له يستغرق فيه العقول والأوهام ولا ~~تضبطه العلوم والأفهام، كما قال تعالى: # وما قدروا الله حق قدره # [الأنعام: 91]، أي: لم يعرفوا كنه ذات الله حق معرفته وكذلك لم يعرفوا ~~كنه اسم الله حق معرفته. # فأما لو سأل سائل فيما اخترنا بأن الاسم الأعظم هو قولنا " الله ": أن ~~من شأن الاسم الأعظم أنه من دعا الله به أجاب، وإذا سئل به أعطي، فنحن ~~ندعو به ونسأل فلم نر أثر الإجابة في أكثر الأوقات قلنا الجواب عنه ~~وجهين: # أحدهما: أن للدعاء أدبا وشرطا لا يستجاب الدعاء إلا بها كما أن ~~للصلوات آدابا وشرائط لا تصح إلا بها، فأول شرائطه أن يصلح باطنه ~~باللقمة الحلال فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر # " الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ومطعمه حرام ومشربه حرام ثم يمد يده إلى ~~الله يا رب يارب فأنى يستجاب له " # حديث صحيح، وقد قيل: الدعاء مفتاح السماء وأسنانه لقمة الحلال، وآخر ~~شرطه أن يدعو بالإخلاص وحضور القلب، قال الله تعالى: # دعوا الله مخلصين له الدين # [يونس: 22]، فإن حركة الإنسان باللسان وصياحه من غير حضور القلب ولو أنه ~~على الباب وصوت الحارس على السطح،أما إذا كان حاضرا في الحضرة كان له ~~الشفيع، ولا نطول الكلام في هذا فإنه ليس مكانه. # والوجه الثاني: أن الاسم وإن كان في نفسه معظما؛ ولكن يؤول فائدة عظيمة ~~إليك إذا قلت بالتعظيم وتعظيمه يكون بقدر صفاء نيتك وعلو همتك في الذكر ~~عن تطهير قلبك من الحظوظ الدنيوية والأخروية، فإنك لو ذكرته بحظ من ~~الحظوظ النفسانية بالروحانية يقع الذكر تبعا لحظك فالعظمة تكون للحظ لا ~~للاسم، فمهما تخلصت سريرتك ms0020 عن لوث الحظوظ يبقي الذكر طبيا معظما لا ~~يتعلق بحظ من الحظوظ يصعد إلى المذكور، كقوله تعالى: # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه # [فاطر: 10]. # والعمل الصالح أن تطهر ذكرك عن الحظوظ، وتراقبه بالحقوق ليكون حظك من ~~الذكر المذكور ومن الاسم المسمى وهو أعظم الحظوظ، فيكون ذكرك أعظم ~~الأذكار والاسم المذكور أعظم الأسماء، ففي هذه الحالة بكل اسم دعوت الله ~~يكون الاسم الأعظم والدعاء مستجابا؛ لأن دعوته له وما طلبت منه إلا هو ~~فوجدته؛ لأنه قال: # ادعوني أستجب لكم # [غافر: 60]، أي: اطلبوني تجدوني كما قال تعالى: # " ألا من طلبني وجدني " # فافهم جدا. # قوله: { الرحمن الرحيم } قال أبو عبيدة: هما صفتان لله تعالى ~~معناهما ذو الرحمة، ورحمة الله إرادته الخير والنعمة والإحسان. قلت: ~~اختلف العلماء في معنى الرحمة فقال بعض المحققين: الرحمة من صفات الذات ~~وهي إرادته إيصال الخير ودفع الشر، والإرادة صفة الذات، وهو المختار ~~عندي؛ لأنه تعالى لو لم يكن موصوفا بهذه الصفة لما خلق الموجودات، فلما ~~خلق الخلق علمنا أن رحمته صفة ذاتية؛ لأن الخلق إيصال خير الوجود إلى ~~المخلوق ودفع شر العدم عنه، فإن الوجود خير كله والعدم شر كله، وقال ~~الآخرون: الرحمة من صفات الفعل وهو نفس إيصال الخير ودفع الشر بدون إيصال ~~الخير محال، قلت: وأيضا الخير بدون الإرادة المتقدمة في حق الباري ~~سبحانه وتعالى محال؛ لأن إيصال الخير فعل والفعل مسبوق بالإرادة من ~~الفاعل المختار فثبت بهذا أن الله تعالى كان في الأزل هو الرحمن الرحيم. # وذكر أبو حامد الغزالي - رحمه الله - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " تخلقوا بأخلاق الله " # ، وهذا يقتضي أن يكون للعبد من كل اسم من أسماء الله حظ يليق بها. # فأقول: حظ العبد من اسم الرحمن الرحيم أن يكون العبد كثير الرحمة. # واعلم: أن كل من كان إلى العبد أقرب كان إيصال الخير والرحمة إليه أوجب، ~~وإن أقرب الناس إليه نفسه، فوجب أن يرحم نفسه ثم يرحم غيره: " أبدأ بنفسك ~~ثم بمن تعول " ، فأما رحمته مع نفسه فإما ms0021 أن يكون في الأمور الروحانية أو ~~في الأمور الجسمانية. # أما في الأمور الروحانية: فاعلم أن للنفس قوتين نظرية وعملية، فأما ~~القوة النظرية فإيصال الرحمة إليها يتزكيتها عن الجهل وتحليتها بالعلم ~~الحقيقي وهو معرفة الله كشفا وشهودا معرفة عيانية لا بيانية، بل عينية ~~لا عيانية، فافهم جدا. وأما القوة العملية فصونها في الإخلاء عن طرفي ~~الإفراط والتفريط، وإلزامها المواظبة على التوسط بين الطرفين بأوامر ~~الشريعة ونواهيها على قانون الطريقة. # وأما في الأمور الجسمانية فقسمان: الأمور المطلوبة بالذات والمطلوبة ~~بالعرض، أما المطلوبة بالذات: فهي اللذات الجسمانية وهي محصورة في ~~المطعوم والمنكوح، وقد قال تعالى: # كلوا واشربوا ولا تسرفوا # [الأعراف: 31]، فالرحمة على البدن هو الامتناع من الإسراف. وأما ~~المطلوبة بالعرض: فهو المال، والرحمة فيه قوله تعالى: # والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما # [الفرقان: 67]، فهذه مقاصد كل أحد من الرحمة على نفسه: وأما رحمته على ~~غيره فاعلم أن كمال الإنسان في كمال العبودية، وكمال العبودية في رعاية ~~حقوق الربوبية وإيصال الحظوظ إلى البرية ورفع الأذية كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله " # وكان آخر وصيته صلى الله عليه وسلم في آخر حياته: # " الصلاة وما ملكت أيمانكم ". # وقال بعض المشايخ: مجامع الخيرات محصورة في أمرين: الصدق مع الحق ~~والخلق مع الخلق. ومما يدل أن هذه المرتبة أعظم المراتب وصف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالرحمة، فقال تعالى: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 17]، وقال: # بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]، وقال: # فبما رحمة من الله لنت لهم # [آل عمران: 159]، ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه فبدأ في الذكر ~~بوصف أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالرحمة، فقال: # " أرحم أمتي بأمتي أبو بكر " # والقول في خصوصية الرحمن دون سائر الصفات من وجوه: # أولها: أنه أخص أسماء الصفات إلى الذات؛ لأن الأسماء على نوعين أسماء ~~صفات اللطف وأسماء صفات القهر، وللرحمن خصوصيته بالصفتين بأن يوجد منه ~~اللطف والقهر كما يوجد من الذات المقدسة، ويوجد منه الإيجاد ms0022 والإفناء كما ~~يجيء، وهذا من خصائص الذات الإلهي دون سائر الصفات، فثبت أنه أخص ~~الأسماء. # وثانيها: أن له مناسبة مع الذات دون سائر الصفات، وهي أن اسم الذات وهو ~~الله كما لا يجوز على غيره، فكذلك اسم الرحمن لا يجوز على غير الله، ~~ولهذا المناسبة صار مخصوصا بالذكر في الدعاء مع ذكر الله تعالى بقوله: # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن # [الإسراء: 110]. # وثالثها: أن الرحمن أقرب إلى اسم الله من سائر الأسماء، يدل على هذا ~~القرآن والحديث أما القرآن فقوله تعالى: { بسم الله الرحمن ~~الرحيم } [الفاتحة: 1] ذكر بعد اسم الله الرحمن لقربته إلى الله، ~~وأما الحديث ما روي أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن لله تسع وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة هو الله الذي لا إله إلا ~~هو الرحمن الرحيم... " # الحديث. ذكر بعد اسم الله الرحمن وقدمه على سائر أسماء الصفات فعلمنا ~~أنه أقرب الأسماء إلى الله، وأما الفرق بين الرحمن والرحيم وإن كانا ~~اسمين مشتقين من الرحمة أن الرحمن من صفة جلاله، والرحيم من صفة جماله، ~~والفرق بينهما أن الجلال متوسط بين الذات الإلهي الذي من شأنه القهر ~~والعزة التي اقتضت ونفي شركة الوجود بين صفة الجمال التي من شأنها اللطف ~~والرحمة التي اقتضت الإيجاد والإبقاء، فنسبة أحد طرفي الجلال إلى ~~قهارية الذات فيه طرف من القهر، وبنسبة أحد طرفيه إلى رحيمية الجمال ~~فيه رحمة، فالرحمة فيه تغوث بقوة القهارية، فصارت أقوى من رحيمية ~~الجمال، فأعطيت المبالغة في الرحمة والقهر فيه صار مسبوقا ومغلوبا بلطف ~~الرحمة بقوله تعالى: # " سبقت رحمتي غضبي " # ، وفي رواية: # " غلبت رحمتي غضبي " # ، فالقهر المسبوق بالرحمة والرحمة المقوية بالقهر هو الرحمن الرحيم ~~المبالغ في الرحمة، فثبت أن الرحمن من صفة الجلال، والرحيم من صفة ~~الجمال، ولهذا جاء الرحمن واسطة بين الله والرحيم في { بسم الله ~~الرحمن الرحيم } ، وإذا كان الرحمن متوسط بين القهر الصرف وبين ~~اللطف المحض فتارة بالقهر يقتضي الإفناء وتارة باللطف يقتضي الإثبات، كما ~~أخبر ms0023 الله تعالى عن صفة إفنائه بقوله: # ويوم تشقق السمآء بالغمام ونزل الملائكة ~~تنزيلا * الملك يومئذ الحق للرحمن # [الفرقان: 25-26]. # وأخبر عن صفة إيجاده وإثباته بقوله: # الذي خلق السموت والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش الرحمن # [الفرقان: 59] أي: الذي ظن هو الرحمن فظهر أن الرحمن أكثر مبالغة في ~~الرحمة من الرحيم، وفيه طرف من هيبة الألوهية وهو مخصوص دون الرحيم، ~~فالحمد لله شامل الثناء والشكر والمدح، أما الثناء فيكون بذكر الصفات ~~الحميدة إذا قلت: هذا رجل كريم، فقد أثبت عليه والشكر يكون على النعمة من ~~المنعم بأي معروف أولاك به. # وقال تعالى: # لئن شكرتم لأزيدنكم # [إبراهيم: 7] أي: في النعمة والمدح أن تذكر الرجل بجميع ما فيه من ~~الخصال الحميدة وتنفي عنه جميع الصفات النقيصة التي لم تكن فيه، وليس من ~~شأن المخلوقين أن يحمدوا الله بهذه المعاني الثلاثة الحقيقية إلا تقليدا ~~ومجازا، أما الثناء فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لما خوطب ليلة ~~المعراج: يا نبي إني على علم أن هذا ليس من شأن المخلوقين، فقال: # " لا أحصي ثناء عليك " # وعلم أنه لا بد له من امتثال الأمر وإظهار العبودية، فقال: # " أنت كما أثنيت على نفسك " # فهذا ثناء بالتقليد لأنه أثنى عليه بثنائه الذي أثنى الله به على نفسه ~~في الأزل ثناء يليق بذاته وصفاته الأزلية على التحقيق، ولم يبلغ علم ~~مخلوق حادث كنه صفة من صفات الله تعالى الأزلية، كما قال تعالى: # ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء # [البقرة: 255]، حتى يثني عليه بمعرفة كنه صفة من صفاته؛ لأن الثناء فرع ~~المعرفة فما أثنى أحد على الله تحقيقا إلا تقليدا، فافهم جدا. # وأما الشكر أيضا فلا يتحقق الإنسان بشكر أنعم الله إلا برؤية العجز عن ~~القيام بأدائه كما حكي عن داود عليه السلام أنه قال: " إلهي كيف أشكرك ~~وأنا لا أصل شكرك إلا بنعمتك؟ فأوحى الله إليه: الآن شكرتني " وذلك لأن ~~توفيق الشكر نعمة موجبة للشكر فلا نهاية لنعمه، فكيف يدرك الشكر المحادث ~~النعمة التي ms0024 هي غير متناهية؛ لقوله تعالى: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34]؟ # وأما المدح فلا يمكن الإنسان أن يمدح الحق حقيقة أيضا؛ لأن المدح يدل ~~على كمال معرفة الذات والصفات حتى لا يذكره على ما هو به، وذلك محال؛ ~~لقوله تعالى: # وما قدروا الله حق قدره # [الزمر: 67]، فلهذا حمد نفسه بالثناء والشكر والمدح، وقال: { الحمد ~~لله رب العالمين } [الفاتحة: 2] أي: له أن يحمد ذاته الأزلي ~~الأبدي بالحمد الأزلي الأبدي، والحمد لا يصلح إلا له فهو محمود بحمده ~~أزلا وأبدا، والحمد له أما الحمد لله إشارة إلى ثناء ذاته بالإلهية، { ~~رب العالمين } [الفاتحة: 2]، إشارة إلى شكر أنعام الربوبية على ~~ربوبيته. # { الرحمن الرحيم * ملك يوم الدين } [الفاتحة: ~~3-4]، إشارة إلى مدح ذاته لجميع صفات لطفه وقهره وجماله وجلاله في كماله ~~وملكه بمالكيته وملكيته في الدنيا والآخرة قبل خلقها، وفيه دلالة على أنه ~~ما أثنى وما شكر وما مدح الله أحدا إلا الله تعالى، كما قال بعض ~~المشايخ: ما قال أحدا الله إلا الله، فلما عجز الخلق عن الثناء والشكر ~~والمدح، فالثناء للسان والشكر للأركان؛ لقوله تعالى: # اعملوا آل داوود شكرا # [سبأ: 13]. والمدح للجنان. فشكر اللسان يعصمك من سيف السلطان ويسلمك من ~~آفة الكفران، وشكر الأركان ينجيك من دركات النيران ويبلغك إلى درجات ~~الجنان، ومدح الجنان يقربك إلى الرحمن ويشرفك بخلع الغفران، فالحمد بمعنى ~~الثناء على نوعين: ثناء الذات بالوحدانية والفردانية الأزلية الأبدية في ~~الألوهية، وثناء الصفات بأنهما موصوفة بصفات الكمال منزهة عن النقصان ~~والزوال. # والحمد بمعنى الشكر على نوعيه: شكر الذات وشكر الصفات؛ فشكر الذات على ~~نعمة الوجود، وشكر الصفات على بذل الوجود. والحمد بمعنى المدح على نوعين: ~~مدح الذات بنفي الذات في الوجود إلا ذاته، ومدح الصفات ببذل الأوصاف ~~وإفنائها في صفاته لتكون باقيا بهويته لا بأنانيتك. { رب ~~العالمين } [الفاتحة: 2]، فربوبيته بمعنى الخالقية والمالكية ~~والسيدية عامة، وبمعنى التربية خاصة بحسب أنواع الموجودات متفاوتة؛ فهو ~~مربي الأشباح بأنواع نعمه، ومربي الأرواح بأصناف كرمه، ومربي نفوس ~~العابدين بأحكام الشريعة، ومربي قلوب المشتاقين بآداب ms0025 الطريقة، ومربي ~~أسرار المحبين بأنواع الحقيقة، وهو مدبر كل أمر حكيم من الأزل إلى الأبد، ~~وهو متم نعمته الظاهرة والباطنة في الدنيا والعقبى على عباده والمؤمنين، ~~كما قال تعالى: # وأتممت عليكم نعمتي # [المائدة: 3]. # ومتم أنوار الأسرار الطالبين كما قال تعالى: # والله متم نوره # [الصف: 8]، وهو المنعم على الموجودات بأنعام الإيجاد عامة، ونعمة ~~الهداية خاصة؛ لقرب اختصاصه بإجابة الدعاء؛ لأن الله تعالى أمر عباده ~~بالدعاء ووعدهم عليه الاستجابة بقوله تعالى: # وقال ربكم ادعوني أستجب لكم # [غافر: 60]، ثم علمهم كيف يدعونه وبأي اسم يدعونه بقوله تعالى: # ادعوا ربكم تضرعا وخفية # [الأعراف: 55]. # وذكر في مواضع كثيرة من القرآن بصيغة الدعاء كقوله تعالى: # ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ~~وقنا عذاب النار # [البقرة: 201]، وأمثاله كثيرة وألهم الله أنبياءه ورسله - عليه السلام - ~~عند طلب الحاجة وإجابة الدعاء أن يدعوا بهذا الاسم؛ أولهم آدم عليه ~~السلام الرحمة كما قال تعالى: # فتلقى ءادم من ربه كلمت فتاب عليه # [البقرة: 37]، قيل كانت قوله: # ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا # [الأعراف: 23]، فأجابه وتاب عليه وهدى، ثم دعا نوع عليه السلام قال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26]، ثم دعا إبراهيم عليه السلام وقال: # رب أرني كيف تحيي الموتى # [البقرة: 260]، ثم دعى موسى عليه السلام وقال: # ربنا اطمس على أموالهم # [يونس: 88]، ثم دعا يوسف عليه السلام وقال: # رب قد آتيتني من الملك # [يوسف: 101]، ثم دعا سليمان عليه السلام وقال: # رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من ~~بعدي # [ص: 35]، ثم دعا زكريا عليه السلام وقال: # رب إني وهن العظم مني # [مريم: 4]، ودعا يحيى عليه السلام وقال: # واجعله رب رضيا # [مريم: 6]، ثم دعا عيسى عليه السلام وقال: # اللهم ربنآ أنزل علينا مآئدة من السمآء # [المائدة: 114]، ثم أمر الله حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم أن يدعوه ~~وقال: # رب زدني علما # [طه: 114]، ثم ندب المؤمنين في مواضع القرآن أي قوله: ربنا، وغير هذا من ~~الأنبياء والأولياء دعوه بهذا الاسم فأجابهم بفضله وكرمه؛ لعزة ms0026 هذا الاسم ~~وعظمته، فالله تعالى لما أكرم هذه الأمة وأقامهم مقام المناجاة معه، ~~وأمرهم بالدعاء ووعدهم عليه بالإجابة، من على حبيبه صلى الله عليه وسلم ~~وأمته بالسبع المثاني بقوله تعالى: # ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم # [الحجر: 87] وفيه إشارة شريفة ودقيقة لطيفة وهي أن الله تعالى من عليه ~~بفاتحة الكتاب كما من عليه بجميع القرآن، والسر فيه أن جميع حقائق ~~وأصول معانيه مندرجة في الفاتحة، كما ذكرناه فجعل فاتحة الكتاب ديباجة ~~مناجاة العبد من الرب في الصلاة. # وبدأ افتتاحها بأسمائه الحسنى وصفاته العلى قال: { بسم الله ~~الرحمن الرحيم } [الفاتحة: 1]، ثم ثنى بحمد ذات الألوهية، ~~وثلث بنعت صفة ربوبية التي هي من خصوصية الإجابة حيث قدمت على الدعاء ~~كما مر ذكره، وقال: { الحمد لله رب العالمين } ~~[الفاتحة: 2]. # ثم أكد التحميد لله بالثناء والتحميد وقال: { الرحمن الرحيم * ~~ملك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين } ~~[الفاتحة: 3-5]، ثم أعقبها سؤال حاجة فقال: ولعبدي ما سأل. ومن غاية ~~اختصاص الرب بإجابة الدعاء، حتى أن إبليس بعد ما لعن وطرد دعا الله تعالى ~~بهذا الاسم، وقال: # رب فأنظرني إلى يوم يبعثون # [الحجر: 36]، فأجابه ربه لعظمة هذا الاسم وقال: # فإنك من المنظرين # [الحجر: 37]، ولكنه ما وفق تصرفه في تحصيل نعمة ولايته بل كان حقه ~~استدراجا وكيدا، كما قال تعالى: # سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * وأملي لهم ~~إن كيدي متين # [القلم: 44-45]. # فالمسكين إبليس لو كان من أهل الكرامة وفق لقوله: # رب فأنظرني # [الحجر: 36]، بدل انظرني ولإجابة الله تعالى: # فإنك من المنظرين # [الحجر: 37]، بدل قوله: إنك من المنظرين، من خصوصية هذا الاسم شموله ~~صفات لا يشملها غيره من الأسماء بمقتضى اللغة منها ما يدل على المدح ~~لذاته وهو السيد لقوله تعالى: # اذكرني عند ربك # [يوسف: 42] أي: عند سيدك وكذلك المالك قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لرجل: # " أرب إبل أم رب غنم؟ فقال: من كل ما أتاني الله فأكثر وأطيب ". # ومنها: ما يدل على أنه خالق؛ لقوله إخبارا عن موسى عليه السلام في جواب ~~فرعون حين ms0027 قال: # وما رب العالمين * قال رب السموت والأرض ~~وما بينهمآ # [الشعراء: 23-24]. # ومنها: ما يدل على كمال رحمته ولطفه في حق العالمين جميعا عاما وفي حق ~~الإنسان خاصا وفي حق الخواص خصوصا، أما في حق العالمين فتربيتهم ~~بأغذيتهم وأسباب بقاء وجودهم، وفي حق الإنسان خاصا وهو أنه يربى ذرات ~~وجودهم بألبان ألطاف ربوبيته عند الميثاق، وقال: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172]، وبرحمة ربوبيته خلقهم وبلطف ربوبيته خاطبهم، وبكرم ~~ربوبيته أسمعهم وأبصرهم، وبسر ربوبيته أنطقهم وبفضل ربوبيته أعلمهم، ~~وبعناية ربوبيته أشهدهم، حتى قالوا: { بلى } وجعل بحكمة تدبير ربوبيته ~~إقرارهم بذر التوحيد، وفي خواص الخواص من الأنبياء والأولياء فبأن يربي ~~بذر توحيدهم في أرض قلوبهم بماء الشريعة والأديان ورياح الإيمان والإيقان ~~وأنوار شموس الإحسان والعرفان وبقيمة الربوبية يتم عليهم مشاهدة جماله ~~وكاشفة جلاله. # كما قال تعالى في حق نبينا صلى الله عليه وسلم: # ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما # [الفتح: 2]، ثم شرف أمته ببركة متابعته بهذه التشريفات وأنعم عليهم ~~بهذه الكرامات والدرجات عند طلب الهداية إلى الصراط المستقيم في تقديم ~~ذكره ومقامه { رب العالمين * الرحمن الرحيم * ملك ~~يوم الدين } [الفاتحة: 2-4]، الرحمن الرحيم فائدة التكرار فيهما من ~~وجهين، أحدهما: أن ذكرهما في بسم الله الرحمن الرحيم هو مبدأ الكتاب ~~ومفتتح الخطاب بأنه هو الرحمن الرحيم بأن دعاكم بالإلهية إلى الطاعة ~~والعبادة، وإنما دعاكم ليغفر لكم بالرحمانية والرحيمية؛ لقوله تعالى: # يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم # [إبراهيم: 10]. # وأما ذكرهما في الفاتحة عقيب الحمد لله رب العالمين الذي هو المدح # " يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، يقول الله: حمدني عبدي، ويقول ~~العبد: الرحمن الرحيم، يقول الله: أثنى علي عبدي... " # الحديث فثبت أنهما في الفاتحة للثناء فذكرهما في البسملة من الله تعالى؛ ~~لاستمالة قلوب العباد على العبودية بالرحمة والغفران، وفي الفاتحة من ~~العباد للثناء على الله تعالى وبالجمال والجلال للقربة والرضوان، ~~والثاني: ذكرهما في البسملة لتسكين الهيبة ورفع الدهشة من عظمة اسم الله ~~تعالى عن عباده كما كان حال موسى عليه السلام حين خاطبه: ب # إني ms0028 أنا الله # [القصص: 30] كادت تزهق نفس موسى من هيبة استماع اسم الله، فانبسط معه ~~على بساط العزة لإزاحة الدهشة والإراحة من الوحشة بقوله تعالى: # وما تلك بيمينك يموسى # [طه: 17]، ولأن يستأنس برحمانية ورحيمية نفوس العباد إلى عبادة الله ~~تعالى، وتطمئن قلوبهم بذكر الله كما قال تعالى: # ألا بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد: 28]، ليستعدوا بذلك لمناجاته وليستحقوا المدح والثناء على ذاته ~~وصفاته، فيناجونه في الصلاة ويذكرونه بالدعاء ويرفعون إليه الحاجة؛ ~~ليهديهم إلى نيل الدرجات ورتب القربات. # { ملك يوم الدين } [الفاتحة: 4]، الإشارة فيه إلى أن الدين ~~في الحقيقة الإسلام، يدل عليه قوله تعالى: # إن الدين عند الله الإسلام # [آل عمران: 19]، والإسلام على نوعين: الإسلام بالظاهر وإسلام بالباطل، ~~فإسلام الظاهر بإقرار اللسان وعمل الأركان لقوله تعالى: # ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم # [الحجرات: 14]، وقال صلى الله عليه وسلم: في جواب جبريل عليه السلام: ما ~~الإسلام؟ قال: # " الإسلام أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم ~~الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا " # فهذا الإسلام جسداني والجسداني ظلماني، ويعبر عن الليل بالظلمة، وأما ~~الإسلام الباطن فانشراح القلب والصدر بنور الله بقوله تعالى: # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه # [الزمر: 22]، فهذا الإسلام الروحاني نوراني ويعبر عن اليوم بالنور، ~~فالإسلام الجسداني يقتضي إسلام الجسد لأوامر الله تعالى، ونواهيه، ~~والإسلام الروحاني يقتضي استسلام القلوب والروح لأحكامه الأزلية وقضائه ~~وقدره، فمن كان موقوفا عند الإسلام الجسداني، ولم يبلغ مرتبة الإسلام ~~الروحاني فهو بعد في سير نعمة الدين مترف ومتحير، فيرى ملوكا وملاكا ~~كثيرة كما كان حال الخليل عليه السلام فلما جن عليه الليل رأى كوكبا ~~قال: # هذا ربي # [الأنعام: 76] وتنفس سعادته وطلعت شمس الإسلام الروحاني من وراء جبل ~~نفسه عن شوق القلب صبح فهو على # نور من ربه # [الزمر: 22] واضح في كشف يوم الدين، فيكون ورد وقته: " أصبحنا وأصبح ~~الملك لله " ، فيشاهد بعين اليقين بل يكاشف حق اليقين أن الملك لله ولا ~~مالك إلا مالك ms0029 يوم الدين، فإذا تجلى له النهار وكشف بالمالك جهارا ~~يخاطبه وجاها ويناجيه شفاها { إياك نعبد وإياك ~~نستعين } [الفاتحة: 5]. # الكلام فيه على ثلاثة أوجه: # أولها: على الخطاب لأنه رجع من الغيبة إلى الخطاب، وإنما رجع إلى الخطاب ~~من الغيبة؛ لأنه ليس بين المملوك ومالكه إلا حجاب ملك نفس المملوك، فإذا ~~عبر عن حجاب ملك النفس وصل إلى مشاهدة مالك النفس، كما قيل عن أبي يزيد ~~أنه في بعض مكاشفاته قال: إلهي كيف أجد السبيل إليك؟ قال له ربه: دع نفس ~~وتعال. فللنفس أربع صفات لها من كل صنف حجاب آخر، وهي: الأمارية ~~واللوامية والملهمية والمطمئنة، فأمر العبد المملوك بأن يذكر مالكه بأربع ~~صفات الإلهية والربوبية والرحمانية والرحيمية، فيعبر بعد مدح الإلهية ~~وشكر الربوبية وثناء الرحمانية وتمجيد الرحيمية وقوة جذبات هذه الصفات ~~الأربع عن حجب ممالك الصفات الأربع للنفس، فيخلص عن ظلمات ليلة دين نفسه ~~لطلوع صبح صادق يوم الدين { ملك يوم الدين } [الفاتحة: 4] # يوم لا تملك نفس لنفس شيئا # [الانفطار: 19] فيبقي العبد عبدا مملوكا لا يقدر على شيء، وهو كل ~~على مولاه فيرحمه مالكه ويذكره بسنة عادة كرمه على قضية وعده # فاذكروني أذكركم # [البقرة: 152]، ويناديه ويخاطب نفسه: # يأيتها النفس المطمئنة # [الفجر: 27]، ثم يجذبه من غيبة نفسه إلى شهود مالكية ربه بجذبة: # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28] فيشاهد جمال مالكه ويناديه نداء عبد خاضع خاشع ذليل عاجز، ~~كما قرأ بعضهم: { ملك يوم الدين } نصبا على نداء { إياك ~~نعبد }. # وثانيها: في معنى: { نعبد } وتحقيقه أن نوحد ونخلص ونطيع ونخضع، ~~وقيل العبادة سياسة النفس على حمل المشاق في الطاعة وأصلها الخضوع ~~والانقياد والطاعة والذلة، يقال: طريق معبد إذا كان مذللا، موطوءة ~~بالأقدام وبعير إذا كان مطليا بالقطران، ويسمى العبد عبدا لذله ~~وانقياده لمولاه. # قلت: حد العبادة على ما قال ليس بحد تام؛ لأن للملائكة عبادة وليست ~~عبادتهم سياسة النفس على حمل المشاق في الطاعة والعبادة الحقيقية خلوص ~~النفس عن كل حظ من الحظوظ الدنيوية والأخروية ليعبد الله بالحق لا للحظ ~~لقوله تعالى: # ومآ أمروا إلا ms0030 ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين # [البينة: 5]. # وثالثها: في خصوصية قوله تعالى: { نعبد } أن النفس دنياوية تعبد ~~هواها لقوله تعالى: # ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي ~~المأوى # [النازعات: 40-41]، والروح قربي تعبد القربة والعندية لقوله تعالى: # في مقعد صدق عند مليك مقتدر # [القمر: 55]، والسر حضرتي تعبد الحق تبارك وتعالى لقوله على لسان نبيه ~~صلى الله عليه وسلم: # " الإخلاص سر بيني وبين عبدي لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل " # ، فلما أنعم الله تعالى على عبده بنعمة الصلاة قسمها بينه وبين عبده، ~~كما قال تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: # " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها إلي ونصفها لعبدي ولعبدي ~~ما سأل " # ، فيقرب العبد بنصفه إلى حضرة كماله بالحمد والثناء والشكر على صفات ~~جماله وجلاله، ويقرب الرب على مقتضى كرمه وإنعامه كما قال: # " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا " # ، بنصفه إلى خلاص عبده من عبودية الأغيار بإخراجه عن ظلمات بعضها فوق ~~بعض من هوى النفس ومراد القلب وتعلق الروح بغير الحق إلى نور وحدانيته ~~وشهود فردانيته. فأشرقت أرض النفس وسماوات القلب وعرش الروح وكرسي السر ~~بنور ربها فآمنوا كلهم أجمعون بالله الذي خلقهم وهو مالكهم وملكهم، ~~وكفروا بطواغيتهم التي يعبدونها واستمسكوا بالعروة الوثقى، وجعلوا كلهم ~~واحدا وقالوا: { إياك نعبد وإياك نستعين } [الفاتحة: ~~5] نستوفقك ونطلب المعونة منك على عبادتك على أمورنا كلها. # قال أبو بكر الوراق: { إياك نعبد } لأنك خلقتنا { وإياك ~~نستعين } لأنك هديتنا، قلت: { إياك نعبد } لأنك المعبود { ~~وإياك نستعين } لأنك المقصود، وأيضا: { إياك نعبد } ~~لأنك المطلوب { وإياك نستعين } لأنك المحبوب، { إياك ~~نعبد } لأنك مالك { وإياك نستعين }؛ لأن ما سواك هالك { ~~إياك نعبد } على نعمتك { وإياك نستعين } على معرفتك، { ~~إياك نعبد } لأنك قلت: لنا عبادي، { وإياك نستعين }؛ ~~لأنك لنا إليك هادي { اهدنا الصراط المستقيم } [الفاتحة: ~~6]، الهداية على ثلاثة أوجه: هداية العام، وهداية الخاص، وهداية الأخص ~~أما هداية العام فإنه هدى جميع الحيوانات إلى جلب منافعها ودفع مضارها ~~بقوله: # ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ms0031 # [طه: 50]. # وقال تعالى: # ألم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين * ~~وهديناه النجدين # [البلد: 8-10]، وأما هداية الخاص فهو هداية المؤمنين إلى الجنة لقوله ~~تعالى: # يهديهم ربهم بإيمانهم # [يونس: 9]، وأما هداية الأخص فهي هداية الحقيقة التي من الله وقوله ~~تعالى: # وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين # [الصافات: 99]. # فقال الله تعالى: # يجتبي إليه من يشآء # [الشورى: 13]، بهذه الهداية إلى الله تعالى، وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " عرفت ربي بربي ولولا ربي ما عرفت ربي " # ، وفي قوله تعالى: # ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى: 7]، إشارة إلى هذا المعنى أي كنت ضالا عني في تيه وجودك فطلبتك ~~بجودي، وجذبتك بفضلي، وهديتك بجذبات عنايتي ونور هدايتي إلي، وجعلتك ~~نورا وأنزلت إليك نورا فأهدي بك إلي من أشاء من عبادي، فمن اتبعك وطلب ~~رضاك فنخرجهم من ظلمات وجود السوى إلى نور الروحاني، ونهديهم إلى صراط ~~مستقيم، كما قال تعالى: # قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به ~~الله # [المائدة: 15-16]. # واعلم: أن الصراط المستقيم هو الدين القويم، وما يدل عليه القرآن العظيم ~~وهو خلق سيد المرسلين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين كما قال تعالى: # وإنك لعلى خلق عظيم # [القلم: 4]، ثم قال تعالى: # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه # [الأنعام: 153]، وهو على نوعين: # [الأول]: صراط مستقيم إلى الجنة؛ لقوله تعالى: # والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشآء ~~إلى صراط مستقيم # [يونس: 25]، أي: إلى الجنة، فهذا لأصحاب اليمين؛ لقوله تعالى: # وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين * في سدر # [الواقعة: 27-28]. # والثاني: صراط مستقيم إلى الله؛ لقوله تعالى: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52]، # صراط الله # [الشورى: 53] وهذا للسابقين؛ لقوله تعالى: # والسابقون السابقون * أولئك المقربون # [الواقعة: 10-11]، وفي الآيتين إشارة إلى من هدي إلى صراط مستقيم فهو من ~~السابقين المقربين، وإن كل ما يكون لأصحاب اليمين يكون له وهو سابق على ~~أصحاب اليمين فما يكون للمقربين من شهود الجمال وكشف الجلال وهذه المرتبة ~~خاصة لسيد المرسلين وخاتم النبيين ومتابعة لقوله: # قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ~~أنا ومن اتبعني ms0032 # [يوسف: 108]. # { صراط الذين أنعمت عليهم } [الفاتحة: 7]، الإشارة فيه ~~إلى طريق من أنعمت عليهم بكشف الحقيقة، وتكرار الصراط إشارة إلى أن ~~الصراط الحقيقي صراطان: # صراط من العبد إلى الرب، وصراط من الرب إلى العبد؛ فالذي من العبد إلى ~~الرب طريق مخوف كم قطع فيه القوافل وانقطعت به الرواحل، ونادى [رب] العزة ~~لأهل العزة لطلب رد السبيل لقوله تعالى حكاية عن قاطع هذا الطريق وتقطع ~~هذا الفريق: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16]. # والذي من الرب إلى العبد فطريق آمن، وبالأمان كائن قد سلمت قوافله ~~وبالنعم محفوفة منازلة ويسيرون فيه سيارته ويقادون بالسلاسل قادته # مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين... # الآية [النساء: 69]. # أنعم الله على أسرارهم بأنوار العناية وعلى أرواحهم بأسرار الهداية وعلى ~~قلوبهم بآثار الولاية وعلى نفوسهم في قمع الهوى وقهر الطبع، وحفظ الشرع ~~بالتوفيق والرعاية وفي مكايد الشيطان بالمراقبة والكلاءة. # { صراط الذين أنعمت عليهم } [الفاتحة: 7]، بالنعمة ~~الظاهرة والباطنة كما قال تعالى: # وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة # [لقمان: 20]، وأما النعمة الظاهرة فبعثة الأنبياء وإنزال الكتب، وأحكام ~~الشرائع وتوفيق قبول دعوة الرسل، وإجابة الحق واتباع السنة واجتناب ~~البدعة وانقياد النفس لأوامر الشرع ونواهيه والثبات على قدم الصدق ولزوم ~~العبودية، والنعمة الباطنة فإن الله تعالى أنعم على أرواحهم في بداية ~~الفطرة بإضافة رشاش نوره لقوله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله خلق الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور ~~فقد اهتدى ومن أخطاه فقد ضل " # فكان فتح باب صراط الله إلى العبد رشاش ذلك النور وأول الغيث رش ثم ~~ينسكب، فالمؤمنون ينظرون بذلك النور المرشوش إلى مشاهدة الغيب وينظرون ~~الغيث ويستغيثون: { اهدنا الصراط المستقيم } [الفاتحة: 6]، ~~وهو { صراط الذين أنعمت عليهم } [الفاتحة: 7]، بجذبات ~~ألطافك وفتحت عليهم أبواب فضلك ليهتدوا بك إليك فأصابوا بما أصابهم منك ~~بك { غير المغضوب عليهم ولا الضآلين } [الفاتحة: 7]، ~~قال الواحدي: { غير المغضوب عليهم } [الفاتحة: 7]، بالمخالفة ~~والعصيان { ولا الضآلين } [الفاتحة: 7]، عن السنة. # قلت: هم الذين أخطأهم ذلك النور حين رش عليهم من نوره فضلوا في تيه ms0033 ~~هوى النفس، وتاهوا في ظلمات الطبع والتقليد فغضب عليهم من اليهود ولعنهم ~~بالطرد حتى لم يهتدوا إلى الشرع والتحقيق، ودفعوا عن الصراط المستقيم عن ~~المرتبة الإنسانية التي خلق فيها الإنسان في أحسن تقويم ومسخوا قردة ~~وخنازير صورة ومعنى أيضا، { غير المغضوب عليهم } [الفاتحة: ~~7]، بالخذلان { ولا الضآلين } بالنسيان لما وقعوا عن الصراط في ~~سير البشرية مشوا بشرك الشرك كالنصارى فاتخذوا الهوى إلها # قالوا إن الله ثالث ثلاثة # [المائدة: 73]، # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67]، وأيضا { غير المغضوب عليهم } بالغيبة بعد ~~الحضور والمحنة بعد السرور، والظلمة بعد النور نعوذ بالله من الحور بعد ~~الكور { ولا الضآلين } في الفسق والفجور. # { غير المغضوب عليهم } [الفاتحة: 7]، بالرجوع عن الصراط ~~المستقيم فنودوا: (وأهدوهم إلى سواء الجحيم)، { ولا الضآلين } ~~[الفاتحة: 7]، عن كرم الكريم ورحمة الرحيم بالإعراض عن الدين القويم، ~~المحرومين عن القلب السليم وجنات النعيم باستحقاق العذاب الأليم، غير ~~المغضوب عليهم بالاحتباس في المنازل والانقطاع عن القوافل، ولا الضالين ~~بالصدور عن المقصود. وفصل في { آمين } والتائبين سنة بعد ولا الضالين ~~كان في الصلاة وخارج الصلاة، روى وائل بن حجر رضي الله عنه قال: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ { غير المغضوب ~~عليهم ولا الضآلين } [الفاتحة: 7]، " آمين، خفض بها صوته " # حديث حسن. # وقال أبو هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " (آمين) ختم رب العالمين على عباده المؤمنين " # ، قلت فيه إشارات: # منها: أن العبد يكتب كتابه بقلم فعله وكل حركة تصدر منه فهي حرف وكل عمل ~~كلمة تكتب في كتاب طاعته ومعصية فكم من كتاب قد كتب طاعة ومعصية وسعد به ~~ملك اليمين أو الشمال، فلما بلغ الحضرة لم يجد فيها حرفا، أما السيئات ~~فقد محتها الحسنات، كما قال تعالى: # إن الحسنات يذهبن السيئات # [هود: 114]، وأما الطاعات فقد أحبطها الرياء والشرك لقوله تعالى: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65]، فإن الله تعالى من غاية كرمه مع عباده جعل آمين خاتمة كتاب ~~صلاة العبادة حتى لا يمحوها شيء من الأشياء فيبقي بها مختوما ثابتا إلى ~~يوم ms0034 الجزاء فإنه يمحو الله ما يشاء ويثبت، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: # " كل الختم على الكتاب " # ، ومنها أن الله تعالى قال: # " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل ". # فالإشارة فيه أن للعبد نصفه من الحمد والثناء والدعاء؛ فيبقي نصف من ~~الإجابة والهداية والرحمة والعفو والمغفرة والرضوان والنجاة من النيران ~~ورفعة الدرجات من الجنان وكرامة بقاء الرحمن فختمت على ما سأل بخاتم: { ~~آمين } ليوم يقوم الناس لرب العالمين يقال في قبول القوم ختم به عليه. # ومنها: أن العبد محجوب عن الله تعالى بحجاب أنانيته ووجدان وجوده، ~~ووجوده مركب عن الروحاني العلوي والجسماني السفلي، فالشرع إنما جاء ~~ليخرجه من ظلمات حجابه الجسماني السفلي إلى نور الروحاني العلوي؛ لأن من ~~بقي فيها فهو في سفلي من النار لقوله: # وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم ~~منها # [آل عمران: 103]، فمن نجا من ظلمات نار سفلي وجوده ووصل إلى نور جنة علو ~~وجوده فهو بعد محجوب بحجاب النور العلوي لقوله صلى الله عليه وسلم: # " إن لله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة " # فالروحاني بالنسبة إلى الجسماني نوراني؛ ولكن بالنسبة إلى نور القديم ~~ظلماني كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله خلق الخلق في ظلمة ". # فالنور الحقيقي هو الله تعالى وما سواه مخلوق ظلماني، وكمال العبد في ~~العبودية بالخروج عن ظلمات أنانيته إلى نور هويته وفقدان وجوده في وجدان ~~وجود الحق، والحكمة في بعث الأنبياء وإنزال الكتب بالوعد والوعيد، ~~والترغيب والترهيب في الأوامر والنواهي وجميع أحكام الشرع وآدابه مقصورة ~~على هذا المعنى، ولهذا ذكر الله تعالى في مواضع من القرآن # ليخرجكم من الظلمات إلى النور # [الحديد: 9]، وإن أخرج قومك من الظلمات إلى النور فالله تعالى بجوده ~~وكرمه جمع أصول ما في الكتب المنزلة في سور القرآن، وأودع حقائق ما في ~~سور القرآن في سورة فاتحة الكتاب؛ بل في المراتب العشر للربوبية كما ~~ذكرنا محصورة في المراتب الأربعة إلى قولنا: الهداية من الأزل إلى الأبد؛ ~~لأن العبد كان محتاجا إلى هدايته في الأزل ms0035 بأن يهديه إلى الوجود وهي لو ~~لم تكن هدايته لكان ضالا في تيه العدم وهذا أحد معاني قوله تعالى: # ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى: 7]. # فلما هدى العبد بهداية: " كن " فخرج عن ضلالة العدم إلى هدى الوجود ~~الروحاني فكان ضالا في عالم الأرواح، كما قيل: ضل الماء في اللبن، ~~فاحتاج إلى هدايته ليخرجه بهداية # ونفخت فيه من روحي # [الحجر: 29] من ضلالة الروحاني إلى هدى عالم الجسماني إلى أن بلغ كمال ~~مرتبة الإنسانية بالبلوغ والعقل، فيضل في تيه أنانية الوجود فيحتاج إلى ~~هدايته بالرجوع إلى الصراط المستقيم الذي جاء عليه من العدم إلى الوجود ~~حتى يرجع عليه من الوجود إلى العدم فقوله: { اهدنا } طلب أسباب الرجوع ~~وهي في صورة النبي والشرع، وفي الحقيقة جذبة الحق ليهديه بهذه إلى العدم ~~وفناء الوجود، كما هداه إلى الوجود بالنفخة ليهتدي إلى واجب الوجود وهذا ~~معنى آخر من معاني: # ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى: 7]. # فكما أنه لا نهاية لواجب الوجود فكذلك لا نهاية لهدايته إلى معرفته إلى ~~الأبد؛ فالله تعالى جعل العروج إلى العدم من شأن الإنسان بنفسه إلا بالذي ~~أوجده وإنزاله إلى أسفل سافلين ليعرج بها إلى أعلى عليين العدم، فعلى ~~الله التعريج وعلى العبد التسليم، وتسليم العبد بالإيمان والعمل الصالح ~~لقوله: # إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت # [التين: 6]، وجزاء الأعمال الصلاة فلهذا قال تعالى: # " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي... " # الحديث. # فالعبد يقرب إلى الله بصدق النية وبحمده وشكره على ما أولاه من نعمه ~~ويستهديه به إليه والحق تعالى يأخذه منه إليه ويفنيه عنه، ويبقيه به ~~بالأمر، ويرفع رسوم أنانيته بسطوة تجلي هويته فيفقد الوجود فقدانا لا ~~يجده أبدا ويجد المفقود وبعد أن لا يفقده أبدا؛ لأنه صار ملكه لقوله ~~تعالى: # " ولعبدي ما سأل " # ، ذكره بلام التمليك فيختم الله تعالى بعد بخاتم آمين فهذا هو الإشارة ~~إلى مقام عباده المخلصين بأنه خاتم ليس لأحد من العالمين أن يتصرف فيه أو ~~يفك ختم رب العالمين، ولهذا يئس إبليس عن التصرف فيهم، وقال: # إلا عبادك منهم المخلصين # [ص: 83] والله أعلم ms0036 بالصواب وإليه المرجع والمآب. # تفسير عين الحياة # يا طالب تفسير بطن سورة فاتحة الكتاب، اعلم أولا أسماءها الأربعة وهي: ~~سورة الحمد، والسبع المثاني، وأم القرآن، وفاتحة الكتاب؛ وتيقن أن الحمد ~~ناسوتي، والسبع المثاني اسم ملكوتي، وأم القرآن جبروتي، وفاتحة الكتاب ~~اسم لاهوتي، فإذا أطلعت على أساميه، بعد إطلاعك على مطلع النقطة الواقعة ~~تحت باء البسملة في الأصل الأول، وعلى حد البسملة في الأصل الثاني؛ فافهم ~~تفسير بطن البسملة مختصرا موجزا مجزءا عن تفاصيلها، بأن الكتاب ~~الحقيقي يقول ابتداء بالاسم الناسوتي الأثري، الدال على ذات المسمى ~~اللاهوتي، ألوف بالصفة الجبروتية والفعل الملكوتي في تحرير كتاب جامع ~~الحساب، وتقرير الرطب واليابس المتفرق في مفردات محاسبات ممالك الغيب ~~والشهادة؛ لإظهار الكنز المخفي في الألف المخفي في { بسم } [الفاتحة: ~~1]، الذي هو مظهر للألف المخفي في { الرحمن } [الفاتحة: 1]، الذي هو ~~من لام { الله } [الفاتحة: 1] وهائه، وأتبين بالابتداء بالاسم الأثري أن ~~دار الكسب عالم الناسوت، وبالختم على { الرحيم } [الفاتحة: 1] ~~العقلي أن دار الإقامة والجزاء عالم الملكوتي؛ ليمكن الشقيقة الناسوتية ~~قبول الفيض من الدقائق الجبروتية بواسطة الملكوتي، وللدقيقة الملكوتية ~~قبول الفيض من الحقائق اللاهوتية بواسطة الجبروت، وتشتغل الشقيقة ~~الناسوتية بحمده المسطور في سورة الحمد الناسوتي الموصل لها، لا الحمد ~~المخصوص بالسبع المثاني الشامل فيضه لبياضة دقائق اللطائف السبعة ~~وسواديتها، المنوطة بها الشقيقة الناسوتية المرباة في البدن المجعول. # وفي هذا السر يعرف سبب إطلاق السبع المثاني عليها، ويطلع على معنى السبع ~~ومعنى المثاني، فإذا أحمدته اللطائف السبع في المرتبة البياضية والسوادية ~~مثنى بلسان الإنسان الغيبي، والأنس الشهادي تلهم دقائقها الحمد الجبروتي ~~المخزون في أم القرآن، ثم تلهم حقائقها الحمد اللاهوتي المستحق للذات ~~المكنون في فاتحة الكتاب، مما أشار إليه صاحب المقام المحمود في حديث ~~الشفاعة بقوله: # " ألهمت بمحامد لا تحضره إلا أن تلحقا بحقائق القرآن المكنونة في هذه ~~السورة " # سميت فاتحة الكتاب؛ لأنها تفتتح كل شيء عالم اللاهوت، ولدقائقه المخزونة ~~فيها سميت أم الكتاب؛ لأن أم الكتاب جبروتي وهو أصل الكتب، ولدقائقه ~~المستورة فيها سميت سبع المثاني؛ لأن ms0037 اللطائف السبعة غيبية ملكوتية تحدث ~~بلسان البياض والسواد، ولشقائقه المسطورة فيها سميت سورة الحمد الواجب ~~الناسوتي قراءتها في الصلاة، التي هي معراج المؤمن فيها يناجي رب ~~العالمين سميت سورة الحمد؛ فينبغي حينئذ أن يعرف معنى بطن هذه السورة ~~يتضح منك القرآن في المعراج وقت المناجاة، وتصلح بأن تكون صلاة مقسومة ~~بينك وبين ربك، كما جاء في الحديث: # " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، وإذا قال: { الحمد لله ~~رب العالمين } ، أقول: حمدني عبدي إلى أن قال: { اهدنا ~~الصراط المستقيم } أقول: سألني عبدي، ولعبدي ما سأل " # ، وجعل الصلاة قراءة سورة الحمد، وحسبك هذا الحديث في وجود قراءة فاتحة ~~الكتاب في الصلاة بطنه. # على سبيل الإجمال هو أن يعلم بأن الله الحميد المحمود أراد أن يعلم ~~الخلق بحميده؛ ليحمدوه في عالم الشهادة والغيب، ويجعلوا أنفسهم مستحقين ~~لسلام الحق ورحمته وبركاته، { الحمد لله رب العالمين } ~~[الفاتحة: 2]، ووصف الله الذي هو المتجلي في العقد الأول الآحادي ~~اللاهوتي للحقائق بصفة الدال عليها اسم الرب، الذي هو المتجلي في العقد ~~الرابع إلا في الناسوتي؛ ليمكن للشقائق الآلافية التمتع بحقائق الحمد ~~والانتفاع بها، وسره قريب من سر الابتداء في البسملة بالاسم الناستوي، ~~وإفشاء من حد القرآن مما لست مأذونا في بيانه. # ثم وصف ب { الرحمن } [الفاتحة: 3]، المتجلي بالعقد الثاني ~~المعشراتي الجبروتي للدقائق القائمة بالحقائق؛ ليحمدوه على رحمته العامة ~~الشاملة لجميع الموجودات بعد حمدهم على ربوبيته في الأطوار المختلفة. # ثم وصف ب { الرحيم } [الفاتحة: 3]، المتجلي بالعقد الثالث، المائي ~~الملكوتي للدقائق المنوطة بالدقائق القائمة بالحقائق؛ ليحمدوه رحمته ~~الخاصة المحيطة بالمؤمنين في الدار الآخرة، قوله: # وكان بالمؤمنين رحيما # [الأحزاب: 43]، يدل على صدق هذا البيان، ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~لهذا التقرير شاهد عدل، وهو قوله: # " يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة ". # ثم وصف ب { ملك يوم الدين } [الفاتحة: 4]؛ ليتيقنوا بأن ~~أسماءه أزلية قبل خلق الخلق وظهور العالم، وكان مبدعا خالقا قبل ~~الإبداع والخلق، كما أنه مالك يوم الدين قبل إظهاره، ويبالغوا في تحميده ~~بعد تيقنهم بيوم الدين والجزاء، وأنه يدينهم في ms0038 ذلك اليوم. # ثم أخبرهم بأن الحمد الحقيقي لا يصدر إلا من العبد الحقيقي بقوله تعالى: ~~{ إياك نعبد } [الفاتحة: 5]؛ ليعبدوه مخلصين ويحمدوه موقنين ~~بألا معبود سواه، وتقديم المفعول على الفعل يفيد الاختصاص؛ ولأجل هذا ~~السر قدم المفعول في العبادة والاستعانة، وكرر بقوله: { وإياك ~~نستعين } [الفاتحة: 5]؛ لئلا يستعينوا إلا بمعبودهم ويتيقنوا بألا ~~مستعان إلا هو؛ ليمكن لهم الحمد على معبوديته ومستعانيته، ومن يستعين ~~بغير معبوده يشرك في الحمد غيره، وهذا شرك حقيقي غفل عنه الخواص فضلا عن ~~العوام، ويقول من يستعين به المستعين بلسان الحال، فاطلب الاستعانة ممن ~~تعبده وتحمده، وما أحسن ما قال صاحب قدم صدق: # استعانة المخلوق بالمخلوق كاستعانة المسجون بالمسجون، اللهم إلا أن ~~المتبعين في المحققين الذين نظروا بعين الوحدة في الكثرة، وعلموا أن ~~الآثار الكثيرة ظاهرة عن الأفعال الصادرة عن الصفات القائمة بالذات، ~~وجعلوا الناس كالبنيان يشد بعضهم بعضا، ويستعين بأثر الحق الظاهر من فعل ~~الحق الصادر من صفة الحق القائمة بذات الحق بالحق في الحق، ولا يمكن ~~الوصول إلى هذا المقام إلا على سبيل التدريج، وهو بأن يترك الاستعانة من ~~غير الحق مدة مديدة في الوسط، حتى تصح منهم الاستعانة بأثر الحق في ~~الانتهاء، ولا يضرها في مقام الوحدة، فإذا استعنت في حمد الله بالمستعان ~~المعبود المالك الرحيم الرحمن الرب الله المحمود، وحمدته على تعليمه ~~إياك؛ فيزداد في التعليم على قضية # لئن شكرتم لأزيدنكم # [إبراهيم: 7]، ويعلمكم بعد أداء حق الحمد المقدور للبشر سؤال ما كان ~~الناس أحوج إليه في دينهم ودنياهم، وهو: الهداية إلى الصراط المستقيم، ~~والثبات عليه بقوله: { اهدنا الصراط المستقيم } [الفاتحة: ~~6]، وهو أدق من الخط الموهوم بين الظل والضياء والهداية إليه، والثبات ~~عليه لا يمكن إلا بتوفيق الحق. # ثم ينبهكم بأن الصراط المستقيم الذي هدى إليه خواص عباده، وأنعم عليهم ~~بالاستقامة عليه هو الذي ما كان شرقيا صاحب تفريط وما كان غربيا، صاحب ~~إفراط بقوله: { صراط الذين أنعمت عليهم } [الفاتحة: 7] ~~بالاستقامة بعد الهداية، { غير المغضوب عليهم } [الفاتحة: 7] ~~من أهل الإفراط، { ولا الضآلين } [الفاتحة: 7] من أهل ms0039 التفريط؛ ~~ليكونوا خائفين من مكره، راجين من كرمه؛ حتى يجوزوا على الجسر ويدخلوا ~~دار السلام ويشرفوا بالسلام، كما أخبرنا الله الملك السلام في الكلام ~~القديم: # سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين # [الزمر: 73]. # والخوف والرجاء جناحان للطائر فوق الجسر، إن لم يكن له جناح الخوف لهوى ~~في زمهرير الأمن، فإن لم يكن له جناح الرجاء لهوى في نار اليأس، وهذان ~~الجناحان أثران ظاهران من فعل القهر وفعل اللطف الصادرين من صفة لطيفية ~~وقهارية، وقلب المؤمن بين إصبعي لطفه وقهره يقلبه كيف يشاء، وإلى هذا ~~السر أشار خاتم الأنبياء وسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم في مناجاته ~~حيث قال: # " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك " # ، وهاتان الصفتان ثابتتان لذات الله ذي الجلال والإكرام، فمن يأمن مكر ~~الله وقهره فهو من الخاسرين المفرطين، ومن ييأس من روح الله ولطفه فهو من ~~الكافرين المفرطين، ومن يفرح من لطفه ويخف من قهره من الفائزين الثابتين ~~على الصراط المستقيم في دار التلوين، التي الاستقامة فيها أشد وأشق على ~~النفس من الدخول في النار؛ ولأجل هذا أعدل الخلق مزاجا # " شيبتني سورة هود " # ، ومراده أمر الله إياه بالاستقامة بقوله # فاستقم كمآ أمرت ومن تاب معك # [هود: 112]، فحق له التشيب؛ رأفة على من معه، وخوفا على تقصيرهم في ~~الاستقامة، فإذا علمت هذه الفوائد فخذ نصيبا من فوائد أسمائه الحسنى ~~المبسوطة في بساط هذه السورة، وهي المنعم الهادي المستعان المعبود المالك ~~الرحيم الرحمن الرب الله المحمود. # وتيقن أنه تعالى ينتبه باسم المحمود لطيفة بغيبة القارئ، وباسم الله ~~لطيفة طفلية، وباسم الرب لطيفة جنينية، وباسم الرحمن لطيفة خلقية، وباسم ~~الرحيم لطيفة لحمية، وباسم المالك لطيفة عظمية، وباسم المعبود لطيفة حط ~~مضغية، وباسم المستعان لطيفة علقية، وباسم الهادي لطيفة نطفية، وباسم ~~المنعم لطيفة سلالية عن سر النقطة الأحدية، التي هي مظهر للنقطة الذاتية، ~~وعن سر الحياتية والسمعية والبصرية والمتكلمية والعلمية والمريدية ~~والقديرية والحكيمية والواحدية، والأسماء المطهرة في هذه السورة دالة على ~~حضرة النقطة الأحدية وحضرات صفاتها الأربع، فمن يطلع على أسرار ms0040 هذه ~~الأسامي العشرة المظهرة والمضمرة، المدرجة في درج فاتحة الكتاب، المخصوص ~~بالنبي الأمي صاحب لواء الحمد في المقام المحمود، ويعبده حق عبادته في ~~الشهادة والغيب بحمده، حق حمده باللطائف السبع على وفق الشرع، مخالفا ~~للطبع بقدر الوسع يؤذن بالدخول في الحضرة العظمى، التي هي منتهى مأرب ~~الحجاج في المعراج، والداخل فيها إن شرف بالطهارة الكبرى يكون آمنا من ~~المكر والاستدراج. # وحمد اللطيفة القالبية: اشتغال جوارحها وأعضائها في عبودية الحق. # وحمد اللطيفة النفسية: ترك هواها بالإعراض عن الدنيا، والإقبال على ~~المولى في النعماء والبلوى؛ بحيث لا يمكن للشيطان إلقاء خاطر في ردعها من ~~الخواطر، التي كانت فيها مخالفة الله تعالى. # وحمد اللطيفة القلبية: حفظ المرآة عن إفشاء سر ما يشاء، في هذه المرآة. # وحمد اللطيفة الروحية: ترك غيرتها على اللطيفة القلبية؛ لقلة التفاتها ~~إليها لكثرة اشتغالها بمراقبة المرآة، وإقامتها محاذاة الوجه. # وحمد اللطيفة الخفية: حيرتها في مشاهدة ما في المرآة من الآيات البينات. # وحمد اللطيفة الحقيقة طالعة سوى الحق في الكتاب المسطور بقاف قلم؛ فإنه ~~صاحب المقام المحمود، الآخذ من دال ذوات روحانية أحمدية ميم مداد نورانية ~~محمدية؛ ليظهر على لام لوح قدمه صور ما في كنز القدم وصورها، يأخذ الفيض ~~من الاسم المحمود الشامل للمعارف محمدا مفصلا، الحاوي وولايته بدال ~~الدوائر الأربع في الموقف الأعظم، ومن اسم الله بألوهيته في عالم ~~اللاهوت، ومن اسم الرب بربوبيته في عالم الناسوت، ومن اسم الرحمن برحمته ~~في عالم الجبروت، ومن اسم الرحيم برحمته الخاصة في عالم الملكوت، ومن اسم ~~المالك بعزته في المواقف الآثارية، ومن المعبودية بسلطنته في المواقف ~~الأفعالية، ومن اسم المستعان بقيوميته في المواقف الصفاتية، ومن اسم ~~الهادي برأفته في المواقف الذاتية، ومن اسم المنعم بمنعميته في المواقف ~~النقطية وسرها، بقبول المعبود المحمود هدية الحمد منها في الخواص ~~والمحاضر والحضرات يتبين في سيماء حاله، وعلامة قبول الإذن بالدخول في ~~الحضرة العظمى: حصول الطهارة الكبرى. # ولولا ملالة طبعي من الكتابة؛ لبينت بطون القرآن من أوله إلى آخره في ~~هذه السورة الواحدة، الجامعة ms0041 لمفرقات الأحكام السياسية والطهارية ~~والعبادية الشاملة للمواعظ، والأمثال والحكم المخصوصة باللطائف السبع، ~~وتربيتها في أطوارها المختلفة، وسبب ظهور الملالة مطايا الهمم عن السير ~~في طلب معاني الأمور، وأخذ فيض ضياء العالم من منبع النور، وعدم من يفهم ~~ما كتبته منذ عشرين سنة، وقلة التفات الناس الناسي مبدأه ومعاده إلى ~~المعارف الرحمانية، وكثرة اشتغال الخلق بمزخرفات المتفلسفين وطامات ~~المتصوفين وترهات الحسوميين مما يستنكف منه، مقتفو آثار [الفلاسفة] عن ~~متابعي سنن السنن الإسلامية من علماء الربانية، وقصور همة الفقهاء ~~والحكماء والمشايخ، هداهم إلى الصراط المستقيم على الذات العاجلة والطلاب ~~والسلاك، أعلى الله همتهم على المكاشفات السرية والمشاهدات الروحية ~~والتجليات الصورية والنورية. # اللهم { اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين ~~أنعمت عليهم } [الفاتحة: 6-7]، نعمة الإيمان الغيبي، { غير ~~المغضوب عليهم ولا الضآلين } [الفاتحة: 7]، ممن حرم نعمة ~~الإيمان الشهودي، آمين يا رب العالمين؛ أي: استجب دعائي ولا تخيب رجائي، ~~وصلى الله على خير خلقه سيدنا وقرة أعيننا: محمد وآله وصحبه أجمعين. # هذا أول المجلد الرابع والعشرين من كتاب " مطلع النقط ومجمع اللفظ " ، ~~ومن الطور المجلد العشرون منه، وعدد مجلدات " مطلع النقط " من غير تفسير ~~موافقة ثمان وعشرون، و " تفسير المواقف " وهي مائة وإحدى وثلاثون ألفا ~~ومائة وإحدى وثلاثون، وقد كتبت بإلهام شرح موقفين منها إن ورد علي قياسا ~~عليهما يكون ثلاثة آلاف وأربعمائة وخمسة وستين مجلدا كل مجلد أربعون ~~كراسا عشرة أوراق كل ورقة أربعون سطرا. ### | [2 - سورة البقرة] ### || [2.1-5] # { الم } [البقرة: 1]، قال الشيخ الإمام مصنف الكتاب رحمه الله: # يحمل أن يكون { الم } وسائر الحروف المقطعة من قبيل المواضعات ~~المعميات بالحروف بين المحبين لا يطلع عليها غيرهم، وقد وضعها الله مع ~~نبيه صلى الله عليه وسلم في وقت لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ~~ليتكلم بها معه على لسان جبريل عليه السلام بأسرار وحقائق لا يطلع عليها ~~جبريل عليه السلام ولا غيره، يدل على هذا ما روي في الأخبار: # " أن جبريل عليه السلام لما نزل بقوله تعالى: { كهيعص } [مريم: 1]، ~~فلما قال: { ك } [مريم: 1]، قال: ms0042 النبي علمت، فقال: { ه } [مريم: 1]، ~~فقال: علمت، فقال: { ي } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال: { ع } [مريم: 1]، ~~فقال: علمت، فقال: { ص } [مريم: 1]، فقال: علمت، فقال جبريل عليه ~~السلام: كيف علمت ما لم أعلم ". # وفي الحروف المقطعة إشارة إلى أن كلام الله تعالى لا يسعه الحروف ~~والكلمات؛ لأن الكافر غير متناه، والحروف والكلمات متناهية؛ وذلك لأن ~~الصبيان يعلمون أولا الحروف المقطعة الفارغة من معاني القرآن، ولكنها ~~دالة على كلمات القرآن وبها يهتدى إلى قراءة القرآن، ثم يعلمونهم ~~المركبات من الحروف، ثم يعلمون القرآن كلاما وسورا، فيفقهون منها ~~المعاني كل واحد على قدر علمه، وفهمه ومعرفته وصدق نيته وصفاء طويته، ~~ومواهب الحق في حقه؛ فيظن بعض الظانين منهم إذا انقطعت الكلمات والسور ~~المعدودة أن كلام الله انقطع ومعانيه تناهت، فالله سبحانه وتعالى بكمال ~~حكمته أنزل بعد الكلمات والسور الحروف المقطعة بعضها مركبة بالكتابة ~~مقطعة بالقرآن مثل { الم } و { الر } وغيرها. # وبعضها مفردة مقطعة بالكتابة والقرآن مثل { ص } و { ق } و { ن } ~~ليعلموا أن كلام الله القديم والقرآن العظيم لا تحويه الكلمات المعدودة ~~ولا تحصيه السور المحدودة، فإن الحروف المقطعة تدل على ما تدل عليه ~~الكلمات من المعاني، والكلمات منحصرة معدودة ودلالة الحروف عليها غير ~~منحصرة معدودة؛ لأن هذا يشير إلى أن الحروف المقطعة لو ركب بعضها بعضا ~~إلى الأبد لا ينقضي كلام الله تعالى، ولا يضيق نطاق نطق الحروف عن توسع ~~محيط الكلام الأزلي؛ لأنه فرق ظاهر بين الحروف المقطعة وبين الحروف ~~المحدثة جمعا. # والكلمات القائمة بالحروف المحدثة منحصرة، ومعاني الحروف القائمة ~~بالكلام القديم غير متناهية ولا منحصرة لقوله تعالى: # قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا ~~بمثله مددا # [الكهف: 109]، وفي الحروف المقطعة إشارة أخرى، وهي: أن المركبة بالكتابة ~~تشير إلى أن إلباس كسوة الحروف المحدثة في الكلام القديم لقصور فهم ~~الإنسان، والمفردة منها تشير إلى أن الله تعالى متكلم بكلام أزلي أبدي ~~غير ذي عدد، وتجدد الآيات والكلمات والسور العربية والعبرية والسريانية ~~إنما جعلت ms0043 كسوة الكلام الفرداني المنزه ليفهم الخلق لقوله تعالى: # وكذلك أوحينآ إليك قرآنا عربيا لتنذر أم ~~القرى # [الشورى: 7]. # قال الشيخ الإمام رحمه الله: والإشارة في تحقيق { الم } أن جميع ما ~~ذكرنا في تفسير الفاتحة من طلب الهداية إلى حضرة الربوبية والخلاص من ~~ظلمات الوجود والوصول إلى الوحدانية وإجابة الحق تعالى دعاء العبد في ~~إفنائه عن حجاب أنانيته بشهود كشف هويته، والمودع في الفاتحة مناجاة بين ~~العبد والرب، ولكل مناج موضع خاص للمناجاة كما كان الطور ميثاق مناجاة ~~موسى عليه السلام لقوله تعالى: # ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه # [الأعراف: 143]. # وكان المعراج مقام مناجاة نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: # فكان قاب قوسين أو أدنى # [النجم: 9]، وكان مقام مناجاة المؤمنين الصلاة كما قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " الصلاة معراج المؤمن " # فكما أن الصلاة بغير فاتحة غير تامة، فكذلك من قرأ الفاتحة في غير ~~الصلوات تكون مناجاته غير تامة وقد سمى الله فاتحة الكتاب صلاة، وقال: # " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين إلى قوله: ولعبدي ما سأل " # إذا قرأها في الصلاة وإذا تحققت هذا فاعلم أن هذه الصلاة التي ذكرت في ~~القرآن ثلث القيام لقوله تعالى: # وقوموا لله قنتين # [البقرة: 238]. # والركوع لقوله تعالى: # واركعوا مع الركعين # [البقرة: 43]، والسجود لقوله تعالى: # واسجد واقترب # [العلق: 19]، فالألف إشارة إلى القيام، واللام إشارة الركوع، والميم ~~إشارة إلى السجود، يعني: من قرأ فاتحة الكتاب التي هي مناجاة العبد مع ~~الله في الصلاة التي هي معراج المؤمنين ليجيبه الله بالهداية التي طلب ~~منه بقوله: { اهدنا } فيكون له أم الكتاب هدى بلا شك، ولهذا قال عقيب: ~~{ الم * ذلك الكتاب } [البقرة: 1-2]، للغائب فلو كانت الإشارة ~~بذلك الكتاب إلى القرآن تعالى هذا الكتاب { لا ريب فيه هدى } ~~[البقرة: 2]، أي: أم القرآن إذا قرئت في الصلاة وناجى به العبد ربه، وسأل ~~منه الهداية بقوله { اهدنا } لا شك فيه أنه يهدي لما سأل؛ لأنه قال: ~~ولعبدي ما سأل، منه هاهنا ما كان بالإشارة والتعريض لقوله { هدى ~~للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون ~~الصلوة ms0044 } [البقرة: 2-3]. # وفي: { ذلك الكتاب } إشارة أخرى أي: كتاب العهد الذي أخذ يوم ~~الميثاق بإقرار العبد على التوحيد ليوم التلاق، يدل على هذا قرينة { ~~الم } الألف واللام حرفان مقدمان من قوله # ألست بربكم # [الأعراف: 172]، والميم المؤخر عنه الحرف الآخر من قوله: { بربكم ~~} معناه في عهد: # ألست بربكم # [الأعراف: 172]، أخذت منكم ذلك الكتاب في الميثاق على التوحيد في ~~الربوبية وعلى العبودية بالعبادة لي دون غيري؛ لقوله تعالى: # ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني ~~هذا صراط مستقيم # [يس: 60-61]، أي: هاديا إلى صراط مستقيم التوحيد والعبودية التي لا شرك ~~فيها لغيري، وإلى محبتي للمتقين أي: للمؤمنين الموقنين يدل عليه ما بعده ~~وهو قوله تعالى: { الذين يؤمنون بالغيب } [البقرة: 3]، أي: ~~يوقنون وقد شرط الله تعالى على الهداية بالتقوى قال: { هدى ~~للمتقين } [البقرة: 2]، فالهداية تكون على قدر التقوى والتقوى ~~على ثلاثة أوجه: تقوى العام عن الشرك والكفر والبدع، وتقوى الخاص عن ~~الذنوب والعصيان، وتقوى الأخص عن ملاحظة غير الرحمن، فهداية العام ~~بالإسلام والإيمان، وهداية الخاص بالإيقان والإحسان، وهداية الأخص بكشف ~~الحجب ومشاهدة العيان ليتقي على نفسه بربه، كما قال تعالى: # فاتقوا الله يأولي الألباب # [المائدة: 100]. # والمتقون هم الذين أوفوا بعهد الله من ميثاقه ووصلوا بها ما أمر الله به ~~أن يوصل به من مأمورات الشرع ظاهرة وباطنا وانقطعوا عما نهاهم الله عنه ~~من منهيات الشرع ظاهرا وباطنا، يدل على هذا قوله تعالى: # وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم # [البقرة: 40]، إلى قوله # وإيي فاتقون # [البقرة: 41]، معناه إذ أنتم أقررتم بربوبيتي بقولكم { بلى } يوم ~~الميثاق فأوفوا بعهدي الذي عاهدتموني عليه وهو العبودية الخالصة أوف ~~بعهدكم الذي عاهدك عليه: الهداية إلي، وحقيقة التقوى الإعراض عن الدنيا ~~والعقبى بالإقبال على المولى يؤمنون بالغيب؛ أي: بنور غيبتي وهو من الله ~~في قلوبهم نظروا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فشاهد وصدقوا قوله وآمنوا ~~به كما قال صلى الله عليه وسلم: # " المؤمن ينظر بنور الله " # واعلم أن الغيب غيبان، غيب غاب عنك وغيب ms0045 غبت عنه، فالذي غاب عنك عالم ~~الأرواح فإنه كان حاضرا حين كنت فيه بالروح وكذرة وجودك في # ألست بربكم # [الأعراف: 172]. # واستماع خطاب الحق ومطالعة آثار الربوبية وشهود الملائكة وتعاون الأرواح ~~من الأنبياء والأولياء وغيرهم، فغاب عنك إذا تعلقت بالقلب، ونظرت بالحواس ~~الخمس إلى المحسوسات عن عالم الأجسام، وأما الغيب الذي غبت عنه فغيب ~~الغيب، وهو حضرة الربوبية قد غبت عنه بالوجود # وهو معكم أين ما كنتم # [الحديد: 4] أنت بعيد عنه وهو قريب منك، كما قال تعالى: # ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # [ق: 16]. # وكذلك الإيمان مراتب؛ فأول مرتبة: تصديق القلب بحقائق الغيب بلا ريب، ~~كما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان " # ، وعلى ما أخبرنا أبو المظفر عبد الرحيم بن عبد الكريم السمعاني قال: ~~أخبرنا أبو الحسن مسعود بن محمود الغانمي، قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي ~~منصور الخليل، أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن ~~كليب الشاشي، ثنا أحمد عيسى بن أحمد العقلاني، أنا يزيد بن هارون، أنا ~~كهمس بن الحسن عن عبد الله بن يزيد عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من تكلم ~~في القدر - يعني بالبصرة - معبد الجهني، فخرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن ~~نريد مكة، فقلنا: لو لقينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلسألنه عن القدر، فلقيناه عبد الله بن عمر، فالتقيته أنا وصاحبي أحدنا ~~عن يمينه والآخر عن شماله، فعلمت أنه سيكل الكلام إلي، فقلت: يا أبا عبد ~~الرحمن إنه قد ظهر عندنا ناس يعتقدون هذا العلم ويطلبونه ويزعمون أن ~~الأقدر وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت لهم فأخبرهم أني برئ منهم ومن ربهم ~~براء، # " والذي نفسي بيده لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا، فأنفقه في سبيل الله ما ~~قبل منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ". # ثم قال: حدثنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: # " كنا عند رسول الله صلى ms0046 الله عليه وسلم إذ أقبل رجل شديد بياض الثياب ~~شديد سواد الشعر، ما برئ عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فأقبل حتى ~~جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وركبتيه تمس ركبتيه فقال: " يا ~~محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، ~~وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه ~~سبيلا. قال: صدقت: قال: فعجبنا له يسأله ~~ويصدقه. قال: فأخبرنى عن الإيمان. قال: " أن ~~تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم ~~الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره ". قال: صدقت. ~~قال فأخبرنى عن الإحسان. قال: " أن تعبد الله ~~كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". ~~قال: فأخبرنى عن الساعة. قال: " ما المسئول ~~عنها بأعلم من السائل ". قال: فأخبرنى عن ~~أمارتها. قال: " أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى ~~الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون فى ~~البنيان ". قال: ثم انطلق؛ فلبثت مليا ثم ~~قال لى: " يا عمر أتدرى من السائل؟ ". قلت: الله ~~ورسوله أعلم. قال: " فإنه جبريل أتاكم ~~يعلمكم دينكم، وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها إلا في صورته ~~هذه " # ، هذا حديث صحيح أخرجه مسلم، واتفقا على إخراجه من حديث أبي هريرة رضي ~~الله عنه. # وعلى ما أخبرنا المؤيد بن محمد بن علي المقري، أخبرنا العباس بن محمد ~~الطوسي، أنا أبو محمد الناوي، ثنا الحسن بن علي إمام عصره، حدثني محمد بن ~~سعيد قال: خبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن ~~محمد الخيري، أخبرنا أبو محمد بن علي السيد المحجوب حدثني بن علي ابن ~~موسى الرضا حدثني إلى موسى بن جعفر، حدثني جعفر بن محمد الصادق، حدثني ~~أبي محمد بن علي السجاد، حدثني أبي علي بن الحسين زين العابدين، حدثني ~~أبي الحسين بن علي سيد شباب أهل الجنة، حدثني أبي علي ابن أبي طالب سيد ~~الأوصياء، حدثني محمد بن عبد الله سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم ms0047 قال: # " الإيمان قول مقول، وعمل معمول، وعرفان بالعقول، واتباع الرسول ". # والمرتبة الثانية من الإيمان: أن تؤمن بغيب الغيب، ولهذا الإيمان ~~مرتبتان: # فالمرتبة الأولى: أن يتخلص قلبه بالنور الغيبي الذي هو من الله تعالى عن ~~تعلقات الجسمانيات وحجب آفات النفس وصفاتها، ويهدي إلى عالم الأرواح كما ~~كان أول العهد يوم الميثاق؛ فالغيب الروحاني لا يبقي له غيب؛ لأنه ارتفعت ~~الحجب وصار حضورا وشهودا لقوله تعالى: # ومن يؤمن بالله يهد قلبه # [التغابن: 11]، أي: من كان إيمانه بنور الله يهد قلبه إلى الله؛ فيشاهد ~~القلب ما كان الروح يشاهده في عالم الأرواح، وما كانت الذرة تشاهده يوم ~~الميثاق، ويسمع من خطاب الرب ما كانت تسمع، ويتنور بنور تنورت الذرة به، ~~ويتنسم من نفحات ألطاف الحق ما تنسمت؛ فالإيمان الغيبي يصير عينا؛ فيكتب ~~الله تعالى الإيمان بنور غيب الغيب في قلبه، كما قال تعالى: # أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح ~~منه # [المجادلة: 22]، فيتنور ذلك القلب لإيمان، ويتأيد ذلك الروح ويشاهد ~~أنوار الفضل الإلهي فيشتاق شوق موسى بقوله لأهله: # امكثوا # [طه: 10]، وهو الروح والجسم # إني آنست نارا # [طه: 10]، فيرتقي عن عالم الأرواح ويقول: # لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار ~~هدى * فلمآ أتاها نودي # [طه: 10-11]، من شاطئ وادي الإيمان، وهو حضائر القدس في البقعة ~~المباركة، وهي القلب من الشجرة، وهي السر # أن يموسى # [القصص: 30]، وهو المحب المشتاق # إني أنا الله رب العالمين # [القصص: 30]، الذي خلقت العالمين وربيت خواص عبادي بألبان المحبة عن ~~ثدي # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]؛ " أنا المحبوب؛ فأين أنت يا محب؟! أنا المطلوب؛ فأين أنت ~~يا طالب؟! ألا طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا أشد شوقا إلى لقاءهم ". # فلما دارت كؤوس الملاطفات، وأقداح المكاشفات بين المحب والمحبوب جعل ~~يتساكر المحب ويتخامر مع المحبوب بلسان الانبساط على بساط القرب يقول: # رب أرني أنظر إليك # [الأعراف: 143]، ليصير الإيمان عيانا والغيب عينا، نودي من سرادقات ~~العزة: ما هذه العزة! ألم تعلم بأنه عالم الغيب وغيب الغيب فلا يظهر على ~~غيبة أحدا، فإنك مع أحديتك ms0048 لن تطيق شهود أحديتي، وإن أتجلى فإنك # لن تراني # [الأعراف: 143]، وإن لم تؤمن بأن مع تجلي أنانيتي لا يستقر أنانيته شيء # ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ~~فسوف تراني # [الأعراف: 143]، مع استقرار جبل أنانيتك على مكان وجودك # فلما تجلى ربه للجبل جعله # [الأعراف: 143]، للجبل # جعله # [الأعراف: 143]، جبل أنانيته # دكا وخر موسى # [الأعراف: 143]، نفس المحب عن الوجود # صعقا فلمآ أفاق # [الأعراف: 143]، عن سكر شراب وجود الأنانية شاهد تحقيق قوله # لن تراني # [الأعراف: 143]، مع حجاب وجود الأنانية، فتاب عن ذنب الأنانية إليه، ~~وآمن إيمان المرتبة الثانية الذي هو هويته، وقال: # تبت إليك وأنا أول المؤمنين # [الأعراف: 143]، بأن هويتك غيب، لا يعلم الغيب إلا الله، فالإيمان بهذا ~~الغيب يكون بقدر غيبوبة الأنانية بشهود غيب الغيب، وكلما ازداد غيبوبته ~~ازداد إيمانه، والغيبة لا تحصل إلا بجذبات شواهد الغيب، وهي مودعة في ~~إدامة إقامة الصلاة؛ فلهذا قال عقيب الذين يؤمنون بالغيب قوله: { ~~ويقيمون الصلوة } [البقرة: 3]، والغيب ما لا تدركه الحواس الخمس ~~الظاهرة وتدركه الحواس الخمس الباطنة، وهي: العقل والقلب والروح والسر ~~والخفي يدل عليه قوله تعالى: # علم الغيب والشهدة # [الأنعام: 73]، فالشهادة ما تدركه الحواس الخمس، وهي: السمع والبصر ~~والذوق والشم واللمس، وما تدركه الحواس الباطنة فهو غيب، وهي الأمور ~~الأخروية { ويقيمون الصلوة } [البقرة: 3]، أي: يديمونها. # قال الشيخ: بداية الصلاة إقامة ثم إدامة؛ فإقامتها المحافظة عليها ~~بمواقيتها، وإتمام ركوعها وسجودها وحدودها وحقوقها ظاهرا وباطنا، وكل ~~شيء واظب على شيء وقام به فهو مقيم، يقال: أقام فلان حج الناس، وأقام ~~القوم سيوفهم إذا استعملوها ولم يعطلوها، وإدامتها بدوام المراقبة وجميع ~~التهمة في التعرض لنفحات ألطاف الربوبية التي هي مودعة فيها لقوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن لله في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها " # ، وصورة التعرض والأمر بها صورة جذبة الحق بأن يجذب صورتك عن الاستعمال ~~بغير العبودية، وسر الصلاة حقيقة التعرض، ففي كل شرط من شروط صورتها، ~~وركن من أركانها، وسنة من سننها، وأدب من آدابها، وهيئة من هيئاتها سر ~~يشير إلى حقيقة تعرض لها ms0049 فمن شرائطها: # الوضوء: ففي كل أدب وسنة وفرض منها سر يشير إلى طهارة يستعد بها لإقامة ~~الصلاة. # ففي غسل اليدين: إشارة إلى تطهير نفسك عن تلوث المعاصي، وتطهير قلبك عن ~~تلطخ الصفات الذميمة الحيوانية والسبعية والشيطانية، كما قال تعالى ~~لحبيبه صلى الله عليه وسلم: # وثيابك فطهر # [المدثر: 4]، جاء في التفسير أي: قلبك فطهر. # وغسل الوجه: إشارة إلى نضارة وجه همتك عن دنس حب الدنيا، فإنه رأس كل ~~خطيئة وسنبين تمامه في موضعه إن شاء الله تعالى. # ومن شرائط الصلاة استقبال القبلة، وفيه إشارة إلى الإعراض عما سوى طلب ~~الحق والتوجه إلى حضرة الربوبية لطلب القربة والمناجاة. # ورفع اليدين: إشارة إلى رفع يد الهمة عن الدنيا والآخرة، والتكبير ~~لتعظيم الحق بأنه أعظم من كل شيء في قلب العبد طلبا ومحبة وعظما وعزة. # ومقارنة النية مع التكبير: إشارة إلى أن صدق النية في الطلب ينبغي أن ~~يكون مقرونا بتكبير الحق وتعظيمه في الطلب عن غيره فلا يطلب منه إلا هو، ~~فإن طلب منه غيره فقد كبر وعظم ذلك المطلوب إلا الله تعالى، فلا تجوز ~~صلاته الحقيقية كما لا تجوز صلاة الصورة إلا بتكبير الله، فإن الدنيا ~~أكبر والعقبى أكبر، فلا تجوز حتى يقول الله أكبر، وكذلك في الحقيقة. # وفي موضع اليمنى على اليسرى، ووضعهما على الصدر: إشارة إلى إقامة رسم ~~العبودية بين يدي مالكه، وحفظ القلب عن محبة ما سواه. # وفي افتتاح القراءة بوجهه إشارة إلى توجيهه للحق خالصا عن شرك طلب غير ~~الحق. # وفي وجوب الفاتحة وقراءتها وعدم جواز الصلاة بدونها إشارة إلى حقيقة ~~تعرض العبد في الطلب لنفحات ألطاف الربوبية بالحمد والثناء والشكر لرب ~~العالمين، وطلب الهداية، وهي جذبة الإلهية التي توازي جذبة منها عمل ~~الثقلين وتقرب العبد بنصف الصلاة المقومة بين العبد والرب نصفين. # والقيام والركوع والسجود: إشارة إلى رجوعه إلى عالم الأرواح، ولكن الغيب ~~كما جاء منه فأول تعلقه بهذا العالم كان بالنباتية ثم الحيوانية ثم ~~بالإنسانية؛ فالقيام من خصائص الإنسان والركوع من خصائص الحيوان، والسجود ~~من خصائص ms0050 النبات كما قال تعالى: # والنجم والشجر يسجدان # [الرحمن: 6]، وللعبد في كل مرتبة من هذه المراتب ربح وخسران، والحكمة في ~~تعلق الروح العلوي النوراني بالجسد السفلي الظلماني كان هذا الربح؛ لقوله ~~تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: # " خلقت الخلق ليربحوا علي لا لأربح عليهم " # لتربح الروح في كل مرتبة من مراتب السفليات فائدة لم توجد في مراتب ~~العلو، وإن كان قد ابتلي أولا ببلاء الخسران كما قال تعالى: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات # [العصر: 1-3]، فبنور الإيمان، وعمل صالح الصلاة يتخلص خسران التكبر ~~والتجبر الإنساني الذي من خاصيته إن تكامل في الإنسان يظهر منه # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24]، ويفوز بربح علو الهمة الإنسانية التي إذ أكملت في ~~الإنسان لا يلتفت إلى كون في طلب المكون كما كان حال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما ~~طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى # [النجم: 16-18]، فإذا تخلص من تكبر الإنسان يرجع من القيام الإنساني إلى ~~الركوع الحيواني للانكسار والخضوع؛ فالركوع يتخلص من خسران حالة الصفة ~~الحيوانية، ويفوز بربح ليس الحادث، وتحمل الأذى والختم، ثم يرجع من ~~الركوع الحيواني إلى السجود النباتي فبالسجود ويتخلص من خسران الذلة ~~النباتية، والدناءات السفلية، ويفوز بربح الخشوع الذي يتضمن الفلاح ~~الأبدي والفوز العظيم السرمدي. # كما قال تعالى: # قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون # [المؤمنون: 1-2]، فالخشوع أكمل آلة للروح في العبودية قد حصل في تعلقه ~~بالجسد الترابي ليس لأحد من العالمين هذا الخشوع، وبهذا السر أبين ~~الملائكة وغيرهم أن يحمل الأمانة وأشفقن منها وحملها الإنسان باستعداد ~~الخشوع، وكمل خشوعه بالسجود؛ إذ هو غاية التذلل في صورة الإنسان وهيئة ~~الصلاة ونهاية قطع تعلق الروح من العالم السفلي وعروجه إلى العالم ~~الروحاني العلوي برجوعه من مراتب الإنسانية الحيوانية والنباتية، وكمال ~~التعرض لنفحات ألطاف الحق وبذل المجهود وإنفاق الموجود في أنانية الوجود ~~الذي هو من شرط المصلين؛ كقوله تعالى: { ويقيمون الصلوة ومما ~~رزقناهم ينفقون ms0051 } [البقرة: 3]، أي: من أوصاف الوجود ينفقون ~~يبذلون للحق النصف المقسوم بين العبد والرب، فإذا بلغ السيل زباه والتعرض ~~منتهاه أدركته العناية الأزلية بنفحات ألطافه، وهداه إلى درجات قرباته، ~~فكما كانت جذبة الحق سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم في صورة ~~خطاب؛ إذن فجذبة الحق للمؤمن تكون في صورة خطاب: # واسجد واقترب # [العلق: 19]، ففي التشهد بعد السجود إشارة إلى الخلاص من حجب الأنانية ~~والوصول إلى شهود جمال الحق بجذبات الربانية؛ ثم بالتحيات مراتب رسول ~~العباد في الرجوع إلى حضرة الملوك بمراسم تحفة الحق الثناء، والتحنن إلى ~~اللقاء. # وفي التسليم عن اليمين والشمال إشارة إلى السلام على الدارين وعلى كل ~~داع جاهل يدعوه عن اليمين إلى النعيم الجنان، وعن الشمال إلى الشهوات ~~واللذات، وهو مقام المناجاة والدرجات والقربات مستغرقا في بحر الكرامات ~~مقيدا بقيد الجذبات؛ كما قال تعالى: # وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # [الفرقان: 63]، فأهل الصورة بالسلام يخرجون من إقامة الصلاة، وأهل ~~الحقيقة بالسلام يدخلون في إدامة الصلاة؛ لقوله تعالى: # الذين هم على صلاتهم دآئمون # [المعارج: 23]، فقوم يقيمون الصلاة، ويحافظون عليها، وقوم يديمون الصلاة ~~والصلاة تحفظهم؛ كما قال تعالى: # إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر # [العنكبوت: 45]، فهم { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون ~~الصلوة ومما رزقناهم ينفقون } [البقرة: 3]، يؤمنون بما ~~لهم في الغيب معد لقوله تعالى: # " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر ". # فعلموا إنما هو المعد لهم لا تدركه الأبصار ولا الآذان ولا القلوب التي ~~رزقهم الله تعالى، وليس بينهم وبين ما هو المعد لهم حجاب إلا وجودهم ~~وأوصاف وجودهم، فاشتاقوا إلى نار تحرق عليهم حجاب وجودهم، فأنسوا من جانب ~~طور صلواتهم نارا؛ لأن صلواتهم بمثابة الطور للمناجاة والصلاة؛ قيل: ~~اشتقاقها من الصلاة، وهي النار قاله الخراز، وفي قوله تعالى: # فلما جآءها نودي أن بورك من في النار ومن ~~حولها وسبحان الله رب العالمين # [النمل: 8]، فجعلوا ما رزقهم الله تعالى من أوقاف الوجود حطب نار الصلاة ~~ينفقون عليها، ويقيمون الصلاة حتى تؤدوا حق أنتم، ms0052 وما تعبدون من دون الله ~~حصب جهنم أنتم لها واردا، ومن لم يكن نارا أتحرق على نار جهنم الصلاة ~~حطب وجوده، ووجود كل من يعبد من دون الله؛ فلا بد له من الحرقة بنار جهنم ~~الآخرة، والفرق بين النارين: أن نار الصلاة: تحرق لب وجودهم الذي به ~~محجوبون عن الله تعالى، وتبقي وجوههم وهو الصلاة، والحجاب من لب الوجود ~~لا من جلده، وهذا شر عظيم لا يطلع عليه إلا أولو الألباب المحرقة، ونار ~~جهنم: تحرق جلود وجود وجوههم، وتبقي لب وجودهم لا جرم ولا رفع الحجب عنهم # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين: 15]؛ لأن اللب باق والجلد وإن احترق بنية اللب كما قاله ~~تعالى: # كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها # [النساء: 56]، فمن أتقن لب الوجود، وما بينا منه لب الوجود من المال ~~والجاه في سبيل نار الصلاة والقربة إلى الله تعالى ينفق الله عليه، وجود ~~نار الصلاة كما قال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم: # " أنفق أنفق عليك " # فبقي بنار الصلاة بلا أنانية الموجود فتكون صلاته دائمة بفوز نار الصلاة ~~يؤمن بما أنزل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. # { والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من ~~قبلك وبالآخرة هم يوقنون } [البقرة: 4] أي: لما كشف عن ~~المؤمنين حجب أنانية الوجود ونظروا بنور نار الصلاة أبصروا ما أنزل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي صورة، وما ابتلي حقيقة، وهو (أوحى إلى ~~عبد ما أوحى)؛ فعرفوا حقيقته فآمنوا به وبما أنزل على الأنبياء قبله كما ~~قاله تعالى في حق قوم: # سمعوا مآ أنزل إلى الرسول # [المائدة: 83]، فبنور العناية عرفوا الحقيقة فآمنوا به # وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم ~~تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق # [المائدة: 83]، ومن تخلص عن ذل الحجب يجد عزة الإيقان بالأمور الأخروية، ~~وكان مؤمنا بها من وراء حجاب صار موقنا بها بعد رفع الحجاب؛ كما قال ~~أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه: " لو كشف الغطاء ما ~~ازددت يقينا "؛ لأنه قد كشف ms0053 عنه الغطاء الوجودي فلا يحجب غطاء المحسوسات ~~الدنيوية عن أمور الأخروية، فبكشف الحجب يتخلصون عن مرتبة الإيمان إلى ~~مرتبة الإيقان، كما قال تعالى: { وبالآخرة هم يوقنون } ~~[البقرة: 4]، ولكن هذا خاص أن يوقنوا بالآخرة دون ما أنزل على الأنبياء ~~من الكتب، فإنهم لا يتخلصون عن مرتبة الإيمان بالله، وكتبه أبدا، وهذا ~~سر عظيم، وما رأيت أحدا فرق بين هاتين المرتبتين؛ وذلك لأنه يمكن ~~للإنسان أن يشاهد الأمور الأخروية كلها إما بطريق الكشف في الدنيا، وإما ~~بطريق المشاهدة في الدنيا، وإما بطريق المشاهدة في العقبى؛ فيصير موقنا ~~بها بعد ما كان مؤمنا كما قال تعالى: # فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد # [ق: 22]. # فأما ما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته ولا يمكن لأحد أن يشاهده بالكلية؛ ~~لأنه منزه عن الكل والجزء فأرباب المشاهدات، وإن فازوا بشهادة شهود صفات ~~جماله وجلاله عين اليقين؛ بل حق اليقين ولكن لم يتخلصوا عن مرتبة الإيمان ~~بما شاهدوا بعد، # ولا يحيطون به علما # [طه: 110] إلى الآباء، # ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء # [البقرة: 255]. # { أولئك على هدى من ربهم } [البقرة: 5]، ذكر هدى ~~بالنكرة أي: على كشف من كشوف ربهم ونور من أنواره، وسر من أسراره، ولطف ~~من ألطافه، وحقيقة من حقائقه؛ فإن جميع ما أنعم الله به على أنبيائه ~~وأوليائه بالنسبة إلى ما عنده من كمال ذاته وصفاته وإنعامه وإحسانه؛ ~~فقطرة من بحر محيط لا يعتريه القصور من الانفاق أبدا؛ كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " يمين الله ملأى لا تغيظها نفقة، سحاء الليل ~~والنهار " # وفيه إشارة لطيفة وهي: بذلك الهدى آمنوا { بمآ أنزل إليك ~~ومآ أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون } [البقرة: ~~4]، { وأولئك هم المفلحون } [البقرة: 5]، يعني الذين ~~يخلصون عن حجب الوجود بنور نار الصلاة، وشاهدوا بالآخرة وجذبتهم العناية ~~بالهداية إلى مقامات القربة، وسرادقات العزة فما نزلوا بمنزل دون لقائه، ~~وما حطوا رحالهم إلا بعنايته، فازوا بالسعادة العظمى والمملكة الكبرى، ~~ونالوا الدرجة العليا وحققوا قول الحق # إن إلى ربك الرجعى # [العلق: 8]. ### || [2.6-10] # { إن الذين كفروا ms0054 } [البقرة: 6]، أي: حجروا ربوبيتي بعد ~~إقرارهم في عهد # ألست بربكم # [الأعراف: 172]، بإجابة { بلى } ستروا صفاء قلوبهم برين ما كسبوا من ~~أعمالهم الطبيعية النفسانية، وأفسدوا حسن استعدادهم من فطرة الله التي ~~فطر الناس عليها باكتساب الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية، كما قال ~~تعالى: # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين: 14]، وذلك أن أرواحهم النفيسة لما نظروا بروزنة الحواس الخمس ~~إلى عالم الصورة الحسية حجبت عن مألوفاتها ومجارياتها، ثم ابتليت بصحبة ~~النفوس الحيوانية واستأنست بها، ولهذا سمي الإنسان إنسانا؛ لأنه أنيس، ~~فبمجاورة النفس الخسيسة صار الروح النفيس خسيسا، فاستحسن ما استحسنته ~~النفس واستلذ بما استلذت به النفس، واستمتع من المراتع الحيوانية فانقطعت ~~عنه الأغذية الروحانية ونسي حضائر القدس وجوار الحق ورياض الأنس، ولهذا ~~سمي الناس ناسا لأنهم نسوا فتاهوا في أودية الخسران فاستهواهم الشيطان ~~في الأرض حيران، ولما نسوا الله بالكفر فنسيهم بالخذلان حتى غلب عليهم ~~الهوى، وواقعهم في مهالك الردى، فأصبحوا بنفوس أصبى وقلوب مولى. # { سوآء عليهم ءأنذرتهم } [البقرة: 6]، بالوعد والوعيد ~~وخوفهم بالعذاب الشديد { أم لم تنذرهم } [البقرة: 6]، لم ~~تحذرهم { لا يؤمنون } [البقرة: 6]، بما أخبرتم ودعوتهم إليه ~~وأنذرتهم عليه؛ لأن روزنة قلوبهم إلى عالم الغيب منسدة بغشاوة حلاوة ~~الدنيا وقلوبهم مغلوقة بحب الدنيا وشهواتها مغفولة عليها بمتابعة الهوى ~~كما قال تعالى: # أم على قلوب أقفالهآ # [محمد: 24] فما تشموا روائح الإنس من رياض القدس، بل هبت عليهم ريح ضرر ~~الشقاوة من جهة حكم السابقة، وأدركهم بالختم على أقفالها كما قال تعالى: ~~{ ختم الله على قلوبهم } [البقرة: 7]، في الختم إشارة إلى ~~بداية سوابق أحكام القدر بالسعادة والشقاوة على وفق الحكمة والإرادة ~~الأزلية للخليقة، كما قال تعالى: # فمنهم شقي وسعيد # [هود: 105]، مع حسن استعداد جميعهم بقبول الإيمان والكفر، ولهذا لما ~~خاطب الحق ذراتهم بخطاب # ألست بربكم # [الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } جميعا، ثم أودع الله الذرات في ~~القلوب والقلوب في الأجساد، والأجساد في الدنيا في ظلمات ثلاث، وكانت ~~روزنة القلوب كلها مفتوحة إلى عالم الغيب بواسطة الذرات المودعات التي ~~سمعت خطاب الحق، وشاهدت كمال الحق ms0055 إلى وقت ولادة كل إنسان كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه " # وفيه إشارة إلى أن الله يكل الأشقياء إلى تربية الوالدين في معنى الدين ~~حتى يلقونهم تقليد ما ألفوا عليهم آباءهم من الضلالة فيضلوهم، كما قال ~~تعالى: # أنتم وآبآؤكم في ضلال مبين # [الأنبياء: 54]، فكانت تلك الشقاوة المقدرة مضمرة في ضلالة التقليد ~~والصفات النفسانية الظلمانية والهوى والطبيعة، ثم جعل تأثيرها وظلمتها ~~ورينها يندرج إلى القلوب؛ فيقسيها ويسودها ويغطيها، ويسد روزنتها إلى ~~الذرات فيعميها ويصمها حتى لا يبصر أهل الشقاوة ببصر الذرات من الحق ما ~~كانوا يبصرون ولا يسمعون بسمع الذرات من الحق ما كانوا يسمعون، فينكرون ~~على الأنبياء ويكفرون بهم وبما يدعونهم إليه، فيختم الله شقاوتهم بكفرهم ~~هذا ويطبع به على قلوبهم، كقوله تعالى # بل طبع الله عليها بكفرهم # [النساء: 155]، فسر القدر مستور لا يطلع عليه أحد إلا الله، فيظهر آثار ~~السعادة بإقرار السعداء ويظهر آثار الشقاوة بإنكار الأشقياء وكفرهم من ~~القدر، كالبذر في الأرض مستور فتظهر الشجرة منه وهو في الشجرة مستور، ~~فيخرج مع الأغصان من الشجرة وهو في الأغصان مستور، حتى يخرج مع الثمرة من ~~الأغصان وهو في الثمرة مستور، حتى يظهر من الثمرة فيختم ظهور البذر ~~بالثمرة فكذلك سر القدر، وهو بذر السعادة أو الشقاوة مستور في علم الله ~~تعالى، فتظهر شجرة وجود الإنسان منه والسعادة والشقاوة مستورة فيها فتخرج ~~مع أغصان الأخلاق وهي مستورة فيها، فتخرج مع ثمرة الأعمال وهي الإقرار ~~والإنكار والإيمان والكفر، فيختم ظهور سر القدر وهو السعادة أو الشقاوة ~~بثمرة الإيمان أو الكفر، فيظهر سر القدر عند الختم بالسعادة أو الشقاوة، ~~فالذين { ختم الله على قلوبهم } إنما ختم بخاتم كفرهم. # وإن كان نقش خاتمهم هو الأحكام الأزلية وسر القدر حتى حرموا من دولة ~~الوصال وبه ختم { وعلى سمعهم } [البقرة: 7] حتى لم يسمعوا خطاب ~~الملك ذي الجلال { وعلى أبصرهم غشاوة } [البقرة: 7]، من ~~العمى والضلال، فلم يشاهدوا ذلك الجمال والكمال فلهم حرمان مقيم { ~~ولهم عذاب عظيم } [البقرة: ms0056 7]، لأنهم منعوا من مرادهم وهو العلي ~~العظيم، فعظم العذاب يكون على قدر عظمة المراد الممنوع منه. # ثم بعد ذكر المؤمنين وأحوالهم والكافرين وأفعالهم ذكر المنافقين ~~وأقوالهم وأعمالهم وخصالهم بقوله: { ومن الناس من يقول آمنا ~~بالله وباليوم الآخر } [البقرة: 8]، والناس هم الذين نسوا ~~الله ومعاهدته يوم الميثاق فمنهم من يقول آمنا بالله بلسانه # يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم # [آل عمران: 167]، فإن الإيمان الحقيقي ما يكون من نور الله الذي يقذفه ~~الله في قلوب خواصه، وقوله تعالى: { وباليوم الآخر } [البقرة: 8] ~~أي: بنور الله يشاهد الآخرة فيؤمن به، فمن لم ينظر بنور الله لا يكون ~~مشاهد العالم الغيب، فلا يكون مؤمنا بالله وباليوم الآخر. # ولهذا قال: { وما هم بمؤمنين } [البقرة: 8] أي: بالذي يؤمنون ~~من نور الله تعالى. وفيه معنى آخر: وما هم بمستعدين للهداية إلى الإيمان ~~الحقيقي؛ لأنهم من غاية الغلالة والخذلان { يخادعون الله ~~والذين آمنوا } [البقرة: 9] أي: يمكرون بالله والمؤمنين بإظهار ~~الإيمان وإخفاء الكفر لينالوا من الله والمؤمنين منافع الإيمان من الأمان ~~عن القتل والنهب والأسر وغير ذلك من تظلم مصالح الدنيا، والإشارة في ~~تحقيق الآية أن الله تعالى لما قدر لبعض الناس الشقاوة في الأزل ثمر بذر ~~سر القدر المستور في أعمال ثمرة مخادعة الله في الظاهر ولا يشعر أن ~~مخادعته نتيجة بذر سر القدر بطريق تزيين الدنيا في نظره وحب شهواتها في ~~قلبه كما قال تعالى: # زين للناس حب الشهوات # [آل عمران: 14]، فالخدع بزينة الدنيا وطلب شهواتها عن الله تعالى وطلب ~~السعادة الأخروية فعلى الحقيقة هو المخادع الممكور. # كما قال تعالى: # يخادعون الله وهو خادعهم # [النساء: 142]، فعلى هذا: { وما يخدعون إلا أنفسهم } ~~[البقرة: 9]، حقيقة في صورة مخادعتهم الله والذين آمنوا؛ لأنهم كانوا قبل ~~مخادعتهم الله مستوجبين النار بكفرهم مع إمكان ظهور الإيمان عنهم، فلما ~~شرعوا في إظهار النفاق بطريق المخادعة نزلوا بقدم النفاق الدرك الأسفل من ~~النار وبطلوا استعداد قبول الإيمان وإمكانه عن أنفسهم، فكانت مفسدة ~~خداعهم ومكرهم راجعة إلى أنفسهم { وما يشعرون } [البقرة: 9] أي: ~~ليس لهم الشعور بسر ms0057 القدر الأزلي، وأن معاملتهم في المكر والخداع من ~~نتائجه؛ لأن { في قلوبهم مرض } [البقرة: 10]، ومرض القلب مانعهم ~~من شعور سر القدر، والإشارة في تحقيق الآية أن سر مرض قلوبهم إنما كان من ~~بذر تقدير شقاوتهم في الأزل، فأنبت شجرة الشك والنفاق في قلوبهم بماء حب ~~الدنيا، فأحبهم وأعمى أبصارهم حتى لم يبق لقلوبهم الشعور بالآفات، ولو ~~كانت قلوبهم سالمة من هذه العاهة والمرض لعلموا أن مفسدة نفاقهم ~~ومخادعتهم راجعة إليهم في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن الله يظهر ~~نفاقهم وبه يفضحهم عند النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى يوم ~~القيامة، ويزيد شؤم نفاقهم في مرض قلوبهم، كما قال تعالى: { فزادهم ~~الله مرضا } [البقرة: 10]، وأما في الآخرة فلا ينفعهم المال ~~والبنون وما يمكر بهم في الدنيا بسبب نفاقهم الذي يزيد في مرض قلوبهم، ~~وإنما تكون منفعتهم هناك في القلب السليم لا في المال السليم، كما قال ~~تعالى: # يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله ~~بقلب سليم # [الشعراء: 88-89]، فللمنافق لما أفسد بالنفاق على نفسه سلامة قلبه ~~لسلامة ماله وأهله لا ينفعه أهله وماله، ولكن يزيد نفاقه وكذبه في ألم ~~عذابه، كما قال تعالى: { ولهم عذاب أليم بما كانوا ~~يكذبون } [البقرة: 10]، ففيها وفي قراءة من قرأ: { كانوا ~~يكذبون } دلالة على أن لكذبهم ونفاقهم عذابا ولتكذيبهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم عذابا آخر، فيكون ألم عذابهم بالنسبة إلى الكفار ضعفين، ~~نظيره قوله تعالى: # وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا ~~فأضلونا السبيلا # [الأحزاب: 67]، أنهم ضعفين من العذاب يعني عذاب الضلالة والإضلال ~~فاختصاص المنافقين بالدرك الأسفل من النار لهذا المعنى، فإنهم مع الكفار ~~مشتركون في دركات النار، وهم مختصون بالدرك الأسفل بمزيد نفاقهم على ~~الكفر، والله أعلم. # وفي الآيات الثلاث إشارات ودلالات أخر؛ وهي قوله تعالى: { ومن ~~الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم ~~بمؤمنين } [البقرة: 8]، إشارة إلى أهل الغفلة والنسيان من المسلمين ~~يظنون أنهم مؤمنون حقا وإنما هم مؤمنون باللسان والتقليد، وهم يحسبون ~~أنهم آمنوا بالتحقيق، فما ms0058 هم بمؤمنين حقيقة بل هم مسلمون، كما قال تعالى: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم # [الحجرات: 14]، والإيمان الحقيقي نور إذا دخل القلب، فيظهر على المؤمن ~~حقيقة، كما كان لحارثة لما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كيف أصحبت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا قال: يا حارثة إن لكل حق ~~حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأظمأت نهارها وأسهرت ~~ليلها واستوت عندي حجرها وذهبها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وإلى ~~أهل النار يتضاغون، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: عرفت فالزم ". # { يخادعون الله } [البقرة: 9] أي: بأعمالهم ويطلبون منافع ~~الدنيا والآخرة ولا يطلبونه { وما يخدعون إلا أنفسهم } ~~[البقرة: 9]، بغير الله عن الله { وما يشعرون } [البقرة: 9]، وليس ~~لهم شعور بهذا الخداع والحرمان عن الله بغير الله # في قلوبهم مرض # [المائدة: 52]، الالتفات إلى غير الله، ولو كانت قلوبهم سليمة من هذه ~~العلة والمرض لشاهدوا جمال الحق فأحبوه حبا شديدا، ولم تبق محبة غير ~~الله في قلوبهم، كما قال تعالى: # والذين آمنوا أشد حبا لله # [البقرة: 165]. # { فزادهم الله مرضا } [البقرة: 10] أي: فزاد مرض الالتفات ~~على مرض خداعهم فحرموا عن الوصول والوصول { ولهم عذاب أليم } ~~[البقرة: 10]، من حرمان الوصول إلى الله تعالى بما كانوا يكذبون، إنا ~~أمنا بالله. ### || [2.11-17] # ثم ذكر من خصال هؤلاء الممكورين ما يدل على أنهم من المغرورين بقول ~~تعالى: { وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض } [البقرة: ~~11]، إلى { لا يعلمون } [البقرة: 13] والإشارة في تحقيق الآيتين ~~أن الإنسان - وإن خلق مستعدا لخلافة الأرض -، ولكنه في بداية الخلقة ~~معلول الهوى والصفات النفسانية فيكون مائلا إلى الفساد. # كما أخبرت عنه الملائكة: # قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء # [البقرة: 30]، فبأوامر الشريعة ونواهيها تخلص جوهر الخلافة عن معدن نفس ~~الإنسان، فأهل السعادة وهم المؤمنون ينقادون للداعي إلى الحق، ويقبلون ~~الأوامر والنواهي، وأهل الشقاوة وهم الكافرون والمنافقون يمرقون من الدين ~~ويتبعون الهوى، { وإذا قيل لهم ms0059 لا تفسدوا في الأرض } ~~أي: لا تسعوا في إفساد حسن استعدادكم وصلاحيتكم للخلافة في الأرض ~~باتباعكم الهوى وحرصكم على الدنيا { قالوا إنما نحن ~~مصلحون } [البقرة: 11]، لا يقبلون النصيحة ويدعون الصلاحية غافلين ~~عن حقيقتها، فكذبهم الله تعالى بقوله: { ألا إنهم هم ~~المفسدون } [البقرة: 12]، يفسدون صلاح آخرتهم بإصلاح دنياهم { ~~ولكن لا يشعرون } [البقرة: 12]، لهم بإفساد حالهم وسوء ~~أعمالهم وعظم وبالهم من خسارة حسن صنيعهم وادعائهم الصلاح على أنفسهم، ~~كما قال تعالى: # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا # [الكهف: 103]. # { وإذا قيل لهم آمنوا } [البقرة: 13] أي: أهل الغفلة ~~والنسيان { كمآ آمن الناس } [البقرة: 13] أي: بعض الناسين منكم ~~الذين تفكروا في آلاء الله وتدبروا بعد عهد: # ألست بربكم # [الأعراف: 172]، ومعاهده على التوحيد والعبودية، فتذكروا تلك العهود ~~والمواثيق، فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به { قالوا } ~~[البقرة: 13]، أهل الشقاوة منهم { أنؤمن كمآ آمن السفهآء } ~~[البقرة: 13]، فكذلك أحوال أصحاب الغفلات تدعي الإسلام إذا دعوا من ~~الإيمان التقليدي الذي وجدوه بالميراث إلى الإيمان الحقيقي بصدق الطلب، ~~وترك محبة الدنيا واتباع الهوى والرجوع عن الخلق والتمادي في الباطل، ~~ينسبون أرباب العلويات وأصحاب المقامات العالية إلى السفه والجنون، ~~وينظرون إليهم بنظر العجز والذلة والمسكنة، ويقولون نترك الدنيا كما ~~تركوه هؤلاء السفهاء من الفقراء لنكون محتاجين إلى الخلق كما هم محتاجون، ~~ولا يعلمون أنهم هم السفهاء؛ لقوله تعالى: { ألا إنهم هم ~~السفهآء ولكن لا يعلمون } [البقرة: 13]، فهم السفهاء ~~لمعنيين أحدهما: أنهم يبيعون الدين بالدنيا والباقي بالفاني لسفههم وعدم ~~رشدهم. # والثاني: أنهم سفهوا أنفسهم ولم يعرفوا حسن استعدادهم للدرجات العلى ~~والقربة والزلفى، فرضوا بالحياة الدنيا ورغبوا عن مراتب أهل الفناء ~~ومشارب أولي النهى، كما قال تعالى: # ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه # [البقرة: 130]، فإن " من عرف نفسه فقد عرف ربه " ومن عرف ربه ترك غيره ~~وعرف أهل الله وخاصته فلا يرغب عنهم، ولا يسبهم إلى السفه وينظر إليهم ~~بالعزة، فإن الفقراء الكبراء هم الملوك تحت الأطمار، ووجوههم المسفرة عند ~~الله كالشموس والأقمار، ولكن تحت قباب الغيرة مستورون، عن ms0060 نظر الأغيار ~~محجوبون. # وذكر المنافقون وأهل الغفلة بخصال أردأ من الأولى بقوله: { وإذا ~~لقوا الذين آمنوا قالوا } [البقرة: 14]، إلى { يعمهون ~~} [البقرة: 15] والإشارة في تحقيق الآيتين أن المنافقين لما أرادوا أن ~~يجمعوا بين غيرة الكفار وصحبة المسلمين، وأن يجمعوا بين مفاسد الكفر ~~ومصالح الإيمان، وكان الجمع بين الضدين غير جائز، فبقوا بين الباب والدار # مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء # [النساء: 143]، وكذلك حال المتمنين الذين يدعون الإرادة ولا يخرجون عن ~~العادة، ويريدون الجمع بين مقاصد الدارين ويتمنون أعلى مراتب الدين، ~~ويرتعون في أسفل مراتب الدنيا، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وإذا أقبل ~~الليل من حيث أدبر النهار من هنا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ليس الدين بالتمني " # وقال: # " بعثت لرفع العادات ودفع الشهوات ". # وقد قيل: الدنيا والآخرة امرأتان ضرتان، فمن يطلب الجمع بينهما فممكور، ~~ومن يدعي الجمع بينهما فمغرور، ومن كان له في كل ناحية خليط ومن كل زاوية ~~من قلمه ربيط كان نهبا لأطوار يتقاوم قوم وينزل في قلبه كل فقه فقلبه ~~أبدا خراب لا يهنأ له عيش دلالة في التحقيق. وليس من رام مع متابعة ~~الهوى البلوغ إلى الدرجات العلى فهو كالمستهزئ بطريق هذا الفريق، وكم في ~~هذا البحر من أمثاله غريق، فظاهر الأمر يقتضي أنهم { وإذا خلوا ~~إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن ~~مستهزءون } [البقرة: 14]، ولكن حقيقة الأمر تدل على أن: { الله ~~يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون } ~~[البقرة: 15]، لأن دواعي استهزائهم بأهل الدين وازدرائهم بأرباب اليقين ~~من نتائج الخذلان، فإن الله يكلهم إلى أنفسهم فتأمرهم النفس الأمارة ~~للاستهزاء وتحملهم على الازدراء فلو لم نجد لهم الحق وأدركتهم الرحمة لما ~~أمرتهم بسوء الاستهزاء والازدراء، كما قال: # إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي # [يوسف: 53] ومن الخذلان { ويمدهم في طغيانهم يعمهون ~~} [البقرة: 15]، أي يمهلهم في طغيان النفس بالحرص على الدنيا حتى ~~يتجاوزوا في طلبها حد الاحتياج إليها ويفتح أبواب المقاصد الدنيوية عليهم ~~يستغنوا بها وبقدر الاستغناء يزيد طغيانهم. # كما قال تعالى: # إن ms0061 الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]، فكانت جزاء سيئة ترددهم في الدين وثوابهم في طلب ~~الاستهزاء وجزاء سيئة الاستهزاء الخذلان والإمهال إلى أن طغوا وجزاء سيئة ~~الطغيان العمى، فيترددون في الضلالة متحيرين لا سبيل لهم إلى الخروج إلى ~~الحق وجزاء سيئة العمى قوله تعالى: { أولئك الذين اشتروا ~~الضللة بالهدى } [البقرة: 16]. # والإشارة في تحقيق الآية أن من نتيجة طغيانهم وعمههم أن رضوا بالحياة ~~الدنيا واطمأنوا بها وأشربوا في قلوبهم الضلالة واستودعت عن حسن ~~استعدادهم الفطري القابل للضلالة والهداية حتى يطلب قابليته الهداية ~~وبدلت بالضلالة، ولما كان لهم هذا الحال من نتيجة معاملتهم أضاف الفعل ~~إليهم وقال: { ولئك الذين اشتروا الضللة ~~بالهدى } [البقرة: 16]. # وإنما قال بلفظ الاشتراء لأنهم خربوا استعداد قبول الهداية عن قدرتهم ~~وتصرفهم فلا يملكون الرجوع إليه، وتمسكوا بالضلال تمسك الملاك فلا يمكنهم ~~الرجوع إلى الهدى ولا يكون لهم دواء غير الرجوع؛ إذ هم اختاروا الضلالة ~~على الهدى { فما ربحت تجارتهم } [البقرة: 16]، لأن خسران من ~~رضي بالدنيا ظاهر، ومن آثر الدنيا والعقبى على الله المولى فهو أشد ~~خسرانا وأعظم حرمانا، فإذا كان المصاب بفوات النعيم ممتحنا بنار ~~الجحيم والعذاب الأليم فما نملك بالمصاب بفقد المطلوب وبعد المحبوب ضاعت ~~عنه الأوقات وبقي في أسر الشهوات، لا إلى قلبه رسول ولا لروحه وصول لا من ~~الحبيب إليه وقود ولا لسره معه شهود، فهذا هو المصاب الحقيقي إذا فاته ~~مولاه الذي فاته بفواته سواه فإن لكل شيء بدل والله لا بدل له قال بعضهم: ~~كنت السواد لناظري فبكى عليك الناظر من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر ~~فجزاء اشترائهم الضلالة بالهدى إعواز ربح السعادة والفوز بالنعيم المقيم، ~~وخسران بيع الهدى بوجدان العذاب الأليم؛ بل لفقدان الاهتداء على الصراط ~~المستقيم إلى الله العلي العظيم الكريم الرحيم. # كما قال: { وما كانوا مهتدين } [البقرة: 16]، لإبطالهم حسن ~~استعداد قبول الهداية فالمثل كما قال تعالى: { مثلهم كمثل ~~الذي استوقد نارا } [البقرة: 17]، والإشارة في تحقيق الآية أنه ~~مثل المريد الذي له بداية جميلة ليسلك طريق الإرادة مدة وتبعني ms0062 بمقاساة ~~شدائد الصحبة برهة حتى تنور بنور الهداية فاستوقد نار الطلب، { أضآءت ~~ما حوله } [البقرة: 17]، فرأى أسباب السعادة والشقاوة فتمسك بحبل ~~الصحبة فلازم الخدمة والخلوة، وعزفت نفسه عن الدنيا وأقبل على قمع الهوى، ~~فشرقت له من صفاء القلب شوارق الشوق، وبرقت له من أنوار الروح بوارق ~~الذوق، فأمن مكر الله وانخدع بخداع النفس فطرقته الهواجس وأزعجته ~~الوساوس، ثم رجع القهقرى إلى ما كان من حضيض الدنيا، فغابت شمسه وأظلمت ~~نفسه، وانقطع حبل وصاله قبل وصوله وأخرج من جنة نواله بعد دخوله فبقدمي ~~سأمه وملاله عاد إلى أسوأ حاله. # كما قال تعالى: # وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون # [الزمر: 47] وكما قيل: # حين قر الهوى وقلنا سررنا # وحسبنا من الفراق أمنا # بعث البين رسل في خفاء # فأبادوا من شملنا ما جمعنا ### || [2.18-22] # فحاصل أحوالهم بعد انقطاع حبالهم قوله تعالى: { صم } [البقرة: 18]، ~~يعني بأذن قلوبهم التي سمعوا بها خطاب الله تعالى يوم الميثاق، { بكم ~~} [البقرة: 18]، بتلك الألسنة التي أجابوا ربهم بقولهم بلى، { عمي } ~~[البقرة: 18]، بالأبصار التي شاهدوا جمال ربوبيته فعرفوه { فهم لا ~~يرجعون } [البقرة: 18]، إلى منازل حضائر القدس؛ بل إلى ما كانوا فيه ~~من رياض الأنس، وذلك لأنهم سدوا روزنة قلوبهم التي كانت مفتوحة إلى عالم ~~الغيب يوم الميثاق بتتبع الشهوات واستيفاء اللذات والخدعة والنفاق، فما ~~هبت عليهم من جانب القدس الرياح وما تنسموا نفحات الأرواح، فمرضت قلوبهم ~~ثم أرسل إليهم الطبيب الذي أنزل الداء وأنزل معه الدواء، كما قال تعالى: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين # [الإسراء: 82]، الذين يصدقون الأطباء ويقبلون الدواء، فلم يصدقوهم ولم ~~يقبلوا ظلما على أنفسهم فصار الدواء داء والشفاء وباء، كما قال تعالى: # ولا يزيد الظالمين إلا خسارا # [الإسراء: 82]، فلما لم يكونوا أهل الرحمة وأدركتهم اللعنة الموجبة ~~للصمم والعمى بقوله تعالى: # أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى ~~أبصارهم # [محمد: 23]. # ثم ضرب لهم مثلا آخر بقوله تعالى: { أو كصيب من السمآء } ~~[البقرة: 19]، الآيتين والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى نسبه في ~~حال متمني هذا ms0063 الحديث واشتغالهم بالذكر وتتبع القرآن في البداية وتجددهم ~~في الطلب ما يفتح لهم من الغيب إلى أن تظهر النفس الملائكية وتقع في آفة ~~الفترة والوقفة بمن يكون في المفازة سائرا في ظلمة الليل والمطر، وشبه ~~الذكر، والقرآن بالمطر؛ لأنه ينبت الإيمان والحكمة في القلب كما ينبت ~~الماء البقلة، { فيه ظلمت } [البقرة: 19]، أي: مشكلات ومتشابهات ~~وشبهات تظهر للسالك الذاكر في أنحاء السلوك ومعان دقيقة لا يمكن حلها ~~وفهمها والخروج عن عهدة آفاتها إلا لمن كان له عقل منور بنور الإيمان ~~مؤيد بتأييد الرحمن كما قال تعالى: # الرحمن * علم القرآن # [الرحمن: 1-2]. # فكما أن السير لا يمكن في الظلمات إلا بنور السراج كذلك لا يمكن السير ~~في حقائق القرآن ودقائقه ولا في ظلمات البشرية إلا بنور الهداية ~~الربوبية، ولهذا قال تعالى: { أضآء لهم مشوا فيه } [البقرة: ~~20]، يعني: نور الهداية { وإذآ أظلم عليهم قاموا } ~~[البقرة: 20] يعني: ظلمة البشرية. قوله تعالى: { ورعد } [البقرة: ~~19]، خوف وخشية ورهبة تتطرق إلى القلوب من هيبة جلال الذكر والقرآن كما ~~قال تعالى: # لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته ~~خاشعا متصدعا من خشية الله # [الحشر: 21]. # { وبرق } [البقرة: 19]، وهو تلألؤ أنوار الذكر والقرآن تهتدي إلى ~~القلوب فتلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله فتظهر، فسببها حقيقة القرآن ~~والدين فتعرفها القلوب بقوله تعالى: # وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول # [المائدة: 83]، ولما لاحت لهم أنوار السعادة خرجوا من ظلمات الطبيعة ~~وتمسكوا بحبل الإرادة لينالوا درجات الفائزين ولكن { يجعلون ~~أصبعهم } [البقرة: 19]، الفاسدة وأمانيهم الباطلة، { في ~~آذانهم } [البقرة: 19]، الواعية { من الصوعق } [البقرة: 19]، ~~دواعي الحق { حذر } [البقرة: 19]، من { الموت } [البقرة: 19]، موت ~~النفس لأن النفس سمكة حياته بحر الدنيا وماء الهوى لو أخرجت لماتت في ~~الحال، وهذا تحقيق قوله صلى الله عليه وسلم: # " موتوا قبل أن تموتوا ". # { والله محيط بالكفرين } [البقرة: 19]، فيه إشارة إلى أن ~~الكافر الذي له حياة طبيعة حيوانية لو مات بالإرادة عن مألوفات الطبيعة ~~لكان أحياه الله بأنوار الشريعة كما قال تعالى # أو من كان ميتا فأحيينه # [الأنعام: 122]. # فلما لم يمت بالإرادة { والله محيط ms0064 بالكفرين } [البقرة: ~~19]، أي: مهلكهم ومميتهم في الدنيا بموت الصورة وموت القلب، وفي الآخرة ~~بموت العذاب فلا يموت فيها ولا يحيى، { يكاد البرق } [البقرة: ~~20]، أي: نور الذكر والقرآن { يخطف أبصرهم } [البقرة: 20]، ~~أي: أبصار نفوسهم الأمارة بالسوء { كلما أضآء لهم مشوا ~~فيه } [البقرة: 20]، سلكوا طريق الحق بقدم الصدق { وإذآ أظلم ~~عليهم } [البقرة: 20]، ظلمات صفات النفس وغلب عليهم الهوى مالوا إلى ~~الدنيا { قاموا } [البقرة: 20] أي: وقفوا عن السير وتحيروا وترددوا ~~وتطرقت إليهم الآفات واعترتهم الغرات واستولى عليهم الشيطان وسولت لهم ~~أنفسهم الشهوات حتى وقعوا في ورطة الهلاك. # { ولو شآء الله } [البقرة: 20]، أي ولو كانت مشيئته وإرادته أن ~~يهديهم { لذهب بسمعهم وأبصرهم } [البقرة: 20]، أي: ~~بسمع نفوسهم الذي تنظر إلى زينة الحياة الدنيا وزخارفها كقوله تعالى: # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها # [السجدة: 13]، { إن الله على كل شيء قدير } [البقرة: ~~20]، أي: قادر على سلب أسماعهم وأبصارهم حتى لا يسمعوا الوساوس الشيطانية ~~والهواجس النفسانية ولا يبصروا المزخرفات الدنياوية، والمستلذات ~~الحيوانية لكيلا يغتروا بها ويبيعوا الدين بالدنيا، ولكن الله يفعل ~~بحكمته ما يشاء ويحكم بعزته ما يريد، فلما أتم الكلام مع المؤمنين ~~والكافرين والمنافقين خاطب الناس عموما أجمعين بقوله تعالى: { ~~يأيها الناس } [البقرة: 21]، إلى { وأنتم تعلمون } ~~[البقرة: 22] والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى خاطب الناسي عهوده ~~يوم الميثاق والإقرار بربوبيته ومعاهدته ألا يعبدوا إلا إياه، فخالفوه ~~ونقضوا عهده وعبدوا الطواغيت من الأصنام والدنيا والنفس والهوى والشيطان ~~فزلت قدمهم عن جادة التوحيد ووقعوا في ورطة الشرك والهلاك فبعث إليهم ~~الرسول وكتب إليهم الكتاب وأخبرهم عن النسيان والشرك ودعاهم إلى التوحيد ~~والعبودية. # { اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ~~} [البقرة: 21]، يعني: ذراتكم وذرات من قبلكم يوم الميثاق وأخذ مواثيقكم ~~بالربوبية والتوحيد والعبادة فأوفوا بعهد العبودية بتوحيد اللسان وتجريد ~~القلب وتفريد السر وتزكية النفس بترك المحظورات وإقامة الطاعات ~~المأمورات، { لعلكم تتقون } [البقرة: 21]، عن ترك عبادة غير ~~الله فيوفي الله بعد الربوبية بالنجاة من الدركات ورفع الدرجات بالجنات ~~والإكرام بالقربات والكرامات في الآخرة، كما أكرمكم في الدنيا. # { الذي جعل لكم ms0065 الأرض فرشا والسماء بنآء } ~~[البقرة: 22]، فيه إشارة إلى تعريفه نفسه بالقدرة الكاملة ومنته على ~~عباده وعزة عباده عنده وفضيلتهم على جميع المخلوقات من عباده بأن جعل لهم ~~بنفسه فراشا كالأرض ودنيا كالسماء، وأما عزة عباده عنده بأن خلق ~~السماوات والأرض وما فيها لأجلهم وسخرها لهم لقوله تعالى: # وسخر لكم ما في السموت وما في الأرض جميعا ~~منه # [الجاثية: 13]، فكان وجود السماوات تبعا لوجودهم وما كان وجودهم تبعا ~~لوجود شيء إلا وجوده، ولهذا السر أمر الله تعالى ملائكته بالسجود لآدم ~~عليه السلام وحرم على آدم وأولاده السجود لغير الله، ليظهر أن الملائكة ~~وإن كانوا قبل وجود آدم أفضل الموجودات فلما خلق آدم عليه السلام جعله ~~مسجودا للملائكة ليكون هو أفضل المخلوقات وأكرمهم على الله تعالى ومتبوع ~~كل شيء والكل تابع له. # قال تعالى: { وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من ~~الثمرت رزقا لكم } [البقرة: 22]، تحقيقه أن الماء هو ~~القرآن، وثمراته: الهدى والتقى والنور والرحمة والشفاء والبركة واليمن ~~والسعادة والقربة والحق واليقين والنجاة، والرفعة والصلاح الفلاح والحكمة ~~والموعظة والحلم والعلم والآداب والأخلاق والعزة، والغنى والتمسك بالعروة ~~الوثقى والاعتصام بحبل الله المتين، وإجماع كل خير وختام سعادة زهوق باطل ~~الوجود الإنساني عند مجيء تجلي حقيقة الصفات الربانية لقوله تعالى: # قل جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان ~~زهوقا # [الإسراء: 81]، فأخرج بماء القرآن هذه الثمرات من أرض قلوب عباده فكما ~~أن الله من على عباده بإخراج الثمرات وقال: { فأخرج به من ~~الثمرت رزقا لكم } [البقرة: 22] وكان للحيوان فيها رزق؛ ~~ولكن يتبعه الإنسان كما قال تعالى: # متاعا لكم ولأنعامكم # [النازعات: 33]. # كذلك القرآن بثمراته كان رزقا مختصا بالإنسان وللملائكة والجن كان لهم ~~فيه رزق ولكن بتبعية للإنسان وهذا مما لا تدركه العقول المشوبة بالوهم ~~والخيال؛ بل تدركه العقول المؤيدة بتأييد الفضل والنوال. # قوله تعالى: { فلا تجعلوا لله أندادا } [البقرة: 22]، فيه ~~ثلاثة معان: # أولها: أن هذا الذي جعلت لكم من خلق أنفسكم وخلق السماوات والأرض ما ~~فيها ليس شأن أحد غيري، { وأنتم تعلمون } [البقرة: 22]، فلا ~~تجعلوا لي ms0066 أندادا في العبودية. # وثانيها: إني جعلت السماوات والأرض والشمس والقمر كلها واسطة أرزاقكم ~~وأسبابها وأنا الرازق فلا تجعلوا الوسائط أندادا لي، # لا تسجدوا للشمس ولا للقمر # [فصلت: 37]. # وثالثها: إني خلقت الموجودات وجعلت لكل شيء حظا في شيء آخر وجعلت حظ ~~الإنسان في محبتي ومعرفتي، وكل محظوظ لو انقطع عنه حظه لهلك فلا تنقطعوا ~~عن حظوظكم من محبتي ومعرفتي بأن تجعلوا لي أندادا وتحبونهم كحب الله. # والذين آمنوا أشد حبا لله # [البقرة: 165]، فالأنداد وهي الأحباب غير الله تعالى: فوصف الذين لم ~~ينقطعوا عن حظ محبته بالإيمان وقال: # والذين آمنوا أشد حبا لله # [البقرة: 165]، يعني: الذين اتخذوا من دون الله أندادا في المحبة ما ~~آمنوا حقيقة وإن زعموا الإيمان فافهم جدا ولا تغتر بالإيمان التقليدي ~~الموروثي حتى تقبح على هذا المحل. # ثم ذكر اختصاص نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم بالعبودية الخالصة مطلقا ~~لقوله تعالى: # وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا # [البقرة: 23]، الآيتين، والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى جعل ~~إعراض المعرضين واعتراض المعترضين فباب غيرته وسرادقات عزته لحبيبه ~~المرسل، وكتابه المنزل لئلا يشاهد المعرضون عن الله حبيبه، ولا يطالع ~~المعترضون على الله كتابه، فلم يزدهم بيان النبي صلى الله عليه وسلم ~~وإعجاز القرآن إلا ريبا على ريب وخسارا على خسار، كما قال تعالى: # وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون # [يونس: 101]. ### || [2.23-28] # حجبوا عن مشاهدة الحبيب صلى الله عليه وسلم ومنعوا عن طاعة الكتاب قال ~~لهم: { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا } ~~[البقرة: 23] سماه بالعبد المطلق ولم يسم غيره إلا بالعبد المقيد باسمه ~~كما قال تعالى: # واذكر عبدنآ أيوب # [ص: 41]، وذلك أن كمال العبودية ما تهيأ لأحد من العالمين وهو كمال ~~حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، وكمال العبودية في كمال الحرية عما سوى ~~الله تعالى وهو مختص بهذه الكرامة كما أثنى الله تعالى عليه بذلك وقال: # إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما ~~طغى # [النجم: 16-17]، فلما اختص بهذه الحرية أكرمه باسم ms0067 العبد المطلق كما قال ~~تعالى: # فأوحى إلى عبده # [النجم: 10] إنما ذكره في هذه الآية بعبدنا أمر في الآيات المتقدمة ~~بالعبودية الخالصة وترك الأنداد، ولقوله # اعبدوا ربكم # [البقرة: 21]، وقوله تعالى: # فلا تجعلوا لله أندادا # [البقرة: 22]، أي: أحبابا من الدنيا والهوى والنفس وشهواتها من المراتع ~~الحيوانية والآخرة ونعيمها والروح وما لو فاتها من المستحسنات الروحانية ~~وما صح لأحد من العالمين من هذه المرتبة من العبودية الخالصة إلا لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم فذكره في هذا المعرض وسماه بعبدنا مطلقا. # وقال تعالى: # إن كنتم في شك # [يونس: 104] مما أنعمنا على عبدنا محمد لحسن استعداده في كمال العبودية ~~بإنعام الوحي ونعمة القرآن، { فأتوا بسورة من مثله } ~~[البقرة: 23]، مثل القرآن من أنفسكم { وادعوا شهدآءكم } ~~[البقرة: 23]، الحاضرين معكم يوم الميثاق لأنكم وأنهم ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم كنتم جميعا مستمعين لخطاب، # ألست بربكم # [الأعراف: 172]، مجتمعين في جواب { بلى } ، فلو كان محمد قادرا على ~~إتيان القرآن من تلقاء نفسه فهو وأنتم في الاستعداد الإنساني الفطري ~~سواء، فأتوا بالقرآن من تلقاء أنفسكم أيضا. # { من دون الله إن كنتم صدقين } [البقرة: 23]، إنه ~~لقوله من عنده والذي يدل عليه قوله # قل إنمآ أنا بشر مثلكم # [الكهف: 110]، يعني: في الاستعداد البشري # يوحى إلي # [الكهف: 110] ولكن خصصت بالوحي. # ثم أخبر عن عجزهم بالإتيان بمثل القرآن في الاستقبال { فإن لم ~~تفعلوا ولن تفعلوا } [البقرة: 24] أي: لا تقدرون أنتم ولا من ~~يجيء بعدكم أبدا لأن " لن " للتأبيد وهذا من جملة معجزات القرآن، { ~~فاتقوا النار التي وقودها الناس } [البقرة: 24]، هي ~~صفة القهر وصورة غضب الحق كما جاء في الحديث الصحيح: # " قال الله للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ". # { التي وقودها الناس } [البقرة: 24]، أنانية الإنسان التي ~~نسيان الله من خصوصيتها { والحجارة } [البقرة: 24]، أي: الذهب لأن ~~به تحصيل مرادات النفس وشهواتها وما يميل إليه الهوى، فعبر عما يعبده ~~أنانية نفس الإنسان بالحجارة؛ لأن أكثر الأصنام كانت من الحجارة وعن ~~أنانيته الإنسان بالناس؛ لأنه طلبت غير الله تعالى وعبدته لنسيان الحق ~~ومعاهدة يوم الميثاق، ثم ms0068 جعل وقودها الناس لقوله تعالى # إنكم وما تعبدون من دون الله # [الأنبياء: 98]. # ولا يظنن جاهل أن مثل هذه التحقيقات تدل على إبطال ما هو المفهوم من ~~ظاهر الآية وإبطال ما قرره العلماء والكبراء من المعاني الظاهرة! حاشا ~~وكلا؛ ولكن قال صلى الله عليه وسلم: # " إن للقرآن ظهرا وبطنا " # فظاهره يدل على ما فسره العلماء، وباطنه يدل على تحقيق أهل التحقيق بشرط ~~أن يكون موافقا للكتاب والسنة ويشهدان عليه بالحق فإن كل حقيقة لا يشهد ~~عليها الكتاب والسنة فهي إلحاد وزندقة لقوله تعالى: # ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين # [الأنعام: 59]. # قوله تعالى: { أعدت للكفرين } [البقرة: 24]، أي: خلقت وهيأت ~~للكافرين خاصة، ولكن يتطهر المذنبون بها لعبورهم بتبعية الكافرين كما أن ~~الجنة خلقت وعدت للمتقين خاصة ولكن يدخلها المذنبون من أهل الإيمان بعد ~~تطهيرهم بورود النار والعبور عليها بتبعية المتقين، ويدل عليه قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى: # " خلقت الجنة وخلقت لها أهلها وبعمل أهل الجنة يعملون، وخلقت النار ~~وخلقت لها أهلها وبعمل أهل النار يعملون " # فلما ذكر الكفار وتخويفهم ذكر المؤمنين وبشرهم بالجنان وقرب الجوار ~~بقوله تعالى: { وبشر الذين آمنوا } [البقرة: 25]، الإشارة في ~~تحقيق الآية إن الله تعالى بشر الذين آمنوا وهم صنفان: خواص وخواص ~~الخواص، فالخواص آمنوا بالنور الغيبي الروحاني المشاهد في غيب الأمور ~~الأخروية. # { وعملوا الصلحت } [البقرة: 25]، أي: الصالحات التي تنبت ~~بذر الإيمان في القلوب يدل عليه قوله تعالى: # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه # [فاطر: 10]، وهي الطاعة التي ذكرت في الآيات الثلاث من أول السورة ~~وغيرها، { أن لهم جنت تجري من تحتها الأنهر } ~~[البقرة: 25] أي: يحصل لهم من نتائجها هذه الجنات والثمرات. # وخواص الخواص آمنوا بنور الغيب الرباني وشاهدوا ما آمنوا به وعاينوا ما ~~شاهدوا وكوشفوا بحقائقه، فقد حصلت لهم جنات القربة معجلة من بذر الإيمان ~~الحقيقي وأعمالهم الصالحة القلبية والروحية والسرية بالتوحيد والتجريد ~~والتفريد جنات من أشجار التوكل واليقين والزهد والورع والتقوى والصدق ~~والإخلاص، والهدى والقناعة والعفو والمروءة والفتوة والمجاهدات والمكائد ms0069 ~~والشوق والذوق والرغبة والرهبة، والخوف والخشية والرجاء والصفاء والوفاء ~~والطلب والإرادة والمحبة والحياء والكرم والسخاوة والشجاعة، والعلم ~~والمعرفة والغرس والرفعة والقدرة والحلم والعفو والرحمة والهمة العالية، ~~وغيرها من المقامات والأخلاق تجري من تحتها مياه العناية والتوفيق ~~والرأفة والعطف والفضل. # { كلما رزقوا منها } [البقرة: 25]، أي: من هذه الأشجار { من ~~ثمرة } [البقرة: 25]، من ثمرات المشاهدات والمكاشفات والمعاينات ~~والموافقات والألطاف والأسرار والإشارات والإلهامات والمكالمات والأنوار ~~والحقائق وغيرها من المواهب والأحوال { رزقا } [البقرة: 25]، أي: ~~عطفا وختما وعطية { قالوا هذا الذي رزقنا من قبل } ~~[البقرة: 25]، وذلك لأن أصحاب المشاهدات شاهدوا أحوالا شتى في صورة ~~واحدة من ثمرات مجاهدتهم فيظن بعضهم من المتوسطين أن هذا المشاهد هو الذي ~~شاهده قبل هذا فتكون الصورة تلك الصورة؛ ولكن المعنى حقيقة أخرى مثاله ~~شاهد السالك نورا في صورة نار كما شاهد موسى عليه السلام نور الهداية في ~~صورة نار كما قال: # إني آنست نارا # [طه: 10]، فتكون تارة تلك النار نار صفة غضب كما كان لموسى عليه السلام ~~إذ اشتد غضبه اشتعلت قلنسوته نارا أو تارة يشاهد النار وهي صفة الشيطنة، ~~وتارة تكون نار المحبة تقع في محبوبات النفس فتحرقها، وتارة تكون # نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة # [الهمزة: 6-7] فتخرق عليهم بيت وجودهم # إنها عليهم مؤصدة * في عمد ممددة # [الهمزة: 8-9] فالصورة النارية المشاهدة مشابهة بعضها ببعض. # كما قال تعالى: { وأتوا به متشبها } [البقرة: 25]، ولكن ~~السالك الواصل يجد من كل نار منها ذوق صفة أخرى كما مر في ثمار الجنة ~~فافهم واغتنم فإنك لم تجد ولا تجد هذه الحقائق والمعاني في كتب أخرى. # { ولهم فيهآ أزوج } [البقرة: 25]، أي: لأرباب الشهود في جنات ~~القربات أزواج من أبكار الغيب { مطهرة } [البقرة: 25]، من ملامسة ~~الأغيار # لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن # [الرحمن: 56]. # { وهم فيها } [البقرة: 25]، في اقتضاء، فهم { خلدون } ~~[البقرة: 25]، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إن من العلوم كهيئة المكنون لا يعلمها إلا العلماء بالله فإذا نطقوا ~~بها لا ينكرها إلا أهل الغرة بالله ". # واعلم أن كل شيء يشاهد في ms0070 الشهادات كما أن له صورة في الدنيا له معنى ~~حقيقي في الغيب ولهذا كان النبي صلى الله وعليه وسلم يسال الله تعالى ~~بقوله: # " أرنا الأشياء كما هي " # فتكون في الآخرة صورة الأشياء وحقائقها حاصلة، ولكن الحقائق والمعاني ~~على الصورة غالبة فترى في الآخرة صورة شيء بعينه فتعرفه فتقول: { هذا ~~الذي رزقنا من قبل } [البقرة: 25] فيكون الاسم والصورة كما ~~كانت ولكنها في ذوق آخر غير ما كنت تعرفه ولهذا قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: ليس شيء في الجنة مما في الدنيا غير الأسماء، وهذا كما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله يكون يوم القيامة كهيئتها، إذا طعنت ~~تفجر دما فاللون لون الدم والعرف عرف المسك " # فالآن لون ذلك الدم في الشهادة حاصل ولكن عرفه في الغيب لا يشاهد، ففي ~~الآخرة يشاهد الصورة الدنيوية والمعاني الغيبية فافهم جدا واغتنم. # ذكر بعد إظهار الحقائق في الأمثلة المتناسبة لتفهم المعاني المتشابهة ~~قوله تعالى: { إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا } ~~[البقرة: 26]، إلى قوله: { الفسقين } [البقرة: 26]، { إن ~~الله لا يستحى } أي: لا يبالي الله أن يضرب مثلا { ما ~~بعوضة } [البقرة: 26]، أي: يلبس المعاني كسوة الأمثلة لبيان البعوضة ~~{ فما فوقها } [البقرة: 26]، في الحقارة والصغر أو فوقها في الكبر ~~كالذباب والعنكبوت وذلك لأن في كل شيء من العرش العظيم والذرة الحقيرة ~~لله تعالى آية تدل العباد إلى المعبود، وتهدي القاصد إلى المقصود ففي ~~البعوضة دلالات وآيات إذا جاعت قويت وطارت، وإذا شبعت تشققت وتلفت فهذه ~~تدل على الإنسان فإنه إذا جاع رجع إلى الله تعالى، وإذا أشبع يتبع الهوى ~~كما قال تعالى: # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض # [الشورى: 27]. # وقال تعالى: # إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]، ومنها أن البعوضة خلقت على صورة الفيل وفيها معان: # منها: أن القدرة على إيجاد كل واحد منها غير منقادة ليس خلق أحدها بأهون ~~على الله تعالى من الأخرى. # ومنها: أن البعوضة إذا أعطيت على قدر حجمها الحقير ms0071 كل آلة وعضو أعطيت ~~الفيل الكبير القوي. # وفيه إشارة إلى حال الإنسان وكمال استعداده كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله خلق كل شيء على صورته " # أي: على صفته فعلى قدر صفة الإنسان أعطاه الله من كل صفة من صفات جلاله ~~وجماله أنموذجا ليشاهد في مرآة صفات نفسه كمال صفات ربه، كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " من عرف نفسه فقد عرف ربه " # ، ليس لشيء من المخلوقات هذه الكرامة المختصة بالإنسان. # كما قال تعالى: # ولقد كرمنا بني ءادم # [الإسراء: 70]، وفيها وفي أمثالها دلالات يطول شرحها فقس الباقي على ~~نداء { فأما الذين آمنوا } [البقرة: 26]، بنور الإيمان ~~يشاهدون المعاني والحقائق في صورة الأمثلة { فيعلمون أنه ~~الحق من ربهم وأما الذين كفروا } [البقرة: 26]، ~~جحدوا الحق ظلمة إنكارهم غشاوة أبصارهم فما شاهدوا الحقائق في كسوة ~~الأمثلة كما أن العجمي لا يشاهد المعاني في كسوة اللغة العربية فيسأل عن ~~الحيرة: " ماذا أراد العربي بهذه اللفظة " ، فكذلك الكفار والجهال عند ~~تحيرهم في إدراك حقائق الأمثال قالوا: { فيقولون ماذآ أراد ~~الله بهذا مثلا } [البقرة: 26]، فبجهلهم زاد إنكارهم على ~~الإنكار فتاهوا في أودية الضلالة بقدم الجهالة. # { يضل به كثيرا } [البقرة: 26]، ممن أخطأه رشاش النور في بدء ~~الخلقة كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إن خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد ~~اهتدى ومن أخطأه فقد ضل " # ، فمن أخطأه ذلك النور في عالم الأرواح فقد أخطأه نور الإيمان هاهنا، ~~ومن أخطأه نور الإيمان فقد أخطأه نور القرآن فلا يهتدي، ومن أصابه ذلك ~~هناك أصابه هاهنا نور الإيمان، ومن أصابه نور الإيمان فقد أصابه نور ~~القرآن، ومن أصابه نور القرآن فهو ممن قال: { ويهدي به كثيرا } ~~[البقرة: 26]، وكان القرآن لقوم شفاء ونعمة لأن كلامه صفة شاملة للطف ~~والقهر؛ فبلطفه هدى الصادقين، وبقهره أضل الفاسقين بقوله: { وما ~~يضل به إلا الفسقين } [البقرة: 26]، والفاسق الخارج من ~~إصابة رشاش النور في بدء الخلقة. # ثم أخبر عن نتائج ذلك الخروج ونقض العهد كما قال تعالى: { الذين ms0072 ~~ينقضون عهد الله من بعد ميثقه } [البقرة: 27]، الذين ~~ينقضون عهد الله الذي عاهدوه يوم الميثاق على التوحيد والعبودية والإخلاص ~~من بعد ميثاقه، { ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل } ~~[البقرة: 27]، من أسباب السلوك الموصل إلى الحق وأسباب النقل والانقطاع ~~عن غير الخالق. # كما قال تعالى: # وتبتل إليه تبتيلا # [المزمل: 8]، أي: انقطع إليه انقطاعا كاملا عن غيره { ويفسدون ~~في الأرض } [البقرة: 27]، أي: يفسدون بذر التوحيد الفطري في أرض ~~طينتهم بالشرك والإعراض عن قبول دعوة الأنبياء، وسقي بذر التوحيد ~~بالإيمان والعمل الصالح { أولئك هم الخسرون } [البقرة: ~~27]، خسروا استعداد كمالية الإنسان المودعة فيهم كما تخسر النواة في ~~الأرض استعداد النخلية المودعة فيها عند عدم الماء لقوله تعالى: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات # [العصر: 1-3]. # ثم أخبر عن كمال جرأتهم بنسيان نعمة اختراع وجودهم وكفرانهم كما قال ~~تعالى: { كيف تكفرون بالله } [البقرة: 28]، والإشارة في ~~تحقيق الآية أن قوله تعالى: { كيف } خطاب التهديد للكافرين عموما ~~وخطاب التوحيد للمؤمنين خصوصا وخطاب التشريف للأنبياء اختصاصا، فتهديد ~~الكافرين { كيف تكفرون بالله وكنتم أموتا } ~~[البقرة: 28]، نطفا في أصلاب آبائكم { فأحيكم } [البقرة: 28]، ~~بنفخ الروح فيكم في أرحام أمهاتكم، { ثم يميتكم } [البقرة: 28]، ~~عند مفارقة نفوسكم عن أبدانكم. # { ثم يحييكم } [البقرة: 28]، عند نفخ الصور والبعث عن القبور { ~~ثم إليه ترجعون } [البقرة: 28]، بالسلاسل والأغلال، ثم ~~يسحبون في النار على وجوههم. وفيه إشارة أخرى: كيف تكفرون بالله أي: لا ~~تكفرون بالله وإنما تكفرون بأنبيائه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~والبعث، والجنة والنار، يدل عليه قوله تعالى: { كيف تكفرون ~~بالله } [البقرة: 28] وبأنبيائه لأنكم { وكنتم أموتا } ~~[البقرة: 28] ذرات في صلب آدم فأحياكم بأخراجكم عن صلبه وأسمعكم لذلك ~~خطاب: # ألست بربكم # [الأعراف: 172]، وأذاقكم لذات الخطاب ووفقكم للجواب بالصواب حتى قلتم: { ~~بلى } رغبة لا رهبة { ثم يميتكم } [البقرة: 28] بالرجعة إلى ~~أصلاب آبائكم، وإلى عالم الطبيعة الإنسانية { ثم يحييكم } ~~[البقرة: 28] ببعثة الأنبياء وقبول دعوته { ثم إليه ترجعون } ~~[البقرة: 28] بدلالة الأنبياء وقدم التوحيد على جادة الشريعة إلى درجات ~~الجنان والنعيم المقيم. # وأما خطاب التشريف للأنبياء ms0073 والأولياء بقوله تعالى: { كيف ~~تكفرون } [البقرة: 28]، أي: لا تكفرون وكنتم في العدم، فأحياكم ~~بالتكوين في عالم الأرواح ورشاش النور فخمر طينة أرواحكم بماء نور ~~العناية، وتخمير الطينة أربعين صباح الوصال، { ثم يميتكم } ~~[البقرة: 28] بالمفارقة عن شهود الجمال إلى معبرة الحسن والخيال، كما ~~قيل: # لولا مفارقة الأحباب ما وجدت # لها المنايا إلى أرواحنا سبلا # { ثم يحييكم } [البقرة: 28] أما الأنبياء فبنور نور الوحي لقوله ~~تعالى: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشآء من عبادنا # [الشورى: 52]، وأما الأولياء فبروح روح الإيمان لقوله تعالى: # أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح ~~منه # [المجادلة: 22]. # { ثم إليه ترجعون } [البقرة: 28] أما الأنبياء فبالعروج ~~لقوله تعالى: # ارجعي إلى ربك راضية مرضية # [الفجر: 28]، فلما أثبت أن الرجوع إليه أمر ضروري؛ إما بالاختيار كقراءة ~~يعقوب ترجعون بفتح التاء وكسر الجيم، وأما بالإضطرار كقراءة الباقين أشار ~~إلى أن الذي ترجعون إليه { هو الذي خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا } [البقرة: 29] أي: ما خلقكم لشيء وخلق كل شيء لكم؛ بل خلقكم ~~لنفسه كما قال تعالى: # واصطنعتك لنفسي # [طه: 41] معناه: لا تكن لشيء غيري فإني لست لشيء غيرك، فبقدر ما تكون لي ~~أكون لك، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " من كان لله كان الله له " # وليس لشيء من الموجودات هذا الاستعداد أي: أن يكون هو لله على التحقيق ~~وأن يكون الله له، وفي هذا سر عظيم وإفشاء سر الربوبية كفر، فلا تشتغل بم ~~الك عمن أنت له فتبقى بلا هو بلا هو. ### || [2.29-33] # قوله تعالى: { ثم استوى إلى السمآء } [البقرة: 29]، أي: ~~شرع في تسويتها { فسوهن سبع سموت } [البقرة: 29]، ~~مستويات على مصالح الأرض ومنافع الخلق فيه، إشارة إلى أن وجود السماوات ~~والأرض تبعا لوجود الإنسان؛ لأنه قال: { خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا } [البقرة: 29]، أن الله تعالى خلق السماوات والأرض ~~وما فيهن وسواهن على وفق مصالحك وانتفاعك من وسلوكك وتربيتك فيهن، كذلك # الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما ms0074 ~~شآء ركبك # [الانفطار: 7-8] بنفخ روحه فيك. # كما قال تعالى: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي # [الحجر: 29]، ثم سواك بالوحي والإلهام بقبول فيض تجلي صفاته تعالى فيك ~~لك كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله خلق آدم فتجلى فيه " # ، قال تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم # [فصلت: 53]. # قوله تعالى: { وهو بكل شيء عليم } [البقرة: 29]، أي: عالم ~~في خلق كل شيء كيف خلقه ولأي شيء خلقه، وكل ذرة من مخلوقاته وكل شيء من ~~موجوداته يسبح ذاته وصفاته ويشهد بأحديته وصمديته ويقول: # ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك # [آل عمران: 191]، فلما ذكر أن السماوات والأرض خلقت للإنسان أخبر أن ~~الإنسان لماذا خلق بقوله تعالى: { وإذ قال ربك للملئكة ~~إني جاعل في الأرض خليفة } [البقرة: 30]، والإشارة في ~~تحقيق الآية: أن الله تعالى إنما قال { إني جاعل في الأرض ~~خليفة } [البقرة: 30]، ولم يقل: إني خالق معنيين: أحدهما: إن ~~الجاعلية أعم من الخالقية فإن الجاعلية هي الخالقية وشيء آخر وهو أن ~~يخلقه موصوفا بصفة الخلافة إذ ليس لكل مخلوق هذا الاختصاص كما قال ~~تعالى: # يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض # [ص: 26] أي: خلقتك مستعدا للخلافة فأعطيناكها، والثاني: إن للجعلية ~~اختصاصا بعالم الأمر وهو الملكوت وهو ضد عالم الخلق لأنه هو عالم ~~الأجسام والمحسوسات، كما قال تعالى: # ألا له الخلق والأمر # [الأعراف: 54]، أي: الملك والملكوت؛ فإنه تعالى حين ذكر ما هو مخصوص ~~بعالم الأمر جعله بالجعلية لامتياز الأمر عن الخلق كما قال تعالى: # الذي خلق السموت والأرض وجعل الظلمت ~~والنور # [الأنعام: 1]، فالسماوات والأرض لما كانت من الأجسام والمحسوسات ذكرها ~~بالخلقية، والظلمات والنور لما كانت من غير المحسوسات ذكرها بالجعلية، ~~وإنما قلنا إن الظلمات والنور من الملكوتيات لقوله تعالى: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # [البقرة: 257]، فإنما هي من الملكوتيات لا من المحسوسات، والظلمات ~~والنور التي من المحسوسات فإنها داخلة في السماوات والأرض فافهم جدا. # فكذلك ما أخبر الله تعالى عن آدم مما يتعلق بجسمانيته ذكره بالخلقية، ~~كما قال تعالى: # إني خالق ms0075 بشرا من طين # [ص: 71]، وما أخبر عما يتعلق بروحانية ذكره بالجعلية فقال تعالى: { ~~إني جاعل في الأرض خليفة } [البقرة: 30]، وفي: { إني ~~جاعل } إشارة أخرى وهو إظهار عزة آدم على الملائكة لينظروا إليه ينظر ~~التعظيم ولا ينظروا إليه بما يظهر منه ومن أولاده من أوصاف البشرية فإنه ~~تعالى يقول: # ولذلك خلقهم # [هود: 119] وسماه خليفته، وما شرف شيئا من الموجودات بهذه الخلقة ~~والكرامة وإنما، سمي خليفة لمعنيين: # أحدهما: أنه يخلق عن جميع المخلوقات ولا يخلفه المكونات بأسرها، وذلك ~~لأن الله تعالى جمع فيه ما في العالم كله من الروحانيات والجسمانيات ~~والسماويات والأرضيات والدنياويات والأخرويات والجماديات والنباتيات ~~والحيوانيات والمكونيات، فهو بالحقيقة خليفة كل العوالم، وأكرمه باختصاص ~~كرامة: # ونفخت فيه من روحي # [ص: 72] وما أكرم بها أحدا من العالمين، وأشار إلى هذا المعنى بقوله: # ولقد كرمنا بني ءادم # [الإسراء: 70] فلهذا الاختصاص ما صلحت الموجودات كلها أن تكون خليفة ~~لآدم عليه السلام وللحق تعالى. # والثاني: أنه يخلف عن وجود الحق في الحقيقة؛ لأن وجود الإنسان يدل على ~~وجود موجده كالبناء يدل على وجود الباني، وتخلف وحدانية الإنسان عن ~~وحدانية الحق ذاته، وصفاته عن صفاته فتخلف حياته عن حياته، وقدرته، ~~وإرداته عن إرادته، وسمعه عن سمعه، وبصره عن بصره وكلامه عن كلامه وعلمه ~~عن علمه ولإمكانية روحه عن الإمكانية ولجهته تفهم إنشاء الله، وليس لنوع ~~من المخلوقات أن يخلف عنه كما يخلف آدم عليه السلام وإن كان فيهم بعض هذه ~~الصفات؛ لأنه لا تجتمع صفات الحق في أحدكم وتجتمع في الإنسان ولا تتجلى ~~صفة من صفاته لشيء كما يتجلى لمرآة قلب الإنسان وصفاته. # فأما الحيوانات وإن كان لها بعض هذه الصفات ولكن ليس لها علم بوجودها ~~وموجدها، وأما الملائكة فإنهم وإن كانوا عالمين بوجود موجدهم؛ ولكن لا ~~يبلغ علمهم إلى أن يعرفوا أنفسهم بجميع صفاتها ولا الحق بجميع صفاته، ~~ولهذا قولوا: { سبحنك لا علم لنآ إلا ما علمتنآ } ~~[البقرة: 32]. # وأما الإنسان فله الخلافة صورة ومعنى؛ أما صورة فلأن له علما بوجود ~~موجده ويبلغ علمه إلى أن ms0076 يعرف نفسه بجميع صفاته والحق سبحانه بجميع صفاته ~~ولهذا كان مخصوصا بمعرفة نفسه بالخلافة وبمعرفة جميع أسماء الله تعالى. ~~وأما معنى؛ فليس في العالم مصباح يستضيء بنار نور الله فيظهر أنوار صفاته ~~في الأرض خلافة عنه إلا مصباح الإنسان، فإنه مستعد لقبول فيض نور الله ~~تعالى لأنه أعطى مصباح السر في زجاجة القلب والزجاجة في مشكاة الجسد، وفي ~~زجاجة القلب زيت الروح يكاد زيتها يضيء من صفات الله تعالى العقل، ولو لم ~~تمسسه نار النور في مصباح السر فتيلة الخفي. # فإذا أراد الله تعالى أن يجعل في الأرض خليفة يتجلى بنور جماله لمصباح ~~السر الإنساني فيهدي لنوره فتيله حتى من يشاء، فيستنير مصباحه بنار نور ~~الله تعالى فهو على نور من ربه، فيظهر خليفة الله في أرضه فتظهر أنوار ~~صفاته فيه هذا العالم فيأتي بالعدل والإحسان والرأفة والرحمة لمستحقها ~~وبالعزة والقهر والغضب والانتقام لمستحقها كما قال تعالى: # يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين ~~الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل ~~الله # [ص: 26]. # وقال لحبيبه صلى الله عليه وسلم: # بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]، وقال في حقه وحق المؤمنين: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم # [الفتح: 29]، ولا تظهر هذه الصفات على الحيوان ولا على الملك، وناهيك عن ~~هذا حالة هاروت وماروت ولما أنكروا على ذرية آدم عليه السلام اتباع الهوى ~~والقتل والظلم والفساد، قالوا: لو كنا بدلا منهم خلفاء الأرض ما كنا ~~نفعل مثل ما يفعلون، فالله تعالى أنزلهما الأرض وألبس عليهما لباس ~~البشرية، وأمرهما أن يحكما بين الناس بالحق ونهاهما عن الشرك والقتل بغير ~~الحق، والزنا وشرب الخمر. # قال قتادة: ما مر عليهما شهر حتى افتتنا فشربا الخمر، وسفكا الدم، ~~وزنيا، وقتلا، وسجدا للصنم. فثبت أن الإنسان مخصوص بالخلافة وقبول فيض ~~نور الله تعالى، فلو كان للملائكة هذه الخصوصية لم تفتتن بهذه الأوصاف ~~المذمومة الحيوانية والسبعية، كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~معصومين عن مثل هذه الأوصاف والأخلاق وكانت لازمة لصفاتهم البشرية؛ لكن ~~بنور ms0077 التجلي تنور مصباح قلوبهم واستنارت بنور قلوبهم جميع مشكات جسدهم ~~ظاهرا وباطنا، وأشرقت الأرض بنور ربها فلم تبق لظلمات هذه الصفات ~~مجالا للظهور مع استعلاء النور. فالملائكة من بدء الأمر لما نظروا إلى ~~جسد آدم عليه السلام شاهدوا ظلمات البشرية والحيوانية والسبعية في ملكوت ~~الجسد بالنظر الملكوتي الملكي ولم تكن تلك الصفات غائبة عن نظرهم. # { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ~~الدمآء } [البقرة: 30]، فقولهم هذا يدل على معان مختلفة؛ أن الله ~~تعالى أنطقهم بهذا القول ليتحقق لنا أن هذه الصفات الذميمة في طينتنا ~~مودعة في جبلتنا مركبة فلا نأمن عن مكر أنفسنا الأمارة بالسوء ولا نعتمد ~~عليها وما نبرؤها، كما قال تعالى حكاية عن قول يوسف عليه السلام: # ومآ أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ~~إلا ما رحم ربي # [يوسف: 53]. # ومنها: لنعلم أن كل عمل صالح نعمله ذلك بتوفيق الله تعالى إيانا وفضله ~~ورحمته وكل فساد وظلم نعمله هو من شؤم طبيعتنا وخاصة طينتا، كما قال الله ~~تعالى: # مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من ~~سيئة فمن نفسك # [النساء: 79]، وكل فساد وظلم لا يجري علينا، ولا يصدر منا فذلك من حفظ ~~الحق وعصمة ربه لقوله: # إلا ما رحم ربي # [يوسف: 53]. # ومنها: لنعلم أن الله تعالى من كمال فضله وكرمه قد قبلنا بالعبودية ~~والخلافة وقال من حسن عنايته في حقنا مع الملائكة المقربين: { إني ~~أعلم ما لا تعلمون } [البقرة: 30]، من رحمته والتقطع عن ~~خدمته. # ومنها: لنعلم أن فينا استعداد أمر عظيم وبناء جسيم ليس للملائكة به علم ~~وهو سر الخلافة فلا نتغافل عن هذه السعادة ونتقاعد عن هذه السيادة ونسعى ~~في طلبها حق السعي. # ومنها: أن الملائكة إنما { قالوا أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدمآء } [البقرة: 30]، لأنهم نظروا إلى جسد آدم ~~قبل نفخ الروح، فشاهدوا بالنظر الملكي في ملكوت جسده المخلوق من العناصر ~~الأربعة المتضادة صفات البشرية والبهيمية والسبعية التي تتولد من تركيب ~~أضداد العناصر كما شاهدوها في أجساد الحيوانات والسباع الضاريات؛ بل ~~عاينوها فإنها خلقت قبل ms0078 آدم عليه السلام، فقاسوا عليها أحواله بعد أن ~~شاهدوها وحققوها، وهذا لا يكون غيبا في حقهم، وإنما يكون غيبا لنا ~~لأننا ننظر بالحس، والملكوت يكون لأهل الحس غيبا، ومنا من ينظر بالنظر ~~الملكوتي فيشاهد الملائكة والملكوتيات بالنظر الروحاني كما قال تعالى: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض # [الأنعام: 75]، وقال تعالى: # أولم ينظروا في ملكوت السموت والأرض # [الأعراف: 185]، فحينئذ لا يكون غيبا، فالغيب ما غاب عنك وما شاهدته ~~فهو شهادة، فالملكوت للملائكة شهادة والحضرة الإلهية لهم غيب، وليس لهم ~~الترقي إلى تلك الحضرة، وإن في الإنسان صورة من عالم الشهادة المحسوسة، ~~وروحا من عالم الغيب الملكوتي المنزه عن المحسوس، وسرا مستعدا لقبول ~~فيض النور الإلهي، بالترقية يترقى من عالم الشهادات إلى عالم الغيب وهو ~~الملكوت، وبسر المتابعة ومخصوصيتها يترقى من عالم الملكوت إلى عالم ~~الجبروت والعظمة وهو غيب الغيب، ويشاهد بنور الله تعالى المستفاد من سر ~~المتابعة أنوار الجمال والجلال في خلافة الحق عالم الغيب، كما أن الله ~~تعالى هو عالم الغيب والشهادة # فلا يظهر على غيبه أحدا # [الجن: 26] أي: الغيب المخصوص وهو غيب الغيب { أحدا } يعني من ~~الملائكة إلا من ارتضى من رسول يعني من الإنسان، فهذا هو السر المكنون ~~والمدفون في استعداد الإنسان الذي كان الله يعلمه منه والملائكة لا ~~يعلمونه. # كما قال تعالى: { إني أعلم ما لا تعلمون } [البقرة: 30]، ~~ومنها أن الملائكة لما نظروا إلى كثرة طاعتهم واستعداد عصمتهم، ونظروا ~~إلى نتائج الصفات النفسانية استعظموا أنفسهم واستصغروا آدم وذريته، ~~فقالوا: { قالوا أتجعل فيها } [البقرة: 30]، يعني في الأرض { ~~خليفة } [البقرة: 30]، مع أنه { يفسد فيها ويسفك ~~الدمآء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } [البقرة: ~~30]، يعني نحن من هذه الأوصاف أحق بالخلافة منه، كما قال بنو إسرائيل حين ~~بعث لهم طالوت ملكا قالوا: # أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك ~~منه ولم يؤت سعة من المال # [البقرة: 247]، فأجابهم الله تعالى بأن استحقاق الملك ليس بالمال إنما ~~هو بالاصطفاء والبسطة في العلم والجسم، وقال: # إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم ms0079 ~~والجسم والله يؤتي ملكه من يشآء # [البقرة: 247]. # فكذلك هاهنا أجابهم الله تعالى بقوله: { قال إني أعلم ما لا ~~تعلمون } [البقرة: 30] لأنه فضله بقوله: # إن الله اصطفى ءادم # [آل عمران: 33]، وبقوله { وعلم ءادم الأسمآء كلها } ~~[البقرة: 31]، وبقوله: # ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي # [ص: 75] ليعلم أن استعداد تلك الخلافة واستحقاقها ليس بكثرة الطاعة، ~~ولكنه مالك الملك والملكوت يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز ~~من يشاء ويذل من يشاء، فلما تفاخرت الملائكة بطاعتهم على آدم عليه السلام ~~من الله تعالى على آدم بعلم الأسماء ليعلموا أنهم أهل الطاعة والخدمة، ~~فإنه أهل الفضل والمنة، وأين أهل الخدمة من أهل المنة، فبتفاخرهم على آدم ~~صاروا ساجدين له ليعلموا أن الله تعالى مستغن عن طاعتهم وبمنته على آدم ~~صار مسجدا لهم ليعلموا # وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء # [الحديد: 29] وفي قوله تعالى: { إني أعلم ما لا تعلمون } ~~[البقرة: 30]، إشارة أخرى إلى أنه كما يدل على أن لآدم عليه السلام فضائل ~~لا يعلمها الملائكة فكذلك رذائل أوصاف مذمومة لا يعلمها الملائكة؛ لأنهم ~~لا يعلمون منه أوصافا مذمومة يعني من نتائج النفس الأمارة عند نتائج نظر ~~الروح إلى النفس حاله استعمال الشرع من العجب والرياء والسمعة والخسران ~~واشتراء الحياة الدنيا بالآخرة والابتداع والزيغوغة واعتقاد السوء وغير ~~ذلك مما لا يشاركه الحيوانات. # ثم أخبر عن فضله مع آدم عليه السلام بقوله: { وعلم ءادم ~~الأسمآء كلها } [البقرة: 31]، إلى قوله { وما كنتم ~~تكتمون } [البقرة: 33]، والإشارة في تحقيق الآية أن الله تعالى فضل ~~آدم على الملائكة بفضائل جمة؛ منها: اختصاصه بتعليم الأسماء كلها ذكر ~~الأسماء بالألف واللام وهي لاستغراق الجنس فيقتضي أن لا يكون شيء إلا ~~وآدم يعلم اسمه وقوله: { كلها } أي: بكليتها، وهي حقائق بالمسميات ~~ومعناها. # وعلم آدم الأسماء والمسميات في حقائقها؛ مثاله أن الله تعالى علمك اسم ~~الغنم فما اقتصر منه على جزء هذا الاسم؛ بل علمك أسماءه كلها؛ بأن علمك ~~ببصرك اسم لون أبيض أم أسود، وعلمك اسم صوته بسمعك، واسم ريحه بشمك، ms0080 واسم ~~طعمه بذوقك، واسم لينه وخشونته بلمسك، وكذلك جميع أسماء صفاته وأخلاقه، ~~وخواص منافعه ومضاره، علمك بقولك وفعلك، وعملك بإيمانك اسم خلقه، فلكل ~~جزء من أجزائه اسم ولون وطعم ورائحة وصفة وخاصة وماهية وحقيقة أخرى لا ~~يعلمها إلا الإنسان؛ لأنه خلق في أحسن تقويم لإدراك صورة الأشياء ~~ومعانيها وحقائقها، وإن له بحسب كل شيء عن الجملة المذكورة آلة مدركة ~~لذلك الشيء كما هي، وليس للملائكة هذه المدركات كلها إلا ما يتعلق بالقوة ~~المدركة العقلية الملكية؛ فلهذا لما قال: { ثم عرضهم على ~~الملئكة فقال أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن ~~كنتم صدقين } [البقرة: 31] أي: إن كان لكم على آدم فضيلة ~~بالتسبيح والتقديس { قالوا سبحنك } [البقرة: 32]، أقروا له ~~بالفخر والاعتذار عن الاعتراض وتنزيها لله أن يفرض في حكم من أحكامه { ~~لا علم لنآ } [البقرة: 32]، بالأسماء وحقائقها { إلا ما ~~علمتنآ } [البقرة: 32]، مما أعطيتنا من النظر الملكوتي { إنك ~~أنت العليم } [البقرة: 32]، الذي أحاط بكل شيء علما # ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء # [البقرة: 255]، { الحكيم } [البقرة: 32]، فيما حكمت وقدرت ودبرت ~~الخلافة لآدم لا راد لحكمك ولا مفر من قضائك. # فظهرت فضيلة آدم عليهم بفنون هذه العلوم وبعجزهم عن الإتيان بمثلها، ~~فكما أن القرآن كان دليلا على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفضيلته على ~~الكافرين بإعجازهم عن إتيان مثله كذلك علم الأسماء، كان دليلا على خلافة ~~آدم عليه السلام وفضيلته على الملائكة بإعجازهم عن إتيان مثله، وهذه ~~الفضيلة كانت لآدم عليه السلام بعد تعلمه لأسماء المخلوقات، فلم يكن ~~مستحقا لسجودهم بهذا المقدار، فما أقام استحقاقه للسجود كان بتعلم أسماء ~~الله تعالى وصفاته بتعليم الله إياه بأن يجعل ذاته وصفاته مرآة قابلة ~~لتجلي صفات جماله وجلاله تبارك وتعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله خلق آدم فتجلى فيه " # ، فالتجلي فيه التخلق بأخلاقه والاتصاف بصفاته، وهذا هو سر الخلافة على ~~الحقيقة؛ لأن المرآة تكون خليفة المتجلي فيه وقوله تعالى: { أنبئوني ~~بأسمآء هؤلاء } [البقرة: 31] أي: أسماء المخلوقات دون أسماء ~~الله وصفاته { إن كنتم صدقين } [البقرة: 31]، في ms0081 دعواكم ~~بالفضيلة على آدم لتسبيحكم وتقديسكم؛ أي: لأن الفضيلة ليست بمجرد هذا فإن ~~ذرات الموجودات مسبحات بحمدي كما قال تعالى: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده # [الإسراء: 44]، وإنما الفضيلة في العلم لأن الطاعة من صفات الخلق، ~~والعلم من صفات الحق، فالفضيلة لمن له صفة الحق والخلق جميعا أولى منها ~~بمن له صفة الخلق فحسب، وهذا أحد أسرار الخلافة بأن يخلف عن الخلق ~~بصفاتهم ويخلف عن الحق بصفاته. # وقوله تعالى: { قال يآءادم أنبئهم بأسمآئهم } ~~[البقرة: 33]، معان مختلفة: # منها: إن من دلائل فضيلة آدم واستحقاقه لخلافة الحق احتياج الملائكة ~~إليه بإنبائه الأسماء، وكان آدم عليه السلام أول الأنبياء وأول ما بدأ ~~بإنباء الملائكة بأمر الحق، وهذا من جملة ما كان الله يعلمه من آدم ولا ~~يعلمون الملائكة منه، فقالوا: { قالوا أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدمآء } [البقرة: 30]، وكان الإنباء بأسمائهم من ~~إصلاح حالهم لا من الإفساد. # ومنها: أنه تعالى قال: { أنبئهم } ما قال: علمهم لأنه ما كان لهم ~~من استعداد للتعلم؛ لأن التعلم موجب الترقي في العلم، كما قال تعالى: # والذين أوتوا العلم درجات # [المجادلة: 11]، فكلما ازداد علما ازداد درجة وليس للملائكة الترقي في ~~الدرجات لقوله: # وما منآ إلا له مقام معلوم # [الصافات: 164]، ولما كان آدم مستعد للترقي فقال في حقه: { وعلم ~~ءادم الأسمآء كلها } [البقرة: 31]. # ومنها: أنه تعالى قال: { أنبئهم بأسمآئهم } [البقرة: 33]، ~~وما قال بأسماء كلها، كما قال تعالى في حق آدم عليه السلام وإلا لكان هذا ~~الأمر تكليفا بما لا يطاق، وليس هذا من سنة الله تعالى؛ لقوله # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286]، على أنا نقول لو كلف يجوز ولا يكون منه ظلما، ولكنه لا ~~يكلف فإنه ليس من سنته # ولن تجد لسنة الله تبديلا # [الأحزاب: 62] وإنما قلنا أنه كان في حق آدم التكليف بما لا يطاق لأن ~~الملائكة غير مستعدين لإنباء الأسماء كلها؛ لأن الأسماء على ثلاثة أقسام: ~~منها أسماء الروحانيات والملكوتيات وهي مقام الملائكة ومرتبتهم، فلهم علم ~~بعضها واستعداد أيضا لإنباء بما لا علم لهم ms0082 بها، فإن الروحانيات ~~والملكوتيات لهم شهادة كالجسمانيات لنا، والقسم الثاني: منها أسماء ~~الجسمانيات وهي مرتبة دون مرتبتهم فيمكن إنباءهم؛ لأن الجسمانيات لهم ~~كالحيوانات بالنسبة إلينا فإنها مرتبة دون مرتبة الإنسان فيمكن للإنسان ~~الإنباء بأحوالها، والقسم الثالث: منها أسماء الإلهيات وهي مرتبة فوق ~~مرتبة الملائكة، كما قال تعالى: # يخافون ربهم من فوقهم # [النحل: 50]، فلا يمكن للإنسان أن ينبئهم بها، ولا يمكن لهم الإنباء بما ~~فوق ما علمهم الله منها؛ لأنها غيبهم وليس لهم الترقي إلى الغيب، ولهم ~~مقام معلوم لا يتجاوزون عنه، وكذلك يمكن لهم النزول إلى هذا العالم، وذلك ~~أيضا بالأمر لقوله تعالى: # وما نتنزل إلا بأمر ربك # [مريم: 64]، ولا يمكن لهم الترقي من سدرة المنتهى إلى عالم الجبروت؛ ~~لأنهم أهل الملكوت كما قال جبريل عليه السلام عند سدرة المنتهى ليلة ~~المعراج # " لو دنوت أنملة لأحترقت ". # { فلمآ أنبأهم بأسمآئهم } [البقرة: 33] أي: بأسماء ~~معرضهم على الملائكة وبأنفسهم، وإنما كان آدم عليه السلام مخصوصا بعلم ~~الأسماء دون الملائكة، وهم محتاجون إليه بإنباء أسمائهم وأسماء غيرهم؛ ~~لأن آدم عليه السلام كان بالحقيقة أفضل العالم وخلاصته، وكان روحه بذر ~~شجرة العالم، وشخصه ثمرة شجرة العالم، ولهذا خلق شخصه بعد تمامه بما فيه ~~كخلق الثمرة بعد تمام الشجرة، وكما أن الثمرة تعبر عن أجزاء الشجرة كلها ~~حتى تظهر على أعلى الشجرة، كذلك آدم عبر على أجزاء الشجرة الموجودات ~~علوها وسفلها، وكان في جزء من أجزائها له منفعة ومضرة ومصلحة ومفسدة، ~~فسمي كل شيء منها باسم يلائم تلك المنفعة والمضرة والمصلحة والمفسدة بعلم ~~علمه الله تعالى واختص به من الملائكة، وغيرهم هذا من جملة ما كان الله ~~يعلم من آدم عليه السلام والملائكة لا يعلمونه. # وكان من كمال حال آدم عليه السلام أن أسماء الله تعالى جاءت على منفعته ~~ومضرته ومصلحته ومفسدته فضلا عن أسماء غيره، وذلك أنه لما كان مخلوقا ~~كان الله خالقا، ولما كان مرزوقا كان الله رازقا، ولما كان عبدا كان ~~الله معبودا، ولما كان معيوبا كان الله ستارا، ولما كان مذنبا كان ms0083 ~~الله غفارا، ولما كان تائبا كان الله توابا، ولما كان منتفعا كان ~~الله نافعا، ولما كان متضررا كان الله ضارا، ولما كان ظالما كان الله ~~عدلا، ولما كان مظلوما كان الله منتقما له، فعلى هذا قس الباقي، فلما ~~أظهر من آدم ما كان خفيا ومغيبا فيه من إنباء الأسماء، قال الله تعالى: ~~{ قال ألم أقل لكم } [البقرة: 33]، حين قلتم: { قالوا ~~أتجعل فيها من يفسد فيها } [البقرة: 30]، { إني ~~أعلم غيب السموت } [البقرة: 33]، أي غيب أهل السماوات وهم ~~الملائكة وغيبهم ما غاب عنهم من احتياجهم لآدم في إنباء الأسماء { ~~والأرض } [البقرة: 33]، أي غيب أهل الأرض هو آدم وغيبه ما كان مغيبا ~~مخفيا فيه من إنباء الملائكة بالأسماء { وأعلم ما تبدون } ~~[البقرة: 33]، من الطعن في آدم واستحقاقه الخلافة، وإظهار طاعتكم ~~بالتسبيح والتقديس تفاخرا به على آدم عليه السلام: { وما كنتم ~~تكتمون } [البقرة: 33]، من غيرتكم على آدم، وحسبان استحقاقكم ~~الخلافة. # فلما أظهر عليهم من أمر آدم خلاف ما تصوروا فيه ومن أمرهم غير ما ~~توهموه، أمرهم بالسجود لآدم إظهارا لاستغنائه عن طاعات المخلوقين ~~وعصيانهم وشركهم وكفرانهم؛ لأنه ليس كفران ومعصية أكبر من السجود لغيره، ~~واستغفارا لله باعتراضهم عليه وقالوا: { قالوا أتجعل فيها } ~~[البقرة: 30]، واعتذارا من آدم عليه السلام عن قولهم { من يفسد ~~فيها } [البقرة: 30]، وانكسارا لأنفسهم بإظهار { ونحن نسبح ~~بحمدك ونقدس لك } [البقرة: 30]. ### || [2.34-40] # ثم أخبر بقوله تعالى: { وإذ قلنا للملئكة اسجدوا ~~لأدم } [البقرة: 34]، والإشارة في تحقيق الآية أن في قوله { ~~اسجدوا } ثلاثة معان: # أحدهما: إنكم تسجدون لله بالطبيعة الملكية والروحانية { اسجدوا ~~لأدم } [البقرة: 34]، خلافا للطبيعة بل تعبدوا رقا وانقيادا للأمر ~~وامتثالا للحكم. # والثاني: { اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، تعظيما لشأن خلافته ~~وتكريما لفضيلته المخصوصة به، وذلك لأن الحق تعالى يتجلى فيه، فمن يسجد ~~له فقد سجد لله تعالى، كما قال تعالى في حق حبيبه صلى الله عليه وسلم: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله # [الفتح: 10]. # والثالث: { اسجدوا لأدم } [البقرة: 34]، أي: لأجل آدم عليه ~~السلام وذلك لأن طاعتهم وعبادتهم ليست موجبة لثوابهم وترقي درجاتهم، ~~وفائدتها على ms0084 الحقيقة راجعة إلى الإنسان لمعنيين. # أحدهما: إن الإنسان يقتدي بهم في الطاعة، ويتأدب بآدابهم في امتثال ~~الأوامر، وينزجر عن الإباء والاستكبار كيلا يلحق به اللعن والطرد كما لحق ~~بإبليس، ويكون مقبولا ممدوحا مكرما كما كان الملائكة في امتثال الأمر؛ ~~لقوله تعالى: # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6]، والثاني: إن الله تعالى من كمال فضله ورحمته مع الإنسان ~~جعل همة الملائكة في الطاعة والتسبيح والتحميد مقصورة على استعداد ~~المغفرة للإنسان، كما قال تعالى: # والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون ~~لمن في الأرض # [الشورى: 5]، فلذلك أمرهم بالسجود لأجلهم وليستغفرا لهم { فسجدوا ~~إلا إبليس أبى واستكبر } [البقرة: 34] أي: سجد الملائكة ~~لأنهم خلقوا من نور، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " خلقت الملائكة من نور " # والنور من شأنه الانقياد والطاعة، { إلا إبليس أبى } سجد وأبى ~~لأنه خلق من النار والنار من شأنها الاستكبار وطلب العلو طبعا { وكان ~~من الكفرين } [البقرة: 34]، لأنه ستر الحق على آدم عليه السلام ~~ولهذا أيضا سمي إبليس؛ لأنه يلبس الحق وأصل الكفر الستر. # ثم أخبر عن تمام نعمته على آدم وكرمه في حقه بعد سجود الملائكة وطرد ~~إبليس لأجله لقوله: { وقلنا يآءادم اسكن أنت وزوجك ~~الجنة } [البقرة: 35]، والإشارة في تحقيق الآية أن فيها إشارات ~~ومعاني منها: { يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } ~~[البقرة: 35] أي: بعد أن سجدت لك الملائكة ولعنت لأجلك إبليس جعلت الجنة ~~مسكنك وجعلت منك زوجك ولتسكن إليها وتسكن معك في الجنة، فأسكنا في الجنة ~~{ وكلا منها } [البقرة: 35] أي: من أثمار أشجارها ونعمها وألوان ~~أطعمها { رغدا حيث شئتما } [البقرة: 35]، فتمت نعمتي لديكما ~~ووجبت طاعتي عليكما { ولا تقربا هذه الشجرة } [البقرة: ~~35]، تقربا التي وطاعة لي لتكونا من المطيعين لأمري ونهيي والموفين ~~بعهدي، وإلا { فتكونا من الظلمين } [البقرة: 35]، فلما ~~قبلتما قولي وما أوفيتما بعهدي وعصيتما أمري وظلمتما على أنفسكما، فهذا ~~منكما من خصوصية الظلومية الجهولية ظلوم بأنه مظلم نفسه جهولا بأنه لا ~~يعلم أن ظلمه عائد إلى نفسه، كما قال تعالى: # وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [البقرة: 57]. # ومنها: ms0085 إشارة بأن أبحت لك يا آدم نعيم الجنة وما كان فيها، وما كان لك ~~فيها حق لأنك ما عملت عملا تستحق به الجنة، فأعطني هذه الشجرة الواحدة ~~منها وهي كلها لي وأنا خلقتها، فإن لم تعطينها وتطمع فيها أيضا، فاعلم # إن الإنسان لربه لكنود * وإنه على ذلك ~~لشهيد * وإنه لحب الخير لشديد # [العاديات: 6-8]. # ومنها: لتعلم أن لك همة عالية لا يسعها الجنة بما فيها، فإني أوهبتك ~~الجنة منفردا وحيدا وأبحت لك نعيمها مع كثرة تنوعها دون شجرة واحدة، ~~فما رضيت نفسك بها وما قنعت بها حتى تفرقت في تلك الشجرة، ولو كانت ~~مكانها ألف جنة أخرى لم يكفها، وكانت جهنم حرصا تقول هل من مزيد ولا تملأ ~~حتى يضيع الجبار فيها قدمه، فهنالك تمتلئ وتتردى بعضها إلى بعض وتقول: " ~~قط قط " فافهم جدا. # ومنها: إنه يشير بقوله تعالى: { يآءادم اسكن أنت وزوجك ~~الجنة } [البقرة: 35]، إلى أن الجنة مرتع النفس البهيمية الحيوانية، ~~وغاية مطلبها وهمتها ونهاية نهمتها وشهوتها، ولكن فيه ما تشتهيه الأنفس ~~وتلذ الأعين { وكلا منها رغدا حيث شئتما } [البقرة: 35]، ~~واقنعا بها واستريحا، ولا توقدا نار الفتنة على أنفسكما، ولا تصبا من ~~قرية الجنة ماء الجنة على رأسكما { ولا تقربا هذه الشجرة ~~} [البقرة: 35] أي: شجرة المحبة قد غرست لأجل آدم عليه السلام على ~~الحقيقة؛ لقوله تعالى: # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]، وإنما نهى عنها لمعنيين: # أحدهما: للعزة والدلال المحبوبي، فإنها من ثمة الحزن وكمالية الجمال. # وثانيهما: نهي التحريض والحث عليها، فإن الإنسان حريص على ما يمنع منه. ~~نقل أن آدم عليه السلام ما أكل من الجنة شيء آخر إلا من هذه الشجرة، ولو ~~لم ينه عنها لعله ما فرغ إليها من كثر أنواع المستلذات النفسانية، وكانت ~~المحبة غذاء روحانيا قد كره منها، وحرضه عليها بنهيه عنها، وهذا كان ~~كحال موسى عليه السلام، فلما أراد الله تعالى أن يشوقه إلى جماله ويبتليه ~~ببلاء طلب الرؤية، ويفتح به هذا الباب على المحبين كلمه تكليما بلا واسطة ~~جبريل عليه السلام لما أسكره بأقداح الكلام، ms0086 وأذاقه لذة شراب السماع، ~~وقربه اشتياقا إلى جماله وطمع في رؤيته، ورجا وصاله، فلما طمع في رؤيته ~~ألقى جلباب الحياء وقال: # رب أرني # [الأعراف: 143]، ثم تروى برواة الكبرياء، وأتزر بإزار العظمة والعلاء ~~وقال: # لن تراني # [الأعراف: 143]، فكذلك حال آدم عليه السلام خلصه بيده، ونفخ فيه من روحه ~~واسجد له ملائكته، وأسكنه الجنة في جواره وزوجه حواء حتى شاهد جمال الحق ~~في مرآة كل جميل من جمال الله تعالى، وأنبت شجرة المحبة بين يديه ودله ~~عليه نهيه ومنعه عنها، وقال: { يآءادم اسكن أنت وزوجك ~~الجنة } [البقرة: 35]، إلى { فتكونا من الظلمين } ~~[البقرة: 35]، على أنفسكما باستجلاب محنة المحبة لأن المحبة والمحنة ~~متلازمان، والبلاء والولاء توءمان، والجنة دار السلام والسلامة، فلما ~~ذاقا الشجرة أخرجا من دار السلام فثبتا على زعم الحسود وبيننا حديث كطيب ~~المسك شيب به الخمر، فلما أضاء الصبح فرق بيننا، وأتى نعيم لا تكدره ~~الدهر. # ثم أخبر عن ذلتهما بعد عزتهما بقوله تعالى: { فأزلهما ~~الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه } [البقرة: ~~36]، والإشارة فيها أن آدم عليه السلام أصبح محمول العناية، مسجود ~~الملائكة، متوجا بتاج الكرامة، ملبسا بلباس السعادة، في وسطه نطاق ~~القربة، وفي جيده طوق الزلفة، لا أحد فوقه في الرتبة ولا شخص معه في ~~الرفعة، يتوالى عليه حلاوة النداء كل لحظة، فلما جاء القضاء ضاق الفضاء ~~فانقلب العصا، فلم يمس حتى نزع لباسه، وسلب استئناسه تدفعه الملائكة بعنف ~~أن اخرج بغير مكث ولا بحث { فأزلهما } يد التقدير بحسن التدبير { ~~الشيطان عنها } أي: عن تلك العزة والقرابة، وكان الشيطان المسكين ~~في هذا الأمر كذئب يوسف لما اخذ بالجناية ولطخ فمه بدم كذب، وإخوته قد ~~ألقوه في غيابة الجب، فأخذ الشيطان لعدم العناية ولطخ خرطومه بدم نصح كذب ~~{ فأخرجهما مما كانا فيه } من السلامة إلى الملامة، ومن ~~الفرح إلى الترح، ومن النعمة إلى النقمة، ومن المحبة إلى المحنة، ومن ~~القربة إلى الغربة، ومن الألفة إلى الكلفة، ومن الوصلة إلى الفرقة، وكان ~~قبل أكل الشجرة مستأنسا بكل شيء ومؤانسا مع كل أحد، ولذلك ms0087 سمي إنسانا، ~~فلما ذاق شجرة المحبة استوحش من كل شيء، واتخذ كل أحد عدوا، وهكذا شرط ~~صحة المحبة عداوة ما سوى المحبوب، فكما أن ذات المحبوب لا تقبل الشركة في ~~التعبد كذا لا تقبل الشركة في المحبة، ولهذا قال { وقلنا اهبطوا ~~بعضكم لبعض عدو } [البقرة: 36]، وكذا كان حال الخليل في ~~البداية يتعلق بالكوكب والقمر والشمس، ويقول: # هذا ربي # [الأنعام: 76]، فلما ذاق شجرة الخلة قال: # لا أحب الآفلين # [الأنعام: 76]، # إني بريء مما تشركون # [الأنعام: 78]، # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء: 77]. # فلما استقرت حبة المحبة كالبذر في قلب آدم وجعل الله شخص آدم مستقر ~~قلبه، وجعل الأرض شخصه وقال: { ولكم في الأرض مستقر ~~ومتاع إلى حين } [البقرة: 36] أي: التمتع والانتفاع ببذر المحبة ~~بماء الطاعة والعبودية إلى حين إدراك ثمرة المعرفة؛ كقوله تعالى: # تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها # [إبراهيم: 25]. # وعلى التحقيق ما كانت ثمرة شجرة المخلوقات إلا المعرفة؛ لقوله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]، أي: ليعرفون، ثمرة المعرفة - وإن ظهرت على أغصان ~~العبادة - ولكن لا تنبت إلا من حبة المحبة كما أخبر النبي عليه السلام: # " أن داود عليه السلام قال: يا رب لماذا خلقت الخلق؟ قال: كنت كنزا ~~مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف " # ، فثبت أن بذر المعرفة هو المحبة، فاعلم واغتنم لعلك تشم رائحة فتسعد. # ثم أخبر عن أمطار الإلهام من سحاب الفضل والإنعام على أرض قلب آدم ~~لإنبات حبة المحبة، وتميز شجرة المعرفة بقوله تعالى: { فتلقى ~~ءادم من ربه كلمت } [البقرة: 37]. # والإشارة في تحقيق الآية: أن أول نبت مطرت أمطار الربانية من حبة المحبة ~~في قلب آدم، وطينة الإنسان كان نبات: # ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين # [الأعراف: 23]؛ لأنه أبصر بنور الإيمان أنه ظالم لنفسه إذا أكل حبة ~~المحبة، ووقع في شبكة المحنة والذلة، وإن لم يعنه ربه بمغفرته، ويفنه ~~برحمته لم يتخلص من حضيض بشريته الذي أهبط إليه، ويخسر رأس مال استعداد ~~السعادات الأزلية، ولم يمكنه الرجوع إلى ذروة ms0088 مقام القربة فاستغاث إلى ~~ربه وقال مضطرا، وكانت الحكمة في إبعاده بالهبوط والاضطرار، فإنه يجيب ~~المضطر إذا دعاه، فبسابقة العناية أخذ بيده وأفاض عليه بحال رحمته: { ~~فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم } [البقرة: 37]، ~~للتائبين فأخرج من آيات الكلمات شجرة الاجتباء، وأظهر على دوحتها زهرة ~~التوبة، وأثمر منها ثمرة الهداية، وهي المعرفة كما قال تعالى: # ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى # [طه: 122]. # ثم أخبر عن سر الهبوط مشروطا بالشروط لقوله تعالى: { قلنا ~~اهبطوا منها جميعا } [البقرة: 38]، الآيتين والإشارة فيهما: أن ~~الله تعالى لما ابتلى آدم بالهبوط إلى الأرض بشر بأن إلهامه ووحيه بالهدى ~~لا ينقطع عن ذريته هداهم بواسطة أنبيائه ووحيه، وإنزال كتبه { فإما ~~يأتينكم مني هدى } [البقرة: 38]، فمن آتاه منك ومنهم من ~~إلهامي ووحيي ورسولي وكتابي { فمن تبع هداي } [البقرة: 38]، كمن ~~اتبع آدم بالتوبة، والنوح بالبكاء، والاستغفار، وتربية بذر المحبة ~~بالطاعة، والعبودية حتى يثمر التوحيد والرفعة { فلا خوف عليهم ~~} [البقرة: 38]، في المستقبل من وبال إفساد بذر المحبة من طينة الصفات ~~الحيوانية والسبعية، وإبطال استعداد السعادات أبدية باستيفاء التمتعات ~~الدنياوية { ولا هم يحزنون } [البقرة: 38]، على هبوطهم إلى ~~الأرض لتربية بذر المحبة؛ إذ هم راجعوا بتتبع الهداية وجذبات العناية إلى ~~أعلى ذروة حظائر القدس كما قال تعالى: # إن إلى ربك الرجعى # [العلق: 8]، ثم ذكر من كفر بهداه وجعل النار سواه، وقال { الذين ~~كفروا } [البقرة: 39]، أي: ستروا بذر المحبة بتعلقات الشهوات ~~النفسانية، وظلموا أنفسهم بتكذيب الآيات البينات من الجهالة الإنسانية ~~متى أفسدوا الاستعداد الفطري { وكذبوا بآيتنآ } [البقرة: 39]، ~~على معجزات أنبيائنا بالوحي والإلهام والرشد في تربية بذر المحبة، وتثمير ~~الشجرة الإنسانية بثمار التوحيد والمعرفة والبلوغ إلى درجات القربات، ~~ونعيم الجنان والغرفات { أولئك أصحب النار } [البقرة: 39]، ~~نار جهنم ونار القطيعة { هم فيها خلدون } [البقرة: 39]؛ لأنهم ~~خلدوا في أرض الطبيعة، واتبعوا أهواءهم فما نبت بذر محبتهم بماء الشريعة؛ ~~فبقوا بإفساد استعدادهم في دركات نار الجحيم وخسران النعيم خالدين ~~مخلدين. # ثم أخبر عن اختصاص بني إسرائيل ووعودهم بلسان النعيم وعهودهم بقوله ~~تعالى: { يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي ms0089 ~~أنعمت عليكم } [البقرة: 40]، من النعمة الظاهرة والباطنة. # فالظاهرة: نعمة الوجود والصحة والرزق وبعثة الأنبياء، وإنزال الكتب، ~~وإظهار الدلائل والمعجزات. # والباطنة: إخراج ذراتكم من صلب آدم وتسميعكم خطاب # ألست بربكم # [الأعراف: 172]، وتوفيقكم لجواب { بلى } واستعدادكم للعقل، وهدايتكم ~~للإيمان عليكم وآبائكم { وأوفوا بعهدي } [البقرة: 40]، الذي ~~آخذت منكم يوم الميثاق على التوحيد وإخلاص من العبودية { أوف ~~بعهدكم } [البقرة: 40]، وهو الهداية إلى الصراط المستقيم، وفيه ~~معنى آخر وهو: أوفوا بعهدي الذي خصصت بالإنسان دون الخلق - وهو محبتهم ~~إياي - أوف بعهدكم الذي خصصتكم به، وهو محبتي إياكم، كما قال تعالى: # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]، { وإيي فارهبون } [البقرة: 40]، أي: فإن ~~أحببتم غيري؛ فأرهبوا من فوات حظكم من قربتي ومحبتي وشهود جمالي، وكشف ~~أسراري، ودقائق معرفتي، وحقائق وصلتي. ### || [2.41-45] # ثم أخبر عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما أنزل عليه حذر ~~الفوات تلك السعادة؛ لقوله تعالى: { وآمنوا بمآ أنزلت } ~~[البقرة: 41]. # والإشارة فيها: أن الله تعالى أمرهم بالإيمان بالقرآن وبمن أنزل عليه ~~القرآن، وهو محمد صلى الله عليه وسلم { مصدقا لما معكم } ~~[البقرة: 41]، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، والقرآن مصدق ومقرر لما ~~معكم من التوراة، والإيمان بموسى عليه السلام { ولا تكونوا ~~أول كافر به } [البقرة: 41]، أول من يجحده ويسن سنة الكفر، فإن ~~وزر المقتدي يكون على المبتدي كما يكون على المقتدي { ولا تشتروا ~~بآيتي } [البقرة: 41]، من كشف الحقائق والأسرار والمشاهدات والأنوار ~~{ ثمنا قليلا } [البقرة: 41]. من مشارب النفس؛ يعني: الذي يرى ~~المؤمنين في الآفاق وفي أنفسهم بالالتفات إلى حركات ومعاملات توجب الحجب ~~والأستار بالركون إلى شيء من الأحوال والمقامات، فتقطعوا طريق ظهور الحق ~~والوصول إليه على أنفسكم بالاختيار { وإيي فاتقون } [البقرة: ~~41] أي: اتقوا بي مني وفروا إلي مني لتسلموا من مكري وقهري وكيد أنفسكم ~~وضلالتها. # ثم أخبر عن تأكيد الاتقاء وترك الاشتراء بقوله تعالى: { ولا ~~تلبسوا الحق بالبطل } [البقرة: 42]، الآيتين والإشارة في ~~تحقيق الآيتين أي: لا تقطعوا على أنفسكم طريق الوصول إلى الحق بالباطل ~~الذي هو تعلق القلب بما سوى الله تعالى كما قال صلى الله عليه سلم ms0090 قال: # " إن أصدق ما قالته العرب قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ". # { وتكتموا الحق } [البقرة: 42] أي: ولا تكتموا الحق بالتفاتكم ~~إلى غير الله { وأنتم تعلمون } [البقرة: 42]، أنه ليس لغير ~~الله وجود حقيقي { وأقيموا الصلوة } [البقرة: 43]، بمراقبة ~~القلوب وملازمة الخضوع والخشوع، { وآتوا الزكوة } [البقرة: 43]، ~~وأصل الزكاة الطهارة والنماء والزيادة أي: بالغوا في تزكية النفس عن ~~الحرص الدنيوي والأخلاق الذميمة وتطهير القلب عن رؤية السيئة، وترك ~~مطالبة ما سوى الله فإنه مع طلب الحق زيادة والزيادة على الكمال نقصان { ~~واركعوا مع الركعين } [البقرة: 43] أي: اقتدوا مع الانكسار ~~ونفي الوجود بالمنكسرين الباذلين الوجود لنيل الجود. # ثم أخبر عن فريق منهم بقوله تعالى: { أتأمرون الناس بالبر ~~وتنسون أنفسكم } [البقرة: 44]، والإشارة فيها أنها شاملة لمن ~~يحرض الناس على طلب الحق ومعاملة الصدق ويحذرهم الدنيا والهوى وينبئهم عن ~~آفاتها، وهو تباعد عن ذلك، ولا ينتهي بنفسه مثل العلماء السوء والملتبسين ~~الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه، وينهون عن المنكر ولا ينتهون عنه، { ~~وأنتم تتلون الكتب } [البقرة: 44] أي: تقرؤون القرآن { ~~أفلا تعقلون } [البقرة: 44]، معناه ولا تفهمون فحواه كي تنتهوا ~~عن أفعالكم الردية وتعملوا بأقوالكم السنية. # ثم أخبر عما يخرجهم إلى الحق وترك الباطل بقوله تعالى: { ~~واستعينوا } [البقرة: 45]، والإشارة فيها أن قوله تعالى: { ~~واستعينوا بالصبر } [البقرة: 45]، عن شهوات النفس ومتابعة ~~هواها { والصلوة } [البقرة: 45] أي: دوام الوقوف والتزام العكوف ~~على باب الغيب وحضرة الرب، { وإنها } [البقرة: 45] أي: الاستعانة ~~بهما { لكبيرة } [البقرة: 45]، أمر عظيم وشأن صعب { إلا على ~~الخشعين } [البقرة: 45]، وهم الذين تجلى الحق لأسرارهم فخشعت ~~لأنفسهم كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إذا تجلى الله لشيء خضع له ". ### || [2.46-51] # وقال تعالى: # وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا # [طه: 108] فالتجلي يورث الألفة مع الحق ويسقط الكلفة عن الخلق، { ~~الذين يظنون } [البقرة: 46] أي: يوقنون بنور التجلي { أنهم ~~ملقوا ربهم } [البقرة: 46]، أنهم يشاهدون كمال الحق، { ~~وأنهم إليه رجعون } [البقرة: 46]، بجذبات الحق الذي جذبه ~~منها توازي عمل الثقلين. # ثم أخبر عن تأكيد ذكر النعمة لتجديد المنة بقوله تعالى: { يبني ~~إسرائيل ms0091 اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } ~~[البقرة: 47]، والإشارة في تحقيق الآية أن الخطاب في قوله تعالى: { ~~يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم } [البقرة: 47]، ظاهره عام وباطنه خاص مع قوم منهم قد علم ~~الله فيهم خيرا، فأسمعهم خطابه في السر، فذكروا النعمة التي أنعم الله ~~بها عليهم، وهي استعداد قبولهم رشاش نوره يوم خلق الله الخلق في ظلمة ثم ~~رش عليهم من نوره، فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم من خاصة قبول ذلك ~~الرشاش كما قال صلى الله عليه وسلم: # " فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل ". # { وأني فضلتكم على العلمين } [البقرة: 47] أي: بهذه ~~النعمة عند رش النور على من لم يصبهم ذلك النور مع العالمين { ~~واتقوا يوما } [البقرة: 48] أي: عذاب يوم يخوف الله العام ~~بأفعاله، كما قال تعالى: { واتقوا } [البقرة: 48]، ويخوف الخاص ~~بصفاته كقوله تعالى: # أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون # [النحل: 23]، وقوله تعالى: # ليسأل الصادقين عن صدقهم # [الأحزاب: 8]، ويخوف خاص الخاص بذاته لقوله تعالى: # ويحذركم الله نفسه # [آل عمران: 28]، وقوله تعالى: # اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران: 102]. # { لا تجزي نفس عن نفس شيئا } [البقرة: 48]، # والأمر يومئذ لله # [الانفطار: 19] { ولا يقبل منها شفعة } [البقرة: 48]، في ~~حق نفسها ولا في حق غيرها بغير الإذن، كقوله تعالى: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة: 255]، { ولا يؤخذ منها عدل } [البقرة: 48] أي: عدل ~~لأنه # ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف ~~يرى # [النجم: 39-40]، والسعي المشكور إنما يكون هاهنا { ولا هم ~~ينصرون } [البقرة: 48]، لأنهم ما نصروا الحق هاهنا وقد قال تعالى: # إن تنصروا الله ينصركم # [محمد: 7]. # ثم أخبر عن أنواع نعمته وأصناف كرمه معهم بقوله تعالى: { وإذ ~~نجينكم من آل فرعون } [البقرة: 49]، والإشارة فيها أن ~~النجاة من آل فرعون النفس الأمارة بالسوء، وهي صفاتها الذميمة وأخلاقها ~~الرديئة في يوم: { يسومونكم سوء العذاب يذبحون ~~أبنآءكم ويستحيون نسآءكم } [البقرة: 49]، الروح والقلب ~~بذبح أبناء الصفات الروحانية الحميدة، واستحياء نساء بعض الصفات القلبية ~~لاستخدامهن في الأعمال القذرة الحيوانية لا تكن إلا بتنجية ms0092 الله تعالى، ~~كما قال صلى الله عليه وسلم: # " لا ينجي أحدكم عمله. قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن ~~يتغمدني الله بفضله ورحمته " # { وفي ذلكم } [البقرة: 49] أي: في استيلاء صفات النفس على القلب ~~والروح { بلاء من ربكم عظيم } [البقرة: 49]، في الخير ~~والشر فمن يهدي الله ويصلح باله حتى يرجع إلى الله تعالى في طلب النجاة ~~فينجيه الله تعالى ويهلك عدوه، ومن يضلله يخلد إلى الأرض واتبع هواه وكان ~~أمره فرطا، فيرديه الله تعالى ويغلب عدوه. # ثم أخبر تعالى عن نعمته العظمى تارة بعد أخرى بقوله تعالى: { وإذ ~~فرقنا بكم البحر } [البقرة: 50]، والإشارة فيها أن البحر هو ~~الدنيا، ماؤه شهواتها ولذاتها وموسى هو القلب وقومه صفات القلب، وفرعون ~~هو النفس الأمارة، وقومه صفات النفس وهم أعداء موسى وقومه يطلبونهم ~~ليقتلونهم، وهم سائرون إلى الله تعالى من العدو وهم خلفهم وبحر الدنيا ~~أمامهم، ولا بد لهم في السير إلى الله تعالى من العبور على البحر، ولو ~~يخوضون البحر بلا ضرب عصا، " لا إله إلا الله " على يد موسى القلب، فإن ~~له يدا بيضاء في هذا الشأن، لغرقوا كما غرق فرعون وقومه، ولو كانت هذه ~~العصا في يد فرعون النفس لم يكن لها معجزة انفلاق البحر، فلما أن ضرب ~~موسى القلب بعصا الذكر بإذن الله تعالى مرة بعد أخرى ينفلق بحر الدنيا ~~بنفي لا إله، ويتفرق ماء شهواته يمينا وشمالا ويرسل الله تعالى ريح ~~العناية وشمس الهداية على قعر بحر الدنيا، فيصير يابسا من ماء الشهوات، ~~فيخوض موسى القلب وصفاته، فيتجاوزون وتنجيهم عناية: " إلا الله " إلى ~~ساحل: # وأن إلى ربك المنتهى # [النجم: 42] وقيل لفرعون النفس: # أغرقوا فأدخلوا نارا # [نوح: 25]، فافهم جدا، # " فإن للقرآن ظهرا وبطنا ". # ثم أخبر بعد العبور عن ميعاد الحصول في ميقات القرب والوصول بقوله ~~تعالى: { وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة } [البقرة: ~~51]، الإشارة فيها معنيان: عدد الأربعين في الميعاد لاختصاصه في الكمالية ~~ذلك؛ لأن مراتب الأعداد أربع الآحاد والعشرات والمئات والألوف، والعشرة ~~عدد في نفسها كاملة لقوله ms0093 تعالى: # تلك عشرة كاملة # [البقرة: 196]، وإذا ضعفت العشرة أربع مرات، وهو أكمل مراتب الأعداد ~~يكون أربعين، وهو كمال الكمال، وهو عدد أيام تخمير طينة آدم عليه السلام ~~لقوله تعالى: # " خمرت طينة آدم بيدي أربعين صباحا " # فللأربعين خاصية وتأثير لا توجد في غيرها من الأعداد. # كما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله ابن مسعود - رضي الله عنهما - ~~قال: # " حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه ~~أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك... " " # الحديث كما أن انعقاد الطلسم الجسماني على وجه الكنز الروحاني كان ~~مخصوصا بالأربعين، كذلك يكون انحلاله باختصاص الأربعين # سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة ~~الله تبديلا # [الفتح: 23]. # ولهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه " # وإنما اختصاص الليل بالذكر في قوله: { أربعين ليلة } فلمعنيين: # أحدهما: أن لليل خصوصيته في التعبد والتقرب لقوله صلى الله عليه وسلم: # " أقرب ما يكون العبد من الرب في جوف الليل " # وهكذا قوله صلى الله عليه وسلم: # " ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا... " " # الحديث، ولهذا المعنى قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: # ومن الليل فتهجد به نافلة لك # [الإسراء: 79]، وقال تعالى: # سبحان الذى أسرى بعبده ليلا # [الإسراء: 1]. # والآخر: أنه لو ذكر اليوم دون الليل لظن موسى عليه السلام أنه موعود ~~بالتعبد في النهار دون الليل، وإنما الليل جعل للاستراحة والسكون لقوله ~~تعالى: # هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار ~~مبصرا # [يونس: 67]، فلما اختص الليل بالذكر علم موسى عليه السلام أن التعبد في ~~الليل والنهار جميعا. # ثم أخبر عن نعمة عفوه عنهم مع ما يصدر من المظالم منهم بقوله تعالى: # ثم عفونا عنكم # [البقرة: 52]، والإشارة فيها أن الله تعالى لما أراد أن يخرج جوهر ~~الشكورية التي هي من صفات الربانية من معدن الإنسانية أنعم عليهم بإسباغ ~~نعمه الظاهرة والباطنة. # فمن نعمه الظاهرة: ما ذكر ms0094 في الآيات السابقة بقوله تعالى: # يبني إسرائيل اذكروا # [البقرة: 40]. ### || [2.52-57] # ومن نعمه الباطنة: ما ذكر في قوله تعالى: { ثم عفونا عنكم من ~~بعد ذلك } [البقرة: 52] أي: من بعد عبادتكم العجل { لعلكم ~~تشكرون } [البقرة: 52]، والشكر على ثلاثة أوجه: شكر بالأقوال، وشكر ~~بالأعمال، وشكر بالأحوال. # فشكر الأقوال: أن يتحدث بالنعم مع نفسه إسرارا ومع غيره إظهارا ومع ~~ربه افتقارا، كما قال تعالى: # وأما بنعمة ربك فحدث # [الضحى: 11]، وقوله صلى الله عليه وسلم: # " التحدث بالنعم شكر ". # وشكر الأعمال: أن يعرف نعمة الله تعالى في طاعته ولا يعصيه بها، ويتدارك ~~ما فاته من الطاعات وبادر من المعاصي؛ لقوله تعالى: # اعملوا آل داوود شكرا # [سبأ: 13]. # وشكر الأحوال: أن يتجلى المنعم بالصفة الشكورية على سر العبد، فلا يرى ~~إلا المنعم في النعمة والشكور في الشكر، ويرى المنعم في النعمة من ~~المنعم، والشكر في الشكر والشكر من الشكور، ويرى وجوده وشكر النعمتين من ~~نعم المنعم ورؤية النعمة، فتكون نعمة وجوده مرآة جمال المنعم، ويكون شكره ~~مرآة جمال الشكور، ورؤية النعمة والمنعم نعمة أخرى إلى غير نهاية، فيعلم ~~ألا يقوم بأداء شكره ولا يشكره إلا الشكور # ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله ~~غفور شكور # [الشورى: 23]. # ثم أخبر عن إيتاء الكتاب أنها نعمة أخرى في هذا الباب بقوله تعالى: { ~~وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم ~~تهتدون } [البقرة: 53]، والإشارة فيها أن الله تعالى آتى لموسى ~~الكتاب وهي التوراة والفرقان وهو نور النبوة والحكمة يؤتيها الله تعالى ~~أنبياءه مع الكتاب، فيفرقون بها بين الحق والباطل للأمة، ويبينون بها ~~الكتاب، ويعلمهم الحكمة لقوله تعالى: # أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم ~~والنبوة # [الأنعام: 89]، وقوله تعالى: # ويعلمكم الكتاب والحكمة # [البقرة: 151]، قال صلى الله عليه وسلم: # " أوتيت القرآن ومثله معه " # ، { لعلكم تهتدون } لكي تهتدوا بنور الكتاب ونور حكمة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وحسن موعظته إلى التوبة الحقيقية، وهي الرجوع ~~إلى الله تعالى بقتل النفس الأمارة التي تعبد عجل الهوى؛ كيلا يحتاجوا ~~إلى قتل النفس في الصورة. فلما لم يهتدوا إلى هذه ms0095 التوبة بالتعريض، أمرهم ~~بالتصريح بقوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه } [البقرة: ~~54]، والإشارة فيها أن لكل قوم عجلا يعبدونه من دون الله؛ قوم يعبدون ~~عجل الدرهم والدينار قال صلى الله عليه وسلم: # " تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد الخميصة " # ، وقوم يعبدون عجل الشهوات، وقوم يعبدون عجل الجاه، وعجل الهوى وهذه ~~بغضها الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم: # " ما عبد إله أبغض على الله من الهوى ". # وقال تعالى: # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الجاثية: 23]، فأرسل الله تعالى نبيه موسى قلب كل سعيد لقوله تعالى: { ~~يقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ~~فتوبوا إلى بارئكم } [البقرة: 54]، ارجعوا إلى الله تعالى ~~بالخروج عما سواه، ولا يمكنكم إلا بقتل النفس { فاقتلوا ~~أنفسكم } [البقرة: 54]، بقمع الهوى لأن الهوى هو حياة، وبالهوى عبد ~~ما عبد من دون الله على الحقيقة، وبالهوى ادعى فرعون الربوبية، وعبد بنو ~~إسرائيل العجل، وبالهوى أبى واستكبر إبليس، وبه أكل آدم من الشجر، وبه ~~عبدت الكواكب والأصنام. # وفيه معنى آخر: { فتوبوا إلى بارئكم } ارجعوا إليه ~~للاستنصار على قتل النفس بنهيها عن هواها، فاقتلوا أنفسكم بنصر الله ~~وعونه، فإن قتل النفس في الظاهر تيسر للمؤمنين والكافرين، وأما قتل النفس ~~في الباطن وقهر ما قهر صعب لا يتيسر إلا خواص الحق بسيف الصدق ونصر الحق، ~~ولهذا جعل مرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهداء بقوله تعالى: # فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين # [النساء: 69]. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع من غزو يقول: # " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " # وذلك لأن المجاهد إذا قتل سيف الكفار يستريح من النصب والتعب بمرة ~~واحدة، وإذا قتل بسيف الصدق في يوم ألف مرة تحيى نفسه على بصيرة أخرى ~~وتزداد في مكرها وخداعها وحيلها، فلا يستريح المجاهد طرفة من جهادها، ولا ~~يأمن مكرها. وبالحقيقة: النفس صورة مكر الحق # فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون # [الأعراف: 99]. # { ذلكم خير لكم عند بارئكم } [البقرة: 54] يعني: ~~قتل النفس بسيف الصدق ألف مرة خير لكم؛ لأن ms0096 بكل قتلة رفعة درجة لكم عند ~~بارئكم، فأنتم تقربون إلى الله تعالى بقتل النفس وقمع الهوى وهو يتقرب ~~إليكم بالتوفيق للتوبة والرحمة عليكم، كما قال تعالى: # " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا " # ، وذلك قوله تعالى: { فتاب عليكم إنه هو التواب ~~الرحيم } [البقرة: 54]، أخبر عن سوء أعمالهم بمقالهم في قوله تعالى: ~~{ وإذ قلتم يموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله ~~جهرة } [البقرة: 55]، الآيتين، الإشارة فيهما أن مطالبة الرؤية جهرة ~~هي تعرض مطالعة الذات المقدسة، فتوجب سوء الأدب وترك الحرمة، وذلك من ~~أمارات البعد والشقاوة، فمن سطوات العظمة والعزة أخذتهم الرجفة والصعقة ~~إظهارا للعدل، ثم من سنة الكرم قاصد عليهم بحال النعم إسبالا للستر على ~~هيئات العبيد والخدم فقال: { فأخذتكم الصعقة وأنتم ~~تنظرون } [البقرة: 55]، { ثم بعثنكم من بعد موتكم ~~لعلكم تشكرون } [البقرة: 56]، إظهارا للفضل. # ثم أخبر عن نتائج الكرم بأنواع النعم بقوله تعالى: { وظللنا ~~عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى } ~~[البقرة: 57]، والإشارة: لما ابتلاهم بألسنة العزة وأدبهم بسوط القوة، ~~أدركهم بالرحمة في وسطة الكربة، فأكرمهم بالإنعام وظللهم بالغمام ومن ~~عليهم بالمن وسلاهم بالسلوى، فما ازدادوا بشؤم الطبيعة ولؤم الوقيعة إلا ~~في البلوى، كما قيل: { كلوا من طيبات ما رزقناكم } ~~[البقرة: 57]، بأمر الشرع { وما ظلمونا } [البقرة: 57]، إذ تصرفوا ~~فيها بالطبع { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } [البقرة: ~~57]، بالحرص على الدنيا ومتابعة الهوى. ### || [2.58-63] # ثم أخبر عن خروجهم من تيه البلاء ودخولهم قرية الابتلاء لقوله تعالى: { ~~وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية } [البقرة: 58]، الآيتين ~~والإشارة فيهما: أن الله تعالى لما علم من طينة الإنسان أن الأفعال ~~والأقوال الطبيعية تنبت وتقوي ظلمة البشرية، وتزيد في حجب الروح العلوي ~~أمرهم بالأفعال والأقوال الشرعية التي مودعة فيهما أنوار الشرع؛ لتكون ~~مزيلة لتلك الظلمات الطبيعية، فلما أراد بنو إسرائيل أن يدخلوا قرية ~~ويأكلوا من ثمارها وهذه القرية { فكلوا منها حيث شئتم ~~رغدا وادخلوا الباب سجدا } [البقرة: 58] ليكون سجودكم ~~مكفرا لخطايا أعمالكم الطبيعية { وقولوا حطة نغفر لكم ~~خطيكم وسنزيد المحسنين } [البقرة: 58]، الذين يطيعوننا ~~في أنوار إيمانهم وإحسانهم. # فلما أخبر بنو إسرائيل ms0097 سوء أفعالهم وبدلوا ما أمروا من مقالهم وظلموا ~~على أنفسهم بأعمالهم وأقوالهم، { فبدل الذين ظلموا قولا ~~غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا } ~~[البقرة: 59]، بالقول والعمل { رجزا من السمآء } [البقرة: 59]، ~~عذابا مهلكا في الدنيا وحجابا مبعدا في الآخرة { بما كانوا ~~يفسقون } [البقرة: 59]، عن أمر ربهم ويتبعون أهواء أنفسهم، كذا من ~~لم يعرف قدر النعماء يقرع باب البلاء لتجري عليه أحكام القضاء فامتحن ~~بأنواع المحن والوباء. # ثم أخبر عن إتمام النعماء بإجابة الدعاء عند الاستسقاء بقوله تعالى: { ~~وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك ~~الحجر } [البقرة: 60]، والإشارة فيها أن الروح الإنساني وصفاته في ~~عالم الغيب بمثابة موسى وقومه وهو يستسقي ربه ليرويها من ماء الحكمة ~~والمعرفة، وهو مأمور بضرب عصا " لا إله إلا الله " ، ولها شعبتان من ~~النفي والإثبات، فتتقدان نورا عند استيلاء ظلمات صفات النفس، وقد حمل من ~~جنة حضرة العزة على حجر القلب الذي كالحجارة أو أشد قسوة، { فانفجرت ~~منه اثنتا عشرة عينا } [البقرة: 60]، من ماء الحكمة لأن ~~كلمة: " لا إله إلا الله " اثنا عشر حرفا كل حرف عين { قد علم ~~كل أناس مشربهم } [البقرة: 60]، سبط من أسباط الصفاء ~~الإنساني، وهم اثنا عشر سبطا من الحواس الخمس الظاهرة والحواس الخمس ~~الباطنة والقلب والنفس، ولكل واحد حيث ساقه سائقه، وقاده قائده، فمشرب ~~عذب فرات ومشرب ملح أجاج؛ فالنفوس ترد مناهل المنى والشهوات، والقلوب ~~تشرب من مشارب النفي والطاعات والأرواح تشرب من زلال الكشوف والمشاهدات، ~~والأسرار تروى من عيون الحقائق بكأس تجلي الصفات عن ساقي # وسقاهم ربهم شرابا طهورا # [الإنسان: 21] والخطي بخطى الاضمحلال في حقيقة الذات. # { كلوا واشربوا } [البقرة: 60]، كل واحد منكم { من رزق ~~الله } [البقرة: 60]، بأمره ورضاه، { ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين } [البقرة: 60]، ترك الأمر واختيار الغرور، وبيع الدين ~~بالدنيا وإيثار الأولى على الآخرة واختيارها على المولى. # ثم أخبر عن علامة نفس الإنسان وخستها ودناءة سمتها بقوله تعالى: { ~~وإذ قلتم يموسى لن نصبر على طعام واحد } ~~[البقرة: 61]، والإشارة فيها أنه هكذا حال من لم يرض بقضائه، ولم يشكر ~~على ms0098 نعمائه، ولم يصبر على بلائه يكله إلى نفسه بالخذلان، ويرده إلى ~~مقاساة الذل والهوى فيلقي جلباب الحياء، ويقطع حبل الوفاء بسكين الجفاء، ~~ويبيح سفك دماء الأنبياء. # روي عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لقد كانت بنو إسرائيل تقتل في الغداة الواحدة ثلاثمائة نبي، ثم يقوم ~~سوق بقتلهم من آخر النهار، وما يكترثون بقتلهم، منهم من كان يأمر بالحق ~~فينشر بالمنشار، ومنهم من كان يرجم " # ويقال: كان بنو إسرائيل متفرقي الهموم ومشتتي المقصود، ولم يرضوا ~~لأنفسهم بطعام واحد ولم يكتفوا في تدينهم بمعبود واحد، حتى قالوا لموسى ~~عليه السلام لما رأوا قوما ما يعبدون الصنم: # اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة # [الأعراف: 138] هكذا صفة أرباب التفرقة يجدون الصبر مع الواحد شديد، قال ~~الله تعالى: # وإذا ذكرت ربك في القرءان # [الإسراء: 46]، # وحده ولوا على أدبرهم نفورا # [الإسراء: 46] فكما أن بني إسرائيل لم يصبروا على طعام واحد كان ينزل ~~عليهم من السماء، وقال لموسى عليه السلام من خساسة طبعهم وركاكة عقلهم: { ~~فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض } ~~[البقرة: 61]، كذلك نفس الإنسان من خسة طينتها ودناءة همتها لم تصبر على ~~طعام واحد يطعمها الرب الواحد واردات الغيب وإلهامات الرب، كما كان يصبر ~~نفس النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: # " لست كأحدكم فإني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " # بل تقول لموسى القلب: { فادع لنا ربك يخرج لنا مما ~~تنبت } أرض البشرية { من بقلها } [البقرة: 61]، الشهوات ~~الحيوانية { وقثآئها } [البقرة: 61]، اللذات الجسمانية. # { قال أتستبدلون الذي هو أدنى } [البقرة: 61]، من ~~البقول الدنيوية الفانية { بالذي هو خير } [البقرة: 61]، أي: ~~الباقيات الأخروية التي خير عند ربك { اهبطوا مصرا } [البقرة: ~~61]، القالب السفلي من مقامات الروح العلوي { فإن لكم ما ~~سألتم } [البقرة: 61]، من المطالب الدنيوية والمقاصد الردية. # { وضربت عليهم الذلة والمسكنة } [البقرة: 61]، ~~كالبهائم والأنعام بل هم أضل سبيلا؛ لأنهم { وبآءو بغضب من ~~الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله } ~~[البقرة: 61]، من الواردات الغيبية والمكاشفات الروحية ويئسوا منها ~~وطلبوا غيرها { ويقتلون النبيين بغير ms0099 الحق } ~~[البقرة: 61] أي: يتركون ما يفتح الله لهم من أنباء الغيب في مقام ~~الأنبياء إضرارا بهم { ذلك } [البقرة: 61] يعني: حصول هذه المقامات، ~~{ بما عصوا } [البقرة: 61]، ربهم في نقض العهد وتبدل المجهود في ~~طاعة المقصود { وكانوا يعتدون } [البقرة: 61]، من طلب الحق في ~~مطالبة ما سواه. # ثم أخبر عن حال أهل السلامة من ثبت منهم على الاستقامة بقوله تعالى: { ~~إن الذين آمنوا والذين هادوا } [البقرة: 62]، والإشارة ~~فيها بقول تعالى: { إن الذين آمنوا } [البقرة: 62]، من مدعي ~~الإسلام وغيرهم { والذين هادوا والنصارى والصابئين ~~من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا } [البقرة: ~~62] يعني: كان نور الله نور قلبه حتى آمن بذلك النور، كما قال تعالى: # " كنت له سمعا وبصرا ولسانا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق " # ، كذلك هاهنا من آمن بالله من جملة المذكورين فبي يؤمن لا بالتقليد ~~والرسم والعادة والاقتداء بالآباء وأهل البلد { فلهم أجرهم } ~~[البقرة: 62] أي: ثوابهم وجزاؤهم { عند ربهم } [البقرة: 62] أي: ~~مقام العندية والوصول، { ولا خوف عليهم } [البقرة: 62]، من حجب ~~الأنانية { ولا هم يحزنون } [البقرة: 62]، بالأنانية لأن بها ~~ينقطع الطالب عن المطلوب ويحتجب المحب عن المحبوب، ولذلك قال تعالى: # ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون # [يونس: 62]، لأن الولي من أخرجه الله من ظلمات الأنانية والاثنينية إلى ~~نور الوحدة والهوية، كما قال تعالى: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # [البقرة: 257]، فافهم جدا. # وفيه معنى آخر { من آمن بالله واليوم الآخر } [البقرة: ~~62]، بمعنى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال وعمل صالحا للقبول، فمعناه ~~عمل على متابعة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه من يعمل على غير متابعة دين ~~الإسلام لم يكن عمله صالحا للقبول، ويدل عليه قوله تعالى: # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه # [آل عمران: 85]. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لو أدركني عيسى ابن مريم ثم لم يدخل شريعتي ومنهاج ديني لأكبه الله ~~على وجهه في النار " # ، ما استغنى [بنبوته] فكيف أنتم: { فلهم أجرهم عند ms0100 ربهم ~~} [البقرة: 62]، لا عند غيره من الجنة والنار { ولا خوف عليهم ~~} [البقرة: 62]، فيما يرجعون إليه { ولا هم يحزنون } [البقرة: ~~62]، على ما كانوا عليه، أو جعلهم الله من المقبولين له. # ثم أخبر عن الميثاق عنهم وأن آبائهم عند رفع الطور فوقهم لابتلائهم ~~بقوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم ~~الطور } [البقرة: 63]، إلى قوله: # وموعظة للمتقين # [البقرة: 66] والإشارة فيها أن أخذ الميثاق كان عاما في عهد # ألست بربكم # [الأعراف: 172] ولكن قوما أجابوه شوقا وقلقا، وقوما أجابوه خوفا ~~وفرقا، ليتحقق أن الأمر بيد الله في كلتا الحالتين، يسمع خطابه من يشاء ~~موجبا للهداية ويسمع من يشاء موجبا للضلالة، فإنه لا برهان أظهر من رفع ~~الطور عيانا، فلما أوبقهم الخذلان لم يكن ينفعهم البرهان والعيان في ~~قوله تعالى: { خذوا مآ ءاتينكم بقوة } [البقرة: 63]، ~~إشارة إلى أن أخذ ما يؤتي الله تعالى من الأوامر والنواهي وسائر الطاعات ~~والعلوم وغير ذلك لا يمكن بقوة الإنسانية إلا بقوة ربانية وتأييد إلهي ~~كما كان في حق يحيى عليه السلام قوله تعالى: # ييحيى خذ الكتاب بقوة # [مريم: 12]، ربانية لأنه كما كان في حال صباه، ولم يكن له قوة نفسانية ~~لقوله تعالى: # وآتيناه الحكم صبيا # [مريم: 12]. # { واذكروا ما فيه } [البقرة: 63] أي: في كتاب الله تعالى من ~~الرموز والإشارات والدقائق والحقائق { لعلكم تتقون } [البقرة: ~~63]، بالله عما سواه { ثم توليتم من بعد ذلك } ~~[البقرة: 64] أي: أعرضتم عن طريق الاتباع للشريعة لاستيلاء القوة ~~الطبيعية، وبعد أخذ الميثاق وسلوك طريق الوفاء ابتلاء من الله تعالى. ### || [2.64-68] # { فلولا فضل الله عليكم ورحمته } [البقرة: 64]، ~~وهو سبق العناية في البداية وتوفيق أخذ الميثاق بالقوة في الوسط، وقبول ~~التوبة وتوفيقها والثبات عليها في النهاية، { لكنتم من ~~الخاسرين } [البقرة: 64]، المصرين على العصيان المغبونين بالعقوبة ~~والخسران، والمبتلين بذهاب الدنيا والعقبى ونكال الآخرة والأولى، كما كان ~~حال المصرين منكم والمعتدين بقوله تعالى: { ولقد علمتم ~~الذين اعتدوا منكم في السبت } [البقرة: 65]، بالخذلان ~~وتقديم العصيان { فقلنا لهم } [البقرة: 65]، قهرا وفرا { ~~كونوا قردة } [البقرة: 65]، أمرا منا وحكما جزما { خاسئين ~~} [البقرة: 65]، مردودين إلى دركات الحيوانات ms0101 والسبعيات. # { فجعلناها نكالا } [البقرة: 66]، فضيحة وغيره { لما بين ~~يديها } [البقرة: 66]، لمن تكون في زمانهم وعهدهم { وما خلفها ~~} [البقرة: 66]، ومن يكون بعد زمانهم إلى يوم القيامة فيعتبرون ويتعظون ~~بهم المؤمنون المتقون عن البلايا بالرجوع إلى الحق عند الابتلاء. # كما قال تعالى: { وموعظة للمتقين } [البقرة: 66]، فهذا ~~البلاء والخسران جزاء فمن لم يعرف قدر الإحسان ويكافئ النعم بالكفران يرد ~~من عزة الوصال إلى ذل الهجران ورسوم الصدود والخذلان، وكانت عقوبة الأمم ~~بالمسخ والخسف على الأجساد، وهذه الأمة بالخسف والمسخ على القلوب، ~~وعقوبات القلوب أشد من عقوبات النفوس، قال الله تعالى: # ونقلب أفئدتهم وأبصرهم # [الأنعام: 110]، هكذا حال من لم يتأدب في خدمة الملوك ينخرط في إيتاء ~~السلوك، ومن لم يتخط بساط القربة بقدم الحرقة يستوجب الحرمان ويستجلب ~~الخسران ويبتلى بسياسة السلطان. # ثم أخبر عن ابتلائهم بذبح البقرة إظهارا لسر القدرة بقوله تعالى: { ~~وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن ~~تذبحوا بقرة } [البقرة: 67]، إلى قوله # وما كادوا يفعلون # [البقرة: 71] والإشارة في تحقيق الآيات الخمس في قوله تعالى: { إن ~~الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } [البقرة: 67]، إشارة ~~إلى ذبح بقرة النفس البهيمية، فإن في ذبحها حياة القلب الروحاني، وهذا هو ~~الجهاد الأكبر الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بقوله: # " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " # ، ويقوله للمجاهد نفسه، وقوله صلى الله عليه وسلم: # " موتوا قبل أن تموتوا " # ، أيضا إشارة إلى هذا المعنى. # { قالوا أتتخذنا هزوا } [البقرة: 67] أي: تستهزئ بنا في ~~ذبح النفس وليس هذا من شأن كل ذي نفس دنية { قال أعوذ بالله ~~أن أكون من الجاهلين } [البقرة: 67]، الذين يظنون أن ذبح ~~النفس أمر هين ويستبعد له كل تابع الهوى وعابد الدنيا { قالوا ادع ~~لنا ربك يبين لنا ما هي } [البقرة: 68]، أن يبين { ~~إنها بقرة } [البقرة: 68]، نفس تصلح للذبح بسيف الصدق فإشارة إلى ~~بقرة نفس { لا فارض } [البقرة: 68]، في سن الشيخوخة متعجزا عن سلوك ~~الطريق لضعف المشيب وحملا لقوى النفسانية، كما قال بعض المشايخ: الصوفي ~~بعد الأربعين نادر. # { ولا بكر } [البقرة: 68]، في ms0102 سن الشباب فإنه بشهوته سكره { ~~عوان بين ذلك } [البقرة: 68] أي: عند كمال العقل والكهولة تعبد ~~الشيخوخة، وتجنن رعونة الشباب كقوله تعالى: # حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة # [الأحقاف: 15]، { فافعلوا ما تؤمرون } [البقرة: 68]، فإنكم ~~إذا تقربتم إلى الله تعالى بما أمرتم فإن الله يتقرب إليكم بما وعدتم، ~~فإنه لا يضيع أجر من أحسن عملا في الشيب والشباب. ### || [2.69-74] # { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها } ~~[البقرة: 69] يعني: لون بقرة نفس تصلح للذبح في الجهاد { قال إنه ~~يقول إنها بقرة صفرآء فاقع لونها } [البقرة: 69] ~~يعني: صفرة زين لا صفرة شين كما هي سيما الصالحين { تسر ~~الناظرين } [البقرة: 69]، من نظر إليها يشاهدها في غرتهم، قد ألبست ~~من آثر الطاعات ويطالع من طلعتهم أثار شواهد # سيماهم في وجوههم من أثر السجود # [الفتح: 29] وقوله عليه صلى الله عليه وسلم: # " أولياء الله الذين إذا رؤوا ذكر الله ". # { إن البقر تشابه علينا } [البقرة: 70]، إشارة إلى كثرة ~~تشبه الباطلين بزي الطالبين وكسوتهم وهيئاتهم { وإنآ إن شآء ~~الله لمهتدون } [البقرة: 70]، إلى الصادق منهم فالاهتداء يتعلق ~~بمشيئة الله تعالى وبدلالته، كما كان حال موسى والخضر - عليهما السلام - ~~فلو لم يدل الله موسى عليه السلام لما وجده قوله تعالى: { قال إنه ~~يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض } [البقرة: ~~71]، إشارة إلى نفس الطالب الصادق التي لا تحتمل الذلة بأن تثير بآلة ~~الحرص أرض الدنيا بطلب زخارفها، وتتبع هوى النفس وشهواتها، كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " عز من قنع وذل من طمع " # وقال: # " ليس للمؤمن أن يذل نفسه ". # { ولا تسقي الحرث } [البقرة: 71]، حرث الدنيا بماء وجهه عند ~~الخلق وعند الحق، كقوله تعالى: # ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20] { مسلمة لا شية فيها } [البقرة: 71] أي: نفس ~~مسلمة من آفات صفاتها مستسلمة لأحكام ربها ليس فيها غير الله ولا مقصد ~~لها إلا الله، كما وصفهم الله تعالى بقوله: # للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله # [البقرة: 273] إلى # إلحافا # [البقرة: 273] قوله تعالى: { فذبحوها وما كادوا ms0103 يفعلون } ~~[البقرة: 71]. # ثم أخبر عن قتلهم القتيل وإحياء القتيل بقوله تعالى: { وإذ ~~قتلتم نفسا فادارأتم فيها } [البقرة: 72]، الآيتين ~~والإشارة في تحقيقهم: أن قوله تعالى: { وإذ قتلتم نفسا } فيها ~~إشارة إلى قتل النفس، وإن القتيل هو القلب الروحاني، وإن إحياءه في قتل ~~النفس البهيمية، كما قال قائلهم: # أقتلوني يا ثقاتي # إن قتلي حياتي # وكما أشار بعضهم: # سر بالإرادة تحيى بالطبيعة # أو مت بالطبيعة تحيي بالحقيقة # { فادارأتم فيها } فشككتم واختلفتم أنه كان من الشيطان أم من ~~الدنيا أم من النفس الأمارة بالسوء. # { والله مخرج ما كنتم تكتمون } [البقرة: 72]، بإحالة ~~النفس إلى الشيطان ومكرها إلى الدنيا وزينتها والشيطان والدنيا يخيلان ~~إلى النفس الأمارة وهواها { فقلنا اضربوه ببعضها } [البقرة: ~~73]، وكما أن الله تعالى أراد أن يحيي قتيلهم ليفصح بالشهادة على قاتله ~~أمرهم أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيى فيخبر بقاتله فكذلك إذا أراد ~~الله أن يحيي قتيل قلب الإنسان أمر بقتل حيوان النفس بسيف المجاهدات ~~ليحيى قتيل قلبه بأنوار الشهادات كقوله تعالى: # أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس # [الأنعام: 122]. # وكما أن البقرة بعد ذبحها ضرب على القتيل قام بإذن الله تعالى، وقال: ~~قتلني فلان، كذلك من ضرب لسان النفس المذبوح بسكين الصدق على قتيل القلب ~~بمداومة الذكر يحيي الله قلبه بنوره فيقول، # ومآ أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء # [يوسف: 53]. # { كذلك يحيي الله الموتى } [البقرة: 73]، يحيي الله ~~الأجساد في الآخرة والقلوب في الدنيا، { ويريكم آياته } [البقرة: ~~73]، دلالة مع الخواص وبراهينه مع أخص الخواص، كما قال تعالى في خواص ~~المؤمنين # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم # [فصلت: 53]، وقال في يوسف عليه السلام وهو أخص الخواص: # وهم بها لولا أن رأى برهان ربه # [يوسف: 24] { لعلكم تعقلون } [البقرة: 73]، فأثبت الله تعالى ~~العقل لمن كان مستعدا لرؤية آياته باستحقاق إرادة الله تعالى آياته لا ~~برؤية نفسه، فإن العقل الحقيقي هو المستفاد من أنوار مواهب الله تعالى، ~~كما قال تعالى: # ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # [النور: 40]، وقال في ms0104 الذين لهم عقل المعاش دون المستفاد: # صم بكم عمي فهم لا يرجعون # [البقرة: 18]. # ثم أخبر عن أهل هذه الشقاوة ووصفهم بالقساوة بقوله تعالى: { ثم ~~قست قلوبكم من بعد ذلك } [البقرة: 74]، والإشارة في ~~تحقيق الآية أن اليهود وإن شاهدوا عظيم الآيات، وطالعوا واضح البينات ~~فحين لم تساعدهم العناية ولم توافقهم الهداية لم تزدهم كثرة الآيات إلا ~~قسوة على قسوة، ولم تنزلهم من مكامن التقدير إلا شقوة على شقوة، وذلك لأن ~~الله تعالى أراهم الآيات الظاهرة فرأوها بنظر الحس، ولم يرهم البرهان ~~الذي يراه القلب فيعجزهم عن التكذيب والإنكار، يدل عليه قوله تعالى: # وهم بها لولا أن رأى برهان ربه # [يوسف: 24]. # وسئل الحسن ابن منصور رحمه الله عن البرهان فقال: البرهان واردات ترد ~~على القلوب تعجز النفوس عن تكذيبها، فهكذا حال بعض المغرورين الممكورين ~~من يدعي الطلب إذا لم يكن لهم شيخ كامل واصل حين شرعوا في الرياضة وأخذوا ~~في المجاهدات بترك اللذات والشهوات يلوح لهم من صفاء الروحانية ظهور بعض ~~الآيات وخرق العادات، فإذا لم يكن مقارنا برؤية البرهان ليكون مؤيدا ~~بالتأييد الإلهي مؤكدا بالعناية الأزلية لم يزدهم إلا العجب والغرور ~~والخسران والقساوة والطغيان، وأكثر ما يقع هذا للرهبان والمتفلسفة الذين ~~استدرجهم الحق بالخذلان من حيث لا يعلمون، وإنما شبه قلوبهم بالحجارة ~~للقسوة وعدم اللين للذكر الحقيقي كقوله تعالى: # ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله # [الزمر: 23]، والذكر الحقيقي ما يتداركه الحق بذكره كقوله تعالى: # فاذكروني أذكركم # [البقرة: 152]. # ثم بين أنها دون الحجارة بقوله: { وإن من الحجارة لما ~~يتفجر منه الأنهار } [البقرة: 74]، والإشارة فيها إلى مرتبة ~~القلوب في القسوة؛ بعضها بمرتبة الحجارة التي تنفجر منها الأنهار، وهو ~~قلب تظهر عليه تغلبات أنوار الروح لصفائه بعض الأشياء المشبهة بخرق ~~العادات كما يكون لبعض الرهابين والكهنة. # وبعضها بمرتبة { وإن منها لما يشقق فيخرج منه ~~المآء } [البقرة: 74]، وهو قلب تظهر عليه في بعض الأوقات عند انخراق ~~حجب البشرية من أنوار الروح، فيريد بعض الآيات والمعاني المعقولة، كما ~~يكون لبعض الفلاسفة والشعراء. # وبعضها بمرتبة { وإن ms0105 منها لما يهبط من خشية الله ~~} [البقرة: 74]، وهو قلب فيه بعض الصفاء فيكون بقدر صفائه قابل عكس أنوار ~~الروح من وراء الحجب، فيقع فيه الخوف والخشية كما يكون لبعض أهل الإيمان. # وأهل هذه المراتب مشتركة بين قلوب المسلمين وغيرهم، فالفرق بينهم أن ~~أحوال هذه المراتب للمسلمين مؤيدة بنور الإسلام، فتزيد في قربهم وعلوهم ~~ودرجاتهم ولغيرهم غير مؤيدة بالإيمان، فتزيد في غرورهم وردهم واستدراجهم، ~~والمسلمون مخصوصون من غيرهم بكرامات وفراسات تظهر لهم من تجلي أنوار الحق ~~دون غيرهم، كما قال تعالى: # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه # [الزمر: 22]، وسيجيء شرحه في موضعه إن شاء الله تعالى، وبعض القلوب ~~بمرتبة الحجارة القاسية التي لا يؤثر فيه القرآن والأخبار والحكمة ~~والموعظة لقوله تعالى: { أو أشد قسوة } [البقرة: 74]، وهذا ~~القلب مخصوص بالكافر والمنافق، فإنه قلب مختوم عليه وفيه الدلالة على أن ~~القلوب على فطرة الله التي فطر الناس عليها، ثم بالابتكار والجحود ~~واستيلاء حب الدنيا وزخارفها وتتبع الشهوات ولذاتها تقسوا وتشتد قسوتها، ~~كقوله تعالى: { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك } [البقرة: ~~74]. # { وما الله بغافل عما تعملون } [البقرة: 74] أي: ~~يجازيكم عاجلا وآجلا، فأما عاجلا: بأن يجعل إنكاركم سبب غفلة وقسوة ~~قلوبكم فيقسيها بأعمالكم الفاسدة ويطبع عليها بطابع إنكاركم وجحودكم كما ~~قال تعالى: # بل طبع الله عليها بكفرهم # [النساء: 155]، وقال صلى الله عليه وسلم: # " ما من قلب إلا هو بين أصبعين من أصابع الرحمن، فإن شاء أقامه وإن شاء ~~أزاغه " # وأما أجلا: فيعاقبكم يوم القيامة على قدر سيئات أعمالكم، كما قال ~~تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40]. ### || [2.75-81] # ثم أخبر عن اليأس من إيمانهم بغاية خذلانهم بقوله تعالى: { ~~أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } [البقرة: 75]، إلى قوله تعالى: ~~{ وما يعلنون } [البقرة: 77]، والإشارة في تحقيق الآيات بمجرد ~~سماع الكلام من الله تعالى وإن كان بلا واسطة لا يحصل الإيمان الحقيقي، ~~فإن الفريق الذين يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه، ولو كان ~~لهم من الإيمان الحقيقي حاصل ما حرفوا كلام الله وهم يعلمون ms0106 العلم ~~الحقيقي أنه حق، وهذا يدل على أن علم الرجل ويقينه ومعرفته ومكالمته مع ~~الله تعالى لا يفيد الإيمان الحقيقي إلا أن يزكيه الله تعالى بفضله ~~ورحمته كما قال تعالى: # ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم ~~من أحد أبدا # [النور: 21]، وإن الله تعالى كلم إبليس وخاطبه بقوله: # إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي # [ص: 75]، وما أفاده الإيمان الحقيقي إذا لم يكن مؤيدا من الله بفضله ~~ورحمته قال في حقه: # وكان من الكفرين # [البقرة: 34]. # { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } [البقرة: 76] ~~يعني: إذ لم يكن سماع الكلام يفيد الفريق منهم فكيف يفيد هؤلاء منا: { ~~وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم ~~بما فتح الله عليكم ليحآجوكم به عند ربكم ~~أفلا تعقلون } [البقرة: 76]، وهم من جهلهم وغفلتهم: { أولا ~~يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } ~~[البقرة: 77]، فيطلع رسوله على أسرارهم، وهذا أحد معاني إعجاز القرآن؛ ~~يخبرهم عن مخفيات ضمائرهم ومجيبات سرائرهم { وما يعلنون } ~~[البقرة: 77]، من تصديق بلا تحقيق وهم من عمى بصائر قلوبهم لا يبصرون ~~المعجزات ولا يؤمنون بها. # ثم أخبر عن غاية جهلهم وخسة عقلهم بقوله تعالى: { ومنهم ~~أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني } [البقرة: ~~78]، الآيتين، الإشارة فيهما: أن اليهود متفاوتون في مراتب كفرهم، فقوم ~~منهم أميون لا يعلمون الكتاب ما هو في الحقيقة إلا أماني أي: ما يتمنون ~~من عند أنفسهم كما قال تعالى: # ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان # [الشورى: 52]، وكما قال صلى الله عليه وسلم: # " ليس الدين بالتمني " # فبعضهم أحسن درجة وأكثر جهلا، ركنوا إلى التقليد المحض، ولا يمكنهم ~~استيفاء شهوة، بل اعترضوا بظنون فاسدة وتخمينات مبهمة، فهم الذين لا نصيب ~~لهم من كتبهم إلا قراءتها دون معرفة معانيها وإدراك أسرارها وحقائقها، ~~وهذا حال أكثر أهل زماننا من مدعي الإسلام، ومنهم: من أكثر شأنه ما ~~يتمناه في نفسه ولا يساعده مكان إلا بظنون وتخمين، ومنهم: من يعتمد على ~~كتب الأوائل وأقاويلهم الفاسدة وظنونهم الكاذبة ويكتبونه بأيديهم { ثم ~~يقولون هذا من عند الله ms0107 ليشتروا به ثمنا ~~قليلا } [البقرة: 79]، من الحطام الدنيوية والوجاهة عند الناس { ~~فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما ~~يكسبون } [البقرة: 79]، من الكفر والإلحاد عن الحق والاعتقاد السوء، ~~وإغواء الخلق وإضلالهم، كما قال تعالى: # قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا # [المائدة: 77]، في هذه الآيات أيضا إشارة إلى بعض المنتمين إلى هذه ~~الطائفة من مدعي الإخلاص في الصحبة في طريق الحق، فينضم إلى الأولياء ~~وأرباب القلوب ظاهرا، ثم يصدق له الإرادة ويميل إلى أهل الغفلة، وله مع ~~هذه الطريقة جانب؛ كلما دعته هواتف الحظوظ يسارع إلى الإجابة طوعا، وإذا ~~قادته دواعي الحق يتكلف كرها من الحالة ما لم يختص نيته، وما أشد ندمه ~~فيما أؤخر عن الله تعالى إن لم يصلح طويته حين اشترى بالحقوق الباقية ~~الحظوظ الفانية. # ثم أخبر عن وساوسهم الشيطانية وهواجسهم النفسانية بقوله: { وقالوا ~~لن تمسنا النار } [البقرة: 80]، إلى قوله: { خالدون } ~~البقرة: 81]، والإشارة فيها: أن بعض المغرورين بالعقل من ضلال الفلاسفة ~~وجهال الطبائعية وغيرهم نوط غفلتهم وغلبات مغاليط ظنونهم، قد ظنوا أن ~~قبائح أعمالهم وفضائح أفعالهم وأقوالهم لا تؤثر في صفاء أرواحهم، وتغيير ~~أحوالهم، فإذا فارقت الأرواح إلى حضائر القدس، ولا يصحبها شيء من نتائج ~~الأعمال. # { إلا أياما معدودة } [البقرة: 80]، وذلك من فطام الأرواح ~~عن ألبان التمتعات الحيوانية، وهذا ظن فاسد وكفر صريح من وسواس الشيطان ~~وهواجس النفوس وليس بمعقول؛ لأن العاقل يشاهد حسا وعقلا أن تتبع ~~الشهوات الحيوانية واستيفاء اللذات النفسانية تورث الأخلاق الذميمة من ~~الحرص والأمل والحسد والبغض والغضب والبخل والكبر والكذب وغير ذلك؛ إن ~~هذه وإن كانت من صفات النفس الأمارة بالسوء؛ فتصير بالمجاورة والشعور ~~بأخلاق الروح ويتدنس بها، ويتكدر صفاؤه، ويتبدل أخلاقه الروحانية الملكية ~~من الحلم والكرم والمروة والصدق والحياء والعفة والصبر والشكر وغير ذلك ~~بالأخلاق الحيوانية السبعية الشيطانية، وإن الذي يرتاض نفسه بالمجاهدات ~~وترك الشهوات وينهاها عن المألوفات والمستلذات، ويمنعها عن الأخلاق ~~المذمومات تورث هذه المعاملات مكارم الأخلاق وصفاء القلب ورقة النظر وصدق ~~الفراسة وإصابة الرأي ونور العقل وعلو الهمة وغلو السر وشوق ms0108 الروح وتحننه ~~إلى وطنه الأصلي، وغير ذلك من المقامات العلية والأحوال السنية، فلا يشك ~~العاقل في أن الروح المتبع للنفس الأمارة، كما يكون للعوام، لا يكون ~~مساويا بعد المفارقة مع الروح المتبع لإلهامات الحق كما يكون للخواص؛ ~~لقوله تعالى: # أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي ~~سويا على صراط مستقيم # [الملك: 22]، وبعضهم قالوا: وإن تكدرت الأرواح بقبائح أفعال الأشباح ~~فدنست بقدر تعلقاتها بمحبوبات طباعهم فبعد المفارقة بقيت في العذاب ~~أياما معدودة على قدر انقطاع التعلقات عند وزر الكدورات، ثم يتخلص من ~~العذاب ويرجع إلى حسن المآب، وهذا خيال فاسد، وكذبهم الله تعالى بقوله: { ~~بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته } [البقرة: ~~81]، تظهر على مرآة قلبه بقدرها دينا، فإن تاب محي عنه، وإن لم يتب ويصر ~~على السيئات حتى إذا أحاطت بمرآة قلبه زين السيئات بحيث لا يبقى فيه ~~الصفاء الفطري، وخرج منه نور الإيمان وضوء الطاعات فأحبط أعماله الصالحات ~~وأحاط به الخطيئات { فأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون } [البقرة: 81]، والذي يدل على هذا قوله تعالى: # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين: 14]، ومن كان في قلبه ذرة من الإيمان فلم يحط به خطيئته، وإن ~~كان من أهل الكبائر يخرج من النار، ولا يخلد فيها بالشفاعة الشافعين، ~~وجاء في الحديث الصحيح: # " يخرج من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، فيكون مع الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات ". # وفيه أيضا إشارة إلى بعض أرباب الطلب فمن يركن بنفسه في أثناء الطلب ~~إلى شيء من الزخارف الدنيا ويميل إلى شيء من شهواتها، فيظهر عليه الشيطان ~~بذلك فيوسوس له؛ ليقطع عليه الطلب ويغره بمعاملاته وزهده وعزلته فيوقعه ~~في ورطة العجب فينظر إلى نفسه بنظر التعظيم وإلى الخلق بنظر التحقير ~~فيهلك المغرور، أو يغتر ببعض الأحوال التي تظهر على أهل الطلب في أثناء ~~السلوك من الوقائع الصادقة والروايات الصالحات، وشيء من المشاهدات ~~الروحانية الرحمانية، فيظن المغرور الممكور أن ليس وراء عيان هذه ~~المقامات قرية، وأنه بلغ مبلغ الرجال البالغين ووصل إلى مقام الواصلين، ms0109 ~~فيسكن عن الطلب وتعتريه الآفات حتى أحاطت به خطيئته فيبقى بهذه الواقعة ~~في نار الطبيعة ويرجع قهقرى إلى أسفل الطبيعة نعوذ بالله من الحور بعد ~~الكور. ### || [2.82-87] # { والذين آمنوا } [البقرة: 82]، من أهل الطلب بأن المنازل إلى ~~المقصد، وإن كانت متناهية، فإن السير في المقصد غير متناه { وعملوا ~~} [البقرة: 82]، على قانون الشريعة بإشارة شيخ الطريقة { الصالحات } ~~[البقرة: 82]، وهي المبلغات إلى الحقيقة أولئك أصحاب الوصول إلى جناب ~~الأصول خالدين فيها بالسير إلى أبد الآباد، وكذلك من اكتسب اعتقادا ~~فاسدا من المتفلسفة على خلاف الشريعة وأحاطت به خطيئته فيبقى عليه إلى ~~إن يموت # فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون # [البقرة: 81] أبد الآباد، ولن تنفعهم المجاهدات ولا النظر في المعقولات ~~ولا الاستدلال بالشبهات، والذين آمنوا منهم بنبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وعملوا الصالحات من المأمورات وغير المنهيات، { أولئك ~~أصحاب الجنة } [البقرة: 82]، وأهل الدرجات والغرفات في الجنات { ~~هم فيها خالدون } [البقرة: 82]. # ثم أخبر الميثاق والعبودية على الإطلاق بقوله تعالى: { وإذ أخذنا ~~ميثاقكم } [البقرة: 84]، إلى قوله: { ولا هم ينصرون } ~~[البقرة: 86] والإشارة فيها { وإذ أخذنا ميثاقكم } [البقرة: ~~84] أي: في عهد # ألست بربكم # [الأعراف: 172]، { لا تسفكون دمآءكم } [البقرة: 84]، بامتثال ~~أوامر الشيطان في استجلاب حظوظ النفس، فإنه يسعى في إراقة دماء قلوبكم، ~~كما قال بعضهم: # إلى حتفي سعى قدمي # أرى قدمي أراق دمي # وكذلك لا تسفكون بتربص الشيطان بينكم تسفكوا دماءكم بعضكم دماء بعض، كما ~~قالت الملائكة في حقكم: # أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء # [البقرة: 30]، { ولا تخرجون أنفسكم من دياركم } ~~[البقرة: 84]، غير دينكم الذي كنتم عليه في أصل الفطرة { ثم ~~أقررتم وأنتم تشهدون } [البقرة: 84]، بقولكم: { بلى } ~~شهدنا والذي يدل على هذا التأويل، قوله تعالى: # ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين # [يس: 60]، { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } ~~[البقرة: 85]، باستيفاء حظوظ النفس ولذاتها وشهواتها، فإن المجرمين ~~اقتضوا بأيديهم حتفهم وآثروا باختيارهم ما فيه هلاكهم واستئصالهم، قال ~~بعضهم: # بعين نفسي أصبت نفسي # فالله بيني وبين عيني # { وتخرجون فريقا منكم من ديارهم } [البقرة: ms0110 85]، ~~فيعاون بعضكم بعضا على الإعراض عن الله تعالى والتساعد في مزاولة الحظوظ ~~والخروج عن مقامات الحقوق فآفات أحوالكم غير لازمة عليكم بل هي متعدية ~~عنكم إلى إخوانكم وقرنائكم { تظاهرون عليهم بالإثم ~~والعدوان } [البقرة: 85] أي: مضرتكم لإخوانكم على بلائهم مظاهرة ~~الشيطان ونصرته عليهم بما فيه هلاك أنفسهم. # { وإن يأتوكم أسارى } [البقرة: 85]، وهم أصناف شتى فمن أسير ~~في قيد الهوى فإنقاذه بأن يدله على الهدى، ومن أسير بقيد حب الدنيا ~~فخلاصه في إخلاص ذكر المولى، ومن أسير بقى في قيد الوسواس فقد استهواه ~~الشيطان ففداؤه أن يرشده إلى اليقين بلوائح البراهين لتنقذه من الشكوك ~~والظنون والتخمين ويخرجه من ظلمة التقليد وما تعود بالتلقين، ومن أسير ~~تجده في أسر هواجس نفسه ربيط زلاته ذلك أسير في إرشاده إلى إقلاعها ~~وإعانته وإنجازه على ارتداعها، ومن أسير تجده في أسر صفاته وحبس وجوده ~~فنجاته في أن تدله على الحق فيما تحل عنه وثاق الكون، ومن أسير تجده في ~~قبضة الحق فبجزائه ليس لأسراهم فداء ولا لقتلهم قود ولا لربيطهم خلاص، ~~ولا لبطشهم مناص ولا عنهم بدل ولا معهم جدل، ولا إليهم لغيرهم سبيل ولا ~~لديهم إلا بهم دليل ولا منهم فرار ولا معهم قرار: { أفتؤمنون ~~ببعض الكتاب } [البقرة: 85] أي: بالذي سمعتموه من ربكم في أول ~~الخطاب بقوله تعالى: # ألست بربكم # [الأعراف: 172]، آمنتم وقلتم { بلى }. # { وتكفرون ببعض } [البقرة: 85] أي: بالذي عاهدتم عليه عند أخذ ~~الميثاق ألا تعبدوا غيره من الشيطان والدنيا والنفس والهوى { فما ~~جزآء من يفعل ذلك منكم إلا خزي } [البقرة: 85]، وهو ~~عمى القلب عن المشاهدة والعمى في تيه الباطل { في الحياة الدنيا ~~ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب } [البقرة: ~~85]، وهو المبالغة في عمى القلب، كما قال تعالى: # ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ~~وأضل سبيلا # [الإسراء: 72] { أولئك الذين اشتروا الحياة ~~الدنيا } [البقرة: 86]، نعيمها ولذاتها وشهواتها { بالآخرة } ~~[البقرة: 86]، برفعة درجاتها وعلو عرفانها { فلا يخفف عنهم ~~العذاب } [البقرة: 86]، برحمة رب العالمين { ولا هم ينصرون } ~~[البقرة: 86]، بشفاعة الشافعين. # ثم أخبر عن كمال فضله وغاية ms0111 جهلهم وسنة عدله بقوله تعالى: { ولقد ~~آتينا موسى الكتاب } [البقرة: 87]، والإشارة فيها أنا وصلنا ~~لهم الخطاب وأردفنا رسولا بعد رسول والجميع دعوا إلى واحد لكنهم أصغوا ~~إلى دعاء الداعين بسمع الهوى، فما استلذته النفوس قبلوه وما استثقلته ~~أهواءهم هجروه، وهذا حال أكثر البطالين الذين تلبسوا وتشبهوا بالطالبين ~~الصادقين بعضهم بالزي واللباس وبعضهم بالعلم والوعظ والاقتصاص قبول الناس ~~في هذا مع أهل البصيرة من المشايخ الواصلين والعلماء الراسخين يصغون إلى ~~كلماتهم وإشاراتهم ليسمع الهوى فما استحلته نفوسهم قبلوه، وما استكرهته ~~أهواءهم واستغرتهم عقولهم نبذوه وراء ظهورهم بل طعنوا فيه وشنعوا عليه ~~بجهالتهم ونكره لمقالهم، فيكذبون فريقا منهم قرارا عن تحمل أعباء الطلب ~~ويقاتلون فريقا بالجدال وإثارة الفتنة حسدا وإنكارا والفتنة أشد من ~~القتل. ### || [2.88-93] # ثم أخبر عن إنكارهم واستهزائهم بقوله تعالى: { وقالوا قلوبنا ~~غلف } [البقرة: 88]، والإشارة فيها أنت المريد إذا ابتلي في أثناء ~~الطلب بالوقفة والفترة ما دام متمسكا بذيل الإرادة لا يضره أحد بل يرجى ~~رجوعه إلى صدق الطلب بمدد هذا الشيخ، فأما إذا زلت قدمه عن جادة الإرادة ~~فأظهر الاعتراض والإنكار على شيخه ويعرض عنه حتى أدركته رد ولاية الشيخ ~~وطرده، فابتلي بموت القلب فلا يرجي رجوعه إلى صدق الطلب حتى قال الجنيد ~~رحمه الله: من قال لأستاذه لم لا يفلح أبدا. # ثم أخبر عن نتائج إنكارهم بقوله تعالى: { ولما جآءهم كتاب ~~من عند الله } [البقرة: 89]، الآيتين الإشارة فيهما أن بعض إقرار ~~الزهاد والمتقشفين من أهل العلم في كل زمان يتمنون أن يتبركوا بأحد من ~~الأولياء والعلماء المخصوصين بالمكاشفات والمشاهدات والعلوم اللدنية، ~~ويتوسلون بهم إلى الله تعالى عند رفع حوائجهم في مصالح دعائهم ويظهرون ~~محبته عند الخلق، فلما وجدوا واحدا من هذا القوم ما عرفوا قدره وحدوده ~~وطعنوا فيه وأنكروا على كلماته وأظهروا عداوته فيكون حاصل أمرهم فيه ~~الطرد من غيرة ولاية والبعد من الله باللعن. # { بئسما اشتروا به أنفسهم } [البقرة: 90]، أن ينكروا ~~على أولياء الله { أن يكفروا بمآ أنزل الله بغيا } ~~[البقرة: 90]، فتح الله لهم من حقائق العلوم ms0112 حسدا { أن ينزل ~~الله من فضله على من يشآء من عباده فبآءو ~~بغضب } [البقرة: 90]، من رد ولاية الأولياء { على غضب } ~~[البقرة: 90]، من الله لأوليائه فإنه في الحديث الصحيح: # " من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب وأنا أغضب لأوليائي كما يغضب ~~الليث لحرده " # وللمنكرين { وللكافرين عذاب مهين } [البقرة: 90]، في ~~الدنيا والآخرة، في الدنيا بالهوان عند أهل النظر الواقفين على أحوالهم ~~وبالحرمان عن تنسم نغمات ألطاف الحق، وفي الآخرة بالخسران والفضوح وإن ~~الإنكار على أهل العرفان يورث الحرمان والخسران. # ثم أخبر عن إصرارهم على جحودهم بقوله تعالى: { وإذا قيل لهم ~~آمنوا بما أنزل الله } [البقرة: 91]، والإشارة فيها أنه إذا ~~قيل للمنكرين اعتقدوا مواهب الحق التي ألهمها الله إلى أوليائه من أسرار ~~القرآن ومعانيه وحقائقه هي مؤكدة بالبراهين من الآيات والأخبار المنقولة ~~من المشايخ المتقدمين سمحت نفوسهم ببعض ما التمس منهم مما يوافق عقولهم ~~وأهواءهم، وقالوا: تعتقد القرآن وما بعد له ظاهرا، ثم ينكرون بما وراء ~~حظوظهم مع أنه الحق من ربهم محققا لما معهم من العلوم الظاهرة قال الله ~~تعالى في جوابهم: فلو تقاتلوا وتجادلوا أولياء الله إن كنتم معتقدين ~~للقرآن، فإن ما نطق به الأولياء فهو من أسرار القرآن وحقائقه، فالذي ~~ينكرها فلا يكون معتقدا للقرآن بحقيقته والمقاتلة مع الأولياء مقاتلة مع ~~الأنبياء والإنكار على كلماتهم يكون إنكارا على القرآن بحقيقة؛ لقوله ~~تعالى: # وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذآ إفك قديم # [الأحقاف: 11]. # ثم كرر الإخبار عن إصرارهم على الجحود مع وضوح الآيات من موسى عليه ~~السلام وغلوهم في حب العجل بقوله تعالى: { ولقد جآءكم موسى ~~بالبينات } [البقرة: 92]، الآيتين والإشارة فيهما أن الأنبياء - ~~عليهم السلام - يدعون العباد إلى التوحيد وإقرار العبودية عن كل مشهود ~~ومحدود ومعدود، ولكنهم لم يحتجوا إلا بعبادة ما لا يليق بقصر نظرهم وخسة ~~همتهم، فقوم عبدوا الصنم وقوم عبدوا الهوى، وقوم عبدوا الدنيا، وإنهم قد ~~ظلموا على أنفسهم بوضعهم عبادتها في غير معبودا مع أن الله تعالى أخذ ~~ميثاقهم بعبوديته من غير شرك، ورفع فوقهم طور الأمانة التي ms0113 عرضها وحملها ~~الإنسان في الميثاق الأول، وقال: { خذوا مآ ءاتينكم } [البقرة: ~~93]، من خطاب # ألست بربكم # [الأعراف: 172]، { بقوة } [البقرة: 93]، بشوق وصدق في جواب بلى { ~~واسمعوا } [البقرة: 93]، الخطاب يسمع الإجابة في الثبات على ~~العبودية { قالوا سمعنا } [البقرة: 93]، اجبنا بقولهم بلى { ~~وعصينا } [البقرة: 93] أي: بالثبات والاستقامة { وأشربوا في ~~قلوبهم } [البقرة: 93]، حب عجل الدنيا { بكفرهم } [البقرة: ~~93]، بزلة أقدامهم عن صراط مستقيم العبودية بالميل إلى الدنيا وحب الدنيا ~~رأس كل خطيئة، كما أن الكفر رأس كل خطيئة { قل بئسما يأمركم ~~به إيمانكم } [البقرة: 93]، أن تعبدوا عجل الدنيا { إن كنتم ~~مؤمنين } [البقرة: 93]، حقيقة لا مجازا بالرسم والعادة فإن من ~~علامة الإيمان ما أخبر عنه حارثة حين # " سأله النبي صلى الله عليه وسلم كيف أصبحت؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا ~~قال: إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأظمأت ~~نهارها وأسهرت ليلها واستوى عندي ذهبها ومدرها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة ~~يزاورون وإلى أهل النار يتضاغون وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، فقال: ~~أصبت فألزم ". ### || [2.94-99] # ثم أخبر عن كمال جهلهم وغرورهم إن اليهود ادعوا الاختصاص عن الله تعالى ~~بالأشياء، فكذبهم الله تعالى بقوله: { قل إن كانت لكم الدار ~~الآخرة } [البقرة: 94]، إلى قوله { والله بصير بما ~~يعملون } [البقرة: 96] والإشارة في تحقيق الآيات أن من علامات ~~الاشتياق تمني الموت على بساط العوافي، ومن وثق أن الجنة له فلا محب له ~~ليشتاق إليها، وفيه معنى آخر وهو من أمارة أن يكون المرء من أهل الجنة ~~تمنيه الموت لقوله تعالى: { فتمنوا الموت } [البقرة: 94]، قال ~~عقيب ادعائهم أنهم أهل الجنة بفاء التعقيب يعني { إن كنتم ~~صادقين } [البقرة: 94]، موقنين من أهل الجنة حقيقة، فتمني الموت يكون ~~بوصف حالكم. # ثم قال تعالى: { ولن يتمنوه أبدا بما قدمت ~~أيديهم } [البقرة: 95]، من سوء الأفعال والأقوال والأحوال؛ يعني: أن ~~لا يكون تمني الموت من نتائج معاملات السوء التي توجب النار، وفيه إشارة ~~إلى النار باب علوم الظاهر المنكرين على أرباب علوم الباطن يزعمون أنهم ~~من أهل النجاة والدرجات دون الأئمة المحققين، فجعل ms0114 الله تعالى أمارة أهل ~~النجاة السلامة من الحياة الدنيا وتمني الموت، وهذا وصف حال السالك ~~الصادق والمحقق العاشق، كما قال بعضهم: # أقتلوني يا ثقاتي # إن في قتلي حياتي # ومماتي في حياتي # وحياتي في مماتي # وحال المنكرين من أهل الأهواء والبدع والعلماء الحريصين على الدنيا ~~بخلاف هذا، فإنهم لن يتمنوه أبدا قال تعالى: { ولتجدنهم ~~أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا } ~~[البقرة: 96] لأن المشرك وإن كان حريصا على الحياة، ولكن لم يكن له خوف ~~العذاب لإنكاره البعث ولمنكر المعرفة حرص الحياة وخوف العذاب، فيكون أحرص ~~على الحياة من المشرك، وفيه أن حب الحياة من نتيجة الغفلة عن الله، ~~فأشدهم عنه غفلة أحبهم للبقاء في الدنيا وحال المؤمن على ضده فالعبد ~~المطيع يحب الرجوع إلى سيده والعبد الآبق لا يريد الرجوع إلى سيده، وفي ~~الحديث الصحيح: # " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " # أي: محبة العبد للقاء نتيجة محبة الله للقاء العبد كقوله تعالى: # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]. # ثم أخبر عن غاية خذلانهم من عداوتهم لجبريل لقوله تعالى: { قل من ~~كان عدوا لجبريل } [البقرة: 97]، الآيتين والإشارة فيهما أن ~~الله تعالى خص النبي صلى الله عليه وسلم من سائر الأنبياء بإنزال القرآن ~~على قلبه، فإن جميع الكتب كان ينزل ظاهرا جملة واحدة في الألواح ~~والصحائف مكتوبة. # * فمن فوائد ضرورة القرآن معجزة بأن يأتي بمثل هذا القرآن الذي لئن ~~اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله لآية. # ومنها: أن القرآن لما أنزل على قلبه صلى الله عليه وسلم أنزل عليه آية ~~وآيات أو سورة بدفعات في مدة ثلاث وعشرين سنة من سني النبوة؛ ليتصف قلبه ~~بأخلاق القرآن، وما أشير إليه فيه ويتأدب بآدابه كما روي عن عائشة - رضي ~~الله عنها - وعن أبيها حين سئلت ما كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم ~~فإن الله تعالى يقول: # وإنك لعلى خلق عظيم # [القلم: 4]، قالت: " كان خلقه القرآن " كقوله تعالى في جواب الكفار حين ~~قالوا لولا ms0115 أنزل عليه القرآن جملة واحدة قال تعالى: # كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا # [الفرقان: 32]، ومنها أن القرآن لما نزل أنزل على قلبه صار قلبه خاشعا ~~خاضعا من خشية الله تعالى حتى قال: # " أنا أعلمكم بالله وأخشاكم منه " # ، وهذا من خصائص إنزال القرآن على قلبه لقوله تعالى: # لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته ~~خاشعا متصدعا من خشية الله # [الحشر: 21]، ولو كانت التوراة أنزلت على قلب موسى عليه السلام لا في ~~الألواح ما ألقى الألواح في حال الغضب، وما يحتاج إلى صحبة الخضر عليه ~~السلام لتعلم العلم اللدني. # وقوله تعالى: { من كان عدوا لله وملائكته ورسله ~~وجبريل وميكل فإن الله عدو للكافرين } ~~[البقرة: 98] أي: عدواتهم لله وملائكته لأن الله وملائكته عدو لهم يعني ~~عداوتهم لله نتيجة عداوة الله تعالى لهم كقوله تعالى: # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]، فإن محبة المؤمنين نتيجة محبة الله تعالى لهم؛ لأن صفات ~~الله تعالى قديمة وصفات الخلق محدثة، فلما نظر الله تعالى بنظر القهر ~~والجلال والخذلان إلى ذات الكافرين، وقال: هؤلاء إلى النار ولا أبالي، ~~صار ذلك النظر بذر شجرة شقاوتهم فأثمرت الشجرة شجرة العداوة لله تعالى ~~وملائكته، وكذا أحوال المؤمنين على الضد من هذا. # ثم قال تعالى في جواب ابن صوريا حين قال: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، ~~وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك بها بقوله: { ولقد ~~أنزلنآ إليك آيات بينات } [البقرة: 99]، إلى قوله: { لا ~~يؤمنون } الآيتين والإشارة فيهما أن معجزة كل نبي كان ظهورها على ~~الأنبياء في الظاهر كإحياء الطيور لإبراهيم عليه السلام واليد والعصا ~~لموسى عليه السلام وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص لعيسى عليه ~~السلام فهم والخلق في مشاهدتها سواء، وكان معجزة النبي صلى الله عليه ~~وسلم إنزال الآيات البينات على قلبه فكان ظهورها في نفسه صلى الله عليه ~~وسلم أولا، ثم تظهر على الخلق ثانيا بعد أن صارت خلقه، كما روى أبو ~~هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطي ms0116 من ~~الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي ~~أتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون ~~أكثرهم تابعا يوم القيامة " # حديث متفق على صحته. # فالآيات البينات هي أنواع معجزات القرآن منها: جزالة لفظه، وفصاحة ~~عبارته، وبلاغة نظمه الذي عجز عنها فصحاء العالم وبلغاؤه من حين نزوله ~~إلى الآن، ومنها: أن الله تعالى جمع بلفظ معاني وحكم كثيرة في الألفاظ ~~يسيرة، ومنها: إيجاز الكلام في إشباع من المعنى فالكلمة القليلة الحروف ~~منه تضمن كثيرا من المعاني والحقائق وأنواعا من الأحكام بحيث لا يتصور ~~مثله من غير الله تعالى، ومنها: إدراج ما اشتملت عليه جميع الكتب المنزلة ~~على الأنبياء - عليهم السلام - فيه من الأحكام والمواعظ والحكم مع ما ~~تضمنه ما لم يشتمل عليه الكتب المنزلة سواه كما أخبر عنه النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقوله: # " أوتيت جوامع الكلم " # ، ومنها: أن الله تعالى أنزل فيه ما أكمل به الدين وأتم به نعمته على ~~عباده من أحكام الشريعة وآداب الطريقة وأسرار الحقيقة بحيث لم يترك دقيقة ~~يحتاج إليها الكاملون الواصلون البالغون في أثناء سلوكهم وسيرهم إلى الله ~~تعالى إلا أودعها فيه، كما قال تعالى: # ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين # [الأنعام: 59]، هذا مما يعجز عنه جميع الخلائق، ومنها: الإخبار عن شهود ~~الأشياء الكامنة في الغيب إلى يوم القيامة فظهر كثير منها في عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم وبعده إلى الآن كما أخبر عنه القرآن وغير ذلك من ~~الآيات الواضحات. # { وما يكفر بهآ إلا الفاسقون } [البقرة: 99]، الخارجون ~~عن نور الروحانية إلى الظلمات البشرية الحيوانية وشدت عن إدراك بصائرهم، ~~وسبق الشقاوة من الله تعالى قسمتهم؛ فكما لا عقل لمن يجحد أن النهار ~~نهار، فكذلك لا إدراك لمن لم يساعده من الحق أنوار واستبصار لا جرم كلما ~~عاهدوا عهدا كان يشوشهم سابق التقدير لهم وينقص عليهم حق التدبير فيهم ~~والله غالب على أمره، ولما جحدوا رسل الحق إلى قلوبهم من حيث الخواطر ~~والإلهامات، فكذبوا رسولهم الذي آتاهم في الظاهر، فيا جهلا ما ms0117 فيه شظية ~~من العرفان، ويا حرمانا قارنه خذلان، حيث كذبوا رسله ورفضوا بارة كتابه ~~واتبعوا السحر. ### || [2.100-105] # كما أخبر عنهم بقوله: { ولمآ جآءهم رسول من عند الله ~~مصدق لما معهم } [البقرة: 101]، الآيات الثلاث والإشارة في ~~تحقيقها أن الروح الإنساني في أصل الفطرة كان مناسبا للأرواح الملكية في ~~استماع خطاب الحق واستماع مكالمته قبل هبوط إلى العالم الجسماني، كما ~~أخبر عنه بقوله: # ألست بربكم # [الأعراف: 172]، قالوا { بلى } وأخذ منهم العهد على هذا، ثم نبذ ذلك ~~العهد فريق منهم بعد هبوطهم إلى العالم الجسماني بتعلقات الحيواني ~~وتتبعات النفساني، ولما جاءهم رسول من إلهامات الحق موافق لما معهم من ~~كتاب العهد والميثاق عند استماع الخطاب { نبذ فريق من الذين ~~أوتوا الكتب كتب الله } [البقرة: 101]، الذي ألهموا ~~والذي عاهدوا عليه { ورآء ظهورهم } [البقرة: 101]، بترك العمل به ~~{ كأنهم لا يعلمون } [البقرة: 101]، في أصل الفطرة { ~~واتبعوا ما تتلوا الشيطين } [البقرة: 102]، النفوس { ~~على ملك سليمن } [البقرة: 102]، الروح الذي هو خليفة الله ~~في أرضه أي: ما حدثت به أنفسهم استهوتهم الشياطين وغرتهم به أنه من ~~سليمان الروح { وما كفر سليمن } [البقرة: 102]، الروح { ~~ولكن الشيطين } [البقرة: 102]، النفس والهوى { كفروا ~~يعلمون الناس السحر } [البقرة: 102]، من تخيلات الهواجس ~~وتمويهات الوساوس التي تملي النفس ببيان وهو بمثابة السحر لقوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن من البيان لسحرا " # { ومآ أنزل } [البقرة: 102]، فتنة وخذلانا من العلوم { على ~~الملكين ببابل هروت ومروت } [البقرة: 102]، أي: ~~الروح والقلب فإنهما من العالم العلوي الروحاني أهبطا إلى أرض العالم ~~الجسماني بالخلافة؛ لإقامة الحق وإزهاق الباطل فافتتنا بزهرة الدنيا ~~واتباعا خداعها؛ فوقعا في شبكة الشهوات التي ركبت فيها ابتلاء وامتحانا، ~~وشربا خمر الحرص والغفلة التي تخامر العقل وزينا ببغي الدنيا الدنيوية، ~~وعبدا صنم الهوى وعلقا منكسين رءوسها بالالتفات إلى السفليات، وإعراضهما ~~عن العلويات # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5]، وفي كبتها عن استقامتها وحرما عن سماع خطاب الحق، وكشف حقائق ~~العلوم النافعة الموجبة للجمعية ابتليا بإنزال أباطيل العلوم الضارة ~~المؤدية إلى التفرقة مثل شبهات زنادقة الفلاسفة من قدم العالم وسلب ms0118 ~~الاختيار عن الله ونفي العلم بالجزئيات عنه وأمثال هذه الكفريات التي زلت ~~بهما أقدام خلق كثير عظيم في الجاهلية والإسلام، وكذلك شبهات أهل الأهواء ~~والبدع التي يكفر بها بعضهم بعضا ويقتلون عليها فإنها علوم يجب ~~الاستعاذة منها لقوله صلى الله عليه وسلم: # " اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع " # ، ومع هذا من خصوصيته الروحية الملكية { وما يعلمان من أحد ~~حتى يقولا } [البقرة: 102]، من الصفات البهيمية والسبعية ~~والشيطانية والقوى البشرية التي يلهماها { إنما نحن فتنة ~~فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين ~~المرء وزوجه } [البقرة: 102]، مرء القلب وزوج دينه، وفي هذه ~~القصة إشارة أخرى إلى أن من مال في هذا الطريق إلى تمويه وتلبيس وإظهار ~~دعوى تلبيس، فهو يستهزئ بمن اتبعه ويلقيه في جهنم بباطله ويصده بتمويه ~~ظلماته عن طريق رشده، ومن اعتبر عبر بالسلامة فتارة ومن تهتك بالجنوح إلى ~~أباطيله تهتك إشارة ظهر لذوي البصائر أغواره { وما هم بضآرين ~~به من أحد إلا بإذن الله }؛ لأن الضار هو الله تعالى ~~ولكن الجرم أنهم { ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ~~ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من ~~خلق ولبئس ما شروا به أنفسهم } [البقرة: 102] أي: ~~باعوا بالحظوظ النفسانية الحقوق الروحانية { لو كانوا يعلمون } ~~[البقرة: 102]، غاية ما خسروا من دولة الإيمان وسعادة العرفان ونهاية ما ~~يصيرون إليه من العقاب والحرمان { ولو أنهم آمنوا واتقوا ~~لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون } ~~[البقرة: 103]، بما أعد الله لخواص عباده مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ~~ولا خطر على قلب بشر ما يستمدون به إلى استجلاب الحظوظ وترك الحقوق، ~~وأثروا الإقبال على الله ما شغلهم عن الله لا يثبتوا على ما لهم فيه خير ~~وخير الدارين، ووصلوا إلى غير الكونين ولكنهم كبتهم وصرفهم سطوات القهر ~~فأثبتهم في مواطن العجز. # ثم أخبر عن خيانة عقائد اليهود ومكائدهم بقوله تعالى: { يأيها ~~الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا ~~واسمعوا وللكافرين عذاب أليم } [البقرة: 104]، الآيتين ~~والإشارة فيهما ms0119 إلى أن أثر العناية في حق الأولياء يظهر في كل شيء من ~~أخلاق قلوبهم وأوصاف نفوسهم وأعمال أبدانهم وأقوال لسانهم، ففي عهد ~~النبوة وأيام دولة الرسالة كان في قولهم: راعنا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~شائبة ترك أدب نهوا عنه وفي قولهم: انظر فارا عن أدب أمروا به، وأما بعد ~~عهد النبوة وانقطاع الوحي فأكرموا بخواطر الزماني وإلهامات الرباني ودلوا ~~بها على الفجور والتقوى بقوله تعالى: # ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها # [الشمس: 7-8]، وعلى الضدين هذا في حق الأعداء ظهور أثر الخذلان عليهم ~~فإن قصورهم في جميع أحوالهم من أعمالهم وأقوالهم قصور خشية وعلى مناهجهم ~~بينوا فيما يأتون ويذرون، ومن نتائج خذلانهم يحسدون أولياء الله على ما ~~آتاهم الله من فضله وما يردون أن ينزل عليهم من خير من ربهم { ما ~~يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا ~~المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم ~~والله يختص برحمته } [البقرة: 105]، بأصناف ألطافه { من ~~يشآء والله ذو الفضل العظيم } [البقرة: 105]، لا ينقص ~~مثقال ذرة من بحر أفضاله بأن يفيض على العالمين سجال نواله. ### || [2.106-112] # ثم أخبر تعالى عن كمال فضله في حق عباده بقوله: { ما ننسخ من ~~آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } [البقرة: ~~106]، الآيتين والإشارة فيهما أن تبدل أحوال أهل العناية في أثناء السلوك ~~ومقام الوصول لترقيهم من مقام إلى فوقه وتقلبهم من حال إلى حال أعلى منه، ~~فتحن باطنهم أبدا خبره، ويختم وصلهم أبدا ظاهره، فلا ننسخ من آثار ~~عبادتهم شيئا إلا بدلنا منها شيئا من أقمار الربوبية قائدا أسرارهم في ~~الترقي وأقدارهم في الزيادة بحسن القبول، بل ترقيهم عن محل العبودية إلا ~~أقمناهم يشاهدون من شواهد الألوهية، وفيه إشارة إخرى وهي: أن أرباب ~~السلوك عند الترقي من مقام إلى مقام ربما يشاهدون بعض الوقائع الشريفة في ~~صورة لطيفة كستهما للتحلية بحسب صفاء الوقت وعلو المقام، فلما ارتقوا إلى ~~مقام آخر لا يشاهدون تلك المشاهدة فيه فيظن لك العزيز أنه حجب عن ذلك ~~المقام والحال فأشار ms0120 بقوله: { ما ننسخ من آية } [البقرة: 106] من ~~آيات المقام { أو ننسها } بأن نمحوها من إدراك خيالك إلا { نأت ~~بخير منها } من تلك المشاهدة { أو مثلها ألم تعلم ~~أن الله على كل شيء قدير } [البقرة: 106] أي: قادر على ~~أمثال هذا { ألم تعلم أن الله له ملك السموت ~~والأرض } [البقرة: 107]، يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم ~~تعلم؛ إذ شاهدت ليلة المعراج بعين اليقين وكوشفت بحق اليقين أنه سبحانه ~~كيف يجذب أوليائه عن شهود ملكه إلى رؤية ملكه، ثم يأخذ من مطالعة ملكه ~~لشهود فيأخذهم من رؤية الآيات إلى كشف الصفات، ومن كشف الصفات إلى عين ~~الذات ثم يمحوهم عن العيان وسيمتهم { وما لكم من دون الله ~~من ولي } [البقرة: 107]، يتوله لكم أمثال هذا { ولا نصير } ~~[البقرة: 107]، ينصركم على هذا. # ثم أخبر عن مكائدة المشركين واليهود وافترائهم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: { أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل ~~موسى من قبل } [البقرة: 108]، والإشارة فيها أن طبيعة الإنسان ~~تنافي اللطف الرباني حتى لو وكل الأولون والآخرون إلى أنفسهم لا يؤمن ~~منهم أحد أبد؛ لأن الإيمان نور # يهدي الله لنوره من يشآء # [النور: 35] وكان قوم موسى عليه السلام في الأولين يؤذون موسى عليه ~~السلام بكثرة السؤال مع ظهور الآيات ورؤية المعجزات، وكان قوم محمد صلى ~~الله عليه وسلم في الآخر يؤذونه مع نزول الآيات الواضحات بسؤالات ~~المجادلات، إلا أن الله تعالى خاطب مستعدي الإيمان في الأزل بخطاب # يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا ~~موسى # [الأحزاب: 69]، كما خاطب النار: # ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء: 69]، فكانت كما أمرت فكذلك آمنوا، وما كانوا يؤذون رسوله ~~بالسؤال وغيره فأما مستعدي الكفر، فما أدركهم الخطاب ولا لسان الكتاب ~~وبدلوا الكفر بالإيمان وضلوا عن سواء صراط الله تعالى، وتاهوا في بيداء ~~طبيعة الإنسان بقدم تمتعات الحيوان، فلم يقدروا على الرجوع بقدم العبودية ~~إلى عالم الربوبية. # ثم أخبر تعالى عن حسد اليهود والحسد لا يسود بقوله تعالى: { ود ~~كثير من أهل الكتاب } [البقرة: 109]، والإشارة ms0121 فيهما أن من ~~أدركه الخذلان ولحقه الخسران، وإن يرد أهل الإيرادات عن طريق إمكان ويقطع ~~عليهم سبيل التهمة ويوردهم مورد السلامة، وهذا من نتائج الحسد كما كان ~~لإبليس فلما طرد عن الباب سعى في إخراج آدم من الجنة وأزله وأضله عن طريق ~~الصواب، فمن أفل له كوكب عنايته كيف يرضى لأحد بطلوع شمس الهداية؟ ولكن ~~الله ولي كفاية لأهل الولاية وكذلك حال المريد في البداية لو شمر عن ساق ~~الطلب سيف العناية مما أن لم يساعده التوفيق في سلوك هذا الطريق عيانوا ~~سر التعيين بالظواهر من أهل علم القال المحرومين من أنواع علوم الحال ~~يمنعون هؤلاء من السلوك بتمويهات الشكوك، فلا يزالون يخاطبونهم بلسان ~~النصح والتخويف والفجر والتهديد بالفقر حتى يقلبوهم إلى سبيل الطغيان ~~بقوم الكفران من بعد ما تبين لهم حقيقة الدين يكاشفه نور اليقين، فطريق ~~أهل الحقيقة أن يعفوا عنهم لأنهم معذورون إذا لم يذوقوا حلاوة ما أذاقهم ~~الله تعالى، وتصفحوا عن مساوئ أخلاقهم وعلى قلوبهم ومعاريض كلامهم، فإنهم ~~معذورون إذ لم يهتدوا بأنوار ما هداهم الله حتى يأتي الله بأمره فيهم من ~~الهدى والرد، إن الله قادر على كل أمر من قبل المريد إلى الثبات على قدم ~~الصدق بالعبودية مع الحق واستعمال الخلق وبذل المجهود في طلب المقصود، ~~فإن من يبذل جهده فعن قريب يفتح الله عليه طريقه. # كما أخبر تعالى بقوله: { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } ~~[البقرة: 110]، والإشارة فيها أن كل من كان مشارا إليه في علم الله ~~تعالى عند الخطاب { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } في ~~الأزل أقام الصلاة وأتى الزكاة الآن { وما تقدموا لأنفسكم ~~من خير تجدوه } [البقرة: 110]، كل طاعة بدنية وقلبية ومالية { ~~عند الله } [البقرة: 110]، في أم الكتاب مبرما أزليا ليقضي الله ~~أمرا كان مفعولا يدل على هذا المعنى قوله تعالى: # كان ذلك في الكتاب مسطورا # [الإسراء: 58]، وفيه معنى آخر تجدوه عند الله أي: تجدوا تلك الطاعات ~~والخيرات موجبة لكم القربات في مراتب العندية في مقعد صدق عن مليك مقتدر، ~~وفيه معنى آخر { وما تقدموا ms0122 لأنفسكم } أي: تقربتم به إلى ~~الله تجدوه عند الله بتقربه إليك كما قال: # " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا " # ، فالواجب على المريد إقامة المواصلات وإدامة التوسل بفنون القربات ~~واتقاء بأن ما يقدمه من جياد المجاهدات يرى ثمرته في آخر الحالات، فإن ~~المجاهدات تورث المشاهدات. # ثم أخبر تعالى عن دعاوي باطلة لليهود وبقوله تعالى: { وقالوا لن ~~يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } [البقرة: ~~111]، الآيتين الإشارة فيهما أن كل ممكور مغرور يظن النجاة نفسه، ونيل ~~الدرجات سهمه، وهو مصر على حسابه أن ليس أحد في نصابه { تلك ~~أمانيهم } [البقرة: 111]، الكاذبة وشهواتهم الغالبة { قل ~~هاتوا برهانكم } [البقرة: 111]، من الأعمال الظاهرة والأحوال ~~الباطلة { إن كنتم صادقين } [البقرة: 111]، في دعواكم بإتيان ~~البرهان من إظهار معناكم، فإن مجرد الإحسان دون تحقيق البرهان لا يأتي ~~بحاصل ولا يجود بطائل، ثم بين برهان أهل الحق ودعوى الصدق بقوله: { ~~بلى من أسلم وجهه لله } يعني: أهل الحق من يكون توجهه ~~بالكلية إلى الله خالصا لله لا لطمع الجنة ولا لخوف النار لقوله تعالى: ~~ولكل وجهة هو موليها ما { وهو محسن } ، في توجهه بمزاولة الحسنات ~~القالبية والقلبية ويكون نظره في جميع الحالات يرى في تعبده التوفيق من ~~الله تعالى وذهابه إليه وفي الهداية إليه والهدايات منه، فإن # " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه " # وقال الخليل عليه السلام: # وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين # [الصافات: 99]، { فله أجره عند ربه } [البقرة: 112]، فله ~~الوصول إلى مقام عندية الرب { ولا خوف عليهم } [البقرة: 112]، ~~على مخلصي الحق في توجههم إلى الله تعالى من قطاع الطريق كقوله: # إلا عبادك منهم المخلصين # [الحجر: 40]، { ولا هم يحزنون } [البقرة: 112]، على ما فاتهم ~~في طلب عند وجدان الحق. ### || [2.113-118] # ثم أخبر تعالى عن بطلان دعوى اليهود والنصارى وشهادة بعضهم على بعض ~~بقوله تعالى: { وقالت اليهود ليست النصارى على ~~شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء } ~~[البقرة: 113]، والإشارة فيها أن أكثر الحسد والحقد والتباغض يكون بين ~~جهال العلماء الذين مقصدهم في تعلم المباحات مع السفهاء والمحاربات مع ~~العلماء ms0123 وطلب الرئاسة وقبول الخلق وجمع المال، فإذا ناظر بعضهم قال هذا ~~لصاحبه: ما أنت على شيء، وقال هذا لصاحبه: ما أنت على شيء، كما جرت ~~العادة بين سفهاء الفرق وطعن كل واحد منهم مذهب الآخر بالجهل والتعصب حتى ~~يكفر بعضهم بعضا { وهم يتلون الكتاب } [البقرة: 113]، القرآن ~~ويدعون العلماء { كذلك قال الذين لا يعلمون } [البقرة: ~~113]، العلم والدين والقرآن من الزنادقة والفلاسفة وأهل الملل والكفرة { ~~مثل قولهم } [البقرة: 113]، للمسلمين ما أنتم على شيء { ~~فالله يحكم } [البقرة: 113]، بين المسلمين من أهل السنة والجماعة ~~وبين أهل البدعة والأهواء المختلفة { يوم القيامة } [البقرة: ~~113]، يوم قيامة الحق { فيما كانوا } [البقرة: 113]، من الحق { ~~فيه يختلفون } [البقرة: 113]، بالباطل. # ثم أخبر تعالى عن الظلم المركوز في طبيعة الإنسان بقوله تعالى: { ومن ~~أظلم ممن منع مساجد الله } [البقرة: 114]، الآيتين ~~والإشارة فيهما: أن - عند أهل النظر - مساجد الله التي يذكر فيها اسمه: ~~النفس والقلب والروح والسر والخفي وهو سر السر وذكر مسجد منها مناسب ~~لذلك. # فذكر مسجد النفس: الطاعات والعبادات ومنع الذكر فيه بترك الحسنات، ~~وملازمة السيئات. # وذكر مسجد القلب: التوحيد والمعرفة ومنع الذكر فيه التمسك بالشبهات ~~والتعلق بالشهوات، كما أوحى الله تعالى لداود عليه السلام: # " حذر وأنذر قومك من أكل الشهوات فإن قلوب أهل الشهوات عني محجوبة ". # وذكر مسجد الروح: والشوق والمحبة ومنع الذكر فيه بالحظوظ والمساكنات. # وذكر مسجد السر: المراقبة والشهود ومنع الذكر فيه الركون إلى الكرامات ~~والقربات. # وذكر مسجد الخفي: بذل الوجود وترك الوجود ومنع الذكر فيه بالالتفات إلى ~~المشاهدات والمكاشفات { ومن أظلم ممن منع مساجد ~~الله } [البقرة: 114]، هذه المساجد { أن يذكر فيها اسمه } ~~[البقرة: 114]، اسم الله بهذه الأذكار ومن أقدم على هذا المنع فقد { ~~وسعى في خرابهآ } [البقرة: 114]، أي: خرب هذه المساجد { ~~أولئك ما كان لهم أن يدخلوهآ إلا خآئفين } ~~[البقرة: 114]، هذه المساجد بقدم السلوك إلا بخطوات الخوف من سوء الحساب ~~وألم العقاب { لهم في الدنيا خزي } [البقرة: 114]، من ذل ~~الحجاب { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } [البقرة: 114]، ~~لحرمانهم عن جوار الله العلي العظيم. # ثم أخبر عن فتحه ms0124 ملكه وسعة فضله بقوله تعالى: { ولله المشرق ~~والمغرب } [البقرة: 115]، والإشارة فيها أن الله تعالى منزه عن ~~الجهات، فالشرق والغرب بالنسبة إلى حضرته متساويان إذ ليس الاعتبار بتوجه ~~الصورة إلى جهة من الجهات، وأن تعين جهة الكعبة لجمع همم القلب وبقوة ~~التوهم فللوهم في جمعية القلب حالة التوجه أثر عظيم، وإنما الاعتبار ~~لتوجه القلب بجمع الهمم إلى الله تعالى فلكل قلب وجهة هو موليها فإذا خص ~~توجه القلب إلى الله بالإعراض عما سواه { فأينما تولوا فثم ~~وجه الله إن الله واسع } [البقرة: 115]، فضله ورحمته كل ~~شيء لقوله تعالى: # ألا إنه بكل شيء محيط # [فصلت: 54]، { عليم } [البقرة: 115]، أحاط بكل شيء علمه، وفيه إشارة ~~أخرى إلى أن القلوب مشارق هبوب الأشواق ومغاربها والله في مشرق كل قلب ~~ومغربه شارق وطارق، فطارق القلب من هواجس النفس يطرق لظلمات المنى عند ~~غلبات الهوى وغروب نجم الهدى وشارق القلب من واردات الروح يشرق بأنوار ~~الفتوح عند غلبات الشوق وطلوع قمر الشهود، فتكون القبلة واضحة والدلالات ~~لائحة فإذا تجلت شمس صفات الجلال خفيت نجوم صفات الجمال، وإذا استولى ~~سلطان الحقيقة على مماليك الخليقة طويت بأيدي سطوات الجود سرادقات ~~الوجود، فما بقيت الأرض ولا السماء ولا الظلمات والضياء، وليس عند الله ~~صباح ولا مساء وتلاشت العبدية في كعبة العندية ونودوا بفناء الفناء من ~~عالم البقاء ورفعت القبلة وما بقي إلا الله: { فأينما تولوا ~~فثم وجه الله إن الله واسع عليم } [البقرة: 115]، ~~يوسع القلب لمن يشاء من عباده ليسعه { عليم } يوسع القلب لسعته بلا ~~كيف ولا حيف كما قال تعالى: # " لا يسعني قلب عبدي المؤمن ". # ثم أخبر عن قصر نظر أهل الشرك بقوله تعالى: { وقالوا اتخذ ~~الله ولدا سبحنه } [البقرة: 116]، الآيتين والإشارة فيهما ~~أن الله تعالى أظهر مما قالوا غاية ظلومية الإنسان وجهوليته كما قال ~~تعالى: # كبرت كلمة تخرج من أفواههم # [الكهف: 5]، وأظهر كمال حلمه إذ لم ينتقم في الحال كما قال تعالى: # ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها ~~من دآبة # [النحل: 61]، وفي قوله: { سبحنه } سبعة معان: ms0125 # أولها: التنزيه؛ نزه ذاته من تهمة الولد كما نزه عن عائشة رضي الله عنها ~~عن تهمة الإفك بقوله: # سبحانك هذا بهتان عظيم # [النور: 16]. # وثانيها: التعجب؛ تعجب به العباد كيف يتخذ الله الولد وله ما في ~~السماوات عبيد ملكه، وكيف يقول مثل هذا القول مخلوق في حق خالقه، وكيف ~~يحلم عنهم ويمهلهم في مكانهم كقوله تعالى: # ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك # [آل عمران: 191]، وقال تعالى: # سبحان الذى أسرى بعبده ليلا # [الإسراء: 1]. # والثالث: التسخير أي: يسخر له ما في السماوات والأرض وسخرهما لعبيده، ~~كما قال تعالى: # سبحان الذي سخر لنا هذا # [الزخرف: 13]. # ورابعها: الخلق أي: من خلق السماوات والأرض وما فيهن كقوله تعالى: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها # [يس: 36]. # وخامسها: القدرة، كقوله تعالى: من بيده ملكوت السماوات والأرض، وما فيهن ~~الإبقاء والإفناء ما ينبغي له أن يتخذ ولدا كقوله تعالى: # فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ~~ترجعون # [يس: 83]. # وسادسها: التوبة أي: سبح لله ذرات الملكوتيات توبة واستغفار بلسان ~~الحال، عما قال بعضها بلسان القال: اتخذ الله ولدا بقوله تعالى: # سبح لله ما في السموت والأرض وهو العزيز ~~الحكيم # [الحديد: 1] أي: هو أعز من أن يتخذ ولدا حكيم بأن لا يفعل مثل هذا، كما ~~قال تعالى: # سبحانك تبت إليك # [الأعراف: 143]. # وسابعها: الدعاء أي: # تسبح له السموت السبع والأرض ومن فيهن ~~وإن من شيء إلا يسبح بحمده # [الإسراء: 44]، ودعاء وتضرعا وابتهالا وتخشعا واعتذارا وتواضعا ~~وانكسارا واعترافا بظلم من قال هذا القول على أنفسهم، ولولا تضرعهم ~~ودعائهم تكاد السماوات تتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا ~~للرحمن ولدا، كما قال تعالى في حق يونس عليه السلام: # فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه ~~إلى يوم يبعثون # [الصافات: 143-144] أي: من الداعين وكان من دعائه قوله تعالى: # فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك ~~إني كنت من الظالمين # [الأنبياء: 87]، فكذلك قوله تعالى: { بل له ما في السموت ~~والأرض كل له قانتون } [البقرة: 116] أي: كل ذرة من ذراتها ~~وإعواز بقوله ms0126 تعالى: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده # [الإسراء: 44]. # ثم أخبر عن كمال تنزيهه وقدرته بقوله تعالى: { بديع السموت ~~والأرض } [البقرة: 117]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى نزه، ~~ذاته أن يكون له ولد باسمه البديع عند أهل الحقيقة من لا مثل له ولا شبيه ~~له يقال: هذا شيء بديع إذا كان عديم المثل، فالله ولي الموجودات بهذا ~~الوصف؛ لأنه يمنع أن يكون له مثل أزلا وأبدا وولد الشيء يكون مثله ~~وشبهه، فلهذا قال تعالى في موضع آخر: # بديع السموت والأرض أنى يكون له ولد # [الأنعام: 101] يعني: لو كان له ولد لما كان بديعا إذا كان له شبيه، ~~ولهذا نفى الكفر عن أحديته عند تنزيه ذاته تعالى عن الولد والوالد وقوله: # لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 3-4]، وقال تعالى: تأكيدا لمعنى القدرة { وإذا قضى ~~أمرا فإنما يقول له كن فيكون } [البقرة: 117]، معناه ~~الولادات تكون بامتداد الزمان والزمان عبارة عن نقل حركات الفلك، ~~والأفلاك من جملة مخترعاته إذ هو { بديع السموت والأرض ~~وإذا قضى أمرا } ، أراد خلق شيء وإيجاده { فإنما يقول ~~له كن فيكون } [البقرة: 117]، بكلام قديم { كن } وهو أمر قديم ~~فيه تتعلق القدرة القديمة وفق الإرادة القديمة بالشيء المحدث فيوجد ~~بالصفة المخصوصة في الوقت المعلوم، فيكون كما أراد، فأنى حاجته بالولادة ~~والولد تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # ثم أخبر عن جهل أهل العناد بقوله تعالى: { وقال الذين لا ~~يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينآ آية } ~~[البقرة: 118]، الآيتين والإشارة فيهما أن الذين لا يعلمون أن الله متكلم ~~من الأزل إلى الأبد بكلام قديم واحد، وكلامه متعلق بجميع المكونات أمر ~~التكوين، وهو خطاب { كن } فأسمع السماوات والأرض خطابه: أئتيا طوعا أو ~~كرها، فسمعت، وقالت أتينا طائعين ويرى سائر المكلفين أمر التكليف، ~~فقالوا: { لولا يكلمنا الله أو تأتينآ آية } ~~[البقرة: 118]، وما علموا أن الله يكلمهم على الدوام، ولكن لهم آذان لا ~~يسمعون بها، وإنهم عن السمع لمعزولون، ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ~~كما أسمع قوما أخبر عنهم، ms0127 كما أخبر عنهم # وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم ~~تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق # [المائدة: 83]، فالسمع الحقيقي يزيد معرفة القلب وكل قلب يكون حيا بحياة ~~معرفة الحق يسمع كلام الحق وللقلوب الميتة قال تعالى: # إنك لا تسمع الموتى # [النمل: 80]، ولو أسمعهم خطابه بسمع الظاهر وقلوبهم ميتة لتولوا عنه ~~وعنهم معرضون، كما أسمع نفرا من قوم موسى عليه السلام خطابه فلم يطيقوا ~~سماعه بعدما رأوا من عظيم الآيات وأن الله أماتهم ثم أحياهم حرفوا وبدلوا ~~فما تغني الدلائل، وإن وضحت فيمن حقت له الشقاوة وسبقت الموتى مثل هؤلاء ~~أشار بقوله تعالى: { كذلك قال الذين من قبلهم مثل ~~قولهم تشابهت قلوبهم } [البقرة: 118]، في الموت من حياة ~~المعرفة. # وقال تعالى في حق من أحيى قلبه بحياة المعرفة # أو من كان ميتا فأحيينه # [الأنعام: 122]، وإليهم أشار بقوله تعالى: { قد بينا الآيات ~~لقوم يوقنون } [البقر ة: 118]، فإن في الآيات التي أظهرها وأراها ~~قلوب الأحياء من عباده كقوله تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق # [فصلت: 53]، ما يزيح العلة من الأغيار ويشفي الغلة من الأخيار ولكن # لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في ~~الصدور # [الحج: 46]. ### || [2.119-124] # ثم تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن كمال عنايته فيه وحال مخالفيه ~~بقوله تعالى: { إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا } ~~[البقرة: 119]، والإشارة فيها: { إنا أرسلناك بالحق } ~~شواهد دليله قوله أن الله هو الحق يعني: أرسلناك بنا مبشرا للمؤمنين ~~وهذا الاختصاص خصصتك به من بين سائر الأنبياء؛ لأنهم كانوا مبشرين بالجنة ~~ومنذرين بالنار، وأنت مبشر بالله ومنذر بالله دليل هذا القول قوله تعالى: # إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا ~~إلى الله بإذنه وسراجا منيرا # [الأحزاب: 45-46]، الحقيقية بشر من أجابك ومن اتبعك بالوصول إلى الله، ~~وأنك سراج تبين طريق الوصول إلى الله، وأنذر من لم يجيبك بالانقطاع عن ~~الله { ولا تسأل عن أصحاب الجحيم } [البقرة: 119]، الذين ~~زلت أقدامهم عن الصراط المستقيم. # ثم أخبر تعالى عن جهالة أهل الضلالة بقوله تعالى: { ولن ترضى ~~عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ms0128 ملتهم } ~~[البقرة: 120]، والإشارة فيها أن الله تعالى أعلم نبيه صلى الله عليه ~~وسلم غاية جهالتهم وغلوهم في ضلالتهم أنهم يرجون رجوعه إلى ملتهم والصلاة ~~إلى قبلتهم، وأشار إليه أن لا تبالي برضائهم إذا حصل لك رضانا، فأظهر ~~عداوتهم وأعلى التبرؤ عنهم ولا تمهلهم { قل إن } [البقرة: 120]، ~~طريق { الهدى } [البقرة: 120]، الذي هداني { هدى الله } ~~[البقرة: 120]، وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه { ولئن اتبعت ~~أهوآءهم } [البقرة: 120]، حرصا على أن يتبعوك ويقبلوا دينك ~~ويؤمنوا بك # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف: 103] { بعد الذي جآءك من العلم } [البقرة: 120]، ~~بأنك لا تهدي من أحببت { ما لك من الله من ولي } [البقرة: ~~120]، في هدايتهم { ولا نصير } [البقرة: 120]، على استتباعهم فكن ~~بنا لنا متبرئا عما سوانا، وقبلها إشارة أخرى أنه لن ترضى عن روح السالك ~~يهود نفسه ولا نصارى هواه حتى تتبع ملتهم، يوافقهم في طلب الشهوات ~~النفسانية وتتبع لذات الجسمانية، وتخلع عن الصفات الروحانية، قل إن هدى ~~الله الذي دعاني إليه من التخلق بأخلاقه والتنور بأنواره هو الهدى، لا ~~الذي تدعونني إليه من الصفات البهيمية والحيوانية والأخلاق الشيطانية، ~~ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من الإلهامات الربانية وواردات الألطاف ~~الإلهية والمكاشفات الروحانية ما لك من الله من ولي في الخلاص عن الدركات ~~السفلية، ولا نصير على نيل الدرجات العلية، وإياك أن تلحظ هذه الكرامات ~~الواردات من تلك الحضرة بعين التقصير وبميل هواجس النفس إلى طرف تقصير ~~فتعمى حينئذ عمى لا يصلح عنك بعده قادح ولا يفتح بابه عليك فاتح، فإن ~~الأنفاس الرحمانية والنفحات الربانية لا تهب عن كل أرضي وسمائي ولا تمر ~~على كل ماء وهواء إلا من قبل بمن الإيمان ولا تمر إلا على أرواح هي أدعية ~~القرآن لا يدري ما مصحوبها إليك ومنشورها إلا عليك إلا هي حوامل آلاء ~~ونعماء وبر ووفاء وود وصفاء معها تحف الربوبية وطرف الخصوصية ومحو ~~العبودية واستيلاء الألوهية. # ثم أخبر عن أهل الإيمان الحقيقي بقوله تعالى: { الذين آتيناهم ~~الكتب } [البقرة: 121]، والإشارة آتينا هاهنا بمعنى أعطينا أي: ~~الذي أعطيناهم الكتاب ms0129 دراية وفهما وقبولا { يتلونه حق ~~تلاوته } [البقرة: 121]، يدل على هذا قوله تعالى: # ولقد آتينا موسى الكتاب # [البقرة: 87]، وقوله تعالى: # وآتينا عيسى ابن مريم البينات # [البقرة: 253]، وقوله تعالى: # ولقد آتيناك سبعا من المثاني # [الحجر: 87]، كلها بمعنى الإعطاء فالفرق بينهما بمعناه وغير معناه أن ~~الذي بمعنى الإعطاء إضافة إلى نفسه فقال { وآتينا } وبمعنى غيره ذكره ~~بصيغة ما لم يسم فاعله فقال تعالى: # أوتوا الكتاب # [آل عمران: 19]، كقوله تعالى: # وما اختلف الذين أوتوا الكتاب # [آل عمران: 19]. # وقوله تعالى: # وما تفرق الذين أوتوا الكتاب # [البينة: 4]، وأمثاله أي: يتدبرون ويتفكرون في معانيه وأسراره وحقائقه ~~ولطائفه وظاهره وباطنه فإن للقرآن ظهرا وبطنا يدل على هذا قوله تعالى: ~~{ يتلونه حق تلاوته } [البقرة: 121]، # أفلا يتدبرون القرآن # [النساء: 82]، { أولئك يؤمنون به } [البقرة: 121]، ~~الإيمان الحقيقي ما يكون من إعطاء الله حقائق كتابه لقلوب عباده ليتلوه ~~حق تلاوته ويؤمن به والدليل على هذا قوله تعالى: # أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح ~~منه # [المجادلة: 22]، { ومن يكفر } [البقرة: 121]، أي: ومن ينكر هذا ~~المعنى ويجحد { به } [البقرة: 121]، ولا يعرف قدر معاني القرآن ~~وحقائقها ويقنع بما ظهر عنده من لغة العرب والأحكام الظاهرة والقصص فقد ~~مر حقائق ما أشار إليه الله عز وجل بقوله # قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي # [الكهف: 109]، { فأولئك هم الخسرون } [البقرة: 121]. # ثم أخبر تعالى عما أنعم به على اليهود وما عرفوا بقوله تعالى: # يبني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم # [البقرة: 40]، الآيتين الإشارة فيهما أن يتذكر النعمة المضافة إلى نفسه ~~التي من خصائصها أن ينعم الله بها على عباده بما يفضلهم على العالمين # واتقوا يوما # [البقرة: 48]، فهاهنا الاتقاء من عذاب يوم # لا تجزي نفس عن نفس شيئا # [البقرة: 48]، من العذاب من نفس مثله # ولا يقبل منها شفعة # [البقرة: 48] أي: فداء من نفس دون نفس ولا ينفعها شفاعة؛ لأنها لم تكن ~~أهلا للشفاعة # ولا هم ينصرون # [البقرة: 48]، بدفع العذاب عنهم أبدا؛ لأنهم أبطلوا استعداد قبول فيض ~~النصرة عن أنفسهم باتباع الهوى وترك التقوى. # ثم أخبر تعالى عن أهل التقوى وتارك ms0130 الهوى بقوله تعالى: { وإذ ~~ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن } [البقرة: ~~124]، والإشارة فيها أن الولاء مظنة البلاء، فإن إبريز الولاء لا يبرز من ~~معدن الإنسان الذي هو محل الابتلاء إلا بالتهاب نار الهوى، كما قيل ~~البلاء للولاء كاللهب للذهب، فأصدقهم ولاء أشدهم بلاء، فلما ابتلي الخليل ~~عليه السلام بكلمات هي أحكام النبوة ولوازم الرسالة وموجبات الخلقة فوفى ~~{ فأتمهن } [البقرة: 124]. # أما أحكام النبوة: فما ابتلاه الله تعالى بالخصال العشرة في جسده كما ~~ذكره في تفسير الآية، وأما لوازم الرسالة فمنها الصبر عن صدمات المكروهات ~~وفقدان المألوفات، كما قال تعالى: # فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل # [الأحقاف: 35]، فصبر على كل مكروه وحادثة في ماله وولده ونفسه، وعن كل ~~مألوف فقده في المال بالبذل وفي الولد بالذبح وفي النفس بالفداء. # وأما موجبات الخلة: فمنها التبرؤ عما سوى الخليل، ورفع الوسائط فيما ~~بينه وبين الخليل، والتسليم والرضا تحت تصرفات الخليل فيما أراده له ~~الخليل. # أما التبرؤ فقوله: # إني بريء مما تشركون # [الأنعام: 78]، وأما العداوة فإنه قال: # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء: 77]. # وأما رفع الوسائط فقوله حين عرضه جبريل عليه السلام في الهوا وهم ~~يعذبونه في لجة الهلاك، وما الرضا ففي ذبح الولد قد أظهر الرضا، بما أمره ~~وما راجع الحق تعالى في ولده كما راجعه نوح عليه السلام في ولده # إن ابني من أهلي # [هود: 45]، فأخبره تعالى كمال رضاه بقوله: # فلما أسلما وتله للجبين # [الصافات: 103] فلما خرج عن عهده إتمام كلمات الابتلاء فزيد له في ~~الاصطفاء والاجتباء وأكرم بكرامة الأنبياء والاقتداء بقوله تعالى: { ~~قال إني جاعلك للناس إماما } [البقرة: 124]، وقد قيل: ~~وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان وفي قوله تعالى: { قال إني ~~جاعلك } [البقرة: 124]، معنيان: # أحدهما: { قال إني جاعلك للناس إماما } [البقرة: 124]، ~~تهدي الناس إلى طريق خلتي بأقوالك وأفعالك وأخلاقك على طريق هدايتك إليها ~~بعد أن أسلموا لأحكام منا كما أسلمت وصبروا على بلائنا كما صبرت وأيقنوا ~~بآياتنا كما أيقنت يدل على هذا المعنى قوله تعالى: # وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما ms0131 صبروا # [السجدة: 24]. # والثاني: جاعلك إماما لمن يدعي محبتي ويريد خلتي أبدا ليقتدى بك فيما ~~ابتليتك من موجبات الخلة ذكره بأداء حقوقها والخروج عن عهدة شرائطها كما ~~أجرى منك والذي يدل على هذا المعنى قوله تعالى: # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله # [آل عمران: 31]. # ثم التمس الخليل عليه السلام من الله تعالى إمامة لأوليائه { قال ~~ومن ذريتي } [البقرة: 124]، فأخبر تعالى أنها ليست باستحقاق فما ~~نسب أو باستحقاق سبب، وإنما هي باستعداد أزلي وقسم سرمدي { قال لا ~~ينال عهدي الظالمين } [البقرة: 124] أي: غير المستعدين لقبول ~~هذه الكرامة الله أعلم حيث يجعل رسالته من ذريتك، وغرهم إذ ليس هذا كنعيم ~~الدنيا وسعة الأرزاق فيها فإنه لا ادخار لها عن أحد وإن كان كافرا كما ~~كان في أهل ملكه لما دعوت، فقلت: # وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله ~~واليوم الآخر # [البقرة: 126]، قال: ومن كفر فليس بالدنيا من الخطر ما يمنعها من الكفار ~~ولكن عهدي لا ينال إلا الخواص من عبادي وأخص. ### || [2.125-130] # ثم ندب هذه الأمة في اتخاذ مقام الخلة أشار بقوله تعالى: { وإذ ~~جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من ~~مقام إبراهيم مصلى } [البقرة: 125]، الإشارة فيها أن البيت ~~هو القلب كما جاء أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام وقال: # " يا داود فرغ بيتا أسكن فيه فقال: وكيف يا رب فقال: فرغ لي قلبك " # وكذلك قوله تعالى: # " لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن " # فمعناه إذ جعلنا القلب الإنساني مثابة يرجعون إليه طلابي وزواري، كما ~~يرجعون إلى الكعبة في الصورة وأمنا للسالك من تصرفات الشيطان ومكائده حين ~~بلغ منزل القلب، وحصل له سلوك مقاماته وإن الشيطان لا يقدر على دخول ~~القلب؛ لأن القلب خزانة الحق والخزانة محروسة بحراسة قلب المؤمن بين ~~إصبعين من أصابع الرحمن وإنما جولان الشيطان في ميادين الصدور لقوله ~~تعالى: # يوسوس في صدور الناس # [الناس: 5]. # { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } [البقرة: 125] ~~يعني: إذا وصلتم إلى كعبة القلب اجعلوا مقام الخلة قبلة توجهكم ms0132 فيكون ~~قصدكم وذهابكم إلي لا إلى سواي اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم، وكانت ملته # وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين # [الصافات: 99]، ومما يدل على المعنى الذي جرى في الآية قوله تعالى: { ~~وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل } [البقرة: 125]، ~~والإشارة فيها أنه لما شرف البيت بإضافة إلى نفسه لقوله بيتي أكرمه ~~بكرامات مخصوصة عن غيره من المساجد: # أولها: أنه كان أول بيت وضع للناس من بيوت الله تعالى. # وثانيها: عين موضعه بمكة خير المواضع بإرسال جبريل عليه السلام وقد خلق ~~الله تعالى موضع البيت بألفي عام. # وثالثها: أمر الخليل عليه السلام ببنائه بيده. # ورابعها: جعله مباركا على زواره ومستقبليه. # وخامسها: وهو سبب هداية لقوله تعالى: # وهدى للعالمين # [آل عمران: 96]. # وسادسها: جعله حرما لا يصاد صيده ولا يقطع شجره. # وسابعها: مأمنا لا تجد جان يأوي إليه ويغفر ذنوب من دخل فيه قال تعالى: # حرما آمنا # [القصص: 57]. # وثامنها: جعلها قبلة حبيبه، وقال: # فول وجهك شطر المسجد الحرام # [البقرة: 144]، وقبلة أمته # وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره # [البقرة: 144]. # وتاسعها: جعله حجة ركنا من أركان الإسلام وقال الله: # على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا # [آل عمران: 97]. # وعاشرها: جعله منزل الرحمة ومقسمها لقوله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله في كل يوم وليلة مائة وعشرين رحمة تنزل على هذا البيت ستون ~~للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين ". # والحادي عشر: جعل طوافه عبادة وموجبا للرحمة. # والثاني عشر: جعل النظر إليه عبادة وموجبا للرحمة. # والثالث عشر: جعل جواره جوار الله. # والرابع عشر: جعل محل الآيات البينات. # والخامس عشر: جعل صلاة فيه كألف صلاة فيما سواه من المساجد. # والسادس عشر: جعله ملجأ الخلق ومعادا يعودون إليه لا يقضون منه وطرا ~~كلما انصرفوا اشتاقوا إليه قال تعالى: { وإذ جعلنا البيت ~~مثابة للناس وأمنا } [البقرة: 125]. # السابع عشر: جعله مغناطيس القلوب بجذبها من المسافة البعيدة فالقلوب ~~مشتاقة إليه وإلى أهله لما قال تعالى: # فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم # [إبراهيم: 37]. # والثامن عشر: جعل له كرامة ظاهرة وآية مبينة أن الطير يقع على حيطانه ~~ولا ms0133 يطير فوقه ولا روث في حرمه مع كثرة الحمام. # والتاسع عشر: جعله معظما مبجلا في الجاهلية والإسلام من لدن آدم عليه ~~السلام إلى اليوم، وكانوا يعظمونه ويقصدونه ويزورونه ويقربون به أهل ~~الأديان والملل كلها حتى الكفر والشرك. # وعشرونها: جعل فيه الحجر الأسود وهو ياقوتة من يواقيت الجنة قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " الحجر الأسود يمين الله في أرضه " # شرفه الله بهذه الكرامة بما لا يحصى ولكن اقتصر على مخافة التطويل ~~والإشارة في قوله تعالى: { وعهدنآ إلى إبراهيم ~~وإسماعيل } [البقرة: 125]، أنا عاهدنا معهما في الميثاق على تطهير ~~القلب عن أدناس تعلقات الكونين واقتصار ملاحظة الأغيار فإنه بيتي، وإنما ~~أضافه إلى نفسه ليكون مخصوصا به عما سواه ولا يكون لغيره فيه مأوى ولا ~~سكنى. # ولو كان الأمر بالتطهر مقصورا على بيت الكعبة لكفى الخطاب إلى أحدهما ~~دون الآخر كقوله تعالى: # وأذن في الناس بالحج # [الحج: 27]، فلما كان الأمر بذلك مشتملا على تطهير كلا البيتين خاطبهما ~~به، وأما الطائفون فواردات الحق وإلهاماته وإشاراته ومحادثاته ولوامع ~~أنواره وطوالع أسراره ووفور مواهبه فحملتها بلسان قوم الأحوال، وهي التي ~~تطوف حول القلوب المطهرة من الملوثات السليمة من الآفات، وأما العاكفون ~~فأنوار معرفته ومحبته وحقائق صفاته وأخلاقه فجملتها المقام فالأحوال تكون ~~لأصحاب التلوين ولأرباب التميكن والمقام ولا يكون إلا لأرباب التمكين، ~~وأما الركوع والسجود فإشارة إلى قلب الصفاء المطهرة وهي الإرادة والصدق ~~والإخلاص والخضوع والخشوع والدعاء والتضرع والابتهال والانكسار والتواضع ~~والخوف والرجاء والصفاء والوفاء والتسليم والرضا والخشية والهيبة والتوكل ~~والتفويض فحملتها العبودية. # ثم أخبر عن دعاء إبراهيم عليه السلام لمكة وأهلها من شرف البيت بقوله ~~تعالى: { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا ~~آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم ~~بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه ~~قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ~~* وإذ يرفع إبرهيم القواعد من البيت ~~وإسمعيل } [البقرة: 126-127]، والإشارة فيها أنه كما كان في بدء ~~أمر البيت أن آدم عليه السلام لما هبط إلى الأرض وفقد ما كان يجد ms0134 من ~~روائح ألطاف الحق في الجنة استوحش، فأنزل الله تعالى ياقوتة من يواقيت ~~الجنة لها بابان باب شرقي وباب غربي، وفيها قناديل من الجنة فكذلك لما ~~هبط الروح إلى أرض الجسد فقد ما كان يجد من روائح ألطاف الحق في جنة حضرة ~~القدس استوحش فأنزل الله ياقوتة من يواقيت حضرة القدس لها بابان إلى حضرة ~~رب العالمين يطلع منه شوارق الألطاف، وباب غربي إلى مغرب الجسد منه تخرج ~~الشوارق إليه وفيه قناديل من جنة حضرة القدس، وهو العقل وأنزل حجرة الذرة ~~المخاطبة بخطاب: # ألست بربكم # [الأعراف: 172]، منورا بنور جواب { بلى } وهو الإيمان الفطري وهو ~~الحجر الذي لقمه كتاب العهد يوم الميثاق، وهو يمين الله في أرضه وهو الذي ~~يلزم أن يصافح ويقال إيمانا بوعدك ووفاء بعهدك فلما كان أيام طوفان آفات ~~الصفات البشرية الطفولية إلى أوان البلاغة ودار تنور الشهوة رفع بيت ~~معمور القلب إلى السماء الرابع يعني حجب أستار خواص العناصر الأربع وأخفى ~~حجر الذرة في أبي قبيس صفات النفس فلما أمر إبراهيم الروح بعد البلوغ ~~ببيت القلب السكينة التي ينزل الله تعالى في قلوب عباده ولو كان نبيا من ~~الأنبياء لقوله تعالى: # أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين # [التوبة: 26]. # وقال تعالى: # هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين # [الفتح: 4] فجعل إسماعيل النفس المطمئنة المارة تجيء بأحجار أعمال ~~الشريعة من جبال أركان الإسلام، وتناولها بيد الصدق إبراهيم الروح وهو ~~بيتي إلى أن يبلغ موضع الحجر فنودي من أبي قبيس الهوى: وإن لك عندي وديعة ~~فخذها مخلص حجر الذرة من أستار صفات النفس والهوى فوضعه مكانه وكان أبيض ~~فلما لمسه حضيض اللذات الدنياوية ومشركوا الشهوات النفسانية في جاهلية ~~الطفولية اسود، فلما أتما رفع قواعد بيت القلب رجعا إلى الحضرة بصدق ~~النية وما سألا ربهما من الأجرة إلا تقبل العبودية: { ربنا تقبل ~~منآ إنك أنت السميع العليم } [البقرة: 127]، بما يحتاج ~~إليه مما نعلم ومما لا نعلم. # ثم أخبر تعالى عن صدق التجائهما وخلوص دعائهما بقوله تعالى: { ربنا ~~واجعلنا مسلمين لك ms0135 ومن ذريتنآ } ، والإشارة فيها ~~أن إبراهيم الروح وإسماعيل النفس المطمئنة سألا ربهما بعد فراغهما من ~~عمارة القلب أن يجعل سعيهما مشكورا، ويجعلهما مسلمين منقادين للأحكام ~~الظاهرة والباطنة، فأما الظاهرة: فهي أحكام الشريعة وأما الباطنة: فهي ~~الأحكام الأزلية الحقيقية التي جف القلم بها قالا: { ربنا ~~واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ } أي: المتولدات منا ~~من الصفات الروحانية والصفات النفسانية { أمة مسلمة لك } ، ~~حتى لا يتحرك عرق منا إلا بانقياد أوامرك ونواهيك، ولا يخطر ببالنا خاطر ~~إلا بإلهاماتك ودواعيك ولا يكون لنا خلق إلا تخلقنا به من أخلاقك { ~~وأرنا مناسكنا }؛ إذ لا سبيل إلى معرفة [مقتدراتك] إلا بإعلام ~~[أوقاتك]، { وتب علينآ } ، بتوفيق ترك حظوظنا والقيام بأداء حقوقك ~~بعد القيام بجميع ما أمترنا حتى لا تلاحظ حركاتنا وسكناتنا، ونرجع إليك ~~عن شهود أفعالنا واستجلاء أحوالنا لئلا يكون يخطر الشرك الخفي بوهم منا { ~~إنك أنت } ، وأنا بك لا بنا فلا يكون رجوعنا إلا إليك لأنك { ~~التواب } ، فارجع بنا إليك بك فارحمنا فإنك { الرحيم }. # ثم أخبر تعالى عن إلحاحهما في الدعاء بقوله تعالى: { ربنا وابعث ~~فيهم رسولا منهم } ، والإشارة فيها أن الرسول الخارجي لا يسمع ~~من لم يكن له في القلب رسول قلبي بوارد من الحق سبحانه ويكون القلب به ~~حيا كما قال تعالى: # إنك لا تسمع الموتى # [النمل: 80]، وقال تعالى: # لينذر من كان حيا # [يس: 70]، فالقلب الحي بنور ورد الحق ليسمع بذلك النور كلام الرسول ~~الخارجي ويفهمه ويقبله فسر القلب الذي هو قابل فيض نور وارد الحق يكون ~~الرسول بين الحق والعبد، فيأخذ الأسرار والمعاني والحكم والمواعظ من نور ~~وارد الحق ويبلغها إلى القلب والنفس وسائر الأمة المسلمة من الأوصاف ~~والأخلاق. # كما قال صلى الله عليه وسلم: # " واعظ الله في قلب كل مؤمن " # فمعنى الآية أفض على سر القلب أنوار وارد فضلك ليكون رسولا في الآمة ~~المسلمة من الأوصاف الإنسانية وأخلاقها وأعمالها منهم، فيأخذ رسالات ~~أنوار وارداتك ويبلغ إليهم { يتلوا عليهم } ، بلسان الأنوار { ~~آيتك } ، وارداتك { ويعلمهم } أسرار { الكتب } ، ~~ومعانيه وحقائقه ولطائفه { والحكمة } ، وهي كل خبر ms0136 معنوي يؤتيهم ~~الله بوارد فضله سرا فيخصه بذلك دليله قوله تعالى: # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا # [البقرة: 269]، فإن قيل على هذا كيف يعلمهم الحكمة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأثبت أن الحكمة من مواهب الحق؟ فالجواب عنه من وجهين: # أحدهما: أنه يعلمهم من الحكمة التي أتاه الله ويدعوهم بها إلى سبيل الحق ~~بيانه قوله تعالى: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة # [النحل: 125]. # وثانيهما: شرائط الإسلام وواجبات الشرع فيها يهدي الله قلوبهم ويفتح ~~عليهم أبواب الحكمة لقوله تعالى: # ومن يؤمن بالله يهد قلبه # [التغابن: 11]، وقال تعالى: # وإنك لتهدي # [الشورى: 52]، وقوله تعالى: { ويزكيهم } ، فيه إشارة إلى أن ~~تزكية أوصاف الخلق لا يمكن إلا بتحلية أخلاق الحق، وذلك أيضا من أنوار ~~وارد الفضل لقوله تعالى: # ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم ~~من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء # [النور: 21]. # { إنك أنت العزيز } ، والعزيز هو المنيع الذي لا يهدي إليه إلا ~~بهدايته ولا يوصل إليه إلا بجذبات عنايته { الحكيم } ، أي: ذو الحكمة ~~يعني ليست الحكمة من صفات الخلق إنما هي من صفات الحق فمن لم يؤته الحكمة ~~يكون على وصف جهولية # إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. # ثم أخبر تعالى عن وصف من نبذ الملة وما فيه من العلة بقوله: { ومن ~~يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } ~~[البقرة: 130]، إشارة إلى أنه من يرغب من ملة إبراهيم الروح وهي التوحيد ~~بالكلية للحق، والتبرؤ عما سواه في تصحيح الخلة إلا النفس الأمارة التي ~~من خصوصيتها الظلومية والجهولية فبجهلها لا يعرف قدر مقام الروح واختصاصه ~~بالقرب واستحقاقه للخلة، ولا يعرف أيضا خسته نفسها وعملها وضلالتها ~~المذمومة، وإن هلاكها في هواها فترغب إلى متابعة هواها وتحصيل لذاتها ~~وشهواتها وترغب عن مطاوعة الروح في طلب الحق { ولقد اصطفيناه ~~في الدنيا } [البقرة: 130]، على كل شيء خلقناه { وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين } [البقرة: 130]، لقبول نور الله الذي هو ~~مخصوص به من العالمين في قبوله وإلى هذا أشار بقوله # وحملها الإنسان # [الأحزاب: 72]، فافهم جدا. ### || [2.131-136] ms0137 # ثم أخبر تعالى عن كمال تسليمه وحسن استعداده بقوله: { إذ قال له ~~ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين } [البقرة: ~~131]، الإشارة فيها أن الروح الإنساني مخصوص من العالمين بالاستسلام ~~لقبول أنوار فيض رب العالمين بلا واسطة والاستعداد والاستحقاق لخطاب ربه: ~~أسلم لنور فيضي وفيض نوري، فيستسلم لقوله ويقول: { أسلمت لرب ~~العالمين } [البقرة: 131] أي: لنور رب العالمين وبيانه قوله تعالى: # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه # [الزمر: 22]، وليس لغير الإنسان كرامة أن يكون على نور من ربه إلا ~~بواسطة، هذا سر عظيم وشرحه يطول وأنت ملول. # ثم أخبر عن وصيته لبنيه أن يدينوا بدينه لقوله تعالى: { ووصى بهآ ~~إبراهيم بنيه ويعقوب } [البقرة: 132]، والإشارة فيها أن ~~إبراهيم الروح يوصي أبناء ذريته من القلب وصفاته والنفس وصفاتها والقوى ~~البشرية والحواس الخمس والأعضاء والجوارح، فإنها متولدات بعضها من بعض ~~على الحقيقة لملته وهي الخلة عن التبرؤ عن غير الخليل في العبودية والخلة ~~{ يابني إن الله اصطفى لكم الدين } [البقرة: 132]، ~~فيه إشارة شريفة وإشارة لطيفة، يعني لولا فضل الله عليكم ورحمته اصطفاؤه ~~لكم الدين فلقوله تعالى: # ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا # [فاطر: 32]، فقال لولا أورثنا واصطفينا وإلا ما للتراب ورب الأرباب. # { فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } [البقرة: 132]، فيه ~~إشارة إلى أنكم للفناء فلا تفنوا إلا في استسلام وجوهكم لنار نور نور ~~الله وهي نار وقودها الناس والحجارة، فإن اشتعال نار الله الموقدة التي ~~تطلع على الأفئدة إنما هي تكون بعد استسلام حطب الوجود لها فيه، إنها ~~عليهم موصدة في عمد ممددة، فمن لم يستسلم اليوم لنار الخلة والمحبة ~~بالاختيار فلا بد غدا يلقى في نار الغضب. # ثم أخبر عن تأثير الوصية في أولاده وأولاد أولاده بقوله تعالى: { أم ~~كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ~~ما تعبدون من بعدي } [البقرة: 133]، والإشارة فيها أن الله ~~تعالى استجاب دعاء إبراهيم في أولاده وأولاد أولاده إذ قال: # ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة ~~مسلمة لك # [البقرة: 128]، وأظهر استجابته بإيصاء يعقوب ms0138 وإقرار ولده وولد ولده ~~لإبراهيم عليه السلام وأولاده، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم " # فجروا كلهم صلوات الله عليهم على منهاج واحد في التوحيد والاستسلام ~~توارثوا ذلك خلفا على سلف، فهم أهل بيت الزلفة ومستحقوا القربة، ~~والمطهرون من قبل الله. وفيه إشارة أن الله تعالى إذا تجلى لروح عبد مخلص ~~متضرع إليه محب له يظهر آثار تجليه على قلبه وسره ونفسه وقواه وحواسه ~~وجوارحه وجميع أعضائه فيستسلمون له بكليتهم وخضعوا له فيعبدون كلهم إلها ~~واحدا، وإن كان كل واحد منهم يعبد إلها آخر من قبل من الهوى والدنيا ~~والآخرة كقوله تعالى: # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الجاثية: 23]، وليستسلم كل واحد في العبودية لما يناسب حاله. # ثم أخبر أن كسب كل واحد يفيده وينفعه بقوله تعالى: { تلك أمة ~~قد خلت لها ما كسبت } [البقرة: 134]، والإشارة فيها أن ~~معاملة كل إنسان تنفعه ولا تضره، لا ينفع عمل نبي وسعيه لأولاده ولا ~~لغيرهم، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " يا فاطمة يا بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أغني عنك من الله ~~شيئا ". # وكقوله تعالى: # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه # [الإسراء: 13]، قال تعالى: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39]، فمن لم يساعده التوفيق لأعمال العبادة لا تنفعه أعمال ~~الآباء والأجداد { وقالوا كونوا هودا أو نصارى ~~تهتدوا } [البقرة: 135]، إلى قوله: # وهو السميع العليم # [البقرة: 137] والإشارة في تحقيق الآيات أن يهود الشيطان الإنساني، فإن ~~لكل إنسان شيطان كما جاء في الحديث، ونصارى الهوى والنفسانية، ويدعو كل ~~واحد منهم الأمة المسلمة من طينة الإنسان إلى دينه ويقول: كونوا على ديني ~~فلا دين إلا ديني فيناديهم منادي ألطاف الحق { قل بل ملة ~~إبراهيم } [البقرة: 135]، الروح { حنيفا } [البقرة: 135]، مائلا ~~إلى الحق: { وما كان من المشركين } [البقرة: 135]، الملتفتين ~~إلى غير الحق { قولوا آمنا بالله ومآ أنزل إلينا } ~~[البقرة: 136]، من أنوار الواردات وإلهامات { ومآ أنزل إلى ~~إبراهيم } [البقرة: 136]، الروح من تجلي ms0139 صفات الحق { وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط } [البقرة: 136]، المتولدات من ~~الروح { ومآ أوتي موسى } [البقرة: 136]، القلب { وعيسى } ~~[البقرة: 136]، السر. # { وما أوتي النبيون } [البقرة: 136]، وهم المدركات الروحانية ~~والعقلية { من ربهم } [البقرة: 136]، من مكاشفات الأسرار الربانية ~~ومشاهدات الأنوار الإلهية { لا نفرق بين أحد } [البقرة: ~~136]، في الإيمان بما أنزل إليهم وما أوتي كل واحد { منهم } ~~[البقرة: 136]، إذ هو من أصناف ألطاف الحق { ونحن له مسلمون } ~~[البقرة: 136]. ### || [2.137-142] # { فإن آمنوا } [البقرة: 137] يعني يهود الشيطان كما أسلم شيطان ~~محمد صلى الله عليه وسلم ونصارى الهوى { بمثل مآ آمنتم به ~~فقد اهتدوا } [البقرة: 137]، فإن الشيطان إذا آمن يكون للسالك ~~بمثابة جبريل عليه السلام فيعرج به إلى سدرة المنتهى، وهي أعلى المراتب ~~الروحانية فلا يستبعد هذا من الشيطان فإنه جبريل الأصل فبالإباء ~~والاستكبار صار شيطانا رجما، فإن أسلم وترك الإباء وسجد لآدم الروح، ~~فرجع إلى أصل خلقته، ونصارى الهوى إذا رجما، فإن آمنت تكون المحبة والشوق ~~والعشق وتكون للسالك بمثابة الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم فيها يصل ~~السالك إلى الحق ويعرج من سدرة المنتهى. # ولهذا قال بعض المشايخ: لولا الهوى ما سلك أحد طريقا على الله تعالى { ~~وإن تولوا فإنما هم في شقاق } [البقرة: 137]، يعني ~~العداوة والمخالفة من شر الشيطان والهوى { فسيكفيكهم الله } ~~[البقرة: 137]، يا سالك شرهما وشرك من هو من قبليهما فلا تلتفت إليهم { ~~وهو السميع } [البقرة: 137]، بمقالاتكم { العليم } [البقرة: ~~137]، بحالاتكم ومعاملاتكم. # ثم أخبر أن معالجة المؤمن بصبغة الله لا يغيرها بقوله تعالى: { صبغة ~~الله ومن أحسن من الله صبغة } [البقرة: 138]، إلى ~~قوله: { مخلصون } [البقرة: 139] والإشارة فيها أنه كما أن للكفر ~~صبغة فللدين صبغة، وصبغة الدين هي صبغة الله فليس العبرة فيما يتكلفه ~~الخلق، وإنما العبرة فيما يتصرفه الحق، فنصيب الأشباح من صبغة الله توفيق ~~القيام بالأحكام وحظ القلوب تصديق المعارف بالعوارف في كفل الأرواح منها ~~شهود الأنوار وكشوف الأسرار، وحق الأسرار منها فناء ليكون من صبغة الخلق ~~بقاء التمكن في صبغة الله { ومن أحسن من الله صبغة } ~~فإنها أزلية أبدية لا تغير فيها { ونحن له ms0140 عابدون } [البقرة: ~~138]، يعني لصبغة أحكام أزليته منقادون بصبغة أنوار أبديته مكاشفون { ~~قل أتحآجوننا في الله } [البقرة: 139]، وأنتم بحجب الخلقية ~~وأستار أوصاف البشرية تحتجبون. # { وهو ربنا } [البقرة: 139]، يربينا بحجر العناية بألبان الهداية ~~{ وربكم } [البقرة: 139]، يربيكم بألبان الخذلان في حجر الكفر ~~والعصيان من إغواء الشيطان { ولنآ أعمالنا } [البقرة: 139]، ~~مثمرة القبول والنجاة { ولكم أعمالكم } [البقرة: 139]، مثمرة ~~الرد والهلاك لأنه { ونحن له مخلصون } [البقرة: 139]، لا غيره ~~وأنتم مخلصون لغيره لا له، وما أمرنا نحن ولا أنتم إلا أن نعبد الله ~~مخلصين لقوله تعالى: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين # [البينة: 5]. # ثم أخبر عن إقرارهم وكتمان شهادتهم بقوله تعالى: { أم تقولون ~~إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } [البقرة: 140]، ~~والإشارة فيها أن للنفس والشيطان تسويلات سولت لهم أنفسهم، فمنها: تخيلهم ~~أن إبراهيم الروح وأتباعه كانوا لركونهم إلى شيء من الدنيا وزينتها ~~وشهوات النفس وهواها على ملة يهودية الشيطان ونصرانية النفس والهوى { ~~قل أأنتم أعلم } [البقرة: 140]، بأحوال الروح وأتباعه { أم ~~الله } [البقرة: 140]، الذي خلقهم وركب فيهم خاصية تنافي جبلة النفس ~~والشيطان، وأما الروح وأتباعه فيتصرفون في الدنيا وزينتها والشهوات ~~النفسانية ولذاتها عند بلوغهم حدود الرجال البالغين الذين لا تلهيهم ~~تجارة ولا بيع عن ذكر الله بقوة ربانية وبصيرة روحانية لا بشهوة حيوانية ~~واستيفاء لذة نفسانية # قد علم كل أناس مشربهم # [الأعراف: 160] ويكون لهم ذلك ممدا في العبودية ومجدا في طريق ~~الربوبية. # كما قال تعالى: # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق # [الأعراف: 32] على أن الله تعالى يتجلى ببعض صفاته على روح العبد فيظهر ~~عكس أنوار الربوبية في مرآة القلب، فينعكس منها فيتنور بشعاعها هواء ~~النفس ويقع على ضوء الشعاع على أرض الصدر فيقف الشيطان والنفس على كرامة ~~الله الروح وأتباعه ويشاهدون آثار ألطاف الحق معهم، ولكي يكتمون ما ~~شاهدوا ظلما وعدوانا كقوله تعالى: { ومن أظلم ممن كتم ~~شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما ~~تعملون } [البقرة: 140]، أيها الشيطان والنفس من الإنكار والتمرد ~~وأيها الروح وأتباعه من التبرؤ عن الأغيار في العبودية والتقرب ms0141 في ~~العبودية والتقرب إلى حضرة الربوبية وأتباعه من التبرؤ عن الأغيار في ~~العبودية والتقرب إلى حضرة الربوبية بالتجرد والتفرد. # ثم أخبر الفريقين عن سلوك الطريقين بقوله تعالى: { تلك أمة قد ~~خلت } [البقرة: 141]، والإشارة فيها أن الروح وأتباعه قد خلت ديار ~~الجسمانيات، فإنهم قطعوا مفاوز النفوس والأشباح وعبروا بحار الملكوت ~~والأرواح وبذلوا ليحصلوا وانفصلوا فأدركتهم جذبات العناية، وأوفت لهم ~~الكيل بلا نهاية، فوجدوا ما طلبوا وسعدوا بما كسبوا فيها أنتم أيها ~~الشيطان والنفس وأتباعكم فأوقرتم ظهوركم بالإثم والعدوان، وأعظمتم ~~الإساءات إلى أنفسكم بالمنع والحرمان فهلموا إلى ربكم بالمعذرة إن كانت ~~لكم، وهاتوا حجتكم وإن كانت معكم، إلا فبعدا وسحقا لكم، ولما طلبتم ~~فتلك { لها ما كسبت ولكم ما كسبتم } [البقرة: 141]، { ~~ولا تسألون } [البقرة: 141]، كل فرقة منكم { عما كانوا ~~يعملون } [البقرة: 141]، فرقة أخرى كقوله تعالى: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الأنعام: 164]. # ثم أخبر عن إنكار المعرضين بالباطل وإعراض الجاحدين عن الحق بقوله ~~تعالى: { سيقول السفهآء من الناس ما ولهم عن ~~قبلتهم التي كانوا عليها } [البقرة: 142]، والإشارة فيها ~~أن من سفاهة الغيبة وجهالة أصحاب الحجة إذا خفيت عليهم أحوال أرباب ~~القلوب، ومشاهداتهم في الغيوب وتصريفهم الحق من حال إلى حال، وتحريفهم من ~~أفعال إلى أفعال يعترضون على حركاتهم وسكناتهم، ويطعنون في كل شيء من ~~معاملاتهم؛ لأنهم ينظرون إليهم بعين الاستقباح وهمتهم الاستفضاح. # وقال تعالى: { قل لله المشرق والمغرب } [البقرة: 142]، ~~فإن شرقوا فلله وإن غربوا فبالله، فلا توجه لقلوبهم إلا إلى وجه الله { ~~يهدي من يشآء } [البقرة: 142]، من أوليائه وأحبائه { إلى ~~صراط مستقيم } [البقرة: 142]، لقائه بآلائه ونعمائه. ### || [2.143-148] # ثم أخبر عن كمال فضله مع هذه الأمة وحكمة تحويل القبلة بقوله تعالى: { ~~وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على ~~الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } [البقرة: 143]، ~~والإشارة فيها أن الله تعالى جعل بمحض العناية والكرم هذه الأمة وسطا ~~عند الأمم وجعل في هذه الأمة هذه الطائفة بهم يمطرون وبهم يرزقون وهم ~~القطب، وعليهم المركز وبهم حفظ الله جميع الأقطار فمن قبلته قلوبهم فهو ~~المقبول المقبل ومن ms0142 ردته قلوبهم فهو المدبر المردود؛ لأنهم شهود الحق ~~يشاهدون وينظرونه به ويبصرون ويطالعون ولهذا قال: { لتكونوا ~~شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } ~~[البقرة: 143]، فكما أن للرسول صلى الله عليه وسلم مقاما أعلى من ~~مقاماتهم وشهودا فوق شهادتهم، فيكون شهيدا عليهم فكذلك لهم مقام أعلى ~~من مقامات الناس فيكونون مشرفين على سرائرهم مطلعين على ما في ضمائرهم من ~~الكفر والإيمان والطاعة والعصيان فيشهدون عليهم، وكما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " أنتم شهداء الله في أرضه " # وقال: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران: 110]، فلا يخفى أن هذا من سيرة القوم وإن كانوا أغرب من ~~عنقاء مغرب اليوم، ولما أراد الله أن يميز بين المحق الموافق وبين المقلد ~~المنافق حكم في أمر القبلة بالتحويل ليكبر على من نظر بعين التفرقة حكم ~~التبديل، كقوله تعالى: { وما جعلنا القبلة التي كنت ~~عليهآ إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب ~~على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين ~~هدى الله } [البقرة: 143]، ومن نظر بعين الحقيقة فيهديه الله ~~للتسليم في العبودية فيستسلم لأحكام الربوبية، ثم قال تعالى: { وما ~~كان الله ليضيع إيمانكم } [البقرة: 143] أي: من كان لله ~~بجميع أوصافه كان الله له بجميع ألطافه: { إن الله بالناس ~~لرءوف رحيم } [البقرة: 143]، من قرع باب رأفته فتح الله له أبواب ~~رحمته. # ثم أخبر عن علة تحويل القبلة بقوله تعالى: { قد نرى تقلب ~~وجهك في السمآء } [البقرة: 144]، والإشارة فيها أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من مكان تأدبه بآداب أدبه ربه بها لم يكن يظهر مع الله ~~سؤاله، ولا يستدعي باللسان مأموله رعاية الآداب القربة؛ إذ أوحى الله ~~تعالى إليه: # " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق مسألة السائلين " # ومن كون نفقته على هذه الأمة كان يدخر دعوته المستجابة: # " فدعا كل نبي دعوته وادخرت دعوتي شفاعة لأمتي " # ، فلما قدر الله تعالى شرف الكعبة أن تكون قبلته وقبلة أمته، فانعكس ~~مسطور الكتاب من الكعبة في مرآة قلب النبي صلى الله عليه وسلم فظهر فيه ~~داعية استقبال القبلة ليقضي ms0143 الله أمرا كان مفعولا، وكان تقلب قلبه إلى ~~الله تعالى وتقلب وجهه إلى السماء لأنه كان قمر جبريل عليه السلام، فقال ~~تعالى: { قد نرى تقلب وجهك في السمآء ~~فلنولينك قبلة ترضاها } [البقرة: 144]، فالحبيب يترك ~~سؤاله بطلب رضائه والرب يطلب رضاء رسوله بإنجاز مأموله { فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة: 144]، يعني ول قلبك ~~رب المسجد الحرام بقلب الوجه إلى المسجد الحرام. # { وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم } [البقرة: 144]، أي: ~~وجوه قلوبكم { شطره } [البقرة: 144] أي: إلى الله إن كنتم في البيوت ~~أو في المساجد { وإن الذين أوتوا الكتاب } [البقرة: 144]، ~~من أهل العلوم الظاهرة { ليعلمون أنه الحق من ربهم ~~} [البقرة: 144]، علما لا ينتفعون به ليكون حجة لهم بل حجة عليهم { ~~وما الله بغافل عما يعملون } [البقرة: 144]، تأييدا ~~للأولياء وتهويلا للأعداء. # ثم أخبر عن ثبات الأعداء على قدم الكفر وثبات الأولياء على قدم الإيمان ~~بقوله تعالى: { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل ~~آية } [البقرة: 145]، والإشارة فيها أن الحكم السابق الأزلي سبق ~~للأولياء بالقبول والإيمان وللأعداء بالرد والخذلان وبينهما برزخ لا ~~يبغيان، ولئن أتيت يا محمد أهل الخذلان بكل آية { ما تبعوا ~~قبلتك } [البقرة: 145]، ولا يزيدهم إلا الطغيان { ومآ أنت ~~بتابع قبلتهم } [البقرة: 145]، لأنك على بصيرة وهم عميان، { ~~وما بعضهم بتابع قبلة بعض } [البقرة: 145]، وإن كانوا ~~كلهم أهل الأهواء لأنهم مختلفون الآراء { ولئن اتبعت ~~أهواءهم من بعد ما جآءك من العلم إنك إذا ~~لمن الظالمين } [البقرة: 145]، معناه أن أتباع أهل الأهواء ممن ~~سبقت لهم العناية الأزلية وهو عالم بها ظلم وعدوان، وهذا من شيم أرباب ~~الخسران والضدان لا يجتمعان. # ثم أخبر عن معرفتهم النبي صلى الله عليه وسلم وجحود بعضهم بقوله تعالى: ~~{ الذين آتيناهم الكتاب } [البقرة: 146] أي: أعطيناهم ~~الكتاب دراية وفهما، { يعرفونه } [البقرة: 146]، يعني محمدا صلى ~~الله عليه وسلم بنور فهم الكتاب بقوله تعالى: # ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن ~~جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا # [الشورى: 52]، { كما يعرفون أبناءهم } [البقرة: 146]، بنور ~~الحس ونور الباطن أقوى من المعرفة من النور الظاهر فمن ms0144 كان مصباح قلبه ~~منورا بنور الكتاب، والإيمان إذا نظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم ~~والولي يعرفهم بسيماهم. # كما قال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: # تعرفهم بسيماهم # [البقرة: 273]، كما كان حال عبد الله ابن سلام رضي الله عنه قال: لما ~~قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ونظرت إلى وجهه علمت أنه ليس بوجه ~~كذاب { وإن فريقا منهم } [البقرة: 146]، المعرفة ما عرفوه حق ~~معرفته وجحدوا به لقوله تعالى: # فإنهم لا يكذبونك ولكن الظلمين بآيات ~~الله يجحدون # [الأنعام: 33]، ثم قال: فأنت بتحقيق الحق # فلا تكونن من الممترين # [الأنعام: 114]، بعدما حق الحق # فلا تكونن من الممترين # [الأنعام: 114]، في حق حقه ولا في حق نفسك تفهم هذه الدقيقة إن شاء الله ~~تعالى. # ثم أخبر أن لكل أهل ملة قبلة بقوله تعالى: { ولكل وجهة هو ~~موليها فاستبقوا الخيرات } [البقرة: 148]، والإشارة فيها ~~بمعنيين: # أحدهما: إن لكل شخص على حدة قبلة مناسبة لاستعداد جبل هو عليها موليها، ~~هذا تحقيق قوله صلى الله عليه وسلم: # " اعملوا فكل ميسر لما خلق له ". # وثانيهما: إن لكل شيء من الإنسان قبلة هو موليها إن وكل إليه فقبلة ~~البدن هي بالتلذذ بالحواس الخمس من المأكول والمشروب والمشموم والمسموع ~~والمبصر والملموس والمركوب والمنكوح وأمثاله، وقبلة النفس هي الدنيا ~~وزينتها ورفعتها والحرص في جمعها والتفاخر بها والتكبر لها وأشباه ذلك، ~~وقبلة القلب هي الآخرة ونعيمها ودرجاتها وأنواع التمتعات بها، وقبلة ~~الروح هي القربة والزلفة والشوق والمحبة وما هو من هذا القبيل، وقبلة ~~السر التوحيد والمعرفة وكشف العلوم والمعاني والأسرار، وما يناسب ذلك ولو ~~وكل واحد من هؤلاء إليه حتى أقبل البدن إلى قبلته وأقبلت النفس إلى ~~قبلتها فكانا يزاحمان القلب والروح والسر في إقبالهم إلى قبلتيهم ~~ويشغلانهم عن ذلك، وما صح لهم أن يقبلوا على قبلتهم بل يحولانهم إلى ~~قبلتهما ويسبقا بهم، فلما وكلهم الله إليهم أمروا جميعا أن يخرجوا من ~~طباعهم وأهوائهم ويطيعوا ربهم في إقبالهم إلى القبلة بأمره فاستبقوا ~~الخيرات. # { أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا } [البقرة: ~~148]، فجعل ms0145 قبلة البدن الكعبة، وقبلة النفس الطاعة والعبودية وترك الهوى، ~~وقبلة الهوى وقبلة القلب الصدق والإخلاص والإيمان والإيقان والإحسان، ~~وقبلة الروح التسليم والرضاء والصبر على مر القضاء، وقبلة السر الفناء في ~~الله والبقاء بالله والكينونة مع الله على ما أراد الله بلا إعراض ولا ~~اعتراض وأشار بقوله { فاستبقوا الخيرات } على أنكم إذا شرعتم ~~بشرط العبودية في الطاعة فيما لكم به قدرة واستطاعة من { أين ما ~~تكونوا يأت بكم الله جميعا } بجذبات الألوهية إلى أينما ~~لم تكونوا بالله { إن الله على كل شيء قدير } [البقرة: ~~148]، من أشياء الإنسان { قدير } [البقرة: 148]، أن يفنيه به، فافهم ~~جدا. ### || [2.149-154] # ثم أخبر عن قبلة أهل هذه المسألة بقوله تعالى: { ومن حيث خرجت ~~فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة: 149]، إلى { ~~تهتدون } [البقرة: 150] والإشارة فيها أن الخطاب تكرر مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الآيتين، ومن حيث خرجت فلا بد لتكرار من فائدة وهي أن ~~الخروج الأول إشارة إلى الخروج من حجب الجهات معناه حين خرجت وتخلصت من ~~حجب الجهات. # فول وجهك شطر المسجد الحرام # [البقرة: 144] أي: إلى جهة المسجد الحرام لئلا يتعلق قلبك بالمسجد ~~وبالجهات فإنه حرام على قلبك التوجه والتعلق بغيري { وإنه للحق ~~من ربك } [البقرة: 149] يعني: التوفيق لهذا المعنى لحق من الله فلا ~~سبيل للحق إليه إلا به { وما الله بغافل عما تعملون } ~~[البقرة: 149]، ليس عنكم غافلا حتى تعملوا بغير توفيقه والخروج الثاني ~~إشارة إلى الخروج من الوجود لاندفاع الاثنينية وثبوت الوحدة، معناه: إذا ~~خرجت من حجب وجود الأنانية بسطوات تجلي صفة الوحدانية { فول } وهذا ~~أمر التكوين يعني كن موليا بسطوات التجلي وجه ذاتك شطر الفناء لتبقى ~~بصاحب المسجد الذي وصفه بالحرام لمعنيين: # أحدهما حرام لمن دخله الخروج أبدا لقوله تعالى: # ومن دخله كان آمنا # [آل عمران: 97]، من الخروج. # والثاني حرام على غيرك الوصول إلى هذا المقام لأنه المقام المحمود وهو ~~مخصوص بك والمحمود هو الله، فافهم جدا. # ثم عمم الخطاب وقال: # وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره # [البقرة: 144]، وفيه معنيان: # أحدهما: وحيثما كنتم ms0146 أيها المؤمنون يعني أي حال تكونون خرجتم من الحجب ~~أو لم تخرجوا # فولوا وجوهكم شطره # [البقرة: 144]، الهاء كناية عنه. # والثاني: # فولوا وجوهكم شطره # [البقرة: 144]، الهاء كناية عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني يكون ~~توجهكم إلى متابعته في الخروج عن حجب الوجود واقتداء به في الوصول إلى ~~عالم الشهود { لئلا يكون للناس عليكم حجة } [البقرة: ~~150]، يعني الأوصاف الإنسانية لا تكون عليكم منازعة في سلوك طريق الحق ~~ولا تمنعكم بحجج الدواعي عن الحق إذا كنتم في حقارة المتابعة. # { إلا الذين ظلموا منهم } [البقرة: 150]، يعني: صفة ~~ظلومية النفس الأمارة والشيطان الظالم يزاحمانكم في أثناء السلوك في بعض ~~الأوقات، وذلك لا يخلو من مصالح وحكمة { فلا تخشوهم } [البقرة: ~~150]، فإنهم لا يقدرون على قطع طريقكم بدرقة الإخلاص في ظله راية ~~المتابعة { واخشوني } [البقرة: 150] يعني: لا تأمنوا مكري في حالة ~~من الحالات ومقام من المقامات وكونوا واثقين بفضلي وإحساني وإنعامي { ~~ولأتم نعمتي عليكم } [البقرة: 150]، نعمة المتابعة ~~وإتمامها بالوصال إلى الحضرة، والإشارة في إضافة النعمة إلى نفسه ~~وإتمامها أي: إخراج السالك عن ظلمات حجب وجوده إلى نور عالم ربوبيته ~~كقوله تعالى: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # [البقرة: 257] هو الله تعالى. # ثم قال تعالى: { ولعلكم تهتدون } [البقرة: 150]، يعني: بعد ~~خروجكم عن حجب الوجود تهتدون إلى شهود صفات جمالي وجلالي في ظل لواء ~~متابعة من لا يصل أحدا إلى هذا المقام إلا في ظل لوائه، كما أخبر بقوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر ". # ثم أخبر عن إتمام النعمة أنه يبعث رسول النعمة بقوله: { كمآ ~~أرسلنا فيكم رسولا منكم } [البقرة: 151]، والإشارة فيها ~~أنها متعلقة بما قبلها وبما بعدها أما تعلقها بما قبلها فقوله تعالى: { ~~واخشوني ولأتم نعمتي عليكم } [البقرة: 150]، كما مر ~~تقديره وإن إتمام النعمة بتوفيق متابعة النبي صلى الله عليه وسلم لكي ~~تهتدوا في ظل متابعته إلى الوصول إلى حضرة الجلال { كمآ أرسلنا ~~فيكم } [البقرة: 151]، في أنفسكم، كقوله تعالى: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21] { رسولا } [البقرة: ms0147 151] أي: واسطة بيني وبينكم منكم ~~أي: من أجزاء وهو السر الإنساني كالرسول يحمل رسالتي بقبول أنوار الفيض ~~الوارد مني ويبلغها إلى أجزائكم، والسر في مشكاة الجسد الإنساني بمثابة ~~الفتيلة في مصباح الزجاجة القلب هو القابل لنور نار الله، إذا تجلى بنور ~~الربوبية عند صفاء زيت الروحانية عن أدناس الصفات الإنسانية والكدورات ~~الجسمانية وخمود نيران آفات الشهوات الحيوانية تنور فتيلة السر بنور نار ~~الإلهية فتصير زجاجة القلب كأنها كوكب دري توقد من شجرة مباركة زيتونة لا ~~شرقية الأرواح ولا غربية الأشباح وهي الكلمة الطيبة يكاد زيتها يضيء ولو ~~لم تمسه نار، نور الله على نور الروحانية يهدي الله لنوره من يشاء وهو ~~السر. # { يتلوا عليكم } [البقرة: 151]، على ظاهر مشكاة الجسد ظاهرا { ~~آياتنا } [البقرة: 151]، الآيات وباطنا { ويزكيكم } [البقرة: ~~151]، من مذمومات الأوصاف والأخلاق { ويعلمكم الكتاب } ~~[البقرة: 151]، ويعلم كل واحد منكم عقيب استعداده في قبول الأنوار ~~الإلهية وهو كلام الله وصفاته القديمة، يعني: يتخلق بخلق من أخلاق الله ~~تعالى: { والحكمة } [البقرة: 151]، وهي أسرار الشريعة وأما تعلق ~~الآية بما بعدها وهو { كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم ~~يتلوا عليكم آياتنا } [البقرة: 151]، { فاذكروني ~~أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون } [البقرة: 152]، ~~والإشارة فيها أن ذكر العبد لله من نتيجة ذكر الله العبد من وجهين: # أحدهما: خطاب الحق مع العبد بقوله: { فاذكروني } كلام أزلي ذكرهم ~~به قبل وجودهم والخطاب على الحقيقة مع الذاكرين الله في علمه القديم ~~فالآن من ذكر الله هو المخاطبون لا الغافلون فذكره نتيجة ذكر الله في ~~الأزل. # والثاني: أن الله تعالى أمرهم بالذكر مع فاء التعقيب بقوله: { ~~فاذكروني أذكركم } [البقرة: 152]، فيه تقديم وتأخير معناه ~~أذكركم فاذكروني كقوله تعالى: # رضي الله عنهم ورضوا عنه # [المائدة: 119]، فإن رضاهم عنه نتيجة رضاه عنهم وكقوله تعالى: # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]. # واعلم أن للذكر مراتب وللذاكر أيضا مراتب: ذكر اللسان، وذكر الأركان، ~~وذكر النفس، وذكر القلب، وذكر الروح، وذكر السر. # فذكر اللسان: بالإقرار أذكركم بالاختيار، وذكر الأركان: باستعمال ~~الطاعات أذكركم بالكرامات، وذكر النفس: بالاستسلام للأوامر والنواهي، ~~فاذكروني بالاستسلام أذكركم بنور الإسلام، وذكر ms0148 القلب: بتبديل الأخلاق ~~الذميمة وتحصيل الأخلاق الكريمة فاذكروني بالأخلاق أذكركم بالاستغراق، ~~وذكر الروح: بالتفريد والمحبة فاذكروني بالتفريد والمحبة أذكركم بالتوحيد ~~والقربة وذكر السر: ببذل الوجود والفناء فاذكروني ببذل الوجود والفناء ~~أذكركم بنيل الشهود والبقاء، وهذا حقيقة قوله تعالى الحديث الرباني: # " وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي " # وهذا هو الذكر الحقيقي أن يجعل الذاكر مذكورا، والمذكور ذاكرا بل يكون ~~الذاكر والمذكور واحد كما قال تعالى: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]، وكما قال قائلهم: # رق الزجاج ورقت الخمر # فتشابها فتشاكل الأمر # فكأنها خمر ولا قدح # وكأنها قدح ولا خمر # ولا يحل هذا المشكل إلا في صورة مثال مناسب مثل حال الفراش أن يبدل نفسه ~~بشعلة الشمع والاشتعال بشعلة الشمع في نفسه بالحرقة عليها، وذكر للفراش ~~باشتعال في نفسه نفس الفراش في نفسه، فلا يبقى التميز بين الشمع والفراش، ~~فإن طلبت الفراش وجد الشمع، وإن طلبت الشمع وجدت الفراش، كما قيل: # أنا من أهوى ومن أهوى أنا # نحن روحان حلنا بدنا # فإذا أبصرتني أبصرته # وإذا أبصرته أبصرتنا # فلما بذل الفراش للشمع وجوده نال من وجود الشمع مقصوده، وهو تحقيق قوله ~~تعالى: # " لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا ~~وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش " # ، حديث صحيح رباني، واعلم أن جزاء الذاكر بالذكر فضيلة مخصوصة بهذه ~~الأمة { فاذكروني أذكركم واشكروا لي } [البقرة: 152]، ~~أشكر لكم على نوعين: شكر النعمة، وشكر المنعم، وشكر النعمة أيضا على ~~نوعين: نعمة ظاهرة من صحة البدن وسلامة الحواس والمال فشكرها أن يستعان ~~بها على الطاعة بما يناسب كل واحد منها، ولا يستعان بها على المعصية، ~~ونعمة الباطن بقوله تعالى: # وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة # [لقمان: 20]، وهي المعاني الواردة على القلوب، وشكره بدوام المراقبة ~~والتزام المحافظة للاستزادة. # وشكر المنعم أيضا على نوعين: شكر رؤية نعمة التوفيق من المنعم لمعبودية ~~المنعم، وشكر نعمة وجود المنعم ببذل وجوده لوجدان جود وجود المنعم وثنائه ~~في شهوده، ووجدان جوده لا ms0149 يزيد في عينكم عنكم وشهودي لكم ولا تكفرون بترك ~~طلب الزيادة، فإن ألطافي مع خواص عبادي غير متناهية # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ # [النحل: 18] وأداء شكرها كما قال داود عليه السلام: # " إلهي كيف أشكرك وشكري لك نعمة من عندك، فأوحى الله إليه الآن قد ~~شكرتني ". # ثم أخبر عن إقامة الشكر بإدامة الصبر بقوله تعالى: { يآأيها ~~الذين آمنوا استعينوا } [البقرة: 153]، والإشارة فيها بأن من ~~ترك الكفران بالقيام بأداء الشكر، وآمن بالعجز عن أداء الشكر استعينوا ~~على أداء الشكر { بالصبر } [البقرة: 153]، مع الله وهو من أعمال ~~القلب { والصلاة } [البقرة: 153]، وهي من أعمال البدن؛ لتكونوا عمال ~~الشكر، كما قال تعالى: # اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور # [سبأ: 13]، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم صلى حتى تورمت قدماه ~~فقيل: # " يا رسول الله أتعمل هذا، وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: ~~أفلا أكون عبدا شكورا " # فبملازمة أعمال القلب والبدن وهي الصبر والصلاة يعينه الله على القيام ~~بحق الشكر { إن الله مع الصابرين } [البقرة: 153]، بالعون ~~والنصرة. # ثم أخبر عن باذل الحياة المجازي لنيل الحياة الحقيقي بقوله تعالى: { ~~ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل ~~أحياء ولكن لا تشعرون } [البقرة: 154]، والإشارة فيها أن ~~لا تحسبوا أن من يقتل من أهل الجهاد الأكبر نفسه بسيف جلال الله في سبيل ~~الله بالفناء في الله أموات، وإن فنيت أوصاف وجودهم، فإنهم أحياء بشهود ~~موجودهم، ومن كان فناؤه في الله كان بقاؤه بالله، فتارة يفنيهم بسطوات ~~تجلي صفات الجلال، وتارة يحييهم بنفحات ألطاف الجمال، فإنهم بين روضة ~~وبين غدر يسرحون في رياض الجمال ولكن لا تشعرون أحوالهم ولا تطلعون على ~~حالهم. ### || [2.155-160] # { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع } [البقرة: ~~155]، إلى { هم المهتدون } [البقرة: 157] والإشارة فيها أن ~~البلاء والابتلاء من الله تعالى لاستخراج جواهر الأخلاق الإنسانية من ~~معادنها؛ لأن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة بيانه قوله تعالى: # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا # [الكهف: 7]، والأعمال من نتائج ms0150 أخلاق النفس، فالسنة في استخراج جواهر ~~الشكر الابتلاء بالنعمة كما كان لسليمان عليه السلام فأخرج منه بها الشكر ~~وقال تعالى: # إنه كان عبدا شكورا # [الإسراء: 3]، والسنة في استخراج جواهر الصبر البلاء بالمحبة، كما كان ~~لأيوب عليه السلام فأخرج منه بها الصبر وقال تعالى: # إنا وجدناه صابرا نعم العبد # [ص: 44]، فيبتلي الرجل على حسب دينه فمنهم من يبتليهم الله بالخوف، ~~وقال: { بشيء من الخوف } يعني ببعضه والسر فيه أن يكون البلاء ~~لأهل العناية بقدر فوته، واستطاعته في النعمة والمحبة يستخرج منه الشكر ~~والصبر، وهما جوهران من معادن الروحانية ولو زاد على قدرة القوة ~~والاستطاعة في النعمة والمحنة ما يخرج إلا ضد الشكر والصبر، وهما الكفران ~~والجزع وهما جوهران من معادن النفسانيات لأهل الرد. # ولهذا قال تعالى: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # [الحجر: 21] أي: بقدر قدرة أهل القبول والعناية وعدم قوة أهل الرد ~~والسخط، ومنهم من يبتليهم الله بالجوع { والجوع ونقص من ~~الأموال والأنفس والثمرات } [البقرة: 155]، أو ببعض دون ~~بعض من هذه الجملة أو بمجموعها، ثم قال: { وبشر الصابرين } ~~[البقرة: 155]، بشارة في الحال، أما في الحال فبشر الصابرين على الخوف ~~بالتوكل واليقين والشجاعة، وعلى الجوع بتزكية النفس وتنقية القلب وتصفية ~~الروح وتحلية السر، وعلى نقص الأموال بدفع الحرص والغفلة، وإزالة حب ~~الدنيا فإنه رأس كل خطيئة، وحصول القناعة وهي كنز لا يفنى ومال لا ينفد ~~وشعار الصالحين، وهو العضد وعلى نقصان الأنفس إن كان بالمرض بكفارة ~~الذنوب، وإن كان بموت الأقرباء بقطع التعلقات والتجرد عن العلائق، وعلى ~~آفة الثمرات بالخلف من الله تعالى في الحال، وأما في الحال فبشره بالنجاة ~~من العذاب والدرجات والثواب بغير حساب كقوله تعالى: # إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب # [الزمر: 10]، وفيه معنى آخر في غاية اللطافة وهو بشر الصابرين بأني لهم ~~معهم في كل حال من حالات الصبر وتصبرهم على المصائب وتخلقهم بخلق من ~~أخلاقه، وهو الصبر ولو لم يكن معهم باللطف والعناية لما قدروا على الصبر ~~يدل على هذا قوله ms0151 تعالى: # والله مع الصابرين # [البقرة: 249]، وقال تعالى: # واصبر وما صبرك إلا بالله # [النحل: 127]، والصبر هاهنا محمول على ثلاثة أوجه: صبر بالأمر، وصبر ~~بالاختيار، وصبر الاضطرار. # أما الصبر بالأمر: ففي الآية إضمار بقوله تعالى: { ولنبلونكم ~~بشيء } [البقرة: 155] يعني: ولنبلونكم بأوامر هذه الأشياء، فالأمر ~~بالخوف كقوله تعالى: # وخافون إن كنتم مؤمنين # [آل عمران: 175]، والأمر بالجوع بصيام شهر رمضان، والأمر بنقصان المال ~~بأداء الزكاة، والأنفس بالجهاد في سبيل الله، والثمرات بأداء العشر منها. # وأما الصبر بالاختيار: ففي قوله تعالى: { ولنبلونكم بشيء ~~} [البقرة: 155]، إشارة إلى أنا نخبركم هل تختارون { بشيء من ~~الخوف } [البقرة: 155]، الخوف بأن يخافوا من الله ويفروا منه إليه، ~~والجوع فتجوعون تقربا إلى الله تعالى، كما كان إخبار النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " أجوع يوما وأشبع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك وصبرت، وإذا شبعت ذكرتك ~~وشكرتك " # ونقص من الأموال فتخرجون عنها بتركها والإنفاق في سبيل الله، والأنفس ~~فبذل الروح في طلب الحق، والثمرات فبالغذاء في طريق الحق كل ثمرة أثمرته ~~شجر الوجود حتى الولد كما كان حال الخليل عليه السلام في صحيح مقام الخلة ~~ببذل المال والنفس والولد. # وأما الصبر بالاضطرار: وهو الصبر على المصائب التي تقع من غير الاختيار ~~كما سبق ذكره. # ثم نعت الصابرين بقوله: { إذآ أصابتهم مصيبة } [البقرة: ~~156] يعني: بالأمر أو بالاختيار أو بالاضطرار، كما ذكرنا { قالوا ~~إنا لله } [البقرة: 156] أي: ليس لنا وجود حقيقي تملكه بل وجودنا ~~مجازي، وله مالك له الوجود الحقيقي { وإنآ إليه راجعون } ~~[البقرة: 156]، ببذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي في مقام ~~العندية، فيخرج من عندنا ببذل ما عندنا؛ ليدخلنا في مقعد صدق عند مليك ~~مقتدر، فإن ما عندنا ينفد وما عند الله باق { أولئك عليهم ~~صلوات } [البقرة: 157]، جذبات { من ربهم ورحمة ~~وأولئك هم المهتدون } [البقرة: 157]، المفلحون بجذبات ~~الحق إلى مقام العندية والتخلق بخلق من الأخلاق، وهو الصبر وهو الذي يشير ~~به الصابرون بقوله تعالى: { وبشر الصابرين } [البقرة: 155] ~~أعني: صلوات بجذبات الحق والاهتداء بها إلى مقام العندية. # ثم أخبر عن شعائر الله بقوله تعالى: { إن ms0152 الصفا والمروة من ~~شعآئر الله } [البقرة: 158]، والإشارة فيها أن الله تعالى شعائر ~~الظاهر دالة على شعائر الباطن؛ لتستدل العبد بإقامة مراسم شعائر الله في ~~الظاهر بالصفاء والمروة من شعائر الله في الباطن، فالصفا السر والمروة ~~الروح، وللسالك بينهما سعي فساعة يسعى صفاء السر بقطع التعلقات عن ~~الكونين، والتفرد عن التقلين تبتلا إلى الله تعالى لقوله تعالى: # وتبتل إليه تبتيلا # [المزمل: 8]، وساعة ليسعى في مروة الروح وهي إيصال الخير إلى جميع ~~الأجزاء الإنسانية من الداخلية والخارجية، الباطنية والظاهرية بمراقبة ~~أحوال الباطن ومزاولة أعمال الظاهر في الطاعة، وتقديم الخيرات إلى نفسه ~~وأهله وعياله والعالمين بأسرهم، والإشارة في سبع مراتب أن لظاهر الإنسان ~~سبعة أركان ولباطنه سبعة أطوار، فكذلك العالم سبعة أقاليم { فمن حج ~~البيت } [البقرة: 158]، بيت القلب في طلب الرب { فلا جناح ~~عليه } [البقرة: 158]، خرج { أن يطوف } [البقرة: 158]، بصفا ~~السر فإنه تعظيم أمر الله، ويسعى { بهما } [البقرة: 158]، في مروة ~~الروح فإن الشفقة على خلق الله يكون من شعائر الله، ويصل بركات سعيه إلى ~~سبعة أركانه الظاهرة، وسبعة أطواره الباطنة، وإلى سبعة أقاليمهم كقوله ~~تعالى: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39]، وأن سعيه سوف يرى، ولهذا قال تعالى: { ومن تطوع ~~خيرا } [البقرة: 158] يعني: في حق نفسه أو حق غيره { فإن الله ~~شاكر } [البقرة: 158]، يأخذ الواحد من الأعمال الفانية، ويعطي العشر ~~إلى سبع مائة ضعف إلى ما لا يرى من الحسنات الباقية، بل يأخذ الوجود ~~المجازي ويعطي الوجود الحقيقي { عليم } [البقرة: 158]، بنيات العباد ~~في تقربهم إليه، فيقرب إليهم بقدر صفاتهم في الطاعات، ومردتهم في ~~الخيرات، كقوله تعالى في الحديث الرباني: # " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه ~~باعا ومن أتاني يمشي أتيته أهرول " # ، وهذا من حقيقة صفة الشكورية، ومن كمال رأفته وغاية عاطفته مع أهل ~~محبته وصفوته إن آثار أقدامهم وساعات أيامهم أشرف الأمكنة وأعز الأزمنة، ~~فتلك المشاهد والآثار تعظم وتزار، وإلى تلك المشاهد والأطلال تشد الرواحل ~~والرحال، كما قال قائلهم: # هوى أهوائها لمن قد كان ساكنها ms0153 # وليس في الدار لي هم ولا وطر # وإن لتراب أقدامهم بل لغبار آثارهم عند الأخيار أقدار عظيمة بل غبرة ~~تبقى على حانات طريقهم عند صديقهم لأعز من المسك الأزفر، كما قيل: وما ~~ذاك إلا أن متت بجنابه أميمة في سرب. # ثم أخبر عن خسارة أهل الخسارة في كتمان الأحكام ونعت حبيبه محمد صلى ~~الله عليه وسلم وبقوله تعالى: { إن الذين يكتمون مآ ~~أنزلنا من البينات والهدى } [البقرة: 159]، الآيتين ~~والإشارة فيهما أن كمال ما كوشف به السالك الواصل من بينات علوم الحقائق، ~~وأسرار القرآن والأنوار وهداية الطريق إلى الله تعالى آداب السلوك، ~~ومعرفة آفات النفس وطريق الخلاص منها بتزكيتها ومعرفة المقامات والأحوال ~~والفرق بينهما { من بعد ما بيناه للناس } [البقرة: 159]، ~~بينه الحق بتسليكه فيه وعرفه بطريق التسليك فيها عن طلاب الحق، وأهل ~~الإرادة والصدق والمستعدين لقبول النصح والإرشاد مما يوجب المقت في ~~الوقت، ويخشى عليه عذاب ذل الحجاب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من سئل عن علم علمه الله فكتمه ألجمه بلجام من النار ". # { إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا } [البقرة: ~~160]، تداركوا ما سلف من تقصيرهم بحق الرجعة، والقيام للمريدين بحق ~~النصيحة، والدعوة إلى سبيل الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، وبينوا لهم ~~تحميل البيان وإقامة البرهان على ما يقولون بحسن قيامهم بمعاملاتهم، فإن ~~أظهر الحج لسان أفعالك وأصدق الشهادة تصحيح ما تدعوا به الخلق إلى الله ~~أن لا تخالف بمعاملتك ما تشير إليه بمقالتك قال الله تعالى: # ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه # [هود: 88]، { فأولئك أتوب عليهم } [البقرة: 160] يعني: ~~الذين تابوا وأصلحوا ما كان تؤتيهم من تلقاء أنفسهم إنما أنا أتوب عليهم؛ ~~لأني { وأنا التواب } [البقرة: 160]، ولي التوبة، وليست التوبة ~~للذين يعملون السيئات؛ لأني { الرحيم } [البقرة: 160]، أرحم على من ~~أشاء من عبادي بالتوبة، فأتوب عليهم ولولا تهديد هذه الآية، فإن أكثر أهل ~~التحقيق ما خلطوا الخلق وما اشتغلوا بمناصحتهم وتربيتهم وإرشادهم، وما ~~تكلموا على المنبر وما قعدوا على السجادة للشيخوخة فرارا عن خسة ~~الشركاء، واجتنابا عن مزاحمة السفهاء، واحترازا ms0154 من معنى، وإن كثيرا من ~~الخلطاء ليبقى بعضهم على بعض اللهم إلا من كان منهم مأمورا، فلا يكون ~~معذورا فيخالط الناس ويصبر على أذاهم تقربا إلى مولاهم، وعارضة وصلا ~~تعاظمت؛ إذ دعت وأحبت من دعاء تدعوا فاسمع. ### || [2.161-166] # ثم أخبر عن المصرين أنهم بأنفسهم مصرون بقوله تعالى: { إن الذين ~~كفروا وماتوا وهم كفار } [البقرة: 161]، الآيتين والإشارة ~~فيها أن الذين أنكروا على سير القوم وسنتهم، وجحدوا أنواع كراماتهم، وما ~~هم عليه من استقامة الطريق في سلوك الطريق الشريعة، وما كوشفوا به حال ~~الحقيقة خصوصا من سلك مدة، ثم رجع إلى أحوال العادة فبمكر النفس ~~والشيطان ينكر على الأحوال للإخوان، ثم أصروا على هذا الخذلان حتى ماتوا ~~في تلك الوحشة وقبضوا في تلك الظلمة { أولئك عليهم لعنة ~~الله } [البقرة: 161]، واللعنة في الحقيقة ضد الرحمة، فكما أن الرحمة ~~إرادة إيصال زيادة الخير إلى أهل الخير فكذلك اللعنة إرادة إيصال زيادة ~~الشر إلى أهل الشر، فمعناها أن الله تعالى طردهم عن الباب بإراداته ~~القديمة فإنه فعال لما يريد، بلعنة الله وسخطه وقعوا في ورطة الإنكار ~~ومهلكة الإصرار كقوله تعالى: # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها # [السجدة: 13]، وقال تعالى: # ولو شآء الله لجمعهم على الهدى # [الأنعام: 35]. # ولعنته { الملائكة والناس أجمعين } [البقرة: 161]، عليهم ~~بتبعية لعنة الله وموافقته كما وافقوه في الصلاة بقوله تعالى: # يصلي عليكم وملائكته # [الأحزاب: 43] فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه ~~أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا نادى جبريل، ~~فيقول: إني أبغض فلانا فابغضوه فيبغضونه، ثم يوضع له البغضاء في الأرض " # ، حديث صحيح أخرجه البخاري، فأخبرنا المشايخ بطرق مختلفة جميع كتاب " ~~الجامع الصحيح " البخاري منها أخبرنا أبو العز عبد الباقي بن عثمان بن ~~محمد بن أبي نصر محمد بن صالح الهمداني في ذي الحجة من إحدى وستمائة، ~~أخبرنا الحافظ أبو جعفر بن الحسن بن محمد ابن الحسن الهمداني، أخبرنا أبو ~~عبد الله محمد بن موسى الصفار، أخبرنا ms0155 أبو الهيثم محمد ابن مكي ابن محمد ~~الكهني، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يويسف بن فطر العز منك، أخبرنا ~~الإمام الحافظ أبو عبد الله بن محمد بن إسماعيل البخاري، أخبرنا عمرو بن ~~علي، أخبرنا أبو عاصم، أخبرنا ابن جريج أخبرنا موسى ابن عقيب عن نافع أن ~~أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا أحب الله العبد... " # في اللعنة مثل ذلك بعض { خالدين فيها } [البقرة: 162]، مقيمين ~~أبدا في أهوائهم { لا يخفف عنهم العذاب } [البقرة: 162]، ~~الغرفة لأنها مثمرة النكرة، فأبطلوا حسن الاستعداد وصفاء مرآة القلب برين ~~الإنكار كقوله تعالى: # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين: 14]، { ولا هم ينظرون } [البقرة: 162]، لتصقيل مرآة ~~قلوبهم بصقل الذكر كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إن لكل شيء صقالة وإن صقالة القلب بذكر الله " # ، لأن تحصيل نور القلب بالذكر في الدنيا لا في الآخرة، كقوله تعالى: # قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا # [الحديد: 13]. # ثم أخبر عن أوصاف وحدانيته ومع أهل التوحيد والمعرفة ألطاف رحمانيته، ~~بقوله تعالى: { وإلهكم إله واحد } [البقرة: 163]، إلى { ~~يعقلون } [البقرة: 164] والإشارة فيها أن شرف الإنسان وكمال عناية ~~الله في حقه أن أضاف نفس الإلهية إليه قال: { وإلهكم } ، فلما ~~حصن البيت بإضافته إلى نفسه بقوله: بيتي جعله مسجد الخلائق لا مسجودهم، ~~فلما خص الإنسان تارة بتشريف إضافة روحه إلى نفسه بقوله: # ونفخت فيه من روحي # [الحجر: 29]، وأخرى بإضافة نفسه إليهم بقوله: { وإلهكم } ، جعله ~~مسجود الملائكة، فشتان ما بين من يكون مسجد الخلق، ومن يكون مسجودا ~~للملائكة، وحد نفسه بقوله { واحد } حتى لا يخطر ببال الموحد احتمال ~~إله ثان؛ لأنه لو احتمل ثالثا ورابعا إلى غير النهاية، فيؤدي إلى ~~التفرقة، فيكون ضد التوحيد ومانعه الجمعية والحضور مع الله الواحد الأحد، ~~فحسم مادة التفرقة عن قلب الموحد بقوله: { إله واحد }. # ثم نفى الإلهية عن غير الواحد مطلقا بقوله: { لا إله إلا ~~هو } [البقرة: 163] لأن إثبات الوحدانية ولا كان مقيدا بقوله: { ~~وإلهكم إله واحد } [البقرة: 163]، وكان محتملا أن ms0156 يكون ~~لغيركم من المخلوقات إله آخر، فنفى الشريك بقوله: { لا إله إلا ~~هو } ليخلص الموحد في عبوديته؛ لأن بتقدير وجود الشريك لا يعلم العبد ~~أنه عبد لهذا، ولذلك أولها جمعا فحينئذ لا يكون مخلصا في عبوديته، ~~مخلصا في الافتقار إليه، مخلصا في أن لا ملجأ له إلا رحمته ولا منج له ~~إلا كرمه وجوده، ولهذا وصف نفسه عقيب { لا إله إلا هو } ~~بصفتي: { الرحمن الرحيم } [البقرة: 163]، وهما اسمان يدلان ~~على صفتي الجلال والجمال، كما مر شرحهما في تفسير # بسم الله الرحمن الرحيم # [الفاتحة: 1]، فيكون معناهما حقيقة في قول { لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم } لا إله إلا هو الخالق الباري المحي المميت ~~الضار النافع المعز المذل المعطي المانع المعبود المحمود، وإلا هو الرحمن ~~الرحيم الذي له هذه الأسماء الحسنى والصفات العلى، روي عن عمر أن ابن ~~حصين رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي حصين: # " كم تعبد اليوم من إله؟ فقال: سبعا؛ ستا في الأرض وواحدا في السماء ~~قال: وأيهم تعبده لرغبتك ورهبتك؟ فقال: الذي في السماء، فقال صلى الله ~~عليه وسلم: " فيكفيك إله السماء، ثم قال: يا حصين لو أسلمت علمتك كلمتان ~~تنفعانك، فأسلم حصين، ثم قال: يا رسول الله علمني هاتين الكلمتين، فقال ~~صلى الله عليه وسلم: قل اللهم ألهمني رشدي وأعذرني من شر نفسي ". # فمن نتائج صفة الرحمن الرحيم في حق الإنسان ما أشار إليه في قوله: { ~~إن في خلق السموت والأرض } [البقرة: 164]، إلى: { ~~يعقلون } [البقرة: 164] يعني: أن الحكمة في خلق هذه الأشياء ليكون ~~كل شيء مظهر آية من آيات الله، والفائدة في هذه الأشياء من الآيات ~~المودعة فيها إن فائدتها عائدة إلى الإنسان؛ لأنهم قوم يعقلون الآيات ~~لقوله تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53]، فالإشارة في تحقيق الآية أن العالم بما فيه خلق بتبعية ~~الإنسان؛ لأن العالم مظهر آيات الحق، والآيات المرئيات للإنسان، والإنسان ~~خلق لمعرفة الحق، ولهذا قال تعالى: # وما خلقت الجن ms0157 والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56] أي: ليعرفون فلو لم يكن لأجل المعرفة ما خلق الإنسان، ~~ولو لم يكن لأجل الإنسان ما خلق العالم بما فيه، كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " لولاك لما خلقت الأكوان " # وكان العالم مرآة تظهر فيها جمال الحق وجلاله، والإنسان هو المشاهد ~~لآيات الجمال والجلال في مرآة العالم، وهو مرآة يظهر فيه مرآة العالم، ~~وما يظهر فيه كما قال تعالى: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21]، وهذا تحقيق قوله # " من عرف نفسه فقد عرف ربه " # لأن نفسه مرآة جمال ربه، وليس لأحد غير الإنسان أن يشاهد جمال ربه في ~~مرآة العالم ومرآة نفسه بإزاء الخلق، كما قال تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم # [فصلت: 53]، فافهم جدا، واعرف قدرك لتعرف قدر ربك يا مسكين. # ومما يدل على أن خلق السماوات والأرض وما بينهما تبع لخلق الإنسان وقوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله " # ، يعني: إذا مات الإنسان الذي هو يقول الله الله قامت القيامة، فلم تبق ~~السماوات والأرض؛ لأن وجدوهما كان تبعا لوجود الإنسان، فإذا لم يبق ~~المتبوع ما بقي التابع. # ثم أخبر عن أقوام دهتهم الغرة وأدركتهم الغيرة بقوله تعالى: { ومن ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا } [البقرة: 165]، ~~والإشارة فيها أن من لم يكن أهلا لمحبته طردته العزة إلى محبة الأنداد ~~أبدا، وهي كل ما يحب سوى الله، واعلم أن المحبة نوعان: محبة هي من صفات ~~الإنسان وهي من هوى النفس الأمارة بالسوء، ومحبة هي من صفات الحق وهي من ~~الإرادة القديمة والقائمة بذاته التي اقتضت خلق العالم بما فيه كما قال: # " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف " # ، فمن وكل إلى محبة الإنسانية النفسانية تعلقت محبته بملائم هوى النفس ~~من الأصناف، فكما أن الكفار بعضهم يحبون اللات ويعبدونها، وبعضهم يحبون ~~العزى ويعبدونها، كذلك أهل الدنيا بعضهم يحبون الأموال ويعبدونها وبعضهم ~~يحبون الأولاد ويعبدونها، فقال تعالى: { ومن الناس من يتخذ ~~من دون الله أندادا يحبونهم ms0158 كحب الله } ، ولهذا ~~أعلم أن الخلق عن فتنة هذه الأشياء وعداوتها وحذرهم عنها بقوله: # أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة # [الأنفال: 28]، وبقوله: # إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم # [التغابن: 14]، يعني فاحذروا عن محبتهم؛ لأن محبتهم تمنعكم عن محبة الله ~~تعالى، وهو الحبيب وأنهم العدو، ومن أحب الله يرى ما سوى الله بنظر ~~العداوة، كما كان حال الخليل عليه السلام قال: # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء: 77]، ومن كان في الأزل أهل المحبة فما وكل إلى محبة الإنسانية ~~جذبته العناية الأزلية، ونظمته في سلك العناية من خطاب: { يحبهم } ~~للكفاية الأبدية، فيتجلى لهم الحق بصفة المحبة فانعكست تلك المحبة بمرآة ~~قلبه، فبتلك المحبة محبون يحبونه، فإنها لا تتعلق بغير الله؛ لأنها من ~~عالم الوحدة، فلا تقبل الشركة كما قال تعالى: { والذين آمنوا ~~أشد حبا لله } [البقرة: 165] لأن الأعداء أحبوا أندادا بمحبة ~~فانية، والأحباء أحبوا الله تعالى بمحبته باقية ربانية بل أحبوه بجميع ~~أجزائهم الفانية والباقية شعر: # الشوق أكثر أن يختص جارحة # أكلي إليك على الحالات مشتاق # { ولو يرى الذين ظلموا } يعني: وضعوا محبة الله في غير ~~موضعها من الأشياء وهي الظلم وانقطعوا عن الله وعكفوا على عبادة الدنيا ~~واتخذوا آلهتهم الهوى { إذ يرون العذاب } أي: عذاب قطيعة الله ~~تعالى وذاقوا ألم حرقة، ونار فرقة الله التي تطلع على الأفئدة لتحقق لهم ~~{ أن القوة لله جميعا } أي: وقوة كل داء ومرض ووجع وعلة ~~وشدة ومضرة وفتنة وبلية ومحنة وعقوبة وعذاب في الدنيا والآخرة من قوة ~~عذاب القطيعة مستمد من منه وجميعا مندرجة في ضمن فقدان الله تعالى ولا ~~توجد شدة عذاب فقدان الله في الشدائد كلها كما قال تعالى: # وأن عذابي هو العذاب الأليم # [الحجر: 50] أي: عذاب فرقتي وقطيعتي. # ثم أخبر عن حاصل محبة أهل الأهواء بالتقاطع والرياء لقوله تعالى: { إذ ~~تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } [البقرة: ~~166]، الآيتين والإشارة فيهما أن كل صحبة ووصلة ومحبة ومودة وموافقة ~~ومتابعة تكون مشوبة بالهوى ومعلولة بالرياء والأغراض الفاسدة والأطماع ~~الحيوانية والغضبية النفسانية، فلما انقطعت بالموت ms0159 عنهم هذه الأسباب ~~ورأوا فساد العذاب يكون حاصل أمرها للفرقة والعداوة والتبرؤ كقوله تعالى: # يليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس ~~القرين # [الزخرف: 38]، وقوله تعالى: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]. # وقوله تعالى: { ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب ~~* وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ ~~منهم كما تبرءوا منا } [البقرة: 166-167]، فلما كانت ~~أسباب مواصلاتهم فانية دنياوية بالموت وفناء الدنيا تقطعت عنهم، ولكن لما ~~كانت أسباب وصلة المؤمنين ومحبتهم ومتابعتهم مبنية على الدين المتين ~~والحق المبين فلا ينقطع بانقطاع العمر وزوال الدنيا، كقوله تعالى: # فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى لا انفصام لها # [البقرة: 256]، وقال تعالى: # إخونا على سرر متقبلين # [الحجر: 47] بل محبتهم إذا كانت للحق بالحق فتسلب الأرواح والأملاك ~~والأزواج والأولاد بالحبس في القبور وبأهوال القيامة، ولوقوف للسؤال ~~والعبور على الصراط والورود في النار، وإن بقوا فيها طول الأعمار فلا ~~يزدادون إلا محبة كلما قلب. ### || [2.167-170] # ولهذا قال تعالى: # والذين آمنوا أشد حبا لله # [البقرة: 165]، { كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات ~~عليهم } [البقرة: 167] أي: حاصل معاملاتهم يريهم بأنواع العذاب ~~العقوبات والحسرات على ما فاتهم من الدرجات والقربات والكرامات، وفيه ~~معنى آخر أن الله يراهم حاصل أعمال المؤمنين من المقامات العلية الدرجات ~~الرفيقة ليزيدهم حسرات: # أيها القانص ما أح # سنت صيد الظبيات # فاتك السرب ومازو # ودت غير الحسرات # { وما هم بخارجين من النار } [البقرة: 167]، الحسرة ~~والقطيعة أبد الآباد. # ثم أخبر عن ما يدل المؤمنين على اتباع الخير واجتناب الشر بقوله تعالى: ~~{ يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا } ~~[البقرة: 168]، الآيتين والإشارة فيهما أن أكل الحلال الطيب يورث القيام ~~بطاعة الله والاجتناب عن اتباع خطوات الشيطان، والحلال ما أباح الله أكله ~~والطيب ما لم يكن مشوبا بالشبهة من حقوق الخلق، ولا بسرقة حظوظ النفس ~~والدليل على ذلك ما ذكرنا قوله تعالى: # يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا # [المؤمنون: 51]، وقال: { يأيها الذين آمنوا كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 172]، والإشارة فيه أن العمل ~~الصالح نتيجة أكل ms0160 الحلال الطيب، وإنما لم يذكر هنا الحلال لأنه يكتفي ~~بالطيب من الحلال، فإنه لا يكون الطيب إلا أن يكون حلالا على ما أدلنا ~~هما فكل طيب حلال طيب، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: # يأيها الرسل كلوا من الطيبات # [المؤمنون: 51]، وقال: { يأيها الذين آمنوا كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم } ، # " ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد ~~يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ~~ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام ~~فأنى يستجاب لذلك " # ذلك حديث صحيح أخرجه مسلم - رحمه الله - برواية أبي هريرة رضي الله عنه ~~فظهر الفرق بين الحلال وبين الطيب بأن الله طيب؛ يعني غير مشوب بعيب أو ~~شبهة مثل ولا يقال له: إن الله حلال. وفي قوله تعالى: { ولا ~~تتبعوا خطوات الشيطان } [البقرة: 168] أي: أوامره، بيانه ~~قوله تعالى: { إنما يأمركم بالسوء والفحشآء } ~~[البقرة: 169]، الإشارة فيها أن لا تتبعوا أوامره { إنه لكم ~~عدو مبين } [البقرة: 168]، واتبعوا أوامر الله ورسوله # إنما وليكم الله ورسوله # [المائدة: 55]. # ثم فسر خطوات الشيطان وبين عداوته بقوله تعالى: { إنما يأمركم ~~بالسوء } [البقرة: 169]، النفس { إنما يأمركم بالسوء ~~والفحشآء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } ~~[البقرة: 169]، فالسوء كل معصية فيها حظ النفس، بيانه قوله تعالى: # إن النفس لأمارة بالسوء # [يوسف: 53]، والنفس لا تأمر بما فيه حظها، والفحشاء كل معصية فيها حظ ~~للشيطان وحظه في الإغواء والإضلال، بيانه قوله: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82] وقال: # ولأضلنهم # [النساء: 119] وليس للشيطان حظ فيما فيه للنفس حظ؛ لأن الشيطان عدو ~~للإنسان لا يرضى له أن يظفر بشيء من حظوظ الروحانية والنفسانية إلا ~~بالاضطرار عند التعجز عن إضلال الإنسان وإغوائه على وجه يكون له قسمة ~~خسارة الدنيا والآخرة، فيرضى له حينئذ بارتكاب معصية يكون فيها حظ من ~~حظوظ النفس، وكذلك ليس حظ النفس فيما للشيطان فيه حظ من الضلالة والغواية ~~إلا أن يمنيها الشيطان بسبعية حظ من حظوظها كما قال: # ولأمنينهم # [النساء: 119] فتقع النفس عن الضرورة في ورطة الضرورة بتبعية استيفاء ~~حظها، فعلى هذا ثبت أن السوء ms0161 اختصاص بما فيه للنفس حظ، ولو استعمل في غير ~~ذلك ولهذا قال تعالى: # الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء # [البقرة: 268]، والفحشاء من الضلالة والغواية وهي المعتقدات الفاسدة ~~والشبهات العقلية ألقها الشيطان في قلوب أهل الزيغ والضلال والأهواء ~~المختلفة عند حرمانهم عن أنوار متابعة الأنبياء - عليهم السلام - ~~واستبدادهم بآرائهم واقتدائهم بعقولهم المعلولة بآفات الحسن والوهم ~~والخيال وظلمة الطبع التي لا تفارق العقل إلا بظهور نور الشرع، فأوقعهم ~~في أودية الهلاك مثل الفلاسفة والإباحية، فاعتقدوا شيئا بين الكفر ~~والإباحة والزندقة، فضلوا كثيرا وأملى عليهم الشيطان بعض مقعدهم حتى ~~تلفظوا بها، كما قال تعالى: # وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون # [الأعراف: 33] يعني: ما لا علم بكم به من علم التوحيد الفطري # فطرت الله التي فطر الناس عليها # [الروم: 30] وأخذ عنهم الإقرار والعهد بها بقوله # ألست بربكم # [الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } أما هذا من لقاء الشيطان وإملائه ~~بمثابة كيده كقوله: # وأملي لهم إن كيدي متين # [الأعراف: 183] تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # ثم أخبر عن جهلهم في الاقتداء بتقليد الآباء بقوله تعالى: { وإذا ~~قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل نتبع ~~مآ ألفينا عليه آبآءنآ } [البقرة: 170]، والإشارة فيها أنه ~~لا عبرة من أمر الدين بتقليد الآباء، واتباع مذاهبهم كقوله تعالى: { بل ~~نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ } ، بل الواجب على العبد ~~اتباع ما أنزل الله بصدق النية في الطلب، وخلوص الطوية في العمل، وفي ~~قوله تعالى: { أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا ~~يهتدون } [البقرة: 170]، إشارة إلى قطع النظر عن أسلافه وأتباعهم ~~واتباع أهل الأهواء المختلفة والبدع الذين لا يعقلون شيئا من طريق الحق، ~~وضلوا في تيه محبة الدنيا، ويدعون أنهم أهل العلم وأهل الخرقة، وليسوا من ~~أهل الخرقة، واتخذوا العلم والخرقة حرفة ومكسبا للمال والجاه، ويقطعون ~~الطريق على أهل الطلب للطلب، كما قال في بعض الكتب المنزلة: لا تسألن عني ~~عالم أسكرته حب الدنيا، فأولئك قطاع الطريق على عبادي { ولا ~~يهتدون } طريق الحق لأنفسهم ليرجعوا عما هم فيه من الحرص على الدنيا ~~ومتابعة الهوى، ms0162 وفيه إشارة أن من يكن على عبادة جادة الحق، وقدمه ثابتة ~~على صراط مستقيم الشريعة، وعنده معرفة سلوك مقامات الطريقة، فيجوز ~~الاقتداء به إذ هو من أهل الاهتداء على عالم الحقيقة دون مدعي الشيخوخة ~~بطريق من الآباء، ولا حظ لهم من طريق الاهتداء، فإنهم لا يصلحون للاقتداء ~~وهذا حال أكثر المشايخ في زماننا تاب الله عليهم وأصلح بالهم. ### || [2.171-178] # ثم أخبر عن إرادتهم عملا وضرب لهم مثلا بقوله تعالى: { ومثل ~~الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع } ~~[البقرة: 171]، والإشارة فيها أن { ومثل الذين كفروا } وكان ~~في عالم الأرواح عند الميثاق إذ خاطبهم الحق بقوله # ألست بربكم # [الأعراف: 172]، كمثل الذي ينعق بما لا يسمع { إلا دعآء وندآء ~~} ، لأنهم كانوا في الصف الأخير؛ إذ الأرواح كانت جنود مجندة في أربعة ~~صفوف، وكان في الصف الأول أرواح الأنبياء - عليهم السلام - وفي الثاني ~~أرواح الأولياء، وفي الثالث أرواح المؤمنين، وفي الرابع أرواح الكافرين، ~~فأخرجت الذرات التي استخرجت من ظهر آدم من ذرياته، وأقيمت كل ذرة بإزاء ~~روحها، فخاطبهم الحق # ألست بربكم # [الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } ، فالأنبياء - عليهم السلام - سمعوا ~~كلام الحق كفاحا بلا واسطة، وشاهدوا أنوار جماله بلا حجاب، ولهذا ~~استحقوا هاهنا النبوة والرسالة والمكالمة والوحي، الله أعلم حيث يجعل ~~رسالته. # والأولياء سمعوا كلام الحق وشاهدوا أنوار جماله من أنوار حجاب أرواح ~~الأنبياء ولهذا هاهنا احتاجوا إلى متابعة الأنبياء، فصاروا عند القيام ~~بأداء حق متابعتهم مستحقي الكلام والإلهام من وراء الحجاب، والمؤمنون ~~سمعوا خطاب الحق وراء حجاب أرواح الأنبياء وحجاب أرواح الأولياء، ولهذا ~~هاهنا آمنوا بالغيب وقبلوا دعوة الأنبياء، وإن بلغتهم من وارء رسالة ~~جبريل عليه السلام وحجاب رسالة الأنبياء فقالوا: سمعنا وأطعنا، ومما يدل ~~على هذه التقريرات قوله تعالى: # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا # [الشورى: 51]، يعني الأنبياء أو من وراء حجاب يعني الأولياء أو يرسل ~~رسولا يعني المؤمنين: والكفار لما سمعوا من الخطاب نداء من وراء الحجب ~~الثلاث، كانوا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، فما شاهدوا ms0163 من ~~أنوار جمال الحق لا قليلا ولا كثيرا # إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين: 15] قرأت، وما فهموا شيئا من كلام الحق إلا أنهم سمعوا من ~~ذرات المؤمنين ومن وراء الحجاب لما قالوا { بلى } لتقليد بلى، ولهذا ~~هاهنا قلدوا ما ألفوا عليه آباءهم كقوله تعالى: # إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة وإنا على ~~ءاثارهم مهتدون # [الزخرف: 22]، فلما تعلقت أرواحهم بالأجساد فكدرت بكدورات الحواس والقوى ~~النفسانية وأظلمت بظلمات الصفات الحيوانية # ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين: 14]، من التمتعات البهيمية والحركات السبعية والأخلاق ~~الشيطانية واللذات الجسمانية، فأصمهم الله وأعمى أبصارهم فهم الآن { ~~صم } [البقرة: 171]، عن استماع دعوة الأنبياء ليسمع القلوب { بكم } ~~[البقرة: 171]، عن قول الحق والإقرار بالتوحيد { عمي } [البقرة: 171]، ~~عن رؤية الآيات والمعجزات { فهم لا يعقلون } [البقرة: 171] ~~لأنهم أبطلوا بالرين صفاء عقولهم الروحانية، وحرموا عن فيض الأنوار ~~الربانية وأيضا { لا يعقلون } لأنهم { صم بكم عمي فهم ~~لا يعقلون }. # ثم أخبر أن أكل الطيبات يورث الشكر والعبادات بقوله تعالى: { يأيها ~~الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: ~~172]، والإشارة فيها أن من فضل الله وكرمه مع المؤمنين أمرهم بأكل ~~الطيبات كما أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لفائدتين أحدهما: أن يكون ~~أكلهم بالأمر لا بالطبع فيمتازون عن الحيوانات ويخرجون عن حجاب ظلمة ~~الطبع بنور الشرع، والثانية: ليثبتهم بإتمار أمر الأكل كما ثبتهم بإتمار ~~أمر الصلاة والزكاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن المؤمن يؤجر في كل شيء حتى اللقمة يضعها في فيه أو في امرأته " # قوله تعالى: { كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: ~~172]، فالحلال ما لا يتبعه عليه ما لا ترى المخلوق فيه منه، ولهذا قال: { ~~ما رزقناكم } يعني: أنا الرزاق لا غيري { واشكروا لله } ~~[البقرة: 172]، نتيجة أكل الطيبات بالأمر مع العلم بأن الله رزاق واشكروا ~~الله على ما رزقه وفي قوله تعالى: { إن كنتم إياه تعبدون } ~~[البقرة: 172]، إشارتان أحدهما: أن من شرط العبودية شكر المعبود في ~~السراء والضراء والشدة والرخاء، والثاني: أن الشكر نوع من عبادة المعبود ~~وإن أكثرهم شكرا أكثرهم عبادة. # ثم ms0164 أخبر عما حرم في الظاهر من المأكولات وفي الباطن من المألوفات بقوله ~~تعالى: { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير } [البقرة: 173]، والإشارة فيها إن كان حرم على الظواهر هذه ~~المعدودات حرم على البواطن شهود غير الله من الموجودات، فالميتة هي جيفة ~~الدنيا، كما قال قائلهم: # عليها كلاب همهن اجتذابها # وما هي إلا جيفة مستحيلة # فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها # وإن تجتذبها نازعتك كلابها # والدم هي الشهوات النفسانية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم " # ، ولولا أن الشهوات في الدم مستكنة لما كان للشيطان إليه سبيلا؛ ولهذا ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " سدوا مجاري الشيطان بالجوع " # لأن الجوع بقطع مادة الشهوات ولحم الخنزير إشارة إلى هوى النفس، وتشبيه ~~النفس بالخنزير لفائدة حرصها وشرها وخيانة ظاهرة وباطنة { ومآ أهل ~~به لغير الله } [البقرة: 173]، هو كل ما يتقرب به إلى غير الله ~~من الطاعات البدنية والخيرات المالية من غير إخلاص في الله، بل للرياء ~~والسمعة في سبيل الهوى { فمن اضطر } [البقرة: 173]، أما الضرورة ~~حاجة النفسانية إلى شيء منها، وأما الضرورة أمر الشرع بإقامة أحكام ~~الواجبات عليه فليشرع في شيء مما اضطر إليه { غير باغ } [البقرة: ~~173] أي: غير حريص للدنيا وجمعها في الحرام والحلال، وغير مولع على ~~الشهوات بالحرام والحلال، وغير مقبل إلى استيفاء حظوظ النفس الحرام ~~والحلال، وغير مواظب على الرياء في الطاعات والخيرات من السنن والبدع { ~~ولا عاد } [البقرة: 173] أي: متجاوزين من الدنيا حد القناعة وهي ما ~~سد الجوعة وستر العورة، ومن الشهوة ما لا يحجبه عن الحق وإباحة الشرع، ~~فإن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: # " يا داود حذر وأنذر قومك من أكل الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات ~~الدنيا عقولها محجوبة عني " # من حظوظ النفس ما يقيها عن الهلاك صورة ومعنى، ومن أحكام الشرع ما لا ~~يزيد على الواجبات لإرادة الزهد والورع والعبادة والمجاهدة بالرياء ~~للشهرة، بل لا يترك الواجبات وإن كانت مشوبة بهذه الآفات إقامة للعبودية، ~~وإزالة لهذه الآفات وطلبا للإخلاص، ms0165 فلو يزيد على الواجبات بهذه النيات ~~في النوافل فحسن، وإلا فلا يزيد على الواجبات للرياء، فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " اليسير من الرياء شرك " # { فلا إثم عليه } [البقرة: 173]، على من قام بهذه الشرائط، فمن ~~لم يكن من المستهلكين في طريق الحق وصولا، فلا يسلكن غير سبيل الشرع ~~سبيلا، فإما يكون محوا في الله، أو يكون قائما بالله، أو يكون عاملا ~~لله، ولا يكون للرابع مجال حظ له { إن الله غفور رحيم } ~~[البقرة: 173]، يغفر للعالمين له بآثار الرحمة، والقائمين بأنواع الرحمة ~~والماحين فيه بأوصاف الرحمة. # ثم أخبر عن حال من باع الدين بالدنيا في الآخرة والأولى بقوله تعالى: { ~~إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب } ~~[البقرة: 174]، والإشارة فيها أن العلماء المداهنين الذين يكتمون ما أنزل ~~الله من مواعظ القرآن والوعيد لأهل الظلم والعشق والأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر وحفظ حدود الله ورفع العادات وترك الشهوات وزينة الحياة الدنيا ~~وفتنتها ومحبتها، وإنما يكتمون على الملوك والأمراء والوزراء المفترين ~~وأرباب الدنيا إما خوفا عن ضياع مرتبتهم ونقصان قدمهم عندهم، وإما طمعا ~~في برهم معهم، أو لأنهم شركائهم في بعض أحوالهم من حب الدنيا وجمعها ~~والحرص وطلبها، أو طلب مناصبها وحب رياستها، أو بالتنعم في المأكول ~~والمشروب والملبوس والمركوب والمسكن والأواني وآلات البيت والأمتعة ~~والزينة، في كل شيء والخدمة والحول وغير ذلك { ويشترون به } ~~[البقرة: 174]، بالكتمان { ثمنا قليلا } [البقرة: 174]، إما من ~~متاع الدنيا وهي متاع قليل، وإما تمتعات الحياة الدنيوية الفانية { ~~أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } [البقرة: ~~174]، والحرص والشهوة والحسد التي تطلع على الأفئدة وتأكل الحسنات ~~القلبية والأخلاق الروحانية، وتحرقها وتمحوها، كما قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " الحسد يأكل الحسنات كما يأكل النار الحطب " # فعبر عما يفسد الطاعات ويحبط الصالحات بالنار المناسبة في العمل، وهي في ~~الحقيقة نار معنوية كنار الغضب كشعلة نار في الجسد. # واعلم أن كل عمل وفعل وقول يصدر من العبد على خلاف الشرع شرار يجتني من ~~نار السعير، فيحصل في القلب العبد تلك النار في ms0166 الحال وفي كل عمل وفعل ~~يصدر من العبد على وفق الشرع نور يجتبى من نار المحبة، فيظهر في القلب ~~فماذا استولت المحبة واشتعلت نارها تحرق كل محبوب غير الله في القلب، كما ~~أن الحلو حرارة محرقة، فإذا أكل الرجل ذلك الحلو يحصل تلك الحرارة في ~~المزاج في الحال ويحرق الرطوبات والأخلاط، فكذلك تحرق تلك النار في القلب ~~الحسنات والأخلاق في الدنيا والآخرة تجلب المرء وتضله السعير، كقوله: # إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا # [النساء: 10]، فافهم جدا. # ولقوله صلى الله عليه وسلم: # " الذي يشرب في آنية الذهب والفضة يجرجر في بطنه نار جهنم " # يا قليل الفهم قصير النظر آمن بهذه الأشياء، وإن لم تفهمها كقوله تعالى: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44]، فالإيمان به واجب، وإن لم تفهمه { ولا يكلمهم ~~الله يوم القيامة } [البقرة: 174] لأنهم كتموا كلامه في ~~الدنيا ولا كلموه بالصدق وكلموا غير الحق، فقال تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40]، { ولا يزكيهم } [البقرة: 174] لأن تزكية النفس ~~للإنسان مقدرة من الإيمان، والأعمال الصالحة تصدق النية من تهذيب الأخلاق ~~بآداب الشرع، فإن من لم يزكها في الدنيا، فقد خاب وخسر وحرم في الآخرة من ~~تزكيتها بقوله تعالى: # قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها # [الشمس: 9-10]، { ولهم عذاب أليم } [البقرة: 174]، من كتمان ~~الحق وحرمان مكالمة الله وتزكية لهم، ومن النار التي أكلوها في بطونهم ~~وأشعلوها في بطونهم، ومن تصليتهم السعير. # ثم أخبر عن خسران تجارتهم بقوله تعالى: { أولئك الذين ~~اشتروا الضلالة بالهدى } [البقرة: 175]، إلى قوله تعالى: ~~{ شقاق بعيد } [البقرة: 176] اشار فيها أنه أولئك المداهنون من ~~العلماء هم الذين اشتروا الضلالة بحب الدنيا يهدى إظهار الحق وأثروا ~~الخلق على الحق، والمداهنة على أفضل الجهاد، كقوله صلى الله عليه وسلم: # " إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " # { والعذاب بالمغفرة } [البقرة: 175] أي: عذاب نار القطيعة ~~والفرقة بمغفرة القربة والوصلة { فمآ أصبرهم على النار } ~~[البقرة: 175]، الهجران في دركات الخذلان والخسران { ذلك ms0167 } [البقرة: ~~176]، المداهنة منهم { بأن الله نزل الكتاب بالحق ~~وإن الذين اختلفوا } أي: داهنوا { في الكتاب } ~~[البقرة: 176] أي: في أحكام الكتاب { لفي شقاق بعيد } [البقرة: ~~176] أي: لفي خلاف باطل بعيد عن الحق، فإن بين الحق والباطل بونا ~~بعيدا، وفيه معنى آخر وإن الذين اختلفوا ودهنوا اليوم هاهنا اختلافهم ~~مقدر في الكتاب الأزلي والقضاء السرمدي، وإنهم لفي شقاق أي: ضلال بعيد من ~~العهد الأول لا قريب من الآن، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور ~~فقد اهتدى ومن أخطاه فقد ظل " # ، فهذا ضلال بعيد من خطاء الرشاش لا ضلالة قريبة من خطاء الأوباش. # ثم أخبر عن البر في عبودية الحق البر بقوله تعالى: { ليس البر ~~أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب } ، ~~والإشارة فيها أن ليس الاعتبار في البر بظواهر الأشياء والمعاملات ~~الفارغة عن الحقيق، ولكن الاعتبار بالبر الحقيقي { من آمن بالله ~~واليوم الآخر والملائكة والكتاب } أي: من آمن بهداية ~~الله التي عينها من العناية؛ لقوله تعالى: { يحبهم } فمن كانت هذه ~~الكتابة عائدة عليه لتجلي الحق تعالى لروحه بصفة المحبة في بدء وجوده، ~~فتتنور الروح بنور المحبة فالروح صارت محبا لمحبه، كما عبر عن هذا ~~بقوله: { ويحبونه } فشاهد بذلك النور محبوبه وآمن بنور المحبة ~~بوحدانية ومشاهد الأمور الأخروية وآمن بها، وكذلك { والملائكة ~~والكتاب } وفيه معنى آخر ليس البر بركم بتولية وجوهكم قبل المشرق ~~والمغرب، ولكن البر الحقيقي هو بر الذي يبركم معكم بتوليه وجوه أرواحكم ~~بجذبات المحبة قبل الحضرة الربوبية المحبوبية، فتؤمنوا بدلالات نور بري ~~ومبرتي لكم كما ذكرنا في الحديث: # " إن الله تعالى إذا أحب عبدا نادى جبريل عليه السلام: إني أحببت ~~فلانا فأحبه، فيحبه جبريل عليه السلام ثم ينادي جبريل عليه السلام في ~~أهل السماء: إن الله أحب فلانا فأحبوه، فيحبوه أهل السماء " # ، وبر حبي لكم ليس بمحدث كحبكم معي، بل هو بر قديم في الكتاب العلم ~~الأزلي والكلام السرمدي: # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54] أي: يحبهم في الأزل ms0168 ويحبونه في الأبد، يحبهم بأن بر معهم ~~ببر محبته لهم ليبروا معه بحبهم إياه ببر محبة التي بر بها معهم، ويحبونه ~~ولولا محبته لهم ما كانوا ليؤمنوا به ويحبوه أبدا، فافهم جدا. # قوله تعالى: { والنبيين } [البقرة: 177] أي: بنور هذه المحبة ~~يهتدي المحبون إلى أهل محبة محبوبهم، فإن الجنسية علة الغنم فيؤمنون بهم، ~~ويتابعونهم حق المتابعة، فأظهر فوائد خصوصية هذا الإيمان، وأخبر عن ثمرات ~~بذر بر حبه فيهم بقوله تعالى: { وآتى المال على حبه } ~~[البقرة: 177] يعني: من ثمرات حبه إيتاء المال على حبه، والمال إشارة إلى ~~ما يمال إليه غير الله، فمن نتائج بذر بر الحب إنفاق كل محبوب غير الله ~~على حب الله؛ ليكون ثمرة بذر حب الله في النهاية بر الوصول إلى حضرة ~~المحبوب لقوله تعالى: # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # [آل عمران: 92] لأن ثمرة كل بذر في النهاية يكون من جنس بذرها في ~~البداية، ولكن فيه معنى وخصوصية أخرى، ولهذا سئل الجنيد رحمه الله: ما ~~النهاية؟ قال: الرجوع إلى البداية في قوله تعالى: { وآتى المال ~~على حبه } [البقرة: 177] معنى آخر، وهو إنما حصل للعبد من بر الحب ~~ومال إلى البر من عواطف الحق وإحسانه، بتجلي أنوار صفاته يعطيه وينقصه ~~على حب حبيبه بأداء حقوق الشريعة والطريقة بالمعاملات الطيبة والقالبية { ~~ذوي القربى } [البقرة: 177]، وهم الروح والقلب والسر والقربة الحق ~~{ واليتامى } [البقرة: 177]، المتولدات من النفس الحيوانية الأمارة ~~بالسوء إذا ماتت النفس عن صفاتها بسطوات تجلي صفات الحق، فثبت وبقيت منها ~~يتامى المتولدات على الدوام من أوصاف البشرية { والمساكين } ~~[البقرة: 177]، وهي الأعضاء والجوارح { وابن السبيل } [البقرة: ~~177]، القوى البشرية والحواس الخمس، فإنهم في التردد والشعر في عوالم ~~المعقولات والمخيلات والموهومات والمحسوسات، وإنما { والسآئلين } ~~[البقرة: 177]، وهم الدواعي الحيوانية والروحانية { وفي الرقاب } ~~[البقرة: 177] أي: فك رقبة السر عن أسر تعلقات الكونين، وعتق رقبته عن ~~عبودية ما في الدارين، فإن المكاتب عبد ما بقي درهم، فإذا تخلص السر عن ~~أسر غير الله وعبوديته بدوام الرقبة، ولزوم المعاملة صار أهل المشاهدة { ~~وأقام الصلاة } [البقرة: ms0169 177]، المحاضرة مع الله بالله { وآتى ~~الزكاة } [البقرة: 177]، زكاة مواهب الحق إلى استحقاقها من الحق، فهم ~~{ والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } [البقرة: 177]، مع الله ~~بالتوحيد والعبودية الخالصة يوم الميثاق { والصابرين في ~~البأسآء } [البقرة: 177]، وإنهم من الصابرين في بأساء مراعاة الحقوق ~~{ والضرآء } [البقرة: 177]، مخالفات الحظوظ وفناء الوجود عند بقاء ~~الشهود { وحين البأس } [البقرة: 177]، حين بأس سطوات الجلال لا ~~لصبرهم بل لقيام الحق عنهم وبقائهم بصفات الجلال { أولئك الذين ~~صدقوا } [البقرة: 177]، ببذل الوجود وما عاهدوا الله عليه يوم الشهود ~~كقوله تعالى: # من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله ~~عليه # [الأحزاب: 23] { وأولئك هم المتقون } [البقرة: 177]، من ~~ترك الأنانية بالاستهلاك في الهوية، وإن ما ينقضي الآن من فنون الإحسان ~~ووجود فضائل الإيمان، وتصفية الأعمال وصلة الرحم والتمسك بفنون الذمم ~~والعفو والوفاء بالعهود ومراعاة الحد وتعظيم الأثر كثير الخطر محبوب الحق ~~شرعا ومطلوبه أمرا، ولكن قيام الحق عنك عند قيامك عنه، وامتحانك من ~~مشاهدتك لاستهلاكك في وجود القدم، وتعطيل رسولك عن ساكنات إحساسك أتم ~~وأعلى في المعنى. # ثم أخبر عن اختصاص القصاص للعوام والخواص بقوله تعالى: { يأيها ~~الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } ~~[البقرة: 178]، والإشارة فيها أن الله تعالى كتب عليكم القصاص في قتلاكم، ~~وكتب على نفسه الرحمة في قتلاه، وقال: # " من أحبني قتلته ومن قتلته فأنا ديته " # ، وفي قوله تعالى: { الحر بالحر } [البقرة: 178]، إشارة إلى أن ~~في قتلكم قصاص المثل بالمثل، وفي قتلاي لمن له المثل من الأمثل له، فلهذا ~~لا يشبه قصاصي قصاصكم، فإن في قصاصكم موت الرجلين وفناء الشخصين، وفي ~~قصاصي حياة الدارين وبقاء رب الثقلين { فمن عفي له من أخيه ~~شيء } [البقرة: 178]، يشير على أن من عفا له من الأخيار والأصفياء شيء ~~من أنواع البلاء في الابتلاء الذي هو موكل بالأنبياء والأولياء، فإنه ~~معروف من معارف إحسانه وعطف من عواطف امتنانه والواجب على العبد أداء ~~شكره إلى الله بإحسان، # هل جزآء الإحسان إلا الإحسان # [الرحمن: 60] ومن عومل معه يدل البلاء بالنعماء وعوض الشدة بالرخاء { ~~ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ms0170 ~~ذلك } [البقرة: 178]، الوفاء بملابسة الجفاء وإلقاء جلبات الحياء { ~~فله عذاب أليم } [البقرة: 178]، فإن الكفران عواقبه وخيمة. ### || [2.179-185] # ثم أخبر عن فوائد القصاص للعوام والخواص بقوله: { ولكم في ~~القصاص حيوة يأولي الألباب لعلكم تتقون } ~~[البقرة: 179]، والإشارة فيها أنها دالة على تحقيق ما ذكرنا أن في قصاصي ~~سعادة الدارين، وإن من قتل بسيف الصدق عن تجلي صفات جلال الحق وأفنى من ~~وجوده فله في القصاص حياة حقيقية؛ لأنه إذا تلف فيه فهو الخلف عنه وحياته ~~به أتم له من بقائه بنفسه، ولهذا اختص بهذا أولي الألباب بقوله تعالى: { ~~ولكم في القصاص حيوة يأولي الألباب لعلكم ~~تتقون } أي: تتقون عن شرك وجودكم ببذل قشر الروح الإنساني عند شهود ~~الجلال الوحداني والجمال الصمداني؛ لتؤيدوا ببيت الروح الرباني لقوله ~~تعالى: # وأيدهم بروح منه # [المجادلة: 22] وتكونوا أولي الألباب لكم حياة هم لب قشر هذه الحياة ~~الإنسانية؛ لقوله تعالى: # فلنحيينه حياة طيبة # [النحل: 97]، وإذا كان الوارث عنكم الله والخلف عنكم الله، فبقاء الخلف ~~خير لكم مما ورد عليه السلف تفهم إن شاء الله تعالى. # ثم أخبر أهل المال بالوصية وأمر أهل الحال ببذل الوجود بالكلية بقوله ~~تعالى: { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ~~ترك خيرا } [البقرة: 180]، والإشارة فيها أنه كتب على الأغيار ~~الوصية بالمال، وكتب على الأولياء والوصية بالحال، والأغنياء يوصون في ~~آخر أعمارهم بالثلاث والأولياء يخرجون من مبادئ أحوالهم عن الكل قوله ~~تعالى: { إذا حضر أحدكم الموت } إذا حضر أحدهم قلب مع الله ~~ولموت نفسه بالإرادة عن الصفات الطبيعية الحيوانية، كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " موتوا قبل أن تموتوا " # أو ترك كل خير وشر مكان مشربها من الدنيا والعقبى، فعليها أن توصي { ~~الوصية للوالدين } [البقرة: 180]، وهما: الروح العلوي ~~والبدن السفلي، فإن النفس تولدت وحصلت بازدواجهما، { والأقربين } ~~[البقرة: 180]، وهم: القلب والسر وباقي المتولدات البشرية بتركه وبترك كل ~~مشرب يظهر لهم من المشارب الروحانية الباقية والمشارب الجسمانية الفانية، ~~{ بالمعروف } [البقرة: 180]؛ أي: بالاعتدال من غير إسراف يقضي إلى ~~إتلاف محترز في الأحوال من الركون إلى شهوة من ms0171 الشهوات، وفي الأعمال ~~متجنبا من الرسوم والعادات، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " بعثت لرفع العادات وترك الشهوات " # ، وقال صلى الله عليه وسلم: # " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " # ، ومن مكارم الأخلاق أن يجعل المشارب مشربا واحدا، والمذاهب مذهبا ~~واحدا، كما قيل: # وكل له سؤال ودين ومذهب # ووصلكم مسئولي وديني هواكم # وأنتم من الدنيا مرادي وهمي # مناي مناكم واختياري رضاكم # وقوله تعالى: { حقا على المتقين } [البقرة: 180]؛ يعني: ما ~~ذكرنا من الوصية بجملتها حق واجب على متقي الشرك الخفي، ولهذا قال تعالى ~~على المتقين وما قال على المسلمين والمؤمنين؛ لأنهم أهل الظواهر، ~~والمتقون هم أهل البواطن، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره ". # واعلم أن القرآن أنزل لأهل البواطن كما أنزل لأهل الظواهر، والأحكام ~~تحتمل النسخ كما نسخ هذه الآية في الوصية الظاهرة، وباطنة الحكم والحقائق ~~فهي لا تحتمل النسخ أبدا؛ ولهذا قال أهل المعاني: بأن ليس من القرآن شيء ~~منسوخ؛ يعني: وإن دخل النسخ في أحكام ظاهره فلا يدخل في حكم باطنه فيكون ~~أبدا معمولا بالمواعظ والحكم والأسرار والحقائق، # حقا على المتقين # [البقرة: 241]؛ لأنه مخصوص بهداية المتقين كقوله تعالى: # هدى للمتقين # [البقرة: 2]، فحكم الوصية في حقكم غير منسوخ أبدا كقول بعضهم: # ما دمت حيا فإن أمت # يحبك عظم في التراب رميم # وقال بعضهم في الوصية: له الثلثان من قلبي، وثلثا ثلاثة الباقي، وثلاث ~~ثلاث ما بقي، وثلثا الثلث للراقي، فجاز الساجد الراقي بثلث ثلثه الباقي، ~~فيبقى السهم ست تجزي بين عشاقي. # ثم أخبر عن وبال التبديل لأهل التحصين بقوله تعالى: { فمن بدله ~~بعد ما سمعه } [البقرة: 181]، الآيتين والإشارة فيهما أن من غير ~~من الروح والقلب والسر الوصية الصادرة من نفسه الميتة عن أوصافها الذميمة ~~الحيوانية عند شواهد الغيب وإزالة شوائب الريب إليه بترك المشارب الجزئية ~~من المطالب الغيرية، { بعد ما سمعه } بسمع القبول في ترك الفضول، ~~وشم رائحة ورد المحبة بمشام الرغبة، وذاق زلال الوصال من مشارب الأعمال، ~~فهبت عواطف الجلال بتغير الأحوال العزة والملك الكبير ms0172 المتعال، فحجب بعد ~~ما كوشف ورد ما خوطب، والبعد بعد ما كان قريبا، وعاد الإسلام غريبا كما ~~بدأ غريبا، { فإنما إثمه } [البقرة: 181] أي: جرمه وجنايته، { ~~على الذين يبدلونه } [البقرة: 181]؛ أي: على القلب والروح ~~والسر، أو على الكل الذي يبدلون الوصية ترك مشاربهم الطبيعية الإنسانية، ~~{ إن الله سميع } [البقرة: 181] لهذه الوصية المرضية، { عليم ~~} [البقرة: 181] بما في النيات والطويات من الرجوع إلى مشارب الطبيعة بعد ~~تنسم روائح نفحات الحقيقة، وإنما اختصت النفس بهذه الوصية؛ لمعنيين: # أحدهما: لأن الوصية مخصوصة بمن حضره الموت مخصوص بالنفس عند حضور القلب ~~والروح والسر مع الله؛ لأن حياة النفس في موتهم، وموتها في حياتهم، ~~وحياتهم بالحضور مع الله، وموتهم في بعدهم من الله؛ ولهذا قال الله تعالى ~~في حق أهل البعد: # إنك لا تسمع الموتى # [النمل: 80]، وقال في حق أهل الحضور: # لينذر من كان حيا # [يس: 70]، وحضور كل واحد منهم من الله يوجب حياته، والوصية مخصوصة بمن ~~حضره الموت وهي: النفس على التحقيق. # والثاني: لأن النفس لما انعكست عليها أنوار الحضور من مرآة القلب ظهرت ~~لهذا خساسة صفاتها الذميمة الحيوانية الفانية، وذاقت حلاوة ونفاسة الصفات ~~الحميدة الروحانية الباقية فاطمأنت إليها ورضيت بها، فترجع إلى ربها ~~وتموت عن صفاتها، وتركت كل ما كان خيرا عندها؛ لأنها علمت بالحقيقة # ما عندكم ينفد وما عند الله # [النحل: 96]، فكتب عليها بقلم العلم الحقيقي الوصية على الإنسان عند ~~الموت عن صفاته للوالدين والأقربين من الروح والبدن والقلب والسر يتعظوا ~~بها ويقبلوا وصيتها كقوله صلى الله عليه وسلم: # " كفى بالموت واعظا " # ؛ لكن القلب والروح والسر كلهم من العالم الروحاني، وصفاتهم روحانية ~~حميدة باقية، فترك مشاربها والخروج عنها صعب جدا. # وقوله تعالى: { فمن خاف من موص جنفا أو إثما } ~~[البقرة: 182]؛ أي: تفرس من هذه الوصية على الموصى له، { جنفا } في ~~ترك مشاربه بأن يبالغ في المجاهدات لنيل المشاهدات، أو تجاوزا عن حد ~~الشرع في رفع الطبع، { فأصلح بينهم } [البقرة: 182]؛ يعني ~~الروح والبدن والقلب والسر والوصية إلى العدل والحق؛ ولكن بنظر صاحب ~~ولاية كامل؛ ليطرق ms0173 سلوك طريق الحق؛ ليخرجهم من ظلمات الطبع، وهذا أحد ~~أسرار بعثة الأنبياء عليهم السلام، فافهم جدا. # { فلا إثم عليه } [البقرة: 183]، أي: فلا حرج على المصلح بينهم ~~فيما يواسيهم ويداري معهم ويرفق بهم ببعض الرخص، فإن الحمل على الصدق ~~المحض لا يثبت له إلا قليل من المجذوبين، { إن الله غفور } ~~[البقرة: 182] أي: يستر ما به يغان على قلب السالك عند فترة أو وقفة أو ~~رخصة في رجوعه إلى الله بالاستغفار، { رحيم } [البقرة: 182]؛ أي: ~~يلطف ويعطف به بالرحمة كقوله صلى الله عليه وسلم: # " إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة ". # ثم أخبر عن أحد أركان الوصية في الإمساك عن المشارب القلبية والقالبية ~~بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم ~~الصيام } [البقرة: 183]، والإشارة فيها أن الصوم كما يكون للظاهر ~~يكون للباطن، وباطن الخطاب يشير إلى صوم القلب والروح والسر، { الذين ~~آمنوا } شهود أنوار الحضور مع الله كما سبق ذكرهم، فصوم القلب: صومه ~~عن مشارب المعقولات، وصوم الروح: عن ملاحظة الروحانية، وصوم السر: صومه ~~عن شهود غير الله، فمن أمسك عن المفطرات فنهاية صومه إذا هجم الليل، ومن ~~أمسك عن الأغيار فنهاية صومه أن يشهد الحق. # وفي قوله صلى الله عليه وسلم: # " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته " # ، عند أهل التحقيق الهاء عائدة إلى الحق تعالى، فينبغي أن يكون صوم ~~العبد ظاهرا وباطنا لرؤية الحق وإفطاره بالرؤية كما قال قائلهم: # لقد صام طرفي عن شهود سواكم # وحق له لما اعتراه نواكم # يعيد قوم حين يبدو هلالهم # ويبدو هلال الصب حين يراكم # قوله تعالى: { كتب عليكم الصيام } [البقرة: 183]؛ أي: على ~~كل عضو في الظاهر وعلى كل صفة في الباطن، فصوم اللسان: من الكذب والفحش ~~والغيبة، وصوم العين: عن النظر في الغفلة والريبة، وصوم السمع: عن استماع ~~المناهي والملاهي، وعلى هذا فقس الباقي، وصوم النفس: عن التمني والحرص ~~والشهوات، وصوم القلب: عن حب الدنيا وزخارفها، وصوم الروح: عن نعيم ~~الآخرة ولذاتها، وصوم السر: عن رؤية وجود غير الله تعالى وإثباته، { ~~كما كتب على ms0174 الذين من قبلكم } [البقرة: 183]، هي إشارة ~~إلى أن أجزاء وجود الإنسان من الجسمانية والروحانية قبل التركيب صارت ~~صائمة عن المشارب كلها، فلما تعلق الروح بالقالب صارت أجزاء القالب ~~مستدعية للحظوظ الحيوانية والروحانية بقوة إمداد الروح، وصار الروح بقوة ~~حواس القالب متمتعا من المشارب الروحانية والحيوانية، فالآن كتب عليكم ~~الصيام وهم مركبون، { كما كتب على الذين من قبلكم } من ~~المفردات، { لعلكم تتقون } [البقرة: 183]، من مشارب المركبات، ~~وتصومون فيها مع حصول استعداد الشرب؛ لتفطروا من مشارب يشرب بها عباد ~~الله # وسقاهم ربهم شرابا طهورا # [الإنسان: 21] فيطهركم من طهورية هذا الشراب عن دنس استدعاء الحظوظ، ~~طلعت شمس استدعاء حقوق اللقاء من مطلع الالتقاء فحينئذ يتحقق إنجاز ما ~~وعد سيد الأنبياء بقوله صلى الله عليه وسلم: # " للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ". # ثم أخبر عن كمال لطفه مع العباد بتقليل الأعداد في قوله تعالى: { ~~أياما معدودات } [البقرة: 184]، إلى قوله تعالى: { ~~والفرقان } [البقرة: 185]. # الإشارة فيها: أن صومكم في أيام قلائل معدودة متناهية، وثمرات صومكم ~~وفوائدها من أيام غير معدودة ولا متناهية، فلا يهولنكم سماع ذكره وهذا ~~كقوله تعالى: # وجاهدوا في الله حق جهاده # [الحج: 78]. # ثم قال تعالى: { فمن كان منكم مريضا } [البقرة: 184]؛ أي: وقع ~~له فترة من السلوك لمرض عارض قلبه من غلبات صفات النفس وداعي البشرية ~~وكسل الطبيعة فانحرف خارج القلب، { أو على سفر } [البقرة: 184]، ~~أو وقع له أثناء السلوك من العجز عن القيام بأعباء أحكام الحقيقة، فليمهل ~~حتى تشتد إرادته وتقوى جرأته وتدركه العناية ويعالج سقمه بمعاجين ~~الألطاف، ويزيل مرضه بملينات الألطاف، { فعدة من أيام أخر ~~} [البقرة: 184]؛ يعني: في أيام سلامة القلب وزوال المرض فيستدرك ما فاته ~~بالأخذ بالتأويل وما رخص له في التسهيل كما قال تعالى لأهل الرخص: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16]. # وقال تعالى لأهل العزائم: # اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران: 102] وذلك سنة من الله في التسهيل لأهل البداية، ثم استيفاء ~~ذلك عنهم واجب في آخر الحالة، { وعلى الذين يطيقونه فدية ~~} [البقرة: 184]؛ أي: على من كان له ms0175 قوة في صدق الطلب وهمة علية في ~~المقصد واجبة لما أفطروا، وإن إمساك الهمة عن المشارب بالالتفات إلى بعض ~~المطالب فرجع تسهيلات الشريعة عن شارب الحقيقة، { طعام مسكين } ~~[البقرة: 184]، إشار إلى أن كل مشرب ألطاف الحق؛ يعني: المسكين من يكون ~~مشربه غير ما عند الله، وفيه إشارة إلى أن كفارته ما يكون { طعام ~~مسكين } فيعطيه المساكين بالخروج عما سوى الله، ويواصل الصوم ولا ~~يفطر إلا على طعام مواهب الحق وشرب مشاربه، كما كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يواصل ويقول: # " إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " # ، { فمن تطوع خيرا } [البقرة: 184]؛ أي: فمن زاد في الغذاء؛ ~~يعني: كلما فطر عن مشرب فلا بد سقي من مشرب فيغذي ذلك المشرب أيضا، { ~~فهو خير له } [البقرة: 184]، أن يصير مشربه ترك المشارب كلها ~~ودوام الصوم كقوله تعالى: { وأن تصوموا خير لكم } [البقرة: ~~184]؛ يعني: { إن كنتم تعلمون } [البقرة: 184]، أن فوق كل مشرب ~~آخر إلى ما لا يتناهى؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: # " من استوى يوماه فهو مغبون " # وفيه إشارة أخرى وهي: { إن كنتم تعلمون * شهر رمضان ~~الذي } [البقرة: 184-185]، شهر النصب على قراءة من قرأها؛ يعني: وإن ~~تصوموا على المشارب كلها { خير لكم إن كنتم تعلمون } ما ~~اختص به، { أنزل فيه القرآن } [البقرة: 185] فمعناه: وأن من ~~يكون حاله كحال رمضان في إدامة الصوم فينزل فيه حقائق القرآن؛ ليكون على ~~مأدبة الله لا على معنى أن يأكل من المأدبة فإنه دائم الصوم، ولكن ~~المأدبة تأكله تفنيه عن خلق الخلقية وتبقيه بخلق الخالقية، كما كان حال ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: # وإنك لعلى خلق عظيم # [القلم: 4] والعظيم هو الله، فافهم جدا. # ولما سئلت عائشة رضي الله عنها ما كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم ~~قالت: # " كان خلقه القرآن " # فهنا ينقطع سير السالك فيكون السير بحقائق القرآن فيه يهديه من خلق إلى ~~خلق، كما قال تعالى: { هدى للناس وبينات من الهدى ~~والفرقان } [البقرة: 185]. # ثم أخبر عن وجوب الصوم عند شهود الشهر التمام بقوله تعالى: ms0176 { فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه } [البقرة: 185]، الإشارة فيها ~~أنه ذكر بعد قوله: { وأن تصوموا خير لكم } [البقرة: 184] إن ~~تدومون على إمساك النهمة عن المشارب كلها إن كنتم تعرفون قدر شهر رمضان؛ ~~وهو: عبارة عن دوام الصوم الحقيقي، { الذي أنزل فيه القرآن ~~} كما مر ذكره، قال تعالى: { فمن شهد منكم الشهر } [البقرة: ~~185]؛ أي: من أدرك مؤنة دوام الإمساك عن المشارب بالكلية، { فليصمه ~~}؛ أي: فله دوام على ملازمة الإمساك لقوله صلى الله عليه وسلم: لحارثة ~~رضي الله عنه # " أصبت فالزم " # ، وقال أبو يزيد - رحمه الله -: ناداني ربي، وقال: اترك نفسك ولازم بدك، ~~فإن رمضان يرمض ذنوب قوم، فشهود رمضان الحقيقي يحرق وجود قوم، فشتان بين ~~من يحرق ذنوبه رحمته وبين من يحرق رسوم حقيقته؛ وفيه معنى آخر وهو أن من ~~كان منكم شاهدا الشهر وحاضره لا غائب الشهر حاضره فليصمه، { ومن كان ~~مريضا } [البقرة: 185] بمرض الفترة والغفلات { أو على سفر } ~~[البقرة: 185] من وقفات السلوك السالك، { فعدة من أيام ~~أخر } [البقرة: 185]، الرغبات وصحة صدق النيات والرجوع إلى مقام ~~القربات بتصرف الجذبات فيقضي فيها ما فاته ويحيي فيها ما أماته. # وقوله تعالى: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر } [البقرة: 185]، # فإن مع العسر يسرا # [الشرح: 5] فيريد بكم اليسر الذي هو مع العسر، فلا تنظر في امتثال ~~الأوامر إلى العسر ولكن انظر إلى اليسر الذي مع العسر، فإن العاقل الذي ~~ينظر مرارة الشراب فيتركه ولكن ينظر إلى حلاوة الصحة ولا يبالي بمرارة ~~الشراب فيشربه بقوة الهمة؛ وفيه معنى آخر أنه { يريد الله بكم ~~اليسر } إذا هداكم للإيمان وبعث إليكم الرسول؛ لتؤمنوا به وأنزل معه ~~القرآن وخاطبكم بقوله: { يأيها الذين آمنوا كتب ~~عليكم } [البقرة: 183]، ثم وفقكم لإعطاء حق ما وجب عليكم واتقاء ~~مخالفة ما كتب عليكم والتصديق بالحسنى التي وعدكم بها، اليسرى وهي ما ~~أراد به من اليسر لقوله تعالى: # فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * ~~فسنيسره لليسرى # [الليل: 5-7]، ومن يرد الله به العسر لم يوفقه لإعطاء حق الإيمان؛ ليبخل ~~به ولاتقاء مخالفة ما ms0177 وجب عليه ليستغني ولا للتصديق؛ ليكذب بالحسنى؛ لكي ~~ييسره للعسرى؛ وهي ما أراد به من العسر كقوله تعالى: # وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * ~~فسنيسره للعسرى # [الليل: 8-10]، ومن أمارات أنه أراد بعبده اليسر أنه أقامه لطلب اليسر، ~~ولو لم يرد به اليسر لما جعله طالبا لليسر هاربا من العسر، قال قائلهم: # لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه # من فيض جودك ما علمتني الطلبا # حقق رجاء أهل الوفاء للعطاء وأقلق قلوب العشاق ببلوغ اليسر، حيث قال ~~تعالى: { يريد الله بكم اليسر } [البقرة: 185]، وأزال عن ~~صدور العابدين الشجون، وأزاح عن قلوب المحبين مجوزات الظنون، حيث قال: { ~~ولا يريد بكم العسر } [البقرة: 185]، قوله تعالى: { ~~ولتكملوا العدة } [البقرة: 185] أنواع الغاية بجذبات { ~~يريد الله بكم اليسر } ولتتموا عدة أيام الطلب بمبليات، { ~~ولا يريد بكم العسر } ، { ولتكبروا الله } ~~[البقرة: 185]؛ أي: ولتعظموا الله عن الانفصال والاتصال، { على ما ~~هداكم } [البقرة: 185] إلى عالم الوصال بتجلي صفات الجمال، { ~~ولعلكم تشكرون } [البقرة: 185] أي: ولكي تشكروا نعمة الوصال ~~بأداء حق التنزيه لذات ذي الجلال في تحقيق # وما قدروا الله حق قدره # [الأنعام: 91] أهل الكمال. ### || [2.186-188] # ثم أخبر أنه مع عظم الشأن قريب بالإحسان بقوله تعالى: { وإذا ~~سألك عبادي عني فإني قريب } [البقرة: 186]، والإشارة ~~فيها أن من يكون مخصوصا بخصوصية عبادي يكون سؤالهم عني لا عن غيري؛ ~~ولأنه { إذا سألك عبادي عني فإني قريب }؛ أي: إنما ~~كان سؤالهم عني حين سألوك؛ لأني كنت قريبا باللطف إليهم أقرب إليهم منهم ~~بهم كقوله تعالى: # ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # [ق: 16]، { أجيب دعوة الداع إذا دعان } [البقرة: 186]؛ ~~أي: صفتي أني أجيب دعوة الداع إذا دعان، { ~~فليستجيبوا لي } [البقرة: 186]، كما إني أجيب لهم إذا دعوني؛ ~~ليكونوا موصوفين بصفتي في الإجابة؛ { وليؤمنوا } [البقرة: 186]، ~~إجابتهم أن يؤمنوا { بي } [البقرة: 186] بمعني الطلب؛ أي: يطلبوني ولا ~~يطلبون من غيري، { لعلهم يرشدون } [البقرة: 186]؛ لكي يهتدوا ~~بي؛ إذ يسألونك عني ولا يسألونك عن غيري، كما أن قوما # يسألونك عن الأنفال # [الأنفال: 1]، وقوما # يسألونك عن اليتامى # [البقرة: 220]، وقوما # يسألونك عن ms0178 الروح # [الإسراء: 85] فإن قيل فلم لا تستجاب بعض الأدعية وقد وعد الله الإجابة ~~بقوله: { أجيب دعوة الداع إذا دعان } [البقرة: 186]، ~~وبقوله: # ادعوني أستجب لكم # [غافر: 60]، فالجواب عنه إنما لا تستجاب بعض الأدعية؛ لأن الداعي ترك ~~بعض أركانه وشروطه، فإن للدعاء المستجاب أسبابا وشرائطا وهي كثيرة منها ~~ما يتعلق بالعموم كما مر ذكر بعضها وليس هاهنا موضعه، ومنها ما يتعلق ~~بالخصوص وهي التزكية والتحلية، والإجابة موثوقة على تزكية الداعي فعليه ~~أن يزكى البدن أولا فليصلحه ولو بلقمة الحلال، فقد قيل: الدعاء مفتاح ~~باب السماء، وأسنانه لقم الحلال، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " الرجل يطيل السفر يمد يده إلى السماء أشعث أغبر يقول: يا رب يا رب ~~ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك " # ويزكي نفسه ويطهرها عن أوصاف البشرية والأخلاق الذميمة فإنه هو الأصل في ~~الاستجابة؛ لكونها قاطعات لطريق الدعاء وفي الحديث: # " إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب " # ، ويزكي نفسه عن رين تعلقات الإنسان من النفساني والروحاني ويصفيه ~~بالأذكار، وينوره بنور الأخلاق الرباني، فإن هذه أسباب القربة؛ لرفع ~~الدعاء إلى الله تعالى، كما قال الله تعالى: # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه # [فاطر: 10] ويزكي الروح عن دنس التفات لغيره؛ ليتعرض لنفحات ألطاف الحق، ~~ويزكي السر عن وخيمة الشرك بتوجهه إلى الحق في الدعاء؛ لطلب الحق لا لطلب ~~غير الحق؛ ليستجاب دعاؤه ولا يخيب رجاؤه، كما قال تعالى: # " ألا من طلبني وجدني ومن طلب غيري لم يجدني " # ، وإن الله تعالى وعد الإجابة بالدعاء فإني { أجيب دعوة الداع ~~}؛ أي: دعاءه، { إذا دعان }؛ أي: إذا طلبني، وكذا قال تعالى: # ادعوني أستجب لكم # [غافر: 60]؛ أي أطلبوني. # وقال تعالى: # أمن يجيب المضطر إذا دعاه # [النمل: 62]، والمضطر من لم يكن له غير الله أن يطلبه من الله فيكون ~~مضطرا في طلب الله من الله فلا يطلب من الله غير الله، فمن أضل ببعض هذه ~~الشرائط في الدعاء فلم يلزمه الإجابة كمن أضل بركن من أركان الصلاة، لم ~~يلزمه القبول إلا أنه الجبار ms0179 فيجبر كل خليل وكسر يكون في أعمال العباد ~~وبفضله وكرمه، وفي الحقيقة أن إفضاله مع العباد مقدم على أعمالهم، وإنه ~~ليعطي قبل السؤال ويتحقق مراد العبد بعد سؤاله بجميع النوال. # ثم أخبر عن تفضله بالنوال قبل السؤال بقوله تعالى: { أحل لكم ~~ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم } [البقرة: 187]، ~~والإشارة في تحقيق الآية أن لخواص الإنسان بحسب تزكيهم من الروحاني ~~والحيواني تلونا في الأحوال لا بد لهم منه، فتارة يكونون بحكم غلبات ~~الصفات الروحانية والواردات الربانية في ضياء نهار الروحانية النورانية، ~~ففي تلك الحالة لهم سكر يغنيهم عن المشارب النفسانية، فيصومون عن الحظوظ ~~الإنسانية، وبقوا مع تلك الحالة لتلاشت نفوسهم بسطوات صفات الجلال، وطاشت ~~أرواحهم، وما عاشت أبدانهم، كما من الله عليهم بقوله: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بليل تسكنون فيه # [القصص: 72]. # وتارة يكون بحسب الدواعي والحاجات الحيوانية مردودين إلى ليلة ظلمات ~~الصفات الإنسانية، وفي تلك الحالة لهم صحو يعيدهم إلى أحكام عادات طبائع ~~الحيوانية، ولو بقوا على تلك الحالة لماتت قلوبهم بهجوم الآفات وفات لهم ~~من الحقوق ما فات، كما قال تعالى: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا ~~إلى يوم القيامة # [القصص: 72]، فخصهم الله تعالى بنهار في كشف أستار الرحمة؛ ليسكنوا فيها ~~ويستريحوا بها. # وقال تعالى: { أحل لكم ليلة الصيام } [البقرة: 187]؛ أي: ~~ليلة تستريحون فيها وتستعدون لصيام غداتها؛ يعني: إن لم يكن ليلة الصيام ~~ما أحل لكم فيها { الرفث إلى نسآئكم } ، وهي التمتعات ~~النفسانية من الأمتعة الدنياوية المسخرة للنفس؛ لنفوذ تصرفها فيها تصرف ~~الرجال في النساء لاستيفاء الحظوظ تقوية على أداء الحقوق ولا تكون مسخرة ~~لها؛ لينفذ فيها تصرفها، { هن لباس لكم } [البقرة: 187]؛ أي: ~~التمتعات بالحظوظ الإنسانية ستر لكم؛ ليحميكم عن حرارة شموس الشهود بلباس ~~ظلمات صفات الوجود؛ كيلا تحرقكم سطوات تجلي صفات الجلال، { وأنتم ~~لباس لهن } [البقرة: 187]؛ أي: بلباس صفاتكم الحميدة وأنوار ~~أعمالكم الصالحة تسترون معايب الدنيا وتمتعاتكم بمتاع شهوات النفس ~~ولذاتها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ms0180 # " نعم المال الصالح للرجل الصالح " # ، والمال هو الملعون الذي قال صلى الله عليه وسلم فيه: # " الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه " # ، فصار الملعون صالحا ولقب بنعم إذا آمن بصلاح الرجل الصالح. # { علم الله أنكم كنتم } [البقرة: 187] في خصوصية البشرية، ~~{ تختانون أنفسكم } [البقرة: 187] باستيفاء حظوظكم الحيوانية ~~في ليالي الطلب من ضعفكم واستيلاء شهواتكم، { فتاب عليكم } ~~[البقرة: 187] بنظر العناية إلى قلوبكم، { وعفا عنكم } [البقرة: ~~187]؛ أي: محا آثار ظلمات صفاتكم بأنوار هدايته عنكم، { فالآن } ~~[البقرة: 187]؛ أي: في هذه الحالة، { بشروهن } [البقرة: 187]، رخص ~~لكم في مباشرة الحظوظ النفسانية بقدر الحاجة للضرورة الإنسانية بالأمر لا ~~بالطبع، { وابتغوا } [البقرة: 187] بقوة هذه المباشرة، { ما كتب ~~الله لكم } [البقرة: 187] من المقامات العلية والدرجات الرفيعة، { ~~وكلوا واشربوا } [البقرة: 187]؛ أي: تمتعوا بالحظوظ؛ لرفع ~~الحاجات الإنسانية في ليالي الصحو، { حتى يتبين لكم ~~الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } ~~[البقرة: 187]؛ أي: تظهر آثار أنوار شمس صفات الجلال وتمحو ظلمات الصفات ~~والآمال في نهار السكر، { ثم أتموا الصيام } [البقرة: 187]، ~~بالامتناع عن الاستمتاع عن المشارب الروحانية والحيوانية، { إلى ~~الليل } [البقرة: 187]؛ أي: ليل الصحو بعد السكر. # فكما أن الرزق منقسم إلى حالة قبض وإلى حالة بسط، فالأحوال أيضا تنقسم ~~إلى قبض وبسط وزيادة ونقص وجدب وخصب وفرق وجمع وأخذ ورد وكشف وستر وصحو ~~وإثبات ومحو وفناء وبقاء وتلوين وتمكين، قال قائلهم: # كان سناء لم يزل إذا أبدا # كان سناء لم يكن إذا مضى # وقيل: # إذا أكرمتني تجلى لطف # كأني لم أزل منكم سقيما # فإن فاجأني بخفي مكر # كأني لم أجد منكم نسيما # { ولا تبشروهن } أي: وتشغلوا القلوب بالحظوظ، ولا الأرواح ~~بالاسترواح، ولا الأسرار بالاستظهار عن الأغيار، { وأنتم عكفون ~~في المسجد } [البقرة: 187]؛ أي: مقيمون في مقامات القربة والوصلة، ~~مجاورون في حظائر القدس ومجالس الأنس؛ يعني: عند احتياج النفس بالضروريات ~~الإنسانية في بعض الأوقات وإشغالها بها، كونوا بالضرورة فيها، وبالقلوب ~~والأرواح والأسرار كائنين مع الحق بعيدين عن الخلق، وهذا مقام أهل ~~التمكين، فإنكم إن كنتم مشاغيل بنفوسكم كنتم محجوبين فيكم بكم عنا، ms0181 وإذا ~~كنتم قائمين بنا فينا فلا تعودوا منا إليكم، { تلك حدود الله } ~~[البقرة: 187]؛ أي: تلك القربة والوصلة والاعتكاف والتبتل إلى الله حدود ~~الله، { فلا تقربوها } [البقرة: 187]، بالخروج عنها يا أهل الكشوف ~~والعكوف، ولا تقربوها بالدخول فيها يا أهل الكسوف والخسوف. # بأي نواحي الأرض أبغي وصالكم # وأنتم ملوك ما لقصدكم نحو # { كذلك يبين الله } [البقرة: 187] يظهر الله، { ءايته ~~} [البقرة: 187] ودلائله وبراهينه، { للناس } [البقرة: 187] أهل ~~الصدق والطلب، { لعلهم يتقون } [البقرة: 187] بأنوار العواطف ~~والجود عن ظلمات شركة الوجود. # ثم أخبر عن فساد الأحوال من أكل الأموال بقوله تعالى: { ولا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } [البقرة: 188]، ~~والإشارة فيها أن الأموال خلقت لمصالح قوام النفس، وأن النفس خلقت للقيام ~~بمراسم العبودية؛ لقوله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]، # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة # [التوبة: 111]؛ ليعلموا أن ليس لهم الأموال والأنفس وإنما هي لله، فلا ~~تتصرفوا في الأموال والأنفس إلا بأمر الله تعالى، ثم قال تعالى: { ولا ~~تأكلوا أموالكم بينكم } [البقرة: 188]؛ أي: الأموال ~~التي اشترى الله منكم بالباطل؛ أي: بهوى النفس والحرص والشهوة والإسراف ~~على الغفلة، وكلوا بالحق بالأمر بالقناعة والتقوية على الطاعة والقيام ~~بالعبودية. # { وتدلوا بها إلى الحكام } [البقرة: 188]؛ أي: ولا تدلوا ~~إلى الحكام؛ وهي: النفس الأمارة بالسوء، { لتأكلوا فريقا من ~~أموال الناس } [البقرة: 188]؛ أي: من الأموال التي خلقت للاستعانة ~~على العبودية، { بالإثم } [البقرة: 188]؛ أي: بالقطيعة والغفلة ~~مستعينا بها على المعصية كالحيوانات والبهائم؛ لتأكلوا بحظ النفس ~~البهيمية فيكون حالكم ومرجعكم ومثواكم النار؛ لقوله تعالى: # ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم # [محمد: 12]، { وأنتم تعلمون } حاصل الأمر ولا تعملون. ### || [2.189-190] # ثم أخبر عن سير الأخيار وسير الأبرار بقوله تعالى: { يسألونك عن ~~الأهلة } [البقرة: 189]، والإشارة فيها أن الأهلة { قل هي ~~مواقيت للناس } [البقرة: 189]؛ أي: للناس فيها اختيار كاشتغال كل ~~طائفة بما هو أهله في تلك المواقيت على تفاوت أعمالهم، ومواقيت هذا القوم ~~في تفاوت أهوالهم، فللزاهدين مواقيت أورادهم، وللصادقين مواقيت ~~مراقباتهم، { والحج } [البقرة: 189]، إشارة إلى ما يرد بحكم الوقت ~~على الصديقين ms0182 من غير أخيارهم، ومن المحبوب على المحبين من غير اختيارهم ~~بل باضطرارهم، فللصديقين مواقيت أوقاتهم، فمن كان وقته الصحو كان قياما ~~بالشريعة، ومن كان وقته المحو، فالغالب أحكام الحقيقة، وللمحبين مواقيت ~~أوصاف محبوبهم، فإن خرجوا عن وصف وجودهم ودخلوا في حكم وصف محبوبهم والله ~~غالب على أمرهم؛ فهو من إحساس أحكام البشرية واستيلاء سلطان الحقيقة، فإن ~~تجلى لهم بوصف الجلال طاشوا، وإن تجلى لهم بوصف الجمال عاشوا. # { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها } ~~[البقرة: 189]، فيه إشارة إلى أن لكل شيء سببا ومدخلا لا يمكن الوصول ~~إليه ولا الدخول إلا باتباع ذلك السبب والدخول؛ لقوله تعالى: # وآتيناه من كل شيء سببا * فأتبع سببا # [الكهف: 84-85]، نسب الوصول إلى حضرة الربوبية، والمدخل فيها هو التقوى ~~اسم جامع لكل بر من أعمال الظاهر وأحوال الباطن، والقيام باتباع ~~الموافقات واجتناب المخالفات وتصفية الضمائر ومراقبة السرائر، فبقدر ~~السلوك في مراتب القوى يكون الوصول إلى حضرة المولى كقوله تعالى: # إن أكرمكم عند الله أتقاكم # [الحجرات: 13]، وقال صلى الله عليه وسلم: # " عليكم بتقوى الله فإنه جامع كل خير ". # وقوله تعالى: { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ~~ظهورها } [البقرة: 189]؛ أي: غير مدخلها بمحافظة ظواهر الأعمال من ~~رعاية حقوق بواطنها بتقوى الأحوال، { ولكن البر من اتقى ~~} [البقرة: 189]؛ أي: حق التقوى؛ لقوله تعالى: # اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران: 102]، وقيل في معناه أن يطاع فلا يحصى، ويذكر فلا ينسى، ~~ويشكر فلا يكفر، { وأتوا البيوت من أبوابها } [البقرة: ~~189]؛ أي: ادخلوا الأمور من مداخلها. # ثم ذكر مدخل القبول وقال: { واتقوا الله } [البقرة: 189]؛ أي: ~~اتقوا بالله عما سواه، يقال: فلان اتقى بربه؛ يعني: اجعلوا نحوركم ~~ومتقاكم مفركم ومفزعكم ومرجعكم منه إليه، كما كان حال النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " أعوذ بك منك " # ، { لعلكم تفلحون } [البقرة: 189]؛ لكي تنجو وتتخلصوا من ~~مهالك النفوس بإعانة الملك القدوس. # ثم أخبر عن النجاة وطريق نيل الدرجات بقوله تعالى: { وقاتلوا في ~~سبيل الله الذين يقاتلونكم } [البقرة: 190]، والإشارة ~~في تحقيق الآية أن قاتلوا من يمنعكم عن السير في ms0183 سبيل الله، أو أراد أن ~~يقطع عليكم طريقه من شياطين الأنس والجن حتى نفوسكم، وإن أعدى عدوك نفسك ~~التي بين جنبيك؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا رجع من ~~جهاد: # " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " # ، { ولا تعتدوا } [البقرة: 190]؛ أي: لا تجاوزوا عن حد الشرع، ~~فتجاهدوا بالطبع ولكن كونوا قانتين على قدم الاستقامة بقدر الاستطاعة، ~~وهو أن تقفوا حيث ما توقفون، وتفعلوا ما به تؤمرون، { إن الله لا ~~يحب المعتدين } [البقرة: 190]، فلا تجمعون طرفي الإفراط ~~والتفريط. ### || [2.191-192] # ثم أخبر عن إقامة حق الاستقامة بقوله تعالى: { واقتلوهم حيث ~~ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } [البقرة: ~~191]، إلى قوله تعالى: # فلا عدوان إلا على الظالمين # [البقرة: 193] والإشارة فيها: { واقتلوهم حيث }؛ أي: اقتلوا ~~الكافر النفس وهواها من قلوبكم كما أخرجتكم من جمعية القلب وحضوره، { ~~والفتنة أشد من القتل } [البقرة: 191]؛ يعني: المحنة ~~التي ترد على القلوب من طوارق فتنة النفس؛ لتحجبها عن الله أشد من المحن ~~التي ترد على النفوس من القتل بمخالفة هواها، فإن حياتها بمألوفاتها، ~~وحياة القلب لا تكون إلا بالله، { ولا تقاتلوهم عند ~~المسجد الحرام } [البقرة: 191]؛ يعني: لا تلتفتوا إلى النفس ~~وصفاتها حتى تكونوا آمنين مطمئنين في مقامات القلب والروح، ولا تنازعوهم ~~مما نازعوكم، وكونوا مراقبين أحوالكم وحضور قلوبكم مع الله، { حتى ~~يقاتلوكم فيه } [البقرة: 191]؛ أي: يزاحكمونكم في الحضور، ~~ويسمونكم بالهواجس ودواعي الهوى، { فإن قاتلوكم } [البقرة: 191]، ~~نازعوكم في الجمعية والحضور، { فاقتلوهم كذلك جزآء ~~الكافرين } [البقرة: 191]، بسيف الصدق، واقطعوا ثائرة تلك الدواعي ~~عن نفوسكم بكل ما أمكن؛ لئلا تبقى لكم علاقة تصدكم عن ذكر الله. # { فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم } [البقرة: 192]؛ ~~يعني: إذا انقطع عنكم مزاحمة النفس وهواها وانخمدت نار شهواتها وسكنت ~~دواعيها وقنعت بما لا بد لها فصارت كالذمي لا يجوز أذيتها، فدعوها مع ~~ذاتها وإعطاء جزيتها بأداء الحقوق وترك الفضول في الحظوظ، ولا تؤذوها ~~بالقلق في مجاهداتها، وإن من طولب بحفظه الأسرار لا يفرغ إلى مجاهدات ~~النفوس بل المطلوب فراغ القلب عما سواه وحضوره مع مولاه. ### || [2.193-196] ms0184 # وإنما تعذب النفوس؛ لرفع فتنتها بقوله تعالى: { وقاتلوهم حتى ~~لا تكون فتنة } [البقرة: 193] وفتنتها معارضتها ومنازعتها مع ~~القلب بدواعيها وشهواتها، وشربها عن شاربها، فعلاجها بمباشرة أضدادها حتى ~~يصح مزاجها في العبودية ولا تبقى معها آثار البشرية، { ويكون } ~~[البقرة: 193]، استسلامها، { الدين لله } [البقرة: 193]، فلا تعارض ~~لحكم من الأحكام، ولا تنازع في شيء مما يرويه الإسلام، { فإن ~~انتهوا } [البقرة: 193]، فإن استسلمت النفوس { فلا عدوان } ~~[البقرة: 193]؛ أي: الجور والتعذيب، { إلا على الظالمين } ~~[البقرة: 193]، الذين يعبدون الهوى والدنيا من دون المولى. # ثم أخبر عن اعتداء أهل الهوى ومجازاتهم بالاعتداء بقوله تعالى: { ~~الشهر الحرام بالشهر الحرام } [البقرة: 194]، أشار فيها ~~أن يفوتكم من الأوقات بتوالي النفوس ونزاعها وغلبات صفاتها واستيلائها ~~فتداركوه؛ الشهر بالشهر، واليوم باليوم، والساعة بالساعة، والوقت بالوقت، ~~والأوراد بالأوراد، { والحرمات قصاص } [البقرة: 194]، واقضوا ~~الغاية، واقتصوا الحقوق. # { فمن اعتدى عليكم } [البقرة: 194]؛ يعني: كل صفة من صفات ~~النفس إذا غلبت واستولت عليكم، { فاعتدوا عليه } [البقرة: 194]، ~~وعالجوها بضدها، فإن غلبت بالبخل عالجوها بالسخاء، وإن غلبت بالغضب ~~عالجوها بالحلم، وإن غلبت بالحرص عالجوها بالترك والزهد، وإن غلبت ~~بالشهوة عالجوها بالرياضة والعقلة، فعلى هذا فقس الباقي، { بمثل ما ~~اعتدى عليكم } [البقرة: 194]، فاعتدوا عليها حتى تغلبوا عليها، ~~{ واتقوا الله } [البقرة: 194]، في إفراط الاعتداء والاحتراز عن ~~هلاك النفس بكثرة المجاهدات، وفي تفريط الاعتداء اجتنابا من الركون إلى ~~شهوات النفس ومواقفها في المخالفات وهلاكها في فرط الآفات، { ~~واعلموا أن الله مع المتقين } [البقرة: 194]، بالنصرة ~~إلى جهاد النفس وقهرها، ومنعها من الاعتداء بالتوفيق للاتقاء. # { وأنفقوا في سبيل الله } [البقرة: 195]، من الأموال ~~والأنفس التي اشتراها الله منكم كقوله تعالى: # وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ~~ذلكم خير لكم # [الصف: 11]، { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ~~[البقرة: 195]، في جهاد النفس بإفراط الاعتداء وتفريطه، ولا في جهاد ~~الكفار بالإفراط بأن يبارز واحد على رهط، ولا بالتفريط بأن يفر واحد من ~~الاثنين، وأيضا: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ~~بالتفريط في الحقوق ولا بالإفراط بالحظوظ، وأيضا: بموافقات النفوس ~~ومخالفات النصوص، وأيضا: بترك النفوس وتخلية القلوب، وأيضا: بملاحظة ~~الأعمال في ms0185 استجلاء الأحوال، وأيضا: بالركون إلى الفتور بالحسان ~~والغرور. # { وأحسنوا } [البقرة: 195]، مع نفوسكم بوقايتها عن نار الشهوات، ~~ومع قلوبكم برعايتها عن دين الغفلات، ومع أرواحكم بحمايتها عن حجب ~~التعلقات، ومع أسراركم بكلائتها عن ملاحظة المكونات، ومع الخلق بالتصفية ~~ودفع الأذيات وإيصال الخيرات، ومع الله بالعبودية في المأمورات ~~والمنهيات، والصبر على المضرات والبليات، والشكر على النعم والمسرات، ~~والتوكل عليه في جميع الحالات، وتفويض الأمور إليه في الجزئيات والكليات، ~~وتسليم الأحكام الأزليات، والرضا بالأقضية الأوليات، والفناء عن ~~الإيرادات المحدثات في إرادته القديمة القائمة بالذات، { إن الله ~~يحب المحسنين } [البقرة: 195]، الذين هم في العبادة بوصف ~~المشاهدة. # ثم أخبر عن شرائط الإحسان بإتمام ركن من الأركان بقوله تعالى: { ~~وأتموا الحج والعمرة لله } [البقرة: 196]، والإشارة ~~فيها أن حج العوام وعمرتهم قصد البيت وزيارته، وحج الخواص قصد رب البيت ~~وشهوده، كما قال الخليل: # وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين # [الصافات: 99]، والحقيقة كما أنه أول من قصد الله وطلبه وتوجه بكليته ~~إليه، وقال: # وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض # [الأنعام: 79] وسلك هذا الطريق وفدى بنفسه وماله وولده في الله واتخذ ما ~~سواه عدوا، وقال: # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء: 77]، كان الخليل عليه السلام، وهذا كله من مناسك الحج ~~الحقيقي؛ فلذلك جعله الله أول من بني بيت الله وطاف وحج # وأذن في الناس بالحج # [الحج: 27]، وبين المناسك، وكان الحج صورة ومعنى، ظاهرا، وحقيقة مقامه ~~عليه السلام كقوله تعالى: # فيه ءايت بينت مقام إبرهيم # [آل عمران: 97]، ولكنه كما كان له مقامات كان للنبي صلى الله عليه وسلم ~~حالا، والحال أتم من المقام؛ لأن المقامات من المنازل، والأحوال من ~~المواهب، فيمكن سلوك المقامات بغير المواهب، ولا يمكن المواهب بغير سلوك ~~المقامات، فلما كان الخليل عليه السلام من أهل المقامات # وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين # [الصافات: 99]، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم من أهل المواهب قيل: # سبحان الذى أسرى بعبده # [الإسراء: 1]، فلما كان ذهابه بنفسه في الحج الحقيقي بقي في السماء ~~السابعة { أحصرتم } الحج والعمرة، وقيل له: { فإن ms0186 أحصرتم ~~فما استيسر من الهدي } [البقرة: 196]، فأفدي بإسماعيل، ولما ~~أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وكان ذهابه بالله ما أحصره شيء، قيل له: ~~{ وأتموا الحج والعمرة لله } [البقرة: 196]، فأتم حجه ~~بإذن ربه، # فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى # [النجم: 8-9]، ثم أتم عمرته بأن تجلى له أقمار المقصود عن كشف تفرد ~~بالشهود، وتجلي عناية المحبة عن شموس الوصلة، وجرى بين المحبين ما جرى، # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم: 10]، ثم نودي من سرادقات الجلال في إتمام الحج والإكمال يوم ~~الحج الأكبر عند وقوفه بعرفات في حجة الوداع، وهو آخر الحجاب # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا # [المائدة: 3]. # ثم قال لأمته وقد علم فيهم الضعيف والعليل، وذا التعلق والآفات، وأصحاب ~~الحوائج والموانع: { وأتموا الحج والعمرة لله } أي: ~~واسعوا في إتمام صورة الحج وحقيقة بقدر استطاعتكم في متابعة صورة سير ~~النبي صلى الله عليه وسلم وحقيقته، أما إتمامه في الصورة بأن تقيموا ~~شرائعه المشروعة، ويكون قصدكم من بيوتكم أن تخرجوا لا للتجارة ولا ~~للنزاهة ولا للرياء والسمعة، بل يكون خالصا لله تعالى، وأما إتمامه في ~~الحقيقة فبأن يكون خروجك من وجودك وقصدك الله بالله لا لشيء من المقاصد ~~في الدارين، وبأن يقيم شرائطه في الطريقة؛ لتبلغ الحقيقة وتتيقن بأنه # لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس # [النحل: 7]، { فإن أحصرتم } بعداوة النفس، وغلبة الهوى، ~~وبملالة القلب، ودناءة النفس فيهدي بما كان الحصر منه، { ولا ~~تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله } ~~[البقرة: 196]؛ معناه: لا تكونوا فارغين عنه مشغولين بغيره؛ حتى تبلغوا ~~المقصد والمقصود. # { فمن كان منكم مريضا } [البقرة: 196]؛ يعني: إن عارض لأحدكم ~~مرض في الإرادة أو ضعف في الطلب { أو به أذى من رأسه } ~~[البقرة: 196]؛ يعني: إذ يعله وتعتريه مانعات من إكماله من غير فترة من ~~نفسه، فلم يجد بدا من الإقامة بفناء الرخص والنزول بساحة تأويلات العلم، ~~فليجتهد أن لا ينصرف خطوة من الطريق ولا يعرض لمحة عن هذا الفريق، فإنه ~~قال بعضهم: من أقبل على الله ألف سنة ms0187 ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر ~~مما ناله، بل يلازم عتبة الفقر، وليطلب الفرج بالصبر، ويتدارك الأمر بما ~~أشار إليه بقوله تعالى: { ففدية من صيام } [البقرة: 196]؛ أي: ~~الإمساك عن المشارب، { أو صدقة } [البقرة: 196]؛ أي: بالخروج عن ~~المعلوم، والتقرب بما أمكنه من التضرع والابتهال والتطوف على الأولياء ~~وخدمة الفقراء، { أو نسك } [البقرة: 196]؛ أو بذبح النفس في مقامات ~~الشدائد، والصبر على البلاء، وبذل المجهود في طلب المقصود. # { فإذآ أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } ~~[البقرة: 196]؛ يعني: إذا زال الحصر وأشرق بنور الجبار هواء الزمان وقضاء ~~العصر أقبل الجد الصاعد، والزمان المساعد، وتجدد عهد الطلب، وانقطع كلفة ~~التعب، فليستأنف للوصلة وقتا، وليفرش للقربة بساطا، وليتجدد للقيام بحق ~~السرور نشاطا، ولتقبل هي على البهجة، فقد مضت أيام المحنة، وليكمل الحج ~~والعمرة، وليستدم القيام بحق الصحبة والخدمة، { فما استيسر من ~~الهدي } [البقرة: 196]، فموجب الهدي لمعنيين. # أحدهما: الاستدراك ما فاته في أيام الفترة والوقفة، والاستغفار عنها، ~~والثاني: الاستدراج ما استقبله من العواطف وشكرها، والهدي هو أن يهدي ~~بأعز شيء من أمواله واجها إليه، ويصرفه عن أصحابه وإخوانه في الدين ~~وأعوانه في الطلب، وينفقه على أرباب الهمم العلية من الفقراء الصادقين ~~والأغنياء المتقين. # { فمن لم يجد } [البقرة: 196]؛ يعني: في الظاهر يسارا أو سعة، ~~{ فصيام ثلاثة أيام في الحج } [البقرة: 196]، فعليه ~~الإمساك عن مشارب حصول كمالات الوصول في تلك الحالة، { وسبعة إذا ~~رجعتم } [البقرة: 196]؛ يعني: باقي العمر، { تلك عشرة ~~كاملة } [البقرة: 196]؛ يعني: الإمساك عن المشارب كلها في غلبات ~~الأحوال، وبعد الرجوع إلى عالم الأعمال من أوصاف الكمال وأخلاق الرجال، { ~~ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } ~~[البقرة: 196]؛ يعني: ذلك التوفيق لدوام المراقبة في الإمساك لمن لم يكن ~~مقيما في منزل من منازل النساك، بل يكون لقريب من الأوطان بل قريب من ~~أهل الزمان، غريب في الأقران من الغرباء في آخر الزمان، الذين قال فيهم ~~صلى الله عليه وسلم: # " فطوبى للغرباء ". # { واتقوا الله } [البقرة: 196]؛ أي: احذروا أن تسكنوا في فترة ~~أو وقفة، أو تركنوا في مشرب ms0188 من هذه الشرائط، { واعلموا أن ~~الله شديد العقاب } [البقرة: 196]، للغافلين من هذا الخطاب، ~~والمعرضين عن طريق الصواب، الغائبين بذل الحجاب، المردودين إلى العذاب. ### || [2.197-202] # ثم أخبر عن أشهر الحج وشرائطها وحث على رعاية وسائطها بقوله تعالى: { ~~الحج أشهر معلومات } [البقرة: 197]، الإشارة فيها أن قصد ~~القاصدين إلى الله تعالى وطلب الطالبين؛ إنما يكون في أشهر معلومات وأيام ~~معلومات من حياتهم الفانية في الدنيا، فأما بعد انقضاء الآجال وفناء ~~الأعمال فلا يصلح لأحد السعي ولا يفيد القصد، كما لا يفيد للحاج القصد ~~بعد مضي أشهر الحج؛ لقوله تعالى: # يوم يأتي بعض ءايات ربك لا ينفع نفسا ~~إيمانها لم تكن ءامنت من قبل # [الأنعام: 158]، وكما أن للحاج مواقيت معينة يحرمون منها، فكذلك ~~للقاصدين إلى الله ميقاتا؛ وهي: أيام الشباب من بلاغة الصورة إلى بلوغ ~~الأربعين؛ وهو: حد بلاغة المعنى؛ لقوله تعالى: # حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة # [الأحقاف: 15]؛ ولهذا قال المشايخ: الصوفي بعد الأربعين نادر؛ يعني: إن ~~كان ظهور إرادته وطلبه يكون بعد الأربعين، فوصوله إلى القصد الحقيقي يكون ~~نادرا مع إمكانه، ولكن من يكون طلب صدقه في الإرادة قبل الأربعين، وما ~~أمكنه الوصلة بقرب الاحتمال أن يكون بعد الأربعين حصول مقصوده بأن يبذل ~~غاية مجهوده بشرائطه وحقوقه وحدوده من إقامة، أو أن الطلب في عنفوان ~~شبابه يستبعد له الوصلة في حال شيبه، فجرى منه على الحيف بأن ضيع اللبن ~~في الصيف؛ ولكن يصلح للعبادة التي أجرها الجنة، قيل: وقف صاحب ولاية على ~~باب الجامع والخلق يخرجون منه في ازدحام وغلبة وكان ينظر إليهم ويقول: ~~هؤلاء حشو الجنة، وللمجالسة أقوام آخرون. # { فمن فرض فيهن الحج } [البقرة: 197]؛ أي: صادقه صدق ~~الالتجاء، وقصد الحق في شرخ شبابه يتزر بإزار التواضع والانكسار، ويرتدي ~~برداء التذلل والافتقار، { فلا رفث ولا فسوق } [البقرة: 197]؛ ~~أي: لا يخرج من أمر من الأوامر، ولا يدخل في منهى من المناهي، بل لا يخرج ~~من حكم الوقت ولا يدخل فيما يورث المقت. # { ولا جدال في الحج } [البقرة: 197]؛ أي: لا نزاع للسالك ~~الصادق ms0189 في طلب الوصول مع أحد في شيء من الدنيا لا بالفروع ولا بالأصول، ~~وإلا فما تخاصم مع أحد، ولا في جاهها لأحد تزاحم، فمن نازعه في شيء منها ~~يسلمها إليه ويسلم عليه، فإن من دأب القوم # وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # [الفرقان: 63]. # { وما تفعلوا من خير } [البقرة: 197]؛ يعني: من هذه الجملة ~~وغيرها من الخيرات، { يعلمه الله } [البقرة: 197]، قليله وكثيرة ~~وإخلاصه ورياءه وسره وعلانيته، { وتزودوا فإن خير الزاد ~~التقوى واتقون يأولي الألباب } [البقرة: 197]، في ~~الكلام تقديم وتأخير وإضمار تقديره وتزودوا يا أولي الألباب؛ يعني: لكل ~~سالك طريق زاد يناسب طريقه، فزاد أولي القشور؛ وهم: أهل الدنيا من الكعك ~~والسويق وأمثاله؛ لأن طريقهم ومقصدهم ومقصودهم أيضا قشر بالنسبة إلى ~~طريق الحق، فإن طريقهم الأرض، ومقصدهم ومقصدهم البيت، ومقصودهم الجنة، ~~وهذا قشر بالنسبة إلى ما ذكرنا، { وتزودوا } فإن خير المقاصد ~~ينبغي أن يكون من { خير الزاد } ، فأشار إلى: { تزودوا } يا ~~أولي الألباب من لب الزاد وهو التقوى { فإن خير الزاد ~~التقوى } وخير التقوى أن تكون متقي، إن تتقون بي مني، فتقوى أهل ~~القشور مجانبة الزلات والمزلات بالطاعات والمبرات تفهم إن شاء الله تعالى ~~وتنتفع به. # ثم أخبر عن الفضل مع ذوي الفضل بقوله تعالى: { ليس عليكم ~~جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } [البقرة: 198]، ~~الآيتين والإشارة فيهما أن قوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن ~~تبتغوا فضلا من ربكم } [البقرة: 198]، إعلام بأن للفضل ~~كثرة وتنوعا؛ لأنه ذكره بالنكرة تقع على واحد على التعيين؛ كقولك: جاءني ~~زيد، فهذا يدل على أن في الرجال كثرة، ولكنه ما جاءك إلا واحد منهم، ~~فكذلك هنا يدل على أن في الفضل كثرة، وليس على العبد جناح أن تبتغي أي: ~~فضل يريده من الله وهو كثرة تنوعه تنقسم على ثلاثة أقسام بالنسبة إلى ~~أحوال العبد والتنوع والأقسام راجع إلى تغير أحوال العباد ولا إلى تغير ~~صفات الحق تعالى. # والقسم الأول منها: ما يتعلق بالمعاش الإنساني، وهو على نوعين: نوع ~~يتعلق بالأسباب من المال والجاه، ونوع يتعلق بالغذاء واللباس الضروري ~~وهذا القسم ms0190 من الفضل مفسر بالرزق كقوله تعالى: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله # [الجمعة: 10]؛ أي: من رزق الله. # والقسم الثاني منها: ما يتعلق بالمصالح الأخروية للعبد من الفضل، وهو ~~على نوعين: أحدهما ما يتعلق بالأعمال البدنية على وفق الشرع، ومتابعة ~~الشارع مجانبة طريق الشيطان المنازع كقوله تعالى: # تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا # [الفتح: 29]، وقال تعالى: # ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم ~~الشيطان إلا قليلا # [النساء: 83]، وثانيها: ما يتعلق بأعمال القلب، وتزكية النفس لقوله ~~تعالى: # ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم ~~من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء # [النور: 21]. # والقسم الثالث: منها: ما يتعلق بالله عز وجل، وهو أيضا على نوعين: ~~أحدهما: ما يتعلق بمواهب القربة كقوله تعالى: # وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا ~~كبيرا # [الأحزاب: 47]؛ أي: قربا كثيرا فإنه أكبر من الدنيا والآخرة، وثانيها: ~~ما يتعلق بمواهب الوصل كقوله تعالى: # ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل ~~العظيم # [الحديد: 21]؛ يعني: فضل مواهب الوصلة أعظم من الكل كما قال تعالى ~~لحبيبه صلى الله عليه وسلم: # وكان فضل الله عليك عظيما # [النساء: 113]؛ يعني: أعظم فضله ما كان عليك خاصة دون الخلائق كلها، ثم ~~أعلم أن لكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة من الفضل مقاما في الابتغاء. # فأما القسم الذي يتعلق بالمصالح الأخروية: وهو فضل الرحمة، فمقام ~~ابتغائه ترك الوجود، وبذل المجهود، وهو في السير إلى عرفات، وأما القسم ~~الذي يتعلق بالله تعالى: وهو فضل المواهب فمقام ابتغائه هو عند الوقوف ~~بعرفات المعنى، فإن عرفات هي إشارة إلى المعرفة معظم أركان الوصلة لقوله ~~تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]، وأما القسم الذي يتعلق بالمصالح الدنيوية: وهو فضل ~~الرزق فمقامه بعد استكمال الوقوف بعرفات المعرفة عند الإفاضة، ففي الآية ~~تقديم وتأخير تقديره إذا أفضتم من عرفات فليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا ~~من ربكم، وذلك لأن حال أهل السلوك في البداية ترك الدنيا والتجريد عنها، ~~وفي الوسط التوكل والتفريد، وفي ms0191 النهاية المعرفة والتوحيد، ولا يسلم ~~الشروع في المصالح الدنيوية إلا لأهل النهاية؛ لقولهم في المعرفة وعلو ~~همتهم بأن يطهر الله قلوبهم من رجز حب الدنيا الدنية، ويملأها نورا ~~وحبورا وسرورا بالألطاف الحقيقية، فلا اعتبار للدنيا وشهواتها ونعيم ~~الآخرة ودرجاتها عند الهمم العلية، فلا يتصرفون في شيء إلا وتصرفهم ~~بالله، وفي الله ولله لا لحظوظ النفس بل لمصالح الدين، وإصابة الخير إلى ~~الغير ولهذا قال تعالى: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ~~} [البقرة: 199] والناس هاهنا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم، وجميع ~~الأولياء والأنبياء عليهم السلام؛ فمعناه لا تفيضوا يا أرباب الطلب إلا ~~بعد الوقوف بعرفات المعرفة { فإذآ أفضتم من عرفت } ~~[البقرة: 198]، المعرفة أفيضوا من حيث أفاض الأنبياء والأولياء في القيام ~~بأداء حقوق التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله لا لاستيفاء الحظوظ، ~~كما قال عز وجل لحبيبه صلى الله عليه وسلم عند إفاضته بالرسالة إلى الخلق ~~بعد وقوفه بعرفات # فكان قاب قوسين أو أدنى # [النجم: 9] # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 17]. # فأعلم الله تعالى أن الإفاضة من عرفات المعرفة إلى مصالح الدنيا ورعاية ~~حقوق الخلق، ودعوتهم إلى الله خطر عظيم ولا يخلو عن نوع حظ من الحظوظ ~~فعلق الإفاضة بشرطين لرفع الخطر، وإزالة غائلة الحظوظ، أحدهما: أمر ~~بالمواظبة على وظائف الذكر بقوله تعالى: { فإذآ أفضتم من ~~عرفت فاذكروا الله عند المشعر الحرام } [البقرة: ~~198]؛ يعني: بالقلب والمشعر الحرام هو القلب الذي حرام عليه الاطمئنان مع ~~غير ذكر الله وحبه لقوله تعالى: # ألا بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد: 28]، { واذكروه كما هدكم } [البقرة: 198]، معناه ~~اذكروا الله ليهدي نفوسكم كما هدى قلوبكم لئلا تقع النفوس في خطر حب ~~الدنيا ولا تميل إلى استيفاء حظوظها { وإن كنتم من قبله ~~لمن الضآلين } [البقرة: 198]؛ يعني: كما كنتم قبل الوقوف بعرفات ~~المعرفة من الضالين في طلب الدنيا وحظوظ النفس. # والثاني: أمرهم بالاستغفار لإزالة ضرر المحافظة مع الخلق وكدورة حظها ~~بقوله تعالى: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ~~واستغفروا الله إن الله غفور رحيم } [البقرة: ~~199]، وهذا كما أمر النبي ms0192 صلى الله عليه وسلم بالاستغفار مع كمال مرتبته ~~وجلال قدره بقوله # إذا جآء نصر الله والفتح * ورأيت الناس ~~يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك ~~واستغفره إنه كان توابا # [النصر: 1-3]؛ يعني: يزيل غين الحظ بالاستغفار وهو صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " إنه ليغان على قلبي، وإني لاستغفر الله في يوم سبعين مرة ". # ثم أخبر عن وجود رعاية الأحوال لأهل الكمال بقوله تعالى: { فإذا ~~قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آبآءكم ~~أو أشد ذكرا } [البقرة: 200]، إلى قوله: { والله سريع ~~الحساب } [البقرة: 202]، والإشارة فيها أن في قوله تعالى: { فإذا ~~قضيتم مناسككم } [البقرة: 200]؛ أي: قضيتم مناسك وصلكم، ~~وبلغتم محل الرجال البالغين من أهل الكمال الواصلين، فلا تأمنوا مكر الله ~~ولا تهملوا وظائف ذكر الله، فاذكروا الله كذكركم آبائكم، كما تذكرون في ~~حال طفوليتكم آباءكم للحاجة، والافتقار بالعجز والانكسار، وفي حالة ~~رجوليتكم تذكرون آباءكم للحجة، والافتخار بالمحبة، والاستظهار فاذكروا ~~الله افتقارا وافتخارا؛ لأنه يمكن للطفل الاستغناء عن أبيه، وكذلك ~~البالغ يحتمل أن يفتخر بغير أبيه ولكن العباد ليس لهم من دون الله من ولي ~~ولا واق، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مع كمال بلاغته يفتقر إلى ~~الله تعالى ويقول: # " اللهم واقية كواقية الوليد " # ، ويفتخر بافتقاره، ويقول: # " أنا سيد ولد آدم ولا فخر والفقر فخري " # { فمن الناس } [البقرة: 200]، من أهل الطلب والسلوك { من يقول ~~} [البقرة: 200]، بتسويل النفس وغرورها بحسبان الوصول والكمال عند ~~النسيان، وتغير الأحوال { ربنآ آتنا في الدنيا } [البقرة: ~~200]؛ يعني: تميل نفسه إلى الدنيا وتركن إلى زخارفها وشهواتها وتستحلي ~~الجاه والقبول فيها عند أربابها بأن ينسى المقصد الأصلي، والمقصود ~~الحقيقي، وظن الطالب الممكور أنه قد استغنى عن الجد والاجتهاد فأهمل ~~وظائف الذكر، ورياضة النفس، وغلبت عليه الهوى واستهوته الشياطين في الأرض ~~حيران له حتى أوبقته في أودية الهجران والفراق { وما له في ~~الآخرة من خلاق } [البقرة: 200]؛ يعني: من أهل الوصول والكمال ~~وأرباب الفتوة وأصحاب الأحوال { من يقول ربنآ آتنا في ~~الدنيا حسنة } [البقرة: 201]؛ أي: نعمة من النعم الظاهرة، وهي ~~العافية، والصحة، ms0193 والسعة، والأمن، والفراغة، والطاعة، والاستطاعة، ~~والبذل، والإعطاء، والوجاهة، والقبول، ونفاذ الأمر، وطول العمر في ~~العبودية، والتمتع من الأمور، والأولاد، والأصحاب، والإرشاد، والأخلاق { ~~وفي الآخرة حسنة } [البقرة: 201]؛ أي: نعمة من النعم الباطنة، ~~وهي الكشوف والمشاهدات وأنواع القربات في المواصلات والعبور عن المقامات ~~بتعاقب الجذبات، والتمكن في الأحوال بحصول الكمال، وبقاء الفناء في فناء ~~البقاء، وفناء الفناء في فناء البقاء { وقنا عذاب النار } ~~[البقرة: 201]، نار القطيعة وحرقة الفراق. # { أولئك لهم نصيب } [البقرة: 202]؛ أي: لهؤلاء البالغين ~~الواصلين السائلين وحظ دائم نصيب وافر { مما كسبوا } [البقرة: ~~202]، من المقامات والكرامات، ومما سألوا من أنباء الحسنات { والله ~~سريع الحساب } [البقرة: 202]، لكلا الفريقين فيما سألوا أي: ~~يعطيهم بحسن نياتهم على قدر همهم وطوياتهم، لقوله تعالى: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]، وكقوله تعالى: # وآتاكم من كل ما سألتموه # [ابراهيم: 34]، وفي { سريع الحساب } إشارة إلى سرعة الحساب، فيما ~~يخطر ببال العبد في الحال يحاسبه به ويظهر أثر تلك الحسنة التي خطرت ~~بباله في قلبه وروحه مع الخطرة بلا توقف قبل أن يتكلم بها، أو يعلمها ~~دليله قوله تعالى: # وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم ~~به الله # [البقرة: 284]، فإن تكلم بها أو عمل زاد آثرها أو تركها؛ فأما الحسنة ~~فيبقى أثرها، وأما السيئة فمحا أثرها، وأثبت مكانها نور حسنته وذلك قوله ~~تعالى: # يمحوا الله ما يشآء ويثبت # [الرعد: 39]، وقال صلى الله عليه وسلم: # " قال الله عز وجل: إذا تحدث عبدي بأن أعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم ~~يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها، وقال: قالت الملائكة يا رب ~~ذلك عبد يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به، فقال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها ~~بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، فإنه تركها من جبر أي: من أجلي ". ### || [2.203-208] # ثم أخبر عن رعاية المحدودات أنها أيام معدودات بقوله تعالى: { ~~واذكروا الله في أيام معدودات } [البقرة: 203]، ~~والإشارة أن المداومة على الذكر والملازمة ms0194 على العبودية في أيام معدودات ~~العمر المختصر من البداية إلى النهاية بجميع أجزاء الوجود مندوب إليه في ~~الشريعة، وأمر واجب لأرباب الطريقة، كما نقل عن بعضهم وقد سئل عن مدة هذا ~~العمر؟ فقال: من المهد إلى اللحد، ولو شئت لقلت: من الأزل إلى الأبد، ~~وهذا مما لا يفهم بهذه العقول المدنسة بالفضول، وقال تعالى لحبيبه صلى ~~الله عليه وسلم: # واعبد ربك حتى يأتيك اليقين # [الحجر: 99]؛ أي: الموت { فمن تعجل } [البقرة: 203]؛ يعني: من ~~أرباب السلوك وأصحاب القلب { في يومين } [البقرة: 203]؛ يعني: يوم ~~البداية ويوم النهاية، أو يوم الطلب ويوم الوصول بازدياد في الأوراد وجد ~~في الاجتهاد، وتأخر هاتين الحالتين عن بعض المجاهدات، أو يرفق بالنفس في ~~شيء من المباحات { فلا إثم عليه لمن اتقى } [البقرة: ~~203]؛ أي: لمن كان ثابتا في التقوى راسخا في الاستقامة مع المولى { ~~واتقوا الله } [البقرة: 203]، في جميع الأحوال بتزكية النفوس ~~وتنقية القلوب، وحفظ الأعمال { واعلموآ أنكم إليه ~~تحشرون } [البقرة: 203]؛ يعني: إن لم ترجعوا بالاختيار تحشرون إليه ~~بالاضطرار. # ثم أخبر عن مقال أهل القال، ومعاملة أهل الحال بقوله تعالى: { ومن ~~الناس من يعجبك قوله في الحيوة الدنيا } [البقرة: ~~204] إلى قوله: { ولبئس المهاد } [البقرة: 206]، والإشارة فيها ~~أن قوما أعرض الحق تعالى عن قلوبهم؛ فأعطاهم في الظاهر بسطة في اللسان ~~وتقريرا في البيان ويدعون شيئا بأقوالهم يكذبون فيها بأخلاقهم وأفعالهم ~~فيعجب الخلق بأقوالهم ما لم يروا أعمالهم، ولكن الله يشهد سرائرهم، ويعلم ~~ضمائرهم إن عقود أسرارهم حضور أخبارهم، وفي الحقيقة هذه خصلة بعض النفوس ~~الأمارة بالسوء أن تظهر السوء باللات المموهة والأقوال المزخرفة تسر ~~بقبائح أوصافها وفضائح أخلاقها، وتعلن الصداقة وتخفي العداوة، وترى أنها ~~أولى الأولياء، وتراها أعدى الأعداء { وهو ألد الخصام * ~~وإذا تولى } [البقرة: 204-205]؛ أي: وجد التمكن والولاية { ~~سعى في الأرض } [البقرة: 205]؛ يعني: في أرض القلب { ليفسد ~~فيها } [البقرة: 205]، يخربها { ويهلك الحرث } [البقرة: ~~205]، ويبطل حرث الصدق في ترك الدنيا، وطلب الآخرة والتوجه إلى الحق { ~~والنسل } [البقرة: 205]، ما تولد من الأخلاق الحميدة، والخصال ~~السريدة { والله لا يحب الفساد } [البقرة: ms0195 205]، بالأقوال ~~الكاذبة. # { وإذا قيل له اتق الله } [البقرة: 206]، يعني لأرباب ~~النفوس من أهل الكبر والأنفة { أخذته العزة بالإثم } ~~[البقرة: 206]، ثم سمحت أرواحهم عن قبول الحق وتمادت نفوسهم بالباطل، ولو ~~ساعدت العناية وأدركتهم العاطفة؛ لتقلدوا المنن لمن هداهم إلى الجنة ~~ونبههم عن نوم الغفلة، وولتهم على طريق الوصلة، ولكن من رزق العناد زال ~~عن منهج السداد وضل عن سبيل الرشاد { فحسبه جهنم ولبئس ~~المهاد } [البقرة: 206] أي: حسبه جنهم الغرور والتكبر، فإنها دركة من ~~دركات نار القطيعة في الحال { ولبئس المهاد } ، والمرجع في ~~المآل. # ثم أخبر عن معاملة أهل الوداد من العباد بقوله تعالى: { ومن الناس ~~من يشري نفسه ابتغآء مرضات الله والله رؤوف ~~بالعباد } [البقرة: 207]. # والإشارة أن الخواص من أولياء الله منهم لمن يشتري نفسه ابتغاء مرضات ~~الله كما أن الله تعالى # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة # [التوبة: 111]. # والفرق بين الفريقين أن الله اشترى من المؤمنين أيام الميثاق من غير ~~اختيارهم، فكان ثمن نفس المؤمن الجنة أما الأولياء فإنهم باعوا باختيارهم ~~أنفسهم في هذا العالم فكان ثمن الأولياء مرضات الله، { والله رؤوف ~~بالعباد } يعني: الفريقين فلرأفته بالمؤمنين اشترى الأمارة بالسوء ~~مع غب الظلومي والجهولي بثمن الجنة، والنعيم المقيم، ولعاطفته بالأولياء ~~وفقهم لشري أنفسهم بغير حظ من حظوظها؛ بل خالصا لوجه الله ابتغاء ~~مرضاته. # ثم أخبر عن المدخول في الإسلام بقوله تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا ادخلوا في السلم كآفة } [البقرة: 208]، معنى ~~عاما، ومعنى خاصا؛ فأما المعنى العام مع جميع من آمن في الظاهر ادخلوا ~~في جميع شرائط الإسلام في الباطن كما دخلتهم في شرائعه في الظاهر من ~~شرائطها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، والمؤمن من أمن الناس بوائقه ~~". # وأما المعنى الخاص كخطاب حاضر مع شخص الإنسان، وجميع أجزائه الظاهرة كما ~~أن لسانه دخل في الإسلام بالقول، فينبغي أن يدخل أركانه في الإسلام ~~بالفعل، فالعين بالنظر، والأذن بالسمع، والفم بالأكل، والفرج بالشهوة، ~~واليد بالبطش، والرجل بالمشي، ودخول كل واحد منها ms0196 في الإسلام بأن يستسلم ~~لأوامر الله تعالى، ويجتنب من نواهيه بترك ما لا يعنيه أصلا، ويقع على ~~ما لا بد له منه، ودخول أجزاء الظاهر في شرائع الإسلام ميسر للمنافق، ~~فإنا إدخال معاني الباطن في شرائط الإسلام وحقائقه، فعريكة إبطال الدين، ~~ومزلة الرجال البالغين، فدخول النفس في الإسلام بخروجها عن كفر صفاتها ~~الذميمة، وعبورها عن طبعها في إيقاع الهوى، وترك مألوفاتها، ومستحسناتها، ~~ومستلذاتها، ونورها بنور الإسلام، وتتبع أحكامه، واطمئنانها بالعبودية؛ ~~لتستحق بها دخول مقام العباد المخصوصين بخطابه تعالى إياها كقوله تعالى: # يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي # [الفجر: 27-30]، دخول القلب في الإسلام بتصفيته عن رذائل أخلاق النفس ~~وخساسة أوصاف الحيوان، وتحليته بشمائل أخلاق الروح، ونفاسه أوصاف الملك، ~~ودخول أنوار الإيمان بكتابه الحق فيه، وتأييده بروح منه كقوله تعالى: # كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه # [المجادلة: 22]، ففي الحقيقة لا يدخل القلب في الإسلام ما لم يدخل ~~الإيمان في القلب لقوله تعالى: # ولما يدخل الإيمان في قلوبكم # [الحجرات: 14]، ودخول الروح في الإسلام بتخلقه بأخلاق الله تعالى، ~~وتسليم الأحكام الأزلية، وقطع النظر، والتعلق عما سوى الله بتصرفات ~~الجذبات الألوهية ودخل السر في الإسلام بفنائه في الله، وبقائه بالله # ولا تتبعوا خطوات الشيطان # [البقرة: 168]؛ أي: لا تكونوا على سيرته وصفته وهي الاستكبار والإباء ~~فإنه ضد الإسلام وهو الكفر لقوله تعالى: # استكبر وكان من الكافرين # [ص: 74]. # واعلم أن كل جزء من أجزاء ظاهر الإنسان وباطنه ما لم يكن مستسلما ~~لأوامر الشرع وأحكام القضاء الأزلي ويأبى على الحق ويستكبر فإنه ما دخل ~~في الإسلام ويتبع خطوات الشيطان وما خرج بعد من العداوة، فهو إظهار محبته ~~- أي الله - فإن محبته - أي الشيطان - مضمرة في عداوته وعداوته - أي ~~الشيطان - مضمرة في محبته - أي الله -. ### || [2.209-214] # { فإن زللتم } [البقرة: 209] أي: زالت أقدامكم عن صراط الإسلام ~~الحقيقي { من } [البقرة: 209]، أيضا معه العداوات فهو إظهار محبته أي: ~~الله فإن محبته أي: الشيطان مضمرة في عداوات الشيطان { بعد ما ~~جآءتكم البينات } [البقرة: 209]؛ أي: ms0197 البراهين القاطعة والحجج ~~الساطعة من القرآن ومعجزاته والأمر بدخول الإسلام الحقيقي والنهي عن ~~اتباع الشيطان ونزعاته { فاعلموا أن الله عزيز } [البقرة: ~~209]؛ فلعزته لا يهتدي إليه كل ذليل دنيء الهمة قصير النظر { حكيم } ~~[البقرة: 209]، بحكمته يهدي من يشاء إلى سرادقات عزته. # ثم أخبر عن أهل الزلل وغرورهم وعواقب أمورهم بقوله تعالى: { هل ~~ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~} [البقرة: 210]، والإشارة فيها أن الله تعالى أخبر عن أهوال القيامة ~~وأحوالها بكلام قريب إلى أفهام العوام، وأما الذين في قلوبهم نور الإيمان ~~وشرح الله صدورهم بنور الإسلام، فقد هدوا وفهموا مقصود الكلام في هذه ~~الآية وأمثالها وانتفعوا بها بلا توهم تشبيه أو تمثيل أو تخيل نفي ~~وتعطيل، وأما الذين هم أهل الأهواء كما قال تعالى: # فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه ~~منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله # [آل عمران: 7]، فشرعوا فيها بأهوائهم وفسروها بآرائهم، فوقعوا في أودية ~~الضلالة فهلكوا وأهلكوا خلقا بالجهالة فنادتهم العزة: # وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم # [آل عمران: 7]، فإنهم أصحاب الكشوف وأرباب المشاهدات، فيتجلى الله لهم ~~تارة بصفات الجمال فيريهم لمعة من أصناف ألطافه وأنواع إعطائه مع خواص ~~عباده، ومرة بصفات الجلال فيذيقهم شظية من آثار هيبته وقهره مع المتمردين ~~من أهل عناده، فيحل لهم كل أشكال وينجيهم من كل ضلال، ويغنيهم بها عن كل ~~تفسير وتأويل، ويخلصهم من كل تشبيه وتعطيل، وكوشفوا بحقائق ما أخبروا ~~وعاينوا بخلاف ما أضمروا ولكن يضيق عن إعلامه نطاق النطق ولا يسع إظهار ~~لا في ظهوره الحروف كما قيل، وإن قميصا خيط من نسج تسعة وعشرين حرفا عن ~~معانيه قاصر، بل لا ينتهي إليها حظي العقول والأوهام، ولا يدركها إبصار ~~البصائر والإفهام، فإن هذا عما يكاشف الخواص والأولياء في حال غيبتهم عن ~~الخلق وشهودهم الحق وهم مسلوبو النطق مغلوبو العقل، ومن تأمل هذا وتكشف ~~له أثر من الغوامض التي درج عليها المتقدمون مكلفين عقولهم ما ليس في ~~وسعها طمعا في أن ينالوا ما لا ينال وكان عاقبتهم ms0198 الحيرة والضلالة. # ثم أخبر عن زوال النعمة لأهل الضلالة والنعمة بقوله تعالى: { سل ~~بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة } [البقرة: ~~211]، الآيتين والإشارة فيهما أن السؤال وإن كان للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ولكن فائدته راجعة إلى عامة أمته وخاصتها، فإنا فائدته فهي أن ~~يعلموا أن الله إذا أنعم على عبد بنعمة من أنواع نعمه الظاهرة والباطنة ~~فإن لم يعرف قدرها فيبدل نعمته بالنقمة أن يكفرها ولا يشكرها، كما فعل ~~بنو إسرائيل من بعد ما جاءتهم البينات من المعجزات والكرامات فما عرفوا ~~قدرها فبدلوها بما قالوا. # اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة # [الأعراف: 138] وبعبادة العجل فجازاهم الله شدة العقاب فيما ابتلاهم ~~بأنواع البلاء من القحط وقتل النفس وغير ذلك أو بأن يصرف نعمه في مصروف ~~دون رضاه { فإن الله شديد العقاب } [البقرة: 211]، في ~~المجازات والمكانات. # وأما فائدة الخواص في أن يتحقق لهم أن الله إذا فتح باب الملكوت على قلب ~~عبد من خواصه ويريه آياته في الملك والملكوت، ويظهر عليه أنواع كراماته ~~فإن لا يغتر بأحواله أو يعجب بكماله فيقبل على شيء من مرادات النفس وبما ~~يلائم هواها ويبدل نعمته برأفته للنفس ورضاها { فإن الله شديد ~~العقاب } [البقرة: 211]، بأن يغير عليه أحواله ويسلب عنه كماله والذي ~~يدل على هذا التأويل قوله تعالى: # إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم # [الرعد: 11]، ومن شدة عقابه إذا أذنب عبد ذنبا صغيرا ولم يتب عنه ويصر ~~عليه أن يعاقبه مثل تبديل النعمة ليعاقبه بزوال النعمة في الدنيا ودوام ~~النقمة في العقبى. # وأيضا من شدة عقابه أن يزين: { زين للذين كفروا ~~الحياة الدنيا } [البقرة: 212]، ويمكر بهم حتى يغلب عليهم حب ~~الدنيا: { ويسخرون من الذين آمنوا } [البقرة: 212]، من ~~فقرائهم وكبرائهم حملهم شدة العقوبة على الوقيعة في أوليائه واستحقار ~~أحبابه: # وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون # [الشعراء: 227] { والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة ~~} [البقرة: 212]، بأنهم في أعلا عليين وإنهم في أسفل سافلين { والله ~~يرزق من يشآء } [البقرة: 212]، من درجات أعلا عليين ودركات أسفل ~~سافلين { بغير ms0199 حساب } [البقرة: 212]، بغير نهاية أبد الآباد فإن ~~ما لا نهاية له لا يدخل تحت الحساب، وفيه معنى آخر بغير حساب يعني ما ~~يرزق العبد في الدنيا فلحرامها عذاب ولحلالها حساب وما يرزق في الآخرة من ~~النعيم المقيم فبغير عذاب وبغير حساب. # ثم أخبر عن حال الخلق في البداية وإن العناية في الهداية بقوله تعالى: { ~~كان الناس أمة وحدة } [البقرة: 213]، والإشارة فيها أنه ~~كان الخلق في بدء الأمر على الفطرة التي فطر الناس عليها أمة واحدة حين ~~أشهدهم على أنفسهم # ألست بربكم # [الأعراف: 172]، قالوا: { بلى } إن ولدوا على الفطرة لقوله: صلى الله ~~عليه وسلم # " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " # ما قال: أو يسلمانه؛ فلمعنيين: أحدهما: أن الكفر يحصل بالتقليد ولكن ~~الإيمان الحقيقي لا يحصل بالتقليد. # والثاني: أن الأبوين الأصليين الأنجم والعناصر، فعلى التقديرين الولد ~~بتربية الآباء والأمهات يضل عن سبيل الله ويزل قدمه عن الصراط المستقيم؛ ~~التوحيد والمعرفة، ولو كان نبيا فإنه يحتاج إلى هاد يهديه إلى الحق كما ~~قال تعالى لنبينا: صلى الله عليه وسلم # ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى: 7] { فبعث الله النبيين } [البقرة: 213]، للهداية ~~{ مبشرين } [البقرة: 213]، مجيبي الدعوة إلى الله بالنجاة، ونيل ~~الدرجات في مقام القربة والوصلة { ومنذرين } [البقرة: 213]، مخالفي ~~الدعوة من الويل والهلاك في الدركات بالفرقة والقطيعة { وأنزل ~~معهم الكتب بالحق } [البقرة: 213]، إشارة إلى كتاب الله ~~الذي جف القلم لكل واحد بالسعادة أو الشقاوة، كما قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما منكم من أحد وما من نفس منفوسة إلا ~~كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت ~~شقية أو سعيدة، قال رجل: يا رسول الله أفلا ~~نتكل على كتابنا وندع العمل فمن كان منا من ~~أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن ~~كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل ~~الشقاوة، قال: أما أهل السعادة فييسرون ~~لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة ~~فييسرون لعمل أهل الشقاء " # تلا هذه الآية: # فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * ~~فسنيسره لليسرى # [الليل: 5-7]، { ليحكم بين الناس ms0200 } [البقرة: 213]؛ أي: هذا ~~الكتاب { فيما اختلفوا } [البقرة: 213]، أهل السعادة { فيه } ~~[البقرة: 213]؛ في طلب ما كتب لهم واختلف أهل الشقاوة فيما كتب لهم، وكل ~~ميسر لما خلق له بحكم الكتاب { وما اختلف فيه إلا الذين ~~أوتوه } [البقرة: 213]؛ يعني: وما اختلف كل فريق من الفريقين في طلب ~~السعادة والشقاوة إلا وقد أوتوا السعادة أو الشقاوة في حكم الله وقضائه، ~~ولكنه ما حصلت السعادة والشقاوة للفريقين إلا { من بعد ما ~~جآءتهم البينت } [البقرة: 213]؛ يعني: بالبينات معاملات أهل ~~السعادة، وأهل الشقاوة فإنها تبين السعيد من الشقي والشقي من السعيد؛ ~~فأما الشقي يسعى في ضلالته التي أورثها الآباء والأمهات وردته في ذيل ~~أسفل الطبيعة الإنسانية، فيعامل الله والخلق بالشرك والظلم والفجور ~~والحسد، كما قال تعالى: { بغيا بينهم } [البقرة: 213]، فيستحق ~~بذلك دركات الشقاوة، وأما السعيد فبجذبات العناية يتمسك بحبل الهداية، ~~ويرقى بقدم صدق الطلب قوة الإيمان، وسعي الأعمال الصالحة من حضيض البشرية ~~إلى ذروة العبودية ودرجات مقامات القربة والوصلة، كما قال تعالى: { ~~فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من ~~الحق } [البقرة: 213]؛ أي: إلى ما اختلف فيه كل فريق من أهل السعادة ~~والشقاوة في البداية من الوصول إلى الحق سبحانه فأهل العناية وصلوا إليه ~~بهدايته { بإذنه والله يهدي من يشآء إلى صرط ~~مستقيم } [البقرة: 213]؛ أي: إلى الله كما قال تعالى: # ويهدي إليه من أناب # [الرعد: 27]. # ثم أخبر عن أحوال الأولياء، وأن لا بد لهم من البلاء والابتلاء بقوله ~~تعالى: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } [البقرة: 214]، ~~والإشارة فيها أن الله تعالى خلق الجنة وصفها بالمصاعب والمصائب، وخلق ~~النار وصفها بالشهوات والرغائب، وابتلى الأولين بفنون مقامات الشدائد ~~والمحن، كما قال تعالى: # وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير # [آل عمران: 146]، ثم نادى الآخرين: { أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ~~مستهم البأسآء والضرآء وزلزلوا } [البقرة: 214]؛ ~~يعني: ما لم يمسكم البأساء والضراء مثل ما مسهم لم يرجعوا بالاضطرار إلى ~~رحمة الرحيم { حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه ~~متى نصر الله } [البقرة: 214]، ويقول الله تبارك ms0201 الله وتعالى ~~للمضطرين { ألا إن نصر الله قريب } [البقرة: 214]، على هذا ~~أدرج الأولون والآخرون أي: سلوك طريق الولاء بقدم البلاء فمن كان نصره ~~أعلى في مراتب قربة المولى فبلاؤه أقوى، وهو بالبلاء أولى فمن ظن غير ~~ذلك؛ فهو في تيه الهوى هالك مردود من باب المالك. ### || [2.215-220] # ثم أخبر عن سؤالهم في إنفاق أموالهم بقوله تعالى: { يسألونك ~~ماذا ينفقون } [البقرة: 215]، والإشارة فيها: أن سؤالهم ماذا ~~ينفقون من جنس الأدب لأهل الطلب لكيلا يتصرفوا في شيء من أموالهم، ~~ويغيروا حالا من أحوالهم بالهوى والطبع؛ بل بالأمر والشرع يوجب الرفعة ~~والقربة، فليس للعبد تحرك إلا بإذن مولاه، ولا سكون إلا على وفق رضاه؛ ~~لأن العبودية الوقوف حيث ما أوقفك الأمر والصرف أينما صرفك الحق؛ فأجاب ~~الله تعالى سؤالهم بقوله: { قل مآ أنفقتم من خير } ~~[البقرة: 215]، دنياوي وأخروي من مال وجاه علم، وأمر بالمعروف ونهى عن ~~المنكر، فأبدوا { فللوالدين والأقربين } [البقرة: 215]. # كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، # وأنذر عشيرتك الأقربين # [الشعراء: 214]، وقال صلى الله عليه وسلم: # " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " # على ترتيب الأمر { واليتامى والمساكين وابن السبيل } ~~[البقرة: 215]، ثم جعل الخير عاما، وقال تعالى: { وما تفعلوا ~~من خير } [البقرة: 215] يعني: من أي نوع من أنواع الخيرات مع كل ذي ~~روح كما قال: صلى الله عليه وسلم # " في كل كبد حراء أجر " # ، { فإن الله به عليم } [البقرة: 215] أي: بالخير الذي ~~تفعلون وبمن معه تفعلون، وبأي اعتقاد ونيته؛ بالحق أو بالباطل، بالرياء ~~أو بالإخلاص، بالطبع أو بالشرع، بالهوى أو بالله، والله عليم ومجازيكم ~~عليه بقدرات استحقاقكم. # ثم أخبر عن فرض القتال بقوله تعالى: { كتب عليكم القتال ~~وهو كره لكم } [البقرة: 216]، والإشارة فيها: أن قتال النفس ~~وجهادها في الله أمر لازم حق واجب بقوله تعالى: # وجاهدوا في الله حق جهاده # [الحج: 78]؛ ولكنه للطبع فيه كراهة عظيمة، وحقيقة الجهاد رفع الوجود ~~المجازي، فإنه الحجاب بين العبد والرب كما قيل: وجودك ذنب لا يقاس به ~~ذنب، وكما قال ابن منصور رحمه الله: بيني وبينك أني يزاحمني ms0202 فارفع بجودك ~~أني من البين { وعسى أن تكرهوا شيئا } [البقرة: 216]؛ يعني: ~~تكره النفس رفع وجودها { وهو خير لكم } [البقرة: 216] أي: خير ~~للنفس بأن تتبدل أوصاف الوجود الحقيقي { وعسى أن تحبوا شيئا ~~} [البقرة: 216]، وهو تمتعات النفس البهيمية باللذات الجسمانية { وهو ~~شر لكم } [البقرة: 216]؛ أي: شر للنفس بحرمانها عن السعادة ~~الأبدية، واللذات الروحانية، وذوق المواهب الربانية { والله يعلم ~~} [البقرة: 216]، أن في كراهة النفوس ما أودع من راحة القلوب، وفي قتلها ~~ما قدر من الحياة { وأنتم لا تعلمون } [البقرة: 216]، أن حياة ~~القلوب في موت النفوس، وفي حياة النفوس موت القلوب، كما قال: # أقتلوني يا ثقاتي # إن في قتلي حياتي # ثم أخبر عن السؤال عن الشهر الحرام، وفيه القتال بقوله تعالى: { ~~يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } [البقرة: 217] ~~الآيتين والإشارة فيهما أن المعاصي بعضها أكبر من بعض، أن سوء الأدب على ~~الباب لا يوجب على البساط يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه { قل ~~قتال فيه كبير } [البقرة: 217] أي: ذنب كبير؛ لأن فيه ترك حرمة ~~الشهر ولكن { وصد عن سبيل الله وكفر به } [البقرة: ~~217]، وترك حرمة { والمسجد الحرام } [البقرة: 217]، وحرمة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وإخراجه من مكة أكبر من ذلك؛ لأن ترك حرمة ~~الشهر زلة النفس والصد عن سبيل الله والكفر بالله وإخراج النبي صلى الله ~~عليه وسلم كفر، فمؤاخذة النفوس الكافرة على الزلات بالعقوبة المؤجلة وهي ~~الافتراق بعد الاختراق وزلات المؤمنين وسيأتيهم تبدل حسنات عند التوبة ~~والاستغفار والأعمال الصالحة { والفتنة } [البقرة: 217]، التي ~~يشرونها بطريق القتال والخداع أهل الكفر حتى يردوكم بها عن دينكم إن ~~استطاعوا أكبر وأعظم عند الله { من القتل } [البقرة: 217]، شرك في ~~الشهر الحرام { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم ~~عن دينكم إن استطاعوا } [البقرة: 217]، فإنه { ومن ~~يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك ~~حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } [البقرة: 217]، ~~ويؤاخذ الله أهل هذه الفتنة بهما كما يؤاخذهم بكفرهم { وأولئك } ~~[البقرة: 217]؛ يعني: أهل الفتنة: { أصحاب النار هم فيها ~~خالدون } [البقرة: 217]، لأنهم كفروا وأثاروا الفتنة لارتداد ~~المؤمنين حتى يردوهم عن دينهم إن ms0203 استطاعوا وما استطاعوا ولكن يؤاخذون ~~بالسعي في الترديد # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف ~~يرى # [النجم: 39-40]، وأما الذين كانوا أهل الفتنة يسعون في ترديدهم أدركتهم ~~العناية الأزلية بدفع البلية وبدل خوفهم بالرجاء وجفاءهم بالوفاء وأنزل ~~فيهم { إن الذين ءامنوا والذين هاجروا } [البقرة: ~~218]، أي: مع أنهم آمنوا هاجروا عن أوطانهم { وجهدوا } [البقرة: ~~218]، بأبدانهم { في سبيل الله أولئك يرجون رحمت ~~الله } [البقرة: 218]؛ يعني: أولئك هم المستحقون لرحمة الله { ~~والله غفور } [البقرة: 218]، يغفر ذنب قتالهم في الشهر، أم { ~~رحيم } [البقرة: 218]، يرحم عليهم إذا هاجروا وجاهدوا في سبيل الله. # ثم أخبر عن أهل مراعاة الأمر وسؤالهم عن الخمر بقوله: { يسألونك ~~عن الخمر والميسر قل فيهمآ } [البقرة: 219]، والإشارة ~~فيها أن الخمر الظاهر كما يتخذ من أجناس مختلفة كالعنب والتمر والعسل ~~والحنطة والشعير وغير ذلك فكذلك خمر الباطن من أجناس مختلفة كالغفلة ~~والشهوة والهوى وحب الدنيا وأمثالها، وهذا الخمور تسكر النفوس والعقول ~~الإنسانية وفيها { إثم كبير } [البقرة: 219]، ولهذا كل مسكر حرام، ~~وما يسكر كثيره فقليله حرام، ومنها ما يسكر القلوب والأرواح والأسرار وهو ~~شراب الواردات وأقداح المشاهدات من ساقي تجلي الصفات، فإذا أدارت الكئوس ~~انخمدت النفوس، وتسكر القلوب بالمواجيد عن المواعيد، والأرواح بالشهود عن ~~الوجود، والأسرار بلحظ الجمال عن ملاحظة الكمال، فهذا شراب حل { ~~ومنفع للناس } [البقرة: 219]، قال قائلهم: # فتهجرك من لفظي هو الوصل كله # وسكرك من لحظي فسح لك الشرب # فما مل ساقينا وما مل شارب # غفار لحاط كأسها يسكر اللب # فالعجب كل العجب أن قوما أسكرهم الشراب، وقوما أسكرهم شهود الساقي ~~كقولهم: # فأسكر القوم دور كأس # وكان سكري من المدير # وإثم الإعراض عن كئوس الوصال في النهاية أكبر من نفع الطلب ألف سنة في ~~البداية، وكما أن السكران ممنوع من الصلاة فسكران الغفلة والهوى ممنوع عن ~~المواصلات، وأما إثم الميسر فهي إن آثار القمار هي شعار أكثر أهل الديار ~~في سلوك طريق الحيل والخداع بالفعل والكذب والفحش في المقال، وإنه كبير ~~عند الأخيار بعيد عن خصال الأبرار، وأما نفعه فعدم ms0204 التفات إلى الكونين، ~~وبذل نقوش العالمين في فروانية نقش الكعبتين: { وإثمهمآ أكبر ~~من نفعهما } [البقرة: 219] لأن إثمهما للعوام ونفعهما للخواص ~~وقليل ما هم { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } ~~[البقرة: 219]، وهو ما يعطيه المرء ويعفو أثره عن قلبه عند الإنفاق يعني: ~~يطيب القلب لأن أصل العفو المحو والطمس يدل عليه قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " أفضل الصدقة ما كان عن ظهر عنى " # وقال: ليس الغنى عن كثرة الغرض، ولكن الغني غنى النفس، وفيه معنى آخر ~~قيل: العفو التجاوز عن الذنوب وترك العقاب، والذي يدل عليه قوله صلى الله ~~عليه وسلم في تأويل قوله تعالى: # خذ العفو # [الأعراف: 199]، قال وعفوك عن ظلمك وقال تعالى: # وأن تعفوا أقرب للتقوى # [البقرة: 237]، وقيل العفو ما فضل عن حاجتك، وهذا للخواص أن يخرجها عن ~~فاضل أموالهم عن قدر كفايتهم، فأما خاص الخاص فطريقهم الإيثار وهو أن ~~يؤثر غيره على نفسه وبه فاقة إلى ما يخرج وإن كان صاحب الذي يؤثر به غني ~~{ كذلك يبين الله لكم الأيت } [البقرة: 219]، في هذه ~~السؤالات { لعلكم تتفكرون } [البقرة: 219]، في أحوالكم ~~وحاصل أموالكم # في الدنيا والآخرة # [آل عمران: 22]، فستعلمون أن ما عندكم ينفد وما عند الله باق { ~~ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير } ~~[البقرة: 220]، تأديب وتعليم وبذل النصح لهم من إصلاح ما لهم ولكم في ذلك ~~أيضا خير وثواب وأجر عند الله { وإن تخالطوهم } ، في المعاملة ~~والمجالسة والمكالمة { فإخوانكم } ، فكونوا معهم كما تكونون مع ~~إخوانكم في الصبر على الاحتمال عنهم عند الإرشاد والنصيحة والشفقة عليهم ~~بكل حال من غير سآمة وملالة { والله يعلم المفسد } [البقرة: ~~220]، في الإفساد والفساد { من المصلح } [البقرة: 220]، في ~~الإصلاح فيعامل كلا على سواكن قلبه من المقصود لا على ظواهر كسبهم من ~~جميع الفنون { ولو شآء الله لأعنتكم إن الله عزيز ~~} [البقرة: 220]، يعز بعزته من يشاء ويذل من يشاء { حكيم } [البقرة: ~~220]، يحكم بحكمه ما يشاء. ### || [2.221-227] # ثم أخبر عن نهج نكاح المشركات لعزة المؤمنات لقوله تعالى: { ولا ~~تنكحوا المشركات حتى يؤمن } [البقرة: 221]، والإشارة ~~أن صلة رحم الدين ms0205 والتمسك بعصمة المسلمين خير من صلة حبل الكفر والتمسك ~~بعصم الكوافر، وإن كان فيه ما يعجبكم من مستحسنات للهوى والمشتهيات ~~النفس، فإنها تدعو إلى النار لأنه حفت النار بالشهوات وترك ما يعجبكم به ~~لامتثال أوامر الله تعالى، وإن لكم فيه كراهة { والله يدعوا ~~إلى الجنة والمغفرة بإذنه } [البقرة: 221]؛ لأن الجنة ~~حفت بالمكاره: { ويبين آياته للناس } [البقرة: 221]، أن ~~يظهر في كل شيء آثار ألطافه مع عباده الناسين عهد الميثاق وما شاهدوا من ~~ألطافه وعاينوا بلا واسطة: { لعلهم يتذكرون } [البقرة: ~~221]، ما شاهدوا ويشتاقون إلى ما عاينوا أو لا يغترون بقليل فان عن كثير ~~باق. # ثم أخبر عن سؤالهم عن المحيض وجواب مقالهم بقوله تعالى: { ~~ويسألونك عن المحيض قل هو أذى } [البقرة: 222]. # والإشارة فيها أن لله تعالى أحكاما موجبات للنقائص وليس فيها للعبد ~~اختيارا ولا كسب، ولله فيها أسرار عجيبة وألطاف خفية، فمن ذلك كتب الله ~~تعالى على بنات آدم من المحيض ولله فيه امتحان وابتلاء مع الرجال ~~والنساء، كما قال تعالى: { قل هو أذى } ثم امتحن الرجال بالاعتزال ~~عن النساء، فقال تعالى: { فاعتزلوا النسآء في المحيض } ~~[البقرة: 222]، وجعل التباعد عنهن في أيام الحيض تقربا إليه، وقال ~~تعالى: { ولا تقربوهن حتى يطهرن } [البقرة: 222]، ثم ~~جعل التقرب إليهن على شرائط الأمر ومجانبة الطبع موجبا للمحبة والوصلة، ~~وقال تعالى: { فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم ~~الله إن الله يحب التوابين } [البقرة: 222]، عن ~~موافقة الطبع { ويحب المتطهرين } [البقرة: 222]، عن مخالفة ~~الشرع وجعل اعتزال النساء وبعدهن عن الأزواج موجبا للقربة، وإن كان في ~~الظاهر موجبا للعبد عن مقام المناجاة لأنهن منعن عن صورة المناجاة، وهي ~~مداومة الذكر ومراقبة القلوب وقال تعالى: # " أنا جليس من ذكرني " # وجعل تطهرهن ومحافظة أنفسهن عن إتيان المنهي موجبا للمحبة والوصلة، ~~وقال تعالى: { إن الله يحب التوابين } [البقرة: 222]؛ ~~أي: محافظي النفس عن المنهيات ويحب المتطهرين أي: مربي النفس بالمأمورات، ~~فكما أن للنساء محيضا في الظاهر، وهو سبب نقصان إيمانهن عن الصلاة ~~والصيام، فكذلك للرجال محيض في الباطن هو سبب نقصان إيمانهم عن حقيقة ms0206 ~~الصلاة هي المناجاة وعن حقيقة الصيام، وهو الإمساك عن مشتهيات النفوس، ~~وهو هوى النفس كما أن المحيض هو سيلان الدم عن الفرج، فكذلك الهوى هو ~~غلبات دواعي الصفات البشرية والحاجات الإنسانية فكلما غلب الهوى تكدر ~~الصفاء، وحصل الأذى وقيل: قطرة من الهوى تكدر بحرا من الصفا، فحينئذ ~~غلبة منعت النفس عن الصلاة والصوم في الحقيقة، وإن كانت مشغولة بها في ~~الصورة فأذى الحيض الصوري إن الحائض ممنوعة عن القربات بالصورة لا ~~بالمعنى، وأذى الحيض المعنوي أن الحائض ممنوع عن القربات بالمعنى لا ~~بالصورة إذا نودي قلوب الرجال من سرادقات الجلال، فاعتزلوا النساء النفوس ~~في المحيض غلبات الهوى حتى يطهرن أن يفرغن من قضاء الحوائج الضرورية ~~للإنسان من المأكول والمشروب والمنكوح وغير ذلك، فإذا تطهرن بماء التوبة ~~والاستغفار والإنابة رجعن إلى الحضرة في طلب القربة فأتوهن بالتصرف فيهن ~~من حيث أمركم الله يعني: عند ظهور شواهد الحق بزهوق باطل النفس واضمحلال ~~هواها، إن الله يحب التوابين عن أوصاف الوجود، ويحب المتطهرين بأخلاق ~~المعبود بل يحب التوابين عن بقاء الشهود. # ثم أخبر عن حال النساء وحرث الأولياء بقوله تعالى: { نسآؤكم حرث ~~لكم } [البقرة: 223]، والإشارة فيها أن طبقات الخلق ثلاثة: # العوام والخواص وخاص الخواص. # أما العوام: فلما كانوا أهل الغيبة عن الحقيقة أبيح لهم السكون إلى ~~أشكالهم إذ كان على وصف الحضور يحرم عليهم المساكنة بالإذن وقيل لهم: { ~~نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } ~~[البقرة: 223]. # وأما الخواص: فلما كانوا بوصف الحضور يحرم عليهم المساكنة إلى أمثالهم ~~وقيل لهم: # قل الله ثم ذرهم # [الأنعام: 91] سلكوا بقدم التجريد مسالك التفريد حتى وصلوا إلى كعبة ~~التفريد. # وأما خاص الخواص: فهم الرجال البالغون الواصلون إلى عالم الحقيقة ~~المتصرفون في ما سوى الله تعالى بخلافة الحق فهم رجال الله، وما دون الله ~~نساؤهم فقيل لهم { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم ~~أنى شئتم } [البقرة: 223]، فهم الأنبياء وخواص الأولياء القائمون ~~بالله الداعون إلى الله بإذن الله، وكما أن الدنيا مزرعة الآخرة لقوم فإن ~~الدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها ms0207 أنى شاءوا وكيف شاءوا وما ~~يشاءون إلا إن شاء الله فقد فنيت مشيئتهم في مشيئته فبقيت قدرة تصرفهم ~~بتقويته { وقدموا لأنفسكم } [البقرة: 223]، فيقدمون لأنفسهم ~~لا بأنفسهم بل هو المقدم لما يتقدمون وهو المؤخر لما يؤخرون ثم قال ~~تعالى: { واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه } ~~[البقرة: 223]؛ يعني: خواص الأولياء المتصرفون في حرث الدنيا والآخرة ~~واتقوا الله بالله، وأنكم بلا قوة ولا يحجبكم عنه شيء { وبشر ~~المؤمنين } [البقرة: 223]، بأنهم ملاقوا الله أيضا أن اتقوا الله ~~بالله يعني: مرتبة خواص الأولياء مبشرة للمؤمنين أو تسعوا في طلبها حق ~~سعيها. # ثم أخبر عن إيمان الأيمان بقوله تعالى: { ولا تجعلوا الله ~~عرضة لأيمانكم } [البقرة: 224]، والإشارة فيها أن عظموا الله ~~ونزهوه أن تجعلوه في معرض لك غرض خسيس وحفظ دنيء، وأن تجعلوا ذكره وسيلة ~~لرفع الخيرات وذريعة لجلب المضرات { والله سميع عليم } ~~[البقرة: 224]، يسمع بسمع القبول إذا ذكر بالتعظيم يعلم عظم ذكره في ~~القلوب فيجازيهم على قدر تعظيمهم إياه. # ثم أخبر عن عفوه اللغو وبتجاوزه السهو بقوله تعالى: { لا ~~يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } [البقرة: 225]، ~~والإشارة فيها أن يجري على الظواهر من غير قصد ونية في البواطن ليس له ~~كثير خطر في الخير والشر ولا زيادة أثر، ولو كان له أثر في الخير لما غاب ~~على قوم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وكذلك ما يجري على اللسان ~~بنية القلب بلا فعل الجوارح، ولو كان مؤثرا في القبول لما عاب قوما ~~بقوله تعالى: # كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # [الصف: 3]، ولو كان له أثر في الرد لما وسع على قوله بقوله: { لا ~~يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } [البقرة: 225]، وما عفا عن ~~قوم بقوله تعالى: # إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان # [النحل: 106]، وذلك لأن القلب كالأرض للزراعة والجوارح إلا من كره، ~~وقلبه مطمئن بالإيمان، وذلك لأن القلب كالأرض للزراعة، والجوارح كآلات ~~الحرث، والأعمال والأقوال كالبذر، فالبذر ما لم يقع في الأرض المربية ~~للزراعة لا ينبت، وإن كان في آلة من ms0208 آلات الحراثة، فافهم جدا. # وأما إن كان لما يجري على الظواهر من الخير، وفيه أثر في القلب، ولو كان ~~مثقال ذرة، فإن الله تعالى من كمال فضله وكرمه لا يضيعه، كما قال الله ~~تعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره # [الزلزلة: 7]؛ بل يضاعفه أضعافا مضاعفة حتى يكون القليل كثيرا والصغير ~~عظيما، كقوله تعالى: # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما # [النساء: 40]، وأما إذا كان لما يجري على الظواهر من الشر أدنى أثر في ~~الطلب، فإن الله تعالى من غاية لطفه وإحسانه لا يؤاخذ العبد به؛ بل يحلم ~~عنه ويتوب عليه، ويغفر له كما قال الله: { للذين يؤلون من ~~نسآئهم تربص أربعة أشهر } [البقرة: 226]، الآيتين ~~والإشارة فيهما أن يعلم العبد أن الله تعالى لا يضيع حق أحد من عباده لا ~~على نفسه، ولا على غيره فلما تقاصر لسان الزوجة لكونها أسيرة في يد ~~الزوج، فالله تعالى تولى الأمر بمراعاة حقها، فأمر الزوج بالرجوع إليها ~~أو تسريحها، فإذا كان حق صحبة الإشكال محفوظا عليك حتى لو أخللت به أخذك ~~بحكمة فحق الحق أحق بأن تجب مراعاته { فإن فآءو } [البقرة: 226]، ~~ارجعوا عن تضييع حقوقه إلى إحياء ما أماتوا واستدركوا ما ضيعوا { فإن ~~الله غفور } [البقرة: 226]، يغفر بالتوبة والإناية ما صدر منهم { ~~رحيم } [البقرة: 226]، يرحم عليهم بتدارك ما فات لهم، وفي تعين تربص ~~أربعة أشهر، في الفيء إشارة عجيبة، وهي أنها مدة تعلق الروح بالجنين كما ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " أن الله خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما ما نطفة ثم يكون علقة مثل ~~ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم بعث الملك بأربع كلمات يقول: اكتب رزقه ~~وعمله وأجله وشقيا أم سعيدا ثم نفخ فيه الروح " # ، فمن وقع له من أهل القصد وقفة أو فترة في أثناء السلوك من دلالة النفس ~~ونفرة الطبع فعلى الشيخ، وعلى الأصحاب أن لا يفارقوه في الحقيقة، وأن ~~يعاونوه بالهمم العلية لاستجلابه، وتربصوا أربعة أشهر الرجوع، فإن فاءوا ms0209 ~~إلى صدق الطلب ورعاية حق الصحبة، واستغفر على ما جرى منه، ونفخ فيه روح ~~الإرادة مرة أخرى أقبلوا عليه، ويعفون عما لديه فإن هذا ربيع لا يرعاه ~~إلا المهزولون، وربع لا يسكنه إلا المعزولون ومنهل لا يرده إلا اللاهون، ~~وباب لا يقرعه إلا الماكثون بل هذا شراب لا يذوقه إلى العارفون وغناء لا ~~يطرب عليه إلا العاشقون { وإن عزموا } [البقرة: 227] بعد مضي ~~أربعة أشهر: { الطلاق } [البقرة: 227]، طلاق منكوحة المواصلة، وأصروا ~~على ذنب المفارقة فلهم التمسك بعروة # هذا فراق بيني وبينك # [الكهف: 78] { فإن الله سميع } [البقرة: 227]، بمقالتهم { ~~عليم } [البقرة: 227]، بحالتهم. ### || [2.228-232] # ثم أخبر عن المطلقات، وأحوالهن في العذاب بقوله تعالى: { ~~والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } ~~[البقرة: 228]، والإشارة فيها أن المطلقات أمرن بالعدة وفاء لحق الصحبة، ~~وإن كان الانقطاع من الزوج لا من الزوجة، وأمرن أن يغرن على عزة مقامه ~~بالسرعة، ويصبرن حتى يمضي مقدارا من المدة إلى آخر القصة كلها دلالات ~~على وفاء الربوبية في رعاية حق العبودية، فإن الله تعالى من كمال كرمه ~~يرخي زمام الفضل بالاصطناع، وإن كان من العبد الفضل والانقطاع، ويمهل ~~العبد إلى انقطاع عدة الجفاء لا يعرض عنه سريعا لإقامة شرط الوفاء لعل ~~العبد في مدة العدة يتنبه من نوم الغفلة وتتحرك داعيته في ضمير قلبه من ~~نتائج محبته ربه إذ لم تكن له. { ولا يحل لهن أن يكتمن ~~ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله ~~واليوم الآخر } [البقرة: 228]، لا يكتم ما خلق الله في رحم قلبه ~~من المحبة، وإن ابتلاه بمحنة الفرقة؛ فيقرع بإصبع الندامة باب التوبة، ~~ويقوم على قدم الغرامة في طلب الرجعة والأوبة، فيقال من كمال الفضل ~~والنوال: يا قارع الباب دع نفسك وتعال من طال منا فلاحا فليلزم عتبتنا ~~مساء وصباحا { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن ~~أرادوا إصلاحا } [البقرة: 228]، وفي قوله تعالى: { ولهن ~~مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن ~~درجة } [البقرة: 228]، إشارة إلى أن للعباد حقا في ذمة كرم الربوبية ~~كما أن لله حقا في ذمة عباده فمهما راعى ms0210 العبد حق الربوبية بتقربه إليه ~~شبرا، فالله أحق أن يراعي العبودية فيتقرب إليه ذراعا، ولله عز وجل في ~~رعاية حق العباد درجة عليهم ورعايتهم حق الله تعالى؛ لأنهم راعون حقه على ~~عجزهم وضعف حالهم، وتغير أحوالهم، والله تبارك وتعالى يراعي حقوقهم على ~~قدر كماله وعظمته وجلاله وسعة فضله ونواله، وقال تبارك وتعالى: # " إن أتاني يمشي أتيته هرولة " # ، قال الله تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26] أي: أحسنوا برعاية حق الربوبية في العبودية، فلهم الحسنى ~~بنعيم الجنان لرعاية حق عبوديتهم من كرم الربوبية، ولهم مزيدا لفضل ~~الألوهية بزيادة الرؤية توفية لحقوق عباده، كما قال معاذ بن جبل رضي ~~الله عنه كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # " هل تدري يا معاذ ما حق الله على الناس؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم، ~~قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري يا معاذ ما حق ~~الناس على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق ~~الناس على الله أن لا يعذبهم " # أي: بذل الحجاب، فإن الكفار معذبون بذل الحجاب لقوله تعالى: # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين: 15] { والله عزيز } [البقرة: 228]، أعز من أن يراعي ~~العباد مع عجزهم وضعفهم كجمال حقوق ربوبيته { حكيم } [البقرة: 228]، ~~لا يقتضي أن يطالبهم بما لا يسع في وسعهم وطاقتهم بل بحكمته يقبل منهم ~~القليل، ويوفيهم الثواب الجزيل. # وأخبر عن حل الطلاق، واختيار الفراق بقوله تعالى: { الطلق ~~مرتان } [البقرة: 229]، والإشارة فيها أن أهل الصحبة لا يفارقون ~~بجرمة واحدة صدرت من الرفيق الشقيق والصديق الصدوق ولا بجرمتين؛ بل ~~يتجاوزون مرة أو مرتين، وفي الثالثة { فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسن } [البقرة: 229]، إما صحبة جميلة أو فرقة جميلة ~~كما تجاوز خضر عن موسى - عليهما السلام - مرتين وفي الثالثة قال: # هذا فراق بيني وبينك # [الكهف: 78]، فأما الصحبة من غير تعظيم وحرقة، وإذهاب لذات العمر ~~بالأخلاق الذميمة، وإضاعة الوقت في تحصيل المقت فغير مرضي في الطريق، ولا ~~محمود في الشريعة؛ بل قاطع طريق الحق، وفي قوله تعالى: ms0211 { ولا يحل ~~لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا } [البقرة: 229]، ~~إشارة إلى أن ليس لأهل الصحبة إذا اتفقت المفارقة أن يستردوا خواطرهم عن ~~الرفقاء بالكلية، ويقطعوا رحم الأخوة والدين، ويأخذوا عنهم قلوبهم بعد ما ~~آتوهم الهمم العلية، فإن العائد في هيبة كالعائد في ميسرة: { إلا أن ~~يخافآ ألا يقيما حدود الله } [البقرة: 229]، في رعاية ~~الصحبة { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله } [البقرة: ~~229]، بأن تؤدي إلى مداهنة، أو إهمال في حق من حقوق الدين { فلا ~~جناح عليهما فيما افتدت به } [البقرة: 229]، من الحظوظ ~~لرعاية الحقوق { تلك حدود الله } [البقرة: 229]، من الحظوظ ~~والحقوق { فلا تعتدوها } [البقرة: 229]، بترك الحقوق لنيل الحظوظ ~~{ ومن يتعد حدود الله } [البقرة: 229]، في تلك الحقوق { ~~فأولئك هم الظلمون } [البقرة: 229]؛ أي: الواضعون ~~أرواحهم في وضع الحظوظ موضع الحقوق. # ثم أخبر عن تمام الفراق بتثليث الطلاق بقوله تعالى: { فإن طلقها ~~فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } ~~[البقرة: 230]، والإشارة فيها أن أهل الصحبة لما تجاوزوا عن زلة الإخوان ~~مرة ومرتين، ثم في الثالثة أن يسلكوا طريق الهجران، وخرجوا عن مناصحة ~~الإخوان فلا يحل للإخوان أن يواصلوا الخوان حتى يصاحب الخائن صديقا ~~مثله، فإن ندم من أجل ذلك عن أفعاله وسلم عن ذلك الصديق وأمثاله، وترك ~~صحبته وخرج عن خصاله، ورجع إلى صحبة إخوانه وأشكاله { فلا جناح ~~عليهمآ أن يتراجعآ إن ظنآ أن يقيما حدود الله } ~~[البقرة: 230]، شرائط العبودية والصحبة في الله، وتلك حدود الله طريق ~~قربات الله للسائرين إلى الله بالتصريح والتعريض والعبارات والإشارات، ~~وفي الآية أيضا إشارة إلى أن الله تعالى يتجاوز عن زلات العبد مرة بعد ~~أخرى، ويعفو عن سيئاته تارة بعد أخرى، فإن استمر العبد على أخطاءه ودوام ~~على جفائه، فالله تعالى يبليه بالخذلان، ويجعله قرين الشيطان كما قال ~~الله تعالى: # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين # [الزخرف: 36]، فإن طلق قرين الشيطان، ورجع بالإنابة إلى باب الرحمن ~~يخرجه بفضله وكرمه من الخذلان، ويتداركه بالغفران والرضوان، ويهديه إلى ~~درجات الجنان، ويجعله من أهل ms0212 القربات والعرفان كما قال تعالى: # هل جزآء الإحسان إلا الإحسان # [الرحمن: 60]. # ثم أخبر عن إمساك المطلقين قبل انقضاء العدة بمعروف، أو تسريح بإحسان ~~بقوله تعالى: { وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن ~~فأمسكوهن بمعروف } [البقرة: 231]، والإشارة فيها أن الأذية ~~في المصادرة ليست من الإسلام، ولا من آثار الإيمان، ولا من شعار المسلمين ~~عموما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " المؤمن من آمن الناس، والمسلمون من سلم المسلمون من لسانه ويده " # ، ويتضمن حسن المعاشرة مع الخلق جميعا. # فأما معاشرة الزوجين ففيها خصوصية بالأمر بحسن المعاشرة معهن، وترك ~~أذيتهن والمغالظة معهن على وجه الجناح، فإما تخلية السبيل من غير جفاء، ~~أو قيام بحق الصحبة على شرائط الوفاء فلا اعتداء { ومن يفعل ذلك ~~} [البقرة: 231]، أي: من الأذية والمضارة والاعتداء بالجفاء { فقد ~~ظلم نفسه } [البقرة: 231]، وهو يحسب أنه ظلم غيره؛ لأن الله تعالى ~~يجازي الظالم والمظلوم يوم القيامة بأن يكافئ المظلوم من حسنات الظالم، ~~ويجازي الظالم من سيئات المظلوم، وفيه معنى آخر، وهو أن الظالم إذا أساء ~~إلى غيره؛ فصارت نفسه ميتة، وإذا أحسن صارت نفسه محسنة، فترجع إساءة ~~الظالم إلى نفسه لا إلى نفس غيره حقيقة، فإنه ظالم نفسه لا غيره؛ ولهذا ~~قال الله تعالى: # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها # [الإسراء: 7]، { ولا تتخذوا آيات الله هزوا } [البقرة: ~~231]، أي: تلاوة ظاهرة من غير تدبر معانيها، وتفهم إشاراتها، وتحقيق ~~أسرارها، وتتبع حقائقها، والتنور بأنوارها، والاتعاظ بمواعظها، وحكمها ~~يدل على هذا سياق الآية { واذكروا نعمت الله عليكم ~~ومآ أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم ~~به } [البقرة: 231]، يعني ما سبق ذكره من دلالات القرآن { واتقوا ~~الله } [البقرة: 231]، في تضييع هذه المعاني، والتغافل عنها { ~~واعلموا أن الله بكل شيء عليم } [البقرة: 231]، ~~تعلمون من هذه الحكمة، وتتركونه بما تفهمون منه وتعلمون { عليم } ~~[البقرة: 231]، بجميعه، وهو أنعم به عليكم، وعلمكم كما قال تعالى: # وعلم ءادم الأسمآء كلها # [البقرة: 31]. # ثم أخبر عمن يتعظ بمواعظ في المطلقات لا يؤذيهن بالمضرات بقوله تعالى: { ~~وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فلا ~~تعضلوهن } [البقرة: 232]، والإشارة ms0213 فيها أنها وإن تضمنت نهي ~~الأولياء عن مضارتهن، وترك أحكام الجاهلية، والانقياد لحكم الله في تزويج ~~النساء إذا أردن النكاح من دون استشعار الأنفة والحمية الجاهلية، فإنها ~~تضمنت نهي أهل الصحبة عن مقايضة بعضهم بعضا خصوصا لمن أملى بالفرقة، ~~وانقطع عن المعرفة؛ ثم أدركته العناية، وسلكته الهداية بعد أن بلغ أن ~~ينكحن أزواجهن، فبقبح علمه عاد إلى صلة الإخوان بعد انقضاء مدة الهجران، ~~فلا يعضله أحد من الخذلان أن يرجع إلى صحبة الأقران { إذا تراضوا ~~بينهم } [البقرة: 232]، بقية الأخوان { ذلك يوعظ به } ~~[البقرة: 232]، ويزجر بهذا الزواجر { من كان منكم يؤمن ~~بالله واليوم الآخر } [البقرة: 232]، لأن المؤمن ينظر بنور ~~الله يرى أن التعاون على البر والتقوى خير من التعاون على الإثم والعدوان ~~{ ذلكم أزكى لكم } [البقرة: 232]، لنفوسكم من الأخلاق الذميمة ~~{ وأطهر } [البقرة: 232]، لقلوبكم من الأوصاف البشرية { والله ~~يعلم } [البقرة: 232]، ما يضركم، وما ينفعكم، وما يوصلكم، وما يحجبكم ~~{ وأنتم لا تعلمون } [البقرة: 232]. ### || [2.233-238] # ثم أخبر عن أوضاع الوالدات بعد حكم المطلقات بقوله تعالى: { ~~والوالدات يرضعن أولادهن } [البقرة: 233]، والإشارة ~~فيها أنها تدل من أولها إلى آخرها على أصناف ألطافه، وأوصاف إعطائه في ~~الآية، ونعمائه مع عبيده، وأمانه أنه تبارك وتعالى أرحم بهم من الوالدات ~~الشفيقة على ولدها في الحقيقة على أن غاية الرحمة التي يضرب بها المثل ~~رحمة الأمهات، فالله سبحانه وتعالى أمر الأمهات بإكمال الرحمة، وإرضاع ~~المولدات، وقال: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين ~~كاملين } [البقرة: 233]، وفي قطع الرضاع على المولود قبل الحولين، ~~إشارة إلى أن - رحمة الله - للعبد أتم من رحمة الأمهات، ثم رحم على ~~الأمهات المرضعات، وقال الله تعالى: { وعلى المولود له ~~رزقهن وكسوتهن بالمعروف } [البقرة: 233]، ثم اشتملت ~~رحمته بالعدل والنصفة على الأقرباء والضعفة فقال: { لا تكلف نفس ~~إلا وسعها لا تضآر والدة بولدها ولا مولود ~~له بولده } [البقرة: 233]، في الإرضاع، وما يجب عليها من الشفقة ~~والوالد بولده فيما يلزمه من النفقة، ثم أن الله تعالى كما أوجب حق الولد ~~عن الوالدين أوجب حق الوالدين على المولود، وقال: { وعلى الوارث ~~مثل ذلك ms0214 } [البقرة: 233]، وهو المولود؛ ثم أنه تعالى لما علم ضعف ~~الإنسانية، وعجز البشرية خفف عنهم، ورخص في الفطام قبل الحولين ~~والاسترضاع للوالدين، وقال: { فإن أرادا فصالا عن تراض ~~منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن ~~تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا ~~سلمتم مآ آتيتم بالمعروف } [البقرة: 233]، بعد أن راعيتم ~~مصلحة المولود؛ ثم وعدوا وعد كل واحد منهم في رعاية الآخر وإهماله بقوله ~~تعالى: { واتقوا الله واعلموا أن الله بما ~~تعملون } [البقرة: 233]، كلكم في رعاية الحقوق وإهمالها { بصير } ~~[البقرة: 233]، فيجازي المحسن بالإحسان، والمسيء بالإساءة، وهذا أيضا من ~~كمال اللطف والرحمة، واعلم أن الآية مشتملة على تمهيد قواعد الصحبة ~~وتعظيم محاسن الأخلاق في أحكام العشرة؛ بل أنها اشتملت على مسبوغ الرحمة، ~~والشفقة على البرية، فإن من لا يرحم لا يرحم، وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لمن ذكر أنه لم يقبل أولاده: # " إن الله لا ينزع الرحمة إلا من قلب شقي ". # ثم أخبر عن عدة المتوفى عنها زوجها ومدتها وحكمها بعد انقضاء عدتها ~~بقوله تعالى: { والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا } [البقرة: 234]. # والإشارة فيها أن موت المسلم لم يكن فراقا اختياريا للزوج فكانت عدة ~~وفاته أطول، وكذلك العبد الطالب، وإن حال الموت بينه وبين مطلوبه من غير ~~اختياره، فالوفاء بحصول مطلوبه في ذمة كرمه محبوبه كما قال الله تعالى: # ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ~~ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله # [النساء: 100]، ففي هذا التسلية قلوب المريدين؛ لئلا يقطع طريق الطلب ~~وساوس الشيطان وهواجس النفس بأن طلب الحق بأمر عظيم وشأن خطير، وأنت ~~ضعيف، والعمر قصير، فإن منادي الكرم من سرادقات الفضل ينادي # " ألا من طلبني وجدني " # ، فأين الطلاب في طلبي { فإذا بلغن أجلهن } [البقرة: 234]، ~~وانقضت عدة الطلب بمضي مدة العمر { فلا جناح عليكم } [البقرة: ~~234]، يا أهل الإسلام { فيما فعلن في أنفسهن ~~بالمعروف } [البقرة: 234]، في طلب المرام فإن الناقد بصير { ~~والله بما تعملون خبير } [البقرة: 234]، فلا يضيع عمل عامل ~~منكم بالنقير والقطمير، # وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه ms0215 أجرا ~~عظيما # [النساء: 140]. # ثم أخبر عن تعريض الخطبة قبل انقضاء العدة بقوله تعالى: { ولا جناح ~~عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء أو ~~أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ~~ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن ~~تقولوا قولا معروفا } [البقرة: 235]، والإشارة فيها أن الله ~~تعالى من كمال رأفته، وشمول عاطفته يظهر آثار فضله، وكرمه في حق الخاطب ~~والزوجة والمتوفي جميعا؛ ففي حق الخاطب أن رخص له في الخطبة بالتعريض، ~~وإن منعه بالتصريح، كيلا يفوته نكاح مرغوبته بأن يسبقه فيه غيره، وقال ~~تعالى: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من ~~خطبة النسآء } [البقرة: 235]، إلى قوله قولا معروفا، وفي ~~الزوجة بما أجاز للمعرض في خطبتها تسلية لقلبها بأنها تنكح بعد زوجها، ~~ويعوضها الله بدلا خيرا من زوجها أو مثله، وفي المتوفى برعاية حقه بعد ~~وفاته؛ لأن لا يصرخ أحد في خطبته زوجته ولا يغرم عقدة النكاح حتى يتم ~~عدتها في حفظ وفاته، وقال تعالى: { ولا تعزموا عقدة ~~النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله } [البقرة: 235]، ثم ~~قال تعالى: { واعلموا } [البقرة: 235]؛ أي: الرجال والنساء { أن ~~الله يعلم } [البقرة: 235]، بعلمه الأزلي { ما في أنفسكم ~~} [البقرة: 235]، ما قدر من السعادة والشقاوة والرزق والأمل والأجل ~~والعمل وما دبر وما ركب وما عنى وما خلق ما دبر من التسويل، والتعديل ~~وحسن الاستعداد، وفي أحسن تقويم، وما ركب من الروح والقلب والسر والعقل ~~والشهوة والهوى والغضب، وما عنى من خواص مفردات العناصر ومركباتها، ~~وخاصية النباتية والأوصاف الحيوانية والبهيمية والسبعية والشيطانية ~~والأخلاق الملكية والروحانية، وما خلق لحظة فلحظة فيها من الدواعي ~~والخواطر والخير والشر والحركة والسكون والأقوال والأفعال { فاحذروه ~~} [البقرة: 235]، بمراقبة السرائر والضمائر في الباطن وبمحافظة ما أمركم ~~به، وما نهاكم عنه في الظاهر، فاحذروا في البواطن بتزكية النفوس عن ~~المذمومات من الأوصاف، وبتجلية القلوب المحمودات من الأخلاق، وتصفية ~~الأرواح من قطع التعلق بالمكونات، وبتعرض الأسرار لأنوار الجذبات، وفي ~~الظاهر بالاحتراز عن المخالفات، والتزام المتابعة، وإن زالت أقدامكم بزلة ~~من الزلات، وابتليتم من سبق الكتاب بآفة من الآفات، فاعتصموا بحبل ~~التوبة، ms0216 والاستغفار { واعلموا أن الله غفور حليم } ~~[البقرة: 235]، ولولا حلمه لعجل بعقوبة الأسرار، وما أمهل الأخيار في زلة ~~من الزلات إلى أن يتداركها بالتوبة والاستغفار. # ثم أخبر عن أحوال المطلقات، وما لهن من المهور والمطلقات: { لا ~~جناح عليكم إن طلقتم النسآء ما لم تمسوهن ~~أو تفرضوا لهن فريضة } [البقرة: 236]، الآيتين والإشارة ~~فيهما أن مفارقة الأشكال من الأصدقاء والعيال لمصلحة دنيوية؛ إذ لا جناح ~~عليكم فيها فكيف يكون عليكم جناح بأن فارقتموهم لمصلحة دينية؛ بل أنتم ~~مأمورون بمفارقتهم لزيارة بيت الله، فكيف لزيارة الله، فإن الواجب في ~~زيارة بيت الله مفارقة الأهل والأوطان، وفي زيارة الله مفارقة الأرواح ~~والأبدان " دع نفسك وتعال " ، # قل الله ثم ذرهم # [الأنعام: 91] وفي قوله: { ومتعوهن } [البقرة: 236]، إشارة إلى ~~أن من ترك من الطلاب وأهل الإرادة مالا فليمتع به أقرباؤه حين فارقهم في ~~الله سبحانه ليزيل عنهم بحلاوة المال مرارة الفراق، فإن الفطام عن المال ~~صفات الشديد، وتنفيق المال عليهم بقدر قربهم في القرابة وبعدهم؛ بل يقسم ~~بينهم فرائض الله كالميراث، فإنه قد مات عنهم بالحقيقة، وإن هذا { ~~متاعا بالمعروف حقا على المحسنين } [البقرة: 236]، ~~لأن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فالمحسن من لا يكون نظره إلى غير ~~الله وفي قوله تعالى: { وأن تعفوا أقرب للتقوى } ~~[البقرة: 237]، إشارة إلى أن الوصول إلى تقوى الله حق تقاته إنما هو بترك ~~ما سوى الله والتجاوز عنه، فإن المواصلة إلى الخالق على قدر المفارقة عن ~~المخلوق والتقرب إلى الله تعالى بقدر التعبد عما سواه، وفي قوله تعالى: { ~~ولا تنسوا الفضل بينكم } [البقرة: 237]، هاهنا في الدنيا، ~~فإن حلول الجنة ودخولها هناك لا ينال إلا من فضله لقوله الذي أحلنا دار ~~المقامة من فضله { إن الله بما تعملون } [البقرة: 237]، في ~~وجدان الفضل وفقدانه { بصير } [البقرة: 237]. # ثم أخبر عن وجدان الفضل وفقدانه بقوله تعالى: { حافظوا على ~~الصلوت والصلوة الوسطى } [البقرة: 238]، الآيتين ~~والإشارة فيهما أن الله تعالى أشار في حفظ الصلاة بصورة المفاعلة التي ~~بين الاثنين وقال: حافظوا على الصلاة يعني محافظة الصلاة كما قال ms0217 النبي ~~صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: # " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما ~~سأل " # ؛ فمعناه أني أحافظكم بقدر التوفيق والإجابة والقبول والإنابة عليها، ~~فحافظوا أنتم على الصلاة بالصدق والإخلاص والحضور والخشوع والمناجاة ~~بالتذلل والانكسار والاستعانة والاستهداء والسكون والوقار والهيبة ~~والتعظيم وحفظ القلوب بدوام المشهود، فإنما هي الصلاة الوسطى؛ لأن القلب ~~هو الذي في وسط الإنسان ما هو واسطة ين الروح والجسد، ولهذا سمي القلب ~~فالإشارة في تخصيص المحافظة على الصلاة الوسطى هي القلب بدوام الشهود، ~~فإن البدن ساعة يحفظ أركان الصلاة وأبنيتها، وساعة يخرج منها فلا سبيل ~~إلى حفظ صورتها يبعث الدوام ولا إلى حفظ معانيها بوصف الحضور والشهود، ~~وإنما هو من شأن القلب لقوله تعالى: # إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى ~~السمع وهو شهيد # [ق: 37]، فإنه من نعت أرباب القلوب أنهم في صلواتهم دائمون والإشارة ~~إليهم في قوله تعالى: { وقوموا لله قنتين } [البقرة: 238]، ~~رأي لعين الله فانتين أي: طالبين ومعنى الآية في التحقيق أن حافظوا على ~~صورة الصلاة بشرائطها المأمور بها عموما، وحافظوا على معاني الصلاة ~~وحقائقها بدوام شهود القلب للرب في الصلاة بعد الخروج خصوصا { ~~وقوموا لله } أي: اجعلوا القيام إلى الصلاة معراجا في طلب الحق { ~~قنتين } طالبين من الله الوصول إليه لا تسألوا عنه غيره إذا قال: # " ولعبدي ما سأل ". ### || [2.239-242] # وهذا هو الصراط المستقيم، فافهم جدا لكيلا تقع عن الصراط { فإن ~~خفتم } [البقرة: 239]، عن حدة هذا الصراط ووقته وطول مسافته لضعف ~~قلوبكم ولعجز نفوسكم ولغلبات شهواتكم وطلبات صفاتكم فاستعينوا بالله ~~وتوكلوا ولا تيأسوا من روح الله واخرجوا من حولكم وقوتكم فإنه لا حول ولا ~~قوة إلا بالله، ففروا إلى الله { فرجالا } [البقرة: 239]، على قدم ~~العبودية { أو ركبانا } [البقرة: 239]، على نجائب جذبات الربوبية ~~فإنه قال تعالى: # " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا " # ، فلا تخف من طول الصراط واسجد واقترب، ولا تفزع من حدة الصراط ووقته، ~~فإنك محمول العناية: # وحملناهم في البر والبحر # [الإسراء: 70] إشارة إلى ms0218 أنه يحملكم في الصراط فعليكم بالمشي على قدم ~~العبودية في طلب هداية الربوبية { فإذآ أمنتم } [البقرة: 239]، من ~~خوف ضعف البشر ثقة بالألطاف الإلهية: { فاذكروا الله كما ~~علمكم } [البقرة: 239]، في الفاتحة: { ما لم تكونوا ~~تعلمون } [البقرة: 239]، بقوله تعالى: # إياك نعبد وإياك نستعين * اهدنا الصراط ~~المستقيم # [الفاتحة: 5-6]، فإنه يهديك إلى الصراط، ويحملكم عليها كما وعدكم بفضله ~~وكرمه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم قال: # " يقول العبد: الحمد لله رب العالمين يقول الله: حمدني عبدي، ويقول ~~العبد: الرحمن الرحيم يقول الله: أثنى علي عبدي، ويقول العبد: مالك يوم ~~الدين يقول الله: مجدني عبدي، ويقول العبد: إياك نعبد وإياك نستعين هذه ~~الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، ويقول العبد: اهدنا الصراط المستقيم ~~إلى آخر السورة، فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل " # حديث صحيح. # ثم أخبر عن المتوفى عنها زوجها في الجاهلية لما كانت من حسن عهدها مع ~~زوجها أن تحفظ وفاءه بعده بالعدة حولا ولا تخرجه من بيته سنة إظهارا ~~للوفاء، فالعبد المؤمن إذا لم يوف بعهده وأتى بالعاصي في حضرة ربه كل يوم ~~كذا مرة يكون مع ادعاء إيمانه أقل وفاء وأدنى حياء من تلك المرأة مع ~~كونها ونقصان عقلها بكثير، وفيه إشارة أخرى وهي أن الله تعالى لما أمر ~~أولياء الزوج المتوفى بأن يوفوا مع الزوجة المعتدة الموفية مع زوجها ~~بالنفقة والسكنى، فيستحق العبد المؤمن المعاهد لربه صدق قوله تعالى: # ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم ~~الذي بايعتم به # [التوبة: 111]، وتحقيق قوله تعالى: # وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم # [البقرة: 40]. # ثم أكد هذا المعنى بما أخبر عن حال المطلقات وما لهم من المتعات بقوله ~~تعالى: { وللمطلقات متاع بالمعروف } [البقرة: 241]، ~~الآيتين. والإشارة فيهما أن المطلقة لما ابتليت بالفراق، فالله تعالى جبر ~~كسر قلبها بالمتعة يشير بهذا إلى أن المريد الصادق لو ابتلي في أوان طلبه ~~بفراق الأعزة والأقرباء وهجر الأحبة والأصدقاء، والخروج عن مال الدنيا ~~وجاهها والهجرة عن الأوطان وسكانها والتقرب في البلاد لصحبة خواص العباد ~~ومقاسات الشدائد في طلب الفوائد فالله ms0219 تعالى يبدل له إحسانه ويزيل أحزانه ~~ويأخذ بيده ويجبر كسر قلبه بمتعة: # " أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي " # ، فيكون للطالب الملهوف متاعا بالمعروف { كذلك يبين الله } ~~[البقرة: 242] يظهر الله: { لكم آياته } [البقرة: 242]، أصناف ~~ألطافه وأوصاف إعطائه: { لعلكم تعقلون } [البقرة: 242]، ~~بأنوار ألطافه وكمالات أوصافه. ### || [2.243-245] # ثم أخبر عن فضل الجهاد وبالتعريض حث عليها العباد بقوله تعالى: { ألم ~~تر إلى الذين خرجوا من ديرهم وهم ألوف حذر ~~الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحيهم } [البقرة: ~~243]، الآيتين والإشارة فيهما أن قوما لما أمروا بالجهاد في سبيل الله ~~وهو الجهاد الأصغر فجنبوا وخالفوا الأمر وهربوا حذرا من مقاسات شدائد ~~الجهاد، وابتلاهم الله تعالى بموت الأجساد فكيف بقوم أمروا بالجهاد في ~~الله وهو الجهاد الأكبر بقوله تعالى: # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # [العنكبوت: 69]. # ثم أخبر أن نفع جهادهم إلى أنفسهم وقال تعالى: # ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه # [العنكبوت: 6]، فإن جنبوا وخالفوا الأمر وفروا من محل مشقة المجاهدة ~~وأعرضوا عن طلب الحق واتبعوا الهوى واشتغلوا بالشهوات واللذات فلا ~~يبتليهم الله بموت القلب بل ولعمري لو لم يمت قلوبهم ما أعرضوا عن الحق ~~في طلب الباطل وفي قوله تعالى: # إن الله لذو فضل على الناس # [غافر: 61]، والإشارة أن الله تعالى بفضله وكرمه أحيا قلوب المؤمنين ~~بنور الإيمان قال تعالى: # أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس # [الأنعام: 122]، فقليل منهم أقدموا على أداء شكر الإيمان بالقيام في ~~الأوامر والنواهي كما هو الواجب فاستحقوا بذلك المزيد كما قال تعالى: # وقليل من عبادي الشكور # [سبأ: 13]، وأكثرهم كفروا بنعمة الإيمان، وركنوا بالخذلان في مخالفة ~~الرحمن فكذبوا بحرمان الجنان وأغرقوا في بحار العصيان، وفي قوله تعالى: { ~~وقتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع ~~عليم } [البقرة: 244]، إشارة إلى أن إحياء القلوب الميتة مضمر في قتل ~~النفس الأمارة كما قال تعالى: # ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل ~~أحياء ولكن لا تشعرون # [البقرة: 154] يعني: قتلوا أنفسهم ولكن الله أحيى قلوبهم وأرواحهم ~~فقاتلوا في سبيل الله مع ms0220 نفوسكم، فإنها أعدى عدوكم واعلموا أن الله سميع ~~دعائكم وتضرعكم إليه في الاستغاثة به والاستعانة به على قتل نفوسكم ~~وإحياء قلوبكم كما سمع دعاء نبيهم عليه السلام في إحياء قومه عليم بصدق ~~نياتكم وبذل جهدكم في جهادكم فيعينكم على قتل نفوسكم ويحيي بأنوار فضله ~~قلوبكم. # ثم أخبر عن طرق من حقيقة القتال مع النفس بطريق بذل المال بقوله تعالى: ~~{ من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } [البقرة: 245]، ~~والإشارة فيها أن من كمال فضله وكرمه مع عباده أنه خلق أنفسهم ومدهم ~~الأموال ثم اشترى منهم أنفسهم وأموالهم ثم ردها لهم بالعارية، ثم أكرمهم ~~فيها بالاستقراض ثم شرط بأضعاف كثيرة عليها فقال تعالى: { من ذا ~~الذي يقرض الله قرضا حسنا } [البقرة: 245]؛ يعني: يقرض ~~إلى الله لا إلى الفقير ويعطي لله لا للجنة قرضا حسنا فالقرض الحسن ما ~~لا يقصد في عوضه غير الله { فيضعفه له أضعافا كثيرة } ~~[البقرة: 245]؛ يعني: أن العبد لا يطلب إلا على قدره فيعطيه ما هو مطلوبه ~~ما أخفى لهم من قرة أعين أضعافا كثيرة على قدر كرمه فمن يكون له متاع ~~الدنيا بأسرها قليلا، فانظر ما يكون له ثم ما يكون أضعافا كثيرة وقال ~~تعالى: { والله يقبض ويبسط } [البقرة: 245]؛ يعني: هو ~~القابض والباسط هو يقبض الصدقة عن الأغنياء ليطهرهم بها عن أنجاس الدنيا ~~وأدناسها ويبسط على الفقراء لئلا يتقلدوا المنة من الأغنياء ويعظمونهم ~~بقبض؛ لئلا يرى الأغنياء غيره ويبسط لئلا يرى الفقراء غيره بقبض قلوب ~~الأحباء عن الدنيا والآخرة، ويبسط الجود ويقبض الفاني ويبسط الباقي عنك ~~بقاء يفنيه ويبسط به عن باسطيه، وهذا هو معنى: { وإليه ترجعون ~~} [البقرة: 245]. ### || [2.246-248] # ثم أخبر عن قتال أهل المال وجدال أهل الضلال بقوله تعالى: { ألم تر ~~إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى } [البقرة: ~~246] والإشارة فيها أن القوم لما أظهروا خلاف ما أضمروا وزعموا غير ما ~~كتموا أعرض نقد دعواهم على محك معناهم فما أفلحوا عند الامتحان إذ عجزوا ~~عن البرهان وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان: { إذ قالوا لنبي ~~لهم ms0221 ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال ~~هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا } ~~[البقرة: 246]؛ يعني: أنكم هو شمول إذا ادعيتهم دعوى عريضا تصريحا لا ~~تعريضا أن تقاتل في سبيل الله وإن القتال في سبيل الله من شأن الأنبياء ~~وخواص الأولياء وليس من منيع أهل الطباع والهوى فأنا أتوقع إن كتب عليكم ~~القتال أن تقاتلوا فيما ادعيتم كالرجال وتكون أفعالكم دون أقوالكم ~~وأعمالكم { قالوا وما لنآ ألا نقاتل في سبيل الله ~~وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا } [البقرة: 246]، فكان ~~أول مقالهم دعوى إخلاص لله في قتالهم فظهر عن المقصود وأخرجا لهم معنى ~~الذب عن أولادهم وأموالهم، فهذا حال أكثر مدعي الإسلام والإيمان يزعمون ~~يصلي ويصوم ويحج ويزكي ويعمل ويصنع لله وفي الله، فإذا امتحنوا بصدق ~~الجنان وعرضوا النقود على الميزان فيكشف الغطاء ويظهر الخفاء ففي كفتي ~~الميزان يرى ما كان لله، وما كان للهوى فيقال هذا أثر الحياة، فإن الجنة ~~هي المأوى، وهذا لمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي ~~المأوى { فلما كتب عليهم القتال } [البقرة: 246]، تبين ~~الأبطال من البطال واسودت وجوه أصحاب الدعاوي، وابيضت وجوه أرباب ~~المعاني: { تولوا إلا قليلا منهم } [البقرة: 246]، ولا ~~شك أن أهل الحق في كل زمان وإن كان أعز من العتقاء وأعوز من الكيمياء، ~~قال بعضهم: # تعيرنا أنا قليل عديدنا # فقلت لها إن الكرام قليل # وما ضرنا أنا قليل وجارنا # عزير وجار الأكثرين ذليل # وإنما لم ينل المدعون مقصدهم؛ لأنه لم يخلص بالحق لله مقصودهم، ولو أنهم ~~قالوا ما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أمرنا ربنا وأوجب القتال علينا ~~وإنه سيدنا ومولانا، فالله صدق دعواهم وأعطى مناهم وأكرم مثواهم، كما قال ~~قوم من السعداء في أثناء التضرع والبكاء بالنفس الصعداء: # وما لنا لا نؤمن بالله وما جآءنا من الحق ~~ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين # [المائدة: 84]، لا جرم # فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها ~~الأنهار # [المائدة: 85]، # كذلك نجزي الظالمين # [الأنبياء: 29] على قدر ظلمهم # والله عليم ms0222 بالظالمين # [الجمعة: 7]. # ثم أخبر عن إجابة سؤالهم وبعد الإجابة بين مع النبي أحوالهم وأخلاقهم ~~وأفعالهم بقوله تعالى: { وقال لهم نبيهم إن الله قد ~~بعث لكم طالوت ملكا } [البقرة: 247]، والإشارة فيها أن ~~الحكمة الإلهية الأزلية جلت وتجلت جلباب تعاليها عن أن تكون العقول ~~القاصرة الخلقية مدركة لكل معنى من معانيها وأنه ليس العجب في أن العقول ~~البشرية المشوبة بظلمة الهوى والغضب كبني إسرائيل حارت عند سماع قوله: { ~~إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } حتى # قالوا # [القلم: 29]، متحيرين { أنى يكون له الملك علينا ~~ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من ~~المال } [البقرة: 247]، ولكن العجب أن العقول الكاملة المؤيدة ~~بالأنوار القدسية للملائكة المقربين طارت عند استماع خطابه: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة: 30]، حتى قالوا مدهوشين: # قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء ~~ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك # [البقرة: 30]، فالله تعالى أخبرهم عن قصور عقولهم في إدراك حقائق حكمه ~~وقال: # قال إني أعلم ما لا تعلمون # [البقرة: 30]، ثم اصطفى آدم عليه السلام على الملائكة بالعلم والجسم، ~~وقال تعالى: # وعلم ءادم الأسمآء كلها # [البقرة: 31]، وقال تعالى: # إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت ~~فيه من روحي فقعوا له ساجدين # [ص: 71-72]، وكذلك اصطفى طالوت على بني إسرائيل، قال: { إن الله ~~اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ~~والله يؤتي ملكه من يشآء } [البقرة: 247]، أعطى ملك بني ~~إسرائيل لطالوت كما أعطى ملك الخلافة لآدم وإنما حرم بنو إسرائيل عن ~~الملك؛ لأنهم كانوا معجبين بأنفسهم متكبرين على طالوت ناظرين إليه بنظر ~~الحقارة ومن عجبهم قالوا: { نحن أحق بالملك منه } ~~[البقرة: 247]، ومن تكبرهم عليه قالوا: { أنى يكون له الملك ~~علينا } [البقرة: 247] ومن تحقيرهم إياه قالوا: { ولم يؤت ~~سعة من المال } [البقرة: 247] فلما تكبروا وضعهم الله تعالى ~~وحرموا من الملك ولما عرض صمويل على طالوت تواضع لله تعالى، وقال: كيف ~~أستحق الملك وسبطي أدنى أسباط بني إسرائيل، وبيتي أدنى بيوت بني إسرائيل؟ ~~فرفعه الله تعالى وأعطاه الملك وقال: { والله يؤتي ملكه من ~~يشآء } كذلك ms0223 الملائكة إنما حرموا من الخلافة لأنهم كانوا محتجبين بحجب ~~الأنانية والتحتية متفوقين على آدم ناظرين إليه بالحقارة حتى قالوا: # ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك # [البقرة: 30]، وقد أضمروا في هذا القول: ونحن أحق بالخلاف منه وإن لم ~~يظهروا فتفوقوا عليه في حضرته وقالوا: # قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء # [البقرة: 30]، فلما تفوقوا عليه وترفعوا أمرهم بسجوده، ولما جاء جبريل ~~عليه السلام ليقبضه من أديم الأرض وقال له: أحب ربك، فقال: إيش يريد مني؟ ~~عرض عليه الخلافة وقال: يريد أن يجعلك خليفة فتواضع لله تعالى وقال: ما ~~للتراب ورب الأرباب وأقسم على جبريل برب العزة ألا يقبضه وأن يستعفي له ~~من الحضرة، فالله تعالى أكرمه بسجود الملائكة وحمل أعباء الأمانة وأعطاه ~~ملك الخلافة ورفعه على أكناف الملائكة إلى دار المقامة والكرامة وقال: { ~~والله واسع عليم } [البقرة: 247]؛ أي: واسع الرحمة حتى رحمته ~~وسعت كل شيء، ولكنه عليم بمستحقي خلافته وملكه. # ثم أخبر عن آيات استحقاق ملكية طالوت في إتيانه التابوت بقوله تعالى: { ~~وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم ~~التابوت فيه سكينة من ربكم } [البقرة: 248]، والإشارة ~~فيها أن آية تلك الخلافة للعبد أن يظفر بتابوت قلبه فيه سكينة من ربه وهي ~~الطمأنينة بالإيمان والأنس مع الله كقوله تعالى: # وتطمئن قلوبهم # [الرعد: 28]، وقوله تعالى: # ولكن ليطمئن قلبي # [البقرة: 260]؛ أي: بازدياد الإيمان مع الإيمان وهي السكينة لقوله ~~تعالى: # هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ~~ليزدادوا إيمنا مع إيمنهم # [الفتح: 4]، { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون } ~~[البقرة: 248]، وهو عصا الذكر كلمة لا إله إلا الله وهي كلمة التقوى وهي ~~الثعبان الذي إذا قرعت فإنها تلقف سحر عظيم السحرة صفات فرعون النفس، فإن ~~الله جعل سكينة بني إسرائيل تعينهم في تابوت السماء وهو عصا موسى، فقد ~~جعل سكينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته عصا الذكر وكلمته في تابوت ~~القلوب. # كما قال تعالى: # فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين # [الفتح: 26]، وألزمهم كلمة التقوى ثم شرفهم بتخصيص هذه الكرامة على سائر ms0224 ~~الأمم وقال تعالى: # وكانوا أحق بها وأهلها # [الفتح: 26] وإن تابوتهم الذي كانت سكينتهم فيه تتداوله الأيدي من ~~الأعداء وغيرهم فمرة كان يدنس وتارة كان يغلب عليه فيحمل ويوضع على الصنم ~~أما تابوت قلوب المؤمنين خال بين أربابها وبينها ولم يستودعها ملكا ~~مقربا ولا نبيا مرسلا وأودعها بين أصبعي جلاله وجماله كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن " # فشتان بين أمة سكينتهم فيما للأعداء عليهم تسلط وبين أمة سكينتهم فيما ~~ليس للأولياء ولا للأنبياء عليه تسلط وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر " # ، وإن كان في تابوتهم رضاض ألواح كتبت عليه التوراة فالله تعالى كتب في ~~قلوبهم الإيمان، وإن كان في ذلك التابوت بعض التوراة موضوعا ففي تابوت ~~قلوبهم هذه الأمة جميع القرآن محفوظا، وإن كان في تابوت بيوت فيها صور ~~الأنبياء ففي تابوت قلوبهم خلوات لا يسع فيها معهم غير الله كما قال ~~تعالى: # " لا تسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن " # ، فإذا تيسر لطالوت روح الإنساني أن يؤتى تابوت القلوب الرباني فسلم ~~إليه ملك الخلافة وسرير السلطان واستوثق عليه جميع أسباط الإنساني فلا ~~يركن إلى الدنيا الغدارة المكارة بل يتهجر منها ويبرز لقتال جالوت النفس ~~الأمارة { إن في ذلك } [البقرة: 248]، الإشارة { لآية لكم } ~~[البقرة: 248] لنبينها لكم وأعلاما عن أحوالكم: { إن كنتم ~~مؤمنين } [البقرة: 248]، بحقائق القرآن وإشاراته. ### || [2.249-253] # ثم أخبر عن خروج طالوت لقتال جالوت بقوله تعالى: { فلما فصل ~~طالوت بالجنود } [البقرة: 249]، والإشارة فيها: { إن الله ~~} [البقرة: 249]، تعالى ابتلى الخلق { مبتليكم بنهر } [البقرة: ~~249]، الدنيا وماء زينتها وما زين للخلق فيها كقوله تعالى: # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين # [آل عمران: 14]، ليظهر المحسن من المسيء وليميز الخبيث من الطيب ~~والمقبول من المردود كما قال تعالى: # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا # [الكهف: 7]، ثم امتحنهم وقال تعالى: { فمن شرب منه فليس ~~مني } [البقرة: 249]؛ يعني: من أوليائي ومحبي وطلابي وله اختصاص بقربي ~~وقبولي ms0225 والتخلق بأخلاقي نيل الكرامة مني كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " أنا من الله والمؤمنون مني " # { إلا من اغترف غرفة بيده } [البقرة: 249]؛ يعني: من ~~قنع من متاع الدنيا على ما لا بد له من المأكول والمشروب والملبوس ~~والمسكن وصحبة الخلق على حد الاضطرار بمقدار القوام كما كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه وكان يقول: # " اللهم أرزق آل محمد قوتا " # أي: يمسك رمقهم. # ثم قال تعالى: { فشربوا منه } [البقرة: 249]؛ يعني: المبتلى { ~~إلا قليلا منهم } [البقرة: 249]، وهم الأقلاء في كل عصر ~~وزمان، الأعيان والأحساب، وقوله تعالى: { فلما جاوزه هو ~~والذين آمنوا معه } [البقرة: 249]، إشارة إلى أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم جاوز بهم الدنيا إذا قال: # " ما لي وللدنيا " # والذين آمنوا معه كانوا يسيرون معه بسيرته كما قال: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا # [الفتح: 29]، وفي قوله تعالى: { قالوا لا طاقة لنا اليوم ~~بجالوت وجنوده } [البقرة: 249]، والإشارة إلى أن كل من شرب من ~~نهر الدنيا وشهواتها وتجاوز عن حد الأمر فيها لا يكون له طاقة المنازلة ~~لقتال جالوت النفس وجنوده صفاتها وعسكر هواها؛ لأنه صار معلولا مريض ~~القلب فيبقى على شط الدنيا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا { قال ~~الذين يظنون أنهم ملاقوا الله } [البقرة: 249]؛ أي: ~~يستيقنون أنهم عند ملاقاة العدو، ملاقون لربهم وهو ناصر لهم على العدو ~~ولهذا قال: { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ~~بإذن الله } [البقرة: 249]؛ أي: بنصره { والله مع ~~الصابرين } [البقرة: 249]، بالنصرة على العدو وبتوفيق الصبر عند ~~الملاقاة كما قال تعالى: # واصبر وما صبرك إلا بالله # [النحل: 127]. # ثم أخبر عن بروز طالوت وقتل جالوت بقوله تعالى: { ولما برزوا ~~لجالوت وجنوده قالوا } [البقرة: 250]، الآيتين والإشارة ~~فيهما أن المجاهدة في الجهاد الأكبر وهو الجهاد مع جالوت النفس الأمارة ~~لا يقوم بحوله وقوته على قتال النفس ولا يظهر عليها حتى يبرأ من حوله ~~وقوته ويرجع إلى ربه تعالى مستغيثا به مستعينا به مستدعيا منه { ~~ربنآ أفرغ علينا صبرا } [البقرة: 250]، على الائتمار ~~لطاعتك والانزجار عن ms0226 معاصيك ومخالفة الهوى وترك تيه الدنيا { وثبت ~~أقدامنا } [البقرة: 250]، في التسليم عند الشدة والرخاء ونزول ~~البلاء وهجوم أحكام القضاء في السراء والضراء وفي التوكل على الحالات ~~عليك، وفي تفويض الأمور إليك والرضا بما في الكتاب المسطور لربك { ~~وانصرنا على القوم الكافرين } [البقرة: 250]، وهم ~~أعداؤنا في الدين عموما والنفس الأمارة وصفاتها التي أعدى عدونا بين ~~جنبينا خصوصا فإذا كان الالتجاء عن صدق الرجاء برب الأرض والسماء فيكون ~~مقرونا بالإجابة الدعاء والظفر على الأعداء عند اللقاء. # { فهزموهم بإذن الله } [البقرة: 251]، بنصرة الله فإنه هو ~~الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده { وقتل داود } ~~[البقرة: 251]، القلب { جالوت } [البقرة: 251]، النفس إذ أخذ حجر ~~الحرص على الدنيا وحجر الميل إلى العقبى وحجر تعلقه إلى نفسه بالهوى، حتى ~~صار الثلاثة صحراء واحدة وهو التفات إلى غير المولى فوضعه في مقلاع ~~التسليم والرضا فضرب به جالوت النفس فسخر الله ريح العناية حتى أصاب بيضة ~~هواها وخالط دماغها فأخرج منه الفضل والفضول وخرج من قضاها وقتل من رآها ~~ثلثين من صفاتها وأخلاقها ودواعيها وهزم الله باقي جيشها وهو الشياطين ~~وأحزابها، { وآتاه الله الملك والحكمة } [البقرة: 251]؛ ~~يعني: داود القلب ملك الخلافة وحكمة الإلهامات الربانية { وعلمه ~~مما يشآء } [البقرة: 251]، من حقائق القرآن وأسرارها وإشاراتها { ~~ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } [البقرة: 251]؛ ~~يعني: أرباب الطلب المشايخ البالغين الواصلين الهادين المهديين. # كما قال تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ~~ببعض لفسدت الأرض } [البقرة: 251]، استعداداتهم المخلوقة في ~~أحسن تقويم لتثمر كمالات الدين القويم والعبور على الصراط المستقيم ~~والدخول في جنات النعيم عن استيلاء جالوت النفس وجنود صفاتها وتخريب بلاد ~~الأرواح بتبديل أخلاقها وتكرير صفاء ذواتها وترويدها إلى جحيم صفات ~~البهائم والأنعام وأسفل دركاتها { ولكن الله ذو فضل على ~~العالمين } [البقرة: 251]؛ يعني: من كمال فضله وكرمه يحرك سلسلة طلب ~~الطالبين ويلهم أسرارهم بإرادة المشايخ الكاملين وتوفيقهم للتمسك بذيول ~~تربيتهم والتسليم تحت تصرفاتهم في تنقيتهم وتثبيتهم بالصبر والسكون عن ~~الرياضات والمجاهدات في حال تزكيته، ويشير إلى المشير بقبولهم والإقبال ~~عليهم ويصبرهم على الفطام عن ms0227 ألبان صفاء الأوقات ولذات المناجاة في ~~الخلوات وتقويلهم لذيذ المخاطبات وينعم عليهم بالترحم والتعطف واللين على ~~المريد. # كما قال تعالى: # فبما رحمة من الله لنت لهم # [آل عمران: 159]، فلو لم تكن هذه الألطاف وأضعافها من الله ما يسر لها ~~تزكية نفوسهم أبدا كما قال تعالى: # ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم ~~من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء # [النور: 21]، بهذه الأسباب وغيرها فهذه إشارات ولطائف لا تتحقق إلا لأهل ~~الخير ولا عبرة في إدراكها بالعقول الجامدة لأهل العزة ولهذا خص الله ~~تعالى حبيبه سيد المرسلين يعني: في ضمن هذه الآيات رموز وإشارات وأمارات ~~ودقائق وحقائق وأنوار وأسرار: { نتلوها عليك } [البقرة: 252]؛ ~~أي: نجلوها لديك { بالحق } [البقرة: 252]؛ أي: بالحقيقة كما هي: { ~~وإنك لمن المرسلين } [البقرة: 252]، الذين عبروا على هذه ~~المقامات وشاهدوا هذه الأحوال والكرامات وظفروا بقهر النفس وتبديل ~~الأخلاق والصفات وصح لهم صفاء الأوقات ولذة المناجاة في الخلوات ثم فطموا ~~عن ألبان تلك اللذات في حجر القربات وأرسلوا إلى أهل الغفلات، وعبدوا ~~طواغيت وأصنام الشهوات ليدعوهم من دار الغرور إلى دار السرور من الظلمات ~~إلى النور ولكنهم بالغوا إلى ما بلغت من تحقيق إشارة هذه الآيات لأنهم ~~بالغوا مثل ما بلغت في قهر النفس بسيف الرياضات وكنت نبي السيف على النفس ~~كما قال تعالى: # والذين أوتوا العلم درجات # [المجادلة: 11]، فالعلم هو الضوء من نور الوحدانية فكلم النفس بالخوف، ~~وإنهم تدرجوا في الدرجات وما قاربوك في القربات، وما وصلوك في الوصلات، ~~وإنهم ليلة المعراج وإن تابعوك في الصلوات؛ ولكنهم ما صاحبوك في الخلوات ~~فإنهم بقوا في الشهوات وأنت عبرت عن المكونات ثم خصصت بقرب # قاب قوسين أو أدنى # [النجم: 9] خصصت، بسهم # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم: 10]، فوجبت بالكلام بعد ما نوديت بالسلام وعاينت بعدما باينت ~~وأبقيت بما أبقيت بعد ما أفنيت، أسري بك وأنت موسوم بالعبدية، فوصفت ~~بالرحمة إذ أرسلت من مقام العندية ثم فطمت عن رضاع: " لي مع الله وقت " ، ~~وابتليت بسفارة جبريل عليه السلام وقتا دون وقت ms0228 ثم لقيت من القوم ما ~~لقيت بعدما تعلمت عما سقيت فحق لك أن تقول: # " ما أوذي بي مثل ما أوذيت " # فعلى هذا لا يحق لأحد من العالمين حتى الأنبياء والمرسلين والملائكة ~~والمقربين كشوف حقائق هذه الآيات والوقوف على دقائق هذه المشكلات بقدم ~~السير في هذه المقامات وجناح الطير في هذه الكرامات فهنيئا لك ما نلت ~~ومريئا لك ما قلت: # " لو كان موسى وعيسى حيا لما وسعهما إلا اتباعي " # وقولك: # " الناس يحتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم " # بل قولك: # " آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر وأنا سيد ولد آدم " # ؛ ولهذا نظم الله ورد هذه الإشارات في سلك صرح وعرض بالعبادات بقوله ~~تعالى: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ~~منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات } ~~[البقرة: 253]، والإشارة في تحقيق الآية أن التفاضل في الدين والدنيا ليس ~~بسعيهم وامتثالهم وإنما بتفضيل الله تعالى إياهم. # كما قال تعالى: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ~~} أي: نحن فضلنا، فلكل واحد من أهل الفضل أنوار ولأنوارهم آثار فمنهم من ~~هو أعلى نورا وأتم في الرفعة وقورا فرفعة درجاتهم وعلو مقامهم على قدر ~~استعلاء أضواء أنوارهم لا على قدر سعيهم واختيارهم، وهذا التفاوت صادر من ~~تلك الأقسام حين جرت به الأقلام. # كما قال: صلى الله عليه وسلم # " إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور ~~اهتدى ومن أخطأه ضل " # فلذلك أقول حق القلم على علم الله فلما خلق الله تعالى استعداد وجود ~~العباد والمقبولين قابلا لفيض نوره استخصهم بفضل عام وفضل خاص فأما ~~العام: فبما خصهم عن الخلق المردودين بفضل قبول فيض النور فأخبر عنهم ~~بقوله تعالى: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى # [الأنبياء: 11]. # وأما الفضل الخاص: فبما خص بعضهم عن بعض بزيادة كماليته استعداد الوجود ~~في قبول فيض النور فإن التفاوت في الأنوار على قدر التفاوت في الظلمات ~~المخلوقية المستعدة لقبول فيض النور في بدء الخلقة لا في حقيقة النور ~~فإنه موصوف بالوحدة لا ms0229 تعدد فيه ولا في تفاوت بالزيادة والنقصان، وإن ~~التعدد والتفاوت في الحقيقة راجع إلى الظلمة لا إلى النور؛ ولهذا ذكر ~~الله تعالى النور في مواضع من القرآن بلفظ الواحد أن # يخرجهم من الظلمات إلى النور # [المائدة: 16] وأمثالها كثيرة فافهم جدا. # ثم إن فضيلة كل صاحب فضل يكون على قدر استعلاء ضوء نوره لأن الرفعة في ~~الدرجات على قدر قوة الاستعلاء كما قيل: " ازدياد العلم رفعة الدرجة " ~~فناهيك عن هذه المعاني قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به عن ~~المعراج أنه رأى آدم عليه السلام في السماء الدنيا، ويحيى وعيسى عليهما ~~السلام في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء ~~الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم ~~في السماء السابعة عليهم الصلاة والسلام. # وعبر النبي صلى الله عليه وسلم حتى رفع إلى سدرة المنتهى ومن ثمة إلى ~~قاب قوسين أو أدنى فهذه الرفعة في الدرجات والقربة إلى الحضرة كانت له ~~على قدر قوة ذلك في استعلاء ضوئه على قدر غلبات أنوار التوحيد على ظلمات ~~الوجود، كانت مراتب الأنبياء بعضهم فوق بعض لما غلب نور الوحدانية على ~~ظلمة إنسانية النبي صلى الله عليه وسلم فاضمحلت وتلاشت وفنيت ظلمة وجوده ~~بسطوات تجلي صفات الجمال والجلال، فكل نبي بقدر ظلمة وجوده بقي في مكان ~~من أماكن السماوات، فإنه صلى الله عليه وسلم ما بقي في مكان ولا فيه ~~مكان؛ لأنه كان فانيا عن ظلمة وجوده، باقيا بنور جوده ولهذا سماه الله ~~تعالى: نورا وقال: # قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين # [المائدة: 15] فالنور محمد صلى الله عليه وسلم والكتاب هو القرآن فافهم ~~واغتنم فإنك لا تجد هذه المعاني إلا هاهنا والله أعلم. # ثم أخبر عن فضيلة الخواص أنها كانت من تفضيله إياهم وأخبر عن اختلاف ~~العوام وافتراقهم أنه كان بمشيئة الله لا بمشيئتهم بقوله تعالى: { ولو ~~شآء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما ~~جآءتهم البينات } [البقرة: 253]؛ يعني: خصوصا بعد ما جاءتهم ~~البينات، { ولكن اختلفوا ms0230 } [البقرة: 253]، مع رؤية المعجزات؛ ~~لأن الأمر بمشيئة الله لا بمشيئتهم فما نفعتهم المعجزات مع إعواز المشيئة ~~فلما كانت المشيئة في حق البعض دون البعض { فمنهم من آمن ~~ومنهم من كفر ولو شآء الله } [البقرة: 253]، السعادة ~~في حق الجميع { ما اقتتلوا ولكن الله يفعل } ~~[البقرة: 253]، إلى الأبد { ما يريد } [البقرة: 253]، في الأزل بل ~~اختلاف الأزل والأبد راجع إلى الخلق، الأزل أبد والأبد أزل تعالى عما ~~يشركون به علوا كبيرا. ### || [2.254-257] # ثم أخبر عن إحراز الفضل أنه في الإنفاق والبذل في قوله تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقنكم } ~~[البقرة: 254]، والإشارة فيها أن مع تنزه تحقيقها عن تقديره بالعبادات ~~وتقديره بالإرشادات أنه سبحانه عظم شأنه وعز سلطانه أخبر عن كمال ذاته ~~بذاته وعن جلال صفاته بصفاته وعن جمال مكنونه بمكنوناته فقوله تعالى: { ~~الله لا إله إلا هو } يخبر عن ذات منفرد بالألوهية ~~والديمومية، متوحدة بالوحدانية والربوبية بمن عرف بقضايا هذا طلاسم حق ~~العرفان عرف أنه ينعت الكمال موصوفا بجميع صفات الجلال والجمال فلا ~~يحتاج إلى تعريفه بتعداد أوصاف كماله ونشرها فإنها تقدست وتعظمت عن إحاطة ~~نطاق النطق بحصرها؛ ولكن لما دعت الضرورة لقصور العقول عن درك شأوها إلى ~~تعدد، شرع في شرحها وعدها فبدأ بنفي إله يصلح للضدية في الألوهية والندية ~~في الربوبية بقوله تعالى: { لا إله } [البقرة: 255]، ثم أثبت ~~بالاستثناء عن الجنس هوية ذاته بوصف الوجود والإيجاد معبودية العباد لا ~~ضدية ولا ندية بقوله تعالى: { إلا هو } [البقرة: 255]. # ثم بين صفة هي لازمة اللاهوتية بقوله تعالى: { الحي } [البقرة: ~~255]، لا حي إلا هو ولا حياة إلا حياته فلا يحيى حي إلا بإحيائه وحياته، ~~ثم ذكر صفة أخرى ذاتية له مقرونة بقوله تعالى: { القيوم } [البقرة: ~~255]؛ يعني: هو القائم بذاته القيوم لمخلوقاته ليس لشيء من مكوناته قيام ~~بنفسه إلا هو قائم بقيوميته، وقد مر من دعاء النبي: صلى الله عليه وسلم # " يا قيوم السماوات والأرض " # وإنما أشير في معنى الاسم الأعظم إلى الاسمين وهما الحي القيوم؛ لأن ~~اسمه الحي مشتمل على جميع أسمائه وصفاته ms0231 فإن من لوازم الحي أن يكون ~~قادرا عالما سميعا بصيرا متكلما مريدا باقيا، واسمه القيوم مشتمل ~~على افتقار جميع المخلوقات إليه، فتجلى الله لعبده بهاتين الصفتين فالعبد ~~يكاشف عند تجلي صفة الحي بجميع ما في أسمائه وصفاته ويشاهد عند تجلي صفة ~~القيوم فناء جميع المخلوقات إذا كان قيامها بقيومية الحق لا بأنفسهم فلما ~~بدا الحق زهق الباطل فلا يرى في الوجود إلا الحي القيوم. # وإذا كان بسبب الحي قيام جميع أسماء الله تعالى، وبسبب القيوم قيام ~~المخلوقات فترتفع الاثنينية بينهما إذا أفنت التعدد وبقيت الوحدة فيصيران ~~أسمى وأعظلم للمتجلى له فيذكره عند شهود عظمة الوحدانية بلسان عيان ~~الفردانية لا بلسان بيان الإنسانية فقد ذكره باسم الأعظم الذي إذ دعي ~~أجاب، وإذا سئل به أعطى، فأما الذاكر عند غيبة فبكل اسم دعاه لا يكون ~~الاسم الأعظم، بالنسبة إلى حال غيبته وعند شهود العظمة فبكل اسم دعاه ~~يكون الاسم الأعظم كما سئل أبو زيد عن الاسم الأعظم فقال: الاسم الأعظم ~~ليس له حد محدود؛ ولكن فرغ قلبك لوحدانيته فإذا كنت كذلك فاذكره بأي اسم ~~شئت. # ثم الله تعالى نزه نفسه عن صفات النقص بعد ما أتيت له صفات الكمال وقال: ~~{ لا تأخذه سنة } [البقرة: 255]، لأن النوم أخو الموت بل سمى ~~الله تعالى النوم بالموت وقال: # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها # [الزمر: 42] أي: منامها والموت ضد الحياة وهو الحي الحقيقي فلا يخلفه ضد ~~الحياة، ففي هذا أشار إلى أن ذاته سبحانه وتعالى كأنه موصوف بصفات ~~الكمال، منزه عن جميع صفات النقصان. # ثم أظهر ملكيته ومالكيته بالانفراد في قوله تعالى: { ولا نوم له ~~ما في السموت وما في الأرض } [البقرة: 255]، ملكا وملكا ~~خلقا وعبدية كما قال تعالى: # إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا # [مريم: 93] قائما عبدا ليس له أن يعارض مالكه وملكه عند إجراء حكمه في ~~ملكه فقال تعالى: { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ~~} [البقرة: 255]، قلت: هذا الاستثناء راجع إلى النبي صلى الله ms0232 عليه وسلم ~~إن الله قد وعده المقام المحمود بقوله تعالى: # أن يبعثك ربك مقاما محمودا # [الإسراء: 79] بالشفاعة فمعنى الآية من ذا الذي يشفع عنده يوم القيامة ~~إلا عبده محمد فإنه مأذون بالشفاعة موعود بها مستعد لها كما مر ذكره في ~~حديث الشفاعة إذ تعينه الأنباء للشفاعة ويدل عليه سياق الكلام وهو قوله ~~تعالى: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } [البقرة: ~~255]؛ يعني: يعلم محمد صلى الله عليه وسلم ما بين أيديهم من أمور ~~الأولياء قبل خلق الله الخلائق لقوله: صلى الله عليه وسلم # " أول ما خلق الله نوري " # وفي رواية # " روحي " # ، و # " أول ما خلق الله العقل " # ، و # " أول ما خلق الله القلم " # و # " أول ما خلق الله جوهرة " # ، و # " إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام " # وأمثال هذا كثير { وما خلفهم } من أحوال القيامة وفزع الخلق وغضب ~~الرب وطلب الشفاعة من الأنبياء وقولهم: نفسي نفسي وخذلة الخلق بعضهم إلى ~~بعض حتى بالاضطراب يرجعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم لاختصاصه ~~بالشفاعة وأشباه ذلك، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. # { ولا يحيطون بشيء من علمه } [البقرة: 255]، وكذلك ~~يحتمل أن يكون إلها كناية عنه صلى الله عليه وسلم يعني هو شاهد على ~~أحوالهم يعلم ما بين أيديهم عن سير معاملاتهم وقصصهم كما قال تعالى: # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت ~~به فؤادك # [هود: 120] وما خلفهم من أمور الآخرة وأحوال أهل الجنة والنار وهم لا ~~يعلمون شيئا من معلوماته { إلا بما شآء } [البقرة: 255]، أن ~~يخبرهم عن ذلك فأحمل على علم الله فهو ظاهر وقد سبق ذكره، ولا يحيطون ~~يعني الخلق بشيء من علمه؛ لأن علمه قديم أزلي لا يكون مسبوقا بالعلم ~~المحدث إلا بما شاء أن يخبرهم عن بعض معلوماته. # { وسع كرسيه السموت والأرض } [البقرة: 255]، فهذا ~~مما يخبر عن جمال مكنوناته بمكوناته يعني ذلك سيد هذا الكمال أن يكون ~~محيطا بالسماوات والأرض والنار، وهو مع عظم شأنه كخلقه حلقات في فلات ~~بالنسبة إلى العرش، فانظر إن كمالية جمال ms0233 العرش كم يكون، أما القول معنى ~~الكرسي فاعلم أن مقتضى الدين والديانات لا يؤول شيئا من الأعيان مما ~~نطلق به القرآن والحديث بالمعاني لا بصورها كما فسر النبي صلى الله عليه ~~وسلم والصحابة وعلماء السلف الصالح اللهم إلا أن يكون محققا خصه الله ~~تعالى بكشف الحقائق والمعاني والأسرار وإشارات التنزيل وتحقيق التأويل، ~~فإذا كوشف بمعنى خاص وإشارة وتحقيق بقدر ذلك المعنى من غير أن يبطل صورة ~~الأعيان مثل الجنة والنار والميزان والصراط، وما في الجنة من الحور ~~القصور والأنهار مجرى المعنى ويبطل صورته بل يثبت تلك الأعيان كما جاء ~~ويفهم منها حقائقها ومعاينها، فإن الله تعالى ما خلق شيئا في عالم ~~الصورة الأولى نظير في عالم المعاني وما خلق الله شيئا في عالم المعنى ~~وهو الآخرة إلا وله حقيقة في عالم الحق وهو غيب الغيب، فافهم جدا. # وما خلق الله في العالمين شيئا إلا وله مثال وأنموذج في عالم الإنسان، ~~فإذا عرفت هذا فاعلم أن مثال العرش في عالم الإنسان قلبه؛ إذ هو محل ~~استواء الروح عليه بخلافة الله، ومثال الكرسي سر الإنسان وسنبينها في ~~تحقيق # الرحمن على العرش استوى # [طه: 5] إن شاء الله تعالى. فالعجب كل العجب أن العرش مع سعته باستواء ~~الرحمانية فقد قيل هو كخلقه حلقات بين السماء والأرض بالنسبة إلى سعة قلب ~~المؤمن وسيجيء شرحه إن شاء الله تعالى. # قوله عز وجل: { ولا يؤوده حفظهما } [البقرة: 255]، فتحقيقه ~~أن لا تؤد الروح الإنساني حفظ أسرار السماوات والأرض ومعانيها التي ~~أودعها في السر الإنساني بقوله تعالى: # وعلم ءادم الأسمآء كلها # [البقرة: 31]، فالله تعالى بعد ما أظهر وأثبت لمخلوقاته من العرش ~~والكرسي والقلب الإنساني وسره علوا في المرتبة وعظمة في الخلقة إظهار ~~الكمال القدرة والحكمة، ترد برداء الكبرياء والعزة والعلاء، واتزر بإزار ~~العظمة في الرفعة والسناء، وهو أولى وأحق بالمدحة والثناء، فقال عز وجل ~~وعلا: { وهو العلي العظيم } [البقرة: 255] عين له العلو في ~~الشأن والعظمة والسلطان فمن علا في الآخرة والأولى فبإعلائه قد علا، ومن ~~عظم فبتعظيم قد عظم ms0234 واستعلى فسبحان ربنا العظيم وسبحان ربنا الأعلى. # ثم أخبر عن عزة الدين لأرباب اليقين بقوله تعالى: { لا إكراه في ~~الدين } والإشارة فيها أن الله هو محب الذين آمنوا ومتولي إيمانهم ~~ويخرجهم من ظلمات الخلقة إلى نور الهداية حتى آمنوا، ويدل على هذا ~~التحقيق قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور ~~فقد اهتدى ومن أخطاه فقد ظل " # فقد ثبت أنه أخرجهم ذلك اليوم بإصابة النور المرشوش من ظلمات الخلقة وهي ~~ظلمة الحدوث فافهم حتى اهتدوا اليوم فآمنوا، ولولا محبته إياهم وهو مزيد ~~العناية وتوليته بالنصرة والمعونة فضلا ورحمة منه آمنوا وكانوا كافرين ~~بقوله تعالى: # فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من ~~الخاسرين # [البقرة: 64]. # ثم اعلم أن مراتب المؤمنين في الإيمان متفاوتة، وهم ثلاثة طوائف: عوام ~~المؤمنين وخواصهم وخواص الخواص، فالعوام يخرجهم الله من ظلمات الكفر ~~والضلالة إلى نور الإيمان والهداية كقوله تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى # [محمد: 17]، والخواص يخرجهم من ظلمات الصفات النفسانية والجسمانية إلى ~~نور الروحانية الربانية كقوله تعالى: # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا ~~بذكر الله # [الرعد: 28]، واطمئنان القلب بالذكر لم يكن إلا بعد تصفيته عن الصفات ~~النفسانية وتحليته بالصفات الروحانية ومن صفة النفس الاطمئنان بالحياة ~~الدنيا وشهواتها لقوله تعالى: # رضوا بالحيوة الدنيا واطمأنوا بها # [يونس: 7]، فلما استولى سلطان الذكر على نفس المؤمن وقلبه تنور النفس ~~بنور، وخرجت من ظلمات صفاتها فتبدلت أخلاقها الذميمة بالحميدة، فيكون ~~اطمئنانها مع الذكر يدل ما كانت مع الدنيا، فتستحق حينئذ أن يخرجها الله ~~تعالى بخطاب: # يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك # [الفجر: 27-28] من ظلمات الصفات الغير المرضية إلى نور صفة # راضية مرضية * فادخلي في عبادي # [الفجر: 28-29] أي مقام خواص عبادي وخواص الخاص يخرجهم من ظلمات حدوث ~~الخلقة الروحانية بإفنائهم عن وجودهم إلى نور تجلي صفة القدم لهم لتفنيهم ~~به كقوله تعالى: # فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى * وربطنا ~~على قلوبهم إذ قاموا # [الكهف: 13-14]، نسبهم إلى الفتوة ms0235 لما خاطروا بأرواحهم في طلب الحق ~~وآمنوا بالله وكفروا بالطاغوت أوقيانوس، فلما تقربوا إلى الله تعالى بقدم ~~الفتوة تقرب إليهم بمزيد العناية، وقال تعالى: # زادهم هدى # [محمد: 17]؛ يعني: إذا خرجوا من ظلمات الكفر بقدم الفتوة إلى نور ~~الهداية أخرجناهم بمزيد العناية من ظلمات النفسانية إلى نور الروحانية، ~~فلما تنورت أنفسهم بأنوار أرواحهم اطمأنت إلى ذكر الله وأنست به واستوحشت ~~عن صحبة أهل الدنيا وما فيها فأحبوا الخلاء. # كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم في بدء الأمر قالت عائشة - رضي ~~الله عنها -: أول ما بدء به كان حبب إليه الخلاء، ولعمري وهذا دأب كل ~~طالب محق مريد صادق فقال أكبرهم: # وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا ~~إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ ~~لكم من أمركم مرفقا # [الكهف: 16] وبالحقيقة كان الحق ينطق على لسانه إذا أمرهم بعد المفارقة ~~عن الأوطان والأخدان، ولم يجدوا مربيا من هذا الشأن بأن يأووا إلى غار ~~ليخلوا مع الله ويطلبوه منه، فإذا قاموا عن وجودهم وبذلوا جهدهم في طلبه ~~ومشوا إليه استقبلهم بجوده هرولة فبدل أوصافهم بألطافه. # كما قال تعالى: # وربطنا على قلوبهم # [الكهف: 14]، أي: أفناهم عنهم بنا بنشر رحمتنا عليهم، والنشر هو الأحياء ~~ينشر لكم ربكم من رحمته، أي: يحببكم ربكم بصفات رحمته بعد أن يميتكم عن ~~صفاتكم ويهيئ لكم من أمركم مرفقا، يعني: إذ نحن ما نعلم طريق السير إلى ~~الله، ولم نجد من يسيرنا إليه بالتربية، فالله تعالى يتولى أمرهم بنهي ~~أسبابها بالرفق، فلا جرم من تهيئ أسباب تربيتهم فأنامهم نومة العروس بعزل ~~الحواس، فإنها أصل معتبر في تصفية القلب وسرعته إلى التوبة بالكلية إلى ~~الحق في قبول فيض النور الإلهي، ولئلا تتأذى نفوسهم بنصب الرياضة وتعب ~~المجاهدة، وتولى تربيتهم بلا واسطة، فقال تعالى: # ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال # [الكهف: 18]، تقلبهم عن صفات أصحاب الشمال إلى صفات أصحاب اليمين، ~~وكلبهم عين كلب نفوسهم # باسط ذراعيه بالوصيد # [الكهف: 18] أي: نائم باسط ذراعيه عنهم، ولا يزاحمهم بدواعي البشرية حتى ~~تمده مدة ms0236 تربيتهم في أوصاف البشرية بأخلاق الربوبية فإفنائهم عنهم ~~وإبقائهم به من أمارات هذا المقام، وهو الولاية التي يكرم الله بها خواص ~~عباده إذ يخرجهم من ظلمات وجودهم إلى نور جوده فأظهر الله عليهم هيبة من ~~آثار صفات جلاله، كما قال تعالى: # لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت ~~منهم رعبا # [الكهف: 18]. # وقوله تعالى: { والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت } ~~[البقرة: 257]، ذكر الطاغوت بلفظ الواحد والأولياء بلفظ الجمع؛ ليعلم أن ~~الولاء والمحبة من قبل الكفار للطاغوت لا من قبل الطاغوت لهم فلو كان من ~~قبله لقال: وليهم الطاغوت أو الطاغوت وليهم فمعناه والذين كفروا هم ~~أولياء الطاغوت، دليله قوله تعالى: # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله # [البقرة: 165]، ولأنه لو فسرنا الطاغوت بالأصنام فإنه بمعزل عن الولاية ~~والمحبة، وإن حملنا على الشيطان والنفس فإنهم أعداء لا الأولياء وإن ~~حملنا على الرؤيا المتقدمين، فإن لهم فراغة عن ولايتهم ومحبتهم وإن كانوا ~~يقطعون الطريق عليهم ويمنعونهم عن الإسلام ويدعونهم إلى الكفر، فهذا من ~~العداوة لا من الولاء فثبت أنهم أولياء للطاغوت، ولهذا الفرق ذكر ~~الأولياء بلفظ الجميع، ولما كان في حق المؤمنين الولاء والمحبة من الله ~~تعالى ابتداء لا منهم قال الله عز وجل: { الله ولي الذين ~~آمنوا } [البقرة: 257]، دليله # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]، بدع بمحبته إياهم قوله تعالى: { يخرجونهم من ~~النور إلى الظلمات } [البقرة: 257]، فليس لكل طاغوت في العالم ~~قدرة بالحقيقة على إخراج أحد من النور إلى الظلمات، كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " بعث الشيطان مزينا، وليس إليه من الضلالة شيء " # ، وإنما نفوس الإنسان تميل إلى ما يلائم هواها وشهواتها فيسكن ولاءها ~~ومحبتها فيتمنى نيل مرادها ومرامها من شيء أو شخص أو شيطان أو صنم تثبت ~~بذلك وتعلق به وتتولاه وتجعله طاغوتا يشغلهم عن الله، فلهذا المعنى ينسب ~~الله تعالى الإخراج إليهم بقوله: { يخرجونهم } ، كقوله: # واجنبني وبني أن نعبد الأصنام * رب إنهن ~~أضللن كثيرا من الناس # [إبراهيم: 35-36] إنما بتعبدهم ضلوا إلا بإضلالهن، فكذلك الكفار بتوليهم ~~الطاغوت أخرجوا من النور، ms0237 ومعنى الآية يخرجونهم من نور الروحانية ~~والإيمان الفطري إلى ظلمات الصفات النفسانية البهيمية والسبعية ~~والشيطانية ظلمات بعضها فوق بعض، ودركات بعضها تحت بعض إلى أن تكدرت ~~الأرواح وأظلمت بهذه الظلمات وتخلقت بأخلاق النفوس واتصفت بصفاتها. # وكما أن النفوس إذا تنورت بنور الإيمان والأرواح وعلت إلى عالم الأرواح ~~وأعلى عليين القرب مع كونها سفلية، فبإكسير الشرع تصير متصفة بصفة ~~العلويات فتدعى بقوله تعالى: # يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي # [الفجر: 27-28]، فكذلك الأرواح العلوية لما اتصفت بصفات النفس الأمارة ~~وانقلبت جواهر النورانية بإكسير الطبع الحيواني ظلمانية أمرت بالهبوط إلى ~~أسفل سافلين البعد، دليله قوله تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم ~~رددناه أسفل سافلين # [التين: 4-5]، فإفساد استعداد الروحاني بالكفر ومتابعة الهوى # إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت # [التين: 6] استثنى منهم أرواح المؤمنين # أولئك # [البقرة: 39] يعني: أرواح الكفار # أصحب النار # [البقرة: 39]؛ أي: مع أصحاب النار وهم النفس والشيطان والطاغوت # هم فيها خلدون # [البقرة: 39]؛ أي: معهم فيها خالدون لأنكم أيها الأرواح وإن لم تكونوا ~~من جنس لما شبههم بهم فمن تشبه قوما فهو منهم ومن أحب قوما فهو معهم ~~خالدين في النار وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. ### || [2.258] # ثم أخبر عن الكافر أنه إذا عجز عن العبودية كيف عارض الربوبية بقوله ~~تعالى: { ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه } ~~[البقرة: 258]، الإشارة فيها أن الله تعالى لما أعطى نمرود ملكا ما أعطى ~~لأحد قبله، وذلك لأن الله تعالى أعطى الإنسان حسن استعداد لطلب الكمال ما ~~أعطى لأحد من العالمين كقوله تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4]، يعني: حسن استعداد في طلب الكمال فمن حسن استعداده في الطلب ~~وغاية لطافته في الجوهر دائم الحركة في طلب الكمال فحيث ما توهم جهة ~~الكمال يأخذ في السير فيها إلى أقصى مراتبها في العلوي أو السفلي لا ~~يتوقف لحظة إلا لما هي، ولكن الإنسان جبل على الصفة الظلومية والجهولية ~~كقوله تعالى: # إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]، فإن وكل إلى نفسه في طلب الكمال فينظر ms0238 بنظر الحواس الخمس ~~إلى المحسوسات وهي الدنيا فلا يتصور الكمال إلا فيها، فيأخذ في السير ~~لطلب الكمال فيها، وهذا السير موافق لبشرية الطبيعة لأنه خلق من تراب، ~~والتراب سفلي الطبع فيميل إلى السفليات طبعا والدنيا هي السفل فيسير ~~فيها بقدر الطبع ويطلب الكمال، وفي البداية يرى الكمال في جميع المال ~~فيجمعه، ثم الكمال في الجاه فيصرف المال في طلب الجاه، ثم يرى الكمال في ~~المناصب والحكم، ثم يرى في الأمارة والسلطنة فيسير فيها ما لم يكن مانع ~~إلى أن يملك الدنيا بأسرها كما كان حل نمرود، ثم لا يسكن جوهر الإنسان في ~~طلب الكمال كلما ازداد استغناؤه ازداد حرصه وكلما ازداد حرصه ازداد طلبه ~~إلى أن لا يبقى شيء من السفليات أن ملكه بقصد العلويات، وإلى الآن كان ~~ينازع ملك الملوك ومالك الملك، وكان سبب طغيانه استغناؤه كما قال تعالى: # إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]، فإذا كمل كمال الله أتاه الملك وكان سبب طغيانه حتى يكفر ~~بالنعمة # إن الإنسان لربه لكنود # [العاديات: 6] # إن الإنسان لظلوم كفار # [إبراهيم: 34]، فهذا كله عند فساد جوهره لما وكل إلى نفسه، فبحسن ~~استعداده أينما تصور الكمال توجه إليه لتحصيله إلى أنه رأى الكمال في ~~الربوبية قصدها وادعى الربوبية ولكن جوهر الإنسان إذا صلح بالتربية ولم ~~يوكل إلى نفسه هدي إلى جهة الكمال المستعد له، كقوله: # أهدكم سبيل الرشاد # [غافر: 38] فصاحب التربية وهو النبي أو بنيابته وخلافته الولي وهو الشيخ ~~يربيه وتربيته في تربية عما سوى الله، وعداوته لتحقق تولية الله ومحبته، ~~كما كان حال إبراهيم عليه السلام في طلب الحق بقوله: # أني بريء مما تشركون # [هود: 54]، # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء: 77]، إلى أن يبلغ الإنسان حد كماله في طلب الكمال، وهو إفناء ~~الوجود في وجود الموجود الموجد؛ ليكون مفقودا عن وجوده موجودا بوجوده، ~~فكما كان يقول عند فساد الجوهر وإبطال حسن الاستعداد للكمال: { أنا ~~أحيي وأميت } [البقرة: 258] وليس للعالم رب إلا أنا جهلا بهذا ~~الكمال، فيقول عند صلاح الجوهر وصرف ms0239 حسن الاستعداد في طلب الكمال وحصوله: ~~" ليس في الوجود سوى الله " ، وهذا هو حقيقة # فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك # [محمد: 19]؛ يعني: كن فانيا عن وجودك بالكلية، فإذا فنيت عنك به علمت ~~ما في الوجود سوى الله واستغفر لذنبك حسبان وجود غير وجوده، فافهم جدا. # وإن لم تكن مجدا، فإن المجد من يدق بمطرقة لا إله إلا الله دماغ نمرود ~~دماغ النفس إلى أن يؤمن بالله، ويكفر بالطاغوت وجوده وجود كل موجود سوى ~~الله، { والله لا يهدي القوم الظالمين } [البقرة: 258] ~~يعني إلى عالم التوحيد والوحدة القوم المشركين فإن الشرك لظلم عظيم ~~بالشرك ضل من ضل عن الصراط المستقيم. ### || [2.259-260] # ثم أخبر عن إظهار قدرته في إحياء الموتى بعد انقطاع المدعي في محبته ~~عقيب الدعوى بقوله تعالى: { أو كالذي مر على قرية وهي ~~خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله ~~بعد موتها فأماته الله مئة عام ثم بعثه قال ~~كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل ~~لبثت مئة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم ~~يتسنه } [البقرة: 259]. # والإشارة فيها: أن قوما أنكروا حشر الأجساد مع أنهم اعتقدوا وأقروا ~~بحشر الأرواح، وقالوا: الأرواح كان تعلقها بالأجساد ولاستكمالها في عالم ~~المحسوس كالصبي يبعث إلى المكتب لتعلم الأدب، فلما حصل مقصوده من التعلم ~~بقدر استعداده وخرج من المكتب ودخل محفل أهل الفضل وصاحبهم سنين كثيرة، ~~واستفاد منهم أنواع العلوم التي لم توجد في المكتب واستفاد العلوم من ~~الفضلاء بقوة أدبه التي تعلم في المكتب، وصار فاضلا في العلوم فما حاجته ~~بعد أن كبر شأنه وعظم قدره أن يرجع إلى المكتب وحالة صباه. فلذلك الأرواح ~~لما خرجت من سجن الأشباح واتصلت بالأرواح المقدسة بقوة علوم الجزئيات ~~التي حصلتها من عالم الحس مستفادة عن الأرواح العلوية علم الكليات التي ~~لم توجد في عالم الحسن فما حاجتها أن ترجع إلى سجن الأجساد، فكانت نفسهم ~~تسولت بهذه التسويلات والشيطان يوسوسهم بمثل هذه الشبهات، فالله سبحانه ~~وتعالى من كمال فضله ورحمته على عباده المسلمين ms0240 أمت عزيزا مائة سنة ~~وحماره ثم أحياهما جميعا ليستدل به العقلاء على أن الله مهما يحيي عزيز ~~الروح يحيي معه حمار جسده فلا يشك العاقل بتسويل النفس ووسوسة الشيطان ~~وشبهات المتفلسفين في حشر الأجساد كما قال تعالى: { وانظر إلى ~~حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام ~~كيف ننشزها ثم نكسوها لحما } [البقرة: 259]؛ يعني: ~~انظر إلى حمارك الميت والعظام الرميمة، ثم انظر إلى العظام ننشزها لنجعل ~~حالك وحال حمارك في الأحياء آية، والآية واضحة وأمارة لائحة للعاقل ~~المؤيد عقله بنور الإيمان { فلما تبين له } [البقرة: 259]، ~~بعد كشف الحجاب برؤية مشاهدة أنوار الغيب { قال أعلم أن الله ~~على كل شيء قدير } [البقرة: 259]، يقر ويؤمن بأن الله يحيي ~~عزيز الروح ويحيي معه حمار جسده، فكما أن عزيز الروح يكون في مقعد صدق ~~عند مليك مقتدر يكون حمار عزيز الروح، وهو جسده ونفسه في الجنة، فلعزيز ~~الروح مشرب من كئوس تجلي صفات الجمال والجلال عن ساقي # وسقاهم ربهم شرابا طهورا # [الإنسان: 21] والحمار الجسد مشرب من أنهار الجنان وحياض رياض، # وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين # [الزخرف: 71] # قد علم كل أناس مشربهم # [البقرة: 60] مشربنا، وأهرقنا على الأرض سؤرنا وللأرض من كأس الكرام ~~نصيب، وإن لحشر الأجساد وإعادة الأرواح إليها فوائد وحكما سنبينها في ~~موضعه إن شاء الله تعالى. # ثم أخبر عن إراءة كيفية الإحياء لخليله " شيخ الأنبياء " عليهم الصلاة ~~والسلام بقوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف ~~تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ~~ليطمئن قلبي } [البقرة: 260]، والإشارة فيها أن في قوله: # رب أرني # [الأعراف: 143]، تفوح رائحة معنى قول موسى عليه السلام # رب أرني أنظر إليك # [الأعراف: 143]، ولكن موسى عليه السلام كان الغالب عليه السكر فإذا ~~أديرت عليه كاسات المكالمات وأثر فيه شراب ملاطفات المحاورات، وسكر قلبه ~~بشراب الذوق وطاش لبه عن غلبات الشوق وارتفعت الحشمة والحياد، وانقطعت ~~الكلفة والعناد أرويت الآذان بالإصغاء تعطشت العيون إلى اللقاء فانبسط ~~على بساط البسط، وأطلق عنان اللسان بالتصريح في ميدان البيان لسبق رؤية ~~العيان وقال: # رب ms0241 أرني أنظر إليك # [الأعراف: 143]، فلم يحفظ الأدب في الطلب فما أرى غير النصب والتعب وأدب ~~تأديب الخاطئ الجاني وعرك بتعريك # لن تراني # [الأعراف: 143] فأما الخليل عليه السلام فكان الغالب عليه الصحو على أنه ~~أسقي بأقداح الخلة ما لو سقى موسى عليه السلام بقطرة منه لم يفق أبدا ~~لأنه كان صاحب شرب، وكان الخليل عليه السلام صاحب ري، فصاحب الشرب سكران ~~وصاحب الري صاح كما قيل شعر: # شرب الحب كأسا بعد كأس # فما نفد الشراب وما رويت # كان شرب موسى عليه السلام من شراب الكلام بأقداح السماع في أفواه السماع ~~أحيانا فكان دائما سكرانا فتارة ينبسط مع الحق بقوله # أرني أنظر إليك # [الأعراف: 143] وأجري يعربد بقوله # إن هي إلا فتنتك # [الأعراف: 155] وتارة يعربد مع هارون # وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه # [الأعراف: 150]، وتارة يعربد مع الخضر عليه السلام # لقد جئت شيئا نكرا # [الكهف: 74]، وتارة يعربد مع ملك الموت فلطمه ففقأ عينه، وأما القبطي ~~وقتله فوكزه موسى فلا يقربه به. # والخليل عليه السلام شرب من شراب الخلة بكاسات الوصلة في أفواه الأرواح ~~ومع هذا ما زلت قدمه في أدب من آداب العبودية في الحضور والغيبة من كمال ~~صحوه بسطوات الهيبة، فلا جرم أكرم اليوم بكرامة الشيبة: " إن أول من شاب ~~شيبة إبراهيم عليه السلام " ويحترم غدا بالكسوة أما أول من بكى إبراهيم ~~عليه السلام ولما ابتلي في ماله بذل الضيفان وابتلي في ولده # فلما أسلما وتله للجبين # [الصافات: 103]، للقربان وابتلي في نفسه استسلم لمنجنيق ابن كنعان ~~وابتلي بجبريل عليه السلام فقال: أما إليك فلا عند الامتحان فلا جرم على ~~قضيته عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، أكرمه بالإمامة للإنسان قال الله ~~تعالى: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ~~قال إني جاعلك للناس إماما # [البقرة: 124]، ومن إمامته أنه كان أول من دق باب الطلب للحق، وقال: # قال هذا ربي # [الأنعام: 76]، وأول من سلك طريق الحق، وقال: # وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين # [الصافات: 99] وأول من نطق بمحبته وقال: # قال لا أحب الآفلين ms0242 # [الأنعام: 76]، وأول من أظهر الشوق، وقال: # لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين # [الأنعام: 77]، وأول من أظهر العداوة مع غير المحبوب وقال: # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء: 77]، أول من اشتاق إلى الرب سأل الرؤية وقال: { رب أرني ~~} [البقرة: 260]، ولا تحسبن أن اشتياقه إلى الرب وتعطشه للرؤية، إنما كان ~~وقت سؤال رب أرني، كما قيل شعر: # ولست حديث العهد شوقا لوعة # حديث هواكم في حشاي قديم # فإنه كان برهة من الدهر مستغرقا في هذا البحر؛ ولكن من غاية الحلم ~~والحياء في مقام الصدق والوفاء يراعي حق إجلال العظمة والكبرياء، ومن حفظ ~~أدب الإجلال لا يفتح على نفسه باب السؤال، ويقول: " حسبي من سؤالي علمه ~~بحالي " والله تعالى يرى قلبه وتقلبه والعشق وليسمع تحنثه وتأوهه من ~~الحرقة والشوق، ويشاء تحلمه وتحمله وتخلده إجلالا لمولاه، فيقول الله ~~تعالى: # إن إبراهيم لأواه حليم # [التوبة: 114]، وهو في ذلك يترصد فرصته يجد للسؤال فيها رخصة إلى أن ~~يساقه التقدير إلى حسن التدبير وسأله نمرود: من ربك؟ فأجرى الحق على ~~لسانه من فضله وإحسانه: # الذي يحيي ويميت # [البقرة: 258]، قال نمرود: وهي رأيت منه ما تقول أو رميت برمية ما به ~~رأيت فوجد الخليل عليه السلام فرصة بهذا المقال لحق رخصته السؤال فأدرج ~~في السؤال، فطلب بهذا الطريق مأموله فأخفى سره وهو: أرني في علته، وهو ~~كيف يحيي الموتى بحفظ الأدب مع الرب، وهو يعلم أنه يعلم السر وأخفى، وكان ~~يعلم الجليل ما هو مقصود الخليل وأول باب فتح عليه من مقصوده بأن خاطبه ~~واسمعه بكلامه بفضله وجوده، وقال تعالى: { أولم تؤمن } [البقرة: ~~260]، وكان فيه هذه الكلمة من إعجاز القرآن ثلاثة أجوبة مضمرة وثلاثة ~~معان مدرجة مناسبة للسؤال. # وأما الأجوبة: فظاهر السؤال كان دالا على طلب إحياء الموتى. # فأجابه وقال: { أولم تؤمن } يعني ما آمنت عند نمرود بأني أحيي ~~وأميت، فما كان إيمانك حقيقيا. # والجواب الثاني: وذلك أن الخليل أخفى سره وهو طلب الرؤية وعين سؤاله، ~~فكذلك الرب تعالى أخفى سره، وقال: { أولم تؤمن } بميعاد ms0243 رؤيتي في ~~الجنة فأريك ثمة. # والجواب الثالث: أن الخليل ما كان شاكا فيما التمس ظاهرا؛ ولكنه أرى ~~نفسه مشككا تعللا لسؤال المرام في ثناء الكلام، فكذلك الرب تعالى ما ~~كان شاكا في مقصود الخليل المضمر في سؤاله؛ ولكنه أجاب تشككه في إراءة ~~نفسه كالمتشكك في المقصود والمضمر في سؤاله وقال: { أولم تؤمن } ~~يعني بما طلبت من الإحياء وتغافل عن مرام الجليل من كلامه مجيبا فيما ~~صنع. # وأما المعاني الثلاثة: فالأول: أنه أضمر معنى الإثبات في لفظة النفي ~~قال: { أولم تؤمن } أي: بل تؤمن، كقوله: # ألست بربكم # [الأعراف: 172] أي: أنا ربكم، والثاني: أنه درج فيها معاني جواز الرؤية ~~يعني { أولم تؤمن } بأني أرى يوم الميعاد، فتراني أنت أيضا، ~~فتتضمر في سؤالك طلب رؤيتي. # والثالث: أنه أحيى فيها معنى معالجة الخليل بالبصر يعني: { أولم ~~تؤمن } بإنجاز وعدي لك بالرؤية فاصبر فإن الميعاد لخواص العباد، ثم ~~قال الخليل في الاستفهام للمبالغة في تحصيل المرام: { بلى ولكن ~~ليطمئن قلبي } عن الاستفهامات ببلى السر بالسر، وقرر المضمرات ~~في السؤال بقوله: { ولكن } يعني ولكن مع الحديث اعلم واضمر في لفظه: ~~{ ليطمئن قلبي } ضرورات السؤال وحقائقها إضمار بإضمار، فأما ~~الجواب عن الاستفهام الأول في جواب المفهوم الأول منه طلب الأحياء، ومعنى ~~الاستفهام أي: ما آمنت عند نمرود بأني أحيي وأميت قال: { بلى } وكان ~~إيماني حقيقيا، ولكن كان مقصودي من السؤال عن إحياء الموتى الإيمان ~~والإيقان، فإنه حاصل لي ولا إحياء الموتى، فإني فارغ من الموتى وإحيائهم ~~ولي اضطراب قلبي بمثل هذه الأشياء حتى تطمئن، وإنك تعلم ما نريد. # والجواب عن مفهوم الثاني بالاستفهام، وهو قوله: { أولم تؤمن } ~~بميعاد رؤيتي في الجنة فأريك ثمة، فقال: أؤمن بهذا ولكن لا يسكن اضطراب ~~قلبي في الطلب وقلقه في الشوق أرني ليطمئن قلبي، فإن سبب اضطراب القلب ~~عين الإيمان، وكلما ازداد يقينه بالرؤية ازداد شوقه وقلقه. # والجواب الثالث { بلى }: اعلم أنك أبهمت الجواب عن سؤال الرؤية ~~وأظهرت التشكك عن معنى الرؤية كما أبهمت السؤال عن الرؤية وأظهرت التشكك ~~عن معنى الرؤية ms0244 كما أبهمت السؤال عن الرؤية وأظهرت التشكك في معنى ~~الإحياء، وقلت: { أولم تؤمن } بقدرتي على الإحياء، ولكن ما سألتك ~~عن الإحياء مسألتك عن كيفية الإحياء أن ترني كيف { تحيي الموتى ~~} ففي ذلك تحصيل مقصودي، وهذا كما أن العاشق معشوقا احتياطا وهو يريد ~~أن يرى مشاهدة معشوقه، ويحتشم منه أن يقول له: { أرني } وجهك لأنظر ~~إليك؛ لأنه يعلم أن الدلال قرين الجمال، وأن الحسرة والحسن توءمان، وفي ~~مذهب الملاح الطلب والسبيل سر، وغلبات الشوق مزعجة، وطلبات العشق تخرجه ~~حتى يضطرب إلى السؤال، فيتصنع في طلب المقصود من صاحب الكمال، فيقول: { ~~رب أرني كيف } يختط الثياب، وكل صانع فاخر في صنعه يريد أن يرى ~~جودة صنعه صاحب بصيرة وتمييز، ويحب أن يظهر كماله في ذلك فلا يبخل أن ~~يريه كيفية خياطة الثوب ولا يستنكف عن هذا المعنى ليريه بأن يحضره عنده ~~بلا حجاب، وهو يخيط الثوب ويقول: انظرني كيف أخيطه، فالعاشق يصل بعله ~~الصنع إلى الصانع، ويخطى منه بلا مانع ولا دافع ويطمئن قلبه بذلك؛ ~~فالخليل لما اعتذر عن الخليل من استعمال الاضطرار حاله في سؤاله وتضرع ~~بين يدي مولاه، وهو من يجيب المضطر إذا دعاه وحقق رجاه: { فخذ ~~أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على ~~كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا } ~~[البقرة: 260]. # والإشارة فيها أنك محجوب بك عني فحجاب صفاتك عن صفاتي محجوب، ولحجاب ~~ذاتك عن ذاتي ممنوع، فمهما تموت عن صفاتك تجئ بصفاتي، وإذا فنيت عن ذاتك ~~أبقيت ببقاء ذاتي: { فخذ أربعة من الطير } وهي الصفات ~~الأربعة التي تولدت من العناصر الأربعة التي تخمرت طينة الإنسان منها، ~~وهي التراب والماء والنار والهوى، فتولدت من أزواج كل عنصر مع قرينة ~~صفتان منها، وهي التراب وقرينه وهو الماء تولد الحرص والبخل، ومن النار ~~وقرينه، وهو الهواء تولد الغضب والشهوة، وهو قرينان يوجدان معا، ولكن ~~واحد من هذه الصفة زوج خلق منها ليسكن إليها كحواء وآدم. # وتتولد منها صفات أخرى فالحرص زوجة الحسد، والبخل زوجة الحقد، والغضب ~~زوجة الكبر، وليس ms0245 للشهوة اختصاص بزوج معين بل هي كالمعشوقة بين الصفات، ~~فيتعلق بها كل صفة ولها منها متولدات يطول شرحها، فهي الأبواب السبعة ~~للدركات السبع من جهنم التي لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم يعني: ~~من الخلق، فمن كان الغالب عليه صفة منها، فيدخل النار بذلك الباب فافهم ~~جدا. # فأمر الله تعالى خليله عليه السلام بذبح هذه الصفات وهي الطيور الأربعة: ~~طاووس البخل، فلو لم يزين المال في نظر البخيل كما يزين الطاووس بألوانه ~~ما بخل به، وغراب الحرص، وهو من حرصه يكثر في الطلب، وديك الشهوة وهو بها ~~معروف، ونسر الغضب ونسبته إليه لتصريفه في الطيران فوق الطيور وهذه صفة ~~الغضب، فلما ذبح الخليل عليه السلام بسكين الصدق هذه الطيور وانقطعت منه ~~متولداتها ما بقي له باب يدخل به النار، فلما ألقي فيها بالمنجنيق قهرا ~~ووقرا صارت عليه # بردا وسلما # [إبراهيم: 69]، تفهم إن شاء الله تعالى وحده. # والإشارة في تقطيعهن بالمبالغة ونتف ريشها، وتفريق أجزائها، وتخليط ~~ريشها ودمائها ولحومها بعضها ببعض، إشارة إلى: محو آثار الصفات الأربعة ~~المذكورة، وهدم قواعدها على يد إبراهيم الروح بأمر الشرع ونائب الحق وهو ~~الشيخ، والأمر بتقسيم أجزائها وجعلها { على كل جبل منهن ~~جزءا } [البقرة: 260]، فالجبال الأربعة هي النفوس التي جبل الإنسان ~~عليها: # أولها: النفس النامية وتسمى النفس النباتية. # وثانيها: النفس الأمارة وتسمى الروح الحيواني. # وثالثها: قوة الشيطنة وتسمى الروح الطبيعي. # ورابعها: قوة الملكية وهو الروح الإنساني. # وطيور الصفات لما ذبحت وقطعت وخلطت أجزاء بعضها ببعض، ووضعت على كل ~~جبل روح ونفس منهما جزءا بأمر الشرع، يكون بمثابة أشجار وزرع يجعل عليها ~~اقتراب المخلوط بالزبل والقاذورات، باستصواب دهقان ذي بصارة في الدهقنة ~~بمقدار معلوم ووقت معلوم، ثم يسقيها بالماء ليتقوى الزرع بقوة التراب ~~والزبل، وتتصرف النفس النامية النباتية في التراب المخلوط الميتة فيحيها ~~بإذن الله تعالى بقوله: # فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد ~~موتهآ # [الروم: 50]. # فكذلك الصفات الأربع وهي: الحرص والبخل والشهوة والغضب، فمهما كانت كل ~~واحدة منها على حالها غالبة ms0246 على الجواهر الروحاني تكدر صفاؤه وتمنعه من ~~الرجوع إلى مقامه الأصلي ووطنه الحقيقي، فإذا كسرت صورتها وذهبت قوتها، ~~وأميتت شعلتها، ومحيت آثار طباعها بأمر الشرع، وخلطت أجزاؤها المتفرقة ~~بعضها ببعض، ثم قسمت بأربعة أجزاء وجعل كل جزء منها على جبل قوة أو نفس ~~أو روح، فيتقوى كل واحد من هؤلاء بتقويتها، ويتربى بتربيتها، فيتصرف فيها ~~الروح الإنساني بقوة الملك فيحييها، ويبدل تلك الظلمات التي هي من خصائص ~~تلك الصفات المذمومة بنور هو من خصائص الروح الإنساني والملكي، كقوله: # أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمت # [الأنعام: 122]، فتكون تلك الصفة ميتة عن أوصافها، حية بأخلاق ~~الروحانيات، هذا لخواص الخلق الذين غلبت على أحوالهم الروح، وأما خواص ~~الخواص، ولمن أدركته العناية # والله غالب على أمره # [يوسف: 21]، كما كان حال الخليل عليه السلام، فإن الله تعالى بعد خمود ~~هذه الصفات يتجلى لها بصفة المحيي، فيحيي هذه الصفات الغالبية عن أوصافها ~~بنور صفة المحيية، فيكون العبد في تلك الحالة حيا بحياته محييا بصفاته، ~~وهذا المقام مخصوص بأهل الجنة والمحبة كما قال جل جلاله: # " لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت له ~~سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا، فبي يسمع وبي يبصر، وبي ينطق وبي ~~يبطش " # ، ففي هذا المقام تجلى الحق تبارك وتعالى لإبراهيم عليه السلام؛ لينعم ~~عليه بما ولاه، ويكرمه بإعطاء سؤاله، فيتجلى له بصفة المحيي، فكان في تلك ~~الحالة حيا بحياته محييا بصفاته، وكان ينطق بالحق، فقال له الحق: # " قلت لي: { رب أرني كيف تحيي الموتى } [البقرة: ~~260]، فأريك كيف أحيي الموتى، قل لهن: تعالين { يأتينك سعيا } ~~[البقرة: 260]؛ لأنك عنك فان وبي باق فبي تقول: تعالين لا بك ". # ومثال هذا كما أن أميا يقول لكاتب: أرني كيف تكتب؟ فيجعل الكاتب ~~قلمه في يد الأمي، ويأخذ يده ويمد بقوة يده بيد الأمي على الصحيفة، ~~فيقول: أنا الكاتب، رأيت كتابي، هكذا أكتب، ففي تلك الحالة يظن الأمي أنه ~~صار كاتبا إذا رأى الكتابة تكتب ms0247 من يده، فيقول: أنا الكاتب، وفي هذا ~~المقام قال من قال: # عجبت منك ومني # يا منية المتمني # أدنيتني منك حتى # ظننت أنك أني # فإذا رفع الكاتب يده عن يد الأمي فيعلم الأمي أنه أمي والكاتب ~~هو الكاتب، ثم يستغفر عن ذنب حسبانه أنه هو الكاتب، كما كان حال النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فإن الله تعالى إن تجلى لخليله عليه السلام بصفة ~~واحدة وهي المحيي ليريه آية من آياته وهي كيفية الإحياء، فقد تجلى لحبيبه ~~بجميع صفاته ليلة المعراج، كما قال تعالى: # لنريه من آياتنآ # [الإسراء: 1]؛ أي: لنريه جميع آياتنا. # واعلم أن آيات الله تنقسم إلى قسمين: # قسم منها: هي صفاته القديمة القائمة بذاته. # وقسم هي: آثار صفاته وهي المخلوقات: كالشمس والقمر وقال تعالى: # وجعلنا اليل والنهار آيتين # [الإسراء: 12]، وأمثالها كثيرة وهي آثار صفات القدرة، كما قال تعالى: # فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد ~~موتهآ # [الروم: 50]، فالرحمة صفة الحق، والماء الذي يحيي الأرض آثار الرحمة، ~~والآيات التي هي صفاته مثل آيات القرآن، فالله تعالى # أسرى بعبده ليلا # [الإسراء: 1]، وهي ليلة المعراج؛ ليريه جميع صفاته، كما سأل الحبيب ~~بقوله: # " أرنا الأشياء كما هي " # ، فإنه أيضا طلب الرؤية؛ ولكن بقدر علو همته، ورفعة مرتبة، وكمال ~~معرفته، فعلى قدر علو همته قال: " أرنا الأشياء كما هي لي " ، والأمي ~~كان يرى أن سر الناس من كل وحده برفعة مرتبته، وقال: الأشياء راعى فيها ~~معنيين: # حفظ الأدب وإخفاء مقصوده غاية الإخفاء: في قوله: " الأشياء " ، ما قاله ~~الخليل بالنسبة إلى قول الكليم كان تعريضا، وبالنسبة إلى قول الحبيب كان ~~تصريحا، والمعنى الثاني: طلب كمال الرؤية بجميع الصفات؛ لأنه لا يبقى ~~شيء إلا في الأشياء داخلها، فافهم. # ولكمال المعرفة طلب رؤية الماهية، فقال: " كما هي " ، ولعمري هذا هو ~~الملك الحقيقي الذي لا ينبغي لأحد من قبله ولا من بعده، وتجلى له الرب ~~تبارك وتعالى تلك الليلة بجميع صفاته، كما قال تعالى: # إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما ~~طغى * لقد رأى من ms0248 آيات ربه الكبرى # [النجم: 16-18]، وإنما خص الآيات بالكبرى؛ ليفهم أن الآيات الصغرى هي: ~~الآثار، والآيات الكبرى هي: الصفات العليا، ثم قال تعالى له: # فاعلم أنه لا إله إلا الله # [محمد: 19]، هذا إخبار عن إفناء ذاته وصفاته بالكلية عند تجلي الإلوهية، ~~فبعث وحده بإفناءه بالماهية عن العبدية وإبقاءه بالوحدة؛ ليعلم ماهية # أنه لا إله إلا الله # [محمد: 19]، فما بقي غير الحق، وما رأى الحق إلا الحق، # واستغفر لذنبك # [محمد: 19]؛ أي: لذنب حسبانك أنك كاتب وأنت نبي أمي عربي لست بكاتب، ~~وهذه إشارات وبشارات عرفها من عرفها وجهلها من جهلها، ولعلي ما سبقت بهذا ~~التقرير، والله أعلم. # ثم قال لخليله حتى يعلم أنه ليس بكاتب { واعلم أن الله ~~عزيز حكيم } [البقرة: 260]؛ يعني: بعد أن أحييتك بحياتي وأكرمتك ~~بصفاتي، فأحييت الطيور وعلمت كيفية إحيائي الموتى على قدر استعدادك ~~واستحقاقك، فاعلم أني أعز من أن يعرف كنه صفة من صفاتي أو كيفيتها أو ~~ماهيتها، # ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء # [البقرة: 255]، وأنا حيكم لا يحيط بعلمي إلا حكمتي، ولا يحيط بحكمتي إلا ~~علمي، لأنهما موصوفان بإحاطة القدم. ### || [2.261-265] # ثم أخبر عن الإنفاق بالوفاق وماله في هذا التسوق من النفاق بقوله تعالى: ~~{ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع ~~عليم } [البقرة: 261]، الإشارة فيها: إن الذين ينفقون أموالهم في سبيل ~~الله فالخلف لهم الجنة، والذين ينفقون أرواحهم وقلوبهم في سبيل الله ~~فيكون الخلف عنهم ولهم الحق سبحانه، ومن يعطي تمرة إلى فقير يأخذها الله ~~بيمينه ويربيها كما يربي أحدكم فلوة أو فصيلة، حتى تكون أعظم من الجبل، ~~فكيف بمن يعطي قلبه إلى الله تعالى وهو يربيه بين أصبعي جماله؟ فلا جرم ~~يصير بتربيته أعظم من العرش بما فيه؛ بل يكون العرش بما فيه في عرصته ~~كحلقة في فلات، فافهم جدا. # فإن قوما بذلوا المال في سبيل الله، وقوما بذلوا الحال في سبيل الله ~~بإيثار صفاء الأوقات، وفتوحات ms0249 الخلوات، وطلب الحق وأرباب الصدق؛ للقيام ~~بأمورهم في تشفي ما في صدورهم # ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة # [الحشر: 9]، فبذلوا ليحصلوا، وحصلوا لينفصلوا له، وانفصلوا إليه ~~ليتصلوا، واتصلوا ليصلوا، { والله يضاعف لمن يشآء } ~~[البقرة: 261] فضله وكرمه { والله واسع } [البقرة: 261] بالفضل ~~والكرم { عليم } ، يا أهل فضله. # ثم أخبر عن أخلاق أهل الإنفاق بقوله تعالى: { الذين ينفقون ~~أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون مآ ~~أنفقوا منا ولا أذى } [البقرة: 262]، والإشارة فيها: أن ~~الإنفاق في سبيل الله هو: الذي يكون في طلب الله لا في طلب غير الله، مثل ~~الثناء والشكر في الدنيا، والجزاء في الآخرة من الجنة ونعيمها، كقوله ~~تعالى: # إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزآء ~~ولا شكورا # [الإنسان: 9]، ثناء وشكر في الدنيا. # وقال الله تعالى: # إن هذه تذكرة فمن شآء اتخذ إلى ربه ~~سبيلا # [المزمل: 19]؛ أي: اتخذه في طلب الله، ويدل عليه قوله تعالى: { ثم ~~لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى } [البقرة: 262]؛ ~~فالمن: أن يمن به على الحق، ويظن أن المال كان له وإنفاقه كان منه، ولا ~~يعلم أن المال كان مال الله وهو بنفسه عبد الله، وإنما كان إنفاقه بتوفيق ~~الله، ففي هذا كله تعالى عليه المنة لا له منة على الله كقوله تعالى: # يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي ~~إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان # [الحجرات: 17]، فإذا من العبد في الإنفاق وكل الأعمال أن لا يعمل إلا ~~بنية الطمع في المكافآت، أو خوف العذاب، كأنه يقول: إني عملت لك هذا ~~العمل ووجب عليك حق فأد حقي، وهو غافل عن حقيقة الحال أنه لا يعمل لله ~~شيئا لا حسنة ولا سيئة، وإنما يعمل لنفسه، لقوله تعالى: # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها # [الإسراء: 7]، ولا يعمل العمل من قدرة له أو بمشيئة منه، فإنه قال ~~تعالى: # والله خلقكم وما تعملون # [الصافات: 96]، وقال تعالى: # وما تشآءون إلا أن يشآء الله # [التكوير: 29]، فإنه ما للعبد حق على الرب حقيقة حتى يطالب في طمع ms0250 ~~الثواب وخوف العذاب. # وقوله تعالى: { ولا أذى } [البقرة: 262]؛ فالأذى أن يطلب من الله عز ~~وجل غير الله، رأى أحمد بن خضرويه ربه في المنام فقال: " يا أحمد، كل ~~الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد، فإنه يطلبني " ، ثم قال تعالى: { لهم ~~أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون } [البقرة: 262]؛ يعني: إذا أنفقوا في طلب، { ثم لا ~~يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى } [البقرة: 262] طمعا ~~في غير الله، فلهم أجر الذين عملوا عند ربهم؛ أي: ينزلهم في مقام العندية # عند مليك مقتدر # [القمر: 55]؛ أي: لا ينزلهم عند الجنة ولا عند النار إلا عند الله، ~~فافهم جدا. # { قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ ~~أذى } [البقرة: 263]؛ يعني: قول من عارف يعرف قدر ربه بالمعرفة في طلب ~~المعروف { ومغفرة } [البقرة: 263] له وإن لم يكن له مال يتصدق به { ~~خير } [البقرة: 263] له عند ربه في نيل المرام { من صدقة ~~يتبعهآ } [البقرة: 263]، من الجهل { أذى } [البقرة: 263] طلب غير ~~الحق { والله غني } [البقرة: 263]، مع أن الله غني مستغن عنكم ~~لكماله، وأنتم مفتقرون إليه لنقصانكم بالكمال، { حليم } [البقرة: ~~263]، يحلم على العبد بحلمه أن يطلبه منه، ولولا حلمه فما للتراب ورب ~~الأرباب، ويحلم عن العبد ولا يعجل في عقوبة من يختار عند الطلب غيره ~~عليه، ويطلب منه غيره. # ثم أخبر عن إبطال الصدقة بالمنة والأذى وفساد النية بقوله تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقتكم بالمن ~~والأذى } [البقرة: 264]، إشارة في تحقيق الآية أن المعاملات إذا كانت ~~مشوبة بالأغراض ففيها نوع من الإعراض، ومن أعرض عن الحق فقد أقبل على ~~الباطل، ومن أقبل على الباطل فقد أبطل حقوقه في الأعمال # فماذا بعد الحق إلا الضلال # [يونس: 32]، وقد نهيت عن إبطال الأعمال بالرياء للإعراض عن طلب الحق ~~والإقبال على الباطل بقوله تعالى: { لا تبطلوا صدقتكم ~~بالمن والأذى } [البقرة: 264]؛ أي: إذا مننت بها على الفقير فقد ~~أعرضت عن طلب الحق؛ لأن قصدك في الصدقة، ولو كان طلب الحق لما مننت على ~~الفقير؛ بل كنت رهين منة الفقير حيث كان سبب ms0251 وصولك في الصدقة إلى الحق، ~~ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: # " لولا الفقراء لهلك الأغنياء " # ؛ يعني: لم يجدوا وسيلة إلى الحق. # وقد فسر بعضهم قوله: # " اليد العليا خير من اليد السفلى " # ، بأن اليد العليا هي: يد الفقير، والسفلى يد الغني؛ لأن الفقير يأخذ ~~منه الدنيا وهي السفلى، ويعطيه الآخرة وهي العليا، فاليد العليا تكون يد ~~الفقير، واليد السفلى يد الغني التي تعطي السفلى وتأخذ العليا، والأذى هو ~~الإقبال على الباطل؛ لأننا فسرنا في آية أخرى أن الأذى هو طلب غير الحق ~~عن الحق، فعلى هذا المعنى طلب غير الله هو الإقبال على الباطل؛ لأن كل ~~شيء غير الحق فهو باطل، لقوله صلى الله عليه وسلم: # " أن أصدق كلمة قالها العرب: كل شيء ما خلا الله باطل " # ، فمن عمل عملا لله ثم يشوبه بغرض في الدارين، فقط أبطل عمله بأن يكون ~~لله تعالى، فافهم جدا. # كما ضرب الله به مثلا قال: { كالذي ينفق ماله رئآء ~~الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله ~~كمثل صفوان عليه تراب } [البقرة: 264]؛ يعني: الذي يبطل ~~صدقته بالمن والأذى؛ هو كالذي ينفق ماله رئاء الناس، ومن ينفق المال رئاء ~~الناس فليس له إيمان بالله واليوم الآخر؛ لأن اليسير من الرياء شرك، ~~والمشرك لا يكون مؤمنا؛ لأنه لو كان مؤمنا بالله كان ينفق لله، ولو كان ~~مؤمنا للآخرة ينفق للآخرة، فلما أنفق لأجل الدنيا وطلب الرفعة فيها وهي ~~فانية عنها، إنه لو كان مؤمنا لم يخير الفاني على الباقي، فمثل عمل ~~المرء { كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل } ~~[البقرة: 264]، الطرد على تراب عمله فأبطله كما يبطل الوابل على الصفوان ~~{ فتركه صلدا } [البقرة: 264]؛ أي: بلا عمل، فكما أن المرء لا ~~يؤمن بالله واليوم الآخر حقيقة حين يعمل عمل الآخرة ويشوبه بغرض دنيوي، ~~فكذلك من عمل عملا لله تعالى ثم يشوبه بغرض أخروي، فإنه يؤمن بالآخرة، ~~ولكن في الحقيقة لا يؤمن بالله، فبوابل درأنا أعني الشركاء عن الشرك يبطل ~~ثواب عمله على صفوان حسبانه، { فتركه صلدا } [البقرة: 264]، ~~مفلسا خائبا خاسرا، ms0252 { لا يقدرون على شيء مما ~~كسبوا } [البقرة: 264]، بالشرك في طلب غير الحق { والله لا ~~يهدي } [البقرة: 264]، إلى حضرة جلاله { القوم الكافرين } ~~[البقرة: 264]، قوما كفروا بنعمة شهود جماله فحرموا من دولة وصاله، ~~وأقربوا بعذاب الفراق ووباله. # ثم أخبر عن طلب المتحصلين في الإنفاق والعمل الخالص من النفاق بقوله ~~تعالى: { ومثل الذين ينفقون أمولهم ابتغآء ~~مرضات الله } [البقرة: 265]، فحسب لا ينبغي معها من الله ما هو ~~سواه من أمر الدنيا والآخرة، { وتثبيتا من أنفسهم } ~~[البقرة: 265]، وتخليصا لنياتهم في طلب الحق ومرضاته من حظوظ أنفسهم، { ~~كمثل جنة بربوة أصابها وابل } [البقرة: 265]، الوارد ~~فظل إلهامات { فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها ~~وابل فطل } [البقرة: 265]؛ يعني: ثمرات الخلاصة في طلب الحق ~~ومرضاته تكون ضعفين بالنسبة إلى من ينفق ويعمل الخيرات والطاعات؛ لأجل ~~الثواب الأخروي، ورفعة الدرجات في الجنان، فإن حظه يكون من نعيم الجنة، ~~فحسب المخلص في طلب الحق يكون له ضعف من قربة الحق ودولة الوصال، وشهود ~~ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ضعف من نعيم الجنة ~~أوفى وأوفر من ضعف طلب الجنة ونعيمها بأضعاف مضاعفة بالتبعية، فإن الله ~~تعالى كما يعطي أهل الآخرة نصيبا من الدنيا بالتبعية، ولا يعطي لأهل ~~الآخرة ما لأهل الله من القربة والوصلة بالتبعية؛ فلهذا ثمرات أهل الله ~~تكون ضعفين، ولأهل الآخرة ضعفا واحدا، وأما معنى آخر { فآتت ~~أكلها ضعفين } [البقرة: 265]، في الدنيا ضعف من ثمرات الكشوف ~~والمشاهدات وأنواع الكرامات، أثمرتها جنة قلب المخلصين من { وابل } ~~[البقرة: 265]، الواردات والنظريات الإلهية، أو { فطل } [البقرة: ~~265]، الجذبات والإلهامات الربانية، { والله بما تعملون ~~بصير } [البقرة: 265]، كيف تعلمون؟ ولماذا تعملون لابتغاء المرضاة أو ~~لاستيفاء الحياة؟ ### || [2.266-267] # ثم أخبر عن حال النفاق في الإنفاق بقوله تعالى: { أيود أحدكم ~~أن تكون له جنة من نخيل وأعناب } [البقرة: 266]، ~~إشارة في تحقيق الآية، إن الله تعالى ضرب مثلا لروح الإنسان وقلبه بجنة ~~{ له فيها من كل الثمرات } [البقرة: 266]، إذ خلق في أحسن ~~تقويم مستعدا لجميع الكرامات والكمالات، مزينا بجميع الفضائل وحسن ~~الشمائل، ms0253 مكرما بعلم جميع الأسماء، منورا بأنوار العقل والحواس، ~~متوحدا بحمل الأمانة، متفردا برتبة الخلافة، جنة هي منظور نظر العناية، ~~{ تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات ~~وأصابه الكبر } [البقرة: 266]، أنهار الهداية وأصاب صاحبها ضعف ~~الإنسانية، { وله ذرية ضعفآء } [البقرة: 266]، من متولدات ~~البشرية، وهم في غاية الاحتياج للتربية بأغذية ثمراتها، { فأصابهآ ~~إعصار } [البقرة: 266]، من أعمال البر، { فيه نار } [البقرة: ~~266]، من الرياء والنفاق { فاحترقت } [البقرة: 266]، الروحانية ~~بنار صفات البشرية، وأبطلت جميع استعدادها، وقابلته الكمالات فيها بتبديل ~~أخلاق الروحاني النفساني وأوصاف الملكي الشيطاني والحيواني، فأهبط من ~~أعلى عليين إلى أسفل سافلين الطبع، { كذلك يبين الله لكم ~~الأيت } [البقرة: 266]، ألطافه وإحسانه معكم في أصل الخلقة من حسن ~~استعداد الفطرة، { لعلكم تتفكرون } [البقرة: 266]، في الآية ~~ونعمائه معكم لا تبطلوا حسن حالكم بقبيح أفعالكم، ولا تفسدوا صالح خصالكم ~~بفساد أعمالكم، وتوبوا إلى الله بصدق نياتكم، وأخلصوا لله معاملاتكم في ~~طاعتكم، ولا تضيعوا أعمالكم في طلب آمالكم، واستعدوا للموت قبل حلول ~~آجالكم. # ثم أخبر عن إنفاق المال من كسب الحلال بقوله تعالى: { يأيها ~~الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم } ~~[البقرة: 267]، الإشارة فيها: أن الله تعالى لما أمر للتصدق بإنفاق ~~الطيب من ماله، راعى صلاحه أكثر مما راعى صلاح الفقير؛ لأن صلاح الفقير ~~مقصور على ما يقول: راجع إلى نفسه، وإن صلاح المتصدق راجع إلى سبعة أمور: # أحدها: لو فسرنا الطيب بالحلال فيقبل الله منه، وإن لم يكن طيبا فلا ~~يقبل الله منه، كقوله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب " # ، ولو فسرناه بالجودة. # وثانيها: أن يكون في إنفاق الطيب جانب الحق تعالى مرعيا بالتعظيم، وقد ~~أمر بالتعظيم لأمر الله، فيثاب على ذلك أيضا. # وثالثها: فيه رعاية جانب الفقير بالشفقة عليه، وقد أمر بالشفقة عليه، ~~وقد أمر بالشفقة على خلق الله، فيثاب على ذلك أيضا. # ورابعها: أن يكون به مؤثرا على الفقير، فيثاب أيضا. # وخامسها: يستحق بذلك البر من الله تعالى، كقوله تعالى: # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # [آل ms0254 عمران: 92]، والبر مزيد على الثواب؛ لأن الثواب يحصل بإنفاق أدنى ~~شيء وأدون شيء، والبر لا يحصل إلا بإنفاق الأحب، والطيب هو أحب من ~~الرديء، فيحصل له ثواب الإنفاق مع مزيد البر بالإنفاق الأحب. # وسادسها: أنه موجب لزيادة إيمان مع إيمانه؛ لأن المتصدق في صدقته ~~كالزارع في زراعته، فإن للزارع إيمانا بأن له من زراعته البذر ثمرة أوفى ~~من البذر، ولكنه مما يجد موجبا لزيادة هذا الإيمان بحصول الثمرة، فيبالغ ~~في الزراعة بجودة البذر لتحققه أن جودة البذر مؤثرة موجبة بجودة الثمرة ~~وكثرتها، وكذلك المتصدق فكلما ازداد إيمانه بالله والبعث والثواب والعقاب ~~يزيد في الصدقة وجودتها لتحققه # إن الله لا يظلم مثقال ذرة # [النساء: 40]، # ويؤت من لدنه أجرا عظيما # [النساء: 40]. # وسابعها: إنه لما يعطي الله أحب ما عنده فإن الله يجازيه بأحب ما ~~عنده، كما قال: # هل جزآء الإحسان إلا الإحسان # [الرحمن: 60]، وأما تقديم كسب العبد على ذكر ما أحبه من الأرض واحتضنه ~~بالطيب ففيه إشارة إلى: # " إن الطيب ما يأكل الرجال من كسب يده " # كما قال صلى الله عليه وسلم. # وفي قوله: { أنفقوا من طيبات ما كسبتم وممآ ~~أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه ~~تنفقون } [البقرة: 267]، إشارة إلى معنى آخر في غاية اللطائف؛ يعني: ~~أنفقوا من طيبات نياتكم، من تزكية النفوس وتصفية القلوب عن خيانة صفات ~~النفس الخبيثة وتصرفات الشيطان الخبيث، { وممآ أخرجنا لكم ~~من الأرض } [البقرة: 267]، طينتكم في تجلية سرائركم بمكارم الأخلاق ~~وأنوار الوفاق؛ لتكون الشفقة طيبة من خباثة الشبهات في نفسها، طيبا ~~إنطاقها من خباثة الأغراض والعلل الدنيوية والأخروية، طيبا منفقها من ~~خيانة الالتفات، والنظر في الإنفاق إلى غير الله تعالى، { ولا ~~تيمموا الخبيث } [البقرة: 267]؛ يعني: النفقة الخبيثة في ~~نفسها، بخباثة الشبهات بالنية الخبيثة، بخباثة الغلات من النفس الخبيثة، ~~بخباثة الصفات الذميمة عن المنفق الخبيث؛ وهو: القلب الملوث بخباثة ~~الالتفات، والنظر في الإنفاق إلى غير الله { منه تنفقون } ~~[البقرة: 267]؛ يعني: لا تنفقوا إلا من الوجوه الطيبات كما قررنا، حتى ~~يكون مقبولا # " فإن الله طيب لا يقبل ms0255 إلا طيبا " # ، وإن الله تعالى بحسب كل طيب قبولا طيبا، فإذا كانت الصدقة طيبة في ~~نفسها لله قبول طيب عن الوسائط، فيأخذها بيده فيزيدها قبل أن تقع في يد ~~الفقير، وإذا كانت النية في إنفاقها فلله قبول طيب فإنها أبلغ عند الله ~~من عملها، وإذا كان القلب المنفق طيبا عن الالتفات إلى غير الله فلله ~~قبول طيب عن الأخيار بين أصبعين من أصابع الرحمن، فها هنا يتحقق لذوي ~~البصائر الطيبة: " إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب " ، ومن هنا تبين حقيقة # الطيبات للطيبين # [النور: 26]. # ثم قال: { ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه } ~~[البقرة: 267]؛ يعني: وأنتم لستم بآخذي هذه الخبائث في أصل الفطرة، ولا ~~في عهد الخلقة من النية الخبيثة؛ لأنكم خلقتم من أصل طيب وطينة طيبة، ~~والروح من أطيب الأطايب؛ لأنها أقرب الأقربين إلى حضرة رب العالمين ~~لكرامة شريف إضافة # ونفخت فيه من روحي # [الحجر: 29]، فمن أطيب ممن منشأه نفخة الحق والجسد من التراب الطيب قد ~~خلق، كقوله تعالى: # فتيمموا صعيدا طيبا # [النساء: 43]، ثم أحيا لكم بالإيمان حياة طيبة؛ لقوله تعالى: # فلنحيينه حياة طيبة # [النحل: 97]، ثم رزقكم من الطيبات. # وقال تعالى: # كلوا من طيبات ما رزقناكم # [طه: 81]، فليس منكم شيء خبيث في الظاهر والباطن، { ولستم ~~بآخذيه } [البقرة: 267] بالطبع { إلا أن تغمضوا فيه } ~~[البقرة: 267] بالتكلف والقهر في قراءات من قرأ بضم التاء وفتح الميم، ~~كما قال صلى الله عليه وسلم: # " كل مولود يولد على فطرة فأبواه يهودانه ويلوناه بخباثة الكفر قهرا ~~وجبرا " # ، فلم تكن الخيانة ذاتية للإنسان إلا طارئة عليه عارية لديه، أنزل الله ~~تعالى كلمة طيبة وعفي لا إله إلا الله، وأمركم بالمواظبة عليها بقوله ~~تعالى: # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا ~~سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم # [الأحزاب: 70-71]؛ يعني: قولوا هذه الكلمة، يبالي أن يتقي بتنقيتها ~~خباثة قد أخذتموها من التكليف عن قومكم، ويثبت بإثباتها طيب التوحيد ~~والمعرفة، فتطيب أعمالكم وتغفر لكم ذنوبكم بتطيب أخلاقكم، فلما سلمتم من ~~خباثة أعمالكم بتطيب أخلاقكم نوديتم من سرادقات الجلال ms0256 عن حرثه جنات عالم ~~الجمال، # سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين # [الزمر: 73]. # ثم قال تعالى: { واعلموا أن الله غني حميد } ~~[البقرة: 267]؛ يعني: من كمال غناه يسد فقركم جميعا بشظية من كمال غناه ~~ويفنيكم كلكم، وما ينقص من كمال غناه مثقال ذرة، وظاهر قوله تعالى: { ~~أنفقوا من طيبات ما كسبتم } [البقرة: 267]، يقتضي أنه ~~يطلب من غناكم، وباطنه يبقى عن مطالبة إياكم، يفنيكم بلا علة وغرض يرجع ~~إليه، بأن تشكروا له على نعمه، أو تحمدوه على فضله وكرمه، فإنه في ذاته ~~حميد بصفاته مجيد. ### || [2.268-270] # ثم أخبر عن عدة الشيطان وعدة الرحمن بقوله تعالى: { الشيطان ~~يعدكم الفقر } [البقرة: 268]، والإشارة فيها: أن الشيطان حين ~~يعدكم بالفقر ظاهر، فهو يأمركم بالفحشاء حقيقة، والفحشاء: اسم جامع لكل ~~سوء؛ لأن عدته بالفقر تضمن معاني الفحشاء، وهي البخل والحرص، واليأس من ~~الخلق، والشك في وعد الحق للخلق بالرزق، والخلف للمتفق ومضاعفة الحسنات، ~~وسوء الظن بالله وترك التوكل عليه، وتكذيب قول الحق، ونسيان فضله وكرمه، ~~وكفران النعمة، والإعراض عن الحق، والإقبال على الخلق، وانقطاع الرجاء من ~~الله وتعلق القلب بغيره، ومتابعة الشهوات، وإيثار الحظوظ وترك العفة ~~والقناعة، والتمسك بحب الدنيا وهو رأس كل خطيئة وبذر كل بلية؛ ولهذا ~~القوم بالتخصيص الانحطاط من كل مقام علي إلى كل منزل دنىء، مثل الخروج ~~عن حول الله وقوته إلى حول نفسه وقوتها، والنزول عن التسليم والتفويض إلى ~~التدبير والاختيار، ومن العزائم إلى الرخص والتأويلات، والركون إلى غير ~~الله تعالى بعد السكون معه، والرجوع إلى ما تركه الله بعد بذله في الله، ~~فهذه كلها وأضعافها مما تضمنت عدة الشيطان بالفقر، فمن فتح على نفسه باب ~~وسوسة فسوف يبتلى بهذه الآفات. # { والله يعدكم مغفرة منه وفضلا } [البقرة: 268]، ~~ومن سد على نفسه باب وسوسة بالعدة، يفتح على نفسه باب عدة الحق بالمغفرة، ~~ويفيض الله تعالى من بحار فضله سجال ثوابه، ويحفظه من هذه الآفات ويخطه ~~على عسكها من أنواع الكرامات ورفعة الدرجات، { والله واسع } ~~[البقرة: 268]، فضله وكرمه وعطاؤه وملكه وغناؤه ورحمته ومغفرته، { ~~عليم } [البقرة: 268]، بمن ms0257 سد باب وسوسة الشيطان على نفسه، وفتح باب ~~الفضل والمغفرة والرضوان من ربه، فينعم عليه بأنواع مما لديه عاجلا ~~وآجلا، فمن ذلك يفتح الله تبارك وتعالى على قلبه بابا من خزائن حكمته ~~عاجلا، وهي مختصة بمشيئة إلا مشيئة الخلق كما ظن الفلاسفة والأطباء، ~~فإنه تبارك وتعالى: { يؤتي الحكمة من يشآء } [البقرة: 269]. # فظن قوم أن الحكمة مما يحصل بمجرد التكرار وهي نتائج الأفكار، وما فرقوا ~~بين المعقولات والحكميات والإلهيات، فالمعقولات مشتركة بين أهل الدين ~~وأهل الكفر، وبين المقبول والمردود، فالمعقول ما يحكم عليه ببرهان عقلي، ~~وهذا ميسر لكل عاقل بالدراية وبالقوة، فمن صفي عقله عن شوائب الوهم ~~والخيار بدرك عقله المعقول بالبرهان ورأيه عقلية، ومن لم يصف العقل عن ~~هذه الآفات، فهو يدرك المعقول قراءة بتفهيم أستاذ مرشد، فإن الحكمة ليست ~~من هذا القبيل، فإن العقول عن دركها بذواتها محتسبة، والبراهين العقلية ~~والنقلية عنها مخنسة، فإنها مواهب ترد على قلوب الأنبياء والأولياء عند ~~تجلي صفات الجمال والجلال، وفناء أوصاف الخلقية لشواهد صفات الخالقية، ~~فيكاشف الأسرار بحقائق معان أورثتها تلك الأنوار، ستر البشر وإضمار ~~بإضمار، فإمارة صحتها معادلتها لحقائق القرآن، بل هي عين حقائق القرآن، ~~كما قال صلى الله عليه وسلم: # " أوتيت القرآن وما يعدله " # ، أشار بهذه إلى الحكمة، ولهذا قال سهل رضي الله عنه في تأويل الحكمة: ~~هي السنة، فحقيقة الحكمة نور من أنوار صفات الحق، يؤيد الله به عقل من ~~يشاء من عباده، فيكون له كما قال: # نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء # [النور: 35]، فمن أكرم بهذا النور فقد أوتي كل حبور وسرور، وأوتي مع ~~الحكمة خيرا كثيرا، كما قال تعالى: { ومن يؤت الحكمة فقد ~~أوتي خيرا كثيرا } [البقرة: 269]؛ يعني: لذلك النور فوائد ~~وخيرات كثيرة، فمن جملتها الحكمة، فمن يؤت الحكمة فقد أعطي ذلك النور { ~~فقد أوتي خيرا كثيرا } [البقرة: 269]، فافهم جدا. # واغتنم واجتهد أن تتعظ به وتكون من ذويه؛ لأنه تعالى: { وما ~~يذكر إلا أولوا الألباب } [البقرة: 269]؛ وهم الذين لم ~~يقنعوا بقشور العقول الإنسانية، بل سعوا في ms0258 طلب لبها بمتابعة الأنبياء ~~- عليهم الصلاة والسلام - فأخرجوهم من ظلمات قشور العقول الإنسانية إلى ~~نور لب المواهب الربانية، فتحقق لهم أن # ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # [النور: 40]، فانتبه أيها مغرور المفتون بدار الغرور، # ولا يغرنكم بالله الغرور # [لقمان: 33]. # ثم أخبر عن توفية الأجور للمتفق في الفروض والنذور بقوله تعالى: { ومآ ~~أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن ~~الله يعلمه وما للظالمين من أنصار } [البقرة: ~~270]، الإشارة فيها: أن تقرب العبد إلى الله إنما يكون بفرض أوجبه عليه ~~أو بنقل أوجبه العبد على نفسه، فعلى كلا التقديرين إن الله عليم بهما، ~~فيجازي العبد بهما، كما قال تعالى في حديث رباني: # " لن يتقرب إلي المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم، ولا يزال العبد ~~يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ~~ويدا، فبي يسمع وبي يبصر، وبي ينطق وبي يبطش " # ، ولكن الشأن في إخلاص العمل لله تعالى من غير شوبة بعلة دنيوية أو ~~أخروية، فإنها شرك، # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. # فقوله تعالى: { ومآ أنفقتم من نفقة } [البقرة: 270]؛ أي: ~~مفروضة، { أو نذرتم من نذر } [البقرة: 270]؛ أي: من نقل ~~أوجبتموه على أنفسكم، فإن الله يعلم إنكم تقربتم به إلى الله خالصا ~~مخلصا بلا شوبة بشرك أم لا، فإن كان غير مشوب بشرك فيجازيكم بجزاء ~~المخلصين، وإن كان مشوبا بشرك فأنتم ظلمتم بوضع طاعة الله في غير ~~موضعها، { فإن الله يعلمه } [البقرة: 270]؛ يعني: الظلم ~~منكم، { وما للظالمين } [البقرة: 270]، من أشار بأن يتقرب إليهم ~~بأنواع ألطافه؛ لأنهم ما تقربوا إليه بطاعتهم، ومن سنة ما قال: # " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ". ### || [2.271-273] # ثم شرح أحوال العباد في نياتهم بالصدقات بقوله تعالى: { إن تبدوا ~~الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها ~~الفقرآء فهو خير لكم ويكفر عنكم من ~~سيئاتكم } [البقرة: 271]، وإخفاء الصدقة أشار به إلى تخليصها من ~~شوب الحظوظ، كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم في حديث: # " سبعة يظلهم الله في ظله " # ، وقال صلى الله عليه ms0259 وسلم: # " رجل تصدق بيمينه فأخفى حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه إلى إخفاء ~~الصدقة عن شماله " # ؛ يعني: يخفيها عن حظوظ نفسه فتكون خالصة لله تعالى، فصاحبها يكون في ظل ~~الله، وكما قال صلى الله عليه وسلم: # " إن المرء يكون في ظل صدقته يوم القيامة " # ؛ يعني: إن كانت صدقته الله تعالى فيكون في ظل الله، وإن كانت صدقته ~~للجنة فيكون في ظل الجنة، وإن كانت صدقته للهوى فيكون في ظل الهاوية، ~~فافهم جدا. # فلما علموا إخفاء الصدقات فأدوها أن تكون مشوبة بحظ الثواب، فقال تعالى: ~~{ إن تبدوا الصدقات } [البقرة: 271]، نظروها لطمع ثواب الجنة { ~~فنعما هي } [البقرة: 271]، فإنها مرتبة الأبرار، # إن الأبرار لفي نعيم # [الانفطار: 13] { وإن تخفوها } [البقرة: 271]، عن كل حظ ونصيب، { ~~وتؤتوها الفقرآء } [البقرة: 271]؛ أي: تعطوها لوجه الله تعالى ~~إلى الفقراء لا حظ النفس، { فهو خير لكم } [البقرة: 271]؛ ~~يعني: كما زدتم على الصدقة بالإخفاء عن الحظوظ، وهي أن يكون في ظل الله ~~وهو مقام المقربين، لقوله تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26] الحسنى؛ أي: جزاء أهل الحسنات، فأما من أحسن الحسنة فهو الذي ~~يكون مقامه مقام الإحسان، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه؛ يعني: نظرك ~~في الطاعة لا يكون إلا الى الله، فيكون جزاؤه بعد الجنة الزيادة، وهي ~~لقاء الله عز وجل { والله بما تعملون } [البقرة: 271]، كل ~~طائفة من الأبرار والمقربين، { خبير } [البقرة: 271]، فيجازيكم على ~~قدر خلوص نياتكم، ف # " إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى " # من عمله. # ثم أخبر عن الهداية وأن ليس لأحد عليها ولاية، وأن الله فيها ولي ~~الكفاية بقوله تعالى: { ليس عليك هداهم ولكن الله ~~يهدي من يشآء } [البقرة: 272]، الإشارة فيها: إن يا محمد لك ~~المحمود واللواء المعقود، ولك الوسيلة، وعلى الأنبياء الفضيلة، ولك ليلة ~~المعراج والقربة الواصلة، ولك يوم القيامة الشفاعة والرفعة، وأنت سيد ~~الأولين والآخرين، وأنت أكرم على رب العالمين، ولكن { ليس عليك ~~هداهم } [البقرة: 272]، # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء # [القصص: 56]، { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما ~~تنفقون إلا ms0260 ابتغآء وجه الله وما تنفقوا من ~~خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } [البقرة: 272]، ~~وهو عالم بخفيات سرائركم وجلبات ضمائركم من غير فطور وقصور، { وأنتم ~~لا تظلمون } [البقرة: 272]، قطميرا ولا نقيرا. # ثم أخبر عن أهل الصدقات ودلنا على أفضل النفقات، بقوله تعالى: { ~~للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله } [البقرة: ~~273]، الآيتين، والإشارة فيهما: أن الإنفاق على سادات اختاروا الفقر على ~~الغنى؛ محبة لله عز وجل واقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وحرفته، فإنه صلى الله عليه وسلم يقول: # " لي حرفتان: الفقر والجهاد " # ، وأولى وهم أحق بها، كما قال تعالى: { للفقرآء الذين ~~أحصروا في سبيل الله } [البقرة: 273]؛ يعني: الفقير أحصره حب ~~الله في طلبه، لا الذي أحصره الفقر والعجز عن طلب الرزق، بل أحصرهم الشوق ~~والمحبة في سبيل الله فأخذ عليهم سلطان الحقيقة كل طريق فلا لهم في الشرق ~~مذهب ولا الغرب مضرب، ولا منه إلى غيره مهرب كيفما نظروا سرادقات التوحيد ~~محدقة بهم، كما قيل: # كأن فجاج الأرض ضاقت برحبها # عليه فما تزداد طولا ولا عرضا # { لا يستطيعون ضربا في الأرض } [البقرة: 273]؛ لأنهم ~~واقفون مع الله لله بالله، سقط عنهم السكون والحركات، فإنهم مجذبون عنهم ~~بالجذبات، مضروب عليهم قباب الغيرات، لا إشراف للأجانب عليهم، ولا سبيل ~~للأغيار إليهم، حجبهم العزة عن الجاهل بحجاب العفة، فيراهم الأغنياء بنظر ~~الأغنياء، { يحسبهم الجاهل أغنيآء من التعفف } ~~[البقرة: 273]؛ لأنهم مستورون قباب الغيرة، محجوبون عن معرفة أهل الغيرة، ~~كما قال تعالى: # " أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري يا محمد ". # { تعرفهم بسيماهم } [البقرة: 273]؛ لأنك لست بك فلست غيري؛ ~~لأنك إذا رأيت ولكن الله رأى، كما قال تعالى: # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى # [الأنفال: 17]، وإن سيماهم لا ترى بالبصر الإنساني بل ترى بالنور ~~الرباني؛ لأن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن، وأحوال باطنهم ~~أنهم أحصروا في سبيل الله، فأحصروا نفوسهم على طاعة الله عن معصية قلوبهم ~~على معرفة الله عن نكرته، وأرواحهم على محبة الله عن غيره، وأسرارهم على ~~رؤية الله عن شهود ms0261 سواه، فمن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال ~~الباطن، { لا يسألون الناس إلحافا } [البقرة: 273]، لا ~~بقليل ولا بكثير مع غاية احتياجهم؛ لأن إيتاء أنوار غناء قلوبهم انعكست ~~على ظواهرهم، فتنورت بتعفف نفوسهم واضمحلت ظلمة فقرهم، وحاجتهم تحت أنوار ~~غني قلوبهم، { وما تنفقوا من خير } [البقرة: 273]؛ يعني: من ~~كل معاملة فيها خير من المال والجاه، وخدمة بالنفس وإعزاز وإكرام وإعظام ~~وارد من القلب تعاملون به هؤلاء، والسادة حتى السلام عليهم استحقاقا ~~وإجلالا وإذلالا، { فإن الله به } [البقرة: 273]، بجميع ~~معاملاتكم معهم للتقرب إليهم، { عليم } [البقرة: 273]، فإن تقربتم ~~إليه في الإنفاق عليهم بشبر يتقرب في مجازاتكم بذراع، وإن تقربتم بذراع ~~يتقرب عليكم بباع، فلا نهاية لفضله ولا غاية لكرمه، ومن يسماهم في الظاهر ~~تعرفهم به يا محمد إذا وجدوا مالا، فلا يبيعوا عزة الفقر به. ### || [2.274-277] # { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا ~~وعلانية } [البقرة: 274]، فإذا نفذ المال لم يفتروا عن شهوده لحظة ~~ليلا ونهارا، بل # يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه # [الأنعام: 52]، { فلهم أجرهم عند ربهم } [البقرة: 274]؛ ~~يعني: في مقام العندية # عند مليك مقتدر # [القمر: 55]، { ولا خوف عليهم } [البقرة: 274]، من عذاب ~~القطيعة؛ لأنهم قد استمسكوا بالفقر والمحبة؛ وهي العروة الوثقى، # لا انفصام لها # [البقرة: 256]، { ولا هم يحزنون } [البقرة: 274]، عاجلا ~~وآجلا: # فأما عاجلا: فلا يحزنون على ما يفوتهم من الدنيا، فإنهم تركوها بطيب ~~قلوبهم في الله، وهو لهم خلف عن كل تلف من كان الله له، وأما آجلا: كما ~~قال تعالى: # لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة # [الأنبياء: 13]، وقال صلى الله عليه وسلم: # " كأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: الحمد ~~لله الذي أذهب عنا الحزن، إن ربنا لغفور شكور ". # ثم أخبر عن حرص أهل الدنيا وهم: أكلة الربا، بعد ما ذكر قناعة أهل ~~الآخرة وشكر المولى بقوله تعالى: { الذين يأكلون الربوا ~~لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان ~~من المس } [البقرة: 275]، الإشارة فيهما: أن آكل الربا يحرص على ~~الدنيا، مثله كمثل من به جوع الكلب فيأكل ولا ms0262 يشبع، حتى ينتفخ بطنه ويثقل ~~عليه فلا يقدر عليه أن يقوم، { إلا كما يقوم الذي ~~يتخبطه الشيطان من المس } [البقرة: 275]؛ يعني: إلا ~~كما يقوم المصروع، وكلما يقوم يصرعه نقل بطنه، وهذا كمثل ضربه النبي صلى ~~الله عليه وسلم للحريص، لقوله: # " إن هذا المال خضرة حلوة إن كل ما ينبت ~~الربيع يقتل حبطا، أو يلم إلا آكلة الخضر ~~تأكل حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت ~~الشمس، فاجترت وثلطت وبالت، ثم عادت فأكلت ~~إن هذا المال خضرة حلوة، من أخذه بحقه ~~ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه ~~بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع " # ، حديث متفق على صحته، وفيه مثلان: # ضرب أحدهما: للحريص المفرط في جميع الدنيا ومنعها من حقها، والآخر: ضرب ~~للمقصد في أخذها والانتفاع بها، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: # " ينبت الربيع وما يقتل حبطا " # ، فهو مثل للحريص الذي يأخذها بغير حق، وذلك أن الربيع ينبت أنواع العشب ~~فيستكثر منها الماشية حتى ينتفخ منها بطونها، كما قد جاوزنا حد الاحتمال ~~فيشق أمعاؤها فيهلك، كذلك الحريص الذي يجمع الدنيا من حلها ويمنع ذا الحق ~~حقه، فينتفخ بطنه يوم القيامة وهو آكل الربا، فلا يقوم ويكون عاقبته ~~النار، وأما مثل المقصد قوله: صلى الله عليه وسلم # " إلا أكلة الخضرة " # ، وذلك أن الخضرة ليست من إضراب البقول التي ينبتها الربيع فيستكثر منها ~~الماشية، ولكنها من كلأ الصيف التي ترعها المواشي بعد هيج العقول شيئا ~~فشيئا من غير استكثار، فضرب مثلا لمن يقتصد في أخذ الدنيا ولا يحمله ~~الحرص المفرط على أخذها بغير حقها، وإن كان له حرص مثلا من الطلب ~~والجمع، ولكن لما كان بأمر الشرع وطريقه ولا يمنع ذا الحق حقه ما أضر به ~~كما أضر بأكل الربا، كقوله تعالى: { ذلك بأنهم قالوا ~~إنما البيع مثل الربوا } [البقرة: 275]؛ يعني: في طلب ~~الربح والزيادة. # وقال تعالى: { وأحل الله البيع وحرم الربوا } ~~[البقرة: 275]؛ يعني: كيف يكون ما أحل الله وأزال الأمر ظلمته إفراط ~~الحرص منه، مثل ما حرم الله وزاد في ظلمة ms0263 الحرص الذي فيه عصيان الأمر، ~~فمن ارتكبه بالربا يكون في ظلمات ثلاثة # بعضها فوق بعض # [النور: 40]، ظلمة الحرص، وظلمة الدنيا، وظلمة المعصية، { فمن جآءه ~~موعظة من ربه } البقرة: 275]، بالقرآن والأخبار وإلهام الحق ~~{ فانتهى } [البقرة: 275]، يتوب إلى الله ويرجع من الربا، { فله ~~ما سلف } [البقرة: 275]، من المعصية فتجاوز عنه الحق. # { وأمره إلى الله } [البقرة: 275]، بأن يرزقه بدل الربا من ~~حيث لا يحتسب { ومن عاد } [البقرة: 275]، إلى شؤم فعاله ومذموم ~~خصاله، وأعرض عن الحق ومقاله، واستحل ما حرمه وأقبل على ما احترمه، { ~~فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة: ~~275]، فلينتظروا وشيك الاستئصال، وفجأة النكال { يمحق الله ~~الربوا } [البقرة: 276]، إذا أسرع فيه بمتابعة الهوى، { ويربي ~~الصدقت } [البقرة: 276] والبركات؛ لأنها معروفة بالخيرات على وفق ~~المأمورات، { والله لا يحب كل كفار } [البقرة: 276]، ~~بنعمة الشرع وأنواره، { أثيم } [البقرة: 276]، عامل بالطبع مقيم في ~~ظلمة إصراره. # ثم أخبر عن العالمين بالشرع والخارجين عن الطبع بقوله تعالى: { إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصلحت وأقاموا الصلوة ~~وآتوا الزكوة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون } [البقرة: 277]، { آمنوا } ~~[البقرة: 277]، إيمان التصديق بالتخفيف مقرونا بالتوفيق، { وعملوا ~~الصلحت } [البقرة: 277]، خرجوا بقدم العبودية على وفق الربوبية من ~~ظلمات الطبع إلى أنوار أركان الشرع، فكان من خصائص ظلمات الطبع البشري، ~~إتباع الهوى، والركون إلى الدنيا، فخرجوا عن ظلمة إتباع الهوى بإقامة ~~الصلاة واقتراب المولى، { وأقاموا الصلوة } [البقرة: 277]، ~~فاستغرقوا بنور الحضور وعالجوا ظلمة الركون إلى الدنيا بأنوار إيتاء ~~الزكاة والفطام عن المألوفات، { وآتوا الزكوة } [البقرة: 277]، ~~فجذبتهم العناية عند سفل عندية البشرية إلى ذروة عندية الربوبية، { ~~لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم } [البقرة: ~~277]، من الرجوع إلى الظلمات الطبيعة، { ولا هم يحزنون } ~~[البقرة: 277]، بعد الخروج إلى أنوار الشريعة. ### || [2.278-281] # فلما أخبر عن أهل الإيمان الحقيقي ومعاملاتهم، أخبر عن أهل الإيمان ~~المجازي وامتحانهم بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا إن كنتم ~~مؤمنين } [البقرة: 278]، والإشارة فيها: أن من شروط المؤمن الحقيقي ~~اتقاؤه بالله في ترك زيادات لا يحتاج إليها في أمر ms0264 الدين، بل تكون شاغلة ~~له عن الترقي في مراتب الدين، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ". # فقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا } [البقرة: 278]؛ أي: ~~الذي يدعون الإيمان { اتقوا الله } [البقرة: 278]؛ أي: اتقوا ~~الله، وهذا كما جاء لنا إذا حمي البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؛ أي: جعلناه قدامنا، { وذروا ما بقي من الربوا } ~~[البقرة: 278]، إشارة إلى ترك ما سوى الله في طلبه، كما قال الله تعالى: # ثم ذرهم # [الأنعام: 91]، { إن كنتم مؤمنين } [البقرة: 278]، بإيمان ~~حقيقي، وتوقنون بأن الله خلقكم لنفسه، كما قال: # واصطنعتك لنفسي # [طه: 41]، وما خلقكم لشيء وخلق كل شيء لكم، لقوله تعالى: # خلق لكم ما في الأرض جميعا # [البقرة: 29]. # { فإن لم تفعلوا } [البقرة: 279]؛ أي: إن لم تزكوا كل زيادة ~~تمنعكم من الله، ولم تتقوا عنها بالله { فأذنوا بحرب من ~~الله ورسوله } [البقرة: 279]، في طلب غير الله { وإن تبتم ~~} [البقرة: 279]؛ أي: رجعتم إلى الله وتركتم غيره { فلكم رؤوس ~~أمولكم } [البقرة: 279]، وهي الكرامة التي أكرمكم بها على ~~العالمين قبل وجودكم، كما قال: # ولقد كرمنا بني ءادم # [الإسراء: 70]، وأعطاكم رأس مال ما أعطي لأحد من خلقه ولا الملائكة ~~المقربين، وهو قوله تعالى: # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]، فإذا تقربتم إليه بترك ما سواه، يتقرب إليكم برد رؤوس ~~أموالكم الأصلية إليكم وهي المحبة، كقوله تعالى: # " لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه " # ، قوله تعالى: { لا تظلمون ولا تظلمون } [البقرة: 279]؛ ~~يعني: خلقتكم لتحبوني وأحبكم، فإذا لا تظلمون بوضع محبتي في غير موضعها ~~من المخلوقات، ولا تظلمون بوضع محبتكم في غير موضعها، فافهم جدا. # { وإن كان ذو عسرة } [البقرة: 280]؛ يعني: وإن كان في وصول ما ~~عدا الله لكم عاجلا عسرة { فنظرة إلى ميسرة } [البقرة: ~~280]؛ أي: معدة لكم إلى أوان الميسر يصل إليكم آجلا، كما قال تعالى: # سيجعل الله بعد عسر يسرا # [الطلاق: 7]، وقال تعالى: # فإن مع العسر يسرا # [الشرح: 5]، { وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم ~~تعلمون } البقرة: 280]؛ يعني: ما تتمنون من أنواع برنا في الدنيا ~~والعقبى ms0265 على قدر همتكم الإنسانية، فإن تصدقوا بها ببذلها فهو خير لكم، ~~لأنا نجازيكم على قدر مواهبنا الربانية، إن كنتم تعلمون قدرها وتتقون ~~بنا، كما قال تعالى: # " من شغله ذكر عن مسألتي أعطيته فوق مسألة السائلين " # ومن يتوكل على الله فهو حسبه # [الطلاق: 3]. # ثم أخبر عن الرجوع من المولى وأكد للتزود أمر التقوى بقوله تعالى: { ~~واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } [البقرة: 281]، ~~والإشارة فيها: أن الله تعالى جمع في هذه الآية خلاصة ما في القرآن ~~وجعلها حاملة الوحي والإنزال، كما أنه جمع خلاصة ما أنزل من الكتب على ~~الأنبياء في القرآن وجعله خاتم الكتب، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~خاتم الأنبياء - عليهم السلام - وقد جمع فيه أخلاق الأنبياء، ثم نقول: إن ~~علم خلاصة جميع الكتب المنزلة وفائدتها بالنسبة إلى الإنسان عائدة إلى ~~معنيين: # أحدهما: نجاته من الدركات السفلى، وثانيها: فوزه بالدرجات العلا، فنجاته ~~في خروجه عن معائب النفس، وفوزه في ترقيه على الدرجات العلا وهي ثمانية: ~~المعرفة، والتوحيد، والعلم، والطاعة، والأخلاق الحميدة، وجذبات الحق، ~~والفناء عن أنانيته، والبقاء بهويته. # فهذه الآية تشير إلى مجموعها إجمالا قوله تعالى: { واتقوا } ~~[البقرة: 281]، هي لفظه شاملة لما يتعلق بالسعي الإنساني من هذه المعاني؛ ~~لأن حقيقة التقوى مجانبة ما يبعدك عن الله تعالى ومباشرة ما يقربك إليه، ~~دليله قول النبي صلى الله عليه وسلم إجماع التقوى في قول الله عز وجل: # إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذي ~~القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي # [النحل: 90]، فيندرج تحت التقوى على هذا المعنى الخروج عن الدركات ~~السفلى والترقي على الدرجات العلا، فتقوى العوام: الخروج عن الكفر ~~بالمعرفة، وعن الشرك بالتوحيد، وعن الجهل بالعلم، وعن المعاصي بالطاعات، ~~وعن الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة، هاهنا ينتهي سير العوام؛ لأنها ~~نهاية كسب الإنسان وغاية جهد المجتهدين في إقامة شرائط جاهدوا فيها. # فمن هنا تقوى الخواص المجذوبين بجذبات، # لنهدينهم سبلنا # [العنكبوت: 69]، فتخرجهم الجذبة من حجب أوصافهم إلى درجة تجلي صفات ~~الحق، فهاهنا ينقضي سلوك الخواص فيستظلون بظل # عند سدرة المنتهى * عندها ms0266 جنة المأوى # [النجم: 14-15]، فينتفعون من مواهب، # إذ يغشى السدرة ما يغشى # [النجم: 16]، وأما تقوى خاص الخاص: فبجذبة فرقت العناية بجذبة # ما زاغ البصر وما طغى # [النجم: 17]، من سدرة المنتهى الأوصاف إلى # قاب قوسين # [النجم: 9]، نهاية محن النفس وبداية أنوار القدس، فهناك من عرف نفسه فقد ~~عرف ربه، فتقوى الحقيقي تجد الإيمان الحقيقي، فالآن # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم # [البقرة: 257]، من ظلمات الأنانية إلى نور الهوية، وهو مقام أو أدنى. # ثم بسير # فأوحى إلى عبده # [النجم: 10] يفنيه عنه، وبحقائق ما أوحى يبقيه بهويته، فقوله { ~~واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } [البقرة: 281]، ~~يشير إلى هذه الحقائق معناه: { واتقوا } [البقرة: 281] جاهدوا فينا ~~بجهدكم وطاقتكم، { يوما } [البقرة: 281]؛ يعني: اليوم فيه لنهدينكم ~~بجذبات العناية { ترجعون فيه إلى الله } [البقرة: 281]، أشار ~~بلفظ الرجوع إليه؛ ليعلم أن الشروع كان منه، كما قال تعالى: # ونفخت فيه من روحي # [الحجر: 29]، فبدء وجودك كان بالنفخة، وأخر رجوعك بالجذبة، وأنت محمول ~~العناية بين النفخة والجذبة، ولقد اصطفى آدم وكرم أولاده بهذا الاختصاص ~~على البرية كلها، وقال: # أولئك هم خير البرية # [البينة: 7]. # وفي قوله تعالى: # ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر ~~والبحر # [الإسراء: 70]، سر عظيم أنه قال تعالى: # بني ءادم # [الإسراء: 70]، ما قال أولاد آدم، واختص الرجال بالذكر دون النساء؛ ~~يعني: أهل الكرامة من يوصف بوصف الرجال لا بوصف النساء، ثم وصف الرجال ~~بقوله تعالى: # لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله # [النور: 37]، فمن لم يكن بهذا الوصف فهو من النساء في المعنى. # ثم في قوله: { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ~~ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } ~~[البقرة: 281]، وعد وبشارة للأولياء، ووعيد وإنذار، فإن الجذبة في قوله ~~تعالى: { ترجعون فيه إلى الله } [البقرة: 281]، شاملة لكلتا ~~الطائفتين، إلا أنها للأولياء جذبة اللطف والعناية، وللأعداء جذبة القهر ~~والخذلان، فقال لأهل العناية: # نرفع درجت من نشآء # [الأنعام: 83]. # وقال لأهل الخذلان: يسبحون في النار على وجوههم، وقوله تعالى: { ثم ~~توفى كل نفس ما كسبت } [البقرة: 281]، فهو بشارة لأهل ~~العناية؛ ms0267 يعني: لما يرجعون إلى الله، فبقدر راحتها، وكل واحد منهم وحده ~~في كسب العبودية بالتقوى يهدي إلى مقامات القرب بإفناء حجاب نفسه عنه، ~~وبإبقائه ببقاء هويته، { وهم لا يظلمون } [البقرة: 281]، وهذا ~~كما أن من سعي في نقب جدار بيته إلى جهة الشمس ليخرج بنور الشمس ظلمة ~~بيته، فلما فتح الروزنة على قدر ضوء النور يخرج الظلمة من البيت ضرورة، ~~فلا تظلم الشمس عليه مثقال ذرة، وفيه تهديد وإنذار لأهل الخذلان إذا ~~استهواهم الشيطان فلم يسلكوا طريق التقوى واتخذوا آلهتهم الهوى، فلما ~~يرجعون إلى الله بالسلاسل والأغلال يسبحون على وجوههم في سلسلة زرعها ~~سبعون زراعا، بالإهانة والإذلال، # ثم توفى كل نفس ما كسبت # [آل عمران: 161]، في متابعة الهوى وطلب شهوات الدنيا بأن يصلى النار ~~الكبرى، # لا يموت فيها ولا يحيى # [طه: 74]، وهم لا يظلمون؛ لأنهم آثروا الحياة الدنيا على الدرجات العلا، ~~وقربة حضرة المولى # فأخذه الله نكال الآخرة والأولى # [النازعات: 25]. ### || [2.282-283] # ثم أخبر عن إباحة السلم بعد تحريم الربا بالفضل والكرم بقوله تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى ~~أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب ~~بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله ~~فليكتب وليملل } [البقرة: 282]، والإشارة فيها: أن الله عز ~~وجل من كمال رأفته ورحمته على عباده علمهم كيفية معاملاتهم فيما بينهم، ~~والأخذ بالاحتياط والاستظهار؛ لئلا يجري من بعضهم على بعض حيف؛ ولئلا ~~يتخاصموا ويتنازعوا فيحقد بعضهم على بعض، فأمر بتحصين الحقوق بالكتابة ~~والإشهاد، وأمر الشهود بالتحمل ثم بالإقامة، وأمر الكاتب أن يكتب علمه ~~الله بالعدل ورعى في ذلك دقائق كثيرة كما ذكرها، فيشير بهذه المعاني إلى ~~ثلاثة أحوال: # أولها: حال الله مع عباده، فيظهر آثار ألطافه معهم وغاية عنايته في حقهم ~~أنه تبارك وتعالى كيف يرفق بهم ويعلمهم كيفية معاملاتهم الدنيوية، حتى لا ~~يكونوا في خسران من أمر دنياهم، ولا يكون فيها بينهم عداوة وحقد وخصومة ~~تودي إلى تنقيص عينهم في الدنيا، ووبال عقوبة في الآخرة، فيستدلوا بها أن ~~تكاليف الشرع التي أمروا بها أيضا من كمال ms0268 عاطفته ورحمته واستعملهم بها؛ ~~ليفيض عليهم سجال نعمه ويسبغ عليهم ظلال كرمه، كقوله: # ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن ~~يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم # [المائدة: 6]. # وثانيها: حال العباد مع الله تعالى؛ ليعلموا هذه الدقائق للأمور ~~الدنيوية الفانية فيما بينهم أن للأمور الدنيوية الفانية فيما بينهم، إن ~~للأمور الأخروية الباقية فيما بينهم، وبين الله تعالى أيضا دقائق أكثر ~~منها وأدق، والعباد بها محاسبون وعلى مثقال ذرة من خير مثابون، وعلى ~~مثقال ذرة من شرها معاقبون، وأنها بالرعاية أحرى وأولى، وأخروي من أمور ~~الدنيا، وأن الله تعالى كما أمر العباد أن يكتبوا كتاب المبايعة فيما ~~بينهم ويستشهدوا عليهم العدول، كذلك كتب كتاب مبايعة جرت بينه وبين عباده ~~في الميثاق، # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة # [التوبة: 111]، وعلى هذا عاهدهم وأشهد الملائكة الكرام عليه، ثم رقم في ~~الكتاب أن ياقوتة من الجنة وديعة وهي الحجر الأسود. # ثم قال تعالى: # ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم ~~الذي بايعتم به # [التوبة: 111]، واليوم أنتم مطالبون بالثمن، فإن تسلموا إليه بالتمام ~~فقد سلم إليكم المبيع، وإن حوسبتم غدا وبقي عليكم مثقال ذرة من الثمن، ~~فتحبسون في سجن السجين حتى تخرجوا من عهدته، وإن الله تعالى أمركم أن { ~~ولا تسأموا } [البقرة: 282]، أن تكتبوا معاملاتكم الصغيرة ~~والكبيرة، ثم عند خروجكم من الدنيا يجعلونه في أعناقكم، فتبعثون يوم ~~القيامة، # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه ونخرج ~~له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا # [الإسراء: 13]، ثم نودي من سرادقات الجلال: يا قوي الظلم ضعيف الحال، ~~إقرأ كتابك # كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14]. # فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ~~يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا ~~يظلم ربك أحدا # [الكهف: 49]، فما بال العالمين مع الله تعالى ينامون غافلين عن الله، ~~وقد أسكرتهم مشارب الآمال حتى نسوا قرب الآجال، فرحم الله امرؤ تنبه عن ~~نوم غفلته، ويعلم أن الكتاب بأمر الله يكتبون عليه في صباحه ومسائه، وما ms0269 ~~يكتبون الآن إملائه وأنه بالقليل والكثير فيما علا يخاطب، وبالنقير ~~والقطمير على ما يميل عن الحق يعاتب فيحاسب نفسه قبل أن يحاسب، ويعرف على ~~نفسه ما هو حق الحق فيمليه على كاتبه بلسان صدق من غير ثوان وفتور ولا ~~نقصان، وقصوركما أشير إليه في إملاء ما عليه { الذي عليه الحق ~~وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا } [البقرة: ~~282]، فعليه أن على الحق بالحق كما على الحق للحق. # { فإن كان الذي عليه الحق } [البقرة: 282]؛ أي: حق الحق { ~~سفيها } [البقرة: 282]؛ أي: جاهلا بإملاء الحق للحق من اشتغاله ~~بالباطل للباطل { أو ضعيفا } [البقرة: 282]؛ أي: عاجزا مغلوبا ~~بغلبات سفاهة نفسه { أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل ~~وليه } [البقرة: 282]؛ أي: ممنوع بالموانع، معوق بالعوائق، ومغلوب ~~بالعلائق، لا قدرة له على إملاء ما ينفعه ولا يضره، ولا قوة له في إنهاء ~~ما لا يجوز، وبشره { فليملل وليه بالعدل } [البقرة: ~~282]؛ أي: فليرجع إلى وليه وليشك إليه ما يسره ويحزنه مما لديه، ويستعين ~~به على إملاء ما له وعليه، فإن لكل قوم وليا يخرجهم من الأحزان إلى ~~السرور، ومن الأسجان إلى القصور، # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # [البقرة: 257]، ومن الأشجان إلى الحبور، ومن العجز والفتور إلى القوة ~~والحضور. # { بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم } ~~[البقرة: 282]؛ أي: استصبحوا من أرباب القلوب، # لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد # [ق: 37] من الذين هم بالنسبة رجالكم وأنتم نساؤهم، { فإن لم ~~يكونا رجلين } [البقرة: 282] من أرباب القلوب { فرجل } ~~[البقرة: 282] منهم، { وامرأتان } [البقرة: 282]؛ يعني: رجلين منكم ~~وإن لم يكونا من الرجال البالغين، ليكون صلاحية الرجلين من أهل الصلاح، ~~بمثابة قوة رجل من أهل الولاية في بدء الصحبة { ممن ترضون من ~~الشهدآء } [البقرة: 282]؛ يعني: أن يكون من شهداء الله، كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " أنتم شهداء الله في أرضه " # ، { أن تضل إحداهما } [البقرة: 282]، وطريق الحق عن جادة ~~الاستقامة. # { فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهدآء إذا ~~ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا ~~إلى أجله ذلكم ms0270 أقسط عند الله وأقوم ~~للشهدة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون ~~تجرة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم ~~جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا ~~يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق ~~بكم } [البقرة: 282]، فإن # الذكرى تنفع المؤمنين # [الذاريات: 55]، كما قيل الرفيق ثم الطريق، فإن بادية النفس مملوءة من ~~أعراب الهوى والشياطين، ولا تسلك إلا في حضارة من ركب هواه، ويقر الشيطان ~~من ظلالهم أعلام الإسلام، وسلاطين الدين، وأئمة الهدى، ومن في هذا الشأن ~~بهم يقتدى؛ لأنهم جروا على ترك الدنيا وعبروا عن الدرجات العلا وما زاغ ~~بصرهم بنعيم جنة المأوى وما طغى، فكوشفوا بحقائق آيات ربهم الكبرى وصاروا ~~أئمة الهدى وقادة الطلاب إلى المولي، كما قال تعالى: # وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ~~وكانوا بآياتنا يوقنون # [السجدة: 24]. # أما الحال الثالث: فهو حال العباد فيما بينهم، فليعبر كل واحد منهم من ~~ملاطفات الحق معهم؛ ليتخلق بأخلاق الحق في مخالفتهم؛ وليتوسل إلى الله ~~بحسن مرافقتهم؛ وليحفظ حدود الله في موافقتهم ومخالفتهم؛ وليتمسك بعروة ~~محبتهم في الله وخدمتهم الله وصحبتهم إلى الله، ويصحبهم بالله؛ ليجوزوا ~~في رفقتهم # صراطا مستقيما # [النساء: 68] ويفوز من زمرتهم فوزا عظيما، وفي جميع الأحوال كونوا مع ~~الله، كما قال تعالى: { واتقوا الله ويعلمكم الله } ~~[البقرة: 282]؛ أي: اتقوا الله في الأحوال الثلاثة، كما يعلمكم بالعبادات ~~والإشارات { والله بكل شيء } [البقرة: 282]، تعلمون في جميع ~~الأحوال من الأقوال والأفعال، { عليم } [البقرة: 282]، يعلم مضمون ~~ضمائركم ومكنون سرائركم فيجازيكم على حسن معاملاتكم بقدر خلوصكم، وصفاء ~~نياتكم، وصدق طواياتكم. # ثم أخبر عن الوثيقة في القروض بالرهن المقبوض بقوله: { وإن كنتم ~~على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهن مقبوضة } ~~[البقرة: 283]، والإشارة في الآيتين: أن أهل الدين طائفتان: الواقفون ~~والسائرون، والواقف: من لزم عتبة الصورة ولم يفتح له باب عالم المعنى ~~فهو: كالفرخ المحبوس في قشر البيضة، فيكون مشربه من عالم المعاملات ~~البدنية، فلا سبيل له إلى عالم القلب ومعاملاته، فهو محبوس في سجن الجسد ~~وعليه الموكلان من الكرام الكاتبين، يكتبان عليه من أعمال الظاهرة ~~بالسعير ms0271 والقطمير، # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18]، والسائرين: من لا نعيم في محل ولا ينزل في منزل فهو يسافر من ~~عالم الصورة إلى عالم المعنى، من مضيق الأجساد إلى متسع الأرواح، وهم ~~صنفان: صنف سيار، وصنف طيار، فالسائر: من يسير يقتدي الشرع والعقل على ~~جادة الطريقة، والطيار: من يطير بجناحي العتيق والهمة في قضاء الحقيقة ~~ورجليه خلخال الشريعة والطريقة. # والإشارة في قوله تعالى: { وإن كنتم على سفر ولم ~~تجدوا كاتبا } [البقرة: 283]، إلى السيار الذي تخلص من سجن الجسد ~~وقيد الحواس ورحمة التوكيل، فلم يوجد له كاتبا يكتب عليه قال بعضهم: ما ~~كتب علي صاحب الشمال منذ عشرين سنة، وقال بعضهم: كاشف لي اليمين، وقال ~~لي: أملي علي شيئا من معاملات قلبك لأكتبه، فإني أريد أن أتقرب إلى ~~الله، قال: فقلت له: حسبك الفرائض، فالحبس والقيد والتوكيل لمن لم يرد حق ~~صاحب الحق، أو يكون هاربا منه فيحبس ويقيد ويوكل عليه، فأما الذي آناء ~~والليل وأطراف النهار ويغدو أو يروح في طلب غريمه، وما يبرح في حريمه فلا ~~يحتاج إلى التوكيل والتقييد، فالذي هو كل على الهارب يكون للطالب وكيلا ~~وحفيظا # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله # [الرعد: 11]، فافهم جدا. # فيما يكتب على السائرين إلى الله كاتبهم ولهم رهان مقبوضة عند الله، ~~رهان وأي رهان، فأرهان قلوب ليس فيها غير الله، وقبض وأي قبض، فمقبوضة ~~بين أصبعين من أصابع الرحمان، فالإشارة في قوله تعالى: { ولم ~~تجدوا كاتبا فرهن مقبوضة } [البقرة: 283]، إلى اليسار ~~الذي له قلب فرهنه، فأما الطيار الذي هو عاشق مفقود القلب، مسلوب العقل، ~~مجذوب السير، فلا يطالب بالرهن فإنه مبطوش يبطشه الشديد. # مستهام ضاق مذهبه # في هوى من عز مطلبه # كل أمري في الهوى عجب # وخلاصي منه أعجبه # وإنما يحتاج إلى الرهن المتهم بالخيانة لا المتعين للأمانة، فلم يوجد في ~~السماوات والأرض ولا في الدنيا والآخرة أمين يؤتمن الحمل أعباء أمانته؛ ~~إلا العاشق المسكين، فإنها لم عرضت على الخليقة فنظر إليها ms0272 الجلي من ليس ~~بعاشق أشفق منها وحار فيها وأبى إن يحملها، والعاشق المسكين لما نظر إلى ~~فراش تلك الشمعة تعشق بها وطار فيها، وأتى أن يحملها واستحسن منه ما تفرد ~~به من أصحابه زيدت له من الحضرة ألقاب، فإنه قد نسب في البداية إلى # من يفسد فيها ويسفك الدمآء # [البقرة: 30]، فلقب في النهاية، # إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. # هذا أمر عجيب ونقش غريب، أنه من لم يطمع في حمل الأمانة، وأبى فنسب إلى ~~المكان والطاعة والأمانة، ويقال له: مكين مطاع، ثم أمين، ومن أطاع فينسب ~~إلى الظلم والجهل والفساد والخيانة نعم، إنما يكون ذلك بوجهين: # أحدهما: أن الذلة والمسكنة وقعت في قسم العاشق، كما أن العزة والعظمة ~~وقعت في قسم المعشوق؛ بل جمال عزة المعشوق لا يظهر كماله إلا في مرآة ذلة ~~العاشق. # وثانيها: إن من كمال العزة الأمانة، يلزم كمال ذلة المؤتمن في الظاهر ~~واستهتاره بتهمة الظلم والخيانة؛ لكتمان صلاح أمر الأمانة، ولا ينسب إلى ~~غير المؤمن بحسن الثناء عليه بهمة الأمانة، فيأتمنون عزته في الظاهر ذلته ~~في الحقيقة بذلك على حقيقة هذا السر خطاب: # اسجدوا لأدم # [البقرة: 34]، وعتاب: # إني أعلم ما لا تعلمون # [البقرة: 30]؛ يعني: لظاهر حالكم وحاله، ولحقيقة نشأتكم وشأنه سر مخفي، ~~إني عالم به في الحقيقة غير ما تعلمون في الظاهر، فلما أمرتم بسجوده لو ~~كنتم أصحاب الكياسة لعرفتموه بالفراسة، أنه المستحق لخلافتنا والمستعد ~~لأمانتنا، ولاستحقاقه بالخلافة خاطبناكم أن # اسجدوا لأدم # [البقرة: 34]، ولاستعداده بالأمانة طالبناه، { فإن أمن بعضكم ~~بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ~~ربه } [البقرة: 283]؛ يعني: لما اخترتك من بين الخليقة واصطفيتك على ~~تحمل الأمانة، فليؤد الذي أؤتمن الأمانة إلى أهلها، كما صرح به وقال: # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها # [النساء: 58]. # ثم أشار إلى كيفية أداء الأمانة إلى أهلها بقوله تعالى: { ولا ~~تكتموا الشهدة } [البقرة: 283]، التي أشهدتكم على أنفسكم عند ~~قبول حقيقة الأمانة، وكتمان الشهادة أن يكون شهودك من غير شواهد ربك، ~~وهذا من نتائج حياة قلبك في أمانة ربك؛ فلهذا ms0273 قال تعالى: { ومن ~~يكتمها فإنه آثم قلبه } [البقرة: 283]، فمهما يكون اتقاء ~~قلبك في حفظ أمانة ربك، فلا يشاهد قلبك إلا شواهد ربك، ولا يؤذي شرك ~~حقيقة أمانتك إلا إلى ربك، فافهم جدا، واجتهد لعلك تؤدي بعض حقوقها ~~فتكون في زمرتهم، إن لم تكن من حملتهم { والله بما تعملون } ~~[البقرة: 283]، في حفظ الأمانة وأداء حقوقها { عليم } [البقرة: 283]. ### || [2.284-286] # ثم أخبر عن محاسبة ما يبدوا من الضمائر وما تخفي في السرائر، بقوله ~~تعالى: { لله ما في السموت وما في الأرض } [البقرة: ~~284]، الإشارة فيها: أن الله تعالى يطالب العباد باستدامة المراقبة ~~واستصحاب المحاسبة؛ لئلا يغفلوا عن حفظ الحركات الظاهرة وضبط خطرات ~~الباطن، فبقوا في آفة ترك آداب العبودية فيهلكوا بسطوات قهر الإلوهية، ~~ففي بداية الآية نية العباد على مالكية وملكية في السماوات والأرض بقوله ~~تعالى: { لله ما في السموت وما في الأرض } [البقرة: ~~284]، ملكا وملكا، ثم خصهم على رعاية آداب العبودية على بساط الملوك، ~~ووعدهم عليها وأوعدهم بقوله تعالى: { وإن تبدوا ما في ~~أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر ~~لمن يشآء ويعذب من يشآء } [البقرة: 284]. # واعلم أن الإنسان مركب من عالم الأمر والخلق، فله روح نوراني علوي من ~~عالم الأمر وهو الملكوت الأعلى، وله نفس ظلمانية سفلية من عالم الخلق، ~~ولكل واحد منها نزاع وشوق وحيل إلى عالمه، فقصد الروح وميله راغبه، وشوقه ~~أبدا إلى عالمه، وهو جوار رب العالمين وقربه، وميل النفس وقصدها إلى ~~عالمها، وهي أسفل السافلين وغاية البعد عن الحق، فبعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم؛ ليزكي النفوس عن ظلمة أوصافها وسوء أخلاقها، ويحليها بحلية ~~أنوار الأرواح بإبداء أنوار أخلاق الروح عليها في تحليتها بها، فهذا مقام ~~الأولياء مع الله، # يخرجهم من الظلمات إلى النور # [البقرة: 257]، وبعث الشياطين إلى أوليائه وهم أعداء الله؛ ليخرج ~~أرواحهم من النور الروحاني إلى الظلمات النفسانية، في إخفاء أنوار خالقها ~~في إبداء أخلاق النفس عليها، استحق بها دركة أسفل السافلين وغاية البعد ~~عن الحق؛ فمعنى الآية في التحقيق: { وإن تبدوا ما في ~~أنفسكم } [البقرة: ms0274 284]، مودع من أنوار أخلاق الروحانية في الظاهر ~~بأعمال الشريعة، وفي الباطن بموافقات الطبيعة، أو تخفوه بتصرفات الطبيعة ~~في موافقات الشريعة، ومخالفات الطريقة { يحاسبكم به الله } ~~[البقرة: 284]، بطهارة النفس بقبول أنوار الروح أخلاقه، أو بتلوث الروح ~~بقول ظلمات النفس وأخلاقها، { فيغفر لمن يشآء } [البقرة: 284]، ~~فينور نفسه بأنوار الروح وروحه بأنوار الحق، { ويعذب من يشآء } ~~[البقرة: 284]، فيعاقب نفسه بنار دركات السعير ونوره بنار فرقة العلي ~~الكبير، { والله على كل شيء } [البقرة: 284]، من إظهار ~~اللطف والقهر على تركيب عالمي الخلق والأمر { قدير } [البقرة: 284]. # ثم أخبر عن كمال لطفه بالعباد لهم على السبيل الرشاد بقوله تعالى: { ~~ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه } [البقرة: ~~285]، والإشارة في الآيتين: أن الله تعالى إنما قال: { ءامن ~~الرسول بمآ أنزل إليه من ربه } [البقرة: 285]، وما ~~قال آمن بالله، وقال: { والمؤمنون كل آمن بالله } ~~[البقرة: 285]، أو أن يظهر الفرق بين الرسول والمؤمنين، فإن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم قبل المعراج كان يؤمن بالله، { بمآ أنزل إليه ~~من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ~~وقالوا سمعنا وأطعنا } [البقرة: 285]؛ أي: بعد ما آمنوا بما ~~أنزل قالوا: سمعنا وأطعنا ما أمرتنا، وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أحوال إيمان المؤمنين في تلك الحالة؛ لأن ما بدأ به من الكلام في ذلك ~~المقام إن أكرم بالسلام، ولهذا كان يقول: السلام قبل الكلام، فلما سمع ~~السلام عليك إيها النبي رحمة الله وبركاته، فأجاب بقوله: السلام علينا ~~وعلى عباد الله الصالحين، ففي المرتبة الثانية لما أوحى إليه: { ءامن ~~الرسول بمآ أنزل إليه من ربه } [البقرة: 285]، فبدأ ~~بذكر المؤمنين وعرض أحوالهم بالإيمان والسمع والطاعة ليت، استحقاقهم ~~السلام والرحمة فرحمهم الله عليهم، وقال: وما يطلبون مني بجزاء الإيمان ~~والسمع والطاعة حتى أجار بهم به قال النبي صلى الله عليه وسلم: { ~~غفرانك ربنا وإليك المصير } [البقرة: 285]؛ يعني: ما ~~يطلبون منك شيئا دونك إلا مغفرتك؛ لتسترهم عنهم بسريان صفة { ~~غفرانك ربنا وإليك المصير } [البقرة: 285]، ويكون ~~مصيرهم ومرجعهم إليك لا إلى ms0275 الدارين؛ يعني: كما كان مصيري إليك يكون ~~مصيرهم في متابعتي إليك، فقال الله في جوابه { لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت } [البقرة: 286]؛ يعني: ليس لهم استعداد منازل هذا المقام ~~معك، فكيف أكلفهم بشيء لا وسع لهم به؟ فإنك في مقام معي لا يسعك فيه ملك ~~مقرب ولا نبي مرسل، فكيف بهم؟ ألم تر أن جبريل عليه السلام حين أردت أن ~~أترحم عليه؛ ليوافي موافقتك وتبعية مرافقتك بساط قرب خطوة فقلت له: تقدم، ~~فقال: ونوة أنملة لاحترقت، وإن الأنبياء والمرسلين اصطفيناهم على ~~العالمين، كل طائفة منهم واقفين إنما سبقتهم رحمتي، ثمة كي لا تحرقهم ~~سبحات وجهي ويمحقهم سطوات قهري، فكيف أكلف في أسماء أمتك المذنبة ~~المرحومة بهذا المصير وأنا بضعيف حالهم بصير، ولكن الذي ملك هذا المقام ~~حتى جاوزت الأنبياء والرسل الكرام ووطأت موطأ ما وطأ أحد قبلك؛ إني خلقتك ~~وخلقت الكون لمجيئك؛ لولاك لما خلقت الكون وإنك مخصوص بهذا المقام ~~المحمود، وإن أمتك أكرم الأمم علي لمحبتك، وأحبهم إلي ولهم سبب ~~شفاعتك اختصاص بكرامة محبتي إياهم في ظل متابعتك، فقل لهم: # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله # [آل عمران: 31]، فإن على قدره ما اكتسبت أمتك من أنوار متابعتك تستحق ~~نيل محبتي، فبقدر جريان عدم محبتي لهم يكون مصيرهم إلى حضرة جلاله. # { لها ما كسبت } [البقرة: 286]، من شواهد جمالنا، وعلى قدر ما ~~كسبت بالثواني في ظل متابعتك والتقصير في مشايعتك، ونقض عهد مبايعتك ~~تستحق المصير إلى السعير، { وعليها ما اكتسبت } [البقرة: ~~286]، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم هذا الجواب فتارة أكسرته لذة ~~هذا الخطاب وأخرى أخذته سطوات هذا العتاب، قال: { ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا } [البقرة: 286]؛ يعني: لا ~~تعاقب أمتي إن نسيت عهدك التي عاهدتم في الميثاق على أن يعبدوك ولا ~~يعبدوا غيرك، ويطلبوك ولا يطلبوا غيرك، ويحبوك ولا يحبوا غيرك، وأخطأت ~~طريق طلبك وطلبوا غيرك، وطريق محبتك فأحبوا غيرك، ولكن ما أخطأت طريق ~~عبوديتك فما عبدوا غيرك ولا أشركوا ms0276 بعبادتك، وأنت قلت: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48]، { ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما ~~حملته على الذين من قبلنا } [البقرة: 286]، بأن تكلنا ~~إلى أنفسنا قبضتي أسير النفس الأمارة بالسوء، أو محبوسي الأشخاص من مقتدى ~~الخواص، فتعبد عجل الهوى والنار الشهوات، كما عبد الذين من قبلنا، { ~~ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } [البقرة: ~~286]، وبالصبر عن شهود جمالك وأرجاء أستار جلالك على أبواب وصالك، { ~~واعف عنا } [البقرة: 286]، شواهد هويتك { واغفر لنا } ~~[البقرة: 286]، برفع البينونة من بيننا { وارحمنآ } [البقرة: 286]، ~~بجذبات { أنت مولنا } [البقرة: 286]، بجذبات { فانصرنا ~~على القوم الكافرين } [البقرة: 286]، أخرجنا عنا إليك، وأعنا ~~في المصير إليك على قمع كفار الإثنينية، التي تمنعنا من وحدتك بيني وبينك ~~إني يزاحمني، فارفع بجودك إني من البين. ### | [3 - سورة آل عمران] ### || [3.1-6] # { الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل ~~عمران: 1-2]، والإشارة في الآية: إن الله تعالى بعد أن أظهر إلوهيته ~~المودعة في { الم } [آل عمران: 1]، بقوله: { الله لا إله ~~إلا هو الحي القيوم } [آل عمران: 2]، أظهر ألطاف ربوبيته ~~المكنونة في أستار العزة وأعطاف محبته [المخبئة] تحت قباب الغيرة مع سيد ~~الأولين والآخرين، وحبيب رب العالمين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وخاتم النبيين، أبد الآبدين ودهر الداهرين، بقوله تعالى: { نزل ~~عليك الكتب بالحق مصدقا لما بين يديه } [آل ~~عمران: 3]؛ أي: نزل حقائق القرآن وأنواره على قلبك بالحقيقة؛ لتجليه لترك ~~حقائقه لا صورة ألفاظه مكتوبة على الألواح، أحجار مقروءة كل قارئ سريانية ~~وعبرانية دليله قوله تعالى: { نزل عليك } [آل عمران: 3]، قوله ~~تعالى: و { بالحق } [آل عمران: 3] نزل؛ يعني: بالحقيقة نزل، وقوله ~~تعالى: # الرحمن * علم القرآن # [الرحمن: 1-2]، وقوله تعالى: # علمه البيان # [الرحمن: 4]، وقوله تعالى: # ما كنت تدري ما الكتاب # [الشورى: 52]؛ يعني: ما كنت تعلم حقيقة الكتاب، وإلا كان يعلم ما صورة ~~الكتاب. # ثم أخبر عن حقيقة الكتاب فقال تعالى: # ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من ~~عبادنا # [الشورى: 52]. # ثم اعلم أن تعليم ms0277 الرحمن القرآن بأن يتجلى بنور صفة الذي؛ هو حقيقة ~~القرآن على قلب من شاء من عباده، ومن علمه الرحمن القرآن بهذا التعليم ~~يكون عليه من الله فضلا عظيما، فمن ذلك الفضل العظيم عليه بعد أن ينزل ~~على قلبه حقيقة القرآن، علمه ما لم يكن يعلم من أسرار الإلوهية المكنونة ~~في { الم } [آل عمران: 1]، بتعليم تجلي أنوار صفاته على قلبه، فعلم سر ~~وحدته، { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل ~~عمران: 2]، يدل عليه قوله تعالى: # فاعلم أنه لا إله إلا الله # [محمد: 19]، وصار # مصدقا لما بين يديه # [البقرة: 97]؛ يعني: فلا كوشف عند تجلي أنوار الصفات بوحدانية الذات، ~~صار شاهد السر الله في { الم } [آل عمران: 1]، وهو الذي # بين يدي الله # [الحجرات: 1]، { لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل ~~عمران: 2]، فصار مصدقا تصديق تحقيق لا تصديق تقليد، فافهم جيدا، إذ لا ~~تعلم ولا تعلم إنك لا تفهم؛ لأنه منطق الطير وأنت بعد بيضة لا من ~~الطائرين ولا من السائرين. # ثم قال تعالى تأكيدا لهذه العاني وتشييدا لهذه المباني: { وأنزل ~~التوراة والإنجيل } [آل عمران: 3]، { من قبل هدى ~~للناس وأنزل الفرقان } [آل عمران: 4]؛ يعني: لا تظن يا ~~محمد إن إنزال الكتب الأخرى على الأنبياء: كتنزيل القرآن بالحقيقة قلبك ~~فتكاشف عند تجلي أنواره بأسراره، وحقائق بيني وبينك لا يطلع عليها ملك ~~مقرب ولا نبي مرسل، وإنما أنزل الكتاب على الأنبياء والأمم، كقوله: { ~~هدى للناس } [آل عمران: 4]، عمهم فيه وكنت مخصوصا بالهداية عند ~~تجلي أنوار القرآن في التنزيل على قلبك، كما قال تعالى: # ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من ~~عبادنا # [الشورى: 52]، وقال تعالى: # وعلمك ما لم تكن تعلم # [النساء: 113]، خصصك بهداه وعلمه. # ثم قال تعالى مؤكدا معناه ومؤيدا لفحواه: { وأنزل الفرقان } ~~[آل عمران: 4]؛ يعني: وأنزل الفرقان عليك فرقانا، يفرق بين تنزيله على ~~قلبك وبين إنزال الكتب صورة على الأولياء، ويفرق بين تعلمك القرآن وبين ~~تعلمهم الكتب، وإنهم كانوا يتدارسون الكتب وأنت تتخلق بالقرآن وتفرق بين ~~ما أفاد لهم الحكمة، فقد أفاد لك أن ms0278 أوتيت جوامع الكلم وبه فضلت على ~~الأنبياء، وبالخمسة الأخرى من إفادة القرآن، كقوله صلى الله عليه وسلم: # " فضلت على الأنبياء بست " # ، ويفرق بين تصرف التنزيل على قلبك وبين تصرف الإنزال عليهم، فإن كانت ~~الكتب المنزلة عليهم تصرف فيهم بأن يكون الكتاب مع أحدهم نورا من الله ~~يجيء به إلى قومه؛ ليكون هدى لهم، كما قال تعالى: # الكتب الذي جآء به موسى نورا وهدى للناس # [الأنعام: 91]، فإن تصرف تنزيل نور القرآن على قلبك جعلك نورا من الله ~~تجيء الأمة ومعك القرآن، كما قال تعالى: # قد جآءكم من الله نور # [المائدة: 15]؛ وهو محمد صلى الله عليه وسلم، # وكتاب مبين # [المائدة: 15]؛ وهو القرآن. # فشتان بين نبي يجيء ويكون وهو بذاته نور ومعه كتاب، وبين نبي يجيء ومعه ~~نور من الكتاب، ويفرق بين ما شرفت به من إكرام الحق وبين ما شرفوا به، ~~فقال تعالى تشريف لموسى عليه السلام: # وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة ~~وتفصيلا لكل شيء # [الأعراف: 145]، وقال تشريفا لك: # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم: 10]، وقال تشريفا لأمتك: # كتب في قلوبهم الإيمان # [المجادلة: 22]. # فشتان بين نبي يشرف بكتابة الموعظة في الألواح، وبين نبي تشرف أمته ~~بكتابة الإيمان لهم في قلوبهم، { إن الذين كفروا بآيات ~~الله } [آل عمران: 4]؛ أي: يسترون بحجب الفضلات وتتبع الشهوات قلوبهم، ~~فعميت عن مشاهدة هذه الآيات البينات والدلائل الواضحات، والأنوار ~~اللامعات، والبراهين القاطعات، { لهم عذاب شديد } [آل عمران: ~~4]، من هذا العمى والحرمان، وهم في الخسران المبين بالركون إلى النقصان ~~وترك العاجلة بطريق المتابعة { والله عزيز ذو انتقام } [آل ~~عمران: 4]، يعز أهل الكرام بنيل المرام، ويذل اللئام أهل الستر بشدة ~~الانتقام، فينتقم منهم بتعززه بحجاب العزة، ويعذبهم بتحجبهم عنه بنقاب ~~العزة. # ثم أخبر عن فضله وكرمه العشام مع سائر الأنام، بأن صوره في الأرحام ~~بقوله تعالى: { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ~~ولا في السمآء } [آل عمران: 5]، والإشارة فيها: إن الله هو الذي ~~قدر المقادير في الأزل كيف يشاء، ودبر الأحوال على ما يشاء، ثم ms0279 خلق الأرض ~~والسماء وبث فيهما كل ما يشاء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء لا في الأرض ~~ولا في السماء، { هو الذي يصوركم في الأرحام } [آل ~~عمران: 6] في الظلمة الثلاث، { كيف يشآء } [آل عمران: 6]؛ أي: كيف ~~ما يشاء في الأزل حين قدر الخلق والرزق والأجل، فإذا لم يخف عليه شيء ~~مما في الأزل، ولا في تصويركم في الأرحام في الظلمات كيف تخفى عليه ما هو ~~في الخارج، ثم قال تعالى: { لا إله إلا هو } [آل عمران: 6]؛ ~~يعني: ليس له آخر، فيخلق شيئا يكون مخفيا عليه، أم بتعقب كلمة وقضاؤه ~~بالنقص أو بعارض بتقديراته وتدبيراته في كل شيء من الأشياء بالإهمال ~~والرفض، { لا إله إلا هو } [آل عمران: 6]، المقدر والمدبر { ~~العزيز } [آل عمران: 6] عن نقض الأحكام { الحكيم } [آل عمران: ~~6]، فيما يجري من الأزل إلى الأبد، وجفت به الأقلام. # وفيه إشارة أخرى وهي: إن الله تعالى يصور الجنين بصورة الإنسانية على ~~نطفة سقطت في الرحم بتدبير الأربعينيات، فكذلك إذا سقطت من صلب ولاية ~~الرجل رجاله نطفة إرادة في رحم قلب مريد صادق، والمريد ليستسلم لتصرفات ~~ولاية الشيخ؛ وهي بمثابة ملك الأرحام، فافهم جيدا. # ويضبط المريد أحواله ظاهره وباطنه على وفق أمر الشيخ، ويختار الخلوة ~~والعزلة لئلا يصدر منه حركة عنيفة أو يجد رائحة غريبة، يلزم منه سقوط ~~النطفة وفسادها ويقعد بأمر الشيخ وتدبيره، فالله تعالى يتصرف ولاية الشيخ ~~المؤيد بتأييد الحق بمرور كل أربعين عليه بشرائطها، يحولها من حال إلى ~~حال، وينقلها من مقام إلى مقام إلى أن يرجع إلى حظائر القدس ورياض الأنس، ~~التي منها صدر إلى عالم الأنس يقدم الأربعينيات الأولى، فلما وصل إلى ~~مقامه الأول أيضا بقدم الأربعنيات كما جاء، ثم خلق الجنين في رحم القلب؛ ~~وهي طفل خليفة الله في أرضه، فيستحق الآن أن ينفخ فيه الروح المخصوص ~~بأنبيائه وأوليائه؛ وهي روح القدس الذي هو متولي إلقائه، كقوله تعالى: # يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده # [غافر: 15]. # وقال تعالى: # كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ms0280 # [المجادلة: 22]؛ ولهذه الفائدة العظيمة والنعمة الجسيمة؛ أهبط الروح من ~~أعلى عليين القرب إلى أسفل سافلين البعد، كما قال تعالى: # اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى ~~فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون # [البقرة: 38]، فإذا نفخ في الروح يكون آدم وقته فيسجد له بالخلافة ~~الملائكة كلهم أجمعون، تفهم إنشاء الله تعالى وتنبه. ### || [3.7] # ثم أخبر عن آيات بينات أنها محكمات ومتشابهات بقوله تعالى: { هو ~~الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ~~أم الكتاب وأخر متشابهات } [آل عمران: 7]، إشارة في ~~تحقيق الآية: إن الله تعالى أنزل الكتاب على قسمين: # قسم منه: { آيات محكمات هن أم الكتاب } [آل عمران: ~~7]؛ أي ظاهر واضح، تنزيله فيه مشرب الخواص والعوام؛ لبسط الشرع ~~والاهتداء، وقسم: { متشابهات } [آل عمران: 7]، غامض مشكل تأويله ~~فيه مشرب الخواص وخواص الخواص؛ لاختفاء الأسرار عن الأغيار للابتلاء، { ~~فأما الذين في قلوبهم زيغ } [آل عمران: 7]، ألبست قلوبهم ~~غطاء الريب وحرموا أنوار الغيب؛ وهم أهل الهواء والبدع، { فيتبعون ~~ما تشابه منه ابتغاء الفتنة } [آل عمران: 7]؛ ليضلوا ~~بأهوائهم، { وابتغاء تأويله } [آل عمران: 7]؛ ليضلوا الناس ~~بآرائهم، # والفتنة أكبر من القتل # [البقرة: 217]، وأما الذين أيدوا بأنوار الفضل وجردوا عن أطمار الجهل ~~هم: { والراسخون في العلم } [آل عمران: 7]، فيلقون السمع ~~بحضور نفسه فيما يسنح لفهومهم من لوائح التعريفات بلوامع أنوار الحق، { ~~وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم يقولون آمنا به } [آل عمران: 7]، في تحقيق التأويل { ~~كل من عند ربنا } [آل عمران: 7]، التعريف للتحقيق، والتفهيم ~~للتأويل، { وما يذكر إلا أولوا الألباب } [آل عمران: ~~7]، ففي التذكير إشارة إلى: إن العلوم التي تحصل للراسخين في العلم من ~~تأويل القرآن وغيره؛ إنما هي من تعليم الله لهم في عهده الميثاق، إذا ~~تجلى بصفة الربوبية للذات. # وأشهدهم على أنفسهم # [الأعراف: 172] بشواهد الربوبية # ألست بربكم # [الأعراف: 172]، فشهدوا، وتلك الشهادة ركزت في جبلة الذرات علم التوحيد ~~فيه، # قالوا بلى # [الأعراف: 172]، فتعلمت النفوس على التوحيد ونطقت به في ذلك العهد، ~~والعلوم كلها مدرجة في علم التوحيد، كما قال تعالى: # وعلم ءادم ms0281 الأسمآء كلها # [البقرة: 31]، فلما ردت الذرات إلى الأصلاب وأصبحت بصفات البشرية، ثم ~~نقلت إلى الأرواح وحبست فيها تسعة أشهر، ففي كل أربعين تمر عليها تنقل من ~~حال إلى حال، ومن مقام إلى مقام من مقامات البعد عن حضرة الحق، إلى أن ~~كملت عليها سبعة أطوار كمل الطفل، ووضع الحمل فرده النفس العاملة بعلم ~~التوحيد الناطقة بها مع الذرة إلى أسفل سافلين القالب، محجبة بحجب ~~البشرية وأطوار السبعة ناسية تلك العلوم التي تنطق بها، ثم أبواه يذكر ~~أنه تلك العلوم بالرموز والإشارات وينطقانه بها بالتدريج، حتى يتذكر بعض ~~تلك العلوم من وراء حجب البشرية أستار أطوار، وينطق بها باللسان الأبوين، ~~ولا بلسان الذي أجاب الرب وقال: بلى، فإن ذلك اللسان كان لب هذا اللسان ~~وهذا قشر ذلك، فكذلك جميع وجود ظاهر الإنسان وباطنه قشور لباب ذلك الوجود ~~المسمع المجيب في الميثاق، فسمعه قشر ذلك السمع الذي خاطب الحق وبصره، ~~قشر ذلك البصر الذي أبصر جمال الحق وقلبه، قشر ذلك القلب الذي قصه خطاب ~~الحق وعقله، قشر ذلك العقل الذي عقل بها معنى خطاب الحق ونفسه، قشر تلك ~~النفس التي أدرك خطاب الحق وتمكنت لجوابه وعلومه، قشرتك العلوم التي ~~تعلمت من الحق، فكما أن أبويه كانا يذكران الطفل من تلك العلوم وينطقان ~~بها من وراء الحجب والقشور، فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث لتذكرة ~~حقيقة تلك العلوم، كما قال تعالى: # فذكر إنمآ أنت مذكر # [الغاشية:21]، وقال تعالى: # وذكرهم بأيام الله # [إبراهيم: 5]، فالتذكير عام، ولكن التذكير خاص، { وما يذكر ~~إلا أولوا الألباب } [آل عمران: 7]، وقال تعالى: # إنما يتذكر أولوا الألباب # [الرعد: 19]، وهم الذين أخرجوا في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم من ~~ظلمات قشور وجودهم النفساني إلى نور وجودهم الروحاني، وهم الراسخون في ~~قشور العلوم الواصلون إلى حقائق لباب العلوم الدينية، التي تعلم من لدن ~~خبير بلا واسطة، كما قال تعالى: # الرحمن * علم القرآن # [الرحمن: 1-2]، فافهم جيدا، وما أراك أن تفهم وأنت محبوس في قشر الوجود ~~المجازي، والله اعلم. ### || [3.8-12] # ثم ms0282 أخبر عن طلب الهداية لآية التأويلات بالدراية { ربنا لا تزغ ~~قلوبنا } [آل عمران: 8]، إشارة في التحقيق الآيتين: إن الله تعالى ~~بعد أن ذكر الراسخين في العلم وتذكر أولوا الألباب، ذكر وظيفة حالهم شكر ~~المنعم وحفظا للنعمة، وألهم لمزيد النعمة بقوله تعالى: { ربنا لا ~~تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } [آل عمران: 8]، هذا الحال ~~لمن هدى إلى صراط مستقيم، { ربنا } [آل عمران: 8]؛ أي: خالقنا ~~ومربينا وهدينا، { لا تزغ قلوبنا } [آل عمران: 8]، عن صراطك ~~المستقيم باستيلاء أهوائنا، وغلبات شهواتنا، وظلمات طبائعنا، { بعد ~~إذ هديتنا } [آل عمران: 8]، إلى حضرة جلالك ونورت قلوبنا بأنوار ~~جمالك، حتى سمعنا بلب التنزيل، وانصرنا بلب أنصارنا لب التأويل، وتذكرنا ~~بلب عقولنا لب علوم علمتنا، كما أزغت قلوبنا بعد إذ هديتنا في الميثاق ~~إلى شهود شواهد جمالك، واستماع مقالك وحسن إجابة سؤالك، وجبت علينا من ~~سجال نوالك وفيض فضلك وأفضالك، مجيئنا بشهودنا عن شهودك، ووجودك وبوجودنا ~~عن وجودك، وبتفقدنا عن تفقدك، وغيبتنا بنا عنك بأوصافنا عن أوصافك، ~~وبذواتنا عن ذاتك، { وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت ~~الوهاب } [آل عمران: 8]، تجذبنا عن لدنا إلى لدنك عنا، [وتقربنا] ~~بك بصفاتك عن صفاتنا، وبذاتك عن ذواتنا، وهذا وظيفة الحال لأرباب هذه ~~الأحوال أن لا يسكنوا ولا يقفوا مع حال، وإن يعلموا أن لا نهاية لمواهبه، ~~ولا غاية لمطالب طالبه فيكونوا إلى الأبد طلابا، كما كان الله تعالى من ~~الأزل إلى الأبد وما باقي قوله تعالى: { ربنآ إنك جامع ~~الناس ليوم لا ريب فيه } [آل عمران: 9]، إشارة إلى: إن بعد ~~هذه الدار دارا وهي دار القرار، وإن النعم للإبرار، وإن الجحيم للفجار، ~~وإن مكسب البر والفجور هذه الدار، وإن أجر البر والفاجر { ليوم لا ~~ريب فيه } [آل عمران: 9]؛ ولهذا يجمعهم ليوفيهم أجورهم التي كسبوا ~~من الخير والشر بالثواب والعقاب، كقوله تعالى: # فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت ~~كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون # [آل عمران: 25]، فلا تسكنوا عن الطلب، وتجهدوا بالنصب، وتزودوا للمعاد، ~~وتزودوا في التعب، فإن حصول الأرب بقدر ms0283 رعاية الأدب في الطلب ومقاساة ~~التعب والنصب، وتزودوا للمعاد من زاد التقوى فإنها خير الزاد، { إن ~~الله لا يخلف الميعاد } [آل عمران: 9]. # ثم أخبر عن قوم لم يتزودوا، وأزيد الزاد للمعاد ولا يفنى عنهم الأموال ~~والأولاد بقوله تعالى: { إن الذين كفروا لن تغني ~~عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } [آل ~~عمران: 10]، إشارة في تحقيق الآيتين: { إن الذين كفروا } [آل ~~عمران: 10]؛ أي: ستروا أنوار روحانيتهم بظلمات الصفات، نفسانيتهم من جحود ~~الحق وإنكاره وإتباع الهوى إلى الشهوات، # من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من ~~الذهب والفضة # [آل عمران: 14]، # والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا # [آل عمران: 14]؛ وهي الطاغوت التي قال الله تعالى # والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم ~~من النور إلى الظلمات # [البقرة: 257]، # لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من ~~الله شيئا # [آل عمران: 116]؛ يعني: من أنوار الله التي حجبوا عنها وشواهد الربوبية، ~~كما قال تعالى: # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين: 15]، { وأولئك هم وقود النار } [آل عمران: ~~10]؛ يعني: صفاتهم النفسانية واستيفاء لذاتهم الشهوانية وأفعالهم ~~الجسمانية { وقود النار } [آل عمران: 10]، الفرقة والقطيعة. # واعلم أن النار: نار الله، ونار الجحيم، وأما نار الله: فهي نار القطيعة ~~عن الله، فيها يعذب قلوب المحجوبين عن الله تعالى، كقوله: # نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة # [الهمزة: 6-7]، وأما نار الجحيم: فهي نار الشهوات والمعاملات على ~~الغفلات من المخالفات؛ فهي تحرق قشور الجلود كما قال الله: # كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما # [النساء: 56]، ولا تخلص هذه النار إلى لب القلوب، فإن عذاب حرقة الجلود ~~بالنسبة إلى عذاب فرقة القلوب؛ كنسيم الحياة وسموم الممات، ففي فؤاد الحب ~~نار جوى أحر نار الجحيم أبردها، { كدأب آل فرعون والذين ~~من قبلهم } [آل عمران: 11]؛ يعني: دأب جميع الكفار وواحد من ~~المتقدمين والمتأخرين، فدأب من في عهدك يا محمد { كدأب آل ~~فرعون } [آل عمران: 11]، الذين كانوا في عهد موسى، { والذين ~~من قبلهم } [آل عمران:11]، كانوا في عهد إبراهيم وغيره من الأنبياء ~~عليهم السلام. # ثم ms0284 أخبروا بهم وقال تعالى: { كذبوا بآياتنا } [آل عمران: 11]؛ ~~يعني: كل قوم من هؤلاء لما ستروا روحانيتهم بأستار ظلمات نفسانيتهم # عموا وصموا # [المائدة: 71]، فما شهدوا شواهد أنوارنا وما كاشفوا بحقائق أسرارنا ~~فحرموا عن شهود آثار آياتنا، وإذا تليت عليهم { كذبوا بآياتنا ~~فأخذهم الله بذنوبهم } [آل عمران: 11]، وطردهم عن القرب ~~وأبعدهم { والله شديد العقاب } [آل عمران: 11]؛ أي: شديد عقاب ~~فراقه وبعده، أليم عذاب الحرمان عن جواره وقربه. # ثم أخبر عن حاصل أمرهم يوم حشرهم بقوله تعالى: { قل للذين ~~كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس ~~المهاد } [آل عمران: 12]، إشارة في الآية: إن المبتلي بالكفر مغلوب ~~حكم الأزلي بالشقاوة؛ لقوله: # غلبت علينا شقوتنا # [المؤمنون: 106]، ثم الهدى والنفس والشيطان ولذة الدنيا، فغلبات الهوى ~~والنفس ترد إلى أسفل سافلين الطبيعة فيعيش فيها، ثم يموت على ما عاش عليه ~~ويحشر على ما مات عليه في قعر { جهنم وبئس المهاد } [آل ~~عمران: 12]، ومعاده وأنه مهده في معاشه. ### || [3.13-17] # ثم أخبر عن برهان ما ادعى من الأمر فيما غلبوا يوم بدر بقوله تعالى: { ~~ثم قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل ~~في سبيل الله } [آل عمران: 13]، إشارة في الآية: إن الله تعالى { ~~فئتين } [آل عمران: 13]، في الظاهر من المؤمن والكافر، وفئتين في ~~الباطن من القلب وصفاته الحميدة، { وأخرى كافرة } [آل عمران: ~~13]؛ وهي النفس الأمارة بالسوء وصفاتها الذميمة، ولهم الحرب والالتقاء ~~على الدوام؛ وهو الجهاد الأكبر، فتارة يؤيد الله تعالى فئة القلب بالنصر ~~ويريهم في أعين فئة النفس كثير، { يرونهم مثليهم رأي ~~العين } [آل عمران: 13]، وتارة يؤيد فئة النفس بالنصر فيريهم في أعين ~~فئة القلب كثيرا، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل ~~عمران: 13]، فيولون وينهزمون، { والله يؤيد بنصره من ~~يشآء } [آل عمران: 13]، من القلب وجنوده وهم: الروح والسر والأوصاف ~~الحميدة والملائكة، ومن النفس وأعوانها وهم: الهوى والدنيا والأوصاف ~~الذميمة والشياطين و { آية في فئتين التقتا } [آل عمران: ~~13]، أن لو كان المنصور فيه القلب والمغلوب فيه النفس، # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]، لا ترى النفس في فئتها إلا قليلا، ينهزم ms0285 الشيطان والدنيا ~~والهوى فلا يبقى مع النفس من جنودها وأعوانها، إلا بعض أوصافها، فينظرون ~~إلى جنود القلب مجتمعين تائبين يقاتلون في سبيل الله، # كأنهم بنيان مرصوص # [الصف: 4]، { يرونهم مثليهم رأي العين } [آل عمران: ~~13]، ولو كان المنصور فئة النفس والمغلوب فئة القلب، لا يرى القلب من فئة ~~إلا قليلا من أوصافه، فينظرون إلى أعوان النفس، { يرونهم ~~مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13]؛ لأن الهوى والدنيا ~~والشياطين أوصاف النفس، { يرونهم مثليهم رأي العين } ~~[آل عمران: 13]؛ لأن الهوى والدنيا والشياطين أوصاف النفس مجتمعون ثابتون ~~مع النفس في قتال القلب، إن الله تعالى وقضائه # ولو شآء الله ما اقتتلوا # [البقرة: 253] وفق المشيئة # ولكن الله يفعل ما يريد # [البقرة: 253]، { إن في ذلك لعبرة } [آل عمران: 13]، من ~~رؤية الحق في الأحكام الأزلية وأجزائها على وفق المشيئة { لأولي ~~الأبصار } [آل عمران: 13]، المؤيدة بصائرهم بأنوار # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53]. # ثم أخبر عن جنود الفئتين وأعوان الفرقتين بقوله تعالى: { زين ~~للناس حب الشهوات من النساء } [آل عمران: 14]، إشارة ~~في الآيتين: إن الله تعالى خلق الخلق على طبقات ثلاث: # عوام وهم: أرباب النفوس، والغالب عليهم الهوى والشهوات، والخواص وهم: ~~أرباب القلوب، والغالب عليهم الهدى والتقوى، وخواص الخواص وهم: أرباب ~~القلوب عليهم المحبة والشوق، وإن الله تعالى يذكر كل صنف منهم باسم يناسب ~~أحوالهم، فيذكر العوام باسم الناس، كقوله تعالى: # يأيها الناس # [الحجرات: 13]، وقوله تعالى: { زين للناس } [آل عمران: 14]، ~~والناس مشتق من النسيان، ويذكر الخواص باسم المؤمن # يأيها الذين آمنوا # [آل عمران: 100]، وقوله تعالى: والمؤمنون # والمؤمنون كل آمن بالله # [البقرة: 285]، ويذكر خواص الخواص باسم الولي، كقوله تعالى: # ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون # [يونس: 62]. # ثم شرح أحوال العوام المردودين إلى أسفل دركات البعد، المطرودين من أعلى ~~الدرجات القرب بقوله تعالى: { للناس حب الشهوات... } [آل ~~عمران: 14]، الآية. # ثم اعلم أن لجهنم سبع دركات محفوفة، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " حفت النار بالشهوات " # ، والشهوات سبع لكل دركة شهوة، فإذا ابتلي المرء ms0286 بشهوة منها يكون من أهل ~~دركة منها، والشهوات السبع ما عده الله تعالى في هذه الآية، إشارة بكل ~~واحد منها إلى شهوة بقوله تعالى: { من النساء } [آل عمران: 14]، ~~وهي شهوة الفرج، { والبنين } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الطبيعة ~~الحيوانية المائلة إلى الولد، { والقناطير المقنطرة من ~~الذهب } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الحرص على جميع المال، { ~~والفضة } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الزينة بالحلي والأواني المتخذة ~~منها، { والخيل المسومة } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الجاه ~~والرفعة بالركوب عليها، { والأنعام } [آل عمران: 14]، وهي شهوة ~~الخيلاء بالتمايل بها، { والحرث } [آل عمران: 14]، وهي شهوة الحكم ~~والأوامر والنواهي على الرعايا، فهذه سبع شهوات خفت سبع دركات النار بها، ~~{ ذلك متاع الحياة الدنيا [آل عمران: 14]؛ يعني: متمتعان ~~أهل الدنيا الذين يأكلون الدنيا # كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم # [محمد: 12]. # ثم شرح أحوال الخواص وخواصهم المقبولين بقبول العناية المجذوبين عن ~~شهوات نفوسهم، والطبائع الحيوانية بجذبات الهداية الربانية والولاية ~~بقوله تعالى: { والله عنده حسن المآب } [آل عمران: 14]، { ~~قل أؤنبئكم بخير من ذلكم } [آل عمران: 15]؛ يعني: قل ~~لأرباب النفوس المتمتعين بالحياة الفانية أنبتكم بخير من ذلكم مما أنتم ~~فيه { للذين اتقوا } [آل عمران: 15]، حذروا واحترزوا من الشهوات ~~والشبهات وما يشغلهم من الله تعالى؛ وهم الخواص { عند ربهم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~وأزواج مطهرة ورضوان من الله } [آل عمران: 15]، ~~فكما أن لأرباب النفوس، فعصيان الشهوات النفسانية سوء حظ من دركات الجحيم ~~عاجلا، ثم يصلونها عاجلا، كما قال تعالى: # وإن الفجار لفي جحيم # [الأنفطار: 14]؛ يعني: الآن عاجلا، # وما هم عنها بغآئبين # [الانفطار: 16] اليوم، فكذلك لأرباب القلوب بغلبات الأخلاق الروحانية ~~حسن حظ من درجات الجنات ونعيمها عاجلا، ثم يدخلونها أجلا، كما قال ~~تعالى: # إن الأبرار لفي نعيم # [المطففين: 22]؛ يعني: الآن عاجلا النعيم الذي يتمتعون به أرباب القلوب ~~ثمانية، وقد ذكرها الله تعالى في الآيتين وما بعدها وهي الإيمان بقوله ~~تعالى: { ربنآ إننآ آمنا } [آل عمران: 16]، والتقوى؛ لقوله ~~تعالى: { والصادقين } [آل عمران: 17]، والطاعة؛ لقوله تعالى: { ~~والقانتين } [آل عمران: 17]؛ أي: المطيعين، والإنفاق في طاعة الله؛ ms0287 ~~لقوله تعالى: { والمنفقين } [آل عمران: 17]، والاستغفار بقوله ~~تعالى: { والمستغفرين بالأسحار } [آل عمران: 17]، والرضاء ~~بالقضاء بقوله تعالى: # ورضوان من الله # [التوبة: 72]، هذه جنات في قلوب الخواص { تجري من تحتها ~~الأنهار } [آل عمران: 15]، الألطاف واردات ترد على القلوب، فيسقي بها ~~جنات الأخلاق الجنات { وأزواج } [آل عمران: 15]، من نظرات الحق، { ~~مطهرة } [آل عمران: 15]، من الحدوث من كل حدث، كما قال تعالى: # وسقاهم ربهم شرابا طهورا # [الإنسان: 21]، فمن تلك الأزواج المطهرة تتولد الأخلاق المطهرة. # ثم أشار إلى أحوال خواص الخواص، مستورة من نظر الخواص محفوظة من فهم ~~العوام؛ لقوله تعالى: { والله عنده حسن المآب } [آل عمران: ~~14]؛ يعني: لأرباب الأرواح جذبهم عنهم بجذبات المحبة، فما استحلوا لهم ~~الدنيا ليسكنوا فيها، كما قال تعالى: # الله يجتبي إليه من يشآء ويهدي إليه من ~~ينيب # [الشورى: 13]، قال تعالى: # فمن شآء اتخذ إلى ربه مآبا # [النبأ: 39]، { والله بصير بالعباد } [آل عمران: 15]؛ أي: ~~بعوامهم ومثواهم، وخواصهم ومآبهم، وخواص خواصهم ومآبهم، ورجعتم كما قال ~~تعالى: # إن إلى ربك الرجعى # [العلق: 8]، فافهم جيدا. # ثم أخبر عن أقوالهم من نتائج أحوال بقوله تعالى: { الذين يقولون ~~ربنآ إننآ آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب ~~النار } [آل عمران: 16]، إشارة في الآيتين: إن { الذين يقولون ~~ربنآ إننآ آمنا } [آل عمران: 16]، ما هم من # يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم # [آل عمران: 167] بل إنما هم من # الذين قالوا ربنا # [فصلت: 30] بأفواههم، # ثم استقاموا # [فصلت: 30]، بقلوبهم على الإيمان، { الصابرين } [آل عمران: 17]، ~~على حقوق الإيمان وعن حظوظ الإنسان، { والصادقين } [آل عمران: 17]، ~~بصدق اللسان والأركان والجنان، { والقانتين } [آل عمران: 17]، لله ~~وبالله في كل زمان ومكان، { والمنفقين } [آل عمران: 17]، من ~~وجودهم في الله بقدر الإمكان { والمستغفرين بالأسحار } [آل ~~عمران: 17]، عما كان منهم كيفما كان، { فاغفر لنا ذنوبنا } [آل ~~عمران: 16]،، فأغفر بك عنا ذنوبنا { وقنا عذاب النار } [آل ~~عمران: 16]، إنابتنا الصابرين بك عنا، { والصادقين } [آل عمران: ~~17]، فيك { والقانتين } [آل عمران: 17]، لك بك { والمنفقين ~~} [آل عمران: 17]، منا عليك، { والمستغفرين بالأسحار } [آل ~~عمران: 17]، عنا عنك. ### || [3.18-22] # ثم أخبر عن حقيقة الشهادة أنها له، ولنا ms0288 العبادة بقوله تعالى: { شهد ~~الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا ~~العلم قآئما بالقسط } [آل عمران: 18]، إشارة في الآية: إن ~~الشهادة الحقيقية؛ هي شهادة الله بكلامه الأزلي، إنه الحق عن علمه ~~[الأزلي] على ذاته الأحدي وكونه الصمدي، { أنه لا إله إلا ~~هو } [آل عمران: 18]، وهي شهادة الحق وبالحق أنه الحق، وهو منفرد بهذه ~~الشهادة الأزلية لا يشاركه فيها أحد، وكما أن ذاته لا تشبه الذوات وصفاته ~~لا تشبه الصفات؛ فشهادته لا تشابه الشهادات، إنه سبحانه شهد بجلال قدره ~~على كمال عزه، حين لا حين، ولا عقل ولا جهل، ولا كفر ولا شرك، ولا عرش ~~ولا فرش، ولا جنة ولا نار، ولا الإنس ولا الملائكة، ولا أولوا العلم ولا ~~الإنكار ولا الإقرار، فأول من شهد على أنه الله؛ هو الله حين لم يكن إلا ~~الله، فأخبر بالذي كان كما كان؛ وهو { أنه لا إله إلا هو ~~} [آل عمران: 18]، ثم أبدع الموجودات واخترع المخترعات كما شاء لما شاء، ~~ففطر العقول مجرة على أنه واحد عزيز، ما جد بإخباره إياها، وخلق الذوات ~~شاهدات على ربوبيته بإشهاده إياها، وكل جزء من جميع ما فطر وخلق على ما ~~شاء من الأعيان والأعراض [أظهر] وأنطق فهو بوجوده مفصح، ولربوبيته موضح، ~~وعلى قدرته شاهد، ولكن منبع ماء التوحيد؛ هو القدم، فجرى في ينبوع العدم ~~في مجاري أنها المحدثات إلى ظهر من عيون والملائكة وأولوا العلم، فإن ~~الملائكة وإن كانوا مظهر ماء التوحيد، كما أن أولوا العلم ولكن اختص ~~أولوا العلم منهم بمشربه، # وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها ~~وأهلها # [الفتح: 26]. # شيء خصصت به من دونهم وحدي # لي سكرتان وللندمان واحدة # فحقيقة معنى الآية { شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط } [آل ~~عمران: 18]، على أمور عباده حتى شهد على شهادة الملائكة وأولوا العلم، ثم ~~فائدة التكرار بقوله تعالى: { لا إله إلا هو العزيز ~~الحكيم } [آل عمران: 18]، { إن الدين عند الله ~~الإسلام } [آل عمران: 19]، عائدة إلى أولوا العلم، الذين لهم شركة مع ~~الملائكة ms0289 في مظهر ماء التوحيد بالشهادة، ولهم اختصاص بالمشربية لماء ~~التوحيد فشاهدوا حقيقة { لا إله إلا هو العزيز } [آل ~~عمران: 18]، الذي لا يشاهد عزته إلا عزته، الذي أغرهم بهذه العزة من بين ~~البرية، { الحكيم } [آل عمران: 18]، الذي بحكمته اختارهم لهذه العزة ~~من بين الخليقة. # ثم أخبر عن عزة اختلاف أهل العلم بحكمته بقوله تعالى: { وما اختلف ~~الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جآءهم ~~العلم } [آل عمران: 19]، إشارة في تحقيق الآية: إن اختلاف عالم ~~الصورة من النتائج التناكر في عالم الأرواح، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " # ، فالأرواح تلاقي بعضها بعضا عند تشاهد الأشخاص، فما تعارف منها في ~~الميثاق لتقاربهم في الصف أو لتقابلهم في المنزل ائتلف، وما تناكر منها ~~لتباعدهم في الصف أو لتدبرهم في المنزل اختلف، فإذا كان الاختلاف من ذلك ~~التناكر # لو أنفقت ما في الأرض جميعا مآ ألفت بين ~~قلوبهم # [الأنفال: 63]، وإن كان اختلاف بأسباب حادثة في الظاهر، وذلك التعارف ~~الأصلي ثابت في الباطن، فإذا التقى الشخصان نظر كل واحد منهما إلى سيما ~~الآخر، فتعرف روحه روح الآخر، والقلوب تشاهد فتأتلف، كما كان حال أويس ~~القرني - رضي الله عنه - لما رأى هرم بن حيان فقال: السلام عليك يا هرم، ~~فقال: كيف عرفتني؟ فقال: عرفت روحي روحك، قال تعالى لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم: # تعرفهم بسيماهم # [البقرة: 273]، فظهر أن الاختلاف من تناكر الأرواح، فلما كان بين ~~الأرواح المؤمنين تعارف روحاني، ناصرهم العداوة الجسمانية الحادثة؛ كقوله ~~تعالى: { إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم ~~} [آل عمران: 19]، إشارة إلى: إن العلم مظنة الحسد. # واعلم أن حسد أهل العلم قسمان: مذموم ومحمود، وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا حسد إلا في اثنين رجل أتاه مالا فسلطه على هلكته في حق، ورجل أتاه ~~الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها " # ، متفق على صحته، رواه ابن مسعود رضي الله عنه، فالمراد من الحسد هاهنا: ~~الغبطة أن يتمنى الرجل أن يكون له مثل ms0290 ما لأخيه فيعمل به مثل ما يعمل ~~أخوه، فهذا النوع من الحسد محمود، والمذموم: أن يتمنى الرجل ما لأخيه ~~وعلمه لنفسه وزوالها لأخيه، { ومن يكفر بآيات الله } [آل ~~عمران: 19]، بكتاب الله تعالى ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم، ~~والبراهين الواضحة والدلائل اللائحة بالحد، وطلب الجاه والرفعة في الدنيا ~~وعلو المرتبة على الإخوان، { فإن الله سريع الحساب } [آل ~~عمران: 19]؛ أي: يحاسبه بالعقاب سريعا في الدنيا عاجلا بأن يعاقبه ~~بقسوة القلب وسواده، والبعد عن الحق ونسيانه واستيلاء الشيطان وسلطانه، ~~واستيلاء الدنيا والحرص عليها، ومتابعة النفس وهواها، وآجلا: بأن يعذبه ~~بعذاب الحجاب وشدة العقاب. # ثم أخبر عن شرط الإسلام إنه التسليم، وليس على النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلا التبليغ والتعليم بقوله تعالى: { فإن حآجوك فقل أسلمت ~~وجهي لله } [آل عمران: 20]، إشارة في الآية: إن حقيقة الإسلام ~~والدين هو الاستسلام بكلية الوجود إلى الله تعالى، راضيا بقضائه صابرا ~~على بلائه، شاكرا للنعماء به، منقادا لأوامره، منزجرا لنواهيه، ~~محكوما لأحكامه الأزلية، مريدا لإرادته القديمة، مفوضا إليه أمر ~~الدنيوية والأخروية، وبهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولمن اتبعه، { ~~فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن } [آل عمران: 20]، ~~ولا يصلح الاستسلام والمتابعة للعبد إلا بهذا الشرط، بهذا يصح الإقتداء ~~وعلى هذا يكون الاهتداء، كما قال تعالى: { وقل للذين أوتوا ~~الكتب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا } [آل ~~عمران: 20]، بهذا الشرائط { فقد اهتدوا وإن تولوا } [آل ~~عمران: 20]، عن هذه الشرائط { فإنما عليك البلغ } [آل ~~عمران: 20]؛ أي: عليك التبليغ بهذه المعاني والشرائط إلى قلوبهم # بالحكمة والموعظة الحسنة # [النحل: 125]، وتصرفات النبوة ظاهرا وباطنا { والله بصير ~~بالعباد } [آل عمران: 20]، من يستحق الهداية فيهديه، ومن يستحق ~~الضلالة فيجد له في الضلالة. # ثم أخبر عن غاية جهالة أهل الضلالة بقوله تعالى: { إن الذين ~~يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير ~~حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ~~فبشرهم بعذاب أليم } [آل عمران: 21]، الإشارة في الآيتين: ~~إن لقلب الإنسان في إبطال استعداد قبول فيض الحق مراتب منها: بالحجبة من ~~الفيض، فإذا زال الحجاب رجع إلى صفاته؛ ms0291 وهو المعاصي يحجب القلب عن الفيض: ~~كالسحاب تحجب الأرض عن فيض الشمس، فإذا أزال السحاب رجع الفيض، كذلك إذا ~~زال الحجاب المعاصي عن القلب بالتوبة، رجع إليه فيض الحق، كما أشار إليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: # " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " # ، ومنها: ما يزيل صفاء القلب فيخرجه عن قبول الفيض: كالصداء مع المراتب؛ ~~وهو: الكفر والشرك، فيحتاج في إزالة صداع الكفر إلى مصقل كلمة التوحيد، ~~كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إن لكل شيء صقالة، وصقالة القلوب ذكر الله " # ، وقال صلى الله عليه وسلم: # " الإسلام يمحو ما قبله " # ، ومنها: ما يحتل بالاستعداد الأصلي في قبول الفيض ويوجب الحرمان: ~~كالمرآت المنقطعة بطل استعدادها في قبول العكس، إلا أن يطيع مرة أخرى ~~ويضع كما كانا، فكذلك القلب إذا أبطل استعداده لا يقبل الفيض إلا أن ~~تداركه العناية الأزلية سابق المشيئة؛ وهو # النفس التي حرم الله إلا بالحق # [الإسراء: 33]، كما قال تعالى: # ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خلدا ~~فيها # [النساء: 93]، فقتل النفس بغير الحق وإن كان عظيما عند الله، والقاتل ~~كما أبطل بنيان شخص المقتول وهدمه فقد أبطل استعداد الكمالية عن نفسه، ~~ولكنه قابل ليتدارك بمشيئة الله تعالى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~قرأ # فجزآؤه جهنم خلدا فيها # [النساء: 93]، قال: " إن جازاه "؛ يعني: جزاؤه الخلود إن شاء أن يجازيه ~~فيخرجه، ومنها: ما يبطل الاستعداد الأصلي بالكلية فلا يقبل التدارك ~~بمشيئته كما حكم في الأزل، # سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة ~~الله تبديلا # [الفتح: 23]، وهو قتل الأنبياء - عليهم السلام - كما قال تعالى: { ~~أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا ~~والآخرة } [آل عمران: 22]؛ أي: كل عمل روحاني حصل منهم في الباطل على ~~وجه الاستكمال، { وما لهم من ناصرين } [آل عمران: 22]؛ يعني: ~~ليس من سنة الله أن ينصر من أبطل استعداده بالكلية بمثل هذا المعاملات في ~~الدنيا والآخرة، في أصل الأمر إذ الإنسان خلق مستعدا؛ لقبول فيض أحدى ~~الصفتين، إنما يكون بمعاملات الظاهر والباطن على وفق ms0292 متابعة الأنبياء في ~~قبول فيض اللطف بأن يغذي نفسه في متابعة الأنبياء؛ ليكون من خير البرية، ~~ونقصان الإنسان في قبول فيض القهر بأن يقتل الأنبياء؛ ليكون شر البرية، ~~ولهذا الاختصاص في قبول كمال القهر، أن لا يقبل توبة في الدنيا والآخرة، ~~ويحتمل أن يرجى لإبليس النجاة ولا يرجى له أبد الآبدين. ### || [3.23-27] # ثم أخبر عن غرور أهل الغفلة والفتور بقوله تعالى: { ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب ~~الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم ~~وهم معرضون } [آل عمران: 23]، { ذلك بأنهم قالوا ~~لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في ~~دينهم ما كانوا يفترون } [آل عمران: 24]، إشارة في الآيات: ~~إن من أوتي نصيبا إذا ادعي إلى حكم من أحكام الله، أو يدعي إلى ترك ~~الدنيا ومخالفة الهوى، وشيء من الورع والتقوى والقربة إلى المولى، كما ~~أنزل في كتاب الله أخذته الأنفة، ودعته العزة أن يقبل الحق وينقاد له، ~~ويثقل عليه الأسماع ويعرض في الاتباع، فهو مغرور في الدنيا بما يفتري ~~الشيطان ويغويه، وتمنيه الأنفس وتستهويه. # { فكيف إذا جمعناهم } [آل عمران: 25]، حال المغرور إذا ~~جمعهم الله { ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما ~~كسبت } [آل عمران: 25]، في مزرعة الدنيا من الدرجات العلا والدركات ~~السفلي، { وهم لا يظلمون } [آل عمران: 25]، بأن ينزل أهل ~~الدرجات في الدركات، وأهل الدركات في الدرجات؛ لأن الظلم وضع الشيء في ~~غير موضعه، وإنما خص { الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } ~~[آل عمران: 23] هذا الاختصاص؛ لأن أكثر ما أدنى نصيبا من العلم الظاهر ~~ولم يؤت نصيبا من العلم الباطن؛ فإنهم أهل العزة بالله بالظاهر، ويغفلون ~~عن الأحوال الباطنة، فيستولي الشيطان على بواطنهم، ويزين لهم الدنيا ~~وشهواتها وشكرهم بلذاتها ورفعة الدرجات، فتهلكهم في واد من أوديتها. # ثم أخبر عن كمال عنايته مع أهل ولايته بقوله تعالى: { قل اللهم ~~مالك الملك تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ~~ممن تشآء } [آل عمران: 26]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى هو ~~الملك في الحقيقة، ولا ملك ولا ملك إلا ms0293 له؛ لأنه ملك له ملك العدم ~~والوجود بالمالكية فإنه كان مالكا، ولم يكن معه وجود ولا عدم فأبدع ~~بالملكية، فإنه ملك الوجود في مراتب شتى: # فمنها: وجود قابل الفناء والعدم؛ وهو عالم الكون والفساد، ومنها: وجود ~~قابل البقاء غير فان ولا عادم؛ وهو عالم يقبل الكون ولا يقبل الفساد، ~~فكان مالك ملك الوجود والعدم بالمالكية؛ لإبداعه، فقوله: { تؤتي ~~الملك من تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: تؤتي ملك الوجود الباقي ~~الذي لا يقبل الفناء { من تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: الملكية ~~والإنسان، فإن شخص الإنسان قابل للفناء، ولكن روحه لا تقبل الفناء: ~~كالملائكة وعالم الأرواح والملكوت؛ وهو عالم الآخرة، { وتنزع ~~الملك ممن تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: تنزع ملك الوجود ~~الباقي ممن تشاء من الحيوانات وعالم الكون والفساد. # { وتعز من تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: تعز بعزة الوجود ~~الحقيقي، الذي لا يقبل الكون والفساد من تشاء من الأنبياء والأولياء، ~~دليله قوله تعالى: # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # [المنافقون: 8]، فافهم جيدا. # { وتذل من تشآء } [آل عمران: 26]؛ يعني: تذل بذل الغضب والسحت ~~من تشاء من الكافرين والمنافقين، بأن تبطل استعدادهم عن قبول فيض الوجود ~~الحقيقي، دليله قوله تعالى: # وضربت عليهم الذلة والمسكنة وبآءو بغضب ~~من الله... # [البقرة: 61]، وفي قوله تعالى: { بيدك الخير إنك على ~~كل شيء قدير } [آل عمران: 26]، تضمير الدعاء؛ يعني: اللهم مالك ~~الملك تؤتي من تشاء أنت الذي بيدك الخير كله، فآتني الملك فيمن تشاء أن ~~تؤتيه، وأعزني فيمن تشاء أن تعزه، إنك على شيء من الإيتاء والمنع ~~والإعزاز والإذلال قدير. # وقوله: { تولج الليل في النهار } [آل عمران: 27]؛ أي: تولج ~~ظلمانية البشرية النفسانية في نهار أنوار الصفات الروحانية، { وتولج ~~النهار في الليل } [آل عمران: 27]، أنوار الروحانية في ظلمات ~~الصفات النفسانية، { وتخرج } [آل عمران: 27] القلب { الحي } [آل ~~عمران: 27]، بالحياة الحقيقية { من } [آل عمران: 27]، النفس { ~~الميت وتخرج } [آل عمران: 27]، القلب { الميت } [آل ~~عمران: 27]، عن الحياة الحقيقية { من } [آل عمران: 27]، النفس { ~~الحي } [آل عمران: 27]، بالحياة المجازية الحيوانية { وترزق من ~~تشآء بغير حساب } [آل عمران: 27]؛ أي: ترزقه من عالم الجود ms0294 ~~الحقيقي من النفس الميت، وتخرج الذي هو غير متناه، ولا يدخل تحت العدد ~~والحساب. ### || [3.28-32] # ثم أخبر عن أهل العناية من حافظي الولاية بقوله تعالى: { لا يتخذ ~~المؤمنون الكافرين } [آل عمران: 28]، الإشارة في الآيتين: لا ~~يتخذ المؤمنون الكافرون { أوليآء من دون المؤمنين } [آل ~~عمران: 28]؛ أي: من إمارة الإيمان أن لا يمكن للمؤمن من سؤالات الكفار ~~ومودتهم؛ لأنهم أوثق عدوى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وإن مودة ~~الكفار وموالاتهم كفر، كما أن الرضاء بالكفر كفر، والضدان لا يجتمعان، ~~فلا يجتمع في قلب المؤمن حب الله ورسوله والمؤمنين وحب الكافرين أبدا؛ ~~لقوله تعالى: { ومن يفعل ذلك } [آل عمران: 28]؛ يعني: من يتخذ ~~الكافرين أولياء { فليس من الله في شيء } [آل عمران: 28]؛ ~~أي: من محبة الله في شيء، وفيه إشارة أخرى: إن القلب المؤمن؛ هو الذي لا ~~يتخذ الكافرين من النفس الأمارة والشيطان والهوى والدنيا أولياء من دون ~~المؤمنين، من الروح والسر وصفاتهما، { ومن يفعل ذلك } [آل ~~عمران: 28]، قلب من القلوب؛ فليس ذلك القلب من الله من أنواره وألطافه ~~ومواهبه ونظر عنايته ورحمته في شيء، { إلا أن تتقوا منهم ~~تقة } [آل عمران: 28]؛ يعني: إلا أن تخافوا من هلاك النفوس؛ هي مركب ~~الروح، فرجوعها إلى الحضرة الربوبية تسير إلى الحق فيواسيها ويداريها؛ ~~لئلا يعجز عن السير في الرجوع ويهلك في الطريق من كثرة معادات القلب ~~ومخالفة هواها وشدة ارتياحها، { ويحذركم الله نفسه } [آل ~~عمران: 28]؛ أي: ذاته، والمراد منه: صفات قهره؛ لأن ذاته تعالى موصوف ~~بصفات اللطف وصفات القهر، والتحذير لا يكون إلا من صفات القهر، والإشارة ~~فيها: إن موالاة النفس معاداة الحق، فمن كان حاله معاداة الحق فلا بد من ~~المصير إليه، ففي يوم يكون { وإلى الله المصير } [آل عمران: ~~28]، لا خفي من الله إلا القهر والعداوات، ولا يخطئ منه إلا بعذاب البعد ~~وعقاب الهجران. # { قل إن تخفوا ما في صدوركم } [آل عمران: 29]، من معاداة ~~الحق في ضمن موالاة النفس بدعوى الإيمان والإسلام وسلام محبته، { أو ~~تبدوه } [آل عمران: 29]، بمخالفات أوامره ونواهيه، وموافقات ms0295 دواعي ~~النفس وشهواتها ومتابعة هواها، { يعلمه الله } [آل عمران: 29]، ~~بالقليل والكثير، والنفير والقطمير، { ويعلم ما في السموت ~~} [آل عمران: 29]، قلوبكم من موالاة النفس ومعاداة الحق { وما في ~~الأرض والله على كل شيء قدير } [آل عمران: 29]، ~~نفوسكم من مخالفات الحق وموافقات الهوى، فيجازيكم على قدر الموالاة ~~والمعاداة بقوله تعالى: { يوم تجد كل نفس ما عملت من ~~خير محضرا } [آل عمران: 30]، إشارة في الآية: إن يوم القيامة { ~~يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما ~~عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا ~~بعيدا } [آل عمران: 30]، أثره في ذاتها وصفاتها، وكذلك ما عملت من شر، ~~وذلك الأشر كان معها في الدنيا محضرا، ولكن نظر النفس كان محجوبا بحجاب ~~الغفلة، لم تكن تجده محضرا معها، فإذا كشف عنه الحجاب تجده حاضرا معها، ~~كما قال تعالى: # لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطآءك ~~فبصرك اليوم حديد # [ق: 22]، وقال تعالى: # ووجدوا ما عملوا حاضرا # [الكهف: 49]، فمن عمل اليوم خيرا يؤثر نور ذلك الخير في قلبه فيض وجه ~~قلبه، ومن عمل شرا يؤثر ظلمة ذلك الشر في قلبه فيسود وجهه؛ # في غفلة من هذا # [ق: 22]، فيكون وجوه أهل الخير بلون قلوبهم، كما قال تعالى: # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # [آل عمران: 106]، وجوه أهل الشر تكون بلون قلوبهم، كما قال تعالى: # وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم ~~أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون # [آل عمران: 106]، فإن حية الكفر لدغتهم وهم في غفلة الناس نيام، فلم ~~يذوقوا عذابها، فلما ماتوا انتبهوا، قيل لهم: # فذوقوا العذاب # [آل عمران: 106]، لعلك تنتبه { ويحذركم الله نفسه ~~والله رؤوف بالعباد } [آل عمران: 30]، فمن رأفته مع عباده ~~يحذرهم نفسه؛ أي: يحذرهم أعمالا وأحوالا تمنعهم عن الوصول إليه، ~~وينذرهم إكراما عن رأفته المخصوصة بعباده الواصلين إليه. # ثم أخبر عن طريق الوصول أنه متابعة الرسول بقوله تعالى: { قل إن ~~كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } [آل ~~عمران: 31]، والسر فيه: إن المؤمن من يكون أشد حبا لله عما سواه، والحب ms0296 ~~على قدر محبته يتبع النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى قدر إتباع المحبة ~~يحبه الله؛ يعني: فالإتباع ثلاث درجات، ولمحبة الله للمحب التابع على حسب ~~الإتباع ثلاث درجات: # فأما درجات الاتباع الأولى: درجة العوام المؤمنين؛ وهي متابعة أفعاله ~~صلى الله عليه وسلم، والثانية: خواص المؤمنين؛ وهي متابعة أخلاقه صلى ~~الله عليه وسلم. # والثالثة: أخص الخواص؛ وهي متابعة أحواله صلى الله عليه وسلم. # أما درجات محبة المحب: # فالأولى: محبة العوام؛ وهي مطالعة المنة من رؤية الحسان المحسن، كقوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " جبلت القلوب على حب من أحسن إليها " # ، وهذا حب يتغير بتغير الإحسان، وهو من باب الأفعال المتابع الأعمال؛ ~~وهم يطمعون أجرا على ما يحتملون من نتائج الحب، قال أبو الطيب ثم أخبر: # ضعيف الهوى يرجى عليه ثواب # وما أنا بالباغي على الحب رشوة # والثانية: محبة الخواص؛ وهي محبة تنشأ من مطالعة شواهد الكمال عند تجلي ~~صفات الجلال والجمال، وهذه محبة المقربين يحبون إعظاما وإجلالا له؛ ~~لاطلاعهم على كمال جماله وعظمة صفات كماله وهذا حب التعظيم والإجلال لوجه ~~الله تعالى، فذلك هو الباقي على الأبد لبقاء الصفات على السرمد، ويزيد ~~بازدياد المعرفة، قالت رابعة العدوية: # أحبك حبين حب الهوى # وحبا لأنك أهل لذاكا # وهذه المحبة هي التي تبعث على إيثار الحق تعالى على غيره، لما يتجلى له ~~من معاني صفات في مدارج آياته؛ وهي لنبع أخلاقه صلى الله عليه وسلم فيضبط ~~هذا المحب في هذه الدرجة إلى إطراح ذكر غير الله عن قلبه، متقلبا بين ~~النظر إلى جماله مرة وإلى جلاله أخرى، لهجا بلسانه بذكره موقوفة أعضاؤه ~~على تعبده إجلالا وإعظاما، سأعبد الله لا أرجوا توبة لكن تعبد إعظام ~~وإجلال. # والثالثة: محبة أخص الخواص؛ وهي غاية القصوى للعبد ولا غاية لها، وهي ~~محبة حافظة تقطع العبارة وترفق الإشارة ولا تنتهي بالنعوت، وهذا بخلاف ~~المحبين الأولين إذ ليست هذه منشأة عن رؤية النعم والإحسان التي من باب ~~الأفعال، ولا من رؤية الصفات من الجمال والجلال؛ بل جذبة من جذبات الحق ~~المنشأة ms0297 من المحبة القديمة في سر " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف، ~~فخلقت الخلق؛ لأعرف " ، وأهل هذه المحبة هم: المستعدون لكمال المعرفة ~~بسبق العناية، كما قال تعالى: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى # [الأنبياء: 101]، وقد سمي الله تعالى محبته لهم في الأزل بلا علة ~~بالحسنى منه في حقهم، وقال مخبرا عن محبته الأزلية لهم: # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]، إشارة منهم إلى: إنهم ما أحبوه حتى أحبهم هو أزلا، ~~فمحبتهم له لمحبته لهم، وذلك أن محبته لهم في الأزل من غير علة، فلما ~~استخرجهم من ظهر آدم تجلت محبته على قلوبهم، فجذبتها عنهم إليه وأفنتهم ~~عن أنفسهم، فدخلوا الدنيا على ترك الصفة. # قال بعضهم: غذينا بالمحبة يوم قالت له الدنيا: # أتينا طآئعين # [فصلت: 11]. # وحقيقة المحبة: أن تفني المحب بسطوتها وتبقي المحبة منه بلا هو، كما أن ~~النار تنقي الحطب بسطوتها وتبقى النار بلا هو، فإن المحبة نار # لا تبقي ولا تذر # [المدثر: 28]، وأما درجات محبة الله للعبد؛ فاعلم: أن كل صفة من صفات ~~الله تعالى من العلم والقدرة والإرادة وغيرها، وإن اتفقت في أسماء صفات ~~خلقه فلا يشبه حقيقتها أوصاف الخلق البتة، حتى الوجود الذي يعم الخلق ~~والمخلوق جميعا وذلك؛ لأن الوجود الخلق عن عدم ووجود الخالق واجب لنفسه، ~~ووجود كل ما سواه [مستمد] منه، ومن وفق النظر على أن ليس في الكون إلا ~~الله وأفعاله حسنة وكأنه ليس في الوجود شيء ثابت إلا هو وحده، قرأ القارئ ~~بين يدي الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير - رحمه الله - قوله تعالى: # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]، فقال: بحق يحبهم؛ لأنه لا يحب إلا نفسه؛ على معنى أن ليس ~~في الكون إلا هو وما سواه فهو من صنعه، والصانع إذا مدح صنعه فقد مدح ~~نفسه فإذا لا تتجاوز المحبة نفسه قائمة بنفسها، وما سواه قائم به فهو لا ~~يحب إلا نفسه، فإذا عرفت هذا فاعلم أن محبة الله تعالى للخلق عائدة إليه ~~حقيقة، إلا أنه كان قمرها على الخلق فيجب تعلقها بالعام والخاص، وأخضر ~~أنبت لكل صنف ms0298 منهم سعادة يخطى بها عند مرورها عليه، إلا أن تنتهي إلى ~~محلها الذي صدرت منه، فيكون المحبة والمحب والمحبوب، واحدا فصدرت المحبة ~~عن محل " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فمررت على فخلقت الخلق؛ لأعرف ~~" ، فما تعلقت إلا بأهل المعرفة؛ وهم المخصوصون بالأنعام، كما قال تعالى: # فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهدآء... # [النساء: 69]، فتعلقت بالعام من أهل المعرفة بالرحمة ومشربهم الأعمال، ~~فقيل لهم: { فاتبعوني } [آل عمران: 31]، بالأعمال الصالحة { ~~يحببكم الله } [آل عمران: 31]، يخصصكم الله بالرحمة { ~~ويغفر لكم ذنوبكم } [آل عمران: 31]، التي صدرت منكم على ~~خلاف المتابعة { والله غفور } [آل عمران: 31]، لمن أطاعه { ~~رحيم } [آل عمران: 31]، لمن يعصيه، وتعلقت بالخاص من أهل المعرفة ~~بالفضل ومشربهم الأخلاق، فقيل: { فاتبعوني } [آل عمران: 31]، ~~بمكارم الأخلاق يحببكم بالفضل، يخفيكم بتجلي صفات الجمال والكمال، { ~~ويغفر لكم ذنوبكم } [آل عمران: 31]، يستر ظلمة صفاتكم ~~بأنوار صفاته، { والله غفور رحيم } [آل عمران: 31]، ستور ~~بصفاته صفات أهل رحمة، وتعلقت بالأخص من أهل المعرفة بالجذبات الإلهية ~~ومشربهم الأحوال، فقيل لهم: { فاتبعوني } [آل عمران: 31]، ببذل ~~الوجود ويحييكم الله بجذبات المحبة الأزلية، يخصكم بتجلي صفات الجلال، ~~ويجذبكم عنكم به الله، { ويغفر لكم ذنوبكم } [آل عمران: ~~31]، ويستر بجوده ذنوب وجودكم، فينجوكم عنكم ويثبتكم به، كما قال: # " فإذا أحببته، كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا، بي يسمع وبي ~~يبصر، وبي يتعلق وبي يبطش " # ، ويكون العبد في هذا المقام مرآة كمال لطفه وقهره، فكما أن الرائي في ~~المرآة يشاهد صفاته بصفاته وذاته بذاته، فيكون الرائي والرؤية والمرئي ~~واحد، فكذلك يكون في هذا المقام المحب والمحبة والمحبوب واحد، والعارف ~~والمعرفة والمعروف واحد، فهو المحب العارف والمحبوب المعروفة؛ أي: الذي ~~أحب أن يعرف فأحب نفسه بمحبته، وعرف نفسه بمعرفته، { والله غفور ~~رحيم } [آل عمران: 31]، ستور صدا مرآة المحبين والعارفين برحمته، ~~فمن نظر به جمال صفاته و[من شهد] به جلال ذاته، # في كل واد يهيمون # [الشعراء: 225]، وكل بارقة يسيمون تدور رحى الحزن على دموعهم، وتفور نار ~~الشوق بين ضلوعهم، فضلوا عن أنفسهم ببقاء المحبوب، وفقدوا ms0299 طلبهم بوجدان ~~المطلوب، فهم بين روض المحو وغدير الإثبات أموات غير أحياء، أحياء غير ~~أموات، فطورا يرونه فيطربون عند الكشف والتجلي، وتارة يخشونه فيهربون ~~عند الحجب والستر، فكيف الطرب ولا مطرب؟ إلى أين الهرب ولا مهرب؟ # { قل أطيعوا الله والرسول } [آل عمران: 32]؛ ليكون مهربكم ~~ومقربكم إلى الله في متابعة الرسول، فإن متابعة صورة جذبة الحق وصدق رد ~~محبته لكم، { فإن تولوا } [آل عمران: 32] عن متابعة المحبوب { ~~فإن الله لا يحب الكافرين } [آل عمران: 32]؛ يعني: لا ~~يوجد ذرة محبة في صدق المخالفة، إلا في صدق المتابعة. ### || [3.33-37] # ثم أخبر عن أهل الاصطفاء للمحبة والولاء بقوله تعالى: { إن الله ~~اصطفى ءادم ونوحا } [آل عمران: 33]، إشارة في الآيتين: إن الله ~~تعالى خلق العالم على سبعة أنواع مختلفة: من الجمادات، والمعادن، ~~والنبات، والحيوان، والنفوس، والعقول، والآرواح، مظهر لآياته وصفاته ثم ~~اصطفى آدم { على العالمين } [آل عمران: 33]، وجمع فيه الأنواع ~~المختلفة السبعة لما خصه باختصاص تأمن وهو تشريف إضافة، # ونفخت فيه من روحي # [الحجر: 29]؛ ليكون مظهر لجميع وجودي صفاته تبارك وتعالى إلى هذا أشار ~~بقوله: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة: 30]، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: # " إن الله خلق آدم على صورته " # أي: خلقه مرآة تظهر ذاته وصفاته فيه؛ لقوله تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم # [فصلت: 53]، وقال تعالى: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21]، وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن خلق آدم فتجلى فيه " # ، ويشير في قوله تعالى: { إن الله اصطفى ءادم ونوحا ~~وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } [آل عمران: ~~33]، إلى خواص أولاد آدم عليه السلام الذين ثمرات شجرة الإنسانية، كما ~~سئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم، من آلك فقال: # " آلي كل مؤمن تقي ونقي ". # قوله تعالى: { ذرية بعضها من بعض } [آل عمران: 34]؛ يعني: ~~ورثة النبوة والعلم والدين يأخذ بعضها من بعض بالوراثة الدينية، كقوله ~~تعالى: # يرثني ويرث من آل يعقوب # [مريم: 6]، وقال صلى الله عليه وسلم: # " العلماء ورثة الأنبياء، لم يورثوا دينار أولادهما، وإنما ورثوا العلم، ~~فمن أخذه ms0300 فقد أخذ بحظ وافر، والله أعلم ". # واعلم: أن العالم بما فيه كشجرة وثمرتها أهل المعرفة، فهم درة صدفة ~~العالمين وخلاصة الكونين، وزبد اليقين، ولب قشر الوجود قلب شخص الموجود ~~وستر: " فخلقت الخلق؛ لأعرف " { والله سميع } [آل عمران: 34] ~~لدعائهم واستدعائهم { عليم } [آل عمران: 34]، بأحوالهم وخصالهم بهم ~~يمطرون وبهم يرزقون. # ثم أخبر عن تحرير بنت عمران لرضاء الرحمن بقوله تعالى: { إذ قالت ~~امرأت عمران } [آل عمران: 35]، إشارة في الآية: إن تعلم أن لله ~~تعالى في كل ذرة من ذرات الموجودات حركة، ولحركتها أسرارا لا يعلمها إلا ~~الله، فبعضها يظهر بعضها لتغير فيه وتقيس الباقي عليه، مثل ما رأت حنة ~~طائرا بطعم فرخا فتحركت لذلك نفسها للولد وهي عجوز، فدعت الله تعالى أن ~~يهب لها ولدا كما مر ذكره، فانظر ماذا خرج الله من الأسرار عن إطعام ذلك ~~الطائر فرخه، وظهر من الآيات والمعجزات من تلك الساعة إلى يوم القيامة ~~بواسطة مريم وعيسى - عليهما السلام - كقوله: # وجعلنا ابن مريم وأمه آية # [المؤمنون: 50]، فأول الآية منها أن حنة حملت بمريم مع كبر سنها، ثم { ~~قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني ~~محررا } [آل عمران: 35]، فإن تحريها إياها ما كان إلا بإلهام رباني، ~~قالت: { فتقبل مني إنك أنت السميع العليم } [آل ~~عمران: 35]، وما قالت فأقبل مني؛ لأن معنى القبول راجع إلى التحرير؛ أي: ~~فاقبل مني تحريرا إياها وأعطني عليه الثواب؛ ومعنى التقبل راجع إلى ~~المحرى؛ أي: تقبلها مني بأن تكفلها وتربيها تربية المحررين، بيانه قوله ~~تعالى: { فتقبلها ربها } [آل عمران: 37]؛ أي: تقبل الله مريم ~~أن يربيها، { إنك أنت السميع } [آل عمران: 35]، الذي يسمع دعاء ~~المضطرين، وتحبيبهم العلم الذي يعلم ضمير الداعي قبل أن يدعوا به، ويعلم ~~ما المحرر في بطنها ولا تعلم الحامل ما هو، ويعلم ما في بطن المحرر ما ~~أودع من كلمة وروح منه، وهي لا تعلم. # { فلما وضعتها قالت رب إني وضعتهآ } [آل عمران: ~~36]؛ أي: أردت أن يكون المولود ذكرا يصلح للتحرير، فكان أنثى على خلاف ~~رؤيتي { أنثى } [آل ms0301 عمران: 36]، فعاملها الله، { والله أعلم ~~بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها ~~مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان ~~الرجيم } [آل عمران: 36]؛ فعاملها الله { فتقبلها ربها } ~~[آل عمران: 37]، يعني مريم { بقبول حسن } [آل عمران: 37]؛ يعني: ~~بقبول ذكر، وفيه معنى آخر؛ أي: تقبل الله مريم بدعاء حنة بقولها: { ~~فتقبل مني } [آل عمران: 35]، ورباها تربية التقبل والتكفل، ثم ~~قبلها بقبول حسن؛ يعني: أخرج منها مثل عيسى عليه السلام، ويحتمل أيضا أن ~~يقال: { وأنبتها نباتا حسنا } [آل عمران: 37]؛ أي: أثبت لها ~~نباتا حسنا؛ يعني: عيسى عليه السلام، دليله قوله تعالى: # والله أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح: 17]؛ أي: أنبت لكم. # ثم أخبر عن آية أخرى من آياته الكبرى بقوله تعالى: { وكفلها ~~زكريا } [آل عمران: 37]، إشارة في الآية: إن الله تعالى لما أراد أن ~~يخرج عيسى عليه السلام من مريم بلا أب، فمن كمال حكمته جعل تكفل مريم إلى ~~زكريا عليه السلام؛ لئلا يدخل عليها غيره، فيكون أبعد من التهمة عند ~~الخلق، { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد ~~عندها رزقا } [آل عمران: 37]؛ إظهارا لكرامتها لديه لتكون بريئة ~~عن التهمة عند زكريا، فيقول لها: { قال يمريم أنى لك ~~هذا قالت هو من عند الله } [آل عمران: 37]؛ أي: بأي سبب ~~وطاقة وجدت هذه الكرامة؟ قالت: ليس هذا بسبب من عندي؛ بل هو فضل من عند ~~الله، { إن الله يرزق من يشآء بغير حساب } [آل ~~عمران: 37]، بغير سبب من الأسباب، وفيه معنى آخر، وجد عندها رزقا من ~~فتوحات الغيب الذي يطعم الله به خواص عباده، الذين يبيتون عنده لا عند ~~أنفسهم ولا عند الخلق، كقوله صلى الله عليه وسلم: # " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " # ، قال لي: { أنى لك هذا قالت هو من عند الله } ~~[آل عمران: 37]، فإن من يبيت عند الله يكون رزقه من عند الله؛ يعني: مما ~~عند الله من فيض ألطافه، وحسن إعطائه { إن الله يرزق من ~~يشآء } [آل عمران: 37]، مريم { بغير حساب } [آل عمران: 37]، ~~بما لم يكن في حسابها من ولد عيسى عليه السلام بلا ms0302 أب، وفاكهة الشتاء في ~~الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء بلا شجرة، والعلوم اللدنية بلا واسطة، ~~والمعجزات بلا نبوة، نظيره قوله تعالى: # ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # [الطلاق: 2-3]. ### || [3.38-39] # ثم أخبر عن آياته بعد أخرى من آياته الكبرى بقوله تعالى: { هنالك ~~دعا زكريا ربه } [آل عمران: 38]، الإشارة في الآيتين: إن الله ~~تعالى جعل بعض الأشياء سبب البعض، فكما أنه جعل إطعام الطائر فرخة، سبب ~~تحريك قلب زكريا لطلب الولد، هنالك دعا زكريا ربه { قال رب هب لي ~~من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعآء } [آل ~~عمران: 38]، والإشارة في قوله: { من لدنك } [آل عمران: 38]، إلى أن ~~الأرواح التي هي جنود مجندة بعضها في الصف الأول؛ وهي أرواح الأنبياء - ~~عليهم السلام - وخواص الأولياء ليس بينها وبين الله حجاب، وبعضها في الصف ~~الثاني؛ وهي أرواح الأولياء وخواص المؤمنين، وبينها وبين الله حجاب الصف ~~الأول، وبعضها في الصف الثالث؛ وهي أرواح المؤمنين وخواص المسلمين، ~~وبينها وبين الله حجاب الصف الأول والصف الثاني، وبعضها في الصف الرابع؛ ~~وهي أرواح المنافقين من مدعي الإسلام والكفار والمشركين، فقوله: { رب ~~هب لي من لدنك } [آل عمران: 38]؛ أي: من الصف الأول الذي لا ~~واسطة بينه وبينك، { ذرية طيبة } [آل عمران: 38]؛ أي: ولدا ~~يكون روحه من أهل الصف الأول مطهرا من آل يعقوب عليه السلام؛ يعني: ~~النبوة كم وهبت لحنة مريم ولمريم رزق الجنة { إنك سميع الدعآء ~~} [آل عمران: 38]؛ أي: مجيب الدعاء، كما أجبت دعاء حنة. # { فنادته الملائكة وهو قائم يصلي } [آل عمران: ~~39]، سائرة سره في الملكوت، فسمع نداء الملائكة وهو محارب نفسه وهواه { ~~في المحراب أن الله يبشرك بيحيى } [آل عمران: ~~39]؛ أي: بغلام اسمه يحيى، وإنما سمي يحيى؛ لأنه منذ خلق ما ابتلي ~~بالمعصية؛ لئلا يموت القلب بالمعاصي كما مر ذكره، الحديث أنه ما هم ~~بمعصية قط ولا بموت الصورة؛ لأنه استشهد والشهداء لا يموتون # بل أحياء عند ربهم يرزقون # [آل عمران: 169]، فهو حي يحيى في حال الدنيوي والاستقبال الأخروي { ~~مصدقا بكلمة من ms0303 الله } [آل عمران: 39]؛ وهي قوله: # ييحيى خذ الكتاب بقوة # [مريم: 12]، { وسيدا } [آل عمران: 39]؛ أي: حرا من رق الكونين، بل ~~سيدا لرفعتي الكونين { وحصورا } [آل عمران: 39]، نفسه عن تعلق ~~بالكونين، { ونبيا من الصالحين } [آل عمران: 39]؛ لقبول فيض ~~الإلوهية بلا واسطة؛ لأنه كان من أهل الأول. ### || [3.40-46] # ثم أخبر عن ظهور الآيات أنها موجبة لمزيد الطاعات بقوله تعالى: { قال ~~رب أنى يكون لي غلام } [آل عمران: 40]، الإشارة في ~~الآيتين: إن استبعاد زكريا عليه السلام الولد وتعجبه في قوله: { أنى ~~يكون لي غلام } [آل عمران: 40]، ما كان من قبل قدرة الله تعالى، ~~ولكن من قبل استحقاقه لنيل هذه الكرامة؛ يعني: بأي استحقاق يكون لي غلام ~~{ وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك ~~الله يفعل ما يشآء } [آل عمران: 40]؛ أي: هكذا يعطي الله من ~~يشاء لمن يشاء فضلا منه ورحمة، لا استحقاقا في شيء من الأشياء، كقوله ~~تعالى: # ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء # [الحديد: 21]. # { قال رب اجعل لي آية } [آل عمران: 41]، استدل بها على أن ~~لك معي هذا الفضل تخصني بنيل هذه الكرامة من العالمين، { قال آيتك ~~ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا } [آل ~~عمران: 41]، وإنما جعل آيته في احتباسه عن الكلام لغلبات الصفات ~~الروحانية عليه، واستيلاء سلطان الحقيقة على قلبه، فإن النفس الناطقة ~~تكون مغلوبة في تلك الحالة بشواهد الحق في الغيب، فلا تفرغ إلى جلاء ~~عادتها في الشهادة في الكلام إلا رمزا، وبهذا يتقوى الروح الطبعي والروح ~~الحيواني وتستمد منه القوى البشرية، فيحيي الله به الشهوة الميتة التي ~~أحياها الله تعالى فيحيا، والاستبقاء بهذه الحالة واستمرارها أمر في هذه ~~الأيام الثلاثة بأن يستمد من كثرة ذكر ربه، وإقامة المراقبة بالليل ~~والنهار، وإقامة الصلاة { واذكر ربك كثيرا وسبح ~~بالعشي والإبكار } [آل عمران: 41]. # ثم أخبر عن الاصطفاء من النساء بقوله تعالى: { وإذ قالت ~~الملائكة يمريم } [آل عمران: 42]، الإشارة في الآيات: إن ~~المصطفى من الخليقة من اصطفاه تعالى فضلا منه ورحمة لا استحقاقا ~~واستعدادا، كما ظن إبليس أنه مستحق للخيرية ومستعد بقوله: # أنا ms0304 خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين # [الأعراف: 12]، واعلم أن الاصطفاء على أنواع مختلفة منها: # اصطفاء على غير الجنس: كاصطفاء آدم عليه السلام على غير جنسه من ~~المخلوقات بقوله تعالى: # إن الله اصطفى ءادم # [آل عمران: 33]، ولم يكن له جنس حين خلقه، واصطفاه وأسجد له ملائكته. # ومنها: اصطفاء على غير الجنس وعلى الجنس: كاصطفاء محمد صلى الله عليه ~~وسلم على جميع المكونات بقوله: # " لولاك ما خلقت الأفلاك ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " أنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة تحت آدم ومن ~~دونه ولا فخر، وأنا أول شافع يشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يقرع ~~باب الجنة فيفتح لي، فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم ~~الأولين والآخرين على الله ولا فخر ". # ومنها اصطفاء الجنس: كاصطفاء مريم على نساء زمانها بقوله تعالى: { ~~وإذ قالت الملائكة يمريم إن الله اصطفك ~~وطهرك واصطفك على نسآء العلمين } [آل عمران: ~~42]، { اصطفك } [آل عمران: 42] لاصطفائك بك إياه { وطهرك } ~~[آل عمران: 42] عن الالتفات لغيره، واصطفاك على نساء العالمين؛ لنيل درجة ~~الكمال، فإنه ليس من شأن النساء، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية ~~بنت مزاحم امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء: كفضل الثريد على سائر ~~الطعام ". # { يمريم اقنتي لربك واسجدي } [آل عمران: 43]، واقتربي ~~{ واركعي } [آل عمران: 43]، وانكسري من أنانيتك لتجدي أنانيتي، فإني ~~أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي { مع الراكعين } [آل عمران: 43]، ~~البالغين من الرجال درجة الكمال { ذلك } [آل عمران: 44]، أحوال { من ~~أنبآء الغيب } [آل عمران: 44]، من الأحوال الغيبية على نواظر أهل ~~الشهادة { نوحيه إليك } [آل عمران: 44]، يا محمد بوحي البيان وكشف ~~العيان { وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم ~~يكفل مريم } [آل عمران: 44]، وإن لم تكن عندهم إذ يسعون بإلقاء ~~الأقدم؛ ليستعدون بكمال مريم، { وما كنت لديهم إذ ~~يختصمون } [آل عمران: 44]، على إدراك هذه السعادة. # ثم أخبر عن ميامن الاصطفاء ببشارتها بنبي من الأنبياء بقوله ms0305 تعالى: { ~~إذ قالت الملائكة يمريم إن الله يبشرك ~~بكلمة منه } [آل عمران: 45]، والإشارة في الآيتين: إن الله ~~تعالى جعل المخلوقات كلمة مركبة من حروف تفيد معرفة ذاته وصفاته، فإن كل ~~صفة من صفاتها مظهر آية من آياتها، وصفة من صفاته أو صفتين فصاعدا، ~~كقوله تعالى: # " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق؛ لأعرف " # ، وكل صنف من أصناف العالم؛ فهو حرف من حروف كلمة المعرفة، ولكنه خلق ~~نسخة العالم بما فيه وركب من أصناف العالم؛ فهو أيضا كلمتة المعرفة: ~~كالعالم بما فيه، وليس للعالم ولا لصنف من أصنافه هذا الاستعداد، وكما ~~أثبت الله تعالى للإنسان بقوله تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم # [فصلت: 53]، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكي بتزكية الشريعة، ~~المربي بتربية أرباب الطريقة، وإنما خص عليه السلام بهذا الاسم؛ أعني: ~~الكلمة من بين سائر الأنبياء والأولياء لمعنيين: # أحدهما: أنه خلق مستعدا لهذا الكمال في بدء أمره وحال طفوليته من غير ~~احتياج إلى التربية، كقوله تعالى في المهد # إني عبد الله آتاني الكتاب # [مريم: 30]، فقد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه، كما قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " من عرف نفسه عرف ربه ". # والثاني: إنه لما كان الله تعالى متولي إلقاء روح عيسى عليه السلام إلى ~~مريم، كما قال تعالى: # فنفخنا فيه من روحنا # [التحريم: 12]، ومتولي أمر تخليق طينة جده بإبداع كن من غير نطفة أب، ~~كما قال تعالى: # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون # [آل عمران: 59]، سماه كلمة وشرفه بإضافة إلى نفسه، وقال تعالى: # وكلمته ألقاها إلى مريم # [النساء: 171]، وبقوله تعالى: { إن الله يبشرك بكلمة ~~منه } [آل عمران: 45]، { اسمه المسيح عيسى ابن مريم } ~~[آل عمران: 45]، فكان من اختصاصه بالكلمة أنه غلب الكلام، كما أخبر عنه { ~~ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين } ~~[آل عمران: 46]، { وجيها في الدنيا والآخرة ومن ~~المقربين } [آل عمران: 45]، حتى روى مجاهد قال: قالت مريم بنت ~~عمران - صلوات الله عليها -: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثته ms0306 وحدثني، فإذا ~~شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع، وسمي المسيح؛ لأنه مسح الله ~~تعالى ظهر آدم عليه السلام، فاستخرج منه ذرات ذرياته وأشهدهم على أنفسهم # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172]، جاء في الخبر إذن للذرات بالرجوع إلى ظهر آدم عليه ~~السلام، وحفظ ذرة عيسى عليه السلام وروحه عنده حتى ألقاها إلى مريم، فكان ~~قد بقي عليه اسم المسيح إلى الممسوح، وقوله تعالى: { وكهلا ومن ~~الصالحين } [آل عمران: 46]؛ أي: حالة النبوة؛ لأن بلاغة الأنبياء - ~~عليهم السلام - كان عند كهوليتهم، كقوله تعالى: # حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة # [الأحقاف: 15]، { ومن الصالحين } [آل عمران: 46]؛ أي: صلاحية ~~قبول الفيض بلا واسطة، كما هو حال جميع الأنبياء عليهم السلام. ### || [3.47-51] # ثم أخبر عن تعجب مريم من أمر من بشرها بما بشرها ولم يمسها البشر بقوله ~~تعالى: { قالت رب أنى يكون لي ولد } [آل عمران: 47]، ~~الإشارة: إن الله تعالى خلق إظهارا للقدرة آدم من تراب بلا أب، وخلق ~~حواء بلا أب ولا أم، وخلق عيسى ابن مريم بلا أب، حتى قالت: { رب ~~أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك ~~الله يخلق ما يشآء إذا قضى أمرا } [آل عمران: 47]؛ ~~يعني: في الأزل { فإنما يقول له كن فيكون } [آل عمران: ~~47]، في الحال، وقوله تعالى كلام أزلي يتعلق بالإرادة الأزلية على وفق ~~الحكمة القديمة بالشيء عند التكوين، فيكون الشيء كما شاء متى شاء، كما ~~تعلق بعيسى عليه السلام لقوله تعالى: # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون # [آل عمران: 59]، { ويعلمه الكتب والحكمة ~~والتوراة والإنجيل } [آل عمران: 48]، { ورسولا إلى ~~بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم ~~أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ ~~فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرىء الأكمه ~~والأبرص وأحي الموتى بإذن الله وأنبئكم ~~بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك ~~لآية لكم إن كنتم مؤمنين } [آل عمران: 49]، من غير واسطة، ~~كما # وعلم ءادم الأسمآء كلها # [البقرة: 31]. # واعلم أن الروح الإنساني؛ ms0307 الذي هو خليفة الله في الأرض معلم من ربه ~~واستخلفه العلم والحكمة والكتابة أو القراءة، بل هو قابل أنوار جميع ~~الصفات خلافة عنه، حتى القدرة على الخلق والأحياء، والإبراء والإنباء، ~~وغير ذلك من الآيات التي هي من نتائج القدرة، ثم إذا تعلق بالقالب المنشأ ~~من العناصر الأربع، وحجب الظلمات المنشأ من شهوات الأبوين، احتجب عن ~~القلوب أنوار الصفات إلى أن يخرجه مدد العناية بطريق الهداية، وإن كان ~~الروح روح النبي صلى الله عليه وسلم من حجب الظلمات إلى أنوار الصفات، ~~كما قال تعالى: # يخرجهم من الظلمات إلى النور # [البقرة: 257]، فيصير في الخلافة قابل أنوار تلك الصفات بقوة الاستعداد ~~الروحاني والجسماني، فيظهر على النبي صلى الله عليه وسلم آيات المعجزات ~~وعلى الولي آيات الكرامات، فلما كان روح عيسى عليه السلام وذرة طينة ~~السعي استخرجت من ظهر آدم عليه السلام محبته عند الله تعالى ولم ترد إلى ~~ظهره حتى ألقاها إلى مريم بتوليه من غير شوب بظلمات شهوات الأبوين؛ ولهذا ~~سمي - روح الله - لأنه كان قابل أنوار الصفات في بدء أمره وحالة طفوليته، ~~ويكلم الناس في المهد وكهلا، ويكتب ويقرأ التوراة والإنجيل من غير تعلم، ~~ويخلق من الطين كهيئة الطير، ويبرئ الأكمة والأبرص، ويحيي الموتى بإذن ~~الله، وكذلك جميع الآيات الظاهرة منه، كما قال تعالى: { إن في ذلك ~~لآية لكم إن كنتم مؤمنين } [آل عمران: 49]، بأن الله هو ~~مقدر هذه الأسباب ومدبرها ومسببها، وكان عيسى عليه السلام بهذا الاستعداد ~~{ ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل ~~لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ~~ربكم فاتقوا الله وأطيعون } [آل عمران: 50]، ومحلا ~~لبني إسرائيل بعض الذي حرم عليهم وجاءهم الآيات الدالة على رسالته، وقال ~~لهم: { فاتقوا الله } [آل عمران: 50]؛ أي: اتقوا معاصيه، وأطيعوا ~~أمري، { إن الله ربي } [آل عمران: 51]، خلقني مستعدا؛ لإظهار ~~هذه الآيات { وربكم } [آل عمران: 51]، خلقكم عاجزون عنها { ~~فاعبدوه } [آل عمران: 51]، بالواحدانية من غير الشرك به { هذا ~~صراط مستقيم } [آل عمران: 51]، توصلكم الله إليه. ### || [3.52-56] # ثم أخبر عن إحساس عيسى عليه ms0308 السلام لما كفر الناس بقوله تعالى: { ~~فلمآ أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري ~~إلى الله } [آل عمران: 52]، إشارة في الآية: إن عيسى الروح أحسن من ~~النفس وصفاتها الكفر، { قال من أنصاري إلى الله } [آل ~~عمران: 52]، أعواني في الله { قال الحواريون } [آل عمران: 52]؛ ~~يعني: القلب وصفاته { نحن أنصار الله } [آل عمران: 52]؛ أي: ~~أعوان الله في نصرة الحق { آمنا بالله } [آل عمران: 52]؛ أي: ~~بوحدانيته والتبري عن غيره { واشهد بأنا مسلمون } [آل ~~عمران: 52]؛ أي: مستسلمون لأحكامه، راغبون بقضائه، صابرون على بلائه { ~~ربنآ آمنا بمآ أنزلت } [آل عمران: 53]، من الحكم والأسرار ~~واللطائف والحقائق { واتبعنا الرسول } [آل عمران: 53]، الوارد ~~من نفخات ألطافك ومنحات إعطائك { فاكتبنا } [آل عمران: 53]، فاجعلنا ~~{ مع الشهدين } [آل عمران: 53]، الذين يشهدون شواهد جلالك ~~ويشاهدون أنوار جمالك { ومكروا } [آل عمران: 54]؛ يعني: النفس ~~وصفاتها والشياطين وعنانها في هلاك الروح { ومكر الله } [آل ~~عمران: 54]، بتجلي صفات قهره في فناء النفس وصفاتها { والله خير ~~الماكرين } [آل عمران: 54]، في قهر النفس وصفاتها بالسوء وإفناء ~~صفاتها، وقمع هواها وقلع شهواتها. # ثم أخبر عن رفعه عيسى عليه السلام حبا وهو المتوفى بقوله تعالى: { إذ ~~قال الله يعيسى إني متوفيك ورافعك إلي } [آل ~~عمران: 55]، والإشارة في الآيات: إن الله قال لعيسى: أني متوفيك عن ~~الصفات النفسانية والأوصاف الحيوانية، ورافعك إلي بجذبات العناية، وهذا ~~كما أسرى بعبده صلى الله عليه وسلم إلى # قاب قوسين أو أدنى # [النجم: 9]، ومن خواص جذبة الربوبية: تطهير الصفات البشرية، يدل عليه ~~قوله تعالى: { ومطهرك من الذين كفروا } [آل عمران: 55]؛ ~~أي: ومطهرك من أخلاق الذين كفروا وأوصافهم { وجاعل الذين ~~اتبعوك } [آل عمران: 55]، بالأعمال الظاهرة وهي الشريعة، والأحوال ~~الباطنة وهي الطريقة، { فوق الذين كفروا إلى يوم ~~القيامة } [آل عمران: 55]، في التحقيق بالعهد، والغلبة والعزة ~~والبرهان والحجة وهم أهل الإسلام؛ لأنهم الذين اتبعوا دينه وسنته، وما ~~اتبعه حقيقة من دعاء ربا وابن الله، { ثم إلي مرجعكم } [آل ~~عمران: 55]، باللطف والقهر والاختيار على قدم السلوك، أو بالاضطرار عند ~~نزع الروح، { فأحكم بينكم } [آل عمران: 55] بالقبول والرد، ~~والثواب والعقاب، { فيما ms0309 كنتم فيه تختلفون } [آل عمران: ~~55]، من الحق والباطل، واتباع الهدى والهوى. # { فأما الذين كفروا } [آل عمران: 56]، ستروا الحق بالباطل ~~واتبعوا الهوى، فضلوا عن طريق الهدى { فأعذبهم عذابا شديدا ~~في الدنيا } [آل عمران: 56]، بحجاب الغفلة والاشتغال بغير الله ~~تعالى، { والآخرة } [آل عمران: 56]، بالقطيعة والبعد عن الله تعالى { ~~وما لهم من ناصرين } [آل عمران: 56]، في الدنيا والآخرة على ~~خلاصهم من العذاب. ### || [3.57-61] # { وأما الذين آمنوا } [آل عمران: 57]، واختاروا الحق على ~~الباطل { وعملوا الصالحات } [آل عمران: 57]، اتبعوا عن طريق ~~الهدى، ونهوا # ونهى النفس عن الهوى # [النازعات: 40]، { فيوفيهم أجورهم } [آل عمران: 57] عن جنة ~~المأوى، وتقربهم إلينا زلفى، { والله لا يحب الظالمين } ~~[آل عمران: 57]، الذين يظلمون أنفسهم بانقضاء العمر في طلب غير الله. # { ذلك نتلوه عليك } [آل عمران: 58]؛ أي: هذا نقص عليك من نبأ ~~عيسى عليه السلام وقومه { من الآيات والذكر الحكيم } [آل ~~عمران: 58]، من عيسى عليه السلام، وأن مثله كمثله آدم بقوله تعالى: { ~~إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون } [آل عمران: 59]. # { الحق من ربك فلا تكن من الممترين } [آل عمران: ~~60]، بغير ازدواج أب وأم واسطة نطفة وامشاج من # خلق من مآء دافق * يخرج من بين الصلب ~~والترآئب # [الطارق: 6-7]، كما جرت سنة الله تعالى وخلقه الإنسان، وإنما كونه ~~بتكوين أمر كن فكان، وهذه سنة جرت في تكوين الأرواح والملكوت لا في ~~الأجساد والملك، فالله تعالى أجرى هذه السنة في آدم وحواء وعيسى؛ إظهارا ~~لقدرته، وكذلك في ثعبان موسى، وناقة صالح، وكونهما بأمر كن خرقا للعادة؛ ~~ليكون آية نبوتهما، ودلالة من ربك يا محمد { فلا تكن من ~~الممترين } [آل عمران: 60]، في أمر عيسى أنه عبد الله، وشأن الحق ~~أنه فاعل مختار فعال لما يريد، ليس هذا نهيا عن شك كان في النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولكنه نهي الكينونة، قال: { فلا تكن من ~~الممترين } [آل عمران: 60]، قاله في الأزل: أنه أزلي فما كان من ~~الممترين، ولا يكون إلى الأبد. # { فمن حآجك فيه } [آل عمران: 61]، جاد لك ms0310 في أم عيسى أنه ليس ~~بعبد مخلوق، { من بعد ما جآءك من العلم } [آل عمران: 61]، ~~بحقيقة حاله { فقل تعالوا ندع أبنآءنا وأبنآءكم ~~ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم ~~نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين } [آل ~~عمران: 61]، وحيا وكشفا فادعهم إلى المباهلة، فإنها حجة قاضية بالحق ~~مميزة بين الصادقين والكاذبين، فكانت دعواه إياهم إلى المباهلة، ~~وامتناعهم عنها مظهر حقيقة دعواه وبطلان دعواهم. ### || [3.62-64] # { إن هذا لهو القصص الحق } [آل عمران: 62]، وما دونه ~~الباطل { وما من إله } [آل عمران: 62]، خالق { إلا الله } ~~[آل عمران: 62]، يخلق ما يشاء كما يشاء أجزاء على السنة، أو على إظهار ~~القدرة، { إلا الله } [آل عمران: 62]، الذي # هو خلق كل شيء # [الأنعام: 102]، ولا خالق له { وإن الله لهو العزيز } [آل ~~عمران: 62]، ليس له ضد ولا ند { الحكيم } [آل عمران: 62]، فيما يخلق ~~ويحكم، ولا عبث في خلقه وحكمه { فإن تولوا } [آل عمران: 63]، عن ~~حكم من أحكامه واعرضوا عنه { فإن الله عليم بالمفسدين } ~~[آل عمران: 63] الذين شهد عليهم الملائكة بالفساد في قوله: # أتجعل فيها من يفسد فيها # [البقرة: 30]، فأجابهم بقوله تعالى: إني أعلم المصلح منهم والمفسد، ولا ~~تعلمون منهم إلا المفسد، كقوله تعالى: # والله يعلم المفسد من المصلح # [البقرة: 220]، فيجعل المفسد فداء المصلح، كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا كان يوم القيامة لم يبق أحد منكم، إلا أعطى يهوديا، فقيل: هذا ~~فداؤك من النار " # ، صحيح أخرجه مسلم. # ثم أخبر عن جواب أهل الإعراض بقوله تعالى: { يأهل الكتاب ~~تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم ألا ~~نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا } [آل عمران: 64]، ~~إشارة في الآيات: إن الله تعالى أشار بقوله: { قل يأهل الكتاب ~~تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم } [آل ~~عمران: 64]، إلى أن أصول الأديان كلها، إخلاص العبودية في التوحيد، # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين # [البينة: 5]، وقال: { ألا نعبد إلا الله } [آل عمران: 64]، ~~لا نطلب منه غيره { ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من ~~دون الله } [آل عمران: 64]، في طلب الرزق ورؤية الأمور من الوسائط، ~~{ فإن ms0311 تولوا } [آل عمران: 64]؛ يعني: من أعرض عن هذا الأصل { ~~فقولوا اشهدوا } [آل عمران: 64]، أنتم لنا { بأنا ~~مسلمون } [آل عمران: 64]، مستسلمون لما دعانا الله إليه من التوحيد ~~والإخلاص في العبودية، ونفي الشرك والسر في الإشهاد على الإسلام؛ ليشهد ~~الكفار لهم يوم القيامة على الإسلام والتوحيد كما شهد لهم المسلمون كما ~~قال صلى الله عليه وسلم لأبي سعيد الخدري رضي الله عنه: # " إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت ~~بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن وإنس ولا ~~شيء، إلا شهد له يوم القيامة " # ، وفي رواية أخرى # " لا يسمع صوتك شجر ولا حجر، ولا جن ولا إنس، إلا شهد لك " # ، وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه # " فإن المؤذن يغفر له مدى صوته، وشهد له كل رطب ويابس " # ، وليكون شهادة الكفار لهم بالتوحيد يوم القيامة، حجة على أنفسهم، والله ~~أعلم. ### || [3.65-70] # وقوله تعالى: { يأهل الكتاب لم تحآجون في إبراهيم ~~ومآ أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا ~~تعقلون } [آل عمران: 65]، وتزعمون أنه على دينكم، وليس لكم به علم ~~ولا حجة فيما أنزل عليكم من التوراة والإنجيل في نعته وصفته، { ~~هأنتم هؤلاء حاججتم } [آل عمران: 66]، بالباطل { فيما ~~لكم به علم فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم } ~~[آل عمران: 66]، حقيقة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلا تعملون بما ~~تعلمون، وتحاجون فيما لا تعلمون { والله يعلم } [آل عمران: 66]، ~~ما تعملون { وأنتم لا تعلمون } [آل عمران: 66]، ما تعملون ~~جهلا منكم. # ثم أخبر عن إبراهيم عليه السلام، وما هو عليه من الدين القويم بقوله ~~تعالى: { ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا } [آل ~~عمران: 67]، إشارة في الآية: إن الله تعالى نزه إبراهيم عليه السلام عن ~~اليهودية والنصرانية براءة له عن الشرك؛ لأن أهل الملتين كانوا مشركين؛ ~~ولهذا قال تعالى: { وما كان من المشركين } [آل عمران: 67]، ~~وقال تعالى: { ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من ~~المشركين } [آل عمران: 67]، { حنيفا } [آل عمران: 67]، يعني: ~~مائلا عن غير الله مسلما وجهه لله، ms0312 يدل عليه قوله: # أسلمت وجهي لله # [آل عمران: 20]، قوله تعالى: # ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله # [النساء: 125]؛ يعني: لا يلتفت إلى غير الله في الطلب، ولا يشرك به ~~شيئا. # { إن أولى الناس بإبراهيم } [آل عمران: 68]؛ يعني: في ~~الإيثار له { للذين اتبعوه } [آل عمران: 68]؛ اقتداء به في ~~الصورة والمعنى، { وهذا النبي والذين آمنوا } [آل ~~عمران: 68]؛ يعني: الذين اتبعوه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا ~~معه متبعون ملته صورة ومعنى؛ لقوله تعالى: # ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين # [الحج: 78]، وملته الحقيقية هي الخلة، كما قال تعالى: # واتخذ الله إبراهيم خليلا # [النساء: 125]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى الناس به، حين قال: # " لو كنت متخذا خليلا، لاتخذت إبراهيم خليلا، ولكن أبي بكر أخي ~~وصاحبي، ولقد اتخذ الله صاحبكم خليلا " # ، ثم المؤمنين كانوا أولى الناس به؛ لقوله تعالى: { والله ولي ~~المؤمنين } [آل عمران: 68]؛ والولي: هو الخليل. # { ودت طآئفة من أهل الكتاب لو يضلونكم } [آل ~~عمران: 69]، عن ملة إبراهيم عليه السلام وهي: الخلة والإسلام، { وما ~~يضلون إلا أنفسهم } [آل عمران: 69]، بهذه المودة مودة ~~الإضلال، { وما يشعرون } [آل عمران: 69]، أن مودة إضلال أهل الله ~~كفر، فإن الرضاء بالكفر كفر. # ثم أخبر عن كفر أهل الكتاب في أن لخطاب بقوله تعالى: { يأهل ~~الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون } ~~[آل عمران: 70]، والإشارة في الآيتين: إن الله عز وجل يظهر أن الهداية ~~منه تبارك وتعالى لا من قراءة الكتب، وتفهم ألفاظها شهادة اللسان وإقراره ~~وإنما هي بشهود القلب عند ظهور شواهد الحق، فقال تعالى: { يأهل ~~الكتاب } [آل عمران: 70]؛ يعني: الذين يظنون أنكم اهتديتم إلى الحق ~~بالكتاب وأنتم تشهدون على أنفسكم بالهداية، فإن كنا كما تزعمون لما ~~تكفرون بآيات الله ببراهينه وحججه الظاهرة الدالة على نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم. ### || [3.71-74] # { يأهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل } [آل ~~عمران: 71]، وهو ما يدعوكم إليه محمد صلى الله عليه وسلم بالباطل ~~وأهوائكم وأرائكم الفاسدة، وهذا تنبيه من الله تعالى لعباده # هدى الله هو الهدى # [البقرة: 120]، من يهدي ms0313 فلا مضل له و # من يضلل الله فلا هادي له # [الأعراف: 186]، ثم قال تعالى: { وتكتمون الحق وأنتم ~~تعلمون } [آل عمران: 71]؛ يعني: لا يمكن أن تكتموا الحق وأنتم ~~تعلمون حقيقة؛ لأن ظهور الحق يقتضي زهوق الباطل، كما قال تعالى: # وقل جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان ~~زهوقا # [الإسراء: 81]. # ثم أخبر عن فساد اعتقادهم بقوله تعالى: { وقالت طآئفة من ~~أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين ~~آمنوا } [آل عمران: 72]، الإشارة في الآيات: إن الحسد وإن كان مركوزا ~~في جبلة الإنسان ولكن له اختصاص بعالم يتعلم العلم؛ ليماري به السفهاء ~~ويباهي به العلماء، ويجعله وسيلة لجمع المال ولحصول الجاه والقبول عند ~~أرباب الدنيا، فيحسد على كل عالم أتاه الله تعالى حكمة فهو ينشرها ويفيد ~~الخلق، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله تعالى مالا، فسلطه على هلكته في ~~الحق، ورجل أتاه الله تعالى حكمة، فهو يقضي بها ويعلمها " # أي: لا حسد كحسد الحاسد على هذين الرجلين، وكان حسد أحبار اليهود على ~~النبي صلى الله عليه وسلم من هذا القبيل، حتى قالت طائفة من أهل الكتاب ~~وهي أخبارهم لأتباعهم: { آمنوا بالذي أنزل على الذين ~~آمنوا } [آل عمران: 72]، { وجه النهار } [آل عمران: 72]، مكرا ~~وخداعا { واكفروا آخره لعلهم يرجعون } [آل عمران: ~~72]؛ يعني: المومنين على النبي صلى الله عليه وسلم وعن دينه حسدا على ما ~~أتاه الله من فضله، وقالوا هذا المعنيين: # أحدهما: تشكيك المؤمنين في أمر النبي صلى الله عليه وسلم ودينهم. # والثاني: تثبيت اليهود على دينهم ومتابعة أخبارهم، يدل عليه قوله تعالى: ~~{ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } [آل عمران: 73]؛ ~~أرادوا به: أنفسهم ولا يصدقوا غيرهم ولا تتبعوا لهم حسدا من عند أنفسهم، ~~فقال تعالى زعما لا فهما وردا على قولهم: قل يا محمد لمعاشر المؤمنين: ~~{ قل إن الهدى هدى الله } [آل عمران: 73]، إن الهدى ~~الحقيقي بالذي لا ضلال بعده هو الهدى من الله فضلا ورحمة، كما هداكم به، ~~وما { أن يؤتى أحد } [آل عمران: 73]، من أهل ms0314 الملل والأديان { ~~مثل مآ أوتيتم } [آل عمران: 73]، كما قال تعالى: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران: 110]، { أو يحآجوكم عند ربكم } [آل عمران: ~~73]، وإن يحاجوكم فيما آتاكم الله من عنده { قل إن الفضل بيد ~~الله يؤتيه من يشآء } [آل عمران: 73]، يا محمد { والله ~~واسع } [آل عمران: 73]، عطاءه { عليم } [آل عمران: 73]، بمستحق ~~عطائه، وأهل رحمته { يختص برحمته من يشآء } [آل عمران: ~~74]، مشيئة أزلية { والله ذو الفضل العظيم } [آل عمران: ~~74]، معك يا محمد ومع أمتك بتعينك، كما قال: # وكان فضل الله عليك عظيما # [النساء: 113]. ### || [3.75-80] # ثم أخبر عن بعض أهل الكتاب بالأمانة، وبعضهم بالخيانة بقوله تعالى: { ~~ومن أهل الكتب من إن تأمنه بقنطار يؤده ~~إليك } [آل عمران: 75]، إشارة في الآيتين: إن من أهل القصة من تأمنه ~~امتحانا بكثير من الدنيا يؤده إليك بالخروج عن عهدته، وعدم الالتفات به ~~إليه وقطع النظر عنه، { ومنهم من إن تأمنه بدينار لا ~~يؤده إليك } [آل عمران: 75]؛ [لتمكن] الحرص، وغلبة الهوى، وخسة ~~النفس، وركاكة العقل، ودناءة الهمة، { إلا ما دمت عليه ~~قآئما } [آل عمران: 75]، بمطالبة الحقوق منه إخبارا { ذلك ~~بأنهم قالوا } [آل عمران: 75]، بسوء النفس وإلقاء الشيطان { ~~ليس علينا في الأميين سبيل } [آل عمران: 75]، من مباشرة ~~الدنيا ومعاشرة الخلق، خرج ولا يحجبنا عن الله تعالى هذا التصرف ~~والالتفات { ويقولون على الله الكذب } [آل عمران: 75]، ~~بهذه المقالة { وهم يعلمون } [آل عمران: 75]، عن أنفسهم هذه ~~المحالة، ويجترون على الله ويفترون. # { بلى من أوفى بعهده } [آل عمران: 76]، من الله الذي ~~دهاهم في الميثاق بأن لا يعبدوا إلا الله، ولا يطلبوا منه إلا هو، { ~~واتقى } [آل عمران: 76]، عن غير الله بالله { فإن الله ~~يحب المتقين } [آل عمران: 76] به عن غيره. # واعلم أن أهل الكتاب الحقيقي في الحقيقة هم أهل هذه القصة، كما قال ~~تعالى: # ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا # [فاطر: 32]، # وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار # [ص: 47]، فافهم جيدا. # ثم أخبر عن اشتراء أهل الاجتراء بقوله تعالى: { إن الذين ~~يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } [آل ~~عمران: 77]، إشارة في الآيتين: ms0315 إن الذين يشترون بعهد الله الذي عاهدهم ~~الله يوم الميثاق في التوحيد وطلب الوحدة، وإيمانهم التي يخلقون بها ~~هاهنا ثمنا قليلا من متاع الدنيا وزخارفها، مما يلائم الحواس الخمس ~~والصفات النفسانية { أولئك لا خلاق لهم في الآخرة } ~~[آل عمران: 77]، الروحانية من نسيم روائح الأخلاق الربانية { ولا ~~يكلمهم الله } [آل عمران: 77]، تقريبا وتكريما وتفهيما { ~~ولا ينظر إليهم يوم القيامة } [آل عمران: 77]، بنظر ~~العناية والرحمة فيرحمهم { ولا يزكيهم } [آل عمران: 77]، عن ~~الصفات التي يستحقون بها دركات جهنم، ولا يزكيهم عن الصفات الذميمة التي ~~هي وقود النار إلى الأبد، فلا يتخلصون منها أبدا { ولهم عذاب ~~أليم } [آل عمران: 77]، فيما لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا ~~يزكيهم. # { وإن منهم } [آل عمران: 78]، من مدعي أهل المعرفة { لفريقا ~~يلوون ألسنتهم بالكتاب } [آل عمران: 78]، بكلمات أهل ~~المعرفة { لتحسبوه من الكتاب } [آل عمران: 78]؛ أي: من أهل ~~المعرفة { وما هو من الكتاب } [آل عمران: 78]، الذي كتب الله ~~في قلوب العارفين، { ويقولون هو من عند الله وما هو ~~من عند الله ويقولون على الله الكذب } [آل عمران: ~~78]، بإظهار الدعوى عند فقدان المعاني { وهم يعلمون } [آل عمران: ~~78] ولا يعلمون، # وأنهم يقولون ما لا يفعلون # [الشعراء: 226]. # ثم أخبر عن صدق صديقهم بقوله تعالى: { ما كان لبشر أن يؤتيه ~~الله الكتب والحكم والنبوة } [آل عمران: 79]، إشارة ~~في الآيتين: إن ليس من شأن بشر أن يؤتيه الله الكتاب حقيقيا من أهل ~~القصة، كما قال تعالى: # ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا # [فاطر: 32]، والحكم؛ يعني: الحكمة التي هي من نتائج إيتاء الكتاب، ~~والنبوة؛ أي: أداء النبوة { ثم يقول للناس كونوا عبادا ~~لي من دون الله } [آل عمران: 79]، أن هذه المقالة من صفات البشر ~~ورعونة النفس وشرها، # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا # [البقرة: 269]، فالخير الكثير مزيل صفات البشر ورعونة النفس وشرها، وصدك ~~لها بالصفات الروحانية والأخلاق الربانية، { ولكن } [آل عمران: 79]، ~~يقول لهم { كونوا ربنيين } [آل عمران: 79]؛ يعني: من دأب ~~القوم وهجراهم تربية الإتباع والمريدين؛ ليكونوا ربانيين متخلقين بأخلاق ~~الروحانية عالمين { بما كنتم ms0316 تعلمون الكتب وبما ~~كنتم تدرسون } [آل عمران: 79]، من العلوم، ولا يطلبون عن ~~دراستها، ولا يفترون بمقالات أخذوها من أفواه القوم، وفيه إشارة أخرى ~~وهي: أن بعض مدعي هذا الشأن الذين غلبت عليهم أهواءهم وصفات بشريتهم، ~~يدعون الشيخوخة من رعونة النفس قبل أوانها، ويخدعون الخلق بأنواع الحيل، ~~ويستتبعون بعض الجهلة، ويعبدونهم بكلمات أخذوها من الأفواه، ويمكرون بعض ~~أهل الصدق من الطلبة ويقيدونهم بالإرادة، ويقطعون عليهم طريق الحق بأن ~~منعوا من صحبة أهل ومشايخ الطريق، ويأمرونهم بالتسليم والرضا فيما ~~يعاملونهم، ولا يعرفون غيرهم فيعبدون من دون الله كما هو دأب أكثر أهالي ~~مشايخ زماننا هذا، فإنه ليس من دأب من يؤت الحكمة والكتاب والنبوة. # ثم قال: { ولا يأمركم } [آل عمران: 80]؛ يعني: من يؤت الكتاب ~~والحكمة والنبوة { أن تتخذوا الملائكة والنبيين ~~أربابا } [آل عمران: 80]، فضلا عن أنفسهم { أيأمركم ~~بالكفر } [آل عمران: 80]؛ وهو التثبت بما يصدكم عن السبيل { بعد ~~إذ أنتم مسلمون } [آل عمران: 80] لرب العالمين في الطلب. ### || [3.81-84] # ثم أخبر عن أخذ الميثاق لنصرة أهل الوفاق بقوله تعالى: { وإذ أخذ ~~الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من كتاب ~~وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم } [آل ~~عمران: 81]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى لما أخرج ذرية آدم عليه ~~السلام من صلبه كما أخذ الميثاق عليهم بالوحدانية لنفسه، فكذلك أخذ ~~الميثاق عليهم بالرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم فاستوى فيه الأنبياء ~~والأمم، وإن قال: { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } [آل ~~عمران: 81]، فإن الخطاب مع الأنبياء وأممهم يدل عليه قوله: { فمن ~~تولى بعد ذلك } [آل عمران: 82]، بعض الأمم { فأولئك ~~هم الفاسقون } [آل عمران: 82]، وفي قوله تعالى: { ثم جآءكم ~~رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ~~} [آل عمران: 81]، فالخطاب مع أمة النبي بالإيمان به والنصر له، وإن ناصر ~~كل نبي أمته بالإيمان والنصر له بأن يؤمنوا به وإن لم يدركوا زمانه ~~ويواصوا أولادهم بأن يؤمنوا به، إن أدركوه فإن لم يدركوه فينصرونه نية في ~~الغيبة والحضور، كقوله تعالى: # ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب # [البقرة: 132]، فلما أخذ الله ms0317 تعالى على جميعهم الميثاق لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم { قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ~~قالوا } [آل عمران: 81]؛ يعني: الأنبياء والأمم { أقررنا } [آل ~~عمران: 81]؛ يعني للأنبياء على أنفسكم وعلى بعضكم بعضا وعلى الأمم كلها ~~ولهذه الأمة خاصة وعلى الناس كافة، وللنبي صلى الله عليه وسلم أنتم شهداء ~~لله في أرضه { قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ~~} [آل عمران: 81]؛ يعني: مع كل طائفة منكم في كل زمان من الحاضرين معكم، ~~أسمع وأرى ما تقولون فيه وتفطنون معه، { فمن تولى بعد ذلك ~~} [آل عمران: 82]؛ يعني: عن الإيمان، والنصر له منكم معاشر الأمم { ~~فأولئك هم الفاسقون } [آل عمران: 82]، الخارجون عن عهدي ~~والناكثون { أفغير دين الله يبغون } [آل عمران: 83]؛ يعني: ~~الذين يتولون عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وعن دينه الإسلام، فإن ~~دينه هو دين الله كقوله تعالى: # إن الدين عند الله الإسلام # [آل عمران: 19]، فمن تمسك بغير متابعة محمد صلى الله عليه وسلم فقد ضل ~~عن طريق الحق وابتغى غير دين الله، فإن الدين هو الإيمان برسالة محمد صلى ~~الله عليه وسلم مع الإسلام لله تعالى بالوحدانية { وله أسلم من ~~في السموت والأرض طوعا وكرها } [آل عمران: 83] يوم ~~الميثاق، فمن شاهد الجمال أسلم له طوعا، ومن شاهد الجلال أسلم له كرها، ~~فليس الاعتبار بذلك الإسلام الفطري، بل الاعتبار بهذا الإسلام الكسبي في ~~متابعة النبي صلى الله عليه وسلم طوعا وكرها، كما قال تعالى: # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت ويسلموا تسليما # [النساء: 65]، قال تعالى: { وإليه يرجعون } [آل عمران: 83]؛ ~~يعني: الكافر والمؤمن يرجع إلى الله تعالى طوعا وكرها، فإن الذي يرجع ~~إليه طوعا؛ فهو الذي يتمسك بمتابعة محمد صلى الله عليه وسلم. # ثم أخبر عن سريرته صلى الله عليه وسلم؛ ليتمسك بسيرته بقوله تعالى: { ~~قل آمنا بالله ومآ أنزل علينا } [آل عمران: 84]، إشارة ~~في الآيات: إن الله تعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد مالك ~~وإن لم يعتبر الحال ms0318 بالقال؛ ليقتدوا بك وليعرفوا دينك آمنا بالله ليلة ~~المعراج إيمانا عيانيا لأبياتنا، وما أنزل علينا حين # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم: 10]، { ومآ أنزل على إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط } [آل عمران: 84]، وأتاني { وما ~~أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم } [آل عمران: ~~84]، إيتاء حقيقيا حتى فضلت على الأنبياء بما أوتيت جوامع الكلام وما ~~أوتي أحد قبلي { لا نفرق بين أحد } [آل عمران: 84]؛ أي: لا ~~نفرق بين أحد أنا وأمتي { منهم } [آل عمران: 84]، من الأنبياء ~~بالإيمان لهم { ونحن له مسلمون } [آل عمران: 84]؛ أي: ~~مستسلمون لجميع أوامره ونواهيه وأحكامه وقضائه في الدنيا والآخرة. ### || [3.85-89] # { ومن يبتغ غير الإسلام دينا } [آل عمران: 85]؛ أي: غير ~~الاستسلام الذي هو سير النبي صلى الله عليه وسلم ودينه في المنشط ~~والمكره، وغير تفويضه وتسليمه إلى الله تعالى في حلو قضائه وأمره، { ~~فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } [آل ~~عمران: 85]، الذين خسروا دولة متابعته؛ لينالوا بها مقام المحبوبية ~~ويهتدوا إلى الله به { كيف يهدي الله قوما كفروا بعد ~~إيمانهم } [آل عمران: 86]، قد احتجبوا بالصفات الإنسانية والطبائع ~~الحيوانية، عن الأخلاق الربانية بعد أن أمنوا بالله { وشهدوا أن ~~الرسول حق وجآءهم البينات } [آل عمران: 86]، إيمانهم ~~الدلالات الواضحات، وشاهدوا الآيات المعجزات، وكفروا بهذه المنعم، وما ~~عرفوا قدرها وما قاموا بحق شكرها { والله لا يهدي القوم ~~الظالمين } [آل عمران: 86]، الذين أعرضوا عنه وأقبلوا على أهوائهم { ~~أولئك جزآؤهم أن عليهم لعنة الله } [آل ~~عمران: 87]، الطرد والبعد { والملائكة } ، الطعن فيهم، كما قالوا: # أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء # [البقرة: 30]، [آل عمران: 87]، ولعنة { والناس } [آل عمران: 87]، ~~نفرتهم وتباعدهم وتقريعهم ولومهم { أجمعين } [آل عمران: 87]، { ~~خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب } [آل عمران: 88]؛ ~~أي: عذاب الطرد والبعد واللعن { ولا هم ينظرون } [آل عمران: 88]، ~~لحظة من لمحة من العذاب { إلا الذين تابوا من بعد ذلك } ~~[آل عمران: 89]، راجعوا إلى الله وأقبلوا بكليتهم إليه وأعرضوا عما سواه ~~{ من بعد ذلك } [آل عمران: 89]، الظلم على أنفسهم، { ~~وأصلحوا } [آل عمران: 89]، أعمالهم وأحوالهم مع الله تعالى { ~~فإن الله غفور ms0319 رحيم } [آل عمران: 89]، يغفر لهم ذنوبهم ويمحوا ~~عنهم خطاياهم ويستر به عنهم برحمته وكرمه. ### || [3.90-92] # ثم أخبر عن الإمعان في الكفر بعد الإيمان بقوله تعالى: { إن ~~الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن ~~تقبل توبتهم وأولئك هم الضآلون } [آل عمران: ~~90]، إشارة في الآيتين: إن الذين ستروا أنوار الأرواح بأستار الصفات ~~البشرية، وحجب الأوصاف الحيوانية بعد إيمانهم بإقرار التوحيد عند ~~الميثاق، إذا قال: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172]، { ثم ازدادوا كفرا } [آل عمران: 90]، بمتابعة ~~الهوى ومخالفة الشرع والحق، وتربية الصفات السبعية والشيطانية، { لن ~~تقبل توبتهم } [آل عمران: 90]، الصادرة منهم باللسان دون إنابة ~~القلب وسلامته من أوصاف الكفر؛ وهي من أحب الدنيا وإتباع الهوى والإقبال ~~على شهوات النفس والإعراض عن الحق، { وأولئك هم الضآلون } ~~[آل عمران: 90]، في نية البهيمية والأخلاق السبعية حالة التوبة، ولا ~~يهيمون أن يخرجوا منها بقدم الأنانية. # { إن الذين كفروا } [آل عمران: 91]، وضلوا في هذا النية { ~~وماتوا } [آل عمران: 91]؛ أي: ماتت قلوبهم { وهم كفار فلن ~~يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به ~~} [آل عمران: 91]؛ أي: بملء الأرض ذهبا من عذاب موت القلب { ~~أولئك لهم عذاب أليم } [آل عمران: 91]، بموت القلب وفقد ~~المعرفة { وما لهم من ناصرين } [آل عمران: 91]، على إحياء ~~القلب بنور المعرفة، كما أحيى الله تعالى قلب المؤمن بنور المعرفة كقوله ~~تعالى: # أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا # [الأنعام: 122]. # ثم أخبر عن نيل البر وإنه من إنفاق ما أحب إلى البر بقوله تعالى: { لن ~~تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما ~~تنفقوا من شيء فإن الله به عليم } [آل عمران: 92]، ~~إشارة في الآية: إنكم { لن تنالوا البر } [آل عمران: 92]، ~~والبار هو صفته، { حتى تنفقوا مما تحبون } [آل عمران: ~~92]؛ أي: من أنفسكم؛ وهي أحب الأشياء إلى الخلق، { وما تنفقوا من ~~شيء فإن الله به عليم } [آل عمران: 92]؛ يعني: أنفسكم في ~~الله { فإن الله به عليم } [آل عمران: 92]، فبقدر ما تكونون ~~له يكون لكم، كما قال: " من كان لله كان الله له " ، إن الفراش ما ms0320 نال من ~~بر الشمع وهو شعلة حتى أنفق مما أحبه؛ وهو نفسه، فافهم جيدا. ### || [3.93-99] # ثم أخبر عما كان حلالا من بني إسرائيل وميزه من الحرام بقوله تعالى: { ~~كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما ~~حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل ~~التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم ~~صادقين } [آل عمران: 93]، إشارة في الآية: إن الله تعالى خلق الخلق ~~على ثلاثة أصناف: # صنف منها: الملك الروحاني العلوي اللطيف النوراني، وجعل غذاؤهم من جنسهم ~~الذكر وخلقهم للعبادة. # وصنف منها: الحيواني الجسماني السفلى الكثيف الظلماني، وجعل غذاؤهم من ~~جنسهم الطعام وخلقهم للعبرة والخدمة. # وصنف منها: الإنسان المركب من الملك الروحاني والحيواني الجسماني، وجعل ~~غذاءهم من جنسهم لروحانيتهم الذكر، ولجسمانيتهم الطعام، وخلقهم للعبادة ~~والمعرفة والخلافة، وهم على ثلاثة أصناف: # فمنهم ظالم لنفسه: وهو الذي غلبت حيوانيته على روحانيته، فبالغ في غذاء ~~جسمانيته وقصر في غذاء روحانيته حتى مات روحه واستولت نفسه، # أولئك كالأنعام بل هم أضل # [الأعراف: 179]، ومنهم مقتصد: وهو الذي تساوت روحانيته وحيوانيته، ومنهم ~~سابق بالخيرات: وهو الذي غلبت روحانيته على حيوانيته فبالغ في غذاء ~~روحانيته؛ وهو الذكر، وقصر في غذاء حيوانيته وهو الطعام حتى ماتت نفسه ~~وأسر في قوة روحه، # أولئك هم خير البرية # [البينة: 7]، فكان كل الطعام حلا كما كان حلالا للحيوان، إلا ما حرم ~~الإنسان السابق على نفسه؛ لموت النفس وحياة القلب واستيلاء الروح من قبل ~~أن ينزل عليه الوحي والإلهام، كما قيل: المجاهدات تورث المشاهدات، وقال ~~تعالى: # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # [العنكبوت: 69]. # { فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك } [آل ~~عمران: 94]، بأن يهتدي إلى الحق من غير جهاد النفس { فأولئك هم ~~الظالمون } [آل عمران: 94]، الذين يضعون الشيء في غير موضعه، وقد ~~قال تعالى: # وجاهدوا في الله حق جهاده # [الحج: 78]، { قل صدق الله } [آل عمران: 95]، فيما قال: # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # [آل عمران: 92]، { فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا } [آل ~~عمران: 95]، وكان ملته إنفاق المال على الضيفان، وبذل الروح عند الامتحان ~~وتسليم القربان، ms0321 وهذه ملة الخلة، { وما كان من المشركين } ~~[آل عمران: 95]، من الذين يتخذون مع الله إلها أخرا ويجعلون الشركة في ~~الخلة. # ثم أخبر عن أول بيت وضع للناس مأمنا لأهل الإفلاس بقوله تعالى: { إن ~~أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى ~~للعالمين } [آل عمران: 96]، لا لله؛ فإنه لغني عن البيوت وعن ~~العالمين، وإن كل ما خلق الله في العالم خلق نموذجا منه في الإنسان، وإن ~~نموذج بيت الله فيه القلب الذي هو أول بيت وضع بمكة صدر الإنسان مباركا ~~عليه وهدى يهدي به جميع أجزاء وجوده إلى الله بجوده، فإن النور الإلهي ~~إذا وقع في القلب انفسح له واتسع حتى به يسمع وبه يبصر، وبه يعقل وبه ~~ينطق، وبه يبطش وبه يمشي، وبه يتحرك وبه يسكن، { فيه ءايت ~~بينت } [آل عمران: 97]، دلالات واضحات يستدل بها الطالب إلى ~~مطلوبه، والقاصد إلى مقصوده، منها: { مقام إبرهيم } [آل عمران: ~~97]؛ وهي: الخلقة، وهي التي توصل الخليل إلى خليله { ومن دخله ~~كان آمنا } [آل عمران: 97]؛ يعني: من دخل مقام إبراهيم؛ وهي: الخلة، ~~الهاء في قوله دخله: كناية عن المقام، ودخولها ببذل النفس والمال والولد ~~في رحمتي خليله كان أمنا من نار القطيعة، كما كان حال إبراهيم عليه ~~السلام مع النار، وكان عليه # بردا وسلما # [الأنبياء: 69]. # ومنها: شهود الحق، وخلوه بالخروج عن نفسه كان أمنا من عذاب الحجاب. # ثم أخبر عن وجوب زيارة البيت الخليل إن استطاع إليه سبيلا بقوله { ~~ولله على الناس حج البيت } [آل عمران: 97]، إشارة في ~~الآية: إن الله تعالى جعل البيت والحج إليه، وأركان الحج والمناسك كلها ~~إشارات إلى السلوك وشرائط السير إلى الله وآدابه، فمن أركانه: # الإحرام: وهو إشارة إلى الخروج من الرسوم، وترك المألوف والتجرد عن ~~الدنيا وما فيها التطهير عن الأخلاق، وعقد إحرام العبودية بصحة التوجه. # ومنها: الوقوف بعرفة: وهو إشارة إلى الوقوف بعرفان المعرفة، والعكوف على ~~عتبة جبل الرحمة بصدق الالتجاء وحسن العهد والوفاء. # ومنها الطواف: وهو إشارة إلى الخروج عن الأطوار البشرية السبعية بالطواف ~~السبعة حول كعبة ms0322 الربوبية. # ومنها السعي: وهو إشارة إلى السير بين صفات ومروة الذات. # ومنها الخلق: وهو إشارة إلى محو آثار العبودية بمرسى الأنوار الإلوهية ~~وعلى هذا فقس المناسك كلها، هذا البيت هادها إلى الله وفضله وطلبه بخلاف ~~سائر أركان الإسلام، فإن قيل كل ركن منه يشير إلى طرف استعداد الطلب ~~والقصد إلى الله، فالله خاطب العباد بقوله تعالى: { ولله على ~~الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } [آل ~~عمران: 97]، وما قال في شيء أخر من الأركان والواجبات { ولله على ~~الناس } [آل عمران: 97]، وفائدته إن المقصود المشار إليه من الحج هو ~~الله تعالى، وفي سائر العبادات المقصود هو النجاة والدرجات والقربات ~~والمقامات والكرامات والاستطاعة في قوله تعالى: { من استطاع ~~إليه سبيلا } [آل عمران: 97] هي جذبة الحق التي توازي عمل الثقلين ~~ولا يمكن السير إلى الله والوصول إليه إلا بها، { ومن كفر } [آل ~~عمران: 97]؛ أي: لا يؤمن بوجدان الحق، ولا يتعرض لنفحات ألطافه، ولا ~~يترقب لجذبات الإلوهية كما يشير إليها أركان الحج، { فإن الله ~~غني عن العلمين } [آل عمران: 97]، بأن يستكمل بهم، وإنما ~~الاستكمال للعالمين به والأغنى بهم عنه، ثم إليه عن كفر أهل الكتاب بعد ~~هذا الخطاب بقوله تعالى: { قل يأهل الكتاب } [آل عمران: 98]، ~~إشارة في الآيات أن ظاهر الخطاب مع أهل الكتاب، وباطنه من علماء السوء ~~الذين يتبعون الدين بالدنيا وما يعملون. # { لم تكفرون } [آل عمران: 98]؛ يعني: من طريق المعاملة { ~~بآيات الله } [آل عمران: 98]؛ أي: بما جاء به القرآن من الزهد في ~~الدنيا والورع والتقوى، ونهي النفس عن الهوى، وإيثار ما يبقى على ما ~~يفنى، والإعراض عن الخلق والتوجه إلى الحق وبذل الوجود لنيل المقصود، { ~~والله شهيد على ما تعملون } [آل عمران: 98]، حاضر معكم ~~ناظر إلى نياتكم في أعمال الخير ويجازيكم بها، { قل يأهل ~~الكتاب } [آل عمران: 99]؛ أي: علماء السوء { لم تصدون عن ~~سبيل الله من آمن } [آل عمران: 99]؛ أي: لم تصرفون بحرصكم عن ~~الدنيا وإتباعكم الهوى المؤمنين الذين يتبعونكم بحسن الظن، ويحسبون أن ~~أعمالكم وأحوالكم على قاعدة الشريعة ومنهاج الطريقة عن ms0323 سبيل الله وطريق ~~الدين، أمر الأنبياء بدعوة الخلق إليه كما قال تعالى: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة # [النحل: 125]؛ والحكمة هي: الدعوة بطريق المعاملة وسلوك سبيل الله ~~ليتخلق التابع بإتباع المتبوع، { تبغونها عوجا } [آل عمران: 99]؛ ~~أي: وتطلبون اعوجاج طريق الحق بالسير في طريق الباطل { وأنتم ~~شهدآء } [آل عمران: 99]، تعلمون فساد أحوالكم ما لكم فيما تعملون { ~~وما الله بغافل عما تعملون } [آل عمران: 99] بعلمه كما ~~تعلمون وهو الذي قضى عليكم به في البداية ويجازيكم عليه في النهاية. ### || [3.100-104] # ثم وصى الله المؤمنين وقال تعالى: { يأيها الذين آمنوا إن ~~تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب } [آل عمران: ~~100]؛ يعني: علماء السوء متابعي الهوى { يردوكم } [آل عمران: 100]، ~~عن طريق الهداية { بعد إيمانكم كافرين } [آل عمران: 100]؛ ~~أي: من بعد إيمانكم وطلبتم منهم طريق الحق فأضلوكم بسيرتكم وإتباعكم ~~الهوى عن سبيل الله كما # ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سوآء ~~السبيل # [المائدة: 77] ثم في صيغة التعجب { وكيف تكفرون } [آل عمران: ~~101]، بالله وكنتم أمواتا ولا تؤمنون { وأنتم تتلى عليكم ~~آيات الله } [آل عمران: 101]، إن من خواص تلاوة آيات الله أن تزيد ~~في إيمانكم كما قال تعالى: # وإذا تليت عليهم ءايته زادتهم إيمنا وعلى ~~ربهم يتوكلون # [الأنفال: 2]، { وفيكم رسوله } [آل عمران: 101]، ومن خاصيته أنه ~~نور يهدي به الله كما قال تعالى: # قد جآءكم من الله نور # [المائدة: 15]؛ يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم، # وكتاب مبين # [المائدة: 15]؛ يعني: القرآن # يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام # [المائدة: 16]؛ يعني: يهدي الله بالرسول المؤمنين سبيلا وهو السلام. # ثم قال تعالى: { ومن يعتصم بالله } [آل عمران: 101]؛ يعني: ~~ومن كان اعتصامه وتمسكه بالله في كل الأحوال ولا يطلب إلا هو { فقد ~~هدي إلى صراط مستقيم } [آل عمران: 101]، إلى الله. # ثم أخبر عن الاعتصام بالله وهو تقوى الله بقوله تعالى: { يأيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته } [آل عمران: ~~102]، إشارة في الآية { اتقوا الله حق تقاته } [آل عمران: ~~102]؛ أي: اتقوا عن وجودكم بالله وبوجوده، فإن وجودكم مجازي ووجوده ~~حقيقي، وإن الدين ms0324 الحقيقي الذي عند الله الإسلام؛ وهو أن يسلم العبد ~~وجوده المجازي في ابتغاء الوجود الحقيقي نفيا للشركة وإثباتا للوحدة، ~~وهذا تحقيق قوله تعالى: { ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون } [آل عمران: 102]؛ أي: لا ينتفي وجودكم المجازي إلا ~~بتسليمكم للوجود الحقيقي فافهم جيدا. # ثم أخبر عن طريق التسليم الذي هو الدين القويم { واعتصموا ~~بحبل الله جميعا } [آل عمران: 103]، إشارة في الآية: إن أهل ~~الاعتصام طائفتان: # أحدهما: أهل الصورة وهم المتعلقون بالأسباب؛ لأن مشربهم الأعمال. # والثانية: أهل المعنى وهم المنقطعون عن الأسباب، لأن مشربهم الأحوال، ~~فقال تعالى: # واعتصموا بالله هو مولاكم # [الحج: 78]؛ أي: متصوركم ومقصودكم، وفيه معنى آخر؛ أي: ناصركم ومعينكم ~~على الاعتصام وقال للمتعلقين بالأسباب الذين مشربهم الأعمال: { ~~واعتصموا بحبل الله جميعا } [آل عمران: 103]؛ وهو كل سبب ~~يتوصل به إلى الله، فالمعتصم بحبل الله: هو المتقرب إلى الله بأعمال البر ~~ووسائط القربة، والمعتصم بالله: هو الفاني عن نفسه الباقي بربه، ثم قال ~~تعالى: { ولا تفرقوا } [آل عمران: 103]؛ لأن ترك الاعتصام بأعمال ~~البر ووسائط القرب موجب للتفرق في الظاهر والباطن. # فأما في الظاهر: فيلزم منه مفارقة الجماعة وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " من فارق الجماعة، فاقتلوه كائنا من كان ". # وأما في الباطن: فيظهر منه الأهواء والآراء المختلفة التي توجب تفرق ~~الأمة، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " ستفترق أمتي اثنتين وسبعين فرقة، الناجي منهم واحد، قالوا: يا رسول ~~الله ومن الفرقة الناجية، قال: ما أنا عليه وأصحابي " # ، ثم قال تعالى: { واذكروا نعمت الله عليكم } [آل ~~عمران: 103]، وبأداء شكرها مع الله وهي نعمة تأليف القلوب { إذ ~~كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم فأصبحتم ~~بنعمته إخوانا } [آل عمران: 103]، بنعمة تأليفه بين قلوبكم ~~وبين نعمة الإيمان الذي كتب في قلوبكم فأصبحتم إخوانا في الدين { ~~وكنتم على شفا حفرة من النار } [آل عمران: 103]؛ وهي ~~عداوة بعضكم لبعض، وعداوتكم لله ولأنفسكم، { فأنقذكم منها } ~~[آل عمران: 103] بالهداية وتأليف القلوب، { كذلك يبين الله ~~لكم آياته } [آل عمران: 103]، مثل ما بين الأوس والخزرج حتى صاروا ~~إخوانا، { يبين الله لكم } [آل عمران: ms0325 103] أيها الطلاب { ~~آياته } [آل عمران: 103] التي يهدي بها إليه { لعلكم ~~تهتدون } [آل عمران: 103] بتلك الآيات إليه؛ وهي الجذبات الإلهية ~~وتجلي الصفات الربانية فيكونون المعتصمين بالله فافهم. # ثم أخبر عن مقام أهل الاعتصام بقوله تعالى: { ولتكن منكم ~~أمة يدعون إلى الخير ويأمرون } [آل عمران: 104]، ~~إشارة في الآيات: إن الأمة التي تدعوا إلى الخير بالأفعال دون الأقوال هم ~~الذين يستحقون أن يأمروا { بالمعروف وينهون عن المنكر ~~وأولئك هم المفلحون } [آل عمران: 104] من وعيد من يأمر ~~بالمعروف ولا يأتيه، والذي يدل عليه ما روى أسامة رضي الله عنه عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعته يقول # " يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتزلق أقتابه في النار فيدور ~~كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: ما شأنك ألست ~~تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: فيقول: كنت أمركم بالمعروف ولا ~~آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه " # ، متفق على صحته. ### || [3.105-109] # قال تعالى: # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم # [البقرة: 44]، وقال تعالى: # لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله ~~أن تقولوا ما لا تفعلون # [الصف: 2-3]، { ولا تكونوا كالذين تفرقوا } [آل عمران: ~~105]، بعد ما اجتمعوا { واختلفوا } [آل عمران: 105]، بعدما اتفقوا ~~{ من بعد ما جآءهم البينات } [آل عمران: 105]، الموجبة ~~للجمعية والوفاق، { وأولئك لهم عذاب عظيم } [آل عمران: ~~105]، من التفرق والاختلاف بعد الجمعية والوفاق، { يوم تبيض ~~وجوه وتسود وجوه } [آل عمران: 106]، الذين اسودت قلوبهم ~~بالكفر، والتفرق والاختلاف من الله تعالى وذلك؛ لأن الوجوه تحشر بلون ~~القلوب كقوله تعالى: # يوم تبلى السرآئر # [الطارق: 9]؛ أي: يجعل ما في الضمائر على الظواهر، { فأما الذين ~~اسودت وجوههم } [آل عمران: 106]، فيقال لهم: { أكفرتم ~~بعد إيمانكم } [آل عمران: 106]؛ وهم أرباب الطلب السائرون إلى ~~الله، الذين انقطعوا في بادية النفس، واتبعوا الهوى وارتدوا على أدبارهم ~~القهقري { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } [آل ~~عمران: 106]، تسترون الحق بالباطل، وتعرضون عن الحق في طلب الباطل، وكنتم ~~معذبين بنار الهجران والقطيعة في الدنيا؛ ولكن ما كنتم تذوقون عذابها ~~والناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا لا ms0326 يذوقوا ألم جراحة الانقطاع والإعراض ~~عن الله تعالى: { وأما الذين ابيضت وجوههم ففي ~~رحمة الله } [آل عمران: 107]، فكانوا في رحمة الجمعية والوفاق مع ~~الله في الدنيا { هم فيها خالدون } [آل عمران: 107]، في الآخرة؛ ~~لأنه يموت الإنسان على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه، { تلك } [آل ~~عمران: 108]، الأحوال { آيات الله } [آل عمران: 108] مع خواصه، { ~~نتلوها عليك بالحق } [آل عمران: 108]، نظرها على قلبك ~~بالحق، { وما الله يريد ظلما للعالمين } [آل عمران: ~~108]، لا يظلم على أهل الدنيا والآخرة بأن يضع سواد الوجه وذوق العذاب في ~~غير موضعه، ولا بياض الوجه وخلود الرحمة في غير موضعه، { ولله ما ~~في السموت وما في الأرض } [آل عمران: 109]، ملكا ومكا، ~~وخلقا وقدرة، وحكما وتصرفا، وإيجادا أو إعداما، وقضاء وقدرا، { ~~وإلى الله ترجع الأمور } [آل عمران: 109]؛ يعني: كل أمر ~~يصدر في السماوات والأرض والدنيا والآخرة فالله تعالى مصدره يرجع إليه ~~عاقبته، وليس لأحد فيه حكم وتصرف حقيقي غيره سبحانه. ### || [3.110-112] # ثم أخبر عن خيرية الأمة على البرية بقوله تعالى: { كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس } [آل عمران: 110]، إشارة في الآيات: إنكم ~~كنتم خير أمة أخرجت من العدم إلى الوجود، مستعدة لقبول كمالية الإنسان، { ~~تأمرون بالمعروف } [آل عمران: 110]؛ أي: تأمرون بطلب المعروف ~~وهو الله فإنه معروف العارفين، { وتنهون عن المنكر } [آل ~~عمران: 110]؛ وهو طلب المعروف { وتؤمنون بالله } [آل عمران: ~~110]، إيمان القلب أي: تطلبون الله تعالى: { ولو آمن أهل ~~الكتاب } [آل عمران: 110]، إشارة إلى علماء السوء؛ يعني: لو طلبوا ~~الله فيما يتعلمون العلم ويعلمون الناس، ولا يطلبون الرياسة والتقدم ~~والنعم، { لكان خيرا لهم } [آل عمران: 110]؛ يعني: لكان ~~الخيرية في الأمم لهم ثم قال تعالى: { منهم المؤمنون } [آل ~~عمران: 110]؛ يعني منهم المحققون والمستحقون للكمال، { وأكثرهم ~~الفاسقون } [آل عمران: 110]، الخارجون على طلب الحق وطلب الكمال ~~لدناءة همتهم وقصر نظرهم، { لن يضروكم } [آل عمران: 111]، أيها ~~المحققون المستحقون للكمال { إلا أذى } [آل عمران: 111]، من طريق ~~الإنكار والإعراض والحسد { وإن يقاتلوكم } [آل عمران: 111]، ~~يخاصموكم وينازعوكم { يولوكم الأدبار } [آل عمران: 111]، من ~~صدق نياتكم ينهزموا عنكم ms0327 { ثم لا ينصرون } [آل عمران: 111] ~~عليكم؛ لأنكم أهل الحق و # حزب الله هم الغالبون # [المائدة: 56]. # { ضربت عليهم الذلة } [آل عمران: 112] ذلة الطمع ومسكنة ~~الحرص، { أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله } [آل ~~عمران: 112]، إلا أن يعتصموا لمحبة الله وطلبه { وحبل من الناس ~~} [آل عمران: 112]؛ يعني: متابعة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته، { ~~وبآءوا بغضب من الله } [آل عمران: 112]؛ يعني: وإن لم ~~يعتصموا باءوا بغضب من الله وهو البعد عنه والطرد، { وضربت ~~عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون } [آل ~~عمران: 112] كفران النعمة، { بآيات الله } [آل عمران: 112]، التي ~~أظهرها الله على أوليائه وأكرمهم بها على سائر الخلق لتبيين الخلق، { ~~ويقتلون الأنبيآء بغير حق } [آل عمران: 112]؛ أي: ~~يميتون سنن الأنبياء وسيرهم بإظهار أباطيلهم في طلب الدنيا والحرص عليها، ~~وكتمان الحق بترك طلبه، { ذلك بما عصوا } [آل عمران: 112]؛ أي: ~~لسبب أنهم عصوا الله في أوامره وطلبه وترك غيره، كما قال تعالى # قل الله ثم ذرهم # [الأنعام: 91] وعصوا الرسول في دعوته إياهم إلى الله وكان # وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا # [الأحزاب: 46]، { وكانوا يعتدون } [آل عمران: 112]، يتجاوزون ~~عن سنن الاستقامة ويتناكبون عن الصراط المستقيم الذي هو # صراط العزيز الحميد # [سبأ: 6]. ### || [3.113-117] # ثم أخبر عن الفرق بين الفريقين والتفاوت بين الطريقين بقوله تعالى: { ~~ليسوا سوآء من أهل الكتاب } [آل عمران: 113]، والإشارة ~~في الآيات: إن الله تعالى فرق بين العلماء الربانيين وعلماء السوء ~~المداهنين، قال تعالى: { ليسوا سوآء من أهل الكتاب } ~~[آل عمران: 113]؛ يعني: من العلماء منهم { أمة } [آل عمران: 113]؛ ~~أي: فرقة { قآئمة } [آل عمران: 113] بالله، { يتلون آيات ~~الله } [آل عمران: 113]، يتبعون آياته { آنآء الليل } [آل ~~عمران: 113]؛ ليريهم الله آياته # في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه ~~الحق # [فصلت: 53]، { وهم يسجدون } [آل عمران: 113]، ينقادون لأحكامه ~~الأزلية وتقديراته الإلهية { يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~} [آل عمران: 114]، إيمان الطلب، وتصديق قضائه في الأزل، ووفور قدره إلى ~~الأبد، { ويأمرون بالمعروف } [آل عمران: 114]؛ أي: يطلبون ~~الحق، { وينهون عن المنكر } [آل عمران: 114]؛ أي: طلب ما ~~سوى الله، { ويسارعون في الخيرات } [آل عمران: ms0328 114]؛ أي: ~~فيما يوصلهم إلى الله، { وأولئك من الصالحين } [آل عمران: ~~114]، الذين يصلحون لقبول الفيض الإلهي { وما يفعلوا من خير ~~} [آل عمران: 115]، تتقربون به إلى الله تعالى { فلن يكفروه } [آل ~~عمران: 115] بل تشكروه، فإن تقربتم إليه شبرا تقرب إليكم ذراعا، وإن ~~تقربتم إليه ذراعا تقرب إليكم باعا، { والله عليم ~~بالمتقين } [آل عمران: 115]، { إن الذين كفروا لن ~~تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا } [آل عمران: 116]، الذين يتقون به عما سواه، وعليم بالفاسقين ~~الذين كفروا بنعمته، واستغنوا بالأموال والأولاد شيئا ما تنفعهم في ~~إصابة اللطف إليهم ودفع القهر عنهم { وأولئك أصحاب النار ~~} [آل عمران: 116]؛ يعني: نار القطيعة، { هم فيها خالدون } [آل ~~عمران: 116]؛ يعني: لا يفارقونها؛ لأنهم صحبوها بالقلوب والأرواح ~~لاستيفاء شهوات النفس والأشباح. # ثم أخبر عن نفقات أهل الشهوات بقوله تعالى: { مثل ما ينفقون ~~في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر ~~أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم } [آل عمران: 117]، ~~إشارة في الآيات: إن الله تعالى ضرب مثل ما ينفقون في هذه الدنيا؛ أي: ~~استيفاء اللذات النفسانية، وتمتعات الشهوات الحيوانية، وانتفاع الحظوظ ~~الدنيوية: كمثل ريح فيها صر بالاتفاق في تحصيل المرادات النفسانية، { ~~فأهلكته } [آل عمران: 117]؛ أي: الريح التي فيها صر الشهوات ~~النفسانية أهلكت حروث الروحاني وآثاره، { وما ظلمهم الله } [آل ~~عمران: 117] في الخلقة، إذا أعطاهم حسن الاستعداد الروحاني وآثاره، { ~~وما ظلمهم } [آل عمران: 117]، { ولكن أنفسهم ~~يظلمون } [آل عمران: 117]، بإبطال استعداد الروحاني وإهلاك ريع ~~حرثه. ### || [3.118-123] # ثم أخبر عن اتخاذ الغير بطانة فإنه يورث الخيانة بقوله تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من ~~دونكم } [آل عمران: 118]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى نهى عن ~~مباطنة أهل السوء من الحديث وقال: { لا تتخذوا بطانة من ~~دونكم لا يألونكم خبالا } [آل عمران: 118]؛ أي: لا يقصرون ~~في إنكاركم، والاعتراض عليكم والظن فيكم، { ودوا ما عنتم } [آل ~~عمران: 118]؛ أي: أحبوا من نعيم الدنيا وزخارفها، ومشتهيات النفس، ~~ومستحسنات الهوى ما نعمتموه وتركتموه، ويشهد عليكم إنكارهم؛ لدناءة همتهم ~~وعلو همتكم، وفرحوا بما قاسيتم من المجاهدات ومخالفات النفس، وترك ms0329 ~~الشهوات واللذات، والتزام الفقر وتحمل الأذى، والصبر على المكروهات، ~~وابغضوهم لتناكر الأرواح واختلاف أحوال الأشباح، { قد بدت ~~البغضآء من أفواههم } [آل عمران: 118] باعتراضاتهم الفاسدة، ~~{ وما تخفي صدورهم } [آل عمران: 118] قلوبهم الحاسدة من الغل ~~والحسد والحقد، { أكبر قد بينا لكم الآيات } [آل عمران: ~~118]؛ أي: أظهرنا عليكم آثار ألطافنا وإمارات أحقادهم، { إن كنتم ~~تعقلون } [آل عمران: 118] تدركونها. # ومن آثار ألطافنا معكم { هآأنتم أولاء تحبونهم } [آل ~~عمران: 119] محبة الرحمة والشفقة، وتدعونهم إلى ما أنتم عليه من الشوق ~~والمحبة وصدق الطلب، والتجرد والتفرد للتوحيد، ومن إمارات أحقادهم أنهم ~~ينكرون عليكم { ولا يحبونكم } [آل عمران: 119] ويدعونكم إلى ما ~~هم عليه من الحرص والحسد والغفلة، وطلب الدنيا واستيفاء اللذات والشهوات، ~~{ وتؤمنون بالكتاب كله } [آل عمران: 119]؛ أي: بجميع ما ~~في القرآن من ترك الدنيا، وجهاد النفس ونهيها عن الهوى وبذلها في إعلاء ~~كلمة الله العليا، والخلق مع الخلق والصدق في طلب الحق { وإذا ~~لقوكم } [آل عمران: 119]، أهل التملق { قالوا آمنا } [آل ~~عمران: 119]؛ يعني: يظهرون معكم الإيمان بما أنتم به، وعلمتم وهم لا ~~يعلمون، { وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من ~~الغيظ } [آل عمران: 119] الذي في قلوبهم منك حسدا عليكم، { قل ~~موتوا بغيظكم } [آل عمران: 119] دعاء عليهم، { إن الله ~~عليم بذات الصدور } [آل عمران: 119]؛ يعني: يعلم ما في القلوب ~~التي في الصدور إن موتها في الغيظ والحسد. # فمن حسدهم عليكم { إن تمسسكم حسنة } [آل عمران: 120]، كرامة ~~من الله تعالى وفضل منه، وقبول من الحق، وظهورات ألطاف الحق على ~~معاملاتكم وأخلاقكم التي من نتائج كمالاتكم، { تسؤهم وإن ~~تصبكم سيئة } [آل عمران: 120]، مساءة من الخلق والإنكار والرد ~~والطعن والاعتراض، { يفرحوا بها وإن تصبروا } [آل عمران: ~~120] على ما أصابكم من الأذى والمصائب { وتتقوا } [آل عمران: 120]، ~~عنهم بالله { لا يضركم كيدهم شيئا } [آل عمران: 120] بل ~~يضرهم، { إن الله بما يعملون محيط } [آل عمران: 120]؛ ~~أي: مهلكهم بكيدهم لقوله تعالى: # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # [فاطر: 43]. # ثم أخبر عن النصر بعد الصبر لقوله تعالى: { وإذ غدوت من ~~أهلك } [آل عمران: 121]، إشارة في الآيات: إن ms0330 الله تعالى يشير إلى ~~جواهر السالك الصادق السائر العاشق { وإذ غدوت } [آل عمران: 121] ~~في طلب الحق والرجوع إلى مقام الهرب، { من أهلك } [آل عمران: 121]؛ ~~أي: من صفات نفسك الحيوانية والبهيمية، { تبوىء المؤمنين } ~~[آل عمران: 121]؛ أي: صفاتك الروحانية، { مقاعد للقتال } [آل ~~عمران: 121]؛ أي: لقتال النفس والشيطان والدنيا، { والله سميع } ~~[آل عمران: 121] لدعائكم بالإخلاص عن الرياء، وبترك الهلاك في نية الهوى، ~~{ عليم } [آل عمران: 121] بصدق نياتكم في طلب الحق، { إذ همت ~~طآئفتان منكم أن تفشلا } [آل عمران: 122]؛ يعني: القلب ~~وأوصافه، والروح وأخلاقها، { والله وليهما } [آل عمران: 122] ~~أخرجهما من ظلمات البشرية والخلقية إلى أنوار الربوبية والخالقية، { ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون } [آل عمران: 122] في ~~إخراجهم من الظلمات لا على أنفسهم. # { ولقد نصركم الله ببدر } [آل عمران: 123] الدنيا { ~~وأنتم أذلة } [آل عمران: 123] من غلبات شهوات النفس، وكثرة ~~الوساوس، واستعنتم بربكم فأمدكم بنصرة القربة، { فاتقوا الله } ~~[آل عمران: 123]؛ أي: اتقوا عما سواء؛ لينصركم على كل شيء يحول بين الله ~~وبينكم، { لعلكم تشكرون } [آل عمران: 123]؛ أي: لكي ينعم ~~بنعمة الهداية إليه فتكونوا مشاكرين لنعمة وجود المنعم به. ### || [3.124-127] # ثم أخبر عن إمداده لنصرة عباده بقوله تعالى: { إذ تقول ~~للمؤمنين ألن يكفيكم } [آل عمران: 124]، إشارة في تحقيق ~~الآيات: إن نور نبوة النبي صلى الله عليه وسلم يلهم أرواح المؤمنين على ~~الدوام عند مقابلة الشيطان، ومجاهدة النفس، ومكايدة الشيطان والهوى، ~~والركون إلى زخارف الدنيا والميل إليها، { ألن يكفيكم أن ~~يمدكم ربكم بثلاثة ءالف من الملائكة ~~منزلين } [آل عمران: 124]؛ يعني: الجنود الروحانية الملكوتية التي لا ~~تدركها الحواس لقوله تعالى: # وأنزل جنودا لم تروها # [التوبة: 26]، فتقوى بها قلوبكم لدفع خوف البشرية ورفع عجز الحيوانية، ~~ويحييها بروح رباني كما قال تعالى: # وأيدهم بروح منه # [المجادلة: 22]. # { بلى إن تصبروا } [آل عمران: 125] على مخالفة النفس ونهيها عن ~~هواها { وتتقوا } [آل عمران: 125]، بالله عما سواه { ويأتوكم ~~من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة ءالف ~~من الملائكة } [آل عمران: 125]؛ أي: يزدكم في الإمداد بالجنود ~~الروحانية وهم { مسومين } [آل عمران: 125]، بسوم الربانية. # { وما جعله الله } [آل عمران: 126]؛ أي: ms0331 ما ذكر الله الملائكة ~~وعددهم { إلا بشرى لكم } [آل عمران: 126]؛ أي: لاستبشاركم ~~بالمدد الإلهي، { ولتطمئن قلوبكم به } [آل عمران: 126]، ~~بذكر الملائكة وكثرة عددهم؛ لأنكم أرباب الوسائط المحتجبون عن الله برؤية ~~الوسائط، وأما القلوب # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله # [الرعد: 28] فالله تعالى رفع الوسائط بينه وبينهم وقال: # أليس الله بكاف عبده # [الزمر: 36]، ولهذا التحقيق قال الله تعالى: { وما النصر إلا ~~من عند الله } [آل عمران: 126]؛ يعني: ليس النصر من الملائكة ~~وغيرهم إلا من عند الله؛ لأنه هو { العزيز } [آل عمران: 126] الذي ~~يعز من يشاء بالنصر، ويذل من يشاء بالقهر، # فلله العزة جميعا # [فاطر: 10] { الحكيم } [آل عمران: 126] الذي بحكمته يعز من يشاء على ~~من يشاء كيف يشاء متى شاء على ما يشاء. # { ليقطع طرفا من الذين كفروا } [آل عمران: 127]؛ ~~يعني: { وما النصر إلا من عند الله } [آل عمران: 126] ~~ليقهر بعض الصفات النفسانية وهي منشأ الكفر بنصر الروح وصفاته، { أو ~~يكبتهم } [آل عمران: 127]؛ أي: يغلبهم ويظفر بهم كما قال تعالى: # والله غالب على أمره # [يوسف: 21]، { فينقلبوا } [آل عمران: 127]؛ يعني: النفس وصفاتها، ~~{ خآئبين } [آل عمران: 127]، فما كانا يرجون أن يظفروا بالروح وصفاته ~~ويغلبوهم. ### || [3.128-132] # ثم أخبر عن اختصاصه بالأمر في القهر والنصر بقوله تعالى: { ليس لك ~~من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم ~~فإنهم ظالمون } [آل عمران: 128]، إشارة في الآيتين: إن الله ~~تعالى أظهر كمال رأفته ورحمته على عباده، بحيث أن الكفار كانوا يشجون رأس ~~نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم، ويدممون وجهه، ويكسرون رباعيته، وهو ~~أراد أن يدعوا عليهم، خاطبه الله تعالى تعطفا وترحما عليهم بقوله ~~تعالى: { ليس لك من الأمر شيء } [آل عمران: 128]؛ أي: ليس ~~لك من أمر العباد شيء لتغلبهم وتدعوا عليهم، إنما أمرهم إلى الله نظيره ~~قوله تعالى: # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست ~~منهم في شيء إنمآ أمرهم إلى الله # [الأنعام: 159]؛ أي: بل أمرهم إلى الله، إن يشاء يغفر ذنوبهم ويمح كفرهم ~~بالتوبة، بأن يتوب عليهم فإنهم عباده وإنه حكم بإسلامهم في الأزل، وإن ~~يشأ يعذبهم ms0332 على كفرهم وظلمهم { فإنهم ظالمون } [آل عمران: ~~128]، وقد حكم بكفرهم من الأزل؛ لأنه { ولله ما في السموت ~~وما في الأرض } [آل عمران: 129]، من الملك والملك، والأمر والخلق، ~~والمنع والعطاء، واللطف والقهر، { يغفر لمن يشآء } [آل عمران: ~~129] بلطفه وفضله، { ويعذب من يشآء } [آل عمران: 129]؛ أي: ~~بقهره وعدله، { والله غفور رحيم } [آل عمران: 129]؛ أي: ولكن ~~الله غفور يغفر الذنوب جميعا، رحيم وسعت رحمته كل شيء؛ لأنه سبقت رحمته ~~غضبه، ولهذا ما وكل أمر العباد إلى أحد ولا حسابهم يوم القيامة وقال ~~تعالى: # إن إلينآ إيابهم * ثم إن علينا حسابهم # [الغاشية: 25-26]. # ثم أخبر عن طريق أهل الصلاح للفلاح بقوله تعالى: { يأيها ~~الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعفا مضعفة ~~} [آل عمران: 130]، إشارة في الآيات: إن الله حرم الربا، وقال: { لا ~~تأكلوا } [آل عمران: 130]؛ لأنه يؤدي إلى الحرص على طلب الدنيا، { ~~أضعفا مضعفة } [آل عمران: 130] إلى ما لا يتناهى، كما قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا ولا يملئ جوف ابن ~~آدم إلا التراب " # والحرص درك من دركات النيران، ولهذا قال تعالى: { واتقوا النار ~~التي أعدت للكافرين } [آل عمران: 131]، قدم عليها { ~~واتقوا الله لعلكم تفلحون } [آل عمران: 130]، وهذا ~~خطاب للخواص؛ أي: اتقوا بالله عن غير الله في طلب الله، { لعلكم ~~تفلحون } [آل عمران: 130] عن حجب ما سواه، وتفوزوا بالوصول إلى الله ~~تعالى. # ثم خاطب العموم الذي هم أرباب الوسائط بقوله تعالى: { واتقوا ~~النار } [آل عمران: 131]؛ أي: نار الحرص التي يورث منها نار القطيعة ~~وهي النار { التي أعدت للكافرين } [آل عمران: 131]، دون ~~المؤمنين؛ لأن المؤمن إن يرد نار الحرص المركوز في جبلة بداية أمره كما ~~قال: # وإن منكم إلا واردها # [مريم: 71]، ولكن ينجيه الله تعالى منه بالقناعة والتقوى لقوله تعالى: # ثم ننجي الذين اتقوا # [مريم: 72]، ولقوله تعالى: { وأطيعوا الله والرسول ~~لعلكم ترحمون } [آل عمران: 132] من عذاب نار الحرص، ولا ~~تعذبون بنار القطيعة، كما أن الكافر مخصوص بهذا العذاب المعد له، وحاصل ~~معناها أن الحرص على الدنيا والسعي ms0333 في جمعها مذموم منهي عنه، والبذل ~~والإيثار وترك الدنيا والقناعة فيها محمود مأمور به، يدل عليه قوله ~~تعالى: # يمحق الله الربوا ويربي الصدقت # [البقرة: 276]. ### || [3.133-136] # ثم أخبر عن المسارعة إلى الجنان بقوله تعالى: { وسارعوا إلى ~~مغفرة من ربكم } [آل عمران: 133]، إشارة أن الله تعالى خلق ~~الإنسان لدخول الجنة ودرجاتها، والنار ودركاتها، والوصول على حظائر القدس ~~والقربة ومقاماتها، ثم أرسل المرسلين مبشرين بالجنة ومنذرين عن النار، ~~وخص من بينهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالدعوة إليه فقال تعالى: # وداعيا إلى الله # [الأحزاب: 46]، فحثهم بالاتقاء والحذر من النار كما قال تعالى: # واتقوا النار التي أعدت للكافرين # [آل عمران: 131]؛ يعني: هم مخصوصون بها؛ لأنهم ما اتقوا عن الشرك ~~ومتابعة الهوى، فإن ترك الهوى ينجي به من النار وهو التوحيد والائتمار ~~بأوامر الله تعالى، والانتهاء عن نواهيه. # وحرضهم عن المسارعة إلى الجنة بقوله تعالى: { وسارعوا إلى ~~مغفرة من ربكم } [آل عمران: 133]؛ أي: سارعوا بقدم التقوى ~~إلى مقام من المقامات قرب ربكم، { وجنة عرضها السموت ~~والأرض } [آل عمران: 133]، والإشارة فيها: إن الوصول إليها بعد ~~العبور عن ملك السماوات والأرض وهي المحسوسات التي تدركها الحواس الخمس، ~~والعبور عنها إنما يكون بقدم التقوى الذي هو تزكية النفس عن الأخلاق ~~الذميمة الحيوانية والسبعية والشيطانية، كما قال تعالى: { أعدت ~~للمتقين } [آل عمران: 133]، فإن التقوى التي تولج به في عالم ~~الملكوت هي التزكية لقوله تعالى: # جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها # [طه: 76]، وذلك جزاء من تزكى، ويدل عليه ما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن عيسى عليه السلام: # " لن يلج ملكوت السماوات والأرض من لم يولد مرتين " # ، فالولادة الثانية هي الخروج عن الصفات الحيوانية بتزكية النفس عنها، ~~وولوج الملكوت هو التحلية بالصفات الروحانية، فافهم جيدا. # وقوله تعالى: { أعدت للمتقين } [آل عمران: 133]؛ أي: هم ~~مخصوصون ومراتبهم في الدرجات العلا بقدر تقوى النفوس وتزكيتها. # ثم شرح أقسام التقوى والتزكية بقوله تعالى: { الذين ينفقون في ~~السرآء والضرآء } [آل عمران: 134]؛ أي: ينفقون أموالهم ~~وأرواحهم في الضراء، بل ينفقون المكونات في ms0334 طلب المكون، { ~~والكاظمين الغيظ } [آل عمران: 134]؛ أي: عند القدرة على إنقاذه ~~لطلب رضاء الله تعالى، { والعافين عن الناس } [آل عمران: 134]؛ ~~يعني: يصدر منهم برؤية مصدر الأفعال إنه هو الله تعالى، { والله ~~يحب المحسنين } [آل عمران: 134]؛ يعني: الذين لهم هذه الأخلاق، ~~{ والذين إذا فعلوا فاحشة } [آل عمران: 135]، وهي رؤية ~~غير الله، { أو ظلموا أنفسهم } [آل عمران: 135]، وذلك ~~تعلقاتها بما سوى الله، { ذكروا الله } [آل عمران: 135]، بالنظر ~~إليه ورؤيته، { فاستغفروا لذنوبهم } [آل عمران: 135]، ~~التجئوا إليه في قطع التعلقات عما سواه، { ومن يغفر الذنوب ~~إلا الله } [آل عمران: 135]؛ أي: ومن يستر بكنف عواطفه ذنوب وجود ~~الأغيار إلا الله، { ولم يصروا على ما فعلوا } [آل ~~عمران: 135]، ولم يثبتوا على رؤية الوسائط والتعلق بتا، { وهم ~~يعلمون } [آل عمران: 135]، " ألا إن كل شيء ما خلا الله باطل ". # { أولئك } [آل عمران: 136]؛ يعني: الذي فيهم هذه الأقسام، { ~~جزآؤهم مغفرة من ربهم } [آل عمران: 136]؛ أي: هم ~~مستحقون لمقامات القربة، { وجنات تجري من تحتها الأنهار ~~} [آل عمران: 136]؛ يعني: من مياه العناية خالدين فيها مشفعين إلى الأبد ~~فيما يسارعون إليه، { ونعم أجر العاملين } [آل عمران: 136]، ~~الذي سارعوا مما نالوا من الدرجات العلا وقربات المولى، والإشارة فيه: إن ~~نيل المقصود في بذل المجهود، كما قال تعالى: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39]. ### || [3.137-140] # ثم أخبر عن سنن أهل السنن بقوله تعالى: { قد خلت من قبلكم ~~سنن } [آل عمران: 137]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى خص السائرين ~~إلى الله تعالى بالمهاجرة عن الأوطان والمسافرة إلى البلدان؛ لمفارقة ~~الخلان والأخدان ومصاحبة الإخوان غير الخوان، فيصبروا عن سنن أهل السنن ~~فقال تعالى: { قد خلت من قبلكم سنن } [آل عمران: 137]؛ أي: ~~أمم لهم سنن، { فسيروا } [آل عمران: 137] على سنن أهل السنة، { في ~~الأرض } [آل عمران: 137]، نفوسكم الحيوانية بالعبور من أوصافها الدنية ~~وأخلاقها الردية لتبلغوا سماء قلوبكم الروحانية، وتتخلقوا بالأخلاق ~~الربانية { فانظروا } [آل عمران: 137]؛ أي: ثم انظروا { كيف ~~كان عاقبة المكذبين } [آل عمران: 137]؛ أي: صار حاصل أمر ~~النفوس المكذبة بهذه المقامات الروحانية والمكاشفات الربانية عند الوصول ms0335 ~~إليها. # { هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين } ~~[آل عمران: 138]، أي: لأهل الغفلة والغيبة الناسين عهد الميثاق { وهدى ~~وموعظة للمتقين } [آل عمران: 138]؛ لأهل الهداية والشهود ~~الذاكرين للعهود الذين انقطعوا بالتجارب واتقوا عما سوى الله { ولا ~~تهنوا } [آل عمران: 139]، يا سائرين إلى الله في السير إليه { ولا ~~تحزنوا } [آل عمران: 139]، على ما فاتكم من تنعمات الدنيا والكرامات ~~الأخروية { وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } [آل ~~عمران: 139]؛ يعني: وأنتم الأعلون من أهل الدنيا والآخرة في المقام عند ~~ربكم إن كنتم مصدقين بهذه الأخبار تصديق الائتمار { إن يمسسكم ~~قرح } [آل عمران: 140]، في أثناء السير من المجاهدات وأنواع البلاء ~~والابتلاء { فقد مس القوم } [آل عمران: 140] من الأنبياء ~~والأولياء، { قرح } [آل عمران: 140] من المحن، { مثله وتلك ~~الأيام نداولها بين الناس } [آل عمران: 140]؛ أي: من ~~المحن والبلاء والابتلاء والامتحان { نداولها } [آل عمران: 140] بين ~~السائرين إلى يوما نعمة ويوما نقمة ويوما منحة ويوما محنة، { ~~وليعلم الله الذين آمنوا } [آل عمران: 140]، أي: لتحيزهم ~~بالابتلاء والامتحان، ويجعلهم مستعدين لمقام الشهادة، { ويتخذ ~~منكم } [آل عمران: 140] يا مبتلون بالنعمة والنقمة في آثار السير { ~~شهدآء } [آل عمران: 140] أرباب الشهود والمشاهدة، { والله لا ~~يحب الظالمين } [آل عمران: 140]؛ يعني: الذين يصرفون استعدادهم ~~في طلب غير الحق والسير إليه. ### || [3.141-144] # ثم أخبر عن فوائد الابتلاء والأعداء بقوله تعالى: { وليمحص ~~الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين } [آل عمران: 141]، ~~{ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } [آل عمران: 142]، إشارة ~~في الآيات: إن قوله تعالى: { وليمحص الله الذين آمنوا ~~ويمحق الكافرين } [آل عمران: 141] دال على أن كل هم وغم وبلاء ~~وعناء ومحنة ومصيبة تصيب المؤمنين في الله يكون تكفيرا لذنوبهم، وتطهير ~~لقلوبهم، وتخليصا لأرواحهم، وتمحيصا لأسرارهم، وما يصيب الكافرين من ~~نعمة ودولة وحبور وسرور وغنى ومنى في الدنيا يكون سببا لكفرانهم، ~~ومزيدا لطغيانهم، وغرورا لخذلانهم، وعمى لقلوبهم، وتمردا لنفوسهم، ~~ومحقا لأرواحهم ولقلوبهم، وسحقا لأسرارهم، وفيه إشارة أخرى { ~~وليمحص الله الذين آمنوا } [آل عمران: 141]؛ يعني: ~~البلاء لأهل الولاء بتمحيص القلوب عن ظلمات العيوب، وتنويرها بأنوار ~~الغيوب، { ويمحق الكافرين } [آل عمران: 141] بالبلاء؛ يعني: ~~يمحق صفات ms0336 نفوسهم الكافرة، ويمحو سمات أخلاقهم الفاجرة؛ ليتخلصوا عن تدنس ~~حبس قفص الأشباح، ويفوزوا بتقديس رياض حظائر الأرواح كما قال تعالى: { ~~أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } [آل عمران: 142]، إن تلجوا ~~عالم الملكوت ورياح الأرواح، { ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا منكم ويعلم الصابرين } [آل عمران: 142]، ولم ير ~~الله منكم مجاهدات تورث المشاهدات، ولم ير الصبر منك عن تزكية النفوس على ~~وفق الشريعة، وتصفية القلوب على قانون الطريقة، وتحلية الأرواح بأنوار ~~الحقيقة. # { ولقد كنتم } [آل عمران: 143] يا أرباب الصدق وأصحاب الطلب { ~~تمنون الموت } [آل عمران: 143]؛ يعني: موت النفوس عن صفاتها ~~تزكية لها، { من قبل أن تلقوه } [آل عمران: 143]؛ يعني: قبل أن ~~تلقوا مجاهدات ورياضات في خلاف النفس وقهرها عند لقاء العدو في الجهاد ~~الأصغر ظاهرا، وفي الجهاد الأكبر باطنا، { فقد رأيتموه ~~وأنتم تنظرون } [آل عمران: 143]؛ يعني: إذا رأيتم هذه الأسباب ~~التي كنتم تمنون عيانا { وأنتم تنظرون } [آل عمران: 143] ولا ~~تغذون أرواحكم، ولا تجاهدون في الله بأموالكم وأشباحكم في قوله تعالى: { ~~وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } [آل ~~عمران: 144]، إشارة إلى: إن الإيمان التقليدي لا اعتبار له فيبطل المقلد ~~عن إيمانه عن انعدام المقلد به، فمن كان إيمانه بتقليد الوالدين والأستاذ ~~وأهل البلد # ولما يدخل الإيمان # [الحجرات: 14] في قلبه ولم تشرح صدره بنور الإسلام، فعند انقطاعه بالموت ~~عن هذه الأسباب المقلد بها يعجز عن جواب سؤال الملكين في قولهما: # " من ربك فيقول: هاه لا أدري، وإذ يقولان: ما تقول في هذا الرجل؛ فيقول: ~~هاه لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقولان له: لا دريت ولا تليت " # ، كما ورد في الحديث، { ومن ينقلب على عقبيه } [آل عمران: ~~144]؛ أي: ومن يرتد عن إيمانه التقليدي { فلن يضر الله شيئا ~~} [آل عمران: 144]؛ يعني: لا يضر الله ارتداده، ولكن يضر المرتد المقلد، ~~{ وسيجزي الله الشاكرين } [آل عمران: 144]؛ يعني: الذين ~~شكروا نعمة الإيمان التقليدي بأداء حقوق الائتمار بأوامر الشرع، ~~والانتهاء عن نواهيه، سيجزيهم الله بالإيمان مزيدا، كما قال تعالى: ms0337 # لئن شكرتم لأزيدنكم # [إبراهيم: 7]. ### || [3.145-148] # ثم أخبر عن المؤمن المقلد أنه هو الذي يريد العقبى بقوله تعالى: { وما ~~كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } [آل عمران: 145]، ~~إشارة في الآية: إنه لا يكون للنفس أن تموت عن أوصافها الدنية وأخلاقها ~~الردية ويتخلص منها بطبعها إلا بإذن الله تعالى وأمره ونظر عنايته وجذبه ~~فضله ورحمته، كما أن ظلمة الليل لا تنتهي إلا بإشراق طلوع الشمس، فكذلك ~~ظلمة ليل النفس لا يغيب إلا بإشراق أنوار الربوبية، كما قال: # وأشرقت الأرض بنور ربها # [الزمر: 69] { كتبا مؤجلا } أي: كتابة من الله مؤجلة بوقت ~~تعينه ومشيئته، كما قال تعالى: # كتب في قلوبهم الإيمان # [المجادلة: 22]؛ أي بقلم العناية من نور الهداية. # ثم اثبت للعبد كسبا في طلب الهداية واستجلاب العناية بقوله تعالى: { ~~ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب ~~الآخرة نؤته منها } [آل عمران: 145]، والإشارة فيه: إن ثواب ~~الدنيا هو أنواع الكرامات التي خص الله تعالى بعض خواصه في الدنيا من ~~العلوم اللدنية الربانية، والكشوف والشهود الروحانية النورانية، وغيرها ~~مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أولئك الذين نفذ الله ~~لهم الوعد، كما قال الصوفي ابن وقته في معناه: # أنشدوا خليلي هل أبصرتما أو سمعتما # بأكرم من مولى تمشي إلى عبد # أتى زائرا من غير وعد وقال لي # أصونك عن تعذيب قلبك بالوعد # يعني: من كانت همته في الطلب التبتل إلى الله تعالى بالكلية والتوحيد ~~إليه بخلوص النية وصفاء الطوية، ويقطع بقدم الصدق مفاوز البشرية، تستقبله ~~ألطاف الربوبية وتنزله مقام العندية قبل خروجه بالصورة عن الدار ~~الدنيوية؛ { ومن يرد ثواب الآخرة } [آل عمران: 145]؛ يعني: من ~~كان مشربه من الأعمال لا من الأحوال، ولا يزعجه الشوق المبرح عن مألوفات ~~الطبع، فيسير بقدم الشرع ومقصده نعيم الجنان لا بمقصوده يوجه به، يدل على ~~هذا التصريح قوله تعالى: # ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة # [البقرة: 201]، والحسنة ما أشرنا إليها في معنى الثواب، وحمل الثواب على ~~هذا المعنى أولى من حمله ms0338 على معنى إرادة الدنيا؛ لأن الثواب يستعمل بضد ~~العقاب وإرادته هي عين العقاب؛ ولأنه ما ذكر الله تعالى عقيب قوله: { ~~ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها } [آل عمران: 145]، ~~قوله: # وما له في الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]، كما قال تعالى في قوله: # ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20] وله نظائر كثيرة، وقال في عقبه: { وسنجزي ~~الشكرين } [آل عمران: 145]، وهذا وعد لا وعيد، والوعد يذكر عند فعل ~~مقبول محمود، والوعيد يذكر عند فعل مردود ومذموم؛ والمعنى: سوف نجزي كلا ~~الفريقين على قدر شكرهما، وهو رؤية النعمة، وجزاء الشكر ازدياد النعمة، ~~فمن عمل شوقا على الجنة فقد رأى نعمة الجنة فثوابه في الآخرة، ومن عمل ~~شوقا إلى الحق تعالى، فقد رأى نعمة وجود المنعم فثوابه في الدنيا؛ لأنه ~~حاضر لا غيبة له، قريب لا بعيد، # وهو معكم أين ما كنتم # [الحديد: 4]، وقال: # " ألا من طلبني وجدني، ومن تقرب إلي شبرا، تقربت إليه ذراعا ". # ثم أخبر عن إقامة الشكر في إدامة الصبر بقوله تعالى: { وكأين من ~~نبي } [آل عمران: 146]، إشارة في الآيات: إنه وكم من نبي قاتل ~~العدو، وأعدى العدو هي النفس التي بين جنبي الإنسان، { قاتل معه ~~ربيون كثير } [آل عمران: 146]، قاتلوا العدو والربيون، هي ~~المتخلقون بأخلاق الرب { فما وهنوا لمآ أصابهم } [آل عمران: ~~146]، من تعب مجاهدات النفس وتضرر رياضتها، ومما ابتلاهم الله به # من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس ~~والثمرات # [البقرة: 155]، { في سبيل الله } [آل عمران: 146]؛ أي: في سلوك ~~طريق الوصول إلى الله تعالى: { وما ضعفوا } [آل عمران: 146]؛ يعني: ~~في طلب الحق، { وما استكانوا } [آل عمران: 146]؛ يعني: وما رجعوا ~~عن الطريق بالعجز، وما أذلوا نفوسهم بالتفات إلى غير الحق والصد عن سبيل ~~الله، بل شبوا على قدم الطلب واستقاموا كما أمروا وصبروا على ما نهوا ~~عنه، { والله يحب الصابرين } [آل عمران: 146]، عند أحكام ~~مجازي القدر المستسلمين لقضائه والمتحملين أعباء بلائه. # { وما كان قولهم } [آل عمران: 147]، عند إصابة الآلام والأسقام ~~ونزول الأقضية والأحكام، { إلا ms0339 أن قالوا ربنا اغفر لنا ~~ذنوبنا } [آل عمران: 147]؛، أي استر ذنوب وجودنا بإسبال مغفرتك { ~~وإسرافنا في أمرنا } [آل عمران: 147]؛ أي: أمح عنا سرف ~~أمورنا، { وثبت أقدامنا } [آل عمران: 147] على جادة الطلب { ~~وانصرنا على القوم الكافرين } [آل عمران: 147]، متمردين ~~صفات النفس الكافرة { فآتاهم الله } [آل عمران: 148] بصنيعهم ~~وقولهم { ثواب الدنيا } [آل عمران: 148]؛ أي: فتوحات الغيب ~~والموهب في الدنيا، { وحسن ثواب الآخرة } [آل عمران: 148]؛ أي: ~~أحسن المراتب وأعلى المقامات في الآخرة، { والله يحب ~~المحسنين } [آل عمران: 148]، الذين يعبدون الله على بصيرة كأنهم ~~يرونه، وفيها إشارة أخرى وهي: إن الله تعالى لما أراد بخواص عباده كرامة ~~التخلق بأخلاقه، ابتلاهم بقتال العدو وثبتهم عند المقامات، فاستخرج من ~~معادن ذواتهم جواهر الصفات المكنونة فيها المكرم بها بنو آدم الصبر ~~والإحسان، فهما صفات من صفات الله تعالى، ويتخلقوا بها هذا من ثواب الذي ~~أتاهم الله تعالى، والله يحب صفاته ويحب من تخلق بصفاته، ولهذا قال ~~تعالى: # والله يحب المحسنين # [آل عمران: 134]. ### || [3.149-151] # ثم أخبر عن طاعة الكافرين أنها خذلان الخاسرين بقوله تعالى: { يا ~~أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا } [آل ~~عمران: 149]، إشارة في الآيتين: إن الخطاب مع القلوب المؤمنة المستخلصة ~~من صفات النفس الأمارة بالسوء، إن تطيعوا النفوس الكافرة وتتبعوا هواها، ~~{ يردوكم على أعقابكم } [آل عمران: 149] إلى أسفل ~~السافلين ببشريتكم ويمسكم كما كنتم، كقوله تعالى: # ثم رددناه أسفل سافلين # [التين: 5]، { فتنقلبوا خاسرين } [آل عمران: 149]. # { بل الله مولاكم } [آل عمران: 150]، كقوله تعالى: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # [البقرة: 257]، { وهو خير الناصرين } [آل عمران: 150]، لا ~~يحتمل عليه غير الله من الناصرين. # وقال تعالى: { سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ~~بمآ أشركوا بالله } [آل عمران: 151] أي: سبب إشراكهم بالله ~~نظيره قوله تعالى: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5]؛ أي: بسبب زيغهم، وقال تعالى: # وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا # [السجدة: 24]؛ أي: بسبب صبرهم وأمثاله في القرآن كثيرة، ثم قال تعالى: { ~~ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس ~~مثوى الظالمين } [آل عمران: 151]؛ أي: ms0340 مرجع الذين أشركوا نار ~~القطيعة وبئس مثواهم لظلم عظيم؛ ولهذا # لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشآء # [النساء: 48]. ### || [3.152-153] # ثم أخبر عن الهزيمة أنها من طلب الغنيمة بقوله تعالى: { ولقد ~~صدقكم الله وعده } [آل عمران: 152]، والإشارة في الآيتين: إن ~~الله تعالى صدقكم أيها الطلاب وعده، وهو قوله: # " ألا من طلبني وجدني " # ، { إذ تحسونهم } [آل عمران: 152]؛ أي: تقتلون وتميتون الصفات ~~البشرية { بإذنه } [آل عمران: 152]، على وفق أمره على وفق الطبع، { ~~حتى إذا فشلتم } [آل عمران: 152]؛ أي: حسبتم وتركتم قتال ~~النفس وصفاتها، { وتنازعتم في الأمر } [آل عمران: 152]؛ أي: ~~خالفتم أمر الطلب { وعصيتم من بعد مآ أراكم ما ~~تحبون } [آل عمران: 152]؛ أي: عصيتم أمر الدليل المؤدي من بعد ما ~~أريكم الدليل بالتربية ما تحبون من دلائل الطريق التوبة من التسليك، ~~وإرشاد الخروج من محاب الدنيا والآخرة، { منكم من يريد الدنيا ~~ومنكم من يريد الآخرة } [آل عمران: 152]؛ يعني: إنما عصيتم ~~أمر الدليل إذ دلكم على الله؛ لأن منكم من كان همته في طلب الدنيا ~~وزخارفها، ومنكم من كان همته في طلب الجنة ونعيمها، { ثم صرفكم ~~عنهم } [آل عمران: 152]؛ أي: مجاهدة النفس وقصد صفاتها باستيلائها ~~عليكم، { ليبتليكم } [آل عمران: 152]؛ أي: ليمتحنكم بالسر بعد ما ~~تجلى لكم أنوار المشاهدات، وبالصحو بعد ما أسكركم بأقداح الواردات، أو ~~بالفطام بعد ما أرضعكم بلبان الملاطفات، { ولقد عفا عنكم } [آل ~~عمران: 152]، بعد ابتلائكم عفا عن التفاتكم في الدنيا والآخرة، فإنه علم ~~ضعف الإنسان وعجز بشريته في طلب الحق وأدركتكم العناية الأزلية التي بها ~~قدر لكم الإيمان وجعلكم مؤمنين، { والله ذو فضل على ~~المؤمنين } [آل عمران: 152] من الأزل. # { إذ تصعدون } [آل عمران: 153]؛ يعني: بفضل الله وعنايته تصعدون، ~~{ إذ تصعدون } [آل عمران: 153] طريق الحق طالبين بعد ما كنتم ~~هاربين، { ولا تلوون على أحد } [آل عمران: 153]؛ أي: لا ~~تلتفتون إلى أحد من الأمرين طلب الدنيا والآخرة، { والرسول ~~يدعوكم في أخركم } [آل عمران: 153]؛ يعني: رسول الوارد من ~~الحق يدعوكم إلى عبادتي إلي، { فأثبكم } [آل عمران: 153]، ~~فجازاكم بفضله { غما بغم } [آل ms0341 عمران: 153]؛ أي بدل غم الدنيا ~~والآخرة بغم طلب الحق والوصول إليه، { لكيلا تحزنوا على ما ~~فاتكم } [آل عمران: 153] من الدنيا وزخارفها، { ولا مآ ~~أصبكم } [آل عمران: 153] من نعيم الجنة الباقية، فإن لذة غم طلب ~~الحق يزيد على لذة نعيم الدنيا والآخرة، فضلا من لذة الوجدان وسرور ~~الوصول ونعيم الشهود، { والله خبير بما تعملون } [آل ~~عمران: 153]، من ترك نعيم الدنيا والآخرة في طلب وجدانه، ويجيب رجاكم ~~ويوفي جزاءكم. ### || [3.154-155] # ثم أخبر عن إنزال النعيم بعد الغم بقوله تعالى: { ثم أنزل ~~عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طآئفة ~~منكم وطآئفة قد أهمتهم أنفسهم } [آل عمران: ~~154]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى ينزل حقائق أصناف ألطافه على ~~عباده في صور مختلفة، كما أنزل حقيقة الآمنة والصبر والتثبت والشجاعة على ~~الصحابة يوم أحد في صورة النعاس، { يغشى طآئفة منكم } [آل ~~عمران: 154]؛ يعني: المؤمنين فجعل النعاس معدن جواهر ألطافه من الأمن ~~وغيره مما ذكر الصحابة، وجعله معدن جواهر الوقائع السنية لأرباب القلوب ~~من المكاشفات والمشاهدات، والواردات وأنواع المواهب، فإن أكثرها تقع في ~~النعاس بين النوم واليقظة، { وطآئفة } [آل عمران: 154]؛ يعني: ~~المنافقين، { قد أهمتهم أنفسهم } [آل عمران: 154]، هي ~~إشارة إلى أرباب النفوس الذين لا يهتم بهم إلا هم { أنفسهم } [آل ~~عمران: 154]، من استيفاء حظوظها وتتبع شهواتها، ولذاتها الجسمانية ~~وتمتعاتها الحيوانية بخسة طبعها وركاكة نظرها الحسي، { يظنون ~~بالله غير الحق } [آل عمران: 154]؛ يعني الظن الباطل { ظن ~~الجهلية } [آل عمران: 154]؛ أي: كظن أهل الجاهلية؛ وهو ظن الأمور ~~إلى الخلق لا إلى الله بقضائه وقدره، { يقولون هل لنا من ~~الأمر من شيء } [آل عمران: 154]؛ أي: ما لنا مدعي الإسلام من أمر ~~النصرة والظفر من شيء، فما وعدنا الله ورسوله أن # النصر إلا من عند الله # [آل عمران: 126] وإليه أمره، { قل إن الأمر } في الدارين { ~~كله لله } [آل عمران: 154]، منه وإليه وبه { يخفون في ~~أنفسهم ما لا يبدون لك } [آل عمران: 154]، بل تبدون بعضهم ~~لبعض، وهو قوله تعالى: { يقولون لو كان لنا من الأمر } ~~[آل عمران: 154]، من أمر النصرة ms0342 والحقيقة في الدين، { شيء ما ~~قتلنا ههنا } [آل عمران: 154]، بالباطل على أيدي حزب الشيطان ~~والمبطلين { قل لو كنتم } [آل عمران: 154]، أيها الغافلون عن ~~الأحكام الأزلية وسر القدر، { في بيوتكم لبرز الذين كتب ~~عليهم القتل } [آل عمران: 154]؛ أي قضى وقدر عليهم القتل بالحكم ~~من الأزلية { إلى مضاجعهم } [آل عمران: 154]، # ليقضي الله أمرا كان مفعولا # [الأنفال: 42]، { وليبتلي الله ما في صدوركم } [آل ~~عمران: 154]، أيها المنافقون مما تخفون في أنفسكم من النفاق والإنكار ~~والاعتراض على الله ورسوله، والكفر بآيات الله والأخلاق الردية والأوصاف ~~الدنية، ويخرجها عنكم قولا وفعلا، أيها المؤمنون مما تضمرون في قلوبكم ~~من الإيمان والإيقان والتصديق بالقرآن، والتسليم لله ورسوله وتفويض ~~الأمور إلى الله، والرضا بقضاء الله وقدره، والأخلاق الحميدة والأوصاف ~~الكريمة، ويستخرجها منكم خلقا وعملا بتخصيص هذا التمحيص. # وفيه معنى آخر وهو: أن معنى التمحيص بمعنى التطهير، { وليمحص ما ~~في قلوبكم } [آل عمران: 154]، من دنس الإنساني وغيره من الصفات ~~الذميمة عند التولي، فيستغفرون منها فيغفر فيطهركم منها، كما قال تعالى: ~~{ عفا الله عنهم } [آل عمران: 155]، { والله عليم ~~بذات الصدور } [آل عمران: 154]؛ يعني: قبل استخراج ما فيها، { ~~عليم } [آل عمران: 154] بما فيها، فيستخرجها بهذا؛ لإظهار ما فيها على ~~العالمين حجة عليهم ولهم، والنكتة في ذكر أصحاب النفوس، وهم المنافقون ~~بابتلاء ما في الصدور وفي ذكر أولى الألباب، وهم المؤمنون بتمحيص ما في ~~القلوب أن الصدور معدن النفاق والغل ووسوسة الشيطان وتسوله كقوله تعالى: # ونزعنا ما في صدورهم من غل # [الأعراف: 43]، وإن القلوب محل التقوى والإيمان، قال تعالى: # امتحن الله قلوبهم للتقوى # [الحجرات: 3]، وكذلك كقاله تعالى: # كتب في قلوبهم الإيمان # [المجادلة: 22]، وقال: # ألا بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد: 28]، ولذلك أظهر الله تعالى تمحيص ما في قلوب المؤمنين ثلث ~~الصفات من صفاته العلا وأسمائه الحسنى، وهو العفو الغفور والرحيم بقوله ~~تعالى: { إن الذين تولوا منكم يوم التقى ~~الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما ~~كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور ~~حليم } [آل عمران: 155] من التولي؛ ليجعله مرآة ظهور صفاته العفو ~~والمغفرة، وهذا ms0343 سر قوله صلى الله عليه وسلم: # " لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم فيذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم " # ، ليعلم أن الله تعالى قادر على كل شيء من الخير والشر أسرارا لا يبلغ ~~كنهها إلا هو، # ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء # [البقرة: 255]. ### || [3.156-159] # ثم أخبر عن كفر من فزع الغزاة في الحياة والممات بقوله تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا ~~وقالوا لإخوانهم } [آل عمران: 156] في الطلب والسير إلى الله، ~~{ إذا ضربوا في الأرض } [آل عمران: 156]؛ أي: سافروا في البلاد ~~وجحدوا وأنكروا وأرجعوا عن طريق الحق باستهواء الشيطان وغلبة الهوى، ~~وكفروا إشارة في الآيات: { يأيها الذين } [آل عمران: 156]، خطاب ~~{ آمنوا } [آل عمران: 156] مع السائرين إلى اللهو لا تكونوا كالذين ~~يستفيدون من المراد وسلكوا في أرض نفوسهم سبيل الرشاد { أو كانوا ~~غزى } [آل عمران: 156]، مجاهدين مع كفاء النفس والهوى والشيطان، { ~~لو كانوا عندنا } [آل عمران: 156]؛ أي: موافقين معنا في الرفق ~~{ ما ماتوا } [آل عمران: 156] من مقاساة الشدائد، { وما قتلوا ~~} [آل عمران: 156] رياضة وجهدا، { ليجعل الله ذلك } [آل ~~عمران: 156] القول { حسرة في قلوبهم } [آل عمران: 156]؛ أي: ~~قلوب الصديقين، { والله بما تعملون } [آل عمران: 156]، أيها ~~المنكرون في تغيير الصديقين، وأيها الصديقون في الثبات على قدم الصدق في ~~طلب الحق { بصير } [آل عمران: 156]، فيما يجازي الفريقين على قدر ~~الاستحقاق. # { ولئن قتلتم في سبيل الله } [آل عمران: 157]، سبيل ~~الرشاد، بسيف الصدق { أو متم } [آل عمران: 157]، عن صفات النفس { ~~لمغفرة من الله ورحمة } يحبكم الله بتا، { خير ~~مما يجمعون } [آل عمران: 157]، أرباب النفوس وأهل الأهواء من ~~أوزان جمع الدنيا والحرص عليها والبخل بها، ومن وبال التنعم والتلذذ ~~بشهواتها، { ولئن متم } [آل عمران: 158] أيها المجاهدون في جهاد ~~النفس، { أو قتلتم } [آل عمران: 158] أيها الصديقون في سبيل ~~الطلب، { لإلى الله تحشرون } [آل عمران: 158]؛ يعني: حشر المقتول ~~بسيف الصدق والذي ماتت نفسه عن صفاتها، يكون إلى الله لا إلى غيره من ~~الجنة والنار، وإن كان عبورها عليها، كقوله تعالى: # إن المتقين في جنات ونهر * في مقعد صدق ms0344 عند ~~مليك مقتدر # [القمر: 54-55]. # ثم أخبر عن لين القلوب أنه برحمته علام الغيوب بقوله تعالى: { فبما ~~رحمة من الله لنت لهم } [آل عمران: 159]، إشارة في الآية: ~~إن كل لين يظهر في قلوب المؤمنين بعضهم على بعض، فهو برحمته الله ونتيجة ~~لطفه مع عباده إلا من خصوصية أنفسهم، # إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي # [يوسف: 53]، وإن كانت نفس الأنبياء - عليهم السلام - حتى قال الله تعالى ~~لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم: { فبما رحمة من الله لنت ~~لهم } [آل عمران: 159]؛ يعني: لين قلبك للمؤمنين كان من رحمة الله ~~التي أرسلنا على قلبك إليهم لا من رحمتك، فالله تعالى يمن على النبي صلى ~~الله عليه وسلم بهذا ويقول له: { ولو كنت فظا غليظ القلب ~~} [آل عمران: 159]؛ يعني: ولو كنت باقيا على فظاظة خلقك، وقساوة قلبك ~~قبل أن تشرح صدرك وتغسل قلبك وتنظر إليه بنظر المحبة، ونرسل إليه الرحمة ~~لتلين جمالهم { لانفضوا من حولك } [آل عمران: 159]، وتفرقوا ~~عن صحبتك من خشونة قلبك وغلظة فعلك، وقلة صبرك وتحملك على أذاهم، وكما ~~أنك لنت لهم برحمتنا { فاعف عنهم } [آل عمران: 159] بعفونا، { ~~واستغفر لهم } [آل عمران: 159] بمغفرتنا، { وشاورهم في ~~الأمر } [آل عمران: 159]، فإن القلوب للعفو عنها المغفور منورة بصفات ~~عفونا ومغفرتنا، فهو مؤمنة في الإشارة منها فإنها تنظر بنور ربها، وكل ~~قلب ينظر بنور الحق لا يرى إلا الحق فيكون صادقا فيما يرى، كما قال ~~تعالى: # ما كذب الفؤاد ما رأى # [النجم: 11]، فمعناه؛ أي: فشاور أرباب القلوب المنورة الملهمة من الله؛ ~~ليكون رأى قلبك النور بنور الوحي مؤكد بالآراء التي منشأها القلوب المنور ~~بنور الإلهام، فإنه تلو الوحي، نظيره قوله تعالى: # فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد ~~جآءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين # [يونس: 94]. # ثم قال تعالى: { فإذا عزمت } [آل عمران: 159]؛ يعني: بعد ~~المشاورة لاستصواب الآراء المنورة بنور الوحي والإلهام، { فتوكل ~~على الله } [آل عمران: 159]، لا على تلك الآراء فيما يظهر من الأمور ~~مما تكرهه وتحبه، فإنه أعلم بالصواب منه لك ms0345 منك، كقوله تعالى: # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن ~~تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم ~~لا تعلمون # [البقرة: 216]، وفيه معنى آخر، فإذا عرفت الخروج من قشر الوجود، فتوكل ~~على الله إلى تفويض أمر قشر الوجود إليه لا تقدر أن تخرج عن نفسك، بل هو ~~الذي يخرجكم عن ظلمة وجودكم المخلوقة إلى نور القدم، كما قال تعالى: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # [البقرة: 257]، وقال تعالى: # يهدي الله لنوره من يشآء # [النور: 35]، والتوكل تفويض الأمور الإلهية التي لا يمكن لغير الله ~~تعالى، { إن الله يحب المتوكلين } [آل عمران: 159]، ~~الذين جذبتهم العناية برسن المحبة إلى عزيمة الخروج من حجاب الوجود ~~للوصول إلى المحبوب، ففوضوا أمر إخراج عن الوجود إلى الله تعالى لا سبيل ~~لغيره إليه؛ لأنه هو الذي أخرجهم من العدم إلى الوجود، فهو يخرجهم منه ~~بفضله وكرمه ويهديهم إليه. ### || [3.160-163] # ثم أخبر عن النصرة والخذلان أنهما إليه لا إلى الأعوان، بقوله تعالى: { ~~إن ينصركم الله } [آل عمران: 160]، إشارة في الآية: إن الله ~~تعالى إن ينصركم بجذبات العناية ويخرجكم من حجب الوجود، { فلا غالب ~~لكم } [آل عمران: 160]، من أوصافكم وأحوالكم وأقوالكم، ومن نعمة ~~الدنيوية والأخروية التي هي منشأ الوجود، { وإن يخذلكم } [آل ~~عمران: 160] بترك الجذبات لإخراجكم { فمن ذا الذي ينصركم } [آل ~~عمران: 160] يخرجكم من جمع الأنبياء والمشايخ، { من بعده } [آل ~~عمران: 160] من بعد فضل الله وكرمه، { وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون } [آل عمران: 160]؛ أي: فليفوض إلى الله تعالى أمر ~~الإخراج من الوجود، المؤمنون الذين يعتقدون أن الله هو القادر على ~~الإخراج عن الوجود، كما أنه القادر على الإدخال في الوجود، ويوقنون إن ~~الخلائق عاجزون عن هذا الإدخال والإخراج إلا بإذنه، ولا يصح التوكل على ~~الله إلا لمؤمن موقن بأنه # ألا إلى الله تصير الأمور # [الشورى: 53] كلها في معنى الخلق والرزق والأجل وغير ذلك، كقوله تعالى: # قل كل من عند الله # [النساء: 78]. # ثم أخبر عن نفي غلول الأنبياء في شيء من الأشياء بقوله تعالى: { وما ~~كان ms0346 لنبي أن يغل } [آل عمران: 161]، إشارة في الآيات: إن ~~الله تعالى ينفي الغلول عن الأنبياء في قوله: { وما كان لنبي ~~أن يغل } [آل عمران: 161] من ثلاثة أوجه: # إحداها: ينفي الغلول من أفعالهم وأقوالهم؛ لأن فاعل الغلول أمر به وأمر ~~به وهو منكر، والأنبياء أمروا بالمعروف، فالآمر بالمنكر لا يصلح أن يكون ~~نبيا. # وثانيها: ينفي الغلول من خصالهم؛ لأن الغال خائن، والأنبياء أمناء الله ~~على وحيه، والخائن لا يصلح أن يكون نبيا. # والثالث: ينفي الغلول من أحوالهم؛ لأن حال الغال أن يكون الغالب على ~~أمره النفس وهواها، ومن حال النبي أن يكون غالبا على أمره. # كما أخبر عن حال يوسف عليه السلام بقوله: # والله غالب على أمره # [يوسف: 21]، فمغلوب النفس والهوى لا يصلح للنبوة؛ لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من يكون شفيعا لأمته يوم القيامة، والشفيع هو الذي ينجوا ~~بنفسه ثم ينجي غيره، ومن حال الغال ما قال الله تعالى: { ومن يغلل ~~يأت بما غل يوم القيامة } [آل عمران: 161]؛ أي: يأتي به ~~حاملا على ظهره { ثم توفى كل نفس } [آل عمران: 161]؛ أي: ~~يجازي كل غالبة { ما كسبت } [آل عمران: 161]، من الغلول، { وهم ~~لا يظلمون } [آل عمران: 161] في مجازاة عقوبة الغلول، دليله قوله ~~تعالى: # وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [النحل: 118]، فالمعاقب بمجازاة الغلول كيف ينجي غيره من العقوبة؟ ومما ~~يؤكد هذا المعنى قوله تعالى: { أفمن اتبع رضوان } [آل عمران: ~~162]؛ أي: وحي { الله } [آل عمران: 162]، دليله من # اتبع مآ أوحي إليك من ربك # [الأنعام: 106]، { كمن بآء بسخط من الله } [آل عمران: ~~162]؛ أي: الغلول، معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم من اتبع ما أوحي ~~إليه طلب رضوان الله، لا الغال الذي يتبع بغلوله سخط الله، { ومأواه ~~جهنم وبئس المصير } [آل عمران: 162]، من هذا حاله فلا يساوي ~~حال الغال أحوال الأنبياء، { هم درجت عند الله } [آل عمران: ~~163]؛ يعني: هم الدرجات في مقام عندية الحق وهو مقعد الصدق، كقوله تعالى # في مقعد صدق عند مليك مقتدر # [القمر: 55]، { والله بصير بما يعملون } [آل عمران: ms0347 163]، ~~أهل الدرجات من الأنبياء وأتباعهم، وأهل الدركات من المنافقين القالين، ~~فيجازيهم على قدر أعمالهم ونياتهم، # " فإنما الأعمال بالنيات ". ### || [3.164-168] # ثم أخبر عن خاصية النبوة والمن بها على الأمة بقوله تعالى: { لقد ~~من الله على المؤمنين } [آل عمران: 164]، إشارة في الآية: ~~إن الله تعالى من على المؤمنين { إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم } [آل عمران: 164]؛ أي: من جنسهم من بني آدم ولا ملكا من ~~الملائكة، فإنهم لا يدركونه بالحواس الخمس ولا ينفعهم به؛ لأنه من غير ~~جنسهم، ويكن الانتفاع إلا من الجنس، كما قال تعالى: # ولو جعلنه ملكا لجعلنه رجلا وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون # [الأنعام: 9]؛ يعني: من الكسوة البشرية؛ لكي ينتفعوا به حين { يتلوا ~~عليهم آياته } [آل عمران: 164]؛ لأن جبريل عليه السلام كان ينزل ~~على النبي صلى الله عليه وسلم ويتلوا عليه آيات الله وبعض الصحابة كانوا ~~حاضرين، ولكن لا يسمعون تلاوته ولا ينتفعون بها، إلا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يتلوا عليهم بلسان الظاهر فيسمعونها وينتفعون بها، فلما ~~أراد الله تعالى أن يعلمهم معالم دينهم بواسطة جبريل عليه السلام، ألبسه ~~لباس الصورة حتى جاء على صورة إعرابي قد أسند ركبته إلى ركبة النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ ما الإحسان؟ ولم يعرفه ~~أحد من الصحابة، فلما خرج من المسجد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~هذا أتاكم بعلم معالم الدين "؛ فلهذا من الله تعالى عليهم ببعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم من جنسهم يتلوا عليهم كل يوم وليلة آياته { ~~ويزكيهم } [آل عمران: 164] عن أخلاقهم الذميمة النفسانية، { ~~ويعلمهم الكتاب } [آل عمران: 164]؛ أي: القرآن، ويبين لهم ~~معانيه وأسراره، كما قال تعالى # لتبين للناس ما نزل إليهم # [النحل: 44]، { والحكمة } [آل عمران: 164]؛ يعني: الشرائع والسنن ~~كما ذكره في سورة البقرة، { وإن كانوا } [آل عمران: 164] في ~~الجاهلية، { من قبل } [آل عمران: 164] بعثه، { لفي ضلال مبين ~~} [آل عمران: 164]، # إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة وإنا على ~~ءاثارهم # [الزخرف: 22]. # ثم أخبر عن إصابة المصيبة أنها من شؤم النفس الخبيثة بقوله ms0348 تعالى: { ~~أو لمآ أصبتكم مصيبة قد أصبتم مثليها } ~~[آل عمران: 165]، إشارة في الآية: إن المؤمن إذا أصابته مصيبة يصيب مثلها ~~من كفارة الذنوب ورفعة الدرجات، وإن أصابته تلك المصيبة من شؤم ما اكتسبت ~~أيديكم، { إن الله على كل شيء قدير } [آل عمران: 165] ~~أن يجعل المصيبة كفارة للذنوب ورفعة للدرجات، وأن يغفر الذنوب ويرفع ~~الدرجات من غير مصيبة، كقوله تعالى: # ويعفوا عن كثير # [المائدة: 15]، وقال تعالى: # رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره ~~على من يشآء من عباده # [غافر: 15]، { ومآ أصابكم يوم التقى الجمعان ~~فبإذن الله } [آل عمران: 166]؛ أي: ببلائه وابتلائه لكم، { ~~وليعلم المؤمنين } [آل عمران: 166]، { وليعلم ~~الذين نافقوا } [آل عمران: 167]؛ أي: ليبتلي المؤمنين منه ببلاء ~~حسن في بذل الروح والصبر والثبات على قدم الجهاد في سبيل الله، ويميزهم ~~عن المنافقين، وليظهر نفاق الذين نافقوا بقعودهم عن القتال وحب الحياة ~~واختيار الدنيا على الآخرة، وإظهار نفاقهم وكذبهم عند قولهم: { وقيل ~~لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ~~قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر ~~يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ~~ما ليس في قلوبهم } [آل عمران: 167]؛ يدعون بألسنتهم أتباع ~~المجاهدين في سبيل الله، وليس في قلوبهم شوق إلى الله ومحبته، ولا ~~يتعرضون لتذر الروح شوقا إلى لقائه وطلبا لرضائه ولأنوار الإيمان، { ~~والله أعلم بما يكتمون } [آل عمران: 167]؛ أي: أعلم منهم ~~بما يكتمون في أنفسهم من صفات الكفر والنفاق، وبما جبلت عليه أنفسهم في ~~أصل الخلقة وتخمير طينتهم التي من نتائج صفاتهم الذميمة وفساد اعتقادهم، ~~{ الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما ~~قتلوا } [آل عمران: 168] وافقونا بالنفاق وسوء الاعتقاد والقعود عن ~~طريقة الحق، { ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم ~~الموت } [آل عمران: 168] موت القلوب الذين من خصائصه: النفاق، وسوء ~~الأخلاق، وفساد الاعتقاد، { إن كنتم صادقين } [آل عمران: 168] ~~في دعواكم أنكم مصيبون في نفاقكم، وإخوانكم مخطئون على بذل الروح في سبيل ~~الله. ### || [3.169-173] # ثم أخبر عن حال من رزق الاستشهاد ومن قتل في الجهاد بقوله تعالى: { ~~ولا تحسبن الذين قتلوا في ms0349 سبيل الله أمواتا } ~~[آل عمران: 169]، إشارة في الآية: إن أرباب القلوب الذين قتلوا أنفسهم ~~بسيف الصدق في سبيل السير إلى الله تعالى، فلا تحسبن أهل الغفلة والبطالة ~~إنهم أموات وما ماتت نفوسهم، { بل أحياء } [آل عمران: 169] قلوبهم، ~~{ عند ربهم } [آل عمران: 169] بنور جماله، كما قال تعالى: # أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا ~~يمشي به # [الأنعام: 122]، { يرزقون } [آل عمران: 169]، من كؤوس تجلي الصفات ~~ساقيهم شراب الشهود، { فرحين بمآ آتاهم الله من فضله } ~~[آل عمران: 170]؛ أي: بما جذبتهم العناية الإلهية إلى عالم الوصول، { ~~ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ~~} [آل عمران: 170]، من إخوان الصدق ومريديهم، { لم يلحقوا بهم ~~من خلفهم } [آل عمران: 170]، وهو بعد في سلوك الطريق إلى الله ~~تعالى، { ألا خوف عليهم } [آل عمران: 170] من الانقطاع في ~~الطريق؛ لأنهم شاهدوا وعاينوا إن متابعيهم مجذوبون بجذبات الحق، وإنه لا ~~انقطاع بها فيصلون إليهم، { ولا هم يحزنون } [آل عمران: 170]، ~~على فوات الحياة النفسانية؛ لفوزهم بالحياة الربانية. # ثم أخبر عن الاستبشار بفضل الملك الغفار بقوله تعالى: { يستبشرون ~~بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر ~~المؤمنين } [آل عمران: 171]، والإشارة في الآيات: إن الشهداء الذين ~~استشهدوا في طلب الحق بسيف الصدق، يستبشرون عند فناء البشرية بنعمة من ~~الله وهي البقاء ببقاء الإلوهية؛ لأنه قال تعالى: { بنعمة من ~~الله } [آل عمران: 171] لا من الجنة وغيرها، { وفضل } [آل عمران: ~~171]؛ أي: إعطائهم هذه النعمة إنما كان بفضل منه لا بمجازاة أعمالهم على ~~الحقيقة؛ لأن المجازاة إنما تكون بالأمثال والأضعاف، كقوله تعالى: # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها # [الأنعام: 160]، و # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]، فاعلم جدا { وأن الله لا يضيع أجر ~~المؤمنين } [آل عمران: 171]؛ يعني: إذا أعطاهم نعمة البقاء بفضل ~~منه لا مجازاة أعمالهم فلا يضيع أجر أعمالهم، فيجازيهم بالجنة ونعيمها # جزآء بما كانوا يعملون # [السجدة: 17]، كما قال تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26]؛ الحسنى: عفي الجنة، والزيادة هي: النعمة التي من فضل الله ~~وفضل الله منه. # ثم وصفهم وقال تعالى: { الذين استجابوا لله } [آل ms0350 عمران: ~~172] عند الميثاق الأول، إذ قال: # ألست بربكم # [الأعراف: 172] فأجابوه: # قالوا بلى # [الأعراف: 172]، أقررنا بالربوبية والوحدانية، { والرسول } [آل ~~عمران: 172]، فأجابوه بقبول دعوة أتباعه في أخذ ما أتاهم وانتهاء ما ~~نهاهم عنه، { من بعد مآ أصابهم القرح } [آل عمران: 172]؛ ~~أي: جراحة المفارقة من حظائر القدس وجوار رب العالمين، فإن الخلائق ~~استجابوا لله عامتهم إذ # قالوا بلى # [الأعراف: 172]، قيل: أصابهم قرح المفارقة من تلك الحضرة، وما استجاب ~~للرسول من بعد ما أصابهم قرح المفارقة، إلا خواصهم وهم الذين اتقوا الشرك ~~الجلي والخفي منهم، وأحسنوا في العبودية، كما قال تعالى: { للذين ~~أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم } [آل عمران: 172]، وهو ~~نعمة البقاء بالله التي هي الفضل من الله، يدل عليه قوله تعالى: # وكان فضل الله عليك عظيما # [النساء: 113]. # ثم وصفهم بصفة أخرى هي تتمة كلامه، وقال تعالى: { الذين قال ~~لهم الناس } [آل عمران: 173]؛ يعني: بالنفس الأمارة بالسوء الناسية ~~تلك المخاطبة عند الميثاق، { إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم } [آل عمران: 173]، واهربوا منهم، وفي الحقيقة؛ أي: القلب ~~ودواعي الحق [لو صدقوكم] أيتها النفس اللوامة؛ لغنوكم عنكم بسطوة ذكر ~~الله وتجلي صفاته، فاخشوهم بترك الذكر والمراقبة { فزادهم إيمانا ~~} [آل عمران: 173]، أما لأهل الظاهر بالتفكر في عواقب الأمور، فعلموا أن ~~الدنيا فانية وأن # كل من عليها فان # [الرحمن: 26]، وتحققوا أن المقتولين في سبيل الله { أحياء عند ~~ربهم يرزقون } [آل عمران: 169]، فزادهم نور الإيمان، وشاهدوا ~~بذلك النور الزائد مقامات أهل الزيادة عند ربهم فزهدوا في الدنيا وما ~~فيها؛ طلبا مقام العندية في مقعد الصدق، { وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل } [آل عمران: 173]، وأما لأهل الحقيقة فبشواهد الغيب ~~كوشفوا أن الحجاب الأصلي والمانع الحقيقي لهم عن المقصد والمقصود وهي ~~النفس وصفاتها فاشتاقوا إلى فنائها وارتحلوا عن فنائها، ونادى رب العزة: ~~" أنا يا أهل العزة، [الراجين ذلك] المقام، دع نفسك وتعال " ، فزادهم صار ~~الإيمان عيانا، فودعوا الملوثات وخلفوا المكونات، { وقالوا ~~حسبنا الله ونعم الوكيل } [آل عمران: 173]، كما قال ~~الخليل عليه السلام مع جبريل عليه السلام، والذي أشار إليه النبي صلى ~~الله ms0351 عليه وسلم قوله: # " كان آخر ما تكلم به إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار: حسبي الله ~~ونعم الوكيل " # ؛ يعني: آخر مقام الخلة أن يكبر عن نفسه وما سواه، كما قال بعضهم: حب ~~الواحد انفراد الواحد. ### || [3.174-177] # ثم أخبر عن حالهم في مالهم بقوله تعالى: { فانقلبوا بنعمة ~~من الله وفضل } [آل عمران: 174]؛ أي: من فضيلة وكمالية لم ~~يكونوا منصفين عند خروجهم من مكان من الغيب إلى عالم الشهادة بالتجارة ~~لهذا الربح، # ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء # [المائدة: 54]، لمن اتبع رضوانه، كما قال تعالى: # يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام # [المائدة: 16]، والسلام هو الله تبارك وتعالى. # { إنما ذلكم الشيطان } [آل عمران: 175]؛ يعني: على طريق ~~الحق إليه، { يخوف أولياءه } [آل عمران: 175]؛ يعني: من لم ~~يكن ولي الشيطان لا يخوفه، كقوله تعالى: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # [الحجر: 42]، { فلا تخافوهم } [آل عمران: 175]؛ لأنه ليس لأحد من ~~الأمر شيء، { وخافون إن كنتم مؤمنين } [آل عمران: 175]، ~~بأني أنا الضار النافع، وأنا المعطي وأنا المانع بهذه الأفعال، فإنها وفق ~~الإرادة والمشيئة الأزلية، # ولو شآء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ~~ما يريد # [البقرة: 253]، { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ~~} [آل عمران: 176]، إشارة إلى كمال التسليم والرضاء بالقضاء، وما يجري في ~~العالم من الكفار وغيرهم مما يسارع به في الكفر من القتل والنهب والأسر ~~وأمثاله، بحيث لا تحزن على شيء منها { إنهم } [آل عمران: 176]؛ أي: ~~لأنهم { لن يضروا الله شيئا } [آل عمران: 176]، القدرية ~~فإنما تجري عليهم هذه الأفعال الموبقة؛ لأنه { يريد الله ألا ~~يجعل لهم حظا في الآخرة } [آل عمران: 176] من الجنة ~~ونعيمها، ويريد أن يكون { ولهم عذاب عظيم } [آل عمران: 176]، ~~من نار القطيعة وجحيمها ألزم الحجة على القدرية، وإن الخير والشر من الله ~~تعالى بهذه الآية، ثم ألزم الحجة على الجبرية بآية أخرى، وقال تعالى: { ~~إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا ~~الله شيئا } [آل عمران: 177]، أثبت لهم الكسب والاختيار والاشتراء، ~~{ ولهم عذاب أليم } [آل عمران: 177]، من فقدان الإيمان ووجدان ~~الكفر بما ms0352 اشتروا الكفر بالإيمان. ### || [3.178-180] # ثم أخبر عن إملائهم لابتلائهم بقوله تعالى: { ولا يحسبن ~~الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم } [آل ~~عمران: 178]، الإشارة في الآيات: إن ازدياد إثم الكفر وتماديه في الكفر ~~من نتائج قهر الله وخذلانه في صورة امتنانه في العصيان والكفران، إنما ~~علا لهم { ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين } [آل ~~عمران: 178]، في الدنيا بالقتل والنهب والأسر والنبي وفي الآخرة بالسلاسل ~~والأغلال # يسحبون في النار على وجوههم # [القمر: 48]. # ثم ذكر من نتائج فضل الله وكرمه مع المؤمنين وقال تعالى: { ما كان ~~الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم عليه } [آل ~~عمران: 179]، الخطاب مع أهل الخذلان؛ يعني: لا يذر المؤمنين على ما أنتم ~~عليه من الخذلان والكفر، بل يجذبهم بجذبات العناية من حضيض الضلالة إلى ~~ذروة الهداية { حتى يميز الخبيث } [آل عمران: 179]، المخذول ~~المقهور { من الطيب } [آل عمران: 179]، المجذوب المشكور، { وما ~~كان الله ليطلعكم على الغيب } [آل عمران: 179]؛ لتميز ~~المقبول من المردود، والسعيد من الشقي { ولكن الله يجتبي من ~~رسله من يشآء } [آل عمران: 179]، فتطلعون بهم على الغيب أن ~~المجتبي هو المقبول السعيد، { فآمنوا بالله ورسله } [آل ~~عمران: 179]؛ لتكونوا من أهل الاجتباء، ثم قال تعالى: { وإن ~~تؤمنوا وتتقوا } [آل عمران: 179]، بمجرد صورة الإيمان ~~والإقرار لا تكونون من أهل الاجتباء، بل بحقيقة تقوى الظاهرة والباطن ~~تنالون كرامة الاجتباء، كما قال الله: # إن أكرمكم عند الله أتقاكم # [الحجرات: 13]، { فلكم أجر عظيم } [آل عمران: 179]، على قدر ~~عظيم التقوى، فإن السير إلى المقصد الأعلى والوصول إلى منازل الزلفى لا ~~يكون إلا بقدمي الإيمان والنفي. # ثم أخبر عن البخيل وحاله إذا بخل بقوله تعالى: { ولا يحسبن ~~الذين يبخلون بمآ آتاهم الله من فضله } [آل عمران: ~~180]، إشارة في الآية: إن البخل إكسير الشقاوة، كما أن السييء إكسير ~~السعادة، فبإكسير البخل يصير الفضل قهرا والسعادة شقاوة، كما قال تعالى: ~~{ هو خيرا لهم بل هو شر لهم } [آل عمران: 180]، ~~بإكسير البخل يجعلون حيرته ما أتاهم الله من فضله شرا لهم، ولو أنهم ~~طرحوا على ما هو من فضله من ms0353 المال إكسير السخاء لجعلوه خيرا لهم، ~~فيصيروه سعادة ولصاروا بها أهل الجنة إذ لا يلج الجنة الشحيح. # ثم عبر عن آفة حب الدنيا والمال بالطواف { سيطوقون ما ~~بخلوا به يوم القيامة } [آل عمران: 180]، وإنما شبهها ~~بالطوق؛ لأنها تحيط بالقالب، ومنها ينشأ معظم الصفات الذميمة مثل: البخل ~~والحرص، والحسد والحقد، والعداوة والكبر، والتعصب وغير ذلك، ولهذا قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " حب الدنيا رأس كل خطيئة " # ، فبالمنع يصير الروح الشريف العلوي النوراني محفوظا بهذه الصفات ~~الخسيسة السفلية الظلمانية مطوقا بآفاتها وحجبها وعذابها يوم القيامة، ~~وبعد المفارقة فإن مات قد قامت قيامته { ولله ميراث السموت ~~والأرض } [آل عمران: 180]؛ يعني: إن الله تعالى خلق الإنسان وارث ~~الدنيا والآخرة استعدادا، أو قال لكامليهم # أولئك هم الوارثون # [المؤمنون: 10]، الوارث إذا مات من غير وارث فميراثه لبيت المال، ~~فالإشارة فيه: إن من غلبت عليه هذه الصفات ومات قلبه فقد بطل استعداد ~~وارثيه السماوات والأرض، فإن السيد يرث من العبد ميراثه، { والله ~~بما تعملون } [آل عمران: 180]، من الأعمال التي نميت القلوب { ~~خبير } [آل عمران: 180]، لا يخفى عليه شيء. ### || [3.181-184] # ثم أخبر عن أمثال هذه الأعمال من الأفعال والأقوال بقوله تعالى: { ~~لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله ~~فقير } ، إشارة في الآيتين: إن العبد إذا غلبت عليه الصفات الذميمة ~~واستولى عليه الهوى والشيطان ومات قلبه، تكاملت الصفة الأمارة بالسوء ~~لنفسه، # وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى # [النجم: 3-4] إليه الشيطان لقوله تعالى: # وإن الشيطين ليوحون إلى أوليآئهم # [الأنعام: 121]، والنفس إذا تكلمت بالهوى تدعي بالربوبية ادعاء فرعون، # فقال أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24]، فيكون كلامها من صفات الربوبية، وإن من صفات الربوبية ~~قوله تعالى: # والله الغني وأنتم الفقرآء # [محمد: 38]، فإذا تم فساد حال النفس الأمارة بالسوء تثبت صفات الربوبية ~~لنفسها، وصفات العبودية لربها، كقوله تعالى: { لقد سمع الله ~~قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنيآء ~~} [آل عمران: 181]، أثبتوا لأنفسهم صفات الربوبية وهي الغناء، وأثبتوا ~~لله صفة العبودية وهي الفقر، { سنكتب ما قالوا } [آل عمران: ~~181]، وسنميت ms0354 قلوبهم بأقوالهم هذه كما أمتناها بأفعالهم، وهي { ~~وقتلهم الأنبياء بغير حق } [آل عمران: 181]، يشير إلى: ~~إن جزاء هذه الأحوال في حق الله سبحانه مثل جزاء هذه الأفعال في حق ~~الأنبياء - عليهم السلام - { ونقول ذوقوا عذاب } [آل عمران: ~~181]، القلب الميت { الحريق } [آل عمران: 181]، بنار القهر والقطيعة ~~{ ذلك بما قدمت أيديكم } [آل عمران: 182]؛ أي: بشؤم ~~معاملاتكم القولية والفعلية على وفق الهوى والطبيعة، وخلاف الرضاء ~~والشريعة، { وأن الله ليس بظلام للعبيد } [آل ~~عمران: 182]، بأن يضع الشيء في موضعه لهم؛ يعني: لا يجعل المصلح منهم ~~مظهر صفة قهره، ولا المفسد منهم مظهر صفة لطفه، كما قال تعالى: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124]. # ثم أخبر عمن لهم مثل حالهم وشبه مقالهم بقوله تعالى: { الذين ~~قالوا إن الله عهد إلينا } [آل عمران: 183]، الإشارة في ~~الآيتين، فاعلم أولا أن الإنسان هو العالم الأصغر فيوجد فيه النموذج من ~~كل ما في العالم الأكبر، وفي قوله تعالى: { قالوا إن الله ~~عهد إلينا } [آل عمران: 183]، إشارة إلى: إن في اليهود صفات ~~البهيمة والسبعية والشيطنة، { ألا نؤمن } [آل عمران: 183]؛ أي: لا ~~تستسلم ولا تنقاد { لرسول } [آل عمران: 183]؛ أي: خاطر روحاني وإلهام ~~رباني، أو وارد حق { حتى يأتينا بقربان } [آل عمران: 183]، ~~وهو الدنيا وما فيها نجعلها نسيكة لله عز وجل { تأكله النار } ~~[آل عمران: 183]، # نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة # [الهمزة: 6-7]، التي تقدح من زناد نخبهم، فإن كثيرا من الطالبين ~~الصادقين يجعلون الدنيا وما فيها قربانا لله تعالى فلا تأكله نار الله، ~~{ قل } [آل عمران: 183]، يا دار الحق { قد جآءكم رسل من ~~قبلي } [آل عمران: 183]؛ أي: واردات من الحق { بالبينات } [آل ~~عمران: 183]، والبراهين الظاهرة والحجج الباهرة، { وبالذي قلتم ~~} [آل عمران: 183]؛ أي: بإتيان الدنيا قربانا، { فلم قتلتموهم ~~} [آل عمران: 183]، غلبتموهم وتحرقونهم حتى لم يبق أثر من تلك الواردات، ~~{ إن كنتم صادقين } [آل عمران: 183]، إنكم تنقادون بالواردات ~~الحق. # فاعلم: أن الله تعالى كما قدر أن بعض الأمم يغلبون بعض أنبيائهم ~~ويقتلونهم قبل الإيمان أو بعد الإيمان بهم، كذلك قدر أن بعض ms0355 الصفات ~~النفسانية، فغلب على بعض الإلهامات الربانية والواردات الرحمانية ~~فتمحوها، كما قال تعالى: # يمحوا الله ما يشآء ويثبت # [الرعد: 39] قبل انقيادها لها، وبعد ما انقادت لها، # ليقضي الله أمرا كان مفعولا # [الأنفال: 42]، { فإن كذبوك } [آل عمران: 184]، أيها الوارد ~~الرحماني يهود الصفات النفسانية، { فقد كذب رسل من قبلك ~~} [آل عمران: 184] في الصورة والمعنى، { جآءوا بالبينات ~~والزبر والكتاب المنير } [آل عمران: 184]، أي: بالمعجزات ~~الظاهرة والباطنة وغرائب العلوم، وكشف الأسرار واستخراج الحقائق، ~~واستنباط المعاني التي تعجز عن إتيانها فحول وجمهور الحكماء، ولا يعلمها ~~إلا العلماء بالله. ### || [3.185-187] # ثم أخبر عن قوت كل نفس بالموت بقوله تعالى: { كل نفس ذآئقة ~~الموت } [آل عمران: 185]، والإشارة في تحقيق الآيتين: إن كل نفس ~~منفوسة { ذآئقة الموت } [آل عمران: 185]؛ يعني: قابلة للفناء، ثم ~~اعلم أن النفوس على ثلاثة أقسام: # قسم منها: يموت ولا حشر له للبقاء كسائر الحيوانات، وقسم: يموت في ~~الدنيا ويحشرون في الدنيا والآخرة؛ وهي نفوس خواص الإنسان، كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " المؤمن حي في الدارين " # ، على أن لها موتا معنويا، كما أشار إليه صلى الله عليه وسلم بقوله: # " موتوا قبل أن تموتوا " # ، وهو الفناء في الله بالله لله ولها حياة معنوي في الدنيا كما قال ~~تعالى: # أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس # [الأنعام: 122]؛ وهو البقاء بنور الله تعالى، ففي قوله عز وجل: { كل ~~نفس ذآئقة الموت } [آل عمران: 185]، إشارة إلى: إن كل نفس ~~مستعدة للفناء في الله ولا بد لها من موت، فمن كان موته بالأسباب تكون ~~حياته بالأسباب، ومن كان فناؤه بالله يكون بقاؤه بالله، { وإنما ~~توفون أجوركم يوم القيامة } [آل عمران: 185] على قدر ~~تقواكم وفجوركم، { فمن زحزح عن النار } [آل عمران: 185]، ~~القطيعة وأخرج من جحيم الطبيعة على قدمي الشريعة والطريقة، { وأدخل ~~الجنة } [آل عمران: 185]، الحقيقة { فقد فاز } [آل عمران: ~~185]، # فوزا عظيما # [النساء: 73]، { وما الحياة الدنيا } [آل عمران: 185] ونعيمها، ~~{ إلا متاع الغرور } [آل عمران: 185]؛ أي: متاع يغتر بها ~~المغرور والممكور. # { لتبلون في أموالكم وأنفسكم } [آل عمران: ms0356 186] ~~بالجهاد الأصغر، هل تجاهدون بها وتنفقونها في سبيل الله أم لا؟ وبالجهاد ~~الأكبر، أما الأموال فهل تؤثرون على أنفسكم ولو كان بكم خصاصة؟ وأما ~~الأنفس فهل تجاهدون في الله حق جهاده أم لا؟ { ولتسمعن من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } [آل عمران: 186]؛ يعني: ~~أهل العلم الظاهر، { ومن الذين أشركوا } [آل عمران: 186] ~~أهل الرياء من القراء والزهاد، { أذى كثيرا } [آل عمران: 186]، ~~بالغيبة والملامة والإنكار والاعتراض، { وإن تصبروا } [آل عمران: ~~186]، على جهاد النفس وبذل المال وأذية الخلق، { وتتقوا } [آل ~~عمران: 186] بالله عما سواه، { فإن ذلك } [آل عمران: 186] الصبر ~~والتقوى، { من عزم الأمور } [آل عمران: 186]، الذي هو من أمور ~~أولي العزم، كما قال تعالى: # فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل # [الأحقاف: 35]. # ثم أخبر عن سياق أهل الميثاق بقوله تعالى: { وإذ أخذ الله ~~ميثاق الذين أوتوا الكتاب } [آل عمران: 187]، إشارة في ~~الآيات: إن الله تعالى أخذ ميثاق ذرات من رش عليهم من نوره يوم # ألست بربكم # [الأعراف: 172]، وأعطاه على قدر ذلك الرشاش علما بأركان الإسلام ~~ومعاملات الدين، وهدى الإيمان وطريق السلوك إليه، { لتبيننه ~~للناس } [آل عمران: 187]؛ أي: للناسي منهم ذلك الميثاق، { ولا ~~تكتمونه } [آل عمران: 187]، عن طالبيه ومستحقيه وذلك؛ لأنه تعالى ~~بنى أمر هذا الدين على النصيحة، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إنما الدين النصيحة " # ، { فنبذوه ورآء ظهورهم } [آل عمران: 187]، أكثر الخلق ~~العمل بالميثاق، { واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما ~~يشترون } [آل عمران: 187]، من متاع الدنيا وزخارفها فإنه قليل، كما ~~قال تعالى: # قل متاع الدنيا قليل # [النساء: 77] فانيا بعذاب كثير باق. ### || [3.188-191] # { لا تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا } [آل عمران: ~~188] بمتاع الدنيا، { ويحبون أن يحمدوا بما لم ~~يفعلوا } [آل عمران: 188]، من أعمال { فلا تحسبنهم ~~بمفازة من العذاب } [آل عمران: 188]؛ لأن هذا من صفات أرباب ~~النفوس الأمارة، المغرورين بالحياة الدنيا وتمويهات الشيطان، المحجوبين ~~عن السعادات الأخروية والقربات الحضرية، وإنما يريدون # حرث الدنيا # [الشورى: 20]، فما لهم # في الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]، وإن من صفات القلوب المنورة بنور الإيمان المزينة بزينة ~~العرفان، ما أخبر الله ms0357 تعالى عنهم بقوله تعالى: # لكيلا تحزنوا على ما فاتكم # [آل عمران: 153] # ولا تفرحوا بمآ آتاكم # [الحديد: 23]؛ يعني: من سعادة الدارين ونعيم المنزلين، فإنهما يحجبانكم ~~عن الله تعالى: { ولهم عذاب أليم } [آل عمران: 188]؛ أي: لمن ~~حجب عن الله بغيره وبما سواه. # { ولله ملك السموت والأرض } [آل عمران: 189]؛ يعني: ~~من حجب بالملك فإنه مالك الملك، ومن حجب بالمالك فلا يفوته الملك، كما ~~جاءني بعض الكتب المنزلة من طلب ما لنا لم تكن له، ومن طلبنا كنا له وكان ~~له مالنا، أو كلام هذا معناه، { والله على كل شيء } [آل ~~عمران: 189]، من الدنيا والآخرة { قدير } [آل عمران: 189]، أن ينعم به ~~على طالبيه. # ثم أخبر عن خلق السماوات الأرض وإظهار القدرة والآيات بقوله تعالى: { ~~إن في خلق السموت والأرض } [آل عمران: 190]، إشارة في ~~الآيتين { إن في خلق السموت والأرض } [آل عمران: 190]؛ ~~أي: في خلق سماوات القلوب وأطوارها، وخلق أرض النفوس وقرارها، { ~~واختلاف اليل } [آل عمران: 190] البشرية وصفاتها، { والنهار ~~} [آل عمران: 190]، الروحانية وأنورها { لآيات } [آل عمران: 190]، ~~لإمارات بينات ودلالات واضحات، { لآيات لأولي الألباب } [آل ~~عمران: 190]، الذين عبروا بقدم الذكر والفكر من قشر الوجود الجسماني ~~الظلماني الفاني، ووصلوا إلى لب الوجود الروحاني الباقي، فشاهدوا بعيون ~~البصائر ونواظر الضمير أن لهم وللعالم إلها قادرا حيا عليما، سميعا ~~بصيرا، متكلما باقيا، وإنما نالوا هذه المراتب؛ لأنهم { يذكرون ~~الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم } [آل عمران: 191]؛ ~~وهي عبارة عن جميع حالات الإنسان؛ أي: يذكرون الله على كل حال بالظاهر ~~والباطن، { ويتفكرون في خلق السموت } [آل عمران: ~~191]؛ وهي الأفلاك الدائرة، { والأرض } [آل عمران: 191]؛ وهي الكرة ~~الأرضية مستوية الأضلاع ساكنة الحركات معلقة في وسطها، وأنه كيف خلق فيها ~~الكواكب المنيرات السائرات، فخلق بتأثيرها وخواصها في الأرض المعادن ~~والنباتات والحيوانات تدبيرات متناسبات معقولات، ويقولون: { ربنآ ما ~~خلقت هذا باطلا } [آل عمران: 191]؛ أي: خلقته بالحق إظهارا للحق ~~على الخلق، ووسيلة للخلق إلى الحق، { سبحانك } [آل عمران: 191]، ~~تنزيها لك في حقيقتك عن المشبه بخليقتك والاحتياج ببريتك، { فقنا } ~~[آل عمران: 191] يا مستغني عنا، { عذاب النار } [آل ms0358 عمران: 191]؛ ~~أي: عذاب نار قهرك وعظمتك وكبريائك. ### || [3.192-195] # ثم أخبر عن خبر أهل النار في تلك الدار بقوله تعالى: { ربنآ إنك ~~من تدخل النار فقد أخزيته } [آل عمران: 192]، إشارة في: ~~{ ربنآ إنك من تدخل النار } [آل عمران: 192]؛ أي: من ~~تدخله نار قهرك فقد أخزيته وأهلكته بالقهر وأضللته عن صراطك المستقيم، ~~فيقع في نية الضلالة والغواية ويظلم نفسه بالشرك والطغيان، { وما ~~للظالمين } [آل عمران: 192] على أنفسهم بالخذلان، { من أنصار ~~} [آل عمران: 192]، ينصرونهم ويخرجون من نار القهر، يدل عليه قوله تعالى: # إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ~~ذا الذي ينصركم من بعده # [آل عمران: 160]. # ثم أخبر عن شرائط العبودية في استجلاب فضل الربوبية بقوله تعالى: { ~~ربنآ إننآ سمعنا } [آل عمران: 193]، إشارة في الآيات: { ~~ربنآ إننآ سمعنا } [آل عمران: 193]؛ أي: من هاتف الحق في ~~الغيب بالسمع الحقيقي، { مناديا ينادي للإيمان } [آل عمران: ~~193]، أي: ينادينا لأجل الإيمان، { أن آمنوا بربكم } [آل ~~عمران: 193]، وهذا أمر حتم موافق للإرادة القديمة، { فآمنا } [آل ~~عمران: 193]؛ يعني: بالإرادة القديمة وبإسماع الحق إيانا نداء منادي الحق ~~آمنا، نظيره قوله تعالى: # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم # [الأنفال: 23]، { ربنا فاغفر لنا ذنوبنا } [آل عمران: ~~193]؛ يعني: يا ربنا كما أسمعتنا منادي الإيمان بفضلك ورحمتك، { ~~وكفر عنا سيئاتنا } [آل عمران: 193] بإيماننا وطاعتنا في ~~حال الحياة، { وتوفنا مع الأبرار } [آل عمران: 193]؛ يعني: ~~مع التوفيق بمعاملة الأبرار ومن جملتهم وطريقتهم الهداية؛ أي: ما أعددت ~~لعبادك الصالحين # " مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " # ، ومما قلت: # " من تقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحبه كنت له سمعا وبصرا ". # { ولا تخزنا يوم القيامة } [آل عمران: 194] بإظهار سوء ~~أعمالنا، وعدم توفيق التوبة والاجتهاد في طلبك، { إنك لا تخلف ~~الميعاد } [آل عمران: 194] الذي وعدتهم للعباد والمؤمنين، { ~~فاستجاب لهم ربهم } [آل عمران: 195]؛ يعني: من كان هذا دأبه ~~مع الله عاكفا على بابه بصدق العبودية والإخلاص، وطلب ألطاف الربوبية، ~~يستجيب لهم ربهم ما سئلوا، وذلك { أني لا أضيع عمل عامل ~~منكم } [آل عمران: ms0359 195]، بالظاهر والباطن في السر والعلانية { من ~~ذكر أو أنثى بعضكم من بعض } [آل عمران: 195]؛ يعني: ~~على قدر همتكم وجدكم ورجوليتكم، وضعفكم في الأعمال والنيات أجازيكم، { ~~فالذين هاجروا } [آل عمران: 195]، عن الأوطان والأوطار والأعمال ~~السيئة والأخلاق الذميمة، وجاهدوا بالأشباح والأرواح، { وأخرجوا ~~من ديرهم } [آل عمران: 195]؛ يعني: هاجروا من معاملات الطبيعة ~~تقربا إلى الله تعالى، فأخرجوا من ديار الطبيعة إلى عالم الحقيقة، ~~بسطوات تجلي صفات الربوبية تقربا إلى العبد كقوله تعالى: # " تقربت إليه ذراعا " # ، { وأوذوا في سبيلي } [آل عمران: 195]؛ أي: في طلبي أوذي ~~بالابتلاء وأنواع البلاء، { وقتلوا } [آل عمران: 195] مع النفس، { ~~وقتلوا } [آل عمران: 195] بسيف الصدق، { لأكفرن عنهم ~~سيئاتهم } [آل عمران: 195] وجودهم، { ولأدخلنهم ~~جنت } [آل عمران: 195] الوصول، { تجري من تحتها ~~الأنهر } [آل عمران: 195] أنهار العناية، { ثوابا من عند ~~الله } [آل عمران: 195]؛ أي: كرامات من مقامات العندية الخاصية، { ~~والله عنده حسن الثواب } [آل عمران: 195]؛ أي: عنده حسن ~~ثواب لا يكون عند الجنة وغيرها. ### || [3.196-200] # ثم أخبر عن ذلة أهل الدنيا وعزة أهل التقى في العقبى بقوله تعالى: { لا ~~يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد } [آل عمران: ~~196]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى خاطب النبي صلى الله عليه وسلم ~~بخطاب { لا يغرنك } [آل عمران: 196] لمعنيين: # أحدهما: خطاب التكوين، إذ قال له: { لا يغرنك } [آل عمران: ~~196]، فكان كما قال: لا تغره أبدا، تنعم الذين كفروا وتمتعاتهم بنعيم ~~الدنيا، يدل عليه قوله: # إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # [النحل: 40]. # والثاني: خاطبهم بهذا الخطاب؛ ليعلم أمته أنه صلى الله عليه وسلم مع ~~كمال مرتبته وقوته خوطب بهذا؛ لاحتمال وقوعه في ورطة الغرور بالدنيا ~~وتمتعاتها، فلا يأمن أحد على نفسه وتوقانها عن ورطة الغرور بها، ولا يغتر ~~بغرور الشيطان، كما قال تعالى: # فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم ~~بالله الغرور # [فاطر: 5]، فإنها { متاع قليل } [آل عمران: 197]؛ وهي مشرب النفوس ~~الأمارة بالسوء، وصواحبها ذلك أيام قلائل، { ثم مأواهم جهنم ~~} [آل عمران: 197]، البعد عن الحضرة ودركاتها، { وبئس المهاد } ~~[آل عمران: 197]. # { لكن الذين اتقوا } [آل عمران: 198]، احترزوا ms0360 عن الدنيا ~~وما فيها تقربا إلى { ربهم لهم جنات } [آل عمران: 198]، ~~القربة { تجري من تحتها الأنهار } [آل عمران: 198]، ~~والكرامات والسعادات { خالدين فيها } [آل عمران: 198]، مخلدين ~~فيها، لا انقطاع لتلك القربات والكرامات، { نزلا من عند الله ~~} [آل عمران: 198]؛ أي: سبيل النزول من عند الله، هذه كلها { وما عند ~~الله } [آل عمران: 198] من كمالات القرب ومشاهدات الجمال والجلال، { ~~خير للأبرار } [آل عمران: 198] من نعيم الجنان والوقوف مع ما هو ~~نزل لعباد الرحمن، وإن حسنات الأبرار سيئات المقربين. # ثم أخبر بفصل الخطاب عن مؤمني أهل الكتاب بقوله: { وإن من أهل ~~الكتب } [آل عمران: 199]، إشارة في الآية: { وإن من أهل ~~الكتب } [آل عمران: 199]؛ هم العلماء المتقون، { لمن يؤمن ~~بالله } [آل عمران: 199]؛ يعني: يكون إيمانه من نتيجة نور الله الذي ~~دخل قلبه، { ومآ أنزل إليكم } [آل عمران: 199] من الواردات ~~والإلهامات والكشوف بأرباب القلوب، { ومآ أنزل إليهم } [آل ~~عمران: 199]، من الخواطر الرحمانية، { خشعين لله } [آل عمران: ~~199]؛ أي: خاضعين له، تجلى الله لأسرارهم بصفات الجمال فعاشوا متواضعين ~~له، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إذا تجلى الله بشيء خضع له " # ، { لا يشترون بآيت الله } [آل عمران: 199]؛ أي: بما ~~أوتوا من العلم والحكمة { ثمنا قليلا } [آل عمران: 199]، عرضا من ~~العروض الدنيوية، { أولئك لهم أجرهم } [آل عمران: 199]؛ ~~أي: ثوابهم وجزاؤهم { عند ربهم } [آل عمران: 199]؛ يعني مقام ~~العندية # عند مليك مقتدر # [القمر: 55]، { إن الله سريع الحساب } [آل عمران: 199]؛ ~~أي: يعجل في جزاء أعمالهم يجيب نياتهم؛ ليبلغهم إلى مقاماتهم في القرب ~~قبل وفاتهم، ولا تؤجل إلى بعد وفاتهم، # ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ~~وأضل سبيلا # [الإسراء: 72]، وقال صلى الله عليه وسلم: # " كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تحشرون ". # ثم أخبر عن أسباب النجاة وأرباب الفلاح بقوله تعالى: { يا أيها ~~الذين آمنوا اصبروا } [آل عمران: 200]، إشارة في الآية: إن ~~الفلاح الحقيقي لأهل الإيمان موقوف على هذه الخصال الأربعة، وهي قوله ~~تعالى: { اصبروا } على مجاهدة النفوس بنهيها عن حولها وأمرها بطاعة ~~سيدها ومولاها، { وصابروا } [آل عمران: 200]، على مراقبة القلوب مع ms0361 ~~التسليم والرضاء بالأحكام الأزلية عند البلاء والابتلاء، { ورابطوا ~~} [آل عمران: 200] مرابطة الأرواح إلى الوصول بالله وبالانقطاع عما سواه، ~~{ واتقوا الله } [آل عمران: 200] بمحافظة الأسرار عن الالتفات ~~إلى الأغيار والفناء في الله، { لعلكم تفلحون } [آل عمران: ~~200]، عن حجب الوجود بالفناء في الله، وتفوزون بالبقاء بالله بتوفيق الله ~~تعالى وجذبات عنايته، فإن العناية الأزلية كفاية الأبدية. ### | [4 - سورة النساء] ### || [4.1-5] # { يأيها الناس اتقوا ربكم } [النساء: 1]، إشارة في ~~الآية: أن الله تعالى يذكر الناس ببدء خلقتهم بالأشباح والأرواح بقوله ~~تعالى: { يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم ~~من نفس واحدة } [النساء: 1]، فإنهم كما خلقوا بالأشباح عن نفس ~~واحدة وهي شبح آدم عليه السلام، كذلك خلقوا بالأرواح عن نفس واحدة وهي ~~روح محمد صلى الله عليه وسلم، لقوله: # " أول ما خلق الله روحي " # ، فكما أن آدم عليه السلام بالشبح كان أبا البشر، كان محمد صلى الله ~~عليه وسلم بالروح أبا الروح، { وخلق منها زوجها } [النساء: ~~1]؛ وهي النفس، خلقها من أدنى شعاع من أشعة أنوار روح محمد صلى الله عليه ~~وسلم، { وبث منهما رجالا كثيرا } [النساء: 1]؛ وهم أرواح ~~الرجال البالغين الكاملين في الدين، كقوله تعالى: # رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله # [النور: 37]، { ونسآء } [النساء: 1]؛ أي: أرواح ناقصات غير بالغات ~~في الدين، كما أخرج من آدم عليه السلام المقبول والمردود، أخرج من روح ~~محمد صلى الله عليه وسلم روح الكامل والناقص. # { واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام } ~~[النساء: 1]؛ أي: اتقوا أن تسألوا به غيره، فلا تسألوا به عنه، { ~~والأرحام } [النساء: 1]، ولا تقطعوا صلة رحم رحمتي بصلة غيري، دل ~~عليه قوله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: # " أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها أسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن ~~قطعها بتته " # ، إن الله تعالى خلق الخلق برحمته، ولولا سبقت رحمته غضبه ما خلق أحدا ~~من العالمين، فالواجب على الخلق أن يصلوا رحم رحمته بطلبه والانقطاع عن ~~غيره؛ ليصلهم برحمته وكرامته، { إن الله كان عليكم } ~~[النساء: 1] أيها المتقون { رقيبا } [النساء: 1]؛ لئلا يلتفتوا إلى ~~غيره ms0362 بالاعتراض عنه، بل { كان عليكم رقيبا } [النساء: 1]؛ ~~لتتقوا به عن غيره، وتصلوا به بالانقطاع عن غيره. # ثم أخبر عن التقوى بإحراز أموال اليتامى بقوله تعالى: { وآتوا ~~اليتامى أموالهم } [النساء: 2]، إشارة في الآيتين: إن الله ~~تعالى نفى بهاتين الأخلاق الذميمة والأفعال القبيحة، وبها زكى أنفسهم عن ~~آفاتها؛ وهي الحسد والدناءة، والخسة والطمع، الخيانة والمكر والخديعة، ~~والجور والظلم، والشهوة والغضب، وسوء الخلق والبخل، والكبر والأنفة، ~~وحلالها بأضدادها تكميلا للتخلق بأخلاق الحق، فقال تعالى: { وآتوا ~~اليتامى أموالهم } [النساء: 2] تزكية عن آفة الحرص والحسد، ~~والدناءة والخسة والطمع، وتحليته بالقناعة والمروءة وعلو الهمة والعافية، ~~وقال تعالى: { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } [النساء: ~~2] تزكية عن آفة الخيانة والمكر والخديعة، وتحليته بالأمانة والديانة ~~وسلامة الصدور، وقال تعالى: { ولا تأكلوا أموالهم إلى ~~أموالكم } [النساء: 2] تزكية عن الجور والحين والظلم وتحليته ~~بالعدل والإنصاف، فإن اجتماع هذه الرذائل في نفس الأمر { إنه كان ~~حوبا كبيرا } [النساء: 2]، حجابا عظيما. # وقال تعالى: { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ~~فانكحوا ما طاب لكم من النسآء مثنى وثلث ~~وربع } [النساء: 3] تزكية عن الزنا والفواحش التي تتعلق بالشهوة، ~~وتحليته بالعفة والإحصان، وقال تعالى: { فإن خفتم ألا ~~تعدلوا فوحدة أو ما ملكت أيمنكم ذلك ~~أدنى ألا تعولوا } [النساء: 3]. # { وءاتوا النسآء صدقتهن نحلة فإن طبن } ~~[النساء: 4] تزكية عن الحدة والغضب وسوء الخلق، وتحليته بالوفاق والسخاء ~~والفتوة، وقال تعالى: { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ~~فكلوه هنيئا مريئا } [النساء: 4] تزكية عن الكبر والأنفة، ~~وتحليته بالتواضع والخشوع، والرحمة والشفقة واللين، في الحقيقة هذه كلها ~~إشارة إلى تربية ينافي القلوب والنفوس بإيتاء حقوق تزكيتهم عن هذه ~~الأوصاف، وتحليتهم بهذه الأخلاق؛ لتحقق الامتثال بأمر تخلقوا بأخلاق ~~الله، والله أعلم. # ثم أخبر عن صيانة هذه الأخلاق من التفريط والإفراط بقوله تعالى: { ولا ~~تؤتوا السفهآء أموالكم التي جعل الله لكم ~~قيما وارزقوهم فيها واكسوهم } [النساء: 5]، إشارة في ~~هذه الآيتين: إن الله تعالى جعل المال قياما لمصالح دين العباد ودنياهم، ~~فإن العاقل منهم من يجعله قياما لمصالح دينه ولمصالح دنياه بقدر حاجته ~~للضرورة إليه، ms0363 والسفيه من جعله قياما لمصالح دنياه ما أمكنه فهو المنهي ~~عنه، وإن تؤتوا إليه أموالكم كائنا من كان، وإنما قال: { أموالكم ~~} [النساء: 5]، وما قال أموالهم؛ لأن الخطاب مع العقلاء الصلحاء ~~الأتقياء، وقد أضاف المال إليهم؛ لأنه تعالى خلق الدنيا وما فيها لهم ~~قياما لمصلح دينهم، كما قال تعالى: # خلق لكم ما في الأرض جميعا # [البقرة: 29]، وقال تعالى: # أن الأرض يرثها عبادي الصالحون # [الأنبياء: 105]، وأسفه السفهاء من جعلها في مفاسد دينه ودنياه؛ وهي ~~النفس الأمارة بالسوء، وإنما هي أعدى عدوك؛ لأنها أسفه السفهاء، وكل ما ~~أنفق الرجل نفسه بهواها ففيه مفاسد دينه ودنياه، إلا المستثني منه، كما ~~أشار إليه تعالى بقوله: { ولا تؤتوا } [النساء: 5]، { ~~أموالكم } [النساء: 5]؛ أي: جعل الله لكم قياما { وارزقوهم ~~فيها } [النساء: 5]؛ يعني: ما يسد به جوع النفس، { واكسوهم } ~~[النساء: 5]؛ يعني: ما يستر عورتها، فإن ما زاد على هذا يكون إسرافا في ~~حق النفس، والإسراف منهي عنه، { وقولوا لهم قولا معروفا } ~~[النساء: 5]، قول المعروف مع النفس أن يقول لها: أكلت رزقها ونعمت، فأدى ~~شكر نعمته بامتثال أوامره ونواهيه وأذيبي طعامك بذكر الله، كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " أذيبوا طعامكم بذكر الله ". ### || [4.6-9] # والإشارة في قوله تعالى: { وابتلوا اليتامى حتى إذا ~~بلغوا النكاح } [النساء: 6]؛ أي: قلوب السائرين إلى الله تعالى، ~~حتى إذا بلغوا مبلغ الرجال الكاملين البالغين، وابتلاهم بأدنى توسع في ~~المعيشة بعد ما كانوا محجوبين عن التصرف مدة مديدة، { فإن آنستم ~~منهم رشدا } [النساء: 6]، بأن استمدوا بذلك على دينهم وزادوا في ~~اجتهادهم وجدهم في الطلب، وكان كما قال الجنيد: أشبع الزنجي وكده، { ~~فادفعوا إليهم أموالهم } [النساء: 6]، وهاهنا أضاف المال ~~إليهم لما بلغوا حد الرجال الذين يكون المال لهم، فلا يكونون في المال ~~كالسفهاء، فالعبد في هذا المقام يكون جائز التصرف في ممالك سيده كالعبد ~~المأذون، وفي قوله تعالى: { ولا تأكلوهآ إسرافا وبدارا } ~~[النساء: 6]، الإشارة في الخطاب إلى تربيتهم من المشايخ فإنهم أولياء ~~أطفال الطريقة وأوصياؤهم؛ يعني: فإن أنستم من المريدين البالغين رشد ~~التصرف في أصحاب الإرادة وأرباب الطلب، ms0364 فأوقعوا إليهم عنان التصرف بإجازة ~~الشيخوخة ولا تمنعوهم مقام الشيخوخة إسرافا وبدارا، غيرة وغبطة على ~~المريدين، { أن يكبروا } [النساء: 6] بالشيخوخة فتكسد أسواقهم، { ~~ومن كان غنيا } [النساء: 6] بالله من قوة الولاية ستظهر بالعناية ~~{ فليستعفف } [النساء: 6] عن أمثال هذه الغيرة والغبطة، { ومن ~~كان فقيرا } [النساء: 6]، يفتقر بولاية المريد والانتفاع به في ~~الصحبة { فليأكل بالمعروف } [النساء: 6]؛ أي: ينتفع به بأن ~~يجيز له بالشيخوخة لا يغار عليه ويمده بالظاهر والباطن، وبإيمانه يتوسل ~~إلى الله تعالى، فإن الله يكون في عون العبد ما دام في عون أخيه، وقال ~~تعالى: # وابتغوا إليه الوسيلة # [المائدة: 35]، { فإذا دفعتم إليهم أموالهم } ~~[النساء: 6] مقام الشيخوخة، { فأشهدوا عليهم } [النساء: 6] ~~الله ورسوله وأرواح المشايخ، وأوصوهم بشرائط الشيخوخة ورعاية حقوقها مع ~~الله والخلق وأنفسهم، { وكفى بالله حسيبا } [النساء: 6]، ~~مكافيا ومجازيا لكم بحسن صنائعكم، ومحاسبا لهم فيما يراقبون الله ~~تعالى في حفظ حدوده، ويراعون الخلق بأداء حقوقهم وترك حظوظ أنفسهم. # ثم أخبر عن نصيب كل نسيب بقوله تعالى: { للرجال نصيب مما ~~ترك الوالدان والأقربون } [النساء: 7]، إشارة في الآيتين: ~~إن للرجال وهم أقوياء الطلبة والسلاك نصيب بقدر صدقهم في الطلب، ~~ورجوليتهم في الاجتهاد، { مما ترك الوالدان والأقربون ~~} [النساء: 7]؛ وهم المشايخ والإخوان في الله والأعوان على الطلب، وتركهم ~~سيرتهم في الدين وأنوار همتهم العلية، ومواهب ولايتهم السنية، { ~~وللنسآء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون } ~~[النساء: 7]؛ يعني ضعفاء القوم، { مما قل منه أو كثر ~~نصيبا مفروضا } [النساء: 7]؛ أي: قدرا معلوما على قدر وفق صدق ~~التجائهم وجدهم في الطلب، وحسن استعدادهم لقبول فيض الولاية، وهذا حال ~~المجتهدين الذين هم ورثة المشايخ، كما أنهم ورثة الأنبياء، فأما المنتهون ~~إلى ولايتهم بالإرادة وحسن الظن، والمقتبسون من أنوارهم والمقتفون على ~~آثارهم، والمتشبهون بربهم والمتبركون بهم على تفاوت درجاتهم فهو بمثابة { ~~أولوا القربى واليتامى والمساكين } [النساء: 8] إذا ~~حضروا القسمة عند محافل صحبتهم ومجامع سماعهم ومجالس ذكرهم، فإنها مقاسم ~~خيراتهم وبركاتهم، { فارزقوهم منه } [النساء: 8]؛ أي: من مواهب ~~ولايتهم، وآثار هدايتهم، وأعطاف رعايتهم، { وقولوا لهم قولا ~~معروفا } [النساء: 8] في التشويق وإرشاد الطريق والحث على الطلب ms0365 ~~والتوجه إلى الحق؛ والإعراض عن الدنيا وتقرير هوانها على الله وخسارة ~~أهلها، وعزة أهل الله في الدارين وكمال سعادتهم في المنزلتين. # { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا } [النساء: 9] من مبتدئ المريدين ومتوسطهم، { خافوا ~~عليهم } [النساء: 9] آفات المفارقة، إما سرف وإما توان { ~~فليتقوا الله } [النساء: 9]؛ أي: يوصونهم بالتقوى فإن التقوى ~~جماع كل خير، { وليقولوا } [النساء: 9]؛ أي: يأمرونهم؛ ليقولوا { ~~قولا سديدا } [النساء: 9]؛ وهو كلمة لا إله إلا الله؛ والمعنى: ~~أنهم يأمرون بملازمة التقوى ومداومة الذكر، فإنهما الخطوتان اللتان ~~توصلان العبد إلى الله تعالى. ### || [4.10-12] # وفي قوله تعالى: { إن الذين يأكلون أموال اليتمى ~~ظلما } [النساء: 10]، إشارة إلى الذين يضيعون أطفال الطريقة ولا ~~يراعون حقوقهم بالنصيحة والوصية والإرشاد إلى سبيل الرشاد، ويحرمونهم عن ~~مشارب ولايتهم تقصيرا أو تهاونا { إنما يأكلون في ~~بطونهم نارا } [النساء: 10]؛ لحسرة تحسرا وتغابنا، { ~~وسيصلون سعيرا } [النساء: 10] آفة التقصير، إذ في أداء حقوقهم ~~غرامة ولا ينفعهم الندامة. # ثم أخبر عن وصاية أهل الولاية بقوله تعالى: { يوصيكم الله في ~~أولدكم } [النساء: 11]، إشارة في الآيات: إن المشايخ للمريدين ~~بمثابة الآباء للأولاد، فإن الشيخ في قومه كالنبي في أمته على ما قاله ~~صلى الله عليه وسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " أنا لكم كالوالد لولده " # ، ففي قوله تعالى: { يوصيكم الله في أولدكم للذكر ~~مثل حظ الأنثيين } ، الآيات كلها إشارات إلى وصايا المشايخ ~~والمريدين ووارثتهم في قرابة الدين، كقوله تعالى: # أولئك هم الوارثون # [المؤمنون: 10]، فكما أن الوراثة الدنيوية بوجهين: بالسبب والنسب، فلذلك ~~الوراثة الدينية بوجهين: إما السبب فهو الإرادة ولبس خرقتهم، والتبرك ~~بزيهم للتشبه بهم، وأما النسب فهو الصحبة معهم بالتسليم للتصرفات ولايتهم ~~ظاهرا وباطنا بصدق النية وصفاء الطوية، مستسلما لأحكام التسليك ~~والتربية، يتولد السالك بالغشاوة الثانية، فإن الولادة تنقسم على: # النشأة الأولى: وهي ولادة جسمانية، بأن يتولد المؤمن من رحم الأم إلى ~~عالم الشهادة وهو الملك، والنشأة الثانية: وهي ولادة روحانية، بأن يتولد ~~السالك من رحم القلب إلى عالم الغيب وهو الملكوت. # كما حكي النبي صلى الله عليه وسلم عن عيسى ms0366 عليه السلام أنه قال: # " لم يلج ملكوت السماوات والأرض ما لم يولد مرتين " # ، فالشيخ هو الأب الروحاني، والمريدون المتولدون من صلب ولايتهم الأولاد ~~الروحانيون، وهم فيما بينهم # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض # [الأنفال: 75]، لقوله: # إنما المؤمنون إخوة # [الحجرات: 10]، وقال صلى الله عليه وسلم: # " الأنبياء أخوة من علات، وأمهاتهم شتى ودينهم واحد " # ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: # " كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبي " # ؛ لأن نسبه كان بالدين، كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم من آلك؟ قال: # " إلى كل مؤمن تقي " # ، وإنما يتوارثون أهل الدين على قدر تعلقاتهم السببية والنسبية، ~~والذكورة والأنوثة في الجد والاجتهاد وحسن الاستعداد، وإنما موازينهم ~~العلوم الدينية واللدنية، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " العلماء ورثة الأنبياء، لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا ~~العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر " # ، وقال موسى للخضر - عليهما السلام -: # هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا # [الكهف: 66]. ### || [4.13-16] # وفي قوله تعالى: { تلك حدود الله } إشارة إلى: إن تلك الوراثة ~~والأنصباء حدود حدها الله لورثة الدين على قدر تعارف أرواحهم في عالم ~~الأرواح، وعلى نسبته مناسبا في القرابة النسبية والسببية، كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف ". # { ومن يطع الله ورسوله } [النساء: 13] فقد حق نسبته في ~~الدين، { يدخله } [النساء: 13] نسبه، { جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها } [النساء: 13] على قدر ~~استحقاقه في الوراثة المحققة بالطاعة؛ لأنه من الوارثين # الذين يرثون الفردوس # [المؤمنون: 11]، { وذلك } [النساء: 13] الوراثة والميراث، { ~~الفوز العظيم } [النساء: 13]. # { ومن يعص الله ورسوله } [النساء: 14] فقد حق إبطال نسبته ~~في الدين، { ويتعد حدوده } [النساء: 14] في الوراثة بقرابة ~~الدين عصيانه ويعذبه { يدخله نارا } [النساء: 14]؛ أي: نار ~~القطيعة والحرمان على قدر استحقاقه في المعصية والتعدي، { خالدا ~~فيها وله عذاب مهين } [النساء: 14] من هذا الخلود في نار ~~الحسرة والحرمان، وفوات نعيم الجنان ولقاء الرحمن. # ثم أخبر عن مهاد أهل الفواحش بقوله تعالى: { واللاتي يأتين ~~الفحشة من نسآئكم } [النساء: 15]، إشارة في الآيتين: إن ms0367 ~~اللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم هي النفوس الأمارة بالسوء، والفاحشة: ما ~~حرمته الشريعة من أعمال الظاهر وهي المعاصي، وحرمته الطريقة من أحوال ~~الباطن وهي الركون إلى غير الله تعالى، يدل عليه قوله تعالى: # إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن # [الأعراف: 33]، فما ظهر منها فهو الأعمال، وما بطن منها فهو الأحوال، ~~وقال صلى الله عليه وسلم: # " لسعد غيور وأنا أغير منه والله أغير منا " # ؛ ولهذا حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، { فاستشهدوا ~~عليهن } [النساء: 15]؛ أي: على النفوس بإتيان الفاحشة، { أربعة ~~منكم } [النساء: 15]؛ أي: من خواص العناصر الأربعة التي أنتم منها ~~مركبون وهي: # التراب: ومن خواصه الخسة والركاكة، والذلة والطمع، والمهانة واللوم، ~~والماء: ومن خواصه اللين والعجز والكسل، والأنوثة والخبوثة، والشره في ~~المأكل والمشرب، والهواء: ومن خواصه الحرص والحسد والبخل، والحقد ~~والعداوة، والشهوة والزينة، والنار: ومن خواصها التبختر والتكبر، والفجر ~~والصلف، والغضب والحدة وسوء الخلق وغير ذلك مما يتعلق بالأخلاق الذميمة، ~~ورأسها حب الدنيا والرياسة واستيفاء لذاتها وشهواتها، { فإن شهدوا ~~} [النساء: 15]؛ أي: يظهر بعض هذه الصفات من النفوس، { فأمسكوهن ~~في البيوت } [النساء: 15]، فاحبسوهن في سجن المنع عن التمتعات ~~الدنيوية، فإن الدنيا سجن المؤمن، وأغلقوا عليهن أبواب الحواس الخمس { ~~حتى يتوفاهن الموت } [النساء: 15]؛ أي: تموت النفس إذا ~~انقطع عنها حظوظها دون حقوقها، إلى هذا أشار بقوله صلى الله عليه وسلم: # " موتوا قبل أن تموتوا " # ، { أو يجعل الله لهن سبيلا } [النساء: 15]، بانفتاح ~~روزنة القلوب إلى عالم الغيب، فتهب منها ألطاف الحق وجذبات الإلوهية التي ~~جذبة منها توازي عمل الثقلين. # { واللذان يأتيانها منكم } [النساء: 16]؛ أي: النفس ~~والغالب اللذان يأتيان الفواحش في ظاهر الأفعال والأعمال، وباطن الأحوال ~~والأخلاق { فآذوهما } [النساء: 16]، ظاهرا بالحدود، وباطنا بترك ~~الحظوظ وكثرة الرياضات والمجاهدات، { فإن تابا } [النساء: 16] ظاهرا ~~وباطنا، { وأصلحا } [النساء: 16] كذلك { فأعرضوا عنهمآ } ~~[النساء: 16] باللطف بعد العنف، وبالرفق بعد الخرق، وباليسر بعد العسر، # فإن مع العسر يسرا # [الشرح: 5]، { إن الله كان توابا } [النساء: 16]، لمن تاب، ~~{ رحيما } [النساء: 16] لمن أصلح. ### || [4.17-19] # ثم أخبر عن التوبة والثواب، والتأيب الآيب ms0368 إلى الباب بقوله تعالى: { ~~إنما التوبة على الله } [النساء: 17]، إشارة في الآيتين: ~~إنما التوبة على الله التي أوجب الله تعالى بفضله على ذمة كرمه قبولها، ~~إنما هي توبة { للذين يعملون السوء بجهالة } [النساء: ~~17] فحسب، فإن للنفس الأمارة صفتين: الظلومية والجهولية، والجهولية داخلة ~~في الظلومية؛ لأن الظلومية تقتضي المعصية والإصرار عليها، والإصرار على ~~المعصية يؤدي إلى الشرك، والشرك يميت القلب، ولهذا وصف الله تعالى الشرك ~~بالظلم العظيم وقال: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]، والجهولية تقتضي المعصية فحسب، فالعمل إذا كان مصدره ~~الجهولية فحسب يكون على عقبة التوبة، كما قال تعالى: { ثم يتوبون ~~من قريب } [النساء: 17]، وللقريب هاهنا معنيان: # أحدهما: أن تكون التوبة عقيب المعصية فيقبلها الله فيمحوها بها، كما قيل ~~في قوله تعالى: # إن الحسنات يذهبن السيئات # [هود: 114] والحسنات: هي التوبة عقبيها في قوله صلى الله عليه وسلم: # " اتبع السيئة الحسنة تمحها الحسنة " # ؛ هي التوبة، والمعنى الثاني: من قريب؛ أي: قبل أن يموت القلب بالإصرار، ~~فإن الله لا يقبل التوبة من قلب ميت؛ لأنها تكون باللسان اضطرارية، ~~وبالقلب اختيارية، { فأولئك يتوب الله عليهم } ~~[النساء: 17]؛ يعني: هذا الذي أوجب الله تعالى بفضله على ذمة كرمه قبل ~~خلقهم أن يوفقهم للتوبة، { وكان الله } [النساء: 17] في ذلك ~~التقدير، { عليما } [النساء: 17] بمن يتوب عقيب المعصية، { حكيما } ~~[النساء: 17]، فيما قدر ودبر من الأمور. # { وليست التوبة } [النساء: 18]؛ يعني: المقبولة { للذين ~~يعملون السيئات } [النساء: 18] المصرين عليها من الظلومية، { ~~حتى إذا حضر أحدهم الموت } [النساء: 18]؛ يعني: موت ~~القلب بالإصرار، { قال إني تبت الآن } [النساء: 18]، باللسان ~~اضطرارا، أو يتوب بترك عمل السوء تكلفا، ولا يرجع قلبه إلى الله تعالى، ~~فإن أصل التوبة الرجوع بالكلية إلى الله تعالى ظاهرا وباطنا، { ولا ~~الذين يموتون وهم كفار } [النساء: 18]؛ يعني: ولا يقبل ~~توبة من يموت وقلبه ميت بالكفر، { أولئك أعتدنا لهم } ~~[النساء: 18]؛ أي: قدر قبل خلقهم { عذابا أليما } [النساء: 18]؛ ~~أي: عذاب الكفر في الدنيا وهو مؤلم في الآخرة. # ثم أخبر عن أهل الإيمان، ونهاهم عن عقل النسوان بقوله تعالى: { ~~يأيها الذين ءامنوا لا يحل ms0369 لكم أن ترثوا ~~النسآء كرها } [النساء: 19]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى أرشد ~~بقوله: { يأيها الذين ءامنوا لا يحل لكم أن ~~ترثوا النسآء كرها } [النساء: 19]، إلى أن هذه المعاملات من ~~عضل النسوان، ومنعهن من الزواج طمعا في ميراثهن، أو إضرارهن ليفتدين ~~منكم، { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض مآ ~~ءاتيتموهن } [النساء: 19]؛ لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن من المهور، ~~أو تأخذون ما أعطيتموهن من المهر ولو كان قنطارا، { إلا أن ~~يأتين بفحشة مبينة } [النساء: 19]. # ثم أرشدهم إلى سبيل المؤمنين وأخلاق الموحدين بقوله تعالى: { ~~وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن ~~تكرهوا شيئا } [النساء: 19]، وتصبروا عليه لله تعالى: { ~~ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } [النساء: 19] في الدنيا ~~والآخرة، فإن الخير الكثير ما يكون باقيا ولا يكون الفاني إلا قليلا. ### || [4.20-21] # { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم ~~إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ~~أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا } [النساء: 20]، { ~~وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ~~وأخذن منكم ميثقا غليظا } [النساء: 21] في رعاية حقوقهن، ~~هذه كلها وأمثالها ليست من إمارة الإيمان ونتائجه وثمراته؛ لأن المؤمن ~~أخو المؤمن لا يظلمه ولا يشتمه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " الدين النصيحة " # ، وقد صرح بنفي الإيمان عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه بقوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من غشنا فليس منا ". ### || [4.22-23] # ثم أرشدهم إلى سبيل المؤمنين وأخلاق الموحدين بقوله تعالى: { ولا ~~تنكحوا ما نكح ءابآؤكم من النسآء } [النساء: 22]، ~~إشارة في الآيتين: أن الله تعالى أراد أن يطهر نفس المؤمن بأن ينفي عنها ~~موجبات المقت وسوء السبيل؛ وهي الفواحش استطابة للجوهر الآني، واستنارة ~~للنور الرباني؛ لأنه خلق لحمل أعباء أمانة المعرفة بحبل المحبة، ولا سبيل ~~إلى المعرفة إلا بالوصول إلى المعروف، ولا يمكن التحلية بالوصول إلى بعد ~~التزكية عن مانع الوصول وهي لوث أوصاف الوجود، # " فإن الله طيب لا يقبل إلا الطيب " # ، ولذلك نهاهم عن نكاح المحارم، { ولا تنكحوا ما نكح ~~ءابآؤكم من النسآء إلا ما قد سلف إنه ms0370 كان ~~فاحشة ومقتا وسآء سبيلا } [النساء: 22]. # وفيه إشارة أخرى وهي: أن العلويات وهي الآباء، والسفليات وهي الأمهات، ~~وبازدواجهما خلق الله تعالى المتولدات منهما فيما بينهما، ففي قوله ~~تعالى: { ولا تنكحوا ما نكح ءابآؤكم من النسآء } ~~[النساء: 22]، إشارة إلى نهي التعلق والتصرف في السفليات التي هي الأمهات ~~المتصرفة فيها آباءكم العلوية، { إلا ما قد سلف } [النساء: 22] ~~من التدبير الإلهي، وازدواج الأرواح والأشباح بالحاجات الضروريات ~~الإنساني منشئته منه، { إنه كان فاحشة ومقتا وسآء ~~سبيلا } [النساء: 22]؛ يعني: التصرف في السفليات والتعلق بها والركون ~~إليها، مما يلوث الجوهر النوراني بلوث الصفات الحيوانية ويجعله سفلي ~~الطبع بعيدا عن الحضرة، محبا للدنيا ناسيا للموت ممقوتا للحق، { ~~وسآء سبيلا } [النساء: 22] إلى الهداية بالضلالة. # { حرمت عليكم } [النساء: 23]، الآية فيها كلها إشارات إلى نهي ~~التعلق ومنع التصرف في الأمهات السفليات، والمتولدات من أوصاف الإنسان ~~وصفات الحيوان وأخلاق السوء، وترك الشهوات الدنيوية واللذات الحيوانية ~~والتمتعات الجسمانية، والاجتناب عن المكائد الشيطانية، والإيذاءات ~~السبعية، فإن تزكية النفس بالاحتراز عن هذه الآفات والمتعلقات، وتصفية ~~القلب منها موجبة للتحلية بالأخلاق الروحانية والأوصاف الربانية، { إن ~~الله كان غفورا } [النساء: 23] يستر بأنوار غفرانه ظلمات الصفات ~~الإنسانية، التي تتولد من تعرفات الحواس في المحسوسات عند الضرورات ~~بالأمر لا بالطبع، { رحيما } [النساء: 23] فيما اضطرهم من التصرفات ~~بقدر الحاجة. الضرورية. ### || [4.24] # { والمحصنت من النسآء } [النساء: 24]، إشارة في الآية: إن ~~الله تعالى حرم المحصنات من النساء وهن: ذوات الأزواج على الرجال؛ عفة ~~للحصانة وصحة النسب ونزاهة لعرض الرجال عن خسة الاشتراك في الفراش علو ~~الهمة، فإن الله يحب معالي الأمور ويبغض سفاسفها، وقال تعالى: { إلا ~~ما ملكت أيمنكم } [النساء: 24]؛ يعني: ما ملكتم بالقوة ~~والغلبة على أزواجهن من الكفار، واقتطاعهن من حيز الاشتراك وإفساد نسب ~~الأولاد وتخليطه، ولهذا أوجب الشرع فيها الاستبراء بحيضة { كتب ~~الله عليكم } [النساء: 24]؛ أي: كتب الله في الأزل الاجتماع بهن ~~بعد قضاء أوطار أزواجهن منهن، كقوله تعالى: # كان ذلك في الكتاب مسطورا # [الإسراء: 58]، أو كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم مع زينب - رضي ~~الله عنها ms0371 - قال الله تعالى: # فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها # [الأحزاب: 37]، وفيه إشارة أخرى وهي: إن قد قدرنا أن في قوله تعالى: # ولا تنكحوا ما نكح ءابآؤكم من النسآء # [النساء: 22]، إشارة إلى نهي التعلق والتصرف في السفليات التي هي ~~الأمهات المتصرفة فيها آباؤكم العلوية، فهي في الحقيقة الدنيا وما يتعلق ~~بها، { والمحصنت من النسآء } [النساء: 24]؛ وهي الدنيا ~~بهذه المناسبة معطوفة عليها، لا تتعلقوا وتتصرفوا في شيء من الدنيا وهي ~~محصنة بملكية الغير، { إلا ما ملكت أيمنكم } [النساء: 24] ~~منها بطريق صالح، { كتب الله عليكم } [النساء: 24]؛ أي: لما ~~كتب الله عليكم التصرف فيها، كقوله تعالى: # وكلوا واشربوا ولا تسرفوا # [الأعراف: 31]؛ أي: كلوا وأشربوا بقدر الحاجة لقوام القالب إقامة لأداء ~~الواجب عليكم، ولا تسرفوا بالإكثار وتتبع الشهوات الحيوانية، فتأكلوا كما ~~تأكل الأنعام والنار مثوى لكم، بل تصرفوا فيها بقدر تحصيل النفقة الواجبة ~~عليكم للعيال. # { وأحل لكم ما وراء ذلكم } [النساء: 24]؛ أي: ما وراء ~~الذي أحصن بملكية الغير يتعلق حقه ونظره وهمته فإنه بقطعكم عن الحق، { ~~أن تبتغوا بأمولكم } [النساء: 24]؛ أي: لتبتغوا بمالكم { ~~محصنين } [النساء: 24]؛ يعني: حرائر من الدنيا وما فيها، { غير ~~مسفحين } [النساء: 24] في الطلب؛ معناه: لا تبذلوا أنفسكم عند ~~الخلق بطلب الشهوات، ولا تسفحون مياه وجوهكم عند الله تعالى؛ لنيل ~~المرادات الإنسانية واستيفاء اللذات الحيوانية، { فما استمتعتم ~~به منهن } [النساء: 24]؛ أي: من ضرورات الخلق من الدنيا مأكولا ~~ومشروبا وملبوسا ومنكوحا على هذا الوجه، { فآتوهن أجورهن ~~فريضة } [النساء: 24]؛ أي: قاطعوا حقوق تلك الحظوظ بالطاعة والشكر ~~والذكر، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " أذيبوا طعامكم بذكر الله " # ، { ولا جناح عليكم فيما ترضيتم به من بعد ~~الفريضة } [النساء: 24]؛ أي: فيما تفتدون أنفسكم من المجاهدات ~~والرياضة، واحتمال الأذى في الله تقربا إلى الله تعالى من بعد أداء ما ~~فرض الله عليكم، { إن الله كان عليما } [النساء: 24] بنياتكم ~~وقصوركم، { حكيما } [النساء: 24] فيما يهديكم إلى مطلوبكم ومقصودكم. ### || [4.25] # ثم أخبر عمن لم يستطع بقوله تعالى: { ومن لم يستطع منكم ~~طولا أن ينكح } [النساء: 25]، إشارة في الآية: إن الله تعالى ms0372 كما ~~أحب نزاهة فراش المؤمن عن دنس السفاح، قد أحب نزاهته عن خسة النفس عند ~~القدرة على نكاح الحرائر، ثم رخص برحمته في نكاح الإماء عند عدم ~~الاستطاعة، فقال تعالى: { ومن لم يستطع منكم طولا أن ~~ينكح المحصنت المؤمنت فمن ما ملكت ~~أيمنكم من فتيتكم المؤمنت } [النساء: 25]، وشرط ~~فيه الإيمان، ولم يجز أن يكون فراش المؤمن ملوثا بتلوث الشرك، والأمة ~~جميعا ورخص عند الضرورة بانفرادهما توسعا ورحمة، فيجوز نكاح الكتابية ~~المشركة، ويجوز نكاح الأمة المؤمنة، وفيه إشارة أخرى وهي: إن الله تعالى ~~أحب نزاهة قلب المؤمن عن دنس حب الدنيا، كما أحب نزاهة فراشه فقال: { ~~ومن لم يستطع منكم طولا } [النساء: 25]؛ أي: قدرة أن ~~ينكح المحصنات المؤمنات، أن يسخر عجوز الدنيا الصالحة بأسرها ويجعلها ~~منكوحة له، ويحصنها بتصرف شرائع الإسلام والإيمان، بحيث لا يكون لها تصرف ~~في قلبه بوجه ما، { فمن ما ملكت أيمنكم } [النساء: 25]؛ ~~أي: فيتصرف في القدر الذي ملكت يمين قلبه من الدنيا، فلا يملك قلبه، { ~~من فتيتكم المؤمنت } [النساء: 25]؛ أي: إذا كانت الدنيا ~~له أمة مأمورة بخدمته وهي مؤمنة له بالخدمة، كما قال صلى الله عليه وسلم ~~حكاية عن الله: # " يا دنيا: أخدمي من خدمني، واستخدمي من خدمك ". # { والله أعلم بإيمنكم } [النساء: 25]، بمراتب إيمانكم ~~وضعفكم في الإيمان { بعضكم من بعض } [النساء: 25] في الضعف، ~~فإنه خلق الإنسان ضعيفا { فانكحوهن بإذن أهلهن } ~~[النساء: 25]؛ أي: فليتصرف في الدنيا وزهراتها بإذن سيدها، { وآتوهن ~~أجورهن بالمعروف } [النساء: 25]؛ اي: أدوا حقوقها إلى الله ~~تعالى بالشكر وصرفها في رضا الله تعالى، وإلى الخلق بالشفقة في الإنفاق ~~عليهم، وصلة رحم الأخوة في الله من غير منته ورياءه، { محصنت } ~~[النساء: 25] بإحصان الصدق والإخلاص، { غير مسفحت } [النساء: ~~25] بالتبذير والإسراف، { ولا متخذت أخدان } [النساء: 25]؛ ~~يعني: إن يتخذوا الدنيا خدن النفس والهوى، ويحسبوها حب الأخدان، { ~~فإذآ أحصن } [النساء: 25]؛ يعني: إذا أحصنت دنياكم بإحصان الصدق، ~~{ فإن أتين بفحشة } [النساء: 25]، وأتت الدنيا وزهراتها ~~بفاحشة وهي غلبات شهواتها على القلب، { فعليهن نصف ما على ~~المحصنت من العذاب } [النساء: 25]؛ يعني: ببذل نصف ما ms0373 ملكت ~~يمينه من الدنيا في الله جناية وعزامة لما أظهر في الفاحشة، فإنه نصف ما ~~على المحصنات في أول الآية، عبر عنها بمنكوحة ذي الطول المستطيع وهي ~~الحسرة، وقلنا هي عجوز الدنيا، وكما أن حد الحرة المحصنة في إتيان ~~الفاحشة إهلاكها بالرحم، وحد الأمة المحصنة نصف ما على المحصنات، فكذلك ~~حد عجوز الدنيا إذا أحصنها ذو الطول من الرجال فإن أتت بفاحشة أهلكها ~~بالكلية في الله كما كان حال أبي بكر رضي الله عنه، وحد الأمة المحصنة ~~من الدنيا هلاك نصفها كما كان حال عمر رضي الله عنه، والذي يؤكد هذا ~~التأويل حال سليمان عليه السلام # إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد # [ص: 31]، فلما شغلته عن الصلاة وأتت بفاحشة حب الخيل، # فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى ~~توارت بالحجاب # [ص: 32]، رأى أن جدها بإهلاك كلها، فقال: # ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق # [ص: 33]، { ذلك } [النساء: 25]؛ يعني: التصرف في قدر من الدنيا، { ~~لمن خشي العنت منكم } [النساء: 25]؛ أي: لمن يخاف عن ضعف ~~النفس وقلة صبرها على المجاهدة وترك الدنيا بالكلية، فتأبى نفسه عن قبول ~~الأوامر والنواهي، وتظهر إمارتها بالسوء فتهلك، { وأن تصبروا } ~~[النساء: 25]؛ يعني: عن التصرف في الدنيا بتركها، { خير لكم } ~~[النساء: 25]، كما قال صلى الله عليه وسلم: " يا طلاب الدنيا لتبروا بها ~~" ، تركها أبر وأبر، { والله غفور رحيم } [النساء: 25]؛ يعني: ~~لمن يتصرف في الدنيا بشرائطها التي مر ذكرها، يغفر ذلاته ويرحم عليه ~~بالحفظ من آفتها. ### || [4.26-28] # ثم أخبر عن مراده لعباده بقوله تعالى: { يريد الله ليبين ~~لكم } [النساء: 26]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى أنعم على هذه ~~الأمة بإرادة أشياء بهم: # أولها: التبيين بقوله تعالى: { يريد الله ليبين لكم } ~~[النساء: 26]؛ وهو أن يبين لهم الصراط المستقيم إلى الله. # وثانيها: الهداية بقوله تعالى: { ويهديكم سنن الذين من ~~قبلكم } [النساء: 26]؛ يعني: من الأنبياء والأولياء، وهو أن يهديهم ~~إلى صراط المستقيم بالعيان بعد البيان، وثالثها: التوبة عليهم بقوله ~~تعالى: { ويتوب عليكم والله عليم حكيم } [النساء: ~~26]، { والله يريد أن يتوب عليكم ms0374 ويريد الذين ~~يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما } [النساء: ~~27]، { يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ~~ضعيفا } [النساء: 28]؛ وهي أن يرجع بهم إلى حضرته على صراط الله ~~تعالى، ورابعها: التخفيف عنهم بقوله تعالى: { يريد الله أن ~~يخفف عنكم } [النساء: 28]؛ وهي أن يوصلكم إلى حضرته بالمعونة ~~ويخفف عنكم المؤنة، وهذا مما اختص به نبينا صلى الله عليه وسلم وأمته ~~لوجهين: # أحدهما: إن الله تعالى أخبر عن ذهاب إبراهيم عليه السلام إلى حضرته ~~باجتهاده، وهو المؤنة، وقال تعالى: # ولما جآء موسى لميقاتنا # [الأعراف: 143]، وأخبر تعالى عن آل نبينا صلى الله عليه وسلم: # سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصا # [الإسراء: 1] الذي هو المعونة فخفف عنهم المؤنة. # وأخبر عن حال هذه الأمة بقوله تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53]، وهذا أيضا بالمعونة وهي جذبات العناية، فقال صلى الله عليه ~~وسلم: # " جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين " # ، وقوله: # يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية # [الفجر: 27-28]، هو أيضا جذبة العناية، فافهم جيدا. # والوجه الثاني: إن النبي صلى الله عليه وسلم وأمته مخصوصون بالوصول ~~والوصال مخففون عنهم كلفة الفراق والانقطاع، فأما النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقد حصن بالوصال إلى مقام # فكان قاب قوسين أو أدنى # [النجم: 9] # ولقد رآه نزلة أخرى # [النجم: 13]، وبقوله: # ما كذب الفؤاد ما رأى # [النجم: 11]، وانقطع سائر الأنبياء - عليهم السلام - في السماوات السبع. # كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة الإسراء قال: # " رأيت آدم في سماء الدنيا، إلى أن قال: رأيت إبراهيم في السماء السابعة ~~" # ، فعبر عنهم جميعا إلى كمال القرب والوصول، وأما الأمة فقال تعالى في ~~حقهم: # " من تقرب إلي شبرا، تقربت إليه ذراعا " # ، وقال تعالى: # " لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته، كنت له ~~سمعا وبصرا " # ، وهذا هو حقيقة الوصول والوصال، ولكن الفرق بين النبي والولي في ذلك: ~~إن النبي مستقل بنفسه في السير إلى الله، ويكون خطه من كمل ms0375 مقام بحسب ~~استعداده الكامل، والولي لا يمكنه السير إلى الله إلا في متابعة النبي ~~صلى الله عليه وسلم تسليكه في سبيل # أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني # [يوسف: 108]، ويكون خطه من المقامات بحسب استعداده، فافهم جيدا. # ثم في قوله تعالى: { وخلق الإنسان ضعيفا } [النساء: 28]، على ~~عقيب هذه البشارات والإشارات، إشارات أنه لو لم يكن جذبات العناية ~~الأزلية في حق الإنسان لما وصل سير خشيته إلى سرادقات جلال صمديته، ولو ~~قدر لواحد قوة سير الثقلين إلى الأبد، وهذا أحد معاني قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " جذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين " # ، وإن المجذوب يصل بقوة جذبة من جذبات الحق إلى مقام لا يصل إليه ~~الثقلان بسعيهم؛ لأن الإنسان خلق ضعيفا وغيره أضعف منه، فإن ضعف الإنسان ~~إنما هو بالنسبة إلى قوة جلال الله وكماله، وإنه أقوى من السماوات والأرض ~~والجبال وأهاليها في حمل الأمانة المعروضة عليهن كلهن، # فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها ~~الإنسان # [الأحزاب: 72]، فافهم جيدا. # ثانيها: # إن الإنسان خلق هلوعا # [المعارج: 19] ضعيفا لا يصير على الله لحظة فيما يكون على الفطرة ~~الإنسانية، # فطرت الله التي فطر الناس عليها # [الروم: 30]، فإنه # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]، وقال شاعرهم: # إذا لعب الرجال بكل شيء # رأيت الحب يلعب بالرجال # والصبر في سائر الأشياء محمود، وقال لبعضهم: # الصبر يحمد في المواطن كلها # إلا عليك فإنه لا يحمد # وكان يستحي سلطان وقته محب الدين شرف بن يزيد البغدادي - قدس الله روحه ~~- يقول يوما في أثناء مجلسه: إن أبا الحسن الخرقاني - رحمه الله - كان ~~يقول: لو لم ألق نفسا لن أبق، ثم قال: لا يعظم عليكم هذا المقام، فإني ~~رجعت لله بكثير من أصحابي عن هذا المقام. # ثم اعلم أن الإنسان ممدوح بهذا الضعف؛ يعني: أن لا يصبر لضعفه عن الله ~~تعالى فإنه مخصوص عن العالمين بشرف هذا الضعف، فإن من عداه يصبرون عن ~~الله تعالى؛ لعدم اضطرارهم في المحبة، والإنسان مخصوص بالمحبة بدليل # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]. # وثالثها: إن الإنسان مع اختصاصه بقوة حمل ms0376 الأمانة وانجذابه العناية خلق ~~ضعفا عند سطوات تجلي الصفات ومن صفات الله تعالى، ألم تر كيف كان حال ~~موسى عليه السلام # فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى ~~صعقا # [الأعراف: 143]. # ورابعها: إن الصبر عن الله وإن كان شديدا، فالصبر مع الله أشد وأشد؛ ~~لأن الإنسان خلق ضعيفا، ونقصان هذا الضعف فيه بكمال قوة سطوة تجلي ربه، ~~ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يغان على قلبه؛ لضعف خلقته، فكان عند ~~استغراق الشهود وغلبات الأحوال يقول: # " كلميني يا حميراء " # ، أو كان النبي يقول: # " لا معك قرار ولا منك فرار المستعان منك بك إليك ". # واعلم أن الضعف مخصوص بالإنسان وهو سبب كماله وسعادته، وسبب نقصانه ~~وشقاوته، يتغير من ضعفه من حال إلى حال ومن صفة إلى أخرى، فيكون ساعة ~~بصفة بهيمية يأكل ويشرب ويجامع، ويكون ساعة أخرى بصفة ملك يسبح بحمد ربه ~~ويقدس له، ويفعل ما يؤمر ولا يعصي فيما نهاه عنه، وهذه التغيرات من نتائج ~~ضعفه، وليس هذا الاستعداد لغيره، حتى الملك لا يقدر أن يتصف بصفات ~~البهيمية، والبهيمية لا تقدر أن تتصف بصفات الملك؛ لعدم ضعف الإنسانية، ~~وإنما خص الإنسان بهذا الضعف لاستكماله بالتخلق بأخلاق الله واتصافه ~~بصفات الله تعالى، كما جاء في الحديث الرباني: " أنا ملك حي لا يموت ~~أبدا، عبدي أطعني أجعلك حيا ملكا لا تموت أبدا " ، فعند هذا الكمال ~~يكون خير البرية، وعند اتصافه بصفات البهيمية يصير شر البرية، فافهم ~~جيدا. ### || [4.29-30] # ثم أخبر عن ما يفسد حاله ونهاه بقوله تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا لا تأكلوا أمولكم بينكم بالبطل } ~~[النساء: 29]، إشارة في الآية: من خصائص الإيمان { لا تأكلوا ~~أمولكم بينكم بالبطل } [النساء: 29]؛ أي: في غير طلب ~~الحق بالهوى وتتبع الشهوات واستيفاء اللذات، { إلا أن تكون ~~تجرة عن تراض منكم } [النساء: 29]؛ يعني: إلا أن يكون ~~تصرفكم في أموالكم تجارة تنجيكم من عذاب الآخرة، تؤمنون بالله ورسوله ~~وتجاهدون في سبيل الله # بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير ~~لكم إن كنتم تعلمون # [التوبة: 41]، ثم قال تعالى: { ولا تقتلوا ms0377 أنفسكم } ~~[النساء: 29]؛ أي: بصرف أموالكم في هواها وشهواتها، فإنها سمها القاتل ~~المهلك { إن الله كان بكم رحيما } [النساء: 29]، إذ بين ~~لكم هذه الآفات قبل أن تقعوا فيها، ودلكم على هذه التجارات لتربحوا بها ~~السعادات. # { ومن يفعل ذلك } [النساء: 30]؛ أي: يصرف المال بالهوى، { ~~عدوانا } [النساء: 30]؛ أي: يعدوا أمر الله تعالى، { وظلما } ~~[النساء: 30]؛ أي: يظلم على نفسه بمتابعة الهوى، { فسوف نصليه ~~نارا } [النساء: 30] القطيعة، { وكان ذلك } [النساء: 30]؛ أي: ~~حرمانه وقطيعته عن الله تعالى، { على الله يسيرا } [النساء: 30] ~~لا يبالي به. ### || [4.31-32] # ثم أخبر أن الاجتناب عن الكبائر المنهي عنها بقوله تعالى: { إن ~~تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه } [النساء: 31]، يوجب ~~تكفير الصغائر، لقوله تعالى: { نكفر عنكم سيئتكم ~~وندخلكم مدخلا كريما } [النساء: 31]، وعند انتفاء الصغائر ~~والكبائر يمكن الدخول في المدخل الكريم وهو حضرة أكرم الأكرمين، لقوله ~~تعالى: # والطيبات للطيبين # [النور: 26]، وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب " # ، وتفاصيل الكلام مر ذكرها وإن جملتها مندرجة في ثلاثة أشياء: # إحداها: إتباع الهوى، فقد يقع الإنسان به في جملة من الكبائر، مثل: ~~البدعة والضلالة، والارتداد والشبهة، وطلب الشهوات واللذات، والتمتعات ~~وحظوظ الأنفس بترك الصلاة والطاعات كلها، وعقوق الوالدين، وقطع الرحم، ~~وقذف المحصنات وأمثالها، ولهذا قال: # ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله # [ص: 26]، وقال تعالى: # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الجاثية: 23]، وأهله الله على علم. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " ما عبد إله في الأرض أبغض على الله من الهوى ". # وثانيها: حب الدنيا، فإنها مظنة كثيرة من الكبائر مثل: القتل والظلم ~~والغضب، والنهب والسرقة، والربا وأكل مال اليتيم، ومنع الزكاة، وشهادة ~~الزور وكتمانها، واليمين الغموس، والحيف في الوصية وغيرها، واستحلال ~~الحرام ونقض العهد وأمثاله، ولهذا قال تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48]، وقال تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن أكبر الكبائر الإشراك بالله ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " اليسير من الرياء شرك ". # وقال المشايخ: وجودك ذنب، فمن ms0378 تخلص عن ذنب وجوده فلا يرى غير الله، فلا ~~ينشأ منه الشرك ولا حب الدنيا، ومن تخلص من الهوى فيتحقق له الوصول ~~واللقاء، كقوله تعالى: # فمن كان يرجوا لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا # [الكهف: 110]، لعمري أن هذا هو المدخل الكريم، والفوز العظيم، والنعيم ~~المقيم. # ثم أخبر أن نيل هذه المقامات والكرامات ليس بالتمني، بل بالجد والسعي ~~بقوله تعالى: { ولا تتمنوا } [النساء: 32]، إشارة في الآيتين: ~~أن ما فضل الله به بعض الإنسان على بعض من كمالات الدين ومراتب أهل ~~اليقين لا تحصل بمجرد التمني، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " ليس الدين بالتمني " # ، فقال تعالى: { ولا تتمنوا ما فضل الله به ~~بعضكم على بعض } [النساء: 32]، فإنه لا يحصل بالتمني، ولكن { ~~للرجال نصيب مما اكتسبوا } [النساء: 32]؛ أي: الذين # لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله # [النور: 37] والقائمين بأمر الله المجتهدين في طلب الله المعرضين عن غير ~~الله، { نصيب } [النساء: 32] مما جدوا في طلبه واجتهدوا حق الجهاد ~~بالسعي الجميل والصبر الجزيل، يدل عليه قوله تعالى: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف ~~يرى # [النجم: 39-40]، { وللنسآء نصيب } [النساء: 32]؛ أي: من فيه ~~نوع الأنوثة من التواني في الطلب، ودناءة الهمة في المطلوب والمقصود، وهو ~~الذي يطلب من الله غير الله، فلهن نصيب { مما اكتسبن } [النساء: ~~32]، على قدر الهمة في الطلب، كقوله تعالى: # ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها # [الشورى: 20]. # ثم علم عباده حسن السؤال بعلو الهمة بقوله تعالى: { واسألوا ~~الله من فضله } [النساء: 32]، وفيه معنيان: # أحدهما: اسألوه من فضله الخاص الذي # ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء # [الحديد: 21]؛ ليؤتك ويفضلك به على أهل زمانك، وحقيقة الفضل؛ هي المعرفة ~~والعلم اللدني يدل عليه قوله تعالى: # وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك ~~عظيما # [النساء: 113]. # والثاني: { واسألوا الله } [النساء: 32]؛ أي: اسألوه منه ولا ~~تسألوا منه غيره، فإنه يعطيكم من فضله وكرمه، وإن اجتهدتم في الاكتساب ~~وجاهدتم # في الله حق جهاده # [الحج: 78]، ولا يجهدكم كسبكم، فإنه ms0379 بالجهد يهدي إلى سبله، كقوله تعالى: # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # [العنكبوت: 69]، بالفضل يهدي إليه، كما قال تعالى: # يجتبي إليه من يشآء ويهدي إليه من ينيب # [الشورى: 13]، ثم قال تعالى: { إن الله كان } [النساء: 32] في ~~الأزل { بكل شيء } [النساء: 32]؛ أي: من أحوال عباده { عليما } ~~[النساء: 32] يعلم بالعلم القديم الأزلي، فأعطى كل واحد منهم في بدء ~~الخلقة استعدادا لقبول الفيض الإلهي كما يشاء بقوله تعالى: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124]، وكان { عليما } [النساء: 32] بمن يسأل من الله غيره ~~ممن لا يسأل منه إلا هو، فأشار إليهم وخاطبهم على قدر استعدادهم { ~~واسألوا الله } [النساء: 32]. ### || [4.33-34] # ثم قال { ولكل } [النساء: 33] طالب صادق، { جعلنا مولي } ~~[النساء: 33]؛ أي: جعلناه في الأزل مستعدا للوراثة ومستحقها، { مما ~~ترك الولدان والأقربون } [النساء: 33]؛ يعني: مما ترك ~~والده وأقربوه طلبه لعدم الاستعداد والمشيئة، ثم أورثناه فضلا منا ورحمة ~~من عندنا، ثم قال تعالى: { والذين عقدت أيمنكم ~~فآتوهم نصيبهم } [النساء: 33]؛ يعني: الذي جرى بينكم وبينهم عند ~~الأخوة في الله، وأخذتكم بإيمانكم إيمانهم بالإرادة وصدق الالتجاء، ~~وتابوا على أيديكم فأتوهم بالنصح وحسن التربية والاهتمام بهم، والقيام ~~بمصالحهم على شرائط الشيخوخية والتسليك، ثم { نصيبهم } [النساء: ~~33]؛ الذي أودع الله تعالى لهم عندكم بعلمه وحكمته، { إن الله ~~كان على كل شيء } [النساء: 33] من الودائع أينما أودعه لمن ~~أودعه، { شهيدا } [النساء: 33] يشهد عليكم يوم القيامة أن تخونوا في ~~إعطاء ودائعهم بالخيانة، ويسألكم عنها ويشهد لكم بالأمانة، ويجازيكم ~~عليها خير الجزاء. # ثم أخبر عن أحوال الرجال بالفضل والنوال بقوله تعالى: { الرجال ~~قومون على النسآء } [النساء: 34]، إشارة في الآيتين: إن الله ~~تعالى جعل الرجال قوامون على النساء؛ لأن وجودهن تبع لوجودهم وهم الأصول ~~وهن الفروع، فكما أن الشجرة فرع الثمرة فإنها خلقت منها، فكذلك النساء ~~فروع الرجال فإنهن خلقن من ضلع، فلما كان قيام حواء قبل خلقها وهي ضلع ~~بآدم عليه السلام وهو قوام عليها، فكذلك الرجال قوامون على النساء بمصالح ~~أمور دينهن ودنياهن، كقوله تعالى: # قوا أنفسكم وأهليكم نارا # [التحريم: 6]. # ثم قال تعالى: { بما فضل الله ms0380 بعضهم على بعض } ~~[النساء: 34]؛ أي: بما فضل الله الرجال على النساء وهو استعداد الكمالية ~~للخلافة والنبوة، كما قال تعالى: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة: 30]، وما صلحت النساء للخلافة والنبوة، واختص الرجال بهما، ~~فكان وجودهم الأصل ووجودهن تبعا لوجودهم للتوالد والتناسل، قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " كمل من الرجال كثير، وما كمل من النساء إلا آسية بنت مزاحم امرأة ~~فرعون، ومريم بنت عمران، وفضل عائشة - رضي الله عنها - على النساء، كفضل ~~الثريد على سائر الطعام " # ، ومع هذا ما بلغ كمالهن إلى حد يصلحن للخلافة والنبوة، وإنما كان ~~كمالهن بالنسبة إلى النسوة لا إلى الرجال؛ لأنهن بالنسبة إلى الرجال ~~ناقصات عقل ودين، حتى قال صلى الله عليه وسلم في حق عائشة - رضي الله ~~عنها - مع فضلها على سائر النساء: # " خذوا ثلثي دينكم من هذه الحميراء " # ، فهذا بالشبه إلى الرجال نقصان، حيث قال صلى الله عليه وسلم: # " خذوا ثلثي دينكم " # ، ما قال كمال دينكم، ولكن بالنسبة إلى النساء كمال؛ لأنه على قاعدة ~~قوله تعالى: # للذكر مثل حظ الأنثيين # [النساء: 11] يكون حظ النساء من الدين الثلث، فكملتها كان لها الثلثان ~~بمثابة الذكور مثل حظ الأنثيين. # { وبمآ أنفقوا من أمولهم } [النساء: 34]؛ يعني: ~~بتجريدهم عن الدنيا وتفريدهم للمولى فضلوا على النساء، { فالصلحت ~~} [النساء: 34]؛ يعني: الذي يصلحن للكمال بعد الرجال هن { قنتت } ~~[النساء: 34]؛ أي: مطيعات لله تعالى مستسلمات لأحكامه تعالى، { ~~حفظت } [النساء: 34]، الواردات { للغيب بما حفظ الله ~~} [النساء: 34] عليهن حقائق الغيب وأنواره وأسراره، { والتي } ~~[النساء: 34]؛ يعني: منهن { تخافون نشوزهن } [النساء: 34]؛ ~~يعني: إذا دارت عليهن كؤوس واردات الغيب، وسقين بأقداح الأرواح شراب طهور ~~التجلي من ساقي، # وسقاهم ربهم شرابا طهورا # [الإنسان: 21]، فكوشفن بلغة الجمال، وأسكرن بشهود الجلال، كما قال ~~بعضهم: # فأسكر القوم دور كأس # وكان سكري من المدير # فعند غلبات السكر يخفن النشوز والنفور؛ لضعف الحال وقوة سطوة النوال { ~~فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن } ~~[النساء: 34]، فالخطاب بالعظة والهجران لأهل الكمال من الرجال القوامين ~~على النسوان؛ وهن الضعفة من الطلاب، يشير إلى التخويف بالهجران لتأدب ~~الشكر إن كان، ms0381 كما كان حال الخضر مع موسى عليه السلام فلما دارت بينهما ~~كؤوس المصاحبة وبلغ السيل زبى المراقبة، تساكر موسى عليه السلام وقال ~~بلسان المعاتبة: # أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا # [الكهف: 71]، فخوفه الخضر بضرب من تعريض الهجران فقال: # قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا # [الكهف: 72]، إلى أن عارضه مرة أخرى ووقع الحافر الكدي ضربه بعد ~~الامتحان بعصا الهجران و # قال هذا فراق بيني وبينك # [الكهف: 78]، هذا قانون أرباب الكمال المسلكين بالأصحاب إلى حضرة الحال، ~~{ فإن أطعنكم } [النساء: 34]، فإن رأوا عنهم في أثناء السلوك ~~نشوزا من الملال أو عربة من غلبات الأحوال، يعظوهم بالمقال، فإن لم ~~يتعظوا فبالفعال، فإن لم ينتفعوا فبالانتقال، فلمن تتعظوا بأن يطعن لكم ~~ويتأذين، { فلا تبغوا عليهن سبيلا } [النساء: 34] بانتقام ~~ما جرى فيهن، { إن الله كان عليا كبيرا } [النساء: 34]، ~~لا يؤاخذ ضعف الطلبة عند العجز والغفلة. ### || [4.35-36] # { وإن خفتم شقاق بينهما } [النساء: 35]، يشير إلى خلاف ~~يقع بين الشيخ الواصل في المريد المتكامل، { فابعثوا حكما من ~~أهله وحكما من أهلهآ } [النساء: 35]، متوسطين؛ أحدهما: من ~~المشايخ المعتبرين، والثاني: من معتبري السالكين؛ لينظر إلى مقالها ~~ويتحققا أحوالهما، { إن يريدآ إصلحا } [النساء: 35]، بما رأى ~~فيه صلاحهما { يوفق الله بينهمآ } [النساء: 35]، بالإرادة ~~وحسن التربية، { إن الله كان } [النساء: 35] في الأزل { عليما ~~} [النساء: 35]، بأحوالهما، { خبيرا } [النساء: 35] بجمالهما، فقدر ~~لكل واحد منهما بما عليهما وبما لهما. # ثم أخبر عما لهما وعليهما بقوله تعالى: { واعبدوا الله } ~~[النساء: 36]، إشارة في الآيات: إن العبد مأمور بعبادة الله تعالى ~~وعبوديته بالإخلاص دون الشرك فيهما، بقوله تعالى: { واعبدوا الله ~~ولا تشركوا به شيئا } [النساء: 36]، فالعبادة أن تعبدوا الله ~~وحده بطريق أوامره ونواهيه، ولا تعبد معه شيئا من الدنيا والعقبى، فإنك ~~لو عبدت الله خوفا من شيء أو طمعا في شيء فقد عبدت ذلك الشيء، لقوله ~~تعالى: # ومن الناس من يعبد الله على حرف # [الحج: 11]، قال تعالى: # يدعون ربهم خوفا وطمعا # [السجدة: 16]، والعبودية طلب المولى للمولي بترك الدنيا والعقبى، ~~والتسليم عند جريان القضاء شاكرا صابرا في النعماء ms0382 والبلوى، كقوله ~~تعالى: # يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه # [الأنعام: 52]، فإذا حصل المقصود وصل العابد إلى المعبود، فحينئذ يصح ~~عنه، { وبالولدين إحسانا وبذي القربى ~~واليتمى والمسكين والجار ذي القربى والجار ~~الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت ~~أيمنكم } [النساء: 36]؛ لأن الإحسان من صفات الله تعالى، كقوله: # الذي أحسن كل شيء خلقه # [السجدة: 7]، والإساءة من صفات الإنسان فإن النفس الأمارة بالسوء، ~~فالعبد لا يصدر منه الإحسان إلا أن يكون متخلقا بأخلاق الله تعالى ~~فانيا عن أخلاق نفسه، كما قال تعالى: # مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من ~~سيئة فمن نفسك # [النساء: 79]، وفيه إشارة أخرى؛ وهي: إن لشرط العبودية الإقبال إلى الله ~~تعالى بالكلية والإعراض عما سواه، حتى يخرج عن عهدة العبودية بالوصول إلى ~~حضرة الربوبية، فتفنى عنك به وتتقرب به للوالدين، وغيرهما محسنا بإحسانه ~~لا بشرك ورياء، فإن الشرك والرياء هاء النفس، فإذا فنيت النفس فنيت ~~أوصافها، ولهذا قال تعالى عقيب الآية: { إن الله لا يحب من ~~كان مختالا فخورا } [النساء: 36]؛ لأن الاختيال والفخر من أوصاف ~~النفس، والله تعالى لا يحب النفس ولا أوصافها؛ لأن النفس لا تحتسب الدنيا ~~ولا المحبة من أوصافها، فإن النفس تحب الدنيا وتبخل بها وتأمر بالبخل. ### || [4.37-38] # فقال تعالى في صفة الفخور: { الذين يبخلون ويأمرون ~~الناس بالبخل ويكتمون مآ آتاهم الله من فضله ~~وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا } [النساء: 37]، إلى أن ~~قال تعالى: { والذين ينفقون أموالهم رئآء الناس } ~~[النساء: 38]؛ لأن النفس محجوبة عن الله تعالى بهواها، فإنها اتخذت إلهها ~~هواها، { ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } ~~[النساء: 38]، فإن الهوى يضلها عن سبيل الله تعالى: كالشيطان فما دام هو ~~يكون قرينا لها فهو شيطانها، { ومن يكن الشيطان له قرينا ~~فسآء قرينا } [النساء: 38]. ### || [4.39-41] # ثم أخبر عن إنفاق أهل النفاق بقوله تعالى: { وماذا عليهم } ~~[النساء: 39]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى يخبر عن دناءة همة ~~الأشقياء، وقصور نظرهم أنهم يتقنعون بقليل من الدنيا، ويحرمون عن كثير من ~~المقامات الأخروية السنية، ولا ينفقون في طلب الحق، فقال تعالى: ms0383 { ~~وماذا عليهم } [النساء: 39]؛ يعني: من المشقة والنقل ظاهر، { ~~لو آمنوا بالله واليوم الآخر } [النساء: 39]، ظاهرا ~~وباطنا { وأنفقوا مما رزقهم الله } [النساء: 39]؛ أي: ~~بعض ما رزقهم الله لينالوا السعادة الكبرى والدرجات العلا. # { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } [النساء: 40]، وفيه ~~إشارة أخرى، { وماذا عليهم } [النساء: 39]؛ أي: ليس عليهم ضرر من ~~إنفاق ما رزقهم من المال والجاه، والنفس في طلب الحق، # ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر # [النساء: 38]؛ أي: لو كان لهم إيمان بوجدان الله وسعادة الآخرة، وبه ~~طلبوه وتركوا الدنيا وتحقق لهم؛ معنى: { وكان الله بهم } ~~[النساء: 39]، وإنفاقهم وقصدهم ومقصودهم وصدقهم في الطلب { عليما } ~~[النساء: 39]، لا يخفى عليه شيء من أحوالهم، { إن الله لا ~~يظلم مثقال ذرة } [النساء: 40]، على عباده وطالبيه، { وإن ~~تك حسنة } [النساء: 40] منهم بالسعي في الطلب، { يضعفها } ~~[النساء: 40]، كما قال تعالى: # " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت ~~إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة " # ، { ويؤت من لدنه أجرا عظيما } [النساء: 40]؛ أي: يؤتيه ~~من جذبات العناية بجذبة عنه إليه وهو الأجر العظيم، فافهم جيدا. # ثم أخبر عن أحوال المنافقين والموافقين بقوله تعالى: { فكيف إذا ~~جئنا } [النساء: 41]، إشارة في الآيتين: إن مرآة القلوب إذا تخلصت عن ~~شين رين الخلق الحيواني، وصقلت عن طمع الطبع الروحاني، وتنورت بالنور ~~الرباني، ينعكس فيها نقوش ما تجري في العالمين، وشاهدت بنور الله معاملات ~~النقلين، ولهذا قال من قال: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا، فقال تعالى ~~لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم إظهارا لفضله على الأنبياء - عليهم ~~السلام -: { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد } ~~[النساء: 41]؛ أي: نبيهم ليشهد عليهم لإشرافه عليهم لإشرافه بمرآة القلب ~~ونور الرب على أحوالهم، { وجئنا بك } [النساء: 41] يا محمد { ~~على هؤلاء شهيدا } [النساء: 41]؛ لتشهد يوم يجمع الله الرسل، # فيقول ماذآ أجبتم قالوا لا علم لنآ # [المائدة: 109]؛ لإشرافك على أحوالهم ولا إشراف لهم على أحوالك، فكما أن ~~لك فضيلة بهذا الإشراف على الأنبياء، فكذلك لأمتك فضيلة على الأمم ~~بالإشراف على أحوالهم، كقوله تعالى: # وكذلك ms0384 جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس # [البقرة: 143]؛ يعني: على الأمم، # ويكون الرسول عليكم شهيدا # [البقرة: 143]؛ يعني: تشهدون أنتم على الأمم ولا يشهد عليكم إلا رسولكم، ~~وهو # بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]. ### || [4.42-43] # { يومئذ } [النساء: 42]؛ يعني: يوم شهادة هذه الأمة على من كفر من ~~الأمم في الدنيا، ومجد الكفر في الآخرة بعد كفرهم وجحودهم، وإقامة البينة ~~بشهادة هذه الأمة عليهم. # { يود الذين كفروا وعصوا الرسول } [النساء: 42]؛ ~~أي: كل فرقة رسولهم، { لو تسوى بهم الأرض } [النساء: 42]، ~~حجالة عن الله والإشهاد وخوفا من العذاب والنار، وحسرة # على ما فرطت في جنب الله # [الزمر: 56] بإبطال استعداد الفطرة # التي فطر الناس عليها # [الروم: 30]، وتقصيرا استعمال وصرفه في الاستكمال الذي صرفه إليه ~~غيرهم، { ولا يكتمون الله حديثا } [النساء: 42]؛ يعني: إذا ~~جحدوا مع الله وكتموا كفرهم بقولهم: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]. # ثم أخبر عن خسران السكران بقوله تعالى: { يا أيها الذين ~~آمنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى } [النساء: ~~43]، إشارة في الآية: إن الصلاة هي معراج المؤمن وميقات مناجاته، والمصلي ~~هو الذي يناجي ربه، فقال تعالى: { لا تقربوا الصلوة ~~وأنتم سكرى } [النساء: 43]، يا أهل الإيمان، { حتى ~~تعلموا ما تقولون } [النساء: 43] في مناجاتكم مع ربكم، فيه ~~دلالة على أن من يصلي ولا يعلم ما يقول ومع من يقول فحكمه حكم السكران ~~الساهي عما يقول، فيكون حاصله من الصلاة الويل، كما قال تعالى: # فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون # [الماعون: 4-5]، وفيه إشارة أخرى: { يا أيها الذين آمنوا } ~~[النساء: 43]، يا مدعي الإيمان لا تجدون القربة في الصلاة وأنتم سكارى من ~~الغفلات وتتبع الشهوات، حتى تعلموا ما تقولون في مناجاتكم مع ربكم، ~~ولماذا تقولون كما تقولون الله أكبر لتكبيرة الإحرام عند رفع اليدين، ~~ومعناه الله أعظم وأجل من كل شيء، وإن كنت تعلم عند التقول به فينبغي أن ~~لا تكون في تلك الحالة في قلبك عظمة شيء آخر، وإمارة ذلك ألا تجد ذكر شيء ~~في قلبك مع ذكره ولا محبة لشيء مع محبته ولا طلب شيء مع طلبه، ms0385 فإنه تبارك ~~وتعالى واحد لا يقبل الشركة في جميع صفاته، وإلا كنت كاذبا في قولك: ~~الله أكبر، بالنسبة إلى حالك، وكذلك عند قولك: # وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض حنيفا ~~ومآ أنا من المشركين # [الأنعام: 79]، فإن كان في قلبك توجه إلى شيء من الدنيا والآخرة ولك ~~مطلوب غير الله فأنت كاذب في ذلك، فقس الباقي على هذا، فإن جميع حركاتك ~~في أثناء الصلاة وكلماتك تشير إلى سر من أسرار الرجوع والعروج من مقام ~~البشرية إلى حضرة الربوبية، فإن كنت غافلا عن هذه الأسرار والإشارات ~~فتكون كالسكران لا تجد القربة من صلاتك؛ لأن القربة مشروطة بشرط السجود ~~كما خوطبت: # واسجد # [العلق: 19]؛ أي: تنزل مركب أوصاف وجودك لتحمل على رفرف وجوده إلى قاب ~~قوسين أوصاف وجوده لشهود جماله وجلاله، وهذا هو ستر التشهد بعد السجود. # ثم قال تعالى: { ولا جنبا إلا عابري سبيل } [النساء: 43]؛ ~~يعني: كما أنكم لا تجدون القربة وأنتم سكارى من الغفلات، أيضا لا ~~تجدونها مع جناية استحقاق العبد؛ وهي ملامسة الدنيا الدنية، إلا على طريق ~~العبور بقدم ظاهر الشرع سبيل الأوامر والنواهي، { حتى تغتسلوا ~~} [النساء: 43]، بماء التوبة والإنابة، وصدق الطلب وحسن الإرادة، وخلوص ~~النية جناية ملامسته الدنيا وشهواتها، { وإن كنتم مرضى } ~~[النساء: 43]، بانحراف مزاج القلب في طلب الحق، { أو على سفر } ~~[النساء: 43]، كتردد بين طلب الدنيا وطلب العقبى والمولى، { أو جآء ~~أحد منكم من الغآئط } [النساء: 43]، من غائط تتبع الهوى، { ~~أو لمستم النسآء } [النساء: 43]؛ أي: لامستم الأشغال ~~الدنيوية، فأجبتم وتباعدتم عن الله تعالى بعد ما كنتم مجاوري حظائر ~~القدس، وزلفتم في رياض الأنس { فلم تجدوا مآء } [النساء: 43]، ~~صدق الإنابة والرجوع إلى الحق بالإعراض والانقطاع عن الخلق، { ~~فتيمموا } [النساء: 43]؛ أي: فاقصدوا، { صعيدا طيبا } ~~[النساء: 43]، وهو شراب أقدام الرجال الطيبين من سوء الأخلاق والأعمال، { ~~فامسحوا بوجوهكم } [النساء: 43] تراب أقدامهم { وأيديكم ~~} [النساء: 43]، وتمسحوا بأيديكم أذيال كرامهم مستسلمين بصدق الإرادة ~~لأحكامهم، { إن الله كان عفوا } [النساء: 43] عنكم التقصير ~~والانقطاع إليه بالكلية، ولعل يعفو عنكم التلون بالدنيا الدنية بهذه ~~الخصلة المرضية، { غفورا } [النساء: 43] لكم ms0386 آثار الشقوة من غبار ~~الشهود، فإنه يسعد بهم أنيسهم؛ لأنهم قوم لا يشقى بهم جليسهم. ### || [4.44-46] # ثم أخبر عن جهالة أهل الضلالة بقوله تعالى: { ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا } [النساء: 44]، إشارة في الآيتين: إن { ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتب } [النساء: 44]، يشير إلى: ~~إن من رزق شيئا من علم الكتاب ظاهرا، ولم يرزق أسراره وحقائقه وهم ~~علماء السوء المداهنون في دين الله حرصا على الدنيا، وطمعا في المال ~~والجاه، وحبا للرياسة والقبول، { يشترون الضللة } [النساء: ~~44]، وهي المداهنة وإتباع الهوى، فيبيعون الدين بالدنيا { ويريدون ~~أن تضلوا } [النساء: 44]، يا معشر العلماء الأتقياء ورثة أنبيائه ~~وطلاب الحق من بين الخلق عن { السبيل } [النساء: 44]، الحق بما ~~يجدونكم وينكرون عليكم، ويكرمونكم ويودونكم بطريق النصح وإظهار المحبة { ~~والله أعلم بأعدائكم } [النساء: 45]؛ أي: بعدوانهم إياكم ~~هو أعلم منكم ومنهم بحالكم وحالهم، فلا تقبلون نصيحتهم فيما يقطعون عليكم ~~طريق الحق ويردونكم عنه، ويصدونكم عن الحق بالتحريض على طلب غير الله ~~ورعاية حق غير الله، وأطيعوا أمر الله تعالى فيما أمركم به قوله: # قل الله ثم ذرهم # [الأنعام: 91]. # { وكفى بالله وليا } [النساء: 45]، فلا يضركم إن لم يكن ~~غيره وليا لكم، { وكفى بالله نصيرا } [النساء: 45]، يعني: ~~حسبكم الله بالنصرة والولاية، # إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ~~ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون # [آل عمران: 160]. # { من الذين هادوا } [النساء: 46]؛ يعني: دأب علماء السوء قريب ~~من دأب الذين هادوا، { يحرفون الكلم عن مواضعه } ~~[النساء: 46] بالفعال لا بالمقال، { ويقولون سمعنا } [النساء: ~~46]، بالمقال فيما أمر الله من ترك الدنيا وزينتها وإتباع الأوامر، ومن ~~إيثار الآخرة على الأولى والانقطاع عن الخلق، { واسمع غير ~~مسمع ورعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين } ~~[النساء: 46]، وأهل الدين { ولو أنهم قالوا سمعنا ~~وأطعنا } [النساء: 46]، في القرآن قولا وفعلا، { واسمع ~~وانظرنا } [النساء: 46]؛ أي: أجب دعاءنا ولا تجيب رجاءنا، { لكان ~~خيرا لهم وأقوم } [النساء: 46]، في قوم أخلاقهم واستقامة ~~أحوالهم، { ولكن لعنهم الله بكفرهم } [النساء: 46]، ~~يبعدهم الله عن الحضرة، وطردهم عن القربة بشؤم إنكارهم وكفران نعمة إيتاء ms0387 ~~العلم، # فعموا # [المائدة: 71] ببصر البصيرة عن رؤية الحق، # وصموا # [المائدة: 71] بالآذان الواعية عن استماع كلام الحق، { فلا ~~يؤمنون } [النساء: 46]، بالقلوب السليمة { إلا قليلا } ~~[النساء: 46] منهم، بأن يكفروا بهوى نفوسهم ويؤمنوا بالإيمان الحقيقي ~~الذي من نتائج الإرادة والصدق في طلب الحق، والإخلاص في العمل لله، وترك ~~الدنيا وزخارفها، بل بذل الوجود في طلب المعبود. ### || [4.47-48] # ثم أخبر عن الإيمان الحقيقي والاحتراز عن الشرك الجلي بقوله تعالى: { ~~يا أيهآ الذين أوتوا } [النساء: 47]، إشارة في الآيتين: { ~~يا أيهآ الذين أوتوا الكتب } [النساء: 47]، ظاهرا ولم ~~يؤتوا علم باطن الكتاب، فإن للقرآن ظهرا وبطنا، { ءامنوا } ~~[النساء: 47]، وصدقوا { بما نزلنا } [النساء: 47] على الأولياء من ~~علم باطن القرآن وفهمه، { مصدقا لما معكم } [النساء: 47] من ~~العلم الظاهر، فإن آتيناهم # رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما # [الكهف: 65]، ولا تستبعدوا أن يؤتي الأولياء علما، علماء الدنيا ~~يحتاجون إليهم في إرشادهم إلى ذلك العلم إياكم، فإن موسى عليه السلام مع ~~رسالته، فإنه كان كليم الله احتاج إلى تعلم الخضر - عليهما السلام - حتى ~~قال: # هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا # [الكهف: 66]، ومع هذا قال له الخضر: # إنك لن تستطيع معي صبرا # [الكهف: 67]؛ لأن أهل العلم الظاهر كما معهم من الكتاب وعلمهم يكون ~~مصدقا لما معهم، ولكن أهل العلم الظاهر يصعب عليهم تصديق علوم الأولياء، ~~وقليل منهم يستطيعون الصبر مع أقوالهم وأفعالهم؛ لأنها قلما تناسب ~~عقولهم، فالواجب على أهل علم ظاهر القرآن تصديق أهل علوم باطنه ~~والاستفادة منهم، والصبر على تصرفاتهم فيهم والتسليم لأحكامهم في البرية، ~~وتزكية نفوسهم وصدق الإرادة في حمل أعباء الصحبة؛ لئلا يكون علومهم ~~الظاهرة الغريبة من فوائد العلوم الباطنة وبال عليهم، كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " كل علم بلا عمل وبال، وكل عمل بلا علم ضلال ". # فمن فوائد العلوم الباطنة معرفة العلم بالأعمال المنجيات والأعمال ~~المهلكات، ومعونة العمل بالعلوم المنجيات والعلوم المهلكات، وقوة حمل ~~النفس على العمل بالمنجيات، وقوة منعها عن العمل بالمهلكات بالصدق ~~والإخلاص، فالعمل والعلم إذا كانا عاريين عن هذه المعارف والقوة والإخلاص ms0388 ~~- بجلبان حب الدنيا ورياستها وشهواتها ولذاتها إلى القلب فتعميه وتصمه، ~~كما قال صلى الله عليه وسلم: # " حبك الشيء يعمي ويصم " # ، وكذلك قال الله تعالى: { من قبل أن نطمس وجوها } ~~[النساء: 47]؛ أي: وجوه القلب، وطمسها عماه وصمها يدل عليه قوله تعالى: # فأصمهم وأعمى أبصارهم # [محمد: 23]، وقال: # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور # [الحج: 46]، { فنردها على أدبارهآ } [النساء: 47]؛ أي: ~~فيرد وجوههم الناظرة إلى الله عما كانوا عليه في الميثاق على أدبارها؛ ~~وهي الدنيا والهوى، { أو نلعنهم } [النساء: 47]؛ أي: نبعدهم عن ~~الحضرة ونطردهم، ونمسح صفاتهم الإنسانية بالسبعية والشيطانية، { كما ~~لعنآ أصحب السبت } [النساء: 47]؛ أي: مسخناهم بالصورة ونمسخ ~~هؤلاء بالمعنى، ومسخ المعنى أشد وأصعب من مسخ الصورة، فإن أعمى الصورة ~~يمكن أن يكون في الآخرة بصيرا، ولكن من كان في هذا أعمى بالقلب # فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا # [الإسراء: 72]، وفضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة، { وكان أمر ~~الله } [النساء: 47]؛ أي: حكمه وقضاؤه في الأزل { مفعولا } ~~[النساء: 47]، لا محيض عنه لوقوع الفعل في الأبد نظيره، # وكان أمر الله قدرا مقدورا # [الأحزاب: 38]، ولما لم يكن حجاب أعظم من الأنانية فإنها الشرك الخفي، ~~قال الله تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء } [النساء: 48]، واعلم أن ~~للشرك مراتب وللمغفرة مراتب، فمراتب الشرك ثلاث: # الجلي والخفي والأخفى، وكذلك مراتب المغفرة، فالشرك الجلي: بالأعيان وهو ~~للعوام، وذلك تعبد شيء من دون الله: كالأصنام والكواكب وغيرها، فلا يغفر ~~إلا بالتوحيد وهو إظهار العبودية في إثبات الربوبية مصدقا بالسر ~~والعلانية، والشرك الخفي: بالأوصاف وهو الخواص، وذلك ثبوت العبودية ~~بالالتفات إلى غير الربوبية، وإلى العبادة: كالدنيا والهوى، وما سوى ~~المولى فلا يغفر إلا بالوحدانية، وهي أفراد التوحيد ليتصل بالواحد، ~~والشرك الأخفى: وهو للأخص، وذلك رؤية الأغيار والأنانية، فلا يغفر إلا ~~بالواحدانية وهي فناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية ليبقى بالهوية دون ~~الأنانية، { إن الله لا يغفر } [النساء: 48]، بمراتب المغفرة ~~{ أن يشرك به } [النساء: 48]، بمراتب الشرك، { ومن يشرك ~~بالله } [النساء: 48]، بمراتب الشرك { فقد ms0389 افترى إثما ~~عظيما } [النساء: 48]؛ أي: جعل بينه وبين الله حجابا من إثبات وجود ~~الأشياء والأنانية وهي أعظم الحجب، كما قيل: وجودك ذنب لا يقاس به ذنب. ### || [4.49-52] # ثم أخبر عمن زكى نفسه ونسي أمه بقوله تعالى: { ألم تر إلى ~~الذين يزكون أنفسهم } [النساء: 49]، إشارة في الآيتين: إن ~~الذين يزكون أنفسهم من أهل العلوم الظاهرة بالعلم، ويباهون به العلماء ~~ويمارون به السفهاء لا تتزكى أنفسهم بمجرد تعلم العلم؛ بل يحصل لهم ذلك ~~صفات أخرى من المذمومات مثل: المباهاة والمماراة، والمجادلة والمفاخرة، ~~والعجب والكبر، والحسد والرياء، وحب الجاه والرياسة، وطلب الاستيلاء ~~والغلبة على الأقران وإيذائهم وأمثال ذلك، فينقم هذه المذمات مع سائر ~~الصفات النفسانية، وتزيد في أمارية النفس بالسوء، وتمردها عن الحق، { ~~بل الله يزكي من يشآء } [النساء: 49]، لا بتزكية، وتهيأ لها ~~بتسليم النفس إلى أرباب التزكية وهم العلماء الراسخون والمشايخ المحققون، ~~كما يسلم الجلد إلى الدباغ ليجعله أديما، فمن سلم نفسه للتزكية ويصبر ~~على تصرفاته ويسعى إلى إشاراته ولا يتعرض على معاملاته ويقاسي شدائد ~~أعمال التزكية فقد أفلح بما تزكى، { ولا يظلمون فتيلا } ~~[النساء: 49]؛ يعني: ولا يضيقون ما عملوا في التزكية بمقدار القيل، بل ~~يرون آثره في تزكية نفوسهم، يدل عليه قوله تعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]. # { انظر كيف يفترون على الله الكذب } [النساء: 50]، في ~~ادعاء تزكية أنفسهم بمجرد تحصيل العلم، وما سلكوا طريق الله في تزكية ~~النفس بتسليمها إلى مزكيها وهي النبي صلى الله عليه وسلم في أيام حياته، ~~كما قال تعالى: # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا ~~عليهم آياته ويزكيهم # [الجمعة: 2]، وبعده هم العلماء الذين أخذوا التزكية ممن أخذوا منه قرنا ~~بعد قرن من الصحابة والذين اتبعوهم بإحسان إلى يومنا، ولعمري أنهم في هذا ~~الزمان أعز من الكبريت الأحمر، { وكفى به } [النساء: 50]، بإدعاء ~~التزكية لنفسه أو تعليم التزكية لغيره { إثما } [النساء: 50]، للمدعين ~~باطلا في هذا المعنى { مبينا } [النساء: 50]، ظاهر الكذب دعواهم على ~~أعمالهم وأحوالهم. # ثم أخبر عن ms0390 إمارات كذبهم في دعويهم وعلاماته بقوله تعالى: { ألم تر ~~إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب يؤمنون ~~بالجبت والطغوت } [النساء: 51]، إشارات في الآيات: إن من أوتي ~~نصيبا من العلوم الظاهرة ولم يؤت نصيبا من العلوم الباطنة، لا بد وأن ~~يؤمن بجبت النفس الأمارة بالسوء طاغوت الهوى، فيصدقها فيما يأمرانه ~~وينهيانه بالإعراض عن الحق وطلبه والإقبال على الدنيا وزخارفها، وبهذا ~~يخرجانه من نور الهداية إلى ظلمات الضلالة، يدل عليه قوله تعالى: # أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى ~~الظلمات # [البقرة: 257]، وقال تعالى: # أرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الفرقان: 43] وأضله الله على علم، وقال تعالى: # ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله # [ص: 26]، وهذا كما كان إبليس، فإنه أول نوعا من العلوم الظاهرة حتى ~~استكبر بها وقال: # قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين # [ص: 76]، فلما لم يكن أدنى شيئا من العلوم الباطنة بالنسبة إليه ليغرس ~~في آدم عليه السلام بشرف علم الأسماء واختصاصه، # ونفخت فيه من روحي # [الحجر: 29]، وليفهم من قوله تعالى: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة: 30]، كمالية مرتبة الخلافة كان حاصله من مجرد علمه الظاهر ~~الإباء والاستكبار والكفر واللعن والطرد، والإغراء والإضلال، ومن أضلاء ~~المحرومين من دولة علم الباطن المغرورين بعلم الظاهر قال الله تعالى: { ~~ويقولون للذين كفروا } [النساء: 51]، من أهل الأهواء ~~والمبتدعة والمتفلسفة ومن يعبد الهوى والدنيا، المناسبة فيما بينهم من ~~عبادة الهوى والدنيا { هؤلاء أهدى من الذين آمنوا } ~~[النساء: 51]، صدقوا الرسل فيما أمروهم بالإقبال على الله والإعراض عن ~~الدنيا وأهلها، { سبيلا } [النساء: 51]، طريق الحق؛ لأنهم لا يعرفون ~~الباطل من الحق واتخذوا الحق باطلا والباطل حقا. # ثم أخبر عن سبب خذلان من يظهر على أعماله هذه الإمارات ويوجد من أحواله ~~هذه العلامات بقوله تعالى: { أولئك الذين لعنهم الله ~~} [النساء: 52]؛ يعني: هم الذين لم يؤمنوا بما نزلنا على الأولياء من ~~العلوم اللدنية الذين أودعناهم الطمس واللعن بقوله تعالى: # من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارهآ ~~أو نلعنهم # [النساء: 47]، فلما أصروا على الجحود والإنكار والإباء والاستكبار ~~أدركتهم اللعنة ms0391 والطمس وشوهت صورتهم، كما أدركت إبليس وشوهت صورته، فظهرت ~~منهم هذه الأفعال والأحوال { ومن يلعن الله فلن تجد له ~~نصيرا } [النساء: 52]؛ يعني: من أصابته لعنة الله أبطلت استعداده ~~وقبول الحق فيبقى في إنكاره وجحوده، فلم تجد له نصيرا من الأنبياء ~~والأولياء ليعادله ويخرجه من هذه الظلمات. ### || [4.53-56] # ثم أخبر عن إمارة أخرى بقوله تعالى: { أم لهم نصيب من ~~الملك } [النساء: 53]؛ يعني: إمارة المغرورين بعلم الظاهر الممكورين ~~بمكر النفس والشيطان، بل بمكر الحق إن لو كان لأحدهم من المال والملك ~~نصيب وأفسر، { فإذا لا يؤتون الناس نقيرا } [النساء: 53]، ~~من أهل الحق والعلم الحقير، نقيرا من الحسد والبغض والحقد لأرباب ~~الحقيقة والمنافاة فيما بينهم. # ثم أخبر عن إمارة أخرى فيهم وهي الحسد بقوله تعالى: { أم يحسدون ~~الناس } [النساء: 54]، وهم أرباب الحقيقة { على مآ آتهم ~~الله من فضله } [النساء: 54]؛ أي: من علوم لدنية من غير تعليم، ~~هو أعطاهم وعلمهم فضلا منه ورحمة، فلا يضرهم حسد الحاسدين، { فقد ~~آتينآ آل إبرهيم الكتب والحكمة } [النساء: 54]، ~~والإشارة في: آل إبراهيم إلى أهل الخلة والمحبة فإنهم آل إبراهيم في ~~الخلة، كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم من آلك يا رسول الله؟ فقال: " ~~كل مؤمن " ، ويشير بالكتاب والحكمة إلى العلم الظاهر الذي يتعلق بالكتابة ~~والدراسة، والعلم الباطن الذي يتعلق بأحكام الإيقان من شواهد الغيب؛ ~~يعني: فإن أرباب الحقيقة الذين يقتدى بهم في هذا الشأن من أعطاهم العلم ~~الظاهر من علم الكتاب والسنة، والعلم الباطن الذي هو الحكمة، { ~~وآتيناهم ملكا عظيما } [النساء: 54]؛ يعني: معرفة الله ~~تعالى، فإن الملك الحقيقي هو المعرفة العظيمة على الإطلاق. # ثم أخبر عن علماء الظاهر المقبول المقبل منهم والمردود والمدبر منهم، ~~بقوله تعالى: { فمنهم من آمن به } [النساء: 55]، يشير إلى من ~~صدق العلماء المحققين بما أعطاهم الله واستفاد منهم بالصدق والإرادة، وما ~~حسد عليهم، { ومنهم من صد عنه } [النساء: 55]، واعترض عليه ~~وأنكره وحسده وآذاه بالقول والفعل مهما قدر عليه، { وكفى بجهنم ~~} [النساء: 55]، نفسه المنكرة الملعونة الحاسدة، { سعيرا } [النساء: ~~55]، تسعر على حسناتهم نار الحسد، فإن ms0392 الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار ~~الحطب، فيحشر يوم القيامة بلا حسنات # وأحاطت به خطيئته # [البقرة: 81]، # أولئك أصحب النار هم فيها خلدون # [الأعراف: 36]، بل يكون هو سعيرا يه تسعر جهنم على أهلها، كقوله تعالى: # نارا وقودها الناس والحجارة # [التحريم: 6]، فافهم جيدا، وانتبه واعتبر. # ثم أخبر عن حال من كفر بهذه الآيات وتوجد فيه هذه الإمارات بقوله تعالى: ~~{ إن الذين كفروا بآيتنا سوف نصليهم نارا } ~~[النساء: 56]، إشارة في الآية: إن الذين كفروا؛ أي: جحدوا من مدعي العلم ~~بآياتنا؛ يعني: بأوليائنا، وإن الأولياء هم مظهر آيات الحق ومظهرها، وهم ~~بذواتهم مظهر آيات العالمين وحجج من الحق على الخلق، كقوله تعالى: # وجعلنا ابن مريم وأمه آية # [المؤمنون: 50]، { سوف نصليهم } [النساء: 56]؛ يعني: في الدنيا ~~نار الحسد والإنكار، { كلما نضجت جلودهم } [النساء: 56]؛ ~~أي: صفاتهم بنار الحسد، { بدلنهم جلودا غيرها } [النساء: ~~56] من الصفات، وذلك أن للإنسان جلودا بعضها نوراني وهو الصفات الحميدة ~~الروحانية، وبعضها ظلماني وهي الصفات الذميمة النفسانية، وكن للنوراني ~~جلود وجميعها بالنسبة إلى نور التوحيد والمعرفة وهو نور الله جلود، ولهذا ~~ذكر الله تعالى النور بلفظ الوجدان والظلمات بلفظ الجمع في مواضع من ~~القرآن، كقوله تعالى: # وجعل الظلمت والنور # [الأنعام: 1]، وقوله تعالى: # يخرجهم من الظلمات إلى النور # [البقرة: 257]، وجمع الصفات النورانية الروحانية والظلمات النفسانية ~~حجاب بين العبد والرب، كما قال تعالى: # " إن لله تعالى سبعين ألف حجابا من نور وظلمة " # ، فإذا عمل العبد عملا على وفق الشرع وخلاف النفس والهوى، يجعل الله ~~تعالى بإكسير الشرع بعض نحاس الصفات الظلمانية النفسانية على قدر العمل ~~فضة الصفات النورانية الروحانية، وبعض صفة الروحانية نير الولاية ~~النورانية الربانية، وهذا سر قوله: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # [البقرة: 257]؛ يعني: ظلمات الخليقة إلى نور صفات الخالقية، فإن صفات ~~الخلقية بالنسبة إلى نور صفات الخالقية كلها # ظلمات بعضها فوق بعض # [النور: 40]، وهي جلودات نور الإلهية، فافهم جيدا. # فالعبد يتقرب إلى الله بأداء الفرائض والسنن والنوافل، ويجعل صفات نفسه ~~وفضة صفات روحه مستعدا لقبول تصرفات إكسير الشرع، والله ms0393 تعالى يتقرب ~~إليه بطرح إكسير الفيض الرباني على نحاس صفات نفسه وفضة صفات روحه، فيصير ~~جلود صفات لب صفات الروح وجلود صفات نور الولاية إلى أن تصير الجلود، ~~وقوله: # " كنت له سمعا وبصرا ولسانا " # ، تفهم إن شاء الله. # وكذلك إذا عمل العبد على وفق الطبع ومتابعة الهوى ومخالفة الشرع، يصير ~~بإكسير الشقاوة بعض فضية الصفات النورانية الروحانية نحاس الصفات ~~الظلمانية النفسانية على قدر العمل، فيصير اللب جلدا وقشرا إلى أن تصير ~~الألباب النورانية كلها جلودا ظلمانية، وهذا سر قوله تعالى: # أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى ~~الظلمات # [البقرة: 257]، فالإشارة في قوله: { كلما نضجت جلودهم } ~~[النساء: 56]، إن جلود الصفات الروحانية كلما نضجت بنار الحسد والبخل، ~~والحقد والكبر، والإنكار والجحود وغيره من الأخلاق الذميمة ومخالفات ~~الشريعة، { بدلنهم جلودا غيرها } [النساء: 56]، من الصفات ~~النفسانية الظلمانية، { ليذوقوا العذاب } [النساء: 56]، البعد ~~والمحجوبية عن الله تعالى وعذاب المبدلية من الصفات النورانية الروحانية ~~إلى الصفات الظلمانية النفسانية، { إن الله كان عزيزا } ~~[النساء: 56]، فلعزته لا يهتدي إليه كل جبار متكبر سفيه النفس، وفي الهمة ~~قصير النظر ركيك العقل عابد الهوى أسير الشهوة، قليل النخوة كثير الحسد ~~والحرص، طالب الدنيا المعجب برأيه الخبيث في ذاته المفسد في صفاته، { ~~حكيما } [النساء: 56]، هدى بحكمته أولياء، وإلى حضرته كل هين سهل قريب ~~متواضع، قانع صابر شاكر، سليم مستسلم، كريم النفس رقيق القلب خفيف الروح ~~على الهمة، دقيق النظر لطيف الطبع دائم السرور، الشريف في ذاته الكريم في ~~أخلاقه وصفاته، فمن جعل لبابة الروحانية هاهنا في الجلود من الصفات ~~النفسانية، فيحشر يوم القيامة وكل وجوده جلود لا لب له، فيصلى النار { ~~كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب } [النساء: 56]، وهذا النضج والتبديل كان حاصلا ~~له في الدنيا ولكن لم يذق المسه حتى ينتبه، " فالناس نيام فإذا ماتوا ~~انتبهوا " ، فافهم جيدا، وتنبه يا مسكين لعلك تفلح. ### || [4.57-59] # ثم أخبر عن الذين انتبهوا بقوله تعالى: { والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات } [النساء: 57]، إشارة في الآيتين: إن قوله: { ~~والذين آمنوا } [النساء: 57]، معطوف على ما قبله من ذكر ms0394 علماء ~~السوء المنكرين؛ يعني: والذين صدقوا منهم أولياء الله عليهم من المواهب ~~الربانية والعلوم اللدنية، وأصغوا إلى كلامهم وأقبلوا على صحبتهم ~~وتابعوهم في السير إلى الله تعالى، { وعملوا الصالحات } ~~[النساء: 57]؛ يعني: بإشاراتهم أعمالا صالحة لسلوك سبيل الله والوصول، { ~~سندخلهم } [النساء: 57]؛ يعني: سنجزيهم بجذبات العناية إلى { ~~جنات } [النساء: 57] القربة والوصلة، { تجري من تحتها ~~الأنهار } [النساء: 57]، من ماء الحكمة، ولبن الفطرة، وخمر الشهود، ~~وعسل الكشوف، { خالدين فيهآ أبدا } [النساء: 57]، مخلدين في ~~الوصلة مؤيدين { أبدا } [النساء: 57] من غير الفرقة، { لهم فيهآ ~~أزواج } [النساء: 57]، من تجلي صفات الجلال والجمال، { مطهرة ~~} [النساء: 57] من الوهم والخيال، { وندخلهم } [النساء: 57] ~~بالجذبة من ظل الوجود المجازي، { ظلا ظليلا } [النساء: 57] من ~~الوجود الحقيقي الذي لا مجاز بعده، يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: # " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ". # والإشارة في قوله تعالى: { إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها } [النساء: 58]، عقيب قوله: { ~~وندخلهم ظلا ظليلا } [النساء: 57] أن الوجود المجازي كان ~~عندكم أمانة من الله تعالى، كما أن وجود الظل مجازي بالنسبة إلى الشمس، ~~وهذا أمانة من الشمس عند الظل، فإذا انجلت الشمس للظل تقول بلسان الجلال ~~للظلال: إن الشمس تأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، فتلاشت الظلال ~~واضمحلت وانمحت الآثار، وبقي الواحد القهار، وهذا أحد أسرار قوله تعالى: # ولله يسجد من في السموت والأرض طوعا وكرها ~~وظلالهم بالغدو والآصال # [الرعد: 15]. # ثم قال تعالى: { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا ~~بالعدل } [النساء: 58]؛ يعني: يأمركم بعد فناء الوجود المجازي وبقاء ~~الوجود الحقيقي أن تحكموا بالعدل بين الروح والقلب والبدن؛ كيلا يظلم ~~بعضهم على بعض، ويواظب البدن على وظائف الشريعة، وتتأدب النفس بآداب ~~الطريقة، ويراقب القلب بشواهد اللقاء، ويلازم الروح عتبة الفناء بواردات ~~سلطان البقاء، { إن الله نعما يعظكم به } [النساء: 58]؛ ~~أي: نعما يعظكم بطلبه، فيه تعظيم قدر المطلوب وتعظيم قدر طريق الطلب، ~~ورعاية المطلوب بعد وجدانه، { إن الله كان } [النساء: 58] في ~~الأزل، { سميعا } [النساء: 58] بمقالات أصحاب الحوائج عند استدعاء ~~الحاجات من ربهم قبل وجودهم، فأعطاهم ms0395 إياهم قبل السؤال، { بصيرا } ~~[النساء: 58] بمعاملاتهم فيما أعطاهم وصرفه في الحق والباطل فيجازيهم بها ~~إلى الأبد. # ثم أخبر عن طريق صرف ما لا يحق في الحق بقوله تعالى: { يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم } [النساء: 59]. # والإشارة فيها: إن الخطاب في قوله تعالى: { يا أيها الذين ~~آمنوا } [النساء: 59] مع القلب والروح والسر، فإنهم آمنوا على الحقيقة ~~لوهم استعداد قبولهم للإيمان ونوره وهم المخاطبون بقوله تعالى: { ~~أطيعوا الله } [النساء: 59]، فطاعة القلب: لله في أن يحب الله ~~وحده لا يحب معه أحدا له، وطاعة الروح: ألا يلتفت إلى غير الله في ~~الطلب ولا يطلب منه إلا هو، وطاعة السر: في ألا يرى غير الله في ~~الوجود، كما قال بعضهم: ما في الوجود سوى الله { وأطيعوا الرسول ~~} [النساء: 59]؛ يعني: كونوا بحكم وارد الوقت، فكما أن طاعة الرسول ~~الظاهر هي قوله تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7]، وكذلك طاعة الرسول، وأراد الحق في الباطن هو أن يأخذوا ما ~~أتاهم، وأراد الحق بحكم الوقت مرا كان أو حلوا أن لا يعترضوا عليه ولا ~~يعرضوا عنه، ويصبروا عليه صبر الرجال، وينتهوا عما نهاهم بالشواهد ~~والإشارات، وأما بالأحوال أو وقوع الواقعات يدل على هذا التأويل قوله صلى ~~الله عليه وسلم لوابصة بن معبد: # " استفت قلبك يا وابصة، ولو أفتاك المفتون " # { وأولي الأمر منكم } [النساء: 59]؛ يعني: مشايخكم ومن بيده ~~أمر تربيتكم، فإن أولي الأمر المريد شيخه في التربية، فينبغي للمريد أن ~~يكل وارد حق يدق باب قلبه، وإشارة وإلهام، وواقعة تنبئ وتخبر عن أعمال ~~وأحوال في حقه تضرب على محك نظر شيخه فيما يرى فيه الشيخ، فأولي الأمر ~~الكتاب والسنة، فينبغي له أن ما سنح له من الغيب بوارد الحق من الكشوف ~~والشواهد والأسرار والحقائق أن يضرب على محك الكتاب والسنة فيما صدقاه، ~~ويحكمان عليه فقبله يكون بحكمه، { فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول } [النساء: 59]، يحتمل معنيين: # أحدهما: منازعة النفس مع القلب والروح والسر فيما يرد عليهم من ms0396 الحق، أو ~~فيما يحكم به الشيخ { فردوه إلى الله والرسول } [النساء: ~~59]؛ يعني: إلى الكتاب والسنة. # والثاني: منازعة القلب فيما يحكم به الكتاب والسنة، نزاعا من قصور ~~الفهم والدراية وإدراك دقائقها والكشف عن حقائقها، { فردوه إلى ~~الله } [النساء: 59] بمراقبة القلوب بشواهد الغيوب، وإلى رسول وارد ~~الحق بصدق النية وصفاء الطوية عن كدورات البشرية، { إن كنتم ~~تؤمنون بالله } [النساء: 59]؛ أي: بنور آمنتم الذي شرح الله ~~صدوركم للإسلام، وبرسول وارد الحق إلى قلوبكم للإيمان { واليوم ~~الآخر } [النساء: 59] شاهدتم بنور الله اليوم الذي بعد يوم الدنيا ~~وآمنتم به، { ذلك خير } [النساء: 59]؛ يعني: ذلك الإيمان الإيقاني ~~بشهود نور الرباني خير من تعلم الكتاب والسنة بالتقليد دون التحقيق، { ~~وأحسن تأويلا } [النساء: 59]، عاقبة وجزاء في الحال والمال. ### || [4.60-62] # ثم أخبر عن حال القال من غير الأحوال بقوله تعالى: { ألم تر إلى ~~الذين يزعمون أنهم ءامنوا بمآ أنزل إليك } ~~[النساء: 60]، إلى قوله: { يصدون عنك صدودا } [النساء: 61] ~~والإشارة فيه: إن أهل الطبيعة { يزعمون أنهم ءامنوا بمآ ~~أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك } [النساء: 60]؛ يعني: ~~بأركان الشرائع [قبلك وبالقرآن] بقالهم، ثم { يريدون أن ~~يتحاكموا إلى الطاغوت } [النساء: 60] طاغوت الهوى، فلو كان ~~حالهم مناسبا لقالهم، لكان تحاكمه إلى الله والرسول في جميع الأحوال لا ~~إلى الهوى ولا إلى العقول المشوبة بشوائب الخيال والوهم والهوى، { وقد ~~أمروا أن يكفروا به } [النساء: 60]، وهذا أحوال المتفلسفة ~~في أهل هذا الزمان أنهم يزعمون أنهم آمنوا بالله ورسوله وبما أنزل إليه ~~من القرآن، ثم يتحاكمون في الأمور الأخروية والمعارف الإلهية إلى العقول ~~الملتبسة بآفات الوهم والخيال المشوبة بالهوى، { ويريد الشيطان ~~} [النساء: 60] في ذلك { أن يضلهم } [النساء: 60] من طريق الحق، { ~~ضلالا بعيدا } [النساء: 60]، من الرجوع إلى الحق. # { وإذا قيل لهم } [النساء: 61]؛ أي: لأهل الأهواء والبدع ولأهل ~~الطبيعة، { تعالوا } [النساء: 61] نتحاكم في الأمور { إلى مآ ~~أنزل الله وإلى الرسول } [النساء: 61]؛ أي: الكتاب والسنة، ~~{ رأيت المنفقين } [النساء: 61] يظهرون غيرها، { يصدون ~~عنك } [النساء: 61]؛ أي: متابعتك وسنتك وسيرتك، { صدودا } [النساء: ~~61]، إعراضا تماما، وهذا النفاق دأبهم في جميع الأحوال، صلى الله على ms0397 ~~سيدنا محمد وآله. # وقوله تعالى: { فكيف إذآ أصبتهم مصيبة } [النساء: ~~62]، ملامة من الحق وسياسة من السلطان { بما قدمت أيديهم ~~ثم جآءوك يحلفون بالله إن أردنآ } [النساء: 62]، ~~يتحاكمنا إلى العقل وبراهين العقلية دون الشريعة، { إلا إحسنا } ~~[النساء: 62]، إيقانا في الأدلة { وتوفيقا } [النساء: 62] بطريق ~~الصواب وسبيل الحق. ### || [4.63-65] # { أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم } ~~[النساء: 63] من الشبهات واعتقاد السوء والصدود عن الحق وكتمان نفاقهم، { ~~فأعرض عنهم } [النساء: 63] في الظاهر # بالحكمة والموعظة الحسنة وجدلهم بالتي هي ~~أحسن # [النحل: 125]، لهم في الرجوع إلي، وترك التمادي في الباطل، { وقل ~~لهم } [النساء: 63]، بصلابة الدين { في أنفسهم } [النساء: ~~63] في قتلهم وهلاكهم؛ أي: خوفتهم بالقتل إن لم يرجعوا إلى الحق، { ~~قولا بليغا } [النساء: 63] في الموعظة والتخويف، { ومآ ~~أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } [النساء: ~~64]، ولا يطاع العقل بإذن الهوى، فافهم جيدا. # { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم } [النساء: 64]، ~~بمتابعة الهوى وتحاكمهم إلى العقول دون الكتاب والسنة، { جآءوك } ~~[النساء: 64]، تاركين أهواءهم، تابعين لك ولما جنت به، { ~~فاستغفروا الله } [النساء: 64]؛ أي: تابوا إلى الله وطلبوا منه ~~طريق الحق والوصول إلى الحقيقة في متابعتك، { واستغفر لهم ~~الرسول } [النساء: 64]؛ أي: يشفع لهم في الحضرة، ويهديهم بقوة النبوة ~~والرسالة إلى صراط مستقيم في الطلب، { لوجدوا الله } [النساء: ~~64] ووصلوا إليه؛ لأنه كان { توابا } [النساء: 64] بهم إذا تابوا، ~~واجدا لهم إذا طلبوا، { رحيما } [النساء: 64] بهم إذا وصلوا. # ثم أخبر عن خواص الإيمان لخواص الإنسان بقوله تعالى: { فلا وربك ~~لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم } ~~[النساء: 65]، إلى قوله # صراطا مستقيما # [النساء: 68]، والإشارة فيه: إن الله تعالى أكد الكلام بالقسم، والقسم ~~بذاته تبارك وتعالى { فلا وربك لا يؤمنون } [النساء: 65]؛ ~~يعني: الذين يزعمون أنهم يؤمنون، ليعلم أن الإيمان الحقيقي الذي ينفع ~~العبد وينجيه ليس بمجرد التصديق والإقرار، بل له محك يضرب عليه نقود ~~الإيمان فيظهر الخالص من المغشوش، والجيد من الرديء، والبر من البهرج، ~~وهو قوله تعالى: { حتى يحكموك فيما شجر بينهم } ~~[النساء: 65]، حتى يحكموا الشرع لا الطبع، والنبوة والمولى لا الهوى، ~~ووارد الحق لا موارد ms0398 الخلق فيما التبس عليهم، واختلف أرادهم فيه وتخيرت ~~عقولهم عنه، # فتنازعوا أمرهم بينهم # [طه: 62]، { ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت } [النساء: 65]؛ يعني: وإن كان القضاء على خلاف الطبع وهو النفس ~~لا يجددوا في مرآة أنفسهم صورة كراهة ولا خيال نزاهة من قضاء الحق، بل من ~~القضايا الأزلية والأحكام الإلهية، { ويسلموا تسليما } ~~[النساء: 65] للحق وأحكامه الأزلية باستسلام النفوس ورضا القلوب. ### || [4.66-69] # { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم } ~~[النساء: 66]، بسيف الصدق والمجاهدة ومعاندتها، { أو اخرجوا من ~~دياركم } [النساء: 66] بالفناء في عالم البقاء المعني، # ويسلموا تسليما # [النساء: 65]، { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا ~~أنفسكم } [النساء: 66]، ثم الكلام هاهنا في محك نقد الإيمان وعبارة ~~ثم قال تعالى: { ما فعلوه } [النساء: 66]؛ أي: وما فعلوه إلا ~~قليلا من مدعي الإيمان؛ يعني: ما صح على هذا المحك إلا نقد { إلا ~~قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به } ~~[النساء: 66] من قتل النفس بسيف الصدق عن شهواتها وإتباع هواها، { ~~لكان } [النساء: 66] مقام الجهاد وشهادة النفس ونيل درجة الصديقين، { ~~خيرا لهم } [النساء: 66] من شهوات النفس واستفاء اللذات الجسمانية ~~الحيوانية { وأشد تثبيتا } [النساء: 66] في مقامات الروحانية ~~وقربات الربانية، { وإذا لأتينهم من لدنآ أجرا ~~عظيما } [النساء: 67]؛ وهي العلوم اللدنية، { ولهديناهم ~~صراطا مستقيما } [النساء: 68] للوصول إلى حضرة الربوبية بجذبات ~~الإلهية. # ثم أخبر عن فضله مع الطاعات كل على قدر الاستطاعة بقوله: { ومن يطع ~~الله والرسول } [النساء: 69]، إلى قوله: # وكفى بالله عليما # [النساء: 70]. # والإشارة فيها: إن من يطع الله في أحكامه الأزلية وأفعال الأبدية، ~~والرسول في مطاوعته فيما جاء به، ومتابعته في سلوك المقامات والوصول إلى ~~القربات { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم } ~~[النساء: 69] في المقامات والقرب والوصول، { من النبيين } ~~[النساء: 69] قم أنعم الله عليهم بالنبوة، { والصديقين } [النساء: ~~69]؛ وهم أرباب الوصول والوصال وقد انعم الله عليهم بالولاية # أن لهم قدم صدق عند ربهم # [يونس: 2]، { والشهدآء } [النساء: 69]؛ وهم أصحاب الجهاد والقتال ~~وقد أنعم الله عليهم بالشهادة، { والصالحين } [النساء: 69]؛ وهم ~~المستعدون للولاية وقد انعم الله عليهم بالصلاح والسداد، فأولئك هم ~~المطيعون رزقوا ms0399 معية هؤلاء، والسعادة على قدر الطاعة لله تعالى وعلى قدر ~~المحبة لهؤلاء ومتابعتهم لسلوك المقامات والوصول إلى القربات، لقوله صلى ~~الله عليه وسلم: # من أحب قوما فهم معهم # ، وقال صلى الله عليه وسلم: # " المرء مع من أحب " # ، وقال تعالى: # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله # [آل عمران: 31]، { وحسن أولئك } [النساء: 69]، المطيعون مثل ~~هؤلاء الرفقاء في سلوك طريق الحق { رفيقا } [النساء: 69]، فإن هذا ~~الطريق غير مسلوك بغير رفيق من هذا الفريق. ### || [4.70-73] # { ذلك } [النساء: 70]، الرفق والرفاقة إنما هي { الفضل من ~~الله } [النساء: 70] لا من أحد غيره، { وكفى بالله عليما } ~~[النساء: 70]، بمن استعداده لهذه الرفاقة فيوفقه لتحصيل هذه السعادة، ~~فيطيع الرسول صلى الله عليه وسلم ويحب جميع الصحابة، وتدل هذه الآية على ~~خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وذلك أن الله تعالى ذكر مراتب أوليائه ~~وأنبيائه على الترتيب فقدم الأنبياء على الأولياء، فليس لأحد أن يؤخر ~~الأنبياء على الأولياء، وجعل مراتب الأولياء ثلثا: الأخص وهم الصديقون، ~~والخواص وهم الشهداء، والعوام وهم الصالحون، فكما لا يجوز أن يقدم ~~الأولياء على الأنبياء، فكذلك لا يجوز أن يقدم الشهداء على الصديقين، فلا ~~يجوز أن يقدم الشهداء وهم: عمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - على أبي ~~بكر رضي الله عنه؛ لأنه أول من صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء ~~به، يدل عليه قوله تعالى: # والذي جآء بالصدق وصدق به # [الزمر: 33]؛ يعني: محمد صلى الله عليه وسلم، وصدق به أبي بكر رضي الله ~~عنه، فلما صح أنه الصديق وأنه ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب أن ~~يكون خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن يتقدم عليه أحد ~~بعده، كما يجوز في عهده واجمعوا على خلافته بعد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبعده صارت الخلافة إلى الشهداء كما رتبهم الله تعالى بالذكر، فلا ~~يكون من علامة السعادة تغيير هذه المراتب وتقديم بعضهم على بعض في هذا ~~الزمان، وهذا مما لا يمكن؛ لأن الله تعالى أجرى كما قدره في ms0400 الأزل فلا ~~راد لحكمه، لا سيما بعد وقوع الأمر، # ليقضي الله أمرا كان مفعولا # [الأنفال: 42]، وقال تعالى: { وكفى بالله عليما } [النساء: ~~70]، فلم يبق لمجوز تغيير تلك المراتب، إلا الاعتراض على الله تعالى فيما ~~جعله مخصوصا بهذا الفضل، لقوله تعالى: { ذلك الفضل من الله ~~وكفى بالله عليما } [النساء: 70]؛ أي: من يعطيه فضله ~~والاعتراض على النبي صلى الله عليه وسلم حيث اختص أبا بكر رضي الله عنه ~~بهذا الفضل، وقال: # " أفضلكم أبو بكر " # ، والاعتراض على جميع الصحابة فإنهم أجمعوا على فضيلة أبي بكر وخلافته، ~~فافهم جيدا وتفكر في هذا التقرير بلا تعصب ولا تكن من أهل التغير. # ثم أخبر عن أهل الفضل وأهل العدل بقوله تعالى: { يأيها الذين ~~ءامنوا خذوا حذركم } [النساء: 71]، الإشارة فيها: إن الله ~~تعالى بفضله وكرمه يعلم الذين آمنوا أن يأخذوا عدتهم وأسلحتهم في جهاد ~~كافر النفس والشيطان لفلاح الروحاني عن أسير الهوى النفساني بقوله تعالى: ~~{ خذوا حذركم } [النساء: 71]، هو ذكر الله عز وجل لقوله تعالى: # واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون # [الأنفال: 45]، قال تعالى: { فانفروا ثبات } [النساء: 71]؛ أي: ~~جاهدوا أنفسكم بالرياضة وقمع الهوى متفرقين؛ أي: وإن كنتم بوصف التفرقة ~~ولا جمعية لكم، فإن بالرياضة يحصل الجمعية، { أو انفروا جميعا } ~~[النساء: 71]؛ يعني: جاهدوا على الجمعية والحضور، فإن الجهاد ماض مع ~~النفس مدة العمر في كل قتلة لها حياة أخرى أطيب وأعز من الأولى بقوله ~~تعالى: { فانفروا ثبات } [النساء: 71] إلى الخروج من عالم ~~الحيوانية إلى عالم الروحانية ومن التفرقة إلى الجمعية، { أو ~~انفروا جميعا } [النساء: 71] إلى الخروج من عالم الروحانية إلى ~~عالم الوحدانية الربانية، ومن الجمعية إلى الوحدة. # { وإن منكم } [النساء: 72] أيها الصديقون { لمن ~~ليبطئن } [النساء: 72]، من المدعين المتكاسلين في السير، ~~القانعين بالاسم النازلين على الرسم، { فإن أصبتكم مصيبة ~~} [النساء: 72] شدة وبلاء وجهد وعناء، قال: { قال قد أنعم ~~الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا } [النساء: 72] من ~~المحنة والشقاوة والشدة والعناء، { ولئن أصبكم فضل من ~~الله } [النساء: 73]، فتوحات ومواهب غيبية وعلوم لدنية، ومرتبة رفيعة عند ~~الخواص ومحبة وقبول عند العوام، { ليقولن ms0401 } [النساء: 73]، هذا ~~المرائي قول حاسد كاسد، { كأن لم تكن بينكم وبينه ~~مودة } [النساء: 73]؛ أي: كمن لم يكن بينكم وبينه صحبة ونسبة في هذا ~~الشأن، ولم يكن له انتماء إلى هذا الفرق إذا انقطع في الطريق، { ~~يليتني كنت معهم } [النساء: 73] في جهاد النفس وتزكيتها، ~~وتربية القلب وتصفية وتنقية الروح، وتحليته وتحلية السر وتقويته، { ~~فأفوز فوزا عظيما } [النساء: 73]؛ أي: فالفوز العظيم؛ وهو الله ~~جل ثناؤه. ### || [4.74-76] # { فليقاتل } [النساء: 74]، هذا الحاسد النادم { في سبيل ~~الله } [النساء: 74]؛ أي: في طلب الله، فليجاهد نفسه هو وأمثاله { ~~الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة } [النساء: 74]، ~~يشترون حظوظ النفس بحقوق الرب، ويختارون الفاني على الباقي، { ومن ~~يقاتل في سبيل الله } [النساء: 74] يجاهد نفسه في طلب الحق، { ~~فيقتل } [النساء: 74] نفسه بسيف الصدق والحق، { أو يغلب } ~~[النساء: 74] بالظفر فسلم على بدنه، { فسوف نؤتيه } [النساء: 74] ~~بجذبات العناية { أجرا عظيما } [النساء: 74]، وهو الفوز العظيم. # ثم أخبر عن المستضعفين وحث على تخليصهم من المشركين بقوله تعالى: { ~~وما لكم لا تقتلون في سبيل الله } [النساء: 75]، إلى ~~قوله: { كان ضعيفا } [النساء: 76]، والإشارة فيهما: إن ما لكم أيها ~~المدعون الإسلام والدين، ألا تقاتلون في سبيل الله؟ لا تجاهدون أنفسكم ~~في سلوك السبيل إلى الله، وهو تحريض على طلب الحق والسير إلى الله؛ لكيلا ~~تقنعوا بمجرد الاسم والرسم، وتستمروا على ساق الحد والاجتهاد في طلب ~~المقصود والمراد، فإن المجاهدة تورث المشاهدة في قوله تعالى: { ~~والمستضعفين من الرجال } [النساء: 75]، إشارة إلى تقوية ~~الأرواح الضعيفة التي استضعفتها النفوس باستيلائها عليها، { والنسآء ~~} [النساء: 75]؛ أي: القلوب، فإن القلب للروح كالزوجة؛ لتصرف الروح في ~~القلب كتصرف الزوج في الزوجة، { والولدن } [النساء: 75]؛ وهي ~~الصفات الحميدة التي تتولد من ازدواج الروح والقلب، يستعينون إلى ربهم { ~~الذين يقولون ربنآ أخرجنا من هذه القرية } ~~[النساء: 75]؛ أي: قرية البدن، { الظالم أهلها } [النساء: 75]؛ ~~وهي النفس الأمارة بالسوء، { واجعل لنا من لدنك وليا } ~~[النساء: 75]؛ أي: كن لنا من فضلك وكرمك وليا تخرجنا من ظلمات البشرية ~~والخلقية إلى نور الربوبية والإلهية، { واجعل لنا من لدنك ~~نصيرا } [النساء: 75]، من ولاية النبوة شيخا ms0402 مرشدا ينصرنا على النفس ~~والهوى والشيطان والدنيا. # وفي قوله تعالى: { الذين آمنوا يقتلون في سبيل الله ~~} [النساء: 76]، يشير إلى: إنه إنما أمر بجهاد النفس؛ لأن إمارة الذين ~~آمنوا إيمانا حقيقيا لا اسميا ومجازيا، أن يقاتلوا أو يجاهدوا أنفسهم ~~في سلوك السبيل إلى تعالى، وإمارة { والذين كفروا } [النساء: ~~76]، كفران النعمة { يقتلون } [النساء: 76] القلوب { في سبيل ~~الطغوت } [النساء: 76] طاغوت الهوى، { فقتلوا } [النساء: ~~76]، فجاهدوا { أولياء الشيطن } [النساء: 76]؛ وهم النفس ~~والدنيا والهوى، { إن كيد الشيطن } [النساء: 76]، ومكره ومكر ~~أوليائه { كان ضعيفا } [النساء: 76] في جنب مكر الله تعالى معهم، ~~كقوله تعالى: # ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين # [آل عمران: 54]؛ أي: غالب عليهم. ### || [4.77] # ثم أخبر عمن رغب في القتال كالرجال والأبطال، ثم رغب عنه في أثناء الحال ~~من الملامة بقوله تعالى: { ألم تر إلى الذين قيل لهم ~~كفوا أيديكم } [النساء: 77]، والإشارة فيها: إن الذين قيل لهم ~~من أصحاب السلامة: { كفوا أيديكم } [النساء: 77] عن الاعتصام ~~بحبل أهل الملامة، ولا تقدموا أقدام الأبطال في معركة الرجال، { ~~وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة } [النساء: 77]، فإنكم ~~لستم في بذل الروح من الغزاة ولا يجول في هذا الميدان إلا أهل الغرام، ~~فاقنعوا أنتم بدار السلام فتمسكوا بأذيال الرجال واشرعوا مع النفس في ~~الجهاد واسلكوا سبل الرشاد، فلما لم يكون دليلهم العظام قطع الطريق عليهم ~~لؤم اللئام، [ونومة] النيام، { فلما كتب عليهم القتال ~~إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو ~~أشد خشية } [النساء: 77]، ويخافون لوم الإنسان، وكان من شرطهم ~~ألا يخافون لومة لائم ولا ينامون نومة نائم، فبقوا عن فريقهم كالحالم، ~~{ وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا ~~أخرتنا إلى أجل قريب } [النساء: 77]، فنموت بالآجال، فإن ~~لنا كل لحظة موتة في ترك حظه، { قل متاع الدنيا قليل } ~~[النساء: 77] والتمتع بها، { والآخرة خير لمن اتقى } ~~[النساء: 77]، عن كل شيء بالمولى، ومن كان في الله فتيلا يحيى به { ~~ولا تظلمون فتيلا } [النساء: 77]. ### || [4.78-79] # ثم أخبر أن آجالهم تدرك آمالهم بقوله تعالى: { أينما تكونوا ~~يدرككم الموت } [النساء: 78]، إشارة في الآيتين: إن يا أهل ~~البطالة في ms0403 زي الطلبة والبطلة الذين غلب عليكم الهوى وحب الدنيا فأقعدكم ~~عن طلب المولى، ثم # أرضيتم بالحياة الدنيا # [التوبة: 38] واطمأننتم بها، { أينما تكونوا يدرككم ~~الموت } [النساء: 78] اضطرارا إن لم تموتوا قبل أن تموتوا اختيارا، ~~{ ولو كنتم في بروج مشيدة } [النساء: 78] أجساد مجسمة ~~قوية أمزجتها، { وإن تصبهم } [النساء: 78]؛ يعني: أهل البطالة من ~~مدعي الطلب، { حسنة } [النساء: 78]، من شواهد الغيب وفتوحاته، { ~~يقولوا هذه } [النساء: 78] الفتوحات { من عند الله } ~~[النساء: 78]، لا يرون للشيخ فيها عليهم حقا، { وإن تصبهم ~~سيئة } [النساء: 78] من الرياضة والمجاهدات، { يقولوا } ~~[النساء: 78] للشيخ، { هذه من عندك } [النساء: 78]؛ أي: بسببك ~~وسعيك، { قل كل من عند الله } [النساء: 78]، القبض والبسط، ~~والفرح والشرح، والفتوح والجروح، { فمال هؤلاء القوم لا ~~يكادون يفقهون حديثا } [النساء: 78]، خاصته هذا الحديث وما ~~يقاسي أهله من الشدائد والمحن حتى أورثتهم الفوائد والمنح. # { مآ أصابك من حسنة } [النساء: 79] فتوح وموهبة { فمن ~~الله } [النساء: 79]؛ أي: فمن مواهبه فضلا وكرما، وإن كان يتصرف ~~الشيخ وقوة ولايته وتأثير همته فيك، { ومآ أصابك من سيئة } ~~[النساء: 79] شدة وبلاء وهم وعناء { فمن نفسك } [النساء: 79]؛ أي: ~~من صفات نفسك وخاصية أمارتها بالسوء وشوب معاملاتها بالهوى، وسعيها ~~واكتسابها في طلب شهوات الدنيا ولذاتها، كقوله تعالى: # وعليها ما اكتسبت # [البقرة: 286]. # ثم اعلم أن الأعمال أربع مراتب: منها: مرتبتان لله تعالى وليس للعبد ~~فيها مدخل التقدير والخلق، وإن الله تعالى قدر الأشياء قبل خلقها، كما ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تعالى فرغ من الخلق والخلق والرزق والأجل " # ؛ يعني: قدر هذه الأشياء وفرغ من تقديرها؛ لأنه يخلق كل يوم وساعة ~~ولحظة # خلقا آخر # [المؤمنون: 14]، كيف فرغ من الخلق؟ فافهم جيدا. # ومنها: مرتبتان للعبد وليس لله فيها مدخل وهما: الكسب والفعل، فإن الله ~~تعالى منزه عن الكسب والفعل بالسببية، وإنهما يتعلقان بالعبد؛ ولكن العبد ~~وفعله وكسبه مخلوقة خلقها الله تعالى، كما قال عز وجل: # والله خلقكم وما تعملون # [الصافات: 96]، فهذا لتحقيق قوله تعالى: { قل كل من عند ~~الله } خلقا وتقديرا، لا كسبا وفعلا، فافهم واعتقد، فإنه مذهب أهل ~~الحق وأرباب ms0404 الحقيقة، ويشير بقوله تعالى: { وأرسلناك للناس ~~رسولا } [النساء: 79]؛ أي: للناس الذين نسوا الله ونسوا ما شاهدوا منه ~~وعاهدوا عليه الله، { وأرسلناك } [النساء: 79] رسولا إليهم؛ ~~لتبلغهم كلامنا، وتذكرهم أيامنا، وتجددهم عهودنا ترغبهم شهودنا، وتدعوهم ~~إلينا وتهديهم إلى صراطنا، وتكون لهم # وسراجا منيرا # [الأحزاب: 46]، يهتدون ويبتغون خطاك إلى أن توصلهم إلى الدرجات العلا ~~وتنزلهم في المقصد الأعلى { وكفى بالله شهيدا } [النساء: 79]؛ ~~أي: شاهدا لأحبابه وأوليائه؛ لئلا يكتفوا براحة دون لقائه. ### || [4.80-82] # ثم أخبر أن الوصول في طاعة الرسول بقوله تعالى: { من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله } [النساء: 80]، إشارة في الآيتين: إن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم كان يوصف بالفناء، فنيا في الله باقيا بالله ~~قائما مع الله، وكان خليفة الله على الحقيقة فيما يعامل الخلق، حتى قال ~~تعالى: # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى # [الأنفال: 17]؛ يعني: # وما رميت # [الأنفال: 17]، من حيث كنت بك أنت، # إذ رميت # [الأنفال: 17]، بخلافة الله بالله لا بك، # ولكن الله رمى # [الأنفال: 17]، إذا كنت به أنت، وكان الله خليفته فيما يعامل الخلق حتى ~~قال تعالى: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله # [الفتح: 10]؛ لأن الله بخلافتك باق عنك، فبكونه كان خليفة بك عنك للخلق ~~فكانت # يد الله فوق أيديهم # [الفتح: 10]، { من يطع الرسول فقد أطاع الله } ~~[النساء: 80]؛ لأن الرسول فانيا عنه باقيا بالله والله خليفته؛ ولهذا ~~كان يقول صلى الله عليه وسلم: # " الله خليفتي على أمتي " # ، { ومن تولى } [النساء: 80]؛ يعني: عن طاعة الرسول فقد تولى عن ~~الله تعالى: { فمآ أرسلناك عليهم حفيظا } [النساء: 80]؛ ~~أي: حافظا، فإنك لست بذلك حافظا فكيف لهم؟ فإنهم تولوا عني ولا عنك ~~فإنما على حسابهم لا عليك لقوله تعالى: # فذكر إنمآ أنت مذكر * لست عليهم # [الغاشية: 21-22]، إلى آخر السورة. # وفي قوله تعالى: { ويقولون طاعة } [النساء: 81]، إشارة إلى ~~أحوال كثير مريدي هذا الزمان، إذا كانوا حاضرين في الصحبة ينعكس عليهم ~~تلالا من أشعة أنوار الولاية في مرآت قلوبهم، فيزدادون إيمانا مع ~~إيمانهم، وإرادة مع إرادتهم، فيصغون بآذانهم الواعية إلى الحكم والمواعظ ~~الحسنة، # ترى أعينهم ms0405 تفيض من الدمع مما عرفوا من ~~الحق # [المائدة: 83]، ويقولون السمع والطاعة فيما يسمعون ويخاطبون به، { ~~فإذا برزوا من عندك } [النساء: 81]، وهبت عليهم رياح الهوى ~~والشهوة والحرص، وتمايلت قلوبهم من مجازاة القرار على الولاية، وعاد ~~المشئوم إلى طبعه { بيت طآئفة منهم } [النساء: 81]؛ أي: ~~تقدر وتقرر مع نفسه، { غير الذي تقول والله يكتب } ~~[النساء: 81]، يغير عليهم { ما يبيتون } [النساء: 81]؛ أي يعيرون ~~على أنفسهم؛ لأن # إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم # [الرعد: 11]، { فأعرض عنهم } [النساء: 81]؛ أي: فأصفح عنهم ~~وأصبر معهم، { وتوكل على الله } [النساء: 81]، لعل الله يصلح ~~بالهم ولا يجعل التغيير وبالهم، ويحسن عاقبتهم ومالهم، { وكفى ~~بالله وكيلا } [النساء: 81]، للمتوكلين عليه والملتجئين إليه. # ثم أخبر عن الدواء كما أخبر عن الداء بقوله تعالى: { أفلا ~~يتدبرون القرآن } [النساء: 82]، والإشارة فيها: إن العباد لو ~~لم يتدبرون ويتفكرون في آثار معجزاته وأنوار هدايته، ومظهر آياته وكمال ~~فصاحته، وجمال بلاغته وجزالة ألفاظه، ورزانة معانيه ومتانة مباينه في ~~أسراره وحقائقه، ودقة إشاراته ولطائفه، وأنواع معالجاته لأمراض القلوب في ~~إزالة ضرر الذنوب { لوجدوا فيه } [النساء: 82]؛ لكل داء دواء ولكل ~~مرض شفاء، ولكل عين قرة ولكل وجه غرة، والرد الحاسبة موصوفا بالصفاء ~~محفوظا عن العداء، بحرا لا ينفض عجائبه، وبرا لا ينتفي غرائبه، روحا ~~لا تباغض فيه ولا خلاف، وجنة لا انتقاض فيها ولا اختلاف، { ولو كان ~~من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } ~~[النساء: 82]، ولم يوجد فيه نقيرا وقمطيرا. ### || [4.83-84] # وفي قوله تعالى: { وإذا جآءهم أمر من الأمن أو ~~الخوف أذاعوا به } [النساء: 83]، إشارة إلى أرباب السلوك ~~وأبناء السير إلى الله إذا فتح لهم من الإنس أو الهيبة والحضور والغيبة ~~من آثار صفات الجمال والجلال، تغشوا الأسرار إلى الأغيار، وأشاعوا في ~~الأقطار، { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر ~~منهم } [النساء: 83]؛ يعني: ولو كان رجوعهم في حل مثل هذه المشكلات ~~وكشف هذه المعضلات إلى سنن الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلى سير أولي ~~الأمر منهم وهم المشايخ البالغون والواصلون، ومن كان له شيخ كامل ms0406 فهو ولي ~~أمره، { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } [النساء: ~~83]، وهم أرباب الكشوف بحقائق الأشياء، فهم العالمون بعلوم الوقائع ~~الغيبية الغواصون في بحار أوصاف البشرية، المستخرجون من أوصاف العلوم درر ~~ورق دقائق المعرفة، { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~} [النساء: 83] ببعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم، { ~~لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } [النساء: 83]، وفي ~~الحقيقة كان النبي صلى الله عليه وسلم فضل الله ورحمته، يدل عليه قوله ~~تعالى: # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا ~~عليهم آياته ويزكيهم # [الجمعة: 2]، إلى قوله: # ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء # [الجمعة: 4]، وقوله تعالى: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107]، فلولا وجود النبي صلى الله عليه وسلم وبعثه لبقوا في ~~نية الضلالة تائهين، كما قال تعالى: # ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن ~~كانوا من قبل لفي ضلال مبين # [آل عمران: 164]، قبل بعثته، وكانوا قد اتبعوا الشيطان إلى شفا حفرة من ~~النار، وكان صلى الله عليه وسلم فضله ورحمته عليهم فأنقذهم منها، كما قال ~~تعالى: # وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم ~~منها # [آل عمران: 103]، وقوله تعالى: { إلا قليلا } [النساء: 83]، لعل ~~استثناء راجع إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فإنه كان قبل بعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم مرافقا في طلب الحق، قالت عائشة - رضي الله عنها -: ~~" لم أعقل أبواي قط إلا وهما يدينان بدين الإسلام دين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ولا يمر علينا يوما إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم طرفي النهار بكرة وعشية ". # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " كنت وأبو بكر كفرسي رهان فسبقته فتبعني، ولو سبقني لتبعته " # ، والله أعلم. # وفي قوله تعالى: { فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا ~~نفسك } [النساء: 84]؛ المعنى: فجاهد في طلب الحق نفسك، فإن في طلب ~~الحق لا تكلف نفس أخرى إلا نفسك، وفيه معنى آخر: لا تكلف نفس أخرى ~~بالجهاد لأجل نفسك؛ لأن حجابك من نفسك لا من نفس أخرى، فدع نفسك وتعالى ~~فإنك صاحب # يوم لا تملك نفس لنفس شيئا # [الانفطار: ms0407 19]؛ وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم اختص بهذا المقام من جميع ~~الأنبياء والمرسلين أن يكون فاني النفس، والذي يدل عليه أن الأنبياء - ~~عليهم السلام - يوم القيامة يقولون لبقاء نفسهم: نفسي نفسي، ويقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم لفناء نفسه: # " أمتي أمتي " # ، فافهم جيدا. # ثم قال تعالى: { وحرض المؤمنين } [النساء: 84] على القتال؛ ~~يعني: في الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر، { عسى الله أن يكف ~~بأس الذين كفروا } [النساء: 84] ظاهرا وباطنا، فالظاهر ~~الكفار، والباطن النفس، { والله أشد بأسا وأشد تنكيلا ~~} [النساء: 84]، في استبطاء سطوات صفات قهره عند تجلي صفة جلاله للنفس من ~~بأس الكافر عليها. ### || [4.85-87] # ثم أخبر عن بضاعة أهل الشفاعة بقوله تعالى: { من يشفع شفعة ~~حسنة يكن له نصيب منها } [النساء: 85]، الإشارة فيها: ~~إن من يشفع شفاعة حسن لإيصال نوع من الخيرات إلى الغير، فإنها من ~~خصوصيتها أن يكون له نصيب منها؛ أي: فيه نصيبا من هذه الحسنة، فمن تلك ~~الخصوصية قد يشفع شفاعة حسنة، { ومن يشفع شفعة سيئة ~~يكن له كفل منها } [النساء: 85]؛ يعني: من تلك السيئة التي ~~هي إيصال نوع من الشر إلى الغير فيها قد شفع شفاعة سيئة، كما قال تعالى: # والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي ~~خبث لا يخرج إلا نكدا # [الأعراف: 58]، إن الله تعالى { وكان الله } [النساء: 85] في ~~الأزل { على كل شيء مقيتا } [النساء: 85]، شهيدا في إيجاد ~~المحن والمنى، مقتدرا عليما حفيظا فيهما من استعداد شفاعة حسنة وسيئة، ~~لا يقدر اليوم على تبديل استعدادهما القابلية الخير والشر، فافهم جيدا. # { وإذا حييتم بتحية } [النساء: 86] من الخير والشر، { ~~فحيوا بأحسن منهآ } [النساء: 86]، أما الخير فبخير أحسن، ~~وأما الشر فبحلم وعفو ومكافأة الخير، { أو ردوهآ } [النساء: 86]؛ ~~يعني: كافئوا المحسن بمثل إحسانه، والمسيء بمثل إساءته، يدل عليه قوله ~~تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40]، وقال تعالى: # وأن تعفوا أقرب للتقوى # [البقرة: 237]. # وقد روي # " عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام، عن الله تبارك ~~وتعالى في تفسير قول الله تعالى: { خذ العفو وأمر بالعرف ~~وأعرض عن الجاهلين } [الأعراف: ms0408 199]، قال: " تعفو عمن ظلمك، ~~وتصل من قطعك، وتعطي من حرمك " # ، { إن الله كان على كل شيء } [النساء: 86] من العفو ~~والإحسان والإساءة، { حسيبا } [النساء: 86] محاسبا، # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]. # { الله لا إله إلا هو } [النساء: 87]؛ يعني: كان الله في ~~الأزل، { لا إله إلا هو } [النساء: 87] أي: لم يكن معه أحد ~~يوجد الخلق من العدم، { ليجمعنكم } [النساء: 87] في العدم مرة ~~أخرى إلى أخرى إلى أخرى { إلى يوم القيامة } [النساء: 87]، ~~فيغرقكم فيها، # فريق في الجنة وفريق في السعير # [الشورى: 7]، # في مقعد صدق عند مليك مقتدر # [القمر: 55]، { لا ريب فيه } [النساء: 87]، لا شك في الرجوع إلى ~~هذه المنازل والمقامات، { ومن أصدق من الله حديثا } ~~[النساء: 87]، ليحدثكم بمصالح دينكم ودنياكم ومفاسد أخراكم وأولاكم، ~~ويهيدكم إلى الهدى وينجيكم من الردي. ### || [4.88-89] # ثم أخبر عن أهل الردة ومن أضله الله عن الهدى بقوله تعالى: { فما ~~لكم في المنافقين فئتين } [النساء: 88]، قانتين إشارة في ~~الآيتين: إن الاختلاف واقع بين الأمة في أن خذلان المنافقين إنما هو # من عند أنفسهم # [البقرة: 109]؛ أو أمر من عند الله وقضائه وقدره، فبين الله تعالى: { ~~فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم } ~~[النساء: 88]، إلى قوله: # فما جعل الله لكم عليهم سبيلا # [النساء: 90]، فتبين أنهما فرقتين، فرقة يقولون: الخذلان في النفاق ~~منهم، وفرقة يقولون: من الله وقضائه وقدره، { والله أركسهم ~~بما كسبوا } [النساء: 88]؛ يعني: إن الله تعالى تكسبهم بقدره ~~وردهم بقضائه إلى الخذلان للنفاق، ولكن بواسطة كسبهم ما يثبت النفاق في ~~قلوبهم # ليهلك من هلك عن بينة # [الأنفال: 42]، ولهذا مثال وهو: # إن القدر كتقدير نقاش الصورة في ذهنه، والقضاء كرسمه تلك الصورة لتلميذه ~~بالإسراب، ووضع التلميذ الأصابع عليها متبعا لرسم الاستاذ؛ هو الكسب ~~والاختيار، والتلميذ في اختياره لا يخرج عن رسم الأستاذ، كذلك العبد في ~~اختياره لا يمكنه الخروج عن القضاء والقدر ولكنه متردد، ومما يؤيد هذا ~~المثال والتأويل قوله تعالى: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم # [التوبة: 14]، وقال تعالى: # واصبر وما صبرك إلا بالله # [النحل: ms0409 127]، وذلك مثل ما ينسب الفعل إلى السبب الأقرب تارة، وإلى ~~السبب الأبعد أخرى، فالأقرب كقوله: قطع السيف يد فلان، والأبعد كقوله: ~~قطع الأمير يد فلان، ونظيره: # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم # [السجدة: 11]، وفي موضع # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر: 42]، قال ابن نباتة: # إذا ما الإله قضى أمره # فأنت إلى ما قضاه السبب # فعلى هذه القضية: " من زعم أن لا عمل للعبد أصلا فقد عاند وجحد، ومن ~~زعم أنه مستبد بالعمل فقد أشرك " ، ثم قال تعالى: { أتريدون أن ~~تهدوا } [النساء: 88]؛ لأن تهدوا { من أضل الله } [النساء: ~~88]؛ أي: قدر له بالضلالة من الأزل، { ومن يضلل الله } [النساء: ~~88]بقضائه وقدره، { فلن تجد } [النساء: 88]، يا محمد { له ~~سبيلا } [النساء: 88]، إلى الهداية؛ لأنك # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص: 56] الآن، و # الله يهدي # [القصص: 56] الآن، # من يشآء # [القصص: 56] بالهداية في الأزل، فإن مشيئته أزلية، فاعلم أن اختيار ~~العبد بين طرفي الجبر؛ لأن أول الفعل وأخره إلى الله، فالعبد بين طرفي ~~الاضطرار مضطر إلى الاختيار، فافهم جيدا. # ثم قال: { ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون ~~سوآء } [النساء: 89]، إشارة إلى من ود الكفر لغيره فذلك من إمارة ~~الكفر في باطنه وإن كان يظهر الإسلام؛ لأنه يود تسوية الاعتقاد فيما ~~بينهما، وهذا من خاصة الإنسان إنه يحب أن يكون كل الناس على مذهبه ~~واعتقاده ودينه، وقالوا: " الرضا بالكفر كفر " ، ثم نهى المؤمنين عن ~~موالاة المنافقين؛ لئلا يتعدى نفاقهم إليهم، وقال تعالى: { فلا ~~تتخذوا منهم أوليآء حتى يهاجروا } [النساء: 89]؛ ~~يعني: يهجروا خلاق السوء ويفارقوا عن النفاق { في سبيل الله }؛ ~~أي: في طلب الحق والرجوع في سبيل الهوى، وفيه إشارة إلى أرباب الطلب ~~السائرين إلى الله تعالى ألا يتخذوا من أهل الدنيا وإتباع الهوى أولياء ~~لعباد لا يخالطوهم، حتى يهاجروا عما هم فيه من الحرص والشهوة وحب الدنيا، ~~ويوافقوكم في طلب الحق وترك الدنيا وزخارفها، { فإن تولوا } ~~[النساء: 89] عما أنتم عليه من التوجه إلى الحق والتوالي عن الباطل، { ~~فخذوهم } [النساء: 89]، بالعظة الحسنة والنصح والتبليغ، { ~~واقتلوهم } [النساء: 89] بسيف ms0410 صدقكم وموعظتكم عن جدالكم بالحق، { ~~حيث وجدتموهم } [النساء: 89] كلما رأيتموهم، وفيه معنى آخر: ~~واقتلوا أنفسكم من حيث وجدتم صفة من صفاتها غالبة، فإن تزكية النفس في ~~اعتدال صفاتها، { ولا تتخذوا منهم وليا } [النساء: 89]؛ ~~أي: صديقا وخليلا، # " فإن المرء على دين خليله " # ، { ولا نصيرا } [النساء: 89]؛ أي: معاونا في أمر من الأمور ~~الدنيوية؛ لئلا يشوب نصحكم وعظتكم لهم بعلة دنيوية فلا يتصرف ولا يؤثر ~~فيهم. ### || [4.90-91] # ثم استثنى منهم قوما بقوله تعالى: { إلا الذين يصلون إلى ~~قوم بينكم وبينهم ميثق } [النساء: 90]؛ المعنى: ~~الأقوام من أهل الدنيا يصلون بالإرادة والتقرب والتودد إلى قوم من أهل ~~الدين من الذين بينكم وبينهم عهد وأخوة وصداقة في الدين أو في الحرفة ~~والصحبة، فإن المخالطة معهم بتبعية الأحوال وقبول الرفق منهم جائز، ثم ~~قال تعالى: { أو جآءوكم حصرت صدورهم أن يقتلوكم ~~أو يقتلوا قومهم } [النساء: 90]؛ يعني: إذ جاؤوكم طائفة ~~أخرى من أهل الدنيا، وما فيهم أن ينكروكم ويجادلوكم على ما أنتم فيه، { ~~ولو شآء الله لسلطهم عليكم } [النساء: 90] بالإنكار ~~والاعتراض، { فلقتلوكم } [النساء: 90]؛ أي: فنازعوكم وخاصموكم ~~بالباطل، { فإن اعتزلوكم } [النساء: 90]؛ أي: اعتزلوا شرهم ~~عنكم، { فلم يقتلوكم } [النساء: 90]؛ أي: يخاصموكم ولا يشوشون ~~الوقت عليكم، { وألقوا إليكم السلم } [النساء: 90]؛ أي: ~~السلامة، { فما جعل الله لكم عليهم سبيلا } [النساء: ~~90] في غيبتهم والطعن فيهم وتحقيرهم؛ يعني: إذا أسلمتم منهم فينبغي أنهم ~~يسلمون منكم، فإن لم تكونوا لهم فلا تكونوا عليهم، كما لم يكونوا عليكم ~~إذا لم يكونوا لكم. # ثم أخبر عن محنة أهل الفتنة بقوله تعالى: { ستجدون آخرين ~~يريدون أن يأمنوكم } [النساء: 91]، والإشارة فيها: إنكم أصحاب ~~الولاية وأرباب الهداية، ستجدون من أهل الإرادة أخرى غير أصحاب الجد ~~والاجتهاد يريدون أن يأمنوكم عن رد الولاية فيرتدون إليكم ويخدمونكم، ~~ويظهرون الصدق والإخلاص معكم، وهو أصحاب الأموال والأولاد والقوم ~~والقبيلة، { يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم } ~~[النساء: 91] عن الملامة والتعبير في تضييع الأموال والأولاد، { كل ~~ما ردوا إلى الفتنة } [النساء: 91]؛ أي: دعوا إلى الفتنة ~~وهي الأموال والأولاد، ويدل عليه قوله تعالى: # إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة # [التغابن: ms0411 15] فإنهم أمروا بالحذر منهم، { أركسوا فيها } ~~[النساء: 91]؛ أي: رجعوا إليها ضعفاء في الطلب وفرقا من الملامة، { ~~فإن لم يعتزلوكم } [النساء: 91]؛ أي: ينقطعوا عنكم ويترددون ~~إليكم بصدق الإرادة { ويلقوا إليكم السلم } [النساء: 91]؛ ~~أي: يستسلموا لكم وينقادوا، { ويكفوا أيديهم } [النساء: 91] ~~بالإرادة عن أموالهم وأولادهم، { فخذوهم } [النساء: 91]، بالإرادة ~~وأقبلوا عليهم بالتربية، { واقتلوهم } [النساء: 91]، أي: اقتلوا ~~أنفسهم بالمجاهدة والرياضة وصمام الولاية، { حيث ثقفتموهم } ~~[النساء: 91]؛ يعني: سويتم عوجهم كما يقوم الرياح بالثقاف، { ~~وأولئكم } [النساء: 91]؛ يعني: أهل الإرادة؛ يعني: إذا كونوا ~~ذوي العلائق كثير العوائق، { جعلنا لكم عليهم سلطانا ~~مبينا } [النساء: 91] في قطع علائقهم ودفع عوائقهم بحسن التربية ~~وسطوة الولاية. ### || [4.92-93] # ثم أخبر عن المؤمن أنه لا يقتل مؤمنا بقوله تعالى: { وما كان ~~لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا } [النساء: 92]، ~~والإشارة فيها: إن ليس لمؤمن الروح أن يقصد قتل مؤمن القلب إلا إن قتل ~~خطأ، وذلك أن الروح إذا خلصت عن حجب صفات البشرية تتجلى الروح للقلب ~~فتنور بأنوار الروحانية، ثم تنعكس أنوار الروح عن مرآة القلب إلى النفس ~~الأمارة فتموت عن صفاتها الذميمة الظلمانية وتحيى بالصفات الحميدة ~~النورانية، وتطمئن إلى ذكر الله لاطمئنان القلب به؛ ففي بعض الأحوال ~~تتأيد الروح بوارد روح قدس رباني، وتتجلي في تلك الحالة الروح للقلب، ~~فيخر موسى القلب صعقا ميتا بسطوة تجلي روح القدس الرباني، ويجعل جبل ~~النفس الكافر دكا { ومن قتل مؤمنا خطئا } [النساء: 92]؛ أي: ~~قلبا مؤمنا، { فتحرير رقبة مؤمنة } [النساء: 92]؛ وهي ~~رقبة السر الروحاني، فتصير رقبة السر محررة عن رق المخلوقات، { ودية ~~مسلمة إلى أهله } [النساء: 92]؛ يعني: يسلم العاقلة وهو ~~الله تعالى دية القلب إلى أهله؛ وهم أوصافه الحميدة الروحانية من جمالات ~~الألطاف لتصير الأوصاف بها أخلاق ربانية، { إلا أن يصدقوا } ~~[النساء: 92]؛ يعني: إلا أن يتصدق الأوصاف الروحانية القلبية هذه الرتبة ~~على فقراء ومساكين أوصاف النفس الحيوانية والشيطانية { فإن كان } ~~[النساء: 92] لمعنى القتيل بالتجلي، { من قوم عدو لكم } ~~[النساء: 92]؛ أي: صفة من صفات النفس، وهي عدو لكم { وهو مؤمن } ~~[النساء: 92]؛ يعني: هذه الصفة بأنوار الروح القدس دون أخواتها ms0412 من ~~الصفات، { فتحرير رقبة مؤمنة } [النساء: 92]؛ وهي رقبة ~~القلب تصير محررة عن رق حب الدنيا، ولا دية لأهل القتيل وهم لهم بقية ~~أوصاف النفس؛ لأنهم كفار يخربون القلب وأوصافه، { وإن كان } [النساء: ~~92]؛ يعني: القتيل { من قوم بينكم وبينهم ميثق } ~~[النساء: 92]؛ وهم صفات النفس وميثاقها قبول أحكام الشرع ظاهرا، أو ترك ~~المحاربة مع القلب وأوصافه باطنا، { فدية مسلمة } [النساء: ~~92] على عاقلة الرحمة، { إلى أهله } [النساء: 92]، إلى أهل تلك ~~الصفة المقتولة وهم بنية صفات النفس، كما قال تعالى: # إلا ما رحم ربي # [يوسف: 53]، { وتحرير رقبة مؤمنة } [النساء: 92]؛ وهي ~~رقبة القلب محررة عن رق الكونين، { فمن لم يجد } [النساء: 92]؛ ~~يعني رقبة مؤمنة من القلب والروح والسر؛ لتحرير رقابهم عن رق ما سوى ~~الله، { فصيام شهرين متتابعين } [النساء: 92]؛ يعني: ~~فعليه الإمساك عن مشارب العالمين على التتابع والدوام، مراقبا قلبه لا ~~يدخله شيء من الدنيا والآخرة، مراعيا وقته لا يفوته طرفة عين، بحيث لو ~~أفطر بأدنى شيء من المشارب كلها يستأنف الصوم بالإمساك، ولا يفطر بشيء ~~دون لقاء الله تعالى كما قال قائلهم: # وحق له لما اعتراه نواكم # لقد صام طرفي عن شهود سواكم # ويبدو هلال الصب حين يراكم # يعيد قوم حين يبدو هلالهم # وفي قوله تعالى: { فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين } [النساء: 92]، إشارة أخرى؛ وهي أن تربية النفس ~~وتزكيتها ببذل المال وترك الدنيا مقدمة على تربيتها بالجوع والعطش وسائر ~~المجاهدات، فإن: " حب الدنيا رأس كل خطيئة " ، وهو عقبة لا يقتحمها إلا ~~الفحول من الرجال، كقوله تعالى: # فلا اقتحم العقبة * ومآ أدراك ما العقبة * فك ~~رقبة # [البلد: 11-13]، وإن أول قدم السالك أن يخرج من الدنيا وما فيها، وثانية ~~أن يخرج من النفس وصفاتها، كما قال: دع نفسك وتعالى، وقال تعالى: # ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام # [البقرة: 149]، وفي قوله: { فصيام شهرين متتابعين ~~توبة من الله } [النساء: 92]، إشارة إلى: إن الإمساك عن ~~المشارب كلها من الدنيا والآخرة على الدوام، وهي جذبة من الله تعالى { ~~وكان الله } [النساء: 92] في الأزل { عليما } [النساء: 92] بمن ms0413 ~~يصلح لهذه الجذبة، { حكيما } [النساء: 92] فيما اختارها يفعل ما يشاء ~~ويحكم ما يريد. # ثم أخبر عن قصد قتل المؤمن بالعمل بقوله تعالى: { ومن يقتل ~~مؤمنا متعمدا } [النساء: 93]، والإشارة فيها: إن القلب مؤمن ~~من أصل الفطرة، والنفس كافرة في أصل الخلقة، وبينهما عداوة جبلية وقتال ~~أصلية وتضاد كلية، فإن في حياة النفس موت القلب، وفي حياة القلب موت ~~النفس، فلما كان نفوس الكفار حية كانت قلوبهم ميتة، فسماهم الله تعالى ~~الموتى، كما قال تعالى: # إنك لا تسمع الموتى # [النمل: 80]، ولما كانت نفس الصديق رضي الله عنه ميتة وقلبه حيا، قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " من أراد أن ينظر إلى ميت يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى أبي بكر رضي ~~الله عنه " # ، فالإشارة في قوله تعالى { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } ~~[النساء: 93]؛ أي: القلب والنفس؛ يعني: النفس الكافرة إذا قتلت قلبا ~~مؤمنا متعمدا للعداوة الأصلية باستيلاء صفاتها البهيمية والسبعية ~~والشيطانية على القلب الروحاني، وغلبت هواها عليه حتى يموت القلب، فإنها ~~سمها القاتل، { فجزآؤه } [النساء: 93]؛ أي: جزاء النفس { جهنم ~~} [النساء: 93]؛ وهي سفل عالم الطبيعة، { خلدا فيها } [النساء: ~~93]؛ لأن خروج النفس عن سفل الطبيعة إنما كان بحبل الشريعة، والتمسك بحبل ~~الشريعة إنما كان من خصائص القلب المؤمن بالله، كقوله تعالى: # ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت # [التين: 5-6]، فالإيمان والعمل الصالح من شأن القلب وصنيعته، فإذا مات ~~القلب وانقطع عمله تخلد النفس في جهنم سفل الطبيعة أبدا، { وغضب ~~الله عليه ولعنه } [النساء: 93]، بأن يبعدها ويطردها عن ~~الحضرة والقربة، ويحرمها عن إيصال الخير والرحمة إليها بخطاب # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28]، { وأعد له عذابا عظيما } [النساء: 93]، عن ~~حضرة العلي العظيم والحرمات عن جنات النعيم. ### || [4.94-96] # ثم أخبر عمن يسلم إذا ألقى السلم بقوله تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله } [النساء: 94]، والإشارة ~~فيها إلى البالغين الواصلين بالسير إلى الله تعالى؛ أي: { يأيها ~~الذين آمنوا } [النساء: 94]، وما قنعوا على مجرد الإيمان بالغيب، ~~{ إذا ضربتم في سبيل الله } [النساء: 94]؛ يعني: بل سرتم ~~بقدم ms0414 السلوك في طلب الحق، حتى صار الإيمان إيقانا، والإيقان إحسانا، ~~والإحسان عيانا، والعيان غيبا، وصار الغيب شهادة، والشهادة شهودا، ~~والشهود شاهدا، والشاهد مشهودا، وبهما اقسم الله تعالى بقوله # وشاهد ومشهود # [البروج: 3]، فافهم جيدا، وهذا مقام الشيخوخة { فتبينوا } ~~[النساء: 94] عن حال المريدين وتثبتوا في الرد والقبول، وفي قوله تعالى: ~~{ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست ~~مؤمنا } [النساء: 94]، وألقي إليكم السلام بالانقياد والاستسلام، فلا ~~تقولوا: ألست مؤمنا؟ أي: صادقا مصدقا في التسليم لأحكام الصحبة، وقبول ~~التصرف في المال والنفس بشرط الطريقة، ولا تردوه ولا تنفروه بمثل هذه ~~الشدائد، وقوله كما أمر الله موسى وهارون عليهما السلام # فقولا له قولا لينا # [طه: 44]، فما أنتم أعز من الأنبياء، ولا المريد المبتدئ أذل من فرعون، ~~ولا يهونكم أمر رزقه فتجتنبون منه للتخفيف، وإلى هذا المعنى أشار بقوله ~~تعالى: { تبتغون عرض الحيوة الدنيا } [النساء: 94]، فلا ~~تهتموا لأجل الرزق { فعند الله مغانم كثيرة } [النساء: ~~94]، # ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # [الطلاق: 2-3]، { كذلك كنتم من قبل } [النساء: 94]؛ أي: ~~كذلك كنتم ضعفاء بالصدق والمطلب محتاجين إلى الصحبة والتربية والإرادة من ~~قبل، { فمن الله عليكم } [النساء: 94] بصحبة المشايخ وقبولهم ~~إياكم والإقبال على تربيتكم وإيصال رزقكم إليهم وشفقتهم وعطفهم عليكم، { ~~فتبينوا } [النساء: 94]، أن تردوا صادقا اهتماما لرزقه، وتقبلوا ~~كاذبا حرصا على كثير المريدين، { إن الله كان } [النساء: 94] ~~في الأزل، { بما تعملون } [النساء: 94] اليوم من الرد والقبول ~~والاحتياج إلى الرزق تهتمون له، { خبيرا } [النساء: 94]، فدبر الأمور ~~وقدرها في الأزل وفرغ منها، كما قال: صلى الله عليه وسلم # " إن الله تعالى فرغ من الخلق والخلق والرزق والأجل ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " الضيف إذا نزل، نزل برزقه، وإذا ارتحل، ارتحل بذنوب مضيفه ". # ثم أخبر عن فضل المؤمن المجاهد على المؤمن القاعد بقوله تعالى: { لا ~~يستوي القعدون من المؤمنين } [النساء: 95] إلى قوله: { ~~غفورا رحيما } [النساء: 96]. # والإشارة فيها: ألا يستوي القاعدون عن طلب الحق، وإن كانوا أولي العذر ~~من المؤمنين العالمين المتقين، { والمجهدون في سبيل الله ~~} [النساء: 95] في ms0415 طلب الحق القائمون في أداء حقوق الطلب، { ~~بأمولهم } [النساء: 95]؛ أي: بترك الدنيا { وأنفسهم } ~~[النساء: 95]؛ أي: ببذل الوجود في طلب المعبود، { غير أولي ~~الضرر } [النساء: 95]، غير بالرفع صفة المجاهدين؛ يعني: في الله حق ~~جهاده ولا يرون ضرر الجهاد وضررا على أنفسهم من بذل المال والأنفس، يدل ~~عليه قوله تعالى: # ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت # [النساء: 65]، ثم قال تعالى: { فضل الله المجهدين ~~بأمولهم وأنفسهم } [النساء: 95]؛ يعني: فضلهم بفضيلة ~~الولاية، والتوفيق لبذل المال والنفس على القاعدين يدل عليه قوله تعالى: # وقيل اقعدوا مع القاعدين # [التوبة: 46]، وذلك القيل ما كان من طريق القوم الخذلاء لما خذلهم الله ~~تعالى ولم يوفقهم للقيام، كما قيل لهم: # اقعدوا # [التوبة: 46]، وقوله تعالى: { على القعدين درجة } [النساء: ~~95]؛ يعني: للمجاهدين فضيلة درجة الولاية على القاعدين، ثم عمم القول في ~~المجاهد والقاعد بلا عذر، فقال تعالى: { وكلا وعد الله ~~الحسنى } [النساء: 95]؛ يعني: الجنة فيما بين الواصلين البالغين ~~والطالبين المنقطعين بعذر، وعوام المؤمنين القاعدين عند الطلب بلا عذر، ~~ثم خص المجاهدين بالانفراد في نيل الدرجات والوصول إلى القربات، فقال ~~تعالى: { وفضل الله المجهدين } [النساء: 95] بعد الطالبين ~~والواصلين مطلقا، { على القعدين } [النساء: 95]؛ يعني: ~~المنقطعين بعذر أو بغير عذر مطلقا، { أجرا عظيما } [النساء: 95]، ~~وعظم الأجر على قدر مراتب الطالبين والواصلين، وخصهم بدرجات منه لا من ~~غيره، فقال تعالى: { درجات منه } [النساء: 96]؛ أي: قربات منه، { ~~ومغفرة } [النساء: 96] منه لبعضهم؛ وهو أن يتجلى بصفة الغفران لهم ~~فيكونوا مستورين بصفاته لا منتفين بصفاته عن صفاتهم، لا فانين عن ~~ذواتهم بذاته. # { وكان الله غفورا رحيما } [النساء: 96]؛ يعني: يكون الله ~~تعالى بذاته غفورا، والغفور للمبالغة؛ يعني: كثير الغفران لبعضهم حتى ~~يغنيهم عن ذواتهم ويبعثهم برحمة ذاته تعالى وتقدس، فافهم واغتنم هذا ~~الجهاد الأكبر. ### || [4.97-99] # ثم أخبر عن القاعدين الظالمين لأنفسهم بقوله تعالى: { إن الذين ~~توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } [النساء: 97] إلى ~~قوله: { غفورا } [النساء: 99]، والإشارة فيها: إن المؤمنين عوام وخواص ~~وخاص الخاص، كقوله تعالى: # فمنهم ظالم لنفسه # [فاطر: 32]؛ وهو العام، # ومنهم مقتصد # [فاطر: 32]؛ وهو الخاص، # ومنهم سابق ms0416 بالخيرات # [فاطر: 32]؛ وهو خاص الخاص، فالذي { توفاهم الملائكة ~~ظالمي أنفسهم } [النساء: 97]؛ فهم العوام الذين ظلموا على ~~أنفسهم بتدسيسها من غير تزكيتها عن أخلاقها الذميمة وتحليتها بالأخلاق ~~الحميدة ليفلحوا فخابوا وخسروا، كما قال الله تعالى: # قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها # [الشمس: 9-10]، { قالوا فيم كنتم } [النساء: 97]؛ أي: قالت ~~الملائكة حين قبضوا أرواحهم في أي غفلة كنتم تضيعون أعماركم تبطلون ~~استعدادكم الفطري؟ وفي أي واد من أودية الهوى تهيمون؟ وفي أي روضة من ~~رياض الدنيا تسرحون؟ أكنتم تؤثرون الفاني على الباقي، وتنسون الطهور ~~الساقي، وإخوانكم يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، ويهاجرون عن ~~الأوطان ويفارقون الإخوان والأخدان، { قالوا كنا مستضعفين ~~في الأرض } [النساء: 97]؛ أي: عاجزين عن استيلاء النفس الأمارة، ~~وغلبة الهوى ما سوى الشيطان في حبس البشرية، { قالوا ألم تكن ~~أرض الله واسعة } [النساء: 97]؛ أي: أرض القلب واسعة، { ~~فتهاجروا } [النساء: 97] عن مضيق أرض البشرية تسلكوا في فسحة عالم ~~الروحانية، بل تطيروا في هواء الهوية، { فأولئك } [النساء: 97]؛ ~~يعني: ظالمي أنفسهم، { مأواهم جهنم } [النساء: 97] البعد عن ~~مقامات القرب، { وسآءت مصيرا } [النساء: 97]، جهنم البعد لتاركي ~~القرب، والقاعدين عن جهاد النفس، { إلا المستضعفين من ~~الرجال والنسآء والولدان } [النساء: 98]، الذي صفتهم { ~~لا يستطيعون حيلة } [النساء: 98] في الخروج عن الدنيا؛ لكثرة ~~العيال وضعف الحال، وعلى قهر النفس وغلبة الهوى، ولا على قمع الشيطان في ~~طلب الهدى، { ولا يهتدون سبيلا } [النساء: 98]، إلى صاحبة ~~ولاية يتمسكون بعروة الوثقى، ويعتصمون بحبل إرادته في طلب المولى، ~~فيخرجهم من ظلمات البشرية إلى نور سماء الربوبية على أقدام العبودية؛ وهم ~~المقتصدون المشتاقون، ولكن بحجب الأنانية محجوبون عن شهود جمال الحق ~~محرومون فعذرهم الله، ووعدهم الله رحمته وقال تعالى: { فأولئك ~~عسى الله أن يعفو عنهم } [النساء: 99]، السكون عن الله ~~والركون إلى غير الله { وكان الله } [النساء: 99] في الأزل، { ~~عفوا } [النساء: 99]؛ لعفوه أمكنكم التقصير في العبودية { غفورا } ~~[النساء: 99]؛ ولغفرانه أمهلهم في إعطاء حق الربوبية. ### || [4.100-101] # ثم أخبر عن المهاجرين وهم السابقون بقوله تعالى: { ومن يهاجر في ~~سبيل الله يجد في الأرض مرغما كثيرا ms0417 وسعة } ~~[النساء: 100]، والإشارة فيها: إن من غاية ضعف الإنسان، وجبانة ~~الحيوانية، واستهواء الشيطانية يكون خوف البشرية غالبا على الطالب ~~الصادق في بدء طلبه، فكلما أراد أن يسافر عن الأوطان ويهاجر عن الإخوان ~~طالبا فوائد إشارة أن يسافروا تصحوا، وتغتنموا الإزالة مرض القلب ونيل ~~صحة الدين والفوز بسنح كامل مكتمل، وطيب حاذق مشفق ليعالج مرض قلبه ~~ويبلغه كعبة طلبه، فسولت له النفس إعواز الرزق وعدم الصبر، ويعده الشيطان ~~بالفقر فقال تعالى: على قضيته # والله يعدكم مغفرة منه وفضلا # [البقرة: 268]، { ومن يهاجر في سبيل الله } [النساء: 100]؛ ~~أي: في طلب الله، { يجد في الأرض مرغما كثيرا } [النساء: ~~100]؛ أي: بلاء أطيب من بلاءه، وإخوانا في الدين أحسن من إخوانه، وسعة ~~في الرزق، وفيه إشارة أخرى؛ وهي ومن يهاجر عن البشرية في طلب حضرة ~~الربوبية يجد في الأرض الإنسانية، { مرغما كثيرا } [النساء: 100] ~~أي: متحولا ومنازل مثل القلب والروح والسر، { وسعة } [النساء: 100] ~~أي: وسعة في تلك العوالم الوسيعة وسعة من رحمة الله. كما أخبر تعالى على ~~لسان نبيه صلى الله عليه وسلم عن تلك العوالم الوسيعة بقوله: # " لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن " # ، فافهم يا كثير الفكر قصير النظر قليل العبر. # ثم قال تعالى دفعا للهوى حبس النفسانية ووساوس الشيطانية في التخويف ~~بالموت والإبعاد بالفوت { ومن يخرج من بيته } [النساء: 100] ~~أي: ببيت بشريته بترك الدنيا وقمع الهوى وقهر النفس بهجران صفاتها وتبديل ~~أخلاقها { مهاجرا إلى الله } [النساء: 100] وطالبا له في ~~متابعته، { ورسوله ثم يدركه الموت } [النساء: 100] قبل ~~وصوله، { فقد وقع أجره على الله } [النساء: 100]؛ يعني: ~~فقد أوجب الله تعالى على ذمة كرمه بفضله ورحمته أن يبلغه إلى أقصى مقاصده ~~وأعلى مراتبه في الوصول ينال على صدق نية وخلوص طوية إذا كان المانع من ~~أجله، ونية المؤمن أبلغ من عمله، { وكان الله غفورا } [النساء: ~~100]؛ لذنب بقية أنانية وجوده، { رحيما } [النساء: 100]، عليه بتجلي ~~صفة جوده ليبلغ العبد إلى كمال مقصوده بمنه وكرمه وسعة وجوده. # ثم أخبر عن خوف الأعداء على طريق الأولياء بقوله تعالى: ms0418 { وإذا ~~ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا ~~من الصلوة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ~~إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا } [النساء: ~~101]، إلى قوله: # عذابا مهينا # [النساء: 102]. # والإشارة فيها: إن الله تعالى خلق الخلق للعبودية والمعرفة، وقد جعلها ~~مخبأة، فأما العبودية ففي صورة الصلاة، وأما المعرفة ففي التكبيرات ~~والتسبيحات وسائر أركان الصلاة وشرائطها مودعة، وليس هذا موضع شرحها ~~وسنبينها في موضعها إن شاء الله تعالى، فلهذا المعنى فرض الصلاة في الخوف ~~وشدة القتال والحضر والسفر والصحة والمرض، فإن الصلاة صورة جذبة الحق ~~ومعراج العبد؛ ليكون العبد مجذوب العناية على الدوام مترقيا مقامات ~~العبودية والمعرفة، كما قال تعالى: # إن الصلوة كانت على المؤمنين كتبا موقوتا # [النساء: 103]؛ يعني: واجبا في جميع الأوقات حين فرضت بقوله تعالى: # فأقيموا الصلوة # [النساء: 103]؛ أي: أديموها رخص فيها بخمس صلوات في خمسة أوقات بضرورة ~~ضعف الإنسانية، كما كانت الصلاة خمسين صلاة حين فرضت ليلة المعراج فجعلها ~~بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم خمسا وهذا لعوام الخلق، وأثبت دوام ~~الصلاة للخواص بقوله: # الذين هم على صلاتهم دآئمون # [المعارج: 23]. ### || [4.102] # { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلوة } [النساء: ~~102]، إشارة إلى هذا المعنى؛ يعني: ما دمت بالصورة بينهم وهم ينظرون إليك ~~فقد أدمت لهم الصلاة؛ لأن النظر إليك عبادة، كما # إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر # [العنكبوت: 45]، فإنك تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وكذلك لمن يكون له نور ~~نبوتك في قلبه متصرف على الدوام فأدمت له الصلاة، فلما لم يكن هذا المقام ~~ميسر لجميع الخلق أن يكون بينهم لا بالصورة ولا بالمعنى قال الله تعالى: ~~{ فلتقم طآئفة } [النساء: 102]؛ يعني: من الخواص { منهم } ~~[النساء: 102]، أي: من عوامهم { معك } [النساء: 102]؛ ليكونوا دائمين ~~في الصلاة قائمين مع الله على الدوام، فإن من يكون معك فقد يكون مع الله، ~~لأنك مع الله لقوله تعالى: # إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا # [التوبة: 40]، { وليأخذوا } [النساء: 102]؛ يعني: طائفة من بقية ~~القوم { أسلحتهم } [النساء: 102]، من الطاعات والعبادات دفعا ~~لعدو النفس والشيطان، { فإذا سجدوا } [النساء: 102]؛ يعني: من ms0419 معك ~~ونزلوا مقامات القربة، { فليكونوا } [النساء: 102]؛ أي: هؤلاء ~~العوام { من ورآئكم } [النساء: 102] في المرتبة والمقام والمتابعة ~~ويحفظونكم باشتغالهم بالأمور الدنيوية لحوائجكم بالضرورات الإنسانية، { ~~ولتأت طآئفة أخرى } [النساء: 102]، بعدكم { لم يصلوا ~~} [النساء: 102] معك في الصحبة { فليصلوا معك } [النساء: 102] ~~في الوصلة، { وليأخذوا حذرهم } [النساء: 102]؛ وهو آداب ~~الطريقة، { وأسلحتهم } [النساء: 102]؛ وهي أركان الشريعة بنظر ~~شيخ كامل من أهل الحقيقة، فإنه من جملة الحذر يبقى العبد محروسا عن ~~مكائد كفار النفس والشيطان، { ود الذين كفروا لو ~~تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم } [النساء: 102]؛ أي: ~~عن أركان الشريعة ومراقبة القلوب في حفظ مواهب الحق وفتوحات الغيب، { ~~فيميلون عليكم } [النساء: 102]؛ يعني: عدو النفس وصفاتها ~~والشيطان وأعوانه، { ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن ~~كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى } [النساء: ~~102]؛ يعني: من كثرة اشتغال الدنيا وضروريات البشرية تمطر عليكم في بعض ~~الأوقات، { أن تضعوا أسلحتكم } [النساء: 102] من أركان ~~الشريعة عند الضرورة ساعة فساعة، { وخذوا حذركم إن الله ~~أعد للكافرين عذابا مهينا } [النساء: 102]، من التوجه ~~الحق ومراقبة الأحوال، وحفظ القلب وحضوره مع الله، وخلو السر عن الالتفات ~~بغير الله، ورعاية التسليم والتفويض إلى الله تعالى، والاستمداد من همم ~~المشايخ والالتجاء إلى ولاية النبوة. ### || [4.103-105] # ثم أخبر عن معنى آخر من معنى الحذر؛ وهو المداومة على الذكر بقوله ~~تعالى: { فإذا قضيتم الصلوة فاذكروا الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبكم } [النساء: 103]، إلى قوله: # عليما حكيما # [النساء: 111]، والإشارة فيها: إن الله تعالى يأمر من لم تكن صلاته ~~دائمة، { فإذا قضيتم الصلوة } [النساء: 103] المكتوبة ~~المفروضة المعدودة فلا تحسبوا أنها تكفيكم في إقامة العبودية، أو تصلون ~~بمجردها إلى حضرة الربوبية، ولكن { فاذكروا الله } [النساء: 103] ~~في جميع حالاتكم ولا تخلوا حالاتكم من [الوصف]، إما تكونوا قياما أو ~~قعودا أو على جنوبكم { فاذكروا الله قياما وقعودا ~~وعلى جنوبكم } [النساء: 103] حتى يطمئن قلبكم بذكر الله، { ~~فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلوة } [النساء: 103]؛ أي: ~~فأديموها؛ يعني: فإذا اطمأن القلب بذكر الله فقد أقام القلب الصلاة، { ~~إن الصلوة كانت على المؤمنين كتبا } [النساء: ~~103] أي: مكتوبا أزليا، { موقوتا } [النساء: 103] أي: مؤقتا إلى ms0420 ~~الأبد. # فاعلم أن لله تعالى عبادا قد منحهم ديمومة الصلاة فهم في صلاتهم دائمون ~~من الأزل إلى الأبد، وليس هذا من مدرك عقول الخيال فلا يعقلها إلا ~~العالمون، وقد أشار إلى هذا المعنى بقوله تعالى: # إنا فتحنا لك فتحا # [الفتح: 1] منا بنا عليك، # مبينا # [الفتح: 1]؛ أي: بينا لك # ليغفر لك الله # [الفتح: 2] بما فتح منه عليك، # ما تقدم # [الفتح: 2] في الأزل، # من ذنبك # [الفتح: 2]؛ بأن لم تكن مصليا، # وما تأخر # [الفتح: 2] إلى الأبد من ذنبك بأن لا يكون مصليا، # ويتم نعمته عليك # [الفتح: 2]؛ يعني: نعمة المغفرة، وإتمامها أن يجعل بها سيئاتك وهي عدم ~~صلاتك في الأزل والأبد مبدلة بالحسنات وهي الصلاة المقبولة من الأزل إلى ~~الأبد # ويهديك صراطا مستقيما # [الفتح: 2] من الأزل إلى الأبد، ومن الأبد إلى الأزل، # وينصرك الله # [الفتح: 3] بالظفر على هذا الأكبر الأعظم، # نصرا عزيز # [الفتح: 3]، لا يعز به غيرك ولا يتنسم روائحه إلا بمسام متابعتك، فهمها ~~من فهمها، وجهلها من جهلها، ثم قال تعالى: { ولا تهنوا في ~~ابتغآء القوم } [النساء: 104] أي: في طلب النفس وصفاتها والجهاد ~~معها، { إن تكونوا تألمون } [النساء: 104] في الجهاد معها، ~~ويتعبون بالرياضيات والمجاهدات، وملازمة الطاعات والعبادات، ومداومة ~~الذكر ومراقبة القلب في طلب الحق، والوصول إلى المقامات العلية، { ~~فإنهم يألمون } [النساء: 104]؛ يعني: النفس والبدن في طلب ~~الشهوات الدنيوية، واللذات الحيوانية والمرادات الجسمانية، ويأملون ~~ويتعبون في طلبها، { كما تألمون وترجون من الله } ~~[النساء: 104]، العواطف والعوارف الأبدية، { ما لا يرجون } ~~[النساء: 104]، النفوس الردية من هممها الدنية التي لا تجاوز قصورها من ~~المقاصد الدنيوية، { وكان الله عليما } [النساء: 104]، في الأزل ~~باستعداد كل طائفة من أصناف الخلق، { حكيما } [النساء: 104]، فيما حكم ~~لكل واحد منهم من المقاصد والمشارب، # قد علم كل أناس مشربهم # [البقرة: 60]، وجعل # كل حزب بما لديهم فرحون # [المؤمنون: 53]. # ثم أخبر عن إنزال الكتاب بالحق إنه على من أنزل من الخلق بقوله تعالى: { ~~إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق } [النساء: 105]، ~~والإشارة فيها: إن إنزال الكتب من الله تعالى على الأنبياء - عليهم ~~السلام - كان بواسطة الألواح والصحف وجبريل ms0421 عليه السلام، وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم ليلة المعراج بلا هذه الوسائط، كما قال تعالى: # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم: 10]؛ يعني: من القرآن وما يعد له يدل عليه قوله تعالى: # الرحمن * علم القرآن # [الرحمن: 1-2] ليلة المعراج، وقال: صلى الله عليه وسلم # " أوتيت القرآن وما يعد له " # ، فقال تعالى: { إنآ أنزلنا إليك الكتاب } [النساء: ~~105]؛ يعني: القرآن بلا واسطة ليلة المعراج { بالحق } [النساء: ~~105]؛ أي: الحق تعالى أنزله إليك نظير قوله تعالى: # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل # [الإسراء: 105]، فكان النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصا بهذه الكرامة من ~~جميع الأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام - يدل عليه قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " فضلت على الأنبياء بست، فقال: أوتيت جوامع الكلام " # ، ويؤكد ما قلنا في تأويل { إنآ أنزلنا إليك الكتاب } ~~[النساء: 105] قوله تعالى: { لتحكم بين الناس بمآ أراك ~~الله } [النساء: 105]؛ يعني: بما حين أوحى إليك بلا واسطة وأريك آياته ~~الكبرى، وقوله تعالى: # ما كذب الفؤاد ما رأى # [النجم: 11]، بإراءة الله تعالى: { ولا تكن للخآئنين ~~خصيما } [النساء: 105]؛ يعني: ولا تكن أبدا للخائنين خصيما بما أريك ~~الله من الحق، وفي الآية تقديم وتأخير تقديره ولا تكن للخائنين خصيما، # ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن ~~الله لا يحب من كان خوانا أثيما # [النساء: 107]. ### || [4.106-109] # { واستغفر الله } [النساء: 106]؛ يعني: الذين يختانون أنفسهم ~~بالمعاصي، { إن الله كان } [النساء: 106]، في الأزل { غفورا } ~~[النساء: 106] لك ولمن تستغفر لهم من أمتك، { رحيما } [النساء: 106] ~~بك وبهم، وبرحمته أرسلك إليهم ولغفلتهم، { يستخفون من الناس } ~~[النساء: 108]؛ أي: ممن هو ناس ليستخفون مع احتمال نسيانهم ذنوبهم، { ~~ولا يستخفون من الله وهو معهم } [النساء: 108] في ~~جميع الأحوال، # يعلم خآئنة الأعين وما تخفي الصدور # [غافر: 19]، يرى أعمالهم ويسمع أقوالهم، { إذ يبيتون ما لا ~~يرضى من القول } [النساء: 108]، ولا ينسي أفعالهم، { وكان ~~الله } [النساء: 108] في الأزل { بما يعملون } [النساء: 108]، ~~اليوم { محيطا } [النساء: 108] علمه قبل وقوع العمل، { هأنتم ~~هؤلاء } [النساء: 109] يا أهل الغيبة عن الله، { جدلتم ~~عنهم } [النساء: 109] عن أهل الباطل لغيبتكم عن الله وحضوركم { في ~~الحيوة الدنيا ms0422 } [النساء: 109]، والغالب عليكم رؤية الخلق { ~~فمن يجدل الله عنهم يوم القيمة } [النساء: 109] ~~في حضور الحق وقد وقع عليكم الفزع الأكبر { أم من يكون عليهم ~~وكيلا } [النساء: 109] يتكلم بوكالتهم، # يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ ~~لله # [الانفطار: 19]. ### || [4.110-113] # ثم أخبر عن الدواء بعد الداء بقوله تعالى: { ومن يعمل سوءا ~~أو يظلم نفسه } [النساء: 110]، والإشارة فيها: إن من يعمل ~~سوءا؛ أي: عملا من مأمورات النفس وشهواته، # إن النفس لأمارة بالسوء # [يوسف: 53]، أو يظلم نفسه بأن يشرك بالله في عبودية أحدا، # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] { ثم يستغفر الله } [النساء: 110]، يفر من ~~أنانيته ويطلب من الله أن يغفر بهويته، { يجد الله } [النساء: 110] ~~عند الطلب، فإنه قال: # " من طلبني وجدني " # ، { غفورا } [النساء: 110] بهوية أنانيته، { رحيما } [النساء: ~~110] فيرحم أنانيته بهويته، { ومن يكسب إثما } [النساء: 111] ~~ولا يستغفر الله، { فإنما يكسبه على نفسه } [النساء: ~~111]، فإن دين الإثم يظهر في الحال في صفاء مرآة قلبه فيعميه عن رؤية ~~الحق، ويضمه عن سماع الحق، كما قال تعالى: # بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين: 14]، { وكان الله } [النساء: 111] في الأزل { عليما ~~} [النساء: 111]، بكسب إثمه { حكيما } [النساء: 111] فيما أظهر أثر ~~كسبه في زين قلبه، { ومن يكسب خطيئة } [النساء: 112]؛ وهي ما ~~تكسب نفسه من مذمومات الصفات بغير عمده وقصده، { أو إثما } [النساء: ~~112] ذنبا بعمده وسعيه، { ثم يرم به بريئا } [النساء: 112]؛ ~~أي: قلبه البريء من مذمومات الصفات وعمده الذنب فإن من شأن القلب الطاعة ~~والعبودية والصفات الحميدة؛ يعني: تسعى النفس وتتبع شهواتها واستيفاء ~~حظوظها إلى أن يؤثر ظلمة طبيعتها في صفات القلب، ويستلذ القلب من مشتهيات ~~النفس فيتصف القلب بصفات النفس فيبهت عنها ويقع في ورطة الهلاك، { فقد ~~احتمل } [النساء: 112] صاحب النفس { بهتانا } [النساء: 112] مما ~~أبهت القلوب عن العبودية والطاعة { وإثما مبينا } [النساء: 112] ~~مما أنبت به نفسه من المعاصي وأثم بها قلبه، فيكون بمنزلة من جعل اللب ~~وهو القلب جلدا وهو النفس، وهذا من إكسير الشقاوة فلا ينقطع عنه العذاب، ~~إذا صار كل وجوده جلودا فيكون من جملة الدين، قال ms0423 الله تعالى فيهم: # سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم ~~بدلنهم جلودا غيرها # [النساء: 56]؛ لأنهم بدلوا الألباب بالجلود وهاهنا كما قررنا، والله ~~أعلم. # ثم أخبر عن فضيلة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه بالفضل جعله خير البرية ~~بقوله تعالى: { ولولا فضل الله عليك ورحمته ~~لهمت طآئفة منهم أن يضلوك } [النساء: 113]، ~~والإشارة فيها: إن فضل الله موهبة من مواهب يؤتيه من يشاء، وليس لأحد فيه ~~مدخل بالكسب والاستجلاب، وبذلك يهدي للإيمان ويوفقه الله للعمل الصالح، ~~ولهذا قال سيد الأولين والآخرين: { ولولا فضل الله عليك ~~ورحمته } [النساء: 113] من الأزل إلى الأبد { لهمت طآئفة ~~منهم أن يضلوك } [النساء: 113] عن طريق الوصول إلى الله، ~~ولولا إنا أفنيناك عنك بل عن كل ذرة من ذرات المخلوقات من الروحانيات ~~والجسمانيات حتى نفسك وروحك لكان حجابك عن الحضرة وما معك من الوصلة، ~~فبجذبات الفضل أفنينا عنك وعن حجب المكونات، وبكرامات الرحمة جعلنا ذرات ~~المكونات مرقات لك إلى الوصلة، وأبقيناك بنا حتى كنت فضلنا ورحمتنا ~~فأرسلناك # رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107]، وقلنا لهم: # فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من ~~الخاسرين # [البقرة: 64]، فلا يقدر أحد أن يضلك { وما يضلون إلا ~~أنفسهم } [النساء: 113]، من أراد أن يضلك؛ لأنهم بإرادة إضلالك ~~يضلون أنفسهم عن متابعتك ومطاوعتك، وأنت فضل الله ورحمته عليهم فيضلون ~~عنك، { وما يضرونك من شيء } [النساء: 113]؛ بل يضلون أنفسهم ~~بالحرمان عما { وأنزل الله عليك الكتاب } [النساء: 113]؛ ~~وهو القرآن { والحكمة } [النساء: 113]؛ وهي حقائق القرآن وأسراره ~~ولطائفه وإشاراته، { وعلمك ما لم تكن تعلم } [النساء: ~~113]؛ وهو علم ما كان وما سيكون، فإنه صلى الله عليه وسلم ما كان يعلم ~~قبل أن أسري به علم ما كان وما سيكون، وهذا هو حقيقة { وعلمك ما ~~لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } ~~[النساء: 113]، والعظيم هو الله، والإشارة أن الله العظيم هو فضل الله ~~عليك ورحمته، كما أنك فضل الله ورحمته على العالمين، ولهذا قال: # " لولاك لما خلقت الأفلاك " # ، فافهم جيدا. ### || [4.114-116] # ثم أخبر عن نجوى أصحاب الهوى بقوله تعالى: { لا خير في كثير ~~من نجواهم ms0424 } [النساء: 114]، إشارة في الآيتين: إن لا خير في كثير ~~من نجواهم؛ أي: الذين يتناجون من النفس والهوى والشيطان؛ لأنهم شرا، ولا ~~فيما يتناجون به؛ لأنهم يأمرون بالسوء والشر والفحشاء والمنكر، ثم استثنى ~~فقال: { إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح ~~بين الناس } [النساء: 114]، إلا فيمن أمر بهذه الخيرات فإنه فيه ~~الخير وهو الله تعالى، فإنه يأمر بالخيرات بالوحي عموما، ويأمر بالخاطر ~~الروحاني والإلهام الرباني خواص عباده، والخاطر يكون بواسطة الملك وبغير ~~الواسطة، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " ألا وإن للملك لمة، وللشيطان لمة، فلمة ~~الملك إيعاد للخير، ولمة الشيطان إيعاد ~~بالشر، فمن وجد لمة الملك فليحمد الله، ومن ~~وجد لمة الشيطان فليتعوذ من ذلك " # ، والإلهام ما يكون من الله تعالى بغير الواسطة؛ وهو على ضربين: # ضرب منه: ما لا شعور للعبد به إنه من الله تعالى، وضرب منه: ما يكون ~~بإشارة صريحة يعلم العبد إنه وارد من الله تعالى بتعليم نور الإلهام، ~~وتعريفه لا يحتاج إلى معرف آخر إنه مع الله تعالى، وهذا يكون بالولي وغير ~~الولي، كما قال بعض المشايخ: حدثني قلبي عن ربي، وقال صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الحق ينطق على لسان عمر ". # وقال: # " كادت فراسة عمر أن تسبق الوحي " # ، ثم قال: { ومن يفعل ذلك ابتغآء مرضات الله } ~~[النساء: 114]، أي: من يفعل بما ألهمه الله تعالى طلبا لمرضاته: { ~~فسوف نؤتيه أجرا عظيما } [النساء: 114] ذكر بقاء التعقيب ~~قوله: { فسوف } [النساء: 114]؛ يعني: عقيب الفعل { نؤتيه أجرا ~~عظيما } [النساء: 114]، وهو جذبة العناية التي تجذبه عنه وتوصله إلى ~~العظيم. # ثم قال تعالى: { ومن يشاقق الرسول } [النساء: 115]؛ أي: يخالف ~~الإلهام الرباني الذي هو رسول الحق تعالى إليه، { من بعد ما ~~تبين له الهدى } [النساء: 115] بتعريف إلهامه ونوره، { ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين } [النساء: 115] الموقنين ~~بالإلهام، بأن يتبع الهوى وتسويل النفس وسبيل الشيطان، { نوله } ~~[النساء: 115]؛ أي: نكله بالخذلان { ما تولى ونصله } [النساء: ~~115]، بسلاسل معاملاته التي تؤتي بها إلى { جهنم } [النساء: 115]، ~~سفليات البهيمية والسبعية والشيطانية { وسآءت مصيرا } [النساء: ~~115]؛ أي: ما صار إليه من ms0425 عباده الهوى واتباع النفس والشيطان وإشراكهم ~~بالله في المطاوعة. # ثم أخبر عن حال أهل الشرك بالضلال بقوله تعالى: { إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به } [النساء: 116]. # والإشارة فيه: إن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلا، وخلق النار وخلق ~~لها أهلا، فمن خلقه أهلا للجنة فقد غفر له قبل أن يخلقه، ومن غفر له ~~فإنه لا يشرك بالله، فالإشارة في قوله تعالى: { إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به } [النساء: 116]، إن لم يغفر فأشرك به، ولو ~~كان مغفورا لم يشرك به، { ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء } ~~[النساء: 116]؛ يعني: وقد غفر ما دون من أشرك به في الأزل فلم يشرك به ~~الآن، ومما يدل على هذا التأويل قوله تعالى: # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها # [السجدة: 13]، وأمثاله في القرآن، ويدل عليه أيضا بقية الآية وهي: { ~~ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا } [النساء: ~~116]؛ يعني: ومن يشرك بالله الآن فقد ضل ضلاله في الأزل، وهو الضلال ~~البعيد الأزلي بمشيئته في تحقيق: ويضل من يشاء، ولهذا قال تعالى: { ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء } [النساء: 116]، ومشيئته ~~أزلية أبدية فافهم جيدا. ### || [4.117-121] # ثم قال تعالى: { إن يدعون من دونه إلا إنثا } [النساء: ~~117]؛ يعني: ما يعبدون من دون الله، ولا يطلبونه من الدنيا والآخرة ~~ومنافعهما، إلا هو بمثابة الإناث لكم يتولد منه الشرك المقدر بمشيئته ~~الأزلية، { وإن يدعون } [النساء: 117]؛ أي: وإن يعبدون { ~~شيطنا مريدا } [النساء: 117]، { لعنه الله } [النساء: ~~118]؛ يعني: وما يعبدون شيئا إلا هو شيطان لهم يضلهم عن طلب الله ~~والوصول إليه، وقد لعنه الله وأبعده عن الحضرة إذا كان سببه ضلالتهم، كما ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " الدنيا ملعونة وملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه " # ، وإنما لعن الله الدنيا وأبغضها؛ لأنها كانت سببا للضلالة وكذلك ~~الشيطان، فافهم جيدا. # { وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } ~~[النساء: 118]، والنصيب المفروض من العباد؛ هم طائفة خلقهم الله أهل ~~النار، كقوله تعالى: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس # [الأعراف: 179]؛ وهم أتباع الشيطان هاهنا، والنصيب المفروض ms0426 في الأزل، إذ ~~قال تعالى بالكلام الأزلي القديم: # لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين # [ص: 85]، وإبليس مع كفره ظن أنه قد يرى، إذا قال: { ولأضلنهم ~~ولأمنينهم } [النساء: 119]، ما علم أنه بعث مزينا وليس إليه ~~من الضلالة شيء، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " بعثت مبلغا وليس إلي من الهداية شيء " # ، فمن يرى حقيقة الإضلال مشيئة من إبليس فهو إبليس وقته، وقد قال تعالى: # يضل من يشآء ويهدي من يشآء # [فاطر: 8]، وقال: # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا # [البقرة: 26]، فكما أن لأهل الإيمان أتباع النبي صلى الله عليه وسلم ~~وإنه لا يهدي من أحب، فكذلك أهل الضلالة هم أتباع إبليس وإنه لا يضل من ~~أحب، فافهم جيدا. # ثم أول إضلال إبليس بقوله تعالى: { ولأمرنهم فليبتكن ~~ءاذان الأنعم ولأمرنهم فليغيرن خلق الله ~~} [النساء: 119]، فليس على الإضلال للشيطان قدرة وقوة إلا بطريق الفتنة ~~والتزيين، والأمر والدعاء، كقوله تعالى: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم # [إبراهيم: 22]، فإني ما كنت لكم في الضلالة إلا عونا ووليا، وأنتم ~~اتخذتموني في ذلك وليا، { ومن يتخذ الشيطن وليا من ~~دون الله فقد خسر خسرانا مبينا } [النساء: 119] من ~~نواة سعادة الدارين؛ لأن الشيطان يعدهم برحمة الله وعفوه من غير توبة على ~~المعاصي والكف عن الذنوب، { ويمنيهم } [النساء: 120]، بما يلائم ~~طباعهم، { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } [النساء: ~~120]، إلا أن يغتروا بالحياة الدنيا وزينتها، ويغتروا بكرم الله وعفوه، ~~وقد قال تعالى: # فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم ~~بالله الغرور # [لقمان: 33]؛ والغرور: هو الشيطان، ومن يغتر به { أولئك ~~مأواهم جهنم } [النساء: 121]؛ أي: مقامهم ومسكنهم؛ لأنهم خلقوا ~~لذلك، وإنما اغتروا بقول الشيطان لهذه الخاصية، { ولا يجدون ~~عنها محيصا } [النساء: 121]، إذ هي ناديهم ولها خلقوا على التحقيق ~~بالحكمة البالغة والمشيئة الأزلية، فافهم. ### || [4.122-124] # ثم أخبر عمن خلق للجنان وأنهم أهل الإيمان بقوله تعالى: { والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات } [النساء: 122]، والإشارة فيها وهي ~~إن { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } [النساء: 122]؛ ~~يعني: الذين آمنوا واتقوا ولازموا ذكر لا ms0427 إله إلا الله فتبين لهم أنهم ~~عملوا الصالحات، ويدل عليه قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا ~~سديدا # [الأحزاب: 70]؛ وهو لا إله إلا الله # يصلح لكم أعمالكم # [الأحزاب: 71]؛ أي: يخلص، فإن إصلاح الأعمال في إخلاصها. # ثم اعلم أن بالإيمان والتقوى، وملازمة الذكر يكون العمل صالحا، وبالعمل ~~الصالح يصعد الذكر إلى الله تعالى، كما قال تعالى: # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه # [فاطر: 10]، فبالذكر والعمل الصالح يجتذب الذاكر عن أنانيته إلى هوية ~~المذكور، كقوله تعالى: # فاذكروني أذكركم # [البقرة: 152]، فيعبر عن أول مرتبة المذكور به بقوله تعالى: { ~~سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيهآ أبدا } [النساء: 122]، ويعبر عن مراتبها الباقية بقوله تعالى: # إن المتقين في جنات ونهر * في مقعد صدق عند ~~مليك مقتدر # [القمر: 54-55]، { وعد الله حقا } [النساء: 122]، وعده ما قال ~~هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، { ومن أصدق من الله قيلا } ~~[النساء: 122]؛ أي: لمن قوله بصدق قوله ويؤمن بوعده، { ليس ~~بأمنيكم } [النساء: 123]؛ يعني: بأماني عوام الخلق والذين ~~يذنبون ويطمعون أن يغفر الله لهم، والله تعالى يقول: وإني لغافر لمن تاب ~~وآمن وعمل صالحا، { ولا أماني أهل الكتاب } [النساء: ~~123]؛ يعني: علما السوء الذين يغرون بالرخاء المذموم، ويقطعون عليهم طريق ~~الطلب والجد والاجتهاد، { من يعمل سوءا يجز به } [النساء: ~~123] في الحال بإظهار الذين على مرآة قلبه بقدر الذنب، كما قال صلى الله ~~عليه وسلم # " إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب صقل " # ، { ولا يجد له من دون الله } [النساء: 123]؛ يعني: ولا ~~يجد له إلا الله، { وليا } [النساء: 123]، يخرجه من ظلمات المعصية ~~إلى نور الطاعة بالتوبة، { ولا نصيرا } [النساء: 123] سوى الله ~~بالظفر على النفس الأمارة بالسوء، فيزكيها عن صفاتها وعلى الشيطان فيدفع ~~سره وكيده، { ومن يعمل من الصلحت } [النساء: 124]أي: ~~الخالصات، { من ذكر أو أنثى } [النساء: 124]، يشير بالذكر إلى ~~القلب، وبالأنثى إلى النفس، { وهو مؤمن } [النساء: 124] مخلص في ~~ذلك الأعمال، { فأولئك يدخلون الجنة } [النساء: 124]؛ ~~المعنى أن القلب إذا عمل مما وجب عليه من التوجه إلى العالم العلوي، ms0428 ~~والإعراض عن العالم السفلي، وغض البصر عن سوى الحق يستوجب دخول الجنة، ~~والقربة والوصلة والنفس إذا عملت مما وجب عليها من الانتهاء عن هواها ~~وترك حظوظها، وأداء حقوق الله في العبودية واطمأنت بها تستحق الرجوع إلى ~~ربها والدخول في جنة عالم الأرواح، كما قال تعالى: # يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك # [الفجر: 27-28]، { ولا يظلمون نقيرا } [النساء: 124] فيما قدر ~~الله لهم من الأعمال الصالحات، ولا من الدرجات والقربات، فليس من تمنى ~~نعمة من غير أن يتبعني في خدمة من يتمنى نعمته وإن بينهما بونا بعيدا ~~من أعلى مراتب القرب إلى أسفل سافلين البعد. ### || [4.125-127] # ثم أخبر عن أحسن الدين لأهل اليقين بقوله تعالى: { ومن أحسن ~~دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن } [النساء: 125]، ~~والإشارة فيهما: إن لا أحد أحسن دينا ممن { أسلم وجهه لله }؛ ~~أي: أسلم ذاته وحقيقته بالكلية، يدل عليه قوله تعالى: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]؛ أي: ذاته وحقيقته، وهو؛ أي: من أسلم محسن محمد صلى الله ~~عليه وسلم وإنما سما محسن لمعنيين: # أحدهما: إنه صلى الله عليه وسلم كان مخصوصا من بين سائر الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام بالرؤية والمشاهدة، وإنه فسر الإحسان بأن تعبد الله كأنك ~~تراه، فسماه الله تعالى محسنا؛ لاختصاصه بالرؤية والمشاهدة، والثاني: ~~لأنه صلى الله عليه وسلم أحسن الدين فأجملنه بخلقه العظيم إلى أن بلغ ~~الدين بعده حد الكمال، فكان صلى الله عليه وسلم أحسن الدين من سائر ~~الأنبياء عليهم السلام فسماه محسنا؛ فمعنى الآية على التحقيق أن لا أحسن ~~دينا من محمد صلى الله عليه وسلم وقد استتم ذاته وحقيقته بالكلية حتى ~~اسلم سره وروحه وقلبه ونفسه وشيطانه، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " أسلم شيطاني على يدي " # ، ومن إسلام نفسه يقول يوم القيامة: # " أمتي أمتي " # ، حتى يقول الأنبياء: نفسي نفسي، ومما يدل على هذا التأويل قوله: عقيب ~~وهو محسن { واتبع ملة إبرهيم حنيفا } [النساء: 125]، ~~والاحتمال الذي اتبع ملة إبراهيم وأمره به كان محمد صلى الله عليه وسلم ~~بقوله: # أن اتبع ملة ms0429 إبراهيم حنيفا # [النحل: 123]، وقال صلى الله عليه وسلم: # " بعثت بالحنفية السهلة السمحة " # ، ثم شرع في شرح ملة إبراهيم التي اتبعها محمد صلى الله عليه وسلم وقال ~~تعالى: { واتخذ الله إبراهيم خليلا } [النساء: 125]، ومن ~~شرك الخلة استسلام العبد في عموم أحواله لله بالله، وأن لا يدخر شيئا عن ~~الله لا من ماله، ولا من جسده ومن روحه وجلده، ولا من أهله وولده، وهذا ~~كان حال إبراهيم عليه السلام، ومن شرط المحبة فناء المحبة في المحبة ~~وبقاؤه بالمحبوب حتى لم تبقى المحبة من المحب إلا الحبيب، وهذا كان حال ~~محمد صلى الله عليه وسلم قيل لمجنون ليلى ابن عامر: ما اسمك؟ قال: ليلى، ~~وقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم: حبيبا خليلا فقيرا من الخلة وهي الحجة ~~والفقر؛ أي: مفتقر بالكلية إلى الله في كل أحواله ليس له منه شيء، هل هو ~~من الله؟ كما قال: صلى الله عليه وسلم # " أنا من الله " # ، وقال تعالى: # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء: 80]، فافهم جيدا. # والفرق بين مقام الخليل ومقام الحبيب، إن الخليل اتخذ الآلهة عدوا في ~~الله وقال: # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء: 77]، والحبيب اتخذ نفسه عدوا في الله وقال: ليت رب محمد صلى ~~الله عليه وسلم لم يخلق محمدا، كما قيل قريب بهذا المعنى: بيني وبينك ~~أني يزاحمني فارفع بجودك إني من البين. # قال الشيخ الإمام مصنف هذا الكتاب - رحمه الله -: فلما أن رأيت وجودك ~~رحمة، تمنيت من الله أن ليت لم أخلق. # وفي قوله تعالى: { ولله ما في السموت وما في الأرض } ~~[النساء: 126]، إشارة إلى: إنه تعالى يوجد عند كل ذرة من ذراتها ~~بالإيجاد والحفظ، والإبقاء والإفناء، والكل يقولون: # إنا لله وإنآ إليه راجعون # [البقرة: 156]، فمن طلب الحق عند كل شيء يجده مع كل شيء وفي أول كل شيء، ~~وأول كل شيء وأخر كل شيء، وظاهر كل شيء، وإلى هذا يشير بقوله تعالى: { ~~وكان الله بكل شيء محيطا } [النساء: 126]، وكذا قوله: # ألا إنه بكل شيء محيط # [فصلت: 54]، تفهم إن ms0430 شاء الله تعالى. # { ويستفتونك في النسآء وما يتلى عليكم في ~~الكتب } [النساء: 127]، اعلم أن النفس بمثابة المرآة لزوج الروح ففي ~~قوله: { ويستفتونك في النسآء } [النساء: 127]، يسير إلى ~~الاستخبار عن النفوس { في يتمى النسآء } [النساء: 127]، عن ~~الصفات { التي لا تؤتونهن ما كتب لهن } [النساء: ~~127]؛ يعني: ما أوجب الله تعالى على العبد الطالب الصادق من حقوق النفس، ~~كما قال صلى الله عليه وسلم لعبد بن عمرو رضي الله عنه حين جاهد نفسه ~~بالليل بالقيام وبالنهار بالقيام: # " إن لنفسك عليك حقا صم وأفطر وقم ونم " # ؛ والمعنى: { قل الله يفتيكم فيهن } [النساء: 127]، إنها ~~مراكبكم في السير إلى الله فلا تقبلوا عن ترتيبها بالكلية فتجاهدوها ~~بالرياضيات فتنقطع عن السير؛ بل الجواب أن تتفقدوها بأداء حقوقها ~~وتواسوها بالرفق في تركيبها، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق " # ، يريد لا تحملوا على أنفسكم، ولا تكلفوها ما لا تطيقه فتعجز، وترك ~~الدين والعمل { وترغبون أن تنكحوهن } [النساء: 127]؛ يعني: ~~ولا ترغبوا عن مصاحبة النفس وصفاتها، والمداومة معها في تهذيب أخلاقها ~~وتربية صفاتها، إلى أن تردوها إلى حد الاعتدال، فإن قلع هذه الصفات ~~ونفيها بالكلية ليس بمحمود، وإنما المحمود اعتدالها في أن تفي إلى أمر ~~الله وأحكام الشرع، وكذا { والمستضعفين من الولدن } ~~[النساء: 127]؛ وهو الأفعال المتولدة من صفات النفس: كالأكل والشرب ~~والنكاح وأمثالها، فإن لكل واحد منهم حقا ورعاية حقوقهم، { وأن ~~تقوموا لليتمى بالقسط } [النساء: 127]؛ يعني: وإن تقوموا ~~لرعاية حقوق النفس وصفاتها وأفعالها بميزان الشرع قياما بالحق والعدل، { ~~وما تفعلوا من خير } [النساء: 127] في حق النفس وصلاحها ~~وإصلاح صفاتها، { فإن الله كان به عليما } [النساء: 127]، ~~وكذلك ما تفعلوا من شر في التفريط والإفراط فيجازيكم به. ### || [4.128-129] # { وإن امرأة } [النساء: 128] يعني: نفس، { خافت من بعلها ~~} [النساء: 128]؛ يعني: من الروح المتصرف فيها، { نشوزا } [النساء: ~~128] في رعاية حقوقها والمداراة معها، { أو إعراضا } [النساء: 128] ~~بالكلية بإظهار عداوتها وتشديد في اجتهادها وقصد هلاكها، { فلا ~~جناح عليهمآ أن يصلحا بينهما صلحا } [النساء: 128] ~~بأن تطيع النفس الروح في عبودية الحق، وتترك ms0431 بعض حظوظها رعاية لحقوقه في ~~طلب الحق، ويؤثر حقوقه عليها معاونة على حصول مقاصده من [حظه] ويواسيها ~~الروح بأن لا يعرض عنها بالكلية ويساعدها في بعض الأوقات مساعدة الراكب ~~في أثناء الطريق لاستراحته عن التعب واستنشاطه للسير، { والصلح ~~خير } [النساء: 128] للروح من الانقطاع طلب المقصد والمقصود، وللنفس ~~من الهلكة في أعراض الروح عنها، والمبالغة في اجتهادها وارتياضها { ~~وأحضرت الأنفس الشح } [النساء: 128]؛ يعني: كل نفس مجبولة ~~على البخل بنصيبها وحظها، فالروح تسنح بترك حقوق الله تعالى من نفسه، ~~والنفس تسنح بحظوظها من هواها، { وإن تحسنوا } [النساء: 128]؛ ~~يعني: بالتسوية بينهما في الصلح والعبودية للحق، { وتتقوا } ~~[النساء: 128] الحيف والجور على كل واحد منهما، { فإن الله كان ~~} [النساء: 128]، في الأزل { بما تعملون } [النساء: 128] اليوم { ~~خبيرا } [النساء: 128]، فإنه أعطى لكل واحد منهما استعداد الإحسان ~~والاتقاء في الأزل، وإلا ما كان لهما الإحسان والاتقاء اليوم، فافهم ~~جيدا. # ثم قال تعالى: { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين ~~النسآء ولو حرصتم } [النساء: 129]؛ يعني: لا تقدرون على ~~تزكية النفوس وتسوية الصفات وتعديلها ولو تحرصون عليها، وهذا نظير قوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " استقيموا ولن تحصوا " # ، ثم قال تعالى: { فلا تميلوا كل الميل } [النساء: 129] في ~~رعاية حقوق الروح واستيفاء حظوظ النفس، { فتذروها } [النساء: 129]؛ ~~يعني: النفس { كالمعلقة } [النساء: 129] بين عالم السفل وعالم ~~العلو، { وإن تصلحوا } [النساء: 129] على العبودية وامتثال الشرع ~~في حفظ الحدود، { وتتقوا } [النساء: 129] طرفي التفريط والإفراط في ~~الحقوق، { فإن الله كان } [النساء: 129]، في الأزل { غفورا } ~~[النساء: 129] للروح برش النور المقدس، { رحيما } [النساء: 129] ~~بالنفس حتى صارت مأمورة بعد كانت أمارة، كما قال تعالى: # إلا ما رحم ربي # [يوسف: 53]. ### || [4.130-131] # { وإن يتفرقا } [النساء: 130]؛ يعني: الروح والنفس بجذبات ~~الإلوهية، فالروح تنجذب عن النفس بجذبة دع نفسك وتعالى إلى سعة غنى الله ~~في عالم هويته، فيستغني عن مركب النفس بالوصول إلى المقصود، والنفس تنجذب ~~عن الروح بجذبة # ارجعي إلى ربك راضية مرضية # [الفجر: 28] إلى سعة غنى الله في عالم، # فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي # [الفجر: 29-30]، فتستغني عن راكب الروح بعناية، { يغن الله كلا ms0432 ~~من سعته وكان الله } [النساء: 130] في الأزل، { واسعا } ~~[النساء: 130] لهما في سعة رحمته، { حكيما } [النساء: 130]، حكم ~~عليهما بالاجتماع والافتراق، # إلى ربك يومئذ المساق # [القيامة: 30]. # ثم أخبر عن وصاية أهل الهداية بقوله تعالى: { ولله ما في ~~السموت وما في الأرض } [النساء: 131]، إشارة في الآيتين: إن ~~لله ما في السماوات من الدرجات العلا وجنات المأوى والفردوس، وما في ~~الأرض من نعيم وزينتها وزخارفها، والله مستغن عنها، وإنما خلقها لعباده ~~الصالحين، كما قال تعالى: # وسخر لكم ما في السموت وما في الأرض جميعا # [الجاثية: 13] منه وخلق العباد لنفسه، كما قال تعالى: # واصطنعتك لنفسي # [طه: 41]، { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم } [النساء: 131]؛ يعني: جميع أهل الأديان، { وإياكم } ~~[النساء: 131] أيها المؤمنون، { أن اتقوا الله } [النساء: 131] ~~ولا تطلبوا منه غيره، فإن الله تعالى مهما يكن لكم يكن ما في السماوات ~~والأرض لكم، واتقوا الله من الله غير الله، { وإن تكفروا } ~~[النساء: 131] بهذه النعمة العظيمة والكرامة الجسمية وتطلبوا غير الله ~~فلن تجدوه { فإن لله ما في السموت وما في الأرض } ~~[النساء: 131]، فلا تملكونه إلا بالله فإنه خلق لكم، لأنكم كنتم محتاجين ~~{ وكان الله } [النساء: 131] في الأزل إلى الأبد { غنيا } ~~[النساء: 131] عنه وعنكم، { حميدا } [النساء: 131] في ذاته وصفاته فلا ~~يحتاج إلى أحد منكم ولا إلى أن # يسبح له ما في السموت والأرض # [الحشر: 24]؛ لأنه ليس لشيء وجود حقيقي قائم بنفسه إلا بالله. ### || [4.132-134] # { ولله } [النساء: 132] جنود { ما في السموت وما في ~~الأرض } [النساء: 132]، وقيامه وبقيوميته قائم { وكفى بالله ~~وكيلا } [النساء: 132] في إيجاده وحفظه وتدبيره لكم فيما تحتاجون إليه ~~من الدنيا والآخرة، فاتخذوه وكيلا، فإن لم ترضوا بوكالته وتنسون وصايته ~~فله { إن يشأ يذهبكم أيها الناس } [النساء: 133] أيها ~~الناسون وصية والطالبون غيره، { ويأت بآخرين } [النساء: 133] ولا ~~يطلبون منه غيره، كما قال تعالى: # فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]، { وكان الله } [النساء: 133]، من الأزل { على ~~ذلك } [النساء: 133]؛ أي: على إثبات جميع الخلق بهذه الصفة، { ~~قديرا } [النساء: 133]، كما قال تعالى: # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق ~~القول ms0433 مني لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين # [السجدة: 13] والناس؛ أي: الناسين توصيته، دليله قوله تعالى: # فذوقوا بما نسيتم # [السجدة: 14] وصيتنا # لقآء يومكم هذآ # [السجدة: 14]. # ثم أخبر عما عنده لعبده بقوله تعالى: { من كان يريد ثواب ~~الدنيا } [النساء: 134]، إشارة في ألاية: إن من كان دنيء الهمة قصير ~~النظر يطلب من الله الدنيا الدنية وما فيها، { فعند الله ثواب ~~الدنيا والآخرة } [النساء: 134]؛ يعني: لا يختص على متاع القليل ~~الدنيا من سعة كرم الله وجوده، وإن عنده الدنيا والآخرة، وهو كريم يحب أن ~~يسأل العبد منه شيئا، ويحب معالي الأمور ويبغض سفاسفها، فلا تقنعوا منه ~~بالدنيا الدنية، # ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها # [الشورى: 20]، فاطلبوا منه الآخرة، فإنه يزيد فيها؛ لأنه قال تعالى: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه # [الشورى: 20]؛ أي: نعطيه ما يحتاج إليه من الدنيا بالتبعية، ثم أشار ~~بقوله تعالى: { فعند الله ثواب الدنيا والآخرة } ~~[النساء: 134] إلى مقام العندية؛ يعني: لا تطلبوا من الله إلا مقام ~~العندية، فإن من يكون منزلته من عند الله # في مقعد صدق عند مليك مقتدر # [القمر: 55] فقد وجد الله تعالى ووجد ما عنده من الدنيا والآخرة، { ~~وكان الله سميعا } [النساء: 134] لحاجات طالبه ومناجات راغبيه، ~~{ بصيرا } [النساء: 134]، بمصالح دينهم ودنياهم. ### || [4.135-136] # ثم أخبر عن قسط الشهداء ولو على الآباء والأقرباء بقوله تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا كونوا قومين بالقسط ~~شهدآء لله } [النساء: 135]، إشارة في الآية: أمر الله في خطابه مع ~~المؤمنين حيث قال: { يأيها الذين آمنوا كونوا ~~قومين بالقسط شهدآء لله } [النساء: 135] أمر تكوين ~~وتحويل، فلا بد وأن يكونوا كما كونهم، نظيره قوله تعالى: # قلنا ينار كوني بردا وسلما # [الأنبياء: 69] فكانت كما أمرت وكونت، فلما قال تعالى للمؤمنين الذين ~~كونوا مشارا إليهم بذكر الإيمان: { كونوا قومين بالقسط } ~~[النساء: 135]، فيكونوا قائمين به وبحكمته البالغة وفي قوله: { شهدآء ~~لله } [النساء: 135]، إشارة إلى عوام المؤمنين أن كونوا شهداء الله ~~بالتوحيد والوحدانية، { بالقسط } [النساء: 135] يوما ولو كان في ~~آخر نفس من عمرهم على حسب ما قدر لهم، ويكونهم ms0434 كما شاء ومتى شاء بمشيئته ~~الأزلية، وأشار إلى الخواص أن كونوا شهداء لله حاضرين مع الله ~~بالفردانية، وأشار إلى أخص الخواص أن كونوا شهداء في الله غائبين عن ~~وجودكم في شهوده بالوحدة. # ثم اعلم أن في إشارته إلى الخواص شركة للملائكة كما قال تعالى: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم قآئما بالقسط # [آل عمران: 18]؛ وهي تدل على هذا التأويل، وأما إشارته إلى أخص من ~~الأنبياء وكبار الأولياء؛ وهم أولوا العلم فمختصة بهم من سائر العالمين، ~~وفي هذا سر عظيم لا يبخل بالعقول المجردة، فضلا عن العقول المركبة ~~المدنسة بدنس الوهم والخيال والخس، ولأولي العلم سير في شهود # شهد الله أنه لا إله إلا هو # [آل عمران: 18]، وليس للملائكة وأولوا العلم في هذا الشهود مدخل، إلا ~~أنهم قائمون بالقسط في شهود الوحدانية والفردانية كما حذرنا، وهم بمعزل ~~عن شهود الوحدانية، فافهم جيدا. # وفي قوله تعالى: { ولو على أنفسكم أو الولدين ~~والأقربين } [النساء: 135]، إشارة إلى: إن كونوا شهداء لله في شهود ~~الوحدة، { ولو على أنفسكم } [النساء: 135] بإفنائها، { أو ~~الولدين } [النساء: 135] بنفيهما في طلب الحق عن الالتفات والتعلق ~~بهما. { والأقربين } [النساء: 135]؛ أي: والأقربين، { إن يكن } ~~[النساء: 135] الوالدين، { غنيا } [النساء: 135] لا يحتاجون إلى ~~التفاتك إليهما، { أو فقيرا } [النساء: 135] يحتاجون إليك في النفقة ~~وغيرها، { فالله أولى بهما } [النساء: 135]، فإنه خالقها ~~ورازقهما لا أنتم، { فلا تتبعوا الهوى } [النساء: 135] في ~~رعاية حقوقهم، { أن تعدلوا } [النساء: 135] عن طلب الحق ورعاية حق ~~الربوبية بالعبودية، فإن الله قدم العبودية على حقوقهما، وقال: # لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا # [البقرة: 83]، ثم قال تعالى: { وإن تلووا } [النساء: 135]؛ أي: ~~وإن تتلوا أمرها، { أو تعرضوا } [النساء: 135] عن الله وطلبه، { ~~فإن الله كان } [النساء: 135] في الأزل، { بما تعملون } ~~[النساء: 135] اليوم، { خبيرا } [النساء: 135]، وإنه أعطاكم استعداد ~~هذه الأعمال، وإنه بما تعملون اليوم يجازيكم غدا، واليوم بالخير خيرا ~~وبالشر شرا، والله أعلم. # ثم أخبر عن الإيمان الحقيقي دون التقليدي وعلم أهل الإيمان بقوله تعالى: ~~{ يأيها الذين ءامنوا ءامنوا بالله ورسوله ~~والكتب الذي نزل ms0435 على رسوله والكتب الذي ~~أنزل من قبل } [النساء: 136]؛ فمعناه من آمن بالتقليد ظاهرا ~~ينبغي له بالتحقيق والتصديق باطنا، وبالقول ظاهرا أن يؤمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله، وما نطق به الكتب والرسل من الوعد والوعيد، والبعث ~~النشور والحساب، والميزان والصراط، والجنة وغير ذلك، يدل على هذا المعنى ~~قوله تعالى: { ومن يكفر بالله وملآئكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر } [النساء: 136] فقد أدرج جميع ما ذكرناه ~~وجعلناه شرط الإيمان فيه، وحكم أن عدم الإيمان بهؤلاء كفر؛ يعني: عدم ~~الإيمان بكل ما مر ذكره كفر. # ثم اعلم أن مراتب الإيمان ثلاث: مرتبة العوام، ومرتبة الخواص، ومرتبة ~~الأخص، فمرتبة العوام في الإيمان: ما قاله صلى الله عليه وسلم: # " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت والجنة والنار ~~والقدر خيره وشره " # ؛ وهو إيمان غيبي، ومرتبة الخواص في الإيمان: هو عيان، وكان ذلك أن الله ~~تعالى إذا تجلى بصفة من صفاته وخضع جميع أجزاء وجوده، وآمن بالكلية ~~عيانا بعد ما كان يؤمن قلبه بالغيب، ونفسه تكفر بما آمن به قلبه، إذا ~~كانت النفس عن تنسم روائح الغيب بمعزل، فلما تجلى الحق تعالى لحبل القلب # جعله دكا وخر موسى # [الأعراف: 143] النفس، # صعقا # [الأعراف: 143]، فالنفس في هذا تكون بمنزلة موسى عليه السلام، # فلمآ أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول ~~المؤمنين # [الأعراف: 143]، فافهم جيدا. # ومرتبة الأخص في الإيمان: غيبي وذلك بعد رفع حجب الأنانية بسطوات تجلي ~~حجب الجلال، فإذا أفناه عنه بصفة الجلال يبقيه بصفة الجمال، فلم يبق له ~~الدين وبقي في العين فيكون إيمان عينيا، كما كان حال النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليلة المعراج فلما بلغ قاب قوسين كان في حيزين فلما جذبته ~~العناية من كينونية إلى عينونية أو أدنى، # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم: 10]، # ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه # [البقرة: 285]؛ أي: صفات ربه، فآمنت صفاته بصفاته، وذاته بذاته، فصار كل ~~وجوده مؤمنا بالله إيمانا عينيا ذاته وصفاته، فأخبر عنهم فقال: # والمؤمنون كل آمن بالله # [البقرة: 285]؛ يعني: آمنوا بهويته لا بأنانية وجودهم، فالله ms0436 عز وجل من ~~كمال رأفته ورحمته على عباده المؤمنين يشير إليهم بحقيقة هذا الإيمان ~~بقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا } [النساء: 136]؛ يعني: ~~من أنانيتكم آمنتم إيمانا غيبيا، { ءامنوا بالله } [النساء: ~~136]؛ يعني: فاسعوا إلى الله بقدم ذكره لعله بذكركم يغنيكم به عنكم، ~~فتؤمنوا بهويته إيمانا عينيا، وتؤمنوا برسوله { والكتب الذي ~~نزل على رسوله } [النساء: 136]؛ يعني: من لم يكن له إيمان ~~عيني في متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعرف الرسول عند هذا ~~الكمال، فلا يكون إيمانه بالرسول حقيقيا، ولا بالكتاب الذي نزل على ~~الرسول تلك الليلة، ولا { والكتب الذي أنزل من قبل } ~~[النساء: 136]، وذلك أن الكتب المنزلة كلها كانت مندرجة في الكتاب الذي ~~أنزل على الرسول تلك الليلة في سر # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم: 10]؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: # " أوتيت جوامع الكلم " # ، ولذلك ذكر الله { والكتب الذي أنزل من قبل } ~~[النساء: 136]، عقيب قوله: { والكتب الذي نزل على ~~رسوله } [النساء: 136]، ولم يذكر الرسل الذين أنزلت عليهم الكتب؛ ~~ليعلم أن المشار إليه في ذكر { والكتب الذي أنزل من قبل ~~} [النساء: 136]؛ هو أيضا الرسول، فالمؤمن يؤمن بهذا الرسول المنزل عليه ~~جميع الكتب؛ ليكون إيمانه بالله ورسوله وكتبه حقيقيا لا تقليديا - تفهم ~~إن شاء الله - وتؤمن بهذا الإيمان إن لم تؤمن بحقيقته، فإن من يكفر بهذا ~~الإيمان { فقد ضل } [النساء: 136] في نية أنانيته، { ضلالا ~~بعيدا } [النساء: 136] عن الله ومعرفته ومعرفة رسوله وكتبه والإيمان ~~بهم، فافهم جيدا. ### || [4.137-139] # ثم أخبر عن التقليدي لا الحقيقي بقوله تعالى: { إن الذين ~~آمنوا ثم كفروا } [النساء: 137]، والإشارة فيها: { إن ~~الذين آمنوا } [النساء: 137]؛ يعني: بالتقليدي، { ثم كفروا ~~} [النساء: 137] إذ لم يكن للتقليد أصلا، { ثم آمنوا } [النساء: ~~137] بالاستدلال العقلي، { ثم كفروا } [النساء: 137]، إذ لم يكن ~~عقولهم مؤيدة بالتأييد الإلهي، { ثم ازدادوا كفرا } [النساء: ~~137] بالشبهات العقلية، إذ تمسكوا بالعقول المشوبة بالهوى وحب الدنيا ~~فوقعوا في ورطة الهلاك مع المبتدعة والمتفلسفة، وإلا نعوذ بالله من الحور ~~بعد الكور. # وفي قوله تعالى: { لم يكن الله ليغفر لهم } [النساء: ~~137]، يشير إلى: إن من ms0437 يكون إيمانه تقليديا ذلك بأن لم يكن الله في ~~الأزل عاقرا لهم بنوره عند العرش، كما قال: ثم رش عليهم من نوره فمن ~~أصابه فقد اهتدى، ومن أخطأه فقد ضل، فلما أخطأهم ذلك النور فما آمنوا ~~بالله بالحقيقة، وإن آمنوا بالتقليد كفروا، كما كانوا على أصل الضلالة، { ~~ولا ليهديهم سبيلا } [النساء: 137]، إلى الهدى اليوم؛ لأن ~~الأصل لا يخطأ إذ أخطأهم ذلك. # ثم قال تعالى: { بشر المنافقين بأن لهم عذابا ~~أليما } [النساء: 138]؛ لأن أصل نفاقهم من أخطاء ذلك النور أيضا؛ ~~يعني: بشرهم بأن أصل جوهرهم من جواهر الكفار ولهذا { الذين ~~يتخذون الكافرين أوليآء من دون المؤمنين } ~~[النساء: 139]، فإن ائتلافهم هاهنا نتيجة تعارف أرواحهم هناك؛ لقوله صلى ~~الله عليه وسلم # " الأرواح جنود مجندة " # ، فمن تعارف أرواحهم أرواح الكافر والمنافق هناك يأتلفون هاهنا، ومن ~~تناكر أرواحهم أرواح المؤمنين هناك يختلفون. # ثم أشار بقوله تعالى: { أيبتغون عندهم العزة فإن ~~العزة لله جميعا } [النساء: 139] إلى من يطلب العزة في ~~الدارين، فليست العزة عند الدنيا وأهلها، فلا تطلبوها عندهم ولكن ~~فاطلبوها عند الله؛ أي: في مقام العندية، فإن عنده خير الدنيا والآخرة ~~جميعا، فمن تابع النبي صلى الله عليه وسلم حق المتابعة وقال تعالى # عند مليك مقتدر # [القمر: 55]، يقال له: # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # [المنافقون: 8]. ### || [4.140-141] # { وقد نزل عليكم في الكتب } [النساء: 140]؛ أي: في ~~كتاب العهد يوم الميثاق { أن إذا سمعتم آيات الله يكفر ~~بها ويستهزأ بها } [النساء: 140]؛ أي: النفوس وأربابها، { ~~فلا تقعدوا } [النساء: 140]، الخطاب للقلوب وأربابها { معهم } ~~[النساء: 140]؛ أي: مع النفوس؛ أي: لا تصاحبوهم ولا توافقوهم في شيء من ~~أهوائهم، { حتى يخوضوا في حديث غيره } [النساء: 140]، ~~فإن تفعلوا أيها القلوب وأربابها، { إنكم إذا مثلهم } ~~[النساء: 140]، مثل النفوس وأربابها؛ يعني: يكون القلب كالنفس، وصاحب ~~القلب كصاحب النفس بالصحبة والمخالطة والمتابعة، { إن الله جامع ~~المنفقين والكفرين في جهنم جميعا } [النساء: ~~140]؛ لأنهم كانوا في عالم الأرواح في صف واحد، وفي الدنيا بذلك التناسب ~~والتعارف في فن واحد، وقال: صلى الله عليه وسلم # " كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تحشرون ms0438 " # ، فافهم جيدا. # ثم أخبر عن أخلاق أهل النفاق بقوله تعالى: { الذين يتربصون ~~بكم } [النساء: 141]، إشارة فيها: إن المنافقين الذين يتربصون بكم، { ~~فإن كان لكم فتح من الله } [النساء: 141] من الفتوحات ~~الدنيوية، { قالوا ألم نكن معكم } [النساء: 141] طمعا ~~فيه لما حرموا علو الهمة في الدين وعدموا خلوص العقيدة في علم اليقين ~~تربصوا للفتوحات الدنيوية، وذهلوا عن الفتوحات الأخروية والحضرية؛ وهي { ~~فتح من الله } [النساء: 141]؛ يعني: ما يفتح الله للناس من رحمة ~~ومن فتوحات الغيب وشواهد الحق حتى { وإن كان للكافرين نصيب ~~} [النساء: 141] من الدنيا والمرادات الدنيوية { قالوا } [النساء: ~~141]؛ لخسة عقلهم ودناءة همتهم وقصورهم { ألم نستحوذ عليكم ~~ونمنعكم من المؤمنين } [النساء: 141]، طاروا بأجنحة ~~الأطماع والخذلان عن إنكار الإيمان إلى منازل الكفر ودركات النيران، ثم ~~يؤدي بأنهم أهل الملامة، { فالله يحكم بينكم يوم ~~القيامة } [النساء: 141]؛ ليعلم من أهل العزة والكرامات، ومن ~~أهل العزة والندامات، { ولن يجعل الله للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا } [النساء: 141]، فإن وبال كيدهم إليهم مصروف، ~~وجزاء مكرهم عليهم موقوف، والحق من قبل الحق سبحانه وتعالى منصور أهله، ~~والباطل بنصر الحق محيت أهله. ### || [4.142-145] # ثم أخبر عن أمارات المنافقين وعلامات المخادعين بقوله تعالى: { إن ~~المنافقين يخادعون الله وهو } [النساء: 142]، إشارة في ~~الآيتين: أن المنافقين غنما يخادعون في الدنيا؛ لأن الله { خادعهم } ~~[النساء: 142] في الأزل عند رش نوره على الأرواح، وذلك أن الله تعالى خلق ~~الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره، فلما رش نوره أصاب الأرواح المؤمنين ~~وأخطأ أرواح المنافقين والكافرين، ولكن الفرق بين المنافق والكافر أن ~~المنافقين رأوا رشاش النور وظنوا أنهم يصيبهم فأخطأهم، وأرواح الكافرين ~~ما شاهدوا ذلك الرشاش ولم تصبهم، فإن المنافقين خدعوا عند مشاهدتهم ~~الرشاش إذا ما أصابهم، فمن نتائج مشاهدتهم الرشاش { وإذا قاموا ~~إلى الصلاة } [النساء: 142]، من نتائج حرمانهم إصابة النور، { ~~قاموا كسالى يرآءون الناس } [النساء: 142]، كأنهم يراؤونهم ~~النور { ولا يذكرون الله إلا قليلا } [النساء: 142]؛ ~~لأنهم يذكرونه بلسان الظاهر القالبي لا بلسان الباطن القلبي، والقالب من ~~الدنيا وهي قليلة قليل ما فيها، والقلب من الآخرة وكثيرة ms0439 كثير ما فيها، ~~فالذكر الكثير من لسان القلب كثير، والفلاح في الذكر الكثير لا في ~~القليل، كقوله تعالى: # واذكروا الله كثيرا # [الأنفال: 45]؛ أي: بلسان القلب # لعلكم تفلحون # [الأنفال: 45]، ولما كان ذكر المنافقين بلسان القالب كان قليلا كلما ~~أفلحوا به، وإنما كان ذكر المنافق بلسان الظاهر؛ لأنه شاهد رش النور ~~ظاهرا من العبد ولم يصبه، فلو كان أصابه ذلك النور لكان صدره منشرحا ~~به، كما قال تعالى: # أفمن شرح الله صدره للإسلام # [الزمر: 22]، فهو على نور من ربه؛ أي: على نور مما رش به ربه، ومعدن ~~النور هو القلب، وإذا كان قلبه ذاكرا لله النور فإنه يصير لسان القلب، ~~فقليل الذكر منه يكون كثيرا، فافهم جيدا. # فلما كان أرواح المنافقين مترددة متحيرة بين رشاش النور وبين ظلمة ~~الخلقية، لا إلى هؤلاء الذين أصابهم النور، ولا إلى هؤلاء الذين لم ~~يشاهدوا الرشاش، كذلك كانوا { مذبذبين بين ذلك } [النساء: ~~143] المؤمنين والكافرين، { لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء ومن يضلل الله } [النساء: 143] بأخطاء ذلك النور، ~~كما قال: ومن أخطأه فقد ضل { فلن تجد له سبيلا } [النساء: 143] ~~هاهنا إلى ذلك النور، يدل عليه قوله تعالى: # ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # [النور: 40] قسمته من ذلك النور المرشش، فماله اليوم نصيب من نور ~~الهداية والله أعلم. # ثم أخبر عن منازل المنافقين باتخاذهم الأولياء من الكافرين ونهى عن ~~المؤمنين بقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا الكافرين أوليآء من دون المؤمنين } ~~[النساء: 144]، والإشارة فيها: إن النهي في قوله تعالى: { لا ~~تتخذوا الكافرين أوليآء من دون المؤمنين } ~~[النساء: 144]، نهي التكوين؛ يعني: ما كونهم مستعدين لاتخاذ الكفار ~~أولياء من دون المؤمنين؛ لأن المؤمنين خلقت أرواحهم في غير صف أرواح ~~الكافرين، حيث كانت الأرواح جنود مجندة فكان بين أرواح المؤمنين وأرواح ~~الكافرين تعارف يأتلفون به هاهنا من دون المؤمنين، إنما قيد موالاتهم ~~بقوله تعالى { من دون المؤمنين } [النساء: 144]؛ لأن موالاتهم ~~على نوعين: # أحدهما: ما يكون بمناسبة كلية بين الأرواح بأن يكونوا في صف واحد، فتلك ms0440 ~~المناسبة بين الكافرين والمنافقين موالاة حقيقية، وهذا هو الذي نهى عنه ~~المؤمنون نهي التكوين، وبهذا النوع يتخذ المنافقون الكافرين أولياء من ~~دون المؤمنين. # والنوع الثاني: ما يكون من أدنى مناسبة يكون بين الأرواح وإنما يكونوا ~~في صف واحد، بل يكون لمحذاة أرواحهم في الصفوف، فتلك المناسبة تكون بين ~~المؤمنين والكافرين صورة موالاة دنيوية معلولة في بعض الأوقات، ولا يكون ~~لها إثبات ولا ينقطع موالاته مع المؤمنين في الدين البتة، ويرجع المؤمن ~~من موالاتهم البتة يوما، ثم قال تعالى لمن آمن بلسانه ولم يؤمن قلبه: { ~~لا تتخذوا الكافرين أوليآء من دون المؤمنين } ~~[النساء: 144]، { أتريدون أن تجعلوا لله عليكم ~~سلطانا مبينا } [النساء: 144]؛ يعني: بعد أن خلقكم في صف أرواح ~~الكافرين وأخطأكم رشاش النور حتى إئتلفتم هاهنا مع الكفار، { ~~أتريدون أن تجعلوا لله عليكم } [النساء: 144]، في ~~عقابكم يوم القيامة باتخاذكم الكفار أولياء، { سلطانا مبينا } ~~[النساء: 144]، عذرا واضحا وبرهانا لائحا # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة # [الأنفال: 42]. # ثم قال تعالى: { إن المنافقين في الدرك الأسفل من ~~النار } [النساء: 145]؛ يعني: الذي آمنوا باللسان ولم تؤمن قلوبهم ~~وهذه أحوالهم فهم المنافقون، ومنازلهم في الدرك الأسفل من النار؛ لأن ~~أرواحهم كانت في آخر الصفوف وأسفلها، { ولن تجد لهم نصيرا } ~~[النساء: 145] في الإخراج عن الدرك الأسفل؛ لأنهم أفسدوا استعداد صفاء ~~الروحانية الكلية بالنفاق ورينه بخلاف الكافر؛ لأن الكافر وإن أفسد برين ~~الكفر صفاء روحه، ولكن ما أضيف إلى رين كفره رين النفاق فكان لرين كفره ~~منفذ من القلب إلى اللسان فيخرج بحاره من لسانه بإظهار الكفر، وكان ~~للمنافق مع كفره ورين الكفر ورين النفاق زائد، ولم يكن لبخل رينه منفذ ~~إلى لسانه، فكان لنجارات الكفر ورين النفاق منفذ ينفذ إلى صفاء الروحانية ~~فلم يبق له الخروج عن هذا الأسفل، ولم ينصره نصير بإخراجه؛ لأنه مخذول ~~الحق في آخر الصفوف. # وقال تعالى: # إن ينصركم الله # [آل عمران: 160]؛ يعني: في خلق أرواحكم في صف أرواح المؤمنين # فلا غالب لكم # [آل عمران: 160] بأن يردكم إلى صف أرواح ms0441 الكافرين، # وإن يخذلكم # [آل عمران: 160] بأن يخلق أرواحكم في صف أرواح الكافرين، # فمن ذا الذي ينصركم من بعده # [آل عمران: 160] بأن يخرجكم إلى صف المؤمنين. ### || [4.146-148] # ثم استثنى منهم من كان كفره ونفاقه عارية، وروحه في أصل الخلقة خلق في ~~المؤمنين، ثم بأدنى مناسبات في المجازات بين روحه وأرواح الكافرين ~~والمنافقين ظهر عليه من نتائجها موالاة معلومة مع القوم أياما معلومة مع ~~القوم أياما معدودة، فما أفسدت صفاء روحانيته بالكلية، وما أنسد منفذ ~~قلبه إلى عالم الغيب فهبت له من وهب العناية نفحات ألطاف الحق، ونبهته عن ~~نوم الغفلة، ونبهته عن الرجوع إلى الحق بعد التمادي في الباطل، ونودي في ~~سره بأن لا نصير لمن يختار الأسفل، ولا يخرج منه { إلا الذين ~~تابوا } [النساء: 146] وندموا على ما فعلوا، ورجعوا عن تلك المعاملات ~~الردية، { وأصلحوا } [النساء: 146] ما أفسدوا من حسن الاستعداد، ~~وصفاء الروحانية بترك الشهوات النفسانية، والحظوظ الحيوانية، { ~~واعتصموا بالله } [النساء: 146] بحبل الله استعانة على ~~العبودية، { وأخلصوا دينهم لله } [النساء: 146] لله في ~~الطلب لا يطلبون منه إلا هو ثم قال تعالى: من قام بهذه الشرائط { ~~فأولئك مع المؤمنين } [النساء: 146]؛ يعني: في صف ~~أرواحهم خلق روحه لا في صف أرواح الكافرين، { وسوف يؤت الله ~~المؤمنين } [النساء: 146]، التائبين ويتقرب إليهم على قضية # " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا وقال من أتاني يمشي أتيته هرولة ~~" # ، وهذا هو الذي سماه { أجرا عظيما } [النساء: 146] والله أعظم. # ثم أخبر عن كمال فضله وجلال عدله بقوله تعالى: { ما يفعل الله ~~بعذابكم إن شكرتم وآمنتم } [النساء: 147]، والإشارة ~~فيها: إن الله عز وجل يذكر العباد المؤمنين من نعمة السابقة منها: ~~إخراجهم من العدم ببديع فطرته، ومنها: إنه خلق أرواحهم قبل خلق الأشياء، ~~ومنها: إنه خلق أرواحهم نورانية بالنسبة إلى أن خلق أجسادهم ظلمانية، ~~ومنها: إن أرواحهم لما كانت بالنسبة إلى نور القدم ظلمانية رش عليهم من ~~نور القدم، ومنها: لما أخطأ بعض الأرواح ذلك النور وهو أرواح الكفار ~~والمنافقين فقد أصاب أرواح المؤمنين، فيقول: { ما يفعل الله ~~بعذابكم إن ms0442 شكرتم } [النساء: 147]، هذه النعمة التي أنعمت ~~بها عليكم من غير استحقاق منكم، فإنكم إن شكرتم هذه النعمة برؤيتها ورؤية ~~المنعم بها فقد آمنتم بي ونجوتم من عذابي وهو ألم الفراق، فإن حقيقة ~~الشكر رؤية المنعم، والشكر على وجوده أبلغ من الشكر على وجود النعم قال: # واشكروا لي # [البقرة: 152]؛ أي: أشكروا لوجودي، { وكان الله } [النساء: 147]، ~~في الأزل { شاكرا } [النساء: 147]؛ لوجوده، ومن شاكرا لوجود أوجد ~~الخلق بجوده، { عليما } [النساء: 147] بمن يشكر وبمن يكفر، فإعطاء ~~جزاء الشاكرين قبل شكرهم؛ لأنه مشكور وأعطى جزاء الكافرين قبل كفرهم؛ لأن ~~الكافر كفور. # ثم أخبر عن محبة المظلوم بقوله تعالى: { لا يحب الله الجهر ~~بالسوء } [النساء: 148]، الإشارة فيها: إن الله تعالى { لا ~~يحب الله الجهر بالسوء من القول } [النساء: 148] ~~من العوام، ولا من التحدث مع النفس من الخواص، ولا من الخطرة التي يخطر ~~بالبال من الأخص من القول، { إلا من ظلم } [النساء: 148] تبعا من ~~دواعي البشرية من غير اختيار وبابتلاء من اضطرار، وأيضا { لا يحب ~~الله الجهر بالسوء من القول } [النساء: 148]، إفشاء ~~بأسرار الربوبية وإظهار المواهب الإلوهية، وأيضا { لا يحب الله ~~الجهر بالسوء من القول } [النساء: 148]، إفشاء بأسرار ~~الربوبية بكشف القناع من مصنوعات الغيب، ومكنونات غيب الغيب، { إلا ~~من ظلم } [النساء: 148] بغلبات الأحوال وتعاقب كؤوس عقار الجمال ~~والجلال فأضطر إلى المقال، فقال باللسان الباقي لا باللساني الفاني: أنا ~~الحق سبحاني، { وكان الله } [النساء: 148] في الأزل { سميعا } ~~[النساء: 148] لمقالهم، { عليما } [النساء: 148] قبل أداء مالهم. ### || [4.149-151] # ثم قال تعالى: { إن تبدوا خيرا } [النساء: 149]؛ يعني: مما ~~كوشفتم به من ألطاف الحق تنبيها للخلق وأفادت بالحق، { أو تخفوه } ~~[النساء: 149] صيانة لنفوسكم عن آفات الشوائب، وفطامها من المشارب، { ~~أو تعفوا عن سوء } [النساء: 149] مما يدعوكم إليه سوى النفس ~~الأمارة، أو تتركوا إعلان ما جعل إظهاره سوء، فإن الله عفو، فتكون عفوا ~~متخلقا بأخلاقه متصفا بصفاته، وأيضا { فإن الله كان } ~~[النساء: 149] في الأزل، { عفوا } [النساء: 149] عنك بأن لم يجعلك من ~~المخذولين حتى صرت عفوا عما سواه، وكان هو { قديرا } [النساء: 149] ~~على خذلانكم حتى ms0443 لا يقدر على أن يعفوا عن مثقال ذرة لكفرانك، # إن الإنسان لظلوم كفار # [إبراهيم: 34]. # ثم أخبر عن لوم الإحسان وكفرانه، وعن كرم الحق وغفرانه بقوله تعالى: { ~~إن الذين يكفرون بالله ورسله } [النساء: 150]، ~~إشارة فيها: إن الذين يكفرون بالله ورسله ومنها { ويريدون أن ~~يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض } [النساء: 150]، ومنها { ويريدون أن ~~يتخذوا بين ذلك سبيلا } [النساء: 150]؛ يعني: بين أنهم ~~يؤمنون ببعض من الكتب والرسل ويكفرون ببعض، فيضعون ذنبا ومذهبا يضلون ~~به الخلق عن الصراط المستقيم والدين القويم، فلما ازدادوا كفر وضلالة حتى ~~آل أمرهم في الكفر إلى أن يصنعوا ذنبا في الضلال؛ ليضلوا الناس به عن ~~طريق الحق، وصار كفرهم حقيقيا فسماهم الله في الكفر حقا، وقال تعالى: { ~~أولئك هم الكافرون حقا } [النساء: 151]؛ يعني: الذين ~~أخطأهم النور عند الرشاش على الأرواح، { وأعتدنا للكافرين } ~~[النساء: 151]، في يوم رش النور { عذابا مهينا } [النساء: 151]؛ ~~لحرمانهم عن تلك السعادة إذا كرم المؤمنين بإصابة ذلك النور، وأهين ~~الكافرين بحرمانهم عنهم، وفي الآية دلالة على أن الإيمان لا يتجزأ ولا ~~ينقسم وإن كان يزيد وينقص؛ لأنه لو كان متجزئا لكان من يؤمن بالله وببعض ~~الكتب والرسل جزء من الإيمان، فلما لم يكن لهم من الإيمان شيء علمنا إنه ~~لا يتجزأ ولا ينقسم وإن كان يزيد وينقص فحسب، مثل نور الشمس وضياؤه إذا ~~دخل البيت من كوة فيزيد وينقص بحسب زيادة الكوة ونقصانها، ولكن لا يمكن ~~تجزئتها البتة بحيث يؤخذ جزء منه فيجعل في شيء آخر غير محاذي الشمس، ~~والآية تدل على أن الإيمان لا يحصل بزعم المرء وحسبانه وإنما يحصل بحصول ~~شرائط نتائجه منه. ### || [4.152-153] # كما أخبر عن الإيمان ونتائجه فقال تعالى: { والذين آمنوا ~~بالله ورسله } [النساء: 152]، فكان من نتائج إيمانهم { ولم ~~يفرقوا بين أحد منهم } [النساء: 152]؛ أي: من رسله، ومن ~~نتائجه القبول من الله والجزاء عليه، كما قال تعالى: { أولئك ~~سوف يؤتيهم أجورهم } [النساء: 152]، ومن شرائط الإيمان ما ~~قال تعالى: { وكان الله غفورا رحيما } [النساء: 152]، يعني: ~~كان في الأزل غفورا بإصابة ms0444 النور أرواح المؤمنين، ولولا ذلك لما آمنوا، ~~رحيما بهم بإفاضة النور عليهم. # ثم أخبر عن الكفر ونتائجه بقوله تعالى: { يسألك أهل الكتاب ~~} [النساء: 153]، والإشارة فيها: إن من نتائج كفرهم سألوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم { أن تنزل عليهم كتابا من السمآء فقد ~~سألوا موسى } [النساء: 153] من نتائج كفرهم، { أكبر من ~~ذلك } [النساء: 153] من بعد ما سمعوا كلام الله، { فقالوا ~~أرنا الله جهرة } [النساء: 153]، وما طلبوا الرؤية على وجه ~~التعظيم أو على وجه التصديق، ولا حملهم عليه شدة الشوق أو ألم الفراق كما ~~كان الفراق، كما كان لموسى عليه السلام حين # قال رب أرني أنظر إليك # [الأعراف: 143]، ولعل ضربة موسى عليه السلام في جواب # لن تراني # [الأعراف: 143]، كانت من شؤم القوم، وما كان في أنفسهم من سوء أدب هذا ~~السؤال؛ لئلا يطمعوا في مطلوب لم يعطه نيتهم فما اتعظوا بحال نيتهم؛ ~~لأنهم كانوا أشقياء، والسعيد من وعظ بغيره حتى ادركتهم الشقاوة الأزلية، ~~{ فأخذتهم الصاعقة بظلمهم } [النساء: 153] بأن طمعوا ~~في فضيلة وكرامة ما كانوا مستحقيها، { ثم } [النساء: 153]، من نتائج ~~كفرهم { اتخذوا العجل } [النساء: 153]، العجل إلها وعبدوه، { ~~من بعد ما جآءتهم البينات فعفونا عن ذلك } ~~[النساء: 153]، ما نفعتهم البينات والمعجزات أيضا من نتائج الكفر، من ~~طبع كافرا ولو يرى الله جهرة فإنه لا يؤمن به، ومن طبع مؤمنا عند رشاش ~~النور بإصابته فإنه يؤمن بنبي لم يره وكتاب لم يقرأه بغير معجزة أو بينة، ~~كما كان الصديق رضي الله عنه حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: " بعثت ~~" ، فقال: " صدقت " ولم يتلعثم، وكما كان حال موسى عليه السلام فإنه ~~لم ير النبي صلى الله عليه وسلام ولا المعجزة فقد آمن به، ثم قال تعالى: ~~{ وآتينا موسى سلطانا مبينا } [النساء: 153]؛ وهو ظاهر ~~الآيات التسع، وفي الباطن برهانا من وارد الحق، مظهرا ما تعجز النفس عن ~~تكذيبه، والسلطان المبين الحق الظاهر بحيث لا يحتجب بشيء ولا يحجبه شيء. ### || [4.154-156] # ثم أخبر عن بقية نتائج الكفر بقوله تعالى: { ورفعنا فوقهم ~~الطور بميثاقهم } [النساء: 154] والإشارة فيها لأرباب ms0445 العناية ~~هداية على هداية تكون على أصحاب الجهالة ضلالة على ضلالة قوله تعالى: { ~~ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ~~ادخلوا } [النساء: 154]، كانت آية عظيمة من الآيات التي ابتلي بها ~~بنو إسرائيل، وكان من خذلانهم وشؤم كفرانهم أنهم كلما رأوا آية في الظاهر ~~زادوا جحدهم في الباطن، فلم ينفعهم زيادة نصب الإعلام لما لم ينفتح ~~لشهودها بصائر قلوبهم قال الله تعالى: # وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون # [يونس: 101]، فكلما ازداد جحودهم زاد بلاؤهم، فازداد ابتلاؤهم فابتلوا ~~بدخول { الباب سجدا } [النساء: 154]، فما خرجوا عن عهدته فزاد ~~البلاء والابتلاء فابتلوا بترك اصطياد الحوت، { وقلنا لهم لا ~~تعدوا في السبت } [النساء: 154]، فاعتدوا فيه فزادهم البلاء ~~والابتلاء فابتلوا بالأخذ، { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } ~~[النساء: 154]، فنقضوا العهد وأرادوا الجحد، فلحقهم شؤم المخالفات بترك ~~الموافقات إلى أن جرهم إلى الكفر بالآيات، ثم بشؤم كفرهم خذلوا حتى قتلوا ~~الأنبياء بغير حق، ثم بشؤم ذلك تجاسروا حتى ادعوا بشدة التفهم، { ~~وقولهم قلوبنا غلف } [النساء: 155]، أدعية العلوم رد الله ~~عليهم فقال: { بل طبع الله عليها بكفرهم فلا ~~يؤمنون إلا قليلا } [النساء: 155]؛ أي: ختم قلوبهم [بسبب] ~~كفرهم وسوء معاملاتهم كما قال تعالى: # بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين: 14] محجوبون على العرفان حتى بالغوا في الخذلان وأوقعوا في ~~البهتان كما قال تعالى: { وبكفرهم وقولهم على مريم ~~بهتانا عظيما } [النساء: 156]، فقوم تقولوا على مريم فرموها ~~بالزنا، وآخرون جاوزوا الحد في تعظيمها فقالوا: ابنها ابن الله، وكلا ~~الطائفتين وقعوا في الضلال. # ويقال: مريم عليها السلام كانت ولية الله، فشقي بها فرقتان أهل الإفراط ~~وأهل التفريط، وكذلك كل ولي سبحانه وتعالى، فمنكرهم شقي بترك احترامهم ~~وطلب أذيتهم، والذين يعتقدون فيهم مالا يستوجبون يشقون بزيادة إعظامهم، ~~وعلى هذه الجملة ورج الأكثرون. ### || [4.157-159] # ثم بلغوا في الكفر حد المنتهى وغاية القصوى حتى هموا بقتل عيسى عليه ~~السلام روح الله وكلمته العليا، { وقولهم إنا قتلنا ~~المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما ~~صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا ~~فيه لفي شك ms0446 منه ما لهم به من علم إلا اتباع ~~الظن وما قتلوه يقينا } [النساء: 157]، { بل رفعه ~~الله إليه } [النساء: 158]، وأنعم عليه بالإفاضة مما لديه، { ~~وكان الله عزيزا } [النساء: 158]، اعز من أن يتخذ ولدا مثل ~~عيسى عليه السلام أو غيره، # إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا # [مريم: 93]، { حكيما } [النساء: 158]، يخلق بحكمته ما يشاء، ويختار ~~ويرفع إليه من يشاء، ويجير ولا يجار عليه. # ثم أخبر عن نزول عيسى عليه السلام ليعلم أنه ليس في الموتى بقوله تعالى: ~~{ وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل ~~موته } [النساء: 159]؛ أي: وقت نزوله، والإشارة فيها: إن الله عز وجل ~~لما ذكر من كمال عيسى عليه السلام بقوله: { وما قتلوه يقينا * ~~بل رفعه الله إليه } [النساء: 157-158]؛ ليعلم قوما من ~~الذين قالوا: المسيح ابن الله إذا سمعوا هذا القول يسبق وهمهم إلى تصديق ~~مقالهم، فالإشارة في قوله: { وإن من أهل الكتاب إلا ~~ليؤمنن به } [النساء: 159]، إلى نزول عيسى عليه السلام من ~~السماء وإلى موته؛ ليعلم أنه لو كان ابنا كما زعموا لما نزل إلى الأرض ~~بعدما رفع وما مات؛ وفيه معنى آخر: { وإن من أهل الكتاب ~~إلا ليؤمنن به قبل موته } [النساء: 159]، وذلك أن ~~اليهود يؤمنون به بعد نزوله وقتله الدجال، وإظهاره وتقريره دين الإسلام ~~وتقويته المسلمين، ومتابعته النبي صلى الله عليه وسلم وصلاته خلف ~~المسلمين، وكسره الصليب وقتله الخنزير وأمثال هذا، فيتحقق لهم صدق نبوته ~~بهذه الدلالات وبإظهار العبودية، فيتحقق لهم أنه عبد نبي لو كان ابنا ~~لما كان متابعا لنبي آخر لاستغنائه عنه، { ويوم القيامة ~~يكون عليهم } [النساء: 159] بالإيمان { شهيدا } [النساء: ~~159]. ### || [4.160-162] # ثم أخبر عن تتمة نتائج كفرهم بقوله: { فبظلم من الذين ~~هادوا } [النساء: 160]، إلى قوله { أجرا عظيما } [النساء: 162]؛ ~~لكنه قال تعالى لهم: { حرمنا عليهم طيبات أحلت ~~لهم } ، وقال تعالى: # ويحل لهم الطيبات # [الأعراف: 157] وقال تعالى: # وكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا # [المائدة: 88]، فلم يحرم علينا شيئا بذنوبنا، وكما [عفانا] من تحريم ~~الطيبات في هذه الآية نرجوا أن [يعافينا] في الآخرة ms0447 من العذاب الأليم؛ ~~لأنه جمع بينهما في الذكر في هذه الآية، وقال أهل الإشارات: ارتكاب ~~المحظورات يوجب تحريم المباحات، وقال الشيخ رحمه الله الإسراف في ~~ارتكاب المباحات يوجب حرمان المناجات، والإشارة فيهما: إن الظلم من شيمة ~~الإنسان؛ يعني: نفس الإنسان؛ لأنه خلق ظلوما جهولا، فالظالم من يظلم ~~غيره، والظلوم من يظلم نفسه، وإلى هذا أشار بقوله تعالى { فبظلم ~~من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت ~~لهم } [النساء: 160]؛ يعني: لما ظلموا أنفسهم بنقض الميثاق والكفر ~~بآيات الله، وقتل الأنبياء بغير حق، والكفر بعيسى وتقول البهتان على ~~مريم، # وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم # [النساء: 157]، { وبصدهم عن سبيل الله كثيرا } ~~[النساء: 160]. # { وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال ~~الناس بالباطل } [النساء: 161] وغير ذلك من المخالفات، حرمنا ~~عليهم بإبطال استعدادهم طيبات من مقام القربات والدرجات والغرفات، { ~~أحلت لهم } [النساء: 160]؛ أي: لأرواحهم الطيبين الظاهرين قبل ~~التلوث بقذر المخالفات، فإن # والطيبات للطيبين # [النور: 26]، # " فإن الله طيب لا يقبل إلا الطيب " # ، وإنهم لما أشركوا تنجسوا، فإن المشركين نجس، فحرموا من تلك الطيبات، ~~وصدوا عن سبيل الله وكفروا به، { وأعتدنا للكافرين منهم ~~} [النساء: 161]؛ أي: من الذين ظلموا أنفسهم بهذه المخالفات، { عذابا ~~أليما } [النساء: 161]، بالحرمان عن الدرجات والقربات. # { لكن الراسخون في العلم منهم } [النساء: 162]؛ أي: ~~من الذين هادوا، والراسخون في العلم؛ هم الذين رسخوا بقدمي الصدق والعمل ~~في العلم إلى أن بلغوا معادن العلوم فاتصلت علومهم الكسبية بالعلوم ~~العطائية الدينية، كما كان حال عبد الله ابن سلام رضي الله عنه فإنه كان ~~عالما في النورية وقد قرأ فيها صفة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان ~~راسخا في العلم اتصل علم قراءته بعلم المعرفة، فقال: لما رأيت وجه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عرفت بأنه ليس بوجه كاذب فآمن به، ولما لم يكن ~~للأحبار رسوخ في العلم وإن قرأوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم في ~~النورية فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ما عرفوه فكفروا به، كقوله ~~تعالى: فلما جاءهم { لكن الراسخون في العلم ms0448 } [النساء: ~~162] مؤمني أهل الكتاب، ووصفهم بقوله تعالى: { والمؤمنون ~~يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك ~~والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون ~~بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا ~~عظيما } [النساء: 162]، والأجر العظيم هو المسبوق بالعناية الأزلية، ~~وهو ثمرة بذر رشاش النور في بدء الخلقة، وقدر عظيم الأجر لكل واحد على ~~قدر كمالية الثمرة وبلاغتها، فافهم جيدا. ### || [4.163-165] # ثم أخبر عن إلجائه إلى الأنبياء للحجة على الأمة بقوله تعالى: { إنآ ~~أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح والنبيين ~~من بعده وأوحينآ إلى إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس ~~وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا } [النساء: 163]، ~~والإشارة فيها: إن إفراد النبي بالذكر في الوحي في قوله: { إنآ ~~أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح والنبيين ~~من بعده } [النساء: 163]؛ لاختصاصه بالفضائل من جملتهم، وأما إفراد ~~نوح عليه السلام واشتراكه مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلأنه أول الرسل، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، وأما إفراد إبراهيم ~~عليه السلام ومن ذكر بعده فلاختصاصهم على غيرهم بالفضيلة، كما قال تعالى: # تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض # [البقرة: 253]؛ ومعناه إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى جميع الأنبياء؛ ~~ولكن خصصناك بالفضائل دونهم، قال صلى الله عليه وسلم: # " فضلت على الأنبياء بست ". # وفيه إشارة أخرى: إنا أوحينا إليك في سر # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم: 10]، أفردناك عن جميعهم { ورسلا قد قصصناهم ~~عليك من قبل } [النساء: 164]؛ أي: ليلة المعراج فيما أوحى إليك ~~قصص جميع الرسل، { ورسلا لم نقصصهم عليك } [النساء: ~~164] في القرآن بأسمائهم وأحوالهم مفصلة، { وكلم الله موسى ~~تكليما } [النساء: 164]؛ يعني: كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ~~أوحينا إليك، وكلمناك كما كلمنا موسى مع اختصاصه بالكلمة عن غيره إلا ~~عنك؛ فكانوا جميعا { رسلا مبشرين } [النساء: 165] بالجنة ~~ونعيمها، { ومنذرين } [النساء: 165] من النار وجحيمها، فلك اشتراك ~~معهم بهذه البشرى والإنذار في الجنة والنار، وانفرد بالتبشير بالوصول إلى ~~الله والإنذار من الانقطاع عن الله تعالى، كقوله تعالى: # إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا # [الفتح: 8]، # وداعيا إلى الله # [الأحزاب: 46]؛ يعني: لتدعوهم ms0449 إلى الله بالانقطاع عن غيره للوصلة إليه ~~بالتبشير بالوصول، والإنذار عن الانقطاع، { لئلا يكون للناس } ~~[النساء: 165]؛ أي: للناس { على الله حجة بعد الرسل } ~~[النساء: 165]، المذكورين لهم بالعهود السابقة والنعم السابقة، بأن ~~يقولوا: إنا نسينا تلك العهود التي جرت بيننا يوم الميثاق، فإن الرسل ~~يذكرونهم، كقوله تعالى: # وذكرهم بأيام الله # [إبراهيم: 5]، وقال تعالى: # فذكر إنمآ أنت مذكر # [الغاشية: 21]، وأيضا { لئلا يكون للناس على الله ~~حجة } [النساء: 165] في الانقطاع عن الله، وعن عبوديته بأن يقولوا: ~~كنا مشتاقين إلى لقائك ومحتاجين إلى نعمائك، ولكن لم يكن لنا دليل يدلنا ~~إليك وبيانا عما لديك يبشرنا بك وبما عندك ويطعمنا بالوصول إليك وبما ~~عندك، وينذرنا ويخوفنا عن الانقطاع عنك والحرمان عما عندك، فإن من طبيعة ~~الإنسان # يدعون ربهم خوفا وطمعا # [السجدة: 16]، فبعث الرسل مبشرين به مطمعين فيما لديه، ومنذرين عن ~~الانقطاع، مخوفين بما أعد لهم من العذاب { وكان الله عزيزا } ~~[النساء: 165]، فيما يعز أوليائه بالوصول، ويتعذر عن إعطائه بالانتقام ~~والانقطاع، { حكيما } [النساء: 165]، فيما يحكم على الأولياء والأعداء ~~بحكمته كيف يشاء، وفيما بعث الأنبياء والرسل شرفا لهم في البعثة، وسعادة ~~للخلق في بعثهم عموما. ### || [4.166-170] # { لكن الله يشهد } [النساء: 166] لك خاصة، { بمآ أنزل ~~إليك } [النساء: 166]، فيما أوحى إليك، ما أوحى سرا بسر وإضمار ~~بإضمار، ثم بين بقوله تعالى: { أنزله بعلمه } [النساء: 166]؛ ~~يعني: إنه أنزل إليك القرآن وأنزل في القرآن بعلمه القديم الذي هو غير ~~متناه، وذلك أنه تعالى تجلى له بالصفة العالمية حتى علم بعلمه ما كان وما ~~سيكون، فافهم جيدا. # { والملائكة يشهدون } [النساء: 166] على تلك الخلة لك مع ~~الله وإن لم يسبقوك فيها؛ لأنك قد عبرت عليهم بالعروج عند الدخول ~~والخروج، وإن لم يشاهدوا تلك الأحوال ولم يشاهدوا على تلك الأسرار، { ~~وكفى بالله شهيدا } [النساء: 166] عليها جرى فجرى ما جرى عند ~~الانبساط علي [بقاب قوسين] أو أدنى # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم: 10]. # ظن خيرا ولا تسأل عن الخبر # قد كان ما كان سر إلا أبوح به # ثم أخبر عن المحرومين عن هذه القضية والمهمومين ms0450 بهذه القصة بقوله تعالى: ~~{ إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } [النساء: ~~167]، إلى قوله: { يسيرا } [النساء: 169]، والإشارة فيهما: إن الذين ~~كفروا ستروا الحق إنما ستروا اليوم الحق؛ لأن أرواحهم بقيت مستورة في ~~ظلمة الخلقية عند رشاش النور الربانية، وما أصابهم ذلك النور وإنما صدوا ~~عن سبيل الله؛ لأن نور الله صد عنهم، فانسد عليهم سبيل الله، { قد ~~ضلوا } [النساء: 167] ذلك اليوم عن سبيل الله، { ضللا بعيدا } ~~[النساء: 167] من ذلك اليوم لا إقبالا قريبا من هذا اليوم؛ لأن الضلال ~~اليوم من نتائج ذلك الضلال من ذلك اليوم، وفيه إشارة أخرى وهي: إن الذين ~~كفروا وإن كانوا قد صدوا عن سبيل الله بكفرهم لا ريب في أنهم ضلوا ضلالا ~~بعيدا عن الهداية، ولكن يحتمل أن يكون هذا الكفر والصد فيهم عارية، ~~والعارية مردودة فيكمن أنهم في مناسبة ما وقعوا في هذا الكفر، أو ~~بالتقليد أخذوا من آبائهم، وما أخطأهم ذلك النور عند الرشاش، ويرجعون إلى ~~الحق ويؤمنون به كما آمن كثير منهم، ويغفر الله لهم ويهديهم طريق الحق، { ~~إن الذين كفروا وظلموا } [النساء: 168] على أنفسهم ~~بأنواع المعاملات التي تفسد استعدادهم الأصلي وتبطل صفاء أرواحهم بالكل، ~~{ لم يكن الله ليغفر لهم } [النساء: 168] حين رش على ~~الأرواح نور مغفرته، { ولا ليهديهم } [النساء: 168] اليوم، { ~~طريقا } [النساء: 168] إلى الحق والقربة، { إلا طريق جهنم ~~} [النساء: 169]، الفرقة والقطيعة بإتباع الهوى وحب الدنيا، { خالدين ~~فيهآ أبدا وكان ذلك على الله يسيرا } [النساء: 169]، ~~إذ لم يكن فيه ذرة من ذلك النور فيخرجون به من النار، كما قال: صلى الله ~~عليه وسلم # " يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان " # ، وكان ذلك السبب الذي أخلدهم في النار. # ثم أخبر عن صورة ذلك النور في هذا العالم ورشاشته على العالمين بقوله ~~تعالى: { يأيها الناس قد جآءكم الرسول بالحق من ~~ربكم } [النساء: 170]، والإشارة أن الله تعالى جعل ابتداء إصابة ~~النور المرشش على الأرواح بالنبي صلى الله عليه وسلم، فعبر عن هذا السر ~~بقوله صلى الله عليه وسلم: # " أول ما خلق ms0451 الله نوري " # ، وكان صلى الله عليه وسلم أكملهم نورا فشرح الله صدره بذلك النور، ~~فعلى واستعلى النور بإمداد أنوار الوحي حتى أحاط بجميع أجزائه ظاهره ~~وباطنه، فجعله بالكل نورا كما كان يدعوا الله ويقول: # " اللهم اجعل في قلبي نورا وفي سمعي نورا وفي بصري نورا وعن يميني ~~نورا وعن شمالي نورا وأمامي نورا وخلفي نورا وفوقي نورا وتحتي نورا ~~واجعلني نورا " # ، فلما جعله نورا أرسله إلى الخلق فصار صلى الله عليه وسلم صورة ذلك ~~النور الغيبي المرشوش على الأرواح فهو النور المرسل إلى الأجساد، فمن كان ~~قابلا لإفاضة نور دعوته فقد اهتدى، ومن أخطأه فقد ضل، والذي يدل على هذا ~~التأويل قوله تعالى: # قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين # [المائدة: 15] فالنور هو محمد صلى الله عليه وسلم # يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام # [المائدة: 16]، والسلام هو الله تعالى، { فآمنوا } [النساء: 170] ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم اليوم يكن { خيرا لكم } [النساء: 170] ~~من إصابة ذلك النور المرشش، وأنتم على دين غير دينه؛ لأن بالإيمان يتصل ~~ذلك النور الغيبي بهذا الشاهد المستفاد من الإيمان بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم فيكون # نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء # [النور: 35]؛ يعني: إن كان الأنبياء يدلون من الأمم من كان إصابة النور ~~المرشش إلى دار السلام، وهو في متابعتهم يصلون إلى دار السلام، فإن من ~~آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وتابعه يصل إلى السلام؛ لأن نوره الغيبي ~~أيد بالنور الشاهدي، فصار أجره كفلين بكفل من أجره ووصل إلى الجنة، وبكفل ~~آخر وصل إلى الله، والذي يدل على هذا قوله تعالى: # يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وءامنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته # [الحديد: 28]؛ يعني: من آمن من أهل الكتاب اتقوا الله في تكذيب محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وآمنوا برسوله وهو محمد صلى الله عليه وسلم # يؤتكم كفلين من رحمته # [الحديد: 28]؛ يعني: من النور الذي انعم به عليكم مما أصابكم عند الرشاش ~~حتى آمنتم بأنبيائكم به، كفلا من الإيمان بمحمد صلى الله ms0452 عليه وسلم حتى ~~تصلوا به إلى الله تعالى { وإن تكفروا } [النساء: 170]؛ يعني: ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وتؤمنوا بجميع الأنبياء فلا ينفعكم إيمانكم، ~~وتضرون أنفسكم وفي قوله تعالى: - { فإن لله ما في السموت ~~والأرض } [النساء: 170]، عقيب قوله { وإن تكفروا } [النساء: ~~170]، إشارة إلى: إن ما في السماوات والأرض يكون لكم أن تؤمنوا وفي ~~ميزانكم؛ لأنكم بنور الإيمان تشاهدون الآيات الدالة على الوحدانية، كما ~~قيل ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد، { وإن تكفروا } [النساء: ~~170]، فلم يكن ما في السماوات والأرض لكم ويكون لله وعليكم، فافهم جيدا. # { وكان الله عليما } [النساء: 170]، بأحوال من يصيبه ذلك النور ~~فيؤمن، ومن لم يصبه فيكفر، { حكيما } [النساء: 170]، فيما دبر عند ~~رشاش ذلك النور وأصاب أرواح مؤمني أهل الكتاب على قدر أن يكون لهم كفلا ~~من الرحمة، وأصاب أرواح المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم بمقدار ما ~~يكون له كفلين من الرحمة؛ لأنه كان صورة ذلك النور وصورة الرحمة المهداة ~~إلى الخلق بقوله تعالى: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107]. ### || [4.171-172] # ثم أخبر عن أهل الغلو وهم أهل السلو بقوله تعالى: { يأهل الكتاب ~~لا تغلوا في دينكم } [النساء: 171]، الإشارة أن الغلو ~~والمبالغة في الدين والمذهب حتى يجاوز حدا غير مرض، كما أن كثير من هذه ~~الأمة غلوا في مذهبهم، فمن ذلك مذهب الغلاة من الشيعة على أمير المؤمنين ~~علي ابن أبي طالب رضي الله عنه حتى ادعوا بإلهيته فقال: الشاعر فيهم: # قوم غلوا في علي لا أبالهم # واجتثموا أنفا في عبده نصبا # قالوا هل الله جل خالقنا # عن أن يكون بشيء أو يكون أبا # وكذلك المعتزلة غلوا في التنزيه حتى نفوا صفات الله، وكذلك المشبهة غلوا ~~حتى في إثبات الصفات حتى جسموه، # وتعالى عما يقولون علوا كبيرا # [الإسراء: 43] ولدفع الغلو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم " # ، فقال تعالى: { يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا ~~تقولوا على الله إلا الحق } [النساء: 171]، وذلك لأن ~~الغلو من ms0453 العصبية وهي من صفات النفس المذمومة، والنفس هي أمارة بالسوء ~~ولا تأمر إلا بالباطل، والإشارة في قوله تعالى: { لا تغلوا في ~~دينكم } [النساء: 171]، إلى ألا تتكلموا في الدين بأمر النفس؛ ~~لأنها لا تأمركم بالقول الحق، { ولا تقولوا على الله } ~~[النساء: 171] إلا بأمر القلب، فإنه يأمركم بالقول الحق، لأنه بين أصبعين ~~من أصابع الرحمن، فلا يأمر إلا بالقول الحق، { إنما المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله } [النساء: 171] لا ابن الله وهذا ~~هو القول الحق، وكذلك ما قاله عيسى عليه السلام: # إني عبد الله # [مريم: 30]، وفي قوله تعالى: { وكلمته ألقاها إلى مريم ~~وروح منه } [النساء: 171]، إشارة إلى أن عيسى عليه السلام كان ~~يكلمه الله تعالى، وهي قوله: # كن فيكون # [آل عمران: 59]، بكلمته من غير واسطة أب، فإن تكوين الخلق كلمة بكلمة ~~كن، ولكن بالوسائط بأن يتعلق كن بتكوين الأبناء، فلما كان تعلق أمر كن ~~بعيسى عليه السلام في رحم مريم من غير تعلقه بتكوين أب له فتكون عيسى ~~عليه السلام بأمر كن وكن هي كلمة الله، فعبر عن ذلك بقوله تعالى: { ~~وكلمته ألقاها إلى مريم } [النساء: 171]، يدل عليه قوله ~~تعالى: # إن مثل عيسى عند الله # [آل عمران: 59]؛ يعني: في التكوين، # كمثل ءادم خلقه من تراب # [آل عمران: 59]؛ يعني: سوى جسمه من تراب، ثم قال له؛ يعني: عند بعث روحه ~~إلى القلب # كن فيكون # [آل عمران: 59]، وإنما ضرب مثله بآدم في التكوين؛ لأنه أيضا تكون بكلمة ~~من غير واسطة أب، وشرف الروح على الأشياء بأنه أيضا تكون بأمر كن بلا ~~واسطة شيء آخر، فلما تكون بأمر كن يكون كن سمي روح منه؛ لأن الأمر منه ~~كما قال تعالى: # قل الروح من أمر ربي # [الإسراء: 85]، وكما أن إحياء الأجسام الميتة من شأن الروح إذ ينفخ ~~فيها، فكذلك كان عيسى عليه السلام من شأنه إحياء الموتى وإبراء الأكمة ~~والأبرص بإذن الله، وكذلك ينفخ في الطين كهيئة الطير فيكون طيرا بإذن ~~الله. # ثم اعلم أن هذا الاستعداد الروحانية الذي هو من كلمة الله مركوز في جبلة ms0454 ~~الإنسان وخلق منه؛ أي: من الأمر، وإنما أظهره الله تعالى في عيسى عليه ~~السلام من غير تكلف منه في السعي لاستخراج هذا الجوهر من معدنه؛ لأن روحه ~~لم تركض أصلاب الآباء وأرحام الأمهات كأرواحنا، فكان جوهره ظاهرا في ~~معدن جسمه غير مخفي فيه ببشرية أب، وجوهرنا مخفي في معدن جسمنا ببشرية ~~آبائنا إلى آدم عليه السلام، فمن ظهور أنوار جوهر روحه كان الله تعالى ~~يظهر عليه أنواع المعجزات في بدء طفوليته، ونحن نحتاج في استخراج الجوهر ~~الروحاني عن المعدن الجسماني إلى نعل صفات البشرية المتولدة من بشرية ~~الآباء والأمهات من سعادتنا بأوامر الاستاذ هذه الصفة ونواهيه هو النبي ~~صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7]، فمن تخلص جوهر روحانيته من معدن بشريته وإنسانيته يكون عيسى ~~وقته فيحيي الله بأنفاسه القلوب الميتة، ويفتح به آذانا صما، وعيونا ~~عميا، فيكون في قومه كالنبي في أمته، فافهم جيدا. # ثم قال تعالى: { فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ~~ثلاثة انتهوا خيرا لكم } [النساء: 171]؛ يعني: إن أردتم ~~التوحيد الحقيقي فآمنوا بالله الذي خلقكم، وجعل بشريتكم معدن جوهر ~~روحانيتكم، وجعل روحانيتكم معدن جوهر وحدانيته، فبنور وحدانيته يتحقق لكم ~~أن { ولا تقولوا ثلاثة } [النساء: 171]؛ يعني: نفوسكم والرسول ~~والله تعالى، فتنتهوا بنظر الوحدة عن رؤيته الثلاثة فيكشف لكم { إنما ~~الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد } ~~[النساء: 171]؛ أي: إن يتولد من وحدانيته شيء { له ما في ~~السموت وما في الأرض } [النساء: 171]، إيجادا واقتدارا، ~~وبه ظهر ما ظهر ومنه صدر ما صدر، وليس لشيء وجود حقيقي، وله الوجود ~~الحقيقي القائم الدائم أولا وآخرا، أو ظاهرا وباطنا، # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]؛ وهو الوكيل لكل هالك، { وكفى بالله وكيلا } ~~[النساء: 171]. # ثم أخبر عمن يتفاخر بربوبيته وعمن يستنكف عن عبوديته بقوله تعالى: { ~~لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا ~~الملائكة المقربون } [النساء: 172]، إلى قوله: # وليا ولا نصيرا # [النساء: 173]، والإشارة فيهما: لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله؛ ~~لأن العبدية كانت ms0455 من شأنه في رضاعه، وإن نطق بها قبل أوان نطقه بقوله: # إني عبد الله # [مريم: 30]، و " عادة ترضعت برحها تنزعت " ، وكيف ~~يستنكف عن عبوديته وقد أثر عليه آثار ربوبيته بإحياء الموتى، وإبراء ~~الزمني قال تعالى: { ولا الملائكة المقربون } [النساء: ~~172]، ما ذكرهم للفضيلة على عيسى عليه السلام وإنما ذكر ذكرهم لأن بعض ~~الكفار قالوا بنات الله، كما قالت النصارى المسيح ابن الله، كما قال ~~تعالى: # ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى # [النجم: 21-22]، بل فضل الله تعالى المسيح عليه السلام عليهم بتقديم ~~الذكر؛ لأن المسيح نسب إليه بالنبوة ونسبت الملائكة إليه بالبنتية، ~~وللذكر فضيلة وتقدم على الإناث كقوله تعالى: # فللذكر مثل حظ الأنثيين # [النساء: 176]، فقدم الذكر على الأنثى وجعل له سهمين وللأنثى واحدا، ~~فكما أن للذكر فضيلة على الأنثى، فكذلك للمسيح فضل على الملائكة، وفضيلته ~~على الملائكة أكثر وأعظم، يدل عليه ما صح عن جابر عن عبد الله رضي الله ~~عنه أن الله تعالى لما خلق آدم عليه السلام وذريته قالت الملائكة: يا رب ~~خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، ~~قال الله تبارك وتعالى: # " لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فيكون ". # قال الشيخ المصنف - رحمه الله - وهذا من فضيلة عيسى عليه السلام، فافهم ~~جيدا. # ثم قال تعالى: { ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر ~~فسيحشرهم إليه جميعا } [النساء: 172]، الإشارة: إن ~~المستنكف والمستكبر والمؤمن والولي والنبي محشرهم ومرجعهم إليه جميعا، ~~كما صرح به بقوله تعالى: # ثم إلي مرجعكم # [لقمان: 15]، وقال تعالى: # إن إلى ربك الرجعى # [العلق: 8]، فالولي مرجعه إلى لطف الله ورحمته، والعدو مرجعه إلى قهر ~~الله وعقوبته، وصورتهما الجنة والنار. ### || [4.173-175] # كما أخبر بقوله تعالى: { فأما الذين آمنوا } [النساء: 173] ~~بالعبودية، { وعملوا الصالحات } [النساء: 173] للتقرب إلى حضرة ~~الربوبية، { فيوفيهم أجورهم } [النساء: 173] بجذبات العناية، ~~{ ويزيدهم من فضله } [النساء: 173] بتجلي صفات الإلوهية، { ~~وأما الذين استنكفوا } [النساء: 173]، عن أقسام الناسوتية، ~~{ واستكبروا } [النساء: 173] عن الانمحاء للاهوتية، { ~~فيعذبهم عذابا أليما } [النساء: 173] في دركات من الحرمان ~~عن ms0456 الحضرة الربانية، { ولا يجدون لهم من دون الله } ~~[النساء: 173] اليوم وليا؛ ليخرجهم من الأنانية إلى نور الربوبية، ومن ~~الحرمان عن الحضرة الربانية، { وليا ولا نصيرا } [النساء: 173] ~~ينصرهم على قمع النفس والهوى للوصول إلى المولى. # ثم أخبر عن نصرة وليه ببعثة نبيه بقوله تعالى: { يا أيها ~~الناس قد جآءكم برهان من ربكم } [النساء: 174]، إلى ~~قوله: { مستقيما } [النساء: 175]، والإشارة فيهما: إن الله تعالى ~~أعطى لكل نبي آية وبرهانا ليقيم به الحجة على الأمة، وجعل نفس النبي صلى ~~الله عليه وسلم برهانا منه وقال: { يا أيها الناس قد ~~جآءكم برهان من ربكم } [النساء: 174] وذلك؛ لأن برهان ~~الأنبياء عليهم السلام كان في الأشياء الخارجة عن أنفسهم، مثل ما كان ~~برهان موسى عليه السلام في عصاه في الحجر التي # فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا # [البقرة: 60] وكان نفس النبي صلى الله عليه وسلم برهانا بالكلية، وكان ~~برهان عينه ما قال صلى الله عليه وسلم: # " لا تسبقوني بالركوع والسجود فإني أراكم من خلفي كما أراكم من أمامي " # ، وبرهان بصره: # ما زاغ البصر وما طغى # [النجم: 17]، وبرهان أنفه: إنه قال صلى الله عليه وسلم: # " إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن " # ، وبرهان بصاقه: قال جابر رضي الله عنه أمرنا صلى الله عليه وسلم يوم ~~الخندق: # " لا تخبزن عجينكم ولا تنزلن برمتكم حتى أجيء فجاء فبصق في العجين وبارك ~~فأقسم بالله أنهم لأكلوا وهم ألف حتى تركوه وانصرفوا " # ، وإن برمتنا لتغط؛ أي: تغلي وإن عجيننا ليخبز كما هو، وبرهان تفله: إنه ~~تفل في عين علي رضي الله عنه وهي ترمد فبريء بإذن الله تعالى يوم خيبر، ~~وبرهان يده: ما قال الله تعالى: # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى # [الأنفال: 17]، وإنه سبح الحصى في يده، وبرهان أصبعيه: إنه أشار بأصابعه ~~إلى القمر فانشق فلقتين حتى رؤى حراء بينهما، وبرهان بين أصابعه: إنه كان ~~الماء ينبع من بين أصابعه حتى شرب منه ورفعه خلق عظيم، وبرهان صدره: إنه ~~كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل، وبرهان قلبه: إنه تنام عينه ولا ms0457 ينام ~~قلبه، وقال تعالى: # ما كذب الفؤاد ما رأى # [النجم: 11]، وقال تعالى: # ألم نشرح لك صدرك # [الشرح: 1]، وقال تعالى: # نزل به الروح الأمين * على قلبك # [الشعراء: 193-194]، وأمثال هذه البراهين كثيرة، فمن أعظمها أنه عرج إلى ~~السماء حتى جاوز قاب قوسين وابلغ أو أدنى وذلك برهان لنفسه بالكلية، وما ~~أعطى نبي قط وكان بعد أن أوحى إليه ما أوحى أفصح العرب والعجم وكان من ~~قبل أميا لا يدري ما الكتاب والإيمان، فأي برهان أقوى من هذا وأوضح ~~وأظهر، وأن الله تعالى أكرم هذه الأمة به ومن عليهم به فقال: { قد ~~جآءكم برهان من ربكم } [النساء: 174]، { وأنزلنآ ~~إليكم } [النساء: 174]؛ يعني: مع هذا البرهان الواضح { نورا ~~مبينا } [النساء: 174]؛ وهو القرآن سماه نورا؛ لأنه من صفاته القديم ~~الذي به يهتدي إلى الصراط المستقيم؛ وهو صراط الله العظيم وكلمته التي ~~بنورها اهتدى الأشياء من العدم إلى الوجود كما يهتدي بالنور، يدل عليه ~~سياق الآية { فأما الذين آمنوا بالله } [النساء: 175] ~~إيمانا حقيقيا بنور الله لا بالتقليد، { واعتصموا به } ~~[النساء: 175]؛ أي: وتخلقوا بخلق القرآن فهو الاعتصام به على التحقيق { ~~فسيدخلهم في رحمة منه } [النساء: 175]؛ يعني: بجذبات ~~العناية يدخلهم في عالم الصفات، فإن رحمته صفته { وفضل } [النساء: ~~175]؛ أي: في فضل إذ هو أيضا صفته لأنه ذو الفضل العظيم، { ~~ويهديهم } [النساء: 175]؛ يعني: بنور القرآن وحقيقة التخلق بخلقه، ~~{ إليه } [النساء: 175]؛ أي: إلى الله { صراطا مستقيما } ~~[النساء: 175]؛ وهو في الحقيقة صراط أنزل به القرآن فبالاعتصام به يصعد ~~السالك بهذا الصراط المستقيم إلى حضرة الله الحليم الكريم، فافهم جيدا. ### || [4.176] # ثم أخبر عن الاستفتاء عن أهل البقاء بعد الإخبار عن أهل الفناء بقوله ~~تعالى: { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن ~~امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ~~ترك وهو يرثهآ إن لم يكن لهآ ولد فإن كانتا ~~اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا ~~إخوة رجالا ونسآء فللذكر مثل حظ الأنثيين ~~يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء ~~عليم } [النساء: 176]، والإشارة: إن الله تعالى لم يكل ms0458 بيان قسم ~~التركات إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه تعالى وكل بيان أركان ~~الإسلام من الشهادة والصلاة والزكاة والحج إليه صلى الله عليه وسلم ~~وأحكام الشريعة # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7]، وولاه ببيان القرآن العظيم، وقال: # لتبين للناس ما نزل إليهم # [النحل: 44]، وتولى قسم التركات بنفسه جل جلاله كما قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الله لم يرض بملك مقرب ولا نبي مرسل " # ، حتى تولى قسم التركات وأعطي كل ذي حق حقه، إلا فلا وصية للوارث، وأنتم ~~لم توله قسم التركات؛ لأن الدنيا مزينة للناس، والمال محبب إلى الطباع، ~~وجبلت النفوس على الشح، فلو لم ينص الله على مقادير الاستحقاق وكان القسم ~~موكولا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لعل الشيطان أوقع في بعض النفوس ~~كراهة عن النبي صلى الله عليه وسلم لذلك فيكون كفرا، كقوله: صلى الله ~~عليه وسلم # " لا يكون بعدكم مؤمنا حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس ~~أجمعين " # كما # " أوقع في نفوس بعض شبان الأنصار يوم حنين أفاد الله ورسوله أموال هو ~~أذن وصفق النبي صلى الله عليه وسلم يعطي رجلا من قريش المائة من الإبل ~~كل رجل منهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي ~~قريشا ويتركنا وسيوفنا تفطر من دمائهم قال أنس رضي الله عنه فحدث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مقالهم فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من آدم ~~ولم يدع أحدا من غيرهم فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: " ما حديث بلغني عنكم كذا وكذا الذي " قالوا: فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " إن أعطى رجالا حديث عهدهم بكفر، أما ~~ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون إلى ~~رحلكم برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوالله ما ~~تنقلبون به خير مما ينقلبون به ". قالوا: بلى ~~يا رسول الله قد رضينا - صلى الله عليه وآله وسلم - " # فأزال ما وقع الشيطان في نفوسهم بهذه اللطائف، فلو كان قسم التركات ms0459 إليه ~~لكان كلهم للشيطان إلى آخر الدنيا، أن يوقع الشر في نفوس الأمة ولم يمكن ~~إزالته عن النفوس لتعذر الوصول إلى الخلق في حال الحياة وبعد الوفاة، ~~فتولى تعالى ذلك؛ لأنه # بكل شيء عليم # [التغابن: 11]، ولعباده غفور رحيم، فختم تلك الجملة بما نص على المقادير ~~في الميراث فضلا منه وقطعا لمواد الخصومات بين ذوي الأرحام، ورحمة على ~~النسوان في التوريث لضعفهن وعجزهن على الكسب، وإظهار التفضيل للذكور ~~عليهن في دينهن وتبيانا للمؤمنين؛ لئلا يضلوا بظن السوء بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم { يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل ~~شيء عليم } [النساء: 176]. ### | [5 - سورة المائدة] ### || [5.1-2] # { يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } [المائدة: ~~1]، والإشارة أن سماع اسم: " الله " فهو اسم ذات الألوهية يوجب الهيبة ~~والعظمة والفناء والغيبة من شأنهما، وسماع: " الرحمن الرحيم " ، وهما من ~~صفات لطفه يوجب الحضور والأوبة، ومن شأنهما البقاء والقربة، فمن أسمعه: ~~بسم الله غيبه في كشف جلاله، ومن أسمعه: " الرحمن الرحيم "؛ غشيه بلطف ~~أفضاله، ثم خاطبهم بخطاب الأولياء وعاتبهم عتاب الأحباء، فقال: { ~~يأيها الذين آمنوا } أي بالتوحيد عند امتحان # ألست بربكم # [الأعراف: 172]؛ إذ # قالوا بلى # [الأعراف: 172] { أوفوا بالعقود } [المائدة: 1] التي جرت بيننا ~~يوم الميثاق ليوم التلاق، وهذه عهود أهل الوفاق والنفاق أوفوا بالعهود ~~أيها العشاق وعهود قبل وجودهم وإشهادهم وبشهودهم وعقودهم على بذل وجودهم ~~لنيل مقصودهم عاقدوا على عهدهم، يحبهم ويحبونه ولا يحبون معه دونه، ~~فالوفاء بالعهد الصبر على الجفاء والحمد فمن صبر على عهوده فقد فاز ~~بمقصوده عند بذل وجوده. # { أحلت لكم بهيمة الأنعام } [المائدة: 1] أي: ذبح بهيمة ~~النفس التي هي كالأنعام في طلب المرام، { إلا ما يتلى عليكم ~~غير محلي الصيد وأنتم حرم } [المائدة: 1] يعني: أيتها ~~النفس المطمئنة التي تليت عليها: # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28]، فإنها تنفرت من الدنيا وما فيها فإنها كالضيف في الحرم ~~وأنتم حرم بالتوجه إلى كعبة الوصال بإحرام الشوق إلى حضرة الجمال، ~~والجمال متجردين من كل مرغوب ومربوب متفردين من كل محبوب ومطلوب. # { إن الله يحكم } [المائدة: 1] بذبح النفس إذا كانت موصوفة ms0460 ~~بصفة البهيمية ترتع في مراتع الحيوان السفلية، ويحكم بترك ذبحها ويخاطبها ~~بالرجوع إلى حضرة الربوبية عند اطمئنانها مع الحق واتصافها بالصفات ~~العلوية لمن يريد { ما يريد } [المائدة: 1]. # ثم أخبر أن تعظيم الشعائر من صدق الضمائر بقوله تعالى: { يا أيها ~~الذين آمنوا لا تحلوا شعآئر الله } [المائدة: 2]، ~~والإشارة مع سلاطين الدين وملوك السلوك الذين خرجوا عن أوطان الأوطان ~~وسافروا عن ديار الأغيار وسلكوا بوادي الشهوات، وعبروا عن منازل ~~المهلكات، وتجردوا عن حظوظ الدنيا، وتفردوا لحقوق العقبى وأحرموا لطواف ~~كعبة المولى، فقال: يا أيها الذين آمنوا بشهود القلوب لقصد زيارة المحبوب ~~لا تحلوا شعائر الله مناسك الوصول إلى الله تعالى، فهي معالم الدين ~~والشريعة وآداب الطريقة بإشارة أرباب الحقيقة فإنهم أولى بهذا الطريق ~~وحضراء هذا الفريق. # { ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد } ~~[المائدة: 2]، إشارة إلى تعظيم عظمة الله تعالى من الزمان والمكان ~~والإخوان، { ولا آمين البيت الحرام } [المائدة: 2]، وهم ~~القاصدون إلى الله تعالى، الصادقون في طلب الله، عليكم بالرفق في ~~مرافقتهم والتزام الصدق في موافقتهم، { يبتغون } [المائدة: 2] ~~الوصول، { فضلا من ربهم ورضوانا } [المائدة: 2]، رافقوهم ~~وكونوا إخوانا، أهدوا للقربان نفوسهم وقلدوها بلحاء الشجرة الطيبة ~~ليأمنوا من مكر الأعداء الخبيثة، { وإذا حللتم } [المائدة: 2]، ~~لإتمام الحج وقضاء مناسك الوصول، { فاصطادوا } [المائدة: 2]، أرباب ~~الطلب بشبكة الدعوى إلى الله تعالى. # { ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن ~~المسجد الحرام } [المائدة: 2]، يعني: لا يحملنكم حسد الحساد ~~وقصد القضاء والذين يريدون أن يصدوكم عن الحق ويمنعوكم بالحسد عن دعوة ~~الحق { أن تعتدوا } [المائدة: 2]، على الطالبين الصادقين بالبعد ~~عنهم وردهم عن الإرادة فتكونوا قطاع الطريق في طلب الحق. # { وتعاونوا على البر } [المائدة: 2]، وهو التفرد للحق بما ~~شرح الله تعالى صدره؛ # ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ~~والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على ~~حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل والسآئلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين ~~في البأسآء والضرآء وحين البأس أولئك الذين ~~صدقوا وأولئك هم المتقون # [البقرة: 177]. # { والتقوى } [المائدة: 2]، وهو الخروج عما ms0461 سوى الله؛ فإن الوصول ~~لا يمكن إلا بها، ولهذا قال من قال: خطوتان وقد وصلت ولا يمكن للمريد ~~الصادق أن يتحلى بهاتين الخطوتين إلا بمعاونة شيخ كامل مكتمل واصل موصل. # { ولا تعاونوا على الإثم } [المائدة: 2]، بالتهاون في دعوة ~~العوام وتربية الخواص من الطلبة، { والعدوان } [المائدة: 2]، بأن ~~تكلوهم إلى أنفسهم في إضاعة بضاعتهم وإفساد استعدادهم، { واتقوا ~~الله } [المائدة: 2]، في القيام بحقوق التعظيم لأمر الله ورعاية حقوق ~~الشفعة على خلق الله، { إن الله شديد العقاب } [المائدة: ~~2]، لمن يعاقبه بالخذلان ويعاقبه بالهجران. ### || [5.3-4] # ثم أخبر عن الحرام علي الخواص والعوام بقوله تعالى: { حرمت ~~عليكم الميتة والدم } [المائدة: 3]، والإشارة أن ظاهرها ~~كما كان خطابا لأهل الدنيا والآخرة فباطنها عتاب لأهل الله وخاصته حرمت ~~عليكم يا أهل الحق الميتة فهي الدنيا بأسرها، { ولحم الخنزير } ~~[المائدة: 3]، يعني: حلالها وحرامها قليلها وكثيرها وذلك لأن من الدم ما ~~هو حلال والخنزير كله حرام، والدم بالنسبة إلى اللحم قليل واللحم بالنسبة ~~إلى الدم كثير. # { ومآ أهل لغير الله به } [المائدة: 3]، يعني: كل طاعة ~~وعبادة وقراءة ودراسة ورواية يظهرون به لغير الله، { والمنخنقة ~~والموقوذة } [المائدة: 3]، يعني: الذين يخنقون نفوسهم بالمجاهدات ~~ويقذونها بأنواع الرياضات نبهها عن المرادات وزجرها عن المخالفات للرياء ~~والسمعة، { والمتردية والنطيحة } [المائدة: 3]، الذين ~~يتردون بنفوسهم من أعلى عليين إلى أسفل السافلين بالتناطح مع الأقران، ~~والمماراة مع الإخوان، والتفاخر بالعلم والزهد بين الإخوان. # وفي قوله: { ومآ أكل السبع إلا ما ذكيتم } [المائدة: ~~3]، إشارة إلى أن فيما يحتاجون إليه من القوة الضرورية كونوا محترزين من ~~أكلة السباع وهم الظلمة الذين يتهارشون في جيفة الدنيا تهارش الكلاب، ~~ويتجاذبون بمخالب الأطماع الفاسدة، { إلا ما ذكيتم } بالكسب ~~الحلال ووجه صالح بقدر ضرورة الحال. # { وما ذبح على النصب } [المائدة: 3]، فيه يشير إلى ما تذبح ~~عليه النفوس بأنواع الحد والاجتهاد من المطالب الدنيوية والأخروية، { ~~وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق } [المائدة: 3]، ~~يعني: أن تكونوا مترددين نقالين في طلب المرام متقين بحصول المقصود، ~~متهاونين في بذل الوجود فإذا انتهيتم عن هذه الدواعي وأخلصتم لله في الله ~~وخرجتم ms0462 عن سجن الأنانية وسجن الإنسانية بجذبات الربانية؛ فقد عاد ليلكم ~~نهارا وظلمتكم أنوارا. # { اليوم يئس الذين كفروا } [المائدة: 3]، من النفس ~~وصفاتها والدنيا وشهواتها، { من دينكم } [المائدة: 3]، وتيقنوا أن ~~ما بقي لكم الرجوع إلى ملتهم والصلاة إلى قبلتهم، { فلا تخشوهم } ~~[المائدة: 3]، فإنكم خلصتم من شبكة مكائدهم ونجوتم من عقد مصائدهم، { ~~واخشون } [المائدة: 3]، أي: فإن كيدي متين وصيدي مبين وبطشي شديد، ~~وحسبي مديد، ثم أخبر عن إكمال الدين وإجلال أهل اليقين بقوله تعالى: { ~~اليوم أكملت لكم دينكم } [المائدة: 3]، والإشارة أن ~~اليوم إشارة إلى الأزل، { أكملت لكم دينكم } أي: جعلت ~~الكمالية الآن بإظهار رؤيتكم على الأديان كلها في الظاهر وأنا في ~~الحقيقة، وسيجيء شرحه إن شاء الله. # { وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم ~~دينا } [المائدة: 3]، تستكملون به إلى الأبد بحيث من يبتغ غير الإسلام ~~دينا فلن يقبل منه، وذلك لأن حقيقة الدين الذي هو سلوك سبيل الله عز وجل ~~بعدم الخروج عن الوجود المجازي للوصول إلى الوجود الحقيقي، وأن الإنسان ~~مخصوص به من سائر الموجودات، ولهذا الآية اختصاص بالكمالية في السلوك من ~~سائر الأمم خالدين في عهد آدم عليه السلام كان من التكامل بسلوك الأنبياء ~~عليه سبيل الحق إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكل نبي سلك في الدين ~~مسلكا أنزله بقربة من مقامات القرب؛ لكن بإخراج أحد منهم بالكلية عن ~~الوجود المجازي للوصول إلى الوجود الحقيقي بالكمال فقيل للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90]، فسلك النبي صلى الله عليه وسلم جميع المسالك التي سلكها ~~الأنبياء عليهم السلام أجمعين فلم يتحقق له الخروج أيضا بقدم السلوك عن ~~الوجود المجازي بالكلي حتى تداركته العناية الأزلية لاختصاصه بالمحبوب، ~~وبجذبات الربوبية أخرجه من الوجود المجازي ليلة أسرى بعبده وأعطاه ما ~~تميز به عن الأنبياء كلهم وبلغ في القرب إلى الكمالية في الدنو وهو سر أو ~~أدنى فاستسعد بسعادة الوصول إلى الوجود الحقيقي في سر فأوحى إلى عبده ما ~~أوحى. # وفي الحقيقة قيل له في تلك الحالة { أكملت لكم دينكم ms0463 ~~وأتممت عليكم نعمتي } [المائدة: 3]، ولكن في حجة الوداع ~~يوم عرفة عند وقوفه بعرفات أظهر على الأمة عند إظهاره على الأديان كلها ~~وظهور كمالية الدين نزول الفرائض والأحكام بالتمام فقال: { أكملت ~~لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلم دينا } [المائدة: 3]. # ويدل على هذا التأويل ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " مثلي ومثل الأنبياء من قبل كمثل رجل ابتنى بيوتا فأحسنها وأجملها ~~وأكملها إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون حولها ~~ويعجبهم البنيان فيقولون: ألا وضعت هذه اللبنة، فتم بناؤها، فقال محمد: ~~صلى الله عليه وسلم فأنا اللبنة " # ، متفق على صحته. # فصح ما قررناه من مقامات الأنبياء - عليهم السلام - تكامل الدين بهم ~~وكماله بالنبي صلى الله عليه وسلم بخروجه عن الوجود المجازي بالكلية وأن ~~الأنبياء لم يخرجوا عنه بالكلية. # ويدل على هذا المعنى أيضا أن الأنبياء كلهم يوم القيامة يقولون: نفسي ~~نفسي لبقية الوجود، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " أمتي أمتي " # ؛ لفناء الوجود، فافهم جيدا. # ومن كرامة هذه الأمة لشركهم في كمالية الدين مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم فخوطبوا بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: { أكملت ~~لكم دينكم } [المائدة: 3]، ليعلم أن الكمالية فيه مشتركة بينهم لا ~~يتهاونون في طلبها، وقال: { وأتممت عليكم نعمتي } ~~[المائدة: 3]، وهي أسباب تحصيل الكمال ومعظمها بعثة النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وقال: { ورضيت لكم الإسلم دينا } [المائدة: 3]، وهو ~~استسلام الوجود المجازي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى خلفائه بعده ~~ليطرح عليه إكسير المتابعة فيبذل الوجود المجازي المجيء بالوجود الحقيقي ~~المحبوبي، كما قال تعالى: # إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ~~ويغفر لكم ذنوبكم # [آل عمران: 31]، يعني: ويغفر الوجود الحقيقي ذنوب الوجود المجازي، فافهم ~~جيدا وانتبه. # ثم قال تعالى: { فمن اضطر في مخمصة } [المائدة: 3]، فمن ~~ابتلي بالالتفات إلى شيء من الدنيا والآخرة مضطرا إليه فهو في غاية ~~الابتلاء وكثير التربية، { غير متجانف لإثم } [المائدة: 3]، ~~غير قابل إليه بالإعراض عن الحق؛ ولكن فترة ms0464 تقع للصادقين أو وقفة تكون ~~للسالكين ثم يتداركون بصدق الالتجاء إلى الحق وأرواح المشايخ والاستغاثة ~~بهم وطلب الاستغفار عن ولاية النبوة وإعانته، { فإن الله غفور ~~} [المائدة: 3]، لما ابتلاهم به، { رحيم } [المائدة: 3]، بهم بأن ~~يهديهم إلى الصراط المستقيم بإفاضة الدين القويم. # ثم أخبر عما أحل من الطيبات ومن المحصنات المؤمنات بقوله تعالى: { ~~يسألونك ماذآ أحل لهم } [المائدة: 4]، والإشارة أن أرباب ~~الطلب وأصحاب السلوك يسألونك ماذا أحل لهم؛ إذ حرم عليهم الدنيا والآخرة ~~كما قال صلى الله عليه وسلم: # " الدنيا حرام على أهل الآخرة، والآخرة حرام على أهل الدنيا " # ، وهما حرمان على أهل الآخرة، { قل أحل لكم الطيبات } ~~[المائدة: 4]، وهي ما لا يقطع عليكم طريق الوصول إلى الله تعالى، فإن ~~الله طيب لا يقبل إلا الطيب فكل مأكول ومشروب وملبوس ومقول ومفعول ومعمول ~~طلبتموه بحظ من الحظوظ فقد لونتموه بلون دواعي الوجود فهو من الخبيثات لا ~~يصلح إلا للخبيثين وما طلبتموه بالحق للقيام بأداء الحقوق مطيبا بنفحات ~~الشهود فهو من الطيب لا يصلح إلا للطيبين. # { وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن ~~مما علمكم الله } [المائدة: 4]، يشير إلى النفوس المعلمة ~~بعلوم الشريعة المؤدبة بآداب الطريق المنورة بأنوار علوم الحقيقة التي ~~تكشف لأسرار الصديقين بتجلي صفات العالمية وهي العلوم اللدنية التي ~~يعلمها الله أخص الخواص من عباده كما قال تعالى: # وعلمناه من لدنا علما # [الكهف: 65]. # { فكلوا ممآ أمسكن عليكم } [المائدة: 4]، يشير إلى ~~تناول ما اصطاد نفوس المطمئنة من عالمي الغيب والشهادة بالأمر لا بالطبع ~~فما أمسكن بالقيام للحقوق لا عليهن للقيام بالحفوظ، { واذكروا اسم ~~الله عليه } [المائدة: 4]، يعني: واذكروا عند تناول كل ما ورد ~~عليكم من الأمور الدنيوية والأخروية اسم الله عليه ولا تتصرفوا فيه إلا ~~لله بالله في الله، { واتقوا الله } [المائدة: 4]، أي: اتقوا به ~~عما سواه: { إن الله سريع الحساب } [المائدة: 4]، يحاسب ~~العباد على أعمالهم قبل أن يفرغوا منها ويجازيهم في المال بالإحسان إحسان ~~القربة ورفعة الدرجة، وجذبة العناية وبالإساءة إساءة العبد والطرد إلى ~~الشغل والخذلان. ### || [5.5-6] # ثم قال تعالى: { اليوم أحل ms0465 لكم الطيبت } [المائدة: ~~5]، وكرر فيه القول وفائدة التكرار، يعني: أحل لكم ما أحل لكم يا أرباب ~~الحقيقة اليوم الذي قدر كمالية الدين لكم في الأزل من جميع الطيبات التي ~~تتعلق بسعادة الدارين بل أحل التخلق بأخلاق الطيبات وهي أخلاق الله تعالى ~~المتنزهات عن الكميات والكيفيات المتنزهات من النقائص والشبهات، { ~~وطعام الذين أوتوا الكتب } [المائدة: 5]، وفي الحقيقة ~~هم الأنبياء عليهم السلام. # { حل لكم } [المائدة: 5]، أي: غذيتم بلبان الولاية كما غذوا ~~بلبان النبوة عن حكمي الشريعة والحقيقة، { وطعامكم حل لهم } ~~[المائدة: 5]، يعني: منبع لبن النبوة بالولاية واحد فإن كان الثدي اثنين، ~~فشربتم بشراب ألطافنا من مشرب الولاية، وشرب الأنبياء ألبان أفضالنا من ~~مشرب النبوة، قد علم كل أناس مشربهم، والنبي صلى الله عليه وسلم شركة في ~~المشارب كلها وله اختصاص في مجلس المقام المحمود من المحبوب بمشرب # " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " # ، لا يشاركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل { و } ، [المائدة: 5]، كذلك أحل ~~لكم، { المحصنت من المؤمنت } [المائدة: 5]، وهي أبكار ~~حقائق القرآن التي أحصنت من قيام الأرواح المؤمنات بها وهي أرواح العلماء ~~وخواص الأمة. # { والمحصنت من الذين أوتوا الكتب من ~~قبلكم } [المائدة: 5]، وهي أبكار حقائق الكتب المنزلة على الأمم ~~السابقة التي أحصنت من الذين أنزلت عليهم الكتب وأدرجت في القرآن نور ~~خفيته لكم، كما قال تعالى: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم # [السجدة: 17]، يعني: في القرآن من قرة أعين وهي أبكار حقائق جميع الكتب ~~المنزلة، فافهم جيدا فكلها معدة لكم. # { إذا ءاتيتموهن أجورهن } [المائدة: 5]، أي: صور هذه ~~الأبكار وهي بذل الوجود { محصنين } [المائدة: 5]، متعففين في بذل ~~الوجود ليكون على وجد الحق بتصرف المشايخ الواصلين، { غير ~~مسفحين } [المائدة: 5]، على وفق الطبع وخلاف الشرع وبتصرف الهوى، { ~~ولا متخذي أخدان } [المائدة: 5]، يعني: في بذل الوجود لا ~~يكون عند فناء إلى شيء من الكونين ولا إلى أحد في الدارين سوى الله تعالى ~~ليكون هو المشرب ومنه الشراب وهو الحريق والشافي. # { ومن يكفر بالإيمن } [المائدة: 5]، بهذه المقامات والكمالات ~~إذ حرم عن العيان من هذه العادات، { فقد ms0466 حبط عمله } [المائدة: ~~5]، الذي عمل على العماء والتقليد، { وهو في الآخرة من ~~الخسرين } [المائدة: 5]، الذين خسروا الدنيا والعقبى والمولى. # ثم أخبر عن أسباب القعود إلى هذه المقامات وآداب القيام إلى الصلاة ~~بقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى ~~الصلاة } [المائدة: 6]. # والإشارة فإن الخطاب في قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا ~~} هذا خطاب مع الذين آمنوا إيمانا حقيقيا عند خطاب: ألست بربكم، بقول: ~~بلى، وهم أهل الصدق الأول يوم الميثاق آمنوا بعدما عاينوا، وأهل الصف ~~الثاني آمنوا إذا شاهدوا، وأهل الصف الثالث آمنوا إذا سمعوا الخطاب، وأهل ~~الصف الرابع آمنوا تقليدا لا تحقيقا؛ لأنهم ما عاينوا ولا شاهدوا ولا ~~سمعوا خطاب الحق بسمع الفهم والدراية؛ بل سمعوا سماع الفهم والنكابة ~~فتحيروا في الجواب حتى سمعوا جواب أهل الصفوف الثلاثة إذ قالوا: بلى، ~~فقالوا بتقليدهم بلى فلا جرم بهذا ما آمنوا وهو الكفار وإن آمنوا ما ~~آمنوا على التحقيق؛ بل بالتقليد أو بالنفاق وهم المنافقون، وأهل الصف ~~الثالث هم عوام المسلمين فكما آمنوا هناك بسماع الخطاب فكذلك هنا آمنوا ~~بالسماع بقوله: # إننآ سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا ~~بربكم فآمنا # [آل عمران: 193]. # وأهل الصف الثاني هم خواص المؤمنين فكما آمنوا هناك؛ إذ شاهدوا فكذلك ~~هنا آمنوا بشواهد المعرفة كما قال تعالى: # وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم ~~تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ~~ربنآ آمنا # [المائدة: 83]، ومن هنا قال بعضهم: ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله فيه، ~~وأهل الصف الأول وهم الأنبياء وخواص الأولياء فكما آمنوا هناك إذ عاينوا ~~فكذلك آمنوا هنا إذا عاينوا كقوله تعالى: # ءامن الرسول # [البقرة: 285]، وذلك في ليلة المعراج إذا أوحى إلى عبده ما أوحى، قال: # ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه # [البقرة: 285]. # وكان إيمان موسى عليه السلام نوعا من هذا، # فلمآ أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول ~~المؤمنين # [الأعراف: 143]، فقال علي: رضي الله عنه " لم أعبد ربا لم أره " قال ~~بعضهم: رأى قلبي ربي، وقال آخر: ما نظرت في ms0467 شيء إلا ورأيت الله قبله، ~~فخاطب أهل الصف الأول: يا أيها الذين آمنوا تحقيقا ثم أهبطوا عن ممالك ~~القرب إلى مهالك البعد، ومن رياض الأنس إلى سباخ الإنس، { إذا قمتم ~~} من نوم الغفلة وانتبهتم من رقدة الفرقة، { إلى الصلاة } هي ~~معراجكم للرجوع إلى مقام قربكم، كما قال تعالى: # واسجد واقترب # [العلق: 19]. # { فاغسلوا وجوهكم } [المائدة: 6] التي توجهتم بها إلى الدنيا ~~ولطختموها بالنظر إلى الأغيار بماء التوبة والاستغفار، { وأيديكم ~~إلى المرافق } [المائدة: 6] أي: واغسلوا أيديكم عن التمسك ~~بالدارين والتعلق بما في الكونين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق، { ~~وامسحوا برؤوسكم } [المائدة: 6]، ببذل نفوسكم، { ~~وأرجلكم إلى الكعبين } [المائدة: 6] أي: واغسلوا أرجلكم عن ~~طين طينتكم والقيام بأنانيتكم. # { وإن كنتم جنبا } [المائدة: 6]، بالتفات إلى غيرنا، { ~~فاطهروا } [المائدة: 6]، بالنفوس عن المعاصي وبالقلوب عن رؤية ~~الطاعات، وبالأسرار عن رؤية الأغيار، وبالأرواح عن الاسترواح عن غيرنا، ~~وبسر الستر عن لون الوجود، { وإن كنتم مرضى } [المائدة: 6]، من ~~حب الدنيا، { أو على سفر } [المائدة: 6]، في متابعة الهوى، { ~~أو جآء أحد منكم من الغائط } [المائدة: 6]، في قضاء ~~حاجة شهوة من الشهوات، { أو لامستم النسآء } [المائدة: 6]، ~~وهي الدنيا في تحصيل لذة من اللذات، { فلم تجدوا مآء } ~~[المائدة: 6]، التوبة والاستغفار، { فتيمموا صعيدا طيبا } ~~[المائدة: 6]، فتمرغوا في تراب أقدام الكرام فإنه طهور الذنوب العظام، { ~~فامسحوا بوجوهكم } [المائدة: 6]، أي: تراب أقدامهم وشمروا ~~بخدمتهم { وأيديكم منه } [المائدة: 6]، لأن فيه شفاء لقساوة ~~القلوب ودواء لمرض الذنوب، { ما يريد الله ليجعل عليكم ~~من حرج } [المائدة: 6]، بهذه الذلة والصغار، { ولكن يريد ~~ليطهركم } [المائدة: 6]، من الذنوب الكبار وأكبر الكبائر الشرك ~~بالله وأعظم الشرك شرك الوجود مع وجود المعبود، وهذا ذنب لا يغفر إلا ~~بالتمرغ في هذا التراب ولوث لم يطهر إلا بالالتجاء إلى هذه الأبواب { ~~وليتم نعمته عليكم } [المائدة: 6] بعد ذوبان نحاس ~~أنانيتكم بنار تصرفات هممهم العالية بطرح إكسير أنوار الهوية { ~~لعلكم تشكرون } [المائدة: 6]، إذ تهتدون بأنوار الهوية إلى ~~رؤية أنوار المنعم. ### || [5.7-9] # { واذكروا نعمة الله } [المائدة: 7]، التي أنعم بها، { ~~عليكم } [المائدة: 7]، في بدء الوجود بإخراجكم من ظلمة العدم إلى ~~نور ms0468 الوجود قبل كل موجود وخلقكم في أحسن التقويم بقول الدين القويم، ~~وهداكم إلى الصراط المستقيم، واستماع خطاب ألست بربكم وجواب بلى، { ~~وميثاقه الذي واثقكم به } [المائدة: 7]؛ أي: العهد الذي ~~عاهدكم به على التوحيد والعبودية ووفقكم للسمع والطاعة { إذ قلتم ~~سمعنا وأطعنا } [المائدة: 7]، ولو لم تكن نعمة التوفيق لقلتم ~~سمعنا وعصينا كما قال أهل الخذلان في العصيان { واتقوا الله } ~~[المائدة: 7]، أي: اتقوا بالله عن غير الله { إن الله عليم ~~بذات الصدور } [المائدة: 7]، أي: بالقلوب وما فيها من الاتقاء عن ~~الأشياء. # ثم أخبر عن طريق الاتقاء وترك الالتجاء بقوله تعالى { يا أيهآ ~~الذين آمنوا كونوا قوامين لله } [المائدة: 8]، ~~والإشارة أن الخطاب في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا مع أهل الصف الأول ~~في الميثاق الذين آمنوا بالعيان لا بالبيان كونوا قوامين، { شهدآء ~~بالقسط } [المائدة: 8]، فالأمر أمر التحويل والتكوين فكما خوطبوا ~~وأمروا أن يكونوا فكانوا قائمين بالحق ناطقين بالحق شاهدين بالحق { ولا ~~يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا } [المائدة: ~~8]، فيه معنيان أحدهما: لا يحملنكم عداوة الشيطان والنفس والهوى والدنيا ~~على أن تظلموا وتجوروا على أنفسكم بالظلم على المسلمين، فإن الشيطان من ~~شيمته العداوة فلا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر ولا يضركم على أنفسكم في ~~الدنيا والآخرة والنفس من طباعها أنها أمارة بالسوء فهي أعدى الأعداء، ~~والهوى من شأنه أن يضلكم عن سبيل الله، والدنيا قد زينت لأربابها وهي رأس ~~كل خطيئة فلا يحملنكم شنآن هذا القوم على أن تعدلوا والمعنى العالي، ولا ~~يحملنكم حسد الحساد وعداوة الأعداء على أن تعدلوا مع أنفسكم وتظلموها ~~بمنازعة الحساد ومناسبة الأعداء فتقعوا في ورطات الهلاك ويغلب عليكم ~~الصفات السبعية والشيطانية. # { اعدلوا } [المائدة: 8]، هذا أيضا من التلوين للقوامين بالقسط فلا ~~يسعهم إلا العدل، وهو القيام بالاعتدال الحقيقي في العبودية والاستواء ~~على سمت الربوبية { هو أقرب للتقوى } [المائدة: 8]، يعني: ~~العدل بهذا المعنى أقرب إلى البقاء بالمولى مما سواه { واتقوا ~~الله } [المائدة: 8]، أي: اتقوا بالله عن غير الله { إن الله ~~خبير بما تعملون } [المائدة: 8]، إنكم لا تقدرون على الاتقاء ~~بالله إلا ms0469 بجذبات الله. # { وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ~~[المائدة: 9]، التي تصلحهم بقبول الجذبات { لهم مغفرة وأجر ~~عظيم } [المائدة: 9]، وهو جذبات لتأخذهم عنهم به إليه فافهم جيدا. ### || [5.10-12] # { والذين كفروا } [المائدة: 10]، تداركهم الخذلان حتى { ~~وكذبوا بآياتنآ أولئك أصحاب الجحيم } [المائدة: ~~10]، الذين كانوا يوم الميثاق في الصف الرابع فما فهموا أخطابنا ولا ~~صوبوا جوابنا فاستوجبوا عتابنا واستحقوا عقابنا. # ثم ذكر أهل العناية بما أنعم عليهم في البداية فقال تعالى: { يا ~~أيهآ الذين آمنوا } [المائدة: 11]، بما عاينوا { اذكروا ~~نعمت الله عليكم } [المائدة: 11]، في بدء الخلقة حين أراد أن ~~يخرجكم من ظلمة العدم إلى نور الوجود بأمر { كن } { إذ هم قوم ~~أن يبسطوا إليكم أيديهم } [المائدة: 11]؛ ليؤخروكم عن ~~الخروج من العدم ويسبقوكم بالخروج إلى الوجود { فكف أيديهم ~~عنكم } [المائدة: 11]، لتكونوا أنتم السابقون ويباهي به النبي صلى ~~الله عليه وسلم وتقولون نحن الآخرون السابقون يعني: الآخرون بالصورة، ~~السابقون بالروح في الخروج عن العدم { واتقوا الله } [المائدة: ~~11]، في الرجوع إلى العدم لتتقوا بالله عما سوى الله، والله يعلم أن ~~رجوعكم إلى العدم ليس لكم ولا إليكم كما لم يكن خروجكم بكم فإن خروجكم ~~كان بجذبة أمر كن فلذلك رجوعكم لا يكون إلا بجذبة أمر # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28]، فكونوا واثقين بكرم الله وفضله شارعين في طلب مرضات الله ~~جاهدين على وفق الأوامر والنواهي في الله؛ ليهديكم إلى جذبات عنايته { ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون } [المائدة: 11]، بهذه ~~الكرامات المجتهدون لنيل هذه السعادات فإنه يبلغهم. # ثم أخبر عن ميثاق اليهود ونقضهم العهود بقوله تعالى: { ولقد أخذ ~~الله ميثاق بني إسرآئيل } [المائدة: 12]، والإشارة أن الله ~~تعالى لما أخذ ميثاق بني إسرائيل أخذ ميثاق هذه الأمة يوم الميثاق ولكن ~~أخذ ميثاق بني إسرائيل # ألا تعبدوا إلا الله # [هود: 2]، وأخذ ميثاق هذه الأمة أن # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]، ولا يحبوا غيره، فلما كان ميثاق بني إسرائيل منهم لا من ~~الله فنقضوا الميثاق وعبدوا العجل وقتلوا الأنبياء، ولما كان ميثاق هذه ~~الأمة من الله ثم منهم بقوله # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]، بذلوا في الله أرواحهم ms0470 وما بذلوا بعهدوهم ومحبوبهم وما ~~نقضوا ميثاقهم وعهودهم كما قال تعالى: # من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله ~~عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ~~وما بدلوا تبديلا # [الأحزاب: 23]، ومن كمال عنايته مع هذه الأمة أنه تعالى جعل في أمة موسى ~~عليه السلام النقباء المختارين المرجوعين إليهم عند الضرورة اثني عشر ~~لقوله تعالى: { وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا } [المائدة: ~~12]، جعل في هذه الآمة من النجباء البدلاء وأعزة الأولياء أربعين رجلا ~~في كل حال وزمان. # كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " يكون في هذه الأمة أربعون على خلق إبراهيم عليه السلام وسبعة على خلق ~~موسى عليه السلام وواحد على خلق محمد صلى الله عليه وسلم " # فهم على مراتب رجائهم ومناصب مقاماتهم أمنة هذه الأمة كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " بهم يرزقون وبهم يمطرون وبهم يدفع الله البلاء " # قال أبو عثمان المغربي: البدلاء أربعون والأمناء سبعة والخلفاء من الأمة ~~ثلاثة، والواحد القطب عارف بهم جميعا ويشرف عليهم، ولا يعرفه واحد ولا ~~يشرف عليه، وهو إمام الأولياء، والثلاثة الذين هم الخلفاء من الأئمة ~~يعرفون السبعة، ويعرفون الأربعين ولا يعرفهم أولئك السبعة، والسبعة هم ~~الأمناء يعرفون الأربعين الذين هم البدلاء ولا يعرفهم الأربعون، وهم ~~يعرفون سائر الأولياء من الأمة ولا يعرفهم من الأولياء أحد، فإذا نقص من ~~السبعة واحد جعل مكانه واحد من الأربعين، فإذا نقص من الثلاثة واحد جعل ~~مكانه واحد من السبعة، وإذا مضى القطب الذي هو واحد في العدد وبه قوام ~~أعداد الخلق جعل بدله واحد من الثلاثة إلى أن يأذن الله في قيام الساعة. # ثم قال تعالى لبني إسرائيل: { وقال الله إني معكم لئن ~~أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي ~~وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا } [المائدة: ~~12]، علق المعية معهم بهذا الشرط، وقال تعالى: لهذه الأمة عن غير تعليق ~~بشرط # وهو معكم أين ما كنتم # [الحديد: 4]، والإشارة فيه أن من يقيم بهذه الشرائط إنما يقيم بها لأن ~~الله تعالى وعد بني إسرائيل بتكفير سيئاتهم بعد القيام بهذه الشرائط. ms0471 # وقال: { لأكفرن عنكم سيئاتكم } [المائدة: 12]، ووعد ~~هذه الأمة على القيام بأقل من هذه الشرائط بتبديل سيئاتهم حسنات وقال: # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك ~~يبدل الله سيئاتهم حسنات # [الفرقان: 70]، وتحقيق قوله تعالى { أقمتم الصلاة } [المائدة: ~~12] فإقامة الصلاة في أداءها منها بأن تجعل الصلاة معراجك إلى الحق، وقدم ~~العروج بدرجاتها إلى أن تشاهد الحق كما شاهدته يوم الميثاق، ودرجاتها ~~أربع القيام والركوع والسجود والتشهد على دركات نزلت بها من عليين وجوار ~~رب العالمين إلى أسفل سافلين القالب وهو العناصر الأربعة التي خلق منها ~~قالب الإنسان فالمتولدات منها على أربعة أقسام ولكل قسم منها ظلمة خاصة ~~تحجبك عن مشاهدة الحق، وهي الجمادية وخاصيتها التشهد، ثم النباتية ~~وخاصيتها السجود، ثم الحيوانية وخاصيتها الركوع، ثم الإنسانية وخاصيتها ~~القيام، فالقيام يشير إليك بالتخلص عن حجب طبع النباتية وأعظمها الحرص ~~على الجذب للنشوء، والنماء وهي خاصية الماء، والتشهد يشير إليك بالتخلص ~~عن حجب طبع الجمادية وأعظمها الجمود وهي خاصية التراب، ومن هذه الصفات ~~الأربع تنشأ بقية الصفات البشرية فإذا تخلصت عن هذه الدركات والحجب عرجت ~~بهذه المدارج الأربعة إلى جوار رب العالمين وقربه فقط قمت الصلاة مناجيا ~~ربك مشاهدا له كما قال صلى الله عليه وسلم: # " أعبد الله كأنك تراه ". # وفي قوله تعالى: { وآتيتم الزكاة } [المائدة: 12]، إشارة إلى ~~صرف ما زاد على روحانيتك بتعلق القلب بالوجود كله في سبيل الله { ~~وآمنتم برسلي } [المائدة: 12]؛ أي: استسلم بالكل لتصرفات النبوة ~~والرسالة { وأقرضتم الله قرضا حسنا } [المائدة: 12]، وهو ~~أن يأخذ منكم وجودا مجازيا فانيا ويعطيكم وجودا حقيقيا باقيا كما ~~يقول: { لأكفرن عنكم سيئاتكم } [المائدة: 12]، أي: ~~لأسترن بالوجود الحقيقي عنكم سيئات الوجود المجازي { ولأدخلنكم ~~جنات } [المائدة: 12]، الوصلة { تجري من تحتها الأنهار } ~~[المائدة: 12]، أنهار الحكمة { فمن كفر بعد ذلك } [المائدة: ~~12]، يعني: بعد هذه المواعظ الحسنة ولم يعمل بها { منكم فقد ضل ~~سوآء السبيل } [المائدة: 12]، يعني: بضلالته اليوم من نتائج أخطاء ~~النور عند رشاشه على الأرواح في بدء الخلقة كما قال صلى الله عليه وسلم: # " فمن أخطأه ذلك النور فقد ms0472 ضل ". ### || [5.13-15] # قال تعالى شكاية لأفعالهم من سوء خصالهم: { فبما نقضهم ~~ميثاقهم لعناهم } [المائدة: 13]، يعني: بعد هذه المواعيد ~~نقضوا ميثاقهم الذي أخذناه على التوحيد أبعدناهم وطردناهم عن جوارنا { ~~وجعلنا قلوبهم } [المائدة: 13]، بالنسيان والغفلة وحب الدنيا ~~ومتابعة الهوى { قاسية } [المائدة: 13]، لا تؤثر العظة والنصح، ومن ~~قوتها { يحرفون الكلم عن مواضعه } [المائدة: 13]، ~~يتصرفون في كلام الحق ويغيرون أحكام التوراة { ونسوا حظا مما ~~ذكروا به } [المائدة: 13]، أي: نسوا نصيبهم من تذكر ما ذكروا به ~~أي: ذكرهم الأنبياء - عليهم السلام - من يوم الميثاق ومخاطبة الحق إياهم ~~تشويقا لهم إلى تلك الأحوال { ولا تزال تطلع على خآئنة ~~منهم } [المائدة: 13]؛ لأن جعلنا جزاء عصيانهم الخذلان للزيادة في ~~العصيان { إلا قليلا منهم } [المائدة: 13]، وهم الذين أصابهم ~~رشاش النور في بدء الخلقة { فاعف عنهم } [المائدة: 13]؛ يعني: عن ~~هذا القليل أن صدر منهم بعض معاملات أهل الكفر والطغيان موافقة لآبائهم ~~بالسوء والنسيان لا مخالفة لربهم بالعمد والعدوان { واصفح } ~~[المائدة: 13]، بالحلم والكرم عما جرى عليهم قبل التوبة والندم؛ إذ حسن ~~إسلامهم وحصل بالإيمان مراحهم { إن الله يحب المحسنين } ~~[المائدة: 13]، الذين يحسنون طلب الحق ويتجاوزون عن جرائم الخلق. # ثم أخبر عن ميثاق النصارى بقوله تعالى: { ومن الذين قالوا ~~إنا نصارى أخذنا ميثاقهم } [المائدة: 14]، والإشارة أن ~~الله تعالى أخذ الميثاق من اليهود والنصارى على التوحيد كما أخذ هذه ~~الأمة يوم الميثاق ولكنه لما وكل الفريقين إلى أنفسهم نسوا ما ذكروا به ~~ابتلوا بالنسيان والخذلان؛ فأخبر عن نسيان اليهود بقوله تعالى: { ~~فنسوا حظا مما ذكروا به } [المائدة: 14]، وعن نسيان ~~النصارى بقوله تعالى: { ومن الذين قالوا إنا نصارى ~~أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به } ~~[المائدة: 14]، فما بقي للفريقين حظ من ذلك الميثاق. # { فأغرينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم ~~القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ~~} [المائدة: 14]، تحقيقه إذ لم يبق لهم حظ من ذلك الميثاق بإبطال ~~الاستعداد الفطري بالكمال الإنساني صاروا أولئك كالأنعام بل هم أضل أي: ~~كالسباع يتحاربون ويتحارشون ويتهارشون بالعداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ~~فإن أرباب الغفلة لا ألفة بينهم، وإن ms0473 أصحاب الوفاق لا وحشة بينهم، وأما ~~هذه الأمة لما أبدت بالتأييد الإلهي إذ كتب في قلوبهم الإيمان بقلم خطاب ~~ألست بربكم يوم الميثاق وأيدهم بروح منه مما نسوا مما ذكروا به وقيل ~~لنبيهم: # وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين # [الذاريات: 55]، وقال تعالى خطابهم إذ ينسوا ولم ينقضوا ميثاقهم: # فاذكروني أذكركم # [البقرة: 152]، على أن ذكره آبائهم كان قبل وجودهم وذكرهم إياه حين ~~ذكرهم بالمحبة وقال: # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]. # ثم أخبر عن حقيقة الحظ الذي نسوه أهل الكتاب، وما نسته هذه الأمة بقوله ~~تعالى: { يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين ~~لكم كثيرا } [المائدة: 15]، والإشارة أن الله تعالى بعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم نورا يبين حقيقة حظ الإنسان من الله تعالى مما خفي عليهم ~~وهم مستعدون فحاصل الخلقة الاحتظاظ به دون سائر المخلوقات. # وقد حظي هنا أهل الكتاب بالخطاب بقوله تعالى: { يا أهل الكتاب ~~قد جآءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم ~~تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير } [المائدة: 15]؛ ~~لأنهم أخفوا ما بين الله لهم في الكتاب المنزل على أنبيائهم ثم عمم ~~الخطاب وقال تعالى: { قد جآءكم من الله نور } [المائدة: ~~15]، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم مبين معه كتاب مبين حظ العباد من ~~الله ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى سمى نفسه نورا ~~بقوله تعالى: # الله نور السموت والأرض # [النور: 35]؛ لأنهما كانتا مخفيتين في ظلمة العدم فالله تعالى أظهرهما ~~بالإيجاد وسمى الرسول نورا؛ لأن أول شيء أظهره الحق بنور قدرته من ظلمة ~~العدم كان نور محمد صلى الله عليه وسلم كما قاله عليه صلى الله عليه ~~وسلم: # " أول ما خلق الله نوري ثم خلق العالم بما فيه من نوره بعضه من بعض فلما ~~ظهرت الموجودات من وجود نوره سماه نورا وكل ما كان أقرب إلى الاختراع ~~كان أولى باسم النور كما أن عالم الأرواح أقرب إلى الاختراع من عالم ~~الأجساد " # فلذلك يسمى عالم الأرواح والعلويات نورانيات بالنسبة إلى السفليات فأقرب ~~الموجودات إلى الاختراع لما كان نور النبي صلى ms0474 الله عليه وسلم كان أولى ~~باسم النور ولهذا كان يقول # " أنا من الله والمؤمنون مني " # ، قال تعالى: { قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين ~~} [المائدة: 15]. ### || [5.16] # وقوله تعالى: { يهدي به الله } [المائدة: 16]، أي: بنور النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو نور حكمته وإرشاده { من اتبع رضوانه } ~~[المائدة: 16]، أي: من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم لأنه رضوان الحق ~~تعالى كما أن الملائكة رضوان الجنة { سبل السلام } [المائدة: 16]، ~~طرق السلام وهو الله { ويخرجهم من الظلمات } [المائدة: ~~16]، أي: من ظلمات وجودهم المجازي، { إلى النور } [المائدة: 16]، ~~أي: إلى نور الله تعالى وهو الوجود الحقيقي الأزلي الأبدي { بإذنه } ~~، أي: بجذبات عنايته { ويهديهم إلى صراط مستقيم } ~~[المائدة: 16]، إلى الله تعالى وهذا حقيقة حظ العباد من الله ورسوله ~~فافهم جيدا وإن لم تفهم حقيقته. ### || [5.17-20] # ثم أخبر عن حظ اليهود والنصارى من الدنيا إذا نسوا حظهم من المولى بقوله ~~تعالى: { لقد كفر الذين قآلوا إن الله هو ~~المسيح ابن مريم } [المائدة: 17]، إلى قوله: { وإليه ~~المصير } [المائدة: 18]، والإشارة فيهما أن الله تعالى أظهر ظلومية ~~الإنسان وجهوليته عند الخذلان وعدم العناية حتى كفر بقول: { إن ~~الله هو المسيح ابن مريم } ولم يتفكر أن من اشتمل عليه ~~أرحام الصلوات متى يفارقه نقص الخلقة وضعف البشرية ومن لاحت عليه شواهد ~~التغير أنى يليق به نعت الألوهية فقال تعالى: { قل } [المائدة: 17]، في ~~جواب هؤلاء المغرورين الممكورين { فمن يملك من الله شيئا } ~~[المائدة: 17]، يعني: أن الإله هو الذي يملك التصرف في الأشياء كلها ولا ~~يملك أحد على التصرف فيه بشيء ما، فمن يملك من الله شيئا بالدفع والمنع ~~{ إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن ~~في الأرض جميعا } [المائدة: 17]، قهرا منه بشؤم قولكم: إن الله ~~هو المسيح ابن مريم: { ولله ملك السموت والأرض وما ~~بينهما } [المائدة: 17]، يعني: يستحق الألوهية من له ملك السماوات ~~والأرض وملك التصرف فيهما وتصرف لأحد فيه فيمنعه عن التصرف فيهما { ~~يخلق ما يشآء } [المائدة: 17]، لما يشاء متى يشاء كيف يشاء: { ~~والله على كل شيء قدير } [المائدة: ms0475 17]، يعني: الإله من ~~يكون بهذه الصفة. # { وقالت اليهود والنصرى } [المائدة: 18]، من غاية ~~خذلانهم وجهلهم وطغيانهم { نحن أبنؤا الله } [المائدة: 18]، ~~أي: رسلنا أبناء الله يدل عليه قوله تعالى: # وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله # [التوبة: 30]. # { وأحبؤه } [المائدة: 18]، أي: نحن أولياؤه يدل عليه قوله ~~تعالى: # يأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أوليآء ~~لله من دون الناس فتمنوا الموت # [الجمعة: 6]، ثم ألزمهم الحجة وقال تعالى: { قل فلم يعذبكم ~~بذنوبكم } [المائدة: 18]، إن كنتم أحباء الله والمعنى من تعذيبهم ~~قولهم: { نحن أبنؤا الله } [المائدة: 18] فقد عذبهم بهذا ~~القول عاجلا لاستكمال تعذيبهم آجلا بذنوب تقدمت منهم من تكذيب محمد صلى ~~الله عليه وسلم وتغيير نعته وتحريف كلام الله تعالى { بل أنتم ~~بشر ممن خلق } [المائدة: 18]؛ يعني: من عوام الخلق لا من الذين ~~اختصهم بعد أن خلقهم في ظلمة الخلقة بإفاضة رشاش النور عليهم وإصابته، ~~فإنهم الأولياء والأحباء وإن الله لا يعذبهم بذنوب تصدر منهم عند ~~الابتلاء بل يتوب عليهم ويبدل سيئاتهم حسنات كما كان حال آدم عليه السلام ~~كان منه ما كان كقوله تعالى: # وعصى ءادم ربه فغوى # [طه: 121]، وكان من الله ما قال: # ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى # [طه: 122]، ثم أثبت الملك والقدرة والمشيئة والاختيار والإرادة كله ~~لنفسه جل جلاله { يغفر لمن يشآء } [المائدة: 18]، من أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم بإصابة رشاش النور في البداية وبالإيمان والعمل ~~الصالح في الدنيا، وبالمغفرة ودخول الجنة وسعادة الرؤية في العقبى { ~~ويعذب من يشآء } [المائدة: 18]، من أهل الكتاب بإخطاء النور في ~~بدء الخلقة وبالكفر والشرك في الدنيا وبالقطيعة والحجاب ودخول النار في ~~العقبى { ولله ملك السموت والأرض وما بينهما } ~~[المائدة: 18]، يتصرف في حكمه كيف يشاء فيجعل أقواما مظهر صفات لطفه ~~وجماله، كما فعل بأمة محمد صلى الله عليه وسلم وأقواما مظهر صفات قهره ~~وجلاله كما فعل بأهل الكتاب والمشركين منهم وسائر الكفار، { وإليه ~~المصير } [المائدة: 18]، للفريقين # فريق في الجنة # [الشورى: 7]، وهي دار لطفه وجماله # وفريق في السعير # [الشورى: 7]، هي دار قهره وجلاله. # ثم ms0476 أخبر عن تأكيد الحجة وإظهار الحجة بقوله تعالى: { يا أهل ~~الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم على فترة ~~من الرسل } [المائدة: 19]، والإشارة فيها أن الله تعالى خاطب ~~اليهود والنصارى وقال: { يا أهل الكتاب } [المائدة: 19] يشير إلى ~~أنكم لستم أهل الله الذين يتدارسون الكتاب لله؛ بل أنتم من أهل الكتاب ~~الذين يطلبون من دراسة الكتاب والعلوم الشهرة طلبا للرئاسة والوجاهة ~~وقبول الخلق والمنافع الدنيوية. # { قد جآءكم رسولنا } [المائدة: 19] فيه نكتة وهي أنه تعالى ~~أضاف الرسول إلى نفسه وقال: { رسولنا } [المائدة: 19] وما أضاف ~~إليهم؛ لأن فائدة رسالته لم تكن راجعة إليهم، ولما خاطب هذه الأمة أخبرهم ~~عن مجيء الرسول إضافة إلى نفسه وإنما جعله من أنفسهم فقال تعالى: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم # [التوبة: 128]؛ لأن فائدة رسالته راجعة إلى أنفسهم. # ثم قال تعالى: { يبين لكم على فترة من الرسل } ~~[المائدة: 19]؛ يعني: يبين لكم أن تكونوا أهل الله لأنكم حصلتم على فترة ~~من الرسل وما بين لكم من بيان رسول ألا تقنعوا من الدين باسم، ولا من ~~الكتاب برسم، ومن الدراسة بذكر فينبئكم رسولنا برسالتنا ويبشركم بالوصول ~~إلينا، وينذركم من القطيعة عنا { أن تقولوا } [المائدة: 19] يوم ~~القيامة في مقام الحسرة والندامة، { ما جآءنا من بشير ولا ~~نذير فقد جاءكم بشير ونذير } [المائدة: 19]، بشركم بنا ~~ونذير ينذركم عنا ويدعوكم إلينا ويكون لكم سراجا منيرا تهتدون به إلينا ~~كقوله تعالى: # إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا # [الأحزاب: 45]، وليكون حجة الله عليكم ولا يكون لكم حجة على الله، { ~~والله على كل شيء قدير } [المائدة: 19]، مما يدعوكم إليه ~~الرسول ويبشركم به وينذركم عنه، { قدير } [المائدة: 19]، قادر على أن ~~يعطيكم ما وعدكم رسوله؛ لأن الله لا يخلف الميعاد. # ثم أخبر عن فضله وكرمه وما أتاكم من نعمه بقوله تعالى: { وإذ قال ~~موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم } ~~[المائدة: 20]، إلى قوله: # قاعدون # [المائدة: 24]، والإشارة فيها أن الله تعالى أظهر الفرق بين هذه الأمة ~~وبين بني إسرائيل على لسان نبيهم؛ إذ قال موسى لقومه: يا قوم اذكروا نعمة ~~الله عليكم ms0477 وتولى أمر هذه الأمة بنفسه تعالى وقال: # فاذكروني أذكركم # [البقرة: 152]، فشتان بين من أمره سبحانه بذكره وبين من يذكر نعمه، ثم ~~عدد ما أنعم به عليهم، فقال تعالى: { إذ جعل فيكم أنبيآء ~~وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من ~~العالمين } [المائدة: 20]، من الآيات والمعجزات والنعم الظاهرة ~~والبراهين الباهرة، فلما لم يكونوا أهلا لهذه الكرامات ومستحقا لهذه ~~السعادات ابتلاهم بدخول الأرض المقدسة. ### || [5.21-24] # كما قال تعالى: { يقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي ~~كتب الله لكم } [المائدة: 21]، ثم أنذرهم وأوعدهم عليه. # وقال: { ولا ترتدوا على أدباركم } [المائدة: 21]، ~~بالامتناع عن الدخول فيها فتجعلوا هذه النعمة على أنفسكم نقمة ودعاء ~~أنبيائكم لكم فيها لعنة والمملكة ذلة { فتنقلبوا } [المائدة: 21]، ~~بشؤم معاملاتكم ونقض معاهداتكم، { خسرين } [المائدة: 21]، الدنيا ~~والآخرة والمأوى. # فما يفهم الإنذار ولا الاستذكار إذ كانوا أهل البوار حتى قالوا: { ~~ياموسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها ~~حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا ~~داخلون } [المائدة: 22]، فمن الفرق بين الأمة وبين بني إسرائيل أن ~~الله تعالى كتب عليهم دخول الأرض المقدسة على الخصوص وما وفقوا لدخولها ~~وجعلوا أذلة لم يدخلوا الأرض المقدسة، وقيل لهذه الأمة: # " جعلت لكم الأرض مسجدا وترابها طهورا ". # و # هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في ~~مناكبها وكلوا من رزقه # [الملك: 15]، وقوله تعالى: # خلق لكم ما في الأرض جميعا # [البقرة: 29]، فشتان بين من خلق له الأرض بما فيها وجعلت له مسجدا ~~وذلولا وبين من جعل عليه الأرض المقدسة محرمة وجعل لأجلها ذليلا. # ثم أنعم الله تعالى على رجلين منهم إظهارا للقدرة بأن يخافوا الله ~~وينصحان لهم بالدخول ليعلم أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وذلك كقوله ~~تعالى: { قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله ~~عليهما } [المائدة: 23]، أي: أنعم الله عليهما فصارا من الذين ~~يخافون { ادخلوا عليهم الباب } [المائدة: 23]، بأمر الله ~~ورسوله واثقين بفضل الله ورحمته { فإذا دخلتموه } [المائدة: ~~23]، على طاعة الله فتكونوا من حزب الله { فإنكم غالبون } ~~[المائدة: 23]؛ لأن حزب الله هم الغالبون، ولا تنظروا إلى عظم أجسامهم ~~وقوة أجسادهم ms0478 ولا إلى ضغف أبدانهم { وعلى الله فتوكلوا } ~~[المائدة: 23]، وقوة إيمانكم { إن كنتم مؤمنين } [المائدة: 23]، ~~بالإيمان الحقيقي فلاحظوا الأغيار بعين الحسبان لا بنور الإيمان فتوهوا ~~منهم الحدثان، فداخلهم هواجم الرعب فاصبروا على ترك الأمر ومن طالع ~~الأغيار بنور العرفان لم يختم من أهل الخذلان. # { قالوا ياموسى إنا لن ندخلهآ أبدا ما داموا ~~فيها } [المائدة: 24]، فمن أقصته سوابق التقدير لم تخلصه لواحق ~~التدبير، تركوا أدب الخطاب فصرحوا بما يوجب العقاب { فاذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } [المائدة: 24]، فلم ~~يخشوا من مجاهر الرق ولم يستوحشوا من مجاهرة الضد. ### || [5.25-28] # ثم أخبر عن نتائج خذلانهم وبوادر كفرانهم بقوله تعالى: { قال رب ~~إني لا أملك إلا نفسي وأخي } [المائدة: 25]، والإشارة ~~أن موسى عليه السلام لما ظن أنه يملك نفسه ونفس أخيه، قال: رب لا أملك ~~إلا نفسي وأخي ابتلاه الله بالدعاء على أمته حتى قال: { فافرق ~~بيننا وبين القوم الفاسقين } [المائدة: 25]، فأظهر له ~~أنك لو كنت تملك نفسك ما دعوت على أمتك، ولا سميتهم بالفاسقين، ولقلت ~~اللهم أهد قومي وأصلحهم في عبوديتك كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم ~~حين نتج رأسه وكسرت رباعيته وأدمى وجهه وهو يقول: # " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون " # ولهذا قال تعالى: # قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ~~ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما ~~تعملون خبيرا # [الفتح: 11]، لأنه لا يملك أحد نفسه ولا نفس غيره على الحقيقة فالله ~~تعالى حرم على الذين دعا عليهم موسى عليه السلام دخول الأرض المقدسة ~~بدعائه. # { قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة ~~يتيهون في الأرض } [المائدة: 26]، وأخذ موسى عليه السلام على ~~دعائه عليهم وجعل معهم في التيه وقال له: { فلا تأس على القوم ~~الفاسقين } [المائدة: 26]، يعني: لا تحزن على قوم سميتهم فاسقين، ~~ولا على نفسك ولا على أخيك، وإنما يملك نفسه إذا ملكت عليها عند الغضب، ~~كما قال صلى الله عليه وسلم: # " ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " # وكان موسى عليه السلام ms0479 عند الغضب # وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه # [الأعراف: 150]، ولما غضب موسى عليه السلام على بني إسرائيل قال: { ~~فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } [المائدة: 25]، ~~فلم ادعى أنه يملك نفسه، ويقال معناه: لا أملك إلا نفسي لا أؤخرها عن ~~البذل في أمرك، ولا أملك أخي فإنه لا يخالفني في هذا فالعجب في أن موسى ~~وهارون - عليهما الصلاة والسلام - بشؤم معاملة بني إسرائيل بقيا في التيه ~~أربعين سنة، وبنو إسرائيل ببركة كرامتهما ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم ~~المن والسلوى في التيه ليعلم أثر بركة صحبة الصالحين، وأثر شؤم صحبة ~~الفاسقين. # ثم أخبر عن سيرة الصالح وسيرة الطالح بقوله تعالى: { واتل عليهم ~~نبأ ابني ءادم بالحق } [المائدة: 27]، والإشارة أن آدم ~~الروح بازدواجه مع حواء القالب ولد قابيل النفس وتوأمته إقليما الهوى، في ~~بطن أولى، ثم هابيل القلب وتوأمته ليوذا العقل، فكان الهوى في غاية ~~الحسن؛ لأن القلب به يميل إلى طلب المولى وما عنده مهر محبب إليه، وكان ~~ليوذا العقل في نظر هابيل في غاية القبح والدمامة؛ لأن القلب به يغفل عن ~~طلب الحق والفناء في الله، ولهذا قيل العقل غفالة الرجال، وفي نظر قابيل ~~النفس أيضا في غاية القبح؛ لأن به يغفل عن الدنيا والاستهلاك فيها فالله ~~تعالى حرم الازدواج بين التوأمين كلاهما وأمر بازدواج توأمه كل واحد ~~منهما إلى توأم الأخرى؛ لئلا يغفل القلب عن طلب الحق بل يحرضه الهوى على ~~الاستهلاك والفناء في الله، ولهذا قال بعضهم: لولا الهوى ما سلك أحد ~~طريقا إلى الله تعالى، فإن الهوى إذا كان رفيق النفس يكون حرصا فيه نزل ~~النفس إلى أسفل الدينا، وبعد المولى، وإذا كان رفيق يكون عشقا فيه يصعد ~~القلب إلى أعلى عليين العقبى وقرب المولى، ولهذا سمي العشق هوى كما قال ~~الشاعر: # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى # فصادف قلبي فارغا فتمكنا # ولتعقل النفس عن طلب الدنيا بل يحرضها العقل على العبودية وينهاها عن ~~متابعة الهوى، فذكر آدم الروح لولديه ما أمر الله به، فرضي هابيل القلب، ~~وسخط ms0480 قابيل النفس وقال: هي أختي - يعنى إقليما الهوى - ولدت معي في بطني، ~~وهي أحسن من أخت هابيل القلب - يعنى ليوذا العقل - وأنا أحق بها، ونحن من ~~ولائد جنة الدنيا، وهما من ولائد أرض العقبى فأنا أحق بأختي، فقال له ~~أبوه: إنها لا تحل لك يعنى؛ إذ كان الهوى قرينك فتهلك في أودية حب الدنيا ~~وطلب لذاتها وشهواتها؛ فأبى أن يقبل قابيل النفس هذا الحكم من آدم الروح، ~~وقال: الله تعالى لم يأمر به وإنما هذا من رأيه، فقال لهما آدم الروح: ~~قربا قربانا فأيكما يقبل قربانه فهو أحق بها، فخرجا ليقربا، وكان قابيل ~~النفس صاحب زرع يعني مدبر النفس النامية، وهي القوة النباتية فقرب طعاما ~~من أردأ زرعه، وهو القوة الطبيعية، وكان هابيل القلب راعيا يعنى مواشي ~~الأخلاق الإنسانية والصفات الحيوانية، فقرب جملا يعنى الصفة البهيمية، ~~وهي أحب الصفات إليه لاحتياجه إليها لضرورة التغذي والبقاء، ولسلامتها ~~بالنسبة إلى الصفات السبعية الشيطانية، فوضعا قربانهما على جبل البشرية، ~~ثم دعا آدم الروح، فنزلت نار المحبة من سماء الجبروت؛ فأكلت جمل الصفة ~~البهيمية؛ لأنها حطب هذه النار، ولم تأكل من قربان قابيل النفس حبة لأنها ~~ليست من حطبها بل هي من حطب نار الحيوانية، فهذا تحقيق قوله تعالى: { ~~واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا ~~قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ~~} [المائدة: 27]. # ثم ظهر لقابيل النفس الحسد والعداوة والبغضاء على هابيل القلب وقصده { ~~قال لأقتلنك } [المائدة: 27]، حسدا { قال إنما ~~يتقبل الله من المتقين } [المائدة: 27]، بالله عما هو ~~سواه { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني } [المائدة: 28]، ~~حسدا { مآ أنا بباسط يدي إليك لأقتلك } [المائدة: ~~28]، حسدا وأمنعك من قتلي بغير إذن بقاء بل أريد أن تقتلني { إني ~~أخاف الله رب العالمين } [المائدة: 28]. ### || [5.29-32] # { إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } [المائدة: 29]، ~~فتبوء بإثم وجودي وإثم وجودك فإن الوجود حجاب بيني وبين محبوبي { ~~فتكون من أصحاب النار } [المائدة: 29]، نار الفرقة والبعد ~~والحسرة { وذلك جزآء الظالمين } [المائدة: 29]، الذين يعبدون ~~الدنيا وزينتها ويشتغلون باستفاء لذاتها وشهواتها. # ثم ms0481 أخبر عن مطاوعة النفس ومتابعتها والندامة والغرامة على متابعتها ~~بقوله تعالى: { فطوعت له نفسه قتل أخيه } [المائدة: ~~30]؛ لأن النفس أعد أعداء القلب { فقتله فأصبح من ~~الخاسرين } [المائدة: 30]، يعني: في قتل القلب خسارة النفس في ~~الدنيا والآخرة أما الدنيا فتحرم عن الواردات والكشوف والعلوم الغيبية ~~التي تنشئ القلب عن ذوق المشاهدات ولذة المؤنسات فتبقى في خسران جهولية ~~الإنسان؛ لقوله تعالى: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر # [العصر: 1-2]، وأما في الآخرة فتخسر الدخول في جنات النعيم ولقاء الرب ~~الكريم، والنجاة من الجحيم والعذاب الأليم، وفي قوله: { فبعث الله ~~غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة ~~أخيه } [المائدة: 31]، إشارات منها ليعلم أن الله قادر على أن يبعث ~~غرابا أو غيره من الحيوانات إلى الإنسان؛ ليعلمه ما لم يكن يعلم كما ~~يبعث الملائكة إلى الرسل والرسل إلى الأمم؛ ليعلموهم ما لم يعلموا، ومنها ~~لئلا يعجب الملائكة والرسل أنفسهم باختصاصهم بتعليم الحق فانه يعلمهم ~~بواسطة الغراب، كما يعلمهم بواسطة الملائكة والرسل، ومنها ليعلم الإنسان ~~أنه محتاج في التعلم إلى غراب ويعجز أن يكون مثل غراب في العلم كما قال: ~~{ قال ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب ~~فأواري سوءة أخي } [المائدة: 31]، ومنها أن الله تعالى في كل ~~حيوان بل في كل ذرة آية تدل على وحدانيته وربوبيته واختياره حيث يبدع ~~المعاملات المعقولة عن الحيوانات غير العاقلة، ومنها إظهار لطفه مع عباده ~~في أسباب العيش حتى إذا أشكل عليهم أمر كيف يرشدهم إلى الاحتيال بلطائف ~~أسباب تجليه { فأصبح من النادمين } [المائدة: 31]. # { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من ~~قتل نفسا بغير نفس } [المائدة: 32]، أي: من أجل تلك الندامة ~~والحسرة عنها ولدفعها عنهم كتبنا أي: أظهرنا على بني إسرائيل وغيرهم أنه ~~من قتل نفسا بغير قصاص نفس أو بغير فساد يظهر منه موجب لقتله { ~~فكأنما قتل الناس جميعا } [المائدة: 32]، في الأرض لأن كل ~~نفس على حدة هي آدم في نفسها إذ يخلق الله منها خلقا، كما خلق من نفس ~~آدم كقوله تعالى: # خلقكم من ms0482 نفس واحدة # [النساء: 1]، فإنها مستعدة لهذا فمن أبطل هذا الاستعداد بقتلها فكأنما ~~قتل جميع الناس المحتمل خلقهم منها، { ومن أحياها } [المائدة: ~~32]، بترك قتلها ونجاتها من القتل والهلاك، { فكأنما أحيا ~~الناس } [المائدة: 32]، المحتمل خلقهم منها { جميعا ولقد ~~جآءتهم رسلنا بالبينت } [المائدة: 32]. # واعلم أن كل شيء ترى فيه آية من الله تعالى فهو في الحقيقة رسول من الله ~~إليك ومعه آية بينة ومعجزة ظاهرة يدعوك بها إلى الله، { ثم إن ~~كثيرا منهم } [المائدة: 32]، يعني: من الذين شاهدوا الآيات ~~ولحقتهم البينات { بعد ذلك } [المائدة: 32]، أي: بعد رؤية الآيات { ~~في الأرض لمسرفون } [المائدة: 32]، أي: في أرض البشرية ~~لمجاوزون حد الفريضة والطريقة بمخالفة أوامر الله ونواهيه. ### || [5.33-35] # ثم أخبر عن جزاء المخالفين والمحاربين بقوله تعالى: { إنما جزآء ~~الذين يحاربون الله ورسوله } [المائدة: 33]، إلى قوله { ~~أن الله غفور رحيم } [المائدة: 34] والإشارة فيها أن جزاء ~~الذين يحاربون الله ورسوله - يعني بمعاداة أولياء الله - فإن الخبر ~~الصحيح حكاية عن الله تعالى # " من عاد إلي وليا فقد بارزني بالحرب وأني لأغضب لأوليائي كما يغضب ~~الليث لحرده " # { ويسعون في الأرض } [المائدة: 33]، بعاداتهم { فسادا } ~~[المائدة: 33]، يظهر أثره في البر والبحر كقوله تعالى: # ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي ~~الناس # [الروم: 41]. # { أن يقتلوا } [المائدة: 33]، بسكين الخذلان { أو ~~يصلبوا } [المائدة: 33]، بحبل الهجران على جذع الهجران { أو ~~تقطع أيديهم } [المائدة: 33]، عن أذيال الوصال { وأرجلهم ~~من خلاف } [المائدة: 33]، عن الاختلاف { أو ينفوا من ~~الأرض ذلك لهم خزي } [المائدة: 33]، بعد وهوان { في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم } [المائدة: 33]، ~~الفرقة والقطيعة { إلا الذين تابوا } [المائدة: 34]، وأنابوا ~~إلى الله واستغفروا واعتذروا عن أولياء الله { من قبل أن ~~تقدروا عليهم } [المائدة: 34]، برؤية الولاية أيها الأولياء ~~فإن ردكم رد الحق وقبولكم قبول الحق، وإن مردود الولاية مقصود العناية { ~~فاعلموا أن الله غفور } [المائدة: 34]، لمن تاب ورجع إلى ~~الله { رحيم } [المائدة: 34]، بهم أن يقبل توبتهم ويغفر حوبتهم. # ثم أخبر عن حقيقة التقوى أنها ابتغاء الوسيلة والقربى بقوله تعالى: { ~~يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا ~~إليه الوسيلة } [المائدة: ms0483 35]، إلى قوله: # ولهم عذاب مقيم # [التوبة: 68]، والإشارة فيها أن الله تعالى جعل الفلاح الحقيقي في أربعة ~~أشياء، أحدها: الإيمان وهو إصابة رشاش النور في بدء الخلقة، وبه تخلص ~~العبد من حجب ظلمة الكفر، وثانيها: التقوى وهو منشأ الأخلاق المرضية ~~ومنبع الأعمال الشرعية، ويخلص العبد من ظلمة المعاصي، وثالثها: ابتغاء ~~الوسيلة وهو إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية، وبه يتخلص العبد من ظلمة ~~أوصاف الوجود، ورابعها: الجهاد في سبيل الله وهو اضمحلال الأنانية في ~~إثبات الهوية، وبه يتخلص العبد من ظلمة الوجود، ويظفر بنور الشهود، ~~والمعنى الحقيقي يا أيها الذين أمنوا بإصابة النور اتقوا الله بتبديل ~~الأخلاق الذميمة، وابتغوا إليه الوسيلة في إفناء الأوصاف { وجاهدوا ~~في سبيله } [المائدة: 35]، بتبديل الوجود { لعلكم تفلحون ~~} [المائدة: 35]، بنيل المقصود من المعبود. ### || [5.36-40] # { إن الذين كفروا } [المائدة: 36]، بإخطاء النور { لو ~~أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ~~ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل ~~منهم } [المائدة: 36]؛ لدفع عذاب نار القطيعة بكفرهم، # إنما يتقبل الله من المتقين # [المائدة: 27] لا من الكافرين { ولهم عذاب أليم } [المائدة: ~~36]، من الحسرة والحرمان والقطيعة والكفر { يريدون أن يخرجوا ~~من النار } [المائدة: 37]، الخذلان { وما هم بخارجين ~~منها } [المائدة: 37]؛ لأنهم خلقوا لدركات النيران { ولهم عذاب ~~مقيم } [المائدة:37]، من بدء الخلقة بإخطاء ذلك النور إلى الأبد ~~لاستحالة خروجهم عن ظلمة الوجود، فافهم جيدا. # ثم أخبر عن نكال السارقين وقبول التائبين بقوله تعالى: { والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما } [المائدة: 38]، إلى قوله { ~~والله على كل شيء قدير } [المائدة: 40]، والإشارة فيهما ~~أن السارق والسارقة كانا مقطوعي الأيدي عن قبول رشاش النور وإصابة في بدء ~~الخلقة فكان تطاول أبدانهما اليوم إلى أسباب الشقاوة من نتائج قصر ~~أيديهما اليوم { جزآء بما كسبا } [المائدة: 38]، الآن في عالم ~~القوة { نكالا من الله } [المائدة: 38]، تقديرا في الأزل ~~وإخطاء لرشاش النور { والله عزيز } [المائدة: 38]، قاهر [غالب لا ~~فعل له إلا الصواب]، { حكيم } [المائدة: 38]، ولحكمته قبل من قبل ~~بإصابة النور { فمن تاب من بعد ظلمه } [المائدة: 39]، فيه ~~إشارة إلى أن السرقة منه ما كانت من ms0484 نتائج أخطاء النور، وإنما كانت من ~~وضع الشيء في غير موضعه حتى تاب منها { وأصلح } [المائدة: 39]، ~~بالإنابة إلى الله وترك الدنيا ما أفسد من حسن الاستعداد الفطري بالحرص ~~على الدنيا { فإن الله يتوب عليه } [المائدة: 39]، يعني: ~~ينظر إليه ينظر العناية الأزلية حتى تاب { إن الله غفور } ~~[المائدة: 39]، لرياضات النور هناك { رحيم } [المائدة: 39]، به بأن ~~تاب عليه. # { ألم تعلم أن الله } [المائدة: 40]، هو الذي { له ~~ملك السموت والأرض } [المائدة: 40]، وليس له شريك في الملك ~~يتصرف في ملك مماليكه كيف يشاء { يعذب من يشآء } [المائدة: 40]، ~~بإخطاء النور إظهار القهر { ويغفر لمن يشآء } [المائدة: 40]، ~~بإصابة النور إظهارا للطفه ومشيئته { والله على كل شيء } ~~[المائدة: 40]، من إظهار اللطف والقهر { قدير } [المائدة: 40]. ### || [5.41] # ثم أخبر عمن جعله مظهر قهره بقوله تعالى: { يأيها الرسول لا ~~يحزنك الذين يسارعون في الكفر } [المائدة: 41]، ~~والإشارة أن الله تعالى لما أقصى الكفار وأهل الشقاوة عن محل القرب وأرخى ~~لهم عنان الإمهال للتعذيب حتى يسارعوا في بوادي البوار، وما هو في أودية ~~الضلالة أمر رسوله بترك المبالاة بأمثالهم وقلة الاهتمام، وقال: { ~~يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم ~~تؤمن قلوبهم } [المائدة: 41]، يعني: الذين دخلت كلمة الإيمان في ~~أفواههم ولم يدخل نور الإيمان في قلوبهم ولم تخرج ظلمة الكفر منها { ~~ومن الذين هادو } [المائدة: 41]، أي: تابوا ظاهرا { ~~سماعون للكذب } [المائدة: 41]، أي: يصفون كذبات النفس في ~~هواجسها { سماعون لقوم آخرين لم يأتوك } [المائدة: ~~41]؛ أي: يسمعون هذه الكذبات ويعملون ويسنون السنن السيئة لقوم آخرين من ~~أمتك لم يأتوك بعد { يحرفون الكلم من بعد مواضعه } ، ~~اي: يغيرون قوانين الشريعة ويبدلونها بتمويهات الطبيعة { يقولون } ~~[المائدة: 41]، لرفقائهم من أهل الطبيعة ومن أضلهم عن جادة الشريعة { ~~إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ~~} [المائدة: 41]؛ يعني: إن أوتيتم أرباب الشريعة مثل مقالاتنا ومعتقداتنا ~~تناسب محالاتنا، فاقبلوا وإلا فاحذروا، وعما تقولوا من القرآن والأحاديث ~~هذا حال أرباب الدعاوى العواري عن المعاني من المتفلسفة والإباحية، فقد ~~أزلهم الشيطان عن الصراط المستقيم وأضلهم عن ms0485 الدين القويم، وأوقعهم في ~~الزلات والشبهات، فيؤولون القرآن والأحاديث على وفق أهوائهم ويقرون ~~بآرائهم فعرف الله تعالى نبيه أنهم معزولون عن رحمته محتجبون بعزته، وإن ~~من رؤية القسمة الأزلية والعزة الصمدية لا يفيده اهتمام المهتمين ولن ~~ينفعه الشافعون. # { ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا } [المائدة: 41]، يعني: من أوثقه الله تعالى بالخذلان وأغرقه في ~~الحرمان فليس إلى الأغيار حياته، ولا إلى الأغيار نجاته { أولئك ~~الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } [المائدة: ~~41]، يعني: أولئك الذين جبلوا على نجاسة الشرك، وما اقتضت الإرادة ~~الأزلية والحكمة الإلهية أن يطهروا بماء إصابة النور إذا رش عليهم في بدء ~~الخلقة من نجاسة ظلمة الشرك قلوبهم، ويقال من يروا الله فتنته من أرسل ~~إليه غائمة الهوى، وسلط عليه نوازع المنى فأنى له بسوط القضاء فليس بلقاء ~~غير الشقاء { لهم في الدنيا خزي } [المائدة: 41]، أي: في بدء ~~الأمر من إخطاء النور المرشش { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } ~~[المائدة: 41]، من لقاء العلي العظيم فلا يدري أي: حالتيهم أقرب إلى ~~استجلاب الذل وبدايتهم في الخذلان أم نهايتهم في الحرمان. ### || [5.42-44] # { سماعون للكذب أكالون للسحت } [المائدة: 42]، ~~يعني: أخلاقهم الرديئة أورثتهم الأعمال الدنيئة، وأن الأخلاق نتائج ~~الأعمال والأعمال نتائج الأخلاق كلها من نتائج الجوهر الفطري والاستعداد ~~الأصلي فمن خساسة الجوهر قنعوا بحظوظ خسيسة وتزهدوا عن أعراض نفيسة { ~~فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن ~~تعرض عنهم فلن يضروك شيئا } [المائدة: 42]، يعني: فإن ~~جاءك هؤلاء المعلولون طالبي دعائهم فاحكم بينهم تداويا لدائهم إن رأيت ~~التداوي سببا لشفائهم. # { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط } [المائدة: 42]؛ ~~يعني: داوهم على ما يستحقون من دائهم وأواصل النفرة بالإذلال { إن ~~الله يحب المقسطين } [المائدة: 42]، الإقساط الدوران مع ~~الحق حيث ما دار والوقوف عليهم من غير ميل إلى الحظوظ. # ثم أخبر عمن تولى عن حكم النبي والمولى بقوله تعالى: { وكيف ~~يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم ~~يتولون من بعد ذلك } [المائدة: 43]، والإشارة أن في نفي ~~تحكيم اليهود النبي صلى الله عليه وسلم لعدم ms0486 الإيمان به ولغيره من ~~الأنبياء حقيقة إثبات الإيمان الحقيقي لمحاكمته؛ إذ قال تعالى: { ~~وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم ~~الله ثم يتولون من بعد ذلك } [المائدة: 43]، أي ~~يعرضون عن حكم الله مع زعمهم أنهم يؤمنون بها { ومآ أولئك ~~بالمؤمنين } [المائدة: 43]، حقيقة يدل على هذا التأويل قوله ~~تعالى: # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم # [النساء: 65]، ثم قال { إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ~~ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين ~~هادوا والربانيون والأحبار } [المائدة: 44]، كما ~~أرسلناك هاديا تهدي إلى صراط مستقيم، وجعلناك نورا، فلما لم تهتدوا ~~بهدي النورية ونورها مع زعمهم أنهم يؤمنون بها، فكيف يهتدوا بهداك ونورك ~~فهم كافرون بك وبما أنزلنا إليك، وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك ~~قديم، وقوله: { بما استحفظوا من كتاب الله } [المائدة: ~~44]، إشارة إلى أنه استحفظ بني إسرائيل التوراة فحرفونها وضيعوها وما ~~حفظوها، ومن الله على هذه الأمة فخصهم بالقرآن وتولى سبحانه حفظه عليهم ~~فقال: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]، فلهذا ما قدر أحد أن يحرف شيئا من القرآن: { وكانوا ~~عليه شهدآء } [المائدة: 44]، بينون ما يخفى منه كما فعله ابن ~~صوريا ثم نهي الحكام أن يخشى غير الله في حكوماتهم، فقال تعالى { فلا ~~تخشوا الناس واخشون } [المائدة: 44]، فإن الخلق تحت أحكام ~~القدرة مقهورون، وعند جريان القضاء والقدر مجبورون، فلا سبيل إلى الخشية ~~منهم فلا يصح الخوف عنهم، وخافوني أن كنتم مؤمنين بقدرتي على الإيجاد ~~مؤمنين { ولا تشتروا بآياتي } [المائدة: 44]، بمعجزاتي مع ~~الأنبياء وبكرامات مع الأولياء { ثمنا قليلا } [المائدة: 44]، من ~~حطام الدنيا وتمتع النفس بالهوى والامتناع عن قبول حكم المولى فإنه يوجب ~~خسارة الأخرى والأولى { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون } [المائدة: 44]؛ لأن من اتخذ حكما ~~غير الله ولم يستسلم تحت جريان الحكمة رضاء وتسليما، فلا يخلوا عن شرك ~~خاطر قلبه وكفر قاهر عقله. ### || [5.45-47] # ثم أخبر عن إنزال الأحكام على الخواص بقوله تعالى: { وكتبنا ~~عليهم فيهآ أن النفس بالنفس } [المائدة: 45]، الإشارة ~~إن الله تعالى جعل المساواة ms0487 بين النفوس في القصاص كما جعلها بين الأرواح ~~والأعضاء، فقال تعالى: { وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس ~~بالنفس } ، كما قاله تعالى: { والعين بالعين والأنف ~~بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح ~~قصاص } [المائدة: 45]؛ ليتحققوا بالتساوي وفي الاستعداد الإنساني ~~لقبول الفيض الرباني في طلب الكمال والبلوغ إلى ذروة الوصال، وأنه تعالى ~~قد كرم بني آدم بنيل هذه الكرامة، وعنهم باختصاص هذه السعادة فقال: # ولقد كرمنا بني ءادم # [الإسراء: 70]، وإنما التقصير والتواني وقع من قبل الإنسان في طلب ~~الكمال بترك الاجتهاد، فإن المجاهدات تورث المشاهدات، كما قال تعالى: # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # [العنكبوت: 69]، وقد جاء في بعض الكتب المنزلة " من طلبني وجدني " ، ~~والذي يؤيد هذا المعنى قوله تعالى: # ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * ~~قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها # [الشمس: 7-10]، فأظهر الله من تقي في حضيض النقصان بقي لترك التزكية ~~بالخذلان، وإن الله تعالى كتب على نفسه الرحمة وقال: # " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا " # ، وفيه معنى آخر وهو كما أن في إهلاك النفس بهلاك النفر المهلك، وفي ~~إتلاف العضو المثلث كذلك إحياء نفس الطالب بحياة الدين حياة نفس محييها ~~وفي معالجة عين قلبه وأنف قلبه وسن قلبه علاج معالجة وبمزيد الإدراك في ~~هذه الأشياء المذكورة { فمن تصدق به } [المائدة: 45]، أي: بهذه ~~الإحياء والمعالجة { فهو كفارة له } [المائدة: 45]، على نفسه ~~فيما فرط في إحياء نفسه ومعالجة قلبه طرفة عين { ومن لم يحكم ~~بمآ أنزل الله } [المائدة: 45]، وفي تزكيتها عن الأوصاف الذميمة ~~وتجليها بالأخلاق الحميدة على قانون الشريعة بتربية أرباب الطريقة للوصول ~~إلى الحقيقة { فأولئك هم الظالمون } [المائدة: 45]، فقد ~~ظلموا أنفسهم بترك التربية؛ إذ وضعوا متابعة الحظوظ في موضع ملازمة ~~الحقوق. # { وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا ~~لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه ~~هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة ~~وهدى وموعظة للمتقين } [المائدة: 46]، أي: اتقاء ~~الأنبياء بعضهم بعضا، فأنزلنا الكتب بعضها مصدقا لبعض ومفردا له؛ ~~لبيان الدين القويم والهداية إلى صراط مستقيم والرجوع إلى ms0488 رب العالمين ~~لأرباب اليقين من المتقين { وليحكم أهل الإنجيل بمآ ~~أنزل الله فيه } [المائدة: 47]، وكذلك أهل كتاب كل كتاب في سلوك ~~الطريق { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله } [المائدة: 47]، من ~~أهل كل كتاب { فأولئك هم الفاسقون } [المائدة: 47]، ~~الخارجون عن الصراط المستقيم فضلوا عن طريق الحق، وذلوا بالباطل. ### || [5.48-50] # ثم أخبر عن حال النبي صلى الله عليه وسلم وكتابه وما أشار إليه من خطابه ~~بقوله تعالى: { وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق } [المائدة: ~~48]، إشارة إن الله تعالى خصص حبيبه صلى الله عليه وسلم من بين سائر ~~الأنبياء - عليهم السلام - بإنزال الكتب إليه بالحقيقة كما قال تعالى: { ~~وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق } [المائدة: 48]، أي: ~~بالحقيقة وذلك لأنه أنزله على قلبه وأنزل الكتب على الأنبياء في الألواح ~~والصحف، وبينه وبينهم بون بعيد وفرق عظيم، فإن ما أنزل على القلب يكون ~~صاحب القلب مخصوصا به من سائر الخلق بخلقه، فلهذا كان خلقه القرآن، وما ~~أنزل في الألواح والصحف يستوي فيه الخواص والعوام في التخلق بخلقه بإثمار ~~الأوامر وانتهاء النواهي: { مصدقا لما بين يديه من ~~الكتاب ومهيمنا عليه } [المائدة: 48]؛ أي: يصدق الكتب ~~المنزلة قبله تصديقا حقيقيا عيانيا لا بيانيا بحيث يشاهد قلب المنزل ~~إليه بنور حقائق جميع الكتب ومعانيها وأسرارها، فيشهدوا على صدقها ~~وحقيقتها بخلاف ما أنزل في الألواح والصحف، فإن الألواح والصحف لا ينشأ ~~حقيقتها ولا تشهد على صدقها وحقيقتها { فاحكم بينهم بمآ أنزل ~~الله } [المائدة: 48]، أي: فأقم بالله أحكام الدين بنوره الكتب بينهم ~~بما أنزل الله على قلبك أو اعتنق ملازمة الحقوق بترك ملازمة الحظوظ { ~~ولا تتبع أهوآءهم عما جآءك من الحق } [المائدة: ~~48]، أي: لا تستملك إلى هويتهم الفاسدة حرام الجنسية ومكارم الأنسية، ~~فيلهيكم عما جاءك من الحق بالعيان من حقائق القرآن وأنواره وحقيقة ~~الفرقان وأسراره { لكل جعلنا منكم } [المائدة: 48]، معاشر ~~الأنبياء { شرعة } [المائدة: 48]، يشرع فيها بالبيان { ومنهاجا ~~} [المائدة: 48]، يسلك فيه بالعيان { ولو شآء الله لجعلكم ~~أمة واحدة } [المائدة: 48]، أي: جعل أممكم أمة واحدة تهتدي ~~بالبيان إلى البيان { ولكن ليبلوكم } [المائدة: 48]؛ يعني: ~~الأمم { في مآ آتاكم ms0489 } [المائدة: 48]، من البيان والتبيان والحجج ~~والبرهان والعزة والسلطان وابتلاكم بزينة الدنيا واتباع الهوى ونيل المنى ~~والرفعة بين الورى والنجاة في العقبى؛ ليهتدي التائبون بالبيان والتبيان ~~ويقتدي العالمون بالحجة والبرهان، ويجذب العارفون بالعزة والسلطان بل ~~يقصدون الزاهدون برضا الدنيا، ويقدم العابدون بنهي الهوى ويسلك المشتاقون ~~بنفي المنى، ويجذب العارفون بترك الورى، ويسلب الواصلون بالسلو عن الدنيا ~~والعقبى { فاستبقوا الخيرات } [المائدة: 48]، ببذل الموجود، ~~وسارعوا إلى القربات بفقد الوجود { إلى الله مرجعكم جميعا } ~~[المائدة: 48]، إما بالاختيار بعدم الصدق في الإفناء لنيل المرام في عالم ~~البقاء، وإما بالاضطرار عند حلول الآجال بعد الفناء لويل الملام يوم ~~اللقاء { فينبئكم } [المائدة: 48]، بنتائج الأعمال وثمرات الأحوال ~~{ بما كنتم فيه تختلفون } [المائدة: 48]، من المقاصد ~~والمطالب والمشارب. # { وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله } [المائدة: 49]، قم ~~بالله فيما يحكم وأقم حقوقه فيما تقدم وتؤخر، ولا تلاحظ الأغيار فيما ~~تؤثر، وتغتر فإن الكل يحق في التحقيق { ولا تتبع أهوآءهم } ~~[المائدة: 49]، بالإعراض عن الحق { واحذرهم أن يفتنوك } ~~[المائدة: 49]، بالتصريف { عن بعض مآ أنزل الله إليك } ~~[المائدة: 49]، من الحقوق بشواهد الحق { فإن تولوا } [المائدة: ~~49]، عن الحق وأبوا قبوله { فاعلم } [المائدة: 49]، بمطالعة القضاء { ~~أنما يريد الله } [المائدة: 49]، في الحكم المقدر { أن ~~يصيبهم } [المائدة: 49]، مصيبة الإعراض { ببعض ذنوبهم } ~~[المائدة: 49]، وهو الاعتراض لأن الحق سبحانه يلزمهم التكليف ويقدمهم ~~ويؤخرهم بعين التصرف، فالتكليف فيما أوجب والتصريف فيما أوجد والعبرة ~~بالإيجاد لا بالإيجاب { وإن كثيرا من الناس لفاسقون } ~~[المائدة: 49]، الخارجون عن جذبات العناية ولخطاب الهداية. # { أفحكم الجاهلية يبغون } [المائدة: 50]، يطلبون منك أن ~~تجد عن الحجة المثلى بعدما طلعته شموس الدين، وسقطت براهين اليقين ~~واستنار القلب بأنوار الغيب وانتهكت أستار الترتيب { ومن أحسن ~~من الله حكما لقوم يوقنون } [المائدة: 50]، لا أحدا ~~يحكم لأهل الإيقان بحقائق الفرقان من أحسن الرحمن. ### || [5.51-53] # ثم أمر الأولياء أن لا يتولوا الأعداء بقوله تعالى: { يأيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى ~~أوليآء } [المائدة: 51]، إشارة إن: يا أهل الإيمان الحقيقي لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أولياء في الحقيقة، فإنهم أعداء الله وأعداؤكم ~~إنما وليكم الله ورسوله ms0490 والذين آمنوا كما قال تعالى: # نحن أوليآؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة # [فصلت: 31]، وقال تعالى: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت # [البقرة: 257]، { بعضهم أوليآء بعض } [المائدة: 51]، فإن ~~الجنسية موجبة القسم ولهذا قال تعالى: { ومن يتولهم منكم ~~فإنه منهم } [المائدة: 51]؛ يعني: ومن يتولهم ممن يتجلى تجلية ~~الإسلام، ويتزي بزي أهل الدين ظاهرا فإنه منهم أي: من طينتهم وخلقهم ~~ووصفهم حقيقة وباطنا { إن الله لا يهدي } [المائدة: 51]، إلى ~~الائتلاف أهل التعارف الروحاني { القوم الظالمين } [المائدة: ~~51]، الذين هم أهل التناكر الواضعين المحبة والولاء في غير موضعه. # { فترى الذين في قلوبهم مرض } [المائدة: 52]، عن جريان ~~نور الإيمان والخلق عن التوحيد والعرفان { يسارعون فيهم } ~~[المائدة: 52]؛ أي: في قوة أهل التناكر # " فإن الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " # ، فمن تعم فما يرهم وعمى بصائرهم حين حجبوا عن مقر التوحيد، وتغرقوا ~~في أودية الحسبان والظنون تسبق موالاة الأعداء خوفا من معادتهم، وطمعا ~~في المأمول من صحبتهم { يقولون نخشى أن تصيبنا دآئرة } ~~[المائدة: 52]، من دوائر الزمان وبوائر الحدثان { فعسى الله أن ~~يأتي بالفتح } [المائدة: 52]، فتح عين قلوبهم ليشاهدوا أنهم في ~~أسر العجز وذل الافتقار { أو أمر من عنده } [المائدة: 52]، ~~تصفيته مشارب الإكرام وإضاءة زواهد القرب ومشارق القلوب { فيصبحوا ~~} [المائدة: 52]، عن ليلة الغفلة { على مآ أسروا في ~~أنفسهم } [المائدة: 52]، من ظنون كاذبة { نادمين } [المائدة: ~~52]، فحينئذ { ويقول الذين آمنوا } [المائدة: 53]، بأنوار ~~الغيب في أستار القلوب { أهؤلاء الذين أقسموا بالله ~~} [المائدة: 53]، جهلا عن أحوالهم في ملكهم { جهد أيمانهم } ~~[المائدة: 53]، بالنفاق { إنهم لمعكم } [المائدة: 53]، في ~~الوفاق { حبطت أعمالهم } [المائدة: 53]، وبطلت آمالهم { ~~فأصبحوا خاسرين } [المائدة: 53]، بإبطال الاستعداد الفطري في ~~الدنيا واستحقاق دركات جهنم البعد في الآخرة. ### || [5.54-57] # ثم أخبر عن أهل المحبة في الدنيا وأهل المحنة في العقبى بقوله تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه } ~~[المائدة: 54]، إشارة أن الدين الحقيقي هو طلب الحق فقال: { يأيها ~~الذين آمنوا } [المائدة: 54]، بطلب الحق بعد أن كانوا في ضلالة ~~طلب غير الحق ms0491 من يرتد منكم عن دينكم، وهو طلب الحق حقيقته طالبا غير ~~الله من الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: # منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة # [آل عمران: 152]، حتى قرئ هذه الآية عند النبي - رحمه الله - فشهق شهقة، ~~وقال: ثمنا حد، فقال: ومنكم من يريد الله { فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه } [المائدة: 54]، فخص هذه المرتبة ~~بقوم دون قوم، لا ريب أن هذا القوم هم أرباب السلوك من المشايخ الذي ~~جذبتهم العناية بجذبات المحبة الإلهية عن أوطار أوصاف الخلقة إلى مرادفات ~~جلال الصمدية نفاهم عنهم بسطوات يحبهم، ثم إبقائهم به بهبوب نفحات ~~يحبونه، فإن العبدية إفناء الناسوتية في اللاهوتية، وإن محبة الله العبد ~~بقاء اللاهوتية في إفناء الناسوتية، فالله تعالى يحب العبد بصفة ذاته ~~أزلا، وهي الإرادة القديمة المخصوصة بالعناية، والعبد يحب الله تعالى ~~بذات تلك الصفة، فافهم جيدا فتكون من إمارة تلك المحبة الأزلية الأبدية ~~لهم أن تكون { أذلة على المؤمنين } [المائدة: 54]، لفناء ~~الناسوتية وارتفاع الأنانية { أعزة على الكافرين } [المائدة: ~~54]، ببقاء اللاهوتية وإثبات الوحدانية { يجاهدون في سبيل ~~الله } [المائدة: 54]، في طلب الحق في البداية ويبذل الوجود { ولا ~~يخافون لومة لائم } [المائدة: 54]، عند غلبات الوجود في الوسط ~~لدوام الشهود { ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء } [المائدة: ~~54]؛ يعني: صدق الطلب في البداية، وغلبات الوجد في الوسط، والاختصاص ~~بالمحبة في النهاية لنيل المقصود { والله واسع } [المائدة: 54]، ~~كرم أن يتفضل بذلك على كل أحد لكنه { عليم } [المائدة: 54]، بمن يستحق ~~لهذه الفضيلة ويستعد للتوسل بهذه الوسيلة. # ثم أخبر عمن مشمول العناية منهم إنه المنعوت بالولاية بقوله تعالى: { ~~إنما وليكم الله ورسوله } [المائدة: 55]، إشارة أن ~~الله تعالى أعز المؤمنين بعز موالاته وموالات رسوله وموالات المؤمنين ~~فقال: { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ~~} [المائدة: 55]، فموالات الله في معادات ما سوى الله كما كان حال الخليل ~~عليه السلام قال: # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء: 77]، ومولاة الرسول في معاداة النفس ومخالفة الهوى كما قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ms0492 نفسه وماله وولده والناس أجمعين " # ، ومولاة المؤمنين في مؤاخاتهم في الدين كقوله تعالى: # إنما المؤمنون إخوة # [الحجرات: 10]، فقال صلى الله عليه وسلم: # " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " # ، وقيل: من عادى نفسه لم يخرج بالمخاصمة عنها مع الخلق وبالمعارضة فيها ~~مع الحق، ثم أخبر عن أهل الموالاة من المؤمنين بقوله تعالى: { الذين ~~يقيمون الصلاة } [المائدة: 55]؛ أي: بديمومتها محافظا حدودها في ~~الظاهر مراقبا حقوقها في الباطن بمراعاة السير مع الله أن لا يخطر بباله ~~غير الله { ويؤتون الزكاة } [المائدة: 55]، أي: يبذلون ما زكى ~~من وجودهم في طلب الحق وهو الفناء في الله { وهم راكعون } ~~[المائدة: 55]، راجعون إلى الله بالانحطاط من قيام البشرية إلى القيام ~~بالقيومية { ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا } ~~[المائدة: 56] فهم من { فإن حزب الله } [المائدة: 56]، أهل ~~الله وخاصيته { هم الغالبون } [المائدة: 56]، أهوائهم وأنفسهم ~~وعلى الدنيا والشياطين القائمون مع الله على نشر الاستقامة. # ثم أخبر عن صفة الأعداء، وأنهم لا يصلحون لهؤلاء بقوله تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا ~~} [المائدة: 57]، الإشارة أن لا تحجبوا إلى الملاينة مع أعداء الدين يا ~~أهل الإيمان خصوصا مع الذين اتخذوا { دينكم هزوا ولعبا من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } [المائدة: 57]، من أهل ~~الأديان والملل { والكفار } [المائدة: 57]، ولا تتخذوهم { ~~أوليآء } [المائدة: 57]، فإنهم أعداء الله وأعداءكم، وفيه أيضا ~~إشارة إلى أهل التحقيق؛ الذين هم أهل المحبة المجذوبون إلى سراء قلق ~~الجلال بجذبات الوصال، أن لا تتلوا أهل الغفلة والسلوة الذين اتخذوا ~~دينكم ومنهيكم في المحبة والطلب هزوا ولعبا للجهل بأموالكم والغفلة عن ~~أمالكم من الذين أوتوا الكتاب؛ أي: العلوم الظاهرة من الثقليات والكفار؛ ~~يعني: الفلاسفة الذين يمسكوا بالعلوم من العقليات، فإنهم بمعزل عن العلوم ~~من الدنيا والكشفيات فلا تتخذوهم أولياء فإن بعضهم أولياء بعض والضدية ~~بينكم وبينهم قائمة، فإن الناس أعداء ما جهلوا من لم يتق لا يدري فلم ~~يدروا أن لا يدروا فهم يحسبون أنهم يدرون، فهذا هو الجهل المركب، فافهم ~~جيدا { واتقوا الله } [المائدة: 57]، واخشوه ولا تخشوا غيره ms0493 { ~~إن كنتم مؤمنين } [المائدة: 57]، بأن لا وجود إلا الله ولا يوجد ~~سوى الله. ### || [5.58-63] # ثم أخبر عن استهزائهم عند الصلاة، وندائهم بقوله تعالى: { وإذا ~~ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا } ~~[المائدة: 58]، إشارة أن الله تعالى أخبر عن أهل الغفلة والسلو المحجوبين ~~بأستار العزة عن أحوال العزة والمحبة، فقال: { وإذا ناديتم إلى ~~الصلاة }؛ أي: دعوتموهم إلى محل القرب والنجوى، اتخذوها هزوا ولعبا ~~لجهالتهم بأحوالها وضلالتهم عن عرفان كمالها { ذلك بأنهم قوم ~~لا يعقلون } [المائدة: 58]؛ أي: لا تدرك عقولهم الفاسدة بالوهم ~~والخيال لذاذة شهود ذلك الجمال والجلال، فإنها بمعزل عن تلك الأحوال ~~لاهية عن درك الوصول والوصال { قل يأهل الكتاب } [المائدة: ~~59]، إشارة إلى أهل العلوم الظاهرة من أهل السلو { هل تنقمون ~~منآ } [المائدة: 59]، تنكرون علينا وتحسدوننا وتعيروننا وتؤذوننا { ~~إلا أن آمنا بالله } [المائدة: 59]، إلا بأن آمنتم بإيمان ~~تقليدي بياني، وآمنا بالله وبأنوار هدايته إيمانا حقيقيا عيانيا { ~~ومآ أنزل إلينا } [المائدة: 59]، من الواردات الربانية والعلوم ~~اللدنية { ومآ أنزل من قبل } [المائدة: 59]، على الأنبياء من ~~الكتب الإلهية بكشف حقائقها ومعانيها، ورشق دقائقها ومبانيها { وأن ~~أكثركم فاسقون } [المائدة: 59]، خارجون عن الصراط المستقيم من ~~طلب الحق إلى طلب الدنيا وشهواتها، والرضا على جميع أموالها وطلب ~~رياستها، ثم أخبر عمن هو بشر حاله. # وروى خصاله بقوله تعالى: { قل هل أنبئكم بشر من ذلك ~~} [المائدة: 60]، الإشارة أن الله تعالى جعل لإظهار قهره بعض الجواهر ~~الإنسانية المستعدة لقبول فيض صفة اللطف من الرحمانية والمحبة الربانية؛ ~~مستحقا لقبول فيض صفة القهر من الطرد واللعن والغضب، ينزله أحسن ~~المنازل، ويبعده عن نعت الأخيار الفواضل، وليسكنه حضيض الأشرار الأرازل، ~~مخذولا عن صراط سوى الطريقة، محجوبا عن شهود الحقيقة، قال الله تعالى: ~~{ قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ~~من لعنه الله وغضب عليه } [المائدة: 60]، ثم قال تعالى: ~~{ وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت } ~~[المائدة: 60]؛ أي: جعل صفة القردية والخنزيرية وعبد الطاغوت من بعض ~~أفاعيلهم { أولئك شر مكانا } [المائدة: 60]؛ يعني: من ~~هؤلاء { وأضل عن سوآء السبيل } [المائدة: 60]؛ أي: عن طريق ~~الحق ms0494 المعني أن القردة والخنازير، وإن كانت ضالة عن طريق الحق بعدم ~~الاستعداد وهؤلاء الذين كانوا مستعدين لسلوك سبيل الحق والوصول إليه، ثم ~~مكانا منهم كما قال تعالى: # إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين ~~لا يعقلون # [الأنفال: 22]، وأضل الأبطال استعداد الوصول كما قال تعالى: # أولئك كالأنعام بل هم أضل # [الأعراف: 179]، وذلك لأن من أعمالهم أنهم { وإذا جآءوكم ~~قالوا آمنا } [المائدة: 61]، بالنفاق { وقد دخلوا ~~بالكفر } [المائدة: 61]، لا بالإيمان { وهم قد خرجوا به ~~} [المائدة: 61]؛ أي: الكفر وليس هذا النفاق من شأن القردة والخنازير، ~~فيقدم النفاق الكفر نزلوا إلى أحسن التنازل وصاروا أشر الأرازل { ~~والله أعلم بما كانوا يكتمون } [المائدة: 61]؛ أي: ~~يخفون من رزائل الأخلاق وخبائث الأعراق { وترى كثيرا منهم } ~~[المائدة: 62]، من هذه الطائفة { يسارعون في الإثم } [المائدة: ~~62]؛ أي: يسعون بجذب عظيم في طلب الدنيا ولذاتها وشهواتها { ~~والعدوان } [المائدة: 62]، إلى مخالفة الأوامر وتتبع النواهي { ~~وأكلهم السحت } [المائدة: 62]؛ أي: إطماعهم فيما سوى الله ~~وإعراضهم عن الحق { لبئس ما كانوا يعملون } [المائدة: 62]؛ ~~لأنهم بهذه الأقدام ينزلون إلى أسفل السافلين { لولا ينهاهم ~~الربانيون } [المائدة: 63] وهم المشايخ الواصلون من أهل التربية ~~بتسليكهم إياهم إن كانوا مستسلمين قابلي التصرف { والأحبار } ~~[المائدة: 63]، علم العلماء المتقون يدعوهم إلى الحق بالحكمة والموعظة ~~الحسنة { عن قولهم الإثم } [المائدة: 63]، في طلب الدنيا وما ~~فيها { وأكلهم السحت } [المائدة: 63]، فهو كل شيء غير الحق { ~~لبئس ما كانوا يصنعون } [المائدة: 63]، المشايخ والعلماء في ~~ترك النصيحة # " وإنما الدين النصيحة " # ولولا حقيقة هذا المعنى في التوبيخ لما اشتغل أهل الله المحققون بدعوة ~~الخلق، وتربيتهم لاستغرابهم في مشاهدة الحق، ومؤانستهم به. ### || [5.64-66] # ثم أخبر عن بعض موجبات اللعنة لأهل الغفلة بقوله تعالى: { وقالت ~~اليهود يد الله مغلولة } [المائدة: 64]، إشارة أن الله ~~تعالى مهما وكل الإنسان إلى خصائص نفسه وحساسة طبعه وركاكة نظره وعقله ~~بالخذلان يترشح بما في إنانه من صفاته الظلومتية والجهولية التي جبل ~~عليها حتى يظن السوء، ويقول على الله ما لا يعلم، كما قالت اليهود: يد ~~الله مغلولة؛ أي: من إصابة الخير ومهما أدركته العناية الربانية ms0495 وأيده ~~بالتأييد الإلهي فما ينطق عن الهوى إلا بما يلهم أو يوحي كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء ~~الليل والنهار " # ثم أصابهم الحق، وقال: { غلت أيديهم ولعنوا بما ~~قالوا } [المائدة: 64]؛ أي: أيديهم عن إصابة الخير مغلولة، وشأنهم عن ~~تنسيم روائح الصدق مزكوة، وإنهم عن أبواب الحق مطرودون إلى خصائص النفس ~~مردودون ثم أثنى على نفسه فقال: { بل يداه مبسوطتان } ~~[المائدة: 64]؛ أي: يد اللطف ويد القهر { ينفق كيف يشآء } ~~[المائدة: 64]، من خزائن اللطف والقهر على المؤمنين من الهداية والإيمان، ~~والإحسان على الكافرين من الضلالة والغواية والكفران وعذاب النيران؛ ~~فيرفع قوة للدرجات العلى ويضع آخرين الدركات السفلى، ويدفع عن قوم الشر ~~والبلاء ويمنع عن قوم الخير والنعماء بل يعم نعم الدفع أو يخص نعم النفع ~~{ وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك ~~طغيانا وكفرا } [المائدة: 64]، فيه إشارة إلى أهل الحسد فإنهم ~~يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله، وينكرون ذوي الفضل فلا يزيدهم ~~الحسد إلا الطغيان فكما أن مصائب قوم عند قوم فوائد كذلك قوم عند قوم ~~مصائب، ثم أدرك الحسد خذلان الحق وجعل بأسهم بينهم كما قال تعالى: { ~~وألقينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم ~~القيامة } [المائدة: 64]، فلا يوجد ذو جلالا بينه وبين صاحبه في ~~الحسد عداوة وبغض، والحقد إلى أن يتوارثوا بطنا عن بطن فلا يكون بينهم ~~موافقة في الحقيقة { كلمآ أوقدوا نارا للحرب } ~~[المائدة: 64] أي: يجتمعون لإثارة الفتنة على أهل الحقيقة ويتعفون على ~~إظهار الباطل { أطفأها الله } [المائدة: 64]، نار مكرهم وشتت ~~عليهم أمرهم { ويسعون في الأرض فسادا } [المائدة: 64]، ~~بإظهار الإنكار والغيبة والبهتان وتقبح أحوال أهل الحق عند العوام؛ لكسر ~~قلوبهم في نظر الخلق ليحقروا بعد وقروا { والله لا يحب ~~المفسدين } [المائدة: 64]، الذين يفسدون اعتقاد الخلق في أرباب ~~الصدق وأهل الحق. # ثم أخبر عن إصلاح حال من يقبل الصلاح بقوله تعالى: { ولو أن ~~أهل الكتب ءامنوا واتقوا لكفرنا عنهم ~~سيئاتهم } [المائدة: 65]، الإشارة ولو أن أهل الكتاب؛ يعني: أهل ~~العوام الظاهر وآمنوا ms0496 بالعلوم الباطنة وأقروا وصدقوا أهلها فيما يخبرون ~~عنها، واتقوا الإنكار والاعتراض والحسد عليهم لكفر عنهم سيئاتهم، وهي ~~الغفلة عنها والجهل بها والإنكار عليها، والحسنات التي تصدر عن الأبرار ~~بالعكوف على الأعمال البدنية دون القلبية ولزوم العلوم الظاهرة بالإعراض ~~عن العلوم الباطنة، فإنها سيئات المقربين { ولأدخلنهم جنت ~~النعيم } [المائدة: 65]؛ أي: لأنزلناهم مع المقربين منازل الأولياء ~~والصديقين ودرجات الشهداء والصالحين { ولو أنهم أقاموا ~~التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليهم من ربهم } ~~[المائدة: 66]، في القرآن المجيد والكتب المنزلة والصحف الأولى؛ يعني: لو ~~علموا بمقتضياتها ولزموا مستحسناتها، وهي تزكية النفس عن خصائصها الذميمة ~~وتحليتها بدوام الذكر ومراقبة السر لحصول الأخلاق الكريمة ومخالفة الهوى ~~وإيثار الآخرة على الأولى يدل على هذا التحقيق قوله تعالى # قد أفلح من تزكى # [الأعلى: 14] إلى آخر السورة. # { لأكلوا من فوقهم } [المائدة: 66]؛ يعني: رزقوا من الواردات ~~الروحانية والمشاهدات الربانية { ومن تحت أرجلهم } [المائدة: ~~66]؛ أي: تسخر النفس بالهمم العلية بأن ينهوها ويجعلوا مرادتها تحت ~~أقدامهم ليصلوا إلى مقامتهم كقوله تعالى: # ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي ~~المأوى # [النازعات: 40-41]، { منهم أمة مقتصدة } [المائدة: 66]؛ ~~أي: علماء السوء { وكثير منهم سآء ما يعملون } ~~[المائدة: 66]، فيما يحسدون أهل الحق وينكرون عليهم ويؤذونهم بالكذب ~~والافتراء والتخطية. ### || [5.67-70] # ثم أخبر عن تبليغ الرسالة وعدم الالتفات بأهل هذه الحالة وسوء المقالة ~~بقوله تعالى: { يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك ~~من ربك } [المائدة: 67]، إشارة إن الله تعالى أمر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم أن يبلغ الرسل إليه من دينه مطلقا بقوله تعالى: { ~~يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك } ~~المائدة: 67]، فاندرج تحت الأمر ما أنزل إليه من ربه من الوحي والإلهامات ~~والمنامات والوقائع والواردات والمشاهدات والكشوف والأنوار والأسرار ~~والأخلاق والمواهب والحقائق ومعاني النبوة والرسالة كلها. # ثم أكد الأمر بقوله تعالى: { وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته } [المائدة: 67]؛ لأن الحكمة في إرسال الرسول أن يكون الرسول ~~داعيا إلى الله بإذنه، ويكون لهم في سلوك الطريق هاديا إلى صراط مستقيم ~~إلى الله وسراجا منيرا يهتدي به ويقتدي إلى أن يوصلهم ms0497 إلى الله تعالى، ~~فحقائق النبوة والرسالة والمشاهدات والكشوف كلها منازل منارات ومقامات ~~أحوال الواصلين السائرين إلى الله تعالى، فالرسول إن لم يبلغ بعض هذه ~~الحقائق إلى العباد؛ فلا يمكنهم الوصول إلى الله تعالى، فلا يحصل مقصود ~~ما أرسل منه، ففي الحقيقة ما بلغ رسالته بالكمال إلا أن للتبليغ مراتب ~~بحسب ما أنزل إليه، كما أنزل إليه بأحوال مختلفة، فالتبليغ بالعبادة؛ ~~وتبليغ بالإشارة وتبليغ بالتأديب والتهذيب، وتبليغ بالتعليم وتبليغ ~~بالتزكية وتبليغ بالتحلية وتبليغ بالأخلاق وتبليغ بالضرة وتبليغ بجذبات ~~الولاية، وتبليغ بقوة النبوة والرسالة وتبليغ بالشفاعة، وهذا سر عظيم ~~يتضمن حقائق كثيرة، ولهذا السر قال صلى الله عليه وسلم: # " يحتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم عليه السلام ". # واعلم أن للحق أيضا مراتب في قبول الدعوة والرسالة وحقائقها، كقوله ~~تعالى: # الله أعلم # [الأنعام: 124]، حيث يجعل رسالته، ولهذا التفاوت في قبول الدعوى على حسب ~~الاستعدادات المختلفة، قال أبو هريرة رضي الله عنه: حفظت من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وعانيين من العلم، فأما أخذه فقد بثثته، وأما الآخرة ~~فلو بثته ليقطع هذا البلعوم، ثم قال تعالى: { والله يعصمك من ~~الناس } [المائدة: 67]؛ أي: يعصمك بأوصاف لاهوتيك عن أوصاف ناسوتيتك؛ ~~لتصرف في الخلق بقوة اللاهوتية فتوصلهم إلى الله، ولا يتصرفون فيك ~~فيقطعوك عن الله { إن الله لا يهدي القوم الكافرين } ~~[المائدة: 67]؛ يعني: من سنته صلى الله عليه وسلم أن لا يهدأ إلى حضرته ~~قوما جحدوا نبوة الأنبياء، وما قبلوا رسالة الرسل ليبلغوا إليهم ما أنزل ~~إليهم من ربهم، وأنكروا على الأولياء وما استمسك بعروة ولايتهم؛ ليوصلوهم ~~إلى الله تعالى سنة الله # التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا # [الفتح: 23]. # ثم أخبر أن المتمسكين بأقوال أهل الحق بقوامات ما { قل يأهل ~~الكتاب } [المائدة: 68]، إشارة أن الخطاب يعم جميع من أنزل إليهم ~~الكتب، ويخص لأرباب العلوم الظاهرة المحرومين عن العلوم الباطنة { ~~لستم على شيء } [المائدة: 68]، من حقيقة الدين بمجرد تعلم ~~العلوم الظاهرة وشرائع الدين، أنتم الغافلون عن العلوم الباطنة وحقيقة ~~الدين { حتى تقيموا ms0498 التوراة والإنجيل ومآ أنزل ~~إليكم من ربكم } [المائدة: 68]؛ يعني: حتى تقيموا أحكام ~~ظاهرها وباطنها، وزينوا ظاهركم وباطنكم بالأعمال والأحوال التي يشير ~~إليها ظاهريا وباطنها وهذا احتمالا بتصور إلا بمقدمتين ونتائج أربع، ~~فأما المقدمتان فأولهما: الجذبة الإلهية، وثانيها: التربية الشيخية، وأما ~~النتائج فأولها: الإعراض عن الدنيا وما يتعلق بها كلها، وثانيها: التوجه ~~إلى الحق بصدق الطلب، وهي من نتائج الجذبة، ثم تزكية النفس عن الأخلاق ~~الذميمة وتحلية القلب بالأخلاق الإلهية، وهما من نتائج التربية الشيخية ~~باستمداد القوة النبوية { وليزيدن كثيرا منهم } [المائدة: ~~68]؛ يعني: من العلماء التوبة { مآ أنزل إليك من ربك } ~~[المائدة: 68]، من أنصاف الربوبية يا أهل التحقيق في العبودية { ~~طغيانا وكفرا } [المائدة: 68]، إنكارا وحسدا { فلا تأس } ~~[المائدة: 68]، يا أهل التحقيق { على القوم الكافرين } ~~[المائدة: 68]، الجاحدين المنكرين فإنهم خلقوا مستعدين لهذا الإنكار ~~الموصل إلى دركات النار. # ثم أخبر عن إيمان أهل الإتقان بقوله تعالى { إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والصابئون } [المائدة: 69]، إشارة أن من ادعى ~~الإيمان وأظهر من الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون { والنصارى ~~من آمن } [المائدة: 69]، من هؤلاء { بالله } [المائدة: 69] ~~بهداية الله ونوره ولا بالتقليد والنفاق بالعادة المعتادة بين قومه وأهل ~~بلده { واليوم الآخر } [المائدة: 69]؛ أي: شاهد بنور الله الذي ~~حقيقة الإيمان يوم الآخرة وحقيقة الجنة والنار كما قال حارثة رضي الله ~~عنه وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وأهل النار يتعادون { وعمل ~~صالحا فلا خوف عليهم } [المائدة: 69]، فيما لا يكون على شيء ~~فإنهم يقيمون بأنك كنز التوراة والإنجيل والقرآن عملا بالظاهر والباطن { ~~ولا هم يحزنون } [المائدة: 69]، على ما يقاسون من شدائد ~~الرياضات والمجاهدات من مخالفات النفس في ترك الدنيا، وقمع الهوى ولا على ~~ما أصابهم من البلاء والمحن والمعيبات والآفات، وهذا حال خواص الأولياء ~~كما قال تعالى: # ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون # [يونس: 62]. # ثم أخبر عن أهل الهوى بقوله تعالى: { لقد أخذنا ميثاق بني ~~إسرائيل } [المائدة: 70]، الإشارة إنا لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل؛ ~~يعني: يوم الميثاق مع ذريات بني آدم؛ إذ أخرجهم من ظهر ms0499 آدم في التوحيد ~~والمعرفة في غيبة الأجساد، ثم { وأرسلنآ إليهم رسلا } ~~[المائدة: 70]، في حضورهم بالأجساد في عالم الشهادة من الإلهامات ~~الربانية والواردات الروحانية والرسل الحسدانية { كلما جآءهم ~~رسول } [المائدة: 70]، من هؤلاء { بما لا تهوى أنفسهم } ~~[المائدة: 70]؛ أي: على خلاف هوى نفوسهم وكانوا مغلوبي الهوى يحجبهم ~~الهوى عن استماع الحق ورؤية الشواهد ومعرفة الرسل { فريقا كذبوا ~~} [المائدة: 70]، من الإلهامات والواردات { وفريقا يقتلون } ~~[المائدة: 70] من الرسل ظاهرا فعبدوا الهوى، واتخذوا إلههم أهولئهم. ### || [5.71-72] # { وحسبوا ألا تكون } [المائدة: 71]، عبادة الهوى وتكذيب ~~الرسل وقتلهم { فتنة } [المائدة: 71]، عليهم وإن سألوا عقوبتها ~~عاجلا دون أجلا { فعموا } [المائدة: 71]، بعيون القلوب عن شواهد ~~الحق { وصموا } [المائدة: 71]، بآذان القلوب عن استماع الإلهامات ~~وإحساس الواردات عقب غلبة الهوى، وتكذيب الرسل وقتلهم عقوبة لذلك عاجلا ~~{ ثم تاب الله عليهم } [المائدة: 71]؛ أي: على بعضهم من ~~قابل التوبة وأهل الرجوع إلى الحق { ثم عموا وصموا } ~~[المائدة: 71]؛ يعني: بعضهم ممن لم يكونوا قابلي التوبة وأهل الرجوع، كما ~~بين وقال: { كثير منهم والله بصير } [المائدة: 71]، في ~~الأزل بتقدير { بما يعملون } [المائدة: 71]، اليوم من الخير ~~والشر، فقدر ما شاء كما شاء لمن شاء، فيجازيهم ما يشاء ومهما يشاء. # ثم أخبر عن بعض ما قدر لمن قدر كيف قدر بقوله تعالى: { لقد كفر ~~الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم } ~~[المائدة: 72]، إشارة أن النصارى لما أرادوا أن يسلكوا طريق الحق بعدم ~~العقل وينظروا إلى أحوال الأنبياء بنظر العقل تاهوا في أودية الشبهات؛ ~~فانقطعوا في بوادي الهلكات جل جناب القدس عن إدراك الأنس هيهات هيهات، ~~وهو حال من يقفوا أثرهم فأطرت النصارى عيسى عليه السلام إذ نظروا بالعقل ~~في أمره، فوجدوا مولودا من أم بلا أب فحكم عقلهم أن لا يكون مولود بلا ~~أب، فينبغي أن يكون هو ابن الله واستدلوا على ذلك بأنه يخلق من الطين ~~كهيئة الطير ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويخبر عما يأكلون في ~~بيوتهم وما يدخرون وهذا من صفات الله، ولو لم يكن المسيح ابن الله لما ~~أمكنهم هذا، وإنما أمكنه لأن ms0500 الولد سر أبيه، وقال بعضهم: إن المسيح لما ~~استكمل تزكية النفس عن صفات الناسوتية حلت لاهوتية الحق في مكان ~~ناسوتيته؛ فصار هو الله تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، ثم اعلم أن ~~أمة محمدا صلى الله عليه وسلم لما سلكوا طريق الحق بأقدام جذبات ~~الألوهية على وفق المتابعة الحبية أسقط عنهم كلفة الاستدلال ببراهين ~~الوصول والوصال، كما كان حال الشبلي - رحمه الله - حين غسل كتبه بالماء ~~فكان يقول: نعم الدليل أنتم، ولكن الاشتغال بالدليل بعد الوصول إلى ~~المدلول محال، فهؤلاء القوم بعد ما وصلوا إلى سرادقات حضرة الجلال شاهدوا ~~بأنوار صفات الجمال أن الإنسان هو الذي حمل أمانة الحق من بين سائر ~~المخلوقات، وهي فيض نور الإلوهية بوساطة الأنبياء فهم مخصوصون بأحسن ~~التقويم في قبول هذا الكمال؛ فيتحقق لهم أن عيسى عليه السلام لما صار ~~قابلا بعد التزكية والتخلية والمحبية كان يخلق من الطين كهيئة الطير ~~فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن ~~الله؛ أعني كان صورة الفعل منه ومنشأ صفة الخالقين حضرة الألوهية، وهذا ~~كما أن لكرة البلور المخروط استعداد في قبول فيض الشمس إذا كانت في ~~محاذاتها، فتقبل الفيض وتحرق اللوح المحاذي لها بذلك الفيض فمصدر الفعل ~~المحرق من الكرة ظاهرا ومنشأ الصفة المحرقية حضرة الشمس حقيقة؛ فصارت ~~الكرة بحسن الاستعداد قابلة للفيض والظهر منها صفات الشمس، وما حلت الشمس ~~في كرة البلور تفهم إن شاء الله وحده. # وكذلك حال الأنبياء في المعجزات وكبار الأولياء في الكرامات والفرق أن ~~الأنبياء مشتغلون بهذا المقام والأولياء متبعون، فالله تعالى كفر ~~الحلولية والأقانيمية وهم اليعقوبية والنسطورية والملكانية من النصارى، ~~وقال: { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو ~~المسيح ابن مريم } [المائدة: 72]؛ أي: ضل به وأثنى على توحيده ~~عليه السلام وإقراره في العبودية { وقال المسيح يابني ~~إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم } [المائدة: 72]، ~~بالخالقية والمالكية؛ يعني: الذي أعبده وأنتم عبيده وهو ربه وربكم ~~بالخالقية { إنه من يشرك بالله } [المائدة: 72]؛ أي: يقول ~~بإلهية أحد غير الله فهذا شرك لا ms0501 يغفر، ولهذا قال: { فقد حرم ~~الله عليه الجنة } [المائدة: 72]، وأما شرك الرياء فيحمل ~~المغفرة ولا يحرم عليه الجنة بل يحرم عليه القربة، ومن حرم الجنة { ~~ومأواه النار } [المائدة: 72]، فيعذب بنار الفرقة مع الحرقة { ~~وما للظالمين } [المائدة: 72]، الذين وضعوا الإلهية غير موضعها { ~~من أنصار } [المائدة: 72]، يوصلون لهم ما قطعوا على أنفسهم من عقد ~~التوحيد. ### || [5.73-75] # ثم قال تعالى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~ثالث ثلاثة } [المائدة: 73]؛ يعني: في اللاهوتية كفرهم الله بأنهم ~~أضافوا اللاهوتية إلى ثلاثة وأثبتوا عند ألهه، وهذا من غاية الخذلان، ~~ويحكم العقل عليه بالبطلان أن عيسى ابن مريم عليه السلام كانا محدثين ~~مخلوقين والمحدث المخلوق كيف يكون إلها خالقا قديما، وهذا لا يخفى على ~~المجانين فكيف على العقلاء، فقال تعالى: { وما من إله إلا ~~إله واحد } [المائدة: 73]، الذي هو صانع كل شيء وخالقه { وإن ~~لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا } ~~[المائدة: 73]، بما قالوا وبكفرهم { منهم } [المائدة: 73]؛ أي: من ~~الذين لم ينتهوا عن هذا القول؛ لأن الله قدر لهم الكفر بين تقي من تقي في ~~بطن أمه { عذاب أليم } [المائدة: 73]، لا يفارقهم أبدا ألمه. # ثم أخبر أن باب التوبة عليهم مفتوح، وأن الغفران ممنوح بقوله تعالى: { ~~أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله ~~غفور رحيم } [المائدة: 74]، إشارة أن الله تعالى نفى الألوهية عن ~~عيسى عليه السلام وأثبت له بنوته من مريم، وأنه اشتملت عليه الأرحام ~~وتناوبته الأيام، وأثبت له الرسالة وأثبت الرسل قبله، وإنهم قد خلوا، وإن ~~ما يظهر منه من المعجزات فهو مثل ما كان يظهر من الرسل، وأثبت أنها مريم ~~أم عيسى، وإن لها مقام الصديقية التي هي تتلو النبوة ونفى الإلهية عنها، ~~وأثبت الحاجة الماسة إلى الطعام لها وإصابة الضرورة إلى أن يتخلصا من ~~قضايا الطعام، احتج بهذه الضرورات البشرية عدم استحقاق الربوبية لهما ~~ونفي الإلهية عنهما وغير ذلك من الأسرار والحقائق في ضمن هذه الكمالات ~~البليغة الفصيحة المعدودة، وهي قوله تعالى: { ما المسيح ابن ~~مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه ~~صديقة ms0502 } [المائدة: 75]، إلى قوله: { كانا يأكلان الطعام ~~} [المائدة: 75]، ثم قال تعالى إظهارا لما بين الآيات إلى { انظر ~~كيف نبين لهم الآيات } [المائدة: 75]، وهي تضمين المعاني ~~والحقائق الكثيرة في هذه الألفاظ اليسيرة، والآية الأخرى هي نفس عيسى ~~ومريم، كقوله تعالى # وجعلنا ابن مريم وأمه آية # [المؤمنون: 50]، وذلك أن آية الأنبياء فيما غير أنفسهم إعجاز الخلق، ~~وكان آية عيسى وأمه في نفسهما بأن مريم ولدت مولودا من غير زوج، وأن ~~عيسى ولد من غير أب إظهارا للقدرة { ثم انظر } [المائدة: 75]؛ أي: ~~من جعلهم الله بالخذلان # صم بكم عمي فهم لا يعقلون # [البقرة: 171]، { أنى يؤفكون } [المائدة: 75]؛ أي: يصرفون عن ~~وجه الحق مع ظهور الآيات الدالة عن الحق. ### || [5.76-79] # ثم نفى إيصال النفع والضر عن قدرة عيسى عليه السلام مع تمكينه من إبراء ~~الأكمه والأبرص وإحياء الموتى فقال تعالى: { قل أتعبدون من ~~دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا } [المائدة: ~~76]؛ لكي تهتدوا إلى التوحيد، ولتعلموا أن ما ظهر عن عيسى عليه السلام من ~~الإبراء والإحياء كان بإذن الله وقدرته { والله هو السميع } ~~[المائدة: 76]، بما تحدث به أنفسهم عند تعليق القلوب بدون الرب في ~~استدفاع الشر واستجلاب الخير { العليم } [المائدة: 76]، بمن يدفع ~~عنهم الشر ويصيبهم الخير، فإذا الضار والنافع وهو الذي يخاف ويرجى في ~~الضراء والسراء لا غير. # ثم أخبر عن الغلو من السلو بقوله تعالى: { قل يأهل الكتاب } ~~[المائدة: 77]، إشارة أن الخطاب في قوله تعالى: { قل يأهل ~~الكتاب لا تغلوا في دينكم } [المائدة: 77]، مع المقلدين من ~~أهل الكتاب؛ لأنه قال { في دينكم } [المائدة: 77] أي: في مذهبكم ~~الذي اتخذتم بالتقليد من أهل الأهواء والبدع، ما قال في الدين مطلقا؛ ~~لأن الغلو في دين الحق حق، ولهذا قال تعالى: { غير الحق } ~~[المائدة: 77]؛ أي: فيما غير الحق من دينكم؛ يعني: الغلو بما هو الحق من ~~دينكم حق، ثم أكد ما بقوله تعالى: { ولا تتبعوا أهوآء ~~قوم قد ضلوا من قبل } [المائدة: 77]؛ إذ غلب عليهم الهوى ~~فاتخذوه إلها يعبدونه على اتباعه، وزين الشيطان في أعينهم الشبه ~~المعقولة ms0503 والمشوبة بالهوى فضلوا بها من قبل { وأضلوا كثيرا ~~وضلوا } [المائدة: 77]، من جهال المبتدعة ومقلديهم في اتباع أهوائهم ~~وشبههم، وضلوا يعني: كلا الفريقين التابع والمتبوع { عن سوآء ~~السبيل } [المائدة: 77]؛ يعني: استقامة طريق الوصول إلى الحق، فإن ~~الهداية الحقيقية هي الانقطاع عن الخلق والتولي عن طريقه { لعن ~~الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود ~~وعيسى ابن مريم } [المائدة: 78]، فيه إشارة إلى سر الخلافة، وهو ~~أن الإنسان الكامل الذي يصلح للخلافة الحق هو مظهر صفات لطفه للحق وقهره، ~~فقبولهم قبول الحق، وردهم رد الحق، ولعنهم لعن الحق، وصلاتهم صلاة الحق، ~~فمن لعنوه فقد لعنه الحق، ومن صلوا عليه فقد صلى عليه الحق، لقوله تعالى ~~لنبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم: # إن صلوتك سكن لهم # [التوبة: 103]، ثم قال تعالى: # هو الذي يصلي عليكم # [الأحزاب: 43]، فمظهر اللعن كان لسان داود وعيسى، وكانت اللعنة من الله ~~حقيقة، كقوله: # لعنآ أصحب السبت # [النساء: 47]، وهم الذين لعنهم داود عليه السلام صرح هاهنا أن اللعن كان ~~منه تعالى: وإن كان لسان داود { ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون } [المائدة: 78]؛ أي: موجب اللعن كان مخالفة أمر الحق ~~والاعتداء وهو الإصرار على العصيان وترك التوبة يدل عليه بالعدة { ~~كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه } [المائدة: 79]؛ ~~يعني: كانوا يصرون على فعل المنكر، وإنما سمي العصيان منكرا؛ لأنه يوجب ~~المنكرة كما سمي الطاعة معروفا؛ لأنها توجب المعرفة { لبئس ما ~~كانوا يفعلون } [المائدة: 79]، الإصرار على الفعل المنكر لأن ~~الإقدام على الفعل المنكر معصية والإصرار على المعصية كفر. ### || [5.80-81] # ثم أخبر عن نتائج إصرارهم بقوله تعالى: { ترى كثيرا منهم } ~~[المائدة: 80]؛ يعني: من المصرين { يتولون الذين كفروا } ~~[المائدة: 80]، وتوليه الكافر في كفره، كقوله ومن يتلوهم منكر، فإنه منهم ~~{ لبئس ما قدمت لهم أنفسهم } [المائدة: 80]؛ يعني: ما ~~يقولون الكفار { أن سخط الله عليهم } [المائدة: 80]؛ لأن ذلك ~~التولية موجبة لسخط الله عليهم فإن موالاة الأعداء توجب معادات الأولياء ~~{ وفي العذاب هم خالدون } [المائدة: 80]؛ يعني: عذاب معادات ~~الحق لا ينقطع أبدا. # ثم استدل على كفر من يتولى الكافر وهو ms0504 يزعم أنه مؤمن بقوله تعالى: { ~~ولو كانوا يؤمنون بالله } [المائدة: 81]، إيمانا حقيقيا { ~~والنبي } [المائدة: 81]، ويؤمنون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم على ~~التحقيق لا على التقليد { وما أنزل إليه } [المائدة: 81]، من ~~القرآن والحكمة والحقائق { ما اتخذوهم أوليآء } [المائدة: ~~81]؛ لأنهم أعداء الله والمؤمنين من كان الله وليه والرسول والمؤمنون، ~~كقوله تعالى: # والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت # [البقرة: 257]، { ولكن كثيرا منهم } [المائدة: 81]؛ ~~يعني: من الذين يزعمون أنهم يؤمنون بالله والنبي { فاسقون } ~~[المائدة: 81]، خارجون عن وصف الإيمان وحقيقته، وهم يظنون أنهم يؤمنون ~~وهم أهل الأهواء والبدع، ومفهوم الخطاب أن أيضا كثيرا منهم مؤمنون على ~~الحقيقة. ### || [5.82-83] # ثم أخبر عن اليهود وشدة عداوتهم والنصارى وقرب مودتهم بقوله تعالى: { ~~لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود ~~} [المائدة: 82]، إشارة أن اليهود لما انحرفوا عن الصراط المستقيم ~~وانصرفوا عن الدين القويم شاركوا المشركين في إبطال الاستعداد الروحاني ~~لقبول الإسلام الفطري؛ فصاروا أضدادا وأعداءا لأهل الإيمان أشد عداوة ~~لهم من جميع الناس؛ لقوله تعالى: { لتجدن أشد الناس ~~عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا } ~~[المائدة: 82]، وذلك لأنهم بدلوا دين موسى عليه السلام بما اقتضت آراءهم ~~واتبعوها وأشهدت أهواءهم وفازوا بالطبيعة على الشريعة، وتساووا مع ~~المشركين في الكفر بالحقيقة، ثم بين الله تعالى أن النصارى الذين يبدلون ~~دين عيسى عليه السلام لما أخذوا بوصية عيسى عليه السلام واتبعوا العلم ~~والعبادة والرتب، ولم يبطلوا استعدادهم الروحاني القابل للإسلام الفطري ~~ثبت لهم، والمودة لأهل الإيمان لمناسبة أرواحهم فإن تعارف الأرواح يوجب ~~الائتلاف بين الأشباح فقال تعالى: { ولتجدن أقربهم ~~مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ~~ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا ~~يستكبرون } [المائدة: 82]؛ يعني: مقاربة النصارى إلى أهل الإيمان ~~ومودتهم إياهم ببركة علمائهم تحققوا بعلمهم ورهبهم وصفاء قلوبهم وصدق ~~طويتهم أن دين الإسلام حق، وعرفوا أمارات وعلامات وجدوها في الإنجيل في ~~وصف محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وحقيقة دينه كما أخبر الله تعالى عن ~~حالهم بقوله تعالى: { وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ~~ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من ms0505 ~~الحق } [المائدة: 83]، فكانوا يخبرون النصارى ما وجدوه في الإنجيل من ~~نعت محمد صلى الله عليه وسلم فالمستعدون منهم للإيمان يؤمنون به ~~ويصدقونه، فإذا بلغ إليهم الدعوى يتفادون ولا يستكبرون، كقوله تعالى: { ~~وأنهم لا يستكبرون } [المائدة: 82]، حين دعوا إلى التوحيد ~~بخلاف المشركين، كما قال تعالى: { وإذا سمعوا مآ أنزل إلى ~~الرسول } [المائدة: 83]، إشارة أنهم سمعوا إذا سمعهم الله لما علم ~~فيهم خيرا من أحسن الاستعداد الفطري في إنزال إلى الرسول من كلامه ~~القديم كما أنزل إلى الذرات التي أخرجهما من ظهر آدم إذ قال لهم: # ألست بربكم # [الأعراف: 172]، فأسمعهم كلامه ووفقهم للجواب الصواب حتى شهدوا بربوبيته ~~وقالوا: # بلى شهدنآ # [الأعراف: 172] فكذلك أسمعهم هاهنا كلامه وعرفهم حقيقة كلامه؛ فاشتاقوا ~~إليه وتذكرت قلوبهم ما شاهدوا عند الميثاق من تلك المشاهدة؛ فبكوا بكاء ~~الشوق وبكاء المعرفة كما أخبر عنهم، وقال تعالى: { ترى أعينهم ~~تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق } [المائدة: 83]، ~~في الحق على أرواحهم؛ فكوشفت في الغيب بشواهد الحق فعرفوه وأمنوا به ~~قالوا: { يقولون ربنآ آمنا فاكتبنا مع الشاهدين } ~~[المائدة: 83]، الذين شهدوا يوم الميثاق بالربوبية طوعا ورغبة، فإن بعض ~~الأرواح شهدوا كرها ورهبة. ### || [5.84-88] # ولهذا اختلفت أحوالهم هاهنا { وما لنا لا نؤمن بالله } ~~[المائدة: 84]، بعد شهود الشواهد { وما جآءنا من الحق } ~~[المائدة: 84]، من لوامح المعرفة وطوالع المحبة { ونطمع أن ~~يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين } [المائدة: 84]؛ ~~يعني: فلما شهدنا الشواهد اشتقنا إلى المشاهدة وطمعنا في الدخول في زمرة ~~الواصلين وجملة الصالحين للوصال والوصول { فأثابهم الله بما ~~قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~} [المائدة: 85]، فعل إثابة الجنان بما قالوا عن شهود، ومفهوم الخطاب ~~مبني بأنهم موحدون بما نالوا وبما سألوا وقالوا: { وذلك جزآء ~~المحسنين } [المائدة: 85]، الذين يعبدون الله على الشواهد والشهود ~~فإن # " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ". # { والذين كفروا } [المائدة: 86]، ستروا بحجب أوصاف البهيمية ~~والسبعية والشيطانية؛ فأعمهم الله وأعمى أبصارهم اسمعوا فلم يسمعوا ~~شاهدوا فلم يبصروا { وكذبوا بآيتنآ } [المائدة: 86]؛ إذ لم ~~يبصروا { أولئك أصحب الجحيم } [المائدة: 86]؛ أي: هم ~~الذين خلقوا للنار، كما ms0506 قال تعالى: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس # [الأعراف: 179]. # ثم أخبر عمن سمعوا فاستمعوا بقوله تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم } ~~[المائدة: 87]، إشارة أن الله تعالى خاطب من رزقهم الإيمان الحقيقي وقال: ~~{ يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ ~~أحل الله لكم } ، أي: لا تحرموا على أنفسكم بشغل الاستعداد ~~بتمتعات الحيوانية والانتفاعات الجسمانية أي: طيبات ما أحل الله لكم خاصة ~~دون سائر المخلوقات من الحيوانات والمنافقين والكفار بل فضلا على ~~الملائكة المقربين، وهي المواهب الربانية عند صفاء الروحانية من ~~المكاشفات وحمل الأمانة التي اختص بحملها نفس الإنسانية، ولهذا قال ~~تعالى: { مآ أحل الله لكم } ، أي: عدها لكم وأعدكم لها { ~~ولا تعتدوا } [المائدة: 87]، ولا تجاوزا عن حد العبودية بدعوة ~~النبوة والحلول والاتحاد، وهما كالنصارى والحيلولية وبعض الشطاح تعالى ~~الله عما يقول الظالمون ويتوهمه الجاهلون علوا كبيرا { إن الله ~~لا يحب المعتدين } [المائدة: 87]؛ يعني: من تجاوز حده إلى ما ~~ليس هو حده { وكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا } ~~[المائدة: 88]؛ أي: جدوا واجتهدوا في طلب ما رزقكم وخصكم به من تجلي ~~جماله والجلال ما يكون بريئا من وصمة الحدوث من مواهب الحق، فإن الله ~~تعالى طيب لا يقبل إلا الطيب فالطيب الذي يقبله الحق من أن يكون متبرئا ~~عن المحدثات؛ ليكون محلا لقبول ما هو بريء من وصمة الحدوث فافهم جيدا، ~~{ واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } [المائدة: ~~88]؛ أي: اتقوا من غير الله بالله لتكونوا واصلين به بعدما أنتم به ~~مؤمنون. ### || [5.89] # ثم أخبر عن لغو أيمان أهل الأيمان بقوله تعالى: { لا يؤاخذكم ~~الله باللغو في أيمانكم } [المائدة: 89]، إشارة أن لا ~~يؤاخذكم أهل الفقه باللغو في أيمانكم عند استيلاء النفس وغلبات صفاتها ~~وسلطان الهوى في أثناء المجاهدة وشدة المكابدة وإعواز المشاهدة أن تخلقوا ~~بالآيات على التبرم من ولاية ملامة النفس وكلالة التقوى، ثم إذا كشطت عن ~~سماوات قلوبكم غمام القبض تعدون الولاء عين الفرض { ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } [المائدة: 89]، على ~~الهجران وقصدتم الصدود بالخذلان فأبديتم الشاقة ms0507 وأخفيتم الكرامة وتعرضتم ~~للملامة { فكفارته } [المائدة: 89]؛ أي: فكفارة ما عقدتم وقصدتم ~~إليه { إطعام عشرة مساكين } [المائدة: 89]، وهم الخواص الخمس ~~الظاهرة والباطنة فإنها مدخل الآفات وموئل الفترات { من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم } [المائدة: 89]، وهم القلب والسير والروح ~~والغنى، وطعامهم الشوق والصدق والإخلاص والتفويض، وعلمهم الرضا والأنس ~~والهيبة والشهود والكشوف بواسطة الذكر والتذكير، وتفكروا والتفكر والتشوق ~~والتوكل والتعبد والخوف والرجاء، فإطعام الحواس الظاهرة والقوى الباطنة ~~هذه الأطعمة باستعمالها في التعبد بها والتحفظ عما ينافيها { أو ~~كسوتهم } [المائدة: 89]، وهو ألباس الحواس والقوى بلباس التقوى { ~~أو تحرير رقبة } [المائدة: 89]، النفس عن عبودية الهوى والحرص ~~على الدنيا: { فمن لم يجد } [المائدة: 89]، السبيل إلى هذه ~~الأشياء { فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم ~~إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم } [المائدة: 89]، وذلك لأن ~~الأيام لا تخلو عن ثلاث إما يوم قد مضى، أو يوم قد حضر، أو يوم قد بقي، ~~فصيام اليوم الذي قد مضى بالإمساك عما عقد عليه أو قصد إليه أو بالصبر ~~على التوبة عنه، وصيام الذي قد حضر بالإمساك عن التغافل عن الأهم وبالصبر ~~عن الجد والاجتهاد، وبذل الجهد في طلب المراد وصيام اليوم الذي قد بقي ~~بالإمساك عن فسخ العزيمة في ترك الجريمة، وفسخ الإخلاص في طلب الخلاص ~~وبالصبر على قدم الثبات في تقديم الطاعات والمبرات وصدق التوجه إلى حضرة ~~الربوبية بمساعي العبودية من لغو اليمين عند أرباب اليقين أعلم أن الطالب ~~الصادق عند غلبات الشوق ووجدان الأرق يقسم عليه بكماله وجلاله أن يرزقه ~~شظية من إقباله ووصاله وذلك في شريعة الرضا لغو، وفي مذهب التسليم سهو ~~فيعفو عنه رحمة عليه لضعف حاله ولا يؤاخذه بمقاله، وإن الأولى الذوبان ~~والخمود بحسن الرضا تحت جريان أحكام المولى في القبول والرد والإقبال ~~والصد وإيثار الاستعانة في أداء حقوقه على الكرامة، وعلى لذة تقريبه ~~وإقباله وشهوة وصوله ووصاله، كما قال قائلهم: # أريد وصاله ويريد هجري # فأترك ما أريد لما يريد # وحقك ما نظرت إلى سواك # بعين مودة حتى أراك # وهذا حكم التوحيد لغو وعن شهود الأحدية سهو وأين في ms0508 الدار ديار، ومن أنت ~~في الرفعة حتى يتحقق لك وصله أو بحره بل هو الله الواحد القهار { ~~كذلك يبين الله لكم آياته } [المائدة: 89]، وفي مرآة ~~روحه وصفاته الوحدانية القهارية { لعلكم تشكرون } [المائدة: ~~89]، نعمة رؤية هويته بوحدانيته. ### || [5.90-91] # ثم أخبر عن الاجتناب عن الخمر والميسر والأزلام والأنصاب بقوله تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان } ~~[المائدة: 90]، إشارة أن الله تعالى أخبر عباده المؤمنين عن الأعمال التي ~~يوسوسهم بها الشيطان ويضلهم عن طريق الهدى ويهلكهم بمتابعة الهوى، وإن ~~النجاة والفلاح في اجتنابها فقال تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا } [المائدة: 90] إيمانا حقيقيا مستفادا من كتابة الحق بقلم ~~العناية في قلوبهم { إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام رجس من عمل الشيطان } [المائدة: 90]. # { إنما الخمر } فلأنها تخمر العقل وهو نور روحاني علو من أوليات ~~المخلوقات ومن طبعه الطاعة والانقياد والتواضع لربه كالملك وضده الهوى، ~~وهو طلمة نفسانية سفلية من أخريات المخلوقات من طبعه التمرد والمخالفة ~~والآباء والاستكبار عن عبادة ربه كالشيطان، فإذا خمر الخمر نور العقل ~~يكون العقل مغلوبا لا يهتدي إلى الحق وطريقه، ثم يغلب ظلمة الهوى فتكون ~~النفس أمارة بالسوء وتستمد من الهوى فيتبع بالهوى السلفي جميع شهواتها ~~النفسانية مستلذاتها الحيوانية السفلية، فيظفر بها الشيطان فيوقعها في ~~مهالك المخالفات كلها ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: # " الخمر أم الخبائث " # لأن هذه الخبائث كلها تولدت منها. # وأما الميسر فإنه فيه تهيج أكثر الصفات الذميمة مثل الحرص والبخل والكبر ~~والغضب والعداوة والبغض والحقد والحسد وأشباهها وبها يضل العبد عن سوء ~~السبيل. # وأما الأنصاب فهي تعبد من دون الله فيها يصير العبد مشركا بالله. # وأما الأزلام ما يلتفت إليه عند توقع الخير والشر والنفع والضر من دون ~~الله وأنها من المضلات، فإن الله هو الضار النافع، ثم قال تعالى: { ~~رجس من عمل الشيطان } [المائدة: 90]؛ يعني: هذه الأشياء ~~أحب شيء من أعمال الشيطان التي يغوي بها العبد ويضلهم عن صراط الحق وطريق ~~الرشاد، ثم قال تعالى: { فاجتنبوه } [المائدة: 90]، يعني: اجتنبوا ~~الشيطان ولا تقبلوا ms0509 وساوسه واتركوا هذه الأعمال الخبيثة { لعلكم ~~تفلحون } [المائدة: 90]، تخلصون من مكائد الشيطان وجنابة هذه ~~الأعمال آفاتها ومحنها وتظفرون بالقربات والمواصلات { إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضآء } ~~[المائدة: 91]، والصفات الذميمة التي ذكرناها { في الخمر ~~والميسر } [المائدة: 91]، كما ذكرناها { ويصدكم عن ذكر ~~الله } [المائدة: 91]؛ يعني: عن شهود قلوبكم مع الله تعالى { وعن ~~الصلاة } [المائدة: 91]؛ يعني: لذة المناجاة مع الله تعالى وعروج ~~الأرواح إلى الله فإن الصلاة معراج المؤمن { فهل أنتم منتهون ~~} [المائدة: 91]؛ أي: فاتركوا هذه المعاملات التي من عمل الشيطان لتفوزوا ~~بمواصلات الرحمن في نعيم الجنان. ### || [5.92-94] # { وأطيعوا الله } [المائدة: 92]، فما يأمركم بما يقربكم إليه ~~ويباعدكم عنكم { وأطيعوا الرسول } [المائدة: 92]، يخرجكم من ~~ظلمات وجودكم إلى نور شهود معبودكم { واحذروا } [المائدة: 92]، ~~المخالفات فإنها تباعدكم عن الله وتزيد في حجب أنانيتكم { فإن ~~توليتم } [المائدة: 92]، عن طلب الحق في متابعة النبي صلى الله ~~عليه وسلم: { فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ ~~المبين } [المائدة: 92]؛ يعني: على الرسول التبليغ والدلالة وعليكم ~~المتابعة وعلينا التوفيق والهداية { ليس على الذين آمنوا } ~~[المائدة: 93]، يعني: بالتقليد لا بالتحقيق { وعملوا الصالحات ~~} [المائدة: 93]؛ أي: حافظوا على الأوامر والنواهي { جناح فيما ~~طعموا } [المائدة: 93]؛ يعني: من المباحات { إذا ما اتقوا } ~~[المائدة: 93]، الشبهة والإسراف { وآمنوا } [المائدة: 93]، بالتحقيق ~~بعد التقليد، فإن الأعمال الصالحات أنوار الهداية واتقاء الشبهة فعلى ~~أقدر الأعمال يتنور القلوب بالأنوار، وعلى قدر الأنوار تكاشف القلوب ~~بالأسرار { وعملوا الصالحات } [المائدة: 93]، ففائدة التكرار ~~فيه أن الأذل يشير إلى الأعمال البدنية مثل المحافظة على الأوامر ~~والنواهي، والثاني يشير إلى الأعمال القلبية مثل تصفيته القلوب عن دنس كل ~~حب في حب الله وطلبه تحليتها بالصدق والإخلاص والتوكيل والتسليم والرضا ~~واليقين وبجميع الأخلاق الحميدة { ثم اتقوا } [المائدة: 93]، ~~الالتفات بغير الله بحيث ما رضوا من الله بشيء دونه { وآمنوا } ~~[المائدة: 93]، بواحدية أي: تيقنوا أنه تعالى المعاصي يوجد باب لطفه كما ~~قال تعالى: # " ألا من طلبني وجدني ومن طلب غيري لم يجدني " # ، { ثم اتقوا } [المائدة: 93]، ترك اللإثنينية ببذل الأنانية ~~وإفنائها في هويته { وأحسنوا } [المائدة: 93]، تهدوا الحق بالحق ~~فإن # " الإحسان أن ms0510 تعبدوا الله كأنك تراه " # { والله يحب المحسنين } [المائدة: 93]، الفانين عن ~~أنانيتهم والباقين بهويته المشاهدين بأنوار جماله إلى جلاله، فهم القوم ~~الذين قال تعالى فيهم: # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]، وحقيقة الإشارة أن المحبوب الأزلي من هذا سيره وسيره لا ~~يضره التصرف في المكونات بمحصول هذا الشرائط فافهم جيدا. # ثم أخبر عن ابتلاء أهل الولاء بقوله تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد } ~~[المائدة: 94]، إشارة إن الله تعالى جعل البلاء لأهل الولاء كاللهب للذئب ~~فقال: { يأيها الذين آمنوا } ، أي: إيمان المحبين الذين ~~تجردوا عن ملاذ الدنيا وشهواتها من الحلال والحرام، وأحرموا بحجج الوصول ~~وعمرة الوصال ليبلونكم الله في أثناء السلوك بشيء من الصيد، وهو ما سنح ~~من المطالب النفسانية الحيوانية والمقاصد الشهوانية والدنياوية { ~~تناله أيديكم } [المائدة: 94]؛ أي: ما يتعلق بشهوات نفوسكم ~~ولذات أبدانكم { ورماحكم } [المائدة: 94]؛ أي: ما يتعلق بالمال ~~والجاه { ليعلم الله من يخافه بالغيب } [المائدة: 94]، ~~وهو يعلم ويرى ليظهر الله ويميز بترك المطالب والمقاصد في طلب الحق من ~~يخافه بالغيبة والانقطاع عنه ويحترز عن الالتفات بغيره { فمن ~~اعتدى بعد ذلك } [المائدة: 94]، تعلق بالمطالب بعد ترك الطلب { ~~فله عذاب أليم } [المائدة: 94]، من الرد والصد والانقطاع عن ~~الله تعالى. ### || [5.95] # { يأيها الذين آمنوا } [المائدة: 95]، بتحقيق الطلب ~~والوصول في متابعة الرسول { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ~~} [المائدة: 95]، النكتة في أنه أباح الصيد لمن كان حلالا وهم أهل ~~السلوة من العوام الذين رضوا من الكمالات الدينية بالأعمال البدنية من ~~تصور هممهم الدنية، وحرم الصيد على من كان حراما وهم أهل المحبة ~~المحرومون من الدنيا لزيارة كعبة الوصلة؛ يعني: من قصدنا فعليه بحسم ~~الأطماع جملة، ولا ينبغي أن يكون له مطالبته بحال من الأحوال إلا طالب ~~الوصال، ويقال العارف عبد الحق، ولا يكون للصيد صيد { ومن قتله ~~منكم } [المائدة: 95]؛ أي: من الطلاب إذا التفت بشيء من الدنيا { ~~متعمدا } [المائدة: 95]، وهو الذي واقف على مضرته وعالم بآفته ~~فيغلب عليه الهوى ويقع فيه بحرص النفس { فجزآء مثل ما قتل ~~من النعم } [المائدة: 95]، يجازي نفسه برياضة ومجاهدة يماثل ms0511 ~~المهالك اللذة والشهوة { يحكم به } [المائدة: 95]؛ أي: بتكلف ~~المجازاة { ذوا عدل منكم } [المائدة: 95]، وهي القلب والروح ~~يحكمان على مقدار الإيمان وعلى أنواع الرياضات بتقليل الطعام والشراب، أو ~~ببذل المال أو بترك الجاه أو بالعزلة والخلوة وضبط الحواس { هديا ~~بالغ الكعبة } [المائدة: 95]؛ أي: خالصا لله فيما يعمل بحيث ~~يصلح لقبول الحق من غير ملاحظة الخلق { أو كفارة طعام ~~مساكين } [المائدة: 95]، وهم العقل والقلب والسر والروح والخفي، ~~فإنهم كانوا محرومين من أغذيتهم الروحانية من صدق التوجه إلى الحق، وخلو ~~من الأعراض عن الخلق ويخترع الصبر عن المكروهات والفطام عن المألوفات ~~والشكر على الموهوبات والرضا بالمقدورات والتسليم الأحكام الأزليات { أو ~~عدل ذلك صياما } [المائدة: 95]، والصيام هو الإمساك عن ملاحظة ~~الأغيار وطلب الاختيار والركون إلى غير الملك الجبار { ليذوق } ~~[المائدة: 95]، النفس الأمارة بالسوء { وبال أمره } [المائدة: ~~95]؛ أي: تتألم بألم هذه المعاملات التي على خلاف طبعها جزاء وكفارة لما ~~نالت من لذات الشهوات وخلوات الغفلات { عفا الله عما سلف } ~~[المائدة: 95]، من الطالبين قبل إقدام على الطلب { ومن عاد } ~~[المائدة: 95]، إلى تعلق شي من الدنيا بعد الخروج عنها بقدم الصدق { ~~فينتقم الله منه } [المائدة: 95]، بالخذلان في الدنيا ~~والخسران في العقبى { والله عزيز } [المائدة: 95]، لا يوجد من ~~تعلقات الكونين حتى يتجرد الطالب عن القليل والكثير والصغير والكبير { ~~ذو انتقام } [المائدة: 95]، ينتقم من أحبابه باحتجاب التعزز ~~بالكبرياء والعظمة على قدر التفاتهم إلى غيره، وملاحظة ما سواه وينتقم من ~~أعدائه بما قاله # ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون # [الأنعام: 110]. ### || [5.96-97] # ثم قال تعالى: { أحل لكم صيد البحر } [المائدة: 96]، ما ~~تصيدون من بحر المعرفة بالمشاهدة والكشوف { وطعامه متاعا لكم ~~وللسيارة } [المائدة: 96]، يعني: تنفقون بما يرد عليكم ومردات ~~الحق وتجلي الصفات كما قال صلى الله عليه وسلم: # " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " # وتطعمون منه السائرين إلى الله من أهل الإرادة كقوله تعالى:- # فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير # [الحج: 28]، وهذا حال المشايخ وأهل التربية من العلماء الراسخين { ~~وحرم عليكم } [المائدة: 96]، أيها الطلاب { صيد البر } ~~[المائدة: 96]، وهو ms0512 ما سنح في أثناء السير إلى الله من مطالب الدنيا ~~والآخرة، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " الدنيا حرام على أهل الآخرة... الحديث " # { ما دمتم حرما } [المائدة: 96]؛ أي: محرمين إلى الكعبة الوصال ~~متوجهين إلى حضرة الجلال، فإن حكم المتوجه بنا في حكم الواصل الكامل؛ لأن ~~من وصل صار محوا فالمتوجه صاح فرق بعيد بين الصاحي والماحي، فإن أفعال ~~الصاحي به، ومنه وأحوال الماحي ليست به ولا منه، والله غالب على أمره # " فبي يسمع وبي يبصر وبي وينطق وبي يبطش " # ولهذا قال تعالى: # وإذا حللتم فاصطادوا # [المائدة: 2]، إلي إذا فرغتم من مناسك الوصول وسلكتم مسالك الوصول سقط ~~عنكم كلف المجرمين ومؤنات المسافرين، وثبت لكن لزوم العاكفين وأحكام ~~الطائفين كما قال تعالى: { واتقوا الله الذي إليه ~~تحشرون } [المائدة: 96]؛ أي: اتقوا بالله الذي تجمعون وتصلون إليه ~~عما سواه لكيلا تجوروا بعدما تكوروا نعوذ بالله من الجور بعد الكور. # ثم أخبر عن القيام أنه بالبيت الحرام بقوله تعالى: { جعل الله ~~الكعبة البيت الحرام قيما للناس } [المائدة: 97]، ~~إشارة أن الله تعالى كما جعل الكعبة في الظاهر قياما للناس العوام ~~والخواص يلوذون ويستحجبون بالتضرع والابتهال هناك حاجاتهم الدنيوية ~~والآخروية، كذلك جعل كعبة القلب في الباطن قياما للخواص وخواص الخواص ~~ليلوذوا بطريق دوام الذكر، ونفي الخواطر بالكلية وإثبات الحق بالربوبية ~~والوحدانية بأن لا موجود إلا هو ولا وجود إلا له، ولا مطلوب ولا محبوب ~~إلا هو وسماه البيت الحرام ليعلم أنه بيت الله على الحقيقة وحرام أن يسكن ~~فيه غيره، فيرى فيه ذكر ما سوى الحق وحبه، وطلبه الإذن يفتح الله له ~~أبواب فضله ورحمته { والشهر الحرام } [المائدة: 97]، وهو أيام ~~الطلب والسير إلى الله حرام على الطالب فيها مخالطة الخلق وملاحظة ما سوى ~~الحق { والهدي } [المائدة: 97]، وهو النفس البهيمية فساق إلى كعبة ~~القلب مع { والقلائد } [المائدة: 97]، وهي أركان الشريعة فتذبح على ~~عتبة القلب بسكين آداب الطريقة عن شهواتها ولذاتها الحيوانية { ذلك ~~لتعلموا } [المائدة: 97]، بالحقيقة { أن الله يعلم ما ~~في السموت وما في الأرض وأن الله بكل شيء ms0513 ~~عليم } [المائدة: 97]. ### || [5.98-100] # ثم قال تعالى: { اعلموا أن الله شديد العقاب } ~~[المائدة: 98]، يستدل الحجاب لغير الأحباب ممن ركنوا إلى الدنيا واغتروا ~~بزينتها وشهواتها { وأن الله غفور رحيم } [المائدة: 98]، ~~لطالبيه وقاصدي حضرته بفتح الأبواب ورفع الحجاب { ما على الرسول ~~إلا البلاغ } [المائدة: 99]؛ يعني: عليه التبليغ بالقال والحال، ~~كقوله تعالى: # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين # [الجمعة: 2]: # فأما القال: فهو قوله: # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا ~~عليهم آياته # [الجمعة: 2]، وأما الحال فهو كقوله تعالى # ويزكيهم # [الجمعة: 2] أي: يزكي نفوسهم عن الأخلاق المذمومة بأنوار الصحبة ~~وآدابها، فإن النفوس كالمرآة قابلة لأخلاق صاحبها، وأن الطبع من الطبع ~~يسرق وهذا أحد أسباب تعليم حقيقة الكتاب والحكمة { والله يعلم ~~ما تبدون } [المائدة: 99]، من الإيمان بإقرار اللسان وعمل الأركان { ~~وما تكتمون } [المائدة: 99]، من تصديق الجنان والتكذيب وصدق ~~التوحيد وإخلاص النية في طلب الحق أو غير ذلك { قل لا يستوي ~~الخبيث والطيب } [المائدة: 100]، الخبيث ما يشغلك عن الله ~~والطيب ما يوصلك إلى الله { ولو أعجبك كثرة الخبيث } ~~[المائدة: 100]، فيه إشارة أخرى أن الطيب هو الله الواحد والخبيث ما سوى ~~الله وفيه كثرة { فاتقوا الله } [المائدة: 100]؛ أي: اتقوا بالله ~~عن غير الله { يأولي الألباب } [المائدة: 100]، وهم الذين تخلصت ~~ألباب قلوبهم وأرواحهم عن قشور الأبدان والنفوس، فيحثهم على أن يركنوا ~~إلى الدرجات الروحانية { لعلكم تفلحون } [المائدة: 100]، لكي ~~تظفروا بالقربات الربانية. ### || [5.101-104] # ثم أخبر عن كثرة السؤال أحثها تورث الملال بقوله تعالى: { يأيها ~~الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء } [المائدة: 101]، ~~إشارة أن الله تعالى نهى أهل الإيمان أن يتعلموا علم اللدنية وحقائق ~~الأشياء بطريق السؤال؛ لأنها ليست من علوم القال وإنها من علوم الحال، ~~فقال تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن ~~أشيآء } ، أي: من حقائق الأشياء { إن تبد لكم } [المائدة: ~~101]، بيانها بطريق القال { تسؤكم } [المائدة: 101]؛ إذ لم تهتدوا ~~إلى الحقائق ببيان القال فتقع عقولكم المنسوبة بآفات الهوى والوهم ~~والخيال في الشبهات فتهلكوا ms0514 في أوديتها كما كان طوائف حال الفلاسفة؛ إذا ~~طلبوا علوم حقائق الأشياء بطريق القال والبراهين المعقولة، فما كان منها ~~مندرجة تحت نظر العقل المجردة عن شوائب الوهم والخيال أصابوها المتحذلقة ~~منهم، وهو من يدعي الحذاقة أكثر مما عنده، وما ضاقت منه نطاق العقول عن ~~دركها استزلهم الشيطان عند البحث والنظر عن الصراط المستقيم، وأوقعهم في ~~أودية الشبهات بوادي المهلكات فهلكوا وأهلكوا خلقا عظيما بتصانيفهم في ~~العلوم الإلهية، وبعضهم خلطوا العلم الأصول وقرروا شبهاتهم فيما ضلوا عن ~~سواء السبيل، وما علموا أن تعلم علوم الحقائق بالقال محال، وإنما تعلمها ~~يحصل بالحال كما كان حال الأنبياء - عليهم السلام - مع الله تعالى، فقد ~~أعلمهم علوم الحقائق بالإرادات لا بالروايات، فقال تعالى # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض # [الأنعام: 75]، في حق النبي صلى الله عليه وسلم: # لنريك من آياتنا الكبرى # [طه: 23]، وقال صلى الله عليه وسلم إرثاء الأشياء كما هي، وكما كان حال ~~الأمة مع النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم الكتاب بالقال، والحكمة ~~بالحال بطريق الصحبة وتزكية نفوسهم عن شوائب آفات النفس وأخلاقها، كقوله ~~تعالى فيمن تحقق له فوائد الصحبة على موائد المتابعة # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53]، ثم قال تعالى: { وإن تسألوا عنها حين ينزل ~~القرآن تبد لكم } [المائدة:101]، وإن كان لا يدلكم من السؤال ~~عن حقائق الأشياء، فاسألوا عنها بعد نزول القرآن أي: عن القرآن ليخبركم ~~عن حقائقها على قدر عقولكم، فأما العوام منكم فيؤمنون بمتشابهات القرآن ~~فإنها بيان حقائق الأشياء ويقولون كل من عند ربنا ولا يتصرفون فيها ~~بعقولهم طلبا للتأويل فإنه # وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم # [آل عمران: 7]، وهم الخواص، وأما الخواص فيفهمون عما يشير القرآن إليه ~~من حقائق الأشياء بالنور والإشارات والمتشابهات حالا يفهم غيرهم، كما ~~أشار تعالى بقصة موسى والخضر - عليهما السلام - إلى أن تعلم العلم اللدني ~~إنما يكون بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم وترك الأغراض على الصاحب ~~المعلم لا بالقال والسؤال بقوله تعالى: # هل أتبعك ms0515 على أن تعلمن مما علمت رشدا * ~~قال إنك لن تستطيع معي صبرا # [الكهف: 66-67]؛ يعني: في المتابعة والتسليم وترك الاعتراض # قال ستجدني إن شآء الله صابرا ولا أعصي لك ~~أمرا * قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء # [الكهف: 69-70]؛ يعني: أن من شرط المتابعة ترك السؤال عن الأفعال، ~~وغيرها فلما لم يستطع موسى عليه السلام معه صبرا قال - يعني موسى - # إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصحبني # [الكهف: 76]، يشير إلى أن يعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة ~~والتسليم لا بالقال السؤال، وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة فافهم جيدا. # فلا عاد في الثالثة إلى السؤال، وقال: # قال لو شئت لتخذت عليه أجرا * قال هذا ~~فراق بيني وبينك # [الكهف: 77-78]، قال: { عفا الله عنها } [المائدة: 101]؛ أي: ~~عما سألتهم وطلبتم علوم الحقائق بالقال قبل نزول هذه الآية { والله ~~غفور } [المائدة: 101] لمن تاب ورجع إلى الله في طلب علوم الحقائق ~~بالقال والسؤال { حليم } [المائدة: 101]، بأن يطلب بالحال يحلم عنهم ~~في أثناء الطلب بالصدر منهم مما ينافي أمر الطلب إلى أن يوفقهم لما يوافق ~~الطلب، قال تعالى: { قد سألها قوم من قبلكم } [المائدة: ~~102]؛ يعني: من مقدمي الفلاسفة قد شرعوا في طلب العلوم الإلهية بالقال ~~ونظر العقل فوقعوا في أودية الشيطان { ثم أصبحوا بها ~~كافرين } [المائدة: 102]؛ أي: بسبب الشبهات التي وقعوا فيها بتتبع ~~القال والقيل وكثرة السؤال وترك متابعة الأنبياء - عليهم السلام . # ثم أخبر عن اعتراض أهل الافتراء بقوله تعالى: { ما جعل الله من ~~بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام } [المائدة: ~~103]، إشارة أن الشيطان كما سلط على قوم حتى أغراهم على الابتداع في ~~أحكام الأنعام وترك الاتباع، كذلك سلط على قوم قادر على التصرف في أنعام ~~أجسامهم ونفوسهم مبتدعين غير متبعين وهم يزعمون أن هذه التصرفات في الله، ~~ففي قوله تعالى { ما جعل الله من بحيرة } إشارة إلى أن من ~~يتصرف في بدنه بما لم يؤمر به كمن يشق أذنه أو ينقبها، ويجعل فيها الخلقة ~~من الحديد أو يثقب صدره أو ذكره، ويجعل عليه ms0516 الغفل أو يجعل في عنقه الغل ~~ويحلق لحيته مثل ما يفعلون هؤلاء القلندرية، ولا سائبة وهم الذين يدورون ~~في البلاد ومنهم مسيبين، خليعي العذار يرتعون في مراتع البهيمية ~~والحيوانية بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة، وهم يدعون أنهم أهل الحقيقة، ~~قد لعب الشيطان بهم واتخذوا إلههم هواهم، { ولا وصيلة } [المائدة: ~~103] وهم الذين به يبيحون المحرمات ويستحلون الحرمات، ويتصلون بالأجانب ~~من طريق الأخوة والأبوة كالإباحية والزنادقة، فيغتر به ويظن أنه بلغ مقام ~~الوحدة وأنه محمي عن النقصان بكل حال، ولا تضره مخالفات الشريعة؛ إذ هو ~~بلغ مقام الحقيقة، فهذا كله من وساوس الشيطان وهواجس النفس ما أمر الله ~~بشيء من ذلك ولا خص لأحد فيه، { ولكن الذين كفروا } ~~[المائدة: 103]، بترك الشريعة وادعوا الحقيقة { يفترون على ~~الله الكذب } [المائدة: 103]، بمثل هذه الأشياء إنها من الله ولله ~~وفي الله { وأكثرهم لا يعقلون } [المائدة: 103]، إن هذا من ~~الشيطان لا من الرحمن، وذلك أن أكثرهم قد أخذوا هذه الطريقة المضلة ~~بالتقليد من الجهال وأهل الضلال { وإذا قيل لهم تعالوا ~~إلى مآ أنزل الله } [المائدة: 104]، من الأحكام { وإلى ~~الرسول } [المائدة: 104]؛ أي: وإلى متابعته { قالوا حسبنا ما ~~وجدنا عليه آباءنآ } [المائدة: 104]؛ أي: مشايخنا وأهل صحبتنا ~~الذين أخذوا هذه الطريقة السوء منهم { أولو كان آباؤهم } ~~[المائدة: 104]، الذين وضعوا هذه الطريقة وابتدعوها { لا يعلمون ~~شيئا } [المائدة: 104]، من الشريعة والطريقة { ولا يهتدون } ~~[المائدة: 104]، إلى عالم الحقيقة فإنهما أهل الطبيعة وأرباب الخديعة، ~~ولقد شاعت في الآفاق فتنتهم وكملت فيهم غرتهم، وما لهم من دافع ولا مانع ~~ولا وازع على أن الخرق قد اتسع على الرفع. ### || [5.105-107] # ثم أخبر عن طريقة أهل الولاية عند استيلاء هذا البلاء بقوله تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم } [المائدة: ~~105]، إشارة أن في الخطاب تخصيص الطالب الصادق وهو قوله تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا } أي: إيمان الطالبين المحققين بأن ~~الوجدان في الطلب كما قال تعالى: # " ألا من طلبني وجدني " # { عليكم أنفسكم } فاشتغلوا بتزكيتها فإنه # قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها # [الشمس: 9-10]، فلا تشتغلوا قبل تزكيتها بتزكية ms0517 نفوس الخلق، ولا تغتروا ~~بإرادة الخلق وقبولهم وحسن ظنهم فيكم وتقربهم إليكم، فأيها الطالب اغتنم ~~الساعة وأن مثل السالك المحتاج إلى المسلك والدين يدعي رواته ويتمسك به ~~كمثل غريق في البحر محتاج إلى سائح كامل في ضيعته لينجيه من الغرق، ~~فيتثبت به غريق في البحر وهو يأخذ بيديه لينجيه فيهلكان جميعا، فالواجب ~~على الطالب المحقق أن يتمسك بدليل إرادة صاحب ولاية له في هذه الشأن مسلك ~~كامل ويستسلم لأحكامه، ولا يلتفت إلى كثرة الهالكين فإنه لا يهلك على ~~الله إلا هالك { لا يضركم } [المائدة: 105]، أيها الطالبون { من ~~ضل } [المائدة: 105]، من المغرقين { إذا اهتديتم } [المائدة: ~~105]، إلى الحق { إلى الله مرجعكم جميعا } [المائدة: 105]، ~~أيها الطالبون بجذبات العناية على طريق الهداية والمضلون بسلاسل القهر ~~والخذلان على طريق، والعصيان نزلت في منذر بن عمر وبعثه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى أهل هجر فيدعوهم إلى الإسلام، فأبوا الإسلام فوضع ~~عليهم الجزية، فقال: لا يضركم من ضل من أهل هجر إذا إهتديتم إلى الله ~~يعني: آمنتم بالله { فينبئكم بما كنتم تعملون } ~~[المائدة: 105]؛ أي: فيذيقكم لذة ثواب أعمالكم، والمعنى ليس للطالب أن ~~يلتفت في أثناء سلوكه إلى أحد من أهل الصدق والإرادة بأن يقبله ليربيه، ~~ويغتر بأنه شيخ يقتدى به إلى أن يتم أمر سلوكه بتسليكم مسلك كامل واصل، ~~ثم إن يرى شيخان له رتبة الشيخوخة فينتبه بإشارة الحق في مقام التربية ~~ودعوة الخلق إلى الحق فحينئذ يجوز له أن يكون هاديا مرشدا للمريدين ~~باحتياط وافر فقد قال تعالى: # ولكل قوم هاد # [الرعد: 7]، فأما في زماننا هذا فقد آل الأمر إلى أن من لم يكن قط ~~مريدا يدعى الشيخوخة ويخبر بالشيخوخة الجهال والضلال من جهالته وضلالته ~~حرصا لانتشار ذكره وشهرته وكثرة مريديه، وقد جعلوا هذا الشأن العظيم ~~والسر الجسيم لعب الصبيان وضحكة الشيطان حتى يتوارثون كلما مات ولله منهم ~~يجلسون ابنه مقام صغيرا كان أو كبيرا ويلبسون منه الخرقة ويتبركون به ~~وينزلونه منازل المساعي، فهذه مصيبة قد عمت ولعل هذه طريقة قد تمت فأنذرت ~~آثارها ms0518 والله أعلم بأخبارها. # ثم أخبر عن كيفية الوصية لقوله تعالى: { يآ أيها الذين ~~آمنوا شهادة بينكم } [المائدة: 106]، إشارة إن الخطاب في ~~قوله تعالى: { يآ أيها الذين آمنوا } [المائدة: 106]، مع ~~الروح وصفاته أن آمنتم إيمان المجتهدين في جهاد الأكبر شهادة بينكم { ~~إذا حضر أحدكم الموت } [المائدة: 106]؛ أي: النفس تموت عن ~~صفاتها الذميمة بالرياضات والمجاهدات { حين الوصية } [المائدة: ~~106]، والوصيان { اثنان ذوا عدل } [المائدة: 106]، هما العقل ~~والسر { منكم } [المائدة: 106]؛ أي: من الروحانيات { أو آخران ~~من غيركم } [المائدة: 106]؛ يعني: من غير الروحانيات وهما الوهم ~~والخيال من النفسانيات فالعقل والسر يشهدان بالحق، وإن كان على ذي قرابة ~~من الروحانيات والوهم والخيال يتحملان الصدق والكذب في الشهادة { إن ~~أنتم ضربتم في الأرض } [المائدة: 106]؛ أي: سافرتم في ~~السفليات { فأصابتكم مصيبة الموت } [المائدة: 106]؛ أي: ~~تصيب النفس جذبة الحق فتموت { تحبسونهما } [المائدة: 106]؛ أي: ~~الشاهدين العقل والسر والوهم والخيال إن كنتم في بعد من الروحانيات { من ~~بعد الصلاة } [المائدة: 106]، بعد حضور جامع الله تعالى وتوجهها ~~إلى الحق ومراقبة ثابتة { فيقسمان بالله إن ارتبتم لا ~~نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى } [المائدة: 106]، ~~فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف بالله أن يؤديا شهادة الحق { ولا ~~نكتم شهادة الله إنآ إذا لمن الآثمين } ~~[المائدة: 106]، يدفعان تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم القلب ~~وصفاته، ولا يتصرفان في شيء من السفليات، ولا يميلان إلى حظ من حظوظها ~~وإن كل خلق وصفة ذميمة ورثها القلب من النفس يجعلها خلقا محمودة وصفة ~~حميدة؛ لأن النفس كانت تشتمل تلك الصفة في السفليات وكانت ذميمة تستعملها ~~القلب في العلويات فتكون حميدة مثاله أن الحرص صفة من صفات النفس، وهي ~~تستعمله في طلب الدنيا ولذاتها وشهواتها فصارت ذميمة ويستعمله القلب في ~~طلب الآخرة والمقامات وتحصيل العلوم والظلمات فيكون محمودا وعلى هذا ~~النفس الباقي { فإن عثر على أنهما } [المائدة: 107]؛ يعني: ~~الوصيين من العقل والسر والوهم والخيال { استحقآ إثما } ~~[المائدة: 107]، بأنهما قصرا في أداء حق الوصية ومالا إلى حظ من الحظوظ ~~السفلية { فآخران يقومان مقامهما } [المائدة: 107]، يعني: ~~مقام النصرانيين في استفاء ms0519 حقوقهما { من الذين استحق ~~عليهم الأوليان } [المائدة: 107]، وهما من صفات التذكر والتفكر ~~الصاحب ينظر أن في عواقب الأمور، ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا، ~~وإن الباقي خير من الفاني وذلك قوله { فيقسمان بالله ~~لشهادتنا أحق من شهادتهما } [المائدة: 107]، لأنهما ~~أعني الوهم والخيال مالا إلى الحظوظ فيما كتما من الحقوق والتذكر والتفكر ~~يميلان إلى حفظ الحقوق بترك الحظوظ { وما اعتدينآ } [المائدة: ~~107]، في حفظ الحقوق { إنا إذا لمن الظالمين } [المائدة: ~~107]، الواضعين الحظوظ في مقام الحقوق ذلك أدنى إلى الحق وأقرب. ### || [5.108-110] # { ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجههآ } ~~[المائدة: 108]؛ يعني: العقل والسر إن كانا ثابتين في بدء الأمر بأداء ~~الحقوق في استعمال صفات النفس للشعارات الأخروية؛ لكان أولى وأخرى { أو ~~يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم } [المائدة: ~~108]؛ يعني: أو يخافا عواقب الأمور بأن يتنزل على أنفسهم باستمهال وتضييع ~~الوقت وفوات القرش وإفساد الاستعداد، ثم بالتذكر والتفكر برد الأمر إليهم ~~فيحتاجون إلى كثرة الرياضة والمجاهدة الزكية والتصفية، ثم قال تعالى: { ~~واتقوا الله } [المائدة: 108]، أي: اتقوا بالله عما سواه { ~~واسمعوا } [المائدة: 108]، وأطيعوا أحكام الأزل { والله لا ~~يهدي } [المائدة: 108]، إلى حضرته اليوم { القوم الفاسقين } ~~[المائدة: 108]؛ يعني: الذين كانوا خارجين عند رشاش النور على الأرواح عن ~~قبول النور وإصابته كما قال صلى الله عليه وسلم: # " أفمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل ". # ثم أخبر عن إصابة أهل الإصابة بقوله تعالى: { يوم يجمع الله ~~الرسل فيقول ماذآ أجبتم } [المائدة: 109]. # إشارة إن القيامة هي يوم يتجلى الحق فيه بالصفة القاهرية يوم يكشف عن ~~ساق، يوم يجمع الله الرسل في حظائر القدس دون العالمين، فيكاشفهم بنقم ~~الجلال فيقول لهم عند احتباس قومهم: ماذا أجبتم لما دعوتم الأمم إلي وإلى ~~معرفتي وهم مستغرقون في بحر الشهود الغائبون عن أوصاف الوجود { قالوا ~~لا علم لنآ } [المائدة: 109]، فأنطقهم الله بالبراءة عن التحقيق ~~بباطن الأمور وحقيقتها حتى نفوا العلم عن أنفسهم وأثبتوا لحضرة جلاله ~~فقالوا: { إنك أنت علام الغيوب } [المائدة: 109]؛ أي: إنك ~~تعلم ما غاب عنا وغبنا عنه، فإنك ms0520 ما تغيب عن شيء، ولا يغيب عنك شيء كما ~~قال صلى الله عليه وسلم نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر. # ثم أخبر عن الآية ونعمائه مع نبي من أنبيائه بقوله تعالى: { إذ قال ~~الله يعيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى ~~والدتك } [المائدة: 110]، والإشارة فيها أن في قوله تعالى إذا قال ~~الله: يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إشارة إلى نعمة خاصة ~~مع عيسى ووالدته دون سائر الخلق، وذلك أن حمل مريم ما كان من الرجال ~~كسائر النساء وإنما كان بروح منه كما قال تعالى: # ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها ~~فنفخنا فيه من روحنا # [التحريم: 12]، وكذلك ولادة عيسى عليه السلام وخلقه ما كان من قطعة ~~الرجال إنما كانت كلمة ألقاها إلى مريم وروح منه، ومن نعم الله عليها ما ~~قال: { إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في ~~المهد وكهلا } [المائدة: 110]، يعني: تكلمك في الطفولية وفي ~~الكهولية وبقية المعجزات التي ظهرت منك كما أنها نعمة في حقك، فكذلك هي ~~نعمة في حق أمك بأنها تدل على براءة ساحتها فما نسبوها إليه واتهموها به. ### || [5.111-115] # ثم أخبر عن نعمة أخرى بقوله تعالى: { وإذ أوحيت إلى ~~الحواريين } [المائدة: 111]، الإشارة فيها وإذا أوحيت إلى ~~الحواريين يعني: في عالم الأرواح يوم الميثاق إذا خاطبت الأرواح المستعدة ~~لقبول الإيمان { أن آمنوا بي وبرسولي } [المائدة: 111]؛ إذ ~~كانوا جنود مجندة وكان بين أرواح كل أمة وروح رسولها تعارف ومناسبة فبذلك ~~التعارف { قالوا آمنا } [المائدة: 111] ثم في عالم الصورة عند ~~الملامات تتشاهد الأرواح فيعرف بعضها بعضا فما أتلف بذلك التعارف ويقذف ~~الله في طلبه؛ إذ يجدوا الإيمان فيؤمن برسوله فقذف الله تعالى في قلوب ~~الحواريين لحسن استعدادهم أن آمنوا بي بأني واحد بلا شبهة، ولا ولد كما ~~آمنتم بوحدانيتي يوم الميثاق وبرسولي عيسى عليه السلام أو عبدي، وليس ~~بولدي فلا تقولوا كما قالت النصارى المسيح ابن الله فإنهم ما خطبوا يوم ~~الميثاق أن آمنوا على الحقيقة لعدم الاستعداد بل قالوا آمنا بوحدانيتك ~~وبعبوديتك رسالتك { واشهد ms0521 بأننا مسلمون } [المائدة: 111]، ~~منقادون في يوم الميثاق لأوامرك ونواهيك في إبداء الإباء. # ثم أخبر عمن خوطب بإيمان حقيقة ومن لم يخاطب بقوله تعالى: { إذ قال ~~الحواريون } [المائدة: 112]، إشارة إن الله تعالى لما أراد أن ~~يميز الخبيث من الطيب والمؤمن المقلد من المؤمن الحقيقي، ويظهر بعض ~~الحقائق المخفية والسرائر المخبية في الدنيا مما سيظهره في الآخرة؛ ليكون ~~بحرة لأهل الخبرة فلا تغيروا بالصورة الإنسانية ولا تغفلوا عن الصفة ~~الحيوانية، فيكونوا كالأنعام بل هم أضل فبالحكمة البالغة استخرج من بعض ~~النفوس الخبيثة آثار خبائثها المخفية بعبارات الشهادة وحركات جوارحها كما ~~استخرج من بعض الحواريين المقلدين في الإيمان غير المحققين قولهم؛ إذ قال ~~الحواريون { يعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ~~ينزل علينا مآئدة من السمآء } [المائدة: 112]، فأول ~~الخذلان أنهم ما وقعوا في الخطاب مع رسولهم أن يقولوا: يا رسول الله ويا ~~روح الله خاطبوه باسمه ونسوا الحالة ولو وقعوا للصواب لقالوا: يا روح ~~الله ونسبوه إلى الله، ثم رفضوا الأدب مع الله تعالى وقالوا: هل يستطيع ~~ربك كالمتشكك في استطاعته وكمال قدرته على ما يشاء كيف يشاء ثم تظهروا ~~دناءة فمنهم وحساسة تهمتهم إذ طلبوا بواسطة مثل عيسى عليه السلام من الله ~~تعالى فائدة دنيا، وهي فانية وما رغبوا في فائدة دينية كقوله تعالى: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه # [الشورى: 20]، فلما طلبوا المائدة الدنيا وبه وجدوا منها أياما فلا بد ~~وقد ضيعوا نصيب السعادة الآخروية كما قال تعالى: # ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]، ثم من إجادة تقوتهم أنهم ما اتعظوا بموعظة نبيهم { قال ~~اتقوا الله } [المائدة: 112]؛ أي: اتقوه ولا تسألوا عنه هذا ~~الخسيس الدنيوي { إن كنتم مؤمنين } [المائدة: 112]، إيمانا ~~حقيقيا؛ فإن المؤمن من اختار الدين على الدنيا والباقي على الفاني فما ~~قبلوا نصيحته وما اهتدوا بهدايته، وأظهروا كمال حسنهم { قالوا نريد ~~أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد ~~صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين } [المائدة: 113]، { ~~قال عيسى ابن مريم ms0522 } [المائدة: 114]، ولو كانوا أهل السعادة ~~وأهل الإيمان الحقيقي لكان اطمئنان قلوبهم بذكر الله كقوله تعالى: # ألا بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد: 28]، ولعلموا صدق رسولهم بنور الإيمان فإن المؤمن ينظر بنور ~~الله، وكانوا لله شاهدين بالوحدانية وما احتاجوا إلى هذا التساؤل وكانوا ~~مؤمنين مسلمين لأحكام الله تعالى وأوامر رسوله كما كان الحواريون الذين، ~~قالوا: آمنا إيمانا حقيقيا، وقالوا: واشهدوا بأننا مسلمون فلما علم ~~عيسى عليه السلام أن الله تعالى في إنزال المائدة حكمة بالغة وألحوا عليه ~~بسؤالها قال: { اللهم ربنآ أنزل علينا مآئدة من ~~السمآء } [المائدة: 114]، أي: مائدة الأسرار والحقائق التي تنزلها من ~~سماء العناية عليها أطعمة الهداية { تكون لنا } [المائدة: 114]؛ ~~يعني: لأهل الحق { عيدا } [المائدة: 114]، ففرح بها { لأولنا ~~وآخرنا } [المائدة: 114]؛ أي: الأزل أنفاسنا وآخرها بالتصعد مع الله ~~وتهوي مع الله ففي صعود النفس مع الله يكون عبدا له وفي هوية مع الله ~~يكون عبدا له، وقال تعالى: { وآية منك } [المائدة: 114]؛ أي: تلك ~~المائدة تكون تجلي صفة من الصفات { وارزقنا } [المائدة: 114]، من ~~فضلك الخاص { وأنت خير الرازقين } [المائدة: 114]؛ لأن رزقك ~~الذي ترزق به خواص عبادك رزق منك ورزق غيرك لا يكون منه. # ثم قال الله تعالى: { قال الله إني منزلها عليكم } ~~[المائدة: 115]، يا أرباب الطلب مائدة الأسرار والحقائق { فمن يكفر ~~بعد منكم } [المائدة: 115]، بأن لا يقوم بحقها ولا يؤدي شكرها ~~ويجعلها شبكة يصطاد بها الحطام الدنيوي ويصرفها في تحصيل الشهوات ~~البهيمية والحيوانية { فإني أعذبه عذابا لا أعذبه ~~أحدا من العالمين } [المائدة: 115]، بأن أرده من مراتب ~~الروحاني إلى مهالك الحيواني، وهذا هو المنح الحقيقي وفيه إشارة أخرى إن ~~ذلك القوم من الحواريين الذين سألوا المائدة لما كان الإيمان تقليديا لا ~~تحقيقيا تنفعهم الآيات ولا المعجزات، ولما أراد الله تعالى أن يكشف عن ~~بعض حقائق الأمور الأخروية تبنها للخلق وجعل المائدة محك نقود جواهر ذلك ~~القوم، فلما كان الغالب عليهم حسه الحيواني وشهوته النفساني التمسوا ~~المائدة وضيعوا الفائدة، وأكلوا منها وأسرفوا وتصرفوا فيها؛ فخابوا فلما ~~أظهروا ما أظهروا من صفات الخنازير سلخ الله ms0523 تعالى صورة الإنساني عن ~~حقائق صفات الحيواني وألبسهم صورة من حقائق صفاتهم فمسخوا خنازير ليعتبر ~~الخلق ويتحقق لهم أن الناس يحشرون على صور صفاتهم التي ماتوا عليها. ### || [5.116-120] # ثم أخبر عن إظهار عزته مع خواصه وصفوته بقوله تعالى: { وإذ قال ~~الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين من دون الله } [المائدة: 116]، إشارة أن ~~الحكمة في الخطاب مع عيسى عليه السلام بقوله تعالى: أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله مع علمه بأنه لم يقل من وجوه: # أولها: لأن يستخرج منه قوله { قال سبحانك } [المائدة: 116]، وذلك ~~المعنيين أحدهما ليعلم أمته والناس أجمعون أن حضرة جلالته، وشدة كماله ~~أعظم وأعلى من أن يكون معه إله غيره. # والثاني: ليعلموا أن ليس لعيسى عليه السلام ولا أمه ولأحد من خلقه مرتبة ~~الألوهية ولهذا قال: { ما يكون لي أن أقول ما ليس لي ~~بحق } [المائدة: 116]؛ يعني: ليس لي استحقاق الإلهية ولكن كان حقيقة ~~مع الأمة؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يكلم الكفار يوم القيامة، ولا ينظر ~~إليهم فكلم عيسى عليه السلام بدلا عنهم وكان الكلام حقيقة معهم. # والوجه الثالث: أنه تعالى نفى بهذا القول عن عيسى عليه السلام تهمة هذا ~~المقام؛ لأنه ذكره بألف الاستفهام { أأنت قلت للناس } والإثبات ~~بعد الاستفهام نفي كما أن النفي بعد الاستفهام إثبات؛ كقوله تعالى: # ألست بربكم # [الأعراف: 172]؛ أي: أنا ربكم ونظيره في النفي والإثبات كقوله تعالى: # أإله مع الله # [النمل: 60]؛ أي: ليس مع الله إله فمعناه قلت أنت للناس: اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله، ولكنهم بجهلهم قد بالغوا في تعظيمك حتى طردك وجاوزا ~~حدك في المدح ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ". # والوجه الرابع: قوله تعالى: { أأنت قلت للناس } يشير به إلى ~~القول بأمر التكوين كقوله تعالى: # إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # [النحل: 40]، أانت خلقت فيهم اتخاذك وأمك بالإلهية أم أنا خلقت فيهم ~~خذلانا؛ لعلمي بحالهم إنهم يستحقون لهذا ms0524 الخذلان نظيره قوله تعالى: # ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون # [الواقعة: 64]، وقوله # ءأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون # [الواقعة: 59]، وهذا نفي الفعل التكوين عن المخلوقين وإثباته لرب ~~العالمين، كقوله تعالى: # هل من خالق غير الله # [فاطر: 3]، قال عيسى عليه السلام تعظيما لله تعالى: سبحانك ما يكون لي ~~أن أقول ما ليس لي بحق أن أقول هذا القول للتكوين { إن كنت قلته } ~~[المائدة: 116]؛ أي: هذا القول { فقد علمته } [المائدة: 116]؛ ~~لأني لا أقدر على هذا القول إلا بإذن توجده في وتكونه بقولك كن { ~~تعلم ما في نفسي } [المائدة: 116]، أوجدته وكونته وما ستوحده ~~فيها { ولا أعلم ما في نفسك } [المائدة: 116]، من صفاتك ~~القديمة بالذات كما هي، وتعلم ما في نفسي من العجز والضعف والحاجة، ولا ~~أعلم ما في نفسك من كمال القدرة والقوة والغنا { إنك أنت علام ~~الغيوب } [المائدة: 116]، وهي نوعين: الغيب، وغيب الغيب؛ فالغيب ما ~~غاب عن الخلق ولم يحتمل لهم أن يعلموه فهو حقيقة الذات وكمالية الصفات # قل لا يعلم من في السموت والأرض الغيب إلا ~~الله # [النمل: 65]، يشير إلى غيب الغيب؛ لأن ما سواه يعلمونه بإعلام الله ~~إياهم. # ثم قال: { ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به } [المائدة: ~~117]؛ أي: بأمر التكوين خلقت في حتى قلت لهم: { أن اعبدوا الله ~~ربي وربكم } [المائدة: 117]؛ يعني: لما أقررت بربوبيتك وعبودية ~~نفسي كيف أقول لهم اتخذوني وأمي إلهين من دون الله { وكنت عليهم ~~شهيدا ما دمت فيهم } [المائدة: 117]؛ أي: كنت شاهدا على ~~إقرارهم بوحدانيتك { فلما توفيتني كنت أنت الرقيب ~~عليهم } [المائدة: 117]؛ أي: كنت القادر على أن تحفظهم على التوحيد؛ ~~إذ كنت رقيبا والرقيب هو الحافظ، وكنت عليهم شهيدا وليس للشهيد إلا ~~الحضور والشهادة { وأنت على كل شيء شهيد } [المائدة: ~~117]؛ يعني: كما كنت شهيدا عليهم ما دمت فيهم كنت أيضا عليهم شهيدا، ~~فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم والشهيد وما كنت شهيدا ولا رقيبا. # وكان لك القدرة على محافظتهم على التوحيد وكنت عاجزا عن محافظتهم في ~~الحياة والوفاة { إن تعذبهم } [المائدة: 118]، بسبب التوحيد عنهم ~~وإيجاد الشرك فيهم ms0525 { فإنهم عبادك } [المائدة: 118]؛ يعني: إني ~~اشهد لهم إنهم عبدوك يوما ما لأني شهيد ليس علي إلا الشهادة كما قال ~~تعالى: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد # [النساء: 41]، { وإن تغفر لهم } [المائدة: 118]، بأنهم عبدوك ~~يوما، وما كان لهم الخيرة أن تسلب عنهم التوحيد { فإنك أنت ~~العزيز } [المائدة: 118]، تعز بعزتك من تشاء ليس لأحد أن يعترض على ~~ما تشاء ويمنعك عما تشاء { الحكيم } [المائدة: 118]، في كل حال أن ~~تعذبهم فلا يخلو على حكمة وإن تغفر لهم فلا يخلو عن حكمة. # ثم أخبر عن صدق قول عيسى عليه السلام ونفع صدقه بقوله تعالى: { قال ~~الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } [المائدة: ~~119]، إلى آخر السورة، والإشارة فيها أن الله تعالى إنما خص يوم القيامة ~~بنفع الصادقين؛ لأن الصدق يحتمل في الدنيا النفع والضر للصادق مثل أن ~~يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر من صدقه؛ فتصيبه منه مضرة في نفسه وماله أو ~~جاهه، ولعله ينال من ثمرة الصدق قبولا وجاها ومالا وملكا يشغله عن ~~الله تعالى فيضره وربما يكون الصادق صدق في طلب الحق في الدنيا، ثم يضر ~~عنه ولم يبق له ذلك الصدق، فأشار بقوله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم إلى ~~الذين ماتوا على الصدق ووردوا القيامة مع صدقهم. # ثم أخبر عن نفع صدقهم بقوله تعالى: { لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا } [المائدة: 119]، وهذا ~~الجزاء للصادقين فوز كبير كقوله تعالى: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز # [آل عمران: 185]، فهو قوله تعالى: { رضي الله عنهم ورضوا ~~عنه } [المائدة: 119]؛ أي: رضا الله عن الصادقين إذا ثبتوا على قدم ~~الصدق في طلب الحق بعلو الهمة، وتقربوا إلى الله تعالى بأداء الفرائض، ~~والإقدام على النوافل في اتباع الحبيب صلى الله عليه وسلم حتى أحبهم ~~الله، فكان له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا به يسمعون وبه يبصرون ~~وبه يبطشون، فرضوا عنه به وفنوا عن وجودهم المجازي وإبقائهم بوجوده ~~الحقيقي، وهذا هو الحكمة في إيجاد العالم بما فيه؛ ليكون هؤلاء السادة ~~ثمار شجرة ويفوزوا ms0526 بظهور الكنز المخفي الذي خلق الخلق لمعرفته، كما قاله ~~تعالى: # " كنت كنزا مخفيا... الحديث " # { ذلك الفوز العظيم } [المائدة: 119]، والله أعلم. # ثم أخبر عن فناء وجودهم المجازي بقوله تعالى: { لله ملك ~~السموت والأرض وما فيهن } [المائدة: 120]، كما أخبر عنه ~~بعد فناء العالم بمن فيه بقوله: # لمن الملك اليوم # [غافر: 16]، فلما لم يكن موجود يجيبه سوى وجوده الحقيقي الأزلي الأبدي، ~~فأجاب نفسه فقال: # لله الواحد القهار # [غافر: 16]، ثم قال تعالى: { وهو على كل شيء قدير } ~~[المائدة: 120]؛ يعني: على كل شيء قدير في الأزل من الإنسان وفوزه بظهور ~~الكنز المخفي بأن خلق العالم وما فيه؛ لأجله كان قادرا فخلقه كما أراد ~~وإثمه على ما أراد كيف أراد والله ولي التوفيق. ### | [6 - سورة الأنعام] ### || [6.1-5] # { الحمد لله الذي خلق السموت والأرض } ~~[الأنعام: 1]، الإشارة فيها أن الله تعالى ذكر الحمد بالألف واللام وهي ~~لاستغراق الجنس، وفي قوله تعالى: { لله } لام التمليك يعني: في حمد ~~يحمده أهل السماوات والأرض في الدنيا والآخرة ملك له، وهو الذي أعطاهم ~~استعداد الحمد يحمده بآثار قدرته على قدر استعدادهم واستطاعتهم؛ فأين ~~المحامد للجن والإنس متسعات لحد جناب القدس؟! بل هو حمد نفسه القديم ~~الأزلي، وقال: " الحمد لله حمد الخلق له مخلوق " ، فإن حمده لنفسه قديم ~~باق، ثم عرف نفسه بصنعته، فقال: { الحمد لله الذي خلق ~~السموت والأرض }؛ أي: سماوات القلوب في أرض النفوس وجعل ~~الظلمات في النفوس، وهي صفاتها البهيمية والحيوانية وأخلاقها السبعية ~~والشيطانية والنور في القلوب، وهي صفاتها الروحانية الباقية، وإنما ذكر ~~بلفظ الجعل؛ لأن النور والظلمة من عالم المعاني وهو عالم الأمر كقوله ~~تعالى: # والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره # [الأعراف: 54]، ألا له الخلق والأمر فالسماوات والأرض من عالم الصورة ~~ذكرها بلفظ الخلق كقوله تعالى: { خلق السموت والأرض } ~~والنور والظلمة من عالم المعنى ذكره بلفظ الجعل. # وقال: { وجعل الظلمت والنور } [الأنعام: 1]، كما أنه ~~تعالى مهما ذكر آدم وأخبر عن معناه ذكره بلفظ الجعل، كقوله تعالى: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة: 30]، فهذا هو الفرق بين الجعل والخلق فمن غلب ms0527 عليه النور، فهو ~~صفة الملكية الروحانية يميل إلى عبودية الخلق تعالى ويقبل دعوة الأنبياء ~~- عليهم السلام - ويؤمن بالله ورسله ويتحلى بحلية الشريعة، فإن الله ~~تعالى يكون وليه فيخرج من ظلمات صفات الخلقية الحيوانية إلى صفات الملكية ~~الروحانية، كقوله تعالى: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # [البقرة: 257]، ومن غلبت عليه ظلمات البشرية الحيوانية واتبع طاغوت ~~الهوى واستلذ بشهوات الدنيا، فالطاغوت يكون وليه فيخرجه من نور الروحانية ~~إلى ظلمات الصفات الحيوانية، كقوله تعالى: # والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم ~~من النور إلى الظلمات # [البقرة: 257]، فهذا معنى قوله تعالى: { ثم الذين كفروا ~~بربهم يعدلون } [الأنعام: 1]؛ يعني: بعد أن خلق سماوات القلوب ~~وأرض النفوس، وجعل فيهن الظلمات النفسانية والنور الروحاني مالت نفوس ~~الكفار بغلبات صفاتها إلى طاغوت الهوى تعبدوه وجعلوه عديلا لربهم. # ثم أخبر عن الهوية بهويته بقوله تعالى: { هو الذي خلقكم من ~~طين } [الأنعام: 2]، الإشارة فيها أنه تعالى يعرف نفسه سبحانه بإظهار ~~كمال قدرته على أن يخلق من الطين بشرا وأولادا، كما قال تعالى: { هو ~~الذي خلقكم من طين } ، فيسويه بحكمته قابلا لفتح الروح ~~الخاص منه فيه يستحق سجود الملائكة، كقوله تعالى: # إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت ~~فيه من روحي فقعوا له ساجدين # [ص: 71-72]، { ثم قضى أجلا } [الأنعام: 2]؛ يعني: الروح ~~المفارق عن مكثه قضي إجلالا لأيام فراقه عن الحضرة وبعده عن وطن ~~الحقيقي { وأجل مسمى عنده } [الأنعام: 2]، وهو أجل الوصلة ~~بعد الغرقة في مقام العندية، كقوله تعالى: # في مقعد صدق عند مليك مقتدر # [القمر: 55]، فلأجل الفرقة مدى ومنتهى ولأجل الوصلة لا مدى ولا منتهى ~~وإنما قال تعالى مسمى لأن وقت الوصلة مسمى عنده، وهو حين يجذب إليه بجذبة # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28]، فلأيام الوصلة ابتداء، وهو حين تطلع شمس التوحيد عن شرق ~~القلوب إلى أن تبلغ حق شراء الوحدة، ثم شروق فلا غروب لها { ثم ~~أنتم تمترون } [الأنعام: 2]، يا أهل الوصلة كما يمترون أهل ~~الفرقة هذا محال جدا. # ثم أخبر عن مرام وجههم بقوله تعالى: { وهو الله ms0528 في السموت ~~وفي الأرض } [الأنعام: 3]، إلى قوله: { يستهزءون } [الأنعام: ~~5]، والإشارة فيها أنه هو الله في سماوات القلوب وفي أرض النفوس { ~~يعلم سركم } [الأنعام: 3]، الذي أودع فيكم وهو سر الخلافة الذي ~~اختص به الإنسان لقبول الفيض الإلهي { وجهركم } [الأنعام: 3]؛ أي: ~~ما هو ظاهر منكم من الصفات الحيوانية والأخلاق النفسانية { ويعلم ~~ما تكسبون } [الأنعام: 3]، باستعمال الاستعداد السر والجهر ~~والمأمورات والمنهيات من الخير والشر، وقد خص الإنسان بهذا الكسب أيضا ~~من الملك والحيوان، فإن الملك لا يقدر أن يكسب من الصفات الحيوانية ~~شيئا، ولا الحيوان قادر على أن يكسب من الصفات الملكية شيئا والإنسان ~~متصرف في هاتين الصفتين، وله اكتساب التخلق بأخلاق الله، بالتقرب إلى ~~الله بأداء ما فرض عليه والتزام النوافل واجتناب النواهي إلى أن يصير خير ~~البرية، وأيضا أن يكتب من الشر ما يصير به شر البرية، فيكون من أحواله ~~ما أخبر عنه. # وقال تعالى: { وما تأتيهم من آية من آيت ربهم } ~~[الأنعام: 4]، في الآفاق وفي أنفسهم من المعجزات والكرامات والإلهامات { ~~إلا كانوا عنها معرضين } [الأنعام: 4]، وذلك لإقبالهم على ~~الدنيا وزينتها وشهواتها، فصاروا كأنعام فكسبوا ما صاروا به من جملته بل ~~هم أضل، وذلك لأن لأنعام ما كذبوا بالحق وأنهم { فقد كذبوا ~~بالحق لما جآءهم } [الأنعام: 5]، فتكذيب الحق صاروا أضل من ~~الأنعام { فسوف يأتيهم } [الأنعام: 5]، في الدنيا والآخرة { ~~أنباء ما كانوا به يستهزءون } [الأنعام: 5]، أما في ~~الدنيا فقد استهزءوا بأقوال الأنبياء والأولياء وأحوالهم يعميهم الله، ~~ويعمي أبصارهم فلا يهتدون إلى الحق ولا إلى حقيقته سبيلا، وأما في ~~الآخرة فيعذبهم بعذاب القطيعة والبعد والحرمان والخلود في النيران. ### || [6.6-11] # ثم أخبر عن أحوال أمثالهم بقوله تعالى: { ألم يروا كم ~~أهلكنا من قبلهم من قرن } [الأنعام: 6]، والإشارة فيها أن ~~المكذبين والمستهزئين بأرباب الطلب وأهل الحق ألم يروا كم أهلكنا أرواح ~~المكذبين والمستهزئين من قبلهم من قرن لشؤم ذنوبهم واستهزائهم { ~~مكنهم في الأرض } [الأنعام: 6]، في طلب الحق وقهر النفس ~~ونهي الهوى، وترك الدنيا وإقامة الطاعات وإدامة الخيرات { ما لم ~~نمكن لكم } [الأنعام: 6]، أيها المكذبون منها ms0529 شيئا { ~~وأرسلنا السمآء } [الأنعام: 6]؛ أي: مطر الواردات من سماء ~~القلوب { عليهم مدرارا } [الأنعام: 6]، متواليا متعاقبا { ~~وجعلنا الأنهار } [الأنعام: 6]؛ أي: مياه الحكمة { تجري من ~~تحتهم } [الأنعام: 6]؛ أي: من تحت نظرهم، { فأهلكنهم } ~~[الأنعام: 6] مع هذه المقدمات { بذنوبهم } [الأنعام: 6]؛ أي: ~~أهلكنا أرواحهم بعد أن تمكنوا من أموالنا واستغنوا بزاهد نوالنا، فوطنوا ~~على كواذب المنى قلوبهم وطلبوا من الدنيا محبوبهم، ففتحنا عليهم من مكامن ~~التقدير بسوء التدبير فشربوا من كؤوس الذنوب سموم القلوب، فإن الذنوب ~~سمومها كما أن الطاعات له حباتها { وأنشأنا من بعدهم } ~~[الأنعام: 6]؛ أي: من بعد إعراضهم عن الحق وإتباعهم الهوى وهلاك أرواحهم ~~بطلب الدنيا واستيفاء لذاتها وشهواتها { قرنا آخرين } [الأنعام: ~~6]، من الطلاب الصادقين المخلصين التائبين المستقيمين في الطلب. # ثم أخبر عن حرمان أهل الخذلان بقوله تعالى: { ولو نزلنا ~~عليك كتبا في قرطاس } [الأنعام: 7]؛ أي: قوله: { ما ~~يلبسون } الإشارة فيها أن من أعرض عن الحق، وأقبل على الدنيا ~~وشهواتها يعمى له قلبه فلا يشاهد الآيات، وإن جعلته في كسوة الصورة، قال ~~تعالى: { ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس فلمسوه ~~بأيديهم لقال الذين كفروا } [الأنعام: 7]، بالإعراض عن ~~الحق { إن هذآ إلا سحر مبين } [الأنعام: 7]؛ لأن الله ~~تعالى قد أعمى أبصارهم التي يبصرون الحق بها فما ازدادوا من ظهور الآيات ~~إلا تماديا في الباطل وإنكارا على الحق، { وقالوا لولا أنزل ~~عليه ملك } [الأنعام: 8]، وهذا الاعتراض من نتائج الإعراض وما ~~تغني الشرح عن عمى بعد البصيرة { ولو أنزلنا ملكا لقضي ~~الأمر } [الأنعام: 8] أي: لقضي أمر النبوة بين الإنسان والملك وآل ~~أمرها إلى الملك وليست النبوة من شأنه، وإنما خص بها الإنسان. # ولهذا قال: { ولو جعلنه ملكا } [الأنعام: 9]، يخاطبكم ~~وتخاطبونه، { لجعلنه رجلا } [الأنعام: 9]، لاحتياج أن لبسه ~~لباس البشرية حتى تسمعوا خطابه وكلامه، وهو يكون واقفا على ابتلاء ~~الإنسان من أحوال البشرية، فيكلمهم من حيث ما هم عليه ويعالجهم بما يرى ~~في صلاح حالهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم كالطيب، فينبغي أن يكون من ~~جنس من يعالجه، كما قال تعالى: # ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان ms0530 قومه ليبين ~~لهم # [إبراهيم: 4]، وقد من الله تعالى على الخلق بأن جعل رسولهم من جنسهم، ~~فقال تعالى: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم # [التوبة: 128]، ثم قال: { وللبسنا عليهم ما يلبسون } ~~[الأنعام: 9] يعني: إلينا الهداية والضلالة من لم تقدس سره لبس عليه ~~أمره، فلا تغني الحجج إلى الأبد عمن عدم عناية الأزل. # ثم أخبر عن عاقبة أهل الاستهزاء والتكذيب بقوله تعالى: { ولقد ~~استهزىء برسل من قبلك } [الأنعام: 10]، الآيتين والإشارة ~~فيهما أن الاستهزاء من نسيم النفوس المتمرد بأرباب الدين من الأنبياء ~~والأولياء في كل زمان وحين، كما قال تعالى لحبيبه ونبيه صلى الله عليه ~~وسلم: # ولقد استهزئ برسل من قبلك # [الرعد: 32]، وذلك من عزة الدين وكمالية أرباب ولهوان الهوى ونقصانه ~~أصحابه، فإن قطرة من الهوى تكدر بحرا من الصفاء فمن غلب عليه الهوى ~~يستغرق في بحر الدنيا، فيعمى عن العواقب والعقبى، فلا يؤثر فيه كلام ~~الأنبياء والأولياء ولا يزدادون منه إلا الطغيان والنقمة والاستهزاء. # { فحاق بالذين سخروا منهم } [الأنعام: 10]؛ أي: أحاط ~~بقلوبهم { ما كانوا به يستهزءون } [الأنعام: 10]، من ظلمة ~~الهوى وكدورته فبقيت محجوبة عن الله تعالى ومعرفته { قل سيروا في ~~الأرض } [الأنعام: 11]، في أرض النفوس سير القدم التقوى ومخالفة الهوى ~~إلى أن تبلغوا سواحل بحار القلوب، { ثم انظروا } [الأنعام: 11]، ~~بأنوار الله المودعة فيها؛ لتشاهدوا وتعاينوا { كيف كان عقبة ~~المكذبين } [الأنعام: 11]، بالدين وأحوال أربابه، وهلكوا في بوادي ~~القطيعة؛ إذ سافروا على أقدام الطبيعة. ### || [6.12-16] # ثم أخبر عن الهالكين في الغفلة وكمال الرحمة بقوله تعالى: { قل لمن ~~ما في السموت والأرض قل لله } [الأنعام: 12]، والإشارة ~~فيهما أن ما في الكون سوى الله لا داع ولا مجيب، قل: " أنت " يا محمد ~~[لأنك] لا بك؛ بل بتكوني إياك، وناد لمن في السماوات والأرض؛ فلا تجد على ~~الحقيقة مجيبا مكونا من غير تكويني إياه، فقل: " أنت " يا محمد [لأنك] ~~لا بك؛ بل بتكوني القول فيك الله؛ أي: لله ما في السماوات والأرض حلقا ~~وملكا ووجودا وعدما وإيجادا واعدا، فهو الأول الكون والآخر والظاهر ~~والباطن { كتب } [الأنعام: 12]، في أزليته ms0531 { على } [الأنعام: 12]، ~~ذمة كرم { نفسه } [الأنعام: 12]، وحقيقة هيئته { الرحمة } ~~[الأنعام: 12]، بخلقه ومكوناته { ليجمعنكم } [الأنعام: 12]، ~~بالإيجاد لإظهار الرحمة في الوجود المجازي { إلى يوم القيمة ~~} [الأنعام: 12]، الذي { لا ريب فيه } [الأنعام: 12]، وهو يوم ظهور ~~آثار الصفة القهارية لا يبقى فيه إلا الوجود الحقيقي، فأنادي بعزتي ~~ولعظمتي # لمن الملك اليوم # [غافر: 16]، فلا يكون مجيبا لا في الصورة ولا في المعنى غير واحديتي، ~~فأجيب لذاتي بذاتي # لله الواحد القهار # [غافر: 16]. # ففي ذلك اليوم { الذين خسروا أنفسهم } [الأنعام: 12]؛ ~~أي: أفسدوا استعدادات أنفسهم لقبول الكمال في الدنيا، وذاقوا ألم خسرانهم ~~في نقصانهم، ووجدوا عقوبة حرمانهم وخسرة خذلانهم { فهم لا ~~يؤمنون } [الأنعام: 12]، بعد { و } قد شاهدوا على الحقيقة وعاينوا ~~أن { له ما سكن في الليل والنهار } [الأنعام: 13]؛ أي: ~~من سكن في ليل البشرية إلى التمتعات الحيوانية، ومن سكن في نهار ~~الروحانية إلى المواهب الربانية؛ كانوا ملكا له يظهر عليهم آثار صفات ~~قهره ولطفه؛ فالمعنى: فإنهم يؤمنون ولكن يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم ~~تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، ويظهر لهم في ذلك اليوم أن ~~الله { وهو السميع } [الأنعام: 13]؛ أي: كان سميعا لما يسخرون من ~~الأنبياء والأولياء ويطعنون فيهم ويكذبونهم { العليم } [الأنعام: ~~13]، بما كانوا يعمرون ولا يظهرون من حيث عقائدهم، فجازهم به وهو السميع ~~ثناؤه من سكن إليه العليم تعلق من اشتياق إليه. # ثم أخبر عن امتناع النبي من اتخاذ غير الله الولي بقوله تعالى: { قل ~~أغير الله أتخذ وليا } [الأنعام: 14]، إلى قوله: { ~~وذلك الفوز المبين } [الأنعام: 16]، والإشارة فيها: أن قل ~~أغير الله اتخذ اليوم وليا؟! وقد اتخذني الله في أزليته حبيبا كما قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ". # { فاطر السموت والأرض } [الأنعام: 14] أي: فاطر سماوات ~~القلوب على محبته، وفاطر أرض النفوس على عبوديته { وهو يطعم } ~~[الأنعام: 14]، أرواح العارفين من طعام المشاهدات، وليسقيهم شربات ~~المكاشفات كقوله صلى الله عليه وسلم: # " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " # ، { ولا يطعم } [الأنعام: 14]، غيره هذا الطعام والشراب { قل ~~إني أمرت } [الأنعام: 14]، في ms0532 الأزل وخصصت { أن أكون ~~أول من أسلم } [الأنعام: 14]؛ أي: أخلص عن جنس الوجود وما خلص ~~عنه غيره بالكلية، ولهذا يقول الأنبياء: نفسي نفسي، وهو يقول: أمتي أمتي، ~~وخاطبني بخطاب التكوين، وقال في الأزل: { ولا تكونن من ~~المشركين } [الأنعام: 14]، فما كنت من المشركين في أيام النبوة. # { قل إني أخاف إن عصيت ربي } [الأنعام: 15]، برؤية ~~الضر والتفاته { عذاب يوم عظيم } [الأنعام: 15]، فهو يوم الشرك ~~والعذاب العظيم، كما قال تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]، وعذاب الشرك أن نزل قدمه عن مقام الوحدة { من يصرف ~~عنه } [الأنعام: 16]، عذاب الشرك { يومئذ } [الأنعام: 16]، يوما ~~قدر فيه الشرك لأقوام { فقد رحمه } [الأنعام: 16] أي: نظر إليه ~~بالرحمة فيرحمه وعافاه عن الشرك، كما قال لحبيبه يومئذ: و { ولا ~~تكونن من المشركين } ، فما كان { وذلك الفوز ~~المبين } [الأنعام: 16]، لمن نجاه من الشرك وألزمه التوحيد. ### || [6.17-21] # ثم أخبر عن ضرر الشرك وخير التوحيد أنهما إليه وبه بقوله تعالى: { وإن ~~يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو } [الأنعام: ~~17]، الآيتان والإشارة فيهما أن تعلم أن المقدر هو المدبر، ولا ينجيك من ~~البلاء إلا من يعنيك في العناء، وإن تعلم أن دائرة أزليته متصلة بأبديته، ~~وإن كل نقطة من الدائرة تصلح أن تكون مبدأ الدائرة وأولها، ومنتهى ~~الدائرة وآخرها، فكل آن من آن أزليته وأبديته يصلح أن يكون أزلا وأبدا، ~~فبهذا يتحقق قوله تعالى: { وإن يمسسك الله بضر } [الأنعام: ~~17]؛ أي: يصيبك بقهر من الإبعاد ويبتليك بالإشراك والإضلال في البداية من ~~حرمان النور المرشش على الأرواح. # { فلا كاشف له إلا هو } [الأنعام: 17]، في النهاية { وإن ~~يمسسك بخير } [الأنعام: 17]؛ أي: يصيبك بلطف من إصابة النور ~~المرشش في البداية والنهاية، أو فيما بينهما ويهديك إلى الصراط المستقيم ~~الذي هو صراط الله، { فهو على كل شيء قدير } [الأنعام: ~~17]، أزلا وأبدا. # { وهو القاهر فوق عباده } [الأنعام: 18] في الأزل، ~~فبالقهر أخرجهم من مكامن العدم إلا أنه سبحانه وتعالى يقهر هذه الحالة ~~ويبدل العدم بالوجود، وقد عم قهره جميع عباده، فقهر الكفار بموت القلوب ~~وحياة النفوس إذ أخطأهم النور ms0533 المرشش على الأرواح في بدء الخلقة، فضلوا ~~في ظلمات الطبيعة وما اهتدوا إلى نور الشريعة، وقهر نفوس المؤمنين بأنوار ~~الشريعة؛ فأخرجهم عن ظلمات الطبيعة بالقيام على طاعته وقهر قلوب المحبين ~~في بلوغات الاشتياق، فأسنها بلطف مشاهدته وقهر أرواح الصديقين بسطوات ~~تجلي صفات جماله، وقهر أسرار الواصلين بسطوات بها صفات جلاله، وبالجملة ~~لا ترى شيئا سواه، إلا وهو مقهور تحت أعلام عزته وذليل في ميادين صمديته ~~{ وهو الحكيم } [الأنعام: 18]، فيما يقهر فلا يخلو عن حكمته بالعز ~~{ الخبير } [الأنعام: 18]، بما يصلح للطعن وقهره، فالقهر بما قهره ~~أولى، واللطف بما لطفه به أخرى. # ثم أخبر عن أكبر الشهادة لأهل السعادة بقوله تعالى: { قل أي شيء ~~أكبر شهدة قل الله } [الأنعام: 19]، والإشارة فيها أن الله ~~تعالى أراد أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عقول مشركي أهل مكة بطريق ~~السؤال عنهم في معرفة الله تعالى وجهلهم به، فأخبرهم بالسؤال، وقال: قل ~~أي شيء أكبر شهادة، فمن كان التوفيق رفيقه يعلم أن شهادة الله أكبر من ~~شهادة الخلق، وعلومهم لا تحيط بحقائق الأشياء كلها، والحق سبحانه هو الذي ~~يحيط علمه بجميع حقائق الأشياء؛ لا سيما بحقيقة وحدانيته فيؤمن بالله ~~وحده ولا يشرك به أحدا، ومن أوبقه الخذلان وعوقه الخسران يعرف الله ~~ويقول: هو أكبر شهادة أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم قل الله قل ~~هو الله الذي أكبر شهادة من كل شيء وهو { شهيد بيني وبينكم } ~~[الأنعام: 19]، لعلهم ينتهون، ويعرفون الله بتعريفه إياهم ويؤمنون به. # ثم قال { وأوحي إلي هذا القرآن } [الأنعام: 19] أي: قل ~~يا محمد وأوحي إلى هذا القرآن وهو معجز من أعظم المعجزات وهو الجوامع ~~الكلم التي أويتها { لأنذركم به } [الأنعام: 19]، وأنبئكم بآياته ~~وحقائقه وإعجازه لما فيه من أخبار الأمم السالفة، ولما فيه من الأعلام ~~لما سيكون فكان مثل ما قال: # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67] أي: من أن يقتلوك، فكان النبي صلى الله عليه وسلم معصوما ~~منهم. # وقال تعالى: # ليظهره على الدين كله # [التوبة: 33]، فأظهر الله تعالى دين الإسلام على ms0534 سائر الأديان بالحجة ~~القاطعة وغلبة المسلمين على أكثر أقطار الأرض، وقال تعالى في اليهود ~~وكانوا في وقت مبعثه أعز قوم وأمنعهم: # وضربت عليهم الذلة والمسكنة # [البقرة: 61]، فهم أذلاء إلى يوم القيامة، وأتى في القرآن بما كان وبما ~~يكون وأوتي به مؤلفا تأليفا لم يقدر أحد من العرب أن يأتي بسورة مثله، ~~وهم في الوقت الذي قيل لهم: ائتوا بسورة خطباء بلغاء شعراء لم يكن عندهم ~~شيء إلا وجد من الكلام المنثور والموزون، فعجزوا عن ذلك فهذا كله حجة ~~الله على من أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم { ومن بلغ } ~~[الأنعام: 19]، بلغت نبوته ودعوته في حال حياته وبعد وفاته، وفيه إشارة ~~أخرى: وهي لا تدرككم به ومن بلغه القرآن أعني وقف على حقائقه أيضا ~~ينذركم به متابعة لي، ويقول: بعد وفاتي بظهور ما أخبر القرآن بظهوره بعدي ~~مع اليهود والنصارى وسائر المشركين { أئنكم لتشهدون أن ~~مع الله ءالهة أخرى } [الأنعام: 19]، بعد ظهور الإسلام على ~~الأديان كلها، وبعد أن بلغ ملك هذه الأمة من الشرق إلى الغرب. # كما أخبر صلى الله عليه وسلم قال: # " زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن ~~أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها " # ، فأي دليل أقوى وأظهر من هذا، كما قيل: إذا طلع الصباح استغني عن ~~المصباح، ثم قال تعالى: { قل لا أشهد } [الأنعام: 19]؛ يعني: فإن ~~أصمهم الله وأعمى أبصارهم حتى لا ينتبهوا عن نومه الغفلات ولا يسمع هذه ~~التقريرات، ولا يبصروا هذه المشاهدات والمعاينات، وهم يشهدون آلهة أخرى ~~في الظواهر من الأوثان، وفي الباطن من الهوى والدنيا ويعبد بها من دون ~~الله { قل } [الأنعام: 19]، أنت يا محمد لا أشهد ما لا أشهد ما تشهدون ~~لأني أشاهد من شهود الحق ما لا تشاهدون { إنما هو إله واحد ~~} [الأنعام: 19]، وقد شاهدت وحدانيته بوحدته { وإنني بريء ~~مما تشركون } [الأنعام: 19]، من الاثنينية التي أوبقتكم من ~~الشرك. # ثم أخبر عن أهل المعرفة وذكر أهل النكرة بقوله تعالى: { الذين ~~آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم ~~} [الأنعام: 20]، إلى قوله: # ما كانوا يفترون ms0535 # [الأنعام: 24]، الإشارة فيها أن الله تعالى ميز أهل المعرفة من أهل ~~النكرة، إذ قال بعد قوله: { أئنكم لتشهدون أن مع ~~الله ءالهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو ~~إله واحد وإنني بريء مما تشركون } [الأنعام: ~~19]. # { الذين آتيناهم الكتاب } [الأنعام: 20] أي: فهمت قلوبهم ~~حقائق الكتاب حتى تنورت بأنوارها فهم من ذلك يعرفونه؛ أي: يعرفون الله ~~أنه إله واحد لا شريك له، ويجوز أن الهاء في قوله: يعرفونه عائدة إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم نور كقوله تعالى: # قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين # [المائدة: 15]، فالنور هو محمد صلى الله عليه وسلم، والنور لا يدرك ولا ~~يعرف إلا بالنور، فإن الكفار من أهل الكتاب فلما كانوا أصحاب الظلمة ما ~~عرفوا الله ولا رسوله، كقوله تعالى: # وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ~~فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به # [البقرة: 89]، وفي قوله تعالى: # يعرفونه كما يعرفون أبناءهم # [البقرة: 146]، إشارة إلى أن الآباء قد تحقق عندهم أنهم مصادر الأبناء ~~ومبدأ وجود الأبناء منهم، فكذلك أهل المعرفة قد تحقق عندهم أن الله تعالى ~~مصدرهم ومبدأ وجودهم منه تبارك وتعالى، وهو إله واحد لا شريك له ولكن { ~~الذين خسروا أنفسهم } [الأنعام: 20]، بإفساد استعداد فطرة ~~الله التي فطر الناس عليها، وهو قبول نور الإيمان أفسدوه بانهماكهم في ~~الشهوات الحيوانية ومتابعة الهوى { فهم لا يؤمنون } [الأنعام: ~~20]، بأن الله إله واحد؛ لأنهم من نور الإيمان بمعزل. # { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } [الأنعام: ~~21]، بأن يفسد استعداده الفطري فيضع الآلهة من الهوى والدنيا موضع إله ~~واحد { أو كذب بآيته } [الأنعام: 21]، إذ يراها فلا يعرفها من ~~عمى القلب { إنه لا يفلح الظلمون } [الأنعام: 21]، من ~~عمائهم؛ لأن من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا. ### || [6.22-27] # { ويوم نحشرهم جميعا } [الأنعام: 22]، أهل المعرفة وأهل ~~النكرة { ثم نقول للذين أشركوا } ، من أهل الكفرة { ~~ثم نقول للذين أشركوا } [الأنعام: 22]، من أهل النكرة { ~~أين شركآؤكم الذين كنتم تزعمون } [الأنعام: 22]، من ~~الهوى والدنيا إذا اتخذتموها شركاء الله { ثم لم تكن ~~فتنتهم ms0536 } [الأنعام: 23]؛ أي: كان لم يكن من نتائج ابتلائهم بعمى ~~القلوب { إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ~~} [الأنعام: 23]، إلا أن حلفوا بالله كذبا وما علموا أن الله يعلم كذبهم ~~{ انظر كيف كذبوا على أنفسهم } [الأنعام: 24]؛ يعني: ~~يوم القيامة إذا فسدوا استعدادهم في الدنيا، وحصلوا العمى حتى كذبوا في ~~الآخرة وما رأوا أن الله برأ كذبهم، ومن ضلالتهم الزائدة العمى. # قوله تعالى: { وضل عنهم ما كانوا يفترون } [الأنعام: ~~24]؛ يعني: في الدنيا يقولون أن هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فيقولون في ~~الآخرة: ما كنا مشركين. # ثم أخبر عن كمال إفساد استعدادهم بقوله تعالى: { ومنهم من ~~يستمع إليك } [الأنعام: 25]، الآيتان الإشارة فيهما أن مكافأة ~~من يستمع إلى كلام الله تعالى وإلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم وإلى ~~كلمات أرباب الحقائق بالإنكار، ويأخذ عليها ويطعن فيها أن يجعل الله ~~تعالى حجابا على قلوبهم وسمعهم حتى لا يوصل إليهم أنوارها، ولا يجدون ~~حلاوتها ولا يفقهون حقائقها، كما قال الله تعالى: { ومنهم من ~~يستمع إليك } [الأنعام: 25] إنكارا واختيارا { وجعلنا ~~على قلوبهم } [الأنعام: 25]، من شؤم إنكارهم { أكنة } ~~[الأنعام: 25]؛ حجابا من عين الإنكار { أن يفقهوه } [الأنعام: ~~25]، أنه حق { وفي ءاذانهم وقرا } [الأنعام: 25]، من فساد ~~الاستعداد الفطري. { وإن يروا كل ءاية } [الأنعام: 25] بعين ~~الظاهر { لا يؤمنوا بها } [الأنعام: 25]، من عمى القلوب وإعواز ~~نور الإيمان فيها { حتى إذا جآءوك } [الأنعام: 25]، من عمى ~~قلوبهم { يجدلونك } [الأنعام: 25] بالباطن نفى الحق { يقول ~~الذين كفروا } [الأنعام: 25]، مستردا قلوبهم يحجب الإنكار { ~~إن هذآ إلا أسطير الأولين } [الأنعام: 25] من مقامات ~~المتقدمين { وهم ينهون عنه } [الأنعام: 26]، يعني: أهل ~~الإنكار ينهون الطلاب، وأهل الإرادة عن الطلب واستماع كلام القوم { ~~وينأون عنه } [الأنعام: 26]؛ أي: يتباعدون عن الحق وطلبه؛ خوفا ~~عن خلل في دنياهم { وإن يهلكون } [الأنعام: 26]، بتنفير الخلق عن ~~الحق وتباعدهم عنه { إلا أنفسهم } [الأنعام: 26]؛ لأن التباعد عن ~~أهل الحق وتنفير الخلق عنهم هو البعد عنه، وهذا هو الهلاك والضلال المبين ~~{ وما يشعرون } [الأنعام: 26]، أنهم مهلكون؛ لأنهم # صم بكم عمي فهم لا يعقلون # [البقرة: 171]. # ثم أخبر عن أحوال ms0537 أهل الأهوال بقوله تعالى: { ولو ترى إذ ~~وقفوا على النار } [الأنعام: 27]، إلى قوله: # وما نحن بمبعوثين # [الأنعام: 29]، الإشارة فيها أن من غاية فساد الاستعداد الفطري أن ~~الأرواح الشقية بعد مفارقة عالم الصورة إذ وقفوا على النار وحقيقتها ~~وذاقوا ألم عذاب القطيعة بعد الخلاص وحبس الطبيعة { فقالوا ~~يليتنا نرد } [الأنعام: 27]، إلى عالم الصورة إلى الاستعداد ~~الفطري { و } [الأنعام: 27]، يا ليتنا لما رددنا كنا { لا نكذب ~~بآيت ربنا } مرة أخرى { و } [الأنعام: 27]، يا ليتنا أنا { ~~نكون من المؤمنين } ، لا من الكافرين. ### || [6.28-32] # فأخبر الله أنه لا ينفعهم التمني بعد فوات الفرصة وإفساد الاستعداد، ~~وقال تعالى: { بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } ~~[الأنعام: 28]؛ أي: ظهر لهم الشقاوة المتمكنة التي كتب لهم وكانوا يسترون ~~آثارها في عالم الصورة بلباس البشرية، ويسترونها بالتكليف من قبل تجرؤهم ~~عن كسوة الصورة { ولو ردوا } [الأنعام: 28]، إلى عالم الصورة { ~~لعادوا لما نهوا } [الأنعام: 28]؛ أي: إلا ما نهوا { عنه } ~~[الأنعام: 28]، من اتباع الهوى واتخاذه إلها مرة أخرى لفاسد الاستعداد ~~وردوا إلى الاستعداد الفطري الذين جلبوا عليه يستعملونه مرة أخرى في ~~الأعمال والأخلاق التي هي أسباب تحصيل الشقاوة { وإنهم ~~لكاذبون } [الأنعام: 28]، فيما يدعون لأنهم خلقوا مستعدين للكذب لا ~~للصدق # سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة ~~الله تبديلا # [الفتح: 23]، { وقالوا } [الأنعام: 29]، بعدما ردوا إلى استعدادهم ~~الذي كانوا عليه القابل للكذب والإنكار { إن هي إلا حياتنا ~~الدنيا } [الأنعام: 29] نعيش فيها ثم نموت { وما نحن ~~بمبعوثين } [الأنعام: 29]، بعد أن متنا وذلك لأنهم مجبولون على ~~إنكار البعث وتكذيب الرسل، وأنهم قد كانوا في عالم الأرواح مشاهدين ~~المطاف الحق ومخاطبي قوله: # ألست بربكم # [الأعراف: 172]، ومجيبي # بلى # [الأعراف: 172]، فلما بعثوا إلى عالم الصورة وحجبوا بلباس البشرية فنسوا ~~تلك الأحوال والأقوال، ولم يسمعوا عن الأنبياء حين ذكروا بتلك الأيام كما ~~قال تعالى: وذكرهم بأيام الله فما نفعتهم الذكرى، إذا طبعوا كافرين وقال ~~تعالى: # وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين # [الذاريات: 55]، فكذلك لو ردوا إلى عالم الصورة لنسوا ما شاهدوا من ~~الأحوال ولعادوا إلى ms0538 ما كانوا عليه من الإنكار دون الإقرار. # ثم أخبر عن خسران أهل الخسارات بقوله تعالى: { ولو ترى إذ ~~وقفوا على ربهم } [الأنعام: 30]، إلى قوله: { أفلا ~~تعقلون } [الأنعام: 32]، الإشارة فيها أن القيامة يوم ينكشف فيه ~~الأسرار وتنتهك فيه الأستار، فكم من محلل بثوب تقوية حكم له مقارنوه بأنه ~~زاهد في دنياه، راغب في عقباه، محب طولاه، مفارق لهواه، كشف الأمر عما ~~توهموه فافتضح عندهم بغير ما ظنوه، ولو ترى إذ وقفوا على ربهم غدا؛ أي: ~~وقفوا على ربوبيته عند ظهورها بالقهر ولو وقفوا على الربوبية في الدنيا ~~لوقفوا عند ظهورها باللطف، فمن خفي عليه الربوبية؛ فلغلبة القهر، ومن ظهر ~~له به الربوبية اليوم؛ فغلبة اللطف بلسان القهر { قال } [الأنعام: 30]، ~~لأهله { أليس هذا بالحق } [الأنعام: 30]، قهر الربوبية { ~~قالوا } [الأنعام: 30]، بلسان ذوق القهر { بلى وربنا } ~~[الأنعام: 30]، الذي أذقنا ألم قهر الربوبية { قال فذوقوا ~~العذاب } [الأنعام: 30]؛ أي فذوقوا ألم عذاب البعد عند ظهور القهر ~~فإنكم كنتم معذبين به في الدنيا، ولكن ما كنتم تذوقون ألم عذابه كالذي ~~يأكل مال اليتيم إنما يأكل في بطنه نارا، ولكن لا يذوق ألمها يوم ~~القيامة قوله تعالى: { بما كنتم تكفرون } [الأنعام: 30]؛ يعني: ~~بسبب الحجاب الذي كنتم بسببه تكفرون في الدنيا تذوقون ألم عذاب البعد في ~~الآخرة { قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله } ~~[الأنعام: 31]؛ يعني: أفسدوا استعداد الروحانية الذي كانوا به ملاقي ربهم ~~يوم الميثاق فمن فسادهم كذبوا في الدنيا بلقاء الله وهو الوصول إلى الله ~~في الدنيا والرجوع إليه في الآخرة، فخسروا بسبب التكذيب سعادة الدارين لا ~~من الجاه والمال والمقام والحال بل من الوصول كما قيل شعر: # لعمري لئن أزرفت دمعي فإنه # لفرقة من أفنيت في ذكره سرى # { حتى إذا جآءتهم الساعة بغتة } [الأنعام: 31]، وهي ~~إشارة إلى الساعة التي تجذب العبد من أوصاف البشرية بجذبات المحبة بها ~~فجأة وهي قيمة أخرى؛ لأن فيها تبدل أرض البشرية غير الأرض بنور ربها ~~فينظر المحب الصادق بالنور الساطع إلى أيام ضاعت منه في طلب غير الحق ~~ويتأسف على تضييعها، وتضييع ms0539 ما فات عنه من صيد الوصال وفيض غيره فيتحسر ~~ويقول كما قيل شعر: # أيها القانص ما أح # سنت صيد الظبيات # فاتك السرب وما زو # ودت غير الحسرات # { قالوا يحسرتنا على ما فرطنا } [الأنعام: 31]، ضيعنا ~~العمر في عنوان الشباب { فيها } [الأنعام: 31]؛ أي: في تحصيل المرام ~~فصرنا، وقد حصلنا من الحجب أسباب البعد ما يشق علينا السلوك مع حملها { ~~وهم يحملون أوزارهم } [الأنعام: 31]، أثقال التعلقات ~~الزاهدة { على ظهورهم } [الأنعام: 31]؛ أي: ظهور وجودهم؛ فإن ~~الوجود على السالك نقل مانع عن السلوك فكيف أزيد عليه { ألا سآء ما ~~يزرون } [الأنعام: 31]، على الوجود وحمله { وما الحيوة ~~الدنيآ } [الأنعام: 32]؛ يعني: الحياة التي تكون للتمتعات الدنيوية ~~النفسانية { إلا لعب } [الأنعام: 32]، الصبيان { ولهو } ~~[الأنعام: 32]، أهل العصيان زواله سريعا ويبقى ضرره منيعا؛ لأنه يذوب ~~في الحجب { وللدار الآخرة } [الأنعام: 32]، وهي السير من البشرية ~~إلى الروحانية بترك الشهوات والإعراض عن غير الحق، والإقبال إلى الله { ~~خير للذين يتقون } [الأنعام: 32]، عما سوى الله بالله { ~~أفلا تعقلون } [الأنعام: 32]، أن الله خلقكم لهذا الشأن لا لغيره ~~كما قال تعالى: # واصطنعتك لنفسي # [طه: 41]. ### || [6.33-37] # ثم أخبر عن جحود أهل الوجود بقوله تعالى: { قد نعلم إنه ~~ليحزنك الذي يقولون } [الأنعام: 33]، الآيتين والإشارة ~~فيهما أن من ضيق نطاق البشرية أثر في بشرية حبيب الله صلى الله عليه وسلم ~~مقالة الجهال والضلال حتى بمقالتهم، وتأسف على ضلالتهم فواساه الله تسلية ~~له وقال: قد نعلم أنه ليحزنك الذين يقولون بجهالتهم وينسبونك إلى الكذب ~~عن ضلالتهم { فإنهم لا يكذبونك } [الأنعام: 33]، على ~~الحقيقة؛ لأنهم يعرفونك بالصدق { ولكن الظلمين بآيات ~~الله يجحدون } [الأنعام: 33]، ولكن الكذب والتكذيب في الجحود ~~والعناد من شأن الظالمين؛ لأن الظالم من يضع الشيء في غير موضعه فيضعون ~~التكذيب والجحد في موضع التصديق والإقرار، فلا تحزن على مقالهم فإنا نعلم ~~أن من أصابك لم يصبك إلا لأجلنا، وإن لك غير ضائع هذا عندنا وحالك فينا ~~كما قيل شعر: # أشاعوا لنا في الحي أشنع قصة # وكانوا لنا سلما فصاروا لنا حربا # وإنك لست منفردا في مقامات المحنة من بين ms0540 أهل المحبة { ولقد ~~كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا ~~وأوذوا } [الأنعام: 34]، فإن الصبر على المكاره من شأن المرسلين { ~~حتى أتاهم نصرنا } [الأنعام: 34]، ظاهرا وباطنا فإنا ~~الظاهر فعمر رسلنا بهلاك القوم أو بإجابة الدعوة، وإن في الباطن فتنصرهم ~~بالتخلق بأخلاقنا فأما الصبر خلق من أخلاقنا وينافهم بالصبر مرتبة أولوا ~~العزم كما قال تعالى: # فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل # [الأحقاف: 35]، { ولا مبدل لكلمات الله } [الأنعام: 34]، ~~وهي القدرات التي قدرها ودبرها في الأزل إلى الأبد بكلمة # كن # [البقرة: 117]، فقدر للمقبولين الرسالة والنبوة والولاية والمحبة والصبر ~~عليها ونعمة الطاعة والعبودية والشكر لها { ولقد جآءك من نبإ ~~المرسلين } [الأنعام: 34]؛ أي فيما صبروا على المحق والشكر والنعم ~~وقدر للمردود بين الغفلة والجهالة والضلالة وكفران النعمة والجزع فيما ~~أصابهم من المكاره. # ثم أخبر عن إعراض أهل الاعتراض بقوله تعالى: { وإن كان كبر ~~عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في ~~الأرض أو سلما في السمآء فتأتيهم بآية } ~~[الأنعام: 35]، تربية وتأديب للنبي صلى الله عليه وسلم من الله تعالى كما ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " أدبني ربي فأحسن تأديبي " # ؛ لئلا يبالغ في الشفقة على غير أهلها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كما ~~خوطب بقوله تعالى: # ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ~~فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ~~فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب ~~المتوكلين # [آل عمران: 159]، بالغ في اللين والشفقة وحرص على إيمان القوم وكبر عليه ~~إعراضهم حتى قيل وأغلظ عليهم وقيل # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]، وقيل: # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف: 103]، وقيل: { وإن كان كبر عليك إعراضهم } ، ثم ~~قال تعالى: { ولو شآء الله لجمعهم على الهدى } ~~[الأنعام: 35]؛ يعني: في عالم الأرواح عند رشاش النور على الأرواح لجمعهم ~~في قابليته النور مع القابلين الذين أصابهم النور، وقد اهتدوا به { فلا ~~تكونن من الجهلين } [الأنعام: 35]، الذين لا يعلمون الحكمة ~~فيما جعلنا بعضهم قابلي نور الهداية والإيمان، وبعضهم غير قابلين إظهارا ms0541 ~~للطف والقهر، وفي هذا إثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عالما بهذه ~~الحكمة، وفيه إشارة أخرى إلى أن هذا الخطاب أزلي خاطب النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الأزل { فلا تكونن من الجهلين } في الدنيا ~~فما كان منهم، ولو لم يخاطبه به لكان من الجاهلين، فإن كل أمر خاطب له ~~النبي صلى الله عليه وسلم هو أمر التكوين، وكذلك النهي هو نهي الامتناع ~~عن الكينونة. # ثم وصف له المستعدين بقول الهداية فقال تعالى: { إنما يستجيب ~~الذين يسمعون } [الأنعام: 36]؛ يعني: الذين يسمعون بالله، وهم ~~الذين أحياهم الله تعالى بنور منه كقوله تعالى وتبارك: # أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس # [الأنعام: 122]؛ يعني: يسمع بذلك النور ويبصر به كما قال تعالى: # " فبي يسمع وبي يبصر " # { والموتى } [الأنعام: 36]، أراد بالموتى من كان ميتا ولم يحييه ~~الله فلا يسمع قوله: { يبعثهم الله } [الأنعام: 36]؛ يعني: الله ~~قادر على أن يبعثهم ويحييهم ويسمعوا لا أنت يا محمد كقوله تعالى: # إنك لا تسمع الموتى # [النمل: 80]، وقال تعالى: # ومآ أنت بمسمع من في القبور # [فاطر: 22]، { ثم إليه يرجعون } [الأنعام: 36]؛ يعني: من ~~يبعثهم يحييهم الله من قبور نفوسهم { يرجعون } إليه بجذبات العناية ~~ونور الهداية { وقالوا } [الأنعام: 37]، أهل الأهواء لأهل الولاء { ~~لولا نزل عليه آية من ربه } [الأنعام: 37]، طالما ~~يطالبونهم بإراءة الآيات، وهو من مكائد النفس وغلبة الهوى والتعلل ~~بالأشياء الفاسدة وكم من آية قد رأوها وقد أعرضوا عنها { قل إن ~~الله قادر على أن ينزل آية } [الأنعام: 37]، في كل ساعة ~~ولحظة { ولكن أكثرهم } [الأنعام: 37]، بدون الآية { لا ~~يعلمون } [الأنعام: 37]، إنها من آيات الله لأن آيات الله لا ترى ~~إلا بنور الله تعالى، فمن لم يكن له نور الله لينظر به فلم ير الآيات إلا ~~السحر والكذب. ### || [6.38-42] # ثم أخبر عن الأمم من بعضها مثل النعم بقوله تعالى: { وما من دآبة ~~في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم ~~أمثالكم } [الأنعام: 38]، إلى قوله: { على صراط مستقيم ~~} [الأنعام: 39]، الإشارة فيهما أن في قوله تعالى: ms0542 وما من دابة في الأرض ~~يشير إلى ما يدب في أرض البشرية، ويتحرك كالسمع والبصر واللسان والأعضاء ~~كلها والنفس وصفاتها وطائر يطير بجناحيه الشريعة والطريقة إلا أمم ~~أمثالكم في السؤال عن أفعالهم وأحوالهم يدل على قوله تعالى: # إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسؤولا # [الإسراء: 36]، { ما فرطنا في الكتب } [الأنعام: 38]؛ أي: ~~تركنا في القرآن { من شيء } [الأنعام: 38]، يحتاج به الإنسان ظاهره ~~وباطنه ذاته وصفاته في السير إلى الله والوصول إليه من المأمورات ~~والمنهيات والندب والاستحباب وجميع يقربه إليه، ويباعدون عنه إلا بيناه { ~~ثم إلى ربهم يحشرون } [الأنعام: 38]، أما المقبلون ~~المقبولون فهاهنا بالسر وجذبات العناية يرجعون إلى ربهم، وأما المدبرون ~~المردودون فبالحشر يحشرون إلى ربهم السلاسل والأغلال يسبحون في النار على ~~وجههم نار القطيعة والرد بالبعد؛ لأن من شأنهم التكذيب بما نزلنا من ~~أسباب الوصول كما قال تعالى: { والذين كذبوا بآياتنا } ~~[الأنعام: 39]، بدلائلنا التي هي توصلهم إلينا { صم } [الأنعام: 39]؛ ~~إذ أن قلوبهم لا يسمعون بها دعوة الحق { وبكم } [الأنعام: 39]، ألسنة ~~قلوبهم لا يستجيبون دعوة الحق؛ لأنهم لا يسمعونها وإنما يستجيب الذين ~~يسمعون ومن خاصية الأصم أن يكون أبكم وذلك لأنهم { في الظلمات } ~~[الأنعام: 39]، هي ظلمات صفات البشرية والأخلاق الذميمة التي عند غلباتها ~~على القلب يميت القلب من صفاته الروحاني والأخلاق الحميدة والمعنى في ~~قوله تعالى: { صم وبكم في الظلمات } من موت القلب، كقوله ~~تعالى: # أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس # [الأنعام: 122]، كمن مثله في الظلمات البشرية، وما أحييناه بنور المعرفة ~~{ من يشإ الله } [الأنعام: 39]، إضلاله { يضلله } [الأنعام: ~~39]، عن طلب الحق بموت القلب { ومن يشأ يجعله على صراط ~~مستقيم } [الأنعام: 39]، في طلب الحق ويحيي قلبه بنور المعرفة. # ثم أخبر أنه المولى في كشف البلوى بقوله تعالى: { قل أرءيتكم ~~إن أتكم عذاب الله } [الأنعام: 40]، إلى قوله: { ما ~~تشركون } [الأنعام: 41]، الإشارة فيهما أن الله تعالى خص الإنسان ~~بكرامة من بين سائر المخلوقات، وهي أنه تعالى بسط أرض البشرية على وجه ~~بحر الروحانية ويتصرف # ونفخت فيه من ms0543 روحي # [الحجر: 29] فتح بابا من جناب القدس إلى روحه، ومن روحه إلى البشرية ~~فمن بقي له البابان مفتوحين يرسل الله تعالى نور رحمته إليه فيهما كقوله ~~تعالى: # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز ~~الحكيم # [فاطر: 2]، فالعبد يكون قلبه نورا بذلك النور، ويكون في جميع أحواله في ~~السراء والضراء إلى الله تعالى، ومن يشهد له باب جناب القدس يحرم من نور ~~الرحمة، ويبقى في ظلمة البشرية فيكون رجوعه في السراء إلى المخلوقات ~~وينسى الخالق، وأما في الضراء عند الاضطرار، فلا بد يكون رجوعه إلى الحق ~~تعالى، وينسى غيره لأن في روحانيته مركوزا رجوعه إلى ربه كقوله تعالى: # إلى ربك الرجعى # [العلق: 8]، فقال تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المنسدة أبوابهم إلى جناب ~~القدس ولا يرجعون إليه في السراء { أرءيتكم إن أتكم ~~عذاب الله } يعني: في الضراء { أو أتتكم الساعة ~~أغير الله تدعون } [الأنعام: 40]؛ يعني: لكشف الضر عند ~~الاضطرار { إن كنتم صدقين } [الأنعام: 40]، في الجواب { بل ~~إياه تدعون } [الأنعام: 41]؛ لأن في روحانيتكم مركوزا مفرقة ~~خصوصيته أمن يجيب المضطر إذا دعاه فيكشف { ما تدعون إليه إن ~~شآء } [الأنعام: 41]، في الأزل { وتنسون ما تشركون } ~~[الأنعام: 41] فيخلصكم من حبس الاثنينية التي هي منشأ الشرك ويوصلكم إلى ~~الوحدانية أن قدر في الأزل حتى تنسوا وتتركوا الإشراك. # ثم أخبر عن البأساء والضراء بقوله تعالى: { ولقد أرسلنآ إلى ~~أمم من قبلك } [الأنعام: 42]، إلى رب العالمين والإشارة فيهما ~~أن أرسلنا لهم نعمة القيامة والكفاف من الرزق والرفاهية في العيش تشغلوا ~~لها عنا وغفلوا عن الرجوع إلينا، فأمهلنا إليهم رسلنا بالبراهين القاطعة ~~والحجج الساطعة والدلائل الواضحة؛ فدعوا بها إلينا فلم يهتدوا بها { ~~فأخذنهم بالبأسآء والضرآء لعلهم ~~يتضرعون } [الأنعام: 42]، منها يمتحنون إلينا ويرجعون عما كانوا ~~عليه. ### || [6.43-47] # { فلولا } فهل لا { إذ جآءهم بأسنا تضرعوا } ~~[الأنعام: 43]، وعلموا أن حقائق ألطافنا مودعة في دقائق صور قهرنا، ~~وتحققوا أن درر محبتنا مستودعة في صداق شدائد بأسنا ومحبتنا، واستقبلوا ~~بصدق الالتجاء وحسن التضرع في ms0544 الدعاء لكشف ضراء النعمة وبلاء الغفلة { ~~ولكن قست قلوبهم } [الأنعام: 43]، باتباع الهوى واستجلاء ~~الدنيا واستيفاء لذاتها والتمتع بشهواتها، فوجد الشيطان فرصة التزيين ~~والأعداء ومجال الحث والإغراء { وزين لهم الشيطان ما ~~كانوا يعملون } [الأنعام: 43]، من متابعة الهوى والخواص على ~~الدنيا وتكذيب الرسل والإعراض عن الحق { فلما نسوا ما ذكروا ~~به } [الأنعام: 44]، من معارضة البأساء والضراء، فإنها تذكر أيام ~~الرجاء وتعرف قدر الصحبة والنعماء، وهذا يؤدي إلى رؤية النعمة ويوجب ~~الشكر عليها، والشكر يدل على رؤية النعم في المنعم فكلما كانت القساوة ~~موجبة لنسيان النعماء ومانعة لقبول دعوة الأنبياء { فتحنا عليهم ~~أبواب كل شيء } [الأنعام: 44]، من البلاء في صورة النعماء ~~لأرباب الظاهرة بالنعمة من المال والجاه والقبول والصحة وأمثالها، ~~ولأرباب الباطن النعمة الباطنة من فتوحات الغيب وإراءة الآيات وظهور ~~الكرامات ورؤية الأنوار وكشف الأسرار والأشراف على الخواطر وصفاء الأوقات ~~ومشاهدة الروحانية وأشباهها مما يربي بها أطفال الطريقة فإن كثيرا من ~~متوسطي هذه الطائفة تعتريهم الآفات في أثناء السلوك عند سآمة النفس من ~~المجاهدات وملالتها من كثيرة الرياضات، فيوسوسهم الشيطان وتسول لهم ~~أنفسهم أنهم قد بلغوا في السلوك رتبة قد استغنوا بها عن صحبة الشيخ ~~وتسليم تصرفاته، فيخرجون من عنده ويشرعون في الطلب على هواء نفوسهم ~~فيقعون في ورطة الخذلان وسخرة الشيطان، فيريهم الأشياء الخارقة للعادة ~~وهم يحسبون أنها من نتائج العبادة { حتى إذا فرحوا بمآ ~~أوتوا } [الأنعام: 44]، وغرهم بالله الغرور { أخذناهم بغتة ~~} [الأنعام: 44]، بفقد الأحوال على سوء الحال، فلا يبقى لهم إلا القيل ~~والقال والدعوى المحال { فإذا هم مبلسون } [الأنعام: 44] ~~متحيرون في تيه الغرور { فقطع دابر القوم الذين ظلموا ~~} [الأنعام: 45] على أنفسهم بالإعراض والاعتراض { والحمد لله ~~رب العالمين } [الأنعام: 45]، على إظهار اللطف وإظهار القهر ~~لأصحابه؛ ليعرفه العارفون بصفات اللطف والقهر وإن الكل من عند الله. # ثم أخبر عن آثار لطفه وقهره بقوله تعالى: { قل أرأيتم إن ~~أخذ الله سمعكم وأبصاركم } [الأنعام: 46]، إلى قوله: # يفقهون # [الأنعام: 65]، الإشارة فيها أن الله تعالى أعطى عموم الخلق السمع ~~والأبصار والأفئدة التي بها يفقهون كلام الحق وبها ms0545 يسمعون وبها يبصرون ~~بالحق، ثم قال تعالى: { قل أرأيتم إن أخذ الله ~~سمعكم وأبصاركم } التي أعطاكموها { وختم على ~~قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به } [الأنعام: ~~46]؛ يعني: هو الذي يأخذكم وهو الذي يرد إليكم مرة أخرى إن شاء وكيف شاء ~~ثم قال تعالى: { انظر } [الأنعام: 46]، يا محمد { كيف نصرف ~~الآيات } [الأنعام: 46] وهو السمع والأبصار الحقيقي عن الكفار ويأخذها ~~{ ثم هم يصدفون } [الأنعام: 46]، يعرضون عن الحق بعد ذلك. # ثم عم الخطاب وقال تعالى: { قل } [الأنعام: 47] يا محمد { ~~أرءيتكم } [الأنعام: 47]، يا أهل السعادة ويا أهل الشقاوة { إن ~~أتكم عذاب الله } [الأنعام: 47]، من الآفات والحوادث ~~والأمراض، وغير ذلك ابتلاء وامتحانا { بغتة } [الأنعام: 47]، يعني: ~~من غير سبب ظاهر مثل أخذ السمع والأبصار والختم على القلوب { أو ~~جهرة } [الأنعام: 47]؛ يعني: بسبب ظاهر مثل الفسوق والعصيان والكفران ~~{ هل يهلك } [الأنعام: 47]؛ يعني: ربما ابتليتهم به { إلا ~~القوم الظلمون } [الأنعام: 47]، الذين ظلموا أنفسهم يصرف ~~استعداد عبودية الحق في متابعة الهوى، وهي غير موضعه ويثبت عليها، فإن من ~~ابتلى بنوع من البلاء تاب ورجع منه فهو غير هالك على الحقيقة. ### || [6.48-52] # { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين } ~~[الأنعام: 48]؛ يعني: إليهم من الهداية شيء، وإنما هم يبشرون لمن آمن ~~وأصلح بالنجاة والدرجات، ومنذرون للمكذبين بالهلاك والدركات { فمن ~~ءامن وأصلح } [الأنعام: 48]، استعداد الذي أفسده بصرفه في غير ~~محله فيصلحه بالتوبة والإنابة ويصرفه في العبودية على وقف الأمر { فلا ~~خوف عليهم } [الأنعام: 48]، من فساد الاستعداد فعل هذا بعد أن ~~أصلحوا { ولا هم يحزنون } [الأنعام: 48]، على آفات منهم من ~~الحسنات في أيام استعمالهم السيئات؛ لأن الله تعالى قال # يبدل الله سيئاتهم حسنات # [الفرقان: 70]، بعد التوبة والرجوع { والذين كذبوا ~~بآياتنا } [الأنعام: 49]، وثبتوا عليه { يمسهم العذاب } ~~[الأنعام: 49]، عذاب الرد والبعد والهلاك { بما كانوا يفسقون } ~~[الأنعام: 49]؛ أي: بسبب خروجهم يوما رش الله تعالى على الأرواح من نوره ~~فيه عن وصف المرشش فأخطأهم ذلك النور وهم أهل الشقاوة والهلاك. # ثم أخبر عن حال النبي صلى الله عليه وسلم باللطف الخفي بقوله تعالى: { ~~قل لا أقول لكم عندي ms0546 خزآئن الله } [الأنعام: 50]، ~~الآيتين. # والإشارة فيهما أن الله تعالى مربيه صلى الله عليه وسلم أن يكلم الكفار ~~على قدر عقولهم، فقال تعالى: { قل } يا محمد { لا أقول لكم ~~عندي خزآئن الله } على أنها عندي؛ ولكن { لا أقول لكم } ~~وهي علم حقائق الأشياء وماهيتها، وقد كان عنده في إراءة # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم # [فصلت: 53]، أو إجابة قوله صلى الله عليه وسلم: " أرنا الأشياء كما هي " ~~، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: # " أوتيت جوامع الكلم " # ، وما أمره الله تعالى أن: { قل لا أقول لكم عندي خزآئن ~~الله ولا أعلم الغيب } [الأنعام: 50]، فإنه صلى الله عليه ~~وسلم كان يخبر عما مضى وعما سيكون بأعلام الحق تعالى، وقد قال صلى الله ~~عليه وسلم ليلة المعراج: " قطرت في حلقي قطرة علمت بها ما كان وما سيكون ~~" { ولا أقول لكم إني ملك } [الأنعام: 50]، وإن كنت قد ~~عبرت عن مقام الملك حين قلت لجبريل عليه السلام: تقدم، فقال: لو دنوت ~~أنملة لاحترقت { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } [الأنعام: ~~50]؛ يعني: لا أخبركم عن مقاماتي وأحوالي فيهما # " لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل " # إلا عما يوحي إلي أن أبصارهم، وقل معهم، ثم قال تعالى: { قل هل ~~يستوي الأعمى والبصير } [الأنعام: 50]؛ يعني: قل وكيف ~~أخبركم عما أعمى الله بصائركم عنه، وأنابه بصير فلا يستوي مع الأعمى كلام ~~البصير { أفلا تتفكرون } [الأنعام: 50]. # ثم قال تعالى: { وأنذر به } [الأنعام: 51]؛ يعني: أخبر بهذه ~~الحقائق والمعاني { الذين يخافون أن يحشروا إلى ~~ربهم } [الأنعام: 51]، بجذبات العناية ويتحقق لهم أن { ليس ~~لهم } [الأنعام: 51]، في الوصول إلى الله { من دونه ولي } ~~[الأنعام: 51]؛ يعني: من الأولياء { ولا شفيع } [الأنعام: 51]؛ ~~يعني: من الأنبياء لأن الوصول لا يمكن إلا بجذبات الحق تعالى: { ~~لعلهم يتقون } [الأنعام: 51]، عما سوى الله بالله في طلب ~~الوصول. # ثم أخبر عن أصول أهل الوصول بقوله تعالى: { ولا تطرد الذين ~~يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } ~~[الأنعام: 52]، الآيتين الإشارة فيهما أن من عواطف إحسانه ولطائف امتنانه ~~وحقوق خواص ms0547 عباده أن يكون في بعض الأوقات لسانهم فيتكلمون به كما قال: # " كنت له سمعا وبصرا ولسانا... إلى آخره " # وفي بعض الأوقات يكون لسانهم فيتكلم عنهم، فإذا تكلموا به لكلم مع عباده ~~ليدعوهم إليه، وإذا تكلم عنهم مع عباده ليهديهم إليه فما كان حال الفقراء ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم العجز عن الاستدراك ومعارضته فيما كانوا ~~بصدده من إخلاء الرسول صلى الله عليه وسلم مجلسه عنهم سكتوا عن الاعتراض ~~وتوجهوا بقلوبهم إلى الحق تعالى متضرعين بين يديه معرضين برائتهم لديه ~~فتولى الحق سبحانه ظهارها في ضمائرهم، واطلاع النبي صلى الله عليه وسلم ~~على سرائرهم، فقال تعالى: { ولا تطرد الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } أخبره عن ~~دوام ذكرهم، وأنهم حسباء الله بالغداة والعشي كما قال تعالى: " أنا جليس ~~من ذكرني " ، فلا تطردهم عن مجالستك فإنهم يطلبوني في متابعتك وقد خصهم ~~الله تعالى بإرادته عما سواهم كما قال تعالى: # منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة # [آل عمران: 152] وقال تعالى: { يريدون وجهه } [الأنعام: 52] فكل ~~يريدون منه وهم لا يريدون عنه دونه كما قيل شعر: # وكل له سؤال ودين ومذهب # ووصلكم سؤلي وديني رضاكم # ويقال: تكلم الناس في الإرادة فأكثروا، وتحقيقها: احتياج يحصل في القلب ~~يسلب القرار من العبد حتى يصل إلى الله تعالى، فصاحب الإرادة لا يهدوا ~~ليلا ولا نهارا ولا يجد من دون وصوله إليه سبحانه مسكونا ولا قرارا. # ثم قال تعالى: { ما عليك من حسابهم من شيء } [الأنعام: ~~52]؛ يعني: ما لك منعك في الحساب من المواصلات والتوحيد في الخلوات فإنهم ~~ليسوا في شيء من ذلك ليكون عليك نقلا منهم { وما من حسابك ~~عليهم } [الأنعام: 52]، منها { من شيء } [الأنعام: 52]، ولا ما ~~لنا فيكون في الحساب في التفرد للوصول والوصال لكن إليه حاجة أو غيره ~~لينقل عليهم منها شيء { فتطردهم } [الأنعام: 52]، فتكثر قلوبهم ~~الطرد { فتكون من الظالمين } [الأنعام: 52]، يوضع الكسر في ~~موضع الجير، فإنك بعثت قلوبهم، كقوله تعالى: واخفض جناحيك للمؤمنين. ### || [6.53-58] # ثم قال تعالى { وكذلك فتنا بعضهم ببعض ms0548 } [الأنعام: ~~53]؛ يعني: الفاضل بالمفضول بالفاضل فليشكر الفاضل وليصبر المفضول، فإن ~~لم يشكر الفاضل فقد تعرض لزوال الفضل والناصر المفضول فقد سعى في نيل ~~الفضل والمفضول الصابر يساوي الفاضل الشاكر، كما كان سليمان عليه السلام ~~في الشكر مع أيوب عليه السلام في الصبر، فإن سليمان عليه السلام مع كثرة ~~صورة أعماله في العبودية كان أيوب عليه السلام عليه مع عجزه عن صورة ~~أعمال العبودية مساويا في مقام نعم العبدية لسليمان عليه السلام فقال ~~تعالى: لكل واحد منهما # نعم العبد # [ص: 30]، ففتنته في المفضول رؤية فضله على المفضول وتحقيره ومنع حقه عنه ~~في فضله، وفتنة المفضول في الفاضل حسده على فضله وسخط عليه في منع حقه من ~~فضله عنه، فإنه انقطع عن الحق بالخلق إذا رأى المنع والعطاء من الخلق وهو ~~المعطي والمانع لا غيره، ومنها إقراري الفاضل مستحقا للفضل، كما قال ~~تعالى: { ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من ~~بيننآ } [الأنعام: 53]؛ يعني: خصهم بالفضل، فقال تعالى: { أليس ~~الله بأعلم بالشكرين } [الأنعام: 53]؛ أي: المستحقين ~~لنعمة فضله الذين يشكرون على نعماته، فكل نعمة من النعم الظاهرة والباطنة ~~سبغ الله تعالى على عبده، فإن وفقه للشكر نعمة عليه وإلا يكون نعمة عليه، ~~والله أعلم. # ثم أخبر عن فضله مع أهل الفضل بقوله تعالى: { وإذا جآءك الذين ~~يؤمنون بآياتنا فقل سلم عليكم } [الأنعام: 54]، ~~الآيتين، والإشارة فيهما أن الله تعالى من كمال فضله على الفقراء أحلهم ~~محل الأكابر والملوك في الدنيا والآخرة بتقديم السلام عليهم، فأما في ~~الدنيا فقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وإذا جآءك ~~الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلم عليكم } يعني: كن ~~مبتدأ بالسلام على أن السلام على الجائي والآتي إلا الأكابر والملوك ~~تعظيم بتقديم السلام عليهم في كل حال، وأما في الآخرة فيسلم عليهم ~~الملائكة عند دخول الجنة كقوله تعالى: # سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين # [الزمر: 73]، والله تبارك وتعالى يبتدئ # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58]، وفي قوله: { سلم عليكم } يشير إلى السلام الذي سلم ~~الله تعالى على حبيبه صلى الله عليه وسلم ms0549 ليلة المعراج؛ إذ قال له: ~~السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال في قبول السلام: السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين، فكأنه قال له حين سألوه طرد الفقراء # ولا تطرد الذين يدعون ربهم # [الأنعام: 52]، فإنهم من عبادنا الصالحين فإذا جاءك بلغ إليهم سلامنا ~~كما قبلت منا، فالسلام كان من الله تعالى إليهم، وإن كان بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم سلم عليهم ومعنى السلام من الله تعالى هو سلامهم من ظلمة ~~الخلقية بإصابة رشاشة نور القدر حين رش عليهم من نوره؛ إذ خلق الخلق في ~~ظلمة، وإنما رش عليهم من نوره عند خلق الأرواح لأنه { كتب ربكم ~~على نفسه الرحمة } [الأنعام: 54]، في الأزل وإنما كتب لهم ~~الرحمة على نفسه وهي ذاته تبارك وتعالى؛ لأنهم كانوا من الذين # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]، فكانوا يريدون وجهه؛ أي ذاته فخصتهم في إتيان خصهم من ~~الرحمة بالوصول إلى الذات. # كما خص الخضر عليه السلام بإيتاء الرحمة من عنده بقوله تعالى: # آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا ~~علما # [الكهف: 65]، وأني حظ للعموم من الرحمة بإيصالهم إلى الجنة كما قال ~~تعالى في حديث رباني للجنة: # " أنت رحمتي أرحم بك من عبادي من شاء " # فيرحم بجنته من يشاء من عباده { أنه من عمل منكم سوءا ~~بجهلة } [الأنعام: 54]، يشير بقوله: { منكم } إلى أن عامل السوء ~~صنفان: صنف منكم أيها المهتدون المؤمنون، وصنف من غيركم وهم الكفار ~~الضالون، والجهالة جهالتان: جهالة الضلالة وهي نتيجة إخطاء النور المرشش ~~على الأرواح كما قال عليه صلى الله عليه وسلم: # " فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل ". # وجهالة الجهولية وهي التي جبل الإنسان عليها، كقوله تعالى # إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]، فمن عمل من الكفار سوء بجهالة الضلالة فلا توبة له، كما ~~قال تعالى: # وليست التوبة للذين يعملون السيئات # [النساء: 18]، إلا ومن عمل منكم، أي من المؤمنين المهتدين سوء من ~~المعاصي بجهالة الجهولية المذكورة فيه { ثم تاب } [الأنعام: 54]؛ ~~لأنه أهل التوبة، كما قال تعالى: # ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات # [الأحزاب: ms0550 73]؛ أي: رجع إلى الله بقدم السير { من بعده } [الأنعام: ~~54]، من بعد إفساد استعداده الفطري بالسوء { وأصلح } [الأنعام: 54]، ~~الاستعداد بالأعمال الصالحات لقبول الفيض { فأنه غفور رحيم } ~~[الأنعام: 54]، يفيض عليه بمعرفته فيض الرحمة التي على نفسه، فافهم ~~جيدا. # ثم قال تعالى: { وكذلك نفصل الآيات } [الأنعام: 55]؛ أي: كما ~~بينا لك في هذه الآية أحوال المهتدين يبين لك أحوال الكافرين الضالين { ~~ولتستبين سبيل المجرمين } [الأنعام: 55]؛ أي: طريقهم إلى ~~الجنة أو النار ليهلك من هلك عن بينته. # ثم أخبر عن طريق الكفار إلى النار بقوله تعالى: { قل إني نهيت ~~أن أعبد الذين تدعون من دون الله } [الأنعام: 56]، ~~إلى قوله: { والله أعلم بالظالمين } [الأنعام: 58]، ~~الإشارة فيها أن { قل } إنكم تعبدون من دون الله آلهة مثل الدنيا ~~والنفس والشيطان، وتتبعون الهوى وهو يهدي بكم إلى الهاوية، و { إني ~~نهيت } في الأزل إذ عصمت بإصابة النور المرشش أن أعبد الذين تعبدون من ~~دون الله وتطلبونه، وقد أمرت في الأزل بقوله: # وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم # [يس: 61]، وبقوله: # واعبد ربك حتى يأتيك اليقين # [الحجر: 99]، وبقوله: # واتبع ما يوحى إليك من ربك # [الأحزاب: 2]، ف # لا أعبد ما تعبدون # [الكافرون: 2]، { قل لا أتبع أهوآءكم } [الأنعام: 56]، ~~فأكون { قد ضللت إذا } [الأنعام: 56]، بإخطاء النور المرشش # " فإنه من أخطأه فقد ضل " # { ومآ أنا من المهتدين } [الأنعام: 56]، الذين أحياهم ~~النور فقد اهتدوا { قل إني على بينة من ربي } ~~[الأنعام: 57]، أي على نور من ربي يدل عليه قوله تعالى: # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه # [الزمر: 22]، وقد قال لي # ألم نشرح لك صدرك # [الشرح: 1]؛ أي: بإصابة ذلك النور المرشش من ربي { وكذبتم به } ~~[الأنعام: 57]؛ أي: بذلك النور؛ يعني: أخطأكم فكذبتم به وبالذي رشه { ما ~~عندي ما تستعجلون به } [الأنعام: 57]، من عبادة ما تعبدون من ~~دون الله واتباع أهوائكم؛ لأن ذلك من خاصية ظلمة الخلقية، وذلك ليس عندي ~~إذ جعلني الله نورا { إن الحكم } [الأنعام: 57]، من الأزل إلى ~~الأبد { إلا لله يقص الحق } [الأنعام: 57]؛ يعني: لمن يقضي ~~له إصابة النور في الأزل، ولمن ms0551 يقضي أخطأه { وهو خير الفصلين ~~} [الأنعام: 57]، حين فصل بين الأرواح عند رش النور بإصابة البعض دون ~~البعض { قل لو أن عندي ما تستعجلون به } [الأنعام: ~~58]، من عبودية الغير واتباع الهوى { لقضي الأمر بيني ~~وبينكم } [الأنعام: 58]؛ يعني: أمر القتال والخصومات واستراحت من ~~غاية ما أوذي نبي مثل ما أوذيت، ولمن { والله أعلم ~~بالظالمين } [الأنعام: 58]، الذين يضعون عبادة الله في غير موضعها، ~~وهم الذين أخطأهم بذلك النور المرشش. ### || [6.59-63] # ثم أخبر عن مفاتيح الغيبة وأنها عنده بلا ريب بقوله تعالى: { وعنده ~~مفاتح الغيب } [الأنعام: 59]، الإشارة فيها أن الله تعالى جعل ~~لكل شيء شهادة تناسب ذلك الشيء وغيبا مناسب له، وجعل لمغيب كل شيء ~~مفتاحا يفتح به باب غيب ذلك على شهادته فيفصل ذلك الشيء كما أراد الله ~~في الأزل وقدره، وعنده مفتاح الغيب: { لا يعلمهآ إلا هو } ~~[الأنعام: 59]؛ لأنه لا خالق إلا هو وليس لنبي ولا لولي مدخل في هذه ~~المفاتيح ولا في استعمالها؛ لأنه مختص بالخالق فحسب ما ضرب لك مثلا ~~يدركه به هذه الحقيقة، وذلك مثل نقاش الصور، فإن لكل صورة فيما ينقشها ~~شهادة وهي هيئتها، وغيب هو علم التصوير، ومفتاح يفتح به باب علم التصوير ~~على هيئة الصورة لتنفعل الصورة ثابتة في ذهن النقاش، وهو العلم بيد ~~النقاش لا مدخل لتصرف غيره فيه، فإن الله تعالى هو النقاش المصور والصور ~~هي صورة المكونات المختلفة الغيبية والشهادية، وشهادة كل صورة منها خلقها ~~وكونها وغيبها علم خلقها وتكوينها، وقلم تصويرها الذي هو مفتاح ويفتح به ~~باب علم تكوينها على صورتها وكونها هو الملكوت فبقلم ملكوت كل شيء يكون ~~كل شيء، وقلم الملكوت بيد الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: # فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ~~ترجعون # [يس: 83]، فكما أن الشهاديات مختلفة فالملكوتيات مختلفات، ولكل شيء من ~~الجماد والنبات والحيوان والإنسان والملك غيب مناسب لصورته، ولهذا جمع ~~المفاتح ووحد الغيب، وقال { وعنده مفاتح الغيب } هو علم ~~التكوين وهو واحد في جميع الأشياء وفي الملكوت كثرة كما في الصور، فافهم ~~جيدا. # { و ms0552 } بعلم التكوين { يعلم ما في البر والبحر } ~~[الأنعام: 59]؛ لأن به كون البر وهو عالم الشهادة، والبحر وهو عالم الغيب ~~والملكوت يدل على هذا المعنى، قوله عالم الغيب والشهادة وبهذا العلم { ~~وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } لأنه مكونها ومثبتها ~~وسقطها { ولا حبة في ظلمت الأرض } [الأنعام: 59]، أرض ~~القلب وظلمات صفات البشرية إلا وهو يركبها ويعلم كمالها ونقصانها { ولا ~~رطب ولا يابس } [الأنعام: 59]، الرطب المؤمن واليابس الكافر. # وأيضا: الرطب العالم واليابس الجاهل. # وأيضا: الرطب العارف واليابس الزاهد،. # وأيضا: الرطب أهل المحبة واليابس أهل السلوة. # وأيضا: الرطب صاحب الشهود واليابس صاحب الوجود. # وأيضا: الرطب الباقي بالله واليابس الباقي بنفسه { إلا في كتب ~~مبين } [الأنعام: 59]، وهو أم الكتاب. # ثم أخبر عن فعله وفضله بقوله تعالى: { وهو الذي يتوفكم ~~باليل } [الأنعام: 60]، الآيتين الإشارة فيهما أن من فضل الله والرضا ~~مع عباده أن يتولى مصالحهم بنفسه ليلا ونهارا، فقال تعالى: { وهو ~~الذي يتوفكم باليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ~~} [الأنعام: 60]، وهذا تعريف نفسه بنفسه؛ يعني: فإن لم تعرفوني فأنا الذي ~~يتوفاكم بالليل لاستراحة نفوسكم وتقوية قوتكم وسلامة حواسكم من الكلالة ~~والطبيعة من الملالة، ويريكم في المنام ما تكسبون بالنهار، وهذا من الجنس ~~الذي لا يعلمها إلا الله، كما قال تعالى: # وما تدري نفس # [لقمان: 34]، فيريكموه الله من فضله معكم، ولتعلموا أنه يعلم بالليل ما ~~تكسبون غدا بالنهار، وهل بعد الغد سنين كثيرة { ثم يبعثكم ~~فيه } [الأنعام: 60]، عن نوم الغفلة، فإن أكثر انتباه الخلق ورجوعهم ~~إلى الحق وحرصهم على طلب الدين وترك الدنيا إنما يكون بالرؤيا الصالحة؛ ~~ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: # " الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة ". # وقال: # " ما بقي من النبوة إلا المبشرات يراها المؤمن أو ترى له " # فعلى هذا المعنى الهاء في قوله تعالى: فيه كناية عن المنام بالليل { ~~ليقضى أجل مسمى } [الأنعام: 60]؛ يعني: بعد الانتباه والحرص ~~على الطلب يقضي أجل أيام الفراق المسمى بينكم وبينه { ثم إليه ~~مرجعكم } [الأنعام: 60]، بجذبة إلى ربكم { ثم ينبئكم } ~~[الأنعام: 60]، عند الوصال ونيل الوصال ms0553 بنور الجمال { بما كنتم ~~تعملون } [الأنعام: 60]؛ يعني: يتحقق لكم أن استعمال الشريعة متابعة ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان السير إلى الله تعالى وصورة جذبات الحق، ~~فافهم جيدا. # ثم أخبر عن قهره بالعدل لمن لم يكن قابلا للفضل بقوله تعالى: { وهو ~~القاهر فوق عباده } [الأنعام: 61]، إلى قوله: { وهو ~~أسرع الحاسبين } [الأنعام: 62]، بالإشارة فيها أن القهر من وصف ~~الجلال هو مشرب الأولياء، فيعبر عنه بالقاهرية، وما كان وصف الجبروت فهو ~~مشرب الأعداء فيعبر عنه بالقهارية كقوله تعالى: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]، وقال تعالى من وصف الجلال # وهو القاهر فوق عباده # [الأنعام: 18]؛ أي: يقهر نفوس العابدين بخوف عقوبته، ويقهر قلوب ~~العارفين بسطوة شهود جماله، ويقهر أرواح المحبين بكشف جلاله، فالعابد بلا ~~نفس لاستيلاء سلطان أفعاله والعارف بلا قلب لاستيلاء سلطان جماله والمحب ~~بلا روح لاستيلاء جلاله عليه والواصل مستهلك في عين حقيقته، فمتى أراد ~~الحق تعالى تكميل عبد من عباده يرسل عليه حفظه من صفات قهره، كما قال ~~تعالى: { ويرسل عليكم حفظة } [الأنعام: 61]، حتى لو أراد ~~نفسه الخروج عن قيد مجاهدتا قهرته سطوات العتاب، فردته إلى بذل الجهد ~~ومتى أراد قلبه فرجة من مطالبته القربة قهرته صدمات الهيبة فردته إلى ~~توديع البهجة، ولو أراد روحه استرواحا من الحرمات قهرته بواردات التجلي ~~فردته إلى بذل المبهجة، كما قال تعالى: { حتى إذا جآء أحدكم ~~الموت } [الأنعام: 61] الموت يعني: الفناء عن أوصاف الوجود { ~~توفته رسلنا } [الأنعام: 61]، صفات قهرنا { وهم لا ~~يفرطون } [الأنعام: 61]، في إفناء الأوصاف فشتان بين عبد مقهورا ~~بأفعاله وبين عبد مقهور بجماله وجلاله { ثم ردوا إلى الله ~~} [الأنعام: 62]، يعني: أهل الفناء يردون إلى بقاء الله وهم الباقون ~~بالله { مولاهم الحق } [الأنعام: 62]، أي قائمون { ألا له ~~الحكم } [الأنعام: 62]، فيما يتولى مصالح دينهم ودنياهم بلا هم { ~~وهو أسرع الحاسبين } [الأنعام: 62]، فيما يحاسب أمور عباده ~~محاسبة لا تكون في حسابهم وحسابهم. # ثم أخبر عن إنجاء الأولياء بقوله تعالى: { قل من ينجيكم من ~~ظلمات البر والبحر } [الأنعام: 63]، إلى قوله وسوف تعلمون ~~الإشارة فيها أن ms0554 البر والأجسام والبحر والأرواح فالأرواح، وإن كانت ~~نورانية إلى الأجسام ولكن بالنسبة إلى الحق تعالى، ونور الإلهية ظلمانية، ~~كما قال: # " إن الله هو الحق خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره " # فمعناه إذ خلقتكم في ظلمة الخلقية، فمن ينجيكم من ظلمات بر البشرية ~~وظلمات بحر الروحانية { تدعونه تضرعا } [الأنعام: 63]، أي ~~بالجسم { وخفية } [الأنعام: 63]، أي بالروح { لئن أنجانا ~~من هذه } [الأنعام: 63]، الظلمات { لنكونن من ~~الشاكرين } [الأنعام: 63]، على نعمة النجاة فلما لم يكن أحد نجيهم ~~من الظلمات غير الله. ### || [6.64-67] # قال الله تعالى: { قل الله ينجيكم منها } [الأنعام: 64]؛ ~~أي: من ظلمات الخلقية يرش النور عليكم فإنه من لم يجعل الله له نورا فما ~~له من نور { ومن كل كرب } [الأنعام: 64]، أي: هو الذي نجيكم من ~~كل آفة وبلاء وفتنة { ثم أنتم تشركون } [الأنعام: 64]؛ يعني: ~~حين تجلى لكم نور من أنوار صفاته فبعضكم يشرك به ويقول أنا الحق وبعضكم ~~يقول سبحان ما أعظم شأني { قل هو القادر على أن يبعث ~~عليكم } [الأنعام: 65]، حين تقولون آثار الحق وسبحاني أعظم شأني { ~~عذابا من فوقكم } [الأنعام: 65]، بأن يرخي حجابا بينه وبينكم ~~يعذبكم به عزة وغيرة { أو من تحت أرجلكم } [الأنعام: 65]، أي ~~حجابا من أوصاف بشريتكم باستيلاء الهوى عليكم { أو يلبسكم ~~شيعا } [الأنعام: 65]، يجعل الخلق فيكم فرقا، فرقة يقولون هم ~~الصديقون وفرقة يقولون هم الزنادقة { ويذيق بعضكم بأس بعض ~~} [الأنعام: 65]، بالقتل وبالصلب وقطع الأطراف كما فعل بابن منصور { ~~انظر كيف نصرف الآيات } [الأنعام: 65]، أي: آيات المعارف ~~وإعلام الهدى إلى الله تعالى والسالكين طريقه { لعلهم يفقهون ~~} [الأنعام: 65]، شرائط السير وآداب السلوك، ولا يفقهون ما في مقام دون ~~الفناء عن كلمته، الوجود والبقاء بشهود المعبود { وكذب به } ~~[الأنعام: 66]، بهذا المقام { قومك } [الأنعام: 66]، المنكرون منكم { ~~وهو الحق قل لست عليكم بوكيل } [الأنعام: 66]، ~~لأسلك طريق هذا المقام بوكالتكم؛ لأنه ليس لإنسان إلا ما سعى وإن سعيه ~~سوف يرى، كما قال تعالى: { لكل نبإ مستقر وسوف ~~تعلمون } [الأنعام: 67]؛ يعني: لكل سائر وواقف مستقر من درجات القرب ~~ودركات البعد، فإذا انتهى ms0555 إلى مستقره تبين له حقيقة ما قررناه هو العرض ~~الأكبر. ### || [6.68-70] # ثم أخبر عن الإعراض عن الخواص بقوله تعالى: { وإذا رأيت ~~الذين يخوضون في ءاياتنا فأعرض عنهم حتى ~~يخوضوا في حديث غيره } [الأنعام: 68]، إلى قوله: { بما ~~كانوا يكفرون } [الأنعام: 70]. # الإشارة فيها أنه لا يصلح للطالب الصادق المجالسة مع الخواص لأنه قيل أن ~~الطبع يسرق فقوله تعالى: { وإذا رأيت الذين يخوضون في ~~ءاياتنا } [الأنعام: 68]، إشارة إلى بعض أهل الطاعات يخوضون في أحوال ~~الرجال، ولا حظ لهم منها قال تعالى: { فأعرض عنهم حتى ~~يخوضوا في حديث غيره } [الأنعام: 68]؛ يعني: من الطامات التي ~~هي ريح في شبح { وإما ينسينك الشيطن } [الأنعام: 68]؛ ~~يعني: القعود منهم فقعدت معهم بالنسيان، أو من غير قصد منك وعرفت أحوالهم ~~{ فلا تقعد بعد الذكرى } [الأنعام: 68]؛ أي: بعد التذكر ~~ومعرفة أحوالهم { مع القوم الظلمين } [الأنعام: 68]، ~~البطالين الذين يظلمون أنفسهم بإفساد الاستعداد، ويراؤون الناس أنهم من ~~الطالبين الصادقين بالزي والخرق وأنهم من البطالين بالأفعال والأحوال { ~~وما على الذين يتقون } [الأنعام: 69] من الطامات والدعاوي ~~وفي الطلب { من حسابهم من شيء } [الأنعام: 69]، من خسارة ~~البطالين من شيء { ولكن ذكرى لعلهم يتقون } ~~[الأنعام: 69]، ولكن يحسن الاعتراض عنهم ويتركون الإصغاء إلى مجالاتهم ~~وخيالاتهم من الطامات وحسن الانقباض بذكرهم لعلهم ينتهون ويحترزون عن ~~الدعاوي ويطلبون المعاني { وذر الذين اتخذوا دينهم ~~لعبا ولهوا } [الأنعام: 70]؛ أي: دع صحة الذين يلعبون بالدين ~~وهمهم لبس الخرقة والزي بزي الطالبين إنما هو للدنيا وقبول الخلق والنسب ~~باللهو { وغرتهم الحيوة الدنيا وذكر به } ~~[الأنعام: 70]؛ أي وعظهم بالصدق والطلب وترك الخرقة فإنها تورث الزندقة { ~~أن تبسل نفس بما كسبت } [الأنعام: 70]، من قبل أن تفسد نفس ~~استعدادها للطلب بالكلية بما تكسب من الرياء والنفاق { ليس لها من ~~دون الله ولي } [الأنعام: 70] يتولى أمر إصلاح استعدادها { ~~ولا شفيع } [الأنعام: 70]، يشفع ليصلح الله استعدادها الفاسدة { ~~وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منهآ } [الأنعام: 70]؛ ~~يعني: وإن تقتدي بالدنيا وما فيها لا يقبل منها ولا يفيد استعدادها بعد ~~فسادها بالكلية # سنة الله التي قد خلت من قبل ولن ms0556 تجد لسنة ~~الله تبديلا # [الفتح: 23]، { أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا } ~~[الأنعام: 70]، بطلوا الاستعداد الفطري بمرائيهم لهم { لهم شراب ~~من حميم } [الأنعام: 70]، من مشرب الحسرة والندامة { وعذاب ~~أليم } [الأنعام: 70]، من نار القطيعة وألم البعد { بما كانوا ~~يكفرون } [الأنعام: 70]، بمقامات الرجال من الوصول والوصال. ### || [6.71-74] # ثم أخبر أن لا نافع ولا ضار إلا هو بقوله تعالى: { قل أندعوا من ~~دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا } [الأنعام: 71]، إلى ~~قوله: { تحشرون } [الأنعام: 72]، الإشارة فيها أن الإنسان يعبد الله ~~لجر منفعة أو لدفع مضرة، فقال: { قل أندعوا من دون الله ما ~~لا ينفعنا ولا يضرنا } [الأنعام: 71]؛ أي: نطلب غير الله ~~الذي هو النافع الضار، وإنما النفع الحقيقي هو الفوز بالوصول إليه والضر ~~الحقيقي هو الانقطاع عنه { ونرد على أعقابنا } [الأنعام: ~~71]، إلى مقام الاثنينية التي كنا فيها { بعد إذ هدانا الله } ~~[الأنعام: 71]، إلى الوحده { كالذي استهوته الشياطين } ~~[الأنعام: 71]، أضلته شياطين الأنس والجن { في الأرض } [الأنعام: 71] ~~أي: في أرض البشرية باتباع الهوى { حيران } [الأنعام: 71] بإغوائهم ~~وإضلالهم، وهذا مثل الطالبين الصادقين والطالبين الخائضين، فإنهم يدعون ~~الطالبين في بطالتهم وضلالتهم { له أصحاب } [الأنعام: 71]؛ أي: ~~المطالب { يدعونه إلى الهدى ائتنا } [الأنعام: 71]؛ أي: ~~يهدونه إلى الله { قل إن هدى الله } [الأنعام: 71]، أي: ~~الهداية إلى الله { هو الهدى } [الأنعام: 71]، الحقيقي لا الهداية ~~إلى غيره وما سواه { وأمرنا لنسلم لرب العالمين } ~~[الأنعام: 71]؛ أي: أمرنا بالتسليم وهو ترك الوجود كالكثرة في ميدان ~~القدر مستسلما لصولجان القضاء المجازي لأحكام رب العالمين { وأن ~~أقيموا الصلاة واتقوه } [الأنعام: 72]، أي: وأمرنا أن نحفظ ~~أسرارنا عن غير الحق بإقامة الصلاة ونتقي به عن غيره لأنه { وهو ~~الذي إليه تحشرون } [الأنعام: 72]، أيها الطالبون لا إلى ~~غيره من الجنة والنار كما قال: # " ألا من طلبني وجدني ". # ثم أخبر عن خصوصية هويته بقوله تعالى: { وهو الذي خلق ~~السموت والأرض بالحق } [الأنعام: 73]، الآيتين والإشارة ~~فيهما أن الله تعالى خلق المخلوقات؛ لظهور صفات جماله وجلاله، فقال: { ~~وهو الذي خلق السموت والأرض بالحق } أي: للحق ~~يعني: لإظهار صفات الحق ويجعل المخلوقات مرآة مناسبا تحاكي ms0557 جميع صفاته ~~تعالى وتقدس، ولكن لا تشاهد صفاته بالكمال إلا في مرآة النسيان لا ~~المخلوقات بالكمال إلا الإنسان، وهو أكمل المخلوقات استعدادا وأحسنهم ~~تقويما في المراقبة وأنه يشاهد مرآة المخلوقات مما اختصت به من الصفات ~~ما لا يشاهد غيره ويشاهد في مرآة نفسه من الصفات ما هو المخصوص به ولا ~~يشاهد منه غيره كما قال تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم # [فصلت: 53]؛ أي: مرآة أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق والآيات هي الصفات ~~ولما كانت المشاهدة بإراءة الحق لقوله تعالى: { سنريهم } والإرادة ~~إنما تحصل بتكوينه إياها فقال تعالى: { ويوم يقول كن فيكون } ~~[الأنعام: 73]؛ يعني: وإذا أراد أن يرى عبدا من عباده تلك الصفات يقول ~~كن وإنا فيكون بهذا التيسير إلى أن ليس في استعداد الإنسان أن يصير ~~رائيا بمجرد سعيه لصفات الحق في مرآة المخلوقات إلا أن يخلق الله تعالى ~~فيه استعدادا مناسبا للرؤية عند رؤيته تلك الصفات، ثم قال تعالى: { ~~قوله الحق } [الأنعام: 73]؛ يعني: في حق الإنسان أن يقول له كن ~~رائيا { وله الملك } [الأنعام: 73]، تلك الإرادة وتلك الرؤية ~~يؤتى ملكه من يشاء كما أني الإنسان ملك الرؤية { يوم ينفخ في ~~الصور } [الأنعام: 73]، وهي نفخة الإرادة في صور القلب، وذلك تجلى ~~الحق تعالى لمرآة قلب الإنسان ليصعق موسى النفس ويتدكدك جبل أنانيته ~~فيشاهد السر ويبصر الخفي وباصره نور الحق في مرآة القلب شهود { علم ~~الغيب والشهدة } [الأنعام: 73]، وذلك لأنه كان عالم الغيب قبل ~~التجلي فلما تجلى له الحق تعالى صار عالما كان غائبا عنه، وهو عالم ~~الغيب والشهادة { وهو الحكيم } [الأنعام: 73]، فيما اختص الإنسان ~~بإرادة الآيات { الخبير } [الأنعام: 73]، يخصه من بين الناس بالتجلي ~~له نفهم ونغنم إن شاء الله تعالى. # ثم أخبر عن ظلال الجهال بقوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم ~~لأبيه آزر } [الأنعام: 74]، إلى قوله # إني بريء مما تشركون # [الأنعام: 78]. # الإشارة فيها أن الله تعالى أظهر قدرته في إخراج الحي من الميت بقوله: { ~~وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما ~~آلهة } [الأنعام: 74]، من دون الله إذا الأصل منهمك ms0558 في الجحود بموت ~~قلبه والنيل مضمحل في الشهود لحياة قلبه والأصنام، ما يعبد من دون الله { ~~إني أراك وقومك في ضلال مبين } [الأنعام: 74]، بما ~~أراني الله تعالى ملكوت الأشياء. ### || [6.75-79] # كما قال تعالى: { وكذلك نري إبراهيم ملكوت ~~السموت والأرض } [الأنعام: 75]؛ أي: وكما أريناه ظلمة الكفر ~~والضلالة المستورة في ملكوت آزر وقومه نريه ملكوت السماوات والأرض؛ أي: ~~باطنها، واعلم أن لكل شيء من العالم ظاهرا يعبر عنه تارة لجسمانية لما ~~له من الأبعاد الثلاثة من الطول والعرض والعمق والمتحيزية وقبول القسمة ~~والتحري، وتارة بالدنيا لدنوه إلى الحس وتارة بالصورة لقبول التشكل ~~ولإدراكه بالحس، وتارة بالشهادة لشهوده بالحس وتارة بالملك لتملكه ~~والتصرف فيه بالحق وباطنا، يعبر عنه تارة بالروحانية لانتفائه عن ~~الأبعاد الثلاثة وعن التحيز والتجرؤ في الحس، وتارة بالآخرة لتأخره عن ~~الحس، وتارة بالمعنى لتعريه عن التشكيل وبعده عن الحس، وتارة بالغيب ~~لغيبوبته عن الحس، وتارة بالملكوت لملاك عالم الملك والصورة فإن قيام ~~الملك لملكوت وقيام الملكوت لقدرة الله تعالى كما قال تعالى: # فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ~~ترجعون # [يس: 83]، أي: من طريق الملكوت والملكوت من الأوليات التي خلقها الله من ~~لا شيء بأمر # كن # [غافر: 68]، وكان الله ولم يكن معه شيء يدل عليه قوله تعالى # أولم ينظروا في ملكوت السموت والأرض وما ~~خلق الله من شيء # [الأعراف: 185]، فنبه إن الملكوت لم يخلق من شيء، وما سواها خلق من شيء ~~وقد سمي الله ما خلق بالأمر أو ما خلق من الشيء خلقا فقال: # ألا له الخلق والأمر # [الأعراف: 54] فالله تعالى أرى إبراهيم عليه السلام ملكوت الأشياء ~~والآيات المودعة فيها الدالة على التوحيد { وليكون من ~~الموقنين } [الأنعام: 75]، بالوحدانية عند كشفها كما كان موقنا عند ~~كشف الضلال المودع المستورة في ملكوت آزر وقومه { فلما جن ~~عليه الليل } [الأنعام: 76]، أي: فلما كمل ظلمة ليل البشرية على ~~نور روحانيته أمطر سحاب العناية مطر الهداية على أرض قلبه؛ فأنبت بذر ~~الخلة المودعة في ملكوت قلبه التسليم على آفة فساد الاستعداد القابل لنور ~~الرش فظهر ms0559 حضرة القلب { رأى كوكبا } [الأنعام: 76]، أي: نور الرش ~~في صورة الكوكب من أفق سماء روحانيته طالعا كشديد القوة الخيالية عند ~~بقائها بعد كسوة الصورة الكوكبية المناسبة وانفتاح روزنة القلب إلى ~~الملكوت بقدر كوكبه، فشاهد السر نور الرشد بإراءة الحق فوافق نظر الظاهر ~~نظر السر في مشاهدة الكوكب من أفق السماء، فكوشف بتجلي نور الملكوت في ~~مرآة الكوكب؛ إذ هو نور السماوات والأرض، وقال: { هذا ربي } ~~[الأنعام: 76] أراد به سره المكوكب لا الكوكب، وإن تشعر به نفسه كما قيل: ~~" هو في فؤادي، ولم يعلم به بدني والجسم في غربة والروح في وطن " ، فإن ~~كذب النفس فيما قال الكوكب { هذا ربي } [الأنعام: 76] ما كذب ~~الفؤاد وما رأى من المكوكب { قال هذا ربي فلمآ أفل } ~~[الأنعام: 76]؛ أي: فلما احتجب كوكب نور الرشد بغلبات صفات الخلقية عند ~~رجوعه إلى أوصافه ووافقه كوكب السماء بالغروب { قال } [الأنعام: 76]، ~~سره { لا أحب الآفلين } [الأنعام: 76]، وإنما أحب الذي لا يأفل { ~~فلمآ رأى القمر بازغا } [الأنعام: 77]؛ أي: فلما اتسع ~~انفتاح روزنة القلب إلى الملكوت بقدر القمر تجلى له نور الربوبية في مرآة ~~القمر { قال هذا ربي فلمآ أفل } [الأنعام: 77]، عند ~~رجوعه إلى أوصافه وازدياد الكشوف { قال لئن لم يهدني ربي } ~~[الأنعام: 77]، يرفع حجب الأوصاف ويقيني على وجود الخلقية { لأكونن ~~من القوم الضالين } [الأنعام: 77]، عن الحق كأبي وقومه { ~~فلما رأى الشمس بازغة } [الأنعام: 78]؛ أي: فلما انحرفت ~~حجب الأوصاف وخرجت شمس الهداية من غيم البشرية وأشرقت أرض القلب بنور ~~ربها { قال هذا ربي } [الأنعام: 78]، وإنما قال هذا، وما قال ~~هذه لأنه أراد به نور الربوبية الذي تجلى له في مرآة الشمس لا الشمس؛ ~~لأنه لم يؤنثه كما أنث قوله تعالى فلما رأى الشمس بازغة يدل عليه قوله: { ~~هذآ أكبر } [الأنعام: 78]، ولا أكبر على الحقيقة إلا الله { ~~فلمآ أفلت } [الأنعام: 78]، شمس الهداية تفردا وتعظيما ليعرض ~~إبراهيم عليه السلام عن شركة الأنانية، ويفني فيمن لا أقول له كما قيل: # إن شمس النهار تغرب باللي # ل وشمس القلوب ليس تغيب # شبرا عن الأضداد والأنداد، ms0560 ونزعته همة الخلة عن الجهات والأكوان وخلقته ~~تجلي صفة الجمال عن شبكة الوهم والخيال وأزعجته سطوات الجلال من مكامن ~~الأنانية والإشراك { قال يقوم إني بريء مما تشركون ~~} [الأنعام: 78]. # ثم أخبر عن إخلاصه في خلاصه بقوله تعالى: { إني وجهت وجهي ~~للذي فطر السموت والأرض } [الأنعام: 79]، الآيتين ~~الإشارة فيهما: أن مرآة قلب إبراهيم عليه السلام لما ملكت صفاتها وسلمت ~~عن طبع الطبع، وتنزهت عن ظلمة هوى النفس وشهواتها وتخلصت عن الالتفات إلى ~~الكواكب والأكوان يصيبها الشوق الجلي إلى الحضرة في مجازاتها المقدسة عن ~~الجهة قال: { إني وجهت وجهي للذي فطر السموت ~~والأرض } [الأنعام: 79]؛ أي: وجهت وجهي بالإعراض عما سوى الله إلى ~~الله الذي هو خالق السماوات والأرض وكواكبها والأرض وما فيها لما أراني ~~في ملكوتها آياتها المتشوقة إلى وجهه الباقي { حنيفا } [الأنعام: 79]، ~~أي: مائلا ميلان أهل الخلقة ببذل الوجود في خليله { ومآ أنا من ~~المشركين } [الأنعام: 79]، والمتلفتين إلى الأكوان المتدلين ~~بالمخلوق على الخالق عاينت شواهد الحق بإرادته. ### || [6.80-82] # ثم قال تعالى: { وحآجه قومه } [الأنعام: 80]؛ أي: جادلوه ~~ليسبلوا ستر ذيولهم على شموس عرفانه. # { قال أتحجوني في الله } [الأنعام: 80]؛ أي: في معرفته ~~يعني أترومون ستر الشموس بإسبال أكمامكم عليها؟ أو تريدون أن تسبلوا ~~ذيولكم على ضياء نهار الشهود؟ { وقد هدان } [الأنعام: 80]، ربي ~~إليه بالعيان وتوالى البرهان كما كان في مرامي إذ قلت # إني ذاهب إلى ربي سيهدين # [الصافات: 99]، { ولا أخاف ما تشركون به } [الأنعام: 80]، ~~بعد ما ترى على سلطان الحق ولاح برهان الصدق { إلا أن يشآء ربي ~~شيئا } [الأنعام: 80]، من الخذلان بعد العرفان وهذا مستحيل؛ لأنه { ~~وسع ربي كل شيء علما } [الأنعام: 80]؛ أي: هو أعم بمن هو ~~أهل الخذلان وبمن هو أهل العرفان { أفلا تتذكرون } [الأنعام: ~~80]، فترجعون من طريق الخذلان إلى طريق العرفان. # ثم أخبر عمن هو أحق بالخوف، ومن هو أحق بالأمن بقوله تعالى: { وكيف ~~أخاف مآ أشركتم } [الأنعام: 81]، الآيتان الإشارة فيهما أن من ~~أمارات موت القلب وفساد الروحانية واستيلاء النفس عليه لخوف الحيواني حتى ~~يخاف من الجمادات كالأنعام لا يخاف من الله ms0561 وعذابه، كما كان حال الكفار ~~يخوفون إبراهيم عليه السلام عن الأصنام ولا يخافون الله وعذابه، حتى قال ~~إبراهيم عليه السلام: { وكيف أخاف مآ أشركتم } [الأنعام: ~~81] من جماد { ولا تخافون أنكم أشركتم بالله } ~~[الأنعام: 81]، جمادا { ما لم ينزل به عليكم سلطنا ~~} [الأنعام: 81]، من الله يعني وكيف أخاف الجماد، وقد نزل علي من الله ~~سلطان بإرائة ملكوت الأشياء والآيات المودعة فيها، وإن كلا ليس إلها إلا ~~الله وهو الذي يهاب ويرجى وأنتم لا تخافون وتشركون به جمادات لا سلطان ~~لها ويخافونها { فأي الفريقين أحق بالأمن } [الأنعام: ~~81]، الذي يخافون الله يرجونه أم الذين لا يخافون الله ولا يرجونه ~~ويخافون ويرجون غيره { إن كنتم تعلمون } [الأنعام: 81]، الحق من ~~الباطل فلما لم يعلموا وكانوا موتى لا يسمعون الحق ولا يجيبون بالحق ~~أجابهم وقال تعالى: { الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم } [الأنعام: 82]، أي كانوا مؤمنين إذ رآهم الله ~~تعالى من شواهد الحق عند تجلي صفات ربوبيته في مرآة الكواكب، ولم يلبسوا ~~إيمانهم بشرك الالتفات إلى غيره من الأكوان والكواكب، وقد صح توجههم ~~لخالقها بحيث قالوا لجبريل عليه السلام: " أما إليك فلا " { أولئك ~~لهم الأمن } [الأنعام: 82]، عن الانقطاع بعد الوصول { وهم ~~مهتدون } [الأنعام: 82]، إلى الوصال. ### || [6.83-84] # ثم أخبر عن محجة تلك الحجة بقوله تعالى: { وتلك حجتنآ ~~ءاتينهآ إبرهيم على قومه } [الأنعام: 83]، إلى قوله: # ما كانوا يعملون # [الأنعام: 88] الإشارة فيهما أن محجة السلوك إلى الله تعالى إنما هي ~~تتحقق بالآيات التي هي أفعاله، وهذه خرقات لهم وهي الأولى، ثم شهود صفاته ~~بإراءته لهم وهي الرتبة الفانية، ثم التحقيق بوجوده وذاته عند التجلي ~~لأسرارهم هذا مبدء الوصول ولا غاية له، فقوله تعالى: { وتلك } أي: ~~إرادة الملكوت وشواهد الربوبية في مرآة الكواكب وصدق التوجه إلى الحق ~~والإعراض والتبرؤ عما سواه والخلاص من ترك الأنانية، والإيمان الحقيقي ~~والإيقان بالعيان ابتدائها إبراهيم أي أعطيناه ورأيناه بذاتها من غير ~~واسطة حتى جعلها حجة على قومه { نرفع درجت من نشآء } ~~[الأنعام: 83]، بجذبات الألوهية عن حجب الأنانية { إن ربك حكيم ~~} [الأنعام: 83]، فيما يرفع من يشاء ms0562 بجذبات { عليم } [الأنعام: 83]، ~~بمن يجذبه من حضيض البشرية وممن رفعنا به درجات إبراهيم عليه السلام { ~~ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا ~~هدينا } [الأنعام: 84]، كما هدينا إبراهيم عليه السلام هدينا إسحاق ~~ويعقوب عليهم السلام لما وهبناها له ولعل تأخر ذكر إسماعيل عن ذكر ~~إسحاق ويعقوب وذريتهما واختصاصهما بالموهبة دون إسماعيل لمكان محمد صلى ~~الله عليه وسلم لأن الله تعالى جعل وجود إسحاق ويعقوب وذريتهما وهدايتهم ~~تبعا لوجود إبراهيم عليه السلام وموهبته له، وأن محمدا صلى الله عايه ~~وسلم كان من ذرية إسماعيل والكائنات كان تبعا لوجوده فما جعل الله تعالى ~~إسماعيل عليه السلام تبعا لوجود إبراهيم عليه السلام ولا هدايته تبعا ~~لهدايته لشرف محمد صلى الله عليه وسلم فأفرده عنهم بالذكر والهداية، وسلك ~~مع كبار الأنبياء والمرسلين وميزتهم في سلك واحد بالذكر والهداية وسلك مع ~~كبار الأنبياء والمرسلين والتفضيل على العالمين فمن كان قبل إبراهيم عليه ~~السلام وبعده وجودا وهداية، كما قال تعالى: { ونوحا هدينا من ~~قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف ~~وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين } [الأنعام: ~~84]، هؤلاء كلهم من ذرية إبراهيم عليه السلام يعني كما جزينا إبراهيم ~~عليه السلام لإحسانه معنا يرانا، ولم ير أحدا معنا وهبنا لهذه الذرية ~~وهديناهم وكذلك نجزي كل محسن معناه على حسب إحسانهم. ### || [6.85-90] # ثم ذكر بقية ذريته وأخبر إسماعيل منهم، وذكره مع المخصوصين بذرية نوح ~~وابتداء بذكره لئلا يحاسب من جملتهم، فقال تعالى: { وزكريا ~~ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين } [الأنعام: ~~85]؛ يعني: من صالحي ذرية إبراهيم عليه السلام الذين لهم صلاحية قبول فيض ~~النبوة من الله تعالى. # ثم قال: { وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا ~~فضلنا على العالمين } [الأنعام: 86]، بفضيلة قبول فيض ~~الربوبية بلا واسطة { ومن آبائهم } [الأنعام: 87]، يعني الذين ~~فضلناهم أيضا في الأزل لهذه الشأن { وذرياتهم } [الأنعام: 87]، ~~إلى محمد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء { وإخوانهم } [الأنعام: ~~87]، من المؤمنين { واجتبيناهم } [الأنعام: 87]، في الأزل لهذه ~~الشأن { وهديناهم } [الأنعام: 87]، إلى الأبد كل واحد منهم على ~~قدر الاجتباء { إلى صراط مستقيم } [الأنعام: 87]، إلينا بنا ms0563 ~~ذلك { ذلك هدى الله يهدي به من يشآء من عباده ~~ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } ~~[الأنعام: 88]؛ يعني لولا حنطوا غيرنا وأثبتوا شيئا من دوننا أو نسبوا ~~شظية من الحدثان إلى غير قدرتنا أو لم يبذلوا أنانيتهم في هويتنا هؤلاء ~~وغيرهم من المصطفين الأخيار { ولو أشركوا لحبط عنهم ما ~~كانوا يعملون } [الأنعام: 88]؛ لتلاشي عرفانهم وتلف ما سلف من ~~إحسانهم وإن الحق سبحانه وتعالى غيور لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء، وهذا غاية التوبيخ والترهيب للعوام والخواص لئلا يأمنوا ~~مكر الله إلا القوم الخاسرون. # ثم أخبر عن أسباب عميهم من الشرك والكفر من الأزل بالعناية إلى الأبد ~~بالهداية بقوله تعالى: { أولئك الذين آتيناهم الكتاب ~~والحكم والنبوة } [الأنعام: 89]، من مواهب الحق لا يحصلان ~~بالكسب والاجتهاد وإلا بإتيان الحق كما قال تعالى: { أولئك ~~الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن ~~يكفر بها } [الأنعام: 89]؛ أي: بالحكمة والنبوة التي آتينا { ~~هؤلاء } [الأنعام: 89]، اليهود والنصارى والمشركون { فقد ~~وكلنا بها قوما } [الأنعام: 89]، من المذكورين وغيرهم في الأزل ~~إلى الأبد { ليسوا بها بكافرين } [الأنعام: 89]، جاحدين ~~ومنكرين أبدا. # ثم أخبر عنهم أنهم من هم وما صفتهم، فقال تعالى: { أولئك ~~الذين هدى الله } [الأنعام: 90]؛ أي: هداهم الله بصفاته إلى ~~ذاته { فبهداهم اقتده } [الأنعام: 90]؛ لأنهم سلكوا مسلكا غير ~~مسلوك حتى انتهى سير كل واحد منهم إلى منتهى قدر له كما أخبرت: " أني ~~رأيت آدم عليه السلام في سماء الدنيا، ويحيى وعيسى في السماء الثانية، ~~ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء ~~الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم في السماء السابعة "؛ فاقتد ~~بهم حتى تسلك مسالكهم إلى أن تنتهي سدرة المنتهى مقام الملائكة ~~المغتربين، ثم تعرج بك إلى التجلي الأدنى والمقام الأرفع حتى تخرج من ~~نفسك وتدلى إليه به إلى أن تصل مقام # قاب قوسين أو أدنى # [النجم: 9]، مقاما لم يصل إليه أحد قبلك لا ملك مقرب ولا نبي مرسل { ~~قل لا أسألكم عليه أجرا } [الأنعام: 90]، يشير إلى ~~معنيين، أحدهما: لا أسألكم أيها ms0564 الأنبياء على اقتدائي بكم أجرا منكم إن ~~أجري إلا على الله ولكن ذكري للعالمين عظة لم يعلموا إن الطريق إلى الله ~~لا يسلك لا بالاقتداء، والثاني: لا أسألكم أيها الأمة على دعوتكم إلى ~~الحق وتسليككم مسلكا لم تسلك أمة قبلكم أجرا من دنياكم وآخرتكم { إن ~~هو إلا ذكرى للعالمين } [الأنعام: 90]؛ أي: دعوتي لكم إلى ~~الله ليست مني إلا من الله به إليه للعالمين عامة يبني لي ولكم ولغيرنا ~~أجمعين. ### || [6.91-93] # ثم أخبر عن جلال قدرته وكمال عزته وعظمته بقوله تعالى: { وما ~~قدروا الله حق قدره } [الأنعام: 91] والإشارة فيها أن ~~العلم المخلوق لا يحيط بالأوصاف القديمة ولا يدرك القديم إلا بالقدم { ~~وما قدروا الله حق قدره }؛ إذ هم مخلوقون والمخلوق لا ~~يقدر إلا المخلوق، فكل من عرف الله بآلة مخلوقة فهو على الحقيقة غير ~~عارف؛ لأنه لم يعرفه حق معرفته ومن عرف الله بآلة قديمة، كما قال بعضهم: ~~" أعرف ربي بربي " ، فقد عرف الله وهو عارف، ولكن على قدر استعداده في ~~قبول فيض الربوبية الذي به عرف الله لا على قدر ولا على نهاية ذاته ~~وصفاته { إذ قالوا مآ أنزل الله على بشر من شيء } ~~[الأنعام: 91]؛ يعني لو عرفوا الله حق معرفته لعلموا أنه أنزل الكتب وبعث ~~الرسل فمن أراد في معرفة أوصافه فقد ازداد في معرفته، ولما لم يحط أحد ~~بكمال أوصافه ما قدروا الله حق قدره على الحقيقة. # ثم قال: { قل من أنزل الكتب الذي جآء به موسى ~~نورا وهدى للناس } [الأنعام: 91]، حجة عليهم يعني من الذي يجئ ~~بكتاب كما جاء به موسى عليه السلام وحاله أن ينور القلوب القاسية بنور ~~الله تعالى ويهديهم بذلك النور إلى الله تعالى ودينه غير الله، فإن ~~الكتاب الذي يجيء به غير الله لا يكون له هذا الحال لا { تجعلونه ~~قراطيس } [الأنعام: 91]، أي إنما أنزل الكتاب الذي حاله أن ينور ~~القلوب ويهديها إلى الله لتعلموا به وسيرى الله نوره إلى قلوبكم فجعلتموه ~~{ قراطيس } بالكتابة وما تجعلونه في قلوبكم بالتخلق بالأخلاق الكتاب ~~فلا جرم ms0565 تبدونها إلى صورة قراءتها وروايتها { تبدونها وتخفون ~~كثيرا } [الأنعام: 91]، وهو حقائقها الكثيرة التي تتعلق بنور الكتاب ~~وهداه وهو غير متناه { وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ~~ولا ءابآؤكم } [الأنعام: 91]، يشير بهذا إلى كمالية مرتبة محمد ~~صلى الله عليه وسلم وكمالية دينه على الأنبياء عليهم السلام والأديان ~~كلها وذلك أن محمد صلى الله عليه وسلم قد بعث لتعليم الكتاب والحكمة ~~وتعليم ما لم يعلم غيره من الكتاب والحكمة كقوله تعالى: # ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم ~~تكونوا تعلمون # [البقرة: 151]، والذي علمهم النبي صلى الله عليه وسلم من الكتاب قوله ~~تعالى: { قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } ~~[الأنعام: 91]، ومن الحكمة ما هو سره الذي يكون تعليمه بسر المتابعة سر ~~بسر وإضمار بإضمارنا المعنى { قل الله } بشرك عند خلوة عن التفات ما ~~سواه من خلقه { ثم ذرهم } أي الخلق في خوضهم يلعبون أي ليلعبوا ~~بمن خاض فيهم وبلعبهم من خاضوا فيهم ومعهم حتى يقولوا يوم الحسرة وكنا ~~نخوض مع الخائضين فهو الذي علمهم النبي صلى الله عليه وسلم من حقيقة علم ~~الكتاب والحكمة مما لم يعلموهم ولا آباؤهم والله أعلم. # ثم أخبر عن هذا الكتاب أنه مبارك على أولي الألباب بقوله تعالى: { ~~وهذا كتب أنزلنه مبارك } [الأنعام: 92]، الآيتين ~~الإشارة فيهما أن هذا الكتاب أنزلناه مبارك على العوام بأن يدعوهم إلى ~~ربهم وعلى الخواص بأن يهديهم إلى ربهم وعلى خواص الخواص بأن يوصلهم إلى ~~ربهم ويخلقهم بإضافة وفي كتاب المحبوب شفاء لما في القلوب كما قيل وكتبك ~~حولي لإنفاق مضجعي وفيها شفاء للذي أنا كاتم { مصدق الذي بين ~~يديه } [الأنعام: 92]، يعني حقائقه جميع حقائق ما في الكتب الذي ~~أنزلت قبله مستوعبا للتخلق به { ولتنذر أم القرى } ~~[الأنعام: 92]، وهي الذرة المودعة في القلب التي هي المخاطب في الميثاق ~~وأوحيت جميع أرض القلب من تحتها { ومن حولها } [الأنعام: 92]، من ~~الجوارح والأعضاء والسمع والبصر والفؤاد والصفات والأخلاق بما يتنوروا ~~بأنواره وينتفعوا بأسراره ويتخلقوا بأخلاقه { والذين يؤمنون ~~بالأخرة يؤمنون به } [الأنعام: 92]، يعني ما هو توجهه إلى ~~الآخرة الباقية ms0566 في أمور الدنيا والآخرة لا للدنيا الفانية وشهوات النفس، ~~وهو لها فقرا من القرآن وتنور بأنواره وانتفع من أسراره { وهم على ~~صلاتهم يحافظون } [الأنعام: 92]، يعني على الترقي من صفاتهم ~~وأخلاقهم إلى الاتصاف بصفات الحق والتخلق بأخلاقه يداومون فإن الصلاة ~~معراج المؤمنين { ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا } [الأنعام: 93]، يعني الذين يراءون في التأوه والزعقات وإظهار ~~المواجيد والحالات لهم من الله خطرات ونظرات وليس لهم منها نصيب إلا ~~الزفرات والحسرات والمتشبع بما لم يملك كلابس ثوبي زور، وفي معناه ~~انشدوا: # إذا انسكبت دموع في خدود # تبين من بكى ممن تباكى # { أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء } ~~[الأنعام: 93]؛ يعني: والذي نزل نفسه منزلة المحدثين وأهل الإشارة، ولم ~~يلق إلى أسرارهم خصائص الكتاب، ولم تلهم نفوسهم بها { ومن قال ~~سأنزل مثل مآ أنزل الله } [الأنعام: 93]، يشير إلى ~~المتشدقين والمتفيهقين في الكلام الذين يدعون أنهم يتكلمون بمثل ما أنزل ~~الله من الحقائق والأسرار على قلوب عباده الواصلين الكاملين. # { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ~~والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم } ~~[الأنعام: 93]، إشارة إلى أن غاية الظالم هي الافتراء على الله، والذي ~~يظلم نفسه بالافتراء بأن ينزلها منزلة غيرها، ويضع ادعاء الوحي في غير ~~موضعها، يظهر مضرة ظلمته وافترائه عند سكرات الموت وافترائهم عند انقطاع ~~تعلق الروح عن البدن، وإخراج النفس من القالب كرها لتعلقها بشهوات ~~الدنيا ولذاتها وحرمانها من لذات الحقائق الغيبية والشهوات الأخروية؛ إذ ~~الملائكة يبسطون أيديهم بالقهر إليهم لنزع أنفسهم بالهوان والشدة وهي ~~متعلقة بحسب الافتراء والكذب واستحلاء رفعة المنزلة عند الخلق وطلب ~~الرئاسة بأصناف المخلوقات فتكون شدة النزع والهوان بقدر تعلقها بها، كما ~~قال: { اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون ~~على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ~~} [الأنعام: 93]؛ يعنى: آياته المودعة في أنفسكم تعرضون عنها وتراؤون بما ~~ليس لكم، ولعل تعلق النفس يتقطع عن البدن بيوم أو يومين أو ثلاثة أيام ~~وتعلقها عن أوصاف المخلوقات لا ينقطع بالسنين، ولعله إلى الحشر والكفار ~~إلى الأبد وهم في ms0567 عذاب النزع بالشدة أبدا وهو العذاب الأليم والعذاب ~~الشديد، ومن نتائج هذه الحالة عذاب القبر فافهم جيدا. ### || [6.94] # ثم أخبر عن مجيئهم وقال تعالى: { ولقد جئتمونا فردى } ~~[الأنعام: 94]، الإشارة فيها أن المجيء إلى الله تعالى يكون بالتجريد، ثم ~~بالتفريد ثم بالتوحيد، فالتجريد: هو التجرد عن الدنيا وما يتعلق بها، ~~والتفريد: هو التفرد عن الدنيا والآخرة رجوعا إلى الله تعالى خاليا عن ~~التعلق بهما كما كان في بدء الخلقة روحا مجردا عن تعلقات الكونين كقوله ~~تعالى: { ولقد جئتمونا فردى كما خلقنكم أول ~~مرة } [الأنعام: 94]؛ يعني: أول خلقة الروح قبل تعلقه بالقالب، فإنه ~~خلقه ثانيا، كما قال تعالى: # خلقا آخر # [المؤمنون: 14]، وقال تعالى: # ولقد خلقناكم ثم صورناكم # [الأعراف: 11]، فللعبد في السير إلى الله تعالى كسب وسعي بالتجريد ~~والتفريد عن الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: { وتركتم ما ~~خولنكم وراء ظهوركم } [الأنعام: 94]، يعني: عن تعلق ~~الكونين، { وما نرى معكم شفعآءكم الذين زعمتم ~~أنهم فيكم شركآء } [الأنعام: 94]، يعني: الأعمال والأحوال ~~التي ظننتم أنها توصلكم إلى الله، { لقد تقطع بينكم } ~~[الأنعام: 94]، وبينها عند انتهاء سيركم. # { وضل عنكم ما كنتم تزعمون } [الأنعام: 94]، إنه يوصلكم ~~إلى الله تعالى، فلما وصل العبد إلى سرادقات العزة انتهى سيره كما انتهى ~~سير جبريل عليه السلام ليلة المعراج عند سدرة المنتهى - وهي منتهى سير ~~السائرين من الملك والأنس - والتوحيد هو التوحد، لفيض الوحدانية عن ~~التجلي بالصفات الوحدانية؛ ليوصل العبد بجذبة: # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28]، مقام الوحدة، ولو لم يدركه العناية الأزلية بجذبات ~~الربوبية لانقطع عن السير في الله بالله، وبقي في السدرة وهو يقول: ما ~~شاء الله له مقام معلوم. ### || [6.95-100] # ثم أخبر عن تعريف ذاته بصفاته { إن الله فالق الحب ~~والنوى } [الأنعام: 95]، إلى قوله: { لقوم يعلمون } ~~[الأنعام: 97]، الإشارة فيها: إن الله هو فالق حبة الذرة التي أخذ منها ~~الميثاق المودعة في حبة القلب عن نبات المحبة وخالق النوى، ذكر: " لا إله ~~إلا الله " في أرض القلب عن شجرة الإيمان كقوله تعالى: # كلمة طيبة كشجرة طيبة # [إبراهيم: 24]، { يخرج الحي من الميت } [الأنعام: ms0568 95]، ~~يخرج نبات المحبة التي هي من صفات الحي القيوم من الذرة الميتة ~~الإنسانية. # { ومخرج الميت من الحي } [الأنعام: 95]، مخرج الإفعال ~~الطبيعية النفسانية التي هي من صفات الكفار الموتى من المؤمن الحي في ~~الدارين، وأيضا مخرج حي الإيمان من نوى الحروف الميتة في كلمة لا إله ~~إلا الله، ومخرج ميت النفاق من الكلمة الحية وهي لا إله إلا الله، { ~~ذلكم الله } [الأنعام: 95]، أي: هو الذي له القدرة والكمال، { ~~فأنى تؤفكون } [الأنعام: 95]، فكيف تصرفون عن الحق من غير ~~خذلانه، { فالق الإصباح } [الأنعام: 96]، أي: خالق مصباح أنوار ~~الروح عن ظلمة ليل البشرية ومظهرها، { وجعل الليل سكنا } ~~[الأنعام: 96]، سترا من ضياء شمس الروح لتسكن فيه النفس الحيوانية ~~والأوصاف البشرية. # { والشمس والقمر حسبانا } [الأنعام: 96]، يعني: تجلي شمس ~~الروحانية في طلوع قمر القلب بالحسبان؛ لئلا يفسد القلب والقالب، أيضا ~~تجلي شمس الربوبية وطلوع قمر الروحانية لليل البشرية بالحساب؛ لئلا يفسد ~~أمر الدين والدنيا على العبد بالتفريط والإفراط، فإن في إفراط طلوع شمس ~~المعارف والشهود آفة " أنا الحق " و " سبحاني " ، وفي تفريطه آفة " أنا ~~ربكم " ، ودعوى الإلوهية واتخاذ الهوى إلها. # { ذلك تقدير العزيز العليم } [الأنعام: 96] أي: قدره ~~عزيز لا يهتدي إليه إلا به عليم بما هو مستحق الاهتداء إليه وبالهداية ~~لديه، { وهو الذي جعل لكم النجوم } [الأنعام: 97]، يعني: ~~نجوم القلوب في سماوات القلوب، { لتهتدوا بها في ظلمت ~~البر } [الأنعام: 97]، بر البشرية، { والبحر } [الأنعام: 97]، ~~بحر الروحانية إلى عالم الربوبية، { قد فصلنا الآيت } ~~[الأنعام: 97]، بيننا وأظهرنا شواهد الربوبية، { لقوم يعلمون } ~~[الأنعام: 97]، قدرها، وهم أهل المحبة الذين قال تعالى فيهم: # فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]. # ثم أخبر عن تعريف ربوبيته بهويته بقوله تعالى: { وهو الذي ~~أنشأكم من نفس وحدة } [الأنعام: 98]، إلى قوله سبحانه ~~وتعالى: { عما يصفون } [الأنعام: 100]، الإشارة فيها: إن الله ~~تعالى خلق آدم عليه السلام ابتداء وجعل أولاده منه، وقال تعالى: { وهو ~~الذي أنشأكم من نفس وحدة } [الأنعام: 98]، فكذلك خلق ~~روح محمد صلى الله عليه وسلم قبل الأرواح كما قال صلى الله عليه وسلم: # " أول ما خلق ms0569 الله روحي، ثم خلق الأرواح من روحه " # فكان آدم عليه السلام أبو البشر، ومحمد صلى الله عليه وسلم أبو الأرواح، ~~إليه يشير قوله تعالى: { أنشأكم من نفس وحدة }. # وقوله تعالى: { فمستقر ومستودع } [الأنعام: 98]، يعني: من ~~الأرواح ما يتعلق بالأجساد واستقر وما هو بعد مستودع في عالم الأرواح، ~~وأيضا من الأرواح ما هو مستقر فيه نور الإيمان وهو من أنوار الصفات، ~~ومستودع فيه جذبات الحق وهي أنوار الذات، ومنها ما هو مستقر ببقاء الحق ~~باق، وما هو مستودع في بقاء البقاء عن الفناء فان، { قد فصلنا ~~الآيت } [الأنعام: 98]، دلالات الوصول والوصال. # { لقوم يفقهون } [الأنعام: 98]، يعني: لقوم لهم نقد القلوب ~~وإشارات الغيوب، { وهو الذي أنزل من السمآء مآء } ~~[الأنعام: 99]، أي: من سماء العناية ماء العناية، { فأخرجنا به ~~نبات كل شيء } [الأنعام: 99]، من أنواع المعارف، { ~~فأخرجنا منه خضرا } [الأنعام: 99]، أي: من المعاني والأسرار ~~ما هو غض طري، { نخرج منه حبا متراكبا } [الأنعام: 99]، ~~من الحقائق يركب بعضها بعضا، { ومن النخل } [الأنعام: 99]، يشير ~~إلى أصحاب الولايات من طلعها، { من طلعها قنوان دانية } ~~[الأنعام: 99]، أي: من ثمرات ولايتهم ما هو متدان للطالبين والمريدين؛ ~~يعني: منهم من يكون قريبا فينتفع بثمرات ولايته، ومنهم من يختار العزلة ~~والانقطاع عن التمكين به، { وجنت من أعناب والزيتون ~~والرمان مشتبها وغير متشبه } [الأنعام: 99] يشير به ~~إلى روضات العلوم المستخرجة من أرض الأعيان بماء الهداية لأرباب الزهد ~~والتقوى، وإن لم يبلغوا مراتب أهل الولاية وجنات من أعناب الاجتهاد ~~وزيتون الأصول ورمان الفروع، { مشتبها } أي: متفقا في الأصول ~~والفروع، { وغير متشبه }؛ أي: مختلفا فيهما بين العلماء ~~والأئمة. # { انظروا إلى ثمره } [الأنعام: 99]، أي: ثمر الولاية { ~~إذآ أثمر } [الأنعام: 99]، كيف ينتفع العوام بها، { وينعه } ~~[الأنعام: 99]، أي: وإلى يانعة كيف يتفرد في العالم عنه كماله، { إن ~~في ذلكم لأيت لقوم يؤمنون } [الأنعام: 99]، بأحوالهم ~~ويتبعونهم بأقوالهم، { وجعلوا لله شركآء الجن ~~وخلقهم } [الأنعام: 100]، يشير به: إلى أنه تعالى كما أخرج بماء ~~اللطف والهداية من أرض القلوب لأربابها أنواع الكمالات التي ذكرنا، فأخرج ~~بماء القهر والخذلان من أرض النفوس ms0570 لأصحابها أنواع الضلالات حتى أشركوا. # { وخرقوا له بنين وبنت بغير علم } [الأنعام: ~~100]؛ أي: بالجهل والضلال في تفرده بالجمال والجلال. ### || [6.101-104] # ثم أخبر عن تفرد ذاته وصفاته بقوله تعالى: { بديع السموت ~~والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صحبة ~~وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم } [الأنعام: 101]، { ~~ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خلق كل ~~شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل } [الأنعام: ~~102]، إلى قوله: { وهو اللطيف الخبير } [الأنعام: 103]، ~~والإشارة فيها: أنه تعالى موصوف بالتنزيه ذاته وصفاته بحيث { لا ~~تدركه الأبصر } [الأنعام: 103]؛ أي: لا تلحقه المحدثات لا ~~الأبصار الظاهرة ولا الأبصار الباطنة، تقدست بالصمدية عن كل لحوق ودرك ~~ينسب إلى مخلوق ومحدث. # { وهو يدرك الأبصر } [الأنعام: 103]، بالتجلي لها، فيفني ~~المحدثات فيكون هو بصره الذي يبصر به، فالقوة عند التجلي الأبصار الظاهرة ~~والباطنة في الرؤية بنور الربوبية، { وهو اللطيف الخبير } ~~[الأنعام: 103]، أي: هو اللطيف من أن يدركه المحدثات أو يلحقه المخلوقات، ~~الخبير بمن يستحق أن يتجلى له الحق تعالى ويدرك أبصاره باطلاعه عليها ~~فيستعد بها للرؤية، ومن لطفه أنه أوجد الموجودات وكون المكونات فضلا منه ~~وكرما من غير استحقاقها للوجود. # ثم أخبر عن إيضاح السبيل وإيضاح الشكر بقوله تعالى: { قد جآءكم ~~بصآئر من ربكم } [الأنعام: 104]، إلى قوله: # بوكيل # [الأنعام: 107]، الإشارة فيها: إن الله تعالى أعطى لكل عبد بصيرة؛ لقلبه ~~يبصر بها الحقائق المودعة في الغيوب، والكمالات المعدة لأرباب القلوب، ~~كما أعطى بصرا لقالبه يبصر به الأعيان في الشهادة، وما أعد لهم فيها من ~~المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح، فقد قال تعالى: { قد جآءكم ~~بصآئر من ربكم فمن أبصر فلنفسه } [الأنعام: ~~104]، يعني: من نظر ببصر البصيرة إلى المراتب العلوية الأخروية الباقية ~~والبصر كمالات القرب، وما أعد الله: مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا ~~خطر على قلب بشر، فيشتغل تحصيله ويقبل على الله بسلوك سبيله، ويعرض عن ~~الدنيا الدنية، ويترك زينتها وشهواتها الفانية، فكذلك تحصيل سعادة وكرامة ~~لنفسه، # فإن الله غني عن العلمين # [آل عمران: 97]. # { ومن عمي فعليها } [الأنعام: 104]، يعني: من ms0571 عمي عن النظر ~~بالبصيرة عن هذه الكمالات لما أبصر ببصر القلب إلى الدنيا وزينتها ~~واستلذ بشهواتها، واستحلى مراتعها الحيوانية، فعميت بصيرته، # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور # [الحج: 46]، فذلك تحصيل شقاوة وخسارة على نفسه، { ومآ أنا ~~عليكم بحفيظ } [الأنعام: 104]، أحفظكم عن هذه الشقاوة، وأبلغكم ~~من غير اختياركم وصدق طلبكم إلى تلك السعادة المعدة للسعداء. ### || [6.105-109] # { وكذلك نصرف الآيات } [الأنعام: 105]، أي: يجعلها فتنة ~~للجهال { وليقولوا درست }؛ بجهلهم بكلام الله والتصرفات ~~الإلهية، { ولنبينه }؛ يعني: نصرف الآيات، { لقوم ~~يعلمون } [الأنعام: 105]، أي: للمحتالين بالعلم والمعرفة من الجهال ~~والضلال، إنه كلام الله وتصرفاته ليس بمقدور مخلوق اتبع بإفناء الأنانية، ~~{ اتبع مآ أوحي إليك من ربك } [الأنعام: 106]، فيما ~~أوحى إليك من تجلي صفات ربك بالوحدانية؛ ليتحقق لك أنه { لا إله ~~إلا هو وأعرض عن المشركين } [الأنعام: 106]، عند تجلي ~~ذاته بالوحدانية بإفناء أنانيتك في هويته، وهذا أمر التكوين؛ ليخرجه عن ~~مقام المشركين وهم أهل الأنانية والآنية والاثنينية سرا وجهرا، { ~~ولو شآء الله مآ أشركوا وما جعلناك عليهم ~~حفيظا ومآ أنت عليهم بوكيل } [الأنعام: 107]، لتحفظهم عن ~~التثنية وما أنت عليهم؛ يعني: على من أوقعناهم في مقام الاثنينية حكمة ~~بالغة منا، { بوكيل } لتبلغهم إلى مقام الوحدة، وإنما يبلغ الوحدة من ~~خلقناه لها، وتدعو العوام إلى: التوحيد، والخواص إلى: الوحدانية، وخواص ~~الخواص إلى: الوحدة، ويكون لكل قوم هو لما خلق له. # ثم أخبر عن جهالة الإنسان وغاية ضلالته بقوله تعالى: { ولا تسبوا ~~الذين يدعون من دون الله } [الأنعام: 108]، إلى قوله: # يجهلون # [الأنعام: 111]؛ الإشارة فيها: إن من غاية جهالة الإنسان وظلوميته أن ~~يصير أمره إلى أن يسبوا الله الذي خلقه، فقال تعالى: { ولا تسبوا ~~الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا ~~بغير علم } [الأنعام: 108]؛ يعني: ولا تخاطبوا أهل الضلالة على ~~موجب نوازع النفس والطبيعة الجهولية الظلومية، فيحملهم ذلك على ترك ~~الإجلال وإظهار الضلال، بل خاطبوهم بلسان الحجة وإلزام الدليل ونفي ~~الشبهة، ولا يضايقوهم على قبيح ما يفعلون فيزدادوا جرأة في عينهم فيكونوا ~~سببا وعلة لزيادة كفرهم، ms0572 { كذلك زينا لكل أمة ~~عملهم } [الأنعام: 108]، كما زينا لكم مسالمتهم ومخاطبتهم بالعنف، ~~فكذلك زينا لكل أمة من المقبولين أعمال أهل القبول، ومن المردودين أعمال ~~أهل الردة، { ثم إلى ربهم مرجعهم } [الأنعام: 108]، ~~بأقدام تلك الأعمال كلا الفريقين يذهبون إلى ربهم، { بما كانوا ~~يعملون } [الأنعام: 108]، أما أهل القبول: فيسلكون على أقدام ~~الأعمال الصالحة طريق اللطف فينبئهم بالفضل والإحسان أنهم كانوا يحسنون، ~~وأما أهل الردة: فيقطعون على أقدام المخالفات بوادي القهر والمهلكات ~~فينبئهم بالعدل والخسران أنهم كانوا يسيئون، { وأقسموا بالله ~~جهد أيمنهم } [الأنعام: 109]، وهم غافلون عن حرمانهم وخذلانهم، ~~{ لئن جآءتهم آية ليؤمنن بها } [الأنعام: 109]، قد ~~حسبوا أن البرهان يوجب الإيمان ولم يعلموا أنهم مقهورون تحت حكم السلطان، ~~فلا يخلطوا بالبرهان عن قيد الخذلان وأيدي الحرمان، وما يعني وضوح الأدلة ~~لمن لا تساعده سوابق الرحمة. # { قل إنما الآيت عند الله } [الأنعام: 109]؛ يعني: ~~اطلبوها في مقام العبدية، { وما يشعركم } [الأنعام: 109] يا أهل ~~الحسبان { أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون } [الأنعام: 109] ~~بالخذلان. ### || [6.110-111] # { ونقلب أفئدتهم وأبصرهم } [الأنعام: 110]؛ يعني: ~~كيف يؤمنون ونحن نقلب أفئدتهم عن الآخرة إلى الدنيا وأبصارهم من شواهد ~~المولى إلى مشاهدة النفس والهوى، ونجعلهم { كما لم يؤمنوا به ~~أول مرة } [الأنعام: 110]؛ أي: كأنهم لا يؤمنون يوم الميثاق ~~بالوحدانية، إذ قال تعالى: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172]، { ونذرهم } [الأنعام: 110] على حكم سوابق الأزل، ~~{ في طغيانهم } [الأنعام: 110]، الخذلان، { يعمهون } ~~[الأنعام: 110] إلى الأبد، { ولو أننا نزلنآ إليهم ~~الملائكة } [الأنعام: 111] ليفقهوا، { وكلمهم الموتى } ~~[الأنعام: 111] أي: يحيي قلوبهم الميتة وتكلمهم. # { وحشرنا عليهم كل شيء قبلا } [الأنعام: 111]؛ يعني: ~~معاينة الآيات المودعة في المكونات وإن تظاهرت وتوالت شموس الشواهد وإن ~~سألت { ما كانوا ليؤمنوا } [الأنعام: 111] إذ قصمتهم العزة ~~وكبتتهم [شقاوة] القسمة، { إلا أن يشآء الله } [الأنعام: ~~111]، فإن المشيئة تغير السجية، والعناية الأزلية كفاية الأبدية، { ~~ولكن أكثرهم يجهلون } [الأنعام: 111]، إن الهدى ليس ~~بالمنى وإنها بمشيئة المولى. ### || [6.112-114] # ثم أخبر عن أهل الولاء إنهم قد أبطلوا بالأعداء بقوله تعالى: { ~~وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شيطين الإنس ~~والجن } [الأنعام: 112]، إلى قوله: { فلا تكونن من ~~الممترين ms0573 } [الأنعام: 114]، الإشارة فيها: إن البلايا للسائرين إلى ~~الله هي المطايا، وإن أشد البلاء شماتة الأعداء، فلما كانت رتبة الأنبياء ~~- عليهم السلام - أعلى كانت عداوة الأعداء لهم أدنى جعلنا بهم أولى، فقال ~~تعالى: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شيطين ~~الإنس والجن } [الأنعام: 112]؛ فشياطين الإنس نفسه الإثارة ~~بالسوء وهي أعدى الأعداء؛ ولهذا قدم ذكره على الجن هاهنا بخلاف المواضع ~~الأخرى؛ ليعلم عداوة النفس، وأصحاب النفوس أشد وأصعب من عداوة شياطين ~~الجن، فإن كيد الشيطان مع الإنسان كان ضعيفا؛ فلصعوبة الابتلاء جمع الله ~~تعالى بين الكيد في عداوة الأنبياء وللأولياء حتى قال: { يوحي ~~بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا } [الأنعام: 112]، ~~وبوزرهم به؛ لتزيد مقاساة شدائد أذيتهم في دفعة مراتب قربهم وكماليتهم في ~~العبودية، وفنائهم في الأوصاف الربوبية، وبقائهم بالأخلاق الإلهية. # { ولو شآء ربك ما فعلوه } [الأنعام: 112]، حتى عداوة ~~شياطين الإنس والجن إنما هي بمشيئته لا بمشيئتهم، { فذرهم وما ~~يفترون } [الأنعام: 112] من زخرف القول، فإن للأنبياء فيه ما ذكرنا، ~~وفيه للمؤمنين والكافرين ما ابتلاه، كما قال تعالى: { ولتصغى ~~إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة } [الأنعام: ~~113]؛ يعني: وليبتلي بزخرف قوله: المؤمنين والكافرين، واكتفى بذكر أحد ~~الفريقين عن الآخر، فيصغى إلى زخارفهم الكافرون الذين لا إيمان لهم بأن ~~سوى هذه الدار دارا أخرى فيغترون بزخارفهم، وهم يشترون الحياة الدنيا ~~بالآخرة، { وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون } ~~[الأنعام: 113]. # وأما المؤمنون فلا يصغون إلى زخارف قولهم ولا يغتروا بقولهم، ولا ~~يهنون لما أصابهم من عداوتهم في سبيل الله تعالى، فيقوى بهم إيمانهم، ~~ويزداد قربهم، ويتبدل أوصافهم الذميمة بالأخلاق الحميدة، ويحسن تفردهم ~~للحق وتجردهم عن الخلق، ويقولون: { أفغير الله أبتغي حكما ~~} [الأنعام: 114]؛ أي: أنا بالذي أطلب غير الله وغير محبته حاكما من ~~الدنيا والآخرة يحكم على أن أكون بحكمه، { وهو الذي أنزل ~~إليكم الكتاب مفصلا } [الأنعام: 114] مبينا للطالبين ~~الصادقين طريق الحق من الباطل، مبلغا بنور هداه العبد المحب إلى محبوبه ~~ومولاه، { والذين آتيناهم الكتاب } [الأنعام: 114]، أي: ~~هداهم بنور الكتاب إلى حضرة الجلال، { يعلمون أنه منزل ~~من ربك بالحق } [الأنعام: 114]؛ يعني: ms0574 كوشفوا بحقائق القرآن ~~أنه جذبة الحق منزل إلى المحبين؛ ليجذبهم إلى محبوبهم، { فلا ~~تكونن من الممترين } [الأنعام: 114] الذين يشكون في أن ~~القرآن جذبة الحق أم الأخلاق يتمسكون به وهذا نهي التكوين، فكمن قال في ~~الأزل: { فلا تكونن من الممترين } فما كان منهم فافهم ~~جيدا. ### || [6.115-116] # ثم أخبر المولى تأكيدا لهذا المعنى بقوله تعالى: { وتمت كلمت ~~ربك صدقا وعدلا } [الأنعام: 115]، إلى قوله: # إن ربك هو أعلم بالمعتدين # [الأنعام: 119]؛ الإشارة فيها: إنه تعالى متكلم بكلام واحد من الأزل إلى ~~الأبد، { وتمت كلمت ربك صدقا }؛ يعني: بأمره ونهيه وحكمه ~~وقضائه وقدره وإيجاده، وهي كلمة كن لما أراد أن يكون موجودا فكان كما ~~أراد، وأن يكون معدوما فكان كما أراد؛ أي: طوعا ورغبة في الكينونة كما ~~أراد، كقوله تعالى: # ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين # [فصلت: 11]، { وعدلا }؛ أي: عدل فيما قدر ودبر وقضي وحكم بالوجود ~~والعدم والسعادة والشقاوة والرد والقبول والخير والشر والحسن والقبح ~~والإيمان والكفر، فإنه أحسن كل شيء خلق، فكما أحسن خلق الحسن كذلك أحسن ~~خلق القبيح؛ لأن القبيح في مقامه حسن كالحسن في مقامه، فإن قيل: هو قادر ~~على أن يخلق أحسن مما خلق حسنا أو يخلق أقبح مما خلق قبيحا، وإن يخلق ~~خيرا مما خلقه خيرا وشرا مما خلقه شرا، قلنا: نعم، وهو كذلك إلى ~~الأبد، وذلك إن أحسن كل شيء خلقه الله تعالى هو الإنسان؛ لقوله تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4]، وكذلك خير شيء خلقه الله هو الإنسان عند كماله # أولئك هم خير البرية # [البينة: 7]، ثم أقبح ما خلقه الله تعالى وسيره أيضا هو الإنسان عند ~~فساد الاستعداد الفطري وكمال نقصانه؛ لقوله تعالى: # ثم رددناه أسفل سافلين # [التين: 5]، وقوله تعالى: # أولئك هم شر البرية # [البينة: 6]. # فاعلم أن لأهل الكمال ترقيا في كمال الحسن إلى الأبد، ولأهل النقصان ~~ترقيا في كمال القبح إلى الأبد، فالله تعالى # كل يوم هو في شأن # [الرحمن: 29] يخلق أحسن مما خلق حسنا، ويخلق أقبح مما خلق قبيحا إظهار ~~القدرة الكاملة الغير ms0575 المتناهية، { لا مبدل لكلماته } ~~[الأنعام: 115]؛ أي: فيما قدر وقضى وحكم بإرادته القديمة وحكمته ~~البالغة من أصناف المخلوقات وأنواع المخترعات، فليس شيء منها يدعو إلى ~~التبديل من نقصان في خلقه؛ لأنه خلق تاما كاملا في رتبته، والزيادة على ~~الكمال نقصان، { وهو السميع } [الأنعام: 115]؛ لحاجة كل ذي حاجة ~~يسمع استدعائهم لوجود الكمال قبل وجودهم، { العليم } [الأنعام: 115] ~~بإيجاد وجود الكمال المستدعي كما يجب. # وفي قوله تعالى: { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك ~~عن سبيل الله } [الأنعام: 116] إشارة إلى: إن في أمته من أن تطعه ~~يردك إلى سبيل الله، كقوله تعالى: # وإن تطيعوه تهتدوا # [النور: 54]، وذلك؛ لأن أكثر من في الأرض هم متبعوا أهوائهم، فمن يطيع ~~أهل الأهواء اتبعهم، وقال تعالى: # ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله # [ص: 26]، فمن يتبع أهل الأهواء كأنه اتبع الهوى فيضله عن سبيل الله. # { إن يتبعون إلا الظن } [الأنعام: 116]؛ يعني: أهل ~~الأهواء بنوا أمر دينهم على الظنون الكاذبة، { وإن هم إلا ~~يخرصون } [الأنعام: 116]، يكذبون في دعوى طلب الدين الحق، فإن سبيل ~~الحق لا يسلك بالظن وإنما يسلك بالصدق والهدى. ### || [6.117-120] # { إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو ~~أعلم بالمهتدين } [الأنعام: 117]؛ لأنه قسم الضلالة والهدى ~~يضل من يشاء وهو أعلم بمستحقي الضلالة من مستحقي الهداية. # { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم ~~بآياته مؤمنين } [الأنعام: 118]؛ يعني: من أمارات الإيمان كلوا ~~الطعام بحكم الشرع لا على وفق الطبع وتذيبوه بذكر الله، كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " أذيبوا طعامكم بذكر الله " # فإن الأكل على الغفلة والنسيان والاستعانة على العصيان يورث موت الجنان ~~والحرمان على الجنان، { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر ~~اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم } ~~[الأنعام: 119] أيها الطلاب؛ يعني: الدنيا وما فيها، والآخرة وما هو من ~~نعيمها، فإن الدنيا حرام على أهل الآخرة، والآخرة حرام على أهل الدنيا، ~~وهما حرامان على أهل الله، { إلا ما اضطررتم إليه } ~~[الأنعام: 119] من ضروريات البشرية في الدارين بأمر المولى ولا بالطبع ~~والهوى، { وإن كثيرا } [الأنعام: ms0576 119]؛ يعني: من أهل الأهواء، { ~~ليضلون } [الأنعام: 119]، عن سبيل وطلب الحق، { بأهوائهم ~~بغير علم } [الأنعام: 119]؛ يعني: بمتابعة أهوائهم في طلب الدنيا ~~والركون إلى العقبى، ولا يعلمون أنهم مفتونون وعن باب الحق مطرودون، { ~~إن ربك هو أعلم بالمعتدين } [الأنعام: 119]، الذين ~~جاوزوا طلب المولى وركنوا إلى الدنيا والعقبى. # ثم أخبر عن جزاء أهل الأهواء بقوله تعالى: { وذروا ظهر الإثم ~~وباطنه } [الأنعام: 120]، الآيتين والإشارة فيهما: أن الله تعالى ~~كما خلق الإنسان ظاهرا: هو بدن جسماني وباطنا: هو قلب روحاني، فكذلك ~~جعل الإثم ظاهرا: وهو كل قول وفعل موافق للطبع مخالف للشرع، وباطنا: ~~وهو كل خلق حيواني ومسعى شيطاني جبلت النفس عليه. # فقال تعالى: { وذروا ظهر الإثم وباطنه } [الأنعام: ~~120]؛ أي: اتركوا أعمال الطبيعة باستعمال الأعمال الشرعية، واتركوا ~~الأخلاق الذميمة النفسانية بالتخلق بالأخلاق الملكية الروحانية، { إن ~~الذين يكسبون الإثم } [الأنعام: 120] ظاهره وباطنه بالأفعال ~~والأخلاق، { سيجزون بما كانوا يقترفون } [الأنعام: 120] ~~عاجلا وآجلا. # أما عاجلا: فلكل فعل وقول طبيعي ظلمة تصدأ مرآة القلب فيخرف مزاج ~~الأخلاق القلبية الروحانية، ويتقوى مزاج الأخلاق النفسانية الظلمانية، ~~وبه يقلب الهوى ويميل إلى الدنيا وشهواتها، فبإظهار كل خلق منها على وفق ~~الهوى يزيد رينا وقسوة في القلب فيحتجب به عن الله تعالى، كما قال الله ~~عز وجل: # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين: 14]. # وأما آجلا: بهذه الموانع والحجب ينقطع العبد عن الله تعالى ويبقى ~~محجوبا معذبا في النار خالدا مخلدا، كما قال الله عز وجل: # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين: 15] ### || [6.121-124] # { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } ~~[الأنعام: 121]؛ أي: ولا تأكلوا طعاما إلا بأمر الله وعلى ذكر الله وفي ~~طلب الله؛ ليندفع بنور الذكر ظلمة الطعام وشهوته، { وإنه لفسق } ~~[الأنعام: 121]؛ يعني: ظلمة الطعام وشهوته؛ مؤدية إلى الفسق الذي هو ~~الخروج من النور الروحاني إلى الظلمة النفسانية، وفي قوله تعالى: { ~~وإن الشيطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجدلوكم } [الأنعام: 121]؛ إشارة إلى: إن للشياطين مجالا في ~~الوسوسة، إذ كانت النفوس أوليائهم في المجادلة مع القلوب؛ ليدعوها إلى ~~متابعة الهوى وترك ms0577 طلب المولى، [وتشوف] النفس [وهم] أولياء الشياطين في ~~هذا المعنى، ولا يكون للشيطان مجال في وسوسة القلوب ثم قال تعالى: { ~~وإن أطعتموهم } [الأنعام: 121]؛ يعني: في ترك طلب المولى ~~ومتابعة الهوى { إنكم لمشركون } [الأنعام: 121]؛ لأنكم تعبدون ~~الهوى مع المولى، كما قال تعالى: # أرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الفرقان: 43]. # ثم أخبر عن طالب المولى متابعي الهوى بقوله تعالى: { أو من كان ~~ميتا فأحيينه } [الأنعام: 122]، إلى قوله: { بما كانوا ~~يمكرون } [الأنعام: 124]. # والإشارة فيها: إن الله تعالى هو الحي القيوم الذي ما كان ميتا ولا ~~يموت أبدا وما سواه فهو ميت؛ لأنه كان ميتا في الدعم وسيموت، فقوله: { ~~أو من كان ميتا }؛ أي: من الحياة الحقيقية فأحييناه بالحياة ~~الحقيقية، وهي معنى قوله تعالى: { وجعلنا له نورا يمشي به ~~في الناس } [الأنعام: 122]، أي: نور الوجود الحقيقي الذي صار به ~~قيامه في جميع أحواله، كما قال تعالى: # " فبي يبصر وبي يسمع ". # { كمن مثله في الظلمت ليس بخارج منها } ~~[الأنعام: 122]؛ يعني: كالذي هو باق في ظلمات الوجود المجازي كالموتى في ~~قبور القالب لا يمكنه الخروج منها، وأيضا: { أو من كان ميتا ~~فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس } ~~[الأنعام: 122]: # أي: بنورنا، { كمن مثله في الظلمت }؛ يعني: محبوس في ~~ظلمات وجوده ليس بخارج منها { كذلك زين للكفرين ما ~~كانوا يعملون } [الأنعام: 122] من أنواع الضلالات يميت قلوبهم ~~ويحيهم في ظلمات وجودهم المجازي { وكذلك جعلنا في كل ~~قرية أكبر مجرميها } [الأنعام: 123]؛ يعني: كما جعلنا في ~~قلب من أحييناه بنا نورا كذلك جعلنا في كل قرية كل قالب أكابر من النفوس ~~والهوى والشيطان مجرميها؛ أي: مفسدي حسن استعداداتها لقبول السعادة { ~~ليمكروا فيها } [الأنعام: 123] بمخالفات الشرع وموافقات الطبع، { ~~وما يمكرون إلا بأنفسهم } [الأنعام: 123]؛ لأن فساد ~~استعدادهم عائدا إلى أنفسهم بحصول الشقاوة وفوات السعادة، { وما ~~يشعرون } [الأنعام: 123] ولا شعور لهم على ما يفعلون بأنفسهم وإن ~~مرجعهم إلى النار. # { وإذا جآءتهم آية قالوا لن نؤمن } [الأنعام: 124]؛ ~~أي: النفس والهوى والشياطين من دأبهم ألا يؤمنوا برؤية الآيات؛ إذ جبلوا ~~على الإباء والتمرد والإنكار، ولسان ms0578 حالهم يقول: { لن نؤمن حتى ~~نؤتى مثل مآ أوتي رسل الله } [الأنعام: 124]؛ أي: القلب ~~والسر والروح؛ فإنهم مهبط أسرار الحق وإلهاماته، { الله أعلم ~~حيث يجعل رسالته } [الأنعام: 124] يخص بها القلب والروح ~~والسر ونفسا تطمئن بذكر الله فيستحق رسالة # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28]، { سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله ~~} [الأنعام: 124]؛ يعني: أصحاب النفس الأمارة بالسوء لهم ذلة البعد من ~~عند الله، { وعذاب شديد } [الأنعام: 124] فهو عذاب الفرقة ~~والانقطاع، { بما كانوا يمكرون } [الأنعام: 124]؛ أي: بما ~~افسدوا استعداد الوصلة وهو جزاء مكرهم وكيدهم. ### || [6.125-129] # ثم أخبر عن أهل الهداية والضلالة بقوله تعالى: { فمن يرد الله ~~أن يهديه يشرح صدره للإسلم } [الأنعام: 125]، إلى ~~قوله: { بما كانوا يعملون } [الأنعام: 127]، الإشارة فيها: إن ~~انشراح الصدر لمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام إنما يكون من وقع ~~النور في القلب؛ وذلك لأن الله تعالى إذا أراد أن يهدي عبدا إلى حضرة ~~جلاله ينظر إلى قلبه بنظر العناية؛ فينوره بنور جماله لينظر ببصيرة القلب ~~من رؤية السر؛ فيهديه نور جماله إلى حضرة جلاله؛ فينشرح الصدر بضوء النور ~~الواقع في القلب، وهذا الضوء هو المسمى بنور الإسلام؛ لقوله تعالى: # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه # [الزمر: 22]، والنور الواقع في القلب: هو المسمى بنور الإيمان مهما يكون ~~من وراء الحجب الرقاق؛ أي: الحجب الروحانية، كلما كان الحجاب أرق يكون ~~الإيمان والقلب أنور وأرق وأصفى إلى أن يصير الإيمان إيقانا وكمال رقة ~~بالحجاب، وتنور القلب إلى أن يصير الإيقان عيانا ضدد رفع الحجاب، وتجلي ~~الحق تبارك وتعالى بصفة جماله إلى أن يصير العيان عينا تجلي صفة جلاله. # { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } ~~[الأنعام: 125] يعني: ظلمات طبيعته وميلان هوى نفسه وطبعه، فيبقى في ضيق ~~صفات بشريته، وحرج تعلقاته بالدنيا، وما فيها وتتبع شهواته ولذاته ظلمات ~~بعضها فوق بعض حتى لا يبقى فيه الرجوع إلى الخالق من التمادي في الباطل، ~~فلا يسوغه الشرب من المشارب الروحانية الربانية لإستهلاكه في الصفات ~~الحيوانية النفسانية، وإن حكم عليه ms0579 بإتباع الحق ليشق عليه. # { كأنما يصعد في السمآء } [الأنعام: 125]؛ لأنه سفلي ~~الطبع لا يصعد إلا بالتصعيد والقسر، { كذلك يجعل الله ~~الرجس } [الأنعام: 125] الضلالة والبعد والطرد، { على الذين ~~لا يؤمنون } [الأنعام: 125] لا يصدق الأنبياء والأولياء فيما أتاهم ~~من فضله ولا يتبعونهم. # { وهذا صراط ربك مستقيما } [الأنعام: 126]؛ أي: هذا ~~الذي بيناه من الهداية والضلالة للسعداء والأشقياء طريق مستقيم لربك ~~باللطف والقهر، فبجذبات اللطف كما ذكرنا يهدي السعيد إلى حضرة الربوبية ~~بإقامة العبودية، وبخذلان القهر يضل الشقي عن الحضرة بإتباع الهوى ~~والقطيعة، { قد فصلنا الآيات } [الأنعام: 126] بين السعيد ~~والشقي، { لقوم يذكرون } [الأنعام: 126] يتعظون ويتبعون سبيل ~~الأنبياء والأولياء، ويتركون سبيل الشيطان والهوى، { لهم دار ~~السلم عند ربهم وهو وليهم بما كانوا ~~يعملون } [الأنعام: 127] أي: وراء السلامة عن القطيعة في مقام ~~العندية بالوصول إلى الوحدة بعد الخروج من ظلمات الإثنينية. # { وهو وليهم بما كانوا يعملون } [الأنعام: 127]؛ ~~يعني: هو الذي يتولاهم بالإخراج عن ظلمات اثنينتهم والإيصال إلى نور ~~ربوبيته، كما قال تعالى: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # [البقرة: 257]، فافهم جيدا. # ثم أخبر عن الجن والإنس وما بينهما من الوحشية والأنس بقوله تعالى: { ~~ويوم يحشرهم جميعا يمعشر الجن قد ~~استكثرتم من الإنس } [الأنعام: 128]، وقوله تعالى: # ويوم نحشرهم جميعا # [الأنعام: 22]، يشير إلى أنه تعالى حشر وجمع الجن وهي صفة الشيطانية ~~والإنس، وهي النفس وصفاتها في موفق القالب البشري بحكمة بالغة وقدرة ~~كاملة ويحيطها بقوله: يا معشر الجن وإلى الصفات الشيطانية قد استكثرتم من ~~الإنس؛ أي: قبلتم على الصفات الإنسانية، وأضللتموهم عن طلب الحق وهو ~~الصراط المستقيم إلى الله الذي خلق الإنسان للعبور عليه والوصول إلى ~~الحق، ومن شأنه إقعاد الإنسان عن هذا الصراط، كما قال: # فبمآ أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16]، { وقال أوليآؤهم من الإنس } [الأنعام: ~~128]؛ أي: النفس الإنسانية التي من حسنها ودناءة نفسها التي هي أمارة ~~بالسوء وهي من أولياء الشياطين، { ربنا استمتع بعضنا ~~ببعض وبلغنآ أجلنا } [الأنعام: 128]، واستمتاع النفس ~~الإنسانية بالشيطان هو أن يستعين بصفات مكره وخديعته وكيده وحيلته وتكبره ~~وتمرده ms0580 على تحصيل شهواتها الدنيوية ومستلذاتها واستيفاء حظوظها منها ~~وتكبرا للحق تعالى موافقة هواها، وأما استمتاع الشيطان بالإنس هو أن ~~يستعين به على إضلال الحق وإغوائهم عند عجزه عن إغوائهم، كما استعان ~~بحواء على آدم عليه السلام في أكل الشجرة، { أجلنا الذي ~~أجلت لنا } [الأنعام: 128]؛ يعني: مدة استمتاع بعضنا ببعض وكميته ~~الذي قدرت لنا، أشاروا بهذا: إلى أن ما جرى منهم إنما كان مقتضى ارتضائه ~~وقدره، فأجابهم الله تعالى: { قال النار مثوكم خلدين ~~فيهآ إلا ما شآء الله } [الأنعام: 128]؛ يعني: كما قدرنا ~~لكم الاستمتاع قدرنا أن النار تكون مثواكم وأنتم فيها خالدون، إلا من ~~شاء الله أن يتوب ويرجع إلى الله؛ فلا تكون النار مثواه؛ فلا استثناء ~~راجع إلى أهل التوبة في الدنيا لا إلى أهل الخلود في النار. # { إن ربك حكيم } [الأنعام: 128]، فيما يجعل بعض أهل الاستمتاع ~~أهل النار وبعضهم أهل الجنة، { عليم } [الأنعام: 128]، إنهم لا يهمهم ~~خلقوا للنار أم الجنة، { وكذلك نولي بعض الظلمين ~~بعضا } [الأنعام: 129]، يعني: حعلنا مرده الجن والإنس، بعضهم أولياء ~~بعض، كذلك يجعل الضالين بعضهم أولياء بعض؛ ليعين بعضهم ببعض على الظالم ~~والفساد، كما يعين الشيطاني النفس على المعاصي، { بما كانوا ~~يكسبون } [الأنعام: 129]؛ يعني: سبب أن الظالمين كانوا يفسدون ~~استعدادهم الفطري الروحاني القابل للفيض الرباني؛ يوضع المعاملات ~~النفسانية الحيوانية موضعها، التي هي مانعة عن قبول الفيض. ### || [6.130-134] # ثم أخبر عن إقرارهم بالكفر بعد إنكارهم، بقوله تعالى: { يمعشر ~~الجن والإنس } [الأنعام: 130]، إلى قوله: { وما ربك ~~بغفل عما يعملون } [الأنعام: 132]، الإشارة فيها: إن ~~المخاطب في قوله تعالى: { يمعشر الجن والإنس } الإنسانية ~~التي هي مجبولة على الصفات الشيطانية والملكية والحيوانية، { ألم ~~يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي } [الأنعام: ~~130]، يشير بالرسل: إلى الهامات الربانية، وبالآيات: إلى بيان الفجور ~~والتقوى للنفس بالإلهام، كما قال تعالى: # فألهمها فجورها وتقواها # [الشمس: 8]. # { وينذرونكم لقآء يومكم هذا } [الأنعام: 130]، يعني: ~~قد أتتكم من الله الإلهامات بما يصلح لكم، وبما يفسد استعدادكم الفطري، ~~ويخوفكم من سوء العاقبة والحرمان عن لقاء الحق، والابتلاء بشقاوة الأبد، ~~وأنتم ما اتعظتم ms0581 بها وأبيتم قبولها، { قالوا شهدنا على ~~أنفسنا } [الأنعام: 130]؛ يعني: النفس بصفاتها، { وغرتهم ~~الحياة الدنيا } [الأنعام: 130]؛ أي: لذاتها وشهواتها وزينتها ~~وزخارفها، { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا ~~كافرين } [الأنعام: 130]؛ يعني: أقروا عند الحرمان عن السعادة العظمى ~~أنهم بذواتهم كانوا عند صدأ مرآة قلوبهم وسائري صفاتها عن قبول فيض النور ~~وشواهد الحق. # { ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى } [الأنعام: ~~131]؛ يعني: قرى أشخاص الإنسان، { بظلم } [الأنعام: 131]، والظلم: هو ~~صرف الاستعداد الفطري لقبول الفيض في استيفاء لذات الطبع وشهوات النفس، { ~~وأهلها غفلون } [الأنعام: 131]، عن إنذار رسل الإلهامات ~~الربانية، وذلك أن الاستعداد الروحاني لا يفسد استيفاء حظوظ الحيواني ~~في الطفولية، إلا بعد أن يصير العبد مستعدا لقبول فيض العقل وفيض ~~الإلهام عند البلوغ، فيخالف الإلهامات ويتبع الهوى، فيفسد بذلك حسن ~~الاستعداد لقبول الفيض الإلهي، كقوله تعالى: # ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله # [ص: 26]، وهذا كما أنه تعالى لا يعذب قوما بلغهم الدعوة حتى يبعث فيهم ~~رسولا، فيخالفونه فيعذبهم بها. # وقد عبر لسان الشرع عن هذا المعنى، بأنه لا يجري عليه قلم تكاليف ~~الشريعة إلا بعد البلوغ بالأوامر والنواهي؛ لأنه أواني ترقي الروح ~~باستعمال المأمورات، ونقصانه باستعمال المنهيات، وهذا معنى قوله تعالى: { ~~ولكل درجت مما عملوا } [الأنعام: 132]؛ يعني: في ~~استعمال المأمور والمنتهي في الترقي والنقصان، { وما ربك بغفل ~~} [الأنعام: 132]، عند ترك المأمور وإتيان المنتهى، وعند إثبات المأمور ~~وترك المنهي عند ترقية الروح وتنقيصه، وهو معنى قوله: { عما ~~يعملون } [الأنعام: 132]. # ثم أخبر عن غناه وافتقارنا إلى رضاه بقوله تعالى: { وربك ~~الغني ذو الرحمة } [الأنعام: 133]، إلى قوله: # إنه لا يفلح الظلمون # [الأنعام: 135]، الإشارة فيها: إن الله تعالى خلق نوع الإنسان إظهارا ~~لسعة رحمته وكمال قدرته لا للاحتياج إليه، فقال تعالى: { وربك ~~الغني } يعني: عن كل مخلوق عامة، وعن الإنسان الذي يشرك به خاصة، { ~~ذو الرحمة } يعني: مع غناه عن الخلق فرض رحمة قد اقتضت إيجاد ~~الخلق؛ ليربحوا عليه لا ليربح عليهم، { إن يشأ يذهبكم } ~~[الأنعام: 133]، أي: له مشيئة واختيار فيما شاء وقدره على أن يستأصل نوع ~~الإنسان، ms0582 { ويستخلف من بعدكم } [الأنعام: 133]، أيها ~~الإنسان، { ما يشآء } [الأنعام: 133]، من نوح آخر. # { كمآ أنشأكم من ذرية قوم آخرين } [الأنعام: 133]؛ ~~يعني: كما كان قادرا على إنشائكم من الذريات، كذا قادر على إنشاء ~~قوم آخرين من غير الذريات، كما أنشأ آدم وحواء من غير ذرية { ~~إن ما توعدون لآت } [الأنعام: 134]؛ يعني: أوعد لكم من الإتيان ~~به أولا وآخرا، فهو قادر على الإتيان به، { ومآ أنتم بمعجزين ~~} [الأتعام: 134]، بما تعين له عن الإتيان به. ### || [6.135-137] # { قل يقوم اعملوا على مكانتكم } [الأنعام: 135]، ~~أي: على ما جبلتم عليه، { إني عامل } [الأنعام: 135]؛ أي: على ما ~~جبلت عليه نظيره قوله تعالى: # قل كل يعمل على شاكلته # [الإسراء: 84]، { فسوف تعلمون } [الأنعام: 135]، إذ ظهر لكم ما ~~هو المودع في الاستعداد الفطري لكل واحد منا، من السعادة والشقاوة ~~تعلمون، { من تكون له عقبة الدار } [الأنعام: 135]؛ أي: ~~دار النجاة والفلاح، { إنه لا يفلح الظلمون } [الأنعام: ~~135]، الذين يفسدون الاستعداد الفطري بصرفه في غير محله. # ثم أخبر عن إضلال الجهال بقوله تعالى: { وجعلوا لله مما ~~ذرأ من الحرث والأنعم نصيبا } [الأنعام: 136]، إلى ~~قوله: # إنه حكيم عليم # [الأنعام: 139]، الإشارة فيها: إن الله تعالى يشكو عن كافري نعمة الدين، ~~خلقهم وأنعم عليهم بإيجاد الأنعام والحرث وقال: { وجعلوا لله ~~مما ذرأ من الحرث والأنعم نصيبا }؛ أي: من جملة ما ~~خلق لهم من الحرث والأنعام نصيبا، { فقالوا هذا لله ~~بزعمهم } [الأنعام: 136]، وإن لم يجعلوه خالصا لله مع أنه تعالى ~~أعطاهم جملته، ثم اتخذوا لله شريكا، وجعلوا مما أنعم الله به عليهم ~~وأعطاهم نصيبا لشركائهم، { وهذا لشركآئنا } [الأنعام: 136]، ~~ثم من جهلهم رجحوا جانب الشركاء على الله، { فما كان لشركآئهم ~~فلا يصل إلى الله } [الأنعام: 136]، بوجه من الوجوه، { وما ~~كان لله فهو يصل إلى شركآئهم } [الأنعام: 136] من ~~وجوه، { سآء ما يحكمون } [الأنعام: 136] فيما أنعم الله به عليهم ~~بأن يجعلوه لشركائهم، { وكذلك زين لكثير من ~~المشركين قتل أولدهم شركآؤهم } [الأنعام: 137]، من ~~الشيطان والنفس والهوى والدنيا، { ليردوهم } [الأنعام: 137]، ~~ويهلكوهم، { وليلبسوا عليهم دينهم } [الأنعام: 137]، ~~الذي ارتضى لهم الله؛ ليعلموا: إن الذين اتخذوهم ms0583 شركاء لله وجعلوا لها ~~آلهة فإنهم عدو لي، كما قال خليل الله عليه السلام عند التبرؤ عن الشرك: # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء: 77]. # وليعلموا: حقيقة، # إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا # [المائدة: 55]، { ولو شآء الله ما فعلوه } [الأنعام: 137]؛ ~~لهداهم إلى اقتباس النور عند رشاشه على الأرواح بالأصالة، كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى " # { فذرهم وما يفترون } [الأنعام: 137]، فإن لنا في ذلك حكمة ~~بالغة. ### || [6.138-140] # { وقالوا هذه أنعم وحرث حجر لا يطعمهآ ~~إلا من نشآء بزعمهم } [الأنعام: 138]؛ يعني: قالوا هذه ~~المقالة من هوى نفسهم، وميل طبيعتهم لامتثال الشرع، فإن نور الشرع مزيل ~~لظلمة الطبع، والعمل بالطبع وإن كان فيه نوع من المجاهدات للنفس ~~ومخالفاتها، فإن له ظلمة تزيد في ظلمة النفس والهوى، و # ظلمات بعضها فوق بعض # [النور: 40]، { وأنعم حرمت ظهورها وأنعم لا ~~يذكرون اسم الله عليها افترآء عليه } [الأنعام: ~~138]، هذا كله من تسويسات النفس ووساوس الشيطان؛ ليضل بهما عن سبيل الله. # ثم قال تعالى في جوابهم: { سيجزيهم بما كانوا يفترون } ~~[الأنعام: 138]، ومجازاتهم بأن يطبع قلوبهم بطباع الافتراء، كما قال ~~تعالى: # بل طبع الله عليها بكفرهم # [النسا: 155]، أي: بطباع كفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا، وقالوا أيضا: من ~~هوى نفوسهم، { وقالوا ما في بطون هذه الأنعم ~~خالصة لذكورنا ومحرم على أزوجنا وإن يكن ~~ميتة فهم فيه شركآء } ، ثم قال تعالى: في جوابهم: { ~~سيجزيهم وصفهم } [الأنعام: 139]، سيجزيهم بتغير وصفهم من ~~الصدق إلى الكذب؛ أي: ينقلهم من الأوصاف الحميدة إلى الأوصاف الذميمة، { ~~إنه حكيم } [الأنعام: 139]، فيما حكم به وقضى عليهم، عليم ~~باستحقاقهم لما قدر عليهم، وأيضا { عليم } [الأنعام: 139]، بتغير ~~أوصافهم. # ثم أخبر عن خسرانهم فيما عملوا، وحرمانهم إذ ضلوا بقوله: { قد خسر ~~الذين قتلوا أولدهم } [الأنعام: 140] والإشارة فيها: إن ~~خسارة أهل الأهواء وخسارة أهل الطبيعة تصير إلى حد قتلهم أولادهم، وذلك ~~من قساوة قلوبهم وتبديل أوصافهم؛ لافترائهم على الله تعالى، قال الله عز ~~وجل: { قد خسر الذين قتلوا أولدهم } يعني: خسروا ~~وأفسدوا استعدادهم الفطري، حتى نزعت ms0584 الرحمة عن قلوبهم؛ لقسوتهم وتبديل ~~أوصافهم حتى فعلوا ذلك، { سفها } [الأنعام: 140]، وجهلا. # { بغير علم } [الأنعام: 140]، يعني: عند عدم فقد قلوبهم وانقطاع ~~الهامات الربانية عنها لقسوتها وانسداد مسالكها إلى عالم الغيب وعند ~~ذلك، { وحرموا ما رزقهم الله } [الأنعام: 140]، في الصورة ~~والحقيقة، أما الصورة: فرزقناهم، وأما الحقيقة: فحرمناهم من كمالات ~~مراتب أهل القرب من المشاهدات والمكاشفات الربانية، { افترآء على ~~الله } [الأنعام: 140]، يعني: بسبب افترائهم على الله تعالى، فإنهم { ~~قد ضلوا } [الأنعام: 140]، بالافتراء عن طريق الحق؛ لفساد ~~استعدادهم في الاهتداء إلى الله، { وما كانوا مهتدين } ~~[الأنعام: 140]، إذ افسدوا استعداد الاهتداء؛ فانسد عليهم طريق الثقة ~~بالله، فحملتهم خشية الفقر على قتل الأولاد؛ ولذلك قال أهل التحقيق: من ~~إمارات اليقين وحقائق كثرة العيال على بساط التوكل. ### || [6.141-144] # ثم أخبر بربوبيته عن هويته، بقوله تعالى: { وهو الذي أنشأ ~~جنت معروشت وغير معروشت } [الأنعام: 141]، إلى ~~قوله: { إن الله لا يهدي القوم الظلمين } [الأنعام: ~~144]، الإشارة فيها: إن الله تعالى عرف ذاته بصفاته، وقال: { وهو ~~الذي أنشأ جنت معروشت }؛ بساتين في الظاهر كما مر ~~ذكره في المعاني، وبساتين في القلوب، مغروسات وغير مغروسات، كما هي قراءة ~~علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه ورضي الله عنه - فالمغروسات: لمغرسة ~~الله تعالى في أرض القلوب من شجرة الإسلام والإيمان والإحسان، وما يتعلق ~~بصفات الحق تعالى، كما قال جل جلاله: # ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة ~~كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السمآء # [إبراهيم: 24]، وغير المغروسات: هي أشجار من صفات الروحانية، التي جبلت ~~القلوب عليها مثل: السخاء والحياء والوفاء والمروة والفتوة والشفقة ~~والعفة والحلم والعلم والعقل والشجاعة والقناعة وأمثالها، فإن بساتين ~~القلوب بها موفقة، وشموس الأسرار منها مشرقة، وأنهار المعارف فيها زاخرة، ~~وأزهار الشواهد عنها زاهرة. # { والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون ~~والرمان متشبها وغير متشبه } [الأنعام: 141]، يشير ~~إلى: نخل الإيمان، وزرع للأعمال الصالحة، وزيتون الأخلاق الحميدة، ورمان ~~الإخلاص، فإنه مختلف ثمارها متشابه أعمالها غير متشابه أحوالها، { ~~كلوا من ثمره إذآ أثمر } [الأنعام: 141]؛ يعني: انتفعوا من ~~ثمار الإيمان والأعمال والأخلاق والإخلاص ms0585 بالشواهد، والأحوال بالدعاوي، ~~والنيل قبل الإثمار، { وآتوا حقه يوم حصاده } [الأنعام: ~~141]، حقه دعوة الخلق بالحكمة والموعظة إلى الحق وتربيتهم بالتسليك إليه، ~~ويشير بيوم الحصاد: إلى أوآن بلوغ سلوك السالك مبلغ الرجال البالغين، عند ~~إدراكه ثمرة الكمال للواصلين، دون السالك الذي يعد متردد بين المنازل ~~والمراحل، فإن اشتغل بالدعوة ينقطع عن الوصول والوصال، والبلوغ إلى ~~الكمال، { ولا تسرفوا } [الأنعام: 141]، والإسراف عند القوم: ~~الشروع في الكلام قبل وقته والحرص على الدعوة، { إنه لا يحب ~~المسرفين } [الأنعام: 141]، الموصوفين بهذه الصفات الممكورين ~~المنكورين { ومن الأنعم حمولة وفرشا } [الأنعام: 142]، ~~يشير بها: إلى أن الصفات الحيوانية التي هي مركزة في الإنسان، منها: ما ~~هو مستعد لحمل الأمانة وتكاليف الشرع، ومنها: ما هو مستعد للأكل والشرب ~~لعلاج القالب في قوام البشرية وقوام الإنسانية. # { كلوا مما رزقكم الله } [الأنعام: 142]، فالرزق لا يتخصص ~~بالمأكولات فحسب، بل هو شائع في جميع ما يحصل به الانتفاع، فالظاهر رزق: ~~وهو النعم، والباطن رزق: وهو الكرم، فرزق القلب: هو التحقيق من حيث ~~البرهان، ورزق السر: هو شهود العرفان بلحظة العيان، فانتفعوا من هذه ~~الأرزاق، { ولا تتبعوا خطوت الشيطن } [الأنعام: 142]، ~~في ترك الانتفاع ببعض هذه الأرزاق، ومبالغة الانتفاع ببعضها، { إنه ~~لكم عدو مبين } [الأنعام: 142]، يخرجكم بالتفريط والإفراط عند ~~حد الاعتدال. # ثم أشار إلى: تلك الصفات المذكورة، وأربعة منها بمثابة الحيوانية، ~~وشرحها بقوله تعالى: { ثمنية أزوج } [الأنعام: 143]، أي: من ~~ثمانية صفات؛ أربعة منها بمثابة الأثاث، يتولد من كل ذكر أو أنثى، منها ~~صفات أخرى ليست واحدة منها موصوفة في محلها، أو محرمة، بل جميعها حميدة ~~مندوب إليها في محلها، إذا كانت محروزة عن طرف الإفراط والتفريط. # ومنها ما أشار إليه، بقوله تعالى: { من الضأن اثنين } ~~[الأنعام: 143]، يعني: بهما الذكر والأنثى، { ومن المعز اثنين ~~قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت ~~عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم ~~صدقين } [الأنعام: 143]، { ومن الإبل اثنين } ، والضأن ~~والمعز جنس واحد في الفرشية، كما أن الإبل والبقر جنس واحد في الحمولة، ~~فيشير: بالضأن والمعز إلى الصفات البهيمية، وهي أربعة: اثنان ms0586 منها بمثابة ~~الذكور؛ وهما: صفة شهوة البطن، وشهوة الفرج، واثنين منهما بمثابة الأنثى؛ ~~وهي: صفة حسن الخلق عند الاستمتاع بها، والتسليم عند تحمل الأذى وإصابة ~~الخير منها، ما أشار إليها، بقوله تعالى: { ومن الإبل اثنين } ~~[الأنعام: 144]، أراد الذكر والأنثى، { ومن البقر اثنين } ~~[الأنعام: 144]، أراد الذكر والأنثى، والإبل والبقر من جنس واحد، أراد في ~~الحمولة، فيشير: بالإبل والبقر إلى الصفات الحيوانية، وهي أربعة: اثنان ~~منها بمثابة الذكر؛ وهما: صفتا الظلومية والجهولية، واثنان منها بمثابة ~~الأنثى؛ وهما: الحمولية والاستسلام، فهذه الصفات صار الإنسان حامل أعباء ~~الأمانة التي أبت المكونات عن حملها أشفقن منها، وهي أيضا حملة عرش ~~القلب، كما أن الملائكة الذين يحملون فوقهم عرش ربك ثمانية، فافهم جيدا. # ثم قال تعالى: { قل ءآلذكرين } [الأنعام: 144]؛ يعني: من بعد ~~هذه الصفات { حرم } [الأنعام: 144]، أي: أمر الله فيها، ومحوها وترك ~~استعمالها، كما هو مذهب الفلاسفة في نفي الصفات الحيوانية والبهيمية، { ~~أم الأنثيين } فما مر ذكرها { أما اشتملت عليه ~~أرحام الأنثيين أم كنتم شهدآء إذ وصكم ~~الله بهذا } [الأنعام: 144]، يعني: المتولدة من هذه الصفات ~~الثمانية، عند استعمالها على قانون الشريعة ودعائم دقائق الطريقة في ~~تزكيتها وتثبيتها على صراط مستقيم الاعتدال، { نبئوني بعلم } ~~[الأنعام: 143]، معقول، أو منقول، أو منظور، أو مشاهد مكشوف، { إن ~~كنتم صدقين } [الأنعام: 143]، أيها المتفلسفة الظالون عن ~~متابعة الأنبياء والأولياء والمرسلين. # ثم قال تعالى: { فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا } [الأنعام: 144]، أي: من الذين يدعون الحكمة، ويقولون: قد ~~أغنانا الله تعالى عن متابعة الأنبياء، والأنبياء حكم، ونحن أيضا حكما، ~~{ ليضل الناس } [الأنعام: 144]، بهذه الشبهة وغيرها من الشبهات، ~~{ بغير علم } [الأنعام: 144]، أي: حكمة أتاهم الله من فضله، كما ~~أتاها أنبياءه وأولياءه، { إن الله لا يهدي القوم ~~الظلمين } [الأنعام: 144]، إلى طريق السداد وسبيل الرشاد، وهم في ~~الضلالة دائمون، وعلى ظلم الإضلال قائمون. ### || [6.145-147] # ثم أخبر عن المحرمات من المطعومات بقوله تعالى: { قل لا أجد في ~~مآ أوحي إلي محرما } [الأنعام: 145]، إلى قوله: { وإنا ~~لصدقون } [الأنعام: 146]، الإشارة: إن الشارع على الحقيقة هو ~~الله تعالى، وليس ms0587 للنبي صلى الله عليه وسلم أمر في التحليل والتحريم، ~~فقال تعالى: { قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما ~~على طاعم يطعمه } [الأنعام: 145]، يعني: أنا لا أجد إلى تحريم ~~شيء فإني لا أقدر أن أحرمه والذي يدل هذا التأويل قوله تعالى: # يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك # [التحريم: 1]. # وقوله تعالى: { إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا ~~أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير ~~الله به } [الأنعام: 145]، أي: أجد هذه الأشياء محرما فيما أتى ~~فأحرمها، ويشير به إلى: ميتة الدنيا: فإنها جيفة مستحيلة، كما قال بعضهم: ~~وما هي إلا جيفة مستحيلة عليها كلاب من اجتذابها، فإن تجنيتها كنت سالما ~~لأهلها، وإن تجتذبها نازعتك كلابها. # والدم المسفوح: هو الشهوات اللذات التي يهراق عليها دم الدين ولحم ~~الخنزير: هو كل رجس من أعمال الشيطان كما قال تعالى: # إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان فاجتنبوه # [المائدة: 90]. # وحقيقة الرجس: الاضطراب عن طريق الحق والبعد منه، كما جاء في الخبر ~~لما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس إيوان كسرى؛ أي: اضطرب ~~وتحرك حركة سمع لها صوت، فالرجس: ما يبعدك عن الحق، أو فسقا أهل لغير ~~الله به؛ أي: خروجا عن طلب الحق في طلب غير الحق، فالشروع في هذه ~~الأشياء محرم؛ لأنها تحرمك عن الله وقربانه. # ثم قال تعالى: { فمن اضطر } [الأنعام: 145]؛ يعني: إلى شيء من ~~هذه الأشياء لضرورة الحاجة الإنسانية فيشرع فيه، { غير باغ } ~~[الأنعام: 145]؛ يعني: غير طالب له وراغب عن الله سبحانه وتعالى، { ولا ~~عاد } [الأنعام: 145]؛ أي: غير متجاوز عن حد طلب الحق، ومتعد عن حد ~~ترك الشاغل عن الله تعالى عاد من الدنيا وغيرها، { فإن ربك ~~غفور } [الأنعام: 145]، يغفر الضروريات بمغفرته إذا استغفرته، { ~~رحيم } [الأنعام: 145]، بك عند الرجوع إليه، يرحمك ويعفو عنك ما ~~اضطرك إليه. # وفي قوله تعالى: { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ~~ظفر } [الأنعام: 146]، الإشارة: إلى أن يقوم الله تعالى على العباد، ~~وأما إن كان رحمة وعطفة منه عليهم لما علم ms0588 علم أن فيه ضررا نفسانيا أو ~~روحانيا دفعه بالتحريم عنهم، فالنفساني: كضرر السم وأمثاله، ~~والروحاني: كضرر لحوم السباع المؤذيات وأمثالها، فإنه بتعدي أخلاقها تغير ~~الأخلاق الروحانية، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " الرضاع بغير الطباع " # ؛ وأما إن كان بلاء ونعمة عليهم ليكون أمرا عليهم جزاء لبغيهم على ما ~~أمرهم الله بها أو نهاهم عنه، ولهذا نبه الله تعالى هذه الأمة بقوله: # ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على ~~الذين من قبلنا # [البقرة: 286] رحمة منه عليهم، دفعا لبلاء الأضرار في الدنيا والآخرة ~~يدل عليه قوله تعالى: # ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب ~~الأكبر لعلهم يرجعون # [السجدة: 21]، العذاب الأدنى؛ يعني: في الدنيا، والعذاب الأكبر؛ يعني: ~~في الآخرة. # ثم أخبر عن سعته ورحمته وسطوه نعمته بقوله تعالى: { فإن كذبوك ~~فقل ربكم ذو رحمة واسعة } [الأنعام: 147]، إلى قوله ~~تعالى # وهم بربهم يعدلون # [الأنعام: 150]. # الإشارة فيها: إن ما أنعمنا عليك به وأمرناك أن تتحدث به، فإن كذبوا من ~~قصور عقلهم ودناءة همتهم، فقل ربكم ذو رحمة واسعة تسعى كل شيء من سعتها ~~وهي أوسع، فما توهمون وتفهمون، أو تظنون وتعلمون، { ولا يرد ~~بأسه عن القوم المجرمين } [الأنعام: 147] يعني: في سعته ~~رحمته بأنه شديد وقهره كامل كما أن للطفه ورحمته مظهرا وهم: المطيعون، ~~كذلك لباسه وقهره مظهرا وهم: المجرمون المكذبون المعرضون عن طلب الحق في ~~متابعة الأنبياء - عليهم السلام -. ### || [6.148-150] # { سيقول الذين أشركوا } [الأنعام: 148]، أي: الذين طلبوا ~~مع الله غيره، وعبدوا معه سواه من الدنيا والآخرة، { لو شآء الله ~~مآ أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء } ~~[الأنعام: 148]، أي: من مقامات الوصول، وهذه كلمة حق أريد به باطل الكلام ~~في نفس الأمر حق وصدق، إلا أنه ما صدر عن يقين صادق ولا كشف حقيقة، وإنما ~~صدر عن إظهار حجة دفعا لأذية والبلاء من دون الناس، فكذبهم الله تعالى ~~فيما قالوا: بزعمهم أنهم يقولون: ذلك من علم الله وحقيقة، بقوله تعالى: { ~~كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا } ~~[الأنعام: 148]. # ثم قال تعالى: { قل هل عندكم ms0589 من علم فتخرجوه لنآ ~~إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون } ~~[الأنعام: 148]، يعني: فيما تزعمون وتدعون أنه من علم يقولون، وإنما ~~تقولون للحجة، ثم قال تعالى: { قل فلله الحجة البالغة } ~~[الأنعام: 149]، فيما قدر ودبر وحكم به، وقضي من الأزل إلى الأبد، { ~~فلو شآء } [الأنعام: 149]، هداهم؛ يعني: في الأزل، { لهداكم ~~أجمعين } [الأنعام: 149]، كما هدى بعضكم دون بعض إظهارا للقدرة ~~والاختيار، { قل هلم شهدآءكم الذين يشهدون أن ~~الله حرم هذا } [الأنعام: 150]، والشهداء: هي الظنون الكاذبة ~~على أن الله حرم عليكم نيل الدرجات والوصول إلى المقامات. # { فإن شهدوا فلا تشهد معهم } [الأنعام: 150]، أي: فلا ~~تشهد بالظن في شيء من الأمور إلا بالوحي والكشف واليقين، { ولا ~~تتبع أهوآء الذين كذبوا بآياتنا } [الأنعام: 150]، ~~وتشهد بالظن كما يشهد أهل الأهواء، { والذين لا يؤمنون ~~بالآخرة وهم بربهم يعدلون } [الأنعام: 150] فيشركون به، ~~ويعبدون الدنيا ويتبعون الهوى ويظنون بالله ظن السوء. ### || [6.151-153] # ثم أخبر عن المحرمات على البنين والبنات بقوله تعالى: { قل ~~تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا ~~به شيئا } [الأنعام: 151] إلى قوله { تتقون } [الأنعام: 153]. # الإشارة فيها إلى قوله تعالى: { قل تعالوا أتل ما حرم ~~ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا } وآل على أن ~~المحرم والمحل هو الله تعالى، وليس لأحد أن يحرم ما أحل الله لك، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم هو المبلغ والمبين ما أحل الله وما حرمه. # ثم اعلم أن هذه الآيات لتشتمل على عشر خصال جامعة للخير كله: # أولها: ألا تشركوا به شيئا قدم الشرك؛ فإنه رأس المحرمات، # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48]، فإنه لا يقبل معه شيئا من الطاعات، وهو ينقسم إلى جلي ~~وخفي؛ فالجلي: عبادة الأصنام ومتابعة الهوى في الأنام، فقال تعالى: # أرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الفرقان: 43]، والخفي: ملاحظة الأنام بعين استحكام الإعظام ورؤية ~~الأغيار مع الله الواحد القهار. # وثانيها: قوله تعالى: { وبالوالدين إحسانا } [الأنعام: ~~151]، وإنما ذكر بعد تحريم الشرك تحريم العقوق والأمر بالإحسان إلى ~~الوالدين؛ لأنهما سبب وجوده ms0590 ومظهره، كما أن الله تعالى موجد وجوده ومبدعه ~~ومبدئه فحرم عقوقهما بعد تحريم الشرك به، وأوجب الإحسان إليهما بعد ~~القيام بعبادته، كما قال تعالى: # ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا # [الإسراء: 23]، إقامة لحقوقهما بعد الإقامة لحقوق الله تعالى، فالتقاعد ~~عن أداء حقوقهما عقوق فهو أكبر الكبائر. # وثالثها: قوله تعالى: { ولا تقتلوا أولادكم من ~~إملاق نحن نرزقكم وإياهم } [الأنعام: 151]، ثم حرم ~~قتل الأولاد بعد تحريم العقوق؛ لما فيه من هدم بنيان الله تعالى، وملعون ~~من هدم بنيانه، وفيه إبطال ثمرة، وشجرة وجوده، وقطع نسله، وفيه خشية ~~إملاق؛ وهي ترك التوكل على الله وعدم الثقة بالله إن يرزقهم وذلك يؤدي ~~إلى تكذيب الله تعالى؛ لأنه قال تعالى: # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها # [هود: 6]. # ورابعها: قوله تعالى: { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن } [الأنعام: 151]، ثم الفواحش جميعها، وقد يدخل في ~~ذلك جميع أقسام الآثام ما ظهر منها: وهو ما يبعده من الجنة ويدينه، وباطن ~~منها: وهو ما يبعده عن الحق ويحجبه عنه، وإن لم يحجبه عن الجنة ولم يبعده ~~منها، وأيضا ما ظهر منها بالفعل، وما بطن بالنية. # وخامسها: قوله تعالى: { ولا تقتلوا النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق } [الأنعام: 151]، ثم حرم القتل إلا بالحق؛ ~~أي: وإلا في طلب الحق، فإن المقتول في سبيل الله هو حي عند ربه، وفي قتل ~~ترك تعظيم أمر الحق وترك الشفقة على الخلق وهما ملاك الدين { ذلكم ~~وصاكم به } [الأنعام: 151]، يعني: هذه الخمسة المحرمة، { ~~لعلكم تعقلون } [الأنعام: 151]، لكي تعرفوا موجبات الانقطاع ~~عن الله تعالى فتحرزوا عنها. # وسادسها: قوله تعالى: { ولا تقربوا مال اليتيم إلا ~~بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده } [الأنعام: 152]، ~~والأشدة: الصلاح، والفقه؛ يعني: يتفقه في الصلاح للدين لا في إفساد ~~الدنيا، ثم حرم المال بعد تحريم قتل النفس؛ لأن حرمة مال المسلم كحرمة ~~دمه، وقدم مال اليتيم؛ لأنه عاجز عن حفظ ماله، فإن الله تولاه، { ~~وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } [الأنعام: 152]، وفيه ~~معنيان: أمره وحي الخلق بالاجتناب عن ماله وبالشفقة ms0591 والنظر في حقه. # وسابعها: قوله تعالى: { وأوفوا الكيل والميزان ~~بالقسط } وفيه معنيان: # أحدهما: تحريم الطمع في مال المسلم بنقصان الكيل والوزن عند الوفاء ~~وأتاه بزيادتهما عند الاستيفاء. # والثاني: أوفوا الكيل وميزان الشرع بحقوق الربوبية، واستوفوا بكيل ~~الاجتهاد وميزان الاقتصاد وحظوظ العبودية من الألوهية، { لا نكلف ~~نفسا } [الأنعام: 152] في إبقاء الحقوق واستيفاء الحظوظ، { إلا ~~وسعها } [الأنعام: 152] إلا بحسب استعدادها. # وثامنها: قوله تعالى: { وإذا قلتم فاعدلوا } [الأنعام: 152] ~~ثم حرم الظلم والجور والميل في الفعل المقال، { ولو كان ذا ~~قربى } [الأنعام: 152] أي: ولو كان المسلم على الكافر والكافر على ~~المسلم وحقيقته العدل في الكلام أن ما يذكر الله تعالى ولا يذكر معه ~~غيره، وأن يتكلم لله وفي الله وبالله. # وتاسعها: قوله تعالى: { وبعهد الله أوفوا } [الأنعام: 152] ~~ثم حرم نقص العهد مع الله وأمر بالوفاء بعهده عليه، وهو ألا يعبد إلا ~~مولاه ولا يحث إلا إياه ولا يرى سواه، { ذلكم وصكم به } ~~[الأنعام: 152] يعني: هذه المحرمة الأخرى، { لعلكم تذكرون } ~~[الأنعام: 152]؛ لكي تذكروا أيام الوصال في حضرة الجلال ومشاهدة ذلك ~~الجمال: # أياما قضت بذي القضاء # سقاهن رجاف العشى بطول # إذا العيش غض والشباب بمائه # وفي حدثان الدهر عنك غفول # ونحن بربع إن تطأه ثوابت # ولا استجيب للهم فيه ذبول # وعاشرها: قوله تعالى: { وأن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله } [الأنعام: 153] ثم حرم إتباع كل سبيل الله، وأمر باتباع ~~طريق محمد صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى: { وأن هذا } أي: ~~ذكرنا من الخصال العشر، { صراطي مستقيما } يعني: إلى الله تعالى ~~وهو صراط محمد صلى الله عليه وسلم، واختص هذه الأمة باتباع صراط إلى الله ~~تعالى. # ثم قال جل جلاله: { ذلكم وصاكم به } [الأنعام: 153] أي: ~~بمتابعته وصيتكم في السير إلى الله، { لعلكم تتقون } ~~[الأنعام: 153] بالله وتحترزون عن غير الله. ### || [6.154-158] # ثم أخبر عن ثلاثة غير هذه بقوله تعالى: { ثم آتينا موسى ~~الكتاب تماما على الذي أحسن } [الأنعام: 154] يشير إلى ~~حال نبينا صلى الله عليه وسلم من وجهين: # أحدهما: إنه تعالى لما ذكر ms0592 الخصال العشر وخص بها النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهذه الأمة وقال تعالى: # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه # [الأنعام: 153] ثم قال تعالى: { ثم آتينا موسى الكتاب ~~تماما } [الأنعام: 154]، ثم أخبر منك يا محمد أن آتينا موسى الكتاب ~~قبلك تماما على الذي أحسن؛ يعني: إتماما لدينك على من أسلم من أمتك ~~إسلامه، فإن الكتب المنزلة كلها وشرائع الأنبياء - عليهم السلام - كانت ~~تتمه للدين الخفي الذي هو الإسلام، وهو الدين المرضي بقوله تعالى: # إن الدين عند الله الإسلام # [آل عمران: 19]، وبهذا السر أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإتباع ~~الأنبياء والاقتداء بهم، كما قال تعالى: # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90] للجمع بين هداه وهداهم إتماما للدين وتكميلا له فلم تم ~~هداه بالقرآن، وتم اقتداه بهداهم قال تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا # [المائدة: 3]. # والوجه الثاني: إن الذي أحسن هو النبي صلى الله عليه وسلم ومعنى الإحسان ~~أن تعبد الله كأنك تراه، فأراد بالذي أحسن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~لأنه كان مخصوصا من بين الأنبياء - عليهم السلام - بالرؤية؛ ولهذا السر ~~قد سماه الله تعالى محسنا بقوله: # ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن ~~واتبع ملة إبرهيم حنيفا # [النساء: 125]، فالمعنى: آتينا موسى الكتاب تماما على محمدا؛ أي: ~~لتكميله في النبوة والرسالة يدل عليه قوله تعالى: # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت ~~به فؤادك # [هود: 120]، { وتفصيلا لكل شيء } [الأنعام: 154] أي: ~~وبيانا وشرحا لدينه. # { وهدى ورحمة } على أمته، { لعلهم بلقآء ربهم ~~يؤمنون } [الأنعام: 154]؛ أي: لكي يؤمنوا هذه الأمة برؤية ربهم فهم ~~مخصوصون بهذه الكرامة كما خص نبيهم بها فيتشمروا عن ساق الجد في طلبها ثم ~~قال تعالى: { وهذا كتب أنزلنه } [الأنعام: 155]، أي: ~~أنزلناه أيضا لإتمام نبوتك ودينك، { مبارك فاتبعوه } ~~[الأنعام: 155] أي: فاعتصموا به، { واتقوا } [الأنعام: 155] عن غير ~~الله بالله، { لعلكم ترحمون } [الأنعام: 155] فتحوجون عن ~~الوجود المجازي وتصلون إلى الوجود الحقيقي بنور القرآن، { أن ~~تقولوا إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من ~~قبلنا } [الأنعام: 156]، أي ms0593 فاحترزوا { أن تقولوا } إذا لم ~~تنتفعوا بالقرآن: { إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين ~~من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين } [الأنعام: ~~156] { أو تقولوا } [الأنعام: 157] أي: لئلا تقولوا، { لو أنآ ~~أنزل علينا الكتاب لكنآ أهدى منهم } [الأنعام: ~~157] أي: في السير إلى الله. # { فقد جآءكم } [الأنعام: 157]، يعني: في هذا القرآن، { بينة ~~من ربكم } [الأنعام: 157] ما بين لكم طريق السير إلى الله ~~والوصول، { وهدى } [الأنعام: 157] وما يهديكم إلى الله أتم وأكمل مما ~~جاءهم في الكتابين؛ لأنه # ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين # [الأنعام: 59]، وإحدى بركة القرآن كل ما في الكتب المنزلة من أسباب ~~الهداية إلى الله تعالى مندرج في القرآن منفرد بكثير منها، { ورحمة ~~} [الأنعام: 157] أي: قد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم وهو رحمة مهداة ~~ليوصلكم إلى الله، فإن لكم فيه # أسوة حسنة # [الأحزاب: 21]، { فمن أظلم ممن كذب بآيات الله } ~~[الأنعام: 157] يعني: بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم، { وصدف ~~عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء ~~العذاب } [الأنعام: 157] والفرقة والقطيعة، { بما كانوا ~~يصدفون } [الأنعام: 157] يعرضون عنها عن هدايتنا. # ثم أخبر عن انتظار أهل الإنكار بقوله: { هل ينظرون إلا أن ~~تأتيهم الملائكة } [الأنعام: 158] الإشارة فيها: أن القوم بعد ~~بعثه النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو صورة الهداية من الله، وبعد نزول ~~الكتاب المبارك الذي هو المعتصم للوصول إلى الله تعالى في متابعة النبي ~~صلى الله عليه وسلم، هل ينظر! { هل ينظرون } [الأنعام: 158]، أي: ~~ينتظرون، { إلا أن تأتيهم الملائكة } [الأنعام: 158] ~~عيانا وتسوقهم إلى الله قهرا وقهرا، إذ هم لم يعتصموا بالقرآن، ولم ~~يتبعوا النبي، ولم يهتد بهدايته، ولم يتسلكوا بتسليكه. # { أو يأتي بعض ءايات ربك } [الأنعام: 158]، يعني: إذ لم ~~يأتوا إليه في متابعتك يأتي ربهم إليهم ويقطع مسافة البعد والحجب لهم، { ~~أو يأتي بعض ءايات ربك } [الأنعام: 158] فيكشف الغطاء ~~يوم، { يوم يأتي بعض ءايات ربك } [الأنعام: 158] اللقاء، ~~وبعد كشف الغطاء، { لا ينفع نفسا إيمنها لم تكن ~~ءامنت من قبل أو كسبت في إيمنها خيرا } ~~[الأنعام: 158] وذلك؛ لأن الله تعالى جعل نفس الإنسان ms0594 وقلبه أرضا صالحة ~~لقبول بذر الإيمان وإنباته وتربيته، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " لا إله إلا الله ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء البقلة " # فالبذر: هو قول المرء أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول ~~الله عند تصديق القلب بشهادة اللسان، وإنما كان زمان هذه الزراعة زمان ~~الدنيا لا زمان الآخرة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: # " الدنيا مزرعة الآخرة " # يوم باقي بعض آياته ربك لا ينفع نفسا في زمان الآخرة بذر إيمانها لم ~~تكن آمنت أي: بذرت من قبل في زمان الدنيا، أو كسبت في إيمانها خيرا من ~~الأعمال الصالحة التي ترفع الكلمات الطيبة وهي: لا إله إلا الله، وتجعلها ~~شجرة طيبة مثمرة تؤتى أكلها حين بإذن ربها من ثمار المعرفة والمحبة ~~والكشف والمشاهدة والوصول والوصال ونيل الكمال، { قل انتظروا } ~~[الأنعام: 158] أيها المنتظرون للمستحيلات، { إنا منتظرون } ~~[الأنعام: 158] للميعاد في المعاد بما وعدناهم من العذاب والعقاب. ### || [6.159-163] # ثم أخبر عن مضار في الدين المتين بقوله تعالى: { إن الذين ~~فرقوا دينهم } [الأنعام: 159] والإشارة فيها: { إن الذين ~~فرقوا دينهم } ، أي: دينهم الذي ارتضي لهم الله تبارك وتعالى هو ~~الدين الحقيقي الذي فيه كمالية الإنسان، وتمامية نعمة الحق تعالى وهو ~~الفوز العظيم بنور الله التام، كما قال تعالى: # يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم # [الصف: 8] فارقوا بقلوبهم، وإن كانوا متمسكين ببعض سعادة بظواهرهم رياء ~~وسمعة أو خوفا وطمعا، { وكانوا شيعا } [الأنعام: 159]، أي: ~~صاروا هؤلاء الفارقون المارقون فرقا مختلفة، فرقة منهم أهل الأهواء ~~والبدع من المذاهب المختلفة: كالمعتزلة والنجارية والمعطلة نافية الصفات ~~والمشبهة والجسمية والمرجئة والجبرية والقدرية والروافض والخوارج ~~وأمثالهم ممن يزعم أنه من أهل الإسلام، وفرقة منهم أهل الدعاوي من غير ~~المعاني كبعض المتزهدين بالرياء، والمتصوفين بغير الصفاء، والعارفين ~~الجاهلين المكذبين العادين عن المعرفة منهم: القلندرية والحوالقية وأكثر ~~من يدعي الفقر وما شم رائحته، وكبعض الغافلين البطالين والعلماء ~~بالسوء الذين يأكلون الدنيا بالدين وهو [بأبدانهم] في طلب العلم وحرفة ~~الجاه والقبول وجمع المال والمفاخرة والمباهاة والشهرة وأخذ المناصب ~~للمكاسب، ms0595 فإنهم يدعون من خواص أهل الإسلام ويظهرون شعائر الصالحين ~~ويضمرون دثار الصالحين. # ومنهم فرقة خلعوا من ربقة الإسلام بالكلية وخرقوا من الدين خروق السهم ~~من الرمية، ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم: كالمتفلسفة والدهرية ~~والطبائعية والحشوية والزنادقة والإباحية والمباركية والإسماعيلية ~~والأباضية والحرورية وطوائف، فإن فيهم كثرة وليس أحد منهم على دين ~~الإسلام، ولكن يخرطون في مسلكهم، وكانوا يتملكوا بملكهم، فهؤلاء أقوام ~~اتفقوا بأبدانهم وافترقوا بقلوبهم وأديانهم مجتمعين جهرا بجهر متفرقين ~~شبرا بشبر. # قال الله تعالى: { لست منهم في شيء } [الأنعام: 159]، ولا ~~يجمعك وإياهم معنى شقك شق الحقائق وشقهم شق البواطل، ولا اجتماع للضدين، ~~{ إنمآ أمرهم إلى الله } [الأنعام: 159]، أي: في بدء الأمر ~~في الخلقة في قسم الاستعداد على ما شاء كما شاء، وفي الحال بالتوفيق ~~والخذلان وفي المال بالمكافآت والمجازات، { ثم ينبئهم } ~~[الأنعام: 159]، عند المكافآت يوم المجازات، { بما كانوا ~~يفعلون } [الأنعام: 159]، في الدينا، إذا كانوا يشترون الحياة ~~الدنيا بالآخرة، ولا ينبئهم عما فعله في البداية من التدبير والتقدير. # ثم أخبر عن مجازات الحسنات والسيئات بقوله تعالى: { من جآء ~~بالحسنة فله عشر أمثالها } [الأنعام: 160]، والإشارة ~~فيها: إن الله تبارك وتعالى من كمال إحسانه مع العبد أحسن إليه بعشر ~~حسنات قبل أن يعمل العبد حسنة واحدة، فقال تعالى: { من جآء ~~بالحسنة فله عشر أمثالها } [الأنعام: 160]، يعني: قبل ~~أن يجئ بحسنة أحسنت إليه بعشر حسنات؛ حتى يقدر أن يجيء بالحسنة، وهي: ~~حسنة الإيجاد من العدم، وحسنة الاستعداد بأن خلقه في أحسن تقويم مستعدا ~~للإحسان، وحسنة التربية، وحسنة الرزق بعثة الرسل، وحسنة إنزال الكتب، ~~وحسنة تبيين الحسنات والسيئات، وحسنة التوفيق، وحسنة الإخلاص في الإحسان، ~~وحسنة قبول الحسنات. # { ومن جآء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها } ~~[الأنعام: 160]، والسر فيه: إن السيئة بذر يذرع في أرض النفس والنفس ~~خبيثة؛ لأنها أمارة بالسوء، والحسنة بذر يذرع في أرض القلب والقلب ~~طيب؛ لأنه يذكر الله # ألا بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد: 28]، وقد قال تعالى: # والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي ~~خبث لا يخرج إلا نكدا # [الأعراف: 58]، وأما ما ms0596 جاء في القرآن والحديث من تفاوت الجزاء ~~للحسنات فاعلم أنه كما للأعداد أربع مراتب: آحاد وعشرات ومئات وألوف، ~~والواحد في مرتبة الآحاد واحد، وفي مرتبة العشرات عشرة، وفي مرتبة المئات ~~مائة، وفي مرتبة الألوف ألف، فكذلك للإنسان أربع مراتب: النفس، والقلب، ~~والروح، والسر، فالعمل الواحد في مرتبة النفس يكون واحد بعينه، كما قال ~~تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40]، إذ هي بمرتبة الآحاد، وفي مرتبة القلب يكون بعشر أمثالها؛ ~~لأنه بمرتبة العشرات، وفي مرتبة الروح يكون بمائة؛ لأنه بمرتبة المئات، ~~وفي مرتبة السر يكون بألف إلى أضعاف كثيرة بقدر صفاء السر وخلوص النية ~~إلى ما لا يتناهى؛ لأنه منزلة الألوف، والله اعلم. # { وهم لا يظلمون } [الأنعام: 160]، المعنى: إن الله تعالى قد ~~أحسن إليهم قبل أن يحسنوا بعشر حسنات شاملات للحسنات الكثيرة، فلا يظلمهم ~~بعد أن أحسنوا، بل يضاعف حسناتهم يدل عليه قوله تعالى: # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما # [النساء: 40]. # ثم أخبر عن الصراط المستقيم وأنه هو الدين القيم بقوله تعالى: { قل ~~إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم } [الأنعام: ~~161]، الإشارة فيها: إن الإنسان لما فارق غيب الغيب، وإن شاءته القدرة ~~في عالم الأرواح فقد الحق عند وجدان الوجود، فلما أراد إلى أسفل سافلين ~~القالب ضل عن سواء السبيل إلى أن أدركته العناية وساقته الهداية بجذبة: # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28]، فيهديه ربه من تيه الضلالة والغواية إلى صراط مستقيم الدين ~~القويم، كما قال تعالى لنبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم: قل: يعني؛ أخبر ~~الخلق أحوالك؛ ليعرفوك فيتبعوك عليه، أي؛ هداني بعد أن وجدني ضالا عنه ~~في تيه البشرية إلى صراط مستقيم إليه، دل عليه قوله تعالى: # ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى: 7]، واعني بالصراط المستقيم: { دينا قيما } [الأنعام: ~~161]، مبنيا على قرآن عجب يهدي إلى الرشد عند التمسك بحبله يوصل العبد ~~إلى ربه. # { ملة إبراهيم حنيفا } [الأنعام: 161]، أي: ذاهب إلى الحق؛ ~~لقوله تعالى: # إني ذاهب إلى ربي سيهدين # [الصافات: 99]، { وما كان من المشركين } [الأنعام: 161]، ~~الذين ms0597 يطلبون مع الله شيئا آخر ويطلبون منه غيره، { قل إن صلاتي ~~ونسكي } [الأنعام: 162]، أي: سيرى على منهاج الصلاة؛ وهي معراج إلى ~~الله وذبيحة نفسي لله، { ومحياي } [الأنعام: 162]، أي: حياة قلبي ~~وروحي، { ومماتي } [الأنعام: 162] أي: موت نفسي، { لله رب ~~العالمين } [الأنعام: 162]، لطلب الحق تعالى والوصول إليه، { لا ~~شريك له } [الأنعام: 163]، في الطلب من مطلوب سواه، { وبذلك ~~أمرت } [الأنعام: 163]، أي: ليس هذا الطلب والقصد إلى الله من نظري ~~وعقلي وطبعي؛ إنما هو من فضل الله ورحمته وهدايته وكمال عنايته إذ أوحى ~~إلي وقال: # وتبتل إليه تبتيلا # [المزمل: 8]، وقال: # قل الله ثم ذرهم # [الأنعام: 91]. # { وأنا أول المسلمين } [الأنعام: 163]، يعني: أنا أول ~~من استسلم عند الإيجاد لأمركن، وعند قبول فيض المحبة بقوله: [يحبهم]، ~~والاستسلام للمحبة في قوله: [يحبونه]، دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: # " أول ما خلق الله نوري ". ### || [6.164-165] # ثم أخبر عن بقيته صلى الله عليه وسلم: إنه هو الله غير خلقته بقوله ~~تعالى: { قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل ~~شيء } [الأنعام: 164] الإشارة فيها: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~غاية منتهاه، ونهاية قصده الله رب العالمين، حتى قال الله عز وجل: { قل ~~أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء } [الأنعام: ~~164]، أي: كيف أطلب غير الله وهو حبيبي، والمحب لا يطلب إلا الحبيب، وكل ~~شيء طلب دونه فهو رب ذلك الشيء ومالكه، فإذا كان هو لي يكون ما له لي، ~~وإن قبلت غيره لم أجده، وكل خير وجدته [غيره] يكون علي، كما قال تعالى: ~~{ ولا تكسب كل نفس إلا عليها } [الأنعام: 164]، يعني: ~~إن النفس إنما تكسب بأمر هواها، # إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي # [يوسف: 53]، ولهذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: # " لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك ". # واعلم أن النفس مأمورة بالسير إلى الله بقدم العبودية والأعمال ~~الصالحات بقوله: # يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك # [الفجر: 27-28]، وإن اطمئنانها بالطبع إلى الدنيا وزخارفها مخالف لأمر ~~الله تعالى وهو وزرها وسيرها ms0598 إلى الدركات السفلى، فلا يمكن لغيرها أن ~~يحمل قدرها، وإن القلب إذا كان سليما من كدورات صفات النفس باقيا على ~~ما جبل عليه من حب الله تعالى وطلبه مزينا بنور الإيمان وحبه لا يؤخذ ~~بمعاملة النفس وزرها، كما قال تعالى: { ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما ~~كنتم فيه تختلفون } [الأنعام: 164]، والنفس مأخوذة بوزرها ~~معا معاقبة بما هي أهله ولا يتألم القلب بعذابها، وإن كان القلب منقلب ~~الحال وأزاغه الحق تعالى بإصبع القهر إلى محاذاة النفس فينطبع مرآة القلب ~~بصفات النفس وأخلاقها، فيتبع النفس وهواها فيزول بطبع الشهوات ولذاتها، ~~ويكسب الإثم والوزر بترك ما هو مأمور به من؛ الطهارة والصفاء والسلامة ~~والذكر والفكر والتوحيد لله تعالى والإيمان به والتوكل عليه والصدق ~~والإخلاص في القلب والعبودية، وغير ذلك من أعمال القلب فيكون مأخوذا ~~بوزره لا بوزر غيره، كما قال تعالى: # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين: 14]. # ثم عرف الله تعالى نفسه الخلق بتعريفهم أنفسهم فقال: { وهو الذي ~~جعلكم خلائف الأرض } [الأنعام: 165]، أي: جعل واحد من بني ~~آدم ابن وقته وخليفة ربه في الأرض، وسر خلافته؛ أن صوره على صورة صفات ~~نفسه حيا قيوما سميعا بصيرا عالما قادرا مريدا متكلما، { ~~ورفع بعضكم فوق بعض درجات } [الأنعام: 165]، في ~~الخلافة واستعدادها، { ليبلوكم في مآ آتاكم } [الأنعام: ~~165]، من صفاته واستعداد الخلافة؛ ليظهر من تخلق بأخلاقه منكم القائم به ~~وبأوامره في العباد والبلاد، ومن الذي رجع قهري إلى صفات البهائم ~~والأنعام وأبطل الاستعداد للخلافة فيكون من زمرة أولئك، # كالأنعام بل هم أضل سبيلا # [الفرقان: 44]. # { إن ربك سريع العقاب } [الأنعام: 165]، يعني: مربيك يا ~~محمد الذي بلغك أقصى مراتب الخلافة سريع العقاب لمبطلي استعداد الخلافة ~~ومضيعي صفات الحق بتبديلها بصفات الحيوانات، بأن، # ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ~~أبصرهم غشاوة # [البقرة: 7]، وجعلهم، # صم بكم عمي فهم لا يرجعون # [البقرة: 18]، إلى مكان من الغيب الذين خرجوا منه، وهم محبوسون في سجن ~~أسفل سافلين وفي حبس، # كلا إن كتاب الفجار لفي سجين ms0599 # [المطففين: 7]. # { وإنه لغفور } [الأنعام: 165]، لمن تاب عن متابعة النفس ~~والهوى ومخالفة الحق والهدى وآمن وعمل صالحا للخلافة، { رحيم } ~~[الأنعام: 165]، بمن رحمه ووفقه لمرضاته ويرفع درجاته. ### | [7 - سورة الأعراف] ### || [7.1-7] # { المص } [الأعراف: 1]، إلى قوله: { ما تذكرون } [الأعراف: ~~3] والإشارة فيها: أنه تعالى بعد ذكره ذاته وصفاته بقوله: { بسم الله ~~الرحمن الرحيم } ، عرف نفسه بقوله: { المص }؛ يعني: الله ~~هو إله؛ من لطفه أفرد عباده للمحبة والمعرفة، وأنعم عليهم الله بالصدق ~~والصبر؛ لقبول كمالية المعرفة والمحبة بواسطة: { كتاب أنزل ~~إليك } [الأعراف: 2] بأن نزله على قلبك وشرح به صدرك، { فلا يكن ~~في صدرك حرج منه } [الأعراف: 2]؛ أي: مما فيه من كثرة ~~الحقائق والمعاني والأسرار والأنوار والأفعال؛ إذ جعل خالقك معاني القرآن ~~نور قلبك بأنواره وحقائقه، فاتسع به قلبك وانفتح له صدرك، فما بقي الضيق ~~والحرج بخلاف الكتب المنزلة على الأنبياء من قبلك، فإنها كانت تنزل عليهم ~~في الصحف والألواح، فكان من نزولها في صدر بعضهم نوع حرج حتى أن موسى ~~عليه السلام ألقى الألواح من نوع ضيق وحرج أصابه مما فيه الألواح وخطاب ~~الحق، فخص نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم بتنزيل الكتاب على قلبه يشرح ~~له صدره بأنواره فلا يكن في صدره حرج منه. # { لتنذر به } [الأعراف: 2] الأمة حين تتلوه عليهم وليكون { ~~وذكرى للمؤمنين } [الأعراف: 2]؛ أي: يتعقلون به وينتفعون ~~بحقائقه في متابعة نبيه صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى: { اتبعوا ~~مآ أنزل إليكم من ربكم } [الأعراف: 3]، ومما نزل إليهم ~~قوله: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7] فإن المؤمنين مأمورون بإتباع ما أنزل من ظاهر القرآن وباطنه؛ ~~يعني: حقائقه وأسراره وحكمه، وبأن يأخذوه من النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~إذ هو به مبعوث لقوله تعالى: # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم # [الجمعة: 2]، فالكتاب: هو ظاهر القرآن، والحكمة: هي باطنه وأسراره ~~وحقائقه في قوله تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ~~ربكم } [الأعراف: 3]. # إشارة أخرى تتضمن ألف بشارة وهي: إن الله تعالى كما شرف النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقوله: { كتاب أنزل إليك ms0600 } [الأعراف: 2] جعل له ~~دخلا في اتباع القرآن والتخلق بأخلاقه ونيل كمالات تندرج فيه بقوله ~~تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } ثم قال ~~عز وجل: { ولا تتبعوا من دونه } [الأعراف: 3]؛ أي: من دون ~~الله، { أوليآء } [الأعراف: 3] أحباء [معاونين]، { قليلا ما ~~تذكرون } [الأعراف: 3]؛ أي: قليلا منكم يا بني آدم من يتعظ فلا ~~يتخذ من دون الله أحدا. # ثم أخبر عن الهالكين غير المتعظين بقوله تعالى: { وكم من قرية ~~أهلكناها } [الأعراف: 4]؛ أي: أهلها، إلى قوله: { وما كنا ~~غآئبين } [الأعراف: 7]، والإشارة فيها: أن طول المهلة توجب الغفلة، ~~وأن إكثار الغفلات توجب الإهلاكات، فكم { من قرية أهلكناها } ~~ركنوا إلى الغفلة، فاعتبروا بطول المهلة، فباتوا في حفظ الرعية، { ~~فجآءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون } [الأعراف: 4] ~~فأصبحوا وقد صادفهم البلاء بغتة وأدركتهم سطوات قهرنا فجأة. # { فما كان دعواهم } [الأعراف: 5]، والإشارة: فاعترفوا من الذنب ~~بالاعتراف حين لا ينفعهم الاعتراف، فلا بلاء كشف عنهم، ولا دعاء سمع لهم، ~~ولا إقرار نفعهم، ولا صريخ أنقذهم فما زالوا يقرعون إلى الابتهال، ~~ويقرعون باب النوال، ويدعون إلى كشف الضر، ويبكون السر حتى هادوا جميعا ~~وهلكوا سريعا. # وفيه إشارة أخرى: { وكم من قرية أهلكناها }؛ أي: قرية قلب ~~أفسدنا استعدادها، { فجآءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون ~~}؛ أي: قلبناها وأزغناها بإصبع القهارية إظهارا للجبارية، وأهلها نائمون ~~على فراش الحسبان قائلون في نهار الخذلان: { فما كان دعواهم } ~~[الأعراف: 5]؛ أي: ادعاؤهم، { إذ جآءهم بأسنآ إلا أن ~~قالوا إنا كنا ظالمين } [الأعراف: 5]؛ أي: ادعوا أن القدرة ~~على تغليب الحال إنما كان لهم؛ وذلك من دناءة همتهم وركاكة عقلهم وقصر ~~نظرهم حتى أحالوا القدرة والتصرف فيهم إلى أنفسهم وهم لاهون عن قوله ~~تعالى: # ونقلب أفئدتهم وأبصرهم # [الأنعام: 110]. # { فلنسألن الذين أرسل إليهم } [الأعراف: 6]، ~~[سؤال] تعذيب وتعنيف تسألون عن القبول، هل قبلتم الرسالة وعملتم بما ~~أمرتم أم لا؟ وفيه معنى آخر؛ أي: فلنسألن الذين كانوا مخصوصين بالرسالة ~~إليهم من المؤمنين قابلي الدعوة هل بقوله: هل بلغ إليكم رسلنا رسالتنا ~~ومواعيدنا، وهل بينوا لكم حقائق ما أنزل إليكم، ووصفوا لكم ما ms0601 أعدونا من ~~المقامات والدرجات والكرامات لكم، وهل دعوكم إلى كمالات الدين وكشف ~~الغطاء عن اليقين؟ وهذا سؤال تقريب وتشريف، { ولنسألن ~~المرسلين } [الأعراف: 6]، هل وجدتم في الأمم أقواما قابلي الدعوة ~~والرسالة من أهل المحبة والعناية؟ كما وعدناكم بإتيانهم بقوله: # فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]، وهذا سؤال إنعام وإكرام. # { فلنقصن عليهم بعلم } [الأعراف: 7]؛ أي: فلنبين لكل ~~طائفة من الرسل والمرسل إليهم أن إرسالنا إليهم كان بعلم منا بقوله ~~تعالى: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124]، وما أرسلناهم عبثا وإنما أرسلناهم لأمر عظيم وشأن ~~جسيم، { وما كنا غآئبين } [الأعراف: 7] عن الرسل والمرسل إليهم؛ ~~أي: كنا مع الرسل، بالعظمة والكفاية ومع المرسل إليهم بالتوفيق ~~والتثبيت والهداية. ### || [7.8-13] # ثم أخبر عن تعيين الوزن للنبيين بقوله تعالى: { والوزن ~~يومئذ الحق } [الأعراف: 8]، الإشارة فيها: أن الوزن عند الله ~~يوم القيامة لأهل الحق وأرباب الصدق وأعمال البر كما قال تعالى: { ~~والوزن يومئذ الحق } ، فلا وزن للباطل وأهله، يدل عليه ~~قوله تعالى: # فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا # [الكهف: 105]، وروي أنه يؤتى يوم القيامة بالرجل العظيم الطويل الأكول ~~الشروب فلا يزن جناح بعوضة، # فمن ثقلت موازينه # [المؤمنون: 102] بالأعمال الصالحة والصفات الحميدة والأوصاف الرضية ~~والنعوت المرضية والأحوال السنية والأخلاق الربانية، { فأولئك ~~هم المفلحون } [الأعراف: 8] الفائزون بإبقاء الحق وبقائه، ~~الناجون من مقام أنانيتهم لفنائهم، وإنما قال تعالى: { موازينه } ~~بالجمع؛ لأن كل عبد ينصب موازين القسط تناسب حالاته، فلبدنه: ميزان توزن ~~به أعماله، ولنفسه: ميزان توزن بها صفاتها، ولقلبه: ميزان يوزن به ~~أوصافه، ولروحه: ميزان يوزن به لغته، ولسره: ميزان يوزن به أحواله، ~~ولخفيه: ميزان يوزن به أخلاقه، والخفى: لطيفة روحانية قابلة لفيض الأخلاق ~~الربانية، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: # " ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن ~~الخلق " # وذلك؛ لأنه ليس من نعوت المخلوقين بل هو من أخلاق رب العالمين، والعباد ~~مأمورون بالتخلق بأخلاقه. # { ومن خفت موازينه } [الأعراف: 9] مما ذكرنا، { ~~فأولئك الذين خسروا أنفسهم } [الأعراف: 9] أفسدوا ~~استعدادها لقبول هذه الكمالات التي ذكرناها، { بما كانوا ~~بآياتنا يظلمون } [الأعراف: ms0602 9]؛ أي: يجحدون؛ يعني: أفسدوا ~~استعدادهم حسن لقبول الكمالات بجحودهم. # ثم أخبر عن كرمه ونعمه بقوله تعالى: { ولقد مكناكم في ~~الأرض } [الأعراف: 10] إلى قوله: # صراطك المستقيم # [الأعراف: 16]، والإشارة فيها: أن التمكين لفظ جامع للتمليك والتسليط ~~والقدرة على تحصيل أسباب كل خير وسعادة دنيوية وأخروية وكمال استعداد ~~المعرفة والمحبة والطلب والسير إلى الله تعالى ونيل الوصول والوصال، وما ~~شرف بهذا التمكين إلا الإنسان، وبه كرم وبه فضل وبه يتم أمر خلافته، ~~ولهذا أمر الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام، وبه من الله تعالى على ~~أولاده بقوله: { ولقد مكناكم في الأرض } [الأعراف: 10]؛ ~~أي: سيرناكم ووهبنا لكم في خلافة الأرض ما لم نمكن أحدا غيركم في الأرض ~~من الحيوانات، ولا في السماء من الملائكة، { وجعلنا لكم } ~~[الأعراف: 10] خاصة، { فيها معايش } [الأعراف: 10]؛ لأنها مجموعة ~~من الملكية والحيوانية والشيطانية والإنسانية، فمعيشة الملك: روحية، ~~ومعيشة الحيوان هي: معيشة بدنية، ومعيشة الشيطان هي: معيشة نفسه الأمارة ~~بالسوء، ولما حصل للإنسان بهذا التركيب مراتب الإنسانية التي لم تكن ~~لكل واحد من الملك والحيوان والشيطان وهي: القلب والسر والخفي، فمعيشة ~~قلبه هي: الشهود، ومعيشة سره هي: الكشوف، ومعيشة خفيه هي: الوصول ~~والوصال، { قليلا ما تشكرون } [الأعراف: 10]؛ أي: قليلا منكم ~~من يشكر هذه النعم؛ أي: نعمة التمكين ونعمة المعايش برؤية هذه النعم ~~والتحديث بها، فإن رؤية النعم شكرها، والتحدث بالنعم أيضا شكر. # ثم أخبر عن شرح هذا التمكين وبدو أمره، فقال تعالى: { ولقد ~~خلقناكم ثم صورناكم } [الأعراف: 11]؛ أي: خلقنا أرواحكم ~~قبل أجسادكم، يدل قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام " # { ثم صورناكم } أي: خلقنا أجسادكم وجعلناها صور الأرواح. # واعلم أن للأجسام وتصويرها بداية في الخلقة ونهاية، فبدايتها: ~~الذرية التي استخرجت من ظهر آدم عليه السلام بقوله تعالى: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم # [الأعراف: 172] ولم يقل: ذراتهم، وفي الحديث الصحيح: # " إن الله مسح ظهر آدم وأخرج ذريته منه كلهم كهيئة الذر " # ؛ يعني: في الصغر، وهذا يدل على أنهم كانوا مصورين في صلب ms0603 آدم، # ونهايتها: أيضا لها بداية ونهاية، فبدايتها: عند تصوير الجنين في ~~الرحم، كقوله تعالى: # هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء # [آل عمران: 6]، ونهايتها: عند كمال الصورة والجسد في حال الكهولة ~~غالبا، فمعنى الآية: خلقناكم أرواحا ثم صورناكم في ظهر آدم ذرية كهيئة ~~الذر ثم في أرحام الأمهات بصورة الجنين، { ثم قلنا للملائكة ~~اسجدوا لأدم } [الأعراف: 11] وأنتم في صلبه فهذا من التمكين ~~أيضا. # { فسجدوا } [الأعراف: 11]؛ يعني: الملائكة؛ لاستعدادهم الفطري، { ~~إلا إبليس لم يكن من الساجدين } [الأعراف: 11] لما ~~فيه من الاستكبار للنارية واستعلائها، { قال ما منعك ألا ~~تسجد إذ أمرتك } [الأعراف: 12] وهذا خطاب الامتحان لجوهر ~~إبليس؛ ليظهر به استحقاق اللعنة، فإنه لو كان ذا بصيرة لقال: منعني ~~تقديرك وقضاؤك ومشيئتك الأزلية، فلما كان أعمى بالعين التي ترى أحكام ~~الله وتقديره وهويته، بصيرا بالعين التي ترى أنانيته، { قال أنا ~~خير منه } [الأعراف: 12]؛ يعني: منعتني خيرتي عنه أن أسجد لمن هو ~~دوني، واستدل على خيريته بقوله تعالى: { خلقتني من نار ~~وخلقته من طين } [الأعراف: 12]؛ يعني: النار علوية نورانية ~~لطيفة، والطين سفلي ظلماني كثيف فهي خير منه، فأخطأ اللعين في الجواب وفي ~~الاستدلال والقياس من وجوه، وقد قدرنا خطأه في الجواب. # فأما في القياس: فأحد الوجوه: أنا لو سلمنا أن النار أفضل ما شرف ~~وأعلى من الطين من حيث الظاهر والصورة، ولكن من حيث الحقيقة والمعنى ~~الطين أفضل وأشرف منها؛ لأن من صفات الطين وخواصه: الثبات ومنه النشوء ~~والنمو، ولهذا السر كان تعلق روح الإنسان به؛ ليصير قابلا للترقي، فإن ~~جوهره كان من قبيل جواهر الملائكة في الروحانية والنورانية وقابل للترقي، ~~والنار من خاصيتها الإحراق والإفناء. # وثانيها: أن في الطين لزوجة وإمساكا، فإذا استفاد الروح منه ~~بالترابية هذه الخاصية يصير ممسكا للفيض الإلهي، إذ لم يكن ممسكا له في ~~عالم الأرواح، ولهذا السر؛ استحق آدم عليه السلام سجود الملائكة، وسيأتي ~~شرحه - إن شاء الله تعالى - وفي النار خاصية الإتلاف وهو ضد الإمساك. # والثالث: أن الطين مركب من الماء والتراب، والماء مطية الحياة كقوله ~~تعالى: ms0604 # وجعلنا من المآء كل شيء حي # [الأنبياء: 30]، والتراب مطية النفس النامية، فعند ازدواجهما تتولد ~~النفس الحيوانية؛ وهو الروح الحيواني وهو مطية الروح الإنساني للمناسبة ~~الزوجية بينهما، وفي النار ضد هذا من الإهلاك والإفساد، ثم تقول: شرف ~~سجود آدم وفضله على الساجدين لم يكن لمجرد خواص الطبيعة، وإن شرف طبيعته ~~لشرف التخمير من غير واسطة لقول: # ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي # [ص: 75]، ولقوله صلى الله عليه وسلم: # " خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا ". # وإنما كانت فضيلته عليهم لاختصاصه بنفخ الروح للشرف، بالإضافة إلى ~~الحضرة فيه من غير واسطة، كما قال تعالى: # ونفخت فيه من روحي # [الحجر: 29]، ولاختصاصه بالتجلي فيه عند نفخ الروح كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن الله خلق آدم فتجلى فيه " # ؛ ولهذا السر ما أمر الملائكة بالسجود بعد تسوية قالب آدم من الطين بل ~~أمرهم بالسجود بعد نفخ الروح فيه كما قال تعالى: # إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت ~~فيه من روحي فقعوا له ساجدين # [ص: 71-72]، وذلك؛ لأن آدم عليه السلام بعد أن نفخ فيه الروح صار ~~مستعدا للتجلي؛ لما حصل فيه من لطافة الروح ونورانيته التي يستحق بها ~~التجلي ومن إمساك الطين الذي يقبل الفيض الإلهي ويمسكه عند التجلي فاستحق ~~سجود الملائكة؛ لأنه صار كعبة حقيقة تفهم - إن شاء الله - وتنفع، فلا ~~تكون كالشيطان أعمى عند مطالعة هذه الحقائق، والمتكبر عن الإيمان بها ~~فتخرج من جنة هذه المعارف وروضة هذه العواطف وتخاطب أيضا بقوله تعالى: { ~~قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها ~~فاخرج إنك من الصاغرين } [الأعراف: 13]، وإنما لزمه ~~الهبوط والخروج من معارف العز ومنازله؛ لأنه اعتصم بيد الإباء والاستكبار ~~في جبل الأنانية بقوة الخيرية، فاستخرج وهبط من عالم العلو إلى عالم ~~السفل، وصار من الصاغرين بعد أن كان من الكافرين، فلما ابتلي بالقضاء ~~وطرد من الجوار أخذ في النوح وألبس من الروح ورضي بالعباد واطمأن ~~بالحياة. ### || [7.14-18] # { قال أنظرني إلى يوم يبعثون } [الأعراف: 14] فأجابه ~~بما عليه ولم يجيبه بما ms0605 له، فأجابه بأن يكون من المنظرين، { قال ~~إنك من المنظرين } [الأعراف: 15]؛ ليكون هذا في الإنظار ~~والإمهال وبالأعلمية ما يزيد في شقوته وشدة عذابه وإبعاده، ولم يجيبه ~~بألا يذيقه ألم الموت، قال تعالى: # إلى يوم الوقت المعلوم # [ص: 81] في موضع آخر. # ثم أخرج منه ما كان مودعا في حق قهره من الجهالة والضلالة بالأرض ~~والاعتراض علينا، أو مكايده مع الحق تعالى حتى قال: { قال فبمآ ~~أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم } [الأعراف: ~~16]، فلم يكن حالة الإغواء إلى الله منه من نظر التوحيد ورؤية الأمور من ~~الله تعالى؛ وإنما كان إثباتا للحجة ومعارضة مع الله في الإغواء كما ~~قال: # لأغوينهم أجمعين # [ص: 82]، وقال: { لأقعدن لهم } ، فلو كان من نظر التوحيد لم ~~يكن اللعين مدعيا الإغواء والإضلال، ولو كان واقعا عن الصراط ~~المستقيم عن قوله: { صراطك المستقيم } حقيقية الذي هو الصراط ~~إلى الله لم يتعد عن الصراط المستقيم بنفسه ولم يقعد الآخرين بل يدعوهم ~~إليه، ولكن من نتائج القهر يجري الله على بعضهم أفعالا وأقوالا تكون هي ~~حجة عليهم. # ثم أخبر عن بيان [جهات عداوتهم] بقوله: { ثم لآتينهم من ~~بين أيديهم ومن خلفهم } [الأعراف: 17]، الإشارة فيها: أن ~~الشيطان لا يأتي من جهة من الجهات إلا وللنفس الإنسانية بقية من الصفة ~~[التي] تتعلق بتلك الجهة، واعلم أن للنفس في كل جهة من الجهات حظوظا ~~مختلفا بحسب صفاتها؛ ولذلك فسر كل واحد من المفسرين قوله: { ~~لآتينهم من بين أيديهم }؛ بمعنى آخر نظرهم على بيان صفة ~~النفس التي هي مدخل الشيطان فقال: { لآتينهم من بين ~~أيديهم } من قبل الحسد فأزين لهم الحسد على الأكابر من العلماء ~~والمشايخ في زمانهم؛ ليطعنوا في أحوالهم وأعمالهم وأقوالهم وتنكرون عليهم ~~فيضلوا ويعلموا الخلق بإغوائهم إظهارا للخيرية لأنفسهم، كما كان حال ~~إبليس مع آدم عليه السلام، { ومن خلفهم } ومن خلفهم من قبل ~~المعصية، فآمرهم؛ ليطعنوا في المتقدمين من الصحابة والتابعين والعلماء ~~والمشايخ الماضيين ويقدحوا فيهم ويبغضوهم ويفتروا عليهم ويرون عليهم ما ~~لا يرون. # { وعن أيمانهم } [الأعراف: 17] من قبل إفساد ذات البين؛ ~~فأفسد ms0606 ما بينهم وبين الإخوان في الدين وألقى بينهم العداوة والبغضاء، { ~~وعن شمآئلهم } [الأعراف: 17]، من قبل ترك النصيحة مع أهاليهم ~~وأقاربهم وأصدقائهم؛ فأمرهم بالخيانة معهم وترك الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر والمكر والخداع مع عامة المسلمين وفي معاملاتهم. # وأيضا: { لآتينهم من بين أيديهم } من قبل الرياء ~~والعجب وأفسد عليهم طاعاتهم، { ومن خلفهم } من قبل الصلف، ~~فاذكرهم ما صدر منهم من أعمال البر في الأيام السالفة؛ ليباهوا بها على ~~الإراءة ويتفاخروا بها رياء وسمعة فيحبط أعمالهم، { وعن أيمانهم ~~} من نيل الادعاء فأزين لهم الدعاوي كالأحوال والمقامات من غير المعاني ~~وآمرهم بإظهار حالات في مواجيد لم تكن فيهم، { وعن شمآئلهم } من ~~قبل الافتراء، فسول لهم المرئيات بالوقائع والكشوف والمقامات الكاذبة. # وأيضا: { من بين أيديهم } من قبل الاعتراض للمريدين، فأملي ~~لهم ليعترضوا من [أنفسهم] ومرتبتهم، فأقطع طريق الإرادة والطلب، وأخرجهم ~~من مواهب ولايتهم وفوائد محبتهم { ومن خلفهم } من قبل التفريق ~~فأخرجهم من صحبة المشايخ بتسويل الحجج و[الشبهات] والبينات وتحصيل ~~العلوم لأظفر عليهم عند الفرقة ما لم أظفر عليهم في الصحبة، { وعن ~~أيمانهم } من قبل الارتباط، فحرضهم على سوء الأدب في صحبة المشايخ ~~وترك الحشمة والتعظيم والتوسع في الكلام والمزاح؛ لإنزالهم عن رتبة ~~القبول { وعن شمآئلهم } من قبل المخالفة فأمرهم بترك أوامر ~~المشايخ ونواهيهم لأوردهم به موارد الرد، وأهلكهم بسطوة غيرة الولاية ~~وردها بعد القبول. # وأيضا: { من بين أيديهم } أثور عليهم أهاليهم وأولادهم؛ ~~ليمنعوا عن طلب الحق { ومن خلفهم } أثور عليهم آباءهم وأمهاتهم، ~~{ وعن أيمانهم } أثور عليهم أحبابهم وأصدقائهم { وعن ~~شمآئلهم } أثور عليهم أعداءهم وحسادهم؛ ليمنعوه عن الطلب باللطف ~~والعنف، { ولا تجد أكثرهم شاكرين } [الأعرف: 17]؛ لنعماتك ~~التي أنعمت بها عليهم من السعادات الدنيوية والأخروية، فإنهم قبلوا مني ~~تمويهات ووساوس في الإضلال لما كانت موافقة لنفوسهم وملائمة لطباعهم، ~~فكفروا بنعمك وخالفوا طاعتك فانسلخوا عنها. # فلما ادعى اللعين هذه الدعوى وأخذ في تحقيق المعنى، قال الله تعالى: { ~~قال اخرج منها مذءوما مدحورا } [الأعراف: 18]؛ أي: غاية ~~الذم ونهاية الطرد فإنك عزمت على غاية الذنب ونهاية السر. # ثم قال ms0607 تعالى: { لمن تبعك منهم } [الأعراف: 18]؛ يعني: من ~~الذين تأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم فيقبلوا ~~منك ما أمرتهم، ويتبعوا من بني آدم من يتبعك في الإضلال والإغواء ومن ~~قبلوا منهم كما قبلوا منك { لأملأن جهنم منكم أجمعين } ~~[الأعراف: 18]. ### || [7.19-23] # ثم أخبر عن إعزاز آدم وإسكانه في الجنة بعد طرد إبليس ولعانه بقوله ~~تعالى: { ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة } [الأعراف: ~~19] إلى: { عدو مبين } [الأعراف: 22]، الإشارة فيها: أن الخطاب مع ~~آدم عليه السلام بقوله تعالى: { ويآءادم اسكن أنت وزوجك ~~الجنة } إنما كان خطاب الابتلاء والامتحان، والنهي نهي التعزز ~~والدلالة كأنه قال: يا آدم أتيحت لك الجنة وما فيها إلا هذه الشجرة، ~~فإنها شجرة المحبة، والمحبة مطية المحنة، اسكن أنت وزوجك الجنة واسكن ~~إليها وإنما خلقتها لتسكن إليها، { فكلا من حيث شئتما } ~~[الأعراف: 19] من أنهار الجنة وأشجارها ونعمتها بنعيمها وأزهارها { ولا ~~تقربا هذه الشجرة } [الأعراف: 19] شجرة المحبة احترازا عن ~~المحنة. # { فتكونا من الظالمين } [الأعراف: 19] على أنفسكما؛ لأن ~~للمحبة نارا ونورا، فمن لم يرد نارها لم يجد نورها، ومن يرد نورها ~~تحترق بنارها منه أنانيته وما هو به هو فيبقى بهوية ربه، فهاهنا يجد نور ~~المحبة ويتنور به كقوله تعالى: # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54] فشجرة المحبة غرسها الرحمن بيده لأجل آدم كما خمر طينة ~~آدم بيده لأجل هذه الشجرة، وإن منعه منها كان تحريضا على تناولها، فإن ~~الإنسان حريص على ما منع ولم تكن الشجرة طعمة لغير آدم وأولاده، فلما ~~ابتلى آدم بهذا الخطاب وامتحن جوهره بترك هذه الطعمة المخصوصة والالتفات ~~بغيرها؛ ليظهر أنه خلق لها وهي خلقت له سكنت نفس آدم إلى حواء إلى الجنة ~~وما فيها إلا إلى الشجرة المنهي عنها؛ لأنها كانت مشتهى لقلب أعداؤه فما ~~كان للنفس فيها حظ، ولم يسكن قلبه إلى شيء منها إلا إلى هذه الشجرة ولا ~~يزال يزداد توقانه إليها فيقصدها ويمنعه النفس عنها وتمسك في منعه بحبل ~~النهي. # وقوله تعالى: { ولا تقربا هذه الشجرة } [الأعراف: 19]؛ ~~حتى أعنى القلب، { فوسوس لهما الشيطان ليبدي ms0608 لهما ~~ما ووري عنهما من سوءاتهما } [الأعراف: 20] من الكمال ~~والنقصان فيهما، { وقال ما نهاكما ربكما عن هذه ~~الشجرة إلا أن تكونا ملكين } [الأعراف: 20]؛ يعني: إذ ~~لا يتناولان من شجرة المحبة يكونان من أهل العلو كالملكين في زوايا ~~الجنة، { أو تكونا من الخالدين } [الأعراف: 20]؛ يعني: الذي ~~هم خلقوا في الجنة كالحور ورضوان خزان الجنان وغيرهم، فأثر بعض هذا في ~~قلب آدم وتنسم منه رائحة الأنس بمسام الروح؛ إذ كان قلبه وروحه متعطشين ~~إلى دلال ذلك الجمال وكان ورد وقتهما ما قيل: # والله ما طلعت شمس ولا غربت # إلا وأنت مني قلبي ووسواسي # ولا جلست إلى قوم أحدثهم # إلا وأنت حديثي بين جلاسي # ولا هممت بشرب الماء من عطش # إلا رأيت خيالا منك في الكأس # فتساكر القلب وغاب النفس في عزم على التناول فداخله خوف البشرية ولامته ~~النفس اللوامة فكاد القلب أن يهن في الغرم وتذكر النهي فسقاه إبليس كأس ~~القسم شراب ذكر الحبيب. # { وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين } [الأعراف: 21]، ~~فسكر القلب واشتد شوقه وعرف أن هذا كلام حق وصدق يريد به باطل، وإن لم ~~تشعر نفسه بهذه الحقيقة، { فدلاهما بغرور } [الاعراف: 22]؛ أي: ~~فغرهما بالله وشكرهما بذكره وشوقهما إليه، فلما استغرق آدم في بحر ~~الشوق تاق إلى الذوق فنسي النهي وتناول الشجرة، { فلما ذاقا ~~الشجرة } [الأعراف: 22] فلما ذاقا المحبة وجد ذوقها، { بدت ~~لهما سوءاتهما } [الأعراف: 22]؛ أي: بدت لهما نار المحبة قبل ~~نورها، وهي التي تبدي سوآتهما للمحنة والفرقة بين الأحبة في البداية، ~~وتظهر كمالات القربة والوصلة في النهاية، وهي ما روي عنهما، فأخرجت منهما ~~التاج والإكليل والحلة وكل حلي وزينة دنيوية وأخروية، وأخرجا من الجنة ~~ونادى كل شجر وورق وثمر على آدم بلسان الملامة # وعصى ءادم ربه فغوى # [طه: 121]. # { وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } [الأعراف: ~~22]؛ أي: لاشتمال فائدة المحبة كانا يجعلان كل نعيم الجنة على ناديهما، ~~فكما التهبت احترقت بلظى نار حبة الوصلة بينهما، ونعق غراب البين بالفرقة ~~بينهما، فراحت الراحة وأبدل الروح بالنوح، فقال: # فبينما نحن في لهو وفي طرب ms0609 # بدا سحاب فراق صوبه هطل # وإن من كنت مشغوفا بطلعته # مضى وأقعر منه الرسم والطلل # فالصبر مرتحل والوجد متصل # والدمع منهمل والقلب مشتغل # { وناداهما ربهمآ } [الأعراف: 22] نداء الكبرياء والعزة، { ~~ألم أنهكما عن تلكما الشجرة } [الأعراف: 22]، فإنه تذل ~~العزيز وتزيل النعيم وتذهب بالطرب وتأتي بالتعب { وأقل لكمآ إن ~~الشيطآن لكما عدو مبين } [الأعراف: 22]؛ أي: هو مبين ~~بالعداوة لكما صداقة مخفية تظهر ولو بعد حين، فلما ناداهما بالعتاب حل ~~بهما من سطوة الخطاب ما حل: # واخجلتي من وقوفي وسط داركم # وقول واشيكم من أنت يا رجل # وانغسل بماء الخجل منهما رعونات البشرية، ولوث العجب وأنحرقت حجب ~~الأنانية، وانكشفت ألطاف الألوهية فرجعا عما كانا عليه، وطمعا فيما لديه ~~عن إنابة أنانيتهما بقوله تعالى: { قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا ~~} [الأعراف: 23] إلى # تخرجون # [الأعراف: 25]، الإشارة فيها: أن آدم عليه السلام لما استغرق في لجة ~~بحر المحبة، وضاقت عليه الأرض بما رحبت قد علم أنه لا ملجأ إلا إليه وكذا ~~حواء رجعا إليه. # { قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا } [الأعراف: 23] بأنا تناولنا ~~من شجرة المحبة فوقعنا في شبكة المحنة تفنينا عن الوصال ولا المحنة ~~تفنينا بالزوال، { وإن لم تغفر لنا } [الأعراف: 23] بنوال ~~الوصال، { وترحمنا } بتجلي الجمال، { لنكونن من ~~الخاسرين } [الأعراف: 23]، الذين خسروا الدنيا والعقبى ولم يظفروا ~~بالمولى، فأدركتهما العناية واستقبلتهما الهداية، وأمرا بالصبر على الهجر ~~ووحدا بالوجد بعد الفقر. ### || [7.24-28] # { قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض ~~مستقر ومتاع } [الأعراف: 24]؛ يعني: للنفس والقلب والروح في ~~أرض البدن مقام وتمنع في الشريعة باستعمال الطريقة للوصول إلى الحقيقة، { ~~إلى حين } [الأعراف: 24]، تصير النفس فيه مطمئنة فتستحق لخطاب: # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28]، من الهبوط وتدفع بعد السقوط كما قيل: # إن الأمور إذا انسدت مسالكها # فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا # لا تيأسن وإن طالت مطالبة # إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا # أخلق بذى الصبر أن يحظى بحاجته # ومدمن القرع للأبواب أن يلجا # { قال فيها تحيون } [الأعراف: 25]؛ أي: في المحبة، وصدق الطلب، ~~وقرع باب الفزع بالصبر والثبات على العبودية، { وفيها تموتون } ~~[الأعراف: ms0610 25] في طلب الحق على جادة الشريعة بإقدام الطريقة، { ومنها ~~تخرجون } [الأعراف: 25] إلى عالم الحقيقة يدل عليه قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تحشرون ". # ثم أخبر عن منه على الناس باللباس بقوله تعالى: { يبني ءادم ~~قد أنزلنا عليكم لباسا } [الأعراف: 26] إلى قوله: { ما ~~لا تعلمون } [الأعراف: 28]، الإشارة فيها: أن لكل جزء من أجزاء ~~الإنسان لباسا يواري سوءة ذلك الجزء من ظاهره وباطنه، فقال تعالى: { ~~يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سوءاتكم } فهو لباس الشريعة فيواري سوءة الأفعال القبيحة بأحكام ~~الشريعة في الظاهر سوءة الصفات الذميمة النفسانية والحيوانية بآداب ~~الطريقة في الباطن. # { وريشا } [الأعراف: 26]؛ يعني: وليكون الشريعة زينة وجمالا لكم في ~~الظاهر والباطن، { ولباس التقوى } [الأعراف: 26]، والتقوى: هو ~~لباس القلب والروح والسر الخفي، فلباس القلب من التقوى: هو الصدق في طلب ~~المولى فيواري به سوءة الطمع في الدنيا وما فيها، ولباس الروح من التقوى: ~~هو محبة المولى فيواري به سوءة التعلق بغير المولى، ولباس السر من ~~التقوى: هو رؤية المولى فيواري بها رؤية غير المولى، ولباس الخفي من ~~التقوى: إبقاؤه بهوية المولى فيواري بها هويته وهوية غير المولى؛ ولهذا ~~قال: ذلك خير؛ لأن لباس البدن بالفتوى وهو شريعة إلباس القلب بالتقوى وهو ~~حقيقة. # { ذلك من آيات الله } [الأعراف: 26]؛ أي: أنزل الشريعة ~~والحقيقة مما يدل عليه المولى، { لعلهم يذكرون } [الأعراف: ~~26]؛ لكي يذكروا عزمهم عن لباس الوجود في عالم الشهود، { يابني ~~ءادم لا يفتننكم الشيطان } [الأعراف: 27] بالدنيا وما ~~فيها ولا يضلنكم عن سبيل الله بإتباع الهوى، # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين # [آل عمران: 14]، فيخرجكم عن جنة الصدق في طلب الحق، { كمآ أخرج ~~أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما } ~~[الأعراف: 27] من الشرع وذلك نهيهما عن شجرة المحبة { ليريهما ~~سوءاتهمآ } [الأعراف: 27] مخالفة وما علما أن فيها هذه الصفة ومن ~~جملة سوءاتهما كل كمال ونقصان كان مستورا فيهما فأراهما بعد تناول ~~الشجرة، { إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ~~ترونهم } [الأعراف: 27]؛ يعني: من الروحانيين الذين لا صورة لهما ~~في الظاهر، ms0611 فإنهم يرون بنظر الملكوتي الروحاني من الإنسان بعض الأفعال ~~التي تتولد من أوصاف البشرية كما رؤوا في آدم # قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء # [البقرة: 30] من حيث البشرية التي هي منشأ الصفات الحيوانية، وإنكم ~~محجوبون بهذه الصفات عن رؤيتهم لا من حيث الروحانية التي هي منشأ العلوم ~~للأسماء والمعرفة، فإنهم لا يرونكم في هذا المقام وأنتم ترونهم بنظر ~~الروحاني بل النور الرباني. # { إنا جعلنا الشياطين أوليآء للذين لا ~~يؤمنون } [الأعراف: 27]؛ أي: خلقناهم مستعدين لتولية أمور أهل ~~الغفلة والطبيعة الذين لا إيمان لهم بالله وطلبه ولا بالوصول إليه؛ ~~ليزينوا لهم زخارف الدنيا وشهواتها، { وإذا فعلوا فاحشة } ~~[الأعراف: 28] وهي طلب الدنيا وجها والحرص على جمعها، فإن أفحش الفواحش ~~حب الدنيا؛ لأنه رأس كل خطيئة؛ والمعنى: إذا وقع أهل الغفلة في طلب ~~الدنيا وزينتها والتمتع بها بتلقين الشيطان وتدبيره وتزينه، فيدعوهم داع ~~إلى الله وطلبه وترك الدنيا وطلبها. # { قالوا وجدنا عليهآ آباءنا } [الأعراف: 28]؛ يعني: على ~~محبة الدنيا وشهواتها، { والله أمرنا بها } [الأعراف: 28]؛ أي: ~~بطلبها بالكسب والحلال، { قل إن الله لا يأمر ~~بالفحشآء } [الأعراف: 28]؛ أي: لا يأمر بحب الدنيا والحرص على ~~جمعها، وإنما يأمر بالكسب الحلال بقدر الحاجة الضرورية لقوام القالب ~~بالقوة واللباس؛ ليقوم بأداء حقوق العبودية، { أتقولون على ~~الله ما لا تعلمون } [الأعراف: 28]؛ أي: تفترون على الله ما لا ~~تعلمون آفته ووبال عاقبته، ولا تعلمون أن ذلك من فتنة الشيطان وتزينه ~~وإغوائه. ### || [7.29-31] # ثم أخبر عن أمر الحق أنه بالحق بقوله تعالى: { قل أمر ربي ~~بالقسط } [الأعراف: 29] إلى { مهتدون } [الأعراف: 30]. # والإشارة فيها: أن القسط في قوله تعالى: { قل أمر ربي ~~بالقسط }؛ هو القسط إلى الله تعالى بجميع أسبابه النازلة من الله عز ~~وجل { وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد } [الأعراف: 29]؛ ~~يعني: استقيموا في التوجه إلى الله عند كل صلاة وطاعة { وادعوه ~~مخلصين له الدين } [الأعراف: 29]؛ أي: اطلبوا منه ولا تطلبوا ~~من غيره شيئا، فإن المخلص من يكون مقصده ومطلوبه ومحبوبه في كل حال من ~~الأحوال قبل القيام بالطاعة وعند القيام بها وبعد ms0612 الفراغ منها. # فإنكم { كما بدأكم تعودون } [الأعراف: 29]؛ يعني: كما بدأكم ~~منه تعودون إليه إما باللطف، وإما بالقهر، فأما أهل الصدق فيعودون إليه ~~على قدم الإخلاص، وصدق التوجه إلى الله تعالى وعدم الالتفات إلى ما سواه ~~وهو قوله تعالى: { فريقا هدى } [الأعراف: 30]، وأهل النار يسبحون ~~في النار على وجههم، فإنهم توجهوا إلى الدنيا وزخارفها على قدم الشرك ~~فضلوا عن سبيل الله وكانوا { وفريقا حق عليهم الضلالة } ~~[الأعراف: 30]؛ وذلك لأن من سيرتهم { إنهم اتخذوا الشياطين ~~أوليآء من دون الله } [الأعراف: 30]، فإن الشياطين يتولون ~~أمورهم على وفق طبعهم فيخرجونهم من نور الطاعة والعبودية إلى ظلمات الشرك ~~والطبيعة فيغيرون بذلك، { ويحسبون أنهم مهتدون } ~~[الأعراف: 30] فيؤديهم الحسبان دركات النيران. # ثم أخبر عن سبيل الرشاد للعباد بقوله تعالى: { يابني ءادم ~~خذوا زينتكم عند كل مسجد } [الأعراف: 31]؛ أي: عند كل ~~طاعة ظاهرة وباطنه، قرينة الظاهر التواضع والخضوع، وزينة الباطن الانكسار ~~والخشوع، وقد يقال: زينة نفوس العابدين آثار السجود، وزينة قلوب العارفين ~~أنوار الوجود، فالعابد على الباب بنعت العبودية والعارف على البساط بحكم ~~الحرية فشتان بين عبد وعبد، { وكلوا واشربوا } [الأعراف: 31]؛ ~~أي: وكلوا مما يأكلون أهل البيان في مقام العندية، واشربوا مما يشربون، ~~كما قال صلى الله عليه وسلم: # " أبيت عند ربي يطعمني ويسقين ". # { ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } [الأعراف: ~~31]، والإسراف نوعان: إفراط، وتفريط، فالإفراط: ما يكون فوق الحاجة ~~الضرورية، أو على وفق الطبع والشهوة، أو على الغفلة، أو على ترك الأدب ~~بالشره، أو على غير الذكر، والتفريط: أن ينقص من قدر الحاجة الضرورية ~~ويقصر في حفظ القوة والطاقة للقيام بحق العبودية، أو يبالغ في أداء حق ~~الربوبية بإهلاك نفسه فيضيع حقها، أو فيضيع حقوق الربوبية بحظوظ نفسه، أو ~~يطبع حقوق القلب والروح والسر الذي هو مستعد لحصولها بحظوظ النفس؛ ~~فالمعنى: لا تسرفوا لا تضيعوا حقوقنا ولا حقوقكم بحظوظكم. ### || [7.32-33] # قوله تعالى: { قل من حرم زينة الله التي أخرج ~~لعباده والطيبات من الرزق } [الأعراف: 32]، يشير إلى ~~أن من يمنعكم من كمالات أخرجها الله من غيب الغيب لخواص ms0613 عباده من ~~الأنبياء والأولياء، ومن حرم عليكم نيل هذه الكرامات والمقامات، فمن ~~تصدى لطلبها وسعي لها سعيها في مباحة له من غير تأخير ولا قصور، وإضافة ~~الزينة إلى الله تعالى؛ لأنه أخرجها من خزائن ألطافه وحقائق أعطافه، فزين ~~الأبدان بالشرائع وآثارها، وزين النفوس بالآداب وأقدارها، وزين القلوب ~~بالشواهد وأنوارها، وزين الأرواح بالمعارف وأسرارها وبالطوالع وأثمارها، ~~وزين الظواهر بآثار التوفيق، وزين البواطن بأنوار التحقيق، وزين الظواهر ~~بآثار الجود، وزين الباطن بأنوار الشهود، وزين الظواهر بآثار الجود، وزين ~~البواطن بأنوار الوجود والطيبات من الرزق، إن أرزاق النفوس بحكم أفضاله، ~~وأرزاق القلوب بموجب إقباله، والطيبات من الرزق على الحقيقة ما لم يكن ~~مشوبا بحقوق النفس وحظوظها، ويكون خالصا من مواهب الحق وحقوقه. # { قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا } [الأعراف: ~~32]؛ أي: هذه الكرامات والمقامات لهؤلاء السادة في الدنيا مشوبة بشوائب ~~الآفات النفسانية، وكدورات الصفات الحيوانية، { خالصة يوم ~~القيامة } [الأعراف: 32] من هذه الآفات والكدور كما قال تعالى: # ونزعنا ما في صدورهم من غل # [الأعراف: 43]، { كذلك نفصل الآيات } [الأعراف: 32] أي: نبين ~~الباطل ونظهر بشواهد الحق، { لقوم يعلمون } [الأعراف: 32] الحق ~~والباطل ونبين لهم الحق. # ثم أخبر عن ما حرم بقوله تعالى: { قل إنما حرم ربي ~~الفواحش } [الأعراف: 33]، الإشارة فيها: أن أعمال الظواهر وأعمال ~~البواطن معتبرة في طلب الحق تعالى والسلوك إليه بقوله تعالى: { قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~} ، والفواحش: ما يقطع العبد عن طريق الرب ويمنعه عن السلوك إليه فيه، ~~ففاحشة العوام: ما ظهر منها ارتكاب المناهي وما بطن خطورها بالبال، ~~وفاحشة الخواص: ما ظهر منها لأمة كل زمان مستحقة لدخول النار. # ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن ~~والإنس في النار # [الأعراف: 38]، وإنما قدم الجن على الإنس؛ لتقدمهم عليهم في الخلقة، ~~وذلك أن الله تعالى لما خلق الجن جعل منه حكمة؛ فمنهم: مؤمن، ومنهم: ~~كافر، فلما استولى أهل الكفر منهم على أهل الإيمان وغلبوهم بالحرب ~~والقتال حتى استأصلوهم بعث الله إليهم جندا من الملائكة، قيل: كان ~~رئيسهم إبليس، ms0614 فسلطهم الله عليهم حتى أهلكوا جميعهم، ثم خلق الله تعالى ~~آدم عليه السلام بعدهم فخلق منه ذريته فكان منهم كافر: كقابيل، ومنهم ~~مؤمن: كهابيل إلى أن كان في كل زمان منهم أمة كافرة مستحقة لدخول النار، ~~وأمة مؤمنة مستحقة لدخول الجنة حتى الآن وإلى انقراض العالم؛ لقوله ~~تعالى: # هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن # [التغابن: 2]. # وقال تعالى: # كما بدأكم تعودون * فريقا هدى وفريقا حق ~~عليهم الضلالة # [الأعراف: 29-30]، وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا تقوم الساعة وفي الأرض من يقول: الله الله ". ### || [7.38-41] # فقال في الأزل للأمة المستحقة للنار في كل زمان: { ادخلوا في ~~أمم قد خلت من قبلكم } [الأعراف: 38]؛ أي: في الأزمنة ~~الماضية على الجن والإنس، فالمخاطبون بهذا الخطاب والمأمورون بهذا الأمر ~~معنيون في علم الله، معدودون وهم غير مخلوقين بعد، فلا يزيدون ولا ينقصون ~~ولا يتجاوزون عما أمروا وهم يدخلون النار على أقدام الأعمال التي هي ~~الموجبة للنار التي سبقت الأمة المتقدمة، { كلما دخلت أمة } ~~[الأعراف: 38] في أعمال أهل النار { لعنت أختها } [الأعراف: ~~38]؛ يعني: الأمة التي سبقت إلى هذه الأعمال قبلها، { حتى إذا ~~اداركوا فيها جميعا } [الأعراف: 38]؛ أي: حتى تداركوا الكل في ~~الأعمال الموجبة للنار واجتمعوا في النار، { قالت أخراهم ~~لأولاهم } [الأعراف: 38]؛ أي: التابعة للمتقدمة عليها في كل زمان، { ~~ربنا هؤلاء أضلونا } [الأعراف: 38] عن سبيل الحق وقطعوا ~~علينا طريقنا إليك بأفعالهم وأقوالهم وأحوالهم وسنتهم التي سنوها. # { فآتهم عذابا ضعفا من النار } [الأعراف: 38]؛ يعني: ~~مضاعفا مما تؤتينا من العذاب؛ لأنهم سنوا هذه السنة السيئة، وقال صلى ~~الله عليه وسلم: # " من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " # { قال لكل ضعف } [الأعراف: 38] من العذاب؛ يعني: للمتقدمين ~~والمتأخرين؛ لأن المتقدم متأخر أسن سنة، وكل متأخر هو متقدم لمتأخر به ~~فيسنون بسنته، { ولكن لا تعلمون } [الأعراف: 38] أيها ~~المتأخرون أنكم متقدمون بمتأخريكم، { وقالت أولاهم لأخراهم ~~فما كان لكم علينا من فضل } [الأعراف: 39]؛ لأنكم سننتم ~~لأخراكم كما سننا لكم وكنتم قادتهم كما كنا قادتكم، { فذوقوا ~~العذاب بما كنتم ms0615 تكسبون } [الأعراف: 39] من السنة السيئة ~~ولا تكسبون من السنة الحسنة التي سنها الأنبياء - عليهم السلام - { إن ~~الذين كذبوا بآيتنا } [الأعراف: 40]؛ وهي السنن الحسنة ~~المنزلة على الأنبياء، وما أظهره الله تعالى على الأولياء من الكرامات ~~والعلوم اللدنية فأنكروها. # { واستكبروا عنها } [الأعراف: 40]؛ أي: تكبروا عن قبولها ~~والإيمان بها، { لا تفتح لهم أبواب السمآء } [الأعراف: ~~40]؛ أي: أبواب سماء القلوب إلى الحضرة، { ولا يدخلون الجنة ~~} [الأعراف: 40] جنة القربة والوصلة، { حتى يلج الجمل } ~~[الأعراف: 40] جمل النفس المتكبرة، { في سم الخياط } [الأعراف: ~~40]، وهو مدخل الطريقة التي تربي النفوس الأمارة وتزكيها؛ لتصير مطمئنة ~~فتستحق بها خطاب: # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28]؛ فالمعنى: النفس المتكبرة لما صارت كالجمل؛ لتكبرها لا ~~تصلح لدخول جنة الحقيقة إلا بعد تزكيتها بأحكام الشريعة وآداب الطريقة؛ ~~حتى تصير بالتربية في إزالة الصفات الذميمة وقطع تعلقات ما سوى الله أدق ~~من الشعرة بألف مرة فتلج في سم خياط الفناء فتدخل الجنة جنة البقاء، ~~فافهم جدا. # { وكذلك نجزي المجرمين } [الأعراف: 40] الذين أجرموا على ~~أنفسهم الضعيفة اللطيفة حتى صارت من الأوزار كالجمل، بأن يجعل لهم من ~~جهنم المجاهدة والرياضة فراشا وهو قوله تعالى: { لهم من جهنم ~~مهاد ومن فوقهم غواش } [الأعراف: 41]؛ يعني: من مخالفات ~~النفس وقمع الهوى يكون فراشهم ولحافهم، حتى تحيط بهم فتذيبهم وتحرق عنهم ~~أنانيتهم مع أثقال أوزارهم ليستحقوا دخول الجنة، { وكذلك نجزي ~~الظالمين } [الأعراف: 41]؛ يعني: بهذه الطريقة تضع عنهم أوزارهم ~~وترد مظالمهم في الدنيا؛ ليردوا القيامة مستعدين لدخول الجنة، ومن لم يجز ~~في الدنيا بهذه الطريقة فيجزى في الآخرة كما قال تعالى: # ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب ~~الأكبر لعلهم يرجعون # [السجدة: 21]. ### || [7.42-46] # ثم أخبر عن أحوال أهل الجنة بعد أهوال النار بقوله تعالى: { والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات } [الأعراف: 42] إلى قوله: { وهم ~~بالآخرة كافرون } [الأعراف: 45]، والإشارة فيها: أن الله تعالى ~~بفضله وكرمه خفف عن أنفس أهل الغاية الإيمان والطاعة فقال: { والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا ~~وسعها } [الأعراف: 42]، رفعنا عن ظاهرهم وباطنهم كلفة الإيمان والعمل ~~فسيرنا عليهم العبودية بحسن التوفيق. # { أولئك أصحاب ms0616 الجنة } [الأعراف: 42]؛ أي: الذي خلقناهم ~~للجنة مستعدين للسير إليها بأقدام الطاعات، { هم فيها خالدون } ~~[الأعراف: 42] إذ خلقوا لها، { ونزعنا ما في صدورهم من ~~غل } [الأعراف: 43]؛ أي: بنور قذفناه في قلوبهم وهو نور الإيمان ~~فشرحنا صدورهم للإسلام بضوئه، { ونزعنا ما في صدورهم } من ~~ظلمة صفات البشرية وهي: الغل، فأخرجناهم من الظلمات إلى النور، وبدلنا ~~أخلاقهم الدنيئة الذميمة بالأخلاق العلية الحميدة، وطهرنا قلوبهم ~~بالإيمان والعمل الصالح، وأرواحهم بماء العرفان، وأسرارهم بشراب طهور ~~تجلي صفات الجمال وجعلناهم # إخونا على سرر متقبلين # [الحجر: 47]؛ أي: إخوانا في الله على سرر من السرور بالله، متقابلين ~~لألطاف الله وشهود أنوار الغيب وكشوف أسرار الحق تعالى. # { تجري من تحتهم الأنهر } [الأعراف: 43]؛ أي: تجري من تحت ~~أسرارهم أنهار الحكمة وعيون المعرفة، { وقالوا الحمد لله ~~الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن ~~هدانا الله } [الأعراف: 43] اعترافا منهم وإقرارا على أنفسهم ~~بأنهم ينالوا ما نالوا، ولم يصلوا إليه من جزيل تلك العطيات وعظيم تلك ~~المواهب والرتب والمقامات بجهدهم واستحقاق فعلهم؛ وإنما ذلك جمع ابتداء ~~فضل منه ورحمة، { لقد جآءت رسل ربنا بالحق ونودوا ~~} [الأعراف: 43] في أسرارهم: { أن تلكم الجنة أورثتموها ~~} [الأعراف: 43] يا أهل المحبة من أهل السهو والغفلة، { بما كنتم ~~تعملون } [الأعراف: 43] وتطلبون ما تحبون في متابعة الحبيب فوجدتم ~~ما طلبتم، وإنهم لا يعملون بما يعلمون ويطلبون ما يحبون من الدنيا ~~وشهواتها فيجدون دركات السفلى ونهاية البعد. # { ونادى أصحاب الجنة } [الأعراف: 44]؛ أي: أرباب المحبة، { ~~أصحاب النار } [الأعراف: 44]؛ يعني: أهل نار القطيعة، { أن قد ~~وجدنا ما وعدنا ربنا حقا } [الأعراف: 44]؛ أي: فيما قال: ~~ألا من طلبني وجدني، { فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا } ~~[الأعراف: 44]؛ أي: فيما قال: من يطلب غيري لم يجدني، { قالوا نعم ~~} [الأعراف: 44] فأجابوهم: بل وجدنا حقا، { فأذن مؤذن } ~~[الأعراف: 44] العزة والعظمة، { بينهم أن لعنة الله على ~~الظالمين } [الأعراف: 44] الذين وضعوا استعداد الطلب في غير موضع ~~مطلوبه، وصرفوه في غير مصرفه، { الذين يصدون } [الأعراف: 45]؛ ~~أي: هم الذين يصدون القلب والروح، { عن سبيل الله } [الأعراف: 45] ~~وطلبه، { ويبغونها عوجا } [الأعراف: 45]؛ أي: ms0617 يصرفون وجوههم إلى ~~الدنيا وما فيها، { وهم بالآخرة كافرون } [الأعراف: 45]؛ أي: ~~وهم منكرون على أهل المحبة فيما يطلبون فيما تأخر عن حسهم وهم يطلبون ما ~~يدركون بالحواس الظاهرة دون ما في الآخرة. # ثم أخبر عما بين الفريقين من الحجاب بقوله تعالى: { وبينهما ~~حجاب } [الأعراف: 46] إلى قوله: # ولا أنتم تحزنون # [الأعراف: 49]، الإشارة فيها: أن بين أهل النار وأهل الجنة حجابا وهو ~~من أوصاف البشرية والأخلاق الذميمة النفسانية، فلا يرى أهل النار أهل ~~الجنة من وراء ذلك الحجاب، وبين أهل الجنة وأهل الله وهم أصحاب الأعراف ~~حجابا وهو من أوصاف الخلقية والأخلاق الحميدة والروحانية، فلا يرى أهل ~~الجنة أهل الله تعالى من وراء ذلك الحجاب، كما قال تعالى: { ~~وبينهما حجاب } ، { وعلى الأعراف رجال يعرفون ~~كلا بسيماهم } [الأعراف: 46] من آثار نور القلب وظلمته، وسميت ~~الأعراف أعرافا؛ لأنها مواطن أهل المعرفة، إنما سمي الله تعالى أهل ~~المعرفة رجالا؛ لأنهم بالرجولية يتصرفون فيما سوى الله تصرف الرجال في ~~النساء ولا يتصرف فيهم شيء منه؛ لقوله تعالى: # رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله # [النور: 37]. # وحيث ما ذكر الله تعالى الخواص ذكرهم برجال كقوله تعالى: # رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه # [الأحزاب: 23]، وكقوله تعالى: # رجال يحبون أن يتطهروا # [التوبة: 108]؛ لأن وجه الامتياز بين الخواص والعوام بالرجولية في طلب ~~الحق وعلو الهمة، فإن أصحاب الأعراف بعلو همتهم ترقوا عن حضيض البشرية ~~ودركات النيران وصعدوا على ذروة الروحانية ودرجات الجنان، وما التفتوا ~~إلى نعيم الدارين وما ركنوا إلى كمالات المنزلين؛ حتى عبروا على المكونات ~~وأقاموا على الأعراف وهي: مرتبة فوق الجنان في حظائر القدس عند الرحمن، ~~وهم مشرفون على أهل الجنة والنار، فلما رأوا أهل الجنة وهم # في شغل فاكهون # [يس: 55] وقد شغلوا بنعيمها على المولى، { ونادوا أصحاب ~~الجنة أن سلام عليكم } [الأعراف: 46]؛ يعني: هنيئا لكم؛ ~~يعني: ما أنتم فيه من النعيم المقيم والقصور. # ثم أخبر عن همة أصحاب الأعراف فقال تعالى: { لم يدخلوها وهم ~~يطمعون } [الأعراف: 46] نعيم الجنة ودرجاتها، ولم يركنوا إلى شيء ~~منها فعبروا ms0618 عليها ولم يدخلوها، وهم على الأعراف يطمعون في الوصول إلى ~~الله تعالى والدخول في الجنة التي أضافها الله تعالى إلى نفسه بقوله: # وادخلي جنتي # [الفجر: 30]. ### || [7.47-51] # { وإذا صرفت أبصارهم تلقآء أصحاب النار } ~~[الأعراف: 47] ابتلاء ليريهم أنه تعالى من أي دركة خلصهم؟ وبأي كرامة ~~اختصهم؟ فيعرفوا قدر ما أنعم الله عليهم، ومن هذا القبيل يكون ما سنح ~~لأرباب الكمالات من الخواطر النفسانية، وما ابتلاهم الله بشيء من الدنيا ~~والجاه والقبول والاشتغال بالخلق؛ ليعرفوا قدر العزلة والتجريد والأنس مع ~~الله تعالى في الخلوات. # ففي أداء الشكر ورؤية النعمة { قالوا ربنا لا تجعلنا مع ~~القوم الظالمين } [الأعراف: 47] بعد أن خلصتنا من أوصافهم ~~وأخلاقهم ودركاتهم ومما هم فيه لا تجعلنا مرة أخرى من جملتهم ولا تدخلنا ~~في زمرتهم، { ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم ~~بسيماهم قالوا } [الأعراف: 48]؛ يعني: الفريقين، { مآ أغنى ~~عنكم جمعكم } [الأعراف: 48] يا أهل النار من الدنيا وزخارفها ~~للخلاص من النار، { وما كنتم تستكبرون } [الأعراف: 48] عن ~~قول: لا إله إلا الله، ويا أهل الجنة من الطاعات ورؤيتها من الخلاص من ~~الجنة، { وما كنتم تستكبرون } عن السر في حقيقة لا إله إلا ~~الله. # ثم يقول الله تعالى: { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ~~ينالهم الله } [الأعراف: 49] يا أهل الجنة، { برحمة } ~~[الأعراف: 49] من الوصول والوصال، وذلك أن من المؤمنين والعلماء بعلم ~~الظاهر في بعض الأوقات يقولون لأهل المحبة والمعرفة وأرباب الطلب من ~~دناءة هممهم: إن أحدا منكم لا ينال درجة الوصول ومرتبة الوصال ويقسمون ~~على ذلك، ويا أهل النار برحمة من دخول الجنة. # ثم يقول الله تعالى لأصحاب الأعراف: { ادخلوا الجنة } ~~[الأعراف: 49]؛ أي: الجنة المضافة إلي في حظائر القدس وعالم الجبروت، { ~~لا خوف عليكم } [الأعراف: 49] من الخروج منها، { ولا أنتم ~~تحزنون } [الأعراف: 49] على ما فاتكم من نعيم الجنة؛ إذ فزتم بشهود ~~جمالنا ووجود وصالنا. # فاعلم أن أهل الجنة وأهل النار يرون أهل الله وهم: أصحاب الأعراف ~~بالصورة ما داموا في مواطن الكونين، فإذا دخلوا جنة الحقيقة المضافة إلى ~~الله تعالى في سرادقات العزة وعالم الجبروت انقطع عنهم ms0619 نظرهم ونظر ~~الملائكة المقربين، فافهم جيدا. # وقد حكي عن أبي جعفر الأبهري أنه دخل على أبي طاهر الهمداني فقال: أين ~~كنت فإني حضرت البارحة مع الخواص على باب الله فما رأيتك؟ ثم قال أبا ~~طاهر: صدقت كنت على الباب مع الخواص، وكنت داخلا مع الأخص فما رأيتني! # ثم أخبر عن مقامات الفريقين بعد تفرد حالات أهل الله بقوله تعالى: { ~~ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة } [الأعراف: 50] إلى ~~قوله تعالى: # وضل عنهم ما كانوا يفترون # [الأعراف: 53]، الإشارة فيها: أنه تعالى بعد ذكر أصحاب الأعراف وما ~~أنالهم من الهمم العلية وأنهم لم يدخلوا الجنة وطمعوا فيما عند الله، ذكر ~~حالة أهل الجنة وأهل النار ومعالمهم وإنهم على قدر هممهم فيما يتناظرون ~~على ما يتفاضلون. # فقال تعالى: { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن ~~أفيضوا علينا من المآء أو مما رزقكم الله } ~~[الأعراف: 50]؛ يعني: من الطعام، فإنهم كما كانوا في الدنيا عبيد البطون ~~حريصين على الطعام والشراب؛ حتى ماتوا على ما عاشوا فيه فحشروا على ما ~~ماتوا عليه، وإن أهل الجنة لما أطالوا الجوع والعطش في الدنيا وإنما ~~جوعوا بطونهم لوليمة الفردوس كان اشتغالهم في الجنة بشهوات الأنفس ~~ومضايقهم بها، { قالوا إن الله حرمهما على ~~الكافرين } [الأعراف: 50]، وفي الحقيقة: إن الله حرمهما عليهم حين ~~حرم عليهم توفيق معاملات تورثهم الجنة وما فيها، وهم { الذين ~~اتخذوا دينهم لهوا ولعبا } [الأعراف: 51]، عند عدم ~~التوفيق للطاعة اتخذوا الدنيا وشهواتها دنيا، يعبدون الدنيا ويلعبون ~~فيها، وباللهو يشتغلون، { وغرتهم الحيوة الدنيا } ~~[الأعراف: 51] وزينتها عن الله وطلبه وعن الآخرة والسعي لها، فقال تعالى: ~~{ فاليوم ننسهم } [الأعراف: 51]، واليوم هو يوم اللقاء. # { كما نسوا لقآء يومهم هذا } [الأعراف: 51]؛ أي: نسوا ~~طلبنا وطلب ما عندنا لما كان عندهم من الدنيا، { وما كانوا ~~بآيتنا يجحدون } [الأعراف: 51]؛ يعني: بما كانوا ينكرون على ~~أهل كمالات الدين، ويجحدون بما أعطيناهم من الكرامات والمقامات. ### || [7.52-54] # { ولقد جئناهم } [الأعراف: 52]؛ يعني: لهؤلاء المنكرين كما ~~جئنا للمؤمنين، { بكتاب فصلناه على علم } [الأعراف: 52]؛ ~~أي: بقرائن مبينا فيه من العلوم ما يكون، { هدى ورحمة ms0620 لقوم ~~يؤمنون } [الأعراف: 52] به ويهتدون به، فاهتدى المؤمنين به إلى ~~الله، وضل المنكرون والجاحدون به عن الله، { هل ينظرون } [الأعراف: ~~53]؛ أي: هل ينتظرون الفريقان { إلا تأويله } [الأعراف: 53]؛ أي: ~~ما تؤول إليه عاقبته في شأنهم، فأما المؤمنين فيكشف عنهم الغطاء ويرش ~~عليهم العطاء؛ ليجدوا الشفاء من محنة البعاد، وينالوا الضياء بقرب ~~الوداد، ويصلوا في الدنيا والعقبى؛ أي: جميل المراد، وما لأهل الجحود ~~والإنكار إلى العزة في قسمهم إلا الذلة والافتقار، وفي الآخرة إلا العذاب ~~الشديد في دركات النار، { يوم يأتي تأويله يقول الذين ~~نسوه من قبل قد جآءت رسل ربنا بالحق فهل ~~لنا من شفعآء فيشفعوا لنآ أو نرد فنعمل ~~غير الذي كنا نعمل } [الأعراف: 53] فإذا كشف جلال الغيب ~~وانتفى عن قلوبهم أغطية الدين فلا بكاء لهم ينفع، ولا دعاء لهم يسمع، ولا ~~شكوى عنهم ترفع، ولا شافع لهم يشفع، ولا دافع عنهم العذاب يدفع، ولا ~~البلوى من دونهم تقطع، { قد خسروا أنفسهم } [الأعراف: 53] ~~بإفساد استعداد نيل الكمالات، وتاهوا في تيه الضلال، { وضل عنهم ~~ما كانوا يفترون } [الأعراف: 53] من هواجسهم النفسانية ~~ووساوسهم الشيطانية في طلب الدنيا ومتابعة الهوى. # ثم أخبر عن عزة ربوبيته وقدرة ألوهيته بقوله تعالى: { إن ربكم ~~الله الذي خلق السموت والأرض في ستة أيام } ~~[الأعراف: 54]، الإشارة فيها: أن الله تعالى يعرف ذاته إلى الخلق ~~بصفاته وهي: الربوبية، والإلوهية، والقادرية، والخالقية، والمدبرية، ~~والحكيمية، والاستوائية، فقال تعالى: { إن ربكم الله الذي ~~خلق السموت والأرض في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش } [الأعراف: 54]، فيشير إلى أن الذي هو ربكم وسيدكم الذي ~~تجب طاعته عليكم لربوبيته هو: الله المستحق للعبادة بالإلوهية، الذي خلق ~~بالقادرية والخالقية السماوات والأرض بالمدبرية والحكيمية خلقها في ستة ~~أيام، وإنما حصر في ستة أيام؛ لأن أنواع المخلوقات ستة وهي: # الأول: الأرواح المجردة. # والثاني: الملكوتيات، فمنها: الملائكة، والجن، والشياطين، وملكوت ~~السماوات، ومنها: العقول المفردات والمركبات. # والثالث: النفوس: كنفوس الكواكب، ونفس الإنسان، ونفس الحيوان، ونفس ~~النبات والمعادن. # والرابع: الأجرام والبساط العلوية من الأجسام اللطيفة كالعرش، والكرسي، ~~والسماوات، والجنة والنار. # والخامس: ms0621 الأجسام المفردة وهي: العناصر الأربعة. # والسادس: الأجسام المركبة الكثيفة من العناصر فتصير عن خلق كل نوع منها ~~بيوم، وإلا فالأيام الزمانية كونها مستحيل قبل خلق السماوات والأرض، ~~فلما أتم خلق المكونات من الأنواع الستة استوى على العرش بعد الفراغ من ~~خلقها استواء التصرف في العالم وما فيه التدبير في أموره من العرش إلى ~~تحت الثرى، وإنما اختص العرش بالاستواء؛ لأنه مبدأ الأجسام اللطيفة ~~القابل للفيض الرحمانية. # واعلم أن الاستواء صفة من صفاته تعالى لا تشبه استواء المخلوقين، كالعلم ~~صفة من صفاته تعالى لا يشبه علم المخلوقين؛ إذ # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # [الشورى: 11]، ولو أمعنت النظر في خصوصية خلافتك عن الحق تعالى لعرفت ~~نفسك فعرفت ربك، وذلك أن الله تعالى لما أراد خلق شخصك من النطفة ~~المودعة في الرحم استعمل روحك بخلافته؛ ليتصرف في النطفة أيام الحمل ~~فيجعلها عالما صغيرا مناسبا للعالم الكبير، فيكون بدنه بمثابة الأرض، ~~ورأسه بمثابة السماء، وقلبه بمثابة العرش، وسره بمثابة الكرسي، وهذا كله ~~بتدبير الروح وتصرفه خلافة عن ربه، ثم استوى الروح بعد استواء من الشخص ~~الكامل على عرش القلب استواءا لا مكانيا لا استواءا مكانيا؛ ليتصرف ~~في جميع أجزاء الشخص ويدبر أموره بإفاضة فيضه على القلب، فإن القلب هو: ~~القابل لفيض الروح، ثم يفيض على سائر الأعضاء، كما أن من العرش ينصب ~~الفيض الإلهي إلى سائر المخلوقات، فالعرش مقسم فيض الحق تعالى إلى ~~المخلوقات كلها، كما أن القلب مقسم فيض الروح إلى القالب كله، فإذا تأملت ~~في هذا المثال تأملا شافيا وجدته في نفي التشبيه عن الصفات المنزهة ~~المقدسة كافيا، وتحققت حقيقة: " من عرف نفسه فقد عرف ربه " - إن شاء ~~الله تعالى - فيقول تعالى: { يغشي اليل النهار يطلبه ~~حثيثا } [الأعراف: 54]، يخبر عن تصرفاته في المماليك بالمدبرية عند ~~استوائه على العرش، وفيه إشارة إلى ليل ظلمات النفس عند استيلاء صفاتها ~~وغلبات هواها على نهار أنوار القلب، وإلى نهار القلب في غلبات أنواره ~~واستيلاء المحبة عليه. # { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } ~~[الأعراف: 54]؛ عنى بالأمر الخطاب ms0622 بلا واسطة، كما خاطب النار # ينار كوني بردا وسلما # [الأنبياء: 69] بلا واسطة، فكانت؛ يعني: هذه العلويات مدبرات السفليات ~~ومؤثرات فيها؛ لأنها مسخرات بأمرنا بلا واسطة، وهن واسطة بيننا وبين ~~السفليات كتابة للقدرة وإيصالا للتصرف، كما أن يعني حركة القلم بأمر ~~الكاتب بلا واسطة، والكتابة بواسطة القلم تصدر عن الكاتب، { ألا له ~~الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين } [الأعراف: ~~54]، فسمي ما خلق بأمره من غير واسطة أمرا، وما خلق بواسطة خلقا، وقال ~~تعالى: { ألا له الخلق والأمر }؛ أي: له القدرة والتصرف في ~~العالمين بالربوبية ما خلق بالواسطة وما خلق بغير واسطة. ### || [7.55-58] # ثم أخبر عن رفع الوسائط أخذا بالحقائق بقوله تعالى: { ادعوا ~~ربكم تضرعا وخفية } [الأعراف: 55] إلى قوله: { ~~تذكرون } [الأعراف: 57]. # الإشارة فيها: إنه تعالى لما رفع حجب الوسائط بينه وبين العباد بقوله: # ألا له الخلق والأمر # [الأعراف: 54] أمرهم بالرجوع في الحاجات إليه، والتضرع في المناجات بين ~~يديه، فقال: { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } ، والتضرع: ما ~~يطلع عليه الخلق، والخفية: ما يطلع عليه الحق؛ أي: تضرعا بالجوارح وخفية ~~بالقلوب، وفيه معنى آخر: ادعوا من ربكم بربكم تضرعا قياما بأداء حق ~~العبودية وخفية بمطالعة حق الربوبية، { إنه لا يحب ~~المعتدين } [الأعراف: 55] الاعتداء في الدعاء: طلب الغير منه ~~والرضا بما سواه، { ولا تفسدوا في الأرض } [الأعراف: 56] في ~~أرض القلوب، { بعد إصلاحها } [الأعراف: 56]؛ أي: بعد أن أصلحها ~~الله برفع الوسائط بينه وبين القلوب وفساد القلوب في رؤية غير الحق. # ويقال: من إفساد القلوب بعد إصلاحها إرسالها في أودية المنى بعد إمساكها ~~عن متابعة الهوى، ومن ذلك الرجوع إلى الحظوظ بعد القيام بالحقوق، { ~~وادعوه خوفا وطمعا } [الأعراف: 56]؛ أي: لا تدعوا أحدا غيره ~~في الخوف والرجاء فإنه الذي يجيب ويرجى؛ لأنه الضار والنافع والمعطي ~~والمانع والمعز والمذل، وأيضا { وادعوه خوفا } من الانقطاع، { ~~وطمعا } في الاصطناع، وأيضا: خوفا من الاثنينية، وطمعا في الوحدة. # { إن رحمت الله } [الأعراف: 56] بذل هذه الملتمسات، { قريب ~~من المحسنين } [الأعراف: 56] الذين يذوقون الله في الطاعات؛ أي: ~~يعبدونه طمعا فيه لا منه، { وهو الذي يرسل الرياح ms0623 بشرا ~~بين يدي رحمته } [الأعراف: 57]؛ أي: رياح العناية فينشر سحاب ~~الهداية، { حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه ~~لبلد ميت } [الأعراف: 57]؛ أي: كل قلب ميت، { فأنزلنا ~~به المآء } [الأعراف: 57] المحبة، { فأخرجنا به من كل ~~الثمرات } [الأعراف: 57]؛ وهي المشاهدات والمكاشفات وأنواع ~~الكمالات، { كذلك نخرج الموتى } [الأعراف: 57] موتى القلوب ~~من قبور الصدور، { لعلكم تذكرون } [الأعراف: 57]؛ أي: ~~تذكروا أيام حياتكم في عالم الأرواح؛ إذ كنتم تردون حياض الأنس ورياض ~~القرب عند حظائر القدس. # ثم أخبر عن البلد الطيب بقوله تعالى: { والبلد الطيب يخرج ~~نباته بإذن ربه } الإشارة فيها: أن البلد الطيب هو القلب ~~الحي الذي أحياه الله، # وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ~~الظلمت # [الأنعام: 122]؛ أي: يعامل الخلق بأنوار أخلاقه الحميدة، { والذي ~~خبث لا يخرج إلا نكدا } [الأعراف: 58]، يشير به إلى: أرض ~~النفوس الأمارة التي لا يخرج منها إلا الأخلاق الذميمة والأفعال ~~الرديئة، فمن كان حيا بنور الله ينعكس نور قلبه على نفسه، فتنورت النفس ~~فتبدلت أوصافها بأوصافه وتلاشت ظلمتها بنور القلب فتطمئن إلى ذكر الله ~~وطاعته، كما هو من أوصاف القلوب كقوله تعالى: # ألا بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد: 28]، وإن كان القلب ميتا والنفس حية فظلمات صفات النفس تطل على ~~القلب، وتبدل صفاته بصفاتها عند استيلاء صفاتها عليه فتجعل اطمئنانه ~~بالدنيا وما فيها. # { كذلك نصرف الآيات } [الأعراف: 58]؛ أي: تصرف النفوس ~~أوصافها إلى أوصاف القلب وأخلاقه، { لقوم يشكرون } [الأعراف: ~~58]؛ أي: يعرفون قدر إنعامنا وأفضالنا في تصريف أوصاف النفس إلى أخلاق ~~القلب، وتصريف أخلاق القلب إلى أنوار أخلاقنا فتشكروننا على ما أظهرنا من ~~آياتنا. ### || [7.59-64] # ثم أخبر عن الذي خبث بقوله تعالى: { لقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه } [الأعراف: 59] إلى قوله: { إنهم كانوا قوما ~~عمين } [الأعراف: 64]، الإشارة فيها: أن قوله تعالى: { لقد ~~أرسلنا نوحا إلى قومه } يشير إلى: قوم لهم أرض نفس خبيثة، ~~فمن خبائثها ما نفعتها أمطار الدعوة النوحية مدة أيام حياته ألف سنة ~~إلا خمسين عاما، وما أخبثها إفاضة الوعد والوعيد، { فقال ياقوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ms0624 إني أخاف ~~عليكم عذاب يوم عظيم } [الأعراف: 59]؛ أي: عظيم نفعه وضره، ~~فإن من انتفع فيه انتفع برب عظيم، فما أنجع فيهم ما أظهر من الدلالة؛ لأن ~~المحروم لا تنجيه الدلالة من الضلالة. # { قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين } ~~[الأعراف: 60] نسبوه إلى الضلالة؛ لأنهم نظروا إليه بنظر الضلالة فرأوا ~~الحق ضلالة والضلالة حقا، { قال يقوم ليس بي ضللة } ~~[الأعراف: 61]؛ أي: بكم الضلالة عن الحق، { ولكني رسول من ~~رب العلمين * أبلغكم رسالات ربي } [الأعراف: ~~61-62] في الوعد والوعيد { وأنصح لكم } [الأعراف: 62] لكم بالدعوى ~~لكم من الدنيا إلى العقبى، ومن العقبى إلى المولى، { وأعلم من ~~الله ما لا تعلمون } [الأعراف: 62]؛ أي: من طلبه وجده، ومن طلب ~~غيره لم يجده، { أوعجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم } ~~[الأعراف: 63] وهو نظر العناية لأهل الهداية، { على رجل منكم ~~} [الأعراف: 63]؛ أي: مثلكم في الإنسانية والبشرية. { لينذركم } ~~[الأعراف: 63] ويوقظكم من نوم الغفلة { ولتتقوا } [الأعراف: 63] ~~عما يقطعكم عن الله، { ولعلكم ترحمون } [الأعراف: 63] ~~بالوصلة عن الفرقة { فكذبوه } [الأعراف: 64] فيما دعاهم إليه بسوء ~~حظهم، { فأنجيناه } [الأعراف: 64] من ظلمات كفرهم وشؤم ضلالتهم، { ~~والذين معه في الفلك } [الأعراف: 64] فمن كان له أرض النفس ~~طيبة أنبتت لهم زرع الإيمان بأمطار الدعوى؛ ففازوا بأزهار النجاة وإثمار ~~الدرجات والقربات، { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ ~~إنهم كانوا قوما عمين } [الأعراف: 64]؛ أي: لأنهم كانوا ~~قوما عمين عن رؤية آياتنا فما استحقوا لرؤيتنا ولا لطلبنا ولا لقبولنا، ~~وفيه إشارة إلى نوح الروح الذي أرسله إلى قومه ببلاء القلب وهم القلب ~~وصفاته، والنفس وصفاتها. # ومن صفة الروح: العبودية، والطاعة، ودعوة القلب والنفس وصفاتهما إلى ~~الله تعالى وعبوديته. # ومن صفات النفس وشأنها: تكذيب الروح ومخالفته، والإباء عن قبول النصيحة، ~~والتعجب والاستبعاد عما يلاحظ الله به الروح ويكرمه بالإنذار؛ ليتقوا ~~قومه من عبادة الدنيا وزينتها لئلا تحرموا عن مساعدة الرحمة ومواصلة ~~القربة، فكذبوه قومه من النفس وصفاتها، { فأنجيناه }؛ أي: الروح من ~~ظلمات النفس وتمردها، { والذين معه } وهم القلب وصفاته الذين ~~قبلوا دعوة نوح الروح وركبوا معه في الفلك وهو فلك الشريعة ms0625 والدين، { ~~وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ }؛ أي: النفس وصفاتها في ~~بحر الدنيا وشهواتها، { إنهم كانوا قوما عمين } عن رؤية ~~الله والوصول إليه. ### || [7.65-72] # ثم أخبر عن قوم هود عليه السلام بقوله تعالى: { وإلى عاد ~~أخاهم هودا } [الأعراف: 65]، القصة الإشارة فيها: أن في قوله ~~تعالى: { وإلى عاد أخاهم هودا } إلى قوله: { الكاذبين } ~~[الأعراف: 66]، إشارة إلى أن قلوب قوم هود أيضا نسخة خبيثة كما كانت ~~لقوم نوح لم يخرج منها الأنكد، فلما أراد هود عليه السلام أن يبذر فيها ~~بذر التوحيد والمعرفة لم تكن صالحة، فما خرج منها إلا نبت التشقية ~~والتكذيب سلكوا طريق سلفهم وإخوانهم وسنوا بمثل حالهم، { قال ياقوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا ~~تتقون } [الأعراف: 65]. # قال: { قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا ~~لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين * ~~قال يقوم ليس بي سفاهة } [الأعراف: 66-67]؛ أي: بكم ~~السفاهة، { ولكني رسول من رب العلمين } [الأعراف: ~~67] وأنتم مكذبي لسفاهتكم، { أبلغكم رسلت ربي وأنا ~~لكم ناصح أمين } [الأعراف: 68] فيما أدعوكم إلى الله، وإن من ~~أسقطته القسمة لم تنفعه النصيحة، { أوعجبتم أن جآءكم ذكر ~~من ربكم على رجل منكم لينذركم } [الأعراف: 69]؛ ~~أي: يوقظكم من نوم الغفلة، ويخبر عن يوم الحسرة من قوت الدولة، فمن فرط ~~الجهالة وغاية العنادة عجبوا من كون رجل سأل سؤلا، ولم يتعجبوا من كونهم ~~جعلوا الصنم شريكا له!! # { واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم نوح } ~~[الأعراف: 69] جعل الله الخلق بعضهم خلفا عن بعض، وجعل الكل خلفاء في ~~الأرض ولا يفني جنسا منهم إلا أقام فوجا منهم في ذلك الجنس، فأهل ~~الغفلة إذا انقرضوا خلف عنهم قوما، وأهل الوصلة إذا انقرضوا خلف عنهم ~~قوما، { وزادكم في الخلق بصطة } [الأعراف: 69] كما زاد ~~قوما على من تقدمهم في بسطة الخلق، وكما وقع التفاوت بين شخص وشخص فيما ~~يعود إلى المعاني أوقع التفاوت بين قوم وقوم فيما يرجع إلى المعاني. # { فاذكروا ءالآء الله } [الأعراف: 69]؛ أي: إذا لم تستحقوا ~~لذكر الله فاذكروا نعمة الله عليكم، { لعلكم تفلحون } ~~[الأعراف: 69] بذكر ms0626 الله على الحقيقة، فلما لم يعرفوا قدر نعم الله، { ~~قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان ~~يعبد آباؤنا } [الأعراف: 70] جعلوا الآلهة من فرط جهالتهم وغاية ~~ضلالتهم عدلا لله وشريكا له. # ثم قالوا من عكوفهم على التفرقة: { فأتنا بما تعدنآ إن كنت ~~من الصادقين } [الأعراف: 70] فشتان بين من لا يخرج من عنق ~~التفرقة، ومن لا يجد لحظة عن ستر التوحيد فلا يعبد إلا واحدا، وكما لا ~~يعبد إلا واحدا لا يشهد إلا واحدا، كما قال قائلهم: لا يهتدي قلبي إلى ~~غيركم؛ لأنه سد عليه الطريق، قال: يعني هود في جوابهم، { قال قد ~~وقع عليكم من ربكم رجس وغضب } [الأعراف: 71]؛ أي: ~~مقالتكم تدل على حالتكم أنه أحيا بكم سطوات غضب الله وسخطه، فإن من ~~علامات الغضب: الإعراض، ومن إمارات الإعراض والبعد إلى شهود الأغيار ~~وتفريقه إياه في بحار الظنون؛ إذ لا تحصل للأغيار في معنى الإثبات، { ~~ما نزل الله بها من سلطان } [الأعراف: 71]. # { أتجدلونني في أسمآء سميتموهآ } [الأعراف: 71] ~~الآلهة، { أنتم وآبآؤكم } [الأعراف: 71] من غير أن يكون معكم من ~~الله في ذلك حجة وبرهان، فانتظروا معاملتكم مع الله من الله، { إني ~~معكم من المنتظرين } [الأعراف: 71]؛ يعني: جزاء معاملتكم ~~وجزاء معاملتي، { فأنجيناه والذين معه برحمة منا ~~} [الأعراف: 72]؛ يعني: جازيناهم على معاملتهم، { وقطعنا دابر ~~الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين } ~~[الأعراف: 72]؛ يعني: وجازيناهم على معاملتهم بإهلاكهم، { وما كانوا ~~مؤمنين } ، وفيه إشارة إلى أن هود عليه السلام مع رتبته في النبوة ~~ودرجته في الرسالة إنما نجا برحمة الله هو والذين آمنوا معه؛ ليعلم أن ~~النجاة لا تكون باستحقاق العمل، وإنما تكون ابتداء فضل من الله ورحمة، ~~فما نجا من نجا إلا بفضل الحق سبحانه. ### || [7.73-77] # ثم أخبر عن ثمود أنهم كانوا مثل قوم هود بقوله تعالى: { وإلى ~~ثمود أخاهم صالحا } [الأعراف: 73]، الإشارة فيها: أن الله ~~تعالى غاير بين الرسل من حيث الشرائع، وجمع بينهم في التوحيد، فقال: { ~~وإلى ثمود أخاهم صالحا } ، { قال ياقوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره } [الأعراف: 73] أمرهم ~~بالعبودية، وأخبرهم عن ms0627 الوحدانية في الألوهية والشرائع التي هي عبادات ~~مختلفة، والكل مأمورون بالتوحيد على نسق واحد من أجزاء سنة الله تعالى ~~إرسال الرسل وإنزال الكتب وإظهار المعجزات كما قال: { قد جآءتكم ~~بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية } ~~[الأعراف: 73] على نسق، فالمعجزة للعوام: أن يخرج لهم من حجارة الصخرة ~~ناقة عثراء، والمعجزة للخواص: أن يخرج من حجارة القلب ناقة السر عثراء ~~بشعب سر السر وهي الخفي، وناقة الله تعالى التي تحمل أمانة معرفته وتعطي ~~ساكني بلد القلب من القوى الحواس لبن الواردات الإلهية. # { فذروها تأكل في أرض الله } [الأعراف: 73]؛ أي: ترتع ~~في رياض القدس، وتشرب من حياض الأنس، { ولا تمسوها بسوء } ~~[الأعراف: 73] مخالفات الشريعة ومعارضات الطريقة، { فيأخذكم ~~عذاب أليم } [الأعراف: 73] بالانقطاع عن مواصلات الحقيقة، { ~~واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد عاد } [الأعراف: ~~74]؛ يعني: من بعد هلاك عاد جعلكم خلفاء؛ لتستعيدوا حقيقة الخلافة ما لم ~~يستعد به عاد وقوم نوح، { وبوأكم في الأرض } [الأعراف: 74] ~~أرض القلوب، { تتخذون من سهولها قصورا } [الأعراف: 74] ~~سهولها الصدور والقصور هي المعاملات بالصدق والإخلاص وهي تبني القصور في ~~الجنان، { وتنحتون الجبال بيوتا } [الأعراف: 74]؛ هي جبال ~~أطوار القلب، والبيوت مقام السائرين إلى الله فيها. # { فاذكروا آلآء الله } [الأعراف: 74] النعماء عامها وخاصها، ~~فهذا يتضمن ترويح الظاهر، والثاني يتضمن التلويح في السرائر، والترويح ~~بوجود المسار، والتلويح بشهود الأسرار، { ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين } [الأعراف: 74] بإفساد الاستعداد الفطري، { قال الملأ ~~الذين استكبروا من قومه } [الأعراف: 75] وهو الأوصاف ~~البشرية والأخلاق الذميمة، { للذين استضعفوا لمن آمن ~~منهم } [الأعراف: 75] من أوصاف القلب والروح، { أتعلمون أن ~~صالحا مرسل من ربه } [الأعراف: 75] أي: صالح الروح مرسل ~~بنفخة الحق تعالى إلى بلد القلب وساكنيه؛ ليدعوهم من الأوصاف الرذية ~~السفلية الظلمانية الحيوانية إلى الأخلاق الحميدة فالعلوية النورانية ~~الروحانية، { قالوا } [الأعراف: 75]؛ يعني: الأوصاف القلبية. # { إنا بمآ أرسل به مؤمنون } [الأعراف: 75]؛ أي: متبعون ~~مشفقون، { قال الذين استكبروا } [الأعراف: 76] من النفس ~~وأوصافها، { إنا بالذي آمنتم به } [الأعراف: 76] أيتها ~~الأوصاف القلبية، { كافرون } [الأعراف: 76] جاحدون منكرون، { ~~فعقروا الناقة } [الأعراف: 77]؛ يعني: النفس وصفاتها، عقروا سر ms0628 ~~القلب بسكاكين مخالفات الحق والاستكبار، { وعتوا عن أمر ~~ربهم } [الأعراف: 77] من التوحيد والمعرفة، { وقالوا ياصالح ~~ائتنا بما تعدنآ إن كنت من المرسلين } [الأعراف: 77] ~~وهذا من صفات النفس الأمارة بالسوء وهواها إن لم يؤثر فيها النصح، وتجترئ ~~على الله؛ لا الدليل تأملته، ولا السبيل لازمته، ولا النعمة عرفت قدرها، ~~ولا المنة قدمت بشكرها. ### || [7.78-84] # { فأخذتهم الرجفة } [الأعراف: 78] رجفة الموت، { ~~فأصبحوا في دارهم جاثمين } [الأعراف: 78]؛ أي: دار قالبهم ~~جاثمين، جاثمين جثوم الموت ولزوم الفوت، { فتولى عنهم } ~~[الأعراف: 79] الروح العلوي، { وقال يقوم لقد أبلغتكم ~~رسالة ربي } [الأعراف: 79]؛ يعني: أخبرتكم أيتها النفس وصفاتها عن ~~الأخلاق الحميدة التي أرسله الله معي، { ونصحت لكم } [الأعراف: ~~79]؛ لتتصفوا بها وتتخلقوا بأخلاقي، { ولكن لا تحبون ~~النصحين } [الأعراف: 79]؛ لأن قول الناصح ثقيل والحق مر، وهي ~~تستفيد أن البغضة كما قال فافهم: # وكم سقت في آثاركم من نصيحة # وقد يستفيد البغضة المستنصح # وذلك أيضا من حباته أرض النفس الخبيثة ألا تقبل بدر النصيحة ولم ~~يتب فيها. # ثم أخبر عن قوم لوط عليه السلام وفواحشهم بقوله تعالى: { ولوطا إذ ~~قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من ~~أحد من العالمين * إنكم لتأتون الرجال شهوة ~~من دون النسآء بل أنتم قوم مسرفون } [الأعراف: ~~80-81]، الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: { ولوطا إذ قال ~~لقومه } الآيتين دالة على أن اللواطة فاحشة، وإسراف ما سبق الإنسان ~~بها من الجن والشياطين والحيوانات كلها، وأنها أفحش الفواحش وأقبحها؛ لأن ~~الله تعالى ما أمطر الحجار على أهل الذنوب العظام، مثل: الزنا والعقوق ~~والسرقة والقتل بغير الحق وغير ذلك من الكبار حتى الشرك. # ومن معاملاتهم ما قال عنهم. { وما كان جواب قومه إلا أن ~~قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس ~~يتطهرون } [الأعراف: 82] عابوا عليهم ما أحبه الله تعالى وهو ~~التطهر لقوله تعالى: # إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين # [البقرة: 222] وأتوا بما أبغضه وهو الإسراف لقوله تعالى: # إنه لا يحب المسرفين # [الأعراف: 31]، { فأنجيناه وأهله } [الأعراف: 83] حجة لهم، { ~~إلا امرأته كانت من الغابرين } [الأعراف: 83] الهالكين ~~بغضا لها ولهم، { وأمطرنا عليهم } [الأعراف: ms0629 84] من سحاب ~~القهر، { مطرا } [الأعراف: 84] من الخذلان بالغفلة حتى لم يتوبوا من ~~أفعالهم، ولم يرجعوا من أعمالهم، { فانظر كيف كان عاقبة ~~المجرمين } [الأعراف: 84] المصرين على فاحشتهم. ### || [7.85-87] # ثم أخبر عن قوم شعيب عليه السلام بقوله تعالى: { وإلى مدين ~~أخاهم شعيبا } [الأعراف: 85] إلى قوله تعالى: { وهو خير ~~الحاكمين } [الأعراف: 87]، { قال ياقوم اعبدوا الله ~~ما لكم من إله غيره قد جآءتكم بينة من ~~ربكم فأوفوا الكيل والميزان } [الأعراف: 85]، ~~الإشارة: أن في قوله تعالى: { وإلى مدين أخاهم شعيبا } ~~إلى قوله: { ولا تبخسوا الناس } [الأعراف: 85] دلالة على ~~الأنبياء - عليهم السلام - كلهم دعوا عباد الله إلى عبادة الله وتوحيده ~~بالبينات الظاهرات، والحجج الواضحات، والمعجزات الباهرات، وفيه أن بخس ~~الناس، { أشياءهم } [الأعراف: 85] في المكيال والموزون من خساسة ~~النفس، ودناءة الهمة، وغلبة الحرص، ومتابعة الهوى، وهذه الصفات الذميمة ~~من شيم النفوس، وقد ورد الشرع بتبديل هذه الصفات وتزكية النفس، فإن الله ~~تعالى يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها. # { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } [الأعراف: 85]؛ ~~أي: في الأرض الطيبة التي جبلت على حسن الاستعداد وخلقت في أحسن تقويم، { ~~ذلكم خير لكم } [الأعراف: 85]؛ يعني: إبقاء الكيل والميزان ~~تزكية النفوس، وصرف الاستعداد في طلب معالي الأمور تحلية القلوب، { إن ~~كنتم مؤمنين } [الأعراف: 85] بنيل الدرجات وتحصيل الكمالات، { ~~ولا تقعدوا بكل صراط توعدون } [الأعراف: 86]؛ يعني: لا ~~تقطعوا الطريق على الطالبين بأنواع الحيل والمكائد. # { وتصدون عن سبيل الله } [الأعراف: 86]؛ يعني: تمنعون ~~أرباب الطلب عن الحق، { من آمن به } [الأعراف: 86] بالطلب، { ~~وتبغونها عوجا } [الأعراف: 86] يعني: تطلبون الاعوجاج في طريق ~~الحق بإظهار الباطل؛ لكي تقطعوا عليهم الطريق كما قطعتم على أنفسكم، كما ~~أن شر المعاصي ما لا يكون لازما لصاحبه ويكون متعديا عنه إلى غيره؛ لأن ~~ضر التعدية عائد إلى المبتدئ بقدر الأثر في التعدي، { واذكروا إذ ~~كنتم قليلا فكثركم } [الأعراف: 86] من عليهم بتكثير العدد؛ ~~لأن التناصر والتعاون في الأمور بكثرة العدد نعمة تامة في تصرفاتها في ~~إعلاء كلمة الدين فهي السعادة العظمى، ومن صرفها في إعلاء كلمة الكفر فهي ~~الشقاوة الكبرى. # { وانظروا كيف كان ms0630 عاقبة المفسدين } [الأعراف: 86] ~~الذين أفسدوا حسن الاستعداد الفطري، وصرفوا أنعم الله في غير مصرفها، { ~~وإن كان طآئفة منكم } [الأعراف: 87] يشير إلى القلب والروح، ~~{ آمنوا بالذي أرسلت به وطآئفة لم يؤمنوا } ~~[الأعراف: 87] وهي النفس وصفاتها، فإن أكثر المؤمنين من آمن قلبه وروحه ~~ولم تؤمن نفسه، # إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي # [يوسف: 53]؛ يعني: من نفوس الأنبياء - عليهم السلام - والأولياء، { ~~فاصبروا حتى يحكم الله بيننا } [الأعراف: 87]؛ يعني: ~~بين الروح والقلب والنفس، { وهو خير الحاكمين } [الأعراف: 87] ~~لا تجعلوا الروح والقلب المؤمنين تبعا للنفس الكافرة في العذاب، وإذاقة ~~ألم الهجران وتجوروا عليهما بجرمهما # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الإسراء: 15]. ### || [7.88-91] # ثم أخبر عن المستكبرين وعاقبة الكافرين بقوله تعالى: { قال الملأ ~~الذين استكبروا من قومه } [الأعراف: 88] إلى قوله: { ~~جاثمين } [الأعراف: 91]، الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: { قال ~~الملأ الذين استكبروا من قومه } إلى قوله: { ~~جاثمين } ، إشارة إلى أن من شأن المتكبرين ودأب المتحيرين استعداد ~~على الأزل وذلك لما فيهم من نظر التنعم وطغيان الاستغناء في دعمه ~~الاستبداد، ولما كان حب الدنيا رأس كل خطيئة، وفتنتها أعظم من كل بلية ~~جعل الله تعالى أهلها في البلاد سببا للهلاك والفساد، كما قال تعالى: # وإذآ أردنآ أن نهلك قرية أمرنا مترفيها # [الإسراء: 16]. # وقوله تعالى: { أو لتعودن في ملتنا } [الأعراف: 88]، يشير ~~إلى التأهل للخير كما لا يميلون إلى أشكالهم، فكذلك أهل الشر لا يرضون ~~لمن رأوا، وإلا بأن يساعدهم على ما هم عليه من أحوالهم، والأوحد في بابه ~~من باين نهج إضرابه، { قال أولو كنا كارهين } [الأعراف: ~~88]؛ يعني: نعود في ملتكم ونقول لكم: قد جعلنا الله معكم فنكون من ~~المغترين، { على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد ~~إذ نجانا الله } [الأعراف: 89] من حكم في القسمة الأزلية ~~وتغيرها، { إلا أن يشآء الله ربنا } [الأعراف: 89] وأن ~~يغيرها، { وسع ربنا كل شيء علما } [الأعراف: 89]؛ أي: ~~لأن واسع علمه الأزلي يسع فيه أن يقدر شيئا على أنه يمحوه في وقته ما ~~ويقدر شيئا على أنه يثبته، كما قال تعالى: # يمحوا ms0631 الله ما يشآء ويثبت # [الرعد: 39]. # { على الله توكلنا } [الأعراف: 89] أي: تيقنا بالله أن ~~تثبتنا على ما قدر لنا من الدين ولا يغتر علينا الحال، ثم انقطعوا عن ~~الخلق قالوا: { ربنا افتح بيننا وبين قومنا ~~بالحق } [الأعراف: 89]؛ أي: أحكم بيننا وبينهم بإظهار ما قدرت لنا، ~~من أمن خاتمة السوء، { وأنت خير الفاتحين } [الأعراف: 89] ~~الحاكمين بين أهل الحق والباطل، { وقال الملأ الذين كفروا ~~من قومه } [الأعراف: 90] لغاية جهالتهم ونهاية ضلالتهم، { لئن ~~اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون } [الأعراف: 90] ~~فمن أعماهم رأوا الحق باطلا، والباطل حقا، والفلاح خسرانا والخسران ~~فلاحا، { فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم ~~جاثمين } [الأعراف: 91] فصارت صورتهم تبعا لمعناهم فإنهم كانوا ~~جاثمين الأرواح في ديار الأشباح. ### || [7.92-95] # ثم أخبر عن حالهم ومالهم بقوله تعالى: { الذين كذبوا شعيبا ~~كأن لم يغنوا فيها } [الأعراف: 92] إلى قوله: { كفرين } ~~[الأعراف: 93]، الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: { الذين كذبوا ~~شعيبا كأن لم يغنوا فيها } ، إشارة إلى: أن المكذبين ~~والمنكرين وإن كانت لهم غلبة في وقته ولكن تندرس أيامهم بأسرع حال ويسقط ~~ميتهم ويحمل ذكرهم وتضمحل أثارهم ويكون أهل الحق بالحق غالبا في كل أمر ~~والباطل زاهق بكل وصف، كما قال تعالى: { الذين كذبوا شعيبا ~~كانوا هم الخاسرين }؛ يعني: شعيب وقومه هم الفائزون المفلحون، ~~{ فتولى عنهم وقال يقوم لقد أبلغتكم ~~رسلت ربي ونصحت لكم } [الأعراف: 93] فما علي من ~~إقراركم وإنكاركم شيء، إن أحسنتم فالميراث الجميل لكم، وإن أسأتم فالضرر ~~بالمتألم عائد عليكم ومالك الأعيان أولى بها من الأعيان، فالخلق خلقه ~~والملك ملكه، إن شاء هداهم وإن شاء غواهم، { فكيف ءاسى على ~~قوم كفرين } [الأعراف: 93]، فما تأسف على نفي وفقد ولا أثر من ~~كون ووجود؛ لأن لكل صادر من حكيم بالغ في حكمه كامل في قدرته. # ثم أخبر عن حكمته في البأساء والضراء بقوله تعالى: { ومآ أرسلنا ~~في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأسآء ~~والضرآء } [الأعراف: 94] إلى قوله: # الخاسرين # [الأعراف: 149]، الإشارة فيها: أن قوله تعالى: { ومآ أرسلنا في ~~قرية من } ، يشير إلى أن سبب البأساء والضراء ابتلاءه لأوليائه ms0632 ~~وأعدائه، فالولي يتضرع إليه عند البلاء ويرجع إليه، ويتوكل عليه، ويتمسك ~~بحبل الصبر والتسليم والرضا، ويتمسك بالعروة الوثقى، والعدو يأخذ في ~~الجزع والكفران ولا يصبر على البلاء بالخذلان ولا يستسلم للقضاء، ويرجع ~~في ذلك إلى الخلق ويذهل عن الحق. # { ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا ~~} [الأعراف: 95]؛ يعني: فإذا تمادوا في غيهم ولم ينتبهوا من غفلتهم مد ~~عليهم ظلال الاستدراج، ووسعنا عليهم أبواب الزور مكرا بهم في الحال، ~~فإذا وطنوا على مساعدة الدنيا قلوبهم وركنوا إلى ما سولت لهم في امتداد ~~أيامهم نفوسهم، { وقالوا قد مس آباءنا الضرآء ~~والسرآء } [الأعراف: 95]، فلما لم يعتبروا بما اغتروا من الشدة ~~والرضا أبرز لهم من مكامن التقدير ما نغص لهم طيب الحياة وأوردهم موارد ~~الهلكات، { فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون } [الأعراف: ~~95] أنهم يعاقبون ويعذبون. ### || [7.96-100] # { ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا } [الأعراف: ~~96] في أن { أهل القرى } إشارة إلى أن صفات القالب لو آمنوا بما ~~يروا إلى صفات القلب والروح من ألطاف الحق { واتقوا } مشتهيات النفس ~~ومستلذات الطبع، { لفتحنا عليهم بركت من السمآء ~~والأرض } [الأعراف: 96]؛ أي: لفتحنا على صفات النفس أسباب العواطف من ~~سماء الروح وأرض القلب، { ولكن كذبوا } [الأعراف: 96] ~~بالواردات الربانية والأخلاق الروحانية، { فأخذنهم بما ~~كانوا يكسبون } [الأعراف: 96]؛ أي: عاقبناهم بعذاب البعد بما ~~كسبوا من مخالفات الحق وموافقات الطبع، { أفأمن أهل القرى } ~~[الأعراف: 97]؛ أي: هذه الصفات، { أن يأتيهم بأسنا } ~~[الأعراف: 97] في صورة القهر وفي حقيقة اللطف فأما في صورة القهر فيأتهم ~~الموت، { بيتا } [الأعراف: 97] بالليل، { وهم نآئمون } ~~[الأعراف: 97]، وأما في حقيقة اللطف فيأتيهم سطوات جذبنا فجاءة وهم ~~غافلون. # { أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى ~~وهم يلعبون } [الأعراف: 98]؛ أي: يشتغلون بالدنيا فإنها لهو ~~ولعب، { أفأمنوا مكر الله } [الأعراف: 99] فمكره مع أهل ~~القهر بالقهر، ومع أهل اللطف باللطف، { فلا يأمن مكر الله } ~~[الأعراف: 99] أي: أهل القهر، { إلا القوم الخاسرون } ~~[الأعراف: 99] الذين خسروا سعادة الدارين، ومن أهل اللطف إلا { ~~الخاسرون } من الذين خسروا الدنيا والعقبى وربحوا المولى، فعلى هذا ~~أهل الله هم الآمنون من مكر ms0633 الله في حقهم مكر باللطف، دل عليه قوله ~~تعالى: # أولئك لهم الأمن وهم مهتدون # [الأنعام: 82] ولهذا قال تعالى: # والله خير الماكرين # [الأنفال: 30]؛ لأن مكرهم مكر في مستحقيه وغير مستحقيه، ومكره في ~~مستحقيه بالقهر وفي غير مستحقيه باللطف، فافهم جيدا واعتبر جدا. # ثم أخبر عن إظهار اللطف مع مستحقي القهر بقوله تعالى: { أولم يهد ~~للذين يرثون الأرض من بعد أهلهآ أن لو نشآء ~~أصبناهم بذنوبهم } [الأعراف: 100] إلى قوله: # لفاسقين # [الأعراف: 102] الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: { أولم يهد ~~للذين يرثون الأرض من بعد أهلهآ أن لو نشآء ~~أصبناهم بذنوبهم } دليلا على أنه تعالى يمن على نبينا صلى ~~الله عليه وسلم في قومه، أو سار بسيرة من ورثوهم الأرض وعملوا أعمالهم، # فعتوا عن أمر ربهم # [الذاريات: 44] وخالفوا نبيهم وقاتلوا معه استحقوا الهلاك، وإن يصيبهم ~~كما أصابهم ولكن الله تعالى ببركة النبي صلى الله عليه وسلم ما أهلكهم، ~~كما قال تعالى: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال: 33] فأمهلهم حتى أسلموا أكثرهم، واسلموا أولادهم، وأولاد ~~أولادهم فيه يشير إلى أن الذنوب، وإن كانت موجبة للعذاب لو شاء الله ~~يعذبهم بها ولو شاء يعفو عنهم ويغفر لهم. # وفي قوله تعالى: { ونطبع على قلوبهم فهم لا ~~يسمعون } [الأعراف: 100] إشارة إلى أن من سمع قول الأنبياء وقيل ~~دعوتهم إنما كان بمشيئة الله تعالى وحسن توفيقه، ومن لم يسمع إنما كان ~~ببغضاء الله وخذلانه إياه. ### || [7.101-105] # ومما يؤكد هذه المعاني قوله تعالى: { تلك القرى نقص عليك ~~من أنبآئها } [الأعراف: 101]؛ أي: القرى التي أهلكنا أهلها، { ~~ولقد جآءتهم رسلهم بالبينت فما كانوا ~~ليؤمنوا } [الأعراف: 101] عند مجيء الرسل وإظهار المعجزات، { بما ~~كذبوا من قبل } [الأعراف: 101] إيصال أرواحهم بالقالب يوم ~~الميثاق؛ إذ قال الله تعالى لهم: # ألست بربكم # [الأعراف: 172] وهم ذريات في صورة ذرة، # قالوا بلى # [الأعراف: 172] أقروا بالربوبية كلهم، ولكن كان من أركان الإيمان: إقرار ~~باللسان وتصديق بالجنان، فوجدا في حق المؤمنين منهم، ووجد الإقرار دون ~~التصديق في حق الكافرين منهم بأن الله قد طبع قلوبهم عند استماع الخطاب ~~ورد ms0634 الجواب. # ثم قال تعالى: { كذلك يطبع الله على قلوب ~~الكفرين } [الأعراف: 101]؛ أي: كما طبع على قلوب الكافرين اليوم ~~طبع على قلوب الذريات يوم الميثاق حتى أقروا بلا تصديق القلب من نتائجه، ~~فما كانوا ليؤمنوا اليوم بما كذبوا من قبل، ثم قال تعالى: { وما ~~وجدنا لأكثرهم من عهد } [الأعراف: 102]، يشير إلى أن ~~أكثرهم كان مما طبع الله على قلوبهم يوم الميثاق فما وفوا بما عاهدوا ~~عليه. # { وإن وجدنآ أكثرهم لفاسقين } [الأعراف: 102]؛ أي: وما ~~وجدنا أكثر هؤلاء إلا خارجين عن الإسلام والوفاء بالعهود. # ثم أخبر عن قوم موسى عليه السلام وأنهم ساروا بسيرتهم بقوله تعالى: { ~~ثم بعثنا من بعدهم موسى بآيتنآ إلى فرعون ~~وملإيه } [الأعراف: 103] إلى قوله: # رب موسى وهارون # [الأعراف: 122] الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: { ثم بعثنا من ~~بعدهم موسى بآيتنآ إلى فرعون وملإيه } إشارة ~~إلى أن الأغلب أهل كل زمان وقرن، أكثرهم غافلون عن الدين وحقائق مستغرقون ~~في بحر الدنيا، مستهلكون في أودية الشهوات واللذات النفسانية الحيوانية # ظلمات بعضها فوق بعض # [النور: 40]، وإن الله من كمال رأفته ورحمته على خلقه يبعث عند انصرام ~~كل قرن وانقراض كل هدم نبيا بعد نبي، كما يخلف قوما بعد قوم وقرنا بعد ~~قرن ويظهر المعجزات على ذلك النبي؛ ليخرجهم بظهور نور المعجزات من ظلمات ~~الطبيعة إلى نور الحقيقة، فبعث موسى نبيه عليه السلام، وختم إليه هارون ~~عليه السلام صفيه إلى فرعون وأيد معه الآيات والمعجزات. # { فظلموا بها } [الأعراف: 103] أي: ظلموا على المعجزات بأن ~~جعلوها سحرا فوضعوها في غير موضعها، { فانظر كيف كان عقبة ~~المفسدين } [الأعراف: 103] الذين أفسدوا الاستعداد الفطري بركونهم ~~إلى الدنيا وشهواتها، { وقال موسى يفرعون إني رسول ~~من رب العالمين } [الأعراف: 104] يعني: رسولا من رسله الذي ~~أرسلهم من مكارم ربوبيته إلى عالم كل زمان، { حقيق على أن لا ~~أقول على الله إلا الحق } [الأعراف: 105]؛ لأن الرسول ما ~~ينطق عن الهوى إلا بوحي حق يوحى من الحق، فالناطق بالحق قائم بحقائق ~~الجميع، فان عن الخلق وآثار التفرقة، { قد جئتكم ببينة ~~من ربكم } [الأعراف: ms0635 105] بحجة قائمة من اليد والعصا، { ~~فأرسل معي بني إسرائيل } [الأعراف: 105] لأهديهم إلى ~~صراط مستقيم، وأنجيهم من عذاب أليم. ### || [7.106-116] # { قال إن كنت جئت بآية } [الأعراف: 106] تدل على صدق دعواك، ~~{ فأت بهآ إن كنت من الصادقين } [الأعراف: 106] لعلنا ~~نهتدي بها، { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } ~~[الأعراف: 107] وإنما جعل الله تعالى عصاه ثعبانا؛ لأنه أضاف العصا إلى ~~نفسه حين قال له: # وما تلك بيمينك يموسى # [طه: 17] قال: # هي عصاي # [طه: 18]، ثم جعلها متوكأ، فقال: # أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي # [طه: 18]، ثم جعلها محل حاجاته، فقال: # ولي فيها مآرب أخرى # [طه: 18]، فيه إشارة بأن كل شيء أضفته إلى نفسك ورأيته محل حاجاتك فإنه ~~ثعبان يبتلعك، ولهذا قال القهار: { يموسى }؛ يعني: لا تمسك بها ولا ~~تتوكأ عليها، وإلا كان قادرا على أن يجعلها في يده ثعبانا فلما ألقاها ~~من يده { ونزع يده فإذا هي بيضآء للناظرين } ~~[الأعراف: 108] فيه إشارة إلى أن الأيدي قبل تعلقها بالأشياء وتمسكها بها ~~كانت بيضاء نقية نورانية، فلما تمسكت بالأشياء صارت ظلمانية، فكما ترغب ~~عنها تصير بيضاء كما كانت، فافهم جدا. # وإنما قال: { بيضآء للناظرين }؛ لأنه تعالى أظهر النور ~~الروحاني على اليد الجسماني؛ ليكون منظورا للناظرين، فإن اليد الروحاني ~~لموسى عليه السلام كانت نورانية في جميع الأوقات ولكن ما كانت منظورة ~~للناظرين، فلما أظهر نورانيتها في بعض الأوقات خرقا للعادات على يده ~~الجسمانية صارت منظورة للناظرين، { قال الملأ من قوم فرعون ~~إن هذا لساحر عليم } [الاعراف: 109]. # فلما لم يكن لهم بصيرة ترى بها الآيات نظروا ببصر البشرية فرأوا الآيات ~~سحرا والنبي ساحرا { يريد أن يخرجكم من أرضكم ~~فماذا تأمرون } [الأعراف: 110]، ولا شك في أن موسى عليه السلام ~~أراد أن يخرجهم من أرضهم، ولكن من أرض بشريتهم الظلمانية إلى نور ~~الروحانية، { قالوا أرجه وأخاه } [الأعراف: 111]، توهموا ~~أنهم بالتأخير وحسن التدبير وبذل الجد والتشمير يغيرون شيئا من التقدير، ~~ولم يعلموا أن الحق غالب والحكم سابق، وعند حلول الحكم فلا سلطان للعلم ~~والفهم، { وجآء السحرة فرعون قالوا إن لنا ~~لأجرا إن ms0636 كنا نحن الغالبين } [الأعراف: 113] ظنوا أنهم ~~يغلبون بما يسحرون، وأن لهم أجرا وإن كانوا هم الغالبين، ولم يعلموا أن ~~تأثير القدرة فيهم أبلغ من تأثير سحرهم، وإن أجرهم فيما لو كانوا ~~مغلوبين. # { قال نعم وإنكم لمن المقربين } [الأعراف: 114] ~~أجرى تعالى هذا على لسان فرعون حقا، وصدق بأنهم صاروا من المقربين عند ~~الله لا عند فرعون، { قالوا يموسى إمآ أن تلقي } ~~[الأعراف: 115] فلما أكرموا موسى بالتقدم وعظموه بالاستئذان أكرمهم ~~الله بالسجود والإيمان، قال ألقوا: { وإمآ أن نكون نحن ~~الملقين } [الأعراف: 115]. # { قال ألقوا فلمآ ألقوا سحروا أعين الناس ~~واسترهبوهم وجآءوا بسحر عظيم } [الأعراف: 116]؛ أي: ~~عظيم في الإثم، كما قال: # سبحانك هذا بهتان عظيم # [النور: 16] وعظم إثم السحر لمعارضته بالمعجزة. ### || [7.117-126] # { وأوحينآ إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي ~~تلقف ما يأفكون } [الأعراف: 117] فيه إشارة إلى أن عصى الذكر ~~كلمة قوله: " لا إله إلا الله " إذا ألقيت عند إلقاء سحر سحرة صفات النفس ~~تبتلع إلا بنعم " لا " النفي جميع ما سحروا به أعين الناس، { فوقع ~~الحق } [الأعراف: 118] بإثبات إلا الله. # { وبطل ما كانوا يعملون } [الأعراف: 118] من تزيين زخارف ~~الدنيا في العيون، { فغلبوا هنالك } [الأعراف: 119] سحرة صفات ~~النفس بنور الذكر، { وانقلبوا صاغرين } [الأعراف: 119] ذليلين ~~تحت أوامر الشرع ونواهيه. # { وألقي السحرة ساجدين } [الأعراف: 120]؛ أي صارت صفات ~~النفس بعد التمرد ومنقادة للعبودية، { قالوا آمنا برب ~~العالمين } [الأعراف: 121]، { رب موسى } [الأعراف: 122] ~~الروح، { وهارون } [الأعراف: 122] القلب. # واعلم أن صفات النفس إذا تنورت بنور الذكر يبدل كفرها بالإيمان، ولكن ~~النفس بذاتها لا تؤمن ولا تتبدل، اللهم إلا عند غرقها في بحر الواردات ~~والمواهب الربانية؛ كفعل فرعون وإيمانه عند الغرق إذ قال: # آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا ~~إسرائيل # [يونس: 90]. # ثم أخبر عن كفر فرعون النفس بعد إيمان سحرة صفاتها بقوله تعالى: { قال ~~فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم } [الأعراف: 123] إلى ~~قوله: # فينظر كيف تعملون # [الأعراف: 129] الإشارة فيها أن من صنائع حكمة الله وبدائع قدرته أن ~~يظهر العدو في صورة الولي، كما كان بمقام وبرز الولي ms0637 في كسوة العدو، كما ~~كان حال السحرة أصبحوا في ذي الأعداد كفارا سحرة، وأمسوا في زينة ~~الأولياء شهداء بررة، وفيما قال فرعون لهم لما آمنوا بموسى عليه ~~السلام: { آمنتم به قبل أن آذن لكم } [الأعراف: 123]. # { إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة ~~لتخرجوا منهآ أهلها فسوف تعلمون } [الأعراف: 123] ~~الإشارة إلى أن: فرعون قد ظن أن الإيمان يكون موقوفا على إذنه، ولم يعلم ~~من كمال جهله أن الإيمان موقوف بإذن الله ونظر رحمته، فخاطبهم على أنهم ~~الذين كانوا فيما علم أنهم كانوا ثم يأتوا، وأن تلك الأسرار جرت عن رق ~~الأشكال، وأن قلوبهم طهرت عن دنس الشبهة والأشكال، وأن شموس العرفان قد ~~طلعت من أفق العناية واستوت في سماء الهداية، فأشهدوا الحق بنظر البقاء، ~~وشهدوا الخلق بنظر الفناء لم يكن لتخويفات النفس فيهم سلطان ولا لشيء من ~~العلل فيهم برهان لتقول لهم، { لأقطعن أيديكم ~~وأرجلكم } [الأعراف: 124] لما تحقق لهم أن مصيرهم إلى الله سهل ~~عليهم ما لقوا في مسيرتهم إلى الله، { قالوا إنآ إلى ربنا ~~منقلبون } [الأعراف: 125] ولما علموا الله وأوذوا في الله قالوا: ~~{ وما تنقم منآ إلا أن آمنا بآيات ربنا لما ~~جآءتنا } [الأعراف: 126] فصدقوا القصد إلى الله، وطلبوا الصبر على ~~البلاء من الله تعالى بقولهم: { ربنآ أفرغ علينا صبرا } ~~[الأعراف: 126] على المقامات في الدين. # { وتوفنا مسلمين } [الأعراف: 126] وقلوبنا تطمئن بالإيمان ~~واليقين، وفي القضية إلى أن فرعون النفس أيضا منكر على إيمان شجرة ~~صفاتها ويقول: { آمنتم به } أي: بموسى الروح { قبل أن آذن ~~لكم } يعني: بالإيمان إن هذا المكر مكرتموه يا سحرة الصفات في موافقة ~~الروح في مدينة القالب والبدن؛ لتخرجوا منها أهلها وهم: اللذات والشهوات ~~البدنية الجسمانية، فإن صفات النفس إذا آمنت ووافقت الروح وصفاته خرجت من ~~البدن لذات الدنيا وشهواتها؛ فسوف تعلمون حيلي ومكائدي في إبطالكم ~~واستيفاء اللذات والشهوات { لأقطعن أيديكم وأرجلكم ~~من خلاف } بسكين التسويل عن الأعمال الصالحة، { ثم ~~لأصلبنكم أجمعين } [الأعراف: 124] في جذوع تعلقات الدنيا ~~وزخارفها. # { قالوا إنآ إلى ربنا منقلبون } لا إلى الدنيا وما ~~فيها، { وما ms0638 تنقم منآ إلا أن آمنا بآيات ربنا ~~لما جآءتنا }؛ يعني: انتقامك منا إنما يكون بسبب إيماننا بآيات ~~ربنا لما جاءتنا، بعد أن جاءنا من ألطاف الحق ما جاءنا، فلا ينفعك ~~الانتقام منا مع الألطاف ولا يضرنا، فإننا نتقلب إلى ربنا ونقول: { ~~ربنآ أفرغ علينا صبرا } على قطع تعلقات الدنيا، فنترك ~~لذاتها وشهواتها، { وتوفنا مسلمين } لعبوديتك وأحكامك ~~الأزلية. ### || [7.127-131] # { وقال الملأ من قوم فرعون } [الأعراف: 127] من الهوى ~~والغضب والكبر لفرعون النفس، { أتذر موسى } [الأعراف: 127] الروح، ~~{ وقومه } [الأعراف: 127] من القلب والسر والعقل، { ليفسدوا ~~في الأرض } [الأعراف: 127] أرض البشرية، { ويذرك وآلهتك } ~~[الأعراف: 127] من الدنيا والشيطان والطبع، ألا تعبد، { قال } ~~[الأعراف: 127] فرعون النفس، { سنقتل أبنآءهم } [الأعراف: ~~127] وأبناء صفات الروح والقلب والنفس أعمالها الصالحة؛ أي: نبطل أعمالهم ~~بالرياء والعجب. # { ونستحيي نسآءهم } [الأعراف: 127]؛ أي: الصفات التي تتولد ~~منها الأعمال، { وإنا فوقهم قاهرون } [الأعراف: 127] بالمكر ~~والخديعة والحيلة، { قال موسى } [الأعراف: 128] الروح، { لقومه ~~} [الأعراف: 128] وهم السر والقلب والعقل، { استعينوا بالله ~~واصبروا } [الأعراف: 128] على جهاد النفس ومخالفتها ومتابعة الجن، ~~{ إن الأرض لله } [الأعراف: 128]؛ أي: أرض البشرية، { ~~يورثها من يشآء من عباده } [الأعراف: 128] أرض البشرية ~~السعداء الروح وصفاته فتتصف بصفاته، ويورث أرض بشرية الأشقياء النفس ~~وصفاتها فيتصف بصفاتها { والعاقبة للمتقين } [الأعراف: ~~128]؛ يعني: لما فيه من الخير والسعادة للأتقياء والسعداء منهم، { ~~قالوا } [الأعراف: 129]؛ يعني: قوم الروح له. # { أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا } ~~[الأعراف: 129]؛ أي: من قبل أن تأتينا الواردات الروحانية قبل البلوغ كما ~~نتأذى من أوصاف البشرية، { قال } [الأعراف: 129]؛ يعني: الروح، { ~~عسى ربكم أن يهلك عدوكم } [الأعراف: 129] النفس ~~وصفاتها بالواردات الربانية ويدفع أذيتها عنكم، فيه يشير إلى أن الواردات ~~الروحانية لا تكفي لإفناء النفس وصفاتها ولا بد في ذلك من تجلي صفات ~~الربوبية، { ويستخلفكم } [الأعراف: 129]؛ يعني: إذا تجلى الرب ~~بصفة من صفاته لا يبقي، { في الأرض } [الأعراف: 129] أرض البشرية من ~~صفات النفس إلا ويبدلها بصفات الروح والقلب ويستخلفها في الأرض، { ~~فينظر كيف تعملون } [الأعراف: 129] في إقامة العبودية وأداء ~~شكر نعم الربوبية. # ثم أخبر عما اختبر به آل ms0639 فرعون بقوله تعالى: { ولقد أخذنآ آل ~~فرعون بالسنين } [الأعراف: 130] إلى قوله: # وكانوا عنها غافلين # [الأعراف: 136] الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: { ولقد أخذنآ ~~آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم ~~يذكرون } [الأعراف: 130] الآية دلالة على أن المحن والشدائد ~~والمصيبات موجبات الانتباه والاعتبار ولكن لأهل السعادة وأولي الأبصار، ~~فأما أهل الشقاوة فلو شدد عليهم وطأة القدرة وضاعف عليهم أسباب النعمة، ~~فلا الوطأة أصلحتهم شدتها، ولا النعمة نبهتهم كثرتها، لا بل إن ~~مسهم يسر لاحظوه بعين الاستحقاق، { فإذا جآءتهم ~~الحسنة قالوا لنا هذه } وإن منهم عسر حملوه على التطير ~~كما قال تعالى: { وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ~~ومن معه } [الأعراف: 131] الكفور لا يرى فضل المنعم فيلاحظ الإنسان ~~بعين الاستحقاق، ثم إذا اتصل به شيء مما يكره تجنى وحل الأمر على ما ~~كان يتمنى كما قال: # مل الوصال وقال كان وكان # وكذا الملول إذا أراد قطيعة # { ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم ~~لا يعلمون } [الأعراف: 131] هو الواحد المنفرد بالإيجاد لكن ~~بصائرهم مسدودة، وعقولهم عن شهود الحق معدودة، وأفهامهم عن إدراك المعاني ~~مردودة. ### || [7.132-137] # { وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها ~~فما نحن لك بمؤمنين } [الأعراف: 132] فلما رأوا الآيات ~~بعين الجهالة والضلالة رأوها سحرا، وجعلوا الإصرار على الإنكار شعارهم، ~~وهتكوا بألسنتهم في العتو أستارهم، { فأرسلنا عليهم ~~الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات ~~مفصلات } [الأعراف: 133] فلما توغلوا في فنون المخالفات صب ~~عليهم أنواع العقوبات، فلا في التكفير رغبوا ولا إلى التطهير قصدوا. # { فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين } [الأعراف: 133] ~~في أصل الخلقة، فكانت عقوباتهم بصرف قلوبهم عن شهود الآيات والحقائق أبلغ ~~مما اتصل بظواهرهم من فنون البلايا ونعوذ بالله من مكامن المكر، { ~~ولما وقع عليهم الرجز } [الأعراف: 134] وهو الغضب من ~~الله، { قالوا يموسى ادع لنا ربك } [الأعراف: 134] ولم ~~يقولوا: ربنا إذ لم يهتدوا إلى ربوبيته، وما ازدادوا بزيادة تلك المحن ~~إلا بعدا وأجنبية، { بما عهد عندك } [الأعراف: 134] بأن تدعوه ~~ويجيب لك من فضله، { لئن كشفت عنا الرجز } [الأعراف: 134]؛ ~~يعني: لو انكشف عنا حجاب الغضب والسخط، ms0640 { لنؤمنن لك ~~ولنرسلن معك بني إسرآئيل } [الأعراف: 134] { فلما ~~كشفنا عنهم الرجز } [الأعراف: 135]، يعني: صورة الغضب والسخط ~~وهو العذاب، { إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون } ~~[الأعراف: 135] فلما رفع عنهم صورة الرجز آمنوا بالصورة لا بالحقيقة، ~~فلما بلغوا أجل المشيئة في إغراقهم نقضوا ما عاهدوا عليه، { ~~فانتقمنا منهم } [الأعراف: 136] قهرا وغضبا، { ~~فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا } ~~[الأعراف: 136] بأنهم كذبوا بآياتنا في الظاهر وفي الحقيقة، فتكذيبهم من ~~نتائج الغضب الحقيقي، { وكانوا عنها } [الأعراف: 136]؛ يعني: من ~~حقائق أحكامنا، { غافلين } [الأعراف: 136] فما نفعهم العهد مع ~~المشيئة القديمة، ولا خلفهم العقل مع الإرادة الأزلية. # ثم أخبر عن نتائج العناية لأهل السعادة بقوله تعالى: { وأورثنا ~~القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض } ~~[الأعراف: 137]، الإشارة فيها: أن العزيز من أعزه الله، والذليل من أذله ~~الله، ومن صبر على مقاساة الذل في الله توجه الله بتاج العزة، ويورثه عزة ~~مذليه ومستضعفيه، كما قال تعالى: { وأورثنا القوم الذين ~~كانوا يستضعفون }؛ أي: يطلبون مذلتهم وهوانهم { مشارق ~~الأرض ومغاربها التي باركنا فيها } [الأعراف: 137] ~~بإخراجها من أيدي الكفار والظلمة والفسقة وايراثها المؤمنين الموحدين ~~الصالحين، { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني ~~إسرآئيل } [الأعراف: 137]؛ يعني: بالكلمة الحسنى ما قدر لهم في ~~الأزل، قال فيهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وقوله: خلقت هؤلاء للجنة ~~وبعمل أهل الجنة يعملون، فإنه قدر لهم من السعادة بما صبرهم على الشدائد ~~في الدين كقوله تعالى: { بما صبروا } [الأعراف: 137] والصبر من ~~أعمال أهل الجنة، قال تعالى: # وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا # [الإنسان: 12]، { ودمرنا ما كان يصنع فرعون ~~وقومه } [الأعراف: 137]؛ يعني: ببني إسرائيل من الإذلال والإهانة، { ~~وما كانوا يعرشون } [الأعراف: 137]؛ أي: يرفعون بالتكبر ~~والتحيز لأنفسهم، والتعريش: الارتفاع، يقال: عرش الطائر إذا ارتفع ~~بجناحيه على ما تحته. ### || [7.138-141] # ثم أخبر عن إعزاز أوليائه، وإذلال أعدائه بقوله تعالى: { وجاوزنا ~~ببني إسرآئيل البحر } [الأعراف: 138] إلى قوله تعالى: { ~~وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } [الأعراف: 141] ~~والإشارة فيها: أن بني إسرائيل القلب كانت معذبة في مصر القالب وصفاتها، ~~فلما أخلص الله تعالى { وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر ms0641 ~~}؛ أي: خلصنا بني إسرائيل صفات القلب من بحر الدنيا ومن فرعون النفس، { ~~فأتوا على قوم } [الأعراف: 138]؛ أي: وصلوا إلى صفات الروح، { ~~يعكفون على أصنام لهم } [الأعراف: 138] من المعاني ~~المعقولة والمعارف الروحانية، فاستحسنوها وأرادوا العكوف على عتبة عالم ~~الأرواح، { قالوا يموسى } [الأعراف: 138] الوارد الرباني الذي ~~جاوز بهم بحر الدنيا. # { اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة } [الأعراف: 138]، ~~يشير إلى أنه لولا فضل الله ورحمته مع العبد يثبته على قدم العبودية وصدق ~~الطلب إلى أن يبلغه المقصد إلا إذا كان العبد يركن إلى كل شيء من حسائس ~~الدنيا فضلا عن نفائس العقبى كقوله تعالى لسيد البشر صلى الله عليه ~~وسلم: # ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا ~~قليلا # [الإسراء: 74]، قال لهم موسى الوارد الرباني عند ركونهم إلى الروحانيات ~~{ قال إنكم قوم تجهلون } [الأعراف: 138] قدر الله وعنايته ~~معكم، { إن هؤلاء } [الأعراف: 139]؛ يعني: صفات الروح، { ~~متبر ما هم فيه } [الأعراف: 139] من الركون والعكوف على ~~استجلاء المعاني والمعارف الروحانية، { وباطل ما كانوا ~~يعملون } [الأعراف: 139] في غير طلب الحق والوصول إلى المعارف ~~والحقائق الإلهيات، { وإذ أنجيناكم من آل فرعون } ~~[الأعراف: 141] يعني النفس وصفاتها { يسومونكم سوء العذاب } ~~[الأعراف: 141]؛ أي: سوء عذاب البعد، { يقتلون أبنآءكم } ~~[الأعراف: 141]؛ أي: يبطلون أعمالكم الصالحة التي هي متولدات من صفات ~~القلب بآفة الرياء والعجب النفساني، { ويستحيون نسآءكم } ~~[الأعراف: 141]؛ يعني: صفاء القلب لاستخدام النفس وصفاتها، { وفي ~~ذلكم بلاء من ربكم عظيم } [الأعراف: 141]؛ يعني: وكان ~~في استخدام صفات القلب النفس وصفاتها بأن يعمل الصالحات رياء وسمعة؛ لجذب ~~المنافع الدنيوية لحظوظ النفس بلا تعظيم من ربكم، فخلصكم منه لئلا تطلبوا ~~غيره ولا تعبدوا سواه، فلا تركنوا إلى الروحانية ولا المعقولات؛ كي ~~تظفروا بمراتب الوصول ودرجات الوصال. ### || [7.142-145] # ثم أخبر عن صفات وأهل القربات بقوله تعالى: { وواعدنا موسى ~~ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر } [الأعراف: 142] إلى ~~قوله: { تبت إليك وأنا أول المؤمنين } [الأعراف: ~~143] الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: { وواعدنا موسى ثلاثين ~~ليلة } إشارة إلى الميعاد في الحقيقة كان أربعين ليلة وإن كان في ~~الظاهر ثلاثين ليلة لقوله تعالى: ms0642 { وأتممناها بعشر } فالتمام ~~هو: الأربعون، والثلاثون ناقص، ويدل على هذا قوله تعالى: # وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة # [البقرة: 51] وإنما أظهر الوعد ثلاثين ليلة؛ لضعف البشرية قواعد ثلاثين ~~ليلة ثم أتمها بالعشر، وفيه أن الأربعين خصوصية في استحقاق استماع الكلام ~~للأنبياء، كما أن لها اختصاصا في ظهور ينابيع الحكمة من قلوب الأولياء ~~بقوله صلى الله عليه وسلم: # " من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه " # والحكمة في تعيين عدد الأربعين: إن فيها كمال الكمال ذكرنا في البقرة. # وفي قوله تعالى: { فتم ميقات ربه أربعين ليلة } ~~[الأعراف: 142] أيضا دليل على أن ميعاد ربه في الحقيقة كان أربعين ليلة، ~~وفي قوله تعالى: { وقال موسى لأخيه هارون اخلفني } ~~[الأعراف: 142] الإشارة فيها: إلى أن موسى عليه السلام الروح يقول لأخيه ~~هارون القلب عند توجهه لميقات الحق ومقام المكالمة والتصدي لتجلي ربه: كن ~~خليفتي { في قومي } من أوصاف البشرية ونعوت الإنسانية { وأصلح } ~~[الأعراف: 142] ذات بينهم على وفق الشريعة وقانون الطريقة، { ولا ~~تتبع سبيل المفسدين } [الأعراف: 142]؛ يعني: سبيل الهوى ~~والطبيعة الحيوانية النفسانية؛ وهذا هو السر الأعظم في بعثة الروح من ~~ذروة عالم الأرواح إلى حضيض عالم الأشباح؛ ليحصل منه خليفة من القلب ~~الروحاني القابل للنور الرباني يكون خليفة، وخليفة رب العالمين بخلافته ~~عند مجيء الروح لميقات ربه كما قال تعالى: { ولما جآء موسى ~~لميقاتنا وكلمه ربه } [الأعراف: 143]؛ يعني: ولما حصل ~~على بساط القرب تتابع عليه كاسات الشرب من صفو الصفات، ودارت أقداح ~~المكالمات، واثر فيه لذا ذات أسماع الكلمات فطرب واضطرب، إذ سكر من شرب ~~الواردات وتساكر من سماع الملاطفات في المخاطبات، فطال لسان انبساطه عند ~~التمكن على بساطه، وعند استيلاء سلاطين الشوق وغلبات دواعي المحبة في ~~الذوق { قال رب أرني أنظر إليك } [الأعراف: 143] قال: ~~هيهات أنت للإثنينية منكوب وبحجب جبل الأنانية محجوب، وإنك إذا نظرت بك ~~إلي { قال لن تراني } [الأعراف: 143]؛ لأنه لا يراني إلا من كنت له ~~بصرا فبي يبصر، { ولكن انظر إلى الجبل } [الأعراف: 143] ~~جبل الأنانية، { فإن استقر مكانه } [الأعراف: ms0643 143] عند ~~التجلي { فسوف تراني } [الأعراف: 143] ببصر أنانيتك، { فلما ~~تجلى ربه للجبل } [الأعراف: 143] أنانيته { جعله ~~دكا } [الأعراف: 143] فانيا كأن لم يكن، { وخر موسى صعقا } ~~[الأعراف: 143] بالأنانية، فكان ما كان بعد أن بان، # وأشرقت الأرض بنور ربها # [الزمر: 69]، # وقل جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان ~~زهوقا # [الإسراء: 81]. # قد كان ما كان سرا أبوح به # فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر # ولو لم يكن جبل أنانية النفس بين موسى الروح وتجلي الرب لطاش في الحال ~~وما عاش، ولولا القالب خليفته عند الفناء بالتجلي لما أمكنه الإفاقة ~~والرجع إلى الوجود، فافهم جدا. # ولو لم يكن تعلق الروح بالجسد لما استسعد بالتجلي ولا بالتحلي تفهم - إن ~~شاء الله تعالى - { فلمآ أفاق } [الأعراف: 143] من غشية الأنانية ~~بسطوة تجلي الربوبية، { قال } [الأعراف: 143] موسى؛ أي: هويته { ~~سبحانك } [الأعراف: 143] تنزيها لك من خلقك واتصال الخلق بك { ~~تبت } [الأعراف: 143] من أنانيتي، { إليك } [الأعراف: 143] إلى ~~هويتك بك، { وأنا أول المؤمنين } [الأعراف: 143] بأنك لا ~~ترى ولا ترى إلا بنور هويتك بك. # ثم أخبر عن اصطفائه لأوليائه بقوله تعالى: { قال يموسى إني ~~اصطفيتك على الناس } [الأعراف: 144] الآيتين الإشارة فيهما: ~~أن الله تعالى اصطفى كل نبي على الخلق بنوع أو نوعين أو أنواع من الكمال ~~عند خلقته، وركب في ذروة طينته استعداد ظهور ذلك النوع من الكمال حين خمر ~~طينة آدم بيده؛ ولهذا قال: { قال يموسى إني اصطفيتك على ~~الناس برسالاتي وبكلامي } [الأعراف: 144]؛ يعني: اصطفيتك ~~عند تركيب هذين النوعين من الكمال في طينتك وهما: الرسالة والمكالمة، ~~وفيه إشارة إلى أن نوع كمال الرؤية التي سألتنيها وما اصطفيتك به وما ~~ركبت استعداده في طينتك، وإنما اصطفى به نبينا صلى الله عليه وسلم وخصه ~~بذلك من بين الأنبياء - عليهم السلام كلهم - واصطفيه بجميع ما اصطفاهم ~~به، ويدل عليه قوله تعالى: # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90]، ثم قال لموسى عليه السلام: { فخذ مآ آتيتك } ~~[الأعراف: 144]؛ يعني: وما ركبت فيك استعداده واصطفيتك به من الرسالة ~~والمكالمة، { وكن من الشاكرين } [الأعراف: 144] فإن الشكر ~~يبلغك إلى ما ms0644 سألت من الرؤية؛ لأن الشكر يستدعي الزيادة لقوله تعالى: # لئن شكرتم لأزيدنكم # [إبراهيم: 7]، والزيادة هي: الرؤية لقوله تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26]، وقال صلى الله عليه وسلم: # " الزيادة هي الرؤية، والحسنى الجنة ". # { وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة } ~~[الأعراف: 145]؛ يعني: ثبتنا في الألواح كل المواعظ التي بها حاجة ~~مجملا، { وتفصيلا لكل شيء } [الأعراف: 145]؛ يعني: فصلناه ~~بتبيين كل نوع من أنواع الكمال وما يبلغ إلى ذلك الكمال، ومن جملته أنه ~~بين في الألواح أن الرؤية مخصوصة بمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته حتى ~~استدعى موسى عليه السلام لنيل مقام رؤية ربه، فقال موسى عليه السلام: ~~اللهم اجعلني من أصحابه، { فخذها بقوة } [الأعراف: 145]؛ يعني: ~~خذ هذه المواعظ وما بينا لك بقوة الصدق والإخلاص والجد والاجتهاد، ~~وأيضا بقوة منا وصدق الالتجاء إلينا؛ لنعينك ونقويك على العمل بها، { ~~وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } [الأعراف: 145]؛ يعني: ~~هذه المواعظ تدلهم على ترك الدنيا وطلب الآخرة، ودرجات بعضها فوق بعض، ~~وأعلاها وأحسنها فيأخذوا بأحسنها بأعلاها درجة وأكملها فضيلة، وأيضا كما ~~طلب الآخرة أحسن من طلب الدنيا كذلك طلب الله أحسن من طلب الآخرة فيأخذوا ~~بأحسنها، { سأوريكم دار الفاسقين } [الأعراف: 145]؛ يعني: ~~الخارجين عن طلب الآخرة إلى طلب الدنيا فدارهم أسفل السافلين؛ لقوله ~~تعالى: # ثم رددناه أسفل سافلين # [التين: 5] ودار الخارجين من طلب الله إلى طلب الآخرة فدارهم الجنة، ~~ودار الخارجين من طلب الآخرة إلى طلب الله هي # مقعد صدق عند مليك مقتدر # [القمر: 55]، فافهم جدا. ### || [7.146-149] # ثم أخبر عن تصرفات القدرة للعزة بقوله تعالى: { سأصرف عن آياتي ~~الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق } [الأعراف: ~~146] إلى قوله تعالى: # يعلمون # [الأعراف: 182] الإشارة فيها: أن الكبر والتكبر من أعظم حجب أوصاف ~~البشرية؛ لأنه يزيد في الأنانية وما لعن إبليس وطرد إلا للتكبر، وقيل ~~له: # فما يكون لك أن تتكبر فيها # [الأعراف: 13]، وحجاب التكبر يحرم المتكبر عن رؤيات الآيات، كما قال ~~تعالى: { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض ~~بغير الحق }؛ يعني: اجعل حجاب التكبر على أبصارهم لئلا يعرفوا ~~أحبابي، ms0645 { وإن يروا كل آية } [الأعراف: 146]؛ يعني: وإن يروا ~~كل آية نؤمن على أمثالها، { لا يؤمنوا بها وإن يروا ~~سبيل الرشد } [الأعراف: 146]؛ أي: طريقا يهدي إلى الحق، { لا ~~يتخذوه سبيلا } [الأعراف: 146] لا يمشون فيه، { وإن يروا ~~سبيل الغي } [الأعراف: 146] طريقا يهديهم إلى الباطل { ~~يتخذوه سبيلا } [الأعراف: 146] يمشون فيه، { ذلك بأنهم ~~كذبوا بآياتنا } [الأعراف: 146] من الكتب المنزلة بما أظهروا من ~~المعجزات تكبيرا عليهم، { وكانوا عنها غافلين } [الأعراف: ~~146]؛ أي: معرضين عن الآيات بالتكبر. # { والذين كذبوا بآياتنا ولقآء الآخرة حبطت ~~أعمالهم } [الأعراف: 147] جزاء على تكبرهم كما حبط على أعمال إبليس ~~جزاء على تكبره، { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } ~~[الأعراف: 147]؛ يعني: لما حبطت أعمالنا عندهم من بعثة الأنبياء وإنزال ~~الكتب وإظهار المعجزات؛ لتكبرهم عنها جازيناهم بأن حبطت أعمالهم عندنا ~~تكبرا عنها، نظيره قوله تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40]. # ثم أخبر عن جهل اليهود واتخاذهم العجل بالمعبود بقوله تعالى: { ~~واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا ~~جسدا له خوار } [الأعراف: 148] إلى قوله: # وأنت أرحم الراحمين # [الأعراف: 151] الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: { واتخذ قوم ~~موسى من بعده من حليهم عجلا } إشارة إلى أن سامري ~~الهوى من بعد توجه موسى الروح لميقات مكالمة الحق اتخذ من حلي زينة ~~الدنيا ورعونات البشرية التي استعارها بنو إسرائيل صفات القلب قبط صفات ~~النفس، { عجلا جسدا } وهي الدنيا، { له خوار } يدعوا الخلق ~~به إلى العبادة، { ألم يروا أنه } [الأعراف: 148] عبدة عجل ~~الدنيا أنه { لا يكلمهم } [الأعراف: 148] بالخير، { ولا ~~يهديهم سبيلا } [الأعراف: 148] إلى الحق، { اتخذوه } ~~[الأعراف: 148] إلها ومعبودا بالجهل، { وكانوا ظالمين } ~~[الأعراف: 148] في ذلك؛ لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها، وبدلوا طلب ~~الحق ومحبته بطلب الدنيا ومحبتها. # وفي قوله تعالى: { ولما سقط في أيديهم ورأوا ~~أنهم قد ضلوا } [الأعراف: 149] إشارة إلى أن صفات القلب لما ~~أيدت بتأييد الحق علمت أنها ضلت طريق الحق، وأخطأت فيما تعلقت برعونات ~~البشرية عند غيبة موسى الروح إلى قوم أوصاف الإنسان، وتغييره إياها فيما ~~فعلت من الالتفات إلى الدنيا وزينتها ندمت من فعلها وعادت ms0646 إلى ما كانت ~~فيه من عبودية الحق والإخلاص في طلبه، وذلك قوله تعالى { قالوا لئن ~~لم يرحمنا ربنا } [الأعراف: 149]؛ يعني: بجذبات العناية، { ~~ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين } [الأعراف: 149] ~~الذين يعبدون الدنيا وزينتها وشهواتها من صفات النفس. ### || [7.150-153] # { ولما رجع موسى } [الأعراف: 150] الروح من صفات مكالمة الحق، ~~{ إلى قومه } [الأعراف: 150] من أوصاف الإنسانية، { غضبن } ~~[الأعراف: 150] مما عبدت صفات القلب عجل الدنيا، { أسفا } [الأعراف: ~~150] على ما فات لها من عبودية الحق، { قال بئسما خلفتموني } ~~[الأعراف: 150] بصفات القلب، { من بعدي } [الأعراف: 150]؛ أي: ~~غيبتي، { أعجلتم أمر ربكم } [الأعراف: 150]؛ أي: استعجلتم ~~بالرجوع إلى الدنيا وزينتها والتعلق بها قبل أوانه من غير أن يأمركم به ~~ربكم، وفيه إشارة إلى أن أرباب الطلب وأصحاب السلوك لا ينبغي أن يلتفتوا ~~إلى شيء من الدنيا، ولا يتعلقوا بها في إناء القلب والسلوك؛ لئلا ينقطعوا ~~عن الحق، اللهم إلا إذا قطعوا مفاوز النفس والهوى ووصلوا إلى كعبة وصال ~~المولى فيأمرهم المولى أن يرجعوا إلى الدنيا لدعوة الخلق إلى المولى، ~~وتسليكهم في طريق الدنيا والعقبى، { وألقى الألواح } [الأعراف: ~~150]؛ يعني: ما لاح الخروج من اللوائح الربانية عند استيلاء الغضب ~~الطبيعي، { وأخذ برأس أخيه } [الأعراف: 150] يعني: القلب فإنه ~~أخ الروح، { يجره إليه } [الأعراف: 150] قهرا وفرا عند ~~استيلاء الطبيعة الروحانية، { قال ابن أم } [الأعراف: 150] وهما ~~من أب وأم، أبوهما الأمر وأمهما الخلق، وإنما نسبه إلى الخلق؛ لأن في ~~عالم الخلق تواضعا وتذللا بالنسبة إلى عالم الأمر، فافهم جدا. # { إن القوم استضعفوني } [الأعراف: 150]؛ يعني: أن أوصاف ~~البشرية استذلوني بالغلبات عند غيبتك، { وكادوا يقتلونني } ~~[الأعراف: 150] وكذلك يكون استيلاء صفات البشرية وغلباتها حلل غيبة الروح ~~وشغله بنوع من الأنواع قهر القلب وهلاكه، { فلا تشمت بي ~~الأعدآء } [الأعراف: 150] وهم: الشيطان والنفس والهوى، { ولا ~~تجعلني مع القوم الظلمين } [الأعراف: 150] الذين عبدوا ~~عجل الدنيا وهم: صفات القلب، يشير إلى أن صفات القلب تتغير وتتلون بلون ~~صفات النفس ورعوناتها؛ ومن هنا يكون شنشنة الشيطان من أرباب الطريقة ~~ورعوناتهم وزلات أقدامهم، ولكن القلب من حيث هو هو لا يتغير عما جبل عليه ms0647 ~~من محبة الله وطلبه وإنما يمرض بتغير صفاته، كما أن النفس لا تتغير من ~~حيث هي هي عما جبلت عليه من حيث الدنيا وطلبها وإنما تغير صفاتها من ~~الأمارية إلى اللوامية والملهمية والرجوع إلى الخالق، ولو وكلت إلى نفسها ~~طرفة عين لعادة المشومة إلى طبعها وجبلتها # سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة ~~الله تبديلا # [الفتح: 23]. # وفي قوله تعالى: { قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في ~~رحمتك } [الأعراف: 151] الإشارة إلى: السير في الصفات؛ لأن المغفرة ~~والرحمة من الصفات، فيشير إلى أن لموسى الروح، ولأخيه هارون القلب ~~استعدادا لقبول الجذبة الإلهية التي تدخلها في عالم الصفات، { وأنت ~~أرحم الراحمين } [الأعراف: 151]؛ لأن غيرك من الراحمين عاجز عن ~~إدخال غيره في صفاته، وأنت قادر على ذلك لمن تشاء، يدل عليه قوله تعالى: # يدخل من يشآء في رحمته # [الشورى: 8]. # ثم أخبر عن أهل الغضب بقوله تعالى: { إن الذين اتخذوا ~~العجل سينالهم غضب من ربهم } [الأعراف: 152] ~~الإشارة فيها: أن الذين اتخذوا العجل؛ أي: اتخذوا عجل الهوى إلها يدل ~~عليه قوله تعالى: # أرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الفرقان: 43]، { سينالهم غضب من ربهم وذلة في ~~الحياة الدنيا } [الأعراف: 152]؛ يعني: عبادة الهوى موجبة لغضب ~~الله تعالى، دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما عبد في الأرض آله أبغض على الله من الهوى " # ، وإن عابد الهوى يكون ذليل شهوات النفس وأسير صفاتها الذميمة الحيوانية ~~والسبعية والشيطانية ما دام يميل إلى الحياة الدنيوية، { وكذلك ~~نجزي المفترين } [الأعراف: 152]؛ يعني: كذلك نجازي بالغضب ~~والطرد الإبعاد وذلة عبادة الهوى المدعين الذين يفترون على الله أنه ~~أعطانا قوة لا تضر بنا عبادة الهوى والرجوع إلى طلب الخلق، { والذين ~~عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ~~ربك من بعدها لغفور رحيم } [الأعراف: 153]؛ يعني: يعفو ~~عنهم تلك السيئات، ويرحمهم بنيل القربات والكرامات. ### || [7.154-156] # ثم أخبر أن رضا الرب في سكون الغضب بقوله تعالى: { ولما سكت عن ~~موسى الغضب } [الأعراف: 154] الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: { ~~ولما سكت عن موسى الغضب ms0648 أخذ الألواح } [الأعراف: ~~154] إشارة إلى أن موسى عليه السلام الروح مهما اتصف بصفة من صفات النفس ~~مثلا: الغضب وغيره وباقي ما لاح له من اللوائح الربانية عند استيلاء تلك ~~الصفة، ولما سكت عنه تلك الصفة واضمحلت يعود إليه ما كان بحاله من تلك ~~اللوائح الربانية والكشوف الربانية، { وفي نسختها } [الأعراف: ~~154]؛ أي: في المنتسخ منها؛ يعني: في الذي عاد إلى الروح من اللوائح التي ~~ألقاها عند غلبة صفة من صفات النفس { هدى } [الأعراف: 154] ما يهدي إلى ~~الحق { ورحمة } [الأعراف: 154] ما هو يرحم، { للذين هم ~~لربهم يرهبون } [الأعراف: 154]؛ أي: على أهل الرغبة والرهبة ~~ممن يرغب إلى الله بصدق الطلب، ويرهب من عذاب أليم والانقطاع عنه. # ثم أخبر عن اختيار أهل الاختيار بقوله تعالى: { واختار موسى ~~قومه سبعين رجلا لميقاتنا } [الأعراف: 155] إلى قوله: { ~~والذين هم بآياتنا يؤمنون } [الأعراف: 156] الإشارة فيها: ~~أن الله تعالى امتحن موسى عليه السلام باختيار قومه، كما قال تعالى: { ~~واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا } ليعلم ~~أن المختار من الخلق من اختاره الله لا الذي اختاره الخلق، وأن لله ~~الاختيار الحقيقي؛ لقوله تعالى: # وربك يخلق ما يشآء ويختار # [القصص: 68] وليس للخلق الاختيار الحقيقي لقوله تعالى: # ما كان لهم الخيرة # [القصص: 68] ثم استخرج من القوم المختار ما كان موجبا للرجفة والصعقة ~~والمهالك وهو: سوء الأدب في سؤال الرؤية جهارا، وكان ذلك مستورا عن نظر ~~موسى عليه السلام متمكنا في جبلتهم وكان الله المتولي للسرائر، وحكم ~~موسى بظاهر صلاحيتهم فأراه الله تعالى أن الذين اختارهم يكون مثلك لقوله ~~تعالى # وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى # [طه: 13]، والذي يختاره يكون كالقوم، فلما تحقق موسى عليه السلام أن ~~المختار من اختاره الله حكم بسفاهة القوم، وأظهر الاستكانة والتضرع ~~والاعتذار والتوبة والإنابة والاستغفار والاسترحام، كما قال تعالى: { ~~فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت ~~أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل ~~السفهآء منآ } [الأعراف: 155] وفيه إشارة أخرى: أن نار شوق ~~الرؤية كما كانت متمكنة في قلب موسى عليه السلام بالقوة، وإنما ظهرت ~~بالفعل بعد أن سمع ms0649 كلام الله تعالى، فإن من اصطكاك حجر القلب ظهرت شرر ~~نار الشوق فاشتعل منه كبريت اللسان الصدوق وصعدت شعلة السؤال، # قال رب أرني أنظر إليك # [الأعراف: 143]، كذلك كانت نار الشوق متمكنة في أحجاره قلوب العوام ~~فباصطكاك زناد سماع الكلام ظهر شوق الشرر فاشتعل منه كبريت اللسان، ~~ولما لم يكن اللسان لسان النبوة صعد منه دخان السؤال الموجب للصعقة ~~والرجفة؛ والسر فيه أن يعلم موسى عليه السلام وغيره أن قلوب العباد مختصة ~~بكرامة إيداع المحبة فيها؛ لئلا يظن موسى أنه مخصوص به، ويعذره غيره عن ~~تلك المسألة فإنها من غلبات الشوق فظهر عند استماع كلام المحبوب؛ ولهذا ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " ما خلق الله من بني آدم من بشر إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن ~~إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه " # وبالأصبعين يشير إلى صفات الجمال والجلال، وليس لغير الإنسان قلب مخصوص ~~بهذه الكرامة، وإقامة القلب في أن يجعله مرآة صفات الجمال فيكون الغالب ~~عليه الشوق والمحبة لطفا ورحمة، وإزاغته في أن يجعله مرآة صفات الجلال ~~فيكون الغالب عليه الحرص على الدنيا والشهوة قهرا وعزة، فالنكتة فيه أن ~~قلب موسى عليه السلام لما كان مخصوصا بالاصطفاء للرسالة والكلام دون ~~القوم كان سؤاله للرؤية شعلة نار المحبة مقرونا بحفظ الأدب على بساط ~~القرب بقوله: # رب أرني أنظر إليك # [الأعراف: 143] قدم عزة الربوبية وأظهر ذلة العبودية وكان سؤال القوم من ~~القلوب الساهية اللاهية، فإن نار الشوق تصاعدت بسوء الأدب، فقالوا: # لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة # [البقرة: 55] قدموا الجحود والإنكار وأخروا طلب الرؤية جهارا # فأخذتكم الصعقة # [البقرة: 55] بظلمهم، فشتان بين صعقة موسى عليه السلام وبين صعقة قومه، ~~فأن صعقته كانت صعقة اللطف مع تجلي الربوبية، وإن صعقتهم كانت صعقة القهر ~~عند إظهار العزة والعظمة، ولما كان موسى عليه السلام في مقام التوحيد ~~ثابتا كان ينظر بنور الوحدة فيرى الأشياء كلها من عند الله تعالى، فرأى ~~سفاهة القوم وما صدر منهم من آثار صفات قهره فتنة واختبارا لهم، فلما ~~دارت كؤوس ms0650 شراب المكالمات وسكر بأقداح المناجاة زل قدمه على بساط ~~الانبساط فقال: { إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشآء ~~} [الأعراف: 155]؛ أي: تزيغ قلب من تشاء بإصبع صفة القهر. # { وتهدي من تشآء } [الأعراف: 155]؛ أي: تقيم قلب من تشاء بأصبع ~~صفة اللطف؛ ليرى جمالك في مرآة القلب، { أنت ولينا } [الأعراف: ~~155] المتولي لأمورنا والناظر في هدايتنا، { فاغفر لنا } [الأعراف: ~~155] ما صدر منا، { وارحمنا } [الأعراف: 155] بنعمة الرؤية التي ~~ساكناها، { وأنت خير الغافرين } [الأعراف: 155]؛ أي: خير من ~~يستر على ذنب المذنبين؛ يعني أنهم يسترون الذنب ولا يعطون سؤالهم، وأنت ~~الذي تستر الذنب وتبدل السيئات بالحسنات وتعطي سؤال أهل الزلات، { ~~واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة } [الأعراف: 156] بعد ~~حسنة الرؤية كما كتبت لمحمد صلى الله عليه وسلم ولخواص أمته هذه الحسنة ~~في الدنيا. # { وفي الآخرة } [الأعراف: 156]؛ يعني: خصنا بهذه على الفضيلة في ~~الدنيا والآخرة، { إنا هدنآ إليك } [الأعراف: 156]؛ أي: رجعنا ~~إليك في طلب هذه الفضيلة في السر لا بالعلانية وأنت الذي تعلم السر ~~وأخفى؛ فأجابهم الله تعالى سرا بسر وإضمارا بإضمار، { قال عذابي ~~أصيب به من أشآء } [الأعراف: 156]؛ أي: بصفة قهري آخذ من أشاء، ~~وبقراءة من قرأ أساء من الإساءة؛ أي: من أساء في الأدب عند سؤال الرؤية، ~~قالوا: # لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة # [البقرة: 55]، آخذهم على سوء أدبهم، فأدبهم تأديب عذاب الفرقة، { ~~ورحمتي وسعت كل شيء } [الأعراف: 156] نعمة وإيجادا ~~وتربية، { فسأكتبها } [الأعراف: 156] مني حسنة الرؤية والرحمة ~~التي أنتم تسألونها، { للذين يتقون ويؤتون الزكاة } ~~[الأعراف: 156]؛ يعني: يتقون الله عن غيره، ويؤتون عن نصاب هذا المقام ~~الزكاة طلابه، { والذين هم بآياتنا يؤمنون } [الأعراف: ~~156] الذين هم يؤمنون؛ يعني: الذين هم يؤمنون بأنوار شواهد الآيات لا ~~بالتقليد بل بالتحقيق وهم خواص هذه الأمة، كما عرف أحوالهم وصرح ~~أعمالهم بقوله تعالى: # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي # [الأعراف: 157]. ### || [7.157-159] # ثم أخبر عن أمة هذا النبي من المؤمن والولي بقوله تعالى: { الذين ~~يتبعون الرسول النبي الأمي } الإشارة فيها: أن في ~~قوله تعالى: { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ~~} إشارة إلى أن ms0651 في أمته من يكون مستعدا لاتباعه في هذه المقامات الثلاثة ~~وهي: مقام الرسالة والنبوة: التي هي شركة بينه وبين الأنبياء والرسل، ~~والمقام الأمي: الذي هو مخصوص به صلى الله عليه وسلم من بين الأنبياء - ~~عليهم السلام -؛ ومعنى الأمي: أنه كان أم الموجودات وأصلها سمي أميا، ~~كما سميت مكة أم القرى؛ لأنها كانت مبدأ القرى وأصلها، وكما سمى أم ~~الكتاب أما؛ لأنها مبدأ الكتب وأصلها، فأما إتباعه في مقام الرسالة فإنه ~~يأخذ منه ما آتاه الرسول وينتهي عما نهاه، كما قال تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7]. # فإن الرسالة تتعلق بأحكام الظاهر، والنبوة تتعلق بأحكام الباطن، فللعوام ~~شركة مع الخواص في الانتفاع من الرسالة، وللخواص اختصاص بالانتفاع من ~~النبوة، فمن أدى حقوق أحكام الرسالة في الظاهر يفتح له أحوال النبوة في ~~الباطن، من مقام الأنبياء تنبئة الحق تعالى بحيث يصير صاحب الإشارات ~~والإلهامات الصادقة والرؤيا الصالحة والهواتف الملكية، وربما يؤول حاله ~~إلى أن يكون صاحب المكالمة والمشاهدة والمكاشفة، ولعل ما يصير مأمورا ~~بدعوة الخلق إلى الحق في المتابعة لا بالاستقلال، كما قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل " # يشير إلى هذا المقام، وذلك أن المتقدمين من بني إسرائيل في زمن الأنبياء ~~- عليهم السلام - لما وصلوا إلى مقام الأنبياء أعطوا النبوة - والله أعلم ~~- وكانوا مقررين لدين رسولهم، حاكمين بالكتب المنزلة على رسلهم، فكذلك ~~هؤلاء القوم كما قال: # وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا # [الأنبياء: 37]. # وأما أتباعه في مقام أمته صلى الله عليه وسلم فكذلك مخصوص بأخص الخواص ~~من متابعيه، وهو أنه صلى الله عليه وسلم رجع بالسير من مقام بشريته إلى ~~مقام روحانيته الأولى، ثم بجذبات الوحي أنزل في مقام التوحيد، ثم اختطف ~~بأنوار الهوية عن أنانيته إلى مقام الوحدة كما قال: # أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنمآ إلهكم ~~إله واحد # [الكهف: 110] كما قال تعالى: # ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى # [النجم: 8-9]، فقاب قوسين عبارة عن: مقام التوحيد، أو أدنى: عن مقام ~~الوحدة تفهم ms0652 - إن شاء الله تعالى - فمن رجع بالسير في متابعته عن مقام ~~البشرية إلى أن بلغ مقام الروحانية، ثم بجذبات النبوة في مقام التوحيد، ~~ثم اختطف بأنوار المتابعة عن أنانيته إلى مقام الوحدة، فقد حظي بمقام ~~أميته صلى الله عليه وسلم. # وفي قوله: { الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل } [الأعراف: 157] يشير إلى أنه مكتوبا عندهم وإلا فهو ~~مكتوب عنده # في مقعد صدق # [القمر: 55]، { يأمرهم بالمعروف } [الأعراف: 157] وهو طلب ~~الحق والميل إليه، { وينهاهم عن المنكر } [الأعراف: 157] ~~وهو طلب ما سواه والانقطاع عنه، { ويحل لهم الطيبات } ~~[الأعراف: 157] إلى القربات إلى الله تعالى، وإن الطيب هو الله تعالى، { ~~ويحرم عليهم الخبآئث } [الأعراف: 157] وهي الدنيا وما ~~يباعدهم عن الله، { ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي ~~كانت عليهم } [الأعراف: 157]؛ يعني: إصرهم من العهد الذي كان بين ~~الله تعالى وبين حبيبه صلى الله عليه وسلم، بأن لا يوصل أحد إلى مقام ~~أميته وحبيبته إلا أمته وأهل شفاعته تبعيته، كما قال تعالى: # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله # [آل عمران: 31]، وقال صلى الله عليه وسلم: # " الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم " # ، فكان من هذا العهد عليهم شدة وأغلال منعهم من الوصل إلى هذا المقام. # فقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم عنهم الإصر والأغلال بالدعوة إلى ~~متابعته، يؤكد هذا المعنى قوله تعالى: { فالذين آمنوا به ~~وعزروه } [الأعراف: 157]؛ أي: وقروه، واختصاص هذا المقام أنه مخصوص ~~به من بين سائر الأنبياء والرسل، { ونصروه } [الأعراف: 157] ~~بالمتابعة، { واتبعوا النور الذي أنزل معه } ~~[الأعراف: 157]؛ يعني: حين اختطف بأنوار الهداية عن أنانيته فاستفاد نور ~~الوحدة، كما قال تعالى: # قد جآءكم من الله نور # [المائدة: 15]؛ يعني: محمد صلى الله عليه وسلم، # وكتاب مبين # [المائدة: 15]؛ يعني: القرآن، فأمروا بمتابعة هذا النور؛ ليقتبسوا منه ~~نور الوحدة فيفوزوا بالسعادة الكبرى والنعمة العظمى. # { أولئك هم المفلحون } [الأعراف: 157] من حجب الأنانية ~~الفائزون بنور الوحدة، ثم أمر الله تعالى حبيبه صلى الله عليه وسلم أن ~~يخبرهم أنه هو رسول الله المبعوث إليهم جميعا، ثم بعد تعريفه لهم عرف ~~نفسه ms0653 فقال تعالى: { قل يأيها الناس إني رسول الله ~~إليكم جميعا الذي له ملك السموت والأرض } ~~[الأعراف: 158]؛ أي: سماوات القلوب وأرض النفوس، { لا إله إلا ~~هو } [الأعراف: 158]؛ أي: لا مدبر فيهما غيره، { يحيي } [الأعراف: ~~158] قلب من يشاء بنور الوحدة، { ويميت } [الأعراف: 158] نفسه عن ~~صفات البشرية والأنانية، { فآمنوا بالله ورسوله النبي ~~الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته } [الأعراف: 158]؛ ~~يعني: آمنوا إيمان أهل التوحيد بالله وبرسوله المخصوص بعد الرسالة ~~والنبوة بالله بنور الله وهو: نور الوحدة، وكلماته وهي: ما أوحى الله ~~إليه ليلة المعراج بلا واسطة، كما قال تعالى: # ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه # [البقرة: 285]؛ يعني: إيمان العيان في مقام الوحدة. # ثم أمرهم باتباعه للوصول إلى مقام الوحدة وخصوصية أميته، فقال تعالى: { ~~واتبعوه لعلكم تهتدون * ومن قوم موسى أمة ~~يهدون بالحق } [الأعراف: 158-159] إلى قوله: # بما كانوا يظلمون # [الأعراف: 162] الإشارة فيها: أن الله تعالى بعد إظهار كمالات أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم وهم خواص القوم، ثم أخبر عن عوامهم؛ ليظهر الفرق بين ~~الفريقين، فقال تعالى: { ومن قوم موسى أمة يهدون ~~بالحق }؛ يعني: خواصهم الذي يرشدون الخلق بالكتاب المنزل بالحق على ~~موسى عليه السلام. # { وبه يعدلون } [الأعراف: 159]؛ أي: به يحكمون بين العوام فشتان ~~بين أمة أمية بلغوا على مراتب الروحانية بالسير في متابعة النبي الأمي، ~~ثم اختطفوا عن أنانية روحانيتهم بجذبات أنوار المتابعة إلى مقام الوحدة ~~التي هي مصدر وجودهم في بقاء الوحدة كما قال تعالى: # " كنت له سمعا وبصرا ولسانا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق " # وللرجوع والوصول إلى هذا المقام سموا أميون، فإنهم رجعوا إلى أصلهم ~~الذي صدروا منه إيجادا وبين أمة كان نبيهم محجوبا بحجاب الأنانية عند ~~سؤال الرؤية بقوله تعالى: # أرني أنظر إليك # [الأعراف: 143] فأجب: # لن تراني # [الأعراف: 143] لأنك كنت بك لا بي، فإنه لا يراني إلا من كان بي لابه، ~~فأكون بصره الذي يبصر به، وهذا مقام الأمة الأمية، فلهذا قال موسى عليه ~~السلام: اللهم اجعلني من أمة أحمد شوقا إلى لقاء ربه، فافهم جدا. ### || [7.160-161] # ثم ms0654 أخبر عمن أنعم به على تلك الأمة، وعما كفروا بأنعمه، فقال تعالى: { ~~وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينآ ~~إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك ~~الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم ~~كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام ~~وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ~~ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون } [الأعراف: 160]؛ لأنهم ما حمدوا الله على ما أنعم عليهم، ~~ولا شكروه على نعمه التي أعطاهم؛ ليستحقوا المزيد بل كانوا [يستبدلون] ~~الذي هو أدنى بالذي خير، وكفروا بأنعم الله فاستحقوا العذاب الأليم هذا ~~فيما أنعم الله عليهم من الدنيوية النعمة والأخروية أيضا أفسدوا على ~~أنفسهم وكفروا بها كما قال تعالى: { وإذ قيل لهم اسكنوا ~~هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا ~~حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم ~~خطيئاتكم سنزيد المحسنين } [الأعراف: 161]. ### || [7.162-166] # أفسدوا هذه النعمة على أنفسهم بتبديل القول، كما قال تعالى: { فبدل ~~الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم } ~~[الأعراف: 162] فاستحقوا الرجز والهلاك بظلمهم، كما قال تعالى: { ~~فأرسلنا عليهم رجزا من السمآء بما كانوا ~~يظلمون } [الأعراف: 162] وقد مر تحقيق هذه الآية في سورة البقرة. # ثم أخبر عن بعض مقالاتهم وسوء حالاتهم بقوله تعالى: { وسئلهم عن ~~القرية التي كانت حاضرة البحر } [الأعراف: 163] إلى ~~قوله: { كونوا قردة خاسئين } [الأعراف: 166] يشير إلى أن ~~القرية الجسد الحيواني على شاطئ بحر البشرية وأهل قرية الجسد الصفات ~~الإنسانية، وهي على ثلاثة أصناف: # منها: صنف روحاني: كصفات الروح. # وصنف: ما هو قلبي: كصفات القلب. # وصنف: نفساني: كصفات النفس الأمارة بالسوء، وكل قد نهوا عن صيد حيتان ~~الدواعي البشرية في سبت محارم الله، فصنف أمسك عن الصيد ونهي عنه وهو: ~~الصفات الروحانية، وصنف أمسك ولم ينه وهو: الصفات القلبية، وصنف يحرمه ~~وهو: الصفات النفسانية. # { إذ يعدون في السبت } [الأعراف: 163] إذ يعدون في سبت ~~المحارم، { إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا } ~~[الأعراف: 163] بعد الدواعي البشرية عند هيجان ظهور المحارم، وإغواء ~~الشيطان في تزينها فيتوفر الداعي فيما حرم الله تعالى؛ لأن الإنسان حريص ~~على ms0655 ما منع، { ويوم لا يسبتون لا تأتيهم } [الأعراف: ~~163] فيما لم يحرم الله لا نهيج لهم حسان الدواعي ولا يتوفر، { كذلك ~~نبلوهم } [الأعراف: 163]؛ أي: الصنف الذي هو الصفات النفسانية، { ~~بما كانوا يفسقون } [الأعراف: 163]؛ أي: بما كانوا من طبيعة ~~النفس وصفاتها الخروج من أمر الله وطاعته وأنها أمارة بالسوء، { وإذ ~~قالت أمة منهم } [الأعراف: 164]؛ أي: صنف هو من صفات القلب ~~لصنف من صفات الروح، { لم تعظون قوما } [الأعراف: 164]؛ أي: ~~صنفا من صفات النفس، { الله مهلكهم } [الأعراف: 164]؛ أي: ~~مهلكهم بالمخالفات عند استيفاء اللذات والشهوات، { أو معذبهم ~~عذابا شديدا } [الأعراف: 164] وهو المسخ بتبديل الصفات الإنسانية ~~إلى الصفات الحيوانية. # { قالوا } [الأعراف: 164]؛ يعني: الصفات الروحانية، { معذرة ~~إلى ربكم } [الأعراف: 164]؛ أي: لتكونوا معذورين عند ربكم، فيما ~~خلقنا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، فإنا فعلنا ما كان علينا، وما ~~تغيرنا عن أوصاف الروحانية الملكية، { ولعلهم يتقون } ~~[الأعراف: 164]؛ أي: ولعل النفس وصفاتها يتقون عن الأمارية وتصفون ~~بالمأمورية والظلمانية إلى ذكر الله وطاعته فإنها قابلة لها، { فلما ~~نسوا ما ذكروا به } [الأعراف: 165]؛ أي: تركوا النصيحة ~~والمواعظ الروحانية، { أنجينا الذين ينهون عن السوء } ~~[الأعراف: 165]؛ يعني: الروح وصفاتها، فإنهم كانوا ينهون النفس عن ~~الأمارية بالسوء، المعنى: أن من كان القلب عليه صفات الروح وقهر النفس ~~وبذل صفاتها بالتزكية والتخلية، فإنه من أهل النجات وأرباب الدرجات ~~وأصحاب القربات. # { وأخذنا الذين ظلموا } [الأعراف: 165]؛ يعني: النفس ~~وصفاتها، فإن الظلم من شيم النفس، ومن كان الغالب عليه النفس صفاتها، { ~~بعذاب بئيس } [الأعراف: 165] وهو عذاب إبطال الاستعداد؛ لقبول ~~الفيض الإلهي وعذاب البعد عن حوار الخلق، { بما كانوا يفسقون } ~~[الأعراف: 165] بشؤم ما كانوا يخرجون من أنوار الصفات الروحانية إلى ~~ظلمات الصفات النفسانية الحيوانية، { فلما عتوا عن ما نهوا ~~عنه } [الأعراف: 166]؛ أي: فلما بلغوا في اليم الطبعي والأوصاف ~~السبعية والبهيمية، { قلنا لهم كونوا قردة خاسئين } ~~[الأعراف: 166]؛ يعني: بدلنا صفاتهم الروحانية المكية بالصفات القردية ~~والخنزيرية بأمر التكوين، كما قال تعالى: # إنما قولنا لشيء إذآ أردناه # [النحل: 40] خاسئين؛ أي: قانطين بعد فساد الاستعداد الفطري عن إصلاحه، ~~كما قال تعالى تقنيطا لأهل ms0656 النار: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108]. ### || [7.167-170] # ثم أخبر عن ابتلاء أهل البلاء بالحسنات والسيئات بقوله تعالى: { وإذ ~~تأذن ربك } [الأعراف: 167] إلى قوله: { إنا لا نضيع ~~أجر المصلحين } [الأعراف: 170] يشير بقوله تعالى: { وإذ ~~تأذن ربك } إلى أن الله تعالى حكم بقضائه وقدره في الأزلية أن ~~الأرواح والقلوب اللاتي يتبعن النفس وهواها، { ليبعثن عليهم ~~إلى يوم القيامة من يسومهم } [الأعراف: 167] وهو ~~الشيطان، فإنه هو المنظور إلى يوم يبعثون، وهو يوم القيامة يسومهم، { ~~سوء العذاب } [الأعراف: 167] وهو الإبعاد عن العبودية والإضلال عن ~~الصراط المستقيم، فيعذبون بعذاب الفرقة والقطيعة عن الحق، وعذاب الخزية ~~والمذلة للنفس والشيطان، { إن ربك لسريع العقاب } ~~[الأعراف: 167]؛ يعني: عقابهم يزيد في الدنيا، وهي لهم ليزدادوا إنما هذا ~~عقوبة في الدنيا وهو يورث العقوبة في الآخرة. # { وإنه لغفور } [الأعراف: 167]؛ يعني: يغفر ذنوب من يرجع إليه ~~ويتوب؛ أي: الأرواح والقلوب إن رجعت عن متابعة النفس وهواها وتابت إلى ~~الله واستغفرت لغفرت، فإنه { رحيم } [الأعراف: 167] يرحم من تاب ~~إليه، وفيه معنى آخر: { إن ربك لسريع العقاب }؛ أي: يعاقب ~~المؤمنين في الدنيا بأنواع البلاء، # من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس ~~والثمرات # [البقرة: 155]، ويوفقهم الصبر على ذلك؛ ليجعله كفارة لذنوبهم حتى إذا ~~خرجوا أتقياء من الدنيا لا يعذبون في الآخرة ولا يعاقبون ويجدون الله، { ~~وإنه لغفور رحيم } لهم في الآخرة، { وقطعناهم } ~~[الأعراف: 168]؛ يعني: فرقنا الأرواح والقلوب، { في الأرض } ~~[الأعراف: 168] أرض الأجساد، { أمما } [الأعراف: 168] فرقا، { ~~منهم الصالحون } [الأعراف: 168]؛ أي: قابلون لفيض نور الله، { ~~ومنهم دون ذلك } [الأعراف: 168] في المقبول. # { وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم ~~يرجعون } [الأعراف: 168]؛ يعني: جعلنا الحسنات وهي: الطاعات ~~والخيرات، والسيئات وهي: المعاصي والمظالم وسيلة الرجوع إلى الحق وقبول ~~فيض النور، فأما الحسنات فبقدم الطاعات والخيرات يتقرب العبد بها إلى ~~ربه، وأما السيئات فبقدم ترك المعاصي ورد المظالم يتقرب بها إليه، فقال ~~تعالى: # " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا " # ، وقال: لن يتقرب إلي المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم، وعن بعض ~~المشايخ أنه قال: خطوات وقد وصلت، وفيه معنى آخر: وبلوناهم بالحسنات؛ ms0657 ~~ليرجعوا إلينا بالشكر والسيئات؛ ليرجعوا بقدم الصبر، فبقدمي الشكر والصبر ~~يرجع إلينا الأرواح والقلوب، وأيضا: { وبلوناهم بالحسنات ~~}؛ أي: بكثرة الطاعات ورؤيتها والعجب بها، كما كان حال إبليس، { ~~والسيئات }؛ أي: بالمعاصي ورؤيتها والندامة عليها والتوبة منها ~~والخوف والخشية من ربه، كما كان حال آدم عليه السلام فرجع إلى الله تعالى ~~وقال: # ربنا ظلمنآ أنفسنا # [الأعراف: 23]. # { فخلف من بعدهم خلف } [الأعراف: 169]؛ أي: فخلف الأرواح ~~والقلوب من بعدهم لما سلكوا طريق الحق ووصلوا إلى مقعد الصدق، خلف ~~السوء وهم: النفوس الأمارة بالسوء، { ورثوا الكتب } [الأعراف: ~~169] وهو ما ألهمهم الله به الأرواح والقلوب من المواعظ والحكم والمعاني ~~والأسرار ورثت النفوس، { يأخذون عرض هذا الأدنى } ~~[الأعراف: 169]؛ يعني: من شأن النفوس؛ أي: يجعلون المواهب الربانية ~~والكشف الروحاني ذريعة العروض الدنيوية ويصرفوها في تحصيل المال والجاه ~~واستيفاء اللذات والشهوات، { ويقولون سيغفر لنا } [الأعراف: ~~169]؛ أي: لأنا وصلنا إلى مقام ورتبة يغفر لنا ويعفو عنا مثل هذه الزلات ~~والخطيئات كما هو مذهب أهل الإباحة جهالة وغرورا منهم، وفيه معنى آخر: ~~وهو أنهم يقولون: سيغفر لنا إذا استغفرنا عنها، وهم يستغفرون باللسان لا ~~بالقلب. # { وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه } [الأعراف: 169]؛ أي: ~~لم يمنعوا عن مثله بعد الاستغفار، بل يتعرضونه ولا يبالون به، { ألم ~~يؤخذ عليهم ميثق الكتب } [الأعراف: 169]؛ يعني: ألم ~~يكن من مقتضيات مواهب الحق والمواعظ والحكم والإلهامات الربانية، { أن ~~لا يقولوا على الله إلا الحق } [الأعراف: 169]؛ أي: لا ~~ينطقون بما لم يعقلوا ولا يفترون على الله، بل يقولون على الله ما هو ~~الحق، { ودرسوا ما فيه } [الأعراف: 169]؛ أي: قرءوا على أنفسهم ~~وعلى غيرهم ما هو الحق والحقيقة لتلك الكشوف الروحانية من خرجها بتسويلات ~~النفس والوساوس الشيطانية، { والدار الآخرة خير للذين ~~يتقون } [الأعراف: 169]؛ يعني: من حقائق تلك الكشوف، وإن الدار ~~الآخرة ونعيمها والسعادة المؤخرة فيها خير من الدنيا وما فيها للذين ~~يتقون بالله عما سواه، { أفلا تعقلون } [الأعراف: 169]؛ يعني: ~~النفوس التي تطلب الدنيا وشهواتها بالدين بعد أن يتمتعوا بمواهب الحق ~~بتبعية الأرواح والقلوب، { والذين يمسكون بالكتاب } ~~[الأعراف: 170]؛ يعني: النفوس المتمسكة ms0658 بتلك المواهب والكشوف والإلهامات. # { وأقاموا الصلاة } [الأعراف: 170]؛ أي: وأداموا على العبودية ~~والرجوع إلى الله والمناجاة معه، { إنا لا نضيع أجر ~~المصلحين } [الأعراف: 170]؛ أي: لا نضيع أجر النفوس القابلة لأنوار ~~الله تعالى مالها بالاقتباس من نور الله من الأرواح والقلوب، فإن النفوس ~~مع أماريتها بالسوء تصير باتباع الأرواح والقلوب وتزكيتها على وفق ~~الشريعة وقانون الطريقة صالحة لأنوار الله لفيضه ورحمته، ولهذا ذكر ~~النفوس بالمصلحين هاهنا، كما ذكر القلوب والأرواح ثمة بالصالحين حين قال ~~تعالى: { منهم الصالحون } [الأعراف: 168] وإنما قال لها ~~الصالحون؛ لأنها خلقت في أصل الخلقة صالحة لقبول فيض نور الله بالتربية ~~والتزكية والتخلية بعد أن لم تكن صالحة له، ولهذا قال تعالى: # ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * ~~قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها # [الشمس: 7-10]. ### || [7.171-174] # ثم أخبر عن طبيعة الإنسان إن وكل إليها بالخذلان بقوله تعالى: { وإذ ~~نتقنا الجبل فوقهم } [الأعراف: 171] يشير إلى أن الإنسان لو ~~وكل إلى نفسه وطبيعته لا يقبل شيئا من الأمور الدينية طبعا، ولا يحمل ~~أثقاله قطعا؛ إلا أن يعان على القبول والحمل، كما كان حال بني إسرائيل ~~لما أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة ويعملوا بها رفع الله على رأسهم جبلا، ~~{ وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا ~~أنه واقع بهم } [الأعراف: 171] فاضطروا إلى القبول، فكذلك ~~أرباب العناية رفع الله تعالى على رؤوسهم جبل رحمة، { كأنه ظلة ~~وظنوا أنه واقع بهم } إن لم يتوجهوا على الطلب ولم ~~يطلبوا أثقال المجاهدات والرياضيات؛ أي: لو وكلوا إلى أنفسهم ما حملوا، ~~وفي قوله تعالى: { خذوا مآ ءاتينكم بقوة } [الأعراف: 171] ~~إشارة إلى أن على رؤوس أهل الطلب جبل أمر الحق تعالى وهو أمر التحويل؛ ~~أي: يحولهم بالقدرة؛ أي: بأن يأخذوا ما آتاهم الله بقوة منه لا بقوتهم ~~وإرادتهم، { واذكروا ما فيه } [الأعراف: 171]؛ يعني: فيما أتاكم ~~الله من فضله، { لعلكم تتقون } [الأعراف: 171] عما سواه به. # ثم أخبر عن حال الإنسان أنه ما وكله إلى طبيعة طينته في أصل الخلقة، بل ~~ألزمه التوحيد في حال التجريد بقوله تعالى: ms0659 { وإذ أخذ ربك من ~~بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على ~~أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ أن ~~تقولوا } [الأعراف: 172] إلى قوله: { ولعلهم يرجعون } ~~[الأعراف: 174] يشير إلى أن أخذ المخلوقين يكون أخذ الشيء الموجود من ~~الشيء الموجود، وأن أخذ الخالق تارة هو أخذ الشيء المعدوم من العدم، ~~كقوله تعالى: # خلقتك من قبل ولم تك شيئا # [مريم: 9]، وتارة هو أخذ الشيء المعدوم من الشيء المعدوم، كقوله تعالى: ~~{ وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم } [الأعراف: 172] فكانوا معدومين، فأخذ من كمال قدرته ~~ذريتهم المعدومة إلى يوم القيامة من ظهورهم المعدومة من بني آدم ~~المعدومين، فأخذ الله تعالى تلك وأعطاهم وجودا مناسبا لتلك الحالة، ~~وإنا قوله تعالى: { وإذ أخذ ربك من بني ءادم } خص ~~النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب، وما قال: ربكم ليعلم أن في معنى ~~الآية دقة وغموض لا يطلع عليها غيره ومن أنعم الله به عليه من خواص ~~متابعيه. # { من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم }؛ أي: فاستخرج ~~الذريات المودعة في ظهور بني آدم عليه السلام من ذريته إلى يوم القيامة ~~من ظهر آدم عليه السلام وهو في العدم بعد، # ولم تك شيئا # [مريم: 9] فكان هذا الاستخراج قدميا، وآدم عليه السلام عدميا فتجلى ~~عليهم بالصفة الربوبية ورباهم بلا هم، فبوجوده جعل وجودهم وجودا هو ~~به؛ أي: أعطاهم شهودا هو به يشاهدون به بأنفسهم المعدومة، فكانوا يسمعون ~~الخطاب { ألست بربكم } [الأعراف: 172] من لسان حال التجلي، وبه ~~أجابوه: { قالوا بلى } [الأعراف: 172] أنت ربنا الذي أعطيتنا وجود ~~الأنانية ربانية به سمعنا كلامك وبه أجبنا خطابك، فالمسبحون منهم كانوا ~~على ثلاث طبقات: # السابقون وأصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة: # وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة # [النحل: 78] كما يناسب تلك الحالة، ثم نظر إلى السابقين بنظر المحبة ~~فجعلهم مستعدين لمحبته؛ كقوله تعالى: # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]، ونور سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم بأنوار المحبة، فلما قال: ~~{ ألست بربكم } فبالسمع المنور بنور المحبة سمعوا خطابه، ~~وبالأبصار المنورة شاهدوا جماله، وبالقلوب المنورة نظروا لقائه وفهموا ~~خطابه، فأجابوه بلسان المحبة شوقا وصدقا ms0660 وتعبدا ورقا وإيمانا حقا؛ ~~لاختصاصهم بنور المحبة، قالوا: بلى أنت ربنا ومحبوبنا ومعبودنا. # وأما أصحاب الميمنة: فإن لم يختصوا بنور المحبة فلم يبتلوا بنار ~~المحبة كما ابتلى بها أصحاب المشأمة، فسمعوا الخطاب بالسمع الرباني، ~~وأبصروا الشواهد بالأبصار الربانية؛ وفهموا تعريف الوحدانية بالقلوب ~~الربانية؛ فأجابوه بلسان الإيمان: { قالوا بلى } أنت ربنا ~~ومعبودنا. # وأما أصحاب المشأمة: فامتحنوا بإظهار العزة والعلا، وحجبوا برداء ~~الكبرياء، فسمعوا الخطاب من وراء الحجاب وعلى الأبصار غشاوة الاختيار ~~والقلوب في أكنة العزة عن الأغيار، فلم يسمعوه بسمع القبول والطاعة، ~~فأجابوه بلسان الإقرار بالاضطرار، وهم في دهشة الوقار ورعشة الافتقار. # وأما الاستخراج الفطري: فلما استخرج الله تعالى من ظهر آدم ذرات ~~بينة استخرج من ظهورهم ذرات ذرياتهم المودعة فيها إلى يوم القيامة، ~~والأرواح في تلك الحالة جنود مجندة في ثلاثة صفوف: # الصف الأول: أرواح السابقين. # والصف الثاني: أرواح أصحاب الميمنة. # والصف الثالث: أصحاب المشأمة. # وأما ذرات السابقين في الصف الأول: بحذا أرواحهم. # وذرات أصحاب الميمنة في الصف الثاني: بحذا أرواحهم. # وذرات أصحاب المشأمة في الصف الثالث: بحذا أرواحهم، فتنورت الذرات ~~بأنوار أرواحها وكسبت تلك الذرات الموجودة بالوجود الرباني لباس الوجود ~~الروحاني، وكسبت تلك السمع والأبصار والأفئدة الربانية لباسا روحانيا. # ثم خاطبهم الحق تعالى: { ألست بربكم } فسمع السابقون بسمع ~~روحاني رباني نوراني خطابه، وشاهدوا بأبصار روحانية ربانية نورانية ~~جماله، وأجابوا بأفئدة روحانية نورانية بنور المحبة لقائه، فأجابوه على ~~المحبة: { قالوا بلى } أنت ربنا المحبوب والمعبود، { شهدنآ } ~~[الأعراف: 172]؛ أي: شاهدنا محبوبيتك؛ فأخذوا مواثيقهم ألا يحبوا ولا ~~يعبدوا إلا إياه، وسمع أصحاب الميمنة بسمع روحاني خطابه، وطالعوا بأبصار ~~روحانية جلاله، وآمنوا بأفئدة ربانية بإلهيته، فأجابوه على العبودية: { ~~قالوا بلى } أنت ربنا المعبود و # سمعنا وأطعنا # [البقرة: 285]، فأخذ مواثيقهم # ألا تعبدوا إلا إياه # [الإسراء: 23]، وسمع أصحاب المشأمة خطابه بسمع روحاني من وراء حجاب ~~العزة، وفي آذانهم وقر العزة، وعلى أبصارهم غشاوة الشقاوة، وعلى أفئدتهم ~~ختم المحنة، فأجابوه على الكلفة: { قالوا بلى } أنت ربنا سمعا ~~كرها، فأخذ مواثيقهم على العبودية؛ فلهذا يرجع التفاوت بين ms0661 الخليقة في ~~الكفر والإيمان؛ أي: تفاوت الاستعدادات الروحانية والربانية، فافهم ~~جدا. # ثم اعلم أننا لا نجد الله تعالى ذكر أنه كل أحدا وهو بعد في العدم إلا ~~بني آدم، فإنه كلمهم وهم غير موجودين، فأجابوه وهم معدومون، فجرى بالجود ~~في الوجود ما جرى إلا الوجود، فهذا بدايتهم وإلى هذا ينتهي نهايتهم بأن ~~يكون الله تعالى هو سمعهم وأبصارهم وألسنتهم، كما قال تعالى: # " كنت له سمعا وبصرا ولسانا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق " # ، وإلى هذا أشار الجنيد - رحمه الله - حين سئل ما النهاية، وإنما أخذ ~~الله عنهم هذا الميثاق في هذه البداية. # { أن تقولوا يوم القيامة } [الأعراف: 172]؛ أي: لا تقولوا، ~~{ إنا كنا عن هذا غافلين } [الأعراف: 172]؛ أي: كما أغفل ~~عن هذه المرتبة البرية كلها، { أو تقولوا إنمآ أشرك ~~آباؤنا من قبل } [الأعراف: 173]؛ أي أشركوا بأن رضوا الأثنينية، ~~وما رجعوا إلى الوحدة بالفناء في الله، { وكنا ذرية من ~~بعدهم } [الأعراف: 173] مقتديا بهم؛ لأنا استخرجنا الذرية من ~~ظهور آبائهم لهذا الميثاق؛ لئلا يقولوا { أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون } [الأعراف: 173] الذي أبطلوا استعداد الرجوع إلى الوحدة، ~~{ وكذلك نفصل الآيات } [الأعراف: 174]؛ أي: نبينها، والآيات ~~تدلك على الرجوع إلى الله تعالى، { ولعلهم يرجعون } ~~[الأعراف: 174] بهذه الآيات التي شرحناها عن البداية إليها في النهاية ~~وهو مقام الوحدة تفهم إن شاء الله تعالى. ### || [7.175-179] # ثم أخبر عمن أبطل الاستعداد الفطري، وانسلخ من الآيات بقوله تعالى: { ~~واتل عليهم نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا ~~فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ~~} [الأعراف: 175] إلى قوله تعالى: { فأولئك هم الخاسرون } ~~[الأعراف: 178] الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: { واتل عليهم ~~نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ منها ~~فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين } الإشارة إلى من ~~خصه الله تعالى بآياته وهي: الكتاب والحكمة والكرامات والمعجزات، وهي ~~مخصوصة للأنبياء والأولياء، ثم وكله إلى نفسه فمن خاصته نفسه الأمارة ~~بالسوء أن تنسلخ منها بأن تميل إلى الدنيا وزخارفها وشهواتها، ويتبع ~~هواها في طلب المال والجاه والقبول والشهرة والرئاسة، فلما وقع فرغ ~~همته العلية عن ذكر طلب الحق ومحبته ms0662 أدركته؛ فغره الشيطان وجعله من ~~الهالكين الضالين عن الحق وطلبه؛ ليعلم أن المعصوم من عصمه الله تعالى، ~~كما قال - عز وجل - في يوسف عليه السلام: # ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ~~ربه # [يوسف: 24]، وفيه إشارة: إلى أن لا يأمن السالك المحق مكر الله ولو بلغ ~~أقصى مقامات الأنبياء والمرسلين، فلا يغلق على نفسه أبواب المجاهدات ~~والرياضات ومخالفات النفس وهواها في كل حال، كما كان حال النبي صلى الله ~~عليه وسلم والأئمة الراشدين والصحابة والتابعين وأئمة السلف والمشايخ ~~المتقدمين، ولا يفتح على نفسه أبواب التنعم والتمتع الدنيوي في المأكل ~~والمشرب والملبس والمنكح والمركب والمسكن؛ لأنه كما أن الله تعالى جعل في ~~مكان الغيب للسعداء ألطافا خفية مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر، وكذلك في مكامن الغيب للأشقياء أصنافا من البلايا خفية مما ~~لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فليحترز السالك الصادق بل ~~البالغ الواصل والكامل الحاذق أن يتعرض لتلك البلايا بالتوسع في الدنيا ~~والتبسط في الأحوال وتتبع الهوى. # فإن في قوله تعالى: { ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه ~~أخلد إلى الأرض واتبع هواه } [الأعراف: 176] إشارة إلى ~~أن الطالب الصادق وإن بلغ في سيره إلى الدرجة العليا والرتبة القصوى بحيث ~~يستحق الرفعة الإلهية؛ وهي عبارة عن: اجتذابه من الأنانية إلى الهوية ~~بالجذبات الربوبية، ثم يلتفت إلى ما سوى الحق، ويركن إلى شيء من الدنيا، ~~ويميل إليها، [فتأخذه] الغيرة الإلهية وتستدرجه إلى أسفل دركة يماثل فيها ~~الكلب، كما قال تعالى: { فمثله كمثل الكلب إن تحمل ~~عليه يلهث أو تتركه يلهث } [الأعراف: 176] يشير إلى أن ~~يصير بالاستدراج بحيث أن نصحته ووعظته ونبهته عن حاله لم يقبل النصح ولم ~~يتنبه، ويتسلك بالدعاوي ويتثبت بالأعداء ويقابلك بالإنكار ويسبك ~~بالإعراض، وإن تركته في بلد الأرض البشرية ويتبع دعاوي الهوى فلا يغترن ~~جاهل مغبون بأن اتباع الهوى لا يضره، فإن الله تعالى ما عذر الأنبياء عن ~~إتباع الهوى وأوعدهم بالضلال كقوله تعالى: # يداوود إنا جعلناك ms0663 خليفة في الأرض فاحكم بين ~~الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل ~~الله # [ص: 26]. # { ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا } ~~[الأعراف: 176]؛ أي: قوله: { كمثل الكلب } مثل قوم { الذين ~~كذبوا بآياتنا }؛ والتكذيب بالآيات: ترك العمل بها، أو الغرور ~~و[إنكار] ظهورها { فاقصص القصص } [الأعراف: 176] أخبرهم عن أحوال ~~المغرورين الممكورين، { لعلهم يتفكرون } [الأعراف: 176] في ~~أحوالهم ويحترزون عن أعمالهم، { سآء مثلا } [الأعراف: 177]؛ يعني: ~~ويعملون ساء مثلا، { القوم الذين كذبوا بآياتنا } ~~[الأعراف: 177]؛ لأن مثلهم { كمثل الكلب } ، { وأنفسهم ~~كانوا يظلمون } [الأعراف: 177] بأنهم نزلوا عن مرتبة الملكية إلى ~~الدركة الكلبية، ثم قال تعالى: { من يهد الله فهو المهتدي ~~} [الأعراف: 178]؛ يعني: من أدركته العناية، وحقيقة الهداية اليوم؛ لئلا ~~ينزل عن المراتب العلوية إلى المدارك السفلية فهو الذي أصابه رشاش النور ~~الذي رش عليهم من نوره، وقال صلى الله عليه وسلم: # " من أصابه ذلك النور اهتدى ومن أخطأ فقد ضل " # ، { ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون } [الأعراف: ~~178]؛ يعني: من خذله الله تعالى حتى اتبع هواه فأضله الهوى عن سبيل الله ~~فهم الذين أخطاهم ذلك النور ولم يصبهم فوقعوا في الضلالة والخسران. # ثم أخبر عن أمارات المخلوقين لأجل النار وصفات الكفار بقوله تعالى: { ~~ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس } ~~[الأعراف: 179] يشير إلى أن الله تعالى خلق الخلق أطوارا، خلق طورا ~~منها للقرب والمحبة؛ وهم: أهل الله وخاصته إظهارا للحسن والجمال، وكانوا ~~به يسمعون كلامه ويبصرون جماله، وبه يعرفون كماله، وخلق طورا منها للجنة ~~ونعيمها؛ وهم: أهل الجنة إظهارا للطف والرحمة، فجعل لهم قلوبا يفقهون ~~بها دلائل التوحيد والمعرفة، وأعينا يبصرون بها آيات الحق في الآفاق ~~والأنفس، وآذانا يسمعون بها خطاب الحق وكلامه ودعوة الأنبياء إلى الحق، ~~وخلق أطوارا منها للنار وحجبها؛ وهم: أهل النار إظهارا للقهر والعزة، ~~كما قال تعالى: { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من ~~الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها } [الأعراف: ~~179]؛ يعني: دلائل التوحيد والمعرفة. # { ولهم أعين لا يبصرون بها } [الأعراف: 179]؛ يعني: ~~آيات الحق، { ولهم آذان لا يسمعون بهآ } [الأعراف: 179]، ~~يعني: خطاب الحق بسمع القلوب، وفي الحقيقة ms0664 كان يوم الميثاق هذا القول ~~محجوبين عن شواهد بحجب الكبرياء والعزة فأثمرهم اليوم تلك البذر أثمار ~~صفات، { أولئك كالأنعام } [الأعراف: 179]؛ لأن الأنعام لا ~~يعرفون الله ليحبوه ويطلبوه فهم كذلك، { بل هم أضل } [الأعراف: ~~179]؛ لأنهم لم يكن للأنعام استعدادهم للمعرفة والطلب، وأنهم كانوا ~~مستعدين للمعرفة والطلب فأبطلوا الاستعداد الفطري للمعرفة والطلب بالركون ~~إلى شهوات الدنيا وزينتها وإتباع الهوى، فباعوا الآخرة بالأولى، والدين ~~بالدنيا، وتركوا طلب المولى فصاروا أضل من الأنعام لإفساد الاستعداد، { ~~أولئك هم الغافلون } [الأعراف: 179] عن الله وكمالات أهل ~~المعرفة والطلب وعزتهم. ### || [7.180-186] # ثم أخبر عن أسمائه الحسنى وصفاته العليا بقوله تعالى: { ولله ~~الأسمآء الحسنى } [الأعراف: 180] إلى قوله: { ~~سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } [الأعراف: 182] يشير ~~إلى أن اسم الله له بمثابة العلم للحق وهو: اسم ذاته تعالى، والباقي من ~~الأسماء هو أسماء الصفات؛ لأنه قال تبارك وتعالى: { ولله الأسمآء ~~الحسنى } فأضاف الأسماء إلى اسم الله، وأسماؤه كلها مشتقة من صفاته ~~إلا اسم " الله " فإنه غير مشتق عندنا وعند الأكثرين؛ لأنه اسم الذات، ~~وكما أن ذاته تبارك وتعالى غير مخلوقة من شيء كذلك اسمه غير مشتق من شيء، ~~فإن الأشياء غير مخلوقة وما اشتق من مخلوق فهو أيضا مخلوق، فأسماء صفاته ~~تعالى بعضها مشتق من الصفات الذاتية فهو غير مخلوق، وبعضها مشتق من صفات ~~الفعل فهو مخلوق؛ لأن صفات الذات: كالحياة والسمع والبصر والكلام والعلم ~~والقدرة والإرادة والبقاء قديمة غير مخلوقة، وذاته سبحانه تبارك وتعالى ~~في الأزل بها موصوفة، وصفات الفعل: كالخلق والرزق والعطاء والمنع وغيره ~~من صفات الفعل مخلوقة تضاف إليه عند الإيجاد، فلما أوجد الخلق وأعطاهم ~~الوزن سمي خالقا ورازقا، إلا أنه تعالى كان في الأزل قادرا على ~~الخالقية والرازقية، فقوله تعالى: { ولله الأسمآء الحسنى }؛ ~~أي: الصفات الحسنى. # { فادعوه بها } [الأعراف: 180]؛ أي: فادعوا الله بكل اسم مشتق من ~~صفة من صفاته، بأن تتصفوا وتتخلقوا بتلك الصفة كالاتصاف بها بالأعمال ~~والنيات الصالحة كصفة الخالقية، فإن الاتصاف بها أن تكون مناكحة للتوالد ~~والتناسل لخلافة الخالق، كما قيل لحكيم وهو يواقع زوجته: ms0665 ما تعمل؟ قال: ~~إن تم فإنسانا، والاتصاف بصفة الرازقية بأن: ينفق ما رزقه الله على ~~المحتاجين ولا يدخر منه شيئا فعلى هذا قس الباقي، وأما التخلق بها ~~فبالأحوال وذلك بتصفية مرآة القلب ومراقبته عن التعلق بما سوى الله ~~وبوجهه إليه؛ ليتجلى له بتلك الصفات فيتخلق بها وهذا تحقيق قوله: # " كنت له سمعا وبصرا فبي يسمع وبي يبصر ". # { وذروا الذين يلحدون في أسمآئه } [الأعراف: 180] ~~قال: يميلون صفاته؛ أي: لا يتصفون بها، وتسميته تعالى باسم لم يسم به ~~نفسه أيضا من الإلحاد، كما يسمونه الفلاسفة ب " العلة الأولى " و " ~~الموجب بالذات " يعنون به: أنه تعالى غير مختار في فعله وخلقة وإيجاده ~~تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، ومن وصفه لم يرد به النص فأيضا ~~إلحاد، { سيجزون ما كانوا يعملون } [الأعراف: 180] سيجزون ~~الخذلان؛ ليعلموا بالطبع والهوى { ما كانوا يعملون } بالإلحاد ~~في الأسماء والصفات فيكونوا # كالأنعام بل هم أضل # [الأعراف: 179]. # { وممن خلقنآ أمة يهدون بالحق } [الأعراف: 181]؛ ~~يعني: وزروا هؤلاء الملحدين في الأسماء فإنهم ضالون، وإنا خلقنا طائفة من ~~الخواص { يهدون بالحق }؛ أي: يتصفون بصفات الحق، { وبه ~~يعدلون } [الأعراف: 181]؛ أي: وبالحق يحكمون ويميلون إلى الأعمال ~~والأحوال والصفات والأخلاق، { والذين كذبوا بآيتنا } ~~[الأعراف: 182]؛ أي: لم يعملوا بها ولم يتصفوا بصفاتنا، يشير إلى: أحوال ~~أرباب الظواهر فإنهم يعملون بأعمال الشريعة ظاهرا ويستحقون بها المراتب ~~العلية، ولم يعملوا بأعمال بواطنها في عمارة الباطن، ليتصفوا بصفات الحق، ~~وإن تحصل لهم شيء من الأعمال الظاهرة والأحوال الباطنة يجعلونه وسيلة ~~وذريعة لتحصيل المقاصد الدنيوية من الجاه والمال والشهوات فهذا تكذيب ~~الآيات، { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } [الأعراف: ~~182] بأن نكلهم إلى أنفسهم وهواها؛ ليميلوا بالطبع عن الحق، ثم يفتح ~~عليهم أبواب ما يميل إليه هوى أنفسهم بالتدريج؛ ليندرجوا فيها ولا شعور ~~لهم بالانحطاط عن مراتبهم والتدرج من منازلهم، بل # يحسبون أنهم يحسنون صنعا # [الكهف: 104]، وهذا حقيقة قوله تعالى: { وأملي لهم إن كيدي ~~متين } [الأعراف: 183] في إملائهم وخذلانهم بأن ينزلوا إلى الدركات ~~وهم يحسبون أنهم يصعدون على الدرجات. # ثم أخبر عن بداية الهداية ms0666 أنها التفكر والتذكر بقوله تعالى: { أولم ~~يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير ~~مبين } [الأعراف: 184] إلى قوله { يعمهون } [الأعراف: 186] ~~الإشارة فيه: أن التفكر بالعقل السليم يورث النظر والاعتبار، فقوله ~~تعالى: { أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة } يدل ~~على أن العاقل لو يتفكر بالعقل السليم عن آفات الوهم والخيال والتقليد ~~والهوى في حال النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وسيرته فضلا عن ~~معجزاته؛ لتحقق عنده أنه النبي الصادق صلى الله عليه وسلم، وإنما يدعوه ~~إليه كل حق وصدق وأنه ينجوا بهذا التفكر من النار، كما أخبر تعالى عن حال ~~أهل النار بقوله تعالى: # وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير # [الملك: 10]. # وفي قوله { أولم ينظروا في ملكوت السموت ~~والأرض وما خلق الله من شيء } [الأعراف: 185] إشارة إلى ~~أن المكونات من نوعين: # نوع منها: ما خلق من غير شيء؛ وهو الملكوت الذي هو باطن الكون، والكون ~~به قائم بالقدرة كقوله تعالى: # فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء # [يس: 83]، ونوع منها: ما خلق من شيء؛ وهو الملك الذي ظاهر الكون، فكما ~~أن النظر في الملك بحس البصر فالنظر إلى الملكوت بالعقل والقلب، فنظر ~~أرباب العقول فيه يفيد رؤية الآيات والاستدلال بها إلى معرفة الخالق ~~وإثبات الصانع، ونظر أصحاب القلوب فيه يفيد شواهد الغيب، بالولوج فيه ~~يصير إيمانه إيقانا بل عيانا، كقوله تعالى: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض ~~وليكون من الموقنين # [الأنعام: 75]؛ ليكونوا مستدلين بنظر العقول أو الموقنين بنظر القلوب. # { وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } [الأعراف: ~~185]؛ يعني: إن شاهدوا بمطالعة الملكوت إنهم من الفانيات فعل أجل فنائهم ~~قد اقترب، فإن لم يؤمنوا بطريق النظر استدلالا ومشاهدة، { فبأي ~~حديث بعده يؤمنون } [الأعراف: 185]؛ يعني: والآجال قريبة ~~فيموتون عن الفكر، ثم قال تعالى: { من يضلل الله فلا هادي ~~له } [الأعراف: 186]؛ أي: من خذله الله لينظر في الملكوت بنظر العقل ~~والقلب يبقى على ضلالة البشرية وجهالة الإنسانية فلا هادي غير الله، ولا ~~يهديه الله، { ويذرهم في طغيانهم يعمهون } [الأعراف: ms0667 ~~186]؛ أي: ونذرهم في طغيانهم بالخذلان إلى طبيعتهم في العصيان يتيهون ~~بنعمة البصيرة ولا يرون حقا ولا يتركون باطلا. ### || [7.187-192] # ثم أخبر عن سؤالهم من سوء حالهم بقوله تعالى: { يسألونك عن ~~الساعة أيان مرسها } [الأعراف: 187] إلى قوله: { ~~يؤمنون } [الأعراف: 188] الإشارة فيها: أن الساعة عبارة عن: الساعة ~~التي يظهر الله تعالى فيها آثار الصفة القهارية؛ لإفناء عالم الصورة وهو ~~الملك ظاهر الكون كقوله تعالى: # لمن الملك اليوم # [غافر: 16] حين تطوى السماوات وتبدل الأرض ولا يبقى من الملك وأهله داع ~~ولا مجيب، فيجيب هو سبحانه ويقول: # لله الواحد القهار # [غافر: 16]، وفي قوله تعالى: { يسألونك عن الساعة أيان ~~مرسها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها ~~لوقتهآ إلا هو ثقلت في السموت والأرض } ~~[الأعراف: 187] دليل على أن للساعة ثقلا من ظهور صفة القهر يضيق منها ~~نطاق طاقة السماوات والأرض، وأنه مما استأثر الله به نفسه، وأنها هي ~~الساعة التي يموت فيها الخلق؛ لأنه يقول { لا تأتيكم إلا ~~بغتة }. # وفي قوله تعالى: { يسألونك كأنك حفي عنها } [الأعراف: ~~187] معنى آخر من الإخفاء: وهو المنع، منعت علمها عنهم، ومنه في حديث ~~خليفة كتبت إلى ابن عباس أن يكتب إلي ويخفي عني؛ أي: يمسك عني بعض ما ~~عنده مما لا أحتمله وعطس رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فوق ثلاث فقال ~~له: خفوت؛ أي: منعتنا أن نشمتك بعد الثلاثة، والخفو: المنع، فقال تعالى: ~~{ قل إنما علمها عند الله } [الأعراف: 187] لا عندي، { ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون } [الأعراف: 187] أن ~~علمها عند الله وليس عندك، يدل عليه قوله تعالى: { قل لا أملك ~~لنفسي نفعا ولا ضرا } [الأعراف: 188] بمشيئة حادثة، { إلا ~~ما شآء الله } [الأعراف: 188] في الأزل بمشيئة القديمة أن يكون لي ~~أو يملكني ما شاء لي تمليكه، { ولو كنت أعلم الغيب } ~~[الأعراف: 188]؛ يعني: ولو كنت كذلك، { لاستكثرت من الخير } ~~[الأعراف: 188] من الحياة الأبدية ورفع الحاجات البشرية والأحكام ~~الإلهية، { وما مسني السوء } [الأعراف: 188]؛ أي: الموت ~~والحاجات، { إن أنا إلا نذير } [الأعراف: 188] لمن كان حيا ~~بالحياة الحقيقية فيسمع كلامي وينتفع بإنذاري ms0668 فيؤثر ما يبقى علي ما يفنى، ~~{ وبشير } [الأعراف: 188] بما فضل الله به على خواص عباده من الدرجات ~~العلية المقامات السنية والكرامات والقربات، { لقوم يؤمنون } ~~[الأعراف: 188] بها والسعي في تحصيلها، فإن الإيمان الحقيقي هو: السعي في ~~طلب ما آمنوا به والإتيان بما أمروا به والانتهاء عما نهوا عنه. # ثم أخبر عن الذي عنده علم الساعة بقوله تعالى: { هو الذي ~~خلقكم من نفس واحدة } [الأعراف: 189] إلى قوله: # فلا تنظرون # [الأعراف: 195] والإشارة فيها: أن في قوله تعالى: { هو الذي ~~خلقكم من نفس واحدة }؛ تعريف نفسه بالخالقية والقادرية ~~على أنه يخلق النفوس كلها من نفس واحدة وهي: نفس آدم عليه السلام، وفيه ~~يشير إلى أن النفوس كما خلقت من نفس واحدة فكذلك الأرواح خلقت من روح ~~واحدة وهو: روح محمد صلى الله عليه وسلم، فكان هو أبا الأرواح كما كان ~~آدم أبا البشر لقوله صلى الله عليه وسلم: # " أنا لكم كالوالد لولده " # وقوله صلى الله عليه وسلم: # " أول ما خلق الله روحي " # فإن أول كل نوع هو المنشأ منه ذلك النوع من الحيوانات والنبات بقوله ~~تعالى: { وجعل منها زوجها ليسكن إليها } [الأعراف: ~~189] يشير إلى أن آدم عليه السلام لما خلق ونفخ فيه الروح كان روحه ~~مستوحشا من القلب الجسماني؛ لأنه كان أنيس الحق تعالى في حظائر القدس ~~بكذا ألف سنة؛ ولهذا سمي إنسانا، ثم ولد له من نفسه بالنفخة الإلهية ~~حواء، فلو لم يخلق حواء من نفسه لما سكن روحه إلى غير الحق، ومع هذا ما ~~كان ليسكن روحه وروحها إلى شيء حتى أمر بالسكون إلى الجنة ونعيمها ~~تأكيدا لمساكنة كل واحد منهما إلى الآخر بقوله تعالى: # وقلنا يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة # [البقرة: 35] وهذا أمر التكوين إلى سكون الروح إلى القلب؛ لأنه خلق منه؛ ~~ولأنه كان مخصوصا بين الأصبعين من أصابع الله تعالى، وكان الروح يشم من ~~القلب نسيم نفحات ألطاف الحق تعالى. # { فلما تغشاها } [الأعراف: 189]؛ أي: الروح القلب، { حملت ~~حملا خفيفا فمرت به } [الأعراف: 189]؛ أي: حمل القلب بالنفس ~~وصفاتها حملا خفيفا في ms0669 البداية بظهور أدنى أثر من أثار الصفات، خافا ~~على أنفسهما الروح والقلب من تبدل الصفات الروحانية الأخروية النورانية ~~بالصفات النفسانية الدنيوية الظلمانية، { دعوا الله ربهما ~~لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين } ~~[الأعراف: 189]. # { فلمآ آتاهما صالحا } [الأعراف: 190]؛ أي: نفسا قابلة ~~للعبودية، { جعلا له شركآء فيمآ آتاهما } [الأعراف: 190]؛ ~~أي: جعل الروح والقلب وجه النفس إلى الدنيا ونعيمها؛ ليقوم القالب بها؛ ~~ولقيامها صلاحا للعبودية، فلما استلذت النفس من الدنيا عبدتها وعبدت ما ~~فيها فصارت عبد البطن وعبد الخميصة وعبد الدرهم والدينار، { فتعالى ~~الله عما يشركون } [الأعراف: 190] بأن يجعلوه شريك الدنيا في ~~التعبد والعبودية، { أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم ~~يخلقون } [الأعراف: 191] يعني: الدنيا وما فيها، { ولا ~~يستطيعون لهم نصرا } [الأعراف: 192]؛ أي: لا يستطيع الدنيا ~~وما فيها للروح والقلب والنفس تقوية وتربية إلا بالله تعالى، { ولآ ~~أنفسهم ينصرون } [الأعراف: 192] للبقاء والدوام. ### || [7.193-197] # { وإن تدعوهم } [الأعراف: 193] يعني: الروح والنفس والقلب، { ~~إلى الهدى } [الأعراف: 193]؛ أي: طلب الحق، { لا يتبعوكم } ~~[الأعراف: 193] بحولهم وقوتهم، { سوآء عليكم أدعوتموهم ~~أم أنتم صمتون } [الأعراف: 193] فإنهم لا يهتدون بدعائكم إلا ~~بدعاء الله؛ لقوله تعالى: # والله يدعوا إلى دار السلام # [يونس: 25]. # { إن الذين تدعون من دون الله } [الأعراف: 194]؛ أي: ~~تعبدوا من الدنيا وما فيها، { عباد أمثالكم } [الأعراف: 194] ~~محتاجون كما تحتاجون، { فادعوهم } [الأعراف: 194] في حاجاتكم، { ~~فليستجيبوا لكم } [الأعراف: 194] بقضاء حاجاتكم ونجاتكم من ~~النار، { إن كنتم صادقين } [الأعراف: 194] أن للدنيا وما فيها ~~منفعة أو مضرة بنفسها بل الله الضار النافع، { ألهم أرجل ~~يمشون بهآ } [الأعراف: 195] إلى أحد باختيارهم فيعينوه، { أم ~~لهم أيد يبطشون بهآ } [الأعراف: 195] من أحد شيئا فيغفروه، ~~{ أم لهم أعين يبصرون بهآ } [الأعراف: 195] حال أحد أو ~~فساد حاله، { أم لهم آذان يسمعون بها } [الأعراف: 195] ~~استدعاء أحد أو التماساته، { قل ادعوا شركآءكم } [الأعراف: ~~195] يا روح ويا قلب، وبالنفس من الدنيا وما فيها، { ثم كيدون } ~~[الأعراف: 195]؛ أي: أجمعوا إلى كيدكم، { فلا تنظرون } [الأعراف: ~~195] ولا تمهلون، فإنكم لا تملكون نفعا ولا ضرا. # ثم أخبر عن الولاية في الخير والشر أنها لله تعالى بقوله تعالى: { إن ~~وليي ms0670 الله الذي نزل الكتاب } [الأعراف: 196] إلى ~~قوله: # سميع عليم # [الأعراف: 200] الإشارة فيها: أن عقب قوله: { إن وليي الله ~~الذي نزل الكتاب } يشير إن حافظي وناصري هو: الله الذي نزل ~~الكتاب قوله تعالى: # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67]، { وهو يتولى الصالحين } [الأعراف: 196] فإن ~~بتوليته إياهم وإعانته لهم يعملون الصالحات، ولو وكلهم إلى أنفسهم كانوا ~~يعملون السيئات، # إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي # [يوسف: 53]. # { والذين تدعون من دونه } [الأعراف: 197]؛ أي: تعبدون من ~~دون الله من الدنيا والهوى والشيطان والخلق، { لا يستطيعون ~~نصركم ولا أنفسهم ينصرون } [الأعراف: 197] إلا بالله؛ ~~لأنه # وما النصر إلا من عند الله # [آل عمران: 126]، كقوله تعالى: # إن ينصركم الله فلا غالب لكم # [آل عمران: 160]. ### || [7.198-203] # { وإن تدعوهم إلى الهدى } [الأعراف: 198]؛ يعني: النفوس ~~المتمردة وأهلها، { لا يسمعوا } [الأعراف: 198] بأذان القلوب وسمع ~~القلوب؛ لأنهم # صم بكم عمي # [البقرة: 18]، { وترهم ينظرون إليك } [الأعراف: 198] إليك ~~بالخواص الظاهرة، { وهم لا يبصرون } [الأعراف: 198] بنور ~~البصيرة أنوار نبوتك ورسالتك وما أعطاك الله من الفضل العظيم والمقام ~~الكريم. # { خذ العفو } [الأعراف: 199]؛ أي: تخلق بخلق الله، فإن العفو من ~~أخلاقه تبارك وتعالى، { وأمر بالعرف } [الأعراف: 199]؛ أي: ~~بالمعروف وهو: طلب الحق تعالى لا في معروف العارفين، { وأعرض عن ~~الجاهلين } [الأعراف: 199] عن كل ما يدعوهم إلى غير الله وعمن يطلب ~~ما سوى الله، فإن الجاهل هو الذي لا يعرف الله ولا يطلبه، والعالم يعرف ~~الله ويطلبه، { وإما ينزغنك من الشيطن نزغ } ~~[الأعراف: 200] في طلب غير الله تعالى، { فاستعذ بالله } ~~[الأعراف: 200] من غير الله بأن تفر إلى الله وتترك ما سواه، { إنه ~~سميع } [الأعراف: 200] يسمع القبول والإجابة لما تدعوه إليه، { ~~عليم } [الأعراف: 200]؛ أي: ينفعك وما يضرك فيسمع بما لا ينفعك ولا ما ~~يضرك. # ثم أخبر عن أحوال الأتقياء والأشقياء بقوله تعالى: { إن الذين ~~اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان } [الأعراف: 201] ~~إلى قوله: { لقوم يؤمنون } [الأعراف: 203] الإشارة فيها: أن ~~الذين اتقوا هم: أرباب القلوب، والتقوى من شأن القلب، كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " التقوى هنا " # أشار إلى صدره والتقوى ms0671 نور يبصرون به الحق حقا والباطل باطلا، لهذا ~~قال تعالى: { إذا مسهم طائف من الشيطان }؛ أي: إذا مس ~~طائف خيال القلب النقي نوع طيف من عمل الشيطان يراه القلب بنور التقوى ~~ويعرفه، فيتذكر أنه يفسده ويكدر صفاءه ويقسيه فيجتنبه ويحترز منه فذلك ~~قوله تعالى: { تذكروا فإذا هم مبصرون } [الأعراف: 201]. # { وإخوانهم يمدونهم في الغي } [الأعراف: 202]؛ يعني: ~~النفوس إخوان القلوب، فإن النفس والقلب توأمان ولدا من ازدواج الروح ~~والقالب يمد النفس في الطاعة، ولولا ذلك ما صدرت من النفس طاعة؛ لأنه ~~جبلت على الأمارية بالسوء، والنفس تمد القلب في الغواية والضلالة، ولولا ~~ذلك لما صدر من القلب معصية؛ لأنه جبلت على الاطمئنان بذكر الله تعالى ~~وطاعته، { ثم لا يقصرون } [الأعراف: 202] لا يسأم كل واحد من ~~فضلها ولا يدع ما جبل عليه؛ لئلا يأمن أرباب القلوب من كيد النفوس، ولا ~~يقنط أرباب النفوس المسرفين على أنفسهم من رحمة الله في إصلاح أحوال ~~قلوبهم، { وإذا لم تأتهم بآية } [الأعراف: 203]؛ يعني: لم ~~تأت القلوب بآية من الله؛ لتعجز النفوس عن تكذيبه، { قالوا } ~~[الأعراف: 203]؛ يعني: النفوس للقلب، { لولا اجتبيتها } ~~[الأعراف: 203] هلا أخلقتها من خاصية قلبيك لتزكية النفوس، { قل ~~إنمآ أتبع ما يوحى إلي من ربي } [الأعراف: 203]؛ ~~يعني: إنما أتبع إلهام الحق تعالى فلا أقدر على تزكية النفوس إلا بقوة ~~الإلهام الرباني، { هذا بصآئر من ربكم } [الأعراف: 203]؛ ~~يعني: هذا الإلهام وقوته واردات ربانية ترد على القلوب فتعجز النفوس عن ~~تكذيبها فيها تتقوى القلوب على تزكية النفوس، وذلك { وهدى } [الأعراف: ~~203] من الله تعالى، { ورحمة لقوم يؤمنون } [الأعراف: ~~203] يصدقون أن القلب مهبط واردات الحق ومهبط أنوار أسراره. ### || [7.204-206] # ثم أخبر عن دأب القلوب في اجتلاب إلهامات الغيوب بقوله تعالى: { وإذا ~~قرىء القرآن فاستمعوا له } [الأعراف: 204] إلى آخر السورة ~~الإشارة فيها: أن الإنصات شرط في حسن الاستماع، وحسن الاستماع شرط في ~~الأسماع، فقال تعالى: { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا } [الأعراف: 204] بلسانكم الظاهر؛ لتسمعوا له بأذانكم ~~الظاهرة { وأنصتوا } بألسنتكم الباطنة؛ لتسمعوا بآذانكم الباطنة، { ~~لعلكم ترحمون } [الأعراف: 204] بالاستماع بالسمع الحقيقي، وهو ms0672 ~~قوله تعالى: # " كنت له سمعا بي يسمع " # ، فمن سمع القرآن بسمع بارئه فقد سمع من قارئه، وهذا سر # الرحمن * علم القرآن # [الرحمن: 1-2]، فهو مستعد لخطاب، { واذكر ربك } [الأعراف: 205] ~~بالأفعال والأخلاق والذات، { في نفسك } [الأعراف: 205] بأن تبدل ~~أفعال نفسك بالأعمال التي أمر الله بها، وتبدل أخلاقها بأخلاق الله تعالى ~~وتفني ذاتها في ذات الله، وهذا كما قال الله تعالى: # " وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي " # وهو سر قوله تعالى: # فاذكروني أذكركم # [البقرة: 152]، ألا ترى أن الفراش لما ذكر الشمعة في نفسه بإفناء ذاته ~~في ذاتها كيف ذكر الشمعة في نفسه بإبقائها ببقائه على أن تلك الحضرة ~~منزهة عن المثل والمثال، قوله تعالى: { تضرعا وخيفة ودون ~~الجهر من القول } [الأعراف: 205] التضرع: من باب التكلف: # بداية هذا الذكر: بتبديل أفعال النفس بأعمال الشريعة يكون بالتكليف ~~ظاهرا، ووسطه: بالتخلق بأخلاق الله بآداب الطريقة يكون مخفيا باطنا، ~~ونهايته: بإفناء ذاتها في ذاته بأنوار الحقيقة يكون منهيا عن جهر القول، ~~وهذا حقيقة قوله صلى الله عليه وسلم: # " إفشاء سر الربوبية كفر ". # قوله تعالى: { بالغدو والآصال } [الأعراف: 205] يشير إلى: غدو ~~الأزل وآصال الأبد، فإن الذاكر الحقيقي هو: المذكور الحقيقي، والذاكر ~~والمذكور في الحقيقة هو: الله الأزلي الأبدي؛ لأنه تعالى قال في الأزل: # فاذكروني أذكركم # [البقرة: 152] ففي الأزل خاطبهم وكان هو الذاكر والمذكور على الحقيقة، ~~على أنا نقول: ما ذكره إلا هو، وهذا حقيقة قول يوسف ابن الحسين الرازي: ~~ما قال أحد الله إلا الله تعالى، ولهذا قال تعالى: { ولا تكن من ~~الغافلين } [الأعراف: 205] الذين لا يعلمون أن الذاكر والمذكور هو: ~~الله تعالى في الحقيقة. # ثم قال تعالى: { إن الذين عند ربك } [الأعراف: 206]؛ يعني: ~~الذين أفنوا أفعالهم وأخلاقهم وذواتهم في أوامر الله وأخلاقه وذاته، فما ~~بقوا عند أنفسهم وإنما بقوا ببقاء الله عنده، { لا يستكبرون عن ~~عبادته } [الأعراف: 206]؛ لأن الاستكبار من أخلاقهم وقد أفنوها في ~~أخلاقه، فما بقي لهم الاستكبار فكيف يستكبرون عن عبادته وقد أفنوا ~~أفعالهم في أوامر الله وهي عبادته، فأعمالهم قائمة بالعبادة لا ms0673 بالفعل، ~~وهم في حال الفناء عن أنفسهم والبقاء بالله، { ويسبحونه } ~~[الأعراف: 206] ينزهونه عن الحلول والاتصال والإتحاد، وعن أن يكون هو ~~العبد أو العبد إياه؛ بل هو كما كان في الأزل # لم يكن شيئا مذكورا # [الإنسان: 1]. # { وله يسجدون } [الأعراف: 206] في الوجود والعدم من الأزل إلى ~~الأبد، سجدوا له من الأزل في العدم منقادين مسخرين لأحكام القدرة في جادة ~~الوجود، وسجدوا له إلى الأبد في الوجود ببذل الموجود منقادين لقربه ~~قائمين لأحكام القدرة في تصاريف الإعدام والإيجاد والإفناء والإبقاء. ### | [8 - سورة الأنفال] ### || [8.1-5] # { يسألونك عن الأنفال } [الأنفال: 1] إلى قوله: { ورزق ~~كريم } [الأنفال: 4] يشير إلى أن كثرة السؤال توجب الهلاك، ولهذا # " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة ~~المال " # ، فلما أكثروا السؤال، قال صلى الله عليه وسلم: # " ذروني ما تركتكم، فإنه أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على ~~أنبيائهم " # ومن كثرة سؤالهم قوله تعالى: { يسألونك عن الأنفال } وإنما ~~سألوه لتكون الأنفال لهم فقال على خلاف ما تمنوا. # { قل الأنفال لله والرسول } [الأنفال: 1] يعملا فيها ما ~~شاءا لا كما شئتم؛ لتتأدبوا ولا تعترضوا على الله والرسول بطريق السؤال، ~~وتكونوا مستسلمين لأحكامهما في دينكم ودنياكم، ولا تحرصوا على الدنيا؛ ~~لئلا تشوبوا أعمالكم الدينية بالأعراض الدنيوية { فاتقوا الله ~~وأصلحوا ذات بينكم } [الأنفال: 1] أي اتقوا بالله عن غير ~~الله وأصلحوا ما بينكم من الأخلاق الرديئة والهمم الدنيئة، وهي الحرص على ~~الدنيا والحسد على الإخوان وغيرهما من الصفات الذميمة التي يحجب بها نور ~~الإيمان عن القلوب { وأطيعوا الله ورسوله } [الأنفال: 1] ~~بالتسليم لأحكامهما والائتمار بأوامرهما والانتهاء عن نواهيهما { إن ~~كنتم مؤمنين } [الأنفال: 1] تحقيقا لا تقليدا، فإن المؤمن ~~الحقيقي هو الذي كتب الله بقلم العناية في قلبه الإيمان وأيده بروح منه ~~فهو على نور من ربه. # كما وصفه الله تعالى بقوله: { إنما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم } [الأنفال: 2] فإن دخل القلوب عند ~~سماع ذكر الله من خصوصيته النور المنبسط فيه؛ لأنه من شأن نور الإيمان أن ~~ينقي القلب ويصفيه عن كدورات صفات ms0674 النفس وظلمتها، ويلين قسوته فيلين إلى ~~ذكر الله فيجد شوقا إلى الله، وهذا حال أهل البدايات، وأما أهل ~~النهايات الطمأنينة والسكون بالذكر؛ لقوله تعالى: # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا ~~بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد: 28]. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " أحب القلوب إلى الله أصلبها في دين الله، وأصفاها عن الذنوب، وأرقها ~~على الإخوان " # ، ولما جاء قوم حديثو العهد بالإسلام فسمعوا القرآن كانوا يبكون ~~ويتأوهون، فقال أبو بكر رضي الله عنه: هكذا كنا في بداية الإسلام، ثم قست ~~قلوبنا. # { وإذا تليت عليهم ءايته زادتهم إيمنا } ~~[الأنفال: 2] فجعل من شرط الإيمان الحاصل في القلوب: ازدياده عند سماع ~~القرآن وتلاوته، وذكر الله وطاعته وعبادته؛ وذلك لأن الإيمان الحقيقي هو ~~النور الواقع في القلوب بعد انفتاح روزنة القلوب من أنوار تجلي شموس صفات ~~مالك يوم الدين للقلوب المشتاقة، فتكون وجوه القلوب النافرة من دنس حب ~~الدنيا بذلك النور إلى ربها وحبيبها ناظرة، فلما تليت على أصحابها ~~الآيات، أو تلوها، أو ذكروا بالله، أو ذكروه، أو عملوا عملا صالحا زاد ~~انفتاح روزنتها بقدر صدقها وشوقها، فيزيد فيها نور الإيمان فيزدادون ~~إيمانا مع إيمانهم. # { وعلى ربهم يتوكلون } [الأنفال: 2] يعني: فحينئذ على ~~ربهم يتوكلون لا على الدنيا وأهلها، فإن من شاهد بنور الإيمان جمال الحق ~~وجلاله، فقد استغرق في بحر لجي من شهود الحق بحيث لا مستغرق لغيره، ويرى ~~الأشياء مضمحلة تحت سطوات جلاله فيكون توكله عليه لا على غيره. # ومن صفاتهم أنهم { الذين يقيمون الصلاة } [الأنفال: 3] أي: ~~يديمونها بملازمة العبودية ظاهرا وباطنا، ولا يشتغلون بطلب الدنيا وإن ~~كانت حاجتهم، قائمة بها لإدامة الصلاة، { ومما رزقناهم ~~ينفقون } [الأنفال: 3] أي: ومما أعطيناهم من غير طلبهم يصرفون في ~~مصالح الدين وحراثة الآخرة وتقربا إلى الله تعالى، { أولئك هم ~~المؤمنون حقا } [الأنفال: 4] لاستكمال شرائط الإيمان فيهم ~~بالتحقيق لا بالتقليد، ووقوع نور الحق في قلوبهم، وتهون ظلمة الباطل ~~عنها، { لهم درجات عند ربهم } [الأنفال: 4] على قدر ~~استعلاء ذلك النور وتمكنهم في مقام العندية، { ومغفرة } [الأنفال: ~~4] أي: عطف من عواطفه ms0675 يستر بنوره ظلمة وجودهم، { ورزق كريم } ~~[الأنفال: 4] أي: عطاء كريم يناسب كرمه. # ثم أخبر عن تحقيق هذا لنبيه بقوله تعالى: { كمآ أخرجك ربك ~~من بيتك بالحق } [الأنفال: 5] إلى قوله: # إن الله عزيز حكيم # [الأنفال: 10] الإشارة فيها أنه تعالى أخرج المؤمنين الذين هم المؤمنون ~~حقا عن أوطان البشرية إلى مقام العندية بجذبات العناية، { كمآ ~~أخرجك ربك من بيتك } [الأنفال: 5] أي: من وطن وجودك { ~~بالحق } أي: بمجيء الحق من تجلي صفات جماله وجلاله. # { وإن فريقا من المؤمنين } [الأنفال: 5] أي: القلب ~~والروح، { لكارهون } [الأنفال: 5] يعني: للفناء من التجلي، فإن ~~البقاء محبوب والفناء مكروه على كل ذي جود. ### || [8.6-11] # { يجادلونك } [الأنفال: 6] الروح والقلب، { في الحق } ~~[الأنفال: 6] أي: في مجيء الحق، { بعد ما تبين كأنما ~~يساقون إلى الموت وهم ينظرون } [الأنفال: 6] الفناء كمن ~~يساق إلى الموت، { وإذ يعدكم الله } [الأنفال: 7] أيها ~~السائرون إلى الله، { إحدى الطآئفتين أنها لكم } ~~[الأنفال: 7] إما الظفر بالأعداء وهي النفوس، فإن الظفر بها نهاية ~~إقدام الرجال السائرين، وعزيز الواردات الروحانية وغنائم الأسرار ~~الربانية. # { وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم } ~~[الأنفال: 7] أي: أردتم ألا تجاهدوا عدو النفس ذات المكر والحيلة ~~والهوى، واستحليتم الواردات والشواهد الغيبية وذلك أن السير قسمان: سير ~~السالكين على أقدام الطاعات وتبديل الصفات النفسانية إلى جنات الروحانية، ~~وسير المجذوبين على أجنحة عنقاء الجذبات إلى وراء قاف الأنانية، ألا ترى ~~إلى حال موسى عليه السلام أنه لما كان من السالكين كان سيره إلى ميقات ~~ربه قال تعالى: # ولما جآء موسى لميقاتنا # [الأعراف: 143]، وكان مقامه مع الله المكالمة؛ إذ لم يجاوز طور النفس، ~~ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم لما كان من المجذوبين كان سيره على جناح ~~جبريل عليه السلام إلى سدرة المنتهى ومنها على رفرف الجذبة الإلهية إلى ~~قاب قوسين أو أدنى فكان مقامه مع الله المشاهدة لما جاوز عن قاف ~~الأنانية، فمن العناية ألا يكل الله السائر إلى ما يوافق طبعه وهواه؛ ~~بل يخرجه من ظلمات الطبيعة إلى نور الحقيقة، كما قال تعالى: { ويريد ~~الله أن يحق الحق ms0676 بكلماته } [الأنفال: 7] بجذباته. # { ويقطع دابر الكافرين } [الأنفال: 7] يعني: يقطع بمجيء ~~الحق دابر كفار النفوس عن المجذوبين، { ليحق الحق } [الأنفال: ~~8] بالمجيء، { ويبطل الباطل } [الأنفال: 8] بالزهوق عند مجيء ~~الحق، { ولو كره المجرمون } [الأنفال: 8] أي: النفوس الأمارة ~~بالسوء، { إذ تستغيثون ربكم } [الأنفال: 9] يعني: عند ~~استغاثة الروح والقلب من النفوس إلى الله عند استيلاء صفاتها وغلبة هواها ~~على الروح والقلب. # { فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من ~~الملائكة } [الأنفال: 9] أي: ألف صفة من الصفات الملكية ~~والروحانية، { مردفين } [الأنفال: 9] متعاقبين؛ لتكون صفات النفس ~~بها مغلوبة، { وما جعله الله } [الأنفال: 10] يعني: هذا ~~الإمداد، { إلا بشرى } [الأنفال: 10] أي: إلا بشهادة لكم بتبديل ~~الأخلاق. # { ولتطمئن به } [الأنفال: 10] أي: بهذا التبديل، { ~~قلوبكم } [الأنفال: 10] وتتحقق عندكم النتائج من أمارات النصر ~~والظفر بالنفوس، { وما النصر } [الأنفال: 10] الحقيقي الذي هو ~~الظفر بالنفس وهلاكها واضمحلال صفاتها، { إلا من عند الله } ~~[الأنفال: 10] يعني: بتجلي صفة القهارية، { إن الله عزيز } ~~[الأنفال: 10] لا يوصل إلا بعد فناء الوجود، { حكيم } [الأنفال: 10] ~~بمن يفنيه عنه ويبقيه به. # ثم أخبر عن آثار لطفه مع الأخيار وأثار قهره مع الأشرار بقوله تعالى: { ~~إذ يغشيكم النعاس أمنة منه } [الأنفال: 11] إلى ~~قوله: # وأن للكافرين عذاب النار # [الأنفال: 14] يشير إلى: النعاس في المعركة عند مواجهة العدو وقتاله ~~والأمن منه بدل الخوف، إنما هو من تقليب الحال إلى ضده بأمر التكوين. # كما قال تعالى للنار: # ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء: 69] فكانت كذلك، قال للخوف: كن أمنا على محمد وأصحابه فكان، ~~{ وينزل عليكم من السمآء مآء } [الأنفال: 11] يعني: من ~~سماء الروحانية ماء الإلهام الرباني، { ليطهركم به } ~~[الأنفال: 11] من دنس الصفات النفسانية والحيوانية، { ويذهب عنكم ~~رجز الشيطان } [الأنفال: 11] أي: وساوسه وهواجسه، { وليربط ~~على قلوبكم } [الأنفال: 11] بالصدق والإخلاص والمحبة والتوكل ~~واليقين، { ويثبت به الأقدام } [الأنفال: 11] على استقامة ~~الطلب. ### || [8.12-16] # { إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم ~~فثبتوا الذين آمنوا } [الأنفال: 12] أني معكم في تثبيتهم ~~يعني: التثبيت من الله لا من غيره نظيره قوله تعالى: # يثبت الله الذين آمنوا # [ابراهيم: 27]. # { سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب } [الأنفال: ms0677 12] ~~يشير إلى تثبيت المؤمنين، وإلقاء الرعب في قلوب الكافرين وكل خير وشر منه ~~سبحانه، قوله تعالى: { فاضربوا فوق الأعناق واضربوا ~~منهم كل بنان } [الأنفال: 12] هذا كله وأمثاله منه تعليما ~~وتقديرا وتيسيرا. # { ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله } [الأنفال: 13] ~~أي: إلقاء الرعب في قلوب الكافرين، وضرب أعناقهم بأنهم شاقوا الله ورسوله ~~أي: خالفوهما وتركوا رضاءهما واتبعوا الهوى. يشير إلى أن كل سعادة وشقاوة ~~تحصل للعبد في الدنيا والآخرة يكون للعبد فيه مدخل بالكسب موجب لذلك، دل ~~عليه قوله تعالى: { ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله ~~شديد العقاب } [الأنفال: 13] أي: من شدة عقاب أنهم شاقوا الله ~~ورسوله يعني: سبق منهم ما عاقبهم الله بالمشاقة. # { ذلكم فذوقوه } [الأنفال: 14] أي: ذوقوا العاجل منه صورة ~~ومعنى، أما صورة: فبالقتل والأسر والمصائب والمكروهات، وأما معنى: ~~فبالبعد والطرد عن الحضرة، وتراكم الحجب، وموت القلب، وعمى البصيرة، وضعف ~~الروح، وقوة النفس، واستيلاء صفاتها وغلبة هواها وما يبعده عن الحق ~~ويقربه إلى الباطل، { وأن للكافرين } [الأنفال: 14] في الآخرة، ~~{ عذاب النار } [الأنفال: 14] عذاب نار القطيعة والحرمان. # ثم أخبر عن آداب القتال مع الكفار بقوله تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا ~~تولوهم الأدبار } [الأنفال: 15] الإشارة فيها: { يأيها ~~الذين آمنوا } القلوب المؤمنة، { إذا لقيتم } كفار النفوس ~~وصفاتها، { فلا تولوهم الأدبار } أي: لا تنهزموا من سطوات ~~النفوس وغلبات صفاتها فتقعوا عن صراط مستقيم الطلب، وتستولي النفوس، ~~وتنكسر القلوب وتضمحل صفاتها عند استيلاء صفات النفوس فتهلك القلوب، بل ~~اثبتوا بالصبر عند صدمات النفوس فإن الصبر عند الصدمة الأولى، { ومن ~~يولهم يومئذ دبره } [الأنفال: 16] ومن ينهزم من القلوب عن ~~النفوس يوم استيلائها وغلبات صفاتها. # { إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة } ~~[الأنفال: 16] يعني: إلا قلبا ينحرف لتهيئوا أسباب القتال مع النفس، أو ~~راجعا إلى الاستمداد من الروح وصفاته، أو إلى ولاية الشيخ يستمد منها، ~~أو إلى الحضرة الربانية مستمدا في قمع النفس وقهرها بطريق المجاهدة ~~والرياضة؛ لتنكسر غلبات صفات النفس، وتنطفئ ثورتها فيظهر شواهدها القلوب ~~فيها بالتقوى، فإن المجاهدات تورث المشاهدات، وأما ms0678 { فقد بآء ~~بغضب من الله } [الأنفال: 16] يعني: بطرد وإبعاد منه، { ~~ومأواه جهنم } [الأنفال: 16] البعد عن الحضرة ونار القطيعة، { ~~وبئس المصير } [الأنفال: 16] أي: بئس المرجع والميعاد. ### || [8.17-21] # ثم أخبر عن إحسانه مع أهل الإيمان والعرفان بقوله تعالى: { فلم ~~تقتلوهم ولكن الله قتلهم } [الأنفال: 17] نفى عن ~~الصحابة القتل بالكلية، وأحال القتل إلى نفسه تعالى بقوله: { ولكن ~~الله قتلهم }؛ لأنه تعالى كان مسبب أسباب القتل من إمداد ~~الملائكة، وإلقاء الرعب في قلوب الكفار، وتقوية قلوب المؤمنين بتثبيت ~~أقدامهم، وإذهاب رجز الشيطان عنهم، وربط الصبر على قلوبهم، فالفعل يحال ~~إلى السبب والمسبب كقولهم: القلم يكتب مليحا، وهو السبب، والكاتب يكتب ~~مليحا، وهو المسبب للكتابة. # وقال تعالى: { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ~~} [الأنفال: 17] نفى الرمي عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: { وما ~~رميت } [الأنفال: 17] ثم أثبت له الرمي بقوله: إذ رميت، ثم نفى عنه ~~بقوله: { ولكن الله رمى } أثبت الرمي لنفسه تعالى، والفرق ~~فيما بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الصاحبة نفي القتل عن الصحابة ~~بالكلية، وأحاله إلى نفسه تعالى فجعلهم سببا للقتل وهو المسبب، وهاهنا ~~ما نفى الرمي عن النبي صلى الله عليه وسلم بالكلية؛ بل أسند إليه الرمي ~~ولكن نفى وجوده بالكلية في الرمي وأثبته لنفسه، وما رميت بك إذ رميت ولكن ~~رميت بالله وذلك في مقام التجلي، فإذا تجلى الله لعبد بصفة من صفاته يظهر ~~على العبد منه فعل يناسب تلك الصفة كما كان من حال عيسى عليه السلام، ~~فلما تجلى له بصفات الإحياء كان يحيي الموتى بإذنه أي: به، وهذا كقوله ~~تعالى: # " كنت له سمعا وبصرا... " # الحديث، فلما تجلى للنبي صلى الله عليه وسلم بصفة القدرة كان يرمي به ~~حين رمى وكان يده يد الله في ذلك لما كشف الغطاء عن هذه الحقيقة في ~~قوله تعالى: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد ~~الله فوق أيديهم # [الفتح: 10]. # ثم أخبر الله تعالى: { وليبلي المؤمنين منه بلاء ~~حسنا } [الأنفال: 17] أي: لينعم عليهم مما جرى على النبي صلى الله ~~عليه ms0679 وسلم من إظهار القدرة بالرمي بأن يهديهم إلى هذا المقام الكريم، ~~فيجتهدوا في متابعته إلى أن يبلغوا هذا المقام إذ لهم في رسول الله أسوة ~~حسنة، { إن الله سميع } [الأنفال: 17] أي: مجيب لدعائهم عند طلب ~~هذا المقام، { عليم } [الأنفال: 17] بنياتهم فيما يطلبون منه. # { ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين } [الأنفال: ~~18] أي: ذلك الإبلاء مما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم بالله وقدرته؛ ~~ليعلموا أن الله مضعف مبطل يد كفار النفوس واستيلاء صفاتها بالتجلي، ثم ~~قال تعالى: { إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح } ~~[الأنفال: 19] أي: إن تفتحوا قلوبكم بمفتاح الصدق والإخلاص وترك ما سوى ~~الله في طلب التجلي فقد جاءكم الفتح بالتجلي، فإن الله متجل في ذاته ~~أزلا وأبدا فلا تغير له وإنما التغير في أحوال الخلق، فإنهم عند انغلاق ~~أبواب قلوبهم إلى الله محرومون عن التجلي وعند انفتاح أبوابها محظوظون ~~به، ثم قال تعالى: { وإن تنتهوا } [الأنفال: 19] أي: عن غير الله ~~في طلب الله، { فهو خير لكم } [الأنفال: 19] من سواه، { وإن ~~تعودوا } [الأنفال: 19] إلى الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها وزخارفها ~~وإلى ما سوى الله، { نعد } [الأنفال: 19] إلى خذلانكم ونكفكم إلى ~~أنفسكم وهواها ودواعيها وغلبات صفاتها. # { ولن تغني عنكم فئتكم شيئا } [الأنفال: 19] أي: لا ~~تقوم لكم الدنيا والآخرة وما فيها مقام شيء من مواهب الله وألطافه، { ~~ولو كثرت } [الأنفال: 19] يعني: وإن كثرت نعم الله تعالى من ~~الدنيوية والأخروية فلا توازي شيئا مما أنعم الله على أهل الله وخاصته، ~~{ وأن الله } [الأنفال: 19] بأصناف ألطافه، { مع المؤمنين ~~} [الأنفال: 19] بهذه المقامات وطالبها؛ ليبلغهم إليها بفضله ورحمته لا ~~بحولهم وقوتهم. # ثم أخبر عن طريق الوصول إلى هذه الأصول بقوله تعالى: { يأيها ~~الذين آمنوا } [الأنفال: 20] إلى قوله: # معرضون # [الأنفال: 23] الإشارة فيها: { يأيها الذين آمنوا } ~~الإيمان الحقيقي لا الإيمان التقليدي، { أطيعوا الله } [الأنفال: ~~20] فيما يدعوكم إلى حضرة جلاله، { ورسوله } [الأنفال: 20] أي: ~~أطيعوا رسوله الذي أرسله إليكم؛ ليكون داعيا إلى الله بإذنه وسراجا ~~منيرا، ولتهتدوا بنور نبوته في متابعته إلى حضرة جلاله، { ولا ~~تولوا عنه } [الأنفال: 20] ولا تعرضوا عن ms0680 الرسول ومتابعته لكيلا ~~تنقطعوا عن الله وتهلكوا في ظلمات البشرية، { وأنتم تسمعون } ~~[الأنفال: 20] { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم ~~لا يسمعون } [الأنفال: 21] بآذان القلوب. ### || [8.22-26] # { إن شر الدواب } [الأنفال: 22] أي: شر من دب في الوجود، { ~~عند الله } [الأنفال: 22] في مراتب الموجودات، { الصم } ~~[الأنفال: 22] عن استماع كلام الحق بسمع القبول والقلوب، { البكم } ~~[الأنفال: 22] عن كلام الحق والكلام مع الحق، وإنما خص الصم والبكم ~~بالذكر؛ لأن الأصم لا بد وأن يكون أبكم. # { الذين لا يعقلون } [الأنفال: 22] أي: لا يعلمون لماذا خلقوا ~~وما لهم من الاستعداد في طلب الكمال وانصرافهم في إفساد الاستعداد، فاعلم ~~أن الإنسان خلق في أحسن تقويم قابلا للتربية والترقي مستعدا للكمال لا ~~يبلغه الملك والقرب في بدء الخلقة دون الملك وفوق الحيوان، فبتربيته ~~الشريعة يصير فوق الملك فيكون خير البرية وبمخالفة الشريعة ومتابعة الهوى ~~يصير دون الحيوان فيكون شر البرية فيؤول حال من يكون خيرا من الملك إلى ~~أن يكون شر الدواب. # ثم قال تعالى: { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم } ~~[الأنفال: 23] كلامه بسمع القبول، { ولو أسمعهم } [الأنفال: 23] ~~بسمع القلوب قدرة عند عدم استحقاق الخيرية، { لتولوا } [الأنفال: ~~23] عن متابعة الرسول في أثناء السلوك، { وهم معرضون } ~~[الأنفال: 23] عن الله وطلبه ومقبلون على الدنيا وزخارفها لما قدرهم من ~~الشقاوة وخصوصية شر الدوابية. # ثم أخبر عمن أودع له استحقاق الخير في استجابة الله ورسوله من البرية ~~بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله ~~وللرسول } [الأنفال: 24] إلى قوله: { واعلموا أن الله ~~شديد العقاب } [الأنفال: 25] الإشارة فيها: أن الله تعالى يطلب ~~للحجة من العبد الإجابة، كما يطلب العبد للحاجة منه الإجابة، فقال: { ~~يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول } ~~والاستجابة لله استجابة الأرواح للشهود، واستجابة القلوب للشواهد، وإجابة ~~الأسرار للمشاهدة، وإجابة الخفي للفناء في الله، والاستجابة للرسول ~~بالمتابعة، { إذا دعاكم لما يحييكم } [الأنفال: 24] بنور ~~الله؛ يعني: يفنيكم عنكم ويبقيكم به، { واعلموا أن الله ~~يحول بين المرء وقلبه } [الأنفال: 24] يعني: إذا تجلى ~~الله على قلب المرء يحول بسطوات أنوار جماله وجلاله بين مرآة قلبه وظلمة ~~أوصاف ms0681 قالبه، { وأنه إليه تحشرون } [الأنفال: 24] بالفناء ~~عنكم والبقاء به. # ثم قال تعالى: { واتقوا } [الأنفال: 25] أيها الواصلون، { فتنة ~~} [الأنفال: 25] يعني: أن ابتلاء النفوس بشيء من حظوظها من الدنيوية ~~والأخروية، { لا تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة } ~~[الأنفال: 25] يعني: لا تصيب تلك الفتنة النفوس الظالمة فقط؛ بل تصيب ~~ظلمتها الأرواح النورانية والقلوب الربانية، فتجذبها من حضائر القدس ~~ورياض الأنس إلى خصائص صفات الإنس، كما قال تعالى: # سنستدرجهم من حيث لا يعلمون # [الأعراف: 182]، { واعلموا أن الله شديد العقاب } ~~[الأنفال: 25] فيما يعاقب الواصلين بالانقطاع والاستدراج عند التفاوت إلى ~~ما سواه. # ثم أخبر عن الذاكرين الشاكرين بقوله تعالى: { واذكروا إذ ~~أنتم قليل مستضعفون في الأرض } [الأنفال: 26] إلى ~~قوله: # والله ذو الفضل العظيم # [الأنفال: 29] والإشارة فيها: { واذكروا إذ أنتم } أيها ~~الروح والقلب، { قليل } ثم تنشأ بعد ذلك الصفات والأخلاق الروحانية، { ~~مستضعفون } من غلبات صفات النفس وهواها واستيلاء الشيطان وحزبه؛ ~~وذلك لأن الروح والقلب في بدء الخلقة وتعلقهما بالقالب، وكذا صفاتهما ~~مستضعفون لأعوان التربية بلبان آداب الطريقة، وانعدام جريان أحكام ~~الشريعة عليهم إلى إذان البلوغ والتربية في هذه المدة للنفس وصفاتها ~~لاستحكام القالب بحمل أعباء تكاليف الشريعة، وهما أعني: الروح والقلب، { ~~تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم } [الأنفال: 26] إلى ~~حضائر القدس. # { وأيدكم بنصره } [الأنفال: 26] بالواردات الربانية، { ~~ورزقكم من الطيبات } [الأنفال: 26] من المواهب الظاهرة من ~~لوث الحدوث، { لعلكم تشكرون } [الأنفال: 26] فتستحقون المزيد. ### || [8.27-30] # { يأيها الذين آمنوا } [الأنفال: 27] أي: أيها الأرواح ~~والقلوب المنورة بنور الإيمان المستعدة بسعادة العرفان. # { لا تخونوا الله } [الأنفال: 27] فيما أتاكم من المواهب ~~فتجعلوها سبيكة الدنيا واصطياد أهلها، { والرسول } [الأنفال: 27] ~~فخيانة الرسول ترك السنة وقيام البدعة، { وتخونوا أماناتكم } ~~[الأنفال: 27] والأمانة: هي محبة الله تعالى، وخيانتها بتبديلها بمحبة ~~المخلوقات، يشير إلى أن أرباب القلوب وأصحاب السلوك إذا بلغوا إلى أعلى ~~مراتب المقامات والقربات ثم التفتوا إلى شيء من الدنيا وزينتها، وخانوا ~~الله بنوع من التصنع، وخانوا الرسول بالتبدع وترك التتبع، وتتعدى الخيانة ~~وآفاتها إلى الأمانة التي هي المحبة، فتسلب عنهم بالتدريج فيكون ركونهم ~~إلى الدنيا وسكونهم إلى جمع المال ms0682 حرصا على الأولاد، { وأنتم ~~تعلمون } [الأنفال: 27] أنكم تبيعون الدين بالدنيا والمولى بالأولى، ~~{ واعلموا أنمآ أموالكم وأولادكم } [الأنفال: 28] ~~تعرضون على الله لها، { فتنة } [الأنفال: 28] لها فتنة يحيركم الله ~~بها لكي يميز الموافق من المنافق والصديق من الزنديق، فمن يعرض عن الدنيا ~~وما فيها صدقا في طلب المولى، { وأن الله عنده أجر عظيم ~~} [الأنفال: 28] فمن ترك ما عنده في طلب ما عند الله يجده عنده وعنده أجر ~~عظيم، والعظيم هو الله على تحقيقه فيجد الله تبارك وتعالى. # ثم أكد الكلام بقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا إن ~~تتقوا الله } [الأنفال: 29] أي: يا من آمن بهذه المقامات ~~والكرامات إن تتقوا بالله من غير الله، { يجعل لكم فرقانا } ~~[الأنفال: 29] يفيض عليكم من يحال نواله فيضا من أنوار جماله القديم، ~~فيفرق به بين الحدوث والقدم وهذا أمر عظيم لا تحتمله العقول المشوبة بآفة ~~الوهم والخيال، { ويكفر عنكم سيئاتكم } [الأنفال: 29] ~~سيئات وجودكم الفاني، { ويغفر لكم } [الأنفال: 29] أي: يستركم ~~بأنوار جماله وجلاله، { والله ذو الفضل العظيم } [الأنفال: ~~29] لمن يجاوز عما عنده راغبا فيه عند الله، والفضل العظيم هو البقاء ~~بعد الفناء. # ثم أخبر عن حال الماكرين الممكورين بقوله تعالى: { وإذ يمكر بك ~~الذين كفروا } [الأنفال: 30] إلى قوله: # فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون # [الأنفال: 35] الإشارة فيها: أن للمخلوق مكرين: مكر بخلق الحيلة والعجز، ~~ومكر الخالق من القدرة والحكمة، فمكر الخلق مع مكر الخالق باطل زاهق؛ لأن ~~مكر الخالق حق ثابت، كما قال تعالى: { وإذ يمكر بك الذين ~~كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ~~ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } ~~[الأنفال: 30] لأن مكره بالخير لمحمد صلى الله عليه وسلم ودفع الشر عنه ~~ومكر الكفار بالشر له؛ وأيضا لأن مكره مع أهل المكر والخذلان ومكرهم مع ~~أهل الحق العرفان؛ وأيضا لأن مكره لإصلاح حال أهل الصلاح وإفساد حال أهل ~~الفساد، ومكرهم لإفساد حال الصلاح وإصلاح حال أهل الفساد، وذلك الإصلاح ~~يؤدي إلى فساد حال الماكرين وحال من يريدون به الصلاح لقوله تعالى: # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # [فاطر: 43]. ### || [8.31-35] # { وإذا ms0683 تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا } ~~[الأنفال: 31] وما سمعوا على الحقيقة؛ لأنها قرآن يهدي إلى الرشد كما ~~سمعت الجن وأنهم سمعوا أساطير الأولين، ولهذا { لو نشآء لقلنا ~~مثل هذا إن هذآ إلا أساطير الأولين } [الأنفال: ~~31] فإنهم يقدرون على أن يقولوا: { أساطير الأولين } ولكن لا ~~يقدرون على أن يقولوا مثل القرآن؛ لأن القرآن كلام الله وصفته القديمة ~~وما يقولون هو كلامهم المحدث المخلوق، فلا يكون مثل القرآن في الصلاة ~~والصفة والمعنى والحقيقة والأسرار والأنوار، ولا يقدر على مثله الخلائق ~~كلهم كما قال تعالى: # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله # [الإسراء: 88]. # ثم انظر كيف استخرج الله منهم عقيب دعوتهم { لو نشآء لقلنا ~~مثل هذا } قولهم: { إن هذآ إلا أساطير الأولين ~~} ، { وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك } [الأنفال: 32] ليعلم أن غاية عقلهم ونهاية فهمهم أن يقولوا مثل ~~هذه المقالة من غاية الضلالة والجهالة، ولا يقولوا بدلا عنها: اللهم إن ~~كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ومتعنا به واجعله شفاء قلوبنا ونور ~~به صدورنا، وأمثال هذا فكيف بمن يكون هذا حاله أن يكون مثل القرآن مقاله. # ثم قال تعالى: { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } ~~[الأنفال: 33] يا محمد وإن طلبوا العذاب بالجهل؛ لأنك رحمتي فيهم كما قال ~~تعالى: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107]، وقال صلى الله عليه وسلم: # " إنما أنا رحمة مهداة " # ، فالرحمة والعذاب ضدان، فالضدان لا يجتمعان، { وما كان الله ~~معذبهم } [الأنفال: 33] في الدنيا والآخرة، { وهم ~~يستغفرون } [الأنفال: 33] يعني: وهم أهل الاستغفار أي: أهل ~~الإيمان؛ لقوله تعالى: # ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم # [النساء: 147]، وقال تعالى: # وإني لغفار لمن تاب # [طه: 82]. # ثم قال تعالى: { وما لهم ألا يعذبهم الله } [الأنفال: ~~34] إذ لم يستغفروا لم يؤمنوا، { وهم يصدون } [الأنفال: 34] ~~يعني: أهل الإيمان، { عن المسجد الحرام وما كانوا ~~أوليآءه } [الأنفال: 34] فيه إشارة إلى أن الله تعالى لا يعذب ~~أولياءه وإن فعلوا؛ بل يتوب عليهم ويجعلهم من المتقين كما قال ms0684 تعالى: { ~~إن أوليآؤه إلا المتقون } [الأنفال: 34] وفيه إشارة إلى ~~أن الأولياء هم الأتقياء بالله عما سواه، { ولكن أكثرهم ~~لا يعلمون } [الأنفال: 34] ولكن أكثر المتقين لا يعلمون أنهم ~~أولياء الله، وبه يشير إلى إيمان بعض الأولياء لا يجوز أن يعلم الأولى، ~~ولكن الأكثرين من الأولياء لا يعلمون أنهم أهل الولاية، ثم قال تعالى: { ~~وما كان صلاتهم } [الأنفال: 35] يعني: ما كان الكفار يوم كفرهم، ~~{ عند البيت } [الأنفال: 35] مع عظم قدره بدل الصلاة التي تصيب أهل ~~السعادة بشقاوتهم، { إلا مكآء وتصدية فذوقوا العذاب ~~} [الأنفال: 35] أي: عذاب هذه الشقاوة، { بما كنتم تكفرون } ~~[الأنفال: 35] أي: بشؤم كفركم. ### || [8.36-40] # ثم أخبر عن خسارة أهل الكفر وخسارتهم بقوله تعالى: { إن الذين ~~كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله } ~~[الأنفال: 36] إلى قوله: { أولئك هم الخاسرون } [الأنفال: ~~37] الإشارة فيها: { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ~~ليصدوا } أي: كما أن من دأب الكفار أن ينفقوا أموالهم التي لها ~~صلاحية الإنفاق في سبيل الله، ولتقبل القلوب بها إلى الله؛ ليصدوا عن ~~سبيل الله الخلق بها، كذلك دأب كفار النفوس، أن تنفقوا أموال الاستعداد ~~الفطري التي لها صلاحية الصرف في طلب الله وتحصيل الكمال الإنساني؛ ~~ليصدوا القلوب والأرواح المقبلة إلى الله تعالى عن سبيل الله وطلبه ~~باتباع الهوى وطلب شهوات الدنيا، { فسينفقونها } [الأنفال: 36] ~~يعني: الاستعدادات في استيفاء اللذات الحيوانية والشيطانية، { ثم ~~تكون عليهم حسرة } [الأنفال: 36] أي: عند تحقيق فسادها وتضيع ~~فرصتها، كما قيل: # أيها القانص ما أحسنت صيد الظبيات # فاتك السرب وما ازددت غير الحسرات # { ثم يغلبون } [الأنفال: 36] أي: لا يظفرون بالمرامات الدنيوية ~~التي هي مرام النفوس كلها في الأعمال القصيرة المتشابهة وتفوت لهم ~~السعادات الكاملة الأخروية الأبدية، { والذين كفروا } ~~[الأنفال: 36] يعني: من الأرواح والقلوب باتباعهم الهوى، وطلب شهوات ~~الدنيا في موافقة النفوس ومخالفة الشريعة والطريقة، { إلى جهنم ~~يحشرون } [الأنفال: 36] أي: يجمعون في جهنم البعد والقطيعة عن الله ~~تعالى مع النفوس المتمردة. # { ليميز الله الخبيث من الطيب } [الأنفال: 37] أي: ~~ليميز الأرواح والقلوب الخبيثة التي تخدع النفوس تميل إلى الدنيا ~~وزخارفها، وتتبع الهوى وتتحرى ms0685 لغة الشرائع والأنبياء - عليهم السلام - من ~~الأرواح والقلوب الطيبة التي لا تتبع الهوى، ولا تركن إلى الدنيا، ولا ~~تنخدع بخداع النفوس وحيلها؛ بل تقبل إلى الله وطلبه في متابعة الأنبياء ~~ومخالفة الهوى، وأيضا الطيب من الأحوال ما يبذل في طلب الله تعالى على ~~الطالبين، والخبيث ما يلتفت إليه الغالب من غير حاجة ضرورية، فينقله الله ~~تعالى وطلبه يكون قاطع طريقه. # { ويجعل الخبيث بعضه على بعض } [الأنفال: 37] أي: ~~بعض أرواح القلوب الخبيثة على بعض النفوس، { فيركمه جميعا } ~~[الأنفال: 37] وذلك أن الله تعالى خلق الروح نورانيا علويا وخلق النفس ~~ظلمانية سفلية ثم أشرك بينهما وجعل رأس مالهما الاستعداد الفطري القابل ~~للترقي والكمال في القربة والمعرفة والخسارة والنقصان فيها؛ لربح كل ~~واحدة منها على تجارة قوله تعالى: # هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * ~~تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله ~~بأموالكم وأنفسكم # [الصف: 10-11] ولتستعين كل واحدة منهما في الترقي من مقامه بما أودع ~~فيهما، فمن الناس من ربح روحه ونفسه جميعا على هذه التجارة بأن آمن ~~وجاهد بنفسه وماله في سبيل الله وطلبه وبلغ مبلغ الرجال البالغين، ومنهم ~~من ربح روحه بأن آمن بالله ورسوله وخسرت نفسه بأن عصت الله وخالفت ~~الشريعة، ومنهم من خسر روحه ونفسه جميعا بأن لم يؤمن بالله ورسوله وكفر ~~بهما. # قيل: دخل على الشبلي - رحمه الله - في وقت وفاته وهو يقول: " يجوز ~~يجوز " ، فقيل له: ما معنى قولك: " يجوز "؟ # فقال: خلق الله الروح والنفس وأشرك بين الروح والنفس فعملا واتجرا سنين ~~كثيرة فحوسبا؛ فإذا هما قد خسرا وليس معهما ربح فقد عزما على الافتراق، ~~وأنا أقول: شركة لا ربح فيها يجوز أن يقع بين الشريكين افتراق. # ثم أخبر عن مغفرته مع أهل رحمته بقوله تعالى: { قل للذين ~~كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } [الأنفال: ~~38] إلى قوله: { ونعم النصير } [الأنفال: 40] الإشارة: { قل ~~للذين كفروا } من الأرواح والقلوب بأن ستروا النور الروحاني ~~بظلمات الصفات النفسانية الحيوانية السبعية في اتباع الهوى واتباع الدين ~~بالدنيا، { إن ينتهوا ms0686 } عن اتباع الهوى ومطاوعة النفس ومخالفة ~~الشرع، { يغفر لهم ما قد سلف } أي: تستر تلك الظلمات بنور ~~المغفرة وهو النور الرباني الذي يمحو بالظلمات الإنسانية، { وإن ~~يعودوا } [الأنفال: 38] لمتابعة الهوى ومخالفة الشرع، { فقد ~~مضت سنت الأولين } [الأنفال: 38] من الأنبياء والأولياء في ~~أن اتبعوا الهوى يضلهم عن سبيل المولى، كما قال تعالى لداود عليه السلام: # ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله # [ص: 26]. # { وقاتلوهم } [الأنفال: 39] يعني: قاتلوا كفار النفوس والهوى بسيف ~~الصدق تحت راية الشريعة في جهاد الطريقة، { حتى لا تكون } ~~[الأنفال: 39] النفس والهوى عند الاستيلاء وغلبات صفاتها، { فتنة } ~~[الأنفال: 39] آفة مانعة لكم عن الوصول إلى عالم الحقيقة، { ويكون ~~الدين كله لله } [الأنفال: 39] ببذل الوجود وفقد الوجود لنيل ~~الجود، { فإن انتهوا } [الأنفال: 39] النفوس عن معاملاتها، ~~وتبدلت عن أوصافها، وطاوعت القلوب والأرواح، وصارت مأمورة مطمئنة تحت ~~الأحكام، { فإن الله بما يعملون } [الأنفال: 39] في ~~عبوديته وصدق طلبه، { بصير } [الأنفال: 39] لا يخفى عليه نقير ولا ~~قطمير فيجازيهم على قدر مساعيهم. # { وإن تولوا } [الأنفال: 40] أي: أعرضوا النفوس عن الحقوق، ~~وأقبلوا إلى الشهوات والحظوظ، { فاعلموا } [الأنفال: 40] أيها ~~القلوب والأرواح، { أن الله مولاكم } [الأنفال: 40] في ~~الهداية وناصركم على قهر النفوس وقمع الهوى، { نعم المولى } ~~[الأنفال: 40] هو مولاكم لتهتدوا به، { ونعم النصير } [الأنفال: ~~40] في دفع ما يقطعكم عنه، وناصركم في الوصول إليه. ### || [8.41-45] # ثم أخبر عن دعائم الغنائم بقوله تعالى: { واعلموا أنما ~~غنمتم من شيء } [الأنفال: 41] إلى قوله: { ترجع الأمور ~~} [الأنفال: 44] الإشارة فيه: { واعلموا أنما غنمتم من ~~شيء } يا أهل الجهاد الأكبر عند الفطرة النفوس التي هي عدوكم وغنائم ~~النفوس المقتولة ما تبدلت به صفاتها من التخلق بأخلاق الله تعالى: { ~~فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل } [الأنفال: 41] يشير ~~إلى أن ما غنمتم عند رفع حجب من أنوار المشاهدات وأسرار المكاشفات فلكم ~~أربعة أخماسه تعيشون بها مع الله وتكتمونها عن الأغيار، ولا تنفقون أكثر ~~من خمسها في الله مخلصا وللرسول متابعا { ولذي القربى } يعني: ~~الإخوان في الله تواصلا، { واليتامى } يعني: أهل الطلب الذين غاب ~~عنهم ms0687 مشايخهم قبل بلوغهم إلى حد الكمال. # { والمساكين } يعني: الطالبين الصادقين، والذين تمسكوا بأيدي ~~الإرادة أذيال إرشادكم، { وابن السبيل } يعني: الصادر والوارد من ~~أهل الصدق والإرادة مراعيا جانب كل طائفة منهم على حسب صدقهم وإرادتهم ~~وطلبهم واستعدادهم واستحقاقهم مؤديا حقوقهم لله في الله وبالله في ~~متابعة الرسول إلى مقام المعاينة. # { آمنتم بالله } [الأنفال: 41] عيانا كما آمن الرسول به ليلة ~~المعراج وكوشفتم بحقائق، { ومآ أنزلنا على عبدنا } ~~[الأنفال: 41] في سر: # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم: 10]، { يوم الفرقان } [الأنفال: 41] الذي فيه # الرحمن * علم القرآن # [الرحمن: 1-2]، { الفرقان يوم التقى الجمعان } ~~[الأنفال: 41] جميع الصفات الإنسانية، وجميع الأخلاق الربانية، فصار ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم مع الله تعالى خلوة لا يسع فيها ملك مقرب ولا ~~نبي مرسل، { والله على كل شيء قدير } [الأنفال: 41] أي: ~~قادر على أن يوصلكم في متابعة رسوله إلى هذا المقام وهو الفناء من الوجود ~~والبقاء بالمعبود، كما أوصل إليه رسوله، وقد أعطاكم هذه المرتبة وقدركم ~~وأكرمكم بها أيها الصادقون في الطلب، { إذ أنتم بالعدوة ~~الدنيا } [الأنفال: 42] أي: نفوسكم بجانب الدنيا نازلة، { وهم ~~بالعدوة القصوى } [الأنفال: 42] يعني: الأرواح بأقصى عالم ~~الملكوت. # { والركب أسفل منكم } [الأنفال: 42] يعني: الهياكل والقوالب ~~بأسفل من الأرواح والنفوس، فإنها أسفل سافلين أي: إلى القوالب، { ولو ~~تواعدتم } [الأنفال: 42] أيها الأرواح والنفوس والأجساد بالإجماع، ~~{ لاختلفتم في الميعاد } [الأنفال: 42] لما بينكم من التباين ~~والاختلاف والضدية يعني: لما جمعتم بالاختيار لاختلاف طبائعكم، { ~~ولكن } [الأنفال: 42] جمعكم الله بالقدرة والحكمة، { ليقضي ~~الله أمرا كان مفعولا } [الأنفال: 42] ليجعل مرافق أرواحكم ~~في مقعد صدق عن مليك مقتدر بعدما كانت في أقصى الملكوت ومنازل نفوسكم في ~~عالم الأرواح مع الملائكة المقربين. # كما قال تعالى: # فادخلي في عبادي # [الفجر: 29] بعدما كانت محبوسة في سجن الدنيا، ومقامات أجسادكم في جنات ~~النعيم وأعلى عليين بعدما كانت أسفل سافلين، { ليهلك } [الأنفال: ~~42] من أرواح الأشياء المزرؤة لجهنم، { من هلك } [الأنفال: 42] ~~بمخالفة الشرائع، وتكذيب الأنبياء، ومتابعة الهوى، ومحبة الدنيا واستيفاء ~~لذاتها وشهواتها، { عن بينة } [الأنفال: 42] أي: عن حجة ثابتة عليه ~~بعد اجتماع ms0688 الأرواح والنفوس والأجساد، مستعدة لقبول الإيمان والكفر ~~وتصديق الأنبياء وتكذيبهم ومتابعتهم ومخالفتهم مستجمعة أسباب تمتعات ~~الدنيوية والأخروية. # { ويحيى } [الأنفال: 42] من أرواح السعداء المخلوقة للجنات ~~والقربات، { من حي } [الأنفال: 42] بالإيمان وأنواره والإيقان ~~وأسراره والعرفان وحقائقه، { عن بينة } [الأنفال: 42] حجة ثابتة ~~عليه بعد كماله الاستعداد، وصرفه في طلب الكمال والوصول إلى حضرة ملك ذي ~~الجلال، { وإن الله لسميع } [الأنفال: 42] لمن دعاه بالوصول ~~والوصال إليه بالغدو والآصال، { عليم } [الأنفال: 42] بأحوال العباد ~~ومصالحهم. # { إذ يريكهم الله في منامك قليلا } [الأنفال: 43] مع ~~كثرتهم في الصورة ليعتبر نومكم بأنهم قليلو المعنى قليلو القوة والشوكة، ~~وأنه تعالى يكثر قلبكم بالملائكة وقوة القلب ويظهركم عليهم، { ولو ~~أراكهم كثيرا } [الأنفال: 43] في الصورة والمعنى فحسبتموهم ذات ~~الشوكة، { لفشلتم } [الأنفال: 43] كما هو طبع الإنسان، { ~~ولتنازعتم في الأمر } [الأنفال: 43] أمر القتال، { ~~ولكن الله سلم } [الأنفال: 43] قلوبكم عن الموت البشري بما ~~أراكهم قليلا، { إنه عليم بذات الصدور } [الأنفال: 43] ~~عالم بما في القلوب. # { وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ~~} [الأنفال: 44] أي: في أعين الصحابة كما أراكهم في النوم قليلا؛ ليعلم ~~أن نومكم وحي ولا خلاف فيه لئلا تفشلوا، { ويقللكم في ~~أعينهم } [الأنفال: 44] لأنهم ينظرون إليكم بالأبصار الظاهرة لا ~~يرون كثرة معناكم وقوة قلوبكم ومددكم من الملائكة، فإنهم عمي البصائر ~~والقلوب ولئلا يفروا من القتال كما فر إبليس لما رأى مدد الملائكة وهو قد ~~جاء مع الكفار في صورة سراقة فقالوا له: أين تفر؟ فقال: لهم إني أرى ما ~~لا ترون، والحكمة في ذلك { ليقضي الله أمرا كان مفعولا ~~} [الأنفال: 44] في علم الله، ومشيئته بقضائه وقدره وحكمة بالغة منه، ~~وفيه إشارة إلى أن من سنة الله تعالى أنه يرى النبي صلى الله عليه وسلم ~~حقائق الأشياء حقا وصدقا وهو يخبر بها ثم يرونها أرباب الصورة في ~~الظاهر بضدها ابتلاء واختيارا للمؤمن والمنافق يزل قدمه ويشوش حاله، ~~وبالاعتراض يزيد نفاقه على النفاق وعماه على العمى، { وإلى الله ~~ترجع الأمور } [الأنفال: 44] فحال المؤمن وأمره يرجع إلى رضاه، ~~وحال المنافق يرجع إلى سخطه، والرضا والسخط من آثار ms0689 لطفه وقهره يفعل ما ~~يشاء ويحكم ما يريد. # ثم أخبر عن أسباب الفلاح لأرباب الصلاح بقوله تعالى: { يأيها ~~الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا } [الأنفال: ~~45] إلى قوله: # شديد العقاب # [الأنفال: 48] والإشارة فيها: { يأيها الذين آمنوا } ~~[الأنفال: 45] يشير إلى أن القلوب والأرواح المؤمنة بشواهد الحق، { إذا ~~لقيتم فئة } [الأنفال: 45] جماعة العدو، فالنفس وهواها والشيطان ~~وأعوانه والدنيا وزينتها، { فاثبتوا } [الأنفال: 45] على ما أنتم ~~عليه من اليقين والصدق والإخلاص والقلب، { واذكروا الله كثيرا ~~} [ألأنفال: 45] فإنكم بمداومة الذكر تعبرون عن ظلمات الوجود، { ~~لعلكم تفلحون } [الأنفال: 45] تخلصون عن ظلمات الخلقية ~~وتفوزون بأنوار الحقيقة. ### || [8.46-48] # { وأطيعوا الله } [الأنفال: 46] ببذل الوجود في هويته. # { ورسوله } [الأنفال: 46] فيما يقربكم إلى الله بأعماله وأحواله، ~~فإن طاعته طاعة الله على الحقيقة وطاعة رسوله فيما يتيسر للعبد خلاصه عن ~~صفات الوجود بآثار الوجود، { ولا تنازعوا } [الأنفال: 46] مع ~~الإخوان في الله والأقران، فإنه يثبت الأنانية ويحجب عن الهوية ويزل ~~الإقدام في طلب المرام، { فتفشلوا وتذهب ريحكم } ~~[الأنفال: 46] عند الأعداء فتستولي النفس والشيطان، { واصبروا } ~~[الأنفال: 46] عند تنازع الأقران والإخوان على الدين والتواضع وخفض ~~الجناح وترك الرعونة وإخفاء السر، { إن الله مع الصابرين } ~~[الأنفال: 46] الذين لا تنازع فيهم لحفظهم عن الرجوع إلى البشرية بالنصرة ~~الربوبية. # { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم } [الأنفال: ~~47] أي: ديار أوصافهم، { بطرا ورئآء الناس } [الأنفال: 47] ~~يعني: إذا كان الله معكم عند صبركم معينا لكم على الاستقامة، فلا تكونوا ~~كالذين خرجوا من الدنيا وزينتها وتركوا أوطانهم وتزييوا بزي القوم تصنعا ~~وشرفا في الإرادة، وما خرجوا عن أطوارهم ودواعي نفوسهم وداروا البلاد ~~وزاروا العباد، وتفرحوا ليتباهوا بذلك على الإخوان ويتنافسوا مع الأقران، ~~{ ويصدون عن سبيل الله } [الأنفال: 47] الطالبين الصادقين ~~بأقوالهم وأعمالهم وأحوالهم، { والله بما يعملون محيط } ~~[الأنفال: 47] أي: بما يعملون مهلكهم يعني: إنما يهلكون بما يعملون. # ثم أخبر عن أحوال أهل التنازع، فقال تعالى: { وإذ زين لهم ~~الشيطان } [الأنفال: 48] حين ظفر بهم عند التنازع، { أعمالهم ~~} [الأنفال: 48] التي بها تنازعوا واختلفوا وتفاخروا. # { وقال لا غالب لكم اليوم من الناس } [الأنفال: 48] ~~أي: النفس والهوى والدنيا ms0690 والشيطان فغرهم بذلك، قال: { وإني جار ~~لكم } [الأنفال: 48] أي: مجيركم من آفة الرياء والعجب، وذلك أن ~~الشيطان إذا ظفر بالسالك يغره بالقوة والكمال والبلوغ إلى مرتبة الرجال ~~أنه لا يضره التصرف في الدنيا وارتكاب بعض المنهيات؛ بل يضعه في نفي ~~الرياء إذ هو طريق أصل الملامة وبه ليسلك سبيل السلام. # { فلما ترآءت الفئتان } [الأنفال: 48] فئة الأرواح ~~والقلوب، وفئة النفوس وصفاتها وهواها والدنيا وشهواتها، وأمد الله تعالى ~~فئة القلوب والأرواح بالأوصاف الملكية والواردات الربانية، وانهزمت ~~النفوس وعساكرها، وزهقت أباطيلهم بمجيء الحق، { نكص } [الأنفال: 48] ~~الشيطان. # { على عقبيه } [الأنفال: 48] فيه إشارة إلى أن الشيطان عند ~~استيلاء النفس وغلبات أوصافها وهواها يزين الدنيا وشهواتها وزخارفها ~~للنفوس، ويعينها على طلبها واستيفاء لذاتها؛ ليضلها عن سبيل الله، فلما ~~استولت القلوب والأرواح على النفوس، وانقادت النفوس لحزب الله انكسرت ~~أوصافها وهواها، واطمأنت بذكر الله وطاعته يكون الشيطان مخالفا لها بعد ~~أن كان موافقا ومحبا ومعاونا لها، فيفر منها ويتبرأ منها، كما قال ~~تعالى: { وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ~~ترون } [الأنفال: 48] فلا يبقى له مدخل يدخل بها في النفوس ويوسوسها؛ ~~لأنه يرى بنظر الروحاني على النفوس من القلوب أنوار الرباني ولو وقع على ~~الشيطان منها تلألؤ يحرقه في الحال ولهذا قال: { إني أخاف الله ~~والله شديد العقاب } [الأنفال: 48] وقد صدق الكذوب أنه يخاف ~~من شدة عقاب الله تعالى، فإن عقابه وومضان بروق صفة قهره لو وقع عليه ~~لتلاشى، ولذلك كان من يفر من ظل عمر و " ما سلك عمر رضي الله عنه فجا ~~إلا وسلك الشيطان فجا آخر "؛ لئلا يقع عليه عكس نور ولاية عمر رضي الله ~~عنه فيحرقه، وقد علم الشيطان أنه من المعذبين المعاقبين، وإنما خوفه من ~~الله من شدة عقابه؛ لأنه يعلم أن لا نهاية لشدة عقابه والله قادر على أن ~~يعاقبه بعقوبة أشد من الأخرى، وفيه إشارة أخرى إلى أن خوفه من الله تعالى ~~يدل على أنه غير منقطع الرجاء، والله أعلم. ### || [8.49-54] # ثم أخبر عن مرض قلوب أهل الشقاوة وسلامة ms0691 قلوب أهل الوفاق بقوله تعالى: { ~~إذ يقول المنافقون } [الأنفال: 49] إلى قوله: { وكل ~~كانوا ظالمين } [الأنفال: 54] الإشارة فيه: { إذ يقول ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض } ومرض القلب على ~~نوعين: نوع منه الشك في الإيمان والدين وحقيقته فذلك مرض قلوب الكفار ~~والمنافقين، والثاني: ميلها للدنيا وشهواتها وملاحظة الحظوظ النفسانية ~~وهو مرض قلوب المسلمين، والإشارة فيه: أن المرض كما يكون في قلوب الكفار ~~والمنافقين بقدر كفرهم ونفاقهم وبقية ظلمات الكفر يكون في قلوب المسلمين ~~بقدر معاصيهم من الأوصاف الذميمة الحيوانية، فمعالجة مرض قلوب الكفار ~~والمنافقين بالإيمان والتصديق واليقين، ومعالجة مرض قلوب المسلمين بترك ~~الدنيا وشهواتها وترك الحظوظ النفسانية، فإن ماتوا في مرضهم فهم من أهل ~~النجاة من النار بعد العذاب وشفاعة الأنبياء، وربما يؤدي مرضهم بترك ~~المعالجة والاحتمال إلى الهلاك وهو الكفر كما كان حال بعض المسلمين من ~~الذين قالوا: غر هؤلاء دينهم، فلما تركوا العلاج وانقطعوا عن الطبيب ~~وهو النبي صلى الله عليه وسلم وما اجتمعوا من الغداء والمخالف وهو قولهم: ~~{ غر هؤلاء دينهم } [الأنفال: 49] هلكوا مع الهالكين ومن ~~مرض قلوبهم فاعلموا أن { ومن يتوكل على الله فإن ~~الله عزيز } [الأعراف: 49] منيع شر الأعداء من المتوكلين عليه، { ~~حكيم } [الأنفال: 49] بنصرة المقللين على المكثرين، { ولو ترى ~~إذ يتوفى الذين كفروا } [الأنفال: 50] أي: الذين قالوا: ~~غر هؤلاء دينهم، وكفروا باستحقاقهم بالدين، وأهل الدين { الملائكة ~~يضربون وجوههم } [الأنفال: 50] يعني: إذا يقلبون وجوههم عن ~~الإيمان إلى الكفر، { وأدبارهم } [الأنفال: 50] عن الكفر إلى ~~الإيمان، ويقولون يوم القيامة { وذوقوا عذاب الحريق } ~~[الأنفال: 50] والندم على ما فعلوا وارتدوا، { ذلك بما قدمت ~~أيديكم } [الأنفال: 51] من الارتداد والكفر، { وأن الله ~~ليس بظلم للعبيد } [الأنفال: 51] بأن يجازي أهل الأيمان ~~بجهنم وعذابها، وإنما يجازي أهل الكفر والنفاق والارتداد بظلمهم على ~~أنفسهم. # { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا ~~بآيات الله } [الأنفال: 52] أي: بمعجزات الأنبياء، { فأخذهم ~~الله بذنوبهم } [الأنفال: 52] أي: جازاهم الله بقدر ذنوبهم، { ~~إن الله قوي } [الأنفال: 52] في المجازات إظهارا للعزة ~~والعظم، { شديد العقاب } [الأنفال: 52] لو يعاقبهم على قدر ~~كماليته، فإن غير منتاه، ms0692 وإنما يعاقبهم على قدر ذنوبهم { ذلك بأن ~~الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم } ~~[الأنفال: 53] أي: يكن مبدلا أحسن تقويم واستعداد عطائهم بضده، { ~~حتى يغيروا } [الأنفال: 53] بالكفر والتكذيب وسوء العمل، { ما ~~بأنفسهم } [الأنفال: 53] من نعمة الاستعدادات الحسنة، { وأن ~~الله سميع } [الأنفال: 53] لمن دعاه إلى قهره بسوء أعماله ولسان ~~حاله، { عليم } [الأنفال: 53] بما يستحقون في المجازاة، وبقدر ~~استحقاقهم العذاب فيجازيهم به، { كدأب آل فرعون والذين ~~من قبلهم } [الأنفال: 54] إذا غيروا ما بأنفسهم من نعمة حسن ~~الاستعداد بأن { كذبوا بآيات ربهم } [الأنفال: 54] من معجزات ~~الأنبياء والكتب المنزلة عليهم، فلما غيروا ما بأنفسهم من النعمة غيرنا ~~نعمة حسن الاستعداد الفطري. # { فأهلكناهم بذنوبهم } [الأنفال: 54] أي: أفسدنا ~~استعدادهم بشؤم معاملاتهم السيئة فهلكوا، { وأغرقنآ آل فرعون ~~} [الأنفال: 54] يعني: فرعون وقومه أغرقناهم في بحر الهلاك لفساد ~~استعدادهم بالكلية، فاختصوا بالاستغراق في بحر الهلاك عن غيرهم ادعاء ~~فرعون بالربوبية وإقرار قومه وتصديقهم إياه بها، وهذا غاية فساد جوهر ~~الروحانية باستيلاء الصفات النفسانية، ثم قال تعالى: { وكل كانوا ~~ظالمين } [الأنفال: 54] يعني: كل من كفر بالله وكذب بآياته كانوا ~~ظالمي أنفسهم؛ لاستعدادهم أن يبلغوا في الظلم والكفر وما بلغ فرعون ~~وقومه. ### || [8.55-60] # ثم أخبر عن أهل الكفر أنهم شر الدواب بقوله تعالى: { إن شر ~~الدواب عند الله الذين كفروا } [الأنفال: 55] إلى ~~قوله: { وأنتم لا تظلمون } [الأنفال: 60] الإشارة فيه: { ~~إن شر الدواب عند الله الذين كفروا } يعني: ~~بالذين كفروا النفوس المتمردة الأمارة بالسوء هم عند الله محكومون ~~بالشقاوة في الأزل مكتوبون بشر الدواب كقوله: # إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل # [الفرقان: 44]، { فهم لا يؤمنون } [الأنفال: 55] لما حكموا ~~بالشقاوة الأبدي وإنما صاروا شر الدواب لأنهم { الذين عاهدت ~~منهم } [الأنفال: 56] يوم الميثاق والخطاب مع الروح؛ لأن النفس ~~المودعة في الذرة التي أخذ الله تعالى من ظهر آدم عليه السلام أقرت ~~بربوبية الحق تعالى وعاهدته بتبعية الروح؛ لأن نوره وصفته غلبت على ظلمة ~~النفس وصفاتها، { ثم ينقضون عهدهم في كل مرة } ~~[الأنفال: 56] بمعصية من المعاصي وذنب من الذنوب، { وهم لا ~~يتقون } [الأنفال: ms0693 56] من خاتمة السوء فيما ينقضون العهد مع الله ~~بالإشراك وعبادة الهوى. # { فإما تثقفنهم في الحرب } [الأنفال: 57] أي: لو ظفرت ~~يا روح ببعض صفات النفس في جهادها، { فشرد بهم من خلفهم } ~~[الأنفال: 57] أي: بالغ في تبديل تلك الصفات التي هي خلقها، { ~~لعلهم يذكرون } [الأنفال: 57] يعتبرون ويتبدلون بالصفات ~~الروحانية والأخلاق الربانية، { وإما تخافن من قوم ~~خيانة } [الأنفال: 58] أي: تفرست من بعض تلك الصفات خيانة نقض العهد، ~~والعود إلى طبعها الخسيس، والرجوع إلى أوصافها، { فانبذ إليهم ~~على سوآء } [الأنفال: 58] يعني: أظهر عليهم عداوتك معهم، وجاهدهم ~~على سوية رجوعهم حتى يفنوا إلى العهد، ويتركوا خيانة النقض، { إن ~~الله لا يحب الخائنين } [الأنفال: 58] معه في العهود، { ~~ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا } [الأنفال: 59] أي: ~~النفوس التي كفرت ونقضت العهود ورجعت إلى أوصافها أنهم سبقونا وخرجوا من ~~تصرفنا. # { إنهم لا يعجزون } [الأنفال: 59] أي: لا يعجزوني عن التصرف ~~فيهم فلا يقنطوا من رحمتي في صلاح حالهم، { وأعدوا لهم ما ~~استطعتم من قوة } [الأنفال: 60] أي: من قوة الروح وغلبات ~~صفاتها وأعداءه بمداومة الذكر وقطع التعلق، { ومن رباط الخيل } ~~[الأنفال: 60] أي: من رباط القلب بطريق المراقبة لئلا يلتفت إلى الدنيا ~~وزينتها، { ترهبون به } [الأنفال: 60] يعني: بالذكر والمراقبة، { ~~عدو الله وعدوكم } [الأنفال: 60] أي: الشيطان والنفس، { ~~وآخرين من دونهم } [الأنفال: 60] من نفوس شياطين الأنس، { لا ~~تعلمونهم } [الأنفال: 60] أنهم عدوكم من الأحباب والأصدقاء ~~والأقرباء، { الله يعلمهم } [الأنفال: 60] أنهم عدو لكم كقوله ~~تعالى: # إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم # [التغابن: 14]. # { وما تنفقوا من شيء } [الأنفال: 60] أي: في شهوات النفس ~~ولذاتها والدنيا وزينتها بطريق الذكر والمراقبة، { في سبيل الله } ~~[الأنفال: 60] في طلبه والسير إليه، { يوف إليكم } [الأنفال: ~~60] أي: يوف لكم فوائده في مزيد القربة، كما قال تعالى: # " من تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا " # ، { وأنتم لا تظلمون } [الأنفال: 60] فيما تقربتم به إليه ~~إلى الله تعالى، بل يضاعفه ويؤت من لدنه أجرا عظيما. ### || [8.61-64] # ثم أخبر عن التوسل والتوكل بقوله تعالى: { وإن جنحوا للسلم ~~فاجنح لها وتوكل على الله } [الأنفال: 61] إلى قوله: { ~~من المؤمنين } [الأنفال: ms0694 64] الإشارة فيه: { وإن جنحوا } ~~أي: النفس وصفاتها لتسلم بينها وبين القلب والروح { فاجنح لها } ~~وذلك أن النفس لما رأت صدق الطالب الصادق في الصدق وشاهدت جده في ~~الاجتهاد، وتحقق عندها ثباتها على مخالفتها، ومواظبته في العبودية، ~~وتألفت مع الطاعات والعبادات، فتنور بأنوارها وتنقاد لأحكام الشريعة، ~~وتزكى بتزكية الطريقة، وتتنسم روائح الحقيقة، وتطمئن إلى ذكر الله تعالى، ~~فحينئذ يجوز مصالحتها على القيام بأداء الأوامر والنواهي والفرائض والسنن ~~وترك الدنيا وزينتها وشهواتها على تبديل الصفات النفسانية الحيوانية ~~بالأخلاق الروحانية الربانية، وألا يحمل عليها إصرا من دوام المجاهدة ~~والرياضة البدنية ولكن مع هذا لا يعتمد على النفس وصلحها، بل يكون الطالب ~~متيقظا محتاجا متوكلا على الله تعالى في مراقبتها؛ لئلا تخدعه وتمكر ~~به، ولهذا قال تعالى: { وتوكل على الله } أي: ثق بلطفه وكرمه ~~ولا تثق بالنفس وخديعتها ومكرها، { إنه هو السميع } [الأنفال: ~~61] لما دعوته إليه في رعايتك من خداع النفس ومكرها، { العليم } ~~[الأنفال: 61] بمكائدها، ومنعها منها، { وإن يريدوا أن ~~يخدعوك } [الأنفال: 62] يعني: النفس والشيطان والدنيا. # { فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره ~~وبالمؤمنين } [الأنفال: 62] أي: وأيدك بالروح والقلب وسر ~~المؤمنين وألف بين الروح والقلب والسر والمؤمنين، { وألف بين ~~قلوبهم } [الأنفال: 63] يعني: ألف بين الروح والقلب والسر وبين ~~النفس وصفاتها، { لو أنفقت ما في الأرض جميعا } [الأنفال: ~~63] يعني: في أرض وجودك من السعي والجد والاجتهاد، { مآ ألفت ~~بين قلوبهم } [الأنفال: 63] أي: بينهم لما فيهم من التضاد ~~الروحاني والنفساني الظلماني، { ولكن الله ألف بينهم ~~} [الأنفال: 63] بالقدرة الكاملة والحكمة البالغة، { إنه عزيز } ~~[الأنفال: 63] لعزته ألف بين الروح والنفس والقلب والقالب؛ ليكون ~~الشخص الإنساني طلسما على كنز وجوده، { حكيم } [الأنفال: 63] فيما ~~حكم ووتر بكسر الطلسم والوصول إلى كنز، { يأيها النبي حسبك ~~الله } [الأنفال: 64] مطلوبا ومقصودا ومعبودا ومحبوبا، { ومن ~~اتبعك من المؤمنين } [الأنفال: 64] أي: لمتابعيك المخصوصين ~~بالاتباع الحقيقي بأن يكون مطلوبهم ومحبوبهم الله سبحانه وتعالى. ### || [8.65-69] # ثم أخبر عن طريق الوصال أنه بالقتال بقوله تعالى: { يأيها ~~النبي حرض المؤمنين على القتال } [الأنفال: 65] إلى ~~قوله: { والله مع الصابرين } [الأنفال: ms0695 66] الإشارة فيها: { ~~يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال } يعني: ~~بالإقدام عليه بنفسك؛ ليقتدوا بك، ويحرضوا على القتال بحرصك عليه، ولهذا ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتد الحرب أقرب إلى العدو، ومنهم كما ~~قال علي - رضي الله عنه وكرم الله وجهه -: كنا إذا احمر البأس في القوم ~~فعينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحدا أقرب إلى العدو منه، ~~ولذلك قال تعالى: { إن يكن منكم عشرون صابرون } [الأنفال: ~~65] جعل النبي صلى الله عليه وسلم منهم عند لقاء العدو وصابرون في ~~البأساء والضراء وتحت أحكام القضاء، { يغلبوا مئتين } ~~[الأنفال: 65] لأن الله مع الصابرين بالنصر والعون، { وإن يكن ~~منكم مئة } [الأنفال: 65] متوكلة على الله لهم صابرة في بذل ~~الروح يعلمون بفقه القلب أنهم لا يصيبهم إلا ما كتب الله لهم. # { يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم ~~لا يفقهون } [الأنفال: 65] أي: ليسوا يفقهون بفقه القلب ليتوكلوا ~~على الله، وليعلموا أنه لا يصيبهم إلا ما قدر لهم، { الآن خفف ~~الله عنكم } [الأنفال: 66] أيها الضعفاء، { وعلم أن فيكم ~~ضعفا } [الأنفال: 66] في التوكل واليقين، { فإن يكن منكم ~~مئة صابرة } [الأنفال: 66] يعني: من أهل يصبرون على لقاء ~~المائتين، { يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف ~~يغلبوا ألفين بإذن الله } [الأنفال: 66] يعني: الغلبة ~~والظفر ليس من قوتكم؛ لأنكم ضعفاء، وإنما هو بحكم الله الأزلي ونصره، ~~وإلى الأقوياء وهم محمد صلى الله عليه وسلم والذين معه أشداء على الكفار؛ ~~لقوة توكلهم ويقينهم وفقه قلوبهم لا يفر واحد منهم من مائة من العدو كما ~~كان حال النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من أهل القوة، ما قال عباس بن ~~عبد المطلب رضي الله عنه: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ~~فلم أفارقه ورسول الله على بغلة بيضاء أهداها له فرقة بن بغامة المذامي، ~~فلما التقى المسلمون بالكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق النبي صلى الله ~~عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار، قال عباس رضي الله عنه: وأنا آخذ بلجام ~~بغلة رسول الله صلى ms0696 الله عليه وسلم إرادة ألا تسرع، وأبو سفيان أخذ ~~ركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ومن معه صابرين أولي قوة لم يفروا مع القوم، { والله مع ~~الصابرين } [الأنفال: 66] في التثبيت والتصبر كما قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " من يصبر يصبره الله تعالى ". # ثم أخبر عمن اختار الأولى عن الآخرة بقوله تعالى: { ما كان لنبي ~~أن يكون له أسرى } [الأنفال: 67] إلى قوله: { إن الله ~~غفور رحيم } [الأنفال: 69] الإشارة فيها: { ما كان لنبي ~~أن يكون له أسرى } ما كان أخذ الفداء من الأسارى شيمة للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ولا لنبي من الأنبياء - عليهم السلام - فإنه رغبة في ~~الدنيا، ومن شيمة النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما لي وللدنيا " # ، { حتى يثخن في الأرض } [الأرض: 67] أي: يبالغ في قهره ~~الأعداء، وقذف الرعب في قلوبهم، ورسوخ أمر الدين في قلوب المؤمنين، ~~فأما أخذ الفداء كان لرغبة بعضكم في الدنيا بعد أن شاوركم فيه بأمر ~~الله تعالى إذ أمره بقوله: # وشاورهم في الأمر # [آل عمران: 159] فرغب أكثركم فيه. # والذي يدل على هذا التأويل قوله تعالى: { تريدون عرض الدنيا ~~} [الأنفال: 67] خاطب به القوم إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وبه يشير: ~~أن الإنسان إذا وكل إلى نفسه وطبعه يكون مائلا إلى الدنيا راغبا فيها ~~بالطبع، { والله يريد الآخرة } [الأنفال: 67] يعني: والذي يريد ~~الآخرة منكم ليس سجيته وطبعه، وإنما هو من توفيق الله إياه وتأثير نظر ~~عنايته ورحمته إلى قلبه ونفسه، فإن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، ~~{ والله عزيز } [الأنفال: 67] لا ينظر بنظر العناية إلا الجاهل ~~العزة، { حكيم } [الأنفال: 67] فيمن يعزه بنظر العناية، وفيمن يذله ~~بالسخط والخذلان، { لولا كتاب من الله سبق } [الأنفال: ~~68] بالبقاء على هؤلاء الأسارى ليؤمن بعضهم ويؤمن أولاد بعضهم وذراريهم، ~~{ لمسكم فيمآ أخذتم } [الأنفال: 68] من الغنائم وملتم إلى ~~الدنيا وأخذتم جعلا على الجهاد في سبيل الله، { عذاب عظيم } ~~[الأنفال: 68] بأن يجعل جهادكم في سبيل الدنيا، ويخرجكم عن ثوابه في ~~الآخرة بل ms0697 يعاقبكم عليه، { فكلوا مما غنمتم حلالا } ~~[الأنفال: 69] بأن تجعلوه في عدة الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر. # { طيبا } [الأنفال: 69] أي: طيبا به نفوسكم في الإنفاق طيبا عن ~~لون محبته وتعلقه بقلوبكم، { واتقوا الله } [الأنفال: 69] أي: ~~اتقوا بالله عما سواه، { إن الله غفور } [الأنفال: 69] يغفر ~~بأنوار جوده ظلمات وجودكم، { رحيم } [الأنفال: 69] بكم فيما يفنيكم ~~عنكم ويبقيكم به. ### || [8.70-72] # ثم يخبر عمن حكمة استبقاء الأسارى بقوله تعالى: { يأيها النبي ~~قل لمن في أيديكم من الأسرى } [الأنفال: 70] يشير إلى ~~النفوس المأسورة التي أسرت في الجهاد الأكبر عند استيلاء سلطان الذكر ~~عليها والظفر؛ يعني: قل لها: { إن يعلم الله في قلوبكم ~~خيرا } [الأنفال: 70] من الاطمئنان على ذكر الله والعبودية والانقياد ~~تحت أحكامه، { يؤتكم خيرا ممآ أخذ منكم } [الأنفال: ~~70] يعني: إن أخذ منكم شهوات الدنيا ونعيمها وزينتها يبدلكم الله نعيم ~~الجنة ودرجاتها وهي خير منها؛ لأن الدنيا ونعيمها فانية والجنة ونعيمها ~~باقية، { ويغفر لكم } [الأنفال: 70] يستر ظلمة صفاتكم بأنوار ~~صفاته، { والله غفور } [الأنفال: 70] ساتر بأنوار صفاته لمن طلب ~~ستره، { رحيم } [الأنفال: 70] بهم بأن رحمهم يستر الوجود من أنوار ~~الشهود، { وإن يريدوا خيانتك } [الأنفال: 71] يعني: إن سامحت ~~النفوس المأمورة في إطلاقها عن إشرافها على بعض شهواتها المشروعة فتريد ~~خيانتك؛ أي: التجاوز عن حد الشريعة أو الطريقة، { فقد خانوا ~~الله من قبل } [الأنفال: 71] بالتجاوز عن الشريعة أو الطريقة، { ~~فأمكن منهم } [الأنفال: 71] عند استيلاء الذكر عليها والمجاهدة، ~~فجاهدها بملازمة الذكر ونفي الشهوات عنها، { والله عليم } ~~[الأنفال: 71] بأحوالها، { حكيم } [الأنفال: 71] فيما دبره من أمر ~~جهادها وتزكيتها عن أوصافه الذميمة. # ثم أخبر عن أهل الجهاد بقوله تعالى: { إن الذين آمنوا ~~وهاجروا } [الأنفال: 72] إلى آخر السورة، الإشارة: { إن ~~الذين آمنوا } بأن طلب الله حق وواجب وهاجروا غير الله، فهاجروا ~~عن أفعالهم القبيحة الطبيعية إلى الأفعال الحسنة الشرعية، وعن أوصافهم ~~الذميمة إلى الأخلاق الحميدة، وعن وجودهم المجازي إلى الوجود الحقيقي، { ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم } [الأنفال: 72] ببذلها، { ~~في سبيل الله } [الأنفال: 72] أي: في طلب الحق وترك كل باطل هو ~~غير الحق، { والذين ءاووا } [الأنفال: 72] ذكر الله ms0698 ومحبته وصدق ~~طلبه في القلوب، { ونصروا } [الأنفال: 72] المحنة بالذكر الدائم ~~والطلب القائم، { أولئك بعضهم أوليآء بعض } ~~[الأنفال: 72] في المرافقة والموافقة والطلب والسير إلى الله، { ~~والذين آمنوا } [الأنفال: 72] بأن الطلب حق، { ولم ~~يهاجروا } [الأنفال: 72] عن أفعالهم وأوصافهم ووجودهم المجازي، { ~~ما لكم } [الأنفال: 72] أيها الطالبون الصادقون: { من ولايتهم ~~من شيء } [الأنفال: 72] من موالاتهم ومخاطبتهم. # { حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين } ~~[الأنفال: 72] أي: وإن استمردوكم في طلب الدين، { فعليكم النصر ~~} [الأنفال: 72] أي: الهداية ليتحقق عندهم وجوب الطلب؛ يعني: الذين آمنوا ~~بالطلب ولم يهاجروا من أوصافهم بعد، فإن جاءوكم واستعانوا بكم في الطلب ~~وتمسكوا بأذيال الوصال منكم فعليكم أن تدلوهم طريق الحق بمعاملتكم ~~وسيركم؛ ليقتدوا بكم بأحوالكم، { إلا على قوم بينكم ~~وبينهم ميثاق } [الأنفال: 72] يعني: إلا على بعض أحوالكم مما ~~صالحتم نفوسكم بعدما جاهدتموها وأسرتموها سرا فلا تدلوا الطلاب على هذه ~~الأحوال فإنهم بعد في بدء أمر الجهاد لا يصلح لهم الاطلاع على مصالحة ~~الواصلين مع نفوسهم ليميلوا إلى الصلح في أوان الجهاد والقتال مع النفوس، ~~{ والله بما تعملون } [الأنفال: 72] من الصلح والجهاد، { ~~بصير } [الأنفال: 72] يسلم الصلح للواصلين دون المجاهدين الطالبين. ### || [8.73-75] # { والذين كفروا } [الأنفال: 73] أي: ستروا الحق وأنكروا على ~~أرباب القلب وركنوا إلى البطالة، { بعضهم أوليآء بعض } ~~[الأنفال: 73] في الضلالة والإضلال، { إلا تفعلوه } [الأنفال: ~~73] أي: لا تتركوا اطلاعهم على مصالحتكم النفوس وعلى بعض أحوالكم، ولا ~~تحترزوا عن موالاة أهل البطالة، ولا تكونوا أولياء مرافقيكم وموافقتكم، { ~~تكن فتنة في الأرض } [الأنفال: 73] أي: في أرض قلوب الطالبين ~~فيغتروا عن جهاد النفوس، { وفساد كبير } [الأنفال: 73] في ~~موالاتكم أهل البطالة لكم ونفركم بالإنكار عليكم فيها، وفي ترك الموالاة ~~مع مرافقيكم وموافقتكم، { والذين ءامنوا } [الأنفال: 74] بأن ~~طلب الله واجب، { وهاجروا } [الأنفال: 74] عما سواه، { ~~وجهدوا } [الأنفال: 74] أنفسهم، { في سبيل الله } [الأنفال: ~~74] أي: في طلب الله، { والذين ءاووا } [الأنفال: 74] محبة الله ~~في قلوبهم، { ونصروا } [الأنفال: 74] أي: أمدوا المحبة بملازمة ~~الذكر حتى يصير المحب محبوبا والذاكر مذكورا لقوله تعالى: # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]، وقوله تعالى: # فاذكروني أذكركم # [البقرة: 152]. # { أولئك هم المؤمنون حقا ms0699 } [الأنفال: 74] يعني: هم ~~المؤمنون مستكملين الأيمان الذين وجدوا الحق تعالى في فقد وجودهم، { ~~لهم مغفرة } [الأنفال: 74] أي: صفة من صفات الحق سترتهم عنها ~~بها، { ورزق كريم } [الأنفال: 74] أي: رزقوا من كرم الكريم ~~فتخلقوا بأخلاق الكريمة، { والذين آمنوا من بعد وهاجروا ~~وجاهدوا معكم فأولئك منكم } [الأنفال: 75] يشير إلى ~~أن كل سالك صادق يسلك طريق الحق لقي من المتأخرين على قدر الإيمان ~~والهجرة والجهاد الحقيقي - كما مر ذكره - فهو من المتقدمين؛ لأنه ليس عند ~~الله صباح ولا مساء، فالواصلون كلهم كنفس واحدة وهم متبرئون عن الزمان ~~والمكان، استوى عندهم الأمس واليوم والغد، والقرب والبعد، والعلو والسفل ~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أمتي كالمطر لا تدري أولهم خير أم آخرهم " # وقد ألمت آخرين من إخوانه، وقال: # " واشوقاه إلى لقاء إخواني " # ، { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله } [الأنفال: 75] هم أولوا رحم الوصول في كتاب علم الله السابق ~~كقوله تعالى: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى # [الأنبياء: 101] إن الله بكل شيء في الأزل، { إن الله بكل ~~شيء عليم } [الأنفال: 75] من المقبولين والمردودين، ومن الواصلين ~~والمنقطعين. ### | [9 - سورة التوبة] ### || [9.1-4] # قوله تعالى: { برآءة } [التوبة: 1] إلى قوله: { إن الله ~~يحب المتقين } [التوبة: 4]. # الإشارة فيها: فاعلم أن الحكمة ترك كتابة { بسم الله الرحمن ~~الرحيم } في أول السورة براءة، وكتابتها في سورة النمل؛ ليعلم أنها ~~آية مكررة في القرآن، وأنها أكثر مما أنزلت في أوائل السور؛ لتكون فاصلة ~~بين السورتين، ولتكون كل سورة متوجة بتاج اسم الله تعالى وصفة جماله ~~وجلاله، فحيث نزلت كتبت، وحيث لم تنزل لم تكتب، فلما لم تنزل في أول ~~براءة ما كتبت في أولها ونزلت في أول النمل وفي أثنائها كتبت في الموضعين ~~جميعا. # { برآءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم ~~من المشركين } [التوبة: 1] يشير إلى أن النفوس المتمردة المشركة ~~التي اتخذت الهوى إلها وتعبدت صنم الدنيا فهادها الروح والقلب في أوان ~~الطفولية، وعاهدها على ألا يجاهداها ولا يقاتلاها إلى حد البلوغ، وهي ~~أيضا لا تتعرض لهما لاستكمال القالب واستواء ms0700 القوى البشرية التي بها ~~يتحمل حمل الأمانة، واعيا لأركان الشريعة وظهور كمال العقل الذي يستعد ~~لقبول الدعوة وإجابتها، وبه يعرف الرسل ومعجزاتهم، وبه يثبت الصانع ويرى ~~تعبده واجبا لأداء شكر نعمه، وإن الله ورسوله بريء من تلك المعاهدة بعد ~~البلوغ، فإنه وإن نقض عهد النفوس مع القلوب والأرواح؛ لأن النفس قبل ~~البلوغ كانت تتصرف في المأكول والمشروب والملبوس؛ لتربية القالب ودفع ~~الحاجة الماسة غالبا وذلك لم يكن فقرا جدا للقلب والروح، فأما ~~البلوغ فزاد في تلك التربية بالمأكول والمشروب والملبوس الضروري الشهوة، ~~ولما ظهرت الشهوة شملت آفتها المأكول والمشروب والنكوح واشتعلت نيرانها ~~وأشعلت يوما بيوم وفيها مرض القلب والروح وبعثت الأنبياء ولدفع هذا ~~المرض وعلاجه، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " بعثت لرفع العادات وترك الشهوات ". # وفي قوله تعالى: { فسيحوا في الأرض أربعة أشهر } ~~[التوبة: 2] إشارة إلى أن للنفوس في أرض البشرية سيرا وساحة لتكميل ~~الأوصاف الأربعة النباتية والحيوانية والشيطانية والإنسانية التي تتولد ~~بازدواج الروح العلوي النوراني المفرد والقالب السفلي الظلماني المركب من ~~العناصر الأربعة، فالنباتية: تولد الماء، والحيوانية: تولد الريح، ~~والشيطانية: تولد النار، والإنسانية: تولد التراب. # فلتكتمل هذه الصفات أرخيت أزمة النفوس في مراتع الدنيا ونعيمها إلى ~~البلاغة ثم قال: { واعلموا } [التوبة: 2] يعني: نفوس أهل السعادة { ~~أنكم غير معجزي الله } [التوبة: 2] أي: لا تعجزونه أن ~~ينزعكم عن المراتع الدنيوية ويمتعكم بالمنافع الأخروية { وأن الله ~~مخزي الكافرين } [التوبة: 2] يعني: مهلك أهل الشقاوة في تيه ~~الغفلات والشهوات، { وأذان من الله ورسوله } [التوبة: 3] ~~أي: أعلام وأخيار منهما. # { إلى الناس } [التوبة: 3] أي: إلى الصفات الناسوتية، { يوم ~~الحج الأكبر } [التوبة: 3] يوم الوصول إلى كعبة الوصال والحج ~~الأكبر يوم الوصول إلى كعبة القلب، { أن الله بريء من ~~المشركين ورسوله } [التوبة: 3] يشير إلى أن زيارة كعبة الوصال ~~وطوافها حرام على مشركي الصفات الناسوتية؛ لأنها تميل إلى غير الله، ~~وتركن إلى ما سواه فلا تطوف الناسوتية حول كعبة اللاهوتية إلا بعد فنائها ~~فيها، { فإن تبتم } [التوبة: 3] على الناسوتية بإفنائها في ~~اللاهوتية. # { فهو خير لكم } يشير إلى أن ms0701 قيامكم بالله خير لكم من قيامكم ~~بالناسوت، { وإن توليتم } عن الله وركنتم إلى غيره، { ~~فاعلموا أنكم غير معجزي الله } أي: لا تعجزونه عن ~~التصرف فيكم، أما لأهل السعادة فبالجذبات الإلهية يفنيكم عنكم ويبقيكم ~~به، وأما لأهل الشقاوة فبالطرد والتعذيب بألم الفراق ونار القطيعة، كما ~~قال تعالى: { وبشر الذين كفروا } [التوبة: 3] أي: تولوا ~~وأعرضوا عنا، { بعذاب أليم } [التوبة: 3]. # { إلا الذين عاهدتم من المشركين } [التوبة: 4] يشير ~~إلى أن النفوس المشركة بأنها من مع ميلها إلى غير الله عاهدت مع القلوب ~~على أن توافقهم في العبودية وتحمل أحباء الشريعة، { ثم لم ~~ينقصوكم شيئا } [التوبة: 4] من شرائط العبودية، { ولم ~~يظاهروا عليكم أحدا } [التوبة: 4] أي: لم يعاونوا عليكم ~~أعداءكم من الشيطان والدنيا وزخارفها ولم يتابعوا الهوى وتداركوا العهد ~~بالوفاء تجانبا عن الجفاء، { فأتموا إليهم عهدهم } ~~[التوبة: 4] بالمدارة والرفق، { إلى مدتهم } [التوبة: 4] إلى ~~أوان طلوع شمس سعادتهم عن أفق العناية، فإن لكل أجل كتاب فتداركهم ~~العناية الأزلية بخطاب # يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية # [الفجر: 27-28] إما في حال الحياة، وإما في وقت الوفاة، { إن ~~الله يحب المتقين } [التوبة: 4] الذين يتقون به عما سواه. ### || [9.5-8] # ثم أخبر عن حال المشركين وقتلهم بقوله تعالى: { فإذا انسلخ ~~الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين } إلى قوله: # ينتهون # [التوبة: 12]. # الإشارة فيه قوله تعالى: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم } ~~يشير إلى استكمال الأوصاف الأربعة التي بها قوام الإنسان من النباتية ~~والحيوانية والشيطانية كما مر ذكرها في الآيات المتقدمة؛ يعني: مهما ~~كملت النفس هذه الصفات بها تصير مشركة؛ لأن بهذه الأوصاف تميل إلى الدنيا ~~وزخارفها وتعبد الهوى والشيطان، { فاقتلوا المشركين } أي: ~~النفوس المشركة بسيف الصدق وقتلها في نهيها عن هواها ومنعها عن مشتهاها ~~واستعمالها على خلاف طبعها وضد طبيعتها. # { حيث وجدتموهم } [التوبة: 5] يعني: في الطاعة والمعصية، ~~فقتلها في الطاعة بملازمتها ومداومتها عليها، وفي المعصية بنظافتها عن ~~مشاربها فيها وإعجابها بها وتحصيلها إياها، { وخذوهم } [التوبة: 5] ~~بآداب الطريقة، { واحصروهم } [التوبة: 5] والجأوهم إلى حصار ~~الحقيقة. # { واقعدوا لهم كل مرصد } [التوبة: 5] يشير إلى مراقبة ~~أحوال النفوس وشد ms0702 طرف خيلها، أي: ارقبوا مقرها ومهربها، { فإن تابوا ~~} [التوبة: 5] رجعوا إلى الله ورجعت النفوس عن هواها إلى طلب الحق تعالى، ~~{ وأقاموا الصلوة } [التوبة: 5] أي: داومت على العبودية ~~والتوجه الحق، { وءاتوا الزكوة } [التوبة: 5] عن أوصافها ~~الذميمة، { فخلوا سبيلهم } [التوبة: 5] عن مفلسات الشدائد ~~بالرياضات والمجاهدات؛ ليعملوا بالشريعة بعد الوصول إلى الحقيقة، فإن ~~النهاية هي الرجوع إلى البداية، { إن الله غفور } [التوبة: 5] ~~يستر بصفاته الراجعين إليه، { رحيم } [التوبة: 5] بإقباله إليهم ~~لحصولهم لديه. # { وإن أحد من المشركين } [التوبة: 6] يعني: من مشركي ~~النفوس يشير إلى إحدى صفات النفوس، { استجارك } [التوبة: 6] بالقلب ~~يعني: بعض صفات النفس إن مال إلى جوار القلب، ويرغب في نوع من العبودية ~~وترك ما هو المخصوص به من الصفات الذميمة، { فأجره حتى يسمع ~~كلام الله } [التوبة: 6] حتى يلهم بإلهام الله ويميز به الفجور ~~والتقوى، فتتزكى عن الفجور وتتحلى بالتقوى، { ثم أبلغه } ~~[التوبة: 6] بالإخلاص والاجتهاد، { مأمنه } [التوبة: 6] وهو دار ~~الجذبة الإلهية، وإن الجذبة إذا تعلقت بصفة من صفات النفس تنجذب النفس ~~بجميع صفاتها من سطوة جذبة الحق، فإن بطش ربك لشديد، { ذلك ~~بأنهم } [التوبة: 6] يعني: النفس وصفاتها، { قوم لا ~~يعلمون } [التوبة: 6] الله والطاعة فلا يقبلون إليه ويعلمون الدنيا ~~وشهواتها فيرغبون إليها. # { كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند ~~رسوله } [التوبة: 7] يشير إلى مشركي النفوس كيف يكون، إما ثبات على ~~العهد الذي عاهدت الله تعالى يوم الميثاق على أن يعبدوه ولا يشركوا به ~~شيئا من الدنيا والآخرة، وذلك أن النفس ما دامت حية باقية على صفاتها ~~الذميمة غير المبدلة بالحميدة، ولا يمكنها العبودية الخالصة من قرب الطمع ~~في المقاصد الدنيوية والأخروية؛ لأنها خلقت من السفليات وجبلت ميالة إلى ~~الدنيا وشهواتها ولذاتها بالطبع وإن صقل الطبع الطمع بالتزكية عنها وآل ~~إلى الصلاح أمرها وتخلقت بالأخلاق الروحانية، فحينئذ تميل من الشهوات ~~الدنيوية الفانية إلى شهوات نعيم الجنة الباقية كقوله تعالى: # وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين # [الزخرف: 71]. # { إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام } التوبة: ~~7] وهو مقام الوصول الذي حرام على أهل الدنيا والآخرة وهو مقام أهل ms0703 الله ~~خاصة، فإن النفس إذا تنورت بالأنوار المنعكسة من تجلي صفات الجلال ~~والجمال لمرآة القلب تفنى عن أوصافها المخلوقية وتبقى بالأنوار الخالقية، ~~فيثبتها الله على العهد بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ~~محفوظة عن خصائصها، { فما استقاموا لكم } [التوبة: 7] عن ~~الصراط المستقيم فتصهر بالدين القويم، { فاستقيموا لهم } ~~[التوبة: 7] على مهادنة النفوس من ترك جهادها بشدائد فتك الطريقة وسرح ~~في رياض متسع الشريعة، { إن الله يحب المتقين } [التوبة: ~~7] أي: النفوس المتقية بالله عما سواه. # ثم أخبر عن خصوصية النفوس، وإنها لا تصلح للثبات على الاستقامة، وأنها ~~غير مأمونة عنها فقال: { كيف وإن يظهروا عليكم } [التوبة: ~~8] إلى قوله: # لعلهم ينتهون # [التوبة: 12] يشير إلى أن النفس في جميع الأحوال مترقبة للظفر بالقلب ~~والروح، { لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة } [التوبة: 8] ~~أي: لا يحفظوا فيكم حقوق الجنسية، فإن الخليقة بعضها من بعض الأرواح ~~والقلوب والنفوس والأصدقاء بالعهد، فإنها مجبولة على الجفاء ونقض العهود، ~~{ يرضونكم بأفواههم } [التوبة: 8] بالأعمال الظاهرة، { ~~وتأبى قلوبهم } [التوبة: 8] طبيعتهم وجبلتهم اختيارا ما ~~يرضونكم به اضطرارا، { وأكثرهم فاسقون } [التوبة: 8] فيما ~~يعملون للرياء والنفاق خارجون عن الصدق والإخلاص. ### || [9.9-13] # { اشتروا بآيات الله } [التوبة: 9] أي: بدلالات توصلهم إلى ~~الله تعالى، { ثمنا قليلا } [التوبة: 9] من متاع الدنيا ومصالحها ~~ومنافعها. # { فصدوا عن سبيله } [التوبة: 9] أي: قطعوا طرقه على الأرواح ~~والقلوب، { إنهم سآء ما كانوا يعملون } [التوبة: 9] حين ~~انقطعوا عن الحق وقطعوا طريقه على طالبه، { لا يرقبون في مؤمن ~~إلا ولا ذمة } [التوبة: 10] يعني: لا يرعون حقا من حقوق القلب ~~والروح عند الاستيلاء، فلا ترقبوا فيهم أيضا حقا من حقوقهم إذا ظفرتم ~~أيتها القلوب والأرواح بالنفوس، { وأولئك هم المعتدون } ~~[التوبة: 10] المجاوزون عن الحق وطلبه، { فإن تابوا وأقاموا ~~الصلوة } [التوبة: 11] أي: فإن رجعوا عن الاعتداء إلى إقامة ~~العبودية وطلب الحق، { وءاتوا الزكوة } [التوبة: 11] أي: ~~وتزكت عن طبعها وأوصاف جبلتها، { فإخونكم في الدين } ~~[التوبة: 11] رفقاؤكم في طلب الحق، فارقبوا حقوق إخوانهم كما ترقبون ~~حقوقكم كما لنفسك عليك حق، { ونفصل الأيت } [التوبة: 11] ونبين ~~دلالات طريق الحق والوصول إليه، { لقوم ms0704 يعلمون } [التوبة: 11] ~~أن السير إلى الله من أهم المهمات وأعظم الكمالات. # { وإن نكثوا أيمانهم } [التوبة: 12] أي: إن نقضوا النفوس ~~عهودهم، { من بعد عهدهم } [التوبة: 12] من بعد ما عاهدوه على ~~العبودية والمطاوعة، { وطعنوا في دينكم } [التوبة: 12] أي: ~~أنكروا على مذهب السلوك والقلب، { فقاتلوا أئمة الكفر } ~~[التوبة: 12] أي: فجاهدوا حق جهادها؛ أي: كما أن القلوب والأرواح أئمة ~~الدين والإيمان، فالنفوس أئمة الكفر ومعدنه، { إنهم لا أيمان ~~لهم } [التوبة: 12] أي: لأنه جاء لهم بالعهد على طلب الحق تعالى وبذل ~~ما سواه، { لعلهم ينتهون } [التوبة: 12] لكي ينتهوا عن طبيعتهم ~~وعما جبلوا عليه من الأمارية بالسوء. # ثم أخبر عن قتال الناكثين بقوله تعالى: { ألا تقاتلون قوما ~~نكثوا أيمانهم } [التوبة: 13] إلى قوله: # والله عليم حكيم # [التوبة: 15] إلى اتباعه في جهاد النفس التي نقضت عهدها وشدة رياضتها ~~لئلا تتعود نكث العهد وتعود إلى شؤم طبعها وعادتها الأمارية بالسوء بعد ~~اطمئنانها إلى ذكر الله، وطلبه انفتاح روزنة القلب إلى عالم الغيب، { ~~وهموا بإخراج الرسول } [التوبة: 13] يعني: الواردات ~~الغيبية بانسداد وزنة القلب بنتائج الصفات الإنسانية، { وهم ~~بدءوكم أول مرة } [التوبة: 13] المنازعة والمخالفة ~~والمقاتلة مع القلب والروح في بدء الأمر كان من سمة النفوس وطبعها. # { أتخشونهم } [التوبة: 13] يعني: أتخشون فوت حظوظ النفس في ~~اجتهادها؟ { فالله أحق أن تخشوه } [التوبة: 13] أي: خفية ~~فوات حقوق الله والوصول إليه أولى، { إن كنتم مؤمنين } ~~[التوبة: 13] بالوصول إليه فأقيموهم يعني: النفوس. ### || [9.14-19] # { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم } [التوبة: 14] أي: ~~القلوب والأرواح باستيلائكم عليها كما عذبتكم عند استيلائها عليكم، { ~~ويخزهم } [التوبة: 14] ويذلهم بالقهر والقمع، { وينصركم ~~عليهم } [التوبة: 14] بالظفر بها، { ويشف صدور قوم ~~مؤمنين } [التوبة: 14] أي: الأرواح والقلوب المؤمنة بانتقامهم من ~~النفوس الكافرة الناكثة العهود، { ويذهب غيظ قلوبهم } ~~[التوبة: 15] يعني: وحشتها وكدورتها، { ويتوب الله على من ~~يشآء } [التوبة: 15] من النفوس إلى الرجوع إلى الحق قبل التمادي من ~~غير احتياج برياضة شديدة، { والله عليم } [التوبة: 15] بالنفوس ~~التي ترجع بالشريعة إلى الحق والتي تتمادي في الباطل، { حكيم } ~~[التوبة: 15] فيما حكم ودبر في كليتها. # ثم أخبر عن لزوم الجهاد مع أهل ms0705 العناد بقوله تعالى: { أم حسبتم ~~أن تتركوا } [التوبة: 16] الإشارة فيها أم حسبتهم أيتها النفوس ~~الأمارة بالسوء أن تتركوا بلا رياضة ومجاهدة، { ولما يعلم ~~الله الذين جاهدوا منكم } [التوبة: 16] بترك الهوى وشهوات ~~الدنيا، { ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا ~~المؤمنين } [التوبة: 16] يعني: الأرواح والقلوب، { وليجة } ~~[التوبة: 16] أولياء من الشيطان والدنيا والهوى، { والله خبير ~~بما تعملون } [التوبة: 16] من التوجه إلى الحق بالصدق مخلصا ~~ومستويا بالأعراض والعلل. # ثم أخبر عن أحوال الأعمال مردودها ومقبولها بقوله تعالى: { ما كان ~~للمشركين أن يعمروا مسجد الله } [التوبة: 17] إلى ~~قوله: { والله لا يهدي القوم الظالمين } [التوبة: 19] ~~الإشارة فيها { ما كان للمشركين } إشارة إلى النفوس الأمارة ~~بالسوء المشركة التي تعبد الهوى والدنيا وشهواتها يعني: ما كان من شيمة ~~أمارتها عمارة مسجد الله وهي القلوب، وهم { شهدين على ~~أنفسهم بالكفر } [التوبة: 17] يعني: وهم مقرون على ما جبلت ~~عليه النفوس من التمرد وتعبد الهوى، { أولئك حبطت أعملهم ~~} [التوبة: 17] أي: صدرت عنهم رياء وسمعة، { وفي النار } [التوبة: ~~17] أي: نار البعد والقطيعة، { هم خلدون } [التوبة: 17] { ~~إنما يعمر مسجد الله } [التوبة: 18] أي: يعمر مساجد ~~القلوب ويزينها من النفوس { من ءامن بالله واليوم الآخر ~~} [التوبة: 18] أي: صدق بأن المقصود والمعبود هو الله لا الدنيا وشهواتها ~~الفانية وعمل نيل السعادة الأخروية الباقية، { وأقام الصلوة ~~وءاتى الزكوة } [التوبة: 18] أي: أدام المناجاة مع الله بصدق ~~القلب، وأدى حق التزكية عن الأخلاق الذميمة والأوصاف الرديئة، فإن بها ~~عمارة القلوب، { ولم يخش إلا الله } [التوبة: 18] أي: لم يخف ~~من فوات الحظوظ الدنياوية في طلب الله، وإنما يخاف فوات الحقوق الإلهية، ~~{ فعسى أولئك } [التوبة: 18] يعني: النفوس عقب هذه الأحوال، { ~~أن يكونوا من المهتدين } [التوبة: 18] من الله إلى الله، { ~~أجعلتم سقاية الحاج } [التوبة: 19] يشير إلى المستخدمين من ~~هذه الطائفة الذين ينصبون نفوسهم لخدمة أرباب الطلب ولهم أغراض فاسدة، ~~يقول: أتجعلون هذه الخدمة المنسوبة بالأغراض. # { وعمارة المسجد الحرام } [التوبة: 19] أي: الأعمال ~~الموجبة بعمارة القلوب إذا كانت خالصة عن الرياء والأغراض من الزهد ~~والتصوف والتقيد بالمشوبات بالرياء والهوى، { كمن آمن بالله ms0706 ~~واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله } [التوبة: 19] أي: ~~مساويا إيمانه واعتقاده طلب الله تعالى وهو مجاهد في السير إلى الله، { ~~لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم ~~الظالمين } [التوبة: 19] الذين يضعون الأعمال الصالحة في غير موضعها ~~رياء وسمعه إلى حضرة جلاله. ### || [9.20-24] # ثم أخبر عن أهل الوفاق بعد ذكر أهل النفاق بقوله تعالى: { الذين ~~آمنوا وهاجروا } [التوبة: 20] الإشارة فيهما: { الذين ~~آمنوا } أي: القلوب المؤمنة، { وهاجروا } أي: الأرواح المهاجرة ~~إلى القوالب والأجساد، { وجاهدوا } [التوبة: 20] أي: القلوب ~~والأرواح التي جاهدت النفوس، { في سبيل الله } [التوبة: 20] أي: ~~في طلب الله والسير إليه، { بأموالهم وأنفسهم } [التوبة: ~~20] أي: ببذل الوجود والموجود جميعا في الله. # { أعظم درجة } [التوبة: 20] أي: قربة، { عند الله } ~~[التوبة: 20] أي: في مقام العندية من النفوس المتمردة، { وأولئك ~~هم الفائزون } [التوبة: 20] الناجون من حجب الوجود المجازي، { ~~يبشرهم ربهم } [التوبة: 21] بعد الخلاص عن حبس الوجود، { ~~برحمة منه ورضوان } [التوبة: 21] أي: بتجلي صفات لطفه، { ~~وجنات لهم } [التوبة: 21] من فراديس القلوب، { فيها نعيم ~~مقيم } [التوبة: 21] من الشواهد والكشوف، { خالدين فيهآ ~~أبدا إن الله عنده أجر عظيم } [التوبة: 22] أي: في ~~الازدياد أبد الآباد يعني: من وصل إلى مقام العندية، فالله العظيم أجره ~~أي: يجده في مقام العندية. # ثم أخبر عن ترك موالاة الكفار وإن كانوا آباء وأقرباء بقوله تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آبآءكم ~~وإخوانكم أوليآء إن استحبوا الكفر على ~~الإيمان } [التوبة: 23] الآيتين: { يأيها الذين آمنوا } ~~يشير إلى القلوب شواهد الحق، { لا تتخذوا آبآءكم } أي: ~~الأرواح، { وإخوانكم } أي: النفوس، فإن بازدواج الأرواح والأشباح ~~تولدت القلوب والنفوس منها، فالأرواح للقلوب بمثابة الآباء والنفوس ~~بمثابة الإخوان. # ثم اعلم أن لكل واحد من الروح والقلب والنفس كفرا وإيمانا مناسبا ~~لحاله، والكفر: هو الستر والحجاب، والإيمان: هو الشهود والكشف، فكفر ~~بالروح من حجاب الأنانية الروحانية والبقاء مع الله تعالى، وإيمانه ~~بالفناء عن أنانيته في الله وبقائه بالله، وكفر القلب: موته ومرضه وصممه ~~وبكمه وعماه وهو الكفر الحقيقي، وإيمانه: سلامته عن هذه والعلل والآفات ~~وإحيائه بالنور الساطع الرباني من كتابة ms0707 الله فيه بقلم الكرم، به يشاهد ~~الحق تعالى ويكاشف بصفاته وهو الإيمان الحقيقي ومعدنه القلب. # وكفر النفس: انهماكها في شهوات الدنيا واستغراقها باستيفاء لذاتها وبقاء ~~صفاتها الحيوانية والشيطانية، وإيمانها: بخروجها عن صفاتها الطبيعة ~~الظلمانية إلى الأخلاق الروحانية الشرعية النورانية واطمئنانها بالذكر ~~وأنسها مع الله، فربما تكون بعض هذه الخلقة مؤمنا وبعضها كافرا، فمعنى ~~الآية يشير إلى أن القلوب المؤمنة لا ينبغي أن يتخذوا آباءهم الأرواح ~~وإخوانهم النفوس أولياء، ولا يتركوا عداوتهم بترك الجهاد معهم { إن ~~استحبوا الكفر على الإيمان } أي: اختاروا الوقوف مع ~~أوصافهم فيه كفرهم ولا يخرجون من ظلمات طباعهم إلى أنوار مواهب الحق ~~تعالى. # قال تعالى: { ومن يتولهم منكم } [التوبة: 23] يعني: كل قلب ~~مؤمن يواسي الروح والنفس في استحبابها الكفر، ولا يجاهدها ليخرجهما من ~~كفر طبعهما إلى نور إيمانهما { فأولئك هم الظالمون } ~~[التوبة: 23] الواضعون المداراة والمواساة في غير موضعها، فإن المداراة ~~في الطريق كفر. # وفي قوله تعالى: { قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم ~~وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال ~~اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ~~ترضونهآ أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد ~~في سبيله فتربصوا } [التوبة: 24] أي: الآخرة، إشارة إلى أن ~~أصل الدين هو محبة الله تعالى، وأن صرفه استعداد محبة الله في هذه ~~الأشياء المذكورة فيها فسق وهو الخروج من محبة الخالق، من أثر محبة ~~المخلوق فقد أبطل الاستعداد الفطري لقبول الفيض الإلهي، واستوجب الحرمان ~~وإدراكه القهر والخذلان، ولهذا قال تعالى: { فتربصوا حتى ~~يأتي الله بأمره } [التوبة: 24] أي: بقهره، { والله لا ~~يهدي القوم الفاسقين } [التوبة: 24] الخارجين عن حسن ~~الاستعداد؛ يعني: لا يهديهم إلى حضرة جلاله وقبول فيض جماله بعد إبطال ~~حسن الاستعداد. ### || [9.25-29] # ثم أخبر عن كرم الخالقية وكرم المخلوقية بقوله تعالى: { لقد ~~نصركم الله في مواطن كثيرة } [التوبة: 25] إلى قوله: { ~~والله غفور رحيم } [التوبة: 27]، { لقد نصركم الله ~~في مواطن كثيرة } أي: نصركم الله في جهاد النفوس الذي هو الجهاد ~~الأكبر بالظفر عليها في مقامات كثيرة، { ويوم حنين } [التوبة: ~~25] فيه إشارة إلى تحنين القلوب شوقا إلى ربها وحنن حنين قلوبكم إلى ms0708 ~~اللقاء حسبتم أنكم تبلغون بكثرة الطاعات، وتنالونه بمجرد الأعمال وهو ~~قوله تعالى: { إذ أعجبتكم كثرتكم } [التوبة: 25] يشير إلى ~~كثرة الطاعات، { فلم تغن عنكم } [التوبة: 25] كثرتها، { شيئا ~~} [التوبة: 25] فما حسنت قلوبهم إليه، { وضاقت عليكم الأرض } ~~[التوبة: 25] أرض الوجود. # { بما رحبت } [التوبة: 25] أي: بما وسعت، { ثم وليتم } ~~[التوبة: 25] أي: أعرضتم عن الطلب لما احتجبتم بحجب العجب، وانقطع عنكم ~~إمداد الفيض الرباني غلب عليكم هوى النفوس حتى وليتم عما توليتم من صدق ~~القلب وجهاد النفوس، { مدبرين } [التوبة: 25] إلى أسفل الطبيعة ~~الحيوانية، وذلك ليتحقق لكم أن من أقبل إلى الحق فبالحق أقبل ومن عدم ~~توفيق الإقبال أدبر بلوم نفسه، { ثم أنزل الله سكينته ~~على رسوله وعلى المؤمنين } [التوبة: 26] وهي واردات ترد ~~على القلوب والأرواح المؤمنة، { وأنزل جنودا لم تروها } ~~[التوبة: 26] من الفيض الرباني. # { وعذب الذين كفروا } [التوبة: 26] أي: النفوس المتمردة ~~عذبها بنهيها عن هواها، واستعمالها في أحكام الشريعة وآداب الطريقة، ~~وتزكيتها عن أوصافها، { وذلك جزآء الكافرين } [التوبة: 26] ~~أي: وذلك علاج النفوس المتمردة، { ثم يتوب الله من بعد ~~ذلك } [التوبة: 27] أي: من بعد ذلك العلاج، { على من يشآء } ~~[التوبة: 27] يعني: يرد ما يشاء من النفوس بجذبة # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28] إلى حضرة جلاله، وهذا إشارة إلى السير إلى الله بالله، { ~~والله غفور } [التوبة: 27] بصفة مغفرته للسائرين إليه، { رحيم ~~} [التوبة: 27] بهم فيما يغفر لهم. # ثم أخبر عن حال المشركين بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~إنما المشركون نجس } [التوبة: 28] الإشارة فيها: { ~~يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس } يشير ~~الخطاب إلى الأرواح المؤمنة، وإعلانها عن أحوال النفوس المشركة أنها نجس ~~ونجاستها شركها، أنها تعبد الدنيا والشيطان والهوى من دون الله، { فلا ~~يقربوا المسجد الحرام } [التوبة: 28] وهو القلب، { بعد ~~عامهم هذا } [التوبة: 28] أي: بعد البلوغ، وذلك أن الله تعالى قد ~~رفع قلم التكليف عن الإنسان إلى أن يبلغ لاستكمال القالب، ففي تلك الحالة ~~كانت النفس وصفاتها تطفن حول كعبة القلب مستمدات من قوته العقلية ~~والروحانية، وبهذا يظفرون بمشتهياتهن من الدنيا ونعيمها حتى صار دأبهن ~~تعبد الدنيا والإشراك بالله طبعهن، ms0709 وبذلك الكامل القالب واستوت أوصاف ~~البشرية الحيوانية عند ظهور الشهوة بالبلوغ، ثم أجرى الله عليهم قلم ~~التكليف، ونهى القلوب عن اتباع النفوس، وأمرها بقتالها ونهاها عن طوافها ~~لئلا تنجس كعبة القلب بنجاسة شرك النفس وأوصافها الذميمة. # ثم قال تعالى: { وإن خفتم عيلة } [التوبة: 28] يعني: فاقة عن ~~الحظوظ، وذلك أن للقلب من الجهة التي تلي النفس حظوظا يستلذ بها عند ~~اتباع النفس واتصافه بصفاتها، فلما منعت النفس عن طوافها حول القلب خاف ~~القلب من فوات حظوظه من الشهوات بتبعية النفس فقال تعالى: { وإن ~~خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله } [التوبة: ~~28] أي: بعد انقطاع تصرفات النفس عن القلب يغنيه الله من تلك الحظوظ بما ~~يفتح عليه من فضل مواهبه من أنواره وآياته الربانية والشواهد والكشوف ~~الرحمانية، { إن شآء } [التوبة: 28] فيه إشارة إلى أن ما عند الله لا ~~ينال إلا بمشيئته، { إن الله عليم } [التوبة: 28] بمستحق فضله، ~~{ حكيم } [التوبة: 28] فيما حكم وقدر، ثم أمر بقتال النفوس المشركة ~~فقال تعالى: { قاتلوا الذين لا يؤمنون } [التوبة: 29] أي: ~~من النفوس، { بالله } [التوبة: 29] بتعبده. # { ولا باليوم الآخر } [التوبة: 29] أي: يعملن لتعبد الدنيا ~~وتمتعا بها كالبهائم، { ولا يحرمون ما حرم الله } ~~[التوبة: 29] من حب الدنيا وشهواتها، فإنه رأس كل خطيئة، { ورسوله } ~~[التوبة: 29] أي: وما حرم رسوله على نفسه منها، { ولا يدينون ~~دين الحق } [التوبة: 29] أي: لا يطلبون الله، فإن دين الحق هو ~~طلبه. # { من الذين أوتوا الكتاب } [التوبة: 29] أي: من النفوس ~~التي ألهمت بالإلهامات الربانية والخواطر الرحمانية، ثم غلب عليها الهوى ~~ومالت إلى الدنيا وشهواتها وما عملت بما ألهمت، فأمر بقتالها وجهادها وما ~~خالفتها، { حتى يعطوا الجزية } [التوبة: 29] وجزيتها ~~معاملاتها على خلاف طبعها، { عن يد وهم صاغرون } [التوبة: 29] ~~يعني: عن حكم صاحب قوة وهو الشرع وعن عجز وعن ذل وهوان. ### || [9.30-34] # ثم أخبر عن حال النفوس الملهمة بقوله تعالى: { وقالت اليهود ~~عزير ابن الله } [التوبة: 30] إلى قوله: { ولو كره ~~المشركون } [التوبة: 33]، { وقالت اليهود عزير ابن ~~الله } [التوبة: 30] يشير إلى تهود النفس، وعزير القلب، وذلك لأن ~~النفس خلقت ms0710 من ملكوت العناصر الأربعة، وهي ظلمانية سفلية محجوبة عن الله ~~تعالى، وهي ظلومة جهولة، والقلب خلق من الملكوت الأعلى، ولهذا الستر هو ~~بين أصبعين من أصابع الرحمن أي: بين صفتي اللطف والقهر والجمال والجلال، ~~وهو نوراني علوي ومهبط أنوار الحق ومورد الواردات والمواهب الربانية ~~ومعدن العلوم اللدنية ومظهر صفات اللطف والقهر ومنح علم. # وعلم ءادم الأسمآء كلها # [البقرة: 31] انعكس من مرآة القلب آثار أنوار الواردات والمعارف الصادرة ~~عن الحضرة على النفس المظلمة نورت وألهمت عن القلب بتلك المعارف والعلوم ~~التي هي بمعزل عنها تقول القلب ابن الله كما قالت اليهود لما سمعت، ~~والعلوم التي هي بمعزل عنها عزير ابن الله. # { وقالت النصارى المسيح ابن الله } [التوبة: 30] يشير ~~بالنصارى إلى القلب الغلف الذي هو مكمن مرض حب الدنيا ونعيمها، وبالمسيح ~~إلى الروح المشرف باختصاص إضافة من روح المفرز بنفحة الحق، وذلك الروح ~~ربما يتجلى للقلب في صفة الربوبية والخلافة مقتربا بتجلي صفة إبداع ~~الحق، ومبدعية الروح مع كمال قربه واختصاصه بالحق عند بقاء تصرف الخيال ~~فيتخيل القلب نسبة الأبوة والبنوة بين الله والعبد؛ إذ البنوة أخص ~~التعلقات بالوالد، وإذا كوشف العبد بهذا الابتلاء ينسب الروح بأنها إنزال ~~الله، ولهذا السر أزال الحق سبحانه وتعالى هذه الشبهة مع سورة الإخلاص ~~بقوله: # لم يلد # [الإخلاص: 3]. # { ذلك قولهم بأفواههم } [التوبة: 30] أي: ليسوا على تحقيق ~~في هذا القول، { يضاهئون قول الذين كفروا من قبل } ~~[التوبة: 30] يوافقون قول النفوس الكافرة الكاذبة قبل إيمان القلوب ~~والأرواح، { قاتلهم الله أنى يؤفكون } [التوبة: 30] ~~يكذبون، { اتخذوا } [التوبة: 31] أي: النفوس. # { أحبارهم } [التوبة: 31] أي: قلوبهم، { ورهبانهم } ~~[التوبة: 31] أي: أرواحهم، { أربابا من دون الله والمسيح ~~ابن مريم } [التوبة: 31] يشير إلى الخفي الذي فوق الأرواح، وهو ~~استولد منه بنفحة الحق كما تولد عيسى عليه السلام عن مريم - رضي الله ~~عنها - بنفحة الحق، وإنما اتخذت النفوس القلوب والأرواح والخفاء أربابا؛ ~~لأن الخفي هو أول مظهر الفيض الإلهي الذي منه التربية، ثم الروح، ثم ~~القلب، ثم النفس، ثم القالب، فالنفس من قصر نظرها ترى منشأ تربيتها ms0711 ~~القلب، فتتخذه ربا ثم يرتقي نظرها إلى أن ترى التربية من الخفي فتتخذه ~~ربا من دون الله، فإن نظرها لا يرتقي إلى أن ترى الحق تعالى، فإن رؤية ~~الحق من شأن القلب لا من شأن النفس كقوله تعالى: # ما كذب الفؤاد ما رأى # [النجم: 11]. # { ومآ أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا } ~~[التوبة: 31] أي: ليروا مصدر الأمور ومنشأ الأفاعيل والمعبود الحقيقي ~~إلها واحدا صمدا لا شيرك له، { لا إله إلا هو } [التوبة: ~~31] أي: لا معبود سواه، { سبحانه عما يشركون } [التوبة: 31] ~~يجعلون له أندادا من الدنيا وما فيها، ومن الآخرة وما فيها؛ يعني: هو ~~منزه عن كل شريك أثبتته النفوس، فإن من شيم النفوس اتخاذ الهوى والدنيا ~~والشيطان إلها، { يريدون أن يطفئوا نور الله ~~بأفوههم } [التوبة: 32] أي: هوى النفوس إطفاء النور الإلهي ~~بأفواه استيفاء الشهوات واللذات الجسمانية عن مصابيح الروحانية. # { ويأبى الله إلا أن يتم نوره } [التوبة: 32] يعني ~~من سنة الله لا يسلط النفوس على القلوب المنورة بنور الله؛ ليطفئوا أنوار ~~الله، بل من سنته أن يتم نوره الذي رش على الأرواح في بدء الخلقة؛ لقوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " إن الله خلق الخلق ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد هدي ~~ومن أخطأه فقد ضل " # فإتمام ذلك النور المرشش بالاهتداء. # { ولو كره الكفرون } [التوبة: 32] أي: ولو كرهت النفوس ~~الكافرة، { هو الذي أرسل رسوله } [التوبة: 33] وهو النور ~~المرشش، { بالهدى } [التوبة: 33] أي: بالهداية. # { ودين الحق } [التوبة: 33] أي: بطلب الحق يعني: من طلب الحق ~~واهتدى إليه إنما كان بهداية النور المرشش ولو لم يكن ذلك النور ما اهتدى ~~إلى الله أحد؛ لقوله تعالى: # ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # [النور: 40]. # { ليظهره على الدين كله } [التوبة: 33] أي: ليظهر النور ~~المرشش في طلب الحق على طلب غيره كله، { ولو كره المشركون } ~~[التوبة: 33] ولو كرهت النفوس المشركة ترك ما سوى الله لطبعها؛ لأن من ~~طبعها طلب غير الله وهو إشراكها بالله. # ثم أخبر عن أحبار غير أخيار بقوله تعالى: { يأيها الذين ms0712 ~~آمنوا إن كثيرا من الأحبار } [التوبة: 34] الآيتين: { ~~يأيها الذين آمنوا } بأسرارهم ولم يتمكن الإيمان من سرائرهم، ~~{ إن كثيرا من الأحبار } أي: القلوب، { والرهبان } ~~[التوبة: 34] أي: الأرواح، { ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل ويصدون عن سبيل الله } [التوبة: 34] أي: ~~يتمتعون من حظوظ النفس بطالة وخسارة؛ لأن حظوظ القلب والأرواح من ~~المطالعات الروحانية والمشاهدات الربانية والأحوال السنية العلوية. # { والذين يكنزون الذهب والفضة } [التوبة: 34] وهم ~~الذين يكنزون الذهب والفضة حرصا وطمعا في الاستمتاع من ~~حظوظ النفوس، { ولا ينفقونها في سبيل الله } [التوبة: 34] ~~ليقطعوا مسافة البعد عن الله تعالى بقدمي ترك الدنيا وقمع الهوى، { ~~فبشرهم بعذاب أليم } [التوبة: 34] وهو عذاب البعد ~~والقطيعة. ### || [9.35-39] # { يوم يحمى عليها } [التوبة: 35] أي: على ما لم ينفقوه في ~~طلب الحق، { في نار جهنم } [التوبة: 35] أي: يحمي نار جهنم ~~الحرص، { فتكوى بها جباههم } [التوبة: 35] أي: جباه القلوب ~~والأرواح؛ لأنها لا تتوجه للحق وطلبه، { وجنوبهم } [التوبة: 35] أي: ~~لئلا تتجافى عن المضاجع المكونات، يدعون ربهم خوفا من القطيعة، وطمعا ~~في الوصول إلى عالم الحقيقة، { وظهورهم } [التوبة: 35] أي: لئلا ~~تركع وتتواضع لله تعالى. # { هذا ما كنزتم لأنفسكم } [التوبة: 35] أي: يقال هذا ~~الذي أصابكم من الحرمان، وكثرة الهجران ما خصكم وأخرتم بخسران أنفسكم، { ~~فذوقوا ما كنتم تكنزون } [التوبة: 35] أي: الآن في الآخرة، ~~فذوقوا من ألم الحرمان والخسران الحاصل في الدنيا من كي نار الحرص ولم ~~تكونوا تذوقوا؛ لأنكم كنتم في منام الغفلة عن الآخرة، والنائم لا يذوق ~~ألم الكي في النوم، وإنما يذوقوه عند الانتباه # " الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ". # ثم أخبر عن عدة الشهور التي وجبت فيها الزكاة على الجمهور بقوله تعالى: ~~{ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر } [التوبة: 36] ~~أي: إن تقدير عدة الشهور عند الله في الأزل اثنا عشر، { شهرا في ~~كتاب الله } [التوبة: 36] في علم الله، { يوم خلق ~~السموت والأرض منهآ أربعة حرم } [التوبة: 36] ~~يعني: اقتضت الحكمة الإلهية الأزلية أن يكون من الشهور. # { يوم خلق السموت والأرض منهآ أربعة حرم } ~~أي: يعظم انتهاك المحارم فيها بأشد ما يعظم في غيرها؛ بل هي ms0713 أشهر الطاعات ~~والعبادات محرمة فيها الشواغل الدنيوية والحظوظ النفسانية على الطلاب، ~~وفيه إشارة إلي أن أيام الطالب وأوقات عمره ينبغي أن تصرف جملتها في ~~الطلب فإن لم يتيسر له ذلك فثلثاها وإلا فنصفها، وإن لم يكن فمحرم صرف ~~ثلثها في غير الطلب ولا يفلح من نقص من صرف الثلث شيئا في الطلب إذ لا ~~بد له من صرف بعض عمره في تهيئ معاشه ومعاش أهله وعياله، ومن استغنى عن ~~هذا المانع فمحرم عليه صرف لحظة من عمره في غير الطلب وتوابعه كما قال { ~~ذلك الدين القيم } [التوبة: 36] أي: المستقيم يعني: من صرف ~~شيئا من عمره في شيء غير طلب الحق ما استقام دينه؛ بل فيه اعوجاج بقدر ~~ذلك فافهم جدا. # ثم قال: { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } [التوبة: 36] أي: ~~في ثلث العمر لأن الأربعة هي ثلث الاثني عشر، يعني: إن صرفتم شيئا من ~~ثلث أعماركم المحرم في شيء من المصالح الدنيوية فقد ظلمتم أنفسكم ~~باستيلائها على القلوب والأرواح عند غلبات صفاتها؛ لأنه مهما يكن صرف ~~أكثر العمر في الدنيا ومصالحها واستيفاء الحظوظ النفسانية تكون النفس ~~غالبة على القلب والروح فتخالفهما وتنازعهما بجميع صفاتها الذميمة، وتميل ~~إلى الدنيا وشهواتها وتعبد هواها فتكون مشركة بالله فلهذا قال: { ~~وقاتلوا المشركين كآفة } [التوبة: 36] أي: قلوبكم وصفاتها ~~وأرواحكم وصفاتها. # { كما يقاتلونكم كآفة } [التوبة: 36] أي: النفوس وصفاتها ~~جميعا ومقاتلة النفوس بمخالفتها وردعها عن هواها وكسر صفاتها ومنعها عن ~~شهواتها وشغلها بالطاعات والعبادات واستعمالها في المعاملات الروحانية ~~والقلبية وجملتها التزكية عن الأوصاف الذميمة والتحلية بالأخلاق الحميدة ~~ثم قال: { واعلموا أن الله مع المتقين } [التوبة: ~~36] وهم القلوب والأرواح المتقية عن الشرك يعنى عن الالتفات لغير الله ~~ولو لم يكن الله معهم بالنصر والتوفيق لما اتقوا بالله عما سواه. # قوله تعالى: { إنما النسيء زيادة في الكفر } [التوبة: ~~37] يشير إلى أن الكفر من شيم النفوس الأمارة بالسوء، وإنما جاء الشرع ~~ليجعلها مأمورة مسلمة لأوامره ونواهيه، فتأخير الأشهر الحرم وتبديلها ~~زيادة في الكفر الطبعي النفساني، { يضل به } [التوبة: 37] عن سبيل ~~الله. # { الذين ms0714 كفروا } [التوبة: 37] أي: النفوس الكافرة ليزداد كفرها ~~على الكفر وبعدها على البعد؛ لأنها مع كفرها تحل ما حرم الله، وتحرم ما ~~أحل الله وهو كفر، وذلك قوله تعالى: { يحلونه عاما ~~ويحرمونه عاما } [التوبة: 37] إلى قوله: { زين لهم ~~سوء أعمالهم } [التوبة: 37] لأنهم يحبسون أي: مواطأة، { ~~ليواطئوا عدة ما حرم الله } [التوبة: 37] مع تأخيره ~~وتبديله بالطبع، وتغيير المأمور به محمودا، ولا يعلمون أنه كفر زادوه في ~~كفرهم، { فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء ~~أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين } [التوبة: ~~37] أي: إنما لم يهتدوا إلى الإيمان؛ لأن الله ما هداهم. # ثم أخبر عن حث الرجال على القتال بقوله تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله ~~اثاقلتم إلى الأرض } [التوبة: 38] الآيتين، { يأيها ~~الذين آمنوا } أي: يا أيتها الأرواح والقلوب المؤمنة، { ما ~~لكم } [التوبة: 38] أي: ما مصيبتكم وبلواكم، { إذا قيل لكم } ~~يعني: بالإلهام الرباني، { انفروا في سبيل الله } أي: اخرجوا ~~من الدنيا وما فيها في طلب الله والسير إليه إذ آمنتم به. # { اثاقلتم إلى الأرض } أي: تثاقلتم إلى أرض الدنيا وملتم إلى ~~شهواتها كالنفوس الكافرة، { أرضيتم بالحياة الدنيا من ~~الآخرة } [التوبة: 38] كيف رضيتم من أنفسكم بركونها إلى الدنيا ~~وشهواتها، وترك الآخرة ونعيمها، واستحسنتم بأن تبيعوا الدين بالدنيا ~~وتريدون الفاني على الباقي؟ # { فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل } ~~[التوبة: 38] فإن الكثير الفاني قليل بالنسبة إلى القليل الباقي، فكيف أن ~~الدنيا مع فنائها قليل بالنسبة إلى الآخرة مع بقائها، والآخرة ببقائها ~~كثيرة بالنسبة إلى الدنيا مع فنائها! # { إلا تنفروا } [التوبة: 39] أي: لا تخرجوا من الدنيا وسجنها ~~وقيود شهواتها أيتها الأرواح والقلوب الروحانية، { يعذبكم ~~عذابا أليما } [التوبة: 39] بإبطال أنوار الروحانية، واستيلاء ~~ظلمات الصفات النفسانية، وغلبات الأوصاف السبعية والشيطانية، وألم عذاب ~~البعد عن الحضرة الربانية. # { ويستبدل قوما غيركم } [التوبة: 39] من الأرواح والقلوب ~~العاشقة الصادقة، { ولا تضروه شيئا } [التوبة: 39] على ترك ~~الخروج؛ ولكن تضرون أنفسكم بالحرمان عن تلك السعادات، { والله على ~~كل شيء قدير } [التوبة: 39] أي: وهو قادر على استبدال ms0715 قوم ممن ~~يشاء ومتى يشاء. ### || [9.40-45] # ثم أخبر عن ترك النصر كما لم يضره كذلك لا يضره ترك الخروج بقوله تعالى: ~~{ إلا تنصروه فقد نصره الله } [التوبة: 40] إلا تنصروه ~~يا أرباب الصورة بأن تكونوا معه فقد نصره الله في عالم الحقيقة بأن كان ~~معه، { إذ أخرجه الذين كفروا } [التوبة: 40] من مكة ولم ~~يخرجوا معه بالنصر إلا أبو بكر رضي الله عنه، { ثاني اثنين إذ ~~هما في الغار } [التوبة: 40] الوحدة الأزلية والخلوة الحبيبية، إذ ~~لا يسعه ملك مقرب ولا نبي مرسل حين لا حين، وكان الله ولم يكن معه شيء ~~فخلق ببديع فطرته أول ما خلق الله نور وجود حبيبه، فكان ثاني اثنين في ~~غار الغيرة ومقام المعية، وله صلى الله عليه وسلم مع الله وقت لا يسعه ~~فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل إلى أن شرف الله تعالى أبا بكر رضي الله عنه ~~باختصاص هذين القائلين بتبعيته صلى الله عليه وسلم؛ أعني: مقام ثاني ~~اثنين ومقام العندية كما قال تعالى: { ثاني اثنين إذ هما في ~~الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } ~~[التوبة: 40]، وأنه تعالى متكلم به من الأزل إلى الأبد فدل على أن أبا ~~بكر رضي الله عنه كان مكرما في الأزل بهذه الكرامة وهو ثاني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في جميع الأحوال، فكما أخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من مكة مهاجرا كان أبا بكر ثانيه فقط، فكذلك لما خرج من العدم ~~كان أبو بكر ثانيه وفي عالم الأرواح، بل كان ثانيه في غار العدم، ولم يكن ~~لأحد من الخلق هذا الاختصاص من معه غير أبي بكر رضي الله عنه والذي يدل ~~قوله صلى لله عليه وسلم: # " ما ظنك باثنين الله ثالثهما ". # وكان أبو بكر رضي الله عنه ثانيه في سباق الطلب والسير إلى الله تعالى ~~في الجاهلية، والذي يؤكد هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: # " كنت أنا وأبو بكر كفرسي رهان فسبقته فتبعني، ولو سبقني لتبعته " # ، وكان ثانيه في الإسلام دل ms0716 عليه قوله تعالى: # والذي جآء بالصدق وصدق به # [الزمر: 33] وكان ثانيه في إمامة المسلمين يدل عليه قوله صلى الله عليه ~~وسلم في مرضه الذي توفي فيه: # " مروا أبا بكر فليصل بالناس " # فلما كان أبو بكر رضي الله عنه ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~الإطلاق في بدء الخلقة وفي خلال حياته في مقامات وأحوال كثيرة، فقد تعين ~~أن يكون ثانيه بعد وفاته في الخلافة كما قاله صلى الله عليه وسلم: # " يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " # والذي يؤكد قولنا في أن أبا بكر كان ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على الإطلاق، وأنه كان متعينا للخلافة بعدما أورده الشيخ الفضل بن سهل ~~في تصديق خلافة أبي بكر رضي الله عنه فقال: إنه خير الناس بعد وفاة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وإن خلافته حق واجب من الله تعالى. # قال الله عز وجل: { ثاني اثنين إذ هما في الغار } حصل له ~~في كل أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ثانيه فأطلق القول أنه ثاني ~~اثنين، ولم يعلقه بأنه ثاني اثنين في الغار فيكون ثانيه بحضوره معه في ~~الغار فيكون مخصوصا بثانيه في الغار فقط، فلما قال: { إذ هما } دل ~~على عموم الحال حتى يقول دليل بأنه مخصوص بثانيه في الغار فقال: ومن ~~النبي صلى الله عليه وسلم واجب في عظم الدين وهو بأصحابه في مقام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مستخلف. # وذكر فيه بإسناده إلى عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال في مرضه: # " " ليؤم الناس أبو بكر " فقالت عائشة لحفصة: قولي له إن أبا بكر رجل ~~رقيق، وإنه إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل ~~بالناس، فقالت حفصة: يا رسول الله إن أبا بكر رقيق، وإنه إذا قام مقامك ~~لم يسمع الناس من البكاء، فقال: " يؤم الناس أبو بكر " وقالت: فأعدت ذلك، ~~فقال: " مه إنكن لأنتن صواحب يوسف ليؤم الناس أبو بكر " # وقال: لما ms0717 عورض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سهل الخلقة لين الجانب ~~أجل وأغلظ لحضور الحق الذي لا يجوز غيره وهذا بين لا خفاء فيه. # وقال دليل آخر أن خلافته حق لا يجوز غيره ما أخبرنا محمد بن بكر، وذكر ~~إسنادها إلى عبد الله بن زمعة قال: لما استعز بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم وسلم وأنا عنده في نفر من الناس دعاه بلال إلى الصلاة، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " مروا أبا بكر يصلي بالناس، قال: فخرجنا، فإذا عمر في الناس، ~~وكان أبو بكر غائبا، فقلت: يا عمر، قم فصل للناس، فتقدم فكبر، ~~فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوته - وكان عمر رجلا مجهرا - ~~قال: فأين أبو بكر؟ يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر، فبعث إلى أبي بكر، ~~فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة، فصلى بالناس ". # قال: لولا أنه حق لا يجوز غيره ما أعيدت تلك الصلاة ولولا أنه حق واجب ~~ينظر بأبي بكر لكان في الناس غير عمر حضور وغيب، وبعث إلى أبي بكر وهو ~~غائب ونادى الصلاة؛ لأنه حضر وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت ~~الصلاة في ذلك الوقت خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان غير ذلك ~~لم تجب الإعادة، فقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر ~~والصحابة بأجمعهم خلف عبد الرحمن بن عوف وهم في مسيرهم إلى تبوك فجاز ولم ~~يوجب إعادة، ولو لم يعد تلك الصلاة كانت الخلافة شرعا لمن كان، فلما ~~أعيدت تأكدت الخلافة. # ثم ذكر دليلا وكيدا آخر بإسناده عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " اقتدوا بالذين من بعدي أبا بكر وعمر " # ، فلما قال " من بعدي " دل على أن الخلافة لهما حق، فأمره بالاقتداء ~~بهما حق واجب. # وقال: دليل وكيد آخر ثم ذكر بإسناده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: # " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فخرجت معه فدخل ms0718 حائطا من ~~حيطان الأنصار فدخلت معه فقال: يا أنس أغلق الباب فأغلقته، فإذا برجل ~~يقرع الباب فقال: يا أنس افتح له وبشره بالجنة، وأخبره أنه يلي أمتي من ~~بعدي فذهبت أفتح له لا أدري من هو فإذا هو أبو بكر فأخبرته بما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم ". # وقال: دليل وكيد آخر ثم ذكر بإسناده عن سفينة قال: # " بنى النبي صلى الله عليه وسلم المسجد ووضع حجرا، ثم قال لأبي بكر: ضع ~~حجرك إلى جنب حجري، ثم قال لعمر: ضع حجرك إلى جنب حجر أبي بكر، ثم قال ~~لعثمان: ضع حجر إلى جنب حجر عمر، ثم قال: هؤلاء الخلفاء من بعدي ". # ثم روى عن زيد بن وهب بإسناده قال علي رضي الله عنه: استخلف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أبا بكر في صلاتنا، واختاره لنا فرضينا لدنيانا من ~~استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاتنا، ثم ذكر دلائل خلافته ~~كثيرة يطول ذكرها، فتحقق أن أبا بكر رضي الله عنه كان ثاني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على الإطلاق في بدء الخلقة إلى أن كان ثانيه في القبر بعد ~~وفاته، وثانيه فيما صب الله في صدره من أسرار النبوة كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " ما صب الله في صدري شيئا إلا وصببته في صدر أبي بكر " # وبذلك استحق أن يكون ثانيه في الخلافة من بعده. # والذي يؤكد هذا المعنى قوله تعالى: { فأنزل الله سكينته ~~عليه } [التوبة: 40] يعني: على أبي بكر في الغار، { وأيده ~~بجنود لم تروها } [التوبة: 40] وهي حقائق الإيمان، ودقائق ~~العرفان، ودقائق الإيقان من سوابق الإحسان ولواحق العيان ولا يبعد أن ~~إنزال السكينة كان على قلب النبي صلى الله عليه وسلم والتأييد بالجنود ~~له. # ثم صب النبي صلى الله عليه وسلم ما صب الله تعالى في صدره من حقائق ~~السكينة والتأييد في صدر أبي بكر رضي الله عنه بتصرف قوله: # " لا تحزن إن الله معنا " # فنزلت السكينة على أبي بكر وحصل له التأييد بقوله صلى الله ms0719 عليه وسلم: # " ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما " # ليستحق بذلك كله أن يكون ثانيه في الخلافة. # { وجعل كلمة الذين كفروا السفلى } [التوبة: 40] ~~يشير به إلى الذين ارتدوا من العرب بعد النبي صلى الله عليه وسلم من دفع ~~الزكاة، فقهرهم الله تعالى وأظهر أبا بكر عليهم، { وكلمة الله ~~هي العليا } [التوبة: 40] وهي قول الحق الذي قاله الصديق: " والله ~~لو منعوا عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم ~~عليه " ، { والله عزيز } [التوبة: 40] يعز بعزته أولياءه بالنصر، ~~{ حكيم } [التوبة: 40] فيما يذل بحكمته أعداءه بالقهر. # ثم أخبر عن حق الأولياء على قهر الأعداء بقوله تعالى: { انفروا ~~خفافا } [التوبة: 41] إلى قوله: # والله عليم بالظالمين # [التوبة: 47] انفروا أيها الطلاب في طلب الحق خفافا مجردين من علائق ~~الأولاد والأهالي منقطعين من علائق الأموال والأملاك، { وثقالا } ~~[التوبة: 41] مشمولين ومتأهلين، وأيضا خفافا من قطع علائق تعلقات ~~الكونين وثقالا معتصمين بحبل الثقلين، وأيضا خفافا مجذوبين بالعناية ~~وثقالا سالكين بالهداية، { وجاهدوا بأموالكم } [التوبة: 41] ~~بإنفاقها، { وأنفسكم } [التوبة: 41] ببذلها، { في سبيل ~~الله } [التوبة: 41] في السير إلى الله على قدمي بذل الأموال والنفس، ~~وإنما قدم أثقال المال في طلب الحق على بذل النفس؛ لأن بذل النفس مع بقاء ~~الصفات الذميمة غير معتبر، وإنما الاعتبار بأن ينقي النفس عن دنس صفاتها، ~~ثم تفنى ببذلها في الله بالله لله، فإن من صفاتها الذميمة الحرص على ~~الدنيا والبخل بها، فأشار بإنفاق المال إلى ترك الدنيا؛ لينقطع عن النفس ~~وصفاتها ما هو مادة تربيتها وتقوية صفاتها. # { ذلكم خير لكم } [التوبة: 41] يعني: ترك الدنيا وبذل النفس ~~خير لكم في طلب الحق من المال والنفس، { إن كنتم تعلمون } ~~[التوبة: 41] قدر طلب الحق وعزة السير إليه، فإن الحاصل من المال والنفس ~~الوزر والوبال، والحاصل من طلب الحق الوصول والوصال، ثم قال تعالى: { ~~لو كان عرضا قريبا } [التوبة: 42] لو كان مطلوبك يا محمد ~~الدنيا، وزينتها، { وسفرا قاصدا } [التوبة: 42] وهي تتبع شهوات ~~النفس وهواها، { لاتبعوك } [التوبة: 42] أرباب النفوس وطلاب ~~الدنيا، { ولكن بعدت عليهم الشقة } [التوبة: 42] ~~ولأنها الخروج ms0720 عن الدنيا وزينتها وترك شهواتها وقهر النفس وقمع صفاتها ~~فلم يكونوا متابعيك. # { وسيحلفون بالله } [التوبة: 42] يعني: أرباب النفوس، { لو ~~استطعنا لخرجنا معكم } [التوبة: 42] يا أرباب القلوب من ~~الدنيا وما فيها كما خرجتم عنها، { يهلكون أنفسهم } [التوبة: ~~42] في مهالك شهوات الدنيا؛ إذ لم يخرجوا عنها وما يخلفون عن عدم ~~الاستطاعة للخروج، { والله يعلم إنهم لكاذبون } ~~[التوبة: 42] فيما يخلفون؛ لأن استطاعة الخروج شاملة لكافة الخلق مركوزة ~~في جبلتهم. # ثم قال تعالى: { عفا الله عنك لم أذنت لهم } [التوبة: ~~43] قدم العفو على العتاب تصديقا وتحقيقا؛ لقوله تعالى: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2]، وقوله تعالى: { لم أذنت لهم } ما كان على وجه ~~الكتاب حقيقة؛ بل كان على وجه إظهار لطفه معه وكمال رأفته في حقه؛ لقوله: ~~{ لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا } ~~[التوبة: 43] جعل فائدة عدم الإذن راجعة إليه صلى الله عليه وسلم لا إلى ~~غيره؛ يعني: ليحصل ذلك العلم والمعرفة بمن صدقك أنه مؤمن، { وتعلم ~~الكاذبين } [التوبة: 43] المنافقين من المؤمنين الصادقين. # ثم بين تعالى الصادقين والكاذبين فقال: { لا يستأذنك ~~الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر } [التوبة: 44] أي: ~~إن يطلب الإذن المقصود عن الجهاد والمعنوي والصوري من لم يكن إيمانه ~~بالنور الإلهي الموجب لليقين؛ بل يكون إيمانه تقلدا ونفاقا، { أن ~~يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم ~~بالمتقين } [التوبة: 44] { إنما يستأذنك الذين لا ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم } ~~[التوبة: 45] عند عدم الإيقان. # { فهم في ريبهم } [التوبة: 45] أي: في ظلمة ريبهم، { ~~يترددون } [التوبة: 45] بين أوصافهم الذميمة النفسانية والطبائع ~~الحيوانية لا داعية لهم في الخروج عنها إلى الأنوار الروحانية والأخلاق ~~الربانية. ### || [9.46-50] # { ولو أرادوا الخروج } [التوبة: 46] أي: لو وجدوا في قلوبهم ~~دواعي الخروج عن المراتب الحيوانية، { لأعدوا له عدة } ~~[التوبة: 46] وهي متابعة الأنبياء؛ لأنهم بعثوا لخروجهم من الظلمات ~~الحيوانية إلى النور الربانية، { ولكن كره الله } [التوبة: ~~46] في الأزل، { انبعاثهم } [التوبة: 46] أي: كره أن يوفقهم لداعية ~~الطلب إظهارا للقهر. # { فثبطهم } [التوبة: 46] أي: حبسهم في سجن البشرية وأخلى لهم ~~القعود فيه، { وقيل } [التوبة: ms0721 46] بأمر التكوين، { اقعدوا } ~~[التوبة: 46] راضين بالحبس فرحين بما لديكم من التمتعات الحيوانية، { ~~مع القاعدين } [التوبة: 46] في أسفل الطبيعة المستلذين بالشهوات ~~النفسانية، { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا } ~~[التوبة: 47] يشير إلى أن قعود أهل الطبيعة في خير البشرية صلاح لأرباب ~~القلوب وأصحاب السلوك؛ وذلك لأنهم لو خرجوا عن البشرية بالهوى والطبيعة ~~لا عن نية صادقة وعزيمة صالحة فهي في صحبة الصادقين السالكين ما زادوهم ~~إلا تشويشا وتفرقة بأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، وأفسدوا عليكم أمر ~~الطلب، وأقعدوا عن السير والسلوك. # { يبغونكم الفتنة } [التوبة: 47] يعني: التغيير والدعوة إلى ~~الشهوات واللذات والميلان إلى الدنيا وزينتها وتعذر الوصول إلى المرام ~~بالاستطعام، { وفيكم سماعون لهم } [التوبة: 47] أي: من يسمع ~~المنكرين من أحوالكم ما يزيد في إنكارهم عليكم، { والله عليم ~~بالظالمين } [التوبة: 47] الذين هم أرباب النفوس وإن الصلاح أن ~~يكونوا في حبس البشرية قاعدين. # ثم أخبر عن باغي الفتنة بقوله تعالى: { لقد ابتغوا الفتنة ~~} [التوبة: 48] إلى قوله: # إنا معكم متربصون # [التوبة: 52]، { لقد ابتغوا الفتنة من قبل } يشير إلى ~~صفات النفس اتبعت فتنة شهوة المأكول والمشروب ومستلذات النفوس ومستحسنات ~~الهوى من قبل، { وقلبوا لك } [التوبة: 48] يا روح، { الأمور } ~~[التوبة: 48] وهي الأمور الروحانية، وحسن الاستعداد في طلب السعادات ~~الأخروية، واستكمال الإنسانية إلى أوان البلوغ، { حتى جآء الحق ~~} [التوبة: 48] وهو العقل القابل لأوامر الشرع، { وظهر أمر ~~الله } [التوبة: 48] وهو أمر الدعوة إلى الحق، { وهم كارهون } ~~[التوبة: 48] يعني: على كره من النفس وصفاتها. # { ومنهم من يقول ائذن لي } [التوبة: 49] وهو الهوى يستأذن ~~الروح بأن يكون له مدخل في جميع مشارعه الدنيوية؛ لتكون مشوبة بالهوى ~~بقوله: { ولا تفتني } [التوبة: 49] يشير إلى أن الروح كلما يدعو ~~الهوى إلى استعمال في المنازل الروحانية والمواهب فإن الهوى مركب المحبة ~~يقول: لا تعتني بتلك المعارف ولا تقيدوني بتلك العوارف، وذلك منه اعتلال ~~لدفع الصعود على العلويات؛ لأن طبعه الهبوط. # { ألا في الفتنة سقطوا } [التوبة: 49] يعني: اعتلاله لدفع ~~الصعود هو عين فتنة الهبوط، { وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين } [التوبة: 49] يعني: جهنم البعد والقطيعة من لوازم كفار ~~النفس وصفاتها، ms0722 { إن تصبك حسنة } [التوبة: 50] يا روح من عواطف ~~الحق وإحسانه، { تسؤهم } [التوبة: 50] تحزن النفس وصفاتها؛ لأن بها ~~تظفر الروح عليها، { وإن تصبك مصيبة } [التوبة: 50] من المواقع ~~والقواطع عن السير. # { يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل } [التوبة: 50] أي: ~~أخذنا نصيبا من المواقع الحيوانية لما خلفنا في السير إلى المعالم ~~الروحانية والمعارف الربانية، { ويتولوا } [التوبة: 50] الروح ~~وأوصافه، { وهم فرحون } [التوبة: 50] بما لديهم من المراتع ~~البهيمية. ### || [9.51-54] # { قل } [التوبة: 51] يا روح، { لن يصيبنآ } [التوبة: 51] من ~~الموانع، { إلا ما كتب الله لنا } [التوبة: 51] لتربية ما ~~يصيبنا من الفترات والوقفات لا علينا من الرد والطرد، { هو مولانا ~~} [التوبة: 51] ولينا ومربينا ومؤدبنا يفعل بنا ما هو صلاح ديننا ولإصلاح ~~حالنا. # { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } [التوبة: 51] ~~فليثقوا بحسن عاطفته، وليكل أمر تربيتها إلى القلوب والأرواح المؤمنة، { ~~قل } [التوبة: 52] يا روح، { هل تربصون بنآ } [التوبة: 52] ~~أيتها النفس وصفاتها بنا، { إلا إحدى الحسنيين } [التوبة: ~~52] الإحسان والعواطف الروحانية والوقفة والغيرة الموجبة لحسن التربية ~~والتأديب والتجربة، { ونحن نتربص بكم } [التوبة: 52] لأنه { ~~أن يصيبكم الله بعذاب من عنده } [التوبة: 52] من ~~الابتلاء والمصيبات. # { أو بأيدينا } [التوبة: 52] استيلاء وغلبة لنستعملكم في الطاعات ~~والعبادات، ونمنعكم من المخالفات ومتابعة الهوى وطلب الدنيا وإصغاء ~~لشهواتها، { فتربصوا } [التوبة: 52] لنا، { إنا معكم ~~متربصون } [التوبة: 52] للظفر بكم. # ثم أخبر عن إنفاق أهل النفاق بقوله تعالى: { قل أنفقوا طوعا ~~أو كرها } [التوبة: 53] إلى قوله: # لولوا إليه وهم يجمحون # [التوبة: 57] يشير إلى أن الطاعة في العبودية بثلاثة أنواع: بالمال، ~~والبدن، والقلب، أما بالمال: فهو الإنفاق في سبيل الله، وأما بالبدن ~~فهو القيام بالأوامر والنواهي والسنن والآداب المستحسنة المستحبة، وأما ~~بالقلب فهو الإيمان والصدق والإخلاص في النية، وأن الطاعة بالمال والبدن ~~مقبولة لقوله تعالى صلى الله عليه وسلم: # " نية المؤمن أبلغ من عمله ". # وفي الآية الأولى إشارة أخرى: قل يا روح النفس وصفاتها اتقوا أي: اتركوا ~~ما هو مشتهياتكم ومستلذاتكم من المال والجاه والنعم من المأكولات ~~والمشروبات والمنكوح والملبوس، { طوعا } أي: رضاء { أو كرها } ~~أي: نفاقا، { لن يتقبل منكم } [التوبة:53] هذه الرياضة ~~والمجاهدة، ms0723 { إنكم كنتم قوما فاسقين } [التوبة: 53] ~~خارجين عن الإخلاص والإيمان، { وما منعهم أن تقبل منهم ~~نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا ~~يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا ~~وهم كارهون } [التوبة: 54]. ### || [9.55-59] # { فلا تعجبك أمولهم ولا أولدهم } [التوبة: 55] ~~يعني: أصحاب النفوس المتمردة، { إنما يريد الله ~~ليعذبهم بها } [التوبة: 55] بتلك الأموال والأولاد، { في ~~الحيوة الدنيا } [التوبة: 55] أي: في مدة العمر يعذبهم بها أن ~~يشغلهم بها ويلهيهم عن ذكر الله وطاعته ومحبته وطلبه بذكرها ومحبتها ~~وطلبها، كما قال تعالى: # لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله # [المنافقون: 9]، وقوله تعالى: { إنما يريد الله } يدل على أن ~~الله تعالى يريد الكفر للكافرين، وألا يرضى الكفر كما قال تعالى: { ~~وتزهق أنفسهم وهم كفرون } [التوبة: 55] والكافر ~~كافران: كافر يجحد المنعم، وكافر يجحد النعمة. # { ويحلفون بالله } [التوبة: 56] يعني: النفس وصفاتها مع الروح ~~والقلب والسر عند استيلائهم عليها والظفر بها، { إنهم لمنكم } ~~[التوبة: 56] في أصل الخلقة والجبلة يعني: على سجيتكم وسيرتكم، { وما ~~هم منكم } [التوبة: 56] لأن منشأكم عالم الأمر والأرواح ومنشأهم ~~عالم الخلق والأشباح. # { ولكنهم قوم يفرقون } [التوبة: 56] من سطوات قهركم ~~عند غلبات الأنوار الروحانية، فإن النفس وصفاتها لما انعكست عليها أنواع ~~الفيض الرباني عن مرآة القلب انكسرت ظلمة طبيعتها وانخمدت نار شهواتها، ~~فتفزع من فنائها وهلاكها بالكلية، فتلتجئ إلى الروح والقلب والسر وتخدعهم ~~بالحلف كما خدع إبليس آدم وحواء بالحلف كقوله تعالى: # وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين # [الأعراف: 21] # فدلاهما بغرور # [الأعراف: 22]، فتريد النفس أن تدلي الروح والقلب بغرور، { إنهم ~~لمنكم } يعني: في الطاعة، { لو يجدون } [التوبة: 57] يعني: ~~النفس وصفاتها، { ملجئا } [التوبة: 57] أي: مهربا ومفرا، { أو ~~مغارات أو مدخلا } [التوبة: 57] يتخلصون بها عن استيلاء الروح ~~وصفاتها، { لولوا إليه وهم يجمحون } [التوبة: 57] عن ~~الانقياد والعبودية. # ثم أخبر عن الرضا بالعطاء والرضا بما قضى المولى بقوله تعالى: { ~~ومنهم من يلمزك في الصدقات } [التوبة: 58] الآيتان ~~تشير الأولى إلى النفاق وأهله بأن رضا المنافق وسخطه في إعطاء الدنيا ~~ومتاعها وفي المنع عنها؛ لأن النفاق تزيين الظاهر بأركان الإسلام، وتعطيل ~~الباطن ms0724 عن أنوار الإيمان، والقلب العطل عن نور الإيمان يكون مزينا له ~~بظلمة الكفر وحب الدنيا، فلا يرضى إلا بوجدان الدنيا ويسخط بفقدها. # { ولو أنهم رضوا مآ آتاهم الله ورسوله } ~~[التوبة: 59] يشير إلى أن الرضا بالقضاء من أمارات الإيمان وتزيين القلب ~~بنوره، فلما حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم شاهدوا بنور الإيمان ~~شواهد الحق، { وقالوا حسبنا الله } [التوبة: 59] فإن الله ~~كاف لعبده، ومن وجد الله فقد ما دونه؛ لأن فقدان الله في وجدان ما سواه، ~~ووجدانه في فقدان ما سواه، ومن وجده يرضى به ويقول: { سيؤتينا ~~الله من فضله ورسوله } [التوبة: 59] من الوحي والبيان ~~والدلائل والبرهان، { إنآ إلى الله راغبون } [التوبة: 59] لا ~~إلى الدنيا والعقبى وما فيها غير المولى. ### || [9.60-63] # ثم أخبر عن مستحقي الصدقات ومصارفها وما فيها غير المولى ومستعدي ~~المواهب وعوارفها بقوله تعالى: { إنما الصدقات للفقرآء } ~~[التوبة: 60] إنما الصدقات هي صدقات الله تعالى كما قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما من يوم وليلة ولا ساعة إلا لله فيها صدقة يتصدق بها على من يشاء من ~~عباده الفقراء، وهم الأغنياء بالله الفانون عنهم الباقون به " # ، وهذا حقيقة قوله صلى الله عليه وسلم: # " والفقراء الصبر هم جلساء الله يوم القيامة " # وهو سر ما قال الواسطي: الفقير لا يحتاج إلى الله؛ وذلك لأنه غني به، ~~والشيء بالشيء لا يحتاج إليه. # { والمساكين } [التوبة: 60] وهم الذين لهم بقية أوصاف الوجود، فهم ~~في سفينة بحر الطلب وقد خرقها خضر المحبة # وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا # [الكهف: 79]. # { والعاملين عليها } [التوبة: 60] وهم أرباب الأعمال كما كان ~~الفقراء والمساكين أصحاب الأحوال. # { والمؤلفة قلوبهم } [التوبة: 60] وهم الذين يتألفون ~~قلوبهم بذكر الله إلى الله المتقربون إليه بالتباعد عما سواه. # { وفي الرقاب } [التوبة: 60] وهم المكاتبون قلوبهم عن رق ~~الموجودات تحريا لعبودية موجدها والمكاتب عبد ما بقى عليه درهم، { ~~والغارمين } [التوبة: 60] وهم الذين استقرضوا من مراتب المكونات ~~أوصافها وطبعائها وخواصها وهم محبوسون في سجن الوجود بقروضهم وإنهم في ~~استخلاص ذممهم عن القروض بردها، فهم معاونون بتلك الصدقات للخلاص من حبس ms0725 ~~الوجود، { وفي سبيل الله } [التوبة: 60] وهم الغزاة المجاهدون في ~~الجهاد الأكبر وهو الجهاد مع كفار النفوس والهوى والشيطان والدنيا. # { وابن السبيل } [التوبة: 60] وهم المسافرون عن أوطان الطبيعة ~~والبشرية السائرون إلى الله على أقدام الشريعة والطريقة بسفارة الأنبياء ~~والأولياء، { فريضة من الله } [التوبة: 60] أي: هذا السير ~~والجهاد ورد القرض والحرية عن رق الموجودات وتألف القلوب إلى الله ~~واستعمال أعمال الشريعة، والتمسكن والافتقار إلى الله طلبا للاستغناء به ~~أمر واجب على العباد من الله، وهذه الصدقات من المواهب الربانية والألطاف ~~الإلهية للطالبين الصداقين أمر أوجبه الله تعالى في ذمة كرمه لهم كما قال ~~تعالى: # " ألا من طلبني وجدني ". # { والله عليم } [التوبة: 60] بطالبيه، { حكيم } [التوبة: 60] ~~فيما يعادونهم على الطلب للوجدان كما قال تعالى: # " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ". # ثم أخبر عن المنافقين المؤذين بقوله تعالى: { ومنهم الذين ~~يؤذون النبي } [التوبة: 61] إلى قوله: { ذلك الخزي ~~العظيم } [التوبة: 63] يشير إلى أن من أمارات النفاق إيذاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ورؤية محامده بنظر المذمة والعيب كما قالوا: هو أذن يسمع ~~ما يقال، عابوه به، وقد مدحه الله به فقال: { قل أذن خير لكم ~~} [التوبة: 61] يعني: سامعية خير لكم؛ لأن له مقام السامعية، فيسمع لما ~~أوحى الله إليه إما بواسطة الملك، وإما بغير الواسطة كما قال تعالى: # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم: 10] فيبلغكم رسالات ربه ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة. # { يؤمن بالله } [التوبة: 61] أي: يكون إيمانه بشهود نور الله ~~إيمانا غيبا بما نزل إليه من ربه بلا واسطة كما كان ليلة المعراج بقوله ~~تعالى: # ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه # [البقرة: 285] يعني: بلا واسطة إيمانا عينيا لا إيمانا غيبيا كما ~~كان يؤمن بما أنزل به الروح الأمين على قلبه، { ويؤمن ~~للمؤمنين } [التوبة: 61] أي: فوائد إيمانه تعود إلى المؤمنين كما ~~تعود إلى نفسه. # { ورحمة للذين آمنوا منكم } [التوبة: 61] يعني: النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو صورة رحمة الحق لمن آمن منكم واهتدى بهداه، { ~~والذين يؤذون رسول الله } [التوبة: 61] بأقوالهم وأفعالهم ~~وأحوالهم، { لهم عذاب أليم ms0726 } [التوبة: 61] هو عذاب البعد ~~والقطيعة؛ يعني: إيذاؤهم لرسول الله من نتائج عذاب البعد ولو كانوا أهل ~~القرب لم ينتج منهم الإيذاء. # { يحلفون بالله لكم } [التوبة: 62] يعني: لكم بالنفاق لا ~~بالله بالإخلاص، { ليرضوكم } [التوبة: 62] بالنفاق، { والله ~~ورسوله أحق أن يرضوه } [التوبة: 62] يرضوه بالإخلاص، { إن ~~كانوا مؤمنين } [التوبة: 62] لأن من أمارات الإيمان طلب رضا الله ~~ورسوله، { ألم يعلموا أنه من يحادد الله ~~ورسوله } [التوبة: 63] جهلا وكفرا، { فأن له نار ~~جهنم } [التوبة: 63] لأنه خلق لها وهي خلقت له، { خالدا فيها } ~~[التوبة: 63] وهي نار القطيعة، { ذلك الخزي العظيم } [التوبة: ~~63] يعني: الخلود في نار القطيعة من الله العظيم هو الخزي العظيم. ### || [9.64-67] # ثم أخبر عن أن الحذر لا يفيد مع القدر بقوله تعالى: { يحذر ~~المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما ~~في قلوبهم } [التوبة: 64] إلى قوله: { هم الفاسقون } ~~[التوبة: 67] يشير إلى أن المنافقين وإن اعتقدوا نزول الوحي على النبي ~~صلى الله عليه وسلم واعتقدوا ثبوته حتى خافوا نزول السورة بالإنباء بما ~~في قلوبهم من الكفر والنفاق وإفشاء أسرارهم لم ينفعهم مجرد الاعتقاد ~~والإقرار باللسان في ثبوت الإيمان مع أدنى شك دخلهم فيه، وأنه لم ينفعهم ~~الحذر مع القدر، وهذا تحقيق قوله: # " ولا ينفع ذا الجد ". # { قل استهزءوا } [التوبة: 64] وهذا أمر التكوين، وقد مضى لهم ~~القدر بالاستهزاء، { إن الله مخرج } [التوبة: 64] بقضائه ~~وقدره، { ما تحذرون } [التوبة: 64] لتعلموا أن الحكم والمشيئة له ~~لا لغيره، { ولئن سألتهم } [التوبة: 65] عن أفعالهم وأحوالهم. # { ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب } [التوبة: 65] ~~يعني: يحيلون الأمور الموجبة للكفر إلى أنفسهم؛ لقصور نظرهم وهم عن رؤية ~~وجوب إجلال الله بمعزل، وأنهم عن أحكامه الأزلية وقضائه غافلون، { قل ~~أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون } [التوبة: ~~65] على زعمكم أنكم كنتم مصدر الأمور ومرجعها بمشيئتكم، { لا ~~تعتذروا } [التوبة: 66] يعني: بمثل هذه الأعذار لأنكم { قد ~~كفرتم } [التوبة: 66] فيما اعتذرتم به. # { بعد إيمانكم } [التوبة: 66] بعد إقراركم بالكفر بقولكم: { ~~إنما كنا نخوض ونلعب } ، { إن نعف عن طآئفة ~~منكم } [التوبة: 66] إظهارا للفضل والرحمة، { نعذب طآئفة ~~} [التوبة: 66] إظهارا للقهر والعزة، { بأنهم كانوا ~~مجرمين } [التوبة: ms0727 66] يشير به إلى أن إظهار اللطف والرحمة بلا سبب ~~محتمل، ولكن إظهار القدر لا يكون إلا بسبب جرم من المجرمين. # { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض } [التوبة: ~~67] يعني: طينة نفوسهم وجبلة قلوبهم من جنس واحد وأرواحهم متقاربة في صف ~~واحد من صفوف الأرواح؛ إذ هي جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، ~~فمعاملاتهم من نتائج خصوصية أرواحهم السفلية بالنسبة إلى الأرواح العلوية ~~فمن نتائج خصوصيتها، { يأمرون بالمنكر } [التوبة: 67] وهو ما ~~يقطعهم عن الله ويبعدهم عنه. # { وينهون عن المعروف } [التوبة: 67] وهو ما يقربهم إلى ~~الله ويوصلهم به، { ويقبضون أيديهم } [التوبة: 67] عن فعل ~~الخير وصدق النيات، { نسوا الله } [التوبة: 67] فيما فعلوا من ~~المعاصي وترك الأوامر، فلو ذكروه قبل الإتيان لم يفعلوا ما فعلوا، ولو ~~ذكروه بعد الإتيان لاستغفروه لما فعلوه كقوله تعالى: # والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ~~ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم # [آل عمران: 135] ونسوه بترك الطلب وصدق التوجه؛ إذ هم توجهوا للدنيا ~~وشهواتها، { فنسيهم } [التوبة: 67] بالخذلان ووكلهم أنفسهم في ~~الطغيان والعصيان، { إن المنافقين هم الفاسقون } ~~[التوبة: 67] الخارجون عن قبول فيض النور الإلهي حين خلق الله الخلق في ~~ظلمة ثم رش عليهم من نوره. ### || [9.68-70] # ثم أخبر عن وعيد المنافقين بقوله تعالى: { وعد الله المنافقين ~~} [التوبة: 68] إلى قوله: { يظلمون } [التوبة: 70]، { وعد الله ~~المنافقين والمنافقات والكفار } في الأزل في قسمة # نحن قسمنا بينهم معيشتهم # [الزخرف: 32]. # { نار جهنم خالدين فيها } [التوبة: 68] وهي نار جهنم الحرص ~~والحرمان؛ إذ لم يصيبهم رشاش نور الجمال بقوا في نار قهر العظمة والجلال، ~~{ هي حسبهم } [التوبة: 68] إذ هي نصيبهم في تلك القسمة، { ~~ولعنهم الله } [التوبة: 68] وطردهم بسوط نفاقهم وكفرهم. # { ولهم عذاب مقيم } [التوبة: 68] من البعد ونار القطيعة، { ~~كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة } [التوبة: ~~69] بالاستعداد الفطري، { وأكثر أموالا وأولادا } [التوبة: ~~69] بالاعتداد وطلب الكمال، { فاستمتعوا بخلاقهم } [التوبة: ~~69] أي: فصرفوا الاستعداد والاعتداد في الانتفاع بالشهوات العاجلة دون ~~الارتفاع في الدرجات الآجلة. # { فاستمتعتم بخلاقكم } [التوبة: 69] أي: رضيتم بنصيبكم من ~~التمتعات الدنيوية والنفسانية، وضيعتم استعدادكم في قبول الفيض الإلهي ~~الروحاني، { كما استمتع الذين ms0728 من قبلكم بخلاقهم } ~~[التوبة: 69] كما رضيت الأمم الخالية بنصيبهم من الحظوظ النفسانية، ~~وإضاعة حقوقهم الروحانية الربانية، { وخضتم } [التوبة: 69] في تحصيل ~~الباطل وترك الحق ورضيتم بالخسران والحرمان، { كالذي خاضوا } ~~[التوبة: 69] فيما لا يعنيهم وضيعوا ما يعنيهم. # { أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } ~~[التوبة: 69]؛ إذ كان حاصل تحصيلهم منها الوبال والحسرة والبعد والحجاب؛ ~~إذ ما أورثتهم إلا عذاب القطيعة والحرمان عن جوار الرحمن واحتباس في ~~النيران، { وأولئك هم الخاسرون } [التوبة: 69] في رأس مال ~~العمر والاستعداد وما أعدهم الله من الاعتداد؛ لأنهم صرفوا في عبودية ~~الهوى ومخالفة رضا المولى. # { ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح ~~وعاد وثمود وقوم إبرهيم وأصحب مدين ~~والمؤتفكت } [التوبة: 70] ليعتبروا بها، { أتتهم ~~رسلهم بالبينت } [التوبة: 70] ليهتدوا بها فتداركهم الشقاء ~~واستقبلوهم بالإباء، فأدركهم البلاء وأهلكوا ولم ينفعهم الإباء، { فما ~~كان الله ليظلمهم } [التوبة: 70] عن الاستعداد والاعتداد، { ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } [التوبة: 70] بصرف ~~الاستعداد والاعتداد فيما أمرهم الهوى على خلاف أمر المولى فخسروا الآخرة ~~والأولى. ### || [9.71-74] # ثم أخبر عن أحوال المؤمنين والمؤمنات وأوصافهم بقوله تعالى: { ~~والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض } ~~[التوبة: 71] الآيتين: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم ~~أوليآء بعض }؛ لأن ائتلافهم من نتائج تعارف الأرواح قبل تعلقها ~~بالأشباح للمناسبة الفطرية؛ إذ الأرواح لما كانت مجندة فما كان منها في ~~صف واحد كانت بينهم مناسبة الجنسية صاروا نفسا واحدة بمد بعضهم بعضا، ~~وكانوا كالبنيان يشد بعضه بعضا فلهذا يأمرون بالمعروف أي: ينصح بعضهم ~~بعضا في طلب الله وهو المعروف الحقيقي، كما قال: # " فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف " # ؛ والمعنى: { يأمرون } [التوبة: 71] بطلب، { بالمعروف ~~وينهون عن المنكر } [التوبة: 71] وهو ما يقطع العبد عن الله ~~تعالى من الدنيا وغيرها. # { ويقيمون الصلاة } [التوبة: 71] يشير إلى مراقبة القلب وحضوره ~~مع الله تعالى، { ويؤتون الزكاة } [التوبة: 71] يشير إلى إنفاق ~~ما فضل عن كفافهم الضروري، { ويطيعون الله ورسوله } ~~[التوبة: 71] يشير إلى الإخلاص في معاملاتهم، فإن المنافقين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة؛ ولكن لا يطيعون الله ورسوله في ذلك، إنما يطيعون ~~النفس والهوى لمصالح دنياهم، { أولئك } [التوبة: 71] هم يعني: ~~المخلصين، ms0729 { سيرحمهم الله } [التوبة: 71] بنظره إليهم بنظر ~~الرحمة، ويخرجهم من ظلمات النفسانية إلى أنوار الصفات الروحانية ~~الربانية. # { إن الله عزيز } [التوبة: 71] أي: منيع لا يصل إليه لعزته إلا ~~المخلصون في عبوديته، { حكيم } [التوبة: 71] يختار بحكمته من يشاء من ~~عباده لمعرفته وقربته. # ثم قال تعالى: { وعد الله } [التوبة: 72] يعني: أهل المقامات ~~والكرامات الذين هم من { المؤمنين والمؤمنات } [التوبة: 72] ~~والموصوفين بما ذكره، { جنات } [التوبة: 72] مقامات رفيعة. # { تجري من تحتها الأنهار } [التوبة: 72] أي: الأسرار ~~والحكم، { خالدين فيها } [التوبة: 72] أي: مقيمين في تلك الأحوال ~~متمكنين لا متلونين، { ومساكن } [التوبة: 72] أي: مقامات، { ~~طيبة } [التوبة: 72] على قدر مراتب النفوس المطمئنة الطاهرة، فإن ~~الطيبات للطيبين، { في جنات عدن } [التوبة: 72] أي: مقامات علية ~~قريبة. # { ورضوان من الله أكبر } [التوبة: 72] يعني: أكبر من ~~جميع هذه المقامات؛ لأن الرضا باب الله الأعظم، والرضا من الله يوجب رضا ~~العبد كما قال الله تعالى: # رضي الله عنهم ورضوا عنه # [التوبة: 100] والعبد لا يرضى من الله تعالى إلا بنيل كمال مقصوده منه، ~~ولهذا من على النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكرامة السنية. # وقال تعالى: # ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 5] الحبيب لا يرضى من الحبيب بشيء دونه، وأيضا ورضوان من الله ~~أكبر؛ لأنه من صفاته وما دونه من أفعاله والأفعال محدثة والصفات قديمة، { ~~ذلك هو الفوز العظيم } [التوبة: 72]؛ لأنه هو الفوز بصفات ~~الله العظيم. # ثم أخبر عن الجهاد مع أهل العناد بقوله تعالى: { يأيها النبي ~~جاهد الكفار والمنافقين } [التوبة: 73] يشير إلى القلب ~~الذي له بناء من مقام الأنبياء، ويأمره بالجهاد مع كفار النفس وصفاتها، ~~وهذا مقام المشايخ أن يجاهدوا مع نفوسهم أو نفوس مريديهم كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " الشيخ في قومه كالنبي في أمته " # فأمر بالجهاد مع كافر النفس وصفاتها بسيف الصدق، فجهاد النفوس بمنعها عن ~~شهواتها واستعمالها في حمل الشريعة على خلاف الطبيعة، فالنفوس بعضهما ~~كفار لم تسلم أي: لم يستسلموا للمشايخ في تربيتها في هداها بالدعوى إلى ~~سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وبعضها المنافقون وهم الذين أدعوا ~~الإرادة والاستسلام إلى ms0730 المشايخ في الظاهر، ولم يوفوا بما عاهدوا عليه ~~فجهادها بإلزامها مقاساة شدائد الرياضات في التزكية على متمثل أمر الشيخ ~~ونواهيه ولو يرى عليها الإباء والامتناع فلا يفنيها إلا التشديد والغلظة. # كما قال تعالى: { واغلظ عليهم } [التوبة: 73] فالواجب عليه أن ~~يبالغ في مخالفتها ومؤاخذتها في أحكام الطريقة، فإن فاءت إلى أمر الله ~~فهو المراد وإلا استوجبت لما خلقت له، { ومأواهم جهنم } ~~[التوبة: 73] أي: مرجعهم جهنم البعد ونار القطيعة، { وبئس المصير ~~} [التوبة: 73] مرجعهم. # وفي قوله تعالى: { يحلفون بالله ما قالوا ولقد ~~قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم } ~~[التوبة: 74] إشارة إلى أحوال بعض المريدين عند استيلاء النفوس وغلبة ~~هواها، وظفر الشيطان أن ينكروا على مشايخهم ويقولوا في حقهم كلمة الكفر ~~كلمة الإنكار والاعتراض، ويعرضوا عنهم بقلوبهم بعد الإرادة والاستسلام، ~~فإذا وقف المشايخ عن أحوال ضمائرهم وعلل الإرادة في سرائرهم يحلفون بالله ~~لهم ما قالوا وما أنكروا. # { وهموا بما لم ينالوا } [التوبة: 74] يعني: وهم بعضهم ~~أن يثبت له مرتبة الشيخوخة قبل أوانها، ويظهر الدعوى إلى نفسه وإن لم ~~ينلها، { وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله ~~من فضله } [التوبة: 74] وما أنكروا على الشيخ وخرجوا عن أمره إلا أن ~~الشيخ نبأهم بلبان فضل الله عن حكمة الولاية؛ ليروا آثار الرشد على ~~أنفسهم، فلم يحتملوا الضيق حوصلة الهمة، فزين لهم الشيطان سوء أعمالهم ~~فأصمهم بذلك وأعمى أبصارهم. # { فإن يتوبوا } [التوبة: 74] يرجعوا إلى ولاية الشيخ بطريق ~~الالتجاء { يك خيرا لهم } [التوبة: 74] بأن يتخلصوا من غيرة ~~الولاية وردها فإنها مهلكة ويتمسكوا بحبل الولاية فإنها منجية { وإن ~~يتولوا } [التوبة: 74] أي: يعرضوا عن ولاية الشيخ { يعذبهم ~~الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة } [التوبة: 74] ~~بعذاب رد الولاية، فإن مرتد الطريقة أعظم ذنبا من مرتد الشريعة. # قال الجنيد رحمه الله: لو أقبل صديق على الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة ~~فإن ما فاته أكثر مما ناله، فأما عذابه في الدنيا فبسلب الصدق والرد على ~~باب الطلب وإرخاء الحجاب وذله وتقوية الهوى وتبديل الإخلاص بالرياء، ~~والحرص على الدنيا وطلب الرفعة والجاه، وأما ms0731 عذابه في الآخرة فباشتعال ~~نيران الحسرة والندامة على قلبه المعذب بنار القطيعة وهي نار الله ~~الموقدة التي تطلع على الأفئدة. # { وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير } [التوبة: 74] ~~يشير إلى أن من ابتلي برد ولاية شيخ كامل ولو امتلأت الأرض بالمشايخ ~~وأرباب الولاية وهو يتمسك بذيل إرادتهم غير أن شيخه رده لا يمكن لأحدهم ~~إعانته وإخراجه من ورطة الرد إلا ما شاء الله تعالى. ### || [9.75-79] # ثم أخبر عن آفة حب الدنيا والركون إليها بقوله تعالى: { ومنهم ~~من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ~~ولنكونن من الصالحين } [التوبة: 75] إلى قوله: { علام ~~الغيوب } [التوبة: 78] { ومنهم من عاهد الله } تشير ~~إلى أن نفوس المنافقين مستدعية في أصل الخلقة لنقض العهد مع الله تعالى ~~وأخلاق الوعد والخيانة في الأمانة والكذب كما نطق بها الحديث إنها تعد ~~المنافق بالصلاحية والسخاوة، وحمل أعباء الشريعة على خلاف طبعها وجبلها ~~حرصا على الدنيا واستيفاء شهواتها، وأنها لا توفي بما وعدته. # وإن المنافقين صنفان: صنف معلن الإسلام مستتر الكفر في بدء الأمر وذلك ~~لغلبات صفات النفاق وقوتها في النفس، فيظهر بالفعل ما كان بالقوة وذلك ~~لضعفها في النفس، فيعقبهم النفاق إلى الأبد بالسلوك الواقع في قلوبهم، ~~وهم عن هذا النوع من النفاق غافلون وهم يصومون ويصلون ويزعمون أنهم ~~مسلمون كما نطق به الحديث: # " وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ". # وقوله تعالى: { فلمآ آتاهم من فضله بخلوا به } ~~[التوبة: 76] يشير إلى أن نفس المنافق كذبت فيما حدثت وأخلفت فيما وعدت ~~بالسخاء فبخلت، { وتولوا وهم معرضون } [التوبة: 76] من ~~الصلاحية وعن حمل أعباء الشريعة، { فأعقبهم } [التوبة: 77] هذه ~~الصفات والمعاملات. # { نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه } [التوبة: 77] ~~أي: يلقون جزاء النفاق، { بمآ أخلفوا الله ما وعدوه ~~وبما كانوا يكذبون } [التوبة: 77] إن كان سبب النفاق ومنيته ~~في القلوب خلف الوعد وكذب الحديث، { ألم يعلموا أن الله ~~يعلم سرهم } [التوبة: 78] أي: النفاق المستكمن في النفوس صفاته ~~وهم لا يشعرون، { ونجواهم } [التوبة: 78] أي: يناجيهم به النفوس من ~~النفاق وتسول لهم ولهم الشعور به، { وأن ms0732 الله علام الغيوب ~~} [التوبة: 78] أي: هو عالم بما توسوس به نفوسهم وهو غيب عن الخلق، وعالم ~~بما يكن في قلوبهم وهو غيب عن نفوسهم، ولهذا قال: { علام الغيوب ~~} وبها يشير إلى الصنفين من المنافقين. # ثم أخبر عن نعوت أهل النفاق مع أهل الوفاق بقوله تعالى: { الذين ~~يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات } ~~[التوبة: 79] يشير إلى الاستعداد الفطري للمؤمنين والمنافقين، وذلك أن ~~قلب المؤمن منور بالإيمان وروحه متوجهة إلى الحق، فالحق يؤيد روحه ~~بتأييده بنظر العناية وتوفيق العبودية فيطلع من الروح نور روحاني مؤيد ~~بنور رباني فتنبعث منه الخواطر الربانية الداعية إلى الله تعالى بأعمال ~~موجبة القربة من الفرائض والنوافل، فتارة تكون تلك الأعمال بدنية كالصوم ~~والصلاة، وتارة تكون مالية كالزكاة والصدقات فيطوع بالصدقة فضلا عن ~~الزكاة عن استطاعته كما قال تعالى: { والذين لا يجدون إلا ~~جهدهم } [التوبة: 79] وأن قلب المنافق مظلم بظلمات صفات النفس؛ لعدم ~~نور الإيمان وروحه متوجه إلى الدنيا وزخارفها بتبعية النفس الأمارة ~~بالسوء مطرودا بالخذلان قرين الشيطان، فيتأثر الخذلان وظلمة الشيطان ~~تصعد من النفس ظلمة نفسانية تنفي القلب عن قبول الدعوة، وإجابة الرسول، ~~واتباع الأوامر واجتناب النواهي بالصدق وتنبعث منه الخواطر النفسانية ~~الظلمانية، فبذلك تمتع عن أداء الفرائض فضلا عن النوافل والتطوعات، ~~ويعيب المطوعين من المؤمنين في الرياضات والذين لا يجدون إلا جهدهم وينظر ~~إليهم وإلى أعمالهم وصدقاتهم بنظر الحقارة. # { فيسخرون منهم سخر الله منهم } [التوبة: 79] ذكر ~~سخرية المنافقين من المؤمنين بصيغة الاستقبال والحال، وذكر سخرية الله من ~~المنافقين بصيغة الماضي يشير إلى أن سخريتهم من نتائج سخريته منهم وهي ~~الخذلان؛ فالمعنى: أن خذلان الله إياهم وقعوا في سخرية المؤمنين، { ~~ولهم عذاب أليم } [التوبة: 79] من الخذلان وهو القطيعة من الله ~~تعالى. ### || [9.80-82] # { استغفر لهم } [التوبة: 80] من هذه صفتهم وأحوالهم وأنهم لا ~~يتغيرون عنها، { أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم ~~سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } [التوبة: 80] لأنه ~~تعالى غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا يشير إلى أن استغفار النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين يستغفر لنفسه. ms0733 # كما قال تعالى: # ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآءوك # [النساء: 64] وإنما قال: لا يقبل استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لهم؛ ~~لأنهم لا يؤمنون بالله ولا برسوله، فبشؤم كفرهم منعوا قبول الاستغفار لهم ~~لا بأن ليس لاستغفاره أثر قبول عند الله كما قال تعالى: { ذلك ~~بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين } [التوبة: 80] أي: الخارجين عن إصابة النور ~~المرشش عليهم في بدء الخلقة كما قال صلى الله عليه وسلم: # " فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل ". # وقال الله تعالى: # ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # [النور: 40] من نعوت المنافقين ذكر قوله تعالى: { فرح ~~المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله } [التوبة: 81] ~~أي: قعودهم عن الجهالة، ومخالفة سيرة رسول الله واتباعه وليس من أمارات ~~الإيمان فرحهم بذلك، { وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله } [التوبة: 81] أي: كرهوا بذلها في ~~طلب الحق ولو كان فيهم الإيمان ما فرحوا بالقعود وما كرهوا الجهاد، { ~~وقالوا لا تنفروا في الحر } [التوبة: 81] يشير إلى أنهم لو ~~يؤمنوا بنار جهنم حتى احترزوا عن حر الشمس ولم يحترزوا عن نار جهنم، { ~~قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون } ~~[التوبة: 81] فقه القلوب بنور الإيمان، { فليضحكوا قليلا } ~~[التوبة: 82] يشير إلى سرور النفوس بالتمتعات الحيوانية من المراتع ~~البهيمية في الدنيا أياما قلائل. # { وليبكوا كثيرا } [التوبة: 82] يشير إلى مقاسات الشدائد ~~الأخروية الباقية، { جزآء بما كانوا يكسبون } [التوبة: 82] ~~من رين القلوب وكدورة الأرواح بظلمة التمتعات الحيوانية وتعدية صفات ~~النفس إليها. ### || [9.83-86] # { فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم } [التوبة: 83] ~~أي: من المخلفين، وإنما قال إلى طائفة لأن طائفة من المخلفين ثبتوا على ~~نفاقهم، وطائفة منهم تابوا ورجعوا عن كفرهم ونفاقهم؛ فالمعنى: إن رجعك ~~الله إلى طائفة منهم من الذين ثبتوا على النفاق ولم يتوبوا. # { فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ~~ولن تقاتلوا معي عدوا } [التوبة: 83] يشير إلى أن ~~استئذانهم للخروج أو قتالهم العدو من النفاق فلا تقبل منهم، فإن الله لا ~~يقبل منهم، فإن ms0734 قيل: كانت أعمال المنافقين من الشهادة والصلاة والزكاة ~~والصيام والحج والجهاد مقبولة عند النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم تكن ~~مقبولة عند الله تعالى فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر " # فما كانت الحكمة في أن الله تعالى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا ~~يقبل من المخلفين أعمالهم من الخروج معه والقتال مع العدو، وغير ذلك ~~قلنا: الحكمة في ذلك الله أعلم: أن المنافقين لما كانوا يظهرون الإسلام ~~والائتمار بأوامر النبي صلى الله عليه وسلم مع ما يضمرون من الكفر ~~والنفاق فكانت أعمالهم مقبولة عند النبي صلى الله عليه وسلم، وسرائرهم ~~مركونة إلى الله تعالى؛ طمعا في إنابتهم ورجوعهم من النفاق إلى الوفاق، ~~فلما أظهروا ما كانوا يضمرون من النفاق، وخالفوا أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم وتخلفوا عنه وقعدوا عن الجهاد ورضوا به وأصروا على كفرهم ~~ونفاقهم، وما ندموا على ما فعلوا فأشير إليهم { إنكم رضيتم ~~بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين } ~~[التوبة: 83] وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يقبل منهم أعمالهم ~~المشوبة بالنفاق، وقيل له: { ولا تصل على أحد منهم ~~مات أبدا ولا تقم على قبره } [التوبة: 84] ماتوا ~~يؤمنون بك ولا بصلواتك إنها حق ودعائك أنه صدق. # { إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم ~~فاسقون } [التوبة: 84] لأنهم خارجون عن الاستعداد الفطري؛ لقبول ~~الإيمان، { ولا تعجبك أمولهم وأولدهم } [التوبة: ~~85]؛ يعني: إن الأموال والأولاد وإن كانت نعمة مني في حق المؤمنين فإنها ~~نعمة مني في حق الكافرين والمنافقين، { إنما يريد الله أن ~~يعذبهم بها في الدنيا } [التوبة: 85] بأن يجعلها مباعدا ~~لقلوبهم عن الله وطلبه، ويجعلها بينهم وبينه أشد عذاب من الحجاب كما قال ~~بعضهم: اللهم مهما عذبتني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب؛ وذلك لأنه من عذب ~~بالحجاب فقد حرم عن الإيمان كما قال تعالى: { وتزهق أنفسهم ~~وهم كفرون } [التوبة: 85] مستور والقلب بحجاب حب المال والأولاد. # ثم أخبر عن أمارات أهل النفاق وعلامات أهل الوفاق بقوله تعالى: { ~~وإذآ أنزلت سورة أن ms0735 آمنوا بالله وجاهدوا مع ~~رسوله استأذنك أولوا الطول منهم } [التوبة: 86] ~~إلى قوله: # ذلك الفوز العظيم # [التوبة: 89] يشير إلى أن من أمارات النفاق الفتور والقصور لأرباب القلب ~~القعود عن الجهاد والركون إلى الدنيا وشهواتها وميلان الطبع إلى السفليات ~~والرضاء بالمنازلة إلى المراتب الدنية الخسيسة كما أخبر عنهم. # وقال تعالى: { وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين } ~~[التوبة: 86] عن الطلب والجهاد. ### || [9.87-93] # { رضوا بأن يكونوا مع الخوالف } [التوبة: 87] من أرباب ~~الشهوات والعلاقات، { وطبع على قلوبهم } [التوبة: 87] بطابع ~~حب الدنيا وزينتها واتباع شهواتها، { فهم لا يفقهون } [التوبة: ~~87] فإن بالطبع يزول فقه القلب حتى لا يكون له شعور على الطبع، { فهم ~~لا يفقهون } أي: لا يشعرون أنهم محجوبون عن الله بحجاب الدنيا. # { لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم } [التوبة: 88] يشير إلى أن من أمارات ~~أهل الصدق وأرباب الطلب الجد والاجتهاد في طلب الحق ببذل الأموال ~~والأنفس، فإنهم شاهدوا بنور الصدق وشواهد الحق، فاستقلوا الفانيات ~~واستكثروا الباقيات وتحقق لهم أن ما عندهم من الأموال والأنفس ينفد وما ~~عند الله باق؛ فآثروا ما يبقى على ما يفنى. # { وأولئك لهم الخيرات } [التوبة: 88] وهي على نوعين: ~~خيرات تتعلق بالعبد وأعماله وهي الحسنات أخرى مع أنهم جاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم، وخيرات تتعلق بمواهب الحق؛ يعني: لمساعي العبودية نالوا خيرات ~~الربوبية. # { وأولئك هم المفلحون } [التوبة: 88] الذين ظفروا ~~بنفوسهم؛ إذ بذلوها في سبيل الله وتخلصوا عن حجب صفاتها، { أعد ~~الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار } [التوبة: ~~89] أي: هم الذين أعد الله لهم في الأزل بساتين المعاني وتجري من تحتها ~~أنهار الحكم، { خالدين فيها } [التوبة: 89] ينتفعون بها إلى الأبد ~~من غير انقطاع أو فترة، { ذلك الفوز العظيم } [التوبة: 89] ~~أي: ذلك الفلاح والخلاص عن حجب النفس وصفاتها هو الفوز العظيم؛ لأن عظم ~~الفوز على قدر عظم الحجب، ولا حجاب أعظم من حجاب النفس والفوز عنها يكون ~~فوزا عظيما، والله أعلم. # قوله تعالى: { وجآء المعذرون من الأعراب ليؤذن ~~لهم } [التوبة: 90] إلى قوله: { فهم لا يعلمون } [التوبة: ~~93] يشير إلى أن الخلق ثلاث طبقات: # الأولى المعذرون، ms0736 وهم المقصرون المعترفون بتقصيرهم وذنوبهم المعذرون عن ~~تقصيرهم التائبون عن ذنوبهم المتداركون بالرحمة والمغفرة. # والثانية: القاعدون، وهم الكاذبون الكذابون الذين لم يؤمنوا بالله ~~ورسوله من الكافرين والمنافقين المتداركون بالخذلان والعذاب الأليم، كما ~~قال تعالى: { وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ~~سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم } [التوبة: 90]. # والثالثة: المؤمنون الصادقون الناصحون المخلصون ولكن فيهم الضعفاء ~~والمرضى والعجزة والفقراء وهم أهل العذر، فلا حرج عليهم في القعود عن طلب ~~الكمالات بالظواهر عند العجز مع استعمال البواطن في القلب بقدر الاستعداد ~~كما قال تعالى: { ليس على الضعفآء ولا على المرضى ~~ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا ~~نصحوا لله ورسوله } [التوبة: 91] يعني: إذا أحسنوا في طلب ~~الله اتباع رسوله بقدر قدرتهم وتمكينهم، ولذلك قال تعالى: { ما على ~~المحسنين من سبيل } [التوبة: 91] إلى الخذلان. # { والله غفور } [التوبة: 91] أي: يجبر تقصيرهم عند العذر ~~بالمغفرة، { رحيم } [التوبة: 91] بأن يرحمهم ويعطيهم من فضله ما أعطى ~~أهل الجد والاجتهاد عند القدرة، { ولا على الذين إذا مآ ~~أتوك } [التوبة: 92] أي: بطريق المتابعة بقدر الاستعداد، { ~~لتحملهم } [التوبة: 92] على جناح الهمة النبوية وتوصلهم إلى ~~مقامات ودرجات لم يكونوا بالغيها بجناحي البشرية والروحانية، { قلت ~~لا أجد مآ أحملكم عليه } [التوبة: 92] عزة وترفعا ~~واستغناء ودلالا كما قال تعالى لموسى عليه السلام عند سؤاله بقوله: # رب أرني أنظر إليك قال لن تراني # [الأعراف: 143] ليزيد بهذا المنع والتعذر شوق موسى عليه السلام فكان منع ~~النبي صلى الله عليه وسلم عنهم الحمل من هذا القبيل، فزاد لهم الشوق ~~والحرص على العزة، { تولوا وأعينهم تفيض من الدمع ~~حزنا } [التوبة: 92] على فوات ساعات الغزو صورة ومعنى. # { ألا يجدوا ما ينفقون } [التوبة: 92] أي: ما يستعملون من ~~الأسباب الموصلة لهم إلى مقامات العلية والمواهب السنية إلا بعد الابتلاء ~~بالمنع والتعذر لتقوى داعية القلب، وتزيد في الصدق فلما غلب الشوق وزاد ~~الطلب أعطي مأمولهم وأجيب سؤلهم في الصورة والمعنى، كما أعطاهم النبي ~~الحمالات في الصورة كما ذكره في رواية أبي موسى الأشعري، وفي المعنى كما ~~أمر الله نبيه صلى ms0737 الله عليه وسلم أن يحمل أرباب الطلب على جناح النبوة ~~بقوله تعالى: # واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين # [الشعراء: 215]. # ثم قال تعالى: { إنما السبيل على الذين يستأذنونك ~~وهم أغنيآء } [التوبة: 93] أي: الخذلان لمن يحتال في العقود عن ~~طلب الكمال بطريق الاستعداد والاستئذان من غير حقيقة الأعذار، { وهم ~~أغنيآء } أي: لهم الاستعدادات الكاملة فلم يستعملوها في طلب الكمال؛ ~~لكسل النفس وجنايتها طلبا لاستراحة وتحصيل اللذات والشهوات الحيوانية، { ~~رضوا } [التوبة: 93] بالخذلان وعدم التوفيق وخسة النفس، { بأن ~~يكونوا مع الخوالف } [التوبة: 93] وهم معدومو الاستعدادات ~~الكاملة المبلغة إلى مقامات الكمال. # { وطبع الله على قلوبهم } [التوبة: 93] بطابع رضاهم ~~بالمقام الأدون، { فهم لا يعلمون } [التوبة: 93] أنهم مطبعون ~~على قلوبهم؛ لأن من خصائص الطبع الجهل بما لهم وهذا هو الاستدراج الموعود ~~بقوله: # سنستدرجهم من حيث لا يعلمون # [القلم: 44]. ### || [9.94-96] # ثم أخبر عن اعتزاز المنافقين واعتذارهم بقوله تعالى: { يعتذرون ~~إليكم } [التوبة: 94] إلى قوله: { الفاسقين } [التوبة: 96]، { ~~إذا رجعتم إليهم } [التوبة: 94] يشير إلى حال أهل الخذلان ~~القاعدين عن طلب الكمال لو رجعتم إليهم وقلتم: لم تقعدون عن الطلب ~~وتبطلون استعداد الكمال في طلب الشهوات واللذات الدنيوية والفانية؟ ~~يعتذرون إليكم بالأكاذيب والأباطيل، { قل لا تعتذروا } [التوبة: ~~94] بالأكاذيب، { لن نؤمن لكم } [التوبة: 94] لن نصدقكم في ذلك، ~~{ قد نبأنا الله من أخباركم } [التوبة: 94] بالفراسة ~~الصادقة، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ". # { وسيرى الله عملكم ورسوله } [التوبة: 94] فإن الأعمال ~~من نتائج الأحوال، { ثم تردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة } [التوبة: 94] إلى من لا يخفى عليه خافية من الأعمال ~~الظاهرة والأحوال الباطنة، { فينبئكم بما كنتم تعملون } ~~[التوبة: 94] بجزاء أعمالكم إن كانت حسنة فبالحسنات، وإن كانت سيئة ~~فبالسيئات. # قوله تعالى: { سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم ~~إليهم } [التوبة: 95] يشير إلى منافقي أهل الطلب الذين يظهرون زي ~~هذه الطائفة، ويعدون أنفسهم من جملتهم، ولا يسلكون مسلكهم ولا يتصفون ~~بصفاتهم، فإذا انقلبتم إليهم أيها النصحاء بالنصيحة لئلا يقنعوا بالتشبه ~~بهذه الطائفة؛ ليحلفون بالله كذبا ونفاقا في إظهار الأعذار، { ~~لتعرضوا عنهم } [التوبة: 95] أي: لتتركوا ms0738 نصيحتهم ولومهم، { ~~فأعرضوا عنهم } [التوبة: 95] أي: دعوهم ونفاقهم إذا تحققتم ~~أنهم غير قابلي النصيحة والصلاح، { إنهم رجس } [التوبة: 95] ~~جبلوا على طينة خبيثة غير طيبة، { ومأواهم جهنم } [التوبة: ~~95] أي: مرجعهم إلى نيران البعد والحسرة. # { جزآء بما كانوا يكسبون } [التوبة: 95] يعني: طينتهم وإن ~~كانت خبيثة في أصل الخلقة ما كانت مستحقة لكمال البعد فيما كسبوا بجناية ~~تلك الطينة الذميمة صاروا مستحقين لكمال العبد لهذه النيران، { ~~يحلفون لكم لترضوا عنهم } [التوبة: 96] أي: يطلبون ~~رضاكم بسخط الله بحلفهم بالله كذبا، { فإن ترضوا عنهم } ~~[التوبة: 96] بأن لم تعلموا كذبهم ونفاقهم، { فإن الله لا ~~يرضى عن القوم الفاسقين } [التوبة: 96] الخارجين عن ~~الطاعة إلا بعد الرجوع إلى الطاعة. ### || [9.97-100] # ثم أخبر عن نفاق الأعراب ووفاق بعضهم بقوله تعالى: { الأعراب ~~أشد كفرا ونفاقا } [التوبة: 97] إلى قوله: { إن الله ~~غفور رحيم } [التوبة: 99] الإشارة فيه إلى أن في عالم الإنسان ~~بدوا وهو نفسه، وحضرا هو قلبه، كما أن في العالم بدوا وحضرا. # وقوله تعالى: { الأعراب أشد كفرا ونفاقا } يشير إلى ~~النفس وهواها، فإن الكفر بها ذاتية كما أن الإيمان للقلب ذاتي من فطرة ~~الله التي فطر الناس عليها، فيحتمل أن يصير القلب كافرا بسراية صفاته ~~إليه فيتلون بلون النفس، كما يحتمل أن تصير النفس مؤمنة بسراية صفة القلب ~~إليها فتتلون بلون القلب، ولكن النفس تكون أشد كفرا ونفاقا من القلب ~~وإن كان كافرا، كما أن القلب يكون أشد إيمانا من النفس وإن كانت مؤمنة، ~~{ وأجدر } [التوبة: 97] يعني: النفس صفاتها أولى من القلب. # { ألا يعلموا حدود مآ أنزل الله على رسوله } ~~[التوبة: 97] من الواردات النازلة على الروح، { والله عليم ~~حكيم } [التوبة: 97] في أن يجعل بعض النفس الكافرة مؤمنة، وبعض القلب ~~المؤمن كافرا، { ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق ~~مغرما } [التوبة: 98] أي: من النفوس من يعتقد أن ما ينفق من الجد ~~والاجتهاد في طلب الكمال. # { مغرما } أي: لا حاصل أو سعيه صلاح وهذه خصائص النفس الأمارة ~~بالسوء، فإن أنفق أن تكون مقهورة تحت سطوات الشريعة والطريقة فيصدر منها ~~اختيارا واضطرارا بذل جهد ms0739 وسعي في طلب الكمال على خلاف طبعها؛ لتتحسر ~~على ذلك وتحتال في إبطائها والخلاص منها طلبا للاستراحة وتتبع شهواتها ~~ولذاتها، { ويتربص بكم الدوائر } [التوبة: 98] أي: ينتظر ~~آفة تفتح للقلب، ويترصد فترة مانعة للقلب على الاشتغال بطلب الكمال، { ~~عليهم دآئرة السوء } [التوبة: 98] أي: على النفوس يدور ~~البلاء من استيلاء القلب عليها وقهرها بما يخالف هواها وطبعها، { ~~والله سميع } [التوبة: 98] سمع في الأزل، وأجاب هذا الدعاء في ~~حقها وألزمها مطاوعة الشرع ومخالفة الهوى، { عليم } [التوبة: 98] بمن ~~يسمع في حقه الدعاء. # { ومن الأعراب } [التوبة: 99] أي: ومن النفوس، { من يؤمن ~~بالله } [التوبة: 99] أي: من يؤمن بنور الله بعد أن تجلى الله سبحانه ~~على قلبه فتنور وأشرقت أرض النفس بنور ربها، فتؤمن بالله بنوره وترى ~~الدرجات الأخروية بهذا النور فتؤمن بها، { ويتخذ ما ينفق } ~~[التوبة: 99] من الجد والاجتهاد في طلب الكمال، { قربات عند ~~الله } [التوبة: 99] على قضية: # " من تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا ". # { وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم } [التوبة: ~~99] أي: موجب بعمليات الروح، فإن السالك مهما يسلك في مهامه النفس وأودية ~~القلوب كل خطوة يخطوها كما تقربه إلى الله يتقرب الله إليه بأصناف ألطافه ~~بقربة تقربه إلى الروح، ويتقرب الروح إليه بتجليات صفاته وتصرفات ~~أوصافهم، { سيدخلهم الله في رحمته } [التوبة: 99] بجذبات ~~ألطافه يأخذهم منهم ويهديهم برحمته إليه، { إن الله غفور } ~~[التوبة: 99] أي: ستار بصفته ومغفرته للصادق السالك الطالب العاشق، { ~~رحيم } [التوبة: 99] بطالبيه؛ إذ لا يصلون إليه إلا بجذبات رحمته. # ثم أخبر عن السابقين الصادقين العاشقين بقوله تعالى: { والسابقون ~~الأولون } [التوبة: 100] أي: الذين سبقت لهم العناية الأزلية كما ~~قال تعالى: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى # [الأنبياء: 101] الأولون في سبق العناية لهم أيضا، والسابقون في الخروج ~~من العدم، الأولون عند الخروج، وهم أهل الصف الأول في عالم الأرواح؛ إذ ~~كانت الأرواح صفوفا كالجنود المجندة، وأيضا السابقون في الخروج عن صلب ~~آدم عليه السلام عند أخذ ربهم وعند سماع خطاب ربهم حين قال: # ألست بربكم # [الأعراف: 172] والسابقون الأولون في جواب: # بلى # [الأعراف: 172]. # وأيضا السابقون الأولون ms0740 في تجلي ربهم بصفة ربوبيته لهم حتى عرفوه بهذه ~~الصفة فأجابوه بقولهم: { بلى } فلهم السبق في استماع الخطاب والرؤية ~~والمعرفة والإقرار والإجابة، وأيضا السابقون في استحقاق المحبة نداء ~~اختصاصهم بتشريف # يحبهم # [المائدة: 54] في الأزل، الأولون بأداء حق المحبة في سر # ويحبونه # [المائدة: 54]، وأيضا السابقون الأولون في تجديد عهد المحبة عند تجلي ~~صفة الربوبية يوم الميثاق، وأيضا السابقون الأولون عند تخمر طينة آدم ~~بيده أربعين صباحا ومماساة الحضرة الربوبية على أقرانهم الأولون بالوصول ~~إلى سرادقات الجلال، وأيضا السابقون في مقامات الوصول عن أقرانهم ~~الأولون من الذين وصلوا تلك المقامات. # واعلم أن هذه السبق مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم وأمته كما أخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " نحن الآخرون السابقون " # أي: الآخرون خروجا في الصورة، السابقون دخولا في المقامات المذكورة ~~كلها، قوله تعالى: { من المهاجرين } [التوبة: 100] أي: الذي ~~هاجروا عن أوطان البشرية إلى أوطان الروحانية، وعن الروحانية إلى كمال ~~الإنسانية، وعن الإنسانية إلى الصفات الربانية، وعن الناسوتية إلى ~~اللاهوتية، { والأنصار } [التوبة: 100] أي: الذين كانوا أنصار الله ~~في طلب الله مع الإخوان في الله. # { والذين اتبعوهم بإحسان } [التوبة: 100] أي: الذين ~~اتبعوا أهل السبق وبذلوا جهدهم في الوصول إليهم والإلحاق بهم بقدر ~~الإمكان، كما كان حال أبي بكر رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الطلب بالمسابقة معه قبل بعثته حيث قال: # " كنت أنا وأبو بكر كفرسي رهان " # كما قال تعالى: # ألحقنا بهم ذريتهم # [الطور: 21]، وكقول يوسف عليه السلام: # وألحقني بالصالحين # [يوسف: 101] يعني: أنا متابع لهم فألحقني بهم. # { رضي الله عنهم } [التوبة: 100] عن السابقين في الأزل؛ إذ ~~هم السابقون بنيل الرضوان فرضي عنهم بأن يكونوا من أهل محبته وقربته ~~والوصول إليه فأعطاهم ما به رضي الله عنهم وارتضى لهم بنيل ما أعطاهم ~~وارتضى لهم من الكمالات، ورضي أيضا عنهم بإعطاء حق الطلب بما ارتضاه لهم ~~ببذل الجهود في الصبر على الصراط المستقيم ورضي عن المتابعين لهم ببذل ~~التوفيق والاتباع السابقين إذ اتبعوهم بالإحسان والإمكان وحسب الاستعداد. # { ورضوا عنه } [التوبة: 100] إذ ms0741 بلغهم أعلى درجات السابقين بقدر ~~وهو علو الهمة في الطلب وبذل الجد والاجتهاد على قوم المتابعة، والوصول ~~إلى أعلى درجات مقامات السابقين بقدر استعدادهم ونالوا منه مأمولهم وأعطى ~~لهم سؤلهم، { وأعد لهم جنات } [التوبة: 100] في قلوبهم ~~بساتين أشجارها الإيمان واليقين والصدق والإخلاص والتوكل والتسليم ~~والرضا، { تجري تحتها الأنهار } [التوبة: 100] من ماء العناية ~~والمواهب الربانية. # { خالدين فيهآ أبدا } [التوبة: 100] أي: لا تنقطع عنهم ~~العناية، ويزيد في أثمار تلك الأشجار من المشاهدات والمكاشفات الربانية ~~إلى أبد الآباد، { ذلك الفوز العظيم } [التوبة: 100] وهو ~~الفناء عن الأوصاف الإنسانية، والبقاء بالصفات الربانية. ### || [9.101-104] # ثم أخبر عن أرباب النفاق من الأعراب بقوله تعالى: { وممن ~~حولكم من الأعراب منفقون } [التوبة: 101] إلى قوله: { ~~هو التواب الرحيم } [التوبة: 104]، { وممن حولكم ~~من الأعراب } يشير إلى صفات النفس، فإنها بمثابة الأعراب بالنسبة ~~إلى مدينة القلب وصفاته، وإنها تدور حول القلب؛ يعني: من أعراب صفات ~~النفس بعضها منافق لاحتمال أن يكون بعضها منافقا، وبعضها كافرا، وبعضها ~~مسلما، فالمنافق منها كالصفة الحيوانية من الشهوات، فإنها تبدل بالعفة ~~عند استيلاء القلب على النفس لسياسة الشريعة وتربية الطريقة ظاهرا ~~الحقيقة؛ لأنها تتبدل بالكلية بحيث تنزع عنها الشهوة بحيث تكون مغلوبة ~~فيها بالسياسة، وهذا حال المنافق أن يكون ظاهره بخلاف باطنه بالرئاسة. # والكافر منها كالصفة البهيمية في طلب الغذاء من المأكول والمشروب، فإنها ~~لا تتبدل بضدها وكالاستغناء عن الأكل والشرب؛ لحاجة الجسد إلى الغذاء ~~لبدل ما يتحلل من الجسد، والمسلم: كالصفة السبعية والشيطانية من الغضب ~~والكبر والعداوة والكذب والخيانة، فإنها تحتمل أن تتبدل بضدها من الحلم ~~والتواضع والمحبة والصدق والأمانة عند استنارة النفس بنور الإسلام وترشح ~~نور الإيمان عن القلب وانشراح الصدر بنور ربها، وهذه الصفات وغيرها من ~~صفات النفس ما لم تتبدل بالكلية أو لم تكن مغلوبة بأنوار صفات القلب، ~~ففيها بعض النفاق كما جعل النبي صلى الله عليه وسلم الكذب والخيانة وخلف ~~الوعد والغدر من النفاق، فقال: # " من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا ~~أؤتمن خان، ms0742 وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت ~~فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ". # قوله تعالى: { ومن أهل المدينة } [التوبة: 101] يعني: مدينة ~~القلب وأهلها صفاته، { مردوا على النفاق } [التوبة: 101] وذلك ~~باستيلاء صفات النفس على صفات القلب عند تصرف أنوار القلب عند تصرف ظلمات ~~النفس وأوصافها فيها، فيظهر فيها النفاق مذبذبة بين إيمان الصفات الحميدة ~~وكفر الصفات الذميمة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، { لا تعلمهم ~~نحن نعلمهم } [التوبة: 101] يعني: لا يعرف هذه الأحوال أرباب ~~علوم الظاهر، ويعرفها أصحاب الكشوف الباطنة، { سنعذبهم ~~مرتين } [التوبة: 101] مرة بأحكام الشريعة، ومرة بآداب الحقيقة؛ ~~أي: نعذبهم بتكاليف أوامر الشرع ونواهيها ونعذبهم عن الأخلاق الذميمة ~~بدقائق تربية الطريقة عند الانفطام عن مألوفات الطبيعة. # { ثم يردون } [التوبة: 101] بجذبات اللطف والقهر، { إلى ~~عذاب عظيم } [التوبة: 101] عند فناء أوصافهم بتجلي العزة عن صفات ~~اللطف والجمال، وإلى عذاب عظيم عند بقاء أوصافهم بالستر وإسبال حجبها ~~للجلال طردا وبعدا عن حضرة الجمال. # { وآخرون اعترفوا بذنوبهم } [التوبة: 102] أي: القلب ~~وصفاته اعترفوا بذنوب شوب صفات النفس والتلوث بها، { خلطوا عملا ~~صالحا } [التوبة: 102] وهو صدق التوجه في طلب الحق والإعراض عن ~~الباطل، { وآخر سيئا } [التوبة: 102] وهو مطاوعة النفس وهواها في ~~بعض الأوقات، { عسى الله أن يتوب عليهم } [التوبة: 102] ~~أي: يوفقهم للرجوع إلى الحق بالكلية والإعراض عما سواه، { إن الله ~~غفور } [التوبة: 102] يستر بكرمه صفات القلوب، { رحيم } [التوبة: ~~102] يمحو بماء رحمته لوث شهوات النفوس. # { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ~~} [التوبة: 103] يشير إلى أن حب المال نجاسة تنجس القلوب وتغطيها، فيتطرق ~~إليها الشيطان ويلقي فيها الطغيان، ومن هذا ينفتح عليها أبواب العصيان ~~وتندرج إلى الأسفل بالاستدراج والخذلان، فلا تنحسم مادة هذا الفساد إلا ~~بتطهر القلب بأنوار الهمة العلية النبوية وتنويره بنور صلاة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم كما أمر بقوله تعالى: { وصل عليهم إن ~~صلوتك سكن لهم } [التوبة: 103] أي: موفية لسكون القلوب إلى ~~العبودية وطمأنينتها بأنس الربوبية؛ إذ بنور الصلاة تزول عن القلوب ظلمات ~~ركونها إلى الدنيا ويظهر سكونها إلى ms0743 المولى. # { والله سميع } [التوبة: 103] يسمع اعتراف القلوب بالذنوب ~~وتوبتها، ويجيب دعاء الرسول في تزكيتها وتطهيرها، { عليم } [التوبة: ~~103] بتجلية القلوب بأنوار الغيوب بعد تزكيتها عن دنس الفضول، { ألم ~~يعلموا } [التوبة: 104] أرباب الذنوب من أصحاب القلوب، { أن ~~الله هو يقبل التوبة عن عباده } [التوبة: 104] أي: ~~علموا؛ لأنهم شاهدوا في قلوبهم آثار قبول التوبة بصدق الأوبة. # { ويأخذ الصدقات } [التوبة: 104] يشير به إلى خلوص النية في ~~الإعطاء وعلو الهمة وفسحة الرجاء أي: المعطي ينبغي ألا يظن أنه يعطي ~~الصدقة إلى الفقير وبها يمن عليه، فتبطل صدقته بالمن، ويعلم أنه يعطي إلى ~~الله تعالى؛ لأنه الآخذ، فلا يرى الفقير بل يرى الله سبحانه وتعالى، ~~فيرجوا الثواب والجزاء منه لا من غيره، وفي هذه الآية رجاء عظيم أنه ~~تعالى يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات، ولولا هذا الكرم واللطف ما ~~نجا أحد من قهره، { وأن الله هو التواب الرحيم } ~~[التوبة: 104] هو الموفق للتوبة بلطفه وكرمه، ولولا توفيقه ما تاب مذنب ~~قط كما لا يتوب إبليس؛ لعدم التوفيق { الرحيم } بعباده بأن يمحو آثار ~~ظلمة الذنوب عن القلوب بنور رحمته. ### || [9.105-110] # ثم أخبر عن ظهور الأحوال بصدور الأعمال بقوله تعالى: { وقل ~~اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } ~~[التوبة: 105] يشير إلى أن عمل المحسن يخلص إلى السماوات بقدر قوة صدقه ~~وإخلاصه، فالله تعالى يراه بنور ألوهيته، وروح الرسول صلى الله عليه وسلم ~~يراه بنور نبوته، وأرواح المؤمنين بنور إيمانهم، فاستعلاء ذلك النور ~~وصفاؤه وضوؤه يكون على قدر علو همة المحسن وخلوص نيته وصفاء طويته، وإن ~~لعمل المسيء ظلمة تصعد إلى السماوات بقدر قوة عقليته وخباثة نفسه، فإنه ~~تعالى يراها وروح رسوله وأرواح المؤمنين، { وستردون } [التوبة: ~~105] بأقدام أعمالكم. # { إلى عالم الغيب والشهادة } [التوبة: 105] أي: إلى ~~الله الذي هو عالم بما غاب عنكم وغبتم عنه، فأما ما غاب عنكم فهو نتائج ~~أعمالكم من الخير والشر وجزاؤها فإنها إن لم تغب عنكم زدتم في الخير وما ~~عملتم شرا، وأما ما غبتم عنه فهو تقدير الأزل والحكمة فيما جرى به ~~القلم من أعمال ms0744 الخير والشر وعالم بما تشاهدون بالعيون والقلوب في الملك ~~والملكوت، { فينبئكم بما كنتم تعملون } [التوبة: 105] ~~فيجزيكم بمكافآت أعمالكم نتائج الخير والشر الذي قد غاب عنكم حين مباشرة ~~أعمالكم الخير بالخير والشر بالشر فتعلمون ما كنتم تعملون. # ثم أخبر عن الموقوفين لقضائه وقدره لقوله تعالى: { وآخرون ~~مرجون لأمر الله } [التوبة: 106] يشير إلى الحكمة الأزلية ~~التي اقتضت إقدام بعض النفوس على الذنوب وتأخير توبتهم وهم مترددون بين ~~الخوف والرجاء، { إما يعذبهم وإما يتوب عليهم } ~~[التوبة: 106] ولهم فيما بين ذلك تربية؛ ليطيروا بجناحي الخوف والرجاء ~~إلى أن يصلوا إلى مقام الفيض والبسط إلى أن يبلغوا سرادقات الأنس ~~والهيبة، ثم ليطيروا بجناحي الأنس والهيبة إلى قاب قوسين الستر والتجلي ~~والوحدة، { والله عليم } [التوبة: 106] بتربية عباده، { حكيم } ~~[التوبة: 106] بمن يصلح للقرب والقبول ومن يصلح للبعد. # ثم أخبر عن إرادة أهل النفاق بأعمال أهل الوفاق بقوله تعالى: { ~~والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا } [التوبة: 107] ~~إلى قوله: { والله عليم حكيم } [التوبة: 110] يشير به إلى أهل ~~الطبيعة اتخذوا مزبلة النفس مسجدا ضرارا لأرباب الحقيقة وكفروا ~~بأحوالهم، كما أنهم اتخذوا بستان القلب مسجدا يذكرون الله فيه ويطلبونه، ~~وهذا وصف مدعي الطلب الكذابين في دعواهم المتشبهين بزي أرباب الصدق ~~والطلب، { وتفريقا بين المؤمنين } [التوبة: 107] الطالبين ~~الصادقين بإظهار الدعوى من غير المعنى أن يفرقوا بين الأحوال في الله، ~~وفي طلبه بأنواع الحيل تارة بطلب صحته معهم ومرافقتهم في الأسفل، وتارة ~~بذكر البلدان وكثرة النعم فيها وطيب هوائها وكرم أهلها وإرادتهم بهذه ~~الطائفة؛ ليزجوهم عن خدمة المشايخ ومحبة الإخوان. # { وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل } ~~[التوبة: 107] ليوفقهم في بلاء صحبة الإباحية من مدعي الفقر والمعرفة ~~وهم يحاربون الله بترك دينه وشريعته وإحياء سنته، { وليحلفن إن ~~أردنا إلا الحسنى } [التوبة: 107] فيما دعوناكم إليه، { ~~والله يشهد إنهم لكاذبون } [التوبة: 107] فيما يدعون ~~ويحلفون، { لا تقم فيه أبدا } [التوبة: 108] يخاطب رسول الهداية ~~والعناية لا تقم في مزبلة النفس، وإن اتخذت مسجدا مشابها لمساجد ~~القلوب. # { لمسجد أسس على التقوى } [التوبة: 108] أي: مسجد ~~القلب أسس على العبودية والطاعة ms0745 والإقرار بالوحدانية، { من أول ~~يوم } [التوبة: 108] الميثاق عند خطاب # ألست بربكم # [ الأعراف: 172] وجواب: # قالوا بلى # [الأعراف: 172]، { أحق أن تقوم فيه } [التوبة: 108] يا رسول ~~الهداية والعناية؛ لأن { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } ~~[التوبة: 108] وهم الأوصاف الحميدة والأخلاق الكريمة من القلب دأبهم ~~التطهير عن الصفات الذميمة والأخلاق اللئيمة؛ بل عن دنس الوجود ولوث ~~الحدوث، { والله يحب المطهرين } [التوبة: 108] الفانين ~~عن وجودهم الباقين بالله، ولولا محبته إياهم ما وفقهم بالتطهير. # { أفمن أسس بنيانه } [التوبة: 109] أي: جبل وقت الفطرة ~~بتقدير الأزل، { على تقوى من الله } [التوبة: 109] أي ~~التوحيد والمعرفة، { ورضوان } [التوبة: 109] أي: خلق لطلب رضا الله ~~ونيل الرضا من الله كقوله تعالى: # رضي الله عنهم ورضوا عنه # [التوبة: 100]، { خير أم من أسس بنيانه } [التوبة: 109] ~~أي: جبل حال الفطرة والتقدير، { على شفا جرف هار } [التوبة: ~~109] أي: على شفا مهلكة فاسقة، { فانهار به } [التوبة: 109] وخسف ~~بهم، { في نار جهنم } [التوبة: 109] البعد عن الله. # { والله لا يهدي القوم الظالمين } [التوبة: 109] ما ~~داموا على ظلمهم وهو وضع عبادة الدنيا ومحبتها والحرص في طلبها، وموضع ~~عبادة الله ومحبته والصدق في طلبه، فإذا غيروا ما بأنفهسم من طلب الدنيا ~~وشهواتها يغير الله ما بهم من الكفر والطغيان والخذلان، { لا يزال ~~بنيانهم الذي بنوا ريبة } [التوبة: 110] عند الفطرة على ~~الشقاوة بنيت شكا ونفاقا وخذلانا، { في قلوبهم إلا أن ~~تقطع قلوبهم } [التوبة: 110] ويخرب الله فيها بنيان الشقاوة ~~بنور الهداية من يشاء من عباده، { والله عليم } [التوبة: 110] بمن ~~يشاء به السعادة، { حكيم } [التوبة: 110] بمن أراد به الشقاوة وحكم ~~بها في الأزل. ### || [9.111-112] # ثم أخبر عن أمارات أهل السعادة وعلامات أهل السعادة بقوله تعالى: { ~~إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم } [التوبة: 111] الآيتين: { إن الله اشترى } ~~في التقدير الأزلي، { من المؤمنين } أي: أهل الإيمان والصدق، ~~فإنهم جبلوا على استعداد هذه المبايعة لا من أهل الكفر والنفاق والكذب، ~~فإنهم غير مستعدين لهذه المبايعة لأنفسهم وأموالهم، { بأن لهم ~~الجنة } [التوبة: 111] أي: يبذلون النفس والمال في الجهاد الأصغر مع ~~الكفار. # { يقاتلون } [التوبة: 111] يجاهدون، { في سبيل الله } ~~[التوبة: ms0746 111] أي: في طلب سبيل الله، وهو الجنة؛ أي: يبذلون النفس لأهل ~~الجهاد الأصغر، { فيقتلون } [التوبة: 111] يعني: يطلبون الجنة بصرف ~~المال في مصالح الجهاد وبذل النفس، فأما قتلهم الأعداء فهم الغزاة فلهم ~~الجنة، وأما قتلهم الأعداء فهم الشهداء فلهم الجنة، والجهاد الأكبر مع ~~النفوس المتمردة، # يجاهدون في سبيل الله # [المائدة: 54] أي: في طلب الله وهو لأهل الجهاد الأكبر. # { ويقتلون } [التوبة: 111] يعني: يقتلون النفس الأمارة بالسوء ~~بسيف الصدق ومخالفة هواها وتبديل أخلاقها وبذل المال في مصالح قتلها ~~والجهاد وبقتلها يصل العبد إلى ربه، { ويقتلون } يعني: بقتل النفس ~~بجذبات الألوهية وتجلي صفات الربوبية، وفيه إشارة أخرى أن الله تعالى ~~اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، واشترى من أوليائه ~~الصديقين قلوبهم وأرواحهم بأن لهم الله تبارك وتعالى، فهؤلاء يبذلون ~~القلوب والأرواح في طلب الله، كما أن المؤمنين يبذلون الأنس والأموال في ~~طلب الجنة. # { وعدا عليه حقا } [التوبة: 111] يعني: الوعد لكلا الفريقين ~~حق على الله تعالى إنجازه، { في التوراة والإنجيل ~~والقرآن } [التوبة: 111] أي: هذا الوعد حقيقته إنجازه ثابت في الكتب ~~كلها، { ومن أوفى بعهده من الله } [التوبة: 111] أي: لا ~~يكون أحد وافيا بالعهد وفاء الله بعده؛ لأنه تعالى قادر على الوفاء ~~وغيره عاجز عنه إلا بتوفيقه إياه. # { فاستبشروا } [التوبة: 111] يعني: الفريقين، { ببيعكم ~~الذي بايعتم به } [التوبة: 111] في طلب الجنة وطلب الله تعالى، ~~{ وذلك هو الفوز العظيم } [التوبة: 111] أي: الفوز عن ~~النفس والقلب والروح بالبذل في طلب الله فوز عظيم؛ لأنه يصل إلى الله ~~العظيم. # ثم ذكر أصناف الواصلين وأوصافهم في مراتب الوصول فقال تعالى: { ~~التائبون } [التوبة: 112] وهو الراجعون إلى الله بكليتهم فزهدوا في ~~الدنيا والآخرة وما فيهما من اللذات والشهوات والدرجات النفسانية ~~والروحانية فهم يرجعون به منهم إليه على قدم العبودية، كما قال تعالى: { ~~التائبون }. # { العابدون } [التوبة: 112] يعني: التائبون عن عبادة ما سوى الله ~~وطلبه الراجعون إليه بعبادته وطاعته؛ لقوله تعالى: # " ما تقرب إلي المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم ". # { الحامدون } [التوبة: 112] يعني: حامدون الله على ما وفقهم لنعمة ~~القالب، { السائحون } [التوبة: 112] أي: ms0747 السائرون إلى الله بترك ~~شغلهم عنهم. # { الراكعون } [التوبة: 112] الخاضعون المنكسرون الراجعون عن مقام ~~القيام بوجودهم إلى القيام بموجدهم. # { الساجدون } [التوبة: 112] أي: الساقطون عنهم على عتبة الوحدة بلا ~~هم، { الآمرون بالمعروف } [التوبة: 112] أي: المأمورون بالرجوع ~~إلى الخلق، القائمون بالله في الأمر بالمعروف، { والناهون عن ~~المنكر والحافظون لحدود الله } [التوبة: 112] أي: لئلا ~~يتجاوزوا عن الله وطلبه في طلب غيره، { وبشر المؤمنين } ~~[التوبة: 112] أي: الطالبين بنيل ما طلبوا في الله بالسير في هذه المراتب ~~العلية والمقامات السنية. ### || [9.113-116] # ثم أخبر عن نهي النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن استغفارهم ~~للمشركين بقوله تعالى: { ما كان للنبي والذين آمنوا ~~أن يستغفروا للمشركين } [التوبة: 113]، إلى قوله: { من ~~ولي ولا نصير } [التوبة: 116] يشير إلى أن الله تعالى ما أودع ~~ولاية الهداية الإلهية واستجلاء العناية الربانية في الاستعدادات ~~الإنسانية لا للأنبياء ولا للأولياء، { ولو كانوا أولي ~~قربى } [التوبة: 113] والرفعة فيه أن يكون أكثر اهتماما في حق ~~الأقرباء وهم أحب إليه من غيرهم فيجتهد فيهم غاية الاجتهاد في طلب ~~المراد؛ وذلك لأن الهداية من مواهب الربوبية لا من مراتب العبودية، كما ~~صرح به في قوله تعالى: # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص: 56] أي: من لا أريد هدايته، وهذا معنى قوله تعالى: { من بعد ~~ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } [التوبة: 113] ~~أي: المردودون من أهل البعد؛ يعني: ليس للأنبياء والأولياء تبديل خلق ~~الله ولا تبديل لكلمات الله، فمن حكمت المشيئة الأزلية والحكمة الإلهية ~~بشقاوته لا ينفعه استغفار المستغفرين ولا شفاعة الشافعين، كما لم ينفعه ~~إنذار المنذرين وعدوة النبيين، ومن اقتضت الحكمة الإلهية والإرادة ~~الأزلية سعادته فإنه تنفعه الشفاعة والإنذار والهداية، كما قال تعالى: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52] أي: للمقبولين من أهل القربة والكرامة. # ثم اعتذر عن استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه فقال تعالى: { وما ~~كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدهآ إياه } [التوبة: 114] يعني: استدل إبراهيم بمواعدة أبيه أن ~~يكون أبوه من المقبولين فينفعه استغفاره فاستغفره ربه، { فلما ~~تبين له أنه عدو لله } [التوبة: 114] أي: المردودين، ms0748 ~~{ تبرأ منه } [التوبة: 114] وتولى إلى الله تعالى. # { إن إبراهيم لأواه حليم } [التوبة: 114] الأواه ~~المتبرئ من المخلوقات؛ لكثرة نيل المواجيد والكرامات، فيكون لضيق البشرية ~~تولاه مولاه، فمهما ورد له وارد الحق ضاق عليه نطاق الخلق فيتأوه عند ~~تنفس القلب المضطر من الخلق إلى الحق ويفر من الخلق ويفر إلى الحق ملحا ~~من جلدة الإنسانية منفردا للفردانية متوحدا للوحدانية، حليم عما ~~أصابه من الخلق للحق، فلا رجوع من الحق إلى الخلق بحال من الأحوال، كما ~~قال لجبريل عليه السلام: ابتلاه الله به في الهواء، لما ألقى بالمنجنيق ~~إلى النار عند قوله: " ألك حاجة " كيف أرجع من الحق في تلك الحالة لمقال: ~~أما إليك فلا. # { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم } ~~[التوبة: 115] يعني: إذ هداهم بالتوحيد والتفريد إلى الوحدانية ~~والفردانية لا يردهم بالمكر إلا إلى الإثنينية والبعد، { حتى ~~يبين لهم ما يتقون } [التوبة: 115] من آفات البشرية وعاهات ~~خصائص الدنيوية التي رأس كل خطيئة وبلية، فإذا لم يحترزوا عنها ووقعوا ~~فيها بعيدا بالاستدراج إلى ما خرجوا منها بالوجد من لوث الوجود من حيث ~~لا يعلمون، وهذا يدل على الحور بعد الكور نعوذ بالله منه. # وفيه إشارة أخرى وهي أن الله تعالى بعد إذ هداهم بالإفناء عن الوجود إلى ~~البقاء من الحق لا يردهم إلى بقاء البقاء وهو الإثبات بعد المحو، والصحو ~~بعد السكر، وقد سماه المشايخ الإثبات الثاني، حتى يتبين لهم ما يتقون ~~من الأعمال والأفعال والأقوال رعاية لتلك الأحوال. # { إن الله بكل شيء } [التوبة: 115] من الآفات المفسدة ~~للأحوال وبكل شيء من المرامات لمصلحة الحال، { عليم } [التوبة: 115] ~~يلهم بها القلوب الحاضرة ويسمع بها الآذان الواعية، { إن الله له ~~ملك السموت والأرض } [التوبة: 116] تلك القدرة والإيجاد ~~عليهما وما فيهما، { يحيي } [التوبة: 116] بنور ربوبيته من يشاء، { ~~ويميت } [التوبة: 116] عن صفات بشريته من يشاء، { وما لكم من ~~دون الله من ولي } [التوبة: 116] يعطيكم الولاية، { ولا ~~نصير } [التوبة: 116] ينصركم عن الظفر بنفوسكم للهداية، فلا يشغلكم ~~طلب الملك عن المالك، فإن طالب الملك لا يجدي المالك ولا ms0749 يبقي الملك معه، ~~طالب الملك لا يجد الملك ولا المالك وطالب المالك يجد الملك والمالك ~~جميعا. ### || [9.117-121] # ثم أخبر عن تأثير عنايته وآثار هدايته بقوله تعالى: { لقد تاب ~~الله على النبي } [التوبة: 117] إلى قوله: { وكونوا مع ~~الصادقين } [التوبة: 119]، { لقد تاب الله على النبي ~~} أي: تاب عليه في الأزل قبل أن يذنب، وإذا وقعت التوبة من الله قبل ~~الذنب فيكون الذنب قبل أن يقع مغفورا، يدل عليه قوله تعالى: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2] فالمغفرة مقدمة على الذنب، وكذلك قوله تعالى: # عفا الله عنك لم أذنت لهم # [التوبة: 43] قدم العفو على الاعتراض، ولعل هذا من خصائص النبي صلى الله ~~عليه وسلم لتكون فائدة الذنب عائدة عليه من غير توب عن دنس الذنب، فإنه ~~لم يكن لصورة الذنب فائدة راجعة إلى معنى الذنب لما أجرى الله صغيرة ~~النبي من أنبيائه، وفي شرح هذا طول لا نشرع فيه. # وفيه معنى آخر وهو أن التوبة فضل من الله تعالى ورحمة مخصوصة به لينعم ~~بذلك على عباده فكل نعمة وفضل يوصله الله إلى عباده تكون عبارة على ولاية ~~النبوة، فمنها يفيض على المهاجرين والأنصار وجميع الأمة، فلهذا قال ~~تعالى: { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين ~~والأنصار } [التوبة: 117] يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم # " ما صب الله في صدري شيئا إلا وصبه في صدر أبي بكر رضي الله عنه ". # { الذين اتبعوه في ساعة العسرة } [التوبة: 117] عسرة ~~ترك الدنيا وشهواتها ولذاتها، وعسرة نهي النفس عن هواها وعسرة الصبر على ~~جهاد النفس ومخالفة هواها، وعسرة انقياد النفس لتكاليف الشرع واستعمالها، ~~{ من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم } [التوبة: ~~117] تميل إلى الدنيا وشهواتها طبعا، { ثم تاب عليهم } ~~[التوبة: 117] بإفاضته نور العناية والرحمة؛ ليرجعوا من طلب الدنيا ~~وشهواتها إلى طلب الآخرة ودرجاتها. # { إنه بهم رءوف رحيم } [التوبة: 117] في الأزل والرحمة ~~خلقهم، وفيه إشارة: { لقد تاب الله على النبي } أي: نبي ~~الروح، فإنه بمنزلة النبي يأخذ بإلهام الحق حقائق الدين ويبلغها إلى أمته ~~من ms0750 القلب والنفس والجوارح والأعضاء، فالمعنى: أفاض الله على نبي الروح ~~ومهاجري صفاته الذين هاجروا معه من مكة الروحانية إلى مدينة الجسدانية، ~~والأنصار من القلب والنفس وصافتهما الذين هم ساكنوا مدينة الجسد فيضان ~~الرحمة. # { الذين اتبعوه في ساعة العسرة } أي: اتبعوا الروح ~~ساعة رجوعه إلى عالم العلو بالعسرة؛ إذ هم نشأوا من عالم السفل يعسر ~~عليهم السير إلى عالم العلو { من بعد ما كاد يزيغ قلوب ~~فريق منهم } [التوبة: 117] من النفس وصفاتها وهواها، فإن ميلها ~~طبعا إلى عالم السفل، ثم تاب عليهم بإضافة الفيض الرباني؛ لتغلبهم عن ~~طبعهم { إنه بهم رءوف رحيم } [التوبة: 117]؛ ليجعلهم ~~بالسير بالشريعة قابلا للرجوع إلى عالم الحقيقة. # { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } [التوبة: 118] من النفس ~~والهوى والطبع وما اتبعوا الروح عند رجوعه إلى عالم العلو ابتداء حتى ~~تمكنوا في عالم السفل وحصلوا فيه ما يحتاجون إليه من أسباب العبودية عند ~~رجوعهم إلى عالم الربوبية بجذبة: # ارجعي إلى ربك راضية مرضية # [الفجر: 28]، { حتى إذا ضاقت عليهم الأرض } [التوبة: ~~118] أرض السفل عند إصابة الفيض الإلهي شوقا إلى تلك الحضرة، { بما ~~رحبت } [التوبة: 118] بعدما وسعت أرض السفل لهم بالطبع، { وضاقت ~~عليهم أنفسهم } [التوبة: 118] تحنثا إلى تلك السعادات. # { وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه } ~~[التوبة: 118] إلا الفرار إليه، { ثم تاب عليهم } [التوبة: ~~118] جذبهم عن العالم السفلي بجذبة العناية، { ليتوبوا } [التوبة: ~~118] أي: يرجعوا إلى الله ولو لم تتداركهم جذبة العناية ما تابوا وما ~~رجعوا عن طبعهم وما رغبوا في طلب الله، { إن الله هو التواب ~~الرحيم } [التوبة: 118] أي: هو الذي يجذبهم بجذب الرحمة عنهم وعن ~~طبعهم وعماهم فيه من الميل إلى السفليات، ولو وكلهم إلى طبيعتهم ما سلكوا ~~طريق الحق أبدا. # ثم عمم الدعوة وقال تعالى: { يأيها الذين آمنوا } [التوبة: ~~119] قولا وتصديقا، { اتقوا الله } [التوبة: 119] بالأعمال ~~الصالحات واتقوا بالله عن غير الله، { وكونوا مع الصادقين } ~~[التوبة: 119] لتبلغوا بتربيتهم وقوة ولايتهم إلى مراتب الصديقين وإلى ~~مقام الاتقاء بالله عما سواه، وأيضا كونوا مع الصادقين الذين صدقوا ~~يوم الميثاق، لما أجابوا الله عند ms0751 خطاب # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172] وصدقوا الله على ما عاهدوا عليه ألا يعبدوا إلا الله ~~ولا يشركوا به شيئا من مقاصد الدنيا والآخرة. # ثم أخبر عن وجود ترك التكلف في التخلف بقوله تعالى: { ما كان لأهل ~~المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا ~~عن رسول الله } [التوبة: 120] الآيتين: { ما كان لأهل ~~المدينة } مدينة القالب وأهلها النفس والهوى والقلب، { ومن ~~حولهم من الأعراب } أعراب الصفات النفسانية والقلبية، { أن ~~يتخلفوا عن رسول الله } رسول الروح؛ إذ هو راجع إلى الله ~~وسائر إليه، { ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه } ~~[التوبة: 120] عن بذل وجودهم عند بذل وجوده بالفناء في الله، { ذلك ~~بأنهم لا يصيبهم ظمأ } [التوبة: 120] من ماء الشهوات، { ~~ولا نصب } [التوبة: 120] من أنواع المجاهدات، { ولا مخمصة } ~~[التوبة: 120] بترك اللذات وطعام الدنيا، { في سبيل الله } ~~[التوبة: 120] في طلب الله، { ولا يطأون موطئا } [التوبة: 120] ~~مقاما من مقامات الفناء، { يغيظ الكفار } [التوبة: 120] النفس ~~والهوى، { ولا ينالون من عدو } [التوبة: 120] الشيطان ~~والدنيا والنفس. # { نيلا } [التوبة: 120] أي: نيلا ومحنة وفقرا وفاقة وجهرا ~~وحزنا، وغير ذلك من أسباب الفناء، { إلا كتب لهم به عمل ~~صالح } [التوبة: 120] من البقاء بالله بعد الفناء في الله، { إن ~~الله لا يضيع أجر المحسنين } [التوبة: 120] الفانين في ~~الله فيبقيهم بالله ليعبدوه به على المشاهدة؛ لأن الإحسان أن تعبد الله ~~كأنك تراه. # { ولا ينفقون نفقة } [التوبة: 121] من بذل الوجود، { ~~صغيرة ولا كبيرة } [التوبة: 121] الصغيرة بذل وجود الصفات، ~~والكبيرة بذل وجود الذات في صفات الله تعالى وذاته تعالى القدس، { ولا ~~يقطعون واديا } [التوبة: 121] من أودية الدنيا والآخرة والنفس ~~والهوى والقلب والروح، { إلا كتب لهم } [التوبة: 121] كل واد من ~~هذه الأودية وقربة ومنزلة ودرجة، كما قال تعالى: # " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ". # { ليجزيهم الله } [التوبة: 121] البقاء به والفناء عن نفسه، { ~~أحسن ما كانوا يعملون } [التوبة: 121] أي: بأحسن مقام كانوا ~~يعملون العبودية في طلبه؛ لأن طلبهم على قدر معرفتهم وسطح نظرهم وجزاء ما ~~يطيق عنه نطاق عقولهم مفهومهم، كما قال تعالى: # " أعددت لعبادي الصالحين ما لا ms0752 عين رأت ولا أذن سمعت ". ### || [9.122-127] # ثم أخبر عن نفي النفر بقوله تعالى: { وما كان المؤمنون ~~لينفروا كآفة } [التوبة: 122] والإشارة فيه أن الله تعالى يندب ~~خواص عباده بقوله تعالى: { فلولا نفر من كل فرقة ~~منهم طآئفة } [التوبة: 122] إلى رحلة الصورة والمعنى، ففي طلب ~~أهل الكمال الكاملين المكملين الواصلين الموصلين، كما ندب موسى إلى ~~الرحلة في طلب الخضر - عليهما السلام - { ليتفقهوا في الدين ~~} [التوبة: 122] ليتفقهوا في السير إلى الله تعالى، والسير بالله، والسير ~~في الله، وأما رحلة المعنى فلما كان حال إبراهيم عليه السلام قال: # إني ذاهب إلى ربي # [الصافات: 99]، فهو السير من القالب وصفاته إلى القلب وصفاته، ومن القلب ~~وصفاته إلى الروح إلى التخلق بأخلاق الله بقدم فناء أوصافه، وهو السير ~~إلى الله، ومن أخلاق الله إلى ذات الله بقدم فناء ذاته بتجلي صفات الله ~~وهو السير بالله، ومن أنانيته إلى هويته ومن هويته في ألوهيته إلى أبد ~~الآباد وهو السير في الله بالله من الله، وتقدس فقال: { فلولا نفر ~~من كل فرقة } أي: فهلا نفر من كل قوم وقبيلة وبلدة وقرية، { ~~منهم طآئفة } من خواصهم ومستعديهم للطلب، { ليتفقهوا ~~في الدين } أي: ليتعلموا السير إلى الله من السائرين الواصلين إليه. # { ولينذروا قومهم } [التوبة: 122] أي: ليعلموا القوم ~~المستعدين لطلب الله المحبين المحبوبين الذين خصهم الله بالمحبة من بين ~~خليقته، بقوله تعالى: # فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54] إنكم القوم الموعودون من الله بالإتيان من المحبين ~~والمحبوبين، { إذا رجعوا إليهم } [التوبة: 122] أي: بعد ~~الوصول مأمورين بالرجوع إلى الخلق بالدعوة والتربية، { لعلهم ~~يحذرون } [التوبة: 122] من غير الله ويرغبون إليه، وأيضا يحذرون ~~الحرمان عن الوصول إلى الله تعالى. # ثم أخبر عن القتال في طلب الكمال بقوله تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار } [التوبة: ~~123] إلى قوله: { لا يفقهون } [التوبة: 127]، { يأيها ~~الذين آمنوا } أي: صدقوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيما دلكم إلى ~~الله بإذنه، { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار } أي: ~~جاهدوا كفار النفس وصفاتها بمخالفة هواها وتبديل صفاتها وحملها على طاعة ms0753 ~~الله والمجاهدة في سبيله، فإنها تحجبك عن الله، { وليجدوا فيكم ~~غلظة } [التوبة: 123] هي عزيمة صادقة في فنائها بترك شهواتها ولذاتها ~~ومستحسناتها ومنازعاتها في هواها وحملها على المتابعة في طلب الحق، { ~~واعلموا أن الله مع المتقين } [التوبة: 123] بجذبة ~~الوصول لتبقوا به عما سواه. # { وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا } [التوبة: 124] يشير إلى أن من علامات ~~النفاق ما لا يظهر في القلب الاستهزاء، فإنهم يقولون على طريق الاستهزاء ~~بالقرآن وبمن آمن به، ثم أجابهم الله تعالى: { فأما الذين ~~آمنوا } [التوبة: 124] أي: بما أنزل من القرآن، { فزادتهم ~~إيمانا وهم يستبشرون } [التوبة: 124] يشير إلى أن في كل ~~سورة وآية وكلمة وحرف من القرآن نور، فالمؤمن إذا صدق النبي فيما جاء به ~~من القرآن ينتقل النور من القرآن المنزل بطريق تصديقه إلى قلب المؤمن، ~~فيضم إلى نور الإيمان فيزداد الإيمان المتمكن في القلب، وهذا يدل على أن ~~الإيمان بكل حرف وآية من القرآن يزيد في إيمان المؤمن بقدر ازدياد ~~الإيمان يزداد نوره في القلب. # { وأما الذين في قلوبهم مرض } [التوبة: 125] مرض القلب ~~ظلمة شكه ونفاقه وكفره وهو ضد سلامته وسلامة القلب خلوة من الظلمة لحصول ~~النور فيه، { فزادتهم رجسا إلى رجسهم } [التوبة: 125] ~~أي ظلمة إلى ظلمتهم؛ لأنه إن كان في الإيمان بكل حرف وآية من القرآن نور، ~~فكذلك في الإنكار والكفر بكل حرف وآية من القرآن ظلمة، فيضم إلى ظلمة ~~الكفر والإنكار المتمكن به في القلب المريض فيزيد في مزيد رجس كفرهم ~~ونفاقهم، { وماتوا وهم كافرون } [التوبة: 125] يشير إلى أن ~~موت القلب مودع في الكفر والنفاق. # ثم أخبر عن موت القلب بقوله تعالى: { أولا يرون } [التوبة: 126] ~~كل، { أنهم يفتنون } [التوبة: 126] بالبلاء والمصائب، { في ~~كل عام مرة أو مرتين } [التوبة: 126] وهذه الفتنة ~~موجبة لانتباه القلب الحي نظيره قوله تعالى: # ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب ~~الأكبر # [السجدة: 21]. # وقوله تعالى: # إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب # [ق: 37] أي: قلب حي، { ثم لا يتوبون } [التوبة: 126] إلى الله، ~~{ ولا هم يذكرون } [التوبة: ms0754 126] ويتعظون من قلوبهم ميتة ~~والقلب الميت لا يرجع إلى الله ولا يؤثر فيه نصح الناصحين كما قال تعالى ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم: # إنك لا تسمع الموتى # [النمل: 80]، وقال تعالى: # لينذر من كان حيا # [يس: 70] أي: من كان قلبه حيا. # ثم أخبر عن أمارات القلوب الميتة فقال تعالى: { وإذا مآ أنزلت ~~سورة نظر بعضهم إلى بعض } [التوبة: 127] بالإنكار ~~عليها والإنكار من أمارات موت القلب، كما أن التصديق والإقرار من أمارات ~~حياة القلب، { هل يراكم من أحد } [التوبة: 127] أي يقول رآكم ~~أحد في مقام الإنكار والنفاق يريدون به النبي صلى الله عليه وسلم؛ يعني: ~~نحن ننكر القرآن ومحمد بالرسالة فهل يرى محمد إنكارنا على رسالته وعلى ~~القرآن؟ فإنه إن كان رسولا يرانا بنور رسالته ويخبره الله عن حالنا، { ~~ثم انصرفوا } [التوبة: 127] على هذه الحسبان والغرور؛ لأنه { ~~صرف الله قلوبهم } [التوبة: 127] بإنكارهم وحسبانهم عن الإيمان ~~ورؤية الحق بأنهم؛ أي: ذلك الصرف، { بأنهم قوم لا يفقهون ~~} [التوبة: 127] أي: ليس له فقه القلب من أمارات حياته وهو رؤية الحق ~~وحياة القلب بالنور كما قال تعالى: # أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمت # [الأنعام: 122]، فافهم جدا. ### || [9.128-129] # ثم أخبر عن نعمة بعثة النبي وإعراضهم عن القبول بقوله تعالى: { لقد ~~جآءكم } [التوبة: 128] أي: من الله، { رسول من أنفسكم } ~~[التوبة: 128] في البشرية، وهذا تسكين العوام لئلا ينفروا عنه ويمتنعون ~~عن متابعته ويقولوا: لا طاقة لنا بمتابعته؛ لأنه ليس من جنسنا في ~~البشرية، نظيره قوله تعالى: # قل إنمآ أنا بشر مثلكم # [الكهف: 110] وفيه إشارة الخواص؛ إذ يقولون: إن أحدا من جنس البشرية ~~أوصل إلى هذه المراتب العلية والمقامات السنية بالاستقلال، فيحتمل أن يصل ~~في متابعته إليها كما قال تعالى: # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله # [آل عمران: 31] ومقام المحبوبية من أشرف المقامات وأعلاها، فلما تحصل ~~بالمتابعة فأدناها أولى بالحصول، وأما بقراءة من قرأ أنفسكم - بفتح الفاء ~~- فيشير به إلى نفاسة جوهرة في أصل الخلقة؛ لأنه أول جوهرا ms0755 يدعه الله ~~تعالى كما قال: # " أول ما خلق الله روحي ". # وأيضا يشير به إلى نفاسة جوهره في الخلاص عن تعلق الكونين وبلوغه إلى ~~قاب قوسين وعروجه إلى مقام أو أدنى وعلو همته؛ # إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما ~~طغى # [النجم: 16-17] واختصاصه برؤية القدر؛ أي: من آيات ربه الكبرى وتحليته ~~بحليته، # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم: 10]، { عزيز عليه ما عنتم } [التوبة: 128] أي: يشق ~~عليه انقطاعكم عن الله تعالى: { حريص عليكم } [التوبة: 128] في ~~إيصالكم إلى الله تعالى وإنزالكم # في مقعد صدق عند مليك مقتدر # [القمر: 55]، { بالمؤمنين رءوف رحيم } [التوبة: 128] ~~لتربيتهم في الدين المتين بالرفق، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " هذا الدين متين فأوغلوا فيه بالرفق وبالرحمة يعفو عنهم سيئاتهم " # ، كما أمره الله تعالى # فاعف عنهم واصفح # [المائدة: 13]. # وفي قوله: { بالمؤمنين رءوف رحيم } [التوبة: 128] في حق ~~نبيه صلى الله عليه وسلم، وفي قوله تعالى لنفسه عز وجل: # إن الله بالناس لرءوف رحيم # [الحج: 65]، وفيه لطيفة شريفة وهي: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~كان مخلوقا كانت رأفته ورحمته مخلوقة فصارت مخصوصة بالمؤمنين لضعف ~~الخلقة، وأن الله تعالى لما كان خالقا كانت رأفته ورحمته قديمة، فكانت ~~عامة للناس لقوة الخالقية من الناس كان قابلا للرأفة والرحمة النبوية؛ ~~لأنها كانت من نتائج الرأفة والرحمة الخالقية، كما قال تعالى: # فبما رحمة من الله لنت لهم # [آل عمران: 159]. # { فإن تولوا } [التوبة: 129] أي: اعرضوا عن قبول نصحك ورأفتك ~~ورحمتك ولم يسعوك في طلب الحق، { فقل حسبي الله } [التوبة: ~~129]. # يشير إلى أن تبليغ الرسالة للنبي صلى الله عليه وسلم كان موجبا لقربته ~~إلى الله تعالى وقبوله، فلما بلغ رسالته فقد تم مقصوده من الله تعالى ~~وقربته إن قبلوا منه أو اعرضوا عنه { لا إله إلا هو } ~~[التوبة: 129] أي: لا مقصود ولا مطلوب في جميع الأحوال، { عليه ~~توكلت وهو رب العرش العظيم } [التوبة: 129] أي: هو ~~العظيم الذي يحتاج العرش مع عظمته إلى ربوبيته مع اختصاص العرش باستواء ~~صفة رحمانيته عليه - والله أعلم - إن ms0756 قبلوا منه أو أعرضوا عنه، { لا ~~إله إلا هو } [التوبة: 129] أي: المقصود ولا مطلوب ولا محبوب ~~ولا معبود لي فيما عملت إلا الله، { عليه توكلت } [التوبة: ~~129] أي: هو كان مقصودي ومطلوبي في جميع الأحوال، { وهو رب ~~العرش العظيم } [التوبة: 129] أي: هو العظيم الذي يحتاج العرش مع ~~عظمته إلى ربوبيته مع اختصاص العرش باستواء صفة رحمانيته عليه. ### | [10 - سورة يونس] ### || [10.1-5] # { الر تلك آيات الكتاب الحكيم } [يونس: 1] إلى قوله: { ~~إن هذا لساحر مبين } [يونس: 2] اعلم أن في قوله: { الر } ~~إشارتين: إشارة من الحق للحق وإلى عبده المصطفى وحبيبه المجتبى، وإشارة ~~من الحق لنبيه وإليه صلى الله عليه وسلم، فالأولى قسم منه تعالى يقول: ~~بآلائي عليك في الأزل وأنت في العدم، وبلطفي معك في الوجود ورحمتي ورأفتي ~~لك من الأزل إلى الأبد، والثانية قسم منه يقول: بأنسك معي حين خلقت روحك ~~أول شيء خلقته، فلم يكن معنا ثالث، وبلبيك الذي أجبتني به في العدم حين ~~دعوتك للخروج منه فخاطبتك، وقلت يا سين أي يا سيد قلت لبيك وسعديك ~~إشارتين: إشارة من الحق للحق إلى عبده المصطفى وحبيبه المجتبى، وإشارة ~~مني: والخير كله في يديك وبرجوعك منك إلي حين قلت لنفسك: # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28]. # { تلك آيات الكتاب الحكيم } [يونس: 1] إن هذه الآيات ~~المنزلة عليك تلك آيات الكتاب الحكيم الذي وعدتك في الأزل وأورثته لك ~~ولأمتك، وقلت ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عندنا فاختص هذا الكتاب ~~بأن يكون حكيما من سائر الكتب؛ أي: حاكما يحكم على الكتب كلها بتبديل ~~الشرائع والنسخ ولا يحكم عليه كتاب أبدا، واختص هذه الأمة بالاصطفاء من ~~بين سائر الأمم وأورثهم هذا الكتاب، ومعنى الوراثة: أن يكون في الباقي ~~هذه الأمة يرثه بعضهم من بعض إلى قيام الساعة، ولا ينسخه كتاب كما نسخ هو ~~جميع الكتب فسماه حكيما أيضا؛ لأنه أودع الله الحكم فيها كلها كقوله ~~تعالى: # ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين # [الأنعام: 59] أي: ولا رطب من الحكم القديمة، ولا يابس من الأحكام ~~المحدثة إلا ms0757 في القرآن وهو بيان لمن أراد الله براياتها. # { أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم ~~} [يونس: 2] يشير إلى أنهم يتعجبون من إيحائنا إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم لأنه كان رجلا منهم، وفيه رأينا رجوليته قبل الوحي وتبليغ الرسالة ~~من بينهم، ولهذا السر ما أوحي إلى امرأة بالنبوة قط، وفيه إشارة { ~~أكان للناس } أي: للناس أيام الله قبل أيام الدنيا عجبا، { أن ~~أوحينآ إلى رجل منهم أن أنذر الناس } [يونس: 2] ~~أي: الناسي الذي نسى عهدي الذي عهدته إليه، { وبشر الذين ~~آمنوا } [يونس: 2] أي: كانوا مقربين ذاكرين بذلك العهد ولم ينقضوا ~~عهدي وما نسوا، { أن لهم قدم صدق عند ربهم } [يونس: ~~2] بأن خاطب محمدا صلى الله عليه وسلم وهو سيد في عالم الأرواح بقوله ~~تعالى: # يأيها النبي إنآ أرسلنك # [الأحزاب: 45] أي: من كتم العدم إلى الوجود شاهد؛ أي: كنت أول من خرج من ~~العدم إلى الوجود شاهد كلي يخرج من العدم إلى الوجود، فتعرف المقبولين من ~~المردودين ومبشرا للمقبولين بأن له قدم صدق من العناية الأزلية عند ~~ربهم في الأزل ونذيرا للمردودين، وإن كان # وسوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون # [يس: 10] وداعيا إلى الله بإذنه. # وهذه الدعوى إلى الله تعالى مخصوص بها إليه صلى الله عليه وسلم وأمته، ~~وهذه من حملة القدم الصادقة لهذه الأمة عند ربهم # وسراجا منيرا # [الأحزاب: 46] أي: ليهتدوا بك إلى الله؛ المعنى: إن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم كان مخاطبا بالنبوة في عالم الأرواح؛ ولهذا قال: # " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " # ، والتبشير والإنذار والدعوة والأرواح كانت مستمعة بخطاب الحق، كما ~~سمعوا خطاب: # ألست بربكم # [الأعراف: 172]، والآن في عالم الصورة من كامن المؤمنين المقبولين لا ~~يتعجب من تجديد ذلك الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن روحه من ~~الذاكرين المقربين لا من الناسين المنكرين؛ ولكن من كان من الكافرين ~~المردودين، فقد نسى روحه ذلك العهد فلا بد له من التعجب والإنكار. # { قال الكافرون إن هذا لساحر مبين } [يونس: 2] ~~المسحورون فقد سحرهم سحرة صفات ms0758 فرعون النفس، فجعلوهم # صم بكم عمي فهم لا يعقلون # [البقرة: 171]. # ثم أمر عن الانتفاع بربوبيته مودعا في عبوديته بقوله تعالى: { إن ~~ربكم الله الذي خلق السموت والأرض } [يونس: 3] ~~الآيتين: { إن ربكم الله الذي } أي: مربيكم ومدر أموركم ~~الذي { خلق السموت والأرض } في عالم الصورة وهو العالم ~~الأكبر، { في ستة أيام } من الأنواع الست وهي: الأفلاك والكواكب ~~والعناصر والحيوان والنبات والجماد. # { ثم استوى على العرش } [يونس: 3] والعرش جسماني روحاني ذو ~~جهتين: جهة منه تلي العالم الروحاني، وجهة منه تلي العالم الجسماني { ~~يدبر الأمر } [يونس: 3] لفيضان فيض الرحمانية على العرش، فإنه ~~أول قابض لفيض الرحمانية، وهذا أحد تفاسير # الرحمن على العرش استوى # [طه: 5]، ثم من العرش ينقسم الفيض، فإنه مقسم الفيض فيجري في مجاري ~~جعلها الله من العرش إلى ما دونه من المكونات، وأنواع المخلوقات فبذلك ~~الفيض تدور الأفلاك كما تدور الرحى بالماء، به تؤثر الكواكب، وبه تولد ~~العناصر وتظهر خواصه، وبه يتولد الحيوان ذا حس وحركة، وبه ينبت النبات ذا ~~حركة بلا حس، وبه تغير المعادن بلا حس ولا حركة، وفيه إشارة أخرى. # { إن ربكم الله الذي } يربيكم هو الذي { خلق ~~السموت } سماوات أرواحكم { والأرض } أرض نفوسكم في عالم ~~المعنى، وهو العالم الأصغر { في ستة أيام } أي: من ستة أنواع ~~وهي الروح والقلب والعقل والنفس التي هي الروح الحيوانية والنفس النباتية ~~التي هي النامية وخواص المعادن، وهي في الإنسان قوة قابلة لتغير الأحوال ~~والأوصاف والألوان. # { ثم استوى على العرش } على عرش القلب { يدبر ~~الأمر } أمر السعادة والشقاوة ويهيئ أسبابهما من الأخلاق والأحوال ~~والأعمال والأفعال والأقوال والحركات والسكنات، وإلى هذا يشير قوله: # " قلوب العباد بيدي الله يقلبها كيف يشاء ". # { ما من شفيع إلا من بعد إذنه } [يونس: 3] يشير إلى أن ~~الله تعالى خلق العالمين الأكبر والأصغر على قوانين حكمته البالغة، وهو ~~الذي يعلم صلاح العالمين وفسادهما يدبر فيهما كما قدر في الأزل، فلا مساغ ~~لأحد أن يرى فيهما مصلحة دون ما رآه الله، فيشفع الله تعالى في تبديل شيء ~~مما قدر ودبر، ms0759 فإنه # لا تبديل لخلق الله # [الروم: 30] وبالأخذ شمول نظر أن يرى ما يرى الله تعالى في مصلحة تدبير ~~العالمين ولا مصلحة نفسه، كما قال الله تعالى: # مآ أشهدتهم خلق السموت والأرض ولا خلق ~~أنفسهم # [الكهف: 51] إلا من بعد أن يأذن الله تعالى، يأذن له في الشفاعة فيما ~~اقتضت الحكمة الأزلية تبديله بواسطة شفاعته، { ذلكم الله ~~ربكم } [يونس: 3] أي: هو ربكم الذي قال لكم: # ألست بربكم # [الأعراف: 172] يوم الميثاق، قلتم: { بلى } وعهد إليكم # أن لا تعبدوا الشيطان # [يس: 60] { فاعبدوه } [يونس: 3] أي: فاعبدوه ووحدوه ولا تعبدوا ~~غيره كما عهد إليكم، { أفلا تذكرون } [يونس: 3] أي: أفلا تذكرون ~~ذلك العهد والميثاق الذي جرى بيننا، { إليه مرجعكم جميعا } ~~[يونس: 4] أي: جرى الميثاق على أن يكون رجوع القبول والمردود إلى حضرته: # فأما المقبول: فرجوعه إليه بجذبات العناية التي صورتها خطاب: # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28]. # وحقيقتها: انجذاب القلب إلى الله نقاء. # ونتيجتها: غروب النفس عن الدنيا، واستواء الذهب والدر عندها، وانزعاج ~~القلب عما سوى الله تعالى، واستغراق الروح في بحر الشوق والمحبة، ~~والتبرؤ عما سوى الله، وهيمان السر وحيرته في شهود الحق ورجوعه عن ~~الخلق. # وأما المردود: فرجوعه بغير اختياره مغلولا بالسلاسل والأغلال يسحبون ~~في النار على وجوههم وهي صورة صفة قهر الله، ومن نتائج قهر الله تعلقاته ~~بالدنيا وما فيها، واستيلاء صفات النفس عليه من الحرص والبخل والأمل ~~والكبر والغضب والشهوة والحسد والحقد والعداوة والشره، فإن كل واحدة ~~منهما حلقة تلك السلاسل وغل من الأغلال يسحبون إلى النار. # { وعد الله حقا } [يونس: 4] أي: وعده بالرجوع إليه لجميع ~~الخلائق حق وصدق، { إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده } ~~[يونس: 4] يشير إلى أن الله تعالى إنما خلق الخلق ابتداء، وأجرى عليه ~~الأعمال والأحوال في الدنيا من الخير؛ ليعيدهم في الآخرة بعد إفنائهم، ~~فإن الدنيا مرزعة الآخرة وليحصدوا فيها ما زرعوه في الدنيا، فمن زرع ~~الخير يحصد السلامة، ومن زرع الشر يحصد الندامة. # كما قال الله تعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره # [الزلزلة: 7] وهذا معنى قوله تعالى: { ليجزي الذين آمنوا ms0760 ~~وعملوا الصالحات بالقسط } [يونس: 4] أي: بالميزان والعدل ~~والحساب فجر الإيمان بقسط الإيمان؛ أي: بوزنه وحسب كماله ونقصانه، وجزاء ~~العمل ببسط صدق العبد وإخلاصه وقلة العمل وكثرته، { والذين ~~كفروا } [يونس: 4] أي: أعرضوا عن الحق وطلبه والإيمان ومتابعة سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم { لهم شراب من حميم وعذاب ~~أليم بما كانوا يكفرون } [يونس: 4] أي: بجزاء ما كانوا ~~يكفرون، وأيضا بقدر ما كانوا يكفرون بنعم الله، ويصرفون في مخالفته ~~وموافقة النفس والهوى. # ثم أخبر عن قدرته الكاملة ونعمه الشاملة بقوله تعالى: { هو الذي ~~جعل الشمس ضيآء } [يونس: 5] إلى قوله: # رب العالمين # [يونس: 10]. # إشارة فيها أن الله تعالى { هو الذي جعل الشمس ضيآء } ~~أي: جعل الروح ضياء يستنير به قمر القلب، كما قال الله تعالى: { ~~والقمر نورا } [يونس: 5] فاعلم أن الله تعالى خلق الروح نورانيا ~~له ضياء كالشمس، وخلق القلب صافيا كالقمر قابلا للنور والظلمة، وخلق ~~النفس ظلمانية كالأرض، فيها وقع قمر القلب في مواجهة شمس الروح يتنور ~~بضيائها، ومهما وقع في مقابلة أرض النفس ينعكس فيها ظلمتها، وسمي القلب ~~قلبا لمعنيين: أحدهما: إنه خلق بين الروح والنفس فهو قلبهما. والثاني: ~~كقلب أحواله تارة يكون نورانيا؛ لقبول فيض الروح، وتارة يكون ظلمانيا؛ ~~لقبول ظلمة النفس، وفيه إشارة أخرى وهي: أن الشمس على صفات الربوبية ضياء ~~يتنور به قمر القلب فيكون على نور من ربه. # { وقدره منازل } [يونس: 5] أي: لذلك النور في القلب مراتب إن ~~كان من ضياء شمس الروح فله مراتب الأخلاق الرحمانية، وإن كان من ضياء شمس ~~تجلي صفات الربوبية فله منازل العبودية من الزهد والتوكل واليقين والصدق ~~والإخلاص، { لتعلموا عدد السنين والحساب } [يونس: 5] ~~أي: عدد سنين المقامات وحسنات الكشوف والمشاهدات، فإن مراتب أنواع ~~المقامات بحسب الكشوف والمشاهدات للإسلام نور ينشرح به صدر المسلم، ~~وللإيمان نور يتنور به قلب المؤمن، وللإحسان نور يتنور به سر المحسن ~~للكشوف وهو الولي، وللنبوة نور يتجلى به روح النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وللرسالة نور يتجوهر به ذات الرسول، وهذه الأنوار كلها من صفات الله ms0761 ~~تعالى فكل يشاهد بحسب نوره من هذه الأنواع، ويكاشف له الحقائق والأسرار. # ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # [النور: 40]، # يهدي الله لنوره من يشآء # [النور: 35]، { ما خلق الله ذلك إلا بالحق } [يونس: ~~5] أي: ما خلق هذه المراتب والدرجات والمقامات في الظاهر والباطن إلا ~~لتبين الحق وإظهار الحقيقة، كما قال الله: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53]. # { يفصل الآيات } [يونس: 5] أي: يبينها، { لقوم يعلمون } ~~[يونس: 5] يفهمون إشاراتنا. ### || [10.6-10] # { إن في اختلاف اليل والنهار } [يونس: 6] ليل صفات ~~البشرية ونهار صفات الروحانية، { وما خلق الله في السموت ~~والأرض } [يونس: 6] سماوات الروحانية وأرض البشرية من الأوصاف ~~الأخلاق، وتبدل بعضها ببعض واستيلاء بعضها على بعض، { لآيات } [يونس: ~~6] دالة على المعرفة بالتوحيد، { لقوم يتقون } [يونس: 6] ~~يحذرون عن الأخلاق الذميمة وتبدلها بالأخلاق الحميدة على قانون معالجة ~~الشريعة والطريقة بالأمر لا بالطبع، { إن الذين لا يرجون ~~لقآءنا } [يونس: 7] أي: لا يعتقدون السير إلينا والوصول بنا لدناءة ~~همتهم وخسة نفسهم وقعود نظرهم ما طلبونا { ورضوا بالحيوة ~~الدنيا } [يونس: 7] التمتعات الدنيوية والنفسانية الحيوانية. # { واطمأنوا بها } [يونس: 7] ركنوا إلى مالها وجاهها وشهواتها، ~~{ والذين هم عن آياتنا غافلون } [يونس: 7] وإن لم يركنوا ~~إلى الدنيا وتمتعاتها وكانوا أصحاب الرياضات والمجاهدات من أهل الأديان ~~والملل والبراهمة والفلاسفة والإباحية، ولكن كانوا معرضين عن متابعة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا من أهل الأهواء والبدع. # { أولئك مأواهم النار } [يونس: 8] نار البعد والطرد ~~والحسرة، { بما كانوا يكسبون } [يونس: 8] بأعمالهم الردية ~~وأخلاقهم الدنية، { إن الذين آمنوا } [يونس: 9] أي: اعتقدوا ~~طلبنا والوصول إلينا، { وعملوا الصالحات } [يونس: 9] أي: العمل ~~الذي يصلح أن يسلكوا به سبيلنا، { يهديهم ربهم بإيمانهم ~~} [يونس: 9] أي: بصدق اعتقادهم في الطلب، ووفور إخلاصهم في السير يهديهم ~~ربهم إلى حضرة ربوبيته على طريق جنات القلب، { تجري من تحتهم ~~الأنهار } [يونس: 9] أنهار الحكمة ومياه المعرفة. # { في جنات النعيم } [يونس: 9] نعيم ملاطفات الحق ومشاهداته، { ~~دعواهم فيها سبحانك اللهم } [يونس: 10] أي: دعاؤهم ~~تنزيه تلك الحضرة عن دنس إدراكات العقول إياها ولوث ms0762 وصول أهل الطبيعة ~~إليها لما عاينوها وشاهدوها. # { وتحيتهم فيها سلام } [يونس: 10] أي: تحيتهم في الله ~~سلامة بقائهم ببقائه، { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين } [يونس: 10] يشير إلى نيل مقاصدهم وكمال مراتبهم وإتمام ~~النعمة عليهم، فالحمد والشكر والثناء على النعم يكون ورد وقتهم، ولسان ~~حالهم. ### || [10.11-14] # ثم أخبر عن كرمه بالبر مع أهل الشريعة بقوله: { ولو يعجل ~~الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي ~~إليهم أجلهم } [يونس: 11] إلى قوله: { كيف تعملون } ~~[يونس: 14]. # اعلم أن في قوله: { ولو يعجل الله للناس الشر ~~استعجالهم بالخير } إشارة إلى أن الشر من نتائج أخلاق الناس ~~وأوصافهم الذميمة النفسانية ليس له مدد من الله ليظهر أثره فيهم عاجلا، ~~بل يكلهم الله إلى أنفسهم والصفات المجبولة عليها، والخير كله من نتائج ~~نظر العناية الربانية يستمده من بحر الفضل والكرم، فيظهر أثره فيهم آجلا ~~وهو سر قوله تعالى: # " سبقت رحمتي على غضبي " # ، ولو كان السبق للغضب والقهر؛ لقضى إليهم أجلهم بهلاك الصورة، والمعنى ~~يدل على هذا التأويل قوله تعالى: { فنذر الذين لا يرجون ~~لقآءنا } [يونس: 11] أي: الذين لا يشتاقون إلى لقائنا فيسلكون طريق ~~وصولنا على أقدام الخيرات، { في طغيانهم يعمهون } [يونس: 11] ~~المعنى: فنذرهم بالخذلان إلى طغيان نفوسهم الأمارة بالسوء، متحيزين في ~~دينه ضلالة النفوس؛ ليزدادوا شرا مع شرهم، فيظهر أثره فيهم بالتدريج ~~آجلا. # وفي قوله تعالى: { وإذا مس الإنسان الضر دعانا ~~لجنبه أو قاعدا أو قآئما } [يوسن: 12] أشار إلى خاصية نفس ~~الإنسان أنها لا ترجع إلى الله طبعا إلا في مقام الحاجة الضرورية ~~بالاضطرار في أية حالة يكون من حالاتها، { فلما كشفنا عنه ~~ضره } [يونس: 12] أي: إذا استجبنا دعاءها وقضينا حاجتها، { مر ~~كأن لم يدعنآ إلى ضر مسه } [يونس: 12] عاد المشئوم ~~إلى طبعه، فرجعت قهقري إلى خاصية أنانيتها وهي نسيان حضرتنا وكفران ~~نعمتنا، إن الإنسان لظلوم كفار، { كذلك زين للمسرفين } ~~[يونس: 12] أي: للمقصرين في محبتنا وطلبنا والمجاوزين عن حد محبة غيرنا ~~وطلب ما سوانا، { ما كانوا يعملون } [يونس: 12] من الإسراف في ~~تركنا وطلب غيرنا. # { ولقد أهلكنا القرون من ms0763 قبلكم لما ظلموا } ~~[يونس: 13] أي: أوضعوا محبتنا وطلب لقائنا في غير موضعها من الدنيا ~~والآخرة وما فيهما، { وجآءتهم رسلهم بالبينات } [يونس: ~~13] بالحجج القاطعة قالا وحالا؛ ليدلوهم بها إلى محبتنا وطلبنا، { ~~وما كانوا ليؤمنوا } [يونس: 13] بتلك الحجج؛ ليهتدوا إلينا ~~بنور الإيمان إذ وكلناهم إلى أنفسهم بالخذلان، { كذلك نجزي ~~القوم المجرمين } [يونس: 13] فكلهم إلى أنفسهم بشؤم جرائمهم ~~فهلكهم كما هلكنا القرون الماضية في متابعة أهوائهم واستغراقهم في طلب ~~شهواتهم، { ثم جعلناكم } [يونس: 14] يا أمة محمد { خلائف ~~في الأرض من بعدهم } [يونس: 14] أي: من إهلاكهم به يشير إلى أن ~~لهذه الأمة اختصاصا باستحقاق الخلافة الحقيقية التي أودعها في آدم عليه ~~السلام بقوله تعالى: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة: 30] ولهذا السر ما كان في أمة من الأمم من الخلفاء ما كان في ~~هذه الأمة بالصورة والمعنى، { لننظر كيف تعملون } [يونس: 14] ~~في خلافتنا، ثم اعلم أن المخالفة صورة ومعنى كما أن صورة الخلافة مبنية ~~على الحكم بين الرغبة بالعدل والسوية وقانون الشرع والاجتناب من متابعة ~~الهوى والطبع، كذلك معنى الخلافة مبينة على الحكم بين الرغبة المعنوية ~~وهي: الجوارح والأعضاء والقلب والروح والسر والنفس وصفاتها وأخلاقها ~~والحواس الخمسة والقوى النفسانية والخلق كما كان سيرة الأنبياء - عليهم ~~السلام - وخواص الأولياء في طلب الحق ومجانبة الباطل، وترك ما سوى الله ~~للوصول إلى الله، وسيأتي شرحها في موضعه إن شاء الله. ### || [10.15-19] # ثم أخبر عن حال من خالف الخلافة وحال وافقها بقوله: { وإذا تتلى ~~عليهم آياتنا بينات } [يونس: 15] إلى قوله: { سبحانه ~~وتعالى عما يشركون } [يونس: 18]، { وإذا تتلى ~~عليهم } أي: على ذوي النفس المتمردة، { آياتنا بينات } أي: ~~القرآن المبين بحقائق الأشياء. # { قال الذين لا يرجون لقآءنا } [يونس: 15] أي: أرباب ~~النفوس الذين ما فيهم الشوق إلى لقاء الحق؛ لأن تشوق النفس وشوقها وهواها ~~إلى الدنيا وزخارفها، وإن شوق الحق والصدق في طلبه من نشأة القلب وقلوب ~~أرباب النفوس ميتة ونفوسهم حية، فلما كان في القرآن ما يوافق القلوب ~~ويخالف النفوس ما قبلوه أرباب النفوس، وقالوا: يا محمد { ائت بقرآن ~~غير ms0764 هذآ } [يونس: 15] أي: بقرآن يوافق طباعنا وفيه ما يهوى به ~~أنفسنا، { أو بدله } [يونس: 15] أنت كما بدلوا من اليهود والنصارى ~~والتوراة والإنجيل أحبارهم ورهبانهم بما كانوا موافقا لهواهم فضلوا ~~وأضلوا كثيرا، { قل } [يونس: 15] يا محمد. # { ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي } [يونس: 15] أي: ليس اتباع أرباب ~~النفوس، ولا اتباع هوى نفسي إلا اتباع الوحي فيما أمر به أو نهى عنه، { ~~إني أخاف إن عصيت ربي } [يونس: 15] أي: إن خالفته لهوى ~~غيره، { عذاب يوم عظيم } [يونس: 15] أي: عذاب يوم تجزي فيه عظام ~~الأمور، وهي فريق في الجنة، وفريق في السعير، فلفريق سعادة القرب ~~والمواصلة وهي أجر عظيم، ولفريق شقاوة اليد والمفارقة وهي عذاب عظيم. { ~~قل لو شآء الله ما تلوته عليكم } [يونس: 16] أي: ~~القرآن لأني أمي وليست التلاوة والقراءة من شأني كما كان حالي مع جبريل ~~عليه السلام أول ما نزل فقال لي: # " اقرأ، قلت: لست بقارئ، فغطني جبريل عليه السلام ثم أرسلني، فقال: { ~~اقرأ باسم ربك الذي خلق } [العلق: 1] فقرأته لما جعلني ~~قارئا ولو شاء الله ألا أقرأه ما كنت قادرا على قراءته عليكم " # ، { ولا أدراكم به } [يونس: 16]، وما كنت أعلمك بالقرآن ولا ~~أعلمك. # { فقد لبثت فيكم عمرا من قبله } [يونس: 16] أي: من ~~قبل نزول القرآن وما كنت تاليا للقرآن، { أفلا تعقلون } [يونس: ~~16] لكي تتفكروا وتدركوا بنظر العقل المميز الحق من الباطل والهدى من ~~الضلال، { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } ~~[يونس: 17] في دعوة النبوة والرسالة ونزول القرآن، { أو كذب ~~بآيته } [يونس: 17] يعني: أو من كذب بالقرآن وبمن أنزل عليه، { ~~إنه لا يفلح المجرمون } [يونس: 17] أي: لا يتخلص الكذابون ~~والمكذبون من فيه الكفر وحجب الهوى وعذاب البعد وحجبهم النفس، { ~~ويعبدون من دون الله } [يونس: 18] أي: ويعبد المكذبون مع ~~كفرهم وتكذيبهم بالأنبياء. # { ما لا يضرهم } [يونس: 18] أي: لا يعبدوا، { ولا ينفعهم ~~} [يونس: 18] إذ يعبدوه، { ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله } [الأنبياء: 18] لا ينحتون في الخشب والحجارة ويجعلون شريكا ~~لله في العبادة، { قل أتنبئون ms0765 الله بما لا يعلم } ~~[يونس: 18] شريكا لنفسه لا شفيعا بغير إذنه، { في السموت } ~~[يونس: 18] ممن في السماوات من الملائكة والنجوم، { ولا في الأرض } ~~[يونس: 18] أي: ولا ممن في الأرض من الأنبياء والمرسلين والأولياء ~~والمؤمنين. # كما قال: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة: 255]، ثم نزه نفسه عما أضافوه إليه، فقاله سبحانه وتعالى: { ~~سبحانه وتعالى عما يشركون } [يونس: 18] أي: عما أثبتوا ~~له شريكا في العبادة وشفيعا في الشفاعة فأخر عن أخلاقه الناس بعد ~~الائتلاف بقوله تعالى: { وما كان الناس إلا أمة واحدة ~~} [يونس: 19] الآيتين: { وما كان الناس إلا أمة واحدة ~~} يعني: في بدء الخلقة وأصل الفطرة التي فطر الناس عليها في عالم ~~الأرواح، كما قال تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4] أي: أرواح الإنسان قبل تعلقها بالقالب، فلما تعلقت به قال: # ثم رددناه أسفل سافلين # [التين: 5]. # { فاختلفوا } [يونس: 19] أي: استماع خطاب: # ألست بربكم # [الأعراف: 172] إذ الأرواح كانت جنودا مجندة في صفوف مختلفة فاستمع كل ~~طائفة على حسب حالها في القرب والبعد من تلك الصفوف، { فاختلفوا } ~~عند جواب: { بلى } لأن جواب كل طائفة بحسب استماعه الخطاب، ثم بعد ~~الولادة اختلفوا بحسب تربية الوالدين كما قال صلى الله عليه وسلم: # " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " # ، ثم اختلفوا بعد البلوغ بحسب المعاملات الطبيعية والشرعية. # { ولولا كلمة سبقت من ربك } [يونس: 19] أي: حكم قدره ~~الله تعالى بأن لا يجازي عباده عن كل اختلاف حتى يبلغهم بتغير الأحوال ~~واختلافهم إلى السعادة المقدرة لهم وإلى الشقاوة المقدرة لهم، { لقضي ~~بينهم } [يونس: 19] بالهلاك والعذاب مجازاة لهم، { فيما فيه ~~يختلفون } [يونس: 19] من كفران النعم فإنكار النبوة ورد الشريعة ~~واتباع الهوى بالطبيعة. ### || [10.20-23] # { ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه } [يونس: ~~20] أي: هلا أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم معجزة ظاهرة نشاهدها، { ~~فقل إنما الغيب لله } [يونس: 20] يشير إلى معنيين: # أحدهما: إن الغيب هو عالم الملكوت الذي يتنزل منه الآيات، ويتظهر منه ~~للمعجزات بإنزال الله تعالى وإظهاره فهو لله وبحكمه ms0766 ينزل الآيات منه متى ~~شاء كما شاء، { فانتظروا } [يونس: 20] فإنه ينزلها، { إني ~~معكم من المنتظرين } [يونس: 20] أي: لينزلها. # والثاني: إن الغيب هو عالم الغيب فهو الله وهو الذي قدر الأشياء بحكمته ~~ومشيئته، فإن اقتضت الحكمة والمشيئة الأزلية بإنزال آية من آياته وأوصاف ~~ملتمسكم فإنه سينزل { فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين } لإنزالها. # { وإذآ أذقنا الناس رحمة } [يونس: 21] أي: أذقناهم دون ~~توبة وإنابة، أو صدق طلب الوصول إلى بعض المقامات، أو ذوق كشف وشهود من ~~بعد ضر، { من بعد ضرآء مستهم } [يونس: 21] وهو الفسق ~~والفجور والأخلاق وحجب الأوصاف البشرية وصفات الروحانية، { إذا لهم ~~مكر في آياتنا } [يونس: 21] بإظهارها مع غير أهلها بشرف النفس ~~وطلب الجاه والقبول عند الخلق واستتباعهم والرئاسة عليهم وجذب المنافع ~~منهم، { قل الله أسرع مكرا } [يونس: 21] في إيصال مجازاة ~~مكرهم إليهم باستدراجهم عن تلك المقامات والكرامات إلى دركات البعد ~~وتراكم الحجب من حيث لا يعلمون، { إن رسلنا يكتبون ما ~~تمكرون } [يونس: 21] أي: غير خاف علينا قدر مراتب مكرهم فيجازيهم ~~على حسب ما تمكرون. # ثم أخبر عن حال الخلق ومالهم بقوله تعالى: { هو الذي يسيركم ~~في البر والبحر } [يونس: 22] الآيتين: هو الذين يسيركم في بر ~~البشرية وبحر الروحانية، وأيضا في بر العبودية وبحر الربوبية، { حتى ~~إذا كنتم في الفلك } [يونس: 22] جذبات العناية، { وجرين ~~بهم بريح طيبة } [يونس: 22] بهبوب نسيمات رياح شهود الجمال، { ~~وفرحوا بها } [يونس: 22] فرح الوصول. # { جآءتها ريح عاصف } [يونس: 22] أي: ثم هبت نكبا تجلى صفات ~~الجلال، { وجآءهم الموج } [يونس: 22] البلايا والمحن عند ~~التلاطم والتراكم، { من كل مكان } [يونس: 22] من أماكن النعم ~~ومكان النقم، { وظنوا أنهم أحيط بهم } [يونس: 22]؛ أي: ~~تحقق لهم أنهم وقفوا في ورطة الهلاك بالنعم والنقم، { دعوا الله } ~~أي: رجعوا إليه وما التفتوا إلى النعم استغراقا بالنقم، وما وهنوا لما ~~أصابهم من النقم في طلب المنتقم وكان دعاؤهم بالله لله. # { دعوا الله مخلصين له الدين } [يونس: 22] بالتبرؤ عما ~~سواه، والتولي إلى مولاهم فقالوا: مخلصين عن الوجود معتصمين بالجود، { ~~لئن أنجيتنا من هذه } [يونس: 22] من هذه البلايا ms0767 والمحن ~~والركون إليها، { لنكونن من الشاكرين } [يونس: 22] لنعمة ~~وجدان وجود النعم بالنقم، { فلمآ أنجاهم } [يونس: 23] من ~~البلايا والمحن بالمعبود عن نعمها والصبر على نقمها، { إذا هم ~~يبغون في الأرض بغير الحق } [يونس: 23] لما وصلوا بجذبات ~~الحق إلى شهود الجمال، واستغراق لحجج بحر الجلال تداركتهم عواطف العزة ~~والكبرياء # سنستدرجهم من حيث لا يعلمون # [الأعراف: 182] ومن استدراجهم أنهم يبغون ويطلبون في الأرض ما سوى الحق ~~غير الحق؛ يعني: أرأيت طالب الحق طالبا لغير الحق؟ فاعلم أنه من ~~المستدرجين والممكورين. # ثم قال: { يأيها الناس } [يونس: 23] أي: الناسي من تلك المقامات ~~والكرامات، { إنما بغيكم على أنفسكم } [يونس: 23] طلبكم ~~غير الحق يضر بأنفسكم بحرمانكم عن الله باشتغالكم بغير الله، { متاع ~~الحياة الدنيا } أي: ما طلبتم بدلا عن الله هو متاع الحياة ~~الدنيا الفانية، { ثم إلينا مرجعكم } [يونس: 23] إن كنتم أهل ~~العناية بالاختيار، وإن كنتم أهل الغواية بالاضطرار، { فننبئكم } ~~[يونس: 23] بالمجازاة والمكافأة لطفا أو عنفا، { بما كنتم ~~تعملون } [يونس: 23] أي: ينفع ما كنتم تعملون عند الرجوع بالصدق ~~إلينا، أو بضر ما كنتم تعملون بالركون والسلوك إلى غيرنا بأقوال أهل ~~الإشارة في قوله: { مخلصين له الدين } قال: المخلص في دعائه هو ~~من لا يصحبه في نفسه سوى رؤية من يدعوه. # قال الجنيد: الإخلاص ما يؤيده الله بأي عمل كان. # قال رويم: الإخلاص ارتفاع رؤيتك من الفعل، قال ابن معاذ: الإخلاص ألا ~~تتلون النفس فيحفظ، قال الشيخ: هذه أموالهم رضي الله عنهم وهذا كله عندي ~~إخلاص العوام والخواص، فأما إخلاص أخص الخواص فمعاملات يجزيها الله ~~بهوية الربوبية بعد فناء أنانيته العبودية، والخلاص بجوده غير جنس وجوده. ### || [10.24-27] # ثم أخبر عن حال الدنيا وحال أهلها بقوله تعالى: { إنما مثل ~~الحياة الدنيا كمآء أنزلناه من السمآء } [يونس: ~~24] قوله: { إنما مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه ~~من السمآء } مثل ضربه الله تعالى للحياة الدنيوية الفانية بماء هو ~~الفيض الروحاني أنزل من سماء القلب إلى الأرض البشرية، { فاختلط ~~به } [يونس: 24] بذلك الفيض، { نبات الأرض } [يونس: 24] أي: ~~الصفات المتولدة من أرض البشرية، { مما يأكل ms0768 الناس } [يونس: ~~24] أي: مما ينفع الناس من الأخلاق الحميدة الإنسانية، { والأنعام } ~~[يونس: 24] أي: الصفات الذميمة البهيمية والسبعية التي يصير البشر بها ~~كالأنعام بل هم أضل، { حتى إذآ أخذت الأرض } [يونس: 24] أرض ~~النفس. # { زخرفها } [يونس: 24] أي: زينتها من تلك الأخلاق والوقائع والكشوف ~~الروحانية والشواهد القلبية، { وازينت } [يونس: 24] أي: تزينت ~~النفس بها، { وظن أهلهآ } [يونس: 24] أي: أصحاب النفس، { ~~أنهم قادرون عليهآ } [يونس: 24] أي: مالكون لها؛ يعني: ~~يحسبون ويغيرون إن تلك الأحوال والوقائع صارت لهم مقاما، { أتاهآ ~~أمرنا } [يونس: 24] حكمنا الأزلية، { ليلا } [يونس: 24] أي: عند ~~استيلاء ظلمات النفس وغلباتها. # { أو نهارا } [يونس: 24] يعني: أو عند بقاء ضوء الفيض الروحاني، ~~ولكنه بامتزاج القوة الخيالية والوهمية به وقع في ورطة اعتقاد سبق ~~كالفلاسفة والطبائعية والحلولية والإباحية. # { فجعلناها حصيدا } [يونس: 24] أي: جعلنا تلك الكشوف والأحوال ~~الدالة على القبول مقلوعة مستأصلة، { كأن لم تغن بالأمس } ~~[يونس: 24] أي: كأن لم تكن النفس بها زينة فيما مضى، { كذلك ~~نفصل الآيات } [يونس: 24] أي: كما شرحنا في هذا المثال الأحوال ~~الدنيا، وظهور زخارفها، وغرور أهلها بها، وفساد حالها في عاقبة أمرها، ~~كذلك نبين دلالة الطريق إلى الله، ونشرح إشارات الفترات والآفات في طريق ~~السائرين إلى الله، { لقوم يتفكرون } [يونس: 24] في عزة هذا ~~الشأن وعظم ثناؤه وصعوبة قطع مفاوزه وشدة اقتحام عقباته بلا دليل مرشد ~~وهاد مطيب، ثم يتمسكون بأذيال المشايخ الكبار، أو يتثبتون بهممهم ~~العليا؛ لينجوا بهم عن هذه المهالك ويسلكوا هذه المسالك. # ثم أخبر عن المفكر السالك والمتكبر الهالك بقوله تعالى: { والله ~~يدعوا إلى دار السلام } [يونس: 25] إلى قوله: { ~~أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [يونس: 27] { ~~والله يدعوا إلى دار السلام } يدعو أزلا وأبدا عباده ~~إلى دار السلام وهي العدم صورة وظاهرا، وعلم الله وصفته؛ يعني: وحقيقته. # وإنما سمي العدم والعلم دار السلام؛ لأن العدم كان دارا قد سلم المعدوم ~~فيها من آفة الحجب الروحانية والجسمانية والعلم دار قد سلم المعلوم فيها ~~من آفة الإثنينية والشركة في الوجود وهي دار الوحدانية؛ وأيضا لأن ~~السلام هو الله تعالى، والعلم صفته القائمة ms0769 بذاته فالله تعالى بفضله ~~وكرمه يدعو عباده أزلا من العدم إلى الوجود ومن العلم وهو الصفة إلى ~~الفعل وهو الخلق ويدعوهم أبدا من الوجود إلى العدم، ومن الفعل إلى العلم ~~فدعاهم من العلم إلى الوجود بالنفخة، وهي قوله تعالى: # ونفخت فيه من روحي # [الحجر: 29]. # ودعاهم من الوجود إلى العدم، والعلم بالجذبة وهي قوله تعالى: # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28]، ولما دعا النبي صلى الله عليه وسلم بالجذبة إلى علم الله ~~الأزلي الأبدي، قال: قد علمت ما كان وسيكون؛ وذلك لأنه صار عالما بعلم ~~الله لا بعلم نفسه وهو قوله تعالى: # وعلمك ما لم تكن تعلم # [النساء: 113] وإنما علمه ذلك العلم حين قال له: # فاعلم أنه لا إله إلا الله # [محمد: 19] أي: فاعلم بعلم الله الذي دعيت بالجذبة إليه لا إله في ~~الوجود إلا الله، فإن العلم الإلهي محيط بالوجود كله كما قال: # قد أحاط بكل شيء علما # [الطلاق: 12] فأنت بعلمه محيط بالوجود كله، فتعلم حقيقة أن ليس في ~~الوجود إله غير الله. # ثم قال تعالى: { ويهدي من يشآء إلى صراط مستقيم } ~~[يونس: 25] فلما جعل الله دعوة الخلق من العلم إلى العمل، ومن الوجود ~~إلى العدم، والعلم عامة جعل الهداية بالمشيئة إلى الأزل، والعلم وهو ~~الصراط المستقيم خاصة يعني: هو يهديهم بالجذبة الكاملة إلى علم القديم ~~بمشيئة الأزلية خاصة، وهذا مقام السير في الله بالله. # { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } [يونس: 26] أي: ~~للذين عاملوا الله على مشاهدة، فإن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه { ~~الحسنى } وهي شواهد الحق والنظر إليه وزيادة { وزيادة } هي ما ~~زاد على النظر بالوصول إلى العلم الأزلي مجذوبا من أنانيته إلى هويته ~~وإفناء الناسوتية في اللاهوتية، { ولا يرهق وجوههم قتر } ~~[يونس: 26] لا يصيبهم غبار الحجاب. # { ولا ذلة } [يونس: 26] أي: ولا ذلة وجود يقتضي الاثنينية، { ~~أولئك أصحاب الجنة } [يونس: 26] جنة السير في الله، { ~~هم فيها خالدون } [يونس: 26] دائمون في السير بجذبات العناية، { ~~والذين كسبوا السيئات } [يونس: 27] أي: اكتسبوا بأعمالهم ~~السوء في طلب الدنيا وشهواتها ولذاتها، وارتكاب ما حرم الله عليهم ms0770 ونهاهم ~~عنه، وترك ما أمرهم الله به من الفرائض والانقطاع في طريق الله، والقعود ~~عن الصراط المستقيم الذي هو إلى علم الله. # { جزآء سيئة بمثلها } [يونس: 27] أي: جزاؤهم الخذلان ~~والإهمال في تلك الورطة؛ ليهلكوا عن بينة اكتسابهم بالتوحيد إلى الدنيا، ~~وإعراضهم عن المولى، { وترهقهم ذلة } [يونس: 27] البعد ~~والحجاب والطرد عن الباب، { ما لهم من الله من عاصم } ~~[يونس: 27] أي: جاذب يمنعهم عن الخوف في الدركات، { كأنما ~~أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما } [يونس: 27] ~~إذ توجهوا إلى السفليات، وفي ظلمانيات صفات الحيوانية والسبعية ~~والشيطانية ظلمات بعضها في بعض، { أولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون } [يونس: 27] معذبون بدوام البعد وذل الحجاب. ### || [10.28-30] # ثم أخبر عن حشر جميعهم ونشر صنيعهم بقوله تعالى: { ويوم ~~نحشرهم جميعا } [يونس: 28] إلى قوله: { وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون } [يونس: 30]، { ويوم نحشرهم جميعا } ~~أي: اجتماع أوراح الإنسان وحقائق الأشياء التي تعبدونها من دون الله مثل ~~الدنيا والهوى والأصنام، { ثم نقول للذين أشركوا ~~مكانكم } [يونس: 28] أي: تخاطب أرواح المشركين بأن قفوا مكانكم أي: ~~المكان الذي اخترتم بالجهل بعد إذ كنتم علويي المكان. # { أنتم وشركآؤكم } [يونس: 28] أي: انزلوا أنتم وشركاؤكم إلى ~~المكان السفلي وهو مكان شركائكم إذ تعلقتم بهم، { فزيلنا ~~بينهم } [يونس: 28] أي: فرقنا بين المشركين وشركائهم بأن نعذب ~~المشركين بعذاب البعد والطرد عن الحضرة وألم المفارقة وحسرة إبطال ~~استعداد المواصلة ولا نعذب الشركاء بهذه العقوبات لعدم استعدادهم في قبول ~~كمال القرب { وقال شركآؤهم ما كنتم إيانا تعبدون ~~} [يونس: 28] بل كنتم تعبدون هواكم لأنه ما عبد في الأرض إله ابغض إلا ~~بالهوى فلهذا قال صلى الله عليه وسلم: # " ما عبد في الأرض إله أبغض على الله من الهوى ". # وقال تعالى: # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الجاثية: 23]، { فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم } ~~[يونس: 29]، فيما شاهد { إن كنا عن عبادتكم لغافلين } ~~[يونس: 29] أي: كنا في غفلة عن ذوق عبادتكم إيانا وحفظها ومشربها؛ بل كان ~~الحظ والمشرب والذوق لهواكم في استيفاء اللذات والشهوات والتمتعات ~~الدنيوية والأخروية عند عبادتنا بلا شعور منا بخلاف عبادة الله، ms0771 فإن في ~~عبادة الله رضاه وشعوره بها ومنه المدد والتوفيق وعليه الجزاء والثواب، { ~~هنالك تبلوا كل نفس مآ أسلفت } [يونس: 30] أي: في ~~ذلك الحال تبتلي كل نفس ما قدمت من التعلقات بالأشياء والتمسكات بها، { ~~وردوا إلى الله } [يونس: 30] في الحكم والقرب والبعد واللذة ~~والألم { مولاهم الحق } [يونس: 30] أي: متوليهم في ذلك هو الله ~~أي: في إذاقة اللذات من القرب والألم من البعد لا غيره من الشركاء، { ~~وضل عنهم ما كانوا يفترون } [يونس: 30] أن للشركاء ~~أثرا في القربة والشفاعة. ### || [10.31-33] # ثم أخبر عن مولاهم ليكون به تولاهم بقوله تعالى: { قل من يرزقكم ~~من السمآء والأرض } [يونس: 31] إلى قوله: { لا يؤمنون } ~~[يونس: 33]، { قل من يرزقكم من السمآء والأرض } أي: ~~من ينزل من سماء النفس مطر الهواجس، ويخرج من أرض القلب نبات الأفعال ~~والأعمال، وأيضا من سماء القلب مطر آثار فيض الروح، ويخرج من أرض القلب ~~عيان صفات البشرية الحيوانية، ومن سماء الروح مطر فيض الروح، ويخرج من ~~أرض القلب نبات الأوصاف الحميدة. ### || [10.59-61] # قوله تعالى: { مآ أنزل الله لكم من رزق } يشير إلى رزق ~~القلوب والأرواح فضلا عن رزق النفوس والأشباح من الواردات الروحانية ~~والشواهد الربانية التي ترد على القلوب الصافية المتوجهة إلى الحضرة ~~وتشاهد الأرواح الزكية من مشاهد العزة ومواهب الحكمة. # { فجعلتم منه حراما } [يونس: 59] أي: على أنفسكم لخيانة ~~أنفسكم وركاكة عقولكم ودناءة همتكم، { وحلالا } [يونس: 59] على أرباب ~~القلوب النقية وأصحاب الهمم العلية أي: حديث أنفسكم بأن تحصيل هذه ~~السعادة ونيل هذه الكرامات ليس من شأنها، وإنما هو من شأن الأخيار ~~والكبراء وخواص الأولياء والأنبياء. # { قل ءآلله أذن لكم } [يونس: 59] أن تعرضوا عن هذه المقامات ~~العلية والأحوال السنية وتجبلوها إلى غيركم وتركنوا إلى الدنيا وزخارفها، ~~{ أم على الله تفترون } [يونس: 59] بأنه تعالى اختص قوما ~~بالدعوة إلى هذه الدرجات الرفيعة دوننا، بل عمت دعوته لقوله: # والله يدعوا إلى دار السلام # [يونس: 25]، وقوله تعالى: # يدعوكم ليغفر لكم # [إبراهيم: 10]. # { وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم ~~القيامة } [يونس: 60] أي: وما ظن أهل الافتراء ms0772 عند كشف الغطاء عن ~~درجات أرباب الولاء ودركات عبدة الأهوال لا يتبدلون بعذاب الحرمان وسوء ~~عاقبة أهل الخذلان، { إن الله لذو فضل على الناس } ~~[يونس: 60] بمساواة الاستعداد في قبول الفيض، { ولكن أكثرهم ~~لا يشكرون } [يونس: 60] بأن يصرفوا استعدادهم في تعرض نفحات ~~الألطاف التي هي دائمة الهبوب من منهات العناية وعلمه تعالى. # { وما تكون في شأن } [يونس: 61] أي: يا محمد، { وما تكون ~~في شأن وما تتلوا منه } التي هي مختصة بك، { وما ~~تتلوا منه } أي: من شأن النبوة، { من قرآن } [يونس: 61] تقرأه ~~عليهم، { ولا تعملون } [يونس: 61] يا أمة محمد، { من عمل } ~~[يونس: 61] أي: من أعمال الأمة ومن قبول القرآن ورده. # { إلا كنا عليكم شهودا } [يونس: 61] أي: شاهدا على ~~أعمالكم، { إذ تفيضون فيه } [يونس: 61] أي: تسرعون فيه بنياتكم ~~في القبول والرد والعمل به، { وما يعزب عن ربك } [يونس: 61] ~~ولا يبعد عنه ولا يغيب عن علمه وقرأ الكسائي بكسر الزاي هنا، { وما ~~يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض } [يونس: 61] ~~عما ظهر من حركة أرض البشرية بعمل من أعمال الخير والشر، { ولا في ~~السمآء } [يونس: 61] أي: سماء القلوب بالنيات الفاسدة، { ولا ~~أصغر من ذلك } [يونس: 61] أي: من الحركة وهو القصد دون الفعل، { ~~ولا أكبر } [يونس: 61] أكبر في النية وهو العمل، { إلا في ~~كتاب مبين } [يونس: 61] أي: في أم الكتاب الذي هو عنه في الأزل ~~إلى الأبد. ### || [10.62-66] # ثم أخبر عن حال أوليائه بعد كشف حال أعدائه بقوله تعالى: { ألا إن ~~أوليآء الله لا خوف عليهم } [يونس: 62] إلى قوله: { ~~هو الفوز العظيم } [يونس: 64]، { ألا إن أوليآء ~~الله } [يونس: 62] أي: أحباء الله وأعداء نفوسهم، فإن الولاية هي ~~معرفة الله ومعرفة نفوسهم، فمعرفة الله رؤيته بنظر المحبة، ومعرفة النفس ~~رؤيتها بنظر العداوة عند كشف غطاء أحوالها وأوصافها، فإذا عرفتها حق ~~المعرفة علمت أنها عدوة الله ولك معالجتها بالمعاندة والمكابدة وما آمنت ~~مكرها وكيدها وما نظرت إليها بنظر الشفقة والرحمة. # فهذا حال أولياء الله أنه { لا خوف عليهم } [يونس: 62] من تمني ~~الضرر بنفوسهم، { ولا هم يحزنون ms0773 } [يونس: 62] على ما فاتهم من ~~شهوات النفوس للعداوة القائمة فيما بينهم، ثم وصفهم فقال: { الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون } [يونس: 63] بالله عما سواه ويفرون إليه ~~مما عداه فيخرجهم الله من ظلمات التعلق بالكونين إلى نور الوصال والوصول. # ثم أخبر عن مجازاتهم فقال: { لهم البشرى في الحياة ~~الدنيا } [يونس: 64] أي: المبشرات التي هي تلي النبوة من الوقائع ~~التي ترى بين النوم واليقظة والإلهامات والكشوف وما يرد عليهم من المواهب ~~والمشاهدات، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " لم يبق من النبوة إلا المبشرات " # ، { وفي الآخرة } [يونس: 64] وبشراهم بكشف القناع عن جمال العزة عن ~~سطوات تجلي نور القدم وزهوق ظلمة الحدث وليبقوا بإبقاء الحق رحمة منه كما ~~قال الله تعالى: # يبشرهم ربهم برحمة منه # [التوبة: 21]. # { لا تبديل لكلمات الله } [يونس: 64] أي: لا تتغير أحكامه ~~الأزلية حيث قال للولي: كن وليا، وللعدو: كن عدوا، وكانوا كانوا كما ~~أراد بالحكمة البالغة فلا تغيير لكلمة الولي وكلمة العدو، { ذلك هو ~~الفوز العظيم } [يونس: 64] أي: ذلك الثبات لكلمة الولي وعدم ~~تغييرها وتبدلها في حق الولي { هو الفوز العظيم } للولي، فإنه ~~فاز بالوصول إلى الله العظيم. # ثم أخبر عن العزة تسلية لأهل العزة بقوله تعالى: { ولا يحزنك ~~قولهم } [يونس: 65] إلى قوله: # يكفرون # [يونس: 70]، { ولا يحزنك قولهم } الخطاب مع رسول القلب أي: ~~يا رسول القلب لا يحزنك قول مشركي النفوس وهواجسهم فيما يحدثونك من ~~استمتاعك لشهوات الدنيا ولذاتها ويزينون زخارفها في نظرك؛ ليقطعوا عليك ~~طريق الحق تعالى، ويدلوك على متابعة الهوى. # { إن العزة لله جميعا } [يونس: 65] في الدنيا والآخرة ~~يعز من يشاء في الدنيا دون الآخرة، ويعز من يشاء في الآخرة دون الدنيا، ~~ويعز في الدنيا والآخرة جميعا، فلا تضره هواجس النفس ووساوس الشيطان في ~~احتظاظه بشهوات الدنيا ونعيمها والتزين بزينتها، ولا يمنعه نعيم الدنيا ~~عن نعيم الآخرة، كما قال الله تعالى: # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق # [الأعراف: 32] فيكون من خواص عباده الذين أتاهم الله في الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة حسنة؛ بل يكون لبعضهم ms0774 نعيم الدنيا معينا على تحصيل نعيم الآخرة ~~كما جاء في الحديث الرباني: # " وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فإن أفقرته يفسده ذلك ". # { هو السميع } [يونس: 65] لحديث النفوس، { العليم } [يونس: ~~65] بأمزجة عباده يدفع ما يضر بهم ويحيطهم ما لا ينفعهم منه، { ألا ~~إن لله من في السموت } [يونس: 66] من القلوب السماوية، { ~~ومن في الأرض } [يونس: 66] من النفوس الأرضية أي: القلوب والنفوس ~~ملك له وعبيد يفعل بهم وفيهم ما يشاء وأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ~~ضرا. # { وما يتبع الذين } [يونس: 66] أي: النفوس، { يدعون من ~~دون الله شركآء } [يونس: 66] من الدنيا والهوى والمعنى، وما ~~يتبع النفوس الهوى والدنيا ويتخذونها شركاء الله { من دون الله } ~~أي: بغير الله. # { إن يتبعون إلا الظن } [يونس: 66] أي: يظنون أنهم يتبعون ~~الهوى باختيار نفوسهم لا باختيار الله، ولا يعلمون أنه ما كان لهم ~~الخيرة، { وإن هم إلا يخرصون } [يونس: 66] أي: بأن لهم ~~الخيرة دون الله. ### || [10.67-71] # ثم أخبر عن الحكمة في إهمال النفوس في بعض الأوقات لاتباع الهوى فقال: { ~~هو الذي جعل لكم اليل } [يونس: 67] أي: ليل البشرية التي ~~بها التمتع للنفوس في شهوات الدنيا ولذاتها، { لتسكنوا فيه } ~~[يونس: 67] فتستريحوا من نصب المجاهدات، أو تعب الطاعات في بعض الأوقات، ~~ويزول عنكم ملالة النفوس وكلالة القلوب، ويستجد شوقكم وشوق طلبكم فيه، ~~ويجعل بعد ذلك لكم نهار الروحانية مبصرا. # { والنهار مبصرا } [يونس: 67] أي: نهار الروحانية مبصر أي: ~~راضيا وبصيرة بها مصالح السلوك والترقي في المقامات ويتدارك بها ما فاته ~~بالوقفات في ليل البشرية، { إن في ذلك } [يونس: 67] الإهمال، { ~~لآيات } [يونس: 67] دلالات، { لقوم يسمعون } [يونس: 67] ~~حقائق القرآن بسمع القلوب الواعية. # ثم أخبر عن الآفات والشبهات التي تقع في أثناء السلوك عند ظهور نهار ~~الروحانية؛ ليحترز المسالك عنها فقال: { قالوا اتخذ الله ~~ولدا } [يونس: 68] أي: مشركو النفوس، { قالوا } عند تجلي الروح ~~بالخلافة في صفة الربوبية مقترنا بتجلي صفة إبداع الحق وقع الروح مع ~~كمال قربه واختصاصه بالحق عند بقاء تصرف الخيال حتى نسبت الأبوة والبنوة ~~لنص المقامات بالوالد إذ ms0775 تحققت الأبوة والبنوة، وهذا الكشف والإملاء هو ~~مبدأ ضلالة اليهود والنصارى في قولهم: # عزير ابن الله # [التوبة: 30] # المسيح ابن الله # [التوبة: 30]، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # كما قال الله تعالى: { سبحانه هو الغني } [يونس: 68] عن ~~اتخاذ الولد واحتياجه إلينا، { له ما في السموت } [يونس: 68] ~~سماوات الروحانية من الأحوال والكشوف والمشاهدات، { وما في الأرض } ~~[يونس: 68] أرض النفوس من الوهم والخيلاء وما ينشئن من الشبهات والآفات. # { إن عندكم من سلطان } [يونس: 68] أي: ما عند النفوس حجة ~~تصلح لصنع هذه الشبهات، { بهذآ أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون } [يونس: 68] وحقيقته، { قل } [يونس: 69] يا قلب النفوس، { ~~إن الذين يفترون على الله الكذب } [يونس: 69] من ~~النفوس الأمارة بالسوء، { لا يفلحون } [يونس: 69] لا يظفرون بكشف ~~الحقائق ما داموا على هذه الصفة. # { متاع في الدنيا } [يونس: 70] أي: حاصل أمرهم وقصارى أمنيتهم ~~أن يتمتعوا في الدنيا من ملاذها وشهواتها أياما قليلا، { ثم ~~إلينا مرجعهم } [يونس: 70] جبرا وقهرا، { ثم نذيقهم ~~العذاب الشديد } [يونس: 70] من ألم البعد عن الحضرة، { بما ~~كانوا يكفرون } [يونس: 70] أي: بكفرهم إذا أثبتوا الأبوة والنبوة ~~ووقعوا في عذاب البعد ولكن في الدنيا ما ذاقوا ألم العذاب؛ لأنهم كانوا ~~نياما، والنائم لا يجد ألم شيء من الجراحات حتى ينتبه # " والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا " # ، ثم بعد الموت يذوقون ألم ما بهم من العذاب. # ثم أخبر عن عاقبة المنذرين المكذبين بقوله تعالى: { واتل عليهم ~~نبأ نوح } [يونس: 71] إلى قوله: # المعتدين # [يونس: 74]، { واتل عليهم نبأ نوح } يشير إلى نوح الروح، { ~~إذ قال لقومه } [يونس: 71] وهم: القلب والبشر والنفس وصفاتهم، { ~~يقوم إن كان كبر عليكم مقامي } [يونس: 71] أي: عظم ~~عليكم مقامي في الأخلاق الحميدة الروحانية، { وتذكيري بآيات ~~الله } [يونس: 71] أي: أن أدعوكم بدلالات الله وبراهينه إليه وإلى ~~التخلق بأخلاقي وأخلاق الله. # { فعلى الله توكلت } [يونس: 71] فيما أدعوكم إليه بأن ~~توقفكم؛ لتحصيل ما أدلكم عليه من المقامات الكريمة والدرجات الرفيعة، فإن ~~أبيتم إلا تلك الدركات النفسانية الحيوانية وعاديتموني على الدعوة للنجاة ~~منها، { فأجمعوا أمركم وشركآءكم } [يونس: 71] لا ~~عليكم وكيدكم وادعوا ms0776 شركاءكم من الهوى والشيطان والدنيا؛ ليجمعوا مكرهم ~~مع مكركم. # { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة } [يونس: 71] أي: ~~بحيث لا يكون من المكر والحيل شيء مخفي ولا على شركائكم، { ثم ~~اقضوا إلي } [يونس: 71] أي: امضوا ما جمعتم من المكر ومعاونة ~~الشركاء إلي، { ولا تنظرون } [يونس: 71] أي: ولا تؤخرون في سوء ~~تريدون بي، فإنكم إن سعيتم غاية السعي وبذلتم الجهود لتمكروا لي وتردوا ~~قولي فلا تقدروا على ضري ونفعي إلا بإذن الله. ### || [10.72-75] # { فإن توليتم } [يونس: 72] أي: أعرضتم عن نصحي، { فما ~~سألتكم } [يونس: 72] على النصح في دعواتكم إلى الله، { من ~~أجر } [يونس: 72] من حظ من حظوظ مشاربكم الدنيوية، { إن أجري ~~إلا على الله } [يونس: 72] أي: ما حظي إلا من مواهب الله وشهود ~~جماله. # { وأمرت أن أكون من المسلمين } [يونس: 72] أي: ممن ~~أسلم وجهه لله في طلب الله، { فكذبوه فنجيناه } [يونس: 73] ~~أي: خلصناه نوح الروح من الغرق في بحر الدنيا، { ومن معه في ~~الفلك } [يونس: 73] أي: الذين ركبوا معه في سفينة الشريعة من القلب ~~والبشر والنفس والهوى، { وجعلناهم خلائف } [يونس: 73] أي: ~~خلفاء الله في أرضه وهم مقر صفاته ومظهر آياته، { وأغرقنا ~~الذين كذبوا بآياتنا } [يونس: 73] بدلائلنا وبراهيننا من ~~الشيطان وبعض النفوس المتمردة في بحر الدنيا وشهواتها. # { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } [يونس: 73] أي: ~~الذين أنذرهم نوح الروح بإلهامات الله، { ثم بعثنا من بعده } ~~[يونس: 74] أي: بعد نوح الروح، { رسلا إلى قومهم } [الروح: ~~74] من الأنبياء، { فجآءوهم بالبينت } [يونس: 74] بالمعجزات ~~الظاهرة. # { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل } ~~[يونس: 74] أي: لم يصدقوا الأنبياء بمعجزاتهم بشؤم ما كذبوا نوح الروح، ~~وما قبلوا دعوته في السير إلى الله، فيه إشارة إلى أن من لم يؤمن قبله ~~بدعوة الروح وإلهام الحق إراءة آياته لا يؤمن بدعوة الأنبياء ومعجزاتهم، ~~{ كذلك نطبع على قلوب المعتدين } [يونس: 74] الذين ~~جاوزوا الحق إذ لم يستمعوا دعوة الروح إلى الباطل وهو تكذيب نوح الروح ~~لئلا يقبلوا دعوة الأنبياء عليهم السلام. # ثم أخبر عن بعث الأنبياء وتكذيب الأشقياء بقوله تعالى: { ثم ~~بعثنا من بعدهم ms0777 موسى وهرون } [يونس: 75] إلى قوله: # من القوم الكافرين # [يونس: 86]، { ثم بعثنا من بعدهم موسى وهرون } ~~أي: أوحينا وألهمنا من بعد نوح الروح وصفاته إلى موسى القلب، وهارون ~~السر، { إلى فرعون وملإيه } [يونس: 75] أي: فرعون النفس ~~وصفاته، { بآيتنا } [يونس: 75] يعني: عصا ذكر لا إله إلا الله كانت ~~معجزة القلب وله يد بيضاء في استعمالها. # { فاستكبروا } [يونس: 75] عن قبول لا إله إلا الله وذلك أن فرعون ~~النفس يدعي الربوبية ولا يثبت إلها غيره، كما قال الله تعالى: # أرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الفرقان: 43]، { وكانوا } [يونس: 75] يعني: النفس وصفاتها، { ~~قوما مجرمين } [يونس: 75] آمرين بالسوء. ### || [10.76-80] # { فلما جآءهم الحق من عندنا } [يونس: 76] الذكر الذي ~~هو من صفاتنا، فيعمل عمل الثعبان، ويظهر المعجزات مع فرعون النفس ~~وصفاتها. # { قالوا إن هذا لسحر مبين } [يونس: 76] يعني: فرعون ~~النفس ترى معجزة ثعبان الذكر سحرا، { قال موسى } [يونس: 77] أي: ~~موسى القلب، { أتقولون للحق لما جآءكم } [يونس: 77] أي: ~~معجزات الذكر، { أسحر هذا } [يونس: 77] أي: تشكون وتشبهونها ~~بالسحر. # { ولا يفلح الساحرون } [يونس: 77] أي: لا فلاح في السحر، ~~والفلاح هو الخلاص عن قيد الوجود المجازي والظفر بالوجود الحقيقي، وإنما ~~الفلاح في الذكر بقوله: # واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون # [الأنفال: 45]، { قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا ~~عليه آباءنا } [يونس: 78] وهذا من كلام النفس وصفاتها مع القلب ~~ذكر التصرف عن عبادة الدنيا والهوى، { وتكون لكما } [يونس: 78] ~~السر والقلب، { الكبريآء } [يونس: 78] السلطنة والتصرف. # { في الأرض } [يونس: 78] أي: أرض القالب، { وما نحن لكما ~~بمؤمنين } [يونس: 78] بمتبعين ولا مصدقين، { وقال فرعون } ~~[يونس: 79] النفس، { ائتوني بكل ساحر عليم } [يونس: 79] من ~~الشياطين والنفوس المتمردة الساحرة في البيان، وبالوساوس والهواجس ~~والتمويهات، { فلما جآء السحرة قال لهم موسى } ~~[يونس: 80] القلب، { ألقوا مآ أنتم ملقون } [يونس: 80] من ~~تمويهاتكم. ### || [10.81-86] # { فلمآ ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر } ~~[يونس: 81] والتمويه، { إن الله سيبطله } [يونس: 81] بثعبان ~~الذكر، فإنه حق التمويه باطل، وإذا جاء الحق وزهق الباطل، { إن ~~الله لا يصلح عمل المفسدين } [يونس: 81] من أهل ~~التمويهات. # { ويحق الله الحق } [يونس: 82] أي: الذكر، { بكلماته ~~} [يونس: 82] وهي ms0778 لا إله إلا الله، { ولو كره المجرمون } ~~[يونس: 82] من أهل الهوى من النفوس المتمردة الأمارة بالسوء، { فمآ ~~آمن لموسى } [يونس: 83] القلب، { إلا ذرية من قومه ~~} [يونس: 83] وهي صفاته ويجوز أن يكون إلها في قومه راجعة إلى فرعون ~~النفس أي: ما آمن لموسى القلب إلا بعض صفات فرعون النفس، فإنه يمكن تبديل ~~أخلاقها الذميمة بالأخلاق الحميدة القلبية. # { على خوف من فرعون وملئهم } [يونس: 83] يعني: من ~~خوف فرعون النفس والهوى والدنيا وشهواتها بأن تبدلوها بأخلاقها الطبيعية ~~التي جبلت النفس عليها، وبهذا يشير إلى أن النفس وإن تبدلت صفاتها ~~الأمارية إلى المطمئنة لا يؤمن مكرها وتبدلها من المطمئنة إلى الأمارية ~~كما كان حال بلعام وبرصيصا، { أن يفتنهم } [يونس: 83] بالدنيا ~~وشهواتها للمجاوزين حد الطريقة والشريعة في تحصيل ملاذها وشهواتها وترجع ~~النفس قهقري إلى إشارتها، { وإن فرعون } [يونس: 83] النفس. # { لعال } [يونس: 83] أي: لها علو وقوة، { في الأرض } [يونس: 83] ~~البشرية بالتصرف فيها، { وإنه لمن المسرفين } [يونس: 83] ~~المجاوزين حد الشريعة والطريقة في تحصيل ملاذها وشهواتها، { وقال ~~موسى } [يونس: 84] القلب، { يقوم إن كنتم آمنتم بالله ~~} [يونس: 84] أي: قال موسى القلب مع صفاته أي: مع صفات النفس التي آمنت ~~بما جاء القلب من الذكر والإلهام ومواهب الحق إن كان إيمانكم حقيقيا من ~~الله وهدايته. # { فعليه توكلوا } [يونس: 84] إلا على الدنيا وملاذها، { إن ~~كنتم مسلمين } [يونس: 84] إن استسلمتم الله وفوضتم أموركم إليه، ~~{ فقالوا على الله توكلنا } [يونس: 85] لا على غيره، ثم ~~رجعوا إلى الله تأكيدا لتوكلهم عليه، وطلبوا منه ألا يفتنهم بالقوم ~~الظالمين وهم فرعون النفس والهوى والدنيا فقالوا: { ربنا لا ~~تجعلنا فتنة للقوم الظالمين } [يونس: 85]، { ~~ونجنا برحمتك } [يونس: 86] أي: خلصنا، { من القوم ~~الكافرين } [يونس: 86] أي: من شر قوم يسترون الحق بالباطل ~~ويستعملوننا في التخلق بأخلاقهم الذميمة. ### || [10.87-92] # ثم أخبر عن حال موسى وأخيه وحال فرعون وتابعيه بقوله: { وأوحينآ ~~إلى موسى وأخيه } [يونس: 87] إلى قوله: { لغافلون } ~~[يونس: 92]، { وأوحينآ إلى موسى وأخيه } [يونس: 87] أي: ~~إلى موسى القلب وهارون السر، { أن تبوءا } أي: تهيئا، { ~~لقومكما } [يونس: 87] لصفاتكما، { بمصر } [يونس: 87] عالم ~~الروحانية، { بيوتا ms0779 } [يونس: 87] مقامات؛ وذلك لأن القلب والسر ~~بصفاتهما وساطة بين الروح والنفس، فيشير إلى ألا تتخذوا المنازل في عالم ~~النفس السفلية واتخذوا المقامات في عالم الروح العلوي. # { واجعلوا بيوتكم قبلة } [يونس: 87] أي: اجعلوا مقاماتكم ~~في عالم الروحانية المتوجهة في قبلة طلب الحق أي: لا تقيموا في ~~الروحانية، { وأقيموا الصلاة } [يونس: 87] أديموا العروج من ~~المقامات الروحانية إلى القربات والموصلات الربانية، { وبشر ~~المؤمنين } [يونس: 87] المصدقين السائرين إلى الله بالوصول ~~والوصال، { وقال موسى } [يونس: 88] القلب موافقا للشر. # { ربنآ إنك آتيت فرعون } [يونس: 88] النفس، { وملأه ~~} [يونس: 88] أي: صفاته، { زينة } [يونس: 88] أي: جعلت ما على الأرض ~~من مستلذات النفس وشهواتها زينة في نظرها؛ لأنها ملائمة طبعها، { ~~وأموالا } [يونس: 88] أي: جعلت الأموال سبب تحصيل مرادات النفس ~~ومرامها، { في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن ~~سبيلك } [يونس: 88] أي: ليكون عاقبة أمرهم أن ينقطعوا عن السير في ~~طلبك، ويضلوا عبادك بها عن طلبك شغلا بتمتعاتها وغرورا بغنائها ~~وتفاخرا بجمعها. # { ربنا اطمس على أموالهم } [يونس: 88] بمحقها أو ~~بتحقيرها في نظرهم، { واشدد على قلوبهم } [يونس: 88] أي: ~~واشدد طريق النظر إلى الدنيا وما فيها على قلوبهم، واجعل همتهم علية في ~~طلبك للنظر إليك، { فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب ~~الأليم } [يونس: 88] فإن النفس وصفاتها لا تؤمن بالآخرة وطلب الحق حتى ~~يذيقهم ألم فطامهم عن الدنيا وشهواتها، فإن الفطام عن المألوفات شديد. # { قال قد أجيبت دعوتكما } [يونس: 89] أي: دعوة القلب ~~والسير بما سألوا الله في حق النفس وصفاتها وفطامها عن ملاذ الدنيا، { ~~فاستقيما } [يونس: 89] يا قلب السير في طلب الحق والسير إليه، { ~~ولا تتبعآن سبيل الذين لا يعلمون } [يونس: 89] ~~الطريق إلى الله ولا يعرفون قدره وهمتهم الدنيا وشهواتها عن أثر إجابة ~~الدعوة فقال: { وجاوزنا ببني إسرائيل البحر } [يونس: ~~90] بنو إسرائيل وهم: القلب والسر وصفاتهما { البحر } بحر الملكوت أي ~~سلكناهم في بحر الروحانية الملكوتية، { فأتبعهم فرعون } ~~[يونس: 90] النفس، { وجنوده } [يونس: 90] وصفاته في بحر الملكوت ~~يعني: الفطام عن شهوات عالم الملك، { بغيا وعدوا } [يونس: 90] أي: ~~حسدا وعداوة؛ لأن النفس لا تجاوز بحر الملكوت إلا بعلمه واضطرارا، فإن ms0780 ~~السير في الملكوت ليس من طبعها، فلا مسلك إلا قهرا وقسرا { حتى ~~إذآ أدركه الغرق } [يونس: 90] يعني: فلما هبت رياح اللطف ~~وتموجت بحار الفضل استغرق موسى القلب وبنو إسرائيل صفاته في لجي بحر ~~الوصال، وبلغت أفواج أمواجه إلى ساحل البشرية فأدرك فرعون النفس الغرق ~~فاستمسك بعروة تلك الفرق. # { قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به ~~بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين } [يونس: 90] ومن ~~أمارات أغطية فرعون النفس من عالم الملكوت الروحاني أنه عند الغرق ما ~~تمسك بحبل التوفيق بيد الصدق والاستقلال، وما قال: آمنت بالله الذي لا ~~إله إلا هو، وإنما تمسك بيد الاضطرار والتقليد، فقال: { آمنت أنه ~~لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل } فقيل ~~له: { آلآن وقد عصيت قبل } [يونس: 91] أي: قبل الاضطرار. # { وكنت من المفسدين } [يونس: 91] أي: كنت ممن يملك نفسه ~~ويهلك غيره، { فاليوم ننجيك ببدنك } [يونس: 92] أي: بنفسك ~~وقالبك من بحر الضلالة، { لتكون لمن خلفك آية } [يونس: 92] ~~أي: دليلا على كمال قدرتنا، ومزيد عنايتنا بأن من اتبع خواص عبادنا ~~نجعلهم من أهل النجاة والدرجات بعد أن كان من أهل الهلاك والدركات، { ~~وإن كثيرا من الناس } [يونس: 92] أي: من أهل النسيان، { ~~عن آياتنا } [يونس: 92] الدالة إلينا، { لغافلون } [يونس: 92] ~~لشغلهم بغيرنا. ### || [10.93-98] # ثم أخبر عن أهل الصدق والعرفان وأهل الاختلاف والخذلان بقوله تعالى: { ~~ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق } [يونس: 93] ~~قوله تعالى: { بوأنا بني إسرائيل } يشير بإسرائيل إلى الروح ~~العلوي، وببنيه إلى القلب والسر فإنهما من لذات دون النفس؛ لأنها إن كانت ~~من مولداته ولكنها من البنات لا من البنين { مبوأ صدق } منزلا ~~عليا في جوار الروح أتى طبعا. # { ورزقناهم من الطيبات } [يونس: 93] أي: من الفيض ~~الرباني الفائض الروح العلوي بأنهما خلقا متصفين بصفات الروح، وما يلي ~~إلى عالم العلوي من الحضرة من صفة الرحمانية فيفيض من الروح على القلب؛ ~~لأن القلب من الروح بمنزلة العرش من الرب وهو محل استواء صفة الرحمانية ~~من الرب يعني: محل ظهوره هذه الصفة الاختصاصية بقبول فيض هذه الصفة ~~أولا، ms0781 كذلك مستوى عرش القلب وهو قابل الفيض الروحانية أولا، فكل ما فاض ~~من صفة الرحمانية على الروح يفيض الروح على القلب والسر، فافهم جدا. # { فما اختلفوا حتى جآءهم العلم } [يونس: 93] أي: ما ~~اختلف القلب والسر من وصف خلقهما على الصفات الروحانية حتى جاءهم دعوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وأحكام القرآن، وأركان الشريعة، والسير إلى ~~الله تعالى على أقدام الطريقة، والوصول إلى عالم الحقيقة، وذلك عند ~~البلوغ وجذب تكاليف الشرع، المقبل من قبلها صار مقبولا، والمدبر من ~~دبرها فصار مردودا، وأيضا بقوله: { مبوأ صدق } [يونس: 93] أي: ~~بين الأصبعين من أصابع الرحمن، فإنه مأوى القلوب متوجهين إلى حضرت ~~الجلال، { فما اختلفوا حتى جآءهم العلم } [يونس: 93]؛ ~~أي: ما تغيروا عن أحوالهم حتى أدركهم علم الله الأزلي بما قدر وقفي فيهم ~~بالسعادة والشقاوة، فأقام قلوب أهل السعادة على الطاعة والعبودية، وقبول ~~الدعوة، وطلب الحق، وأزاغ قلوب أهل الشقاوة عنها إلى المعصية والتمرد ورد ~~الدعوة وترك الحق. # { إن ربك يقضي بينهم } [يونس: 93] بالقبول والرد، { ~~يوم القيامة } [يونس: 93] على قدر اختلافهم وتغير أحوالهم، { ~~فيما كانوا فيه يختلفون } [يونس: 93] بأقوالهم وأعمالهم ~~وأحوالهم، قال: الأعمال نتائج الأحوال، والأقوال من نتائج الأعمال. # ثم أخبر عن أهل الشك والتكذيب وأهل الحجج والتقريب بقوله تعالى: { فإن ~~كنت في شك } [يونس: 94] إلى قوله: { ومتعناهم إلى حين ~~} [يونس: 98]. # قوله: { فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك } [يونس: ~~94] أي: مما خصصناك به من سائر الأنبياء والمرسلين من خصوصية ختم النبوة، ~~وخيرية الأمة، وإعطائك الحق المودود والمقام المحمود، وغير ذلك من ~~المواهب السنية والمراتب العلية مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على ~~قلب بشر. # { فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك } [يونس: ~~94] فإنا قد بينا في الكتب المنزلة طرفا عن علو قدرك، وعظم شأنك، ورفعة ~~مكانك، ورتبة سلطانك؛ ليتحقق لك ويتبين عندك أن ما جاءه من الحق فهو حقك ~~لا تغير فيه ولا تبديل، وذلك أن الله تعالى خلق الإنسان ضعيفا فصبر ~~النظر وفي الهمة، فإذا أنعم عليه بفتح باب الكرامات وهبوب ms0782 رياح السعادات ~~يكتال عليه بأدنى الكيل ما يضيق به ذرعه وينكسر به فرعه، فلا يحمل ما ~~يحتمل عليه، ولا يتحقق ما ينفعل به لديه، فيقلن: أنه مما يخادع به ~~الأطفال وشك فيما يصادفه من الآمال، بل هو من كرامة الأحياء، أو من وخامة ~~الابتلاء. # فكان النبي صلى الله عليه وسلم من خصوصية # قل إنمآ أنا بشر مثلكم # [الكهف: 110] يرتع في هذه الرياض باختصاص # يوحى إلي # [الكهف: 110] يسقى بكاسات المناولات من تلك الحياض، فشك عند سكره من ~~شراب الوصال إذا أدبر عليه بإقدام الجمال والجلال أنها في شهود التلوين، ~~أو من كشوف التمكين حتى أدركته العناية الأزلية والسابقة الأولية فأكرم ~~بخطاب: { لقد جآءك الحق من ربك } [يونس: 94] فتحقق ~~الاجتباء، وزال عنه الأسر لما بدل سكره بالصحو، وزالت صفات بشريته إلى ~~المحو، بل كان هذا فما كان النهي نهي التكوين به كلام الأزلي فخاطبه في ~~الأزل وهو بعد في العدم. # { فلا تكونن من الممترين } [يونس: 94] ممتريا كما قال: # تكونن من الجهلين # [الأنعام: 35] فما كان جاهلا، فلهذا قال صلى الله عليه وسلم: # " لا أشك ولا أسأل ". # { إن الذين حقت عليهم كلمت ربك } [يونس: 96] ~~وهي قوله: هؤلاء في النار ولا أبالي؛ أي: وجبت عليهم النار سبق هذه ~~الكلمة فيهم، { لا يؤمنون } [يونس: 96] { ولو جآءتهم كل ~~آية } [يونس: 97] لأنهم خلقوا مستعدين للعمى والضلالة، كما قال الله ~~تعالى: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا # [الأعراف: 179]، وقال: # أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون # [يونس: 43] فهؤلاء خلقوا ليكونوا مظهر صفات الذين لا يؤمنون، { حتى ~~يروا العذاب الأليم } [يونس: 97] وهو عذاب البعد وألم الفراق. # ثم أخبر أن إيمان الناس ما قبل عن قوم إلا قوم يونس عليه السلام فقال ~~تعالى: { فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها ~~إلا قوم يونس } [يونس: 98] وذلك لأن أقواما آخرين آمنوا حين ~~عاشوا العذاب وغشيهم بقية مثل: فرعون وقومه، وقوم لوط، وقوم نوح وغيرهم ~~من الأمم فآمنوا حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت ~~في إيمانها خيرا، وما آمنوا بالغيب، وإنما ms0783 الإيمان للقبول هو الإيمان ~~بالغيب كقوله تعالى: # الذين يؤمنون بالغيب # [البقرة: 3] وقوم يونس عليه السلام لما أصبحوا رأوا غيما العذاب كما ~~وعدهم يونس عليه السلام آمنوا وصدقوا يونس فيما وعدهم قبل العيان، وكان ~~إيمانهم بالغيب، وتابوا إلى الله بالصدق، # دعوا الله مخلصين له الدين # [يونس: 22] بالتضرع والابتهال، فاستجاب الله دعوتهم وقبل توبتهم. # ومن أمارة سعادتهم أنه ما جاءهم العذاب بغتة كما جاء لأقوام آخرين كقوله ~~تعالى: # تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون # [يوسف: 107] وأنهم مكنوا حتى التجاؤا إلى الله تعالى ودعوه مضطرين، فإنه ~~من سنة كرمه تعالى أن يجيب المضطر إذا دعا وما يكن غيرهم للالتجاء وخلوص ~~الدعاء، فكان إيمان قوم يونس عليه السلام إيمانا حقيقيا مقبولا كما ~~قال تعالى: { لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في ~~الحياة الدنيا ومتعناهم } [يونس: 98] بالإيمان والأعمال ~~الصالحة، { إلى حين } [يونس: 98] آجالهم. ### || [10.99-103] # ثم أخبر عن الإيمان أنه بالتوفيق لا بالخذلان بقوله تعالى: { ولو ~~شآء ربك لآمن من في الأرض } [يونس: 99] إلى قوله: { ننج ~~المؤمنين } [يونس: 103]، { ولو شآء ربك } أي: في الأزل، { ~~لآمن من في الأرض كلهم جميعا } أي: قدر لهم الإيمان في ~~الأزل كما قدر لبعضهم وهيأ لهم أسباب الهداية، كما هيأ لبعضهم وكتب في ~~قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه كما كتب بعضهم، وذلك # " أن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة... " # الحديث، كما قال صلى الله عليه وسلم: وكان إصابة النور لمشيئة الله ~~تعالى وهي تهيؤ أسباب الهداية وعبارة من كناية عن الحق، { أفأنت } ~~[يونس: 99] يا محمد، { تكره الناس } [يونس: 99] الذين لم يصبهم ~~النور المرشش. # { حتى يكونوا مؤمنين } [يونس: 99] بالنور لما علمنا أن من ~~لم يجعل الله له نورا فما له من نور { وما كان لنفس } [يونس: ~~100]، مظلمة { أن تؤمن إلا بإذن الله } [يونس: 100]، ~~وإذنه بإصابة النور المرشش. # { ويجعل الرجس } [يونس: 100] أي: عذاب الحجاب، { على ~~الذين لا يعقلون } [يونس: 100] سنة الله في الهداية والخذلان ~~بأن سنته أن تهدي العقول المؤيدة بنور الإيمان إلى توحيد الله ومعرفته ~~ولا تهدى العقول المجردة عن نور الإيمان ms0784 إلى ذلك، وهذا رد على الفلاسفة ~~أنهم يحسبون أن للعقول المجردة عن الإيمان سبيلا إلى التوحيد والمعرفة، ~~{ قل انظروا } [يونس: 101] بالعقول الخالية عن الإيمان. # { ماذا في السموت والأرض } [يونس: 101] من الآيات الظاهرة ~~وفي سماوات القلوب وأرض النفوس من الآيات الباطنة هل تنفعكم هذه العقول، ~~وتحصيل الإيمان هو من كتابه الحق ونوره، فإذا علمتم أنه محال فاعلموا أنه ~~{ وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون } ~~[يونس: 101] إلا بالكتابة السابقة والنور المرشش أي: لا تغنيهم العقول ~~المجردة عن نور الإيمان عند رؤية الآيات إلا أن تكون مؤيدة بالنور، { ~~فهل ينتظرون } [يونس: 102] ويا أرباب العقول المجردة عن نور ~~الإيمان. # { إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم } [يونس: ~~102] يعني: كانوا ينتظرون ما قدرنا لهم من أمر السعادة والشقاوة حتى ~~نبشرهم لما خلقوا له ويهيئ أسبابه، { قل فانتظروا } [يونس: 102] ~~حصول أسبابه وظهور ما قدرنا لكم، { إني معكم من ~~المنتظرين } [يونس: 102] ليدخل أو إن ما قدرنا لكم، { ثم ~~ننجي رسلنا والذين آمنوا } [يونس: 103] لما قدرنا لهم من ~~أمر السعادة عند تهيؤ أسباب السعادة وظهورها من الشقاوة، { كذلك ~~حقا علينا ننج المؤمنين } [يونس: 103] من الشقاوة في كل ~~زمان بانعدام أسبابها وتهيؤ أسباب السعادة. ### || [10.104-107] # ثم أخبر عن اختلاف الفريقين في الطريق بقوله تعالى: { قل يأيها ~~الناس إن كنتم في شك من ديني } [يونس: 104] إلى قوله: { ~~وهو الغفور الرحيم } [يونس: 107] { يأيها الناس } ~~يشير إلى أن الخطاب مع محمد الروح، والناس عبارة عن النفس الناسية ~~وصفاتها؛ فالمعنى: قل يا روح للنفس وصفاتها، إن كنتم في شأن من ديني الذي ~~هو عبادة الله وطاعته ومحبته وطلبه؛ لأن دينكم عبادة الهوى والدنيا ~~وطاعتها ومحبتها وتظنون أن غيركم على دينكم. # { فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله } [يونس: ~~104] من الهوى والشيطان والدنيا وشهواتها، { ولكن أعبد الله ~~الذي يتوفاكم } [يونس: 104] يميتكم ويفنيكم يعني: وفاة النفس ~~وصفاتها وفنائها متضمنة في عبودية الله ومحبته وطلبه، وترك طاعة النفس، ~~وعبادة الهوى طلب الدنيا، { وأمرت أن أكون من المؤمنين ~~} [يونس: 104] بلقاء الله والوصول إليه. # { وأن أقم ms0785 وجهك للدين } [يونس: 105] أي: استقم في توجهك ~~لله وطلبه، { حنيفا } [يونس: 105] أي: طاهرا من لون الالتفات إلى ما ~~سواه مائلا إليه { ولا تكونن من المشركين } [يونس: 105] ~~يعني: النفس وصفاتها أنها تعبد غير الله، وإن حملنا الآية على ظاهرها في ~~حق النبي صلى الله عليه وسلم ويشير إلى أنه كان مخاطبا عند الفطرة { ~~وأن أقم وجهك للدين } حنيفا إلى الله مخلصا. # { ولا تكونن من المشركين } [يونس: 105] من طالبي الدنيا ~~وعابدي الهوى في طلب الله تعالى، فكان كما أمر بقوله تعالى: { وأمرت ~~أن أكون من المؤمنين } [يونس: 104] يعني: ولا أكون من ~~المشركين. # { ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك } ~~[يونس: 106] في الدنيا والآخرة منهما، فإن النفع والضر إلى النافع والضار ~~لا إلى الدنيا والآخرة ونعمتهما ونقمتهما، { فإن فعلت فإنك ~~إذا من الظالمين } [يونس: 106] الذين يضعون النفع والضر في غير ~~موضعهما. # ثم قال تأكيدا لهذا المعنى: { وإن يمسسك الله بضر فلا ~~كاشف له إلا هو } [يونس: 107] لأنه لا يدفع الضر إلا الضار، { ~~وإن يردك بخير فلا رآد لفضله } [يونس: 107] إلا ~~المتفضل به فله النفع والضر والخير والشر، { يصيب به من يشآء ~~من عباده } [يونس: 107] بقدر استحقاقهم على حسب استعدادهم، { ~~وهو الغفور } [يونس: 107] يستر بنور وجهه ظلمة وجود الصديقين، { ~~الرحيم } [يونس: 107] بتقرب برحمته إلى الطالبين الفارقين. ### || [10.108-109] # ثم أخبر عن هذا الخلق أنه في الاقتداء بالحق بقوله تعالى: { قل ~~يأيها الناس قد جآءكم الحق من ربكم } [يونس: ~~108] السورة: { قل يأيها الناس } أي: ناسي خطاب # ألست بربكم # [الأعراف: 172] وأعلين مرتبتكم إذ كنتم تسمعون خطابي عني بلا واسطة، { ~~قد جآءكم الحق } وهو القرآن وهو الحبل المتين المرسل، { من ~~ربكم } بواسطة محمد صلى الله عليه وسلم إذا نزل به الروح الأمين ~~على قلبه، { فمن اهتدى } [يونس: 108] إلى الاعتصام به كما قال ~~الله تعالى: # واعتصموا بحبل الله # [آل عمران: 103]. { فإنما يهتدي لنفسه } [يونس: 108] بأن ~~يخلصها من أسفل السافلين، ويعود بها إلى أعلى عليين مقامها؛ ليسمع خطاب ~~ربها بلا واسطة بقوله: # يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ms0786 ربك # [الفجر: 27-28]، { ومن ضل } [يونس: 108] عن الاعتصام به، { ~~فإنما يضل عليها } [يونس: 108] لأنها تبقى في أسفل الدنيا ~~بعيدة عن الله تعالى معذبة بعذاب البعد وألم الفراق. { ومآ أنا ~~عليكم بوكيل } [يونس: 108] لأعتصم به بوكالتكم، فأوردتكم إلى ~~تلك المقامات والدرجات، وأخلصكم من هذه السفليات والدركات بغير اختياركم، ~~وإنما أنا مأمور بتبليغ الوحي والرسالة والتذكير والموعظة، كقول { ~~واتبع ما يوحى إليك } [يونس: 109] يعني: بالاعتصام به لنفسك ~~وبالتبليغ إلى أمتك، { واصبر حتى يحكم الله } [يونس: 109] ~~بالقبول لأهل السعادة، والرد لأهل الشقاوة لكل ميسر لما خلق له، { وهو ~~خير الحاكمين } [يونس: 109] فيما حكم بقبول الدعوة والقرآن ~~والأحكام والعمل بها لمن سبقت العناية الأزلية، ويرد الدعوة والقرآن ~~والأحكام والعمل بها لمن أدركته الشقاوة الأزلية. ### | [11 - سورة هود] ### || [11.1-5] # { الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت } [هود: 1] إلى ~~قوله: { إنه عليم بذات الصدور } [هود: 5]. # فقوله: { بسم الله } يشير إلى: الذات، { الرحمن } يشير إلى: صفة ~~الجلال، { الرحيم } يشير إلى صفة الجمال، والمعنى: أن هاتين الصفتين ~~قائمتان بذاته جل جلاله، وباقي الأسماء مشتملة على هاتين الصفتين وهما من ~~صفات القهر واللطف، قوله: { الر } يشير بالألف: إلى الله، وباللام: إلى ~~جبريل، وبالراء: إلى الرسول؛ يعني: ما أنزل الله مع جبريل إلى الرسول، { ~~كتاب أحكمت آياته } يعني: القرآن كتاب أحكمت بالحكم آياته، ~~كقوله تعالى: # ويعلمكم الكتاب والحكمة # [البقرة: 151] فالكتاب: هو القرآن، والحكمة: هي الحقائق والمعاني ~~والأسرار التي أدرجت في آياته، { ثم فصلت } أي: بينت لقلب ~~العارفين تلك الحقائق والحكم. # { من لدن حكيم } [هود: 1] أودع فيها بالحكمة البالغة التي لا ~~يقدر غيره أبدا عليها فيها، وهذا سر من أسرار إعجاز القرآن، { خبير ~~} [هود: 1] على تعليمها من لدنه لمن يشاء من عباده كقوله تعالى: # فوجدا عبدا من عبادنآ آتيناه رحمة من عندنا ~~وعلمناه من لدنا علما # [الكهف: 65] يشير إلى أن القرآن ظهرا يطلع عليه أهل اللغة، وبطنا لا ~~يطلع عليه إلا أرباب القلوب الذين أكرمهم الله بالعلم اللدني ورأس ~~الحكمة، وسرها أن يقول: يا محمد لأمتك أمرتم { ألا تعبدوا ~~إلا الله } [هود: ms0787 2] أي: لا تعبدوا الشيطان ولا الدنيا ولا الهوى ~~ولا ما سوى الله، { إنني لكم منه نذير } [هود: 2] أنذركم ~~بالقطيعة من الله تعالى أن تعبدوا أو تطيعوا وتحبوا غيره، وعذاب العبد في ~~الجحيم، { وبشير } [هود: 2] أبشركم أن تعبدوه وتطيعوه وتحبوه بالوصول ~~ونعيم الوصال في دار الجلال. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصا بالدعوة إلى الله من بين ~~الأنبياء والمرسلين - عليهم السلام - يدل عليه قوله تعالى: # يأيها النبي إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ~~ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه # [الأحزاب: 45-46]. # فقوله تعالى: { ألا تعبدوا إلا الله } يشير إلى ألا ~~تطلبوا غير الله، ثم قال: { وأن استغفروا ربكم } [هود: 3] ~~فيما فرطتم من أيام عمرك في طلب غير الله، وترك طلبه، وتحصيل الحجب، ~~وإبطال الاستعداد الفطري ليكون الاستغفار وتزكية لنفوسكم وتصفية لقلوبكم، ~~{ ثم توبوا إليه } [هود: 3] أي: ارجعوا بقدم السلوك إلى الله؛ ~~لتكون التوبة تحلية لكم بعد التزكية بالاستغفار وهي قوله: { ~~يمتعكم متاعا حسنا } [هود: 3] وهو الترقي في المقامات من ~~السفليات إلى العلويات، ومن العلويات إلى حضرة العلي الكبير، { إلى ~~أجل مسمى } [هود: 3] وهو انقضاء مقامات السلوك، وابتداء درجات ~~الوصول، { ويؤت كل ذي فضل } [هود: 3] ذي صدق واجتهاد في ~~الطلب، { فضله } [هود: 3] في درجات الوصول، فإن المشاهدات بقدر ~~المجاهدات. # { وإن تولوا } [هود: 3] أي: أعرضوا عن الطلب والسير إلى الله، { ~~فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير } [هود: 3] أي: ~~عذاب يوم الانقطاع عن الله الكبير، فإنه أكبر الكبائر وعذابه أعظم ~~المصائب إلى { إلى الله مرجعكم } [هود: 4] طوعا أو كرها، ~~فإن كان بالطوع يتقرب إليكم بجذبات العناية، كما قال: # " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا " # ، وإن كان بالكره يسبحون في النار على وجوههم، { وهو على كل ~~شيء } [هود: 4] من اللطف والقهر، { قدير } [هود: 4]. # { ألا إنهم يثنون صدورهم } [هود: 5] أي: يقلبون؛ لأن ثني ~~صدورهم في الدنيا من نتائج حرمانهم النور المرشش في عالم الأرواح حين رش ~~عليهم من نوره، نزل تنبيها للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لحال من ~~كان إذا مر برسول الله صلى الله عليه ms0788 وسلم وهو يقرأ القرآن يثني صدره ~~وطاعة قدر واشتد على نفسه بثيابه لئلا يعرفهم النبوة ولئلا يسمعوا قراءته ~~كراهة لها وهم كفار، { ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ~~ثيابهم } [هود: 5] ثياب الجسمانية على وجه الروح. # { يعلم ما يسرون } [هود: 5] من حرمان النور بنقصان الحرمان ~~تحت يثاب القلب، { وما يعلنون } [هود: 5] من ثني الصدور ~~والاستخفاء ما لا يخفى عليه قبل جنس ما شريف، فإنه يظهر المحبة لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وله حلو الكلام وحسن المنظر، وله الجنة صلى ~~الله عليه وسلم مجالسة ومحادثة وهو يضمر خلاف ما يظهر والله مطلع على ما ~~في نفسه بقوله تعالى: { إنه عليم بذات الصدور } [هود: 5] ~~بما في الصدور في القلوب الظلمانية الفارغة عن النورانية التي بها ~~الاهتداء منها الاقتداء بالأنبياء - عليهم السلام - والله أعلم. ### || [11.6-11] # ثم أخبر عن إحاطة علمه بجميع الأشياء من الأموات والأحياء لقوله تعالى: ~~{ وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها } ~~[هود: 6] ونشأها لتكفل أيام تفضلا ورحمة، وإنا إلى لطف الوصول تحقيقا ~~لوصول وحملا عن التوكيل فيه إلى قوله: { يستهزءون } [هود: 8]. # وقوله: { وما من دآبة في الأرض إلا على الله ~~رزقها } [هود: 6] يشير إلى أن كل حيوان خلقه الله تعالى صفة مخصوصة ~~وبجنسه، ولكل جنس منه غذاء مخصوص ذلك الجنس، فعلى ذمة كرم الله أنه كما ~~خلق أجسادهم يخلق غذائهم ملائما لأجسادهم ويرزقهم دهم ويرزقهم منه ما ~~يصلح لكل جنس من الحيوان أو يعلم، { مستقرها } [هود: 6] في العدم، ~~ويعلم أنه كيف قدرها مستعدة لقبول تلك الصورة المختصة بها. # ويعلم { ومستودعها } [هود: 6] الذي تؤل إليه عند استكمال صورتها ~~ومعناها المستودع فيها، وللإنسان خاصة يعلم مستقر روحه في عالم الأرواح ~~أكان في الصف الأول، أو في الثاني، أو في الثالث، أو في الرابع، فإنه جاء ~~في معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " # إن الأرواح كانت في أربعة صفوف: # كان في الصف الأول: أرواح الأنبياء وأرواح خواص الأولياء. ms0789 # وفي الصف الثاني: أرواح الأولياء وأرواح خواص المؤمنين. # وفي الصف الثالث: أرواح المؤمنين والمسلمين. # وفي الصف الرابع: أرواح الكفار والمنافقين، ويعلم مستودع روحه عنه ~~استكمال مرتبة كل نفس منهم من دركات النيران، ودرجات الجنات إلى مقعد صدق ~~عند مليك مقتدر، { كل في كتاب مبين } [هود: 6] أي: عنده في أم ~~الكتاب التي لا تعبر منه من المحو والإثبات. # ثم أخبر عن الإنسان من بين سائر المخلوقات، فإن خلق أصناف المكونات كانت ~~تبعا لوجوده وسببا لاستكماله في السعادة والشقاوة، فقال: { وهو ~~الذي خلق السموت } [هود: 7] سماوات الأرواح والملكوت { ~~والأرض } [هود: 7] أرض الأجسام والأجساد؛ معناه: خلق السماوات والأرض ~~لحكمة بالغة وهي أن يجعلهما مساكن لعباده، وينعمهم بأنواع النعم، ويكلفهم ~~بالأمر والنهي عن المنكر، وأطاع التائب بالجنة ومن دون ذلك بالنار، { في ~~ستة أيام } [هود: 7] في ستة أصناف: جماد ومعدن ونبات وحيوان ~~وإنسان وأرواح، ولكل صنف منها أنواع يطول شرحها. # { وكان عرشه على المآء } [هود: 7] أي: خلق السماوات والأرض ~~لأنه لم يكن تحت العرش سوى الماء، وكان ذلك الماء من الريح، { ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا } [هود: 7] يعني: هذه الأصناف ~~من المخلوقات مقتضيات لوجود الإنسان وتربيته ومعرفة نفسه ومعرفة خالقه ~~وسعادته وشقاوته، فإن العالم بما فيه محل الابتلاء ومحل السعد أو ~~الأشقياء، وإن الابتلاء على قسمين: # قسم للسعداء: وهو بلاء حسن وذلك أن السعيد لا يجعل المكونات مطلبه ~~ومقصده الأصلي بل يجعل ذلك حضرة المولى والرفيق الأعلى، ويجعل ما سوى ~~المولى بإذن مولاه وأمره ونهيه وسيلة إلى القربات وتحصيل الكمالات، فهو ~~أحسن عملا، وقسم للأشقياء: وهو بلاء سيء وذلك أن الشقي يجعل المكونات ~~مطلبه ومقصده الأصلي ويتقيد بشهواتها ولذاتها، ولم يتخلص من نار الحرص ~~عليها والحسرة على فواتها، ويجعل ما أنعم الله عليه من الطاعات والعلوم ~~التي هي ذريعة إلى الدرجات والقربات وسيلة إلى نيل مقاصده الفانية ~~واستيفاء شهواته النفسانية فهو أسوء عمل. # { ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت } [هود: ~~7] يعني: لئن قلت للأشقياء موتوا عن الطبيعة باستعمال الشريعة ومزاولة ~~الطريقة؛ لتحيوا بالحقيقة، فإن ms0790 الحياة الحقيقية يكون بعد الموت عن الحياة ~~الطبيعية، { ليقولن الذين كفروا } [هود: 7] أي: ستروا ~~استعدادهم الفطري يتعلق المكونات ومحبتها وهم الأشقياء، { إن هذآ ~~إلا سحر مبين } [هود: 7] كلام مموه لا أصل له، { ولئن ~~أخرنا عنهم العذاب } [هود: 8] أي: ذوق العذاب وهو ألم ~~البعد؛ لأن العذاب واقع لهم، ولكن لا يذوقون ألمه ولهذا يقال يوم ~~القيامة: # فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون # [الأحقاف: 34]. # { إلى أمة معدودة } [هود: 8] أي: إلى حين ظهور ذوق العذاب ~~للأمة المعدودة من الأشقياء ليكونوا في جملتهم، { ليقولن } [هود: ~~8] الأشقياء من غاية غفلتهم ونهاية شقوتهم، { ما يحبسه } [هود: 8] ~~أي: ما يحبس العذاب عنا، { ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا ~~عنهم } [هود: 8] أي: عذاب البعد حين يأتي كل واحد من الأشقياء ~~باستجلاب ترك المأمورات، واستجلاب إتيان المنهيات لا يفارقهم، { وحاق ~~بهم } [هود: 8] أي: لزمهم ووجب عليهم. # { ما كانوا به يستهزءون } [هود: 8] جزاء ما كانوا يظنون ~~بالله ظن السوء ويتكلمون به استهزاء، فإن جزاء أعمال العباد من الخير ~~والشر تصل إلى القال في الحال بتصفية القلب عن صد الحجب، والأخلاق ~~الذميمة النفسانية، وتحليته بأنوار شواهد الحق، والأخلاق الحميدة ~~الروحانية والربانية، ولكن لا يرى في الدنيا بعين اليقين وحق اليقين، ~~وإنما يرى في الآخرة إذ قيل لهم: # فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد # [ق: 22]، # ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 8]. # ثم أخبر عن غفلة الإنسان في الدنيا عن الخير والشر والنفع والضر، ولقوله ~~تعالى: { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة } [هود: 9] إلى ~~قوله: { وأجر كبير } [هود: 11]، { ولئن أذقنا الإنسان ~~منا رحمة } أي: أذقناهم بعض المقامات من قربنا، وبعض المشاهدات من ~~شواهدنا، { ثم نزعناها منه } [هود: 9] بشؤم بعض خطاياه وزلاته ~~ابتلاء وامتحانا غيرة وعزة لئلا يجترئ في سوء الأدب، { إنه ~~ليئوس } [هود: 9] أي: من خصوصية الإنسان أن ييأس من روح الله ويقنط ~~من رحمته جهلا منه عند ابتلاءه بإصابة ذنب وخطأ، { كفور } [هود: 9] ~~لنعمتنا؛ وذلك لأن من رحمة الله ونعمة على عبده أنه إذا أسرف على نفسه، ~~ثم تاب ورجع إلى ربه وجده غفورا ms0791 رحيما، فمن ابتلي بذل الحجاب والرد عن ~~الباب كان من شرط عبوديته أن لا ييأس من روح الله ولا يكفر بنعمته ~~كإبليس، بل يرجو رحمة ربه، وتاب من خطاياه، واستغفر من ذنوبه، ويرجع إلى ~~ربه معترفا بظلمة على نفسه كآدم عليه السلام ليجتبيه ربه فيتوب عليه ~~ويهديه. # { ولئن أذقناه نعمآء بعد ضرآء مسته } [هود: ~~10] أي: أنعمنا عليه بالقبول بعد الرد وأذقناه برد عفونا وحلاوة طاعتنا، ~~{ ليقولن ذهب السيئات عني } [هود: 10] صرت معصوما ~~مطهرا مرفوع مدفوع الحجب النقاب فيعجبه نفسه، فينظر إليها بنظر الإعجاب، ~~وينظر إلى غيره بنظر الاحتقار، { إنه لفرح } [هود: 10] بما لديه ~~من إعجاب نفسه # إن الله لا يحب الفرحين # [القصص: 76]، { فخور } [هود: 10] على الأقران ممكور الرحمن. # إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا # [النساء: 36]، # فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون # [الأعراف: 99] ففي كلتي حالتيه مذموم في حال اليأس وكفران النعمة، وفي ~~حال الإعجاب بنفسه وأمنه من مكر الله، { إلا الذين صبروا } ~~[هود: 11] في حالتي الشدة والرخاء والنعماء والضراء، فلا يقنطه في الضراء ~~ولا يعجب في النعماء، { وعملوا الصالحات } [هود: 11] للنعماء ~~صابرين للضراء، { أولئك لهم مغفرة } [هود: 11] في الشكر، ~~{ وأجر كبير } [هود: 11] في الصبر. ### || [11.12-16] # ثم أخبر عن استدعاء الكفار وضيق صدر النبي صلى الله عليه وسلم المختار ~~بقوله: { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } [هود: 12] ~~إلى قوله: { ما كانوا يعملون } [هود: 16] قوله: { فلعلك ~~تارك بعض ما يوحى إليك } أي: لثقله، { وضآئق به ~~صدرك } [هود: 12] بحمله مثل قوله: # وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم # [التوبة: 20]، { أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز } [هود: ~~12] لئلا يطمع في أموالنا، { أو جآء معه ملك } [هود: 12] ~~ليعينه على الجهاد كما جاء جبريل عليه السلام لوطا ليعينه في إهلاك ~~قومه، ثم قال تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم: { إنمآ أنت ~~نذير } [هود: 12] يعني: فما عليك إلا التبليغ والإنذار، { والله ~~على كل شيء وكيل } [هود: 12] من إنزال الكتب وإرسال الملك ~~والهداية؛ لقبول الدعوة والضلالة لرد الدعوة، فيجري عليهم ما يشاء كما ~~يشاء. # { أم ms0792 يقولون افتراه } [هود: 13] محمد صلى الله عليه وسلم من ~~نفسه فيما يأمرنا من الجهاد بأموالنا وأنفسنا، وفيما يصعب علينا من ~~الأوامر والنواهي، { قل فأتوا بعشر سور مثله } [هود: ~~13] مثل القرآن المشتمل على الحكم والمعاني والأسرار والأنوار والدقائق ~~والحقائق والفصاحة والبلاغة والهداية والإعجاز والإرشاد إلى سبيل الرشاد، ~~{ مفتريت } [هود: 13] إن كان مفترى، { وادعوا من ~~استطعتم من دون الله } [هود: 13] ليفتري معكم، { والله ~~على كل شيء وكيل } [هود: 12] بأنه مفتري، فإن لما افترى ~~إنسان بقدر إنسان آخر أن يفتري مثله، { فإلم يستجيبوا لكم ~~} [هود: 14] أهل العالم جنسه وأنسه في افتراء مثله. # { فاعلموا أنمآ أنزل بعلم الله } [هود: 14] لا بعلم ~~الخلق، فإن فيه الأخبار عما سيأتي وهو يعد في الغيب إلا الله، { وأن ~~لا إله إلا هو } [هود: 14] الذي أنزل القرآن وليس إلا آخر إن ~~ينزل مثل ما أنزل الله، { فهل أنتم مسلمون } [هود: 14] بهذه ~~الدلائل والبراهين التي تلقى الإسلام في الصدور، وتقذف الإيمان في القلوب ~~المستعدة لقبول الإيمان. # ثم أخبر عمن يختار الحياة الدنيا وزينة الدنيا من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والحرث، ولا يختار ~~الآخرة والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس فقال: { من كان يريد ~~الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم ~~فيها } [هود: 15] في طلب الدنيا وشهواتها؛ أي: في الدنيا، { وهم ~~فيها لا يبخسون } [هود: 15] لا ينقصون في الدنيا بما سعوا في ~~طلبه، ولكن لا يقضون في الآخرة من أجورهم وإن كانت الأعمال الأخروية؛ ~~لأنهم طلبوا بذلك الدنيا وأرادوا بها الفاني وآثروها على الباقي. # { أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ~~} [هود: 16] وإن أشد النيران نار القطيعة، { وحبط ما صنعوا } ~~[هود: 16] أعمال الخير، { فيها } [هود: 16] في الدنيا الدنية، { ~~وباطل ما كانوا يعملون } [هود: 16] من الأعمال فإن كانت ~~حقا؛ لأنهم عملوها لغير وجه الله وهو باطل، وبه يشير إلى كل من عمل ~~عملا يطلب به غير الله بأن عمله ومطلوبه باطل كما قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن أصدق كلمة قالتها العرب: ألا كل شيء ما خلا ms0793 الله باطل ". ### || [11.17-19] # ثم أخبر عن المؤمن وحاله والكافر ومآله بقوله تعالى: { أفمن كان ~~على بينة من ربه } [هود: 17] أي: على كشف وبيان من تجلي ~~صفة من صفات ربه، { ويتلوه شاهد منه } [هود: 17] أي: ويتبع ~~الكشف شاهد من شواهد الحق، فإن الكشف يكون مع الشهود ويكون بلا شهود ~~والمعنى: { أفمن كان على بينة } [هود: 17] على بينة من كشوف ~~الحق وشواهده. # { أفمن كان على بينة } من العقل والنقل مع احتمال السهو ~~والغلط فيها، وحمل الآية في الظاهر على النبي صلى الله عليه وسلم وأبي ~~بكر رضي الله عنه أولى وأحرى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان على بينة ~~من ربه، وكان أبو بكر شاهدا يتلوه بالإيمان والتصديق يدل عليه قوله ~~تعالى: # والذي جآء بالصدق # [الزمر: 33] يعني: النبي صلى الله عليه وسلم، # وصدق به # [الزمر: 33] يعني: أبا بكر - رضي الله وأرضاه - وهو الذي كان تاليه ~~وثانيه في الغار، وتاليه في الإمامة في مرضه صلى الله عليه وسلم حين قال: # " مروا أبا بكر فليصل بالناس " # ، وكان تاليه بالخلافة بإجماع الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - حيث ~~قال صلى الله عليه وسلم لإبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -: # " أنتما مني بمنزلة السمع والبصر ". # { ومن قبله } [هود: 17] أي: قبل أبي بكر رضي الله عنه وشهادته ~~بالنبوة كان، { كتاب موسى } [هود: 17] وهو التوراة، { إماما } ~~[هود: 17] يأتم به قومه بعده، وفي أيام محمد صلى الله عليه وسلم كما ائتم ~~به عبد الله بن سلام وسلمان وغيرهما من أحبار اليهود، ولأنه كان فيه ذكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة { ورحمة } [هود: 17] أي: ~~الكتاب كان رحمة لأهل الرحمة، وهم الذين يؤمنون بالكتاب وبما فيه كما ~~قال: { أولئك يؤمنون به } [هود: 17] يعني: أهل الرحمة { ~~ومن يكفر به } [هود: 17] أي: بالكتاب وبما فيه { من ~~الأحزاب فالنار موعده } [هود: 17] أي: حزب أهل الكتاب وحزب ~~الكفار وحزب المنافقين، وإن زعموا أنهم مسلمون؛ لأن الإسلام لا يكون ~~بدعوى اللسان فحسب، وإنما يحتاج مع دعوى اللسان إلى صدق الجنان وعمل ~~الأركان. # { فلا تك ms0794 في مرية منه } [هود: 17] أي: من أن يكون الكافر ~~بك وبما جئت به من أهل النار؛ لأن الإيمان بك إيمان بي، وإن طاعتك طاعتي، ~~فلا يخطرن ببالك أني من سعة رحمتي لعلي أرحم من كفر بك كائنا من كان، ~~فإني لا أرحمهم لأنهم مظاهر قهري { إنه الحق من ربك } ~~[هود: 17] أي: يكون له مظاهر صفات القهر كما يكون له مظاهر صفات اللطف { ~~ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } [هود: 17] بصفات لطفه ~~لرجائهم المذموم ولغرورهم المشئوم بكرم الله، فإنه غرهم بالله وكرمه، ~~الشيطان الغرور. # ثم أخبر عن جزاء أهل الافتراء بقوله تعالى: { ومن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا } [هود: 18] إلى قوله: # هم الأخسرون # [هود: 22]، { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~} [هود: 18] أي: ادعى مع الله رتبة في المكاشفات والمشاهدات والمنازلات ~~والمحادثات والمكالمات، وغيرها من المقامات التي لم يشاهدها وما مست قدمه ~~ساحتها، وإنما يدعي حصولها دعوته النفس وطلبا للرئاسة واستجلاب حظوظ ~~النفس بطريق التزهد والشيخوخة، { أولئك يعرضون على ~~ربهم ويقول الأشهاد } [هود: 18] وهم أولياء الله الذين هم ~~شهداؤه في أرضه يدل عليه قوله تعالى: # وتكونوا شهدآء على الناس # [الحج: 78]. # { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم } [هود: 18] يشهدون ~~عليهم بالكذب في الدنيا والآخرة ويلعنوهم، { ألا لعنة الله ~~على الظالمين } [هود: 18] ينزلون بأنفسهم منزل السادة الكبرى، { ~~الذين يصدون عن سبيل الله } [هود: 19] أي يصدون الطالبين ~~عن طلب الحق بادعائهم الشيخوخة ويقطعون سبيل الله على طالبيه بالدعوة إلى ~~أنفسهم، ويمنعونهم أن تمسكوا بذيل إرادة صاحب ولاية يهديهم إلى الحق ~~ويسلكهم في الله تعالى. # { ويبغونها عوجا } [هود: 19] عن الحق، { وهم بالآخرة ~~هم كافرون } [هود: 19] على الحقيقة؛ لأن من يؤمن بالآخرة، ولقاء ~~الله والحساب والجزاء على الأعمال لا يجري مع الله بمثل هذه المعاملات. ### || [11.20-24] # { أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض } [هود: 20] ~~أي: لم يعجزوني بأن أهلكهم في الدنيا؛ لئلا يبقوا في الأرض متمتعين بها. # { وما كان لهم من دون الله من أوليآء } ينتفعون ~~بهم في الدنيا والآخرة انتفاع النجاة، بل { يضاعف لهم العذاب ~~} [هود: 20] عذاب ms0795 الضلال والإضلال، فإنهم ضلوا عن سبيل الله بطلب الدنيا، ~~وأضلوا أهل الإرادة عن طريق الحق باستتباعهم. # { ما كانوا يستطيعون السمع } [هود: 20] ليسمعوا نصح الله ~~ورسوله، ونصح الناصحين، { وما كانوا يبصرون } [هود: 20] أي: ما ~~كانوا لهم بصر يبصرون بها الحق، ولا سمع يسمعون به الحق عن أهل الحق، { ~~أولئك الذين خسروا أنفسهم } [هود: 21] بأنهم باعوا ~~الدين بالدنيا، واشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ورضا الله، { وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون } [هود: 21] أي: ما كان لافترائهم ~~حاصل إلا الندامة والغرامة، { لا جرم أنهم في الآخرة هم ~~الأخسرون } [هود: 22] لأنهم مؤاخذون بخسرانهم وخسران اتباعهم ~~بحسبانهم أنهم يحسنون صنعا كقوله تعالى: # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا # [الكهف: 103]. # ثم أخبر عن مثل أهل الهداية وأهل الغواية بقوله تعالى: { إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ~~ربهم } [هود: 23]، { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } أي: آمنوا بطلب الله، وطلبوه على أقدام معاملات صالحات ~~للطلب المفيدات للوصول إلى المطلوب، { وأخبتوا } أي: أنابوا، { ~~إلى ربهم } بالكلية، ولم يطلبوا منه إلا هو واطمأنوا به. # { أولئك أصحاب الجنة } [هود: 23] أي: أرباب الجنة كما ~~يقال لرب الدار: صاحب الدار وهم مطلوبو الجنة لا طلابها، وإنما هم طلاب ~~الله، { هم فيها خالدون } [هود: 23] طلابا عن الضالين المضلين، ~~والطالبين المجتبين، { مثل الفريقين كالأعمى والأصم } ~~[هود: 24]. ثم أخبر والأعمى الذي لا يبصر الحق حقا والباطل باطلا، بل ~~يبصر الباطل حقا والحق باطلا، والأصم لا يسمع الحق حقا والباطل ~~باطلا، بل يسمع الباطل حقا والحق باطلا، { والبصير والسميع ~~} [هود: 24] البصير الذي يرى الحق حقا ويتبعه، ويرى الباطل باطلا ~~ويجتبيه، والسميع الذي يسمع الحق حقا ويعمل به والباطل باطلا ولا يعمل ~~به، وأيضا البصير من كان الله بصره فبه يبصره، والسميع من كان الله سمعه ~~فيسمع به، ومن أبصر بالله لا يبصر غير الله، ومن سمع بالله لا يسمع إلا ~~من الله، { هل يستويان مثلا أفلا تذكرون } [هود: 24] ~~أي: أفلا تتذكرون يوم الميثاق إن كنتم تسمعون خطاب: # ألست بربكم # [الأعراف: 172] بالله من الله تصبرونه به وتعرفونه به وتحبونه به. ms0796 ### || [11.25-28] # ثم أخبر عن قوم عموا وصموا بقوله تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا ~~} [هود: 25] أي: نوح الروح، { إلى قومه } [هود: 25] وهم القلب ~~والنفس والبدن، { إني لكم نذير مبين } [هود: 25] أي: منذر ~~بالحقيقة، { أن لا تعبدوا إلا الله } [هود: 26] أي: لا ~~تعبدوا الدنيا وشهواتها والآخرة ودرجاتها، فإن عبادة الله مهما كانت ~~معلولة بشيء من الدنيا والآخرة فإنه عبد ذلك الشيء لا الله على الحقيقة، ~~{ إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم } [هود: 26] وهو ~~يوم القطيعة عن الله، وعذاب الفرقة شديد، وألم البعد عظيم، { فقال ~~الملأ الذين كفروا من قومه } [هود: 27] وهم القلب والنفس ~~والهوى والطبيعة البشرية. # { ما نراك إلا بشرا مثلنا } [هود: 27] أي: مخلوقا ~~محتاجا مثلنا، وفيه إشارة أخرى وهي النفس سفلية وطبعها سفلي ونظرها ~~سفلي، والروح علوي ولها طبع علوي، فالروح العلوي من خصائصه دعوة غيره إلى ~~عالمه؛ لأنه بنظره العلوي يرى شرف العلويات وعزتها، ويرى السفليات وخستها ~~وذلتها، فمن طبعه العلوي يدعو السفلي إلى العلويات، والنفس السفلي بنظرها ~~السفلي لا ترى العلويات ولا تميل بطباعها السفلية إلى العلويات؛ بل تميل ~~إلى السفليات وترى بنظرها السفلي كل شيء سفليا فتدعو غيرها إلى عالمها، ~~فمن هاهنا ترى الروح العلوي بنظر المثلية، فكذلك صاحب هذه النفس يرى صاحب ~~الروح العلوي بنظر المثلية فيقول: { ما نراك إلا بشرا ~~مثلنا } [هود: 27] فلهذا ينظرون إلى الأنبياء ولا ترضيهم النبوة؛ بل ~~يرونهم بنظر الكذب والسحر والجنون، ويرون أتباع الأنبياء بنظر الحقارة ~~كما قالوا: { وما نراك اتبعك إلا الذين هم ~~أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من ~~فضل بل نظنكم كاذبين } [هود: 27]. # فأما الأراذل من أتباع الروح والبدن وجوارحه الظاهرة، فإن الغالب على ~~الخلق أن البدن يقبل دعوة الروح، ويستعمل الجوارح بالأعمال الشرعية؛ ولكن ~~النفس الأمارة تكون على كفرها ولا تخلي البدن أن يستعمل بالأعمال الشريعة ~~الدينية إلا لغرض فاسد ومصلحة دنيوية كما هو المعتاد لأكثر الخلق. # قال: { قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ~~ربي } [هود: 28] برهان من شواهد الحق؛ { وآتاني رحمة من ~~عنده } [هود: 28] موهبة ms0797 مواهب الحق ونورا يهتدي به، { فعميت ~~عليكم } [هود: 28] وهي أن النفس بمعزل من رؤية الحق وآياته ومواهبه ~~وشواهده، { أنلزمكموها } [هود: 28] أي: أنلزمكم رؤيتها، { ~~وأنتم لها كارهون } [هود: 28] وهي أن النفس كارهة بطبعها لطلب ~~المقامات العلية والأحوال السنية. ### || [11.29-32] # { ويقوم لا أسألكم عليه } [هود: 29] أي: على دعوتكم من ~~السفليات إلى العلويات وجوار رب العالمين، { مالا } [هود: 29] مما ~~يميلون إليه من الشهوات السفلية؛ لأنها ليست من مشاربه، { إن أجري ~~إلا على الله } [هود: 29] لما دون مشربي هو الواردات الإلهية ~~والشواهد الربانية، { ومآ أنا بطارد الذين آمنوا ~~إنهم ملاقوا ربهم } [هود: 29] يشير إلى أن النفس من طبعها ~~أنها تنادي من استعمال البدن وجوارحه في تكاليف الشرع فيستدعي من الروح ~~ويقول: أتريد أن أؤمن بك وأتخلق بأخلاقك، فامنع البدن وجوارحه من استعمال ~~الشرعية فيجتنبها الروح ويقول: { ومآ أنا بطارد } مانع الذين ~~آمنوا من البدن وجوارحه من استعمال الشرعية؛ لأنهم اعتقدوا { إنهم ~~ملاقوا ربهم } بالعين التي هي ناظر بهم وهي مستفادة من رؤية ~~الحق من الأنوار المودعة في أعمال الشريعة. # { ولكني أراكم } [هود: 29] يا نفس الهوى والطبيعة، { ~~قوما تجهلون } [هود: 29] لا تقبلون بجهلكم دعوة قبلها البدن ~~وجوارحه في العبودية للرجوع إلى حضرة الربوبية والاستعداد بالرؤية. # { ويقوم من ينصرني من الله إن طردتهم } [هود: 30] ~~أي: من يمنعني من عذاب الله وقهره إن منعت البدن من الطاعة والعبودية، ~~واقتصر على تجرد يقين النفس وتخلقها بأخلاق الروح كما هو معتقد أهل ~~الفلاسفة وأهل الإباحة بأن يقولوا: إن أصل العبودية معرفة الربوبية ~~وجمعية الباطن والتحلية بالأخلاق الحميدة، فلا عبرة للأعمال البدنية ~~كذبوا الله ورسوله فضلوا وأضلوا كثيرا، وإن القول ما قال المشايخ: ~~الظاهر عنوان الباطن، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يستقيم إيمان أحدكم حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم ~~لسانه، ولا يستقيم لسانه حتى تستقيم أعماله " # يعني: أركان الشريعة على جوارحه. # { أفلا تذكرون } [هود: 30] أن جمعية الباطن واستقامة الإيمان ~~من نتائج استعمال الشريعة في الظاهر، والجمعية الحقيقية في الباطن هي ~~المتولدة من الأنوار المودعة في ms0798 أركان الشرع تسري إلى الباطن عن استعمال ~~الشريعة في الظاهر وإن الله تعالى أودع النور في الشرع والظلمة في الطبع، ~~وإنما بعث الأنبياء ليخرجوا الخلق من ظلمات الطبع إلى نور الشرع، فافهم ~~جدا. # { ولا أقول لكم عندي خزآئن الله } [هود: 31] يعني: ~~المواهب المخزونة المكنونة عند الله في الغيب، { ولا أعلم ~~الغيب } [هود: 31] أي: وما أنا بقادر على ما في الغيب المعنى ليس في ~~هذه الأشياء لأدعوكم إلى نفسي وأدعوكم إلى اتباعي بها، { ولا أقول ~~إني ملك } [هود: 31] لا أحتاج في الاستكمال إلى البدن وجوارحه، { ~~ولا أقول للذين تزدري أعينكم } [هود: 31] أي: البدن ~~وجوارحه الذين تنظرون إليهم بنظر الحقارة، { لن يؤتيهم الله ~~خيرا } [هود: 31] أي: استعدادا لتحصيل الدرجات العلوية إذ هم مخلوقون ~~من السفليات، { الله أعلم بما في أنفسهم } [هود: 31] ~~أي: في نفس كل جارحة من استعداد تحصيل الكمال. # { إني إذا لمن الظلمين } [هود: 31] أي: منعتهم عن ~~العبودية، { قالوا ينوح } أي: يا روح، { قد جادلتنا ~~فأكثرت جدالنا } في طلب الحق ووعدتنا العذاب على رد الدعوة، { ~~فأتنا بما تعدنآ } من العذاب، { إن كنت من الصادقين ~~} [هود: 32]. ### || [11.33-38] # { قال إنما يأتيكم به الله إن شآء } [هود: 33] فيه ~~إشارة بهم إلى أن وقوع العذاب بمشيئة الله لا بالأعمال الموجبة للوقوع، { ~~ومآ أنتم بمعجزين } [هود: 33] أي: بمعجزي الله أن يأتيكم ~~العذاب في الدنيا والآخرة، { ولا ينفعكم نصحي إن أردت ~~أن أنصح لكم إن كان الله يريد } [هود: 34] في الأزل، { ~~أن يغويكم } [هود: 34] إشارة إلى أن نصح الأنبياء ودعوتهم لا يفيد ~~الهداية مع إرادة الله الغواية. # { هو ربكم } [هود: 34] أي: استعداد، # ما شآء ركبك # [الانفطار: 8] أي: صفة من السعادة التي أراد بكم ربكم، { وإليه ~~ترجعون } [هود: 34] على طريق السعادة والشقاوة كما شاء في الأزل، { ~~أم يقولون } [هود: 35] النفس والهوى والطبيعة، { افتراه } ~~[هود: 35] الروح، هذه المعاني من عنده. # { قل إن افتريته فعلي إجرامي } [هود: 35] أي: إجرام ~~افترائي، { وأنا بريء مما تجرمون } [هود: 35] من ~~التكذيب، وفيه إشارة إلى أن ذنوب النفس لا تنافي صفاء الروح ولا يكدرها ~~ما ms0799 كان الروح متبرئا من ذنوب النفس متأسفا على معاملات النفس وتتبع ~~هواها. # ثم أخبر عن أهل الإيمان وأهل الخذلان بقوله تعالى: { وأوحي إلى ~~نوح } [هود: 36] أي: نوح الروح، { أنه لن يؤمن من قومك } ~~[هود: 36] وهم القلب وصفاته، والسر والنفس وصفاتها، والبدن وجوارحه، { ~~إلا من قد آمن } [هود: 36] من خواص العباد وهم: القلب وصفاته، ~~والسر وصفات النفس والبدن وجوارحه، فأما النفس فإنها لا تؤمن أبدا ~~اللهم إلا نفوس الأنبياء - عليهم السلام - وخواص الأولياء، فإنها تسلم ~~أحيانا دون الإيمان وحال النفوس كأحوال الأعراب كقوله تعالى: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم # [الحجرات: 14] فإن معدن الإيمان القلوب ومظهر الإسلام النفوس؛ لأن ~~الإسلام الحقيقي الذي قال تعالى فيه: # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه # [الزمر: 22] وهو ضوء قد انعكس من مرآة القلب المنور بنور الإيمان، ~~وأما إسلام الأعراب إذ قال تعالى لهم: # ولما يدخل الإيمان في قلوبكم # [الحجرات: 14] لم يكن ضوء منعكسا من مرآة القلب المنور، ولكن هو ضوء ~~منعكس من النور المودع في كلمة التوحيد والشهادتين والأعمال الصالحة ~~المشروعة عند إتيانها بالصدق. # فاعلم أن إيمان الخواص ينزل من الحق تعالى بنظر عناية القلوب القابلة ~~للفيض الإلهي بلا واسطة، وإيمان العوام يدخل في قلوبهم من طريق الإقرار ~~باللسان والعمل بالأركان، { فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ~~} [هود: 36] نفوس السعداء من أعمال الشر، فإنها لهم كالجسد للإكسير ينقلب ~~ذهبا مقبولا عند طرح الروح عليها، كذلك تنقلب أعمال الشر خيرا عند طرح ~~التوبة عليها. # كما قال تعالى: # فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات # [الفرقان: 70] ولا تبتئس على نفوس الأشقياء بما كانوا يفعلون؛ لأنها حجة ~~الله على شقاوتهم وبتلك السلاسل يسبحون في النار على وجوههم. # { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } [هود: 37] أي: اتخذ ~~يا نوح الروح سفينة الشريعة بنظرنا لا بنظرك، فإن نظرك تبع الحواس يبصر ~~ظاهرها، ويفعل عن حقائقها وأسرارها وحكمها ومعانيها، فتجرد عن آفات ~~الحواس والوهم والخيال والنفس وصفاتها والعقل المنسوب بها؛ لتستحق تزكية ~~النفس تحليها ms0800 الإلهامات الربانية بفجور النفس وتقواها؛ لتكون سفينة ~~الشريعة معمولة لنجاة راكبها من طوفان النفس والدنيا. # { ولا تخاطبني في الذين ظلموا } [هود: 37] أي: النفوس ~~فإن الظالم شيمتها، # إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]؛ لأنها تضع الأشياء في غير موضعها تضع عبادة الحق في ~~هواها والدنيا وشهواتها، وهذا الخطاب يحسم مادة الطمع من إيمان النفوس، ~~وفيها حكمة يطول شرحها، ومنها ترقي أهل الكمالات إلى الأبد، فافهم جدا. # وإن النفس ممكر مكر الحق حتى لا يأمن منها وصفاتها، { إنهم ~~مغرقون } [هود: 37] في طوفان الفتن إلا من سلمه الله منه، والسلامة ~~في ركوب سفينة الشريعة فإن نوح الروح إن لم يركبها كان من المغرقين. # { ويصنع الفلك } [هود: 38] أي: عند تركيب أركان سفينة الشريعة ~~واستعمالها، { وكلما مر عليه ملأ من قومه } [هود: ~~38] وهم النفس وهواها وصفاتها، { سخروا منه } [هود: 38] أي: ~~استعمال أركان الشريعة الظاهرة، فإنها بمعزل عن أسرارها وأنوارها، { ~~قال } [هود: 38] يعني: نوح الروح، { إن تسخروا منا } [هود: ~~38] بجهلكم عن فائدة هذه السفينة، { فإنا نسخر منكم } [هود: ~~38] إذ نجونا وهلكتم لعلمنا بها وجهلكم بها، { كما تسخرون } [هود: ~~38] منا بجهلكم بها. ### || [11.39-44] # { فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه } [هود: 39] ~~أي: عذاب القطيعة أن يبعده عن الحق، { ويحل عليه عذاب ~~مقيم } [هود: 39] أي: عذاب الفرقة الأبدية. # { حتى إذا جآء أمرنا } [هود: 40] وهو حد البلاغة التي يكون ~~العبد مأمورا بالركوب على سفينة الشريعة، { وفار التنور } [هود: ~~40] أي: يفور ماء الشهوة من تنور القالب { قلنا احمل فيها من ~~كل } [هود: 40] في سفينة الشريعة، { من كل } صفة من صفات النفس، { ~~زوجين اثنين } [هود: 40] أي: كل صفة وزوجها كالشهوة وزوجها ~~العفة، والحرص وزوجه القناعة، والبخل وزوجه السخاوة، والغضب وزوجه الحلم، ~~والحقد وزوجه السلامة، والعداوة وزوجها المحبة، والتكبر وزوجه التواضع، ~~والتأني وزوجه العجلة. # { وأهلك } [هود: 40] أي: واحمل معك أهلك صفات الروح { إلا من ~~سبق عليه القول } [هود: 40] من النفس، { ومن آمن } [هود: ~~40] أي: آمن معك من القلب والسر { ومآ آمن معه } [هود: 40] ~~غالبا، { إلا قليل } [هود: 40] من صفات القلب فيه إشارة إلى أن ms0801 كل ~~ما كان من هذه الصفات وأزواجها في معزل عن سفينة الشريعة فهو غريق في ~~طوفان الفتن، وهذا رد على الفلاسفة والإباحية فإنهم يعتقدون أن من أصلح ~~أخلاقها الذميمة وعالجها بضدها من الأخلاق الحميدة فلا يحتاج إلى الركوب ~~في سفينة الشرع ولا يعلمون أن الإصلاح والعلاج إذا صدرا من طبيعة لا يفيد ~~أن النجاة؛ لأن الطبيعة لا تعلم كيفية الإصلاح والعلاج ولا مقدار تزكية ~~النفس وتحليتها، وإن كانت الطبيعة واقفة على صلاح النفس وفسادها لعالجها ~~في ابتداء أمرها وما كانت النفس محتاجة إلى طبيب عالم بالأمراض ومعالجتها ~~وهم الأنبياء - عليهم السلام - حيث قال: # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا ~~عليهم آياته # [الجمعة: 2] ليعلموا المرض من الصحة والداء من الدواء. # ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة # [الجمعة: 2] فبالتزكية عن الصفات الطبيعية يستحقون تحلية أخلاق الشريعة ~~الربانية. # { وقال اركبوا فيها } [هود: 41] وهذا الأمر بالركوب يشير إلى ~~كشف سر من أسرار الشريعة وهو أن من ركب سفينة الشرع لا بالطبع وتقليد ~~الآباء والمعلمين لم تنفعه النجاة بالحقيقة، كما ركب المنافقون بالطبع لا ~~بالأمر فلم ينفعهم، وكما ركب إبليس بالطبع في سفينة نوح فلم ينفعه، وإنما ~~النجاة لمن ركب فيها بالأمر وتحفظ أدب المقام بقوله: { بسم الله ~~مجريها ومرساها } [هود: 41] أي: يكون مجراها من الله ومرساها ~~إلى الله، كقوله تعالى: # وأن إلى ربك المنتهى # [النجم: 42]، { إن ربي لغفور } [هود: 41] بالنجاة لمن ركبها ~~بالأمر لا بالطبع، { رحيم } [هود: 41]. # { وهي تجري } [هود: 42] يعني: سفينة الشريعة، { بهم } [هود: ~~42] بمن ركبها بالأمر، { في موج } [هود: 42] أي: موج الفتن، { ~~كالجبال } [هود: 42] من عظمتها، { ونادى نوح } [هود: 42] ~~الروح، { ابنه } [هود: 42] كنعان النفس المتولدة بينه وبين القلب، { ~~وكان في معزل } [هود: 42] من معرفة الله وطلبه، { يبني ~~اركب معنا } [هود: 42] سفينة الشريعة { ولا تكن مع ~~الكافرين } [هود: 42] من الشياطين المتمردة والأبالسة الملعونة ~~المطرودة، { قال } [هود: 43] يعني: كنعان النفس، { سآوي إلى ~~جبل } [هود: 43] أي: جبل العقل، { يعصمني من المآء } [هود: ~~43] من ماء الفتن. # قوله: { قال لا عاصم اليوم من أمر الله } [هود: 43] ~~يعني: ms0802 إذا نبع ماء الشهوات من أرض البشرية ونزول ماء ملاذ الدنيا وفتنها ~~من سماء القضاء لا يتخلص منه بسفينة الشريعة فلا عاصم منه غيرها، وذلك ~~قوله: { إلا من رحم } [هود: 43] أي: رحمه الله بالتوفيق للاعتصام ~~بسفينة الشريعة، { وحال بينهما الموج } [هود: 43] أي: بين ~~كنعان النفس المعتصم بجبل العقل وبين العقل موج الشهوات النفسانية ~~الحيوانية وفتن زخارف الدنيا، { فكان من المغرقين } [هود: 43] ~~يعني: كل نفس لا تعتصم بسفينة الشريعة وتريد أن تعتصم بجبل العقل لتتخلص ~~به من طوفان الفتن المهلكة كما هو حال الفلاسفة لا يتهيأ له متمناه وهو ~~من الهالكين. # ثم أخبر عن حالة من ركب سفينة الشريعة بقوله: { وقيل يأرض ~~ابلعي مآءك } [هود: 44] ماء شهواتها، { ويسمآء } [هود: 44] ~~الفضاء، { أقلعي } [هود: 44] عن إنزال مطر الآفات، { وغيض ~~المآء } [هود: 44] أي: ماء الفتن أي: نقض ظلمتها بنور الشرع وسكنت ~~سورتها، { وقضي الأمر } [هود: 44] أي: انقضى ما كان مقدار من ~~طوفان الفتن للابتلاء والتربية، { واستوت } [هود: 44] أي: سفينة ~~الشريعة، { على الجودي } [هود: 44] وهو مقام التمكين يعني: أيام ~~الطوفان كانت مقام التكوين في معرض الآفات والهلاك، فلما مضت تلك الأيام ~~إلى الأمر إلى مقام التمكن وفيه النجاة والثبات ونيل الدرجات، { وقيل ~~بعدا } [هود: 44] أي: فرقة وهلاكا، { للقوم الظالمين } ~~[هود: 44] الذين ظلموا أنفسهم بالتقاعد عن ركوب الشريعة. ### || [11.45-49] # ثم أخبر عن آفة الطبيعة مع أهل الشريعة بقوله تعالى: { ونادى نوح } ~~[هود: 45] أي: نوح الروح، { ربه فقال رب إن ابني } [هود: ~~45] أي: النفس المتولدة من ازدواج الروح والقالب، { من أهلي وإن ~~وعدك الحق } [هود: 45] وذلك أن الله تعالى لما أراد بحكمته أن ~~ينزل الأرواح المقدسة العلوية من أعلى عليين جواره، وقربه إلى أسفل ~~سافلين القلب قالت أرواح الأنبياء والأولياء وخواص المؤمنين: يا ربنا ~~وإلهنا تنزلنا من أعلى مقامات قربك إلى أسفل دركات بعدك، ومن عالم البقاء ~~إلى عالم الفناء، ومن دار السرور واللقاء إلى دار الحزن والبلاء، ومن ~~منزل التجرد والتواصل إلى منزل التوالد والتناسل، ومن رتبة الاصطفاء ~~والاجتباء إلى مرتبة الاجتهاد والابتلاء، فوهبهم الله من ms0803 عواطف إحسانه ~~بأن ينجيهم وأهليهم من ورطات الهلاك، فكان من قضية حكمته أن يكون لنوح ~~عليه السلام أربعة بنين: ثلاثة منهم مؤمنون وواحد كافر، فكذلك حكم أن ~~يكون للروح أربعة بنين: ثلاثة منهم مؤمنون وهم: القلب والسر والعقل، ~~وواحد كافر وهو النفس، فكما كان ثلاثة من بني نوح معه في السفينة، وكان ~~واحد في معزل منه، فكذلك ثلاثة من بني الروح معه كانوا معه في سفينة ~~الشريعة وكان واحد وهو كافر النفس في معزل منه من الدين والشريعة، فلما ~~أشرف ولده الكافر على الغرق في بحر الدنيا وطوفان الآخرة. # { رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت ~~أحكم الحاكمين } [هود: 45] يعني: فإن أنجيته أو أغرقته أنت أعدل ~~العادلين فيما تفعل؛ لأنك حكيم وأحكم الحكماء لا تخلو أفعالك من حكمة ~~وعدل أنت أعلم بها. # { قال } [هود: 46] أي: الرب تعالى للروح، { ينوح إنه ليس ~~من أهلك } [هود: 46] أي: من أهل دينك وملتك والأهلية على نوعين: ~~أهلية القرابة والدين وما نفى أهلية القرابة لتولدها من الروح ثم أظهر ~~علة نفي الأهلية الدينية فقال: { إنه عمل غير صالح } [هود: ~~46] أي: خلق الأمارية بالسوء وهذه سيرتها أبدا، ثم أدب الروح آداب أهل ~~القربة فقال: { فلا تسئلن ما ليس لك به علم } [هود: ~~46] أي: علم حقيقي بأن يجوز أهل القربة على بساط القرب هذا الانبساط { ~~إني أعظك } [هود: 46] يا روح القدس { أن تكون } [هود: 46] ~~أي: على البساط بهذا الانبساط. # { من الجاهلين } أي: من النفوس الجاهلة الظالمة، وفيه إشارة إلى ~~أن الروح العالم العلوي يصير بمتابعة النفس وهواها جاهلا سفلي الطبع ~~دنيء الهمة، { قال } [هود: 47] أي: الروح { رب إني أعوذ بك ~~أن أسألك ما ليس لي به علم } [هود: 47] من التماس نجاة ~~النفس الممتحنة بآفات الدنيا وشهواتها من طوفان الفتن، { وإلا ~~تغفر لي } [هود: 47] تؤدبني بأنوار المغفرة { وترحمني } ~~[هود: 47] على عجزي عن الاهتداء بغير هداك { أكن من الخاسرين } ~~[هود: 47] يشير إلى الرحمة وهي المانعة للروح من الخسران. # { قيل ينوح } [هود: 48] أي: نوح الروح، { اهبط } [هود: 48] إنزل ms0804 ~~من سفينة الشريعة وتحمل تكاليفها عند مفارقة الجسد وخلاص طوفان النفس، { ~~بسلام منا وبركات عليك } [هود: 48] السلام: هو النجاة، ~~والبركات: هي الدرجات، { وعلى أمم ممن معك } [هود: 48] في ~~سفينة الشريعة من القلب والسر والنفس والعقل، { وأمم } [هود: 48] أي: ~~النفوس التي لم تكن مع الروح في سفينة الشريعة، { سنمتعهم } ~~[هود: 48] من الحظوظ النفسانية الدنيوية، { ثم يمسهم منا } ~~[هود: 48] من بعدنا، { عذاب أليم } [هود: 48] تمنعها من الحظوظ، ~~وتمرنها على الانقياد. # ثم أخبر أن هذه الإشارات في تربية الروح والنفس في بيان حالها وفساد ~~أمرها أمور غيبية فقال: { تلك من أنبآء الغيب نوحيهآ ~~إليك } [هود: 49] يا محمد، { ما كنت تعلمهآ أنت ولا ~~قومك من قبل هذا } [هود: 49] أي: من قبل أن أشرنا بها إليك ~~وعلمناكها، { فاصبر } [هود: 49] على تربية الروح والنفس على ما أشرنا ~~به إليك، { إن العاقبة } [هود: 49] أي: الخاتمة الحسنة، { ~~للمتقين } [هود: 49] لمن اتقى عن طوفان فتن الدنيا والنفس والهوى ~~بسفينة الشريعة عن تشييد هذه القاعدة. ### || [11.50-53] # وتأكيد هذه الفائدة بقوله تعالى: { وإلى عاد أخاهم هودا } ~~[هود: 50] القصة، { وإلى عاد أخاهم هودا } [هود: 50] يشير ~~بهود إلى القلب، وبعاد إلى النفس وصفاتها، فإن القلب أخو عاد النفس؛ ~~لأنها قد تولد من ازدواج الروح والقالب، والمعنى: إنا أرسلنا هود القلب ~~إلى عاد النفس كما أرسلنا نوح الروح إلى قومه، وبهذا المعنى يشير إلى أن ~~القلب قابل لفيض الحق تعالى، كما أن الروح قابل لفيضه. # { قال يقوم اعبدوا الله } [هود: 50] يشير إلى أن النفس ~~وصفاتها أن يتوجهوا لعبودية الحق وطلبه، { ما لكم من إله ~~غيره } [هود: 50] أي: ليس لشيء دونه استحقاق معبوديتكم ومحبوبيتكم ~~ومطلوبيتكم، { إن أنتم إلا مفترون } [هود: 50] فيما تتخذون ~~الهوى والدنيا معبودا ومطلوبا، { يقوم لا أسألكم عليه ~~أجرا } [هود: 51] أي: على تبليغ ما أنزلنا إليكم؛ لا أطلب منكم أجرا ~~من ثناء الخلق والجاه عندهم، وأمثال هذا مما يتعلق بمشارب النفس؛ لأنه ~~ليس من مشرب القلب، { إن أجري إلا على الذي فطرني } ~~[هود: 51] مما يتعلق بلوامع النورانية وطوالع الروحانية وشواهد الربانية، ~~فإنها من ms0805 مشارب القلوب، { أفلا تعقلون } [هود: 51] أن مشربي غير ~~مشربكم. # { ويقوم استغفروا ربكم } [هود: 52] أي: اطلبوا منه ~~المغفرة، فإنها صفة من صفاته، { ثم توبوا إليه } [هود: 52] ~~أي: بمعاونة صفة المغفرة ارجعوا إلى حضرة الربوبية، فإن السير إليه لا ~~يمكن إلا به كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # سبحان الذى أسرى بعبده # [الإسراء: 1]. # { يرسل السمآء عليكم مدرارا } [هود: 52] أي: إذا ~~رجعتم به إليه يرسل عليكم مطر أصناف الألطاف الإلهية وأنوار الفيض ~~الربانية مدرارا من سحاب العناية، { ويزدكم قوة } [هود: 52] ~~التأييد الرباني، { إلى قوتكم } [هود: 52] من أنوار الإيمان، { ~~ولا تتولوا } [هود: 52] عن الحق وطلبه، { مجرمين } [هود: ~~52] في طلب غيره يشير إلى صدق التوجه وثبات قدم الطلب، { قالوا } ~~[هود: 53] أي: النفس وصفاتها. # { يهود } [هود: 53] أي: يا قلب، { ما جئتنا ببينة } [هود: ~~53] برهان نستدل به على ما يقول إنه الحق وهو طريق الحق، وبه يتوصل إلى ~~الحق والبرهان، واردات ترد على القلوب من علام الغيوب فتعجز النفس عن ~~تكذيبها لصدمات سطواتها، وكل نفس لم يأت القلب إليها بهذا البرهان لا ~~تتابع القلب، وتقول: { ما جئتنا ببينة وما نحن ~~بتاركي آلهتنا } [هود: 53] من الشهوات والمستلذات الحيوانية. # { عن قولك } [هود: 53] أي: بمجرد قولك من غير التأييد الرباني ~~ودلائل البرهان، { وما نحن لك بمؤمنين } [هود: 53] بمصدقين ~~بالبرهان. ### || [11.54-60] # { إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء } [هود: ~~54] أي: ما نقول في سبب دعوتنا إلى غير مشاربنا لك إلا بعض مشتهياتنا ~~تبعك في الطلب وعز عليك تحصيله، فأردت أن تترك مشاربنا ونطلب مشاربك، { ~~قال } [هود: 54] أي: القلب في الجواب، { إني أشهد الله ~~واشهدوا } [هود: 54] أنتم أيضا، { أني بريء مما ~~تشركون } [هود: 54] { من دونه } [هود: 55] أي: بريء من المشارب ~~كلها غير مشرب يسقيني فيه الله عز وجل من شراب طهور يطهرني من لوث الحدث. # ثم قال: { فكيدوني جميعا } [هود: 55] يا نفس الهوى والشيطان ~~والدنيا، فيها إشارة إلى أن النفس وأخواتها في كيد القلب على الدوام ~~والقلب المؤيد بالتأييد الرباني لا يبالي بكيدهم، وأنه متوكل على الله في ~~جميع ms0806 الحالات متظهر به حتى يقول: { ثم لا تنظرون } [هود: 55] ~~فيما تقدرون في كيدي وعداوتي، { إني توكلت على الله ربي ~~وربكم } [هود: 56] أي: هو الذي يربيني على طلب الحق، ويربيكم على ~~طلب الباطل، { ما من دآبة } [هود: 56] تدب في طلب الخير والشر، { ~~إلا هو آخذ بناصيتهآ } [هود: 56] يجرها بها إلى الخير والشر ~~وهي في قبضة قدرته مذللة. # { إن ربي على صراط مستقيم } [هود: 56] في إصلاح أهل ~~الخير وإفساد أهل الشر، وفيه إشارة أخرى: { إن ربي على صراط ~~مستقيم } يدل طالبيه به عليه بقوله: من طلبه فليطلبه على صراط ~~مستقيم الشريعة على أقدام الطريقة، فإنه يصل إليه بالحقيقة، وأيضا يعني: ~~الصراط المستقيم هو الذي ينتهي إليه لا إلى غيره كقوله: # وأن إلى ربك المنتهى # [النجم: 42]، { فإن تولوا } [هود: 57] طالبو غير الله عن طلب ~~الله قل يا قلب. # { فقد أبلغتكم } [هود: 57] بالإلهام، { مآ أرسلت به ~~إليكم } [هود: 57] من دعوتكم إلى الحق أي: فإن لم تستجيبوا لي فيما ~~دعوتكم إليه وهو طلب الكمال لاستحقاق الخلافة التي خلق الخلق لأجلها كما ~~قال: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة: 30] يجعل الله تعالى خلافته في مستحقيها، { ويستخلف ~~ربي قوما } [هود: 57] مستحقين لها، { غيركم } [هود: 57] وهو ~~الروح والسر والقلب. # { ولا تضرونه شيئا } [هود: 57] أي: لمن يجعله الله خليفة، { ~~إن ربي على كل شيء حفيظ } [هود: 57] ليحفظه في خصوصيته ~~السيئة لا يقدر أحد على تغييرها، فلا يقدروا أهل الشقاوة على تغيير سعادة ~~أهل السعادة، ولا أهل السعادة قادرون على تغير شقاوة أهل الشقاوة؛ لأن ~~كلها محفوظة بحفظ الحق. # { ولما جآء أمرنا } [هود: 58] بالشقاوة لأهل الشقاوة، { ~~نجينا هودا } [هود: 58] القلب، { والذين آمنوا معه } ~~[هود: 58] من الروح وصفاته والبدن وجوارحه، { برحمة منا } [هود: ~~58] بعناية سابقة، { ونجيناهم } [هود: 58] من الشقاوة، { من ~~عذاب غليظ } [هود: 58] فيه إشارة إلى أن العذاب نوعان: خفيف وغليظ، ~~فالخفيف: هو عذاب الشقاوة المقدرة قبل خلق الخلق، والغليظ: هو عذاب الشقي ~~بشقاوة معاملات الأشقياء التي تجري عليه مع شقاوته المقدرة له قبل ~~الوجود. # ثم أخبر عن عاد النفس المخلوقة ms0807 على الجحود لا تغيرها الآيات وشهودها، ~~فقال: { وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا ~~رسله } [هود: 59] أي الروح والقلب والسر، فإنهم رسل الحق إلى النفس ~~والبدن، { واتبعوا أمر كل جبار } [هود: 59] على الحق، { ~~عنيد } [هود: 59] عاند الحق؛ لأنها مجبولة عليها لسر عظيم وشأن جسيم، ~~{ وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة } [هود: 60] بالطرد عن ~~الحضرة إلى طلب شهوات الدنيا ونصيب وجدانها وتعب فقدانها، { ويوم ~~القيامة } [هود: 60] بالبعد والخسران والحرمان وعذاب النيران، { ~~ألا إن عادا } [هود: 60] أي: النفس وصفاتها، { كفروا ~~ربهم } [هود: 60] بأن آمنوا بغيره وطلبوه وأعرضوا عن الله وطلبه، { ~~ألا بعدا } [هود: 60] وطردا وفرقة وقطيعة وحسرة، { لعاد } ~~[هود: 60] النفس، { قوم هود } [هود: 60] أي: هم قوم لم يقبلوا نصيحة ~~هود القلب، وما تركوا مشاربهم الدنيوية الفانية وتركوا مشارب القلب ~~الدينية الباقية. ### || [11.64-68] # ثم أخبر عن تأكيد هذه المعاني وتشييد هذه المباني بقوله تعالى: # وإلى ثمود أخاهم صالحا # [هود: 61] والإشارة فيه ما سبق ذكره في قصة هود وعاد إلى قوله: { ~~ويقوم هذه ناقة الله لكم آية } [هود: 64] يشير ~~بالناقة إلى ما أخرج الله له بضرب عصا صالح القلب وهي عصا الذكر على صخرة ~~السر من ناقة عشراء، وهو حكمة الله تعالى تضع في الحال فصيل تفصيل الدين ~~وأحكامه، وهي آية يستدل بها على حكيم هذه الحكمة. # { فذروها تأكل في أرض الله } [هود: 64] أرض البشرية عشب ~~صفاتها ونبات خواطرها ودواعيها وتشرب من مشارب ثمود النفس شهواتها يوم ~~وردها عند غلبات واردات ويحلبون لبنها لبن الأسرار والمعاني مثل الذين ~~كنتم تشربون من ماء الشهوات يوم عيشها؛ يعني: عند عدم غلبات الواردات، ~~وهو عبارة عن حال الصحو والسكر والستر والتجلي. # { ولا تمسوها بسوء } [هود: 64] أي: لا تنحروا ناقة الحكمة ~~بحربة معاملات الجهالة، { فيأخذكم عذاب قريب } [هود: 64] ~~وهو عذاب الجهل الذي يحصل في الحال عند انعدام الحكمة، فإنه إيذاء أردأ ~~من الجهل، { فعقروها } [هود: 65] يشير إلى ثمود النفس الأمارة ~~بالسوء فمسوها بسوء، { فقال } [هود: 65] صالح القلب، { تمتعوا ~~في داركم } [هود: 65] أي: الدنيا، فإنها مسكن النفس ومقرها. # { ثلاثة أيام } [هود: ms0808 65] اليوم الأول: هو يوم الجهل وفيه تصفر ~~الوجوه، واليوم الثاني: هو يوم الغفلة وفيه تحمر الوجوه، واليوم الثالث: ~~هو يوم الدين والختم على القلوب وفيه تسود الوجوه، { ذلك وعد ~~غير مكذوب } [هود: 65] لأن وقوعه بالبعد في الحال، { فلما ~~جآء أمرنا } [هود: 66] بالعذاب. # { نجينا صالحا } [هود: 66] أي: صالح القلب، { والذين ~~آمنوا معه } [هود: 66] من الروح والسر وغيرهما من البدن وجوارحه، { ~~برحمة منا } [هود: 66] وهي توفيق أعمال النجاة، { ومن خزي ~~يومئذ } [هود: 66] أي: نجيناهم من الهلاك هلاك الدين ومن خزي يوم ~~القيامة، { إن ربك } [هود: 66] الذي يربيك يا قلب، { هو ~~القوي } [هود: 66] على تربيتك وحفظك من آفة الهلاك والفساد، { ~~العزيز } [هود: 66] في تقوية أهل العزة وتربيتهم. # { وأخذ الذين ظلموا } [هود: 67] وضعوا عبادة الله ومحبته في ~~غير موضعها من الدنيا والهوى وهو ثمود النفس وصفاتها، { الصيحة } ~~[هود: 67] وهي صاعقة القهر وفيها صوت كل شيء في الأرض أي: صوت تعلق كل ~~شيء من الدنيا وشهواتها جمعت فعادت صاعقة القهر، { فأصبحوا في ~~ديارهم } [هود: 67] وهي أسفل السافلين الطبيعة. # { جاثمين } [هود: 67] هالكين؛ { كأن لم يغنوا فيهآ } ~~[هود: 68] كأن لم يفهموا فيها سالمين، { ألا إن ثمود } [هود: 68] ~~ثمود النفس، { كفروا ربهم } [هود: 68] ستروا الحق بالباطل. # { ألا بعدا } [هود: 68] طردا ولعنا، { لثمود } [هود: 68] ~~النفس عن الحضرة في قول النبي صلى الله عليه وسلم إشارة أي: خلال النفس ~~وصفاتها بعذاب البعد عن صاعقة القهر إلا ما كان في حرم الله تعالى وهو ~~الشريعة يعني: النفس وصفاتها وإن لم تكن آمنت ولكن التجأت إلى حرم ~~الشريعة، آمنت من عذاب البعد فيكون بقدر التجائها في القرب وجوار الحق ~~وهو الجنة، ولهذا قال للنفس المطمئنة: # فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي # [الفجر: 29-30]. ### || [11.69-76] # ثم أخبر عن مظهر اللطف بقوله تعالى: { ولقد جآءت رسلنآ ~~إبراهيم بالبشرى } [هود: 69] الجليل إلى الخليل وبشرى سلام ~~الجليل، { قالوا سلاما } [هود: 69] أي: نبلغك سلاما قولا من رب ~~رحيم، { قال سلام } [هود: 69] أي: علينا سلام الجليل وهذا كما كان ~~حال الحبيب ليلة أسري به قال: # " " السلام عليك أيها النبي ms0809 ورحمة الله وبركاته " قال الحبيب صلى الله ~~عليه وسلم: " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " # والفرق بين الحبيب والخليل أن سلام الحبيب بلا واسطة وسلام الخليل ~~بواسطة الرسل، وفي سلام الحبيب زيادة رحمة الله وبركاته، { فما لبث ~~أن جآء بعجل حنيذ } [هود: 69] تكرمة لسلام الخليل وإعزازا ~~لرسله. # { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم ~~وأوجس منهم خيفة } [هود: 70] ما كان خوف إبراهيم خوف البشرية ~~على نفسه، فإنه حين رمي بالمنجنيق إلى النار ما خاف على نفسه وقال: # أسلمت لرب العالمين # [البقرة: 131] وإنما كان خوفه خوف الرحمة والشفقة على قومه يدل عليه ~~قوله تعالى: { قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم ~~لوط } [هود: 70] أي: ما أرسلنا إلى قومك فكن طيب النفس. # { وامرأته قآئمة } [هود: 71] أي: بالخدمة عليهم، { فضحكت ~~فبشرناها بإسحاق } [هود: 71]، فهذه البشارة لها ما كانت ~~بشارة تتعلق ببشريتها وحيوانيتها، وما كان ضحكها لسرور بحصول الابن الذي ~~هو من زينة الدنيا، وإنما كان ضحكها لسرور نجاة القوم من العذاب، وكان ~~بشارتها نبوة ابنها إسحاق بعد إبراهيم، { ومن ورآء إسحاق ~~يعقوب } [هود: 71] أي: بعد إسحاق يكون يعقوب نبيا، وتكون النبوة في ~~عقبهم إلى عهد خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه يكون من عقب ~~إسماعيل عليه السلام { قالت يويلتى ءألد وأنا عجوز ~~وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب } [هود: 72] ~~أي: على خلاف العادة وعلى خلاف سنة الله التي قد خلت من قبل. # { قالوا أتعجبين من أمر الله } [هود: 73] أي: من قدرة ~~الله، فإن لله تعالى سنة وقدرة، فيجري أمر العوام بمشيئته وأمر الخواص ~~إظهارا للآية والإعجاز بقدرته فأجرى أمركم بقدرته وهي { رحمت ~~الله وبركاته عليكم أهل البيت } [هود: 73] بيت ~~النبوة كرامة لكم. # { إنه حميد } [هود: 73] على ما يجرى في السنة والقدرة، { ~~مجيد } [هود: 73] فيما ينعم به على العوام والخواص، { فلما ~~ذهب عن إبراهيم الروع } [هود: 74] أي: الخوف من هلاك قومه، ~~{ وجآءته البشرى } [هود: 74] بنجاتهم، { يجادلنا في ~~قوم لوط } [هود: 74] لدفع الهلاك عنهم جدال الضعيف مع القوي لا جدال ~~القوي مع ms0810 الضعيف جدال المحتاج الفقير مع الكريم الغني وجدال الرحمة ~~والمعاطفة. # وطلب النجاة للضعفاء والمساكين الهالكين يدل عليه قوله تعالى: { إن ~~إبراهيم لحليم أواه منيب } [هود: 75] أي: كان جلاله ~~لحلمه تأوهه عليهم وأنه مع ذلك منيب راجع إلى الله في جميع أحواله أي: ما ~~تكون بعض أحواله مشوبا بعلة راجعة إلى حفظ نفسه، بل كلها الله وبالله ~~وإلى الله، { يإبرهيم أعرض عن هذآ } [هود: 76] أي: عن ~~هذا الجلال بالحلم والرحمة على غير أهل الرحمة، { إنه قد جآء ~~أمر ربك } [هود: 76] أي: حكم ربك وقضائه الأزلي فإنه لا راد لحكمة ~~وقضائه، { وإنهم آتيهم عذاب غير مردود } [هود: 76] ~~بدعا أحد ولا شفاعة أحد وإنك مأجور مشوب فيما جادلتنا لنجاتهم، وهذا ~~كمال النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء ". ### || [11.77-80] # { ولما جآءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ~~ذرعا } [هود: 77] أي: أحزنه مجيئهم وضاق قلبه؛ لأنهم جاءوا لإهلاك ~~قومه كان مجيئهم إبراهيم بشارة لنجاة قومه من الهلاك، وللوط هما وحزنا ~~لهلاك قومه بالعذاب، { وقال هذا يوم عصيب } [هود: 77] لأنه ~~كان فيه قطع الرجاء عن إيمان القوم واليأس عن إصلاح حالهم، { وجآءه ~~قومه يهرعون إليه } [هود: 78] غافلين عن حالهم جاهلين بما ~~لهم. # { ومن قبل كانوا يعملون السيئات } [هود: 78] الموجبة ~~للهلاك والعذاب فجاءوا مسرعين مستقبلي العذاب، وطلبوا من بيت النبوة من ~~أهل الطهارة معاملة سوءتهم نجباته نفوسهم؛ ليستحقوا بذلك كمال الصفات ~~وسرعة العذاب. # { قال } [هود: 78] لوط عليه السلام حجة عليهم وتأكيدا لاستحقاقهم ~~العذاب، { يقوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم } [هود: ~~78] كان يفدي أولاده لدفع الهلاك عن قومه، { فاتقوا الله } [هود: ~~78] بترك هذه المعاملة السوء، { ولا تخزون في ضيفي } [هود: 78] ~~بإظهار معاملتكم، { أليس منكم رجل رشيد } [هود: 78] يقبل ~~نصحي ويتوب إلى الله بالصدق فينجيكم الله من العذاب ببركته. # { قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق } [هود: ~~79] يستحق به تزويجهن، { وإنك لتعلم ما نريد } [هود: 79] ~~من هذه المعاملة السوء وهو في الحقيقة طلب ما أعد الله لنا في ms0811 الأزل من ~~قهره؛ يعني: الهلاك بالعذاب. # { قال } [هود: 80] يعني: لوط، { لو أن لي بكم قوة } ~~[هود: 80] واستطاعة لأردكم عن طلب الهلاك وأمنعكم من العذاب، { أو ~~آوي إلى ركن شديد } [هود: 80] وهو الالتجاء إلى الله تعالى؛ ~~ليؤيدني بالنصرة في منعكم من الهلاك لفعلت، ولكن حكم الله وقضائه سابق ~~وأمره نافذ. ### || [11.81-83] # { قالوا يلوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك } ~~[هود: 81] يعني: هذه القوم لا يصلون إليك وإلى مقام تريد أن توصلهم إليه، ~~{ فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت ~~منكم أحد } [هود: 81] إلى ما هم فيه من الدنيا وزينتها ومتاعها ~~أراد به تجرد الباطن عن الدنيا وما فيها، فإن التجارة من الهلاك والعذاب ~~منوط به، { إلا امرأتك إنه مصيبها مآ أصابهم } ~~[هود: 81] لأنها تلتفت إلى ما يلتفتون إليه قومك فيصيبها من العذاب ~~والهلاك ما أصابهم. { إن موعدهم الصبح } [هود: 81] صبح يوم ~~وفاتكم، { أليس الصبح بقريب } [هود: 81] وهو الموت. { ~~فلما جآء أمرنا } [هود: 82] أي: حكمنا الأزلي، { جعلنا ~~عاليها } [هود: 82] أي: عالي الدنيا، { سافلها } [هود: 82] يوم ~~القيامة، { وأمطرنا عليها } [هود: 82] أي: على قرى الذوات ~~الخبيثة السفلية، { حجارة من سجيل } أي: من سجين جهنم، { ~~منضود } [هود: 82] معدا. # { مسومة } [هود: 83] باسم صاحبها، { عند ربك } [هود: 83] ~~وهي إشارة إلى قساوة القلب التي تقسو القلوب، فهي كالحجارة وأشد قسوة، ~~وهي مقدرة تمطر هي كل قلب مقدار ما قدر له يدل عليه قوله: { وما هي ~~من الظالمين ببعيد } [هود: 83] أي: وما تلك القساوة في قلب ~~الظالمين ببعيد، فإن الظلم من نتائج تلك القساوة. ### || [11.84-88] # ثم أخبر عن فعال ناقصي المكيال بقوله تعالى: { وإلى مدين ~~أخاهم شعيبا } [هود: 84] القصة قوله: { وإلى مدين ~~أخاهم شعيبا قال يقوم اعبدوا الله } يشير إلى أن ~~جميع الأنبياء - عليهم السلام - كانت كلمتهم في التوحيد واحدة لأن الإله ~~واحد وهي الدعوة إلى الواحد بالمعبودية والمعرفة والطلب، ولأنه { ما ~~لكم من إله غيره } [هود: 84] تعبدونه وتحبونه وتطلبونه ~~غيره { ولا تنقصوا المكيال والميزان } [هود: 84] أي: ~~مكيال المحبة وميزان الطلب، فإن للمحبة مكيال أو هو عداوة ما سوى ms0812 الله ~~تعالى كما قال الخليل عليه السلام عند إظهار الخلقة: # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء: 77]، فإنك إن تحب أحدا أو شيئا مع الله فقد نقصت في مكيال ~~محبة الله، وإن للطالب ميزانا وهو السير على قدمي الشريعة والطريقة كما ~~قبل خطوتان وقد وصلت، فإن خطوت خطوة دونهما فقد نقصت من الميزان. # { إني أراكم بخير } [هود: 84] وهو حسن الاستعداد في طلب ~~الحق، { وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط } [هود: ~~84] وهو عذاب فساد الاستعداد وبطلان طلب غير الحق، ودوام إحاطته يوم يكمل ~~فينادي: { ويقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ~~} [هود: 85] أي: بالقسط على الله في تعظيم أمره وعلى الخلق في الشفقة ~~عليهم، { ولا تبخسوا الناس أشيآءهم } حقوقهم من النصيحة ~~وحسن المعاشرة في الله والله، { ولا تعثوا في الأرض } [هود: ~~85] أرض وجودكم، { مفسدين } [هود: 85] استعدادكم بمخالفات الشريعة ~~وموافقات الطبيعة، { بقيت الله } [هود: 86] أي: بقاؤكم بإبقاء ~~الله، { خير لكم } [هود: 86] مما فاتكم بإيفاء المكيال والميزان، ~~{ إن كنتم مؤمنين } [هود: 86] مصدقين بهذه المقامات والكرامات. # { ومآ أنا عليكم بحفيظ } [هود: 86] أي: بحافظ عليكم حسن ~~استعدادكم، فإنما على أن أنصح لكم بحفظ الاستعداد وصرفه في طلب الحق، ~~فإني أدلكم على كيفية الطلب والوجدان، { قالوا يشعيب ~~أصلوتك } [هود: 87] في طلب الحق بزعمك، { تأمرك أن نترك ~~ما يعبد ءاباؤنآ } [هود: 87] من الدنيا وشهواتها وتمتعاتها، { ~~أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء } [هود: 87] من الترك ~~والإنفاق على الفقراء والإخراج من أيدينا ونحن بها من غيرنا، { إنك ~~لأنت الحليم الرشيد } [هود: 87] فيما تأمرنا أي: ما أنت بحليم ~~ولا رشيد فيما ترشدنا إليه، { قال يقوم أرأيتم إن كنت ~~على بينة من ربي } [هود: 88] دلالة وهداية من ربي، { ~~ورزقني منه } [هود: 88] أي: من نور هدايته، { رزقا حسنا } ~~[هود: 88] نورا تاما أرى صلاح الأمور وفسادها، فآمركم بطلب الحق، ~~وأنهاكم عن طلب غير الحق. # { ومآ أريد أن أخالفكم } [هود: 88] فيما أأمركم به، { ~~إلى مآ أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح } [هود: ~~88] إصلاح ما أفسدتم من حسن الاستعداد في طلب غير الحق، { ما ~~استطعت } [هود: ms0813 88] أي: بقدر علمي وبذل جهدي، { وما توفيقي } ~~[هود: 88] في الإصلاح، { إلا بالله } [هود: 88] بعونه وهدايته ~~والتوفيق اختصاص العبد بعناية أزلية ورعاية أبدية، { عليه ~~توكلت } [هود: 88] فيما اختصني به في الأزل، { وإليه أنيب ~~} [هود: 88] فيما قدر لي لا إلى غيره، والتوكل على ثلاثة أوجه: # توكل المبتدئ: وهو ترك الأسباب في طلب المعاش. # وتوكل المتوسط: وهو ترك طلب المعاش في طلب العيش مع الله. # وتوكل المنتهي: وهو استهلاك الوجود في وجود الله وإفناء الاختيار في ~~اختيار الله؛ ليبقى في هويته بلا هو متصرفا في الأسباب به، ولا يرى ~~التصرف والأسباب إلا لمسبب الأسباب. ### || [11.89-93] # { ويقوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل مآ ~~أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح } [هود: 89] ~~من العذاب، وذلك إن في طبيعة الإنسان مركوزة من صفات الشيطنة الإباء ~~والاستكبار، ومن طبعه أنه حريص على ما تبع كان آدم عليه السلام لما منع ~~من أكل الشجرة حرص على أكلها، فلهاتين الصفتين إذا أمر بشيء أبى واستكبر، ~~وإذا نهى عن شيء حرص على إتيانه لا سيما إذا صدر الأمر والنهي من إنسان ~~مثله، فإن طاعة الله هينة القبول بالنسبة إلى طاعة المخلوق؛ ولأن في ~~الطاعة ذلة وهوانا وكسرا للنفس، وأن ما يحتمل المخلوق من خالقه أكثر ~~مما يحتمله من مخلوق مثله، ولهذا السر بعث الله الأنبياء - عليهم السلام ~~- وأمر الخلق بطاعتهم، فقال: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم # [النساء: 59] فمن كان موفقا من الله تعالى بالعناية الأزلية يأمر بما ~~أمر به، وينتهي عما نهي عنه، ويطيع الرسل فيما جاءوا به أخرجته الطاعة من ~~ظلمات صفات المخلوقة إلى نور صفاته الخالقية، ومن أدركته الشقاوة في ~~الأزل تداركه الخذلان، ووكل إلى نفسه وطبعه، فلا يطيع الله ورسوله، ~~ويتمرد عن قبول الدعوة، ويستكبر على الرسول ويعاديه، ويزد بمعاداته ما ~~أمره الله به فيصيبه قهر الله وعذابه. # { مثل مآ أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم ~~صالح وما قوم لوط منكم ببعيد } [هود: 89] أي: وما ~~معاملة قوم لوط من معاملتكم ms0814 وذنوبهم من ذنوبكم ببعيد؛ لأن الكفر كله من ~~جنس واحد وصفات الكفر قريب بعضها من بعض، { واستغفروا ربكم } ~~[هود: 90] من صفات الكفر ومعاملته وبدلوها بصفات الإسلام ومعاملته، فإنها ~~تزكية النفوس عن الصفات الذميمة، { ثم توبوا } [هود: 90] أي: ~~ارجعوا، { إليه } [هود: 90] على قدمي الشريعة والطريقة سائرين منكم ~~به؛ ليحليكم بتحلية الحقيقة وهي الفناء عنكم والبقاء به، { إن ربي ~~رحيم } [هود: 90] السائرين منهم إليه بالتوفيق والتيسير، { ودود } ~~[هود: 90] محب لمحبة هاد لطالبيه، { قالوا يشعيب ما نفقه ~~كثيرا مما تقول } [هود: 91] في ذلك؛ لأنهم كانوا من القلب ~~وفقهه بمعزل لهم # قلوب لا يفقهون بها # [الأعراف: 179]. # { وإنا لنراك فينا ضعيفا } [هود: 91] أي: ضعيف الرأي ناقص ~~العقل؛ وذلك لأنه كما يرى العاقل السفيه ضعيف الرأي يرى السفيه العاقل ~~ضعيف الرأي، { ولولا رهطك لرجمناك } [هود: 91] يشير إلى أن ~~الجاهل بصير برؤية الخلق أعمى برؤية الحق، فهؤلاء قد رأوا رهط شعيب، ~~وأنهم حفظته ومنعتهم عنهم وما قالوا: إن الله تعالى حافظه وناصره، ولهذا ~~قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم: # لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله # [الحشر: 13]، ولهذا المعنى، قالوا: { ومآ أنت علينا بعزيز } ~~[هود: 91] يشير إلى من كان على الله تعالى عزيزا، فإنه ليس على الجاهل ~~بعزيز، { قال يقوم أرهطي أعز عليكم من الله ~~واتخذتموه ورآءكم ظهريا } [هود: 92] أي: جعلتم الخلق ~~من أعينكم فتفزعون منهم، وجعلتم الله وراء ظهوركم فلا تفزعون منه، { ~~إن ربي بما تعملون } [هود: 92] في ظاهركم وبما تسترون في ~~باطنكم، { محيط } [هود: 92] علمه فيجازيكم به. # { ويقوم اعملوا على مكانتكم } يعني: إذ لا تقبلوا ~~نصيحتي وتعلمون بالطبيعة اعملوا على تمكنكم بالخذلان، { إني عمل } ~~[هود: 93] بالتوفيق في الله، { سوف تعلمون من يأتيه عذاب ~~يخزيه } [هود: 93] وهو عذب البعد والقطيعة، { ومن هو كذب } ~~[هود: 93] في دعواه من بيننا، { وارتقبوا } [هود: 93] سخط الله ~~فيما ادعيتم، { إني معكم رقيب } [هود: 93] رقيب مرتقب رضاء ~~الله فيما ادعيت. ### || [11.94-99] # { ولما جآء أمرنا } [هود: 94] الذي قدرناه في الأزل من العذاب ~~والهلاك لقوم شعيب. # { نجينا شعيبا ms0815 } [هود: 94] كما كان قضاؤنا في الأزل من العذاب ~~والهلاك والكفر والضلال، { والذين آمنوا معه برحمة } ~~[هود: 94] أزلية صدرت، { منا } [هود: 94] فيهم، { وأخذت ~~الذين ظلموا } [هود: 94] أي: ظلموا على أنفسهم بالإباء ~~والاستكبار عن قبول دعوة الأنبياء، { الصيحة } [هود: 94] وهي اجتماع ~~أصوات صفاتهم الذميمة المهلكة، { فأصبحوا في ديارهم } [هود: ~~94] في دركاتهم السفلية التي اطمأنوا بها، { جاثمين } [هود: 94] ~~كأنهم الجيف بلا أرواح، { كأن لم يغنوا فيهآ } [هود: 95] أي: ~~كأن لم يكونوا قط في عالم الأرواح؛ لأنهم أفسدوا الاستعداد الروحاني ~~الفطري في طلب الدنيا، واستيفاء شهواتها والاستكبار عن قبول الحق، { ~~ألا بعدا لمدين } [هود: 95] لتمردهم عن الحق وتماديهم في ~~الباطن، { كما بعدت ثمود } [هود: 95] عن الحق. # ثم أخبر عن حال أهل القرب وحال أهل البعد بقوله تعالى: { ولقد ~~أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين } [هود: 96] إلى ~~قوله: # غير منقوص # [هود: 109]، { ولقد أرسلنا موسى } [هود: 96] أي: الروح، { ~~بآياتنا } [هود: 96] أي: بصفاتنا، فإن من صفات الله أنه حي، وأنه ~~سميع بصير متكلم قادر عالم مريد باق بالروح بهذه الصفات كلها موصوف، ~~والصفات لله تعالى ذاتية قديمة وقائمة بذاته جل جلاله والروح محدثة ~~مخلوقة قائمة بقيومية الله تعالى، { وسلطان مبين } [هود: 96] ~~وهو استيلاء الروحانية على البشرية، { إلى فرعون وملئه } ~~[هود: 97] أو إلى فرعون النفس وصفاتها البهيمية والسبعية والشيطانية. # { فاتبعوا أمر فرعون } أي: فاتبعوا الصفات { أمر ~~فرعون } النفس؛ لأن أمرها ملائم لصفاتها، { ومآ أمر فرعون ~~برشيد } لأن فرعون النفس الأمارة بالسوء، { يقدم قومه } أي: ~~يتقدم النفس صفاتها، { يوم القيامة فأوردهم النار ~~وبئس الورد المورود } [هود: 98] أي: موضع ورودهم هو البعد ~~من الله تعالى، والمورود وهو النفس وصفاتها؛ يعني: الورد مناسب لحال ~~المورود، ولو كان لهذا المورود خير من هذا المكان ظالما؛ لأنه وضع الشيء ~~في غير وضعه، { وأتبعوا في هذه لعنة } [هود: 99] أي: ~~اتبع النفس وصفاتها مع استحقاقها لهذا الورد اليوم في الدنيا بمعاملاتها ~~السيئات طردا وبعدا وحجبا على حجبها، { ويوم القيامة } [هود: ~~99] من نتائج هذه المعاملات وجزائها أيضا اتبعوا لعنة عذابا فوق العذاب ~~وهو ذوق ألم العذاب وحسرة ms0816 الحرمان وحسرات فوت التدارك { بئس الرفد ~~} [هود: 99] وهو ما أعطوا من اللعنة ونتائجها، { المرفود } [هود: ~~99] المعطى. ### || [11.100-107] # { ذلك من أنبآء القرى } [هود: 100] أخبارا عن أحوال ~~الأخيار والأرواح والنفوس الساكنة فيها، { نقصه عليك } [هود: ~~100] نخبرك؛ لتكون عالما بأحوال، { منها قآئم } [هود: 100] من ~~الأجساد بعضها قائم قابل لتداول ما فات عنها وإصلاح ما أفسدت النفس منها، ~~{ وحصيد } [هود: 100] أي: ومن الأجساد ما هو محصود بمحصد الموت ما ~~يؤمن عند التدارك، { وما ظلمناهم } [هود: 101] فيما أعطيناهم من ~~استعداد الروحاني والجسماني والحيواني، فإنه آله تحصيل كآلات لا يدركها ~~الملائكة المقربون، { ولكن ظلموا أنفسهم } [هود: 101] ~~باستعمالها على وفق الطبيعة على بدل حكم الشريعة فافسدوا استعدادهم في ~~عبادة طاغوت الهوى ووثن الدنيا وأصنام شهواتها. # { فما أغنت عنهم آلهتهم } [هود: 101] من الهوى والدنيا ~~وشهواتها، { التي يدعون } [هود: 101] يعبدون، { من دون الله ~~من شيء } [هود: 101] من سخط الله ولعنته. # { لما جآء أمر ربك } [هود: 101] أي: الأمر الذي قدر لهم في ~~الأزل من الطرد والإبعاد، { وما زادوهم } [هود: 101] أي: الآلهة ~~وعبادتها، { غير تتبيب } [هود: 101] غير تخسير وهو خسارة عبادتها ~~وحسرة ترك عبادة الله وفوات تلك السعادة، { وكذلك } [هود: 102] أي: ~~كما أخذ الروح والنفس بما أفسدوا استعدادهم كذلك، { أخذ ربك إذا ~~أخذ القرى } [هود: 102] وهي الأجساد والأبدان، { وهي ظالمة ~~} [هود: 102] بأعمالها على وفق طبع النفس الأمارة بالسوء من السيئات ~~البدنية على خلاف الأحكام الشرعية، { إن أخذه أليم } [هود: ~~102] للأبدان، { شديد } [هود: 102] على النفوس والأرواح بالبعد ~~والخذلان. # { إن في ذلك } [هود: 103] أي: فيما ذكر من إفساد الاستعداد ~~والأخذ به، { لآية } [هود: 103] دلالة يستدل بها على الحق والتوحيد، { ~~لمن خاف عذاب الآخرة } [هود: 103] أي: المؤمن؛ لأن غير ~~المؤمن لا يخاف عذاب الآخرة؛ لأنه لا يؤمن بها وهي أن الله تعالى لا يجير ~~الظالم؛ ولكن يمهله ويكله إلى نفسه يظلم على نفسه وعلى نفس غيره فيؤاخذه ~~الله تعالى بظلمه عدلا منه؛ ولكنه إذا نظر بفضله ورحمته إلى عبد بنظر ~~العناية يزيل بنور العناية ظلمات أمارية نفسه فتصير نفسه مأمورة لأمر ~~الشريعة فلا يعمل ms0817 إلا للنجاة من عذاب الآخرة ونيل الدرجات والقربات في ~~الآخرة. # { ذلك } [هود: 103] يعني: الآخرة، { يوم مجموع له ~~الناس } [هود: 103] أي: يجمع فيه بين الأرواح والنفوس والأجساد، { ~~وذلك يوم مشهود } [هود: 103] فيه أعمال العباد تغيرها ~~وتصيرها كل واحد يشاهد أعماله وقارئ كتابه { وما نؤخره } [هود: ~~104] إلى اليوم المشهود، { إلا لأجل معدود } [هود: 104] وقت ~~معلوم. # { يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه } [هود: 105] ~~يعني: يوم لا تتكلم فيه النفوس؛ لظهور سطوة آثار القهر إلا بإذن الله، { ~~فمنهم شقي } [هود: 105] محكوم عليه بالشقاوة في الأزل، { ~~وسعيد } [هود: 105] محكوم عليه بالسعادة في الأزل، وعلامة الشقاوة: ~~الإعراض عن الحق وطلبه، والإصرار على المعاصي من غير ندم عليها، والحرص ~~على الدنيا حلالها وحرامها، وأخذ الدين بالهوى والتقليد والبدع، وعلامة ~~السعادة: الإقبال على الله وطلبه، والاستغفار عن المعاصي، والتوبة إلى ~~الله، والقناعة باليسير من الدنيا، وطلب الحلال منها، واتباع السنة، ~~واجتناب البدعة، ومخالفة الهوى. # { فأما الذين شقوا } [هود: 106] في الأزل، { ففي النار ~~} [هود: 106] نار الحسرة والقطيعة، { لهم فيها زفير } [هود: 106] ~~من الحسرة { وشهيق } [هود: 106] من القطيعة، { خالدين فيها } ~~[هود: 107] في نار القطيعة، { ما دامت السموت } [هود: 107] ~~سماوات الأرواح والقلوب، { والأرض } [هود: 107] أرض النفوس والبشرية، ~~{ إلا ما شآء ربك } [هود: 107] من السعداء من الأشقياء؛ ذلك ~~لأن أهل الشقاء على ضربين: شقي وأشقى، فيكون من أهل التوحيد شقي بالمعاصي ~~سعيد بالتوحيد، فالمعاصي تدخله النار، والتوحيد يخرجه منها، ويكون من أهل ~~الكفر والبدعة أشقى يصليه كفره وتكذيبه إلى النار فيبقى فيها خالدا ~~مخلدا. # { إن ربك فعال لما يريد } [هود: 107] من الأزل وهو ~~أخرج أهل التوحيد عن النار وأخلد أهل الكفر فيها. ### || [11.108-113] # { وأما الذين سعدوا ففي الجنة } [هود: 108] في جوار ~~الحق وقربه، { خالدين فيها ما دامت السموت } [هود: 108] ~~سماوات الأرواح والقلوب، { والأرض } [هود: 108] أرض النفوس والبشرية ~~به يشير إلى أن الأرواح والقلوب والنفوس باقيات إلى الأبد. # { إلا ما شآء ربك } [هود: 108] من السعداء؛ وذلك لأن أهل ~~السعادة على ضربين: سعيد وأسعد، فالسعيد من يبقى في الجنة ودرجاتها ~~وغرفاتها العليين بحب ms0818 العبادة والعبودية، والأسعد من يدخل الجنة، ويعبر ~~عن درجاتها إلى مقامات القربة بحسب المعرفة والتقوى والمحبة كقوله تعالى: # إن المتقين في جنات ونهر * في مقعد صدق عند ~~مليك مقتدر # [القمر: 54-55]. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " " إن أهل الجنة ليرون أهل العليين كما يرى أحدكم الكوكب الدري في أفق ~~السماء، وإن أبا بكر وعمرو منهم في أنعم مكان " فمن كان من أهل الجنة ~~وأهل العليين فلهم خلود في الجنة، ومن كان في مقام مقعد الصدق فهو في ~~أنعم مقام من الجنة فلهم الخروج من الجنة بجذبات العناية إلى عالم الوحدة ~~" # والسر في هذا أن السالك يسلك بقدم المعاملات إلى أعلى مقام الروحانية من ~~حضيض البشرية وهو بعد في مقام الاثنينية وهو سدرة المنتهى عندها جنة ~~المأوى، فلا عبور عن هذا المقام للملك المقرب ولا للنبي المرسل إلا برفرف ~~جذبة العناية فإنها توازى عمل الثقلين وبها يصل العبد إلى عالم الوحدة ~~فافهم جدا. # فما أبقى هناك الدخول والخروج والاستثناء بقوله: { إلا ما شآء ~~ربك } راجع إلى هذا المقام ولهذا قال: { عطآء غير مجذوذ } ~~[هود: 108]؛ لأنه لا انقطاع له ولا تغيير فيه. # { فلا تك } [هود: 109] يا محمد، { في مرية مما يعبد ~~هؤلاء } [هود: 109] يعني: أهل الدنيا فإنهم يعبدون الهوى، وبالهوى ~~يعبدون ما يعبدون من دون الله؛ لأنهم أهل التقليد لا أهل التحقيق. # { ما يعبدون } [هود: 109] الهوى، { إلا كما يعبد ~~آباؤهم } [هود: 109]، { من قبل } بالطبع، { وإنا ~~لموفوهم نصيبهم } [هود: 109] الذي قدرنا لهم في قسمة الأزل ~~من السعادة والشقاوة والقرب والبعد واللطف والعنف، { غير منقوص } ~~[هود: 109] مما قسمناه لهم مثقال ذرة، ولو اجتمعت الجن والإنس على أن ~~ينقصوا منها شيئا لم يقدروا. # ثم أخبر عن اختلاف طبائع الإنسان من أهل العناية والخذلان بقوله تعالى: ~~{ ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه } [هود: 110] ~~إلى قوله: { لا تنصرون } [هود: 113] قوله تعالى: { ولقد ~~آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه } يشير به إلى أن كتاب ~~الله هو محل النفوس وهو الصراط المستقيم إلى الله تعالى، والنفوس مختلفة ~~فمنها قابلة ms0819 للاستقامة على الصراط، ومنها غير قابلة لها، فالمؤمن ~~بالكتاب، والفاعل به هو قابل للاستقامة، والكافر به هو غير قابل ~~للاستقامة، { ولولا كلمة سبقت } [هود: 110] في الأزل، { من ~~ربك } [هود: 110] لسعادة المؤمن وشقاوة الكافر، وتأخيرهما لاستكمال ~~السعادة والشقاوة لنفسها ولغيرها في الأزل، { لقضي بينهم } ~~[هود: 110] بالعذاب والهلاك يعني: بين أهل السعادة والشقاوة. # { وإنهم لفي شك } [هود: 110] أي: إنما أخرنا القضاء؛ لأنهم ~~في شك، { منه } [هود: 110] من الكتاب هل ينزل من الله أم لا؟ فبالشك ~~تكمل شقاوتهم في مدة حياتهم، { مريب } [هود: 110] لغيرهم في هذه ~~المدة؛ المعنى: إنما أخرناهم ليكملوا في الشقاوة أنفسهم ويكملوا فيها ~~غيرهم، { وإن كلا } [هود: 111] أي: الكامل في الشقاوة والمكمل، { ~~لما ليوفينهم ربك أعمالهم } [هود: 111] التي ~~يكمل بها الشقاوة، { إنه بما يعملون } [هود: 111] من الأعمال ~~المكلمة للشقاوة، { خبير } [هود: 111] لأنه قدرها في الأزل لهم. # ثم خصص أمة النبي صلى الله عليه وسلم بأنها قابلة للاستقامة فقال: { ~~فاستقم } [هود: 112] أي: استقامة، { كمآ أمرت } [هود: 112] في ~~الأزل بأمر التكوين، { ومن تاب معك } [هود: 112] أي: كما آمن من ~~آمن، ورجع إلى الله { معك } فيه إشارة إلى أن النفوس جبلت على ~~الاعوجاج عن طريق الاستقامة إلا ما اختص منها بالأمر عند التكوين ~~بالاستقامة فإنها قابلة للاستقامة، وهي التي تهدي إلى الصراط المستقيم. # ثم قال: { ولا تطغوا } كما أمرهم بالاستقامة نهاهم عن الطغيان ~~فما طغوا، { إنه بما تعملون } أي: بما تعملون في الدنيا، { ~~بصير } [هود: 112] به في الأزل؛ لأنه جعل في جبلتكم مركوزا، وهيأنا ~~لكم أسباب إخراجه منكم، ذلك تقدير العزيز العليم، { ولا تركنوا ~~إلى الذين ظلموا } [هود: 113] وهذا خطاب أيضا مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومن تاب معه عند الأمر بالتكوين لا جرم ما ركنوا إلى ~~الذين ظلموا. # وفي قوله: { فتمسكم النار } [هود: 113] إشارة إلى أن الركون ~~إلى الظالمين موجب لعذاب النار لكائن من كان. # { وما لكم من دون الله من أوليآء } [هود: 113] يشير ~~إلى أن الله تعالى هو ناصر أوليائه، ووليهم في الأزل إلى الأبد لا غيره؛ ~~يعني: إن استنصرتم ms0820 من غير الله الذي هو ناصركم لا ينصركم الله، { ثم ~~لا تنصرون } [هود: 113] من غير الله؛ لأن إن النصر إلا من عند الله. ### || [11.114-119] # ثم أخبر عن سيئات الأولياء؛ لأنها تذهبها حسناتهم بقوله تعالى: { ~~وأقم الصلاة طرفي النهار } [هود: 114] إلى قوله: { ~~أجمعين } [هود: 119] بقوله تعالى: { وأقم الصلاة طرفي ~~النهار وزلفا من اليل } يشير إلى أن مرور ساعات عمر ~~الإنسان وأوقاته عليه، مقبول له وهو في الخسران منه إلا أن يكون مردودها ~~عليه في الأعمال الصالحة يدل على هذا قوله تعالى: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات # [العصر: 1-3] وذلك لأن تعلق الروح النوراني العلوي بالجسد الظلماني ~~السفلى موجب لخسران الروح إلا أن تتداركه أنوار الأعمال الصالحة الشرعية ~~فتربي الروح وترقيه من حضيض البشرية إلى ذروة الروحانية؛ بل إلى ~~الوحدانية الربانية وتدفع عنه ظلمة الجسد السفلى كما أن إلقاء الحبة في ~~الأرض موجب لخسران الحبة إلا أن يتداركها الماء فيربيها إلى أن تصير ~~الحبة الواحدة إلى سبعمائة حبة والله يضاعف لمن يشاء، فكذلك خص الله ~~تعالى من أوقات عمر العبد طرفي النهار. # { وزلفا من اليل } [هود: 114] من الليل من أيام عمره بأن ~~يصرف في إقامة الصلاة، وبه يشير إلى إدامة الذكر والطاعة والعبادة في ~~أكثر النهار، ويصرف منه مقدار ما كان له ضرورة من الحاجات الإنسانية، ~~فيها، { وزلفا من اليل } [هود: 114] أي: ويصرف بعض ساعات ~~الليل على قدر الصدق في الطلب في الذكر والطاعة، ويستريح في بعضها؛ ~~لاسترواح القوى البشرية، ودفع كلالة الحواس ليقوم في أثناء الليل منشاطا ~~للذكر والطاعة. # { إن الحسنات يذهبن السيئات } [هود: 114] أي: أنوار ~~الحسنات وهي الأعمال الصالحة والذكر في المراقبة في طرفي النهار وزلفا ~~من الليل يذهبن ظلمات سيئات الأوقات التي تصرف في قضاء الحوائج النفسانية ~~الإنسانية وما يتولد من الاشتغال بها، { ذلك } [هود: 114] أي: الذي ~~أشرنا إليه، { ذكرى للذاكرين } [هود: 114] عظة لأهل الذكر # الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبهم # [آل عمران: 191] أي: رقود أجسادهم ذاكرا أرواحهم، { واصبر } [هود: ~~115] يعني: أيها الطالب ms0821 الصادق والفاسق والوامق على صرف الأوقات في طلب ~~المحبوب بدوام الذكر، ومراقبة القلب، وترك الشهوات، ومخالفة الهوى ~~والطبيعة. # { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } [هود: 115] أي: ~~سعي الطالبين كما قال الله تعالى: # " ألا من طلبني وجدني " # ؛ لأن من سنة كلامه قوله تعالى: # " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا " # ، { فلولا } [هود: 116] فهلا، { كان من القرون من ~~قبلكم أولوا بقية } [هود: 116] من أرباب النظر وأصحاب ~~القلوب، { ينهون } [هود: 116] أهل الكفر والطغيان والفسوق، { عن ~~الفساد } [هود: 116] أي: عن إفساد استعدادهم، { في الأرض } [هود: ~~116] أي: في الصرف لشهوات أرض البشرية. # { إلا قليلا } [هود: 116] من الأنبياء وأتباعهم الذين كانوا ~~ينهونهم فلا يتناهون عما نهوا عنه، { ممن أنجينا منهم } ~~[هود: 116] أي: من جملتهم، { واتبع الذين ظلموا } [هود: ~~116] إذ لم يتناهوا عما نهوا عنه، { مآ أترفوا فيه } [هود: 116] ~~من شهوات الدنيا ولذاتها، { وكانوا مجرمين } [هود: 116]؛ إذ لم ~~يتناهوا عما نهوا عنه، فأهلكوا جميعا به يشير إلى أن كل قوم لم يكن فيهم ~~آمر بالمعروف وناه عن المنكر من أرباب الصدق وهم مجتمعون على الفساد؛ إذ ~~لا يأتمرون بالأمر بالمعروف ولا يتناهون بالنهي عن المنكر فإنهم هالكون. # { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم } [هود: 117] أي: ~~بغير استحقاق الهلاك، { وأهلها مصلحون } [هود: 117] والصلاح من ~~يصرف استعداده الفطري في طلب الحق، ولا يفسده مع طلب غيره، { ولو ~~شآء ربك لجعل الناس أمة واحدة } [هود: 118] في طلب ~~الحق، { ولا يزالون } [هود: 118] الخلق { مختلفين } [هود: ~~118] في الطلب، فمنهم: من طلب الدنيا، ومنهم: من طلب الآخرة، ومنهم: من ~~طلب الحق تعالى، { إلا من رحم ربك } [هود: 119] فأخرجهم بنور ~~رحمته عن ظلمة طبيعتهم الجسمانية والروحانية إلى نور طلب الربوبية، فلا ~~يكونون طلابا للدنيا والعقبى؛ بل يكونون طلاب جمال الله وجلاله. # { ولذلك خلقهم } [هود: 119] أي: ولطلب الله تعالى خلقهم، ~~وأكرمهم بحسن استعدادهم للطلب، وفضلهم على العالمين بفضيلة الوجدان، { ~~وتمت كلمة ربك } [هود: 119] في الأزل؛ إذ قال: # " هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي " # ، { لأملأن جهنم من الجنة } أي: من الأرواح المستهلكة ms0822 ~~المتمردة وهم: إبليس وأتباعه، { والناس } [هود: 119] وهم: النفوس ~~الأمارات بالسوء، { أجمعين } [هود: 119] كلهم الفريقين المعرضين عن ~~الله تعالى وطلبه. ### || [11.120-123] # ثم أخبر عن الاعتبار في الأخبار بقوله تعالى: { وكلا نقص ~~عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك } [هود: ~~120] إلى آخر السورة، قوله تعالى: { وكلا نقص عليك من ~~أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك } ليشير إلى أن تثبيت ~~القلوب على الدين، والطاعة إلى الله تعالى لا إلى غيره؛ لأنه قال: { ~~نثبت به فؤادك } وإنه يكون منه بالواسطة وبغير الواسطة: ~~فأما الواسطة: فهاهنا كما قال الله تعالى: { ما نثبت به ~~فؤادك } أي: بالأنباء عن أقاصيص الرسل، وكقوله تعالى: # يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت # [إبراهيم: 27]. # وأما بغير الواسطة كقوله تعالى: # ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا ~~قليلا # [الإسراء: 74] وهذا التثبيت من إنزال السكينة في قلبه بغير واسطة كقوله ~~تعالى: # فأنزل الله سكينته على رسوله # [الفتح: 26]، وكقوله تعالى: # هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ~~ليزدادوا إيمنا مع إيمنهم # [الفتح: 4]. # فاعلم أنه كما يزاد الإيمان بالسكينة فكذلك يزداد اليقين على اليقين ~~باستماع الأنبياء - صلوات الله على نبينا وعليهم - والأمم السالفة لمن ~~يثبت الله به قلبه، ومن لم يثبت الله قلبه يزداد شكه على الشك وكفره على ~~الكفر؛ لأن الله تعالى أودع في كل شيء لطفه وقهره، فمن فتح عليه لطفه ~~أغلق عليه باب قهره، ومن فتح عليه باب قهره أغلق عليه باب لطفه، ومن فتح ~~الله عليه باب قهره ولطفه جاءه الحق من هذا الباب، كما قال تعالى للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: { وجآءك في هذه الحق } [هود: 120] ~~وفيه إشارة إلى أنك لست بقادر أن تجيء في هذا الحق؛ لأن أبواب اللطف ~~والقهر مغلوقة والمفتاح بيد الفتاح ولا يقدر غير الفتاح أن يفتحه، فإذا ~~هو الذي يفتح باب لطفه في كل شيء على العبد ويجيء بكرمه فيه بلا كيف ~~وأين. # { وموعظة } [هود: 120] أي: وفي هذا المعنى موعظة، { وذكرى ~~للمؤمنين } [هود: 120] ليطلبوا الحق من باب لطفه في كل شيء، ولا ~~يطلبوه ms0823 من باب قهره، { وقل للذين لا يؤمنون } [هود: 121] ~~بطلب الحق من باب لطفه ووجدانه. # { اعملوا على مكانتكم } [هود: 121] في طلب القاصد من باب ~~قهر الحق، { إنا عاملون } [هود: 121] في طلب الحق من باب لطفه، { ~~وانتظروا } [هود: 122] قهر الحق من باب قهره، { إنا ~~منتظرون } [هود: 122] وجدان الحق من باب لطفه. # { ولله غيب السموت والأرض } [هود: 123] أي: من غاب ~~عنكم مما أودع من لطفه في سماوات القلوب، ومن قهره في أرض النفوس، { ~~وإليه يرجع الأمر كله } [هود: 123] بأن يفتح على أهل ~~السعادة أبواب قلوبهم؛ ليصلوا إلى لطفه وبلطفه يصلوا إليه، ويفتح على أهل ~~الشقاوة أبواب نفوسهم؛ ليصلوا إلى قهره وبقهره يحتجبوا عن الوصول ~~والوصال، { فاعبده } [هود: 123] أيها الطالب المحق ولا تعبد غيره في ~~الدنيا والآخرة لتجده. # { وتوكل عليه } [هود: 123] في الطلب لا على طلبك، فإنك إن كنت ~~بك طالبا له لا تجده، وإن كنت به طالبا له فهو الواجد والمطلوب والطالب ~~الموجود، { وما ربك بغافل عما تعملون } [هود: 123] إلى ~~الأبد؛ لأنه قدركم وما تعملون قبل أن خلقكم وما تعملون، ~~ويعلم ما تعملون، وأنتم لا تعلمون ما تعملون. ### | [12 - سورة يوسف] ### || [12.1-5] # { الر } [يوسف: 1] يشير بالألف إلى الله، وباللام إلى جبريل، وبالراء ~~إلى الرسول؛ أي: ما أنزل الله تعالى على لسان جبريل على قلب الرسول، { ~~تلك آيات الكتاب المبين } [يوسف: 1] أي: تلك دلالة كتاب ~~المحبوب؛ ليهدي أعجب البيان طريق الوصول إلى المحبوب، { إنآ ~~أنزلناه } [يوسف: 2] أي: كتابنا، { قرآنا عربيا } [يوسف: ~~2] أي: كسوناه للقراءة كسوة العربية. # { لعلكم تعقلون } [يوسف: 2] حقائق معانيه وأسراره ومبانيه ~~وإشاراته بما أزهى لغتكم كما أنزلنا التوراة على أهلها بلغة العبري، ~~والإنجيل بلغة السرياني يشير به إلى أن حقيقة كلام الله تعالى منزهة في ~~كلاميته عن كسوة الحروف والأصوات واللغات؛ ولكن الخلق يحتاجون في تعقل ~~معانيه إلى كسوة الحروف واللغات. # { نحن نقص عليك أحسن القصص } [يوسف: 3] أي: أحسن قصة ~~تدل المحب على طريق الرجوع والسلوك والوصول إلى المحبوب، وإن كان في كل ~~قصة من القصص التي ذكرناها في القرآن نوع من ms0824 هذا، ولكن قصة يوسف أحسنها ~~وأجملها وأكملها وأتمها مناسبة ومشابهة بأحوال الإنسان، ورجوعه إلى الله ~~ووصوله إليه؛ وذلك لأنها تشير إلى معرفة تركيب الإنسان من الروح والقلب ~~والسر والنفس، وخواصه الخمسة الظاهرة، وقواه الستة الباطنة، والبدن ~~وابتلائه بالدنيا، وغير ذلك إلى أن يبلغ الإنسان أعلى مراتبه كما سيجيء ~~شرحه في مواضعه إن شاء الله تعالى وحده. # { بمآ أوحينآ إليك هذا القرآن } [يوسف: 3] أي: ندلك ~~بنور إيحاء القرآن إليك على أحسنية هذه القصة، { وإن كنت من ~~قبله } [يوسف: 3] أي: قبل نور الإيحاء، { لمن الغافلين } ~~[يوسف: 3] عن هذه الحقائق والدقائق؛ لأنها لا تدرك إلا بنور الوحي. # { إذ قال } [يوسف: 4] عالم الأرواح، { يوسف } [يوسف: 4] القلب، { ~~لأبيه } [يوسف: 4] يعقوب الروح، { يأبت إني رأيت } [يوسف: ~~4] بنور الروحانية، { أحد عشر كوكبا } [يوسف: 4] وهي: الحواس ~~الخمس من السمع والبصر والشم والذوق واللمس، والقوى الستة من المتفكرة ~~والمتذكرة والحافظة والمتخيلة والمتوهمة والحس المشترك، فإن كل واحد من ~~هذه الحواس والقوى كوكب مضيء يدرك به معنى مناسب به وهم إخوة يوسف القلب؛ ~~لأنهم تولدوا بازدواج يعقوب الروح وراحيل النفس كلهم بنواب واحد، { ~~والشمس } [يوسف: 4] شمس الروح والنفس والحواس والقوى. # { قال يبني لا تقصص رؤياك على إخوتك ~~فيكيدوا لك كيدا } [يوسف: 5] يشير إلى أن للحواس والقوى حسدا ~~على القلب لما أودع الله فيه من استدارة قبول الفيض الإلهي ما لم يودع ~~فيها، فلها كيد على حسب حسدها مع القلب بتقوية الشيطان وأعوانه، { إن ~~الشيطان للإنسان عدو مبين } [يوسف: 5]. ### || [12.6] # ثم عبر يعقوب بالروح عن رؤيا يوسف القلب بقوله: { وكذلك ~~يجتبيك ربك } [يوسف: 6] عن سائر المخلوقات فضلا عن أقربائك، { ~~ويعلمك من تأويل الأحاديث } [يوسف: 6] وهو العلم اللدني ~~الذي يختص به القلب، { ويتم نعمته عليك } [يوسف: 6] بأن ~~يتجلى لك ويستوي عليك إذ القلب عرش حقيقي لله تبارك وتعالى دون ما سوى ~~الله كما قاله تعالى: # " لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن " # وهذا الاستحقاق كان ليوسف القلب مختصا بكمال الحسن. # { وعلى ءال يعقوب } [يوسف: 6] أي: إذا تجلى الله تبارك ms0825 وتعالى ~~للقلب تنعكس أنوار التجلي على مرآة القلب عن جميع المتولدات في الروح، ~~كالحواس والقوى وغير ذلك من آل يعقوب الروح، { كمآ أتمهآ على ~~أبويك من قبل } [يوسف: 6] وهما: { إبراهيم } [يوسف: 6] ~~السر، { وإسحاق } [يوسف: 6] الخفي، وبهما يستحق القلب قبول فيض ~~التجلي، ولله في هذا ألطاف خفية لا يطلع عليها إلا صاحب وقت مع الله لا ~~يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، { إن ربك عليم } [يوسف: 6] ~~بهذه الأحوال، { حكيم } [يوسف: 6] فيما يضعها عند المخصوصين بها. ### || [12.7-9] # ثم أخبر عن آيات قصة يوسف وأخواته يشير إلى: { لقد كان في ~~يوسف } [يوسف: 7] القلب، { وإخوته } [يوسف: 7] الأحد عشر: ~~الحواس الخمس والقوى الستة، { آيات } [يوسف: 7] دلالات، { ~~للسائلين } [يوسف: 7] أي: السائلين طريق العبور إلى الله وهم ~~الطالبون الصادقون، { إذ قالوا } [يوسف: 8] أي: الحواس والقوى في ~~حقيقة الأمر. # { ليوسف } [يوسف: 8] أي: يوسف القلب، { وأخوه } [يوسف: 8] ~~بنيامين وهو الحس المشترك، فإن له من الحواس والقوى اختصاصا بالقلب، { ~~أحب إلى أبينا } [يوسف: 8] وهو الروح، { منا } [يوسف: 8] ~~وذلك لأن القلب هو عرش الروح ومحل استوائه عليه الحس المشترك بمثابة ~~الكرسي للعرش. # { ونحن عصبة } [يوسف: 8] أي: عشرة من الحواس القوى، { إن ~~أبانا } [يوسف: 8] يعني: الروح، { لفي ضلال مبين } [يوسف: 8] ~~بأن يختار الاثنين على العشرة، { اقتلوا يوسف } [يوسف: 9] أي: ~~يوسف القلب بسكين الهوى، فإن موت القلب يعني: في الهوى، وهو السم القاتل ~~للقلب، { أو اطرحوه أرضا } [يوسف: 9] أي: أرض البشرية، { يخل ~~لكم وجه أبيكم } [يوسف: 9] يعني: بعد موت القلب يقبل الروح ~~بوجهه إلى الحواس والقوى؛ لتحصيل شهواتها ومراداتها، { وتكونوا من ~~بعده } [يوسف: 9] بعد موت القلب، { قوما صالحين } [يوسف: 9] ~~لتنعم الحيواني والنفساني. ### || [12.10-11] # { قال قآئل منهم } [يوسف: 10] وهو يهوذا المفكرة، { لا ~~تقتلوا يوسف } [يوسف: 10] القلب والقوة، { وألقوه في ~~غيبت الجب } [يوسف: 10] جب القالب وسفل البشرية، { يلتقطه ~~بعض السيارة } [يوسف: 10] أي: سيارة الجولات النفسانية، { إن ~~كنتم فاعلين } [يوسف: 10] فاعلين به. # { قالوا يأبانا ما لك لا تأمنا على يوسف } ~~[يوسف: 11] يشير إلى كيد الحواس والقوى بيوسف القلب، فإن القلب ما دام في ~~نظر الروح ms0826 مراقب له غير مشغول باستعمال الحواس والقوى في اللعب والهوى ~~والتمتع من مراتع البهيمي على صحته وسلامته، فاستدعى أكواس والقوى من ~~الروح أن يرسل يوسف القلب معهم إلى مراتعهم الحيوانية؛ ليتمتعوا به في ~~غيبة يعقوب الروح وهو لا يأمنهم عليه لأنه واقف على مكيدتهم وأنهم يدعون ~~نصحه وحفظه عن الآفات كما قالوا: { وإنا له لناصحون } [يوسف: ~~11]. ### || [12.12-13] # { أرسله معنا غدا يرتع } [يوسف: 12] في مراتعنا، { ~~ويلعب } [يوسف: 12] في ملاعبنا وهي الدنيا، فإنها لعب ولهو، { ~~وإنا له لحافظون } [يوسف: 12] عن فتنة الدنيا وآفاتها، { ~~قال } [يوسف: 13] يعقوب الروح، { إني ليحزنني أن ~~تذهبوا به } [يوسف: 13] أي: بيوسف القلب، { وأخاف أن ~~يأكله الذئب } [يوسف: 13] ذئب الشيطان، فإن القلب إذا بعد عن ~~الروح ونظره يقرب منه الشيطان ويتصرف فيه ويهلكه، { وأنتم عنه ~~غافلون } [يوسف: 13] لانشغالكم بتحصيل مرامكم. ### || [12.14-16] # { قالوا لئن أكله الذئب } [يوسف: 14] أي: أهلكه الشيطان، ~~{ ونحن عصبة إنآ إذا لخاسرون } [يوسف: 14] لأن خسران ~~جميع أعضاء الإنسان في هلاك القلب، وذبحها في سلامة القلب، { فلما ~~ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيبت الجب } ~~[يوسف: 15] وذلك لأن إلقاء القلب العلوي في سفل جب القلب إنما يكون ~~بإجماع الحواس وقوى البشرية باستعماله في طلب الشهوات. # ثم قال: { وأوحينآ إليه } [يوسف: 15] أي: إلى يوسف القلب، { ~~لتنبئنهم بأمرهم هذا } [يوسف: 15] أي: بما أرادوا أن ~~يضروك فينفعوك، { وهم لا يشعرون } [يوسف: 15] يشير إلى أن من ~~خصوصيته تعلق الروح بالقالب أن يتولد منها القلب العلوي والنفس السفلية ~~والقوى والحواس، فيكون ميل الروح والقلب ونزاعهما إلى عالم الروحانية، ~~وميل النفس والقوى والحواس إلى عالم الحيوانية، فإن وكل الإنسان إلى طبعه ~~تكون الغلبة للنفس والبدن على الروح والقلب وهذا حال الأشقياء، وإن أيد ~~القلب بالوحي في غيابة جب القالب إذ سبقت له العناية الأزلية يكون القلب ~~للروح والقلب على النفس والبدن وهذا حال السعداء، { وجآءوا أباهم ~~عشآء يبكون } [يوسف: 16]. ### || [12.17-20] # { قالوا يأبانآ إنا ذهبنا نستبق وتركنا ~~يوسف عند متاعنا فأكله الذئب ومآ أنت بمؤمن ~~لنا ولو كنا صادقين } [يوسف: 17] { وجآءوا على ~~قميصه بدم كذب ms0827 } [يوسف: 18] هذه كلها إشارة إلى تزوير الحواس ~~والقوى، وتلبيسها وتمويهاتها وتخيلاتها الفاسدة وكذباتها وحيلها ومكرها ~~وكيدها وتوهماتها وتسويلاتها المجبولة عليها وإلا كانت للأنبياء. # وفي قوله: { قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر ~~جميل } [يوسف: 18] إشارة إلى معرفة الروح المؤيدة بنور الإيمان أنه ~~يقف على النفس وصفاتها، وما جبلت الحواس والقوى عليه، ولا يقبل منها ~~تمويهاتها وتسويلاتها، ويرى الأمور كلها من عند الله وأحكامه الأزلية، ~~فصبر عليها صبرا جميلا وهو الصبر على ظهور ما أراده الله فيها بالإرادة ~~القديمة، والتسليم لها والرضاء بها. # وبقوله تعالى: { والله المستعان على ما تصفون } ~~[يوسف: 18] يشير إلى الاستعانة بالله على الصبر الجميل فيما يجري من ~~قضائه وقدره، وهذا كله من اختصاص الروح العلوي المؤيد بتأييد الله، ومن ~~ثمرة الصبر الجميل من الروح نجاة القلب من غيابة جب القلب بجذبات العناية ~~كما قال تعالى: { وجاءت سيارة } [يوسف: 19] وهي هبوب نفحات ~~ألطاف الحق، { فأرسلوا واردهم } [يوسف: 19] أي: وارد من ~~واردات تلك النفحات، { فأدلى دلوه } [يوسف: 19] دلو جذبة من ~~جذبات الحق، فخلص يوسف القلب من جب طبيعة القالب. # { قال يبشرى هذا غلام وأسروه بضاعة } [يوسف: ~~19] يشير إلى أن القلب كما له بشارة من تعلق الجذبة وخلاصه في الجب؛ ~~فكذلك الجذبة بشارة في تعلقها بالقلب وإخلاصه من الجب وهي من أسرار # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]، { والله عليم } [يوسف: 19] بالحكمة في البشارتين، ~~{ بما يعملون } [يوسف: 19] من شراءه بثمن بخس، { وشروه ~~بثمن بخس } [يوسف: 20] وهو الحظوظ الفانية، { دراهم ~~معدودة } [يوسف: 20] احتظاظ أيام معدودة. # { وكانوا فيه } [يوسف: 20] أي: في يوسف القلب، { من ~~الزاهدين } [يوسف: 20] لأنهم ما عرفوا قدره؛ وذلك لأن الحواس والقوى ~~مستعدة للاحتظاظ بتمتعاته الدنيوية الفانية، والقلب يعد الاحتظاظ بتمتعات ~~الأخروية الباقية؛ بل هو مستعد للاحتظاظ بشواهد الربانية، وإنه إذا سقي ~~بشراب طهور تجلي الجمال والجلال يهرق سواه على أرض النفوس والقوى والحواس ~~فيحتظون، وللأرض من كأس الكرام نصيب، فلما أخرجوه من جب الطبيعة ذهبوا ~~إلى مصر الشريعة. ### || [12.21] # قوله: { وقال الذي اشتراه من مصر } [يوسف: 21] وهو عزيز ~~مصر الشريعة أي: الدليل ms0828 والمربي على جادة الطريقة؛ ليوصله إلى عالم ~~الحقيقة، { لامرأته } [يوسف: 21] وهي الدنيا، { أكرمي ~~مثواه } [يوسف: 21] اخدمي له في منزل الجسد بقدر حاجته الماسة. # { عسى أن ينفعنآ } [يوسف: 21] حيث يكون صاحب الشريعة، وملكا من ~~ملوك الدنيا يتصرف فينا بإكسير النبوة فتصير الشريعة حقيقة والدنيا آخرة، ~~{ أو نتخذه ولدا } [يوسف: 21] نربيه بلبان ثدي الشريعة ~~والطريقة والفطام عن الدنيا الدنية، { وكذلك مكنا ليوسف ~~في الأرض } [يوسف: 21] يشير إلى تمكين يوسف القلب في أرض البشرية ~~إنما هو ليعلم علم تأويل الرؤيا وهو علم النبوة، كما قال: { ~~ولنعلمه من تأويل الأحاديث } [يوسف: 21] فكما أن الثمرة ~~على الشجرة إنما تظهر إذا كان أصل الشجرة راسخا في الأرض، فكذلك على ~~شجرة القلب إنما تظهر ثمرات العلوم اللدنية والمشاهدة الربانية إذا كان ~~قدم القلب ثابتا في طينة الإنسانية. # { والله غالب على أمره } بمعنيين: أحدهما: أن يكون الله ~~غالبا على أمر القلب أي: يكون الغالب على أمره ومحبة الله وطلبه، ~~والثاني: أن يكون الغالب على أمر القلب جذبات العناية لتقيمه على صراط ~~مستقيم الفناء منه والبقاء بالله، فتكون تصرفاته بالله ولله وفي الله؛ ~~لأنه باق بهويته، فإن عن أنانية نفسه، { ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون } [يوسف: 21] أنهم خلقوا مستعدين لقبول هذه الكمالية ~~يصرفون استعدادهم فيما يورثهم النقصان والخسران. ### || [12.22-26] # { ولما بلغ أشده } أي: مبلغ كمالية استعداده لقبول فيض ~~الألوهية، { آتيناه حكما وعلما } أفضنا عليه سجال الحكمة ~~الألوهية والعلم اللدني. # { وكذلك نجزي المحسنين } [يوسف: 22] أي: كما أفضنا على ~~القلب ما هو مستحقه من الحكمة والعلم بفضلنا وكرمنا، كذلك نجزي الأعضاء ~~الرئيسية والجوارح؛ إذا أحسنوا الأعمال والأخلاق على قاعدة الشريعة ~~والطريقة خير الجزاء وهو التبليغ إلى مقام الحقيقة. # { وراودته التي هو في بيتها عن نفسه } [يوسف: 23] ~~يشير به إلى أن يوسف القلب وإن بلغ أعلى مراتبه في مقام الحقيقة وفنائه ~~عن صفات الأنانية واستغراقه في بحر صفات اللاهوتية لا تنقطع عنه تصرفات ~~زليخاء الدنيا ما دام هو في بيتها وهو الجسد، فإن الجسد للقلب بيت دنيوي، ~~فالمعنى: إن راودت يوسف القلب ms0829 زليخاء الدنيا التي يوسف القلب في بيتها ~~أي: في الجسد الدنيوي وعن نفسه؛ لما رأت في نفسه تعلقه بالجسد داعية إلى ~~الاحتظاظ من الحظوظ الدنيوية ليحتظ بها وتحتظ به. # { وغلقت الأبواب } [يوسف: 23] وهي أبواب أركان الشريعة يعني: ~~إذا فتحت الدنيا على القلب أبواب شهواتها وحظوظها غلقت عليه أبواب ~~الشريعة التي يدخل منها أنوار الرحمة والهداية ونفحات الألطاف والعناية. # { وقالت } [يوسف: 23] أي: الدنيا، { هيت لك } [يوسف: 23] أقبل ~~إلي وأعرض عن الحق، { قال } يعني: القلب الفاني عن نفسه الباقي بربه، ~~{ قال معاذ الله } [يوسف: 23] أي: عياذي بالله عما سواه، { ~~إنه ربي } [يوسف: 23] رباني بلبان ألطاف ربوبيته، { أحسن ~~مثواي } [يوسف: 23] مقامي في عالم الحقيقة فلا أعرض عنه، { إنه ~~لا يفلح الظالمون } [يوسف: 23] الذين يقبلون إلى الدنيا ~~ويعرضون عن الولي. # { ولقد همت به } [يوسف: 24] أي: همت الدنيا بالقلب لما رأت ~~فيه من الحاجة الضرورية للإنسانية إليها، { وهم بها } [يوسف: 24] ~~أي: هم القلب بها فوق الحاجة الضرورية إليها لما ركنت النفس الحريصة على ~~الدنيا ولذاتها، { لولا أن رأى } [يوسف: 24] القلب، { برهان ~~ربه } [يوسف: 24] وهو نور القناعة التي في نتائج نظر العناية إلى ~~قلوب الصادقين، { كذلك لنصرف عنه } [يوسف: 24] من القلب بنظر ~~العناية { السوء } [يوسف: 24] وهو الحرص على الدنيا، { ~~والفحشآء } [يوسف: 24] وهي تصرف حب الدنيا فيه { إنه من ~~عبادنا } [يوسف: 24] لا من عباد الدنيا وغيرها، { المخلصين } ~~[يوسف: 24] مما سوانا أي: المخلصين في جنس الوجود المجازي، الموصلين إلى ~~الوجود الحقيقي، وهذا مقام كمالية القلب أن يكون عبدا لله حرا عما ~~سواه، فانيا عن أوصاف وجوده، باقيا بأوصاف ربه. # { واستبقا الباب } [يوسف: 25] يشير إلى أن يوسف القلب لما رأى ~~برهان ربه وهو نور نظر العناية التي من نتائجها القناعة هرب من زليخاء ~~الدنيا وما يخدع بزينتها وشهواتها اتبعته زليخاء الدنيا واستبقا الباب ~~وهو الموت، فإن الموت باب بين الدنيا والآخرة وكل الناس داخله، فمن خرج ~~من باب دار الدنيا دخل دار الآخرة؛ لأن من مات فقد قامت قيامته، فتعلقت ~~زليخاء الدنيا بيد شهواتها بذيل قميص بشرية يوسف القلب ms0830 قبل خروجه من باب ~~الموت الحقيقي. # { وقدت قميصه } [يوسف: 25] بشريته، { من دبر } [يوسف: 25] ~~فلما خرج يوسف من باب موت البشرية والصفات الحيوانية واتبعته زليخاء ~~الدنيا، { وألفيا سيدها لدى الباب } [يوسف: 25] وهو صاحب ~~ولاية تربية يوسف القلب وزوج زليخاء الدنيا، وإنما سمي سيدها؛ لأن أصحاب ~~الولايات هم سادة الدنيا والآخرة، وهم الرجال على الحقيقة يتصرفون في ~~الدنيا كتصرف الرجل في امرأته. # { قالت ما جزآء من أراد بأهلك سوءا } [يوسف: 25] ~~يشير إلى أن ما جزاء قلب يتصرف في الدنيا بالسوء وهو على خلاف الشريعة ~~ووفق الطبيعة، { إلا أن يسجن } [يوسف: 25] في سجن الصفات الذميمة ~~النفسانية، { أو عذاب أليم } [يوسف: 25] أي: يعذب بألم البعد ~~والفراق، { قال } [يوسف: 26] يوسف القلب وأظهر عداوة زليخاء الدنيا بعد ~~أن خرقت قميص بشريته وخرج من باب الموت عن صفاتها، { هي راودتني ~~عن نفسي } [يوسف: 26] لأنها كانت مأمورة بخدمتي كما قال: # " يا دنيا اخدمي من خدمني " # وإني كنت فارا منها، لقوله: # ففروا إلى الله # [الذاريات: 50]. # { وشهد شاهد من أهلهآ } [يوسف: 26] أي: حكم بينهما حاكم ~~وهو العقل الغريزي دون العقل المجرد، فإن الغريزي دنيوي والمجرد أخروي، ~~فالمعنى أن حاكم العقل الغريزي الذي هو من أهل زليخاء حكم { إن كان ~~قميصه قد من قبل } [يوسف: 26] أي: إن كان قميص بشرية يوسف ~~القلب قد من قبل يدل على أن التابع كان يوسف القلب على قدمي الهوى ~~والحرص، فعدل عن الصراط المستقيم بالعصمة وقد قميص بشريته من قبل { ~~فصدقت } [يوسف: 26] زليخاء الدنيا أنها متبوعة { وهو من ~~الكاذبين } [يوسف: 26] في دعواه إنها راودتني عن نفسي واتبعتني. ### || [12.27-31] # { وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت } [يوسف: 27] ~~زليخاء الدنيا أنها متبوعة { وهو من الصادقين } [يوسف: 27]؛ ~~يعني: يوسف القلب، وإن زليخاء الدنيا راودته عن نفسه واتبعته وإنه متبوع، ~~{ فلما رأى قميصه قد من دبر } [يوسف: 28] حكم حاكم ~~العقل أن يد تصرف زليخاء الدنيا لا تصل إلى يوسف القلب إلا بواسطة قميص ~~بشريته، { قال إنه } [يوسف: 28] أي: تعلق قميص بشرية يوسف القلب. # { من كيدكن } [يوسف: 28] أي: من كيد ms0831 الدنيا وشهواتها، { إن ~~كيدكن عظيم } [يوسف: 28] لا تكن تكيدن في أمر عظيم وهو قطع طريق ~~الوصول إلى الله العظيم على القلب السليم، { يوسف أعرض عن ~~هذا } [يوسف: 29] أي: يا يوسف القلب أعرض عن زليخاء الدنيا، فإن كثرة ~~الذكر تورث المحبة وحب الدنيا رأس كل خطيئة، { واستغفري لذنبك ~~} [يوسف: 29] أي: استغفر يا زليخاء الدنيا، { إنك كنت } [يوسف: 29] ~~بزينتك وشهواتك قاطعة عن طريق الله تعالى على يوسف القلب وأنت في ذلك، { ~~من الخاطئين } [يوسف: 29] الذين ضلوا عن الطريق وأضلوا كثيرا. # { وقال نسوة في المدينة } [يوسف: 30] يشير بالنسوة: إلى ~~صفات البشرية النفسانية من البهيمية والسبعية والشيطانية في مدينة الجسد، ~~{ امرأة العزيز } [يوسف: 30] وهي الدنيا، { تراود فتاها ~~عن نفسه } [يوسف: 30] تطالب عبدها وهو القلب كان عبد الدنيا في ~~البداية لحاجته إليها للتربية، فلما كمل القلب وصفا وصقل عن دنس ~~البشرية استأهل المنظر الإلهي فتجلى له الرب تبارك وتعالى فتنور القلب ~~بنور جماله وجلاله احتاج إليه كل شيء وسجد له حتى الدنيا { قد ~~شغفها حبا } [يوسف: 30] أي: أحبته الدنيا غاية الحب لما ترى عليه ~~آثار جمال الحق، ولما لم يكن لنسوة صفات البشرية اطلاع على جمال يوسف ~~القلب كن يلمن الدنيا على محبته، فقلن، { إنا لنراها في ضلال ~~مبين } [يوسف: 30]، { فلما سمعت } [يوسف: 31] أي: زليخاء ~~الدنيا، { بمكرهن } [يوسف: 31] في ملامتها، { أرسلت ~~إليهن } [يوسف: 31] أي: الصفات، { وأعتدت لهن متكئا ~~} [يوسف: 31] أي: تهيأت طعمة مناسبة لكل صفة منها، { وآتت كل ~~واحدة منهن سكينا } [يوسف: 31] وهي سكين الذكر، { ~~وقالت } [يوسف: 31] زليخاء الدنيا ليوسف القلب، { اخرج ~~عليهن } [يوسف: 31] وهو إشارة إلى غلبة أحوال القلب على صفات ~~البشرية. # { فلما رأينه } [يوسف: 31] أي: وقفن على جماله وكماله، { ~~أكبرنه } [يوسف: 31] أي: أكبرن جماله أن يكون جمال البشر { ~~وقطعن أيديهن } [يوسف: 31] بسكين الذكر عن تعلق ما سوى الله ~~تعالى، { وقلن حاش لله ما هذا بشرا } [يوسف: 31] أي: ~~جماله بشر، { إن هذآ إلا ملك كريم } [يوسف: 31] ما هذا ~~إلا جمال ملك كريم، وهو الله تعالى بقراءة من قرأ (ملك) بكسر اللام. ### || [12.32-34] # { قالت } [يوسف: ms0832 32] زليخاء الدنيا النسوة الصفات، { فذلكن ~~الذي لمتنني فيه } [يوسف: 32] في محبة هذا الجمال، { ولقد ~~راودته عن نفسه } [يوسف: 32] اعترفت عند استيلاء المحبة ~~وغلباتها من نالت من محبة بعض ما نالته، وقدمت نفسها لنفس المحبوب، ~~واستهدفت نفسها للملامة، وجعلت العصمة حظ المحبوب. # فقالت: { فاستعصم } [يوسف: 32] يعني: أنا الذي عرضت عليه نفسي ~~وتعرضت للفجور وهو الذي أعرض عني واعتصم بالله، { ولئن لم يفعل ~~مآ آمره ليسجنن } [يوسف: 32] وهذا أيضا إظهار الشر والظلم عن ~~نفسها، وإظهار الخير والعفة عنه عن نفس محبوبها حتى استخرجت منه قول: { ~~قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه } ~~[يوسف: 33] فيه إشارة إلى أن القلب إذا لم يتابع أمر الدنيا وهوى نفسه، ~~ولم يجب إلى ما يدعوه وداعي البشرية يكون مسجونا في سجن الشرع والعصمة ~~من الله. # وفي قوله: { وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن ~~وأكن من الجاهلين } [يوسف: 33] إشارة إلى أن القلب وإن كان في ~~كماله كقلب من الأنبياء لو خلي إلى طبعه ولم يعصمه الله تعالى عن مكائد ~~الدنيا، وآفات الدواعي البشرية، وهواجس النفس، ووسواس الشيطان يميل إلى ~~ما يدعونه إليه ويكون من جملة النفوس الظلومة الجهولة، { فاستجاب ~~له ربه } [يوسف: 34] يجيب المضطر إذا دعاه، { فصرف عنه ~~كيدهن } [يوسف: 34] عن القلب كيد الدنيا وصفات النفس، { إنه ~~هو السميع } [يوسف: 34] لمن دعاه، { العليم } [يوسف: 34] بذاته ~~وذواتهم. ### || [12.35-36] # وقوله: { ثم بدا لهم } [يوسف: 35] أي: ظهر لمربي القلب بلبان ~~الشريعة وهو شيخ الطريقة ومن راعى صلاحية القلب، { من بعد ما ~~رأوا الآيات } [يوسف: 35] وهي آثار عناية الله تعالى، وعصمة القلب ~~من الالتفات إلى ما سواه، { ليسجننه } [يوسف: 35] في سجن الشرع، ~~{ حتى حين } [يوسف: 35] أي: إلى حين قطع تعلقه عن الجسد بالموت ~~نظره قول، # واعبد ربك حتى يأتيك اليقين # [الحجر: 99] أي: الموت إذ النبي مسلم مع كماله في الدنيا، والنبوة ~~والرسالة مأمور من محبوبه بأن يكن مسجونا في سجن الشرع حتى حين موته ~~فكيف من دونه؟ والله أعلم. # قوله: { ودخل معه السجن فتيان } [يوسف: 36] يشير إلى أنه ~~لما دخل يوسف ms0833 القلب سجن الشريعة، { ودخل معه السجن فتيان ~~} [يوسف: 36] وهما ساقي النفس وخباز البدن غلامان لملك الروح أحدهما صاحب ~~شرابه والآخر صاحب طعامه، فالنفس صاحب شرابه تهيئ لملك الروح ما يصلح له ~~شربه منه، فإن الروح العلوي الأخروي لا يعمل عملا في السفلي البدني إلا ~~بشرب يشربه النفس، والبدن صاحب طعامه الذي يهيئ من الأعمال الصالحة ما ~~يصلح لغذاء الروح، والروح لا تبقى إلا بغذاء روحاني باق كما أن الجسم لا ~~يبقى إلا بغذاء جسماني، وإنما حبسا في سجن الشريعة لأنهما متهمان بأن ~~يجعلا السم في شراب ملك الروح وطعامه فيهلكاه، وهو سم الهوى والمعصية فإذ ~~كانا محبوسين في سجن الشريعة أمن ملك الروح من شرهما. # { قال أحدهمآ إني أراني أعصر خمرا وقال ~~الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل ~~الطير منه نبئنا بتأويله } [يوسف: 36] يشير إلى أن ~~النفس البدن كلاهما ينادي وأهل الدنيا نيام، فإذا ماتوا انتبهوا، وكل عمل ~~يعمل أهل الدنيا فهو بمثابة الرؤيا التي رآها النائم، فإذا انتبه بالموت ~~يكون له تأويله يظهر في الآخرة، ويوسف القلب بتأويل منامات أهل الدنيا ~~عالم؛ لأنه من المحسنين كما قال: { إنا نراك من المحسنين } ~~[يوسف: 36]. ### || [12.37-38] # { قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما ~~بتأويله قبل أن يأتيكما } [يوسف: 37] يعني: قال الذين ~~يعبدون الله على الرؤية والمشاهدة بقلوب حاضرة عند مولاهم # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22-23]، فكل حكم صدر من تلك الحضرة فهم شاهدوه في الغيب قبل ~~نزوله إلى عالم الشهادة، فكساه القوة المتحلية عند عبوره عليها كسوة ~~خيالية تناسب معناه، تصاحب الرؤيا إن كان عالما بلسان الخيال فيعتبره ~~وإلا يعرضه على المعبر ليكون ترجما فأله، فيترجم له لسان الخيال ويخبره ~~عن الحكم الصدر عن الحضرة الإلهية، فلهذا كانت الرؤيا الصالحة جزءا من ~~أجزاء النبوة؛ لأنه نوع من الوحي الصادر من الله، وتأويل الرؤيا جزءا ~~أيضا من أجزاء النبوة؛ لأنه علم لدني يعلمه من يشاء من عباده كما قال ~~يوسف عليه السلام: { ذلكما مما علمني ربي } ثم قال: ms0834 { ~~إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله } [يوسف: 37] ~~يعني: تركت هذه الملة، { علمني ربي } وفيه إشارة إلى أن القلب ~~مهما ترك ملة النفس والهوى والطبيعة علمه الله علم الحقيقة، وملتهم أنهم ~~قوم لا يؤمنون بالله؛ لأن النفس تدعي الربوبية كما قال نفس فرعون: # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24] والهوى يدعي الإلهية كما قال تعالى: # أرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الفرقان: 43] والطبيعة هي التي ضد البشرية. # { واتبعت ملة آبآئي إبراهيم } [يوسف: 38] السر، { ~~وإسحاق } [يوسف: 38] الخفي، { ويعقوب } [يوسف: 38] الروح، ~~وكانت ملتهم التوحيد والمعرفة، وأنهم أرباب الكشوف وأصحاب المشاهدات، { ~~ما كان لنآ أن نشرك بالله من شيء } [يوسف: 38] من ~~الأشياء التي هي ما سوى الحق تبارك وتعالى، { ذلك من فضل الله ~~علينا } [يوسف: 38] إذا أعطانا هذه الهداية. # { وعلى الناس } [يوسف: 38] يعني: النفس والبدن والأعضاء والجوارح ~~بأن أفضنا عليهم فما أفاض الله علينا، { ولكن أكثر الناس } ~~[يوسف: 38] يعني: الذين نسوا نعمة الله، { لا يشكرون } [يوسف: 38] ~~على نور فضله وكرمه. ### || [12.39-41] # وقوله: { يصاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير } ~~[يوسف: 39] يشير إلى النفس والبدن أنهما صاحبا يوسف القلب في سجن ~~الشريعة، وأرباب متفرقون من الدنيا والهوى والشيطان، { خير أم ~~الله الواحد القهار } [يوسف: 39] لما دونه، { ما ~~تعبدون من دونه إلا أسمآء سميتموهآ أنتم } ~~[يوسف: 40] يا أهل النفوس، { وآبآؤكم } [يوسف: 40] أهل الدنيا ليس ~~تحتها طائل وهي ظل زائل. # { مآ أنزل الله بها } [يوسف: 40] أي: بعبادتها، { من ~~سلطان } [يوسف: 40] حجة وبرهان، { إن الحكم } [يوسف: 40] في ~~الوجود والعدم، { إلا لله } [يوسف: 40] بإيجاد المعدود وبإعدام ~~الموجود، { أمر } [يوسف: 40] بحكمه، { ألا تعبدوا إلا ~~إياه } [يوسف: 40] ولا تعبدوا نحوه، { ذلك الدين القيم } ~~[يوسف: 40] القيوم والصراط المستقيم، { ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون } [يوسف: 40] حقيقة هذا المعنى، بل يدعون بعبادة الهوى ~~والدنيا، { يصاحبي السجن } [يوسف: 41] وهما النفس والبدن، { ~~أمآ أحدكما } [يوسف: 41] وهو النفس. # { فيسقي ربه } [يوسف: 41] أي: سيده وهو الروح، { خمرا } ~~[يوسف: 41] وهو ما خامر العقل مرة من شراب الشهوات واللذات النفسانية، ~~وتارة بأقداح المعاملات والمجاهدات شراب الكشوف والمشاهدات الربانية وهي ~~باقية في خدمة ملك الروح، ms0835 { وأما الآخر } [يوسف: 41] وهو البدن، { ~~فيصلب } [يوسف: 41] بحبل الموت، { فتأكل الطير } [يوسف: ~~41] طير أعوان ملك الموت، { من رأسه } [يوسف: 41] الخيالات الفاسدة ~~التي جمعت في أم دماغه، { قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ~~} [يوسف: 41] أي: قضي في الأزل على هذه الصفة الأمر الذي أنتم اليوم فيه ~~تطلبان الفتوى، والله أعلم. ### || [12.42-43] # وقال: { وقال للذي ظن أنه ناج منهما } [يوسف: 42] ~~أي: وقال يوسف القلب المسجون في حبس صفات البشرية للنفس، { اذكرني ~~عند ربك } [يوسف: 42] وهو الروح يشير إلى أن القلب المسجون في بدء ~~أمره يلهم النفس بأن يذكره بالمعاملات المستحسنة الشريعة عند الروح ~~استقوى بها الروح، وينبه عن نوم الغفلة المنسية من الحواس الخمس، ويسعى ~~في استخلاص القلب عن أسرار الصفات البشرية بالمعاملات الروحانية مستمدا ~~من الألطاف الربانية. # { فأنساه الشيطان ذكر ربه } [يوسف: 42] يعني: الشيطان ~~ووسواسه يمحو عن النفس أثر إلهامات القلب؛ لينسي النفس ذكر الروح بتلك ~~المعاملات، وفيه معنى آخر: وهو أن الشيطان أنسى القلب ذكر ربه يعني: ذكر ~~الله حتى استغاث بالنفس؛ لتذكره عند الروح ولو استعان الله لخلصه في ~~الحال. # { فلبث في السجن بضع سنين } [يوسف: 42] يشير به إلى صفات ~~البشرية السبع التي بها القلب محبوس وهي: الحرص والبخل والشهوة والحسد ~~والعداوة والغضب والكبر، وإذا أراد الله أن يخلص القلب عن سجن صفات ~~البشرية يري الروح الذي هو ملك مصر القالب رؤيا، كما قال تعالى: { ~~وقال الملك } [يوسف: 43] أي: الروح، { إني أرى سبع ~~بقرات سمان } [يوسف: 43]، وهن صفات البشرية السبع، { ~~يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر ~~يابسات } [يوسف: 43]، يشير بهن إلى صفات الروحانية السبع التي هن ~~أضداده صفات البشرية وهن: القناعة والسخاء والعفة والغبطة والشفقة والحلم ~~والتواضع. # { يأيها الملأ } [يوسف: 43] أي: الأعضاء والجوارح والحواس ~~والقوى، { أفتوني في رؤياي } [يوسف: 43] أي: فيما رأيت في ~~الملكوت بالغيب عنكم، { إن كنتم للرءيا } [يوسف: 43] أي: لا يرى ~~في الملكوت، { تعبرون } [يوسف: 43] تعلمون تأويله. ### || [12.44-46] # { قالوا } [يوسف: 44] أي: الأعضاء والجوارح والحواس والقوى، { ~~أضغاث أحلام } [يوسف: 44] لا أصل لها، { وما نحن ~~بتأويل الأحلام بعالمين } [يوسف: ms0836 44] يعني: ليس التصرف في ~~الملكوت، ومعرفة شواهده من شأننا، { وقال الذي نجا منهما } ~~[يوسف: 45] أي: النفس الملهمة من القلب، { وادكر بعد أمة ~~أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون } [يوسف: 45] إلى يوسف ~~القلب يشير به إلى أن النفس إذا أرادت أن تعلم شيئا مما يجري في الملكوت ~~يرجع بقوة التفكر إلى القلب فتستخبر عنه فالقلب يخبرها؛ لأنه يشاهد ~~الملكوت ويطالع شواهده وهو واقف بلسان الغيب، وهو ترجمان بين الروحانيات ~~والنفس مما يفهم من لسان الغيب الروحاني يا أول النفس، ويفهما تارة بلسان ~~الخيال، وتارة بالفكر السليم، وتارة بالإلهام. # { يوسف أيها الصديق } [يوسف: 46] أي: يا يوسف القلب، ~~والصديق هو الذي يصدق مما يرى من شواهد الحق ويصدق فيما يرى للحق، وهذا ~~من أوصاف القلب السليم يدل عليه قوله تعالى: # ما كذب الفؤاد ما رأى # [النجم: 11] وقال الكتاني: حدثني قلبي عن ربي، فصدق القلب فيما حدث به ~~الرب وصدق فيما حدث به عنه، { أفتنا في سبع بقرات سمان ~~يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر ~~يابسات لعلي أرجع إلى الناس } [يوسف: 46] أي: إلى ~~الأجزاء الإنسانية، { لعلهم يعلمون } [يوسف: 46] من أخباركم ~~لهم من الغيب وأحوال الملكوت ما لا تعلمون. ### || [12.47-50] # { قال } أي: يوسف القلب، { تزرعون سبع سنين دأبا } يشير ~~به إلى أن تربية صفات البشرية السبع بالعادة والطبيعة، وذلك في سني أوان ~~الطفولية قبل البلوغ وظهور العقل وجريان قلم التكلف عليه { فما ~~حصدتم فذروه في سنبله } [يوسف: 47] أي: فما حصدتم من هذه ~~الصفات عند الكمالية فلا تستعملوه وذروه في أماكنه، { إلا قليلا ~~مما تأكلون } [يوسف: 47] أي: قليلا مما تعيشون به وهو بمنزلة ~~الغناء لمصالح قيام القالب إلى أن يبلغوا حد البلاغة، ويظهر نور العقل في ~~مصباح السر عن زجاجة القلب كأنه كوكب دري { ثم يأتي من بعد ~~ذلك سبع شداد } [يوسف: 48] من صفات الروحانية والأخلاق الحميدة. # { يأكلن ما قدمتم لهن } [يوسف: 48] يشير به إلى أن نور ~~العقل إذا أيدناه بتأييد أنوار تكاليف الشرع بعد البلوغ وشرفه بإلهام ~~الحق في إظهار فجور النفس وهو صفات البشرية السبع ms0837 وتقواها، وهو الاجتناب ~~بالتزكية عن هذه الصفات، والتحلية بصفات الروحانية السبع العجاف قد أكلت ~~السبع السمان، وإنما سمي السبع العجاف؛ لأنها من عالم الأرواح وهو لطيف ~~فسميت العجاف، وصفات البشرية عن عالم الأجسام كثيفات وهو كثيف فسميت ~~السمان، { إلا قليلا مما تحصنون } [يوسف: 48] أي: لا يبقى ~~من صفات البشرية عند غلبات الصفات الروحانية إلا قليلا تحصن بها الإنسان ~~حياة قالبه وبقاء صورته. # { ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس ~~وفيه يعصرون } [يوسف: 49] يشير به إلى أن بعد غلبات صفات ~~الروحانية، واضمحلال صفات البشرية يظهر مقام فيه يتدارك السالك جذبات ~~العناية يتبرأ العبد عن معاملاته، وينجو عن محبة وجوده وحجب أنانيته، ~~وكان حصنه وملجأه الحق تبارك وتعالى { وقال الملك } [يوسف: 50] ~~أي: الروح، { ائتوني به } [يوسف: 50] أي: فلما أخبر القلب بنور ~~الله كما رآه الروح في عالم الملكوت وتأويله استحق لقربة الروح وصحبته ~~فاستدعى حضوره، { فلما جآءه الرسول } [يوسف: 50] وهو النفس، ~~ولاقى رسالة الروح في استحضاره وخلاصه عن سجن صفات البشرية. # { قال ارجع إلى ربك } [يوسف: 50] أي: الروح، { فاسأله ~~ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن } [يوسف: 50] ~~يشير بالنسوة إلى الأوصاف الإنسانية، فلما رأين جمال يوسف القلب المنور ~~بنور الله ولهن من حسنه وجماله، وقطعن أيديهن عن الدنيا وملاذها ~~وشهواتها، { إن ربي بكيدهن عليم } [يوسف: 50] أي: بكيد ~~أوصاف الإنسانية في طلب شهوات الدنيا وتبدأ إنما قطعن أيدي طلبهن عنها ~~لما شاهدت كمالات السعادات الأخروية الباقية فآثروها على الدنيا الفانية. ### || [12.51-52] # { قال } [يوسف: 51] يعني: الروح للأوصاف الإنسانية، { ما خطبكن ~~إذ راودتن يوسف عن نفسه } [يوسف: 51] أي: يوسف القلب هل ~~رأيتن فيه مناسبة حتى ملن إليه؟ { قلن حاش لله ما علمنا ~~عليه من سوء } [يوسف: 51] يناسب حالنا، { قالت امرأت ~~العزيز الآن حصحص الحق } [يوسف: 51] ظهر الحق وخفي الباطل ~~إذا الأوصاف الإنسانية شاهدة جمال يوسف القلب وعزته في طلب الحق وترك ~~زليخاء الدنيا، { أنا راودته عن نفسه } بكمال جماله حاله ~~ونقصان قبيح حالي، { وإنه لمن الصادقين } [يوسف: 51] في طلب ~~الحق، وترك متابعة الهوى في ms0838 طلب الدنيا. # { ذلك } [يوسف: 52] الرد من الرسول لنفسه؛ أي: طلب الروح، { ~~ليعلم أني لم أخنه بالغيب } [يوسف: 52] يشير به إلى ~~كلام القلب المنظور بنظر العناية أنه لما غاب عن حضرة الروح؛ لانشغاله ~~بتربية النفس والقالب وتدبير مصالحهما ما خانه بالالتفات إلى الدنيا ~~ونعيمها، { وأن الله لا يهدي كيد الخائنين } [يوسف: ~~52] أي: لا يرشد كيد من خانه؛ أي: بائع الدين بالدنيا. ### || [12.53-57] # ثم قال: إظهار للعجز من نفس والفضل من ربه، { ومآ أبرىء نفسي ~~إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي } ~~[يوسف: 53] يعني: خلقت النفس على جبلة الأمارية بالسوء طبعا حين خليت ~~إلى طبعها لا يأتي منها إلا الشر ولا تأمر بالسوء، ولكن إذا رحمها ربها ~~ونظر إليها بنظر العناية يقبلها من طبعها ويبدل صفاتها، ويجعل أماريتها ~~مبدلة بالمأمورية وشريتها بالخيرية، فإذا تنفس صبح الهداية في ليلة ~~البشرية وأضاء أفق سماء القلب صارت النفس لوامة تلوم نفسها على شر ~~فعلتها، وندمت على ما صدر عنها من الأمارية بالسوء، فيتوب الله عليها فان ~~الندم توبة، وإذا طلعت شمس العناية من أفق الهداية صارت النفس ملهمة إذ ~~هي تنورت بأنوار شمس العناية فألهمها نورها فجورها وتقواها، وإذا بلغت ~~شمس العناية وسط سماء الهداية وأشرقت الأرض بنور ربها صارت النفس مطمئنة ~~مستعدة لخطاب ربها بجذبة # ارجعي إلى ربك راضية مرضية # [الفجر: 28]، { إن ربي غفور } [يوسف: 53] لنفس تائبة راجعة ~~إليه، { رحيم } [يوسف: 53] لمن أحسن طاعته وعبوديته. # { وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما ~~كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين } [يوسف: ~~54]، ويشير إلى أن ملك الروح لما وقف على حسن استعداد يوسف القلب، وأن ~~له اختصاصا بالله في علم تأويل ما يرى الروح ما أراه الحق تعالى من ~~مكنونات الغيب، ولم يعلم حقيقته إلا أن يؤوله القلب له بما خص الله تعالى ~~القلب بالنظر إليه، وهو ينظر بنور الله الذي هو من خصوصيته نظر الله ~~تعالى إليه فيرى حقائق الأشياء بالنور، فالروح تسعى في خلاص القلب عن سجن ~~صفات البشرية؛ ليكون خالصا له في ms0839 كشف حقائق الأشياء، ولم يعلم أنه خلق ~~لإصلاح جميع رعايا مملكته روحانية وجسمانية، كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن في جسد ابن آدم لمضغة إذا أصلحت صلح بها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد ~~بها سائر الجسد ألا وهي القلب ". # وللقلب اختصاص آخر بالله تعالى دون سائر المخلوقات فهو به خالصته للحق ~~دون الخلق وهو قوله: # " لا يسعني أرضي ولا سمائي، وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن " # وهذا كما كان حال ملك مصر مع يوسف لما رأى أن له علم تأويل رؤياه الذي ~~هو بمعزل عن عمله قال: { ائتوني به أستخلصه لنفسي } ~~[يوسف: 54] لما علم أنه خلق لإصلاح جميع رعاياها ملك مصر وغيرها، وهو ~~خالصة الله تعالى لا يصلح أن يكون خالصة للملك، ولكن الله تعالى استحسن ~~من الملك إحسانه مع يوسف واستخلاصه من السجن، فما أحسن إليه بأن رزقه ~~الإيمان، واستخلصه من سجن الكفر والجهل، وجعله خالصته بحضرته بالعبودية، ~~وترك الدنيا وزخارفها، وطلب الآخرة ودرجاتها. # { قال } يوسف القلب لملك الروح { اجعلني على خزآئن ~~الأرض } [يوسف: 55] أي: خزائن أرض الجسد، فإن لله تعالى في كل عضو من ~~أعضاء ظاهر الجسد وباطنه خزانة من اللطف والقهر فيها نعمة أخرى، كالعين ~~فيها نعمة البصر فإن استعملها في رؤية البصر ورؤية الآيات والصنائع فيجد ~~اللطف وينتفع به، وإن استعملها في مستلذاتها وشهوات النفس ولم يحفظ نفسه ~~منها فتجد القهر ويضره ذلك، وقس الباقي على هذا المثال، ولهذا قال يوسف: ~~{ إني حفيظ عليم } [يوسف: 55] أي: حافظ نفسي فيها عما يضرها ~~عليم بنفعها وضرها واستعمالها فيما ينفع ولا يضر. # { وكذلك مكنا ليوسف } ليوسف القلب، { في الأرض } أرض ~~الجسد، { يتبوأ منها } أي: يتصرف في جميع الأعضاء، { حيث ~~يشآء } [يوسف: 56] من تلك الخزائن، { نصيب برحمتنا من ~~نشآء } [يوسف: 56] يشير إلى أن إصابة اللطف من تلك الخزائن دون القهر ~~موكلة إلى مشيئة الله تعالى لا إلى مشيئة الخلق، فإن الخلق لو وصلوا إلى ~~شيمهم ومشيئتهم أصابوا من تلك الخزائن باستعمالهم نعمها في مشتهيات ~~نفوسهم القهر الموجع فيها دون ms0840 اللطف. # { ولا نضيع أجر المحسنين } [يوسف: 56] أي: الحافظين ~~نفوسهم عن هواها وشهواتها العالمين بالتصرف في تلك الخزائن على وفق الشرع ~~وخلاف الطبع، { ولأجر الآخرة } [يوسف: 57] أي: رفعة الدرجات ~~الأخرويات والنعم الباقيات، { خير للذين آمنوا وكانوا ~~يتقون } [يوسف: 57] من الشهوات الدنيويات الفانيات بالطاعات ~~والقربات، فلما تمكن يوسف القلب في حمي مملكة مصر الجسد بالتأييد ~~الرباني، وصارت خزائن أرض الجسد تحت تصرفه واحتاجت رعايا الأعضاء ~~والجوارح إليه حتى أوصاف البشرية التي هي بمثابة إخوة يوسف فجاءوا إليه ~~في طلب الميسرة. ### || [12.58-62] # كما قال تعالى: { وجآء إخوة يوسف فدخلوا عليه } ، ~~وهم الأوصاف البشرية، { فعرفهم } يوسف القلب؛ لأنه ينظر بنور الله، ~~{ وهم له منكرون } [يوسف: 58] لبقائهم في الظلمة، وحرمانهم عن ~~نور التوبة والاستغفار، وكذا كان حال يوسف مع إخوته فإنه عرفهم بنور ~~المعرفة والنبوة. # { وهم له منكرون } لبقاء ظلمة معاصيهم وحرمانهم عن نور النبوة ~~والاستغفار، ولو عرفوه حق المعرفة ما باعوه بثمن بخس، ولو لم يعرفهم يوسف ~~أنهم أولاد الأنبياء، وأنهم مستعدون للنبوة ما عفي عنهم واستغفر لهم، # قال لا تثريب عليكم اليوم # [يوسف: 92] وما أحال فعلهم إلى الشيطان، وقال: # نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي # [يوسف: 100]. # { ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم ~~من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا ~~خير المنزلين } [يوسف: 59] يشير إلى أن يوسف القلب لما التجأت ~~إليه أوصاف البشرية بدل صفاتها المذمومة النفسانية بالصفات المحمودة ~~الروحانية، واستدعى منها استحضار بنيامين السر وهو أخو يوسف القلب حقا، ~~وذلك أن السر لا يحضر مع القلب إلا بعد تبديل الصفات الذميمة بالحميدة، ~~وإذا حضر السر مع القلب يوفى إليه بأوفى الكيل ما لم يوف إلى الأوصاف ~~البشرية. # ثم قال: { فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ~~ولا تقربون } [يوسف: 60] يشير إلى أن كيل الأوصاف إنما يكون بكيل ~~السر وحضوره مع القلب بعد خلاصه عن تصرف الأوصاف، فإذا لم يكن خلاصه عنهم ~~فلا يكون لهم عند القلب كيل حقيقي بتبديل أوصافهم ولا قوة لهم عند القلب ~~فأجابوه، { قالوا سنراود عنه أباه } [يوسف: ms0841 61] نخدع عنه ~~إياه بإبقاء الكيل عليه كما أوفيت علينا، { وإنا لفاعلون } ~~[يوسف: 61] ما نريد من إخفاء السر. # { وقال } [يوسف: 62] يعني: يوسف القلب، { لفتيانه } [يوسف: 62] ~~أي: لصفاته في الأصل، { اجعلوا بضاعتهم في رحالهم } ~~[يوسف: 62] أي: بضاعة إخوته وهم أوصاف البشرية، وبضاعتهم الأعمال الصالحة ~~البدنية يشير إلى أن بضاعة كل عمل من أعمال البدنية التي تجري بهما أوصاف ~~البشرية إلى حضرة يوسف القلب هي مردودة إليها؛ لأن القلب مستغن عنها، ~~وإنما أوصاف البشرية محتاجة إليها، فإن النفس تتأدب وتتزكى بها وتتحسن ~~بأخلاقها، وقال الله تعالى: # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها # [الإسراء: 7]. # وإن تربية القلب إنما هي بالأعمال القلبية الروحانية كالنيات الصالحة، ~~ولهذا قال صلى الله عليه سلم # " نية المؤمن خير من عمله " # وفي رواية: # " أبلغ من عمله " # وكما العزائم الصادقة، والأخلاق الحميدة، والإقبال على الله، والإعراض ~~عما سواه، وصدق الطلب والتوجه للحق، وتخليص محبة الله عن شركة محبة ~~المخلوقات، والتسليم والرضاء بالقضاء، وبذل الوجود المجازي في طلب الوجود ~~الحقيقي، وهذا كله من قبيل التزكية والتصفية لسعي العبودية، ثم كمال ~~تربية القلب من مواهب الربوبية بالتجلية وهي طلوع شمس مشاهدات أنوار ~~الحق، وإظهار أنواع مكاشفاته من مشارق غيب الغيوب، وتجلي صفاته وذاته. # وفي قوله: { لعلهم يعرفونهآ إذا انقلبوا إلى ~~أهلهم لعلهم يرجعون } [يوسف: 62] إشارة إلى أن أوصاف ~~البشرية إذا انقلبوا ببضاعة طاعتها إلى النفس وصفاتها يعرونها أنها تصلح ~~لها لا للقلب، فتزكى النفس بتزكي الطاعات وتتربى بها، فتتزكى عن صفة ~~الأمارية فتصير مأمورة مطمئنة، فتستحق لجذبة خطاب الحق وأمر: # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28] فترجع النفس مع أوصاف بشريتها إلى حضرة الربوبية، فيكون ~~طريقها على يوسف القلب وأهاليه، كقوله: # فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي # [الفجر: 29-30]. ### || [12.63-67] # { فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يأبانا منع ~~منا الكيل فأرسل معنآ أخانا } [يوسف: 63] وهو بنيامين ~~السر، { نكتل وإنا له لحافظون } [يوسف: 63] يشير إلى أن ~~أوصاف البشرية، { فلما رجعوا } [يوسف: 63] عن أحواله إلى ربهم كان ~~عبورهم، { إلى أبيهم } [يوسف: 63] يعقوب الروح، { قالوا ~~يأبانا منع منا الكيل ms0842 } [يوسف: 63] أي: الكيل الكامل إذا ~~لم يكن معنا أخونا بنيامين السر فأرسله معنا نكتل بحضوره معنا الكيل ~~الكامل من خزائن يوسف القلب، { وإنا له لحافظون } [يوسف: 63] ~~عن تصرفات الشيطان ومكائد الدنيا. # { قال } [يوسف: 64] يعقوب الروح، { هل آمنكم عليه إلا ~~كمآ أمنتكم على أخيه } [يوسف: 64] يوسف القلب، { من قبل ~~فالله خير حافظا } [يوسف: 64] أي: آمنته عليه منكم، { وهو ~~أرحم الراحمين } [يوسف: 64] لمن يتوكل عليه ويأمنه، { ولما ~~فتحوا متاعهم } [يوسف: 65] أي: الذي استغفاره من القلب، { ~~وجدوا بضاعتهم } [يوسف: 65] أي: فوائد طاعتهم، { ردت ~~إليهم } [يوسف: 65] عائدة عليهم، { قالوا يأبانا ما نبغي ~~} [يوسف: 65] ما نطلب وراء هذا، وفي لنا كيل المعرفة والتوحيد، { ~~هذه بضاعتنا } [يوسف: 65] من الأعمال الصالحة، { ردت ~~إلينا } [يوسف: 65] فوائدها ترجع إلى يوسف القلب. # { ونمير أهلنا } [يوسف: 65] وهم: الأعضاء والجوارح تحصيل لهم ~~قوتا روحانيا يزيد في قوتهم الجسدانية، { ونحفظ أخانا } [يوسف: ~~65] من حوادث النفسانية ووساوس الشيطانية، { ونزداد } [يوسف: 65] ~~بواسطة حضور أخيه السر من القلب، { كيل بعير } [يوسف: 65] من ~~الفوائد الروحانية الربانية، { ذلك كيل يسير } [يوسف: 65] يسره ~~الله. # { قال } [يوسف: 66] يعقوب الروح، { لن أرسله معكم حتى ~~تؤتون موثقا من الله } [يوسف: 66] وهو همة علية وعزيمة ~~صادقة، { لتأتنني به } [يوسف: 66] أي: بالسر مع الفوائد ~~الربانية، { إلا أن يحاط بكم } [يوسف: 66] أي: إلا أن يغلب ~~عليكم الأحكام الأزلية والحكم الإلهية، { فلمآ آتوه موثقهم ~~قال الله على ما نقول وكيل } [يوسف: 66]. # { وقال يبني } [يوسف: 67] يشير إلى أنه توكيل بعد التوكيل كقوله ~~تعالى: { لا تدخلوا من باب واحد } [يوسف: 67] يشير إلى توصية ~~الروح لأوصاف إلى البشرية عند تقربها إلى القلب واستفادتها منه ألا ~~يتقربوا إليه بنوع واحد من المعاملات، { وادخلوا من أبواب ~~متفرقة ومآ أغني عنكم من الله من شيء إن ~~الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه ~~فليتوكل المتوكلون } [يوسف: 67] من أنواع العبودية، فإن ~~في ذلك سعي العباد وجهدهم والمسبب بالأسباب، وما يغني هذه الأسباب من ~~الله وأحكامه الأزلي من شيء إن لم يوافقها، ولا حكم في الأشياء إلا الله ~~ينبغي للمتوكلين أن يتوكلوا عليه لا على ms0843 الأسباب، فإن الأمر كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ". ### || [12.68-72] # { ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان ~~يغني عنهم من الله من شيء } [يوسف: 68] إلى قضاها؛ ~~يعني: فعلوا ما أمرهم بعقول الروح، فدخلوا من أبواب من أنواع العبودية ~~وإن لم يغني عنهم من دون الله شيء، { إلا حاجة في نفس ~~يعقوب } [يوسف: 68] الروح، { قضاها } [يوسف: 68] وهي امتثال لأمر ~~الحق فيما أمره كما قال: { وإنه لذو علم لما علمناه } ~~[يوسف: 68] يعني: ما أمرهم بشيء الإيمان علمناه وأمرناه، { ولكن ~~أكثر الناس } [يوسف: 68] يعني: أرباب الصورة، { لا يعلمون } ~~[يوسف: 68] أن ما يجري على خواص العباد إنما هو بوحينا وإلهامنا وتعليمنا ~~فهم لا يعلمون بما نأمرهم، ونحن نفعل ما نشاء بحكمتنا. # { ولما دخلوا } [يوسف: 69] أي: الأوصاف البشرية ومعهم السر، { ~~على يوسف } [يوسف: 69] القلب، { آوى إليه أخاه } [يوسف: ~~69] أي: القلب إليه السر لأنه أخوه الحقيقي لمناسبة الروحانية التي اختصا ~~بهما دون إخوانهما الأوصاف، فإنهم يختصون بالبشرية النفسانية، { قال ~~إني أنا أخوك } [يوسف: 69] إني أخوك الحقيقي، { فلا ~~تبتئس } [يوسف: 69] إن وصلت بي، { بما كانوا يعملون } ~~[يوسف: 69] ذلك في مفارقتي؛ وذلك لأن السر مما يكون مفارقا عن القلب ~~مقارنا للأوصاف يكون محروما عن كمالات مستعد لها مباشرا للأوصاف ~~ممنوعا عن المرام خاسرا خائبا. # { فلما جهزهم بجهازهم } [يوسف: 70] يعني: القلب لما ~~جهزهم الأوصاف بما يلائم أحوالها، { جعل السقاية في رحل ~~أخيه } [يوسف: 70] وهي مشربه كان منه شربه؛ ليكون شربهما واحد، فإنهما ~~رضعا بلبان واحد، { ثم أذن مؤذن أيتها العير ~~إنكم لسارقون } [يوسف: 70]، { قالوا وأقبلوا ~~عليهم ماذا تفقدون } [يوسف: 71]، { قالوا نفقد ~~صواع الملك ولمن جآء به حمل بعير } [يوسف: 72] سرقتم ~~في الأول يوسف وشريتموه بدراهم بخس من متاع الدنيا وشهواتها، وسرقتم في ~~الآخر صواع الملك ومشربته، وما هي بمشاربكم يشير إلى أن من ادعى الشرب ~~من مشارب الرجال، وهو طفل بعد أخذ بالسرقة واسترد منه ما نال منها، { ~~قالوا وأقبلوا } إلى { حمل بعير } فيه ms0844 إشارة إلى أن من ~~يكون مشاهدا لحمل البعير الذي هو علف الدواب متى يكون مستحقا لمشربه هي ~~مشارب الملوك، { وأنا به زعيم } [يوسف: 72] أن من لم يسلم له ~~الشرب من تلك المشارب في حرم عنها لم يحرم عن موانع الحيوانات، فيأكلون ~~كما تأكل الأنعام. ### || [12.73-76] # { قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في ~~الأرض } [يوسف: 73] أي: علمتم أننا من المقبلين على يوسف القلب لا من ~~المردودين المعرضين عنه المقبلين على النفس المفسدين في الدنيا كما قالت ~~الملائكة: # أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء # [البقرة: 30] { وما كنا سارقين } [يوسف: 73] إذ أخذنا يوسف ~~القلب وألقيناه في جب البشرية، بل كنا ساعين في نيل مملكة مصر العبودية؛ ~~ليكون عزيزا فيها ونحن نكون دليلا له، { قالوا فما جزآؤه إن ~~كنتم كاذبين } [يوسف: 74] أي: فما جزاء السارق إن كنتم سارقين. { ~~قالوا جزآؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه } [يوسف: ~~75] أي: جزاء من وجد فيه هذه المشرب نفسه بأن يفديها في طلب الشرب من هذا ~~المشرب، فإن لكل شارب مشربا ولكل مشرب فدية، ففدية مشرب الشارب من مشرب ~~الدنيا صنعته وحرفته، وكسب فدية شرب الشارب من مشرب الآخرة ترك الدنيا ~~وشهواتها، وسعادة في الطاعات والعبادات والمجاهدات، وفدية شرب المشارب من ~~شربة محبة الله وطلبه بذل وجوده الشارب، # قد علم كل أناس مشربهم # [البقرة: 60] فهو جزاؤه كل جزاء الحطب الموقد النار الوقود بالنار. # { كذلك نجزي الظالمين } [يوسف: 75] بل المظلومين الجهولين ~~الذين وضعوا صواع الملك في غير موضعه طمعا في أن يكون حريف الملك وشربيه ~~قبل بلوغهم، { فبدأ بأوعيتهم قبل وعآء أخيه ثم ~~استخرجها من وعآء أخيه } [يوسف: 76] والإشارة فيه: إن ~~الأوصاف البشرية مستحقة أن يكون سقاية الملك توجد في أوعيتهم، فإن تلك ~~السقاية إنما توجد في دعاء القلب أو السر. # { كذلك كدنا ليوسف } [يوسف: 76] يعني: كما كاد أوصاف البشرية ~~في الابتداء بيوسف القلب إذا ألقوه في جب البشرية كدنا لهم عند قسمة ~~الأقوات من خيرات الملك جعلنا قسمتهم من علف الدواب، وقسم بنيامين السر ~~بقوته الملك، ms0845 { كذلك كدنا ليوسف } القلب، { ما كان } ~~[يوسف: 76] ليوسف القلب، { ليأخذ أخاه } [يوسف: 76] السر ويضمه ~~إلى نفسه، { في دين الملك } [يوسف: 67] أي: في طلب دين الملك بل ~~في الملك، { إلا أن يشآء الله } [يوسف: 76] فيدبر تدبير ~~التيسير هذا الشأن العظيم والشأن الجسيم، فإن المدبر هو الله الرافع لا ~~غيره كقوله: { نرفع درجات من نشآء } [يوسف: 76] من عندنا ~~بأن نؤتيه علم الصعود من حضيض البشرية إلى ذروة العبودية بتوفيق ~~الربوبية. # { وفوق كل ذي علم } [يوسف: 76] آتيناه علم الصعود، { عليم ~~} [يوسف: 76] بجذبة من المقعد الذي يصعد إليه بالعلم المخلوق إلى مصعد لا ~~يصعد إليه إلا بالعلم القديم، وهو السير في الله بالله إلى الله، وهذا ~~إسراع لما يسعه أدعية الإنسان، والله أعلم. ### || [12.77-81] # { قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل } [يوسف: ~~77] الإشارة فيها أن إخوة يوسف القلب وهم أوصاف البشرية { قالوا } ~~تهمة على يوسف القلب وأخيه بنيامين وإن كانا أخوين من أعزة أولاد يعقوب ~~الروح وأطهرهم وأشرفهم وأحبهم إلى أبيهم منهم، فإنهما قابلان لتهمة ~~السرقة في بدء الأمر وهي الإسراف من شهواته الدنيوية النفسانية على أنهما ~~مخصوصان بحظوظ الأخروية الروحانية؛ فلما سمع يوسف القلب ما اتهم وأخيه ~~به من السرقة من قبل أخوته من أوصاف البشرية على أن الخيانة والسرقة من ~~شأنهم. # { فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم } [يوسف: ~~77] إن هذا من شأنكم وصنيعكم بنا، { قال } [يوسف: 77] في نفسه، { ~~أنتم شر مكانا } [يوسف: 77] في الخيانة ممن مشبوه بها، { ~~والله أعلم بما تصفون } [يوسف: 77] أنه من صفتنا أو ~~صنيعكم. # وفي قوله: { قالوا يأيها العزيز إن له أبا شيخا ~~كبيرا فخذ أحدنا مكانه } [يوسف: 78] إشارة إلى أن أوصاف ~~البشرية لما رأت عزة القلب وعلمت أنه يملك مصر القالب وصار عزيزها، وعرفت ~~اختصاص البشرية بفدائها النفس، وجعلت هذه الفدية وسيلة، وقربة إلى يعقوب ~~الروح، وسببا لإرضاء القلب لانتفاعها من أجساد كما قال { إنا نراك ~~من المحسنين } [يوسف: 78] وإحسانه التجاوز عن إساءتهم والتقرب ~~إليهم بدل إساءتهم إليه. # { قال معاذ الله أن نأخذ إلا من ms0846 وجدنا متاعنا ~~عنده } [يوسف: 79] أي: معاذ الله أن نقبل بالصحبة والمخالطة من لم يكن ~~من جنسنا، ويكون صحبة معنا بالكراهية والنفاق إلا من وجدنا متاعنا من ~~الصدق والمحبة والطلب والإخلاص، وسر نظر العناية الإلهية عنده وإن قبلنا ~~من لم يكن مخلصا مستحقا لصحبتنا ولم نجد عنده متاعنا، { إنآ إذا ~~لظالمون } [يوسف: 79] واضعون الشيء في غير موضعه. # { فلما استيأسوا } [يوسف: 80] أوصاف البشرية من القلب أن ~~يقبلهم بالصحبة، { منه خلصوا نجيا } [يوسف: 80] أي: خلصوا عن ~~أوصافهم الذميمة في التناجي، { قال كبيرهم } [يوسف: 80] وهو صفة ~~العقل، { ألم تعلموا أن أباكم } [يوسف: 80] يعني: الروح، ~~{ قد أخذ عليكم موثقا من الله } [يوسف: 80] يعني: ~~يوم الميثاق # ألا تعبدوا إلا الله # [هود: 2]. # { ومن قبل ما فرطتم في يوسف } [يوسف: 80] القلب بأن ~~ألقيتموه في جب البشرية، { فلن أبرح الأرض } [يوسف: 80] ~~فناء القلب وهي الصدر، { حتى يأذن لي أبي أو يحكم ~~الله لي وهو خير الحاكمين } [يوسف: 80] إشارة الله إلى أن ~~صفة العقل لما كلفت عن أوصاف البشرية خرجت عن أوامر النفس وتصرفها، ويصير ~~محكومة لأوامر الروح، ومستسلمة لأحكام الحق والخير له في الاستسلام ~~لأحكامه؛ لأنه { خير الحاكمين }. # وفي قوله: { ارجعوا إلى أبيكم } [يوسف: 81] إشارة إلى أن ~~العقل المخلص من أوصاف البشرية يحكم على أوصاف البشرية بالرجوع إلى عالم ~~أبيهم الروح على أقدام العبودية، وتبديل أخلاقه الذميمة بالحميدة، { ~~فقولوا يأبانا إن ابنك } [يوسف: 81] بنيامين، { سرق } ~~[يوسف: 81] أي: أخذ بالسرقة؛ لأنه وجد في رحله سقاية الملك؛ أي: محبة ~~الله تعالى هي مشربة له، وبها يكتال الملك على وفده من محبته وطالبيه ~~لقوله تعالى: # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]. # { وما شهدنآ إلا بما علمنا } [يوسف: 81] من ظهور أحواله، ~~{ وما كنا للغيب حافظين } [يوسف: 81] أي: ما كنا عند ~~ارتحالنا من الغيب إلى الشهادة حافظين بأن جعل السقاية في رحله محيط بنا. ### || [12.82-86] # { وسئل القرية التي كنا فيها } [يوسف: 82] يعني: أهل ~~مصر الملكوت من الملائكة الكرام الكاتبين، { والعير التي ~~أقبلنا فيها } [يوسف: 82] أرواح الأنبياء والأولياء، { وإنا ~~لصادقون } [يوسف: 82] فيما أخبرناكم، وفي قوله: { قال بل ~~سولت ms0847 لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل } [يوسف: 83] ~~إشارة إلى أن للنفس تسويلات، ولأوصاف البشرية خيالات يتأذى بها يعقوب ~~الروح، وله مقاساتها والمواساة بها لإمضاء أحكام الله وقضائه وقدره صبر ~~جميل، وهو أن يصبر على إمضاء أحكامه، ولا يعترض عليه ولا يعارضه بتبديل ~~الأحكام، بل يستسلم إليه قبل قضائه وقدره ويقول: { عسى الله أن ~~يأتيني بهم جميعا } [يوسف: 83] يشير إلى أن متولدات الروح ~~والقلب والسر والأوصاف وغيرها، وإن تفرقوا وتباعدوا عن الروح في الجسد؛ ~~لتحصيل أسباب استكمل بها الروح، وترقي عن مقامات الروحانية إلى درجات ~~قربات الربانية، فإن الله تعالى بجذبات العناية يجمعهم ويأتي بهم جميعا ~~في مقعد صدق عند مليك مقتدر، { إنه هو العليم } [يوسف: 83] ~~بأنه فوقهم، { الحكيم } [يوسف: 83] فيما فرقهم فبحكمه يجمعهم. # وفي قوله: { وتولى عنهم وقال يأسفى على يوسف } ~~[يوسف: 84] إشارة إلى أن كمالية يعقوب الروح في الإعراض عما سوى الحق ~~تعالى، ولا يتأسف على فوات شيء من المخلوقات إلا على يوسف القلب؛ وذلك ~~لأن القلب مرآة جمال الحق تعالى، فتأسف صاحب الجمال على المرآة ما هو على ~~المرآة إنما هو على الجمال، فيكون تأسف الروح على القلب تأسفه وحزنه إلى ~~مشاهد جمال الحق؛ لأنه لا يشاهد إلا في مرآة القلب، ولهذا أشار بقوله: { ~~وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم } [يوسف: 84] لأن ~~المشاهدة حظ العين وابيضت عيناه في انتظارها، ولما كانت أوصاف البشرية ~~تعدل عما كان عند يعقوب الروح من الشوق المبرح والقلق المزعج. # { قالوا } [يوسف: 85] على تأسفه، { تالله تفتؤا تذكر ~~يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين } ~~[يوسف: 85] طالما يلوم أهل الشفاعة المحبين، ومن علامة المحب: ألا يخاف ~~في الله لومة لائم، فيه يشير إلى أن لا بد للمحب من ملامة الخلق، فأول ~~ملامتي في العالم آدم عليه السلام حين لامت فيه الملائكة قالوا: # أتجعل فيها من يفسد فيها # [البقرة: 30] ولو أمعنت النظر لرأيت أول ملامتي على الحقيقة حضرة ~~الربوبية بقولهم: { أتجعل فيها } وذلك لأنه تعالى كان أول محب ~~أودع المحبة وهو قول { يحبهم } ، فافهم جدا. # { قال ms0848 } [يوسف: 86] يعقوب الروح في جوابهم حين حسبوا أن تأسفه وحزنه ~~على يوسف القلب له خاصة: { إنمآ أشكو بثي وحزني إلى ~~الله وأعلم من الله } [يوسف: 86] أي: لأني أعلم من جمال ~~الله وكماله وعظمته وجلاله واستحقاقه للمحبة والشوق إلى لقائه، { ما لا ~~تعلمون } [يوسف: 86]. ### || [12.87-90] # وفي قوله: { يبني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ~~ولا تيأسوا من روح الله } [يوسف: 87] إشارة إلى أن الواجب ~~على كل مسلم أن يطلب يوسف قلبه وبنيامين سره، { ولا تيأسوا من ~~روح الله } أي: ريحه منهما؛ بل من وجد قلبه وجد فيه ربه؛ إذ هو ~~سبحانه وتعالى متجل لقلوب أولياء المؤمنين وقد وعد الله بوجدانه ~~الطالبين فقال: # " ألا من طلبني وجدني " # والسر فيه أن طلب الحق تعالى يكون بالقلب لا بالقالب، ووجدانه أيضا ~~يكون في القلب كما قال موسى عليه السلام: " إلهي أين أجدك؟ قال: أنا عند ~~المنكسرة قلوبهم من أجلي " أي: من محبتي. # وفي قوله: { إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون } [يوسف: 87] إشارة إلى أن ترك طلب الله تعالى واليأس من ~~وجدانه كفر، { فلما دخلوا عليه } [يوسف: 88] يشير إلى أن ~~إخوة أوصاف البشرية لما وصلوا بسر أحكام الشريعة، وتدبير آداب الطريقة ~~إلى سرادقات حضرة يوسف القلب، وأراد سلطانه في مملكة مصر الملكوت، ~~وشاهدوا منه آثار العزة والجبروت وقد مسهم ضر تعلقات الجسمانية، وتصرفات ~~الدنياوية، وانعدام أقوات الروحانية، وتحقق عندهم احتياجهم لإنعامه ~~وإحسانه، { قالوا يأيها العزيز مسنا وأهلنا } ~~[يوسف: 88] وهم قوى الإنسانية { الضر وجئنا ببضاعة ~~مزجاة } [يوسف: 88] في الأعمال البدنية، والأفعال الإنسانية، والسعي ~~في الترقي عن حضيض الحيوانية إلى ذروة كمال الروحانية. # { فأوف لنا الكيل } [يوسف: 88] بإفاضة سجال العوارف الروحانية ~~علينا، وإسباغ ظلال العواطف الربانية لدينا، { وتصدق علينآ } ~~[يوسف: 88] بإسبال سبحات الإعزاز والإكرام، وإدرار ما شاء من العطاء ~~والإنعام، { إن الله يجزي المتصدقين } [يوسف: 88] ~~بإعطاء الخلق العفو عما سلف كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: # " أنفق أنفق عليك " # ، { قال } [يوسف: 89] يوسف القلب، { هل علمتم } [يوسف: 89] ~~بأوصاف البشرية، { ما فعلتم بيوسف } [يوسف: 89] القلب ms0849 أن ~~ألقيتموه في غيابة جب الحيوانية، { وأخيه } [يوسف: 89] وبنيامين السر ~~بعدتموه عن يعقوب الروح. # { إذ أنتم جاهلون } [يوسف: 89] أي: إذا كنتم على طبيعة ~~الظلومية والجهولية الإنسانية تظلمون على أرباب الروحانية جهلا منكم، ~~فلما عرفهم ضيفهم به عرفوه، { قالوا أءنك لأنت يوسف } ~~[يوسف: 90] القلب الذي ما عرفنا قدرك، وأردنا بالجهل إذلالك، وأراد الحق ~~تعالى إعزازك وإكرامك، { قال أنا يوسف وهذا أخي } [يوسف: ~~90] وهذا أخي بنيامين السر، { قد من الله علينآ } [يوسف: 90] ~~بأن جمعنا شملنا بعد ما فرقتمونا، { إنه من يتق } [يوسف: 90] عن ~~شهوات الدنيا، { ويصبر } [يوسف: 90] على مجاهدة تركها، وأيضا من ~~يتق عن غير الله ويصبر على مقاساة شدائد طلبه، { فإن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين } [يوسف: 90] الذين أحسنوا السعي في الطلب ~~بأن يوصلهم إلى المقصود والمطلوب كما قال: # " ألا من طلبني وجدني ". ### || [12.91-95] # { قالوا تالله لقد آثرك الله علينا } [يوسف: 91] ~~أي: اختارك بالطلب والصدق والشوق والمحبة والوصول والوصال، { وإن ~~كنا لخاطئين } [يوسف: 91] في الإقبال على استيفاء حظوظ ~~الحيوانية، والإعراض عن حقوق الربانية، { قال لا تثريب عليكم ~~اليوم } [يوسف: 92] يشير إلى أن أوصاف البشرية مجبولة في الهداية على ~~استيفاء حظوظ الحيوانية بصرف القلب والسر والروح، فإذا أدركتها العناية ~~بالجذب، وأذاقها الله من مشارب الروحانية أعرضت عن تلك الحظوظ، وتقبل على ~~تلك المشارب، وتتصرف لصفات القلب يقبلها القلب، ويعفوا عن ما سلف منها في ~~حقه، ويغفر الله تعالى لها ما صدر عنها في البداية؛ لأنه صدر منها ما صدر ~~بحكمة من الله تعالى تربية القلب وإن كان مضرا له في البداية كما كان ~~حال إخوة يوسف مع يوسف أضره صنيعهم في البداية، ولكنه سبب رفعة منزلته ~~ونيل مملكته في النهاية فلذلك { يغفر الله لكم } [يوسف: 92]. # وفي قوله: { وهو أرحم الراحمين } [يوسف: 92] إشارة إلى أنه ~~تعالى أرحم من أن يجزي على عبد من عباده المقبولين أمرا يكون فيه ضر ~~ولعبد آخر في الحال، ويقع نفع في المآل ثم لا يرفعه لاسترضاء الخصم ~~ليعفوا عنه ما جرى منه، ويستغفر له حتى رحمه الله، وأيضا: ms0850 إنه تعالى ~~أرحم للعبد المؤمن من والديه وجميع الرحماء. # وفي قوله: { اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه ~~أبي يأت بصيرا } [يوسف: 93] إشارة إلى أن قميص يوسف القلب من ~~ثياب الجنة، وهو كسوة كساه الله تعالى من أنوار جماله إذا ألقى على وجه ~~يعقوب الروح الأعمى يرتد بصيرا، ومن هذا السر أرباب القلوب من المشايخ ~~يلبسون المريدين خرقتهم؛ ليعزه ببركة الخرقة إلى أرواح المريدين فيذهب ~~عنهم العمى التي حصلت من حب الدنيا والتصرف فيها. # وفي قوله: { وأتوني بأهلكم أجمعين } [يوسف: 93] إشارة ~~إلى أن الواجب على أوصاف البشرية إذ وصلوا إلى حضرة القلب أن يأتوه ~~بأهلهم القوى الإنسانية الباطنية، والحواس الخمس الظاهرة { أجمعين } ~~يعني: يتوجهون إلى حضرة القلب، ويعرضون عن النفس وهواها، { ولما ~~فصلت العير } أي: غير واردات القلب وهبت نفحات ألطاف الحق، { ~~قال أبوهم } يعني: يعقوب الروح، { إني لأجد ريح يوسف } ~~[يوسف: 94] القلب كما قال: # نسيم الصبا أهدى إلى نسيمها # من بلدة فيها الحبيب مقيم # { لولا أن تفندون } [يوسف: 94] تعيروني بتهمة العشق وقد ~~عيروني { قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم } ~~[يوسف: 95] أي: من العشق، ولا بد للعشاق من اللائم: # يا عاذل العاشقين دع فئة # أضلها الله كيف ترشدها ### || [12.96-100] # { فلمآ أن جآء البشير } [يوسف: 96] من حضرة يوسف القلب إلى ~~يعقوب الروح بقميص أنوار الجمال، { ألقاه على وجهه فارتد ~~بصيرا } [يوسف: 96] يشير إلى أن يعقوب الروح كان بصيرا في بدء الفطرة ~~ثم عمي؛ لتعلقه بالدنيا وتصرفه فيها، ثم ارتد بصيرا بوارد من القلب: # ورد البشير بما أقر الأعينا # وشفى النفوس وهز غايات المنى # وفيه إشارة إلى أن القلب في بدء الأمر كان محتاجا إلى الروح في ~~الاستكمال، فلما كمل وصلح لقبول فيضان الحق بين الإصبعين ونال مملكة ~~الخلافة بمصر القربة في النهاية صارت الروح محتاجا إليه لاستنارته ~~بأنوار الحق؛ وذلك لأن القلب بمثابة المصابيح في قبول أنوار الإلهية، ~~والروح بمثابة الزيت، فيحتاج المصباح في البداية بالزيت في قبول النار، ~~ولكن الزيت محتاج إلى مصباح وتركيبه في النار ليقبل بواسطته النار، فإن ~~الزيت ms0851 بلا مصباح وآلاته ليس قابلا للنار، فافهم جدا. # ثم قال: يعني يعقوب الروح لما ارتد بصيرا، { قال ألم أقل ~~لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون } [يوسف: 96] ~~يا أوصاف البشرية؛ لأنه مخصوص من الله تعالى بنفخته وبالإضافة إلى نفسه ~~تبارك وتعالى بقوله تعالى: # ونفخت فيه من روحي # [الحجر: 29]، { قالوا يأبانا استغفر لنا ذنوبنآ ~~إنا كنا خاطئين } [97] فيما فعلنا معك ومع يوسف القلب ~~بالظلومية والجهولية، { قال } [يوسف: 98] يعقوب الروح، { سوف ~~أستغفر لكم ربي } بواقعة يوسف القلب حين حضوري مع الله، { ~~إنه هو الغفور } لمن تاب ورجع إليه، { الرحيم } [يوسف: 98] ~~لمن يتوسل إليه بخواصه ومحبته وأوليائه ومقربيه. { فلما دخلوا } ~~[يوسف: 99] يعني: وصلوا الروح وزوجات النفس وأولاده وأوصافه ورفع أبويه ~~على العرش، إذ قال: { آوى إليه أبويه } [يوسف: 99] ليعلم أن ~~القلب بمثابة العرش وهو على الحقيقة عرش الرحمن، وفي الآية تقديم وتأخير ~~في المعنى تقديرها: { على يوسف آوى إليه أبويه } وأنه ~~رفع أبويه على العرش، { وقال ادخلوا مصر } [يوسف: 99] أي: مصر ~~حضرة الملك العزيز، { إن شآء الله } [يوسف: 99] لأن لا يصل إلى ~~حضرته أحد إلا بجذبة مشيئته، { آمنين } [يوسف: 99] على الانقطاع عن ~~تلك الحضرة الملك العزيز، فإنها منزهة عن الاتصال والانفصال والانقطاع ~~عنها. # { ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا } ~~[يوسف: 100] لما رأوه وعرفوا أنه عرش الحق تبارك وتعالى، فالسجدة كانت ~~على الحقيقة لرب العرش لا للعرش، وقال يوسف القلب: { وقال يأبت ~~هذا تأويل رؤياي من قبل } [يوسف: 100] أي: من قبل الوجود ~~أن كنت نائما بنوم العدم، { قد جعلها ربي حقا } [يوسف: 100] ~~أي: جعلها في عالم الوجود الحقيقي، { وقد أحسن بي إذ ~~أخرجني من السجن } [يوسف: 100] أي: من سجن الوجود؛ ولهذا قال: ~~{ أخرجني من السجن } ولم يقل من الجب البشرية، ونعمة إخراجه ~~من سجن الوجود أو فر من نعمة إخراجه من جب البشرية. # { وجآء بكم من البدو } أي: بدو الطبيعة البشرية، { من ~~بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي } [يوسف: ~~100] بالإفساد وقطع رحم الروحانية حتى ألقوني في جب البشرية، { إن ~~ربي لطيف ms0852 } [يوسف: 100] يريد للطفه، { لما يشآء } [يوسف: ~~100] من الأمور المهلكة جعلها أسباب سعادة الدارين لمن شاء، { إنه ~~هو العليم } [يوسف: 100] بما قدر لعباده كيف تبدو بما دبر من الأمر ~~كيف دبر، { الحكيم } [يوسف: 100] فيما قدر ودبر بما دبر في الأزل وما ~~دبر إلى الأبد شيئا فشيئا، بل قدر ودبر بالحكمة البالغة ما شاء كما ~~شاء، كما أنه تبارك وتعالى قدر ودبر جميع مراتب سلوك الإنسان في عالم ~~البشرية من مبدأ سيره إلى انتهاء وصوله إلى حضرة الربوبية مرتبا على قصة ~~يوسف ويعقوب وولده وعزيز وزوجته - عليهم السلام - وسماها أحسن القصص؛ ~~لأنها أتم وأكمل في القصص كلها في هذا الشأن. ### || [12.101-105] # ثم أنطقه بسوابق إحسانه إليه وسوابغ إنعامه عليه حتى قال: { رب قد ~~آتيتني من الملك } [يوسف: 101] ملك الوصول والوصال { ~~وعلمتني من تأويل الأحاديث } وهو مراتب النبوة ونهاية ~~كمالية الإنسان به، { فاطر السموت والأرض } [يوسف: 101] ~~أي: فاطر السماوات عالم الأرواح، وفاطر أرض البشرية؛ لتخرجني من فطر ~~الوجود المجازي، { أنت وليي في الدنيا والآخرة } [يوسف: ~~101] أي: أنت متولي أمري لتخلصني من حجب الدنيا والآخرة، { توفنى ~~مسلما } أي: أمتني عني بك مستسلما، { وألحقني بالصالحين ~~} [يوسف: 101] للبقاء بك بأن تفنيني عني وتبقيني ببقائك الأزلي الأبدي. # قوله: { ذلك من أنبآء الغيب } [يوسف: 102] يشير إلى الذي ~~فهمناك من مناسبة قصة يوسف وإخوته مع أهل السلوك السائرين إلى الله من ~~أخبار الغيب الذي غابت عن أرباب علم الظاهر، ولا يعمله إلا أهل الغيب وهم ~~الوالجون ملكوت السماوات والأرض، الغواصون في بحر بطن القرآن، المستخرجون ~~درر معانيه من أصداف ألفاظه وكلماته، { نوحيه إليك } [يوسف: 102] ~~القصة وحقائق معانيها المودعة فيها المستجمعة قواعد سلوك السائرين إلى ~~الله من أخبار الغيبية. # { وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم } [يوسف: 102] ~~في الكيد والمكر بيوسف، ولكن كنت بالمعنى حاضرا { إذ أجمعوا ~~أمرهم } يعني: إخوة يوسف القلب وهم أوصاف البشرية؛ ليكيدوا ويمكروا ~~بيوسف القلب ويلقوه في جب البشرية وأسفل الطبيعة وسجن الدنيا، { وهم ~~يمكرون } [يوسف: 102] أي: طبعهم المكر والكيد. # { ومآ أكثر الناس } [يوسف: 103] أي: وما أكثر ms0853 الصفات ~~الناسوتية، { ولو حرصت } [يوسف: 103] يا محمد اللاهوتية، { ~~بمؤمنين } [يوسف: 103] مصدقيك فيما تدعوهم إليه من مقامات القرب ~~والكمالات والتوحيد والمعرفة. # { وما تسألهم عليه من أجر } [يوسف: 104] يشير إلى أن ~~اللاهوتية غير محتاجة إلى الناسوتية، وإن دعتها إلى الاستكمال؛ لأنها ~~كاملة في ذاتها مكملة لغيرها، { إن هو إلا ذكر للعالمين ~~} [يوسف: 104] أي: دعوتها عامة لمن تعلق بالعالمين إلى رب العالمين، { ~~وكأين من آية في السموت والأرض } [يوسف: 105] أي: ~~وكم من آية دالة إلى الحق في سماوات القلوب وأرض النفوس، { يمرون } ~~[يوسف: 105] من أوصاف الإنسانية، { عليها وهم عنها معرضون ~~} [يوسف: 105] لإقبالهم على الدنيا وشهواتها. ### || [12.106-110] # { وما يؤمن أكثرهم بالله } [يوسف: 106] أي: وما يؤمن من ~~أكثر أوصاف الإنسانية بطلب الله والتبديل بصفاته، { إلا وهم ~~مشركون } [يوسف: 106] في طلب الدنيا وشهواتها وطلب الآخرة ونعيمها، ~~وأيضا وما أكثر الخلق بالله وطلبه إلا وهم مشركون برؤية الإيمان والطلب ~~أنها منهم لا من الله، فإن من يرى السبب فهو مشرك، ومن يرى المسبب فهو ~~موحد إن # كل شيء هالك # في نظر الموحد # إلا وجهه # [القصص: 88]. # { أفأمنوا } [يوسف: 107] أهل الشرك بالأسباب، { أن تأتيهم ~~غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة } [يوسف: ~~107] وهي أمر من الله بلا سبب من الأسباب، وفي الحقيقة يشير بالساعة إلى ~~عشق ومحبة من الله بلا سبب من الأسباب، وقيل: العشق عذاب الله، { ~~بغتة وهم لا يشعرون } [يوسف: 107] له سبب غير الله. # ثم قال: { قل هذه سبيلي } [يوسف: 108] أي: رؤية الأمور من ~~الله لا من الأسباب، وأيضا: { قل } يا محمد هذه الدعوة إلى الله فضلا ~~عن سبيله، { سبيلي } وسنتي من بين سائر الأنبياء والرسل، { ~~أدعوا إلى الله } [يوسف: 108] لا إلى سواه، { على ~~بصيرة } [يوسف: 108] أي: على معرفة بالسلوك المسلوك إليه، { أنا ~~ومن اتبعني } [يوسف: 108] أي: هذه الدعوة مخصوصة لي ولمن اتبعني ~~من أمتي مستسلما لي عند تسليك الوصول، { وسبحان الله } [يوسف: ~~108] أي: تنزيها لله على شركة الأسباب، { ومآ أنا من ~~المشركين } [يوسف: 108] في الطلب والمخلصين إلى الأسباب. # وقوله: { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي ms0854 ~~إليهم من أهل القرى } [يوسف: 109] إشارة إلى أن الرسالة ~~لا يستحقها إلا الرجال البالغون المستعدون للوحي من أهل القرى بالملكوت ~~والأرواح، لا من أهل المدائن في ملك الأجساد، ولهذا قبل الرجال من القرى، ~~{ أفلم يسيروا } [يوسف: 109] أهل مدائن الأجساد المطمئنون إلى ~~الدنيا، { في الأرض } [يوسف: 109] في أرض البشرية على قدمي الشريعة ~~والطريقة؛ ليخرجوا من ظلمة الدنيا إلى نور الآخرة، { فينظروا كيف ~~كان عاقبة الذين من قبلهم } [يوسف: 109] إذ رضوا بالحياة ~~الدنيا واطمأنوا بها وليشاهدوا حقيقة قوله: { ولدار الآخرة خير ~~للذين اتقوا أفلا تعقلون } [يوسف: 109] لتعرضوا عن ~~الزكاة إلى الدنيا الدنية، وتقبلوا على الآخرة الشريعة في طلب والحقيقة. # وفي قوله: { حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم ~~قد كذبوا جآءهم نصرنا } [يوسف: 110] إشارة إلى أن في إبطاء ~~النصر ابتلاء للرسل والأمم، فأما الرسل فاستيأسوا وظنوا أنهم وذلك ليس ~~من شأنهم، وأما الأمم فكذبوا الرسل وليس هذا من حقهم، ثم يشير بقوله: { ~~جآءهم نصرنا فنجي من نشآء } [يوسف: 110] إلى أن النصر ~~كان للرسل منجيا عن الابتلاء، وللأمم المكذبة مهلكة بالعذاب، ثم أكد هذا ~~المعنى بقوله: { ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ~~} [يوسف: 110] أي: المكذبين؛ والمعنى: ويرد بأسنا عن القوم المطيعين. ### || [12.111] # ثم أخبر عن حقيقة قصصهم فقالوا: { لقد كان في قصصهم عبرة ~~لأولي الألباب } [يوسف: 111]، وهم الذين استخرجوا لباب الحقائق ~~عن شهود الصور، فهم الفائزون بحقائق شاهدوها في مقامات السلوك فعلموا ~~أنها { ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي ~~بين يديه } من أسرار السير إلى الله والكتب المتقدمة { ~~وتفصيل كل شيء } [يوسف: 111] يحتاج إليه السائرون إلى الله في ~~معرفة المقامات، { وهدى } [يوسف: 111] أي: هداية، { ورحمة } ~~[يوسف: 111] في بيان السلوك، { لقوم يؤمنون } [يوسف: 111] ~~بالوصول والوصال من عباب الكرم والأفضال. # قال الشيخ المصنف رضي الله عنه: # ومن أخبار قصة يوسف عليه السلام ما أخبرنا الشيخ ابن أبي الفتوح أسعد بن ~~أبي فضائل بن خلف العجلي في عموم إجازته، قال أبو الفتح إسماعيل بن أبي ~~الفضل المقري إجازة، حدثنا أبو المظفر عبد الله بن شبيب بن ms0855 عبد الله ~~المقري إملاء، ثنا القاضي أبو محمد بن يوسف بن يعقوب الطيبي به، ثنا ~~أحمد بن إسحاق بن نيخاب، ثنا محمد ابن أبي العوام، ثنا أبي، ثنا داود بن ~~سليمان عن محمد بن مسلم، قال: بلغني أنه لما ألقى يوسف عليه السلام في ~~الجب، قال: يا شاهد غير غائب، يا قريب غير بعيد، يا غالب غير مغلوب، اجعل ~~لي من أمري هذا فرجا ومخرجا من حيث لا أحتسب، قال: بات فيه. # وأخبرنا أبو الفتح قال: أنا جعفر بن عبد الواحد بن محمد في كتابه، ثنا ~~أبو بكر محمد بن الفضل، ثنا محمد بن إسحاق بن محمد، ثنا علي بن سليمان بن ~~عبد السلام المقري، ثنا أبو الفضل العباس بن يوسف الشكلي، ثنا أبو حفص - ~~يعني: العلائي -، حدثني القاسم بن الحكم عن محمد بن الحسين، ثنا محمد بن ~~صرف عن نافع بن عمرو ابن الجمحي، قال: قال رجل ليوسف عليه السلام: إني ~~أحبك، قال: ما أريد أن يحبني أحدا إلا الله عز وجل، وما لقي من الحب أحد ~~ما لقيت، أحبني أبي فأخذوني إخوتي فألقوني في الجب، وأحبتني امرأة العزيز ~~فأخذوني وألقوني في السجن، وقد قيل على لسان: لك المحبة ما عدى منافعها ~~سوى محبة رب واحد صمد أحبه صادقا في الحب، فاكتتمت منه المحبة بين الروح ~~والجسد، مالي والحب، إن الحب أوردني حبسا طويلا بلا جرم إلى أحد. # أخبرنا أبو الحسن المؤيد بن محمد الطوسي، أنا أخبرنا أبو القاسم زاهد بن ~~ظاهر أنا، إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني في كتابه، ثنا الحاكم أبو عبد ~~الله الحافظ، أخبرني أبو سعيد الرحبي، ثنا الحسن بن داود عن الحسن عن ~~سمرة عن كعب قال: نعم ولد ليعقوب يوسف الصديق الذي اصطفاه الله واجتباه ~~وأكرمه، وقسم له من الجمال الثلثين وباقي عباده الثلث، وكان يشبه آدم يوم ~~خلقه الله وصوره ونفخ فيه من روحه قبل أن يصيب المعصية فلما عصى آدم نزع ~~منه النور والبهاء والحسن. # وكان الله عز وجل أعطى آدم الحسن ms0856 والجمال والنور والبهاء يوم خلقه، ~~فلما فعل ما فعل وأصاب الذنب نزع منه، ثم وهب الله لآدم عليه السلام ~~الثلثين من الجمال مع التوبة التي تاب الله عليه، ثم إن الله تعالى أعطى ~~يوسف الحس والجمال النور والبهاء الذي كان نزعه حين أصابه الذنب، وذلك أن ~~الله تعالى أحب أن يري العباد أنه قادر على ما يشاء، وأعطى يوسف الحسن ~~والجمال ما لم يعط أحدا من الناس، ثم أعطاه الله العلم بتأويل الرؤيا ~~وكان يخبر بالأمر الذي رآه في منامه أنه سيكون قبل أن يكون علمه الله، ~~كما # علم ءادم الأسمآء كلها # [البقرة: 31]، وكان إذ ابتسم رأيت النور في ضواحكه، وكان إذا تكلم رأيت ~~شعاع النور في كلامه يلتهب التهابا بين ثناياه عليه السلام. # وتذكير أهل الإشارات نكتا في قصة يوسف عليه السلام فأردت أن أذكر بعضها ~~تبركا بكلامهم؛ إذ فيه أنواع المواعظ وقالوا: حكي أن الله تعالى أمر ~~صخرة حتى ارتفعت من أسفل البئر فوقع يوسف عليها وهو عريان، وأتاه جبريل ~~عليه السلام بقميص وألبسه إياه وبشره بالنبوة والمرتبة والعز والمملكة، ~~واحتياج إخوته وقيامهم بين يدي سرير ملكه بالعجز، وضرب جناحه في البئر ~~فصار البئر منورا، وعلمه أن يقول: يا كاشف كل كربة، يا مؤنس كل وحيد، يا ~~صاحب كل غريب، يا من لا إله إلا أنت، سبحانك أسألك أن تجعل لي فرجا ~~ومخرجا، وأن تجرد حبك في قلبي حتى لا يكون لي هم، وأن تحفظني برحمتك ~~يا أرحم الراحمين، فاستطاب الموضع وفرج واستبشر، فكذلك المؤمن السعيد ~~المقبول عمله إذا احتضر بكى عليه الأهلون، ورأى هو قداسة القبر واللحد ~~ومفارقة الأولاد وغربة الوحدة، وكذلك يبكي فإذا وضع في القبر وجده روضة، ~~وبشر بالكرامات اطمأن في لحده وتمنى لو كان قبل ذلك، قال الله تعالى ~~أخبارا عمن هذه حالته قال: # يليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني ~~من المكرمين # [يس: 26-27]. # والناس مسيء أو مصلح ولا يبتغي لواحد منها أن يعقل، فإن كان مصلحا فقد ~~دنا الفراغ، وإن كان ms0857 مسيئا فقد دنا طي صحيفته، وورود حضرته ومعانيه ~~الأهوال، إن لم يغفر له عالم الخفيات فليبادر إلى تدارك أمره، وقيل ~~أيضا: الناس غني وفقير، فينبغي للفقير أن يرجا الأيام القلائل على طاعة ~~الله كيلا يفتقر في الآخرة، فما أسوأ الفقر بعد التيسير، وما أسوأ الحزن ~~بعد الفرح، وما أشد البلاء بعد النعمة. # وقيل في قوله خبرا عنهم: # يرتع ويلعب # [يوسف: 12] رضي يعقوب بلعبهم لا جرم ابتلي بما ابتلي، فاللعب خلقنا، ~~وقيل: خدعوا أباهم بميعاد لذيذ، ثم فرقوا به بينه وبين والده، فينبغي ~~للمؤمن أن يعتبر ولا ينخدع بما يخدع بالشيطان من المواعيد واللذائذ ~~الباطلة، وقد قيل: أعدت شيء مشتغل بالدنيا، والموت يطلبه، وغافل ليس ~~بمفعول عنه، وضاحك ملأ فيه ولا يدري إلى أي الدارين مصيره، وقيل أيضا: ~~أكرم الله أربعة من الصبيان في حال صباهم: # * الأول: عيسى عليه السلام كما قال في حقه: # ويعلمه الكتب والحكمة # [آل عمران: 48] ومما حكي من حكمته قوله: معاشر الحواريين لا تجعلوا ~~اليوم همكم، عند كل يوم همه. # * والثاني: يحيى عليه السلام كما قال في حقه: # وآتيناه الحكم صبيا # [مريم: 12]، ومما روي من حكمة أنه قال: من حي بالموافقة فإنه لا يموت ~~بالمخالفة، فإن كنت اليوم حيا بالمخالفة تكن غدا ميتا بالعقوبة، ~~وإنما لقن الحكمة كما حكي؛ ولهذا ندب الآباء إلى تعليم الصبيان أمور ~~دينهم في صباهم؛ ليعتادوها ويشبوا عليها. # * والثالث: سليمان عليه السلام أكرم في صباه بالفهم كما قال: # ففهمناها سليمان # [الأنبياء: 79]. # * والرابع: يوسف عليه السلام أوتي الحكمة في صباه فقوي سره لاحتمال ~~البنيان، فأهل الولاء يحتملون أعباء البلاء، وقيل: البئر موضع الهلكة، ~~ولما وصلت إليها بركته صارت موضع السلامة والنار موضع الحرقة، فلما ~~وصلت إليها حشمة الخليل انقلبت بإذن الله نزهته وروضته، والغار كانت محل ~~الوحشة، فلما وصلت إليها حشمة المصطفى صلى الله عليه وسلم صارت مزار ~~الأولياء، كذلك القبر محل الوحشة، فإذا وضع فيه من صحبته التوحيد ~~والمعرفة والطاعة انقلب روضة من رياض الجنة كما قال: # فروح وريحان وجنت نعيم # [الواقعة: 89]. # وروي ms0858 أنه لما جعل يوسف عليه السلام في الجب أضاء له الجب وعذب ماؤه ~~حتى كان يغنيه من الطعام والشراب. # ومن العبر في قصة يوسف عليه السلام: أن من أراد الله إكرامه فلن يضره ~~كيد كائد، وحكي أنه انتهى رجل إلى باب ملك، فقال له الملك: سل حاجتك فإني ~~سخي بها؟ فقال: زوجني ابنتك، فاستنكف الملك من ذلك وصار رهين قوله ~~فاحتال، فقال: ضاع مني خاتم صفته كذا وكذا، فإن طلبته ووجدته زوجتك ~~ابنتي، فقال الرجل: لا أقعد إلا إن أجده، ثم ذهب فانتهى إلى شط دجلة وكان ~~خائفا فاتفق أنه رأى حوتا وأخذ بيده وشق خوفه، فرأى خاتما بتلك الصفة، ~~فذهب به إلى الملك، فقال الملك: هذا أراد الله إعزازه فما أصنع فزوجه، ~~فكذا حال يوسف لما أراد الله إعزازه ضاع سعيهم ومكرهم ولم يغنوا شيئا ~~قوله: # فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيبت ~~الجب # [يوسف: 15] ينبغي للعاقل أن ينظر إلى سرور يوسف وقت خروجه مع إخوته ~~المسيرة والتماشي فما كان إلا ساعة، ثم دفع إلى غم طويل ومحنة عظيمة كذلك ~~من سر بشيء سوى الله فإنه يكون سروره ساعة، ثم يدفع إلى غم وبلاء ومحنة ~~لا ينقطع كما قيل السرور بغير الله محال والسكون إلى ما سوى الله محال. # وقوله تعالى: # وأوحينآ إليه لتنبئنهم بأمرهم # [يوسف: 15] هذا لما أوحي إليه ذلك طابت نفسه وطاب له محنة البئر، وكذا ~~طاب القتل على الشهداء يوعد الله الصادق في مواعيده، وكذا طاب المرض على ~~المريض لما في الصبر عليه من رجاء الثواب الجزيل، وكذلك سكرات الموت على ~~المؤمن تطيب تنجيز الله وعده الصدق، فسبحانه من لطيف ما أراد به، واجتهد ~~إخوة يوسف في مباعدة يوسف من قلب أبيه، وأوقعوه في مثل تلك المحنة فلم ~~يزدد إلا حبا، فهكذا ينبغي أن يكون أن أمر المحب لا يزداد بتوالي المحسن ~~عليه إلا حبا. # وقوله تعالى: # وجآءوا أباهم عشآء يبكون # [يوسف: 16] فليس كل بكاء يكون حقا فقد يبكي الظالم كما في قصة يوسف ~~وإخوته ms0859 وجاءت امرأة إلى القاضي أبي هاشم وهي تبكي فقيل له: هذه ضعيفة ~~تبكي، فقال: ليس كل من بكى صدق، قال الله تعالى: # وجآءوا أباهم عشآء يبكون # [يوسف: 16] فالبكاء على وجوه: # * الأول: بكاء الحياء، وهو كان لآدم عليه السلام بكى مائتي سنة بعد ~~الذلة حياء من الله تعالى، وحكي أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه: " ~~يا ابن آدم أين الشكر على العطاء؟ فإن لم يكن فأين الرضاء بالقضاء؟ فإن ~~لم يكن فأين الصبر على البلاء؟ فإن لم يكن فأين النفي عن الهوى؟ فإن لم ~~يكن فأين الوفاء لإله السماء؟ فإن لم يكن فأين البكاء على الجفاء؟ ". # * والثاني: بكاء الخجلة، وهو لداود عليه السلام بكى أربعين سنة، ثم ملأ ~~كفه دمعا ودفعها إلى السماء فقال: " يا رب أما ترحم دمعي؟ فأوحى الله ~~تعالى إليه: تذكر دمعك وتنسى ذنبك، فغشي عليه خجلا مما قاله " وفي حديث ~~غريب: # " أنه جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبكي كلما ذكرتك ~~[ففيض] بكائي خجلا من الله تعالى، فهل ينفعني ذلك؟ فقال صلى الله عليه ~~وسلم: " كل قطرة منها تطفئ بحورا من النار " ". # * والثالث: البكاء خوفا من النار، فقال تعالى: # فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا # [التوبة: 82] وحكي أن يحيى بن زكريا - عليهم السلام - كان على المنبر ~~يوما فقال: أتاني جبريل آنفا فقال: إن في النار دركة يقال لها: سكران ~~فيها جبل يقال له: غضبان لا ينجوا منها إلا الباكون من خشية الله، ثم بكى ~~حتى غشي عليه وسقط من الكرسي، فما أفاق إلا بعد ثلاثة أيام، وقيل لبعضهم: ~~ما يغنيك لا تخف، وقال: ولو أن الله تعالى أوعدني بعصيانه الحبس في ~~الحمام لكنت خائفا به كيف، وقد قال: # إن جهنم كانت مرصادا # [النبأ: 21] وقال أبو العباس المغربي: # يا سائل القلب عما كنت تأمن # أما سمعت بذكر الموت والنار # ما لي أراك قد أذنبت مبتسما # والله خوف من يعصيه بالنار # ما لنا وأهل النار في تعب كم # من عذاب لأهل النار في النار # * والرابع: البكاء ms0860 من هيبة الله وهو بكاء الأنبياء، وكما قال: # أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين # [مريم: 58]. # * والخامس: بكاء الشوق وهو لشعيب عليه السلام، حكي أنه بكى حتى أظلمت ~~عيناه ثلاث مرات، وحكي أنه كانت لامرأة بنت صغيرة تبكي أبدا، فجاءت ~~والدتها إلى الحسن البصري - رحمة الله عليه - فعرضت بنتها والتمست أن ~~يحضرها، فجاء الحسن فقال لها: يا جارية إن لعينك عليك حقا، قالت: إن ~~عيني إن كانت تصلح لرؤية الله فألف مثلها في سبيله، وإن لم تكن أهلا ~~لذلك فدعها تعمى، فقام الحسن وقال: جئت واعظا فوقعت بما أوعظ. # * والسادس: بكاء فوت الطاعة، قال الله تعالى: # ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم # [التوبة: 92] وحكي أنه دخل رجل على فتح الموصلي وقال: يا شيخ كنت على ~~بساط الأنس وفتح إلى طريق البسط، فتدللت وإليه فوقعت عما كنت عليه فكيف ~~السبيل إليه؟ قال: فبكى، قال: كلنا في هذا ولكن أنشدك أبياتا سمعتها ~~فبكيت عليها: # قف بالديار فهذه آثارهم # تبكي الأحبة حسرة وتشوقا # كم قد وقفت بها أسائل مخبرا # عن أهلها أو ناطقا أو مشفقا # فأجابني داعي الهوى في رسمها # فارقت من تهوى فعز الملتقى # * والسابع: بكاء الحيلة، قال الله تعالى: # وجآءوا أباهم عشآء يبكون # [يوسف: 16] فالإخوة كانوا يبكون احتيالا شوقا إلى الله، فشتان ما بين ~~البكائين قوله تعالى: # وجآءوا على قميصه بدم كذب # [يوسف: 18] فحكي أنه لما رأى يعقوب القميص قال: فلئن كان كما قلتم كان ~~الذئب مشفقا على القميص فلبسته أشفق على يوسف كما أشفق على القميص، فلئن ~~كنتم صادقين فاذهبوا فخذوا الذئب وأتوني به، وكان يهوذا رجلا إذا صاح ~~على أسد سقط من هيبته، فأخذوا ذئبا ولوثوا مخالبه بالدم وأتوا يعقوب به ~~مشدود اليد والرجل، فقال: خلوه فخلوه، فقال يعقوب: يا روبيل سله لم أكل ~~يوسف، فسأله فلم يجبه، فقال يعقوب: لم لا تجيبه؟ فقال: يا نبي الله إن ~~بنيك عقوك وعصوك، ونحن نهينا أن نكلم العصاة، فقال: لم لا ترحم يوسف ~~وفجعتني به؟ فقال: بعزة الله ما أكلت ms0861 يوسف وإني مظلوم مكذوب علي، وأني ~~غريب من بلاد مصر جئت لأهل قرابة لي هاهنا أنا لا أحوم حول غنمك فكيف آكل ~~ابنك؟ فقال يعقوب: فمن فعل؟ فقال: الله لا يهتك سر خلقه، فإنا لا أهتك ~~سرهم، ولما رأى يعقوب القميص صحيحا مؤخرا غير مخرق رجا أن يكون يوسف ~~حيا، فكذا حال المؤمن وإن تلوث بخطاياه فما دام لباس الإيمان صحيحا ~~فالرجاء باق. # قوله تعالى: # وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم # [يوسف: 19] قيل: خرج ثلاثة في طلب ثلاثة، فوجدوا ما هو خير من مطلوبهم؛ ~~خرج موسى للاصطلاء فوجد الاصطفاء، وخرج طالوت في طلب حماره فوجد الملك. # وخرج وارد السيارة فأدلى دلوه، فأخرج به فوجد يوسف، وقيل: وارد السيارة ~~كان شخصا من جملتهم، ووارد المؤمن في طلبه الدعاء، ووارد السيارة لم يخب ~~سعيه، فكذا سعي المؤمن في طلبه لا يخيب. # وقيل: لما دخل يوسف في الجب لم يكن له بد من حبل يعتصم به الخروج، ~~فأرسل إليه حبل السيارة فأخرج به، كذلك المذنب في جب العصيان محتاج إلى ~~حبل يعتصم به؛ ليخرج منه وهو الالتجاء إلى الله تعالى بالعمل بكلامه ~~واتباع أوامره كما قال: # واعتصموا بحبل الله جميعا # [آل عمران: 103]، وكذا الالتجاء إلى بابه والفرار إليه من الذنوب كما ~~قال: # واعتصموا بالله هو مولاكم # [الحج: 78]. # قيل: لما مر سيارة بجب يوسف نجا بسببهم، فكذا المارون من أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم إذا مروا بجهنم نجا المحبوسون من هذه الأمة ببركة ~~شفاعتهم. # وقيل: طلب السيارة الماء فوجدوا يوسف، وطلب موسى النار فوجد النبوة، ~~وطلب سليمان الحوت فوجد خاتم الملك، وطلبت امرأة العزيز يوسف فوجدت ~~الإيمان، وطلب طالوت الحمار فوجد الملك، وطلب بنيامين الطعام فوجد أخاه، ~~فمن لم يطلب يوسف وجده، وعمر رضي الله عنه لم يكن في طلب الإيمان حين قصد ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فوجد الإيمان، والسحرة لم يطلبوا الإيمان ~~فوجدوا الإيمان، فإذا كان كذلك فالمؤمن يطلب رضا الله مدة عمره بأعماله ~~أولى وأحق بأن يجد مراده. # قوله: # وشروه بثمن بخس ms0862 # [يوسف: 20] لو خرجوا بما سواه لما اشترى؛ لأن قيمة يوسف كانت أكثر من أن ~~يصل إليها الطالبون، فكذلك الجنة لو طلبت بما هو قيمتها بحقيقة لم ينلها ~~أحد، وقال: القيمة لها. # وقيل: اطلبوها ولو بلقمة، ولو بحرفة، ولو تحية، ولو بكلمة طيبة حتى ~~ينالها الطالبون أنه رأى واجدان المشابه في المنام بعد وفاته، وقيل له: ~~كيف حالك؟ فقال: أحسن حالي، قيل: وبما نلت؟ وقال: كنت أمر يوما ببعض ~~الطرق فرأيت فقيرا حزينا وكان معي تفاحة فأعطيتها إياه، فلما مت وجدت ~~تلك التفاحة قد سدت باب النار. # وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي ~~مثواه # [يوسف: 21] قيل الإحسان حسن إلى كل واحد وإلى المملوك أحسن؛ لأنه لا يجد ~~ملجأ إليه ويعتصم به، وقال عزيز مصر: # عسى أن ينفعنآ # [يوسف: 21] وكان كما توقع، وكذا قالت آسية بنت مزاحم في حق موسى عليه ~~السلام: # عسى أن ينفعنا # [القصص: 9] فصدق ظنها ونالت المعرفة بسببه، وقال يعقوب: # عسى الله أن يأتيني بهم جميعا # [يوسف: 83] فصدق بصدق ظنه، فكذا قول الله عز وجل: # عسى الله أن يتوب عليهم # [التوبة: 102] أولى وأحق أن يتحقق قوله تعالى: # وغلقت الأبواب # [يوسف: 23] ليكون نظر يوسف إليها، وكذا إذا أكرم عبدا أغلق عليه أبواب ~~الشهوات واللذات، ونفره عن الخلق حتى يكون جملة نظره مقصورة على أموره. # وقيل: غلقت هي الأبواب؛ ليكون يوسف معها ويخلو للشهوة، والله تعالى فتح ~~له باب العصمة؛ ليخرج طاهرا نقيا من بين ذلك ليعلم أن الباب الذي يغلقه ~~المخلوق يسهل، والباب الذي يغلقه الله لا يفتحه أبدا أحدا، قال الله ~~تعالى: # ما يفتح الله للناس من رحمة # [فاطر: 2] ولما رد يوسف بتهمة وهمية أيد من الله تعالى بالعصمة؛ ليعلم ~~أن من جاهد في الله أيد بتوفيقه كما قال: # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # [العنكبوت: 69]. # وقيل: كانت الحكمة في ذلك أن الملائكة قالوا: # أتجعل فيها من يفسد فيها # [البقرة: 30] فابتلوا بهاروت وماروت، وموافقته المرأة من غير مراودة ~~منها، وعصم يوسف مع حسنه وجمال المرأة ومراودتها ليكرمه بالعرض على ms0863 ~~الملائكة، ويعلمهم أنه يعلم ما لا تعلمون، كما قال الله تعالى: # إني أعلم ما لا تعلمون # [البقرة: 30] والنكتة فيه أنه لما التجأ في ابتداء الأمر إلى الله ~~واستعاذ به أعاذه وعصمه، فينبغي للمؤمن أن يفزع في ابتداء هوله إليه ~~ليعيذه، وكذا ينبغي أن يكون أمر المؤمن في إشارة رضاء الله أغلب من إشارة ~~هوى نفسه، فقد قيل خمسة أشياء من أعجب العجائب: # * أحدها: أن الله تعالى [مهد ويسر] للخلق ما في الأرض، ثم إنهم يبخلون ~~برغيف. # * والثاني: أنه أمدهم بنعمه، قال: # وما بكم من نعمة فمن الله # [النحل: 53]، ثم إنهم استعملوها في خدمة عدوه. # * والثالث: أنه يغيث لمن استغاث، وهم يفزعون إلى مخلوق ضعيف لا ينفع ولا ~~يضر في إلا بإغاثة الله تعالى إياه كذلك. # * والرابع: أنهم يرجون ثوابه، ثم يعملون للخلق. # * والخامس: أنه خالقهم ورازقهم وملكهم، وتمر إليه كل أمورهم وهو مطلع ~~عليهم، ثم أنهم يستحيون عنه في ضعيف مثلهم ولا يستحيون منه. # وقيل لما اجتمع يوسف والمرأة في موضع واحد صاح الشيطان فرحا، قال: ~~ظفرت به، فرد فرحه بعصمة الله، ولما وصل موسى إلى البحر وكان وراءه ~~فرعون وجنوده فرح الشيطان وقال: البحر أمامهم والسيوف وراءهم ولم يدر أن ~~النجاة كانت حظهم من الله تعالى، فكذلك أمر المؤمن وقت النزع إن أيد ~~بعناية لن يضره من شيطان ونجا من المخاوف على مراغمة الشياطين عصمنا الله ~~في شرهم. # وروي أن كافرا قتل مسلما في غزاة، ثم إن القفل انفتح في قلب القاتل ~~وأقبل إلى صف المؤمنين، وآمن وأقبل على الكفار وقاتلهم حتى قتل فدفنا في ~~موضع واحد، وروي أنهما معا في الجنة، فإذا كان الله معك فمن يضرك، وإذا ~~كان الله عليك فمن ينقذك، وإذا نصرك فمن يهينك، وإذا خذلك فمن ينصرك، ~~جعلنا الله من المحظوظين بعنايته ورعايته. # وقوله: # هي راودتني عن نفسي # [يوسف: 26] لما بهتت عليه أخذ يقضي عن حقيقة الحال، ولو لم يبهت لما ~~فضحا قوله: # وشهد شاهد من أهلهآ # [يوسف: 26] قيل كان صبيا في المهد شهد ms0864 بذلك كرامة ليوسف، ولم يكن في ~~ضمير يوسف أن ينطق الله ذلك النبي، فلما حفظ يوسف أمر الله حفظ الله ~~أمره وأنطق ببراءة يوسف. # وقوله: # واستبقا الباب # [يوسف: 25] لما دفع يوسف قدما لله تعالى لا آثما به، أيده الله ~~بعصمة، ولما تحير التجأ إلى الله تعالى فأعانه وحكي أن واحدا من ~~المشايخ جاور مكة عشرين سنة، فاشتهى اللبن فخرج بطلبه فوقع بصره على ~~جارية عسقلانية وشغف قلبه بها فقال: يا جارية أين تذهبين؟ فقالت: يا شيخ ~~لو كنت عارفا لما تبعت شهوتك، ولو كنت صادقا في دعوى المحبة لما تعلق ~~قلبك بي، ولما تجاسرت على النظر إلي، فلما سمع الشيخ كلامها ندم وقلع ~~عينيه بإصبعه ورمى بها، فمضت أيام وأزالت الألم عنه القرار، فرأى ليلة ~~يوسف في منامه وقال له: أقر الله عينك بسلامتك عن الجارية العسقلانية، ~~ومسح بيده عينه، فاستيقظ وله عينان مضيئتان أشد ضوءا مما كانت قبله. # وقوله: جزاء عنها # قالت ما جزآء من أراد بأهلك سوءا # [يوسف: 25] إلا كانت تكرمه وتعظمه وتدار به، فلما وصلت إلى حضرة ~~سيدها، وخافت سطوته قلبت الأمر وسعت به وخاصمته # قالت ما جزآء من أراد بأهلك سوءا # [يوسف: 25] فكذا العبد ينفق عمره على مراعاة الأهل والولد ويسعى ~~بأمورهم، فإذا رأى أهوال القيامة، وخاف من سطوة الملك الجبار أعرض عن ~~الكل كما قال: # يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه # [عبس: 34-35]. # فمحبة العادات تدوم إلى مخالفة الحبيب فحينئذ تنقطع، ومحبة الشهوات تدوم ~~إلى زوال الشهوة، ومحبة الولادة تدوم إلى الموت، ومحبة الواصلة تدوم إلى ~~الفراق، ومحبة العشق إلى أن تتباعد، ومحبة الطمع في الأغنياء تدوم إلى ~~المنع والرد، ومحبة التعاون على أمر الحق والتوافق على الاعتقاد والحق ~~تدوم إلى الجنة كما قال: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67] ومحبة الحق تعالى مؤبدة كما قال الله تعالى: # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]. # ولما شهد اليهود على مريم بالفساد، وشهد عيسى ببراءتها كما قال: # إني عبد الله # [مريم: 30] إلى قوله: # وبرا بولدتي # [مريم: 32] ولما ms0865 رمي يوسف بالتهمة شهد الصبي ببراءته، ولما شهد ~~الكفار بأن الله اتخذ ولدا شهد المؤمنون ببراءته وتقديسه غير ذلك، ~~ولما شهد المنافقون على عائشة - رضي الله عنها - مما لم تفعل برأها ~~الله مما قالوا، ويحكى أنه لما نال يوسف الملك أمره الله على لسان ~~جبريل بأن يجعل ذلك الشخص الذي شهد ببراءته وهو في المهد وزيرا له قضاء ~~لحق شهادته له، فنرجو أن الله لا يضيع شهادتنا بتوحيده وتقديسه مدة ~~عمرنا. # وقيل: إن المرأة لم تدر أن الشاهد في البيت ولو علمت ما فعلت فالعبد ~~المذنب لو استيقظ من نوم الغفلة وعقل وعلم أن الشهود منه مستبقيا كأنه ~~يراهم لما أقدم على المعصية، قال الله تعالى: # والله على كل شيء شهيد # [البروج: 9] وقال: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18]. # وقوله: # إن كيدكن عظيم # [يوسف: 28] قيل: سمي عظيما؛ لأنه بهتان وذنب البهتان أثقل من السماوات، ~~وإنما قال: # وخلق الإنسان ضعيفا # [النساء: 28] لأن الآدمي يسعى مدة عمره في نيل مراده، ثم يموت قبل أن ~~يناله. # وقوله: # يوسف أعرض عن هذا # [يوسف: 29] قيل: فعل عزيز مصر فعل الكرام؛ لأنه قال في الابتداء: # أكرمي مثواه # [يوسف: 21] ولما رأى تلك الحالة لم يتعجل بعقوبته، ثم تثبت وتعرف ~~الحال حتى شهد شاهد بذلك، ولما بين الأمر عفا عن المجرم ويشفع إلى ~~المظلوم بقوله: # يوسف أعرض عن هذا # [يوسف: 29] أو قيل: لما قصد يوسف الخروج من دارها وجد العصمة، فكذلك ~~المؤمن إذا قطع طريقه عن الشيطان وهي الدنيا وجد العصمة أيضا. # ويحكى أنه كان لشقيق البلخي صاحب، فخرج يوما بيت نار المجوس لينظر ~~فاعتبر به، فرأى شيخا يوقد النيران فرأى جارية بين يديه لم ير أحسن منها ~~فعلق قلبه بها وقال: ليتني أرزق هذه، فخرج من بيت النار وفرش السجادة ~~وجعل يبكي ويتضرع، فلما كانت وقت الصبح سمع صياحا داخل البيت وقيل: ~~ماتت الجارية، فسمعوا صوتا أخرجوها إلى الرجل حتى يقرأ عليها فتصح، ~~فأخرجوها فرآها مغشيا عليها لعلة عرفها، فقال: أن برأت هل تسلم ms0866 ~~وتزوجنيها؟ قال: نعم، فقرأ عليها القرآن فأفاقت وبرأت وأسلم الرجل وأسلمت ~~الجارية وزوجها إياه وأسلم جماعة بيت النار. # وعن علي بن معاذ أنه خرج إلى مقبرة بالبصرة فرأى شابا في زاوية عريانا ~~يقول: يا سيد ما أعظم ما واريتني، وما أجل ما ألبستني، فقال له: تقول هذا ~~وأنت عريان؟ قال: عراني مما يورث الندامة وألبسني ما يورث الكرامة، ~~وعراني مما يوجب الملامة وألبسني مما يوجب السلامة، وإن يوسف خاف عن ~~معصية الله حتى هرب، وإن الإيمان أصل الخوف، فمن لا خوف له لا إيمان، ~~فلما كادت تلك المرأة رجع وبال كيدها إلى نفسها حتى أقرت بذنبها، وقال: # الآن حصحص الحق # [يوسف: 51] أنا راودته ليعلم أن المكر لشيء حاق بأهله، كاد نمرود ~~إبراهيم فأهلكه الله ونجا إبراهيم، وكاد فرعون موسى فدمر عليه ونجا موسى ~~من كيده، وكاد تسعة رهط صالحا فنجا وأهلكوا، وكادت قريش الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فأهلكوا وأظفر عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم. # قوله: # وقال نسوة في المدينة # [يوسف: 30]، قيل: أحببن ثلاث نسوة ثلاثة من المؤمنين فنلن أكبر مما ~~طلبن: # * الأولى: أحبت امرأة العزيز يوسف عليه السلام فنالت من بركته المعرفة، ~~فيحكى أن هؤلاء النسوة اللاتي قطعن أيديهن قلن ليوسف وهو في السجن: أحب ~~سيدتك التي اشترتك وإن أردتنا فنحن لك، فيقول يوسف: معاذ الله لا أعصي ~~الله وإن بقيت في السجن، ولما علم عزيز مصر أن امرأته عشقت يوسف حلف ~~أنه لا يخرج من السجن ما دام حيا، فتفكرت المرأة وقالت: شاب حديث السن ~~ويخاف عقوبة الله فأنا أولى أن أخاف، فآمنت واشتغلت بعبادة الله تعالى. # * الثانية: آسية امرأة فرعون أحبت موسى فنالت ببركة موسى الجنة # إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة # [التحريم: 11]. # * الثالثة: خديجة - رضي الله عنها - أحبت محمدا صلى الله عليه وسلم قبل ~~النبوة نالت بركة الهداية بالإسلام، فمحبة أولياء الله سبب لنيل الرحمة ~~فما ظنك بمحبة الله تعالى. # وقيل أيضا: هؤلاء النسوة أصابتهن الغمة والمحنة، فالغمة نعمة الضيافة، ~~والمحنة قطع ms0867 الأيدي، ثم كن تنسين الكل عند رؤية يوسف، فكذا المؤمن تصيبه ~~النعمة والمحنة في الدنيا، وفي القبر يرى الوحشة، وفي القيامة يرى ~~الأهوال، وعلى الصراط يرى أنواع عذاب جهنم، وفي الجنة يرى ألوان نعمها، ~~فإذا أكرم برؤية الله تعالى نسي الكل وشغله عن كل نعيم، قال الحسن: لو ~~يبقى أهل الجنة في الرؤية على حالتهم لا يخطر ببالهم شيء. # وقيل: هؤلاء النسوة يحملن ما أصابهن في مشاهدة يوسف، وكذا المرء يتحمل ~~مؤنة الزوجية بمشاهدة الأهل والولد فكيف لا يتحمل مدعي المحبة الله تعالى ~~مشقة بلائه طمعا في مشاهدته؟ # وقيل: هؤلاء النسوة لما شغلن بجمال يوسف قطعن أيديهن ولم يحسسن بذلك، ~~فلما أفقن وجدن ألم القطع والتلوث بالدماء وبقيت الحسرة عليهن، فكذا ~~طالب الدنيا يتعب نفسه بطلبها ويتحمل المشاق في جمعها ويبتلى بذلك ولا ~~يحس بآلامها، ثم عند انقطاع الأنفاس يفيق من سكرته ويرى ديوانه مسودا ~~بالسيئات وعمره ضائعا في الزلات ويبقى في غصص الحسرات نعوذ بالله منها. # وقيل: أكمل الله تعالى ليوسف ثلاث أشياء الحسن كما روي أنه أعطي ثلثي ~~الحسن، وحكي أنه في سنة الجدب كانوا ينظرون إليه فيشبعون، وكانت رؤية ~~عذابهم وكانوا لا يحسون بألم الجوع في مشاهدته، وأكمل له المحبة أيضا ~~فجمع له بين فراق الوالد وغصة الغربة ومشقة الجب والحبس والابتلاء ~~بالنسوة، وأكمل له العصمة حتى عصم مع شدة السيئات، وشره الشهوة، وجمال ~~النسوة، وإمكان انتهاز الفرصة، والتمكن من قضاء الشهوة في الخلق. # وقوله: # قال رب السجن أحب إلي # [يوسف: 33] أي: الدعاء باسم الرب آداب الملائكة والأنبياء المرسلين، قال ~~الله تعالى خبرا عن حملة العرش: إنهم يقولون: # ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر ~~للذين تابوا # [غافر: 7]. # وقال إبراهيم: # رب هب لي من الصالحين # [الصافات: 100] # ربنآ إني أسكنت من ذريتي # [إبراهيم: 37] # قال نوح رب إنهم عصوني # [نوح: 21]، قال موسى # رب اغفر لي ولأخي # [الأعراف: 151] وقال شعيب: # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق # [الأعراف: 89] وعلم نبينا - صلوات الله وسلامه عليه - يدعوه باسم الرب ~~قال: # الذين يذكرون الله ms0868 قياما وقعودا # [آل عمران: 191]. # وقيل: قال يوسف: # رب السجن أحب إلي # [يوسف: 33] وقال الغافل: الدنيا أحب إلي ورضي بالحياة الدنيا، وقال ~~الكافر: عبادة الصنم أحب إلي ورضي بالحياة الدنيا # يحبونهم كحب الله # [البقرة: 165]، وقال المؤمن: الرب أحب إلي من نفسي وروحي # والذين آمنوا أشد حبا لله # [البقرة: 165] وكل موكل بمحبوبه، فللكافر صنمه ولصاحب الدنيا دنياه، ~~وللمؤمن مولاه كما قال: # أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير # [الأنفال: 40]. # وقيل: السجون ثلاثة: سجن يوسف، وسجن يونس، وسجن المؤمن. # * وقال يوسف: # قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه # [يوسف: 33] أي: من فراق الخليل، وعصيان الجليل، ومن مقاساة النيران، ومن ~~سرابيل القطران. # * وأما يونس: فلما حبس أقر بالظلم على نفسه فقال: # سبحانك إني كنت من الظالمين # [الأنبياء: 87] ولما ذم نفسه فهو ممدوح، ولما مدحه الله بقوله: # فلولا أنه كان من المسبحين # [الصافات: 143] ليعلم أن من مدح نفسه فهو مذموم، ومن ذم نفسه فهو ممدوح، ~~ولما مدح إبليس نفسه فقال: # أنا خير منه # [الأعراف: 12] ذمه الله تعالى بقوله: # أبى واستكبر وكان من الكفرين # [البقرة: 34] فلما ذم آدم نفسه بقوله: # ربنا ظلمنآ أنفسنا # [الأعراف: 23] مدحه الله تعالى # ثم اجتباه ربه # [طه: 122] وكذا الكفار مدحوا أنفسهم فقالوا: # أهؤلاء من الله عليهم من بيننآ # [الأنعام: 53] فذمهم الله بقوله: # أولئك هم شر البرية # [البينة: 6] ولما ذم المؤمنون أنفسهم بقولهم: # ربنا اغفر لنا ذنوبنا # [الأعراف: 147] مدحهم الله تعالى بقوله: # التائبون العابدون # [التوبة: 112]. # *وأما الدنيا فإنها سجن المؤمن وإن كان غنيا متنعما فيها، فذلك ~~بالإضافة إلى نعيم الجنة سجن وأن الكافر وإن كان فقيرا فذلك بالإضافة ~~إلى عذاب الآخرة جنة. # وقيل: سميت الدنيا سجن المؤمن؛ لأن من سجن فإنه يقدم ما معه إلى بيته، ~~والمؤمن ينبغي أن يقدم ما معه إلى داره وهي الآخرة. # * ولأن المسجون أبدا يلزم نفسه ويقول: مالي ولهذا العصيان، والمؤمن ~~يقول: مالي وزخارف الدنيا وغرورها ومكرها. # * ولأن المسجون ممنوع من مراده ومقصوده كما شاء، فكذا المؤمن ممنوع عما ~~يشاء ويهواه من أمانيه البطالة. # * ولأن المسجون يخاف ms0869 كل ساعة أنه يخرج ويقام عليه الساسة، والمؤمن ممنوع ~~عما يشاء ويهواه من أمانيه إلى القيامة ويقام عليه ما يستحقه. # * ولأن المسجون يجتهد أن يرضي خصومه لئلا يتظلموا عليه عند الملك فيقسم ~~عليه الساسة، فكذا المؤمن يجتهد في دنياه أن يرضي خصومه لئلا يخاصموه ~~بحضرة مولاه غدا. # * ولأن المسجون يتضرع إلى الثواب والحجاب وكل نفس لها تعلق بالملك ~~ويتشفع به إليه في أمره، فكذا المؤمن يتوسل بكل أحد إلى الله تعالى ويسأل ~~الله بكل لسان بأن ينقذه عن مهاوي الهلكة. # * ولأن المسجون يدعي رفع الصفة كل يوم بل كل وقت فلعل الملك يرحمه في ~~وقت من الأوقات، فكذا المؤمن ينبغي ألا يفتر عن رفع قضيته كل ساعة فعسى ~~الله أن يرحمه. # * ولأن المسجون إذا جوزي في السجن ولم يفضح بين أيدي الناس فذلك أهون ~~عليه، فكذا المؤمن إذا ابتلي في دار الدنيا فإنه يحمد الله على أن جوزي ~~بذنوبه في هذه الدنيا الفانية ولم تؤخر عقوبته إلى دار البقاء. # * ولأن المسجون يرجو الفرح وإن كان على خطر ولا يأمن وإن كان يرجو ~~الخروج، فكذا المؤمن يرجو عمره بين خوفه ورجائه إلى أن ينتهي عمره. # وقوله: # يصاحبي السجن أمآ أحدكما فيسقي ربه خمرا # [يوسف: 41] قام الطباخ والساقي فرأيا رؤياهما فوصل أحدها إلى نعيم ~~الدنيا، والآخر إلى العقوبة، # فريق في الجنة وفريق في السعير # [الشورى: 7]، ولو كان يعلم الطباخ ما يرى في منامه لما نام، فكذا الغافل ~~لو أنه يدري ما يصيبه من الغفلة ما غفل ساعة، والساقي ترك الخيانة وأشفق ~~على سيده ولم يداهن فنجا وفاز، والطباخ خان وداهن وأعرض عن مراعاة حق ~~سيده فهلك، فكذا أمر الخائن العاصي المداهن المعرض عن طاعة الله المتبع ~~أوامر أعدائه قال الله تعالى: # أفتتخذونه وذريته أوليآء # [الكهف: 50]. # ويحكى أنه لما دخل يوسف السجن بكى وقال: هذا غضب مخلوق فكيف سخط ~~الخالق؟ فقيل له: أطلب منه ألا يحبسك، فقال: هو ربي يفعل ما يشاء، ~~وإنما قال هذا يعني الله تعالى، فظنوه يعني مشتريه، فقالوا: نعم ms0870 العبد هو ~~لمولاه. # وقوله: # يوسف أيها الصديق # [يوسف: 46] اعلم أنه سمى الله تعالى إبراهيم صديقا، قال: # واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا ~~نبيا # [مريم: 41] وسمى إدريس صديقا: # واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا # [مريم: 56] وأخبر عن تسمية يوسف صديقا: # يوسف أيها الصديق # [يوسف: 46]. # وسمى مريم صديقة # وأمه صديقة # [المائدة: 75]، وسمى أبا بكر: صديقا، # والذي جآء بالصدق # [الزمر: 33] وسمى المؤمنين صديقين: # والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم ~~الصديقون # [الحديد: 19]. # وأعطى إبراهيم الخلة، # واتخذ الله إبراهيم خليلا # [النساء: 125]، وأعطى إدريس الرفعة # ورفعناه مكانا عليا # [مريم: 57] ويوسف التمكين # وكذلك مكنا ليوسف # [يوسف: 56]، ومريم الاصطفاء والطهارة كما قال: # إن الله اصطفك وطهرك # [آل عمران: 42] والصديق الخلافة كما قال: # ليستخلفنهم في الأرض # [النور: 55] والمؤمنين ملازمة الإيمان كما قال: # وألزمهم كلمة التقوى # [الفتح: 26]. # قوله: # قال تزرعون سبع سنين دأبا # [يوسف: 47] قال يوسف لهم: ما بين أيديكم أيام السعة ومن بعدها أيام ~~المحنة، فادخروا في السعة للضيق، ومن أيام النعمة لأيام المحنة، ومن أيام ~~الزائلة لأيام الباقيات، فيا مؤمن أنت في دار الدنيا في نعمة ومكنة ~~وفسحة، فخذ من نفسك لنفسك، ومن حياتك لموتك، ومن فراغك لشغلك، ومن غنائك ~~لفقرك. # وقوله: # فذروه في سنبله # [يوسف: 47] أي: إن أظهرتموه فأصابه الغبار والآفات وأكله الديدان ~~والأكلة، فييأسون من جعل طاعتك تخفيا كيلا يصيبها آفات الرياء والعجب ~~فتحبط وتصير هباء منثورا، وكان أمر براءة يوسف خافيا، فلما باحت ~~وأظهرت الستر # حصحص الحق # [يوسف: 51] وأقرت هي بجرمها وببراءة يوسف، فكذا في القيامة يتبين أمر ~~المطيع من أمر العاصي، ويتميز المجرم من الصالح كما قال: # وامتازوا اليوم أيها المجرمون # [يس: 59]، وقال: # يوم تبلى السرآئر # [الطارق: 9]. # وقيل: من له ذخيرة في أيام القحط فإنه يكون مسرور الحالة، ومن يكون ~~فقيرا معدما فإنه يكون حزينا متحيرا، فكذا أمر المطيع والعاصي في ~~القيامة؛ فالمطيع: # في عيشة راضية * في جنة عالية # [الحاقة: 21-22] والعاصي في حسرة يا لها من حسرة # يقول يليتني قدمت لحياتي # [الفجر: 24] وفي القحط يتضرع الفقير إلى الغني ولا يغنيه ms0871 ذلك، وكذلك في ~~الآخرة يتضرع العاصي إلى المطيع؛ ليحنو عليه بحسنة ولا تسمح نفسه بذلك لا ~~يتحمل عنه خطيئة واحدة كما قال: # وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ~~ولو كان ذا قربى # [فاطر: 18]. # ويحكى أنه لما اشترى يوسف أهل مصر ولم يبق لهم شيء وبقي من سنين القحط ~~بقية قالوا ليوسف: نحن الآن عبيدك ونفقتنا عليك وقد جعنا، فتحير يوسف ~~فأتاه جبريل وقال: اخرج إليهم فإن الله تعالى جعل مشاهدتك غذاءهم، فأمر ~~يوسف أن يخرج أهل مصر بنسائهم ورجالهم وصبيانهم ويقفوا بالطرقات ففعلوا ~~وخرج يوسف ومر بهم، فلما رأوه شبعوا ولم يحتاجوا إلى الطعام والشراب ~~إلى أسبوع آخر، فجعل الله لقاء يوسف غذاء لهم سنة كاملة إلى أن حصل الخصب ~~والنعمة، وإنما لم يلم يوسف في تزكية نفسه # إني حفيظ عليم # [يوسف: 55] لأنه أراد حفظ أمور الرعية، وبث العدل بينهم، والإنفاق عليهم ~~بقدر ما يكفيهم لئلا يهلكوا بسنين الجدب، وأراد بتولي ذلك إبقاء عليهم، ~~ومراعاة لحياتهم، وأراد تحقيق رؤياه؛ ليصل إليه إخوته منقادين خاشعين ~~لحاله، ويصل هو إلى لقاء الشيخ الحزين عليه السلام. # قوله: # فعرفهم وهم له منكرون # [يوسف: 58] قيل: إنما أنكروا؛ لأنهم كانوا قد جفوه، والجفاء يورث الوحشة ~~ويذهب الألفة، ويورث المخالفة ويذهب الموافقة، ويورث المحاربة ويذهب ~~المسالمة، ويبعد ولا يقرب، وينكر المعروف، ولما صفوا تحت سريره فكان ~~بلسان الحال ناداه انظروا ماذا فعلتم بيوسف؟ وماذا صنع الله به؟ أنتم ~~أهنتموه والله أعزه، وأنتم جعلتموه في الجب والله جعله على سرير الملك؛ ~~ليعلم العالمون أن العزيز من أعزه الله، والذليل من أذله الله، # تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء # [آل عمران: 26]. # وقيل: إن يوسف جعل في الجب ثم في السجن، فلم يعرضه الله تعالى في تلك ~~الحالة على إخوته، ولما توجه بتاج الملك عرضه عليهم، وكذا أمر المؤمن ~~يكون نطفة ثم علقة ولا يعرض في هذه الأحوال، فإذا تمت خلقته وكملت صورته ~~أظهر وعرض، ثم إذا توفاه يعرض للإتيان أماته وأقبره، فإذا أعاد خلقه ms0872 عرضه ~~مكرما بلباس التوحيد متوجا بتاج الملك كما قال: # يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا # [مريم: 85]. # ويحكى أنه لما دخل إخوته مصر نادى مناد: لا ينبغي أن يبايع ويشاري ~~الكنعانيين أحد؛ لأن الملك يريد مبايعتهم وكأنهم قالوا في أنفسهم: ولم لم ~~يعد لهم بمناد ينادي: لا ينبغي أن يبايع ويشاري الكنعانيين، فأجابهم ~~بلسان الحال؛ لأن معظم مقصود يوسف بتمكينه كان أولئك فحسب، كما قال ~~اليهود والنصارى: " ما لنا أكثر عملا وأقل أجرا، وأمة محمد أقل عملا ~~وأكثر أجرا، فقيل لهم: أظلمتكم شيئا؟ وهل أنقصتكم شيئا من أجوركم؟ ~~فقالوا: لا، فقيل: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " ، فالمقصود هو محمد ~~وأتباعه، وقيل: " لولا محمد صلى الله عليه وسلم لما خلق آدم ". # وحكي أنه كان يؤخر قضاء حاجات إخوته كيلا يتنحوا عن بابه ويكونوا ~~بحضرته، وكان يسارع في قضاء حاجات الأغيار؛ ليصرفهم عن بابه، فالله تعالى ~~يقضي حاجات المطرودين عن قريب لئلا يكونوا على بابه، ويؤخر قضاء حاجات ~~المؤمن؛ ليبقى على بابه. # قوله تعالى: # فالله خير حافظا # [يوسف: 64] لما استحفظ الله ابنه حفظه ورده إليه، فإنه لا يضيع، قوله: { ~~يبني } أضافهم لنفسه وإن جفوه ولم يقطع نسبهم بسبب جفائهم كما قال ~~تعالى: # يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم # [الزمر: 53]. # وقوله: # وادخلوا من أبواب متفرقة # [يوسف: 67] قال: هذا الافتراق بقي في بني إسرائيل، انفلق البحر لهم ~~اثنتي عشرة فلقة كما قال: # فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم # [الشعراء: 63]. # وقال: # وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما # [الأعراف: 160] وقال: # فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا # [البقرة: 60] وقال: # وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا # [المائدة: 12] وقال في حق المؤمنين: # وألف بين قلوبهم # [الأنفال: 63] وقال: # يأيها الذين آمنوا # [الأنفال: 45] وقال: # إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين ~~والمؤمنات # [الأحراب: 35] وقال: # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض # [التوبة: 71] فلا ينبغي للمؤمنين أن يتفرقوا؛ بل ينبغي أن يكونوا كنفس ~~واحدة يشد بعضهم بعضا. # وقيل: أربعة نفر أمروا بدخول أربعة أبواب كما قال: # وأتوا البيوت من أبوابها # [البقرة: 189] وذلك لموافقة الشرع ومخالفة الهوى، وأمروا إخوة يوسف ~~بدخول أبواب ms0873 مصر؛ لكمال النفقة وحسن المقال: # لا تدخلوا من باب واحد # [يوسف: 67] وأمروا الكفرة بدخول أبواب النار لإظهار العقوبة والنكال كما ~~قال: # ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها # [الزمر: 72] وأمر المؤمنون بدخول الجنان بكمال الكرامة وإظهار النوال ~~كما قال: # ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون # [الأعراف: 49]. # وقيل: أربعة أبواب فتحت لأربعة نفر لأربعة أشياء فتحت أبواب النعمة ~~للغافلين؛ للاستدراج والإمهال كما قال: # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء # [الأنعام: 44]، وفتحت أبواب السماء على قوم نوح للخزي والنكال كما قال: # ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر # [القمر: 11]، وفتحت أبواب النار على الكفار للعقوبة والسلاسل والأغلال ~~كما قال: # حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها # [الزمر: 73]، وفتحت أبواب الجنان على المؤمنين للفضل والأفضال كما قال: # وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا # [الزمر: 73]. # وقوله: # ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت ~~إليهم # [يوسف: 65] كان ظاهر الدنيا الإهانة، وباطنها الإكرام كما كل ممنوع ~~ومردود مهان، وليس كل من لا يستطيع الحج مطرودا، ولا كل من لا يجد مالا ~~يتصدق به مهجورا، وقوله لموسى عليه السلام: # لن تراني # [الأعراف: 143] لم يرد بذلك إهانته؛ بل إكرامه إذا لم يكن يطيق ذلك، أو ~~لو تجلى له لما بقي كما يدك الجبل، فالدنيا دار البلاء لا دار الفناء مع ~~هذه الدنيا الخسيسة كيف ينال العبد شرف رؤية الله تعالى وهو أشرف كل شرف ~~وأكرمه، وروي عن عبد الله بن المبارك أراد يغزو سنة فلم يوفق لذلك تلك ~~السنة، فحزن لذلك فرأى في المنام: لا تحزن، فإنك لو غزوت لأسرت، ولو أسرت ~~لكفرت. # وورد في حكاية أنه خرج واحد للحج فلما جاء فاته وقت الحج فقال: آه، ~~فأعجب بتأوهه إنسان فقال له: كذا حجة أبيعك بهذه التأوه، فقال: اشتريتها، ~~فرأى في المنام أنك ما تعرف قدر ذلك التأوه وبعته رخيصا، ورأى المشتري ~~في منامه أنه قيل له: اشتريت التأوه رخيصا، فذلك الأنين خير لك من كذا ~~وكذا حجة. # ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت ~~إليهم # [يوسف: 65] فاستبشروا، كذا ms0874 المؤمن عند الموت إذا كان معه بضاعته فرح ~~فرحة لا يوازيها فرحة، ومن خسر الأصل والربح بقي في حسرة لا يوازيها ~~أعاذنا الله منها. # وقوله: # ثم أذن مؤذن أيتها العير # [يوسف: 70] ذكر في القرآن أذان الظالمين # فأذن مؤذن بينهم # [الأعراف: 44] وأذان الحاج، # وأذن في الناس بالحج # [الحج: 27]، وأذن البراءة في المشركين # وأذان من الله ورسوله إلى الناس # [التوبة: 3]، وأذان إخوة يوسف # ثم أذن مؤذن أيتها العير # [يوسف: 70] فأذان الظالمين لتعسرهم وطردهم، وأذن المشركين للبراءة منهم، ~~وأذان الحاج للدعوى والكرامة، وأذان إخوة يوسف للعتاب والملامة، ونسبة ~~بنيامين إلى الشرف لم يكن إهانة له؛ بل كان تدرجا في إكرامه؛ لينتزعه من ~~أيديهم ويمسكه عنده على أكرم وجه، وهذا كما خرق الخضر عليه السلام ~~السفينة لا ليغرقها؛ بل لينقذها من أيدي الظالم الغاصب، ثم لما نجا ~~أهلها أصلح بلوح أعاده فيها، فكذا بنيامين استنقذه من أيديهم ثم لما ~~وصل يعقوب إلى يوسف أظهر الحال وبان أن ذلك كان تدرجا إلى إعزازه ~~وإكرامه. # قال المؤذن: # ولمن جآء به حمل بعير # [يوسف: 72] لأنه كان سقاية الملك وكان مخصوصا، فمن كان يأتي به فله ~~النوال، ومن كان يكيد له فعليه النكال، وكذا قلب المؤمن خزانة أمر الحق ~~فمن أتاه به فله النوال، ومن أخان له عن حقوقه خيف عليه النكال، والصدوق ~~إذا لم يكن فيه جوهر فأي قدر له، فالقلب إذا لم يكن فيه اهتمام بأمور ~~الآخرة فأي قدر وقيمة له قلب ملة أمور الحق فأكرم به من خزانة، وفي ~~محالات الدنيا فحظر الحسرات قال الله تعالى: # يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى # [الفجر: 23]. # وقيل: استدرجهم يوسف على أحسن وجه ففرحوا وقالوا: رعانا الملك برعايته، ~~وعاملنا باللطف ولم يشعروا بالأمور المعقب عنهم حتى ساروا قليلا، فأذن ~~مؤذن خلفهم: # أيتها العير إنكم لسارقون # [يوسف: 70] فانصرفوا عن وجهتكم، فكذا العبد يقر بنعمته، وحصول مآربه، ~~وتيسير مقاصده، ولا يعلم الشر المعقب إلى أن يحضره الموت، فإذ ذاك تبين ~~حقيقة حاله من المقربين أم من المستدرجين. # وقيل: الحكمة في ذلك ms0875 مكافأتهم بأن لم يرحموا يوسف حتى كان يتضرع إليهم ~~في أن لا يجعلوه في الجب فلم يجيبوه إلى ذلك فكان فكافأهم بأن ألجأهم إلى ~~أن يتضرعوا ويقولوا: # قالوا يأيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا # [يوسف: 78] فتضرعوا إليه ولم يسعفهم بمرادهم، ثم مع ظهور أمر السرقة ~~وخوف الساسة والنكال فادوا أخاهم بأنفسهم وقالوا: # فخذ أحدنا مكانه # [يوسف: 78]. # وقيل: فعل إخوة يوسف ما لم يكن لهم أن يفعلوه فبقوا مدة أربعين سنة ~~وأكثر في غم جفاء الأخ وعقوق الوالد ومعصية الرب، فكذلك العبد العاصي يغر ~~بالدنيا ويعصي الله غافلا، ثم يفاجئه الأجل فيفارق الدنيا ويتوجه إلى ~~الآخرة ويدخل القبر إلى يوم النشور ومعه عمله وحكم الحاكم العدل الذي لا ~~يميل ولا يخال قدامه، وفقنا الله لما فيه نجاتنا، ولا يكلنا إلى أنفسنا ~~طرفة عين. # ويحكى أن يوسف عليه السلام كان إذا اجتمع إخوته على بابه أمر بنيامين ~~ليقف بالعرش، وإذا خلا به أحله على سرير الملك، وكان إخوته إذا رأوه ~~حزنوا فيما أصابه، فكذا المؤمن المقبول يأتيه الموت ويجعل في حصار لحده ~~ويبكي أقاربه عليه ويقولون: المسكين بقي في وحشة القبر وظلمته، ولا يدرون ~~أنه في لذة ما توازيها لذة، وفي راحة لا تساويها راحة كما قال: # يليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي # [يس: 26-27] ولما أرادوا أن يذهبوا بنيامين معهم قالوا: # فأرسل معنآ أخانا # [يوسف: 63] فنسبوه إلى أنفسهم ولما رأوه بالسرقة لم ينسبوه. # وقيل: إن ينتهي بلاء بقرب سبب رد السائل وذبحه العجل بحضرة أمه، ثم ~~ينفرج وينكشف، فما أمر البلاء إلى الفرج بعد اشتداده وقوله تعالى: # وتولى عنهم وقال يأسفى على يوسف # [يوسف: 84] كأنه خلا عنهم بنفسه، واشتغل بما ابتلي به، وتأسف على يوسف، ~~فلهذا كان خوفه على يوسف أشد، وأتاه كيدهم فإنه مقيم باختباره. # وقوله: # وابيضت عيناه # [يوسف: 84] إشارة إلى أنه ينبغي أن يذكر الأنبياء بالحرمة، فلم يقل عمي ~~عند بلائه بعبادة حسنة، فقال: # وابيضت عيناه # [يوسف: 84]. # وقوله: # وأعلم من الله ما لا تعلمون # [يوسف: 86] إنما قال ms0876 ذلك لأنه روي أنه أتاه ملك الموت وهو في صومعته ~~فسلم عليه، فقال له يعقوب، من أنت؟ فقد اقشعرت أعضائي واضطربت بسلامك، ~~فقال: أنا ملك الموت الذي لا يمنعني حصن حصين، فقال يعقوب: كنت أرجو أن ~~أرى يوسف قبل أن أموت، فالآن جئتني لقبض روحي، فقال: ما جئت روحك ولو جئت ~~كذلك ما أمهلت ساعة، فقال له يعقوب: بحق الله هل قبضت روحي يوسف؟ قال: لا ~~هو حي وستلقاه عن قريب. # فلذلك قوله: # وأعلم من الله ما لا تعلمون # [يوسف: 86] قال بعض أهل الإشارة: لما كان خوف يعقوب من قبض ملك الموت ~~روح يوسف أتاه الأمن جهة خوفه فبشره ملك الموت، فكذا المؤمن خوفه من ~~الموت ولا خوف على المؤمن إن مات على الإيمان كما قال: # تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا # [فصلت: 30]. # وروي أيضا: أن يوسف كان يوما في الصحراء فرأى أعرابيا ركاب نجيبة ~~فقال له: أين تقصد؟ قال: كنعان، فقال يوسف: لي معك سفر فمن حقك أن تحقني ~~ما أعهد إليك، فعاهده الأعرابي أن يأتي بما تعهد إليه، فقال له: إذا دخلت ~~أرض كنعان فاذهب إلى يعقوب فقل له: إن ابنك يوسف بأرض مصر، وإن طلب منك ~~علامة فالعلامة هذه السقطة على سرتي، فلما وصل الأعرابي إلى أرض كنعان ~~أتى إلى يعقوب وقال: يا نبي الله أبشر فيوسفك المفقود بأرض مصر ويقرأ ~~عليك السلام، فقال: بأي علامة؟ فذكر العلامة، فقال: ما حاجتك؟ فقال ~~الأعرابي: لي مال كثير وليس لي ولد، ادعو الله لي بالولد فدعا له فرزقه ~~بنين له، فلهذا قال: # وأعلم من الله ما لا تعلمون # [يوسف: 86]. # فأملى يعقوب كتابا فكتبوه: # من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله إلى والي مصر: # اعلم أني قد كبرت وضعفت، وذهب عني النوم [والراحة]، ونحن أهل بيت هم أهل ~~البلاء، وهدف المحنة، وامتحنت بفراق قرة عيني يوسف منذ أربعين سنة أنا ~~مبتلي بفراقه، وهذا الابن الآخر اتهمته بالسرقة وهو ابن نبي الله وليس ~~بسارق، فالله الله أرسله إلي فهو ms0877 مؤنسي، وإن لم ترسله إلي ضرك دعائي ~~عليك، فإن الله لا يرد دعاء المظلومين، ودفعه إلى روبيل ابنه حتى يوصله ~~إلى يوسف. # فقال يوسف: بلغه سلامي وقل له: إن إبراهيم صبر وظفر، وكذا إسحاق فاصبر ~~كما صبروا تظفر كما ظفروا، فلما سمع جواب الكتاب قال: هذا كلام ~~الأنبياء! يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه. # قوله: # يأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر # [يوسف: 88] أظهروا عجزهم وأعرضوا ما كان لهم وعدوه يسيرا، ثم أظهروا ~~ضرهم بقولهم: فأوف لنا الكيل ثم أظهروا ضرورتهم، فقالوا: أو تصدق علينا، ~~ثم نكروا كرم الحق بقولهم: # إن الله يجزي المتصدقين # [يوسف: 88] ففعل يوسف أيضا خمسة أشياء عاتب بقوله: # هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه # [يوسف: 89] لقنهم حجتهم بقوله: # إذ أنتم جاهلون # [يوسف: 89] حتى يقولوا: فعلنا بجهالة، ثم عفا بقوله: # قال لا تثريب عليكم اليوم # [يوسف: 92] وثم صار شفيعا في حقهم بقوله: # يغفر الله لكم # [يوسف: 92] ثم قوى رجاهم في قلوبهم بقوله: # وهو أرحم الراحمين # [يوسف: 92]. # فكذلك أيها العبد المؤمن تب إلى الله كما قال: # والذين جاهدوا # [العنكبوت: 69] وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون وأنب إليه كما ~~قال: # وأنيبوا إلى ربكم # [الزمر: 54] # ففروا إلى الله # [الذاريات: 50] ثم تستمر لعبادته كما قال: # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # [العنكبوت: 69] احترز من كيد الشيطان كما قال: # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا # [فاطر: 6] ثم خالف هواك كما قال: وأما من خالف مقام ربه ونهى النفس عن ~~الهوى، فإذا فعلت ذلك أكرمت بالقبول كما قال: # وقابل التوب # [غافر: 3] وبالمغفرة كما قال: # إن الله يغفر الذنوب جميعا # [الزمر: 53] وتبديل السيئات الحسنات كما قال: # فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات # [الفرقان: 70] وبالنجاة من العذاب كما قال: # ثم ننجي الذين اتقوا # [مريم: 72] وبدخول الجنة كما قال: # يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب # [غافر: 40]. # وقوله: # إني لأجد ريح يوسف # [يوسف: 94] يحكى أن ريح الثوب لم يجدها الإخوة ووجدها يعقوب؛ لأن الإخوة ~~كانوا عاقين لوالديهم، وكان الثوب من الجنة فلم يجدوا ريحه، ثم بعد ذلك ~~رحموا وغفروا وقيل ms0878 لم يجدوا ريح الثوب؛ لأنهم ما احترموا يوسف، بل هتكوا ~~حرمته فلا جرم لم يجدوا ريحه كما لا يجد غير التائب ريح التوبة في ~~الآخرة. # وقيل: كان ليوسف قميص المحبة # وجآءوا على قميصه بدم كذب # [يوسف: 18]، وقميصه الفتنة # وقدت قميصه من دبر # [يوسف: 25] وقميصه البشارة، # اذهبوا بقميصي هذا # [يوسف: 93] ولما كان يوم البلاء تباغضوا، ولما كان يوم الفرح توادوا ~~واستبشروا وتنافسوا أيهم يذهب بالقميص ويبشر يعقوب به، هكذا قال الله ~~تعالى: # وتلك الأيام نداولها بين الناس # [آل عمران: 140] فسبحانه من عزيز حميد فقال: لما يريد بقلب الدهور ويحدث ~~الأمور بعد الأمور. # وقوله: # سوف أستغفر لكم ربي # [يوسف: 98] قيل: إنما أخر؛ لأن ما ينال بالهوينا لا يعرف قدره فأراد أن ~~يكونوا بين الخوف والرجاء، ثم إذا نالوه فإن أهل الجنة لو طلقوا فيها لما ~~عرفوا قدرها، وقيل: إنما أخر الاستغفار؛ لأن يعقوب عليه السلام كان ~~شفيعا، والشفيع لا يشفع إلا برضاء الخصم، فأخر حتى يسترضى يوسف قوله: # وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن # [يوسف: 100] ولم يقل: إذ أخرجني في الجب بحضرة إخوته إنه كان في الجب ~~أياما قليلا وهي ثلاثة أيام. # وروي أنه ما بات في الجب وبقي في السجن سنين كان مع غير أبناء الجنس، ~~وكان في الجب الملك يؤنسه؛ ولأنه لم يرد أن يذكر أمر الجب بحضرة إخوته إذ ~~هم جعلوه فيه تكرما وتلطفا، فلقد عفا عنهم # قال لا تثريب عليكم اليوم # [يوسف: 92] وطلب المغفرة لهم كما قال: # يغفر الله لكم # [يوسف: 92] وقوى رجائهم بقوله: # وهو أرحم الراحمين # [يوسف: 92] ولم يذكر لهم ما فعلوه معه وأحال ذنبهم على الشيطان فقال: # من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي # [يوسف: 100]، وبدأ ينزغ الشيطان بنفسه فقال: # بيني وبين إخوتي # [يوسف: 100] وصلوات الله عليه وعلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، ~~وعلى سائر الأنبياء والمرسلين الذين كانوا معادن الكرم واللطف ومحاسن ~~الشيم عامة. # وقوله: # رب قد آتيتني من الملك # [يوسف: 101] أخاف إعطاء الملك من الله تعالى؛ لأنه هو # مالك الملك ms0879 تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ~~ممن تشآء # [آل عمران: 26]، وقال: # من الملك # [يوسف: 101] ولم يقل: من الملك؛ لأنه كان ملك مصر فحسب، وكذا ملك ~~المخلوقين في الدنيا لا يكون كاملا بل يكون معيبا بالنقائص وآمنا ~~ملكهم التام في الدار السلام؛ إذ يلقون ما يشتهون ولا يمتنع عليهم مراد ~~كما قال: # وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا # [الإنسان: 20] أهلنا الله لذلك بلطفه وكرمه، وإنما بدأ بذكر الله ثم ~~يعلم التأويل؛ لأن مقصوده من الملك كان بث المعدلة وإمساك الطعام على ~~الدعية، والسبب إلى إبقاء أرواحهم فكان هذا النفع أعم من نفع علم ~~التأويل، فلهذا قدم ذكره وقيل: أعطي ثلاثة من الأنبياء النبوة والعلم ~~والملك، وأود كما قال: # وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشآء # [البقرة: 251] وسليمان ويوسف، وأعطي محمد صلى الله عليه وسلم النبوة ~~والعلم وملك القناعة، وأعطي عيسى النبوة والعلم وملك الزهد في الدنيا. # وأخبر عن يوسف أنه قال: # أنت وليي في الدنيا والآخرة # [يوسف: 101]، وقال لحبيبه صلى الله عليه وسلم: # ادعوا شركآءكم # [القصص: 64] ثم كيدون فلا تنظرون # إن وليي الله الذي نزل الكتاب # [الأعراف: 196] وقال في حق المؤمنين: # الله ولي الذين آمنوا # [البقرة: 257] فانظر هل توازي هذه الكرامة كرامة؟ ثبتنا الله على ~~الإيمان. # قوله: # توفنى مسلما # [يوسف: 101] يدل على: إن من حق العبد أن يتضرع دائما إلى الله في ~~تثبيته على الإيمان، وكذا قوله تعالى خبرا عن إبراهيم # واجنبني وبني أن نعبد الأصنام # [إبراهيم: 35]، وروي أن جبريل عليه السلام قال: " متى لعن إبليس لم يبق ~~ملك مقرب إلا وهو يخاف زوال الإيمان " ، ويقول: ربنا لا تغير اسمنا ولا ~~تبدل جسمنا ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، فكأن يوسف قال: رب احفظني في ~~ميزان التأديب حتى لم أرض أضرع، واحفظني في ملك حتى لم أظلم بل عدلت، وقد ~~بقي الفزع الأكبر فلا تمتني إلا مسلما، وألحقني في الآخرة بالصالحين. # قال يحيى بن معاذ: من تمام نعمة الله على يوسف بأن يجعله [منبأ] على ~~أخوته، واضطرهم إلى الخضوع له ms0880 والتذلل بين يديه بقولهم: # وإن كنا لخاطئين # [يوسف: 91] وقال سهل: نعمته عليك تصديق الرؤيا الذي رأيته لك. # وقال بعضهم: ويتم نعمته عليك بأن عصمك عن أفعال ما تليق بك ولآبائك، قال ~~الحكماء في قوله: # والله غالب على أمره # [يوسف: 21] أي: حيث أمر يعقوب يوسف - عليهم السلام - بألا يقص رؤياه ~~على إخوته فغلبه أمر الله تعالى حتى قص، ثم أراد يعقوب ألا يكيدوا فغلب ~~أمره حتى كادوا، ثم أراد إخوة يوسف قتله فغلب أمره حتى لم يقتلوه، ثم ~~أرادوا أن يلقوه في الجب ليلتقطه بعض السيارة فيندرس اسمه فغلب أمره حتى ~~لم يندرس اسمه وصار مذكورا مشهورا، ثم باعوه ليكون مملوكا فغلب أمره ~~حتى صار ملكا وسجدوا بين يديه، ثم أرادوا أن يخلو لهم وجه أبيهم فغلب ~~أمره حتى ضاق عليهم قلب أبيهم، ثم دبروا أن يكونوا من بعده قوما صالحين ~~تائبين فغلب أمره حتى نسوا الدين، وأضروا حتى أقروا بين يدي يوسف في آخر ~~الأمر بعد أربعين سنة فقالوا: # وإن كنا لخاطئين # [يوسف: 91]. # وقالوا لأبيهم: # وإن كنا لخاطئين # [يوسف: 91] ثم أرادوا أن يخدعوا أباهم بالقميص والدم والبكاء فغلب أمره ~~حتى لم يخدع، وقال: # بل سولت لكم أنفسكم # [يوسف: 18] ثم احتالوا أن تذهب محبته عن قلب أبيه فقلب أمره حتى زادت ~~المحبة والشوق في قلبه، ثم دبر يوسف أن يتخلص من السجن بذكر الساقي فغلب ~~أمره حتى نسي الساقي ذكر يوسف # فلبث في السجن بضع سنين # [يوسف: 42]، ثم احتالت امرأة العزيز أن تزيل المراودة عن نفسها حين ~~قالت: # ما جزآء من أراد بأهلك سوءا # [يوسف: 25] فغلب أمره حتى شاهد الشاهد من أهلها. # وقال ابن عباس رضي الله عنه: # والله غالب على أمره # [يوسف: 21] على ما أراد من قضائه لا يغلب على أمره غالب، ولا يبطل ~~إرادته منازع فهو قادر على أمره من غير منازع، قال جعفر بن محمد الصادق ~~سلام الله عليهما: البرهان النبوة التي أودع الله تعالى في العلم في صدره ~~فهي التي حالت بينه وبين ما يسخط الله، وقيل: ms0881 هو ما أتاه الله تعالى في ~~العلم والحكمة. # وقال أهل الإشارة: إن المؤمن له برهان من ربه في صدره من معرفته فرأى ~~ذلك البرهان وزواجره، وقال سهل: عصمه الله من الفعل ولم يعصمه من الهم، ~~وقال المزني: غلب عليها الطبع فهمت بالمعصية وغلب على يوسف التوفيق. # ومن العبر والمواعظ والفوائد في هذه القصة. # * أنه قال: لقد كان في يوسف وإخوته فلم ينقطع الوصلة بينهم بالجفاء الذي ~~وقع منهم؛ لبقاء أصل الدين في مؤاخاته بخلاف ابن نوح، فإنه قال في حقه: # إنه ليس من أهلك # [هود: 46] ولا في إخوة يوسف عزموا على أن يتضرعوا إلى الله إلى التوبة ~~والإنابة. # كما أخبر عنهم بقوله تعالى: # وتكونوا من بعده قوما صالحين # [يوسف: 9] قال بعض المفسرين: وأما كنعان فلم يعزم على الالتجاء إلى ~~الله تعالى، بل # قال سآوي إلى جبل يعصمني من المآء # [هود: 43]. # * ومنها: روي أنه ابتلي بذلك الفراق؛ لأن امرأته حين وجدت ريح قدرهم ~~فسألت عن يعقوب من ذلك الطعام فقال: اذهبي إلى بيتك مشاهدي إليك، ثم نسي ~~وعدهم فابتلي بذلك الفراق، وقيل: ببيدائه ذبح عجلا بحضرة أمه فينبغي أن ~~يعتبر ويحترز من أمثال ذلك. # * ومنها: أنه أظهر لبنيه زيادة محبة ليوسف فحملهم ذلك على أن فعلوا ما ~~فعلوا، فينبغي أن يعتبر المؤمن ويسوي بين أولاده جهده في المحبة وأن لم ~~يمكنه فليكتم ذلك عنهم، ولذلك يستحب في شرعنا التسوية بين الأولاد في ~~العطاء. # * ومنها: ألا يأمن من نزغات الشيطان في حال من الأحوال، فإنهم كانوا ~~من أبناء النبي عليه السلام ومع ذلك نزغ الشيطان بينهم. # * ومنها: اجتناب الجسد إذا حملهم الحسد على فعلهم ذلك. # * ومنها: أن المحبة سبب البلاء، فمن ادعى المحبة فليستعد للبلاء. # * ومنها: ألا يوثق بكل أحد، ولا يؤتمن على أحد، ائتمن يعقوب بنيه على ~~ابنه فأصابه منهم ما أصاب. # * ومنها: أن الأولاد فتنة، ولقد روي في القصة أنه التمس من الله أن ~~يرسله، فيعمد إلى الصحراء فلم يرد أن يمسكه. # * ومنها: فضيلتي الصبر، فلقد صبر يعقوب فنال الفرج، ms0882 وصبر يوسف فنال ~~الملك والمراد، وصبرت زليخاء فبلغت المقصود. # * ومنها: فضيلة الحلم، فلقد حلم عنهم حين قدر عليهم وقال: # قال لا تثريب عليكم اليوم # [يوسف: 92]. # * ومنها: أن الإقرار بالذنب سبب العفو، فإنهم قالوا: # وإن كنا لخاطئين # [يوسف: 91] قابلهم بأنه قال: # قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم # [يوسف: 92]. # * ومنها: من يريد الله رفعه فلن يضره كيد كائد، فلقد كادوا ليوسف فلم ~~يمكنهم دفع رفعته # والله غالب على أمره # [يوسف: 21] ولقد كاد الكفار رسولنا صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: # وإذ يمكر بك الذين كفروا # [الأنفال: 30] فلم يدفعوا مراد الله فيه، فكذلك المؤمن إذا كانت معه ~~عناية الله لم يضره كيد جني ولا كيد أنسي به، ونسأل الله تعالى ألا ~~يخلبنا عن عنايته ورعايته بفضله وكرمه فهم بموعظتها، وقال رويم: همت ~~زليخاء بالمعصية، وهم يوسف بالرجوع إليها في الفرار منها، وذلك قوله عز ~~وجل: # واستبقا الباب # [يوسف: 25] قال ابن عطاء: لولا أن رأى برهان ربه أي: واعظا من قلبه، ~~وهو قوله عليه السلام: " واعظ الله في قلب كل مؤمن ". # وقال الجنيد: تحرك طبع البشرية في يوسف ولم يعدوه طبع العادة والعبد في ~~تحريك الخلقة غير مذموم، وفي مقالة المعصية ملوم، وذكر الله على يوسف همه ~~على طريق المحمدة لا على طريق المذمة. # وقال أبو عثمان: ما كان هم بها إلا هم شفقة عليها، ودعا إلى الله في قطع ~~تلك الهمة الدنية عنها كيف يكون هم يوسف غير ذلك أو هم أنها بدا والله ~~تعالى يقول: # كذلك لنصرف عنه السوء والفحشآء # [يوسف: 24]، فكانت الفحشاء مصروفة عنه كيف يبقى عليه موضع هم دوني. # قال الشيخ المصنف رضي الله عنه: همت به زليخاء هم النفسانية الهوائية، ~~لكن بمناسبة وقضاء الربانية، وهم بها يوسف هم ائتلاف الروحانية لمناسبة ~~أحكام الأزلية بينهما بالزوجية، فإن كان هم زليخاء هم العاشقين بالمعشوق ~~وكان هم يوسف هم الزوج بزوجته لولا أن رأى برهان ربه وهو وارد رباني يرد ~~على قلب نوراني مؤيد بروح من عالم الأنبياء الذي ms0883 يحكم على الغيب بعلم ~~تأويل الأحاديث فأنبأه أنه زوجته، ولكن ما قال بعد وقت الازدواج فهم ~~بسائق والزجر لعدم انقضاء مدة كما قال: # كذلك لنصرف عنه السوء والفحشآء # [يوسف: 24] والسوء شغل البضع بنكاح الغير، والفحشاء المباشرة قبل ~~النكاح. # قال الجنيد: سئل السري ما علامة المحبة قال: ما ذكره الله في كتابه ~~(قد شغفها حبا)، قال: ألا يرى جفاء الحبيب جفاء، بل يرى جفاؤه وفاء. # وقال الشبلي: علامة الصدق في المحبة استواء المحبة في الشدة والرخاء، ~~وقال سمنون: الشغاف في المحبة امتلاء القلب منها حتى لا يكون لشيء عندها ~~فيه مكان، وقال الشبلي: الشغاف نهاية العشق. # وقال جعفر: الشغاف مثل القيم أظلم قلبها عن النظر في غيره والاشتغال ~~بسواه. # وقال بعضهم رضي الله عنهم: الشغاف جلد رقيق على وجه حبة القلب وهو مبلغ ~~غاية عشق المخلوق، فلا يتجاوز عشق المخلوق الشغاف وجه القلب هي مبلغ عشق ~~الخالق، فيجاوز الشغاف ويبلغ حبة القلب. # قال بعضهم في قوله تعالى: # فلما رأينه أكبرنه # [يوسف: 31] يشاهدن حسنا غير موضع الشهوة مؤيدا بعصم النبوة فأكبرنه. # وقال أبو سعيد الخراز: المحب من يكون في حال المشاهدة غائبا عن حسه ~~فانيا عن نفسه لا يحسن بما يجري عليه. # قال مخلوف: في رؤية مخلوق لم يتألم بقطع اليد ولم يحس به وأنتم تتألمون ~~مما يصيبكم من أثقال المحبة بالحقيقة. # قال سهل: # ما هذا إلا بشر مثلكم # [المؤمنون: 24] ما هذا إلا ملك في أخلاقه بشر في صورته. # قال محمد بن علي بن زين العابدين - سلام الله عليهم -: ما هذا بأهل أن ~~يدعي إلى المفاسد بل مثله يكرم، وينزه عن مواضع الاعتراضات لكرم أخلاقه ~~ولطف شمائله. # وقال ابن عطاء في قوله: # إن النفس لأمارة بالسوء # [يوسف: 53] بالنفس مجبولة على سوء الأدب، والعبد مأمور بملازمة الأدب، ~~فالنفس تجري على طبعها في ميدان المخالفة، والعبد يردها بحمد عن سوء ~~المطالبة، فمن أعرض عن الجهد فقد أطلق عناده النفس وغفل عن الرعاية ~~الأدب، فمهما أماتها فهو شريك في مرادها. # وقال الجنيد: من أعان نفسه ms0884 على هواها فقد أشرك في قتل نفسه والعبودية ~~ملازمة الأدب والطغيان سوء الأدب. # وقال سهل: خلق الله النفس، وجعل طبعها بالجهل، وجعل الهوى أقرب الأشياء ~~إليها، وجعل الهوى الباب الذي منه الهلاك. # وقال الواسطي: النفس ظلمة وسراجها سرها، فمن لم يكن له سر فهو ظلمه ~~أبدا. # وقال سهل: # إن النفس لأمارة بالسوء # [يوسف: 53] ليس لها في الأخلاق نصيب. # وقال الشيخ رضي الله عنه: إن النفس خلقت أمارة بالسوء، فإذا رحمها ربها ~~جعلها مأمورة، وبنور الرحمة مستورة، وبالواردات الربانية مقهورة، وبنظر ~~العناية منظورة، وذنوبها مغفورة، وأخلاقها المذمومة محمودة، وعلى ~~العبودية مطمئنة، ولجذبات الإلهية قابلة، وإلى ربها راجعة راضية مرضية في ~~زمرة خواص العباد داخلة، ولجنة جوار الحق مستلهمة، وبسطوات تجلي صفات ~~الجمال والجلال فانية، وبصفة بقاء الله باقية. # وعن محمد بن كعب القرطبي عن الإمام علي بن أبي طالب - عليه السلام - قضي ~~القضية فقال رجل من ناحية المسجد: يا أمير المؤمنين ليل القضاء كما قضيت، ~~قال: كيف هو؟ قال: هو كذا أو كذا، قال: صدقت وأخطأت # وفوق كل ذي علم عليم # [يوسف: 76]. # قال بعضهم في قوله: # نرفع درجات من نشآء # [يوسف: 76] بالعلم، وقيل: بالتقوى، وقيل: بنزع الشهوات والأهواء عنه، ~~وقيل: بالاستقامة، وقيل: بالمكاشفة والمشاهدة، وقيل: بالفراسة الصادقة، ~~وقيل: بالمعرفة والتوفيق، وقيل: بإجابة الدعاء، وقيل: بالإقبال على ~~الآخرة والإعراض عن الدنيا، وقيل: بمعرفة مكائد النفس. # وقال الجنيد: رفع درجات في يشاء بإسقاط الكونين عنه ورفعه عن الالتفات ~~إلى الأحوال والمقامات؛ ليكون خالصا لنا بلا علة. # وقال بعضهم رضي الله عنهم: نرفع درجات من نشاء بالبقاء بعد الفناء؛ ~~ليكون فانيا عن وجوده المجازي باقيا بوجوده الحقيقي. # وقال بعضهم في قوله: # وفوق كل ذي علم عليم # [يوسف: 76] فوق كل ذي معرفة عارف إلى أن تنتهي المعرفة إلى المعروف، ~~فتسقط الأوصاف ويبقى حقا محضا. # وقال بعضهم: العلوم تتفاوت على مقدار الصنائع والتعليم إلى أن ترى من ~~يتلقف العلم من الحق ورزق العلم اللدني، فذلك العالم بالعلم اللدني الذي ~~لا عالم فوقه في الخلق. # وقال الشيخ ms0885 رضي الله عنه: # وفوق كل ذي علم عليم # [يوسف: 76] في المنقول والمعقول { عليم } هو عالم بالله. # وقال بعضهم: الصبر الجميل الذي ليس فيه إظهار الشكور والإحساس بالبلوى. # وقال الشيخ رضي الله عنه: الصبر جميل إن ترى البلاء جميلا من الجليل، ~~والصبر يدفع البلاء إلى الخليل. # وقال الجنيد في قوله: # وتولى عنهم # [يوسف: 84] وقال: يا أسفا على يوسف أعرض عنهم لما لم يجد من عندهم ~~الفرج، ولم ير فيهم [مسكا لب كوباه]، # وقال يأسفى على يوسف # [يوسف: 84] لم يترك في هذا النفس الواحد بقيا حتى أوحى الله تعالى إليه ~~أن يا موسى على غيري ذلك الصبر الجميل الذي وعدتنا في نفسك أبنائي، وقد ~~أخذنا منك واحدا، وأبقيناك عشرا وأنت مع هذا تظهر الشكوى وتقول: صبر ~~جميل. # قال ابن عطاء: بكاء يعقوب وتأسفه لفقد الألفة، وذلك أنه لما لقي يوسف ~~عليه السلام زاد في البكاء، فقال: با أبت أتبكي عند الفراق وعند التلاقي، ~~قال: ذلك بكاء حرقة القلوب وهذا بكاء الدهش. # وقال أبو سعيد القرشي: أوحى الله تعالى إلى يعقوب تتأسف على غيري وعزتي ~~لأخذن عينك ولا أردهما إليك حتى تنساه. # وسئل أبو سعيد القرشي لم لم يذهب عين آدم وداود من هول بكائهما وذهبت ~~عين يعقوب؟ قال: لأن بكاءهما كان من خوف الله، وبكاء يعقوب كان على فقد ~~ولده فحفظا وعوتب. # وقيل: # وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم # [يوسف: 84]، وقال: بكاء الأحزان؛ يعمي العيون، وبكاء الشوق يجلي العيون، ~~وقال أيضا: الطبيب الحاذق من يأخذ الدواء من الداء الذي يعقوب عمى بفقد ~~يوسف فلم يبصر الآباء بإلقاء الثوب على وجهه، وأنشد المجنون في معناه: # تداويت من ليلى بليلى عن الهوى # كما يتداوى شارب الخمر بالخمر # قال الشيخ رضي الله عنه: ما كان بكاء يعقوب وتأسفه على فقد صورة يوسف، ~~وإنما كان على خوف فقد قلب يوسف في يوسف، وابيضت عيناه من الحزن على هذا ~~المعنى ألا ترى أنه لما ألقى على وجهه بقميص يوسف كيف ارتد بصيرا؛ لأنه ~~شم في قميصه رائحة ms0886 سلامة قلبه، فكما أنه كان عماء من حزن فقد قلب يوسف ~~كان بصره من سرور وسلامة قلب يوسف. # قال ابن عطاء في قوله: # وأعلم من الله ما لا تعلمون # [يوسف: 86] كان علمه الله كان حقيقة وعلمكم به علم استدلال. # وقال الجنيد في قوله: # ولا تيأسوا من روح الله # [يوسف: 87]، تحقق رجاء الراجين عند تواتر النعم وترادف المصائب؛ لأن ~~الله تعالى يقول: # ولا تيأسوا من روح الله # [يوسف: 87] والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " أفضل العبادة انتظار الفرج ". # قال أبو عثمان في قوله: # رب قد آتيتني من الملك # [يوسف: 101]، قال بما كان يجري عليه في حالتي السراء والضراء وهذا هو ~~الملك. # قال ابن عطاء: الملك هو احتياج حساده إليه وقال بعضهم: هو القناعة فيه. # قال الشيخ رضي الله عنه: هو أراه البرهان أخبرهم بها ليملك نفسه وينهاها ~~به عن الهوى. # وقال الصادق في قوله: # إن ربي لطيف لما يشآء # [يوسف: 100] أوقف حكم عباده تحت مشيئته إن شاء عذبهم، وإن شاء عفا عنهم، ~~وإن شاء قربهم، وإن شاء بعدهم؛ لتكون المشيئة والقدرة له لا لغيره. # وعن سهل في قوله: # توفنى مسلما # [يوسف: 101] قال: أمتني وأنا مسلم إليك أمري معرض إليك شافي لا يكون لي ~~إلى نفسي مجال ولا تدبير في سبب من الأسباب. # وقال: الدينوري: # وألحقني بالصالحين # [يوسف: 101] في إصلاحهم لمجالستك وحضرتك، وأسقطت عنهم الخلق، وأزلت عنهم ~~رعونات الطبع. # قال أبو صالح: من العباد من زين الله تعالى ظاهره بآداب الخدمة، ونور ~~باطنه بنور المعرفة. # وجعله راحة للخلق سعد ببركته من قصده، وما يؤمن من أكثرهم بالله إلا وهم ~~مشركون. # قال الواسطي: وهم مشتركون في ملاحظة الخواطر والكرامات، وقال بعضهم: وما ~~يؤمن أكثرهم باللسان إلا وهم مشركون عند نزول النوائب في الرجوع إلى ~~سواه، والاعتماد فيه على ضعيف مثلهم وفي قوله: # قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة # [يوسف: 108]. # قال ابن عطاء: أدعوكم إلى من تعودتم من النعم والأفضال والبر والتوال ~~على الأفعال، وهو الله الذي لم يزل ولا يزال تبارك ms0887 العزيز المتعال. # وقال بعضهم: فرق بين من دعا إلى الله وبين من دعا إلى سبيل الله؛ فمن ~~دعا إلى الله يدعو الخلق إليه به لا يكون فيه حظ لنفسه، ومن دعى إلى سبيل ~~الله يدعوهم بنفسه إليه لذلك كثرت الإجابة لمن يدعوا إلى سبيله لمشاكلة ~~الطبع، وقل من يجيب لمن يدعو إلى الله؛ لأن فيه مفارقة الطبع والنفس، ~~وقال بعضهم: البصيرة من لباس الأرواح، وليس لها من الأجسام حظ. # وقال الواسطي: على بصيرة أيقن بالله أنه ليس إليه من الهداية شيء. # وقال ابن عطاء: منهم: من اتبع على الظاهر، ومنهم: من اتبعه على الحقيقة، ~~والتحقيق فذلك الذي قال الله تعالى: # أنا ومن اتبعني # [يوسف: 108]، لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب. # قال الصادق: لأولي الأمر أو مع الله، وقال ابن عطاء: عبرة لمن اعتبر ~~وعظة لمن اتعظ في آن، أن النفس ليست بمحل الأمن والاعتقاد عليها، وصلى ~~الله تعالى على محمد وآله أجمعين. ### | [13 - سورة الرعد] ### || [13.1-4] # فقال: { تلك آيات الكتاب } [الرعد: 1] أي: تلك الحروف من { ~~المر } آيات الكتاب، وبها يقسم فبالألف منها يشير إلى قوله: # الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه ~~سنة ولا نوم # [البقرة: 255] وباللام يشير إلى: قوله: # له مقاليد السموت والأرض # [الشورى: 12] وبالراء إلى رسوله، والله أعلم { والذي أنزل ~~إليك من ربك الحق } [الرعد: 1]، فمن القسم وجوابه أن الذي ~~أنزل إليك من ربك من القرآن حق وصدق فمن اعتصم به، وهو حبل الله ينجيه من ~~الأسفل الذي هبط إليه بقوله: # اهبطوا منها # [البقرة: 38]، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون بأن هذا القرآن حبل من الله ~~يوصل المعتصم به إليه. # ثم قال تأكيدا لإيمان أهل الإيمان به: { الله الذي رفع ~~السموت بغير عمد ترونها } [الرعد: 2] يعني: رفعها ~~بالعمد، وهي القدرة والحكمة، ولكن لا ترونها أنها قائمة بها يعني الله ~~الذي رفع السماوات بالقدرة والحكمة قادر على أن يوصل المعتصم بحبل القرآن ~~إلى أعلى الدرجات، وأفضل القربات على أنه جل جلاله، { ثم استوى ~~على العرش } بعد رفع ms0888 السماوات من كمال قدرته وحكمته أي: غلبه ~~بقدرته لتدبير المكونات { وسخر الشمس والقمر } [الرعد: 2] ~~لمصالح العالم، وإظهار القدرة عليه { كل يجري لأجل مسمى } ~~من آجال الخلق، والعالم بالإفناء والإحياء والإيجاد والإعدام { يدبر ~~الأمر } أمر العالم، فهذا يدل على أن الاستواء لتدبير لا لتشبيه { ~~يفصل الآيات } [الرعد: 2] التي تدل على كمال القدرة والحكمة { ~~لعلكم } بهذه الاستدلالات { بلقآء ربكم } [الرعد: 2] ~~بالوصول إليه { توقنون } [الرعد: 2] فتجاهدون في طلبه. # { وهو الذي } من حسن تدبيره { مد الأرض } [الرعد: 3] أرض ~~البشرية { وجعل فيها رواسى } [الرعد: 3] أوصاف الروحانيات { ~~وأنهارا } [الرعد: 3] من مياه القدرة والحكمة، { ومن كل ~~الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } [الرعد: 3] أي: ~~مشاهدات روحانية ومكاشفات ربانية { يغشى اليل النهار } [الرعد: ~~3] أي: يغشي ليل أوصافه النفسانية منها أخلاق الروحانية { إن في ~~ذلك لآيات لقوم يتفكرون } [الرعد: 3] في حقائق الأشياء، ~~فيهتدون بها إلى معرفة مدبرها ومنشئها، { وفي الأرض } [الرعد: 4] ~~الإنسانية قطع من النفس والقلب والروح والسر والخفي { متجاورات } ~~متقاربات بقرب الجوار مختلفات في الحقائق: فمنها: حيوانية، ومنها: ~~ملكوتية، ومنها: روحانية، ومنها: جبروتية، ومنها: عظموتية. # { وجنات } وبالجنات يشير إلى هذه الأعيان المستعدة لقبول الفيض عند ~~قبولها، وتثميرها { من أعناب } وهي ثم النفس من الصفات ما يدل على ~~الغفلة والحماقة والسهو واللهو، فإنها أصل السكر { وزرع } وهي ثمرة ~~القلب، فإن القلب بمثابة الأرض الطيبة القابلة للزرع من بذر صفاته ~~الروحانية والنفسانية، فيأتي بذر صفة من الصفات؛ إذا زرعت يتجوهر القلب ~~بجوهر تلك الصفة؛ فتارة: يصير بظلمات النفس ظلما نبتا، وتارة: يصير ~~بنور الروح نوارنيا، وتارة: يصير بنور الرب ربانيا. # كما قال: # وأشرقت الأرض بنور ربها # [الزمر: 69]، { ونخيل } وهو الروح ذو فنون من الأخلاق الحميدة ~~الروحانية؛ كالكرم والجود والسخاء والشجاعة والقناعة والحلم والحياء ~~والتواضع والشفقة { صنوان وغير صنوان } وهي ثمر الجبروت وبه ~~يكشف أسرار الجبروت التي بين الرب والعبد، ولها مثل ومثال يحكى منها. # كما قال تعالى: # إلى عبده مآ أوحى # [النجم: 10]، وكما قيل بين المحبين سر ليس مفشيه { يسقى بمآء ~~واحد } [الرعد: 4] وهو ماء القدرة والحكمة { ونفضل بعضها ~~على بعض ms0889 في الأكل } [الرعد: 4] في الثمرات والنتائج فبعضها ~~أشرف من بعض، وإن كان لكل واحدة منها شرف في موضعه لاحتياج الإنشاء في ~~أثناء السلوك { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } ~~[الرعد: 4] الذين يلتمسون من القرآن أسرار آيات تدلهم على السير إلى ~~الله، وتهديهم إلى صراط المستقيم إليه. ### || [13.5-9] # { وإن تعجب } [الرعد: 5] أي: تعلم أنك يا محمد لا تعجب شيئا؛ ~~لأنك ترى الأشياء منا ومن قدرتها، وإنك تعلم أنا على كل شيء قدير، ولكن ~~تعجب على عباده أهل الطبيعة إذا رأوا شيئا غير معتاد لهم أو شيئا ينافي ~~نظر عقولهم { فعجب قولهم } أي: فتعجب من قولهم: { أإذا ~~كنا ترابا } [الرعد: 5] أي: صرنا ترابا بعد الموت. # { أإنا لفي خلق جديد } [الرعد: 5] أي: يعود تراب أجسادنا ~~أجسادا كما كان، ويعود إليها أرواحنا فنحيى مرة أخرى، فمعنى الآية أنهم ~~يتعجبون من قدرة الله بأن يكونوا خلقا جديدا بعد الموت، وليس هذا تعجب ~~من قدرة الله؛ لأن الله هو الذي خلقهم من لا شيء في البداية إذا لم تكن ~~الأرواح والأجساد ولا التراب فلا أهون عليه أن يجعلهم من شيء وهو التراب ~~والأرواح، ولكن العجب تعجبهم بعد أن رأوا الله خلقهم من لا شيء. # { أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك ~~الأغلال في أعناقهم } [الرعد: 5] وهي أغلال الشقاوة التي جعل ~~التقدير الأزلي في أعناقهم كما قال: # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه # [الإسراء: 13] { وأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون } [الرعد: 5] أي: هم الذين قال الله تعالى فيهم في الأزل: # " هؤلاء في النار ولا أبالي وهؤلاء في الجنة ولا أبالي " # قال أمرهم إلى أن يكونوا أصحاب النار إلى الأبد. # { ويستعجلونك بالسيئة } [الرعد: 6] أي: من أمارة هؤلاء ~~القوم استعجالهم بالكفر والمعاصي { قبل الحسنة } [الرعد: 6] أي: ~~قبل الإيمان والطاعة؛ لأنهم أهل الخذلان { وقد خلت من قبلهم ~~المثلات } [الرعد: 6] أي: مضت من قبلهم وجودهم في التقدير الأزلي ~~العقوبات { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ~~ظلمهم } [الرعد: 6]، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: # " هؤلاء في الجنة ولا أبالي ". # { ويقول الذين كفروا لولا أنزل ms0890 عليه آية من ~~ربه } [الرعد: 7] أي: علامة يستدل بها على نبوتك يا محمد { إنمآ ~~أنت منذر } [الرعد: 7] على الفريقين أي: ليس عليك هدايتهم، { ~~ولكل قوم } من الفريقين { هاد } [الرعد: 7] يهديهم إلى الجنة، ~~وإلى النار وهو الله الذي قال لهم: # " هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي " # هاد لأهل العناية بالإيمان، والطاعة إلى الجنة، وهاد لأهل الخذلان ~~بالكفر والعصيان إلى النار { الله يعلم ما تحمل كل ~~أنثى } [الرعد: 8] من السعيد والشقي والولي والعدو والجواد والبخيل ~~والعالم والجاهل والعاقل والسيد والكريم واللئيم وحسن الخلق وسيئ الخلق، ~~وأيضا: { يعلم ما تحمل كل أنثى } [الرعد: 8] ذرة من ذرات ~~المكونات من الآيات الدالة على وحدانيته؛ لأنه أودعه فيها وقال: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم # [فصلت: 53]، وقال الشاعر: # ففي كل شيء له آية # تدل على أنه الواحد # أيضا يعلم أنه ما أودع فيها من الخواص والطباع { وما تغيض ~~الأرحام } [الرعد: 8] أي: أرحام الموجودات وأرحام المعدومات أي: وما ~~تغيض من المقدرات أرحام الموجودات والمعدومات بحيث يبقى في الأرحام ولا ~~يخرج منها { وما تزداد } [الرعد: 8]، وما يخرج منها. # { وكل شيء عنده بمقدار } [الرعد: 8] أي: { وكل ~~شيء } مما يخرج من أرحام الموجودات والمعدومات، وما يبقى فيها عند ~~علمه، وحكمته { بمقدار } معين أي: معين موافق لحكمة خروج ما خرج، ~~وبقاء ما بقي؛ لأنه { عالم الغيب والشهادة } [الرعد: 9] أي: ~~{ عالم } بما غاب عن الوجود والخروج بحكمته، وبما شهد في الوجود ~~والخروج { الكبير } [الرعد: 9] في ذاته، وأحاط علمه بالموجودات ~~والمعدومات وبما في أرحامها { المتعال } [الرعد: 9] في صفاته بأنه ~~منفرد بها. ### || [13.10-15] # { سوآء منكم من أسر القول } [الرعد: 10] في مكن ~~الغيب بحيث لم يخرج منه، ولا شعور له به، { ومن جهر به } بأن ~~يظهر القول، ويخطر بباله وله به شعور { ومن هو مستخف باليل ~~} [الرعد: 10] أي: بليل العدم، ولم يخرج منه { وسارب بالنهار } ~~[الرعد: 10] أي: بنهار الوجود كل هذا سواء عنده؛ لأن علمه به يحيط { له ~~معقبات } [الرعد: 11] أي: لله معقبات في العلم والحكمة { من ~~بين يديه } [الرعد: 11] أي: ms0891 من بين يديه ما هو معلوم له. # { ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } [الرعد: 11] ~~الذي لأمر الله بحيث لا يخرج إن شاء تكوينه يكونه، وإن شاء إعدامه فيعدمه ~~{ إن الله لا يغير ما بقوم } [الرعد: 11] في الوجود ~~والعدم { حتى يغيروا ما بأنفسهم } [الرعد: 11] ~~باستدعاء الوجود، أو العدم بلسان استحقاق الوجود والعدم على مقتضى حكمه ~~ووفق مشيئته { وإذا أراد الله بقوم سوءا } [الرعد: 11] ~~لاقتضاء حكمته الأزلية { فلا مرد له } [الرعد: 11]؛ لأنه محفوظ ~~بمعقبات من بين يديه ومن خلفه لأمر الله { وما لهم من دونه من ~~وال } [الرعد: 11] يحولهم من حال إلى حال { هو الذي يريكم ~~البرق خوفا وطمعا } [الرعد: 12] يشير إلى أن البروق مختلفة، ~~فإذا أرى الله تعالى السائر برقا من لمعان أنوار الجلال يغلب عليه خوف ~~الانقطاع واليأس، فإذا أراه برقا من تلألؤ أنوار الجمال يغلب عليه ~~الرجاء والاستئناس. # { وينشىء السحاب الثقال } [الرعد: 12] من أثر الفضل ~~والنوال بمطر الإقبال والإفضال { ويسبح الرعد بحمده } ~~[الرعد: 13] يشير إلى أن الرعد ملك خلق من نور الهيبة الجلالية، فإذا ~~سبح وقعت الهيبة على الخلق كلهم حتى الملائكة وتسبح { ~~والملائكة من خيفته } [الرعد: 13] أي: من هيبته { ~~ويرسل الصواعق } [الرعد: 13] أي: صواعق القهر من بروق أنوار ~~جلال { فيصيب بها من يشآء } [الرعد: 13] من أهل الخذلان ~~والضلال فيحرق حسن استدلالهم في قبول الإيمان، ويغرقهم في بحر الكفر ~~والطغيان. # { وهم يجدلون في الله } [الرعد: 13] أي: في ذاته وصفاته ~~يشير به إلى أن أهل الخذلان في ذات الله وفي صفاته مثل الفلاسفة والحكماء ~~اليونانية الذين لم يتابعوا الأنبياء، وما آمنوا بهم، وتابعوا العقل دون ~~السمع، وبعض المتكلمين من أهل الأهواء والبدع هم الذين أصابتهم صواعق ~~القهر، واحترقت استعداداتهم في قبول الإيمان؛ فظلوا يجادلون في الله، هل ~~هو فاعل مختار أو موجب بالذات لا بالاختيار؟ # ويجادلون في صفات الله هل لذاته صفات قائمة به أم هو قادر بالذات، ولا ~~صفات له؟ ومثل هذه الشبهات المكفرة المضلة من سبيل الرشاد { وهو ~~شديد المحال } [الرعد: 13] أي: الله تبارك وتعالى شديد العقوبة، ~~والأخذ ms0892 لمن جادل فيه بالباطل { له دعوة الحق } أي: دعوته حق ~~لمن دعاه تبارك وتعالى، والأخذ لمن جادل فيستجيب كما دعا السماوات ~~والأرض. # وقال لهما: # ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين # [فصلت: 11] فاستجابوه وأيضا { له دعوة الحق } [الرعد: 14] ~~أي: له دعاة يدعون الخلق بالحق إلى الحق، وأيضا أي: من دعا الخلق للحق ~~تعالى فهو الحق، ومن دعا للهوى فهو باطل، وإن دعا إلى الحق { والذين ~~يدعون من دونه } [الرعد: 14] أي: يدعون لغير الحق { لا ~~يستجيبون لهم بشيء } [الرعد: 14] أي: لا يقبلون النصح إذا ~~خرج من القلب والتناجي، ولا يتأثر فيهم { إلا كباسط كفيه ~~إلى المآء ليبلغ فاه } [الرعد: 14] أي: كي يبسط يده إلى ~~الماء أداة للخلق بأن يريد شربه { وما هو ببالغه } [الرعد: 14]، ~~إلى فمه فلا يحصل الشرب على الحقيقة، وأنه توهم الخلق أنه شارب، وهذا مثل ~~ضربه الله تعالى للدعاة من أهل الأهواء والبدع يدعون الخلق لغير الله، ~~فلا يستجيبون على الحقيقة، وإن استجيبوا في الظاهر؛ لأنهم استجابوا لهم ~~على الضلال يدل عليه قوله: { وما دعآء الكافرين إلا في ~~ضلال } [الرعد: 14] يعني: الملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء، وأهل ~~الدرجات من المؤمنين والأرض، أي: ومن في الأرض من الملائكة والمؤمنين { ~~طوعا } [الرعد: 15]، ومن الكافرين والمنافقين والشياطين { وكرها } ~~[الرعد: 15] بالتذليل والتسخير تحت الأحكام والتقدير. # { وظلالهم بالغدو والآصال } [الرعد: 15] أي: نفوسهم، وإن ~~النفوس ضلال الأرواح، وليس السجود بالطوع من شأن النفوس؛ لأن النفوس ~~أمارة بالسوء طبعا إلا ما رحم الرب تعالى، فسجد طوعا، والإكراه على ~~السجود بتبعية الأرواح، وأيضا { ولله يسجد من في ~~السموت } [الرعد: 15] أي: في سماوات القلوب من صفات القلوب ~~والأرواح، والعقول طوعا { والأرض } [الرعد: 15] أي: ومن في أرض ~~النفوس من صفات النفس الحيوانية والتبعية كرها؛ لأنه ليس من طبعهم ~~السجود والانقياد. ### || [13.16-18] # { قل من رب السموت } [الرعد: 16] السماوات: سموات القلوب، ~~والأرض: أرض النفوس، ومن دبر فيها درجات الجنان بالأخلاق الحميدة، ودركات ~~النيران بالأخلاق الذميمة، وجعل مشاهد القلوب مقامات القرب في شواهد الحق ~~ومراتع النفوس، وشهوات الدنيا، ومنازل البعد { قل الله ms0893 } أي: أجب ~~أنت عن هذا السؤال؛ لأن الأجانب منه بمعزل { قل } للأجانب { ~~أفاتخذتم من دونه أوليآء } [الرعد: 16] من الشيطان ~~والدنيا والهوى وهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا في الدنيا والآخرة؛ ~~لأنهم مملوك والمملوك لا يملك شيئا. # { قل هل يستوي الأعمى والبصير } [الرعد: 16] الأعمى من ~~يرى غير الله مالكا، ومتصرفا في الجود والبصير ضده، وأيضا الأعمى ~~وهم النفوس؛ لأنها تتعلق بغير الله وتحب غيره، والبصير للقلوب؛ لأنها ~~تتعلق بالله، وتحب له. فالأعمى من عمى بالحق، وأبصر بالباطل، والبصير ~~ضده، وأيضا، الأعمى من أبصر بظلمات الهوى، والبصير من أبصر بأنوار ~~المولى { أم هل تستوي الظلمات والنور } [الرعد: 16] أي: ~~هل يستوي المسكن في ظلمات الطبيعة والهوى، ومن هو مستغرق في بحر نور جمال ~~المولى { أم جعلوا } أهل الهوى { لله شركآء } [الرعد: 16] ~~من الدنيا وأهلها. # ثم قال: { خلقوا كخلقه } [الرعد: 16] أي: خلقوا الدنيا، وأهل ~~الدنيا شيئا مما لهم بخلق الله تعالى { فتشابه الخلق ~~عليهم } [الرعد: 16] أي: على أهل الهوى الذين يطلبون حوائجهم فرجعوا ~~إليهم في الطلب أو جعلوا ما سوى الله شريكا في الطلب في المحبة. # { قل الله خالق كل شيء } [الرعد: 16] وليس غيره خالق تدل ~~هذه الآية على أنه تعالى خالق الخير والشر { وهو الواحد } [الرعد: ~~16] في ذاته وصفاته { القهار } [الرعد: 16] لمن دونه أي: هو الواحد ~~في خلق الأشياء، وقهرها لا شريك له فيه، ولا في المطلوبية ولا المحبوبية ~~{ أنزل من السمآء مآء } [الرعد: 17] من سماء القلوب ماء ~~المحبة { فسالت أودية بقدرها } [الرعد: 17] أودية النفوس { ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا } [الرعد: 17] من الأخلاق ~~الذميمة النفسانية والصفات البهيمية الحيوانية، وأنزل من سماء الأرواح ~~ماء مشاهدات أنوار الجمال فسالت أودية القلوب بقدرها. # { فاحتمل السيل زبدا رابيا } [الرعد: 17] من أوصاف ~~البشرية والإنسانية وأنزل من سماء الأسرار كشف ماء أنوار الجلال فسالت ~~أودية الأرواح { فاحتمل السيل زبدا رابيا } من أنانية ~~الروحانية، وأنزل من سماء الجبروت ماء تجلى لصفات الألوهية { فسالت ~~أودية } الأسرار { بقدرها } فاحتمل السيل زبد الوجود المجازي، ~~{ ومما يوقدون عليه } [الرعد: 17] من البقاء { في النار ~~} # نار ms0894 الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة # [الهمزة: 6-7] لكيلا تبقي ولا تذر، وهي المتزكية { ابتغآء حلية ~~} ، وهي التحلية بالبقاء، { أو متاع } وهو التمتع به منه { زبد ~~مثله } [الرعد: 17] أي: مثل زبد البشرية، وهو زبد المعرفة والتوحيد ~~{ كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد } ~~[الرعد: 17] في الأحوال كلها { فيذهب جفآء } [الرعد: 17] ~~بالفناء. # { وأما ما ينفع الناس } من البقاء لله { فيمكث في ~~الأرض } [الرعد: 17] في أرض الوحدة المستعدة لقبول الفيض الإلهي { ~~كذلك يضرب الله الأمثال * للذين استجابوا } ~~[الرعد: 17-18] دعوة الحق إلى الله لربهم أي: لطلب ربهم والوصول إليه { ~~للذين استجابوا لربهم الحسنى } [الرعد: 18] أي: ~~للذين أجابوا الله فيما دعاهم إليه إنما أجابوه ليسبق العناية الأزلية ~~فيهم بأحسنه كقوله: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى # [الأنبياء: 101]، { والذين لم يستجيبوا له } [الرعد: 18] ~~أي: لم يجيبوه فيما دعاهم إليه للوصول والوصال. # { لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه } ~~[الرعد: 18] أي: لو جعل لهم ما في الأرض البشرية من أنواع اللذات ~~الحيوانية والحظوظ النفسانية وأضعافها { لافتدوا به } [الرعد: ~~18] يوم القيامة، أي: جعلوه فداء لهم من عذاب القطيعة والفراق عن التلاق ~~{ أولئك لهم سوء الحساب } [الرعد: 18] إذا حاسبوا ~~الوصول مع القطيعة، والوصول مع الفراق { ومأواهم جهنم } ~~[الرعد: 18] وهي نار القطيعة والبعد { وبئس المهاد } [الرعد: 18] ~~أي: المصير والمعاد. ### || [13.19-24] # { أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك الحق ~~كمن هو أعمى } [الرعد: 19] يشير به إلى أنه العالم بحقيقة نزول ~~الوحي من الله هو البصير بنور الله والجاهل بحقيقته هو الأعمى، وهما لا ~~يستويان { إنما يتذكر } [الرعد: 19] حقيقة هذا المعنى { ~~أولوا الألباب } [الرعد: 19]، وهم المستخرجة عقولهم عن قشور آنات ~~الحواس والوهم والخيال المؤيدة، فيجل أنوار الجمال والجلال. # ثم شرح أحوالهم فقال: { الذين يوفون بعهد الله } [الرعد: ~~20] أي: الذين عاهدهم الله على أن يحبهم ويحبونه، فأوفوا بعهده وما أحبوا ~~غيره { ولا ينقضون الميثاق } [الرعد: 20] الذي جرى بينهم إذ ~~أخرجهم عن ظهر آدم، وعاهدهم على التوحيد والعبودية كقوله: # ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا ~~الشيطان # [يس: 60]، فالعهد ms0895 عهدان: عهد المحبة وهو للخواص، وعهد العبودية وهو ~~للعوام، فأهل عهد المحبة ما نقضوا عهودهم أبدا، وأهل عهد العبودية من ~~كان عهدهم مؤكدا بعهد المحبة ما نقضوه أيضا، ومن لم يكن عهدهم مؤكدا ~~نقضوه. # ثم وصف الذين لم ينقضوه فقال: { والذين يصلون مآ أمر ~~الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء ~~الحساب } [الرعد: 21] الوصلة مع الله بصدق الطلب، والميل إليه، ~~والانقطاع عما سواه، { والذين صبروا } [الرعد: 22] على الانقطاع ~~عما سواه { ابتغاء وجه ربهم } [الرعد: 22] أي: طلب الوصول ~~إليه { وأقاموا الصلاة } [الرعد: 22] أي: أداموها؛ لأن الصلاة ~~معراج المؤمن، وبها يصل إليه { وأنفقوا مما رزقناهم } ~~[الرعد: 22] أي: انفصلوا عما سواه؛ ليصلوا به { سرا وعلانية } ~~[الرعد: 22] أي: انقطعوا عما يشغل بواطنهم بالاشتغال إلى الله وما سواه ~~وعما سواه؛ ليصلوا به لغير الله { ويدرءون بالحسنة ~~السيئة } [الرعد: 22] أي: يدفعون بالأعمال والأحوال الحسنة في صدق ~~الطلب بالأعمال، والأحوال السيئة من الواقعات والقربات. # { أولئك لهم عقبى الدار } [الرعد: 22]، وهي دار الوصول ~~إلى الكمال { جنات عدن يدخلونها } [الرعد: 23] من له صلاحية ~~الدخول فيها قريبا كان أو غريبا { والملائكة يدخلون ~~عليهم } [الرعد: 23] تبركا وتيمنا بهم تبعا لهم { من كل ~~باب } [الرعد: 23] دخولهم بالاستقلال على أقدام السير إلى الله بالله، ~~ويقولون: { سلام عليكم بما صبرتم } [الرعد: 24] على صدق ~~الطلب، وبما صبرتم عن غير الله فسلمكم الله مما سواه، وبلغكم بجذبات ~~عنايته إلى مقامات الوصول، ودرجات الوصال { فنعم عقبى الدار } ~~[الرعد: 24] التي أنزلكم فيها بقربه وجواره. ### || [13.25-29] # { والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } ~~[الرعد: 25] يشير إلى ما عاهدهم عليه يوم الميثاق حين أخرج ذرات ذرياتهم ~~من صلب آدم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، ويحبونه ولا يحبوا معه شيئا ~~إلا له، فنقضوا العهد وعبدوا غيره، وأشركوا به الأشياء وأحبوها للهوى { ~~ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل } [الرعد: 25] أي: ~~صلة رحم العبودية في طلب وصال الربوبية { ويفسدون في الأرض } ~~[الرعد: 25]؛ أي: يسعون في إفساد أرض الاستعداد الإنسانية لقبول الفيض ~~الربانية، { أولئك لهم اللعنة } [الرعد: 25] أي: الطرد ~~والبعد والفراق ms0896 { ولهم سوء الدار } [الرعد: 25] أي: دار ~~القطيعة والهجران وأليم عذابها. # { الله يبسط الرزق } [الرعد: 26] الكشوف والشهود { لمن ~~يشآء } من عباده المحبين والمحبوبين { ويقدر } [الرعد: 26] أي: ~~يضيق لمن فتح عليهم أبواب الدنيا وشهواتها؛ فأغرقهم فيها { وفرحوا ~~بالحياة الدنيا } [الرعد: 26] أي: باستيفاء لذاتها { وما ~~الحياة الدنيا في الآخرة } [الرعد: 26] أي: باستيفاء لذاتها ~~في الآخرة بالنسبة إلى من عبر عنها، ولم يلتفت إليها فيجد في آخرها ما ~~يجد { إلا متاع } أي: متاع أيام قلائل بأدنى شيء خسيس، فإن به { ~~ويقول الذين كفروا } [الرعد: 27] كفروا الحق بالباطل { ~~لولا أنزل عليه } أي: على من يدعو الخلق إلى الحق به { آية } ~~[الرعد: 27] ظاهرة { من ربه } من المعجزات والكرامات، كما نزل على ~~بعض ليستدلوا بها على صدق دعوتهم. # { قل إن الله يضل من يشآء } [الرعد: 27] أي: يضله إليه ~~مطالبا مشتاقا بجماله { ويهدي إليه من أناب } [الرعد: ~~27] أي: يرشد الطالب وهو من أهل الهداية في البداية، وليس ممن يشاء الله ~~ضلالته في الأزل { الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم ~~بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ~~[الرعد: 28] يعني: أهل الهداية هم الذين آمنوا، ولتعلم أن القلوب أربعة: # قلب قاس: وهو قلب الكفار والمنافقين فاطمئنانه بالدنيا وشهواتها؛ لقوله ~~تعالى: { وفرحوا بالحياة الدنيا } [الرعد: 26] واطمأنوا ~~بها. # وقلب ناس: وهو قلب المسلم كقوله تعالى: # فنسي ولم نجد له عزما # [طه: 115] فاطمئنانه بذكر الله؛ كقوله تعالى بالتوبة ونعيم الجنة؛ كقوله ~~تعالى: # فتاب عليه وهدى # [طه: 122]. # وقلب مشتاق: وهو قلب المؤمن المطيع، فاطمئنانه بذكر الله كقوله تعالى: { ~~الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله } ~~[الرعد: 28]. # وقلب وجداني: وهو قلب الأنبياء وخواص الأولياء فاطمئنانه بالله وصفاته ~~كقوله تعالى لخليله عليه السلام في جواب قوله: # أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال ~~بلى ولكن ليطمئن قلبي # [البقرة: 260] بإراءتك بأي كيفية إحياء الموتى إذا تجلى لقلبي بصفة ~~محبتك فأكون يحيي الموتى؛ ولهذا إذا تجلى الله تبارك وتعالى على قلب ~~العبد يطمئن به، فينعكس نور الاطمئنان من مرآة قلبه على نفسه فتصير النفس ~~مطمئنة أيضا فتستحق بجذبات العناية، وهي ms0897 خطاب # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28] فافهم جدا. # { الذين آمنوا وعملوا الصالحات } [الرعد: 29] يشير إلى ~~الذين غرسوا غرس الإيمان، وهي كلمة لا إله إلا الله في أرض القلب، وربوه ~~بماء الشريعة ومذهب الطريقة، وهي الأعمال الصالحة حتى صار شجرة طيبة كما ~~ضرب الله بها مثلا فقال: # ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة # [إبراهيم: 24] فلما كملت الشجرة وأثمرت ثمرة الحقيقة كانت { طوبى ~~لهم وحسن مآب } وهو الرجوع والإنابة إلى الله بنفسه لا إلى ما ~~سواه، وهذا ثمرة الحقيقة يدل عليه قوله: # فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا # [المزمل: 19] على هذا يشير بطوبى إلى حقيقة شجرة لا إله إلا الله، ولهذا ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " طوبي شجرة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة " # ، فإن حقيقته لشجرة لا إله إلا الله في قلب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وفي قلب كل مؤمن منها غصن، فافهم جدا. ### || [13.30-32] # { كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلهآ ~~أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينآ إليك وهم ~~يكفرون بالرحمن } [الرعد: 30] أي: بالرحمن يشير إلى أن ~~الأمم لما كفروا بالله كفروا بالرحمن؛ لأن الرحمانية قد اقتضت إيجاد ~~المخلوقات، فإن القهارية كانت مقتضية الوحدانية بألا يكون معه أحد، فسبقت ~~الرحمانية القهارية في إيجاد المخلوقات. # ولهذا السر قال الله تعالى: # إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا # [مريم: 93] فأرسل الله تعالى الرسل، وأنزل معهم الكتب ليقرأوا عليهم ~~ويذكروهم بأيام الله التي كان الله ولم يكن معه شيء ثم أوجدهم وأخرجهم من ~~العدم إلى الوجود، وهو الذي رب كل شيء وخالقه ولا إله إلا هو وإليه ~~المرجع والمآب. # كما قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: { قل هو ربي لا ~~إله إلا هو عليه توكلت } [الرعد: 30] إذ لا خالق ولا ~~رازق إلا هو { وإليه متاب } [الرعد: 30] وبهذا كان مأمورا أن ~~يتلو على أمته، كما كان الرسل مأمورين بتلاوته على الأمم؛ ليؤمنوا ~~بالرحمن ولا يكفروا به. # ثم أشار بقوله: { ولو أن قرآنا سيرت به الجبال } ~~[الرعد: 31] جبال ms0898 النفوس { أو قطعت به الأرض } [الرعد: 31] ~~أرض البشرية { أو كلم به الموتى } [الرعد: 31] موتى القلوب ~~أي: أن لتلاوة القرآن عليهم وإن كانت هذه التأثيرات والخاصيات ويريد الله ~~فتنتهم، كفروا بالرحمن، ولم يؤمنوا به { بل لله الأمر جميعا } ~~[الرعد: 31] في الهداية والضلالة { أفلم ييأس الذين ~~آمنوا } [الرعد: 31] بهداية الله عن إيمان من خذله الله، وقد علموا { ~~أن لو يشآء الله لهدى الناس جميعا } [الرعد: 31] كما ~~هداهم { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا ~~قارعة } [الرعد: 31] من الأحكام الأزلية تقرعهم في أنواع المعاملات ~~التي تصدر منهم موجبة للشقاوة { أو تحل قريبا من دارهم } ~~يشير به إلى أن الأحكام الأزلية تارة تصدر منهم، وتارة من مصاحبهم، ~~فتوافقوا في أسباب الشقاوة، وتوافقوا لما أوعدهم الله من درك الشقاوة، ~~كما قال: { حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف ~~الميعاد } [الرعد: 31] لأهل الشقاء وإلى أن يبلغه حدها. # { ولقد استهزئ برسل من قبلك } يشير به إلى أن من ~~أمارات أهل الشقاء الاستهزاء بالأنبياء والأولياء { فأمليت ~~للذين كفروا } [الرعد: 32] أي: أمليت أهل الشقاء ليتدرجوا ~~بدرجات الاستهزاء إلى أعلى مقام الشقاوة { ثم أخذتهم } أمسكتهم؛ ~~لئلا ينجوا عن مقام الشقاء وهو غاية البعد { فكيف كان عقاب } ~~[الرعد: 32] أي: عقابي لهم بعقاب الفرقة والقطيعة. ### || [13.33-37] # وبقوله: { أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت } ~~[الرعد: 33] يشير إلى أن ليس لنفس اختيار ولا قدرة على الكسب، بل هو ~~القائم والمتولي بأمورها فيما ليس لها فيه كإيجادها من العدم وإعدامها من ~~الوجود وفيما لها قيمة كسب كالحركات والسكون وغير ذلك فالمعنى أنه هو ~~قائم بنفسه وقائم على إيجاد كل نفس وإعدامها وحركاتها وسكونها، كمن هو ~~غير قائم بنفسه وغير قائم على أمور نفسه ولسوء نفس غيره { وجعلوا } ~~أمثال هؤلاء العجزة { لله شركآء }. # ثم قال: { قل سموهم } [الرعد: 33] بما ترون منهم من صفات الله ~~يشير إلى أن الأسماء مأخذها من الصفات، فإن لم تروا منهم شيئا من صفات ~~الله فكيف يسمونهم بها { أم تنبئونه بما لا يعلم في ~~الأرض } إله غيره بل # وهو ms0899 الذي في السمآء إله وفي الأرض إله # [الزخرف: 84] { أم بظاهر من القول } [الرعد: 33] يقولون ما ~~لا يعلمون { بل زين للذين كفروا مكرهم } [الرعد: 33] ~~وهو اتخاذهم لله شركاء خذلانا من الله { وصدوا عن السبيل } ~~[الرعد: 33] من سبيل الوصول، { ومن يضلل الله } بالخذلان عن ~~سبيله { فما له من هاد } إلى سبيله بالوصول. # { لهم عذاب في الحياة الدنيا } [الرعد: 34] وهو عذاب ~~البعد والحجاب والغفلة والجهل وعذاب عبودية النفس والهوى والدنيا ~~والشياطين والإنس { ولعذاب الآخرة أشق } [الرعد: 34] وهو ~~عذاب نار القطيعة وألم البعد وحسرة التفريط في طاعة الله وندامة الإفراط ~~في الذنوب والمعاصي على الخسارات والهبوط من الدرجات ونزول الدركات { ~~وما لهم من الله } من خذلان الله في الدنيا وعذاب الله في ~~الآخرة { من واق } من الخذلان والعذاب. # { مثل الجنة التي وعد المتقون } [الرعد: 35] يشير ~~إلى حقيقة أمر الجنة التي وعدها الله للمتقين، ووصفها بأنها { تجري ~~من تحتها الأنهار } ، وهي أنهار الفضل والكرم، ومياه العناية ~~والتوفيق { أكلها دآئم } [الرعد: 35] وهي مشاهدات الجمال، ~~ومكاشفات الجلال، { وظلها } أنهم في ظل هذه المقامات والأحوال التي ~~هي منه من وجوده لا في شمس وجودهم على الدوام بحيث لا يزول أبدا، ثم ~~أشار بقوله: { تلك عقبى الذين اتقوا } [الرعد: 35] إلى أن ~~تلك الأحوال والمقامات عاقبة من اتقى بالله عما سواه { وعقبى ~~الكافرين النار } أي: عاقبة من أعرض عن هذه المقامات والأحوال ~~نار القطيعة والحسرة. # ثم قال: { والذين آتيناهم الكتاب } [الرعد: 36] يشير به ~~إلى الروح والقلب والسر فإنهم أهل نزول أسرار الكتاب وحقائقه عليهم { ~~يفرحون بمآ أنزل إليك } [الرعد: 36] لإيتائهم أسرارها { ~~ومن الأحزاب } وهم النفس والهوى والقوى { من ينكر بعضه } ~~لثقل تكاليفه وجهل فوائده { قل } يا طالب الحق { إنمآ أمرت ~~أن أعبد الله } أي: أسلك طريق العبودية إلى عالم الربوبية { ~~ولا أشرك به } في طلبه { إليه } شيئا من الدنيا والآخرة { ~~أدعوا } أي: أدعو العباد إلى الله لا إلى ما سواه { وإليه مآب ~~} أي: ولا بد أن يكون الإياب إليه طوعا أو كرها. # { وكذلك أنزلناه } [الرعد: 37] أي: كما أنزلنا إلى العرب ms0900 هذا ~~الحكم باقي الطلب لا يشركوا بالله شيئا، { أنزلناه حكما ~~عربيا ولئن اتبعت أهواءهم } [الرعد: 37] أي: أهواء ~~العرب وهي الشرك في الطلب { بعد ما جآءك من العلم } [الرعد: ~~37] وهو طلب الوحدانية ببذل الأنانية { ما لك من الله من ~~ولي } [الرعد: 37] يخرجك من ظلمات الأنانية إلى نور الوحدانية { ~~ولا واق } [الرعد: 37] يقيك من عذاب البعد وحجاب الشركة في الوجود ~~بالتجرد. ### || [13.38-43] # { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم ~~أزواجا وذرية } [الرعد: 38] يشير إلى أن الرسل لما جذبتهم ~~العناية البداية رقتهم من دركات البشرية الحيوانية إلى درجات الولاية ~~الروحانية ثم رقتهم منها إلى معارج النبوة والرسالة الربانية في النهاية ~~فلم يبق فيهم من دواعي البشرية وأحكام النفسانية ما يزعجهم إلى طلب ~~الأزواج بالطبيعة والركون إلى الأولاد بخصائص الحيوانية؛ بل جعل لهم رغبة ~~في الأزواج والأولاد على وفق الشريعة بخصوصية إطلاقه في إظهار صفة ~~الخالقية. # كما قال تعالى: # ءأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون # [الواقعة: 59] وفي قوله تعالى: { وما كان لرسول أن يأتي ~~بآية إلا بإذن الله } [الرعد: 38] إشارة إلى أن حركات عامة ~~الخلق وسكناتهم بمشيئة الله وإرادته وإن حركات الرسل وسكناتهم بإذن الله ~~ورضاه. # ثم قال: { لكل أجل كتاب } [الرعد: 38] أي: لأجل أهل ~~المشيئة والإرادة في حركاتهم وقت معين لوقوع الفعل فيه وكذلك لأهل الإذن ~~والرضا ثم { يمحوا الله ما يشآء } لأهل السعادة من أفاعيل أهل ~~الشقاوة { ويثبت } لهم من أفاعيل أهل السعادة ويمحو ما يشاء لأهل ~~الشقاوة من أفاعيل أهل السعادة ويثبت لهم أفاعيل أهل الشقاوة { وعنده ~~أم الكتاب } [الرعد: 39] الذي مقدر فيه حاصل أمر كل واحد من ~~الفريقين، وحاصلهم لا يزيد ولا ينقص { وإن ما نرينك بعض ~~الذي نعدهم } [الرعد: 40] أي: نريك بالكشف والمشاهدة بعض الذي ~~وعدناهم من العذاب والثواب قبل وفاتك كما كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يخبر عن العشرة المبشرين وغيرهم دخولهم الجنة، وقد أخبر السائل عن أبيه ~~حين قال إن أباك في النار وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " رأيت الجنة وفيها فلان، ورأيت النار وفيها فلان ms0901 ". # { أو نتوفينك } [الرعد: 40] قبل أن نريك من أحوالهم { ~~فإنما عليك البلاغ } [الرعد: 40] فيما أمرناك بتبليغه ولا ~~عليك القبول فيما يقول: { وعلينا الحساب } في الرد والقبول { ~~أولم يروا أنا نأتي الأرض } [الرعد: 41] أرض البشرية { ~~ننقصها من أطرافها } أي: من أوصافها بالازدياد في أوصاف ~~الروحانية وأرض الروحانية حيث ننقصها من أخلاقها بالتبديل بالأخلاق ~~الربانية وأرض العبودية ننقصها من آثار الخليقة وإظهار أنوار الربوبية { ~~والله يحكم } [الرعد: 41] من الأزل وإلى الأبد. # { لا معقب لحكمه } [الرعد: 41] أي: لا مقدم ولا مؤخر ولا ~~مبدل لحكمه { وهو سريع الحساب } [الرعد: 41] فيما قدر ودبر ~~وحكم فلا يسوغ لأحد تغيير حكم من أحكامه، { وقد مكر الذين من ~~قبلهم } [الرعد: 42] إشارة إلى أن أهل كل زمان وهم يمكرون { ~~فلله المكر جميعا } [الرعد: 42] ليمكروا بمكره ويمكروا مكرا ~~مع أهل الحق ليبتليهم الله بمكرهم ويصيروا على مكرهم ثقة بالله أنه خير ~~الماكرين فيثيبهم على صبرهم ثواب الصابرين ويعذب الماكرين الممكورين { ~~يعلم ما تكسب كل نفس } [الرعد: 42] من الماكرين { ~~وسيعلم الكفار } الذين يسترون الحق بالباطل مكرا وحيلة { ~~لمن عقبى الدار } عند كشف الغطاء يوم اللقاء. # { ويقول الذين كفروا لست مرسلا } [الرعد: 43] فيه ~~إشارة إلى أن من يقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم إنه ليس مرسلا من ~~الله كما قالت الفلاسفة: إنه حكيم وليس برسول فقد كفر { قل كفى ~~بالله شهيدا بيني وبينكم } [الرعد: 43] بتحقيق رسالتي ~~مرسلا من الله، كما قالت الفلاسفة: إنه حكيم وليس برسول فإنه أرسلني ~~وأنزل علي الكتاب الذي جئت به إليكم { ومن عنده علم الكتاب ~~} وهو الذي علمه القرآن وعلمه البيان وأراه آيات القرآن ومعجزاته فبذلك ~~علم حقيقة رسالته وشهد بها، والله أعلم. # قال أهل المعاني: # له معقبات # [الرعد: 11] أي: أن أوامر الله عز وجل على وجهين: أحدهما: قضى حلوله ~~ووقوعه لصاحبه ذلك مما لا يوصفه أحد ولا يغيره بشر، والآخر: قضى صرفه ~~بالتوبة والدعاء والصدقة والحفظ والدليل، على هذا قصة قوم يونس في دفع ~~النداء عنهم بدعائهم وتضرعهم وتوبتهم، وروي أنه: # " دخل عثمان بن عفان رضي الله ms0902 عنه على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال له: يا رسول الله أخبرني عن ~~العبد، كم معه من ملك؟ فقال: على يمينك ملك ~~على حسناتك، وهو أمين على الملك الذي على ~~الشمال، فإذا عملت حسنة كتبت عشرا، وإذا عملت ~~سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين: ~~أأكتب؟ فيقول له: لا، لعله يستغفر الله ~~ويتوب، فإذا قال ثلاثا، قال: نعم، اكتب أراحنا ~~الله منه، فبئس القرين، ما أقل مراقبته لله، ~~وأقل استحياءه منا، يقول الله: { ما يلفظ من ~~قول إلا لديه رقيب عتيد } [ق: 18]، وملكان من ~~بين يديك ومن خلفك يقول الله: { له معقبات من ~~بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } ~~[الرعد: 11] وملك قابض على ناصيتك، فإذا تواضعت ~~لله رفعك، وإذا تجبرت على الله قصمك، وملكان ~~على شفتيك، ليس يحفظان عليك إلا الصلاة على ~~محمد، وملك قائم على فيك، لا يدع أن تدخل ~~الحية في فيك، وملكان على عينيك، فهؤلاء عشرة ~~أملاك على كل ابن آدم يتبدلون، ملائكة ~~الليل على ملائكة النهار، لأن ملائكة الليل ~~سوى ملائكة النهار، فهؤلاء عشرون ملكا، على ~~كل آدمي، عشرة بالنهار وعشرة بالليل وإبليس بالنهار، ~~وولده بالليل " # قال قتادة وابن جريج: هذه ملائكة الله عز وجل يتعاقبون فيكم بالليل ~~والنهار وذكر لنا أنهم يجتمعون عند صلاة العصر وصلاة الصبح، قال: إن السر ~~في قوله تعالى: # هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا # [الرعد: 12] يريكم أنوار محبته فمن خائف من يساره وطامع في يمينه. # وقال أبو بكر الثقفي: وورود الأحوال على الأسرار عندي كالبرق ولا يمكث، ~~بل يلوح فإذا لاح ربما أزعج في خائف خوفه وربما حرك من محب محبته، قال ~~أبو بكر بن طاهر: خوفا من أعراض الكدورة في صفاء المعرفة، وطمعا في ~~الملاك به في إخلاص المعاملة. # وقال أبو يعقوب الأبهري، خوفا من القطع والفراق وطمعا في القرب ~~والاشتياق، وقال ابن الريحاني في قوله: # ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته # [الرعد: 13] الرعد صعقات الملائكة والبرق زفرات أفئدتهم والمطر بكاؤهم، ~~وفي قوله تعالى: ms0903 # دعوة الحق # [الرعد: 14]. # قال ابن عطاء: أصدق الدعاوى دعاوى الحق فمن أجاب داعي الحق بلغه إلى ~~الحق، ومن أجاب داعي النفس رمي إلى الهلاك. # وقال الجنيد: داعي الحق فمن داعي الرسل لا يقع فيه للشيطان يد، ولا يكون ~~فيه للنفس نصيب في دعاوى الحق إذا بدت أنوار الحق فلا يبقى على المدعو ~~ريب ولا شك بحال. # وقال بعضهم: داعي الحق من يدعو بالحق إلى الحق وفي قوله: # وما دعآء الكافرين إلا في ضلال # [الرعد: 14]. # قال جعفر بن محمد - عليهما السلام -: من دعا بنفسه إلى نفسه دعاء فهو ~~الكفر والضلال، وذلك محل الخيانة ولسقوط من درجات الأمانة فإن الدعاوى ~~تختلف بين داع بالحق وداع بالحق إلى الحق ودع إلى طريق الحق كل هؤلاء ~~دعاة يدعون الخلق إلى هذه الطريق لا بأنفسهم فهذه طريق الحق وداعي يدعو ~~بنفسه قال: أي شيء دعاؤه فهو ضلال. # وفي قوله تعالى: # طوعا وكرها # [الرعد: 15] قال الجنيد: العارض طوعا والمعروض كرها، وقال: إذا جاءته ~~المصائب ذل وإذا جاءه الرجاء مثل # قل هل يستوي الأعمى والبصير # [الرعد: 16] قال أبو عثمان: لا يستوي من كحل بنور التوفيق مع من هو في ~~ظلمة التدبير. # وقال أبو حفص: الأعمى حقا من يرى الله بالأشياء ولا يرى الأشياء بالله، ~~والبصير من يكون نظره من الحق إلى المكونات. # وفي قوله: # أنزل من السمآء مآء # [الرعد: 17] قال الواسطي: خلق الله درة بيضاء صافية فلاحظها بعين الحال ~~فذابت حياء منه # فسالت أودية بقدرها # [الرعد: 17] فصفاء القلوب من وصول ذلك الماء إليه وجمال الأسرار من نزول ~~ذلك الشرب. # وقال ابن عطاء: هذا مثل ضربه الله للعبد إذا سال السيل في الأودية لا ~~تبقى في الأودية نجاسة إلا كنسها أو أذهبها كذلك النور الذي قسم الله ~~للعبد في نفسه لا يبقى فيه غفلة ولا ظلمة في أودية القلوب # فأما الزبد فيذهب جفآء # [الرعد: 17] بذلك النور يصير القلب نورا فلا يبقى فيه جفوة # وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض # [الرعد: 17] يذهب الأباطيل ويبقي الحقائق. # وقال بعضهم: أنزل ms0904 من السماء ماء لكم في القلوب فأخذ كل قلب بحظه ~~ونصيبه، فكل قلب كان مؤيدا بنور التوفيق أضاء فيه سراج التوحيد، وكل قلب ~~أيد بنور التوحيد أضاء فيه سراج التوحيد، وكل قلب أيد بنور المحبة أضاء ~~فيه لهب الشوق، وكل قلب عمر بلهب الشوق أضاء فيه أنس القرب فالقلوب تنقلب ~~من حالة إلى حالة حتى تستغرق في أنوار المشاهدة أخذ كل قلب بحظه ونصيبه ~~إلى أن تبدو الأنوار على الشواهد من فضل نور السر، قال القسم في قوله: # والذين ينقضون عهد الله # [الرعد: 25] نقض العهد هو الخروج من العبودية والدخول في الربوبية، وقال ~~بعضهم: نقض العهد هو لزوم التدبير والاختيار وترك التسليم والتفويض بعد ~~أن أخبرك الحق: # ليس لك من الأمر شيء # [آل عمران: 128]. # وقال أبو القاسم الحكيم: نقض العهد هو السكون إلى غير مسكون إليه والفرح ~~بغير مفروح إليه، وبه قال الواسطي # وفرحوا بالحياة الدنيا # [الرعد: 26] الدنيا قذره ولك منها عبرة فمن أسرته عندها فهو أقل منها، ~~ومن ملك جناح بعوضة أو أقل منها فذلك قدره وقال أيضا: لا تدعوا الدنيا ~~تغرقكم في بحارها وأغرقوها في بحر التوحيد لا تجدوا منها شيئا. # وقال بعضهم: أخبر الله تعالى عن الدنيا أنها في الآخرة مبلغ والآخرة أقل ~~خطرا في جنب الحقيقة من خطر الدنيا في الآخرة، وقال بعضهم في قوله: # قل إن الله يضل من يشآء # [الرعد: 27] { يضل } من قام إليه بنفسه واعتمد على طاعته عن سبيل ~~رشده، ويهدي إلى سبيل رشده من رجع إليه في جميع أموره وتبرأ من حوله ~~وقوته. # وقيل في قوله: # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله # [الرعد: 28] إن القلوب على أربعة أوجه: # قلوب العامة: اطمأنت بذكر الله وتسبيحه وحمده والثناء عليه لرؤية النعمة ~~الجارية والعافية الدائمة. # وقلوب الخاصة: اطمأنت بذكر الله وذلك في أخلاقهم وتوكلهم وشكرهم وصبرهم ~~فسكنوا إليه. # وقلوب العلماء: اطمأنت بالصفات والأسماء والنعوت فهم يلاحظون ما يظهر ~~بها ومنها على الدهور. # وأما الموحدون: كالفرق لا تطمئن قلوبهم بحال كيف تطمئن قلوبهم بذكر من ~~عرفوه ms0905 أو كيف تطمئن بذكر الله فمن لم يؤمنهم بل خوفهم وحذرهم. # وقال إبراهيم الخواص: يعرف الناس في حالين فمن دام سعيه وحركته كان ~~موصوفا بنفسه لغلبات شواهد نفسه عليه لقوله: # وكان الإنسان عجولا # [الإسراء: 11] ومن دام سكونه كان موصوفا بالحق لغلبات شواهد الحق في ~~سكينته لقوله: # ألا بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد: 28]. # وقال الحسن: من ذكره الحق بخير اطمأن إليه في أبده. # وقال النهرجوري: قلوب الأولياء مواضع المطالع فهي لا تتحرك ولا تنزعج، ~~بل تطمئن خوفا من أن ترد عليه مخافة مطالعه فتجده مترنما بسوء الأدب، ~~قال الواسطي: هذه على أربعة أضرب: # فالأولى: للعامة؛ لأنها إذا ذكرته ودعته اطمأنت إلى ذكرها فحظها منه ~~الإجابة للدعوة. # والثانية: الخاصة التي أطاعته وصدقت ورضيت عنه فهم مرابطون في أماكن ~~الزيادات اطمأنت قلوبهم إلى ذلك للخاصة الذين أقبلوا فكانوا أمما وهي ~~الملاحظة بشواهدهم وفاسدي الطبائع برؤية طاعاتهم. # والثالثة: خصوص الخصوص الذين عرفوا الأسماء والصفات فعرفوا ما خاطبهم ~~الله تعالى به فاطمأنت قلوبهم بذكره ولها شكرها له وبرضاه عنها لا برضاها ~~عنه. # والرابعة: الأولياء وهم الذين كشف لهم عن ذاته وعلمهم علم صفاته، فأصبح ~~لهم الصفات فأراهم أنما تعرف إلى الخلق على أقدارهم وعلمهم أخطارهم ~~فعلموا أن سرائرهم لا تقدر أن تطمئن إليه ولا تسكن إليه، فمن كانت ~~الأشياء في سره كذلك فبماذا يسكن ويطمئن؟! فلا يجد لقلبه طمأنينته بقدر ~~المطمئن إليه كلما عادت الزيادة عليها أتاها حجابا لا ينقطع بالبرق ~~النقي؛ لأنها حجاب مستور وهباء منثور، فإذا عزمت الدخول في هذا المقام ~~فاحتسب حظك وأعظم الله عليك أجرك. # قال الجريري: في قوله: # طوبى لهم # [الرعد: 29] طوبى لهم طوبى لمن طاب قلبه مع الله لحظة من عمره ورجع ~~بقلبه إلى ربه وقتا من أوقاته، وقال الشيبان: طوبى لمن غاب في حضرته ~~وحضر في غيبته، وأصبح وأمسى مراعيا لسريرته، وقال الجنيد: طابت أوقات ~~العارفين بمعروفهم، قال الجنيد في قوله: # أفمن هو قآئم # [الرعد: 33] بالله قامت الأشياء وبه فنيت وبتجليه حسنت المحاسن ~~وباستدباره فجت وسمجت. # وقال بعضهم: ms0906 في قوله: # بل زين للذين كفروا مكرهم # [الرعد: 33] زين طرق الهلاك في عين من قدر له الهلاك فيراه رشدا فيوصله ~~إلى المقضي عليه الهلاك. # قال أبو يزيد: اجتنب مكر النفس وانتبه له فإنه أخفى من كل خافية، وهو ~~الذي أهلك من هلك، سئل أبو حفص في قوله: # إنمآ أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به # [الرعد: 36] بالعبودية، قال: ترك ما لك ملازمة ما عليك مما أمرت به، ~~وقال أبو عثمان: العبودية اتباع الأمر على مشاهدة الآمر. # وسئل سهل بن عبد الله: متى يصح للعبد مقام العبودية؟ قال: إذا ترك ~~تدبيره ورضي بتدبير الله تعالى فيه، وقال الشيخ رضي الله عنه: العبودية ~~محو حظوظ العبد في إثبات حقوق الرب، وبذل الوجود في نيل المقصود من ~~العبودية. # وقال الحسين بن الفضل في قوله: # وكذلك أنزلناه حكما عربيا # [الرعد: 37] تصح حكم العافية؛ لأنه لا حكم ينفرد به العرب إلا حكم ~~العافية، وقال بعضهم: أحكام العرب السخاء والشجاعة وهما من عرتي ~~الإيمان. # قال جعفر الصادق في قوله: { لكل أجل كتاب } [الرعد: 38] أي: ~~للرؤية وقت، وقال ابن عطاء: لكل علم بيان، ولكل إنسان عبادة، ولكل عبادة ~~طريقة، ولكل طريقة من لم يتميز بين هذا الأحوال فليس له أن يتكلم. # وعن الواسطي في قوله: { يمحوا الله ما يشآء ويثبت } ~~[الرعد: 39] قال: منهم من جذبه الحق ومحاه عن نفسه بنفسه، ومنهم من فني ~~عن الحق بالحق فقيام الحق بالحق عن الربوبية فضلا عن العبودية، وقيل: { ~~يمحوا الله ما يشآء } من شواهده حتى لا يكون على سره غير ربه ~~ويثبت من يشاء في ظلمة مشاهده حتى يكون غائبا عن ربه أبدا. # وقال ابن عطاء: { يمحوا الله ما يشآء } عن رسوم الشواهد ~~والأعراض وكلما يورد على سره من عظمته وهيبته وألوان أنواره فقد آتاه ~~وأحضره، ومن محاه فقد غيبه، والحاضر مرجوع له بعدوه والغائب لا مرجوع له ~~بعدوه ولا سبيل بعدوه إليه. # وقال الواسطي: يمحوهم عن شاهدهم وغيبهم في شواهد الحق، ويمحوهم من شهود ~~العبودية وأوصافها ما يشاء في ms0907 شواهدهم، ويمحو رسم نفوسهم ويثبتهم برسمه. # وقال ذو النون: العافية في قميص العبودية إلى أبد الأبدية، ومنهم من هو ~~أرفع منهم درجة عليه شاهده الربوبية، ومنهم من هو أرفع درجة منهم درجة ~~جذبهم الحق محاهم عن نفوسهم وأثبتهم عنده كذلك، قال: { يمحوا الله ~~ما يشآء ويثبت }. # وقال سهل: { يمحوا الله ما يشآء } من الأشياء { ويثبت } ~~الأشياء في عنده { أم الكتاب } القضاء المبرم الذي لا زيادة فيه ~~ولا انقضاء. # وقال ابن عطاء: { يمحوا } أوصافهم { ويثبت } أسرارهم؛ لأنه ~~موضع الشهادة. # وقال الشبلي: { يمحوا الله ما يشآء } من الأسباب { ~~ويثبت } ما يشاء من الأقدار، وقال بعضهم: { يمحوا الله ما ~~يشآء } يكشف من قلوب أهل محبة أحزان الشوق إليه { ويثبت } تبجيل ~~أهل السرور والفرح به. # وقال بعضهم: { يمحوا الله ما يشآء } من قلوب أعدائه آثار ~~حكمه وأنوار بره { ويثبت } في قلوب أوليائه ما أجرى عليها من معرفة ~~نعوته منهم المقدمون في الأوقات والقائلون بحقوق الله من غير كلفة ولا ~~شدة. # قال علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد الصادق قال: يمحو الكفر ~~ويثبت الإيمان، ويمحو النكرة ويثبت المعرفة، ويمحو الغفلة ويثبت الذكر، ~~ويمحو الهدى ويثبت العلم، ويمحو البغض ويثبت المحبة، ويمحو الضعف ويثبت ~~القوة، ويمحو الشك ويثبت اليقين، ويمحو الهوى ويثبت الحق على هذه النسق، ~~ودليله # كل يوم هو في شأن # [الرحمن: 29] { وعنده أم الكتاب } [الرعد: 39]. # قال جعفر الكتاب: قدر فيه السعادة والشقاوة فلا يزاد فيه ولا ينقص، كما ~~قال تعالى: # ما يبدل القول لدي # [ق: 29] قال الشيخ رضي الله عنه: { يمحوا الله ما يشآء } من ~~الأخلاق الذميمة النفسانية { ويثبت } ما يشاء من الأخلاق الحميدة ~~الروحانية للعوام، ويمحو من الأخلاق الروحانية ويثبت من الأخلاق الربانية ~~للخواص، ويمحو آثار الوجود ويثبت أنوار الجود لأخص الخواص # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]. # { وعنده أم الكتاب } وهو العلم الأزلي الأولي السرمدي القائم ~~بذاته تعالى # أحاط بكل شيء علما # [الطلاق: 12] بلا زيادة ولا نقصان # وكل شيء عنده بمقدار # [الرعد: 8]. # وفي قوله: { أولم يروا أنا نأتي ms0908 الأرض ننقصها من ~~أطرافها } [الرعد: 41] قال محمد بن علي الباقر: يخرب الأرضون بذهاب ~~أهل الولاية من بينهم، فلا يكون لهم مرجع في وقت محنتهم ونوائبهم فتواتر ~~عليهم المحن فلا يكون فيهم من يكشف الله عنهم بدعائه فتخرب. # قال أبو عثمان: هم الذين ينصحون عباد الله ويحملون على طاعة الله فإذا ~~ماتوا مات بموتهم من يصحبهم. # وفي قوله تعالى: { وقد مكر الذين من قبلهم فلله ~~المكر جميعا } [الرعد: 42] قال ابن عطاء الله: المكر الحقيقي ما ~~مكر بهم الحق حتى توهموا أنهم يمكرون ولم يعلموا أنه مكر بهم حيث سهل لهم ~~سبيل المكر. # وقال الحسن: لا مكر أعظم من مكر الحق بعباده حيث أوهمهم أن لهم إليه ~~سبيل أو للحدث اقتران مع القدم في وقت، والحق ثابت وصفاته ثابتة إن يكون ~~ذكروا فلأنفسهم وإن شكروا فلأنفسهم، وإن أطاعوا فلنجاة أنفسهم ليس للحق ~~منهم شيء مجال؛ لأنه الغني القهار. # وفي قوله: { ومن عنده علم الكتاب } قال سهل: الكتاب عزيز ~~وعلم الكتاب أعز، وعلم الكتاب عزيز والعمل به أعز، والإخلاص في العمل أعز ~~والإخلاص عزيز، والمشاهدة أعز والمشاهدة عزيزة في الموفقة أعز والموافقة ~~عزيزة، والأنس في الموافقة أعز والأنس عزيز، وآداب محل الأنس أعز وصلى ~~الله على محمد وآله الطيبين أجمعين. ### | [14 - سورة ابراهيم] ### || [14.1-5] # { الر } [إبراهيم: 1] يشير بالألف إلى القسم بآلائه ونعمائه، وباللام ~~إلى لطفه وكرمه، وبالراء إلى القرآن؛ يعني: أقسم آلائي ونعمائي أن صفة ~~لطفي وكرمي اقتضت إنزال القرآن وهو { كتاب أنزلناه إليك ~~لتخرج الناس } بدلالة القرآن وتعليمه ونوره وخلقه وهداه { من ~~الظلمات } وهي ظلمات الخلقية { إلى النور } وهو نور تجلي صفة ~~الربوبية، وذلك أن الله تعالى خلق عالم الأجساد وجعل زبدته جسم الإنسان ~~حجابا بالنور صفات روح الإنسان وهي ظلمات الخلقية الإنسانية، وجعل ~~العالمين بظلماتها وأنوارها حجابا لنور صفة الألوهية، كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن لله سبعين ألف حجاب من نور الظلمة لو كشفت لأحرقت سبحات وجهه ما ~~انتهى إليه بصره " # وما جعل الله لنوع من أنواع الموجودات استعداد ms0909 الخروج من هذه الحجب إلا ~~للإنسان، ولا يخرج منها أحد إلا بتخريجه إياه منها، واختص المؤمن بهذه ~~الكرامة، كما قال: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # [البقرة: 257] فجعل القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم من أسباب يخرج ~~المؤمن بهما من حجب الظلمات إلى النور { بإذن ربهم } أي: بحوله ~~وقوته لا سبيل له إلى ذلك الآية، وإنما قال ربهم لأنه تعالى هو مربيهم، ~~وما قال بإذن ربك ليعلم أن هذه التربية من الله لا من النبي. # ويشير بقوله: { إلى صراط العزيز الحميد } إلى أن العبور ~~على الظلمات الجسمانية والأنوار الروحانية هو الطريق لله، وهو العزيز ~~الذي لا يصل العبد إليه إلا بالخروج عن هذه الحجب، وهو الحميد الذي يستحق ~~من كمالية جماله وجلاله أن يحتجب بحجب العزة والكرامة والعظمة. # وبقوله: { الله الذي له ما في السموت وما في ~~الأرض } [إبراهيم: 2] يشير إلى أن سير السائرين إلى الله لا ينتهي ~~بالسير في الصفات وهي العزيز الحميد، وإنما ينتهي السير في الذات وهو ~~الله فالمكونات أفعاله، فمن بقي في أفعاله فلا يصل إلى صفاته، فمن بقي في ~~صفاته لا يصل إلى ذاته، ومن وصل إلى ذاته وصولا بلا اتصال ولا انفصال بل ~~وصولا بالخروج عن أنانيته إلى هويته تعالى يبقى به في صفاته وأفعاله، ثم ~~قال: { وويل للكافرين من عذاب شديد } هو شدة ألم ~~الانقطاع عن الله والبعد عنه. # ثم وصفهم ليعلم أن الكافر الحقيقي من هو ولا يرضى العبد باسم الانقطاع ~~ولا يقنع بالإيمان التقليدي فقال: { الذين يستحبون الحياة ~~الدنيا على الآخرة } [إبراهيم: 3] بالجد والاجتهاد في طلب ~~الدنيا وشهواتها وترك الآخرة بإهمال السعي في طلبها، واحتمال الكلفة ~~والمشقة في مخالفة هوى النفس وموافقة الشرع في تربية القلب والسير إلى ~~الله { ويصدون عن سبيل الله } ويصرفون وجوه الطالبين عن طلب ~~الله، ويقطعون عليهم طريق الحق في صورة النصيحة، ويلزمون الطلاب على ترك ~~الدنيا والعزلة والغربة والانقطاع عن الخلق للتوبة إلى الحق { ~~ويبغونها عوجا } أي: ويطلبون الآخرة بالاعوجاج عن طريقهما { ~~أولئك ms0910 في ضلال بعيد } أي: ضلوا عن طريق الحق وبعدوا عنه. # { ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } ~~[إبراهيم: 4] أي: ليتكلم معهم بلسان عقولهم { ليبين لهم } ~~الطريق إلى الله طريق الخروج عن كلمات أنانيتهم إلى نور هويته { ~~فيضل الله من يشآء } بأنانيته { ويهدي من يشآء } ~~بالخروج إلى هويته { وهو العزيز } أي: هو أعز من أن يهدي كل أحد ~~إلى هويته { الحكيم } بأن يهدي من هو المستحق للهداية إليه. فمن هنا ~~تحقق أنه تعالى هو الذي يخرجهم من الظلمات إلى النور وغيره. # { ولقد أرسلنا موسى بآياتنآ } [إبراهيم: 5] أي: أرسلنا ~~جبريل الجذبة إلى موسى القلب بعصا الذكر واليد البيضاء من الصدق والإخلاص ~~في استعمالها { أن أخرج قومك } وهم الروح والسر والخفي { من ~~الظلمات إلى النور } من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود ~~الحقيقي بالمداومة على الذكر ونفي الوجود المجازي وإتيان الوجود الحقيقي ~~{ وذكرهم بأيام الله } التي كان الله ولم يكن معه شيء لا ~~من أيام الدنيا ولا من أيام الآخرة، وكانوا في مكنون علم الله وهو يحبهم ~~بلا هم ويحبونه { إن في ذلك } التذكير والذكر { لآيات } في ~~الخروج عن الوجود المجازي { لكل صبار شكور } يصير بالله مع ~~الله عن غير الله شكور لنعمة الوجود الحقيقي ببذل الوجود المجازي. ### || [14.6-9] # { وإذ قال موسى } [إبراهيم: 6] القلب { لقومه } الروح ~~والسر الخفي يا قوم { اذكروا نعمة الله عليكم إذ ~~أنجاكم من آل فرعون } النفس وهم صفاتها والدنيا والشيطان { ~~يسومونكم سوء العذاب } بالقهر والغلبة عليكم ويأخذونكم سخرة ~~في تحصيل مرامهم ونيل مقاصدهم { ويذبحون أبنآءكم } أي: ~~ينفقون ما سنح منكم من الخواطر الروحاني الملكي { ويستحيون ~~نسآءكم } يثبتون الخواطر المتولدة من الطبيعة الإنسانية الملائمة ~~لهوى النفوس { وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } لو ~~خلاكم في تلك الحال إلى أنفسكم فأنجاكم منها. # { وإذ تأذن ربكم } [إبراهيم: 7] وفقكم للخروج { لئن ~~شكرتم } التوفيق { لأزيدنكم } في التقرب إلي، ولئن شكرتم ~~التقرب لأزيدنكم في تقربي إليكم، ولئن شكرتم لقربي إليكم لأزيدنكم في ~~المحبة لأزيدنكم في الوصول، ولئن شكرتم الوصول لأزيدنكم في التجلي، ولئن ~~شكرتم للتجلي ms0911 لأزيدنكم في الفناء عنكم، ولئن شكرتم الفناء لأزيدنكم في ~~البقاء، ولئن شكرتم في البقاء لأزيدنكم في الوحدة، ولئن شكرتم لأزيدنكم ~~في الصبر على الشكر على الصبر والصبر على الصبر والشكر على الشكر؛ ~~لتكونوا عبادا شكورين، { ولئن كفرتم } نعمتي في المقامات كلها { ~~إن عذابي } مفارقتي بترك وصلي { لشديد } فإن فوات نعيم الدنيا ~~والآخرة شديد على النفوس، وفوات نعيم الموصولات إلي أشد عذاب للقلوب ~~والأرواح. # { وقال موسى } [إبراهيم: 8] القلب { إن تكفروا أنتم } ~~أيها الروح والسر والخفي بالإعراض عن الحق والإقبال على الدنيا متابعة ~~للنفس { ومن في الأرض جميعا } من النفس والهوى والطبيعة في أرض ~~البشرية { فإن الله لغني } بجماله وجلاله، وكمالية ذاته ~~وصفاته من الأزل إلى الأبد { حميد } في ذاته وصفاته وأفعاله لا تفاوت ~~له بإيمان أحد ولا بكفره. # { ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح ~~وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا ~~الله جآءتهم رسلهم بالبينت فردوا ~~أيديهم في أفوههم وقالوا إنا كفرنا بمآ ~~أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننآ إليه ~~مريب } [إبراهيم: 9]. ### || [14.10-14] # الإشارة في تحقيق قوله تعالى: { قالت رسلهم أفي الله شك ~~فاطر السموت والأرض } [إبراهيم: 10] أن السماوات والأرض ~~تدلان بما كون فاطر فطرهما فإن ثبوتهما بلا كون مكون واجب الكون محال؛ ~~لأنه يؤدي إلى التسلسل والتسلسل محال، وذلك الكون هو الله { يدعوكم ~~} من المكونات إلى المكون لا لحاجته إليكم بل لحاجتكم إليه { ليغفر ~~لكم } بصفة الغفارية { من ذنوبكم } التي أصابكم من حجب ظلمات ~~خلقية السماوات والأرض فاحتجبتم بها عنه { ويؤخركم إلى أجل ~~مسمى } المعنى لنا أخرجكم من حجب الظلمات بصفة الغفارية يؤخركم عن ~~السير في الصفات والذات إلى أوانه حكمة منه { قالوا } أي: للرسل { ~~إن أنتم إلا بشر مثلنا } تعبدون الهوى والدنيا كما كان ~~يعبد آباؤنا { تريدون } بمقالتكم { أن تصدونا عما كان ~~يعبد آبآؤنا } الدنيا وشهواتها لتتمتعوا بها دوننا { فأتونا ~~بسلطان مبين } ببرهان يبين لنا صدق دعواكم. # { قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر } [إبراهيم: 11] ~~أي: كنا { مثلكم } في البشرية نعبد الهوى والدنيا { ولكن ~~الله ms0912 يمن على من يشآء من عباده } بأن يهديهم للإيمان ~~وللمعرفة والمحبة؛ ليتركوا ما سواه ويطلبوه يبذل الموجود في نيل المقصود ~~فإذا وجدوه دلوا عباده عليه وذلك { وما كان لنآ أن نأتيكم ~~بسلطان إلا بإذن الله } أي: أتيكم بما يتسلط عليكم ~~ليفطركم إلى الله { وعلى الله } في الهداية إليه { فليتوكل ~~المؤمنون } الذين يؤمنون بالوصول إليه. # { وما لنآ ألا نتوكل على الله } [إبراهيم: 12] في ~~الهداية { وقد هدانا سبلنا } وهي الإيمان والمعرفة والمحبة ~~فإنهما سبل الوجود ومقاماته، فكذلك يهدي لنا إليه إذا توكلنا عليه { ~~ولنصبرن على مآ آذيتمونا } بالتكذيب ورد الدعوة ~~والإعراض عن الله { وعلى الله } في الهداية إليه { فليتوكل ~~المتوكلون } على الله في الهداية إلى سبيله فإن للتوكل مقامات ~~فتوكل المبتدئ قطع النظر عن الأسباب في طلب المرام ثقة بالمسبب، وتوكل ~~المتوسط قطع تعلق الأسباب، وتوكل المنتهي قطع التعلق بما سوى الله ~~للاعتصام بالله. # { وقال الذين كفروا } [إبراهيم: 13] أي: ستروا الحق بالباطل ~~وهم النفس والهوى { لرسلهم } وهو القلب والروح فإنهما محل إلهام ~~الحق { لنخرجنكم من أرضنآ } أو أرض الإنسانية { أو ~~لتعودن في ملتنا } وهي طلب الدنيا وشهواتها والتلذذ بنعيمها ~~{ فأوحى إليهم ربهم } ألهمهم { لنهلكن ~~الظالمين } أي: لنهلكن النفس والهوى بسطوات أنوار الشريعة في ~~استعمالها بالطريقة. # { ولنسكننكم الأرض } [إبراهيم: 14] أرض الإنسانية { من ~~بعدهم } أي: من بعد هلاكهم وتبدل أخلاقهم بأخلاق الروحانية ~~والربانية { ذلك } أي: ذلك الغلبة والتمكن والاستيلاء { لمن خاف ~~مقامي } أي: خاف مقام الوصول، وقال: العوام يخافون دخول النار والمقام ~~فيها، والخواص يخافون فوات المقام في الجنة لأنها دار المقامة، وأخص ~~الخواص يخافون فوات مقام الوصول { وخاف وعيد } أي: وعيد القطيعة ~~والبعد. ### || [14.15-20] # { واستفتحوا } [إبراهيم: 15] أي: استنصروا القلب والروح من الله ~~على النفس والهوى فنصرهم { وخاب كل جبار } وهو النفس { عنيد ~~} وهون لأنه عاند الحق { من ورآئه جهنم } [إبراهيم: 16] أي: ~~قدام النفس في متابعة الهوى جهنم الصفات الذميمة والأخلاق الردية { ~~ويسقى من مآء صديد } وهو ما يتولد عن الصفات والأخلاق من ~~الأفعال النفسانية الحيوانية السبعية يسقى به الروح صاحب النفس الأمارة ~~الكافرة. ms0913 # { يتجرعه } [إبراهيم: 17] بالتكلف { ولا يكاد يسيغه } ~~لأنه ليس له من شربه { ويأتيه الموت } أسباب الموت من العقوبات ~~{ من كل مكان } أي: من مكان كل فعل مذموم { وما هو بميت ~~} يستريح من ألم العقوبات التي تتولد من الأفعال في الحال { ومن ~~ورآئه عذاب غليظ } وهو قطيعة البعد والحرمان. # { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم } [إبراهيم: ~~18] يشير إلى أعمال الذين ستروا الحق بالباطل من أهل الأهواء والبدع { ~~كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف } وهي ريح البدعة ~~والاعتقاد السوء { لا يقدرون مما كسبوا على شيء } من ~~القبول { ذلك هو الضلال البعيد } أي: المبعد عن الله. # { ألم تر أن الله خلق السموت والأرض } ~~[إبراهيم: 19] يخاطب روح النبي صلى الله عليه وسلم فإن أول ما خلق الله ~~روحه، ثم خلق السماوات والأرض وروحه ناظر به يشاهد خلقتها { بالحق } ~~أي: بالله ونوره وأيضا ألم تشاهد أن الله خلق السماوات بالحق مناسبا ~~لسماوات الأرواح وأرض النفوس ليكون بقاء النفوس وفناؤها وصلاح النفوس ~~وفسادها وسعادة النفوس وشقاوتها بتدبير الأرواح وإفاضتها لاستعدادها قبول ~~الفيض الإلهي في اللطف والقهر، وذلك تقدير العزيز العليم { إن يشأ ~~يذهبكم } أي: هذا الإنسان المستعد لقبول فيض اللطف والقهر { ~~ويأت بخلق جديد } مستعد لقبول اللطف والقهر ويأت بخلق جديد ~~مستعد لقبول لطفه وقهره من غير الإنسان { وما ذلك على الله ~~بعزيز } [إبراهيم: 20] وأنه # إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون # [يس: 82]. ### || [14.21-24] # ثم أخبر عن حال يوم القيامة فقال: { وبرزوا لله جميعا } ~~[إبراهيم: 21] أي: خرجوا من القشور الفانية المحجبة الباقية جميعا من ~~الضعيف والقوي { فقال الضعفاء } وهم المتقلدة لأهل البدع { ~~للذين استكبروا } أي: للمبتدعين الزائفين عن الحق والسنة { ~~إنا كنا لكم تبعا } بالتقليد { فهل أنتم مغنون ~~عنا من عذاب الله } [إبراهيم: 21] عذاب البعد والانقطاع عن ~~الله { قالوا } يعني: أهل البدع { لو هدانا الله } إلى طريق ~~أهل السنة والجماعة، وهو الطريق إلى الله وقربه { لهديناكم } إليه ~~به يشير إلى أن الهداية والضلالة من نتائج لطف الله وقهره ليس إلى أحد من ~~ذلك شيء، فمن شاء ms0914 جعله مظهرا لصفات لطفه ومن شاء جعله مظهرا لصفات قهره ~~{ سوآء علينآ أجزعنآ } في طلب النجاة من ورطة الهلاك وعذاب ~~البعد { أم صبرنا } انتظار الرحمة { ما لنا من محيص } ~~للنجاة لأنه ضاع منا آلة النجاة وأوانها. # { وقال الشيطان لما قضي الأمر } [إبراهيم: 22] من أمر ~~أهل السعادة بالسعادة وأمر أهل الشقاوة بالشقاوة { إن الله ~~وعدكم وعد الحق } وهو وعد وهو حق لأهل الحق { ووعدتكم ~~فأخلفتكم } فيما وعدكم ربكم وهو تكذيب اللقاء والتلاقي وهو وعد { ~~وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني } فيما وعدتكم بالباطل لأني خلقت ~~لهذا، ولأني عدو مبين لكم وقد حذركم الله عداوتي { ولوموا ~~أنفسكم } بأن صدقتموني فيما كذبتم وكذبتم الله فيما قصدتكم، وذلك أن ~~مقالتي كان ملائما لهوى أنفسكم وكلام الحق مخالف لهواها، ومر على مذاق ~~النفوس { مآ أنا بمصرخكم } مكافيا فيما صدقتموني { ومآ ~~أنتم بمصرخي } مكافيا في الإحسان فيما أسأت إليكم من كرامة ~~الإنسانية { إني كفرت بمآ أشركتمون من قبل } وآمنت ~~بوحدانية الله حين لا ينفع نفسا إيمانها { إن الظالمين لهم ~~عذاب أليم } وهو الشيطان ومتبعوه من الإنس والجن إن الشيطان وضع ~~الدعوة إلى الباطل من غير موضعه، وأنهم وضعوا الاتباع في غير موضعه. # { وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات } [إبراهيم: ~~23] يشير إلى أن الإنسان إذا خلا إلى طبعه لا يؤمن ولا يعمل الصالحات ولا ~~يدخل الجنة؛ لأنه خلق ظلوما جهولا لا كفارا سفلي الطبع ونفسه # لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي # [يوسف: 53] وأدخله بفضله في الإيمان والأعمال الصالحة والحسنات { ~~جنات } القلوب { تجري من تحتها الأنهار } من ماء الحكمة ~~{ خالدين فيها بإذن ربهم } أي: لعنايته فإن لم تكن ~~العناية لا يبقى أحد في جنة القلب ساعة، كما لم يبق آدم عليه السلام في ~~الجنة خالدا { تحيتهم فيها سلام } أي: تحية أهل القلوب على ~~أهل القلوب وأهل النفوس سلام فأما على أهل القلوب لسلامة قلوبهم، وأما ~~على أهل النفوس سلام من قلوبهم ليسلموا من شر نفوسهم، كما قال تعالى: # وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ms0915 سلاما # [الفرقان: 63]. # { ألم تر } [إبراهيم: 24] ألم تشاهد بنور النبوة يا محمد { كيف ~~ضرب الله مثلا } مناسبا للاستعداد الإنساني القابل لفيض نور ~~الإلهية دون سائر مخلوقاته بقوله تعالى: { كلمة طيبة } وهي كملة ~~لا إله إلا الله وهي كلمة القديم وصفة وحدانيته وصورة أحديته { كشجرة ~~طيبة } وهي شجرة طيبة عن لوث الحدوث مثمرة شواهد أنوار القدم { ~~أصلها ثابت } في الحضرة الألوهية فإنها صفة قائمة بذاته تعالى { ~~وفرعها في السمآء } سماء القلوب. ### || [14.25-27] # { تؤتي أكلها } [إبراهيم: 25] من أنوار المشاهدات وأثمار ~~المكاشفات { كل حين } بتقرب العبد إلى ربه يتقرب الرب تعالى إليه، ~~وهو معنى قوله: { بإذن ربها ويضرب الله الأمثال ~~للناس } لمن نسي العهد الأول واستحقاقه لقبول فيض الألوهية وترك ~~السعي في طلب تلك السعادة العظمى وأبطل استعداده في طلب الدنيا والإعراض ~~عن المولى فهو أعظم البلوى والطامة الكبرى { لعلهم يتذكرون ~~} الحالة الأولى وقربهم من المولى، ويتفضلون بها ويعلمون أن هدى الله هو ~~الهدى. # { ومثل كلمة خبيثة } [إبراهيم: 26] وهي كلمة تتولد من خباثة ~~النفس الخبيثة الظالمة لنفسها بعقيدة السوء في ذات الله وصفاته، أو ~~باكتساب المعاصي والظالمة لغيرها بالتعرض لعرضه وماله { كشجرة ~~خبيثة } وهي النفس الخبيثة الأمارة بالسوء { اجتثت من فوق ~~الأرض } بظهور المعاملات الخبيثة فوق أرض البشر { ما لها من ~~قرار } لأنها من الأعمال الفانيات الفاسدات لا من الباقيات الصالحات. # { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } ~~[إبراهيم: 27] أي: يمكنهم في مقام الإيمان بملازمة كلمة لا إله إلا الله ~~والسير في حقائقها { في الحياة الدنيا } أي: في مدة بقائهم في ~~الدنيا { وفي الآخرة } أي: بعد مفارقة البدن به يشير إلى أن سير ~~أصحاب الأعمال ينقطع عند مفارقة الروح عن البدن، وسير أرباب الأحوال ~~الذين ثبت الله تعالى بأنوار الذكر أرواحهم وسيرهم في ملكوت السماوات ~~والأرض، بل طيرهم في عالم الجبروت بأجنحة أنوار الذكر وهي جناحا النفي ~~والإثبات، فإن نفيهم بالله عما سواه وإثباتهم بالله في الله لا ينقطع أبد ~~الأبدين { ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما ~~يشآء } أي: يضل أصحاب النفوس الخبيثة الظالمة عن ms0916 سبيل الرشاد في ~~الإنارة بنور الألوهية بأن يخذلهم في طلب الدنيا وشهواتها ليذرهم في ~~دركات جهنم النفوس حينا. ### || [14.28-33] # { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله } [إبراهيم: ~~28] هذا إشارة إلى نعمة ألوهيته وخالقيته ورازقيته عليهم بدلوا { كفرا ~~} بالكفر والإنكار بالجحود { وأحلوا قومهم } أي: أرواحهم ~~وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم { دار البوار } أي: الهلاك فأنزلوا ~~أبدانهم { جهنم يصلونها وبئس القرار } [إبراهيم: 29] ~~وهي غاية البعد عن الحضرة والحرمان من الجنان وأنزلوا أنفسهم الدركات ~~وقلوبهم العمى والصم والجهل وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة بتبديل ~~نعم الأخلاق الملكية الحميدة بالأخلاق الشيطانية السبعية الذميمة. # { وجعلوا لله أندادا } [إبراهيم: 30] من الهوى والدنيا ~~وشهواتها { ليضلوا } بها ويضلوا الناس بالامتناع { عن سبيله ~~} عن طلب الحق تعالى والسير إليه على أقدام الشريعة والطريقة للوصول إلى ~~الحقيقة { قل تمتعوا } بشهوات الدنيا ونعيما { فإن ~~مصيركم إلى النار } نار جهنم للأبدان، ونار المحق والحرمان ~~للنفوس، ونار الحياة للقلوب ونار القطيعة للأرواح. # { قل لعبادي } [إبراهيم: 31] لا لعباد الهوى { الذين ~~آمنوا } بنور العناية وعرفوا قدر نعمة ألوهيتي ولم يبدلوها كفرا { ~~يقيموا الصلاة } ليلازموا العبودية ويديموا العكوف على بساط ~~القربة ويثبتوا في المناجاة والمكالمة { وينفقوا } على الطالبين ~~المريدين { مما رزقناهم سرا } من أسرار الألوهية { ~~وعلانية } من أحكام العبودية في طريق الربوبية { من قبل أن ~~يأتي يوم } وهو مفارقة الأرواح على الأبدان { لا بيع فيه } ~~أي: لا يقدر على الإنفاق بطريق طلب المعارضة { ولا خلال } أي: ولا ~~بطريق المخاللة من غير طلب العوض؛ لأن آلة الإنفاق خرجت من يده، وبطل ~~استعداد دعوة الخلق إلى الحق وتربيتهم بالتسليك والتزكية والتهذيب ~~والتأديب. # { الله الذي خلق السموت } [إبراهيم: 32] سماوات القلوب ~~{ والأرض } أرض النفوس { وأنزل من السمآء } سماء القلوب { ~~مآء } الحكمة { فأخرج به من الثمرات } ثمرات الطاعة { ~~رزقا لكم } أي: رزقا لأرواحكم فإن الطاعات غذاء الأرواح كما أن ~~الطعام غذاء الأبدان { وسخر لكم الفلك } فلك الشريعة { ~~لتجري في البحر } بحر الطريقة { بأمره } أي: بأمر الحق لا ~~بأمر الهوى والطبع؛ لأن استعمال فلك الشريعة إذا كان بأمر الهوى والطبع ~~سريعا يهلك ويغرق، ولا ms0917 يبلغ ساحل الحقيقة إلا بأمر أولي الأمر وبملاحيه ~~وهو الشيخ الواصل الكامل المكمل كما قال تعالى: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم # [النساء: 59] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من أطاع أمري فقد أطاعني ومن أطاعني فقد أطاع الله ". # وكم من سفن لأرباب الطلب لما شرعت في هذا البحر بالطبع انكسرت بنكباء ~~الأهواء وتلاطم أمواج العزة وانقطعت دون ساحلها، { وسخر لكم ~~الأنهار } أنهار العلوم اللدنية { وسخر لكم الشمس } ~~[إبراهيم: 33] شمس الكشوف { والقمر } قمر المشاهدات { دآئبين } ~~بالكشف والمشاهدة { وسخر لكم اليل } ليل البشرية { ~~والنهار } نهار الروحانية وتسخير هذه الأشياء عبارة عن جعلها سببا ~~لاستكمال استعداد الإنسان في قبول الفيض الإلهي المختص به من بين سائر ~~المخلوقات. ### || [14.34-38] # وفي قوله: { وآتاكم من كل ما سألتموه } [إبراهيم: 34] ~~إشارة إلى أنه تعالى أعطى الإنسان في الأزل حسن استعداد استدعى منه لقبول ~~الفيض الإلهي وهو قوله تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4] ثم للابتلاء رده إلى أسفل سافلين ثم آتاه من كل ما سأله من ~~الأسباب التي تخرجه من # أسفل سافلين # [التين: 5] وتصعده إلى أعلى عليين فإذا أمعنت النظر في هذه الآيات رأيت ~~أن العالم بما فيه خلق تبعا لوجود الإنسان، وسببا لكماليته كما أن ~~الشجرة خلقت تبعا لوجود الثمرة وسببا لكماليتها فالإنسان البالغ الكامل ~~الواصل ثمرة شجرة المكونات، فافهم جدا. # { وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها } لأن نعمته على ~~الإنسان قسمان: قسم يتعلق بالمخلوقات كلها وقد بينا أنها خلقت لاستكمال ~~الإنسان وهذه النعمة لا يحصى عدها لأن فوائدها عائدة إلى الإنسان إلى ~~الأبد وهي غير متناهية فلا يحصى عدها. # وقسم يتعلق بعواطف ألوهيته وعوارف ربوبيته فهي أيضا غير متناهية فلا ~~يحصى عدها. # وقسم يتعلق بعواطف ألوهيته وعوارف ربوبيته فهي أيضا غير متناهية { ~~إن الإنسان لظلوم } لنفسه بأن يفسد هذا الاستعداد الكامل ~~بالإعراض عن الحق والإقبال على الباطل { كفار } لنعم الله إذا لم ~~يعرف قدرها ولم يشكر لها وجعلها نقمة لنفسه بعدما كانت نعمة من ربه. # { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا ms0918 البلد ءامنا ~~} [إبراهيم: 35] إبراهيم هو الروح والبلد هو القلب اجعله آمنا من وساوس ~~الشيطان وهواجس النفس وآفات الهوى { واجنبني وبني } وهم الفؤاد ~~والسر والخفاء { أن نعبد الأصنام } فكما أن صنم النفس الدنيا ~~وصنم القلب العقبى وصنم الروح الدرجات العلى وصنم الفؤاد العرفان وصنم ~~الخفاء الركون إلى المكاشفات والمشاهدات وأنواع الكرامات { رب ~~إنهن أضللن كثيرا من الناس } [إبراهيم: 36] أي: من ~~الناسين الذين نسوك عن استجلاء القلب والكرامات فانقطعوا بهن عنك { فمن ~~تبعني } في محبتك وترك ما سواه لك { فإنه مني ومن ~~عصاني } في مخالفتك { فإنك غفور رحيم } تغفر لهم فإن لم ~~يجدوا مقام الخلة ترحم عليهم بالمقام في الخلد، وأيضا حفظ الأدب فيما ~~قال: { ومن عصاني } وما قال: ومن عصاك؛ لأن بعصيان الله لا يستحق ~~المغفرة والرحمة والإشارة فيه أن من عصاني لعلي لا أغفر له ولا أرحم عليه ~~فإن المكافأة في الطبيعة واجبة ولكن من عصاني فتغفر له وترحم عليه يكون ~~غاية كرمك وعواطف إحسانك { فإنك غفور رحيم }. # { ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي ~~زرع } [إبراهيم: 37] وهو وادي النفس { عند بيتك المحرم } ~~أن يكون بيتا لغير الله كما قال: # " لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن " # وأيضا قوله: { أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع } ~~يشير إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإنه كان من ذريته وكان من صلب إسماعيل ~~يتوسل بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى في رعاية هاجر وإسماعيل ~~يعني: إن ضيعت إسماعيل ليهلك فقد ضيعت محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وأهلكته. # { ربنا ليقيموا الصلوة } أي: أسكنهم عند بيتك فريدا ~~وحيدا بلا طعام ولا شراب ولا صديق ولا أنيس؛ ليناجوك ويقيموا عبادتك ~~ويتوكلوا عليك ويستأنسوا بك ولا يلتفتوا إلى غيرك وأيضا أسكنت من ذريتي ~~الروحانيات بوادي النفس في مجاورة القلب { ليقيموا } بالآت النفس ~~وأدوات الجسم طاعات وعبادات من { الصلاة } والزكاة والصيام والحج ~~والجهاد وغيره من شرائع الإسلام ما لم يكونوا مستعدين للقيام به في عالم ~~الأرواح { فاجعل أفئدة من الناس تهوى ms0919 إليهم } ~~ليتوسلوا بهواهم إليك ويستحقوا بذلك منك أن تجعلهم منهم ومعهم؛ لأنه # " من أحب قوما فهو معهم " # ، وأسكنت من ذريتي من الرحمة { فاجعل أفئدة من الناس } ~~أي: فاجعل وتيرة الصفات الناسوتية { تهوى } إلى الصفات الروحانية { ~~وارزقهم من الثمرات } أي: ثمرات الصفات اللاهوتية التي ~~رزقها للصفات الروحانية { لعلهم يشكرون } شكر النعمة الجسمية ~~التي بمعزل عنها الملائكة المقربون، وفي هذا سر عظيم لا يمكن إفشاء سر ~~الربوبية لقوله: { ربنآ إنك تعلم ما نخفي } [إبراهيم: ~~38] من حقائق الدعاء والإشارة المودعة فيها { وما نعلن } من ظاهر ~~الصفة { وما يخفى على الله من شيء في الأرض } أرض ~~الصورة من المعاملات والمقالات الظاهرة { ولا في السمآء } سماء ~~القلوب من أحوال الغيوب والأسرار الباطنة. ### || [14.39-43] # { الحمد لله الذي وهب لي على الكبر } [إبراهيم: ~~39] وهذا دعاء وحمد وشكر لإبراهيم الروح أن وهب له الله تعالى يعني: من ~~تعلقه إلى القالب { إسماعيل } السر { وإسحاق } الخفي أي: قبل ~~تعلقه بالقالب وازدواجه بالجسم لم يكن له هذه التولدات { إن ربي ~~لسميع الدعآء } يعني: في الأزل قد سمع دعاء الروح وهو في العدم ~~وآثاره في الوجود عند تعلقه بالقالب ما سأله ومن حسنها الاستعداد لقبول ~~الفيض الإلهي كما قال تعالى: # وآتاكم من كل ما سألتموه # [إبراهيم: 34]. # { رب اجعلني مقيم الصلاة } [إبراهيم: 40] أي: دائم العروج ~~فإن الصلاة معراج المؤمن وبه يشير إلى دوام السير في الله بالله { ومن ~~ذريتي ربنا وتقبل دعآء } فيهم دعائي الذي دعوت لهم في ~~العدم وسمعتهم في الأزل إلى الأبد { ربنا اغفر لي } [إبراهيم: ~~41] أي: استر لي بصفة مغفرتك؛ لئلا أرى وجودي فإنه حجاب بيني وبينك { ~~ولوالدي } ولمن كان سبب وجودي في آباء العلوي وأمهات السفلى لكيلا ~~يحجبونه عن رؤيته { وللمؤمنين يوم يقوم الحساب } وهو ~~يوم كان في جناب الله في الأزل بقوم كمالية كل نفس أو نقصانيتها. # { ولا تحسبن الله غافلا } [إبراهيم: 42] أي: في الأزل { ~~عما يعمل الظالمون } يعني: كل عمل يعمله الظالمون لم يكن ~~الله غافلا عنه في الأزل، بل كل ذلك بقضائه وقدره وإرادته سببا على ms0920 ~~حكمته البالغة { إنما يؤخرهم } يعني: الظالمين { ليوم ~~تشخص فيه الأبصار }. # { مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم ~~طرفهم وأفئدتهم هوآء } [إبراهيم: 43] إشارة إلى أنه ~~تعالى جعل سعادة أهل السعادة وشقاوة أهل الشقاوة مودعة في أعمالهم، ~~والأعمال مودعة في أعمالهم ليبلغ كل واحد من الفريقين على قدر أعمالهم ~~الشرعية والطبيعية إلى منزل من منازل السعداء، أو منزل من منازل الأشقياء ~~يوم القيامة فلهذا أخر الظالمين ليزدادوا إثما يبلغهم منازل الأشقياء. ### || [14.44-48] # ثم أكد هذا المعنى بقوله تعالى: { وأنذر الناس يوم ~~يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنآ ~~أخرنآ إلى أجل قريب } [إبراهيم: 44] يعني: أرجعنا إلى ~~الدنيا { أخرنآ } لنطيعك { نجب دعوتك ونتبع ~~الرسل } كما أخرتنا وألبستنا لازدياد الإثم بمعاصيك في الدنيا. # ثم أجابهم بقوله: { أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما ~~لكم من زوال } يشير به إلى المناسخة فإنهم يزعمون ألا زوال لهم ~~في الدنيا ولا أحد منهم إذا مات ينقل روحه إلى قالب آخر فأرادوا بهذا ~~الجواب أن لو رجعناكم إلى الدنيا لتحقق عندكم مذهب التناسخ وما أقسمتم من ~~قبل على أن ما لكم من زوال. # { وسكنتم في مسكن الذين ظلموا أنفسهم } ~~[إبراهيم: 45] أي: أقمتم مقامات الظالمين على أنفسهم في السير على قدمي ~~الظلم والمعاصي إلى منازل الأشقياء { وتبين لكم } أي: بعد أن ~~تبين لكم { كيف فعلنا بهم } أي: بالأشقياء حين نزلهم منازلهم ~~وشاهدتم أحوالهم { وضربنا لكم الأمثال } يشير إلى أن الحقائق ~~والمعاني الغيبية لا تتبين إلا بالأمثال كقوله تعالى: # ضرب الله مثلا # [النحل: 75]. # { وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان ~~مكرهم لتزول منه الجبال } [إبراهيم: 46] أي: إن كان ~~مكرهم هذا الأمر لا يقدر بشر إلا بإذن الله { فلا تحسبن الله ~~مخلف وعده رسله } [إبراهيم: 47] في جزاء أهل المكر { إن ~~الله عزيز } في ذاته لا يهدي إليه كل ماكر { ذو انتقام } لأهل ~~المكر حيث ينتقم منهم على قدر مكرهم. # { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموت } ~~[إبراهيم: 48] أي: نبدل أرض البشرية بأرض القلوب فتضمحل ظلمتها بأنوار ~~القلوب وتبدل السماوات بالأسرار بسماوات الأرواح، فإن شموس ms0921 الأحوال إذا ~~تجلت على كواكب الأسرار أفنت تحت أنوار كواكبها بسطوة أشعة شموسها، بل ~~تبدل أرض الوجود المجازي عند إشراق تجلي أنوار الربوبية بحقائق أنوار ~~الوجود الحقيقي. # كما قال: # وأشرقت الأرض بنور ربها # [الزمر: 69] { وبرزوا } عن الوجود المجازي { لله الواحد } ~~أي: لله ووحدانيته { القهار } لا يعجزه ما سواه فإن شموس الأرواح ~~عند تجلي نور الألوهية تمحى بسطوته كما تمحى الكوكب عند تجلي شموس ~~الأفلاك والأرواح. ### || [14.49-52] # { وترى المجرمين } [إبراهيم: 49] هم أرواح أجرموا إذا اتبعوا ~~النفوس ووافقوها في طلب الشهوات والإعراض عن الحق { يومئذ } يوم ~~التجلي { مقرنين في الأصفاد } أي: مقيدين مع النفوس بقيود ~~صفاتها الذميمة الحيوانية لا يستطيعون البروز والخروج لله، { ~~سرابيلهم من قطران } [إبراهيم: 50] المعاصي وظلمات النفوس وهم ~~يحجبون بها عن الله { وتغشى وجوههم النار } نار الحسرة ~~والقطيعة والحرمان. # { ليجزى الله كل نفس } [إبراهيم: 51] أي: كل أرواح { ما ~~كسبت } من صحبة النفس وموافقتها { إن الله سريع الحساب ~~} أي: يحاسب الأرواح بالسرعة في الدنيا ويجزيهم بما كسبوا في متابعة ~~النفوس من العمى والصم والجهل والغفلة والبعد وغير ذلك من الآفات قبل يوم ~~القيامة { هذا بلاغ للناس } [إبراهيم: 52] لأرواح نسوا عالم ~~الوحدة وشهودهم مع الله بلا حجب الغفلة { ولينذروا به } أي: ~~ليتنبهوا بهذا البلاغ قبل المفارقة عن الأبدان لينتفعوا به فإن الانتباه ~~بالموت لا ينفع { وليعلموا أنما هو إله واحد } ~~فيعبدوه ولا يعبدوا إلها غيره من الدنيا والهوى والشيطان وما يعبد من ~~دون الله { وليذكر أولوا الألباب } وليذكر عالم الوحدة ~~وشهودهم مع الله أولوا الألباب الذين خرجوا من قشر البشرية متوجهين إلى ~~عالم الوجود بل المجذبون من قشر الوجود المجازي الواصلون بلب الوجود ~~الحقيقي العالمون بأنه إله واحد كقوله: # فاعلم أنه لا إله إلا الله # [محمد: 19] والله أعلم. # الر كتاب أنزلناه إليك # [إبراهيم: 1] قال جعفر عهد خصصت به فيه بيان سالف الأمم وأحوالهم ونجاة ~~أمتك عنهم # لتخرج الناس # [إبراهيم: 1] من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظلمة البدعة إلى نور ~~السنة ومن ظلمات النفوس إلى أنوار القلوب، وقال أبو بكر بن ms0922 طاهر: من ظلمة ~~الظن إلى أنوار الحقيقة، قال أبو جعفر: من ظلمة رؤية العقل إلى نور رؤية ~~العقل. # وفي قوله تعالى: # الله الذي له ما في السموت وما في الأرض # [إبراهيم: 2] قال الواسطي: الكون كله له، من طلب الكون فاته المكون ومن ~~طلب الحق فوجده سخر له الكون بما فيه. # قوله: # الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة # [إبراهيم: 3] قال أبو علي الجوزجاني: من أحب الدنيا حرم عليه الآخرة، ~~ومن طلب الآخرة حرم عليه طريق النجاة، ومن طلب طريق النجاة حرم عليه رؤية ~~فضل الله، ومن طلب طريق رؤية الفضل حرم عليه الوصول إلى المتفضل. # قوله: # لئن شكرتم لأزيدنكم # [إبراهيم: 7] سئل ابن عطاء عن هذه الآية قال: إذا وردت الأشياء إلى ~~مصادرها من غير حضور منك لها تقديم الشكر، وقال الجوزجاني: لئن شكرتم ~~الإسلام لأزيدنكم الإيمان، ولئن شكرتم الإيمان لأزيدنكم الإحسان، ولئن ~~شكرتم الإحسان لأزيدنكم المعرفة، ولئن شكرتم المعرفة لأزيدنكم الوصلة، ~~ولئن شكرتم الوصلة لأزيدنكم الأنس، وقال الحريري: كمال الشكر في مشاهدة ~~العجز عن الشكر. # وروي عن داود عليه السلام قال: " يا رب كيف أشكرك وشكري لك تجديد نعمة ~~منك علي؟ قال: يا داود الآن شكرتني " ، قال ابن عطاء: لئن شكرتم هدايتي ~~لأزيدنكم خدمتي، ولئن شكرتم خدمتي لأزيدنكم مشاهدتي، ولئن شكرتم مشاهدتي ~~لأزيدنكم ولايتي، ولئن شكرتم ولايتي لأزيدنكم رؤيتي، وعن جعفر الصادق رضي ~~الله عنه قال: إذا سمعت النعمة الشكر تأهبت للمزيد. # قوله: # ولئن كفرتم إن عذابي لشديد # [إبراهيم: 7] # وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا ~~فإن الله لغني حميد # [إبراهيم: 8] قال الواسطي: ليس الإيمان يقرب إلى الحق ولا الكفر يبعد ~~عنه، لكن جرى به الأمر في الأزل بالسعادة والشقاوة فظاهر الإيمان والكفر ~~إعلام الحقائق والحقائق القضاء الذي سبق الدهور لا الأزمان. # قوله: # ألم تر أن الله خلق السموت والأرض # [إبراهيم: 19] قال سهل: خلق الأشياء كلها بقدرته وزينها بعلمه وأحكمها ~~بحكمه، فالناظر من الخلق إلى الخالق يتبين له من الخالق عجائب الخلقة، ~~والناظر من الخلق إلى الخلق يكشف له ms0923 عن إشارة أنوار حكمته وبدائع متعته. # وقال ابن عطاء: الكلمة الطيبة قوله: لا إله إلا الله على التحقيق، ~~والشجرة الطيبة هي التي تطهر أسرار الموحدين عن دنس الأطماع بالتعبد لله ~~والانقطاع إليه عما سواه، وقال محمد بن علي الباقري: الشجرة الطيبة ~~الإيمان أنبتها الله تعالى وجعل أرضها التوفيق، وسماؤها العناية، وماؤها ~~الرعاية، وأغصانها الكفاية، وأوراقها الولاية، وثمارها الوصلة، وظلها ~~الأنس فأصلها ثابت في قلب المؤمن، وفرعها في السماء ثابت بالمريدين عند ~~الجبار، فالأصل يرد الفروع بدوام الإشفاق والمراقبة والفرع يهدي إلى ~~الأصل بالخشية من محل الشهادة والقرب هكذا أبدا قلب المؤمن وفؤاده. # قال أبو سعيد الخراز: وخزائن الله في السماء الغيوب وخزائنه في الأرض ~~القلوب؛ لأن الله تعالى جعل قلب المؤمن بيت خزائنه، ثم أرسل ريحا فهبت ~~فيه فكنه عن الكفر والشرك والنفاق؛ لأن الله تعالى جعل قلبا ثم أنبت ~~شجرة فأثمرت الرضا والمحبة والصفوة والإخلاص والطاعة وهو قوله: # كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السمآء # [إبراهيم: 24] وذكر كل شيء من الدنيا إذا لم يكن لها حفظ من الآلاء جف ~~والشجر الذي في قلب المؤمن يجف إذا لم يسقها بماء التوبة ثم بماء الرحمة ~~من فوق فيكون طريا شهيا ثم يأتيه ثلاثة أشياء: # طريق العبودية في النفس، وطريق المحبة في القلب، وطريق الذكر في السر ~~فخدمة النفس الطاعة، وخدمة القلب النية، وخدمة السر المراقبة على الدوام، ~~ثم يمطر عليها أمطار على النفس مطر الهداية، وعلى اللسان مطر اللطافة، ~~وعلى القلب مطر العظمة، وعلى السر مطر النعمة، وعلى الروح مطر الكرامة، ~~فينبت مطر اللسان الشكر والثناء، ومن مطر النفس الطاعة، ومن مطر القلب ~~الصدق والصفاء، ومن مطر السر الشوق والحياء، ومن مطر الروح الرؤية ~~والبقاء. # قال محمد بن علي: الشجرة الخبيثة اللسان ما لم يقطعها المؤمن بسيوف ~~الخوف فإنها تثمر أبدا الكلمة الخبيثة، وقال بعضهم: الشجرة الخبيثة ~~النفاق وهي التي لا تقر قرارا حتى تهوي صاحبها في النار. # وقال ابن عطاء: الشجرة الخبيثة الغيبة والبهتان وهما يفتحان على الإنسان ~~باب الكذب ms0924 والهجاء، وقال جعفر: الشجرة الخبيثة الشهوات وأرضها النفوس ~~وماؤها الأمل وأوراقها الكسل وثمارها المعاصي وغايتها النار. # وقال الواسطي في قوله: # يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في ~~الحياة الدنيا # [إبراهيم: 27] الإيمان أي: فإن حقيقة مضاد الروح الإيمان وإيمان محبة عن ~~ظلمات الروح وذلك استثناء من استثناء في إيمانه كيف يأمنه العبد وهو لا ~~يخلف الميعاد ويثبت الله الذين أمنوا على مقدار المواجيد يكون الخوف ~~والأمن ولم ينزع عن أحد الخوف ولا انقلب منه أحد الخطيئة، وما من أحد ~~يسعى إلا يخاف عقباها أي: عقبى سعيه فمن يثبت بالقول الثابت في الحياة ~~الدنيا تسقط عنه تلك المخاوف وقوله: # وسخر لكم الأنهار # [إبراهيم: 32] قال الصادق: وسخر لكم السماوات بالأمطار، والأرض بالنبات، ~~والبحر أن يتخذ تنورا وسحرا. # وسخر لكم الشمس والقمر # [إبراهيم: 33] تدوران عليك وتوصلان إليك منافع السماوات والنبات والزروع ~~وسخر لكم قلب المؤمن لمحبته ومعرفته وخاصة الله من العباد القلوب لا غير؛ ~~لأنها موضع نظره ومستودع أمانته ومعرفة إفاضة أسراره. # قال يحيى بن معاذ في قوله تعالى: # وآتاكم من كل ما سألتموه # [إبراهيم: 34] إن الله أعطاك أكبر ما في خزانته وأجمله وأعظمه أعطاك من ~~غير سؤالك وهو التوحيد فكيف يمنعك ما هو دونها من الثواب والعافية ~~بسؤالك؟! فاجتهد أيها العبد ألا يكون سؤالك إلا منه ولا رغبتك ولا رجوعك ~~إلا إليه فإن الأشياء كلها له فمن شغل بغيره فقد تقطع عليه طريق الحقيقة، ~~ومن شغل منه جعل الأشياء كلها طوع يده فتنقلب الأعيان ويقرب له البعيد ~~ويمشي حيث أحب ويجري كما أراد، وهذا من مقامات العارفين. # وقال بعضهم في قوله: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34] أي: عد نعمة من نعمه يعجز عن الإحصاء فكيف إذا تتابعت ~~النعم؟! وقيل: أجل النعم استواء الخلقة وإلهام المعرفة والذكر من بين ~~سائر الحيوان ولا يطيق القيام لشكرها أحد، وقيل: إن الإنسان لظلوم لنفسه ~~شيطان، إن شكره يقابل نعمه كفار محجوب عن رؤية الفضل عليه في البداية ~~والتعاقب، وقال سهل: وإن تعدوا نعمة الله بمحمد ms0925 صلى الله عليه وسلم لا ~~تحصوها بأن جعل السفير فيما بينه وبينكم الأعلى والواسطة الأولى. # وقال ابن عطاء: أجل النعم رؤية معرفة النعم ورؤية التقصير في القيام ~~لشكر النعم، وقال: النعمة أزلية كذلك يجب أن يكون الشكر أزليا، واعلم أن ~~لك نفسا وقلبا وروحا فنعمة النفس الطاعة، ونعمة القلب اليقين، ونعمة ~~الأرواح الحكمة، ونعمة المحبة الذكر، ونعمة المعرفة الألفة والنفس في ~~أبحر الطاعات تتنعم والقلب في أبحر النعم، والمعرفة في بحر القربة ~~والعيان يتنعم. # وروي عن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد في قوله: # رب اجعل هذا البلد ءامنا # [إبراهيم: 35] يعني: أفئدة العارفين اجعلهم آمنين من الشرك آمنين من ~~قطيعتك. # وقوله: # وارزقهم من الثمرات # [إبراهيم: 37] قال: ارزقهم شكر ما أوليتهم من معرفتك، # واجنبني وبني أن نعبد الأصنام # [إبراهيم: 35] أي: نعبد الهوى. # قال الدنيوري: محاربة الأصنام مختلفة، فمنهم من صنمه نفسه، ومنهم من ~~صنمه ماله، ومنهم من صنمه ولده، ومنهم من صنمه أقاربه، ومنهم من صنمه ~~زوجته ومنهم من صنمه ضيعه، ومنهم من صنمه صلاته وزكاته وحجه وصيامه، ~~ومنهم من صنمه حاله، والأصنام مختلفة وكل واحد من الخلق مربوط بصنم من ~~هذه الأصنام والتبرؤ هو ألا يرى الإنسان لنفسه خلافا ولا مجالا لا يعبد ~~من أفعاله شيئا ولا يسكن من حاله إلى شيء، رافعا على نفسه باللوم في ~~جميع ما يبدو منها من الخير والشر غير راض به، وقال جعفر: لا تردني إلى ~~مشاهدة الخلة ولا ترد أولادي إلى مشاهدة النبوة. # وقال ابن عطاء في قوله: # واجنبني وبني # [إبراهيم: 35] قال: إن الله أمر إبراهيم عليه السلام ببناء الكعبة فلما ~~بناها قال: # ربنا تقبل منآ # [البقرة: 127] فأوحى الله إليه: " يا إبراهيم أمرتك ببناء البيت وخصصتك ~~من الأنبياء بذلك، ومننت عليك ووفقتك لما وفقتك له، ودفعت عنك النار، ~~فقيل له: ألا تستحي أن تمن علي وتقول: ربنا تقبل منا، فثبتت منتي عليك ~~وذكرت رؤية فعلك ومنتك " فمن أجل ذلك قال: # واجنبني وبني أن نعبد الأصنام # [إبراهيم: 35] قال: إن نفسي ms0926 أشد صنم وشرها إذا تابعت هواها واشتغلت ~~بحظها فاشغلها بك واقطعها عما سواك. # قال الجنيد: وامنعني وبني أن نرى لأنفسنا وسيلة إليك، غير الافتقار، ~~وقال ابن عطاء: الأصنام الخلة والركون إليها وهي خطرات الغفلة وحجاب ~~الخلة، وقال أيضا: هي النفس لأن لكل نفس صنمها من الهوى إلا من ظهر ~~بأنواع التوفيق. # وقال في قوله تعالى: # فمن تبعني فإنه مني # [إبراهيم: 36] لما ذهب فمن استبشر رأفة للمؤمنين قيل له: # ومن كفر # [البقرة: 126] قال في قوله: # ومن عصاني # [إبراهيم: 36] لم يطع ولكن قال: فإن من صفتك الغفران والرحمة وليس على ~~العباد. # وقال في قوله: # فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم # [إبراهيم: 37] من انقطع عن الخلق بالكلية صرف الله إليه وجوه الخلق وجعل ~~مودته في صدورهم ومحبته في قلوبهم وذلك من دعاء الخليل لما انقطع بأهله ~~عن الخلق والأقارب والأسباب دعاهم فقال: # فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم # [إبراهيم: 37]. # وقال الخواص في قوله: # ربنآ إنك تعلم ما نخفي وما نعلن # [إبراهيم: 38]: ما نخفي من حبك وما نعلن من شكرك، وقال ابن عطاء: ما ~~نخفي من الأحوال وما نعلن من الأدب، قال أبو عثمان: طهر سرك وأعمر باطنك ~~وأصلح خفيات أمورك، فإن الله لا يخفى عليه شيء وهو الذي يعلم ما نخفي وما ~~نعلن. # وقال أحمد بن خضرويه: لو أذن الله لي في الشفاعة ما بدأت إلا بظالمي، ~~قيل له: فيكف؟ قال: لأني قلت بظالمي لم أقله بوالدي، قيل: وما ذلك؟ قال: ~~لعن الله تعالى في قوله: # ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون # [إبراهيم: 42] وقال بعض المتقدمين: الظلم على ثلاثة أوجه: ظلم مغفور، ~~وظلم محاسب، وظلم غير مغفور، فالظلم المغفور: ظلم الرجل نفسه، والظلم ~~المحاسب: ظلم أخاه، والظلم الذي لا يغفر: هو الشرك. # قوله تعالى: # وأفئدتهم هوآء # [إبراهيم: 43] قال ابن عطاء: هذه صفة قلوب أهل الحق ألا ترى أن الهوى ~~قائم بالمشيئة والإرادة غير قائمة بعلائق فوقهما كذلك قلوب أهل الحق ~~متعلقة به لا يقر إلا معه ولا يسكن إلا إليه ليس في ms0927 قلوبهم محل لغير الله ~~لا يساكن هوى الله ومثل قلوبهم، كما قال الله تعالى: # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب # [النمل: 88] لا يلتفت إلى سواه ولا له قرار مع غير الله. # وفي قوله # وسكنتم في مسكن الذين ظلموا أنفسهم # [إبراهيم: 45] قال أبو عثمان: مجاورة الفساق وأهل المعاصي من غير فسق ~~الكافر ومعصيته مستقرة في القلب؛ لأن الله تعالى ذم قوما من عباده، ~~وقال: # وسكنتم في مسكن الذين ظلموا أنفسهم # [إبراهيم: 45] ولم يعذر من أقام فيها، وقال: # ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها # [النساء: 97] { هذا بلاغ للناس } [إبراهيم: 52] ذلك لما ~~يظهر من كشف حقائقه من بني آدم من أحبائه وأوليائه؛ لأن الأرض والسماوات ~~لا تصير لما يظهر عن الأبدان من أنوار الحق، وقال جعفر: موعظة الحق ~~وإنذار لهم ليجتنبوا أقران السوء ومجالسة المخالفين، فإن القلوب إذا ~~تعودت مجالسة الأضداد تدنس، وقال بعضهم: كشف للخلق ما يبدو لهم وأمروا ~~به. ### | [15 - سورة الحجر] ### || [15.1-10] # { الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين } [الحجر: 1] إلى ~~قوله: { وما كانوا إذا منظرين } [الحجر: 8]. # قوله: { الر تلك } يشير بكلمة تلك إلى قوله: { الر } أي: كل حرف ~~من هذه الحروف حرف آية من { آيات الكتاب } وهي { قرآن مبين ~~}. # والألف إشارة إلى آية: # الله لا إله إلا هو الحي القيوم # [البقرة: 255]. # واللام إشارة إلى آية: # ولله ملك السموت والأرض يغفر لمن يشآء ~~ويعذب من يشآء # [الفتح: 14]. # والراء إشارة إلى آية: # ربنا ظلمنآ أنفسنا # [الأعراف: 23] فالله تعالى أقسم بهذه الآيات الثلاث بإشارة هذه الحروف ~~الثلاثة، ثم أقسم بجميع القرآن بقوله: { وقرآن مبين * ربما ~~يود الذين كفروا } [الحجر: 1-2] يشير إلى النفس الكافرة ~~وصفاتها المتمردة وتمنيها أن { لو كانوا مسلمين } [الحجر: 2] ~~أي: مستسلمين لأحكام الله تعالى وأوامره ونواهيه، كما استسلم من مؤمني ~~القلب والروح وصفاتها، وذلك يكون عند استيلاء سلطان الذكر على الروح ~~والقلب ونشور صفاتهما وتبدلت أحوالها من الأمارية بالمطمئنة، فتمنت حين ~~ذاقت حلاوة الإسلام وطعم الإيمان أن كانت من بدء الخلقة مسلمة مؤمنة ~~كالقلب والروح. # وأما قوله: ms0928 { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم } ~~[الحجر: 3] التهديد للنفس ذاقت حلاوة الإسلام، ثم عادت المشئومة إلى ~~طبعها واستحلت مشاربها من نعيم الدنيا، واستحسنت زخارفها فيهددها بأكل ~~شهوات الدنيا والتمتع بنعيمها، ثم قال: { فسوف يعلمون } ما ~~خسروا من أنواع السعادات والكرامات والدرجات والقربات، وما فات منهم من ~~الأحوال السنية والمقامات العلية، وما أورثتهم الدنيا الدنية من البعد من ~~الله والمقت وعذاب نار القطيعة والحرمان. # ثم قال: { ومآ أهلكنا من قرية } [الحجر: 4] أي: وما أهلكنا ~~بالخذلان من عاد من قوله: { قرية } المولى إلى قرية الدنيا { إلا ~~ولها كتاب معلوم } أي: إلا ولها مكتوب في أم الكتاب ما كان ~~معلوما الله في الأزل من سوء أعماله وأحواله { ما تسبق من ~~أمة أجلها } [الحجر: 5] حتى يظهر منه ما هو سبب هلاكه واستوفت ~~نفسه من الحظوظ ما يبطل الحقوق { وما يستأخرون } [الحجر: 5] ~~بحظه بعد استيفاء أسباب هلاكه وعذابه { وقالوا } [الحجر: 6] يعني: ~~النفوس المرتدة المتمردة { يأيها الذي نزل عليه ~~الذكر } [الحجر: 6] هذا الخطاب مع القلب الذاكر { إنك ~~لمجنون } [الحجر: 6] إذ توقعت من المتمردة الإسلام. # { لو ما تأتينا بالملائكة } [الحجر: 7] أي: هلا تأتينا ~~بصفات الملائكة المنقادين، وحتى إذا اتصفنا بصفاتهم نؤمن بما أنزل إليك ~~من مواهب الحق تعالى، فيه إشارة إلى أن النفس الأمارة بالسوء لا تؤمن بما ~~أنزل الله إلى القلوب من الأنوار الإلهية حتى تصير مطمئنة موصوفة بصفات ~~الملائكة، وتنورت بإشراق أنوار تجلي صفات الله تعالى { إن كنت من ~~الصادقين } [الحجر: 7] أنك تريد لنا الهداية فأجابهم القلب: { ما ~~ننزل الملائكة } [الحجر: 8] أي: ما تنزل الصفات الملائكية { ~~إلا بالحق } [الحجر: 8] أي: إلا بالنفس مطمئنة مستحقة مستعدة بهذه ~~الصفات ولو أنزلت قبل أوانها وكمال استعدادها القبول { وما كانوا ~~إذا منظرين } [الحجر: 8] أي مؤخرين من الهلاك والتلف لضيق نطاق ~~طاقتهم. # ثم أخبر عن سطوة سلطان الذكر أي: أنها محفوظة بكلام الحق بقوله: { ~~إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ~~[الحجر: 9] إلى قوله: # بل نحن قوم مسحورون # [الحجر: 15]. # قوله: { إنا نحن نزلنا الذكر } [الحجر: 9] أي: في قلوب ~~المؤمنين وهو قوله: # لا ms0929 إله إلا الله # [الصافات: 35] نظيره # كتب في قلوبهم الإيمان # [المجادلة: 22]، وقوله: # هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين # [الفتح: 4] والمنافق يقول: لا إله إلا الله، ولكن لم ينزله الله في قلبه ~~فلم يحصل فيه الإيمان { وإنا له لحافظون } [الحجر: 9] أي: في ~~قلب المؤمن، ولو لم يحفظ الله الذكر والإيمان في قلب المؤمن لما يقدر ~~المؤمن على حفظه؛ لأنه ناس وأسلكه الله في قلبه. # { ولقد أرسلنا من قبلك } [الحجر: 10] أي: أسلكنا الإيمان ~~والكفر في قلوب { شيع الأولين } [الحجر: 10] فمن أسلكنا في ~~قلوبهم الكفر. ### || [15.11-20] # { وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ~~} [الحجر: 11] { كذلك نسلكه } [الحجر: 12] أي: الكفر { في ~~قلوب المجرمين } [الحجر: 12]. # { لا يؤمنون به } [الحجر: 13] بواسطة جرمهم فإنهم بالجرم يسلك ~~الكفر في القلوب كما يسلك الإيمان بالعمل الصالح في القلوب فنظيره قوله ~~تعالى: # بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا ~~قليلا # [النساء: 155]، { وقد خلت سنة الأولين } [الحجر: 13] أي: ~~سنة الله مع الأولين فهكذا سنة الله مع الآخرين. # { ولو فتحنا عليهم بابا من السماء } [الحجر: 14] ~~أي: على الذين أسلكنا الكفر في قلوبهم { بابا } من سماء القلب { ~~فظلوا فيه يعرجون } أي: يصعدون سماء القلب { لقالوا } من ~~سفاهة الكفر: { إنما سكرت أبصارنا } [الحجر: 15] أي: سدت ~~أبصار قلوبنا وسحرت بتوهم الصعود في السماء { بل نحن قوم ~~مسحورون } [الحجر: 15] في رؤية فتح باب السماء وليس هناك فتح باب ~~الهيبة. # ثم أخبر عن حفظ السماء بالنجوم عن الشيطان المرجوم بقوله تعالى: { ~~ولقد جعلنا في السماء بروجا } [الحجر: 16] إلى قوله: { ~~ومن لستم له برازقين } [الحجر: 20]. # قوله: { ولقد جعلنا في السماء بروجا } [الحجر: 16] أي: ~~في سماء القلب بروج الأطوار فإن للقلوب أطوارا كما للسماء بروجا، وكما ~~أن البروج منازل السيارات فكذلك الأطوار منازل شموس المشاهدات، وأقمار ~~المكاشفات، وسيارات اللوائح والطوالع { وزيناها } [الحجر: 16] ~~بهذه الأنوار { للناظرين } [الحجر: 16] السائرين إلى الله من أهل ~~النظر. # { وحفظناها من كل شيطان رجيم } [الحجر: 17] من وسواس ~~الشيطان وهواجس النفس الأمارة المرجومة؛ لئلا تسترق النفس السمع من ~~ملائكة صفات الروح والقلب من أوصاف المشاهدات ms0930 وأصناف المكاشفات كلمات حق ~~وتضم إليها من تسويلاتها وتلقيها إلى الإخوان وتتفاخر بها عليهم. # { إلا من استرق السمع } [الحجر: 18] أي: ولكن من استرق ~~السمع من النفس والشيطان { فأتبعه شهاب مبين } [الحجر: 18] ~~أي: أدركته شعلة من أنوار تلك الشواهد فتحرق الباطل وتبين الحق. # { والأرض مددناها } [الحجر: 19] أي: أرض البشرية بسطت على وجه ~~ماء الروحانية { وألقينا فيها رواسي } [الحجر: 19] أي: جبال ~~صفات القلب والعقل فإن أرض البشرية تميد كنفس الحيوانات، أي: لهن أرساها ~~الله بجبال العقل وصفات القلب { وأنبتنا فيها } [الحجر: 19] في ~~أرض البشرية { من كل شيء موزون } [الحجر: 19] بميزان الحكمة، ~~يشير إلى أن بنايات الحق فيها بنيت وهي من صفات كل شيء بقدر ما يحتاج ~~إليه الإنسان في تكميل نفسه والسير إلى الله وهو قوله: { وجعلنا ~~لكم فيها معايش } [الحجر: 20] وهي أسباب الوصول والوصال { ومن ~~لستم له برازقين } [الحجر: 20] وهو جوهر المحبة فإنه ليس ~~غذاؤه من أوصاف الإنسان ولا من كسبه وإنما غذاؤه من مواهب الحق وتجلي ~~جماله. ### || [15.21-25] # ثم أخبر عن دقائق خزائنه كقوله تعالى: { وإن من شيء إلا ~~عندنا خزائنه } [الحجر: 21] إلى قوله: { إنه حكيم عليم ~~} [الحجر: 25]. # قوله: { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه } [الحجر: 21] ~~يشير إلى أن لكل شيء خزائن مختلفة متناسبة له كما لو قدرنا شيئا من ~~الأجسام، فله خزانة لصورته وخزانة لاسمه، وخزانة لمعناه، وخزانة للونه، ~~وخزانة لرائحته، وخزانة لطعمه، وخزانة لطبعه، وخزانة لخواصه، وخزانة ~~لأحواله المختلفة الدائرة عليه بمرور الأيام، وخزانة لنفعه وضره وخيره، ~~وخزانة لظلمته ونوره، وخزانة لملكوته وغير ذلك وهو خزانة لطف الله وقهره، ~~وما من شيء إلا وفيه لطف الله وقهره مخزون وقلوب العباد وخزائن صفات الله ~~تعالى بأجمعها. # { وما ننزله إلا بقدر معلوم } [الحجر: 21] أي: وما ~~ننزل أشياء مما في خزائنه إلا بقدر ما هو معلوم منا في الأزل لحكمتنا ~~البالغة المقتضية لإيجاده وإنزاله { وأرسلنا الرياح } [الحجر: ~~22] أي: رياح العناية { لواقح } يلقح في أشجار القلوب ليحمل بأزهار ~~الشواهد وأثمار الكشوف، كما قال بعضهم: رياح الكرم إذا هبت على أسرار ~~العارفين أعتقتهم ms0931 من هواجس أنفسهم ورعونات طباعهم وفساد هواهم ومراداتهم، ~~وتظهر في القلوب نتائج الكرم وهو الاعتصام بالله والاعتماد عليه ~~والانقطاع عما سواه إليه { فأنزلنا من السمآء } [الحجر: 22] ~~أي: سماء الهداية { ماء } [الحجر: 22] بالحكمة والموعظة { ~~فأسقيناكموه } [الحجر: 22] ليربي به الأخلاق الحميدة والأوصاف ~~الكريمة ويثمر الأعمال الصالحة { ومآ أنتم له } [الحجر: 22] أي: ~~لماء الحكمة { بخازنين } [الحجر: 22] في أصل الخلقة وأنه لفي خزانة ~~الحق تعالى ينزل على من يشاء لقوله تعالى: # يؤتي الحكمة من يشآء # [البقرة: 269] والحكمة صفة من صفاته { إنه حكيم عليم } وليست ~~الحكمة من صفات المخلوقين، وإنما سمى الفلاسفة الحكمة هي المعقولات وهي ~~من نتائج العقل والعقل من صفات المخلوقين فكما لا يجوز أن يقال لله: " ~~العاقل " ، لا يجوز أن يقال للمخلوق: " الحكيم " إلا بالمجازات أتاه الله ~~الحكمة { وإنا لنحن نحيي } قلوب أوليائنا بأنواع رجالنا { ~~ونميت } نفوسهم بسطوة نظرات جلالنا { ونحن الوارثون } بعد ~~إفناء وجودهم ليبقوا ببقائنا. # { ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا ~~المستأخرين } [الحجر: 24] أي: علمنا في الأزل من المستقدم إلينا ~~بنا ومن المستأخر منا بالخذلان، وأيضا من المستقدم عند خروجه من العدم ~~ومن المستأخر، وأيضا من المستقدم إلى الوجود ومن المستأخر في العدم، فإن ~~في العدم من مقدورات الحق ما لا نهاية له { وإن ربك هو ~~يحشرهم } [الحجر: 25] أي: يحشر المستقدمين إلى حظائر قدسه بفضله ~~وكرمه ويحشر المستأخرين إلى أسفل السافلين بقهره وعزته { إنه حكيم ~~} [الحجر: 25] بحكمته يحشر كل طائفة من الفريقين إلى ما هم مستحقين به { ~~عليم } [الحجر: 25] باستحقاق كلا الفريقين. ### || [15.26-33] # ثم أخبر عن استحقاق كلا الفريقين أنه من تركيب الجنسين مختلفين لقوله ~~تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من صلصال } [الحجر: 26] أي: ~~قوله جزء مقسوم وقوله: { ولقد خلقنا الإنسان من صلصال ~~من حمإ مسنون } [الحجر: 26] { والجآن خلقناه من ~~قبل من نار السموم } [الحجر: 27] يشير إلى أن خاصية نفس ~~الإنسان ما تتولد من الصلصال ومن الحمأ المسنون بما يتولد من نار السموم ~~وهي صفات شيطانية وما تغرس فيه الملائكة داؤه بنظر الملكية في ملكوته و # قالوا أتجعل فيها من يفسد ms0932 فيها ويسفك الدمآء # [البقرة: 30] لأنهم نظروا إلى شخصه وهيكله ولم يشاهدوا اختصاصه بإضافة ~~روحه إلى حضرته، وخلقته بيده، واستقامة تساوي قالبه # في أحسن تقويم # [التين: 4] وتعليم الأسماء والإشراف على الغيوب بأنوار القلوب، فما زاد ~~على ما تولد من إنسانية فهو من نتائج تعليم الأسماء واختصاصه بالإضافة ~~والنفخة وغيرها من المواهب { وإذ قال ربك للملآئكة إني ~~خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون } [الحجر: 28] ~~أي: من هذا الصلصال الذي شاهد نموه وطعنتم فيه: { فإذا سويته } ~~[الحجر: 29] بجعله قابلا لنفختي وللروح المضاف إلي { ونفخت فيه ~~من روحي } يشير بتشريف هذه الإضافة إلى اختصاص الروح بأعلى المراتب ~~من الملكوت الأعلى وكمال قربه إلى الله، كما قال: # ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # [ق: 16] وإلى اختصاصه بقبول النفخة فإنه شرف بهذا التشريف وخص به ~~من سائر المخلوقات { فقعوا له ساجدين } [الحجر: 29] وذلك لأن ~~الروح لما أرسلت من أعلى مراتب القرب بنفخة الحق تعالى إلى أسفل سافلين ~~القالب كان عبورها على الروحانيات والملائكة المقربين، وهم خلقوا من ~~النور فاندرجت أنوار صفاتهم في نور صفاتها كما تندرج أنوار الكواكب في ~~نور الشمس، ثم عبر على الجن والشياطين فاتخذ زبدة خواص صفاتهم، ثم عبر ~~على الحيوانات فاستفاد منهم الخواص والقوى، ثم تعلق القالب بالمخلوق بيد ~~الله بالتخمير وقهره المستعد لقبول التجلي، فلما خلق الله آدم تجلى فيه، ~~قال لأهل الخطاب وهم الملائكة والجن: { فقعوا له ساجدين } ~~[الحجر: 29] لاستحقاقه كماله في الخلقة ولشرفه بالعلم وقابليته للتجلي. # { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } [الحجر: 30] لما ~~فيهم من خصوصية العبادة، عبادة النورية واختصاص العلم بقبول النصح { ~~إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين } [الحجر: 31] ~~لاختصاصه بالتمرد، تمرد التأدبة والجهل الذي هو مركون فيه ولحسبانه أنه ~~عالم إذ قال له ربه: { يإبليس ما لك ألا تكون مع ~~الساجدين } [الحجر: 32] أي: ما حجتك في الامتناع عن السجود؟ { قال ~~لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ ~~مسنون } [الحجر: 33] أي: حجتي أنك خلقتني من نار وهي جوهر لطيف ~~نوراني علوي وخلقته من طين وهو ms0933 كشف ظلماني سفلي، فأنا خير منه بهذا ~~الدليل. # فاستدل بهذا الاستدلال لرأي آدم ينبغي أن يسجد له لفضله عليه، ومن غاية ~~جهالته وسخافة عقله فهم من بين كلامه إن الله أخطأ فيما أمره وأمر ~~الملائكة بسجود كرم، وحسب أن الله تعالى جعل استحقاق آدم السجود للملائكة ~~في بشرية آدم وخلقته من الطين وهو بمعزل عما جعل الله استحقاقه للسجود في ~~سر الخلافة المودعة في روحه المشرف بشرف الإضافة إلى حضرته المختص ~~باختصاص نفخة العلم بالأسماء كلها المستعد لتجلي جماله وجلاله فيه. # ومن هاهنا قيل لإبليس أنه أعور؛ لأنه كان بصيرا بإحدى عينيه التي يشاهد ~~بها بشرية آدم، وما أودع فيه من الصفات الذميمة الحيوانية السبعية ~~المؤذية المتولد منها الفساد وسفك الدماء، وإنه كان أعمى بإحدى عينيه ~~التي يشاهد بها سر الخلافة المودعة في روحانيته، وما أكرم به من علم ~~الأسماء والنفخة الخاصة وشرف الإضافة إلى نفسه وغير ذلك من الاصطفاء ~~والاجتباء. ### || [15.34-48] # فلما أبى السجود متعللا بهذه العلامات { قال فاخرج منها } ~~[الحجر: 34] أي: من صورة الملائكة وصفاتها { فإنك رجيم } [الحجر: ~~34] أي: غاية البعد { وإن عليك اللعنة } [الحجر: 35] ~~مطرودا مردودا من قرب الجوار بالنار { إلى يوم الدين } ~~[الحجر: 35] وهو يوم الجزاء وإنجاز الوعد بالوفاء، وفيه أيضا إشارة إلى ~~أن إبليس النفس مأمور بسجود آدم الروح ومن دأبه وطبعه الإباء عن طاعة ~~الله والاستكبار على خليفة الله والامتناع عن سجوده وذلك في بذر خلقتها ~~على # فطرت الله التي فطر الناس عليها # [الروم: 30] فلما أمر إبليس للسجود وأبى { قال فاخرج منها } ~~[الحجر: 34] أي: من فطرة الله المستعدة لقبول الكفر والإيمان { فإنك ~~رجيم } [الحجر: 34] مطرود من جوارنا؛ لأنك قبلت الكفر دون الإيمان. # { وإن عليك اللعنة } [الحجر: 35] وهي من نتائج صفات القهر، ~~أي: مقهورا مبعدا عن صفات عبادنا المقبولين { إلى يوم الدين } ~~[الحجر: 35] أي: إلى أن يولج الدنيا في نهار الدين، وتطلع شمس شواهدنا من ~~مشرق الروح، وتصير أرض النفس مشرقة بأنوار الشواهد، فتكون مطمئنة متبدلة ~~صفاتها الذميمة الحيوانية المظلمة بالأخلاق الروحانية الحميدة النورانية ~~المستحقة ms0934 لخطاب # ارجعي # [الفجر: 28]. # { قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون } [الحجر: 36] ~~أي: الأرواح في قيامة العشق { قال فإنك من المنظرين * ~~إلى يوم الوقت المعلوم } [الحجر: 37-38] وهو وقت يتجلى ~~فيه لأرواح العشاق فينعكس نور التجلي من الأرواح المقدسة له # وادخلي جنتي # [الفجر: 30] أي: جواري وقربي { قال } [الحجر: 39] إبليس النفس { رب ~~بمآ أغويتني } [الحجر: 39] أضللتني عن طريق الهداية { ~~لأزينن لهم في الأرض } [الحجر: 39] أي: أزين للأرواح في ~~أرض البشرية من الأعمال الصالحات التي تورث الأخلاق الحميدة وبها تربية ~~الأرواح وترقيها إلى أعلى درجات القرب { ولأغوينهم أجمعين ~~} [الحجر: 39] عما كانوا عليه من الأعمال الروحانية الملكية التي لا ترقى ~~إلا بها { إلا عبادك منهم المخلصين } [الحجر: 40] الذين ~~أخلصتهم عن حبس الوجود بجذبات الطاعة وأفنيتهم عنهم بهدايتك. # { قال هذا صراط علي مستقيم } [الحجر: 41] معناه هذا ~~مقام أهل الاستقامة في السير في الله المعتصمين بالله المنقطعين عن غيره ~~{ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } [الحجر: 42] أي: ~~حجة تتعلق بهم بتلك الحجة للهداية، أو العناية فإنهم بلا هم، وإن من ~~خصوصية العبودية المضافة إلى الحضرة المحمدية عما سوى الحضرة { إلا ~~من اتبعك من الغاوين } [الحجر: 42] الذين بلا هم وإن من ~~خصوصية العبودية أضلوا عن السير في الله بالله { وإن جهنم } ~~[الحجر: 43] البعد والاحتراق من الفراق { لموعدهم أجمعين } ~~[الحجر: 43] { لها سبعة أبواب } [الحجر: 44] من الحرص والشر ~~والحقد والحسد والغضب والشهوة والكبر { لكل باب منهم } من ~~الأزواج المتبعين بصفاتها { جزء مقسوم } بحسب الاتفاق بصفاتها. # ثم أخبر عن المتقين بأنهم آمنون بقوله تعالى: { إن المتقين في ~~جنات وعيون } [الحجر: 45] إلى قوله: # فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون # [الحجر: 84]. # قوله: { إن المتقين } [الحجر: 45] الاتقاء على ثلاثة أوجه: ~~اتقاء عن محارم الله بأوامر الله، واتقاء عن الدنيا وشهواتها بالأخرة ~~ودرجاتها، واتقاء عما سوى الله بالله وصفاته. والمتقون هم الفانون عن ~~أنفسهم وصفاتهم الباقون بالله وصفاته { في جنات وعيون } [الحجر: ~~45] أي: جنات حظائر القدس وعيون الحكمة الإلهية والعلوم اللدنية { ~~ادخلوها بسلام آمنين } [الحجر: 46] أي: بجذبات العناية والسلام ~~من الله هو الجذبة الإلهية آمنين ms0935 من موانع الدخول والخروج بعد الوصول ~~وفيه إشارة إلى أن السير في الله لا يمكن إلا بالله وجذباته كما كان حال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج تأخر عنه جبريل في سدرة المنتهى ~~وبقي عند الرفرف في مقام قاب قوسين ما وصل إلى مقام أو أدنى وهو كمال ~~القرب إلا بجذبة أذن مني فبسلام الله سلم من موانع الدخول والخروج بعد ~~الوصول. # { ونزعنا ما في صدورهم من غل } [الحجر: 47] من موانع ~~الدخول والوصول يشير إلى أن أهل الدخول والوصول هم المنزوعون عن صدورهم ~~على أوصاف البشرية من أمارة النفس وصفاتها الذميمة، وأنها لا تنتزع من ~~النفس إلا بنزع الله إياها ومن لم ينزع عنه الغل لم يأمن من الخروج بعد ~~الدخول كما كان حال آدم عليه السلام لما دخل الجنة قبل تزكية النفس ونزع ~~صفاتها أخرج منها بالغل الذي كان من نتائجه # وعصى ءادم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه # [طه: 121-122] ونزع عنه الغل بالتوبة وهداه إلى الجنة { إخونا ~~على سرر متقبلين } [الحجر: 47] في المراتب بعضهم لبعض أي: ~~لكل قوم من أهل التقوى إخوان على قدر تقربهم متقابلين في الدرجات { لا ~~يمسهم فيها نصب } [الحجر: 48] من الحسد لبعضهم على درجات بعض ~~{ وما هم منها بمخرجين } [الحجر: 48] يشير إلى أن أهل كل ~~درجة مقيمون في تلك الدرجة لا خروج لهم منها إلى درجة تحتها ولا فوقها ~~وهم راضون بذلك؛ لأن غل الحسد منزوع منهم. ### || [15.49-56] # { نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم } [الحجر: 49] ~~لأنه يشير إلى أن المختصين بعبوديته هم الأحرار عن رق عبودية ما سواه من ~~الهوى والدنيا والعقبى وهم مظاهر صفات لطفه ورحمته { وأن عذابي ~~هو العذاب الأليم } [الحجر: 50] ذلك لمن يكون عبد الهوى والدنيا ~~وما سوى الله وأنه مظهر صفات قهره ووعيده، وفيه إشارة أخرى إلى أن سير ~~السائرين وطيران الطائرين في هواء العبودية وقضاء الربوبية إنما يكون على ~~قدمي الخوف والرجاء وبجناحي الأنس والهيبة معتدلا فيها من غير زيادة ~~إحداهما على الأخرى. # { ونبئهم عن ضيف إبراهيم } [الحجر: ms0936 51] قد مضى تحقيق ~~هذه القصة وقصة لوط في سورة هود. فأما في قصة إبراهيم عليه السلام فإشارة ~~أخرى إلى أن بشارته { بغلام عليم } [الحجر: 53] مع كبره وكبر ~~امرأته بشارة للطالب الصادق أنه وإن كان مسنا وقد ضعف جسمه وقواه وعجز ~~عن جهاد النفس ومكابدتها واستعمالها في مباشرة الطاعات والأعمال البدنية ~~يوسوسه الشيطان من نيل درجات القربة، لأن أسباب تحصيل الكمال قد تناهت ~~ومعظمها العمر والشباب؛ ولهذا قال المشايخ: الصوفي بعد الأربعين نادر { ~~ومن يقنط من رحمة ربه } [الحجر: 56]. ### || [15.57-74] # ويتقرب إليه بالأعمال القلبية ليتقرب إليه وبه بأصناف ألطافه الربوبية ~~وجذبات أعطافه، فيخرج من صلب روحه ورحم قلبه غلاما عليما بالعلوم ~~اللدنية والرسوم اللدنية، وهو واعظ الله الذي في قلب كل مؤمن، وفي القصص ~~المذكورة في الآيات أيضا إهلاك الأمم الماضية، وإنجاء الأنبياء ~~والمؤمنين منهم اتعاظ وانتباه ووعد ووعيد وتأديب لهذه الأمم المعتبرين ~~منهم. ### || [15.75-84] # كما قال الله تعالى: { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } ~~[الحجر: 75]. # وهم أصحاب القلوب المتوسمة بشواهد أحكام الغيب المكفوفة في غيب الغيب ~~ليعتبروا بأحوالهم ويجتنبوا عن أفعالهم؛ لئلا يكونوا من المنتقمين الذين ~~قال الله فيهم: { فانتقمنا منهم } [الحجر: 79] ويتفرقوا بمعرفة ~~بعض مرتبة من مراتب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: # لعمرك # [الحجر: 72] وأنه لمرتبة ما نالها أحد من العالمين إلا سعيد المرسلين ~~وخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم من الأزل إلى الأبد وهي أنه تعالى قسم ~~بحياته وذلك، لأنه صلى الله عليه وسلم كان حيا بحياته فانيا عن نفسه ~~باقيا بربه، كما قال تعالى: # إنك ميت # [الزمر: 30] أي: ميت عنك حي بنا وهو مختص بهذا المقام المحمود. ### || [15.85-88] # ثم أخبر عن الإحسان مع المحسن والإساءة مع المسيء بقوله تعالى: { وما ~~خلقنا السموت والأرض وما بينهمآ إلا بالحق ~~} [الحجر: 85] إلى قوله: { للمؤمنين } [الحجر: 88]. # { وما خلقنا السموت والأرض وما بينهمآ إلا ~~بالحق } أي: لإظهار الآيات الحق بالحق لأرباب الحق المكاشفين بصفات ~~الحق فإنه لا شعور للسماوات والأرض وما بينهما غير الإنسان بأنها مظهر ~~لآيات الحق، وإنما الشعور بذلك ms0937 للإنسان الكامل، كما قال تعالى: # إن في خلق السموت والأرض واختلاف اليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب # [آل عمران: 190] وهم الذين خلص لب أخلاقهم الربانية عن قشر صفاتهم ~~الإنسانية، وفيه معنى آخر { وما خلقنا السموت } أي: سماوات ~~الأرواح { والأرض } أي: أرض الأشباح وما بينهما من النفوس والقلوب ~~والأسرار والخفيات إلا بالحق ومظهره، فإن الإنسان مخصوص به من بين سائر ~~المخلوقات والمكونات؛ لأنه بجميع مبانيه الظاهرة ومعانيه الباطنة مرآة ~~لذات الحق تعالى وصفاته فهو مطهره عند التزكية والتنقية، ومطهره عند ~~التحلية والتجلية به لشعوره بذلك، كما كان حال من صقل مرآته عن صدأ ~~أنانيته وتجلى بشهوة هويته عند تجلي ربوبيته بالحق، فقال أنا الحق، ومن ~~قال بعد فناء أنانيته عن بقائه بسبحانيته سبحاني ما أعظم شأني. # وفي قوله: { وإن الساعة لآتية } [الحجر: 85] إشارة إلى أن ~~قيامة العشق لآتية لنفوس الطالبين العارفين من أصحاب الرياضات في مكابدة ~~النفس ومجاهدتها؛ لأن الطلب والصدق والاجتهاد من نتائج عشق القلب، وأنه ~~سيهتدي إلى النفس لكثرة الاجتهاد في رياضتها، فتموت عن صفاتها في قيامة ~~العشق، ومن مات فقد قامت قيامته { فاصفح الصفح الجميل } ~~[الحجر: 85] يا أيها الطالب الصادق عن النفس المرتاضة بأن تواسيها ~~وتدارسها، ولا تحمل عليها إصرا، ولا تحملها ما لا طاقة لها به، فإن ~~قيامة العشق تحصل من تزكية النفس في لحظة واحدة ما لا يحصل بالمجاهدة في ~~سنين كثيرة؛ لأن العشق جذبه الحق، وقال صلى الله عليه وسلم: # " جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين " # { إن ربك هو الخلاق العليم } [الحجر: 86] يشير ~~بالخلاق وهو للمبالغة إلى أنه تعالى خالق لصور المخلوقات ومعانيها ~~وحقائقها العليم بمن خلقه مستندا لمظهرية ذاته وصفاته ومظهريته، فلما ~~كانت السماوات والأرض وما بينهما مظهر الصفات الحق تعالى دون ذاته ولا ~~شعور لها به، ولم تكن مظهرا لذاته وصفاته وكان الإنسان الكامل. # { ولقد آتيناك سبعا } [الحجر: 87] وأي سبع صفات ذاتية لله ~~تبارك وتعالى وهي السمع والبصر والكلام والحياة والعلم والإرادة والقدرة ~~{ من المثاني } [الحجر: 87] أي: من خصوصية المثاني وهي المظهرية ~~والمظهرة ms0938 لذاته وصفاته المختفية بالإنسان، فإن في غير الإنسان لم يوجد ~~إلا وحدانا من المظهرية، كما شرحنا ولو كان ملكا، ومن ها هنا يكشف سر ~~من أسرار # وعلم ءادم الأسمآء كلها # [البقرة: 31] فمنها أسماء صفات الله وذاته؛ لأن آدم كان مظهرها، وكان ~~الملك مظهر بعض صفاته تعالى ولم يكن مظهرها، ولهذا قال تعالى: # ثم عرضهم على الملئكة فقال أنبئوني ~~بأسمآء هؤلاء إن كنتم صدقين # [البقرة: 31] فلما لم يكونوا مظهرها وكانوا مظهر بعضها # قالوا سبحنك لا علم لنآ إلا ما علمتنآ # [البقرة: 32] ولهذا السر أسجد الله تعالى الملائكة لآدم عليه السلام ~~فاعلم جدا. # ثم قال: { والقرآن العظيم } [الحجر: 87] أي: حقائقه القائم ~~بذاته تعالى وخلق من أخلاقه القديمة بأن جعل القرآن العظيم خلقه ~~العظيم كما قال تعالى: # وإنك لعلى خلق عظيم # [القلم: 4] ولما سئلت عائشة - رضي الله عنها - عن خلق النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن، وفي قوله: { لا تمدن ~~عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم } [الحجر: ~~88] إشارة إلى أن الله تعالى إذا أنعم على عبده ونبيه صلى الله عليه وسلم ~~بهذه المقامات الكريمة والنعم العظيمة يكون من نتائجها ألا يمدن عينيه ~~عين الجسماني ولا عين الروحاني إلى ما متع الله به أزواجا من الدنيا ~~والآخرة { منهم } أي: من أهلها { ولا تحزن عليهم } ~~[الحجر: 88] أي: على ما فاته من مشاركتهما فيهما كما كان حاله صلى الله ~~عليه وسلم ليلة المعراج # إذ يغشى السدرة ما يغشى # [النجم: 16] من نعيم الدارين # ما زاغ البصر # [النجم: 17] برؤيتها # وما طغى # [النجم: 17] بالميل إليها. # ثم قال: { واخفض جناحك للمؤمنين } [الحجر: 88] في هذا ~~المقام قياما بأداء شكر نعم الله تعالى وتواضعا له ليزيدك بهما في ~~النعمة والرفعة، وفيه إشارة إلى معنى آخر أي: واخفض بعد وصولك إلى مقام ~~المحبوبية جناحك لمن اتبعك من المؤمنين المحبين لتبلغهم على جناح همتك ~~العالية إلى مقام المحبوبية يدل على هذا التأويل قوله: # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله # [آل عمران: 31]. ### || [15.89-91] # ثم أخبر عن وعيد من أعرض ms0939 وتولى وتهديد من كذب بهذه المرتبة العليا بقوله ~~تعالى { وقل إني أنا النذير المبين } [الحجر: 89] كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم مأمورا بإظهار مقامه وهو النبوة وبتعريف نفسه ~~أنه نذير للكافرين، كما أنه بشير للمؤمنين وأنه لما أمر بالرحمة والشفقة ~~ولين الجانب للمؤمنين بقوله تعالى: # واخفض جناحك للمؤمنين # [الحجر: 88] إظهارا للطفه وأمر بالتهديد والوعيد والإنذار بالعذاب { ~~كمآ أنزلنا على المقتسمين } [الحجر: 90] وهم الذين ~~اقتسموا قهر الله المنزل على أنفسهم بأعمالهم الطبيعية غير الشرعية، ~~فإنها مظهر قهر الله وخزائنه كما أن الأعمال الشرعية مظهر لطف الله ~~وخزائنه، فمن قرع باب خزانة اللطف أكره وأنعم عليه ومن دق باب خزانة ~~القهر أهين به وعذب. ثم أخبر عن أعمالهم التي اقتسموا قهر الله بها على ~~أنفسهم بقوله { الذين جعلوا القرآن عضين } [الحجر: 91] ~~أي: جزؤه أجزاء في الاستعمال، فقوم: قراؤه وداوموا على تلاوته ليقال لهم ~~القراء وبه يأكلون وقوم: حفظوه بالقراءة ليقال لهم الحفاظ وبه يأكلون. # وقوم: حصلوا تفسيره وتأويلاته ابتغاء طلب الشهرة وإظهارا للفضل ~~ليأكلوا. # وقوم: استخرجوا معانيه واستنبطوا فقهه وبه يأكلون وقوم: شرعوا في قصصه ~~وأخباره ومواعظه وحكمه وبه يأكلون وقوم: أولوه على وفق مذاهبهم وفسروه ~~برأيهم فكفروا بذلك. ### || [15.92-99] # ثم قال: { فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا ~~يعملون } [الحجر: 92-93] إنما عملوا بالله وفي الله ولله أو بالطبع ~~في متابعة النفس لمنافع دنيوية بقهره نظير قوله: # ليسأل الصادقين عن صدقهم # [الأحزاب: 8] ثم أمر صلى الله عليه وسلم العمل بالإخلاص في التبشير ~~والإنذار وإظهار الدعوة، وقال: { فاصدع بما تؤمر } [الحجر: 94] ~~نظيره # فاستقم كمآ أمرت # [هود: 112] { وأعرض عن المشركين } [الحجر: 94] الذين ~~أشركوا في أعمالهم لله غير الله، فإن اليسير من الربا شرك { إنا ~~كفيناك المستهزئين } [الحجر: 95] الذين يستعملون الشريعة ~~بالطبيعة للخلق ويراءون أنهم لله يعملون استهزاء للدين # الله يستهزئ بهم # [البقرة: 15] إلى قوله: # وما كانوا مهتدين # [البقرة: 16] لأنهم { الذين يجعلون مع الله إلها ~~آخر } [الحجر: 96] وهو الخلق والهوى والدنيا في استعمال الشريعة ~~بالطبيعة { فسوف يعلمون } [الحجر: 96] حين يجازيهم الله بما ~~يعملون لمن علوا كما ms0940 قيل: # سوف ترى إذا انجلى الغبار # أفرس تحتك أم حمار # { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك } [الحجر: 97] من ضيق ~~البشرية وغاية الشفقة وكمال الغيرة { بما يقولون } [الحجر: 97] من ~~أقوال الأخيار ويعملون أعمال الأشرار { فسبح بحمد ربك } ~~[الحجر: 98] إنك لست منهم { وكن من الساجدين } [الحجر: 98] ~~لله سجدة الشكر { واعبد ربك } [الحجر: 99] بالإخلاص { حتى ~~يأتيك اليقين } [الحجر: 99] أي: إلى الأبد وذلك لأن حقيقة ~~اليقين المعرفة، ولا نهاية لمقامات المعرفة فكما أن للواصل إلى مقام من ~~مقامات المعرفة يأتيه يقين بذلك المقام في المعرفة كذلك يأتيه شك بمعرفة ~~مقام آخر في المعرفة فيحتاج يقين آخر في إزالة هذا الشك إلى ما لا ~~يتناهى، فثبت إلى اليقين هاهنا إشارة إلى الأبد. ### | [16 - سورة النحل] ### || [16.1-4] # { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } [النحل: 1] إلى قوله: ~~{ فإذا هو خصيم مبين } [النحل: 4] الإشارة فيه أن قوله: { ~~أتى أمر الله } كلام قديم كان الله في الأزل به متكلما، ~~والمخاطبون به في الله محبوسين وهم طبقات ثلاث: منهم الغافلون والعاقلون ~~والعاشقون. # فكان الخطاب مع الغافلين: بالعتاب إذا كانوا مشتاقين إلى الدنيا ~~وزخارفها ولذاتها وشهواتها وهم أصحاب النفوس. # والخطاب مع العاقلين: بوعد الثواب إذا كانوا مشتاقين إلى الطاعات ~~والعبادات والأعمال الصالحات التي تبلغهم إلى الجنة ونعيمها الباقية وهم ~~أرباب العقول. # والخطاب مع العاشقين: بوصل رب الأرباب إذا كانوا مشتاقين إلى مشاهدة ~~جمال ذي الجلال. فتستعجل أرواح كل طبقة منهم للخروج من العدم إلى الوجود ~~لنيل العقود وطلب المقصود فكلم الله تعالى في الأزل بقوله: { أتى ~~أمر الله } أي: سيأتي أمر الله للخروج من العدم لإصابة ما كتب لكل ~~طبقة منكم في القسمة الأزلية { فلا تستعجلوه } فإنه لا يفوتكم ~~يدل عليه قوله تعالى: # وآتاكم من كل ما سألتموه # [إبراهيم: 34] أي: في العدم وهو يسمع خفيات أسراركم ويبصر خبايا سرائركم ~~المعدومة { سبحانه وتعالى عما يشركون } أي: هو منزه في ~~ذاته ومتعال في صفاته أن يكون له شريك يعمل عمله وسببه يكون بدل. # { ينزل الملائكة بالروح من أمره } [النحل: 2] أي: ~~بالوحي بما يحيي القلوب من ms0941 مواهب الربانية { من أمره } أي: من أمر ~~الله وأمره على وجوه: # منها: ما يرد على الجوارح بتكاليف الشريعة. # ومنها: ما يرد على النفوس لتزكيتها بالطريقة. # ومنها: ما يرد على القلوب لتصفيتها بالإشارات. # ومنها: ما يرد على الأسرار بالمراقبة للمشاهدات. # ومنها: ما يرد على الأرواح بملازمة الحضرة للمكاشفات. # ومنها: ما يرد على المخفيات بتجلي الصفات لإقبال الذوات على من يشاء من ~~عباده من الأنبياء والأولياء { أن أنذروا أنه لا إله ~~إلا أنا } [النحل: 2] أي: اعلموا أن أوصاف وجودكم يبذلها من ~~أنانيتي أنه لا إله إلا أنا { فاتقون } أي: فاتقوا عن أنانيتكم ~~بأنانيتي. # { خلق السموت } [النحل: 3] سماوات الأرواح { والأرض } أرض ~~الأشباح { بالحق } وجعلها مظهرة أفاعيله فهو الفاعل فيما يظهر على ~~الأرواح والأشباح، فالأرواح تحيل الأفاعيل إلى الأشباح إذ هي مظهرها، ~~والأشباح تحيلها إلى الأرواح إذ هي مصدرها، وهي أفاعيله تعالى إذ هو ~~منشأها وخالقها { تعالى } ذاته وصفاته { عما يشركون } ~~الأرواح والأشباح في إحالة أفاعيله إلى غيره، بل عما يشركون في رؤية ~~غيره. # ثم قال: { خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم ~~مبين } [النحل: 4] أي: جعل أصل الإنسان من نطفة ميتة لا فعل لها ولا ~~علم لوجودها، فإذا أعطيت المقدرة والعلم صارت خصيما لخالقها مبينا ~~وجودها مع وجود الحق وادعت الشركة معه في الوجود والأفاعيل. ### || [16.5-9] # ثم أخبر عن بالإنعام على الإنسان بخلق الأنعام بقوله تعالى: { ~~والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها ~~تأكلون } [النحل: 5] ولو شاء لهداكم أجمعين، قوله: { والأنعام ~~خلقها لكم } يشير أن المخلوقات كلها خلقت لصالحكم ومنافعكم؛ يدل ~~عليه قوله: # خلق لكم ما في الأرض جميعا # [البقرة: 29] وقوله: # وسخر لكم ما في السموت وما في الأرض # [الجاثية: 13] وخلقتم لي بيانه قوله: # واصطنعتك لنفسي # [طه: 41] { فيها دفء ومنافع } أي: لتنتفعوا بها حين اطلاعكم ~~على صفاتها الحيوانية الذميمة التي هي مودعة في جبلتكم مما يخالف صفاتكم ~~الروحانية الملكية، فتجتهدوا في تبديل الصفات الحيوانية الذميمة بالصفات ~~الملكية الروحانية الحميدة احترازا عن الاحتباس في حيزها واجتنابا عن ~~شبهتها بقوله: # إن هم إلا كالأنعام بل ms0942 هم أضل سبيلا # [الفرقان: 44] { ومنها تأكلون } لتكون بدل ما يتحلل منكم. # { ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون } ~~[النحل: 6] بأن تعتبروا منها، ولا تجعلوا همتكم مصروفة في استيفاء حظوظكم ~~الحيوانية الشهوانية فترتعوا في رياض مستلذات الدنيا كالأنعام والبهائم، ~~ويشير بقوله: { وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا ~~بالغيه إلا بشق الأنفس } [النحل: 7] إلى أن الصفات ~~الحيوانية إنما خلقت فيكم لتحمل أثقال أرواحكم إلى بلد عالم الجبروت الذي ~~{ لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس } لحمل أعباء ~~الأمانة التي أبت السماوات والأرض والجبال عن حملها وأشفقن منها وشق ~~الأنفس نقضها بإفنائها في عالم الجبروت { إن ربكم لرؤوف ~~رحيم } [النحل: 7] إذا أفنيتم أنفسكم في جبروته يبقيكم ببقاء عظمته. # { والخيل والبغال والحمير } [النحل: 8] أي: صفاتها خلقت ~~فيكم { لتركبوها } [النحل: 8] عند السير إلى عالم الجبروت فهي مركب ~~الروح { وزينة } [النحل: 8] له عند رجوعه بالجذبة إلى مستقره الذي ~~أهبط بالنفخة وهو المحل المضاف إليه الروح بقوله: # من روحي # [ص: 72] { ويخلق ما لا تعلمون } [النحل: 8] أي: ويخلق فيكم ~~بعد رجوعكم بالجذبة إلى مستقركم { ما لا تعلمون } قبل الرجوع إليه ~~وهو قبول فيض نور الله بلا واسطة. # { وعلى الله قصد السبيل } [النحل: 9] بجذبة # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28] ليس لغيره قدرة على الإفناء عنك والإبقاء به، { ومنها ~~جآئر } يعني: نفوسكم تجير عن الفناء وبذل الوجود { ولو شآء ~~لهداكم } بالجذبة إلى فناء وجودكم وبقاء وجوده { أجمعين } لأن ~~جميعكم مستعدون لنيل هذه الدرجات والكمالات، وإنها لمشيئته وقعتم في ~~الدركات ورضيتم بهذه النقصانات. ### || [16.10-17] # ثم أخبر عن النقم بعد النقم والكرم بعد الكرم بقوله تعالى: { هو ~~الذي أنزل من السماء مآء لكم } [النحل: 10] إلى قوله: ~~{ أفلا تذكرون } [النحل: 17] للإشارة فيه { هو الذي ~~أنزل من السماء } [النحل: 10] سماء الكرم { مآء } [النحل: ~~10] الفيض ليكون لكم أي: لمصالحكم ومنافعكم { منه شراب } [النحل: ~~10] المحبة لقلوبكم { ومنه شجر } [النحل: 10] قوى البشرية ~~ودواعيها { فيه تسيمون } [النحل: 10] ترعون مواشي نفوسكم. # { ينبت لكم } [النحل: 11] أي: لفداء أرواحكم { به الزرع } ~~زرع الطاعات { والزيتون } [النحل: 11] زيتون الصدق { والنخيل ~~} [النحل: 11] نخيل الأخلاق الحميدة { والأعناب ms0943 } [النحل: 11] أعناب ~~الواردات الربانية { ومن كل الثمرات } [النحل: 11] أي: ثمرات ~~المعقولات والمشاهدات والمكاشفات والمكالمات والأحوال كلها { إن في ~~ذلك لآية لقوم يتفكرون } [النحل: 11] بنظر العقل في هذه ~~الصنائع الحكمية { وسخر لكم اليل } [النحل: 12] أي: ليل ~~البشرية { والنهار } [النحل: 12] نهار الروحانية { والشمس } ~~[النحل: 12] شمس الروح { والقمر } [النحل: 12] قمر القلب { ~~والنجوم } [النحل: 12] نجوم القوى والحواس الخمس { مسخرات ~~بأمره } [النحل: 12] وهو خطاب كن وتسخيرها واستعمالها عن وفق ~~الشريعة وقانون الطريقة يعالجها الطبيب الحاذق صاحب البصيرة والولاية ~~كامل التصرف في الهداية مخصوص بالعناية { إن في ذلك لآيات } ~~[النحل: 12] شاهدات { لقوم يعقلون } [النحل: 12] بشواهد الحق ~~من غير التفكر بل بالمعاينات. # { وما ذرأ لكم } [النحل: 13] أي: خلق لمصالحكم { في الأرض } ~~[النحل: 13] أرض جبلتكم من الاستعداد أي: { مختلفا ألوانه } ~~[النحل: 13] منها ملكية ومنها شيطانية ومنها حيوانية { إن في ذلك ~~لآية لقوم يذكرون } [النحل: 13] أي: يتذكرون عبود أرواحكم ~~على هذه العوالم المختلفة وتتلون في كل عالم بلون ذلك العالم من عوالم ~~الملكية والشيطانية والحيوانية إلى أن ردت إلى أسفل سافلين القالب { ~~وهو الذي سخر البحر } [النحل: 14] بحر العلوم { ~~لتأكلوا منه لحما طريا } [النحل: 14] أي: الفوائد ~~الغيبية والمواهب السنية { وتستخرجوا منه } [النحل: 14] جواهر ~~المعاني ودرر الحقائق { حلية } [النحل: 14] لقلوبكم { تلبسونها ~~} [النحل: 14] أي: تلبسون بها أرواحكم النور والبهاء { وترى الفلك ~~} [النحل: 14] سفائن الشرائع والمذاهب { مواخر فيه } [النحل: 14] ~~أي: جاريات في بحر العلوم { ولتبتغوا من فضله } [النحل: 14] ~~وهو الأسرار الخفيات عن الملائكة المقربين { ولعلكم تشكرون } ~~[النحل: 14] هذه النعم الجسيمة والعطيات العظيمة التي اختصكم بها عن ~~العالمين. # { وألقى في الأرض } [النحل: 15]، أرض البشرية { رواسي } ~~[النحل: 15] أي: جبال الوقار والسكينة { أن تميد بكم } [النحل: ~~15] أي: لئلا تميل صفات البشرية عن جادة الشريعة والطريقة { وأنهارا ~~} [النحل: 15] من ماء الحكمة { وسبلا } [النحل: 15] أي: طرق الهداية ~~{ لعلكم تهتدون } [النحل: 15] إلى الله تعالى { وعلامات ~~} [النحل: 16] من الشواهد والكشوف { وبالنجم } [النحل: 16] أي: ~~بنجم الهداية من الله { هم يهتدون } [النحل: 16] إلى الله وهو ~~جذبة العناية يخرجكم بها من ظلمات وجودكم المجازي إلى نور الوجود ~~الحقيقي. # { أفمن يخلق } [النحل: 17] يعني: ms0944 الله فيكم هذه الكمالات منكم { ~~كمن لا يخلق } [النحل: 17] فيه من الملائكة { أفلا ~~تذكرون } [النحل: 17] لتعرفوا قدر هذه النعم المخصوصة بكم. ### || [16.18-29] # ثم أخبر عن غاية هذه النعم أنها بلا نهاية بقوله تعالى: { وإن ~~تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ } [النحل: 18] إلى قوله: { ~~فلبئس مثوى المتكبرين } [النحل: 29]. # { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ } [النحل: 18] ~~إشارة إلى أن النعمة نعمتين: إعطاف إعطائه ونعمة ألطافه، فنعمة إعطاف ~~إعطائه ما يتعلق بوجود النعمة وهو على ضربين: نعمة ظاهرة، ونعمة باطنة، ~~ونعمة ألطافه ما يتعلق بوجود المنع وهو على ضربين: نعمة ذاته بالألوهية، ~~ونعمة صفات بالربوبية، وهي بلا نهاية فلا تعد ولا تحصى، وقال ابن عطاء: ~~إن لك نفسا وقلبا وروحا وعقلا ومحبة ودينا ودنيا وطاعة ومعصية ~~وابتداء وانتهاء وحينا وأصلا وفصلا. # فنعمة النفس: الطاعات والإحسان والنفس فيهما تتقلب. # ونعمة الروح: الخوف والرجاء وهو فيهما يتقلب. # ونعمة القلب: اليقين والإيمان وهو فيهما يتقلب. # ونعمة العقل: الحكمة والبيان وهو فيهما يتقلب. # ونعمة المعرفة: الذكر والقرآن وهو فيهما يتقلب. # ونعمة المحبة: الألفة والمواصلة والأمن من الهجران وهو فيهما يتقلب، ~~وهذا تفسير قوله: { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ ~~إن الله لغفور } [النحل: 18] لمن عجز عن شكر نعمه وجوده { ~~رحيم } [النحل: 18] لمن عجز عن شكر نعمة وجوده. # { والله يعلم ما تسرون } [النحل: 19] من أداء شكر نعمه ~~بالقلوب { وما تعلنون } [النحل: 19] من القيام بشكر نعمه بالأجساد ~~{ والذين يدعون من دون الله } [النحل: 20] من الهوى ~~والدنيا { لا يخلقون شيئا } [النحل: 20] من قضاء الحوائج { ~~وهم يخلقون } [النحل: 20] يعني: الهوى والدنيا وما تعبدون من دون ~~الله { أموات غير أحيآء وما يشعرون أيان ~~يبعثون } [النحل: 21] أي: لا حياة للهوى والدنيا ليشعروا متى يبعثها ~~دواعي البشرية { إلهكم } [النحل: 22] أي: الذي خلقكم وخلق ما يعبد ~~من دون الله { إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة } ~~[النحل: 22] وهي ما في الغيب وهم مستكبرون { قلوبهم منكرة } ~~[النحل: 22] لا يعرفون الله؛ لأنهم أهل الحس الحيواني لا يؤمنون بها في ~~الغيب فينكرون غيب الغيب { وهم مستكبرون } [النحل: 22] على أهل ~~الحق ms0945 عند إظهار الحق والله الحق { لا جرم أن الله يعلم ما ~~يسرون } [النحل: 23] من الإنكار للحق { وما يعلنون } [النحل: ~~23] من الاستكبار عند قبول الحق: { إنه لا يحب ~~المستكبرين } [النحل: 23] فيوقعهم بالخذلان في الطغيان. # { وإذا قيل لهم } [النحل: 24] أي: للمستكبرين { ماذآ ~~أنزل ربكم } [النحل: 24] على قلوب المتواضعين لله من حقائق ~~الأنوار وكشف الأسرار { قالوا } [النحل: 24] يعني: المستكبرين الذين ~~لهم قلوب منكرة { أساطير الأولين } [النحل: 24] يعني: يعدون درر ~~أنفاس أهل الحقيقة من جملة الأباطيل والمناكير، ويضلون الضعفاء في الدين ~~بهذه المنكرات وتقديره المحالات { ليحملوا أوزارهم } [النحل: ~~25] من حجب الإنكار والاستكبار { كاملة يوم القيامة } ~~[النحل: 25] عند ابتلاء السرائر بإفشاء ما في الضمائر { ومن أوزار ~~الذين يضلونهم } [النحل: 25] من حجب الإنكار والاستكبار، أي: ~~من حجب إضلالهم إياهم وحجب ضلالتهم بإضلالهم { بغير علم } [النحل: ~~25] بل يمحص الجهل { ألا سآء ما يزرون } [النحل: 25] يحملون من ~~أنواع الحجب { قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله ~~بنيانهم } [النحل: 26] أي: الذين بنوا بالمكر { من القواعد ~~} [النحل: 26] أي: خرب بنيان مكرهم من أصوله { فخر عليهم ~~السقف من فوقهم } [النحل: 26] وقع سقف مكرهم عليهم فأهلكهم { ~~وأتاهم العذاب } [النحل: 26] أي: عذاب مكرهم { من حيث لا ~~يشعرون } [النحل: 26] يعني: أهلك الله أرواحهم بعذاب مكرهم بجهلهم ~~حيث لا شعور لأجسادهم به. # { ثم يوم القيامة } [النحل: 27] وهو العرض الأكبر { ~~يخزيهم } [النحل: 27] بإظهار عذاب الأرواح على الأجساد { ويقول ~~أين شركآئي } [النحل: 27] من الهوى والدنيا وغيرها { الذين ~~كنتم تشاقون فيهم } [النحل: 27] ليدفعوا عنكم العذاب الخزي { ~~قال الذين أوتوا العلم } [النحل: 27] من الأنبياء والأولياء ~~{ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين * ~~الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } [النحل: ~~27-28] بالإنكار والاستكبار { فألقوا السلم } [النحل: 28] ~~استسلموا في الآخرة وقالوا: { ما كنا نعمل من سوء } [النحل: ~~28] يريدون أن يبرءوا أنفسهم مما عملوا في الدنيا فتقول لهم الملائكة { ~~بلى } [النحل: 28] في الدنيا ما ألذ مكر الخزي والعذاب { إن ~~الله عليم بما كنتم تعملون } [النحل: 28] في الدنيا ~~وبما يقولون اليوم دفعا للعذاب { فادخلوا أبواب جهنم } ~~[النحل: 29] لا من باب واحد؛ لأن لأهل كل عمل ms0946 من أنواع المعاصي والكفر ~~والنفاق بابا يدخل بذلك العمل فيه وأنتم عملتم من أنواع المعاصي ما ~~استحققتم دخول الأبواب كلها { خالدين فيها } [النحل: 29] لأنكم أهل ~~التكبر وجزاء المتكبر الخلود { فلبئس مثوى المتكبرين } ~~[النحل: 29] المستوجبين لنار القطيعة أبدا. ### || [16.30-34] # { وقيل للذين اتقوا } [النحل: 30] أهل الصدق والإرادة ~~الذين # وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها ~~وأهلها # [الفتح: 26] { ماذا أنزل ربكم } [النحل: 30] أي: على قرب أهل ~~الحق من المواهب { قالوا خيرا } [النحل: 30] أي: أثنوا عليهم ~~وصدقوا بما أنزل إليهم من ربهم. # ثم أخبر من جزاء أهل الحسنات في الدنيا أنه درجات الجنات في العقبى ~~بقوله تعالى: { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ~~} [النحل: 30] أي: من أحسنوا أعمالهم بالصالحات وأخلاقهم بالحميدات، ~~وأحوالهم بالانقلاب عن الخلق إلى الحق { حسنة } أي: من الله له أن ~~ينزل منازل الواصلين الكاملين في الدنيا { ولدار الآخرة خير } ~~[النحل: 30] أي: خير لهم حين كشف عنهم غطاء صورة البشرية عند مفارقة ~~الأجسام وارتفاع بقايا حجب نفوسهم فأكرمهم الله وأمنهم وبقوله: { ~~ولنعم دار المتقين } [النحل: 30] يشير إلى أن للأتقياء ~~الواصلين دارا غير دار الدنيا ودار الآخرة وأنهم فيها، كما صرح بقوله ~~تعالى: # إن المتقين في جنات ونهر * في مقعد صدق عند ~~مليك مقتدر # [القمر: 54-55] فدارهم مقعد الصدق في مقام العندية ونعم الدار بقوله: { ~~جنات عدن يدخلونها } [النحل: 31] أي: الأتقياء { تجري ~~من تحتها الأنهار } [النحل: 31] يشير إلى أن من الأتقياء من ~~مشيئته الجنة ونعيمها ومن مشيئته العبور على الجنة والخروج إلى مقعد ~~الصدق في مقام العندية فقال لهم: { لهم فيها ما يشآؤون } ~~[النحل: 31] أي: ما يختارون من الجنة ومقعد الصدق { كذلك يجزي ~~الله المتقين } [النحل: 31] كل طائفة منهم على حسب همته ~~ومشيئته. # ثم وصف الأتقياء فقال: { الذين تتوفاهم الملائكة ~~طيبين } [النحل: 32] أي: طيبي الأعمال عن دنس الشهوات والمخالفات، ~~وطيبي الأخلاق عن المذمومات الملوثة بالطبيعيات دون الشرعيات، وطيبي ~~الأحوال عن وصمة ملاحظات الكونين لما يتخطى يد الثقلين { يقولون } ~~[النحل: 32] الملائكة { سلام عليكم } [النحل: 32] أي: يبلغون ~~إليهم سلام الله، ثم يشير بقوله: { ادخلوا الجنة بما ms0947 كنتم ~~تعملون } [النحل: 32] إلى أن دخول الجنة للأتقياء جزاء إصلاح ~~أعمالهم، والعبور عليها جزاء إصلاح أخلاقهم، والخروج إلى المقعد الصدق ~~جزاء إصلاح أحوالهم، فكل متق مقام بحسب معاملته مع الله. # وبقوله: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة } ~~[النحل: 33] يشير إلى خواص الأتقياء أن مقامهم في الجنة لا يكون لحظوظ ~~النفوس ولا للإقامة فيها، وإنما وقوفهم فيها لانتظار إتيان الملائكة ~~لجواز العبور عليها فإنهم دخلوا بجوارهم فينظرون أن تاتيهم الملائكة { ~~أو يأتي أمر ربك } [النحل: 33] أي: جذبات الحق للوصول ~~والخلوة التي لا يسعهم فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل، كما كان حال النبي ~~صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج حين بقي عند جبريل في سدرة المنتهى وعبر ~~بالرفرف إلى قرب قاب قوسين، وبقى الرفرف ثمة فكان ينتظر أمر ربه بقوله ~~تعالى: " ادن مني " فجذبة الأمر أنزله مقام أو أدنى، ثم قال: { كذلك ~~فعل الذين من قبلهم } [النحل: 33] من الأنبياء والأولياء ~~انفصلوا عما سوى الله ليتصلوا به اتصالا بلا انفصال. # ثم أخبر عن حال المسرفين الظالمين محرومي هذه المقامات والكرامات، فقال: ~~{ وما ظلمهم الله } [النحل: 33] بجريان الاستعداد الذي أكرم به ~~أولياءه، ثم كلفهم بما كلف به أولياءه { ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون } [النحل: 33] باستعمال استعدادهم في غير موضعه وهو صرفه في ~~طلب الدنيا وشهواتها، واستيفاء لذاتها والاستهزاء بالأنبياء والأولياء ~~ودعوتهم ونصحهم { فأصابهم سيئات ما عملوا } [النحل: 34] ~~فازدادوا كفرا ونفاقا واستهزاء { وحاق بهم } [النحل: 34] أي: ~~بإفساد استعدادهم { ما كانوا به يستهزئون } [النحل: 34]. ### || [16.35-37] # { وقال الذين أشركوا } [النحل: 35] لهذا المعنى بالاستهزاء ~~{ لو شآء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ~~ولا آباؤنا } [النحل: 35] أي: ما عبدنا غير الله { ولا حرمنا ~~من دونه من شيء } { نحن ولا آباؤنا } [النحل: 35] أي: ~~ما عبدنا غير الله ولا حرمنا من دونه من شيء؛ أي: ما حرمنا على أنفسنا ~~نعمة طلب الله بطلب غيره هذا كلام حق أريد به باطل { كذلك فعل ~~الذين من قبلهم } [النحل: 35] أهل الأهواء عبدوا أهواءهم ~~واتخذوا إلههم وأمالوا التقصير إلى الله، فهل على الله ms0948 إلا أن يرسل ~~الرسل، وينزل الكتب فيأمرهم بالتبليغ والإنذار والتبشير { فهل على ~~الرسل إلا البلاغ المبين } [النحل: 35] أي: بلاغ يبين لهم ~~طريق السير إلى الله ويهديهم إلى صراط مستقيم. # ثم أخبر عن بعثه الرسل وهداهم إلى السبيل بقوله: { ولقد بعثنا ~~في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت } [النحل: 36] إشارة إلى أن شريعة الأنبياء - عليهم السلام ~~- إلى الخلق بأن يأمروهم بعبادة الله واجتناب طاغوت الهوى، وما يعبدون من ~~دون الله ويعلموهم كيفية العبادة الخالصة عن شوائب الرياء والسمعة وكيفية ~~الاجتناب عما سوى الله ليصلوا بهذين القدمين إلى حضرة الجلال. # كما قال بعضهم: خطوتان وقد وصلت فالخطوة الأولى: عبادة الله بالتوحيد ~~وهو التوجه إلى الله بالكلية طلبا وشوقا ومحبة، والثانية: الخروج عما ~~سوى الله بالكلية صدقا واجتهادا بليغا؛ لينالوا ما نال من قال لربه: " ~~كلي لكلك مشغول " ، فقال: " كلي لكلك مبذول ". # وفي قوله: { فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت ~~عليه الضلالة } [النحل: 36] إشارة إلى أن الهداية إلى الله ~~مطلقا وليس لأحد فيها شركة، ومن لم يهد الله إلى حضرة جلاله بالوصول ~~والوصال، فإنه يبقى ضالا في تيه الضلال قال: حتى قال لخير خلقه وحبيبه ~~ونبيه صلى الله عليه وسلم: # ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى: 7] وتلك الضلالة هي التي من نتيجة ظلمة الخلقية قبل إصابتها ~~رشاش النور الذي من نتيجة الهداية { فسيروا في الأرض } [النحل: ~~36] أي: فاعتبروا من حال منكري البعث، فإن إنكارهم البعث لحرمانهم عن ~~إحيائهم برشاش النور إذ لم يصبهم، فإن من أصابه ذلك النور فقد صار حيا ~~بنور الله، ومن أخطأه بقى ميتا كما قال: # أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا # [الأنعام: 122]، فاعلم أن الإيمان بالبعث من نتيجة ذلك الإحياء، والكفر ~~بالبعث من نتيجة حرمان ذلك الإحياء. # ثم أكد هذا المعنى بقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { إن ~~تحرص على هداهم } [النحل: 37] أي: هدى من لم يصبه ذلك النور ~~وأضله الله بخذلانه في ظلمة الخلقية { فإن الله لا يهدي من ~~يضل } [النحل: 37] عن إصابة النور ms0949 { وما لهم من ناصرين } ~~[النحل: 37] أي: على الهداية، ولو اجتمعت الإنس والجن لنصرتهم. ### || [16.38-42] # { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله ~~من يموت } [النحل: 38] وهذا من نتيجة ظلمة الخلقية عند عدم إصابة ~~النور { بلى وعدا عليه حقا } [النحل: 38] فيه إشارة إلى أن ~~أكثر الخلق محرومون عن إصابة رشاش النور؛ لأنهم أنكروا البعث، وهو وعد ~~صادق ووقوعه حق. # ثم أقام البينة على القدرة بالبعث وعلى كذب من اختلف فيه، كما قال: { ~~ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين ~~كفروا أنهم كانوا كاذبين } [النحل: 39] بقوله تعالى: { ~~إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن ~~فيكون } [النحل: 40] أي: من كمال قدرتنا أنا لا نحتاج في إحداث شيء ~~وإيجاده إلى استعمال آلة يشق علينا استعمالها، وإنما هي مشيئته القديمة ~~بمقتضى الحكمة القديمة لتعلق الإرادة القديمة بالقدرة القديمة التي هي ~~عبارة عن قولنا: { كن فيكون } وهو إخراج الشيء المعدوم من العلم ~~إلى الوجود بلا تعب ولا نصب، وفي الآية دلالة على أن المعدوم الذي هو في ~~علم الله إيجاده أنه قبل إيجاده شيء بخلاف المعدوم الذي في علم الله عدمه ~~أبدا. # ثم أخبر عن درجات المهاجرين الصابرين بقوله تعالى: { والذين ~~هاجروا في الله من بعد ما ظلموا } [النحل: 41] إلى ~~قوله: # لرؤوف رحيم # [النحل: 47] { والذين هاجروا في الله } أي: بالله إلى ~~الله، فهاجروا في الله بالأبدان عما نهى الله عنه بالشريعة، وهاجروا ~~بالله بالقلوب عن الحظوظ الأخروية برعاية الطريق، وهاجروا إلى الله ~~بالأرواح عن مقامات القربة ورؤية الكرامات بجذبات الحقيقة، بل هاجروا عن ~~الوجود المجازي مستهلكا في بحر الوجود الحقيقي حتى لم يبق لهم في ~~الوجود سوى الله { من بعد ما ظلموا } [النحل: 41] أي: من بعد ~~ما ردوا إلى أسفل السافلين { لنبوئنهم في الدنيا حسنة ~~} [النحل: 41] أي: ننزلهم أعلى مراتب القرب في حال حياتهم { ولأجر ~~الآخرة } [النحل: 41] أي: بعد الخروج عن الدنيا والخلاص عن حبس أوصاف ~~البشرية وتلوناتها { أكبر } [النحل: 41] أي: أعظم وأجل وأصفى وأهنأ ~~وأحرى فما كان لهم من حسنات الدنيا { لو كانوا يعلمون ms0950 } ~~[النحل: 41] قدره ويؤدون شكره { الذين صبروا } [النحل: 42] على ~~الائتمار بالأوامر وعن الانتهاء عن النواهي، بل صبروا على المجاهدات ~~والمكابدات والمشاهدات والمواصلات { وعلى ربهم يتوكلون } ~~[النحل: 42] فيما يتأملون صبروا بالله في طلبه، وتوكلوا على الله في ~~وجدانه، فبالصبر ساروا وبالتوكل طاروا، ثم في الله حاروا حيرة لا نهاية ~~لها إلى الأبد. ### || [16.43-50] # وفي قوله: { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم } [النحل: 43] إشارة إلى أن الرسالة والنبوة والولاية لا تسكن ~~إلا في قلوب الرجال الذين # لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله # [النور: 37] وهم أهل الذكر الذي قال الله فيهم: { فاسألوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون } [النحل: 43] فإنهم الرجال في ~~طلب الحق وترك ما سواه وإنهم يعرفون الرجال ليتبينوا { بالبينات } ~~[النحل: 44] التي من خصائص نور الذكر { والزبر } [النحل: 44] يعني: ~~فيما قرءوا في الكتب، ثم جعل الله نبيه وحبيبه أهل الذكر وشرفه بقوله: { ~~وأنزلنا إليك الذكر } [النحل: 44] يعني: كان يصعد الذكر ~~إلينا بمقتضى قولنا: # فاذكروني أذكركم # [البقرة: 152] أنزلنا إليك ذكرنا { لتبين للناس ما نزل ~~إليهم } [النحل: 44] بنور ذكرنا { لتبين للناس ما ~~نزل إليهم } [النحل: 44] ما نزل إليهم بنور ذكرنا { ~~ولعلهم يتفكرون } [النحل: 44] فيما يستمعون من بيان القرآن ~~والأحكام منك على أنك أمي ما قرأت الكتب المنزلة، ولا تعلمت العلوم. ~~وإنما يتبين لهم من نور الذكر ما يجعلهم يلازمون الذكر ويواظبون عليه ~~ليصلوا إلى مقام المذكورين في متابعتك ورعاية سنتك. # ثم أخبر عن المنكرين الماكرين الممكورين تهديدا لهم بقوله: { ~~أفأمن الذين مكروا السيئات } [النحل: 45] أي: آمنوا ~~بمكر الله أن يمكر بهم بشؤم سيئات مكرهم أن يخسف الله بهم الأرض؛ أي: أرض ~~البشرية ودركات السفل { أو يأتيهم العذاب } [النحل: 45] ~~بالمكر والاستدراج { من حيث لا يشعرون } [النحل: 45] أنه من ~~أين آتاهم من قبل الأعمال الآخرة بالرياء أو من أعمال الآخرة إلى الدنيا ~~بالهوى الدنيوية أو من قبل الأعمال الأخروية { أو يأخذهم في ~~تقلبهم } [النحل: 46] من أعمال الدنيا { فما هم بمعجزين ~~} [النحل: 46] أي: بمعجز الله على تعذيبهم { أو يأخذهم على ~~تخوف } [النحل: 47] أي: ms0951 ينقص من مقاماتهم ودرجاتهم بلا شعورهم عليه ~~{ فإن ربكم لرؤوف رحيم } [النحل: 47] بالعباد إذا ~~أعطاهم حسن الاستعداد رحيم عليهم عند فساد استعداداهم بالمعاصي بألا ~~يأخذهم في الحال ويتوب عليهم في المآل، وتقبل توبتهم بالفضل والنوال. # ثم أخبر عن الإجلال لسجود الظلال { أولم يروا إلى ما خلق ~~الله من شيء } [النحل: 48] يشير إلى أن المخلوقات على نوعين: منها ~~ما خلق من شيء كعالم الخلق وهو عالم الأجسام، ومنها ما خلق من غير شيء ~~كعالم الأمر وهو عالم الأرواح، كما قال تعالى: # ألا له الخلق والأمر # [الأعراف: 54] دائما سمي عالم الأرواح بالأمر؛ لأنه خلقه بأمر كن من ~~غير شيء بلا زمان، كما قال الله تعالى: # خلقتك من قبل ولم تك شيئا # [مريم: 9] يعني: خلقت روحك من قبل خلق جسدك # ولم تك شيئا # [مريم: 9]. # ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام " # { يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمآئل سجدا ~~لله وهم داخرون } [النحل: 48] يتفيأ الظلال إلى ما أودع الله ~~في كل شيء من عالم الأجسام خاصية، وهي ظل ذلك الشيء يميل بها عن يمين ~~السعادة أهل الشقاوة، وهم أصحاب اليمين أو عن شمال الشقاوة أهل الشقاوة ~~وهم أصحاب الشمال، وهذه الخواص في الأشياء، ويسجدون لله انقيادا لما ~~خصهم به مسخرين متذللين، وإنما وحد اليمين وجمع الشمال؛ لغلبة أصحاب ~~الشمال على أصحاب اليمين، ثم خرج به. # وقال: { ولله يسجد ما في السموت وما في الأرض ~~من دآبة والملائكة وهم لا يستكبرون } [النحل: 49] ~~بل يتذللون لكل شيء من بين يدي صانعه ساجد سجود يلائم حاله كما أن كل شيء ~~يسبح بحمده تسبيحا يلائم حاله، فتسبيح بعضهم بلسان المقال، وتسبيح بعضهم ~~بلسان الحال، والله يعلم لسان حالهم كما لسان مقالهم. # واعلم أن الله تعالى أعطى لكل شيء من أصناف المخلوقات من الحيوانات إلى ~~الجمال سمعا وبصرا ولسانا وفهما به يسمع كلام الحق ويبصر شواهد الحق ~~ويكلم الحق ويفهم إشارته، كما أخبر الله تعالى عن حال السماوات والأرض ~~وهما في العدم ms0952 أعطاهما سمعا به سمعا قوله: # ائتيا طوعا أو كرها # [فصلت: 11] وأعطاهما فهما به فهما كلامه وأعطاهما لسانا به قالتا: # أتينا طآئعين # [فصلت: 11] فكل شيء يسبح الله بذلك اللسان ويسجد له بذلك الطوع، فمن هذا ~~اللسان الملكوت بمعجزة النبي صلى الله عليه وسلم كانت الحصى تسبح له في ~~يده، وكذلك الأحجار الثلاثة كلمت داود عليه السلام، وأوبت الجبال معه لما ~~قال تعالى: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44]. ### || [16.51-60] # فلا يبعد أن يسجد لله { إلهين اثنين إنما هو إله ~~واحد } [النحل: 51] إلى قوله { وهو العزيز الحكيم } ~~[النحل: 60]. # { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين } [النحل: ~~51] يشير إلى إله الهوى، فإن أكثر الخلق اتخذوا مع الله إلها آخر وهو ~~الهوى لقوله تعالى: # أرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الفرقان: 43] فلهذا قال: { إلهين } وما قال: آلهة؛ لأنه ما عبد ~~من عبد إلها آخر إلا بالهوى، وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: # " ما من عبد إله أبغض على الله من الهوى ". # وقال: { إنما هو إله واحد } [النحل: 51] أي: الذي خلق ~~الهوى وسائر الآلهة { فإياي فارهبون } [النحل: 51] فإني أنا ~~الذي يستحق أن يرغب إليه ويرهب منه لا الهوى والآلهة فإنهم لا يقدرون على ~~نفع ولا ضر، { وله ما في السموت والأرض } [النحل: 52] ~~ملكا وملكا { وله الدين } أي: الطاعة من كل شيء من السماوات ~~والأرض وما فيهما كما ذكر بقوله: # قالتآ أتينا طآئعين # [فصلت: 11] طوعا وكرها دائما من الأزل إلى الأبد { أفغير ~~الله تتقون } في السراء والضراء. # { وما بكم من نعمة } [النحل: 53] من النعم الظاهرة والباطنة ~~{ فمن الله } [النحل: 53] هو الذي أنعم بها عليكم، { ثم إذا ~~مسكم الضر فإليه تجأرون } [النحل: 53] تتضرعون ببقاء ~~بعض حسن الاستعداد الفطري. # { ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم } ~~[النحل: 54] من المحجوبين عن الحق المردودين إلى الخلق { بربهم ~~يشركون } [النحل: 54] بأن يروا كشف الضر عن الأسباب لا عن المسبب، { ~~ليكفروا بمآ آتيناهم } [النحل: 55] من النعم وكشف الضر أي: ~~كفران النعمة برؤية الأسباب دون المسبب { فتمتعوا } [النحل: 55] ~~عن ms0953 الدنيا ونعيمها ولذاتها الفانية { فسوف تعلمون } [النحل: 55] ~~إذ ترون العذاب بالانقطاع عن الله إن في ذلك من كفران النعمة وحجب الغفلة ~~الشاغلة من رؤية المنعم وكاشف الضر. # يشير بقوله: { ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما ~~رزقناهم } [النحل: 56] إلى أصحاب النفوس والأهواء أنهم يجعلون مما ~~رزقهم الله من الطاعات نصيبا بالرياء لمن لا علم لهم بأحوالهم شرها ~~لنفوسهم بحسبان رفعة منزلتهم عندهم وهم غافلون فارغون عن توهمهم ~~وافترائهم في نفوسهم عليهم. # ثم قال: { تالله لتسألن عما كنتم تفترون } ~~[النحل: 56] فاعلم أن العتاب بالسؤال عن العلامات إنما هو بتبديل الصفات ~~وتغير الأحوال من سمة السعادة إلى الشقاوة، وهو الإخراج من نور الروحانية ~~إلى ظلمات النفسانية لقوله تعالى: # يخرجونهم من النور إلى الظلمات # [البقرة: 257] وفي قوله: { ويجعلون لله البنات ~~سبحانه } [النحل: 57] إلى { سآء ما يحكمون } [النحل: 59] ~~إشارة إلى كمال جهلهم أنهم لا يرضون بالبنات لأنفسهم مع عجزهم عن تبديلهن ~~بالأبناء # بالله ظن السوء # [الفتح: 6] أنه مختار لنفسه البنات مع نقصانهن عن البنين، وهو قادر على ~~تبديلهن بالبنين. # ثم قال تعالى: { للذين لا يؤمنون بالآخرة } [النحل: 60] ~~يعني لهؤلاء الجهال { مثل السوء } [النحل: 60] فيما يختارون ~~لأنفسهم من كراهة البنات ومحبة البنين، ويظنون بالله الاحتياج بالأولاد ~~اختيارا للبنات على البنين { ولله المثل الأعلى } [النحل: ~~60] بالعظمة والعزة والكبرياء والتنزيه عن الأولاد وما نسبوا إليه تعالى ~~عما يقول الظالمون علوا كبيرا { وهو العزيز } [النحل: 60] الذي ~~لعزته لا يحتاج إلى الولد { الحكيم } [النحل: 60] الذي أفعاله غير ~~معترضة لخلقه. ### || [16.61-65] # ثم أخبر عن حكمته بإبقاء بريته بقوله تعالى: { ولو يؤاخذ الله ~~الناس بظلمهم ما ترك عليها من دآبة } [النحل: 61] ~~إلى قوله: { إن في ذلك لآية لقوم يسمعون } [النحل: ~~65]. # وفي قوله تعالى: { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم } ~~[النحل: 61] إشارة إلى أن الله تعالى لو كان مؤاخذا للنفوس الناسية بما ~~ظلمت على القلوب والأرواح ما ترك عليها أي: على أرض البشرية من دابة أي: ~~من صفة من صفات الحيوانية { ولكن يؤخرهم إلى أجل ~~مسمى } [النحل: 61] فتأخير أهل السعادة وأرباب السلوك إلى أجل ms0954 سماه ~~الله بحكمة وسعة في إفناء كل صفة من صفات النفس بتبديلها بصفات القلب ~~والروح في حينه وأوانه، فإن صفات النفس سلم إلى القلب والروح وبه تصعد ~~النفس إلى عالم الروحانية بقدم إفناء صفاتها في صفات الروحانية بتبديلها ~~بها وتأخير أهل الشقاوة وأصحاب النار إلى أجل سماه الله بحكمته وسنته في ~~إفناء كل صفة من صفات الروحانية بتبديلها بصفات النفسانية الحيوانية في ~~حينه وأوانه، وأن الروح تسلم هذه الصفات وتنزل إلى سفل الحيوانية حتى ~~تنخرط في سلك # أولئك كالأنعام بل هم أضل # [الأعراف: 179]. # { فإذا جآء أجلهم } [النحل: 61] أجل كل طائفة من أهل السعادة ~~وأهل الشقاوة، { لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } ~~[النحل: 61] مما سمى الله بحكمته وقت صعودهم ونزولهم، { ويجعلون ~~لله ما يكرهون } [النحل: 62] أي: يعاملون الله بأعمال يكرهون ~~أن يعاملهم بها غيرهم، { وتصف ألسنتهم الكذب } [النحل: ~~62] أي: تسول لهم أنفسهم بالكذب { أن لهم الحسنى } [النحل: ~~62] أن لهم تلك المعاملة متجنية فيفرطون بها بغرور النفس { لا جرم ~~أن لهم النار } [النحل: 62] نار الحسرة والقطيعة، { ~~وأنهم مفرطون } [النحل: 62] الذين أفرطوا في تبديل مشارب ~~الروحانية بمشارب النفسانية بتسويل النفس الكاذبة. # { تالله لقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فزين ~~لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم } ~~[النحل: 63] يعني: في الدنيا فيه إشارة إلى أن من اتخذ الشيطان وليا ~~فلا يكون الله له وليا في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال: { ولهم ~~عذاب أليم } [النحل: 63] وفي هذه الآية تعزية للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وتسلية قلبه بأن يعلم أن في الأمم الماضية سنة الله وحكمته جارية ~~بهداية قوم وضلالة آخرين. # وقوله: { ومآ أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين ~~لهم الذي اختلفوا فيه } [النحل: 64] إشارة إلى أن القرآن ~~وهو الكتاب المبين الذي يحكم على جميع الكتب المنزلة على الأنبياء - ~~عليهم السلام - ومبين للأمم الماضية فاختلفوا فيه من معارف الدين ومعالم ~~الحق لتتحقق لهم الحقائق المودعة والأسرار التي في القرآن ما لم يتحقق ~~لهم في الكتب الأخرى، وليسمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم بيانا ما ~~سموا به من غيره من ms0955 الأنبياء - عليهم السلام - فتنحل به مشكلاتهم، { ~~وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } [النحل: 64] أي: ممن آمن ~~بالأنبياء، وممن لم يؤمن بهم ورحمة من الله بهدايتهم بالقرآن وبمحمد صلى ~~الله عليه وسلم لهم، وليكون القرآن هدى لمن آمن بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم. # ثم ضرب بإنزال القرآن مثلا بالإشارة في قوله: { والله أنزل ~~من السمآء مآء } [النحل: 65] أي: قرآنا { فأحيا به ~~الأرض } [النحل: 65] أي أرض قلوب الأمم { بعد موتهآ } [النحل: ~~65] باختلافهم على أنبيائهم { إن في ذلك لآية } [النحل: 65] ~~يعرف بها الحق من الباطل { لقوم يسمعون } [النحل: 65] أي: ~~يسمعون القرآن بسمع يسمعه به كلام الله، فإن الله تعالى متكلم بكلام أزلي ~~أبدا ولا يسمع كلامه إلا من أكرمه الله بسمع يسمع كلامه كقوله: # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم # [الأنفال: 23]. ### || [16.66-70] # ثم أخبر عن الأنعام وبالعبرة من الأنعام بقوله تعالى: { وإن لكم ~~في الأنعام لعبرة } [النحل: 66] الإيقان في قوله: { وإن ~~لكم في الأنعام لعبرة } [النحل: 66] إشارة إلى اعتبار ~~العاقل فيما سقاه الله مما في بطون أنعام النفوس فإنها { نسقيكم ~~مما في بطونه } [النحل: 66] كالأنعام { من بين فرث } ~~[النحل: 66] الخواطر الشيطانية { ودم } [النحل: 66] الخواطر النفسانية ~~{ لبنا خالصا } [النحل: 66] من الإلهام الرباني { سآئغا ~~للشاربين } [النحل: 66] جائزا لأهل الشرب على الصراط المستقيم من ~~غير تلعثم. # { ومن ثمرات النخيل والأعناب } [النحل: 67] أي: نخيل ~~الطاعات وأعناب المجاهدات { تتخذون منه } [النحل: 67] من ~~ثمراتها أي: من ثمرات الطاعات المجاهدات، وهي المكاشفات والمشاهدات ~~ووقائع أرباب الطلب وأحوالهم العجيبة { سكرا ورزقا حسنا } ~~[النحل: 67] السكر: ما يجعل منها شرب النفس فتسكر النفس فتارة تميل عن ~~الحق والصراط المستقيم ميلان السكران، وتارة تظهر رعوناتها بالأفعال ~~والأقوال رياء وسمعة وشهرة، والرزق الحق ما يكون: # شربت الحب كأسا بعد كأس # فما نفد الشراب وما رويت # وقالوا: # سقاني شربة أحيا فؤادي # بكأس الحب من بحر الوداد # { إن في ذلك } [النحل: 67] أي: في ذلك الاعتبار { لآية } ~~[النحل: 67] دلالة { لقوم يعقلون } [النحل: 67] يدركون بالعقل ~~إشارات الحق من كلماته ويفهمونها. # ثم أخبر عن فهم النحل حين ألهمها مع عدم العقل بقوله: ms0956 { وأوحى ~~ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ~~ومن الشجر } [النحل: 68] إلى قوله: # إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون # [النحل: 74] وفي قوله: { وأوحى ربك إلى النحل } إشارة ~~إلى أن تصرف كل حيوان في الأشياء مع كثرتها واختلاف أنواعها إنما هو تصرف ~~الله تعالى وإلهامه على قانون حكمته وإرادته القديمة؛ لأمر طبعه وهواه. ~~وإنما خص النحل بالوحي وهو الإلهام والرشد من بين سائر الحيوانات لأنها ~~أشبه شيء بالإنسان لا بأهل السلوك، فإن من دأبهم وهجرانهم { أن ~~اتخذي من الجبال بيوتا } اعتزالا عن الخلق وتبتلا إلى ~~الله، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحنث إلى حراء أسبوعا ~~وأسبوعين وشهرا، وأن من شأنهم النظافة في المواضع والملبوس والمأكول ~~كذلك النحل من نظافتها تضع ما في بطنها على الحجر الصافي أو على خشب ~~نظيف؛ لئلا يخالطه طين أو تراب ولا يقعد على جيفة ولا على نجاسة احترازا ~~عن التلوث كما يتحترز الإنسان عنه، وفيه إشارة أخرى إلى أن نحل الأرواح ~~اتخذت من جبال النفوس بيوتا { ومن الشجر } القلوب { ومما ~~يعرشون } [النحل: 68]. # وقال للسالكين: # يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا # [المؤمنون: 51] يعني: قال للأرواح { ثم كلي من كل الثمرات ~~} [النحل: 69] فثمرات البدن: الأعمال الصالحة، وثمرات النفوس: الرياضات ~~والمجاهدات ومخالفات الهوى، وثمرات القلوب: ترك الدنيا وطلب العقبى، ~~والتوجه إلى حضرة المولى، وثمرات الأسرار: شواهد الحق والتطلع على الغيوب ~~والتقرب إلى الله، فهذه كلها أغذية الأرواح فإنها قوتها { فاسلكي ~~سبل ربك ذللا } أي: مذللة ومستهلة لها لتسلك فيها إلى أن تصل ~~مقعد صدق عند مليكها فيكون غذاؤها مكاشفات الحق ومشاهداته فتبيت عند ربها ~~يطعمها ويسقيها فحينئذ { يخرج من بطونها شراب } [النحل: 69] ~~من الحكم والمواعظ { مختلف ألوانه } [النحل: 69] من المعاني ~~والأسرار والدقائق في الحقائق والمعارف { فيه شفآء للناس } ~~[النحل: 69] أي: للقلوب الناسية القاسية عن ذكر الله، { إن في ذلك ~~} [النحل: 69] أي: أحوال النحل { لآية } [النحل: 69] دلالة { لقوم ~~يتفكرون } [النحل: 69] فيها فيخرجون منها أسرار السلوك والوصول. # ثم قال: { والله خلقكم } [النحل: 70] أي: أخرجكم من ms0957 العدم إلى ~~الوجود { ثم يتوفاكم } [النحل: 70] أي: يرجعكم من الوجود إلى ~~العدم فيه إشارة إلى الفناء بإفنائه { من يرد إلى أرذل ~~العمر } [النحل: 70] يشير به إلى البقاء بإبقائه بعد الإفناء { ~~لكي لا يعلم بعد علم شيئا } [النحل: 70] أي: لتكون ~~عاقبة أمره ألا يعلم بعد فناء علمه شيئا بعلمه؛ بل يعلم بربه الأشياء ~~كما هي { إن الله عليم } [النحل: 70] بها { قدير } [النحل: ~~70] على أن يجعله عليما بها. ### || [16.71-74] # { والله فضل بعضكم على بعض في الرزق } [النحل: ~~71] فضل الأرواح على القلوب في رزق المكاشفات والمشاهدات بعد الفناء، ~~والرد إلى البقاء، وفضل القلوب على النفوس في رزق الزهد والورع، والتقوى ~~والصدق، واليقين والإيمان والتوكل والتسليم، والرضا، وفضل النفوس على ~~الأبدان في رزق التزكية، ومقاساة شدائد المجاهدات والصبر على المصائب ~~والبلايا وحمل أعباء الشريعة بإشارات الطريقة، وتبديل الأخلاق الذميمة ~~بالحميدة، وفضل أبدان المؤمنين على أبدان الكافرين في رزق الأعمال ~~الصالحة التي هي أركان الشريعة وقراءة القرآن والذكر باللسان شرفه بإخلاص ~~الجنان، { فما الذين فضلوا } [النحل: 71] أي: في الرزق { ~~برآدي رزقهم على ما ملكت أيمانهم } [النحل: 71] ~~أي: فما الأرواح ترد رزقها من الفناء والبقاء على القلوب، ولا القلوب ترد ~~رزقها من الإيمان والإيقان على النفوس، ولا النفوس ترد رزقها من شدائد ~~المجاهدات، والصبر على البلاء والمصيبات على الأبدان، وقد ملكت أيمان ~~بعضها على بعض { فهم فيه سوآء أفبنعمة الله } [النحل: ~~71] التي أنعم بها على أوليائه { يجحدون } [النحل: 71] منكري هذا ~~الحديث. # { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } [النحل: 72] ~~يعني: أزواج الأرواح والأشباح { وجعل لكم من أزواجكم ~~بنين } [النحل: 72] وهم القلوب { وحفدة } [النحل: 72] وهي ~~النفوس، فإن القلوب والنفوس متولدة من ازدواج الأرواح والأشباح { ~~ورزقكم من الطيبات } [النحل: 72] بما رزق الأرواح والقلوب ~~من الواردات الغيبية والمواهب الربانية { أفبالباطل } [النحل: 72] ~~وهو وسواس الشيطان وتسويلات النفس { يؤمنون } [النحل: 72] أهل ~~الدنيا المغرورين بزخارفها { وبنعمت الله } [النحل: 72] وهي ~~مواهب الحق { هم يكفرون } [النحل: 72] ينكرون أرباب القلوب. # { ويعبدون من دون الله } [النحل: 73] أي: الدنيا والهوى { ~~ما لا يملك لهم رزقا من السموت } [النحل: ms0958 73] من ~~سماوات القلوب { والأرض } [النحل: 73] أي: أرض النفوس، { شيئا } ~~[النحل: 73] من الكمالات التي أودع الله فيهن ولا يستخرج منها إلا بعبادة ~~الله { ولا يستطيعون } [النحل: 73] استخراجها منها بعبادة غير ~~الله. # { فلا تضربوا لله الأمثال } [النحل: 74] بأن تريدوا أن ~~تصلوا إلى المقاصد بغير طريق سنة الله التي قد خلت من قبل وتطلبوها من ~~المخلوقين فتجعلوهم أمثالا لله، { إن الله يعلم } [النحل: 74] ~~خطأكم وصوابكم { وأنتم لا تعلمون } [النحل: 74]. ### || [16.75-79] # قد أخبر عن الفريقين من أرباب القلوب وأصحاب النفوس بضرب المثل بقوله ~~تعالى: { ضرب الله مثلا عبدا } [النحل: 75] أي: عبدا للدنيا ~~{ مملوكا } [النحل: 75] للهوى { لا يقدر على شيء } ~~[النحل: 75] من مواهب الله وتوفيقه للطاعات، { ومن رزقناه منا ~~} [النحل: 75] أي: من مواهبنا { رزقا حسنا } [النحل: 75] أي: ولاية ~~كاملة { فهو ينفق منه } [النحل: 75] أي: من قوة الولاية يتصرف ~~في البواطن المستعدة لقبول فيض الولاية { سرا } [النحل: 75] أي: في ~~السر والخفية سرا بسر، وإضمارا بإضمار، ويتصرف في ظواهر أهل الإرادة ~~بالموعظة الحسنة والحكمة البالغة { وجهرا } [النحل: 75] أي: ظاهرا ~~في العلانية { هل يستوون } [النحل: 75] يعني: أهل الولاية وأهل ~~الضلالة. # ثم قال: { الحمد لله } [النحل: 75] يعني: على ما أنعم به على ~~أوليائه إنهم كانوا أحق به وأهله { بل أكثرهم لا يعلمون } ~~[النحل: 75] أي: أكثر الناس ممن لا يعلم ما بين الله وبين الأولياء، فإن ~~لهم مع الله أوقات لا يسعهم فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل من غاية صدقهم ~~وإخلاصهم مع الله؛ فلهذا قال: # " أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري ". # ثم ضرب مثلا آخر لكمال التفهيم فقال: { وضرب الله مثلا ~~رجلين أحدهمآ أبكم } [النحل: 76] يشير به إلى النفس ~~الحيوانية غير الناطقة { لا يقدر على شيء } [النحل: 76] من ~~العقل والعلم والإيمان { وهو كل } [النحل: 76] ثقل ووبال وعيال { ~~على مولاه } [النحل: 76] وهو الروح الذي يسمونه بعضهم النفس ~~الناطقة { أينما يوجهه لا يأت بخير } [النحل: 76] ~~لأنها أمارة بالسوء ومن شأنها متابعة هواها ومخالفة مولاها { هل ~~يستوي هو ومن يأمر بالعدل } [النحل: 76] يعني: الروح، ~~فإن من شأنه أن يأمر النفس بطاعة الله ms0959 وحسن عبوديته كما أن النفس تأمر ~~الروح بمعاصي الله وعبودية هواها { وهو على صراط مستقيم } ~~[النحل: 76] يعني: الروح مع خصوصيته بمكارم الأخلاق والأمر بالعدل هداه ~~الله إلى الصراط المستقيم إلى الله وهو عليه بتوفيق متوجه إليه. # ثم قال: { ولله غيب السموت والأرض } [النحل: 77] ~~يشير بغيب السماوات إلى الأرواح، وبغيب الأرض إلى النفوس يعني: هو الواقف ~~على خاصية الأرواح والنفوس، فلو وكل كل جنس منها إلى طبعها وخاصيتها لا ~~ترجع إلى ربها، ولا تهتدي إلى ربها بهداية الله إياها يدل عليه قوله ~~تعالى: # يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك # [الفجر: 27-28] فرجوعها يكون بالإماتة والإحياء بأن يميتها عن أوصافها ~~ويحييها بصفاته، وهي من أمر الساعة فقال: { ومآ أمر الساعة } ~~[النحل: 77] في الإماتة والإحياء عند قدرتنا { إلا كلمح البصر ~~أو هو أقرب } [النحل: 77] أي: بل هو أقرب؛ لأن الإماتة بتجلي صفة ~~الجلال والإحياء بتجلي صفة الجمال، فإذا تجلى الله لعبد لا يبقى له زمان ~~ولا مكان إذ هو فان عن وجوده باق ببقاء الحق تعالى وتقدس { إن ~~الله على كل شيء } [النحل: 77] من المواهب التي يقربها ~~أولياءه { قدير } [النحل: 77]، وإن لم يفهم الأغنياء بقولهم كيفية تلك ~~المعارف والكمالات؛ بل العقلاء بعقولهم السليمة بمعزل عن إدراك تلك ~~الحقائق. # ثم أخبر عن كمال قدرته وجهل الإنسان بحكمته بقوله تعالى: { والله ~~أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا } ~~[النحل: 78] أي من أمور الدنيا والآخرة ولا مما كانت أرواحكم تعلم في ~~عالم الأرواح ولا مما كانت ذراتكم تعلم من فهم خطاب ربكم إذ قال: # ألست بربكم # [الأعراف: 172] ولا مما علمت إذ قالت بالجواب: # بلى # [الأعراف: 172] ولا مما تعلمت الحيوانات حين ولادتها من طلب غذائها ~~ومعرفة أمها والرجوع إليها والاهتداء إلى ضروعها وطريق تحصيل اللبن منها ~~ومشيها خلفها وغير ذلك مما تعلم الحيوانات وتهتدي إليه ولا يعلم الطفل ~~منه شيئا ولا يهتدي إليه. # { وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة } [النحل: ~~78] لأجسادكم كما جعل للحيوانات لتسمعوا بها وتبصروا وتفهموا ما يسمع ~~الحيوان ويبصر ويفهم وجعل لأرواحكم سمعا تسمعون به ms0960 ما تسمع الملائكة ~~وبصرا تبصرون به ما تبصر الملائكة، وفؤادا تفهمون به ما تفهم الملائكة، ~~وجعل لأسراركم سمعا تسمعون به من الله، وبصرا تبصرون به الله، وفؤادا ~~تعرفون به الله، وهذه الحواس مستفادة من قوله تعالى: # " كنت له سمعا وبصرا ولسانا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق ". # { لعلكم تشكرون } [النحل: 78] بهذه الآيات نعم الله وإذا ~~شكرتم نعم الله باستعمالها وصرفها في طلب الله وترك الالتفات إلى النعم ~~للمنعم، وفيه إشارة أخرى قوله: { والله أخرجكم من بطون ~~أمهاتكم } [النحل: 78] أي: من العدم وهو الأم الحقيقية { لا ~~تعلمون شيئا } [النحل: 78] قبل أن يعلمكم الله أسماء كل شيء { ~~وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة } [النحل: 78] ~~حين خاطبكم بقوله: # ألست بربكم # [الأعراف: 172] فتجلى لكم بربوبيته، فبنور سمعه أعطاكم سمعا تسمعون به ~~خطابه، وبنور بصره أعطاكم بصرا تبصرون به جماله، وبنور علمه أعطاكم ~~فؤادا تعرفون به كماله، وبنور كلامه أعطاكم لسانا تجيبونه بقولكم: # بلى # [الأعراف: 172]، { لعلكم تشكرون } [النحل: 78] فلا تسمعون ~~بهذا السمع إلا كلامه، ولا تبصرون بهذا البصر إلا جماله، ولا تحبون بهذا ~~الفؤاد إلا ذاته، ولا تتكلمون بها اللسان إلا معه. # وفي قوله تعالى: { ألم يروا إلى الطير مسخرت في ~~جو السمآء } [النحل: 79] فيه إشارة إلى طير الأرواح أنها مسخرة في ~~جو سماء القلوب { ما يمسكهن إلا الله } [النحل: 79] لأن ~~الأرواح علويات، وإنما سكونها في سفل الأجساد بتسخير الله إياها كقوله: # ونفخت فيه من روحي # [ص: 72]. # وقوله: # ثم رددناه أسفل سافلين # [التين: 5] وفيه إشارة إلى أن للإنسان مقاما يرى الله بنور الله قبل ~~رؤية الأشياء، ويرى الأشياء قائمة بقدرة الله، كما قال بعضهم: ما نظرت ~~إلى شيء إلا ورأيت الله قبله. # { إن في ذلك لأيت لقوم يؤمنون } [النحل: 79] بالله ~~بنور الله فهذه التأويلات من جملة الآيات التي يهدي بها الله خواص عباده ~~إليه. ### || [16.80-84] # { والله جعل لكم } [النحل: 80] يشير به إلى الأرواح، { من ~~بيوتكم } [النحل: 80] أي: من بيوت الأجساد { سكنا } [النحل: 80] ~~أي: مسكنا وإلا كان مساكنها عالما الأرواح { وجعل لكم من ~~جلود الأنعام بيوتا } [النحل: ms0961 80] أي: جعل بيوتكم أجساد ~~حيوانية { تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم } ~~[النحل: 80] أي: تستخف أرواحكم النفوس الحيوانية وقواها وقت السير إلى ~~الله ووقت الوقفة للاستراحة والتربية. # وفي قوله: { ومن أصوافها وأوبارها وأشعارهآ ~~أثاثا } [النحل: 80] إشارة إلى الصفات الحيوانية والحواس الخمسة ~~والقوى أنها آلات للأرواح في السير { ومتاعا } ينتفع ويبلغ به { ~~إلى حين } أي: إلى حين الوصول وإقران الوصال { والله جعل ~~لكم مما خلق ظلالا } أي: جعل الخلق ظل عالم الأمر لتستظل ~~الأرواح به عند طلوع شمس التجلي وإلا لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه ~~بصره، فافهم جدا. # { وجعل لكم من الجبال أكنانا } [النحل: 81] أي: من ~~جبال القلوب ما يكون الأرواح { وجعل لكم } لأرواحكم { سرابيل ~~} من صفاته البشرية { تقيكم الحر } تحفظكم من حر نار المحبة { ~~وسرابيل } من صفات الروحانية { تقيكم بأسكم } أي: تحفظكم من ~~سهام وساوس الشيطان وهواجس النفس { كذلك يتم نعمته ~~عليكم } أي: على هذه الحكمة البالغة يحفظكم من الآفات ويربيكم ~~بالكرامات حتى يتم نعمة الوصول عليكم { لعلكم تسلمون } أي: ~~تصلون إليه بإسلامه لا يقطع عليكم الطريق قطاع الطريق من الدنيا وما فيها ~~من الزخارف ومن الآخرة وما فيها من المعارف؛ فإنها تمام النعمة وكمال ~~المنحة. # { فإن تولوا } [النحل: 82] أي: فإن أعرض أهل الباطل عن الحق { ~~فإنما عليك البلاغ المبين } لتكون يا محمد رسولا ~~مبلغا مبينا طرق السير والوصول وأهل الباطل الذين هم مظاهر القهر { ~~يعرفون نعمت الله } [النحل: 83] بتعريفك { ثم ~~ينكرونها وأكثرهم الكافرون } بك وبنعمة الله إظهارا ~~للقهر. # ثم أخبر عن ندامة أهل الغرامة يوم القيامة بقوله تعالى: { ويوم ~~نبعث من كل أمة شهيدا } إشارة إلى أن لأرواح الأنبياء - ~~عليهم السلام - إشرافا على أممهم فيما يعملون في حال حياتهم وبعد وفاتهم ~~ليشهدوا عليهم بأعمالهم يوم القيامة { ثم لا يؤذن للذين ~~كفروا } أن يعتذروا عما عملوا بقضاء ما فاتهم من الأوامر وبالتوبة ~~والاستغفار عما نوهوا عنه { ولا هم يستعتبون } يعني: ولا ~~يتكلفون أن يعرفوا ربهم، وذلك لأن الدنيا مزرعة الآخرة، والأرواح بذور في ~~أرض الأشباح، فمربيها ومنبتها ومثمرها أعمال الشريعة بشرط ms0962 الإيمان، ~~ومفسدها ومبطلها ومغير أحوالها عن خصيتها الكفر وأعمال الطبيعة والموت ~~حصادها والقيامة بيدرها، فكل نبات فسد في الأرض بطل استعداده لقبول ~~التربية، ولم يتم أمر نباته فلما حصد وحصل في البيدر ولا تفيده أسباب ~~التربية لتغير أحوالها، فافهم جدا. ### || [16.85-89] # { وإذا رأى الذين ظلموا } [النحل: 85] أي: وضعوا الكفر ~~وأعمال الطبيعة في موضع الإيمان وأعمال الشريعة { العذاب } جزاء ~~ظلمهم { فلا يخفف عنهم } الأثقال التي على أرواحهم وهي ~~الأخلاق الذميمة النفسانية الظلمانية السفلية المبدلة بالأخلاق الحميدة ~~الروحانية النورانية العلوية، { ولا هم ينظرون } لتبديل مذمومها ~~بمحمودها لما ذكرنا. # { وإذا رأى الذين أشركوا } [النحل: 86] وهم عبدة الدنيا ~~والهوى { شركآءهم } [النحل: 86] من الدنيا والهوى والخلق { ~~قالوا ربنا هؤلآء شركآؤنا الذين كنا ندعوا ~~من دونك } [النحل: 86] أي: اتخذناهم آلهة وكانوا شركاؤنا في الأرض ~~عنك، وفيما يدعونا إلى عبادتهم وبتربيتهم في نظرنا { فألقوا ~~إليهم القول } [النحل: 86] أي: فأجابوهم { إنكم ~~لكاذبون } [النحل: 86]، فيما تجعلوننا شركاءكم في الإعراض عن الله، ~~وفيما تدعون إنا دعوناكم إلى عبادتنا فإنا كنا مشغولين بتسبيح الله ~~وطاعته فارغين عنكم وعن أحوالكم { وألقوا } [النحل: 87] يعني: ~~المشركين { إلى الله يومئذ السلم } [النحل: 87] أي: ~~استسلموا لحكم الله لما عجزوا عن الجواب { وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون } [النحل: 87] على شركائهم { الذين كفروا } [النحل: ~~88] وأسروا الحق على أنفسهم { وصدوا عن سبيل الله } [النحل: ~~88] أي: ومنعوا الأرواح والقلوب عن طلب الله. # { زدناهم عذابا فوق العذاب } [النحل: 88] أي: زدناهم ~~عذاب الحرمان عن الكمال فوق عذاب الخسران من النقصان { بما كانوا ~~يفسدون } [النحل: 88] حسن الاستعداد لقبول الكمال وحصول الوصال، ~~وفيه أيضا إشارة إلى أن الجمادات والحيوانات والدنيا والهوى وكل شيء ~~يكون حضوره في الآخرة ينطقهم الله الذي أنطق كل شيء. # كما قال: { ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم ~~من أنفسهم } [النحل: 89] وهو أعضاؤهم لقوله: # اليوم نختم على أفواههم وتكلمنآ أيديهم ~~وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون # [يس: 65] # وجئنا بك على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41] يعني: النبي صلى الله عليه وسلم وشهادته عادته عامة على ~~أمة وأعضائهم ونفوسهم وقلوبهم وأرواحهم على جميع الأمم ms0963 الماضية، بل على ~~ذرات المكونات إذ كل شيء خلق في نظر روحه الشريف قوله أول ما خلق الله ~~وحي: { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } ~~[النحل: 89] يعني: في الكتاب بيان كل شيء يحتاج إليه السالك في أثناء ~~السلوك والسير إلى الله إلى أن يصل أقصى مقام الكمال المقدر للإنسان ~~نظيره قوله: # ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين # [الأنعام: 59] والذي يدل على هذا التأويل قوله: { وهدى ورحمة } ~~[النحل: 89] أي: هذا الكتاب هاد يهدي إلى الله عباده جمة { وبشرى ~~للمسلمين } [النحل: 89] أي: هو بشارة لمن أسلم وجهه لله وهو تابع ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالوصول إلى مقام الكمال وحضرة الجلال. ### || [16.90-93] # ثم أخبر عن تفصيل البيان من جملة التبيان بقوله: { إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان } [النحل: 90] وهو صرف ما أعطاك الله ~~من آلات الجسمانية والروحانية، ومن مال الدنيا وجاهها ومن شرائع الدين ~~وأعماله في طلب الله والسير منك به إليه؛ لأن صرفه في طلب غيره ظلم، ~~والإحسان أن تحسن إلى الخلق بما أعطاك الله وإياك سبيل الرشاد وترشدهم ~~وتسلك بهم طريق الحق للوصول والوصال يدل عليه قوله: # وأحسن كمآ أحسن الله إليك # [القصص: 77] وأيضا العدل صدق التوجه إلى الله بكليتك لكليته، والإحسان ~~أن تستعين بالله في توفيقك للعدل وقطع النظر في المعاملان من نفسك ~~ورديئها منه { وإيتآء ذي القربى } [النحل: 90] إليك نفسك فصلة ~~رحمها أن تنجيها من المهالك، وترجع بها إلى مالك الممالك. # { وينهى عن الفحشاء } [النحل: 90] وهي ما يحجبك عن الله ~~ويقطعك عنه { والمنكر } ما ينكر به عليك من إضلال الخلق وإغوائهم ~~وإحداث البدع وإثارة الفتن { والبغي } ما ثار من سورة صفات نفسك ~~فيصيب الخلق منك ما يضرهم ويؤذيهم { يعظكم } بأمر هذه المستحسنات ~~ونهي هذه المستقبحات { لعلكم تذكرون } [النحل: 90] وتتعظون ~~فتأتمرون بالأمر، وتنهون بالنهي. # { وأوفوا بعهد الله } [النحل: 91] بائتمار أوامر الله ~~وانتهاء نواهيه { إذا عاهدتم } [النحل: 91] مع الله يوم الميثاق { ~~ولا تنقضوا الأيمان } مع الله يوم الميثاق { ولا تنقضوا ~~الأيمان بعد توكيدها } [النحل: 91] وهو إشهادكم على أنفسكم ~~وقولكم: ms0964 # بلى شهدنآ # [الأعراف: 172] { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } ~~[النحل: 91] أي: جعلتموه كفيلا بجزاء أوقاتكم وهو تكفل منكم بالوفاء بما ~~عاهد معكم على الجزاء كما قال: # وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم # [البقرة: 40]. # وتفصيل الوفاء من الله والعبد، بما شرح النبي صلى الله عليه وسلم في ~~حديث معاذ فقال: # " هل تدري يا معاذ ما حق الله على الناس " قال: قلت: الله ورسوله أعلم، ~~قال: " حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا " أي: يطلبوه بالعبادة ~~ولا يطلبوا معه غيره ثم قال: " أتدري يا معاذ ما حق الناس على الله إذ ~~فعلوا ذلك؟ " قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: " فإن حق الناس على الله ~~ألا يعذبهم " يعني: بعذاب الفراق والقطيعة، بل يشرفهم بالوجدان والوصال ~~كما قال: " ألا من طلبني وجدني ". # { إن الله يعلم ما تفعلون } [النحل: 91] من نقض العهد ~~والوفاء به، وفي قوله: { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ~~من بعد قوة أنكاثا } [النحل: 92] إشارة إلى المريد الذي تعلق ~~بذيل إرادة صاحب ولاية من المشايخ وعاهده على صدق الطلب والثبات عليه عند ~~مقاساة شدائد المجاهدات، والصبر على مخالفات النفس والهوى، وملازمة ~~الصحبة والانقياد للخدمة، ولتحمل عن الأحوال، وحفظ الأدب معهم ففي أثناء ~~تحمل هذا المشاق تسأم نفسه وتضعف عن حمل الأثقال، فينقض عهده ويفسخ عزمه ~~ويرجع قهقري، ثم يتخذ ما كان أسباب طلب الله من الإرادة والمجاهدة ولبس ~~الخرقة وملازمة الصحبة والخدمة والفتوحات التي فتح الله له في أثناء ~~الطلب، والسير آلات طلب الدنيا وآداب تحصيل شهوات نفسه بالتصنع والمرايات ~~والسمعة ابتلاء من الله إظهارا للعزة أن عظمت الدنيا وشهواتها في نظر ~~النفس، وأعرضت عن الله في طلبها، وهذا معنى قوله: { تتخذون ~~أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى ~~من أمة } [النحل: 92] أي: الدنيا أعلى عندكم من الآخرة، { إنما ~~يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ~~ما كنتم فيه تختلفون } [النحل: 92] من أمر الدنيا والآخرة ~~وأمر الطلب. # { ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة } [النحل: 93] ~~في طلب الله { ولكن يضل من يشآء } [النحل: 93] عن طريق ms0965 الطلب ~~في تيه الحرمان { ويهدي من يشآء } [النحل: 93] إلى حضرة الجلال ~~بالوصول والوصال، وإحالة الضلالة والهداية إلى المشيئة لإظهار القدرة ~~ونفي العجز حتى لا يتوهم أحد أن أحدا يقدر على شيء بغير مشيئته لعجزه عن ~~المنع ولكن الإرادة القديمة اقتضت بالحكمة القديمة أن يصل بعضهم بأفعال ~~نفسه الخبيثة، ويهدي بعضهم بأفعال روحه الشريف؛ فلهذا قال: { ~~ولتسألن عما كنتم تعملون } [النحل: 93] يعني: إنما ~~الجزاء على الأعمال لا على الأحوال فينبغي ألا يكون العبد جبريا لا ~~ينظر إلى الأعمال ولا قدريا لا ينظر إلى إرادة الله ومشيئته. ### || [16.94-99] # ثم أكد تهديد الطالب الناكث بإعادة قوله: { ولا تتخذوا ~~أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها } ~~[النحل: 94] أي: لا تتخذوا معاهدتكم مع المشايخ شبكة تصادون بها الدنيا، ~~وقبول الخلق فتزل أقدامكم عن صراط الطلب بعد ثبوتها مدة عليه { ~~وتذوقوا السوء } [النحل: 94] تجارة الدنيا والآخرة { بما ~~صددتم عن سبيل الله } [النحل: 94] وطلبه متعرضا إلى الدنيا ~~ونعيمها { ولكم عذاب عظيم } [النحل: 94] بالانقطاع والإعراض عن ~~الله، وما ذنب أعظم منه ولا عذاب أعظم من القطيعة عن الله والحرمان منه. # { ولا تشتروا بعهد الله } [النحل: 95] أي: بالمعاهدة على ~~طلب الله، { ثمنا قليلا } [النحل: 95] وهو متاع الدنيا الفانية ~~لقوله: # متاع الدنيا قليل # [النساء: 77] { إنما عند الله } من القربات والكمالات { هو ~~خير لكم إن كنتم تعلمون } [النحل: 95] قدرها بأداء حقها ~~{ ما عندكم } [النحل: 96] لله من الدنيا ونعيمها { ينفد } ~~[النحل: 96] ويفنى { وما عند الله } [النحل: 96] لكم من الكمالات ~~{ باق } [النحل: 96] إلى الأبد { ولنجزين الذين صبروا ~~} [النحل: 96] على مقاساة شدائد طلب الله { أجرهم بأحسن ما ~~كانوا يعملون } [النحل: 96] يعني: بأوفر أجر كانوا عليه يعملون ~~بأنهم على أجر قد سمعوا به وفهموا منه على قدر عقولهم، وقد قال تعالى: # " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر ". # ثم أخبر عما أعد للطالبين الراغبين بقوله تعالى: { من عمل ~~صالحا من ذكر أو أنثى } [النحل: 97] يشير بالذكر إلى ~~القلب، وبالأنثى إلى النفس، فالعمل الصالح من النفس استعمال الشريعة ms0966 ~~بتقوى القلب وصدقه على وفق الطريقة تزكية بصفات الله والتخلق بأخلاقه ~~لطلب الله، والإعراض عما سواه، وبقوله: { فلنحيينه حياة ~~طيبة } [النحل: 97] يشير إلى إحياء كل واحد منهما بالحياة الطبية ~~على قدر صلاحية عمله وحسن استعداده في قبولها. # فإحياء النفس: بالحياة الطيبة أن تصير مزكاة عن صفاتها متحلية بأخلاق ~~القلب الروحاني مطمئنة بذكر الله راجعة إلى ربها # راضية مرضية # [الفجر: 28]. # وإحياء القلب: وحياته الطيبة أن يكون متخلقا بأخلاق الله، ويكون فانيا ~~عن أنانيته باقيا بهويته حيا بحياته طيبا عن دنس الاثنينية ولوث ~~الحدوث، فإن الله طيب عن هذا الاتصاف فلا يقبل إلا طيبا. # ثم اعلم أن صلاحية أعمال العباد إنما تكون على قدر صدقهم في المعاملات، ~~وحسن استعدادهم في قبول الفيض الإلهي فيكون طيب حياتهم بإحياء الله إياهم ~~بحسب ذلك؛ ولهذا اختلف تفسير المفسرين وتحقيق المحققين في قوله تعالى: { ~~فلنحيينه حياة طيبة } [النحل: 97] على ما مر ذكره، ثم ~~قال تعالى: { ولنجزينهم } [النحل: 97] في الآخرة { أجرهم } ~~[النحل: 97] أي: أجر كل طائفة منهم { بأحسن ما كانوا ~~يعملون } [النحل: 97] أي: بأوفر ما كانوا يطمعون أن يجازيهم الله ~~على أعمالهم بيانه قوله: # وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا ~~عظيما # [النساء: 40]. # ثم أخبر عن الاستعاذة من الشيطان عند قراءة القرآن بقوله تعالى: { ~~فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم } [النحل: 98] الخطاب مع الأمة وإن خص به النبي صلى الله عليه ~~وسلم به؛ لأن الشيطان كان يفر من ظل عمر وهو أحد تابعيه، فكيف يقدر أن ~~يدور حواليه سيما أسلم شيطانه على يده صلى الله عليه وسلم، ويدل عليه ~~قوله تعالى: { إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا ~~وعلى ربهم يتوكلون } [النحل: 99] يعني: سلطان نور ~~الإيمان، والتوكل غالب على سلطان وسوسة الشيطان، فإن كان هذا حال الأمة ~~مع الشيطان، فكيف يكون كمال النبوة معه؟! فثبت أن المراد بالخطاب الأمة، ~~وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم به لتعتبر الأمة وتتنبه أن مثل هذا ~~النبي صلى الله عليه وسلم مهما يكون كمال النبوة معه فيثبت ms0967 آلته مأمورا ~~بالاستعاذة بالله من الشيطان، فتكون الأمة بها أولى وأحق. فأما تخصيص ~~الاستعاذة بالله عند قراءة القرآن من الشيطان الرجيم لمعان وفوائد: # فأولها: لكي يتذكر القارئ واقعة الشيطان ويتفكر في أمره إنما صار ~~شيطانا رجيما بعد أن كان ملكا كريما، لأنه فسق عن أمر ربه وخالفه ~~وأبى أن يسجد لآدم # واستكبر وكان من الكفرين # [البقرة: 34] أي: فصار من الكافرين فينتبه بذلك عند قراءة القرآن ويصفي ~~نيته قبل القراءة على أن يأتمر بما أمر الله في القرآن وينتهي عما نهاه ~~عنه احترازا عن المخالفة، فإن فيها الطرد واللعن والرجم والفسق والكفر ~~وإنها مظنة للخلود في النار. # وثانيها: لأن العبد لا يخلو من حديث النفس وهواجسها ومن إلقاء الشيطان ~~ووساوسه وقلبه لا بد يتشوش بذلك، فلا يجد حلاوة كلام الله فأمره ~~بالاستعاذة تزكية للنفس عن هواجسها وتصفية للقلب عن وساوس الشيطان؛ ~~ليتحلى بنور القرآن فإن التحلية تكون بعد التزكية والتصفية، فافهم جدا. # ثالثها: ولأن في كل كلمة من كلمات القرآن لله تعالى إشارات ومعان ~~وحقائق لا يفهمها إلا قلب مطهر عن تلوثات الهواجس والوساوس معطر بطيب ~~أنفاس الحق، وذلك مودع في الاستعاذة بالله فأمر بها لحصول الفهم. # وفي قوله تعالى: { إنه ليس له سلطان على الذين ~~آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } [النحل: 99] إشارة إلى أن ~~تصرف الشيطان وقدرته المخلوقة بالإغواء والإضلال على الإنسان إنما تنقطع ~~بقدرة قوة الإيمان وقوة التوكل معا ويكمل الإيمان والتوكل بأن يكون ~~المؤمن زاهدا عن الدنيا راغبا في الآخرة متبتلا إلى الله، فلا يبقى ~~للشيطان عليه سلطان في إضلاله وإغوائه؛ ولكي يئول أمره إلى الوسوسة وفيها ~~صلاح المؤمن فإن إبريز إخلاص قلبه عن غش صفات نفسه لا يتخلص إلا بنار ~~وسوسة الشيطان؛ لأنه يطلع على بقايا صفات نفسه بما تكون الوسوسة من جنسه، ~~فيزيد في الرياضة ومجاهدة النفس مع ملازمة الذكر فتنقض وتنمحي بقية صفات ~~النفس، ويزداد نور الإيمان، وقوة التوكل وقربة الحق بقوله: { إنما ~~سلطانه على الذين يتولونه... } ### || [16.100-104] # { إنما سلطانه على الذين يتولونه } [النحل: ~~100] أي: يتولون ms0968 بوسواسه وإغوائه؛ لأنها على وفق طبعهم وهو لعنهم { ~~والذين هم به مشركون } [النحل: 100] أي: بما يوافق طبعهم ~~وهواهم يقبلون إضلاله ويشركون. # ثم أخبر أن من تأثير الإغواء ألا ينسبوه إلى الافتراء بقوله تعالى: { ~~وإذا بدلنآ آية مكان آية } [النحل: 101] إشارة إلى أن ~~الله هو الطيب والقرآن هو الدواء يعالج به مرض القلوب، كقوله تعالى: # وشفآء لما في الصدور # [يونس: 57] كما أن الطبيب يداوي المريض كل وقت بنوع من الأدوية على حسب ~~المزاج والعلة لإزالتها ويبدل الأشربة والمعادن بنوع آخر وهو أعلم ~~بالمعالجة من غيره، فكذلك الله عز وجل يعالج قلوب العباد بتبديل آية ~~وإنزال آية مكانها { والله أعلم بما ينزل } [النحل: 101] ~~ويعالج به العبد، فالذين لا يعلمون قوانين الأمراض والمعالجات { ~~قالوا } [النحل: 101] لمحمد { إنمآ أنت مفتر } [النحل: ~~101] أنت تبدل الآيات من تلقاء نفسك وأنت مفتر { بل أكثرهم لا ~~يعلمون } [النحل: 101] حكمة التبديل وما فيه من المصالح. # ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم ويلزمهم بقوله: { قل ~~نزله روح القدس من ربك } [النحل: 102] أي: معالجة منه { ~~بالحق } [النحل: 102] أي: هو محق بهذه المعالجة { ليثبت ~~الذين آمنوا } [النحل: 102] أي: يثبت الإيمان في قلوب المؤمنون ~~بإزالة أمراض الشكوك عن قلوبهم من نور القرآن فإنه شفاء { وهدى } ~~[النحل: 102] لصحة الدين وسلامة القلوب { وبشرى } [النحل: 102] ~~بشارة { للمسلمين } [النحل: 102] الذين استسلموا للطبيب، ~~والمعالجة بصحته له منهم. # ثم يشير بقوله: { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما ~~يعلمه بشر } [النحل: 103] أي: أن طب القلوب ومعالجتها ليس من ~~شأن البشر بنظر العقل؛ لأن الطب معنى على معرفة الأمراض والعلل وكيفيتها ~~وكميتها، ومعرفة إزالتها بالأدوية ومعرفة الأدوية وخواصها، وكيفية ~~استعمالها ومعرفة الأمزجة واختلاف أحوالها، وإن القلوب بيد لله هو يعلم ~~داءها ودواءها، والتفاوت في أمزجتها، وكيفية معالجتها، ويضيق عن ذلك نطوق ~~عقول البشر بحيث لا يطلع على قوانين معارفها ملك مقرب ولا نبي مرسل؛ ~~فلهذا كان يقول إبراهيم عليه السلام: # وإذا مرضت فهو # [الشعراء: 80] لا تطلع على قوته # يشفين # [الشعراء: 80] يعني: لا اطلاع لي على المعالجة إلا أن يعلمني ms0969 الله كيفية ~~المعالجة، فلما علم الله النبي صلى الله عليه وسلم بإنزال القرآن هذه ~~المعالجة وكيفيتها من علته بقوله: # وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك ~~عظيما # [النساء: 113] ومع هذا كان يقول: # " نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر " # ويقول: # " إن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء ". # وفي قوله تعالى: { لسان الذي يلحدون إليه } [النحل: ~~103] إنه يعلمك القرآن { أعجمي وهذا لسان عربي ~~مبين } [النحل: 103] إشارة إلى أن الأعجمي هو الذي لا يفهم من كلام ~~الله ما أودع الله فيه من الأسرار والإشارات والمعاني والحقائق، فإنه لا ~~يحصل ذلك إلا لمن رزقه الله فهما يفهم به اللسان العربي المبين هو الذي ~~يسره الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وبين له معانيه، ~~كما قال تعالى: # فإنما يسرناه بلسانك # [مريم: 97] وقال: # فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا ~~بيانه # [القيامة: 18-19] فالعربي المبين هو الذي أعطاه الله قلبا فهيما ~~ولسانا مبينا، فافهم جدا. # ثم قال: { إن الذين لا يؤمنون بآيات الله } [النحل: ~~104] وهي ما أودع الله في القرآن من المعاني والحقائق التي تتعلق بمواهب ~~الله وبه صار القرآن معجزا فمن لم يؤمن { لا يهديهم الله } ~~[النحل: 104] إلى فهم القرآن { ولهم عذاب أليم } [النحل: 104] ~~إذ لم يهتدوا إلى الإيمان بدفعهم ما فيه. ### || [16.105-109] # فلما نفى الافتراء عن النبي صلى الله عليه وسلم استدل بقوله: { إنما ~~يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله } ~~[النحل: 105] ووجه الاستدلالات الافتراء، فإن نفس المؤمن مأمورة، لوامة، ~~مستلهمة من الله، مطمئنة بذكر الله، ناظرة بنور الله، موفقة بآيات الله؛ ~~لأن الآيات لا ترى إلا بنور الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " المؤمن ينظر بنور الله " # فإذا كان من شأن المؤمن ألا يفتري الكذب إذ هو ينظر بنور الله، فكيف ~~يكون من شأن رسول الله أن يفتري الكذب وهو نور من الله ينظر بالله. # ثم اختص الكذب لمن لا يؤمن بآيات الله، فقال: { وأولئك هم ~~الكاذبون } [النحل: 105] أي: هم المنتسبون إلى الكذب الحقيقي الذي ~~صار اسم ms0970 العلم لهم بأنهم كذبوا على الله وكذبوا بآياته، وكذبوا على النبي ~~صلى الله عليه وسلم وكذبوا به وبما جاء به، وكذبوا بالقرآن والمعجزات، ~~وفيه إشارة إلى أن الكذبات التي تقع في أثناء كلام من يؤمن بالله ورسله ~~وكتبه ولا يكذب عليهم ولا يكذب بهم، فإنها ليست من الكذب الذي يفتري من ~~لا يؤمن بآيات الله وإنه مخصوص بمن يفتري على الله الكذب، وإن الكذبات ~~التي تقع للمؤمن وهي من جملة المعاصي لا تخرجه من الإيمان، وإن ينقص بها ~~الإيمان ثم بالتوبة يرجع الإيمان إلى أصله كسائر المعاصي والذنوب، يدل ~~على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: # " ما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا " # فثبت أن المؤمن يبغض الكذب في بعض الأوقات إذا لم يكن مصرا عليه ويتوب. # ثم أخبر عن صاحب الإيمان أنه لا يكفر بإظهار الكفر مكرها مع الاطمئنان ~~بالإيمان بقوله تعالى: { من كفر بالله من بعد إيمانه } ~~[النحل: 106] إشارة إلى مريد يتنسم روائح نفحات الحق بمشام القلب عند ~~هبوبها واحتكاك أهوية عالم الباطن وانخراق سحب حجب البشرية، فلمع كبرق ~~أضأت به آفاق سماء القلب وإشراق أرض البشرية، فآمن بحقية الطلب واحتمال ~~التعب والنصب، فاستوقد نار الشوق والمحبة، فلما أضأت ما حوله وبذل في ~~الاجتهاد جده وحوله هبت نكباء النكبات، وبهذا صدأت المرآة، ذهب الله ~~بنوره وانخمدت نار الشوق، فآل المشئوم إلى طبعه، فانطبقت السحب، وأسدلت ~~الحجب فكفر بالنعمة بعد أن أسر بالمحبة. # ثم استند الطالب الصدى من جملتهم والمريد العاشق من زمرتهم، فقال: { ~~إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } [النحل: ~~106] أي: أكره على مباشرة فعل يخالف الطريقة من معاملات أهل الطبيعة، ~~فيوافقهم فيها بالظاهر، ويخالفهم بالباطن حتى يتخلص من شؤم صحبتهم، ثم ~~أكد بالوعيد حال من صار بعدما كان فقال: { ولكن من شرح ~~بالكفر صدرا } [النحل: 106] أي: نكص على عقبيه راضيا وكفران ~~النعمة على شكرها، وأعرض عن الله بالإقبال على الهوى { فعليهم ~~غضب من الله } [النحل: 106] أي: قهر وخذلان منه { ولهم ~~عذاب عظيم } [النحل: ms0971 106] بالانقطاع عن الله العلي العظيم. # ثم أخبر عن سبب الخذلان فقال: { ذلك بأنهم استحبوا ~~الحياة الدنيا على الآخرة } [النحل: 107] أي: اختاروا ~~محبة الدنيا وشهواتها على محبة الله والشوق إلى لقائه. # { وأن الله لا يهدي } [النحل: 107] إلى حضرته { القوم ~~الكافرين } [النحل: 107] بنعمته { أولئك الذين طبع ~~الله على قلوبهم } [النحل: 108] بكفران النعمة؛ لئلا يفقهوا ~~بها ألطاف الحق { وسمعهم } [النحل: 108] لئلا يسمعوا بها كلام الحق ~~{ وأبصارهم } [النحل: 108] لئلا يبصروا بها لقاء الحق { ~~وأولئك هم الغافلون } [النحل: 108] عما أعد الله لعباده ~~الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر { لا جرم ~~أنهم في الآخرة هم الخاسرون } [النحل: 109] يعني: أهل ~~الغفلة في الدنيا هم أهل الخسارة في الآخرة، وفيه إشارة أخرى وهي التغافل ~~بالأعضاء عن العبودية يورث خسران القلوب عن مواهب الربوبية. ### || [16.110-114] # ثم أخبر عن أهل الامتحان بالافتتان، فقال تعالى: { ثم إن ربك ~~للذين هاجروا من بعد ما فتنوا } [النحل: 110] إشارة ~~إلى طالب صادق هاجر نفسه وأعرض عن متابعة هواها وترك شهواتها واستيفاء ~~حظوظها، وأقبل على الله بصدق الطلب وبذل الجهد من بعد الافتتان بتحصيل ~~شهوات النفس ويتبع هواها في مخالفة أوامر الحق ونواهيه { ثم ~~جاهدوا وصبروا } [النحل: 110] أي: جاهدوا النفس على تزكيتها عن ~~صفاتها الذميمة بموافقة الشريعة ومخالفة الطبيعة وموافقة الطريقة، وصبر ~~على مقاساة شدائد الرياضات والمجاهدات تحت تصرفات المشايخ متمسكا بذيل ~~إرادتهم ملازما بصحبتهم من إقبال إشارتهم مشمرا بنجدتهم { إن ~~ربك من بعدها } [النحل: 110] أي: من بعد الخلاص عن الفتنة ~~ومخالفة النفس وهواها والإقبال على الله { لغفور } يغفر لهم ما سلف ~~منهم من السيئات ويبدلها بالحسنات في تزكية النفس وتبديل أخلاقها { ~~رحيم } [النحل: 110] برحمة المشاهدة بعد المجاهدة. # وفي قوله: { يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها } ~~[النحل: 111] إشارة إلى أحوال أرباب النفوس أن كل نفس على قدر بقاء ~~وجودها تجادل عن نفسها إما دفعا لعنادها أو جذبا لمنافعها حتى الأنبياء ~~- عليهم السلام - يقولون: نفسي نفسي إلا محمدا صلى الله عليه وسلم ذاته، ~~فان عن نفسه باق بربه ms0972 يقول: # " أمتي أمتي " # لأنه المغفور له من ذنب وجوده المتقدم في الدنيا، والمتأخر في الآخرة ~~بما فتح الله له ليلة المعراج، إذ المواجهة بخطاب: " السلام عليك أيها ~~النبي ورحمة الله وبركاته " تغني عن وجوده بالسلام، وبقى بجوده بالرحمة ~~بوجوده، وكان رحمة مهداة أرسل بركاته إلى الناس كافة، ولكنه رفع الزلة من ~~تلك الضيافة خاصة بخواص متابعة، كما قال: " السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين " يعني: الذين صلحوا لبذل الوجود في طلب المقصود ونيل الجود فما ~~بقي لهم مجادلة عن نفوسهم مع الخلق والخالق، كما قال بعضهم: كل الناس ~~يقولون غدا: نفسي نفسي وأنا أقول: ربي ربي. # وفي قوله: { وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا ~~يظلمون } [النحل: 111] إشارة إلى أن كل نفس عملت سوء توفى بالعذاب ~~بنار الجحيم ونار القطيعة، وكل نفس عملت خيرا توفى في الثواب من نعيم ~~الجنان ولقاء الرحمن { وهم لا يظلمون } [النحل: 111] أي: لا ~~يكذب أهل النعيم ولا يثاب أهل الجحيم. # ثم أخبر عن أهل كفران النعمة وما أصابهم من المحبة بقوله: { وضرب ~~الله مثلا قرية كانت آمنة } [النحل: 112] إشارة إلى قرية ~~شخص الإنسان كانت آمنة أي: أهل القرية وهو الروح الإنساني والقلب { ~~مطمئنة } [النحل: 112] اطمئنان بذكر الله { يأتيها رزقها ~~} [النحل: 112] من الطاعات والعبادات { رغدا من كل مكان } ~~[النحل: 112] روحاني وجسماني { فكفرت } [النحل: 112] النفس الأمارة ~~{ بأنعم الله } [النحل: 112] بنعم الطاعات والتوفيق واتبعت هواها ~~وتمتعت بشهواتها. # { فأذاقها الله لباس الجوع } [النحل: 112] بسدل الحجب ~~النفسانية، وسد الطرق الروحانية، وقطع مواد التوفيق، فانقطع عن الروح ~~والقلب والنفس مبرة الحق، فأكلوا من جيفة الدنيا وميتة المستلذات، وقوله: ~~{ والخوف } [النحل: 112] هو خوف العذاب والانقطاع عن الله { بما ~~كانوا يصنعون } [النحل: 112] من كفران النعمة وتتبع الشهوة ~~والتمتع بالدنيا الدنية. # وفي قوله: { ولقد جآءهم رسول منهم فكذبوه } ~~[النحل: 113] إشارة إلى رسول الخاطر الروحاني المؤيد بالإلهام الرباني ~~فكذبوه وما قبلوا منه ما أمرهم من الأخلاق الحميدة التي بعث الله تعالى ~~النبي صلى الله عليه وسلم لإتمامها على وفق الشرع { فأخذهم ~~العذاب } [النحل: 113] عذاب الخذلان ms0973 والهجران { وهم ظالمون } ~~[النحل: 113]. # وفي قوله: { فكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا } ~~[النحل: 114] إشارة إلى الطالبين الصادقين التائبين على قدم صدق في ~~الطلب، الصابرين على مقاساة شدائد المجاهدات بتناول ما رزقهم الله من ~~أنوار الشريعة، وأسرار الطريقة، وحقائق الحقيقة التي أعرض عنها وحرمها ~~على أنفسهم أرباب النفوس من البطلة والجهلة. # { واشكروا نعمت الله } [النحل: 114] وهي الإيمان وتوفيق ~~الطاعات، وصدق الطلب، وظهور شواهد الحق، والترقي في الدرجات، وعبور ~~المقامات ومزيد الأحوال، وأما شكر هذه النعم برؤيتها عن المنعم، ~~واستعمالها في طلب المنعم للوصول إلى المنعم لا بحصول النعم { إن ~~كنتم إياه تعبدون } [النحل: 114] تطلبون إياه لأمته. ### || [16.115-119] # { إنما حرم عليكم } [النحل: 115] أن تطلبوا من غيره وهو { ~~الميتة } [النحل: 115] أي: جيفة الدنيا { والدم } [النحل: 115] ~~أي: شهواتها { ولحم الخنزير } [النحل: 115] أي: الغيبة والحسد ~~والظلم والمظالم { ومآ أهل لغير الله به } [النحل: 115] ~~وهو مباشرة عمل مباح لا لله ولا للتقرب إليه، بل لهوى النفس وطلب حظوظها ~~{ فمن اضطر } [النحل: 115] إلى نوع منها مثل طلب القوت بالكسب ~~الحلال والتأهل للتوالد والتناسل أو الاختلاط مع الخلق للمناصحة والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من أبواب البر { غير باغ } ~~[النحل: 115] أي: غير معرض عن طلب الخلق { ولا عاد } [النحل: 115] ~~أي: مجاوز عن حد الطريقة { فإن الله غفور رحيم } [النحل: ~~115] أي: مجاوز عن حد الطريقة { فإن الله غفور } [النحل: 115] ~~لما اضطروا إليه { رحيم } [النحل: 115] على الطالبين بأن يبلغهم ~~مقاصدهم. # وفي قوله: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ~~هذا حلال وهذا حرام } [النحل: 116] إشارة إلى ما تقولت ~~النفوس بالحسنات والغرور: إنا قد بلغنا إلى مقام يكون علينا بعض المحرمات ~~الشرعية حلالا، وبعض المحللات حرما { لتفتروا على الله ~~الكذب } [النحل: 116] إنه أعطانا هذا المقام كما هو من عادة أهل ~~الإباحة { إن الذين يفترون على الله الكذب } ~~[النحل: 116] إنه أعطانا هذا المقام كما بإعطاء مقام وحال لم يعطهم بعد { ~~لا يفلحون } [النحل: 116] بأن يعطيهم أبدا والله أعلم. # { متاع قليل } [النحل: 117] أي: التمتع بما يفترون على الله يكون ~~زمانا قليلا في ms0974 الدنيا { ولهم عذاب أليم } [النحل: 117] ~~بالحرمان عن مقاصدهم وجزاء الافتراء. # وفي قوله: { وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا ~~عليك من قبل } [النحل: 118] إشارة إلى أهل الطلب يعني أنهم لما ~~توجهوا إلى حضرتنا بصدق الطلب حرمنا عليهم موانع الوصول وهي { ما ~~قصصنا عليك من قبل } أي: أشرنا إليك بتحريمها على نفسك في ~~بدء نبوتك حتى كنت محترزا عن صحبة خديجة وتنحيت إلى حراء أسبوعا أو ~~أسبوعين { وما ظلمناهم } [النحل: 118] بتحريم ذلك عليهم، بل ~~أنعمنا به عليهم { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } ~~[النحل: 118] بالإعراض عنا بعد الإقبال علينا بتسويل النفس وسوسة ~~الشيطان. # { ثم إن ربك للذين عملوا السوء } [النحل: 119] ~~وهو الإعراض { بجهالة } أي: بجهالة قدر الإقبال على الله، وإثم ~~الإعراض عنه { ثم تابوا من بعد ذلك } [النحل: 119] أي: ~~رجعوا عن الإعراض، وأقبلوا على الله بصدق الطلب وإخلاص العمل { ~~وأصلحوا } [النحل: 119] بالإقبال ما أفسدوا بالإعراض { إن ~~ربك من بعدها } [النحل: 119] أي: بعد المراجعة والإصلاح { ~~لغفور } [النحل: 119] متدارك بصفة المغفرة ما فاتهم من كمالات ~~المعرفة { رحيم } [النحل: 119] بهم أن يدخلهم في رحمته بجذبات ~~عنايته. ### || [16.120-123] # ثم أخبر عن طالبه أن يكون بانفراده أمة بقوله تعالى: { إن ~~إبراهيم كان أمة قانتا لله } [النحل: 120] إشارة إلى ~~أن من جذبته العناية الأزلية عن منيته، وقلعته النفحات الربانية عن طينة ~~بنيته، واستخلصه بنار الغيرة عن غش القربة الأزلية، وارتفعت الشركة وبقيت ~~الوحدة، وتحققت خصوصية الخلة والمحبة، واختصه بمراتب جماله وجلاله، يكون ~~بمثابة أمة مطيعة قابلة لمرائية صفاته، وهم زبدة المكونات وخلاصة ~~الموجودات فإنها بجميعها خلقت مظهرة لصفاته ليعرف بها كما قال: " فخلقت ~~الخلق لأعرف " ، وفيه إشارة إلى أنه لو لم يكن في زمانه مؤمن إلا هو ~~بنفسه أمة مطيعة اجتمع فيها ما هو المراد أن يكون في أمة زمانه { ~~حنيفا } [النحل: 120] أي: ملائما عن غير الحق بالحق للحق { ولم ~~يك من المشركين } [النحل: 120] يعني: كان فانيا في الله ~~باقيا به لم يمكن ممن له شركة مع الله في الوجود. # { شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط ~~مستقيم } [النحل: 121] والإنعام في ms0975 نعمة النبوة والرسالة، ونعمة ~~الخلة، ونعمة الاجتباء، ونعمة الهداية إلى صراط مستقيم هو صراط إلى الله، ~~ونعمة الخصائل التي جمعها الله فيه ليكون بها أمة بنفسه { وآتيناه ~~في الدنيا حسنة } [النحل: 122] وهي أنه جعل أكثر الأنبياء من ~~نسله لا سيما محمد صلى الله عليه وسلم وأمره باتباعه. # { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } [النحل: 122] وفيه ~~إشارة إلى استجابة دعائه، فإنه دعا ربه وقال: # وألحقني بالصالحين # [الشعراء: 83] فأجابه وقال: { وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين } [النحل: 122] إلحاقا بهم في قوله: { ثم أوحينآ ~~إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } [النحل: 123] ~~إشارة إلى أن الله تعالى لما بين كمالات مقام إبراهيم عليه السلام وما ~~أنعم الله عليه بأمره باتباعه؛ ليهتدي بهداه ويقتضي به في بذل الوجود ~~لمولاه؛ إذ رمى في النار وقال: { وما كان من المشركين } ~~[النحل: 123] لئلا يرضى بالشركة مع الله في الوجود، فلما سلك النبي صلى ~~الله عليه وسلم طريق متابعته وسلم وجهه لله ليذهب إلى الله، كما ذهب ~~إبراهيم عليه السلام وقال: # إني ذاهب إلى ربي # [الصافات: 99] نودي في سفره: إن إبراهيم كان خليلنا، وأنت حبيبنا فالفرق ~~بينكما أن الخليل لو كان ذاهبا يمشي بنفسه فالحبيب يكون راكبا أسري به، ~~فلما بلغ سدرة المنتهى وجد مقام الخليل عندها فقيل له: إنها السدرة ~~لمقام الخليل لو رضيت بها لنرينها لك، # إذ يغشى السدرة ما يغشى # [النجم: 16] لعلو همته الحبيبية # ما زاغ البصر # [النجم: 17] بالنظر إليها # وما طغى # [النجم: 17] باتخاذ المنزل عندها # ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى # [النجم: 8-9] وهي مقام الحبيب فبقى مع الله بلا هو في خلوة لي مع الله ~~وقت لا يسعني فيه ملك مقرب وهو جبريل ولا نبي مرسل وهو هويته، فلما ~~جاوز حد المتابعة صار متبوعا، فإن كان هو صلى الله عليه وسلم في الدنيا ~~محتاجا إلى متابعة الخليل، فالخليل يكون في الآخرة محتاجا إلى شفاعته، ~~كما قال: " الناس يحتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم. ### || [16.124-128] # ثم أخبر عن اختلاف أهل الافتراق بقوله تعالى: { إنما ms0976 جعل ~~السبت على الذين اختلفوا فيه } [النحل: 124] إشارة إلى ~~أن الاختلاف فيما أرشد الله به الناس إلى الصراط المستقيم من الأوامر ~~والنواهي لاستحلال بعضها وتحريم بعضها ابتداعا منهم على وفق الطبع ~~والهوى، وإن كان التشديد فيه على أنفسهم يكون وبالا عليهم وضلالا عن ~~الصراط المستقيم، فالواجب على العباد في العبادات والطاعات والمجاهدات ~~وطلب الحق الاتباع وترك الابتداع كما قال صلى الله عليه وسلم: # " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وعضوا عليها بالنواجذ ~~وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ". # وفي قوله: { وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة ~~فيما كانوا فيه يختلفون } إشارة إلى أن الله تعالى يحكم ~~بعدله بين أهل البدع وأهل السنة فيقول: # " هؤلاء في النار بعدلي ولا أبالي وهؤلاء في الجنة بفضلي ولا أبالي ". # ثم أخبر عن أهل الفضل وأهل العدل بقوله تعالى: { ادع إلى سبيل ~~ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } [النحل: 125] إشارة ~~إلى أن دعاء العوام إلى سبيل ربك وهو الجنة بالحكمة وهو بالخوف والرجاء؛ ~~لأنهم يدعون ربهم خوفا من النار وطمعا إلى الجنة { والموعظة ~~الحسنة } هي الرفق والمداراة ولين الكلام والتعريض دون التصريح وفي ~~الخلاء دون الملأ، فإن النصح على الملأ تفريع، ودعاء الخواص إلى الله ~~بالحكمة والموعظة الحسنة أن يحبب الله إليهم وتؤثر دواعيهم في الطلب، ~~ويرشدهم ويهديهم إلى صراط الله ويسلكهم فيه، فيكون إليهم دليلا وسراجا ~~منيرا، إلى أن يصلوا في متابعتك وحسن تربيتك وتزكيتك إياهم أعلى درجات ~~المقربين وأهنأ مشارب الواصلين. # { وجدلهم بالتي هي أحسن } [النحل: 125] لكل طائفة منهما ~~فجادل أهل النفاق بالسيف وأغلظ عليهم القول، وجادل أهل الوفاق باللطف ~~والرحمة # واخفض جناحك للمؤمنين # [الحجر: 88] واعف عنهم واستغفر لهم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله حين ~~خلق الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره فمن أخطأه ذلك النور، فقد ضل وهو ~~أعلم بالمهتدين الذين أصابهم ذلك النور فقد اهتدوا بذلك النور إلى صاحب ~~النور وهو وليهم الذي أخرجهم من ظلمات وجودهم إلى نور وجوده بجوده. # وفي قوله: ms0977 { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم ~~به } [النحل: 126] إشارة إلى من دعا إلى الله فأجاب وجاهد النفس ونهاها ~~عن الهوى، وسلك طريق الحق بالاتباع دون الابتداع، ثم هبت صرصر البلاء من ~~غريب الابتلاء، واستولت النفس وحجبت في مراتع الدنيا وشهواتها، على وقف ~~طبعها وهواها، حتى غلبت الروح وجنوده، وعاقبتم بأنواع عقوبات مختلفة من ~~التباعد والتقاعد والتقاطع إلى أن نسمت رياح العواطف عن مهب العناية، ~~وطلعت شمس الإقبال عن مشرق الأفضال، وانقلبت الأحوال فأقبل نهار الروح ~~مشرق بأنوار الجمال وأدبر ليل النفس مظلم بقهر الجلال وأسرت النفس ~~وجنودها وعزم الروح وجنوده على معاقبتهم بالفطام عن مألوفاتهم والإقدام ~~على مخالفاتهم وتأديبهم بسياط الجوع والعطش، فنودوا من حظائر القدس ~~ومجالس الأنس { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به } [النحل: 126] أي: لا تقصروا المعاقبة وبالغوا فيها ~~كما بالغوا في معاقبتكم { ولئن صبرتم } [النحل: 126] على ~~معاقبتهم { لهو خير للصابرين } [النحل: 126] على معاقبة ~~النفس ومخالفة الهوى. # { واصبر وما صبرك إلا بالله } [النحل: 127] لأن الصبر ~~من صفات الله ولا يقدر واحد أن يتصف بصفاته إلا به بأن يتجلى بتلك الصفة ~~له { ولا تحزن عليهم } [النحل: 127] أي: على النفس وجنودها ~~عند المعاقبة، فإن فيها صلاح حالهم ومآلهم { ولا تك في ضيق ~~مما يمكرون } [النحل: 127] فإن بمعونة الله عند الفرار إليه ~~يندفع مكرهم ويحيق بأهله { إن الله مع الذين اتقوا } ~~[النحل: 128] بالإعانة على التقوى { والذين هم محسنون } ~~[النحل: 128] بالإعانة على الإحسان والتقوى والإحسان ليس من شأن نفس ~~الإنسان. ### | [17 - سورة الإسراء] ### || [17.1-5] # { سبحان الذى أسرى بعبده ليلا } [الإسراء: 1] للتعجب ~~فيها يشير إلى أعجب أمر من أموره جرى بينه وبين أفضل خلقه، وأخص عبيده، ~~وأحبهم إليه، وأقربهم لديه، وأعظمهم قدرا، وأكملهم مقاما، وأرفعهم ~~درجة، وأعلاهم رتبة، وأجلهم منصبا، وأكرمهم مثوى، وأعزهم منزلة، وأوفاهم ~~قربة، وأفناهم عن أنانيته، وأبقاهم بهويته، وأخلصهم لعبوديته، وأوحدهم ~~بوحدانيته، وأفردهم بفردانيته، وأوليهم بتجلي جماله، وأعظميهم من كشف ~~جلاله، وهو العبد المطلق من بين سائر عباده، والحبيب المختص المخلص من ~~أحبابه، والنبي المفضل على أنبيائه، وهو الحر ms0978 المعتق عن عبودية الموجودات ~~ورق وجوده، فلهذا سماه الله { بعبده } عند فناء اسمه ورسمه اسما ما ~~سمي به أحد من خلقه إلا عند بقاء اسمه ورسمه، كما قال # عبده زكريآ # [مريم: 2] ومن هنا يقول كل نبي يوم القيامة: نفسي نفسي لبقاء وجودهم وهو ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " أمتي أمتي " # لفناء وجوده في وجوده. # وفي قوله تعالى: { من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصا الذي باركنا حوله لنريه من آياتنآ } ~~[الإسراء: 1] إشارة إلى أن الحكمة في إسرائه إرائته آيات مخصوصة بذاته ~~تعالى تقديرا له وشرفا ما راءها أحدا من الأولين والآخرين إلا سيد ~~المرسلين وخاتم النبيين، فإنه تبارك وتعالى أرى خليله عليه السلام وهو ~~أعز الخلق عليه بعد حبيبه الملكوت كما قال: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض ~~وليكون من الموقنين # [الأنعام: 75] وأرى حبيبه آيات ربه الكبرى، كما قال: # لقد رأى من آيات ربه الكبرى # [النجم: 18] ليكون من المحبين المحبوبين. # وفي قوله { إنه هو السميع البصير } [الإسراء: 1] إشارة إلى ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم هو السميع الذي # " كنت له سمعا فبي يسمع وبصرا فبي يبصر ". # { لنريه من آياتنآ } [الإسراء: 2] المخصوصة بجمالنا وجلالنا { ~~إنه هو السميع } [الإسراء: 2] الذي يسمعنا { البصير } ~~[الإسراء: 2] يبصرنا فإنه لا يسمع كلامنا إلا بنا ولا يبصر جمالنا. # ثم أخبر عن مرتبة كليمه بعد مرتبة حبيبه بقوله: { وآتينآ موسى ~~الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل } [الإسراء: 2] ~~إشارة إلى أن سبب إيتاء التوصية وإنزالها إنما كان هداية ببني إسرائيل { ~~ألا تتخذوا من دوني وكيلا } [الإسراء: 2] أي: ربا ~~وإلها كما اتخذ قوم نوح؛ وذلك لأنهم { ذرية من حملنا مع ~~نوح } [الإسراء: 3] فإنهم كانوا مؤمنين لا يشركون بالله شيئا، فكذلك ~~أردنا أن ذريتهم لا يشركون بالله شيئا وذلك لأجل { إنه كان ~~عبدا شكورا } [الإسراء: 3] أي: كان نوح عليه السلام { عبدا ~~شكورا } [الإسراء: 3] فالله تعالى بالغ في ازدياد النعمة جزاء ~~لمبالغته في الشكر حتى أنعم على ذرية من حملهم مع نوح { عبدا شكورا ~~} [الإسراء: 3] وهم بنو إسرائيل بإيتاء التوراة الهادية إلى التوحيد ~~وإخراجهم ms0979 من الشرك. # وفي قوله تعالى: { وقضينآ إلى بني إسرائيل في ~~الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن ~~علوا كبيرا } [الإسراء: 4] إشارة إلى أنا أنعمنا على بني إسرائيل ~~بالكتاب لنهدينهم إلى التوحيد، ولكنهم يفسدون في الأرض بقتل الأنبياء ~~كفرانا بنعمتنا، ويبغون العلو في الدنيا { فإذا جآء وعد ~~أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنآ أولي بأس شديد ~~} [الإسراء: 5] ليعذبوكم عذابا شديدا جزاء كفران النعمة، كما قال: # ولئن كفرتم إن عذابي لشديد # [إبراهيم: 7] { فجاسوا خلال الديار } [الإسراء: 5] للاستقصاء ~~في القتل والتعذيب للعباد في الظاهر، وجاسوا قهرنا وعذابنا في الباطن ~~خلال قلوبكم لقتل صفاتكم الحميدة واستيلاء نفوسكم الأمارات بالسوء، ~~ليخربوا بيت قدس قلوبكم ويميتوا أبناء أنبياء إيمانكم وصدقكم ويقينكم { ~~وكان وعدا مفعولا } [الإسراء: 5] في الحكمة الأزلية. ### || [17.6-10] # { ثم رددنا لكم الكرة عليهم } [الإسراء: 6] ~~باستيلاء داود قلوبكم وقتل جالوت نفوسكم { وأمددناكم بأموال ~~} [الإسراء: 6] أموال الطاعات والعبادات { وبنين } [الإسراء: 6] هي ~~الإيمان والإيقان { وجعلناكم أكثر نفيرا } [الإسراء: 6] في ~~العدد والجماعات ممن كان قبلكم الذين أهلكناهم بكفران النعمة، وإنما ~~رددنا الكرة عليهم وأنعمنا عليكم بهذه النعم جزاء الشكورية لنوح. # ثم أخبر عن جزاء أهل الإحسان بقوله تعالى: { إن أحسنتم ~~أحسنتم لأنفسكم } [الإسراء: 7] إشارة إلى أن الإحسان ليس من ~~صفات الإنسان إنما هو من صفات الله تعالى، فإنه المحسن على الحقيقة، فمن ~~أحسن فقد اتصف بصفة من صفات الله ففائدة إحسانه راجعة إلى نفسه؛ لأنها ~~صارت محسنته بعد أن كانت مسيئته { وإن أسأتم فلها } [الإسراء: ~~7] لأنها بقيت على صفة إساءتها، بل ازدادت في الإساءة في البعد وعذاب ~~الفراق { فإذا جآء وعد الآخرة } [الإسراء: 7] وهي يوم الجزاء ~~{ ليسوءوا وجوهكم } [الإسراء: 7] وجود قلوبكم يحجب سوء أعمالكم ~~{ وليدخلوا المسجد } [الإسراء: 7] بخت نصر النفس لتخريب بيت ~~المقدس وهو القلب المقدس من دنس الكفر { كما دخلوه أول مرة ~~} [الإسراء: 7] عند استيلاء النفس وصفاتها في أوان البلاغة وعنفوان ~~الشباب { وليتبروا } [الإسراء: 7] أي: وليهلكوا { ما علوا } ~~[الإسراء: 7] ما غلبوا عليه من أطوار قلوبكم { تتبيرا } [الإسراء: 7] ~~يليق بها. # { عسى ربكم أن يرحمكم } [الإسراء: 8] بتعزيز نفوسكم ~~وتقوية قلوبكم فضلا منه ms0980 وكرما { وإن عدتم } [الإسراء: 8] إلى ~~الجهل { عدنا } [الإسراء: 8] إلى العدل، بل إلى الفضل، وإن عدتم إلى ~~الندم عدنا إلى الكرم، وإن عدتم إلى النسيان عدنا إلى الغفران وإن عدتم ~~إلى الإقدام على العبودية عدنا إلى الإنعام بالربوبية، وإن عدتم إلى طلب ~~الهداية عدنا إلى اختصاصكم بالعناية، وإن عدتم إلى التقربات عدنا إلى ~~الجذبات { وجعلنا جهنم } [الإسراء: 8] البعد والطرد { ~~للكافرين } [الإسراء: 8] كافري نعمة القربة والقبول { حصيرا } ~~[الإسراء: 8] سحيقا مخلدا { إن هذا القرآن } [الإسراء: 9] ~~أي: هذه الآيات من قوله: { إن أحسنتم } [الإسراء: 7] إلى قوله: { ~~حصيرا } [الإسراء: 8] { يهدي للتي هي أقوم } [الإسراء: ~~9] للوصول؛ لأنها تهدي إلى الخوف والرجاء، وهما خطوتان اللتان بهما يصل ~~السائرون إلى الله، فإن قدم الخوف تهدي إلى الخوف والرجاء وهي الفناء عن ~~الأنانية، وقدم الرجاء تهدي إلى البقاء بالهوية، فافهم جدا. # ويؤكد هذا المعنى قوله: { ويبشر المؤمنين الذين ~~يعملون الصالحات } [الإسراء: 9] وهي قطع مفاوز البعد للقائه في ~~الخوف والرجاء { أن لهم أجرا كبيرا } [الإسراء: 9] وهو ~~إفضاله الكبير المتعال { وأن الذين لا يؤمنون } [الإسراء: ~~10] بما وعدهم { بالآخرة } [الإسراء: 10] أي: بآخرة أعمالهم أيضا ~~تبشرهم هذه الآيات بوعدها ووعيدها { أعتدنا لهم عذابا ~~أليما } [الإسراء: 10] وهو عذاب البعد بعد القرب وعذاب الرد بعد ~~القبول وعذاب السخط بعد الرضا. ### || [17.11-15] # وفي قوله: { ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير } ~~[الإسراء: 11] إشارة إلى أن من خصوصية الإنسان طلب الدنيا والتلذذ ~~بشهواتها والتفاخر بمالها وجاهها والتمتع بها، وأنه يحب العاجلة ويذر ~~الآجلة، ولهذا قال الله تعالى في وصفه: { وكان الإنسان عجولا } ~~[الإسراء: 11] وهذا كله شر له وهو عجب أنه خير له وهو ملتمس بالدعاء الشر ~~كما يلتمس أهل الوفاء الخير. # ثم قال: { وجعلنا اليل والنهار آيتين } [الإسراء: 12] ~~أي: ليل البشرية وآياتها قمر القلب، ونهار الروحانية وآياتها شمس شهود ~~الحق وهما يدلان على الوصول { فمحونآ آية اليل } [الإسراء: 12] ~~أي: ضوء الروح عن قمر القلب فبقى فيه نور العقل. # { وجعلنآ آية النهار مبصرة } [الإسراء: 12] المعنى أن ~~نور القلب وهو العقل يهدي إلى الشرع، وهو شمس شهود الحق، وإذا طلع الصباح ms0981 ~~استغنى عن المصباح فإنها مظهرة للحق ومبصرة لها { لتبتغوا فضلا ~~من ربكم } [الإسراء: 12] تجلي ذاته وصفاته تبارك وتعالى، وقد ~~اختص الإنسان به دون سائر المخلوقات ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء { ~~ولتعلموا عدد السنين } [الإسراء: 12] أي: أيام الطلب ~~وامتدادها عند قطع المنازل { والحساب } [الإسراء: 12] أي: حساب ~~الترقي من مقام إلى مقام { وكل شيء } [الإسراء: 12] يحتاج إليه ~~السالك { فصلناه } [الإسراء: 12] بيناه بالإشارات { تفصيلا } ~~[الإسراء: 12] تبينا يبلغ الطالب إلى المطلوب والمحب إلى المحبوب. # ثم أخبر عما قدر للإنسان من الإحسان والخذلان بقوله تعالى: { وكل ~~إنسان ألزمناه طآئره في عنقه } [الإسراء: 13] يشير ~~إلى ما طار لكل إنسان في الأزل وتعد بالحكمة الأزلية والإرادة القديمة من ~~السعادة والشقاوة ويجري عليه من الأحكام المقدرة، والأحوال التي جرى بها ~~العلم من الخلق والرزق والأجل، ومن صغائر الأعمال وكبائرها المكتوبة له، ~~وهو بعد في العدم وطائره ينتظر وجوده، فلما أخرج كل إنسان من العدم إلى ~~الوجود وقع طائره في عنقه ملازما له في حياته ومماته حتى يخرج من قبره ~~يوم القيامة وهو في عنقه، وذلك قوله: { ونخرج له يوم ~~القيامة كتابا يلقاه منشورا } [الإسراء: 13] أي: ينشر ~~بعدما كان منطويا، ثم إن كان من أصحاب اليمين أوتي كتابه بيمينه، وإن ~~كان من أصحاب الشمال أوتي كتابه بشماله، أو من وراء ظهره، ويجوز أن يكون ~~هذا الكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها نسخة نسخها الكرام ~~الكاتبون بقلم أعماله في صحيفة أنفاسه من الكتاب الطائر في عنقه، ولهذا ~~يقال: { اقرأ كتبك } [الإسراء: 14] أي: كتابك الذي كتبته. # { كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } [الإسراء: 14] فإن ~~نفسك مرقومة بقلم أعمالك إما برقوم السعادة أو برقوم الشقاوة { من ~~اهتدى } [الإسراء: 15] إلى الأعمال الصالحات { فإنما يهتدي ~~لنفسه } [الإسراء: 15] فيرقمها برقوم السعادة { ومن ضل } ~~[الإسراء: 15] عنها بالأعمال الفاسدة { فإنما يضل عليها } ~~[الإسراء: 15] فيرقمها برقوم الشقاوة { ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى } [الإسراء: 15] أي: لا يرقم راقم بقلم أوزاره نفس غيره برقوم ~~الشقاوة. # وبقوله: { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ~~[الإسراء: 15] يشير إلى أن الأعمال ms0982 الصالحة والفاسدة التي ترقم النفس ~~برقوم السعادة والشقاوة لا يكون لها أثر إلا بقبول دعوة الأنبياء أو ~~بردها، فإن السعادة والشقاوة مودعة في أوامر الشريعة ونواهيها. ### || [17.16-22] # { وإذآ أردنآ أن نهلك قرية } [الإسراء: 16] أي: من قرى ~~النفوس { أمرنا مترفيها } [الإسراء: 16] وهي النفوس الأمارة ~~بالسوء { ففسقوا فيها } [الإسراء: 16] أي: فخرجوا عن قيد الشريعة، ~~ومتابعة الأنبياء بمتابعة الهوى واستيفاء شهوات النفس { فحق ~~عليها القول } [الإسراء: 16] أي: فوجب لها الشقاوة بمخالفة ~~الشريعة { فدمرناها تدميرا } [الإسراء: 16] بإبطال استعداد ~~قبول السعادة إذا صارت النفس مرقومة برقوم الشقاوة والأبدية. # { وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح } [الإسراء: 17] ~~أي: أبطلنا حسن استعدادهم لقبول السعادة برد دعوة الأنبياء { وكفى ~~بربك بذنوب عباده } [الإسراء: 17] إذا لم يقبلوا دعوة ~~الأنبياء { خبيرا بصيرا } [الإسراء: 17] فإنه المقدر في الأزل ~~والمدبر إلى الأبد أسباب سعادة عباده وأسباب شقاوتهم. # ثم أخبر عن أمارة أهل السعادة والشقاوة بقوله تعالى: { من كان ~~يريد العاجلة عجلنا له } [الإسراء: 18] إشارة إلى أن ~~إرادته إنما كانت العاجلة؛ لأنا عجلنا له هذه الإرادة { فيها } ~~[الإسراء: 18] أي: في الدنيا { ما نشآء } [الإسراء: 18] أي: بقدر ما ~~نشاء على مقتضى حكمتنا { لمن نريد } [الإسراء: 18] أن يكون من أهل ~~الدنيا ومظهر صفة قهرنا { ثم جعلنا له جهنم يصلاها ~~مذموما } [الإسراء: 18] أي: عذبناه بعذاب صفاته الذميمة في جهنم ~~والبعد والقطيعة { مدحورا } [الإسراء: 18] مطرودا مهينا ذليلا. # واعلم أن فيها إشارة إلى أن الله تعالى خلق الإنسان مركبا من الدنيا ~~والآخرة، ولكل جزء منهما ميل وإرادة إلى كله ليتغذى منه ويتقوى ويتكمل ~~به، وإن في جزئه الدنيوي وهو النفس طريق إلى دركات النيران، وفي جزئه ~~الأخروي وهو الروح طريق إلى درجات الجنان، وخلق القلب في هذين الجزئين، ~~وله طريق إلى بين إصبعي الرحمن إصبع اللطف وإصبع القهر، فمن يرد الله أن ~~يكون مظهره قهره أزاغ الله قلبه، وحول وجهه إلى الدنيا فيريد العاجلة ~~ويربي بها نفسه إلى أن يبلغه إلى دركات جهنم البعد وتصلى نار القطعية، ~~ومن يرد الله أن يكون مظهر لطفه أقام قلبه وحول وجهه ms0983 إلى عالم العلو ~~فيريد الآخرة، { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها } ~~[الإسراء: 19] وهو الطلب بالصدق { وهو مؤمن } [الإسراء: 19] بأن ~~طلبه وجده { فأولئك كان سعيهم } [الإسراء: 19] في الوجود { ~~مشكورا } [الإسراء: 19] من الموجود في الأزل. # ثم أكد هذا التأويل بقوله: { كلا نمد هؤلاء } [الإسراء: ~~20] يعني: أهل الدنيا بأن نحول وجه قلبه إلى الدنيا وزخارفها إظهارا ~~للقهر، { وهؤلاء } [الإسراء: 20] يعني: أهل الآخرة بأن نحول وجه ~~قلبه إلى الآخرة ودرجاتها، { من عطآء ربك وما كان عطآء ~~ربك محظورا } [الإسراء: 20] ممنوعا من كلا الفريقين. # { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } [الإسراء: 21] ~~من أهل الدنيا في النعمة والدولة وموافاة المرادات ليتحقق لك أنها من ~~إمدادنا إياهم { وللآخرة } [الإسراء: 21] يعني: أهل الآخرة { ~~أكبر درجات وأكبر تفضيلا } [الإسراء: 21] من أهل ~~الدنيا؛ لأن مراتب درجات الأخروية وفضائل أهلها باقية غير متناهية ونعمة ~~الدنيا وفضائل أهلها فانية متناهية، ثم خاطب الله النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقطع تعلقه عن الكونين من بين الثقلين، فقال: { لا تجعل مع ~~الله إلها آخر } [الإسراء: 22] من الدنيا والآخرة لتعبد الدنيا ~~أن تعبد الآخرة بطلبهما { فتقعد } [الإسراء: 22] عن طلبنا { ~~مذموما } [الإسراء: 22] في طلب الدنيا { مخذولا } في طلب ~~الآخرة. ### || [17.23-30] # ثم شرف أمته بتبعيته بتشريف هذه المرتبة السنية وصرح بخطابهم فقال: { ~~وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } [الإسراء: 23] ~~أي: لا تعبدوا الدنيا والآخرة إلا الله وإنما قال ربك أراد به النبي صلى ~~الله عليه وسلم؛ لأنه مخصوص بالتربية أصالة والأمة تبعا له في هذا ~~الشأن، وقوله: { وقضى ربك } [الإسراء: 23] أي: وحكم ربك وقدر ~~في الأزل ألا تعبدوا، المخصوصون بالخطاب، إلا الله، فما عبدوا، وحكم ~~أيضا كما قال: { وبالوالدين إحسانا } [الإسراء: 23] يشير ~~بالوالدين إلى والد الروح ووالد البدن، والإحسان بهما أن تراقبهما في ~~العبودية ليعبدوا كأنهما يريان الله فإن لم يكونا يريان الله فإنه ~~يراهما. # وبقوله: { إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو ~~كلاهما فلا تقل لهمآ أف } [الإسراء: 23] يخاطب القلب ~~ويوصيه بأن يواسي والد الروح عند كبره وهو بلاغه أعلى مراتب القرب، وعجزه ~~عند سطوات تجلي صفات ms0984 الألوهية، ويداوي والد البدن عند كبره وهو كبر السن، ~~فلا تنفعهما في الاستعمال عند العجز { ولا تنهرهما } [الإسراء: ~~23] عند الاستراحة { وقل لهما قولا كريما } [الإسراء: 23] ~~أي: رفيقا عند استعمالهما في العبودية. # { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } [الإسراء: 24] ~~أي: تتواضع لهما، ولا تتكبر عليهما فإنك أخذت التربية عنهما { وقل ~~رب ارحمهما كما ربياني صغيرا } [الإسراء: 24] وذلك ~~لأن القلب طفل يولد بازدواج الروح والبدن، وقد وجدت التربية عنهما صورة ~~ومعنى إلى أن صار قابلا لتجلي جمال الربوبية وجلالها وصار خليفة الله في ~~أرضه. # ثم قال: { ربكم أعلم بما في نفوسكم } [الإسراء: 25] ~~من استعداد لأنه دبره فيها { إن تكونوا صالحين } [الإسراء: 25] ~~مستعدين للخلافة { فإنه كان للأوابين غفورا } [الإسراء: ~~25] والأواب الراجع من أنانيته إلى هويته بغفوريته يشير إلى أن كل نفس ~~صالحة للخلافة إنما تبلغ محلها بالأنانية، فإن من كان مقيدا بنفسه لا ~~يصلح لخلافة الله. # ثم أخبر عن آداب الخلافة بقوله تعالى: { وآت ذا القربى حقه ~~والمسكين وابن السبيل } [الإسراء: 26] إشارة إلى أن النفس ~~فإنها من ذوي قربى القلب ولها حق كما قال صلى الله عليه وسلم # " إن لنفسك عليك حقا " # والمعنى لا يبالغ في رياضة النفس وجهادها؛ لئلا تسأم وتمل أو تضعف عن ~~حمل أعباء الشريعة وحق رعايتها عن الشرف في المأكل والملبوس والأثاث ~~والمسكن وحفظها عن طرفي الإفراط والتفريط صيانة عن التبذير. # كما قال: { ولا تبذر تبذيرا } [الإسراء: 26] أي: لا تنفق ~~لهوى النفس وشهواتها والتذاذها بحظوظها { إن المبذرين ~~كانوا إخوان الشياطين } [الإسراء: 27] أي: أعوانهم في إهلاك ~~أنفسهم ونظراؤهم في كفران النعمة والعصيان. # كما قال: { وكان الشيطان لربه كفورا } [الإسراء: 27] ~~أي: لا يشكر نعمه بامتثال أوامره ونواهيه. # { وإما تعرضن عنهم } [الإسراء: 28] أي: تعرض عن نفق النفس ~~وصفاتها بالكسر والتبديل { ابتغآء رحمة من ربك ترجوها ~~} [الإسراء: 28] فإن دواء النفس داؤها وإن داءها دواؤها ورجاء الرحمة في ~~حقها بألا يرحمها عند طلب مرادها { فقل لهم قولا ميسورا } ~~[الإسراء: 28] أي: فعد النفس وصفاتها بوعد لها فيه يسر وراحة لتحمل ~~بالمشقة في تزكيتها { ولا تجعل ms0985 يدك } [الإسراء: 29] في إعطاء ~~بعض حظوظها { مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها } [الإسراء: ~~29] في إعطاء مراداتها واستيفاء لذاتها { كل البسط فتقعد } ~~[الإسراء: 29] عن طريق الطلب والمسير إلى الله { ملوما } [الإسراء: ~~29] تلوم نفسك حين لا تنفع الملامة إذ تلام يوم القيامة { محسورا } ~~[الإسراء: 29] منقطعا عن سبيل الله حسيرا عن المسير إليه. # { إن ربك يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر } ~~[الإسراء: 30] يشير به إلى الخروج عن أوطان البشرية والطبيعة الإنسانية ~~إلى فضاء العبودية بقدمي التوكل على الله وتفويض الأمور إليه، فإن كان ~~يبسط النفس في بعض الأوقات ببعض المرادات ليفرش الحصى ببساط البسط أو ~~يقدر عليها في بعض الأوقات ممتنا بها ليغبط أحوالها بمجامع الفيض ~~فالأمور موكولة إلى بساط حكمته البالغة وأحكامه الأزلية { إنه كان ~~بعباده خبيرا بصيرا } [الإسراء: 30] في الأزل فيما حكم وقدر. ### || [17.31-38] # ثم أخبر عن آداب العبودية على وفق أوامر الربوبية بقوله تعالى: { ولا ~~تقتلوا أولادكم خشية إملاق } [الإسراء: 31] إلى هذا ~~الموضع وهو عشر آيات إشارة إلى تبديل عشر خصال مذمومة بعشر خصال محمودة. # أما المذمومات: # فأولها: البخل، وثانيها: الأمل، وهما في قوله تعالى: { ولا ~~تقتلوا أولادكم خشية إملاق } [الإسراء: 31] فإن البخل ~~وطول الأمل حملهما على قتل أولادهم فدلهم على تبديلهما بالسخاء والتوكل ~~بقوله تعالى: { نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان ~~خطئا كبيرا } [الإسراء: 31]. # وثالثهما: الشهوة، وهي في قوله: { ولا تقربوا الزنى إنه ~~كان فاحشة وسآء سبيلا } [الإسراء: 32] فإن غلبة الشهوة يورث ~~الزنا فبدلهما بالعفة حين نهاهم عن الزنا. # ورابعها: الغضب، وهو في قوله: { ولا تقتلوا النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق } [الإسراء: 33] فإن استيلاء الغضب ~~يورث القتل بغير الحق فبدله بالحلم في قوله: { ومن قتل مظلوما ~~فقد جعلنا لوليه سلطانا } [الإسراء: 33]. # وخامسها: الإسراف، وهو في قوله: { فلا يسرف في القتل إنه ~~كان منصورا } [الإسراء: 33] فإن الإفراط في كل شيء يورث الإسراف ~~فبدله بالقوام. # وسادسها: الحرص، وهو في قوله: { ولا تقربوا مال اليتيم } ~~[الإسراء: 34] فإن التصرف في مال اليتيم من الحرص فبدله بالقناعة بقوله: ~~{ إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ms0986 } ~~[الإسراء: 34]. # وسابعها: نقض العهد فبدله بالوفاء بقوله: { وأوفوا بالعهد ~~إن العهد كان مسؤولا } [الإسراء: 34]. # وثامنها: الخيانة، فبدلها بالأمانة { وأوفوا الكيل إذا ~~كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير ~~وأحسن تأويلا } [الإسراء: 35]. # وتاسعها: الظلم وهو وضع الشيء في غير موضعه باستعمال الجوارح والأعضاء ~~على خلاف ما أمره وذلك في قوله: { ولا تقف ما ليس لك به ~~علم } [الإسراء: 36] فبدله بالعدل بقوله: { إن السمع ~~والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } ~~[الإسراء: 36] فظلم السمع، باستعماله في استماع الغيبة واللغو، والرفث ~~والبهتان والقذف والملاهي والفواحش، وعدله استعماله في استماع القرآن ~~والأخبار والعلوم والحكم والمواعظ والنصيحة والمعروف وقول الحق، وظلم ~~البصر، النظر إلى المحرمات والشهوات وإلى من فوقه في دنياه وإلى متاع ~~الدنيا وزينتها وزخارفها، وعدله النظر في القرآن والعلوم وإلى وجه ~~العلماء والصلحاء، # فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد ~~موتهآ # [الروم: 50] وإلى الأشياء بنظر الاعتبار، وإلى من دونه في دنياه، وإلى ~~من فوقه في دينه، وظلم الفؤاد قبول الحقد والحسد والعداوة وحب الدنيا ~~والتعلق بما سوى الله، وعدله تصفيته عن هذه الأوصاف الذميمة وتحليته ~~بالأوصاف الحميدة وتبديل هذه الصفات والتخلق بأخلاق الله. # وعاشرها: الكبر وهو في قوله: { ولا تمش في الأرض مرحا } ~~[الإسراء: 37] فإن المشية بالخيلاء من الكبر فبدله بالتواضع بقوله: { ~~إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا } ~~[الإسراء: 37] أي: من الكبر فألزمه التواضع. # ثم قال: { كل ذلك } [الإسراء: 38] أي: الخطاب الخصال العشر التي ~~ذكرنا في هذه الآيات العشر { كان سيئه عند ربك مكروها ~~} [الإسراء: 38] أي: مانعا من العباد أن يصلوا إلى مقام العندية # في مقعد صدق عند مليك مقتدر # [القمر: 55]. ### || [17.39-44] # وقال: { ذلك } [الإسراء: 39] أي: الذي ذكرنا من الآيات { ممآ ~~أوحى إليك ربك من الحكمة } [الإسراء: 39] المودعة ~~فيها كما قدرنا بعضها، { ولا تجعل مع الله إلها آخر } ~~[الإسراء: 39] أي: لا تنظر إلى هذه المانعات بنظر الهوى فيتعلق بشيء فيها ~~يقطعك عن الله { فتلقى في جهنم } [الإسراء: 39] البعد { ~~ملوما } [الإسراء: 39] بكل لسان { مدحورا } [الإسراء: 39] ~~ومبعدا عن سعادة الأبد. # ثم أخبر ms0987 عن خسارة الإنسان وخسارته بقوله تعالى: { أفأصفاكم ~~ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا } ~~[الإسراء: 40] يشير إلى كمال ظلومية الإنسان وكمال جهوليته، أما كمال ~~ظلوميته فبأنهم ظنوا بالله سبحانه أنه من جنس الحيوانات التي من خاصيتها ~~التوالد، ومن كمال جهولية الإنسان بأنهم لم يعلموا أن الحاجة إلى التوالد ~~لبقاء الجنس، فإن الله تعالى باق أبدي لا يحتاج إلى التوالد لبقاء ~~الجنس، ولم يعلموا أن الله منزه عن الجنس وليس الملائكة من جنسه، فإنه ~~خالق أزلي أبدي وأن الملائكة هم المخلوقون، ومن كمال الظلومية والجهولية ~~أنهم حسبوا أن الله تعالى إنما أصفاهم بالبنين واختار لنفسه البنات لجهله ~~بشرف البنين على البنات فلهذا قال: { إنكم لتقولون قولا ~~عظيما } [الإسراء: 40] أي: قولا ينبئ عن عظم أمر ظلوميتكم وجهوليتكم. # ثم قال: { ولقد صرفنا في هذا القرآن } [الإسراء: 41] ~~أي: بالحكم والمواعظ والرموز والإشارات والدقائق والحقائق والترغيب ~~والتشويق والتحبيب { ليذكروا } [الإسراء: 41] أي: ليذكروا يوم ~~الميثاق والإنفاق على الوفاق { وما يزيدهم } [الإسراء: 41] ~~الظلومية والجهولية { إلا نفورا } [الإسراء: 41] عن حظائر قدسنا ~~ومجالس أنسنا. # وبقوله: { قل لو كان معه آلهة كما يقولون } ~~[الإسراء: 42] يشير إلى أن الآلهة لا يخلو أمرهم إما كانوا أكبر منه أو ~~كانوا أمثاله أو كانوا أدون منه فإن كانوا أكبر منه { إذا ~~لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا } [الإسراء: 42] أي: طلبوا ~~طريقا إلى إزعاج صاحب العرش ونزع الملك منه قهرا أو غلبة ليكون لهم ~~الملك لا له كما هو المعتاد من الملوك، وإن كانوا أمثاله لم يرضوا بأن ~~يكون الملك لواحد مثلهم وهم جماعة معزولون عن الملك فأيضا نازعوه في ~~الملك، وإن كانوا أدون منه فالناقص لا يصلح للإلهية إذا لابتغوا إلى ذي ~~العرش الكامل في الألوهية سبيلا للخدمة والعبودية والقربة. # ثم قال: { سبحانه } [الإسراء: 43] أي: تنزيها أن يكون له غالب ~~يمنعه أو مثل ينازعه { وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ~~} [الإسراء: 43] أي: هو أكبر وأعظم مما يظنون به ويتوقعون منه ومن عظمته. # { تسبح له السموت السبع والأرض ومن فيهن } ~~[الإسراء: 44] أي: تنزهه عما يقولون وعن كل نقيصة ms0988 ذرات المكونات، وإجراء ~~المخلوقات لمن له روح فبلسانه ولغته وهذا مما لا يفقهه العقلاء، وأما ~~الجمادات فبلسان الملكوتي كما قال: { وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده } [الإسراء: 44] أي: بحمده على نعمة الإيجاد والتربية { ~~ولكن لا تفقهون تسبيحهم } [الإسراء: 44]. # واعلم أن الله تعالى أثبت لكل ذرة من ذرات الموجودات ملكوتا بقوله: # فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء # [يس: 83] والملكوت باطن الكون وهو الآخرة والآخرة حيوان لا جماد كقوله: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 64] فأثبت بهذا الدليل لكل ذرة من ذرات الموجودات لسانا ~~ملكوتيا ناطقا بالتسبيح والحمد تنزيها لصانعه وقادره وحمدا له على ما ~~أولاه من نعمة، وبهذا اللسان نطق الحصى في يد النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وبهذا تنطق الأرض يوم القيامة. # وكما قال تعالى: # يومئذ تحدث أخبارها # [الزلزلة: 4] وبهذا اللسان نطق الحصى وتشهد أجزاء الإنسان وأبعاضه عليه ~~يوم القيامة وبقوله: # أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء # [فصلت: 21] وبهذا اللسان نطقت السماوات والأرض حين # قالتآ أتينا طآئعين # [فصلت: 11] فافهم جدا واغتنم. # ثم قال: { إنه كان حليما } [الإسراء: 44] أي: في الأزل إذ أخرج ~~من العدم من يتولد منه أن يتخذ مع الله آلهة أخرى { غفورا } ~~[الإسراء: 44] لمن تاب عن مثل هذه المقالات. ### || [17.45-48] # ثم أخبر عن إعجاز القرآن بالبرهان بقوله تعالى: { وإذا قرأت ~~القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة حجابا مستورا } [الإسراء: 45] يشير إلى أن من قرأ ~~القرآن حق قراءته ارتقى إلى أعلى المراتب كما قال صلى الله عليه وسلم: # " يقال - يعني: لصاحب القرآن - اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا ~~فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها ". # قال أبو سليمان الخطابي: " جاء في الأثر أن عدد أي القرآن على عدد درج ~~الجنة فمن استوفى جميع آي القرآن استولى على أقصى درج الجنة ". # قلت: واستيفاء جميع آي القرآن في الحقيقة هو التخلق بأخلاق القرآن، ~~فالقرآن من أخلاق الله وصفاته والمتخلق بأخلاقه يكون متخلقا بأخلاق ~~الله، وهذا يكون بعد العبور عن حجب الظلماني والنوراني متمكنا # في مقعد ms0989 صدق عند مليك مقتدر # [القمر: 55] فهو الذي جعل بينه وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا ~~مستورا. # وإنما قال: { حجابا مستورا } [الإسراء: 45] ولم يقل ساترا؛ لأن ~~الحجاب يستر الواصل عن المنقطع ولا يستر المنقطع عن الواصل فيكون الواصل ~~بالحجاب مستورا عن المنقطع، والله أعلم. # وفي قوله: { وإذا ذكرت ربك في القرءان وحده ~~ولوا على أدبرهم نفورا } [الإسراء: 46] إشارة إلى ~~انحراف مزاج قلوب أهل الشرك وحصول المرض فيها وإزالة الصحة والسلامة عنها ~~إذ يتفرقون عند استماع ذكر الواحد الأحد بالوحدانية والوحدة ولا يجدون ~~حلاوة التوحيد؛ بل يجدون فيه المرارة لسوء المزاج. # { نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون ~~إليك وإذ هم نجوى } [الإسراء: 47] لأنا خلقناهم مستعدين ~~لذلك كقوله: # ألا يعلم من خلق # [الملك: 14] وأنهم يستمعون بالهوى فيسمعون الأساطير والسحر والشعر، ولو ~~استمعوا بالله لاستمعوا كلام الله وصفاته { إذ يقول الظالمون ~~إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } [الإسراء: 47]. ### || [17.49-58] # فمن ظلمهم وصفوا اسم المسحور موضع المبعوث { انظر كيف ضربوا ~~لك الأمثال } [الإسراء: 48] بالسحر والشعر { فضلوا } عن طريق ~~العقبى. # فلما كان حال البلوغ إلى بيته بقوله: # لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس # [النحل: 7] فكيف يكون حال أهل الوصول إليه، ولهذا قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما أوذي نبي مثل ما أوذيت " # فلما لم يصل أحد مقامه الذي وصل ما أوذي أحد في السير إلى الله والسير ~~في الله والسير بالله مثل ما أوذي النبي صلى الله عليه وسلم، وإيذاء ~~السائرين بإذابة وجودهم في السير ففي السير إلى الله ذوبان الأفعال، وفي ~~السير في الله ذوبان الصفات، وفي السير بالله ذوبان الذات، فافهم جدا. ### || [17.59-61] # ثم أخبر عن آيات إرساله الآيات بقوله تعالى: { وما منعنآ أن ~~نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون } [الإسراء: ~~59] يشير إلى اختصاص هذه الأمة بالرحمة والعناية كرامة لوجه حبيبه ونبيه ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الأمم السالفة مثل ثمود وغيرها لما ~~التمست الآيات من أنبيائهم فأرسل الله بها، ثم لم يؤمنوا وجحدوا أنها من ~~عند الله كما قال: { وآتينا ms0990 ثمود الناقة مبصرة ~~فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا } ~~[الإسراء: 59] ليؤمنوا فلم يؤمنوا بها وعقروها وكذبوا، جرت سنة الله على ~~ألا يهلكهم ويعذبهم ويأخذهم نكال الآخرة والأولى، فلما التمست قريش من ~~النبي الآيات مثل أن يجعل الله لهم الضفادع وغيرها. # كما قال تعالى: { وما منعنآ أن نرسل بالآيات } [الإسراء: ~~59] أي: وما منعنا الرحمة السابقة غضبا في الأزل أن نسعف ملتمسهم إلا ~~أنا علمنا أنهم لا يؤمنون بها ولا يكذبون بها كما { كذب بها ~~الأولون } [الإسراء: 59] فيقضي السنة التي لا تبديل لها أن تهلك ~~أمتك كما أهلكنا الأولين، وقد سبقت لأمتك منا كرامة لك ألا نعذبهم وأنت ~~فيهم. # { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس } [الإسراء: ~~60] أي: أحاط بما في نفوس الناس من الخير والشر علما فيعلم ما هو مقتضى ~~كل نفس ولهذا قال: { وما جعلنا الرءيا التي أريناك ~~إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ~~ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا } ~~[الإسراء: 60] ولا يزيدهم التخويف إلا الطغيان؛ لأنه تعالى كان عالما ~~بحال نفوس أهل الشقاوة، منهم أنه صلى الله عليه وسلم إذا قص رؤياه عليهم ~~أنهم يكذبونه، فجوز هذا التكذيب في حقهم؛ لأنه لم يكن بعد إرساله آية ~~ملتمسة موجبة لهلاكهم ولم يجوزهم التكذيب بعد إرسال الآية الملتمسة ~~الموجبة لهلاكهم فضلا منه ورحمة. # ثم أخبر عن فضل آدم على الملائكة بوجوب السجود بقوله تعالى: { وإذ ~~قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا } [الإسراء: 61] ~~إشارة إلى أن آدم عليه السلام كان مستحقا لسجود الملائكة؛ وذلك لأنه ~~تعالى خلق آدم فتجلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم وكانت السجدة في ~~الحقيقة للحق تعالى، وكان آدم عليه السلام بمثابة الكعبة قبلة السجود ~~فتسجد الملائكة لاستعداد ائتمارهم بأوامر الحق وانتهائهم عن نواهي الحق، ~~كقوله تعالى: # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6] فدل الائتمار بأوامر الحق والانتهاء عن نواهيه عن السعادة ~~الأزلية { إلا إبليس } [الإسراء: 61] فإنه # أبى واستكبر # [البقرة: 34] فدلت المخالفة والإباء على الشقاوة الأزلية، ومن شقاوة ~~إبليس { قال أأسجد لمن خلقت طينا ms0991 } [الإسراء: 61] ~~اعتراضا وعجبا ونكرا وإنكارا فاستحق اللعن والطرد والبعد. ### || [17.62-66] # قال إبليس بعدها لعن وطرد وبعد إظهار العداوة وانتقاما للحقد ~~وإقداما على الحسد { قال أرأيتك هذا الذي كرمت ~~علي } [الإسراء: 62] وفضلته بالخلافة والسجود { لئن أخرتن ~~إلى يوم القيامة } [الإسراء: 62] يعني: على صفة الإغواء ~~والإضلال { لأحتنكن ذريته } [الإسراء: 62] لأستولين على ~~الأولاد بالإغواء، كما قال: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82] { إلا قليلا } [الإسراء: 62] يعني: من عبادك المخلصين. # { قال اذهب } [الإسراء: 63] يعني: على طريقك السوء في الإغواء ~~والإضلال { فمن تبعك منهم } [الإسراء: 63] على الضلالة { ~~فإن جهنم جزآؤكم جزاء موفورا } [الإسراء: 63] ~~مكملا. # { واستفزز من استطعت منهم بصوتك } [الإسراء: 64] ~~أي: بتمويهات الفلاسفة وشبهات أهل الأهواء والبدع، وطامات الإباحية، وما ~~يناسبها من مقالات أهل الطبيعة مخالفا للشريعة { وأجلب عليهم ~~بخيلك } [الإسراء: 64] وهو كل راكب يركب الهوى، ويقال الدنيا { ~~ورجلك } [الإسراء: 64] وهو كل ماش حريص على الدنيا وشهواتها طالب ~~للذاتها { وشاركهم في الأموال } بتحصيلها من غير وجه بإسراف ~~النفس وإنفاقها أو ممسكا لها بالبخل لإتلاف الأولاد { والأولاد } ~~بتضييع زمانهم وإفساد استعدادهم في طلب الدنيا ورئاستها متغافلا عن ~~تهذيب نفوسهم وتزكيتهم أو تأديبها وتوفيها عن الصفات المذمومة وتحليتها ~~بالصفات المحمودة، وتعلمهم الفرائض والسنن والعلوم الدينية، وتحرضهم على ~~طلب الآخرة والدرجات العلى، والنجاة من النار والدركات السفلى، { ~~وعدهم } نيل المقصد الأعلى في الآخرة والأولى على البطالة وإتيان ~~الهوى، { وما يعدهم الشيطان } بكرم الله وعفوه وغفرانه ~~للذنوب والمعاصي من غير توبة وإنابة { إلا غرورا } [الإسراء: 64] ~~كما قال تعالى: # ولا يغرنكم بالله الغرور # [لقمان: 33] أي الشيطان. # وفي قوله: { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } ~~[الإسراء: 65] إشارة إلى أن عباد الله هم الأحرار عن رق الكونين وتعلقات ~~الدارين فلا يستعبدهم الشيطان، فلا يقدر أن يتعلق بهم فيضلهم عن طريق ~~الحق ويغويهم بما سواه { وكفى بربك وكيلا } [الإسراء: 65] ~~لهم في ترتيب أسباب سعادتهم وتفويت أسباب شقاوتهم والحراسة عن الشيطان ~~والهداية إلى الرحمن. # ثم أخبر عن أصناف ألطافه وأوصاف أعطافه بقوله تعالى: { ربكم ~~الذي يزجي لكم الفلك في البحر } [الإسراء: 66] يشير ~~إلى فلك الشريعة يجريه ms0992 في بحر الحقيقة، المعنى إن لم يكن فلك الشريعة ما ~~تيسر لأحد العبور على بحر الحقيقة. # { لتبتغوا من فضله } [الإسراء: 66] وهو جذبة العناية # ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء # [الحديد: 21] يشير إلى أن جذبة العناية ليست بمكتسبة للخلق؛ بل هي من ~~قبيل الفضل لقوله تعالى: { إنه كان بكم } [الإسراء: 66] في ~~الأزل { رحيما } [الإسراء: 66] فضلا منه وكرما. ### || [17.67-69] # { وإذا مسكم الضر في البحر } [الإسراء: 67] يعني: خلل ~~في فلك الشريعة وخوفا من الغرق { ضل من تدعون } [الإسراء: 67] ~~أي: بطل كل تدبير مدبر لنجاتكم { إلا إياه } [الإسراء: 67] أي: ~~إلا الله. # { فلما نجاكم إلى البر } [الإسراء: 67] وحسبتم الوصول ~~إلى ساحل الوصال، حجبتم بحجاب الحسنات وحجب الوجدان { أعرضتم } ~~[الإسراء: 67] عن الحق بالكفر، وأدبرتم بالخذلان ورجعتم بالخسران كما قال ~~الجنيد: لو أقبل صديق على الله ألف سنة، ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته ~~أكثر مما ناله، وخسران الإنسان في الخذلان والخذلان من نتائج الكفران كما ~~قال تعالى: { وكان الإنسان كفورا } [الإسراء: 67]. # وبقوله: { أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر } ~~[الإسراء: 68] يشير إلى أهل السكون من ساكني بر البشرية أي: يا من سكنتم ~~بر البشرية ولم تركبوا فلك الشريعة لتعبروا بحر الروحانية أفأمنتم أن ~~يخسف بكم مذمومات صفات البشرية ولم تركبوا فلك الشريعة لتعبروا { أو ~~يرسل عليكم حاصبا } [الإسراء: 68] أي: يمطر عليكم حصباء ~~القهر { ثم لا تجدوا لكم وكيلا } [الإسراء: 68] يمنعكم من ~~إصابة حصب قهرنا. # ثم قال: { أم أمنتم أن يعيدكم } بالماء { فيه } في البحر ~~{ تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح } ~~[الإسراء: 69] أي: كاسرا من ريح البلاء لفلك الشريعة { فيغرقكم ~~بما كفرتم } [الإسراء: 69] من كفران النعمة { ثم لا تجدوا ~~لكم علينا به تبيعا } [الإسراء: 69] يمنع عنكم سطوات قهرنا. ### || [17.70-75] # ثم أخبر عن بني آدم وحاله من الكرامة وما عليه من الغرامة بقوله تعالى: ~~{ ولقد كرمنا بني ءادم } [الإسراء: 70] أي خصصناهم بكرامة ~~تخرجهم عن حيز الإشراك وهي على ضربين: جسدانية، وروحانية. # * فالكرامة الجسدانية: عامة يستوي فيها المؤمن والكافر وهي تخمير طينته ~~بيده أربعين صباحا، وتصويره في الرحم ms0993 بنفسه، وأنه تعالى صوره فأحسن ~~صورته وسواه فعدله في أي: صورة ما شاء ركبه، ومشاه سويا على صراط مستقيم ~~القامة آخذا بيديه آكلا بأصابعه مزينا باللحى والذوائب صانعا بأنواع ~~الحرف. # * والكرامة الروحانية: على ضربين: عامة، وخاصة. # فالعامة: أيضا يستوي فيها المؤمن والكافر وهي أن كرمه بنفخه فيه من ~~روحه وعلمه الأسماء كلها، وكلمه قبل أن خلقه بقوله: # ألست بربكم # [الأعراف: 172] فأسمعه خطابه وأنطقه بجوابه بقوله: # قالوا بلى # [الأعراف: 172] وعاهده على العبودية، وأولده على الفطرة، وأرسل إليه ~~الرسل وأنزل عليه الكتب ودعاه إلى الحضرة، ووعده الجنة وخوفه النار، ~~وأظهر له الآيات والدلالات والمعجزات. # والكرامة الروحانية الخاصة: ما كرم به أنبياءه وأولياءه وعباده المؤمنين ~~من النبوة والرسالة والولاية والإيمان للإسلام والهداية إلى الصراط ~~المستقيم، وهو صراط الله والسير إلى الله وفي الله وبالله عند العبور على ~~المقامات والترقي من الناسوتية بجذبات اللاهوتية، والتخلق بأخلاق الإلهية ~~عند فناء الأنانية وبقاء الهوية. # كما قال تعالى: { وحملناهم في البر والبحر } [الإسراء: ~~70] أي: عبرنا بهم عن بر الجسمانية وبحر الروحانية إلى ساحل الربانية { ~~ورزقناهم من الطيبات } [الإسراء: 70] وهي المواهب التي ~~طيبها من الحدوث فيطعم بها من يبيت عنده ويسقيه بها، وهي طعام المشاهدات ~~وشراب المكاشفات التي لم يذق منها الملائكة المقربون، أطعم بها أخص عباده ~~في أواني المعرفة، وسقاهم بها في كاسات المحبة أفردهم بها عن العالمين؛ ~~ولهذا أسجد لهم الملائكة المقربين. # وقال تعالى: { وفضلناهم على كثير ممن خلقنا ~~تفضيلا } [الإسراء: 70] يعني: على الملائكة؛ لأنهم الخلق الكثير من ~~خلق الله تعالى، وفضل الإنسان الكامل على الملك بأنه خلقه في أحسن تقويم ~~وهو حسن استعداده في قبول فيض نور الله بلا واسطة، وقد تفرد به الإنسان ~~عن سائر المخلوقات. # كما قال تعالى: # إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض ~~والجبال # [الأحزاب: 72] أي: على أهلها # فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها ~~الإنسان # [الأحزاب: 72] الأمانة هي نور الله كما صرح به في قوله: # الله نور السموت والأرض # [النور: 35] إلى أن قال: # نور يهدي الله لنوره من يشآء # [النور: 35] فافهم جدا ms0994 واغتنم فإن هذا البيان أعز من الكبريت الأحمر ~~وأغرب من عنقاء مغرب. # ثم أخبر عن المقبولين منهم والمردودين بقوله تعالى: { يوم ندعوا ~~كل أناس بإمامهم } [الإسراء: 71] يشير إلى ما يتبعه كل قوم ~~وهو إمامهم، فقوم: يتبعون الدنيا وزينتها وشهواتها فيدعون يا أهل الدنيا، ~~وقوم: يتبعون الآخرة ونعيمها ودرجاتها فيدعون: " يا أهل الآخرة " ، وقوم: ~~يتبعون الرسول صلى الله عليه وسلم محبة لله وطلبا لقربته ومعرفته ~~فيدعون: " يا أهل الله " { فمن أوتي كتابه بيمينه } ~~[الإسراء: 71] فهو أهل السعادة من أصحاب اليمين فيه إشارة إلى أن ~~السابقين الذين هم أهل الله لا يؤتون كتابهم كما لا يحاسبون حسابهم. # ثم قال: { فأولئك يقرؤون كتابهم } [الإسراء: 71] لأنهم ~~أصحاب البصيرة والقرآن والدراية { ولا يظلمون فتيلا } ~~[الإسراء: 71] في جزاء أعمالهم الصالحة فيه إشارة إلى أن أهل الشقاوة ~~الذين هم أصحاب الشمال لا يقرءون كتابهم؛ لأنهم أصحاب العمى والجهالة { ~~ومن كان في هذه } [الإسراء: 72] أي: في هذه القراءة والدراية ~~بالبصيرة { أعمى } [الإسراء: 72] في الدنيا لقوله: # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب # [الحج: 46] { فهو في الآخرة أعمى } [الإسراء: 72] لأنها # يوم تبلى السرآئر # [الطارق: 9] فيجعل الوجوه من السرائر فمن كان في سريرته أعمى هاهنا يكون ~~في صورته أعمى للمبالغة؛ لأن عمل السريرة هاهنا كان قابلا للتدارك. # وقد خرج ثمة الأمر من التدارك فيكون الأعمى عن رؤية الحق { وأضل ~~سبيلا } [الإسراء: 72] في الوصول إليه لفساد الاستعداد وإعواز ~~التدارك. # ثم قال: { وإن كادوا ليفتنونك } [الإسراء: 73] أي: من عمى ~~قلوبهم كادوا ليسترونك { عن الذي أوحينآ إليك } [الإسراء: ~~73] بالتغيير والتبديل { لتفتري علينا غيره } [الإسراء: 73] ~~أي: وفق طباعهم في الضلالة وميلان نفوسهم إلى الدنيا وهي الضلالة عن ~~الهدى { وإذا لاتخذوك خليلا } [الإسراء: 73] إذ وافقتهم في ~~الضلالة { ولولا أن ثبتناك } [الإسراء: 74] بالقول الثابت وهو ~~قول: لا إله إلا الله إلى أن بلغناك مقام معرفة حقيقة لا إله إلا الله ~~بقولنا: # فاعلم أنه لا إله إلا الله # [محمد: 19] وطهرنا قلبك من لوث صفات البشرية { لقد كدت تركن ~~إليهم } بها إن لم يطهرك عنها بقولنا: # واستغفر لذنبك ms0995 # [محمد: 19] { شيئا قليلا } وإنما سماه قليلا؛ لأن روحانية النبي ~~صلى الله عليه وسلم كانت في أصل الخلقة غالبة على بشريته مؤيدة بتأييد: # " أول ما خلق الله روحي " # إذ لم يكن مع روحه { شيئا قليلا } ما يحجبه عن الله فشرفه بتشريف # " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " # فمعنى الكلام: لولا التثبيت وقوة النبوة ونور الهداية وأثر نظر العناية، ~~لكنت تركن إلى أهل الأهواء بهوى النفسانية بمنافع الإنسانية قدرا يسيرا ~~لغلبة الروحانية وخمود نار البشرية. # ثم قال: { إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات } ~~[الإسراء: 75] يعني: بشؤم ميل نفسك إلى الباطل ورغبتها عن الخلق نحي ~~نفسك، وأذقناك عذاب حياتها واستيلائها وغلبتها على روحك ونميت قلبك، ~~وأذقناك عذاب مماته وضعف روحك وعجزه وبعده عن الحق { ثم لا تجد ~~لك علينا نصيرا } [الإسراء: 75] يمنع عذابنا منك. ### || [17.76-80] # وفي قوله تعالى: { وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ~~ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا ~~* سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا } [الإسراء: ~~76-77] إشارة إلى أن من سنة الله تعالى على قانون الحكمة القديمة البالغة ~~في تربية الأنبياء والمرسلين، أن يجعل لهم أعداء ليبتليهم بهم في إخلاص ~~إبريز جواهرهم الروحانية الربانية عن غش أوصافهم النفسانية الحيوانية. # كما قال تعالى: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شيطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ~~ولو شآء ربك ما فعلوه # [الأنعام: 112] ثم قال: { ولا تجد لسنتنا تحويلا } ~~[الإسراء: 77] أي: تبديلا؛ لأنها مبنية على الحكمة والمصلحة والإرادة ~~القديمة. # ثم أخبر عن طريق خلاص الأنبياء والأولياء ورطة الابتلاء بقوله تعالى: { ~~أقم الصلاة لدلوك الشمس } [الإسراء: 78] يشير إلى إدامة ~~الصلاة بالقرب الحاضر من دلوك الشمس وهو طول النهار { إلى غسق ~~اليل } [الإسراء: 78] وهو طول الليل { وقرآن الفجر } ~~[الإسراء: 78] أي: إلى صلاة الفجر يريد استدامة الليل والنهار بالحضور ~~والتناجي مع الله، وهذه صلاة أخص الخواص الذين هم في صلاتهم دائمون. # ثم قال: { إن قرآن الفجر كان مشهودا } [الإسراء: 78] ~~يعني: من مراقب ليله ونهاره حاضرا بقلبه مع الله يكون له عند الصباح ms0996 ~~شهود الشواهد الحق، بل الحق مشهود له. # ثم خص النبي صلى الله عليه وسلم من أمته وسائر الأنبياء والرسل بزيادة ~~فضيلة ينالها في إدامة الصلاة وصرح له صلاة الليل، فقال: { ومن ~~الليل فتهجد به نافلة لك } [الإسراء: 79] أي: زيادة ~~لك من دون سائر الخلق هذه الفضيلة، وهي قوله: { عسى أن يبعثك ~~ربك مقاما محمودا } [الإسراء: 79] والمحمود هو الله تعالى ~~فيشير المقام المحمود إلى قيامة بالله لا بنفسه، ولهذا عبر عن المقام ~~المحمود بالشفاعة؛ لأن الله تعالى قال: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة: 255] أي: قائما به ولما لم يكن دخول هذا المقام بكسب العبد ~~كسائر المقامان وهو يتعلق بجذبة الحق فعلم النبي صلى الله عليه وسلم طريق ~~تحصيل الجذبة على مقتضى قوله: # ادعوني أستجب لكم # [غافر: 60]. # بقوله: { وقل رب أدخلني مدخل صدق } [الإسراء: 80] ~~يشير إلى السير في الله بالله { وأخرجني } [الإسراء: 80] من حولي ~~وقوتي وأنانيتي { مخرج صدق } [الإسراء: 80] بأن يخرجني منك بك { ~~واجعل لي من لدنك } [الإسراء: 80] أي: منك لا من غيرك { ~~سلطانا نصيرا } [الإسراء: 80] بتجلي صفات جمالك، وفي الآية دليل ~~على أن لكل ذي مقام لا يصل إلى مقام إلا بسعي ملائم لذلك، كما قال تعالى: # ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها # [الإسراء: 19] أي: سعيا يلائم وصول درجات الجنان. # وروي أن # " رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فعرض حاجة، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " ما تريد " فقال: " مرافقتك في الجنة " ، فقال صلى الله ~~عليه وسلم: " أو غير ذلك " قال الرجل: " بل مرافقتك في الجنة " ، فقال: ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " فأعني بكثرة السجود " ". ### || [17.81-87] # ثم أخبر عن زهوق صفات البشرية عند تجلي صفات الربوبية بقوله تعالى: { ~~وقل جآء الحق } [الإسراء: 81] يشير إلى كل ما يجيء من الحق ~~تعالى من الواردات والطوالع والشواهد والأنوار وتجلي صفات الجمال وتجلي ~~صفات الجلال. # وبقوله: { وزهق الباطل } [الإسراء: 81] يشير إلى كل ما يكون من ~~الخواطر والتفكر والتعقل، والأوصاف والأخلاق والذوات، فإن في مجيء كل ~~واحد مما من الحق زهوق ms0997 واحد مما من الخلق { إن الباطل } [الإسراء: ~~81] وكل ما خلا الله { كان زهوقا } [الإسراء: 81] زائلا، يدل عليه ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن أصدق ما قالته العرب قول لبيد: # ألا كل ما خلا الله باطل # وكل نعيم لا محالة زائل # ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " بل نعيم الجنة فإنه لا يزول ". # وبقوله: { وننزل من القرآن ما هو شفآء } [الإسراء: ~~82] يشير إلى أن كلام الحبيب شفاء القلوب كما قيل: إن الأحاديث من سلمى ~~تسليني، وإن من القرآن ما هو إيعاد بالوصلة والوصال، فهو شفاء لمعلول ~~الهجر والفراق، وأين المدامة من ريقها؛ ولكن أعلل قلبا عليلا، قال موسى ~~عليه السلام وهو معلوم القرآن، وكان يرى بشفائه في الوصال، فقال: # أرني أنظر إليك # [الأعراف: 143] فكان الله تعالى يشفيه بكلامه فقال له: # إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ~~مآ آتيتك # [الأعراف: 144] فإن فيه تسكين ثائرة شوقك في الحال # وكن من الشاكرين # [الأعراف: 144] لا يزيد في نعمة اللقاء في المآل # فلا تكن في مرية من لقآئه # [السجدة: 23]. # وأما حال الحبيب نبينا صلى الله عليه وسلم فهو المحبوب المجذوب غريق ~~ببحر الوصال، وقد شفي قيل أن يستشفى، فقيل له: # ألم تر إلى ربك # [الفرقان: 45] { ورحمة } [الإسراء: 82] له و { للمؤمنين } ~~[الإسراء: 82] إذا أرسله الله رحمة للعالمين { ولا يزيد ~~الظالمين } [الإسراء: 82] منكري أرباب حقائق القرآن وأسراه { إلا ~~خسارا } [الإسراء: 82] بأن يخسروا الإيمان التقليدي بالإنكار على أهل ~~الإيمان الحقيقي، بل على أهل العناية { وإذآ أنعمنا على ~~الإنسان } [الإسراء: 83] بالإيمان التقليدي { أعرض } [الإسراء: ~~83] عن أهل الحق وأرباب الحقائق { ونأى بجانبه } [الإسراء: 83] ~~تعظيما لنفسه وتباعدا من أهل الحق مستأنفا للاقتداء بهم. # { وإذا مسه الشر } [الإسراء: 83] بشبهة في الدين من كلمات ~~أهل الأهواء والبدع { كان يئوسا } [الإسراء: 83] يقنط عن إيمانه ~~بأدنى شك داخله في دينه. # { قل كل يعمل على شاكلته } [الإسراء: 84] وهي ما خلق ~~عليه من درجات السعادة كالمؤمنين الموحدين قابلي كمالات الدين من حقائق ~~القرآن والتخلق بأخلاقه، ومن دركات الشقاوة كالمنافقين المشركين منكري ~~حقائق القرآن وأربابها { فربكم ms0998 أعلم بمن هو أهدى ~~سبيلا } [الإسراء: 84] إلى الحق الحقيقة. # ثم أخبر عن الروح الذي به كل فتوح بقوله تعالى: { ويسألونك عن ~~الروح قل الروح من أمر ربي } [الإسراء: 85] يشير إلى أن ~~الروح من عالم الأمر، فإن الله تعالى خلق العوالم كثيرة كما جاء في الخبر ~~بروايات مختلفة، فقال في بعض الروايات: " خلق ثلاثمائة وستين ألف عالم " ~~، وقد مر تفصيلها ولكنه جعله محصورة في عالمين اثنين وهما الخلق ~~والأمر، كما قال تعالى: # ألا له الخلق # [الأعراف: 54]، تبارك الله رب العالمين. # عبر عن عالم الدنيا: وهو ما يدرك بالحواس الخمس الظاهرة وهي: السمع ~~والبصر والشم والذوق واللمس بالخلق. # وعبر عن عالم الآخرة: وهو ما يدرك بالحواس الخمس الباطنة وهي: العقل ~~والقلب والسر والروح والخفي بالأمر. # فعالم الأمر هو: الأوليات العظائم التي خلقها الله تعالى للبقاء من ~~الروح والعقل والقلم واللوح والعرش والكرسي والجنة والنار، وسمي عالم ~~الأمر أمرا؛ لأنه أوجده بأمر كل من لا شيء بلا واسطة شيء كقوله: # خلقتك من قبل ولم تك شيئا # [مريم: 9] ولما كان أمره قديما، فما يكون بالأمر القديم كان باقيا، ~~وإن كان حادثا، وتسمى عالم الخلق خلقا؛ لأنه أوجده بالوسائط من شيء ~~كقوله: # وما خلق الله من شيء # [الأعراف: 185] فكما أن الوسائط كانت مخلوقة من شيء مخلوق سماه خلقا ~~خلقه الله للفناء فتبين أن قول: { الروح من أمر ربي } ~~[الإسراء: 85] إنما هو لتعريف الروح معناه إنها منه من عالم الأمر ~~والبقاء لا من عالم الخلق والفناء، وإن قوله: { قل الروح من ~~أمر ربي } [الإسراء: 85] ليس للاستبهام، كما ظن جماعة أن الله ~~تعالى أبهم علم الروح على الخلق واستأثره لنفسه حتى قالوا: إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن عالما به جل منصوب حبيب الله ونبيه صلى الله عليه ~~وسلم من أن يكون جاهلا بالروح مع أنه عالم بالله وقد من الله عليه ~~بقوله: # وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك ~~عظيما # [النساء: 113] أحسب أن علم الروح ما لم يكن يعلمه، ألم يخبر الله ms0999 أنه ~~علمه ما لم يكن يعلم، فأما سكوته عن جواب سؤال الروح وتوقفه انتظارا ~~الموحي حين سألته اليهود فقد كان لغموضه يرى في معنى الجواب دقة لا ~~يفهمها اليهود لبلادة طباعهم وقساوة قلوبهم وفساد عقائدهم، وقال: # وما يعقلهآ إلا العالمون # [العنكبوت: 43] وهم أرباب السلوك والسائرون إلى الله. # فإنهم لما عبروا: عن النفس وصفاتها ووصلوا إلى حريم القلب عرفوا النفس ~~بنور القلب. # ولما عبروا: بالسير عن القلب وصفاته ووصلوا إلى مقام السر عرفوا علم ~~السير للقلب، وإذا عبروا: عن السر ووصلوا إلى عالم الروح عرفوا بنور ~~الروح السر. # وإذا عبروا: عالم الروح ووصلوا إلى منزل الخفي عرفوا بشواهد الحق الروح، ~~وإذا عبروا: عن منزل الخفي ووصلوا إلى ساحل بحر الحقيقة عرفوا بأنوار ~~مشاهدات صفات الجمال الخفي. # وإذا فنوا بسطوات تجلي صفات الجلال عن آنية الوجود ووصلوا إلى جنة بحر ~~الحقيقة كوشفوا بهوية الحق تعالى، وإذا استغرقوا في بحر الهوية وأبقوا ~~ببقاء الألوهية عرفوا الله بالله ووحدوه وحين وجدوه هذا أوان إراءة ماهية ~~كل شيء، كما هي هذا وقت # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53] فحينئذ إذا طلع الصباح استغنى عن المصباح، وقد تحقق للعبد ~~مقام # " كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا، فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي ~~يبطش " # ففي هذه الحالة كيف يبقى بمعرفة الروح خطر عند من هذه أحواله، وهو مع ~~هذه الرتبة العلية والمواهب السنية من لواقط سواقط جنات سنبلات يبادر ~~بوارد النبوة ونوادر الرسالة؟! فكيف بحال سيد المرسلين وخاتم النبيين ~~وحبيب رب العالمين وأفضل الأولين والآخرين صلوات الله عليه وآله أجمعين ~~في معرفة الروح، وهو الذي يقول: # " علمت ما كان وما سيكون " # وما أنا إذا أسرع في شرح معرفة الروح بما فتح الله علي ومنحني من ~~الفتوح، كما يشهد به الكتاب والسنة والأخبار المروية والآثار المرضية، إن ~~شاء الله عصمني الله من الخطأ والخلل، وعفا عني الشهود الذلل بفضله ~~وكرمه. # فاعلم أن الروح الإنساني وهو أول شيء تعلقت به القدرة جوهرة ms1000 نورانية ~~ولطيفة ربانية من عالم الأمر، وعالم الأمر وهو الملكوت الذي خلق من لا ~~شيء وعالم الخلق وهو الملك الذي خلق من شيء، كقوله تعالى: # أولم ينظروا في ملكوت السموت والأرض وما ~~خلق الله من شيء # [الأعراف: 185]، فالعالم عالمان يعبر عنهما بالدنيا والآخرة، والملك ~~والملكوت والشهادة والغيب والصورة والمعنى والخلق والأمر الظاهر والباطن ~~والأجسام والأرواح ويراد بهما ظاهر الكون وباطنه، فثبت بالآية أن الملكوت ~~الذي هو باطن الكون خلق من لا شيء إذ ما عداه من الملك خلق من شيء. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: # " أول ما خلق الله جوهرة وأول ما خلق الله روحي " # ، وفي رواية: # " نوري " # وقوله: # " أول ما خلق الله العقل وأول ما خلق الله القلم ". # وقول بعض الكبراء من الأئمة: إن أول المخلوقات على الإطلاق ملك كروبي ~~يسمى العقل وهو صاحب القلم القلب بدليل توجه الخطاب عليه في قوله: # " أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر " # كما جاء في الحديث، ولما سواه فلما قال له: # " اجر بما هو كائن إلى يوم القيامة " # وتسميته قلما، كتسمية صاحب السيف سيفا. # وقد جاء في الخبر أن الروح ملك، قيل لخالد بن الوليد: سيف الله وهو أول ~~لقب في الإسلام. # وقول الله تعالى: # يوم يقوم الروح والملائكة صفا # [النبأ: 38] وقد جاء في الخبر أن الروح ملك يقوم صفا والملائكة صفا، ~~فلا تبعد أن يكون هو الملك العظيم الذي هو أول المخلوقات، وهو روح النبي ~~صلى الله عليه وسلم لقوله: # " أول ما خلق الله روحي " # ولا يحتمل أن يكون المخلوق الأول المطلق إلا واحدا؛ لأن الشيئين ~~المغايرين لا يكون كل واحد منهما أولا في التكوين والإيجاد على الإطلاق؛ ~~إذ لا يخلو إما أحدثا مصاحبين أو أحدثا متعاقبين، فإن أحدثا مصاحبين ~~معا فلا يختص أحدهما من الآخر بالأولية فلا يكون واحد منهما أولا على ~~الانفراد، وإن أحدثا متعاقبين يكون المبتدأ أولا والمتعاقب ثانيا؛ ~~فيكون الأول واحدا منهما لا محالة ولا يجوز الخلاف في كلام النبي صلى ~~الله عليه وسلم؛ لأنه الذي ms1001 جاء بالصدق # وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى # [النجم: 3-4] وأنه صلى الله عليه وسلم قد أثبت الأوليات فتعين لنا أن ~~نحمل كلامه على المخلوق الأول وهو مسمى واحد له أسماء مختلفة، فبحسب كل ~~صفة فيه سمي باسم آخر. # وقد كثرت الأسماء والمسمى واحد وهو الأصل وما سواه تبعا له فلا ريب في ~~أن أصل الكون كان النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: # " لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك " # فهو أولى أن يكون أصلا، وما سواه أولى أن يكون تبعا له؛ لأنه كان ~~بالروح بذر شجرة الموجودات، فلما بلغ أشده أربعين سنة كان بالجسم والروح ~~ثمرة شجرة الموجودات وهي سدرة المنتهى، فكما أن الثمرة تخرج من نوع ~~الشجرة كان خروجه إلى # قاب قوسين أو أدنى # [النجم: 9] ولهذا قال: # " نحن الآخرون السابقون " # يعني: الآخرون بالخروج كالثمرة، والسابقون بالخلق كالبذر، فيلزم من ذلك ~~أن يكون روحه صلى الله عليه وسلم أول شيء تعلقت به القدرة، وأن يكون هو ~~المسمى بالأسماء المختلفة، فباعتبار أنه كان درة صدف الموجودات سمي درة ~~وجوهرة، كما جاء في الخبر: # " أول ما خلق الله جوهرة " # ، وفي رواية: # " درة فنظر إليها فذابت " # فخلق منها كذا وكذا، وباعتبار نورانيته سمي نورا، وباعتبار وفور عقله ~~سمي عقلا، وباعتبار غلبات الصفات الملكية عليه سمي ملكا، وباعتبار ~~أنه صاحب القلم سمي قلما كما ذكرناه، وإذا أمعنت النظر وجدت كل وصف ~~بالعقل. # وحكي عنه خاصية من خواص روحه صلى الله عليه وسلم وهو قوله: # " أول ما خلق الله العقل فقال له: أقبل فأقبل، ثم قال: أدبر فأدبر " # وهذا حال روحه صلى الله عليه وسلم إذ قال له: # " أقبل " إلى الدنيا { رحمة للعالمين } [الأنبياء: 107] " ~~فأقبل، ثم قال أدبر " # أي: # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28] " فأدبر " عن الدنيا وراجع ربه ليلة المعراج، ثم قال للعقل: # " وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحب إلي منك " # وهذا حاله صلى الله عليه وسلم أنه كان حبيب الله، وأحب الخلق إليه، ~~وقوله تعالى للعقل: # " بك أعرف، وبك آخذ، وبك أعطي، ms1002 وبك أعاقب، وبك أثيب " # فهذا كله حاله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه من لم يعرف النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالنبوة والرسالة لم يعرف الله ولو كان له ألف دليل على معرفة الله ~~فمعناه: # بمعرفتك أعرف أي: من عرفك بالنبوة عرفني بالربوبية. # " وبك آخذ " أي: آخذ طاعة من أخذ منك ما أتيته من الدين والشريعة. # " وبك أعطي " أي: بشفاعتك أعطي درجات أهل الدرجات، كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم ". # " وبك أعاقب وبك أثيب " وذلك لقوله تعالى: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا ~~وأنا معكم من الشاهدين # [آل عمران: 81]. # وذلك أن الله تعالى أخذ ميثاق كل نبي بعثه بأن يؤمن بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم ويوصي أمته بالإيمان به ونصرة دينه، فمن آمن به من الأمم الماضية ~~قبل بعثه أو بعد بعثه فهو من أهل الثواب، ومن لم يؤمن به من الأولين ~~والآخرين فهو من أهل العقاب، ووضح فيه قوله: # " بك أعاقب وبك أثيب ". # فكل ما ذكرناه في معرفة الروح فهو حال النبي صلى الله عليه وسلم ومقاله؛ ~~فكيف يظن به أنه لم يكن عارفا بالروح، والروح هو نفسه؟! وقد قال: # " من عرف نفسه فقد عرف ربه " # وذلك أن الله تعالى خلق آدم وبنيه، وجعلهم خلفاء في الأرض، كما قال: # ويجعلكم خلفآء الأرض # [النمل: 62] وهذا أحد كرامة بني آدم، ومن شرط الخلافة أن يكون المستخلف ~~يستجمع أوصاف المستخلف بالنيابة إلا ما اختص به المنوب بالأصالة مثل ~~القدم والأحدية والصمدية والسلامة عن كل عيب ونقصان، فالروح خليفة الله ~~وهو مجمع صفاته الذاتية له كالحياة والقدرة، والسمع والبصر والكلام، ~~والعلم والإرادة والبقاء، والجسد خليفة الروح وهو مجمع صفاته باجتماعها ~~في الروح علمنا أنه خليفة الله، وبذلك علمنا أن الجسد خليفة الروح لأنا ~~وجدنا الجسد قبل اتصال الروح به وبعد انفصاله عنه خاليا عن هذه ms1003 الصفات ~~علمنا أنه بخلافة الروح اتصف بهذه الصفات، ولو لم يكن الروح متصفا بهذه ~~الصفات لخلافة الحق تعالى لم يكن الجسد بها متصفا فبقي أن الروح باق ~~أبدا، والجسد فان. # قلنا: وذلك لأن البقاء الأبدي من خاصية الروح فهو مختص به بالأصالة دون ~~خليفته، كما أن الله تعالى اختص بالبقاء الأزلي والأبدي بالأصالة دون ~~خليفته وهو الروح؛ فإنه حادث أبدي دون أزلي. # ثم اعلم أن الأرواح كلها خلقت من روح النبي صلى الله عليه وسلم وأن روحه ~~أصل الأرواح، وإنها كما كان آدم ولهذا سمي أميا؛ أي: إنه أم الأرواح، ~~فكما كان آدم عليه السلام أبا البشر فكان النبي صلى الله عليه وسلم أبا ~~الأرواح، وإنها كما كان آدم أبا حواء وأمها وذلك أن الله تعالى لما كان ~~روح النبي صلى الله عليه وسلم: # " كان الله ولم يكن معه شيء " # إلا روحه، وما كان شيء آخر ينسب روحه إليه أو يضاف إليه غير الله، فلما ~~كان روحه أول باكورة أثمرها الله تعالى بإيجاده من شجرة الوجود، وأول شيء ~~تعلقت به القدرة وشرفه بتشريف إضافته إلى نفسه فسماه # روحي # [الحجر: 29] كما سمي أول بيت من بيوت الله وضع للناس، وشرفه بالإضافة ~~إلى نفسه، فقال: { بيتي } ، ثم حين أراد أن يخلق آدم سواه ونفخ فيه ~~من روحه أي: من الروح المضاف إلى نفسه وهو روح النبي صلى الله عليه وسلم ~~كما قال: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي # [الحجر: 29] فكان روح آدم من روح النبي - عليهما السلام - بهذا الدليل، ~~وكذلك أرواح أولاده لقوله تعالى: # ثم جعل نسله من سلالة من مآء مهين * ثم ~~سواه ونفخ فيه من روحه # [السجدة: 8-9] وقال تعالى في مريم عليها السلام: # فنفخنا فيها من روحنا # [الأنبياء: 91] فكانت النفخة لجبريل وروحها من روح النبي صلى الله عليه ~~وسلم المضاف إلى الحضرة، وهذا أحد أسرار قوله صلى الله عليه وسلم: # " آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ". # ثم قوله تعالى: { ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا } ~~[الإسراء: 85] هذا راجع ms1004 إلى اليهود الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن الروح يعني: أنكم سألتموني وقد أجبتكم أنه { من أمر ربي } ~~[الإسراء: 85] ولكنكم ما تفهمون كلامي؛ لأني أخبركم عن عالم الآخرة وعن ~~الغيب وأنتم أهل الدنيا والحس، والدنيا وعلمها قليل بالنسبة إلى الآخرة ~~وعلمها، فإنكم عن علمها غافلون كقوله: # يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن ~~الآخرة هم غافلون # [الروم: 7]. # ثم أخبر عن عزة الفراق وعزة الرحمن بقوله تعالى: { ولئن شئنا ~~لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك ~~به علينا وكيلا } [الإسراء: 86] إشارة إلى أنه ليس في استعداد ~~الإنسان ولا في مخلوق غيره أن يأتي بكلام جامع مثل كلام الله تعالى ~~لعباده في غاية الجزالة والفصاحة، وإشارة في غاية الدقة والحذاقة، ولطائف ~~في غاية اللطف واللطافة، وحقائق في غاية الحقية والنزاهة، وكما قال علي ~~رضي الله عنه: " ما من آية إلا ولها أربعة معان: ظاهر وباطن وحد ومطلع " ~~، فالظاهر للتلاوة، والباطن للفهم، والحد هو أحكام الحلال والحرام، ~~والمطلع هو مراد الله من العندية. # وقال جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه: عبارة القرآن للعوام، والإشارة ~~للخواص، واللطائف للأولياء، والحقائق للأنبياء. # وقال: العبارة للسمع، والإشارة للعقل، واللطائف للمشاهدة، والحقائق ~~للاستسلام. # أي: لا سبيل للجوهر الإنساني إذا استغرق في بحر حقائقه بالخروج إلى ~~ساحله أبد الآباد إلا أن يستسلم لحقائقه؛ لأنه لا نهاية لها، فإذا تحقق ~~أنه ليس لمخلوق أن يأتي بكلام جامع مثل كلام الخالق وهو غير مخلوق، ولو ~~ذهب به الله عن قلوب أنبيائه لا يجدون ناصرا ينصرهم على رده كقوله ~~تعالى: { ثم لا تجد لك به علينا وكيلا * إلا ~~رحمة من ربك } [الإسراء: 86-87] أي: ولكن الله قادر على أن ~~يرد إليك برحمته { إن فضله كان } [الإسراء: 87] في الأزل { ~~عليك كبيرا } [الإسراء: 87] يسعك فضله من الأزل إلى الأبد. ### || [17.88-89] # ثم قال تعالى شاهدا أو دليلا على ما قررناه لكلامه: { قل لئن ~~اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن } [الإسراء: 88] أي: جامعا لما ذكرناه { لا يأتون ~~بمثله ولو ms1005 كان بعضهم } [الإسراء: 88] من الإنس والجن { ~~لبعض ظهيرا } [الإسراء: 88] أمينا وناصرا. # ولفظ الجن يتناوله الملائكة وكل من لم يدركه حس البصر لأنهم مستورون عن ~~البصر يقال: جن بترسه إذا استتر به؛ ولهذا قيل للترس المجن، وإنما قلنا ~~للباقون بمثله؛ لأنه ليس لكلام الله مثل؛ إذ كلامه صفته، وكما أنه ليس ~~لذاته تعالى مثل وكذلك ليس لصفاته مثل؛ لأنها قديمة قائمة بذاته تبارك ~~وتعالى وصفات المخلوق مخلوقة قابلة للتغيير والفناء. # ثم قال: { ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من ~~كل مثل } [الإسراء: 89] أي: وجهنا ودبرنا لمن نسي الطريق إلينا في ~~معاني هذا القرآن وأسراره وإشاراته من كل طريقة وسبب وإرشاد يتعلق بالروح ~~إلينا { فأبى أكثر الناس } [الإسراء: 89] الرجوع إلينا وما ~~اختاروا { إلا كفورا } [الإسراء: 89] جحودا أو إنكارا أو إصرارا ~~على كفران نعمة الدين والقرآن وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم. ### || [17.90-94] # وبقوله تعالى: { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا ~~من الأرض ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل ~~وعنب } [الإسراء: 90-91] الآية إلى قوله: { قل سبحان ربي ~~هل كنت إلا بشرا رسولا } [الإسراء: 93] يشير إلى أنهم ~~أرباب الحس الحيواني يطلبون الإعجاز من ظاهر المحسوسات ما لهم بصيرة ~~يبصرون بها شواهد الحق ودلائل النبوة، وإعجاز عالم المعاني بالولاية ~~الروحانية والقوة الربانية؛ فيطلبون منه تزكية النفوس، وتصفية القلوب ~~وتحلية الأرواح، وتفجير ينابيع الحكمة من أرض القلوب؛ لينبت منها نخيل ~~المشاهدات أو أعناب المكاشفات في جنات المواصلات { قل سبحان ربي ~~} [الإسراء: 93] أي: هو القادر على ملتمسكم، والحكيم بصلاحية الأحوال ~~والأمور إن يشاء يبذل مسئولكم ويعطي مأمولكم { هل كنت إلا بشرا ~~} [الإسراء: 93] مثلكم { رسولا } [الإسراء: 93] من الله مبلغا ~~رسالته مؤدبا بآداب العبودية، مستسلما لأحكام الربوبية. # ثم أخبر عن أصل ضلالتهم أنه من غاية جهالتهم، بقوله تعالى: { وما ~~منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى إلا أن ~~قالوا أبعث الله بشرا رسولا } [الإسراء: 94] إشارة إلى ~~أن أهل النسيان والغفلة الذين لم يبلغوا بعد مبلغ الإنسان الكامل ولا ~~مبلغ الرجال البالغين، ومن { كتب } الله # في قلوبهم ms1006 الإيمان وأيدهم بروح منه # [المجادلة: 22] لا يعرفون الأنبياء والرسل، وما لهم عند الله من ~~المقامات العلية والأحوال المرضية السنية، وما أنعم الله عليهم من ~~القربات والكمالات مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ~~يعدونهم من أبناء جنسهم ويحسبون أن الملائكة أعلى درجة منهم وأجل منهم ~~منزلة عند الله، وأنهم عن معرفة رتبة الإنسان الكامل بمعزل والله جعله ~~مسجودا للملائكة المقربين لما أودع فيه من سر الخلافة، فيختارون ~~الملائكة على الأنبياء كما { قالوا } [الإسراء: 94] متعجبين: { ~~أبعث الله بشرا رسولا } [الإسراء: 94]. ### || [17.95-98] # وأرادوا بذلك أن الرسالة بالملائكة أولى وأحق حتى أجابهم الله بقوله: { ~~قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا } [الإسراء: ~~95] يشير به إلى أنه لو كان الملك مستأهلا للخلافة في الأرض لكنا نزلنا ~~عليهم من السماء رسولا من الملائكة. # { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم } [الإسراء: 96] ~~بأنه مستعد للرسالة والملك { إنه كان } [الإسراء: 96] في الأزل { ~~بعباده } [الإسراء: 96] الذين يخلقهم { خبيرا } [الإسراء: 96] ~~بما جبلهم الله عليه { بصيرا } [الإسراء: 96] بما يتولد منهم { ومن ~~يهد الله } [الإسراء: 97] روحه عند رشاش نوره على الأرواح بإصابة ~~النور { فهو المهتد } [الإسراء: 97] إلى صراط مستقيم الدين ~~القويم، بقبول دعوة الأنبياء وغيرهم من بيديه متابعتهم { ومن يضلل ~~} [الإسراء: 97] بإخطاء ذلك النور { فلن تجد لهم أوليآء } ~~[الإسراء: 97] في الهداية من الأنبياء وغيرهم { من دونه } [الإسراء: ~~97] أي: من دون الله يشير به إلى أن الهداية في البداية مبنية على إصابة ~~النور عند رشاشه؛ فمن لم يصب ذلك النور وأخطأه بقى في ظلمة الضلالة، وليس ~~لأحد أن يخرجه منها إلى نور الهداية إلا الله تعالى؛ فإنه الهادي في ~~البداية والنهاية، وهو الولي الذي يخرج المؤمنين من الظلمات إلى النور من ~~الأزل إلى الأبد، واستوى عنده الأزل والأبد، وكل وقت له أزل وأبد. # { ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما } [الإسراء: 97] لأنهم كانوا يعيشون في الدنيا مكبين ~~على وجوههم في طلب السفليات من الدنيا وزخارفها وشهواتها، عميا عن رؤية ~~الحق، ms1007 بكما من قول الحق، صما عن استماع الحق؛ وذلك لعدم إصابة النور # ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ~~وأضل سبيلا # [الإسراء: 72] وقال صلى الله عليه وسلم: # " يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه ". # ثم قال: { مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ~~} [الإسراء: 97] لأنهم كانوا في جهنم الحرص والشهوات، كلما سكنت فار ~~بشهوة باستيفاء حظها زادوا سعيرها باشتغال طلب شهوة أخرى. # { ذلك جزآؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا ~~أءذا كنا عظاما ورفاتا أءنا لمبعوثون خلقا ~~جديدا } [الإسراء: 98] يشير إلى أنهم لو كانوا مؤمنين بالحشر والنشر ~~ما أكبوا على جهنم الحرص على الدنيا وشهواتها، وما أعرضوا عن الآيات ~~البينات التي جاء بها الأنبياء - عليهم السلام-. ### || [17.100-104] # { أولم يروا أن الله الذي خلق السموت ~~والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم ~~أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا } ~~[الإسراء: 99] يشير بقوله: { أولم يروا } [الإسراء: 99] إلى عمى ~~بصيرتهم أي: لم يروا، لأنهم لو يرون الله خالق السماوات والأرض؛ ليرونه ~~قادرا على إعادة الأموات وإحيائهم { فأبى الظالمون } [الإسراء: ~~99] من عماهم إلا الجحود والإنكار. # { قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربي إذا ~~لأمسكتم خشية الإنفاق } [الإسراء: 100] يعني لو أنتم تقدرون ~~على ما أنا قادر عليه من إيجاد الخلق ورزقهم، وإيصال الخير إليهم - وأنت ~~على خشية طبيعة الإنسانية - لبخلتم به وخشيتم نفاذ ما عندي من خوف ~~البشرية { وكان الإنسان قتورا } [الإسراء: 100] أي: خلق بخيلا ~~ممسكا غير منفق إلا يسيرا عند الضرورة. # ثم أخبر عن إنكار الإنسان الآيات والمعجزات بقوله تعالى: { ولقد ~~آتينا موسى تسع آيات بينات } [الإسراء: 101] يشير إلى ~~الآيات التي تدل على نبوته فيما يتعلق بنفسه خاصة منها إلقاؤه في اليم، ~~وإخراجه منه، وتربيته في حجر عدوه فرعون، وتحريم المراضع عليه ورده إلى ~~أمه، وإلقاء المحبة عليه، واصطناعه لنفسه، وإيناسه النار من جانب الطور، ~~والنداء من الشجرة # أن يموسى إني أنا الله # [القصص: 30]، واستماع كلام الله، وقوة حمل الخطاب والجواب، وأعظم الآيات ~~جرأته على طلب الرؤية، وإجابته بالتجلي، ms1008 وصعقه منه، وإفاقته من الصعقة، ~~وإحلال العقدة من لسانه، وإلقاء النور على وجهه، واشتعال النار قلنسوته ~~عند الغضب، واليد البيضاء وغيرها من الآيات. # { فسئل بني إسرائيل إذ جآءهم } [الإسراء: 101] يعني: ~~موسى بهذه الآيات هل راؤها واستدلوا بها وآمنوا عليها؟ إلا أهل الحق بمن ~~جعلهم الله أئمة يهتدون بأمره لما صبروا وكانوا بآياته يوقنون { فقال ~~له فرعون إني لأظنك يموسى مسحورا } [الإسراء: 101] ~~يعني: لما كان فرعون من أهل الظن لا من أهل اليقين، رآه بنظر الظن الكاذب ~~ساحرا، ورأى الآيات سحرا، قال موسى: { لقد علمت } [الإسراء: ~~102] أي: لو نظرت بنظر العقل لعلمت أنه { مآ أنزل هؤلاء } ~~[الإسراء: 102] يعني: الآيات { إلا رب السموت والأرض } ~~[الإسراء: 102] أي: بلا بصيرة وعقل. # والظن ظنان: ظن كاذب، وظن صادق، وكان ظن فرعون كاذبا، وظن موسى عليه ~~السلام صادقا { فأراد } [الإسراء: 103] فرعون من نتائج ظنه الكاذب { ~~أن يستفزهم } [الإسراء: 103] أي: يخرج موسى وقومه { من ~~الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا } [الإسراء: 103] ~~ونجينا موسى وقومه من نتائج ظنه الصادق { وقلنا } [الإسراء: 104] لهم ~~{ من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض } [الإسراء: ~~104] يعني: ديارهم ومساكنهم { فإذا جآء وعد الآخرة جئنا ~~بكم لفيفا } [الإسراء: 104] أي: يلف الكافرون بالمؤمنين لعلهم ~~ينجوهم من العذاب، فيخاطبون بقوله تعالى: # وامتازوا اليوم أيها المجرمون # [يس: 59] ولا ينفعهم التلفف، بل يقال لهم: # فريق في الجنة وفريق في السعير # [الشورى: 7]. ### || [17.105-111] # ثم أخبر عن القرآن وما فيه من الحق والفرقان بقوله تعالى: { ~~وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } [الإسراء: 105] إشارة ~~إلى أن إنزال القرآن كان بالحق لا بالباطل؛ وذلك لأنه تعالى لما خلق ~~الأرواح المقدسة # في أحسن تقويم # [التين: 4]، ثم بالنفخة ردها إلى # أسفل سافلين # [التين: 5] وهو قالب الإنسان احتاجت الأرواح في الرجوع إلى أعلى عليين ~~قرب الحق وجواره إلى حبل يعتصم به بالرجوع؛ فأنزل الله القرآن وهو الحبل ~~المتين وقال: # واعتصموا بحبل الله # [آل عمران: 103]. # { وبالحق نزل } [الإسراء: 105] ليضل به أهل الشقاوة بالرد ~~والجحود والامتناع عن الاعتصام به، ويبقي به في الأسفل حكمة بالغة منهم، ~~ويهدي به أهل السعادة بالقبول والإيمان ms1009 والاعتصام به، والتخلق بخلقه إلى ~~أن يصل إلى كمال قربه، فيعتصم به كما قال: # واعتصموا بالله هو مولاكم # [الحج: 78]. # ومآ أرسلناك # [الفرقان: 56] يا محمد # إلا مبشرا # [الفرقان: 56] لأهل السعادة بسعادة الوصول والعرفان عند التمسك بالقرآن # ونذيرا # [الفرقان: 56] لأهل الشقاوة بشقاوة البعد والحرمان والخلود في النيران ~~عند الانفصام عن حبل القرآن وترك الاعتصام به { وقرآنا فرقناه ~~لتقرأه على الناس } [الإسراء: 106] أي: على أهل الغفلة ~~والنسيان { على مكث } [الإسراء: 106] وهذا كمال العناية بأن فرقه ~~آية آية وسورة سورة في الإنزال بالتدريج ليعلموا بها ويتخلقوا بالتأني ~~والتدبر. # { ونزلناه تنزيلا } [الإسراء: 106] على قانون الحكمة ليبلغ ~~به أهل السعادة والشقاوة إلى أعلى درجات القرب وأسفل دركات البعد، وإظهار ~~اللطف والقهر. # ثم قال: { قل } [الإسراء: 107] لأهل السعادة { آمنوا به } ~~[الإسراء: 107] إظهارا للطفنا أو { قل } [الإسراء: 107] لأهل الشقاوة ~~{ أو لا تؤمنوا } [الإسراء: 107] إظهارا لقهرنا، فإن الحكمة في ~~تكوين الفريقين إظهار اللطف والقهر { إن الذين أوتوا العلم ~~} [الإسراء: 107] يعني: العلماء بالله إذا آتاهم الله العلم بإصابة رشاش ~~نوره في عالم الأرواح { من قبله } [الإسراء: 107] من قبل نزول ~~القرآن { إذا يتلى عليهم } [الإسراء: 107] يعني: خطاب # ألست بربكم # [الأعراف: 172] { يخرون للأذقان سجدا } [الإسراء: 107] ~~للتواضع والتذلل عند الإجابة إذ قالوا: # بلى # [الأعراف: 172]. # { ويقولون سبحان ربنآ } [الإسراء: 108] على ما وعدنا ربنا ~~في الأزل بقوله: # ومن يرتدد منكم # [البقرة: 217] يا أهل الشقاوة # عن دينه # [البقرة: 217] أي: الإيمان وقبول القرآن # فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54] { إن كان } [الإسراء: 108] أي: قد كان { وعد ~~ربنا } [الإسراء: 108] في الأزل { لمفعولا } [الإسراء: 108] إلى ~~الأبد. # ثم كرر قوله: { ويخرون للأذقان } [الإسراء: 109] أي: إذا ~~تتلى عليهم مرة أخرى في عام العودة يخرون بالأبدان على وجوههم و { ~~يبكون ويزيدهم خشوعا } [الإسراء: 109] يشير به إلى أنه في ~~عالم الأرواح كان التواضع والسجود؛ لأنه من شأن الأرواح، ولكن لم يكن ~~البكاء والخشوع؛ لأنه من شأن الأبدان، وإنما أرسلت الأرواح إلى الأبدان ~~لتحصيل هذه المنافع في العبودية وبقوله تعالى: { قل ادعوا الله ~~أو ادعوا الرحمن } [الإسراء: 110] يشير إلى أن الله اسم ~~الذات ms1010 والرحمن اسم الصفة { أيا ما تدعوا } [الإسراء: 110] أي: ~~بأي اسم من أسماء الذات والصفات تدعونه { فله الأسمآء الحسنى ~~} [الإسراء: 110] أي: كل اسم من أسمائه حسن فادعوه حسنا، وهو أن تدعوه ~~بالإخلاص. # { ولا تجهر بصلاتك } [الإسراء: 110] أي: بدعائك وعبادتك ~~رياء وسمعة { ولا تخافت بها } [الإسراء: 110] أي: ولا تخفضها ~~بالكلية عن نظرهم لئلا يحرموا عن المتابعة والأسوة الحسنة { وابتغ ~~بين ذلك سبيلا } [الإسراء: 110] وهو إظهار الفرائض بالجماعات في ~~المساجد، وإخفاء النوافل وحدانا في البيوت { وقل الحمد ~~لله الذي لم يتخذ ولدا } [الإسراء: 111] فيكون كمال ~~عنايته وعواطف إحسانه مخصوصا بولده ويحرم عباده منه { ولم يكن ~~له شريك في الملك } [الإسراء: 111] فيكون مانعا من إصابة ~~الخير إلى عباده وأوليائه { ولم يكن له ولي من الذل ~~} [الإسراء: 111] فيكون محتاجا إليه فينعم عليه دون من استغنى عنه، بل ~~أولياؤه الذين آمنوا وجاهدوا في الله حق جهاده وكبروا الله وعظموه ~~بالمحبة والطلب والعبودية وهو معنى قوله: { وكبره تكبيرا } ~~[الإسراء: 111]. ### | [18 - سورة الكهف] ### || [18.1-5] # { الحمد لله } [الكهف: 1] إشارة إلى أن الحمد والمدح والثناء ~~والشكر كله لله أي: هو المستحق به ولا يصلح ذلك لغيره؛ لأن وجوده كل شيء ~~نعمة فلا منعم إلا هو { الذي أنزل على عبده الكتاب } ~~[الكهف: 1] أي: على من يحسن عليه اسم العبد مطلقا يعني محمدا صلى الله ~~عليه وسلم وهذه كرامة لم يكرم بها الله قبل نبيا مرسلا ولا ملكا ~~مقربا، فإنه تعالى ذكره في مواضع من القرآن بعبده مطلقا من غير أن ~~يسميه بكليم آخر مع عبده، كما قال: # سبحان الذى أسرى بعبده ليلا # [الإسراء: 1] وما ذكر أحدا من الأنبياء بالعبد إلا وقد سماه باسمه كما ~~قال: # عبده زكريآ # [مريم: 2]. # والعبد الحقيقي من يكون حرا من الكونين وهو محمد صلى الله عليه وسلم إذ ~~يقول: # " أمتي أمتي " # يوم يقول كل نبي: نفسي نفسي، فكان هو العبد الحقيقي الذي لم يكن لنفسه، ~~بل كان بكليته لمولاه. # وفيه معنى آخر أن الحمد واجب على النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزل ~~القرآن على قلبه وهو ms1011 مخصوص بذلك من الأنبياء، فإن الكتب أنزلت عليهم في ~~الصحف والألواح وإذا اختص بالعبد مطلقا { ولم يجعل له عوجا ~~} [الكهف: 1] أي: ولم يجعل قلب محمد متعرجا لا يستقيم فيه القرآن يدل ~~على هذا التأويل قوله: # " لا يستقيم إيمان أحدكم حتى يستقيم قلبه " # فتقدير الكلام: قل يا محمد { الحمد لله الذي أنزل على ~~عبده الكتاب ولم يجعل } [الكهف: 1] لقلبه { عوجا } ~~[الكهف: 1] لا يستقيم فيه القرآن بل { قيما } [الكهف: 2] أي: القرآن ~~قائم فيه حتى صار خلقه القرآن. # ومن استقامة قلبه نال ليلة المعراج رتبة # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم: 10] بلا واسطة جبريل، ونال قلبه الاستقامة بالقرآن بأمر الله ~~علما، وهو أمر التكوين بقوله: # فاستقم كمآ أمرت # [هود: 112] { لينذر بأسا شديدا } [الكهف: 2] أي: لينذركم ~~عذابا وهو عذاب البعد { شديدا } من لدنه من قربه، فإن أشد العذاب ~~عذاب البعد والانقطاع والحرمان { ويبشر المؤمنين الذين ~~يعملون الصالحات } [الكهف: 2] أي: الخالصات لله { أن لهم ~~أجرا حسنا } [الكهف: 2] وهو التمتع من حسن الله وجماله { ~~ماكثين فيه أبدا } [الكهف: 3] بلا انقطاع وتغير حال { ~~وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا * ما لهم ~~به من علم ولا لآبائهم } [الكهف: 4-5] يعني: لا يقتضي العلم ~~أن يتخذ الله ولدا؛ لأنه منزه عن الولد وإنما قالوا بالجهل: { كبرت ~~كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا } ~~[الكهف: 5] أي: كبرت كلمة كفر وكذب قالوها عند الله وهي أكبر الكبائر إذ ~~نسبوها إلى الله، وكذبوا عليه وكذبوه. ### || [18.6-10] # { فلعلك باخع نفسك } [الكهف: 6] معناه نهي أي: لا تبخع ~~نفسك كما يقال لعلك تريد أن تفعل كذا أي: لا تفعل كذا. # وفيه معنى آخر { فلعلك } أي: فكأنك كما قال تعالى في شأن عاد: # وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون # [الشعراء: 129] أي: كأنك فالمعنى كأنك { باخع نفسك على ~~آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا } ~~[الكهف: 6] على فوات الإيمان عنهم، وهذا غاية الرحمة والشفقة على الأمة، ~~وكمال القيام بأداء حقوق الرسالة، والإقدام على العبودية فوق الطاقة، ~~وكان من دأبه صلى الله عليه وسلم أن يبالغ في القيام بأمر ms1012 ربه إلى حد أن ~~ينهى عنه كما أنه صلى الله عليه وسلم حين أمر بالإنفاق بالغ فيه إلى أن ~~أعطى من دأبه صلى الله عليه وسلم أن يبالغ قميصه وقعد في البيت عريانا، ~~فنهي عن ذلك بقوله: # ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا # [الإسراء: 29]. # وبقوله: { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } ~~[الكهف: 7] يشير إلى أن الناسك السالك، والطالب الصادق، والمحب المحق من ~~يحرم على نفسه الدنيا وزينتها حرامها وحلالها وهي ما # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع ~~الحياة الدنيا # [آل عمران: 14] لأنه مع حب الله لا يسوغ حب الدنيا وشهواتها، بل حب ~~الآخرة ودرجاتها، كما قال تعالى: { لنبلوهم أيهم أحسن ~~عملا } [الكهف: 7] أي: زينا الدنيا وشهواتها للخلف ملائما لطباعهم ~~وجعلناها محل ابتلاء المحب والسالي { لنبلوهم أيهم أحسن ~~عملا } [الكهف: 7] في تركها ومخالفة هوى نفسه طلبا رضائه، وأيهم أقبح ~~عملا في الإعراض عن الله وما عنده من الباقيات الصالحات، والإقبال على ~~الدنيا وما فيها من الفانيات الفاسدات وهو معنى قوله: { وإنا ~~لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا } [الكهف: 8] لا حاصل له ~~إلا الندامة والغرامة. # ثم أخبر عن سعادة السيادة الذين أعرضوا عن الدنيا وأقبلوا على المولى ~~بقوله تعالى: { أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم ~~كانوا من آياتنا عجبا } [الكهف: 9] إشارة إلى أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أي: أنك حسبت أن أحوال { أصحاب الكهف ~~والرقيم } [الكهف: 9] كانت من آيات إحساننا مع العبيد { عجبا } ~~[الكهف: 9] فإن في أمتك من هو أعجب حالا منهم، وذلك أن فيهم أصحاب ~~الخلوات الذين كهفهم الذين يأوون إليه بين الخلوة، ومقيمهم قلوبهم ~~المرقومة برقم المحبة، فهي محبتي ومحبوبي، وألواح قلوبهم مرقومة بالعلوم ~~الدينية، وإن كان أصحاب الكهف أووا إلى الكهف خوفا من لقاء دقيانوس ~~وفرار منه أووا إلى كهف الخلوة شوقا إلى لقائي وفرارا إلي، وإن كان ~~المراد من قولنا: { إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ~~ربنآ آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من ms1013 أمرنا ~~رشدا } [الكهف: 10] النجاة من شر دقيانوس والخروج من الغار بالسلامة. ~~فرار هؤلاء القوم النجاة من شر نفوسهم، والخروج من ظلمات غار الوجود ~~للوصول إلى أنوار جمالي وجلالي. ### || [18.11-15] # وبقوله: { فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ~~} [الكهف: 11] يشير إلى سد آذان ظاهر أصحاب الخلوة وآذان باطنهم؛ لئلا ~~يقرع مسامعهم كلام الخلق فتنتقش ألواح قلوبهم به، وكذلك تنعزل جميع ~~حواسهم عن نفس قلوبهم، ثم أنهم يمحون النقوش السابقة عن القلوب بملازمة ~~استعمال الكلمة الطبيعية وهي كلمة لا إله إلا الله حتى يصفو قلوبهم بنفي ~~لا إله عما سوى الله بإثبات إلا الله تتنور قلوبهم بنور الله، وينتقش ~~بنقوش العلوم الدينية إلى أن يتجلى الله تبارك وتعالى لقلوبهم بذاته ~~وجميع صفاته؛ ليفنيهم الله عنهم ويبقيهم به وهو سر قوله: { ثم ~~بعثناهم } [الكهف: 12] أي: أحييناهم بنا { لنعلم أي ~~الحزبين } [الكهف: 12] أي: حزب أصحاب الكهف وحزب أصحاب الخلوة { ~~أحصى } [الكهف: 12] أي: أحصى وأصوب { لما لبثوا } [الكهف: 12] ~~في كهفهم وتعيينهم وبيت خلوتهم { أمدا } [الكهف: 12] غاية لبثهم. # ثم أخبر عن حقيقة أحوالهم وما لهم في حالهم ومآلهم بقوله تعالى: { ~~نحن نقص عليك نبأهم بالحق } [الكهف: 13] يشير إلى أن ~~القصاص كثير يقصون بالباطل ويزيدون وينقصون ويغيرونها، ويقص كل أحد برأيه ~~وموافقا لطبعه وهواه وما يقص بالحق إلا الله تعالى. # ثم أخبر عنهم فقال: { إنهم فتية آمنوا بربهم } ~~[الكهف: 13] سماهم باسم الفتوة؛ لأنهم آمنوا بالتحقيق لا بالتقليد، ~~وطلبوا الهداية من الله إلى الله بالله، ولكنهم طلبوا الهداية في البداية ~~بحسب نظرهم وقدر همتهم، فالله تعالى على قضية # " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا " # في هداهم فضلا منه وكرما، كما قال: { وزدناهم هدى } [الكهف: ~~13] أي: زدنا على متمناهم في الهداية، فإنهم يكادون يتمنون أن يهديهم ~~الله إلى الإيمان بالله، وبما جاء به الأنبياء - عليهم السلام - بالبعث ~~والنشور إيمانا بالغيب فزادهم الله تعالى على متمناهم في الهداية حين ~~بعثهم من رقدتهم بعد ثلاثمائة وتسع سنين، وما تغيرت أحوالهم وما بليت ~~ثيابهم، فصار الإيمان إيقانا، والغيب عينا وعيانا. # ثم ms1014 قال: { وربطنا على قلوبهم } [الكهف: 14] يعني: لكيلا ~~يلتفتوا إلى الدنيا وزخارفها وينقطعوا إلى الله بالكلية، وكذلك ما ~~اختاروا بعد البعث الحياة في الدنيا ورجعوا في أن ترجعوا إلى جوار الحق، ~~وأيضا وبعد على قلوبهم المحبة والشوق إلى لقاء الله، وأيضا ربط على ~~قلوبهم نور المعرفة حتى أخبروا عن ذلك. # { إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموت والأرض ~~لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا } ~~[الكهف: 14] أي: بعد أن ربط الله تعالى على قلوبنا نور المعرفة بفضله ~~وكرمه حتى تقينا وحدانيته لو دعونا معه غيره فقد قلنا إذا كذبا وزورا ~~باطلا بعد الصدق والحق واليقين، ثم قالوا: { هؤلاء قومنا ~~اتخذوا من دونه آلهة } [الكهف: 15] من الهوى والدنيا ~~وشهواتها وغير ذلك من الأصنام بجهالتهم وضلالتهم وعدم هدايتهم ومعرفتهم، ~~وإنما قالوا: { قومنا } أي: كنا من جملتهم وبالضلالة في زمرتهم فأنعم ~~الله علينا بالهداية والمعرفة وفرق بيننا وبينهم بالرعاية والعناية. # { لولا يأتون } [الكهف: 15] من اتخذ من دونه آلهة { عليهم ~~بسلطان بين } [الكهف: 15] يعني: بحجة ظاهرة عن آلهة هذه الآلهة ~~ولا يأتون { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } ~~[الكهف: 15] بأنه تعالى محتاج إلى شريك في الملك، وبه يشير إلى أنه من ~~أعظم عذابا منهم؛ لأن الظلم موجب للعذاب، فيكون أعظم العذاب للأظلم. ### || [18.16-20] # ثم بقوله تعالى: { وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا ~~الله فأووا إلى الكهف } [الكهف: 16] يشير إلى أن التائب ~~الصادق، والطالب المحق من اعتزل عن قومه وترك أهل صحبته، وقطع عن إخوانه ~~شؤونه واعتقد إلا يعبد إلا الله، ولا يطلب إلا الله، ولا يحب إلا الله، ~~يعرض عما سوى الله، مستعينا بالله، متوكلا على الله، منفرا إلى الله ~~من غير الله، ثم يأوي إلى كهف الخلوة متمسكا بذيل إرادة شيخ كامل مكمل ~~واصل موصل؛ ليربيه ويزيد في هدايته ويربط على قلبه بقول الولاية وقوة ~~الرعاية، كما كان حال أصحاب الكهف، ولكنهم كانوا مجذوبين من الله مربوبين ~~بربهم وذلك من النوادر، ولا حكم للنادر هذا من قدرة الله أن يهدي جماعة ~~إلى الإيمان ms1015 بلا واسطة رسول أو نبي ويجذبهم بجذبات العناية إلى مقامات ~~القرب ومحل الأولياء بلا شيخ مرشد وهاد مربي، ومن سنته تعالى أن يهدي ~~عباده بالأنبياء والرسل وبخلافتهم ونيابتهم بالعلماء الراسخين والمشايخ ~~المقتدين. # ففي قوله: { فأووا إلى الكهف } [الكهف: 16] إشارة إلى الالتجاء ~~بالحق والتمسك بالمشايخ المكملين يعني بهذه الطريقة { ينشر لكم ~~ربكم من رحمته } [الكهف: 16] أي: يخصصكم برحمته الخاصة ~~المضافة إلى نفسه وهو أن يجذبهم بجذبات العناية ويدخلهم في عالم الصفات ~~ليتخلقوا بأخلاقه ويتصفوا بصفاته كقوله تعالى: # يدخل من يشآء في رحمته # [الشورى: 8] وله تعالى رحمة عامة مشتركة بين المؤمن والكافر والجن ~~والإنس والحيوان. # { ويهيئ لكم من أمركم مرفقا } [الكهف: 16] أي: ~~ييسر لكم طريق الوصول والوصال. # ثم أخبر عن أصناف ألطافه بأضيافه بقوله تعالى: { وترى الشمس ~~إذا طلعت تزاور عن كهفهم } [الكهف: 17] يشير إلى أن نور ~~ولايتهم، وهو نور زاده الله على أنوار هدايتهم وإيمانهم، كما قال: # وزدناهم هدى # [الكهف: 13] يغلب على نور الشمس ويرده عن الكهف كما يغلب نور المؤمن على ~~نار جهنم فيطفئها لقوله صلى الله عليه وسلم: # " المؤمن إذا ورد النار تستغيث النار، وتقول: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك ~~لهبي " # ، { ذات اليمين } [الكهف: 17] أي: يمين الكهف { وإذا غربت ~~تقرضهم ذات الشمال } [الكهف: 17] أي: تدعهم جانب شمال الكهف ~~{ وهم في فجوة منه } [الكهف: 17] أي: متسع وفراغ من ذلك ~~النور يدفع عنهم كل ضرر وآفة، ويراعيهم عن بلى أجسادهم وثيابهم { ذلك ~~من آيات الله } [الكهف: 17] أي: من دلالاته وكراماته التي يظهرها ~~على أوليائه ويخصصهم بخصائص { من يهد الله فهو المهتد } ~~[الكهف: 17] أي: فهو الذي اهتدى بهداية الله إياه فلن يقدر على إضلاله ~~أحد { ومن يضلل } [الكهف: 17] أي: يضلل { فلن تجد له ~~وليا مرشدا } [الكهف: 17] غير الله أي: فلن يقدر على هدايته ~~أحد. # { وتحسبهم أيقاظا } [الكهف: 18] لما رأيت على سيماء وجوههم ~~منه فلك النور { وهم رقود } [الكهف: 18] وفيه إشارة إلى إفنائهم عن ~~وجودهم وإبقائهم بوجودهم الحق لا هم كالنيام ولا هم كالرقود { ~~ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال } [الكهف: 18] أي: ~~بين ms1016 الإفناء والإبقاء، والترقي من مقام إلى مقام، ومن حال إلى حال أي: ~~بلغناهم مبلغ الرجال البالغين ووصلوا إلى درجات المقربين فيه إشارة لطيفة ~~وهي: أن المريد الذي يربيه الله تعالى بلا واسطة المشايخ يحتاج إلى أن ~~يكون كالميت بين يدي الغسال مستسلما نفسه بالكلية إليه مدة ثلاثمائة سنة ~~وتسع سنين حتى تبلغ مبلغ الرجال، والمريد الذي يربيه الله بواسطة المشايخ ~~لعله يبلغ مبلغ الرجال البالغين بخلوة أربعين يوما أو خلوتين أو خلوات ~~معدودة، وذلك أن هؤلاء خلفاء الله وصورة لطفه كما أن الأشجار في الجبال ~~ترقى بلا واسطة فلا تثمر كما تثمر الأشجار في البساتين بواسطة الدهاقين ~~وتربيتهم. # { وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد } [الكهف: 18] يشير إلى ~~أن كلب نفوسهم نائمة معطلة عن الأعمال التي بها تربية القلوب والأرواح، ~~كما جرت بها السنة الإلهية - يعني هذه التربية - على هذا النوع من قبيل ~~القدرة الإلهية التي هي أمارة أهل الولاية والكرامة في حقهم. # { لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ~~ولملئت منهم رعبا } [الكهف: 18] بما شاهدت عليهم من آثار ~~الأنوار التي زدناهم، وألقينا عليهم جلابيب العظمة بتجلي صفات جلالنا، ~~وألبسناهم بلباس الهيئة الإلهية { وكذلك بعثناهم } [الكهف: ~~19] أحييناهم بنور وصالنا وأغرقناهم في لجج بحر الوحدانية فدهشوا بسطوات ~~ما ربطنا على قلوبهم { ليتسآءلوا بينهم } [الكهف: 19] عند ~~الرجوع من استغراق بحر الوصال إلى سواحل نفوسهم { قال قائل ~~منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ~~} [الكهف: 19] لأن أيام الوصال قصيرة، وأيام الفراق طويلة، فلما رأوا ~~أنهم بعد في خبرة الأحوال ودهشة الوصال { قالوا ربكم أعلم ~~بما لبثتم } [الكهف: 19] لأنه كان حاضرا معكم وأنتم غيب عنكم، ~~فالعجب كل العجب لما كانوا ثلاثمائة وتسع سنين في مقام عندية الحق خارجين ~~من عنديتهم ما احتاجوا إلى طعام الدنيا لتغنوا عن غذاء الجسمانية بألوان ~~غذاء الروحانية، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم كان يواصل الأيام، ~~ويقول: # " أبيت عند ربي يطعمني ويسقين " # فلما رجعوا من عندية الحق إلى عندية نفوسهم احتاجوا في الحال إلى غذاء ~~نفوسهم قالوا: { فابعثوا أحدكم ms1017 بورقكم هذه إلى ~~المدينة فلينظر أيهآ أزكى طعاما فليأتكم ~~برزق منه } [الكهف: 19] ففي طلبهم { أزكى طعاما } [الكهف: ~~19] وأطيب إشارة إلى أن أرباب الوصول وأصحاب المشاهدة لما شهدوا ذلك ~~الجمال والبهاء، وذاقوا طعم الوصال، ووجدوا حلاوة الأنس وملاطفات الحبيب، ~~فإذا رجعوا إلى عالم النفوس تطالبهم الأرواح والقلوب بأغذيتهم الروحانية ~~فيتعللون بمشاهدة كل جميل؛ لأن كل جميل من جمال الله وكل بهاء من بهاء ~~الله، ويتوسلون بلطافة الأطعمة إلى تلك الملاطفات كما قالوا: { ~~فليأتكم برزق منه وليتلطف } [الكهف: 19] أي: في ~~الطعام { ولا يشعرن بكم أحدا } [الكهف: 19] فيه إشارة إلى ~~الاحتراز عن شعور أهل الغفلة بأحوال أرباب المحبة، فإن لهم في النهاية ~~أحوال كفر عند أهل البداية، كما قال أبو عثمان المغربي: إرفاق العارفين ~~باللطف وإرفاق المريدين بالعنف. # { إنهم إن يظهروا عليكم } [الكهف: 20] يعني: أهل الغفلة ~~{ يرجموكم } [الكهف: 20] بالملامة فيما يشاهدون منكم يا أهل ~~المعرفة من وسعة الولاية وقوتها، واستحقاق التصرف في الكونين وانعدام ~~تصرفها فيكم، فإنهم بمعزل عن بصيرة يشاهدون بها أحوالكم، فمن قصر نظرهم ~~يطعنون فيكم أو يريدون أن { يعيدوكم في ملتهم } [الكهف: 20] ~~وهي عبادة أصنام الهوى وطواغيت شهوات الدنيا وزينتها، فإن رجعتم إليها { ~~ولن تفلحوا إذا أبدا } [الكهف: 20]. ### || [18.21-22] # ثم أخبر عن الحكمة في اختصاصهم بالعزلة بقوله تعالى: { وكذلك ~~أعثرنا عليهم } [الكهف: 21] إشارة إلى أنه كما أطلعنا بعض ~~منكري البعث والنشور بالأجساد على أحوال أصحاب الكهف { ليعلموا } ~~[الكهف: 21] ويتحقق لهم { أن وعد الله } [الكهف: 21] بالبعث ~~وإحياء الموتى { حق وأن الساعة } [الكهف: 21] أي: قيام الساعة ~~{ لا ريب فيها } [الكهف: 21] أنا قادرون على إحياء بعض القلوب ~~الميتة، وإن وعد الله به بقوله: # فلنحيينه حياة طيبة # [النحل: 97] وبقوله: # أو من كان ميتا فأحيينه # [الأنعام: 122] حق وإن قيامه قلوب الصديقين المحبين لا ريب فيها. # ثم في قوله تعالى: { إذ يتنازعون بينهم أمرهم ~~فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم ~~قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم ~~مسجدا } [الكهف: 21] إلى قوله: { ولا تستفت فيهم ~~منهم أحدا } [الكهف: 22] إشارة إلى أن الله تعالى بحكمته البالغة ~~وإرادته ms1018 القديمة يبدي بعض الأشياء على رسوله صلى الله عليه وسلم مما يسأل ~~عنه، ومما لم يسأل، ويخفي بعضها حكمة منه، ومصلحة للخلق، وله في الإبداء ~~والإخفاء أسرار. # فمنها: عسى أن يكون في إبداء ما يسألون فتنة أو بلية أو مضرة لسائله ~~لقوله تعالى: # لا تسألوا عن أشيآء إن تبد لكم تسؤكم # [المائدة: 101]. # ومنها: إن في إخفائها للحق مجال الاجتهاد، و " للمجتهد إذا أصاب أجران، ~~وإن لم يصب فله أجر واحد " فلله الأمر فيما أظهر وأبدى أو أسر وأخفى. ### || [18.23-28] # وبقوله تعالى: { ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك ~~غدا * إلا أن يشآء الله } [الكهف: 23-24] يشير إلى عدم ~~الاختيار والمشيئة لحبيبه ونبيه صلى الله عليه وسلم في شيء من الأمور، ~~وإن الاختيار والمشيئة لله تبارك وتعالى، وأفعال العباد كلها مبنية على ~~مشيئته كقوله تعالى: # وما تشآءون إلا أن يشآء الله # [الإنسان: 30] ومن لم يعلق وقوع فعله بمشيئة الله، فإن من سنته أن يجري ~~الأمر على خلاف مشيئتهم، كما كان حال سليمان عليه السلام في طلب الأولاد ~~إذ دار على نسائه في ليلة واحدة وهن ثلاثمائة نسوة - والله أعلم - لتأتي ~~كل واحدة منهن ولدا بأن يجاهد في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله؛ فما ~~أتت بولد إلا واحدة منهن لا شق له، وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~حين سألته اليهود عن أحوال أصحاب الكهف وعددهم فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " سأخبركم " ولم يقل: إن شاء الله، فأبهم الله أحوالهم عليه فقال: # سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة ~~سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة ~~وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم # [الكهف: 22] وهذا تأديب النبي صلى الله عليه وسلم حين لم يكل علمها إلى ~~الله تعالى ووعدهم بأن يعلمهم بها. # ومن تأديبه قوله: # ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مرآء ~~ظاهرا # [الكهف: 22] يعني: نحن نعلم قليلا من أمتك أحوالهم كرامة لك، وإن لم ~~نعلمكم بالتمام تأديبا لك، فلا تخبر أنت بما أخبرناك عن أحوالهم { ولا ~~تستفت فيهم منهم ms1019 أحدا * ولا تقولن لشاىء ~~إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء الله } [الكهف: ~~22-24] غيرنا لنخبرك تصرفا بالاستقلال عن أحوالهم { واذكر ربك ~~إذا نسيت } [الكهف: 24] أي: واذكر بقولك إن شاء الله إذا نسيت ~~وجودك، وإن لك تصرفا بالاستقلال { وقل عسى أن يهدين ربي ~~} [الكهف: 24] إذ لم يهدني إلى أحوالهم بالشرح يهديني بهذا التأديب { ~~لأقرب من هذا رشدا } [الكهف: 24] أي: إلى طريق أقرب إليه ~~وأرشد من هذا. # ثم أخبر عن لبثهم في الكهف فقال: { ولبثوا في كهفهم ثلاث ~~مائة سنين وازدادوا تسعا * قل الله أعلم بما ~~لبثوا } [الكهف: 25-26] يعني: لو لم يخبر الله عن لبثهم ومدة إقامتهم ~~في الكهف ما كان أحد أن يعلم بمدة لبثهم ولا هم بها علم كما # قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما ~~أو بعض يوم # [الكهف: 19] لجهلهم بحال أنفسهم { له غيب السموت } [الكهف: ~~26] أي: ما غاب عن أهل السماوات { والأرض } [الكهف: 26] أي ما غاب عن ~~أهل الأرض { أبصر به وأسمع } [الكهف: 26] أي: هو البصير بكل ~~موجود وهو السميع بكل مسموع، فيه أبصر من أبصر، وبه سمع من سمع { ما ~~لهم من دونه } [الكهف: 26] أحدا أي: من دون الله { من ولي } ~~[الكهف: 26] يخبرهم عن غيب السماوات والأرض { ولا يشرك في ~~حكمه } [الكهف: 26] من الأزل إلى الأبد { أحدا } [الكهف: 26] ~~لعزته. # ثم أخبر عن إيجابه تلاوة كتابه بقوله تعالى { واتل } [الكهف: 27] على ~~نفسك { مآ أوحي إليك من كتاب ربك } [الكهف: 27] أي: عن ~~من كتاب كتبه ربك في الأزل { لا مبدل لكلماته ولن تجد ~~من دونه ملتحدا } [الكهف: 27] إلى الأبد وهو قوله: { واصبر ~~نفسك مع الذين يدعون ربهم } [الكهف: 28] وهم القلب ~~والسر والروح والخفي يعني: هم المجبولون على طاعة الله وطلبه وشوقه ~~ومحبته، كما أن النفس جبلت على طاعة الهوى، وطلب الدنيا ومحبتها { ~~واصبر نفسك } [الكهف: 28] معهم في طاعة الله وطلبه وترك هواها ~~والركون إلى الدنيا وما فيها؛ لتتصف بصفاتهم وهي العبودية على المحبة { ~~بالغداة } [الكهف: 28] أي: غداة الأزل { والعشي } [الكهف: 28] ~~أي: عشي الأبد { يريدون وجهه } [الكهف: ms1020 28] أي: يطلبون الوصول ~~إلى ذاته تبارك وتعالى ويقصدون الاتصاف بصفاته. # { ولا تعد عيناك } [الكهف: 28] أي: عينا همتك { عنهم } ~~[الكهف: 28] أي: عن القلب والسر والروح والخفي؛ ليكونوا متوجهين إلى الله ~~تعالى متوحدين في طلبه، فإنك لم تراقب أحوالهم تتصرف فيهم النفس الأمارة ~~بالسوء وتغيرهم عن صفاتهم، فإن الرضاع يغير الطباع، وإن طبع النفس أن { ~~تريد زينة الحياة الدنيا } [الكهف: 28] فيريدونها وبها ~~ينزلون عن أعلى عليين إلى أسفل سافلين { ولا تطع من أغفلنا ~~قلبه } في الفطرة الأولى { عن ذكرنا واتبع هواه } ~~[الكهف: 28] يعني: النفس { وكان أمره } [الكهف: 28] في متابعة ~~الهوى { فرطا } [الكهف: 28] أي: هلاكا وخسرانا. ### || [18.29-31] # { وقل الحق من ربكم } [الكهف: 29] في التبشير والإنذار ~~وبيان السلوك لمسالك أرباب السعادة والاحتراز عن مهالك أصحاب الشقاوة. # { فمن شآء فليؤمن } [الكهف: 29] من قلوب أهل السعادة { ومن ~~شآء فليكفر } [الكهف: 29] من نفوس أهل الشقاوة. وأيضا، ومن شاء ~~فليؤمن من نفوس أهل السعادة، ومن شاء فليكفر من قلوب أهل الشقاوة { ~~إنا أعتدنا } [الكهف: 29] في الأزل { للظالمين } [الكهف: ~~29] وهم الكافرون بما وجب الإيمان به المؤمنون بما وجب الكفر به { نارا ~~} [الكهف: 29] وهي نار القهر والغضب { أحاط بهم سرادقها } ~~[الكهف: 29] وهي سرادق العزة { وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء ~~كالمهل يشوي الوجوه } [الكهف: 29] أي: وجوه الأرواح الناضرة ~~المستعدة للنظر إلى ربها؛ أي: يفسد استعدادها للنظر { بئس الشراب ~~} [الكهف: 29] شراب اليأس والقطيعة { وسآءت مرتفقا } [الكهف: ~~29] مرتفق البعد والطرد. # ثم أخبر عن إحسان أهل الإيمان بقوله: { إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن ~~عملا } [الكهف: 30] يشير إلى أن لأهل الإيمان والأعمال الصالحات جزاء ~~يناسب صلاحية أعمالهم وحسنها، فمنها أعمال تصلح للسير إلى الجنان وغرفها ~~وهي الطاعات القلبية من الصدق في طلب الحق والإخلاص في التوجه له بترك ~~الدنيا، والإعراض عما سوى الله، والإقبال على الله بالكلية، والتمسك بذيل ~~إرادة شيخ كامل فاضل مكمل، ليسلكه على طريق المبالغة ظاهرا وباطنا، ~~فلا نضيع أجر عمله إن أحسنه وهو إذ يعبد الله على مشاهدته أو لشهوده { ~~أولئك لهم } [الكهف: 31] أي: جزاءهم وأجرهم ms1021 { جنات عدن ~~تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور ~~من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق ~~متكئين فيها على الأرآئك نعم الثواب } [الكهف: 31] ~~للنفوس درجات الجنان ونعيمها { وحسنت مرتفقا } [الكهف: 31] ~~للقلوب أعلى مقامات القرب. ### || [18.32-36] # { واضرب لهم مثلا رجلين } [الكهف: 32] وهما النفس ~~الكافرة والقلب المؤمن { جعلنا لأحدهما } [الكهف: 32] وهو النفس ~~{ جنتين } [الكهف: 32] وهما الهوى والدنيا، { من أعناب } ~~[الكهف: 32] الشهوات { وحففناهما بنخل } [الكهف: 32] حب ~~الرئاسة { وجعلنا بينهما زرعا } [الكهف: 32] من تمتعات ~~البهيمية ومستلذات الحيوانية. # { كلتا الجنتين } [الكهف: 33] من الهوى والدنيا { آتت ~~أكلها } [الكهف: 33] ثمراتها ونتائجها وهي الميلان إلى زينتها ~~وزخارفها { ولم تظلم منه شيئا } [الكهف: 33] أي: بلا نقصان ~~فيها { وفجرنا خلالهما نهرا } [الكهف: 33] من قوة البشرية ~~والحواس الخمسة الظاهرة والباطنة. # { وكان له } [الكهف: 34] أي: النفس { ثمر } [الكهف: 34] من ~~أنواع الشهوات { فقال لصاحبه } [الكهف: 34] وهو القلب { وهو ~~يحاوره } [الكهف: 34] أي: يحاور النفس القلب { أنا أكثر منك ~~مالا } [الكهف: 34] أي: أكثر ميلا { وأعز نفرا } [الكهف: 34] ~~من الأوصاف المذمومات. # { ودخل جنته } [الكهف: 35] أي: سرح في جنة الدنيا { وهو ~~ظالم لنفسه } [الكهف: 35] في الاستمتاع بها على وفق هواها بخلاف ~~الشرع مغرورا بها حتى { قال مآ أظن أن تبيد } [الكهف: 35] ~~أي: تهلك وتفنى { هذه } [الكهف: 35] الدنيا { أبدا } [الكهف: 35] ~~إلى أن نسي القيامة بقوله: { ومآ أظن الساعة قائمة } ~~[الكهف: 36] فغرته الحياة الدنيا وغره بالله الغرور حتى قال: { ولئن ~~رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا } ~~[الكهف: 36] يعني: لأنه رحيم كريم يعطيني في الآخرة خيرا مما أعطاني في ~~الدنيا وهذا غاية الغرور بالله وكرمه وهو مخالفة لأوامره ونواهيه، كقوله ~~تعالى: # يأيها الإنسن ما غرك بربك الكريم # [الانفطار: 6] على قوله: # إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 13-14]. ### || [18.37-41] # { قال له صاحبه } [الكهف: 37] وهو القلب { وهو يحاوره ~~أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم ~~سواك رجلا } [الكهف: 37] لتنكر نعمه وأنت تكفرها { لكنا ~~هو الله ربي } [الكهف: 38] فأشكره ولا أكفره { ولا أشرك ~~بربي أحدا } [الكهف: 38] كما أشركت يا نفس واتخذت إلهك الهوى { ~~ولولا إذ ms1022 دخلت جنتك } [الكهف: 39] أي: هلا إذا شرعت في ~~الدنيا كنت في التصرف فيها بأمر الشرع و { قلت ما شآء الله } ~~[الكهف: 39] أي: أتصرف فيها كما شاء الله وأمرني بها { لا قوة } ~~[الكهف: 39] للتصرف فيها { إلا بالله إن ترن أنا أقل ~~منك مالا وولدا } [الكهف: 39] أي: أقل ميلا إلى الدنيا منك يا ~~نفس وأقل ولدا لأوصاف نفسي { فعسى ربي أن يؤتين خيرا من ~~جنتك } [الكهف: 40] أي: من جنات الروحانية الباقيات الأخرويات { ~~ويرسل عليها } [الكهف: 40] أي: على جنتك الدنيوية الشهوانية { ~~حسبانا } [الكهف: 40] آفة { من السمآء } [الكهف: 40] من ~~الآفات { فتصبح صعيدا زلقا } [الكهف: 40] لا حاصل لها إلا ~~الحسرة والندامة { أو يصبح مآؤها غورا } [الكهف: 41] أي ماء ~~قواها يغور بالموت { فلن تستطيع له طلبا } [الكهف: 41] ~~للحياة أي: فلا تقدر على إحيائها. ### || [18.42-48] # { وأحيط بثمره } [الكهف: 42] أي: أحاط بأنواع شهواتها الهلاك ~~والفساد { فأصبح } [الكهف: 42] أي: النفس يوم القيامة { يقلب ~~كفيه } [الكهف: 42] حسرة وندامة { على مآ أنفق فيها } ~~[الكهف: 42] من العمر والاستعداد لقبول الكمال، { وهي خاوية ~~على عروشها } [الكهف: 42] أي: جنة الدنيا ساقطة خالية عما فيها { ~~ويقول } [الكهف: 42] النفس { يليتني لم أشرك بربي ~~أحدا } [الكهف: 42] أي: لم أشرك بعبادة ربي عبادة الهوى والدنيا { ~~ولم تكن له فئة } [الكهف: 43] صفات وأخلاق حميدة { ~~ينصرونه من دون الله } [الكهف: 43] أي: يدفعون عنه عذاب الله ~~{ وما كان منتصرا } [الكهف: 43] ممتنعا من العذاب { هنالك ~~الولاية لله الحق } [الكهف: 44] أي: الحق مع أهل ولاية الله ~~يومئذ إذ لم يشركوا بعبادة الله الهوى، ولم يتخذوا من دون الله وليا ~~وما أنفقوا عمرهم في طلب غير الله وما صرفوا حسن استعدادهم إلا لقبول فيض ~~الله بلا واسطة { هو خير ثوابا } [الكهف: 44] لأهل ولايته من ~~ثواب أهل الدنيا وثواب أهل الآخرة { وخير عقبا } [الكهف: 44] لهم ~~إذ صاروا إلى الله إذ صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار ~~فافهم جدا. # ثم أخبر عن حال الفانيات والباقيات بقوله تعالى: { واضرب لهم ~~مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه من السماء } ~~[الكهف: 45] يشير إلى أن الماء هو الروح ms1023 العلوي الذي أنزله إلى أرض ~~الجسد، { فاختلط به } بالروح { نبات الأرض } [الكهف: 45] ~~وهي الأخلاق الذميمة النفسانية، فإن اتصف الروح العلوي بالخذلان أي: أرض ~~النفس ونبات صفاتها حتى يختلط بها فإنه يتطبع بطبع النفس السفلية ويتصف ~~بصفاتها ويتخلق بأخلاقها، { فأصبح هشيما } [الكهف: 45] قد تلاشت ~~منه نداوة الأخلاق الروحانية الحميدة بجذب هواء الطبيعة { تذروه ~~الرياح } [الكهف: 45] أي: تفرقه رياح الأهوية المختلفة حتى أهلكته في ~~واد من الأودية السفلية وهذا تحقيق قوله: # لقد خلقنا الإنسان # [التين: 4] أي: الروح الإنساني # في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين # [التين: 4-5] وقوله تعالى: # إن الإنسان لفى خسر # [العصر: 2] إذا أخلي إلى طبيعته الإنسانية فأما الذي أدركته العناية ~~الأزلية بعد تعلق الروح بالحب كتعلق الماء بالأرض فيبعث الله إليه لنفسه ~~دهقان من دهاقين الأنبياء والأولياء معه بذر الإيمان والتوحيد؛ ليلقيه ~~بيد الدعوة وتبليغ الرسالة في أرض نفسه فيقع منها في تربة طيبة وهي القلب ~~كما ضرب الله تعالى: # مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت ~~وفرعها في السمآء # [إبراهيم: 24]. # وكقوله: # والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه # [الأعراف: 58] فينبت عن بذر التوحيد وهي كلمة لا إله إلا الله شجرة ~~الإيمان بماء الشريعة فتعلو به الروح من أسفل الإنسانية إلى أعلى الدرجات ~~الروحانية وأقرب منازل قربات الربانية كقوله تعالى: # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه # [فاطر: 10] وهذا تحقيق قوله: # ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت # [التين: 5-6] وقوله: # إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات # [والعصر: 2-3]. # { وكان الله على كل شيء مقتدرا } [الكهف: 45] قادر ~~على أن يخلده ويبقيه في أسفل سافلين الجسمانية الحيوانية ليصير الروح ~~العلوي # كالأنعام بل هم أضل # [الفرقان: 44] وعلى أن يجذبه بجذبات العناية إلى أعلى عليين مراتب القرب ~~ليكون مسجودا للملائكة المقربين في قوله: { المال والبنون ~~زينة الحياة الدنيا } [الكهف: 46] إشارة إلى أن حياة الدنيا ~~كما تحققت أنها فانية فكذلك زينتها التي هي المال والبنون فانية. # { والباقيات الصالحات } [الكهف: 46] وهي ترك الدنيا وزينتها ~~طلبا لخالقها وبارئها بالإيمان والإخلاص والمتابعة ms1024 { خير عند ~~ربك ثوابا وخير أملا } [الكهف: 46] لأن ثواب الدنيا وأملها ~~فان وثواب الله وأمله باق كقوله: # ما عندكم ينفد وما عند الله باق # [النحل: 96] وأيضا الباقيات الصالحات أي: ما فني منك وبقي بربك بإفنائه ~~وإبقائه خير لك عند ربك ثوابا وخير أملا؛ لأن ثوابك عند ربك بفنائك فيه ~~وبقائك به. # ثم أخبر عن أحوال القيامة وأهوالها بقوله تعالى: { ويوم نسير ~~الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر ~~منهم أحدا } [الكهف: 47] يشير إلى عزته وعظمته، وإظهار سلطته من ~~جلاله وقهره وآثار عدله؛ لينتبه النائمون من نوم غفلتهم ويتأهب الغافلون ~~أسباب النجاة لذلك اليوم ويصلحوا أمر سريرتهم وعلانيتهم لخطاب الحق تعالى ~~وجوابه؛ إذ إليه المرجع والمآب. # { وعرضوا على ربك صفا } أي: صفا صفا من الأنبياء ~~والأولياء والمؤمنين والكافرين والمنافقين ويقال لهم: { لقد ~~جئتمونا كما خلقناكم أول مرة } في أربعة صفوف: صف ~~من الأنبياء، وصف من الأولياء، وصف من المؤمنين وصف من الكافرين ~~والمنافقين، وفيه معنى آخر { لقد جئتمونا كما خلقناكم } ~~أي: كما قدرناكم أن تكونوا طبقات شتى، وفيه معنى آخر على ما خلقناكم من # أصحاب الميمنة # [الواقعة: 8] # وأصحاب المشأمة # [الواقعة: 9]، # والسابقون السابقون * أولئك المقربون # [الواقعة: 10-11]. # { بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا } [الكهف: 48] ~~هذا خطاب أصحاب المشأمة. ### || [18.49-52] # { ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين } [الكهف: ~~49] خائفين { مما فيه ويقولون يويلتنا مال هذا ~~الكتاب لا يغادر صغيرة } [الكهف: 49] وهي كل تصرف في شيء ~~بالشهوة النفسانية وإن كانت من المباحات { ولا كبيرة } [الكهف: 49] ~~وهي التصرف في الدنيا على حبها وإن كان من حلالها؛ لأن حب الدنيا رأس كل ~~خطيئة { إلا أحصاها } [الكهف: 49] علمها. # { ووجدوا ما عملوا حاضرا } [الكهف: 49] لأنهم كتبوا صالح ~~أعمالهم بقلم أفعالهم على صحائف قلوبهم وسوء أعمالهم على صحائف نفوسهم، ~~وقد يوجد عكس ما في هذه الصحائف على صفحات الأرواح، وإن كان نورانيا أو ~~ظلمانيا { ولا يظلم ربك أحدا } [الكهف: 49] فإن كان النور ~~غالبا على صفحة روحه فهو من أهل الجنان، وإن كانت الظلمة غالبة عليها ~~فهو هالك ومن لا يشوب نوره ms1025 بالظلمة فهو من أهل الدرجات والقربات ومن ~~أدركته الجذبات وبدلت سيئاته بالحسنات وأخرج إلى النور الحقيقي من ~~الظلمات فهو # في مقعد صدق عند مليك مقتدر # [القمر: 55]. # ثم أخبر عن فضيلة آدم المكرم بقوله تعالى: { وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس كان ~~من الجن } [الكهف: 50] إشارة إلى معان وحكم وأودعها الله فيه: # فمنها: ما يتعلق بالله عز وجل وهو أنه تعالى أراد أن يظهر به صفة لطفه ~~وصفة قهره وكمال قدرته وحكمته، فاظهر لطفه بآدم أن خلقه من صلصال من حمأ ~~مسنون، وأمر ملائكته الذين خلقوا من النور بسجوده، ومن كمال لطفه وجوده ~~وأظهر صفة قهره بإبليس إذ أمره بالسجود آدم بعد أن كان رئيس الملائكة ~~ومقدمهم ومعلمهم وأشدهم اجتهادا في العبادة حتى لم يبق في سبع سماوات ~~ولا في سبع أرضين شبر إلا وقد سجد لله تعالى عليه سجدة حتى امتلأ العجب ~~بنفسه حين لم ير أحدا بمقامه فأبى أن يسجد لآدم استكبارا وقال: # أنا خير منه # [ص: 76] فلعنه الله وطرده إظهارا للقهر وإظهار كمال قدرته وحكمته بأن ~~بلغ من غاية القوة والحكمة ما خلقه من قبضة خراب ظلماني كثيف سفلي إلى ~~مرتبة يسجد له جميع ملائكته المقربين الذين خلقوا من نور علوي لطيف ~~روحاني. # ومنها: ما يتعلق بآدم عليه السلام وهو أنه تعالى لما أراد أن يجعله ~~خليفة في الأرض أودع في طينته عند تخميرها بيده أربعين صباحا سر الخلافة ~~وهو استعداد قبول الفيض الإلهي بلا واسطة، وقد اختصه الله تعالى وذريته ~~بهذه الكرامة لقوله: # ولقد كرمنا بني ءادم # [الإسراء: 70] من بين سائر المخلوقات كما أخبر النبي عن كشف قناع هذا ~~السر بقوله: " إن الله خلق آدم فتجلى فيه " ولهذه الكرامة صار مسجودا ~~للملائكة المقربين. # ومنها: ما يتعلق بالملائكة وهو أنهم لما خلقوا من النور الرحماني العلوي ~~كان من طبعهم الانقياد لأوامر الله والطاعة والعبودية له فلما أمر بسجود ~~آدم امتحنوا به وذلك غاية الامتحان؛ لأن السجود أعلى مراتب العبودية له ~~فلما أمروا بسجود آدم والتواضع لله ms1026 فإذا امتحن به أحد أن يسجد لغير الله ~~فذلك غاية الامتحان للامتثال، فلم يتلعثموا في ذلك وسجدوا لآدم بالطوع ~~والرغبة من غير كره وإباء امتثالا وانقيادا لأوامر الله تعالى كما ~~قال تعالى: # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6]. # ومنها: ما يتعلق بإبليس وهو أنه لما خلق للضلالة والغواية والإضلال ~~والإغواء خلق من النار وطبعها الإشعال والاستكبار وإن نظمه الله في سلك ~~الملائكة منذ خلقه وكساه كسوة الملائكة وهو قد تشبه بأفعالهم تقليدا لا ~~تحقيقا حتى عد من جملتهم، وذكر في زمرتهم، وزاد عليهم في الاجتهاد ~~بالاعتبار لا بالاعتقاد فاتخذوه رئيسا ومعلما؛ لما رأوا منه اشتداده في ~~الاجتهاد بالإراءة دون الإرادة فلما امتحن بسجود آدم في جملة الملائكة ~~هبت نكباء النكبة وانخلعت عنه كسوة أهل الرغبة والرهبة ليميز الله الخبيث ~~من الطيب، فطاشت عنه تلك المخادعات وتلاشت منه تلك المبادرات وعاد ~~المشئوم إلى طبعه قد تبين الرشد من غيه، فسجد الملائكة وأبى إبليس ~~واستكبر من غيه وظهر أنه كان من الجن وأنه طبع كافرا. # { ففسق عن أمر ربه } [الكهف: 50] وخلع قلادة التقليد عنه ~~ليعلم أن الأصل لا يتخطى، ويتحقق أن في هذا الامتحان يكرم الرجل أو يهان، ~~كما أن البعرة تشابه المسك وتعارضه في الصورة. فلما امتحن بالنار تبين ~~المقبول من المردود والمبغوض من المودود. # ثم بقوله تعالى: { أفتتخذونه وذريته أوليآء من ~~دوني وهم لكم عدو } [الكهف: 50] يشير إلى أن في أولاد آدم من ~~هو في صورة آدم لكنه في صفة إبليس، وأنهم شياطين الإنس وأمارتهم أنهم ~~يتخذون إبليس وذريته أولياء من دون الله فيطيعون الشيطان ولا يطيعون ~~الرحمن ويتبعون ذرية الشيطان ولا يتبعون ذرية آدم من الأنبياء والأولياء ~~ولا يفرقون بين الأولياء والأعداء فبجهلهم يظلمون على أنفسهم ويبدلون ~~الله وهو وليهم بالشياطين { وهم لكم عدو بئس للظالمين ~~بدلا } [الكهف: 50] وفيه إشارة إلى أن أولياء الله هم الذين لا يبدلون ~~الله بما سواه، ويتخذون ما سواه عدوا. # وفي قوله تعالى: { مآ أشهدتهم خلق السموت والأرض ~~ولا خلق أنفسهم ms1027 وما كنت متخذ المضلين عضدا ~~} [الكهف: 51] إشارة إلى أن الله تعالى لما أخبر أنه ما أشهد الشياطين ~~خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم؛ لأنهم الأعداء دليل على أن يشهد بعض ~~أوليائه على شيء ما أشهد عليه أعداءه، وإن استبعد العقل إمكانه؛ لأن ~~العقل لا يحكم بإشهاد شيء معدوم على إيجاده، ولكن الله تعالى إذا أراد ~~إجراء هذا الأمر يتجلى بصفة عالميته لمن يشاء من عباده فيبصره بنور علمه ~~المحيط بالأزل والأبد ابتداء تعلق قدرته بالأشياء المعدومة، وكيفية ~~إخراجها من العدم إلى الوجود فيشهده خلق كل شيء حتى خلق نفسه ويخبره عن ~~خاصية كل شيء وحكمة إيجادها ويعلمه أسماء الموجودات كقوله تعالى: # وعلم ءادم الأسمآء كلها # [البقرة: 31] وعلى شهوده ونظره يخرج من العدم ما هو المقدر خروجه إلى ~~الأبد وهذا مما لا يدرك نظره العلماء بالعقل؛ لأن الله تعالى أنعم على ~~هذا الضعيف بكشف هذه الواقعة الشريفة في أثناء السلوك والسير إلى الله ~~تعالى فيما رزقه من كشف حقائق الأشياء عليه وأراه ماهيتها له. # ثم أخبر عن نداء الشركاء يوم اللقاء بقوله تعالى: { ويوم يقول ~~نادوا شركآئي الذين زعمتم فدعوهم فلم ~~يستجيبوا لهم } [الكهف: 52] يشير إلى امتثال أوامر الله ونواهيه ~~ينفع العبد إذا كان في الدنيا قبل موته وبثمره في الآخرة فأما إذا كان في ~~الآخرة فلا ينفعه الإيمان ولا الأعمال فإن قوله تعالى: { نادوا ~~شركآئي } [الكهف: 52] أمر من الله تعالى وقد امتثلوا أمره بقوله: { ~~فدعوهم } [الكهف: 52] فلم ينفعهم الامتثال؛ لأن الشركاء لم ~~يستجيبوا لهم، ونظيره قوله تعالى: # انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ورآءكم ~~فالتمسوا نورا # [الحديد: 13]. # { وجعلنا بينهم } [الكهف: 52] أي: بين المصرين على الشرك ~~والذنوب وبين الإيمان { موبقا } [الكهف: 52] يمنعهم عن الإيمان في ~~الدنيا وهو الخذلان باستيلاء الهوى واستحلاء الدنيا وفي الآخرة عن ~~الجنان، وهو القهر والعزة. ### || [18.53-57] # في قوله: { ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم ~~مواقعوها } [الكهف: 53] إشارة إلى أن المجرمين لما رأوا في الدنيا ~~ما يدخلهم النار من المحرمات والشهوات وأكل الربا وأكل مال اليتيم فلم ~~يمتنعوا عنها ms1028 وواقعوها ولم يجدوا ما يصرفهم عنها من الديانة والإيمان ~~الحقيقي بالجنة والنار والبعث والنشور والحساب والميزان والصراط والثواب ~~والعقاب، فإذا رأوا في الآخرة النار أيقنوا أنهم مواقعوها بما لم يحترزوا ~~عنها في الدنيا، { ولم يجدوا عنها مصرفا } [الكهف: 53] كما ~~لم يجدوا في الدنيا ما يصرفهم عن الأعمال الموجبة للنار. # { ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل ~~مثل } [الكهف: 54] يحتاج إليه السائرون إلى الله الصادقون في محبة ~~الله، المخلصون في طلب الله المشتاقون إلى جمال الله ويستدل به الموحدون ~~في وحدانية الله، ويتمسك به الواصلون إلى الله في بذل الوجود والفناء في ~~الله ليبقوا بالله، ولكن من طبيعة الإنسان المجادلة والمخاصمة وبها ~~يقطعون الطريق على أنفسهم فتارة مع الأنبياء يجادلون ولا يقبلونهم ~~بالنبوة والرسالة حتى يقاتلوهم. # وتارة يجادلون في الكتب المنزلة ويقولون: # مآ أنزل الله على بشر من شيء # [الأنعام: 91] وتارة يجادلون في محكماتها، وتارة يجادلون في متشابهاتها، ~~وتارة يجادلون في قراءتها، وتارة يجادلون في قدمها وحدوثها، وعلى هذا حتى ~~لم يفرغوا من المجادلة إلى المجاهدة، ومن المخاصمة إلى المعاملة، ومن ~~المنازعة إلى المطاوعة، ومن المناظرة إلى المواصلة فلهذا قال: { وكان ~~الإنسان أكثر شيء جدلا } [الكهف: 54] ومن هنا عالجهم ~~بقوله: # قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون # [الأنعام: 91]. # وفي قوله تعالى: { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ ~~جآءهم الهدى } [الكهف: 55] أي: أسباب الهداية { ~~ويستغفروا ربهم } [الكهف: 55] أن كانوا مذنبين { إلا أن ~~تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا ~~} [الكهف: 55] إشارة إلى أن أسباب الهداية إن اجتمعت بالكلية لا يهتدي ~~بها الناس ولا يؤمنون إلا أن تأتيهم سنة الأولين من الأنبياء والأولياء ~~والمؤمنين وهي جذبات العناية لأهل الهداية فإنها سنة الله التي قد خلت من ~~قبل كما قال صلى الله عليه وسلم: # " والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا ". # وكما قال تعالى: # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها # [السجدة: 13] فالاهتداء بهداية الله وبالسيف وهو قوله: { أو ~~يأتيهم العذاب قبلا } [الكهف: 55] كما قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " أمرت أن أقاتل ms1029 الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " # وكما قال: # " أنا نبي السيف ونبي الملحمة ". # ثم أخبر عن شريعة الأنبياء والمرسلين إلى الكفر وأهل الدين بقوله تعالى: # وما نرسل المرسلين إلا مبشرين # [الأنعام: 48] أي: أهل المحبة والولاء المبتلين بالمحبة والبلاء ~~الصابرين في البأساء والضراء، والصادقين في دعوى الوفاء بالاجتباء ~~والاصطفاء والوصلة واللقاء # ومنذرين # [الأنعام: 48] لأهل الجفاء وكفرة النعماء في البؤس والرخاء بالقطيعة ~~والفناء وسوء العاقبة والإيواء. # وفي قوله: { ويجدل الذين كفروا بالبطل ~~ليدحضوا به الحق } [الكهف: 56] إشارة إلى عناد أهل ألكفر من ~~أهل الحق من الأنبياء والأولياء جهلا منهم وضلالة بشأنهم يرون الحق ~~باطلا، والباطل حقا وذلك من عمى قلوبهم وسخافة عقولهم أنهم يسعون في ~~إبطال الحق وتحقيق الباطل، فإن أهل الحق هم المنقادون للأنبياء والأولياء ~~المستسلمون لهم من غير عناد وجدال؛ وذلك لأنهم ينظرون بنور الله فيرون ~~الحق حقا ويتبعونه، ويرون الباطل باطلا ويجتنبونه لا جرم أنهم يتخذون ~~آيات الله من القرآن وغيره { ومآ أنذروا } [الكهف: 56] به من نار ~~القطيعة وغيرها جزاء فيأتمرون بما أمروا به وينتهون عما نهوا عنه ولا ~~يتخذونها { هزوا } [الكهف: 56]. # كما أخبر الله تعالى عن أهل الباطل { واتخذوا ءايتي ومآ ~~أنذروا هزوا } [الكهف: 56]، وبقوله: { ومن أظلم ممن ~~ذكر بآيت ربه فأعرض عنها } [الكهف: 57] يشير إلى أن ~~من كانت هذه صفته فهو أظلم الناس على نفسه؛ لأن الإعراض أعظم من الشرك ~~فإن المشركين يقولون: # هؤلاء شفعاؤنا عند الله # [يونس: 18]. # وقال تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] فالمعرض أعظم ظلما من المشرك { ونسي ما قدمت ~~يداه } [الكهف: 57] من الشرك فتولد الإعراض من شركه، كما أخبر بقوله: ~~{ إنا جعلنا على قلوبهم أكنة } [الكهف: 57] أي: غطاء ~~من الشرك { أن يفقهوه } [الكهف: 57] أي: يفهموا أن غطاء قلوبهم من ~~الشرك، { وفي ءاذانهم وقرا } [الكهف: 57] من الإعراض { وإن ~~تدعهم إلى الهدى } [الكهف: 57] لم يسمعوا لصمم آذان قلوبهم ~~من الإعراض { فلن يهتدوا إذا أبدا } [الكهف: 57] لأن ~~الاهتداء موقوف على استماع دعوة الحق وهو ممنوع بصمم الإعراض. ### || [18.58-62] # وبقوله: { وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم ms1030 ~~بما كسبوا لعجل لهم العذاب } [الكهف: 58] يشير إلى أن ~~رحمة الله في الدنيا تعم المؤمن والكافر؛ لأنه لا يؤاخذهم بما كسبوا { ~~بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا } [الكهف: ~~58] أي: ملجأ من العذاب وفيه إشارة إلى أن الرحمة تختص يوم القيامة ~~بالمؤمن دون الكافر والعذاب يختص بالكافر دون المؤمن، وإن كان في الدنيا ~~يعم المؤمن والكافر. # { وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا } [الكهف: 59] ~~أي: إنما أهلكنا أهل تلك القرى بعد أن كان من سنتنا أن تعم رحمتنا المؤمن ~~والكافر في الدنيا؛ لأنهم ضموا مع كفرهم الظلم ومن سنتنا أن يمهل الظالم ~~ولا يهمله كما قال صلى الله عليه وسلم: # " الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم ". # وقال تعالى: # وكذلك نولي بعض الظلمين بعضا # [الأنعام: 129] وذلك لأن دعوة المظلومين المضطرين مؤثرة ودعاءهم مستجاب، ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " اتقوا دعوة المظلوم، فإنه ليس لها عند الله حجاب " # قوله: { وجعلنا لمهلكهم موعدا } [الكهف: 59] أي: جعلنا ~~موعد هلاك الكافر غلوه في الظلم، والظلم مرتعه وخيم. # ثم أخبر عن أهل الصحبة وآدابهم بالخدمة والحرمة بقوله تعالى: { وإذ ~~قال موسى لفته لا أبرح حتى أبلغ مجمع ~~البحرين أو أمضي حقبا } [الكهف: 60] اعلم أن في قوله: { ~~وإذ قال موسى } [الكهف: 60] إشارات: # منها: أن شرط المسافر أن يطلب الرفيق، ثم يأخذ الطريق. # ومنها: أن من شرط الرفيقين أن يكون أحدهما أميرا، والثاني مأمورا له ~~ومتابعا. # ومنها: أن يعلم الرفيق عزيمته ومقصده ويخبره عن مدة مكثه في سفره ليكون ~~الرفيق واقفا على أحواله، فإن كان موافقا يرافقه في ذلك. # ومنها: أن من شرط الطالب الصادق أن تكون نيته في طلب شيخ يقتدي به وألا ~~يبرح حتى يبلغ مقصوده ويظفر به، وإلا سيكون بقية عمره طالبا له فإن طلب ~~الشيخ طلب الحق تعالى على الحقيقة. # وبقوله: { فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما ~~فاتخذ سبيله في البحر سربا } [الكهف: 61] يشير إلى أن ~~الطالب الصادق إذا قصد خدمة شيخ كامل يسلكه طريق الحق يلزمه مرافقة رفيق ~~التوفيق ومعه حوت قلبه ms1031 الميت بالشهوات النفسانية المملح بملح حب الدنيا ~~وزينتها. # { فلما بلغا مجمع بينهما } [الكهف: 61] المجمع هو ولاية ~~الشيخ وبينهما أي: بين الطالب وبين الشيخ ولا يظفر المريد بصحبة الشيخ ما ~~لم يصل إلى مجمع ولايته فافهم جدا، وعند مجمع الولاية عين الحياة ~~الحقيقية فبأول قطرة من تلك العين تقع على حوت قلب المريد يحيا ويتخذ ~~سبيله في البحر عن الولاية { سربا } [الكهف: 61]. # ومنها: أن الله يحول بين المرء وقلبه فنسي المريد قلبه حين فقده وينسى ~~القلب المريد إذا وجد الشيخ. # وفي قوله: { فلما جاوزا } [الكهف: 62] إشارة إلى أن المريد في ~~أثناء السلوك لو تطرقت إليه الملالة وأصابت قلبه الكلالة وسولت له نفسه ~~التجاوز عن خدمة الشيخ وترك صحبته حتى يظن أنه لو سافر عن خدمته واشتغل ~~بطاعة ربه وجاهد نفسه في طلب الحق تعالى لعله يصل مقصده ويحصل مقصوده بلا ~~واسطة الشيخ والاقتداء به هيهات، فإنه ظن فاسد ومتاع كاسد، وأنه يضيع ~~عمره ويتعب نفسه ويقع عن سبل الرشاد، ويبعد عن طريق السداد إلى أن أدركته ~~العناية الأزلية التي هي الكفاية الأبدية ورد إليه صدق الإرادة. # { قال لفته } [الكهف: 62] فيقول لرفيق التوفيق: { آتنا ~~غدآءنا } [الكهف: 62] أي: صحبة الشيخ { لقد لقينا من ~~سفرنا هذا } [الكهف: 62] الذي جاوزنا عن صحبة الشيخ { نصبا } ~~[الكهف: 62] أي: تعبا ولقينا نصبا كثيرا بلا فائدة الوصول ونيل ~~المقصود. ### || [18.63-65] # فقال رفيقه: { أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة } [الكهف: ~~63] صخرة النفس وتسويلها جاوزنا صحبة الشيخ { فإني نسيت الحوت ~~} [الكهف: 63] حوت القلب { ومآ أنسانيه إلا الشيطن } ~~[الكهف: 63] شيطان الخذلان { أن أذكره } [الكهف: 63] أي: أذكر لك ~~أنا نسينا حوت القلب. # { واتخذ سبيله في البحر عجبا } [الكهف: 63] منا أن ~~نمشي بلا قلب، قال - يعني: المريد-: { ذلك ما كنا نبغ } ~~[الكهف: 64] من قلبي أن نتخذ سبيله في بحر ولاية الشيخ الكامل وتحسر على ~~فوات صحبة الشيخ { فارتدا على آثارهما قصصا } [الكهف: 64] ~~أي: رجع عما كان عليه من تلك الصحبة وعاد إلى ملازمة الخدمة في مرافقة ~~رفيق التوفيق. # { فوجدا عبدا من عبادنآ } [الكهف: 65] أي: حرا ms1032 من رق ~~عبودية غيرنا من أحرارنا أي: ممن أحررناهم من رق عبودية الأغيار ~~واصطفيناهم من الأخيار، { آتيناه رحمة من عندنا } [الكهف: ~~65] يعني: جعلناه قابلا لفيض نور من أنوار صفائنا بلا واسطة، { ~~وعلمناه من لدنا علما } [الكهف: 65] وهو علم معرفة ذاته ~~وصفاته الذي لا يعلمه أحد إلا بتعليمه إياه. # واعلم أن كل علم يعلمه الله تعالى عباده ويمكن للعباد أن يتعلموا ذلك ~~العلم من غير الله فإنه علم صنعة اللبوس ليس من جملة العلم اللدني؛ لأنه ~~يمكن أن يتعلم من لدن غيره يدل عليه قوله: # وعلمناه صنعة لبوس # [الأنبياء: 80] فإن علم صنعة اللبوس مما علمه الله داود عليه السلام فلا ~~يقال: إنه العلم اللدني؛ لأنه يحتمل أن يتعلم من غير الله تعالى فيكون من ~~لدن ذلك الغير، وأيضا أن العلم اللدني ما يتعلق بلدن الله - جل وعلا - ~~وهو علم المعرفة ذاته وصفاته تعالى. ### || [18.66-78] # ثم أخبر عن شرائط الصحبة وفوائد الخدمة بقوله تعالى: { قال له ~~موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت ~~رشدا } [الكهف: 66] القصة. # اعلم أن في قوله: { قال له موسى هل أتبعك } [الكهف: 66] ~~إلى أن قال: { سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه ~~صبرا } [الكهف: 78] إشارة إلى أدب أهل الصحبة من المريدين المسترشدين ~~والمشايخ السالكين الهادين ومن شرائطهم في الاقتداء والاستهداء والتربية ~~والهداية، فمن آداب المريد الصادق بعد طلب الشيخ ووجدانه أن يستجيز منه ~~في اتباعه وملازمة صحبته تواضعا لنفسه وتعظيما لشيخه، بعد مفارقة ~~أهاليه وأوطانه وترك مناصبه وأتباعه وإخوانه وأصدقائه كما كان حال موسى ~~عليه السلام إذ قال للخضر: { هل أتبعك على أن تعلمن ~~مما علمت رشدا } [الكهف: 66] بإرشاد الله لك أي: تعلمني طريق ~~الاسترشاد من الله تعالى بلا واسطة جبريل والكتاب المنزل ومكالمة الحق ~~تعالى، فإن جميع ذلك كان حاصلا له، فإن قيل: فهل مرتبة فوق هذه المراتب ~~الثلاثة؟ # قلنا: إن هذه المراتب وإن كانت جليلة، ولكن مجيء جبريل يقتضي الواسطة، ~~وإنزال الكتاب يدل على البعد والمكالمة تنبئ عن الاثنينية والرشد الحقيقي ~~من الله للعبد هو أن ms1033 يجعله قابضا لفيض نور الله بلا واسطة وذلك بتجلي ~~صفات جماله وجلاله الذي كان مطلوب موسى بقوله: # أرني أنظر إليك # [الأعراف: 143] فإن فيه رفع الاثنينية، وإثبات الوجود الذي لا يسع العبد ~~فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل. # ومنها: أن المريد إذا استسعد بخدمة شيخ واصل ينبغي أن يخرج عما معه من ~~الحسب والنسب والجاه والمنصب والفضائل والعلوم ويرى نفسه كأنه أعجمي لا ~~يعرف البحر من البر وينقاد لأوامره ونواهيه كما كان حال كليم الله لم ~~تمنعه النبوة والرسالة ومجيء جبريل وإنزال التوراة، ومكالمة الله واقتداء ~~بني إسرائيل به أن يتبع الخضر ويتواضع معه ويترك أهاليه وأتباعه وأشياعه ~~وكل ما كان له من المناصب والمناقب، وتمسك بذيل إرادته منقادا لأوامره ~~ونواهيه. # ومنها: أن يكون المريد ثابتا في الإرادة بحيث لو يرده الشيخ كرات بعد ~~مرات ولا يقبله امتحانا له في صدق الإرادة ويلازم عتبة بابه، ويكون أقل ~~من ذباب فإنه كلما ذب آب كما كان حال كليم الله، فإنه كان الخضر يرده ~~ويقول له: { قال إنك لن تستطيع معي صبرا * وكيف ~~تصبر على ما لم تحط به خبرا } [الكهف: 67-68] أي: كيف ~~تصبر على فعل يخالفه مذهبك ظاهرا ولم يطلعك الله على الحكمة في إتيانه ~~باطنا ومذهبك أنك تحكم بالظاهر على ما أنزل الله عليك من علم الكتاب ~~ومذهبي أن أحكم بالباطن على ما أمرني الله من العالم اللدني. # وقد كوشفت حقائق الأشياء ودقائق الأمور في حكمة إجرائها، وذلك أنه تعالى ~~أفناني عني بهويته وأبقاني به بألوهيته، فبه أبصر، وبه أسمع، وبه أنطق، ~~وبه آخذ، وبه أعطي، وبه أفعل، وبه أعلم، فإني أعلم ما لم تعلم. # وأنه يقول: { قال ستجدني إن شآء الله صابرا ولا ~~أعصي لك أمرا * قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن ~~شيء حتى أحدث لك منه ذكرا * فانطلقا حتى ~~إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها ~~لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا * قال ألم ~~أقل إنك لن تستطيع معي صبرا * قال لا تؤاخذني ~~بما نسيت ولا ترهقني من ms1034 أمري عسرا * فانطلقا ~~حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا ~~زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا * قال ~~ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا } [الكهف: ~~69-72] # ومنها: أن يكون صابرا على مقاساة شدائد الصحبة والخدمة، منقادا لأوامر ~~الشيخ ونواهيه، مستسلما لأحكامه، متأدبا بتأديبه، قابلا لتربيته، ~~ملتجئا إلى ولايته، مستظهرا بعنايته، مهتديا بهدايته. # ومنها: ألا يكون معترضا على أفعاله وأقواله وأحواله وجميع حركاته ~~وسكناته، معتقدا له في جميع حالاته، وإن شاهد منه معاملة غير مرضية بنظر ~~عقله وشرعه فلا ينكره بها ولا يسيء الظن فيه، بل يحسن فيه الظن ويعتقد ~~أنه مصيب في معاملاته، مجتهد في آرائه، وإنما الخطأ من تصور نظره وسخافة ~~عقله وقلة علمه. # ومنها: أن يسد على نفسه باب السؤال فلا يسأله عن شي حتى يحدث له منه ~~ذكرا إما بالقال وإما بالحال. # ومن آداب الشيخ وشرائطه في الشيخوخة: ألا يحرص على قبول المريد، بل ~~يمتحنه بأن يخبره عن دقة صراط القلب وحدته، وعزة المطلوب وغيرته، وفي ذلك ~~يكون له مبشرا ولا يكون منفرا، فإن وجده صادقا في دعواه راغبا فيما ~~يهواه عما سواه يقبله بقبول حسن ويكرم مثواه، ويقبل عليه إقبال مولاه، ~~ويربيه تربية الأولاد، ويؤدبه بآداب العباد. # ومنها: أنه يتغافل عن كثير من زلات المريد رحمة الله عليه، ولا يؤاخذه ~~بكل سهو أو خطأ أو نسيان أو عمد بضعف حاله إلا بما يؤدي إلى مخالفة أمر ~~من أوامره أو مزاولة نهي من نواهيه، أو يؤدي إلى إنكار واعتراض على بعض ~~أفعال له وأقوال، فإنه يؤاخذه به وينهاه عن ذلك، فإن رجع عن ذلك فاستغفر ~~منه واعترف بذنبه وندم عليه وشرط معه ألا يعود إلى مثاله ويعتذر مما جرى ~~عليه كما كان الكليم حين قال: { قال لا تؤاخذني بما نسيت ~~ولا ترهقني من أمري عسرا * فانطلقا حتى إذا ~~لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية ~~بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا * قال ألم أقل ~~لك إنك لن تستطيع معي صبرا * قال إن سألتك ~~عن ms1035 شيء بعدها فلا تصحبني } [الكهف: 73-76] أي: لا تضيق ~~علي أمري فإني لا أطيق ذلك. # ومنها: أنه لو ابتلي المريد بنوع من الاعتراض أو مما يوجب الفرقة يعفو ~~عنه مرة أو مرتين، ويصفح ولا يفارقه، فإن عاد إلى الثالثة فلا يصاحبه { ~~قد بلغت من لدني عذرا * فانطلقا حتى إذآ ~~أتيآ أهل قرية استطعمآ أهلها فأبوا أن ~~يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض ~~فأقامه قال لو شئت لتخذت عليه أجرا } [الكهف: ~~76-77] فقل كما قال الخضر: { هذا فراق بيني وبينك ~~سأنبئك بتأويل } [الكهف: 78]. # ومنها: أنه لو آل أمر الصحبة إلى المفارقة بالاختيار وبالاضطرار فلا ~~يفارقه إلا على النصيحة؛ فينبئه عن سر ما كان عليه الاعتراض، ويخبره عن ~~حكمته التي لم يحط بها خبرا، ويبين له تأويل ما لم يستطع عليه صبرا، ~~لئلا يبقى معه إنكار فلا يفلح إذا أبدا. ### || [18.79-82] # ثم أخبر عن تأويل أفاعيله بقوله تعالى: { أما السفينة فكانت ~~لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها } ~~[الكهف: 79] إلى قوله: { ذلك تأويل ما لم تسطع عليه ~~صبرا } [الكهف: 82] إشارة إلى حقائق ومعان: # منها أن إخراق السفينة وإعابتها لئلا تؤخذ غصبا ليس من أحكام الشرع ~~ظاهرة ولكنه لما كان فيه مصلحة لصاحبها في باطن الأمر جوز ذلك ليعلم أنه ~~يجوز للمجتهد أن يحكم فيما يرى أنه صلاحه أكثر من فساده في باطن الأمر ~~بما لا يجوز في ظاهر الشرع إذا كان موافقا الحقيقة كما قال: { وكان ~~ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا } [الكهف: 79]. # ومنها: لكي يعلم عنايته بنبي من أنبيائه وعناية الله في حق عباده ~~المساكين بأنهم يعملون في البحر غافلين عما وراءهم من الآفات، فكيف إن ~~أدركتهم العناية ونبي من أنبيائه دفع عنهم البلاء ودرأ عنهم الآفة. # ومنها: ليعلم أن الله تعالى في بعض الأوقات يرجح مصلحة بعض المساكين على ~~مصلحة نبي من أنبيائه في الظاهر، وإن كان لا يخلو في باطن الأمر من مصلحة ~~النبي في إهماله جانبه في الظاهر، كما أنه تعالى رجح رعاية مصلحة ~~المساكين في خرق ms1036 السفينة على رعاية مصلحة موسى عليه السلام، لأنه كان من ~~أسباب مفارقته عن صحبة الخضر ومصلحته ظاهرا كانت في ملازمة صحبة الخضر، ~~وقد كان فراقه عن صحبته متضمنا عطاء النبوة والرسالة ودعوة بني إسرائيل ~~وتربيتهم في حق موسى عليه السلام باطنا. # ومنها: أن قتل النفس الزكية بلا جرم منها محظور في ظاهر الشرع، وإن كان ~~فيه مصلحة لغيره، ولكنه في باطن الشرع جائز عند من يكاشف بخواتيم الأمور ~~ويتحقق له أن حياته سبب فساد دين غيره، وسبب كمال شقاوة نفسه كما كان حال ~~الخضر مع قتل الغلام بقوله تعالى: { وأما الغلام فكان ~~أبواه مؤمنين فخشينآ أن يرهقهما طغيانا ~~وكفرا } [الكهف: 80] فلو عاش الغلام لكانت حياته سبب فساد دين أبويه ~~وسبب كمال شقاوته، فإنه وإن طبع كافرا شقيا لم يكن ليبلغ كمال شقاوته ~~إلا بطول الحياة ومباشرة أعمال الكفر. # ومنها: تحقيق قوله تعالى: # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن ~~تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم ~~لا تعلمون # [البقرة: 216] فإن أبوي الغلام كانا يكرهان قتل ابنهما بغير قتل نفس ولا ~~جرم، وكان قتله خيرا لهما وإن كانا يحبان حياة ابنهما وهو أجهل الناس ~~وكانت حياته شرا لهما، وكان الغلام أيضا يكره قتل نفسه وهو خير له ويحب ~~حياة نفسه وهو شر له؛ لأنه أراد طول الحياة أن يبلغ إلى كمال شقاوته. # ومنها: أن من عواطف إحسان الله تعالى أنه إذا أخذ من العبد المؤمن شيئا ~~من محبوباته، وهو مضر له والعبد غافل عن مضرته، فإن حب وشكر فالله يبدله ~~خيرا منه مما ينفعه ولا يضره كما قال تعالى: { فأردنآ أن ~~يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما } ~~[الكهف: 81]. # ومنها: أنه من كمال حكمته وغاية رأفته ورحمته في حق عباده أن يستعمل ~~نبيين مثل موسى وخضر - عليهما السلام - في مصلحة الطفلين، كما قال تعالى: ~~{ وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في ~~المدينة وكان تحته كنز لهما } [الكهف: 82]. # ومنها: أن مثل الأنبياء يجوز أن يسعى في أمر دنياوي إذا كان ms1037 فيه صلاح ~~أمر أخروي، لا سيما فائدته راجعة إلى غيره في الله. # ومنها: ليعلم أن الله تعالى يحفظ مصالح قوم وقبيلة ويوصل بركاته إلى ~~البطن السامع فيه كما قال: { وكان أبوهما صالحا } [الكهف: 82]. # ومنها: ليتأدب المريد فيما استعمله الشيخ وينقاد له، ولا يعمل إلا لوجه ~~الله، ولا يشوب عمله بطبع دنياوي وغرض نفساني ليحبط عمله ويقطع حبل ~~الصحبة ويوجب الفرقة. # ومنها: أن الله تعالى يحفظ المال الصالح للعبد إذا كان له فيه صلاح كما ~~قال: { فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما ويستخرجا ~~كنزهما رحمة من ربك } [الكهف: 82]. # ومنها: ليتحقق أن كل ما يجري على أرباب النبوة وأصحاب الولاية إنما يكون ~~بأمر من أوامر الله ظاهرا أو باطنا. # أما الظاهر: فكحال الخضر قال: { وما فعلته عن أمري } ~~[الكهف: 82] أي: فعلته بأمر ربي. # وأما الباطن: فكحال موسى واعتراضه على الخضر في معاملاته ما كان خاليا ~~عن أمر باطن من الله تعالى في ذلك؛ لأنه كان اعتراضه على فق شريعته. # ومنها: أن الصبر على أفاعيل المشايخ أمر شديد، فإن زل قدم مريد صادق في ~~أمر من أوامر الشيخ أو يتطرق إليه إنكار على بعض أفعال الشيخ أو يعتريه ~~اعتراض على بعض معاملاته أو يعوزه الصبر على ذلك، فليعذره الشيخ ويعفو ~~عنه ويتجاوز إلى ثلاث مرات فإن قال بعد الثالثة: # هذا فراق بيني وبينك # [الكهف: 78] يكون معذورا ومشكورا، ثم ينبئه عن أسرار أفاعليه ويقول له ~~تأويل: # ما لم تستطع عليه صبرا # [الكهف: 78]. ### || [18.83-88] # ثم أخبر عن السؤال وجوابه بالفضل والنوال بقوله تعالى: { ~~ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم ~~منه ذكرا } [الكهف: 83] إن السائل لا يرد وأن في القصص للقلوب ~~عبرة وتقوية وتبينا. # وبقوله: { إنا مكنا له في الأرض } [الكهف: 84] يشير إلى ~~تمكين الخلافة أي: مكناه بخلافتنا في الأرض { وآتيناه من كل ~~شيء سببا } [الكهف: 84] أي: أعطيناه بالخلافة ما كان سبب وجود كل ~~مقدور من مقدوراتنا بالأصالة حتى صار قادرا على قلب الأعيان، وكانت ~~الدنيا مسخرة له فلو أراد طويت له الأرض، وإذا شاء مشى ms1038 على الماء وإذا ~~أحب طار في الهواء أو يدخل النار. # { فأتبع سببا } [الكهف: 85] أي: سبب كل مقدور فصار مقدورا له ~~بالخلافة في الأرض ما كان مقدورا لنا بالأصالة في السماء والأرض. # { حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في ~~عين حمئة } [الكهف: 86] فإن قال قائل: إنا قد علمنا أن الشمس في ~~السماء الرابعة ولها فلك خاص يدور بها في السماء، فكيف يكون غروبها في ~~عين حمئة؟ # قلنا: إن الله تعالى لم يخبر عن حقيقة غروبها في عين حمئة، وإنما أخبر ~~عن وجودان ذي القرنين غروبها فيها، فقال: وجدها تغرب في عين حمئة، وذلك ~~أن ذا القرنين ركب بحر المغرب وأجرى مركبه إلى أن يبلغ في البحر موضعا ~~لم يتمكن جريان المراكب فيه فنظر إلى الشمس عند غروبها وجدها تغرب بنظره ~~في عين حمئة. # وقوله تعالى: { ووجد عندها قوما قلنا يذا القرنين ~~إمآ أن تعذب وإمآ أن تتخذ فيهم حسنا } [الكهف: ~~86] يدل على أن ذا القرنين كان نبيا؛ لأنه أمر بالقتال معهم بقوله: { ~~إمآ أن تعذب } [الكهف: 86] وأمر باتخاذ الإيمان منهم بقوله: { ~~وإمآ أن تتخذ فيهم حسنا } [الكهف: 86] والنبوة مبنية على ~~هذين الأمرين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " # ويدل على نبوته أيضا قوله تعالى: { قال أما من ظلم } [الكهف: ~~87] أو كفر ولا يقبل الإيمان منه { فسوف نعذبه } [الكهف: 87] ~~أي: نقلته { ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا ~~نكرا } [الكهف: 87] أي: عذابا مخلدا لا يعرف آخره إلى الأبد. # { وأما من آمن وعمل صالحا فله جزآء الحسنى } ~~[الكهف: 88] أي: الجنة والقربة في الآخرة { وسنقول له من ~~أمرنا يسرا } [الكهف: 88] أي: قولا لا يهتدي به إلى الله باليسر ~~والسهولة. ### || [18.89-98] # ثم أخبر عن جده في الطلب واتباعه للسبب بقوله: { ثم أتبع سببا ~~* حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على ~~قوم لم نجعل لهم من دونها سترا } [الكهف: 89-90] ~~إشارة إلى أن هذا العالم عالم الأسباب لم يبلغ أحد إلى شيء من الأشياء، ms1039 ~~ولا إلى مقصد من المقاصد إلا أن مكنه الله تعالى، وأتاه سبب بلاغ ذلك ~~الشيء والمقصد، ووفقه لاتباع ذلك السبب، فباتباع السبب بلغ ذة القرنين ~~مغرب الشمس ومطلعها. # وبقوله: { كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا } [الكهف: ~~91] يشير إلى أنه كما أتيناه من كل شيء سببا؛ ليبلغ به إلى ذلك الشيء، ~~كذلك أتيناه علم سبب الذي يبلغ بين السدين، { ثم أتبع سببا } ~~[الكهف: 89] أي: ذلك السبب. { حتى إذا بلغ بين السدين ~~وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا } ~~[الكهف: 93]. # فإن قيل: فكيف أخبر عنهم؟ إنهم { لا يكادون يفقهون قولا ~~}. # ثم قال: { قالوا يذا القرنين إن يأجوج ومأجوج ~~مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن ~~تجعل بيننا وبينهم سدا } [الكهف: 94] قلنا: كلمة كاد: ~~ليست لوقوع الفعل كقوله تعالى: # تكاد السموت يتفطرن منه # [مريم: 90] أي: قربت لانفطار فلم تنفطر، وإذا دخل فيها لا الجحود دوما ~~النفي يكون لوقوع الفعل كقوله تعالى: # فذبحوها وما كادوا يفعلون # [البقرة: 71] أي: قرب ألا يذبحوها فذبحوها، وكذلك قوله: { لا ~~يكادون يفقهون قولا } [الكهف: 93] أي: قرب ألا يفقهون ~~قولا يلين به قلب ذي القرنين؛ ليجعل لهم السد ففقهوا بإلهام الحق تعالى: ~~{ قالوا يذا القرنين } [الكهف: 94] والذي يدل على هذا قوله ~~تعالى: { قال ما مكني فيه ربي خير } [الكهف: 95] أي: ~~أعطاني الله من التمكين في قبول الخير والعمل به خير من تجرد قولكم. # { فأعينوني بقوة } [الكهف: 95] من ترتيب الآلات لا بالقول، { ~~أجعل بينكم وبينهم ردما } [الكهف: 95] ففسر القوة ~~بقوله: { آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين ~~الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال ~~آتوني أفرغ عليه قطرا * فما اسطاعوا أن ~~يظهروه وما استطاعوا له نقبا } [الكهف: 96-97]. # وفي قوله: { قال هذا رحمة من ربي فإذا جآء وعد ~~ربي جعله دكآء وكان وعد ربي حقا } [الكهف: 98] ~~دلالة على نبوته، فإنه أخبر عن وعد الحق تعالى، وتحقق وعده وهذا من شأن ~~الأنبياء وإعجازهم، والله أعلم. # ثم اعلم أن الله تعالى من كمال حكمته وقدرته جعل لوجود كل شيء ms1040 سببا من ~~أسباب السماوات والأرض، ولبلوغ كل أحد إلى مقام من مقامات الدنيا ~~والآخرة، وإلى قربة من قربات الحضرة سببا مناسبا له، فإذا أراد بلوغ ~~أحد إلى مقام أو قربة يؤتيه سبب ذلك، ويوفقه لإتباع ذلك السبب، فكما أتى ~~لذي القرنين # من كل شيء سببا # [الكهف: 84] ووفقه لاتباع الأسباب فاتبع سببا حتى بلغ به مشرق الأرض ~~ومغربها وجوانبها كلها، وسخر الخلق ويسر الملك، حصلت المقاصد بإتباع ~~أسبابها. # كذلك أتى لكل رسول ونبي وولي ومؤمن ومسلم وفاسق ومنافق وكافر أسباب ~~بلوغه إلى الرسالة والنبوة والولاية والإيمان والإسلام والفسق والنفاق ~~والكفر، ووفقه لإتباع الأسباب حتى يبلغ مقام من القربة والجنة والنار، ~~فكل الخلق قد بلغوا بإتباع الأسباب التي أتاهم الله تعالى إلى مقاماتهم ~~ودرجاتهم ودركاتهم، وأقام كل واحد منهم في مقامه ومنزله إلا نبينا حبيب ~~الله صلى الله عليه وسلم، فإنه أعطي أسباب العبور من المقامات كلها من ~~البراق وجبريل والرفرف وغيره حتى بلغ إلى مقام قاب قوسين، ثم انقطعت عنه ~~أسباب السماوات والأرض فبقي بلا سبب من المخلوقات، وهو من مقام نهاية ~~المخلوقات فمسبب الأسباب، فسبحانه وتعالى من عظم فضله عليه كان سببا به ~~حتى بعثه إلى مقام لا مقامية بفضله وكرمه بلا واسطة، وهو المقام المحمود ~~الذي قال تعالى: # عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا # [الإسراء: 79] وهو المخصوص به من بين سائر الأنبياء والمرسلين والملائكة ~~المقربين، فافهم جيدا. ### || [18.99-102] # ثم أخبر عن أحوال القيامة وأهوالها وأهل القرب منها بقوله تعالى: { ~~وتركنا بعضهم يومئذ } [الكهف: 99] أي: خذلنا بعض من بقي ~~بعد هبوب الريح الطيبة، وقبض أرواح المؤمنين والمسلمين. { يموج } ~~[الكهف: 99] بالهرج والمرج والقتل والقتال، { في بعض } [الكهف: 99] ~~فيه إشارة إلى أن الله تعالى خلق الخلق على جبلة الإنسانية التي رأت ~~الملائكة بنظر الملكوتي في ملكوت آدم عليه السلام حيث قالوا: # أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء # [البقرة: 30] فالله سبحانه وتعالى على قانون حكمته، ووفق مشيئته الأزلية ~~عصم من عصم منهم من إظهار هذه الصفات الذميمة، وبدلها باستعمال أكسير ~~الشريعة بالصفات ms1041 الملكية والأخلاق الربانية، وترك من ترك منهم بالخذلان، ~~فظهر منهم هذه الصفات الذميمة المجبولة عليها كما قال تعالى: # إن الإنسان لظلوم كفار # [إبراهيم: 34]، وقال: # قتل الإنسان مآ أكفره # [عبس: 17]. # ولهذا ما كذب الله تعالى الملائكة حين قالوا: # أتجعل فيها من يفسد فيها # [البقرة: 30] فأجابهم بقوله تعالى: # إني أعلم ما لا تعلمون # [البقرة: 30] يعني: أني أعلم من هم المنظورون بنظر العناية فاعصمهم عن ~~إظهار هذه الصفات، وأوفقهم لتبديلها، وأزكيهم عنها كما قال تعالى: # بل الله يزكي من يشآء # [النساء: 49] وقال: # ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم ~~من أحد أبدا # [النور: 21]. # وبقوله: { ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا } [الكهف: 99] ~~يشير إلى أن الله تعالى من كمال قدرته يحيي الخلق بسبب ويميتهم به وهو ~~النفخة، فبالنفخة الأولى كما أفناهم بقوله تعالى: # ونفخ في الصور فصعق من في السموت ومن في ~~الأرض # [الزمر: 68] كذلك بالنفخة الأخيرة أحياهم كقوله: { ونفخ في ~~الصور فجمعناهم جمعا } [الكهف: 99] وفيه إشارة إلى أن الخلق ~~محتاجون إلى اتباع سبب كل شيء؛ ليبلغوا إليه وهم لا يقدرون على أن يجعلوا ~~سببا لشيء آخر على ضده، والخالق سبحانه هو المسبب فهو قادر على أن يجعل ~~الشيء الواحد سببا لوجود الشيئين المتضادين، كما جعل النفخة في الصور ~~سببا للممات والحياة. # وبقوله تعالى: { وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين ~~عرضا } [الكهف: 100] يشير إلى أن جهنم لو كانت معروضة على أرواح ~~الكافرين قبل يوم القيامة، كما كانت معروضة على أرواح المؤمنين لآمنوا ~~بها كما آمن المؤمنون بها إن لم يكن { أعينهم في غطآء } ~~[الكهف: 101] من ذكر الله، { وكانوا لا } [الكهف: 101] { ~~يستطيعون سمعا } [الكهف: 101] لكلام الله؛ لأن آذان قلوبهم ~~مفتوحة والكافرون هم: { الذين كانت أعينهم في غطآء } ~~[الكهف: 101] أعين نفوسهم في غطاء الغفلة عن نظر العبرة، وأعين قلوبهم في ~~غطاء حب الدنيا وشهواتها عن رؤية درجات الآخرة ودركاتها، وأعين أسرارهم ~~في غطاء الالتفات إلى الكونين عن شواهد هذا الكون، وأعين أرواحهم في غطاء ~~تذكار ما سوى الله عن ذكر الله تعالى كما قال تعالى: { الذين كانت ~~أعينهم ms1042 في غطآء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون ~~سمعا } [الكهف: 101] يسمع به كلام الحق وكلام أرباب الصدق. # { أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من ~~دوني أوليآء } [الكهف: 102] يشير به: إن قلوب عباده بيده يقلبها ~~كيف يشاء، فكيف يتخذ الكافرون أولياء من غير معونة من الله، أو بغير ~~إرادته وخلاف مشيئته؟ وفيه أيضا وعيد لمن ادعى محبة الله وولائه وهو ~~بحسب أن يكفر بنعمة الولاء ويتخذ من دون الله أولياء، { إنآ ~~أعتدنا جهنم } [الكهف: 102] البعد والقطيعة { للكافرين } ~~[الكهف: 102] الكافري النعمة، { نزلا } [الكهف: 102]. ### || [18.103-106] # ثم أخبر عن الأخسرين الأولين بقوله تعالى: { قل هل ننبئكم ~~بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة ~~الدنيا } [الكهف: 103-104] يشير إلى: أهل الأهواء والبدع وأهل الرياء ~~والسمعة، فإن اليسير من الرياء شرك، وإن الشرك محبط الأعمال كقوله تعالى: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65] إن هؤلاء القوم يبتدعون في العقائد ويراءون بالأعمال ~~ينتفعون بها، ويعود وبال البدعة والرياء إليهم، { وهم يحسبون ~~أنهم يحسنون صنعا } [الكهف: 104] وإن حجاب الحساب من أعظم ~~الحجب وهم الأخسرون. # { أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه } ~~[الكهف: 105] أي: كفروا كفران رؤية نعمة ربه آيات ربهم وشواهد الحق، { ~~فحبطت أعمالهم } [الكهف: 105] بالكفران، { فلا نقيم ~~لهم يوم القيامة وزنا } [الكهف: 105]؛ لأن وزن الأشجار ~~والأعمال في ميزان القيمة إنما يكون بحسب الصدق والإخلاص، فمن زاد إخلاصه ~~زاد ثقل وزنه، ومن لم يكن فيه، وفيه أعماله إخلاص لم يكن له ولا لعمله ~~وزن ومقدار كما قال تعالى: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل # [الفرقان: 23] أي: بلا إخلاص، # فجعلناه هبآء منثورا # [الفرقان: 23] فلا يكون للهباء المنثور وزن ولا قيمة، { ذلك } ~~[الكهف: 106] أي: الذين لا إخلاص فيهم ولا في أعمالهم، { جزآؤهم ~~جهنم } [الكهف: 106] أي: جهنم البعد والطرد، { بما كفروا } ~~[الكهف: 106] بنعمة إظهار الآيات والمعجزات وإرسال رسل الواردات، { ~~واتخذوا آياتي ورسلي هزوا } [الكهف: 106] بأن جعلوها ~~مصطادا للخلق والدنيا. ### || [18.107-110] # ثم أخبر عن خلاص أهل الإخلاص بقوله تعالى: { إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات } [الكهف: 107] يشير إلى: { إن الذين ~~آمنوا } في الدنيا، { وعملوا الصالحات } أي: ms1043 على وفق ~~الشريعة وقانون الطريقة إنما فعلوا ذلك؛ لأنهم خلقوا في صفة ومقام ~~واستعداد، { كانت لهم } [الكهف: 107] عند النزول من أعلى مراتب ~~القرب والعبور على عالم الأرواح للتعلق بالقالب، { جنات ~~الفردوس } [الكهف: 107] وهي أحظى شيء من الجنان وأنعم وأعز وألطف { ~~نزلا } [الكهف: 107] ما يتهيأ للنازلين ولعابري السبيل { خالدين ~~فيها } [الكهف: 108] أي: خالدين في تلك الصفة والمقام إلى الأبد لا ~~تغير لهم، { لا يبغون عنها حولا } [الكهف: 108] أي: لا يبغون ~~التحويل من تلك الصفة التي خلقوا عليها؛ لدناءة الهمة وخسة النفس، بل هم ~~على تلك الصفة ثابتون؛ لعلو الهمة ونفاسة النفس. # { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا ~~بمثله مددا } [الكهف: 109] يشير به إلى أن كلمات قديمة غير ~~متناهية مع أنها ألفاظ للعدد فيها محال، وألا يحصى فيها العدد فكيف ~~بإشاراتها وأسرارها ومعانيها ولطائفها وحقائقها؟! فإنها غير محصورة ولا ~~متناهية لكلمة واحدة من كلماته. # وبقوله: { قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي ~~أنمآ إلهكم إله واحد } [الكهف: 110] يشير إلى أن بني ~~آدم في البشرية واستعداد الإنسانية سواء النبي والولي والمؤمن والكافر، ~~والفرق بينهم بفضيلة الإيمان والولاية والنبوة والوحي والمعرفة بأن إله ~~العالمين إله واحد، # لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 3-4] فالمعرفة الحقيقية ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم ليلة ~~المعراج عند حصول الوصول في التقاء اللقاء في معنى: # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم: 10] { فمن كان يرجوا لقآء ربه } [الكهف: 110] ~~بالوصول والوصال، { فليعمل عملا صالحا } [الكهف: 110] والعمل ~~الصالح متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، والتسنن بسنته ظاهرا وباطنا: # * فأما سنته ظاهرا: بترك الدنيا واختيار الفقر ودوام العبودية. # * وأما سنته باطنا: فالتبتل إلى الله تبتيلا وقطع النظر عما سواه كما ~~فعل، # إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما ~~طغى # [النجم: 16-17] وهذا تحقيق قوله: { ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا } [الكهف: 110] أي: ما أشرك في طلب اللقاء شيئا من الدنيا ~~والآخرة، ولهذا # لقد رأى من آيات ms1044 ربه الكبرى # [النجم: 18] وبلغ المقصد الأعلى، وكان # فكان قاب قوسين أو أدنى # [النجم: 9]. ### | [19 - سورة مريم] ### || [19.1-7] # { كهيعص } [مريم: 1] إلى قوله: { يزكريآ إنا نبشرك ~~بغلام اسمه يحيى } [مريم: 7] إشارة إلى البشارات: # * منها: إنه تعالى يناديه باسمه زكريا وهذه كرامة منه في حقه. # * ومنها: إنه كان مبشرا له بلا واسطة ملك مقرب أو نبي مرسل. # * ومنها: إنه بشره بإجابة دعائه حين قال: { فهب لي من لدنك ~~وليا } [مريم: 5]. # * ومنها: إنه استدعى ولدا وليا فأعطاه ولدا نبيا. # * ومنها: إنه أعطاه غلاما ولم يعطه بنتا، فإنه # يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور # [الشورى: 49]. # * ومنها: إنه سماه يحيى { لم نجعل له من قبل سميا } ~~[مريم: 7] بالصورة والمعنى؛ أما بالصورة: فظاهر، وأما بالمعنى: فإنه ~~ما كان محتاجا إلى شهوة من غير علة، ولم يهم إلى معصية قط، وما خطر ~~بباله همها كما أخبر عن حال النبي. # وفي قوله: { لم نجعل له من قبل سميا } [مريم: 7] إشارة ~~إلى: إنه تعالى يتولى بتسمية كل إنسان قبل خلقه وما سمي أحد إلا بإلهام ~~الله، كما أن الله ألهم عيسى عليه السلام باسم نبينا صلى الله عليه وسلم ~~حين قال: # ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد # [الصف: 6]. ### || [19.8-15] # وبقوله قال: { قال رب أنى يكون لي غلام وكانت ~~امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا } [مريم: ~~8] يشير إلى أن أسباب حصول الولد منفية من الوالدين بالعقر والكبر وهي من ~~السنة الإلهية، فإن من السنة أن يجعله يخلق الله الشيء من الشيء كقوله ~~تعالى: # وما خلق الله من شيء # [الأعراف: 185] ومن القدرة أنه تعالى يخلق الشيء من لا شيء، فقوله: { ~~أنى يكون لي غلام } [مريم: 8] أمن السنة أو من القدرة. فأجابه ~~الله تعالى بقوله: { قال كذلك } [مريم: 9] أي: الأمر لا يخلو من ~~السنة أو القدرة؟ # وفي قوله: { قال ربك هو علي هين } [مريم: 9] إشارة إلى ~~أن كلا الأمرين علي هين إن شئت أدت إليكما أسباب حقول الولد من القوة ~~على الجماع وفتق الرحم بالولد كما جرت به السنة، ms1045 وإن شئت أخلق لك ولدا ~~من لا شيء بالقدرة، كما { وقد خلقتك من قبل ولم تك ~~شيئا } [مريم: 9] أي: خلقت روحك من قبل جسدك من لا شيء بأمر كن، ولهذا ~~قال تعالى: # قل الروح من أمر ربي # [الإسراء: 85] وهو أول مقدور تعلقت القدرة به. # واعلم أن من قوله تعالى: # إذ نادى ربه # [مريم: 3] إلى تمام الآيات إشارة أخرى وهي: إن زكريا الروح نادى ربه # ندآء خفيا # [مريم: 3] سر الس. # قال رب إني وهن العظم مني # [مريم: 4] أعظم عظم الروحانية # واشتعل الرأس شيبا # [مريم: 4] أي: شيب صفات البشرية # ولم أكن بدعآئك # [مريم: 4] بموهبة الولد # رب شقيا * وإني خفت الموالي # [مريم: 4-5] أي: صفات النفس أن تغلب # وكانت امرأتي # [مريم: 5] أي: الجثة الجسدانية التي هي زوجة الروح # عاقرا # [مريم: 5] أي: لا يلد إلا بموهبة من الله، # فهب لي من لدنك وليا # [مريم: 5] وهو في الحقيقة القلب الذي هو معدن العلم اللدني، فإنه ولي ~~الروح والنفس التي هي أعدى عدوة. # يرثني ويرث من آل يعقوب # [مريم: 6] أي: يتصف بصفة الروح وجميع الروحانيات. # واجعله رب رضيا # [مريم: 6] أن تعطيه من تجلي صفات ربوبيتك ما يرضى به نظيره، قوله: # ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 5] فأجابه الله تعالى بقوله: # يزكريآ # [مريم: 7] الروح # إنا نبشرك بغلام # [مريم: 7] وهو القلب # اسمه يحيى # [مريم: 7] بإحياء الله إياه بنوره كما قال تعالى: # أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا # [الأنعام: 122] فيه إشارة إلى أن من لم يحييه الله ولم يجعل له نورا ~~فهو ميت، قوله: # لم نجعل له من قبل سميا # [مريم: 7] أي: موصوفا بصفة لا من الحيوانات ولا من الملائكة قبله وهي ~~قبول فيض الألوهية بلا واسطة كما قال تعالى: # " لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن " # ألا وهي سر حمل الأمانة التي ضاق أهل السماوات والأرض عند حملها. # { قال رب أنى يكون لي غلام } [مريم: 8] أي: قلب بهذه ~~الصفة. # { وقد بلغت من الكبر } [مريم: 8] أي: بطول زمان التعلق ~~بالقالب. { عتيا } [مريم: 8] أي: يبسا وجفافا ms1046 من غليان صفات النفس. ~~{ قال كذلك } [مريم: 9] أي: هكذا الأمر { قال ربك هو ~~علي هين } [مريم: 9] لأني قادر على أن أحي الموتى، وأن أجعل من ~~ازدواج الروح والقالب قلبا حيا يحيى بحياتي { وقد خلقتك من ~~قبل } [مريم: 9] من لا شيء { ولم تك شيئا } [مريم: 9] لا ~~روحانيا ولا جسمانيا { قال رب اجعل لي آية } [مريم: 10] ~~أهتدي بها إلى كيفية عمل القالب العاقر بالقلب الحي الذي يحيى في ذلك { ~~قال آيتك ألا تكلم الناس } [مريم: 10] أي: لا تخاطب غير ~~الله ولا تلتفت إلى ما سواه { ثلاث ليال } [مريم: 10] وبها يشير ~~إلى: مراتب ما سوى الله وهي ثلاث مراتب: الجمادات والحيوانات ~~والروحانيات، فإذا تقرب إلى الله بعدم الالتفات إلى ما سواه يتقرب إليه ~~بموهبة الغلام الذي هو القلب الحي بنوره، فافهم جدا. # قوله: { سويا } [مريم: 10] أي: متمكنا في هذا الحال من غير تلون { ~~فخرج على قومه من المحراب } [مريم: 11] فخرج زكريا ~~الروح من محراب هواه وطبعه على قوم صفات نفسه وقلبه وأنانيته. { ~~فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا } [مريم: 11] ~~أي: كونوا متوجهين إلى الله معرضين عما سواه # آنآء الليل # [طه: 130] # وأطراف النهار # [طه: 130]؛ بل بكرة الأزل وعشي الأبد. # ثم أخبر عن الخطاب ليحيى يأخذ الكتاب بقوله: { ييحيى خذ ~~الكتاب بقوة } [مريم: 12] يشير إلى يحيى القلب؛ أي: خذ كتاب ~~الفيض الإلهي بقوة ربانية لا بقوة إنسانية؛ لأنه خلق الإنسان ضعيفا وهو ~~عن القوة بمعزل و # إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين # [الذاريات: 58]. { وآتيناه الحكم صبيا } [مريم: 12] أي: ~~آتيناه العلم والحكمة وهو في صبايته، وخلقه إذ خلق الله الخلق في ظلمة، ~~ثم رش عليهم من نوره، فالقلب موضع قبول الرشاش من الروح، والعلم والحكمة ~~من نتائج ذلك الرشاش إلا أن الله تعالى خلق للقلب صورة وهي الصفة ~~الصنوبرية، وقد خلقها من الذرة التي أخذها من ظهر آدم يوم الميثاق، وأنه ~~تعالى جعل له روحا من انصباب رشاش النور من الروح الإنساني وهذا يختص ~~بقلوب الذين أنعم عليهم بإضفائه رشاش النور # من النبيين والصديقين والشهدآء ms1047 والصالحين ~~وحسن أولئك رفيقا # [النساء: 69] ولهذا الاختصاص صار يحيي القلب مخصوصا بالحكمة. # وبقوله: { وحنانا من لدنا } [مريم: 13] أي: آتيناه رحمة من ~~عندنا نظيره قوله في خضر # آتيناه رحمة من عندنا # [الكهف: 65]، وبقوله: { وزكاة } [مريم: 13] أي: تزكية وتطهيرا منا ~~عن الالتفات بغيرنا { وكان تقيا } [مريم: 13] أي: يتقي بنا عما ~~سوانا { وبرا بوالديه } [مريم: 14] أي: بوالد الروح وبوالدة ~~القالب: # * فأما بره بوالد الروح: تنويره بنور الفيض الإلهي إذ هو محل قبول ~~الفيض كما قررنا؛ لأن الفيض الإلهي وإن كان نصيب الروح أولا ولكن لا ~~يمسكه للطافة الروح، بل يعبر عنه بالفيض ويقبله القلب ويمسكه؛ لأن فيه ~~صفاء وكثافة؛ فبالصفاء يقبل الفيض وبالكثافة يمسكه، كما أن الشمس فيضها ~~يقلبه الهوى لصفائها، ولكن لا يمسكه للطافة الهواء، فأما المرآة فتقبل ~~الشيء بصفائها ويمكن لكثافتها، وهذا من أسرار حمل الأمانة التي حملها ~~الإنسان، ولم يحملها الملائكة المقربون، فافهم جيدا. # * وأما بره بوالدة القالب: فباستعمالها على وفق أوامر الشرع ونواهيه؛ ~~لينجيها من عذاب النار ويدخلها الجنة { ولم يكن جبارا عصيا ~~} [مريم: 14] كالنفس الأمارة بالسوء { وسلام عليه يوم ولد ~~} [مريم: 15] يشير إلى أن القلب السليم المقبل المقبول في حراسة سلام ~~الله وحفظه في كل حال من حالاته حالة ولادته؛ أي: ابتداء خلقه { ويوم ~~يموت } [مريم: 15] أي: حين يموت باستعمال المعاصي { ويوم يبعث ~~حيا } [مريم: 15] أي: حين يتوب إلى الله فيحييه الله حياة طيبة. # فأما فائدة سلام الله حين يموت بالمعاصي في حق القلب، فبأن يكون في ~~موته وإحيائه نوع ابتلاء يكون سبب تربية وترقية عن مقامه، وتنقية عن بعض ~~الآفات والعيوب مثل: العجب والكبر والرياء والسمعة وغيرها. ### || [19.16-21] # ثم أخبر عن مريم وحالتها مع من في الأرض دل حاله بقوله: { واذكر في ~~الكتاب } [مريم: 16] الخطاب مع قلم القدس؛ أي: الكتب في أم الكتاب ~~الذي عنده مكتوب في الأول حالة { مريم إذ انتبذت من ~~أهلها } [مريم: 16] أي: انفردت من أهل الدنيا وتنحت { مكانا ~~شرقيا } [مريم: 16] وهو القلب المشرق بنور ربه { فاتخذت من ~~دونهم حجابا } [مريم: 17] من ذلك النور ms1048 { فأرسلنآ إليهآ ~~روحنا } [مريم: 17] وهو نور كلمة الله التي يعبر عنها بقوله: كن، ~~وإنما سمي نور كلمته روحا؛ لأنه به يحيي القلوب الميتة كما قال تعالى: # أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس # [الأنعام: 122] فتارة: يعبر الروح بالنور، وتارة: يعبر عن النور بالروح ~~كقوله: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشآء من عبادنا # [الشورى: 52] فأرسل الله إلى مريم نور كلمة كن { فتمثل لها ~~بشرا سويا } [مريم: 17] كما تمثل نور التوحيد بحروف: لا إله إلا ~~الله؛ لانتفاع الخلق به. # والذي يدل على أن عيسى عليه السلام من نور الكلمة قوله تعالى: # وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه # [النساء: 171] أي: نور من نور إلقائه، فلما تمثلت الكلمة بالبشر ~~أنكرتها مريم ولم تعرفها فاستعاذت بالله منه { قالت إني أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا } [مريم: 18] يعني: إنك إن كنت ~~تقيا من أهل الدين فتعرف الرحمن ولا تقربني بإعاذتي إليه، وإن كنت ~~شقيا فلا تعرف الرحمن فما تعوذت منك بالخلق، فأجابها وقال: { إنمآ ~~أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا } [مريم: 19] ~~طاهرا من لوث ظلمة النفسانية الإنسانية { قالت أنى يكون لي ~~غلام ولم يمسسني بشر } [مريم: 20] أي: إذا لم يمسسني بشر ~~قبل هذا { ولم أك بغيا } [مريم: 20] ليمسسني بشر بعد هذا ~~بالزواج وبالنكاح؛ لأني محررة محرم علي الزوج { قال كذلك } ~~[مريم: 21] الذي تقولين، ولكن { قال ربك هو علي هين } ~~[مريم: 21] أن أخلق ولدا من غير ماء مني والد فإني أخلقه من نور كلمة ~~كن كما قال تعالى: # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون # [آل عمران: 59] { ولنجعله آية للناس } [مريم: 21] دلالة ~~على قدرتي بأني قادر على أن أخلق ولدا من غير أب، كما أني خلقت آدم من ~~غير أب وأم، وخلقت حواء من غير أم { ورحمة منا } [مريم: 21] أي: ~~نرحم به من نشاء من عبادنا. # واعلم أن بين ms1049 قوله: { ورحمة منا } [مريم: 21] وبين قوله: # يدخل من يشآء في رحمته # [الشورى: 8] فرق عظيم وهو: أنه تعالى إذا أدخل عبدا في رحمته يرحمه ~~ويدخله الجنة، ومن جعله رحمة منه يجعله متصفا بصفته. # ثم اعلم أن بين قوله: { ورحمة منا } [مريم: 21] وبين قوله في ~~حق نبينا صلى الله عليه وسلم: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107] فرق عظيم وهو: أن في حق عيسى عليه السلام ذكر الرحمة ~~مقيدة بحرف من، ومن: للتبعيض، فلهذا كان رحمة لمن آمن به، واتبع ما جاء ~~به إلى أن بعث نبينا صلى الله عليه وسلم ثم انقطعت الرحمة من أمته بنسخ ~~دينه، وفي حق نبينا صلى الله عليه وسلم ذكر الرحمة للعالمين مطلقا؛ ~~فلهذا لا تنقطع رحمته عن العالمين أبدا. # أما في الدنيا فبأن لا ينسخ دينه، وأما في الآخرة فبأن يكون الخلق ~~يحتاجون إلى شفاعته حتى إبراهيم عليه السلام، فافهم جيدا. # وفي قوله تعالى: { وكان أمرا مقضيا } [مريم: 21] إشارة إلى ~~أن خلق عيسى عليه السلام على هذه الصفة كان في الأزل بمقتضى الحكمة ~~القديمة مقدرا لإظهار القدرة على مثل هذا الخلق، فإنه يخلق ما يشاء ~~بقدرته. ### || [19.22-25] # { فحملته فانتبذت به مكانا قصيا } [مريم: 22] أي: ~~تنحت به؛ لحمله بلا أب وولادته من غير وقتها، وكلامه في المهد ومعجزاته ~~من إحياء الموتى، وغير ذلك مرتبة علية { فأجآءها المخاض إلى ~~جذع النخلة } [مريم: 23] لإظهار المعجزة في الجذع { قالت ~~يليتني مت قبل هذا } [مريم: 23] أي: قبل هذا الحمل، فإن ~~بسبب حملي وولدي يدخل الله النار خلقا عظيما؛ لأن بعضهم يتهمونني ~~بالزنا، وبعضهم يتهمون ولدي بأنه ابن الله { وكنت نسيا منسيا ~~} [مريم: 23] في العدم لا يذكرني الله تعالى بالإيجاد. # ثم أخبر: { فناداها من تحتهآ ألا تحزني } [مريم: 24] ~~إلى قوله: # ويوم أبعث حيا # [مريم: 33] الإشارة عن: عظم شأنها وتبديل أحزانها بقوله تعالى أن مريم ~~القلب لما اعتزلت عن اختلاء الكونين فاستحقت لإرساله روح الله إليها، ~~وقد شرفت بنفخ الروح الإلهي، ووهبت بعيسى روح الله فحيت بحياة الله، ومحت ~~نفس وجودها عن ms1050 صحيفة الموجودات بقطع النظر عن تعلق الكونين بقولها: { ~~يليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا } [مريم: ~~23] يعني: في العدم { فناداها من تحتهآ } [مريم: 24] أي: من لم ~~يبلغ من مرتبتها في قطع النظر إلى الوجود من المكونات { ألا تحزني ~~قد جعل ربك تحتك } [مريم: 24] أي: تحت أمرك { سريا } ~~[مريم: 24] أي: سرية يشير إلى أن ما دون الله يبشر القلب المنقطع إلى ~~الله بأن الله جعل المكونات تحت أمره؛ لتكون له سرية منقادة في دفع ~~الآفات عنه، وتبليغه إلى اعلى المقامات والقربات. # وقوله: { وهزى إليك بجذع النخلة } [مريم: 25] إشارة ~~إلى: نخلة الشجرة الطيبة، وهي كلمة: لا إله إلا الله، فإن مريم القلب في ~~هذا المقام إذا هزت نخلة الذكر { تساقط عليك رطبا جنيا } ~~[مريم: 25] من المشاهدات الربانية والمكاشفات التي هي مشارب الرجال ~~البالغين كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ". ### || [19.26-33] # { وقري عينا } [مريم: 26] بأنوار الجمال { فإما ترين ~~من البشر أحدا } [مريم: 26] ما سنح لك من الخواطر البشرية { ~~فقولي إني نذرت للرحمن صوما } [مريم: 26] كما قال ~~بعضهم: الدنيا يوم ولنا فيه صوم { فلن أكلم اليوم إنسيا ~~} [مريم: 26] يعني الوصول والوصال لم يبق لي كلام مع أوصاف الإنسية بخير ~~ولا شر، فإني نذرت للرحمن صوما عن الالتفات بغير الله، ولا يكون إفطاري ~~إلا [وكلمته] على مشاهدة جماله. # وبقوله: { فأتت به قومها } [مريم: 27] يشير إلى أن مريم القلب ~~لما ولدت بعيسى روح الله وكلمته فأتت به قومها من الخلائق { تحمله ~~} [مريم: 27] أي: تظهر مع الخلق من آثاره شيئا من نتائج أحواله أنكروا ~~عليها { قالوا يمريم لقد جئت شيئا فريا } [مريم: ~~27] منكرا كما قال موسى عليه السلام لما أنكر على خضر؛ إذ جاءه بأفعال ~~من نتائج العلم اللدني: { لقد جئت شيئا فريا * يأخت ~~هارون } [مريم: 27-28] النفس الأمارة بالسوء { ما كان أبوك ~~امرأ سوء } [مريم: 28] أي: أبو الروح { وما كانت أمك } ~~[مريم: 28] أي: القالب { بغيا } [مريم: 28] يعني: أو وليا يتولد ~~منه مثل ما جئت به. # واعلم أن المعتاد ms1051 من أهل الزمان إذا ظهر الله في كل زمان وأوان نبيا ~~أو وليا، وتخصصه بمعجزته أو كرامته أن ينكر عليه أكثرهم، وينسبونه إلى ~~الجنون والضلال والافتراء والكذب والسحر وأمثاله { فأشارت إليه ~~} [مريم: 29] يشير إلى أن هؤلاء القوم هم أهل الإشارات؛ أي: إشارة مريم ~~القلب إلى عيسى روح الله المتولد من نفخ الروح المضاف إلى الحضرة المقدسة ~~ومريم القلب { قالوا كيف نكلم من كان في المهد ~~صبيا } [مريم: 29] ما بلغ مبلغ الرجال البالغين الواصلين { قال ~~إني عبد الله } [مريم: 30] أي: أقر بالعبودية والحدوث متبرئا ~~عن الاثنينية والقدم { آتاني الكتاب } [مريم: 30] من العلوم ~~اللدنية وكشف الحقائق والأسرار. # { وجعلني مباركا أين ما كنت } [مريم: 31] نبيا؛ أي: ~~بلغني مقام الأنبياء، فأخذ الأسرار من الله عند تجلي صفاته وإنباء الخلق ~~بها { وجعلني مباركا أين ما كنت } [مريم: 31] أي: متصفا ~~بصفاته، فأحيي الموتى بصفته، وأبرئ الأكمه والأبرص وغير ذلك من الكرامات ~~{ وأوصاني بالصلاة } [مريم: 31] أي: بإقامة العبودية ومراقبة ~~أحكام الربوبية { والزكاة } [مريم: 31] أي: تزكية النفس عن الأوصاف ~~الذميمة { ما دمت حيا } [مريم: 31] فيه إشارة إلى أن ما دام العبد ~~حيا لا بد له من مراقبة السر وإقامة العبودية وتزكية النفس { وبرا ~~بولدتي } [مريم: 32] أي: أبر والدة القلب بإفاضة الفيض الإلهي. # { ولم يجعلني جبارا } [مريم: 32] لم أكن قابلا للفيض { ~~شقيا } [مريم: 32] محروما عن سعادة العبودية { والسلام علي ~~يوم ولدت } [مريم: 33] أي: بسلامة من الله كانت ولادتي يوم ولدت ~~بلا والد طبيعي { ويوم أموت } [مريم: 33] فيه إشارات: # * أولها: يشير إلى أن عيسى المعنى المتولد من نفخ الحق في القلب قابل ~~للموت بسم غلبات صفات النفس والمعاملات المنتجة منها لئلا يحسب الواصل ~~بأنه إذ حيي بحياة الله لا يموت المعنى الذي في قلبه. # * وثانيها: لئلا يقنط الطالب الصادق الذي زل قدمه، ووقع عن الطريق بنوع ~~من المعاملات المؤدية إلى موت القلوب، ويعلم أن له إلها يميت الأحياء ~~ويحيي الأموات، فيرجع إليه بصدق النية وصفاء الطوية على الصراط المستقيم ~~وأنه واسع كريم. ### || [19.34-40] # ثم أخبر عن مذمة الخلق في قوله ms1052 الحق بقوله تعالى: { ذلك عيسى ابن ~~مريم } [مريم: 34] يشير إلى أن ذلك المتولد من نفخ الروح المضاف ~~ومريم القلب وهو ابن مريم القلب لا ابن الله ولا جزء منه { قول ~~الحق } [مريم: 34] أي: هو المجعول من كلمة الله وهي قول كن، { ~~الذي فيه يمترون } [مريم: 34] يشكون، فقائل يقول: هو ابن الله، ~~وقائل يقول بالحلول أنه قد حل في مريم القلب، وقائل يقول بقدمه وقدم ~~الروح، ثم نفى عن ذاته جل جلاله هذه الأوصاف بقوله: { ما كان لله ~~أن يتخذ من ولد } [مريم: 35] أي: جزء، فإن الولد جزء الوالد ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " فاطمة بضعة مني " # وبقوله: { سبحانه } [مريم: 35] نزه نفسه عن أوصاف المخلوقات ~~كلها. # ثم أخبر عن كمال قدرته بقوله: { إذا قضى أمرا } [مريم: 35] في ~~الأزل { فإنما يقول له كن فيكون } [مريم: 35] في الحال ~~ذلك الأمر المقدور في الأزل، وبقوله: { وإن الله ربي ~~وربكم } [مريم: 36] يشير إلى أن عيسى المتولد من مريم القلب يشهد ~~أن الله الذي خلقه وخلقكم { فاعبدوه } [مريم: 36] بهذا الاعتقاد ~~الخالص، فإن { هذا صراط مستقيم } [مريم: 36] يصل به العبد ~~إلى الله عز وجل { فاختلف الأحزاب من بينهم } [مريم: 37] ~~أي: تفرقوا ثلاث فرق: # * فرقة: يعبدون الله بالسير على قدمي الشريعة والطريقة بالعبور على ~~المقامات والوصول إلى القربات، وهم: الأولياء الصديقون، وهم: أهل الله ~~وخاصته. # * وفرقة يعبدون الله على صورة الشريعة وأعمالها، وهم: المؤمنون ~~المسلمون، وهم: أهل الجنة. # * وفرقة: يعبدون الهوى على وفق الطبيعة، ويزعمون أنهم يعبدون الله كما ~~أن الكفار يعبدون الأصنام ويقولون: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر: 3] فهؤلاء ينكرون على أهل الحق وهم: البدع والهوى والزيغ ~~والرياء والسمعة والشقاق وهم: أهل النار { فويل للذين ~~كفروا } [مريم: 37] من هؤلاء { من مشهد يوم عظيم } ~~[مريم: 37] أي: من شهود يوم يظهر فيه عظائم الأمور فيتبع كل عابد معبوده. # وبقوله: { أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا } [مريم: 38] ~~يشير إلى أن من يأتي الله بقدم اليسر ما أسمعهم وأبصرهم؛ لأنهم به يسمعون ~~وبه يبصرون { لكن الظالمون اليوم ms1053 في ضلال مبين } ~~[مريم: 38] يعني: الذين ظلموا أنفسهم بإفساد استعدادهم اليوم في ضلال ~~مبين باستعماله في غير موضعه { وأنذرهم } [مريم: 39] أي: أعلمهم؛ ~~يعني: الظالمين { يوم الحسرة إذ قضي الأمر } [مريم: 39] ~~في الأزل بإيمان بعضهم، وكفر بعضهم { وهم في غفلة } [مريم: 39] ~~في العدم عن هذا القضاء { وهم لا يؤمنون } [مريم: 39] أي: قضى ~~للظالمين ما لم يؤمنوا. # { إنا نحن نرث الأرض } [مريم: 40] أي: الوارث لأرض الوجود { ~~ومن عليها } [مريم: 40] أي: ومن في الوجود { وإلينا ~~يرجعون } [مريم: 40] باللطف والقهر؛ أما باللطف: فبأن يغنيهم الله ~~عنهم ويبقيهم به، وأما بالقهر بقوله: # وبرزوا لله الواحد القهار # [إبراهيم: 48] فيناديهم # لمن الملك اليوم # [غافر: 16] أي: ملك الوجود فلا يجيب نفسه # لله الواحد القهار # [غافر: 16]. ### || [19.41-46] # ثم أخبر عن مقامات الأولياء وكراماتهم بقوله تعالى: { واذكر في ~~الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا } [مريم: 41] ~~يشير إلى أن إبراهيم كان في كتاب الحق تعالى الذي كتبه قبل خلق المكونات ~~مكتوبا بالصديقية والنبوة، وإن الصديقية تلو النبوة، ومن منها باق لا ~~يكون نبيا إلا وهو صديق، وليس من شرط الصديق أن يكون نبيا، ولأرباب ~~الصدق مراتب: صادق وصديق؛ فالصادق: من صدق في أقواله وأفعاله، والصدوق: ~~صدق في أخلاقه وأحواله، والصديق: من صدق في قيامه مع الله بالله وفي ~~الله، وفي الفاني عن نفسه والباقي بربه. # { إذ قال لأبيه يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا ~~يبصر ولا يغني عنك شيئا } [مريم: 42] يشير إلى: أب الروح ~~وعبادته صنم الدنيا بتبعية النفس { يأبت إني قد جآءني من ~~العلم } [مريم: 43] أي: العلم اللدني { ما لم يأتك } [مريم: ~~43] وذلك؛ لأن الفيض الإلهي إذا أفيض يقبله الروح لصفائه، ولكن لا يمسكه ~~للطافته ويقبله القلب الصافي ويمسكه لكثافته، كما أن نور النفس الشمس إذا ~~أفاض يقبله الهواء لصفائها ولكن لا يمسكه للطافتها، وتقبله المرآة ~~الصافية لصفائها وتمسكه لكثافتها، فقد أوتي المرآة الصافية والأرض من نور ~~الشمس ما لم يؤت الهواء، فافهم جيدا. # { فاتبعني } [مريم: 43] يا أبا الروح بالتوجه إلى الله { ~~أهدك صراطا سويا } [مريم: 43] مستقيما إلى الله ms1054 { يأبت ~~لا تعبد الشيطان } [مريم: 44] أي: شيطان النفس { إن ~~الشيطان كان للرحمن عصيا } [مريم: 44] بالطرد ~~والإبعاد من الحضرة { فتكون للشيطان وليا } [مريم: 45] ~~يعني: تكون يا أبا الروح قرين النفس ووليها بعد أن كنت في جوار الحق ~~ووليه، فأجاب آزر الروح: { قال أراغب أنت عن آلهتي } [مريم: ~~46] من الدنيا وشهواتها وزخارفها { يإبراهيم } [مريم: 46] القلب { ~~لئن لم تنته } [مريم: 46] عن وعظك ونصيحتك ومخالفتي فيما آمرك { ~~لأرجمنك } [مريم: 46] لأطردنك { واهجرني } [مريم: 46] فارقني ~~{ مليا } [مريم: 46] حينا من الدهر. ### || [19.47-51] # { قال } [مريم: 47] إبراهيم القلب { سلام عليك } [مريم: 47] ~~أي: كن في سلامة من الله { سأستغفر لك ربي } أي: سأطلب لك ~~من الله مغفرة ورحمة يزيل بها عنك هذا الإعراض عن الحق والتمادي في ~~الباطل { إنه كان بي حفيا } [مريم: 47] منعما مكرما { ~~وأعتزلكم وما تدعون } [مريم: 48] أي: وما تعبدون { من ~~دون الله } [مريم: 48] من الدنيا والآخرة { وأدعو ربي } ~~[مريم: 48] ليرحمكم ويهديكم إلى حضرة جلاله { عسى ألا أكون ~~بدعآء ربي } [مريم: 48] في نجاتك ورفع درجاتك { شقيا } [مريم: ~~48] لا يسمع دعائي فأشقى. # { فلما اعتزلهم } [مريم: 49] إبراهيم القلب آزر الروح وقومه ~~من النفس والهوى { وما يعبدون من دون الله } [مريم: 49] ~~وأصنامهم من الدنيا وملاذها أنعم الله عليه بقوله: { وهبنا له ~~إسحاق } [مريم: 49] أي: إسحاق السر { ويعقوب } [مريم: 49] أي: ~~يعقوب الخفى وهو سر السر { وكلا جعلنا نبيا } [مريم: 49] أي: ~~بلغناهم مقام الأنبياء ينبئهم الحق تعالى بالشواهد والكشوف عن علوم ~~الحقائق والمعارف وهم ينبئون الخلق عن الحق وأسراره { وجعلنا لهم ~~لسان صدق } [مريم: 50] لا يتكلمون إلا عن صدق النيات وخلوص الطويات ~~كلاما { عليا } [مريم: 50] عن الرعونات غير مشوب بالآفات. # ثم أخبر عن خلاص أهل الإخلاص بقوله تعالى: { واذكر في الكتاب ~~موسى } [مريم: 51] إلى قوله: # هارون نبيا # [مريم: 53] وأن في الكتاب موسى { إنه كان مخلصا } [مريم: 51] ~~أي: إنه كان مخلصا في إرادة شعيب عليه السلام وخدمته وموفيا بعهده ~~متبعا بدينه، وصار ببركة صحبته ومتابعته { رسولا نبيا } [مريم: ~~51]. # ثم اعلم أن الإخلاص في العبودية مقام الأولياء، فلا يكون ولي إلا وهو ~~ولي مخلص، ولا ms1055 يكون كل مخلص نبيا، ولا يكون رسول إلا وهو نبي، ولا يكون ~~كل نبي رسولا. # * والمخلص بكسر اللام: من أخلص نفسه في العبودية بالتزكية عن أوصاف ~~الإنسانية الحيوانية. # * والمخلص بفتح اللام: من أخلصه الله بعد التزكية بالتحلية بصفات ~~الروحانية الربانية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه " # أي: من أخلص نفسه بالتزكية في الله، ولله ظهرت؛ أي: أظهر الله بالتحلية ~~ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه، وقال تعالى: " الإخلاص سر بيني وبين ~~عبدي لا يبعد فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل "؛ أي: أنا الذي أتولى تحلية ~~قلوب المخلصين بتجلي صفات جمالي وجلالي، وفي الحقيقة لا تكون العبودية ~~مقبولة إلا من المخلصين كقوله: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين # [البينة: 5] ولإخلاص المخلصين مراتب: # * أدناها: أن تكون العبودية لله خالصا؛ ولا تكون لغير الله فيها شركة * # وأوسطها: أن يكون العبد مخلصا في بذل الوجود لله وفي الله. # * وأعلى درجة المخلصين: أن يخلصهم الله من حبس وجودهم بأن يفنيهم عنهم ~~ويبقيهم بجواره. ### || [19.52-58] # وبقوله تعالى: { وناديناه من جانب الطور الأيمن } ~~[مريم: 52] يشير إلى أنا سمعنا موسى القلب من جانب طور الروح، فإن طور ~~الروح على جانب أيمن موسى القلب، ووادي النفس على أيسره { وقربناه ~~نجيا } [مريم: 52] بجذبات العناية إلى أعلى درجات طور الروح، ويشير ~~بقوله: { ووهبنا له من رحمتنآ أخاه هارون نبيا } ~~[مريم: 53] إلى أن النبوة ليست كسبية، بل هي من مواهب الحق تعالى يهب لمن ~~يشاء النبوة، ويهب لمن يشاء الرسالة من رحمته وفضله لا من كسبهم ~~واجتهادهم على أن يكون توفيق الكسب والاجتهاد أيضا من مواهب الحق تعالى، ~~وفيه إشارة إلى أن لموسى عليه السلام اختصاصا بالقربة والقبول عند الله ~~عز وجل حتى يهب أخاه هارون النبوة والرسالة بشفاعته، والعجب أن الله ~~تعالى يهب النبوة والرسالة بشفاعة موسى عليه السلام وأنه يهب الأنبياء ~~والرسل بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: # " الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم ms1056 عليه السلام ". # ثم أخبر عن الصادق في وعده والصديق من بعده بقوله: { واذكر في ~~الكتاب إسماعيل } [مريم: 54] إلى قوله: { مكانا عليا } ~~[مريم: 57] الإشارة: إن بالألوهية يشير إلى الربوبية. { واذكر } ~~ذكرا أزليا { في الكتاب } أي: في كتاب العلم الأزلي { ~~إسماعيل } إنه كان في علم الله بتقديره { صادق الوعد } ~~[مريم: 54] فيما وعد الله بأداء العبودية { وكان رسولا نبيا } ~~[مريم: 54] أي: وكان مستعدا للنبوة والرسالة. # وبقوله: { وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة } ~~[مريم: 55] يشير إلى أن استعداده المقدر الأزلي اقتضى أن يأمر أهله الخاص ~~والعام؛ أما الخاص: فالجسم والنفس والقلب والروح بالصلاة؛ أي: يتوجه كل ~~واحد منهم توجها يليق بحاله { والزكاة } [مريم: 55] أي: بتزكية كل ~~واحد منهم عن أخلاق ذميمة وأوصاف ردية، وأما العام: فأهله وأمته وقومه ~~يأمرهم بالصلاة الجسمانية والمعنوية وكذا الزكاة { وكان عند ربه ~~} [مريم: 55] في الأزل { مرضيا } [مريم: 55] في الأعمال والأحوال. # ثم قال: { واذكر في الكتاب إدريس } [مريم: 56] أي: كما ~~ذكرت إسماعيل { إنه كان } [مريم: 56] في العلم القديم { صديقا ~~نبيا } [مريم: 56] أي: مستعدا لكمال الصدق والنبوة { ~~ورفعناه مكانا عليا } [مريم: 57] في التقدير الأزلي والمكان ~~العلي ما يكون فوق المكونات عند المكون # في مقعد صدق عند مليك مقتدر # [القمر: 55]. # ثم أخبر عن أهل الإنعام من الخواص بقوله تعالى: { أولئك الذين ~~أنعم الله عليهم } [مريم: 58] إلى قوله: # ولا يظلمون شيئا # [مريم: 60]، قوله: { أولئك الذين أنعم الله عليهم ~~} [مريم: 58] من النبيين؛ يعني: الذين ذكرناهم والذين ما ذكرناهم من ~~الأنبياء { من ذرية ءادم وممن حملنا مع نوح } ~~[مريم: 58] من الأولياء والمؤمنين { ومن ذرية إبراهيم ~~وإسرائيل } [مريم: 58] يعني: من الأولياء والمؤمنين { وممن ~~هدينا واجتبينآ } [مريم: 58] للهداية إلى حضرتنا من الأولياء ~~خواص المؤمنين { إذا تتلى عليهم } [مريم: 58] آياتنا؛ أي: من ~~نتائج الهداية إلى الحضرة والاجتباء إياهم؛ أي: إذا تتلى عليهم آياتنا { ~~خروا } [مريم: 58] بقلوبهم على عتبة العبودية { سجدا } [مريم: ~~58] بالتسليم للأحكام الأزلية { وبكيا } [مريم: 58] بكاء السمع ~~بذوبان الوجود على نار الشوق والمحبة. ### || [19.59-64] # { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة } [مريم: 59] ~~به يشير إلى: التخلف من هؤلاء السادة ms1057 الذين لم يهتدوا بهداهم، ولم يقتدوا ~~على آثارهم، ووكلوا إلى أنفسهم، فأعرضوا عن الحق تعالى، وتركوا ظاهر أمره ~~وباطنه { واتبعوا الشهوت } [مريم: 59] أي: شهوات الدنيا ~~ولذاتها على وفق هواهم وطبيعتهم النفسانية الحيوانية السبعية { فسوف ~~يلقون غيا } [مريم: 59] وهو الدرك الأسفل من جهنم البشرية. # { إلا من تاب } [مريم: 60] أي: من تداركته العناية الأزلية فيتوب ~~بالصدق إلى الحضرة { وآمن } [مريم: 60] إيمانا حقيقيا نور الله ~~به قلبه { وعمل صالحا } [مريم: 60] أي: أعمالا تصلح قلبه للجذبات ~~التي بها يدخل الجنة كقوله: { فأولئك يدخلون الجنة } ~~[مريم: 60] الجنة جنة القرب { ولا يظلمون شيئا } [مريم: 60] ~~أي: على قدر صلاحية العمل وخلوصه يصلح القلب، وعلى قدر صلاحية القلب ~~فيكون قابلا للجذبات، وعلى قدر الجذبات تكون مقامات القربة بحيث لا ينقص ~~منها شيء. # ثم أخبر عن جنات القربات بقوله تعالى: # مخلصا له # [الزمر: 11] في العبودية ولا يعبد الدنيا والنفس والهوى وهم الذين وصفهم ~~الله تعالى بقوله: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا # [الفرقان: 63] وعدهم بالغيب؛ أي: يغيبهم عن الوجود قبل التكوين، كما ~~أخبر بقوله: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة # [التوبة: 111] أنه كان؛ أي: كان التقدير أن وعده ثانيا؛ أي: أتيا من ~~العدم إلى الوجود، ثم وصف الجنة وأهلها بقوله: { لا يسمعون فيها ~~لغوا } [مريم: 62] يعني: لا تكون الجنة محلا للغو ولا أهل الجنة هم ~~اللغو { إلا سلاما } [مريم: 62] أي: تكون الجنة مقر السلامة ولهذا ~~سمي دار السلام وأهلها أهل السلامة ولا يسمعون إلا السلام من أنفسهم، ومن ~~الملائكة ومن الله، لأن # وتحيتهم فيها سلام # [يونس: 10] { ولهم رزقهم فيها } [مريم: 62] من رؤية الله ~~تعالى { بكرة وعشيا } [مريم: 62] كما جاء في الخبر، وأكرمهم على ~~الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية. # ثم أخبر عن أهل الجنة بقوله: { تلك الجنة التي نورث من ~~عبادنا } [مريم: 63] أي: الذين لا يعبدون من دوننا { من كان ~~تقيا } [مريم: 63] يعني: جعلنا الجنة مسكنا ومأوى ومنزلا لمن كان ~~سيرته التقى عن المعاصي؛ لأنها أعدت للمتقين؛ يعني: من كان يتقي عن ~~الدنيا ms1058 وزخارفها وعن النفس وهواها وشهواتها، فالجنة له دار القرار وهو من ~~أهل الجنة لا يجاوزها لقوله تعالى: # ونهى النفس عن الهوى # [النازعات: 40] فإن الجنة هي المأوى، فأما من كان يتقي عما سوى الله ~~فتكون الجنة ممره ولا مفره كقوله: # إن المتقين في جنات ونهر * في مقعد صدق عند ~~مليك مقتدر # [القمر: 54-55] وهم أهل الله وخاصته الذين # اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران: 102] فافهم جيدا. # ثم أخبر عن تنزل أهل التمثل بقوله تعالى: { وما نتنزل إلا ~~بأمر ربك } [مريم: 64] يشير إلى أن المقدورات كلها في علم الله ~~وقدرته ينادون من سرادقات العزة إلى أهل العزة المتمنيين ما تهوى نفوسهم ~~على وفق الطبيعة أن يا أهل الطبيعة أفيقوا، فما نتنزل من مكان الغيب إلى ~~عالم الشهود إلا بأمر ربك الذي { له ما بين أيدينا } [مريم: ~~64] من التقدير الأزلي { وما خلفنا } [مريم: 64] من التدبير الأبدي ~~{ وما بين ذلك } [مريم: 64] من الأزل إلى الأبد { وما كان ~~ربك نسيا } [مريم: 64] أي: ناسيا لما قدر في الأزل تنزيله من ~~المقدورات؛ ليتذكر بالناس ممن تنزيله فينزله، بل هو القادر العليم الحكيم ~~الأزلي الأبدي ينزل ما يشاء متى يشاء لا معقب لحكمه ولا مقدم. ### || [19.65-70] # ثم أخبر عن صفات كماله وكمال جلاله بقوله تعالى: { رب السموت ~~} [مريم: 65] إلى قوله: # ونذر الظالمين فيها جثيا # [مريم: 72] بقوله: { رب السموت والأرض وما بينهما ~~فاعبده } [مريم: 65] يشير إلى أنه تعالى خالق ورب سماوات الأرواح ~~وأرض الأجساد وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار، فاعبده بجسدك ونفسك ~~وقلبك وسرك وروحك، فعبادة جسدك إياه بأركان الشريعة وهي: الائتمار بما ~~أمرك الله به، والانتهاء عما نهاك الله عنه، وعبادة نفسك بآداب الطريقة ~~وهي: ترك موافقات هواها، ولزوم مخالفة هواها، وعبادة القلب بالإعراض عن ~~الدنيا وما فيها، والإقبال على الآخرة ومكارمها، وعبادة السر خلوة عن ~~تعلقات الكونين اتصالا بالله ومحبة له، وعبادة الروح ببذل الوجود ليل ~~الشهود { واصطبر لعبادته } [مريم: 65] بالمداومة على ~~المجاهدات، فإنها تورث المشاهدات، { هل تعلم له سميا } ~~[مريم: 65] أي: مثلا في الخالقية والربوبية ms1059 أو جنسا في المحبة ~~والمحبوبية. # { ويقول الإنسان } [مريم: 66] أي: النفس الإنسانية لجهلها ~~بالحقائق { أءذا ما مت } [مريم: 66] عن صفات الحيوانية { لسوف ~~أخرج حيا } [مريم: 66] بصفات الروحانية بطريق الاستهزاء { أولا ~~يذكر الإنسن } [مريم: 67] أي: لا يتذكر نفسه { أنا ~~خلقناه من قبل } [مريم: 67] بازدواج الروح والحسد { ولم يك ~~شيئا } [مريم: 67] موجودا أفلا نقدر على أنها إذا ماتت عن صفاتها ~~الحيوانية يحييها بصفات الروحانية، بل بصفات الربانية. # ثم ذكر القسم للتوكيد بقوله: { فوربك لنحشرنهم ~~والشياطين } [مريم: 68] أي: لنجعلهم مع الشياطين شياطين الجن ~~والإنس { ثم لنحضرنهم حول جهنم } [مريم: 68] القهر ~~والغضب { جثيا * ثم لننزعن من كل شيعة } [مريم: ~~68-69] من النفوس المتمردة العاتية { أيهم أشد على ~~الرحمن عتيا * ثم لنحن أعلم بالذين } [مريم: ~~69-70] نزعناهم من { هم أولى بها صليا } [مريم: 70] أي: أولى ~~وأحق لجهنم القهر أن يصليه فيها، ومن منهم أولى وأحق أن ينعم عليه ويميزه ~~عنهم بتخليصه عن ظلمات وجوده بنور وجودنا، ونهديه إلى عالم الوصول ~~والوصال بجذبات العناية الأزلية التي هي كفاية الأبدية. ### || [19.71-76] # ثم عم الخطاب: { وإن منكم إلا واردها كان على ~~ربك حتما مقضيا } [مريم: 71] وإن منكم من الأنبياء ~~والأولياء والمؤمنين والكافرين إلا وهو وارد هاوية الهوى بقدم الطبيعة { ~~ثم ننجي الذين اتقوا } [مريم: 72] عن الهوى بقدم الشريعة ~~على طريق الطريقة للوصول إلى الحقيقة، وفيه نكتة لطيفة، وإشارة شريفة ~~وهي: إنه تعالى أحال الورود إلى الوارد، وأحال النجاة إلى نفسه تعالى؛ ~~يعني: إن كل وارد يرد بقدم الطبيعة في هاوية الهوى إن شاء وإن أبى ولو ~~التجى إلى طبيعة لا ينجو منها أبدا، ولكن ما نجا من نجا إلا بإنجاء الله ~~تعالى إياه، ثم قال: { ونذر الظالمين فيها جثيا } [مريم: ~~72] أي: ومن خلد في جهنم طبيعة بقي فيها مكبا على وجهه متوجها إلى ~~أسفل السافلين. # ثم أخبر عن الطريقة للفريقين بقوله تعالى: { وإذا تتلى ~~عليهم آياتنا بينت } [مريم: 73] إلى قوله: { مردا } ~~[مريم: 76]، بقوله: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينت ~~} [مريم: 73] يشير إلى أن أهل الإنكار وأهل العزة بالله إذا تتلى ms1060 عليهم ~~آياتنا بينات من الحقائق والأسرار { قال الذين كفروا } [مريم: ~~73] أي: ستروا الحق بالإنكار والاستهزاء. { للذين آمنوا } ~~[مريم: 73] من أهل التحقيق إذا رأوهم مرتاضين مجاهدين مع أنفسهم، متحملين ~~متواضعين متذللين متخاشعين، وهم متنعمون متمولون متكبرون مبتغون شهوات ~~نفوسهم ضاحكون مستبشرون { أي الفريقين } [مريم: 73] منا ومنكم { ~~خير مقاما } [مريم: 73] منزلة ومرتبة في الدنيا، ووجاهة عند ~~الناس، وتوسعا في المعيشة { وأحسن نديا } [مريم: 73] مجلسا ~~ومنصبا وحكما، كما قال تعالى جوابا لهم: { وكم أهلكنا ~~قبلهم من قرن } [مريم: 74] أي: أهلكناهم بحب الدنيا ونعيمها ~~إذا أغرقناهم في بحر شهواتها، واستيفاء لذاتها، والتعزز بمناصبها { هم ~~أحسن أثاثا ورءيا } [مريم: 74] أي: هم أحسن استعداد واستحقاق ~~للكمالات الدينية منكم كما قال صلى الله عليه وسلم: # " خياركم في الإسلام خياركم في الجاهلية إذا فقهوا " # { قل من كان في الضللة } [مريم: 75] ضلالة الإنكار واتباع ~~الهوى { فليمدد له الرحمن مدا } [مريم: 75] أي: ~~فليهمله في غروره وحسبانه، ويدعه في غفلة عن أحوال أرباب القلوب وملوك ~~الدين { حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب } ~~[مريم: 75] وهو أن يميتهم الله على ما عاشوا فيه من الإنكار والغرور ~~والغفلة { وإما الساعة } [مريم: 75] وهي أن يميتهم عن صفات ~~نفوسهم بصواعق جذبات العناية، ويقيم عليهم قيامة الشوق والمحبة، ويحييهم ~~حياة طيبة بنور الإيمان { فسيعلمون } [مريم: 75] في كلتي ~~الحالتين. { من هو شر مكانا } من الفريقين { وأضعف ~~جندا } [مريم: 75] حين تحقق لهم أن فريقا منهم هم حزب الله في الآخرة ~~وحزب الشيطان { ويزيد الله الذين اهتدوا } [مريم: 76] ~~والذين جاهدوا في طلب الهداية وسعوا، يزيد الله في هدايتهم بالإيمان { ~~هدى } [مريم: 76] بالإيقان بل بالعيان لا بالبرهان { والباقيات ~~الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا } ~~[مريم: 76] وهي الأعمال الصالحات التي هي من نتائج الواردات الإلهية التي ~~ترد من عند الله إلى قلوب أهل العيوب؛ أعني: كل عمل يصدر من عند نفس ~~العبد من نتائج طبعه وعقله ما يكون من الباقيات، وإن كان من الصالحات؛ ~~أي: على وفق الشرع، وما يكون من عند الله؛ أي: من نتائج مواهب الحق تعالى ~~فهو ms1061 من الباقيات الصالحات يدل عليه قوله تعالى: # ما عندكم ينفد وما عند الله باق # [النحل: 96]. ### || [19.77-84] # ثم أخبر عن أهل الريب أنهم بمعزل من إطلاع الغيب بقوله تعالى: { ~~أفرأيت الذي كفر } [مريم: 77] إلى قوله: { عند ~~الرحمن عهدا } [مريم: 78] { أفرأيت الذي كفر ~~بآياتنا } [مريم: 77] يشير إلى: من كفر ستر الحق، وأنكر على أهل ~~الصدق من أرباب الطلب وأصحاب الحقائق الذين أنعم الله عليهم بالكشوف ~~والعلوم اللدنية، وهم يتكلمون بها، فالمنكر يعترض عليهم وعلى أقوالهم ~~وأحوالهم، ويقول: إنكم أعرضتم عن الكسب، واعتمدتم على أموال الناس ~~وصدقاتهم، واعتزلتم النساء، وحرمتم عن الأولاد والأموال وأنا أعبد الله، ~~كما تعبدونه { وقال لأوتين مالا وولدا } [مريم: 77] ونجاة ~~في الآخرة فقال الله في جوابه: { أطلع الغيب } [مريم: 78] أي: ~~أعلم الغيب بأن يكون له في الدنيا المال والولد، وفي الآخرة النجاة { ~~أم اتخذ عند الرحمن عهدا } [مريم: 78] في الميثاق أن ~~يكون له المال والولد والنجاة { كلا } [مريم: 79] أي: لم يكن له ذلك { ~~سنكتب ما يقول } [مريم: 79] أي: سنكتب عليه ما يدل عليه ونؤاخذه ~~به { ونمد له من العذاب مدا } [مريم: 79] وهو عذاب البعد ~~والهجران { ونرثه } [مريم: 80] يعني: هو على قراءة من يقرأ بالياء { ~~ما يقول } [مريم: 80] أي: وبال ما يقول بالاستهزاء والإنكار { ~~ويأتينا فردا } [مريم: 80] ما يكون معه ما ينجيه من العذاب، وذلك ~~بأنهم { واتخذوا من دون الله آلهة } [مريم: 81] من الهوى ~~والدنيا والأهل والمال والولد { ليكونوا لهم عزا } [مريم: ~~81] أي: ليكون لهم منهم عزة { كلا سيكفرون بعبادتهم } ~~[مريم: 82] حين لا ينفعهم الإيمان { ويكونون عليهم ضدا } ~~[مريم: 82] أي يكون الذين يعبدونهم من دون الله { عليهم ضدا } ~~أي: ضد ما يتمنون من العزة وهو الهوان والذلة، وبقوله: { تر أنآ ~~أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا } ~~[مريم: 83] يشير إلى: شياطين الإنس منهم فيأخذهم لأنهم يهيجون الفتنة على ~~كافري النقمة ومنكري الكرامة، ويعاونونهم على إنكار أهل الأقدار، ~~ويوافقونهم في إيذائهم والطعن فيهم، نظيره قوله: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شيطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا # [الأنعام: 112]. # ثم ms1062 قال: تهديدا لهم وتسلية لأرباب القلوب. { فلا تعجل عليهم ~~} [مريم: 84] بالجزاء والمكافآت { إنما نعد لهم } [مريم: 84] ~~أعمالهم وأقوالهم وأحوالهم وأنفاسهم وخواطرهم { عدا } [مريم: 84] لا ~~سهو فيه ولا غلط فيجازيهم بها. ### || [19.85-95] # { يوم نحشر المتقين } [مريم: 85] وهم الذين يتقون بالله ~~عما سواه { إلى الرحمن وفدا } [مريم: 85] على متون جذبات ~~العناية الحضرة الرحمانية، وإنما خص حشر وفد المتقين إلى حضرة ~~الرحمانية؛ لأنها من صفات اللطف، ومن شأنها: الاتحاد والإنعام والفضل ~~والكرم والتقريب والمواهب. # { ونسوق المجرمين } [مريم: 86] أهل الإنكار والإعراض { إلى ~~جهنم } [مريم: 86] البعد والنكرة { وردا } [مريم: 86] بالقهر ~~والخذلان { لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند ~~الرحمن عهدا } [مريم: 87] يعني: يوم الميثاق كما قال تعالى: # ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني ~~هذا صراط مستقيم # [يس: 60-61] ثم أوفى بعهده من الله بألا تعبد ما سوى الحق تعالى من ~~الدنيا والآخرة فإن من يكون مقيدا بشيء من الدنيا والآخرة يحتاج إلى ~~شفيع يخلصه من ذلك القيد، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم عليه السلام ". # ثم أخبر عن ناقضي العهود من أهل الجحود بقوله تعالى: { وقالوا ~~اتخذ الرحمن ولدا } [مريم: 88] إلى قوله: { فردا } ~~[مريم: 95]، { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } [مريم: 88] ~~يشير إلى: إن تجاسرهم وتعديهم في مثل هذا القول إنما كان من نتائج صفة ~~الرحمانية إذ هم بها أقدموا على هذا القول؛ لأنه تعالى كان عالما سرهم ~~بأحوالهم أنهم خلقوا على هذه السجية ولا بد بأن يصدر منهم هذه المقالة، ~~فلولا صفة الرحمانية لما سامحت الألوهية بإيجادهم، فبالرحمانية خلقوا، ~~وبالرحمانية قد نطقوا بالرحمانية. # قال: { لقد جئتم شيئا إدا * تكاد السموت ~~يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا * ~~أن دعوا للرحمن ولدا } [مريم: 89-91] فإن الرحمانية ~~أمهلتهم حتى قالوا ما قالوا إلا أن الألوهية كانت مقتضية للوحدانية في ~~الوجود، كما أنه تعالى وحداني الذات { وما ينبغي للرحمن أن ~~يتخذ ولدا } [مريم: 92] لأن الولد بضعة من الوالد، وما له بضعة ~~فهو مركب، ولا ms1063 بد للمركب من مؤلف، والمحتاج إلى المؤلف لا يصح أن يكون ~~إلها. # ولقوله: { إن كل من في السموت والأرض إلا آتي ~~الرحمن عبدا } [مريم: 93] يشير إلى أن الرحمانية اقتضت إيجاد ~~السماوات والأرض ومن فيهن، والصفاتية والألوهية كانت في الأزل مقتضية ~~بألا يكون لذاته تعالى شريك في الوجود حتى سبقت رحمته بالرحمانية غضبه ~~وهو القهارية، فبالرحمانية خلق ما خلق، وبالرحمانية عبده من عبده وعرفه ~~من عرفه، وبالرحمانية { لقد أحصاهم } [مريم: 94] في الأزل من ~~العباد وهم معدودون. { وعدهم عدا } [مريم: 94] في الموجودين على ~~وفق مشيئته من السعداء والأشقياء { وكلهم آتيه يوم ~~القيامة فردا } [مريم: 95] عن مشيئتهم، بل هو آت بهم على وفق ~~مشيئته وإرادته القديمة الأزلية الأبدية على قانون حكمته البالغة. ### || [19.96-98] # ثم أخبر عن حال السعداء وحال الأشقياء قوله تعالى: { إن الذين ~~آمنوا } [مريم: 96] فقوله: { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا } [مريم: 96] يشير ~~إلى أن بذر الإيمان إذا وقع على أرض القلب، وتربى بماء الأعمال الصالحات ~~ينمو إلى أن يثمر، فتكون ثمرتها محبة الله ومحبة الأنبياء والملائكة ~~والمؤمنين جميعا كما قال تعالى: # كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها ~~في السمآء * تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها # [إبراهيم: 24-25]. # وبقوله تعالى: { فإنما يسرناه بلسانك } [مريم: 97] يشير ~~إلى أن حقيقة القرآن التي هي صفة الله تعالى القائمة بذاته لا تسع ظروف ~~الحروف المحدثة المعدودة المتناهية؛ لأنهلا قديمة غير معدودة ولا ~~متناهية، وإنما يسر الله تعالى ورأيته بقلب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقرأته بلسان العربي المبين { لتبشر به المتقين } [مريم: ~~97] لأنهم أهل البشارة، وهم أصناف ثلاثة: فصنف منهم: يتقون الشرك ~~بالتوحيد، وصنف: يتقون المعاصي بالطاعات، وصنف: يتقون عما سوى الله ~~بالله { وتنذر به قوما لدا } [مريم: 97] لأنهم أهل الإنذار ~~وهم ثلاث فرق: فرقة منهم: الكفار الذين يقاتلون على الباطل، وفرقة منهم: ~~أهل الكتاب الذين يخاصمون على أديانهم المنسوخة، وفرقة منهم: أهل الأهواء ~~والبدع والفلاسفة الذين يجادلون أهل الحق بالباطل { وكم أهلكنا ~~قبلهم } [مريم: 98] بالخذلان في تيه الضلالة { من قرن ms1064 هل ~~تحس منهم من أحد } [مريم: 98] وقد خلص ونجا { أو ~~تسمع لهم ركزا } [مريم: 98] بالثناء الحسن عليهم. ### | [20 - سورة طه] ### || [20.1-8] # { طه * مآ أنزلنا عليك القرآن لتشقى } [طه: 1-2] إلى ~~قوله: { له الأسمآء الحسنى } [طه: 8] { طه } يشير إلى: النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويقول: يا من طوي به بساط النبوة، وأيضا: يا من طويت ~~له المكونات إلى ما يشاء { مآ أنزلنا عليك القرآن ~~لتشقى } [طه: 2] في الدنيا والعقبى، بل أنزلناه على قلبك؛ لتسعد ~~بتخلقك بخلقه لتكون على خلق عظيم، وليسعد بك أهل الأولين والآخرين من أهل ~~السماوات وأهل الأرض، ولتكون رحمة للعالمين، كما قال: { إلا ~~تذكرة لمن يخشى } [طه: 3] يعني: عظة لمن يخشى الله بالغيب، ~~ويؤمن بنبوتك، ويقبل رسالتك { تنزيلا } [طه: 4] على قلبك { ممن ~~خلق الأرض } [طه: 4] أرض بشريتك { والسموت العلى } [طه: ~~4] سماوات روحانيتك التي هي أعلى الموجودات وأول المخلوقات كما قلت: أول ~~ما خلق الله روحي { الرحمن على العرش } [طه: 5] أي: بصفته ~~الرحمانية { استوى } [طه: 5] على عرش قلبك؛ ليكون لك معه وقت لا يسعك ~~فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل { له ما في السموت } [طه: 6] ~~الروحانية من الصفات الحميدة { وما في الأرض } [طه: 6] البشرية من ~~الصفات الذميمة { وما بينهما } [طه: 6] من القلب ما فيه من ~~الإيمان والإيقان والصدق والإخلاص { وما تحت الثرى } [طه: 6] ~~أي: ما هو مركوز في جبلة الإنسانية. # { وإن تجهر بالقول } [طه: 7] أي: تظهر من صفاتك بالقول { ~~فإنه يعلم السر } [طه: 7] وهو ما تظهر من سريرتك { ~~وأخفى } [طه: 7] بالقول وهو ما أخفى الله من خفيتك، فالسر باصطلاح ~~أهل التحقيق لطيفة بين القلب والروح وهو معدن أسرار الروحانية، والخفى ~~لطيفة بين الروح والحضرة الإلهية، وهو مهبط أنوار الربوبية وأسرارها، ~~فافهم جيدا واغتنم. # ولهذا قال عقب قوله: { يعلم السر وأخفى } [طه: 7] قوله: { ~~الله لا إله إلا هو له الأسمآء الحسنى } [طه: ~~8] إشارة إلى أن مظهر ألوهيته وصفاته العليا وأسمائه الحسنى إنما هو ~~الخفى الذي هو أخفى من السر؛ أي: ألطف وأعز وأعلى وأشرف وأقرب إلى الحضرة ~~منه ألا وهو ms1065 سر # وعلم ءادم الأسمآء كلها # [البقرة: 31] وهو حقيقة قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله خلق آدم فتجلى فيه ". # ثم اعلم أن لطيفة السر التي تكون بين القلب والروح موجودة في كل إنسان ~~مؤمن أو كافر عند نشأته الأولى، والخفى قد نشأ عند نشأته الأخرى، فلهذا ~~يمكن أن يكون كل إنسان مؤمن أو كافر بعدد أسرار الروحانية وجملتها ~~المعقولات، ولا يمكن إلا لمؤمن موحدا أن يكون مهبط أنوار الربانية ~~وأسرارها وجملتها المشاهدات والمكاشفات وحقائق العلوم اللدنية. ### || [20.9-13] # ثم أخبر عن بدايات أهل النهايات بقوله تعالى: { وهل أتاك حديث ~~موسى } [طه: 9] إلى قوله # فتردى # [طه: 16] فقوله: { وهل أتاك حديث موسى } [طه: 9] يشير إلى ~~أن موسى القلب { إذ رأى نارا } [طه: 10] أي: نارا من جانب طير ~~الروح { فقال لأهله } [طه: 10] وهم النفس وصفاتها { امكثوا } ~~[طه: 10] أسكنوا هاهنا في ظلمة الطبيعية الحيوانية { إني آنست ~~نارا } [طه: 10] وهي نار المحبة التي لا تبقى ولا تذر من حطب وجود ~~الإنسانية أثرا ولا رسما ولا ظلال # نارا وقودها الناس والحجارة # [التحريم: 6]. # { لعلي آتيكم منها بقبس } [طه: 10] يخرجكم من ظلمات ~~الطبيعة إلى أنوار الشريعة { أو أجد على النار } [طه: 10] ~~بالطريقة { هدى } [طه: 10] إلى الحقيقة ببذل الوجود ولنيل المقصود: # أقول لجارتي والدمع جار # ولي عزم الرحيل إلى الديار # ذريني أن أسير ولا تنوحي # فإن الشهب أشرفها السواري # أأرضي بالإقامة في فلاة # وفوق الفرقدين عرفت داري # قوله: { فلمآ أتاها نودي } [طه: 11] من شجرة ذات القدس بخطاب ~~الأنس { يموسى * إني أنا ربك } [طه: 11-12] لأريك { ~~فاخلع نعليك } [طه: 12] أي: انزع عن تعلقات الكونين عن شرك ~~لأقدس عن لوث التعلقات وأرى شرك المطهر، فتارة: بقطع تعلق الدنيا الدنية ~~الخسيسة الفانية، ومرة: بنزع تعلق الآخرة الشريفة العلية الباقية؛ ~~فالمعنى: إنك يا موسى القلب إذا خلعت نعلي الكونين على قدمي همتك وبهمتك ~~المتعلقة أحديهما: بالدنيا، والأخرى: بالآخرة، فقد طهرت وادي شركك عن لوث ~~الالتفات بهما فإنك قد حصلت. # { بالواد المقدس طوى * وأنا اخترتك } [طه: 12-13] ~~وأنا اخترتك يا موسى القلب من بين سائر ms1066 خلق وجودك من البدن والنفس والسر ~~والروح، وكرمتك بهذه الكرامة؛ لتكون كليمي وصاحب سري يا موسى القلب { ~~فاستمع لما يوحى } [طه: 13] بسمع الطاعة والقبول ببذل أنانيتك ~~لأنانيتي. ### || [20.14-16] # { إنني أنا الله لا إله إلا أنا } [طه: 14] المعنى ~~أنني لما تجليت ألوهيتي لأنانية وجودك المجازي لا يبقى في عالم وجودك ~~المجازي إله من الهوى وغيره، { إلا أنا فاعبدني } [طه: 14] ~~بمساعي إفناء وجودك المتولد من منشأ قالبك على الدوام ما دام باقيا { ~~وأقم الصلاة } [طه: 14] أي: أدم المناجاة في المحاضرة مع تبدل ~~الوجود { لذكري } [طه: 14] أي: لنيل ذكري إياك بالتجلي على الدوام؛ ~~لإفناء وجود المتحد. # وبقوله: { إن الساعة آتية } [طه: 15] يشير إلى أن كل قلب يكون ~~هذا حاله، فإن فيما منه بكشف غطاء الحجب الإنسانية عنه بتجلي صفة الجلال ~~لآتية التي من شأنها البروز لله الواحد القهار { أكاد أخفيها } ~~[طه: 15] عزة شأنها وعظمة سلطانها فيسقى من الكرم على بعض خواص { ~~لتجزى كل نفس بما تسعى } [طه: 15] في العبودية من الروح ~~والسر والقلب والنفس والقالب جزاءا مناسبا لسعيهم، فلما كان سعي ~~الروح بحسب الوطن الأصلي للرجوع إلى سكنى إضافة من روحي فجزاءه من تجلي ~~صفة الجلالة بالانعدام من الوجود المجازي انعدام الناسوتي في اللاهوتي، ~~وكان سعي السر بالخلو عن الأكوان لقبول فيض المكون فجزاؤه بإضافة الفيض ~~الإلهي عليه، وكان سعي القلب بقطع تعلقات الكونين لتصفية وقابلية لتجلي ~~الصفات الجمال والجلال فجزاءه بدوام تجلي صفة الجمال، واتصافه بصفة ~~الجلال؛ ليبيت عند ربه يطعمه ويسقيه من الشراب الإلهي الذي يزيل لوث ~~الحدوث عن لوح القلوب لكشف حقائق الغيوب، وكان بسعي النفس بتبديل الأخلاق ~~واتقاء الأوصاف الظلمانية الحيوانية؛ لاتصافها بالصفات الروحانية ~~الربانية فجزاؤها بإشراقها بنور ربها لإزالة ظلمة صفاتها، واطمئنانها إلى ~~ذكر ربها المكون قابلة لله بجذبة: # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28] وكان سعي القالب باستعمال أركان الشريعة وآداب الطريقة ~~فجزاؤه رفعة الدرجات ونيل الكرامات في الدارين. # { فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع ~~هواه } [طه: 16] لا يصرفنكم عن هذه السعادات والكرامات يا موسى القلب ~~النفس ms1067 الأمارة التي لا يؤمن بها، واتبعت هواها في طلب الشهوات واللذات ~~الدنيوية { فتردى } [طه: 16] فتهلك بانقطاعك عن الحق تعالى فيه ~~إشارة إلى أن هلاك القلب وقساوته في هلاك النفس وقساوتها. # ثم أقول في قوله تعالى: { إن الساعة آتية أكاد أخفيها ~~} [طه: 15] يعني: أكاد أخفي الساعة وإتيانها، وأخفي أحوال الجنة ونعيمها، ~~وأهوال النار وعذاب جحيمها لئلا تكون عبادتي مشوبة بطمع الجنة وخوف ~~النار، بل تكون خالصة لوجهي كما قال تعالى: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين # [البينة: 5] وفي ذلك تهديد عظيم للعباد، وإظهار عزة وعظمة لنفسه إلا أنه ~~سبقت رحمتي غضبي بما أخفيت الساعة وإتيانها، والله أعلم. ### || [20.17-35] # ثم أخبر عن أصناف ألطافه مع خواصه بقوله تعالى: { وما تلك ~~بيمينك يموسى } [طه: 17] إلى قوله: { كنت بنا بصيرا } ~~[طه: 35] يشير إلى أنه تعالى كان عالما بأن في يمينه العصا إذ قال: { ~~وما تلك بيمينك } [طه: 17] وتلك تقال للمؤنث والعصا مؤنث، ~~وإنما امتحن موسى بهذا السؤال تنبيها له؛ ليعلم أن للعصا عند الله اسما ~~آخر وحقيقة أخرى غير ما علم منها، فيحيل علمها إلى الله تعالى ويقول: أنت ~~أعلم بها يا رب، فلما أنكل على علم نفسه وقال: هي عصاك، قيل له: أخطأت، ~~هذا الجواب خطأين: # أحدهما: في قولك إذ سميتها العصا. # والثاني: في إضافتها إلى نفسك لقولك: { عصاي } [طه: 18] وهي ثعبان لا ~~عصاك. # فلما قال: { أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي } ~~[طه: 18] قال تعالى اتكأت على غيري، فقال الله القهار: { يموسى } ~~[طه: 19] ليعلم أنها ليست تصلح للاتكاء ولا يصلح لك الاتكاء على غير الله ~~إلا على لطفه وكرمه؛ لأنه يكون ثعبان وتحسب أنه متوكأ لك وواسطة رزق ~~أغنامك إذ قلت: { وأهش بها على غنمي } [طه: 18] وسعيت ونسيت ~~أن الرزاق هو الله تعالى، وأحلت مآربك إليها إذ قلت: { ولي فيها ~~مآرب أخرى } [طه: 18] ولم تحل مآربك إلى الله هو قاضي الحاجات ~~مجيب الدعوات { فألقاها فإذا هي حية تسعى } [طه: 20] ~~لا عصى من خشب يابس فهرب منها موسى خائفا مستحييا خجلا مما ms1068 جرى عليه ~~قولا وفعلا، فرجع إلى الله بقلبه مستغفرا له. # ثم أدركته العناية الأزلية وقال: { خذها ولا تخف سنعيدها ~~سيرتها الأولى } [طه: 21] يعني: كنت تحسب أن لك فيها المآرب ~~والمنافع في البداية، ثم رأيتها وأنت خائف من مغايرها فخذها ولا تخف؛ ~~لتعلم أن الله هو الضار والنافع، فيكون خوفك ورجاؤك منه وإليه لا من غيره ~~{ واضمم يدك إلى جناحك } [طه: 22] أي: انزع يدك؛ أي: يد ~~همتك من غير الله وعنهم { تخرج } [طه: 22] من ظلمة الدارين نقية { ~~بيضآء } [طه: 22] اللون نورانية { من غير سوء } [طه: 22] ~~مضرة خسارتك تعود إليك من ترك الدارين مع التصرف فيهما بالله في الله ~~ولله وهو { آية أخرى } [طه: 22]. # { لنريك من آياتنا الكبرى } [طه: 23] وفيه إشارة إلى: ~~إبعاده بالرؤية؛ لأنها من آياته الكبرى؛ يعني: إنك إذا ضممت يد همتك إلى ~~جناحك بقطع تعلق الدارين ولا تلتفت إلى غير الله فتستحق رؤيته، فإنك ما ~~دمت تنظر إلى غيره لا تكون مستحقا للنظر إليه ألا ترى أنك لما امتحناك ~~بالنظر إلى الجبل حرمت عن النظر إلينا؟ وأما محمد فلما امتحن بكشف ~~حقائق الدارين # إذ يغشى السدرة ما يغشى # [النجم: 16] ما التفت إلى ما سوى الله # ما زاغ البصر وما طغى # [النجم: 17] لا جرم # لقد رأى من آيات ربه الكبرى # [النجم: 18]. # وبقوله: # اذهب إلى فرعون إنه طغى # [النازعات: 17] يشير إلى معنيين: # * أحدهما: إن السالك الصادق إذا بلغ مرتبة كمال يقضيه الله لدلالة عباده ~~لهدايتهم وتربيتهم ودعوتهم إلى الله. # * والثاني: إن كمال الكمال للبالغين في أن يرجعوا إلى الخلق لمخالطتهم ~~والصبر على أذاهم ليخبروا بذلك حلمهم وعفوهم، وفي قوله: { قال رب ~~اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من ~~لساني * يفقهوا قولي } [طه: 25-28] إشارة إلى أن الواصل ~~الكامل لا يغتر بكماله ولا يعتمد على أحواله، بل يكون مراجعا إلى الله ~~في جميع حالاته، مراقبا مستعينا به ساعيا في طلب الزيادة. # وفي قوله: { واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * ~~اشدد به أزري * وأشركه في أمري } [طه: 29-32] إشارة ~~إلى ms1069 أن صحبة الأخيار ومؤازرتهم مرغوب الأنبياء فضلا عن غيرهم، ولا ينبغي ~~أن يكون المرء مستبدا برأيه مغرورا بقوته وشوكته، وينبغي أن يحب لأخيه ~~ما يحب لنفسه، ويجوز لنفسه الشريك في أمور المناصب، وبقوله: { كي ~~نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا } [طه: 33-34] يشير إلى أن ~~للجليس الصالح والصديق الصديق أثرا عظيما في المعاونة على كثرة ~~الطاعات، والموافقة اقتحام عقبات السلوك وقطع مفاوزه { إنك كنت ~~بنا بصيرا } [طه: 35] في الأزل، وإنك شرفتنا باستعداد الرسالة. ### || [20.36-44] # ثم أخبر عن إيتاء سؤاله وإعطاء مأموله بقوله تعالى: { قال قد ~~أوتيت سؤلك } [طه: 36] إلى قوله: { أو يخشى } [طه: 44] { ~~قال قد أوتيت سؤلك يموسى } [طه: 36] يشير إلى أن سؤالك ~~أعطيت قبل سؤالك بالتقدير الأزلي وسابقة العناية لا بالتدبير العملي ~~ولاحقة الكفاية { ولقد مننا عليك مرة أخرى } [طه: ~~37] في الأزل { إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى } [طه: 38] ~~أي: إذ جعلناها قابلة مستعدة للوحي بتبعيتك إذ كان التقدير على أنها تكن ~~صدق در وجودك ووصالك. # { أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم } [طه: ~~36] به يشير إلى أن من خصوصية انشراح الصدر بنور الوحي: أن يقذف في قلبه ~~قذف الولد في تابوت التوكل، وقذفه في بحر التسليم ويفوض أمره إلى الله { ~~فليلقه اليم بالساحل } [طه: 39] ساحل إرادة الله ومشيئته ~~على وفق قضائه وقدره { يأخذه عدو لي وعدو له } [طه: ~~39] أي: دعه حتى يأخذه العدو فإني قادر على تربية الولي في بحر القدر، ~~وتقيه من شره بإلقاء محبة منه عليه كما قال: { وألقيت عليك ~~محبة مني } [طه: 39] أي: محبته ومحبتي ليحبك لمحبتي من أحبني ~~بالتحقيق، ويحبك عدوي وعدوك بالتقليد، كما أن آسية أحبته بحب الله على ~~التحقيق وفرعون أحبه لما ألقى الله عليه محبته بالتقليد، ولما كانت ~~محبة فرعون فسدت وبطلت بادئ حركة رآها من موسى عليه السلام، ولما كانت ~~محبة آسية بالتحقيق بقيت عليها، ولم تتغير، وهكذا يكون إرادة أهل التقليد ~~تفسد بأدنى حركة، ولا تكون على وفق طبع المريد المقلد، ولا تفسد إرادة ~~المريد المحقق بأكبر حركة يخالف طبعه وهواه ms1070 وهو مستسلم في جميع الأحوال. # وبقوله: { ولتصنع على عيني } [طه: 39] يشير إلى أن من ~~أدركته العناية الأزلية يكون في جميع حالاته منظور بنظر العناية لا يجري ~~عليه أمر من أمور الدنيا والآخرة ألا يكون فيه صلاح وتربية إلى أن يبلغ ~~درجة ومقاما قد قدر له قوله: { إذ تمشي أختك فتقول هل ~~أدلكم على من يكفله } [طه: 40] ورده إلى أمه من تأثير ~~العناية { فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها } [طه: ~~40] بتوكلها على الله في شأن الولد وتسليمه إلى الله { ولا تحزن } ~~[طه: 40] على ترك رعاية مصلحته إذا ألقته في اليم وهو معرض للهلاك ~~والتلف، وبالتوكل { وقتلت نفسا } [طه: 40] وإذ قتلت القبطي بغير ~~أمرنا، وكنت في غم وجوب القصاص عليك وغم مؤاخذتنا إياك بما فعلت. # { فنجيناك من الغم } [طه: 40] بأن خلصناك من القصاص وعفونا ~~عنك { وفتناك فتونا } [طه: 40]: # * منها: فتنة صحبتك مع فرعون وتربيتك مع قومه فحفظناك عن التدين بدينهم. # * ومنها: فتنة قتل نفس بغير الحق وتدارك من فرعون بسبب قتل القبطي فنجوت ~~منها. # * ومنها: ابتليناك بابنتي شعيب واحتياجهما إليك في سقي غنمهما، فلولا ~~حفظنا لملت إليهما ميل البشر بالنساء. # * ومنها: ابتليناك بخدمة شعيب وصحبته واستئجاره فوفقناك بالخروج عن عهدة ~~حقوقه { فلبثت سنين في أهل مدين } [طه: 40] لتستحق ~~بتربية شعيب النبوة والرسالة { ثم جئت على قدر يموسى } ~~[طه: 40] أي: على قدر قدرنا لك لاستحقاق النبوة والرسالة بحسن التربية ~~حتى بلغت مرتبة قولنا: { واصطنعتك لنفسي } [طه: 41] أي: جعلتك ~~مرآة قابلا لظهور صفات جمالي وجلالي { اذهب أنت وأخوك ~~بآياتي } [طه: 42] بتقوية ظهور تجلي صفاتي. { ولا تنيا } [طه: ~~42] أي: ولا تهنا في مداومة { في ذكري } [طه: 42] وملازمته قائما ~~بسلطان الذكر تغلبان على فرعون الظاهر والباطن. # { اذهبآ إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولا ~~لينا } [طه: 43-44] أي: ارفقا به ولا تعنفا ويسرا ولا تعسرا، فإنه ~~ما دخل الرفق في شيء إلا وقد زانه (لا يتذكر ولا يخشى)، فأقول: إن فائدة ~~هذا الكلام والقول اللين عائدة إلى موسى عليه السلام لوجهين: # * أحدهما: أنه كان في موسى ms1071 حدة وصلابة وخشونة بحيث إذا غضب اشتعلت ~~قلنسوته نارا فعالج حدته وخشونته؛ ليكون حليما. # * والوجه الثاني: أن فرعون كان تجبر وتكبر وتبور وهو ذو شوكة وسلطة ~~عظيمة، فلو كان في قول موسى خشونة لم يحتمل طبع فرعون وهاج غضبه فعله ~~يقصد موسى بضرب أو قتل { فقولا له قولا لينا لعله ~~يتذكر أو يخشى } [طه: 44]، ولم يصيبكما أذى، والله أعلم. ### || [20.45-52] # والدليل على هذا التأويل قوله تعالى: { قالا ربنآ إننا ~~نخاف أن يفرط علينآ } [طه: 45] إلى قوله: { ولا ينسى } ~~[طه: 52] قوله: { قالا ربنآ إننا نخاف } [طه: 45] يشير: أن ~~الخوف مركوز في جبلة الإنسان حتى لو بلغ مرتبة النبوة والرسالة، فإنه لا ~~يخرج من جبلته كما قال: { إننا نخاف أن يفرط علينآ } ~~[طه: 45] يعني: بأن يقتلنا، ولكن الخوف ليس بجهة القتل، وإنما نخاف فوات ~~عبوديتك بالقيام لأداء الرسالة والتبليغ، كما أمرتنا إذ بتمرده وبجهله ~~ولا ينقاد لأوامرك أو يسبك، ويقول: # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24]. # وبقوله تعالى: { قال لا تخافآ } [طه: 46] يشير إلى أن الخوف إنما ~~يزيل عن جبلة الإنسانية بخطابي إليه بأمر التكوين كما قال: # ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء: 69] فكانت بتكوين الله إياها بردا وسلاما { إنني ~~معكمآ } [طه: 46] بالنظرة والحفظ في الأزل؛ إذ كنت أقدر نصركما، ~~وهلاكه على أيديكما { أسمع } [طه: 46] هذه مقالتكما قبل وجودكما { ~~وأرى } [طه: 46] أحوالكما وأحواله قبل أن أخلقكما بهذه الصفات. # { فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا ~~بني إسرائيل ولا تعذبهم } [طه: 47] أعلم أن فائدة ~~إتيانهما رسالتهما إلى فرعون وتبليغه كانت عائدة إلى موسى وهارون نفسهما ~~لا إلى فرعون في علم الله عز وجل، فالحكمة في إرسالهما: أن يكونا رسولين ~~من ربهما مبلغين منذرين؛ ليتحقق رسالتهما، وينكر فرعون ويكفر بهما؛ ~~ليتحقق كفره، # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة # [الأنفال: 42] { قد جئناك بآية من ربك } [طه: 47] وهي ~~اليد البيضاء بها يشير إلى يد صافية فارغة من الدنيا والآخرة { ~~والسلام على من اتبع الهدى } [طه: 47] أي: سلم من ~~استسلم، واتبع هدى الله وهي ms1072 ما جاء به الأنبياء عليهم السلام. # { إنا قد أوحي إلينآ أن العذاب } [طه: 48] ضد ~~السلامة { على من كذب } [طه: 48] أي: كذب وكفر بما جاء به ~~الأنبياء { وتولى } [طه: 48] أي: أعرض عن الله بمتابعة الهوى { ~~قال } [طه: 49] فرعون { فمن ربكما يموسى } [طه: 49] واختص ~~موسى بالذكر دون هارون مع أن الخطاب كان معهما؛ لأن صاحب الآيات كان موسى ~~وكانت الرسالة له بالأصالة ولهارون بالوزارة بالتبعية. # { قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه } [طه: 50] ~~أعطى كل شيء استعداد لما خلق له { ثم هدى } [طه: 50] أي: يسره لما ~~خلق له والذي يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: # " اعملوا كل ميسر لما خلق له " # معناه: أن الله تعالى خلق المؤمن مستعدا لقبول فيض الإيمان، ثم هداه ~~إلى قبول دعوة الأنبياء ومتابعتهم، وخلق الكافر لقبول فيض القهر والخذلان ~~والتمرد على الأنبياء مخالفتهم. # { قال } [طه: 51] يعني: فرعون { فما بال القرون الأولى } ~~[طه: 51] يعني: المتقدمين الذين لم يقبلوا دعوة الأنبياء فألفوهم { قال ~~} [طه: 52] أي: موسى. { علمها عند ربي في كتاب } [طه: 52] ~~يعني: علم كل واحد من القرون أنه تعالى لماذا خلقه مستعدا لقبول ~~الإيمان، ولقبول الكفر ثابت في أم الكتاب عنده { لا يضل ربي } ~~[طه: 52] عن الكتاب وعلمه { ولا ينسى } [طه: 52]. ### || [20.53-64] # ثم أعرض عن أحوال أفعاله بقوله تعالى: { الذي جعل لكم الأرض ~~مهدا } [طه: 53] إلى قوله: { من استعلى } [طه: 64] فبقوله: { ~~الذي جعل لكم الأرض مهدا } [طه: 53] يشير إلى أن الحكمة ~~في خلق الأرض هي أن تكون الأرض مهدا لكم { وسلك لكم فيها ~~سبلا } [طه: 53] أي: لأجلكم لا لغيركم { وأنزل من السمآء ~~مآء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى * كلوا ~~وارعوا أنعامكم } [طه: 53-54] به يشير إلى أن السماء والماء ~~والنبات والأنعام كلها مخلوقة لكم ولسد احتياجكم للتعيش بهذه الأشياء، بل ~~بجميع المخلوقات ما خلقتها. # { إن في ذلك لآيات لأولي النهى } [طه: 54] أي: إن في ~~ذلك التقدير رسالات ودلالات لذوي البصائر أنها خلقت لأجلهم؛ لأنهم كانوا ~~أهل المعرفة، وخلقت المخلوقات فجاء صلى الله عليه وسلم لخلق المعارف ms1073 كما ~~قال في الحديث الرباني: " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق ~~لأعرف " ، وفيه معنى آخر وهو: إن في ذلك الذي مر ذكره ومن السماوات ~~والأرض وما بينهما لآيات بأنه مظهر صفات لطف الحق ومظهر صفات قهره، فإنهم ~~يشاهدون فيه جمال لطفه وجلال قهره ستر الله سترا بستر وإضمارا بإضمار. # قوله: { منها خلقناكم } [طه: 55] أي: من ذرة التراب التي أمر ~~الله تعالى عزرائيل أن يأخذ من جميع الأرض { وفيها نعيدكم } [طه: ~~55] أي: إلى الموضع الذي أخذ منه { ومنها نخرجكم تارة ~~أخرى } [طه: 55] بعد أن يجعل لكم جسدا مستعدا للبقاء الأبدي، ثم ~~قال: { ولقد أريناه } [طه: 56] يعني: فرعون { آياتنا ~~كلها } [طه: 56] أي: كل آية نهدي بها أهل البصيرة { فكذب } [طه: ~~56] بها إذ لم يكن أهل البصيرة { وأبى } [طه: 56] ألا يؤمن بها. # { قال } [طه: 57] أي: فرعون. { أجئتنا لتخرجنا من ~~أرضنا بسحرك يموسى } [طه: 57] وإنما قال هذا؛ لأنه كان من ~~أهل البصر لا أهل البصيرة، فكان مطرح نظر بصره الدنيا وما فيها، فرأى ~~مجيء موسى لإخراجه من مملكة الدنيا ولو كان ذا بصيرة لرأى مجيئه لإخراجه ~~من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظلمات البشرية إلى نور الروحانية، ~~ومن نور ظلمات الإنسانية إلى نور الربانية، فلما رأى ببصر الحس المعجزة ~~سحرا قال: { فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا ~~وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى ~~} [طه: 58] وإنما طلب الوعد؛ لأن صاحب السحر محتاج في تدبير السحر إلى ~~طول الزمان وصاحب المعجزة لا يحتاج في إظهار المعجزة إلى الوعد { قال ~~موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى } [طه: ~~59] يعني: يوم عيدهم الذي يجتمع فيه الناس من كل مكان؛ ليكون بمشهد خلق ~~عظيم لعلهم يستجيبون عنهم، فلا ينكرون المعجزة بعد إبطال السحر. # { فتولى فرعون فجمع كيده } [طه: 60] من السحرة سحرهم ~~{ ثم أتى * قال لهم موسى } [طه: 60-61] يعني: السحرة { ~~ويلكم لا تفتروا على الله كذبا } [طه: 61] أي: بإتيان ~~السحر في معرض المعجزة إدعاء بأن الله قد أعطاه مثل ما أعطى الأنبياء من ~~المعجزة ms1074 { فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى } [طه: ~~61] فيهلككم بوضع السحر موضع المعجزة، فإنه ظلم عظيم لقوله تعالى: # ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب # [الصف: 7] { فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا ~~النجوى } [طه: 62] إلى قوله: { بسحرهما } [طه: 63] أي: يفتنون ~~بأن فرعون وسحرته يقولون: { إن هذان لساحران يريدان أن ~~يخرجاكم من أرضكم } [طه: 63] من مناصب شيخوختكم ومراتب ~~قبولكم عند العوام { بسحرهما ويذهبا بطريقتكم ~~المثلى } [طه: 63] أي: بصرف وجود الناس عنكم، ويذهبا بأشراف قومكم ~~من الملوك والأمراء والمعارف وأهل الدثور والأموال { فأجمعوا ~~كيدكم } [طه: 64] مكركم وحيلكم في دفع هذه المزاعم { ثم ائتوا ~~صفا وقد أفلح اليوم من استعلى } [طه: 64] أي: فإن ~~من غلب ونال علو المرتبة بين الناس. ### || [20.65-76] # ثم أخبر عن إعزاز أهل الإعجاز وإذلال أهل الضلالة بقوله تعالى: { ~~قالوا يموسى } [طه: 65] إلى قوله: { وذلك جزآء من ~~تزكى } [طه: 76] يشير إلى أن السحرة لما أمروا موسى بالتقديم ~~والتأخير في الإلقاء إذ { قالوا يموسى إمآ أن تلقي ~~وإمآ أن نكون أول من ألقى } [طه: 65] أعزهم الله ~~بالإيمان الحقيقي حتى رأوا بنور الإيمان معجزة موسى فآمنوا به تحقيقا لا ~~تقليدا، وهذا حقيقة قوله تعالى: # " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ". # فلما تقربوا إلى الله بإعزاز من أعزه الله أعزهم الله بالإيمان تقربا ~~إليهم ذراعا، فكذلك أعزهم موسى بالتقديم في الإلقاء وقال: { بل ~~ألقوا } [طه: 66] وتقرب به إلى الله { فإذا حبالهم ~~وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } ~~[طه: 66] أي: ما كان لها تسعى على الحقيقة بل بالتخيل، وكانت تسعى عصى ~~موسى بالحقيقة كقوله تعالى: # فإذا هي حية تسعى # [طه: 20]. # وبقوله: { فأوجس في نفسه خيفة } [طه: 67] يشير إلى أن خوف ~~البشرية مركوز في جبلة الإنسان ولو كان نبيا إلى أن ينزع الله الخوف ~~منه انتزاعا ربانيا بقول صمداني كما قال تعالى: { قلنا لا تخف ~~إنك أنت الأعلى } [طه: 68] أي: أعلى درجة من أن تخاف من ~~المخلوقات دون الخالق، وفيه معنى آخر: أن خوف موسى عليه السلام ما كان من ~~المكونات، بل كان من المكون إذ ms1075 رأى عصاه ثعبانا تلقف سحر السحرة قد علم ~~أنها صارت مظهر صفة قهاريته فخاف من الحق تعالى وقهره، لا من العصا ~~وثعبانها، فلهذا قال تعالى: { لا تخف إنك أنت الأعلى } ~~[طه: 68] أي: لأنك أعلى درجة عندنا منها؛ لأنها عصاك مصنوعة لنفسك وأنت ~~رسولي وكليمي # واصطنعتك لنفسي # [طه: 41] وإن كانت في مظهر صفة قهري فأنت مظهر صفات لطفي وقهري كلها. # { وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما ~~صنعوا كيد ساحر } [طه: 69] به يشير إلى أن ما في يمينك هو ~~مصنوعي وكيدي وما صنع السحرة إنما هو مصنوعهم وكيدهم. { ولا يفلح ~~الساحر } [طه: 69] ومصنوعهم وكيدهم { حيث أتى } [طه: 69] ~~مصنوعي وكيدي # إن كيدي متين # [القلم: 45] فلما أظهر الله عز وجل كيده في صورة الثعبان وابتلع ~~مصنوعهم وأظهر برهانه { فألقي السحرة سجدا قالوا ~~آمنا برب هارون وموسى } [طه: 70] فكان الإيمان على البصيرة ~~ببرهان الربوبية؛ آمنوا بالبرهان بالتقليد، وإن فرعون ما رأى برهان ~~الربوبية فلم يؤمن بالتقليد فقد تحققوا أن المعجزة لم تكن سحرا ولا ~~الرسول ساحرا { قال } [طه: 71] للسحرة { آمنتم له قبل أن ~~ءاذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ~~فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينآ ~~أشد عذابا وأبقى } [طه: 71] وإنما قال: { أشد عذابا } ~~[طه: 71] لأنه كان بصيرا بعذاب الدنيا وشدته، وكان أعمى بعذاب الآخرة ~~وشدته. # { قالوا } [طه: 72] يعني: السحرة { لن نؤثرك على ما ~~جآءنا من البينات } [طه: 72] أي: لن نختارك على ما جاءنا من ~~نور الإيمان ورؤية البرهان والاطلاع على الجنان وجوار الرحمن { والذي ~~فطرنا } [طه: 72] وهم قسم؛ أي: بالذي فطرنا على فطرة الاسلام والتعرض ~~للفاطرية لإيجابها عدم إيثارهم فرعون عليه تعالى { فاقض مآ أنت ~~قاض } [طه: 72] أي: فاحكم وأجر علينا ما قضى الله لنا في الأزل من ~~الشبهات { مآ أنت قاض } أي: ما أنت الذي قضى لنا هذه الدرجة { ~~تقضي هذه الحياة الدنيآ } [طه: 72] علينا كما قضى الله ~~وقدره. # { إنآ آمنا بربنا } [طه: 73] الذي قضى وحكم لنا { ليغفر ~~لنا خطايانا } [طه: 73] التي كنا نرى منكم الخير ms1076 والشر { ومآ ~~أكرهتنا عليه من السحر } [طه: 73] رغبة في خيرك ورهبة من ~~شرك { والله خير } [طه: 73] في إبطال الخير والشر ونفع البشر منك ~~{ وأبقى } [طه: 73] خيره من خيرك وعذابه من عذابك { إنه من ~~يأت ربه مجرما } [طه: 74] بائعا دينه بدنياه مشتريا صحبتك ~~بمولاه { فإن له جهنم } [طه: 74] البعد والقطيعة { لا ~~يموت فيها } [طه: 74] موتا يستريح { ولا يحيى } [طه: 74] ~~حياة ينتفع بها { ومن يأته مؤمنا } [طه: 75] بما وعد وأوعد على ~~لسان أنبيائه { قد عمل الصالحات } [طه: 75] التي جاءوا بها { ~~فأولئك لهم الدرجات العلى } [طه: 75] والمنازل ~~القربى { جنات عدن } [طه: 76] في حظائر القدس. # { تجري من تحتها الأنهار } [طه: 76] أي: من تحت أشجار الأنس ~~أنها الحكم والمعارف { خالدين فيها } [طه: 76] بالسير إلى الله ~~وبالله وفي الله، وتلك المقامات والدرجات { جزآء من تزكى } [طه: ~~76] عن أخلاقه الذميمة النفسانية وأوصافه السبعية الشيطانية، وتحلى ~~بالأخلاق الروحانية الربانية، واعلم أن التحلية بهذه الأخلاق إنما يكون ~~بعد تزكية النفس عن هذه الأوصاف. ### || [20.77-82] # ثم أخبر عن خلاص أهل الإخلاص بقوله تعالى: { ولقد أوحينآ ~~إلى موسى أن أسر بعبادي } [طه: 77] يشير إلى أن موسى ~~القلب والأخلاق الحميدة إذ أيدناه بالتأييد الإلهي بالأدب الرباني أن أسر ~~بعبادي السر وهو روح القلب والأخلاق الحميدة وهي صفات القلب؛ أي: سرت بهم ~~من بر البشرية إلى بحر الروحانية { فاضرب لهم } [طه: 77] بعصا ~~الذكر لا إله إلا الله { طريقا في البحر } [طه: 77] بحر ~~الروحانية { يبسا } [طه: 77] من ماء الهوى وطين صفات الحيوانية { لا ~~تخاف دركا ولا تخشى } [طه: 77]. # وبقوله تعالى: { فأتبعهم فرعون بجنوده } [طه: 78] يشير ~~إلى أن موسى القلب كلما توجه إلى بحر الروحانية يتبعه فرعون النفس مع ~~جنود صفاته الذميمة النفسانية، كما أن النفس كلما توجهت بالخذلان إلى ~~مراتع الحيوانية السفلية يتبعها القلب مع جنوده، وهي الصفات الحميدة ~~الروحانية، فلما دخل موسى القلب وجنوده في بحر الروحانية، وبلغوا ساحل ~~البحر وهو سرادقات العزة وحظائر القدس، ودخل فرعون النفس وجنوده في بحر ~~الروحانية { فغشيهم من اليم ما غشيهم } [طه: 78] من ~~سطوات الروحانية وتموج بحرها ms1077 بهبوب رياح العناية. { وأضل فرعون ~~} [طه: 79] النفس { قومه } [طه: 79] أي: صفاته في بحر الروحانية { ~~وما هدى } [طه: 79] وما وفق غريق للخروج عن هذا البحر، وهذا تحقيق ~~قوله تعالى: # يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي # [الفجر: 27-30] وهي مراتب الروحانية، والإشارة بأن النفس هي مركب سلطان، ~~فإذا بلغ السلطان بجذبات العناية إلى سرادقات العزة وأنزل حضرة الدين # في مقعد صدق عند مليك مقتدر # [القمر: 55] يربط مركب وهو النفس في مراتب الجنان، فإن فيها ما تشتهيه ~~الأنفس فلا عبور لها عنها والمسخرة للوصول والوصال إنما هو سلطان القلب ~~لا مركب النفس، فافهم جيدا. # ثم أخبر عن صفات أهل النجاة بقوله تعالى: { يبني إسرائيل قد ~~أنجيناكم من عدوكم } [طه: 80] يشبه إلى بني إسرائيل صفات ~~القلب والروح { قد أنجيناكم من عدوكم } [طه: 80] وهو ~~فرعون النفس { وواعدناكم جانب الطور الأيمن } [طه: 80] ~~وواعدناكم جوار طور قرب الحضرة { ونزلنا عليكم المن } ~~[طه: 80] من صفاتنا، { والسلوى } [طه: 80] أخلاقنا. # { كلوا من طيبات ما رزقناكم } [طه: 81] أي: اتصفوا ~~بطيبات صفاتنا، وتخلقوا بكرائم أخلاقنا التي شرفناكم بها؛ أي: لو لم تكن ~~العناية الربانية لما نجا الروح والقلب وصفاتهما من شر فرعون النفس ~~وصفاتها، ولولا تأييد الإلهية لما اتصفوا بصفات الله تعالى ولا تخلقوا ~~بأخلاقه. # ثم قال الله تعالى: { ولا تطغوا فيه } [طه: 81] أي: إذا ~~استغنيتم بصفاتي وأخلاقي عن صفاتكم وأخلاقكم فلا تطغوا بأن تدعوا ~~العبودية، وتدعوا الربانية، وتسموا باسمي إن اتصفتم بصفتي كما قال ~~بعضهم: أنا الحق، وقال بعضهم: سبحاني ما أعظم شأني، وما أشبه هذه الأحوال ~~مما يتولد من طبيعة الإنسانية # إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]، وإن طغيان هذه الطائفة بمشاهدة المقامات، وإن كانت من ~~أحوالهما إلا أن الحالات لا تصلح للمقامات وهي موجبة للغضب كما قال ~~تعالى: { فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي ~~فقد هوى } [طه: 81] أي: بجعل كل معاملاته في العبودية هباء ~~منثورا، ولهذا الوعيد أمر الله تعالى عباده في الاستهداء بقوله تعالى: # اهدنا الصراط المستقيم * صراط ms1078 الذين أنعمت ~~عليهم # [الفاتحة: 6-7] أي: اهدنا هداية من أنعمت عليه بتعريفه الطاعة ~~والعبودية، ثم ابتليه بطغيان يحل عليه غضبك، ثم وعد بعد الطغيان بالمغفرة ~~بقوله تعالى: { وإني لغفار لمن تاب وآمن } [طه: 82] ~~ورجع من الطغيان بعبادة الرحمن { وعمل صالحا } [طه: 82] ~~بالعبودية لربوبيته { ثم اهتدى } [طه: 82] أي: تحقق له أن تلك ~~الحضرة منزهة من وسن الحس والخيال، وأن الربوبية قائمة والعبودية دائمة. ### || [20.83-91] # ثم أخبر عن عجلة موسى في طلب الرضا بقوله تعالى: { ومآ أعجلك عن ~~قومك يموسى } [طه: 83] إلى قوله: { حتى يرجع إلينا ~~موسى } [طه: 91] { ومآ أعجلك } إشارة إلى معان مختلفة: # * منها: ليعلم أن السائر لا ينبغي أن يتوانى في السير إلى الله، ويرى أن ~~أرض الله في استعجاله في السير. # * ومنها: أن السائر لا يتعرف بعوائق في السير، وإن كان في الله ولله كما ~~كان حال موسى عليه السلام في السير إلى الله، فما تعوق بقومه واستعجل مع ~~أنه كان مأمورا برعاية حقوق القوم ومصالحهم، فلما طلب الله قطع ~~العلائق وحذف العوائق. # * ومنها: أن قصد السائر إلى الله تعالى ونيته ينبغي أن يكون خالصا لله ~~وطلبه لا لغيره كما قال: { وعجلت إليك رب لترضى } [طه: ~~84] كان قصد السائر إلى الله تعالى. # * ومنها: أن يكون مطلوب السائر من الله رضاه لا رضاء نفسه كما قال: { ~~لترضى } وفي قوله تعالى: { قال فإنا قد فتنا قومك ~~من بعدك وأضلهم السامري } [طه: 85] إشارة دقيقة منها: ~~أنه تعالى جعل فتنة قوم موسى وما لقى موسى [مضاف لنفسه]، وذلك أنه تعالى ~~أضاف فتنة القوم إلى نفسه، وأضاف إضلالهم إلى السامري فافتتن موسى عليه ~~السلام برؤية الفعل عن الفاعل، فإنه قد رأى الفتنة من الله وقال: ألا هي ~~إلا نفسك، ورأى الإضلال من السامري # قال فما خطبك يسامري # [طه: 95] ومن أنت بهذا السبب # وأخذ برأس أخيه يجره إليه # [الأعراف: 150] بلا جرم منه، وهذه الفتنة من جملة ما قال تعالى: # وفتناك فتونا # [طه: 40]. # * ومنها: ليعلم أن طريق الأنبياء ومتبعيهم محفوف بالفتنة والبلاء كما ~~قال صلى الله ms1079 عليه وسلم: # " إن البلاء موكل بالأنبياء " # الأمثل فالأمثل، وقد قيل: إن البلاء للولاء كاللهب للذهب. # * ومنها: أن فتنة الأمة والمريد مقرونة بمفارقة الصحبة من النبي والشيخ؛ ~~لقوله تعالى: { فإنا قد فتنا قومك من بعدك } [طه: 85] ~~أي: من بعد مفارقتك إياهم، وأن المسافر إذا انقطع عن صحبة الرفقة والحقير ~~والذليل افتتن بفتنة قطاع الطريق والفيلات هذا في قوله: { فرجع ~~موسى إلى قومه غضبن أسفا } [طه: 86] إلى قوله: افتتان ~~موسى وقومه، أما افتتان موسى: فبأنه برجع من تلك الحضرة مع ما نال من ~~القربة، وكرامة المكالمة، والاصطفاء على الناس، وإيتاء التوراة رجع غضبان ~~آسفا، وكان حقه أن يرجع راضيا مرضيا مسرورا شاكرا لأنعمه، والدليل ~~على ذلك: # فخذ مآ آتيتك وكن من الشاكرين # [الأعراف: 144] وأما افتتان قومه: فبأن أمرهم الله بقتل أنفسهم بقوله ~~تعالى: # فاقتلوا أنفسكم # [البقرة: 54]. # وفي قوله تعالى: { يقوم ألم يعدكم ربكم وعدا ~~حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل ~~عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي } [طه: 86] ~~إشارة إلى أن الله تعالى إذا وعد قوما فلا بد له من الوفاء بالوعد، ~~فيحتمل أن يكون ذلك الوفاء فتنة للقوم وبلاء لهم كما قال لقوله موسى عليه ~~السلام: إذ وعدهم الله تعالى بإتيان التوراة ومكالمة موسى وقومه السبعين ~~المختارين فلما وفى به تولد به لهم الفتنة والبلاء من صفاته وهي ~~الضلالة وعبادة العجل، ولكن الوعد لما كان موصوفا بالحسن وكان البلاء ~~الحاصل من الحسن بلاءا حسنا، وكان عاقبة أمرهم التوبة والنجاة ورفعة ~~الدرجات. # وفي قوله تعالى: { قالوا مآ أخلفنا موعدك } [طه: 87] أي ~~عهدنا: { بملكنا } أي بقوتنا وقدرتنا وإرادتنا، وإنما كانت القدرة ~~والإرادة في ذلك لله تعالى، وإرادتنا كانت فرغ إرادته كما قال تعالى: # وما تشآءون إلا أن يشآء الله # [الإنسان: 30] جواب عن قوله: { أم أردتم أن يحل عليكم ~~غضب من ربكم فأخلفتم موعدي } [طه: 86] وهو أنه ما ~~أردنا ذلك ولكنه أراد ألا يحل علينا غضب منه، فحملنا على خلاف الوعد هو ~~موجب لحلول الغضب يدل عليه قوله تعالى: { ولكنا حملنآ } [طه: ~~87] بضم ms1080 الحاء { أوزارا من زينة القوم } [طه: 87] أي: حملنا ~~على ما فعلناه بالإرادة القديمة والقضاء لا بحقيقة إرادتنا { ~~فقذفناها فكذلك ألقى السامري } [طه: 87] بلا اختيار ~~حقيقي منه بل عمل على ذلك. # { فأخرج } [طه: 88] التقدير بقدرة المقدر لهم. { لهم عجلا ~~جسدا له خوار } [طه: 88] بإذن الله تعالى وقدرته. { فقالوا ~~هذآ إلهكم وإله موسى فنسي } [طه: 88] قوله ~~تعالى: إذا أراد أن يقضي قضاءه أذهب لذوي العقول عقولهم، وأعمى أبصارهم ~~بعد أن رأوا الجذبات وشاهدوا المعجزات كأنهم لم يروا شيئا منها فلهذا ~~قال: { أفلا يرون } [طه: 89] يعني: العجل وعجزه { ألا يرجع ~~إليهم قولا } [طه: 89] شيئا من العقول. # { ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا * ولقد قال لهم ~~هارون من قبل يقوم إنما فتنتم به وإن ربكم ~~الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري } [طه: 89-90] على ~~ترك عبادة العجل والإقبال على الله بالتوبة والعبودية، فلم يسمعوا قولا؛ ~~لأنهم كانوا عن السمع الحقيقي لمعزولون كما صاروا عن البصر الحقيقي ~~معزولين، فلهذا { قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى ~~يرجع إلينا موسى } [طه: 91] فيه إشارة إلى أن المريد إذا ~~استسعد بخدمة شيخ كامل واصل وصحبه بصدق الإرادة ممتثلا لأوامره ونواهيه ~~قابلا لتصرفات الشيخ في إرشاده بصيرا بنور ولايته سميعا بصيرا يسمع ~~ويرى من الأسرار والمعاني بنور ولاية لو يحتجب بحجاب ما يبقى أصم وأعمى ~~كما كان حتى يرجع إلى صحبة الشيخ قبل رضوانه إذ يزول عنه نور الولاية، أو ~~أنه يزول وينور بنور ولايته. ### || [20.92-99] # ثم أخبر عن إمارات الفتنة، وأما تأتها بقوله تعالى: { قال يهرون ~~ما منعك } [طه: 92] إلى قوله: { من لدنا ذكرا } [طه: 99] { ~~قال يهرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * ألا ~~تتبعن أفعصيت أمري } [طه: 92-93] إشارة إلى أن موسى عليه ~~السلام لما كان بالميقات مستغرقا في شواهد الحق ما كان يرى غير الحق ~~تعالى، ويكن محتجبا بحجب الوسائل حتى أن الله تعالى ابتلاه بالوسائط ~~بقوله تعالى: # قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك # [طه: 85] يا موسى. # وأضلهم السامري # [طه: 85] أضاف الفتنة إلى نفسه، وأحال الإضلال إلى السامري اختيارا؛ ms1081 ~~ليعلم منه أنه: هل يرى غير الله في أفعاله الخير والشر؟ فما التفت إلى ~~الوسائط وما رأى العقل في مقام الحقيقة على بساط القربة الآمنة وقال في ~~جوابه: # إن هي إلا فتنتك # [الأعراف: 155] أضاف الفتنة والإضلال إليه تعالى مراعيا حق الحقيقة، ~~ولما رجع إلى قومه نبينا مرسلا رأى الوسائط، وأحال فعل الشر إليهم ~~مراعيا حق الشريعة، فإنه قد بعث إلى الخلق للهداية بأن يخرجهم من ظلمات ~~الطبيعة على قدم الشريعة إلى نور الحقيقة. # { قال يهرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا } [طه: 92] ~~عن صراط عبودية الله تعالى بضلالة عبودية العجل { ألا تتبعن } ~~[طه: 93] فتجزني لأرجع عليهم لئلا يقعوا في هلاك هذه الفتنة { ~~أفعصيت أمري } [طه: 93] كما عصى هؤلاء القوم أمري وأمر الله، ~~فلما رأى هارون أن موسى رجع من تلك الحضرة سكران الشوق ملآن الذوق وفيه ~~نخوة القربة والاصطفاء فما وسعه إلا التواضع والخشوع فقال: { قال ~~يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } [طه: 94] ~~لمعنيين: أحدهما: لتأخذه رأفة صلة الرحم فيسكن غضبه، والثاني: ليذكره ~~بذكر أم الحالة التي وقعت له في الميقات حين سأل ربه الرؤية # فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى ~~صعقا # [الأعراف: 143] وجاءه الملائكة في حال تلك الصعقة يجرونه برأسه: يا ابن ~~النساء الحائض بالتراب ورب الأرباب أتطمع رؤية رب العزة. # وقوله تعالى: { إني خشيت أن تقول فرقت بين بني ~~إسرآءيل } [طه: 94] بخروجك من بينهم. { ولم ترقب قولي } ~~[طه: 94] يعني: منعني ترقب قولك وطاعة أمرك عن أتباعك لا عصيان أمرك، ثم ~~{ قال فما خطبك يسامري } [طه: 95] ما حملك على الذي فعلت { ~~قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من ~~أثر الرسول } [طه: 96] يعني: خصصت بكرامة فيما رأيت أثر فرس ~~جبرائيل، وألهمت بأن أنشأنا ما خص بها أحد منكم فقبضت قبضة { ~~فنبذتها } [طه: 96] يشير بهذا المعنى إلى أن الكرامة لأهل الكرامة ~~كرامة، ولأهل الغرامة استدراج، والفرق بين الفريقين: أن أهل الكرامة ~~يصرفونها في الحق والحقيقة، وأهل الغرامة يصرفونها في الباطن والطبيعة، ~~كما أن الله تعالى أنطق السامري بنيته ms1082 الفاسدة الباطلة بقوله: { ~~وكذلك سولت لي نفسي } [طه: 96] أي: لشقاوتي ومحنتي. # { قال } [طه: 97] موسى عليه السلام مكافئا له: { فاذهب فإن ~~لك في الحياة أن تقول لا مساس } [طه: 97] يشير به إلى أن ~~قصدك ونيتك فيما سولت لك نفسك أن تكون مطاعا متبوعا آلفا مألوفا، ~~فجزاؤك في الدنيا أن تكون طريدا وحيدا مقتا ممقوتا متشردا منتفرا، ~~تقول لمن رآك لا تمسني، ولا أمسك فنهلك { وإن لك } [طه: 97] يا ~~سامري { موعدا } [طه: 97] للهلاك والعذاب لمن تخلف في الدنيا والآخرة ~~{ وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا ~~لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا } [طه: 97] ~~وفيه إشارة إلى عبادة عجل النفس والهوى، فإنهم # وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98] منسوفون في بحر القهر نسفا لا خلاص لهم منه إلى الأبد. # وفي قوله تعالى: { إنمآ إلهكم الله الذي لا إله ~~} [طه: 98] معبودا ولا خالقا { إلا هو } [طه: 98] إشارة إلى من ~~يعبد إلها دونه يحرقه بالنار نار القطيعة، وينسفه في بحر القهر إلى أبد ~~الآباد { وسع كل شيء علما } [طه: 98] فعلم استحقاق كل عبد ~~للطف أو للقهر { كذلك نقص عليك من أنبآء ما قد ~~سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا } [طه: 99] إذ أنزل ~~القرآن على قلبك. ### || [20.100-110] # قوله تعالى: { من أعرض عنه } [طه: 100] يشير إلى أن من أعرض ~~عن الذكر الحقيقي الذي قام به حقيقة الإيمان والإيقان والعرفان { ~~فإنه يحمل يوم القيامة وزرا * خالدين فيه ~~وسآء لهم يوم القيامة حملا } [طه: 100-101] أي: حملا ~~ثقيلا من الكفر والشرك والجهل والعمى وقساوة القلب والرين والختم ~~والأخلاق الذميمة والبعد والحسرة والندامة والحرق، وكذا هنا حقيقة ~~العبودية ودوام الذكر ومراقبة القلب وصدق التوجه لقبول الفيض الإلهي الذي ~~هو حقيقة الذكر الذي أوله: إيمان، وأوسطه: إيقان، وآخره: عرفان؛ فالذكر ~~الإيماني: يورث الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة بترك المعاصي ~~والاشتغال بالطاعات، والذكر الإيقاني: يورث ترك الدنيا وزخارفها بحلالها ~~وحرامها، وطلب الآخرة ودرجاتها بالطاعات منقطعا إليها، والذكر العرفاني: ~~يوجب قطع تعلقات الكونين، والتكبير على سعادة الدارين، وبذل الوجود على ms1083 ~~شواهد المشهود بقوله تعالى: { يوم ينفخ في الصور ونحشر ~~المجرمين يومئذ زرقا * يتخافتون بينهم إن ~~لبثتم إلا عشرا } [طه: 102-103] يشير: أنه إذا نفخ في الصور ~~وحشر على أهل البلاء وأصحاب الجفاء يوم الفزع الأكبر # يوما يجعل الولدان شيبا # [المزمل: 17] # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموت وبرزوا ~~لله الواحد القهار # [إبراهيم: 48]. # وإن ربنا قد غضب ذلك اليوم غضبا لم يغضب قبله ومثله، ولن يغضب بعده ~~ليرون من شدة أهوال ذلك اليوم ما يقلل في أعينهم شدة ما أصابهم من العذاب ~~طول مكثهم في القبور، فهم يحسبون أنهم ما لبثوا في القبور إلا عشرة أيام، ~~وثم قال تعالى: { نحن أعلم بما يقولون } [طه: 104] من عظيم ~~البلاء وما يقولون { إذ يقول أمثلهم طريقة } [طه: 104] ~~أي: أصوبهم رأيا في نيل شدة البلاء { إن لبثتم إلا يوما } ~~[طه: 104] وذلك لأنه وجد بلاء ذلك اليوم عشرة أمثال ما وجدوه، ومن شدة ~~أهوال ذلك اليوم فقال تعالى: { ويسألونك عن الجبال } [طه: ~~105] أي: ويسألونك عن أحوال الجبال في ذلك اليوم { فقل ينسفها ~~ربي نسفا } [طه: 105] بتجلي صفة القهارية كما جعل الطور دكا. # { فيذرها قاعا صفصفا * لا ترى فيها عوجا } [طه: ~~106-107] من بقاياها { ولا أمتا } [طه: 107] من زواياها { ~~يومئذ يتبعون الداعي } [طه: 108] أي: الذي دعاهم في ~~الدنيا فأجابوا داعيهم لا يموج له في دعائهم؛ يعني: كل داع من الدعاة لا ~~يدعو غير أهله، وكل تابع لا يتبع إلا داعيه نظير قوله تعالى: # يوم ندعوا كل أناس بإمامهم # [الإسراء: 71] أي: بداعيهم الذي هم يتبعونه. # ثم اعلم أن لكل داع من الدعاة مجيبا في جبلة الإنسانية؛ لأنه تعالى هو ~~الداعي والمجيب كقوله: # والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشآء ~~إلى صراط مستقيم # [يونس: 25] فالله هو الداعي والمجيب بالهداية بحسب لسان المشيئة، فافهم ~~جيدا. # ولهذا السر يوجد في كل زمان من متبعي كل داع خلق عظيم، ولا يوجد من ~~متبعي داعي الله إلا الشواذ من أهل الله، ومن أهل داعي الهوى والدنيا ~~والشيطان والملك والنبي والجنة والقربة يوجد في ms1084 كل زمان خلق على تفاوت ~~طبقاتهم وبقدر مراتبهم، وبقوله تعالى: { وخشعت الأصوات ~~للرحمن } [طه: 108] يشير إلى أن داعي الله إذا عبد بالرحمانية ~~خشعت وانقادت وذلت أصوات جميع الدعاة وانقطعت { فلا تسمع إلا ~~همسا } [طه: 108] أي: إلا وطئ الأقدام الوعي المدعو ونقلها إلى ~~داعية { يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له ~~الرحمن } [طه: 109] إلا من تجلى له الرحمن بصفة الرحمانية من ~~الأنبياء والأولياء؛ ليكون من أهل الشفاعة، فبرحمته يشفع لمن يكون من ~~الرحمة { ورضي له قولا } [طه: 109] أي: وهو مرضي القول لا يقول ~~إلا ما كان لله فيه؛ يعني: لا يشفع إلا برضاه. # { يعلم ما بين أيديهم } [طه: 110] أي: يعلم اختلاف أحوالهم ~~من يد وخلفهم { وما خلفهم } [طه: 110] اختلاف إلى الأبد { ولا ~~يحيطون به علما } [طه: 110] لأنه تعالى قديم، وعلم المخلوقين لا ~~يحيط بالقديم فيه إشارة إلى العجز عن كنه معرفته. ### || [20.111-115] # { وعنت الوجوه للحي القيوم } [طه: 111] أي: خشعت ~~وتذللت وجوه المكونات؛ لكونها الحي: الذي بحياته كل شيء، القيوم: الذي ~~فيه قيام كل شيء احتفاظا واضطرارا واستسلاما { وقد خاب من ~~حمل ظلما } [طه: 111] أي: خسر من تذلل وخشع وسجد لغير الله { ومن ~~يعمل من الصالحات } [طه: 112] أي: الأعمال التي تصلح للتقرب ~~بها إلى الله تعالى { وهو مؤمن } [طه: 112] بالإيمان الحقيقي دون ~~التقليدي { فلا يخاف ظلما } [طه: 112] أي: فلا خوف عليه بأن يظلم ~~فيسجد لغير الله { ولا هضما } [طه: 112] بأن يظلم ويؤاخذ بما لم ~~يعمل من الشر، أو ينقص مما عمل من الخير شيء؛ إذ أعماله مؤيدة بنور ~~الإيمان الحقيقي. # ثم أخبر عن القرآن العظيم والذكر الحكيم بقوله تعالى: { وكذلك ~~أنزلناه قرآنا عربيا } [طه: 113] إلى قوله تعالى: { عزما ~~} [طه: 115] { وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا } [طه: 113] ~~أي: كما أنزلنا الصحائف والكتب إلى آدم وغيره من الأنبياء بألسنتهم ~~ولغاتهم المختلفات، كذلك { أنزلناه قرآنا عربيا } أي: بلغة ~~العرب وحقيقة كلامه هي الصفة القائمة بذاته المنزهة عن الحروف والأصوات ~~المختلفة المخلوقة، وإنما الأصوات والحروف تتعلق بلغات الألسنة المختلفة. # { وصرفنا فيه من الوعيد } [طه: 113] أي: أوعدنا فيه ms1085 قومك ~~بأصناف العقوبات التي عاقبنا بها الأمم الماضية وكررنا ذلك عليهم { ~~لعلهم يتقون } [طه: 113] عن التعلق بما سوانا نظيره قوله ~~تعالى: # ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب ~~الأكبر لعلهم يرجعون # [السجدة: 21] أو يحدث لهم أنوار القرآن وأسراره وحقائقه ذكرا؛ أي: ~~يذكروا انتباها وذوقا وشوقا وهداية يهتدون بها إلينا لئلا ينقطعوا عنا ~~{ فتعلى الله الملك الحق } [طه: 114] أي: هو أعلى من أن ~~يعبد ما سواه بالباطل. # وفي قوله تعالى: { ولا تعجل بالقرءان من قبل أن ~~يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما } [طه: 114] ~~إشارة إلى سكوته عند قراءة القرآن واستماعه والتدبر في معانيه وأسراره؛ ~~لتنور بأنواره وكشف حقائقه، ولهذا قال الله تعالى: { وقل رب ~~زدني علما } [طه: 114] أي: فهما لإدراك حقائقه، فإنها غير متناهية ~~وتنورا بأنواره وكخلق لخلقه. { ولقد عهدنآ إلى ءادم من ~~قبل } [طه: 115] أي: من قبل أن يكون له أولاد؛ أي: لا يتعلق بغيرنا، ~~ولا ينقاد لسوانا، فلما دخل الجنة ونظر إلى نعيمها { فنسي } [طه: ~~115] عهدنا وتعلق بالشجرة وانقاد للشيطان { ولم نجد له عزما } ~~[طه: 115] يحتمل معنيين: # * أحدهما: إن الله تعالى لما خلق آدم تجلى أدم فيه بجميع صفاته، فصارت ~~ظلمات صفات خلقيته مقلوبة مستورة بسطوات تجلي أنوار صفات الربوبية، ولم ~~يبق له عزم التعلق بما سواه والانقياد لغيره، فلما تحركت فيه دواعي ~~البشرية الحيوانية، وتداعت شهوات النفسانية، واشتغل باستيفاء الحظوظ نسى ~~أداء الحقوق، ولهذا سمي الناس ناس؛ لأنه ناس، فنشأت له من تلك المعاملات ~~ظلمات بعضها فوق بعض، وتراكمت حتى صارت غيوم شموس المعارف وأستار أقمار ~~المعارف، فنسى عهود الله ومواثيقه وتعلق بالشجرة المنهي عنها، والثاني: ~~أن آدم عليه السلام ظن أن المنهي في قوله: (لا تقربا) تناولهما معا، ~~فيجوز لكل واحد على الانفراد أكله!! ### || [20.116-130] # ثم أخبر عن كرم الكريم ولؤم اللئيم بقوله: { وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لأدم } [طه: 116] إلى قوله: { لعلك ~~ترضى } [طه: 130] ولهذا قال: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة: 30]، ولهذا السر اصطفاه على العالمين فاستحق السجود لهم اصطفاء ~~واجتباء؛ ومنها لأنه خلق خلقا تاما ms1086 كاملا في خلقه؛ وذلك لأن الله ~~تعالى جعله مجمع بحري عالمي الخلق والأمر والملك والملكوت والدنيا ~~والآخرة فما خلق شيئا في عالم الخلق والدنيا إلا، وقد جعل في قالبه ~~أنموذجا منه، وما خلق شيئا في عالم الأمر والآخرة إلا التي جاءت من ~~الله تعالى { ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } [طه: 127] أي: ~~عذاب القلوب أشد من العذاب في الأبدان وأبقى وأدوم؛ لأن عذاب الأبدان ~~يفنى وعذاب القلوب يبقى. # { أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون ~~} [طه: 128] أي: فلم يسيروا بمدة خذلانهم وتركناهم إلى طبيعتهم الخبيثة ~~من القرون الماضية. { يمشون في مساكنهم } [طه: 128] أي: ~~يقصدون عالم السفل بالطبع. { إن في ذلك لآيات } [طه: 128] ~~دلالات واعتبارات { لأولي النهى } [طه: 128] لمن نهي بجذبة كلمة ~~كن في الأزل إلى الأبد على وفق الحكمة الإلهية والإرادة الأزلية بما هو ~~كائن في كل وقت وأوان بلا مانع ولا مقدم لما أخره ولا مؤخر لما قدمه، ~~فكان ما كان بحيث لم يكن بعده للنقص إليه سبيل { فاصبر على ما ~~يقولون } [طه: 130] أهل الاعتراض والإنكار؛ لأنك محتاج في التربية ~~إلى ذلك لتبلغ به إلى مقام الصبر بقوله تعالى: { وسبح بحمد ~~ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها } [طه: 130] يشير ~~إلى أنك كما ذكرت ربك بالحمد والثناء قبل أن تطلع شمس تجلي صفات ربوبيته ~~إلى أن طلعت اذكره بالعبودية على شهود الحق قبل أن تغرب، ولئن غرب غروب ~~الرحمة والشفقة لئلا ينلها شيء لوجودك بسطوات التجلي إذا دامت { ومن ~~آنآء الليل } [طه: 130] أي: ليل الستر. # { فسبح } [طه: 130] فاذكر، { وأطراف النهار } [طه: 130] ~~أي: نهار التجلي؛ أي: اذكره في كل حالاتك في حالة الستر وحالة التجلي؛ ~~لتكون مذكورا له ومشكورا # ولا تمدن عينيك # [طه: 131]. ### || [20.131-135] # بقوله تعالى: { ولا تمدن عينيك } [طه: 131] يشير إلى: عيني ~~البصر والبصيرة وهما عين الرائين وعين القلب، واختص النبي صلى الله عليه ~~وسلم بهذا الخطاب واعتز بهذا العتاب لمعنيين أحدهما؛ لأنه مخصوص من جميع ~~الأنبياء بالرؤية، ورؤية الحق تعالى لا تقبل الشرك، كما أن اللسان ~~بالتوحيد لا يقبل الشرك ms1087 والقلب بالذكر لا يقبل الشرك وهو مد العين { ~~إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة ~~الدنيا لنفتنهم فيه } [طه: 131] وهو الدنيا والآخرة، ولكن ~~اكتفى بذكر الواحد عن الثاني والأزواج أهل الدنيا والآخرة، والثاني: ~~للغيرة، فإن غيرة الحبيب عظيمة والله أغير منها، ولهذا حرم # الفواحش ما ظهر منها وما بطن # [الأعراف: 33] أن اغسل عيني ظاهرك وباطنك بماء الغيرة عن صفة رؤية ~~الدنيا والآخرة؛ لاستحقاق اكتحالهما بنور جلالته لرؤية جمالنا، وإنما ~~متعنا أهل الدين بها عزة حضرة جلالنا؛ لنفتنهم فيه باشتغالي بتمتعات ~~الدارين عن الوصول إلى كمال رؤية جمالنا، قيل: قرئ عند الشبلي: # إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون * هم ~~وأزواجهم # [يس: 55-56] فشهق شهقة، وقال: يا مساكين لا يدرون عما شغلوا حين ~~شغلوا. # { ورزق ربك } [طه: 131] أي: ما رزقك الله من رؤيته { خير ~~وأبقى } [طه: 131] مما متعناهم به من الدنيا والآخرة، ولهذا قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " أدبني ربي فأحسن تأديبي " # فلهذا التأديب حفظ الأدب # إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما ~~طغى # [النجم: 16-17] فأكرم بكرامة # لقد رأى من آيات ربه الكبرى # [النجم: 18] فنودي في سره أنك لما غمضت عينيك عما سوانا أسعدناك ~~بسعادة # ما كذب الفؤاد ما رأى # [النجم: 11] وشرفناك بتشريف # ألم تر إلى ربك # [الفرقان: 45]. # وبقوله تعالى: { وأمر أهلك بالصلاة } [طه: 132] يشير إلى: ~~أهل الخاصة وهو: الجسد والنفس والقلب والسر والروح، فصلاة الجسد: الفرائض ~~والنوافل، وصلاة النفس: خروجها عن حضيض البشرية إلى ذروة الروحانية، ~~وخروجها عن أوصافها لدخول الجنة المشرفة بالإضافة إلى الحضرة بقوله ~~تعالى: # فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي # [الفجر: 29-30] وصلاة القلب: دوام المراقبة ولزوم المحاضرة لقوله تعالى: # الذين هم على صلاتهم دآئمون # [المعارج: 23]، وصلاة السر: عدم الالتفات إلى ما سوى الله تعالى ~~مستغرقا في بحر المشاهدة كما قال صلى الله عليه وسلم: # " من يطع الرسول فقد أطاع الله " # لأنه الفاني عن نفسه الباقي بربه. # قوله تعالى: { واصطبر عليها } [طه: 132] أي: واصبر على استقامة ~~هذه الأحوال كقوله تعالى: # فاستقم كمآ أمرت # [هود: ms1088 112] ولا تهتم لرزقك ورزق غيرك. { لا نسألك رزقا } [طه: ~~132] لأحدهما عندك { نحن نرزقك } [طه: 132] مما عندنا ونغنيك ~~عما عندك كما قال الله تعالى: # ووجدك عآئلا فأغنى # [الضحى: 8] من هنا كان يقول صلى الله عليه وسلم: # " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " # { والعاقبة للتقوى } [طه: 132] أي: لمن اتقى بالله عما ~~سواه. # { وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم ~~تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } [طه: 133] أي: وقد ~~أتاهم بآية من ربه وهو القرآن الذي فيه بيان ما في الكتب المنزلة، وقد ~~آمن به ورأى إعجازه من كان ذا بصيرة، واستدل بما أنزل في الكتب من محمد ~~صلى الله عليه وسلم وقصته، فإنه أعظم الآيات أوضح الدلالات، ولكنهم صم ~~بكم عن رؤية الآيات، فإنها لم تر بالأبصار وإنما ترى بالبصائر كقوله ~~تعالى: # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور # [الحج: 46] ثم قال الله تعالى: { ولو أنآ أهلكناهم ~~بعذاب من قبله } [طه: 134] أي: قبل مجيء محمد صلى الله عليه ~~وسلم { لقالوا } [طه: 134] يوم القيامة احتجاجا { ربنا لولا ~~أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك } [طه: 134] أي: ~~التي أنزلت معه { من قبل أن نذل } [طه: 134] بذل الضلالة في ~~الدنيا { ونخزى } [طه: 134] بعذاب الآخرة. # { قل كل متربص } [طه: 135] من أهل السعادة والشقاوة؛ ~~لاستعمالهم فيما خلقوا له { فتربصوا فستعلمون من ~~أصحاب الصراط السوي } [طه: 135] وهو صراط الله تعالى ~~للذاهبين إليه { ومن اهتدى } [طه: 135] بالوصول إليه، ومن انقطع ~~عنه باتصال غيره كما قال بعضهم: سوف ترى إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم ~~حمار. ### | [21 - سورة الأنبياء] ### || [21.1-7] # { اقترب للناس حسابهم } [الأنبياء: 1] إلى قوله: { إن ~~كنتم لا تعلمون } [الأنبياء: 7] بقوله: { اقترب للناس ~~حسابهم } [الأنبياء: 1] يشير إلى اقتراب الساعة التي فيها يحاسب ~~الناس من أنفسهم في الدنيا قبل أن يحاسبوا في الآخرة { وهم في ~~غفلة } [الأنبياء: 1] من أحوال القيمة وأحوال أنفسهم أنهم يحاسبون ~~بالنقير والقطمير، وإذا نصحهم ناصح واقف على الأحوال فهم { معرضون ~~} [الأنبياء: 1] عن استماع قوله ونصحه كما قال تعالى: # ولكن لا تحبون النصحين # [الأعراف: 79] وإن نزلت في ms1089 منكري البعث من الكفار وهو حال أكثر مدعي ~~الإسلام في زماننا هذا، فإنهم { ما يأتيهم من ذكر من ~~ربهم محدث إلا استمعوه } [الأنبياء: 2] أهل العزة ~~بالله تعالى { وهم يلعبون } [الأنبياء: 2] يستهزئون به وينكرون ~~عليه. # { لاهية قلوبهم } [الأنبياء: 3] بمتابعة الهوى متعلقة بشهوات ~~الدنيا ساهية عن ذكر الله غافلة عن طلبه { وأسروا النجوى } ~~[الأنبياء: 3] وتناجوا في السر { الذين ظلموا } [الأنبياء: 3] ~~أنفسهم بالإنكار على أهل الأسرار { هل هذآ إلا بشر ~~مثلكم أفتأتون السحر } [الأنبياء: 3] تقبلون منه ما ~~يأتيكم من الكلام المموه { وأنتم تبصرون } [الأنبياء: 3] أنه ~~مموه كالسحر { قال ربي يعلم القول في السمآء ~~والأرض } [الأنبياء: 4] يعني: كل أمرهم إلى الله، فإنه يعلم قول أهل ~~السماء سماء القلوب، وقول أهل الأرض أرض النفوس { وهو السميع } ~~[الأنبياء: 4] لأقوال لأهل القلوب وصدقهم، وأقوال أهل النفوس وإنكارهم { ~~العليم } [الأنبياء: 4] بما في ضمائرهم وبأفعالهم وبأوصاف سرائرهم. # { قالوا أضغاث أحلام } [الأنبياء: 5] يعني: كلام المحققين ~~خيالات فاسدة يقول بعض المنكرين: { بل افتراه } [الأنبياء: 5] أي: ~~اختلقه من نفسه، ويدعي أنه من مواهب الحق، وقال بعضهم: { بل هو ~~شاعر } [الأنبياء: 5] أي: يقول ما يقول بحذاقة النفس وقوة الطبع ~~والذكاء، ثم يقول بعضهم إلى بعض: { فليأتنا } هذا المحقق { بآية ~~كمآ أرسل الأولون } [الأنبياء: 5] بكرامة ظاهرة كما أتى بها ~~المشايخ المتقدمون. # ثم قال الله تعالى: { مآ آمنت قبلهم من قرية } ~~[الأنبياء: 6] أي: من أهل قرية من المنكرين لما رأوا كرامات أولياء ~~الله { أهلكناهآ } [الأنبياء: 6] فأهلكناهم بالخذلان والإبعاد { ~~أفهم يؤمنون } [الأنبياء: 6] يصدقون أرباب الحقائق أن يروا ~~كرامة منهم طبعوا على الإنكار مثل المنكرين الهالكين. # { ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم } ~~[الأنبياء: 7] يشير إلى أنه تعالى يظهر في كل قرن رجالا بالغين من ~~متابعي الأنبياء، ويخصهم بوحي الإلهام كما أظهر في زمان عيسى عليه السلام ~~الحواريين من متابعيه، وأوحى إليهم كما قال الله تعالى: # وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي ~~وبرسولي # [المائدة: 111] ثم قال للمنكرين: # فاسألوا أهل الذكر # [النحل: 43] وهم الذين اهتزوا بذكر الله، ووضع عنهم الذكر أوزار البشرية ~~وأثقال الإنسانية، وتنورت قلوبهم بأنوار ms1090 الربانية، وتجوهرت أرواحهم بجوهر ~~الذكر فصاروا المذكورين بذكر الله إياهم كما قال الله تعالى: # فاذكروني أذكركم # [البقرة: 152] فهم يرون حقائق الأشياء بنور الله تعالى، فقال أهل الذكر ~~وأرباب الحقائق: فإنهم يعلمون أحوالهم # إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43] ولا تفهمون رموزهم وإشاراتهم. ### || [21.8-17] # ثم أخبر عن أحوالهم بقوله تعالى: { وما جعلناهم جسدا } ~~[الأنبياء: 8] إلى قوله: { إن كنا فاعلين } [الأنبياء: 17] { ~~وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام } [الأنبياء: ~~8] يشير إلى الأنبياء والأولياء خلقوا محتاجين إلى الطعام بخلاف ~~الملائكة، وذلك لا يقدح في النبوة والولاية، بل هو من لوازم أحوالهم ~~وتوابع كمالهم، فإن لهم فيه فوائد جمة: # * منها: أن الطعام للروح الحيواني الذي هو مركب الروح الإنساني كالدهن ~~للسراج، وهو منبع جميع الصفات النفسانية الشهوانية، وهي مركب الشوق ~~والمحبة التي بها يقطع السالك الصادق المسالك البعاد، ويعبر المحب ~~العاشق مهالك الفراق للوصول إلى كعبة الوصال. # * ومنها: أن أكل الطعام من نتائج الهوى، وهي ميل النفس إلى مشتهياتها ~~والسير إلى الله تعالى بحسب نهي النفس عن الهوى لقوله تعالى: # ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي ~~المأوى # [النازعات: 40-41] ولهذا قال المشايخ: لولا الهوى ما سلك أحد طريقا إلى ~~الله تعالى. # * ومنها: أن من علم الأسماء التي علم الله آدم منوط بأكل الطعام مثل: ~~علم ذوق المذوقات، وعلم التلذذ بالمشتهيات، وعلم لذة الشهوة، وعلم لذة ~~الجوع والعطش، وعلم الشبع والري، وعلم هضم الطعام، وعلم الصحة والمرض، ~~وعلم الداء والدواء وأمثاله، والعلوم التي تتعلق به كعلوم الطب بأجمعها، ~~والعلوم التي هي من توابعها كمعرفة الأدوية والحشائش وخواصها وطبائعها ~~وغيرها، اقتصرنا على هذا القدر من الفوائد الجمة، فافهم جيدا. # قوله تعالى: { وما كانوا خالدين } [الأنبياء: 8] إشارة إلى ~~كثير من الفوائد فيقتصر على سمة منها وهي: كما أن المميت، وعلم اسم ~~المحيي مودع في الإماتة والإحياء { وما كانوا خالدين } ~~[الأنبياء: 8] ليموتوا أو يتعلموا من المميت اسم المموتة وصفتها على ~~التحقيق لا على التقليد، وليحيوا ويتعلموا من المحيي اسم المحيوية، ~~وصفاتها إن شاء الله تعالى. # { ثم صدقناهم الوعد } [الأنبياء: ms1091 9] يشير إلى الوعد الذي ~~وعدهم حين أهبطهم إلى الأرض بقوله تعالى: # فإما يأتينكم مني هدى # [البقرة: 38] { فأنجيناهم } [الأنبياء: 9] أي: الذين اتبعوا ~~وعدهم حين هداي من الدرك الأسفل الحيوانية إلى أعلى عليين مقامات القرب، ~~وأكرمناهم بالوصول والوصال وهم الأنبياء والأولياء { ومن نشآء } ~~[الأنبياء: 9] أي: من المؤمنين الذين لم يبلغوا درجة الأنبياء والأولياء ~~{ وأهلكنا المسرفين } [الأنبياء: 9] الذين أسرفوا على أنفسهم ~~بالسير إلى أسفل سافلين على قدمي متابعة الهوى ومخالفة الشرع وقنطوا من ~~رحمة الله، ولم يتوبوا من الشرك والعصيان، ولم يرجعوا إلى الحضرة على ~~الطاعة في المتابعة ومخالفة الهوى، ثم من على أهل الهداية والنجاة بما ~~فيه هداهم فقال الله تعالى: { لقد أنزلنآ إليكم كتابا ~~فيه ذكركم } [الأنبياء: 10] أي: فيه ذكركم بالهداية والنجاة ونيل ~~الفضل والدرجات كما قال الله تعالى: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا # [الفتح: 29] أفلا تعقلون وتعلمون فضل الله عليكم، ورحمته بإنزال الكتاب ~~إليكم لتهتدوا به # فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من ~~الخاسرين # [البقرة: 64] المسرفين الهالكين. # { وكم قصمنا من قرية } [الأنبياء: 11] أي: أهلكنا أهل قرية ~~{ كانت ظالمة } [الأنبياء: 11] بالإسراف على أنفسهم { ~~وأنشأنا بعدها قوما آخرين } [الأنبياء: 11] المعتبرين بهم ~~{ فلمآ أحسوا بأسنآ } [الأنبياء: 12] يعني: الظالمين ~~الغافلين { إذا هم منها } [الأنبياء: 12] أي: من شدة بأسنا { ~~يركضون } [الأنبياء: 12] يفرون، ثم قال الله تعالى مع أرواحهم: { ~~لا تركضوا } [الأنبياء: 13] أي: لا تفروا منها، بل فروا إلينا { ~~وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه } [الأنبياء: 13] نعمتم فيه ~~من التنعمات الروحانية الروحانية التي كنتم فيها { ومساكنكم } ~~[الأنبياء: 13] الروحانية في جوار الحق قبل هبوطكم إلى أرض البشرية، ~~وأسفل سافلين القالب. { لعلكم تسألون } [الأنبياء: 13] عزة ~~وكرامة لكم. # { قالوا يويلنآ إنا كنا ظالمين } [الأنبياء: 14] بأن ~~سرنا في إبطال استعداد صفاء الروحانية، وتحصيل ظلمة صفات النفسانية بتتبع ~~شهوات الحيوانية واستيفاء اللذات الحسية { فما زالت تلك ~~دعواهم } [الأنبياء: 15] بالويل والثبور { حتى جعلناهم } ~~[الأنبياء: 15] أي: جعلنا أرواحهم { حصيدا خامدين } [الأنبياء: ~~15] أي الجمادات الميتين المعذبين بنار القطيعة والحرمان. # { وما خلقنا السمآء ms1092 والأرض } [الأنبياء: 16] أي: سماوات ~~الأرواح وأرض الأجساد { وما بينهما } [الأنبياء: 16] من النفوس ~~والقلوب والأسرار { لعبين } [الأنبياء: 16] وإنما خلقناهما مظهر ~~صفات لطفنا وقهرنا { لو أردنآ } [الأنبياء: 17] في الأزل { أن ~~نتخذ لهوا } [الأنبياء: 17] أي: أهلا وولدا مما خلقنا { ~~لاتخذناه من لدنآ } أي: مما يصلح أن يكون عندنا لا مما ~~يكون عندكم؛ لأن # ما عندكم ينفد وما عند الله باق # [النحل: 96] { إن كنا فاعلين } [الأنبياء: 17] أي: إن كنا ممن ~~يتخذ أهلا وولدا عز وجل قدس حضرتنا عن أمثال هذه التدنسات، وعز جناب ~~كبريائنا عن أنواع هذه التوهمات، وقد تنزه عن أمثالها الملائكة المقربون ~~وهم عبادنا المكرمون، فالحضرة الخالقية أولى بالتنزه. ### || [21.18-29] # ثم أخبر عن حاصل الباطل بقوله تعالى: { بل نقذف بالحق على ~~الباطل فيدمغه } [الأنبياء: 18] يشير إلى أن للحق ثلاث مراتب، ~~وكذا للباطل مرتبة أفعال الحق، ومرتبة صفات الحق، ومرتبة ذات الحق تبارك ~~وتعالى؛ فأما أفعال الحق فهي: أمر الله به العباد فيه يدفع باطل ما نهى ~~الله عنه، وأما صفات الحق فبتجليها يدمغ باطل صفات العبد، وأنا ذات ~~الحق تعالى فإذا تجلى بذاته يدمغ باطل جميع الذوات كما قال الله تعالى: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88] ويدل عليه قوله تعالى: # وقل جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان ~~زهوقا # [الإسراء: 81]. # وقوله تعالى: { فإذا هو زاهق } [الأنبياء: 18] ولعل من قال: أنا ~~الحق إنما قال عند تجلي ذات الحق أو صفته الحقيقية تعالى لذاته الباطل ~~فإذا زهق باطل ذاته عند مجيئه فأخبر الحق عن ذاته بلسان الصفة بصفة الحق ~~فقال: " أنا الحق " { ولكم } [الأنبياء: 18] يا أهل الوجود المجازي ~~الباطل { الويل مما تصفون } [الأنبياء: 18] به وجود حقيقي ~~الحق تعالى مما يليق بأهل الوجود المجازي الباطل { وله من في ~~السموت والأرض } [الأنبياء: 19] خلقا وإيجادا واستيعادا { ~~ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } [الأنبياء: 19] ~~بل يتفاخرون بعبوديته { ولا يستحسرون } [الأنبياء: 19] لا يملون ~~ولا يسأمون. # { يسبحون اليل والنهار } [الأنبياء: 20] أي: ينزهون عن ~~وصمة الحدوث { لا يفترون } [الأنبياء: 20] عن العبادة والتنزيه ~~والتقديس طرفة عين؛ لأنهم يعيشون بها كما يعيش ms1093 الإنسان بالنفس، وبقوله ~~تعالى: { أم اتخذوا آلهة من الأرض } [الأنبياء: 21] أي: ~~الدواعي المنشأة من أرض البشرية وهوى النفس { هم ينشرون } ~~[الأنبياء: 21] يحيون القلب الميت، بل الله المحي والمميت يحيي القلوب ~~الميتة بنور ذكره وطاعته. # وبقوله تعالى: { لو كان فيهمآ آلهة إلا الله ~~لفسدتا } [الأنبياء: 22] يشير إلى: سماء الروحانية وأرض البشرية؛ ~~أي: { لو كان فيهمآ آلهة إلا الله } أي مدبرات مثل: ~~العقل في سماء الروحانية، والهوى في أرض البشرية غير هداية الله بواسطة ~~الأنبياء والشرائع. { لفسدتا } كما فسدت بتدبير العقل والهوى سماء ~~روحانية الفلاسفة والطبائعية والدهرية والإباحية والملاحدة وأرض بشريتهم؛ ~~فأما فساد سماء أرواحهم: فبأن زلت أقدامهم عن جادة التوحيد وصراط ~~الوحدانية حتى أثبتوا لله الواحد القهار شريكا قديما وهو العالم، فلم ~~يقبلوا دعوة الأنبياء، ولم يهتدوا بهداية الحق، وأما ارض بشريتهم: فبأن ~~زلت قدمهم عن جادة العبودية وصراط الشريعة، والمتابعة حتى عبدوا طاغوت ~~الهوى والشيطان وآل أمر فساد حالهم إلى أن قال الله فيهم: # صم بكم عمي فهم لا يرجعون # [البقرة: 18]. # وأما تفسير قوله تعالى: { لو كان فيهمآ آلهة إلا الله ~~لفسدتا } [الأنبياء: 22] في الظاهر فهو أن وجود الإلهية لا يخلوا ~~إما أن يكون حالهم كلهم متساوين في الألوهية وكمال القدرة، أو بعضهم ~~كاملا، أو بعضهم ناقصا. # * وإما أن يكون كلهم ناقصا: يحتاج بعضهم إلى بعض في الألوهية، فأما ~~التساوي في الكمالية فموجب أن يكون وجود كل واحد منهم عبثا لاستغناء ~~الكامل من الناقص الآخرين عنه والمستغنى عنه لا يصلح للإلهية. # * وإما كمالية بعضهم وناقصية بعضهم: تقتضي استغناء الكامل عن الناقص، ~~فالناقص لا يصلح للإلهية، وأما الناقصون الذين محتاجون إلى إعانة بعضهم ~~لبعض فلا يصلحون للإلهية؛ لأنهم محتاجون إلى مكمل واحد مستغن عما سواه، ~~أو هو الواحد الصمد الغني عما سواه وما سواه محتاج إليه، ولو كان فيهما ~~آلهة لفسدتا؛ لعدم مدبر كامل في إلهية أخرى في المدبرية. # { فسبحان الله رب العرش } [الأنبياء: 22] فنزه الله ~~نفسه عن العجز والاحتياج لغيره في الإلهية، وأثبت أنه خالق العرش الذي ~~يفيض الرحمانية إلى ms1094 المكونات؛ لنفي الإلهية عن غيره منزها { عما ~~يصفون } [الأنبياء: 22] باحتياجه إلى العرش أو لآلهة أخرى في الإلهية ~~{ لا يسأل عما يفعل } [الأنبياء: 23] لأن أفعاله مبنية على ~~القدرة الكاملة والحكمة البالغة فلا مساغ لسؤال سائل فيهما لم فعلت { ~~وهم يسألون } [الأنبياء: 23] فيما يفعلون؛ لأن للسؤال في أفعالهم ~~مساغا؛ لأن مصدرها الظلومية والجهولية. # { أم اتخذوا من دونه آلهة } [الأنبياء: 24] بالدليل ~~والبرهان { قل هاتوا برهانكم } [الأنبياء: 24] أي: لا يمكن ~~إثبات آلهة أخرى بالبرهان كما قال تعالى: # ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به # [المؤمنون: 117] وبقوله تعالى: { هذا ذكر من معي وذكر ~~من قبلي } [الأنبياء: 24] يشير إلى أن إثبات الربانية بالتحقيق، وكشف ~~العيان من خصوصية العلماء المحققين من أمتي الذين هم معي في سير المقامات ~~وقطع المنازل، فإن الله تعالى قد ندبهم بكلام أزلي إلى الدعاء، ووعد ~~عليهم الاستجابة بقوله تعالى: # ادعوني أستجب لكم # [غافر: 60] فلهم الشركة مع الملائكة في قوله تعالى: { لا يسبقونه ~~بالقول وهم بأمره يعملون } [الأنبياء: 27] لأنهم بأمره ~~دعوة عند رفع الحاجات إليه. # ثم أخبر عن الاعتراض على أهل الإعراض بقوله تعالى، [والمحققين] معي إلى ~~الحضرة كما هو من خصائص الأنبياء من قبلي، ومن هنا قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل " # أي: في صدق الحق بالإعراض عن الكونين والتوجه إلى الله تعالى { بل ~~أكثرهم } [الأنبياء: 24] أكثر الخلق من مدعي الإسلام { لا ~~يعلمون الحق } [الأنبياء: 24] من الباطل { فهم معرضون ~~} [الأنبياء: 24] عن الحق ومتبعون الباطل من أهل الأهواء والبدع وعبدة ~~الهوى والدنيا. # ثم أخبر عن أهل الحق وقول الصدق بقوله تعالى: { ومآ أرسلنا من ~~قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله ~~إلا أنا فاعبدون } [الأنبياء: 25] يشير إلى أن الحكمة في بعث ~~جميع الأنبياء والرسل مقصورة على هاتين المصلحتين وهما: إثبات وحدانية ~~الله تعالى، وتعبده بالإخلاص؛ لتكون فائدة تلك المصلحتين راجعة إلى ~~العباد لا إلى الله تعالى، كما قال الله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56] أي: ليعرفوني وهي مختصة بالإنسان دون سائر ms1095 المخلوقات؛ ~~لأنها حقيقة الأمانة التي قال الله تعالى: # إنا عرضنا الأمانة # [الأحزاب: 72]، فافهم جيدا. # ثم أخبر عمن لم يقبل الدعوة من الأنبياء، ولم يعبد الله ليعرفه فبقي ~~في تيه الضلالة فنسب قوم بجهالتهم وضلالتهم الولد إلى الله تعالى { ~~وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه } [الأنبياء: 26] ~~يعني: قالوا: الملائكة بنات الله، فالله تعالى نزه ذاته عن هذا الوضع ~~فقال: { بل عباد مكرمون } [الأنبياء: 26] يعني: الملائكة. # ثم أخبر عن حقيقة إكرامهم بقوله تعالى: { لا يسبقونه بالقول ~~} [الأنبياء: 27] يشير إلى أنهم منزهون عن الاحتياج بمأكول أو مشروب أو ~~ملبوس ومنكوح، وبنا يدفع عنهم الحر والبرد، وأما [من] ابتلاهم الله ~~تعالى بالأمراض والعلل والآفات، فيسبقون الله بالقول يستدعون منه دفعها ~~وإزالتها والخلاص منها بالتضرع والابتهال، وكذلك ما ابتلاهم الله تعالى ~~بطبيعة تخالف أوامر الله تعالى، فيمكن منهم خلاف ما يؤمرون فقال الله ~~تعالى: { وهم بأمره يعملون } نظيره قوله عز وجل: # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6] ولعمري إنهم وإن كانوا مكرمين بهذه الخصال، فإن بني آدم في ~~سر: # ولقد كرمنا بني ءادم # [الإسراء: 70] المكرمون منهم بكرامات أكبر منها درجة وأرفع منها منزلة؛ ~~وذلك لأنهم ما خلقوا محتاجين إلى ما لا يحتاج إليه الملائكة بالكرامتين ~~اللتين لم يكرم بهما الملائكة: فأحدهما: الرجوع إلى الله مضطرين فيما ~~يحتاجون إليه، فأكرموا بكرامة الدعاء، والإجابة بقوله تعالى: # أمن يجيب المضطر إذا دعاه # [النمل: 62] على أنهم في ذلك { لا يسبقونه بالقول } ~~[الأنبياء: 27] كالملائكة. # وكذلك أثنى عليهم بقوله تعالى: # تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون # [السجدة: 16] الملائكة بكرامة الدنيا والاستجابة، وهذه مرتبة الخواص من ~~بني آدم في الدعاء، وأمر مرتبة أخص خواصهم أنهم يدعون ربهم لا خوفا ولا ~~طمعا، بل محبة منهم وشوقا إلى وجهه الكريم، كما قال الله تعالى: # يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه # [الأنعام: 52] وهذه هي الكرامة الثانية من نتائج الاحتياج حتى لم يبق ~~شيء من المخلوقات وخلقها إلا كانوا محتاجين بخلاف مخلوق آخر، فإن لكل ~~مخلوق استعدادا في الاحتياج يناسب حال جبلته التي جبل عليها، ms1096 وكل مخلوق ~~يفتقر إلى خالقه بنوع ما ويفتقر إليه بنو آدم من جميع الوجوه، وهذا سر ~~يقوله قوله تعالى: # والله الغني وأنتم الفقرآء # [محمد: 38] أي: كما ذاته وصفاته استوعبت الغنى، كذلك ذواتهم وصفاتهم ~~استوعبت الفقر، فأكرمهم الله تعالى بعلم أسماء ما كانوا محتاجين إليه ~~كلها، ووفقهم للسؤال عنه، وأنعم عليهم بالإجابة فقال: # وآتاكم من كل ما سألتموه # [إبراهيم: 34] وعد ذلك من النعمة التي لا نهاية لها، وكرامة لا كرامة ~~فوقها بقوله تعالى: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34]. # وبقوله تعالى: # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم # [طه: 110] يشير إلى أنه تعالى يعلم ما بين أيديهم الملائكة من خجالة ~~قولهم: # أتجعل فيها من يفسد فيها # [البقرة: 30] فإن فيه نوع من الاعتراض، ونوع من الغيبة، ونوع من العجب ~~حتى عيرهم الله تعالى فيما قالوا، وقال: # إني أعلم ما لا تعلمون # [البقرة: 30] يعني: يعلم منه استحقاق المسجودية لكم، والله أعلم منكم ~~الساجدين له وما خلقهم؛ أي: ما يأمرهم بالسجود والاستغفار لمن في الأرض؛ ~~يعني: المعتابين من أولاده؛ ليكون كفارة لما صدر منهم في حقهم. # { ولا يشفعون } [الأنبياء: 28] في الاستغفار { إلا لمن ~~ارتضى } [الأنبياء: 28] يعني: الله تعالى من أهل المغفرة { وهم ~~من خشيته مشفقون } [الأنبياء: 28] أي: من خشية الله وسطوة ~~جلاله خائفون ألا يعفو عنهم ما قالوا ويأخذهم به ويقولوا لنا { ومن ~~يقل منهم إني إله } [الأنبياء: 29] يعني: من الملائكة. # { من دونه فذلك نجزيه جهنم } [الأنبياء: 29] يشير إلى ~~أنه ليس للملك استعداد الاتصاف بصفات الألوهية، ولو أن هذه المرتبة ~~جزاؤهم جهنم البعد والطرد والتعذيب كما كان إبليس، وبه يشير إلى أن ~~الاتصاف بصفات الألوهية مرتبة بني آدم كما قال صلى الله عليه وسلم: # " تخلقوا بأخلاق الله " # ، وقال عنوان كتاب الله إلى أوليائه يوم القيامة: من الملك الحي الذي لا ~~يموت إلى الملك الحي الذي لا يموت، فافهم جيدا. # { كذلك نجزي الظالمين } [الأنبياء: 29] يعني: الذين يضعون ~~الأشياء في غير موضعها كأهل الرياء والسمعة والشرك الخفي والجلي. ### || [21.30-35] # ثم أخبر عن الآيات مما في الأرض ms1097 والسماوات بقوله تعالى: { أولم ير ~~الذين كفروا أن السموت والأرض كانتا رتقا ~~ففتقناهما } [الأنبياء: 30] يشير إلى أن أرواح المؤمنين والكافرين ~~خلقت قبل السماوات والأرض كما قال صلى الله عليه وسلم: # " أنه تعالى خلق الأرواح وكانت شيئا قبل الأجساد بألفي عام " # ، وفي رواية: # " بأربعة آلاف سنة " # وكان خلق السماوات والأرض بمشهد من الأرواح وكانتا شيئا واحدا كما جاء ~~في الحديث المشهور: # " أول ما خلق الله جوهرة فنظر إليها بنظر الرحمة، فبحمد نصفها فخلق منه ~~العرش فارتعد العرش، فكتب الله تعالى: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ~~فسكن العرش وترك الماء على حالته يرتعد إلى يوم القيامة، وذلك قوله ~~تعالى: { وكان عرشه على المآء } [هود: 7] " # وفي رواية ابن عمران بن حصين: # " وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض " # أي: ثم من تلاطم أمواجه صعدت أدخنة، وارتفع بعضها متراكما على بعض، ~~وكان لها زبد فخلق منها السماوات والأرض طباقا، وكانتا رتقا فخلق الريح ~~منها فتق بين أطباق السماء وأطباق الأرض. # كما أخبر بقوله تعالى: # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان # [فصلت: 11] وإنما خلقها من دخان ولم يخلقها من بخار؛ لأن الدخان خلق ~~متماسك الأجزاء يستقر في منتهاه، والبخار من كمال عمله وحكمته، ثم بعد ~~ذلك مد الزبد على وجه الماء ودحاه فصار أرضا بقدرته، وذلك قوله تعالى: # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات: 30] ثم نظر إليها بعين الرحمة فجمدت كما جاء في الحديث قوله: ~~" فبحمد بعضها " وهو التذلل في قوله تعالى: # جعل لكم الأرض ذلولا # [الملك: 15] وأشار إلى هذه الجملة بقوله تعالى: { أولم ير ~~الذين كفروا أن السموت والأرض } [الأنبياء: 30] ~~في قوله تعالى: # جعل لكم الأرض # [الملك: 15] { كانتا رتقا ففتقناهما } [الأنبياء: 30]. # وبقوله تعالى: { وجعلنا من المآء كل شيء حي } ~~[الأنبياء: 30] يشير إلى أنه خلق حياة كل ذي حياة من الحيوانات من الماء ~~الذي عرشه، وذلك أن الجوهرة التي هي مبدأ الموجودات هو الروح الأعظم خلقت ~~أرواح الإنسان والملك من أعلاها، وخلقت أرواح الحيوان والدواب من أسفلها، ~~وهو الماء كما قال تعالى: # والله ms1098 خلق كل دآبة من مآء # [النور: 45] وكان ذلك كله بمشهد من الأرواح ولذلك قال تعالى: { أفلا ~~يؤمنون } [الأنبياء: 30] أي: أفلا يؤمنون بما خلقنا بمشهد من ~~أرواحهم. # وبقوله تعالى: { وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم ~~} [الأنبياء: 31] يشير إلى: الأبدال الذين هم أوتاد الأرض وأطوارها، فأهل ~~الأرض بهم يرزقون وبهم يمطرون { وجعلنا فيها فجاجا سبلا } ~~[الأنبياء: 31] أي: وجعلنا في إرشادهم الفجاج والسبل إلى الله تعالى { ~~لعلهم يهتدون } [الأنبياء: 31] بهم إلى الله تعالى. # { وجعلنا السمآء } [الأنبياء: 32] سماء القلب { سقفا ~~محفوظا } [الأنبياء: 32] من وساوس شياطين الجن والإنس { وهم } ~~[الأنبياء: 32] أي كافر النعمة { عن آياتها } [الأنبياء: 32] عن ~~رؤية آياتها التي أودعنا فيها من الدلائل والبرهان والأسرار والحكم ~~البالغة التي بها يهتدي وعن التفكر فيها { معرضون } [الأنبياء: 32]؛ ~~لأنهم أقبلوا بكليتهم إلى الدنيا، وطلب زخارفها والتلذذ بشهواتها، ~~وأعرضوا عن الله وشكر نعمه، والقيام بعبوديته. # { وهو الذي خلق الليل } [الأنبياء: 33] ليل النفس ~~الظلمانية { والنهار } [الأنبياء: 32] نهار القلب المضيء { ~~والشمس } [الأنبياء: 32] وهي شمس نور الله الذي نور الله به قلوب ~~أوليائه { والقمر } [الأنبياء: 33] وهو نور الإسلام الذي شرح الله ~~به صدور المؤمنين، وجعل بضوئه نفوسهم قرأ { كل } [الأنبياء: 33] من ~~أهل الإسلام، وأهل الإيمان، وأهل الولاية { في فلك } [الأنبياء: 33] ~~أفلاك أطوار القلب { يسبحون } [الأنبياء: 33] يبحرون ويسلكون. # ثم أخبر عن الرحلة من دار الفناء إلى دار البقاء بقوله تعالى: { وما ~~جعلنا لبشر من قبلك الخلد } [الأنبياء: 34] يشير إلى ~~أنه ليس من شأنه أن يخلد آدميا في الدنيا، وإن كانا قادرين على تخليده { ~~أفإن مت } [الأنبياء: 34] يا محمد كما هو من سنتنا { فهم ~~الخالدون } [الأنبياء: 34] في الدنيا بقدرتنا، بل أنت ميت وهم ميتون ~~كما هو من سنتنا دليله قوله تعالى: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30]. # وبقوله تعالى: { كل نفس ذآئقة الموت } [الأنبياء: 35] ~~يشير إلى أن من الحكمة البالغة والنعمة السابغة أنه جمع في طينة الإنسان ~~ما أفرد به الملائكة بروح نوراني علوي باق أبدي، وأفرد الحيوانات بروح ~~حيواني سفلي فان، فأفرد الإنسان بتركيب الروحين فيه فان حيواني وباق ~~ملكي، فالحكمة في ms1099 ذلك: أن الروح الملكي غير متغذ، وإنما بقاؤه بالتسبيح ~~والتقديس وهو بمثابة النفس للحيوان، ولهذا ليس للملك الترقي من مقامه ~~والروح الحيواني قابل للترقي؛ لأنه متغذ، فجعل الله الإنسان مركبا من ~~الروحين؛ لينقطع روحه الملكي بطبع روحه الحيواني المتغذي، وقبول الفناء ~~الذي يعبر عنه بالموت؛ ليصير مترقيا كالحيوان، وينطبع روحه الحيواني ~~بطبع روحي الملكي؛ ليصير مسبحا ومقدسا كالملك باقيا بعد المفارقة ~~بخلاف الحيوانات؛ ولكن من اختصاص الروح الحيواني في التغذي: أن يجعل ~~الغذاء جنس المتغذي، ويلونه بلونه، وصفته الروح الإنساني أن يكون متلونا ~~بلون الغذاء ومتصفا بصفته؛ وذلك لأن غذاء الروح الحيواني الطعام ~~والشراب، وهي من الجماد والنبات والحيوان المذبوح المطبوخ فيهما الرطوبة ~~واليبوسة والحرارة والبرودة مركوزة بالطبع، والروح الحيواني غالب عليها ~~ومتصرف فيها بالطبع فيجعلها من جنس المتغذي، وغذاء الروح الإنساني ذكر ~~الله وطاعته، والشوق والمحبة إلى لقائه الكريم، وفيه النور والجذبة ~~الإلهية وهي غالبا على الروح؛ فالروح يتجوهر بجوهرها، وفي الجوهرة بجوهر ~~النور الرباني نوع من الفناء عن وجوده والبقاء بنور ربه، فهو بمثابة ميت ~~ذاق الموت، ثم أحيي بنور ربه، كما قال الله تعالى: # أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس # [الأنعام: 122] فهذا الموت الذي استحق به الروح الإحياء بنور الله إنما ~~استقاه من النفس الحيوانية التي هي ذائقة الموت، فافهم جيدا. # وبقوله تعالى: { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } ~~[الأنبياء: 35] يشير إلى أنا نبلوكم بالمكروهات التي تسمونها شرا وهي: ~~الخوف والجوع والنقص من الأموال والأنفس والثمرات، وأنه فيها موت النفس ~~وحياة القلب، ونبلوكم بالمحبوبات التي يسمونها الخير وهي: # الشهوات من النساء والبنين والقناطير ~~المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة ~~والأنعام والحرث # [آل عمران: 14] وفيها حياة النفس وموت القلب، وكلتا الحالتين ابتلاه، ~~فمن صبر على موت النفس على صفاتها بالمكروهات وعن الشهوات فله البشارة ~~بحياة القلب واطمئنان النفس، وله استحقاق الرجوع إلى ربه بجذبة: # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28] للطف، كما قال الله تعالى: { وإلينا ترجعون } ~~[الأنبياء: 35] فيصير ما يحسبه الشر خيرا، كما قال تعالى: ms1100 # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم # [البقرة: 216] ومن لم يصبر على المكروهات وعن الشهوات المحبوبات، ولم ~~يشكر عليها بأداء حقوق الله تعالى فله العذاب الشديد من كفران النعمة، ~~ويصير ما يحسبه الخير شرا كما قال تعالى: # وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم # [البقرة: 216] فيرجع إلى الله بالقهر في السلاسل والأغلال. ### || [21.36-39] # وفي قوله تعالى: { وإذا رآك الذين كفروا إن ~~يتخذونك إلا هزوا } [الأنبياء: 36] إشارة إلى أن من كان ~~محجوبا من الله تعالى بالكفر لا ينظر إلى خواص الخلق إلا بعين الإنكار ~~والاستهزاء؛ لأن خواص الخلق من الأنبياء والأولياء يقبحون في أعينهم إذ ~~ما اتخذوا لهم آلهة من شهوات الدنيا من جاهها ومالها وغير ذلك كما قال ~~الله تعالى: # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الجاثية: 23] وكل محب يغار على محبوبه ويقولون: { أهذا الذي ~~يذكر آلهتكم } [الأنبياء: 36] أي: يذكرهم بعيب ونقصان. # ثم قوله تعالى عقب هذا: { خلق الإنسان من عجل } [الأنبياء: ~~37] يشير إلى معان: # * منها: أي: أنتم تستعجلون من جهلكم وضلالتكم؛ وذلك لأنهم يؤذون حبيبي ~~ونبيي بطريق الاستهزاء والعداوة، # " ومن عاد لي وليا فقد بارزني بالمحاربة " # فقد استعجل العذاب؛ لأني أغضب لأوليائي كما يغضب الليث لجروه، فكيف بمن ~~يعادي حبيبي ونبيي! ويدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى في سياق الآية: ~~{ سأوريكم آياتي } [الأنبياء: 37] أي: عذابي { فلا ~~تستعجلون } [الأنبياء: 37] في طلبه بطريق إيذاء نبيي والاستهزاء ~~بها. # * ومنها: أن الروح الإنساني خلق من عجل؛ لأنه أول شيء تعلقت به القدرة. # * ومنها: أن الله تعالى # خلق السموت والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام # [الفرقان: 59] وخمر طينة آدم بيده أربعين صباحا، وقد روي أن كل يوم من ~~أيام التخمير # كان مقداره ألف سنة مما تعدون # [السجدة: 5] فيكون أربعين ألف سنة؛ فالمعنى: أن الإنسان مع هذا خلق من ~~عجل بالنسبة إلى خلق السماوات والأرض في ستة أيام لما خلق فيه بتخمير ~~طينته أنموذجات ما في السماوات والأرض وما بينهما، واستعداد سر الخلافة ~~المختصة، وقابليته تجلي ذاته وصفاته، والمرتبة التي تكون مظهرة للكنز ~~المخفي الذي ms1101 خلق الخلق لإظهاره ومعرفته، ولاستعداد حمل الأمانة التي ~~عرضنا على السماوات والأرض والجبال وأهاليها # فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها ~~الإنسان # [الأحزاب: 72]. # وتمام الآية يدل على هذا المعنى وهو قوله تعالى: { سأوريكم ~~آياتي فلا تستعجلون } [الأنبياء: 37] أي: سأريكم صفات كمالي ~~في مظاهر الأفاق ومرآة أنفسكم بالتربية في كل قرن بواسطة نبي أو ولي، فلا ~~تستعجلون في هذا المقام من أنفسكم، فإنه قبل من المهد إلى اللحد، أقول: ~~من الأزل إلى الأبد، وهذا منطق الطير لا يعلمه إلا سليمان الوقت، قال ~~الله تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53]. # ويقولون متى هذا الوعد # [الملك: 25] أي: وعد إرادة الآيات # إن كنتم صادقين # [الملك: 25] في النبوة والرسالة. # { لو يعلم الذين كفروا } [الأنبياء: 39] أي: ستروا الحق ~~بالباطل { حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ~~ظهورهم ولا هم ينصرون } [الأنبياء: 39] في وقع العذاب؛ أي: ~~لو علم أهل الإنكار والجحود قبل أن يكافئهم الله على إنكارهم نار القطيعة ~~والحسرة والبعد والطرد لما أقاموا على كفرهم وإنكارهم، ولتابوا ورجعوا ~~إلى طلب الحق. ### || [21.40-44] # { بل تأتيهم } [الأنبياء: 40] جزاء إنكارهم من قساوة القلوب ~~وعماها { بغتة } [الأنبياء: 40] فجأة عقيب الإنكار { فتبهتهم ~~فلا يستطيعون ردها } [الأنبياء: 40] بقوتهم واستطاعتهم { ~~ولا هم ينظرون } [الأنبياء: 40] لطلب الاستطاعة والإنابة بشؤم ~~الإنكار والاستهزاء { ولقد استهزىء برسل من قبلك } ~~[الأنبياء: 41] هذا تطييب لقلوب الأنبياء والأولياء { فحاق ~~بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون } ~~[الأنبياء: 41] أي: أحاط بهم شؤم استهزائهم فأهلكهم. # ثم أخبر عن كلاءته لأهل ولايته بقوله تعالى: { قل من يكلؤكم ~~بالليل والنهار من الرحمن } [الأنبياء: 42] يشير إلى ~~أن لملوك الأرض والجبال من لو كان حراسا وأعوانا يحفظونهم بالليل ~~والنهار من الخصوم والأعداء والمنازعين، فمن لهم يحفظهم { بالليل } ~~ليل بشرية نفوسهم { والنهار } أي: نهار نور روحانيتهم من سطوات قهر ~~الجلال الذي الرحمانية من صفاته، كما أن الرحيمة من صفات الجمال بأن يبعث ~~عليهم عذابا في ظاهرهم أو باطنهم بأن يكلهم إلى ظلمة ليل بشريتهم وهي ~~الجهل؛ ليبقوا بالجهل في أسفل ms1102 سافلين النفس النفسانية إلى الأبد، أو ~~يكلهم بالخذلان إلى نهار نور الروحانية، وهو العقل ليبقوا في حجب ~~المعقولات كالفلاسفة، فإن لله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة وهي حجب ~~البشرية والرحمانية، فالمحجوبون بحجب البشرية أرجى خلاصا من المحجوبين ~~بحجب الروحانية؛ لأنهم مقرون بجهالتهم وهؤلاء معذورون بمقالتهم وهم من ~~الأخسرين. # الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا # [الكهف: 104] { بل هم عن ذكر ربهم معرضون } ~~[الأنبياء: 42] أي: أهل حجب البشرية معرضون عن ذكر ربهم، ومعرفته ~~لحسبانهم بعوارف المعقولات { أم لهم آلهة } [الأنبياء: 43] من ~~الأهواء أو البدع { تمنعهم } [الأنبياء: 43] مما هم فيه من الخذلان ~~وسطوات قهرنا { من دوننا } [الأنبياء: 43] أي: من غيرنا، ثم نفاهم ~~عن نصرهم بالعجز عن نصر أنفسهم فقال الله تعالى: { لا يستطيعون ~~نصر أنفسهم } [الأنبياء: 43] في طلب الحق { ولا هم منا ~~يصحبون } [الأنبياء: 43] يمنعون عن إصابة سطوات قهرنا. # { بل متعنا هؤلاء } [الأنبياء: 44] من أهل حجب البشرية؛ ~~ليتمتعوا من متاع الدنيا وشهواتها { وآبآءهم } [الأنبياء: 44] أي: ~~عقلائهم من أهل الحجب الروحانية؛ ليتمتعوا بالمعقولات وينتفعوا بها { ~~حتى طال عليهم العمر } [الأنبياء: 44] وأشربوا في قلوبهم ~~بالزمان الطويل حب المعقولات { أفلا يرون } الطائفتان { أنا ~~نأتي الأرض } [الأنبياء: 44] أي: أنا إذا نظرنا إلى أرض البشرية ~~{ ننقصها من أطرافهآ } خاصية البشرية من طرف البشرية، وخاصية ~~الروحانية من طرف الروحانية؛ يعني: مهما تداركت العناية كلتا الطائفتين ~~لا تطلب مشاربهما من حظوظ البشرية والروحانية بحقوق الواردات الربانية { ~~أفهم الغالبون } [الأنبياء: 44] أم نحن، بل الله غالب على أمره. ### || [21.45-50] # وبقوله تعالى: { قل إنمآ أنذركم بالوحي ولا يسمع ~~الصم الدعآء إذا ما ينذرون } [الأنبياء: 45] يشير إلى أنه ~~ليس للأنبياء والأولياء إلا الإنذار والنصح وليس لهم إسماع الصم، وهم ~~الذين لعنهم الله في الأزل بالطرد عن جوار الحضرة إلى أسفل الدنيا، ~~وأصمهم وأعمى أبصارهم بحبها، وطلب شهواتها، فلا يسمعون ما ينذرون به، ~~وإنما الاستماع لله تعالى لا للخلق كما قال الله تعالى: # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم # [الأنفال: 23]. # وفي قوله تعالى: { ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ms1103 ~~ليقولن يويلنآ إنا كنا ظالمين } [الأنبياء: 46] ~~إشارة إلى أن أهل الغفلة والشقاق لا ينتبهون بتنبيه الأنبياء، ونصح ~~الأولياء في الدنيا حتى يمسهم أمر من آثار عذاب الله بعد الموت، فإن ~~الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا # فاعترفوا بذنبهم # [الملك: 11] ونادوا بالويل والثبور على أنفسهم بما كانوا ظالمين. # وفي قوله تعالى: { ونضع الموازين القسط ليوم ~~القيامة فلا تظلم نفس شيئا } [الأنبياء: 47] إشارة إلى ~~أن الموازين على قسمين: موازين الفضل، وموازين العدل: # * فأما موازين الفضل: فقد وضعت في المبدأ الأول حين قسمت الأشياء كما ~~قال: # نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا # [الزخرف: 32] قورن بها أولا أعظم وزن لمحمد صلى الله عليه وسلم كما قال ~~الله تعالى: # وكان فضل الله عليك عظيما # [النساء: 113] ثم وزن بها للرسل ورجع لبعضهم كما قال الله تعالى: # تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض # [البقرة: 253] ثم وزن بها للأولياء المحبوبين كما قال الله تعالى: # فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ~~أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ~~يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ~~ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله واسع عليم # [المائدة: 54] ثم وزن بها للمؤمنين فقال الله تعالى: # ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم ~~من أحد أبدا # [النور: 21] ثم وزن بها لبني آدم عموما بقوله تعالى: # ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر ~~والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم ~~على كثير ممن خلقنا تفضيلا # [الإسراء: 70]. # * وأما موازين العدل: فقد وضعت للمداد وهو يوم القيامة # تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم # [غافر: 17] وذلك؛ لأن العالم بما فيه خلق كشجرة لثمرتها ولها بذر، فقسم ~~بذرها في المبدأ بميزان الفضل رعاية لمصلحة الشجرة ولو وزن بميزان العدل ~~ما تم أمر الشجرة للتسوية في القسمة؛ لأنه لو لم يكن الفضل مخصوصا ~~ببعضها دون بعض ما كان للشجرة ثمرة ولا للثمرة شجرة، فإذا تم أمر الشجرة ~~وأثمرت فاقتضت الحكمة بأن وزن لها في الآخرة بميزان العدل؛ لإيصال الماء ~~بالسوية إلى أجزاء الشجرة رعاية لصلاح الشجرة والثمرة { وإن ms1104 كان ~~مثقال حبة من خردل أتينا بها } [الأنبياء: 47] إلى ~~موضع صالح { وكفى بنا حاسبين } [الأنبياء: 47] في رعاية صالح ~~الشجرة والثمرة من المبدأ إلى المعاد. # ثم أخبر عن إيتاء الفرقان لموسى بن عمران بقوله تعالى: { ولقد ~~آتينا موسى وهارون الفرقان } [الأنبياء: 48] يشير إلى أن ~~النور الذي هو يفرق بين الحق والباطل، بل بين الخلق والخالق والحدوث ~~والقدم نور يقذفه الله تعالى في قلوب عباده المخلصين من الأنبياء ~~والمرسلين والأولياء الكاملين، ولا يحصل بتكرار العلوم الشرعية، ولا ~~بالأفكار العقلية، وله { وضيآء } [الأنبياء: 48] يتعظ به { وذكرا ~~للمتقين } [الأنبياء: 48] { الذين يخشون ربهم ~~بالغيب وهم من الساعة مشفقون } [الأنبياء: 49] الذين ~~يتقون عن الشرك بالتوحيد، وعن الطبع بالشرع، وعن الرياء بالإخلاص، وعن ~~الخلق بالخالق، وعن الأنانية بالهوية. # { وهذا ذكر مبارك } [الأنبياء: 50] لمن يتعظ له، ويعلم أن ~~اتعاظه به إنما هو من نور { أنزلناه } [الأنبياء: 50] في قلبه لا من ~~نتائج عقله وتفكيره فيه { أفأنتم له منكرون } [الأنبياء: 50] ~~أي: تنكرون على أنه نور من هدايتنا. ### || [21.51-59] # { ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل } [الأنبياء: 51] ~~أي: شرفناه بنور الخلة ومن قبل خلقه؛ لأن اتخاذ الله إياه خليلا كان في ~~الأزل، فإن الكلام الأزلي ناطق { وكنا به عالمين } [الأنبياء: ~~51] أي: بأهليته للخلة واستحقاقه للرشد والهداية؛ لأنا خلقناه مستعدا ~~للهداية والكرامة ألا يعلم من خلق. # { إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي ~~أنتم لها عاكفون } [الأنبياء: 52] يعني: لو لم يكن آثار رشدنا ~~لما رأى بنور الرشد ظلمة شركهم وعكوفهم للأصنام لما قال: { إذ قال ~~} فيه إشارة إلى: أحوال الذين فاتهم يرون أهل الدنيا بنور الرشد، عاكفين ~~لأصنام الهوى والشهوات، يقولون لهم: { ما هذه التماثيل ~~التي أنتم لها عاكفون } ولو لم يكن نور الرشد والهداية من ~~الله لكانوا معهم عاكفين لها، وما رأوها بنظر التماثيل. # { قالوا وجدنآ آبآءنا لها عابدين } [الأنبياء: 53] فيه ~~إشارة إلى أن التقليد غالب على الخلق كافة في عبادة الهوى والدنيا إلا من ~~أتاه الله رشده، فيقول لأهل الأهواء والبدع بنور التحقيق والرشد: { قال ~~لقد كنتم أنتم وآبآؤكم في ms1105 ضلال مبين * قالوا ~~أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين } [الأنبياء: ~~54-55] بهذه يشير إلى عابدي الهوى من غير الإسلام؛ إذ سمعوا كلام أهل ~~التحقيق في بيان سبيل الرشاد، وقالوا بالاستهزاء: أجئت بما يرشدنا بالحق ~~وندعو إليه أم تلاعب معنا، فيه إشارة لطيفة، وهي: كما أن أهل الصدق ~~والطلب يرون أهل الدنيا لاعبين واتخذوا الدنيا لعبا ولهوا كقوله تعالى: # قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون # [الأنعام: 91] كذلك أهل الدنيا يرون أهل الدين لاعبين، وأمر الدين لعبا ~~ولهوا. # وبقوله تعالى: { قال بل ربكم رب السموت والأرض ~~الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين } ~~[الأنبياء: 56] يشير إلى أن إيمان الخليل عليه السلام كان إيمانا ~~إيقانيا، بل عيانيا بقوله: { وأنا على ذلكم من ~~الشاهدين } [الأنبياء: 56] أي: الحاضرين الناظرين في ملكوتهما بيد ~~قدرته كما قال الله تعالى: # فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء # [يس: 83] وكما قال تعالى: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض ~~وليكون من الموقنين # [الأنعام: 75]. # وبقوله تعالى: { وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن ~~تولوا مدبرين * فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم ~~لعلهم إليه يرجعون } [الأنبياء: 57-58] يشير إلى أن ~~الإنسان إذا وكل إلى نفسه وطبعه ينحت من هوى نفسه أصناما كما كان أبو ~~إبراهيم آزر ينحت الأصنام، وإذا أدركته العناية الأزلية أيد بالتأييد ~~الإلهي كسر أصنام الهوى، ويجعلها جدارا فضلا عن نحتها كما كان حال ~~إبراهيم عليه السلام كان يكسر من الأصنام ما ينحت أبوه، وإذا كان المرء ~~على أهل الخذلان يرى الحق باطلا والباطل حقا كما كان قوم نمرود { ~~قالوا من فعل هذا بآلهتنآ إنه لمن الظالمين ~~} [الأنبياء: 59]. ### || [21.60-64] # وبقوله تعالى: { قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له ~~إبراهيم } [الأنبياء: 60] يشير إلى أن في كسر الأصنام حصول اسم ~~الفتوة ومعناها إلى الأبد، وبقوله تعالى: { قالوا فأتوا به ~~على أعين الناس لعلهم يشهدون } يشير إلى أن في بعض ~~الكفار من لا يحكم على أهل الجناية إلا بمشهد من العدول، فكل حاكم يحكم ~~على أمتهم بالجناية من غير نية فهو أسوأ حالا منهم، ومن قوم نمرود ms1106 بقوله ~~تعالى: { قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا ~~يإبراهيم } [الأنبياء: 62]. # { قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ~~ينطقون } [الأنبياء: 63] يشير إلى أن كسر الأصنام ليس من طبيعة ~~الإنسان، بل من طبيعته أن ينحتها، فإن صدر من أحدهم كسرها فإنما هو من ~~تأييد الله وتوفيقه إياه، فلهذا { قال } عليه السلام في جوابهم { بل ~~فعله كبيرهم هذا } فإن الكبير هو الله { فاسألوهم إن ~~كانوا ينطقون } لهم عقل ونظر يشهدوا أن هذه الأفعال لا يكن ~~مصدرها إلا الله. # وفي قوله تعالى: { فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا ~~إنكم أنتم الظالمون } [الأنبياء: 64] إشارة إلى أن لكل ~~إنسان عقلا لو رجع إلى عقله وتفكره في حال لعلم صلاح حاله وفساد حاله، ~~وفيه إشارة أخرى وهي: أن العقل وإن كان يعرف الصلاح من الفساد، ويميز بين ~~الحق والباطل ما لم يكن له تأييد من الله وتوفيق منه لا يقدر على اختيار ~~الصلاح واحتراز الفساد، فيبقى مبهوتا كما كان حال نمرود. ### || [21.65-72] # وبقوله تعالى: { ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ~~ما هؤلاء ينطقون } [الأنبياء: 65] إذ لم يكونوا موافقين ما ~~نفعهم ما عرفوا من الحق، ثم غيرهم إبراهيم عليه السلام على ذلك { قال ~~أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا ~~يضركم * أف لكم } أي: أف لعقولكم { ولما تعبدون من ~~دون الله أفلا تعقلون } [الأنبياء: 67] أفلا تستعملون العقل ~~الذي ميزتم به بين الحق والباطل. # وفي قوله تعالى: { قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن ~~كنتم فاعلين } [الأنبياء: 68] إشارة إلى أن الله تعالى إذا أراد ~~أن يكمل العبد من عباده المخلصين يفديه خلقا عظيما، كما أنه تعالى إذا ~~أراد استكمال حوت في البحر يفديه كثيرا من الحيتان الصغار، فلما أراد ~~تخليص إبريزة الخلة من غش البشرية جعل نمرود وقومه مذلة لإبراهيم عليه ~~السلام حتى أجمعوا بعد أن علموا أنهم ظالمون، فوضعوه في المنجنيق ورموه ~~إلى النار، فانقطع رجاءه عن الخليقة بالكلية متوجها إلى الله مسلما ~~نفسه إليه حتى أن جبريل عليه السلام أدركه في الهوى فامتحنه بقوله: هل لك ~~من حاجة؟ ما ms1107 كان فيه بقية من الوجود ما تعلق به الحاجة فقال: أما إليك ~~فلا، فقال له جبريل: ربك امتحانا له خفي سره عن جبريل غيره، فقال: حسبي ~~من سؤال علمه بحال، وما أظهر عليه حاله، فأدركته العناية الأزلية بقوله ~~تعالى على كافة الخلق، بل على جميع الأشياء. # وبقوله تعالى: { وأرادوا به كيدا فجعلناهم ~~الأخسرين } [الأنبياء: 70] يشير إلى أن إرادة كيدهم به كانت سببا ~~لتخليصه عن غش البشرية كما قال تعالى: { ونجيناه ولوطا إلى ~~الأرض التي باركنا فيها للعالمين } [الأنبياء: 71] وهي ~~أرض الروحانية وفيه إشارة أخرى؛ أي: ونجينا إبراهيم الروح، ولوط القلب من ~~أرض البشرية وصفاتها إلى الأرض الروحانية التي باركنا فيها للعالمين، ~~وبركة الله أن يتجلى لها، فتشرق لأهل الروحانية، كما قال تعالى: # وأشرقت الأرض بنور ربها # [الزمر: 69] أي: أشرقت أرض الروحانية بنور تجلي صفة الربوبية الربانية. # ثم يشير عن مواهب الربوبية لأرباب العبودية بقوله تعالى: { ووهبنا ~~له إسحاق ويعقوب نافلة } [الأنبياء: 72] يشير إلى أن ~~الصلاحية من المواهب أيضا وحصيلة الصلاحية حسن الاستعداد النظري لقبول ~~الفيض الإلهي. ### || [21.73-77] # { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا } [الأنبياء: 73] ~~يشير إلى أن الأمانة أيضا من المواهب، فينبغي أن يكون الإمام هاديا ~~بأمر الله لا بالطبع والهوى، وإن كان له أهلية الهداية. # وبقوله تعالى: { وأوحينآ إليهم فعل الخيرات ~~وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة وكانوا لنا عابدين ~~} [الأنبياء 73] يشير إلى أن هذه المعاملات لا يصدر من الإنسان إلا ~~بالوحي للأنبياء وبالإلهام للأولياء، وإلا طبيعة نفس الإنسان أن تكون ~~أمارة بالسوء، وبقوله تعالى: { ولوطا آتيناه حكما وعلما } ~~[الأنبياء: 74] يشير إلى أن الحكمة الحقيقية والعلم النافع أيضا من ~~مواهب الله وفضله يؤتيهما من يشاء. # وبقوله تعالى: { ونجيناه من القرية التي كانت ~~تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين } ~~[الأنبياء: 74] يشير إلى أن النجاة من الجليس السوء من المواهب والاقتران ~~معهم من الخذلان، وقوله تعالى: { وأدخلناه في رحمتنآ ~~إنه من الصالحين } [الأنبياء: 75] إشارة إلى أن الرحمة على ~~نوعين: خاص وعام؛ فالعام: منها يصل إلى كل بر وفاجر كقوله تعالى: # ورحمتي وسعت كل شيء ms1108 # [الأعراف: 156] والخاص: لا يكون إلا للخواص وهو الدخول في الرحمة، وذلك ~~متعلق بالمشيئة وحسن الاستعداد، قال: { إنه من الصالحين } ~~[الأنبياء: 75] أي: من المستعدين؛ لقبول فيض رحمتنا والدخول فيها، وهو ~~إشارة إلى مقام الوصول، فافهم جيدا كقوله تعالى: # يدخل من يشآء في رحمته # [الإنسان: 31]. # { ونوحا إذ نادى من قبل } [الأنبياء: 76] أي: من قبل أن ~~يخرج من كتم العدم. { فاستجبنا له فنجيناه وأهله ~~من الكرب العظيم } [الأنبياء: 76] وهو كتم العدم، وهذا أيضا ~~من المواهب { ونصرناه من القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا } [الأنبياء: 77] أي: ميزناه وهديناه من بين قوم خذلناهم { ~~إنهم كانوا قوم سوء } [الأنبياء: 77] في تقدير الأزل { ~~فأغرقناهم } [الأنبياء: 77] في لجي بحر البشرية في ماء هوى ~~النفسانية { أجمعين } [الأنبياء: 77] ليتحقق أن الهداية والخذلان ~~منه سبحانه وتعالى. ### || [21.78-82] # ثم أخبر عن الحكمين المختلفين بقوله تعالى: { وداوود وسليمان ~~إذ يحكمان في الحرث } [الأنبياء: 78] يشير إلى أنا كنا ~~حاضرين في حكمهما معها بالتأييد إنما حكما بإرشادنا لهما، ولم يحط أحد ~~منهما في حكمه إلا إنا أردنا تشييد بناء الاجتهاد بحكمهما عزة وكرامة ~~للمجتهدين؛ ليتقدوا بهما مستظهرين بمساعيهم المشكورة في الاجتهاد. # وبقوله تعالى: { ففهمناها سليمان } [الأنبياء: 79] يشير ~~إلى: رفعة درجة بعض المجتهدين على بعض، وإن الاعتبار في الكبر والفضيلة ~~بالعلم، وفهم الأحكام والمعاني، والأسرار لا بالسن، فإنه فهم بالأحق ~~والأصوب وهو ابن صغير وداود نبي مرسل كبير، ثم قال تعالى: { وكلا ~~آتينا حكما وعلما } [الأنبياء: 79] أي: حكمة وعلما؛ ليحكم كل ~~واحد منهما موافقا للعلم والحكمة بتأييدنا، وإن كان مخالفا في الحكم ~~لحكمنا؛ ليتحقق صحة أمر الاجتهاد، وأن لكل مجتهد مصيب. # وبقوله تعالى: { وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن ~~والطير وكنا فاعلين } [الأنبياء: 79] يشير إلى أن الذاكر ~~لله إذا استولى عليه سلطان الذكر تتنور أجزاء وجوده بنور الذكر فيتجوهر ~~قلبه وروحه بجوهر الذكر، فربما ينعكس نور الذكر من مرآة القلب إلى ما ~~يحاذيها من الجمادات والحيوانات، فتنطق بالذكر معه أجزاء وجوده، وتارة ~~تذكر معه بعض الجمادات والحيوانات كما كان الحصا يسبح في يد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ms1109 والضب يتكلم معه، وروي عن بعض الصحابة أنه قال: # " كنا نأكل الطعام ونسمع تسبيحه ". # وبقوله تعالى: { وعلمناه صنعة لبوس لكم ~~لتحصنكم من بأسكم } [الأنبياء: 80] يشير إلى أن الأنبياء ~~كثيرا ما يجدوه من مواهب الله تعالى ببركة الأمة كل ما يجدون من مواهب ~~الله تعالى إنما يجدونه بتبعية الأنبياء وبركاتهم، فلهذا قال: { ~~لتحصنكم من بأسكم } [الأنبياء: 80] فيه إشارة أخرى وهي: أن ~~المعجزة التي أظهر الله تعالى على يد رسوله داود عليه السلام من الآية ~~الحديد وصنعة اللبوس كان كرامة لأمة النبي صلى الله عليه وسلم إذا لخطاب ~~معهم، ولهذا قال تعالى: { فهل أنتم شاكرون } [الأنبياء: 80] ~~أي: تشكرون نعمة الكرامة التي كرمهم بها في سورة المعجزة على داود عليه ~~السلام. # وبقوله تعالى: { ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره ~~إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء ~~عالمين } [الأنبياء: 81] يشير إلى أن كمالية الإنسان إذا بلغ مبلغ ~~الرجال البالغين من الأنبياء والأولياء، سخر الله بحسب مقامه السفليات ~~والعلويات من الملك والملكوت، فسخر لسليمان عليه السلام الريح والجن ~~والشياطين والطير والحيوانات والمعادن والنبات ومن العلويات الشمس حين ~~ردت لأجل صلاته، كما سخر لداود الجبال والطير والحديد والأحجار التي قتل ~~بها جالوت وهزم عسكرهم، فسخر لكل نبي شيئا آخر من أجناس العلويات ~~والسفليات، وسخر لنبينا صلى الله عليه وسلم من جميع أجناسها. # * فمن السفليات ما قال صلى الله عليه وسلم: # " زويت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا " # ، وقال: # " أوتيت مفاتيح خزائن الأرض " # ، وكان الماء ينبع من بين أصابعه. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالزبور " # وكانت الأشجار تسجد له، وتسلم عليه، وتسجد له، وتنقلع بإشارته عن مكانها ~~وترجع، والحيوانات كانت تتكلم معه، وتشهد بنبوته، وقال صلى الله عليه ~~وسلم: # " أسلم شيطاني على يدي " # وغيره من السفليات. # * وأما العلويات: فقد انشق القمر بإشارة وسخر له البراق وجبريل ~~والرفوف، وعبر عن السماوات السبع والعرش والكرسي والجنة والنار إلى أن ~~بلغ مقام قاب قوسين، أو أدنى، فما بقي شيء من الموجودات إلا وقد سخر له. # وبقوله تعالى: ms1110 { ومن الشياطين من يغوصون له ~~ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين } ~~[الأنبياء: 82] يشير إلى أنا كنا سخرنا الشياطين له؛ ليعملون له أعمالا ~~والغوص والصنائع التي يصنعون بحفظ الله ما لا يقدرون عليه الآن. ### || [21.83-87] # ثم أخبر عن أجر من مسه الضر بقوله تعالى: { وأيوب إذ نادى ~~ربه } [الأنبياء: 83] يشير إلى أن كل ما كان لأيوب عليه السلام من ~~الشكر والشكاية في تلك الحالة كان مع الله لا مع غيره إذ نادى ربه، وإلى ~~أن بشرية أيوب عليه السلام كانت تتألم بالضر وهو يخبر عنها ولكن روحانيته ~~المؤيدة بالتأييد الإلهي تنظر بنور الله، وترى في البلاء كمال عناية ~~المبلى وعين رحمته في تلك الصورة وتربية لنفسه؛ ليبلغها مقام الصبر ورتبة ~~نعم العبد وهو يخبر عنها ويقول: { أني مسني الضر } ~~[الأنبياء: 83] من حيث البشرية، ولكن أرى بنور فضلك أنك { أرحم ~~الراحمين } [الأنبياء: 83] علي بأنك ترحم علي بهذا البلاء ومس الضر ~~وقوة الصبر عليه؛ لتفني نفسه عن صفاتها وهي العاجلة وتبقى بصفاتك، ومنها ~~الصبر والصبر من صفات الله تعالى لا من صفات العبد لقوله تعالى: # واصبر وما صبرك إلا بالله # [النحل: 127] والصبور هو الله تعالى: # وبقوله تعالى: { وأنت أرحم الراحمين } [الأنبياء: 83] كان ~~مستدعيا رحمته منه في إفناء النفس وصفاتها التي يجذبها ألم الضر والضر ~~الحقيقي هو وجوده وألمنا ألم به؛ ليبقى بجود رحمته لا برحمة وجوده، فقال ~~الله تعالى: { فاستجبنا له } [الأنبياء: 84] مأموله وأعطينا ~~سؤاله { فكشفنا ما به من ضر } [الأنبياء: 84] ضر به الوجود { ~~وآتيناه أهله } [الأنبياء: 84] أي ما هو أهله { ومثلهم ~~معهم } [الأنبياء: 84] أي: ضعف ما كان مأمولة أعطينا له { رحمة ~~من عندنا } [الأنبياء: 84] أي: بتجلي صفة رحمتنا له. { وذكرى ~~للعابدين } [الأنبياء: 84] أي: تذكارا للطالبين. # ثم أخبر عن الطلاب وسماهم في الكتاب بقوله تعالى: { وإسماعيل ~~وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين } [الأنبياء: 85] ~~يشير إلى أن إسماعيل عليه السلام قد صبر عند ذبحه وقال: # يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله من ~~الصابرين # [الصافات: 102] وإدريس عليه السلام قد صبر على دراسته ms1111 الكتب، وإنما سمي ~~إدريس؛ لكثرة دراسته، وذا الكفل لأنه قد صبر على صيام النهار وقيام الليل ~~وأذى الناس في الحكومة بينهم بألا يعقب، وفيه إشارة إلى أن كل من صبر ~~على طاعة الله، أو عن معصية، أو على ما أصابه من مصيبة في المال والأهل ~~ونفسه، فإنه بقدر وصبر يستوجب رتبته نعمة العبدية، ويصلح لإدخاله في ~~رحمته المخصوصة كما قال الله تعالى: # وأدخلناه في رحمتنآ إنه من الصالحين # [الأنبياء: 75]. # ثم يشير عمن لم يصبر ويعترف بالعجز عن الصبر وعليه يستغفر بقوله ~~تعالى: { وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن ~~نقدر عليه } [الأنبياء: 87] يشير إلى أن الإنسان إذا غضب يلتبس ~~عليه عقله، ويحتجب عنه نور إيمانه حتى يظن بالله ما لا يليق بجلاله ~~وعظمته ولو كان نبيا وسعى في قطع تعلقاتهما وهو متابع للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، فلا كفران لسعيه وأمثاله كما يبتون في الأزل من المحبين ~~والمحبوبين. ### || [21.95-101] # ثم أخبر عن الهالكين بقوله تعالى: { وحرام على قرية ~~أهلكناهآ أنهم لا يرجعون } [الأنبياء: 95] يشير إلى أن ~~قلوب أهل الأهواء والبدع المهلكة باعتقاد السوء ومخالفات الشرع أنهم لا ~~يتوبون إلى الله تعالى. { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج ~~وهم من كل حدب ينسلون } [الأنبياء: 96] يشير إلى: سد ~~يأجوج النفس ومأجوج الهوى، وسد أحكام الشريعة، وفتح السد مخالفات الشرع ~~وموافقات الطبع، وهو إشارة إلى دواعي النفس (من كل حدب)؛ أي: من ~~كل معدن شهوة من المبصرات والمسموعات والمذوقات والملموسات والمنكوحات ~~والملبوسات والمركوبات والتخيلات وطمع المناصب وحرص الأموال والصفات ~~وأمثالها يخرجون ويفسدون ما يمرون عليه من القلب والسر والروح بامتناعهم، ~~واقترب الوعد الحق أن يصمهم ويعمي أبصارهم ويقلب أفئدتهم. # { فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا } [الأنبياء: ~~97] أي: أبصار القلوب المهلكة بالأهواء ويقولون: { يويلنا قد ~~كنا في غفلة من هذا } [الأنبياء: 97] الذي أصابنا { بل ~~كنا ظالمين } [الأنبياء: 97] بعبادتنا الدنيا وشهواتها، والنفس ~~ودواعيها، وامتناعنا عبادة الحق تعالى فتخاطبهم عزة الجبروت { إنكم ~~وما تعبدون من دون الله } [الأنبياء: 98] من الهوى والنفس ~~والشيطان والدنيا { حصب جهنم } [الأنبياء: ms1112 98] قهرنا تحترقون ~~بنار القطيعة { أنتم لها واردون } [الأنبياء: 98] مخلدا { لو ~~كان هؤلاء } [الأنبياء: 99] الذين تعبدون. # { آلهة ما وردوها } [الأنبياء: 99] أي: جهنم القهر { وكل ~~فيها خالدون } [الأنبياء: 99] ولا يتخلصون عنها { لهم فيها ~~زفير } [الأنبياء: 100] من عذاب نار القطيعة { وهم فيها لا ~~يسمعون } [الأنبياء: 100] الحق عن الحق، ثم نزه المسبوقين ~~بالعناية عن هذه الأحوال بقوله تعالى: { إن الذين سبقت لهم ~~منا الحسنى } [الأنبياء: 101] أي العناية الأزلية { ~~أولئك عنها } [الأنبياء: 101] عن جهنم قهر الحق من آثار سبق ~~العناية الأزلية { مبعدون * لا يسمعون حسيسها } ~~[الأنبياء: 101-102] أي: حسيس جهنم القهر، وحسيسها مقالات أهل الأهواء ~~والبدع، وأدلة الفلاسفة وبراهينهم بالعقول المشوبة بالوهم والخيال وظلمة ~~الطبيعة. ### || [21.102-106] # قوله تعالى: { وهم في ما اشتهت أنفسهم } [الأنبياء: 102] ~~المطمئنة المركونة المجذوبة إلى الحضرة من المشاهدات والمكاشفات ~~والمعاينات، ودخول الجنة المضافة إلى الحق، وهي السير في الله بقوله ~~تعالى: # يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك # [الفجر: 27-28] { خالدون * لا يحزنهم الفزع الأكبر } ~~[الأنبياء: 102-103] وهو قوله تعالى في الأزل: هؤلاء في الجنة ولا أبالي ~~{ وتتلقاهم الملائكة } [الأنبياء: 103] المبشرون بالوصول ~~والوصال { هذا يومكم الذي كنتم توعدون } [الأنبياء: ~~103] بالرؤية والعقل والنوال بقوله تعالى: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22-23]. # ثم أخبر عن أحوال هذا اليوم وأهواله بقوله تعالى: { يوم نطوي ~~السمآء كطي السجل للكتب } [الأنبياء: 104] يشير إلى طي ~~سماء الوجود الإنساني بتجلي صفة الجلال في إفناء الوجود من الانتهاء إلى ~~الابتداء { كما بدأنآ أول خلق نعيده } [الأنبياء: 104] ~~من ابتداء النطفة بالتدريج من خلق النطفة علقة، ومن خلق العلقة مضغة، ومن ~~خلق المضغة عظاما إلى انتهاء خلق الإنسانية كما قال تعالى: # ثم أنشأناه خلقا آخر # [المؤمنون: 14] يعيد من انتهاء الوصف الإنساني إلى الوصف الحيواني، وصف ~~الحيوانية إلى وصف النباتية، ومن وصف النباتية إلى وصف المركبية، ومن وصف ~~المركبية إلى وصف مفردات العنصرية، ومن المفردية إلى وصف الكونية، ومن ~~وصف الملكوتية إلى وصف الروحانية، ومن وصف الروحانية إلى وصف الربوبية ~~بجذبة: # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28]. # { وعدا علينآ } [الأنبياء: 104] في الأزل { إنا كنا ms1113 ~~فاعلين } [الأنبياء: 104] للأبد { ولقد كتبنا في الزبور ~~} [الأنبياء: 105] يشير إلى أم الكتاب في الأزل { من بعد الذكر } ~~[الأنبياء: 105] من بعد أحوال أهل الذكر المطوي له سماء الوجود { أن ~~الأرض } [الأنبياء: 105] أي: أرض الجنة الوجود { يرثها عبادي ~~الصالحون } [الأنبياء: 105] من غير المحبين والمحبوبين { إن في ~~هذا لبلاغا لقوم عابدين } [الأنبياء: 106] وهم الذين ~~كان مشربهم من الأعمال متابعين للنبي صلى الله عليه وسلم. ### || [21.107-112] # { ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين } [الأنبياء: ~~107] من أهل الذكر وأرباب المحبة من أهل العبادة وأصحاب الأعمال. # { قل إنمآ يوحى إلي أنمآ إلهكم إله ~~واحد } [الأنبياء: 108] يا أهل الجنة ويا أهل العناية { فهل ~~أنتم مسلمون } [الأنبياء: 108] أي: مستسلمون له؛ ليبلغكم من ~~مقام العبادة إلى مقام المحبة، ومن مقام المحبة إلى مقام الوصلة { فإن ~~تولوا } [الأنبياء: 109] أهل الأهواء والطبيعة عن قبول الدعوة ~~والرجوع إلى الحق. { فقل ءاذنتكم على سوآء } [الأنبياء: ~~109] أعمالكم يا أهل الحق والباطل { على سوآء } أي: على سوائه في ~~الاستهزاء إلى طريق الحق ما فرقت بينكم في النصح وتبليغ الرسالة { وإن ~~أدري أقريب أم بعيد } [الأنبياء: 109] في الوصول إليكم { ~~ما توعدون } [الأنبياء: 109] من ثمرات سعادة قبول الدعوة ونتائج ~~شقاوة الدعوة. # { إنه يعلم الجهر من القول } [الأنبياء: 110] أي: ~~يعلم ما تجهرون من دعاء الإسلام والإيمان والزهد والصلاح والمعارف { ~~ويعلم ما تكتمون } [الأنبياء: 110] من الصدق والإخلاص والرياء ~~والسمعة والنفاق { وإن أدري لعله } [الأنبياء: 111] ما تظهرون ~~وما تكتمون من الحق والباطل { فتنة لكم } [الأنبياء: 111] أي: ~~اختبار لكم وابتلاء { ومتاع إلى حين } [الأنبياء: 111] أي: إلى ~~حين مجازاتكم بالثواب والعقاب. # وبقوله تعالى: { قال رب احكم بالحق } [الأنبياء: 112] يشير ~~إلى: ألا تطلب من الله ولا تطمع في حق المطيع والعاصي إلا ما هو ~~مستحقه، وقد جرى حكم الله فيهما في الأزل { وربنا الرحمن ~~المستعان على ما تصفون } [الأنبياء: 112] يشير إلى رحمته ~~غير متناهية وهو ممن يستعان به في طلب الرحمة على أهل الحق والباطل ~~الموصوفين بهما. ### | [22 - سورة الحج] ### || [22.1-5] # { يأيها الناس اتقوا ربكم } [الحج: 1] يشير إلى أن من ~~نسي الله تعالى واشتغل بما ms1114 دونه عنه بقوله تعالى: { اتقوا ربكم ~~} [الحج: 1] عما سواه كما يقال: اتقى فلان بنفسه { إن زلزلة ~~الساعة شيء عظيم } [الحج: 1] وهي: أن الساعة من عظم شأنها أن ~~يكون فيها كل شيء هالك إلا وجهه بقوله تعالى: { يوم ترونها ~~تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت } [الحج: 2] يشير إلى: مواد ~~الأشياء، فإن لكل شيء مادة وهي ملكوتة ترضع رضيعها من الملك، وذهولها عنه ~~بهلاك استعدادها للإرضاع { وتضع كل ذات حمل حملها } ~~[الحج: 2]، وهي ما يسمى هيولي، فإنها حاصل بالصورة؛ أي: يسقط حمل الصورة ~~الشهادية بهلاك الهيولى. # وبقوله تعالى: { وترى الناس سكارى وما هم بسكارى } ~~[الحج: 2] يشير إلى أن ما يكون في القيامة مصورا بصورة تناسب ذلك العلم ~~إنما يكون متشابها بمصورات ما في الدنيا، وهو من عالم المعنى لا من عالم ~~الصورة يدل عليه قراءة من قرأ: { وترى الناس سكارى } [الحج: 2] ~~بضم التاء من الإراءة؛ أي: يرونهم سكارى بالصور { وما هم بسكارى ~~} [الحج: 2] في الحقيقة نظيره قوله تعالى: # وأتوا به متشبها # [البقرة: 25]. # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: لا يشبه شيء في الجنة شيئا مما في ~~الدنيا إلا بالاسم، فترى فيها في صورة ما في الدنيا، ولا تكون حقيقته مثل ~~حقيقته: * فمن الناس: من يكون سكره من الغفلة والعصيان. # * ومنهم: من يكون سكره من شراب حب الدنيا وشهواتها. # * ومنهم: من يكون سكره من شراب التنعم. # * ومنهم: من يكون سكره من شراب الحكم والسلطنة. # * ومنهم: من يكون سكره من شراب ذوق الطاعة. # * ومنهم: من يكون سكره من شراب لذة العلم. # * ومنهم: من يكون سكره الشوق. # * ومنهم: من يكون سكره من شراب المحبة. # * ومنهم: من يكون سكره من شراب الوصال. # * ومنهم: من يكون سكره من شراب المعرفة. # * ومنهم: من يكون سكره من شراب المحبية والمحبوبية كما قال بعضهم: لي ~~سكرتان وللندمان واحدة شيء خصصت به من دونهم وحدي، ولكن عذاب الله شديد: # * فمن الناس من يعذب بنار الفراق. # * ومنهم: من يعذب بناء الاشتياق. # * ومنهم: من يعذب بنار شواهد بعظام مألوفاته الدنياوية من نار جهنم. # * ومنهم: ms1115 من بعذب بنار القطيعة. # * ومنهم: من يعذب بنار شواهد # إني آنست نارا # [طه: 10]. # * ومنهم: من يعذب بنار نور تجلي صفة الجمال. # * ومنهم: من يعذب باستيلاء نار تجلي صفة الجلال إذا مسته النار بدلا ~~عمن لم تمسسه نار. # * ومنهم: من يعذب بنار الفناء في النار والبقاء بالنار كقوله تعالى: # أن بورك من في النار ومن حولها # [النمل: 8] وكانت استعاضة النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: # " كلميني يا حميراء " # من فوران ثائرة هذه النار وهيجانها، والله أعلم. # ثم أخبر عن معاملة أرباب المجادلة بقوله تعالى: # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم # [لقمان: 20] يشير إلى أن من يجادل في الله ما له علم بالله ولا معرفة ~~به، وإلا لم يجادل فيه ويستسلم له، وإنما يجادل في الله؛ لأنه { ~~ويتبع كل شيطان مريد } [الحج: 3] من شياطين الجن ~~والإنس. # وبقوله تعالى: { كتب عليه أنه من تولاه فأنه ~~يضله ويهديه إلى عذاب السعير } [الحج: 4] يشير إلى ~~أنه قد قضى الله سبحانه على كل شيطان من الجن والإنس أن من يتبعه ويتولاه ~~فإنه يضله على الصراط المستقيم والدين القويم؛ فأما الشيطان الجني، ~~فبالوسواس والتسويلات وإلقاء الشبهة، وأما الشيطان الإنسي، فبإيقاعه في ~~مذاهب أهل الأهواء والبدع، والفلاسفة والزنادقة المنكرين البعث، ~~والمستدلين بالبراهين المعقولة المشوبة بشوائب الوهم والخيال وظلمة ~~الطبيعة، فيستدل بشبهتهم ويستدل بعقائدهم حتى يصير من جملتهم، ويعد في ~~زمرتهم كما قال الله تعالى: # ومن يتولهم منكم فإنه منهم # [المائدة: 51] ويهديه بها الاستدلالات والشبهات إلى عذاب السعير ~~والقطيعة والحرمان. # وبقوله تعالى: { يأيها الناس إن كنتم في ريب من ~~البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ~~ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير ~~مخلقة } [الحج: 5] يشير إلى ناس قد نسي خلقه وأنكر البعث كما قال ~~تعالى: # وضرب لنا مثلا ونسي # [يس: 78]. # ثم استدل على البعث بقوله تعالى: { فإنا خلقناكم } [الحج: 5] ~~منها { من تراب } [الحج: 5] أي: كنتم ترابا ميتا، فبعثنا بأن ~~خلقنا منه آدم حيا، ثم بعثنا منه النطفة، ثم بعثناها بأنا خلقنا منها ~~العلقة، ثم ms1116 بعثناها بأن خلقناها مضغة، ثم بعثناها بأن خلقناها مخلقة؛ أي ~~منفوخة فيها الروح، وغير مخلقة؛ أي: صورة لا روح فيها { لنبين ~~لكم } [الحج: 5] أمر البعث والنشور. # { ونقر في الأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى } ~~[الحج: 5] فيه إشارة إلى أن أطفال المكونات كانوا في أرحام أمهات العدم ~~مقرين بتقرير الحق إياهم فيه، ولكل خارج منها أجل مسمى بالإرادة القديمة ~~والحكمة الأزلية، فلا يخرج طفل مكون من رحم العدم إلا بمشيئة الله أوان ~~أجله، وهذا رد على الفلاسفة فإنهم يقولون بقدم العالم ويستدلون في ذلك هل ~~كان لله في الأزل أسباب الإلهية في إيجاد العالم بالكمال أم لا؟ # وإن قلنا: لم تكن، فقد أثبتنا له نقاصا، فالناقص لا يصلح للإلهية، وإن ~~قلنا: قد كان له أسباب الإلهية بالكمال فلا مانع فقد لزم إيجاد العالم في ~~الأزل بلا تقدم زماني للصانع على المصنوع، بل بتقدم رتبتي فنقول في ~~جوابهم: إن الآية تدل على أن الله تعالى كان في الأزل بلا تقدم ولم يكن ~~معه شيء، وكان قادرا على إيجاد ما يشاء كيف يشاء، ولكن الإرادة الأزلية ~~اقتضت بالحكمة الأزلية أجلا مسمى بإخراج طفل العالم من رحم العدم أوان ~~أجله، وإن لم يكن قبل وجود العالم أوان، وإنما كان مقدرا لأوان في أيام ~~الله تعالى التي لم يكن لها صباح ولا مساء كما قال الله تعالى: # وذكرهم بأيام الله # [إبراهيم: 5]. # وبقوله تعالى: { ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا ~~أشدكم } [الحج: 5] يشير إلى أن كل طفل من أطفال المكونات يخرج من ~~رحم العدم مستعدا للتربية وله كمال يبلغه بالتدريج { ومنكم من ~~يتوفى } [الحج: 5] أي: من المكونات ما ينعدم قبل بلوغ كماله { ~~ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } [الحج: 5] أي: ومنها ~~ما يبلغ حد كمالهم يتجاوز عن حد الكمال فيؤول إلى ضد الكمال لئلا يبقى ~~فيه من أوصاف الكمال شيء، وذلك معنى قوله تعالى: { وترى الأرض ~~هامدة } [الحج: 5]. # { لكيلا يعلم من بعد علم شيئا } [الحج: 5] ثم شرح حال ~~تربية طفل من المكونات إلى أن يبلغ حد كماله ms1117 فبقوله تعالى: { وترى ~~الأرض هامدة } [الحج: 5] أي: طفل الأرض قطفة ميتة، فإذا أنزلنا ~~عليها الماء ماء القدرة والحياة { فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~اهتزت وربت } [الحج: 5] بالتربية { وأنبتت من كل ~~زوج بهيج } [الحج: 5] وهو حد كماله. ### || [22.6-10] # وفيه أنموذج من البعث، وذلك لعلموا { بأن الله هو الحق } ~~[الحج: 6] في الإلهية { وأنه يحيي الموتى } [الحج: 6] كما ~~أحيى ميتة الأرض الهامدة، وأنه على كل شيء قدير { وأن الساعة ~~آتية لا ريب فيها } [الحج: 7] وهي أوان البعث { وأن ~~الله يبعث من في القبور } [الحج: 7] فيه إشارة إلى: إنه ~~تعالى باعث كل [مقبور] مقدر له بالخروج من قبور العدم. # ثم أخبر عن حرج ضلال أهل الجدال بقوله تعالى: { ومن الناس من ~~يجادل في الله بغير علم ولا هدى } [الحج: 8] يشير إلى ~~أن من الذاكرين من يجادل في معرفة الله، ودفع الشبهة، وبيان الطريق إلى ~~الله تعالى بالعلم بالله عز وجل، وهدى بنبيه صلى الله عليه وسلم ويشاهد ~~نص { ولا كتاب منير } [الحج: 8] يظهر بنوره الحق من الباطل، فهو ~~محمود كما أن جدال المنافق والمرائي، وأهل الأهواء والبدع المتكبر { ~~ثاني عطفه } [الحج: 9] عن الحق فيضل { ليضل عن سبيل ~~الله } [الحج: 9] في عاقبة أمره، ويضل الخلق بالشبهات والتمويهات ~~مذموم { له في الدنيا خزي } [الحج: 9] عند أهل البصيرة. # وبقوله تعالى: { ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق } ~~[الحج: 9] يشير إلى أن الأهواء والبدع # من اتخذ إلهه هواه # [الفرقان: 43] من أهل المعاصي عذاب الحريق في الدنيا بنار الشهوات ~~وعقائد السوء، ولكنه نائم بنوم القطيعة لا يذوق ألم الحرقة، فإذا مات ~~انتبه ويذيقه الله ألم عذاب الحريق، ويقول الله تعالى: الغافل الساهي ذلك ~~بما قدمت يداك تتبع الشهوات، أو استيفاء اللذات وأكل الحرام كقوله ~~تعالى: # إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا # [النساء: 10]، وقال الله للنبي صلى الله عليه وسلم: # " حفت النار بالشهوات " # وأن الله ليس بظلام للعبيد # [آل عمران: 182] بل العبيد ظلامون لأنفسهم كما قال الله تعالى: # ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [العنكبوت: 40] بأن يضعوا العبادة ms1118 والطلب في غير موضعه. ### || [22.11-16] # وبقوله تعالى: { ومن الناس من يعبد الله على حرف } ~~[الحج: 11] يشير إلى بعض الطالبين من لا صدق له ولا ثبات في الطلب، فيكون ~~من أهل التمني بطلب الله على شك، فإن أصابه خير مما يلائم نفسه وهواه أو ~~فتوحا من الغيب أطمأن به، وأقام على الطالب في الصحبة، وإن أصابته فتنة ~~بلاء وشدة وضيق في المجاهدات أو الرياضات، وترك الشهوات، ومخالفة الناس، ~~وملازمة الخدمة، ورعاية حق الصحبة، والتأدب بآداب الصحبة، والتأمل عن ~~الإخوان انقلب على وجهه بتبديل الأقوال والإنكار، والاعتراض، والتسليم ~~بالإباء، والاستكبار، والإرادة بالارتداد، والصحبة بالهجران { خسر ~~الدنيا والأخرة } [الحج: 11] أي: خسر ما كان عليه من الدنيا ~~بتركها، وخسر الآخرة بالارتداد عن الطلب والصحبة. # ومن هنا قال المشايخ مرتد الطريقة أخسر من مرتد الشريعة: { ذلك هو ~~الخسران المبين } [الحج: 11] فإن من رده قلب صاحب قلب يكون ~~مردود القلوب كلها؛ وذلك لأنه { يدعوا من دون الله } [الحج: ~~12] أي: يعبد ويطلب ما سوى الله تعالى { ما لا يضره } [الحج: 12] ~~في الآخرة إن تركه { وما لا ينفعه } [الحج: 12] إن طلبه { ذلك ~~هو الضلال البعيد } [الحج: 12] أي: جعله بعيدا من الله تعالى ~~{ يدعو لمن ضره } [الحج: 13] أي: يطلب من ضرره في الآخرة { ~~أقرب من نفعه } [الحج: 13] أي: أكثر من الانتفاع به في الدنيا ~~{ لبئس المولى } [الحج: 13] ما عبدوه وما طلبوه غير الحق { ~~ولبئس العشير } [الحج: 13] ما عاشروه في الدنيا وشهواتها. # ثم أخبر عن أهل الجنات والدرجات بقوله تعالى: { إن الله يدخل ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار } [الحج: 14] يشير إلى أنه من يدخل الجنة بمجرد ~~الإيمان التقليدي والأعمال الصالحة الخالصة لوجه الله تعالى { إن ~~الله يفعل ما يريد } [الحج: 14] أي: يوفق للإيمان الحقيقي ~~والعمل الصالح من يريد ويشاء، كقوله تعالى: # يدخل من يشآء # [الإنسان: 31]. # وبقوله تعالى: { من كان يظن أن لن ينصره الله في ~~الدنيا والآخرة } [الحج: 15] يشير إلى أن من كان ظنه بالله ظن ~~السوء بألا ينصره في الدنيا على الكفار، وفي الآخرة بألا ms1119 يدخل الجنة، ~~فإنه من الظانين بالله ظن السوء، وغضب الله عليه ولعنه، وأعد له جهنم، ~~وساءت مصيرا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رباني عن الله ~~تعالى: # " أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما يشاء " # يعني: من ظن بي خيرا أصابه خيرا، ومن ظن بي شرا أصابه شر، وفي ~~رواية أخرى قال الله تعالى: # " فليطلب طريقا إلى السماء، ثم ليقطع صادقا تقديري في الأزل ونزول ~~أحكامي من السماء، فلينظر هل يذهبن كيده؟ " # أي: هل نقطع كيده في إبطال أحكامي النازلة من السماء مما يغيظ؟ أي: سبب ~~غيظه وكذلك؛ أي: كذا ما قررنا من بطلان سعي في إبطال أحكامنا { ~~أنزلناه آيات بينات } [الحج: 16] أي: دلالات واضحات إليك يا ~~محمد { وأن الله يهدي من يريد } [الحج: 16] إلى الجنة من ~~يشاء، وفيه إشارة أخرى: { وأن الله يهدي من يريد } [الحج: ~~16] من الهداية. ### || [22.17-18] # ثم أخبر عن اختلاف أصناف الخلق بقوله تعالى: { إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس ~~والذين أشركوا } [الحج: 17] يشير إلى أنه تعالى يسأل كل صنف ~~منهم يوم القيامة على حسب استحقاقه بما وعدهم إما بالنعيم، وإما ~~بالجحيم وبالوصال، أو بالفراق، كما أعد لهم وعلى ما خلقهم، وهذا معنى ~~قوله: { إن الله يفصل بينهم يوم القيامة } [الحج: ~~17]. # ثم قال عز وجل: { إن الله على كل شيء شهيد } [الحج: ~~17] أو عالم بحال كل صنف منهم: كيف خلقهم، وفيما استمهلهم وأي مقام ومنزل ~~أعد لهم من منازل الجنة والنار ومن مقام الرب. # وبقوله تعالى: { ألم تر أن الله يسجد له من في ~~السموت ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم ~~والجبال والشجر والدوآب وكثير من الناس } ~~[الحج: 18] يشير إلى أن أهل العرفان يسجدون سجود عبادة بالإرادة والجماد ~~ومن لا يعقل، ومن لا يدين يسجدون سجود خضوع للحاجة. # وبقوله تعالى: { وكثير حق عليه العذاب } [الحج: 18] يشير ~~إلى: أهل النفاق وأهل الرياء والسمعة، فإن الله يفصل بين كل صنف منهم في ~~الثواب والعقاب على قدر استحقاقهم { ومن يهن الله } [الحج: 18] ~~في ms1120 الأزل بتقدير الشقاوة { فما له من مكرم } [الحج: 18] إلى ~~الأبد بطريق الشفاعة له { إن الله يفعل ما يشآء } [الحج: ~~18] من الأزل إلى الأبد. ### || [22.19-24] # ثم أخبر عن الخصمين المتنازعين بقوله تعالى: { هذان خصمان ~~اختصموا في ربهم } [الحج: 19] فأما اختصام النفس: ففي ~~انقطاعها عن الله تعالى وحرمانها عنه، وأما اختصام الروح مع النفس: ففي ~~انقطاعهما إلى الله ورجوعهما إليه. # { فالذين كفروا } [الحج: 19] من أرباب النفس بانقطاعهم عن الله ~~ودينه بإتباعهم الهوى وطلب الشهوات الدنياوية، ومن أصحاب الروح بإعراضهم ~~عن الله ورد دعوة الأنبياء { قطعت لهم ثياب من نار } ~~[الحج: 19] بتقطيع خياط الفناء على قدهم وهي ثياب نسجت من سدى مخالفات ~~الشرع ولحمة موافقات الطبع. # { يصب من فوق رءوسهم الحميم } [الحج: 19] أي: حميم ~~الشهوات النفسانية { يصهر به ما في بطونهم } [الحج: 20] أي: ~~يذاب ويخرج ما في قلوبهم من الأخلاق الحميدة الروحانية { ولهم ~~مقامع من حديد } [الحج: 21] أي: الأخلاق الذميمة النفسانية { ~~كلمآ أرادوا أن يخرجوا منها } [الحج: 22] أي: من نار ~~القطيعة وسعير الشهوات من غم أصابهم من خوف سوء عاقبة أمرهم { أعيدوا ~~فيها } [الحج: 22] بمقامع الأخلاق الذميمة، واستيلاء الحرص والأمر، ~~وقيل لهم: { وذوقوا عذاب الحريق } [الحج: 22] أي: عذاب ما ~~أحرقت منكم نار الشهوات من الاستعدادات الحسنة. # ثم أخبر عن حال الروح ومتابعيه من النفوس بالإيمان والأعمال الصالحة، ~~وقال تعالى: { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون ~~فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا } [الحج: 23] أي: يحليهم ~~بحلية الأسرار والحقائق والحكم البالغة { ولباسهم فيها حرير } ~~[الحج: 23] أي: شعارهم ودثارهم الأخلاق الحميدة والصدق في العبودية { ~~وهدوا إلى الطيب من القول } [الحج: 24] وهو الإخلاص في ~~قوله: لا إله إلا الله والعمل به { وهدوا إلى صراط الحميد ~~} [الحج: 24] وهو الطريق إلى الله تعالى، فإن الحميد هو الله تعالى. ### || [22.25-29] # ثم أخبر عن أحوال النفوس المتمردة والأرواح المرتدة بقوله تعالى: { ~~إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله ~~والمسجد الحرام } [الحج: 25] يشير إلى منكري هذا الشأن، فإنهم ~~مع إنكارهم وإعراضهم عن الحق يصدون الطالبين ms1121 عن طريق الله بالإنكار ~~والاعتراضات الفاسدة على المشايخ، ويقطعون الطريق على أهل الطلب؛ ليردوهم ~~على طلب الحق تعالى، وعن دخول مسجد حرام القلب، فإنه حرم الله تعالى. # { الذي جعلناه للناس } [الحج: 25] أي: جعلناه لهم بالاهتداء ~~وطلب الحق لا عليهم، كالنفس الأمارة بالإضلال، والإعراض عن الحق سواء { ~~العاكف فيه والباد } [الحج: 25] أي: يستوي في الوصول إلى مقام ~~الطلب الذي سبق إليه بمدة طويلة، والذي يصل إليه في الحال ليس لأحد فضل ~~على الآخرة إلا بالسبق إلى مقام القلب ومنازله. # وبقوله تعالى: { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه ~~من عذاب أليم } [الحج: 25] يشير إلى أن من يريد في القلب ميلا ~~عن الحق بظلم بوضع الشيء في غيره موضعه؛ لأن القلب معدن محبة الله تعالى ~~يذيقه الله تعالى عذاب البعد، والقطيعة عن الحضرة { وإذ بوأنا ~~لإبراهيم } [الحج: 26]، الروح { مكان البيت } [الحج: 26] ~~القلب، فإن تهيؤ القلوب بتدبير الأرواح وتقدير الحق تعالى { أن لا ~~تشرك بي شيئا } [الحج: 26] في سكنى القلب أي: كن حارسا للقلب ~~لئلا يسكن فيه غيري { وطهر بيتي } [الحج: 26] أي: أفرغ القلب عن ~~الأشياء سواي، وهذا كمال قال تعالى بالوحي إلى بعض أنبيائه: أفرغ لي ~~بيتا أسكنه، فقال: إلهي أي بيت يسعك؟ فأوحى الله إليه: ذلك قلب عبدي ~~المؤمن، ويقال: طهر بيتي بإخراج كل نصيب لك في الدنيا والآخرة من تطلع ~~إكرام، وتطلب إنعام أو إرادة مقام، ويقال: طهر قلبك { للطآئفين } ~~[الحج: 26] فيها من واردات الحق وموارد الأحوال على ما يختاره الحق { ~~والقآئمين } [الحج: 26] وهي الأشياء المقيمة من مستوطنات العرفان، ~~والأمور المغيبة عن البرهان، والمطلقة بما هي حقائق البيان { ~~والركع السجود } [الحج: 26] هي أركان الأحوال المتوالية من: ~~الرهبة والرغبة والرجاء والمخافة والفيض والبسطة والإنس والهيبة، وفي ~~معناه أنشد: # لست من جملة المحبين إن لم # أجعل القلب بيته والمقاما # وطوافي أخاله السير فيه # وهو ركني إذا أردت استلاما # { وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا } [الحج: 27] ~~أي: وناد في الناسين من النفس وصفاتها والقالب وجوارحه؛ يعني: يقصدون ~~القلب بالأعمال الشريعة البدنية، فإنهم كالكوكبات، لأن ms1122 الأعمال البدنية ~~مركبة من الحركات ونيات الضمير، كما أن أعمال النفس مفردة أنها من نيات ~~الضمير فحسب { يأتين من كل فج عميق } [الحج: 27] وهو سفل ~~الدنيا؛ لأن القالب من الدنيا وأكثر استعماله في مصالح الدنيا بالجوارح ~~والأعضاء، فردها إلى استعمالها في مصالح القلب إتيانها من فج عميق. # { ليشهدوا منافع لهم } [الحج: 28] أي: ليحضروا وينتفعوا ~~بالمنافع التي هي مستكنة في القلب؛ فأما النفس وصفاتها: فمنافعها تبديل ~~الأخلاق، وأما القالب وجوارحه: فمنافعهم قبول طاعتهم وأثارها على ~~سيماهم { ويذكروا اسم الله } [الحج: 28] أي: القلب والنفس ~~والقالب شكر { على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } ~~[الحج: 28] بأن جعل الصفات البهيمية الحيوانية مبدلة بالصفات القلبية ~~الروحانية الربانية. # وبقوله تعالى: { فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير ~~} [الحج: 28] يشير إلى أن انتفعوا من هذه المقامات والكرامات، واطيبوا ~~بمنافعها الطالب المحتاج، والقاصد إلى الله تعالى بالخدمة والهداية ~~والإرشاد { ثم ليقضوا } الطلاب { تفثهم } [الحج: 29] وهو ما ~~يجب عليهم من شرائط الإرادة وقصد الطالب { وليوفوا نذورهم } ~~[الحج: 29] فيما عاهدوا الله على التوجه إليه، وصدق الطلب والإرادة { ~~وليطوفوا بالبيت العتيق } [الحج: 29] أي: يطوفوا حول ~~قرب الله تعالى بقلبه وسره، ولا يطوفوا حول ما سواه، وأراد بالعتيق ~~القديم وهو من صفات الله عز وجل. ### || [22.30-34] # ثم أخبر عن تعظيم حرمات الله في ذات الله بقوله تعالى: { ذلك ومن ~~يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه } [الحج: ~~30] يشير إلى أن تعظيم حرمات الله تعالى هو تعظيم الله في ترك ما حرمه ~~الله عليه، وتعظيم ما أمره الله تعالى بالطاعة يصل العبد إلى الجنة، ~~وبالحرمة يصل إلى الله تعالى، ولهذا قال: { فهو خير له عند ~~ربه } [الحج: 30] يعني: تعظيم الحرمة خير للعبد في التقرب إلى الله ~~تعالى من تقربه بالطاعة، ويقال: ترك الطاعة يوجب العقوبة، وترك الحرمة ~~يوجب الفرقة، ويقال: كل شيء من المخالفات؛ فللعفو فيه مساغ، وللعمل فيه ~~طريق، وترك الحرمة على خطر ألا يغفر ذلك، وذلك بأن يؤدي شؤمه بصاحبه أن ~~يختل دينه وتوحيده. # وبقوله: { وأحلت لكم الأنعام } [الحج: 30] يشير إلى أن ~~استعمال ms1123 البهيمة فيما مست إليه الحاجة الإنسانية حلال ولا يقطع الطريق ~~على السالك { إلا ما يتلى عليكم } [الحج: 30] في القرآن وهو ~~قوله تعالى: # وكلوا واشربوا ولا تسرفوا # [الأعراف: 31] وفي حديث فيه في وهو قوله صلى الله عليه وسلم: # " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، فاجتنبوا الرجس من الأوثان " # ؛ أي: واجتنبوا رجس كل ما اتخذه هواكم معبوده من شهوات الدنيا والآخرة ~~والوثن الحقيقي لكل أحد نفسه { واجتنبوا قول الزور } [الحج: ~~30] وهو قوله باللسان مما لا يساعده قول القلب، ومن عاهد الله بقلبه في ~~صدق الطلب ثم لا يفي ذلك فهو من جملة الزور { حنفآء } [الحج: 31] لله ~~ما يلين إلى الحق من الباطل في القلب، وفي النفس، وفي الجهر، وفي السر، ~~وفي الأفعال، وفي الأحوال، وفي الأقوال مستقيمين عليه؟ # { غير مشركين به } [الحج: 31] في طلب بما سوى الله { ومن ~~يشرك بالله } [الحج: 31] أي: يطلب غير الله { فكأنما خر ~~من السمآء } [الحج: 31] أي: سقط من سماء القلب { فتخطفه ~~الطير } [الحج: 31] الشيطان والهوى ويهويان به في أسفل سافلين أبعد { ~~أو تهوي به الريح } [الحج: 31] ريح القهر والخذلان { في ~~مكان سحيق } [الحج: 31] بعيد من الحق سبحانه ذلك؛ أي: الذي ذكرت من ~~اجتناب الرجس وقول الزور { ومن يعظم شعائر الله } [الحج: ~~32] وهي أعلام وشواهد مما يرد في إرشاده إلى الصراط المستقيم { ~~فإنها من تقوى القلوب } [الحج: 32] أي: فكلها دلالات على ~~ارتقاء القلوب بالله عما سواه. # { لكم فيها منافع } [الحج: 33] لكل من تلك الجملة بقدرة وحدة ~~الأقوام بركات في العبور على المقامات، ولآخرين في حلاوة طاعتهم، ولآخرين ~~في الذات يبسطهم، ولآخرين في انسهم بالله { إلى أجل مسمى } ~~[الحج: 33] وهو بلوغ حد كمالهم، ثم محلها إلى البيت العتيق ذلك محل كل ~~سالك إلى حضرة القديم ومنزلة { ولكل أمة جعلنا منسكا } ~~[الحج: 34] أي: ولكل سالك جعلنا طريقة ومقاما وقربة على اختلاف طبقاتهم: # * فمنهم: من يطلب الله من طريق المعاملات. # * ومنهم: من يطلب من باب المجاهدات. # * ومنهم: من يطلبه بطريق المعارف. # * ومنهم: من يطلبه به؛ { ليذكروا اسم الله } [الحج: ms1124 34] أي: ~~لتتمسك كل طائفة منهم في الطلب بذكر الله تعالى { على ما رزقهم ~~من بهيمة الأنعام } [الحج: 34] أي: على رزقهم من قهر النفس من ~~العبور على المقامات، والوصول إلى الكمال { فإلهكم إله ~~واحد } [الحج: 34] الذي وفقكم لهذه الكرامات ونيل الدرجات، فله أسلموا ~~لما قدر لكم في الأزل، وحكم به استسلاما من داخل القلب لا من الفرط ~~والإسلام يكون بمعنى الإخلاص والإخلاص من تصفية الأعمال من الآفات، ثم ~~تصفية الأخلاق من الكدورات، ثم تصفية الأحوال من الالتفات، ثم تصفية ~~الانفكاك من الأغيار { وبشر المخبتين } [الحج: 34] أي: ~~المستقيمين على هذه الطريقة بقدر الاستطاعة. ### || [22.35-38] # ثم وصفهم فقال: { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~} [الحج: 35] والوجل عند الذكر على حسب تجلي الحق للقلب { ~~والصبرين على مآ أصابهم } [الحج: 35] أي: الجامدين تحت ~~جريان الحكم من غير استكراه، ولا تمني خرجة، ولا زوم فرجة، بل ~~يستسلمون طوعا، وأيضا الحافظين مع الله تعالى أسرارهم لا يطلبون ~~الشكور باطلاع الخلق على أحوالهم. # وقوله تعالى: { والمقيمي الصلوة } [الحج: 35] أي: المديمي ~~النجوى مع الله؛ لقوله تعالى: # هم على صلاتهم دآئمون # [المعارج: 23] قال شاعرهم: # إذا ما تمنى الناس راحة وراحة # تمنيت أن أشكو إليك ولا تسمع # { ومما رزقنهم ينفقون } [الحج: 35] أي: ما رزقوا من ~~الوجود بذلوا ما رزقوا بالجود، وأنفقوا على طلاب المقصود. # ثم أخبر عن نظائر الشعائر بقوله تعالى: { والبدن جعلناها ~~لكم من شعائر الله لكم فيها خير } [الحج: 36] يشير ~~إلى: قربان بهيمة النفس عند كعبة القلب، وأنه من أعلام دين الله، وشعار ~~أهل الصدق في الطلب، وأن الخير في قربانها وذبحها بسكين الصدق. # وقوله تعالى: { فاذكروا اسم الله عليها صوآف } [الحج: ~~36] أي: تقربوا بذبحها إلى الله تعالى صافية خالصة لا للدنيا وتمتعاتها، ~~ولا للآخرة ونعيمها على قراءة من قرأ صوافي قرأ أبي والحسن والمجاهد ~~صوافي بالياء؛ أي: صافية خالصة لله تعالى، وفيه إشارة أخرى: وفي أن وفد ~~الله وزواره لا يصلون إلى كعبة الوصال إلا بعد ذبح النفس في منى المنى { ~~فإذا وجبت جنوبها } [الحج: 36] أي: ماتت النفس ms1125 على طبيعتها { ~~فكلوا منها } [الحج: 36] أي: فانتفعوا بها { وأطعموا ~~القانع } [الحج: 36] أي: الذي يقنع بما أعطيته { والمعتر } ~~[الحج: 36] أي: الذي هو طالب صادق متعطش لا يروى مما نسقيه ويستزيد منك ~~مما قيل: # شربت الحب كأسا بعد كأس # فما نفذ الشراب وما رويت # وبقوله تعالى: { كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون ~~} [الحج: 36] يشير إلى أن ذبح النفس بسكين الصدق وتوفيق الله تعالى، وذلك ~~نعمة منه موجبة للشكر له وبقوله تعالى: { لن ينال الله لحومها ~~ولا دمآؤها } [الحج: 37] يشير إلى أن المقصود من ذبح الذبح ليس ~~مطلق ذبحها بكثرة المجاهدة، فإنه لا يقبل مطلق الذبح { ولكن ~~يناله التقوى منكم } [الحج: 37] أي: يقبل خلوص نيتكم في ~~ذبحها تقربا إليه { كذلك سخرها لكم } [الحج: 37] أي كذلك ~~سخرها لذبحكم إياها { لتكبروا الله على ما هداكم } ~~[الحج: 37] أي: لتعظموا الله في الطلب على غيره من النفس وهواها والدنيا ~~وشهواتها؛ إذ ذلكم على ذبح النفس. # ثم قال تعالى: { وبشر المحسنين } [الحج: 37] أي: الذين ~~يعبدون الله كأنهم يرونه واختاروا طلب الله ورضاه على النفس والدنيا وما ~~سواه { إن الله يدافع عن الذين آمنوا } [الحج: 38] ~~أي: يدافع خباثة النفس وهواها، وبقوله تعالى: { إن الله لا ~~يحب كل خوان كفور } [الحج: 38] يشير إلى أن مدافعة خباثة ~~النفس عن أهل الإيمان إنما كان لإزالة الخباثة وكفران النعمة؛ لأنه لا ~~يحب المتصفين بها، وأنها تحب المؤمنين المخلصين عنها. ### || [22.39-41] # ثم أخبر عن نيل الوصال بالقتال تعالى: { أذن للذين يقاتلون ~~بأنهم ظلموا } [الحج: 39] إشارة إلى أن قتال الكفار بغير إذن ~~الله لا يجوز، ولهذا لما ذكر موسى عليه السلام القبطي الكافر، وقتله ~~قال: هذا من عمل الشيطان؛ لأنه ما كان مأذونا من الله تعالى في ذلك، ~~وبهذا المعنى يشير إلى أن الصلاح في قتل كافر النفس وجهادها أن يكون بإذن ~~الله تعالى على وفق الشرع، وأوانه وهو بعد البلوغ، فإن قبل البلوغ يحمل ~~المجاهدة باستكمال الشخص الإنساني الذي هو حامل أعباء الشريعة، ولهذا لم ~~يكن مكلفا قبل البلوغ، وينبغي أن يكون المجاهدة محفوظة عن ms1126 طرفي التفريط ~~والإفراط، بل يكون على حسب ظلم النفس على القلب باستيلائها عليه فيما ~~يضره من اشتغالها بمخالفة الشريعة وموافقة الطبيعة في استيفاء حظوظها ~~وشهواتها من ملاذ الدنيا، فإن منها يتولد دين مرآة القلب وقسوته ~~واسوداده، وإن ارتضت النفس، وتزكت عن زعيم صفاتها، وانقادت للشريعة، ~~وتركت طبيعتها، واطمأنت إلى ذكر الله واستعدت لقبول جذبة: # ارجعي إلى ربك راضية مرضية # [الفجر: 28] نصان من فرج المجاهدة، ولكن لا يؤمن من مكر الله المودع في ~~مكر النفس بقوله تعالى: { وإن الله على نصرهم لقدير } ~~[الحج: 39] يشير إلى أن الإنسان لا يقدر على قهر النفس وتزكيتها بالجهاد ~~المعدل إلا بنصر الله. # ثم أخبر عن معنى الظلم ووصف المظلوم الذي مأذون بالجهاد فقال: { ~~الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق } [الحج: 40] يشير ~~به إلى القلوب التي أخرجها النفوس بالاستيلاء عن مقاماتها بتبديل ~~أخلاقها، وهي اطمئنانها بذكر الله تعالى، فباستتباعها جعلها متصفة ~~بصفاتها، وهي ما أخبر عنها بقوله تعالى: # ورضوا بالحيوة الدنيا واطمأنوا بها # [يونس: 7] فللقلوب المظلومة أن يجاهدوا النفس الظالمة المتمردة { إلا ~~أن يقولوا ربنا الله } [الحج: 40] أي: ترجع النفوس عن الظلم ~~الذي من شيم النفوس، واستسلمت لأحكام الله تعالى. # وبقوله تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ~~} [الحج: 40] يشير به تعالى: لو لم ينصر القلوب على النفوس، ويدافع عن ~~القلوب باستيلاء النفوس { لهدمت صوامع } [الحج: 40] أركان ~~الشريعة { وبيع } [الحج: 40] آداب الطريقة، وصلوات مقامات الحقيقة، ~~ومساجد القلوب المنورة بنور الله { ولينصرن الله } [الحج: 40] ~~القلوب على النفوس، فإنها من ينصره بقبول الفيض منه، واتفاقه على ما عداه ~~من الأعضاء الرئيسية والحسيسة { إن الله لقوي } [الحج: 40] في ~~النصرة والانتصار { عزيز } [الحج: 40] في الانتصار منه. # ثم وصفت القلوب المنصورة بقوله تعالى: { الذين إن مكناهم ~~في الأرض } [الحج: 41] أرض البشرية { أقاموا الصلاة } [الحج: ~~41] استداموا المواصلات { وآتوا الزكاة } [الحج: 41] زكاة ~~الأحوال وهي: أن يكون من يأتي النفس من أنفاسهم مائة وتسعة وتسعون ونصف ~~جزاؤهم، والباقي إيثار على خلق الله في الله مهما كان زكاة الأغنياء من ~~مائتي درهم خمسة للفقراء والباقي ms1127 لهم { وأمروا بالمعروف } ~~[الحج: 41] حفظ الحواس عن مخالفة أحوال أمره، ومراعاة الأنفاس معه ~~إجلالا لقدره { ونهوا عن المنكر } [الحج: 41] ومن وجوه ~~المنكرات الرياء والإعجاب والمساكنة والملاحظة { ولله عاقبة ~~الأمور } [الحج: 41] أمور المعاملات كلها منهم راجعة إلى الله تعالى ~~في طلبه والوصول به. ### || [22.42-46] # ثم أخبر عن تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتربيته بقوله تعالى: { ~~وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد } ~~[الحج: 42] يشير إلى: أمر حتم الصبر من النبي صلى الله عليه وسلم على ~~مقاساة ما يلقاه من قومه من فنون البلاء وصنوف الأسواء. # وبقوله تعالى: { فكأين من قرية أهلكناها وهي ~~ظالمة } [الحج: 45] يشير إلى: خراب قلوب أهل الظلم، فإن الظلم يوجب ~~خراب أوطان الظالم، فيخرب أولا أوطان راحة الظالم وهو قلبه، فالوحشة هي ~~غالبة على الظلمة من ضيق صدورهم، وسوء أخلاقهم، وفرط غيظهم على من يظلمون ~~عليهم، كل ذلك من خراب أوطان راحاتهم وهي في الحقيقة من جملة العقوبات ~~التي تلحقهم على ظلمهم، ويقال: خراب منازل الظلمة ربما يستأخر وربما ~~يتعجل، وخراب نفوسهم في تعطلها عن العبادات بشؤم ظلمها كما قال تعالى: { ~~فهي خاوية على عروشها } [الحج: 45] وخراب قلوبهم باستيلاء ~~الغفلة عليهم خصوصا في أوقات صلواتهم وأوان خلواتهم فهو غير مستأخر. # وبقوله تعالى: { وبئر معطلة } [الحج: 45] يشير إلى: العيون ~~المتفجرة التي كانت في بواطنهم وكانوا يستقون لإحياء أوقاتهم من غلبات ~~الإرادة وتوجيه المواجيد، فإذا انفقوا بظلمهم غلب غشاؤها بقطع وانقطع ~~ماؤها؛ لانسداد عيونها، ويشير بقوله تعالى: { وقصر مشيد } [الحج: ~~45] إلى: تعطيل أسرارهم عن مساكنها من الهيبة والإنس، وخلوا أرواحهم عن ~~نوازل المحابة وسلطان الاشتياق وصنوف المواجيد. # وبقوله تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض } [الحج: 46] يشير ~~إلى: السير في أرض البشرية، والعبور عنها، والوصول إلى مقامات القلب { ~~فتكون لهم قلوب يعقلون بهآ } [الحج: 46] فيه إشارة إلى ~~أن العقل الحقيقي إنما يكون من نتائج القلب بعد تصفية حواسه عن العمى ~~والصمم، كما قال الله تعالى: { أو آذان يسمعون بها فإنها ~~لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في ~~الصدور } [الحج: ms1128 46] فإن صح وصف القلوب بالسمع والبصر صح وصفه بسائر ~~صفات الحق من وجوه الإدراكات، فكما تبصر القلوب بنور اليقين تدرك نسيم ~~الإقبال بمشام السر، وفي الخبر: # " إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن " # ، وقال الله تعالى مخبرا عن يعقوب عليه السلام أنه قال: # إني لأجد ريح يوسف # [يوسف: 94] وما كان ذلك إلا لإدراك السرائر دون اشتمام الريح في الظاهر. ### || [22.47-51] # وبقوله تعالى: { ويستعجلونك بالعذاب } [الحج: 47] يشير ~~إلى: عدم تصديقهم كما قال تعالى: # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها # [الشورى: 18] ولو آمنوا لصدقوا، ولو صدقوا لسكنوا عن الاستعجال، وفي ~~قوله تعالى: { ولن يخلف الله وعده } [الحج: 47] إشارة إلى ~~أن الخلف في وعيد الكافرين لا يجوز، كما أن الخلف بالوعد للمؤمنين لا ~~يجوز. ويجوز الخلف في وعيد المؤمنين؛ لأنه سبقت رحمة الله غضبه في حق ~~المؤمنين وعدهم بالمغفرة في قوله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48] وبقوله تعالى: # إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور ~~الرحيم # [الزمر: 53] { وإن يوما عند ربك كألف سنة مما ~~تعدون } [الحج: 47] يشير إلى أن الأيام عنده تتساوى؛ إذ الاستعجال ~~في الأمور، فسواء عنده يوم واحد وألف سنة، ومن لا يجري عليه الزمان وهو ~~يجري الزمان؛ فسواء عليه وجود الزمان وقلة الزمان وكثرة الزمان إذ ليس ~~عنده صباح ولا مساء، وبقوله تعالى: { وكأين من قرية ~~أمليت لها وهي ظالمة } [الحج: 48] يشير إلى الإمهال يكون ~~من الله والإهمال لا يكون، فإنه يمهل ولا يهمل، ويدع الظالم في ظلمه ~~حينا، ويوسع له الحيل ويطيل له المهل، فيتوهم أنه يفلت من قبضة التقدير ~~وذلك ظنه الذي أراد ويأخذه من حيث لا يرتقب فيعلوه ندامة؛ ولات حينه وكيف ~~يستبقى بالحيلة ما في التقدير عدمه وإلى الله مرجعه؟ كما قال الله تعالى: ~~{ ثم أخذتها } [الحج: 48] نذير مبين { وإلي المصير } ~~[الحج: 48]. # ثم أخبر أهل الوفاق وأهل النفاق بقوله تعالى: { قل يأيها ~~الناس إنمآ أنا لكم نذير مبين } [الحج: 49] يشير إلى ~~أن إنذار النسيان؛ أي: ms1129 قل لهم يا محمد إني أشابهكم من حيث الصورة لكني ~~أباينكم من حيث السيرة، فأنا لمحسنكم بشير، ولمسيئكم نذير، فقد أثبت ~~بإقامة البراهين على ما جئتكم به من وجوه الأمر بالطاعة والإحسان والنهي ~~عن الفجور والعصيان. # { فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ~~ورزق كريم } [الحج: 50] فالناس في المغفرة أقسام: # * فمنهم: من يستر زلته. # * ومنهم: من يستر عليه الأعمال الصالحة صيانة لهم من الملاحظة. # * ومنهم: من يستر عليه حاله لئلا يصيبه من الشهوة فتنة، وفي معناه ~~قالوا: لا تنكرن جحدي هواك، فإنما ذلك الجحود عليك ستر مسبل. # * ومنهم من يستره بين أوليائه في قباب الغيرة كما قال: # " أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري ". # * ومنهم: من يستر أنانيته بهويته والرزق الكريم ما يكون غير مشوب ~~بالحدوث، بل يكون من الكريم القديم. # وبقوله تعالى: { والذين سعوا في آياتنا معاجزين } ~~[الحج: 51] يشير إلى أن من عاند أهله آياته من خواص أوليائه { ~~أولئك أصحاب الجحيم } [الحج: 51] جحيم الحقد والعداوة، ~~ورد الولاية، والسقوط عن نظر الله في الدنيا، وجحيم نار جهنم في الآخرة. ### || [22.52-55] # وبقوله تعالى: { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا ~~نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ~~} [الحج: 52] يشير إلى أن الرسل والأنبياء تربيتهم وترقيتهم في الابتلاء ~~والامتحان، وذلك لأنه إذا بقي في أحدهم أدنى ملاحظة يحرص بها على إيمان ~~القوم فوق ما أمر به ابتلاه الله تعالى ببلاء مجال الشيطان في الإلقاء في ~~أمنيته بقول أو عمل شيطاني؛ ليحترق بنار إلقاء الشيطان بقية من الملاحظة ~~بالحرص الإنساني، فلا يؤثر تأييد سلطنة الشيطان في أحوالهم، فعلى هذا قال ~~الله تعالى تنبيها للنبي صلى الله عليه وسلم عن حال حرصه تربيته له ~~وتأديبا: # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف: 103]، ولهذا السر لما كان مأمورا بقوله تعالى: # فاستقم كمآ أمرت # [هود: 112]. # { فينسخ الله ما يلقي الشيطان } [الحج: 52] يبطل ~~تصرفاته بحيث لا يضره شيء، بل يكون سببا لتنقية النفس وتزكيتها من بقاء ~~صفاتها { ثم يحكم الله آياته } [الحج: 52] المقيدة في السير ~~إلى الله تعالى ms1130 { والله عليم } [الحج: 52] بمصالح عباده المخلصين ~~{ حكيم } [الحج: 52] فيما يجري عليم بالأعمال والأحوال، ومن حكمته ~~فيما يلقي الشيطان { ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة ~~للذين في قلوبهم مرض } [الحج: 53] من الشك والإنكار؛ ~~ليصدهم عن سبيل الله ويقطع الطريق. # { والقاسية قلوبهم } [الحج: 53] فإن الله تعالى إذا أراد ~~بعبد خيرا مده بنور التحقيق، وأيده بحسن العصمة من تصرفات الشيطان، وإذا ~~أراد بعبد شرا وكله إلى نفسه بالخذلان حتى يرى الباطل حقا، فيظلم ~~على نفسه بإثبات الباطل ونفي الحق، فأبعد بهذا الامتحان عن حضرته هذا ~~معنى قوله تعالى: { وإن الظالمين لفي شقاق بعيد } ~~[الحج: 53] وإن الله ليبتلي المؤمن المخلص بفتنة وبلاء حسن، ويرزقه حسن ~~بصيرة يميز بها بين الحق والباطل، فلا يظلمه غمام الذنب، ويتجلى عنه غطاء ~~الغفلة، فلا يؤثر فيه دخان الفتنة والبلاء، كما لا تأخير لضباب الغداة في ~~شعاع الشمس عند منزع النهار. # وهذا معنى قوله تعالى: { وليعلم الذين أوتوا العلم ~~أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له ~~قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط ~~مستقيم } [الحج: 54] فيه إشارة إلى أن الهداية للإيمان إلى صراط ~~مستقيم من الله تعالى ومن تأييده، لا من الإنسان وطبعه، وإن من وكل فيه ~~لنفسه، وخذله بطبعه لا يزول عنه الشك والكفر والضلالة إلى الأبد، وهذا ~~معنى قوله تعالى: { ولا يزال الذين كفروا في مرية ~~منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم ~~عذاب يوم عقيم } [الحج: 55] واليوم العقيم: هو الأبد، فإنه لا ~~دليل له المعنى، أو يأتيهم عذاب قطيعة لا وصلة بعده. ### || [22.56-59] # ثم أخبر عن حكم الفريقين وحالهم في الطريقين بقوله تعالى: { الملك ~~يومئذ لله } [الحج: 56] يشير إلى أن الحكم يومئذ لله لا لغيره، ~~وأنه { يحكم بينهم } [الحج: 56] وإلا لم يتخصص ملكه تعالى بيوم ~~دون يوم، ولم يتحدد له وقت إذا أمر، ولأجله أنه قدر ولكن الدعاوى في ذلك ~~اليوم بالملكية والمالكية يتقطع والظنون ترتفع، ولا يكون حاكم ولا مالك ~~إلا هو فيحكم { فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في ~~جنات النعيم } [الحج: 56] نعيم جوار الحق ms1131 سبحانه { والذين ~~كفروا وكذبوا بآيتنا فأولئك لهم عذاب ~~مهين } [الحج: 57] إهانة عذاب البعد والطرد والقطيعة { والذين ~~هاجروا } [الحج: 58] عن أوطان الطبيعة { في سبيل الله } ~~[الحج: 58] في طلب الحقيقة { ثم قتلوا } [الحج: 58] مكنوا بسيف ~~الصدق نفوسهم { أو ماتوا } [الحج: 58] عن الأوصاف البشرية { ~~ليرزقنهم الله رزقا حسنا } [الحج: 58] رزق القلوب ~~حلاوة العرفان؛ فإن رزق الأسرار ومشاهدة الجمال، ورزق الأرواح مكاشفة ~~الجلال { وإن الله لهو خير الرازقين } [الحج: 58] لأنه ~~يرزق من أوصاف ربوبيته، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: # " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " # { ليدخلنهم مدخلا يرضونه } إدخالا فوق ما يتمنونه، ~~ومدخلا فوق الذي يهوونه. { وإن الله لعليم } كل قاصد { ~~حليم } [الحج: 59] لانبساط كل صادق. ### || [22.60-64] # وبقوله تعالى: { ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم ~~بغي عليه } [الحج: 60] أي: غلبت النفس على القلب باستيلائها ~~وغلبات صفاتها، ويرجع القلب منظرا إلى الله تعالى في قهر النفس وصفاتها ~~{ لينصرنه الله إن الله لعفو } [الحج: 60] يعفو عن ~~زلات بعض الطالبين؛ ليصف حالهم { غفور } [الحج: 60] ستر على عيوب بعض ~~الصادقين؛ لبقايا صفات نفوسهم. # { ذلك بأن الله } [الحج: 61] أي: هذا بأن الله { يولج ~~الليل في النهار } [الحج: 61] أي: ليل الستر على نهار التجلي. { ~~النهار في الليل } [الحج: 61] أي: نهار التجلي في ليل الستر ~~لبعضهم يولج ليل القبض في نهار البسط، ولبعضهم يولج نهار الأنس في ليل ~~الهيبة، ومنهم من يدوم نهاره ولا يدخلها عليهم ليلة وذلك لأهل الأنس { ~~وأن الله سميع } [الحج: 61] يسمع تضرع المشتاقين { بصير } ~~[الحج: 61] يرى حرقة الواصلين { ذلك بأن الله هو الحق } ~~[الحج: 62] يحقق أماني الصادقين، ويبطل دعاوى الكاذبين { وأن ما ~~يدعون } [الحج: 62] من دون الله؛ أي: يطلبون ما سواه { هو ~~الباطل وأن الله هو العلي } [الحج: 62] أي: أعلى من أن ~~وجده الطالبون { الكبير } [الحج: 62] العظيم الذي لا يدرك الواصلون ~~نهايته { ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء } ~~[الحج: 63] من سماء القلب ماء الحكمة { فتصبح الأرض مخضرة ~~} [الحج: 63] أي: أرض البشرية بخضرة الشريعة، وأرض القلوب بخضرة الأسرار، ~~وأرض الأرواح بخضرة الكشوف، وأرض ms1132 الأسرار بخضرة الأنوار. # { إن الله لطيف خبير * له ما في السموت } ~~[الحج: 63-64] أي: ما في سماوات القلب مواهبه وما في الأرض؛ أي: أرض ~~البشرية مراحمه { وإن الله لهو الغني } [الحج: 64] لا ~~ينقص غناه من مواهبه { الحميد } [الحج: 64] في ذاته مستغن عن حمد ~~الحامدين. ### || [22.65-69] # { ألم تر أن الله سخر لكم } [الحج: 65] أيها الطالبون ~~الصادقون { ما في الأرض } أي: أرض البشرية من الصفات الحيوانية ~~والشيطانية { والفلك } أي: فلك الواردات الغيبية { تجري في ~~البحر } بحر القلب { بأمره } يعني: لو لم يكن أمره ما ورد وارد ~~في القلب { ويمسك السمآء } سماء القلب { أن تقع على ~~الأرض } [الحج: 65] أرض النفس؛ يعني: أن يتصف بصفاتها { إلا ~~بإذنه } [الحج: 65] أي: إلا بما أباحه الشرع مما مست إليه ~~الحاجة الإنسانية مثل المأكول والمنكوح { إن الله بالناس ~~لرءوف رحيم } [الحج: 65] فيما أباح لهم من الأوصاف الحيوانية ~~للحاجة الضرورية { وهو الذي أحياكم } [الحج: 66] بازدواج ~~الروح إلى القالب { ثم يميتكم } [الحج: 66] عن صفات البشرية { ~~ثم يحييكم } [الحج: 66] بنور الصفات الربانية. { إن ~~الإنسان لكفور } [الحج: 66] بكفران هذه النعمة بألا يعرف ~~قدرها، ولا يؤدي حقوق شكرها. # ثم أخبر عن هم الأمم في مسالك المناسك بقوله تعالى: { لكل أمة ~~جعلنا منسكا هم ناسكوه } [الحج: 67] يشير إلى أن لكل فريق ~~من الطلاب شرعة هم واردوها ولكل قوم طريقة هم سالكوها، ومقاماهم سكانه، ~~ومحلاهم قطانه، وربط كل جماعة بما أهلهم، وأوصل كل ذوي رتبة إلى ما جعله ~~محلهم، فبساط التعبد موطوء بأقدام العابدين ومشاهد الاجتهاد معمورة ~~بأصحاب الكفل من المجتهدين، ومجالس أصحاب المعارف مأنوسة بلوازم ~~العارفين، ومنازل المحبين مأهولة بحضور الواجدين. # { فلا ينازعنك في الأمر } [الحج: 67] أي: إشهد تعارف ~~الأقدار، واعمل بمواجب التكليف، وانته دون ما أذنت له من المناهي { ~~وادع إلى ربك } [الحج: 67] الجميع من المقبولين والمردودين { ~~إنك لعلى هدى مستقيم } [الحج: 67] في دعوتهم { وإن ~~جادلوك } [الحج: 68] بالتأني والإنكار والاعتراض { فقل الله ~~أعلم بما تعملون } [الحج: 68] معي فيجازيكم وكلهم إلينا عندما ~~راعوا من الجلال { الله يحكم بينكم يوم القيامة ~~فيما كنتم فيه تختلفون ms1133 } [الحج: 69] أما الأجانب فيقال ~~لهم: # كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14] وأما الأولياء فقوم منهم يحاسبهم حسابا يسيرا، وصنف ~~منهم يؤتون أجورهم بغير حساب، وأما الأجانب فيقعدون # في مقعد صدق عند مليك مقتدر # [القمر: 55]. ### || [22.70-76] # { ألم تعلم أن الله يعلم ما في السمآء } [الحج: ~~70] أي: ما في سماء القلب من اليقين والصدق والإخلاص والمحبة { ~~والأرض } [الحج: 70] أرض البشرية، والنفس الأمارة من الشك والكذب ~~والشرك وحرص الدنيا؛ فيزيل عن أرباب القلوب البلوى، ويكمل لهم النعماء، ~~وينزل بأرباب النفوس البلوى، ولا يسمع منهم الشكوى { إن ذلك في ~~كتاب } [الحج: 70] مكتوب بقلم التقدير في القدم { إن ذلك على ~~الله يسير } [الحج: 70] أي: مجازاتهم على وفق التقدير سهل على ~~الله. # { ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا ~~وما ليس لهم به علم } [الحج: 71] يشير إلى أن من كان من ~~جملة خواصه أفرده ببرهان، وأيده ببيان، وأعزه بسلطان، ولأهل الخذلان لا ~~بسلطان فيما عبدوه من أصناف الأوثان، ولا برهان على ما طلبوه { وما ~~للظالمين من نصير } [الحج: 71] أي: نصرة من الله تعالى بل ~~خذلان { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } [الحج: 72] ~~من المعارف والحقائق { تعرف في وجوه الذين كفروا ~~المنكر } [الحج: 72] أي: في وجوه المنكرين آثار إنكارهم، فإن وحشة ~~ما يخامر في السرائر يلوح على الأسرة في الظاهر { قل أفأنبئكم ~~بشر من ذلكم } [الحج: 72] أي: بشر مما في قلوبكم من الإنكار { ~~النار } [الحج: 72] وهي نار القطيعة والطرد الإبعاد { وعدها ~~الله الذين كفروا } [الحج: 72] أي: أنكروا { وبئس ~~المصير } [الحج: 72] أي: المرجع والمآب. # ثم أخبر عن مثل الذباب لأولي الألباب بقوله تعالى: { يأيها ~~الناس ضرب مثل فاستمعوا } [الحج: 73] يشير إلى أن أهل ~~النسيان في غفلة عن حقيقة الأمر بالعيان، فلا بد من ضرب مثل؛ لعلهم ~~ينتهون عن نومة الغفلة، فالخطاب للناس عهد الميثاق عام، وللمستمعين ~~المستعدين؛ لإدراك فهم الخطاب ويتعظوا به. # ثم بين المعنى فقال: { إن الذين تدعون من دون الله } ~~[الحج: 73] آلهة، ويعبدون من أنواع الأصنام الظاهرة والباطنة { لن ~~يخلقوا ذبابا } [الحج: 73] بل لا يطلعوا ms1134 على كيفية خلق الذباب { ~~ولو اجتمعوا له } [الحج: 73] أي: لذلك { وإن يسلبهم ~~الذباب } [الحج: 73] من الخواطر النفسانية والشيطانية { شيئا } ~~[الحج: 73] من صفات الوقت وجمعية القلب { لا يستنقذوه } [الحج: ~~73] ليس في وسعهم استنقاؤه واستخلاصه منه من ذباب هواجس النفس ووساوس ~~الشيطان { ضعف الطالب } [الحج: 73] وهو القلب إذ لم يكن مؤيدا ~~بنور الإيمان { والمطلوب } [الحج: 73] وهو النفس والشيطان، ومن كان ~~بهذه الصفة فساء المثل مثلهم، فإنهم { ما قدروا الله حق ~~قدره } [الحج: 74] أي: ما عرفوه حق معرفته؛ إذ عبدوا غيره ولم ~~يتخلقوا بأخلاقه إذ هم مستعدون لذلك، مختصون لهذه الكرامة من الهدية ~~كلها؛ ليكونوا خير البرية فصاروا شر البرية. # { إن الله لقوي } [الحج: 74] على أن ينعم عليهم بنعمة هذه ~~الكرامة لو رجعوا إليه وتركوا غيره { عزيز } [الحج: 74] يعز من يشاء ~~بنيل هذه الكرامة فيصطفي؛ أي: هو { الله } [الحج: 74] الذي { ~~يصطفي من الملائكة رسلا } [الحج: 75] بينه وبين العباد، ~~لتربيتهم لأداء الرسالة إذ لم يكونوا بعد مستأهلين لسماع الخطب بلا واسطة ~~فيربيهم بواسطة رسالة الملائكة { ومن الناس } [الحج: 75] يعني: ~~برسالة الأنبياء { إن الله سميع } [الحج: 75] يسمع ضراعتهم في ~~احتياج الوجود وهم في العدم { بصير } [الحج: 75] بمن يستحق وهو معدوم. # { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } [الحج: 76] من ~~قبول الدعوة وردها وما خلف الأنبياء يوم يسألهم ما أراد أجبتم { وإلى ~~الله ترجع الأمور } [الحج: 76] من ابتداء إنشائها وانتهاء ~~انقضائها. ### || [22.77-78] # ثم أخبر عن نجاح أهل الفلاح بقوله تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا اركعوا واسجدوا } [الحج: 77] يشير إلى: الرجوع من ~~تكبير قيام الإنسانية إلى تواضع خضوع الحيوانية، فإنها على أربع في ~~الركوع، والرجوع من الركوع إلى الانكسار، والذلة النباتية في السجود، فإن ~~النبات ذليل في السجود؛ لقوله تعالى: # والنجم والشجر يسجدان # [الرحمن: 6] لأن الروح كان مجيئه بهذه المنازل من عالم الأرواح عبر على ~~كل المنزل النباتي، ثم على المنزل الحيواني إلى أن بلغ المنزل الإنساني، ~~فعند رجوعه إلى الحضرة يكون عبوره على كل هذه المنازل، وهذا سر قوله صلى ~~الله عليه وسلم # " الصلاة معراج المؤمن ". # ثم قال ms1135 الله تعالى: { واعبدوا ربكم } يعني: بهذا الرجوع إليه؛ ~~يعني: خالصا لوجهه تعالى. { وافعلوا الخير } بالتوجه إلى الله ~~تعالى في جميع أحوالكم وأعمال الخير كلها. { لعلكم تفلحون } ~~[الحج: 77] بالعبور على هذه المنازل من حجب الظلمات النفسانية والأنوار ~~الروحانية { وجاهدوا في الله حق جهاده } [الحج: 78] بأن ~~تجاهدوا النفوس في تزكيتها بأداء الحقوق وترك الحظوظ، وتجاهدوا القلوب في ~~تصفيتها بقطع تعلقات الكونين، ولزوم المراقبات عن الملاحظات، وتجاهدوا ~~بالأرواح في تحليتها بإفناء الوجود في وجوده؛ لتبقى بوجود وجوده. # { هو اجتباكم } [الحج: 78] لهذه الكرامات من بين سائر البريات، ~~ولولا أنه اجتباكم واستعداد هذا الجهاد أعطاكم وأيد هداكم لما جاهدكم ~~في الله، كما قيل: فلولاكم ما عرفنا الهوى، ولولا الهوى ما عرفناكم، ومن ~~مبادئ حق الجهاد: ألا يفتر عن المجاهدة لحظة، كما قال قائلهم: يا رب إن ~~جهادي غير منقطع، وكل أرضك لي ثغر وطرسوس { وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج } [الحج: 78] أي: ضيق في السير إلى الله تعالى ~~والوصول إليه؛ لأنك تسير إلى الله تعالى بتيسيره لا بسيرك، وتصل إليه ~~بتقربه إليك لا بتقربك إليه، وإن كنت ترى أن تقربك إليه منك، ولا ترى بأن ~~تقربك إليه من نتائج تقربه إليك لا بتقربك إليه، كما قال الله تعالى: # " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا " # ، فالذراع إشارة إلى الشبرين، شبر سابق على تقربك إليه وشبر لاحق بتقربك ~~إليه حتى لو مشيت إليه، فإنه يسارعك من قبل مهرولا. # وبقوله تعالى: { ملة أبيكم إبراهيم } [الحج: 78] يشير إلى ~~أن السير والذهاب إلى الله تعالى من سنة إبراهيم عليه السلام بقوله: # إني ذاهب إلى ربي سيهدين # [الصافات: 99]، وإنما سماه بأبيكم، لأنه كأب آباءكم في طريقة السير ~~إلى الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " أنا لكم كالوالد لولده " # { هو سماكم المسلمين } [الحج: 78] أي: الله في الأزل ~~لاستسلامكم لقبول هذه الطريقة بأن جعلكم مستعدين { من قبل } [الحج: ~~78] إن خلقكم { وفي هذا } [الحج: 78] أي: وبعد أن خلقكم { ~~ليكون الرسول شهيدا عليكم } [الحج: 78] فيما تعملون؛ ~~لأنه كان أول المخلوقات بالروح مشرفا ms1136 عليها. # { وتكونوا شهدآء على الناس } [الحج: 78] فيما يعملون وهم ~~الأمم الماضية، وفي هذا إشارة إلى أن روح محمد صلى الله عليه وسلم كما ~~كان مخلوقا قبل أرواح الأنبياء، ومشرفا على أحوالهم كانت أمته مخلوقة ~~قبل أرواح جميع الأمم مشرفين على أحوالهم، ولا إشراف لروح نبي على روح ~~نبينا صلى الله عليه وسلم، ولا لأرواح روح الأمم إشراف لأرواح هذه الأمة ~~{ فأقيموا الصلاة } [الحج: 78] بدوام السير والعروج إلى الله ~~تعالى والتعظيم لأمره { وآتوا الزكاة } [الحج: 78] بدعوة الخلق ~~إلى الله تعالى، وهدايتهم إلى الصراط المستقيم إلى الله تعالى بالشفقة ~~على خلقه، وهذا حقيقة الاعتصام بحبل الله للوصول إليه. { واعتصموا ~~بالله } [الحج: 78] إذا وصلتم إليه بإفناء الوجود فيه { هو ~~مولاكم } [الحج: 78] أي: متولي إفنائكم { فنعم المولى } ~~[الحج: 78] في إفناء وجودكم { ونعم النصير } [الحج: 78] بإبقائكم ~~به. ### | [23 - سورة المؤمنون] ### || [23.1-12] # { قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون } [المؤمنون: 1-2] يشير إلى أن الفلاح الحقيقي لا يحصل بمطلق ~~الإيمان بل بالإيمان الحقيقي المقيد بجميع الشرائط التي هي مذكورة في ~~الآية، ومعنى الفلاح الظفر والفوز والبقاء أي: ظفروا بنفوسهم ببذلها في ~~الله، وفازوا بالوصول إلى الله وبقوا به بعد أن فنوا فيه، ثم وصفهم فقال: ~~{ الذين هم في صلاتهم خاشعون } [المؤمنون: 2] بالظاهر ~~والباطن: # أما الظاهر: فخشوع الرأس بانتكاسه، وخشوع العين بانغماضها عن الالتفات، ~~وخشوع الأذن بالتذلل للاستماع، وخشوع اللسان للقراءة بالحضور، وخشوع ~~اليدين وضع اليمين على الشمال بالتعظيم كالعبيد، وخشوع الظهر انحناؤه في ~~الركوع مستويا، وخشوع الفرج بنفي الخواطر الشهوانية، وخشوع القدمين ~~بثباتهما على الموضع وسكونهما عن الحركة. # وأما الباطن: فخشوع النفس سكونها عن الخواطر والهواجس، وخشوع القلب ~~بملازمة الذكر ودوام الحضور، وخشوع السر بالمراقبة في ترك اللحظات إلى ~~المكونات، وخشوع الروح استغراقه في بحر المحبة وذوبانه عند تجلي صفة ~~الجلال والجمال. # { والذين هم عن اللغو معرضون } [المؤمنون: 3] واللغو ~~كل فعل لا لله تعالى وكل قول لا من الله تعالى ورؤية غير الله، وكل ما ~~يشغلك عن الله تعالى. # وبقوله تعالى: { والذين هم للزكاة فاعلون ms1137 } [المؤمنون: ~~4] يشير إلى أن الزكاة إنما وجبت لتزكية النفس عن الصفات الذميمة النجسة ~~من حب الدنيا وغيره، كقوله تعالى: # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم # [التوبة: 103]، فإن الفلاح في تزكية النفس لقوله تعالى: # قد أفلح من تزكى # [الأعلى: 14]، وقوله تعالى: # قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها # [الشمس: 9-10]، ولم يكن المراد من الزكاة مجرد إعطاء المال وحبه في ~~القلب باق، وإنما كان لمصلحة إزالة حب الدنيا عن القلب؛ لأن حب الدنيا ~~رأس كل خطيئة، فلا تحصل هذه المصلحة إلا بفعل الزكاة، وهو أن يفعل الزكاة ~~وهو أن يفعل كل ما يزكي نفسه وقلبه عن حب الدنيا وجميع الصفات الذميمة ~~إلى أن يتم إزالتها. # { والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } [المؤمنون: 5-6] يعني ~~يحفظون عن الدنيا التلذذ بالشهوات أي: ألا يكون أزواجهم وإماؤهم عدوا ~~لهم بأن يشغلهم عن الله وطلبه، فحينئذ يلزمهم الحذر لقوله تعالى: # إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم # [التغابن: 14]، وإنما ذكر بلفظ على لاستيلائهم على أزواجهم لاستيلائهن ~~عليهم وكانوا مالكين عليهن لا مملوكين لهن، { فإنهم غير ~~ملومين } [المؤمنون: 6] إذا كانت المناكحة لابتغاء النسل ورعاية ~~السنة في أدائها. # { فمن ابتغى ورآء ذلك } [المؤمنون: 7] لاستيفاء الحظوظ، ~~وإهمال الحقوق { فأولئك هم العادون } [المؤمنون: 7] لأنهم ~~تجاوزوا حد الكرام الكارمين، وتعدوا على الأكابر الصادقين، وخالفوا طريق ~~الواصلين. # { والذين هم لأماناتهم } [المؤمنون: 8] أي: الأمانة التي ~~حملها الإنسان وهي الفيض الإلهي بلا واسطة في القبول، وذلك الذي يختص ~~الإنسان بكرامة حمله وعهدهم وهو الذي عاهدهم الله يوم الميثاق على ألا ~~يعبدوا إلا إياه لقوله تعالى: # وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم # [يس: 61] راعون ألا يخونوا في الأمانة الظاهرة والباطنة، وألا يعبدوا ~~غير الله، فإن أبغض ما عبد غير الله الهوى؛ لأن بالهوى عبد ما عبد من دون ~~الله. # { والذين هم على صلواتهم يحافظون } [المؤمنون: 9]؛ ~~لئلا يقع خلل في صورتها ومعناها ولا يضيع عنهم الحضور في الصف الأول صورة ~~ومعنى: { أولئك هم الوارثون * الذين يرثون ~~الفردوس } [المؤمنون: 10-11] وهو ms1138 أعلى مراتب القرب قد بقي ميراثا ~~عن الأموات قلوبهم، فورثه الذين كانوا أحياء القلوب { هم فيها ~~خالدون } إلى الأبد. # ثم أخبر عن الإحسان في خلق الإنسان بقوله تعالى: { ولقد خلقنا ~~الإنسان من سلالة من طين } [المؤمنون: 12] يشير إلى أن ~~سلالة سلة من جميع الأرض طينها وسبخها وسهلها وجبلها باختلاف ألوانها ~~وطبائعها المتفاوتة، ولهذا اختلف ألوانها وأخلاقهم لأنه موضوع في طبيعتهم ~~ما هو من خواص الطين الذي يختص بخاصية منها نوع من الحيوان أي: من جنس ~~البهائم والسباع والجوارح والحشرات والمؤذيات الغالبة على كل واحد منها ~~صفة من الصفات الذميمة والحميدة. # أما الذميمة: فكالحرص في الفأرة والنملة، وكالشهوة في الحمار والعصفور، ~~وكالغضب في الفهد والأسد، وكالكبر في النمر، وكالبخل في الكلب، وكالشره ~~في الخنزير، والحقد في الحية وغير ذلك من الصفات الذميمة. # وأما المحمودة: كالشجاعة في الأسد، والسخاوة في الديك، والقناعة في ~~البوم، وكالحلم في الجمل، وكالتواضع في الهرة، وكالوفاء في الكلب، ~~وكالبكور في الغراب، وكالهمة في البازي والسلحفاة وغيرها من الصفات ~~الحميدة، ثم أودعها في طينة الإنسان وهو آدم عليه السلام. ### || [23.13-22] # ثم قال الله تعالى: { ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ~~} [المؤمنون: 13] أي: قطرة أجزاءها متماثلة ونطفة أبعاضها متشاكلة، ثم ~~بإظهار القدرة تصرف في النطفة فجعلها علقة فقال: { ثم خلقنا ~~النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا ~~المضغة عظاما فكسونا العظام لحما } [المؤمنون: 14] ~~يشير إلى أن لكل خلقة رتبة في النطفة خاصية وطبيعة أخرى، وجعل بعضها ~~لحما وعظما، وبعضها شعرا، وبعضها ظفرا، وبعضها عصبا، وبعضها جلدا، ~~وبعضها مخا، وبعضها أمعاء، ثم خص كل عضو بهيئة مخصوصة، وكل جزء بكيفية ~~معلومة، ثم الصفات التي للإنسان خلقها متفاوتة من السمع والبصر والنطق ~~والفكر والغضب والقدرة والعلم والإرادة والشجاعة والحسد والحرص والجود، ~~والأوصاف الكثيرة التي يتقاصر عنها الحصر والعد، فتدل هذه الأحوال ~~المختلفة صورة ومعنى في الأطوار المختلفة صورة ومعنى. # { ثم أنشأناه خلقا آخر } [المؤمنون: 14] بنفخ الروح فيه ~~يعني خلقا غير المخلوقات التي خلقها قبله، وهو أحسنهم تقويما وأكملهم ~~استعدادا وأجلهم كرامة وأعلاهم ms1139 رتبة وأدناهم قربة وأخصهم فضيلة؛ فلهذا ~~أثنى على نفسه عند خلقه بقوله تعالى: { فتبارك الله أحسن ~~الخالقين } [المؤمنون: 14] يعني: لأنه خلق أحسن المخلوقين فيما ~~جعلهم معدن العرفان وموضوع المحبة ومتعلق العناية، فإنه لما خلق السماوات ~~والأرضين والعرش والكرسي مع المخلوقات من الجنة ومتعلق العناية، فإنه من ~~الجنة والنار لم يعقبهما بهذا التمدح الذي ذكر بعد نعت خلقه بني آدم ~~تخصيصا لهم من بين المخلوقات { ثم إنكم بعد ذلك ~~لميتون } [المؤمنون: 15] يشير إلى أن الإنسان بعد بلوغه إلى الرتبة ~~الإنسانية قابل للموت مثل موت القلب وموت النفس، وقابل لحشرهما وفي موت ~~القلب حياة النفس وحشرها مودعة، وفي موت النفس حياة القلب وحشره مودع، ~~وحياة النفس بالهوى وظلمته، وحياة القلب بالله ونوره، كما قال الله ~~تعالى: # أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس # [الأنعام: 122] وهذا معنى حقيقة قوله تعالى: { ثم إنكم يوم ~~القيامة تبعثون } [المؤمنون: 16]. # وبقوله تعالى: { ولقد خلقنا فوقكم سبع طرآئق } ~~[المؤمنون: 17] يشير إلى أن أطباق السماوات كما هي حجب تحول بين أبصارنا ~~وبين المنازل العالية من العرش الكريم، كذلك أطوار القلب سبعة هي أغشيتها ~~وحجبها، كالغضب والشهوة والإرادات الشاغلة، والغفلات المتراكمة. # أما المريدون: فإذا أظلم سحاب الفطرة سكن هيجان إرادتهم، فذلك من الطريق ~~التي عليهم. # وأما الزاهدون: فإذا تحركت عروق الرغبة اهتزت قوة زهدهم وضعف دعائم ~~صبرهم، فيترخصون بالجنوح إلى بعض التأويلات فتعود فتراتهم قليلا قليلا ~~وتختل رتبة عرفهم وتتهدم دعائم قصدهم، فبداية ذلك من الطريق التي خلق ~~فوقهم. # وأما العارفون: فريثما يظلهم في بعض أي: بينهم وقفة في تصاعد سرهم إلى ~~ساحات الحقائق فيصيرون موقونين وربما يتفضل الحق سبحانه عليهم بكفاية ذلك ~~فيجدون نفاذا أو يرفع عنهم ما عاقهم في الطريق، وفي جميع هذا فالحق ~~سبحانه غير تارك للعبد ولا عن الخلق. # كما قال الله تعالى: { وما كنا عن الخلق غافلين } ~~[المؤمنون: 17] فلمصالح المقبولين وجبر خللهم { وأنزلنا من ~~السمآء } [المؤمنون: 18] سماء العناية { مآء } الرحمة { بقدر } ~~[المؤمنون: 18] أي: بحسب حاله كل واحد منهم { فأسكنه في ms1140 ~~الأرض } [المؤمنون: 18] أي: في أرض وجودهم، ثم أخرجنا منها ينابيع ~~الحكمة بتأثير نظر العناية { وإنا على ذهاب به لقدرون ~~} [المؤمنون: 18] بالإعراض عنهم، كما أنزلنا من السماء ماء المطر الذي هو ~~سبب حياة الأرضين كذلك من سماء العناية وماء الرحمة فيحيي به القلوب، ~~ويزيل به درن العصاة وآثار ذلتهم، وينبت في أرض قلوبهم فنون أزهار البسط ~~وصنوف الروح. # وبقوله تعالى: { فأنشأنا لكم به جنات من نخيل ~~وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون } ~~[المؤمنون: 19] يشير إلى أن كما ينشئ الفياض بماء السماء ويثمر الأشجار ~~ويجري الأنهار، فكذلك بماء سماء العناية ينشئ شجرة العرفان ويؤتي أكلها ~~من الكشف والعيان ما تتقاصر العبارات عن شرحه ولا تطمع الإشارات في حصره. # { وشجرة تخرج من طور سينآء } [المؤمنون: 20] وهي شجرة ~~الحق الذي يخرج من طور سيناء الروح بتأثير تجلي أنوار الصفات { تنبت ~~بالدهن } [المؤمنون: 20] وهو حسن الاستعداد لقبول الفيض الإلهي بلا ~~واسطة، ومقر هذا الدهن هو الخفي الذي فوق الروح وهو سر بين الله وبين ~~الروح لا تطلع عليه الملائكة المقربون { وصبغ للآكلين } ~~[المؤمنون: 20] أي: وهو إدام لآكلي الكونين بقوة الهمة. # ثم أخبر عن عبرة الخواص والعوام في خلق الأنعام بقوله تعالى: { وإن ~~لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ~~} [المؤمنون: 21] يشير إلى أنه كما يخرج من بطون الأنعام من بين فرث ~~ودم لبنا خالصا، وفيه عبرة لأولي الأبصار فكذلك من بين فرث الصفات ~~النفسانية وبين دم الصفات الشيطانية لبنا خالصا من التوحيد والمحبة؛ ~~ليسقي به أرواح الصديقين كما قال بعضهم: # سقاني شربة أحيا فؤادي # بكأس الحب من بحر الوداد # وفيها عبرة لأولي الأبصار { ولكم فيها منافع كثيرة } ~~[المؤمنون: 21] من الأخلاق الكريمة الربانية والمعارف العظيمة الرحمانية ~~والشواهد الحقانية العيانية { ومنها تأكلون } حين تبيتون عند ~~ربكم { وعليها } [المؤمنون: 22] أي: على النفوس الحيوانية { وعلى ~~الفلك } أي: فلك القلوب لروحانية { تحملون } في بحر الصفات ~~الربانية. ### || [23.23-25] # { ولقد أرسلنا نوحا } [المؤمنون: 23] أي: نوح الروح { إلى ~~قومه } [المؤمنون: 23] من القلب والسر والنفس والقالب والجوارح { ~~فقال يقوم اعبدوا الله ما ms1141 لكم من إله غيره ~~} [المؤمنون: 23] من الهوى والشيطان، فعبادة القلب بقطع التعلقات ~~والمحبة، وعبادة السر بالتفرد بالتوحيد، وعبادة النفس بتبديل الأخلاق، ~~وعبادة القلب بالتجريد، وعبادة الجوارح بإقامة أركان الشريعة { أفلا ~~تتقون } [المؤمنون: 23] بهذه العبادات غير الحرمان والخذلان وعذاب ~~النيران. # { فقال الملأ الذين كفروا من قومه } [المؤمنون: 24] ~~يعني: النفس وصفاتها { ما هذا إلا بشر } [المؤمنون: 24] أي: ~~مخلوق { مثلكم يريد أن يتفضل عليكم } ويحكم ~~بالسلطنة فيكم { ولو شآء الله } أن نعبده { لأنزل ملائكة ~~} بالرسالة إلينا، ويشير بهذه المقالات إلى بعض البطلة من الطلبة، فإن ~~بعضهم يتكاسلون في الطلب ويقولون لو شاء الله سعينا في الطلب لأيدنا ~~بالصفات الملكية والتوفيق الرباني { ما سمعنا بهذا } يعني: ~~الذي يدعونا إليه نوح الروح { في آبآئنا الأولين } أي: ليس هذا ~~من تولدات آباء العناصر. # { إن هو إلا رجل به جنة } [المؤمنون: 25] يشير به إلى ~~أن أحوال الحقيقة عند أرباب الطبيعة جنون كما قال: أن أحوال أرباب ~~الطبيعة عند أهل الحقيقة جنون { فتربصوا به حتى حين } ~~يعني إلى وقت هبوب رياح العناية. ### || [23.26-30] # { قال رب انصرني } [المؤمنون: 26] على تسخيرهم وتأديبهم { بما ~~كذبون * فأوحينآ إليه } [المؤمنون: 27] أي: ألهمنا إلى ~~نوح الروح { أن اصنع الفلك } [المؤمنون: 27] أي: فلك الشريعة { ~~بأعيننا ووحينا } أي: باستصواب نظرنا وأمرنا لا بنظر عقولكم، ~~وأمر هواكم، كما يعمل الفلاسفة والبراهمة { فإذا جآء أمرنا } ~~[المؤمنون: 27] بجذبات العناية { وفار التنور } [المؤمنون: 27] ~~تنور قلوبكم بماء الحكمة { فاسلك فيها } [المؤمنون: 27] أي: في فلك ~~الشريعة للعبور على بحر الحقيقة { من كل زوجين اثنين } ~~[المؤمنون: 27] من الصفات النفسانية والشيطانية؛ لأن السالك يحتاج إليها ~~في سلوك الطريق إلى الله تعالى قوله تعالى: { زوجين اثنين } ~~يشير إلى قدر يسير منها إذا كانت مغلوبة لا تمرد فيها، وفي شرح الاحتياج ~~بها طول { وأهلك } أي الصفات الإنسانية الروحانية { إلا من ~~سبق عليه القول منهم } وهي النفس الأمارة بالسوء { ولا ~~تخاطبني في الذين ظلموا } [المؤمنون: 27] أي: من الصفات ~~الذميمة { إنهم مغرقون } [المؤمنون: 27] أي: النفس الأمارة ~~وصفاتها الذميمة، دعهم مغرقون في بحر الرياضة والمجاهدة فلا سبيل لهم إلى ms1142 ~~الخلاص منها إلا بقدر ما ذكرنا من زوجين اثنين { فإذا استويت } ~~يا نوح الروح في سفينة الشريعة { أنت ومن معك } من القلب والسر. # { على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من ~~القوم الظالمين } [المؤمنون: 28] أي: من النفس وصفاتها الذميمة ~~بالالتجاء إلى سفينة الشريعة، { وقل رب أنزلني منزلا ~~مباركا } [المؤمنون: 29] وهو مقعد الصدق [المؤمنون: 29]، { وأنت ~~خير المنزلين } بأنك لا تنزل وفدك إلا بأعلى مراتب قربك { إن ~~في ذلك } [المؤمنون: 30] أي: الذي ذكرناه من الحقائق والدقائق { ~~لآيات } دلالات إلى الحضرة { وإن كنا لمبتلين } أرباب ~~الصورة بالمعاني الظاهرة لئلا يطلع على هذه الحقائق إلا أهلها. ### || [23.31-39] # ثم أخبر عن فنون القرون بقوله تعالى: { ثم أنشأنا من بعدهم ~~قرنا آخرين * فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن ~~اعبدوا الله } [المؤمنون: 31-32] إلى قوله: { بلقآء الآخرة ~~} [المؤمنون: 33] بحقيقة قوله تعالى: { وأترفناهم في الحياة ~~الدنيا } [المؤمنون: 33] يشير إلى أن أهل الدنيا لما وسع الله عليهم ~~الرزق وتنعموا به واتبعوا الشهوات، واشتغلوا بملاذ الدنيا وتحصيل جاهها ~~ومناصبها أسكرتهم محبة الدنيا بغوا في الأرض وطغوا على الرسل وقالوا ~~لرسلهم: { ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما ~~تأكلون منه ويشرب مما تشربون * ولئن أطعتم ~~بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون } [المؤمنون: 33-34] ~~ولا يعلمون أن الرسل وأهل الله، وإن يأكلوا مما يأكل أهل الدنيا ولكن لما ~~يأكلون كما يأكلون هؤلاء، فإنهم يأكلون كما قال الله تعالى: # والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل ~~الأنعام والنار مثوى لهم # [محمد: 12] لأنهم يأكلون بالإسراف، وأهل الله يأكلون ولا يسرفون كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في ~~سبعة أمعاء " # بل أهل الله يأكلون ولا يسرفون بأفواه القلوب مما يطعمهم ربهم ويسقيهم ~~حيث يبيتون عند ربهم. # وبقوله تعالى: { أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ~~ترابا وعظاما أنكم مخرجون * هيهات هيهات لما ~~توعدون } [المؤمنون: 35-36] يشير إلى كمال قدرته على الهداية ~~والضلالة ألا ترى أنه كيف أصمهم وأعمى أبصارهم، وجعل على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه حتى ردكم إلى أعظم التيه بالاستبعاد في ms1143 أمر الحشر والنشر، ومن ~~أعمى قلوبهم لم يروا أن الإعادة أهون من الابتداء، وأن الذي هو قادر ~~ببديع فطرته على إيجاد شيء من العدم وإعدامه من الوجود يكون قادرا على ~~إعادته ثانيا قالوا: { إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ~~ونحيا وما نحن بمبعوثين * إن هو إلا رجل ~~افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين * ~~قال رب انصرني بما كذبون } [المؤمنون: 37-39] قد مر من ~~تحقيقها في الآيات المتقدمة. ### || [23.40-44] # { قال عما قليل ليصبحن نادمين } [المؤمنون: 40] حين ~~لا ينفعهم الندم { فأخذتهم الصيحة بالحق ~~فجعلناهم غثآء فبعدا للقوم الظالمين } ~~[المؤمنون: 41] فالإشارة في تحقيقها أن الظلم من شيم أهل الشقاوة والبعد ~~وأنهم كالغثاء في عدم المبالاة بهم، كما قال الله تعالى: # " هؤلاء في النار ولا أبالي ". # { ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين } [المؤمنون: 42] ~~إظهارا للقدرة ولتعلم كل أمة استغنائنا عنهم، وإنهم إن قبلوا دعوة ~~الأنبياء وتابعوا الرسل تعود فوائد استسلامهم وانقيادهم وقيامهم بالطاعات ~~إليهم { ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون } ~~[المؤمنون: 43] في الخير والشر والسعادة والشقاوة { ثم أرسلنا ~~رسلنا تترا } [المؤمنون: 44] مترادفين متعلقين لإتمام سعادة بعضهم ~~ولإتمام شقاوة بعضهم بتصديقهم وتكذيبهم { كل ما جآء أمة ~~رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا } بالخسارة ~~والشقاوة بعضهم بتصديقهم وإن صدقوه فأتبعنا بعضهم بعضا بالكرامة ~~والسعادة { وجعلناهم } يعني: أهل السعادة والشقاوة { أحاديث } ~~ليعتبر منهم أهل السعادة فيقتدوا بهم ويتفائل منهم أهل الشقاوة فلا ~~يعتبرون منهم { فبعدا لقوم لا يؤمنون } أي: أبعدهم تعالى ~~إذ لم يؤمنوا ولم يعتبروا وفيه إضمار أي قرب الله المؤمنين المعتبرين. ### || [23.45-50] # ثم أخبر عن حال السعداء والأشقياء بقوله تعالى: { ثم أرسلنا ~~موسى وأخاه هارون بآياتنا } [المؤمنون: 45] { إلى ~~فرعون وملئه } [المؤمنون: 46] يشير إلى أن إرسال موسى الروح ~~وأخيه هارون القلب { إلى فرعون } النفس { وملئه } صفاتها ~~بما يستدل بها على وحدانيته وهو العقل والإيمان { فاستكبروا } أي: ~~تمردوا على استعمال العقل في قبول الإيمان ولم يعتبروا بهما ولم يستدلوا ~~{ وكانوا قوما عالين } أي: طالبين العلو والغلبة والاستيلاء ~~على الروح والقلب، فنظروا إليهما بنظر معلوم بالوهم ms1144 والخيال وحقروهما. # { فقالوا أنؤمن } [المؤمنون: 47] أي نستسلم { لبشرين } ~~مخلوقين { مثلنا } في الخلقية { وقومهما لنا عابدون } ~~أي: في أوان الولادة وحالة الطفولة كانت صفات الروح وصفات القلب مسخرة ~~لفرعون النفس وتربيتها وتربية صفاتها لاستكمال القالب وقواه إلى حد ~~البلوغ وليستعدوا حمل أعباء التكاليف الشرعية { فكذبوهما } ولم ~~يقبلوا دعوتهما إلى الحق { فكانوا من المهلكين } بعبادة ~~الهوى وطلب الدنيا وشهواتها. # { ولقد آتينا موسى الكتاب } [المؤمنون: 49] أي: ألهمنا ~~موسى الروح إلهامات ربانية { لعلهم } النفس وصفاتها بها { ~~يهتدون } إلى الحق تعالى وطلبه. # وبقوله تعالى: { وجعلنا ابن مريم وأمه آية } ~~[المؤمنون: 50] يشير إلى عيسى الروح الذي تولد من أمر كن بلا أب من عالم ~~الأسباب، وهو أعظم آيات الله المخلوقة التي تدل على ذات الله معرفة؛ لأنه ~~خليفة الله وروح منه { وآويناهمآ إلى ربوة } القالب، فإنه ~~مأوى الروح الآمر بالأوامر والنواهي { ذات قرار } أي: هو منزلهما ~~ودار قرارهما يعني ما دام القالب يكون مأوى الروح فالروح تكون مأوى الأمر ~~ومقره بألا يسقط عنه التكاليف { ومعين } وأما المعين فهو عين الحال ~~الجارية في القلب على اللسان. ### || [23.51-62] # وقوله تعالى: { يأيها الرسل كلوا من الطيبات ~~واعملوا صالحا } [المؤمنون: 51] يشير إلى أن المأكول إذا كان مما ~~أحل لهم ومما هو محكوم بأنه طيب من لوث الإسراف والشهوات بأمر الشرع لا ~~بأمر الطبع يكون من نتائجه الأعمال الصالحات { إني بما تعملون ~~عليم } [المؤمنون: 51] بنياتكم وأحوال معاملاتكم { وإن هذه ~~أمتكم أمة واحدة } [المؤمنون: 52] أي: في الإنسانية على ~~طبيعة واحدة وأمر أمتكم وعللكم في الظلومية والجهولية علة واحدة { ~~وأنا ربكم } أي: مربيكم ومعالجكم بعلاج الشرائع { فاتقون } ~~أي خافون وأطيعوا أمري في المعالجات بعلاج الشرائع { فتقطعوا ~~أمرهم بينهم زبرا } [المؤمنون: 53] أي: فتفرقوا في قبول ~~المعالجة والتداوي، فمنهم مستقيم على حق المعالجة مقيم على التداوي على ~~وفق علاج طبيبهم، ومنهم تائه في غيه مصر على ترك المعالجة وعصيان ~~الطبيب، { كل حزب بما لديهم فرحون } أي: كل مربوط بحده ~~موقوف على ما قسم له في البداية من نشأته كل ينتحل طريقة ويدعي بحسن ~~طريقه حقيقة ms1145 وهو فرحان بها، وعند صحو سماء قلوب أرباب التوحيد لا غبار في ~~الطريق وهم على يقين معارفهم فلا ريب ولا شبهة تتعالج، وأهل البدع ~~والأهواء في عمى جهلهم وغبار جحدهم وظلمة تقليدهم وغمرة شكهم. # { فذرهم في غمرتهم } [المؤمنون: 54] من الشك وخذلانهم في ~~الغفلة { حتى حين } إلى أن تداركهم العناية الأزلية أو إرادتهم ~~القهارية في الهلاك { أيحسبون أنما نمدهم به من ~~مال وبنين * نسارع لهم في الخيرات } [المؤمنون: ~~55-56] المنجيات { بل لا يشعرون } أنهم مطرودون عن الحضرة بسياط ~~القهر في صورة اللطف، فرأوه سرابا ظنوه شرابا، وفعلا في شهودهم ~~صوابا، فتوهموا عذابا، وحين لقوا عذابا علموا أنهم لم يفعلوا صوابا. # ثم أخبر عن المؤمنين المشفقين، بقوله تعالى: { إن الذين هم ~~من خشية ربهم مشفقون } [المؤمنون: 57] يشير إلى إطراق ~~السريرة في حال الوقوف بين يدي الله بشواهد الأدب واستيلاء سلطان الهيبة ~~في الحضور والغيبة { والذين هم بآيات ربهم يؤمنون } ~~[المؤمنون: 58] أي: بما تكاشف لهم من شواهد الحق والسر والعلانية { ~~والذين هم بربهم لا يشركون } [المؤمنون: 59] أي: في ~~التوجه إلى حضرته بصدق الطلب لا يلتفتون إلى ما سواه من الدنيا والآخرة ~~ومن أعظم الشرك ملاحظة الخلق في الرد والقبول والفرح بمدحهم والانكسار ~~بذمهم، وأيضا قصور النظر في المسار والمضار على الأسباب عند انقطاع ~~النظر عن الله في أنه المسبب. # قال الله تعالى: # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون # [يوسف: 106] يعني: إنهم يتوهمون أن حصول الشفاء من شرب الدواء والشبع من ~~الطعام، فإذا كان الشرب مستكنا يرد اليقين عن توهم شيء من الخذلان إلا ~~من التقدير فحينئذ يتقي من الشرك { والذين يؤتون مآ آتوا ~~وقلوبهم وجلة } بهذه الأقدام ومنقطعون عن { أولئك ~~يسارعون في الخيرات } [المؤمنون: 60] أي: هم المتوجهون إلى ~~الله تعالى المعرضون عمن سواه المسارعون بقدم الصدق والسعي الجميل على ~~حسب ما سبقت لهم من الله الحسنة { وهم لها سابقون } على قدر سبق ~~العناية. # بقوله تعالى: { ولا نكلف نفسا إلا وسعها } [المؤمنون: ~~62] يشير إلى أنه تعلى جعل نفس الإنسان مستعدة لحمل ما كفلها ms1146 بحمله كما ~~كلف الناس أن يقولوا: لا إله إلا الله، وهم قادرون على قولها وأمرهم ~~بقبول دعوة الأنبياء ما بعثهم وما هم بعاجزين عنها وليس هذا من قبيل ~~تكليف ما لا يطاق لأنه أطاقه كثير من الناس { ولدينا كتاب } ~~يعني: أم الكتاب { ينطق بالحق } أي: بأنهم قادرون على ذلك { ~~وهم لا يظلمون } لما أخذوا بترك ما أمروا وهم قادرون على ~~إتيانه. ### || [23.63-71] # { بل قلوبهم في غمرة } [المؤمنون: 63] أي: في غفلة وعمى { ~~من هذا } من قبول الدعوة والمتابعة وتدارك الغفلة بالفكر السليم ~~عن عواقب الأمور وعلاج عمى القلوب بترك الدنيا وشهواتها وتزكية النفس عن ~~صفاتها الذميمة، وتصفية القلب عن شوب تعلقه بما سوى الله تعالى { ~~ولهم أعمال من دون ذلك } [المؤمنون: 63] في متابعة الهوى ~~وطلب الدنيا والإعراض عن الهوى { هم لها عاملون } [المؤمنون: 63] ~~أي: مداومون عليها. # { حتى إذآ أخذنا مترفيهم } [المؤمنون: 64] وهم أكابر ~~المجرمين وقدوة الأصاغر المسرفين { بالعذاب } أي: بالعذاب الأدنى في ~~الدنيا والعذاب الأكبر في العقبى { إذا هم يجأرون } [المؤمنون: ~~64] أي: يتضرعون في طلب النجاة والقبول بعد فساد استعداداتهم للنجاة ~~والقبول، فيقال لهم: { لا تجأروا اليوم إنكم منا لا ~~تنصرون } [المؤمنون: 65] لعدم الاستعداد في قبول النصرة فلا ينفعكم ~~التضرع والجزع في غير وقته، وقد ضيعتم أوانه حين { قد كانت آياتي ~~تتلى عليكم } [المؤمنون: 66] لتنتفعوا بها { فكنتم على ~~أعقابكم تنكصون } بالإعراض عن الانتفاع بها والإقبال على ~~متابعة الهوى وطلب الدنيا { مستكبرين به } [المؤمنون: 67] على ~~الأنبياء والأولياء والنصحاء بنعيم الدنيا وزينتها { سامرا ~~تهجرون } أي: سامرين في هجراننا والإعراض عنا. # ثم أخبر عن سوء تدبيرهم وفرط تقصيرهم بقوله تعالى: { أفلم ~~يدبروا القول أم جآءهم ما لم يأت آبآءهم ~~الأولين } [المؤمنون: 68] يشير إلى أنهم لو تفكروا بالفكر الصائب في ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن إليه لعلموا أنه ما جاءهم ~~بدعا من الرسل بما لم يأت آباءهم الأولين أنبياؤهم، وأن كل نبي أوحي ~~إليه بالإيمان ونصرة دينه وأخذوا على هذا مواثيقهم، وقد ذكر الله بعثته ~~في الكتب المنزلة أم عملوا أنهم { أم ms1147 لم يعرفوا رسولهم } ~~[المؤمنون: 69] الذي بعثه الله في الكتب المنزلة، كما قال تعالى: # جآءهم ما عرفوا كفروا به # [البقرة: 89]. # { فهم له منكرون * أم يقولون به جنة } [المؤمنون: ~~69-70] فمرة قابلوه بالتكذيب، ومرة رموه بالسحر، ومرة وصفوه بالجنون، ~~ومرى قد عابوه بالفقر وقلة اليسار، فأخبر الله عن تشتتهم، ومرة رموه ~~بالسحر، ومرة وصفوه بمثل أحوالهم في الضلالة وتقسيم إنكارهم في الجهالة ~~فقال: { ولو اتبع الحق أهوآءهم } [المؤمنون: 71] في ~~تعاطي مراداتهم الخسيسة على حسب دواعيهم الفاسدة { لفسدت ~~السموت والأرض } [المؤمنون: 71] أي: سماوات أرواحهن وأرض ~~نفوسهم { ومن فيهن } من القلب والسر، فإن الهوى يهوي بمتابعيه إلى ~~الهاوية { بل أتيناهم بذكرهم } [المؤمنون: 71] أي: بما لهم ~~فيه صلاح في الحال وذكر لهم في المثال { فهم عن ذكرهم } أي: عن ~~صلاح حالهم وشرف مآلهم { معرضون }. ### || [23.72-77] # { أم تسألهم خرجا } [المؤمنون: 72] أي: يحسبون أنك تسألهم ~~على الرسالة أجرا وقبولا ووجاهة عندهم فكان ما يفهم عن الإيمان بلا ~~ويقول دعوتك لهم وما يعملون إذن { فخراج ربك خير } أي ما ~~يجازيك الله به في الدنيا وما فيها { وهو خير الرازقين } في ~~المجازاة والمكافأة، وفيه إشارة إلى العلماء الله الراسخين في العلم أنهم ~~لا يدنسون وجوه قلوبهم الزاخرة بدنس الأطماع الفاسدة والصالحة الدنيوية ~~والأخروية، فيما يعملون الله في دعوة الخلق إلى أنه بالله لله. # كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وإنك لتدعوهم ~~إلى صراط مستقيم } [المؤمنون: 73] وهو حسن التوجه بصدق الطلب ~~إلى الله تعالى من غير اعوجاج في الطريق بميل الدنيا والآخرة، فكيف يميل ~~إلى شيء مما عندهم فينكب عن الصراط المستقيم { وإن الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة } [المؤمنون: 74] أي: بالحشر والنشر أنه لهم من ~~الله مطالبات بحسب ميلان طبعهم إلى ما سوى الله { عن الصراط ~~لناكبون } فيقعون عن صراط الفرية في جهنم الفرقة، { ولو ~~رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في ~~طغيانهم يعمهون } [المؤمنون: 75] به يشير إلى حقيقة علمه ~~مجالهم وبما شهد علمه بيان وجودهم، وجاء فيهم ما قال تعالى: # فلما كشفنا عنهم العذاب # [الزخرف: 50] في الحال ms1148 لم يفوا بما يعدون من أنفسهم من الإيمان في ~~المآل. # ثم يستدل على ما أخبر من أحوالهم بقوله تعالى: { ولقد أخذناهم ~~بالعذاب } [المؤمنون: 76] أي: أذقناهم مقدمات العذاب دون شدائدها ~~تنبيها لهم { فما استكانوا لربهم وما يتضرعون } ~~أي: فانتبهوا وما انزجروا، ولو أنهم إذا ما رأوا العذاب فزعوا إلى التضرع ~~والابتهال وأظهروا الاستكانة والافتقار والعجز لله تعالى بالصدق والإخلاص ~~طالبين الله زوالها عنهم، ولكنهم أصروا على باطلهم # ليقضي الله أمرا كان مفعولا # [الأنفال: 42] { حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب ~~شديد } [المؤمنون: 77] وهو عن الخذلان وسدل حجب الهجران { إذا هم ~~فيه مبلسون } متحيرون كمن ضل عن الطريق آيسون من رحمة الله تعالى ~~لكن ختم على قلبه لئلا يدخل فيه رجاء النعمة. ### || [23.78-87] # ثم أخبر عن إنعامه العظيم وإفضاله العميم بقوله: { وهو الذي ~~أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما ~~تشكرون } [المؤمنون: 78] يشير إلى ثلاثة معان: # أحدها: إظهار أنعامه العظيمة بهذه النعمة الجسيمة من السمع والأبصار ~~والأفئدة. # ثانيها: مطالبة العباد بالشكر على هذه النعمة. # وثالثها: الشكاية عن العباد أن الشاكر منهم قليل، كما قال تعالى: # وقليل من عبادي الشكور # [سبأ: 13]، وشكر هذه النعم في استعمالها في طلحة المنعم وعبودية، فشكر ~~السمع: حفظا عن استماع المنهيات وأن لا يسمع إلا لله وبالله وعن الله، ~~وشكر البصر: حفظ عن النظر إلى المحرمات وإنه ينظر بنظر العبرة لله وبالله ~~وإلى الله، وشكر القلب: تصفيته عن درن الأخلاق الذميمة وقطع تعلقه عن ~~الكونين ولا يشهد غير لله ولا يحب إلا الله. # وبقوله تعالى: { وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه ~~تحشرون } [المؤمنون: 79] يشير إلى أن الحادثات من الله بدت وإليه ~~تعود وليس لشيء إمكان الرجوع إلى الحضرة إلا الإنسان ودليله قوله تعالى: # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28] { وهو الذي يحيي } [المؤمنون: 80] قلوب عباده بنور ~~من الله وتأييد روح منه ليصلح للرجوع إلى الحضرة وعبث النفوس من صفاتها ~~الذميمة لئلا يزاحم القلب بتكدير صفاته وتدنيسه برين مكاسبها فإنه يمرضه ~~ويمنعه عن الرجوع إلى الحضرة، وأيضا يحيي بعض النفوس باستيفاء ms1149 شهواتها ~~واتباع هواها { ويميت } بعض القلوب باستيلاء ظلمات صفات النفوس عليها ~~فإنها سم قاتل للقلوب { وله اختلاف الليل والنهار ~~أفلا تعقلون } [المؤمنون: 80] اختلاف ليالي المحبين قصارهن مع ~~الهموم طويلة وطوالهن مع السرور قصار لا إلى ونهارهم في قصر ليالي الفراق ~~وطول نهار الوصال، وعلى مثل هذا في معاني الستر والتجلي { بل قالوا ~~مثل ما قال الأولون } [المؤمنون: 81] من غاية الغفلة ونهاية ~~الضلالة. # { قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا ~~لمبعوثون } [المؤمنون: 82] وإنهم لفي غفلة عما يميت القلوب ~~ويحييها، ويميت النفوس ويحييها كما يميت الأرض كل حسنة ثم يحييها، ~~فيقيسوا البعث والنشور على ذلك بل قالوا بجهلهم وعمى قلوبهم { لقد ~~وعدنا نحن وآبآؤنا هذا من قبل إن هذآ إلا ~~أساطير الأولين } [المؤمنون: 83] فيه إشارة إلى أن الناس كلهم ~~أهل التقليد من المتقدمين والمتأخرين إلا من هداه الله نور الإيمان إلى ~~التصديق بالتحقيق فإنه المتأخرين هاهنا يقلدون آباءهم المتقدمين في تكذيب ~~الأنبياء والجحود وإنكار البعث. # ثم استدل بقوله تعالى: { قل لمن الأرض ومن فيهآ إن كنتم ~~تعلمون * سيقولون لله قل أفلا تذكرون } ~~[المؤمنون: 84-85] بأن الذي هو قادر على الإبراء والإماتة يكون قادرا ~~على الإحياء والإعادة فلا تقلدوا جهالة آبائكم { قل من رب ~~السموت السبع ورب العرش العظيم * سيقولون ~~لله قل أفلا تتقون } [المؤمنون: 86-87] فيجتنبون التقليد ~~وبهذا استدل على جهلهم وضلالتهم ليكن حجة عليهم. ### || [23.88-92] # ثم أخبر عن استدلال آخر على استقلال عقولهم بقوله تعالى: { قل من ~~بيده ملكوت كل شيء } [المؤمنون: 88] إلى أن لكل شيء ملكوت ~~وهو روحه في عالم الملكوت الذي هو قائم له يسبح الله تعالى به لقوله عز ~~وجل: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44] وروح ذلك التي بيد الله { وهو يجير } الأشياء عن ~~الهلاك بالقيومية { ولا يجار عليه } أي: لا مانع ممن أراد هلاكه ~~{ إن كنتم تعلمون } أحدا بهذه الصفة غيره، فأجيبوني به! # { سيقولون لله } [المؤمنون: 89] اعترافا بالعجز { قل ~~فأنى تسحرون } فقال: أولا فقل أفلا تذكرونهم، قال بعده أفلا ~~تتقون؛ قدم ms1150 التذكر على التقوى، فإن بتذكيرهم يصلون إلى المعرفة، وبعد أن ~~عرفوه علموا الله تعالى عليهم اتقاء مخالفته، ثم قال بعد ذلك: { ~~فأنى تسحرون } أي: كيف تخيل لكم الحق باطلا والباطل حقا وضوح ~~الحجة، فأي شك بقي حتى تنسبونه إلى السحر { بل أتيناهم ~~بالحق وإنهم لكاذبون } [المؤمنون: 90] بين أنهم له على ~~جحودهم وأقاموا على عتوهم فيتوهم بعد أن أزيحت العلل فلات حين عذر، ~~وليست [المساهلة موجب بقاء]. # وبقوله تعالى: { ما اتخذ الله من ولد وما كان معه ~~من إله } [المؤمنون: 91] يشير إلى أن اتخاذ الولد والشريك يوجب ~~المساواة في القدر والصمدية فتقدس عن جواز أن يكون له مثل أو جنس، ولو ~~تصورنا جوازه { إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا ~~بعضهم على بعض } فكل أمر نيط عن اثنين فقد انتفى عن النظام ~~وصحة الترتيب { سبحان الله } تقديسا وتنزيها { عما يصفون ~~} أي: وصفوه به { عالم الغيب والشهادة } [المؤمنون: 92] أي: ~~عالم الملك والملكوت والأرواح والأجساد { فتعالى } الله وتنوه { ~~عما يشركون } بأن يكون له في العالمين شبيه أو شريك أو ولد. ### || [23.93-100] # { قل رب إما تريني ما يوعدون } [المؤمنون: 93] أي: ~~عجلت لهم ما تعدهم { رب فلا تجعلني في القوم ~~الظالمين } [المؤمنون: 94] بأن توصل إلى سوء مثل ما توصل إليهم في ~~العقوبة، وهذا يدل على أن للحق يفعل ما يريد ولو عذب البشرية لم يكن ذلك ~~منه ظلما ولا قبيحا { وإنا على أن نريك ما نعدهم ~~لقادرون } [المؤمنون: 95] وهذا يدل على صحة قدرته لا على خلاف ما ~~علم، فإنه أجزى به، وإن تعجيل عقوبتهم وإن لم يفعل ذلك صحة، فصحة القدرة ~~على خلاف المعلوم { ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن ~~أعلم بما يصفون } [المؤمنون: 96] يعني: مكافأة السيئة جائزة ~~لكن العفو عنها أحسن، ويقال: ادفع بالوفاء الجفاء، ويقال: الأحسن ما أشار ~~القلب بالمعافاة والسيئة ما قدموا إليه النفس للمكافأة. # { وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين } [المؤمنون: ~~98] وهي من سيئاته وتحجب الاستعاذة بالله من الله، كما قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " أعوذ بك منك (وأعوذ بك ms1151 رب أن يحضرون) " # { حتى إذا جآء أحدهم الموت قال رب ارجعون } ~~[المؤمنون: 99] إذا أخذ البلاء بحياتهم واستمكن الضر من أحوالهم وعلموا ~~ألا محيص ولا مجير، أخذوا في التضرع والاستكانة في طلب الرجوع { ~~لعلي أعمل صالحا فيما تركت } يعني: من الخيرات { ~~كلا إنها كلمة هو قآئلها } [المؤمنون: 100] عند الضرورة ~~والاضطرار أي: لا يرجع عن أخلاقه الذميمة التي طبع عليها { ومن ~~ورآئهم برزخ إلى يوم يبعثون } [المؤمنون: 100] وهو ~~ما بين الموت إلى البعث لعل بعض الحجب من أخلاق السوء يندفع عند أيام ~~البرزخ، والله أعلم. ### || [23.101-106] # ثم أخبر عن ابتغاء الأنساب يوم الحساب بقوله تعالى: { فإذا نفخ ~~في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون ~~} [المؤمنون: 101] يشير إلى نفخة العناية الربانية إذا نفخت في صور القلب ~~قامت القيامة وانقطعت الأنساب فلا يلتفت إلى أحد من أنسابه ولا إلى أهل ~~ولا إلى ولد؛ لاشتغاله بطلب الحق واستغراقه في بحر المحبة، فلا يسأل ~~بعضهم بعضا عما تركوا من أسباب الدنيا ولا إلى ولد لاشتغاله ولا عن ~~أحوال أهاليهم وإخوانهم وأوطانهم إذا فارقوها؛ لأن # لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه # [عبس: 37] عن مطالبة الغير { فمن ثقلت موازينه } [المؤمنون: ~~102] في طلب الحق سبحانه { فأولئك هم المفلحون } في ~~الطلب بفوز المطلوب ونيل المقصود. # { ومن خفت موازينه } [المؤمنون: 103] عن الطلب وقع عليه ~~طريق الحق بنوع من التعلقات ورجوعه قهقرى { فأولئك الذين ~~خسروا أنفسهم } [المؤمنون: 103] بإبطال استعداد الطلب وإفساده، ~~فإن الإنسان كالبيضة مستعدة لقبول تصرف ولاية الدجاجة وخروج الفروج ~~منها، فما لم تتصرف فيه الدجاجة يكون استعداده باقيا، فإذا تصرفت ~~الدجاجة فيه فتغير حاله إلى حال الفروجية، ثم إذا انقطع تصرف الدجاجة ~~تفسد البيضة فلا ينفعها الصرف بعد ذلك لفساد والاستعداد؛ ولهذا قال ~~المشايخ: مرتد الطريقة شر من مرتد الشريعة، وبهذا يكون معنى قوله تعالى: ~~{ في جهنم خالدون } [المؤمنون: 103] أي: في جهنم أنفسهم فلا ~~يخرجون حيث { تلفح وجوههم النار } [المؤمنون: 104] أي: نار ~~القطيعة. # { وهم فيها كالحون } [المؤمنون: 104] عابسين عبوس المنقطعين عن ~~مطالبهم المبعدين عن مقاصدهم يقال لهم: { ألم تكن ms1152 آياتي تتلى ~~عليكم } [المؤمنون: 105] أي: ألم يكن النصحاء يثبتون لكم بالدلائل ~~الواضحة والنصائح الصادقة كيفية الطريق وسلوكه وكمالية الوصول إلى الحضرة ~~{ فكنتم بها تكذبون } [المؤمنون: 105] وفي عالم الطبيعة ~~الحيوانية ما يكون قالوا: { قالوا ربنا غلبت علينا ~~شقوتنا } التي كتبت علينا وقدرتها، { وكنا قوما ضآلين } ~~[المؤمنون: 106] بإضلالك عن طريق الطلب حيث أخطأنا النور المرشرش في عالم ~~الأرواح وإصابة غيرنا. ### || [23.107-111] # { ربنآ أخرجنا منها } [المؤمنون: 107] أي: من جهنم أنفسنا { ~~فإن عدنا } أي ميلان لعالم الطبيعة لمخالفة الشريعة وترك الطريقة { ~~فإنا ظالمون } [المؤمنون: 107] لأنفسنا، { قال اخسئوا ~~فيها ولا تكلمون } [المؤمنون: 108] لأنكم أفسدتم الاستعداد ~~فإنه ليس من شيئا أصلا بعدنا. # ثم بين فساده فقال: { إنه كان فريق من عبادي } ~~[المؤمنون: 109] أي: خواص عبادي وهم العلماء بالله التجأ لله بالله { ~~يقولون ربنآ آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت ~~خير الراحمين } [المؤمنون: 109] يعني: الذين كانوا أهل الطلب ~~وأرباب القلوب السائرين إلى الله يدعون الخلق إلى الله بطريق المعاملة مع ~~الله يفصحون بمدحه وثنائه، الهادين للخلق إليه بإظهار آلائه ونعمائه { ~~فاتخذتموهم سخريا } [المؤمنون: 110] فضربتم أنفسكم على ~~سيوف هممهم العالية { حتى أنسوكم ذكري } [المؤمنون: 110] ~~بهممهم ورد الولاية { وكنتم منهم تضحكون } [المؤمنون: ~~110] بالاستهزاء لما ماتت قلوبكم فإن كثرة الضحك تميت القلب، فمن لم يمت ~~قلبه لم يضحك على أولياء الله تعالى. # { إني جزيتهم اليوم } [المؤمنون: 111] أي: الأولياء { ~~بما صبروا } على أذاكم واستهزائكم بهم { أنهم هم ~~الفآئزون } [المؤمنون: 111] بالوصول والوصال، وفيه من الطرائف أن ~~أهل السعادة كما ينتفعون بمعاملاتهم الصالحة من الخلة ينتفعون بإنكار ~~منكريهم واستهزاء مستهزئيهم، وأهل الشقاوة كما يخسرون بمعاملاتهم الفاسدة ~~مع أنفسهم يخسرون باستهزائهم وإنكارهم على الناصحين المرشدين. ### || [23.112-118] # ثم أخبر عن أحوال أهل الأهوال بقوله تعالى: { قال كم لبثتم في ~~الأرض عدد سنين } [المؤمنون: 112] يشير إلى أن ما ترى الخلق من ~~أهوال القيامة وأفزاعها فينسون ما رأوا من الراحات والشدائد، مرة مقامهم ~~تحت الأرض من أهوال يوم الفزع الأكبر حتى يخفى عليهم كما لبثوا { ~~قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العآدين } ~~[المؤمنون: 113] الذين يعدون أنفاسنا وأيامنا ms1153 وليالينا من الملائكة ~~الموكلين علينا (العادين) يعني الملائكة قالوا: { إن لبثتم ~~إلا قليلا } [المؤمنون: 114] بالنسبة إلى لبثكم في الجنة أو في ~~النار أبد الآبدين { لو أنكم كنتم تعلمون } [المؤمنون: ~~114] أنه لا نهاية للبثكم فيها لأصلحتم أعمالكم التي تقربتم بها إلى الله ~~تعالى. # { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } [المؤمنون: 115] أي: ~~خلقناكم بلا معنى يضركم أو ينفعكم حتى عشتم كما تعيش البهائم فما تقربنا ~~إلينا بالأعمال الصالحة، { وأنكم إلينا لا ترجعون } ~~[المؤمنون: 115] باللطف أو القهر، فالرجوع باللطف أن تموتوا بالموت ~~الاختياري من قبل الموت الاضطراري فيرجعوا من أسفل الطبيعة على قدمي ~~الشريعة والطريقة إلى أعلى عليين عالم الحقيقة والرجوع بالقهر هو أن ~~يرجعوا بعد الموت الاضطراري فتقادون إلى النار بسلاسل تعلقاتكم بشهوات ~~الدنيا وزينتها وأغلال صفاتكم الذميمة. # { فتعالى الله الملك الحق } [المؤمنون: 116] بنعوت ~~الجلال، متوحد في إعزازه وعلو أوصافه وعظمة ذاته متفرد، فذاته حق وصفاته ~~حق وقوله صدق ولا يتوجب لمخلوق عليه حق وما يفعل من أشياء بعباده فليس ~~شيء منها بمستحق { لا إله إلا هو رب العرش الكريم ~~} ما يحمد بالعرش ولكن يعزز العرش إلى أنه أضافه إلى رحمانيته إضافة ~~خصوصية وإنما وصف العرش بالكريم لأنه تقسيم فيض كرم الحق ومنه تنقسم آثار ~~الكرم والرحمة إلى ذرات المخلوقات. # { ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به } ~~[المؤمنون: 117] يشير إلى أن من يعبد الله حق عبادته يتقرب إليه حق تقربه ~~بتقرب الله إليه بشواهد فضله وبراهين معرفته فإذا عبد غير الله تقرب إليه ~~بأنواع التقربات لا بتقرب معبوده إليه بشاهد حق ولا برهان صدق على إلهيته ~~{ فإنما حسابه عند ربه } بأن يظهر عليه عند المؤاخذة ~~بالعقاب { إنه لا يفلح الكافرون } من عذابه. # { وقل رب اغفر وارحم } [المؤمنون: 118] الخطاب مع محمد صلى ~~الله عليه وسلم يشير إلى أنه مع كمال محبوبيته وغاية خصوصيته ورتبة نبوته ~~رسالته محتاج إلى مغفرته ورحمته فكيف من دونه { ومن يدع مع ~~الله إلها آخر } [المؤمنون: 118] وبقوله تعالى: { وأنت خير ~~الراحمين } [المؤمنون: 118] يشير إلى أنه يحتمل تغير كل ms1154 راحم بأن ~~يسخط على مرحومه فيعذبه بعد أن يرحمه وأن الله جل ثناؤه إذا رحم على عبد ~~لم يسخط عليه أبدا لأن رحمته أزلية لا تحتمل التغيير. ### | [24 - سورة النور] ### || [24.1-5] # { سورة أنزلناها وفرضناها } [النور: 1] يشير إلى أن سور ~~القرآن كلها منزلة سورة سورة كل سورة مشتملة على معان وأحكام أخرى، وهذه ~~السورة أنزلناها وفرضناها أي: جعلناها فرضا واجبا قبول ما بينا فيها { ~~وأنزلنا فيهآ آيات بينات } من براءة الصديقة ابنة الصديق ~~حبيب رب العالمين، { لعلكم تذكرون } [النور: 1] تتعظون ~~وتحترزون عن مثل هذا الإفك والبهتان العظيم. # وبقوله تعالى: { الزانية والزاني } [النور: 2] يشير إلى أن ~~النفس إذا زنت وزناها بالتسليم لغير الله تسلمت لتصرفات الشيطان والدنيا ~~فنهاها الله تعالى عنه، وإلى الروح إذا زنى وزناه تصرفه في الدنيا ~~وشهواتها فنهاه الله عنها، { فاجلدوا كل واحد منهما ~~مئة جلدة } [النور: 2] من الجوع وترك الشهوات والمرادات تزكية ~~لهما وتأديبا { ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ~~} [النور: 2] يعني: إذا دعيتم محبة الله فابغضوا مخالفي أمره، ولا ترحموا ~~أنفسكم ولا أرواحكم على مخالفة الله فإنهم يظلمون على أنفسهم لجهلهم ~~بحالهم، وإن رحمتك عليهم في ترك تزكيتهم وتأديبهم كترك الوالد علاج ولده ~~المريض شفقة عليه ليهلك، فيلزم من هذه الرحمة أمران مذمومان: أحدهما: ~~الإعراض عن الله بالإقبال على شفقة مخالفيه، والثاني: السعي: في هلاك ~~قاتل نفسه بألا يأخذ على يده ليهلك نفسه فأدبوهما. # { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } أي: يجازيكم ~~بالخير خيرا وبالشر شرا { وليشهد عذابهما طآئفة من ~~المؤمنين } [النور: 2] به يشير إلى شهود أهل الصحبة يذكر النفس، ~~ويؤدب الروح بمشهد شيخ واصل كامل؛ ليحفظ من طرفي الإفراط ويهديه إلى ~~صراطه المستقيم وهو صراط الله ويسلكه فيه. # وبقوله تعالى: { الزاني لا ينكح إلا زانية أو ~~مشركة والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو مشرك } ~~[النور: 3] يشير إلى ان الحذر من إخوان السوء والحث على مخالطة أهل ~~الصحبة والإخوان في الله، فإن الطبع من التطبع يسرق وإن للناس أشكالا؛ ~~فكل نظير مع شكله، وكل يساكن شكله، ms1155 كما قال بعضهم: # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه # فكل قرين بالمقارن مقتد # أهل الفساد الفساد يجمعهم وإن تباعد مزارهم، وأهل السداد ~~السداد يجمعهم وإن تناءت ديارهم { وحرم ذلك على ~~المؤمنين } أي: مخالطة إخوان الشر لئلا يؤثر فيهم فساد حالهم وسوء ~~أخلاقهم. # ثم أخبر عن أرباب الغفلات في رمي المحصنات بقوله تعالى: { والذين ~~يرمون المحصنات } [النور: 4] يشير إلى غاية كرم الله ورحمته ~~على عباده بأن يستر عليهم ما أراد بعضهم إظهاره على بعض، ولم يظهر صدق ~~أحدهما أو كذبهما، فلذا أوجب عليهم الحدود وقبول شهادتهم أبدا وسماهم ~~الفاسقين، وليتصف بصفاته الستارية والكريمية والرحيمية فيما يسترون عيوب ~~إخوانهم المؤمنين ولا يتبعون عوراتهم، وقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم ~~على من يتبع عورات المسلمين فإنه من يتبع عوراتهم يفضحه الله يوم القيامة ~~على رؤوس الأشهاد وقال صلى الله عليه وسلم: # " من ستر عورته ستر الله عليه في الدنيا والآخرة ". # وفي قوله تعالى: { إلا الذين تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا فإن الله غفور رحيم } [النور: 5] إشارة إلى ~~كمال عتابه في حق عباده بانه يقبل توبتهم من ارتكاب الذنوب العظام، وفيه ~~إشارة إلى أن بمجرد التوبة لا يكون مقبولا إلا بشرط إزالة حاله وإصلاح ~~أعماله وأحواله { فإن الله غفور رحيم } [النور: 5] لمن تاب ~~وأصلح حاله. ### || [24.6-9] # وبقوله تعالى: { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن ~~لهم شهدآء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين } [النور: 6] ويشير ~~إلى ما ذكر في تحقيق الآية المتقدمة وبقوله تعالى: { والخامسة ~~أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين } [النور: ~~7] يشير إلى غاية التهديد والوعيد لمن ستر الله عليه؛ لئلا يفضحه وهو إن ~~كان من الكاذبين اختار عذاب الآخرة الباقية على عذاب الدنيا الفانية، ~~فأوجبه اللعن وهو الطرد عن الباب وعالية الإبعاد. # وبقوله تعالى: { ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الكاذبين } [النور: 8] يشير ~~إلى أن من عواطف إحسانه أنه دفع العذاب عن العبد عاجلا بطريق الشهادة ~~بالله لمن الكاذبين وفتح عليه باب ms1156 الرجاء بأن يدفع عنه العذاب آجلا كما ~~دفع عنه عاجلا، وبقوله تعالى: { والخامسة أن غضب الله ~~عليهآ إن كان من الصادقين } [النور: 9] يشير إلى تخويف ~~العبد باستحقاق غضب الله إن اختار عذاب الآخرة على عذاب الدنيا ليكون ~~العبد بين الخوف والرجاء. ### || [24.10-13] # وبقوله تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~وأن الله تواب حكيم } [النور: 10] يشير إلى كمال فضله على ~~عباده بأن أجلهم بالعقوبة إلى الآخرة لعلهم يتوبون في الدنيا فغفر لهم ~~وستر عليهم عاجلا، ودفع عنهم الحد باللعان حكمة منه، والحكمة في ذلك أنه ~~كما ستر في الدنيا ولم يفضحهم بإظهار صدقهم وكذبهم أجلهم بالعقوبة لدرك ~~التوبة كذلك جعل سنة اللعان باقية بين المسلمين ليكون حكمة باقية بينهم. # ثم أخبر عن عصبة قصة الإفك بقوله تعالى: { إن الذين جآءوا ~~بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو ~~خير لكم } [النور: 11] يشير إلى أنه تعالى لا يجري على عباده إلا ~~ما يكون حقيقة اللطف، وإن كان في صورة القهر تأديبا وتهذيبا لهم ~~وموجبا لرفعة درجاتهم وزيادة في رتبتهم، وأن قصة الإفك وإن كانت في صورة ~~القهر كانت في حق النبي صلى الله عليه وسلم وفي حق عائشة وأبويها وجميع ~~الصحابة رضي الله عنهم ابتلاء وامتحانا لهم وتربية وتهذيبا، فإن ~~البلاء للولاء وكاللهب بالذهب، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل " # ، وقال صلى الله عليه وسلم: # " يبتلى الرجل على قدر دينه " # فإن الله غيور على قلوب خواص عباده المحبوبين فإذا حصلت مساكنة بعضهم ~~إلى بعض يجري الله تعالى ما يرد كل واحد منهم عن صاحبه ويرده إلى حضرته، # " وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: أي الناس أحب إليك؟ قال: ~~عائشة فساكنها وقال: " يا عائشة حبك في قلبي كالعقدة " ". # وفي بعض الأخبار أن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله إني أحبك ~~وأحب قربك، فأجرى الله تعالى حديث أهل الإفك حتى رد رسول الله قلبه ~~عنها إلى الله تعالى بالخلال عقد ms1157 حبها عن قلبه، وردت عائشة - رضي الله ~~عنها - قلبها عنه إلى الله حيث قالت لما ظهرت براءة ساحتها: بحمد الله لا ~~بحمدك فكشف صبابة تلك المحبة وأزال الشك وأظهر براءة ساحتها حين أدبهم ~~وهذبهم وقربهم وزاد في رفع درجاتهم وقرباتهم { لكل امرىء ~~منهم } من أصحاب الإفك { ما اكتسب من الإثم } على حسب ~~سعايتهم وفساد ظنهم وهتك حرمة حرمانيتهم { والذي تولى كبره ~~} في الخوض ابتداء. # { منهم له عذاب عظيم } يؤاخذ بجرمه وهو خسارة الدنيا ~~والآخرة لأنه # " من سن سنة سيئة فله وزرها وزر من عمل بها إلى يوم القيامة ". # وفيه إشارة إلى أخرى وهي أن الطريق إلى الله تعالى طريقان أهل السلامة ~~وطريق أهل الملامة، فطريق أهل السلامة: ينتهي إلى الجنة ودرجاتها؛ لأنهم ~~محبوسون في حبس وجودهم، طريق أهل الملامة: بطريق أهل السلامة ينتهي إلى ~~الله تعالى؛ لأن الملامة مفتاح باب حبس الوجود وبها يذوب الوجود ذوبان ~~الثلج بالشمس، فعلى قدر ذوبان الوجود يكون الوصول إلى الله تعالى فأكرم ~~الله تعالى عائشة - رضي الله تعالى عنها - يخرجه من ظلمات وجوده المخلوقة ~~إلى نور القدم. # بقوله تعالى: { لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون ~~والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذآ إفك ~~مبين } [النور: 12] يشير إلى أن شرط الإيمان شرك الاعتراض على حرم ~~النبي صلى الله عليه وسلم وترك بسط اللسان بالسوء إليها وظن الخير في ~~حقها، وأن المؤمنين معاتبون على المبادرة إلى ظن السوء بها، وجعل من ~~أمارات الإيمان أن ينظر إلى هذه القصة بنور الإيمان فيعرفوا بإفك وبهتان ~~وعلموا أنه إفك { لولا جآءوا عليه بأربعة شهدآء ~~فإذ لم يأتوا بالشهدآء فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون } [النور: 13] وبأن يأتوا بالشهادة. ### || [24.14-21] # بقوله تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته في ~~الدنيا والآخرة لمسكم في مآ أفضتم فيه عذاب ~~عظيم } [النور: 14] يشير إلى أن أهل العناية في الأزل المنظورين من ~~الفضل والرحمة لا يتغير في أحوالهم، وإن يجري الله عليهم الجرائم العظام ~~الموجبة للعذاب العظيم في الدنيا والآخرة. # أما في الدنيا: فيحرقهم بنار الغيرة ويهلكهم للغيرة ويهلكهم ms1158 للعبرة. # وأما في الآخرة: فيهلكهم بنار القطيعة ويهلكهم بالإبعاد عن الحضرة، ~~ولولا أن الله ينتقم لأوليائه ما لا ينتقم لنفسه لعله لم يذكر هذه ~~المبالغة في أمرهم فإن الذي يقول الأجانب والكفار في وصف الحق حرمه فذلك ~~عظيم عند الله، { إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون ~~بأفواهكم ما ليس لكم به علم } [النور: 15] من عزة ~~الرسول وحرمة حرمه { وتحسبونه هينا } هتك ستر حرمه { وهو ~~عند الله عظيم } [النور: 15]. # { ولولا إذ سمعتموه } [النور: 16] من حيث الإفك هلا { ~~قلتم ما يكون لنآ أن نتكلم بهذا } [النور: 16] ~~ولا يجوز لنا أن نظن بمثل هذا { سبحانك } تنزيها لحرم النبي صلى ~~الله عليه وسلم { هذا بهتان عظيم } عند الله التقاول به { ~~يعظكم الله } [النور: 17] فضلا منه ورحمة إذا اقتصر في مجازاتكم ~~على الموعظة { أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم ~~مؤمنين } [النور: 17] فيه إشارة إلى أن العود إلى مثل هذا يخرجهم ~~عن الإيمان { ويبين الله لكم الآيات } [النور: 18] أي: ~~العلامات على خروج الإيمان ببسط اللسان في عائشة رضي الله عنها بعد هذا { ~~والله عليم } بمن يدعي الإيمان ظاهرا وهو الظاهر في السر { ~~حكيم } فيما قضى وقدر لعباده المؤمنين والكافرين. # ثم أخبر عن تهديد المعاندين الغافلين بقوله تعالى: { إن الذين ~~يحبون أن تشيع الفاحشة } [النور: 19] يشير إلى غاية كرم ~~الله ورحمته وفضله على عباده بأن هذا الصنيع ذكره من هؤلاء ليس من صنيع ~~أهل الإيمان، فإن صنيع أهل الإيمان ما قال صلى الله عليه وسلم: # " المؤمن للمؤمنين كالبنيان يشد بعضه بعضا " # وقال: صلى الله عليه وسلم: # " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كنفس واحدة إذا اشتكى عضو منها تداعى ~~سائر الجسد بالحمى والسهر ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " # ومن أحب إشاعة الفاحشة { في الذين آمنوا لهم عذاب أليم ~~} ليس من الإيمان في شيء وإن لهؤلاء في استحقاق الذم أقبح منزلة، ~~وأشد وزرا حيث أحبوا افتضاح المسلمين، ومن أركان الدين مظاهرة ~~المسلمين، وإعانة أولي الدين، وإرادة الخير لكافة المؤمنين، ms1159 والذي ~~يود فتنة للمسلمين فهو شر الخلق، ثم مع هذه الأوصاف التي هي في ~~غاية الذمامة واستحقاقهم العذاب { أليم في الدنيا والآخرة ~~والله يعلم وأنتم لا تعلمون } فالله يفصل بينهم ~~ويرحمهم ويزكيهم عن أوصافهم الذميمة. # كما قال الله تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته وأن الله رءوف رحيم * يأيها الذين ~~آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع ~~خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشآء والمنكر ~~ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم ~~من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء } ~~[النور: 20-21] بفضله ورحمته رعاية لحق الإيمان وحق الصحبة وحق الهجرة { ~~والله سميع } بما قالوا من حديث الإفك { عليم } بالذي قال مسطح ~~البدري، فإن الله اطلع على بدر وقال: # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40]، فإني غفرت لكم أفأغفر لمسطح بعد أن كذبه الله تعالى. ### || [24.22-25] # ثم قال تعالى في حقه مع الصديق الأكبر: { ولا يأتل أولوا ~~الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى ~~والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا ~~وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم } ~~[النور: 22] يعني: أن لم تعفوا عن مقالته ولم تصفحوا عن صنيعه لا يغفر ~~الله لكم { والله غفور } لذنب مسطح { رحيم } [النور: 22] على ~~أهل بدر. # ثم { إن الذين } لم يكنوا من أهل بدر ومن أصحاب الإفك { ~~يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } يعني: عائشة رضي ~~الله عنها { لعنوا } أي: طردوا عن الحضرة { في الدنيا ~~والآخرة ولهم عذاب عظيم } بنار القطيعة إلى الأبد { يوم ~~تشهد عليهم } على ما قالوا { ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون } [النور: 24] تشهد عليهم ~~أعضاؤهم بما عملوا في حديث الإفك، وفيه إشارة أخرى وهي أنها تشهد على ~~المذنبين بذنوبهم وتشهد للمطيعين بطاعتهم. # فاللسان: يشهد على الإقرار وقراءة القرآن. # واليد: تشهد بأخذ المصحف. # والرجل: تشهد بالمشي إلى المسجد. # والعين: تشهد بالبكاء. # والأذن: تشهد باستماع كلام الله تعالى، ويقال: شهادة الأعضاء في القيامة ~~مؤجلة وشهادتها في الجنة اليوم معجلة من صفرة الوجه إذا بدا المحبوب ~~وشحوب اللون ونحافة الجسم وانسكاب الدموع وخفقان القلب وغير ذلك. # { يومئذ يوفيهم الله ms1160 دينهم الحق ويعلمون ~~أن الله هو الحق المبين } [النور: 25] يجازيهم على قدر ~~استحقاقهم للعابدين بالجنان والمثوبة على توفية أعمالهم وللعارفين ~~بالوصلة والقربة على تصفية أحوالهم، وهؤلاء لهم علوا الدرجات وهؤلاء لهم ~~الأنس بعزيز المشاهدات ودوام المناجاة وتصير المعارف ضرورية، فيجدون ~~المعافاة من النظر وتذكره ويستريح القلب من وصفي تردده وتعززه باستغنائه ~~عن تبصره، ويقال: لا يشهدون غدا إلا الحق فهم قائمون للحق بالحق يبين ~~لهم أسرار التوحيد وحقائقه ويكون القائم عنهم وإلا خذلهم عنهم من غير ~~الذين يردهم إليهم. ### || [24.26-27] # ثم أخبر عن خبيثات المخبثات بقوله تعالى: { الخبيثات ~~للخبيثين والخبيثون للخبيثات } [النور: 26] يشير إلى ~~خباثة الدنيا وشهواتها أنها للخبيثين من أرباب النفوس المتمردة والخبيثون ~~من أهل الدنيا المطمئنون بها للخبيثات من مستلذات النفس ومشتهيات هواها ~~معناه أنها لا تصلح إلا لهم وأنهم لا يصلحون إلا لها، وأيضا الخبيثات من ~~الحطام الفانية لذوي الهمم الدنية، وأيضا الخبيثات من الخبث وهي الحظوظ ~~والمنى لأصحابها والساعين لها والساعون لها غير ممنوعي أحدهما من صاحبه، ~~فالصفة للموصوف ملازمة وأيضا الخبيثات من النعمات الدنيوية للخبيثين من ~~المنتمين من أهل الدنيا أيضا الخبيثات من الأهواء والبدع للخبيثين من ~~المبتدعين من أهل الأهواء وأيضا الخبيثات من الأخلاق الذميمة والأوصاف ~~الردية للخبيثين والموصوفين بها وأيضا الخبيثات من الملوثات بلوث الحدوث ~~للخبيثين الملوثين بلوث الحدوث. # { والطيبات للطيبين } [النور: 26] الطيبات من الأعمال ~~الصالحات للطيبين { والطيبون للطيبات } [النور: 26] كقوله ~~تعالى: # ولذلك خلقهم # [هود: 119]. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " اعملوا فكل ميسر لما خلق له ". # وقال: # " خلقت الجنة وخلقت لها أهل وخلقت النار وخلقت لها أهل " # أيضا الطيبات من الأحوال وهي تحقيق المواجيد بما هي حق والحق مجردا عن ~~الحظوظات النفسانية للطيبين من الرجال وهم الذين سمت همتهم عن كل ~~مبتذل خسيس، ولهم نفوس تسموا إلى المعالي، وهي التجمل بالتذلل ~~لمن له العزة، ويهيء الطيبات من الأخلاق الكريمة للطيبين من أرباب ~~القلوب السليم وأيضا الطيبات المطهرات من لوث الحدوث بتجلي صفات القدم ~~للطيبين الفانين عن لوث الوجود الباقين بطيب الجود. # كما قال ms1161 صلى الله عليه وسلم: # " إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب " # { أولئك مبرءون } من لوث الحدوث { مما يقولون } ~~أهل الوجود في إثبات وجودهم بحسب سرهم { لهم مغفرة } يعني: ~~وجودهم المجازي مستور بستر الوجود الحقيقي { ورزق كريم } ولهم هذا ~~المقام ولهم رزق من كرم الكريم. # وبقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا ~~بيوتا غير بيوتكم } [النور: 27] يشير إلى ترك الدخول والسكون ~~في البيوت المجازية الفانية من الأجساد غير البيوت الحقيقة التي هي لها ~~دار القرار { حتى تستأنسوا } [النور: 27] إليها وتطمئنوا بها ~~بل { وتسلموا على أهلها } سلام الوداع للسلم والخلاص منهم ~~{ ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون } [النور: 27] أي: ~~تتعظون ولا تركنون إلى الدنيا الفانية وشهواتها، وترجعون إلى الوطن ~~الحقيقي الذي حبه من الإيمان. ### || [24.28-30] # { فإن لم تجدوا فيهآ أحدا } [النور: 28] يشير إلى فناء ~~أصحاب البيت وهو وجود الإنسانية { فلا تدخلوها } بتصرف الطبيعة ~~الموجبة للوجود { حتى يؤذن لكم } [النور: 28] بأمر من الله ~~بالتصرف فيها للاستقامة كما أمر { وإن قيل لكم ارجعوا } ~~[النور: 28] إلى ربكم { فارجعوا } [النور: 28] ولا تتصرفوا فيها ~~تصرف المقيمين بها { هو أزكى لكم } لئلا تقعوا في فتنة من الفتن ~~الإنسانية وتكونوا مع الله { والله بما تعملون } من الرجوع ~~إلى الله، وترك تعلق البيوت الجسمانية { عليم } أنه خير لكم. # وبقوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا ~~غير مسكونة } [النور: 29] يشير إلى جواز تصرف السالك الواصل في ~~بيت الجسد الذي غير مسكون فيه صاحبه وهو الإنسانية لفنائها عن وجودها ~~بإفناء الحق تعالى: { فيها متاع لكم } [النور: 29] من الآلات ~~والأدوات التي تحتاجون إليها عند السير في عالم الله ولتحصيلها بعث ~~الأرواح أو أسفل سافلين والأجساد: { والله يعلم ما تبدون } ~~[النور: 29] من تصرفاتكم بالآلات الإنسانية { وما تكتمون } ~~[النور: 29] نياتكم أنها الطلب مرضاة الله أو لهوى نفوسكم. # ثم أخبر عن أسرار غض الأبصار قال تعالى: { قل للمؤمنين ~~يغضوا من أبصارهم } [النور: 30] يشير إلى غض أبصار الظواهر ~~عن المحرمات، وأبصار النفوس عن شهوات الدنيا ومألوفات الطبع ومستحسنات ~~الهوى، وأبصار القلوب عن رؤية الأعمال ونعيم الآخرة، وأبصار ms1162 الأسرار عن ~~الدرجات والقربات، وأبصار الأرواح عن الالتفات بما سوى الله، وأبصار ~~الهمم عن العلل بألا يروا نفوسهم أهلا للشهود من الحق سبحانه غيره عليه ~~تعظيما وإجلالا { ويحفظوا فروجهم } [النور: 30] فروح الظاهر ~~عن المحرمات وفروج البواطن عن التصرفات في الكونين لعلة دنيوية أو أخروية ~~{ ذلك أزكى لهم } [النور: 30] صيانة عن تلوث الحدوث ورعاية ~~للحقوق عن شوب الحظوظ { إن الله خبير بما يصنعون } ~~يعملون للحقوق والحظوظ. ### || [24.31] # { وقل للمؤمنات } [النور: 31] من النفس والقلب والروح { ~~يغضضن من أبصارهن } عما مر ذكره ولأن المطالبة على النساء ~~كالمطالبة على الرجال؛ لشمول تكليف الجنسين، فالواجب عليهن ترك المحظورات ~~والندب والنفس لهن صون القلب عن الشواغل والخواطر الدنية، ثم إن ارتقينا ~~بالهمم العالية، وهذه الحالة فالتعامي بقلوبهن عن غير المعبود، فإن ~~للنساء نصيب، ويقال: قرن الله النهي عن النظر في المحارم بذكر حفظ الفرج ~~فقال: { ويحفظن فروجهن } [النور: 31] تنبيها على عظم خطر ~~النظر فإنه يدعو إلى الإقدام على الفعل وقال صلى الله عليه وسلم: # " النظر سهم من سهام إبليس " # سهمي الذي لا يخطئ النظر وأنشدوا: # وأنت إذا أرسلت طرفك رائدا # لقلبك يوما أتعبتك المناظر # وقالوا: من أرسل طرفه اقتضى حتفه. # { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } [النور: ~~31] يشير إلى كتمان ما زين الله به سرائرهم من صفاء الأحوال وزكاة ~~الأعمال، فإن بالإظهار بتقلب الزينة شيئا إلا ما ظهر منها بتصرف ولرد حق ~~أو يظهر عن واحد منهم نوع كرامة تكلف فلذلك مستثنى؛ لأنه غير مؤاخذ عالم ~~يكمن بتصرفه وتكلفه { وليضربن بخمرهن على جيوبهن ~~} [النور: 31] جيوب قلوبهن { ولا يبدين زينتهن } [النور: 31] ~~أي: يخفون الأحوال { إلا لبعولتهن أو آبآئهن أو ~~آبآء بعولتهن أو أبنآئهن أو أبنآء ~~بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو ~~بني أخواتهن أو نسآئهن } [النور: 31] يشير به إلى ~~الشيوخ المتصرفين فيهم والأحوال المعاونين لهم والمريدين من المتمسكين ~~بهم { أو ما ملكت أيمانهن } [النور: 31] يعني: من تملكوا ~~على نفوسهم بحسن الإرادة. # { أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال } ~~[النور: 31] أي: لأتباعهم الذين ليسوا من أهل ms1163 الدنيا أرباب المناصب، ~~فيكون للنفس في إظهار الأحوال والأسرار ثم إلى طلب الجاه عندهم والرئاسة ~~على غيرهم. # { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات ~~النسآء } [النور: 31] وهم أطفال الطريقة من أهل الإرادة غير مطلع على ~~أسرار الشيوخ لهدايتهم إلى سبيل الرشاد وتشويقا لهم إلى كمالات العباد ~~على نية النصيحة والمعاونة على البر والتقوى { ولا يضربن ~~بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن } [النور: ~~31]، ولا يعتمدوا إلى قول وفعل وإظهار حال ليعلم ما هو المخفي من أحوالهم ~~على الأغيار. # وبقوله تعالى: { وتوبوا إلى الله جميعا أيه ~~المؤمنون } [النور: 31] يشير إلى أن التوبة كما هو واجبة على ~~المبتدئ عن ذنوب مثله فهي لازمة للمنتهي عن ذنوب مثله، فإن حسنات الأبرار ~~سيئات المقربين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في كل يوم مائة مرة " # فتوبة المبتدئ من المحرمات وتوبة المتوسط من ذوائب المحالات وتوبة ~~المنتهي بإعراض عما سوى الله بكليته والإقبال على الله بكليته { ~~لعلكم تفلحون } [النور: 31] ففلاح المبتدئ من النار إلى الجنة ~~والمتوسط من أرض الجنة إلى أعلى عليين مقامات القرب ودرجاتها، والمنتهى ~~من جنس الوجود المجازي إلى الوجود الحقيقي ومن ظلمة الخليقة إلى نور ~~الربوبية. ### || [24.32-34] # ثم أخبر عن صلاح النكاح بقوله تعالى: { وأنكحوا الأيامى ~~منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم } [النور: 32] ~~يشير إلى المريدين الطالبين وهم مجرومون عن خدمة شيخ يتصرف فيهم ليودع في ~~أرحام قلوبهم النطفة من طلب الولاية، فندبهم إلى طلب شيخ من الرجال ~~البالغين الواصلين الذين يصل بهم الولادة الثانية في عالم الغيب بالمعنى، ~~وهو طفل الولادة، كما أن ولادتهم الأولى حصلت في عالم الشهادة بالصورة ~~ليكون ولوجهم في الملكوت كما أن عيسى عليه السلام لمن اتبعك؛ لأن كل ~~متابع مؤمن ولم يكن كل مؤمن متابع لئلا يعتبر المؤمن بدعوى الإيمان بمعزل ~~عن حقيقته التي لا تحصل إلا بالمتابعة. ### | [26 - سورة الشعراء] ### || [26.216-223] # ثم قال: { فإن عصوك } [الشعراء: 216] يعني: عشيرتك { فقل ~~إني بريء مما تعملون } [الشعراء: 216] أي: على خلاف ~~الشريعة شريعة ms1164 ولا تبرأ منهم، وقل لهم قولا معروفا بالنصح لعلهم يرجعون ~~إلى طاعتك وقبول الدعوة منك { وتوكل } [الشعراء: 217] في جميع ~~حالاتك { على العزيز } الذي لا يذل من والاه ولا يعز من عاداه { ~~الرحيم } الذي يرحم من توكل عليه فالفطرة والنظرة ولا تتوكل على ~~العشيرة والأتباع { الذي يراك حين تقوم } [الشعراء: 218] أي: ~~يرى قصدك ونيتك وعزيمتك عند قيامك بالأمور كلها، وقد اقتطعه بهذه الآية ~~عن شهود الخلق، فإن من علم أنه يشهد الحق راعى دقائق حالاته وخفايا ~~أحواله مع الحق. # وبقوله: { وتقلبك في الساجدين } [الشعراء: 219] هون عليه ~~معاناة مشاق العبادات لإخباره برؤية له، ولا مشقة لمن يعلم أنه لمرأى ~~مولاه ومحبوبه، وإن حمل الجبال الرواسي يهون لمن يحملها على شفرة من جفن ~~عينه على مشاهدة ربه بمرأى منا حين نقلبك في عالم الأرواح في الساجدين ~~بأن خلقنا روح كل ساجد من روحك { إنه هو السميع } [الشعراء: ~~220] في الأزل مقالتك: # " أنا سيد ولد آدم " # ولا في لأن أرواحهم خلقت من روحك العليم باستحقاقك بهذه الكرامة. # ثم قال: { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * ~~تنزل على كل أفاك أثيم } [الشعراء: 221-222] لأنهم من ~~جنسهم وبينهم مناسبة بالكذب والافتراء وقطع الطريق على الطلبة وإضلال ~~الخلق بالوسواس، كما قال تعالى: # يوسوس في صدور الناس * من الجنة والناس # [الناس: 5-6] ولأنهم خلقوا للنار لقوله: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس # [الأعراف: 179] { يلقون السمع } [الشعراء: 223] بعضهم إلى كلام ~~بعض { وأكثرهم كاذبون } [الشعراء: 223] من السامعين. ### || [26.224-227] # ثم أخبر عن أهل الكذب والافتراء أكثرهم من الشعراء بقوله تعالى: { ~~والشعرآء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في ~~كل واد يهيمون } [الشعراء: 224-225] يشير إلى أن الشعراء بحسب ~~مقامتهم ومطرح نظرهم ومنشأ قصدهم ونياتهم إذا اسلكوا على أقدام التفكر ~~مفاوز التذكر في طلب المعاني ونظمها وترتيب عروضها وقوافيها، وتدبير ~~تجنيسها وأساليبها يتبعهم الشياطين الغاوون ويوقعونهم في الأباطيل ~~والأكاذيب فيهيمون في كل واد من المدح والذم والهجاء والكذب والفحش ~~والشتم واللعن والافتراء والدعاء والتكبر والتفاخر والتجاسر والعجب ~~والإرادة وإظهار الفضل والدناءة والخسة والطمع ms1165 والتكدي والذلة والمهانة ~~وأصنافه والأخلاق الرذائل والطعن في الأنساب والأغراض وغيرك من الآفات ~~التي من توابع الشعر ليوصلوا بها إلى أسفل دركات الجحيم وبأنهم يقولون ~~عند التصلف والدعاوي ما يفعلون. # وبقوله: { إلا الذين آمنوا } [الشعراء: 227] إلى قوله: { من ~~بعد ما ظلموا } [الشعراء: 227] يشير إلى أنه كمال أرباب النفوس ~~في الشر سلوك على أقدام التفكر؛ ليصلوا إلى أسفل دركات الجحيم كذلك ~~لأرباب القلوب في الشعر سلوك على أقدام التفكر بنور الإيمان وقوة العمل ~~الصالح وتأييد الذكر الكثير ليصلوا إلى أعلى درجات القرب، وتؤيدهم ~~الملائكة بدقائق المعاني بل يوفقهم الله لاستخلاف الحقائق ويلهمهم ~~بالألفاظ [الدقائق التي] فيه الإلهام في كل واد من المواعظ الحسنة والحكم ~~البالغة وذم الدنيا وتركها وتزيين الآخرة وطلبها وتشق العباد من المواعظ ~~وتحبيبهم إلى الله وتحبيب الله إليهم وشرح المعارف، وبيان الوصول والحشر ~~على السير والتحذير عن الآفات القاطعة للسير، وذكر الله وثنائه ومدح ~~النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وهجاء الكفار استنفارا كما قال صلى ~~الله عليه وسلم لحسان: # " اهجي المشركين قال جبريل معك " # { وسيعلم الذين ظلموا } [الشعراء: 227] بالشعر المنهي ~~عنه { أي منقلب ينقلبون } [الشعراء: 227] يرجعون. ### | [27 - سورة النمل] ### || [27.1-6] # { طس } [النمل: 1] يشير بطائه إلى طيب قلوب محبيه وبالسين إلى سر ~~بينه وبين قلوب محبيه لا يسعهم فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وأيضا يقسم ~~بطاء طلب قلوب طالبيه وسين سلامة قلوبهم عن طلب ما سواه { تلك آيات ~~القرآن } [النمل: 1] أي: بدلالات القرآن وشواهد أنواره { وكتاب ~~مبين } وكتاب فيه بيان كيفية السلوك وطريق الوصول بجذبة طالبيه كما ~~قال: # " إلا من طلبني وجدني " # من طلبني بدلالات القرآن وجدني بالعيان، فإن القرآن { هدى } [النمل: ~~2] أي: هاديا إلى الله { وبشرى للمؤمنين } بالوصول إلى الله ~~بهدايته { الذين يقيمون الصلاة } [النمل: 3] يديمون ~~بالمواصلات ويستقيمون في المعارج بحقائق الصلاة لنيل القربات { ~~ويؤتون الزكاة } [النمل: 3] ويؤدون عن أموالهم وأحوالهم ~~وسكناتهم وحركاتهم الزكاة بما يقومون في حقوق المسلمين أحسن مقام، ~~وينوبون عن ضعفائهم أحسن مناب. # { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم ~~أعمالهم } [النمل: 4] يشير ms1166 به إلى أن الذين لا يؤمنون بالآخرة لا ~~يؤمنون لأنا { زينا لهم أعمالهم } الدنيوية وحركاتهم ~~النفسانية الحيوانية في أعين نفوسهم فعميت عيون قلوبهم عن رؤية الآخرة ~~ونعيمها؛ لأن عمى القلوب مودعة في بصارة النفوس وعمى النفوس مودعة في ~~بصيرة القلوب، فصمت أذان قلوبهم حين عميت عيون قلوبهم فلم يسمعوا دعوة ~~الأنبياء بسمع القبول، فلم يؤمنوا وذلك لأن لصورة الإنسان آلة للبصر دون ~~آلة السمع فيحتمل أن تختل آلة البصير فلا يرى بها شيئا، وتكون آلة السمع ~~بحالها فيسمع بها ولكن معنى الإنسان ملكوتي لا يحتاج إلى آلة البصر ~~والسمع؛ لأنه بالصفة التي يبصر أيضا يسمع وبها يتكلم وبها يعقل وبها ~~يفقه، وإن أثبت الله له آلات السمع والبصر والفقه والعقل كما أثبت ~~للصورة، ولكن أثبت لفهم الكلام. # ثم بالإشارة بين أنها واحدة بقوله تعالى: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ~~لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا ~~يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بهآ # [الأعراف: 179] ثم أشار بقوله تعالى: # صم بكم عمي فهم لا يعقلون # [البقرة: 171] ليعلم أنه لا يكون في عالم المعنى أعمى وإلا يكون أصم ~~وأبكم تفهم إن شاء الله تعالى، وبهذا المعنى أشار إليه صلى الله عليه ~~وسلم بقوله: # " حبك الشيء يعمي ويصم فبحب الدنيا عميت عين القلب وصمت أذنه ". # كما قال تعالى: # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور # [الحج: 46] ثم اعلم أن من لم يعالج عمى قلبه بأدوية الشريعة وصفة ~~الطريقة؛ ليرى علم الحقيقة هاهنا لا يقبل على العلاج والتداوي في الآخرة. # كما قال تعالى: # ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ~~وأضل سبيلا # [الإسراء: 72] يعني عن رؤية عالم الحقيقة والوصول إليه، فهم يعمهون في ~~الدنيا يتحيرون في عالم الحواس لا يهتدون إلى عالم الملكوت وفي الآخرة ~~يترددون في نار جهنم # كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها ~~وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به ~~تكذبون # [السجدة: 20] وذلك معنى قوله: { أولئك الذين لهم سوء ~~العذاب } [النمل: 5] يعني: ms1167 عمى القلوب وصممه وبكمه { وهم في ~~الآخرة هم الأخسرون } [النمل: 5] لأنهم خسروا الدنيا والآخرة ~~ولم يربحوا المولى وذلك لأن قوما من المختصين بتوفيق يحبهم ويحبونه قد ~~خسروا الدنيا والآخرة بتركها وعدم الالتفات إليها في طلب المولى؛ فربحوا ~~المولى فلهذا لما وجد أبو يزيد في البادية قحف رأس مكتوب عليه خسر الدنيا ~~والآخرة بكى وقبل عليه، وقال: هذا رأس صوفي. # فلما أخبر الله تعالى عن مقامات المؤمنين والكافرين وشرح أحوالهم أخبر ~~عن مقام النبي صلى الله عليه وسلم وحاله بقوله: { وإنك لتلقى ~~القرآن من لدن حكيم عليم } [النمل: 6] يعني: لا من لدن ~~جبريل به يشير إلى أنك جاوزت حد كمال كل رسول فإنهم كانوا يتلقون الكتب ~~بأيديهم من يد جبريل والرسالات من لفظه وحيا، وإنك وإن كنت تلقي القرآن ~~بتنزيل جبريل على قلبك تلقى حقائق القرآن من لدن حكيم لقلبك بحكمه بها ~~القرآن وهي صفة القائمة بذاته، فعلمك حقائق القرآن وبيانه وهو العلم ~~اللدني عليم حكيم جعله بحكمته مستعدا لقبول الفيض القرآن بلا واسطة عليم ~~هو أعلم حيث يجعل رسالته. ### || [27.7-14] # ثم أخبر عن هدى موسى عليه السلام بقوله تعالى: { إذ قال موسى ~~لأهله } [النمل: 7] والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: { إذ قال ~~موسى لأهله إني آنست نارا } [النمل: 7] يشير إلى موسى ~~القلب أنه لما كوشف بأنوار شواهد الحق في ليلة الهوى وظلمة الطبيعة، قال ~~لأهله أي: النفس وصفاتها { إني آنست نارا } بوادي أيمن السر، ~~كما قال بعضهم: يبدو لي من الصغار برق يخبرني بها قرب المزار { ~~سآتيكم منها بخبر } عن كيفية الطريق { أو آتيكم ~~بشهاب قبس } من نار النور الإلهية { لعلكم تصطلون } ~~[النمل: 7] بتلك النار فتخلصون من جمود الطبيعة وظلمة الهوى. # { فلما جآءها } [النمل: 8] على قدمي الشوق وصدق الطلب { نودي ~~} من الشجرة الروحانية { أن بورك من في النار } نار المحبة أو ~~في طلب نار الموقدة التي تطلع على الأفئدة { ومن حولها } أي: ومن ~~يدور حول هذه النار كالفراش فإنه يقع فيها { وسبحان الله رب ~~العالمين }. # { يموسى إنه } [النمل: 9] أي: المنادي { أنا ms1168 الله ~~العزيز الحكيم } [النمل: 9] الذي السبيل إليه سدوا لطلب ود ~~الحكيم الذي بالحكمة الأزلية يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب. # وبقوله: { وألق عصاك } [النمل: 10] يشير إلى أن من سمع نداء الحق ~~وشاهد أنوار جماله يلقى من يد همته كل ما كان متوكأ له غير الله فلا ~~يتوكأ إلا على فضل الله وكرمه { فلما رآها تهتز كأنها ~~جآن } [النمل: 10] يشير إلى أنه لما ألقى متوكأه وكوشف بمعناه رآه ~~جانا وثعبانا ليعلم أن كل متوكل غير الله في الصورة ثعبان له في المعنى ~~فلما عاينه { ولى مدبرا ولم يعقب } [النمل: 10] ولم يرجع ~~إليه بعد عرفانه أي: ففروا إلى الله فرار خائف من الاسترجاع فيقول الله: ~~{ يموسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون } ~~[النمل: 10] يعني: من فر إلى الله عما سواه يؤمنه الله مما سواه ويقول له ~~لا تخف فإنك لدي ولا يخاف من القلوب المنورة الملهمة المرسلة إليها ~~الهدايا والتحف من ألطافي { إلا من ظلم } [النمل: 11] نفسه ~~بالرجوع إلى غيري { ثم بدل حسنا بعد سوء } [النمل: 11] ~~بأن يفر إلي بعد سوء رجوعه إلى غيري { فإني غفور } [النمل: 11] ~~غفر ذنب رجوعه { رحيم } [النمل: 11] إذا فر أتى أجله ولا إرادة. # { وأدخل يدك } [النمل: 12] أي: يد همتك { في جيبك } ~~[النمل: 12] حيث قناعتك { تخرج بيضآء } [النمل: 12] نقية من لوث ~~الدارين { من غير سوء } [النمل: 12] يصيبك من قناعتك وخلو يدك ~~عما سوى الحق { في تسع آيات } [النمل: 12] من أسباب هلاك { إلى ~~فرعون } النفس { وقومه } أي صفاتها { إنهم كانوا ~~قوما فاسقين } [النمل: 12] خارجين عن ربقة العبودية والانقياد. # { فلما جآءتهم آياتنا مبصرة } من الواردات والشواهد ~~واللوامع والطوالع { قالوا هذا سحر مبين } [النمل: 13] فلم ~~يؤمنوا { وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم } [النمل: ~~14] بتلك الشواهد أنها حق، ولكن النفس وصفاتها المتمردة من خاصية طبعها ~~يجحد بها { ظلما وعلوا } إباء واستكبارا شيطانيا جبلت النفوس ~~عليها { فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } الذين أفسدوا ~~استعداد الإنسانية لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة الذي خلق في أحسن تقويم، ~~فكان عاقبتهم أنهم نزلوا منازل الحيوانات من ms1169 الأنعام والسباع وقرنوا مع ~~الشيطان في الدرك الأسفل من النار. ### || [27.15-18] # ثم أخبر عن إعداد من لم يفسد الاستعداد بقوله تعالى: { ولقد ~~آتينا داوود وسليمان علما } [النمل: 15] والإشارة في ~~تحقيق الآيات بقوله { ولقد آتينا داوود وسليمان علما ~~} [النمل: 15] يشير إلى داود الروح وسليمان القلب وعلمهم إلهام الرباني ~~وعلم الأسماء الذي علمه الله آدم عليه السلام والعلم اللدني لمن هو أهله ~~{ وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من ~~عباده المؤمنين } [النمل: 15] أي: على الأعضاء والجوارح ~~المستعملة في العبودية، وفيه إشارة إلى تفضيل خواص الإنسان على خواص ~~الملك حيث قال: # وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا # [الإسراء: 70] أراد بالكثير الجميع كما أراد بقوله: { فضلنا على ~~كثير من عباده المؤمنين } [النمل: 15] أي: على جميع من ~~عباده المؤمنين لأنه لا ريب في أن فضيلة الأنبياء على جميع المؤمنين لا ~~على بعضهم، وإذا كان الكثير بمعنى الجميع يتناول الملائكة وغيرهم. # وبقوله: { وورث سليمان داوود } [النمل: 16] يشير إلى أن ~~سليمان القلب يرث من داود الروح، فإن كل وارد وإلهام وإشارة ووحي وفيض ~~رباني يصدر من الحضرة الإلهية يكون عبوره على داود الروح ومن كان لطافته ~~يعبر عنه فيصل إلى سليمان القلب؛ لأن القلب بصفائه يقبله وبكثافته ~~وصلابته يحفظه، فلهذا شرف القلب على الروح ولذلك كان سليمان أقضى من داود ~~وقال صلى الله عليه وسلم: # " يا واصبة استفت قلبك " # ولم يقل استفت روحك. # { وقال يأيها الناس } [النمل: 16] يخاطب النفوس الناسية { ~~علمنا منطق الطير } أي: الخواطر الملائكية والروحانية { ~~وأوتينا من كل شيء } من الاستعداد الفطري، وأسباب السلوك وما ~~يحتاج إليه في الوصول إلى الحضرة { إن هذا لهو الفضل ~~المبين } الذي قال تعالى: # ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء # [الحديد: 21] { وحشر لسليمان جنوده من الجن } ~~[النمل: 17] أي: صفة الشيطانية { والإنس } أي صفة النفسانية، { ~~والطير } أي: صفة الملكية { فهم يوزعون } عن طبيعتهم ~~بالشريعة ليسخروا لسليمان القلب وينقادوا له { حتى إذآ أتوا ~~على واد النمل } [النمل: 18] وهو هدى النفس الحريصة على الدنيا ~~وشهواتها { قالت نملة } [النمل: 18] وهي النفس اللوامة. # { يأيها ms1170 النمل } [النمل: 18] أي: الصفات النفسانية { ~~ادخلوا مساكنكم } [النمل: 18] محالكم المختلفة وهي الحواس ~~الخمس { لا يحطمنكم } [النمل: 18] لا تهلكنكم { سليمان } ~~[النمل: 18] القلب { وجنوده } [النمل: 18] المسخرة له { وهم لا ~~يشعرون } [النمل: 18] لأنهم الحق وأنتم الباطل، فإذا جاء الحق وزهق ~~الباطل كما أن الشمس إذا طلعت تبطل الظلمة وتنفيها وهي لا تشعر بحال ~~الظلمة وما أصابها، وقد أكرم الله سليمان القلب بكرامة على المنطق وفهم ~~كل ناطق من عالم الروحانية والنفسانية. ### || [27.19-22] # فلما سمع كلام نملة النفس تعجب منها { فتبسم ضاحكا من ~~قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي ~~أنعمت علي } [النمل: 19] بتسخير جنودي لي { وعلى والدي ~~} [النمل: 19] وهما الروح والجسد فأنعمت على والدي الروح بإفاضة الفيض ~~الرباني، وعلى والتي الجسد باستعماله في أركان الشريعة { وأن أعمل ~~صالحا ترضاه وأدخلني } [النمل: 19] بجذبات ألطافك { في ~~عبادك الصالحين } [النمل: 19] في مقام العبودية المختصة ~~بالأنبياء والمرسلين والأولياء المتقين، كما أدخلت نفوسهم عنايتك في مقام ~~العبودية المضافة إلى حضرتك بقولك # فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي # [الفجر: 29-30]. # ثم أخبر عن تفقد أهل التعبد بقوله تعالى: { وتفقد الطير } ~~[النمل: 20] والإشارة في تحقيق الآيات بقوله { وتفقد الطير ~~فقال مالي لا أرى الهدهد } [النمل: 20] يشير إلى أن الواجب ~~على الملوك التيقظ في مملكتهم وحسن قيامهم وتكلفهم بأمور رعاياهم تفقد ~~أصغر رعيتهم، كما يتفقدون عن أكبرها بحيث لم يخف عليهم غيبة الأصاغر ~~والأكابر منهم، كما أن سليمان عليه السلام تفقد حال أصغر طير من الطيور، ~~ولم يخف عليه غيبته ساعة، ثم من غاية شفقة على الرغبة أحال النقص ~~والتقصير إلى نفسه فقال: { مالي لا أرى الهدهد } [النمل: 20] ~~وما قال ما للهدهد لم أره ولرعاية مصالح الرعاية وتأديبهم قال: { أم ~~كان من الغآئبين } [النمل: 20] يعني: من الذين غابوا عني بلا ~~إذني. # ثم هدده إن لم يكن له عذر لغيبته فقال: { لأعذبنه عذابا ~~شديدا } [النمل: 21] بالطرد عن الحضرة والإسقاط عن عين الرضا والقبول ~~{ أو لأاذبحنه } [النمل: 21] في شدة العذاب، { أو ~~ليأتيني بسلطان مبين } [النمل: 21] به يشير إلى أن حفظ ~~المملكة يكون بكمال ms1171 السياسة وكمال العمل، فلا يتجاوز عنه جرم المجرمين ~~ويقبل عنهم العذر الواضح بعد البحث عنه، ويشير إلى أن الطير في زمانه ~~كانت من جملة التكليف ولها وللمسخرين لسليمان عليه السلام من الحيوان ~~والجن والشياطين تكاليف تناسب أحوالهم، ولهم فهم وإدراك كأحوال الإنسان ~~في قبول الأوامر والنواهي معجزة لسليمان. # وبقوله: { فمكث غير بعيد } [النمل: 22] يشير إلى أن الغيبة، ~~وإن كانت موجبة للعذاب الشديد وهو الحرمان عن سعادة الحضور ومنافعه، ولكن ~~من أمارات السعادة سرعة الرجوع وتدارك الفائت وبقوله { فقال أحطت ~~بما لم تحط به } [النمل: 22] خبر إلى سعة لي وسعة كريم الله ~~ورحمة بأن يختص طائرا بعلم نبي مرسل، وهذا لا يقدح في حال النبي صلى ~~الله عليه وسلم والرسل بأن لا يعلم علما غير نافع في النبوة فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله منه فيقول: # " أعوذ بك من علم لا ينفع ". # وبقوله: { وجئتك من سبإ بنبإ يقين } [النمل: 22] يشير ~~إلى أن من شرط الخبر ألا يخبر عن شيء إلا أن يكون مستيقنا فيه لا سيما ~~عند الملوك. ### || [27.23-27] # وبقوله: { إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من ~~كل شيء ولها عرش عظيم } [النمل: 23] إلى قوله: { رب ~~العرش العظيم } [النمل: 26] يشير إلى أن سليمان عليه السلام لما ~~ذكر الهدهد حديث بلقيس ومملكتها وما لها من المال والحال والملك والسرير ~~العظيم لم يتغير لذلك ولم يستفزه الطمع لما سمع من ملكها كعادة الملوك ~~في الطمع في مثل غيرهم فلما قال: { وجدتها وقومها يسجدون ~~للشمس من دون الله } [النمل: 24] فعند ذلك غاظه هذا وجرد الله ~~وأخذته حمية الدين وجعل يبحث عن تحقيق وقال: { سننظر أصدقت أم ~~كنت من الكاذبين } [النمل: 27] وفي هذا دلالة على أن خبر الواجد ~~لا يوجب العلم، فيجب التوثيق فيه على حد التجويز، وفيه دليل على أنه لا ~~يطرح بل يجب أن يتعرف هل هو صدق أو كذب، ولما عرف سليمان هذا العذر عذر ~~الهدهد فترك عقوبته، فكذلك سبيل الوالي يجب أن يمنعه عدله من الحيف على ~~رعيته، ويقبل ms1172 عذر من وجده في صورة المجرمين إذا صدق في اعتقاده. ### || [27.28-35] # وبقوله: { اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم } [النمل: ~~28] يشير إلى أنه الكتاب لما كان سببا لهدايتها وحصول إيمانها سمته ~~كريما لأنها بكرامته لما كان صدق فيما أخبر وبذل النصح لملكه ورعى جانب ~~الحق عوض عليه حتى أهل الرسالة رسول الحق على ضعيف صورته ومعناه وبقوله: ~~{ قالت يأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم ~~* إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن ~~الرحيم * ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين } [النمل: ~~29-31] يشير إلى أن الكتاب لما كان سببا لهدايتها وحصول إيمانها سمته ~~كريما لأنها بكرامته اهتدت إلى حضرة الكريم. # وبقوله: { قالت يأيها الملأ أفتوني في أمري ما ~~كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون } [النمل: 32] يشير إلى أن ~~المرء لا ينبغي أن يكون مستبدا برأيه ويكون مشاورا في جميع ما سنح من ~~الأمور لا سيما الملوك يجب أن يكون له طغمة قوم من أهل الرأي والبصيرة ~~فلا يقطعون أمرا إلا بمشاورتهم. # وبقوله: { قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد ~~والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين } [النمل: 33] يشير ~~إلى أن شرط أهل المشاورة أنهم لما رأوا رأيا صائبا في أمر المشاورة ~~وأخبروه بذلك لا يحملون عليه بقوله بل يخيرونه في ذلك، فلعله أعلم بصلاح ~~حاله منهم كما كان حال بلقيس إذ قالت: { إن الملوك إذا ~~دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلهآ ~~أذلة } [النمل: 34] فيه إشارة إلى أن العاقل مهما تيسر له دفع ~~الخصوم بطريق صالح لا يوقع نفسه في خطر الهلاك بالمحاربة والمقاتلة ~~بالاختيار إلا أن يكون مضطرا، وفيه إشارة أخرى إلى أن ملوك الصفات ~~الربانية إذ دخلوا قرية الشخص الإنساني بالتجلي أفسدوها بإفساد الطبيعة ~~الإنسانية الحيوانية وجعلوا أعزة أهلها وهي النفس الأمارة وصفاتها أذلة ~~لذلوليتهم بسطوات التجلي، وكذلك يفعلون مع الأنبياء والأولياء؛ لأنهم ~~خلقوا لمرآتيه هذه الصفات إظهارا للكنز المخفي تفهم إن شاء الله تعالى. # ثم أخبر عن الهداية الموجبة للهدية بقوله تعالى: { وإني مرسلة ~~إليهم بهدية } [النمل: 35] والإشارة في تحقيق الآيات بقوله { ~~وإني مرسلة إليهم ms1173 بهدية فناظرة بم يرجع ~~المرسلون } [النمل: 35] إلى أن الهدية موجبة استمالت القلوب، ولكن ~~أهل الدين لما عارضهم أمر ديني في مقابلة منافع كثيرة دنيوية يرجحون طرف ~~أمر الدين على طرف منافع كثيرة دنيوية واستقلوا كثرتها فانية واستكثروا ~~قليلا من أمور الدين؛ لأنها باقية كما فعل سليمان عليه السلام فلما جاءه ~~الرسول بالهدية استقل كثرتها. ### || [27.36-41] # وقال: { أتمدونن بمال فمآ آتاني الله } [النمل: 36] ~~من كمالات الدين والقربات والدرجات الأخروية { خير ممآ آتاكم } ~~من الدنيا وزخارفها { بل أنتم بهديتكم تفرحون } أي: ~~أمثالكم من أهل الدنيا بمثل هديتكم الدنيوية الفانية يفرحون بخسة نفوسكم ~~وجهلكم عن الشهادات الأخروية الباقية. # ثم قال للرسول: { ارجع إليهم } [النمل: 37] بهديتهم ليعلموا أن ~~أهل الدين لا ينخدعون بحطام الدنيا وإنما نريد منكم الإسلام وإن لم ~~يأتوني مسلمين { فلنأتينهم بجنود } [النمل: 37] من الجن ~~والإنس والتأييد الإلهي { لا قبل لهم بها ولنخرجنهم ~~منهآ } [النمل: 37] من ديارهم ومن أديانهم أذلة وهم صاغرون للإسلام ~~طوعا وكرها. # وبقوله: { قال يأيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها ~~قبل أن يأتوني مسلمين } [النمل: 38] يشير إلى أن سليمان ~~عليه السلام كان واقفا على أن في أمته من هو من أهل الكرامة، فأراد أن ~~يظهر كرامتهم ليعلم أن في أمم الأنبياء عليهم السلام يكون أهل الكرامات ~~فلا تنكروا من كرامات الأولياء كما أنكرت المعتزلة، فإن أدنى مصيدة ~~الإنكار حرمان المنكر عن درجة الكرامات كحرمان أهل البدع والأهواء عنها، ~~ولا يظن جاهل أن سليمان عليه السلام لم يكن قادرا على الإتيان بعرضها ~~ولم يكن له هذه الكرامات، فإنه أمرهم بذلك لإظهار أهل الكرامات من أمته، ~~ولأن كرامات الأولياء من جملة معجزات الأنبياء، فإنها دالة على صدق نبوته ~~وحقيقة دينهم أيضا. # وبقوله: { قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن ~~تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين } [النمل: ~~39] وقوله: { قال الذي عنده علم من الكتاب أنا ~~آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } [النمل: 40] يشير ~~إلى أن الجن إن كان له من لطافة جسمه قوة ملكوتية يقدر على ذلك بمقدار ~~زمان ms1174 مجلس سليمان، فإن الإنس ممن عنده علم من الكتاب مع كثافة جسمه وثقله ~~وضعف الإنسانية قوة ربانية قد حصلها من علم الكتاب بالعمل به هو أقدر بها ~~على ما يقدر عليه الجن من الجن، ولما كان كرامة هذا الولي الإتيان بالعرش ~~من معجزة سليمان { فلما رآه مستقرا عنده قال هذا ~~من فضل ربي ليبلوني أأشكر } [النمل: 40] هذه النعمة ~~التي يفضل بها علي برؤية العجز عن الشكر { أم أكفر ومن شكر ~~فإنما يشكر لنفسه } [النمل: 40] لأن الشكر يوجب ازدياد ~~النعمة للشاكر { ومن كفر } [النمل: 40] بأن لم يعرف قدر النعمة ولم ~~يؤد حقها { فإن ربي غني } [النمل: 40] عن شكر الشاكرين ~~وكفرانهم { كريم } بإظهار الكرم عليهم. # وبقوله: { قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم ~~تكون من الذين لا يهتدون } [النمل: 41] من الجاهلين يشير ~~أنها هل تكون من أهل العقل فتهتدي بالفراسة إلى أنه عرشها وإن نكرته وهل ~~تكون من أهل الإيمان فتهتدي بنور الإيمان إلى أن إتيانه بهذه السرعة من ~~إعجاز النبوة أم تكون من جملة [الناس] العرية من العقل والإيمان. ### || [27.42-46] # { فلما جآءت } [النمل: 42] رأته { قيل أهكذا عرشك } ~~[النمل: 42] فلم تقل لا ولا قالت بلى فقالت: { كأنه هو } [النمل: ~~42] فاستدل بذلك على كمال عقلها، ولما رأت أنه أمرنا قصر للعادة استدلت ~~بها على صحة نبوته وقالت: { وأوتينا العلم } [النمل: 42] من الله ~~بنبوة سليمان من قبلها أي: قبل رؤية عن المعجزة وأسلمت، كما قال: { ~~وكنا مسلمين } [النمل: 42]. # { وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت ~~من قوم كافرين } [النمل: 43] فصارت من قوم مؤمنين وفي قوله: { ~~قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة ~~وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من ~~قوارير } [النمل: 44] دليل على أن سليمان أراد أن ينكحها، وإنما صنع ~~الصرح لتكشف عن ساقيها فيراها ليعلم أن ما قالت الشياطين في حقها صدق أو ~~كذب، ولو لم يستنكحها لما جوز عن نفسه النظر إلى ساقيها وقوله: { قالت ~~رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله ~~رب العالمين } [النمل: 44] يدل على ms1175 أنها أسلمت نفسها للنكاح مع ~~سليمان لله، وفي الله الذي هو إله العالمين وخالقهم ومربيهم. # ثم أخبر عن الفريقين اللذين على الطريقين بقوله تعالى: { ولقد ~~أرسلنآ إلى ثمود أخاهم صالحا } [النمل: 45] والإشارة ~~في تحقيق الآيات بقوله: { ولقد أرسلنآ إلى ثمود أخاهم ~~صالحا } [النمل: 45] يشير إلى إرسال صالح القلب بالإلهام الرباني إلى ~~ثمود بقية متولدات الروح والقالب وهي صفات القلب والنفس وصفاتها { أن ~~اعبدوا الله فإذا هم فريقان } [النمل: 45] مؤمن وكافر، ~~فالمؤمن: صفات القلب فإنها تنورت بنور الإلهام، والكافر: هو النفس ~~وصفاتها { يختصمون } واختصامهم في أن القلب وصفاته يدعو النفس إلى ~~عبودية الله ومخالفة الهوى وترك الشهوات، والنفس وصفاتها تدعو القلب ~~وصفاته إلى عبادة الهوى والرغبة في الدنيا وشهواتها ومخالفة الحق تعالى. # ويناديهم صالح القلب { قال يقوم لم تستعجلون ~~بالسيئة } [النمل: 46] وهي طلب الشهوات واللذات الحيوانية الفانية ~~{ قبل الحسنة } [النمل: 46] وهي طلب درجات الجنان والنجاة عن ~~دركات البرية والوصول إلى قربات الرحمن وحقائق العرفان { لولا ~~تستغفرون الله } [النمل: 46] فلا تتوبون على طلب الشهوات ~~وترجعون إلى الله { لعلكم ترحمون } [النمل: 46] بخطاب # يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية # [الفجر: 27-28]. ### || [27.47-53] # { قالوا } [النمل: 47] معنى النفس وصفاتها للقلب وصفاته { ~~اطيرنا بك وبمن معك } [النمل: 47] وذلك أن نور الإلهام ~~الرباني ينعكس عن القلب إلى النفس فيمنعها عن استيفاء حظها من الشهوات ~~الدنيوية بالحرص والشدة على وفق طبعها { قال } يعني: القلب: { ~~طائركم عند الله } أي: هذا الذي أصابكم من نور الإلهام إنما ~~جاء من عند الله وهذا كرامة منه لكم { بل أنتم قوم تفتنون } ~~بشهوات الدنيا وزينتها فلا تعرفون قدر نعم الله في حقكم. # وبقوله: { وكان في المدينة تسعة رهط } [النمل: 48] يشير ~~إلى مدينة القالب الإنساني وخواص العناصر الأربعة من الخواص الخمسة، ~~فإنهم { يفسدون في الأرض } أرض القلب بإفساد الاستعداد الفطري ~~الذي فطر الناس عليها لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة وهي مخصوص بالقلب بين ~~سائر المخلوقات، كما قال في حديث رباني: # " لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن " # { ولا يصلحون } أي: ms1176 ليس في النفس ومفاتنها المتولدة من العناصر ~~والماديات بما داخلها من آفات الحواس وصلاحية قبول الفيض الإلهي إلا ~~بانعكاس أنواره من مرآة القلب عليها فتطمئن بها فيتلون بلون القلب المنور ~~بنور الفيض، وإلى هذا المعنى أشار بقوله: # فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي # [الفجر: 29-30] تفهم إن شاء الله تعالى. # وبقوله: { قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ~~} [النمل: 49] يشير إلى موافقة خواص العناصر الأربعة مع الآفات الداخلة ~~من الحواس الخمسة واتفاقهم على تبنيهم القلب وصفاته ساعين في هلاكهم وهو ~~إبطال استعدادهم { ثم لنقولن لوليه } [النمل: 49] وهو ~~الحق تعالى: { ما شهدنا مهلك أهله } [النمل: 49] أي: ما ~~هلكناهم وما حضرنا مع النفس الأمارة حين قصدت، فإن غلبت النفس على القلب ~~واستيلائهما عليه إنما يكون بمعاونة هؤلاء التسعة { وإنا ~~لصادقون } [النمل: 49] في هذا القول وهم كاذبون. # { ومكروا مكرا } [النمل: 50] في هلاك القلب بالهواجس النفسانية ~~والوساوس الشيطانية وتزيين الشهوات الدنيوية { ومكرنا مكرا } ~~[النمل: 50] بتواتر الواردات الربانية وتداوم سطوات تجلي صفات الجمال ~~والجلال الإلهية { وهم لا يشعرون } [النمل: 50] أن صلاحهم في ~~هلاكهم بتجلي صفاتنا فإنا من قتلناه بصفاتنا وجبت ديته على ذمة كرمنا ~~فديته أن نحييه بنور صفاتنا. # { فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم } ~~[النمل: 51] أفنينا خواص التسعة وآفاتها وأفنينا { وقومهم ~~أجمعين } وهم النفس وصفاتها { فتلك بيوتهم } وهي القالب ~~والأعضاء التي هي مساكن الحواس { خاوية } خالية عن الخواص المهلكة ~~والآفات الغالبة { بما ظلموا } أي: ما وضعوا من نتائج خواص ~~العناصر وآفات الحواس في غير موضعها وهو القلب، وكان موضعها النفس بأمر ~~الشرع لما بالطبع لصلاح القالب وبقائه { إن في ذلك } الإشارات ~~والحقائق { لآية } لعبرة { لقوم يعلمون } لسان القوم ويفهمون ~~إشارات القرآن وحقائقه، { وأنجينا الذين آمنوا } [النمل: 53] ~~وهم القلب وصفاته من شر النفس وصفاتها وما مكروا به { وكانوا ~~يتقون } يعني: إذا كانوا يتقون بالله عن غير الله وما سواه. ### || [27.54-59] # ثم أخبر عن المقهورين غير المغفورين بقوله تعالى: { ولوطا إذ قال ~~لقومه } [النمل: 54] والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: { ولوطا ~~إذ قال لقومه } [النمل: 54] يشير إلى أن لوط ms1177 الروح إذ قال لقومه ~~وهم القلب والسر والعقل عند تغيير أحوالهم وتبدل أوصافهم مجاورة النفس ~~واستيلائها عليهم { أتأتون الفاحشة } [النمل: 54] وهو كل ما ~~زلت به أقدامهم عن الصراط المستقيم وأمارتها في الظاهر إتيان منهيات ~~الشرع على وفق الطبع وهو النفس وعلامتها حب الدنيا وشهواتها والاحتفاظ ~~بها { وأنتم تبصرون } [النمل: 54] أي: ولكم بصيرة تميزون بها ~~الخير والشر والصلاح من الفساد. # وفي قوله: { أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون ~~النسآء } [النمل: 55] إشارة إلى صرف الاستعداد فيما يبعدهم عن الحق ~~تعالى دون صرفه فيما يقربهم إلى الحق تعالى { بل أنتم قوم ~~تجهلون } [النمل: 55] وإن تدعوا أن لكم بصيرة تعرفون بها الحق من ~~الباطل { فما كان جواب قومه } وهم القلب المريض بعلة حب ~~الدنيا وانحراف مزاجه عن حب الآخرة، والسر المكدر بكدورة الرياء والنفاق، ~~والعقل المشوب بآفة الوهم والخيال { إلا أن قالوا } من اتصافهم ~~بصفات النفس { أخرجوا آل لوط } وهم الصفات الروحانية { من ~~قريتكم } وهي الشخص الإنساني { إنهم أناس يتطهرون } ~~[النمل: 56] من لوث الدنيا وشهواتها. # وبقوله: { فأنجيناه وأهله } [النمل: 57] يشير إلى روح نظر ~~الله إليه بنظر العناية { فأنجيناه وأهله } وهم قوم القلب ~~والسر والعقل عذاب النفاق بالدنيا ومتابعة الهوى { إلا امرأته } ~~[النمل: 57] وهي النفس الأمارة بالسوء { قدرناها } في الأزل أنها { ~~من الغابرين } [النمل: 57] أي: الباقين في عذاب التعلق بالدنيا ~~ومتابعة الهوى { وأمطرنا عليهم } [النمل: 58] أي على النفس ~~وصفاتها { مطرا } [النمل: 58] وهو حجارة الشهوات الدنيوية. # { فسآء مطر المنذرين } [النمل: 58] بترك الشهوات أي صعب ~~عليهم تركها، فإن الفطام عن المألوف شديد وبقوله: { قل الحمد ~~لله وسلام على عباده الذين اصطفى } [النمل: 59] ~~يشير إلى أن أمطار مطر الشهوات الدنيوية على النفس وصفاتها هو نعمة من ~~الله مستدعية للحمد والشكر؛ لأن النفس بها قائمة، وبقاء الروح في القالب ~~باستمداده من النفس كاستمداد نور السراج من الزيت وبقوله: { وسلام ~~على عباده الذين اصطفى } يشير إلى قوم أخصهم لعبوديته دون ~~قوم يعبدون الهوى والدنيا وما سوى الله، ومعنى السلام عليهم توجه بالكلية ~~إلى الحضرة مستسلمين للأحكام الأزلية، ثم قال: { ءآلله ms1178 خير أما ~~يشركون } [النمل: 59] به من الدنيا وشهواتها والآخرة ودرجاتها، يا ~~أهل الدنيا ويا أهل الآخرة. ### || [27.60-63] # ثم أخبر عن حقائق الخلائق بقوله تعالى: { أمن خلق السموت ~~والأرض } [النمل: 60] والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: { أمن ~~خلق السموت والأرض } [النمل: 60] يشير إلى خلق سماوات ~~القلوب والأرض النفوس { وأنزل لكم من السمآء } [النمل: 60] ~~سماء القلب { مآء } [النمل: 60] ماء نظر الرحمة { فأنبتنا به ~~حدآئق ذات بهجة } [النمل: 60] من العلوم والمعاني والأسرار ~~والحكم البالغة { ما كان لكم } [النمل: 60] أي: ما كان من ~~الاستعداد الإنساني { أن تنبتوا شجرها } لو لم يكن ماء نظر ~~رحمتنا وخصوصية آياتنا به { شجرها أإله مع الله } ~~[النمل: 60] من الهوى { بل هم قوم يعدلون } [النمل: 60] ~~أرباب النفوس يميلون عن الحق. # { أمن جعل الأرض } [النمل: 61] أرض النفس { قرارا } في ~~الجسد { وجعل خلالهآ أنهارا } من دواعي البشرية { وجعل ~~لها رواسي } من قوى البشرية والحواس { وجعل بين ~~البحرين } [النمل: 61] وهما بحر الروح وبحر النفس { حاجزا } وهو ~~القلب لئلا يختلطا، فإن في اختلاطهما فساد حالهما { أإله مع ~~الله } [النمل: 61] من الطبيعة كما زعم الطبائعية ليدبر أمر القالب ~~والروح على وفق الحكمة { بل أكثرهم لا يعلمون } كمال قدرة ~~الله وحكمته واستغنائه عن الشريك { أمن يجيب المضطر إذا ~~دعاه } [النمل: 62] والمضطر هو المقدورات لها من قدر الله خلقها ولا ~~يقدر على إيجادها غيره، فهي تضطر إلى أن تدعو الله بلسان الحاجة في ~~إيجاده فيجيبه بإخراجه عن العدم إلى الوجود { ويكشف السوء } من ~~العدم. # { ويجعلكم خلفآء الأرض } [النمل: 62] أي: مستعدين لخلافته ~~في الأرض فتعمرون الدنيا وتزينونها بأنواع الصنائع والحرف واستخراج ~~الجواهر من المعارف وغرس الأشجار واتخاذ الأطعمة المتلونة والأشربة ~~المتنوعة والأدوية والمعاجين المختلفة لإزالة الهلاك وللأرض بالعلاج ~~الصالح { أإله مع الله } ليكون له خلق أمثالكم { قليلا ~~ما تذكرون } [النمل: 62] أي: قليلا منكم من يتذكر ويفهم معنى ~~الخلافة ويقوم بشرائطها { أمن يهديكم في ظلمات البر ~~والبحر } [النمل: 63] يشير إلى بر البشرية وبحر الروحانية ولهما ~~ظلمات الخلقية وإن كانت الروحانية نورانية بالنسبة إلى ظلمة البشرية ~~ومعنى الآية { أمن يهديكم } [النمل: ms1179 63] بإخراجكم من ظلمات ~~البشرية إلى نور الروحانية وظلمات الخليقة الروحانية إلى نور الربوبية ~~غير الله يدل على هذا المعنى قوله: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # [البقرة: 257] { ومن يرسل الرياح } رياح العناية { بشرا ~~بين يدي رحمته } أي: سحاب الهداية التي فيها مطر الرحمة، { ~~أإله مع الله } [النمل: 62] ليرسل الرياح كما أرسلها الله أو ~~يكون شريكا له في إرسالها { تعالى الله عما يشركون } ~~جماعة يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا يثبتون لله شريكا من الأنواء. ### || [27.64-69] # { أمن يبدؤا الخلق } [النمل: 64] بإخراجهم من العدم إلى ~~الوجود { ثم يعيده } بإفنائهم إلى عالم الوحدة { ومن يرزقكم ~~} أي: يرزق أرواحكم { من السمآء } سماء الربوبية { والأرض } ~~أرض البشرية يشير إلى تربية الأرواح لاستكمال مقام الخلافة إنما يكون من ~~الواردات الربانية واستمدادها من خواص الصفات الحيوانية { أإله ~~مع الله } [النمل: 64] لتربية الأرواح { قل هاتوا ~~برهانكم } حجتكم على أن للأرواح مربيا غير الله { إن كنتم ~~صادقين } حينما ادعيتم أن مع الله إلها آخر. # ثم أخبر عن الغيب أنه لا يعلمه إلا الله بغير الريب بقوله تعالى: { قل ~~لا يعلم من في السموت } [النمل: 65]، والإشارة في تحقيق ~~الآيات بقوله: { قل لا يعلم من في السموت والأرض ~~الغيب إلا الله } [النمل: 65] يشير إلى أن للغيب مراتب: غيب هو ~~غيب أهل الأرض في الأرض وفي السماء، وللإنسان إمكان تحصيل علمه وهو على ~~نوعين: # أحدهما: ما غاب عنك في أرض الصورة وسمائها؛ ففي الأرض مثل غيبة شخص عنك ~~أو غيبة أمر من الأمور وذلك إمكان إحضار الشخص والاطلاع على الأمر ~~الغائب. # وثانيهما: ما غاب عنك في أرض المعنى وهي أرض النفس، فإن فيها مخبئات من ~~الأوصاف والأخلاق ما هو غائب عنك على الأمر الغائب، وفي السماء مثل علم ~~النجوم والهيئة ومالك إمكان تحصيله بالتعلم، وإن كان غائبا عنك كيفية ~~وكمية ولك وإمكان الوقوف عليها بطريقة المجاهدة والرياضة والذكر والفكر ~~وسماء المعنى وهي سماء القلب، فإن فيها مخبئات من العلوم والحكم والمعاني ~~ما هو غائب عنك ولك إمكان الوصول إليه بالسير ms1180 على مقامات النفس والسلوك ~~في مقامات القلب غيب هو غيب أهل الأرض في الأرض والسماء أيضا، وليس ~~للإنسان إمكان الوصول إليه إلا بأداة الحق تعالى، كما قال تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53]، وغيب هو غيب أهل السماء في السماء والأرض ليس لهم إمكان ~~الوصول إليه إلا بتعليم الحق تعالى مثل الأسماء، كما قال تعالى: # أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن كنتم صدقين * ~~قالوا سبحنك لا علم لنآ إلا ما علمتنآ # [البقرة: 31-32] ومن هنا يتبين لك أن الله تعالى قد كرم آدم بكرامة لم ~~يكرم بها الملائكة وهي اطلاعه على مغيبات لم تطلع عليها الملائكة، وذلك ~~بتعليمه علم الأسماء كلها، وغيب هو مخصوص بالحضرة ولا سبيل لأهل السماوات ~~والأرض إلى علمه إلا من قضى الله، كما قال تعالى: # فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من ~~رسول # [الجن: 26-27]، وبهذا يستدل على فضيلة الرسل على الملائكة؛ لأن الله ~~استخصهم بإظهارهم على غيبة دون الملائكة؛ ولهذا أسجدهم لآدم لأنه كان ~~مخصوصا بإظهار الله إياه على غيبه، وذلك ما قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الله خلق آدم فتجلى فيه " # وغيب استأثر الله بعلمه وهو علم قيام الساعة فلا يعلمه إلا الله كما قال ~~الله تعالى: # وما يشعرون أيان يبعثون # [النحل: 21] بقوله: { وما يشعرون } يشير إلى أنهم كما لا يعلمون ~~إلا عاجلا لا يكون شعورهم به آجلا { بل ادارك علمهم في ~~الآخرة } أي: علمهم في الآخرة عند قيام الساعة. # وبقوله: { بل هم في شك منها بل هم منها عمون } ~~يشير إلى أنهم لا يتقون بقول الأنبياء وإخبارهم عن الساعة ولا بالقطع ~~يجحدون، وهذه أمارة كل مريض القلب لا حياة لهم في الحقيقة ولا راحة ثم هم ~~من البعث في شك، ومن الإحياء ثانيا في استبعاد ويقولون: # لقد وعدنا نحن وآبآؤنا هذا # [المؤمنون: 83] ثم لم يكن تحقيق فما نحن إلا مثلهم وذلك معنى قوله ~~تعالى: { وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا ~~وآبآؤنآ أإنا لمخرجون ms1181 * لقد وعدنا هذا نحن ~~وآبآؤنا من قبل إن هذآ إلا أساطير الأولين } ~~[النمل: 67-68] وبقوله: { قل سيروا في الأرض } [النمل: 69] ~~يشير إلى سير السائرين في أرض البشرية. # { فانظروا كيف كان عقبة المجرمين } [النمل: 69] أي: ~~انظروا أرباب السير بدرك الحقائق المودعة في معنى الإنسان أنموذجات من ~~الآخرة وما فيها، فمنها النفس المتمردة لأنها أنموذج من جهنم. ### || [27.70-76] # ومنها القلوب السليمة لأنها أنموذج من الجنان، فمن تحقق له أن النفس ~~أنموذج من جهنم فيتحقق له أن يكون لهذا الأنموذج أصل هذا نموذجه قوله: { ~~ولا تحزن عليهم } [النمل: 70] أي: على من أنكر أمر البعث أنهم ~~لا يؤمنون؛ لأنهم خلقوا لهذا { ولا تكن في ضيق مما ~~يمكرون } [النمل: 70] لأنه لا يحيق المكر السيء إلا بأهله وبقوله: { ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين * قل ~~عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون } ~~[النمل: 71-72] يشير إلى استعجال منكري البعث في طلب العذاب الموعود لهم ~~من عناية جهلهم بحقائق الأمر وإلا قد ورد لهم أنموذجات العذاب الأكبر وهو ~~العذاب الأدنى من البليات والمحن. # { وإن ربك لذو فضل على الناس } [النمل: 73] فيما ~~يذيقهم العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون إلى الحضرة بالخوف ~~والخشية تاركين الدنيا وزينتها راغبين في الآخرة ودرجاتها { ولكن ~~أكثرهم } أي: أكثر الناس { لا يشكرون } لأنهم لا يميزون بين ~~محنهم وصحتهم وعزيز من يعرف الفرق بين ما هو نعمة من الله وفضل له أو ~~محنة ونقمة، وإذا تقاصر على العبد عما فيه صلاحه وعسى أن يحب شيئا ويظنه ~~خيرا وبلاؤه فيه، وعسى أن يكون شيء آخر بالضد ورب شيء يظنه العبد نعمة ~~يشكره عليها ويستديمه وهي محنة له يجب صبره عنها ويجب شكر الله على صرفها ~~عنه وبعكس هذا كم من شيء يظنه الإنسان بخلاف ما هو فيه. # ثم أخبر عن علمه بالخفيات والمخبئات والمغيبات بقوله تعالى: { وإن ~~ربك ليعلم ما تكن } [النمل: 74] والإشارة في تحقيق الآيات ~~بقوله: { وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما ~~يعلنون } [النمل: 74] يشير إلى الله تعالى أن الله ms1182 تعالى عند تخمير ~~طينة آدم بيده أربعين صباحا أودع فيها زبدة خواص عالم الشهادة، وكانت ~~روحه زبدة عالم الغيب فبازدواج روحه وقالبه بتصرف نفخة الخاص ولد منها ~~خواص أخرى بها اصطفى آدم على العالمين وذلك حين تقويمه في قبول الفيض ~~الإلهي بلا واسطة، وكان متمكنا فيه هذه الخواص وورثها أولاده منه فصارت ~~هذه الخواص متمكنا في جبلة كل ولد من أولاده فيظهر الله تعالى على كل ~~واحد منهم ما قد قدر له ويكن فيه ما شاء أن يكون مكنونا فيعلم مكنون ~~صدور جميعهم وعلمهم لا يلبس عليه أحوالهم. # { وما من غآئبة } [النمل: 75] من الخواص { في السمآء } ~~سماء القلب { والأرض } أرض القالب أي باقية متمكنة فيهما { إلا ~~في كتاب } أي: كتاب علم الله { مبين } بين ظاهر وهذا يدل على أنه ~~ما غاب عن علمه شيء من المغيبات الموجود منها والمعدوم واستوى في علمه ~~وجودها وعدمها على ما هي به بعد إيجادها فلا تغير في علمه عند تغيرها ~~بالإيجاد فتتغير العلوم ولا يتغير العلم بجميع حالاته على ما هو به ~~وبقوله { إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل ~~أكثر الذي هم فيه يختلفون } [النمل: 76] يشير إلى أنه ~~تعالى أودع في القرآن حقائق ومعاني كثيرة لا توجد في غيره من الكتب ~~المنزلة ما يحتاج إليه السالك في سلوكه للوصول إلى الحضرة، وبيان ما ~~اختلفت فيه الأمم الماضية من كيفية السلوك وشرح المقامات وكشف المعارف، ~~وذلك لأن كل كتاب كان مشتملا على شرح مقامات ذلك النبي وبيان كمال ~~مرتبته ونهاية قربه، فلما لم يكن لنبي من الأنبياء عليهم السلام مقام في ~~القرب مثل مقام نبينا صلى الله عليه وسلم ما أودع الله تعالى في كتبهم ما ~~أودع في كتابه من الحقائق والمعاني. ### || [27.77-81] # كما قال تعالى: { وإنه } [النمل: 77] يعني القرآن { لهدى } إلى ~~الله ما لا يهدي إليه كتاب آخر { ورحمة للمؤمنين } أي: هذه ~~الهداية رحمة خاصة لهذه الأمة أعني المؤمنين منها { إن ربك يقضي ~~بينهم } [النمل: 78] أي: بين هذه الأمة وبين أمة كل نبي ms1183 { بحكمه ~~} أي: بحكمه بأن يبلغ متابعي كل نبي إلى مقام نبيهم تبعا لهم ويبلغ متابع ~~نبينا بتبعية إلى مقام مخصوص به من الأنبياء وهو مقام الحبيبية يدل عليه ~~قوله تعالى: # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله # [آل عمران: 31]، { وهو العزيز } الذي لعزته لا يهدي كل متمن إلى ~~مقام حبيبيته { العليم } الذي هو العالم بمستحق هذا المقام. # { فتوكل على الله } [النمل: 79] وثق به { إنك على ~~الحق } في دعوة الخلق إلى الله { المبين } أي: إنك المبين فيما ~~تهدي إلى طريق الوصول والوصال ولكن { إنك لا تسمع الموتى } ~~[النمل: 80] الذين أمات الله قلوبهم بحب الدنيا، { ولا تسمع ~~الصم الدعآء } الذي أصمهم بحب الشهوات، فإن حبك الشيء يعمي ويصم ~~{ إذا ولوا } أي: أعرضوا عن الحق { مدبرين } إلى الباطل غلب ~~بقدر أن نهديهم للرشد وفقدهم عن سر النفس { ومآ أنت بهادي ~~العمي عن ضلالتهم } تهديهم من حيث الدعاء والدلالة، ولكن لا ~~تهدي واحدا من حيث إحياء القلب بنور العرفان وإزالة الصمم والعمى بنور ~~الإيمان { إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا } أي: لا تسمع ~~إلا من أسمعناه من حيث إحياء قلوبهم وأرشدناهم إلى طريق الطلب ووفقناهم ~~لاحتمال التعب { فهم مسلمون } أي: مسلمو الأحكام الأزلية. ### || [27.82-88] # ثم أخبر عن أمارة الساعة بإخراج الدابة بقوله تعالى: { وإذا وقع ~~القول عليهم } [النمل: 82] الإشارة في تحقيق الآيات بقوله: { ~~وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دآبة من ~~الأرض تكلمهم } [النمل: 82] يشير إلى أن قوما اختصوا بقول { ~~يحبهم } ، وإن جعلوا خليعي العذار في المراتع البهيمية قبل البلوغ ~~لاستكمال القالب، فلما بلغوا الأوان بقابلية قول { يحبهم } { ~~وإذا وقع القول عليهم } واستعدوا للكمالية { ~~ويحبونه } { أخرجنا لهم } من تحت أرض البشرية دابة ~~تكلمهم وهي النفس الناطقة والروح الإنساني مختلفة لا سيما وكانت موصوفة ~~بصفة الصمم والبكم والعمى بتبعية النفس الأمارة فلما تداركتها العناية ~~الأزلية أخرجتها من تحت أرض صفات البشرية الذميمة فتكلم القلب والقرآن أن ~~شريعتي الصفات النفسانية كما مر { كانوا بآياتنا } بالدلائل. # { لا يوقنون * ويوم نحشر من كل أمة } [النمل: ~~82-83] يشير ms1184 إلى حشر بعض صفات الروح والقلب بعد موتها غلبات النفس ~~وصفاتها عليها وربما يموت الروح والقلب بجميع صفاتها يدل عليه قوله ~~تعالى: # إنك لا تسمع الموتى # [النمل: 80] وقوله: # أو من كان ميتا فأحيينه # [الأنعام: 122] فإذا وقع قول { يحبهم } بملازمة الذكر على تلك ~~الصفات يحييها بنور المحبة ونور الذكر فوجا بعد فوج فمتى يكذب بآياتنا ~~لاتصافها بصفات النفس الحيوانية { فهم يوزعون } يجمعون حتى يحييهم ~~الله جميعا { حتى إذا جآءو } [النمل: 84] أي: إذا رجعوا إلى ~~الحضرة { قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما ~~أما ذا كنتم تعملون } [النمل: 84] أي: بأي عمل صرتم مكذبين ~~آياتي بعد إذ كنتم مصدقيها عند خطاب # ألست بربكم # [الأعراف: 172] في جواب { بلى } { ووقع القول عليهم } ~~أي: وجب عليهم الصم والبكم والعمى { بما ظلموا } حين كانوا خلائف ~~العذاب في المراتع الحيوانية لاستكمال القالب ظلموا على القلب والروح ~~باتباعهما للنفس واستعمالهما في مصالحهما، وذلك كان سبب فساد حالهما { ~~فهم لا ينطقون } لفساد استعداد النطق. # وبقوله: { ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا ~~فيه والنهار مبصرا } [النمل: 86] يشير إلى أنه تعالى كما جعل ~~الليل في عالم الصورة سبب السكون والاستراحة والنهار سبب تحصيل المعاش ~~والمنافع، أو لم يروا ببصر البصيرة أنه جعل ليل البشرية سبب استجمام ~~القلب والروح واستراحتهما لحمل أعباء الأمانة وتحمل ثقل القول الثقيل كما ~~قال تعالى لنبيه: # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا # [المزمل: 5] وهو يقول: # " كلميني يا حميراء " # طلبا للستر بعد التجلي وجعل نهار الروحانية بتجلي شمس الربوبية مشرقا ~~يبصر به الحق والباطل ويكاشف به أنواع المعارف { إن في ذلك ~~لآيات } دلالات إلى المعارف { لقوم يؤمنون } إيمانا عيانا. # وبقوله: { ويوم ينفخ في الصور ففزع من في ~~السموت ومن في الأرض إلا من شآء الله } [النمل: ~~87] يشير إلى نفخ إسرافيل المحبة في صور القلب { ففزع من في ~~السموت } الروح وهم الصفات الروحانية { ومن في الأرض } ~~البشرية وهم الصفات النفسانية الحيوانية وهي النفخة الأولى في بداية ~~تأثير العناية للهداية وإلقاء المحبة التي تظهر القيامة في شخص المحبة، ~~وفزعت الصفات هيجانها للطلب ms1185 بتهيج أنوار المحبة { إلا من شآء ~~الله } فالمستثنى هو الخفي وهو لطيفة مودعة في الروح قابلة لتجلي صفات ~~الربوبية، وإنما سميت خفيا لخفائها في الروح بالقوة، وإنما يحصل بالغفل ~~عنه عند طلوع سموش الشواهد وآثار التجلي فلا يصيبه الفزع بالنفخة الأولى، ~~ولا تدركه الصعقة بالنفخة الثانية { وكل أتوه } أي: كل الصفات ~~تهيج عند سطوة آثار المحبة متوجهين لطلب الحق تعالى { داخرين } ~~صاغرين ذليلين مطيعين. # { وترى الجبال } [النمل: 88] جبال الأشخاص { تحسبها ~~جامدة } قائمة على حالها { وهي تمر } بالصفات وتبديل الأخلاق ~~وقطع المنازل { مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل ~~شيء } وأحسنه تقديرا وتدبيرا { إنه خبير بما تفعلون } ~~طوائف الخليقة من أهل السعادة والشقاوة، فقدر أحوالهم ودبر أسباب ~~أفعالهم. ### || [27.89-93] # { من جآء بالحسنة } [النمل: 89] من أهل السعادة { فله ~~خير منها } [النمل: 89] من حسنات يجازيهم بها في الدنيا والآخرة ~~كما هدى الخلق إلى طلبها بقول { ربنآ آتنا في الدنيا حسنة ~~} [البقرة: 201] وهي استعمالهم في أحكام الشريعة على وفق آداب الطريقة ~~بتربية أرباب الحقيقة وفي الكثرة حسنة وهي الانتفاع من عالم الحقيقة ~~انتفاعا أبديا سرمديا. # { وهم من فزع يومئذ آمنون } [النمل: 89] لأنهم لا ~~يحزنهم الفزع الأكبر وذلك لأنهم أصيبوا بفزع المحبة فحوسبوا عن فزع يومئذ ~~{ ومن جآء بالسيئة } [النمل: 90] وهي حب الدنيا الذي يعمي ~~ويصم أهلها من طلب الحق فيقطع طريق الطلب على طالبي الحق تعالى { ~~فكبت وجوههم في النار } [النمل: 90] نار القطيعة وقيل لهم: ~~{ هل تجزون إلا ما كنتم تعملون } [النمل: 90] يعني ~~طلب الدنيا فإنها مبنية على وجه جهنم ودركاتها. # وبقوله: { إنمآ أمرت أن أعبد رب هذه البلدة ~~الذي حرمها } [النمل: 91] يشير إلى أن العبد مأمور بعبادة رب ~~بلدة القلب فإنه هو الله رب العالمين إلا بعبادة رب بلدة القالب فإنه هي ~~النفس الأمارة التي حرمها أي حرم بلدة القلب على الشيطان أن يدخلها ولهذا ~~قال: # يوسوس في صدور الناس # [الناس: 5] لأنه لا مدخل له في القلب { وله كل شيء } من أسباب ~~الألوهية والربوبية. # وبقوله: { وأمرت أن أكون من المسلمين } [النمل: 91] ~~يشير إلى ms1186 أن المسلم الحقيقي من يكون إسلامه في استعمال الشريعة مثل ~~استعمال النبي صلى الله عليه وسلم نظيره قوله تعالى: # وأنا أول المسلمين # [الأنعام: 163]، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: # " صلوا كما رأيتموني أصلي " # يعني في الظاهر ولو قال: صلوا كما أنا أصلي لا أحد يقدر على ذلك لأنه ~~كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء وكان في صلاته يرى من خلفه ~~كما يرى من أمامه { وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى ~~فإنما يهتدي لنفسه } [النمل: 92] أي بتلاوة القرآن ~~وباستماعه { ومن ضل فقل إنمآ أنا من المنذرين } ~~[النمل: 92] فيه إشارة إلى نور القرآن يربي جوهر الهداية والضلالة في ~~معدن قلب الإنسان السعيد أو الشقي، كما يربي ضوء الشمس الذهب والحديد في ~~المعادن يدل عليه قوله تعالى: # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا # [البقرة: 26] وقال صلى الله عليه وسلم: # " الناس معادن كمعادن الذهب والفضة " # { وقل الحمد لله } على ما هداني بالقرآن { سيريكم ~~آياته فتعرفونها } أي لو لم يكن الله أن يريكم آياته فتعرفون ~~أنتم بنظركم { وما ربك بغافل عما تعملون } [النمل: 93] ~~كل طائفة من أهل السعادة والشقاوة بل هو الذي خلقهم وخلق منهم أعمالهم ~~كما قال تعالى: # خلقكم وما تعملون # [الصافات: 96] كأنه قال تعالى خلق الشجرة وخلق فيها ثمرتها كما قدر لها ~~لقوله تعالى: # والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه # [الأعراف: 58]. ### | [28 - سورة القصص] ### || [28.1-5] # { طسم * تلك آيات الكتاب المبين } [القصص: 1-2] والإشارة ~~في تحقيق الآيات بقوله: { طسم } يشير إلى القسم بطاء طوله تعالى، وطاء ~~طهارة قلب حبيبه صلى الله عليه وسلم عن محبة غيره، وطاء طهارة أسرار ~~موحديه عن شهود سواه، وسين سره مع محبه، وبميم منه على كافة مخلوقاته ~~بالقيام بكفاياتهم على قدر حاجاتهم { تلك آيات الكتاب ~~المبين } أي: يبين المستقيم إلى الله تعالى: { نتلوا عليك ~~من نبإ موسى } [القصص: 3] القلب { وفرعون } [القصص: 3] ~~النفس { بالحق } [القصص: 3] { لقوم يؤمنون } [القصص: 3] ~~يعني بالحاجة الضرورية في معرفتهما لمن يؤمن بطلب الحق تعالى ووجدانه: { ~~إن فرعون } [القصص: 4] النفس الأمارة { علا في الأرض } أي: ~~استولى ms1187 من في الأرض الإنسانية { وجعل أهلها } وهم الروح والسر ~~والعقل { شيعا } أصنافا تبعا به في استعمالهم في هواه واستيفاء ~~شهواته { يستضعف طآئفة منهم } يعني بني إسرائيل صفات ~~القلب. # { يذبح أبنآءهم } [القصص: 4] أي: يفني الصفات الحميدة ~~المتولدة من ازدواج الروح والقلب { ويستحيي نساءهم } [القصص: ~~4] أي: يبقي الصفات الذميمة المتولدة من ازدواج النفس والبدن { إنه ~~كان } يعني: فرعون النفس { من المفسدين } بإفساد الاستعداد ~~الأصلي الروحاني { ونريد أن نمن على الذين ~~استضعفوا } [القصص: 5] أي: ننعم عليهم وهم بنو إسرائيل صفات القلب ~~ونخلصهم من استيلاء فرعون النفس وأسره { ونجعلهم أئمة } ~~[القصص: 5] قدوة يقتدي بهم جميع الصفات الإنسانية في السير إلى الله { ~~ونجعلهم الوارثين } بعد هلاك فرعون النفس وقومه أي: صفاتها ~~يرثونهم خواص صفاتهم وقوى البشرية وخواص الحواس. ### || [28.6-11] # { ونمكن لهم في الأرض } [القصص: 6] أرض الإنسانية { ~~ونري فرعون } النفس { وهامان } الهوى { وجنودهما } من ~~الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية { منهم } يعني: من موسى القلب ~~وبني إسرائيل صفاته { ما كانوا يحذرون } [القصص: 6] من الهلاك ~~{ وأوحينآ إلى أم موسى } [القصص: 7] أي: إلى السر فإنه أم ~~موسى القلب لأنه تولد من أزواج الروح والسر { أن أرضعيه } [القصص: ~~7] من لبن الروحانية فإنه إذا أذاق طعم الروحانية حرم الله عليه المراضع ~~الحيوانية الدنياوية { فإذا خفت عليه } [القصص: 7] من أعدائه: ~~{ فألقيه في اليم } [القصص: 7] الدنيا مع تابوت القالب { ولا ~~تخافي } عن هلاكه من عدو فإنا نربيه في حجر عدوه فرعون النفس { ولا ~~تحزني } [القصص: 7] على مفارقته { إنا رآدوه إليك } ~~[القصص: 7] أي: مقام السر ونخلصه عن فرعون نفسه، { وجاعلوه من ~~المرسلين } [القصص: 7] يعني: من القلوب المحدثين حتى يكون كليم ~~الله يحدثه ربه وهو محدث ربه، كما قال بعضهم: حدثني قلبي عن ربي. # { فالتقطه آل فرعون } [القصص: 8] وهم صفات النفس وقوة ~~البشرية من المتغذية والماسكة والهاضمة والذائقة وأمثالها، فإنها أسباب ~~تربية طفل صورة معدن القلب { ليكون لهم عدوا وحزنا } أي: ~~عاقبة أمره أن يصير لهم عدو فيجازيهم ومعادنهم بطريق الرياضات والمجاهدات ~~ومخالفات الهوى، ويجزيهم بترك الشهوات واستيفاء اللذات، وإن يدعوهم إلى ~~طاعة الله وعبوديته وإلى ms1188 ما لم يلائم طباعهم { إن فرعون } النفس ~~{ وهامان } الهوى { وجنودهما } من الصفات الذميمة الحيوانية { ~~كانوا خاطئين } عاصين لله طبعا. # { وقالت امرأة فرعون } [القصص: 9] النفس وهي الجثة { ~~قرت عين لي ولك } [القصص: 9] يعني موسى القلب { لا ~~تقتلوه } بسيف الشهوات الحيوانية { عسى أن ينفعنا } ~~[القصص: 9] بأن ينجينا من النار { أو نتخذه ولدا } فكما كان ~~اعتقاد الجثة في تربية موسى القلب كان قرة عينها وقد نفعها بالنجاة ورفع ~~الدرجات ولما لم يكن لفرعون النفس في حقه هذا الاعتقاد بل كان متوقع ~~الهلاك منه كان هلاكه بيده بسيف الصدق وسم الذكر { وهم لا ~~يشعرون } [القصص: 9] أنه لو لم يوفق لإهلاكهم لكان هلاكه على أيديهم ~~ولما كان القرآن هاديا يهدي إلى الرشد والرشد في تصفية القلب وتوجهه إلى ~~الله تعالى وتزكية النفي ونهيها عن هواها وكانت قصة موسى عليه السلام ~~تلائم وفرعون أحوال القلب والنفس فإن موسى القلب بعصا الذكر غلب على ~~فرعون النفس وجنوده مع كثرتهم وانفراده قد كرر الحق سبحانه في القرآن ذكر ~~قصتهما تفخيما لعظم الشأن ثم زيادة في البيان لبلاغه القرآن ثم إفادة ~~لزوائد من المذكور قبله في موضع يكرره ثم أخبر عن أم موسى وفراغ فؤادها ~~بقوله { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا } [القصص: 10] ~~والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: { وأصبح فؤاد أم موسى ~~فارغا } [القصص: 10] يشير إلى أن لوحي الحق تعالى وإلهامه تأثيرا في ~~قلب كل من أوحى إليه بالسكينة والفراغ والاطمئنان بنور الوحي لما يوحى به ~~إليه وتصديقا به وبقوله: { إن كادت لتبدي به } [القصص: 10] ~~يشير إلى أنها لو لم يوح إليها تسكينا لقلبها لكادت أن تجزع لابنها ~~ولتبدي من ضعف البشرية بموسى أنه ابنها دليله قوله: { لولا أن ~~ربطنا على قلبها } [القصص: 10] يعني بتأثير الإيحاء إليها { ~~لتكون من المؤمنين } [القصص: 10] بما وعدها الله بقوله: { ~~إنا رآدوه إليك } [القصص: 7] وفيه إشارة إلى أن الإيمان من ~~مواهب الحق بأن يربط على القلوب ليؤمنوا كما قال تعالى: # كتب في قلوبهم الإيمان # [المجادلة: 22] وفي الآية إشارة أخرى بقوله: { وأصبح فؤاد أم ~~موسى } [القصص: ms1189 10] وهو سر السر { فارغا } [القصص: 10] من هم موسى ~~القلب لما وقع بيد فرعون النفس وآله أي: صفاته وآسية القالب أنه لم يقع ~~في بحر الدنيا، فإن آسية القالب تنجيه لأنه قرة عين لها، وباستوائه يقوم ~~القالب بإصلاح حاله، وإن كان فرعون النفس على استرداد موسى القلب إلى أمه ~~يعني: السر فإنه أرضع بلبان السر وهو النوادر الروحانية يوحي الحق حين ~~قال لأمه { أن أرضعيه } [القصص: 7] فلا يقبل ثدي الأجانب، كما قال # قد علم كل أناس مشربهم # [البقرة: 60] في عدوا لي { ولا تخافي } أن يقتله فرعون النفس، بل ~~يربيه في حجر. # وبقوله { وقالت لأخته قصيه } [القصص: 11] يشير إلى أن أم ~~موسى القلب وهي السر قالت لأخت موسى القلب وهو السر أي العقل اتبع أثره ~~حتى آل فرعون النفس { فبصرت } أخته العقل { به عن جنب } أي: ~~عن بعد { وهم لا يشعرون } إن العقل أخت القلب أرضعا بلبان واحد. ### || [28.12-16] # وبقوله: { وحرمنا عليه المراضع } [القصص: 12] يشير إلى ~~أنه لو لم يحرم على موسى القلب المراضع من النفس والهوى بأن أرضعناه { ~~من قبل } أن يقذف في تابوت القالب مار به في بحر الدنيا بلبان ~~الروحانية لقبل ثدي موضعه الحيوانية فلم يرد إلى أم السر، فلما لم يقبل ~~موسى القلب ثدي المرضعات الحيوانية { فقالت } أخته العقل { هل ~~أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ~~ناصحون } [القصص: 12] { فرددناه } [القصص: 13] بدلالة أخته ~~العقل { إلى أمه } [القصص: 13] وهي السر { كي تقر عينها ~~} [القصص: 13] بوجوده وحسن استعداده لقبول الفيض الإلهي { ولا تحزن ~~} [القصص: 13] على فوات ولد مثله { ولتعلم أن وعد الله ~~حق } لا يجوز فيه الخلف وأن الله لا يخلف الميعاد { ولكن ~~أكثرهم } [القصص: 13] من النفس والصفات { لا يعلمون } ~~[القصص: 13] ولو علموا ما تركوا الموعود الشريف الباقي للنفس الخسيس ~~الفاني { ولما بلغ } موسى القلب { أشده } بآلة بينته وهو ~~استعداد لقبول الفيض { واستوى } للتوجه إلى الحضرة { آتيناه ~~حكما } [القصص: 14] أي: حكمة وعلما وفهما لكلامنا { وكذلك ~~نجزي المحسنين } [القصص: 14] الذين أحسنوا لأنفسهم وأحسنوا في ~~الطلب يجزيهم بالإحسان في العطاء بالأجر ms1190 العظيم كقوله: # هل جزآء الإحسان إلا الإحسان # [الرحمن: 60]، وقوله: # وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا ~~عظيما # [النساء: 40] وقوله: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26] يعني: هذه قضية عامة لا خاصة. # ثم أخبر عما قضى { فوكزه موسى } [القصص: 15] بقوله تعالى: { ~~ودخل المدينة } [القصص: 15] والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: { ~~ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها } يشير ~~إلى أن موسى القلب دخل مدينة الإنسانية: { ودخل المدينة على ~~حين غفلة من أهلها } [القصص: 15] وهم الصفات النفسانية ولو ~~لم يكن على حين غفلة من الصفات لما أمكن له الدخول فيها لعداوتها إياه { ~~فوجد فيها رجلين يقتتلان } أي: صفتين { هذا من ~~شيعته } أي: من صفات القلب { وهذا من عدوه } أي: من صفات ~~النفس { فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من ~~عدوه فوكزه موسى } [القصص: 15] القلب بقوة الروحانية { ~~فقضى عليه } أي: عليها وفزع منها وبقوله: { قال هذا من ~~عمل الشيطان } [القصص: 15] يشير أن قبل صفات النفس والجهاد معها ~~إن لم يكن بأمر الله تعالى وسبيل المتابعة يكون من عمل الشيطان و { ~~إنه عدو مضل مبين } ويجب الاستغفار عليه كما قال موسى: ~~{ قال رب إني ظلمت نفسي } [القصص: 16] إذ جاهدتها بأمر ~~الشيطان لا بأمرك { فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور ~~الرحيم } [القصص: 16] لمن يستغفره وتاب إليه. ### || [28.17-21] # { قال } موسى القلب { رب بمآ أنعمت علي } بالمغفرة { ~~فلن أكون ظهيرا للمجرمين } [القصص: 17] وهم الذين ~~أجرموا بأن جاهدوا كفار صفات النفس بالطبع والهوى لا بالشرع والمتابعة ~~كالفلاسفة والبراهمة والوهابيين وغيرهم وبقوله: { فأصبح في ~~المدينة خآئفا يترقب } [القصص: 18] يشير إلى أن موسى القلب ~~في ابتداء أمره إذا لم يكن محلا لوارد الغيب مستظهرا بالإلهامات ~~الربانية واثقا بظهور الآيات عليه مطمئنا بإمداد شواهد الحق لديه ~~فيتعدى على بعض صفات النفس مكرها بقوة مساعد الصدق، فيذكر سطوة سلطنة ~~فرعون النفس واستيلائه عليه يصبح خائفا يترقب سطوة قهره أو يترقب نصرة ~~الله إياه { فإذا الذي استنصره بالأمس } من صفات القلب { ~~يستصرخه } لإغاثته وإعانته على قهر صفة أخرى من صفات النفس { ~~قال له ms1191 موسى } القلب على خيفة من فرعون النفس لئلا يعاقبه على ما ~~صدر منه { إنك لغوي مبين } [القصص: 18] بأنك تنازع ذا سلطان ~~قوي قبل أوانه، ثم هز موسى القلب حمية الدين ورجولية الطبع الروحانية، ~~فهم بتقوية صفته على قهر صفة النفس، وذلك قوله تعالى: { فلمآ أن ~~أراد } [القصص: 19] يعني: موسى القلب { أن يبطش بالذي هو ~~عدو لهما } يعني: صفة القلب من خوف سطوات فرعون النفس: { قال ~~يموسى } يعني: موسى القلب مداهنا { أتريد أن تقتلني كما ~~قتلت نفسا بالأمس } [القصص: 19] أحال القتل إلى صديقه ومعاونه ~~خوفا من عدوه ومعاداته دفعا للضرر عن نفسه والمعنى أتريد أن تقهر هذه ~~الصفة النفسانية، كما قهرت صفة أخرى بالأمس تهييجا للفتنة وتحريكا ~~لفرعون النفس لتقوم بالانتقام، فيبدأ بقهر صفات القلب ثم يقهر القلب { ~~إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض } [القصص: 19] ~~عاليا على الأعداء { الأرض وما تريد أن تكون من ~~المصلحين } [القصص: 19] مع الأعداء مداهنين رعاية لصلاح الوقت. # وبقوله: { وجآء رجل من أقصا المدينة يسعى } ~~[القصص: 20] يشير إلى العقل وهو جاءه من أقصى مدينة الإنسانية، وهو من ~~أعلى رتبة الروحانية ساعيا في طلب نجاته { قال يموسى } [القصص: ~~20]، يعني يا موسى القلب { إن الملأ } [القصص: 20] يعني: فرعون ~~النفس وقومه أي صفاتها { يأتمرون بك } [القصص: 20] يتشاورون ~~ويحتالون في أمرك { ليقتلوك } [القصص: 20] ليهلكوك ويغلبوك فاخرج ~~من مدينة البشرية إلى صحراء الروحانية { إني لك من الناصحين ~~} [القصص: 20] المرشدين إلى صلاح مالك { فخرج } [القصص: 21] موسى ~~القلب { منها } أي: من مدينة البشرية ينصح العقل وإرشاده وترك مألوفات ~~الطبع { خآئفا } من سطوات فرعون النفس ومكائد جنوده من الهوى والأوصاف ~~الذميمة الحيوانية والشيطانية { يترقب } مكائدهم بل ينتظر هداية ~~الحق ونصرته { قال رب نجني من القوم الظالمين } ~~[القصص: 21] بدفع شرهم عني واستيلائهم علي بل بنصرتي عليهم وتصرفي فيهم. ### || [28.22-26] # ثم أخبر عن توجه موسى القلب من مدينة البشرية الحيوانية تلقاء مدين ~~الروحانية بقوله تعالى: { ولما توجه تلقآء مدين } ~~والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: { ولما توجه تلقآء ~~مدين } [القصص: 22] يشير إلى توجه موسى القلب إلى ms1192 مدين عالم ~~الروحانية مجتنبا شر فرعون النفس { قال عسى ربي أن ~~يهديني سوآء السبيل } [القصص: 22] { ولما ورد مآء ~~مدين وجد عليه أمة من الناس } [القصص: 23] من أوصاف ~~الروح { يسقون } موسى أخلاقهم من ماء الفيض الإلهي { ووجد من ~~دونهم امرأتين } [القصص: 23]، وهما السر والخفي وهما ابنتا شعيب ~~الروح في البداية بالتدريج فتنشأ منه الخفي وهو لطيفة ربانية مودعة في ~~الروح بالقوة، فلا يحصل بالفعل إلا بعد غلبات الواردات الربانية ليكون ~~واسطة بين الحضرة والروح في قبول تجلي صفة الربوبية، وإفاضة الفيض الإلهي ~~على الروح فيكون في هذه المدة بمعزل عن الاستيفاء، وكذلك السر وهو لطيفة ~~روحانية متوسطة بين القلب والروح قابلة لفيض الروح مؤدية إلى القلب، وهو ~~أيضا بمعزل عن استيقاء ماء فيض الروح عند شغل القلب بمعالجات النفس ~~وصلاح القالب إلى حين توجه موسى القلب إلى مدين عالم الروحانية فقال لهما ~~{ ما خطبكما } فارغتين من الاستقاء { قالتا لا نسقي حتى ~~يصدر الرعآء } [القصص: 23] وهم صفات الروح ويصرفوا ومواشيهم وهي ~~الصفات الإنسانية عن ماء فيض الإلهي، فإذا صدرت سقينا مواشينا من أوصافه ~~والأخلاق ما أفاضت في حوض القوى { وأبونا شيخ كبير } [القصص: ~~23] وهو شعيب الروح لا يقدر على سقي مواشيه من الأوصاف الإنسانية إلا ~~بالأجر أو الوسائط، وإنا لا نطيق أن نسقي لضعف حالنا { فسقى لهما ~~} [القصص: 24] أي: سقى موسى القلب لمواشيهما بقوة استنادها من الجسد وقوة ~~استنادها من الروح؛ لأنه متوسط بين العالمين ولهذا سمي قلبا؛ لأنه في ~~طلب العالمين جسماني وروحاني: { ثم تولى إلى الظل } ~~[القصص: 24] إلى ظل العناية فقال: { رب إني لمآ أنزلت ~~إلي من خير } [القصص: 24] وهو الفيض الإلهي { فقير } [القصص: ~~24] فيه إشارة إلى أن السالك إذا بلغ عالم الروحانية لا ينبغي أن يقنع ~~بما وجد من معارف ذلك العالم بل يكون طالبا للفيض الإلهي بلا واسطة { ~~فجآءته إحداهما تمشي على استحيآء } [القصص: 25] يشير ~~إلى صفوة الخفي وهي بنت شعيب الروح الكبرى منهما { قالت إن أبي ~~يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } [القصص: 25] به يشير ~~إلى أن ms1193 موسى القلب وإن يسلك طريق الوصول إلى صفوة شعيب الروح فإنه لا يصل ~~إليه إلا باستحضاره لديه وهو أيضا مشتمل من محضري الحق الذي هو مورد ~~الفيض الإلهي وحركاته أيضا من نتائج الفيض وجذبات الحق تعالى وبقوله: { ~~فلما جآءه وقص عليه القصص } [القصص: 25] يشير إلى أن ~~القلب إذا وصل إلى مقام الروح، كما يستفيد من صفات الروح وخواصه كذلك ~~يفيد الروح من خواص صفاته ومما استفاد من النفس وصفاتها، وبقوله تعالى: { ~~قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين } [القصص: 25] ~~يشير إلى أن القلب مهما يكون في مقام يخاف عليه أن يصيبه آفات النفس وظلم ~~صفاتها. # وبقوله: { قالت إحداهما يأبت استئجره إن خير ~~من استئجرت القوي الأمين } [القصص: 26] يشير إلى أن ~~الخفي بإشارة الحق تعالى فإنه مهبط أنواره وأسراره وإلهامه يشير إلى ~~الروح بأن تتصرف في القلب ويستعمله في رعاية مصالحه ومصالح نفسه بقوله { ~~استئجره إن خير من استئجرت } [القصص: 26] استعملت من ~~النفس في الجسد القوي الأمين؛ لأنه يستمد القوى من الجسدانية والأمانة من ~~الروحانية، وأنه ذو النسبين بينما له صورة جسدانية ومعنى روحانيا. ### || [28.27-29] # وبقوله: { قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي ~~هاتين على أن تأجرني ثماني حجج } [القصص: 27] يشير ~~إلى الروح في تبليغ القلب على مقام الخفي يحتاج إلى سيره في مقامات صفاته ~~الثمانية المخصوصة به في خلافة الحق تعالى وهي: الحياة والإرادة والعلم ~~والقدرة والسمع والبصر والكلام والبقاء، فإن القلب باتصافه بهذه الصفات ~~وقوة فوائدها يرتقي إلى مقام الخفي { فإن أتممت عشرا فمن ~~عندك } [القصص: 27] لأن هذه الاثنين تمام العشرة راجعة إلى خصوصية ~~القلب، وهما المحبة والأنس مع الله وفي تلك الثمانية كما أن القلب في ~~الاتصاف بها كمالية، كذلك للروح في ازدواج صفاء القلب من صفاته كمالية، ~~ولهذا ذكر بلفظ الإنكاح وبقوله { ومآ أريد أن أشق عليك } ~~[القصص: 27] يشير إلى أن تلك الصفتين ليستا مما اختص به فلا يشق عليه بها ~~{ ستجدني إن شاء الله من الصالحين } [القصص: 27] ~~الوافين بالوعد والعهد { قال } [القصص: 28] موسى القلب مع شعيب ms1194 الروح { ~~ذلك بيني وبينك } بالتسليم والتسلم { أيما الأجلين ~~قضيت } [القصص: 28] في التخلق بأخلاقك الثمانية وفي المحبة والأنس مع ~~الله { فلا عدوان علي } [القصص: 28] أي: ليس لك علي أن تمنعني ~~به عن مقامك؛ لأنك من خصوصيتك بالخلافة مجبول على هذه الأوصاف الثمانية، ~~وأما المحبة والأنس مع الله صفتان مخصوصتان بالحضرة # ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء # [الحديد: 21] ولهذا كل إنسان من المؤمن والكافر مجبول على تلك الصفات ~~الثمانية، وليس إلا مؤمن موحد من قوم # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54] له هاتان الصفتان { والله على ما نقول } في ~~عقد المؤاجرة { وكيل } لنا وعليه توكلنا ليوصلنا إلى أقصى مقاصدنا. # ثم أخبر عن قضاء الأجل بصدق في العمل بقوله تعالى: { فلما قضى ~~موسى الأجل } [القصص: 29]. # والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: { فلما قضى موسى الأجل } ~~[القصص: 29] يشير إلى موسى القلب أنه لما اتصف بالصفات الثمانية للروح ~~كما مر ذكرها وغلبت عليه محبة الله واستأنس به { وسار بأهله } ~~أي: سار بجميع صفاته متوجها إلى مصر حضرة الربوبية { آنس من جانب ~~الطور } طور الحضرة { نارا } وهي نار نور الإلهية: { قال ~~لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم ~~منها بخبر أو جذوة من النار } [القصص: 29] يشير به ~~إلى أن التجريد في الظاهر والتفريد في الباطن، فإن السالك لابد له في ~~السلوك من تجريد الظاهر عن الأهل والمال، وخروجه عن الدنيا بالكلية فقد ~~قيل أن الكاتب عبد ما بقي عليه درهم، ثم من تفريد الباطن عن تعلقات ~~الكونين فبعدما تفرد عن التعلقات يشاهد شواهد التوحيد، فإذا ما تبدو له ~~في صورة شعلة النار كما كان لموسى والكوكب ما كان لإبراهيم عليهما ~~السلام، أكوكب ما أرى يا سعد أم نار تشبها سهلة الخدين معطار، ومن جملتها ~~اللوامع والبروق والطوالع والسواطع والشموس والأقمار إلى أن ينجلي نور ~~الربوبية مع مطلع الألوهية نور ببدور إذا بدا استمكن وشمس طلعت ومن رآها ~~آمن. # وبقوله { لعلكم تصطلون } [القصص: 29] يشير إلى أن أوصاف ~~الإنسانية جامدة من برودة الطبيعة لا تسخن إلا بجذوة نار المحبة بل بنار ~~الجذبة ms1195 الإلهية. ### || [28.30-34] # { فلمآ أتاها } [القصص: 30] أي: أتى موسى القلب بعد التفريد ~~متوجها إلى رتبة التوحيد { نودي من شاطىء الوادي الأيمن } ~~[القصص: 30]، وهو السر { في البقعة المباركة من ~~الشجرة } شجرة الإنسانية { أن يموسى إني أنا الله ~~رب العالمين } [القصص: 30]، وبقوله: { وأن ألق عصاك } ~~[القصص: 31] يشير إلى إلقاء كل متوكأ غير الله للسالك { فلما رآها ~~تهتز كأنها جآن ولى مدبرا } [القصص: 31] لأنه شاهد ~~أنه ما اتخذ للاتكاء من دون الله هو حية فيها هلاكه فلما ولى عنه: { ~~ولم يعقب } لم يرجع إلى اتخاذه متكأ راجعا إلى الله بالكلية ~~نودي موسى القلب، { يموسى أقبل ولا تخف } [القصص: 31] بعد ~~التولي عنه والرجوع إلى { إنك من الآمنين } [القصص: 31] عن ~~مكائد الخائنين ملتجأ بحضرة رب العالمين. # وبقوله: { اسلك يدك في جيبك } [القصص: 32] يشير إلى مسك اليد ~~عن التصرفات في الكونين وقطع التعلق عنها { تخرج بيضآء } [القصص: ~~32] نقية من لوث الطمع { من غير سوء } [القصص: 32] أي: من غير ~~مضرة يعيبها في ذلك الترك وقطع التعلق عنها { واضمم إليك ~~جناحك } [القصص: 32] جناح همتك عن طيران شر النفس في طلب صفة الدنيا ~~وعن طيران بازي القلب في طلب طاووس نعيم الآخرة { من الرهب } أي: ~~رهبة من فوات وصلات الحضرة وصلاتها { فذانك برهانان من ~~ربك } في الإعراض عن الدنيا والآخرة { إلى فرعون } النفس { ~~وملئه } من الصفات بأن تظفر بهم { إنهم كانوا قوما ~~فاسقين } [القصص: 32]، خارجين عن طاعة الله وعبوديته { قال } موسى ~~القلب { رب إني قتلت منهم نفسا } [القصص: 33] أي: صفة ~~من صفات النفس { فأخاف } إن رجعت إليهم للدعوة إلى الحضرة أو ~~لإهلاكهم { أن يقتلون } [القصص: 33] بالاستيلاء والغلبة فإن لهم ~~أعوان من الشيطان والدنيا وإخوان السوء { وأخي هارون هو أفصح ~~مني لسانا } [القصص: 34] به يشير إلى هارون العقل فإنه معدن ~~الأسرار ومنبع الأنوار { فأرسله معي ردءا يصدقني } ~~فيما أقول مع من يكذبني تقوية لي على المكذبين وذلك قوله: { إني ~~أخاف أن يكذبون } [القصص: 34]، فإن من خاصية تمرد فرعون النفس ~~تكذيب الناطق بالحق، ومن خصوصية هارون العقل تصديق الناطق بالحق. ### || [28.35-39] # { قال ms1196 سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا } ~~[القصص: 35] به يشير إلى أن القلب وإن كان مترقيا إلى الحضرة الربانية ~~يحتاج إلى العقل المشدد عضده به ليكون كامل الاستعداد في قبول الفيض ~~الإلهي، ويكونا مؤيدين بالتأييد الإلهي، ولهما سلطان على غيرهما، ولا يصل ~~إليهما سلطان الأغيار وتكون الغلبة لهما ولمتابعيهما وذلك قوله { فلا ~~يصلون إليكما بآياتنآ أنتما ومن اتبعكما ~~الغالبون } [القصص: 35]. # ثم أخبر عن إنكار الأسرار على الأخيار بقوله تعالى: { فلما جآءهم ~~موسى } [القصص: 36] والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: { فلما ~~جآءهم موسى بآياتنا بينات } [القصص: 36] يشير إلى أن ~~موسى القلب وإن بلغ مقامات القرب الرباني وصار كالمرآة المصقولة ~~المتجاذبة للشمس قابلة لانعكاس أنوار الشمس، فتظهر آياتها البينات فإن ~~فرعون النفس وملأ صفاته يرونها سحرا مفتر كما { قالوا ما هذآ ~~إلا سحر مفترى } [القصص: 36] لأن النفس خلقت من أسفل عالم ~~الملكوت متنكسة، والقلب خلق من وسط عالم الملكوت متوجها إلى الحضرة فما ~~كذب الفؤاد ما رأى، وما صدقت النفس ما رأت، فيرى القلب إذا كان سليما أن ~~من الأمراض والعلل الحق حقا والباطل باطلا والنفس يرى الحق باطلا ~~والباطل حقا ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: # " اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا ~~اجتنابه ". # وكان صلى الله عليه وسلم في ذلك سلامة القلب عن الأمراض والعلل وهلاك ~~النفس وقمع هواها وكسر سلطانها وبقوله { وما سمعنا بهذا } ~~[القصص: 36] الذي تدعونا إليه يعني من التوحيد { في آبآئنا ~~الأولين } [القصص: 36] يشير إلى طبائع الكواكب السبعة فإنها آباء ~~النفس وأساسها العناصر الأربعة، والطبائع منكوسة إلى عالم السفل متوجهة ~~إلى التفرقة متباعدة عن التوحيد فلا تسمع متولداتها عن التوحيد بل تسمعها ~~عن شرك الشركاء بحسب نظرها في رؤية الوسائط وتقيدها بها. # { وقال موسى } [القصص: 37] القلب بعد إنكار فرعون النفس وتكذيبها ~~إياه { ربي أعلم بمن جآء بالهدى من عنده } [القصص: ~~37] أنه صادق فيما جاء به متوكلا على الله فيما يجري على فرعون النفس من ~~الإنكار حكمة منه تلسيما لأحكامه طالبا لرضا لحق تعالى ms1197 لا هاربا من ~~سخط الخلق قال قائلهم: # فليتك تحلو والحياة مريرة # وليتك ترضى والأنام غضاب # وليت الذي بيني وبينك عامر # وبيني وبين العالمين خراب # وبقوله: { ومن تكون له عاقبة الدار } يشير إلى أن الواجب ~~على كل نفس السعي في نجاتها ولو هلك غيرها لا يضرها فإنها متحققة في { ~~إنه لا يفلح الظالمون } وقد قال تعالى: # فلا تأس على القوم الفاسقين # [المائدة: 26]، وبقوله: { وقال فرعون يأيها الملأ ما ~~علمت لكم من إله غيري } [القصص: 38]، يشير إلى أن ~~استعداد فطرة الإنسان الذي خلق في أحسن تقويم إذا فسد تصير معرفته نكرة ~~وإقراره بالعبودية يستدل به بالألوهية، ويسعى بعد إثبات الإله في نفسه ~~حتى يقول لوزيره وهو هامان الشيطان، كما قال تعالى: # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين # [الزخرف: 36] { فأوقد لي يهامان } بنفخ الوساوس والغرور { ~~على الطين } طينة البشرية { فاجعل لي صرحا } [القصص: 38] من ~~الشبهات المخيلة الموهومة { لعلي أطلع إلى إله ~~موسى } هل له وجود أم لا { وإني لأظنه } [القصص: 38] أي: مع ~~أني أتيقن أنه { من الكاذبين } [القصص: 38] في ادعاء إله غيري. # { واستكبر هو وجنوده } [القصص: 39] أي: فرعون النفس ~~وصفاتها { في الأرض } أرض الإنسانية { بغير الحق } أي: بغير ~~أمر الحق، { وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون } [القصص: ~~39] طائعين أو كارهين كسائر الموجودات، ولم يعلموا أن الرجوع إلى الحضرة ~~من خصوصية الإنسان طوعا أو كرها، كما قال تعالى: # إن إلى ربك الرجعى # [العلق: 8]، وقال: # ارجعي إلى ربك راضية مرضية # [الفجر: 28]. ### || [28.40-45] # { فأخذناه وجنوده } [القصص: 40] أي: النفس وصفاتها { ~~فنبذناهم في اليم } وهو بحر الدنيا وماؤها الغفلة والشهوة، { ~~فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } [القصص: 40]، إذا غرقوا ~~في ماء الغفلات والشهوات كيف ادخلوا نار الحسرات والقيعان { ~~وجعلناهم } [القصص: 41] أي: النفوس المتمردة الفرعونية { ~~أئمة } [القصص: 41] أي: رؤساء وقادة يدعون بالمعاملات الطبيعة أهل ~~الطبيعة إلى النار نار القطيعة، ويوم القيامة قيمة العشق والطلب لأربابها ~~لا ينصرون أهل الطبيعة المتمكنة فيها المستهلكة في بحر الشهوات أي: لا ~~ينفعهم نصره أرباب الصدق والمطلب لإفساد الاستعداد الفطري للطلب ms1198 ~~باستعماله في طلب الدنيا وزينتها وشهواتها { وأتبعناهم في هذه ~~الدنيا لعنة } [القصص: 42] أي: طردا وإبعادا بسوط مخالفات ~~الشرع وموافقات الطبع { ويوم القيامة هم من المقبوحين ~~}؛ لأنهم قبحتهم معاملاتهم القبيحة كما أحسن وجوه المحسنين معاملاتهم ~~الحسنة: # هل جزآء الإحسان إلا الإحسان # [الرحمن: 60] جزاء السيئة إلا السيئة. # ثم أخبر عن الرسالة أنهما موجبة للهدى من الضلالة بقوله تعالى: { ~~ولقد آتينا موسى الكتاب } [القصص: 43]، والإشارة في تحقيق ~~الآيات بقوله: { ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد مآ ~~أهلكنا القرون الأولى } [القصص: 43]. # يشير إلى أن استحقاق موسى القلب مقام القرب ونزول الوحي والإلهام ~~والمكالمة وكشف العلوم بعد هلاك فرعون النفس وصفاتها بصائر للناس ليبصروا ~~أن المجاهدات تورث المشاهدات وأن القلوب محجوبة عن الله بحجب النفس ~~وصفاتها فإذا فنيت دفعت الحجب وظهرت المواصلات والمشاهدات والمكاشفات: { ~~وهدى ورحمة } [القصص: 43] أن هذا المعنى يكون سبب خروج الناس عن ~~الضلالة في تيه الدنيا وطلبها ويرحم الله تعالى عليهم بهذه الهداية { ~~لعلهم يتذكرون } أنهم كانوا في عالم الأرواح إذ لم يكونوا ~~محتجبين بالنفس وصفاتها مستمعين بخطاب الحق تعالى مجيبين له حين قال ~~تعالى: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172]، فكذلك الآن لو تخلصوا عن حجب النفس لعادوا مكالمين الحق ~~والمخاطبين له. # وبقوله { وما كنت بجانب الغربي } [القصص: 44] يشير إلى ~~أنك ما كنت في غرب العدم بل كنت في شرق الوجود بعد في عالم الأرواح: { ~~إذ قضينآ إلى موسى الأمر } في اتخاذ عهده أن يؤمن بك ويأمر ~~أمته بالإيمان بك والنصرة لك كما قال تعالى: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه # [آل عمران: 81]، وما كنت من الشاهدين الذين شهدوا على الميثاق في عالم ~~الغيب من الملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء { ولكنآ أنشأنا ~~قرونا } [القصص: 45] في عالم الشهادة { فتطاول عليهم ~~العمر } محجوبين بحجب النفس وصفاتها متعينين للهوى في ارتكاب المعاصي ~~واستيفاء الشهوات، فنسوا تلك العهود والمواثيق بقساوة القلوب جحدوا ما ~~أقروا به. # { كنت ثاويا في أهل مدين } أي مقيما بينهم كشعيب ms1199 وموسى { ~~تتلوا عليهم آياتنا } [القصص: 45] كما كان شعيب وموسى يتلوان ~~عليهم كتبنا المنزلة إذا أخذت من شعيب وقومه ميثاقهم أن يؤمنوا بك وما ~~كتب بعد الرسول المرسل { ولكنا كنا مرسلين } الذي أخذنا ~~منهم ميثاقهم للإيمان بك، وما كتب بعد الرسول المرسل بك وهذا كله تسلية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، وإظهار العناية في حقه بما لم يكن مع نبي آخر، ~~ومما كان الرسل يتلون على أممهم من آيات ربهم نعت نبينا صلى الله عليه ~~وسلم بالثناء الجميل، وذكر الله بحسن السيرة كرامة لهم في غيبتهم. ### || [28.46-50] # كما قال: { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا } [القصص: ~~46] يعني حين سأل موسى ربه: إني أرى في التوراة أمة صفتهم كذا وكذا من ~~هم؟ فقال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم حتى سأل عن أوصاف كثيرة وعن ~~الجميع كان يجيب أنه أمة أحمد فاشتاق موسى إلى لقائهم فقال: إنه ليس ~~اليوم وقت ظهورهم فإن شئت أسمعتك كلامهم كما مر ذكره ثم نادى فقال: يا ~~أمة محمد فيه إشارة لطيفة وهي أن الله عز وجل لكرامة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وشرفه أخذ الميثاق من موسى للإيمان به في غيبته وفي حضور موسى ما ~~نادى محمدا لأجله بل نادى أمته له ومن عليه باستماع كلامهم إياه وكما ~~نادى موسى في الوجود حاضرا نادى أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهم في ~~العدم غائبين فهو كائن لهم حين لم يكونوا لأنفسهم كما قيل: # كن لي كما كنت # في حال لم أكن # وبقوله { ولكن رحمة من ربك } يشير إلى أن ما أنعمنا به ~~عليك وعلى أمتك في النداء بجانب الطور مباهاة بك وبأمتك على موسى وأمته ~~لم يكن لكسبكم وسعيكم فيه مساعا، ولكن كان رحمة خاصة من ربك أي: من كرم ~~ربك ونعمه عليك وعلى أمتك ومن نتائج تلك الرحمة أنه لو لم أسمعهم ندائي ~~وأمتك في العدم بلا هم لم استعدوا لقبول إنذار أمر دعوتك لهم إلى التوحيد ~~في الوجود إذ لم يكونوا متعودين بدعوة الأنبياء ms1200 ولا بقبول دعوتهم وذلك ~~قوله: { لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك ~~لعلهم يتذكرون } [القصص: 46] يعني: يتذكرون من خاصة استماع ~~ندائنا واستعداد أجابتنا فيما ناديناهم وإنما أفردهم بالنداء دون محمد ~~صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا محتاجين إلى تصرف خصوصية النداء فيهم لا ~~محمد صلى الله عليه وسلم لكمال استعداده الفطري بخصوصية حبيب الإلهية. # ثم قال: { ولولا أن تصيبهم مصيبة } [القصص: 47] أي: مصيبة ~~الجحود في قبول الدعوة إلى التوحيد { فيقولوا } بلسان الحال { ~~ربنا لولا } أي: هلا { أرسلت } نداءك { إلينا } أي: إلى ~~أسماعنا ونحن في العدم نستعد لقبول الدعوة في الوجود { فنتبع ~~آياتك } في قبول دعوة نبيك { ونكون من المؤمنين } الذين ~~جعلتهم مستعدين للإيمان وقبول الدعوة وهم في العدم وجواب { لولا } ~~محذوف تقديره لولا أن تقتضي العناية الأزلية في حق هذه الأمة دفع حجتهم ~~علينا ما ناديناهم وهم في العدم وما أسمعناهم نداءنا ولم نوفقهم وهم بلا ~~هم لإجابة ندانا ثم أخبر عمن لم تدركهم العناية في البداية بقوله تعالى: ~~{ فلما جآءهم الحق } [القصص: 48]. # والإشارة في تحقيق الآيات بقوله { فلما جآءهم الحق من ~~عندنا } [القصص: 48] يشير إلى محمد صلى الله عليه وسلم إنما بعث بعد ~~وصوله إلى مقام العندية واستحقاقه أن يسميه الله الحق وهو اسمه تعالى ~~وتقدس ففيه إشارة إلى كمال فنائه عن أنانيته وبقائه بهوية الحق تعالى وله ~~صلى الله عليه وسلم أن يقول: أنا الحق وإن صدرت هذه الكلمة عن بعض ~~متابعيه فلا عدوان أن يكون من كان صفاته مرآة قلبه في قبول عكس ولاية ~~النبوة إذ كانت محاذية لمرآة قلبه صلى الله عليه وسلم فكان منبع ماء هذه ~~الحقيقة قلب محمد صلى الله عليه وسلم ومظهره لسان هذا القائل بتبعيته # لكم في رسول الله أسوة حسنة # [الأحزاب: 21]. # وبقوله: { قالوا لولا أوتي مثل مآ أوتي موسى } ~~[القصص: 48] يشير على أنهم لما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم احتجبوا ~~بكفرهم عن رؤية كماليته وإلا لقالوا: أوتي موسى مثل ما أوتي محمد من ~~الكمالات في القربة والمعرفة والمحبة والفضائل ms1201 السنية التي فضله الله بها ~~على جميع الأنبياء والمرسلين والمقام المحمود الذي خصه به ثم قال: { ~~موسى أولم يكفروا بمآ أوتي موسى من قبل } ~~[القصص: 48] أي: من قبل أن يكفروا بمحمد، فكان كفرهم بمحمد ثمرة بذر ~~كفرهم بموسى عليهما السلام فقالوا: { سحران تظاهرا } [القصص: 48] ~~أي: يعاون بعضهم بعضا في تمشية السحر { وقالوا إنا بكل ~~كافرون } [القصص: 48] أي: بكلية وجودنا بالكلية فإن ظلمة الكفر على ~~الكفر أعني الكفر بموسى والكفر بمحمد اتخذت أجزاء وجودنا بالكلية، فلم ~~يبق منها موضع إلا وقد وصلت ظلمة الكفر إليه، وهذا معنى الختم الذي ذكره ~~الله بقوله: # ختم الله على قلوبهم # [البقرة: 7] وكذلك هو الدين الذي قال تعالى: # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين: 14]. # وبقوله: { قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى ~~منهمآ أتبعه إن كنتم صادقين } [القصص: 49] يشير إلى ~~أن من كان مرجوعه إلى الله متقربا إليه فإن الله على تعينه: " من تقرب ~~إلي شبرا تقربت إليه ذراعا " يفتح عليه أبواب فضله وكرمه، ويلهمه حقائق ~~العلوم وأسرارها ودقائقها ويكشف له معان ولطائف، وإن كان من الغيب ما لا ~~يحصل بالدراسة من كتب الله وهو أهدى إلى الحضرة مما يحصل بالقراءة ~~والسماع والمطالعة؛ لأنه يحتمل أن يسمع خطاب الحق تعالى بلا واسطة أو ~~يكلمه صريحا، فمن لم يكن له هذه الرتبة عند الله ولم يكاشف بنوع من هذه ~~المقامات فإنه محجوب عن الحضرة بهوى نفسه تدل عليه { فإن لم ~~يستجيبوا لك } [القصص: 50] أي بإتيان نوع مما ذكرنا { فاعلم ~~أنما يتبعون أهوآءهم } [القصص: 50] وفي قوله: { قل ~~فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهمآ ~~أتبعه } [القصص: 49]، إشارة أخرى وهي أن لو كان لطالب صادق ومريد ~~حاذق شيخ يقتدي به وله شأن مع الله ثم استعد بشيخ كمثله كامل هو أهدى إلى ~~الله منه وجب عليه اتباعه والتمسك بذيل إرادته حتى يتم أمره ولو تجدد له ~~في أثناء السلوك هذا الاستعداد بشيخ آخر كما من الأول والثاني هلم جرا ~~يجب اتباعه إلى أن يظفر ms1202 بالمقصود الحقيقي وهو الوصول إلى الحضرة بلا ~~اتصال وانفصال. # وبقوله: { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى ~~من الله } [القصص: 50] يشير إلى أن أهل الحسبان لو لم يعدوهم الذين ~~يحسبون أنهم لو جاهدوا أنفسهم على ما دلهم به العقل بغير هدى من الله أي ~~بغير متابعة الأنبياء - عليهم السلام - أنهم يهتدون إلى الله ولا يعلمون ~~أن من يجاهد نفسه في عبودية الله بدلالة بالعقل دون متابعة الأنبياء هو ~~بتابعيه هواه ولا يتخلص أحد عن أسر الهوى بمجرد العقل فلا تكون عبادته ~~مقبولة إذ هي مشوبة بالهوى ولا يهتدي أحد إلى الله بغير هدى من الله كما ~~أن نبينا صلى الله عليه وسلم مع كمال قدرته في النبوة والرسالة احتاج في ~~الاهتداء إلى متابعة الأنبياء كما قال تعالى: # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90] ولهذا السر بعث الأنبياء واحتاج المريد للشيخ المهتدي ~~وإلى الله يهدي من الله وهو المتابعة { إن الله لا يهدي ~~القوم الظالمين } [القصص: 50] وهم الذين وصفوا متابعة الهوى في ~~موضع متابعة الأنبياء وطلبوا لهداية عن غير موضعها. ### || [28.51-55] # ثم أخبر عن البيان والتفصيل أنه في التوصيل بقوله تعالى: { ولقد ~~وصلنا لهم القول } [القصص: 51] والإشارة عن البيان في تحقيق ~~الآيات بقوله: { ولقد وصلنا لهم القول } [القصص: 51] ~~يشير إلى توصيل القول في الظاهر بتفهيم المعنى في الباطن أي فهمناهم معنى ~~القرآن { لعلهم يتذكرون } [القصص: 51] عهد الميثاق إذا ~~آمنوا بجواب قولهم { بلى } وأقروا بالتوحيد فيجدون الإيمان عند سماع ~~القرآن. # وبقوله: { الذين آتيناهم الكتاب من قبله } [القصص: ~~52] يشير إلى قلوب من آتاهم حقيقة الكتاب في عالم الأرواح قبل أن يؤتي ~~النفوس في عالم الصورة والأشباح كما كان حال عيسى عليه السلام إذ قال في ~~المهد # إني عبد الله آتاني الكتاب # [مريم: 30] يعني حقيقة الكتاب قبل أن يؤتيه في عالم الصورة صورة الكتاب ~~فبهذا الاعتبار ومن أوتي حقيقة القرآن في عالم الأرواح { هم به ~~يؤمنون } أي: يؤمن به النفوس في عالم الصورة كما قال تعالى: { ~~وإذا يتلى عليهم } [القصص: 53] أي القرآن { قالوا ms1203 ~~آمنا به إنه الحق من ربنآ } [القصص: 53] أي: تؤمن ~~قلوبهم لعرفانهم بحقيقة كلام الله، فهو من نفوسهم بتبعية القلوب إذ سمعوا ~~منهم قوله: { إنا كنا من قبله } [القصص: 53] أي: قبل نزوله { ~~مسلمين } [القصص: 53] مؤمنين به { أولئك يؤتون أجرهم ~~مرتين } [القصص: 54] مرة في عالم الأرواح إذا أوتوا حقيقة الكتاب، ~~فذلك أجر القلوب ومرة في عالم الأشباح إذا أوتوا صورة الكتاب وذلك أجر ~~النفوس { بما صبروا } [القصص: 54] على مخالفة هواهم وموافقة أوامر ~~الشرع ونواهيه { ويدرؤن بالحسنة } [القصص: 54] أي بأدائهم ~~الحسنات من الأعمال الصالحة يدفعون { السيئة } أي ظلمتها وهي ~~مخالفة الشريعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " اتبع السيئة الحسنة تمحوها ". # وقال تعالى: # إن الحسنات يذهبن السيئات # [هود: 114] وهذا لعوام المؤمنين ولخواصهم أن يدفعوا بحسنة ذكر لا إله ~~إلا الله عن مرآة القلوب سيئة صدأ حب الدنيا وشهواتها وأخص خواصهم أن ~~يدفعوا بحسنة ففي لا إله سيئة شرك وجود الموجودات بقطع تعلق القلب عنها ~~وغض بصر البصيرة عن رؤية ما سوى الله لإثبات وجود إلا الله كما كان الله ~~ولم يكن شيء { ومما رزقناهم } [القصص: 54] من الوجود المجازي { ~~ينفقون } [القصص: 54] في طلب الوجود الحقيقي { وإذا سمعوا ~~اللغو } [القصص: 54] وهو طلب ما سوى الله { أعرضوا عنه ~~وقالوا لنآ أعمالنا } [القصص: 55] في بذل الوجود المجازي لنيل ~~الوجود الحقيقي { ولكم أعمالكم } [القصص: 55] في اكتساب مرادات ~~الوجود المجازي به واستجلاب مضرات الشهوات وترك الوجود الحقيقي والحرمان ~~عن سعادة الانتفاع بمنافعه { سلام عليكم } [القصص: 55] سلام مودع ~~مفارقة لا تحية مواصل موافق لأنا لا ينتفي الجاهلين الغافلين عن الله، ~~وطلب المحجوبين عن الله بما سواه. ### || [28.56-60] # ثم أخبر عن أهل الهداية في الهداية بقوله تعالى: { إنك لا تهدي ~~من أحببت } [القصص: 56] يشير إلى أن الهداية في الحقيقة فتح باب ~~العبودية إلى عالم الربوبية وذلك من خصائص قدرة الله تعالى لأن لقلب ~~العبد بابين: باب إلى النفس والجسد وهو مفتوح أبدا وباب الروح في الحضرة ~~وهو مغلوق لا يفتحه إلا الفتاح الذي بيده المفتاح. # كما قال تعالى لحبيبه ونبيه ms1204 صلى الله عليه وسلم: # إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ~~ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته ~~عليك ويهديك # [الفتح: 1-2] أي بأن يهديك # صراطا مستقيما # [الفتح: 2] إلى الحضرة كما هداه ليلة المعراج إلى أقرب أو أدنى وقال في ~~حق المغلوق أبواب قلوبهم # أم على قلوب أقفالهآ # [محمد: 24] وقال صلى الله عليه وسلم: # " قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن يقبله كيف يشاء فإن يشاء أقامه ~~وإن شاء أزاغه " # فالنبي صلى الله عليه وسلم مع جلال قدره لم يكن آمنا على قلبه وكان ~~يقول: # " يا مقلب القلوب ثبت قلب عبدك على دينك وطاعتك " # والهداية عبارة عن تقليب القلب من الباطل وهو ما سوى الله إلى الحق وهو ~~الحضرة فليس هذا من شأن غير الله كما قال تعالى: { ولكن الله ~~يهدي من يشآء وهو أعلم بالمهتدين } [القصص: 56] وهم ~~الذين أصابهم رشاش النور المرشش على الأرواح كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليه من نوره فمن أصابه ذلك النور قد ~~اهتدى ومن أخطأه فقد ضل ". # وبقوله: { وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف ~~من أرضنآ } [القصص: 57] يشير إلى مقالة النفس وصفاتها تحت القلب ~~لقالوا اتبعنا هدى الله معك نتخطف بجذبات الألوهية من أرضنا أرض الأنانية ~~قال الله تعالى: { أولم نمكن لهم حرما آمنا } [القصص: ~~57] في الهوية { يجبى إليه ثمرات كل شيء } [القصص: 57] ~~أي حقائق كل ثمرة روحانية وجسمانية ولذائذ كل شهوة راجعة إليه إذ هي صارت ~~منه وفي حقيقة لذائذه وإليه يعود { رزقا من لدنا } [القصص: ~~57] لا من لون المخلوقات { ولكن أكثرهم } [القصص: 57] أن ~~أكثر الخلق { لا يعلمون } [القصص: 57] كمالية ذوق الرزق اللدني كما ~~لا يعلمون أكثر العلماء دون العلم اللدني؛ لأنهم لم يذوقوه ومن يذق لا ~~يدري. # ثم أخبر عن هلاك البشر في دعوى البطر بقوله: { وكم أهلكنا من ~~قرية بطرت } [القصص: 58]، فيه الإشارة في تحقيق الآيات بقوله: { ~~وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها } [القصص: 58] ~~يشير إلى قلوب أفسد شعورها عيش ms1205 النفوس البطرة المتنعمة { فتلك ~~مساكنهم } [القصص: 58]، وهي الصدور { لم تسكن من بعدهم ~~} [القصص: 58] أي: من فساد حالهم ما يسكن فيها نور الإسلام { إلا ~~قليلا } [القصص: 58] من نور الإسلام، ذلك أن مسكن نور الإسلام الصدر ~~قال تعالى: # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه # [الزمر: 22] { وكنا نحن الوارثين } [القصص: 58] بأن يرجع ~~نور الإسلام إلى الحضرة لعدم استعداده لقبول الأنوار { وما كان ~~ربك مهلك القرى } [القصص: 59] أي قرى القلوب { حتى ~~يبعث في أمها } [القصص: 59] أي روحها فإن القلب من سر تلك ~~الروح { رسولا } [القصص: 59] أي: ورده من نفحات الحق صلى الله عليه ~~وسلم. # كما قال تعالى: # " ألا إن في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها " # { يتلو عليهم آياتنا } أي: تصل روائح النفحات إلى سويداء ~~القلوب هواء حب الدنيا وضيم شهواتها فأعرضت عن نفحة الحق وتعرضت لنفحات ~~الشيطان وهو حبس النفس، فأدركتها الغيرة الإلهية وأهلكتها نفحة الحق ~~تعالى المتعرض لنفحة الشيطان الرجيم وذلك معنى قوله: { وما كنا ~~مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون } [القصص: 59]، ~~وبقوله: { ومآ أوتيتم } [القصص: 60] يا أرباب القلوب المهلكة ~~والنفوس المتمردة أي: وما أوتيتم من مستلذات النفس وشهوات الدنيا { ~~فمتاع الحياة الدنيا } [القصص: 60] أي هي فانية موجبة لعذاب ~~الأبد { وما عند الله } [القصص: 60] كما قال: # " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر " # ، { خير وأبقى } [القصص: 60] لكم وهو موجب لسعادة الأبد { ~~أفلا تعقلون } [القصص: 60] لكي لا يؤثر السعادة الأبدية على ~~الشقاوة الأبدية. ### || [28.61-65] # ثم أخبر عن الفرق بين العاقل وبين الغافل بقوله تعالى: { أفمن ~~وعدناه وعدا حسنا } [القصص: 61] والإشارة في تحقيق الآيات ~~بقوله تعالى: { أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه } ~~[القصص: 61] يشير إلى ما وعد لعوام المؤمنين وهو الجنة ولخواصهم وهو ~~الرؤية ولأخص خواصهم وهو الوصول والوجدان. كما قال: # " ألا من طلبني وجدني ". # وأوحى إلى عيسى عليه السلام: تجوع تراني تجرد تصل إلي { كمن ~~متعناه متاع الحياة } الفانية { الدنيا } التي يبدل ~~طعوم عسلها سموم حنظلها، وليس من أكرم بوجدان مولاه كمن ms1206 مني بالوقوع في ~~الجحيم في عقباه بإزاء شهوة ساعة وجدها في دنياه { ثم هو يوم ~~القيامة من المحضرين } مع الشياطين { ويوم يناديهم ~~} ربهم وهو عليهم غضبان: { فيقول أين شركآئي الذين ~~كنتم تزعمون } [القصص: 74] أنهم شركاؤهم تعبدونهم كما تعبدونني ~~أهم يخلقون كما أخلق؟ أم هم يرزقونكم كما رزقتكم؟ أم هم ينصرونكم اليوم ~~ويخلصونكم من قهري وعذابي؟ { قال الذين حق عليهم القول ~~} [القصص: 63] في الأزل بأن يكونوا من أهل النار والمراد وبين يدل قوله ~~تعالى: # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق ~~القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين # [السجدة: 13] { ربنا هؤلاء الذين أغوينآ ~~أغويناهم } بتقديرك { كما غوينا } بما قضيت لنا ولهم ~~الغواية والضلالة مساكين بنو آدم إنهم من خصوصية # ولقد كرمنا بني ءادم # [الإسراء: 70] يحفظون الأدب مع الله في أقصى البعد كما يتأدبون الأولياء ~~على بساط أقصى القرب ولا يقولون أغويناهم كما أغويتنا كما قال إبليس ~~صريحا ولم يحفظ الأدب قال: # قال فبمآ أغويتني لأقعدن لهم # [الأعراف: 16] ومن يحفظ الأدب يقولون ربنا { تبرأنآ إليك } ~~منهم: { ما كانوا إيانا يعبدون } تبرؤا منهم ومن عبادتهم ~~إياهم ندامة على ما جرى عليهم بتقدير الله بلا جهدهم وقصدهم وإبليس من ~~أعوان نكرانه عاند الحق تعالى وتكبر على من كرمه وشرفه بقوله: لما خلقت ~~سيدي وقال: # أنا خير منه # [ص: 76] وحقره وقال: # لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال # [الحجر: 33] من طين واعترض على الحق تعالى وقال: # خلقتني من نار وخلقته من طين # [ص: 76] وأبى واستكبر وما ندم عما صدر منه ولم يقل أنا أتبرأ مما فعلت ~~وأسجد لآدم الآن وبقوله: { وقيل ادعوا شركآءكم فدعوهم ~~فلم يستجيبوا لهم } [القصص: 64] يشير إلى أنكم أشركتم من ~~دعوتهم فلم يستجيبوا لكم وأعرضتم عن توحيدي وأنا قلت لكم # ادعوني أستجب لكم # [غافر: 60] بل كنت أنزل كل ليلة من غاية الكرم والرحمة إلى السماء ~~الدنيا مع تنزهي عن نزول وصعود هو من شأن المخلوقين وصفاتهم وأنادي: هل ~~من داع فاستجيب له وهل من تائب فأتوب عليه، فما كنتم من ms1207 الداعين لي ولا ~~من التائبين إلي. # وبقوله: { ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون } ~~[القصص: 64] يشير إلى تحقق نفوسهم أنهم لو كانوا يهتدون إلى الحق وسبيل ~~الرشاد ليرون عذاب الفطام عن المألوفات وترك الشهوات واللذات النفسانية ~~الحيوانية ومشقة التزكية عن الأوصاف المذمومة وأذية الخروج عن طبيعة ~~البشرية، وتحمل أعباء الشريعة على خلاف الطبيعة، وهذا كما قالوا: # إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنآ # [القصص: 57] كما مر شرحه وبقوله: { ويوم يناديهم فيقول ~~ماذآ أجبتم المرسلين } [القصص: 65] يشير إلى حقيقة مطالبة ~~الحق تعالى عباده في إجابتهم المرسلين على حسب أحوالهم وحسب دعوى ~~الأنبياء فإنهم كانوا يدعون الأمم إلى التوحيد؛ ليستعدوا لدخول الجنة ~~ونيل درجات القرب، وأما نبينا صلى الله عليه وسلم مختص بالدعوة على الله. # كما قال تعالى: # إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا ~~إلى الله بإذنه وسراجا منيرا # [الأحزاب: 45-46] فمن أجاب الدعوة بالرغبة فسؤاله سؤال المحبة ومن لم ~~يجب الدعوة إلا بألوهية فسؤاله سؤال الهيبة، فلا تبقي لهم تميز لهم ولا ~~قوة عقل ولا مكنة جواب. ### || [28.66-70] # { فعميت عليهم الأنبآء يومئذ فهم لا ~~يتسآءلون } [القصص: 66] لا يحتجون بحجة لاستيلاء الحيرة عليهم ~~واستكان المدهش منهم فلا نطق ولا عقل ولا تمييز ولا فهم { فأما من ~~تاب } رجع إلى الحضرة على قدمي المحبة وصدق الطلب { وآمن } بما جاء ~~به النبي صلى الله عليه وسلم من الدعوة إلى الله، { وعمل صالحا } ~~ليتمسك بذيل متابعة دليل كامل واصل صاحب قوة وقدرة يوصله إلى الله تعالى ~~{ فعسى أن يكون من المفلحين } الفائزين عن أسرار النفس ~~المخلصين من حبس الأنانية إلى فضاء وسعة من الهوية. # ثم أخبر عن المختار لنيل هذه الأسرار بقوله تعالى: { وربك يخلق ~~ما يشآء } [القصص: 68] والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: { وربك ~~يخلق ما يشآء ويختار } [القصص: 68] يشير إلى مشيئته الأزلية ~~في الخلق والاختيار في خلق، وأنه مختار يخلق ما يشاء كيف يشاء ثم يشاء ~~ولا يشاء متى يشاء وله الاختيار في خلق الأشياء، فيختار وجود بعض الأشياء ~~على عدمه فيوجده، ويختار عدم بعض ms1208 الأشياء على وجوده فيعدم، ويختار بقاء ~~بعض الأشياء في الوجود فيجعله باقيا ولا يفنيه، ويختار بعض الأشياء في ~~العدم فينشئه فانيا في العدم ولا يوجده. # وله الخيرة في أن: يخلق بعض الأشياء جمادا وبعض الأشياء نباتا وبعض ~~الأشياء حيوانا وبعض الأشياء إنسانا. وأن يخلق: بعض الإنسان كافرا ~~وبعض الإنسان مؤمنا وبعضهم وليا وبعضهم نبيا وبعضهم رسولا. وان ~~يخلق: بعض الأشياء شيطانا وبعضها جنا وبعضها ملكا وبعض الملك كروبيا ~~وبعضهم روحا. # وله أن يختار: بعض الخلق مقبولا وبعضهم مردودا وليس لشيء من هذه ~~الأشياء اختيار فيما هو به ولا أن يكون شيئا آخر بعدما اختار له الله، ~~كما قال: { ما كان لهم الخيرة } [القصص: 68] من أمرهم أي: في ~~وجودهم على ما هم به لا على غير ما هم به، { سبحان الله ~~وتعالى } منزه { عما يشركون } ويشاركون له في الاختيار. # وبقوله: { وربك يعلم ما تكن صدورهم وما ~~يعلنون } [القصص: 69] يشير إلى مكنونات الأوصاف النفسانية والأوصاف ~~القلبية والأوصاف السرية والأوصاف العقلية والأوصاف الروحية، فإنه هو ~~الذي أودع في وجود هذه الودائع حين خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا فهو ~~العالم الخبير به، كما قال: # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14] هو الخبير بما أودع فيه من الأوصاف وهي على ضروب ثلاثة: # ضرب منها: ما هو فيه بالقوة ولم يحصل فيه بالفعل فلا يطبع عليه صاحبه ~~إلا بعد حصوله بالفعل فيظهر فيه داعية استعمال فيطبع عليه أن فيه هذه ~~القصة وإن لم يستعملها حتى يصير علنا فيبقى فيه سرا مكنونا فالله يعلم ~~سره وعلانيته، كما قال تعالى: { يعلم ما تكن صدورهم } ~~[القصص: 69] أي: ما يخفون { وما يعلنون } [القصص: 69] أي: ما ~~يظهرون. # والضرب الثاني: منها ما قد حصل فيه بالفعل ويظهر عليه بما يحضر بباله ~~داعية استعمال في العلن وإن لم يعلنه. # والضرب الثالث: منها ما يعلنه بالاستعمال في الظاهر { وهو الله ~~لا إله } يصلح للألوهية { إلا هو } وهو المتفرد بعز الهيبة ~~والمنفرد بجلال ربوبية لا شبيه يساويه ولا نظير يضاهيه، { له الحمد ms1209 ~~} [القصص: 70] استحقاقا على عظمته والشكر استحبابا على نعمه ففي الدنيا ~~المحمود الله، وفي العقبى الشكور الله { له الحمد في الأولى ~~والآخرة وله الحكم } [القصص: 70] فيما يخلق ويختار فهو ~~بالرجوع إلى الحضرة بطريق ويعز ويذل ويحيي ويميت { وإليه ~~ترجعون } [القصص: 70] بالاختيار والاضطرار فأما الاختيار فهو الرجوع ~~إلى الحضرة بطريق السير والسلوك والمتابعة والوصول وهذا مخصوص بالإنسان ~~دون غيره، وأما بالاضطرار فقبض الروح والحشر والنشر والحساب والجزاء ~~بالثواب والعقاب. ### || [28.71-75] # ثم أخبر عن الليل والنهار أنهما من نعمته وآثار رحمته بقوله تعالى: { ~~قل أرأيتم إن جعل الله } والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: ~~{ قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة } [القصص: 71] يشير إلى ليل الفراق عند ~~استعلاء ظلمة البشرية أن جعله عليكم سرمدا ولا نهارا للوصال له إلى يوم ~~القيامة { من إله غير الله يأتيكم بضيآء } [القصص: ~~71] يخرجكم من ليل الفراق إلى نهار الوصال، وفيه إشارة أخرى وهي أن تعلم ~~أن ليل الفراق ونهار الوصال بإيتاء الحق ليس لغيره تصرف فيهما هو الذي ~~يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، { أفلا تسمعون } ~~بسمع الحقيقة لتشكروا الله الذي ينعم عليكم بذهاب ليل الفراق وإيتاء نهار ~~الوصال. # { قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار } ~~[القصص: 72] نهار الوصال بطلوع شمس التجلي { سرمدا } لا ليل له { ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بليل } [القصص: 72] ستر { تسكنون فيه } عن وعثاء سطوة التجلي ~~وتستريحون فيه من نصب تحمل أعبائه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مع كمال ~~قوته عند حمل أعباء الوحي لما غلب كان يقول لعائشة رضي الله عنها: # " كلميني يا حميراء " # وذلك لتخرجه من سطوات الشمس التجلي إلى سر ظل البشرية ليستريح من التعب ~~والنصب وليس هذا الستر من قبيل الحجاب، فإن الستر يكون عقيب التجلي وهو ~~محاب الرحمة والمحبة لا حجاب الرحمة والمحبة، وذلك من جملة ما كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم محميا به إذ كان يقول: # " إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في كل يوم سبعين ms1210 مرة " # به يخبر عن الستر والتجلي وذلك من غاية اللطف والرحمة والحجاب ما يكون ~~العبد محجوبا عن الحق تعالى وذلك من غاية القهر والعزة. # كما قال تعالى في المقهورين: # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين: 15] وبقوله تعالى: { أفلا تبصرون } يشير إلى أنكم لا ~~تنظرون ببصر البصيرة أن الجبل لم يستقر مكانه عند سطوة صفة الربوبية ~~وجعله دكا وخر موسى مع قوة نبوته صعقا، وذلك التجلي في أقل مقدار طرفة ~~عين، فلم دام كيف يعيش الإنسان الضعيف، وهذا كما أن فلك الشمس تدور في ~~بعض المواضع وجوبا لا غروب للشمس فيه فنهاره من شدته فلا يعيش الحيوان ~~فيه، ولا ينبت النبات فيه من قوة حرارة الشمس فيه، وكذلك يدور فلك الشمس ~~في بعض المواقع بعكس هذا تحت الأرض ليس للشمس طلوع فليله سرمدي لا يعيش ~~الحيوان أيضا فيه ولا ينبت النبات، فلهذا المعنى قال تعالى: { ومن ~~رحمته جعل لكم اليل والنهار } [القصص: 73] أي: ليل ~~الستر ونهار التجلي { لتسكنوا فيه } في ليل الستر لتستريحوا ~~وتسكنوا بسكون حاشتكم { ولتبتغوا } في نهار التجلي { من فضله ~~} أي: فضل وصاله وفيه معنى آخر أن تسكنوا إلى الوصال في نهار التجلي ~~نظيره قوله: # وجعل منها زوجها ليسكن إليها # [الأعراف: 189] ولتبتغوا من فضله فضل وصاله في ليل الستر متطلعين لطلوع ~~شمس التجلي في نهار الوصال { ولعلكم تشكرون } هذه النعمة فإن ~~الشكر موجب الزيادة في النعمة كما قال تعالى: # لئن شكرتم لأزيدنكم # [إبراهيم: 7] وحقيقة الزيادة وهي الرؤية لقوله # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26]. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " الحسنى هي الجنة والزيادة هي الرؤية " # فمعنى الآية ولعلكم تشكرون لكي يكون نعيم الدنيا موصلا بنعيم الآخرة، ~~وذلك تحقيقه قوله: # ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة # [البقرة: 201] أي: حسنة الوصال # وقنا عذاب النار # [البقرة: 201] نار الفراق وفائدة تكرار قوله: { ويوم يناديهم ~~فيقول أين شركآئي الذين كنتم تزعمون } [القصص: ~~74] أنهم لعلهم تذكرون بخطاب ويوم يناديهم نداء كل ليلة يناديهم هل من ~~داع هل من تائب فيجيبونه ويرجعون إليه. ms1211 # وبقوله: { ونزعنا من كل أمة شهيدا } [القصص: 75] يشير ~~إلى مقتضى نظر العناية ينزع من كل أمة من أرباب النفوس شهيدا وهو القلب ~~الحاضر في بعض أهل النفوس المتمردة الذين لهم قلوب حاضرة بلا شعور نفوسهم ~~فنظر الله، وبقوله: { فقلنا هاتوا برهانكم } [القصص: 75] ~~يشير إلى أن لتلك القلوب براهين التوحيد بالقوة لا يحصل فيها بالفعل إلا ~~بجذبة خطاب الحق وتأييد أمره وهو قوله: { هاتوا } عند حصول البراهين ~~بالفعل في قلوبهم فعلموا بتلك البراهين القاطعة أن الحق هو حقيقة الإلهية ~~لله تعالى وتعالى له وليس له في ذلك شريك { وضل عنهم } [القصص: ~~75] أي زال وبطل عن القلوب { ما كانوا يفترون } [القصص: 75] ~~النفوس المتمردة من الشبهات في إثبات الشركاء لله تعالى، ومما يدل على ~~هذا المعنى قوله تعالى: # ونزعنا ما في صدورهم من غل # [الأعراف: 43]. ### || [28.76-78] # ثم أخبر أن قارون كان نسيب موسى كهارون فأدركت العناية هارون وأدرك ~~الخذلان قارون بقوله تعالى: { إن قارون كان من قوم موسى } ~~[القصص: 76] والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: { إن قارون كان من ~~قوم موسى فبغى عليهم } [القصص: 76] يشير إلى أن قارون ~~النفس من قوم موسى القلب تحقيقه أن الله تعالى جعل النفس تبعا للقلب ~~وسعادتها في متابعته، وشقاوتها في بغيها عليه وترك متابعته وسبب بغيها ~~قوله: { وآتيناه من الكنوز مآ إن مفاتحه لتنوء ~~بالعصبة أولي القوة } [القصص: 76] وكنوزها ما يودع في ~~خزائن صفاتها فإن في خزائن كل صفة من صفاتها كنزا من خواصها المودعة ~~فيها فبإيتاء الكنوز يشير إلى تهيج دواعيها وغلبات خواصها من البطر ~~والنشاط والغرور، وأما بغيها الإباء والاستكبار والعجب والتمرد عن قبول ~~النصح. { إذ قال له قومه } [القصص: 76] بنو إسرائيل صفات القلب ~~{ لا تفرح } [القصص: 76] بشهوات الدنيا وزينتها { إن الله لا ~~يحب الفرحين } [القصص: 76] بها، وإنما يحب من يفرح بإقامة ~~العبودية وطلب السعادة الأخروية، كما قال تعالى: # فبذلك فليفرحوا # [يونس: 58]. # ومن جملة النصيحة قوله: { وابتغ فيمآ آتاك } [القصص: 77] أي: من ~~الاستعداد الإنساني { الله الدار الآخرة } باستعماله في ~~العبودية المأمور بها لنيل السعادة الأخروية الباقية ms1212 { وأحسن } يعني: ~~في العبادة بأن تعبد الله كأنك تراه شوقا إلى لقائه ومن الإحسان أن تطلب ~~الله بجميع مساعيك { كمآ أحسن الله إليك } بأن طلبك من ~~العدم ودعاك إلى الوجود بجميع صفاته # هل جزآء الإحسان # [الرحمن: 60] طلبه إياك # إلا الإحسان # [الرحمن: 60] إحسان طلبك إياه ليحسن إليك في جزاء إحسانك إليه بوجود ~~الوصال والوصول كقوله: # " إلا من طلبني وجدني " # { ولا تبغ الفساد في الأرض } [القصص: 77] أرض الروحانية ~~بما آتاك الله من استعداد الروحاني والإنساني { إن الله لا ~~يحب المفسدين } [القصص: 77] من الصفات النفسانية التي تفسد ~~استعداد الروحانية الإنسانية القابلة لفيض الصفات الربانية. # وبقوله: { قال إنمآ أوتيته على علم عندي } [القصص: ~~78] يشير إلى أن نظر قارون النفس لقصوره ومناسبة طبعها لا يقع إلا على ~~نفسه وكسبه بمحجوب نظره عن القدرة الإلهية والمواهب الربانية { أولم ~~يعلم } [القصص: 78] قارون النفس { أن الله قد أهلك من ~~قبله } [القصص: 78] أي: من قبل إهلاكه { من القرون من هو ~~أشد منه قوة } [القصص: 78] في الفساد والإفساد كنمرود { ~~وأكثر جمعا } [القصص: 78] للطاعة والعلم مثل إبليس وأتباعه { ~~ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } [القصص: 78] عند ~~إهلاكهم كيلا يشتغلوا بالاعتذار، كما قال تعالى: # ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 36]. ### || [28.79-82] # { فخرج على قومه في زينته } [القصص: 79] يشير إلى أن ~~قارون النفس مهما خرج على قومه أي: بني إسرائيل صفات القلب في إظهار ما # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة والأنعام والحرث # [آل: عمران: 14] واستعماله في الصورة يفرز من تلك المعاملات ظلمات مسودة ~~وجوه الصفات القلبية وتكدر صفوها وتقلب أحوالها وتغير طبعها حتى تتصف ~~بصفات النفس، وتتبدل إرادة الآخرة بإرادة الدنيا وشهواتها إلى أن { قال ~~الذين يريدون الحياة الدنيا يليت لنا مثل مآ ~~أوتي قارون } [القصص: 79] النفس، { إنه لذو حظ عظيم } ~~[القصص: 79] من نعيم الدنيا وزينتها وإنما وقع نظرهم على عظمة الدنيا ~~وزينتها مع دناءتها وخستها وهوانها وقلة متاعها؛ لأنه اعتل بعلة سب حب ~~الدنيا وزينتها المولد من تراكم شهوات ظلمات صفات النفس بعضها فوق بعض ms1213 ~~فهم ينظرون بنظر ظلمات صفات النفس بعد أن كانوا ينظرون بنظر نور صفات ~~القلب ويبصرون عزة الآخرة وعظمتها وخسة الدنيا وهوانها، فإن الرضاع يغير ~~الطباع. # وبقوله: { وقال الذين أوتوا العلم } [القصص: 80] يشير إلى ~~صفات الروح الباقية على حالها غير متصفة بصفات النفس إذ قالوا: { ~~ويلكم } [القصص: 80] لصفات القلب المتغيرة توبيخا لهم { ثواب ~~الله } [القصص: 80] أي: ما يجازي الله من القربات والوصلات من دون ~~الجنة { خير لمن آمن } بوحدانية الله تعالى { وعمل صالحا ~~} للوصول إلى الوحدة { ولا يلقاهآ } المرتبة { إلا ~~الصابرون } [القصص: 80] عن الدنيا وزينتها والآخرة ونعيمها ~~والصابرون على مخالفات النفس وموافقات الشريعة على قانون الطريق إلى ~~الوصول بعالم الحقيقة. # وبقوله: { فخسفنا به وبداره الأرض } [القصص: 81] يشير ~~إلى أن حاصل قارون النفس إذا بغى على موسى القلب وصفاته وخرج عن المتابعة ~~وعن زينة الحياة الدنيا واستيفاء لذاتها وشهواتها ومتابعا لهواه أن يخسف ~~به الأرض أرض دركات السفل وأسفل سافلين النار ثم يخسف بداره وداره قالبه ~~والأرض أرض جهنم فها خالدين أبدا. ### || [28.83-88] # ثم أخبر عن نجاة أهل الدرجات عن الدركات بقوله: { تلك الدار ~~الآخرة } والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: { تلك الدار ~~الآخرة } يشير إلى عالم الغيب والأرواح { نجعلها للذين لا ~~يريدون علوا في الأرض } [القصص: 83] أي: للأرواح المقدسة عن ~~دنس الصفات الحيوانية المؤيدة بالتأييد الإلهي الذين لا يريدون علوا في ~~أرض البشرية كالنفوس المتمردة كنفوس الفراعنة والجبابرة والأكاسرة ولا في ~~أرض الروحانية مثل نفوس الأبالسة وبعض الأرواح الملكية مثل هاروت وماروت ~~{ ولا فسادا } [القصص: 83] بالنظر إلى غير الله يعني نجعل مملكة ~~عالم الغيب والملكوت في تعرف الأرواح المذللة بالعبودية الخاضعة الخاشعة ~~المطيعة المتواضعة المخلصة للربوبية غير الطالبة للعلو في الدارين ولا ~~الناظرة إلى غير الله بنظر المحبة ليتصرف فيها بالكلية، يدل عليه قوله ~~تعالى في بعض الكتب المنزلة: " عبدي أنا ملك حي لا أموت أبدا أطعني ~~أجعلك ملكا حيا لا تموت أبدا، عبدي أنا ملك إذا قلت بشيء كن فيكون ~~أطعني أجعلك ملكا إذا قلت لشيء كن فيكون " وقال النبي صلى ms1214 الله عليه ~~وسلم: " عنوان كتاب الله إلى عباده المؤمنين من الملك الحي الذي لا يموت ~~إلى الملك الحي الذي لا يموت ". # وبقوله: { والعاقبة للمتقين } يشير إلى أن عاقبة الأمور أن ~~يكون ملك الوحدة لمن اتقى بوحدانية الحق عما سواه { من جآء ~~بالحسنة } [القصص: 84] أي: بمثل هذه الحسنة أي الإعراض عما سوى ~~الله { فله خير منها } [القصص: 84] من مواهب الحق بإفاضة الفيض ~~الإلهي الذي يورث ملك الوحدة لأنه ما أعرض عنه فهو مخلوقه، فافهم جدا. # { ومن جآء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا ~~السيئات إلا ما كانوا يعملون } [القصص: 84] يشير إلى ~~جزاء السيئات على حسب ما يعملون من السيئات فإن كانت السيئة بالشرك بالله ~~فجزاؤه النار للأبد، وإن كانت المعاصي فجزاؤه العذاب بقدر المعاصي صغيرها ~~وكبيرها، وإن كان حب الدنيا والرئاسة والسلطة الدنيوية فجزاؤه الذلة ~~والصغار ونيل الدركات، وإن كانت طلب نعيم الآخرة ورفعة الدرجات فجزاؤه ~~الحرمان عن كمالات القرب وكشف شواهد الحق تعالى، وإن كانت التلذذ بفوائد ~~العلوم العقلية واستجلاء المعاني المعقولة فجزاؤه الحرمان عن كشف العلوم ~~اللدنية والمعارف الربانية، وإن كانت ببقاء الوجود فجزاؤه الحرمان عن ~~الفناء في أمد البقاء بالله بتجلي صفات الجمال والجلال. # وبقوله: { إن الذي فرض عليك القرآن لرآدك إلى ~~معاد } [القصص: 85] يشير إلى كمالية قدرها للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وخصه بها دون سائر الخلق في مقام الوحدة فبشره بها إن الذي { فرض ~~عليك القرآن } أي: أوجب عليك أن تتخلق بخلقه وهو صفتي فيفني ~~نورها ظلمة صفتك، فتكون فانيا عن صفاتك باقيا بصفاتي عند تجلي صفاتي ~~لصفاتك، وإنا { لرآدك } أي: راد مرآتك بتجلي ذاتي { إلى معاد ~~} خرجت من العدم لتكون فانيا عن أنانية ذاتك بأنانية ذاتي باقيا ~~بأنانيتي كما أن صفاتك صارت فانية عنا باقية بصفاتي لتبقى بالذات والصفات ~~فانيا عنك باقيا بذاتي وصفاتي { قل ربي أعلم من جآء ~~بالهدى } ببذل الوجود المجازي في الوجود الحقيقي { ومن هو في ~~ضلال } [القصص: 85] وجوده باقيا { مبين } [القصص: 85] ضلالته في ~~أفعاله وأحواله. # وبقوله: { وما كنت ترجو أن يلقى إليك ms1215 الكتاب } ~~[القصص: 86] يشير إلى أن العلوم الإنسانية والفهوم الروحانية قاصرة عن ~~إدراك ما أخفى من قرة أعين، { وما كنت } يا محمد أيضا { ترجو ~~أن يلقى إليك الكتاب } أي: القرآن الإكسير على النحاس ~~لتبديل جوهر نحاس أنانيتك بإبريز هويته ما كان ذلك { إلا رحمة ~~من ربك } [القصص: 86] اختصك بهذه الرحمة على جميع الأنبياء؛ لأن ~~كتبهم أنزلت في الألواح والصحف على صورتهم وكتابك نزل به الروح الأمين ~~على قلبك ألقاه كإلقاء الإكسير { فلا تكونن ظهيرا ~~للكافرين } [القصص: 86] بل تكون ظهيرا للمؤمنين بالدعوة إلى ~~ربهم. # وبقوله: { ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ ~~أنزلت إليك } [القصص: 87] يشير إلى أنه بعد إلقاء إكسير الكتاب ~~وتبدل الجوهر يحتمل الصدود عن آيات الله؛ لأن القدرة به باقية لئلا يأمن ~~مكر الله ويكون أعلم منا بالله وإحسانا منه. # ثم قال دفعا لآية الصدود { وادع إلى ربك } [القصص: 87] وهذا ~~أيضا من اختصاصك به أن له الدعوة إلى الحضرة الربوبية بإفناء الوجود ~~المجازي في الوجود الحقيقي { ولا تكونن من المشركين } في ~~الدعوة بأن تدعو طلاب الحق وعشاقه إلى الجنة والحضرة فادعهم إلى ربهم ~~خالصا عن شرك الجنة كما قال تعالى: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين # [البينة: 5] { ولا تدع مع الله إلها آخر } من الهوى ~~والدنيا والآخرة لأنه { لا إله إلا هو } أي: لا معبود ولا ~~مطلوب ولا مقصود إلا وجهه أي لا محبوب إلا هو فإن { كل شيء } دونه ~~{ هالك } أي قابل للهلاك؛ إهلاكه بقدرته { إلا وجهه } أي: ذاته ~~تعالى نظيره. # قوله: # كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك # [الرحمن: 26-27] أي: ذات ربك { له الحكم } فيما قضى وقدر وخلق ~~ودبر وبحكمته البالغة جعل أسفل السافلين إلى أعلى عليين القرب ومقام قاب ~~قوسين أو أدنى من حضرة رب العالمين دركات ودرجات، وجعل كل دركة مقام ~~مردود من المبغضين وكل درجة مقام مقبول من المحبين والمحبوبين { ~~وإليه ترجعون } وأرباب الدركات بالقهر للعذاب الأليم، وأرباب ~~الدرجات باللطف للإكرام. ### | [29 - سورة العنكبوت] ### || [29.1-6] # { الم * أحسب الناس } [العنكبوت: 1-2] والإشارة ms1216 في تحقيق ~~الآيات تعالى { الم } يشير بالألف إلى تفرده عن كل شيء بوجه الفناء، ~~وعدم لعدم الاحتياج وتوحده بالاستغناء كالألف عن الاتصال بالحروف واحتياج ~~الحروف بالاتصال به، وباللام يشير إلى لطفه بعباده، وبالألف واللام يشير ~~إلى الآية فكأنه أقسم بفردانيته وآلائه ونعمائه، وبالميم يشير إلى منه ~~وإلى من أي العبد ومن الرب يعني: أنه أقسم بالآية مهما يكون من العبد ~~التقرب إلى الرب بأصناف العبودية يكون من الرب التقرب إلى العبد بألطاف ~~الربوبية، فمن العبد أداء العبادة بشكر النعم ومن الرب إعطاء السيادة ~~بمزيد الكرم { أحسب الناس } يعني: الناس من أهل الغفلة والبطالة { ~~يتركوا أن يقولوا آمنا } بالتقليد والجهالة بمجرد الدعوى ~~دون المطالبة بالبلوى { وهم لا يفتنون } بأنواع البلاء لتخليص ~~إبريز الولاء، فإن البلاء للولاء كاللهب للذهب، وإن المحبة والمحنة ~~توأمان فلا مميز بينهما إلا نقطة الباء به يشير إلى أن أهل المحبة إذا ~~أوقعوا أنفسهم كنقطة الباء تحتها تواضعا لله رفعهم كالنقطة فوق النون، ~~ومن تكبر وطلب الرفعة والعلو في الدنيا كالنقطة فوق النون وصفه بالذلة ~~كالنقطة تحت الباء، وقيل: عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، فمن زاد قدر ~~معناه زاد قدر بلواه. # كما قال صلى الله عليه وسلم: # " يبتلى الرجل على حسب دينه ". # وقال: # " البلاء موكل للأنبياء فالأمثل والأمثل " # فالعاقبة لمن لا يعرف قدرها كالدواء والبلاء لمن يعرف قدره كالدواء، ~~فالبلاء على النفوس: لإخراجها عن أوطان الكسل وتصريفها في حسن العمل، ~~وعلى القلوب: لتصفيتها من شين الرين لقبول نقوش الغيوب، والبلاء على ~~الأرواح: لتجردها بالبوائق عن العلائق، والبلاء على الأسرار: في اعتكافها ~~في مشاهدة الكشف بالصبر على آثار التجلي إلى أن تصير مستهلكة فيه ~~بإفنائه، وإن أشد حفظ وجود التوحيد؛ لئلا يجري عليه مكر في أوقات غلبات ~~شواهد الحق فيظن أنه هو الحق ولا يدري أنه من الحق ولا يقال أنه الحق ~~وعزيز من يهتدي إلى ذلك. # وبقوله: { ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن ~~الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } [العنكبوت: ~~3] يشير إلى صدق الصادقين وكذب الكاذبين الذين عجنوا ms1217 في تخمير طينتهم لا ~~يظهر إلا إذا طرح في نار البلاء تصاعدت فيها روائح الضر وفوائح الشكر عن ~~عود جوهر الصادقين ويصده بصدتين الضجرة وكفران النعمة عن رشيق جوهر ~~المذنبين، وأنهم في البلاء على ضروب منهم: من يصبر في حال البلاء ويشكر ~~في حال النعماء وهذه صفة الصادقين، ومنهم: من يصبح ولا يصبر في البلاء ~~ولا يشكر في النعماء فهو من الكاذبين، ومنهم: من يؤثر في حال الرخاء لا ~~يستمتع في العطاء ويستريح إلى البلاء فيستعذب مقاساة الضر والعناد وهذا ~~أقل الكبراء. # وبقوله { أم حسب الذين يعملون السيئات أن ~~يسبقونا } [العنكبوت: 4] يشير إلى أنه من موجبات عمل السيئات سواد ~~وجوه مرآة القلوب بصداء الحسبان، ورين الكفران ليتوهموا أنهم يسبقونا ~~بالعدول عن طريق متنافي الانتقام عن المجرمين، وينجو من سطوات بإلقاء ~~جلباب الحياء ونقض عهد الوفاء ولزوم الجفاء اغتروا بإمهالنا اليوم إياهم ~~في رياض الغفلات مسرحين عشب الشهوات ناسين يوم الحسرات { سآء ما ~~يحكمون } [العنكبوت: 4] بالنجاة عن الدركات باتباع الشهوات ونيل ~~الدرجات هيهات هيهات أفلا يعلمون أن { من كان يرجوا لقآء ~~الله فإن أجل الله لآت } [العنكبوت: 5] أي: من أقبل الثواب ~~يؤمن أعمال تورث العذاب ويعانق المجاهدات فإنها تورث المشاهدات، ومن زكى ~~عمره في رجاء لقائنا فسوف ينج وله النظر إلى جمالنا { وهو السميع ~~} لأنين الشاقين { العليم } بحنين الواقفين الصادقين. # { ومن جاهد } [العنكبوت: 6] أي: سعى في طلبنا { فإنما ~~يجاهد لنفسه } وليزكيها عن الأخلاق الذميمة ويحليها بالأوصاف ~~الحميدة، فيتخلص عن سجن الأمارية ويستأهل لجنته المطمئنة فيستحق لجذبة ~~العناية بخطاب: ارجعي إلى ربك، فإني خلقت الخلق ليربحوا علي لا لأربح ~~عليهم هنا لي عنهم، وذلك قوله: { إن الله لغني عن ~~العالمين } والعالمون هم الفقراء إلى الله والمحتاجون إليه في ~~الدارين. ### || [29.7-11] # { والذين آمنوا } [العنكبوت: 7] أي: أخلصوا قلوبهم لمحبتنا { ~~وعملوا الصالحات } [العنكبوت: 7] بجميع وجودهم لبذله في طلب ~~وجودنا { لنكفرن عنهم سيئاتهم } [العنكبوت: 7] لنفنين ~~عنهم سيئاتهم أي: سيئات وجودهم { ولنجزينهم } [العنكبوت: 7] أي ~~لنعطيهم وجودا حقيقيا { أحسن الذي كانوا يعملون } ~~[العنكبوت: 7] بذل وجودهم لنيل وجودنا. # ثم ms1218 أخبر عن وصية الإنسان لوالديه بالإحسان يقول: { ووصينا ~~الإنسان } [العنكبوت: 8]، والإشارة في تحقيق الاثنين بقوله: { ~~ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } [العنكبوت: 8]، يشير ~~إلى تعظيم الحق تعالى، وعظيم شأنه وعزة الأنبياء وإعزازهم، وعرفان قدر ~~المشايخ وإكرامهم؛ لأن الأمر برعاية الحق والوالدين المعنيين: # أحدهما: أنهما كانا سبب وجود الولد. # والثاني: أن لهما حق التربية، فكلا المعنيين في إنعام الحق تعالى على ~~العباد حاصل بأعظم وجه، وأجل حق منهما لأن حقهما كان مشوبا بحظ نفسهما ~~وحق الله تعالى منزه عن الشوب، وأنهما وإن كانا سبب وجود الولد لم يكونا ~~مستقلين بالسببية بغير الحق تعالى وإرادته؛ لأنهما كانا في السببية ~~محتاجين إلى مشيئته وإرادته بأن يجعلهما سببا لوجود الولد، فإن الولد لا ~~يحصل بمجرد سببهما بالنكاح بل تحصيل بموهبة الله تعالى. # كما قال: # يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور # [الشورى: 49] فالسبب الحقيقي بإيجاد آدم عليه السلام. # وأما الشريعة فنسبتها إلى الله حقيقية بأنه رب كل شيء ومربيه، ونسبتها ~~إلى الوالدين مجازية؛ لأن صورة التربية إليهما حقيقة التربية إلى الله ~~تعالى كما ربى نطفة الولد في الرحم حتى جعلها علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم ~~كساها اللحم ثم أنشأه خلقا آخر، والله تبارك وتعالى أعظم قدرا في رعاية ~~حقوقه بالعبودية من رعاية حق الوالدين بالإحسان، وإن الواجب على العبد أن ~~يخرج من عهده حق العبودية بالإخلاص ولا ثم يحسن بالوالدين. # كما قال تعالى: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا # [الإسراء: 23] وأما النبي والشيخ لما كان سبب الولادة الثانية بإلقاء ~~نطفة النبوة والولاية في رحم قلب الأمة والمريد وتربيتها إلى أن يولد ~~الولد عن رحم القلب في عالم الملكوت. # كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم رواية عن عيسى عليه السلام أنه قال: # " لم يلج ملكوت السماوات والأرض من لم يولد مرتين " # فكانا أحق برعاية الحقوق من الوالدين؛ لأنهما كانا سبب ولادته في عالم ~~الأرواح وأعلى عليين القرب والوالد إن كانا سبب ولادته في عالم الأشباح ~~وأسفل سافلين البعد، ولهذا السر كان يقول ms1219 النبي صلى الله عليه وسلم: # " إنما أنا لكم كالوالد لولده " # وقد كانت أزواجه أمهات للأمة وقال صلى الله عليه وسلم: # " الشيخ في قومه كالنبي في أمته " # ولما كان لله تعالى في الإحسان العميم بالعبد والامتنان القديم الذي خصه ~~به قبل وبعد أحق وأولى برعاية حقوقه عن الوالدين. # قال تعالى: { وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به ~~علم فلا تطعهمآ } [العنكبوت: 8] وفيه إشارة إلى أن المريد ~~الصادق والطالب العاشق إذا تمسك بذيل إرادة شيخ كامل ودليل واصل بصدق ~~الإرادة وعشق الطلب بعد خروجه عن الدنيا بتركها بالكلي جاهها ومالها، وقد ~~سعى بقدر الوسع في قدر تعلقات تمنعه عن السير إلى الله متوجها إلى ~~الحضرة بعزيمة كعزيمة الرجال، فإن كان له ولدان وهما بمعزل عما يهيجه من ~~الصدق والمحبة فهما بجهلهما عن حال الولد يمنعان عن صحبة الشيخ وطلب الحق ~~بالإعراض، ويقبلان به إلى الدنيا ويرغبانه في طلب جاههما ومالها ويحثان ~~على التزويج في غير أوانه، فالواجب على المريد أن لا يطيعهما في شيء من ~~ذلك فإن ذلك بالكلي طاغوت وقته وعليه أن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله ~~استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، وهما يجاهدانه على أن يشرك بالله ~~لجهلهما بحاله وحال نفسهما وأنه يريدان أن يخرج عن عهدة العبودية الخالصة ~~لربه، كما قضى ربه أن لا يعبدا إلا إياه، ولا يعبد من دونه من الدنيا ~~والآخرة وما فيهما، وما يعلمان مهما يكن أنهن عبدة الهوى وأنهما يدعوانه ~~إلى عبادة غير الله، فالواجب عليه أن لا يطيعهما في ذلك، ولكن عليه أن ~~يردهما باللطف، ولا يزجرهما بالعنف إلى أن يخرج عن عهدة ما قضى به من ~~العبودية بالإخلاص، ثم الواجب عليه أن يحسن إليهما ويسمع كلامهما ~~ويطيعهما فيما لا يقطعه عن الله على وفق أمره. # ثم أوعد الجميع بالمرجع إليه فقال { إلي مرجعكم ~~فأنبئكم } [العنكبوت: 8] أيها الولدان والوالدان { بما كنتم ~~تعملون } [العنكبوت: 8] من العبادة الخالصة لله، ومن عبادة الهوى ~~على لسان جزائكم ليقول لكم أن مرجع عبدة الهوى الهاوية: { والذين ~~آمنوا ms1220 } المحبة الحق وطلبوه بأن { وعملوا الصالحات } أي: ~~أعمالا تصلح للسير إلى الله والوصول إلى حضرة جلال { لندخلنهم ~~في الصالحين } [العنكبوت: 9] أي: ندخلهم مقام الأنبياء والأولياء ~~بجذبات العناية تفهم إن شاء الله، وتؤمن به ثم أخبر عن صورة إيمان بلا ~~معنى ولا إيقاف بقوله تعالى: { ومن الناس من يقول ءامنا ~~بالله فإذآ أوذي في الله } [العنكبوت: 10] يشير إلى حقيقة ~~الإيمان نور إذا دخل قلب المؤمن ينظر الله تعالى وعنايته لا تخرجه أذية ~~الخلق بل يزيد بالصبر على أذاهم والتوكل على الله، كما قال تعالى: # الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل # [آل عمران: 173] وكقوله: # وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما ~~وهنوا لمآ أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما ~~استكانوا والله يحب الصابرين # [آل عمران: 146] وذلك لأن المحن تظهر جواهر الرجال، وهي تدل على قيمتهم ~~وأقدامهم فقدر كل أحد وقيمته تظهر في محنته من فوات الدنيا ونقصان نصيبه ~~منها، أو كانت محنته بموت قريب من الناس أو فقد حبيب من الخلق فحقر قدره ~~وكثير من الناس مثله، ومن كانت محنته في الله ولله تعزيز قدره وقليل من ~~كان مثله بقدر الوقوف في البلاء يظهر جواهر الرجال يصفوا عن الخبث مرآة ~~قلوبهم، ويتزكى عن رذائل أخلاق نفوسهم كما تخلص جوهر نعم العبدية عن معدن ~~الإنسانية بمدة أيام البلاء لأيوب عليه السلام مستعين بالصبر على البلاء، ~~فالمؤمن من يكف الأذى، والولي من يجلي عن الخلق الأذى ويتشرب ولا يترشح ~~عنه الشكوى عن البلوى ولا إظهار الدعوى كالأرض يلقى عليها كل قبيح فينبت ~~منه كل مليح، ومن كان إيمانه لسانيا لا جنانيا يقولون بألسنتهم ما ليس ~~في قلوبهم، فإذا أوذي في الله { جعل فتنة الناس } وإذا هم { ~~كعذاب الله } في الآخرة فتستولي عليه حرفة البشرية إذا لم يكن في ~~حماية خوف الله وخشيته يفترسه خوف الخلق. # كما قال صلى الله عليه وسلم: # " من خاف الله خوف الله منه كل شيء ومن لم ms1221 يخف الله يخوفه من كل شيء " # فإنه كان في معدن القلب جوهر القلب مودع يخرجه بسببين البلاء والجزع منه ~~وذلك معنى قوله: { وليعلمن الله الذين آمنوا ~~وليعلمن المنافقين } [العنكبوت: 11]. ### || [29.12-19] # وقوله: { وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا ~~سبيلنا ولنحمل خطاياكم } [العنكبوت: 12] يشير إلى أن كافر ~~النفس، ومنه أنهم يقولون بلسان الطبيعة الإنسانية للمؤمنين من القلب ~~والسر والروح بجميع صفاتهم { اتبعوا سبيلنا } في طلب الشهوات ~~الحيوانية لاستيفاء الحظوظ بمددهم وموافقتهم { ولنحمل خطاياكم ~~} أي: نرفع عنكم ضرر ما يرجع إليكم في متابعتنا لنيل الشهوات ومستلذات ~~الطبع { وما هم بحاملين من خطاياهم } [العنكبوت: 12] أي: ~~ضرر ما يحصل من خطاياهم { من شيء } [العنكبوت: 12] لأنه من الضرر ~~الذي يحصل للروح والقلب في متابعة النفس العمى والصم والبكم والجنون ~~والاتصاف بجميع الصفات النفسانية { إنهم لكاذبون } في حمل هذه ~~الآفات والضرر عنهم ولكن { وليحملن أثقالهم } [العنكبوت: ~~13] هذه الآفات التي بها أنفسهم متصفة { وأثقالا مع ~~أثقالهم } [العنكبوت: 13] يعني: يضعف الضرر الذي يحصلون لهم من ~~متابعتهم مع الضرر الذي يحصلون لأنفسهم في تتبع الشهوات واستيفاء ~~اللذات من غير أن يحملوا عنهم مما عليهم، { وليسألن يوم ~~القيامة عما كانوا يفترون } [العنكبوت: 13] يعني: ~~النفوس، وآخذون بما يوعدون الأرواح والقلوب في الاستتباع ويؤمنونهم من ~~سطوات قهر الله بأن يحملوا خطاياهم، ويعزونهم بذلك. # ثم أخبر عن ابتلاء أهل الولاية بقوله تعالى: { ولقد أرسلنا ~~نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة } [العنكبوت: 14] ~~إلى قوله: { إن ذلك على الله يسير } [العنكبوت: 19] يشير ~~إلى أنه تعالى كما بدأ الخلق بإخراجهم عن العدم إلى عالم الأرواح، ثم ~~أهبطهم من عالم الأرواح غلى عالم الأشباح عابرين على الملكوت والنفوس ~~السماوية والأفلاك والأنجم والفلك الأثير والهواء والبحار وكرة الأرض، ثم ~~على المركبات والمعادن والنبات والحيوان إلى أن يبلغ أسفل سافلين ~~الموجودات وهو القالب الإنساني، كما قال تعالى: # ثم رددناه أسفل سافلين # [التين: 5] أي: بتقدير النفخة الخاصة كما قال: # ونفخت فيه # [الحجر: 29] فكذلك نعيده بجذبات العناية إلى الحضرة راجعا من حيث هبط ~~عابرا على المنازل والمقامات التي كانت على قمره ms1222 بقطع تعلق نظره إلى ~~خواص هذه المنازل، وترك الانتفاع بها فإنها حال العبودية على هذه المنازل ~~استعاد خواصها وبعض أجزائها منها لاستكمال الوجود الإنساني روحانيا ~~جسمانيا، فصار محجوبا عن الحضرة فعند رجوعه إلى الحضرة بجذبة (ارجعي) ~~يرد من كل منزل ما استعاد منه، فإن العارية مردودة إلى أن يعاد إلى العدم ~~بلا أنانية بتصرف جبة العناية { إن ذلك على الله يسير } ~~أي: على العبد العود إلى الله بلا جذبة العناية عسير غير ممكن. ### || [29.20-26] # وهذا الرجوع والعود معنى قوله: { قل سيروا في الأرض } أي: أرض ~~الوجود الإنساني { فانظروا كيف بدأ الخلق } بالعبور على ~~المنازل المذكورة من العدم كذلك الرجوع بالعبور عليها أن يعود إلى العدم ~~{ ثم الله ينشىء النشأة الآخرة } بعد انخلاعه عنه من ~~كسوة الأنانية يلبس خلعة الهوية لاختصاصه بمنزلة الخلافة. # { إن الله على كل شيء قدير } [العنكبوت: 20] إن الله ~~قادر على أن يجعل المستقر لهذه الكرامة عند إظهار القهر لشر البرية { ~~يعذب من يشآء } [العنكبوت: 21] بعذاب البعد والقطيعة والهجران { ~~ويرحم من يشآء } [العنكبوت: 21] بتجرده عن كسوة الوجود، وتوقده ~~بالوحدانية في الوصول والوصال { ومآ أنتم بمعجزين في ~~الأرض } [العنكبوت: 22] أرض البشرية { ولا في السمآء } ~~[العنكبوت: 22] سماء الروحانية لاستجلاب مقامات قرب الملكوتية { وما ~~لكم من دون الله من ولي } [العنكبوت: 22] تتولونه { ولا ~~نصير } [العنكبوت: 22] يستخلصكم عن بطشه بجذبة العناية إذ لم يعرفوا ~~قدر هذه النعمة الجسمية، بقوله: { والذين كفروا بآيات ~~الله ولقآئه } [العنكبوت: 23] يشير إلى طائفة من أرباب الطلب ~~وأصحاب السلوك العابرين على بعض المقامات، المشاهدين آثار شواهد الحق ~~الكاشفين ببعض الأسرار، ثم أدركتهم القربة بحجاب العزة فابتلاهم الله ~~للغيرة بالالتفات إلى الغير، فحجبوا بعد أن كوشفوا، واستتروا بعد أن ~~تجردوا، واستدرجوا بعد أن رفعوا، وبعدوا بعد أن قربوا، وحاروا بعد أن ~~كاروا نعوذ بالله من الحور بعد الكور. # ثم أخبر على حالهم ومآلهم فقال: { أولئك يئسوا من ~~رحمتي } [العنكبوت: 23] عند قسمة الرحمة على المرحومين دون ~~المرجومين { وأولئك لهم عذاب أليم } [العنكبوت: 23] ~~وهذا عذاب الطرد والهجران والقطيعة والحرمان. # ثم أخبر ms1223 عن جواب قوم إبراهيم له بغير الصواب بقوله تعالى: { فما كان ~~جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه } ~~[العنكبوت: 24] يشير إلى أن من شأن إبراهيم الروح أن يدعو تمرود النفس ~~وقومه أي: صفاتها إلى الله ونهاهم عن عبادة الأوثان من الهوى والدنيا وما ~~سوى الله، وأن من شأن نمرود النفس الأمارة بالسوء وصفاتها أن يجيبوه من ~~لوم طبعهم وغاية سفههم بقولهم: { اقتلوه } بسيف الكفر والشرك وترك ~~عبادة الله ولزوم عبادة غير الله، { أو حرقوه } بنار الشهوات ~~والأخلاق الذميمة، فإن هاتين الحالتين أسباب هلاكه مودعة فأوقدوا عليه ~~نار الشهوات والأخلاق الذميمة { فأنجاه الله من النار } ~~[العنكبوت: 24] وجعلها عليه بردا وسلاما إذ أخلص جوهر الروحية من حرقة ~~نار الشهوات والأخلاق، ومتعه بالخصائص المودعة فيها مما لم يكن في جبلة ~~الروح مركوزا وكان به محتاجا في سيره، ولهذه الاستفادة بعث إلى أسفل ~~سافلين القالب { إن في ذلك } [العنكبوت: 24] أي: في قصة إبراهيم ~~وقومه { لآيات } [العنكبوت: 24] لعبرة { لقوم يؤمنون } ~~[العنكبوت: 24] بحقائق القرآن وأسراره وأن له ظهرا وبطنا. # وبقوله: { وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا ~~مودة بينكم في الحياة الدنيا } [العنكبوت: 25] يشير ~~إلى ما هو من خصائص إبراهيم الروح إذا كان مؤيدا بالتأييد الإلهي ~~وإلهامات الحق؛ إذ عاين ما هو من مصالحه ومفاسده ولغيره منها في الدنيا ~~والآخرة، ويرى أحوال الآخرة كأحوال الدنيا عيانا، وأن تحدثها النفس ~~نصيحة لها، كما قال { إنما اتخذتم } الهوى والدنيا معبودا ~~بخصوصية الظلومية والجهولية التي أنتم مجبولون عليها { مودة } ~~طبيعية { بينكم } أي: بين النفس وصفاتها وبين شهوات الدنيا في { ~~الحياة الدنيا } أي من بقائكم في الدنيا { ثم يوم ~~القيامة } [العنكبوت: 25] بعد الخروج عن الدنيا { يكفر ~~بعضكم ببعض } [العنكبوت: 25] أي: يكفر النفس بشهوات الدنيا إذا ~~شاهدت وبال استعمالها وخسران حرمانها عن شهوة الجنة { ويلعن ~~بعضكم بعضا } [العنكبوت: 25] أي: ويلعن النفس على الدنيا أنها ~~كانت سبب شقاوتها ويلعن الدنيا عليها. # كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إن أحدكم إذا لعن الدنيا قالت الدنيا لعن الله أعصانا لله " # { ومأواكم النار } [العنكبوت: ms1224 25] يعني: مأوى النفس والدنيا { ~~وما لكم من ناصرين } [العنكبوت: 25] في الخلاص من العذاب ~~وبقوله: { فآمن له لوط } [العنكبوت: 26] يشير إلى إيمان لوط القلب ~~لأجله أي لعلاج إبراهيم الروح؛ لأنه لا يتخلص من أذى نمرود النفس وصفاتها ~~إلا بعد إيمان القلب؛ لأن بنور الإيمان تندفع ظلمات النفس وصفاتها عن ~~الروح فيستعد للمهاجرة إلى الله وذلك قوله: { وقال إني مهاجر ~~إلى ربي } [العنكبوت: 26] وهجرته إلى ربه بقطع تعلقاته عما سوى ~~الله { إنه هو العزيز الحكيم } [العنكبوت: 26] أي: إن الله ~~هو أعز من أن يصل إليه أحد إلا بعد مفارقته عن غيره { الحكيم } ~~[العنكبوت: 26] الذي لا يقبل بمقتضى حكمته إلا طيبا من لوث أنانيته كما ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب ". ### || [29.27-40] # وقوله: { ووهبنا له } [العنكبوت: 27] يشير إلى أن الروح إذا هاجر ~~بالسر والنفس متوجها إلى ربه يهب له { إسحاق } الخفي، ومن تولده { ~~ويعقوب } الإخلاص { وجعلنا في ذريته النبوة ~~والكتاب } [العنكبوت: 27] ذرية روح الخفي والنفس وبالقلب أي: نجعلهم ~~مجال الوحي والإلهام، إشارات الحق تعالى ومعادن العلوم وينابيع الحكمة ~~وخزائن الأسرار والحقائق { وآتيناه أجره في الدنيا } ~~[العنكبوت: 27] من المواهب الربانية واللذائذ الروحانية والاحتفاظ بلطائف ~~الحظوظ النفسانية محفوظا عن آفاتها، وتبعها بقوله: { وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين } [العنكبوت: 27] لقبول الفيض الإلهي بلا ~~واسطة. # ثم أخبر عن تفرق قوم [لوط] من التمرد بقوله تعالى: { ولوطا إذ ~~قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة } [العنكبوت: 28] ~~إلى قوله: { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } [العنكبوت: ~~40] وقومه إشارة في تحقيقها. ### || [29.41-45] # ثم أخبر عن وهن ولاة أهل الولاية فيما اتخذوه أولياء بقوله تعالى: { ~~مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء كمثل ~~العنكبوت اتخذت بيتا } [العنكبوت: 41] يشير على أن مثل ~~النفس وصفاتها في اتخاذها من دون الله أولياء من الهوى والدنيا والشيطان ~~كمثل العنكبوت اتخذت بيتا لمعان: # أحدها: معنى قوله: { وإن أوهن البيوت لبيت ~~العنكبوت لو كانوا يعلمون } [العنكبوت: 41] أنه سريع ~~الزوال وشيك الانفصال، وإن حاصل ولايتهم اليوم العداوة في الآخرة كما قال ~~تعالى: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض ms1225 عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67] يعني إلا الذين اتقوا عن اتخاذ الأولياء دون الله. # والثاني: أن العنكبوت كلما زاد على نسجه في بيته ازداد بعد أمن الخروج ~~فهو يعني ولكن سجنا على نفسه وقيدا على رجله بحيث يتوقع هلاكه، كذلك من ~~اتخذ الهوى والدنيا والشيطان أولياء سجن فيه بسلاسل الإضلال والإغواء على ~~طريق الشهوات إلى مهلكة النيران، ولا ينفعه استغاثة # يويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد ~~أضلني عن الذكر بعد إذ جآءني وكان الشيطان ~~للإنسان خذولا # [الفرقان: 28-29]. # والآخر: هو أن بيت العنكبوت أوهن البيوت؛ لأنه بلا أساس ولا جدار ولا ~~سقف، فلا يمسك على أهون دفع، كذلك الكافر لا أصل لشأنه ولا أساس لبنيانه # كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء # [النور: 39]. # { إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء } ~~[العنكبوت: 42] من الهوى عن الحق تعالى وطلبه الخشية وركاكة ودناءة ~~جبلت عليها { وهو العزيز } [العنكبوت: 42] لا يطلبه ولا يقبل عليه ~~إلا عزيز، وهو أعز من أن يطلب الأذلاء ويهتدي إليه الأخشياء { الحكيم ~~} [العنكبوت: 42] فبالحكمة يعز من يشاء بالهداية ويذل من يشاء بالضلالة. # وبقوله: { وتلك الأمثال نضربها للناس } [العنكبوت: 43] ~~أي: للناسين عهد الميثاق { وما يعقلهآ إلا العالمون } ~~[العنكبوت: 43] يشير إلى أن الكل مشتركون في سماع الأمثال، ولكن يتفرقون ~~ويجتمعون في إدراك وفهم دقائقها ومعانيها وأسرارها ليسمعوا بسمع القول ~~فما يعلقها إلا العالمون بالله؛ لأن عقولهم مؤيدة بأنوار العلوم، وكل فعل ~~لم يكن مؤيدا بالأنوار الإلهي لا يدرك حقائق القرآن وأسرارها، ولا يعد ~~العاقل في زمرة العقلاء، كما قال تعالى: # صم بكم عمي فهم لا يعقلون # [البقرة: 171] أي: صم عن سماع حقائق الأمثال بكم عن الإقرار بقبول ~~فوائدها عمي عن رؤية آثار وكمالها فهم لا يعقلون لطائف خصائصها { خلق ~~الله السموت والأرض بالحق } لمراتب صفات الحق تعالى ~~ليكون مظهرها { إن في ذلك لآية } أي: في السماوات والأرض آية ~~الحق مودعة ولكن { للمؤمنين } [العنكبوت: 44] الذين ينظرون بنور ~~الله تعالى، فإن النور لا يرى إلا بالنور، ومن لم يجعل الله له نورا فما ~~له ms1226 من نور. # وقوله: { اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم ~~الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر } ~~[العنكبوت: 45] يشير إلى أن الله قبل تلاوة القرآن حق تلاوته وذلك بأن ~~يعمل به حتى يتخلق بخلق القرآن لا يقدر على إقامة الصلاة والاستدامة ~~لتنهاه عن الفحشاء، وهي الالتفات إلى الدنيا والمنكر وهو طلب غير الله ~~وكل صلاة ليست موصوفة بهذه الصفة فهي خداع، ثم أشار بقوله تعالى: { ~~ولذكر الله أكبر } [العنكبوت: 45] أي: أن موجب تلاوة القرآن ~~وإقامة الصلاة تنهي العبد عن الفحشاء والمنكر وهما من أمارات مرض القلب ~~ومرضه لعله نسيان ذكر الله. # كما قال تعالى: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67] إنما كان لإزالة مرض النسيان فعلى وصية العلاج بالأضداد، { ~~ولذكر الله أكبر } [العكبوت: 45] من إزالة مرض النسيان عن ~~القلب من تلاوة القرآن وإقامة الصلاة؛ لأن تلاوة القرآن على نسيان القلب ~~الساهي، كما قال: " رب تال للقرآن والقرآن يلعنه " ، وكذلك الصلاة هي ~~مصليها مستوجب للويل، كما قال تعالى: # فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون # [الماعون: 4-5] وأما الذكر فله اختصاص في إزالة مرض النسيان عن القلب ~~بقوله تعالى: # ألا بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد: 28] وعند الاطمئنان توجب سلامة القلب من الأمراض ألا ترى أن ~~إبراهيم عليه السلام لما نظر نظرة في النجوم، فقال: # إني سقيم # [الصافات: 89] كان طلبه من الله في إزالة سقمه وسلامة قلبه اطمئنان ~~القلب مع وجود الإيمان قال: # قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي # [البقرة: 260] إنما اختص الذكر بإزالة مرض القلب دون تلاوة القرآن ~~وإقامة صفته؛ لأنهما صادرتان من قلب مريض معلول بالنسيان الطبيعي ~~للإنسان، ورأي العليل عليل، وأما الذكر وإن كان أيضا صادرا من القلب ~~المريض ولكنه مختص بطرح إكسير ذكر الله فأبطل خاصية المعلولية وجعله ~~إبريزا خالصا مخصوصا بخاصية المذكورية بقوله تعالى: # فاذكروني أذكركم # [البقرة: 152] فذكر العبد قد فني في ذكر الله فلا جرم، { ولذكر ~~الله أكبر } في إزالة مرض النسيان عن القلب بإقامة الصلاة وتلاوة ~~القرآن وجميع أركان الإسلام بحضور القلب المتنور بنور الذكر ms1227 صارت صادرة ~~بجميع شرائطها موجبة للفلاح الحقيقي، وهو قوله تعالى: # واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون # [الأنفال: 45] وقوله تعالى: # قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون # [المؤمنون: 1-2] وقوله: # قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى # [الأعلى: 14-15] والفلاح الحقيقي الإخلاص من جبل الوجود بجود واجب ~~الوجود. # وبقوله: { والله يعلم ما تصنعون } [العنكبوت: 45] يشير ~~إلى نظر إليه لا يدرك كمالية الجزاء المعد له بمباشرة أركان الشريعة ~~وملازمة آداب الطريقة للوصول إلى عالم الحقيقة، كما قال تعالى: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين ~~جزآء بما كانوا يعملون # [السجدة: 17] ولكن يعلم ما تصنعون باستعمال مفتاح الشريعة وصناعة ~~الطريقة لفتح أبواب طلسم الوجود المجازي والموصل إلى الكنز المخفي من ~~الوجود الحقيقي. ### || [29.46-52] # ثم أخبر عن جلال أهل الكتاب بأحسن الخطاب وطريق الصواب بقوله تعالى: { ~~ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن } ~~[العنكبوت: 46]، يشير إلى أهل العلم الظاهر إذا جادلوا أرباب القلوب ~~وأصحاب العلوم الباطنة، فالواجب على أرباب القلوب مجادلتهم بالتي هي ~~أحسن، وذلك بأن يكون منهم للخصم تمكين وفي خطابهم ثابتين، وفي قبول الحق ~~أنصاف واعتقادا نصرة لما رأوه صحيحا بالحجة، وترك الميل إلى شيء باطل ~~بتعقب المذهب، وفي تقرير الحق والدلالة له - يعني الحقيقي - رفق وفي ~~سكونه للتفهم، ولين في الكلام بحيث لم تتبرم النفوس وتهيج فيها البقية ~~الأمارية بالسوء وعصبية المذهب، فيمنعهم عن قبول الحق ويحرضهم على الجلال ~~بالباطل فحينئذ لا تجادلوهم؛ لئلا يزدادوا إنكارا وفتنا { وقولوا ~~آمنا بالذي أنزل إلينا } [العنكبوت: 46] من العلوم ~~الباطنة وكشف الحقائق { وأنزل إليكم } من العلوم الظاهرة ~~والأحكام الزاهرة بالحجج الباهرة { وإلهنا وإلهكم واحد ~~} والدين واحد { ونحن له مسلمون } [العنكبوت: 46] لقبول الحق ~~وترك الباطل. # وبقوله: { وكذلك أنزلنآ إليك الكتاب } [العنكبوت: 47] ~~يشير إلى أنه كما أنزلنا الدلائل والبراهين العقلية على أهل الظاهر كذلك ~~أنزلنا على أهل الباطن الدلائل والبراهين الكشفية بما رآه من الشواهد ~~الخفية، { فالذين آتيناهم الكتاب } [العنكبوت: 47] يعني: ~~أرباب القلوب الذين علومهم في أنباء الحق موحية لاندارسهم الكتب وتحصيل ~~العلوم ms1228 بالتكرار فإنهم { يؤمنون به } أي: يصدقونكم بما تظهرون من ~~حقائق العلوم وتشيرون إلى وقائعها { ومن هؤلاء } يعني: على ~~الظاهر على أنواع فمن حرم بنظرنا إليه بالعناية فمنهم: { من يؤمن ~~به } أي: بصدقكم بما تقيمون عليه من الدلائل الكشفية والبراهين ~~بالواردات الحقيقية دلالة لهم إلى الحق تعالى، ومنهم محروم وسمناهم ~~بالشقاوة فما استقبلتم إلا بالإنكار جحود، وذلك بالجهالة والضلالة. # ثم أخبر عن رعاية أهل العناية عن زلات السلوك بقوله تعالى: { وما ~~كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ~~إذا لارتاب المبطلون } [العنكبوت: 48] يشير إلى أن القلب ~~إذا تجرد عن المعلومات والسر تقدير عن يومان والروح تنزه عن الموجودات ~~بالكافر أقرب إلى الفطرة، ولم يشتغلوا لقبول النفوس السفلية من الخسيسات ~~والخيالات، والوهميات، فكانوا لما صادفهم من المغيبات قابلية من غير ~~ممازجة طبع ومشاركة كسب وتكليف وتكيف بشرية، ولما كان قلب النبي صلى الله ~~عليه وسلم في البداية ممزوجا بعمل جبريل إذ أخرج منه ما أخرج، وقال: هذا ~~حظ الشيطان منك. وفي النهاية محفوظا عن النفوس التعليمية بالقراءة ~~والكتابة قابلا لإنزال القرآن عليه مختصا به عن جميع الأنبياء. # كما قال: # نزل به الروح الأمين * على قلبك # [الشعراء: 193-194] ثم أثبت هذه الرتبة بتبعية لمتابعيه فقال: { بل ~~هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } ~~[العنكبوت: 49] يعني: أوتوا من الغيب لا من التعلم به يشير إلى قلوب ~~الخواص من العلماء بالله خزائن الغيب فيها أودع براهين حقه وبينات سره ~~ودلائل توحيده وشواهد ربوبيته فقانون الحقائق لقلوبهم، وكل شيء يطلب من ~~موطنه ومحله فالدر يطلب من الصدق؛ لأن ذلك مسكنه، كذلك المعرفة، ووصف ~~الحق يطلب من قلوب خواصه؛ لأن ذلك قانون معرفة، ومحل تجلي صفاته بل يطلب ~~حضرة جلاله عند حضائر قدس قلوب خواص عباده كما سأل الله تعالى موسى عليه ~~السلام قال: " إلهي أين أطلبك؟ قال: أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ". # وبقوله: { وما يجحد بآياتنآ إلا الظالمون } ~~[العنكبوت: 49] يشير إلى أن الحرمان من رؤية الآيات من خصوصية دين الحجة ~~والإنكار إذا ms1229 غلب على القلوب، فتصدأ كما تصدأ المرآة، فلا يظهر فيها نقوش ~~الغيوب وتعمى عن رؤية الآيات وبقوله: { وقالوا لولا أنزل ~~عليه آيات من ربه } [العنكبوت: 50] يشير إلى عمى بصر ~~قلوبهم؛ لأنه تعالى أنزل عليه آية واضحة وهو القرآن فقال: { أولم ~~يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب } [العنكبوت: 51] وهو ~~إتيان بدلالة: # أحدهما: أن نفس القرآن آية لأنه لا يمكنهم معارضته ولا الإتيان شيء من ~~مثله. # والثاني: أن تيسير قراءة مثل هذا القرآن لا من غير كاتب وقارئ وإنزاله ~~عليه وحفظ أدبه وأحواله وجزالة بيانه آية واضحة وعليها دلائل لائحة وفي ~~قوله تعالى: { قل إنما الآيات عند الله } [العنكبوت: 50] ~~أي: من عند الله والقرآن آية نزلت من عند الله وقوله: { وإنمآ ~~أنا نذير مبين } [العنكبوت: 50] أي: صدور الإنذار والتبشير على ~~وجه الرسالة من مثلي وأنا أمي آية صادرة من عند الله وسراج منير ذلك ~~لا يبصره إلا عيون قلوب منزهة عن عمى الكفر والشرك وسبل حب الدنيا سورة ~~بنور الإيمان مختصرة بالرحمة الخاصة متذكرة بواعظ الله، وذلك تحقيق قوله: ~~{ أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون ~~} [العنكبوت: 51] { قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا ~~} [العنكبوت: 52] أي: مشاهدا إلى أنه من آياته كما كان ابن مريم وأمه ~~آية والقرآن آية وأنهم عمي لا يبصرون الآيات. # { يعلم ما في السموت والأرض والذين آمنوا ~~بالباطل وكفروا بالله } [العنكبوت: 52] إنما آمنوا بالباطل ~~لأنهم عموا بعين القلب لم يروا الحق والآيات # ولهم أعين لا يبصرون بها # [الأعراف: 179]، فلم يؤمنوا بها وأبصروا بعين النفس فرأوا الباطل وآمنوا ~~به وكفروا بالحق، فإن في عمى القلب بصارة النفس وفي عمى النفس بصارة ~~القلب، وفي بصارته سعادة الدارين وفي عماه خسارة الدارين، فالعميان بعيون ~~القلب، والأبصار بعيون النفس { أولئك هم الخاسرون } ~~[العنكبوت: 52]. ### || [29.53-57] # ثم أخبر عن أمارة خسارتهم بقوله تعالى: { ويستعجلونك ~~بالعذاب } [العنكبوت: 53] يشير إلى ظلومية الإنسان وجهوليته ~~بالاستعجال بالعذاب يعني من استعجل بالعذاب ولا يصبر على العاقبة لجعل ~~خلق منه، وهو مركوز في جبلته ms1230 فكيف يصبر على السراء والضراء لو لم يصبره ~~الله تعالى كما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: # واصبر وما صبرك إلا بالله # [النحل: 127]، وبقوله: { ولولا أجل مسمى لجآءهم ~~العذاب } [العنكبوت: 53] يشير إلى أن الإرادة القديمة بالحكمة ~~القديمة سميت لكل مقدور وكائن آجلا في تعلق القدرة به فلا تقدم له ولا ~~تأخر عن المضروب المسمى، وفيه إشارة أخرى أن الاستعجال في طلب العذاب في ~~غير وقته المقدر لا ينفع وهو مذموم كيف ينفع الاستعجال في طلب مرادات ~~النفس وشهواتها في غير أوانها وكيف لم يكن مذموما { وليأتينهم ~~} ما استعجلوا به في وقت المقدر: { بغتة وهم لا يشعرون } ~~لأن لهم فيه خيرا أو شرا. # وبقوله: { يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم ~~لمحيطة بالكافرين } [العنكبوت: 54] يشير إلى أن استعجال ~~العذاب لأهل العذاب وهو نفس الكافر واقع لا حاجة إليه بالاستدعاء؛ لأن ~~جهنم الحرص والشره والشهوة والكبر والحسد والغضب والحقد { لمحيطة ~~بالكافرين } [العنكبوت: 54] أي: بنفس الكافرين أو بالنفوس الكافرة، ~~والآن ينعقد الوقت { يوم يغشاهم العذاب } [العنكبوت: 55] ~~بإحاطة هذه الصفات { من فوقهم } الكبر والغضب والحسد والحقد { ~~ومن تحت أرجلهم } الحرص والشره والشهوة، ولكنهم بنوم الغفلة ~~قائمون ليس لهم خبر عن رزق العذاب كالنائم لا شعورا له بما يجري على ~~صورتها؛ لأنه نائم بالصورة فإذا انتبه يجد ذوق ما يجري عليه من العذاب. # كما قال تعالى: { ويقول } [العنكبوت: 55] يعني: يوم القيامة { ~~ذوقوا ما كنتم تعملون } [العنكبوت: 55] أي: ذوقوا عذابي ما ~~كنتم الخلق والخالق به، والذي يؤكد هذا التأويل قوله تعالى: # وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 14] يعني: في الوقت ولا شعور لهم: # يصلونها يوم الدين # [الانفطار: 15] يكون الصلي والدخول يوم القيامة # وما هم عنها بغآئبين # [الانفطار: 16] اليوم، ولكن لا شعور لهم بها فمن تطلع لهم شمس العناية ~~من مشرق القلب فتخرجه من ليل الدين إلى يوم الدين # وأشرقت الأرض # [الزمر: 69] بشريته # بنور ربها # [الزمر: 69] يرى نفس محاطة جهنم أخلاقها، فيحذرون ألمها ويقصد الخروج ~~والخلاص عنها، فتؤذي أهل طلب الخلاص. # { يعبادي الذين آمنوا } صدقوا وعاينوا بأن جهنم العبد ~~محيطة بهم ms1231 ووجدوا ذوق ألمها وضيق موطنها { إن أرضي } [العنكبوت: ~~56] أي: أرض حضرة جلالي وعظمتي { واسعة } فهاجروا بالخروج عن حبس ~~وجودكم إلى سرادقات هويتي { فإياي فاعبدون } [العنكبوت: 56] ~~أي: فإياي فاطلبون، وإلى هويتي فارجعون بالاختيار شوق أو محبة وموتوا عن ~~أوصاف وجودكم بالإرادة قبل أن تموتوا بالكراهة فإن { كل نفس ~~ذآئقة الموت ثم إلينا ترجعون } [العنكبوت: 57] ~~بالاضطرار الذين اعتادوا منا بالفرار مقيدين بسلاسل التعلقات إلى الدنيا ~~وأربابها مغلولين بأغلال الشهوات فيسجنون بسجن نيران الحسرات. ### || [29.58-69] # { والذين آمنوا } [العنكبوت: 58] بحقيقة الوصول والوصال. # { وعملوا الصالحات } مهاجرين عن أوطان الوجود { ~~لنبوئنهم من الجنة } جنة الوصال { غرفا } من غرف ~~المعارف { تجري من تحتها الأنهار } أنهار الحكم { خالدين ~~فيها } [العنكبوت: 58] في جنات القرب والوصول. # { نعم أجر العاملين } [العنكبوت: 58] القاصدين بالخروج عن ~~حجب الأنانية للوصول إلى كعبة الهوية في السير فيها مجذوبين عنهم به { ~~الذين صبروا } [العنكبوت: 59] في البداية: صبروا على حبس النفس ~~بفطامه عن لبن مرامها، وفي الوسط: صبروا على تجرع القلب كاسات التقدير من ~~غير تعيين، وفي النهاية: صبروا على بذل الروح لنيل الفتوح من مواهب ~~المعيشة وكرامة المحبوبية { وعلى ربهم يتوكلون } ~~[العنكبوت: 59] بإعراض القلب عن غير الرب واثقين بربوبيته قائمين ~~بقيوميته وبقوله: { وكأين من دآبة لا تحمل رزقها } ~~[العنكبوت: 60] يشير إلى من كانت همته في أرض الدنيا طلب شهوات النفس، ~~فإن رزقها مقسوم لها، وهو لا يحمل النظر عنها فهو متابعة الدابة، الله ~~يرزقها مما هو متمناها، ويرزق إياكم أيها الطالبون الصادقون ما هو ~~متمناكم من مشاهدات الجمال ومكاشفات الجلال والاستغراق في بحر الوصال، ~~وهو السميع لتمني كل متمن، العليم بمطارح نظرهم فيعطي كل متمن على قدر ~~همهم. # ثم أخبر عن سويتهم في الإقرار بوجوده واختلاف طبيعتهم في مطالبة وجوده ~~بقوله تعالى: { ولئن سألتهم من خلق السموت ~~والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله ~~فأنى يؤفكون } [العنكبوت: 61] يشير إلى أن بين الخلق في ~~الإقرار بوجود الله وخالقيته سوية، وفي أنوارهم بالتوحيد اختلاف فمنهم من ~~يثبت له الشرك، ومنهم من يثبت له الوحدة وينفي عنه الشركة، ولكل واحد ms1232 من ~~الفريقين موجب في الإثبات والنفي وموجب للتسوية في الإقرار، فأما موجب ~~التسوية في الإقرار فقولهم: { بلى } فتساووا هاهنا بالإقرار بوجود ~~الله وخالقيته، وأما موجب إثبات الوحدة ونفي الشركة فقوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور ~~فقد اهتدى ". # فالإقرار بالوحدة وإثباتها ونفي الشرك من موجبات تلك الإصابة، فأما موجب ~~إثبات الشركة فقوله صلى الله عليه وسلم: # " من أخطأ فقد ضل " # فإثبات الشركة له من موجبات ذلك الإخطاء وحصول الضلالة، وهذا تحقيق قوله ~~تعالى: { الله يبسط الرزق لمن يشآء من عباده } ~~[العنكبوت: 62] بإصابة ذلك النور المرشش { ويقدر له } بإخطار ذلك ~~النور { إن الله بكل شيء عليم } [العنكبوت: 62] يعلم ~~استحقاق كل طائفة من الفريقين لإصابة رشاش النور وإخطائه وبقوله: { ~~ولئن سألتهم } [العنكبوت: 63] يشير إلى طائفة قد أخطأهم في ~~البداية رشاش النور وإخطائه ذلك، فوقعوا في الضلالة وماتت قلوبهم، فإن ~~الضلالة سم قاتل للقلوب ثم أحياها بنور الإيمان { ولئن سألتهم ~~من نزل من السمآء } [العنكبوت: 63] سماء الروحانية. # { مآء } [العنكبوت: 63] أي: ماء الإيمان { فأحيا به الأرض } ~~[العنكبوت: 63] أرض القلوب { من بعد موتها } [العنكبوت: 63] بسم ~~الضلالة { ليقولن الله قل الحمد لله } [العنكبوت: 63] ~~الذي أنعم عليهم بنعمة الإحياء لقلوبهم الميتة { بل أكثرهم لا ~~يعقلون } [العنكبوت: 63] أي: لا يفهمون تحقيق هذه الإشارة وأيضا لا ~~يعقلون؛ لأنه ليس هذا المعنى مناسبا لقولهم بأن من أخطأه رشاش ذلك النور ~~في البداية وهو موجب للضلالة كيف يهديه الله في النهاية، وقد قال تعالى: # ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # [النور: 40] وذلك لأن عقولهم بمعزل عن فهم أن الله تعالى نور مصباح ~~زجاجة قلب نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم بنور جماله وجلاله، ثم بعثه ~~إلى الخلق وقال: # قد جآءكم من الله نور # [المائدة: 15] وهو سراج منير، فمن آمن به واتبع سراج قلبه المنطفئ من ~~ذلك النور سراج قلبه المنير، نور الله سراج قلبه بذلك النور فأحياه بعد ~~موته. # كما قال تعالى: # أو من ms1233 كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمت # [الأنعام: 122] أي: في الظلمات التي خلق فيها، ولم يصبه رشاش النور ~~وبقوله: { وما هذه الحياة الدنيآ إلا لهو ولعب ~~} [العنكبوت: 64] يشير إلى هذه الحياة الدنيا يعيش بها المرء في الدنيا ~~بالنسبة إلى الحياة التي يعيش بها أهل الآخرة في الآخرة، وجوار الله ~~تعالى لهو ولعب، وإنما شبهها باللهو واللعب لشيئين: # أحدهما: أن اللهو واللعب سريع الانقضاء لا يداوم، فلهذا المعنى أن ~~الدنيا بشهواتها كظل زائل لا يكون لها بقاء، فلا تصبح لاطمئنان القلب بها ~~والركون إليها. # والثاني: أن اللهو واللعب من شأن الصبيان والسفاء دون العقلاء وذوي ~~الأحلام؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما أنا من دد ولا دد مني " # والدد اللهو واللعب فالعاقل يصون نفسه منه وبقوله: { وإن الدار ~~الآخرة لهي الحيوان } [العنكبوت: 64] يشير إلى أن دار الدنيا ~~لهي الموت؛ لأنه تعالى سمى الكافر وإن كان حيا بالميت بقوله: # إنك لا تسمع الموتى # [النمل: 80]. # وقال تعالى: # لينذر من كان حيا # [يس: 70] فثبت أن الدنيا وما فيها لهي الموتات إلا من أحياه الله بنور ~~الإيمان، فهو الحق والآخرة عبارة عن عالم الأرواح والملكوت فهي حياة ~~كلها، وإنما سماها الحيوان؛ لأن الحيوان ما يكون حيا وله حياة فيكون ~~جميع أجزائه حيا في الآخرة حيوان؛ لأن جميع أجزائها حية، فقد ورد في ~~الحديث أن الجنة بما فيها من الأشجار والأثمار والغرف والحيطان والأنهار ~~حتى ترابها وحصاها كلها حية، فالحياة الحقيقية التي لا تشينها الغصص ~~والمحن والأمراض والعلل، ولا يدركها الموت والفوت هي حياة أهل الجنات ~~والقربات لو كانوا يعلمون قدرها وغاية كماليتها وحقيقة عزتها لكانوا أشد ~~حرصا في تحصيلها هاهنا، فمن فاتته لا يدركها في الآخرة ألا ترى أن من ~~صفة أهل النار أنه لا يموت فيها ولا يحيا يعني ولا يحيا بحياة حقيقية ~~يستريح بها فإنهم يتمنون الموت ولا يجدونه. # وقوله: { فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين ~~له الدين } [العنكبوت: 65] يشير إلى أن ms1234 الإخلاص تفريغ القلب عن كل ~~ما سوى الله والثقة بأن لا نفع ولا ضرر إلا منه، وهذا لا يحصل إلا عند ~~نزول البلاء في معرض التلف دوامة الهلاك؛ ولهذا وكل البلاء بالأنبياء ~~والأولياء لتخليص الجوهر الإنساني القابل للفيض الإلهي من فيها التعلقات ~~بالتكوين والرجوع إلى حضرة المكون، فإن الرجوع إليها مركون في الجوهر ~~الإنساني لو خلي إلى طبعه لقوله تعالى: # إن إلى ربك الرجعى # [العلق: 8] فالفرق بين إخلاص المؤمن وإخلاص الكافر أن يكون إخلاص المؤمن ~~مؤيدا بالتأييد الإلهي، وأنه قد عبد الله مخلصا في الرضا قبل نزول ~~البلاء فنال درجة الإخلاص المؤيد من الله بالسر. # قال تعالى: # " الإخلاص سر بيني وبين عبدي لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل " # ، فلا يتغير في الشدة والرخاء ولا في السخط والرضا، وإخلاص الكافر إخلاص ~~طبيعي قد حصل عند نزول البلاء وخوف الهلاك بالرجوع الطبيعي غير مؤيد ~~بالتأييد الإلهي عند خمود التعلقات ككواكب الفلك: { دعوا الله ~~مخلصين له الدين } [العنكبوت: 65] دعاء اضطرار فأجابهم من يجيب ~~المضطر بالنجاة من ورطة الهلاك، { فلما نجاهم إلى البر } ~~وزوال الخوف والاضطرار عاد المشئوم إلى طبعه { إذا هم يشركون * ~~ليكفروا بمآ آتيناهم } أي ليكون حاصل أمرهم من شقاوتهم أن ~~يكفروا بنعمة الله ليستوجبوا العذاب الشديد، { وليتمتعوا } ~~أياما قلائل، { فسوف يعلمون } [العنكبوت: 66] أن عاقبة أمرهم ~~دوام العقوبة على الأبد. # ثم أخبر عن شقاوة أهل العناد وسعادة أهل الجهاد بقوله تعالى: { أولم ~~يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من ~~حولهم } [العنكبوت: 67] يشير إلى حرم القلب فإنه آمن من دخول ~~الشيطان فيه بأن الله حرم عليه دخوله فيه؛ ولكنه تتخطف الناس الصفات ~~الناسوتية النفسانية من حولهم أي: حول القلب وصفاته { أفبالباطل } ~~وهو ما سوى الله مشارب النفس { يؤمنون } يصرفون صدقهم في طلبه { ~~وبنعمة الله } وهي مشاهدة الحق تعالى { يكفرون } ~~[العنكبوت: 67] بألا يطلبون. # { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } ~~[العنكبوت: 68] بأن يرى نفسه بأن له مع الله وقتا أو حالا أو كشفا أو ~~مشاهدة، ولم يكن له من ذلك شيء ms1235 وقالوا: # وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليهآ آباءنا # [الأعراف: 28] به يشير إلى الإباحية وأكثر مدعي زماننا هذا إذا صدر منه ~~شيء على خلاف السنة والشريعة يقولون: إنا وجدنا مشايخنا عليه، والله ~~أمرنا بهذا أي: مسلم لنا من الله هذه الحركات لمكانة قربنا إلى الله وقوة ~~ولايتنا، فإنها لا تقربنا بل تنفعنا وتقيدنا { أو كذب بالحق ~~لما جآءه } [العنكبوت: 68] أي: بالشريعة وطريقة المشايخ وسيرتهم. # { أليس في جهنم } [العنكبوت: 68] النفس { مثوى } ~~[العنكبوت: 68] محبس { للكافرين } [العنكبوت: 68] أي: لكافر نعمة ~~الدين والإسلام والشريعة والطريقة بما يفترون ويدعون بلا معين القيام ~~كذابين في دعواهم، وقد وعد الله الصديقين المجاهدين بما وعدهم بقوله: { ~~والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } [العنكبوت: ~~69] أي سبل وجداننا كما قال: # " ألا من طلبني وجدني ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا... " # " الحديث. # وقد قالت المشايخ: المجاهدات تورث المشاهدات، ولو قال قائل: ما ~~للوهابيين والبراهمة والفلاسفة أنهم يجاهدون النفس حق جهادها، ولا يورث ~~لهم المشاهدات؟ # قلنا: لأنهم أقاموا بالمجاهدات فجاهدوا وتركوا الشرط الأعظم منه وهو ~~قوله: { فينا } أي: خالصا وهم جاهدوا في الهدى والدنيا والخلق والرياء ~~والسمعة والشهوة وطلب الرئاسة والعلو في الأرض والتكبر على خلق الله فأما ~~من جاهد في الله جاهد أولا بترك الحرمات ثم بترك الشبهات ثم بترك ~~الفضلات، ثم بقطع التعلق تزكية للنفس، ثم بالتنقية من شواغل القلب على ~~جميع الأوقات وتخليته عن الأوصاف المذمومات تصفية للقلب، ثم بترك ~~الالتفات إلى الكونين وقطع الطمع عن الدارين تحلية للروح، { والذين ~~جاهدوا } في قطع النظر عن الأغيار بالانقطاع والانفعال لنهدينهم ~~سبلنا بالوصول والوصال. # ثم اعلم أن الهداية على نوعين: هداية تتعلق بالمواهب فمن وهبه الله، فهي ~~سابقة والتي تتعلق بالمكاسب فمن كسب العبد وهي مسبوقة ففي قوله: { ~~والذين جاهدوا فينا } [العنكبوت: 69] إشارة إلى أن الهداية ~~الموهبة سابقة على جهد العبد وجهده ثمرة تلك البذرة، فإن لم يكن بذر ~~الهداية الموهبة مزروعة بنظر العناية في أرض طينية العبد لما نبت منها ~~حضرة الجهد، ولو لم يكن المزروع مزكى بسقي جهد العبد لما ms1236 أثمر ثمار ~~الهداية المكتسبة. ### | [30 - سورة الروم] ### || [30.1-7] # { الم } [الروم: 1] يشير بالألف إلى ألفة طبع الموضع بعضهم لبعض، ~~وباللام يشير إلى أن ألفة المؤمنين لما كان من كرم الله وفضله بالله ألف ~~بين قلوبهم انتهت إلى غاية حصلت ألفة ما بينهم وبين أهل الكتاب إذا كانوا ~~يوما من أهل الإيمان وإن كان اليوم خاليا عن ذلك، وإنه لو عم الكافرين ~~لما كان جليا غلب عليهم حتى من لؤم طبعهم أنهم يعادون بعضهم بعضا، وأن ~~مغفرة رب العالمين لما كانت من كرمه العميم وإحسانه القديم انتهت إلى ~~غاية شملت الفريقين ليتوب على العاصي من الحزبين ويعم الطائفتين خطاب: # إن الله يغفر الذنوب جميعا # [الزمر: 53]. # وبقوله: { غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون } [الروم: 2-3] يشير إلى إعجاز القرآن وصحة ~~نبوة سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه؛ إذ أخبر عن حال غيبي، وأنه ~~جاء كما أخبر بعد سبع سنين، وفيه إشارة إلى أن حال أهل الطلب يتغير بحسب ~~الأوقات، ففي بعض الأحوال يغلب فارس النفس على روم القلب للطالب الصادق ~~فينبغي ألا يزل هذا قدمه عن صراط الطلب ويكون له قدم صدق عند الله ~~بالثبات. # وأما قوله: { وهم من بعد غلبهم سيغلبون } [الروم: 3] ~~أي: سيغلب روم القلب على فارس النفس بتأييد الله ونصرته { في بضع ~~سنين } [الروم: 4] من أيام الطلب { لله الأمر من قبل ومن ~~بعد } [الروم: 4] يعني: غلبة فارس النفس على روم القلب كان أولا بحكم ~~الله وتقديره، وله في ذلك حكمة بالغة في صلاح الحال والمآل ألا ترى أن ~~فارس نفس جميع الأنبياء والأولياء في البداية غلبت على روم قلبهم ثم غلبت ~~روم قلبهم على فارس نفسهم ومن بعد غلبة روم القلب على فارس النفس أيضا ~~يحكم الله فإنه يحكم فلا معقب لحكمه. # { ويومئذ } [الروم: 4] يعني: يوم غلبت الروم { يفرح ~~المؤمنون } [الروم: 4] يعني: الروح والسر والعقل { بنصر ~~الله } [الروم: 5] المؤمنين على الكافرين { وهو العزيز } ~~[الروم: 5] فبعزته يعز أولياءه ويذل أعداءه، { الرحيم } [الروم: 5] ~~برحمته ينصر أهل محبته وهم ms1237 أرباب القلوب { وعد الله لا يخلف ~~الله وعده ولكن أكثر الناس } [الروم: 6] من نسي ~~ألطافهم معهم. # { لا يعلمون } [الروم: 6] صدق وعده ووفاء عهده لأنهم، { ~~يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا } [الروم: 7] يجدون ~~ذوق حلاوة شهوات الدنيا بالحواس الظاهرة { وهم عن الآخرة } ~~[الروم: 7] كمالاتها ووجدان دون شهواتها بحواس الباطلة أنها موجبة للبقاء ~~الأبدي وأن عسل شهوات الدنيا مسموم يهلك { هم غافلون } [الروم: 7] ~~لاستقرائهم في بحر البشرية وتراكم أمواج أوصافها الذميمة. ### || [30.8-11] # { أولم يتفكروا } [الروم: 8] بالعقل السليم { في ~~أنفسهم } [الروم: 8] أي: في خلق أنفسهم وكمالية استعدادها أنه { ~~ما خلق الله السموت } [الروم: 8] سماوات الروحانية والأرض ~~أرض النفسانية { وما بينهمآ إلا بالحق } [الروم: 8] أي: ~~مظهر لصفات الحق فإنها مخصوصة من الموجودات بمرآة صفات جماله وجلاله. # { وأجل مسمى } [الروم: 8] يعني: بالصبر والثبات في تصفية مرآة ~~القلب عن صدأ الأوصاف الذميمة النفسانية، والأجل المسمى هو صفاء القلب ~~وتوجهه إلى الحق تعالى شوقا إلى لقائه { وإن كثيرا من ~~الناس } [الروم: 8] من الناسين أي لا من المؤمنين الذاكرين، { ~~بلقآء ربهم لكافرون } [الروم: 8] أي: مع أنهم عن الشهود ~~لمعزولون بالإيمان بلقائه أيضا، لكافرون جاحدون منكرون كالمعتزلة ~~وتابعيهم. # ثم أخبر أن بالسير يحصل اعتبار الأخيار بقوله تعالى: { أولم ~~يسيروا في الأرض فينظروا } [الروم: 9] يشير إلى طلبة العلم ~~الذين يشرعون في علوم غير نافعة بل مضرة مثل الكلام والمنطق والمعقولات ~~فتؤثر عليهم عقيدتهم على مذهب أهل السنة والجماعة، وإن وقعوا في أدنى شك ~~في الكفر فيقول لهم: { أولم يسيروا في الأرض } أرض البشرية ~~والسير فيها إنما يكون بالعبور عليها والخروج عنها وتبديلها بالأخلاق ~~الحميدة الروحانية لتزكي النفس عن لوث هذه الصفات مثل الكبر والغضب ~~والحقد والحرص والشهوات والشره والحسد، وأمثالها من المذمومات وتصفي ~~القلب عن ظلمته ورينه وتخلص الروح عن حجبها وتتجلى بحلية نور الإيمان { ~~فينظروا } بعد ذلك بنور الإيمان الحقيقي. # { كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } [الروم: 9] من ~~الفلاسفة أنهم كانوا أشد منهم قوة في علم المقال، { وأثاروا ~~الأرض } [الروم: 9] أرض البشرية بالرياضة والمجاهدة { وعمروهآ } ~~بتبديل الأخلاق والاستدلال بالدلائل العقلية ms1238 والبراهين المنطقية { ~~أكثر مما عمروها } [الروم: 9] المتأخرون؛ لأنهم كانوا أطول ~~أعمارا منهم فوسوس لهم الشيطان وغرهم بعلومهم العقلية واستبدت نفوسهم ~~بها وظنوا أنهم غير محتاجين إلى الشرائع ومتابعة الأنبياء. # { وجآءتهم رسلهم بالبينات } [الروم: 9] بالمعجزات ~~الظاهرة فلم يؤمنوا بها ونسبوها إلى السحر والنيرنج واعتمدوا على سؤالات ~~نفوسهم من الشبهات بحسبان أنها من البراهين القاطعة فأهلكهم الله في ~~أودية الشكوك والخيال، { فما كان الله ليظلمهم } بالابتلاء ~~بهذه الآفات بأن يكلهم إلى وساوس الشيطان وهواجس نفوسهم ولا يرسل إليهم ~~الرسل ولا ينزل معهم الكتب { ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون } [الروم: 9] بتكذيب الأنبياء ومتابعة الشيطان وعبادة الهوى. # { ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى } [الروم: ~~10] أي: عاقبة أمر الفلاسفة الذين هم مكذبوا الأنبياء لما أساءوا بتكذيب ~~الأنبياء بأن صاروا أئمة الكفرة وصنعوا الكتب في الكفر وأوردوا فيها ~~الشبهات على بطلان ما جاء به الأنبياء من الشرائع والتوحيد وسمو الحكمة ~~وسمو أنفسهم الحكماء فالآن بعض المتعلمين من الفقهاء، إما لوفور حرصهم ~~على العلم والحكمة، وإما لخباثة الجوهر، وليتخلصوا من تكاليف الشرع، ~~يطالعون تلك الكتب ويتعلمونها، وبتلك الشبهات التي درسوا بها كتبهم ~~يهلكون في أودية الشكوك ويقعون في الكفر. # وهذه الآفة وقعت في الإسلام من المتقدمين والمتأخرين منهم، فكم من مؤمن ~~عالم فسدت عقيدتهم بهذه الآفة وأخرجوا ربقة الإسلام من عنقهم فصاروا من ~~جملتهم، ودخلوا في زمرتهم داخل هذه الآفة يبقى في هذه الأمة إلى قيام ~~الساعة فإن كل يوم يزدادون ويقل طلبة علوم الدين من التفسير والأحاديث ~~والمذهب، ويكثر طلبة علوم الفلسفة والزندقة ويسمونها الأصول والكلام. # وقد قال الشافعي رضي الله عنه: " من تكلم تزندق " ثم وبال هذه الجملة ~~إلى قيام الساعة يكتب في ديوان من سن هذه السنة السيئة ومن أوزار من عمل ~~من غير أن ينقص من أوزارهم شيء على أن كذبوا بآيات الله بالقرآن ~~واستهزءوا بها وسموا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أصحاب النواميس وسموا ~~الشرائع الناموس الأكبر عليهم لعائن الله تترى. # وبقول: { الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ثم إليه ~~ترجعون } [الروم: 11] يشير إلى أنه ms1239 تعالى كما بدأ روح الإنشاء ورده ~~إلى أسفل سافلين القالب، ثم يعيده بطريق السير والسلوك على المعاملات ~~والمنازل التي أنزل عليها إلى عالم الأرواح ثم بجذبة ارجعي إليه ترجعون. ### || [30.12-17] # ثم أخبر عن حال المجرمين في يوم الدين قال تعالى: { ويوم تقوم ~~الساعة يبلس المجرمون } [الروم: 12] يشير إلى أن من مات ~~بالإرادة قبل أن يموت بالطبيعة فقد قامت قيامته أنهم يندمون بما أجرموا ~~بالإعراض عن الله وطلبه وأشركوا في طلب ما سوى الله { ولم يكن ~~لهم من شركآئهم شفعاء } [الروم: 13]، ليقربوهم إلى الله ~~بل أبعدوهم عن الحضرة { وكانوا بشركآئهم كافرين } أي: ~~صاروا كافرين بطلب غير الله ومحبتهم { ويوم تقوم الساعة } ~~[الروم: 14] أي: إذا قامت قيامة العشق على المحبين { يومئذ ~~يتفرقون } [الروم: 14] المحبون فرق: فريق هم أهل القربة، وفريق هم ~~أهل الوصلة، وفريق هم أهل المعرفة، وفريق هم الملوك على أسرة الوجود ~~متوجون بتيجان العزة، منعمون تحت قباب الغيرة كما أشار إلى أحوالهم ~~بقوله تعالى: { فأما الذين آمنوا } [الروم: 15] بالمحبة { ~~وعملوا الصالحات } [الروم: 15] في طلب الوصلة، { فهم في ~~روضة } من رياض الأنس { يحبرون } ويسرون بسماع ملاطفات المحبوب ~~ويتنعمون عن إمساكه وأما الذين كفروا بالإعراض عن الله والإقبال على غير ~~الله، { وكذبوا بآياتنا ولقآء الآخرة } [الروم: 16] أي: ~~بمشاهدة شواهدنا { فأولئك في العذاب } [الروم: 16] عذاب ~~البعد وألم حرقة الفراق والنيران المشتعلة على أنفسهم بالشهوات { ~~محضرون } [الروم: 16] إلى أبد الآباد وبقوله: { فسبحان الله ~~} [الروم: 17] بفاء التعقيب عقيب الآيتين يشير إلى تنزيه حضرة جلاله من ~~نقص أو شين يعود إليه { حين تمسون } [الروم: 17] أي: حين تقبلون ~~على ليل نيل شهوات الدنيا بالإعراض عن الله يا كافري النعم من أرباب ~~النفوس { وحين تصبحون } [الروم: 17] أي: وحين تقبلون على صباح ~~نهار تجلي شموس الوصال بالإعراض عن غير الله. ### || [30.18-22] # { وله الحمد } في الحالتين إن كنتم { في السموت } ~~[الروم: 18] سماوات القربات والوصلات. # { والأرض } [الروم: 18]، وإن كنتم في أرض البعد والقربات { ~~وعشيا } [الروم: 18] أي: عشاء غشاوة القلوب بالقساوة والاستغراق في ~~بحر الغفلات { وحين تظهرون } [الروم: 18] عند استواء شمس العرفان ms1240 ~~وسعة سماء القلوب واستهلاك وجود العارف في عين الشمس باقيا بعين الشمس، ~~فإن الربح والخسران في تلك الحالتين راجع إلى الطائفتين # إن الله لغني عن العالمين # [العنكبوت: 6]. # { يخرج الحي } [الروم: 19] بنور الله { من الميت } ~~[الروم: 19] أي: من النفس الميتة عن صفاتها وأخلاقها الذميمة إظهارا ~~للطفه ورحمته { ويخرج الميت } أي: القلب الميت عن الأخلاق ~~الحميدة الروحانية { من الحي } [الروم: 19]. # { ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون } [الروم: ~~19] من النفس الحية بالصفات الحيوانية الشهوانية إظهارا لقهره وعزته. # ثم أخبر عن الآيات البينات الدالة على خلقه المخلوقات بقوله: { ومن ~~آياته أن خلقكم من تراب } [الروم: 20] يشير إلى أن التراب ~~أبعد الموجودات عن الحضرة؛ لأنا إذا نظرنا على الحقيقة وجدنا أقرب ~~الموجودات إلى الحضرة عالم الأرواح؛ لأنه أول ما خلق الله الأرواح ثم ~~العرش؛ لأنه محل صفة رحمانية، ثم الكرسي، ثم السماء السابعة، ثم السماوات ~~كلها، ثم فلك الأثير، ثم فلك الزمهرير الهواء، ثم الماء ثم التراب وهو ~~جماد لا حس فيه ولا حركة وليس له قدرة على تغيير ذاته وتبديل صفاته، فلما ~~وجدنا ذاته متغيرة عن وصف الترابية صورة ومعنى وصفاته متبدلة كتغير صورته ~~بصورة البشر وتبدل صفته بصفة البشرية؛ علم أنه محتاج إلى مغير ومبدل وهو ~~الله سبحانه وتعالى. # وأشار بقوله: { ثم إذآ أنتم بشر تنتشرون } [الروم: 20] ~~يعني: كنتم ترابا جمادا ميتا أبعد الموجودات عن الحضرة جعلتكم بشرا ~~بنفخ الروح فإنه آية أظهر وأبين من الجمع بين أبعد الأبعدين والأقربين ~~بكمال القدرة والحكمة، وجعلتكم مسجود الملائكة المقربين وجعلتكم مرآة ~~مظهرة بجميع صفات جمالي وجلالي ولهذا السر جعلتكم خلائف الأرض. # { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا } ~~[الروم: 21] يعني: ازدواج الروح والنفس فإنه تعالى خلق النفس من الروح ~~وجعلها زوجه كما خلق حواء من آدم وجعلها زوجة ليسكن إليها يعني: الأرواح ~~إلى النفوس كما سكن آدم إلى حواء، ولو لم تكن حواء لاستوحش آدم في الجنة ~~كذلك الروح، ولو لم تكن النفس خلقت منه لسكن إليها واستوحش من القالب ولم ~~يسكن فيه { وجعل ms1241 بينكم } [الروم: 21] أي: بين الروح والنفس { ~~مودة ورحمة } [الروم: 21] ألفة واستئناسا ليسكن في القالب. # { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } [الروم: 21] ~~بالفكر السلبي في الإنسان كيف أودع الله فيه سرا من المعرفة التي كل ~~المخلوقات كانت في الخلقة تبعا لها، { ومن آياته خلق ~~السموت } [الروم: 22] سماوات القلوب { والأرض } [الروم: 22] ~~أرض النفوس، { واختلاف ألسنتكم } [الروم: 22] أي: اختلاف ~~ألسنة القلوب في ألسنة النفوس فإن لسان القلوب يتحرك بالميل إلى العلويات ~~وفي طلبها يتكلم ولسان النفوس يتحرك بالميل إلى السفليات وفي طلبها ~~يتكلم. # { وألوانكم } [الروم: 22] أي: وطبائعكم المختلفة منكم من يريد ~~الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، { إن في ذلك لآيات ~~للعالمين } [الروم: 22] العارفين الذين عرفوا حقيقة أنفسهم ~~وكماليتها فعرفوا الله ورأوا آياته إراءة إياهم لقوله: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم # [فصلت: 53]. ### || [30.23-27] # { ومن آياته منامكم باليل } [الروم: 23] ليل البشرية { ~~والنهار } [الروم: 23] نهار الروحانية، { وابتغآؤكم } ~~[الروم: 23] في الواقعات { من فضله } أي: من المواهب الربانية التي ~~هي مشتملة على أنواع المكاشفات والمشاهدات والمكالمات وذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء. # { إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون } [الروم: 23] كلام ~~الله ومخاطباته وإشارة من شجرة الموجودات كما سمع من الشجرة # أن يموسى إني أنا الله رب العالمين # [القصص: 30] { ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا } ~~[الروم: 24] أي: برق شواهد الحق عند انخراق سحاب حجب البشرية وظهور تلألؤ ~~أنوار الروحانية أولها برق، ثم اللوامع ثم الطوالع ثم الإشراق ثم التجلي ~~فينور البرق فيرى شهوات الدنيا أنها نيران فيخاف منها ويتركها ويرى ~~مكروهات تكاليف الشرع على النفس أنها جنان فيطمع فيها ويطلبها. # { وينزل من السمآء مآء } [الروم: 24] أي: من سماء الروح ~~ماء الرحمة { فيحيي به الأرض } أرض القلوب { بعد موتها } ~~بالمعاصي والذنوب واستغراقها ببحر الدنيا وتموج شهواتها برياح الخذلان { ~~إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } [الروم: 24] لا يبيعون ~~الآخرة بالأولى ولا قربات المولى بنعيم جنة المأوى { ومن آياته أن ~~تقوم السمآء } [الروم: 25] سماء القلب { والأرض } [الروم: 25] ~~أرض النفس { بأمره } أي: بالروح لأن الروح من أمره، { ثم إذا ~~دعاكم } إلى الحق ms1242 بجذبة خطاب ارجعي، { دعوة من الأرض } ~~[الروم: 25] { إذآ أنتم تخرجون } [الروم: 25] يعني: النفس ~~والقلب والروح من أنانية وجودكم إلى هوية جوده، { وله من في ~~السموت } [الروم: 26] الروحانية، { والأرض } [الروم: 26] أرض ~~البشرية وأرباب القلوب وأصحاب النفوس، { كل له قانتون } ~~[الروم: 26] مطيعون بأن يكونوا مظهر صفات لطفه يعني: له باب القلوب ومظهر ~~صفات نهرهم يعني: أصحاب النفوس ولذلك خلقهم. # { وهو الذي يبدؤا الخلق } [الروم: 27] بإشارة { كن } ، ~~{ ثم يعيده } بنفخ صور إسرافيل { وهو أهون عليه } ~~يعني: البداءة من الإعادة لأنه في البداءة كان بنفسه مباشرا بنفسه ~~للخليقة وفي الإعادة كان المباشر إسرافيل بنفخه، والمباشرة بنفس الغير في ~~العمل أهون من المباشرة بنفسه عند نظر الخلق وعنده سواء؛ لأن أفعال ~~الأغيار أيضا مخلوقة وفيه إشارة في غاية الدقة واللطافة أن الخلق أهون ~~عند الله عند الإعادة منهم عند البدأة؛ لأنه في البداية لم يكونوا ملوثين ~~بلوث الحدوث ولا متدنسين بدنس الشرك في الوجود بأن يكونوا شركاء في ~~الوجود مع الله فلعزتهم في البداية باشر بنفسه خلقتهم وفي الإعادة ~~لهوانهم باشر بنفس غيره. # { وله المثل الأعلى } [الروم: 27] فيما أودع من الآيات في ~~السماوات في سماوات الأرواح والقلوب والأرض وأرض النفوس والأبدان، ~~بالحكمة البالغة والقدرة الكاملة { وهو العزيز } [الروم: 27] أي: ~~أعز من أن تعرفه العقول وتدركه الأبصار { الحكيم } [الروم: 27] بأن ~~يعرف من يشاء كمالية ذاته وصفاته بقدر ما يشاء، ويضرهم بمشاهدة جماله ~~وجلاله كما يشاء. ### || [30.28-30] # ثم أخبر عن ضرب الأمثال بالفضل والأفضال بقوله تعالى: { ضرب لكم } ~~[الروم: 28] يشير إلى الروح والقلب والسر والعقل { مثلا من ~~أنفسكم } معكم { هل لكم } [الروم: 28] يا روح وأتباعه. # { من ما ملكت أيمانكم } [الروم: 28] أي: الأعضاء والجوارح ~~والحواس والقوى التي نسبتها إليكم نسبة العبد مع المولى إلى { من ~~شركآء في ما رزقناكم } [الروم: 28] كم من العلوم والكشوف ~~والشواهد والمواهب الربانية يشاركونكم فيها، { فأنتم فيه } [الروم: ~~28] وهم في المواهب. # { سوآء تخافونهم } [الروم: 28] ألا تضيعوا شيئا من المواهب ~~بالتصرفات الفاسدة فيها { كخيفتكم أنفسكم } [الروم: 28] يعني: ~~تصفية الروح عن القلب ألا يضيع شيئا مما ms1243 أفاض إليه من الفيض الإلهي ~~والمواهب الربانية بأن يصرفها في غير موضعها رياء وسمعة، وطلب مراد هواه ~~عند إظهار شيء منها وتصفية القلب عن السر والعقل بأن تصرفها فيها بنوع من ~~التصرفات الفاسدة التي تفسد العقائد، وتوقع في الشكوك والظنون الفاسدة ~~والشبهات العقلية وغيرها من الآفات فكما لا يصلح هؤلاء لشركهم؛ لأنكم ~~معهم بمثابة الملوك مع العبد، كذلك هم مع حسن استعدادكم في قبول الفيض ~~الإلهي يا روح وأتباعه لا تصلحون أن تكونوا شركاء في كمالية ذاتي وصفاتي ~~إذا تجليت عليكم، فبسطوات أنوار جمالي وجلالي تنمحي آثار ظلمات أوصافكم ~~وبأنوار صفاتي تشاهدون صفاتي فتسبحوني أن أكون صرت حالا فيكم، أو صرتم ~~بعضا مني أو تصيرون أنا، أو أصير أنتم، فإن # " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني ~~واحدا منهما قذفته في النار " # ومن كبريائي ألا أكون جزءا لأحد أو مثلا ومن عظمتي أن لا يكون أحد ~~جزئي ولا مثلي، وأنا الذي # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # [الشورى: 11]. # ثم قال: { كذلك نفصل الآيات } [الروم: 28] نبينها ونشرحها { ~~لقوم يعقلون } [الروم: 28] يفهمون رموزنا وإشاراتنا في تنزيه ~~ذاتنا وصفاتنا عن مشابهته في دعاوى الخلق ومشاكلهم، { بل اتبع ~~الذين ظلموا } [الروم: 29] بوضع الشبهات والحسبانات من الدعاوى ~~بالاتصال والاتحاد والحلول في غير موضعها، { أهوآءهم } حتى قالوا ~~ما قالوا بالهوى، { بغير علم } [الروم: 29] حقيقي فضلوا بمتابعة ~~الهوى، { فمن يهدي من أضل الله } بالخذلان واتباع الهوى. # { وما لهم من ناصرين } [الروم: 29] في خلاصهم من خذلان الحق ~~وبقوله: { فأقم وجهك للدين حنيفا } [الروم: 30] يشير إلى ~~أهل الطلب من المحب الصادق أي: أخلص قصدك إلى الله واحفظ عهدك مع الله، ~~أقم عملك في سكناتك وحركاتك وجميع تصرفاتك لله حنيفا مستقيما في دينه ~~ثابتا في التوجه إليه، معرضا عما سواه والزم { فطرت الله ~~التي فطر الناس عليها } [الروم: 30] إذ كنت مع الله بلا ~~غفلة مع غيره مستمعا لخطابه مصيبا لجوابه، مشاهدا لوحدانية مخلصا في ~~توحيده، مفردا لفردانيته، مفتخرا بعبوديته مستسلما لأحكام ربوبيته، ~~مستأنسا بشهود جماله، مستنيرا بأنوار جلاله. # { لا تبديل لخلق ms1244 الله } [الروم: 30] أي: لا تحويل لما ~~خلقهم، فطر الناس كلهم على التوحيد فأقام قلب من خلقه للتوحيد والسعادة ~~وأزاغ قلب من خلقه للإلحاد والشقاوة { ذلك الدين القيم } ~~[الروم: 30] القائم بالحق لا يغيره البلاء ولا تعتريه الأهواء. # { ولكن أكثر الناس } [الروم: 30] أي: الناسين الله غير ~~الذاكرين الله { لا يعلمون } [الروم: 30] قدر التوجه إلى الله ~~بالإعراض عما سواه. ### || [30.31-35] # { منيبين إليه } [الروم: 31] راجعين إلى إلهيته بالخروج عن حبس ~~أنانيته { واتقوه } أي: واتقوا به من غيره { وأقيموا ~~الصلاة } [الروم: 31] أي: أديموها بالحضور مع الله. # { ولا تكونوا من المشركين } [الروم: 31] الملتفتين إلى ~~غير الله، { من الذين فرقوا دينهم } [الروم: 32] الذين ~~كانوا عليها في الفطرة التي فطر الناس عليها من التجريد والتفريد ~~والتوحيد والمراقبة في مجلس الأنس والملازمة للمكالمة مع الحق، { ~~وكانوا شيعا } [الروم: 32] أي: وصاروا فرقا: فريقا: منهم مالوا ~~إلى نعيم الجنان، وفريقا: منهم رغبوا في نعيم الدنيا بالخذلان، وفريقا: ~~منهم وقعوا في شبكة الشيطان فساقهم إلى حب الشهوات وإلى درك النيران. # { كل حزب } [الروم: 32] من هؤلاء الفرق { بما لديهم } ~~[الروم: 32] من مشتهى نفوسهم ومقتضى طباعهم، { فرحون } [الروم: 32] ~~فجالوا في ميدان الغفلات واستغرقوا في بحار الشهوات وظنوا بالظنون ~~الكاذبة أن جذبتهم إلى ما هم فيه السعادة الحادثة، فإذا انكشف ضباب ~~فهمهم، وانقشع سحاب جهدهم، انقلب فرحهم ترحا واستيقنوا أنهم كانوا في ~~ضلالة ولم يفرحوا إلا في أوطان الجهالة، وسوف ترى إذا تجلى الغبار أفرس ~~تحتك أم حمار. # ثم أخبر عن خصائص الإنسان الغالب عليه نسيان الإحسان بقوله تعالى: { ~~وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه } ~~[الروم: 33] يشير إلى طبيعة الإنسان أنها ممزوجة من هداية الروح وطاعته، ~~ومن ضلالة النفس وعصيانها وتمردها، فإن الناس إذا أظلتهم المحنة ونالتهم ~~الفتنة ومستهم البلية انكسرت نفوسهم وسكنت دواعيها وتخلصت أرواحهم عن أسر ~~ظلمة شهواتها ورجعت على وفق طبعها المجبولة عليه إلى الحضرة، ورجعت ~~النفوس أيضا بموافقة الأرواح على خلاف طباعها مفطورة في دفع البلية إلى ~~الله مستغيثين بلطفه مستجيرين عن محنتهم، مستكشفين الضر، فإذا جاد عليهم ~~بكشف ms1245 ما نالهم ونظر إليهم باللطف فيما أصابهم. # { ثم إذآ أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم ~~بربهم يشركون } [الروم: 33] وهم النفوس المتمردة يعودون إلى ~~عادتهم المذمومة وطبيعتهم الدنيئة في كفران النعمة { ليكفروا بمآ ~~آتيناهم } [الروم: 34] من النعمة والرحمة، ثم هددهم بقوله: { ~~فتمتعوا فسوف تعلمون } [الروم: 34] ما جزاء ما تعملون ~~على وفق طباعكم واتباع لهواكم. # وبقوله: { أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم ~~بما كانوا به يشركون } [الروم: 35] يشير إلى أن أعمال العباد ~~إذا كانت مقرونة بالحجة المنزلة تكون حجة لهم، وإذا كانت من نتائج طباع ~~نفوسهم الخبيثة يكون عليهم. ### || [30.36-40] # ثم أخبر عن الإنسان الناسي ذكر الله الموكول إلى طبعه بقوله: { وإذآ ~~أذقنا الناس رحمة } [الروم: 36] في صورة نعمة الدنيا أو شهوة ~~النفس والهوى { فرحوا بها } [الروم: 36] وغرتهم الحياة الدنيا ~~وأعرضوا عن عبودية المولى. # { وإن تصبهم سيئة } [الروم: 36] شدة وضيق في حظوظ النفوس ~~وفوات ملائم الطبع والهوى بشؤم { بما قدمت أيديهم } من ~~مخالفات أمر المولى، { إذا هم يقنطون } من رحمة المولى ولا ~~يرجعون عن متابعة الهوى، وليس هذا من دأب المحبوبين وليس هذا من دأب ~~المحبين ولا من دأب المريدين، قال الله تعالى في وصفهم # لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ ~~آتاكم # [الحديد: 23]. # ثم قال: { أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن ~~يشآء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } ~~[الروم: 37] والإشارة فيه أن لا يعلق العبد قلبه إلا بالله؛ لأن ما يسوءه ~~ليس زواله إلا من الله، وما يسره ليس وجوده إلا من الله، فالبسط الذي ~~سره ويؤنسه من وجوده، والقبض الذي يسوءه ويوحشه منه حصوله، فالواجب ~~لزوم حقوقه بالأسرار وقطع الأفكار من الأغيار. # وبقوله تعالى: { فآت ذا القربى حقه } [الروم: 38] يشير إلى ~~أن القرابة على قسمين: قرابة النسب، وقرابة الدين. # فقرابة الدين: أمس بالمواساة والمراعاة أحق وهم الإخوان في الله ~~والأولاد من طلب الولاية من أهل الإرادة الذين تمسكوا بأذيال الأكابر ~~منقطعين إلى الله مشتغلين بطلب الله متجردين عن الدنيا غير مستفرغين ~~للمعيشة، فالواجب على الأغنياء بالله القيام ms1246 بأداء حقوقهم فيها يكون لهم ~~عرف على الاشتغال بموجب الطلب بفراغ القلب. # { والمسكين } من يكون محروما عن صدق الطلب وهو من أهل الطاعة ~~والعبادة أو طالب العلم فمعاونته بقدر الإمكان وحسب الحال واجبة. # { وابن السبيل } المسافر فحقه القيام بشأنه بحكم الوقت فمن تكون ~~همته الطلب أعلى فهو من أقارب ذوي القربى وبإيثار الوقت عليه أولى فحقه ~~آكد وتفقده أوجب، { ذلك خير للذين يريدون وجه الله ~~وأولئك هم المفلحون } [الروم: 38] بسعادة الدارين ~~وسيادتها. # { ومآ آتيتم من ربا } [الروم: 39] أي بغير واجب عليكم من ~~الإنفاق على الأغنياء لاستمالة قلوبهم واصطيادها، { ليربوا في ~~أموال الناس } [الروم: 39] بأن يستجلب منهم بالاستعطاف { فلا ~~يربوا عند الله } إن لم يكن لوجه الله، وبقوله: { ومآ ~~آتيتم من زكاة تريدون وجه الله } [الروم: 39] يشير ~~إلى إنفاق المال في سبيل الله تزكية للنفس عن لوث حب الدنيا كما كان حال ~~أبي بكر رضي الله عنه تجرد عن ماله تزكية لنفسه. # كما أخبر الله تعالى عن حاله بقوله: # وسيجنبها الأتقى * الذى يؤتي ماله يتزكى * ~~وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغآء ~~وجه ربه الأعلى # [الليل: 17-20] أي: شوقا إلى لقاء ربه، { فأولئك هم ~~المضعفون } [الروم: 39] أي: تعطون أضعاف ما يرجون ويتمنون لأنه ~~بقدر همتهم وحسب نظرهم المحدث يرجون الله تعالى بحسب إحسانه وكرمه القديم ~~يعطي عطاء غير منقطع بقوله تعالى: { الله الذي خلقكم } ~~[الروم: 40] يشير خلقكم من العدم بإخراجكم إلى عالم الأرواح. # { ثم رزقكم } [الروم: 40] أبصاركم بمشاهدة شواهد ربوبيته ورزق ~~قلوبكم فهم خطابه ودرك مراده ورزق ألسنتكم إجابة سؤال والشهادة بتوحيده { ~~ثم يميتكم } [الروم: 40] عن مشاهدة الأرواح بالإهباط إلى قبول ~~الأشباح، كما قال في ذلك # ومآ أنت بمسمع من في القبور # [فاطر: 22] { ثم يحييكم } [الروم: 40] بقوة الإيمان والإيقان ~~والعرفان، { هل من شركآئكم } [الروم: 40] من الأصنام والأنام { ~~من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى } ~~[الروم: 40] منزه بذاته وصفاته { عما يشركون } [الروم: 40] ~~أعداؤه بطريق عبادة الأصنام وأولياؤه بطريق عبادة الهوى. ### || [30.41-45] # ثم أخبر عن أسباب فساد الاستعداد بقوله تعالى: { ظهر ms1247 الفساد في ~~البر والبحر } [الروم: 41] يشير إلى بر النفس وبحر القلب، وفساد ~~النفس بأكل الحرام وارتكاب المحظورات وتتبع الشهوات وفساد القلب بالعقائد ~~السوء ولزوم الشبهات والتمسك بالأهواء والبدع والاتصاف بالأوصاف الذميمة ~~وحب الدنيا وزينتها وطلب شهواتها ومتابعتها ومن أعظم فساد القلب عقد ~~الإصرار على المخالفات كما أن من أعظم الخيرات صحة العزم على التوبة إلى ~~الحق والإعراض عن الباطل، ومن جملة فساد القلب التأويلات بغير الحق ~~والانحطاط إلى الرخص من غير قيام حجة والعلو في الدعاوى من غير استحياء ~~من الله وإظهار المعالي رياء وسمعة. # وبقوله: { بما كسبت أيدي الناس } [الروم: 41] يشير إلى أن ~~الناس خلقوا على فطرة الإسلام مستعدين لكسب الخير والشر، إلا أن لله ~~القدر وخلق الأفعال، وللعبد الكسب دون الخلق قوله: { ليذيقهم ~~بعض الذي عملوا } [الروم: 41] أي: ليذيقهم بعض جزاء ما عملوا ~~من الذنوب والإعراض بالبأساء والضراء والمصائب، { لعلهم ~~يرجعون } [الروم: 41] من الغفلات وتتبع الشهوات وتتبع الأوقات إلى ~~الله وطلبه، والجهد في عبوديته وتعظيم الشرع والتأسف على ما فاتهم من ~~الحق. # ثم دلهم على إصلاح ما أفسدوه بقوله: { قل سيروا في الأرض } ~~[الروم: 42] يشير إلى السير في أرض البشرية على قدمي الشريعة والطريقة ~~بقطع المنازل وسلوك المقامات { فانظروا } [الروم: 42] بنظر الاعتبار ~~وطلبوا الحق بنعت الأفكار { كيف كان عاقبة الذين من قبل ~~} [الروم: 42] مدعي الطلب وأصحاب الرياضات، فتعرفوا أموالهم قياسا على ~~أموالكم فيما يعتريكم من العثرات والوقعات والساكنات والركون إلى الإيمان ~~ليتحقق عندكم بأن { كان أكثرهم مشركين } [الروم: 42]، إذا ~~استجلى بعضكم بعض الأحوال فسكنوا إليها واستحسن بعضهم بعض المقامات ~~فركنوا إليها، فأشركوا بالالتفات إلى ما سوى الحق تعالى فيعتبروا عن ~~حالهم وتمسكوا بقوله: { فأقم وجهك للدين القيم } ~~[الروم: 43] بصدق التوجه إلى الله والثبات عليه من غير السكون من شيء من ~~المنازل والركون إلى شيء من الدارين، ومن عرف التوجه أن يكون بالموافقة ~~والاتباع دون الاستبداد برأيه على وجه الاتباع، ومن لم يتأدب بشيخ كامل، ~~ولم يتلقف كلمة التوحيد ممن هو لسان وقته كان خسرانه أتم، ونقصانه أعم في ms1248 ~~نفسه. # { من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله } ~~[الروم: 43] يعني: يوم القيامة { يومئذ يصدعون } [الروم: 43] ~~أي: فرقا وأحزابا يشير به إلى العزل عن الارتقاء لعدم استعداد الترقي ~~من مقام إلى مقام آخر، فيكون فريق فيه أهل الدركات وفريق فيه أهل ~~الدرجات، وفريق أهل الفرقات، وفريق أهل القربات، وفريق أهل الوصلات. # { من كفر } [الروم: 44] أنكر على أهل الحق { فعليه كفره } ~~[الروم: 44] أي ما حرمانه عن هذا الحديث بموجبه إنكاره { ومن عمل ~~صالحا } [الروم: 44] للترقي أي: يصلح للترقي في المقامات وكشف الأحوال ~~{ فلأنفسهم يمهدون } [الروم: 44] قاعدة نيل المقاصد والمطالب. # { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ~~فضله } [الروم: 45] أي: من المواهب التي زيادة على جزاء الإيمان ~~والعمل الصالح الذي من المكاسب، وجزاء المكاسب من المخلوقات والزيادة وهي ~~الرؤية التي هي من المواهب ما يتعلق بالفضل الرباني وهي غير مخلوقة، كما ~~قال تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26] وهي الرؤية وهي من الفضل لا من الكسب كقوله: # ويزيدهم من فضله # [فاطر: 30]. # ثم قال: { إنه لا يحب الكافرين } [الروم: 45] إذا لم ~~يرزقهم الإيمان ليقعوا في الكفر بالخذلان يشير إلى منكري أهل الحق أنه ما ~~أحبهم إذ لم يرزقهم الصدق والطلب، فوقعوا بالخذلان في الإنكار والكفران. ### || [30.46-50] # { ومن آياته } [الروم: 46] أي: من أمارات فضله وكرمه { أن ~~يرسل الرياح مبشرات } [الروم: 46] يرسل رياح الرجاء على ~~قلوب العوام فتكنس قلوبهم عن عبادة المعاصي، وغناء اليأس وتبشرها بدخول ~~نور الإيمان، ثم يرسل رياح البسط على أرواح الخواص فتطهرها من وحشة القبض ~~ودنس الملاحظات، وتبشرها بدوام الوصال والارتياح به ولكن بعد احتياج لكن ~~{ وليذيقكم من رحمته } [الروم: 46] أي: من رحمة الخاصة ~~وهي تجلي صفاته فتستغرقون في بحر ألطافه. # { ولتجري الفلك } [الروم: 46] فلك القلوب فيه { بأمره } ~~بكرمه وحسن رعايته، { ولتبتغوا من فضله } [الروم: 46] وهو ~~الاتصاف بصفاته والانتفاء هو انتفاء الصفات في صفاته، { ولعلكم ~~تشكرون } [الروم: 46] ببذل الوجود لنيل المقصود فإن الشكر يقتضي ~~المزيد والمزيد في هذا المقام إفناء الذات في ذاته تعالى ليبقى بإبقائه { ~~ولقد أرسلنا من قبلك ms1249 رسلا إلى قومهم } [الروم: ~~47] يشير به إلى المتقدمين من المشايخ المتصوفين لتربية قومهم من ~~المريدين ودلالتهم بالتسليك إلى حضرة رب العالمين. # { فجآءوهم بالبينات } [الروم: 47] على لسان التحقيق في بيان ~~الطريق لأهل التصديق فمن قابلهم بالتصديق وصل إلى خلاصة التحقيق، ومن ~~عارضهم بالإنكار والجحود فابتلاهم بعذاب الخلود في الإبعاد والجحود وذلك ~~تحقيق قوله: { فانتقمنا من الذين أجرموا } [الروم: 47] ~~أي: أنكروا، { وكان حقا علينا نصر المؤمنين } [الروم: ~~47] المتقربين إلينا أن ننصرهم بتقربنا إليهم. # ثم شرح معنى تقربه إلى العباد بقوله: { الله الذي يرسل ~~الرياح } [الروم: 48] رياح عطف وجوده { فتثير سحابا } [الروم: ~~48] من ألطافه { فيبسطه في السمآء } [الروم: 48] سماء قلوبهم ~~{ كيف يشآء ويجعله كسفا } [الروم: 48] قطعا، قطعة: تمطر ~~غيث القربة على النفوس فتطهرها من الذنوب، وقطعة: تمطر على الأسرار بغيث ~~الأنوار فتطهرها عن النظر إلى الأغيار، وقطعة: تمطر على الأرواح بغيث ~~الكشف على الأسرار فتطوى ببساط الحشمة على ساحات قربه وتضرب قباب الهيبة ~~بمشاهد كشفه، وينشر عليهم أنهار أنسه، ثم يتجلى لهم بحقائق قدسه ويسقيهم ~~بكأس التجلي شراب طهور محبته، وبعدما محاهم عن أوصافهم أصحاهم لا بهم ~~ولكن بنفسه والعبارات عن ذلك خرس والإشارات دونها طمس، هذه حقائق قوله: { ~~فترى الودق يخرج من خلاله فإذآ أصاب به من ~~يشآء من عباده إذا هم يستبشرون } [الروم: 48] بألطاف ~~الربوبية. # { وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم } [الروم: 49] ~~مطر العناية، { من قبله } [الروم: 49] أي من قبل مطر العناية { ~~لمبلسين } [الروم: 49] آيسين من نزول المطر آيسين أيضا من كمالية ~~مطر العناية أن يكون كما استبشروا به؛ لأن حقائق تلك العناية ما لا عين ~~رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. # ثم أخبر عن آثارها التي هي قريبة من فهم الإنسان لا عن حقيقتها، فإنه من ~~لم يذق لا يدري فقال: { فانظر إلى آثار رحمت الله } ~~[الروم: 50] أي رحمتها الخاصة { كيف يحي الأرض } [الروم: 50] ~~أرض القلوب بالفيض الإلهي { بعد موتهآ } [الروم: 50] بكبائر ~~الذنوب، { إن ذلك } [الروم: 50] أي أن الآثار التي تراها { ~~لمحي الموتى } [الروم: 50] فهو الله ms1250 المحيي يحيي الموتى من ~~القلب بتجلي صفة المحيي للقلوب الميتة فيحيها، { وهو على كل ~~شيء قدير } [الروم: 50] من أحيا قالب الإنسان بعد موته في الحشر ~~ومن أحيا قلب بعد موته في الدنيا. ### || [30.51-53] # ثم أخبر عن أموات الأحياء من غير الأحياء بقوله تعالى: { ولئن ~~أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده ~~يكفرون } [الروم: 51] يشير إلى ريح الشقاوة الأزلية إذا هبت عن مهب ~~القهر والعزة على زرع معاملة الأشقياء، وإن كانت مخضرة أي على وفق الشرع ~~نجعلها مصفرة يابسة تذروها الرياح كأعمال المنافق وخلوا بعد الإيمان ~~التقليدي بالنفاق يكفرون بالله وبنعمه. # وبقوله: { فإنك لا تسمع الموتى } [الروم: 52] يشير إلى ~~أن الكفر موت القلب كما أن العصيان مرض فمن مات قلبه بالكفر بطل سمعه فلا ~~تنفعه لصمه وهو معنى قوله: { ولا تسمع الصم الدعآء } ~~[الروم: 52] يعني: إذا كان في السريرة صم عن سماع الحقيقة فسماع الظاهر ~~لا يفيده إلا تأكيد الحجة، { إذا ولوا مدبرين } [الروم: 52] ~~معرضين عن الحق، وكما لم يسمع الصم الدعاء فلم يمكنه أن يهدي العمي { ~~ومآ أنت بهاد العمي عن ضلالتهم } [الروم: 53] عن ~~ضلالتهم لأنهم موتى عن الحياة الحقيقية فالميت لا يبصر شيئا كما { إن ~~تسمع إلا من يؤمن بآياتنا } لأن الإيمان حياة القلب، ~~فإذا كان القلب حيا يكون له السمع والبصر واللسان. # ثم فسر المؤمن الحقيقي بقوله: { فهم مسلمون } [الروم: 53] أي: ~~مستسلمون لأحكام الشريعة وآداب الطريقة في التوجه إلى عالم الحقيقة. ### || [30.54-56] # { الله الذي خلقكم من ضعف } [الروم: 54] في البداية ضعف ~~العقل. # { ثم جعل من بعد قوة } [الروم: 54] في العقل بالبراهين ~~والحجج. # { ثم جعل من بعد ضعف قوة ضعفا وشيبة } [الروم: ~~54] في الإيمان لمن كان العقل عقيلته فكما تعقل بعلاقة المعقولات، فينظر ~~فيها بداعية الهوى بنظر مشوب بآفة الوهم والخيال، فيقع في ظلمات الشبهات ~~فتزل قدمه عن الصراط المستقيم والدين القويم فيهلك كما هلك فمن شرع في ~~تعلم المعقولات بلا نور المتابعة ونور الشريعة وسعوا في إبطال الشريعة ~~بظلمة الطبيعة. # يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم والله ~~متم نوره ms1251 ولو كره الكفرون # [الصف: 8] وأيضا خلقكم من ضعف أي ضعف التردد والتحير في الطلب، ثم جعل ~~من بعد ضعف قوة في صدق الطلب، ثم جعل من بعد قوة في الطلب ضعفا في حمل ~~القول الثقيل وهو حقيقة قوله: لا إله إلا الله فإنها توجب الفناء الحقيقي ~~في المعنى ويوجب الضعف الحقيقي في الصورة بحمل المعاتبات والمعاشقات التي ~~تجري بين المحبين فإنها تورث الضعف أو الشيب، كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " شيبتني سورة هود وأخواتها " # فإن فيها كانت إشارة من المعاشقات بقوله: # فاستقم كمآ أمرت # [هود: 112]. # { يخلق ما يشآء } [الروم: 54] من القوة والضعف في السعيد ~~والشقي، فيخلق في السعيد قوة الإيمان وضعف البشرية وفي الشقي قوة البشرية ~~لقبول الكفر وضعف الروحانية لقبول الإيمان { وهو العليم } بأهل ~~السعادة، { القدير } بخلق أسباب الشقاوة فيه. # { ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا ~~غير ساعة } [الروم: 55] يشير إلى يوم تطلع شمس العناية عن شرق قلب ~~أهل السعادة. # يوم تبدل الأرض غير الأرض # [إبراهيم: 48] إذا أشرقت الأرض بنور ربها تقوم قيامتهم وتبعث القلوب ~~الميتة عن قبور تواليها بنفخ صور الجذبة الإلهية، فيقسم المجرمون الذين ~~كانوا إلى يوم البعث مقبلين على الدنيا معرضين عن الحق تعالى ما لبثوا في ~~قبور القوالب غير ساعة فقط استقبلوا أيام غفلتهم وهم مقبورون في قبر ~~القوالب الدنيوية في مقابل صباح تجلت فيه شمس جذبة العناية وهو صباح ~~إشراق بنور أزلي أبدي فرأوا الأيام المعدودة الدنيوية المتناهية الفانية ~~بالنسبة إلى صباح يوم أزلي أبدي كساعة ولا تستغرب أن عدد أيامهم المعدودة ~~في هذا العرض ساعة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما صبح ليلة المعراج ~~بهذا الصباح كأن الدنيا ساعة فجعلها طاعة فقد رأى مدة عمر الدنيا بالنسبة ~~إلى ذلك الصباح كساعة. # { كذلك كانوا } [الروم: 55] يعني في أيام جاهليتهم وأوان غفلتهم ~~{ يؤفكون } [الروم: 55] يكذبون أو يحسبون بزعم نفوسهم لا يموتون ~~بهذا الموت الإرادي ولا يبعثون بهذا البعث الجذباتي الرباني. # { وقال الذين أوتوا العلم } اللدني { والإيمان } ~~العياني وهم القلوب والأرواح والأسرار ms1252 الذين أحيوا بنور جذبة الحق فرأوا ~~بدار الحقيقة حقيقة الأمر قالوا: { لقد لبثتم في كتاب ~~الله } [الروم: 56] وهو التقدير الأزلي في أم الكتاب { إلى يوم ~~البعث } فهذا يوم البعث الحقيقي، { ولكنكم كنتم لا ~~تعلمون } [الروم: 56] أن تستحقوا لهذه السعادة العظمى. ### || [30.57-60] # ثم أخبر عن المحرومين عن نيل هذه السعادة الذين ظلموا أنفسهم بوضع صرف ~~استعدادها طلب الحق في موضع طلب الأغيار بقوله: { فيومئذ لا ~~ينفع الذين ظلموا معذرتهم } [الروم: 57] أن يقولوا: ~~شغلتنا أموالنا وأهلونا. # { ولا هم يستعتبون } [الروم: 57] يسترجعون لتحصيل هذه ~~السعادة لإبطال استعداد الطلب وبقوله: { ولقد ضربنا للناس ~~في هذا القرآن من كل مثل } [الروم: 58] يشير أن أكثر ~~القرآن أمثال ضربها الله في صورة القصص والأخبار والأحكام، وذكر الدنيا ~~وما فيها وذكر الآخرة وما فيها وأمور أهل السعادة وأمور أهل الشقاوة، ~~ولها معان وأسرار وحقائق وأنوار وتشتمل على إرشاد أرباب الطلب وأصحاب ~~السلوك في السير إلى الله وبيان معاملاتهم وشرح أحوالهم ومنازلهم، ~~ومقاماتهم وإظهار منافعهم ومضارهم، وإثبات مقاصد عوامهم وخواصهم وتنبيه ~~نائمهم، وتشويق سامعهم، وإنذار مغفلهم، وتبشير مرشدهم، وضرب مثل القرآن ~~بالحبل الذي يكون أحد طرفيه في الحضرة وأحد طرفيه في يد العبد فقال: # واعتصموا بحبل الله جميعا # [آل عمران: 103] فمن اعتصم به حق الاعتصام يبلغهم إلى مرتبة يخاطبون ~~بخطاب واعتصموا بالله. # { ولئن جئتهم بآية } [الروم: 58] يا محمد؛ يعني: من لم يهتد ~~بالقرآن أنه معجزة ظاهرة { ليقولن الذين كفروا } [الروم: ~~58] بالقرآن وكل منه معجزة، { إن أنتم إلا مبطلون } [الروم: ~~58] { كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا ~~يعلمون } [الروم: 59] أسرار القرآن ولا يفهمون حقائق أمثال إلى قيام ~~الساعة بإنكارهم على حقائق القرآن وأهلها، كما طبع على قلوب الذين كفروا ~~بالقرآن بكفرهم، وبقوله: { فاصبر } [الروم: 60] يشير إلى الطالب ~~الصادق؛ فاصبر على مقاساة شدائد فطام النفس عن مألوفاتها تزكية لها وعلى ~~مراقبة القلب عن التدنس بصفاء النفس تصفية له، وعلى معاونة الروح على بذل ~~الوجود لنيل الجود تخلية له. # { إن وعد الله حق } [الروم: 60] فيما قال: # " ألا من طلبني وجدني " # { ولا يستخفنك ms1253 الذين لا يوقنون } [الروم: 60] يشير ~~به إلى استخفاف أهل البطالة واستجهالهم أهل الحق وطالبيه وهم ليسوا أهل ~~الإيمان وإن كانوا أهل الإيمان التقليدي يعني: لا يقطعون عليك الطريق ~~بطريق الاستهزاء أو الإنكار كما هو عادة أهل الزمان يستخفون طالبي الحق ~~وينظرون إليهم بنظر الحقارة ويعيرونهم وينكرون عليهم فيما يفعلون من ترك ~~الدنيا وتجردهم عن الأهالي والأولاد والأقارب؛ وذلك لأنهم لا يوقنون ~~بوجود طلب الحق تعالى وبالوجود على طالبي الحق أولا التجريد لقوله ~~تعالى: # إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم # [التغابن: 14] وبعد تجريد الظاهر يجب عليهم التفريد وهو قطع القلب عن ~~سعادة الدارين، وبهذين القدمين وصل من وصل إلى مقام التوحيد، كما قال ~~بعضهم: خطوتان وقد وصلت، والله أعلم وهو المستعان. ### | [31 - سورة لقمان] ### || [31.1-12] # { الم } [لقمان: 1] يشير بالألف إلى آلائه، وباللام إلى لطفه وعطائه، ~~وبالميم إلى مجده وثنائه، فبآلائه رفع الجحد من قلوب الأولياء، وبلطف ~~عطائه أثبت المحبة في أسرار أصفيائه، وبمجده وثنائه مستغن عن جميع خلقه ~~بوصف كبريائه { تلك آيات الكتاب الحكيم } [لقمان: 2] أي: ~~المحكم المحروس عن التغيير والتبديل وهو { هدى } [لقمان: 3] يهدي بهداه ~~إلى الحق تعالى { ورحمة } [لقمان: 3] لمن اعتصم به بوصاله بجذبات ~~مودعة فيه إلى الله تعالى. # كما أشار إلى هذا المعنى بقوله: { ورحمة للمحسنين } ~~[لقمان: 3] والمحسن من يعتصم بحبل القرآن متوجها إلى الله، ولهذا فسر ~~النبي صلى الله عليه وسلم الإحسان حين سأله جبريل عن الإحسان فقال: # " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه " # فمن يكون بهذا الوصف يكون لا بد متوجها إليه حتى يراه، ولا بد ~~للمتوجه إليه أن يعتصم بحبله وإلا هو منزه عن الجهات، فلا يتوجه إليه ~~بجهة من الجهات. # ثم شرح حال المحسنين وقال: { الذين يقيمون الصلاة } [لقمان: ~~4] أي: يدعونها بصدق التوجه وحضور القلب والإعراض عما سواه، { ~~ويؤتون الزكاة } [لقمان: 4] تزكية للنفس، فزكاة العوام من كل ~~عشرين دينار لتزكية نفوسهم عن نجاسة البخل كما قال تعالى: # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم # [التوبة: 103]، فبإيتاء الزكاة على وجه الشرع ورعاية حقوق الأركان ~~الأخرى ms1254 نجاة العوام من النار، وزكاة الخواص من المال كلية قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " من كان لله كان الله له ". # وهم بالآخرة هم يوقنون # [النمل: 3] بخروجهم عن الدنيا وتوجههم إلى المولى والآخرة من المنزل ~~الثاني لمن يسير إلى الله بقدم الخروج عن منزل الدنيا فمن خرج عن الدنيا ~~لا بد له أن يكون في الآخرة فيكون موقنا بها بعد أن كان مؤمنا بها. # { أولئك على هدى من ربهم } [لقمان: 5] أي: أولئك ~~اهتدوا بالله إليه بجذبات العناية { وأولئك هم المفلحون ~~} [لقمان: 5] يعني: هم الذين أفلحوا بالجذبات إذ خلصوا من حبس الوجود، ~~فلما أخبر عن حال المعتصمين بحبل الله الواصلين إليه أخبر عن المعرضين عن ~~القرآن متوجهين إلى لهو الحديث فقال: { ومن الناس من يشتري ~~لهو الحديث } [لقمان: 6] فما يشغل عن الله ذكره ويحجب عن الله ~~سماعه فهو لهو الحديث، وأما الغناء فمنه محرم وهو ما صرح تحريمه الشرع ~~مثل المزامير وطبل المخنثين، ومنه ما لم يتعرض له الشرع أنه حلال أم حرام ~~فهي كسائر المباحات، ومن جملتها مثل الدف والغناء بالكف في ظاهر الشرع ~~كما حكم به الشافعي رحمه الله. # وأما على مذهب أهل الحقيقة فالحكم في المباح منها ما أفتى به الجنيد - ~~قدس الله روحه - فقال: السماع على أهل النفوس حرام لبقاء نفوسهم، وعلى ~~أهل القلوب مباح لوقوف علومهم وصفاء قلوبهم، واجب على أصحابنا لفناء ~~حظوظهم. # وقال أبو بكر الكتاني: سماع العوام على متابعة الطبع، وسماع المريدين ~~رغبة ورهبة، وسماع الأولياء رؤية الآلاء والنعم، وسماع العارفين على ~~المشاهدة، وسماع أهل الحقيقة على الكشف والعيان ولكل واحد من هؤلاء مصدر ~~ومقام، فلا ريب في أن السماع مشتمل على كثير من الفوائد. # قال تعالى: # الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه # [الزمر: 18]، وقال: # وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم ~~تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق # [المائدة: 83] فكل سماع يفيد هذه المعاني لصاحبه من الهداية والرشد ~~والمعرفة فهو السماع الذي أسمعه الله تعالى فمن القوم من يسمع في الله ~~ولله وبالله ومن ms1255 الله، ولا يسمع بالسمع الإنساني بل بالسمع الرباني كما ~~قال تعالى: # " كنت له سمعا فبي يسمع " # فالحاصل أن من فسر قوله تعالى: { لهو الحديث } [لقمان: 6] ~~بالغناء وحرمها إنما حرمها لأنها لهو وقد جاء في الحديث: # " كل لهو حرام " # وقد حلت ربقة هذه الطائفة عن أن يسمعوا بلهو ويجتمعوا بسهو فإنهم يسمعون ~~من حيث صفاء التوحيد بحق لا بحظ فهم بين استتار يوجب التلهب أو تجل يورث ~~الترويح، أو خطاب يقتضي الاشتياق أو عتاب يزيد في الإحراق، فتارة يخاطبهم ~~الحق بإشعارهم فيخطفهم عن وله، كأن البشرية مستورة، وتارة يتضرعون بين ~~يدي الحق بأقوالهم وأبياتهم فيملأ في قلوبهم سرورا وحبورا وعلى الحقيقة ~~إن السماع مهما كان لجماعة من المريدين الصادقين أرباب الرياضات ~~والمجاهدات بحضور شيخ كامل تحميهم ولايته عن تصرفات الشياطين، وتبدر همته ~~لئلا تهيج في أنفسهم الآفات والفتن النائمة، وإلا فالاحتراز سنة أقرب إلى ~~الصواب وأبعد من موجبات العقاب. # { ليضل عن سبيل الله بغير علم } [لقمان: 6] يعني: من ~~يشتري لهو الحديث مما يشغل عن الله ذكره يكون حاصله أن يضل عن سبيل الله ~~بغير علم عن تلك الضلالة { ويتخذها هزوا أولئك لهم ~~عذاب مهين } [لقمان: 6] إهانة الطرد والإبعاد، وما في الآيات قد ~~تقدم تفسيرها وتحقيقها إلى قوله تعالى: { بل الظالمون في ضلال ~~مبين } [لقمان: 11]. # ثم أخبر عن إعطاء النعمة في إيتاء الحكمة بقوله تعالى: { ولقد ~~آتينا لقمان الحكمة } [لقمان: 12] يشير إلى لقمان القلب ~~وإتيانه الحكمة والحكمة عدل الوحي، قال صلى الله عليه وسلم: # " أوتيت القرآن وما يعدله " # وهو الحكمة بدليل قوله تعالى: # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة # [الجمعة: 2] فالحكمة موهبة الأولياء كما أن الوحي موهبة الأنبياء، وكما ~~أن النبوة ليست كسبية بل هو # فضل الله يؤتيه من يشآء # [الجمعة: 4] فكذلك الحكمة ليست كسبية تحصل بمجرد كسب العبد دون تعليم ~~الأنبياء إياها طريق تحصيلها بقوله صلى الله عليه وسلم: # " من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه " # فكما أن ms1256 القلب مهبط الوحي من إيحاء الحق تعالى فكذلك مهبط الحكمة بإيتاء ~~الحق تعالى. # كما قال: { ولقد آتينا لقمان الحكمة } [لقمان: 12]، ~~وقال: # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا # [البقرة: 269]، فثبت أن الحكمة من المواهب لا من المكاسب؛ لأنها من ~~الأحوال لا من المقامات والمعقولات التي سمتها الفلاسفة حكمة ليست بحكمة ~~فإنها من نتائج الفكر السليم من شوب آفة الوهم والخيال وذلك يكون للمؤمن ~~والكافر، وقلما يسلم من الشوائب ولهذا وقع الاختلاف في أدلتهم وعقائدهم ~~ومن يحفظ الحكمة التي أوتيت بعض الحكماء الحقيقة لم تكن حكمة بالنسبة ~~إليه؛ لأنه لم يؤت الحكمة ولم يكن هو حكيما ولما كانت الحكمة من إنعام ~~الله على لقمان ونعمة من نعمه طالبه بشكرها بقوله: { أن اشكر لله ~~} [لقمان: 12]، إذ أتاك هذه النعمة وأنت نائم غافل عنها جاهل بها. # ثم قال: { ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه } [لقمان: 12] ~~لأن الشكر موجب لمزيد النعمة، وأيضا لأن الكفر من الوصف اللازم للإنسان ~~بأنه # لظلوم كفار # [إبراهيم: 34] والشكر من صفة الحق فإن الله شاكر عليم، فمن شكر فإنما ~~شكر لنفسه بإزالة الصفة الكفارية عنها واتصافها بصفة شاكرية الحق تعالى، ~~{ فإن الله غني } [لقمان: 12] أزلي الغنى وأبديتها لا يحتاج ~~إلى شكر الشاكرين وهم يحتاجون في تحصيل الشكر إليه، ولو أنعم عليهم بمزيد ~~النعمة لشكرهم إياه ما ينقص من غناه شيء، { حميد } [لقمان: 12] في ~~ذاته وصفاته أن يحمده العباد ويشكروه. ### || [31.13-16] # { وإذ قال لقمان } [لقمان: 13] الروح لابنه وهو السر المتولد ~~من ازدواج الروح والقلب { وهو يعظه } [لقمان: 13] أي: لا يتصف ~~بصفات النفس وأن من صفاتها الشرك فإنها تعبد الهوى والشيطان والدنيا ~~فقال: { يبني لا تشرك بالله } [لقمان: 13] بالالتفات إلى ~~الدارين وما فيهما، { إن الشرك لظلم عظيم } [لقمان: 13] ~~على نفس المشرك لا على الله تعالى؛ لأنه وضع شيئا من المخلوقات بتعبده ~~موضع تعبد الحق تعالى فأعرض عن الحق بالتوجه إلى ذلك الشيء وفوت على نفسه ~~الوصول إلى التوحيد عند طلب الوصول إلى ما أشرك به، فأي ظلم أعظم على ~~النفس من فواتها الوصول ms1257 إلى التوحيد واتصالها بالشرك. # { ووصينا الإنسان } [لقمان: 14] يشير به إلى السر بوالديه ~~وهما الروح والقلب { حملته أمه } [لقمان: 14] وهي القلب، { ~~وهنا على وهن } [لقمان: 14] تعبا على تعب وجهادا على جهاد، ~~يعني: على النفس عند حمل ولد السر لئلا يوصل إلى مشام القلب رائحة ~~مشتهياتها فيسقط جنين السر وجهاد آخر عند وضع حمل السر لئلا يذبحه فإنها ~~كفرعون لموسى السر؛ لأن هلاكها يكون على يده وبقوله: { وفصاله في ~~عامين } [لقمان: 14] يشير إلى فطامه من مألوفات الدارين فإنه هو معدن ~~الإخلاص الذي هو سر بينه وبين الله لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، { ~~أن اشكر لي } [لقمان: 14] إذ أنعمت عليك بأن أجعلك مخزن أسراري { ~~ولوالديك } [لقمان: 14] إذ أنعما عليك بحسن { إلي المصير ~~} [لقمان: 14] أي: ليكون مرجعكم إلي في جميع الحالات لا إلى غيري. # وبقوله: { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك ~~به علم فلا تطعهما } [لقمان: 15] يشير إلى أن الروح طبيعة ~~روحانية لو خلى إلى طبيعة يتعلق بمستحسنات طبعه من الروحانيات الأخرويات ~~وأن القلب وإن لم يكن له طبيعة خاصة يتعلق بها؛ ولكنه قابل لطبيعة الروح ~~وطبيعة النفس، فتارة يميل إلى الآخرة بتبعية الروح وتارة يميل إلى الدنيا ~~بتبعية النفس، وكلتاهما الطاغوت وللسر طبيعة الإخلاص لو خلى إلى طبعه ~~فيقول: { وإن جاهداك } والد الروح ووالدة القلب على أن يتعلق بشيء ~~من الدارين لا على طبيعتك وهي الإخلاص في التوحيد { فلا تطعهما } ~~فتكون مشركا وفي هذا المعنى إشارة لطيفة وهي أن للروح والقلب تكون فترات ~~وأحوال مختلفة بحسب الأوقات تزل قدمها عن صراط التوحيد فعلا وصفة، فإذا ~~كان السر محفوظا على طبعه من الإخلاص في التوحيد فيرجعان سريعا إلى طبع ~~السر في التوحيد، وإن تغير السر عن طبيعته من الإخلاص في التوحيد فذلك ~~المصيبة العظمى وفي التدارك وإصلاح حاله إمكان بعيد وإن كان الروح والقلب ~~والنفس والبدن كل واحد منهم يقوم بأداء ما يجب عليه من الشرع والعقل لا ~~ينفعهم من فساد حال السر فافهم جدا. # وهذا حال بعض ms1258 المتعلمين لعلم الأصول والمعقولات عند تطرف الشكوك في ~~أسرارهم ويتغير بها إخلاص التوحيد في أسرارهم بحسبان تحصيل التوحيد بطريق ~~الاستدلال بالشبهات المعقولة # وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا # [الكهف: 104] وكذلك حال بعض الفقراء الذين لا يتمسكون بذيل إرادة شيخ ~~واصل ويلازمون صحبته ويستسلمون إليه ليربيهم على قاعدة الطريقة، وقانون ~~الشريعة بل يدورون في العالم متابعي الهوى ويتلقون بعضهم في بعض كلمات من ~~الطامات والخيالات الفاسدة، ويتوهمون من أسرار الشيوخ وكلماتهم في ~~التوحيد في المعرفة معان توقعهم في الكفر والإلحاد لأن أكثرهم يتركون ما ~~أوجب عليهم الشرع من التكاليف على حسبان أنهم أهل عرفان في مقام الوحدة. # ثم قال: { وصاحبهما في الدنيا معروفا } [لقمان: 15] وذلك ~~أن في الدنيا للروح والقلب ليس بد من القيام بالوحدة ثم بمصالح دنيوية ~~لقوام البدن وتحصيل أسباب التعيش في بعض الأوقات ولا يمكنها ذلك إلا ~~بموافقة السر فهو مأمورها بالمعروف أي: بحيث ألا يخل بحاله من الإخلاص { ~~واتبع سبيل من أناب } [لقمان: 15] وهي الخفاء الذي هو واسطة ~~بين الروح والحق تعالى ومن طبعه الإنابة إلى الحضرة، { ثم إلي ~~مرجعكم فأنبئكم } [لقمان: 15] بطريق مجازاة كل واحد منكم، ~~{ بما كنتم تعملون } [لقمان: 15] من الخير والشر. # ثم أخبر عن دقائق الحكمة وحقائقها بقوله: { يبني إنهآ } ~~[لقمان: 16] يشير إلى المقسومات الأزلية من الأرزاق والأخلاق الإنسانية ~~والمواهب الإلهية، { إن تك مثقال حبة من خردل فتكن ~~في صخرة أو في السموت } [لقمان: 16] في الصورة والمعنى، { ~~أو في الأرض } [لقمان: 16] في الصورة والمعنى { يأت بها ~~الله } [لقمان: 16] لمن قدر له وقسم من أسباب السعادة والشقاوة إن شاء ~~بطريق كسب العبد وإن شاء # يجعل له مخرجا # [الطلاق: 2] في حصولها # من حيث لا يحتسب # [الطلاق: 3]، { إن الله لطيف } [لقمان: 16] بعباده { خبير } ~~[لقمان: 16] بإتيان ما قسم لهم بلطف ربوبيته فالواجب على العبد أن يثق ~~بوعده ويتكل على كرمه فيما قدر له ويسعى إلى القيام بعبوديته. ### || [31.17-21] # كما أمره الله تعالى بقوله: { يبني أقم الصلاة } [لقمان: ~~17] أي: أدمها، وأدامتها في أن ينتهي من الفحشاء والمنكر فإنه تعالى وصف ms1259 ~~الصلاة بأن # تنهى عن الفحشآء والمنكر # [العنكبوت: 45] فإنه في الصلاة وإن لم يكن على هيئاتها، ومن لم يكن ~~منتهيا عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له، وإن كان مؤديا هيئاتها، ولهذا ~~المعنى ذكر عقيب قوله: { أقم الصلاة } ، وقوله: { وأمر ~~بالمعروف وانه عن المنكر } [لقمان: 17] يشير به إلى أن ~~تأمر قلبك بالمعروف والمعروف ما يوصل العبد إلى الله وتنهي نفسك عن ~~المنكر والمنكر ما يشغل العبد عن الله. # وقوله: { واصبر على مآ أصابك } [لقمان: 17] يشير إلى أن ~~البلاء والمحنة فلا بد للمريد الصادق أن يصبر على ما أصابه في أثناء ~~الطلب مما ابتلاه الله به من الخوف من الأعداء في الظاهر أو من الأعداء ~~في الباطن والجوع من الجوع الظاهر عند قلة الغذاء للنفس أو مفارقة ~~الأولاد والأهالي والإخوان والأخدان والثمرات يعني: ثمرات المجاهدات. # وبشر الصابرين # [البقرة: 155] على هذه الأحوال بأن # عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم ~~المهتدون # [البقرة: 157] إلى الحضرة { إن ذلك } [لقمان: 17] المقدمات { من ~~عزم الأمور } [لقمان: 17] الموصلة للعبد إلى الرب { ولا ~~تصعر خدك للناس } [لقمان: 18] تكبرا وتجبرا معجبا بما ~~فتح الله عليك فتكون بهذا مفسدا في لحظة ما أصلحته في مدة. # { ولا تمش في الأرض مرحا } [لقمان: 18] كمشية الجبارين ~~وأيضا ولا تمش مرحا في طلب الحق تعالى بالتوالي والسكون كمشية المختال ~~الفخور { إن الله لا يحب كل مختال فخور } [لقمان: ~~18] في السير إليه فخور بما مال من الحق على الناس بطريق العجب والنظر ~~إليهم بالحقارة { واقصد في مشيك } [لقمان: 19] بين مشي المتكاسل ~~الجبان المتعلل وبين مشي المتسارع المستعجل المقدام { واغضض من ~~صوتك } [لقمان: 19] في إظهار الدعاوى وكتمان المعاني كن فانيا عن ~~شواهدك مصطلما عن قولك مأخوذا عن حولك وقوتك بما استولى عليك من كشوفات ~~سرك وانظر من الذي يسمع صوتك حتى تستفيق من خمار غفلتك بل من سكر إعجابك ~~وحسبانك، { إن أنكر الأصوات لصوت الحمير } [لقمان: 19] ~~فيه إشارة إلى أن الذي يتكلم في لسان المعرفة من غير إذن من الحق وقالوا: ~~هو صوفي يتكلم قبل أوانه. # ثم أخبر ms1260 عن كمال عنايته في أهل ولايته بقوله تعالى: { ألم تروا ~~أن الله سخر لكم ما في السموت وما في الأرض ~~} [لقمان: 20] يشير إلى ما في سماوات القلوب من الصدق والإخلاص والتوكل ~~واليقين والصبر والشكر وسائر المقامات القلبية والروحانية والمواهب ~~الربانية وتسخيرها بأن يستر العورة عليها بالسير والسلوك المتداركة ~~بالجذبة والانتفاع بمنافعها والاجتناب عن مضارها وإلى ما في أرض النفوس ~~من الأوصاف الذميمة مثل الكبر والحسد والحقد والبخل والحرص والشره ~~والشهوة وغيرها تبديلها بالأخلاق الحميدة والعبور عليها والتمتع بخواصها ~~محترزا عن عواقبها. # ثم من على العباد بما أنعم عليهم في تسخيرها في الروح لهم وقال: { ~~وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة } [لقمان: 20] ~~فالنعمة الظاهرة هي تسخير ما في السماوات وما في الأرض الظاهرة من ~~الكواكب السيارة والملائكة المقربين فتسخير الكواكب تيسيرها في البروج ~~على الأفلاك التي دبرها لكل واحدة منها فلكا، وقدر لهن القربات ~~والاتصالات وجعلهن مدبرات العالم السفلي متصرفات بالخواص والطبائع في ~~العناصر الأربعة ولقراباتهن واتصالاتهن مقتضيات في إظهار الأمور المقدرة ~~بتقدير العزيز العليم في عالم السفلي من الزماني مثل الشتاء والصيف ~~والخريف والربيع. # ومن المكاني مثل المعدن والنبات والحيوان والإنسان فظهور الأحوال ~~المختلفة بحسب سير الكواكب على الدوام لمصالح الإنسان ومنافعهم منها، ~~وتسخير الملائكة بأن الله تعالى من كمال حكمته وقدرته جعل كل صنف من ~~الملائكة موكلين على نوع من المدبرات وأعوانا لها كالملائكة الموكلين ~~على الشمس والقمر والنجوم وأفلاكها والموكلين على السحاب والمطر، وقد جاء ~~في الخبر أن على كل قطرة من المطر موكلا من الملائكة لينزلها حيث أمر، ~~والموكلين على الرياح والبحور والمخلوقات، والملائكة الكتاب للناس ~~الموكلين عليهم، ومنهم المعقبات من بين أيديهم ومن خلفهم يحفظونهم من أمر ~~الله حتى جعل على الأرحام ملائكة، فإذا وقعت نطفة الرجل في الرحم يأخذ ~~الملك بيده اليمنى وإذا وقعت نطفة المرأة يأخذها الملك بيده اليسرى، فإذا ~~أمر مشجها بمشج النطفتين، وذلك قوله تعالى: # إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه # [الإنسان: 2]. # وأما الملائكة الموكلين على الجنة والنار كلهم مسخرون لصالح الإنسان ms1261 ~~ومنافعهم حتى الجنة والنار مسخرات لهم تطميعا وتخويفا لأنهم يدعون ربهم ~~خوفا وطمعا، والنعمة الباطنة هي تسخير ما في السماوات وما في الأرض ~~الباطنة وهي القلب والنفس وقد تقدم ذكر ما فيهما وبقوله: # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم # [الحج: 3] يشير إلى أهل الجدل من الأصوليين والفلاسفة، فإنهم يجادلون ~~في ذات الله وصفاته بغير علم في معرفة ذاته وصفاته؛ لأنهم ما سلكوا طريق ~~المعرفة في متابعة الأنبياء بدلالة صاحب ولاية عالم رباني واقف على أسرار ~~الطريقة عارف بأسرار عالم الحقيقة ليخرجهم من ظلمات الإنسانية إلى نور ~~الربانية ليعرفوا الحق تعالى بنوره فهو يهديهم إلى معرفة ذاته وصفاته ~~بإفناء ذاتهم وصفاتهم عند تجلي ذاته وصفاته، فلما كان أهل الجدال بمعزل ~~هذا العلم وعن هذا الهدى قال تعالى: # يجادل في الله بغير علم ولا هدى # [الحج: 8] ولا هدى. # وأما قوله: # ولا كتاب منير # [الحج: 8] يشير إلى أنهم إذا كانوا معطلين عن هذا الهدى لو تمسكوا ~~بالقرآن واستمسكوا به في معرفة ذات الله وصفاته لاهتدوا ولكنهم { وإذا ~~قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل نتبع ~~ما وجدنا عليه آبآءنا } [لقمان: 21] بهذا يشير إلى الجدال ~~إذا قال لهم أهل الحق: اتبعوا في معرفة ذات الله وصفاته ما أنزل الله من ~~كتابه من الدلائل في التوحيد، يقولون: بل نتبع الدلائل العقلية تقليدا ~~لما وجدنا عليه أستاذنا والحكماء الأوائل، فلا يقبلون دلائل القرآن ~~العظيم والكلام على التوحيد ويقبلون دلائل العقول المشوبة بالوهم والخيال ~~وشبهات أهل الأهواء والبدع على الكفر والضلالة قال الله تعالى فيهم: { ~~أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير } ~~[لقمان: 21] أي: بموجبات اتباعهم الدلائل والشبهات العقلية. ### || [31.22-26] # ثم أخبر عن أهل الحق وطالبيه بالصدق بقوله تعالى: { ومن يسلم ~~وجهه إلى الله وهو محسن } [لقمان: 22]، يشير إلى أن من ~~يسلم نفسه ويخلص في ذلك قصده ويعرض عما سوى الله ويقبل وجهه على الله وهو ~~محسن، يعني: من نعت المحسن أن يعبد الله كأنه يراه، فينبغي ألا يرى في ~~الوجود مع الله شيئا ms1262 ومن هذا حاله، { فقد استمسك بالعروة ~~الوثقى } [لقمان: 22]، وسلك المحبة المثلى { وإلى الله ~~عاقبة الأمور } أي: عاقبة أمر التوجه يكون إلى الله بالوصول { ~~ومن كفر فلا يحزنك كفره } [لقمان: 23] وإعراضه فإنه ~~بالإعراض عن الله من يدعي الطلب { إلينا مرجعهم } [لقمان: 23] ~~بلا اختيارهم { فننبئهم بما عملوا } [لقمان: 23] أي: بحسب ~~أعمالهم يخبرهم عما عملوا من الحسنات والسيئات. # { إن الله عليم بذات الصدور } [لقمان: 23] أي: عليم بما ~~حوته الصدور من الصفات النفسانية والأخلاق الروحانية وما يتولد منها من ~~الأعمال والأحوال قبل تولده منها، فمن كانت همته مصروفة على التمتعات ~~الدنيوية الفانية تمتعهم من متاع الدنيا قليلا أيام حياته القليلة. # { ثم نضطرهم } [لقمان: 24] لفساد استعدادهم بالتمتعات الذميمة ~~من شهوات النفس { إلى عذاب } [لقمان: 24] أي: معاملات موجبة للعذاب ~~{ غليظ } [لقمان: 24] وغلظة العذاب عبارة عن دوامه إلى الأبد { ~~ولئن سألتهم } [لقمان: 25] يعني كافر النفس وصفاتها { من ~~خلق السموت والأرض ليقولن الله } [لقمان: 25] ~~للاحتياج به ولبقية آثار الإيمان الفطري معها. # { قل الحمد لله } [لقمان: 25] على ما أبقى على النفوس أثر ~~التوحيد { بل أكثرهم لا يعلمون } [لقمان: 25] قدر بقاء أثر ~~التوحيد بل أكثرهم لا يعلمون { لله ما في السموت والأرض ~~} الظاهرة والباطنة فإنها خزائنه كما قال: # ولله خزآئن السموت والأرض # [المنافقون: 7] { إن الله هو الغني } بذاته وصفاته قبل خلق ~~السماوات والأرض وبعده وكلمة هو تكون للحصر أي: هو الغني وحده وليس معه ~~غني آخر، ودليله قوله تعالى: # والله الغني وأنتم الفقرآء # [محمد: 38] { الحميد } في ذاته وصفاته وإن لم يكن له حامد فهو ~~الحامد لنفسه. ### || [31.27-32] # قوله: { ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام ~~والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت ~~كلمات الله } [لقمان: 27] أي: لو أن ما في الأرض من الأشجار أقلام ~~والبحار يصير مدادا، وبمقدار ما يقبله ينفق القرطاس ويتكلف الكتاب حتى ~~تنكسر الأقلام وتفنى البحار وتستوفى القراطيس ويفنى عمر الكتاب ما نفدت ~~معاني كلام الله؛ لأن هذه الأشياء وإن كثرت فهي متناهية ومعاني كلامه لا ~~تتناهى لأنها قديمة والمحصور لا يبقى بما لا حصر له. ms1263 # والإشارة فيه أن الله سبحانه إذا تجلى عبد بصفة المتكلم ينفتح الباب على ~~قلبه من عالم غير متناه فيشار إليه: ما نفدت معاني ما لنا معك من الكلام، ~~والذي يسمعك مما يخاطبك به بحسب الوقت ومقتضى الحال، وما بيننا من ~~المعاتبات والمعاشقات سرا بسر وإضمارا بإضمار لا يطويه الزمان ولا ~~يحويه الزمان ولا يحويه المكان، فإنه منطق المحبة من الحبيب الأزلي إلى ~~الحبيب الأبدي فما لنا معك أزلي أبدي غير متناه وما لك معنا فهو أبدي ~~بغير أزلي # ما عندكم ينفد وما عند الله باق # [النحل: 96] إن الله عزيز لعزته لا يتكلم إلا مع الأعزة حكيم لحكمته. # وقال: { ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ~~ويولج النهار في الليل وسخر الشمس } [لقمان: 29] ~~شمس الروح { والقمر } [لقمان: 29] قمر القلب { كل يجري } ~~بتسخير الحق تعالى { إلى أجل مسمى } [لقمان: 29] للوصال ~~والوصول وللفراق والقطيعة. # { وأن الله بما تعملون } [لقمان: 29] من الدواعي الروحية ~~والقلبية { خبير } [لقمان: 29] أنه يصلح لأسباب الوصال ولأسباب الفراق ~~ذلك الإشارات لتعلموا { بأن الله هو الحق } [لقمان: 30] ~~وبالطلب أحق فتبادروا في طلبه قبل فوات الفرصة { وأن ما يدعون } ~~[لقمان: 30] يطلبون { من دونه الباطل } [لقمان: 30] فتتركوه ~~بالاختيار قبل فواته بالاضطرار { وأن الله } [لقمان: 30] أي: ~~ولتعلموا أن الله { هو العلي الكبير } [لقمان: 30] أعلى رتبة ~~وأكبر مطلوبا ومحبوبا مما سواه. # ثم أخبر عن أحكام الملك بإجراء الفلك بقوله تعالى: { ألم تر أن ~~الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من ~~آياته } [لقمان: 31] في الظاهر سلامتهم في السفينة وفي الباطن سلامتهم ~~في حدثان الكون ونجاتهم في سفن العصمة في بحار القدرة وفي الحقيقة سلامة ~~السالكين في سفينة الشريعة بملاحية الطريقة في بحر الحقيقة وإراءتهم آيات ~~شواهد الحق. # { إن في ذلك لآيات لكل صبار } [لقمان: 31] ثابت القدم ~~على صراط مستقيم الطلب لا ينهزم من صورة البلايا ولا يفر من مقاساة ~~الشدائد ولا يزل قدمه عن صراط الطلب عند ملاقاة التعب والنصب { شكور } ~~[لقمان: 31] على ما يصيبه من تصاريف التقدير من البلايا والعطايا نعمة ~~يجب عليها ms1264 الشكر. ### || [31.33-34] # قوله: { يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما ~~لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن ~~والده شيئا إن وعد الله حق } [لقمان: 33] مرة يخوفكم ~~بأفعاله فيقول: اتقوا فتنة، ومرة بصفاته فيقول: # ألم يعلم بأن الله يرى # [العلق: 14] ومرة بذاته يقول: # ويحذركم الله نفسه # [آل عمران: 28] { إن وعد الله حق } [لقمان: 33] بالحشر ~~والنشر والجنة والنار والثواب والعقاب والقربة والرؤية حق { فلا ~~تغرنكم الحياة الدنيا } [لقمان: 33] بسلامتكم في الحال ~~فعن قريب ستندمون في المآل { ولا يغرنكم بالله } الشيطان { ~~الغرور } [لقمان: 33] ولا ينسينكم الرجوع إلى القبول ولا تغفلوا عن ~~أحوال القيامة وأهوالها { إن الله عنده علم الساعة } ~~[لقمان: 34] وأحوالها وأهوالها وهو منفرد بعلمها. # { وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام } [لقمان: 34] ~~ذكورها وإناثها وسعيدها وشقيها وحسنها وقبيحها، ويعلم متى ينزل الغيث وكم ~~قطرة ينزلها وبأي بقعة يمطرها { وما تدري نفس ماذا تكسب ~~غدا } [لقمان: 34] من خير وشر ووفاق { وما تدري نفس بأي ~~أرض تموت } [لقمان: 34] أيدرك مراده أم يفوت أن الله عليم بحالات ~~الخلائق أجمعين خبير بمكافأتهم بحسب معاملاتهم. ### | [32 - سورة السجدة] ### || [32.1-5] # { الم } [السجدة: 1] يشير بالألف إلى أنه ألف المحبون بقربتي فلا ~~يصبرون عني، وألف العارفون بتمجيدي فلا يستأنسون بغيري، والإشارة في ~~اللام إلى قصد أحبائي مدخر لقاءي فلا أبالي أقاموا على صفاتي أم قصروا في ~~وفائي، والإشارة في الميم إلى ترك أوليائي مرادهم لمرادي فلذلك آثرتهم ~~على جميع عبادي. # { تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين } ~~[السجدة: 2] إذا تعذر لقاء الأحباب فأعز الأشياء على الأحباب كتاب ~~الأحباب أنزل رب العالمين إلى أهل العالمين كتابا في الظاهر ليقرأ على ~~أهل الظاهر فينذر به أهل الغفلة ويبشر أهل الخدمة، وكتابا في الباطن على ~~أهل الباطن لتتنور بأنواره بواطنهم وتتزين بأسراره سرائرهم فينذر له أهل ~~القربة لئلا يلتفتوا إلى غيره ولا يستأنسوا بغيره، فتسقطهم الغيرة عن ~~القربة ويبشر به أهل المحبة بالوفاء بوعد الرؤية وباللقاء على بساط ~~الوصلة وبالبقاء بعد الفناء في الوحدة فيتكلموا بالحق عن الحق للحق، فإذا ~~سمع ms1265 أهل الباطل كلامهم في الحقائق من ربهم وأنكر عليهم أهل الغفلة أنه من ~~الله { أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك } ~~[السجدة: 3] يا قلب من تكلم بالحق { لتنذر قوما } [السجدة: 3] من ~~النفس وصفاتها { مآ أتاهم من نذير من قبلك لعلهم ~~يهتدون } [السجدة: 3] إلى الله { الله الذي خلق ~~السموت } [السجدة: 4] سماوات الأرواح { والأرض } أرض الأشباح ~~{ وما بينهما } [السجدة: 4] من النفس والقلب والسر { في ستة ~~أيام } [السجدة: 4] أي: خلقهم في ستة أجناس من الجماد والمعدن ~~والنبات والحيوان والشيطان والملك { ثم استوى على العرش } ~~أي: عرش الخفاء وهو لطيفة ربانية قابلة للفيض الرباني بلا واسطة. # { ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع } [السجدة: 4] ~~يبلغكم إلى عالم الربوبية { أفلا تتذكرون } [السجدة: 4] كيف ~~خلقكم في أطوار مختلفة هو الذي { يدبر الأمر من السمآء } ~~[السجدة: 5] أي بأمر كن خلق سماء الروح والقلب { إلى الأرض } ~~[السجدة: 5] أرض النفس بتدبير الأمر { ثم يعرج إليه } النفس ~~المخاطبة بخطاب # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28] { في يوم } طلعت فيه شمس صدق الطلب وأشرقت الأرض بنور ~~جذبات الحق تعالى { كان مقداره } [السجدة: 5] في العروج بالجذبة { ~~ألف سنة مما تعدون } من أيامكم في السير من غير جذبة كما ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين ". ### || [32.6-11] # { ذلك عالم الغيب } [السجدة: 6] أي: عالم الروح وخاصية صفاته ~~{ والشهادة } [السجدة: 6] أي: عالم النفس والبدن { العزيز } ~~[السجدة: 6] بأن لا يصل إليه أصحاب النفوس { الرحيم } [السجدة: 6] ~~بأن يرحم على أرباب القلوب بجذبة العناية؛ ليوصلهم إلى مقام الوحدة { ~~الذي أحسن كل شيء } [السجدة: 7] به يشير إلى أنه تعالى من ~~نتائج إحسانه القديم لما أراد أن يخلق مرآة تجلي صفات جماله وجلاله خلق ~~لحديد المرآة معدنا، وهو عالم الشهادة بجميع أجناسه وأنواعه، وأحسن خلقه ~~بمعدنية ذلك الحديد، وأحسن خلق الحديد مستعدا للمرآتية وهو شخص آدم ~~وصورته فقال: { وبدأ خلق الإنسان من طين } [السجدة: 7] ~~فخمر طينة آدم بيده أربعين صباحا فأودع كل صباح خواص نوع من أجناس عالم ~~الشهادة بالتخمير في طينته وصفاته. # { ثم جعل ms1266 نسله من سلالة } [السجدة: 8] سلها من أجناس ~~عالم الشهادة { من مآء مهين } [السجدة: 8] { ثم سواه } ~~[السجدة: 9] شخص إنسان هو حديد المرآة، { ونفخ فيه من روحه } ~~[السجدة: 9] فصار مرآة كاملة قابلة لإراءة صفات جماله وجلاله، ثم تجلى ~~فيها كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله خلق آدم فتجلى ربه فيه " # { وجعل لكم السمع } بتجلي صفة السمعية { والأبصار } ~~بتجلي صفة البصر به { والأفئدة } التي هي مرآة العلوم بتجلي ~~عالميته { قليلا ما تشكرون } [السجدة: 9] يشير به إلى أن ~~قليلا منكم يعرف نفسه بالمأمورية والذلة ليعرف ربه بالآمرية والعزة ~~فيها، فإنه أحسن خلق كل شيء من هذه الأشياء لما خلق له ولمعرفة ذاته ~~وصفاته. # كما قال: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56] أي: ليعرفون وقالوا خواص أنواع عالم الشهادة { أءذا ~~ضللنا في الأرض } [السجدة: 10] أرض البشرية، ولم يبق لنا أثر ~~ظاهر في عالم الشهادة { أءنا لفي خلق جديد } [السجدة: 10] ~~ونعاد إلى كماليتنا بعد أن فنينا في قالب آدم عن طبائعنا قال الله تعالى: ~~{ بل هم بلقآء ربهم كافرون } [السجدة: 10] من نتائج تلك ~~الضلالة التي أخبروا عنها بقوله: { أءذا ضللنا في الأرض } ~~[السجدة: 10] { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل ~~بكم } [السجدة: 11] وهو المحبة الإلهية فإنها تقبض الأرواح عن الصفات ~~الإنسانية وتميتها عن محبوباتها بقطع تعلق الروح الإنساني قوله تعالى: { ~~ثم إلى ربكم ترجعون } [السجدة: 11] بجذبة # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28]. ### || [32.12-15] # ثم أخبر عن وصف المجرمين المحرومين بقوله: { ولو ترى إذ ~~المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم } [السجدة: 12] ~~يشير إلى أهل الدنيا من المجرمين، وكان جرمهم أنهم نكسوا رءوسهم في أهل ~~الدنيا وشهواتها بعد أن خلقوا رافعي رءوسهم عند ربهم يوم الميثاق عند ~~سماع خطاب # ألست بربكم # [الأعراف: 172] رفعوا رءوسهم # قالوا بلى # [الأعراف: 172] ابتلوا بالدنيا وشهواتها وزينتها من الشيطان نكسوا ~~رءوسهم بالطبع فيها، فصاروا كالبهائم والأنعام في طلب شهوات الدنيا. # كما قال تعالى: # أولئك كالأنعام بل هم أضل # [الأعراف: 179] لأن للأنعام ضلالة طبيعية جبلية في طلب شهوات الدنيا، ~~وما كانوا مأمورين بعبودية الله ومنهيين عن ms1267 الشهوات لكي تحصل لهم ضلالة ~~مخالفة الأمر والنهي، وللإنسان شركة مع الأنعام في الضلالة الطبيعية بميل ~~النفس إلى الدنيا وشهواتها ولاختصاص بضلالة المخالفة فلهذا صار أضل من ~~الأنعام كما عاشوا ناكسوا رءوسهم إلى شهوات الدنيا ماتوا فيها عاشوا فيه، ~~ثم حشروا على ما ماتوا عليه ناكسوا رءوسهم عند ربهم، وقد ملكتهم الدهشة ~~وغلبتهم الحجة فاعتذروا حين لا عذر واعترفوا ولا حين اعتراف. # { ربنآ أبصرنا } [السجدة: 12] ما لم نكن نبصر، { وسمعنا } ~~[السجدة: 12] ما لم نكن نسمع { فارجعنا نعمل صالحا إنا ~~موقنون } [السجدة: 12] إنك قادر على توفيقنا للعمل الصالح، ولو شئنا ~~في الأزل هدايتكم وهداية أهل الضلالة { لآتينا كل نفس هداها ~~} [السجدة: 13] بإصابة رشاشة النور على الأرواح التي طفت في ظلمة ثم رش ~~عليهم بنوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى { ولكن حق القول ~~مني } قبل وجود آدم وإبليس، { لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين } [السجدة: 13] ولكن تعلقت المشيئة بإغواء قوم ~~كما تعلقت بإدناء قوم، وإدناء أن يكون للنار قطان كما أردنا أن يكون ~~للجنة سكان إظهارا لصفات لطفنا وصفات قهرنا؛ لأن الجنة وأهلها مظهر ~~لصفات لطفي والنار وأهلها مظهر لصفات قهري، وإني لفعال لما أريد. # وبقوله: { فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ } ~~[السجدة: 14] يشير إلى أنكم كنتم في نار البعد وعذاب الهجر في الدنيا بما ~~نسيتم لقاءنا ولقاء يومكم هذا، ولكن كنتم في نوم الغفلة والنائم لا يذوق ~~ألم ما عليه من العذاب ما دام كان نائما، ولكنه إذا انتبه نومه يذوق ألم ~~ما به من العذاب والناس نيام ليس لهم ذوق ما فيهم من العذاب، فإذا ماتوا ~~انتبهوا، فقيل لهم: { فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم ~~هذآ إنا نسيناكم } [السجدة: 14] من الرحمة كما نسيتمونا من ~~الخدمة { وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون } ~~[السجدة: 14] الغلو في العصيان والنسيان. # ثم أخبر عن أمان أهل الإيمان بقوله تعالى: { إنما يؤمن ~~بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا } ~~[السجدة: 15] يشير إلى أن أهل الإيمان الحقيقي شعارهم الخضوع ودثارهم ~~الخشوع بين يدي مولاهم، فإذا ذكروا بآيات ms1268 الله ودعوا بها إلى الله { ~~خروا سجدا } [السجدة: 15] في سرائرهم على تراب التذلل بنعت ~~الذبول وحكم الخمود شاكرين الله بأنهم ذكروا بنعمة ذكروا بآيات الله، ~~وسبحوا بحمد ربهم أي: نزهوا حضرة جلاله عن ألا يحمدوا غيره؛ لأنهم رأوه ~~ولي نعم جميع الموجودات فالحمد لا يليق بأحد إلا به فالواجب على جميع ~~الموجودات حمده على نعمه وثناؤه على كرمه وتحقيق قوله: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده # [الإسراء: 44] ولكنه تعالى أعز وأعلى قدرا من أن يخرج عن حقيقة حمده ~~وثناء غيره، فلهذا # " قال تعالى ليلة المعراج للنبي صلى الله عليه وسلم: " اثن علي " قال ~~صلى الله عليه وسلم: " لا أحصي ثناء عليك " ، ثم أثنى عليه فقال: " أنت ~~كما أثنيت على نفسك " # يعني: قولك # الحمد لله رب العالمين # [الفاتحة: 2] هو ثناء على نفسك # وهم لا يستكبرون # [النحل: 49] في سجودك، كما استكبر إبليس أن يسجد لك إلى قبلة آدم، ولو ~~سجد له بأمرك لكان سجوده في الحقيقة لك، وكان آدم قبلة للسجود كما أن ~~الكعبة قبلة لنا في سجودنا لك. ### || [32.16-20] # ثم وصف الساجدين لأنهم بأي خصوصية سجدوا له { تتجافى جنوبهم ~~عن المضاجع } [السجدة: 16] جنوب همهم عن مضاجع الدارين وتتباعد ~~قلوبهم عن مضاجعات الأحوال فلا يسلكون أعمالهم ولا يلاحظون أحوالهم ~~ويفارقون مألوفهم، ويهجرون في الله معارفهم { يدعون ربهم } ~~بربهم { خوفا } عن القطيعة والإبعاد { وطمعا } في القربات ~~والمواصلات { ومما رزقناهم ينفقون } [السجدة: 16] من نعمة ~~الوجود ينفقون ببذل المجهود في طلب المفقود ليرد إليهم بالجود ما أخفى ~~لهم من النقود. # كما قال تعالى: { فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من ~~قرة أعين } [السجدة: 17] وفي الحقيقة أن ما أخفى لهم إنما هو ~~جمالهم فقد أخفى عنهم لعينهم، فإن العين حق فاعلم أنه ما دام أن تكون ~~عينكم الفانية باقية يكون جمالكم الباقي مخفيا عنكم لئلا تصيبه عينكم ~~فلو طلع صبح سعادة التلاقي، ويذهب بظلمة الشين من البين، وتبدلت العين ~~بالعين فذهب الجفاء وظهر الخفاء ودام اللقاء، كما أقول: # قد جاء هواكم وذهب بالبين # لم يبق سوى ms1269 وصالكم في البين # ما جاء بغير عينكم في عيني # والآن تحت عينكم لي عيني # وبقوله: { جزآء بما كانوا يعملون } [السجدة: 17] يشير إلى ~~عدم علم كل نفس بما أخفى لهم وحصول جهلهم به إنما كان جزاء بما كانوا ~~يعملون بالإعراض عن الحق؛ لإقبالهم على طلب غير الله وعبادة ما سواه { ~~أفمن كان مؤمنا } [السجدة: 18] بطلب الحق { كمن كان ~~فاسقا } بطلب ما سوى الحق { لا يستوون } الطالبون لله ~~والبطالون عن الله. # { أما الذين آمنوا } [السجدة: 19] بطلب الحق تعالى { ~~وعملوا الصالحات } بالإقبال على الله والإعراض عما سواه { ~~فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون } ~~يعني: أن جنات هي مأوى الأبرار ومنزلهم تكون لهم نزلا للمقربين السائرين ~~إلى الله وأما مأواهم ومنزلهم ففي # مقعد صدق عند مليك مقتدر # [القمر: 55]. # { وأما الذين فسقوا } [السجدة: 20] خرجوا عن سبيل الرشاد ~~ووقعوا في بين البعد والإبعاد { فمأواهم النار كلمآ ~~أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها } [السجدة: 20] ~~لأنهم في هذه الصفة عاشوا وفيها ماتوا فعليها حشروا وذلك أن دعاة الحق ~~كانوا في الدنيا ينصحون لهم أن يخرجوا من أسفل الطبيعة بحبل الشريعة ~~ورعاية أدب الطريقة حملهم الشوق الروحاني على التوجه إلى الوطن الأصلي ~~العلوي، فلما عزموا على الخروج من الدركات الشهوية أدركتهم الطبيعة ~~النفسانية الحيوانية السفلية وأمادتهم إلى أسفل الطبيعة { وقيل لهم ~~} [السجدة: 20] يوم القيامة { ذوقوا عذاب النار الذي كنتم ~~به تكذبون } [السجدة: 20] لأنكم وإن كنتم معذبين في الدنيا، ولكن ~~ما كان لكم الشعور بالعذاب لخلل حواسكم الأخروية ولو كنتم تدرون ذوق ~~العذاب لانتهيتم من الأعمال الموجبة لعذاب النار، كما أنكم لما ذقتم ألم ~~عذاب النار في الدنيا احترزتم عنها غاية الاحتراز. ### || [32.21-25] # ثم أخبر عن عذاب الدنيا أنه الأدنى بقوله تعالى: { ولنذيقنهم ~~من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر } [السجدة: 21] ~~يشير إلى أرباب الطلب وأصحاب السلوك إذا وقعت لأحدهم في إنشاء السلوك ~~وقفة لعجب بداخله ولملالة وسآمة للنفس، أو لحسبان وغرور في قبول أو رفعت ~~له فترة بالتفاته إلى شيء من الدنيا وزينتها وشهواتها فابتلاه الله ~~ابتلاء في نفسه ms1270 أو ماله أو مصيبة في أهاليه وأقربائه وأحبائه لعلم بإذاقة ~~عذاب البلاء والمحن انتبهوا من نوم الغفلة وتداركوا أيام العطلة قبل أن ~~يذيقهم العذاب الأكبر بالخذلان والهجران وقسوة القلب، كما قال تعالى: # ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون # [الأنعام: 110] إلى صدق طلبهم وشرح إرادتهم وعلو محبتهم # ومن أظلم ممن ذكر بآيت ربه فأعرض عنها # [الكهف: 57] إذا نبذ العبد بأنواع الزجر وحرك في الترك حدود الوفاق مصون ~~من التأديب ثم لم يردع عن فعله واغتر بطول سلامته وأمن هواجم مكره وخفايا ~~سره أخذه بغتة بحيث لا يجد خرجة من أخذته، كما قال تعالى: { إنا من ~~المجرمين } [السجدة: 22] المصرين على جرمهم { منتقمون } ~~[السجدة: 22] بخسارة الدارين. # وبقوله: { ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في ~~مرية من لقآئه } [السجدة: 23] يشير إلى أن موسى عليه السلام ~~لما أوتي الكتاب اليوم وهو حق سمعه، فلا شك يا محمد أنه يحظى غدا حظ ~~بصره بالرؤية، ولكن بشفاعتك وبركة متابعتك واختصاصه في دعائه بقوله: ~~اللهم اجعلني من أمة أحمد، فإن الرؤية مخصوصة بك وبتبعيتك لأمتك، وفيه ~~إشارة أخرى، وهي أن لموسى القلب ينفتح في البداية إذنه لاستماع الكلام، ~~فلما تأثر فيه شراب السماع وغلب عليه السكر هاج له شوق اللقاء فاستغاث ~~إلى ربه: # أنظر إليك # [الأعراف: 143] ثم ينفتح بصره فنودي مبشرا له فلا تكن في مرية من لقاءه ~~{ وجعلناه هدى } [السجدة: 23] الهاء كناية عن موسى القلب هدى ~~لبني إسرائيل صفات القلب { وجعلنا منهم أئمة } [السجدة: ~~24] وهم السر والخفاء { يهدون } [السجدة: 24] بأمرنا إلينا لما صبروا ~~على مجادلي أحكامنا الأزلية وصبروا على مقاساة شدائد التزكية والتصفية ~~إلى أوان استحقاق التجلية يتجلي صفات الربوبية { وكانوا بآياتنا ~~يوقنون } [السجدة: 24] أي: بشواهد آثار التجلي منا { يوقنون } ~~[السجدة: 24] أنه بلا ريب. # ثم أخبر عن أصل الفصل بقوله تعالى: { إن ربك هو يفصل ~~بينهم يوم القيامة } [السجدة: 25] يشير إلى أنه تبارك ~~وتعالى يحكم بين عباده لوجوه: # أولها: لعزتهم لأنهم عنده أعز من أن يجعل حكمهم إلى أحد من ms1271 المخلوقين بل ~~هو بفضله وكرمه يكون حاكما عليهم. # وثانيها: غيرة عليهم لئلا يطلع على أحوالهم أحد غيره. # وثالثها: رحمة وكرما فإنه ستار لا يفشي عيوبهم ويستر عن الأغيار ~~ذنوبهم. # ورابعها: لأنه كريم ومن سنة الكرام أنهم # وإذا مروا باللغو مروا كراما # [الفرقان: 72]. # وخامسها: فضلا وعدلا فإنه الخالق الحكيم الذي خلقهم وما يعلمون على ~~مقتضى حكمته ووفق مشيئته، فإن رأى منهم حسنا فلذلك من نتائج إحسانه ~~وفضله، وأن منهم قبيحا فذلك من موجبات حكمته وعدله وأنه # لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضعفها ~~ويؤت من لدنه أجرا عظيما # [النساء: 40]. # وسادسها: عناية وشفقة فإنه تعالى خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح عليهم، ~~فلا يجوز عن كرمه أن يخسروا عليه. # وسابعها: رحمة ومحبة فإنه تعالى بالمحبة خلقهم لقوله: # " فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف " # وللمحبة خلقهم لقوله: # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54] فينظر في شأنهم بنظر المحبة والرضا وعين الرضا عن كل عيب ~~كليلة. # وثامنها: لطفا وتكريما فإنه نادى عليهم بقوله: # ولقد كرمنا بني ءادم # [الإسراء: 70] فلا يهين من كرمه. # وتاسعها: عفوا وجودا فإنه تعالى عفو يحب العفو، فإن رأى جريمة في ~~جريدة العبد يجب عفوها، وأنه جواد يحب أن يجود عليهم بالمغفرة والرضوان. # وعاشرها: أنه تعالى جعلهم خزائن أسراره فهو أعلم بحالهم وأعرف بقدرهم، ~~فإنه خمر طينتهم بيده أربعين صباحا وجعلهم مرآة يظهر لها جميع صفاته ~~عليهم لا على غيرهم، ولو كانت الملائكة المقربون ألا ترى أنه تعالى لما ~~قال لهم: # إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من ~~يفسد فيها ويسفك الدمآء # [البقرة: 30] فما عرفوهم حق معرفتهم حتى قال تعالى فيهم عزة وكرامة لهم: # إني أعلم ما لا تعلمون # [البقرة: 30] أي: من فضائلهم وشمائلهم، فإنهم خزائن أسراري ومرآة جمالي ~~وجلالي، فأنتم تنظرون إليهم بنظر الغيرة وأنا أنظر إليهم الرحمة والمحبة، ~~فلا ترون منهم إلا كل قبيح ولا أرى منهم إلا كل جميل، فلا أرضى أن أجعلكم ~~حاكما بينهم بل بفضلي وكرمي أنا أفضل بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، ~~فأحسن مع محسنهم وأتجاوز ms1272 عن سيئهم، فلا يكبر على اختلافهم لعلمي بحالهم ~~أنهم لا يزالون مختلفين # إلا ما رحم ربي # [يوسف: 53] ولذلك خلقهم. ### || [32.26-30] # وبقوله: { أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم ~~من القرون } [السجدة: 26] يشير إلى عذر الهالكين بأنه ما هلك أحد ~~بنفسه إلا بإهلاكنا إياهم { يمشون في مساكنهم } [السجدة: 26] ~~التي أسكناهم فيها على أقدام الهلاك فمن المهلكين من يهده الله إلى أن ~~الله الذي هو أهلك فهو المهتدي، ومن أمارة علم من يعلم أن الله أهلكه أن ~~يعلم ويهتدي إلى أن الله هو يحييه فيرجع إلى الله بالتوبة والاستغفار ~~ليحييه كما أهلكه { إن في ذلك } [السجدة: 26] الإهلاك { لآيات } ~~[السجدة: 26] بأن الله هو المهلك والمحيي { أفلا يسمعون } ~~[السجدة: 26] هذا المعنى من لسان الإهلاك؛ ليرجعوا إليه في طلب الإحياء ~~والنجاة. # { أولم يروا أنا نسوق المآء } [السجدة: 27] ماء ~~الهداية { إلى الأرض الجرز } [السجدة: 27] الجرز: القلوب الميتة ~~فيسقي حدائق وصلهم بعد جفاف عودها وزوال المأنوس من معهودها فيعود عودها ~~مورقا بعد ذبوله حاكيا لحاله حال حصوله { فنخرج به زرعا } ~~[السجدة: 27] من الواردات التي تصلح لتربية النفوس، ومن المشاهدات التي ~~تصلح لتغذية القلوب { تأكل منه أنعامهم وأنفسهم ~~أفلا يبصرون } [السجدة: 27]. # { ويقولون } [السجدة: 28] بالإنكار والاستهزاء { متى هذا ~~الفتح } [السجدة: 28] والفتوح التي تدعونها { إن كنتم صادقين ~~} [السجدة: 28] في دعواها، وهذا منكري هذه الطائفة يستدعون منهم إظهارا ~~الكرامات وعرض الفتوحات { قل يوم الفتح لا ينفع الذين ~~كفروا } [السجدة: 29] وأنكروا وجحدوا إيمانهم بما فتح الله على قلوب ~~أوليائه إذ لم يعتدوا بهم ولم يهتدوا بهداهم، فما لهم إلا الخسران ~~والزفرات { ولا هم ينظرون } [السجدة: 29] بنظر العناية { ~~فأعرض عنهم } [السجدة: 30] يا طالب الصادق بالإقبال علينا وانظر ~~لفتوحات ألطافنا { إنهم منتظرون } [السجدة: 30] هول مقتنا ~~وخفايا مكرنا. ### | [33 - سورة الأحزاب] ### || [33.1-5] # قوله: { يأيها النبي اتق الله } كلام قديم وخطاب أزلي، ~~وهو صلى الله عليه وسلم الأبد في كتم العدم بلا هو، وكان الأمر أمر ~~التكوين فأسمعه الله تعالى في العدم كما أسمع السماوات والأرض، وهما في ~~العدم # ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين ms1273 # [فصلت: 11] ولما كان الأمر إليهما أمر التكوين فأجاباه بلسان الكينونة، ~~فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما خوطب بأمر التكوين أفق الله أجاب ~~الله بلسان الكينونية: اتقيت الله، فكان في الأزل إلى الأبد كما كان ~~متقيا، ولما قال تعالى: { ولا تطع الكافرين والمنافقين ~~} [الأحزاب: 1] لم يكن مطيعا لهم من الأزل إلى الأبد كما كان نبيا من ~~الأزل إلى الأبد لقوله: # " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " # { إن الله كان عليما } [الأحزاب: 1] بحالك { حكيما } ~~[الأحزاب: 1] فيما قدر لك { واتبع ما يوحى إليك من ~~ربك } [الأحزاب: 2] وهذا أيضا من التكوين يعني اتبع إلى الأبد ما ~~يوحى بالخطاب الأزلي من ربك { إن الله كان بما تعملون ~~خبيرا * وتوكل على الله } [الأحزاب: 2-3] توكلا أزليا ~~أبديا { وكفى بالله وكيلا } [الأحزاب: 3] لك فيما أنعم عليك ~~بنعمة النبوة وهذه النعمة التي لا يمكنك تحصيلها بالأصالة، فهو حصلها لك ~~بالوكالة وبقوله: { ما جعل الله لرجل من قلبين في ~~جوفه } [الأحزاب: 4] يشير إلى أن القلب صدق درة المحبة، والمحبة ~~أمانتي التي عرضتها # على السموت والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان # [الأحزاب: 72] وأمرتكم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، فأهلها أمانة ~~المحبة حضرة جلالي فلا تخوني في أمانتي أي: فلا تحبوا غيري، ولا تكونوا ~~ممن يتخذون الله أندادا يحبونهم كحب الله أي يصرفون محبة الله في ~~الأنداد وكونوا كالذين آمنوا وهم # أشد حبا لله # [البقرة: 165] يعني أهل الإيمان ما خانوا في أمانة المحبة وردوها إلى ~~أهلها. # فمعنى الآية أن القلب واحد والمحبة واحدة فلا تصلح إلا لمحبوب واحد من ~~غير شريك فإنه أغنى الشركاء عن الشرك ولا يقبل محبة بالشركة وبقوله: { ~~وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن ~~أمهاتكم } [الأحزاب: 4] يشير إلى أن في القرابة النسبية خواص لا ~~توجد في القرابة السببية وهي مما أودع الله فيها بالحكمة البالغة وعليها ~~أحكام مبنية من الشريعة والطريقة والحقيقة # سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة ~~الله تبديلا # [الفتح: 23] فلا سبيل لأحد أن يضع في الأزواج بالظهار ما ms1274 وضع الله في ~~الأمهات، ولا أن تضع الإجابة بالمني ما وضع الله في الأبناء، فإن الولد ~~سر أبيه كما قال تعالى: { وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم } ~~[الأحزاب: 4] فما لم يجعل الله ليس مقدور أحد أن يجعله { ذلكم ~~قولكم بأفواهكم } [الأحزاب: 4] لا حقيقة له { والله ~~يقول الحق وهو يهدي السبيل } [الأحزاب: 4] أي: اسم كل ~~شيء مناسب لمعناه كما هدى آدم بتعليم الأسماء كلها وخصه بهذا العلم دون ~~الملائكة المقربين { ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله ~~} [الأحزاب: 5] فيما اختصهم به بقوله: { فإن لم تعلموا ~~آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم } [الأحزاب: 5] ~~يشير إلى أن آباءهم الحقيقة الذين ولدوهم من أرحام قلوبهم في عالم ~~الملكوت وهي النشأة الثانية من الأنبياء { وليس عليكم جناح ~~فيمآ أخطأتم به } [الأحزاب: 5] في معرفة الإنسان، فإن النسب ~~الحقيقي ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإنه النسبة الباقية كما ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " كل حسب ونسب تتقطع إلا حسبي ونسبي " # فحسبه الفقر، ونسبه النبوة { ولكن ما تعمدت قلوبكم } ~~[الأحزاب: 5] بقطع الرحم عن النبوة بترك سنته وسيرته، وأنتم تعلمون أن ~~يكون مخالفته قطع رحم الأبوة { وكان الله غفورا رحيما } ~~[الأحزاب: 5] فيما صدر عنكم بغير قصدكم في قطع الرحم الحقيقي. ### || [33.6-11] # ثم أخبر عن صلة رحم الأبوة بالنبوة بقوله تعالى: { النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم } [الأحزاب: 6] أي أحق بهم في ~~توليتهم من صلب النبوة من أنفسهم؛ لأنهم لا يقدرون على توليد أنفسهم في ~~النشأة الثانية، كما لم يقدروا على توليد أنفسهم في النشأة الأولى، وكان ~~أبوهم أحق بهم من أنفسهم في توليدهم من صلبه، فالنبي بمنزلة أبيهم { ~~وأزواجه أمهاتهم } [الأحزاب: 6] يشير إلى أن أمهاتهم ~~قلوبهم، وهن أزواجه ليتصرف في قلوبهم تصرف الذكور في الإناث بشرط كمال ~~التسليم؛ لتأخذوا من صلب النبي نطفة الولاية في أرحام القلوب، وإذا حملوا ~~النطفة صانوها من الآفات؛ لئلا تسقطوا بأدنى رائحة من روائح حب الدنيا ~~وشهواتها فإنها تسقط الجنين فيرتدوا على أعقابهم كما لم يؤمنوا به أول ~~مرة. # ثم قال { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ms1275 } ~~[الأحزاب: 6] يعني بعد أولوية النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين أولوا ~~الأرحام في الدين بعضهم أولى ببعض للتربية بعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~أكابرهم من المؤمنين الكاملين أولى بأصاغرهم من الطالبين { في كتاب ~~الله } أي: في سنة الله وتقديره للتوليد في النشأة الثانية عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم { من المؤمنين } بالنشأة الأخرى { ~~والمهاجرين } عما سوى الله { إلا أن تفعلوا إلى ~~أوليآئكم } [الأحزاب: 6] يشير إلى النفس إذا تزكت عن الأخلاق ~~الذميمة وتبدلت عداوتها، فصارت من الأولياء بعد أن كانت من الأعداء ~~فيواسها ويعمل { معروفا } برفق من الأفارق { كان ذلك } المعروف ~~في حق النفس مقدارا { في الكتاب } عند الله { مسطورا } في أم ~~الكتاب. # { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم } [الأحزاب: 7] في ~~الأزل وهم في كتم العدم مختفون { ومنك } يا محمد أولا بالحبيبية { ~~ومن نوح } بالدعوة، { و } من { إبراهيم } بالخلة، { و } من { ~~موسى } بالمكالمة، { و } من { عيسى ابن مريم } بالعبدية { ~~وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } [الأحزاب: 7] بالوفاء وبغلظة ~~الميثاق يشير إلى أن غلظنا ميثاقهم بالتأييد والتوفيق للوفاء به. # { ليسأل الصادقين } [الأحزاب: 8] في العهد والوفاء { عن ~~صدقهم } [الأحزاب: 8] لما صدقوا إظهارا لصدقهم كما أثنى عليهم # رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه # [الأحزاب: 23] وكان سؤال تشريف لا سؤال تعنيف، وسؤال إيجاب لا سؤال ~~عتاب، والصدق أن لا يكون في أحوالكم شوب، ولا في أعمالكم عيب، ولا في ~~اعتقادكم ريب ومن أمارات الصدق في المعاملة وجود الإخلاص من غير ملاحظة ~~مخلوق، وفي الأحوال تصفيتها من غير مداخلة إعجاب، وفي القول سلامته من ~~المعارض، وفيما بينك وبين الناس التباعد من التلبيس والتدليس، وفيما بينك ~~وبين الله بإدامة التبرؤ عن الحول والقوة بل الخروج عن الوجود المجازي ~~شوقا إلى الوجود الحقيقي { وأعد للكافرين } [الأحزاب: 8] ~~المنكرين على هذه المقامات، المعرضين عن هذه الكرامات { عذابا ~~أليما } [الأحزاب: 8] من الحسرات والغرامات. # ثم أخبر عن كرمه مع العباد بإعطاء نعمه بقوله تعالى: { يأيها ~~الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم } [الأحزاب: ~~9] يشير إلى أنواع نعمه الظاهرة والباطنة. # أولها: نعمة الإيجاد من كتم العدم. ms1276 # وثانيها: إذ أخرجكم من العدم جعلكم أرواحا مطهرة إنسانية # في أحسن تقويم # [التين: 4] لا حيوانا أو نباتا أو جمادا. # وثالثها: يوم الميثاق شرفكم بخطاب # ألست بربكم # [الأعراف: 172] ثم وفقكم لاستماع خطابه ثم دلكم إلى إصابة جوابه. # ورابعها: أنعم عليكم بالنفخة الخامسة عند بعثك إلى القالب الإنساني؛ ~~لئلا ينزلوا المنزل من المنازل السماوية والكوكبية والجنية والشيطانية ~~والنارية والهوائية والمائية والأرضية والنباتية والحيوانية وغيرها من ~~المنازل إلى أن أنزلكم في المقام الإنسانية. # وخامسها: عجن طينة قالبكم بيده أربعين صباحا ثم صوركم في الأرحام ~~وسواكم ثم نفخ فيه من روحه. # وسادسها: شرف روحكم بتشريف إضافته إلى نفسه بقوله: # من روحي # [ص: 72] وما أعطى هذا التشريف لروح من أرواح الملائكة المقربين. # وسابعها: # أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا # [النحل: 78] ثم بالإلهامات الربانية علمكم ما يحتاجون إليه من أسباب ~~المعاش. # وثامنها: ألهمكم فجوركم وتقواكم؛ لتهتدوا إلى سبيل الرشاد للرجوع إلى ~~المعاد. # وتاسعها: أرسل إليكم الأنبياء والرسل ليخرجوكم من الظلمات الخلقية إلى ~~نور الخالقية. # وعاشرها: أنعم عليكم بالإيمان ثم بالإيقان ثم بالإحسان ثم بالعرفان ثم ~~بالعيان ثم بالعين ثم أتاكم من كل ما سألتموه # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34] وذكر نعمة استعمالها في عبودية إذا شكر نعمة، وشكر النعمة ~~رؤية النعمة أن يرى نعمة توفيقه لأداء شكره إلى أن نعجز عن أداء شكره، ~~فإن نعمه غير متناهية وشكرك متناه، فرؤية العجز عن أداء الشكر حقيقة ~~الشكر، ومن الشكر بذكر ما سلف من الذي دفع عنده وأنت بصدده من أنواع ~~البلاء والمحن والمصائب والمكائد. # فمن جملة ذلك قوله: { إذ جآءتكم جنود فأرسلنا ~~عليهم ريحا وجنودا لم تروها } [الأحزاب: 9] به يشير ~~إلى جنود الشياطين وجنود وصفات النفس وجنود الدنيا وزينتها { ~~فأرسلنا عليهم ريحا } [الأحزاب: 9] من نكبات قهرها { ~~وجنودا لم تروها } [الأحزاب: 9] من حفظنا وعصمتها { وكان ~~الله بما تعملون } [الأحزاب: 9] من الميل إلى الدنيا وشهواتها ~~بصيرا بدفعها وعلاجها كم من بلاء صرفه عن العبد وهو لم يشعر، وكم من شغل ~~كان بصدده فصده عنه وهو لم ms1277 يعلم، وكم أمر عوقه والعبد يصبح وهو يعلم أن ~~في تيسيره هلاكه فيمنعه منه رحمة عليه، والعبد يتهمه ويضيق به صدره ~~وبقوله: { إذ جآءوكم من فوقكم } [الأحزاب: 10] يشير إلى ~~الآفات السماوية أو { ومن أسفل منكم } [الأحزاب: 10] من ~~متولدات البشرية إذا أحاط بكم سرادق البلاء وأحدق بكم أحكام القضاء { ~~وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر } ~~[الأحزاب: 10] من تراكم البلاء وترادف النكبات، وقد ضاق نطاق طاقة ~~البشرية من ضعف الإنسانية لولا أن تداركتكم العناية لأهلكتكم تعاقب ~~النكابة { وتظنون بالله الظنونا } [الأحزاب: 10] وداخلكم ~~كوامن الارتياب وبدا في سويدائكم جولان الشكوك؛ هنالك ابتلي المؤمنون ~~وزلزلوا زلزالا شديدا، ثم أنال عنهم جملتها وهون عليهم شدتها حتى تفرقت ~~عن قلوبهم همومها فجرت ينابيع السكينة عنها. ### || [33.12-16] # ومن قوله: { وإذ يقول المنافقون } [الأحزاب: 12] إلى قوله: ~~{ ثم سئلوا الفتنة لآتوها } [الأحزاب: 14]، وتمام الآية: ~~{ وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ~~ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا * وإذ قالت ~~طآئفة منهم يأهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ~~ويستئذن فريق منهم النبي يقولون إن ~~بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا ~~فرارا * ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم ~~سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بهآ إلا ~~يسيرا } [الأحزاب: 12-14] يشير إلى مرض القلوب وصحة النفوس وجأشهما ~~إذا وكلتا إلى حالتيهما من فساد الاعتقاد وسوء الظن بالله ورسوله ونقض ~~العهود والاغترار بتسويلات الشياطين والفرار من معادن الصدق والتمسك ~~بالحيل والمكائد والكذب والتعلل بالأعذار الواهية، فغلبات الخوف البشرية ~~والجبانة وقلة اليقين والصبر وكثرة الريب والجزع، وعند احتمال خطر الأذية ~~لو سئلوا الارتداد عن الإسلام والإشراك بعد الإقرار بالتوحيد أجابوهم ~~وجاءوا به { وما تلبثوا بهآ } [الأحزاب: 14] يعني في الاحتراز ~~عن الوقوع في الفتنة { إلا يسيرا } [الأحزاب: 14] بل أسرعوا في ~~إجابتها لاستيلاء أوصاف النفوس وغلباتها وبصدأ القلوب وهجوم غفلاتها. # ثم أخبر عن نقض العهود لوهن العقول بقوله تعالى: { ولقد كانوا ~~عاهدوا الله من قبل } [الأحزاب: 15] يشير إلى مدعي الطلب، ~~فإنهم يعاهدون الله من قبل الشروع في الطلب أنهم { لا يولون ~~الأدبار } [الأحزاب: 15] عن المحاربة ms1278 مع الشيطان وعند الجهاد مع ~~النفس، فلما شرعوا في الحرب والجهاد مع أحزاب النفس والشيطان، وقد حمل كل ~~حزب منهم أسلحتهم وأخذوا خدعات الحرب ومكائده، وهم الشجعان والأقوياء ~~والأبطال المجربون وعساكر طلاب القلوب المرضى، وهم بعد إغمار غير مجربي ~~الحروب والقتال وإن كان لهم الأسلحة ولكنهم بمعزل عن استعمالهم لضعفهم ~~وعدم العلم بكيفية الاستعمال، فإذا قام الحرب ودام الضرب، غلب الأقوياء ~~على الضعفاء وانهزم المرضى عن الأصحاء، فلم يشد أزرهم الصدق ولم يعاونهم ~~العشق ولم يذكروا حقيقة قوله: { وكان عهد الله مسئولا } ~~[الأحزاب: 15]، ولا يتفكروا في قوله: { قل لن ينفعكم الفرار ~~} [الأحزاب: 16] أيها الطالبون: إن فررتم وإن تفروا إلى الله لينفعكم، ~~فإن الفرار من الموت أو القتل أو موت النفس وقتلها بالمجاهدة لا ينفع عند ~~نزول الآجال، وإن لم تأتهم الآجال فهي من غاية الشقاوة، وإذا لا تمتعون ~~كالبهائم والأنعام في رياض الدنيا إلا قليلا ولا نهاية لتلك الشقاوة. ### || [33.17-20] # ثم قال { قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد ~~بكم سوءا } [الأحزاب: 17] ومن الذي تحقق لكم من دونه مرجوا أو ~~يمنعه منكم إن أراد بكم رحمة { ولا يجدون لهم من دون ~~الله وليا ولا نصيرا } [الأحزاب: 17] لو عرفوه حق المعرفة { ~~قد يعلم الله المعوقين منكم } [الأحزاب: 18] عن قتال ~~النفس وجهادها وهم الهوى والشيطان والدنيا وشهواتها، { و } هم { ~~القآئلين لإخوانهم } وهم الحواس الظاهرة والباطنة والجوارح ~~والأعضاء { هلم إلينا } أي كونوا أتباعا لنا لتنتفعوا { ولا ~~يأتون البأس إلا قليلا } [الأحزاب: 18] القتال والجهاد مع ~~النفس وأعوانها الملازمة أحكام الشريعة على وفق الطريقة { إلا ~~قليلا } من الأركان الظاهرة دفعا للطعان والجدود. # ثم وصف المعوقين عن الطلب والمانعين عن الجهاد، فقال: { أشحة ~~عليكم } [الأحزاب: 19] بخلاء فيما يصل إليكم يا أرباب الطلب من ~~ثمرات المجاهدات، فإن المجاهدات تورث المشاهدات { فإذا جآء ~~الخوف } من عذاب الآخرة عند تذكرها { رأيتهم } أي: رأيت النفس ~~وصفاتها { ينظرون إليك تدور أعينهم } [الأحزاب: 19] ~~بالحسرة والندامة، وقد طاشت من الرعب قلوبهم وطاحت بصائرهم { كالذي ~~يغشى عليه من الموت فإذا } [الأحزاب: 19] جاءت ms1279 الغفلة و ~~{ ذهب الخوف } أيها الطلاب { سلقوكم } [الأحزاب: 19] إخوان ~~السوء وإخوان الشياطين { بألسنة حداد } بأنواع التعريفات وأصناف ~~الفترات { أشحة على الخير } بأن يصيبكم من فضل الله وكرمه { ~~أولئك لم يؤمنوا } [الأحزاب: 19] يشير به إلى مدعي الطلب ~~إذا ارتد عن الطلب، فإن المشايخ قد قالوا: إن مرتد الطريقة شر من مرتد ~~الشريعة؛ ولهذا قال تعالى: { فأحبط الله أعمالهم } ~~[الأحزاب: 19] لأنها لم تكن في إيمان حقيقي بل كان بالتقليد والرياء ~~والسمعة، وكان ذلك الرد والإبطال على الله يسيرا. ### || [33.21-25] # ثم أخبر عن حسن الأسوة وسر القدوة وبقوله تعالى: { لقد كان لكم ~~في رسول الله أسوة حسنة } [الأحزاب: 21] يشير إلى ما سبقت ~~به العناية لهذه الأمة في متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم كما أخبر ~~بلفظ { كان } أي: كان لكم مقدر في الأزل أن يكون لكم عند الخروج من ~~العدم إلى الوجود { في رسول الله أسوة } أي: فقد أحسنته، وذلك ~~بأن أول شيء تعلقت به القدرة للإيجاد كان روح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لقوله: # " أول ما خلق الله روحي " # والأسوة الحسنة عبارة عن تعلق القدرة بأرواح هذه الأمة لإخراجهم من ~~العدم إلى الوجود عقيب إخراج روح رسول الله صلى الله عليه وسلم من العدم ~~إلى الوجود، فمن أكرم بهذه الكرامة يكون لها أثر في عالم الأرواح قبل ~~تعلقه بعالم الأشباح، فأما أثره في عالم الأرواح فتقدمه على الأرواح ~~بالخروج إلى عالم الأرواح وترجيعه في الصف الأول بقرب روح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أو في الصف الذي يليه، وبتقدمه في قبول الفيض الإلهي ~~وبتقدمه عند استخراج ذرات الذريات من صلب آدم في استخراج ذريته بإحضارها ~~في الحضرة وبتقدمه في استماع خطاب # ألست بربكم # [الأعراف: 172] وبتقدمه في إجابة الرب تعالى بقوله: # قالوا بلى # [الأعراف: 172] وبتقدمه في المعاهدة مع الله وبتأخره في الرجوع إلى صلب ~~آدم وبتأخره في الخروج عن أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات، وفي الخروج عن ~~الرحم ويتأخر تعلق روحه بجسمه، فإن لله الذي هو المقدم والمؤخر في هذه ~~التقدمات ms1280 والتأخرات حكم بالغة، ولها تأثيرات عجيبة يطول شرحها، وأما أثره ~~في عالم الأشباح فاعلم أنه بحسب هذه المراتب في ظهور أثر الأسوة يظهر ~~أثرها في عالم الأشباح عند تعلق نظر الروح بالنطفة في الرحم أولا إلى أن ~~تربى النطفة بنظره في الأطوار المختلفة، وتصير قالبا مستوي الروح ~~مستعدا للقبول تعلق الروح به فمثل القالب المستوي مع الروح كمثل الشمعة ~~مع نقش الخاتم إذا وضع عليها تقبل جميع نقوش الخاتم. # فالروح المكرم إذا تعلق بالقالب المستوي يودع فيه جميع خواصه التي ~~استفاد من تلك التقدمات والتأخرات الأسوية، فكل ما يجري على الإنسان من ~~بداية ولادته إلى نهاية عمره من الأفعال والأقوال والأحوال كلها من آثار ~~خواص أودعها الله في الروح فبحسب قرب كل روح الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وبعده عنه له أعمال ونيات تناسب حاله في الأسوة، فأما حال أهل القرب منهم ~~بأن يكون علمهم على وفق السنة خالصا لوجه الله. # كما قال تعالى: { لمن كان يرجوا الله } [الأحزاب: 21] وأما ~~من هو دونهم في القرب والإخلاص فبأن يكون لليوم الآخر أي للفوز بنعم ~~الجنان كما قال تعالى: { واليوم الآخر } [الأحزاب: 21] ثم جعل نيل ~~هذه المقامات مشروطا بقول: { وذكر الله كثيرا } [الأحزاب: 21] ~~لأن في الذكر وهو كلمة " لا إله إلا الله " نفيا أو إثباتا وهما قدمان ~~للسائرين إلى الله وجناحان للطائرين بالله بهما يخرجان من ظلمات الوجود ~~المجازي إلى نور الوجود الحقيقي عند رؤية الأحزاب. # وبقوله: { ولما رأى المؤمنون الأحزاب } [الأحزاب: 22] ~~يشير إلى أهل نور الوجود المجتمعين على إضلالهم وإهلاكهم من النفس ~~وصفاتها والدنيا وزينتها والشيطان وأتباعه { قالوا } متوكلين على الله ~~مفوضين أمورهم إلى الله { هذا ما وعدنا الله ورسوله } ~~[الأحزاب: 22] فإن البلاء موكل بالأنبياء والأولياء والأمثل فالأمثل وصدق ~~الله ورسوله { وما زادهم إلا إيمانا } [الأحزاب: 22] بصدق ~~وعد الله { وتسليما } [الأحزاب: 22] لأحكامه الأزلية. # وبقوله تعالى: { من المؤمنين رجال } [الأحزاب: 23] يشير إلى ~~أن فهم من هو بمنزلة الرجال بأن يكون هو متصرفا في الموجودات وألا تصرف ~~لشيء من الموجودات رأت فيه، كما ms1281 قال بعضهم: " أنا سيد لا يدخلني شيء " ، ~~وأمارة رجوليتهم أنهم { صدقوا ما عاهدوا الله عليه } ألا ~~يعبدوا غيره من الدنيا والعقبى والدرجات العليا إلى أن يصلوا إلى الحضرة ~~العلي الأعلى { فمنهم من قضى نحبه } [الأحزاب: 23] أي: بلغ ~~مقصده وهذا حال المنتهين { ومنهم من ينتظر } [الأحزاب: 23] ~~البلوغ والوصال وهو في السير وهذا حال المتوسطين { وما بدلوا ~~تبديلا } [الأحزاب: 23] بالإعراض عن الطلب والإقبال على غير الله. # { ليجزي الله الصادقين بصدقهم } [الأحزاب: 24] في ~~الطلب وبقدم الصدق ينزلون عند ربهم { ويعذب المنافقين إن ~~شآء } [الأحزاب: 24] وهم مدعو الطلب بغير قدم صدق بل بقدم كذب ورياء { ~~أو يتوب عليهم } [الأحزاب: 24] أن يكونوا في زي أهل الحرفة ~~ولباس التقوى وفي سيرة أهل الرياء والنفاق، كما قال بعضهم: # أما الخيام فإنها كخيامهم # وأرى نساء الحي غير نسائها # إن الله كان من الأزل إلى الأبد غفورا لمن يشاء رحيما لمن يشاء. # وبقوله: { ورد الله الذين كفروا بغيظهم } ~~[الأحزاب: 25] يشير إلى كفار النفس والشيطان والدنيا وردهم عن القلوب ~~المنورة بنور الإيمان ومنهم غيظهم { لم ينالوا خيرا } [الأحزاب: ~~25] أي مرادا { وكفى الله المؤمنين القتال } [الأحزاب: ~~25] بريح القهر إذ هبت على النفوس فأبطلت شهواتها وعلى الشيطان فردت كيده ~~على الدنيا فأزالت زينتها { وكان الله قويا } [الأحزاب: 25] في ~~إبطال الباطل وتحقيق الحق { عزيزا } [الأحزاب: 25] لا مانع له عما ~~يشاء. ### || [33.26-30] # { وأنزل الذين ظاهروهم } [الأحزاب: 26] أي: أعانوا للنفس ~~والشيطان والدنيا على القلوب { من أهل الكتاب } [الأحزاب: 26] ~~وهم العلماء المداهنون بفنون الرخص لا عزائم الطلب ويغرونهم التجريد ~~والمجاهدة وترك الدنيا والعزلة والانقطاع، ويقولون: هذه رهبانية وليست ~~ومن ديننا ويتمسكون بآيات وأخبار لها ظاهر وباطن، فيأخذون بظاهرها ~~ويبطلون ويضيعون باطنها، ولا يعلمون أن القرآن يفسر بعضه بعضا فيؤمنون ~~ببعض هو على وفق طباعهم ويكفرون ببعض هو على خلاف طباعهم، أولئك أعوان ~~النفوس والشياطين. # { من صياصيهم } وإنزالهم بأن الله تعالى ينور قلوب أرباب الطلب ~~بنور الإيقان والعرفان؛ ليتحقق عندهم جهل هؤلاء العلماء السوء وينزل ~~وقعهم ووقارهم في نظر أهل التحقيق { من صياصيهم } أي: من حصون ~~تكبرهم ms1282 وتجبرهم وغرورهم وحسبانهم عند أهل النظر، وأيضا أنزل وقعهم من ~~حصون اعتقاد أرباب الطلب؛ لئلا يفتنون بهم ويغتروا عن صدق طلبهم { ~~وقذف } [الأحزاب: 26] بنور قلبهم { في قلوبهم } [الأحزاب: 26] ~~النفوس والشياطين { الرعب } [الأحزاب: 26] ليتفرقوا عن تسويلات أرباب ~~الطلب { فريقا تقتلون } [الأحزاب: 26] وهم النفس وصفاتها ~~والشيطان وأتباعه { وتأسرون فريقا } [الأحزاب: 26] وهم الدنيا ~~وجاهها ومالها. # { وأورثكم } [الأحزاب: 27] يا أرباب الحق { أرضهم ~~وديارهم وأموالهم } [الأحزاب: 27] لتنفقوا في سبيل الله ~~وتجعلوها بذر مزرعة الآخرة وبقوله: { وأرضا لم تطئوها } ~~[الأحزاب: 27] يشير إلى مقامات وكمالات لم يبلغوها باستعمال الدنيا، وما ~~فيها أمر استعمالها فيه وكان الله على توفيق استعمال كل شيء من الدنيا ~~وما فيها والآخرة وما فيها في طلب الحق قديرا. # ثم أخبر عن طالب الدنيا أنه تارك العقبى والمولى بقوله تعالى: { ~~يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن ~~الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن ~~وأسرحكن سراحا جميلا } [الأحزاب: 28] موجب للمفارقة عن ~~صحبة النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه مع أنهن محال النطفة الإنسانية في ~~عالم الصورة ليعلم أن حب الدنيا وزينتها آكد في إيجاب المفارقة عن صحبة ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأمته؛ لأن أرحام قلوبهم محل النطفة الروحانية ~~الربانية، فينبغي أن يكون أطيب وأزكى لاستحقاق تلك النطفة الشريفة، فإن ~~الطيبات للطيبين وبقوله: { وإن كنتن تردن الله ورسوله ~~والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن ~~أجرا عظيما } [الأحزاب: 29] يشير إلى أن محبة الله ورسوله والدار ~~الآخرة موجبة الاتصال إلى النبي صلى الله عليه وسلم والوصلة إلى الله عز ~~وجل إن كانت خالصة من دون الله، فإن كانت مشوبة بنعيم الجنة فله نعيم ~~الجنة بقدر شوب محبة الله محبة النعيم، وله من الأجر العظيم بحسب محبة ~~الله، فإن قال قائل: فلما تحقق أن محبة الله إذا كانت مشوبة بمحبة غير ~~الله يوجب النقص من الأجر العظيم فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم توجب ~~النقص من الأجر العظيم، قلنا: لا يوجب النقص من الأجر العظيم بل تزيد فيه ~~لأن من أحب النبي صلى الله عليه وسلم فقد أحب ms1283 الله كما أن من يطع الرسول ~~فقد أطاع الله والفرق بين محبة النبي صلى الله عليه وسلم ومحبة الجنة أن ~~محبته بالحق دون الحظ ومحبة الجنة بالحظ دون الحق، فإن الجنة حظ النفس ~~كما قال تعالى: # ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم # [فصلت: 31] ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم ومتابعته مؤدية إلى محبة ~~الله للعبد لقوله: # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله # [آل عمران: 31]. # وبقوله: { ينسآء النبي من يأت منكن بفاحشة ~~مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين } [الأحزاب: 30] ~~يشير إلى أن الثواب والعقاب بقدر نفاسة النفس وخستها تزيد وتنقص، وأن ~~زيادة العقوبة على الجرم من أمارات الفضيلة كحد الحر والعبد، وتقليل ذلك ~~من أمارات النقص وذلك لأن أهل السعادة صنفين: صنف منهم السعيد والآخر ~~الأسعد، فالسعيد: من أهل الجنة، والأسعد: من أهل الله، فإذا صدر من ~~السعيد طاعة فأعطي أجرا واحدا من الجنة، وإن صدر معصية فأعطي بها عذابا ~~واحدا من الجحيم، وإذا صدر من أهل الأسعد طاعة فأعطي أجره مرتين وذلك ~~بأن له درجة في الجنة ومرتين في القربة، وإن صدر منه معصية يضاعف له ~~العذاب ضعفين نقص في درجته من الجنة ونقص في مرتبته من القربة أو عذاب من ~~ألم مس النار، وعذاب من ألم مس بعد ذلك الحجاب ومن هنا كان دعاء السري ~~السقطي - قدس سره -: اللهم إن كنت معذبي بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب { ~~وكان ذلك على الله يسيرا } [الأحزاب: 30] أن يضاعف لهم ~~العذاب ضعفين بخلاف الخلق لأن تضعيفه العذاب في جهنم ليس بيسير، فإنهم ~~يبعثون به ويعسر عليهم ذلك. ### || [33.31-34] # وقوله: { ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل ~~صالحا } [الأحزاب: 31] أي: تعمل لله خالصا غير مشرب بطمع الجنة؛ ~~ولهذا قال الله ورسوله: ولم يعمل للدار الآخرة { نؤتهآ أجرها ~~مرتين } [الأحزاب: 31] يشير إلى أن الطاعة والعمل الصالح من غير ~~شوب يوجب أجر المزيد في القرب وبتبعيتها يوجب أجرا آخر في درجات الجنة { ~~وأعتدنا لها } [الأحزاب: 31] بمزيد العناية { رزقا كريما } ~~[الأحزاب: 31] والكريم هو الله أي: يرزقه من المشاهدات ms1284 الربانية ~~والمكاشفات والمكالمات مزيدا على القربة، وهذا معنى قوله: # وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا ~~عظيما # [النساء: 40]. # وقوله: { ينسآء النبي لستن كأحد من النسآء } ~~[الأحزاب: 32] يشير إلى أرباب قلوب أسرار أرحام قلوبهم لتصرفات ولاية ~~المشايخ ليست أحوالهم كأحوال غيرهم من الحق { إن اتقيتن } بالله ~~من غيره { فلا تخضعن بالقول } لشيء من الدارين على أن تخضع ~~له بالقول لا بالقلب والعمل بزعمك، فإن كثيرا من الصادقين يخضعون لأرباب ~~الدنيا والأعمال الدنيوية لصلاح الآخرة ومصالح الدين بزعمهم، فبالتدريج ~~وقعوا في ورطة الهلاك ورجعوا القهقرى إلى الدنيا واستغرقوا في بحر ~~الغفلات لضعف الحالات، وهذا معنى قوله: { فيطمع الذي في ~~قلبه مرض } [الأحزاب: 32]. # وقوله: { وقلن قولا معروفا } [الأحزاب: 32] يشير إلى أن لا ~~يشرعوا في شيء من أحوال الدنيا وأعمالها إلا بحسب القوة والقدرة التي ~~يغلبون عليها بالمعروف، ولا يغلب عليكم بالنكرات { وقرن في ~~بيوتكن } [الأحزاب: 33] يخاطب به القلوب أن يقروا في أوطانهم من ~~عالم الملكوت من الأرواح متوجهين إلى الحضرة { ولا تبرجن ~~تبرج الجاهلية الأولى } [الأحزاب: 33] أي: لا تخرجوا إلى ~~عالم الحواس راغبين في زينة الدنيا وشهواتها كما هو من عادات الجهلة. # { وأقمن الصلاة } [الأحزاب: 33] بدوام الحضور والمراقبة ~~والعروج إلى الله بالسير، فإن الصلاة معراج المؤمن بأن يرفع يديه من ~~الدنيا ويكبر عليها، ويقبل على الله بالإعراض عما سواه ويرجع من مقام ~~تكبر الإنساني إلى خضوع ركوع الحيواني، ومنه إلى خضوع سجود النباتي، ثم ~~إلى قعود الجمادي، فإنه بهذا الطريق أهبط إلى أسفل القالب، فيكون رجوعه ~~بهذا الطريق إلى أن يصل إلى مقام الشهود الذي كان فيه في البداية ~~الروحانية يتشهد بالتحية والثناء على الحضرة، ثم يسلم عن يمينه على ~~الآخرة وما فيها ويسلم عن شماله على الدنيا وما فيها مستغرقا في بحر ~~الألوهية بإقامة الصلاة وإدامتها. # { وآتين الزكاة } [الأحزاب: 33] فالزكاة ما زاد على الوجود ~~الحقيقي من الوجود المجازي فإيتاؤها صرفها وإفناؤها في الوجود الحقيقي ~~بطريق { وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس } [الأحزاب: 33] وهو لوث الحدوث بشراب طهر ~~تجلي ms1285 صفات جماله وجلاله: { أهل البيت ويطهركم تطهيرا ~~} [الأحزاب: 33] لا يكون عن تلوثا { واذكرن ما يتلى في ~~بيوتكن من آيات الله } [الأحزاب: 34] يشير به إلى تذكر ~~عظيم النعمة التي تصل من مواهب الحق، وجليل الحالة التي تجري في بيوت ~~القلوب من الواردات والإشارات والشواهد والكشوف وحقائق القرآن وأسراره ~~وأنواره ومواعظه والحكمة التي فيه { إن الله كان لطيفا ~~خبيرا } [الأحزاب: 34] بعباده بأن جعل قلوبهم مرآة صفات لطفه ومظهرها ~~{ خبيرا } [الأحزاب: 34] فيما صنع ولما صنع. ### || [33.35-37] # ثم أخبر عن المسلمين والمسلمات من أهل البدايات والنهايات بقوله: { ~~إن المسلمين والمسلمات } [الأحزاب: 35] المسلم هو ~~المستسلم للأحكام الأزلية بالطوع والرغبة مسلما نفسه إلى المجاهدة ~~والمكابدة ومخالفة الهوى، وقد سلم المسلمون من لسانه ويده { ~~والمؤمنين والمؤمنات } [الأحزاب: 35] والمؤمن من آمنه ~~الناس وقد أحيا الله قلبه أولا بالفعل، ثم بالعلم ثم بالفهم ثم بنور الله ~~ثم بالتوحيد ثم بالمعرفة ثم أحياه بالله { والقانتين ~~والقانتات } [الأحزاب: 35] القنوت استغراق الوجود في الطاعة ~~والعبودية { والصادقين والصادقات } [الأحزاب: 35] في عقودهم ~~وعهودهم ورعاية حدودهم والصدق نور الهدى لقلوب الصديقين بحسب قربهم من ~~ربهم { والصابرين والصابرات } [الأحزاب: 35] على الخصال ~~الحميدة وعن الصفات الذميمة، وعند جريان مفاجأة القضية في الابتداء ونزول ~~البلاء { والخاشعين والخاشعات } [الأحزاب: 35] الخشوع إطراق ~~السريرة عند توارد الحقيقة { والمتصدقين والمتصدقات } ~~[الأحزاب: 35] بأموالهم وأعراضهم حتى لا يكون لهم مع أحد خصمه، فيما ~~نالوا منهم وحقيقة الصدقة ما يكون بالأحوال على أرباب الطلب { ~~والصائمين والصائمات } [الأحزاب: 35] الممسكين عما لا يجوز في ~~الشريعة والطريقة بالقلب والقالب فصوم القالب بالإمساك عن الشهوات وصوم ~~القلب بالإمساك عن رؤية الدرجات والقربات { والحافظين فروجهم ~~والحافظات } [الأحزاب: 35] في الظاهر عن الحرام وفي الحقيقة عن ~~تصورات المكونات { والذاكرين الله كثيرا والذاكرات } ~~[الأحزاب: 35] بجميع أجزاء وجودهم الجسمانية والروحانية بجميع ذرات ~~المكونات بل بالله وجميع صفاته { أعد الله لهم } [الأحزاب: 35] ~~في الأزل وهم في العدم { مغفرة } [الأحزاب: 35] وهي نور من أنوار ~~جماله، فلما خرجوا من العدم جعل نور المغفرة مغفرا لرأس روحهم يغطيهم ~~عما يقطعه عن الله { وأجرا عظيما } [الأحزاب: 35] والعظيم هو الله ms1286 ~~يعني أجرا من مواهب ألطافه بتجلي ذاته وصفاته. # ثم أخبر عن نفي الخيرة عن البرية بقوله تعالى: { وما كان لمؤمن ~~ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون ~~لهم الخيرة } [الأحزاب: 36] يشير إلى أن العبد ينبغي أن لا يكون ~~له اختيار ما بغير ما اختاره الله له بل تكون خيرته فيما اختاره الله له، ~~ولا يعترض على أحكامه الأزلية عند ظهورها بل له الاحتراز عن شيء شر ما ~~قضى الله قبل وقوعه، فإذا وقع الأمر فلا يخلو، إما أن يكون موافقا للشرع ~~أو مخالفا للشرع، فإن يكن موافقا للشرع فلا يخلو إما أن يكون موافقا ~~لطبعه أو مخالفا لطبعه، فإن يكن موافقا لطبعه فهو نعمة من الله يجب ~~عليه شكرها، وإن يكن مخالفا لطبعه فيستقبله بالصبر والتسليم والرضا، وإن ~~يكن مخالفا للشرع يجب عليه التوبة والاستغفار والإنابة إلى الله تعالى ~~من غير اعتراض على الله فيما قدر وقضى وحكم به، فإنه حكيم يفعل ما يشاء ~~بحكمته ويحكم ما يريد لعزته { ومن يعص الله ورسوله فقد ~~ضل } [الأحزاب: 36] عن الصراط المستقيم { ضلالا مبينا } ~~[الأحزاب: 36] بيان للشرع { وإذ تقول للذي أنعم الله ~~عليه } [الأحزاب: 37] بأن أوقعه في معرض هذه الفتنة العظيمة والبلية ~~الجسيمة وقواه على احتمالها وأعانه على التسليم والرضا، فيما يجري الله ~~عليه وفيما يحكم به عليه من مفارقة الزوجة وتسليمها إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وبأن ذكر اسمه في القرآن من بين الصحابة وأفرده به ~~وأنعمت عليه بقبول زينب بعد أن أنعمت عليه بإيثارها عليه بقولك { ~~أمسك عليك زوجك } [الأحزاب: 37] وبإقبالك عليه وبتثبيتك له، ~~وأما بقوله تعالى: { واتق الله } [الأحزاب: 37] يشير إلى أنني ~~أتقي الله في طلبها فأنت اتق الله في طلاقها وإمساكها وبقوله تعالى: { ~~وتخفي في نفسك ما الله مبديه } [الأحزاب: 37] يشير إلى ~~أنك تعلم ما أعلمك أنها ستكون زوجك وأنت تخفي في نفسك هذا المعنى والله ~~يريد أن ينجز لك وعده ويبدي أنها زوجك بقوله { زوجناكها } ~~[الأحزاب: 37] { وتخشى الناس } أي: تخشى عليهم أن يقعوا في ms1287 الفتنة ~~أن يخطر ببالهم نوع إنكار أو اعتراض عليه أو شك في نبوته، فإن النبي من ~~تنزه عن مثل هذا الميل ويتبع الهوى فيخرجهم من الإيمان إلى الكفر، فكانت ~~تلك الخشية إشفاقا عليهم ورحمة بهم أنهم لا يطيقون سماع هذه الحالة ولا ~~يقدرون على تحمله وبقوله: { والله أحق أن تخشاه } [الأحزاب: ~~37] يشير إلى أن رعاية جانب الحق أحق من رعاية جانب الخلق؛ لأن لله تعالى ~~في إبداء هذا الأمر وإجراء هذا القضاء حكما كثيرة فأقصى ما يكون في ~~رعاية جانب الخلق أن لا يضل بعض الضعفاء، فلعل الحكمة في إجراء هذا الحكم ~~فتنة لبعض الناس المستحقين للضلالة والإنكار؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيى ~~من حي عن بينة، وهذا كما قال تعالى: # وما جعلنا الرءيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس # [الإسراء: 60] قالوا: وجب على النبي صلى الله عليه وسلم إذا عرض له ~~أمران في أحدهما رعاية جانب الحق وفي الآخر رعاية جانب الخلق أن يختار ~~رعاية جانب الحق على الخلق، فإن للحق تعالى في إجراء حكم من أحكامه ~~وإمضاء أمر من أوامره حكما كثيرة، كما قال تعالى في إجراء تزويج النبي ~~صلى الله عليه وسلم لزينب قوله: { فلما قضى زيد منها ~~وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج ~~في أزواج أدعيآئهم } أي: فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ~~لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضى منهن وطرا، أما ~~وطر زيد في الصورة استيفاء حظه منها بالنكاح ووطره في المعنى شهرته في ~~الخلق إلى قيام الساعة بأن الله ذكره في القرآن باسمه دون جميع الصحابة، ~~وبأنه آثر النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه بإيثار زينب { وكان ~~أمر الله } أي: ما قدر { مفعولا } لا يمكن لأحد دفعه ولو كان ~~نبيا. ### || [33.38-43] # وقوله: { ما كان على النبي من حرج فيما فرض ~~الله له } [الأحزاب: 38] يشير إلى أن الله تعالى إذا قضى أمر النبي ~~أو الولي لم يجعل عليه في ذلك من حرج ولا سبب نقصان، وإن كان في ms1288 الظاهر ~~سبب نقصان ما عند الخلق { سنة الله في الذين خلوا من ~~قبل } [الأحزاب: 38] من الأنبياء والأولياء { وكان أمر الله ~~} يعني: الذي يجري على الأنبياء والأولياء { قدرا مقدورا } ~~[الأحزاب: 38] قضاء مبرما مبنيا على حكم كثيرة. # ثم وصفهم فقال: { الذين يبلغون رسالات الله ~~ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله } [الأحزاب: 39] ~~في أداء الرسالة ورعاية حقوق الأمم وحفظ مصالح الدين { وكفى ~~بالله حسيبا } [الأحزاب: 39] حافظا لمصالحهم ومحاسبا لهم بكرمهم ~~وبقوله: { ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم } ~~[الأحزاب: 40] يشير إلى قطع نسبه إلى الخلق وتصحيحه إلى النبوة والرسالة ~~بقوله: { ولكن رسول الله وخاتم النبيين } ~~[الأحزاب: 40] ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " كل حسب ونسب منقطع إلا حسبي ونسبي " # ويقول: # " لست كأحدكم " # وبقوله: { وكان الله بكل شيء عليما } [الأحزاب: 40] ~~يشير إلى إحاطة علمه من الأزل إلى الأبد بما كان ويكون فيما بينهما كما ~~هو مع تغير أحوال المعلومات بلا تغير العلم بها من غير أن يشغله شأن من ~~شأن علم معلوم له على صفة معينة عن شأن علمه بذلك المعلوم له اليوم على ~~غير الصفة المعينة بالأمس. # ثم أخبر عن كثرة الذكر وترجيحه على الفكر بقوله: { يأيها الذين ~~آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا } [الأحزاب: 41] يشير إلى ~~أن أحبوا الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من أحب شيئا أكثر ذكره " # فأوجب الله تعالى محبته بالإشارة في الذكر الكثير، وإنما أوجبها ~~بالإشارة دون العبارة الصريحة؛ لأن أهل المحبة هم الأحرار عن رق الكونين ~~والحر يكفيه الإشارة، وإنما لم يصرح بوجوب المحبة؛ لأنها مخصوصة بقوله ~~دون سائر الخلق، كما قال تعالى: # فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54] فعلى هذا بقوله: # فاذكروني أذكركم # [البقرة: 152] يشير إلى أن أحبوني أحببكم. # ثم يقول: { هو الذي يصلي عليكم وملائكته } ~~[الأحزاب: 43] يشير إلى أنكم إن تذكرون بذكر محدث، فإني قد صليت عليكم ~~لما وفقتم لذكري كما أن محبتي لو لم تكن سابقة على محبتكم لما هديتم إلى ~~محبتي، وأما صلاة الملائكة فإنما هي دعاء لكم على ms1289 أنهم وجدوا رتبة ~~الموافقة مع الله في الصلاة عليكم ببركتكم، ولولا استحقاقكم لصلاة الله ~~عليكم لما وجدوا هذه الرتبة الشريفة. # ثم قال: { ليخرجكم } [الأحزاب: 43] وما قال: لتخرجكم لمعنيين: # أحدهما: لئلا يكون للملائكة منة عليكم بإخراجكم من الظلمات إلى النور. # والثاني: لأنهم لا يقدرون على ذلك لأن الله هو الهادي من الضلالة إلى ~~الإيمان؛ بل هو الذي يخرجكم من ظلمات البشرية وصفاتها إلى نور الروحانية ~~وصفاتها ومن ظلمات الخليقة الروحانية إلى نور الربوبية بجذبات تجلي ذاته ~~وصفاته، { وكان بالمؤمنين } [الأحزاب: 43] في الأزل قبل إيجاد ~~الملائكة { رحيما } [الأحزاب: 43] بأن يرحم عليهم بإخراجهم من ظلمات ~~الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي دون غيرهم من الملائكة المقربين، ~~فافهم جدا. ### || [33.44-49] # وبقوله: { تحيتهم يوم يلقونه سلام } [الأحزاب: 44] ~~يشير إلى أن التحية إذا قرنت بالرؤية واللقاء إذا قرن بالتحية لا يكون ~~إلا بمعنى رؤية البصر والتحية خطاب يفاتح به الملوك، فبهذا أخبر عن علو ~~شأنهم ورفعة درجتهم، وأنهم قد سلموا عن آفات القطيعة بدوام الوصلة. # وبقوله: { وأعد لهم أجرا كريما } [الأحزاب: 44] يشير إلى ~~سبق العناية الأزلية في حقهم؛ لأن في الإعداد تعريفا بالإحسان السابق ~~والأجر الكريم ما يكون سابقا على العمل؛ بل يكون العمل من نتائج ذلك ~~الكرم. # ثم أخبر عن أفضاله بإرسال نبيه بقوله تعالى: { يأيها النبي ~~إنآ أرسلنك شهدا } [الأحزاب: 45] يشير إلى محبوبيته أي: ~~إنا أرسلناك من العدم إلى عالم الوجود { شهدا } أي: شاهدا لنا ببعث ~~المحبوبية وشاهدا البيان بعطف المحبة { ومبشرا } [الأحزاب: 45] ~~لعبادنا المحبين الطالبين برؤية جمالنا { ونذيرا } [الأحزاب: 45] ~~للطالبين الغافلين عن كمال حسننا وحسن كمالنا { وداعيا } [الأحزاب: ~~46] كلا الفريقين إلى الله إلى عالم ألوهيته بإذنه { وسراجا ~~منيرا } [الأحزاب: 46] أي: بأمرنا لا بطبعك ورائك؛ لأنه لا يهتدي أحد ~~إلى عالمنا إلا بنا، وقد اختص نبينا صلى الله عليه وسلم برتبة دعوة الخلق ~~إلى الله من بين سائر الأنبياء والمرسلين فإنهم كانوا مأمورين بدعوة ~~الخلق إلى الجنة واختصاصه صلى الله عليه وسلم من العالم السفلي إلى ~~العالم العلوي ومن الملك إلى الملكوت، ومن الملكوت ms1290 إلى عالم الجبروت ~~والعظموت لجذبة " أدن مني " وقرب إلى مقام قاب قوسين أو أدنى إلى أن نور ~~سراج قلبه بنور الله بلا واسطة ملك أو نبي ومن هنا قال: # " لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل " # لأنه كان في مقام الوحدة فلا يصل إليه أحد إلا على قدمي الفناء عن نفسه ~~والبقاء بربه فناء بالكلية وبقاء بالكلية بحيث لا يبقى نار نور الإلهية ~~من حطب وجوده قدر ما يصعد منه دخان نفسي، وما بلغ كمال هذه الرتبة إلا ~~نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه من بين سائر الأنبياء يقول: # " أمتي أمتي " # وناهيك عن هذا حديث المعراج أنه صلى الله عليه وسلم وجد في كل سماء ~~نفرا من الأنبياء إلى أن بلغ السماء السابعة ووجد هناك إبراهيم عليه ~~السلام مستندا إلى سدرة المنتهى فعبر عنها مع جبريل إلى أقصى السدرة ~~وبقي جبريل في السدرة فأدنى إليه الرفوف فركب عليه فأداه إلى قاب قوسين ~~أو أدنى فهو الذي جعل الله له نورا فأرسله إلى الخلق. # وقال: # قد جآءكم من الله نور # [المائدة: 15] فأذن له أن يدعو الخلق إلى الله بطريق متابعته فإنه # من يطع الرسول # [النساء: 80] حق طاعته # فقد أطاع الله # [النساء: 80] والذين يبايعونه إنما يبايعون الله # يد الله فوق أيديهم # [الفتح: 10] فإن يده فانية في يد الله باقية بها وكذلك جميع صفاته تفهم ~~إن شاء الله وتنتفع به، وبقوله: { وبشر المؤمنين بأن ~~لهم من الله فضلا كبيرا } [الأحزاب: 47] يشير إلى ذكرنا ~~أن لمتابعته اقتباس نور الإلهية بمصباح قلوبهم من سراج قلبه المنور بنور ~~الله المنير سرج قلوب الأمة، فهذا هو حقيقة الدعوة إلى الله. # { ولا تطع الكافرين والمنافقين } [الأحزاب: 48] بتخلق ~~خلق من أخلاقهم ولا توافق من أعرضنا عنه، وأغفلنا قلبه عن ذكرنا وأضللناه ~~من أهل الكفر والنفاق وأهل البدع والشقاق وفيه إشارة إلى أرباب الطلب ~~بالصدق وأن لا تطيعوا المنكرين الغافلين عن هذا الحديث فيما يدعونهم إلى ~~ما يلائم هوى نفوسهم ويقطعون به الطريق عليهم ويزعمون ms1291 أنهم ناصحوهم ~~ومشفقون عليهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا { ودع أذاهم } ~~[الأحزاب: 48] بالبحث والمناظرة على إبطال إنكارهم. # { وتوكل على الله } [الأحزاب: 48] في طلب الحق وترك ما ~~سواه، { وكفى بالله } [الأحزاب: 48] عن الدارين { وكيلا } ~~[الأحزاب: 48] لك في الاكتفاء بما يحتاج إليه. # ثم أخبر عن نكاح المؤمنين وسراحهم بقوله تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من ~~قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة ~~تعتدونها فمتعوهن } [الأحزاب: 49] يشير إلى كرم الأخلاق ~~يعني: إذا نكحتم المؤمنات ومالت قلوبهن إليكم ثم آثرتم الفراق قبل الوصال ~~فكسرتم قلوبهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن ليكون لهن عليكم ~~تذكرة في أيام الفرقة وأوائلها إلى أن تتوطن نفوسهن على الفرقة { ~~وسرحوهن سراحا جميلا } بألا تذكروهن بعد الفراق إلا بخير ~~ولا تستردوا منهن شيئا تفضلتم به عليهن، فلا تجمعوا عليهن الفراق بالحال ~~والإضرار من جهة المال. ### || [33.50-51] # وبقوله: { يأيها النبي إنآ أحللنا لك } [الأحزاب: ~~50] تمام الآيات إلى قوله: { وكان الله عليما حليما } ~~[الأحزاب: 51] يشير إلى أن إعزاز النبي صلى الله عليه وسلم وإجلاله ~~وإظهار كمال قوته بالتوسعة في باب النكاح بكم شاء وبمن شاء وكيف شاء ورفع ~~الحرج عنه فيما اقتضت نفسه وهواه وهذا يدل على أن نفسه تنورت بنور قلبه ~~وقلبه منور بنور روحه أن نفسه هي الطمأنينة التي بجذبة # ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في ~~عبادي # [الفجر: 28-29] غاصت في بحر الملكوت الأعلى بإشارة # وادخلي جنتي # [الفجر: 30] عبرت إلى عالم الملكوت ودخلت في عالم الجبروت فما أبقت لها ~~صفة من صفاتها إلا خرجت عن طبيعتها وتخلقت بأخلاق ربها. # كما أخبر الله تعالى عنها بقوله: # وإنك لعلى خلق عظيم # [القلم: 4] هو الله تبارك وتعالى وأنه على خلقه وأنه صلى الله عليه وسلم ~~لما انسلخت نفسه عن صفاتها بالكلية لم يبق له أن يقول يوم القيامة نفسي ~~نفسي ومن هنا قال عليه السلام: # " أسلم شيطاني على يدي " # فلما اتصفت نفسه بصفات القلب وزال عنها الهوى لا ينطق بالهوى اتفقت ~~دنياه بصفات الآخرة فحل ms1292 له في الدنيا ما يحل لغيره في الآخرة من الجنة ~~لأنه نزع من صدره الدنيا على ما ينزع من صور غيره في الآخرة، كما قال: # ونزعنا ما في صدورهم من غل # [الأعراف: 43] وقال في حقه: # ألم نشرح لك صدرك # [الشرح: 1] يعني: بنزع الغل عنه فقال الله عز وجل له في الدنيا { ~~ترجي من تشآء منهن وتؤوي إليك من تشآء } ~~[الأحزاب: 51] أي: غل يتعلق به إرادتك ويقع عليه اختيارك فلا حرج عليك ~~ولا جناح كما يقول لأهل الجنة: لكم فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين { ~~وكان الله عليما } في الأزل بتأسيس بنيان وجودك على قاعدة ~~محبوبيتك ومحبتك { حليما } فيما يصدر عنك ما لم يحلم من غيرك. ### || [33.52-54] # ثم أخبر عن جبر قلوب أرباب الحجرات بتحريم المحللات بقوله تعالى: { لا ~~يحل لك النسآء من بعد } [الأحزاب: 52] الإشارة فيها ما ~~يتعلق بتربية نفس النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن الله تعالى وسع الأمر ~~عليه في باب النكاح حظيت نفسه بشرب من مشاربها موجب لانحراف مزاجها كمن ~~أكل طعاما حلوا حارا صفراويا فيحتاج إلى غذاء حامض بارد دافع للصفراء ~~حفظا للصحة، فالله تعالى من كمال عنايته في حق حبيبه غذاه بحامض. # { لا يحل لك النسآء من بعد ولا أن تبدل بهن ~~من أزواج ولو أعجبك حسنهن } [الأحزاب: 52] لأن ~~حلاوته تزيد في الحرارة التي يتولد منها عين القلوب لتسكين الحرارة ورفع ~~الصفراء ولاعتدال المزاج القلبي والنفسي. # ومنها: ما يتعلق بتربية نفوس أزواجه، وذلك أن الله تعالى لما ضيق الأمر ~~عليهن في باب الصبر على ما أحله للنبي صلى الله عليه وسلم وتوسع أمر ~~النكاح عليه وخيره في الإرجاء والإيواء إليه كان أحمض في مذاقهن وأبرد ~~شيء لمزاج قلوبهن فغذاهن بحلاوة { لا يحل لك النسآء } من ~~العدم وسكن بها برودة مزاج قلوبهن حفظا لسلامة قلوبهن وجبرا لانكسارها. # ومنها: ما يتعلق بمواعظ نفوس رجال الأمة ونسائها ليتعظوا بأحوال النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأحوال أزواجه وأمته { إلا ما ملكت يمينك ~~وكان الله على كل شيء رقيبا ms1293 } [الأحزاب: 52] يراقب ~~مصالحهم. # وبقوله: { يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت ~~النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين ~~إناه } [الأحزاب: 53] يشير إلى حفظ الأدب في الاستئذان ومراعاة الوقت ~~وإيجاب الاحترام، فإذا أذن لكم فادخلوا على وجه الأدب وحفظ أحكام تلك ~~الحضرة، وإذا انتهت حوائجكم فاخرجوا ولا يتغافلوا عنكم ولا يمنعكم حسن ~~خلقه من حفظ الأدب، ولا يحملنكم فرط احتشامه على الإبرام عليه { فإذا ~~طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث } [الأحزاب: ~~53] وحسن خلقه صلى الله عليه وسلم جرهم على المباسطة الموجبة أن أنزل ~~الله هذه الآية. # وبقوله: { وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من ~~ورآء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } ~~[الأحزاب: 53] يشير إلى أن البشر بشر وإن كانوا من الصحابة وأن النساء ~~نساء، وإن كن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فلا يأمن أحد على نفسه من ~~الرجال والنساء ولهذا شدد الأمر في الشريعة بأن لا يخلو رجل بامرأة ليس ~~بينهما محرمية { وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا ~~أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا } [الأحزاب: 53] هذا ~~يعظم أمره صلى الله عليه وسلم في قلوب المؤمنين ووقاره ليعظمونه ويوقرونه ~~في جميع الأحوال وفي حال حياته وبعد وفاته بقدر ازدياد تعظيمه وتوقيره في ~~القلوب يزداد نور الإيمان فيها ولكم للمريدين مع الشيوخ في رعاية هذه ~~الآداب أسوة حسنة لأن الشيخ في قومه كالنبي في أمته { إن ذلكم } ~~[الأحزاب: 53] أي: ملاحظة شيء من هذا { كان عند الله عظيما } ~~[الأحزاب: 53] أي: ذنبا عظيما يشير بهذه العظمة إلى عظمته صلى الله ~~عليه وسلم عند الله وكمال عزته في تلك الحضرة { إن تبدوا شيئا } ~~[الأحزاب: 54] من ترك الأدب وحفظ الحرمة وتعظيم شأنه صلى الله عليه وسلم: ~~{ أو تخفوه } [الأحزاب: 54] في أنفسكم { فإن الله كان ~~بكل شيء } [الأحزاب: 54] تعملونه في السر والعلانية وبمقدار جزائه ~~من الحسنة والسيئة { عليما }. ### || [33.55-57] # وقوله: { لا جناح عليهن في آبآئهن ولا ~~أبنآئهن ولا إخوانهن ولا أبنآء إخوانهن ~~ولا أبنآء أخواتهن ولا نسآئهن ولا ما ملكت ~~أيمانهن } [الأحزاب: 55] يشير إلى تسكين قلوبهن بعد فطامهن ms1294 عن ~~مألوف العادة ونقلهن إلى معروف الشريعة ومفروض العبادة فمن عليهن وعلى ~~إقرار بأنهن بإنزال هذه الرخصة لاندمال جرحهن ما على سبيل الاحتياط لهن ~~مع ذلك فقال: { واتقين الله } [الأحزاب: 55] فيهم وفي غيرهم بحفظ ~~الخواطر وميل النفوس ومنها { إن الله كان على كل شيء } ~~[الأحزاب: 55] من أعمال النفوس وأحوال القلب { شهيدا } [الأحزاب: 55] ~~حاضرا وناظرا إلينا. # ثم أخبر عن كمال عزة النبي صلى الله عليه وسلم وعظمته عنده تعالى بقوله: ~~{ إن الله وملائكته يصلون على النبي ~~يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما } [الأحزاب: 56] يشير بهذا الاختصاص إلى كمال العناية في حق ~~النبي صلى الله عليه وسلم وفي حق أمته، أما كمال عنايته في حق النبي صلى ~~الله عليه وسلم فإنه تعالى يصلي عليه صلاة تليق بتلك الحضرة القدسية عن ~~التشبه فيه المثال مناسبا لحضرة نبوته بحيث يفهم معناها سواهما، وأما ~~كمال عنايته في حق أمته فهو أنه تعالى أوجب على أمته الصلاة عليه، ثم ~~جازاهم بكل صلاة عليه عشر صلوات من صلاته وبكل سلام عشرا وهذه عناية ~~مخصصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأمته. # ولصلاة الله تعالى على عباده مراتب بحسب مراتب العباد ولها معان: منها ~~الرحمة ومنها المغفرة ومنها البركة ومنها الوارد ومنها الشواهد ومنها ~~الكشوف ومنها المشاهدة ومنها الجذبة ومنها التغذية ومنها الشرب ومنها ~~الري ومنها السكر ومنها التجلي ومنها الفناء في الله ومنها البقاء بالله ~~وهذا هو حقيقة صلوات الله على عباده ولكل واحد من أصحاب المقام الباقي ~~بالله في هذا المقام إلى ما لا نهاية لها. # كما قال تعالى: # أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ~~وأولئك هم المهتدون # [البقرة: 157] أي إلى الله والسير بالله في الله { إن الذين ~~يؤذون الله ورسوله } [الأحزاب: 57] بأن لا يؤمنوا بالله ~~ورسوله ويخالفون أمرهما ويتابعون هواهم بل يتخذون إلههم هواهم وكما قال: # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء: 80] فكذلك من أذى رسوله فقد أذى الله وكما استحق المؤمنون ~~بطاعة الرسول والصلاة عليه صلاة الله، فكذلك الكافرون استحقوا بمخالفة ~~الرسول وإيذائه ms1295 لعنة الله، فقال تعالى: { لعنهم الله في ~~الدنيا والآخرة } [الأحزاب: 57] فلعنة الدنيا هي الطرد عن الحضرة ~~والحرمان عن الإيمان ولعنة الآخرة الخلود في النيران والحرمان عن الجنان، ~~وهذا حقيقة قوله: { وأعد لهم عذابا مهينا } [الأحزاب: 57] ### || [33.58-59] # وقوله: { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات ~~بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما ~~مبينا } [الأحزاب: 58] يشير إلى أن إيذاء المؤمنين مقرون بإيذاء ~~الرسول كما أن إيذاء الرسول مقرون بإيذاء الله فحقيقة معناه أن من أذى ~~المؤمن، فكمن أذى الرسول فكمن أذى الله ومن أذى الله فهو مستحق الطرد ~~واللعن في الدنيا والآخرة وقوله: { يأيها النبي قل ~~لأزواجك وبناتك ونسآء المؤمنين يدنين ~~عليهن من جلابيبهن } [الأحزاب: 59] تنبيه لهن على حفظ ~~القسمين ورعاية حقه منهن بالتصاون والتعفف وفيه إثبات وقرهن وعزة قدرهن { ~~ذلك } [الأحزاب: 59] أي: ذلك التنبيه { أدنى أن يعرفن } ~~[الأحزاب: 59] أي: يعرفن أن لهن قدرا وعزة في الحضرة { فلا يؤذين ~~} [الأحزاب: 59] بالأطماع الفاسدة والأقوال الكاذبة { وكان الله ~~غفورا رحيما } [الأحزاب: 59] لهن بامتثال الأوامر رحيما بهن ~~بإعلاء درجتهن. ### || [33.60-68] # ثم أخبر عن حال المنافقين بعد ذكر الموافقين { لئن لم ينته ~~المنافقون } [الأحزاب: 60] إلى قوله: { والعنهم لعنا ~~كبيرا } [الأحزاب: 68] يشير إلى تهديد المنافقين ومن بصددهم من منافقي ~~أهل الطلب من المتصوفة والمتعرفة الذين يلبسون في الظاهر ثيابهم ويلبسون ~~في الباطن ما يخالف مقرهم وسرائرهم، وأنهم لو لم يمتنعوا عن أفعالهم ولم ~~يتغيروا عن أحوالهم لأجرى معهم سنته في التدبير والتغيير على من سلف من ~~نظرائهم ونزل بكبرائهم، ثم ذكر مسألة القوم عن قيام الساعة وتكذيبهم ذلك ~~واستهزائهم بالمؤمنين بها، ثم استعجالهم إتيانها من غير استعداد لها، ثم ~~أخبر عن صعوبة العقوبة التي علم أنه يعذبهم بها وما يقع عليهم من الندامة ~~على ما فرطوا فلا تنفعهم الندامة، ولا يكون سوى الغرامة والملامة. ### || [33.69-73] # ثم أخبر عن إيذاء أهل الأهواء للأنبياء والأولياء بقوله تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا ~~موسى فبرأه الله مما قالوا } [الأحزاب: 69] يشير إلى ~~هذه الأمة بكلام قديم أزلي أن لا تكونوا كأمة موسى ms1296 في الدنيا الإيذاء ~~فإنه من صفات السباع بل كونوا أشداء على الكفار رحماء بينكم ولهذا المعنى ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " لا يؤمن أحدكم حتى يأمن جاره بوائقه ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " والمؤمن من أمنه الناس " # وقوله: { لا تكونوا } نهي جزم عند تكوينهم بنفي هذه الصفة عنهم أي: ~~كونوا ولا تكونوا بهذه الصفة فيه إشارة إلى أن كل موجود عند إيجاده بأمر ~~كن مأمور بصفة مخصوصة به ومنهي عن صفة مخصوصة به فكان كل موجود كما أمر ~~بأمر التكوين ولم يكن كما نهى بنهي التكوين. # كما قال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: # فاستقم كمآ أمرت # [هود: 112] أي: كما أمرت بالاستقامة بأمر التكوين عند الإيجاد فكان كما ~~أمر قال تعالى ناهيا له بنهي التكوين: # فلا تكونن من الجهلين # [الأنعام: 35] فلم يكن من الجاهلين كما نهى عن الجهل وبقوله: { وكان ~~عند الله وجيها } [الأحزاب: 69] يشير إلى أن موسى عليه السلام ~~كان في الأزل عند الله متصفا بالوجاهة، فلا يكون غير وجيه بتغير بني ~~إسرائيل إياه كما قيل: # إن كنت عندك يا مولاي مطرحا # فعند غيرك محمول على الحدق # وبقوله: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا ~~قولا سديدا } [الأحزاب: 70] { يصلح لكم أعمالكم } ~~[الأحزاب: 71] يشير إلى أن الإيمان لا يكمل إلا بالتقوى وهو التوحيد ~~عقدا وحفظ الحدود وجهدا، ولا يحصل سداد أعمال التقوى إلا بالقول السديد ~~وهو كلمة لا إله إلا الله، فبالمداومة على قول هذه الكلمة شرائطها { ~~يصلح لكم أعمالكم } أي: أعمال التقوى يقال سواد أقوالكم ~~سداد أعمالكم وسداد الأقوال وسداد الأعمال يحصل سداد الأحوال وهو قوله: { ~~ويغفر لكم ذنوبكم } [الأحزاب: 71] وهو عبارة عن دفع الحجب ~~الظلمانية بنور المغفرة الربانية { ومن يطع الله } [الأحزاب: 71] ~~فيما أمره ونهاه ويطع رسوله فيما أرشده وهداه إلى صراط مستقيم متابعته { ~~فقد فاز فوزا عظيما } [الأحزاب: 71] بالخروج عن الحجب ~~الوجودية بالفناء في وجود الهوية والبقاء ببقاء الربوبية. # وبقوله: { إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض ~~والجبال } [الأحزاب: 72] أي: عليها وعلى أهاليها يشير إلى أن حقيقة ~~الأمانة وهي ms1297 التي عبر عنها بالفوز العظيم، وقد فسرنا الفوز العظيم ~~بالفناء في الله والبقاء بالله وهو عبارة عن قبول الفيض الإلهي بلا واسطة ~~فالحاصل أن حقيقة الأمانة هي الفيض الإلهي بلا واسطة ولهذا سمى بالأمانة؛ ~~لأنه من صفات الحق تعالى فلا يتملكه أحد وقد اختص الإنسان بقبول هذا ~~الفيض وحمله من سائر المخلوقات لاختصاصه بإصابة رشاش النور الإلهي لقوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور ~~فقد اهتدى " # فكل روح أصابه رشاش نور الله صار مستعدا لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة ~~فكان عرض الفيض الإلهي على المخلوقات وحمل الفيض خاصا للإنسان؛ لأن نسبة ~~الإنسان مع المخلوقات كنسبة القلب مع الشخص، فالعالم شخص وقلبه الإنسان ~~فكما أن عرض فيض الروح عام على الشخص الإنساني وقبوله وحمله مخصوص بالقلب ~~بلا واسطة. # ثم من القلب بواسطة العروق والشريانات وعروق ممتدة تصل عكس فيض الروح ~~إلى جميع الأعضاء فيكون متحركا به كذلك عرض الفيض الإلهي عام لاحتياج ~~الموجودات به وقبوله وحمله خاص للإنسان ومنه يصل عكس الفيض إلى سائر ~~المخلوقات ملكها وملكوتها. # فأما في ملكها: وهو ظاهر الكون أعني الدنيا فيصل الفيض إليه بواسطة صورة ~~للإنسان من بصنائعه الشريفة وحرفه اللطيفة التي به العالم معمور ومزين. # وأما إلى ملكوتها: وهو باطن الكون أعني الآخرة فيصل الفيض إليها بواسطة ~~روح الإنسان هو أول شيء تعلقت بالقدرة فيعلق الفيض الإلهي من أمر كن أولا ~~بالروح الإنساني، ثم يفيض منه إلى عالم الملكوت فظاهر العالم وباطنه ~~معمور بظاهر الإنسان وباطنه هذا هو سر الخلافة المخصوصة بالإنسان. # وبقوله { إنه كان ظلوما جهولا } [الأحزاب: 72] على صيغة ~~المبالغة يشير إلى أن الظالم هو الذي يظلم على غيره والظلوم من يظلم على ~~نفسه والجاهل من يجهل غيره والجهول من جهل نفسه فأما ظلمه على نفسه فبحمل ~~الأمانة لأنه وضع شيئا في غير موضعه فأفنى نفسه فيها وأما جهله بنفسه ~~فبأنه يحسب أن هذه البهيمة التي تأكل وتشرب وتنكح وما علم ms1298 أن هذه الصور ~~الحيوانية هي قشرة ولها لب هو روحه وروحه أيضا قشر وله لب هو محبوب الحق ~~تعالى الذي قال: # يحبهم # [المائدة: 54] وهو محب الحق تعالى بقوله: # ويحبونه # [المائدة: 54] فمن أحب غير الله جهل نفسه. # ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه # [البقرة: 130] يعني: أن إبراهيم كان على ملة الخلة وغيره جهل نفسه وأحب ~~غير الله فقد رغب عن ملة إبراهيم فمن يحب قشر الجسمانية الظلمانية ووصل ~~إلى لب الروحانية النورانية، ثم علم أن هذا اللب أيضا قشر فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إن لله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة " # فعبر عن القشر الروحاني فيصل إلى لبه الذي هو محبوب الحق ومحبته فقد عرف ~~نفسه، ولما عرف نفسه فقد عرف ربه بتوسله لا شرك فيه وأنه لما عرضت ~~الأمانة عليه وعلى المخلوقات وهو الفيض الإلهي كما قررنا في الوجه المنور ~~برشاش نور الله عرف شرف الأمانة وقصدها فكما لم يكن بهم ذا جبلة يحملها ~~روح الملائكة وغيرهم منورا برشاش نور الله ما عرفوها حق المعرفة وما ~~كانوا مخصوصين بالمحبوبية، ولم يكن لهم راحلة يحملها بقوة الظلومية ~~والجهولية فلما علموا خطر حملها، # فأبين أن يحملنها وأشفقن منها # [الأحزاب: 72] وبمحمل الجسدانية وقوة الظلومية والجهولية حملها الإنسان ~~فصارت الظلومية والجهولية في حق حاملي الأمانة ومؤدي حقها مدحا وفي حق ~~الخائنين فيها ذما وكل وجه ذكره المفسرون في معنى يدل على هذا قوله # ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه # [البقرة: 130] أي: من جهل نفسه في معنى الأمانة حق ولكن طرقها ودعاؤها ~~فحقيقتها ما ذكرنا وما هو قريب بها، والله أعلم. # بقوله تعالى: { ليعذب الله المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات } [الأحزاب: 73] هذه اللام لأمر ~~الصيرورة والعاقبة يشير إلى أن الحكمة في عرض الأمانة أن يكون الخليفة في ~~أمرها على ثلاث طبقات: # طبقة منها: تكون للملائكة وغيرهم ممن لم يحملها فلا يكون في ذلك لهم ~~ثواب ولا عذاب. # وطبقة منها: من يحملها ولم يؤد حقها وقد خان فيها، ms1299 فهم المنافقون ~~والمنافقات والمشركون والمشركات الذين حملوها بالظلومية على أنفسهم ~~وضيقوها بجهولية قدرها فما رعوها حق رعايتها حاصل فهم أمرهم العذاب ~~المؤبد. # وطبقة منها: من يحملها ويؤد حقها ولم يخن فيها ولكن لثقل الحمل وضعف ~~الإنسان يتلعثم في بعض الأوقات فيرجع إلى الحضرة بالتضرع والابتهال ~~مقربا بالذنوب وهم المؤمنون والمؤمنات ليتوب الله عليهم لقوله: { ~~ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات } [الأحزاب: ~~73] والحكمة في ذلك فتكون كل طبقة من الطبقات الثلاث مرآة يظهر فيها جمال ~~صفة من صفاتها. # فالطبقة الأولى: إذ لم تحمل الأمانة وتركوا نفعها لضرها فهم مرآة جمال ~~صفة عدله. # والطبقة الثانية: إذا حملوها طمعا في نفعها ولم يؤدوا حقها وقد خانوا ~~فيها بأن باعوها بعرض من الدنيا الفانية، # فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين # [البقرة: 16] فهم مرآة فيها جمال صفة قهره. # والطبقة الثالثة: إذ حملوها بالطوع والرغبة والشوق والمحبة وأدوها حقها ~~بقدر وسعهم ولكن كما قيل لكل جواد كبوة ووقع في بعض الأوقات قدم صدقهم ~~عند ربهم في حجر بلاء وابتلاء بغير اختيارهم، ثم اجتباهم ربهم فتاب ~~عليهم، وهداهم بجذبات العناية إلى الحضرة فهم مرآة يظهر فيها جمال فضله ~~ولطفه وذلك قوله: { وكان الله غفورا رحيما } [الأحزاب: 73] ~~للمؤمنين والمؤمنات بفضله، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ### | [34 - سورة سبإ] ### || [34.1-5] # { الحمد لله الذي له ما في السموت وما في ~~الأرض } [سبأ: 1] يشير إلى الثناء على نفسه والمدح لذاته إخبارا عن ~~كمال جلاله واستحقاقه لنعوت عزه وجماله، فهو في الأزل حامد لنفسه محمود ~~وأحمد موجود وفي الآزال معبود وبالظلمات مقصود الذي له ما في السماوات ~~وما في الأرض ملكا وملكا لا شركة لأحد فيهما فلا ملك ولا مالك إلا هو ~~وإن جرى هذان الاسمان على مخلوقه، فإن ذلك المخلوق داخل في ملكه وملكه ~~وأنه الزنجي لا يتغير عن لونه، وإن سمي كافورا. # { وله الحمد في الآخرة } ذكر بلام التمليك، وذكر الحمد ~~بالألف واللام وهي لاستغراق الجنس يعني كل حمد حمد به الحامدون في ~~السماوات والأرض وفي الدنيا والآخرة، وكل حمد ms1300 يحمد به أحد من خلقه راجع ~~إليه؛ لأنه هو أصل الحمد والحمد ملك له لا شركة لأحد فيه وأنه حمد نفسه ~~بقوله الحمد لله، وأنزل على خلقه ليحمدوه بحمد قديم فيه معنى يصلح لذاته ~~القديم، فإن الحمد المحدث بمعنى محدث تدركه الأفهام المحدثة لا يصلح ~~لذاته القديم ولهذا ليلة المعراج. # كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: # " أثن علي، قال صلى الله عليه وسلم: لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت ~~على نفسك " # يعني: الثناء المحدث من محدث لا يصلح لذاتك القديم إلا ثناؤك القديم ~~الصادر من ذاتك القديم من الأزل إلى الأبد بلا بداية له ولا نهاية يصلح ~~لذاتك الذي لا أول له ولا آخر، بل أنت أول كل شيء وآخر كل آخر وظاهر كل ~~ظاهر وباطن كل باطن. # { وهو الحكيم } [سبأ: 1] فيما قدر ودبر { الخبير } [سبأ: 1] ~~بما خلق كيف خلق وبما خلق { يعلم ما يلج في الأرض } [سبأ: 2] ~~أي: أرض البشرية بواسطة الحواس الخمس والأغذية الصالحة والفاسدة من ~~الحلال والحرام { وما يخرج منها } [سبأ: 2] من الصفات المتولدة ~~منها والأعمال المنجية { وما ينزل من السمآء } [سبأ: 2] سماء ~~القلب من الفيض الروحاني والإلهامات الربانية { وما يعرج فيها } ~~من آثار الفجور والتقوى وظلمة الضلالة ونور الهدى { وهو الرحيم } ~~[سبأ: 2] لمن تولاه { الغفور } [سبأ: 2] لذنوب أهل ولايته. # { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة } [سبأ: 3] ~~أي: وقالت النفوس الكاذبة المكذبة لأهلها أن القيامة ليست آتية ولا نبعث، ~~فبهذا التمني كفروا وكذبوا الرسل وما قبلوا دعوتهم وكلامهم، وتابعوا ~~أهواءهم وهذا الكفر والتكذيب والتمني الفاسد طبيعة النفوس كلها، فمن وكله ~~الله بالخذلان إلى طبيعة نفسه تكون هذه الخصال سجنه أبدا. # وإذا أراد الله لعبد خيرا ينظر إلى قلبه بنظر العناية ويسمعه قوله: { ~~قل بلى وربي لتأتينكم } [سبأ: 3]، وينطبق بهذا ~~الإقرار وتصديق الرسل وقول الشريعة والعمل بها وهو { عالم الغيب } ~~[سبأ: 3] غيب القلوب والشهادة شهادة النفوس { لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة } [سبأ: 3] مما يجري { في السموت } [سبأ: 3] ~~سماوات القلوب { ولا في الأرض } [سبأ: 3] أرض النفوس ms1301 { ولا ~~أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين } [سبأ: ~~3] مكتوب عنده في أم الكتاب وبتقديره يجري ما يجري على أهل النفوس ~~وبتوفيقه يجري ما يجري على أهل القلوب كما اقتضت الحكمة الإلهية والمشيئة ~~القديمة. # { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات } [سبأ: 4] ~~خير الجزاء { أولئك لهم مغفرة } [سبأ: 4] لذنوب النفوس { ~~ورزق كريم } [سبأ: 4] من كرم الحق وفضله للأرواح والقلوب من ~~المواهب السنية { والذين سعوا في آياتنا } [سبأ: 5] أي: في ~~إبطال القرآن أنه منا بهذا يشير إلى الفلاسفة الذين يقولون: إن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم كان حكيما من الحكماء وبالحكمة أخرج هذا الناموس ~~الأكبر يعنون النبوة والشريعة، ويزعمون أن القرآن كلامه أنشأه من تلقاء ~~نفسه يسعون في هذا المعنى { معاجزين } [سبأ: 5] يجاهدون جهدا تاما ~~في إبطال الحق وإثبات الباطل { أولئك لهم عذاب من رجز ~~أليم } [سبأ: 5] الرجز سوء الطرد والإبعاد. ### || [34.6-10] # { ويرى الذين أوتوا العلم } [سبأ: 6] من عند الله موهبة ~~منه لا من عند الناس بالتكرار والبحث { الذي أنزل إليك من ~~ربك } [سبأ: 6] من النبوة والقرآن والحكمة { هو الحق } وإنما ~~يرون هذه الحقيقة؛ لأنهم ينظرون بنور العلم الذي أريتهم من الحق تعالى، ~~فإن الحق لا يرى إلا بالحق كما أن النور لا يرى إلا بالنور، ولما يرى ~~الحق بالحق كان الحق هاديا لأهل الحق وطالبيه إلى طريق الحق، وذلك قوله ~~تعالى: { ويهدي إلى صراط العزيز الحميد } [سبأ: 6] ~~لأنه لا يوجد إلا به وبهدايته الحميد؛ لأنه لا يرد الطالب بغير وجدان كما ~~قال: # " ألا من طلبني وجدني " # ثم أخبر عن منكري البعث من الكفار بقوله تعالى: { وقال الذين ~~كفروا } [سبأ: 7] بالاستهزاء { هل ندلكم على رجل ~~ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق ~~جديد } [سبأ: 7] يشير إلى أن تراكم الغفلة على القلوب وظلمات الشهوات ~~النفسانية وغلبات الصفات الذميمة الحيوانية إذا استولى أرخيت حجبها بين ~~الروح والقلب، فيحرم القلب من الاستفادة بنور الروح ويسود بظلمات صفات ~~النفس ويقسو حتى ينسى الله وينسى عالم الأرواح الذي هو الآخرة كالطفل ~~الصغير يسير إلى بعض ms1302 البلاد فينسى وطنه الأصلي بحيث لو ذكر به لم يتذكر ~~كذلك نفس الإنسان القاسي قلبه إن ذكر الآخرة، وهي وطنه الأصلي لم يتذكر ~~ويكفر به. # ويقول مستهزئا به: { هل ندلكم على رجل ينبئكم ~~إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد } ~~[سبأ: 7] ويتعجب من هذا الكلام ولا يتفكر أن أجزاءه كانت ممزقة حين هو ~~ذرة أخرجت من صلب آدم وكيف جمع الله ذرات شخصه المتفرقة، وجعلها خلقا ~~جديدا كذلك يجمع الله أجزاءه الممزقة للبعث ويقول منكرا متعجبا: { ~~أفترى على الله كذبا أم به جنة } [سبأ: 8]. # وقال تعالى: { بل الذين لا يؤمنون بالآخرة } [سبأ: 8] ~~من الغفلة وكثرة الحجب { في العذاب } من العمى والصم { والضلال ~~البعيد } هو البعد عن الحضرة { أفلم يروا إلى ما بين ~~أيديهم وما خلفهم من السمآء } [سبأ: 9] سماء القلب { ~~والأرض } [سبأ: 9] أرض النفس ما بين أيديهم من صفات القلب وما خلفهم ~~من صفات النفس { إن نشأ نخسف بهم الأرض } [سبأ: 9] أرض ~~البشرية بغلبات صفاتهم { أو نسقط عليهم كسفا من ~~السمآء } [سبأ: 9] أي: نقلب عليهم صفة من صفات القلب ونهلكهم بها؛ ~~لأن كل صفة من صفات القلب وإن كانت حميدة، فإذا جاوزت حدها تؤول إلى ~~الصفة فتصير ذميمة كالسخاوة، فإنها حميدة من صفات القلب فإذا جاوزت حدها ~~يكون تبذيرا وهي ذميمة # إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين # [الإسراء: 27]. # { إن في ذلك لآية لكل عبد منيب } [سبأ: 9] راجع ~~إلى الله يرى الآيات بنور الله عن فضله بعد أن أخبر عن عدله بقوله تعالى: ~~{ ولقد آتينا داوود منا فضلا } [سبأ: 10] يشير إلى داود ~~الروح والفضل الذي أعطاه منه هو الفيض الإلهي بلا واسطة ولما ذكره بلفظ ~~النكرة فضلا يدل على أنه أعطاه شيئا من الفضل وهو مما يتعلق به تعالى؛ ~~إذ قال: { منا } وهو الفيض كما ذكرنا، والفرق بينه وبين نبينا صلى ~~الله عليه وسلم أنه ذكر فضله في حق داود عليه السلام على صيغة النكرة وهي ~~تدل على نوع من الفضل، وقال في حق نبينا صلى الله عليه وسلم: # وكان فضل ms1303 الله عليك عظيما # [النساء: 113] والفضل الموصوف بالعظمة يدل على كمال الفضل، وكذلك قوله # فضل الله # [النساء: 113] لما أضاف الفضل إلى الله اشتمل على جميع الفضل كما لو ~~قال: أخذ دار فلان اشتمل على جميع الدار. # وبقوله: { يجبال أوبي معه والطير } [سبأ: 10] يشير إلى ~~أن الذكر من اللسان يعبر إلى أن يصل إلى الروح ويصير الروح ذاكرا لله، ~~فعلى مقتضى كرم الله وسنته بقوله تعالى: # فاذكروني أذكركم # [البقرة: 152] بذكر الله ولما تنور الروح بنور ذكر الله إياه ينعكس ~~النور من داود الروح على جبال النفس وطير القلب فتصير ذاكرا لله ~~ومذكورا له، ثم بالمداومة ينعكس نور الذكر من النفس على البدن فيستوعب ~~جميع أجزاء البدن ظاهرها وباطنها، ثم ينعكس من أجزاء العنصرية على ~~العناصر الأربعة مفردها ومركبها وينعكس من النفس على النفوس أعني النفس ~~الإنسانية والنفس الحيوانية والنفس السماوية والنفس النجومية ينعكس نور ~~الذكر من الروح الإنساني على عالم الأرواح إلى أن يستوعب جميع العالم ~~ملكه وملكوته، فيذكر العالم بما فيه موافقة للذاكر وإلى هذا المقام أشار ~~بقوله تعالى: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده # [الإسراء: 44]. # ثم يعبر الذكر عن المخلوقات ويصعد إلى رب العالمين، كما قال تعالى: # إليه يصعد الكلم الطيب # [فاطر: 10] فيذكره تعالى كما يذكره الذاكر، ففي هذا المقام يتصف العبد ~~بصفة الرب ويتخلق بخلقه في الذاكر به والمذكور به، فكما أنه تعالى يكون ~~الذاكر والمذكور يكون العبد أيضا ذاكرا ومذكورا تفهم إن شاء الله ~~وتؤمن به، فتحقيق هذا المقام يعلم حقيقته. # قوله تعالى: { ولقد آتينا داوود منا فضلا } [سبأ: 10] ~~أنه هو مذكور به الحق تعالى، وينبئ عن هذا المعنى قوله: { يجبال ~~أوبي معه والطير } [سبأ: 10] يشير بالجبال إلى عالم الملك ~~وبالطير إلى عالم الملكوت، وبقوله: { وألنا له الحديد } [سبأ: ~~10] يشير إلى إلانة قلبه. ### || [34.11-14] # { أن اعمل سابغات } [سبأ: 11] وهي الحكم البالغة التي تظهر ~~ينابيعها من قلبه على لسانه { وقدر في السرد واعملوا } ~~[سبأ: 11] أي: في سرد الحديث بأن يتكلم بالحكمة على قدر عقول الناس. # وأشار بقوله: { واعملوا صالحا ms1304 } [سبأ: 11] أي: جميع أعماله ~~الظاهرة أن يعمل في العبودية كل واحدة منها عملا يصلح لها ولذلك خلقت { ~~إني بما تعملون } [سبأ: 11] كل واحدة منهن { بصير } [سبأ: ~~11] واحدة فيها عملا يصلح لها ولذلك وبالبصارة خلقتكم وقيل: أوحى الله ~~إلى داود وكانت تلك الزلة مباركا عليك، فقال: رب كيف تكون الزلة مباركة؟ ~~فقال: كنت تجئ قبلها كما يجئ المطيعون فالآن يجيء كما تجيء أهل الذنوب ~~وفيما أوحى الله للمخاطبين غيرة منه إليه: # " يا داود أنين المذنبين أحب إلي من صراخ العابدين " # وصلاته في الدين، فلما وقع له ما وقع كان يقول: اللهم اغفر للمذنبين ~~وقيل: لما تاب الله عليه واجتماع الجن والإنس والطير لمجلسه فلما رفع ~~صوته وأدار لسانه في حنكه على حسب ما كان من عادته تفرقت الطيور وقالوا: ~~الصوت صوت داود والحال ليست تلك، فبكى داود عليه السلام وقال: ما هذا يا ~~رب فأوحى الله إليه: يا داود هذا من وحشة الزلة وكانت أنس الطاعة. # وبقوله تعالى: { ولسليمان الريح غدوها شهر ~~ورواحها شهر } [سبأ: 12] يشير إلى القلب وسيره إلى عالم الروح ~~وسرعته في السير للطافته بالنسبة إلى كثافة النفس وإبطائها في السير، ~~وذلك لأن مركب النفس في سير البدن وهو كبير بطئ السير ومركب القلب في ~~السير هو الجذبة الإلهية وهي من صفات لطفه، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " قلوب العباد بيد الله يقلبها كيف يشاء " # ويقلبها إلى الحضرة برياح العناية اللطف كما قال صلى الله عليه وسلم: # " قلب المؤمن كريشة في فلاة يقلبها ظهرا عن بطن " # وهذا حقيقة قوله { ولسليمان الريح } أي: لسليمان القالب سخرنا ~~ريح العناية ليسير به وهو ابن داود الروح وبساطة الذي كان يجلسه وتجري به ~~الريح هو السر، ولهذا المعنى قيل: أن سليمان في مسيره لاحظ ملكه يوما ~~فمال الريح ببساطه، فقال سليمان للريح استو، فقالت الريح: استو أنت ما ~~دمت مستويا بقلبك كنت مستويا فملت وملت كذلك حال السر مع القلب وريح ~~العناية إذا زاغ القلب أزاغ الله بريح الخذلان بساط السر # إن ms1305 الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم # [الرعد: 11]. # وبقوله: { وأسلنا له عين القطر } [سبأ: 12] يشير إلى عين ~~الحقائق والمعاني { ومن الجن من يعمل بين يديه ~~بإذن ربه } [سبأ: 12] أي: وسخرنا له صفات الشيطان ليعمل بين يديه ~~بإذن الله أي على وفق أمره ونهيه بطبيعته الشيطانية ومن هنا قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن الله سلطني على شيطاني فأسلم على يدي فلا يأمرني إلا بخير ". # { ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب ~~السعير } [سبأ: 12] أي: سعير المحبة وعذابها ان نار المحبة تحرق ~~شوكها ونور المحبة يعني ظلمة خبثها وتمردها. # { يعملون له } [سبأ: 13] أي: لسليمان القلب { ما يشآء } أي: ~~يتصفون بصفات القلب ويكون أعمالهم على وفق مشيئته لا على وفق طبيعتهم ~~ومشيئتهم { من محاريب وتماثيل } أي: مما يتوجه به إلى الله ~~فإن الله تعالى اختص للشيطان بهذه الصفة من بين سائر المخلوقات أعني ~~التوجه إلى الله والسجود له والإباء والاستكبار عن سجدة غيره، وهذا أخلص ~~عبودية لله وأخص وصف وأشرفه في الموجودات إذا كان بإذن الله وأردى خصلة ~~وأخس وصف وأخبثه إذا كان بالطبيعة وخلاف أمر الله وموجبا للطرد واللعن. # كما كان حال إبليس إذ قال تعالى له: # يإبليس ما منعك أن تسجد # [ص: 75] إذ أمرتك # قال أنا خير منه خلقتني من نار # [ص: 76] والنار من شأنها طلب العلو والتوجه إلى الحضرة # وخلقته من طين # [ص: 76] ومن شأنه طلب السفلي والإعراض عن الحضرة فالله تبارك وتعالى لما ~~خمر طينة آدم بيده عجن فيها كل خاصية وصفة ما اختص بها شيئا من المخلوقات ~~ليكون آدم عالما بجميع الأشياء بتلك الخصائص ليقدر على التصرف فيها ~~بخلافة الحق تعالى وليتوسل بها في الرجوع الذي هو مخصوص به إلى الحضرة ~~والوصول إليه فبخاصية الإباء والاستكبار الشيطاني امتنع وأبى عن السجود ~~لغير الله وبها يتوجه القلب إلى الله بإعراضه عن غيره ويقول # وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض حنيفا ~~ومآ أنا من المشركين # [الأنعام: 79] يعني الذين أشركوا بتوجههم إلى الدنيا أو إلى الآخرة # إن ms1306 صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين # [الأنعام: 162]. # ثم قال # وبذلك أمرت # [الأنعام: 163] بأن إعراضي عن المخلوقات وإبائي واستكباري بالأمر لا ~~بالطبع، ولو وكل القلب في الروح الخاصية الروحانية التي جبل الروح عليها ~~ما كانت رغبتها في العبور عن مقام الروحانيات كالملائكة عن المقام ~~المعلوم الروحاني وقول بعضهم: لو دنوت أنملة لاحترقت، ولما كان الإنسان ~~محمول العناية وبجذبة # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28] رجع من أسفل سافلين الموجودات إلى الحضرة فلم يسجد لشيء ~~منها بتمرد صفة الشيطانية وإبائها واستكبارها وعبر عن المقامات كلها إلى ~~أن بلغ سدرة منتهاها فأراد أن يقف عندها كجبريل ويقول: " لو دنوت أنملة ~~لاحترقت " عملت له صفة الشيطنة النارية التي لا تبالي بالنار محراقا من ~~المحبة، فبتلك الصفة أفدى نفسه لنا نور الإلهي وعبر ببذل وجوده عن # نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة # [الهمزة: 6-7]. # وبقوله: { كالجواب وقدور راسيات } [سبأ: 13] يشير إلى ~~المادية التي لا نهاية لها التي يأكل منها الأنبياء والأولياء؛ إذ يلبثون ~~عنده، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " # { اعملوا آل داوود شكرا } [سبأ: 13] يشير به إلى شكر داود ~~الروح وسليمان القلب، ومن آله السر والخفي والنفس والبدن، فإن هؤلاء كلهم ~~من متولدات الروح، فشكر البدن: استعمال الشريعة لجميع أعضائه وجوارحه ~~ومحال الحواس الخمس، ولهذا قال: { واعملوا }. # وشكر النفس: بإقامة شرائط التقوى والورع وشكر القلب لمحبة الله وخلوه عن ~~محبة ما سواه. # وشكر السر: مراقبة عن التفاته بغير الله، وشكر ببذل وجوده على نار ~~المحبة كالفراش على شعلة الشمعة، وشكر الخفي قبول الفيض بلا واسطة في ~~مقام الوحدة مختفيا بنور الوحدة عن نفسه. # وبقوله: { وقليل من عبادي الشكور } [سبأ: 13] يشير إلى ~~قلة من يصل إلى مقام الشكورية، وهو الذي يكون شكره، فللعوام شكرهم ~~بالأقوال كقوله: # وقل الحمد لله # [الإسراء: 111] يريكم آياته وللخواص شكرهم بالأعمال كقوله: { ~~اعملوا آل داوود شكرا } [سبأ: 13] ولخواص الخواص شكرهم ~~بالأحوال وهو الاتصاف بصفة الشكور، والشكور هو الله لقوله: # إن ربنا لغفور شكور # [فاطر: 34] بأن يعطي ms1307 على عمل فان عشر ثواب باق. # ثم أخبر عن إخبار إمضاء قضائه على أنبيائه وأوليائه، وبقوله تعالى: { ~~فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته ~~إلا دابة الأرض تأكل منسأته } [سبأ: 14] يشير إلى ~~كمال قدرته وحكمته أنه هو الذي سخر الجن والإنس لمخلوق واحد مثلهم، وهم ~~الألوف الكثيرة والوحوش والطيور، ثم قضى عليه الموت وجعلهم مسخرين لجثة ~~بلا روح، وبحكمته جعل دابة الأرض حيوانا ضعيفا مثلها دليلا لهذه ~~الألوف الكثيرة ومن الجن والإنس يدلهم على علم ما لم يعلموا بفعلها، وفيه ~~أيضا إشارة أنه تعالى جعل فعلها سببا لإيمان أمة عظيمة وبيان حال الجن ~~أنهم لا يعلمون الغيب لقوله: { فلما خر تبينت الجن } ~~[سبأ: 14] أي: حال الجن { أن لو كانوا يعلمون الغيب ما ~~لبثوا في العذاب المهين } [سبأ: 14] وفيه إشارة أخرى أن ~~نبيين من الأنبياء اتكئا على عصوين وهما موسى وسليمان عليهما السلام، ~~فلما قال موسى # هي عصاي أتوكأ عليها # [طه: 18] قال ربه # ألقها # [طه: 19] فلما ألقاها جعلها ثعبانا مبينا يعني من اتكأ على غير فضل ~~الله ورحمته يكون متكأه ثعبانه، ولما اتكأ سليمان على عصاه في قيام ملكه ~~بها فاستمسك بعث الله أضعف دابة وأخسها لإبطال متكئه ومستمسكه ليعلم أن ~~من قام بغيره زال بزواله، وإن كل متمسك غير الله طاغوت من الطواغيت # فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى لا انفصام لها # [البقرة: 256]. ### || [34.15-19] # ثم أخبر عن سبأ بقوله تعالى: { لقد كان لسبإ في مسكنهم ~~آية جنتان عن يمين وشمال } [سبأ: 15] يشير إلى سبأ السر ~~في مساكنهم آية من آيات الله والآية هي { جنتان } أي: جنة الروح عن ~~يمين السر وحية القلب عن شمال السر، وذلك لأن السر لطيفة خلقت من بين ~~الروح والقلب فما يرد من فيض الروح وداود الحق تعالى يصل إلى السر، ومنه ~~يرد إلى القلب وما يصدر من القلب من أنوار الذكر والطاعات أو ظلمة أوصاف ~~النفوس في معاملاتها يصعد إلى السر، ومن السر يصعد إلى الروح فالسر بين ~~هاتين الجنتين في ms1308 رغد من العيش وسلامة من الحال، فأمر بالصبر على العاقبة ~~والشكر على النعمة. # { كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ~~} [سبأ: 15] بلدة الإنسانية قابلة لبذر التوحيد وهو كلمة لا إله إلا الله ~~{ ورب غفور } [سبأ: 15] يستر عيوب عباده بنور معرفته ويغفر ذنوبهم ~~لعزة معرفته { فأعرضوا } [سبأ: 16] عن الوفاء وأقبلوا على الجفاء ~~وكفروا النعمة وتعرضوا للنقمة وضيقوا الشكر فبدلوا وبدل لهم الحال { ~~فأرسلنا عليهم سيل العرم } [سبأ: 16] سيل سطوات قهرنا ~~{ وبدلناهم بجنتيهم } [سبأ: 16] الشجرتين بأشجار الإيمان ~~والإيقان والتقوى والصدق والإخلاص والتوكل والأخلاق الحميدة { ~~جنتين ذواتي أكل } [سبأ: 16] من الكفر { خمط } [سبأ: 16] ~~من النفاق { وأثل } [سبأ: 16] من الشك. # { وشيء من سدر قليل } [سبأ: 16] من الأوصاف الذميمة { ~~ذلك جزيناهم بما كفروا } [سبأ: 17] أي: بما غرسوا سرا ~~في بستاني القلب والروح أشجار هذه الأخلاق السوء { وهل نجزي ~~إلا الكفور } [سبأ: 17] أي: وهل تثمر الأشجار الخبيثة إلا الأثمار ~~الخبيثة؟ فما غرسوا إلا بما استوجبوا وما حصدوا إلا ما زرعوا، وما وقعوا ~~إلا في الحفرة التي حفروا، كما قيل: " يداك أوكتا وفوك نفخ ". # وبقوله تعالى: { وجعلنا بينهم وبين القرى التي ~~باركنا فيها قرى ظاهرة } [سبأ: 18] يشير إلى مقامات القرب ~~وجوار رب العزة والمنازل المتصلة بعضها ببعض إلى الحضرة من التوبة والزهد ~~في الدنيا والتوكل وتزكية النفس وتصفية القلب وتحلية الروح { ~~وقدرنا فيها } [سبأ: 18] أي: في هذا المثال { السير } [سبأ: ~~18] إلى الله وقلنا لهم { سيروا فيها ليالي } [سبأ: 18] أي: ~~السير في ليل البشرية { وأياما } [سبأ: 18] أي: السير في أيام ~~الروحانية آمنين في خفارة الشريعة ودراية المتابعة فما كان من شأنهم إلا ~~التمادي في عصيانهم والإصرار على غيهم وطغيانهم ومن خشية النفس وركاكة ~~العقل مالوا إلى الدنيا ورغبوا في شهواتها، وبجهلهم طلبوا البعد عن ~~الحضرة في عبارة: { فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا } ~~[سبأ: 19] وتحقيق هذه الإشارة طلب الدنيا وشهواتها هو طلب البعد عن الله ~~وعن حضرته { وظلموا أنفسهم } [سبأ: 19] بما مالوا إلى الدنيا. # { فجعلناهم أحاديث } [سبأ: 19] عبرة للعالمين وتنبيها ~~للراغبين؛ لئلا نقطع عليهم الدنيا بما فيها طريق ms1309 الطلب وسبيل الرشاد إلى ~~الله عز وجل { ومزقناهم كل ممزق } [سبأ: 19] أي: مزقناهم ~~في أودية الهلاك لكل فرقة دركة من دركات جهنم البعد { إن في ذلك } ~~[سبأ: 19] أي: في هذه القضية { لآيات } [سبأ: 19] دلالات { لكل ~~صبار } [سبأ: 19] على ترك الدنيا وشهواتها { شكور } [سبأ: 19] ~~لنعمة عصمة الحق تعالى إياه وتوفيقه للعبودية. ### || [34.20-24] # ثم أخبر عن حال الشيطان مع الإنسان بقوله: { ولقد صدق } [سبأ: ~~20] حديثا عليهم { إبليس } [سبأ: 20] عليهم ظنه يشير إلى أن إبليس ~~لم يكن متيقنا أنه يقدر على الإغواء والإضلال بل كان ظانا بنفسه أنه ~~يقدر على إغواء من لم يطع الله ورسوله، ولما زين لهم الكفر والمعاصي على ~~وفق هواهم، وتابعوه بذلك صدق عليهم ظنه غير مستقل في التسلط عليهم بل ~~بتسليط الله إياه عليهم. # كما قال تعالى: { وما كان له عليهم من سلطان إلا ~~لنعلم } [سبأ: 21] أي: ما سلطناه عليهم إلا لنميز { من يؤمن ~~بالآخرة } [سبأ: 21] أي: نظهر ونبين من هو مؤمن ممن هو منها أي: من ~~الآخرة { في شك } [سبأ: 21] ولا يظنن ظان بالله ظن السوء إن الله جل ~~جلاله لم يكن عالما بأهل الكفر وأهل الإيمان، وإنما سلط عليهم إبليس ~~ليعلم به المؤمن من الكافر، فإن الله تعالى بكمال قدرته وحكمة خلق أهل ~~الكفر مستعدا للكفر وخلق أهل الإيمان مستعدا للإيمان، كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا، وخلق النار وخلق لها أهلا ". # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس # [الأعراف: 179] فالله تعالى كان عالما بحال الفريقين قبل خلقهم، وهو ~~الذي خلقهم على ما هم به، ولهذا قال: { وربك على كل شيء ~~حفيظ } [سبأ: 21] أي: هو الذي يحفظ كل شيء على ما هو به وقال صلى الله ~~عليه وسلم: # " بعث الشيطان مزينا وليس إليه في الضلالة شيء وإنما سلطه على بني آدم ~~لاستخراج جواهرهم عن معادنهم الإنسانية " # كما تسلط النار على المعادن لتخليص جوهرها فإن كان الجوهر ذهبا فيخرج ~~من الخلاص الذهب وإن كان الجوهر نحاسا فيخرج النحاس، فلا تقدر ms1310 النار أن ~~يخرج من معدن النحاس الذهب ولا من معدن الذهب النحاس، وإنما سلط الشيطان ~~على بني آدم؛ لأنهم معادن الذهب والفضة وهو ناري ليستخرج جواهرهم من ~~معادنهم بنفخة الوسواس فلا يقدر أن يخرج من كل معدن إلا ما هو جوهره. # وبقوله: { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله } ~~[سبأ: 22] يشير إلى الهوى والدنيا والشيطان فإن النفوس الحيوانية يعبدون ~~هذه الأشياء ويتخذونها آلهة لاحتياجهم بها { لا يملكون مثقال ~~ذرة في السموت } [سبأ: 22] سماوات القلوب { ولا في ~~الأرض } [سبأ: 22] أرض النفوس من سعادة ولا شقاوة، وما لهم فيهما من ~~شرك أي: شركة في إصلاح القلوب والنفوس وإفسادها، فإن القلوب بيد الله ~~يقلبها كيف يشاء وما له أي: { وما له منهم من ظهير } [سبأ: ~~22] أي: معاونة في الإصلاح والإفساد وإن كانوا وسائط لهذا المعنى؛ لأنهم ~~كالمال للصانع، فالصانع واحد والآلات والأدوات كثيرة. # وبقوله: { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن ~~له } [سبأ: 23] يشير إلى أنه تعالى منفرد بملكه متوحد في الهيئة متقدس ~~عن الأضداد والأنداد، وإن الملائكة في السماء بوصف الهيبة فزعون لا ~~يتجاسرون بشفاعة أحد إلا بإذنه، وإنهم مع رفعة قدرهم وعزة قوتهم إذ أوحى ~~الله بشيء وسمعوا كلامه من سطوة كلامه يفزعون ومن عظمة كلامه لا يفهمون { ~~حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ~~} [سبأ: 23] يعني: يسأل بعضهم عن بعض قالوا الحق يعني ما فهموا من الهيبة ~~كلامه ولكن يعلمون أنه يقول الحق ولا يقول الباطل { وهو العلي ~~الكبير } [سبأ: 23] أي: علي الشأن وكبير السلطان في ذاته وصفاته ~~وأفعاله. # { قل من يرزقكم من السموت } [سبأ: 24] سماوات القلوب ~~{ والأرض } [سبأ: 24] أرض النفوس { قل الله } [سبأ: 24] يشير ~~إلى أن ماء الفيض إذا نزل من سماء القلب وضياء شمس الروح إذا سطع من سماء ~~القلب على أرض النفس، وفيها بذر المعاملات الشرعية مزروع فمن الذي يرزق ~~من ثمراتها إلا الله؛ لأن ماء الفيض وضياء شمس الروح على أرض النفس ~~المزروعة ببذر أعمال الشريعة لا يثمر إلا بهبوب ريح العناية عليه { ~~وإنآ ms1311 أو إياكم لعلى هدى } [سبأ: 24] بالإيمان بهذه ~~الحقيقة أو هاهنا بمعنى الواو يعني أنا وإياكم لعلى هدى إذ نؤمن بهذا { ~~أو في ضلال مبين } [سبأ: 24] إن لم يؤمن بهذا. ### || [34.25-30] # قوله: { قل لا تسألون عمآ أجرمنا ولا نسأل عما ~~تعملون } [سبأ: 25] يشير إلى كل زارع يحصد زرعه لا زرع غيره { قل ~~يجمع بيننا ربنا } [سبأ: 26] يوم حصاد زرعنا، { ثم ~~يفتح } أي: يحكم { بيننا بالحق } [سبأ: 26] بأن يختص كل ~~واحد منا بحصاد زرعه { وهو الفتاح العليم } [سبأ: 26] أي: ~~حاكم عليم فيما يحكم به { قل أروني الذين ألحقتم به ~~شركآء } [سبأ: 27] من الدنيا والهوى والشيطان # ماذا خلقوا من الأرض # [فاطر: 40] أرض النفس شيئا أي شيئا من الأعمال النافعة المنجية # أم لهم شرك في السموت # [فاطر: 40] أي: لهم شرك مع سماوات القلوب بالواردات الروحانية والشواهد ~~الربانية. # ثم قال: { كلا } أي: ليس شريك في الأفضال والرحمة لهم شركة في حكم من ~~أحكامنا { بل هو الله } [سبأ: 27] أي: هذا كله من فضل الله ورحمته ~~{ العزيز } [سبأ: 27] الذي ليس له شريك في الإفضال والرحمة ولا مثل ~~ولا نظير { الحكيم } [سبأ: 27] الذي أفعاله مبنية على الحكمة لا على ~~العلة ثم أخبر عن رسالة المصطفى أنه إلى كافة الورى بقوله: { ومآ ~~أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا } [سبأ: ~~28] يشير إلى أن إرسال ماهية وجودك التي عبرت عنها مرة بنورك وتارة بروحي ~~من كتم العدم إلى عالم الوجود لم يكن منا إلا ليكون بشيرا ونذيرا للناس ~~كافة من أهل الأولين والآخرين والأنبياء والمرسلين، وإن لم يخلقوا بعد ~~لاحتياجهم بك من بدأ الوجود في هذا الشأن وغيره إلى الأبد. # كما قال صلى الله عليه وسلم: # " الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم " # فأما في بدأ وجودهم فالأرواح لما حصلت في عالم الأرواح بإشارة كن، ~~تابعين لروحك احتاجت إلى أن يكون لها بشيرا ونذيرا؛ لتعلقها بالأجسام ~~لأنها علوية بالطبع لطيفة روحانية، والأجسام سفلية بالطبع كثيفة ظلمانية ~~لا يتعلق بها، ولا يميل إليها لفساده بينهما، فيحتاج إلى بشير يبشرها ~~بحصول كمال لها عند ms1312 الأثقال بها لترغب إليها وتحتاج إلى نذير ينذرها ~~بأنها إن لم تتعلق بالأجسام يحرم عن كمالها، وتبقى ناقصة غير كاملة مثل ~~حبة فيها شجرة مركوزة بالقوة، وإن تزرع وتربي بالماء تخرج الشجرة من ~~القول إلى الفعل إلى أن تبلغ كمالها بشجرة مثمرة، فالروح بمثابة البذر، ~~والقالب بمثابة الأرض، والشخص الإنساني بمثابة الشجرة، والتوحيد والمعرفة ~~ثمرتها الشريفة بمثابة الماء لتربيتها والبشير والنذير بمثابة المربي، ~~فيعد تعلق الروح بالقالب واطمئنانه إليه واتصافه بصفة يحتاج إلى بشير ~~بحسب مقامه يبشره بنعيم الجنة وملك لا يبلى، ثم يبشره بقرب الحق تعالى ~~ويشوقه إلى جماله ويعده بوصاله وبنذير ينذره أولا بنار جهنم يوعده ~~بالبعد عن الحق، ثم بالقطيعة والهجران. # وإذا أمعنت النظر وجدت شجرة الموجودات منبتة من بذر روحه صلى الله عليه ~~وسلم وهو ثمرة هذه الشجرة مع جميع الأنبياء والمرسلين، وأنهم وإن كانوا ~~ثمرة هذه الشجرة أيضا ولكن وجدوا هذه المرتبة بتبعية كماله لا من بذر ~~واحد يظهر على الشجرة ثمار كثيرة بتبعية ذلك البذر الواحد فيجد كل بشير ~~ونذير فرعا لأصل بشريته ونذيريته، والذي يدل على هذا التحقيق قوله ~~تعالى: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107] دخلت شجرة الموجودات كلها تحت الخطاب وبقوله: # ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [الروم: 6] يشير إلى أن أكثر الناس الذين هم أجزاء وجود الشجرة، وما ~~وصلوا إلى رتبة الثمرية لا يعلمون حقيقة ما قدرنا؛ لأن أحوال الثمرة ليست ~~معلومة للشجرة إلا لثمرة مثلها ووصفها ليكون واقفا بحالها. # وبقوله: { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين } [سبأ: 29] يشير إلى أرباب الطلب واستعجالهم فيما وعدهم من ~~رتبة الثمرة يعني متى نقل إلى الكمال الذي بشرتمونا به بقوله: { قل ~~لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا ~~تستقدمون } [سبأ: 30] مجيئهم كما أن الثمرة لكل شجرة وقتا ~~معلوما لإدراكها وبلوغها إلى كمالها كذلك لكل طالب وقت معلوم بلاغه إلى ~~رتبة كماله، كما قال تعالى: # حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة # [الأحقاف: 15]؛ ولهذا السر قال تعالى مع حبيبه صلى الله عليه وسلم: ms1313 # فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل # [الأحقاف: 35] بهذا يشير إلى أن لنيل كل مقام صبرا مناسبا لذلك المقام ~~فكما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان من أولي العزم من الرسل أمر ~~بصبر أولي العزم كذلك أمر صاحب المقام وطالبه بصبر أهله. ### || [34.31-34] # وقوله: { وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا ~~القرآن ولا بالذي بين يديه } يشير إلى كفار النفس ~~وصفاتها وكفرهم بحقائق القرآن والكتب المنزلة { ولو ترى إذ ~~الظالمون } وهم النفوس الكفرة والقلوب الظالمة صرفت استعدادها من ~~غير موضعها { موقوفون عند ربهم } [سبأ: 31] بحجب صفاتهم { ~~يرجع بعضهم } [سبأ: 31] وهم النفوس المستكبرة { إلى بعض ~~القول } وهم القلوب المستضعفة { يقول الذين استضعفوا ~~للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين } [سبأ: ~~31]. # { قال الذين استكبروا للذين استضعفوا } [سبأ: ~~32] من النفوس للقلوب { أنحن صددناكم عن الهدى } عن طريق ~~الحق { بعد إذ جآءكم } يشير إلى أن الله عز وجل هداكم للإيمان، ~~ولو كان هدى الله قد جاءكم كيف نقدر أن نصد عنكم هدى الله { بعد إذ ~~جآءكم بل كنتم مجرمين } [سبأ: 32] في إفشاء استعداد قبول ~~الإيمان وصرفه في غير موضعه { وقال الذين استضعفوا } [سبأ: ~~33] من القلوب مجيبين { للذين استكبروا } [سبأ: 33] من النفوس ~~المتمردة { بل مكر اليل والنهار إذ تأمروننآ أن ~~نكفر بالله } [سبأ: 33] يعني مكرتم بالليل والنهار على الدوام ~~مكرا إذ كنتم تأمروننا بالهواجس النفسانية أن نتبع الهوى، ونتخذها إلها ~~ونكفر بالله بترك أوامره ونواهيه ونجعل له أنداد من الشهوات الدنيوية، ~~فبهذا المكر قطعتم علينا طريق الحق تعالى: { وأسروا الندامة } ~~[سبأ: 33] الفريقان أي: أظهرها { لما رأوا العذاب } [سبأ: 33] ~~حين ما نفعهم الإيمان والندامة { وجعلنا الأغلال في أعناق ~~الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } ~~[سبأ: 33] التي اتخذوها من الأعناق ما يفلح لغل الأعناق. # وقوله: { ومآ أرسلنا في قرية من نذير } [سبأ: 34] ~~يشير إلى إرسال نذير إلهام رباني في قربة الشخص الإنساني { إلا قال ~~مترفوهآ } أي: النفس وصفاتها الأغنياء والمنتقمون بالدنيا { إنا ~~بمآ أرسلتم به } [سبأ: 34] من أعمال الخير والأخلاق الحميدة { ~~كافرون } [سبأ: 34] جاحدون. ### || [34.35-39] ms1314 # { وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا } [سبأ: 35] ~~منكم افتخروا بما هو فتنة لهم بقوله: # إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة # [التغابن: 15] { وما نحن بمعذبين } [سبأ: 35] من عذاب الفقر ~~والفقر هو مفتخر نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله: # " الفقر فخري " # وهم يعدون بجهلهم من العذاب وهو عين الرحمة { قل إن ربي ~~يبسط الرزق لمن يشآء } [سبأ: 36] به فتنة { ويقدر } ~~لمن يشاء به رحمة { ولكن أكثر الناس } [سبأ: 36] من أهل ~~الغفلة والخذلان { لا يعلمون } [سبأ: 36] هذه الحقيقة بل يظنون أن ~~الغنى هو الرحمة والفقر هو النقمة. # ثم أخبر عن فساد الأموال والأولاد بقوله تعالى: { ومآ أموالكم ~~ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى } [سبأ: ~~37] يشير إلى أن لا يستحق الزلفى عند الله بالمال والأولاد؛ لأن المال ~~والأولاد مما زين للناس حبه، وحب غير الله يوجب البعد عن الله كما قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " حبك الشيء يعمي ويصم " # يعني: يعميك عن رؤية غيره، وهذا أمارة كمال البعد، فإن كمال البعد يورد ~~العمى والصم قال الشاعر: # وعارضته وصلا قصا إذ # دعت وأحببت من ورقا # تدعوا فاسمع ولكن من موجبات القربة الأعمال الخالصة والأحوال الصافية ~~والأنفاس الزاكية بل العناية السابقة والهداية اللاحقة والرعاية الصادقة ~~لقوله: { إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم ~~جزآء الضعف } [سبأ: 37] يضاعف على ما كان لمن يقدمهم من الأمم { ~~وهم في الغرفات } [سبأ: 37] أي: درجات القربات { آمنون } ~~[سبأ: 37] من الهجران والقطيعة. # { والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في ~~العذاب محضرون } [سبأ: 38] هم الذين لا يحرسون الأولياء ولا ~~يراعون حق الله في السر فهم في عذاب الاعتراض على أولياء الله وعذاب ~~الوقوع بشؤم ذلك في ارتكاب محارم الله في عذاب السقوط من عين الله { قل ~~إن ربي يبسط الرزق لمن يشآء من عباده } [سبأ: ~~39] فكما أن رزق النفس هو الطعام والشراب كذلك، رزق القلب: هو اليقين ~~والاطمئنان بذكر الله تعالى، ورزق السر: أسرار القرآن والذكر، ورزق ~~الروح: حقائق القرآن وحكمه، ورزق الخفي: وهو ستر السر للمشاهدات ~~والمعاينات والكشوف، فيبسط { لمن يشآء } [سبأ: 39] { ويقدر } ~~[سبأ: 39] لمن ms1315 يشاء { ومآ أنفقتم من شيء } [سبأ: 39] من ~~الموجودات والوجود فهو يخلقه من الموجود الفاني في الوجود الباقي، ومن ~~الوجود المجازي إلى الوجود الحقيقي فمن الخلف في الدنيا الرضا بالعدم ~~والفقر صورة ومعنى، وهو أتم من السرور بالموجود والوجود وبقوله: { وهو ~~خير الرازقين } [سبأ: 39] فيشير إلى أنه خير المنفقين؛ لأن خيرية ~~المنفق بقدر خيرية النفقة فما ينفق كل منفق من النفقة فهو فان، وما ينفق ~~الله من نفقة ليخلقه لها فهي باقية والباقيات خير من الفانيات. ### || [34.40-44] # ثم أخبر عن حال النشر والحشر بقوله: { ويوم يحشرهم جميعا ~~ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا ~~يعبدون } [سبأ: 40] يشير إلى أنه كما يعبد قوم الملائكة يقول ~~الشيطان وإذا سأل الملائكة { أهؤلاء إياكم كانوا ~~يعبدون } [سبأ: 40] يبشرون الملائكة منهم وينزهون الله ويقولون ~~سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن كذلك من يعبد الله بقول ~~الوالدين والأستاذين أو أهل بلده أو بالتعصب والهوى كما يعبدون اليهود ~~والنصارى والصابئون والمجوس وأهل البدع والأهواء يتبرأ منه ويقول: أنا ~~منزه من أن أعبد، يقول: من يعبدني بالهوى أو أعبد بالهوى فإن من عبدني ~~بالهوى فقد عبد الهوى ومن عبدني بإعانة أهل الهوى إياه على تعبدي فقد عبد ~~أهل الهوى لأنه ما عبدني مخلصا كما أمرته # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين # [البينة: 5] ولهذا المعنى أمرنا الله عز وجل أن نقول في عبادته في ~~الصلاة # إياك نعبد # [الفاتحة: 5] أي: لم نعبد غيرك # وإياك نستعين # [الفاتحة: 5] على عبادتك لنعبدك بإعانتك لا بإعانة غيرك. # وبقوله: { أكثرهم بهم مؤمنون } [سبأ: 41] يشير إلى أن ~~أكثر مدعي الإسلام بأهل الهوى يؤمنون أي: بتقليدهم وتصديقهم فيما يقيمون ~~إليه من البدع والاعتقاد السوء وبقوله: { فاليوم لا يملك ~~بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا } [سبأ: 42] يشير إلى أن من ~~علق قلبه بالأغيار وظن صلاح حاله من الاحتيال والاستعانة بالأمثال ~~والأشكال نزع الله الرحمة من قلوبهم ويتركهم ويشوش أحوالهم، فلا لهم من ~~الأشكال والأمثال معونة ولا لهم من عقولهم في أمورهم استبصار ولا إلى ~~الله رجوع ms1316 إلا في الدنيا، فإن رجعوا إليه في الآخرة لا يرحمهم ولا يجيبهم ~~كما قال: { ونقول للذين ظلموا } [سبأ: 42] عبدوا غير الله { ~~ذوقوا عذاب النار } [سبأ: 42] نار البعد والقطيعة { التي ~~كنتم بها تكذبون } [سبأ: 42]. # وبقوله: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ~~ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان ~~يعبد آبآؤكم } [سبأ: 43] يشير إلى أن صاحب نظر من أرباب الولاية ~~إذا دل الناس على الله ودعاهم إليه قال إخوانهم السوء وإخوانهم الجهلة، ~~والمهجرون من أهل الغفلة من الأقارب ومن أبناء الدنيا، وربما كان من ~~العلماء السوء الذين أسكرتهم محبة الدنيا وقال صلى الله عليه وسلم فيهم: # " أولئك قطاع الطريق على عبادي " # هذا رجل يريد اصطيادكم واستتباعكم لتكونوا من أتباعه وأعوانه ومريديه، ~~ويصدكم عن مذاهبكم ويطمع في أموالكم ومن ذا الذي يطيق أن يترك الدنيا ~~بالكلية ويقطع عن أقاربه وأهاليه ويضيع أولاده ويعق والديه، وليس هذا ~~طريق الحق وإنك لا تتم هذا الأمر ولا بد لك من الدنيا ما دمت تعيش وأمثال ~~هذا حتى يميل ذلك المسكين من مدلول النصح في الإقبال على الله والإعراض ~~عن الدنيا، وربما كان له هذا من خواطره الذميمة نية وهواجس نفسه الردية ~~فيهلك ويضل { وقالوا ما هذآ } [سبأ: 43] يعني نصح هذا الناصح { ~~إلا إفك مفترى } [سبأ: 43] لأغراض فاسدة { وقال الذين ~~كفروا } [سبأ: 43] وجحدوا وأنكروا { للحق لما جآءهم } ~~[سبأ: 43] على لسان أولياء الله وأهل الحق { إن هذآ إلا سحر ~~مبين } [سبأ: 43]. # وبقوله: { ومآ آتيناهم من كتب يدرسونها } [سبأ: 44] ~~يشير إلى أنهم يعني هؤلاء المنكرين ما قرءوا في كتب أنزلناها هذا الإنكار ~~والاعتراض وصد الطالبين عن سبيل الرشاد { ومآ أرسلنا إليهم ~~قبلك من نذير } [سبأ: 44] يعني: وما صحبوا شيخا كاملا قبل ~~هذا ليميز بنور صحبته كذلك وافتراءك. ### || [34.45-49] # ثم يقول تعالى في تكذيبهم أهل الحق { وكذب الذين من قبلهم ~~} [سبأ: 45] يعني من المنكرين { وما بلغوا } [سبأ: 45] يعني هؤلاء ~~المنكرين { معشار مآ ءاتيناهم } [سبأ: 45] من الإنكار والجحود ~~{ فكذبوا رسلي فكيف كان نكير } [سبأ: 45] أي: اعتبروا ~~بمن كان قبلكم ms1317 من منكري المشايخ ومكذبي الرسل ما كان عاقبة إنكارهم إلا ~~بحرمان في الدنيا عن مراتب الدين وفي الآخرة عذاب نار القطيعة { قل } ~~[سبأ: 46] يعني للمنكرين { إنمآ أعظكم بواحدة } [سبأ: 46] ~~وهي { أن تقوموا لله } لا بالهوى لكشف أحوال أهل الحق { ~~مثنى وفرادى } أي: إذ سولت لكم أنفسكم تكذيبهم فأمعنوا النظر هل ~~ترون فيهم آثار ما رميتموهم به من الكذب والافتراء وطبع المال والجاه { ~~ثم تتفكروا } [سبأ: 46] جميعا فتعلموا { ما بصاحبكم ~~من جنة } [سبأ: 46] كما ظننتم به { إن هو إلا نذير ~~لكم } [سبأ: 46] بلسان ينطق بالحق { بين يدي عذاب شديد } ~~[سبأ: 46] في الدنيا والآخرة لينجيكم عنه فالعذاب الشديد في الدنيا الجهل ~~والنكرة والجحود والإنكار والطرد واللعن من الله وفي الآخرة هي الحسرة ~~والندامة والخجلة عند السؤال، وفي بعض الأخبار إن غدا يسألهم الحق فيقع ~~عليهم الخجلة يقولون عذبنا يا ربنا بما شئت من أنواع العقوبة ولا تعذبنا ~~بهذا السؤال. # ثم أخبر عن أمر الآخرة بقوله تعالى: { قل ما سألتكم من أجر ~~فهو لكم } [سبأ: 47] يشير إلى أن من شرط دعوة الحق إلى الله أن ~~تكون خالصة لوجه الله لا يشوبها طمع في الدنيا والآخرة، كما قال: { إن ~~أجري إلا على الله } [سبأ: 47] وفي الآية دليل على أنه صلى ~~الله عليه وسلم قد سألهم شيئا من الأجر ثم رده إليهم بقوله: فهو لكم، ~~وأما ما سأل منهم ما أمره الله تعالى بقوله: # لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى # [الشورى: 23] ثم أمره بردها إليهم بقوله: ما سألتكم عليه من أجر إلا ~~المودة في القربى فهو رد إليكم ليكون مودتهم خالصة لله ويكون أداء رسالتي ~~خالصا لوجه الله { وهو على كل شيء } [سبأ: 47] يصدر مني ~~ومنكم { شهيد } [سبأ: 47] يجازينا بحسب نيتنا وصدق عقيدتنا. # { قل إن ربي يقذف بالحق } [سبأ: 48] على أفعال أهل ~~الخلاف فيضمحل اجتراؤهم ويحيق بهم شؤم معاصيهم ويقذف بالحق إذا حضر أصحاب ~~المعاني على ظلمات أصحاب الدعاوى فيحمل ما أنذرهم ويفتضحون في الحال ~~ويفضح عوارهم، وذلك لأنه تعالى { علام الغيوب } ، وإنما ms1318 ذكر ~~الغيوب بلفظ الجمع؛ لأنه عالم بغيب كل واحد، وما في ضمير كل واحد، وأنه ~~تعالى عالم بما يكون في ضمير أولاد كل أحد إلى يوم القيامة، وإنما قال ~~علام بلفظ المبالغة ليتناول علمه معلومات الغيوب في الحالات المختلفة كما ~~هي بلا تغير في العلم عند تغير المعلومات من حال إلى حال بحيث لا يشغله ~~شأن حال عن حال { قل جآء الحق وما يبدىء الباطل وما ~~يعيد } [سبأ: 49] على مرور الأيام لا يريد الباطل إلا زهوقا والحق لا ~~يزداد على ممر الأيام إلا قوة وظهورا. ### || [34.50-54] # وبقوله: { قل إن ضللت فإنمآ أضل على نفسي } [سبأ: ~~50] يشير إلى أن الضلالة منشؤها نفس الإنسان، فإذا وكلت النفس إلى طبعها ~~لا يتولد منها إلا الضلالة وبقوله: { وإن اهتديت فبما يوحي ~~إلي ربي } [سبأ: 50] يشير إلى أن الهداية من مواهب الحق تعالى ليس ~~نفسي منشؤها، ولذلك قال الله تعالى فيه # ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى: 7] { إنه سميع } [سبأ: 50] من الأزل بمنطق كل ناطق ~~وتسبيح كل مسبح من الناطقين والجمادات إلى الأبد، وهم في كتم العدم وفي ~~حال وجودهم بحيث لا يشغله شأن من الناطقين والجمادات إلى الأبد، وهم في ~~كتم العدم وفي حال وجودهم بحيث لا يشغله شأن سمع مسموع عن شأن سمع مسموع ~~آخر بلا تغير سمعه عند تغير المسموعات { قريب } [سبأ: 50] بكل شيء وإن ~~كان بعيدا منه، وقرب من ليس يقربه قرب { ولو ترى إذ فزعوا ~~فلا فوت } [سبأ: 51] أي: لو رأيت ذلك لرأيت منظرا فظيعا { ~~وأخذوا من مكان قريب } [سبأ: 51] إذا أخذهم بعد الإمهال ~~فليس إلا الاشتغال. # { وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش } [سبأ: 52] ~~إذا تابوا وقد أغلقت الأبواب وندموا وقد تقطعت الأسباب فليس إلا الخسران ~~والندم، ولات حين ندامة، كذلك من استهان بتفاصيل فترته، ولم يستفق ~~من غفلته يتجاوز عنه مرة، ويعفى عنه كرة، فإذا استمكنت ~~منه القسوة وتجاوز سوء الأدب حد الغفلة، وزاد على مقدار ~~الكثرة؛ يحصل له من الحق رد، ويستقبله حجاب، وبعد ذلك لا يسمع له ~~دعاء، ولا ms1319 يرحم له بكاء، كم قيل: # فخل سبيل العين بعدك للبكا # فليس لأيام الصفاء رجوع # وبقوله { وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب ~~من مكان بعيد } [سبأ: 53] يشير إلى خواصه يتمنون معارف الأسرار ~~ومراتب الأحرار وهم بعد في أيدي كفار الأوصاف مأسورون وبقيود الحواس ~~مقيدون، ولا يرمون الظنون الكاذبة ويردفون المعاني الصادقة { وحيل ~~بينهم وبين ما يشتهون } [سبأ: 54] قال: " الدين ليس ~~بالتمني " { كما فعل بأشياعهم من قبل } أي: كما فعل ~~بطريق الحرمان باتكالهم من المتمنين المتقدمين الذين { إنهم ~~كانوا في شك } في حقيقة هذا الأمر { مريب } لغير موقع في ~~الريبة. ### | [35 - سورة فاطر] ### || [35.1-5] # { الحمد لله فاطر السموت } [فاطر: 1] يشير إلى أن ذاته ~~تعالى مستحق للمدح والثناء والشكر من الأزل إلى الأبد بحمد أزلي أبدي وهو ~~حمده لذاته تعالى فهو الحامد والمحمود، كما قال: المراد فاطر خالق مبدئ ~~معناه أول شيء تعلقت به القدرة سماوات الأرواح { والأرض } [فاطر: 1] ~~أرض النفوس، ثم بقوله: { جاعل الملائكة رسلا } [فاطر: 1] ~~يشير إلى أنه تعالى خلق الملائكة وخلق أرواح الإنسان وبقوله: { أولي ~~أجنحة مثنى وثلاث ورباع } [فاطر: 1] يشير إلى كمالية ~~استعداد بعضهم على بعض { يزيد في الخلق ما يشآء } [فاطر: 1] ~~يشير إلى زيادة فيما خلق من الأرواح والملائكة وما يندرج تحت الخلقية، ~~فإنه ذكر أشرف المخلوقات. # ثم قال { يزيد في الخلق ما يشآء } [فاطر: 1] يعني: يزيد في ~~الخلق ما ليس الخلق وهو الفيض الإلهي وهو حقيقة الأمانة التي اختص ~~الإنسان بحمدها، وأنه تعالى زاد في استعداد الإنسان حسن تقويم لقبول ~~الفيض الإلهي على استعداد الملك، ولهذا أبين أن يحملنها وأشفقن منها ومن ~~أكرم هاهنا فهذه الزيادة في خليقته يكرم غدا بتلك الزيادة التي قال ~~تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26] وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة بالرؤية، وذلك لأن ~~رؤية الله ليست من الخلق وليس للخلق استعداد رؤية الله. # كما قال تعالى: # لا تدركه الأبصر # [الأنعام: 103] بل بنور فيضه وهي مخلوقة الحسنى أي: الجنة وهي مخلوقة ~~وزيادة يعني على المخلوق وهي من المواهب الإلهية ms1320 بإفاضة الفيض الإلهي ~~بحسب استعداد الخلق في قبولها { إن الله على كل شيء } ~~[فاطر: 1] من الاستعدادات في قبول هذه الزيادة والإباء عنها { قدير } ~~[فاطر: 1]. # { ما يفتح الله للناس من رحمة } [فاطر: 2] أي: من ~~رحمة هذه الزيادة من الفيض { فلا ممسك لها } [فاطر: 2] من ~~المخلوقات شيء { وما يمسك } [فاطر: 2] من رحمة هذا الفيض من الملك ~~{ فلا مرسل له } [فاطر: 2] يعني: من الفيض الإلهي { من بعده ~~} [فاطر: 2] أي: بعد الله { وهو العزيز } [فاطر: 2] فبعزته أمسك ~~فيضه ممن أمسك { الحكيم } [فاطر: 2] فبحكمته أرسل فيضه إلى من أرسل. # وبقوله: { يأيها الناس } [فاطر: 3] يشير إلى الناسين للأيام ~~التي كانوا في جواره { اذكروا نعمت الله عليكم } [فاطر: ~~3] في ذلك الجوار فمن ذكر نعمته فصاحب عبادة وقابل زيادة ومن ذكر المنعم ~~فصاحب إرادة ومحبة ونائل زيادة ولكن فرقا بين زيادة وزيادة هذا زيادته ~~في الدارين عطاؤه، وهذا زيادته في الدارين لقاؤه اليوم شرا بشر من حيث ~~المشاهدة وغدا جهرا بجهر من حيث المعاينة والنعمة على قسمين: ما دفع من ~~المحن، وما منح من المنن، فذكره عما دفع عنه يوجب دوام العصمة وذكره لما ~~نفعه به يوجب تمام النعمة. # { هل من خالق غير الله يرزقكم } [فاطر: 3] يشير إلى ~~أن الرزاق هو الخالق فحسب { يرزقكم من السمآء } [فاطر: 3] ~~أي: من سماء الأرواح ماء الفيض { والأرض } أرض النفوس نيات الأعمال ~~الصالحة وفائدة من هذا التعريف أنه إذا عرف أنه لا رازق غيره لم يتعلق ~~قلبه بأحد في طلب شيء ولا يتذلل للارتفاق بالمخلوق، وكما لا يرى رزقه من ~~مخلوق لا يراه من نفسه أيضا فيتخلص عن ظلمات تدبيره واحتياله وتوهم شيء ~~من أمثاله وأشكاله ويستريح بشهود تقديره ولا محالة يخلص في توكله ~~وتفويضه. # وقوله: { لا إله إلا هو فأنى تؤفكون } [فاطر: 3] ~~يشير إلى أنه لما تحقق أنه ليس متصرف غيره فمن أين يكذبون الرسل إلا ~~بحكمه وتقديره وله حكمة في ذلك وبقوله: { وإن يكذبوك فقد ~~كذبت رسل من قبلك } [فاطر: 4] يشير إلى تسلية الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ولأولياء أمته ms1321 وتسهيل للصبر على الأذية إذا علم أن ~~الأنبياء - عليهم السلام - استقبلهم مثل ما استقبله وإنهم لما صبروا ~~والله كفاهم كذلك يسلك سبيلهم ويهتدي بهم وكما كفاهم علم أنه أيضا يكفيه ~~وليعلم أرباب القلوب أن حالهم مع الأجانب في هذه الطريقة كأحوال الأنبياء ~~- عليهم السلام - مع السفهاء من أممهم فإنهم لا يقبلون منهم إلا القليل ~~من أهل الإرادة، وقد كان أهل الحقائق أبدا منهم في مقاساة الأذية إلا بسر ~~حالهم عنهم والعوام أقرب إلى هذه الطريقة من العباد المتقشفين والعلماء ~~الذين هم لهذه الأصول ينكرون. # وقوله: { وإلى الله ترجع الأمور } [فاطر: 4] يشير إلى أمر ~~إقرار المقرين وإنكار المنكرين أنه ليس إليهم وأنه يرجع إلى تقدير عليم ~~حكيم أنه يعلم بحال جميعهم وبحكمته يدبر أمورهم على وفق معيشته وإرادته. # ثم أخبر عن غرور أهل الفتور لقوله: { يأيها الناس إن وعد ~~الله حق } [فاطر: 5] يشير إلى كل ما وعد به الله من الثواب والعقاب ~~والدرجات في الجنة والدركات في النار والقربات في أعلى عليين وفي مقعد ~~صدق عند مليك مقتدر والبعد إلى أسفل سافلين حق، فإذا علم ذلك استعد للموت ~~قبل نزول الموت ولا يهتم للرزق ولا يتهم الرب في كفاية الشغل ونشط في ~~استكثار الطاعة ثقة بالمقسوم. # { فلا تغرنكم الحياة الدنيا } [فاطر: 5] بزينتها ~~وشهواتها فتقطع بهما على الطالب الصادق طريق الطلب من الرياضات ~~والمجاهدات وترك الأوطان ومفارقة الإخوان { ولا يغرنكم } ~~الشيطان وهو الغرور بالله وكرمه وعفوه وسعة رحمته، فإنه أكرم الأكرمين مع ~~أهل الكرم، وشديد العقاب مع أهل العقاب والعذاب. ### || [35.6-9] # { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدو } [فاطر: 6] ~~وعداوته بدوام مخالفته، فإن من الناس من يعاديه بالقول والقلب؛ ولكن ~~يوافقه بالفعل بل يعبده فإن عبادة الشيطان هي طاعته، وهذا مما أخذوا عليه ~~العهد يوم الميثاق بقوله: # ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين # [يس: 60] أي: لا تطيعوه فإن في طاعته مخالفتنا وفي مخالفته طاعتنا، وفي ~~عداوته محبتنا ولا يقوى إلا بملازمة الذكر ودوام الاستعانة بالرب وتلك ms1322 ~~الاستعانة صدق الاستغاثة والشيطان لا يفتر في عداوتك فلا تغفل عن كيده ~~بذكر مولاك لحظة، فإنه يدعوك على التأييد لتكون من حزبه. # كما قال تعالى: { إنما يدعوا حزبه } [فاطر: 6] وحزبه ~~المعرضون عن الله المشتغلون لغير الله { ليكونوا من أصحاب ~~السعير } { الذين كفروا لهم عذاب شديد } [فاطر: 7] ~~بعذاب معجل وعذاب مؤجل فعجل تفرقة قلوبهم، وانسداد بصائرهم وخساسة أنفسهم ~~حتى أنهم يرضون بأن يكون معبودهم الأصنام والهوى والدنيا والشيطان وعذاب ~~الآخرة مما لا يخفى صعوبته # الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم ~~مغفرة وأجر كبير # [هود: 11] في المعجل يستر ذنوبهم ولولا ذلك لافتضحوا بكشف الحجب، وفي ~~المؤجل تمحى الذنوب عن ديوانهم ولولا ذلك لهلكوا، والأجر الكبير اليوم ~~سهولة العبادة ودوام المعرفة وما يناله في قلبه من زوائد اليقين وخصائص ~~الإحسان وأنواع المواهب وفي الآخرة تحقيق السؤال ونيل ما فوق المأمول. # { أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا } [فاطر: 8] ~~يشير به إلى دركات الشقاء في الكافر يتوهم أن عمله حسن كما قال تعالى: # وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا # [الكهف: 104] ثم الراغب في الدنيا يجمع حلالها وحرامها ويحرس حطامها ~~بمتابعة شهوة ساعة فلقد زين له سوء عمله والذي يؤثر على دينه شيئا من ~~المخلوقات فهو من جملتهم والذي يتوهم أنه إذا وجد نجاته ودرجاته في الجنة ~~فقد اكتفى فقد زين له سوء عمله فرآه حسنا، ومعنى الآية: فمن زين له سوء ~~عمله فرآه حسنا كمن زينت له الدنيا بحذافيرها والآخرة بنعيمها فرآها ~~حسنا إلى قربات الحق ومواهبه قبيحا ولم يلتفت إليها أي: لا يستويان. # وبقوله: { فإن الله يضل من يشآء ويهدي من يشآء } ~~[فاطر: 8] يشير إلى أنه ليس للإنسان اختيار حقيقي ليرى الحسن حسنا ~~والقبيح قبيحا أو حسنا، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { فلا ~~تذهب نفسك عليهم حسرات } [فاطر: 8] يعني: إذا عرضت سر ~~التقدير ومقتضى الحكمة وعلمت أنهم سقطوا من غير الله ودعوتهم جهرا وبذلت ~~لهم نصحا فأجابتهم: ليس إليك ولا إليهم على الحقيقة فلا تضع على قلبك من ~~ذلك مشقة وعناء { إن ms1323 الله عليم بما يصنعون } [فاطر: 8] ~~وإنما يصنعون بحكمة منه واختيار في ذلك. # وبقوله: { والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا ~~فسقناه إلى بلد ميت } [فاطر: 9] يشير إلى أنه تعالى من ~~سنته إذا أراد إحياء أرض يرسل الرياح فتثير سحابا ثم يوجه ذلك السحاب ~~إلى الموضع الذي يريد تخصيصا له كيف يشاء ويمطر هناك كيف يشاء كذلك إذا ~~أراد إحياء قلب ما يسقيه وينزل عليه من أمطار عنايته فيرسل أولا رياح ~~الرجاء ويزعج بها كوامن الإرادة ثم ينشئ فيه سحاب الاحتياج ولوعة ~~الانزعاج، ثم يأتي بمطر الجود فينبت به في القلب أزهار البسط وأنوار ~~الروح ويطيب لصاحبه العيش إلى أن تتم لطائف الأنس وذلك قوله: { ~~فأحيينا به الأرض } [فاطر: 9] أرض القلب { بعد موتها } ~~باستيلاء صفات النفس عليها { كذلك النشور } يوم الحشر. ### || [35.10-13] # وبقوله: { من كان يريد العزة } [فاطر: 10] يشير إلى أن ~~الإنسان خلق ذليلا مهينا محتاجا إلى كل شيء ولا يحتاج شيء إلى شيء ~~كاحتياج الإنسان إلى الأشياء كلها واحتياج كل شيء لشيء دون شيء إلا ~~الإنسان والذلة قدر الحاجة، فمن ازدادت حاجته ازدادت مذلته { فلله ~~العزة جميعا } لعدم احتياجه وكل شيء ذليل لاحتياجه إليه فلما كان ~~احتياج الإنسان كاملا مكان ذله كاملا. # قال تعالى: { من كان يريد العزة فلله العزة ~~جميعا } [فاطر: 10] أي: لا تطلب العزة من غير الله؛ لأنه ذليل أيضا ~~لله فبقدر قطع النظر عن الأشياء وطلب العزة منه ينقص ذلة العبد ويزيد ~~عزته إلى أنه لا يبقى له الاحتياج إلى غير الله ولا يزيل الاحتياج ~~والافتقار إلى غير الله من القلوب إلا بنفي لا إله، وإثبات إلا الله، ~~فبالنفي يقطع تعلقاته عن الكونين، وبالإثبات يتوجه بالكلية إلى الحق ~~تعالى، فإذا لم يبق له تعلق ترجع حقيقة الكلمة إلى الحضرة، كما أن النار ~~تستنزل من الفلك الأثير باصطكاك الحجر والحديد، ثم يوقد بها شجرة فالنار ~~تأكل الشجرة وتفنيها من الحطيبة وتبقيها بالنارية إلى أن تفنى الشجرة ~~بالكلية فلما لم يبق من وجود الحطب شيء ترجع النار إلى الأثير وهذا ms1324 سر ~~قول الله: { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه } [فاطر: 10]. # والعمل الصالح هو أركان الشريعة فأول ركن منها كمال استنزال نار نور ~~الله من أثير الحضرة باصطكاك حديد " لا إله إلا الله " وحجر القلب القاسي ~~فلما وقعت النار في شجرة الوجود الإنساني عمل العبد بركن من الأركان ~~الخمسة التي بني الإسلام عليها، والأركان الأربعة الباقية هي العمل ~~الصالح الذي يقلع أصل الشجرة من أرض الدنيا ويقطعها قطعا تستعد به ~~لقبولها النار واشتعالها بالنار واحتراقها بها لتقع النار إلى أن تحترق ~~الشجرة بالكلية، وترفع بالعبور عن الشجرة إلى أثير الحضرة ولما كانت ~~الشجرة مشتعلة بتلك النار آنس موسى عليه السلام من جانب الطور نارا # فلمآ أتاها نودي من شاطىء الوادي الأيمن في ~~البقعة المباركة من الشجرة # [القصص: 30] على لسان الشعلة: # إني أنا الله رب العالمين # [القصص: 30] تأمله تفهم إن شاء الله تعالى. # وقوله: { والذين يمكرون السيئات } [فاطر: 10] فيشير إلى ~~الذين يظهرون الحسنات بالمكر ويخفون السيئات من العقائد الفاسدة؛ ~~ليحسبوهم الخلق من العالمين الصادقين. # { لهم عذاب شديد } [فاطر: 10] وشدة عذابهم في تضعيف عذابهم، ~~فإنهم يعذبون بالسيئات التي يخفونها ويضاعف لهم العذاب بمكرهم في إظهار ~~الحسنات دون حقيقتها، كما قال تعالى: { ومكر أولئك هو يبور ~~} [فاطر: 10] أي: مكرهم يهلكهم. # وبقوله: { والله خلقكم من تراب } [فاطر: 11] يشير إلى ~~أنكم أبعد شيء من المخلوقات إلى الحضرة؛ لأن التراب أسفل المخلوقات ~~وكثيفها فإن فوقها ماء وهو الطبيعة، وفوق الماء هواء وهو ألطف من الماء ~~وفوق الهواء الأثير وهو ألطف من الهواء، وفوق الأثير السماء وهي ألطف من ~~الأثير ولكن لا تشبه لطافة السماء بلطافة ما تحتها من العناصر؛ لأن لطافة ~~العناصر من لطافة الأجسام ولطافة السماء من لطافة الأجرام فالفرق بينهما ~~أن لطافة الأجسام تقبل الخرق والالتئام ولطافة السماوات لا تقبل الخرق ~~والالتئام إلا أن يشاء الله وفوق كل سماء ما هو ألطف منه إلى الكرسي وهو ~~ألطف من السماوات وفوقه العرش وهو ألطف من الكرسي، وفوقه عالم الروح وهو ~~ألطف من العرش ولكن لا ms1325 تشبه لطافة الأرواح بلطافة العرش والسماوات؛ لأنها ~~لطافة الأجرام فالفرق بينهما أن لطافة الأجرام قابلة للجهات الست، ولطافة ~~الأرواح غير قابلة للجهات وفوقه الله # وهو القاهر فوق عباده # [الأنعام: 18] وهو ألطف من الأرواح ولكن لطافته لا تشبه لطافة الأرواح؛ ~~لأن لطافة الأرواح نورانية علوية محيطة بما دونها إحاطة العلم بالمعلوم ~~والله منزه عن هذه الأوصاف # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # [الشورى: 11]. # قوله: { ثم من نطفة } [فاطر: 11] أي: ثم خلقكم من نطفة، يشير ~~إلى أنه خلقكم من أسفل المخلوقات وهي النطفة؛ لأن التراب نزل دركة المركب ~~ثم دركة النباتية ثم دركة الحيوانية ثم دركة الإنسانية، ثم دركة النطفة، ~~فهي أسفل سافلين المخلوقات، وهي آخر خلق خلقه الله من أصناف المخلوقات ~~كما أن أصناف آخر شيء على الشجرة آخر شيء يخلقه الله تعالى وهو البذر ~~الذي يصلح أن يؤخذ من الشجرة، فالبذر آخر صنف خلق من أصناف أجزاء الشجرة. # وقوله: { ثم جعلكم أزواجا } [فاطر: 11] يشير إلى ازدواج ~~الروح والقالب، فالروح على أعلى مراتب القهر والقالب من أسفل دركات ~~البعد، فبكمال القدرة والحكمة جمع بين أقرب الأقربين؛ ليكونا بالروح ~~والفناء وأبعد الأبعدين ورتب للقالب على ظاهره الحواس الخمس وفي باطنه ~~قوى البشرية ورتب للروح المدركات الروحانية؛ ليكون بالروح والقالب مدركا ~~لعالم الغيب والشهادة. # وبقوله: { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ~~} [فاطر: 11] يشير إلى أن كل أنثى ووضع حملها إنما هو بتقديره وبعلمه ~~بكيف وكيفية على وفق حكمته وإرادته { وما يعمر من معمر } ~~إلا وله في تعميره إلى أجل يعمر بأمر حكمة بالغة { ولا ينقص من ~~عمره } أي: من عمره التام { إلا في كتاب } [فاطر: 11] أي: ~~الحكمة في تمام عمر من عمر عمرا تاما، وفي نقص من عمر عمرا ناقصا ~~في أيام أم الكتاب الذي عنده لا يزيد فيه ولا ينقص { إن ذلك } ~~[فاطر: 11] أي: في رعاية تلك الحكمة وإمضائها { على الله يسير }. # ثم أخبر عن تلون الإنسان في تكونه بقوله تعالى: { وما يستوي ~~البحران } [فاطر: 12] يشير إلى بحر الروح { هذا ms1326 عذب فرات ~~} [فاطر: 12] أي: صفاته حميدة { سآئغ شرابه } [فاطر: 12] أي: جائز ~~عند الخلق والخالق يعني مشروبه مقبول محمود { وهذا ملح أجاج } ~~[فاطر: 12] أي: بحر النفس وصفاتها ذميمة { ومن كل تأكلون ~~لحما طريا } [فاطر: 12] أي: من البحرين، أما من بحر الروح فلحمه ~~الطري هو الواردات الربانية، وأما بحر النفس فلحمها الطري هي شهوات { ~~وتستخرجون } [فاطر: 12] منه أي: من بحر الروح { حلية ~~تلبسونها } [فاطر: 12] من شواهد الحق ومعارفه. # { وترى الفلك فيه } [فاطر: 12] يعني سفينتي الشريعة والطريقة { ~~مواخر } [فاطر: 12] تجري إحداهما وهي سفينة الشريعة من بحر الروح إلى ~~بحر النفس فيها أعمال الأوامر والنواهي، وثانيهما وهي سفينة الطريقة تجري ~~من بحر الروح إلى الحضرة فيها أعمال الأسرار والحقائق والمعاني { ~~لتبتغوا من فضله } [فاطر: 12] وهو الوصول إلى الحضرة على قدمي ~~الشريعة والطريقة { ولعلكم تشكرون } في طلب الزيادة. # { يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل } [فاطر: 13] أي: يغلب نهار الروحانية على ليل البشرية وكذلك ~~الفيض مرة يغلب على البسط على القبض وكذلك في الصحو والسكر وكذلك الفناء ~~والبقاء وكذلك السر والتجلي وكذلك الأنس والهيبة { وسخر الشمس } ~~[فاطر: 13] شمس التوحيد { والقمر } [فاطر: 13] قمر المعرفة على ما ~~يريد إظهارها على القلوب { كل يجري } في مقامات القلوب والأرواح { ~~لأجل مسمى } [فاطر: 13] لنهاية مقدرة. # { ذلكم الله ربكم له الملك } [فاطر: 13] ملك القدرة ~~على الوصول { والذين تدعون من دونه } [فاطر: 13] من ~~العالمين { ما يملكون من قطمير } [فاطر: 13] من هذه المقامات ~~والدرجات. ### || [35.14-18] # { إن تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم } [فاطر: 14] إن استغثتم ~~بهم لم يعينوكم وإن دعوتموهم لم يسمعوا دعاءكم { ولو سمعوا } على ~~جهة ضرب المثل { ما استجابوا لكم } [فاطر: 14] لأنهم لا يملكون ~~نفع أنفسهم فكيف يملكون نفع غيرهم، { ويوم القيامة يكفرون ~~بشرككم ولا ينبئك مثل خبير } [فاطر: 14] ويؤمنون ~~بحقيقة الإيمان حين لا ينفعهم الإيمان إذ صار الإيمان. # وقوله: { يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله } ~~[فاطر: 15] يشير أن الاحتياج الحقيقي إلى ذات الله وصفاته مختص بالإنسان ~~من بين سائر المخلوقات وإن كانت المخلوقات محتاجة إلى الله بأجمعها ولكنه ~~تعالى ما شرف ms1327 شيئا من المخلوقات بتشريف خطاب { أنتم الفقرآء } ~~والله خلق الملائكة المقربين لأن الفقر على ثلاثة أوجه: فقر خلقة: وهو ~~للعوام، وفقر صفة: وهو للخواص، وفقر كرم: وهو لأخص الخواص. # ففقر الخلق: عام لكل أحد ولكن حادث فقر من محدثه فالمخلوق مفتقر إلى ~~خالقه في أول حاجة وجوده ليبديه وينشئه في الثاني من حال بقائه ليديمه ~~ويقيمه ويحضر. # وأما فقر الصفة: فهو خاص وهو التجرد عن الدنيا وما فيها والتجرد عن ~~الآخرة وما فيها متوجها إلى الله بكل وجوده فهو فقير عن صفاته المفتقرة ~~إلى الكونين لفنائه بالله عن الكونين، وافتقاره إلى الله بدلا عن ~~الكونين لافتقاره إلى الكونين ولكن يمكر بهما. # وأما فقر الكرم: فهو للأخص وهو التفرد عن الوجود بالجود واجب الوجود ~~والتوحد به فهو الفقر الحقيقي عن عينه والفناء الحقيقي بالله بعينه فكان ~~افتقار المخلوقات إلى أفعال الله وافتقار الإنسان إلى ذات الله وصفاته ~~كمثل سلطان يكون له رعية وهو صاحب الجمال فيكون افتقار جميع رعاياه إلى ~~خزائنه وممالكه ويكون افتقار عشاقه إلى ذاته وصفاته فيكون غني كل مفتقر ~~بما يفتقر إليه فغنى الرعية يكون بالمال والملك وغنى العاشق يكون ~~بمعشوقه. # وقوله: { والله هو الغني الحميد } [فاطر: 15] يشير إلى ~~أنه تعالى غني عن كل مفتقر وأنه يغني كل مفتقر بما يفتقر إليه حتى يحمده ~~عليه وتحقيقه أنه هو الغني المغني. # وقوله: { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } [فاطر: ~~16] يشير إلى كمال غنائه واستغنائه عن غيره وتهديد لمدعي محبته وطلبه أي ~~أنه لم يطلبوه حق الطلب يفنيكم ويأتي بخلق جديد في المحبة والطلب { وما ~~ذلك } [فاطر: 17] أي: إفناؤكم { على الله بعزيز } [فاطر: 17] ~~متعب ولا مستصعب. # ثم أخبر عن حمال الأثقال بقوله تعالى: { ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى } [فاطر: 18] يشير إلى أن لله تعالى في كل واحد من الخلق سرا ~~مخصوصا وله مع كل واحد شأن آخر وكل مطالب بما حمل أن كل بذر ينبت نبات ~~قد أودع فيه فلا يطالب بنبات بذر آخر لأنه لا يحمل إلا ما يحمل ms1328 عليه { ~~وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ~~ولو كان ذا قربى } [فاطر: 18] من الطاعة والعصيان نورا وظلمة، ~~فإذا آثر واحد منهما في جوهر الإنسان واتصف الجوهر بصفة النور أو بصفة ~~الظلمة لا ينقل تلك النطفة من جوهر إلى جوهر إنسان آخر. # وقوله تعالى: { إنما تنذر الذين يخشون ربهم ~~بالغيب } [فاطر: 18] يشير إلى أن إنذارك إنما يؤثر في الذين لهم ~~قلوب منورة بنور الإيمان وقلوبهم في الغيب يخشى من الله بذلك النور ~~لعلمها بالله لقوله: # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر: 28] فمن لم يكن بهذه الصفة يكون قلبه ميتا لا يؤثر فيه الإنذار. # كما قال تعالى: # لينذر من كان حيا # [يس: 70] مع هذا جعل تأثير الإنذار مشروطا بشرط آخر وهو { وأقاموا ~~الصلاة } في الشهادة ثم قال: { ومن تزكى فإنما ~~يتزكى لنفسه } [فاطر: 18] أي: من تزكيت نفسه عن الصفات ~~الذميمة وفائدة تزكية نفسه عائدة إلى نفسه لأنها بالتزكية عن صفاتها ~~يستحق لتحليه بصفات الله إلى هذا أشار بقوله: { وإلى الله ~~المصير } [فاطر: 18] يعني: إذا كان مصيره إلى الله لا إلى الدنيا ولا ~~إلى الآخرة فقد زكي عن صفاته التي تتعلق بالدنيا وهي صفات النفس وعن ~~صفاته التي تتعلق بالآخرة وهي صفات الروح فيتحلى بصفات النفس وعن صفاته ~~التي تتعلق بالآخرة وهي صفات الروح لله تعالى. ### || [35.19-26] # قوله تعالى: { وما يستوي الأعمى والبصير * ولا ~~الظلمات ولا النور * ولا الظل ولا الحرور * وما ~~يستوي الأحيآء ولا الأموات } [فاطر: 19-22] يشير إلى حقائق ~~التخلية يعني قبل التزكية والتخلية كان أعمى فصار بصيرا وكان في الظلمات ~~فصار في النور وكان في حرقة جهنم البعد فصار في ظل جنات القرب وكان ميتا ~~فصار حيا { إن الله يسمع } [فاطر: 22] كلام { من يشآء } ~~[فاطر: 22] بعد إحيائه بنور صفاته. # { ومآ أنت بمسمع من في القبور } [فاطر: 22] يعني ميتا ~~لم يحييه الله بنور صفاته { إن أنت إلا نذير } [فاطر: 23] ليس ~~إليك الإحياء ولا الإسماع { إنآ أرسلناك بالحق بشيرا ~~ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير * وإن ms1329 ~~يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جآءتهم ~~رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير * ~~ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير } [فاطر: ~~24-26] وباقي الآيات تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم إلى قوله: { ~~فكيف كان نكير } [فاطر: 26]. ### || [35.27-31] # ثم أخبر عن آثار رحمته من ماء السماء بقوله تعالى: { ألم تر أن ~~الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ثمرات ~~مختلفا ألوانها } [فاطر: 27] يشير إلى أنه تعالى أنزل من سماء ~~القدرة ماء الروح فأخرج به من أشجار الأشخاص ثمرات الأخلاق المختلفة ~~ألوانها من أهل السعادة والشقاوة { ومن الجبال جدد } [فاطر: ~~27] أي: من جبال النفس أخرج الطريق وهي صفاتها ببعض صفة اطمئنانها { ~~وحمر } [فاطر: 27] صفة لوامتها { وغرابيب سود } [فاطر: 27] ~~صفة أماريتها. # ثم قال: { ومن الناس والدوآب والأنعام مختلف ~~ألوانه } [فاطر: 28] جمع فيه صفات الروح وصفات النفس المشترك بين ~~الإنسان والحيوان مع اختلاف أوصافهم، ثم قال كذلك أي: كاختلاف ما ذكرنا ~~من الإنسان وأخلاقه { إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء } [فاطر: 28] بحسب اختلافهم في العلم فمنهم من هو عالم ~~بأحكام الله من أوامره ونواهيه فيكون خوفه من فوت الجنان وعذاب النيران، ~~ومنهم من هو عالم بصفات الله من صفات اللطف والقهر فيكون خوفه من الحرمان ~~عن مقامات القرب والخذلان إلى دركات البعد، ومنهم من هو عالم بالله بنور ~~الله فخوفه يكون هيبة من ذاته تعالى. كما قال: # ويحذركم الله نفسه # [آل عمران: 28] فبقدر مراتب العلم تكون مراتب الخوف كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " أنا أعلمكم بالله وأخشاكم منه " # { إن الله عزيز } [فاطر: 28] أن يعرفوه حق معرفته { غفور } ~~[فاطر: 28] يغفر عجز العباد وقصورهم في معرفته { إن الذين ~~يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة } [فاطر: 29] أي: ~~ائتمروا بما في كتاب الله من الصلاة وغيرها. # { وأنفقوا مما رزقناهم سرا } [فاطر: 29] أي: من علم ~~الباطن { وعلانية } [فاطر: 29] أي: من علم الظاهر { يرجون ~~تجارة لن تبور } [فاطر: 29] يعني خالصة لله مع الله بالله { ~~ليوفيهم أجورهم } [فاطر: 30] بحسب أعمالهم وخلوص نياتهم { ~~ويزيدهم من فضله } [فاطر: 30] ما يستحقونه وإنما يستحق كرمه ~~به ms1330 { إنه غفور } [فاطر: 30] يغفر تقصيرهم في العبودية { شكور } ~~[فاطر: 30] يشكر سعيهم مع التقصير بفضل الربوبية. # وقوله: { والذي أوحينآ إليك من الكتاب } يشير إلى ~~هذه المعاني المختلفة التي ذكرها إنه { هو الحق مصدقا لما ~~بين يديه } [فاطر: 31] من الآيات التي تجئ بعده { إن الله ~~بعباده } [فاطر: 31] من أهل السعادة وأهل الشقاوة { لخبير } ~~[فاطر: 31] لأنه خلقهم { بصير } [فاطر: 31] بما يصدر منهم من الأخلاق ~~والأعمال. ### || [35.32-35] # ثم أخبر عن أحوال أهل الشقاوة وأعمال أهل الشقاوة بقوله تعالى: { ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } [فاطر: ~~32] يشير إلى إيراثهم الكتاب حيث علمهم القرآن بلا واسطة كما قال: # الرحمن * علم القرآن # [الرحمن: 1-2] وذلك قبل خلقهم؛ لأنه قال: # الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان # [الرحمن: 1-3] أي: علمهم القرآن وهم بلا هم وهذا علم القرآن لسان الطيور ~~ثم خلقهم؛ لأنه قال وعلمهم البيان قال # خلق الإنسان * علمه البيان # [الرحمن: 3-4] وهذا النوع من الإيراد مخصوص بهذه الأمة لأنه كما جاء في ~~الخبر لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم: # " أمتي ورب الكعبة ثلاث مرات " # وإنما ذكر بلفظ الميراث لأن الميراث يقتضي صحة النسب أو صحة السبب على ~~وجه مخصوص، فمن لا سبب له ولا نسب ولا ميراث له فالسبب هاهنا طاعة العبد ~~والنسب فضل الرب فأهل الطاعة هم أهل الجنة. # كما قال تعالى: # أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس # [المؤمنون: 10-11] فهم ورثوا الجنة بسبب الطاعة وأصل ارثهم بالسببية ~~المبايعة التي جرت بينهم وبين الله بقوله: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة # [التوبة: 111] فهؤلاء أطاعوا الله بأنفسهم وأموالهم فأدخلهم الله الجنة ~~جزاء بما كانوا يعملون وأهل الفضل هم أهل الله وفضله معهم بأن أورثهم ~~المحبة والمعرفة والقربة. # كما قال # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54] إلى قوله: # ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء # [المائدة: 54] فمن لا سبب له ولا نسب فلا ميراث له ولما كانت الوراثة ~~بالنسب والسبب، وكان السبب جنسا واحدا كالزوجية وهي صاحب الفرض وكان ~~النسب من جنسين الأصول والفرع الأصول ms1331 كالآباء والأمهات، والفرع كما يتولد ~~من الأصول كالأولاد والإخوة والأخوات وأولادهم والأعمام وأولادهم وهم ~~صاحب فرض وعصبة فصار مجموع الورثة ثلاثة أصناف صنف صاحب الفرض بالسبب ~~وصنف صاحب الفرض بالنسب وصنف صاحب الباقي وهم العصبة كذلك الورثة هاهنا ~~ثلاثة أصناف. كما قال تعالى: { فمنهم ظالم لنفسه ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن ~~الله ذلك هو الفضل الكبير } [فاطر: 32] ثم نقول ولنا أن ~~نجعل الأفضل منهم المقدم كما قدمه الله وهو الظالم لنفسه قدمه على ~~السابق، ولنا أن نجعل الأفضل منهم الأخير وهو السابق فأما تقديم الظالم ~~فبأنه قد ظلم على نفسه في البداية والوسط والنهاية لله وفي الله وبالله. # أما في البداية: فبأنه لما عرض الله تعالى الأمانة على السماوات وأهلها ~~والأرض وأهلها والجبال وأهلها # فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها ~~الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72] لأنه ظلم على نفسه لما قصد وضع الأمانة القديمة بحملها في ~~غير موضعها، وهو محمل الإنسان الذي خلق ضعيفا ولهذا لما زلت قدم آدم ~~عليه السلام من ثقل حمل الأمانة، قال: # ربنا ظلمنآ أنفسنا # [الأعراف: 23] أي: بحمل الأمانة الثقيلة وإنما # اجتباه ربه فتاب عليه وهدى # [طه: 122] بعد زلة قدمه استحقاقا؛ لأنه لو لم يحملها لبقيت الأمانة غير ~~محمولة، ولما كانت الحكمة في عرضها حملها فلو لم تحمل لكان الغرض لحملها ~~عبثا وهل جناب القدس الإلهي أن يقع فعل من أفعاله عبثا فآدم عليه ~~السلام إنما ظلم نفسه بحملها تاركا لحظوظه راغبا لحقوق الحق تعالى؛ ~~لئلا يقع عرض الأمانة من الله عبثا فأبت المخلوقات أن تحملنها رعاية ~~لحظوظ أنفسهم. # وقد ظلم الإنسان على نفسه رعاية لحقوق ربه، فلا جرم قدسه الله على ~~الملائكة المقربين وأمرهم بسجوده لظلمه على نفسه إيثارا لربه، فثبت أن ~~الظالم أولى بالتقديم، ولنا ظلمه في الوسط على نفسه، فبإعراضه عن الدنيا ~~وترك زينتها على خلاف طبع نفسه ونهى نفسه عن هواها وفطامها عن شهواتها ~~الحيوانية ومألوفاتها الإنسانية وتكليفها على الطاعات والعبادات، ~~وتزكيتها عن أوصافها بالمجاهدات والرياضات وبتركها الأوطار والأوطان ~~ومفارقتها ms1332 عن الإخوان والأخدان ومهاجرتها عن الأهالي والبلدان ومقاساة ~~الشدائد في الأسفار بالمشي على الأقدام وركوب الأهوال في البوادي والجبال ~~والصبر في البلاء عند نزول القضاء وبذل الروح في محاربة الأعداء، وأمثال ~~هذا مما يعالجون به أرباب الطلب وأهل الإرادة نفوسهم. # وأما ظلمه على نفسه في النهاية: فبالسعي في إنشاء صفاتها في صفات الروح ~~ثم إفناء ذاتها في ذات الروح ثم إفناء ناسوتية الإنسانية في لاهوتية ~~الربانية. # وهذا تحقيق قوله تعالى: # يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي # [الفجر: 27-30] ولما فعل بابن منصور سمع منه فلما أصغى إليه فهو يقول في ~~مناجاته: إلهي أفنيت ناسوتيتي في لاهوتيتكم محوت نسوتيتي على لاهوتيتك إن ~~ترحم على من سعى في قتلي وهذا غاية ظلم الظالم لنفسه ولهذا ذكر بلفظ ~~المبالغة أنه كان ظلوما جهولا فثبت بهذه المعاني والحقائق أن الظالم ~~لنفسه أحق وأولى بالتقديم، وأما الدليل على أفضلية السابق على الظالم ~~لنفسه فبأن للسابق في سبقيته بداية ووسطا ونهاية، وله في هذه المراتب ~~الثلاثة فضل على الظالم لنفسه، أما في البداية: فبأن له سبق العناية ~~الأزلية بقوله تعالى: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى # [الأنبياء: 101] يعني: في الأزل قبل خلقهم، وأما في الوسط: فبأن له سبقة ~~في الخروج من العدم إلى الوجود في اتباع روح النبي صلى الله عليه وسلم ~~فإنه أول روح خرج من العدم إلى الوجود وأهل سبقة العناية متتابعين لروحه، ~~وأما في النهاية: فبأن له سبقة في الرجوع إلى الحضرة على أقدام الخيرات. # كما قال تعالى: { ومنهم سابق بالخيرات } [فاطر: 32] وهذه ~~الخيرات على قسمين: قسم مركب: من كسب العبد بتقديم الخيرات، وقسم: من فضل ~~الرب بتواتر الجذبات إلى أن يسبق على الظالم لنفسه وعلى المقتصد بالسير ~~بالله في الله، وإن كان مسبوقا بالذكر في الأخبار كما كان حال النبي صلى ~~الله عليه وسلم مسبوقا بالخروج في آخر الزمان للرسالة سابقا بالرجوع ~~إلى الحضرة ليلة المعراج على جميع الأنبياء والرسل. # كما أخبر عن حال نفسه ms1333 وحال سابقي أمته لقوله صلى الله عليه وسلم: # " نحن الآخرون السابقون " # الآخرون خروجا في عالم الصورة السابقون وصولا إلى عالم الحقيقة ولعل ~~أنه يخطر ببال بعضهم أن الأفضلية إنما تكون في طرف واحد من طرفين طرف في ~~الظالم والسابق، وقد أثبتها للطرفين فالجواب عنه أن التعدد إنما يكون في ~~عالم الاثنينية وهو عالم القال، فمنهما يكون مصير كل واحد من الظالم ~~لنفسه والسابق بالخيرات بإذن الله إلى عالم الوحدة قد ارتفعت الاثنينية ~~قد بقيت الوحدة فلا فرق بين الظالم والسابق، فإن الظالم في حمل الأمانة ~~قد سبقته العناية في حملها وللسابق في سبقه على غيره بالسير فالله قد ~~أدركه الظلم على نفسه في حمل الأمانة فالظالم هاهنا هو السابق والسابق هو ~~الظالم، كما قيل: # فإذا أبصرتني أبصرته # وإذا أبصرته أبصرتني # ولهذا كرر الله تعالى اسم السابق والسابق هو الظالم فقال: # والسابقون السابقون * أولئك المقربون # [الواقعة: 10-11] وذلك لأن الإنسان على ضربين سابق ولد سابقا وعاش ~~سابقا ومات سابقا، وسابق ولد سابقا وعاش ظالما ومات سابقا فالمقدم ~~من السابقين هم الذين عاشوا سابقين والمؤخر منهم هم الذين عاشوا ظالمين ~~وماتوا سابقين، فكان اسم الظلم عليهم عارية إذ ولدوا سابقين وماتوا ~~سابقين، فأما من ولد ظالما وعاش ظالما ومات ظالما من هذه الأمة فهو من ~~أهل الكبائر الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم # " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " # فعلى هذا المقصد من مات على التوبة والسابق عاش في الطاعة ومات في ~~الطاعة وهذا بلسان أهل الظاهر. # وأما بلسان القدم فالظالم السالك والمقتصد المجذوب والسابق المجذوب ~~السالك فالسالك هو المتقرب والمجذوب هو المقرب والمجذوب السالك هو ~~المستهلك في كمالات القرب الفاني عن نفسه الباقي بربه، وقوله تعالى: { ~~ذلك هو الفضل الكبير } [فاطر: 32] الذي ذكر الظالم مع ~~السابق في الإيراث والاصطفاء ودخول الجنة، ومن دقائق حكمته أنه تعالى ما ~~قال في هذا المعرض ذلك هو الفضل العظيم؛ لأن الفضل العظيم الكبير جنات ~~عدن، وهي أدنى الجنان إلى الحضرة يدخلونها بفضل الله، وذلك ms1334 أنه تعالى لما ~~ذكرهم أصنافا ثلاثة رتبها ولما ذكر حديث الحسن والنعم والتزين فيها ~~ذكرهم على الجميع { جنات عدن يدخلونها يحلون فيها ~~من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير } ~~[فاطر: 33] نبه على أن دخولهم الجنة لا باستحقاق بل بفضل، وليس في ~~الفضل تمييز فيما يتعلق بالنعمة دون ما يتعلق بالغم؛ لأن في الخيرات من ~~أهل الجنة من يرى الله سبحانه في كل جمعة بمقدار أيام الدنيا مرة فهو ~~مقام الظالم ومنهم يراه في كل يوم مرة وهو مقام المقتصد، ومنهم من هو غير ~~محجوب عنه لحظة وهو مقام السابق وهذا المعنى معنى الجزء مع تفاوت ~~الألفاظ. # { وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } ~~والحزن سمي حزنا لحزون الوقت على صاحبه وليس في الجنة وهي بالحق حزونه ~~وإنما هو رضا واستبشار، { إن ربنا لغفور } للظالم لنفسه { ~~شكور } للمقتصد والسابق، وإنما قدم ما للظالم رفقا بهم لضعف أحوالهم ~~وبقوله: { الذي أحلنا دار المقامة من فضله } [فاطر: ~~35] كشف القناع عن وجه الأحوال كلها أن الظالم والمقتصد والسابق، فدخل كل ~~واحد منهم في مقام أحله الله فيه عن فضله لا بجهده وعمله، وإن الذي أدخله ~~الجنة جزاء بعمله فتوفيقه للعمل أيضا من فضل الله، وهذا حقيقة قوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " قبل من قبل لا لعلة ورد من رد لا لعلة ". # { لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب } ~~[فاطر: 35] في نيل مرادنا وقضاء حوائجنا حتى إذا أرادوا أن يروا ربهم لا ~~يحتاجون إلى قطع مسافة وانتظام وقت؛ بل هم في غرفهم يلقون فيها تحية ~~وسلاما، وإذا رأوه لا يحتاجون إلى تحديق مقلة في جهة يرونه كما هم بلا ~~كيفية كل وقت صفت لهم إرادة الرؤية لقوله: # وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين # [الزخرف: 71]. ### || [35.36-38] # ثم أخبر عن من لا نسب له ولا سبب بقوله تعالى: { والذين كفروا ~~لهم نار جهنم } [فاطر: 36] يشير إلى من سر صفاء القلب ونور ~~الروح الفطري بظلمات صفات البشرية يعذب بنار البعد والقطيعة، { لا ~~يقضى عليهم } [فاطر: 36] بالموت ms1335 { فيموتوا } [فاطر: 36] ~~بالأرواح والنفوس { ولا يخفف عنهم من عذابها } [فاطر: ~~36] عذاب البعد والقطيعة { كذلك نجزي كل كفور } [فاطر: 36] ~~بستر نعمتنا بالكفران { وهم يصطرخون فيها } [فاطر: 37] تستغيث ~~أرواحهم في نار البعد يقولون: { ربنآ أخرجنا } [فاطر: 37] من ~~ظلمات البشرية { نعمل صالحا } [فاطر: 37] تصفية للقلب وتحلية ~~للروح { غير الذي كنا نعمل } [فاطر: 37] من متابعة الهوى ~~والطبع ومخالفات الشرع يقول لهم منادي العزة: { أولم نعمركم ~~ما يتذكر فيه من تذكر } [فاطر: 37] أي: لم تبلغوا حد ~~البلاغة التي تفتح بها نظر العقل فينظروا بنظر العقل إلى المصنوعات ~~فيعرفوا صانعها. # { وجآءكم النذير } [فاطر: 37] أي: وما جاءكم النذير فيدعوكم ~~إلى الله ويخوفكم منه فإذا لم تستعملوا العقل ولم تسمعوا قول نذير الظاهر ~~من الأنبياء وقول نذير الباطن من الإلهامات الربانية وما رجعتم بالقلوب ~~إلى الحضرة المقدسة، { فذوقوا } [فاطر: 37] عذاب نار البعد الذي كنتم ~~معذبين به ولكن كنتم نائمون فما ذقتم ذوق العذاب { فما للظالمين ~~} على أنفسهم بصرف الاستعداد لعبودية الحق تعالى في غير موضعه من عبودية ~~الدنيا والهوى والشيطان { من نصير } يغيثه منهم { إن الله ~~عالم غيب السموت } [فاطر: 38] سماوات القلوب { والأرض } ~~[فاطر: 38] أرض النفوس، { إنه عليم بذات الصدور } [فاطر: ~~38] أي: عالم بإخلاص المخلصين وصدق الصادقين وهما من غيب سماوات القلوب ~~وعالم بنفاق المنافقين وجحد الجاحدين وهما من غيب أرض النفوس ومجمع ~~الجميع الصدور. ### || [35.39-45] # وقوله: { هو الذي جعلكم خلائف في الأرض } [فاطر: 39] ~~يشير إلى أن كل واحد من الأفاضل والأراذل خليفة من خلفائه في أرض الدنيا ~~والأفاضل يظهرون جمال صفاته في مرآة أخلاقهم الربانية وهو سبحانه يتجلى ~~بذاته وجميع صفاته بمرآة قلوب الصادقين منهم؛ لتكون مرآة قلوبهم لجمال ~~صفاته وجلال ذاته مظهره، والأراذل يظهرون جمال صنائعه وكمال بدائعه في ~~مرآة حرفهم وصنعة أيديهم ومن خلافتهم أن الله تعالى استخلفهم في خلق كثير ~~من الأشياء كالخبز، فإنه تعالى يخلق الحنطة بالاستقلال، والإنسان بخلافته ~~يطحنها ويخبزها، وكالثوب فإنه تعالى يخلق القطن والإنسان يغزله وينسج منه ~~الثوب بالخلافة. # وبقوله: { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ~~ترك على ظهرها ms1336 من دآبة } [فاطر: 45] يشير إلى أنه ما من ~~إنسان إلا ويصدر منه ما يستوجبه المؤاخذة ولكن الله بفضله ورحمته { ~~يؤخرهم إلى أجل مسمى } [فاطر: 45] فإذا جاء أجلهم { ~~فإن الله كان بعباده بصيرا } [فاطر: 45] يؤاخذ به من ~~يكون عنده من أهل المؤاخذة، ويعفو عمن هو أهل للعفو. ### | [36 - سورة يس] ### || [36.1-10] # { يس * والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين * ~~على صراط مستقيم } [يس: 1-4] يشير إلى سيادة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وإلى أنه ما بلغ أحد من المرسلين إلى رتبته في السيادة، وذلك ~~أنه تعالى أقسم بالقرآن الحكيم أنه لمن المرسلين على صراط مستقيم إلى قاب ~~قوسين من القرب أو أدنى أي: بل أدنى من كمال القرب، كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل " # فإن لكل نبي مرسل كان يسير إلى مقام معين على صراط مستقيم هو صراط ~~الله. # كما أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه ليلة المعراج رأى في كل سماء ~~بعض الأنبياء حتى قال: رأيت موسى عليه السلام في السماء السادسة، ورأى ~~إبراهيم عليه السلام في السماء السابعة، وقد عبر عنهم إلى كمال رتبته ما ~~بلغ أحد من العالمين إليها وإنما قال: { والقرآن الحكيم }؛ لأنه ~~منبع كل حكمة ومعدن كل عظة. # وقوله: { تنزيل العزيز الرحيم } [يس: 5] يشير إلى أن القرآن ~~تنزيل من عزيز غني لا يحتاج في تنزيله لعلة بل هو رحيم اقتضت حكمته تنزيل ~~القرآن فإنه حبل الله ليعتصم به الطالب الصادق ويصعد إلى سرادقات عزته ~~وعظمته. # وقوله: { لتنذر قوما مآ أنذر آبآؤهم فهم غافلون ~~} [يس: 6] يشير إلى أنا خصصناك بإنذار قوم { مآ أنذر آبآؤهم } ~~[يس: 6] منذ عيسى عليه السلام وقد حصلوا في أيام الفترة لتنذرهم بهذا ~~القرآن فإنه هادي العباد إلى سبيل الرشاد. # وقوله: { لقد حق القول على أكثرهم فهم لا ~~يؤمنون } [يس: 7] يشير إلى القول الذي صدر منه في الأزل لخلق ~~الموجودات. # كما قال تعالى: # إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن ms1337 ~~فيكون # [النحل: 40] كما أردناه فحق ذلك القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون على وفق ~~إرادتنا، { إنا جعلنا في أعناقهم } [يس: 8] بالتقدير في ~~الأزل { أغلالا } [يس: 8] من الأحكام الأزلية في صورة المواقع من ~~الإيمان { فهى } يعني: المواقع { إلى الأذقان فهم ~~مقمحون } [يس: 8] فيما قدرنا لهم { وجعلنا من بين ~~أيديهم } [يس: 9] في الأزل { سدا } من العزة بينهم وبين الإيمان ~~{ ومن خلفهم } إلى الأبد { سدا فأغشيناهم } بظلمة ~~البشرية { فهم لا يبصرون } [يس: 9] طريق السداد وسبيل الرشاد. # وبقوله: { وسوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ~~لا يؤمنون } [يس: 10] يشير إلى أن أحاط بهم سرادقات الشقاء وتمادى ~~بهم إلى تعاطي الجفاء وسد بين أيديهم وخلفهم سدا أنواع البلاء كيف يصبح ~~فيهم الإنذار وينجيهم النصح من عذاب النار. ### || [36.11-15] # { إنما تنذر من اتبع الذكر } [يس: 11] بالمداومة عليه ~~{ وخشي الرحمن بالغيب } [يس: 11] يعني: بنور غيبي يشاهد ~~وخاصة عاقبة الكفر والعصيان ويتحقق عنده بشواهد الحق كماليته حلاوة ~~الإيمان ورفعة رتبة العرفان { فبشره } [يس: 11] أنهم استوجبوا { ~~بمغفرة } [يس: 11] منه خالصة { وأجر كريم } [يس: 11] يناسب ~~كرمه. # ثم أخبر عن إنعامه العميم وأجره الكريم بقوله تعالى: { إنا نحن ~~نحيي الموتى } [يس: 12] أي: نحيي قلوبا ماتت بالقسوة بماء يمطر ~~عليها من ضروب الإقبال والزلفة، { ونكتب ما قدموا } [يس: 12] ~~من الأنفاس المتصاعدة ندما على ما فرطوا فيه أو شوقا إلى لقائنا { ~~وآثارهم } [يس: 12] خطأ أقدام صدقهم على بساط التقرب إلينا وتزرف ~~دموعهم على عرصات خدودهم { وكل شيء } [يس: 12] مما يتقربون به ~~إلينا { أحصيناه في إمام مبين } [يس: 12] ثبتنا آثاره ~~وأنواره في لوح محفوظ قلوب أحبابنا. # وقوله: { واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جآءها ~~المرسلون } [يس: 13] إلى قوله: # فإذا هم خامدون # [يس: 29] يشير إلى أصناف ألطافه مع أحبابه وأنواع قهره مع أعدائه منها ~~ضرب مثلا لأصحاب قرية القلوب { إذ جآءها المرسلون } [يس: 13] ~~من ألطافه كرة بعد مرة، { إذ أرسلنآ إليهم اثنين } [يس: ~~14] رسولين من الخواطر الروحانية والإلهامات الربانية بالتجافي عن دار ~~الغرور وللإنابة إلى دار الخلود، { فكذبوهما } [يس: 14] النفس ~~وصفاتها { فعززنا بثالث } [يس: 14] من الجذبة ms1338 { فقالوا ~~إنآ إليكم مرسلون * قالوا } [يس: 14-15] أي: النفس ~~وصفاتها { مآ أنتم إلا بشر مثلنا } [يس: 15] أي: ما أنتم ~~إلا الخواطر البشرية { ومآ أنزل الرحمن من شيء } [يس: ~~15] أي: من خاطر الإلهام والجذبة { إن أنتم إلا تكذبون } ~~[يس: 15] بالانتماء إلى الحضرة. ### || [36.16-27] # { قالوا ربنا يعلم إنآ إليكم لمرسلون * وما ~~علينآ إلا البلاغ المبين * قالوا إنا تطيرنا ~~بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم ~~منا عذاب أليم } [يس: 16-18] وذلك أن الإلهام والجذبة يقويان ~~القلب وصفاته ويذيبان النفس وصفاتها ويمنعان النفس عن استيفاء شهواتها ~~والبلد بلدتنا الدنيا فلهذا أنشأ النفس وصفاتها بهؤلاء المرسلين { ~~قالوا طائركم معكم } أي: جاء هذا الشؤم معكم لا من العدم. # كما قال تعالى: # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه # [الإسراء: 13] وهو بعد في العدم { أئن ذكرتم } علمتم هذا التحقيق ~~وتيقنتم { بل أنتم قوم مسرفون } أيتها النفس وصفاتها في ~~موافقة الطبع ومخالفة الحق تعالى، { وجآء من أقصا المدينة ~~رجل يسعى } [يس: 20] يشير إلى صفة الروح المشتاق إلى جمال الحق ~~تعالى. # { قال يقوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا ~~يسألكم أجرا } [يس: 20-21] أي: لا مشرب لكم من مشاربكم { وهم ~~مهتدون } [يس: 21] إلى الحق تعالى { وما لي لا أعبد ~~الذي فطرني } [يس: 22] به يشير إلى كلام الروح وذلك لأنه أول خلق ~~فطره الله تعالى بأمر كن لا من شيء أي: كيف بي ألا أعبد من خلقني قبل كل ~~شيء فكتب لعبده في عالم الأرواح قبل خلق الأجسام بألفي عام ولم يكن لي ~~شريك في العبودية كما لم يكن له شريك في الألوهية { وإليه ~~ترجعون } [يس: 22] # يأيتها النفس # [الفجر: 27] وصفاتها بقوله: # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28] ومن كلام الروح، { أأتخذ من دونه آلهة } [يس: ~~23] من الدنيا والهوى والشيطان. # { إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم ~~شيئا ولا ينقذون } [يس: 23] { إني إذا } [يس: 24] بعبادة ~~غير ربي { لفي ضلال مبين * إني آمنت بربكم ~~فاسمعون } [يس: 24-25] فأجيبوا لي وآمنوا بربكم، وإنما قال: آمنت ~~بربكم وما قال آمنت بربي ليعلموا أن ربهم هو الذي يعبده ms1339 فيعبدوا ربهم؛ ~~ولذا قال: آمنت بربكم؛ لعلهم يقولون: أنت تعبد ربك ونحن نعبد ربنا وهو ~~آلهتهم. # قوله: { قيل ادخل الجنة } [يس: 26] يشير إلى أن الروح بالجذبة ~~الإلهية يجذب إلى الحضرة قبل النفس وصفاتها والنفس حين تتشرف بتشريف ~~الجذبة قيل لها أولا: # فادخلي في عبادي # [الفجر: 29] وهي عبارة عن عالم الأرواح، ثم قيل لها: # وادخلي جنتي # [الفجر: 30]، ومن كلام الروح { قال يليت قومي } [يس: 26] وهم ~~النفس وصفاتها { يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من ~~المكرمين } [يس: 26-27] لم يرغبوا في نعيمها ويرغبوا عن الدنيا ~~وشهواتها فإنها جحيمها. ### || [36.28-35] # وقوله: { ومآ أنزلنا على قومه من بعده من جند ~~من السمآء } [يس: 28] يشير إلى أنه فاتها بعد رجوع الروح إلى ~~الحضرة وما أنزل إلى النفس وصفاتها ملائكة من السماء لأنهم لا يقعدون على ~~إصلاح حالهم فإن صلاح النفس في موتها والمميت هو الله، { وما كنا ~~منزلين } [يس: 28] يعني: الملائكة في إماتتهم { إن كانت إلا ~~صيحة واحدة } من وارد الحق { فإذا هم } [يس: 29] يعني: ~~النفس وصفاتها { خامدون } ميتون عن أنانيتهم بهويته. # ثم أخبر عن حسرة أهل الغرامة يوم القيامة، وبقوله: { يحسرة على ~~العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به ~~يستهزئون } [يس: 30] يشير إلى أن للعباد موضع التحسر إن لم ~~يتحسروا اليوم وذلك لانخراطهم كلهم في سلك واحد من التكذيب ومخالفة الرسل ~~والاستهزاء بهم ومنافاة أولياء الله سبحانه، كما غلبت هذه الخصال الرديئة ~~على أهل زماننا هذا الذين يسمعون القول من المحققين فيتبعون أقبحه ويقعون ~~في أولياء الله ويستهزءون بهم وبكلماتهم المستحسنة إلا من شاء الله به ~~خيرا من أهل النظر وأدب بأدب الإرادة وقليل ما هم فهددهم الله عز وجل ~~بقوله: { ألم يروا } [يس: 31] يعني: هؤلاء الغفلة الجهلة. { كم ~~أهلكنا قبلهم من القرون } [يس: 31] الماضية وما عاملنا ~~قبلهم من الأمم الخالية { أنهم إليهم لا يرجعون } [يس: ~~31] كلهم في قبضة القدرة لم يعننا أحد { وإن كل لما جميع ~~لدينا محضرون } [يس: 32] ولم يكن لواحد منهم علينا عون ولا مدد ~~ولا عن حكمنا ملتحد فيه ms1340 إشارة أخرى وهي أن الله سبحانه جعل هذه الأمة آخر ~~الأمم فضلا منه وكرما ليعتبروا هؤلاء بأفاضلهم وأراذلهم وما جعلهم عبرة ~~لأمة أخرى، وأنه تعالى قد شكا لهم كل أمة، وما شكا إلى أحد من غيرهم ~~شكايتهم. # وقوله: { وآية لهم الأرض الميتة } [يس: 33] يشير إلى ~~القلب الميت { أحييناها وأخرجنا منها حبا } [يس: 33] ~~وهو الطاعة والعبادة، { فمنه يأكلون } [يس: 33] فإنها غذاء ~~الأرواح { وجعلنا فيها جنات من نخيل } [يس: 34] نخيل ~~الأذكار، { وأعناب } [يس: 34] من أعناب الأشواق { وفجرنا ~~فيها من العيون } [يس: 34] عيون الحكمة، { ليأكلوا من ~~ثمره } [يس: 35] وهي المكاشفات والمشاهدات فإن المجاهدات تورث ~~المشاهدات { وما عملته أيديهم } [يس: 35] من الصدقات ~~والخيرات { أفلا يشكرون } [يس: 35] نعم الله الظاهرة والباطنة. ### || [36.36-40] # { سبحان الذي خلق الأزواج كلها } [يس: 36] من الآباء ~~العلوية والأمهات السفلية بازدواج الكاف والنون { مما تنبت ~~الأرض } [يس: 36] أرض البشرية { ومن أنفسهم } [يس: 36] ~~بازدواج الروح والقالب، { ومما لا يعلمون } [يس: 36] من تأثير ~~نظر العناية في قلوب عباده المخلصين لهم منا ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ~~ولا خطر على قلب بشر، { وآية لهم اليل } [يس: 37] ليل البشرية ~~{ نسلخ منه النهار } [يس: 37] الروحانية { فإذا هم ~~مظلمون } [يس: 37] بظلمة الخلقية فإن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش ~~عليه من نوره، { والشمس } [يس: 38] أي: شمس نور الله { تجري ~~لمستقر لها } [يس: 38] وهو قلب استقر فيه رشاش نور الله ذلك ~~المستقر { ذلك تقدير العزيز } [يس: 38] الذي لا يهتدي إليه ~~أحد إلا به { العليم } [يس: 38] الذي يعلم حيث يجعل رسالته. # وقوله: { والقمر قدرناه منازل } [يس: 39] يشير إلى صفة ~~قمر القلب فإن القلب كالقمر في استفادة النور من الشمس بالروح أولا ثم ~~من شمس شهود الحق تعالى وله ثمانية وعشرون منزلا على حسب حروف القرآن، ~~كما أن للقمر ثمانية وعشرون منزلا فالقلب ينزل كل حين منها بمنزل وهذه ~~أسماؤها: الألفة والبر والتوبة والثبات والجمعية والحلم والخلوص والديانة ~~والذلة والرأفة والزلفة والسلامة والشوق والصدق والصبر والطلب والظمأ ~~والعشق والغيرة والفتوة والقربة والكثرة والكرم واللين والمروءة والنور ~~والولاية والهداية ms1341 واليقين، فإذا صار إلى آخر منازله فقد تخلق بخلق ~~القرآن واعتصم بحبل الله وله أوان أن يعتصم بالله، ولهذا قال الله تعالى ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم في قطع منازل العبودية: # واعبد ربك حتى يأتيك اليقين # [الحجر: 99]. # ويقال للمؤمنين في الجنة: " اقرأ وارتق " يعني: اقرأ القرآن وارتق ~~مقامات القرب وبقوله: { حتى عاد كالعرجون القديم } [يس: ~~39] يشير إلى سير قمر القلب في منازله فإذا ألف الحق تعالى في أول منزل ~~ثم بر بالإيمان والعمل الصالح، ثم تاب وتوجه إلى الحضرة، ثم ثبت على ذلك ~~التوجه جعل له الجمعية مع الله فيستنير قلبه بنور ربه حتى يصير بدرا ~~كاملا، ثم يتناقص بدنوه من شمس شهود الحق تعالى قليلا قليلا كلما ~~ازداد بدنوه من الشمس ازداد في نفسه نقصانا إلى أن يتلاشى ويخفى ولا يرى ~~لها أثرا وهذا مقام الفقر الحقيقي الذي افتخر به النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله: # " الفقر فخري " # لأنه صلى الله عليه وسلم كلما ازداد دنوه إلى الحضرة ليلة المعراج ازداد ~~في فقره من الوجود. # كما أخبر الله تعالى عنه بقوله: # ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى # [النجم: 8-9] ذكر هاهنا فقرة إلى الوجود فوجده الله عائلا عن وجوده ~~فأغناه بجوده وبقوله: { لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك ~~القمر } [يس: 40] يشير إلى أن القمر عند تلاشي وجوده وفقره عن الوجود ~~وإن كانت الشمس تغنيه بجودها وتنور القمر شمسا والشمس قمرا فكذلك قمر ~~القلب متوجه إلى شمس الحق تعالى يتنور بنورها. # لا تدرك القمر ليصير القمر، { ولا اليل سابق النهار } [يس: ~~40]؛ ليكون نهارا؛ يعني: لا يصير القمر شمسا ولا الشمس قمرا، فكذلك ~~القلب بتوجهه إلى شهود الحق تعالى بتنورها، كما قال تعالى: { ~~وأشرقت الأرض بنور ربها } [الزمر: 69]، ولكنه لا يصير ~~الرب تعالى عبدا ولا العبد ربا. # { وكل في فلك يسبحون } [يس: 40]، فالرب تعالى يسبح في فلك ~~الربوبية، والعبد في فلك العبودية، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا ~~كبيرا، من أصحاب الحلول وأرباب الفضول. ### || [36.41-50] # ثم أخبر بعد ms1342 السير في الفلك بقوله تعالى: { وآية لهم أنا ~~حملنا ذريتهم في الفلك المشحون } [يس: 41]، يشير ~~إلى حمل عباده في سفينة الشريعة خواضهم في بحر الحقيقة، دعواتهم في بحر ~~الدنيا، فإن من نجا من تلاطم أمواج الهوى في بحر الدنيا، إنما نجا بحمله ~~العناية في سفينة الشريعة، وكذلك من تلاطم أمواج الشبهات في بحر الحقيقة ~~بحمله عواطف إحسان ربه في سفينة الشريعة، بملاحية أرباب الطريقة. # { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } [يس: 42] وهو ~~جناح من المشايخ الواصلين الكاملين، { وإن نشأ نغرقهم } [يس: ~~43] يعني: العوام في بحر الدنيا، والخواص في بحر الحقيقة بكسر سفينة ~~الشريعة كما ركب كثير من المتمنين بحر الحقيقة بلا سفينة الشريعة، أو ~~كسروا الشريعة أغرقوا فأدخلوا نارا { فلا صريخ لهم ولا ~~هم ينقذون * إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين } ~~[يس: 43-44]، وهم المشايخ، فإنهم صورة رحمة الحق تعالى، { ومتاعا ~~إلى حين } أي: حين تدركهم العناية الربانية. # { وإذا قيل لهم اتقوا } [يس: 45]، احذروا { ما بين ~~أيديكم } [يس: 45] من الدنيا وما فيها من شهواتها ولذائذها، { وما ~~خلفكم } [يس: 45] من الآخرة وما فيها من نعيمها وحورها وقصورها ~~وأشجارها وأثمارها وأنهارها، وما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين فيها { ~~لعلكم ترحمون } [يس: 45] بمشاهدة الجمال ومكاشفة الجلال ~~وكمالات الوصال. # { وما تأتيهم من آية من آيات ربهم } [يس: 46]، وهم ~~الرجال البالغون الكاملون في الدين من أرباب الحقيقة وأهل اليقين { ~~إلا كانوا عنها معرضين } [يس: 46]، هذا حال المسيئين في ~~أودية الخذلان الموسومين بسمة الحرمان، فلا يأتيهم منه آية من آيات الله؛ ~~لينجيهم من بحر الغفلة ويريحهم من تيه الحيرة إلا قابلوه بإعراضهم ~~ونازعوه باعتراضهم. # { وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله } [يس: 47]، ~~من الأموال والأهالي في طلب الحق تعالى بالتجريد والتفريد، { قال ~~الذين كفروا للذين آمنوا } [يس: 47] به: { أنطعم } ~~[يس: 47]، من أموالنا { من لو يشآء الله أطعمه } [يس: 47] ~~خيرا من أموالنا، { إن أنتم إلا في ضلال مبين } [يس: ~~47] في طلب الحق وترك الدنيا، بل هذا قول الرجال البالغين لهؤلاء الذين ~~لعب بهم الشيطان وأضلهم عن سبيل الرشاد، ms1343 { إن أنتم إلا في ~~ضلال مبين } [يس: 47]، في طلب الدنيا وترك لقاء المولى، ومن غاية ~~ضلالتهم وفرط جهالتهم، { ويقولون متى هذا الوعد إن ~~كنتم صادقين } [يس: 48]، يستعجلون تخوم الساعة ويستبطئون قيام ~~القيامة، لا عن تصديق يزيحهم عن شكهم، أو خوف يمنعهم عن غيهم، ولكن ~~تكذيبا لدعوة الرسل، وإنكارا على أوضح السبل، واستبعادا للنشر والحشر. # قال الله تعالى: { ما ينظرون إلا صيحة واحدة ~~تأخذهم وهم يخصمون } [يس: 49]، بإنكار النشر والحشر أهل ~~الإقرار به، { فلا يستطيعون توصية } [يس: 50] أي: توصية ~~بعضهم بعضا في ترك الخصومة { ولا إلى أهلهم يرجعون } ~~[يس: 50] للاستبصار. ### || [36.51-59] # { ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ~~ربهم ينسلون } [يس: 51] يشير إلى نفخ إسرافيل المحبة في صور ~~القلب، وإذا السر والروح والخفى من أحداث أوصاف البشرية إلى نفخ إسرافيل ~~وهم يرجعون بعضهم بالسير وبعضهم بالطير، { قالوا يويلنا } [يس: ~~52] أي: من رقادنا في الغفلة { من بعثنا من مرقدنا } [يس: ~~52] غير فضل الله وكرمه، { هذا ما وعد الرحمن } [يس: 52] من ~~كمال رحمته { وصدق المرسلون } [يس: 52] فيما بلغوا من ألطاف ~~الحق تعالى، { إن كانت إلا صيحة واحدة } [يس: 53] يشير ~~إلى جذبة واحدة، { فإذا هم جميع لدينا محضرون } [يس: ~~53] بالخروج من لدنهم والغيبة عنهم. # { فاليوم لا تظلم نفس شيئا } [يس: 54] من استحقاقها وما ~~هي مستعدة لقبوله، { ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون } ~~[يس: 54]، فمن عمل للدنيا يجزى من الدنيا، ومن عمل للآخرة يجزى منها، ~~ومن عمل لله يجزى عواطف حسانه وشواهد سلطانه. # ثم أخبر عن أهل الجنان وأرباب الجنان بقوله تعالى: { إن أصحاب ~~الجنة اليوم في شغل فاكهون } [يس: 55] وفيه إشارة: # منها: إنه لما كان الغالب عليهم طلب الجنة والأخذ بمجامع قلبهم ~~أمرها: أضيفوا إليها، قيل لهم: إن أصحاب الجنة كما أنه من الغالب عليه ~~طلب الدنيا، وهو في أسرها أضيف إليها، وقيل له: صاحب الدنيا. # ومنها: إنه لما كانت هممهم مقصورة على طلب الجنة شغلهم الله بالفاكهة مع ~~أزواجهم عن طلب الله دون المعاشقة عند المشاهدة والمعاينة، وهو قوله: { ~~هم وأزواجهم في ms1344 ظلال على الأرآئك متكئون } [يس: ~~56] أي: يكونوا متكئين على هذه الحالة وهذه الأحوال، وإن جلت عنهم ~~بالنسبة إلى أصحاب الجحيم، ولكنها بالإضافة إلى أحوال السادة والأكابر من ~~الملوك والسلاطين، الذين هم أهل الله وخاصته يتقامرون. # وعلى هذا يدل قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن أكثر أهل الجنة البله " # ، عن بعض أرباب النظر أنه كان واقفا على باب الجامع يوم الجمعة، والخلق ~~قد فرغوا من الصلاة وهم يخرجون عن الجامع، قال: " هؤلاء حشر الجنة " ، ~~وللمجالسة أقوام آخرون، ومن كان في الدنيا عن الدنيا حرا فلا يبعد أن ~~يكون في الجنة عن الجنة حرا، # يختص برحمته من يشآء # [البقرة: 105]، ولعل يكون هذا الخطاب لأقوام فارغين عن الالتفات إلى ~~الكونين مراقبين للمشاهدات، الذين قال الله فيهم: # فإذا فرغت # [الشرح: 7] بعني: عن تعلقات الكونين # فانصب # [الشرح: 7]؛ أي: اطلب الحق تعالى: # وإلى ربك فارغب # [الشرح: 8]، فيقول لهم: { إن أصحاب الجنة اليوم في ~~شغل فاكهون } [يس: 55] { وأزواجهم } [يس: 56] أي: أشكالهم، ~~فارغبوا أنتم إلي واشتغلوا بي، وتنعموا بنعيم وصالي، وتلذذوا لمشاهدة ~~جمالي، وتصدروا بطالعة جلالي. # وقيل: قرئ عند الشبلي قوله: { إن أصحاب الجنة اليوم في ~~شغل فاكهون... } [يس: 55] الآية، فشهق شهقة وغاب فلما أفاق قال: ~~فإنهم مساكين لو علموا أنهم عما شغلوا لهلكوا. # ومنها: { إن أصحاب الجنة } ، يعني: في الدنيا { في شغل ~~فاكهون } بأنواع الطاعات والعبادات عن طلب الحق والشوق إلى لقائه ~~كانوا يطلبون منه، وما كانوا يطلبون كما روي عن يحيى بن معاذ أنه قال: ~~رأيت رب العزة في منامي، فقال لي: يا معاذ كل الناس يطلبون مني إلا ~~أبا يزيد، فإنه يطلبني. # وروي عن أبي يزيد أنه قال: رأيت ربي في المنام، فقال لي: يا أبا يزيد ~~أنا بدك اللازم فالزم بدك. # فاعلم أن كل مطلوب يوجد في الآخرة أنه ثمرة بذر طلبه في الدنيا، كما قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " يموت الناس على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه ". # ومنها: يجود كمال كرمه أنه تعالى يخاطب بهذا الأقوام من عصاة الموحدين، ~~وهم ms1345 في العرصات بعد لم يدخلوا الجنة، فيقول الحق تعالى لهم: # يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا ~~من رحمة الله # [الزمر: 53] إن كان أهل النار لا يتفرغون إليكم لأهوالهم، وما هم فيه من ~~صعوبة أحوالهم، وأهل الجنة وأصحابها اليوم في شغل عنكم في لذاتهم، وما ~~وجدوا من أفضالهم مع أهاليهم وأشكالهم، فليس لكم اليوم إلا أنا من فرط ~~كرمي ورحمتي، فيدعون منه السلامة عن النار برحمته، ودخول الجنة بكرمه، ~~فيعطي سؤلهم ويبذل مأمولهم، وذلك تحقيق قوله: { لهم فيها فاكهة ~~ولهم ما يدعون * سلام قولا من رب رحيم } [يس: ~~57-58]. # ومنها: إن لله عبادا استخصهم للتخلق بأخلاقه في سر قوله: # " كنت له سمعا وبصرا فبي يسمع وبي يبصر " # ، فلا يشغلهم شأن اشتغالهم بأبدانهم مع أهلهم عن شأن شهود مولاهم في ~~الجنة، كما أنهم اليوم مستديمون لمعرفته بأي حال من حالاتهم، ولا يقدح ~~اشتغالهم باستيفاء حظوظهم من معارفهم، ويقول: { سلام قولا من ~~رب رحيم } [يس: 58]، يشير إلى أن سلامه تبارك وتعالى كان قولا ~~منه بلا واسطة وأكده بقوله: { من رب } ليعلم أنه ليس سلام على ~~لسان سفيره، وقوله: " من رحيم " فالرحمة في تلك الحالة أنه يرزقهم الرؤية ~~في حال ما تسلم عليهم؛ ليكمل لهم النعمة. # وإشارة أخرى أن السلام من الرب الرحيم لو لم يكن صادرا عند تجليه جل ~~جلاله لأهل الجنة لتلاشت من سطوة جلاله الجنة وما فيها، كما كان حال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج على بساط قرب أو أدنى في خلوة # " لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل " # ؛ بتجلي ذاته وصفاته سبحانه وتعالى على وجه لم يتخصص به أحد من العالمين ~~قبله ولا بعده، ما أثبته إلا قوله تعالى: # " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " # ، ما سلم من تلك السطوة إلا في حفاوة سلامه كما سلم إبراهيم عليه السلام ~~من البرد حين قال: # ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء: 69]، وبقوله: { وامتازوا اليوم أيها ~~المجرمون } [يس: 59] يشير إلى امتياز المؤمن والكافر ms1346 في المحشر ~~والمنشر بابيضاض وجه المؤمن، واسوداد وجه الكافر، وبإيتاء كتاب المؤمن ~~بيمينه، وبإيتاء كتاب الكافر بشماله، وبثقل الميزان بالنور وبخفه ~~بالظلمة، وثبات القدم على الصراط وزلة القدم.... وغير ذلك. ### || [36.60-66] # وبقوله: { ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا ~~تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن ~~اعبدوني هذا صراط مستقيم } [يس: 60-61]، يشير إلى كمال ~~رأفته وغاية مكرمته في حق بني آدم؛ إذ يعاتبهم معاتبة الحبيب للحبيب، ~~ومناصحة الصديق للصديق، وأنه تعالى يكرمهم ويبجلهم من أن يعبدوا الشيطان؛ ~~لكمال رتبتهم واختصاص قربتهم للحضرة، وغاية ذلة الشيطان وطرده ولعنه عن ~~الحضرة وسماه عدوا لهم وله سمي بني آدم أولياء والأحباب، وخاطب المجرمين ~~منهم كالمقتدي الناصح لهم: { ألم أعهد إليكم } [يس: 60]؟ ألم ~~أنصحكم؟ ألم أخبركم عن خيانة الشيطان وعداوته لكم؟ وإنكم أعز من أن ~~تعبدوا مثله ملعونا مهينا { وأن اعبدوني } إذ إن مثلكم يستحق ~~لعبادة مثلي فإني أنا العزيز الغفور، وإني خلقتكم لنفسي وخلقت المخلوقات ~~لأجلكم وعززتكم، وكم وصلت إليكم القول وذكرتكم فلم تقبلوا نصحي، ولم ~~تتعظوا بوعظي، ولم تعملوا بأمري وعملتم بأمر الشيطان وقبلتم إغواءه ~~إياكم. # { ولقد أضل منكم جبلا كثيرا } [يس: 62]، عن صراط ~~مستقيم عبوديتي، وأبعدكم عن جواري وقربتي، { أفلم تكونوا ~~تعقلون } [يس: 62]؛ لتعلموا أن الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في ~~الباطل، فلا تظلموا على أنفسكم وارجعوا إلى ربكم قبل أن يقول لكم خزنة ~~جهنم: { هذه جهنم التي كنتم توعدون * اصلوها ~~اليوم بما كنتم تكفرون } [يس: 63-64]؛ أي: استعدوا لجهنم ~~الفراق إن كفرتم بنعمة الوصال، وذوقوا عذاب شديد الكفران إذ رضيتم عن ~~الوصلة بالهجران. # ثم أخبر عن اعتراف الأركان وختم اللسان بقوله تعالى: { اليوم ~~نختم على أفواههم وتكلمنآ أيديهم وتشهد ~~أرجلهم بما كانوا يكسبون } [يس: 65]، فيشير إلى أن ~~الغالب على الأفواه الكذب، كما قال تعالى: # يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم # [آل عمران: 167]، والغالب على الأعضاء الصدق، ويوم القيامة يسأل ~~الصادقون عن صدقهم، فلا يسأل الأفواه فإنها كثيرة الكذب، ويسأل الأعضاء ~~فإنها كثيرة الصدق، تشهد بالحق، أما الكفار فشهادة ms1347 أعضائهم عليهم مبيدة ~~لهم، وأما العصاة من المؤمنين الموحدين فقد تشهد عليهم أعضاؤهم بالعصيان، ~~ولكن تشهد لهم بعض أعضائهم أيضا لهم بالإحسان، فكما قيل: بيني وبينك يا ~~ظلوم الموقف والحاكم العدل الجواد المثقف، وفي بعض الأخبار المروية ~~المسندة: أن عبدا يشهد عليه أعضاؤه بالزلة فتتطاير شعرة جفن عين عبدي ~~واحتجي عن عبدي، فتشهد له بالبكاء من خوفه فيغفر له، وينادي مناد هذا ~~عتيق الله بشعرة. # وبقوله: { ولو نشآء لطمسنا على أعينهم ~~فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون } [يس: 66]، فيشير إلى ~~طمس عين الظاهر بحيث لا يكون لها سبق، فكيف تبكي حتى تشهد بالبكاء على ~~صاحبها؟! ويشير أيضا إلى طمس عين الباطن، فإذا كانت مطموسة كيف يبصر بها ~~الحق والباطل ليرجع من الباطل إلى الحق؟! وإذا لم يبصر بها الحق كيف يخاف ~~من الباطل ليحرق قلبه بنار الخوف؟! فيسيل منه الدمع ليشهد له بالبكاء من ~~الخوف. ### || [36.67-72] # { ولو نشآء لمسخناهم على مكانتهم } [يس: 67]؛ ~~أي: نحول صفاتهم الإنسانية بصفات السبعية والشيطانية، { فما ~~استطاعوا مضيا ولا يرجعون } [يس: 67]، لا يقدرون على ~~إزالة هذه الصفات، ولا يقدرون على رجوعهم إلى صفاتهم الإنسانية، فمن ~~مسخه الله في الدنيا بالصفات حشره الله تعالى في صورة صفته الممسوخة ~~بها، كم جاء في الحديث الصحيح: # " إن آذر يحشر على صورة ضبع ". # وقوله: { ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا ~~يعقلون } [يس: 68]، يشير إلى أن الإنسان كما لو عمر يرده الله ~~إذا استوى شبابه وقوته إلى العكس، حتى يأخذ في النقصان من الزيادة كما ~~كان يزداد في القوة إلى أن يبلغ أرذل العمر في السن، فيصير إلى حال مثل ~~حال الطفولة في الضعف، ثم لا يبقى على النقصان شيء، فكذلك لو عمر ~~السالك لطريق الحق تعالى إلى ألا يبقى منه ما يسند الفعل في السير عن ~~وجوده بعد السير في وجوده إلى أقصى مراتب الروحانية، ثم تفنى روحانيته في ~~ربوبية الحق تعالى إلى ألا يبقى منه ما يسند الفعل إليه، كما قال ~~تعالى: # " فبي يسمع وبي ينطق وبي يبطش وبي يمشي ". # وبقوله: ms1348 { وما علمناه الشعر وما ينبغي له } [يس: ~~69]، يشير إلى أن كل أقوال وأعمال وأحوال تجري على العباد في الظاهر ~~والباطن كلها تجري بتعليم الحق تعالى الحرف والصنائع، وذلك سر قوله ~~تعالى: # وعلم ءادم الأسمآء كلها # [البقرة: 31]، وتعليمه الصنائع لعباده على ضربين بواسطة وبغير واسطة، ~~أما بالواسطة فتعليم بعضهم بعضا، وأما بغير الواسطة فكما علم داود عليه ~~السلام صنعة لبوس، وكل حرفة وصنعة يعمل الإنسان من قريحته بغير تعليم ~~أحد، فهو من هذا القبيل وقوله: { إن هو إلا ذكر وقرآن ~~مبين } [يس: 69]، إشارة إلى أنه تعالى ما علمه الشعر ولكن علمه الذكر ~~والقرآن، كما قال: # الرحمن * علم القرآن # [الرحمن: 1-2]، وقوله: { لينذر من كان حيا ويحق ~~القول على الكافرين } [يس: 70]، يشير إلى أن كل قلب يكون جوفه ~~بنور الله وبروح منه بقيده الأقدار ويتأثر بها، وأمارة تأثيره: الإعراض ~~عن الدنيا والإقبال على الآخرة والمولى، ووجب القول الأزلي على الكافرين ~~بموت قلوبهم وقساوتها فلا يتأثر بالإنذار. # ثم أخبر عن قدرته ومن علينا بنعمته وبقوله تعالى: { أولم يروا ~~أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ أنعاما } [يس: ~~71]، يشير إلى أنه تعالى خلق للإنسان جميع ما خلق بالوسائط وغير الوسائط، ~~ومما خلق بغير الوسائط خلق لهم أنعاما، ذكر عظيم منته عليهم وجميل ~~نعمته لديهم بما خلق لهم المخلوقات، وبما سخر لهم من الأنعام التي ~~ينتفعون بها بوجوه من الانتفاع فهم لها مالكون؛ لينتفعوا بركوبها وأكل ~~لحومها وشحومها وبشرب ألبانها، وما يحمل عليها بالتقرب بها في قطع ~~المسافة البعيدة إلى الزيارات والمواضع الشريفة والمزارات المتبركة، ثم ~~بأصوافها وأدبارها وشعورها. ### || [36.73-77] # ثم بعضها كما قال تعالى: { ولهم فيها منافع ومشارب ~~أفلا يشكرون } [يس: 73]، فطالبهم بالشكر عليها فوجدهم مقصرين في ~~أدائها مبالغين في كفران النعمة، ثم شكا عنهم مع حبيبه صلى الله عليه ~~وسلم فقال مع كل هذه الوجوه عن الإحسان: { واتخذوا من دون ~~الله آلهة } [يس: 74]، أكلوا نعمتي وانتفعوا بها وعبدوا غيري، { ~~لعلهم ينصرون * لا يستطيعون نصرهم } [يس: 74-75]، ~~ولا نصر أنفسهم { وهم لهم جند محضرون } [يس: ms1349 75] في ~~العذاب؛ ليذوق بعضهم وبال بعضهم. # ثم عزى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: { فلا يحزنك قولهم } ~~[يس: 76]، يشير إلى كلام الأعداء الصادر من العداوة والحسد جدير أن يحزن ~~قلوب الأنبياء مع كمال قوتهم، وأنهم ومتابعيهم مأمورون بعدم الالتفات له، ~~وتطييب القلوب في مقاساة الشدائد في الله بأن لها ثمرات كريمة عند الله، ~~وللحساد مطالب بها عند الله كما قال { إنا نعلم ما يسرون } ~~[يس: 76] من الحسد والضغائن { وما يعلنون } [يس: 76] من العداوة ~~والطعن وأنواع الجفاء، وإذا علم العبد أن ألمه آت من الحق هان عليه ما ~~يقاسيه، لا سيما إذا كان في الله. # ثم أخبر عن عناية الرحمن وغواية الإنسان بقوله تعالى: { أولم ير ~~الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم ~~مبين } [يس: 77]، يشير إلى كمال عنايته في خلق الإنسان أنه أفرغ عليه ~~سبحانه نعمه؛ إذ كان نطفة من ماء مهين فشدد أسره، وجمع نشره وسوى أعضاءه، ~~وركب أجزاءه ونفخ فيه من روحه وأودعه العقل والتمييز، ثم أنه جاء ظلوما ~~كفارا لأنعمه كما شكا عنه أنه خصيم مبين ينازعه في خطابه، ويعترض عليه ~~في أحكامه بزعمه في استصواب رأيه، وكما قيل: # أعلمه الرماية كل يوم # فلما اشتد ساعده رماني ### || [36.78-83] # { وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي ~~العظام وهي رميم } [يس: 78] أولم يتفكروا في بدء خلقه، إنا ~~أنشأناه من الذرة التي استخرجناها من صلب آدم، وهي أصغر من العظيم ~~الرميم، ثم أودعناها في النطفة وهي في صلب أبيه مودعة، ثم أودعنا النطفة ~~في رحم أمه والنطفة ميتة، ثم أنشأنا النطفة خلقا آخر حيا، { قل ~~يحييها الذي أنشأهآ أول مرة وهو بكل خلق ~~عليم } [يس: 79]، الذي علم أن يخلق آدم من تراب بلا أب وأم، وأنه يخلق ~~حواء بلا أم ويخلق عيسى بلا أب. # { الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا } [يس: 80]؛ ~~أي: من شجر أخضر البشرية نار المحبة { فإذآ أنتم منه توقدون ~~} [يس: 80]، شجرة بشريتكم ومصباح قلوبكم. # { أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على ~~أن يخلق مثلهم ms1350 بلى وهو الخلاق العليم } [يس: ~~81]، بهذه الإشارات مهد سبيل الرشاد إلى الاستدلال، وقال: إن الإعادة في ~~الابتداء، فإذا أقررتم بالابتداء فأي إشكال بقي في جواز الإعادة في ~~الانتهاء؟ ثم قال: الذي قدر على خلق النار في الأغصان الرطبة من المرخ ~~والعفار قادر على خلق الحياة في الرمة البالية، ثم زاد في البيان بأن ~~قال: إن القدرة على مثل الشيء كالقدرة عليه لاستوائها بكل وجه، وأنه يحيي ~~النفوس بعد موتها في العرصة، كما يحيي الإنسان من النطفة، والطير من ~~البيضة، ويحيي القلب بالعرفان لأهل الإيمان كما يحيي نفوس أهل الكفر ~~بالهوى والطغيان. # وقوله: { إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون } [يس: 82]، يشير إلى أن الإرادة الأزلية لما تعلقت بإيجاد ~~المكونات تعلقت القدرة الأزلية على وفق الحكمة الأزلية بالمقدورات إلى ~~الأبد على وفق الإرادة بإشارة أمر: { كن فيكون } إلى الأبد ما شاء ~~في الأزل، ثم نزه ذاته تعالى عن وصمة العجز عما يريد كينونته، وقال: { ~~فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء } [يس: 83]، أثبت ~~لكل شيء ملكوتا - ملكوت الشيء: ما هو الشيء به قائم - ولو لم يكن لشيء ~~ملكوت يقوم به لما كان شيء، والملكوتيات قائمة بيد قدرته { وإليه ~~ترجعون } [يس: 83]، فاختيار أهل القبول وما لاضطرار أهل الرد، عصمنا ~~الله من الرد بفضله. ### | [37 - سورة الصافات] ### || [37.1-12] # { والصافات صفا } [الصافات: 1] يشير إلى صفوف الأرواح، وما ~~أنهم لما خلقوا قبل الأجساد كانوا في أربع صفوف كان الصف الأول: أرواح ~~الأنبياء والمرسلين - عليهم الصلاة - وكان الصف الثاني: أرواح الكفار ~~والمنافقين. # { فالزاجرات زجرا } [الصافات: 2] في " الإلهامات الربانية ": ~~الزاجرات العوام عن المناهي والخواص عن رؤية الطاعات، والأخص عن الالتفات ~~إلى الكونين. # { فالتليت ذكرا } [الصافات: 3]؛ هم # والذاكرين الله كثيرا والذاكرات # [الأحزاب: 35]. # والمقسوم عليه { إن إلهكم لواحد } [الصافات: 4] فلا ~~تتخذوا من دونه آلهة من الدنيا والهوى والشيطان، ومعنى كونه واحدا تفرده ~~في صفة عن القسيم وتقدسه في وجوده عن الشبيه، وتنزهه في ملكه عن الشريك، ~~واحد في جلاله أحد باستحقاق جماله، واحد في أفعاله أحد في ms1351 كبريائه بنعت ~~علائه ووصف سنائه، { رب السموت والأرض } [الصافات: 5] أرض ~~النفوس، { وما بينهما } [الصافات: 5] من صفات النفوس وصفات ~~القلوب، { ورب المشارق } [الصافات: 5] مشارق القلوب تطلع منها ~~شموس الشواهد، وأقمار الطوالع، ونجوم اللوامع. # { إنا زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب } ~~[الصافات: 6]، يشير به إلى الرأس فإنه بالنسبة إلى البدن كالسماء المزين ~~{ بزينة الكواكب } الحواس، وأيضا زين سماء الدنيا بالنجوم، ~~وزين قلوب أوليائه بنجوم المعارف والأحوال، كما حفظ السماوات بأن جعل ~~النجوم للشياطين رجوما، كذلك زين القلوب بأنوار التوحيد فإذا قرب منها ~~الشياطين رجموهم بنجوم معارفهم. # كما قال: { وحفظا من كل شيطان مارد } [الصافات: 7]؛ ~~يعني من شياطين الإنس { لا يسمعون إلى الملإ الأعلى } ~~[الصافات: 8]، وهم أرباب الحقائق. # { ويقذفون من كل جانب * دحورا } [الصافات: 8-9] يرمون ~~كلماتهم الشريفة من كل جانب من جوانب أصحاب الأنفاس المطهرة؛ فيلقونها ~~إلى أوليائهم من مدعي هذا الحديث، فمن دعواهم أكثر من معناهم على غير ~~وجهها؛ فيفهمون هؤلاء منها ما يقرب إلى طبعهم وهواهم، ويتوهمون أنها من ~~الحقائق والأسرار، فإنهم بهذه الخيالات الفاسدة والتمويهات الكاسدة، ~~ساروا من أهل الأسرار وأرباب الحقائق، وبهذا الحسبان والتمني يخالفون ~~الشريعة وشموس ما الحقيقة، فضلوا وأضلوا كثيرا فيستحقون بهذا الطرد ~~والإبعاد. # { ولهم عذاب واصب * إلا من خطف الخطفة ~~فأتبعه شهاب ثاقب } [الصافات: 9-10]، كذلك إذا اغتم ~~الشيطان من الأولياء أن بلغ إليهم شيئا من وساوسه فإذا هم مبصرون. # { فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنآ } ~~[الصافات: 11] عرفهم عجزهم عن الإثبات، وضعفهم في كل حال، ثم ذكرهم ~~نسبتهم إلى الطين اللازب، كما قال: { إنا خلقناهم من طين ~~لازب } [الصافات: 11] يشير به إلى أنه تعالى أودع في طينة الإنسانية ~~خصوصية لزوب ولصوق، وبكل شيء صادفه؛ فصادف قوم الدنيا فلصقوا بها، وصادف ~~قوم الآخرة فلصقوا بها، وصادف قوم نفحات ألطاف الحق فلصقوا بها؛ فأذابتهم ~~وجذبتهم عن أنانيتهم بهويتها كما تذيب الشمس الثلج وتجذبه، بل عجبت إذا ~~تحققت هذا المعنى، ويسخرون بهذا المحرومون عن هذه السعادة. ### || [37.13-24] # ثم أخبر عن خذلان أهل الحرمان بقوله تعالى: { وإذا ذكروا لا ms1352 ~~يذكرون } [الصافات: 13]، يشير إلى أنهم نسوا الله غاية النسيان بحيث ~~لا يذكرونه، { وإذا ذكروا } يعني: الله { لا يذكرون } لا ~~يتذكرون، { وإذا رأوا آية } [الصافات: 14]؛ أي: رجلا يكون آية ~~من آيات الله { يستسخرون } [الصافات: 14]؛ يسخرون به ويعرضون عن ~~الإيمان، ويقولون لما يأتي به: { إن هذآ إلا سحر مبين * ~~أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون * ~~أو آبآؤنا الأولون } [الصافات: 15-17] يبعثون. # قالوا: على وجهة الاستبعاد والمعرفة لهم مفقودة، والبصائر لهم مسدودة، ~~وقلوبهم عن التوحيد مصدودة، { قل نعم وأنتم داخرون } ~~[الصافات: 18] على وجه الفقر تبعثون، وبزجرة واحدة تحشرون، كما قال: { ~~فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم } [الصافات: 19] قيام { ~~ينظرون } [الصافات: 19]، حيارى كأنهم سكارى، { وقالوا ~~يويلنا هذا يوم الدين } [الصافات: 20] دعوا بالويل على ~~أنفسهم حين لا ينفعهم الويل؛ فيقال لهم: { هذا يوم الفصل } ~~[الصافات: 21] الذي كذبتم به، وقد عاينتم { الذي كنتم به ~~تكذبون * احشروا الذين ظلموا وأزواجهم } ~~[الصافات: 21-22]، يشير به إلى حشر النفوس ولعبادها { وما كانوا ~~يعبدون * من دون الله } [الصافات: 22-23] من الهوى والدنيا ~~والشيطان { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } [الصافات: 23]، ~~فإنهم كانوا في الدنيا يهدون إلى هذا الصراط، وأنهم يحشرون على ما ماتوا ~~عليه، وكذلك من أعان صاحب فترة في فترته أو صاحب زلة في زلته كان مشاركا ~~في عقوبته، واستحقاق طرده وإبعاده، كما أشركت النفوس والأجساد في الثواب ~~والعقاب؛ لقوله: { وقفوهم إنهم مسئولون } [الصافات: 24]، ~~فيه إشارة إلى أن للسالك في كل مقام وقفة تناسب ذلك المقام، وهو مسئول عن ~~أداء حقوق ذلك المقام، فإن خرج عن عهدة جوابه بالصواب أذن في العبور ~~وإلا بقي موقوفا رهينا بأحواله إلى أن يؤدي حقوقه، فمن السؤال صعب ~~وقوم يسألهم الملك، فالذين يسألهم الملائكة أقوام لهم أعمال صالحة تصلح ~~للعرض والكشف، وأقوام لهم أعمال لا تصلح للكشف، وهم قسمان: # الخواص يسترهم الحق عن إطلاع الخلق عليهم في الدنيا والآخرة. # وأقوام هم أرباب الزلات يختصهم الله برحمته فلا يفضحهم. # ثم إنهم يكونون في بعض أحوالهم بعين الهيبة، وفي بعض أحوالهم بنعت البسط ~~والقربة، وفي الخبر: ms1353 إن أقواما يسترهم بكنفه، عن عبد الله بن عمر يقول: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الله يدني المؤمنين يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه يستره من ~~الناس، فيقول: أي عبدي تعرف ذنبك كذا وكذا، فيقول: نعم أي رب، ثم يقول: ~~أي عبدي تعرف ذنبك كذا وكذا، فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى ~~في نفسه قد هلك قال: فإني سترتها عليك في الدنيا، وقد غفرتها لك اليوم، ~~ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقين فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين ~~كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين " # ، حديث متفق على صحته. # وأما الأغيار والأجانب فيقال لهم: # كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14] فإذا قرءوا كتابهم يقال لهم ما جزاء من عمل هذا؟ فيقول: ~~جزاؤه النار، فيقال لهم: ادخلوها بحكمهم. ### || [37.25-36] # ثم يقال لهم في بعض أحواله استيلاء الفزع عليهم: { ما لكم لا ~~تناصرون * بل هم اليوم مستسلمون } [الصافات: 25-26] ~~بالاضطرار. # وبقوله: { وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون } ~~[الصافات: 27]؛ أي: يتخاصمون، يشير إلى أن دأب أهل الدنيا أنهم يلقون ذنب ~~بعضهم على بعض، ويدفعون عن أنفسهم البلاء، ويرضون لإخوانهم ما لا يرضون ~~لأنفسهم، وهمة أهل الدين أنهم يضعون ذنب الإخوان على أنفسهم، ويبرءون ~~أعراض الإخوان عن تهمة الذنوب، ويتهمون أنفسهم بها، كما أن عيسى عليه ~~السلام رأى رجلا قد سرق شيئا فقال له: أسرقت؟ قال: لا والذي لا إله إلا ~~هو، فقال عيسى: صدقت وكذبت عيناي. # وبقوله: { قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } ~~[الصافات: 28]؛ أي: أضللتمونا عن الدين، يشير إلى أن من كان مؤمنا ~~حقيقيا لا يقدر أحد على إضلاله، ولكن الذين اتخذوا الإيمان بالتقليد لا ~~بالتحقيق فيضلون بإضلال أهل الأهواء والبدع، كما أشار إلى هذا المعنى ~~بقوله: { قالوا بل لم تكونوا مؤمنين } [الصافات: 29]؛ ~~أي: إيمانكم ما كان حقيقيا بل كان تقليديا، فزال بأدنى شبهة، ويستدلون ~~على هذا المعنى بقولهم { وما كان لنا عليكم من سلطان } ~~[الصافات: 30]؛ ليزيل إيمانكم عنكم بالقهر والغلبة على قلوبكم، { بل ~~كنتم قوما ms1354 طاغين } [الصافات: 30]؛ أي: كان لكم نفوس أمارين ~~بالسوء طغت عليكم نفوسكم، وأضلتكم عن سواء السبيل. # ثم أخبر عن إقرارهم بعد إنكارهم بقوله تعالى: { فحق علينا ~~قول ربنآ } [الصافات: 31] يشير إلى قوله تعالى في الأزل: { كن } ~~، وحكم بأمر واحد وهو { كن }؛ أي: يكون كل شيء كما أراده في الأزل وأخبر ~~الله تعالى عن مقتضى قوله: { كن } في الأزل، وقال: { فإنهم ~~يومئذ في العذاب مشتركون } [الصافات: 33]، كما كانوا في ~~الغواية والضلالة مشتركون. # { إنا كذلك نفعل بالمجرمين } [الصافات: 34]؛ يعني في ~~حكم الأزل بأمر { كن }؛ ليكونوا مجرمين ليذوقوا العذاب الأليم، ومن ذلك ~~{ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون } [الصافات: 35]، ولهذا { ويقولون أئنا ~~لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون } [الصافات: 36] فقال ~~تعالى على قصد قوله: { كن } في الأزل. ### || [37.37-50] # { بل جآء بالحق وصدق المرسلين } [الصافات: 37]؛ ~~يعني: محمدا { إنكم لذآئقو العذاب الأليم } [الصافات: ~~38]؛ يعني: كفار مكة، { وما تجزون إلا ما كنتم ~~تعملون } [الصافات: 39] وما كنتم تعملون إلا ما قد أمرتم بعمله بأمر ~~{ كن }. # { إلا عباد الله المخلصين } [الصافات: 40] في العبودية ~~والمخلصين في حكم الأزل بالعصيان، { أولئك لهم رزق معلوم ~~} [الصافات: 41] من أمر { كن } بالسعادة. # ثم أشار من الرزق المعلوم إلى الفاكهة فقال: { فواكه } [الصافات: ~~42]؛ أي: فهم ألا يتفكهوا مما يشاءون { وهم مكرمون } [الصافات: ~~42] من الأزل إلى الأبد بأنهم محمولو العناية، كما قال: # ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم # } [الإسراء: 70]، { في جنات النعيم } [الصافات: 43]، في جوار ~~الحق تعالى: { على سرر متقابلين } [الصافات: 44]، في ~~المدارج والمراتب يستأنس بعضهم برؤية بعض وهذه صفة الأبرار فإن من صفة ~~الأحرار ألا يستأنس إلا بمولاه بقوله: { يطاف عليهم بكأس ~~من معين * بيضآء لذة للشاربين * لا فيها غول ~~ولا هم عنها ينزفون } [الصافات: 45-47] يشير إلى أن أهل السير ~~من أرباب الوسائط الذين وقفوا على أبواب الشهوات الإنسانية، ومشربهم ~~التلذذ بالشراب من الكأس والشراب من معين، وقوم شربوا ومشربهم الحب كما ~~قال قائلهم: # شربت الحب كأسا بعد كأس # فما نفذ الشراب وما رويت # وقال آخر: # قوم شربوا ومشربهم المحبوب # شراب ألحاظ يسكر ms1355 اللبا # وإلى مثل هذا المعنى يشير بقوله: { وعندهم قاصرات الطرف ~~عين * كأنهن بيض مكنون } [الصافات: 48-49] لا ينظرون ~~إلى غير الولي، ثم الولي قد ينظر إليهن، وفيهم من لا ينظر إليهن: # جننا على ليلى وجنت بغيرنا # وأخرى بنا مجنونة لا نريدها # ثم أخبر عن إقبال أرباب الأحوال بقوله تعالى: { فأقبل بعضهم ~~على بعض يتسآءلون } [الصافات: 50] يشير إلى أن أهل جهنم هم ~~الذين كانوا ممن لم يقبلوا على الله بالكلية وإن كانوا مؤمنين موحدين ~~وإلا كانوا في مقعد صدق مع المقربين. ### || [37.51-61] # وبقوله: { قال قآئل منهم إني كان لي قرين * يقول ~~أءنك لمن المصدقين * أءذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أءنا لمدينون } [الصافات: 51-53] يشير إلى أنهم في ~~الجنة يتذكرون فيما جرى بينهم في الدنيا مع قرنائهم؛ ليريهم ما بهم من ~~العذاب فيعرفوا قدر نعمة الله على أنفسهم، ويزيد في الشكر على نعم الله، ~~ويستحلي لهم ذوق نعيم الجنة مما يطالعون أحوال قرنائهم السوء وذلك قوله ~~تعالى: { هل أنتم مطلعون * فاطلع فرآه في سوآء ~~الجحيم * قال تالله إن كدت لتردين * ولولا ~~نعمة ربي } [الصافات: 54-57]؛ أي: نعمة حفظه وعصمته وهدايته { ~~لكنت من المحضرين } [الصافات: 57]؛ أي: معكم فيما كنتم فيه من ~~الضلالة في البداية وفيما أنتم فيه من العذاب والبعد والنهاية، وإنما ~~أخبر الله تعالى عن هذه الحالة قبل وقوعها؛ ليعلم أن غيبة الأشياء سواء ~~في علمه وجودها وعدمها، بل كانت المعدومات في علمه موجودة، وليعلم أن ~~الأمور بيده تعالى يقلبها كيف يشاء. # بقوله تعالى: { أفما نحن بميتين * إلا موتتنا ~~الأولى وما نحن بمعذبين } [الصافات: 58-59] يشير إلى أن ~~من مات بالموتة الأولى - وهي الموتة الإرادية عن الصفات النفسانية ~~الحيوانية - فقد حي بحياة روحانية ربانية لا يموت بعدها أبدا، بل ينقل ~~المؤمن من دار في جوار الحق تعالى، فلا يعذب بنار الهجران وآفة الحرمان، ~~وأذهبت نفحة من نفحات الحق من جناب القدس، أو شم رائحة من نسيم القرب، أو ~~بدت شظية من الحقائق، وتباشير الوصلة جدير أن يقول: { إن هذا ~~لهو الفوز العظيم ms1356 } [الصافات: 60] وبالحري أن يقال: { ~~لمثل هذا فليعمل العاملون } [الصافات: 61]، بل لمثل ~~هذه الحالة تبذل الأرواح وتفدي الأشباح، كما قيل: # على مثل ليلى يقتل المرء نفسه # وإن كنت من ليلى على اليأس طاويا # وهاهنا تضيق العبارات وتتقاصر الإشارات. ### || [37.62-75] # ثم أردف بعد قصة الأولياء قصة الأعداء، فقال: { أذلك خير ~~نزلا أم شجرة الزقوم * إنا جعلناها فتنة ~~للظالمين * إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم * ~~طلعها كأنه رءوس الشياطين } [الصافات: 62-65]، يشير إلى ~~أن من كان هاهنا معاملاته في صفة قبح صفات الشياطين؛ أي: في قبح صورة ~~الشياطين، { فإنهم لآكلون منها فمالئون منها ~~البطون } [الصافات: 66]؛ لأنهم كانوا لها في مزرعة الآخرة - أعني: ~~الدنيا - زراعين، { ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم ~~} [الصافات: 67]، ثم أن من جهنم لا إلى الجحيم. # { إنهم ألفوا آبآءهم ضآلين } [الصافات: 69] عن طلب ~~الحق ومتابعة الهوى، فهم على آثارهم يهرعون، ولقد ضل عن طلب الدنيا ~~بمتابعة الهوى، قبلهم أكثر الأولين، { ولقد أرسلنا فيهم ~~منذرين } [الصافات: 72]، في الظاهرين من المرسلين، وفي الباطن من ~~إلقاء الملهمين؛ { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين * ~~إلا عباد الله المخلصين } [الصافات: 73-74]، الذين أخلصوا ~~في العبودية، فخلصهم الله من حبس الوجود بالفضل والجود. # ثم أخبر عن نداء النوح في بضل الروح بقوله: { ولقد نادانا نوح ~~} [الصافات: 75]، يشير إلى نوح الروح لما أصابه الأذى من قومه، وهم النفس ~~وصفاتها في التكذيب، ولم يسمع قومه منه ما كان يقول من حديثنا في دعوتهم ~~إلينا، فرجع إلينا فخاطبنا وخاطبناه، وكلمنا وكلمناه، ونادانا فناديناه، ~~وكان لنا وكنا له، وأجابنا فأجبناه، فلنعم المجيب كان لنا { فلنعم ~~المجيبون } [الصافات: 75] كنا له. ### || [37.76-82] # { ونجيناه وأهله من الكرب العظيم * وجعلنا ~~ذريته هم الباقين } [الصافات: 76-77] وهم القلب والسر ~~والخفى، وما يتولد منهم من الأعمال الصالحات الباقيات. # { وتركنا عليه في الآخرين } [الصافات: 78] الثناء الحسن ~~والذكر الجميل، وهو قوله تعالى: # قل الروح من أمر ربي # [الإسراء: 85]، وقوله: # ونفخت فيه من روحي # [ص: 72] { سلام على نوح في العالمين } [الصافات: 79]، ~~يشير بهذا أن المستحق بسلام الله في العالمين هو ms1357 نوح روح الإنسان؛ لأنه ~~ما جاء أن الله تعالى سلم على شيء من العالمين غير الإنسان، كما قاله ~~ليلة المعراج: # " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " # ، فما قال: وعلى ملائكتك المقربين، وإنما كان اختصاص الإنسان بسلام الله ~~من بين العالمين؛ لأنه حمال حمل ثقيل وهو الأمانة التي عرضها على ~~العالمين، # فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها ~~الإنسان إنه كان ظلوما # [الأحزاب: 72] على نفسه الضعيفة يحمل الأمانة الثقيلة، # جهولا # [الأحزاب: 72] عن كمال منافعها عند أدائها إلى أهلها، وكمال مضارها عند ~~الجناية فيها، فكان الإنسان أحوج شيء بسلام الله؛ ليعبر بالأمانة على ~~الصراط المستقيم الذي هو أدق من الشعر وأحد من السيف؛ ولهذا قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " يكون دعوات الرسل حينئذ: رب سلم سلم " # ، وهل سمعت أن يكون لغير الإنسان العبور على الصراط؛ لأنهم يؤدون ~~الأمانة إلى أهلها، وهو الله تبارك وتعالى، فلا بد من العبور على صراط ~~الله للوصول إليه لأداء أمانته إليه، وفي هذا أسرار إفشاؤها كفروع السر ~~تعبر، يكفيك هاهنا ما أشار إليه. # { إنا كذلك نجزي المحسنين * إنه من عبادنا ~~المؤمنين * ثم أغرقنا الآخرين } [الصافات: 80-82] في ~~بحر الوجود، يشير إلى غير الإنسان من الموجودات أنه ما خلص أحد منهم من ~~غرق الوجود إلى ساحل العدم بالجود، ولما سلم من سلم من بحر الوجود إلى ~~ساحل الجود بسلام الله كان مخصوصا في كل حال من حالاته بسلام من الله ~~العزيز الحكيم؛ لعبوره بالسلامة من تلك الحالة، كاحتياجه بالسلام في ~~العرصة؛ لعبوره على الصراط المستقيم بالرحمة، سلم عليه بقوله: # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58] بعد العبور عند الدخول في الجنة بقوله: # سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين # [الزمر: 73]، وقال # ادخلوها بسلام آمنين # [الحجر: 46]، وبعد الدخول في الجنة خوطب بقوله: # سلام عليكم بما صبرتم # [الرعد: 24]؛ يعني: تحت ثقل حمل الأمانة # فنعم عقبى الدار # [الرعد: 24]. ### || [37.83-101] # وبقوله: { وإن من شيعته لإبراهيم * إذ جآء ربه ~~بقلب سليم } [الصافات: ms1358 83-84] يشير إلى إبراهيم السر؛ فإنه من ~~شيعة نوح الروح، وجاء ربه بقلب سليم عن تعلقات الكونين؛ { إذ قال ~~لأبيه } [الصافات: 85] آذر: النفس { وقومه } [الصافات: 85]؛ أي: ~~صفاتها، { ماذا تعبدون * أإفكا آلهة } [الصافات: 85-86] من ~~الدنيا والهوى والشيطان { دون الله تريدون * فما ظنكم ~~برب العالمين } [الصافات: 86-87] أن يغفل عنكم أو لا يؤاخذكم ~~بما كسبت أيديكم، أو يخالف قوله: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]. # وبقوله: { فنظر نظرة في النجوم * فقال إني سقيم } ~~[الصافات: 88-89] يشير إلى نجوم شواهد الحق تعالى إذا طلعت من مشرق ~~العناية، فنظر إليها إبراهيم السر فيرى بلمعان نورها أدنى التفاته إلى ~~غير الله، فيتحقق عنده، وإن مزاج محبته وطلبه انحرف بقدر التفاته، { ~~فقال إني سقيم } [الصافات: 89] { فتولوا عنه } ~~[الصافات: 90] آذار النفس وصفاتها، { مدبرين } [الصافات: 90]، { ~~فراغ } [الصافات: 91]؛ أي قال: { إلى آلهتهم } [الصافات: 91] ~~من الدنيا والهوى والشيطان، { فقال ألا تأكلون * ما لكم لا ~~تنطقون * فراغ عليهم ضربا باليمين } [الصافات: ~~91-93] المؤيد بتأييد الله تعالى، فكسر الأصنام كلها { فأقبلوا ~~إليه يزفون } [الصافات: 94] النفس وصفاتها، ويعاتبونه في كسر ~~الأصنام، قال: { قال أتعبدون ما تنحتون } [الصافات: 95] من ~~أنواع الشهوات؛ أي: ما تتوهمون منها، { والله خلقكم وما ~~تعملون } [الصافات: 96] من أعمالكم ومتوهماتكم ومتخيلاتكم، { ~~قالوا ابنوا له بنيانا } [الصافات: 97] من الهواجس النفسانية ~~والوساوس الشيطانية، { فألقوه في الجحيم } [الصافات: 97]؛ جحيم ~~الحرص والشهوة، { فأرادوا به كيدا } [الصافات: 98] بأن يحرقوه ~~بنار الحرص والشهوة، { فجعلناهم الأسفلين } [الصافات: 98] ~~بأن جعلنا نار الحرص والشهوة بردا وسلاما على إبراهيم السر، وقد علاهم ~~بالعفة والقناعة ورد كيدهم. # ثم أخبر عن ذهاب الخليل إلى باب الجليل بقوله تعالى: { وقال إني ~~ذاهب إلى ربي سيهدين } [الصافات: 99]، يشير إلى إبراهيم ~~الروح أن الله لما ابتلاه بنمرود النفس، وقومه من صفات النفس، وقد رآهم ~~على عبادة غير الله من أصنام الهوى، والشيطان ينفر عنهم وعن أذاهم وعن ~~صحبتهم؛ لأنهم كانوا حيواني الصفات شيطاني الأوصاف، وكان هو ملكي الصفات ~~رباني الأوصاف، ولهذا السر رد من أعلى عليين عالم ms1359 الأرواح إلى أسفل ~~الأشباح؛ ليتعلم السير من الأسفل إلى الأعلى، ويحصل الآن الذهاب إلى الله ~~تعالى، ثم يضطره بإذية النفس وصفاتها إلى الرجوع إلى الحضرة، فلما بلغ ~~سيره الربى وآل أمره إلى الردى، قال: { إني ذاهب إلى ربي } ~~يشير به إلى السير إلى الله تعالى، وبقوله: { سيهدين } يشير إلى ~~السير بالله في الله. # وبقوله تعالى: { رب هب لي من الصالحين } [الصافات: 100] ~~يشير إلى أنك كما وهبت لي نفسا من المفسدين هب لي قلبا من الصالحين، ~~وهو الذي قال: # " إن في جسد ابن آدم لمضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد ~~بها سائر الجسد، ألا وهي القلب ". # { فبشرناه بغلام حليم } [الصافات: 101]، فهو القلب السليم ~~الحليم. ### || [37.102-112] # { فلما بلغ معه السعي } [الصافات: 102]؛ أي: بلغ سعي ~~القلب مع الروح إلى الحضرة. { قال يبني إني أرى في ~~المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى } [الصافات: 102]، ~~يشير به إلى أن من شرائط السائرين إلى الله قطع الأبوة والبنوة ~~الحيوانية، ومن شرائط السائرين بالله التسليم والتفويض بالكلية في الأمور ~~إلى الله، والخروج عن مستحسنات الطبع ومن مستحسنات العقل إلى مشيئة الله ~~تعالى وما اختاره له، وهذا حقيقة قوله تعالى { يأبت افعل ما ~~تؤمر ستجدني إن شآء الله من الصابرين } [الصافات: ~~102]. # ومن شرائط السائرين في الله فداء النفس وبذل الروح في طلب الحق تعالى، ~~وبه يشير إلى قوله تعالى: { فلما أسلما } [الصافات: 103]، وقد ~~أسلم إبراهيم نفسه، وقد فداها حين وضع في المنجنيق، وقد أسلم إسماعيل ~~وبذل روحه حين تله للجبين، ومن دقة النظر في رعاية آداب العبودية، وحفظ ~~حقوق الربوبية في العصمة إلى إسماعيل عليه السلام: أمر أباه بأن يشد يديه ~~ورجليه؛ لئلا يضطرب إذا مسه ألم الذبح فيعاتب، ثم لما هم يذبحه: افتح ~~القيد عني فإني أخشى أن أعاتب، فيقال لي: أمشدود اليدين جئتني؟ وإني لا ~~أتحرك ستشعر. # ولو بيد الحبيب سقيت سما # لكان السم من يديه تطيب # { وفديناه بذبح عظيم } [الصافات: 107] إنما سمي الذبح ~~عظيما؛ لأنهما نبيين عظيمين أحدهما أعظم من الآخر، وهما ms1360 إسماعيل ومحمد - ~~عليهما الصلاة - لأنه كان محمد في صلب إسماعيل عليهما الصلاة والسلام. # { وتركنا عليه في الآخرين } [الصافات: 108]؛ أي: في أمة من ~~الآخرين إلى قيام الساعة؛ أي: من الأمم الآخرين، { سلام على ~~إبراهيم } [الصافات: 109]؛ أي: سلام مما أسلم إبراهيم وسلم من النار ~~وذبح الولد، { كذلك نجزي المحسنين } [الصافات: 110] الذين ~~أحسنوا عبوديتنا، وأسلموا أوامر ربوبيتنا، # إنه من عبادنا المؤمنين # [الصافات: 81] المخلصين، لا من عبادنا للدنيا والهوى. # { وبشرناه } [الصافات: 111]؛ يعني: إبراهيم { بإسحاق } ~~[الصافات: 111] القلب { نبيا } [الصافات: 111] ملهما من الحق تعالى، ~~كما قال بعضهم: حدثني قلبي عن ربي، { من الصالحين } [الصافات: ~~111]؛ أي: المستعدين لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة. ### || [37.113-132] # يقول الله تعالى: { وباركنا عليه وعلى إسحاق } ~~[الصافات: 113] يشير إلى أنه بارك على إبراهيم الروح، وإسحاق القلب، { ~~ومن ذريتهما } [الصافات: 113]؛ أي: ومما يتولد من صفاتهما { ~~محسن } [الصافات: 113] في الطاعة والعبودية بالإخلاص، { وظالم ~~لنفسه مبين } [الصافات: 113]؛ أي: ظالم ظلم على نفسه في طلب ~~الحق تعالى. # ثم أخبر عن أبناء الأنبياء بقوله تعالى: { ولقد مننا على ~~موسى وهارون } [الصافات: 114]، يشير إلى موسى القلب وهارون السر ~~بأن نجاهما من غرق بحر الدنيا وماء شهواتها، كما قال تعالى: { ~~ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم * ~~ونصرناهم } [الصافات: 115-116]؛ يعني: موسى القلب وهارون السر ~~وصفاتهم، على فرعون النفس وصفاتهما، { فكانوا هم الغلبين * ~~وآتيناهما الكتاب المستبين } [الصافات: 116-117] من ~~العلوم الحقيقية والإلهامات الربانية، { وهديناهما الصراط ~~المستقيم } [الصافات: 118] إلى الحضرة، { وتركنا عليهما ~~في الآخرين } [الصافات: 119] بالثناء الحسن عليهما وبالاقتداء بهما، ~~{ سلام على موسى وهارون } [الصافات: 120] سلام الحفظ ~~والرعاية وسلامتها عن الآفات بالكلأة، { إنا كذلك نجزي ~~المحسنين } [الصافات: 121] بالإحسان والتوفيق للإحسان، { ~~إنهما من عبادنا المؤمنين } [الصافات: 122]، يشير إلى ~~أن من توفيقنا إياهما للإحسان وفقناهما ليكونا من عبادنا المؤمنين؛ يشير ~~إلى أن من توفيقنا إياهما للإحسان وفقناهما ليكونا من عبادنا المؤمنين. # { وإن إلياس } [الصافات: 123] الروح { لمن المرسلين } ~~[الصافات: 123]، فقد أرسل إلى قومه من القلب والنفس وصفاتهما { إذ ~~قال لقومه ألا تتقون } [الصافات: 124]، فتقوى القلب أن ~~تبقى بالله من الله، كما كان حال النبي صلى الله ms1361 عليه وسلم إذ يقول: # " أعوذ بك منك " # ، وتقوى النفس أن يتقي برضاه من سخطه وبما فاته من عقوبته، { ~~أتدعون بعلا } [الصافات: 125]؛ أي: أتدعون بعل الدنيا القبيحة، { ~~وتذرون } [الصافات: 125] عبادة { أحسن الخالقين } ~~[الصافات: 125]، الذي خلقكم وخلق أباءكم الأولين؛ يعني: الأرواح والآباء ~~العلوية، وذلك قوله: { الله ربكم ورب آبآئكم ~~الأولين } [الصافات: 126]، { فكذبوه } [الصافات: 127] أي: ~~النفس وصفاتها { إلا عباد الله المخلصين } [الصافات: ~~128]، من عبودية غير الحق، وهم القلب والسر وأوصافهما، { وتركنا ~~عليه } [الصافات: 129]؛ أي: الثناء الحسن على إلياس الروح { في ~~الآخرين } [الصافات: 129] من الأنبياء والأمم. # { سلام على إل ياسين } [الصافات: 130]؛ أي: القلب والسر ~~وأوصافهما من عبودية غير الحق، وهم القلب والسر وأوصافهما، فإنهم إل ~~ياسين الروح، { إنا كذلك نجزي المحسنين } [الصافات: ~~131]، بأن يحسن معهم بتقديم سلامنا عليهم، سلام السلامة في العبودية على ~~الدارين، والخلاص عن آفات الكونين، وبأن نجعله من عبادنا المؤمنين ~~المخلصين عن عبودية الهوى والدنيا والعقبى. ### || [37.133-148] # ثم أخبر عن نجاة لوط ودرجاته بقوله: { وإن لوطا لمن ~~المرسلين } [الصافات: 133]، يشير إلى لوط الروح أنه مهبط أنوار ~~الحق ومحط أسراره؛ { إذ نجيناه وأهله } [الصافات: 134]، من ~~القلب والسر وصفاتهما { أجمعين } [الصافات: 134] من سطوات قهرنا، { ~~إلا عجوزا في الغابرين } [الصافات: 135]، وهي عجوز النفس ~~الأمارة؛ فإنها بمثابة الزوجة للوط الروح، { ثم دمرنا ~~الآخرين } [الصافات: 136] من النفس وصفاتها، { وإنكم ~~لتمرون } [الصافات: 137] أيتها الصفات الإنسانية عليهم مصبحين في ~~صباح يوم الدين، يشاهدون آثار سطوات قهرنا باستيلاء صفات النفس وغلبات ~~دواعي الشهوات، { وباليل أفلا تعقلون } [الصافات: 138] ~~فتعتبرون وتؤمنون بوحدانية الحق تعالى، وترجعون إلى أبواب فضله وكرمه ~~ورحمته. # { وإن يونس } أي: يؤنس القلب { لمن المرسلين } ~~[الصافات: 139]، وهو أيضا مهبط أنوار الحق تعالى؛ { إذ أبق إلى ~~الفلك المشحون } [الصافات: 140]؛ أي: فلك الهوى المشحون من ~~شهوات النفس، { فساهم } مع أهل الهوى؛ { فكان من المدحضين ~~} [الصافات: 141]؛ أي: من المغلوبين المفتونين بشهوات النفس فألقى في بحر ~~الدنيا، { فالتقمه الحوت } [الصافات: 142] حوت النفس، { وهو ~~مليم } [الصافات: 142] بالتفاته إلى بحر الدنيا وركوبه فلك الهوى إذ ~~أبق من عبودية المولى، { فلولا أنه كان من المسبحين } ~~[الصافات: ms1362 143] المطيعين الذاكرين لله، الراجعين إليه بالتوبة والاستغفار ~~{ للبث في بطنه } [الصافات: 144]؛ يعني: القلب في بطن حوت النفس ~~{ إلى يوم يبعثون } [الصافات: 144] والإشارة فيه أن خلاص يونس ~~القلب إذا التقمه حوت النفس لا يكون إلا بملازمة ذكر الله، { ~~فنبذناه بالعرآء وهو سقيم } [الصافات: 145]، يشير بهذا ~~إلى أن القلب إن تخلص من بحر النفس وبحر الدنيا يكون مستقيما؛ بانحراف ~~مزاجه القلبي بمجاورة صحبة النفس وإسراف طبعها، بقوله: { وأنبتنا ~~عليه شجرة من يقطين } [الصافات: 146]، يشير إلى إنبات شجرة ~~العناية عليه؛ ليستظل بظلها إلى أن يزول عنه ضعف البشرية، ويتقي بالسلامة ~~القلبية، ويستعد لتواتر الإلهامات الربانية، ويستحق بالخلافة للسلطنة ~~الروحانية، فينصب لرعاية الرعية. # فذلك قوله: { وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون } ~~[الصافات: 147] به يشير إلى أن كل قلب تخلص من سجن النفس يصير سلطانا ~~على ولاية الإنسانية، يحكم على مائة ألف صفة من صفات البشرية أو يزيدون، ~~{ فآمنوا } هذه الصفات كلها بما يأتيهم من الحق، واقتدوا به وتخلقوا ~~بأخلاقه؛ { فمتعناهم } يعني: بالقلب وأخلاقه { إلى حين } ~~[الصافات: 148] يستعدون للتخلق بأخلاق الله تعالى. ### || [37.149-157] # وبقوله: { فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون ~~} [الصافات: 149]، يشير إلى كمال جهالة الإنسان وضلالته إذا وكل إلى نفسه ~~الخسيسة، وخلى إلى طبيعته الركيكة أنه يظن بربه ورب العالمين نقائص لا ~~يستحقها، إذا عاقل بل غافل من أهل الدنيا؛ إذ يجبلون إليه أنه اصطفى ~~البنات على البنين وأنه خلق الملائكة إناثا، ولا يعلمون أن الخلاق منزه ~~عن أوصاف المخلوقين، فإنه الصمد الذي لم يلد ولم يولد، وإنه # لغني عن العالمين # [العنكبوت: 6]، # إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا # [مريم: 93]، وأن الملائكة مبرءون من الذكورة والأنوثة، وأنهم من إفك ~~الإنسانية يقولون هذه المحالات، كما قال تعالى: { أم خلقنا ~~الملائكة إناثا وهم شاهدون * ألا إنهم من ~~إفكهم ليقولون * ولد الله وإنهم لكاذبون } ~~[الصافات: 150-152]؛ إذ قالوا: { أصطفى البنات على البنين ~~} [الصافات: 153] لأن الملائكة ليسوا بالبنات ولا بالبنين، وأنهم ليسوا ~~من هذا القبيل، وأن الله منزه عما يصفونه به، { ما لكم كيف ~~تحكمون } [الصافات: ms1363 154] على الغني عن العالمين، { أفلا ~~تذكرون } [الصافات: 155]؟! أنكم تستنكفون من البنات، وتصفون الإله ~~القديم والرب الكريم بما استنكفتم منه مع كفركم وقبيح فعلكم، { أم ~~لكم سلطان مبين } [الصافات: 156]؟ حجة ظاهرة على ما يقولون، { ~~فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين } [الصافات: 157] فيما ~~يقولون بأن الله نزل عليكم كتابا ذكر فيه هذا المعنى، وأنه كم ينزل ~~عليكم كتابا يذكره، فلم يفترون على الله الكذب؟ ### || [37.158-170] # ثم أخبر عن غاية جهالتهم ونهاية ضلالتهم بقوله تعالى: { وجعلوا ~~بينه وبين الجنة نسبا } [الصافات: 158]، يشير إلى أجنية ~~الإنسان وقصور نظر عقله عن كمال أحدية الله وجلال صمديته؛ إذ وكل الإنسان ~~إلى نفسه في معرفة ذات الله وصفاته، فيقيس ذاته على ذاته، وصفاته على ~~صفاته، فيثبت له نسبا كما له نسب، ويثبت له زوجة وولدا كما له زوجة ~~وولد، ويثبت له جوارح كما له جوارح، ويثبت له مكانا كما له مكان، تعالى ~~الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وهو يقول تبارك وتعالى: # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # [الشورى: 11]. # وبقوله: { ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون } ~~[الصافات: 158] يشير إلى أن الجنة قد علمت أن لا نسبة لها مع الله تعالى، ~~وعلمت أن قائلي هذه المقالة لمحضرون في النار، ثم نزه نفسه عما يصفه ~~الواصفون لعقولهم وأرائهم، فقال تعالى: { سبحان الله عما ~~يصفون } [الصافات: 159]؛ يعني: أهل الأهواء أو البدع، { إلا ~~عباد الله المخلصين } [الصافات: 160]؛ يعني: إلا من أخلصه ~~الله عن ضلالة الإنسانية بهداية الربانية فإنهم يعرفون الله بنور الله، ~~كما قال صلى الله عليه وسلم: # " عرفت ربي بربي، ولولا فضل ربي ما عرفت ربي ". # وبقوله: { فإنكم وما تعبدون * مآ أنتم عليه ~~بفاتنين } [الصافات: 161-162]، يشير إلى أن أهل الضلالة وما هم ~~يعبدون في ضلالتهم ليسوا على شيء في الإضلال من أحد، إلا من قدر الله أن ~~يكون من أهل النار فحينئذ يضلون بتقدير الله، وذلك قوله: { إلا من ~~هو صال الجحيم } [الصافات: 163]. # وبقوله: { وما منآ إلا له مقام معلوم } [الصافات: ~~164] يشير إلى أن للملك مقاما معلوما لا يتعدى حده، وهو ms1364 المقام الملك ~~الروحاني أو الكروبي، والكروبي لا يقدم على مقام الروحاني؛ فلا عبور لهم ~~من مقامهم إلى مقام فوق مقامهم، ولا نزول لهم إلى مقام دون مقامهم، ولهم ~~بهذا فضيلة على إنسان يبقى في أسفل السافلين والدرك الأسفل من النار، ~~وللذين عبروا منهم عن أسفل السافلين بالإيمان والعمل الصالح وصعدوا إلى ~~عليين، بل ساروا إلى مقام قاب قوسين أو أدنى، بل طاروا إلى منزل أو أدنى ~~فضيلة عليهم؛ ولهذا أمروا بسجدة أهل الفضل منهم بقوله: # فقعوا له ساجدين # [ص: 72]، فللإنسان أن ينزل من مقام الإنسانية إلى درك الحيوانية، كقوله ~~تعالى: # أولئك كالأنعام بل هم أضل # [الأعراف: 179] وله أن يترقى بحيث يعبر عن مقام الملكي، ويقال له: ~~تخلقوا بأخلاق الله، ولو كان من مفاخر الملك أن يقول: وإنا لنحن ~~الصادقين؛ يعين: في الصلاة والعبودية، فإن للإنسان معه شركة في هذا، ~~وللإنسان صفة يحبها الله وليس للملك فيه شركة، وذلك قوله تعالى: # إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ~~كأنهم بنيان مرصوص # [الصف: 4]، وأن يقولوا: { وإنا لنحن المسبحون } ~~[الصافات: 166] أيضا للإنسان معهم شركة، ومن مفاخر الإنسان أن يقولوا: ~~وإنا نحن لمحبون وإنا لنحن المحبوبون وهم مخصوصون به في الترقي من مقام ~~المحبية إلى مقام المحبوبية، وبقوله: { وإن كانوا ليقولون * ~~لو أن عندنا ذكرا من الأولين * لكنا عباد ~~الله المخلصين * فكفروا به فسوف يعلمون } ~~[الصافات: 167-170] يشير إلى تنزل الإنسان إلى الدرك الأسفل. ### || [37.171-182] # وبقوله: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } ~~[الصافات: 171] يشير أن توفي الإنسان إلى مقام الإيمان وأن ترقي المؤمن ~~إلى مقام الولاية وأن ترقي الولي إلى مقام قوله النبوة وأن ترقي النبي ~~إلى مقام المرسلين كله بعناية رب العالمين وبتقديره ذلك قوله: # كتب الله # [المجادلة: 21] أي: قدره الله # أنا ورسلي # [المجادلة: 21] { إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا ~~لهم الغالبون } [الصافات: 172-173] فمن نصرناه فلا يغلب ومن ~~جدلناه فلا يغلب، وجنده الذين نصبهم لنشر دينه، وأقامهم لنصر الحق ~~وتبيينه فمن أراد إذلالهم فعلى أذقاته يجر وفي حبل هلاكه ينجر. # وبقوله: { فتول عنهم ms1365 حتى حين } [الصافات: 174] يشير إلى ~~خذلانهم بقوله { فتول عنهم } أي: أعرض عنهم فإني قد أعرضت عنهم ~~حتى حين أقبلوا علينا فيقبل عليهم، كما قال تعالى: # وإن عدتم عدنا # [الإسراء: 8] { وأبصرهم } [الصافات: 175] أحوالهم { فسوف ~~يبصرون } [الصافات: 175] جزاء مما علموا من الخير والشر { ~~أفبعذابنا } [الصافات: 176] وإنما كان ذلك فيما كان يتمنون قيام ~~الساعة وكانوا { يستعجلون } [الصافات: 176] ذلك لفرط جهلهم ثم ~~لقلة تصديقهم { فإذا نزل بساحتهم } [الصافات: 177] وأتاح ~~البلاء لعقولهم { فسآء صباح المنذرين * وتول عنهم ~~حتى حين * وأبصر فسوف يبصرون } [الصافات: 177-179] ~~فعن قريب سيحصل ما منه يحذرون { سبحان ربك رب العزة } ~~[الصافات: 180] تقديسا { عما يصفون } [الصافات: 180] أهل الأهواء ~~والبدع { وسلام على المرسلين } [الصافات: 181] الذين ~~يبلغون رسالات ربهم ليبلغوها بالسلامة { والحمد لله رب ~~العالمين } [الصافات: 182] هو المحمود في كل حال من الحالات ساء أو ~~ستر نفع أم ضر. ### | [38 - سورة ص] ### || [38.1-8] # { ص } [ص: 1]، بقوله: { ص } يشير إلى: القسم بصاد الصمدية في الأزل، ~~وبصاد صانعيته في الأواسط، وبصاد صبوريته في الأبد، وبصاد صدق الذي جاء ~~بالصدق، وبصاد صديقيته الذي صدق به، وبصاد صفاء صفوته في مودته ومحبته، ~~وبقوله: { والقرآن ذي الذكر } [ص: 1]، يشير إلى: القسم بالقرآن ~~الذي هو مخصوص بالذكر؛ وذلك لأن القرآن قانون معالجات القلوب المريضة، ~~وأعظم مرض القلب نسيان الله تعالى، كما قال تعالى: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67]، وأعظم علاج مرض النسيان ذكر الله، كما قال تعالى: # فاذكروني أذكركم # [البقرة: 152]؛ ولأن العلاج بأضدادها. # وبقوله: { بل الذين كفروا في عزة وشقاق } [ص: 2]، ~~يشير إلى: انحراف مزاج قلوب الكفار لمرض نسيان الله تعالى من اللين ~~والسلامة إلى الغلظة والقساوة، ومن التواضع إلى التكبر، ومن الوفاق إلى ~~الخلاف، ومن الوصلة إلى الفرقة، ومن المحبة إلى العداوة، ومن مطالعة ~~الآيات إلى الإعراض عن البحث للأدلة والسير للشواهد. # { كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا } [ص: 3] عند ~~هجوم البلاء، { ولات حين مناص } [ص: 3] إذ فات وقت الإشكاء، { ~~وعجبوا أن جآءهم منذر منهم } [ص: 4] ولم يعجبوا أن ~~يكون المنحوتات آلهة، وهذه مناقضة ظاهرة، فلما تحيروا في شأن ms1366 أنبيائهم ~~رموهم بالسحر، { وقال الكافرون هذا ساحر كذاب } [ص: ~~4]، والإشارة في هذا أنهم لما كان منحرف مزاج القلوب بمرض نسيان الحق، ~~جاءت النبوة على مذاق عقولهم المتغيرة سحرا، والصديق كذابا، ومن حول ~~نظرهم رأوا الإله الواحد آلهة، وقالوا: { أجعل الآلهة إلها ~~واحدا } [ص: 5] ولم يعلموا أنهم جعلوا الإله الواحد آلهة، { إن ~~هذا لشيء عجاب } [ص: 5]، لم تباشر خلاصة التوحيد قلبهم، ~~وتعدوا عن ذلك تجويزا، فضلا عن أن يكون إثباتا وحكما، فلا عرفوا الله ~~ولا معنى الإلهية، فإن الإلهية؛ هي القدرة على الاختراع، وتقدير قادرين ~~على الاختراع غير صحيح لما يجب من وجوده المانع بينهما وجوازه، وذلك يمنع ~~من كمالهما، ولو لم يكونا كمالي الوصف لم يكونا إلهين، وكل أمر جر تنويه ~~بسقوطه مطوع باطل بقوله: { وانطلق الملأ منهم أن امشوا ~~واصبروا على آلهتكم } [ص: 6]، يشير إلى: إن الكفار إذا ~~تواصلوا فيما بينهم بالصبر على آلهتهم، فالمؤمنون أولى بالصبر على عبادة ~~معبودهم، والاستقامة في دينهم، بل الطالب الصادق، والعاشق الوامق أولى ~~بالصبر والثبات على قدم الصدق في طلب المعبود المحبوب المعشوق، { إن ~~هذا لشيء يراد } [ص: 6] في الأزل في المقبول والمردود. # وبقوله: { ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة إن ~~هذا إلا اختلاق } [ص: 7]، يشير إلى أن ركون الجهال إلى ~~البشرية والعادة وما وجدوا عليه أسلافهم من الضلالة، واستناموا إلى ~~التقليد والهوادة، وبقوله: { أءنزل عليه الذكر من بيننا ~~بل هم في شك من ذكري } [ص: 8]، يشير إلى أن القرآن قديم؛ ~~لأنه سماه الذكر، ثم أضافه إلى نفسه تعالى بقوله: { من ذكري } [ص: ~~8]، ولا خفاء بأن ذكره قديم؛ لأن الذكر المحدث يكون مسبوقا بالنسيان، ~~وهو منزه عن النسيان، وبقوله: { بل لما يذوقوا عذاب } [ص: ~~8]، فيشير إلى أنهم مستغرقون في عذاب الطرد والبعد ونار القطيعة، ولكنهم ~~عن ذوق العذاب بمعزل؛ لغلبة الحواس إلى أن يكون # يوم تبلى السرآئر # [الطارق: 9]، فيغلب السرائر على الصور، والبصائر على البصر، فيقال لهم: # فذوقوا العذاب # [الأحقاف: 34]؛ يعني: كنتم معذبين، وما كنتم ذائقي العذاب؛ فالمعنى: ~~إنهم لو ذاقوا عذابي ووجدوا ms1367 ألما لما قدموا على ما أسرفوا فيه من ~~جحودهم، وفيه إشارة إلى حال أكثر علماء زماننا وعبادهم أنهم إذا رأوا ~~عالما ربانيا من أرباب الحقائق يخبر عن حقائق لم يفهموها، ويشير إلى ~~دقائق لم يذوقوها، دعتهم النفوس المتمردة إلى تكذيبه، ويقولون: أكوشف هو ~~بهذه الحقائق من بيننا، ويقعون في الشك من أمرهم، لو استبصروا في دينهم ~~لما جحدوهم، واغتنموا أنفاسهم، واقتبسوا من أنوارهم. ### || [38.9-17] # ثم أخبر عن جهالة الكفار وضلالتهم بقوله تعالى: { أم عندهم ~~خزآئن رحمة ربك العزيز الوهاب } [ص: 9]، يشير إلى ~~أنه هو العزيز الذي له خزائن الرحمة، ومن دونه فهو ذليل له لاحتياجه ~~إليه، وهو الوهاب الذي يهب لمن يشاء ما يشاء، وفيه آل هؤلاء الكفار الذين ~~عارضوا ونازعوا وكابروا واجتمعوا عندهم شيء من هذه الأشياء، فيفعلوا ما ~~أرادوا، أو يعطوا ما شاءوا، ويرتقوا إلى السماء فيأتوا بالوحي على من ~~أرادوا، ويهلكوا من أرادوا. # { أم لهم ملك السموت والأرض وما بينهما ~~فليرتقوا فى الأسباب } [ص: 10]؛ بل الله يصطفي من يشاء، ~~ويؤتي من يشاء لعزته، وهم { جند ما هنالك مهزوم من ~~الأحزاب } [ص: 11]، كلهم عجزة لا يقدرون على ذلك مهزومون، شبههم في ~~بقائهم عن مرادهم بالمهزومين؛ أي: إن هؤلاء الكفار ليس معهم حجة سؤالهم ~~قوة، ولا لأصنامهم أيضا من النفع والضر مكنة، ولا في الدفع والرد عن ~~أنفسهم قوة، وبقوله: { كذبت قبلهم قوم نوح وعاد ~~وفرعون ذو الأوتاد * وثمود وقوم لوط وأصحاب ~~لئيكة أولئك الأحزاب } [ص: 12-13]، يشير إلى تسلية قلب ~~النبي صلى الله عليه وسلم وتصفيته عن اهتمام كفار مكة؛ لئلا يفيق قلبه عن ~~تكذيبهم إياه، ولا يحزن عليهم لكفرهم فإن هؤلاء الأحزاب. # { إن كل إلا كذب الرسل } [ص: 14] كما أن قومك كذبوك، { ~~فحق عقاب } [ص: 14]؛ أي: فوجب عليهم عذابي؛ ليكونوا مظهر قهري، ~~ومطلب نار غضبي، { وما ينظر هؤلآء } [ص: 15] كلهم، { إلا ~~صيحة واحدة } [ص: 15] أثرا من أثار قهرنا، { ما لها من ~~فواق } [ص: 15] راحة وخلاص، وبقوله: { وقالوا ربنا عجل ~~لنا قطنا قبل يوم الحساب } [ص: 16]، يشير إلى ms1368 أن النفوس ~~الخبيثة السفلية تميل بطبعها إلى السفليات؛ وهي في الدنيا لذائذ الشهوات ~~الحيوانية، وفي الآخرة دركات أسفل سافلين جهنم، كما أن القلوب العلوية ~~اللطيفة تميل بطبعها إلى العلويات؛ وهي في الدنيا حلاوة الطاعات ولذاذة ~~القربات، وفي الآخرة درجات أعلى عليين الجنان، وكما أن الأرواح ~~القدسية تشتاق بخصوصيتها إلى شواهد الحق، ومشاهد أنوار الجمال والجلال، ~~ولكل من هؤلاء الأصناف جذبة بالخاصية من جاذبة بلا اختيار: كجذبة ~~المغناطيس للحديد، وميلان طبع الحديد إلى المغناطيس من غير اختيار بل ~~باضطرار، { اصبر على ما يقولون } [ص: 17] فيما يلتمسون من ~~تعجيل العذاب، فعن قريب سينزل الله نصرك يا محمد ويعطيهم سؤلهم. # ثم أخبر عن توبة داود وأوابته بقوله تعالى: { واذكر عبدنا ~~داوود ذا الأيد إنه أواب } [ص: 17]، يشير إلى كماليته في ~~العبودية بأنه لم يكن عبد الدنيا ولا عبد الآخرة، وإنما كان عبدنا خالصا ~~مخلصا، وله قوة في العبودية ظاهرا وباطنا: # فأما قوته في الظاهر: فبأنه قتل جالوت وجنوده بثلاثة أحجار رميا إليهم. # وأما قوته في الباطن: إنه كان أوابا، وقد سرت أوابيته في الجبال ~~والطير فكانت تأوب معه. ### || [38.18-23] # وبقوله: { إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي ~~والإشراق * والطير محشورة كل له أواب } [ص: ~~18-19]، يشير إلى كمال عناية ربوبيته في حقه بعد إظهار كمال عبوديته، { ~~وشددنا ملكه } [ص: 20] في الظاهر بأن جعلناه أشد ملوك الأرض، ~~وفي الباطن بأن { وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب } [ص: ~~20]؛ والحكمة هي: أنواع المعارف من المواهب، وفصل الخطاب: بأن ملك ~~المعارف بأدل دليل وأقل قليل، وبقوله: { وهل أتاك نبؤا ~~الخصم إذ تسوروا المحراب * إذ دخلوا على ~~داوود ففزع منهم } [ص: 21-22]، يشير إلى كمال ضعف البشرية مع ~~أنه كان أقوى الأقوياء إذ فزع منهم، ولعل فزع داود عليه السلام كان ~~لإطلاع درجة، على أنه ذلك تنبيه له وعتاب فيما سلف منه، وبقوله: { ~~قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض } [ص: ~~22]، يشير إلى أنه لا تخف عن صورة أحوالنا فإنا جئنا لتحكم { بيننا ~~بالحق } [ص: 22]؛ ولكن خف عن حقيقة أحوالنا، ms1369 فإنها كشف أحوالك التي ~~جرت بينك وبين خصمك أوريا، وبقوله: { فاحكم بيننا بالحق ~~ولا تشطط واهدنآ إلى سوآء الصراط } [ص: 22]، يشير ~~إلى أن هذه الحكومة هي الحكمة التي بينك وبين خصمك، فاهدنا فيها إلى ~~الصراط المستقيم إلى الله، فإن سير العباد إلى الله على أقدام المعاملات ~~على جادة الشريعة. # وبقوله: { إن هذآ أخي له تسع وتسعون نعجة ولي ~~نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب } ~~[ص: 23]، يشير إلى أن الظلم في الحقيقة من شيم النفوس، فإن وجدت ذا عفة ~~فلعلة، كما قال يوسف عليه السلام: # ومآ أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ~~إلا ما رحم ربي # [يوسف: 53]. ### || [38.24-26] # وبقوله: { قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ~~وإن كثيرا من الخلطآء ليبغي بعضهم على ~~بعض } [ص: 24]، يشير إلى أن النفوس جبلت على الظلم والبغي وسائر ~~الصفات الذميمة ولو كانت نفوس الأنبياء عليهم السلام، ثم استثني منهم أهل ~~الإيمان والعمل الصالح بقوله: { إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } [ص: 24]؛ يعني: الذين آمنوا وعملوا أعمالا صالحة لتزكية ~~النفس عن صفاتها الذميمة، ثم قال تعالى: { وقليل ما هم } [ص: ~~24]؛ يعني: وقليل من أهل الإيمان أن يكون أعمالهم صالحة لتزكية النفس، ~~وهم الأنبياء والأولياء، وفيه إشارة أخرى وهي: إن من شأن النبي والولي أن ~~يحكم كل واحد منهم بين الخصوم بالحق، كما ورد الشرع به بتوفيق الله، وإن ~~الواجب عليهم أن يحكموا على أنفسهم بالحق كما يحكمون على غيرهم، كما قال ~~تعالى: # كونوا قومين بالقسط شهدآء لله ولو على ~~أنفسكم # [النساء: 135]، فلما انتبه داود عليه السلام أنه ما حكم على نفسه بالحق ~~كما حكم على غيره كما أخبر الله تعالى بقوله: { وظن داوود ~~أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب } ~~[ص: 24]؛ أي: أناب واستغفر ورجع إلى ربه متضرعا خاشعا، باكيا بقية ~~العمر، معتذرا عما جرى عليه، فتقبل الله منه ورحم عليه وعفا عنه. # وقال: { فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى } ~~[ص: 25]؛ أي: لقربة بكل تفرع وخضوع وخشوع، وبكاء وأنين وحنين، وتأوه صدر ~~منه { و } [ص: ms1370 25] له بهذه المراجعات، { حسن مآب } [ص: 25] عندنا، ~~وفيه إشارة أخرى وهي أن نعلم أن المعصوم عن عصمة الله عز وجل، ومن يهدي ~~الله فهو المهتدي ومن يضلله # فلا هادي له # [الأعراف: 186]. # ثم أخبر عن الهدى أنه مخالفة الهوى بقوله: { يداوود إنا ~~جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس ~~بالحق } [ص: 26]، يشير إلى معان مختلفة: # منها: إن الخلافة الحقيقة ليست بمكتسبة للإنسان؛ إنما هي عطاء وفضل من ~~الله # فضل الله يؤتيه من يشآء # [الحديد: 21]، كما قال تعالى: { إنا جعلناك خليفة } [ص: ~~26]؛ أي: أعطيناك الخلافة. # ومنها: إن استعداد الخلافة مخصوص بالإنسان، كما قال: # وهو الذي جعلكم خلائف الأرض # [الأنعام: 165]. # ومنها: إن الإنسان وإن خلق مستعدا للخلافة، ولكن بالقوة فلا يبلغ ~~درجتها بالكمال إلا الشذاذ منهم. # ومنها: إن [خلافته] تتعلق بعالم المعنى، كما أن الخلقية تتعلق بعالم ~~الصورة، ولهذا إنما أخبر الله تعالى عن صورة آدم عليه السلام قال: # إني خالق بشرا من طين # [ص: 71]، ولما أخبر عن معناه قال: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة: 30]، وقال: # الحمد لله الذي خلق السموت والأرض وجعل ~~الظلمت والنور # [الأنعام: 1]، قال: # الحمد لله فاطر السموت والأرض جاعل ~~الملائكة رسلا # [فاطر: 1]. # ومنها: إن الروح الإنساني من الفيض الأول، وهو أول شيء تعلق بأمر " كن " ~~، ولهذا نسبه إلى أمره، فقال تعالى: # قل الروح من أمر ربي # [الإسراء: 85]، ولما كان هو الفيض الأول إفاضة إلى ذاته تعالى، فقال: # ونفخت فيه من روحي # [ص: 72]، فلما كان الروح هو الفيض الأول كان خليفة الله بذاته وصفاته، ~~إما بذاته؛ فلأنه كان له وجود من وجوده بلا واسطة، فوجوده كان وجود خليفة ~~وجود الله تعالى، وإما بصفاته؛ فلأنه كان له صفات أيضا من وجود صفات ~~الله بلا واسطة، فكل وجود وصفات يكون بعد وجود الخليفة يكون خليفة الله ~~بالذات والصفات،... هلم جرا إلى أن يكون القالب الإنساني وهو أسفل ~~سافلين الموجودات، وآخر شيء لقبول الفيض الإلهي، وأقل حظ من الخلافة، ~~فلما أراد الله سبحانه وتعالى أن يجعل الإنسان خليفة في الأرض خلق لخليفة ms1371 ~~روحه منزلا صالحا لنزول الخليفة فيه وهو قالبه، وأعد له عرشا فيه ~~ليكون محل استوائه عليه وهو القلب، ونصب له خادما وهو النفس، فلو بقي ~~الإنسان على فطرة الله التي فطر الناس عليها يكون روحه مستفيضا من الله ~~تعالى، فائضا بخلافة الحق تعالى على عرش القلب، فائض بخلافة الروح على ~~خادم النفس، فائض بخلافة القلب على القالب، والقالب فائض بخلافة النفس ~~على الدنيا وهي أرض الله، فتكون الروح بهذه الأسباب والآلات خليفة الله ~~في أرضه بحكمه وأمره بتواقيع الشرائع. # ومنها: إن من خصوصية الخلافة الحكم بين الناس بالحق، والإعراض عن الهوى، ~~وترك متابعته، كما أن من خصوصية أكل الحلال العمل الصالح، قال تعالى: # كلوا من الطيبات واعملوا صالحا # [المؤمنون: 51]. # ومنها: إن الله تعالى جعل داود الروح خليفة في أرض الإنسانية، وجعل ~~القلب والسر، والنفس والقالب، والحواس والقوى، والأخلاق والجوارح ~~والأعضاء كلها رعية له، ثم على قضية # " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته " # ، أمر بأن يحكم بين رعيته بالحق؛ أي: بأمر الحق تعالى، وقال: { ولا ~~تتبع الهوى } [ص: 26]؛ أي: لا بأمر الهوى، ثم اعلم أن الله ~~تعالى خلق الهوى في الباطل على صفة الضلالة مخالفا للحق تعالى، فإن من ~~صفة الهداية والحكمة في خليفته ليكون هاديا إلى الحضرة بضدية طبعه ~~ومخالفة أمره، كما أن الحق تعالى كان هاديا إلى حضرته بنور ذاته وموافقة ~~أمره؛ ليسير السائر إلى الله على قدمي موافقة أمر الله ومخالفة هواه؛ ~~ولهذا قالت المشايخ: لولا الهوى ما سلك أحد طريقا إلى الله. # ومنها: إن أعظم جنايات العبد وأقبح خطاياه متابعة الهوى، كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " ما عبد إله في الأرض أبغض على الله من الهوى ". # ومنها: إن للهوى كمالية في الإضلال لا توجد في غيره؛ وذلك لأنه يحتمل أن ~~يتصرف في الأنبياء بإضلالهم عن سبيل الله، كما قال لداود عليه السلام في ~~هؤلاء: { ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ~~إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد ~~بما نسوا يوم الحساب } [ص: 26]، يشير ms1372 إلى أن الضلال الكبير؛ ~~هو الانقطاع عن طلب الحق، ومن ضل عن طريق الطلب مأخوذ بعذاب شديد القطيعة ~~والحرمان من القرب وجوار الحق، وذلك { بما نسوا يوم الحساب } ~~[ص: 26]؛ وهو يوم يجازي فيه كل محق بقدر هدايته، وكل مبطل بحسب ضلالته. ### || [38.27-29] # وبقوله: { وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما ~~باطلا ذلك ظن الذين كفروا } [ص: 27]، يشير إلى أنا ~~خلقناهما وما بينهما بالحق؛ ليكون مرآة يشاهد فيها المؤمنون الذين ينظرون ~~بنور الله شواهد صفات جمالنا وجلالنا، مرآة # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم # [فصلت: 53]، وقالوا: # ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب ~~النار # [آل عمران: 191]، فظن الذين كفروا أنا خلقناهما باطلا، { فويل ~~للذين كفروا } [ص: 27] بما ظنوا، { من النار } [ص: 27]؛ ~~أي: من عذاب نار القطيعة والبعد. # وبقوله: { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار } [ص: 28]، يشير إلى أن أهل الإيمان والعمل الصالح وأهل ~~التقوى هم مظهر صفات لطفنا، والمفسدون والفجار هم مظهر صفات قهرنا، فلا ~~تجعل كلتا الطائفتين كل واحدة منهما كالأخرى. # وبقوله: { كتاب أنزلناه إليك مبارك } [ص: 29]، يشير ~~إليه أنه مبارك على من يعمل به، { ليدبروا آياته } [ص: 29] ~~بالفكر السليم، { وليتذكر } [ص: 29]؛ أي: وليتعظ به { أولوا ~~الألباب } [ص: 29]؛ وهم الذين انسلخوا من حلل بشريتهم كما تنسلخ ~~الحية في جلدها. ### || [38.30-40] # { ووهبنا لداوود } [ص: 30]؛ أي: لداود الروح { سليمان } ~~[ص: 30] القلب، { نعم العبد إنه أواب } [ص: 30]، رجع إلى ~~الحضرة بإخلاص العبودية بلا علة الدنيوية والأخروية. # { إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد } [ص: ~~31]؛ وهي مراكب صفات البشرية، وبقوله: { فقال إني أحببت ~~حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب } [ص: ~~32]، يشير إلى أن حب غير الله شاغل عن الله وموجب للحجاب. # وبقوله: { ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق ~~} [ص: 33]، يشير إلى أن كل محبوب سوى الله إذا حجبك عن الله لحظة يلزمك ~~أن تعالجه بسيف نفي لا إله إلا الله، وبقوله: { ولقد فتنا ~~سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب } ~~[ص: 34]، يشير إلى إلقاء وسوسة شيء ms1373 من الشهوات الجسدانية على كرسي صدر ~~سليمان القلب، فافتتن به إلى أن تاب منه، ورجع إلى الحضرة. # ثم أخبر عن الإجابة بعد الإنابة بقوله تعالى: { قال رب اغفر لي ~~وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } [ص: 35]، يشير ~~إلي معان مختلفة: # منها: إنه أراد طلب الملك الذي هو رفعة الدرجة، بني الأمر في ذلك على ~~التواضع الموجب للرفقة؛ وهو قوله: { رب اغفر لي } [ص: 35]. # ومنها: إنه قدم طلب المغفرة؛ لأنه لو كان طلب الملك ذلة عن حق الأنبياء ~~- عليهم السلام - تكون مسبوقة بالمغفرة لا يطالب بها. # ومنها: إن الملك مهما يكن في يد مغفور له منظور بنظر العناية ما يصدر ~~منه تصرف في الملك إلا مقرونا بالعدل والنصفة، وهو محفوظ من آفات الملك ~~وتبعاته. # ومنها: قوله: { وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ~~} [ص: 35]؛ أي: يكون ذلك موهوبا له، بحيث لا ينزعه منه ويؤتيه من يشاء، ~~كما هي السنة الإلهية جارية فيه. # ومنها: قوله: { لا ينبغي لأحد } [ص: 35]؛ أي: لا يطلبه أحد ~~غيري؛ لئلا يقع في فتنة الملك على مقتضى قوله تعالى: # إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]، فإن الملك جالب للفتنة، كما كان جالبا إلى سليمان عليه ~~السلام بقوله: { ولقد فتنا سليمان } [ص: 34]؛ ولئلا يكون هو ~~سبب افتتانهم. # ومنها: قوله: { ملكا لا ينبغي لأحد } [ص: 35]؛ أي ملكا لا ~~يطلع على حقيقته وكماليته أحد حتى يطلبه منك؛ يعني: يكون في جملة # " ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " # ليطلبه. # ومنها: قوله: { لا ينبغي لأحد } [ص: 35]؛ أي: لا يكون هذا الملك ~~ملتمس أحد منك غير للتمتع والانتفاع به، وهو بمعزل عن قصدي ونيتي عن ~~طلب هذا، فإن لي في هذا الملك نية لنفسي، ونية لقلبي، ونية لروحي، ونية ~~للرعايا، ونية للملك. # وأما نيته لنفسه: فتزكيتها عن صفاتها الذميمة وأخلاقها اللئيمة، وذلك في ~~منعها عن استيفاء شهواتها الحيوانية، وترك مستلذاتها النفسانية بالاختيار ~~دون الاضطرار، وإنما يتيسر ذلك بعد القدرة الكاملة عليه بالمالكية ~~والملكية ms1374 بلا مانع ولا منازع، وكمالية في المملكة بحيث يعوذ فيها مما ~~تحرك داعية من دواعي البشرية المركوزة في جبل الإنسانية؛ ليكون كل واحد ~~من المشتهيات والمستلذات النفسانية محرك لراعية تناسبها عند تملكها، ~~والقدرة عليها عند توقان النفس إليها، وغلبات هواها، فيحرم على النفس ~~مراضعها، ويحرمها عن مشاربها، ونهاها عن هداها خالصا لله وطالبا ~~لمرضاته، فتموت النفس عن صفاتها كما يموت البدن عن إعواز ما هو غذاء يعيش ~~به، فلما ماتت النفس عن صفاتها الذميمة يحييها الله تعالى بالصفات ~~الحميدة، كما قال تعالى: # فلنحيينه حياة طيبة # [النحل: 97]، وقال: # قد أفلح من زكاها # [الشمس: 9]، فلا يبقى لها نظر إلى الدنيا وسائر نعيمها، كما كان حال ~~سليمان لم يكن له نظر إلى الدنيا ونعيمها، إنما كان مع تلك الوسعة في ~~المملكة يأكل كسيرة من كسب يده مع جليس مسكين، ويقول: جالس مسكينا. # وأما نيته لقلبه: فتصفيته عن محبة الدنيا وزينتها وشهواتها، وتوجهه إلى ~~الآخرة بالإعراض عنها عن القدرة عليها والتمكن فيها، ثم صرفها في سبيل ~~الله وقلع أصلها من أرض القلب؛ ليبقى القلب صافيا نقيا من الدنس قابلا ~~للفيض الإلهي، فإنه خلق مرآة لجميع الصفات الإلهية. # وأما نيته لروحه: فلتحليته بالأخلاق الحميدة الربانية، ولا سبيل إليها ~~إلا بعلو الهمة وخلوص النية، فإن المرء يطير بهمته كالطائر # يطير بجناحيه # [الأنعام: 38]، وتزينه الهمة بحسب نيل المقاصد الدنيوية الدنية، وصرفها ~~عن نيل المراتب الدنية الأخروية الباقية، وإن لترك المقاصد الدنيوية وإن ~~كان أثرا لتربية الهمة، ولكن لا يبلغ حد أثر صرفه ما يملك من المقاصد ~~الدنيوية لنيل الدرجات العلية، فلما كان من أخلاق الله تعالى أنه يحب ~~معالي الأمور ويبغض سفاسفها، التمس سليمان عليه السلام أقصى مراتب الدنيا ~~ونهاية مقاصدها؛ لئلا يلتفت إليها ويستعملها في تربية الهمة؛ لتتجلى روحه ~~بحب معالي الأمور ويبغض سفاسفها متخلقا بأخلاق الله تعالى. # وأما نيته للرعايا: بأن يحسن إليهم ويؤلف قلوبهم ببذل المال والجاه، فإن ~~القلوب جبلت على حب من أحسن إليها، فإنهم إذا أحبوا نبي الله لزمهم حب ~~الله، فيكون ms1375 حب الله وحب نبيه في قلوبهم محض الإيمان، ومن لم يكن منهم أن ~~يؤمن بالإحسان فيدخلهم في الإيمان بالقهر والغلبة بأن يأتيهم # بجنود لم تروها # [التوبة: 40]، كما أدخل بلقيس وقومها في الإيمان. # وأما نيته للملك: بأن يجعل الممالك الدنيوية الفانية أخروية باقية، بأن ~~يتوسل بها إلى الحضرة بصرفها في إظهار الدين، وإقامة الحق، وإعلاء كلمة ~~الإسلام، فإن قيل قوله: { لا ينبغي لأحد من بعدي } [ص: ~~35]، هل يتناوله النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ قلنا: # إما بالصورة: فيتناول، ولكن لعلو همته وكمال قدره لا بعدم استحقاقه؛ ~~لأنه عرض عليه صلى الله عليه وسلم ملك أعظم من ملكه فلم يقبله، وقال: # " الفقر فخري ". # وإما بالمعنى: فلا يتناول النبي صلى الله عليه وسلم: لأنه قال: # " فضلت على الأنبياء بست " # ؛ يعني: على جميع الأنبياء، ولا خفاء بأن سليمان عليه السلام ما بلغ ~~درجة واحدة من أولى العزم من الرسل اختصاصه بصورة الملك منهم، وهم معه ~~مفضلون بست فضائل من النبي صلى الله عليه وسلم، فمن الملك الحقيقي الذي ~~كان كان ملك سليمان صورته بلا ريب يكون داخلا في الفضائل التي اختصه ~~الله بها، وأخبر عنها بقوله: # وكان فضل الله عليك عظيما # [النساء: 113]؛ بل أعطاه الله تعالى ما كان مطلوب سليمان عليه السلام من ~~صورة الملك ومعناه، أو فسر ما أعطى سليمان وفتنه به من غير رحمة مباشرة ~~صورة الملك، والافتتان فلم يقبله به عزة ودلالا. # وبقوله: { فسخرنا له الريح تجري بأمره رخآء ~~حيث أصاب } [ص: 36]، يشير إلى أن سليمان عليه السلام لما فعل ~~بالصافنات الجياد، وما فعل في سبيل الله عوضه الله تعالى مركبا مثل: ~~الريح كان # غدوها شهر ورواحها شهر # [سبأ: 12]. # وبقوله: { والشياطين كل بنآء وغواص * وآخرين ~~مقرنين في الأصفاد * هذا عطآؤنا } [ص: 37-39]، يشير ~~إلى أن الإنسان إذا كمل في إنسانيته يصير قابلا للفيض الإلهي بلا واسطة، ~~فيعطيه الله من آثار الفيض تسخير ما في السماوات من الملائكة، كما سخر ~~لآدم بقوله: # اسجدوا لأدم # [البقرة: 34] وما في الأرض، كما سخر لسليمان ms1376 الجن والإنس والشياطين ~~والوحوش والطيور؛ وذلك لأن كل ما في السماوات وفي الأرض أجزاء وجود ~~الإنسان الكامل، فإذا أنعم الله عليه بفيض سخر له أجزاء وجوده في المعنى، ~~أما في الصورة فيظهر على بعض الأنبياء تسخير بعضها إعجازا له، كما أظهر ~~على نبينا صلى الله عليه وسلم تسخير القمر عند انشقاقه بإشارة إصبعه؛ ~~ولهذا قال: { هذا عطآؤنا } [ص: 39] ، وبقوله: { فامنن أو ~~أمسك بغير حساب } [ص: 39]، يشير إلى أن الأنبياء بتأييد الفيض ~~الإلهي ولاية إفاضته الفيض على من هو أهله عند استفاضته، ولهم إمساك ~~الفيض عند عدم الاستفاضة من غير أهله، ولا حرج عليهم في الحالتين. # { وإن له عندنا لزلفى } [ص: 40] في الإفاضة والإمساك، { ~~وحسن مآب } [ص: 40]؛ لأنه كان متقربا إلينا بالعطاء والنعم. ### || [38.41-44] # ثم أخبر عن رعاية العبودية وعناية الربوبية بقوله تعالى: { واذكر ~~عبدنآ أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان ~~بنصب وعذاب } [ص: 41]، يشير إلى معان مختلفة: # منها: إن من شرط عبودية خواص عبادنا من الأنبياء والأولياء الصبر عند ~~نزول البلاء، والرضاء بجريان أحكام القضاء. # ومنها: ليعلم أن الله تعالى لو سلط الشيطان على بعض أنبيائه أو أوليائه ~~لا يكون لإهانتهم؛ بل يكون لعزتهم وإعانتهم على البلوغ إلى رتبة نعم ~~العبدية، ودرجة الصابرين المحبوبين. # ومنها: إن العبادات من الأنبياء والأولياء لو لم يكونوا من كنز عصمة ~~الله وحفظه لمستهم الشياطين بنصب وعذاب. # ومنها: إن من آداب العبودية إجلال الربوبية وإعظامها عن إحالة الضرر ~~والبلاء والمحن عليها إلا على الشيطان، كما قال يوسف: # من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي # [يوسف: 100]، وقال يوشع عليه السلام: # ومآ أنسانيه إلا الشيطن # [الكهف: 63]، وقال موسى عليه السلام: # هذا من عمل الشيطان # [القصص: 15]. # ومنها: ليعلم ما بلغ من بلغ مقام الرجال البالغة إلا بالصبر على البلوى، ~~وتفويض الأمور إلى المولى، والرضاء بما يجري عليه في القضاء. # وبقوله: { اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب } ~~[ص: 42]، يشير إلى أن الله تعالى إذا نظر إلى العبد بنظر الرضاء يبدل ~~مرضه بالشفاء، وشدته بالرخاء، وجفاه بالوفاء، ويخرج ms1377 من تحت قدميه بركضته ~~ينبوعا ينبع منها مغتسل العلل، ومشرب أرباب الملك. # وبقوله: { ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة ~~منا وذكرى لأولي الألباب } [ص: 43]، يشير إلى كمال ~~القدرة على الإيجاد والإفناء، والإحياء والإماتة، والإعادة إظهارا ~~للرحمة، وموعظة لأرباب القلوب الحية. # وبقوله: { وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث } [ص: ~~44]، يشير إلى معان مختلفة: # منها: إظهارا لبراءة ساحة المرأة من كل ريبة توهمها في حقها أيوب عليه ~~السلام. # ومنها: إن الله تعالى أراد أن يعصم نبيه أيوب عليه السلام عن الذنبين ~~اللازمين أحدهما، إما الظلم، وإما الحنث. # ومنها: إنه تعالى أراد ألا يضيع أجر إحسان المرأة مع زوجها، ولا ~~يكافئها بالخير شرا، وتبقى ببركتها هذه الرخصة في الأمم إلى يوم ~~القيامة. # وبقوله: { إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه ~~أواب } [ص: 44]، يشير إلى أن أيوب عليه السلام لم يكن ليجد نفسه ~~صابرا، { إنا وجدناه صابرا } [ص: 44]؛ أي: جعلناه صابرا، ~~يدل على هذا المعنى قوله تعالى لنبيه عليه السلام: # واصبر وما صبرك إلا بالله # [النحل: 127]؛ أي: هو الذي صبرك، وإلا لم تكن تصبر، وقوله: { نعم ~~العبد } [ص: 44] يدل على أنه تعالى جعله صابرا؛ لأنه كان نعم العبد، ~~وإنما كان نعم العبد؛ لأنه كان أوابا راجعا إلى الحضرة في طلب الصبر ~~على البلاء، والرضا بالقضاء. ### || [38.45-54] # ثم أخبر عن خلاص أهل الإخلاص بقوله تعالى: { واذكر عبادنآ ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار } ~~[ص: 45]، يشير إلى أن كمالية العبودية إنما يحصل في عبادنا المخلصين؛ ~~إذا { إنآ أخلصناهم } [ص: 46] من غل بشريتهم، و[شوائب] ~~أنانيتهم { بخالصة ذكرى الدار } [ص: 46]؛ أي: تفصيله خالصة ~~بجعل القلب سليمان من ذكر الدار؛ يعني: بقطع تعلقه عن الدارين؛ إذ لم ~~يعلموا على ملاحظة حظوظها، بل تجردوا لنا بقلوبهم عن ذكر الدارين. # { وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار * واذكر ~~إسماعيل } [ص: 47-48] واعتبر أو أسلم نفسه للذبح في سبيل الله، { ~~واليسع وذا الكفل } [ص: 48] قيل أنهما كانا أخوين، { وذا ~~الكفل } [ص: 47] تكفل الله تعالى بعمل رجل صالح مات في وقته، { ~~وكل من الأخيار * هذا ms1378 ذكر } [ص: 48-49]؛ أي: القرآن ~~فيه ذكر ما كان، وذكر الأنبياء وقصصهم؛ ليعتبر بهم ويقتدي بسيرهم، فإنهم ~~كل من الأخيار للنبوة والرسالة، { وإن للمتقين } [ص: 49] ~~الذين يتقون بالله عما سواه { لحسن مآب } [ص: 49] في الحضرة وعالم ~~الوحدة. # وبقوله: { جنات عدن مفتحة لهم الأبواب * ~~متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب * ~~وعندهم قاصرات الطرف أتراب * هذا ما توعدون ~~ليوم الحساب } [ص: 50-53]، يشير إلى أن هذه الجنات بهذه الصفات ~~مفتوحة الأبواب لهم، وأبواب الجنة بعضها مفتوحة إلى الخلق، وبعضها مفتوحة ~~إلى الخالق، لا يغلق عليهم واحدة منها، فيدخلون من باب الخلق، ويتنعمون ~~بما أعد لهم فيها، ثم يخرجون من باب الخالق وينزلون # في مقعد صدق عند مليك مقتدر # [القمر: 55]، لا يقيدهم نعيم الجنة ليكونوا من أهل الجنة، كما لم يقيدهم ~~نعيم الدنيا ليكونوا من أهل الدنيا، بل أخلصهم الله من حبس الدار، ومتعهم ~~بنزل المنزلين، وجعلهم من أهل الله وخاصته، { إن هذا لرزقنا ~~ما له من نفاد } [ص: 54]؛ أي: هذا ما رزقناهم من الأزل فلا نفاذ ~~له إلى الأبد. ### || [38.55-61] # ثم أخبر عن الطاغين الباغين بقوله تعالى: { هذا وإن ~~للطاغين لشر مآب } [ص: 55]، يشير إلى أن لأهل الطغيان الذين ~~أعرضوا عن الحق تعالى لشر مرجع { جهنم } [ص: 56] البعد والطرد { ~~يصلونها } [ص: 56] يوم القيامة، ولكنهم اليوم مهدوا لأنفسهم { ~~فبئس المهاد * هذا } [ص: 56-57]؛ أي: هذا الذي مهدوا اليوم، ~~{ فليذوقوه } [ص: 57] يوم القيامة، ولكنهم اليوم مهدوا لأنفسهم؛ ~~يعني: قد حصلوا اليوم معنى صورته، { حميم وغساق } [ص: 57] يوم ~~القيامة، ولكن مذاقهم بخلل يجدون ذوق ألم عذاب ما حصلوه لسوء أعمالهم ~~فليذوقوه يوم القيامة. # { وآخر من شكله أزواج } [ص: 58]؛ أي: فنون آخر من مثل ذلك ~~العذاب، يشير به إلى: إن لكل نوع من المعاصي نوعا آخر من العذاب، كما أن ~~لكل بذر يزرعون يكون له ثمرة تناسب البذر. # وكما أخبر عن حال الأتباع والمتبوعين { هذا فوج مقتحم ~~معكم } [ص: 59]؛ أي: يسأل الخزنة للمتبوعين، هل دخل الأتباع معكم ~~مرجعكم؟ فإنهم زرعوا ما زرعتم، هل يحصدون معكم ms1379 ما تحصدون؟ قال المتبوعون: ~~{ لا مرحبا بهم } [ص: 59]؛ يعني: بالأتباع لا تعذر بما عملنا، ~~وبما عمل الأتباع باتباعهم إياهم { إنهم صالوا النار } [ص: ~~59] معنا، { قالوا } [ص: 60] الأتباع، { بل أنتم لا مرحبا ~~بكم أنتم قدمتموه لنا } [ص: 60] بأمركم ما وافقناكم { ~~فبئس القرار } [ص: 60] قرارنا وقراركم. # وبقوله: { قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده ~~عذابا ضعفا في النار } [ص: 61]، يشير إلى أن للمتبوعين ضعف ~~عذاب الأتباع، عذاب ضلالة أنفسهم، وعذاب إضلال المتابعين لهم، كما قال ~~تعالى: # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم # [النحل: 25]. ### || [38.62-74] # وبقوله: { وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم ~~من الأشرار } [ص: 62]، يشير إلى تخاصم أهل النار مع أنفسهم، ~~يسخرون بأنفسهم كما كانوا يسخرون بالمؤمنين، فيقولون: { ما لنا لا ~~نرى } [ص: 62] في جهنم، { رجالا كنا نعدهم من ~~الأشرار } [ص: 62]، وهذا مقام الأشرار. # { أتخذناهم سخريا } [ص: 63] وما كانوا من الأشرار، { أم ~~زاغت عنهم الأبصار } [ص: 63]، ما لنا لا نراهم معنا هاهنا، { ~~إن ذلك } [ص: 64] التخاصم، { لحق } [ص: 64] مع أنفسهم { ~~تخاصم أهل النار } [ص: 64] من الندامة، حين لا ينفعهم التخاصم ~~ولا الندامة. # وبقوله: { قل إنمآ أنا منذر وما من إله إلا ~~الله الواحد القهار } [ص: 65]، يشير إلى أنه ليس للعباد ملجأ ~~ولا مفر إلا إله واحد لا شريك له؛ ليعز العباد في الله إلى شريكه، وهو ~~قهار يقهر العباد بذنوبهم ومعاصيهم، وليس النبي صلى الله عليه وسلم إلا ~~مخوفهم ومحذرهم من الكفر والمعاصي، ومبشرهم على الإيمان والطاعة، وإن ~~الله { رب السموت والأرض وما بينهما العزيز } ~~[ص: 66] بالانتقام من المجرمين، { الغفار } [ص: 66] لمن تاب وآمن ~~وعمل صالحا. # ثم أخبر عن تعظيم النبأ العظيم بقوله تعالى: { قل هو نبأ عظيم ~~* أنتم عنه معرضون } [ص: 67-68]، يشير إلى أن أمر النبوة وما ~~أنبأهم به من أخبار القيامة والحشر، والجنة والنار، هو نبأ عظيم وشأن ~~جسيم، يستدل به على صدقه في دعوى النبوة { أنتم عنه معرضون } ~~[ص: 68]؛ لضلالتكم، وغاية جهالتكم، { ما كان لي من علم ~~بالملإ الأعلى إذ يختصمون ms1380 } [ص: 69] فيما أخبرتكم من ~~اختصامهم لو لم يكن لي نبوة، { إن يوحى إلي } [ص: 70]؛ أي: ما ~~يوحى { إلا أنمآ أنا نذير مبين } [ص: 70]، ظاهر النبوة ~~بالدلائل الواضحة منها: قوله: { إذ قال ربك للملائكة ~~إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته } [ص: 71-72] ~~تسوية تصلح لنفخ الروح الخاصة المضافة للحضرة، { ونفخت فيه من ~~روحي فقعوا له ساجدين } [ص: 72]؛ لاستحقاقه الخلافة، ومسجود ~~به الملائكة، { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } [ص: ~~73]؛ لآدم خلافة عن الحق تعالى؛ إذ كان متجليا فيه فوقعت هيبته على ~~الملائكة فسجدوا له، ولما كان إبليس أعول فلما رأى آثار أنوار التجلي على ~~مشاهدة آدم استكبر، كما قال: { إلا إبليس استكبر وكان ~~من الكافرين } [ص: 74]. ### || [38.75-81] # وبقوله: { قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت ~~بيدي } [ص: 75]، يشير إلى استحقاق آدم لمسجوديه الملائكة باختصاصه ~~في الخلقة بيديه من سائر المخلوقات، ويشير بيديه إلى صفتي اللطف والقهر، ~~وهما يشتملان على جميع الصفات، وما من صفة إلا وهي إما من قبيل اللطف، ~~وإما من قبيل القهر، وما من مخلوق من جميع المخلوقات إلا هو إما مظهر صفة ~~اللطف، وإما مظهر صفة القهر، كما أن الملك مظهر صفة لطف الحق تعالى، ~~والشيطان مظهر صفة قهر الحق تعالى إلا الآدمي، فإنه خلق مظهر كلتي صفتي ~~اللطف والقهر، والعالم بما فيه بعضه مرآة صفات لطفه تعالى وبعضه مرآة صفة ~~قهره، والآدمي مرآة ذاته وصفاته تعالى وتقدس كما قال: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53]، وبقوله: { أستكبرت أم كنت من العالين * ~~قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين * قال فاخرج منها فإنك رجيم * وإن عليك ~~لعنتي إلى يوم الدين } [ص: 75-78]، يشير إلى عزة آدم ~~وكرامته بأن يكون مستحقا لسجود الملائكة ولم يكن لأحد منهم أن يستكبر من ~~سجوده، وإن استكبر ويدعي الخيرية عليه يلعنه الله، ويخرجه عما يكون فيه ~~من المقام والمنزلة، وحسن الصورة والطرد وإن استكبر عن الحضرة. # وبقوله قال: { قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ms1381 * ~~قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت ~~المعلوم } [ص: 79-81]، يشير إلى أن من أبعده الحق وأطرده، وقلب عليه ~~أحواله حتى تجر إلى نفسه أسباب الشقاوة، كما دعا ربه وسأله الأنظار من ~~كمال شقاوته؛ ليزداد إلى يوم القيامة في سبب عقوبته فأنظره الله وأجابه ~~إذا سأله بربوبيته؛ ليعلم أنه كل من سأله باسمه الرب فإنه يجيب كما أجاب ~~إبليس، وكما أجاب آدم عليه السلام إذا قال: # ربنا ظلمنآ أنفسنا # [الأعراف: 23]، وأجابه وتاب عليه، وهدى إبليس لتمام شقاوته. ### || [38.82-88] # قال: { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين } [ص: 82]، ~~ولو عرف عزته تعالى لما أقسم بها على مخالفته عن عجزه وعزة عباده. # قال: { إلا عبادك منهم المخلصين } [ص: 83] في عبوديتك ~~لما كان تجاسره في مخاطبة الحق، حيث أمر على الخلاف وأقسم عليه أقبح ~~وأولى في استحقاقه اللعنة من امتناعه للسجود لآدم. # { قال فالحق والحق أقول * لأملأن جهنم منك ~~وممن تبعك منهم أجمعين } [ص: 84-85]، وبقوله: { قل ~~مآ أسألكم عليه من أجر } [ص: 86]، يشير إلى أن من شرط ~~العبودية الخالصة أن لا يراد عليها الجزاء ولا الشكور، { ومآ أنآ ~~من المتكلفين } [ص: 86]، من حيث إني ما جئتكم باختياري دون أن ~~أرسلت إليكم، { إن هو إلا ذكر للعالمين } [ص: 87]؛ ~~يعني: الذي جئت به من الرسالة ما هو الأشرف، وذكر باقي لأهل العالم؛ لأني ~~ما أرسلت إلا رحمة للعالمين { ولتعلمن نبأه بعد حين } ~~[ص: 88]؛ أي: بعدما استمرت سنة بعثتي بالعلماء بالله من أمتي الذين هم ~~ورثتي، والخلفاء الراشدين من بعدي، والأئمة المهديين لأمتي، والمشايخ ~~السالكين لخواص الطالبين في متابعتي، فإن الحق لا يخفى والباطل لا يدوم. ### | [39 - سورة الزمر] ### || [39.1-5] # { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } [الزمر: ~~1]، يشير إلى أنه كتاب عزيز، نزل من رب عزيز على عبد عزيز، بلسان ملك ~~عزيز، في حق أمة عزيزة، في أوقات عزيزة، نزهة قلوب الأحباب بعد ذبول غصن ~~سرورها في كتب الأحباب عند قراءة فصولها، والعجب منها كيف لا تزهق سرورا ~~بوصولها، وارتياحا بحصولها وكتاب موسى في الألواح! ومنها ما كان ms1382 يقرأ ~~موسى وغيره، وكتاب نبينا صلى الله عليه وسلم نزل به الروح الأمين على ~~قلبه، وفضل الفصل بين من يكون خطاب ربه مكتوبا في ألواحه، وبين من يكون ~~خطاب ربه محفوظا في قلبه وكذلك أمته، # بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم # [العنكبوت: 49]. # { إنآ أنزلنآ إليك الكتاب بالحق } [الزمر: 2]؛ أي: ~~من الحق نزل، وبالحق نزل، وعلى الحق نزل، { فاعبد الله مخلصا ~~له الدين } [الزمر: 2] لا لغيره الدنيا، فالعبادة: معانقة الأمر ~~على غاية الخضوع وتكون بالنفس والقلب وبالروح: # فالتي بالنفس والإخلاص فيها التباعد عن الانتقاص. # والتي بالقلب والإخلاص فيها العمى عن رؤية الأشخاص. # والتي بالروح فالإخلاص فيها التنقي عن طلب الاختصاص. # { ألا لله الدين الخالص } [الزمر: 3]، الدين الخالص ما ~~يكون جملته تعالى وما للعبد نية نصيب، ولا يحصل الدين الخالص إلا من ~~العبد المخلص، والمخلص من خلصه الله من حبس الوجود بجوده لا بجهده، ~~وبقوله: { والذين اتخذوا من دونه أوليآء ما ~~نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى } [الزمر: ~~3]، يشير إلى أن الإنسان مجبول على معرفة صانعه وصانع العالم، ومقتضى ~~طبعه عبادة صانعه، والتقرب إليه في خصوصية فطرته # التي فطر الناس عليها # [الروم: 30]، ولكن لا عبرة بالمعرفة الفطرية والعبادة الطبيعية؛ لأنها ~~مشوبة بالشرك لغير الله؛ ولأنها تصدر من نشاط النفس وإتباع هواها، وإنما ~~تعتبر المعرفة الصادرة عن التوحيد الخالص، ومن أماراتها قبول دعوة ~~الأنبياء والإيمان بهم وبما أنزل عليهم من الكتب، ومخالفة الهوى، ~~والعبادة على وفق الشرع لا على وفق الطبع، والتقرب إلى الله بأداء ما ~~افترض الله عليهم، ونافلة قد أسن النبي صلى الله عليه وسلم بها أو ~~بمثلها، فإنه كان من طبع إبليس السجود لله، فلما أمرنا بالسجود على خلاف ~~طبعه # أبى واستكبر وكان من الكفرين # [البقرة: 34] بعد أن كان من الملائكة المقربين، وكذلك حال الفلاسفة من ~~لا يتابع الأنبياء منهم، ويدعي معرفة الله، ويتقرب إلى الله بأنواع ~~العلوم، وأصناف الطاعات والعبادات بالطبع لا بالشرع، ومتابعة الهوى إلا ~~بأمر المولى، فيكون حاصل أمره ما قال تعالى: # وقدمنآ إلى ms1383 ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]، وبقوله: { إن الله يحكم بينهم في ما ~~هم فيه يختلفون } [الزمر: 3]، يشير إلى أن اليوم كل مدع يدعي ~~حقيقة ما عنده في الدين والمذهب على اختلاف طبقاتهم، فالله تعالى يحكم ~~بينهم في الدنيا والآخرة: # أما في الدنيا: فيحق الله الحق بانشراح صدر أهل الحق بنور الإسلام ~~بكتابة الإيمان في قلوبهم، وتأييدهم بروح منه، وكشف شواهد الحق عن أسرار ~~تجلي صفات جماله وجلاله لأرواحهم، # ويبطل الباطل # [الأنفال: 8] بتضييق صدور أهل الأهواء والبدع، وقسوة قلوبهم، وعمى ~~أسرارهم وبصائرهم وغشاوة أرواحهم بالحجب. # وأما في الآخرة: فتبييض وجوه أهل الحق واعطائهم كتابهم باليمين، وتشغيل ~~موازينهم، وجوازهم على الصراط، ويسعى نورهم بين أيديهم، ودخولهم الجنة، ~~ورفعتهم في الدرجات، وتسويد وجوه أهل الباطل، وإتيان كتابهم بالشمال، ~~ودرأ ظهورهم، وتخفيف موازينهم، وذلة أقدامهم عن الصراط، ودخول النار ~~ونزولهم في الدركات، { إن الله لا يهدي من هو كاذب ~~كفار } [الزمر: 3]، يشير إلى تهديد من يتعرض لغير مقامه، ويدعي رتبة ~~ليس بصادق فيها، فالله لا يهديه قط إلى ما فيه سداده ورشده، وعقوبته أنه ~~يحرم تلك الرتبة التي تصدى لها بدعواه قبل تحقيقه بوجودها. # وبقوله: { لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى ~~مما يخلق ما يشآء } [الزمر: 4]، يشير إلى أنه تعالى لو أراد ~~اتخاذ الولد مما يخلق لاصطفى من مخلوقا جنسا آخر أعز وأكرم مما خلق، ثم ~~نزه نفسه عن ذلك فقال: { سبحانه هو الله الواحد ~~القهار } [الزمر: 4] ولا ثاني له، والولد يكون ثاني والده وجنسه، ~~وشبهه القهار الذي بقهاريته لا يقبل الجنس، والشبه بنوع ما. # وبقوله: { خلق السموت والأرض بالحق } [الزمر: 5]، ~~يشير إلى أنه تعالى محق، في خلقها { يكور الليل على ~~النهار ويكور النهار على الليل } [الزمر: 5] ~~بالحكمة البالغة؛ ليكون مظهر آياته لأرباب المعرفة، كما قال تعالى: # إن في خلق السموت والأرض واختلاف اليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب # [آل عمران: 190]، وليجعلها دالة على أحوال السائرين إلى الله في القبض ~~والبسط، والجمع والفرق، والصحو والسكر، والستر والتجلي، ونجوم العقل ~~وأثار العلم، ms1384 وشموس المعرفة ونهار التوحيد، وليالي الشك والجحد ونهار ~~الوصل، وليالي الهجر والفراق، وكيفية أحوال المريدين وترقيهم، وفترتهم ~~وزيادتهم ونقصانهم، كما قال تعالى: { وسخر الشمس والقمر } ~~[الزمر: 5]؛ أي: شمس الروح، وقمر القلب، { كل يجري لأجل ~~مسمى } [الزمر: 5]؛ أي: يسير كل واحد على مقام قدره الله لهم ~~وعينه { ألا هو العزيز } [الزمر: 5] المتعزز على المحبين، { ~~الغفار } [الزمر: 5] للمذنبين. ### || [39.6-7] # ثم أخبر عن خلق الخلق بقوله تعالى: { خلقكم من نفس واحدة ~~} [الزمر: 6]، يشير إلى أن خلقة الإنسان من نفس واحدة وهي الروح، { ثم ~~جعل منها زوجها } [الزمر: 6]؛ وهو القلب، وإنه خلق من الروح ~~كما خلقت خواص ضلع آدم، { وأنزل لكم من الأنعام ~~ثمانية أزواج } [الزمر: 6]؛ أي: خلق فيكم من صفات الأنعام ثماني ~~صفات؛ وهي الأكل والشرب، والتغوط والبول، والشهوة والحرص، والشره والغضب، ~~وأصل جميع هذه الصفات الصفتان الاثنتان: الشهوة والغضب، فإنه لا بد لكل ~~حيوان من هاتين الصفتين لبقاء وجوده بهما، فبالشهوة تجذب المنافع إلى ~~نفسه، وبالغضب تدفع المضرات، { يخلقكم في بطون أمهاتكم ~~خلقا } [الزمر: 6] من النطفة إلى تمام الجسد، { من بعد خلق } ~~[الزمر: 6]، أو بعد خلق الروح في عالم الأرواح { في ظلمات ثلاث } ~~[الزمر: 6]؛ ظلمة الخلقة، وظلمة وجود الروح، وظلمة البشرية بين آثار ~~أفعاله الحكيمة في كيفية خلقتنا ظاهرا وباطنا من قطرتين أمشاج متشاكلة ~~الأجزاء مختلفة الصور في الأعضاء، مسخرا بعضها لبعض محال للصفات ~~الحميدة: كالعلم والقدرة والحياة، وغير ذلك في أحوال القلوب: كالسمع ~~والبصر والحواس والقوى، وهذه كلها نعم أنعم الله بها علينا، ثم { ~~ذلكم الله ربكم } [الزمر: 6]؛ يعني: الذي أحسن إليكم بجميع ~~هذه الوجوه وهو ربكم؛ أي: أنا خلقتكم، وأنا رزقتكم، وأنا صورتكم، وأنا ~~الذي أسبغت عليكم أنعامي، وخصصتكم بجميل إكرامي، وغرقتكم في بحار أفضالي، ~~وعرفتكم استحقاق شهود جمالي وجلالي، وهديتكم إلى توحيدي وأدعوكم إلى ~~وحدانيتي، فمالكم لا تنقطعون بالكلية إلي؟ ولا ترجون ما وعدتكم لدي؟ ~~ومالكم تطلبون مني ولا تطلبوني؟ وقد بشرتكم بقولي: # " ألا من طلبني وجدني، ومن كان لي كنت له، ومن كنت له يكون له ما كان ms1385 لي ~~" # ، { له الملك لا إله إلا هو } [الزمر: 6]؛ أي: له ملك ~~القدرة على تبليغ العباد إلى هذه المقامات، وإعطائهم هذه الكرامات، { ~~فأنى تصرفون } [الزمر: 6] عن ملازمة باب العبودية إلى باب عاجز ~~مثلكم من الخلق. # { إن تكفروا } [الزمر: 7] نعمتي، { فإن الله غني ~~عنكم } [الزمر: 7] وعن العالمين، { ولا يرضى لعباده ~~الكفر } [الزمر: 7] من غاية كرمه ولطفه، فإن أعرضوا عنه يخذلهم من ~~عزته وقهره، وكبريائه وجبروته، { وإن تشكروا يرضه لكم } ~~[الزمر: 7]؛ يعني: لا يرضى لكفركم؛ لأنه موجب للعذاب الشديد، ويرضى ~~لشكركم، لأنه موجب لمزيد النعمة؛ وذلك لأن رحمته سبقت غضبه، يقول: # " يا مسكين، أنا لا أرضى لك أن لا تكون لي، وأنت ترضى بأن تكون لي قليل ~~الوفاء كثير التجني، فإن أطعتني شكرتك، وإن ذكرتني ذكرتك " # ، بقوله: { ولا تزر وازرة وزر أخرى } [الزمر: 7]، يشير ~~إلى أن الروح والقلب لا يؤاخذان بوزر النفس إن لم يكونا مباشرين [معها] ~~وزرها، ولا يرضيان به، فإن الرضا بالكفر كفر، كما أن النفس لا تثاب على ~~طاعة الروح والقلب ما لم يكن مباشرة لها معهما، ولا ترضى بهما، فإن ~~باشرتها معهما ورضيت بها تثاب بحسبها، { ثم إلى ربكم ~~مرجعكم } [الزمر: 7]؛ للروح والقلب والنفس، { فينبئكم } ~~[الزمر: 7] بجزاء أعمالكم، { بما كنتم تعملون } [الزمر: 7] ~~واحد منكم من الخير والشر، { إنه عليم بذات الصدور } ~~[الزمر: 7] من أعمال الروح والقلب والنفس. ### || [39.8-10] # وبقوله: { وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا ~~إليه } [الزمر: 8]، يشير إلى أن من طبيعة الإنسان أنه إذا مسته ضر ~~خشع وخضع، وإلى ربه فزع، وتملق بين يديه وتضرع، { ثم إذا خوله ~~نعمة منه } [الزمر: 8] وأزال عنه ضره، وكفى أمره، وأصلح باله ~~وأحسن حاله، { نسي ما كان يدعو إليه من قبل } [الزمر: ~~8]، فيعود إلى رأس كفرانه، وينهمك في كبائر عصيانه، وأشرك بمعبوده، وأمر ~~على جحوده، { وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله } ~~[الزمر: 8] وينقطع في طريقه، فإن للإنسان الذي هو طبيعة { تمتع ~~بكفرك قليلا } [الزمر: 8]؛ أي: بقليل عمرك من قليل دنياك، { ~~إنك من أصحاب النار } [الزمر: 8]؛ لأنك صاحبت أهل النار، ~~وسلكت على ms1386 أقدام مخالفات المولى، ومرافقات الهوى، وطريق الدركات السفلى. # ثم أخبر عن أهل النجاة وأرباب الدرجات بقوله تعالى: { أمن هو ~~قانت آنآء اليل ساجدا وقآئما } [الزمر: 9]، يشير إلى ~~القيام بآداب العبودية ظاهرا وباطنا من غير فتور ولا تقصير، { يحذر ~~الآخرة } [الزمر: 9] ونعيمها كما يحذر الدنيا وزينتها، { ويرجوا ~~رحمة ربه } [الزمر: 9] لا نعمة ربه، { قل هل يستوي ~~الذين يعلمون } [الزمر: 9] قدر جوار الله وقربته وتجارة على ~~الجنة ونعيمها، { والذين لا يعلمون } [الزمر: 9] قدره، { ~~إنما يتذكر } [الزمر: 9] حقيقة هذا المعنى { أولوا ~~الألباب } [الزمر: 9]؛ وهم الذين انسلخوا من جلد وجودهم بالكلية، وقد ~~ماتوا عن أنانيتهم وعاشوا بهويته. # وبقوله: { قل يعباد الذين آمنوا اتقوا ربكم } ~~[الزمر: 10]، يشير إلى أن من شرط أخص خواص عبادي الذين خلصوا من عبودية ~~غيري من الدنيا والآخرة، وآمنوا بإيمان الطلب شوقا ومحبة أن يتقوا بي ~~عما سواي، ثم قال: { للذين أحسنوا } [الزمر: 10] في طلبي، { ~~في هذه الدنيا } [الزمر: 10] لا يطلبون مني غيري { حسنة } ~~[الزمر: 10]، أي: لهم حسنة وجداني؛ يعني: حسن الوجدان مودع في حسن الطلب، ~~وبقوله: { وأرض الله واسعة } [الزمر: 10]، يشير إلى حضرة ~~جلاله إنه لا نهاية فلا يغتر طالب بما فتح عليه من أبواب المشاهدات ~~والمكاشفات، فيظن أنه قد بلغ المقصد الأعلى والمحل الأقصى، فإنه لا نهاية ~~لمقامات القرب، ولا غاية لمراتب الوصول، { إنما يوفى ~~الصابرون } [الزمر: 10] على صدق الطلب، { أجرهم } [الزمر: 10] ~~من نيل المطلوب { بغير حساب } [الزمر: 10] إلى أبد الآباد. ### || [39.11-16] # وبقول: { قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له ~~الدين } [الزمر: 11]، يشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور أن ~~يعبد الله خالصا ولا يعبد معه الدنيا والعقبى، { له الدين } ~~[الزمر: 11]؛ أي: يكون مقصده في العباد معبوده. # { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } [الزمر: 12] في ~~طلب الحق تعالى؛ ليعلموا أن ديني ومذهبي طلب الحق من الحق لا غيره، ~~فالمسلم من أسلم وجهه لله في متابعتي بصدق الطلب، { قل إني أخاف ~~إن عصيت ربي } [الزمر: 13] فيما أمرني بطلبه وترك سواه، { ~~عذاب يوم عظيم } [الزمر: 13]؛ وهو يوم ألم الهجران ms1387 عذاب القطيعة ~~والحرمان، والإشارة فيه: إنكم يا مدعي الإسلام خافوا أيضا إن عصيتم ربكم ~~فيما أمركم أن تطلبوه ولا تطلبوا معه غيره عذاب القطيعة والحرمان. # { قل الله أعبد } [الزمر: 14] لا الدنيا ولا العقبى، وأطلب ~~بعباده المولى { مخلصا له ديني } [الزمر: 14] وكل له سؤال ودين ~~ومذهب فلي أتم سؤل وديني هواكم، فلما أخبر عن الدين الخالص أنه طلب ~~الحق تعالى وهم على مخالفة دينه، فقال: { فاعبدوا ما شئتم من ~~دونه } [الزمر: 15]؛ يعني: العبادة الحقيقة، { فاعبدوا ما ~~شئتم من دونه } [الزمر: 15]؛ أي: ما طلبوا بعبادتكم ما شئتم ~~بالهوى من دون المولى، ثم بين أن ذلك غاية الخسران ونهاية الخزي والهوان ~~بقوله: { قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم } ~~[الزمر: 15] بإفساد استعدادهم للوصول والوصال، { وأهليهم } [الزمر: ~~15] من القلوب والأسرار والأرواح حصلوا آخرتهم بالإعراض عن طلب المولى، ~~والإقبال في متابعة الهوى ليكون { يوم القيامة } [الزمر: 15] لهم ~~في النار المأوى، { ألا ذلك هو الخسران المبين } [الزمر: ~~15]؛ والخاسر على الحقيقة من خسر دنياه بمتابعة الهوى، وخسر عقباه ~~بارتكاب ما نهي عنه، وخسر مولاه إذا هو بغير مولى. # { لهم من فوقهم ظلل من النار } [الزمر: 16] نار ~~القطيعة، { ومن تحتهم ظلل } [الزمر: 16] من نار الحيرة # أحاط بهم سرادقها # [الكهف: 29] لا يخرجون منها ولا يفترون عنها، كما أنهم اليوم في جهنم ~~عقائدهم يستديمون مجابهم ولا ينقطع عنهم عقابهم، { ذلك يخوف ~~الله به عباده } [الزمر: 16]، فمن خاف بتخويف الله إياه عن هذه ~~الخسران فهو عبده عبدا حقيقيا، فيستوجب خطابه { يعباد فاتقون ~~} [الزمر: 16]؛ يعني: من خصوصية عبادي أن يتقوا إلي عما سواي. ### || [39.17-20] # ثم أخبر أن عباد الله قد اجتنبوا طاغوت الهوى بقوله تعالى: { ~~والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا ~~إلى الله } [الزمر: 17]، يشير إلى أن طاغوت كل أحد نفسه، وإنما ~~يجتنب عبادة الطاغوت من خالف هوى نفسه، وعانق رضاء مولاه، ورجع إليه ~~بالخروج عما سواه رجوعا بالكلية، وبقوله: { لهم البشرى ~~فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون ~~أحسنه } [الزمر: 17-18]، يشير إلى معان كثيرة: # منها: إن أهل البشارة من يكون مخصوصا بخاصية ms1388 العبدية التي هي فصاحة إلى ~~الله؛ أي: يكون جسدا عما سوى الله. # ومنها: إنهم مبشرون بالوصول والوصال، كما قال تعالى: { أولئك ~~الذين هداهم الله } [الزمر: 18] إلى الحضرة. # ومنها: إن الألف واللام في القول المعموم، فيقتضي أن لهم حسن الاستماع ~~في كل قول من القرآن وغيره، ولهم أن يتبعوا أحسن من يحتمل كل قول إتباع ~~درايته والعمل به، وأحسن كل قول ما كان من الله أو لله، أو يهدي إلى ~~الله، وعلى هذا يكون استماع أتباع قول القوال من هذا القبيل. # ومنها: إن القول يسمع الإنسان والشيطان والنفس والملك والإله عز وجل، ~~فيسمع من الإنسان أن الحق والباطل، ومن الشيطان الباطل، فإنه يشير إلى ~~المعاصي دعوة الشهوات مما لها فيه نصيب، ومن الملك دعوة الطاعات، ومن ~~الحق تعالى الخطاب في حقائق التوحيد والدعوة إلى الحضرة، كما قال تعالى: # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28]، وقال: # وتبتل إليه تبتيلا # [المزمل: 8]، فأحسن الأقوال قول الله، وأحسن الاستماع أن يستمعوا من ~~الله، ومن عرف الله لا يسمع إلا بالله ومن الله، ومن أحسن أن يسمع من ~~الله أحسن أن يسمع عباد الله، { أولئك الذين هداهم ~~الله } [الزمر: 18] بجذبات ألطافه إلى أعطافه { وأولئك هم ~~أولوا الألباب } [الزمر: 18] الذين عبروا عن قشرية الأشياء ~~ووصلوا إلى ألباب حقائقها. # وبقوله: { أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت ~~تنقذ من في النار } [الزمر: 19]، يشير إلى أن من حق عليه في ~~القسمة الأولى أن يكون مظهرا لصفات قهره إلى الأبد لا ينفعه شفاعة ~~الشافعين، ولا يخرجه من جهنم سخط الله وطرده، وبعده جميع الأنبياء ~~والمرسلين، { لكن الذين اتقوا ربهم } [الزمر: 20] ~~اليوم من الشرك والمعاصي، والزلات والشهوات، وعبادة الهوى والركون إلى ~~غير المولى، فقد أنقذهم الله في القسمة الأولى من أن يحق عليهم كلمة ~~العذاب، وحق عليهم أن يكونوا مظهر صفات لطفه إلى الأبد، { لهم غرف ~~} [الزمر: 20] بحسب مقاماتهم في التقوى، { من فوقها غرف } ~~[الزمر: 20]؛ أي: ما لا نهاية له من غرفات المعارف، والقربات مبينة بأيدي ~~أعمال السالكين وأحوال المجذوبين بعضها فوق بعض { مبنية ms1389 تجري ~~من تحتها الأنهار } [الزمر: 20] أنهار الحكم والأسرار، { وعد ~~الله } [الزمر: 20] الذي وعد التائبين بالمغفرة، والمطيعين بالجنة، ~~والمشتاقين بالرؤية، والعاشق الصادق بالقربة والوصلة، { لا يخلف ~~الله الميعاد } [الزمر: 20] إذا لم يقع لهم فترة، ولا محالة بصدق ~~وعده. ### || [39.21-23] # ثم أخبر عن خاصية إنزال الماء من السماء بقوله تعالى: { ألم تر ~~أن الله أنزل من السمآء } [الزمر: 21] سماء القلب، { ~~مآء فسلكه ينابيع } [الزمر: 21] الحكمة { في الأرض } ~~[الزمر: 21] أرض البشرية، { ثم يخرج به زرعا } [الزمر: 21] ~~من الأعمال البدنية، { مختلفا ألوانه } [الزمر: 21] من الصلاة ~~والزكاة والصوم والحج والجهاد بقوله: { ثم يهيج فتراه ~~مصفرا ثم يجعله حطاما } [الزمر: 21]، يشير إلى أعمال ~~المرائي تراها مخضرة على وفق الشرع، ثم يجف من آفة العجب والرياء، فتراه ~~مصفرا لا نور له، ثم جعله من رياح القهر إذا هبت عليه مظلما لا حاصل له ~~إلا الحسرة { إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب } ~~[الزمر: 21]، وذلك المؤمن بقوة عقله يوجب استغلاله له بعمله إلى أن تبدوا ~~منه آثار اجتهاده وكمال تمكينه وقيادة بصيرته، ثم إذا بدت لائحة في سلطان ~~المعارف تصير تلك الأنوار معمورة، فإذا بدت أنوار التوحيد استهلك تلك ~~الجملة، كما قالوا: فلما استبان الصبح أدرج ضوءه بأنواره أنوار تلك ~~الكواكب. # وبقوله: { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على ~~نور من ربه } [الزمر: 22]، يشير إلى أن الإيمان نور ينور الله ~~به مصباح قلوب عباده المؤمنين، والإسلام ضوء نور الإيمان مستضيء به مشكوة ~~صدورهم، ففي الحقيقة من شرح الله صدره بضوء نور الإيمان فهو على نور من ~~نظر عناية ربه، ومن إمارات ذلك النور محو آثار ظلمات صفات الذميمة ~~النفسانية، وفي حب الدنيا وزينتها وشهواتها، وإثبات حب الآخرة والأعمال ~~الصالحة لها، والتحلية بالأخلاق الكريمة الحميدة، كما قال تعالى: # يمحوا الله ما يشآء ويثبت # [الرعد: 39]، من إماراته أن تلين قلوبهم لذكر الله فتزداد أشواقهم إلى ~~لقاء الله وجواره، فيسأمون من محق الدنيا وحمل أثقال الأوصاف البهيمية ~~والسبعية والشيطانية، فيفرون إلى الله ويتنورون بأنوار صفاته؛ منها: نور ~~اللوائح بنجوم العلم، ثم نور ms1390 اللوامع ببيان الفهم، ثم نور المحاضرة ~~بزوائد اليقين، ثم نور المكاشفة بتجلي الصفات، ثم نور المشاهدة بظهور ~~الذات، ثم أنوار جمال الصمدية بحقائق التوحيد، فعند ذلك فلا وجد ولا ~~وجود، ولا قصد ولا مقصود، ولا قرب ولا بعد، ولا وصال ولا هجران، # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]؛ كلا بل هو الله الواحد القهار، { فويل للقاسية ~~قلوبهم من ذكر الله } [الزمر: 22]، الصلبة الصدئة برين ~~المكاسب التي لم يقترعها خواطر التعريف، فبقيت على نكارة الجحد { ~~أولئك في ضلال مبين } [الزمر: 22]، الضلالة الظلومية ~~الباقية، والجهالية الدائمة. # ثم أخبر عن خطابه وكتابه بقوله تعالى: { الله نزل أحسن ~~الحديث كتابا متشابها مثاني } [الزمر: 23]، يشير إلى ~~معان: # منها: إنه نزل على محمد صلى الله عليه وسلم القرآن، أحسن حديث مما نزل ~~على جميع الأنبياء والمرسلين. # ومنها: إنه أحسن حديث؛ لأنه كلام الله وهو قديم، وكلام غيره مخلوق محدث. # ومنها: إنه كتاب متشابه في اللفظ، مثاني في المعنى من وجهين: أحدهما لكل ~~لفظ منه معاني مختلفة، بعضها يتعلق بلغة العرب وبعضها يتعلق بأحكام ~~الشرع، وبعضها يتعلق بإشارات الحق تعالى، كمثل الصلاة فإن معناها في ~~اللغة الدعاء، وفي أحكام الشرع؛ هي عبارة عن هيئات وأركان وشرائط وحركات ~~مخصوصة بها، وفي إشارة الحق تعالى هي الرجوع إلى الله تعالى، كما جاء ~~روحه من الحضرة بالنفخة الخاصة إلى الغالب، فإنه عبر على القيام الذي ~~يتعلق بالسماوات، ثم على الركوع الذي يتعلق بالحيوانات، ثم على السجود ~~الذي يتعلق بالنباتات، ثم على التشهد الذي يتعلق بالمعادن، فبالصلاة يشير ~~الله تعالى إلى رجوع الروح إلى حضرة ربه على طريق جاء منها؛ ولهذا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم # " الصلاة معراج المؤمنين " # ، وليس هاهنا مقام شرح رجوع الروح إلى حضرة ربه بمعراج الصلاة، وقد ~~شرحنا حقيقة هذا في كتابنا الموسوم ب " منارات السائرين إلى حضرة الله - ~~جل جلاله - ومقامات الطائرين " ، ولكن المعاني والإشارات والأسرار ~~والحقائق مثاني فيها إلى لا متناهي، وإلى هذا أشير بقوله: # لو كان البحر مدادا لكلمات ربي... # [الكهف: 109]. # { تقشعر منه ms1391 جلود الذين يخشون ربهم } [الزمر: ~~23]، إذا قرعت صفة الجلال أبواب قلوبهم من خشية الله وهيبته، { ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم } [الزمر: 23] بتجلي صفات جماله { ~~إلى ذكر الله } [الزمر: 23] بالشوق والطلب، { ذلك } [الزمر: ~~23]؛ أي: ذلك التجلي { هدى الله } [الزمر: 23] ليس للإنسان إليه ~~سبيل إلا بالطلب رد، والسبيل سد، { يهدي به من يشآء ومن ~~يضلل الله } [الزمر: 23] بأن يكله إلى نفسه وعقله ويحرمه عن ~~الإيمان بالأنبياء ومتابعتهم، { فما له من هاد } [الزمر: 23] من ~~براهين الفلاسفة والدلائل العقلية. ### || [39.24-28] # { أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب } [الزمر: 24] عن نفسه ~~{ يوم القيامة } [الزمر: 24]؛ أي: عذاب يوم القيامة كمن لا يتقي ~~ويظلم على نفسه، { وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم ~~تكسبون } [الزمر: 24]؛ أي: ذوقوا عذاب ما كسبتم بأفعالكم الردية، ~~وأخلاقكم الدنية؛ يعني: كنتم في غير العذاب، ولكن ما كنتم تجدون ذوقه ~~لغلبة نوم الغفلة، فإذا متم أنبئتم، والذي يؤكد هذا التأويل قوله تعالى: # ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا # [مريم: 72]، { كذب الذين من قبلهم فأتاهم ~~العذاب من حيث لا يشعرون } [الزمر: 25]؛ أي: أتاهم ~~العذاب في صورة الصحة والنعمة والسرور، وهم لا يشعرون أنه العذاب، وأشد ~~العذاب ما يكون بفتنة، كما أن أتم السرور ما يكون صلة، وأوجع تأثير ~~الفراق للقلب ما يكون بغتة غير متوقفة، وفي معناه قيل: # فبتنا بخير والدنيا مطمئنة # وأصبحت يوما والزمان تقلبا # وبقوله: { فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ~~ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون } [الزمر: ~~26]، يشير إلى أنه تعالى أذاقهم عذاب الخزي والهوان في الدنيا وهو العذاب ~~الأدنى؛ ليعلموا أن عذاب الآخرة أكبر فيتحرزوا عنه، ويرجعوا إلى ربهم ~~بالتوبة والإنابة. # ثم أخبر عن ضرب الأمثال بشرح الأقوال بقوله تعالى: { ولقد ضربنا ~~للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم ~~يتذكرون } [الزمر: 27]، يشير إلى أن أحوال العباد واشتغالهم ~~بالدنيا، وتعلقاتهم بها وبالأهالي واحتجابهم عنا، نوضحها لهم بضرب ~~الأمثال المتناسبة في القرآن { لعلهم يتذكرون } [الزمر: ~~27] أحوالهم لما كانت أرواحهم في جوارنا مفردة عن هذه التعلقات الشاغلات، ~~متوجهه إلى حضرتنا منتفعة بشواهد ألطافنا، فيشتاقون إلى تنسم ms1392 روائح نفحات ~~ألطافنا، فيتعرضون لها بالتجريد والتفريد؛ ليصلوا إلى حقيقة التوحيد ~~متمسكين بحبل كلامنا. # { قرآنا عربيا } [الزمر: 28] منزلا من عندنا { غير ذي ~~عوج } [الزمر: 28]؛ أي: صراطا مستقيما إلى حضرتنا، # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه # [فصلت: 42]، { لعلهم يتقون } [الزمر: 28] به عما سوانا. ### || [39.29-34] # ثم { ضرب الله مثلا } [الزمر: 29] من تلك الأمثال { رجلا ~~فيه شركآء متشاكسون } [الزمر: 29]؛ أي: الذي يتجاذبه شغل ~~الدنيا وشغل العيال، وغير ذلك من الأشغال المختلفة، والخواطر المتشتتة، { ~~ورجلا سلما لرجل } [الزمر: 29] مؤمنا خالصا ليس للخلق فيه ~~نصيب، ولا للدنيا معه نسيب، وهو عن الآخرة غريب، وإلى الله قريب منيب، { ~~هل يستويان مثلا } [الزمر: 29] البطالون والطالبون، ~~والمنقطعون والواصلون، { الحمد لله } [الزمر: 29] الثناء له وهو ~~مستحق لصفات الجلال { بل أكثرهم لا يعلمون } [الزمر: 29] ~~كمال جماله، ولا يطلعون على أحسن استعدادهم لمرآتية صفات جماله وجلاله، ~~وإلا لعطلوا الأمور الدنيوية بأسرها، وخربت الدنيا التي هي مزرعة الآخرة، ~~وهلك الباطل والطالب. # وبقوله: { إنك ميت وإنهم ميتون } [الزمر: 30]، يشير ~~إلى نعيه صلى الله عليه وسلم، ونعي المسلمين إليهم؛ ليفرغوا بأجمعهم عن ~~مأتمهم، ولا تعزيه في العادة بعد ثلاث، ومن لم يتفرغ من مأتم نفسه وأنواع ~~همومه فليس له من هذا الحديث [في شيء]، فإذا أفرغ قلبه عن حديث نفسه وعن ~~الكونين بالكلية فحينئذ يجد الخير من ربه، وليس هذا الحديث إلا بعد ~~فنائهم عنهم؛ ولهذا أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام فقال: # " يا داود فرغ لي بيت أسكن فيه قال: يا رب أنت منزه عن البيت كله، قال: ~~فرغ لي قلبك " # ، وقال لنبينا صلى الله عليه وسلم: # ألم نشرح لك صدرك # [الشرح: 1]؛ يعني: ولي قلبك، وقال: # وثيابك فطهر # [المدثر: 4]؛ أي: قلبك فطهر؛ أي: عن لوث تعلقات الكونين. # { ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } ~~[الزمر: 31]، أي: تراجعون الحق تعالى لشفاعة أقربائكم وأهاليكم وأصدقائكم ~~بعد فراغكم عن خويصة أنفسكم. # وبقوله: { فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب ~~بالصدق إذ جآءه } [الزمر: 32]، يشير إلى بعض مدعي هذا الحديث ~~ممن يدعي ويكذب ms1393 على الله بأنه أعطاه رتبة لم يذق بعد منها ما يشاء، ~~وإذا وجد صديقا جاءه بالصدق في المقال والأحوال كذبه، وينكره على صدقه، ~~يكون حاصل أمره يوم القيامة قوله تعالى: # ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة # [الزمر: 60]؛ ولهذا قال تعالى: { أليس في جهنم مثوى ~~للكافرين } [الزمر: 32]؛ أي: لكافري النعمة. # { والذي جآء بالصدق } [الزمر: 33]؛ أي: جاء به من الحق تعالى ~~لا من عند نفسه؛ لأن الصدق ليس من المكاسب، بل هو من المواهب، { ~~وصدق به } [الزمر: 33]؛ أي: الذي جاء بالصدق هو الذي صدق بالصدق ~~إذ رآه مع غيره؛ لأن الصدق لا يرى إلا بالصدق، كما أن النور لا يرى إلا ~~بالنور؛ ولهذا قال: { أولئك هم المتقون } [الزمر: 33]؛ ~~أي: بنور الصدق يرون الحق والباطل فيتقون بالحق عن الباطل. # { لهم ما يشآءون عند ربهم } [الزمر: 34]؛ لأنهم تقربوا ~~إلى الله بالاتقاء به عما سواه، فأوجب الله في إدامة كرمه أن يتقرب إليهم ~~بإعطاء ما يشاءون من عنده، بحسب حسن استعدادهم في الطلب بالتقرب من ~~كمالات القرب والمشاهدة، { ذلك جزآء المحسنين } [الزمر: 34]؛ ~~أي: ذلك للقرب والمشاهدة جزاء من عمل على مشاهدة الحق؛ لأن الإحسان أن ~~تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. ### || [39.35-40] # { ليكفر الله عنهم } [الزمر: 35]؛ أي: من المحسنين { ~~أسوأ } [الزمر: 35] من الإحسان، { الذي عملوا } [الزمر: 35]؛ ~~أي: من الكبائر { ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي ~~كانوا يعملون } [الزمر: 35] من الإحسان، فأحسن ما عملوا أن ~~عبدوا الله كأنهم يرونه؛ أي: عبدوه على المشاهدة وبأحسنها. # { أليس الله بكاف عبده } [الزمر: 36]؛ أي: أليس الله ~~لعبده بكاف عن غيره وعما سواه، والإشارة فيه: إن الله كاف لعبده عن كل ~~شيء، ولا يكفي له كل شيء عن الله، ولهذا المعنى # إذ يغشى السدرة ما يغشى # [النجم: 16] من نفائس الملك والملكوت؛ ليكون للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ذلك النفائس كافيا عن رؤية الله، # ما زاغ البصر وما طغى # [النجم: 17] بنظر القبول إليها حتى # رأى من آيات ربه الكبرى # [النجم: 18]. # وبقوله: { ويخوفونك بالذين من دونه } [الزمر: 36]، ~~يشير ms1394 إلى إن رؤية الخير والشر من غير الله ضلالة، وتخويف بمن دون الله ~~غاية الضلالة؛ فلهذا قال تعالى: { ومن يضلل الله فما له ~~من هاد } [الزمر: 36]؛ لأن الهادي على الحقيقة هو الله. # { ومن يهد الله فما له من مضل } [الزمر: 37] كيف ~~يضله؟! { أليس الله بعزيز } [الزمر: 37] يعز من يعبده { ذي ~~انتقام } [الزمر: 37] ممن يعصيه. # ثم أخبر عن مقال أهل الضلال في ثناء ذي الجلال بقوله: { ولئن ~~سألتهم من خلق السموت والأرض ليقولن ~~الله } [الزمر: 38]، يشير إلى إن الإيمان الفطري مركوز في جبلة ~~الإنسان يوم الميثاق؛ إذ أشهدهم الله على أنفسهم فقال: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172]، كما قال: # فطرت الله التي فطر الناس عليها # [الروم: 30]، وقال صلى الله عليه وسلم: # " كل مولود يولد على الفطرة " # ، فلا يزال يوجد في الإنسان وإن كان كافرا أثر ذلك الإقرار، ولكنه غير ~~نافع إلا مع الإيمان الكسبي بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء به، فلما ~~قرر عليهم علو صفاته وما هو عليه استحقاق جلاله فأقروا بذلك. # ثم طالبهم بذكر صفات الأصنام التي عبدوها من دونه، فقال: { قل ~~أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني ~~الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني ~~برحمة هل هن ممسكات رحمته } [الزمر: 38]، فلم يمكنهم ~~في وصفها إلا الجمادية، والبعد في الحياة، والعلم والقدرة، والتمكن من ~~الخلق، فيقول: كيف أشركتم به بهذه الأشياء؟ وهل استحببتم عن إطلاق أمثال ~~هذا في صفة { قل } [الزمر: 38] يا محمد، { حسبي الله عليه ~~يتوكل المتوكلون } [الزمر: 38] كافي الله المتفرد ~~بالجلال، القادر على ما يشاء، المتفضل معي، { قل يقوم اعملوا ~~على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون } [الزمر: ~~39]، سوف ينكشف ربحنا وخسرانكم، وسوف يظهر زيادتنا ونقصانكم، وسوف ~~يطالبكم ولا جواب لكم، ويعذبكم ولا شفيع لكم، ويدخر عليكم ولا صريح لكم، ~~وسوف تعلمون { من يأتيه عذاب يخزيه } [الزمر: 40] بسوء ~~أعماله، { ويحل عليه } [الزمر: 40] من أفعاله { عذاب ~~مقيم } [الزمر: 40] إلى الأبد. ### || [39.41-44] # { إنآ أنزلنا عليك الكتاب للناس } [الزمر: 41] أو ~~للذين # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67]، ليذكرهم القرآن جواز ms1395 الحق، وما نالوا من فضل الله، { ~~بالحق فمن اهتدى } [الزمر: 41] بالقرآن { فلنفسه } ~~[الزمر: 41] اهتدى؛ لأن فوائد الهداية راجعة إلى نفسه بأن تنورت بنور ~~الهداية، فتمحوا عنها ظلمات آثار صفاتها الحيوانية السبعية الشيطانية ~~الموجبة لدخول النار، { ومن ضل فإنما يضل عليها } ~~[الزمر: 41]، فإنه توكل إلى نفسه وطبيعتها، فتغلبت عليه الصفات الذميمة، ~~فيكون حطب النار، { ومآ أنت } [الزمر: 41] يا محمد، { عليهم ~~بوكيل } [الزمر: 41] تحفظهم من النار. # وبقوله: { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي ~~لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها ~~الموت } [الزمر: 42] عنده، { ويرسل الأخرى إلى أجل ~~مسمى } [الزمر: 42]، يشير إلى أنه تعالى من عواطف إحسانه القديم في ~~شأن العبد ورعاية صلاحه في ليله ونهاره، وحالة نومه ويقظته، وحين وفاته ~~وحياته، وبعد مماته، { إن في ذلك لآيات } [الزمر: 42] لدلالات ~~على كمال عناية الله ونهاية لطفه وكرمه في حق عباده { لقوم ~~يتفكرون } [الزمر: 42] في هذه الإشارات المودعة وفي هذه العبارات. # ثم أخبر عن جهالة العباد وضلالتهم بقوله تعالى: { أم اتخذوا من ~~دون الله شفعآء قل أولو كانوا لا يملكون ~~شيئا ولا يعقلون } [الزمر: 43]، يشير إلى أن اتخاذ الأشياء ~~للعبادة أو للشفاعة بالهوى والطبع لا بامر الله ووفق الشرع يكون ضلالة ~~على ضلالة، وإن المقبول في العبادة والشفاعة ما يكون بأمر الله ومتابعة ~~نبيه على وفق الشرع؛ وذلك لأن حجاب العبد هو الطبع والهوى، وإنما أرسل ~~الأنبياء لنفي الهوى؛ ليكون حركات العبادة وسكناتهم بأمر الحق تعالى ~~ومتابعة الأنبياء لا بأمر الهوى ومتابعة النفس؛ لأن النفس وهواها ~~ظلمانية، والأمر ومتابعة الأنبياء نورانية؛ ولهذا قال تعالى: # يخرجهم من الظلمات إلى النور # [البقرة: 257] ولا تندفع الظلمة إلا بالنور. # ثم اعلم أن العبادات نورانية، والشهوات ظلمانية، ولكن العبد إذا عبد ~~الله بالهوى والطبع تصير عبادته ظلمانية، وإذا جامع زوجته بالأمر على وفق ~~الشرع تصير شهوته نورانية، { قل لله الشفاعة جميعا } ~~[الزمر: 44]؛ أي: هو مالك الشفاعة لا يملكها غيره، إلا في ما ملكه ~~الشفاعة وأذن له فيها، { له ملك السموت والأرض ثم ~~إليه ترجعون } [الزمر: 44]، يشير إلى أن ms1396 ما في السماوات سماوات ~~القلوب، والأرواح أرض النفوس، والأشباح هو الله مالك ولا يملكه أحد؛ لأنه ~~عبد، ولا ملك لعبد فالعبد وما يملكه لمولاه، وإنما هو عارية عندهم، ~~والعاري مردودة إلى مالكها، ثم كل عبد من العباد يرجع إلى حضرة ربه ويرى ~~أحواله، هل ربح بما أعطي أو خسر عليه؟. ### || [39.45-47] # وبقوله: { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة } [الزمر: 45]، يشير إلى إمارة ~~خسرانهم بأنهم تصرفوا في العارية بغير إذن صاحبها على خلاف أوامره، وفي ~~إمارة خسرانهم { وإذا ذكر الذين من دونه } [الزمر: 45]؛ ~~أي: من دون الله، { إذا هم يستبشرون } [الزمر: 45]؛ وذلك ~~لانحراف مزاج توحيدهم بالتفاتهم إلى ملك الله الذي كان عندهم بالعارية ~~بنظر الخيانة من التملك، فوقعوا عن الصراط المستقيم الواحدة في جهنم ~~الشركة، # ذلك هو الخسران المبين # [الزمر: 15]. # { قل اللهم فاطر السموت } [الزمر: 46] سماوات القلوب ~~والأرواح، { والأرض } [الزمر: 46] أرض النفوس والأشباح، { عالم ~~الغيب } [الزمر: 46] غيب ما يجري في الأرواح والقلوب والنفوس، { ~~والشهادة } [الزمر: 46] شهادة ما يجري على الأشباح، { أنت ~~تحكم بين عبادك } [الزمر: 46] من الأرواح والقلوب والنفوس ~~والأشباح فيما جرى عنهم، وفيما بينهم اليوم بالعفو والفضل والكرم، وتوفيق ~~التوبة والإنابة وإصلاح ذات البين، ويوم القيامة بالعدل والنفقة وانتقام ~~بعضهم من بعض { في ما كانوا فيه يختلفون } [الزمر: 46] ~~بالشرع والطبع. # ثم أخبر عن أحوالهم مع أهوال الآخرة بقوله تعالى: { ولو أن } ~~[الزمر: 47]؛ لكن { للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ~~ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم ~~القيامة } [الزمر: 47]، يشير إلى أن هذه الجملة لا تقبل يوم القيامة ~~لدفع العذاب، واليوم هاهنا يقبل ذرة من الخير، ولقمة من الصدقة، وكلمة من ~~التوبة والاستغفار، كما أنهم لو بكوا في الآخرة بالدماء لا يرحم بكائهم، ~~وبدمعة واحدة اليوم تمحى كثير من دواوينهم، فقال: { وبدا لهم من ~~الله ما لم يكونوا يحتسبون } [الزمر: 47]، وفي سماع هذه ~~الآية حسرة لأصحاب الانتباه، وفي بعض الأخبار أن قوما من المسلمين من ~~أصحاب الذنوب يؤمر بهم إلى النار، فإذا وافوها يقول: مالك من ms1397 أنتم؟ فإن ~~الذين جاءوا قبلكم من أهل النار وجوههم مسودة وعيونهم زرقاء، وأنتم لستم ~~بتلك الصفة، فيقولون: ونحن لم نتوقع أن نلقاك وإنما ننتظر بأشياء أخرى، ~~قال الله تعالى: { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون } [الزمر: 47]. ### || [39.48-52] # { وبدا لهم سيئات ما كسبوا } [الزمر: 48] من كفران ~~النعمة، ونسيان الحضرة بالبعد والطرد والهجران، { والذين ظلموا ~~من هؤلاء } [الزمر: 51]؛ يعني: الغفلة، { سيصيبهم ~~سيئات ما كسبوا } [الزمر: 51] بأعمالهم وأخلاقهم، { وما هم ~~بمعجزين } [الزمر: 51] عن مجازاتهم بالخير والشر. # { أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن ~~يشآء } [الزمر: 52] من نعمة الدنيا والآخرة وسعادتهما، { ويقدر } ~~[الزمر: 52] على من يشاء؛ يعني: أمر الدنيا والآخرة يبنى على مشيئته ~~سبحانه وتعالى لا على مشيئة العباد، { إن في ذلك لآيات ~~لقوم يؤمنون } [الزمر: 52] بأن يخرجهم عن مشيئتهم، ويستسلمون ~~لمشيئة الله تعالى وحكمه وقضائه. ### || [39.53-56] # ثم أخبر عن إسراف الأشراف بقوله تعالى: { قل يعبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } ~~[الزمر: 53]، يشير إلى مدح وذم من التسمية ب { يعبادي } [الزمر: ~~53] مدح، والوصف بأنهم أسرفوا ذم، فلما قال: { قل يعبادي } ~~[الزمر: 53] طمع المطيعون أن يكونوا هم المقصودين بالآية، فرفعوا رؤوسهم ~~ونكس العاصي رأسه من أناجي يقول لي: هذا، فقال تعالى: { الذين ~~أسرفوا } [الزمر: 53] فانقلب الحال، فهؤلاء الذين نكسوا رؤوسهم ~~انتعشوا وزالت زلتهم، والذين رفعوا رؤوسهم أطرقوا وزالت حولتهم، ثم أزال ~~الأعجوبة عن القصة بما قوى رجاهم بقوله: { على أنفسهم } [الزمر: ~~53]؛ يعني: إن أسرفت فعلى نفسك أسرفت لا تقطعوا من رحمة الله بعد ما قطعت ~~اختلافك إلى بابنا فلا ترفع قلبك عنا، { إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا } [الزمر: 53]، واللام للاستغراق والعموم، والذنوب ~~جمع وجميعا تأكيدا، فكأنه قال: أغفر ولا أترك، وأعفوا ولا أبقي، وفيه ~~إشارة أخرى وهي أنه ب { يعبادي } [الزمر: 53] استخصهم بالمغفرة على ~~الإسراف بالذنوب، فإنه تعالى في الأزل جعلهم من خواص عباده، وقبلهم بلا ~~علة، فلا يردهم بالعلة، ومن كرمه يقول: " إن كانت لكم جناية كثيرة عميمة ~~فلي بشأنكم عناية قديمة " ، { إنه هو الغفور } [الزمر: 53] لكم ~~في ms1398 الأزل، وأنتم في كتم العدم، { الرحيم } [الزمر: 53] عليكم إلى ~~الأبد. # وبقوله: { وأنيبوا إلى ربكم } [الزمر: 54]، يشير إلى ~~عباده المختصين بالعناية وإن أسرفوا أن ارجعوا إلى ربكم بالكلية، فالتوبة ~~لأهل البداية وهي الرجوع من المعصية إلى الطاعة، والأوبة للمتوسط وهي ~~الرجوع من الدنيا إلى الآخرة، والإنابة لأهل النهاية وهي الرجوع مما سوى ~~الله إلى الله بالقناعة في الله وهو قوله: { وأسلموا له } ~~[الزمر: 54]، أي: أسلموا ببذل ليفنيكم به عنكم، { من قبل أن ~~يأتيكم العذاب } [الزمر: 54] بأن تفسدوا الاستعداد الأصلي ~~فتستوجبوا العذاب، { ثم لا تنصرون } [الزمر: 54] لعدم الاستعداد. # وبقوله: { واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ~~ربكم } [الزمر: 55]، يشير إلى أن ما أنزل من الله منه: ما يكون ~~حسنا، ومنه: ما يكون أحسن، فالذي أنزل وهو حسن فهو ما يدعونه إلى الجنة، ~~والذي أنزل وهو أحسن فهو يدعو به إلى الله عز وجل وهو قوله: # وداعيا إلى الله بإذنه # [الأحزاب: 46]، فالمعنى اتبعوا داعي الله بالسير إلى الله، { من ~~قبل أن يأتيكم العذاب بغتة } [الزمر: 55] عذاب الفرقة ~~والقطيعة بإفساد الاستعداد فلا يمكنكم الإنابة والرجوع، { وأنتم لا ~~تشعرون } [الزمر: 55] إنكم منقطعون. # { أن تقول نفس يحسرتا على ما فرطت في جنب ~~الله } [الزمر: 56] بإفساد استعداد الوصول إلى الله، { وإن كنت ~~لمن الساخرين } [الزمر: 56] المنكرين المستهزئين بأرباب الطلب، ~~وأصحاب القلوب. ### || [39.57-62] # { أو تقول } [الزمر: 57] من وساوس الشيطان، وهواجس النفس، { لو ~~أن الله هداني } [الزمر: 57] إلى صفة جلاله، { لكنت من ~~المتقين } [الزمر: 57] به عما سواه. # { أو تقول حين ترى العذاب } [الزمر: 58] عذاب الحرمان ~~والهجران، { لو أن لي كرة } [الزمر: 58] رجعة إلى الاستعداد ~~الأصلي، { فأكون من المحسنين } [الزمر: 58] في الطلب، وترك ~~ما سوى الله، فيقول الله: { بلى قد جآءتك آياتي } [الزمر: 59] ~~من الأنبياء، ومعجزاتهم، والكتب وحكمها، ومواعظها وأسرارها، وحقائقها ~~ودقائقها وإشاراتها، { فكذبت بها واستكبرت } [الزمر: 59] ~~عن اتباعها، والقيام بشرائطها، { وكنت من الكافرين } [الزمر: ~~59]، أي: كافر النعمة بما أنعم الله به عليك من نعمة وجود الأنبياء، ~~وإنزال الكتب وإظهار المعجزات. # وبقوله: { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على ~~الله وجوههم مسودة ms1399 } [الزمر: 60]، يشير إلى أن يوم القيامة ~~تكون الوجوه بلون القلوب، { أليس في جهنم مثوى ~~للمتكبرين } [الزمر: 60] الذين تكبروا على أولياء الله عن قبول ~~النصح والموعظة. # { وينجي الله الذين اتقوا } [الزمر: 61] بالله عما ~~سواه { بمفازتهم لا يمسهم السوء } [الزمر: 61] سوء ~~القطيعة والهجران، { ولا هم يحزنون } [الزمر: 61] على ما فاتهم ~~من نعيم الدنيا والآخرة فازوا بقربة المولى، فالمتقون فازوا بسعادة ~~الدارين، اليوم عصمة وغدا رؤية، اليوم عناية وغدا كفاية وولاية. # { الله خالق كل شيء } [الزمر: 62] دخل أفعال العباد ~~وإكسابهم في هذه الجملة، ولا يدخل كلامه فيه؛ لأن المخاطب لا يخطب تحت ~~الخطاب؛ لأنه تعالى يخلق الأشياء بكلامه، وهو كلمة " كن " ، به يشير إلى ~~أنه تعالى خلق كل شيء بشيء، { وهو على كل شيء وكيل } ~~[الزمر: 62]؛ ليبلغه على ذلك الشيء الذي خلق له. ### || [39.63-67] # ثم أخبر عن كمال قدرته إظهارا لعزته بقوله تعالى: { له مقاليد ~~السموت والأرض } [الزمر: 63]، يشير إلى أن له مفاتيح خزائن ~~لطفه وهي مكتوبة في سماوات القلوب، وله مفاتيح خزائن قهره وهي مودعة في ~~أرض النفوس؛ يعني: لا يملك لأحد مفاتيح خزائن لطفه وقهره إلا هو، وهو ~~الفتاح وبيده المفتاح يفتح على من يشاء أبواب خزائن لطفه في قلبه فيخرج ~~ينابيع الحكمة منه وجواهر الأخلاق الحسنة، ويفتح على من يشاء أبواب خزائن ~~قهره في نفسه فيخرج عيون المكر والخداع والحيل منها وفنون الأوصاف ~~الذميمة؛ ولهذا السر قال صلى الله عليه وسلم # " مفتاح القلوب لا إله إلا الله " # ، وكما سأله عثمان رضي الله عنه عن تفسير مقاليد السماوات والأرض قال: ~~لا إله إلا الله، والله أكبر، كما مر ذكره، { والذين كفروا ~~بآيات الله أولئك هم الخاسرون } [الزمر: 63]، يعني: ~~بأنهم فتحوا أبواب نفوسهم بمفتاح الكفر والنفاق. # { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها ~~الجاهلون } [الزمر: 64] عن فضله في حقي، فإنه بتوحيده رباني، ~~وبتفريده عذاني، وبشراب حبه سقاني. # وبقوله: { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك ~~لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من ~~الخاسرين } [الزمر: 65]، يشير إلى أن الإنسان ولو كان نبيا لئن وكل ~~إلى ms1400 نفسه ليفتحن بمفتاح الشرك والرياء أبواب خزائن قهر الله على نفسه، ~~وليحبطن عمله بأن يلاحظ غير الله بنظر المحبة، ويثبت معه في الإبداع ~~سواه، وليكونن من جملة المشركين الخاسرين، وفيه دقيقة لطيفة وهي أن الله ~~تعالى قال: { لئن أشركت ليحبطن عملك } [الزمر: 65]، ~~أي: من مكاسبك؛ ولكن لا يحبط من مواهبي شيء؛ يعني النبوة والرسالة من ~~مواهبي لا تبطلها مكاسبك كما لا تحصلها { بل الله فاعبد وكن ~~من الشاكرين } [الزمر: 66]، بأنه كونك نبيا مرسلا بفضله وكرمه ~~لا بسعيك وعملك. # { وما قدروا الله } [الزمر: 67] ما عرفوه حق معرفته، وما وصفوه ~~حق وصفه، وما عظموه حق تعظيمه، فمن وصف بتمثيل أو جنح إلى تعطيل حاد عن ~~السنن المثلى، وانحرف على طريقة الحسنى، ووصفوا الحق بالأعضاء، وتوهموا ~~في نعمته إلا جزاء مما قدروه { حق قدره والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيمة والسموت مطويات ~~بيمينه } [الزمر: 67]، فمذهبي في تحقيق هذه الآية أن أجري على ما ~~أراد الله تحقيقها فلا أفسرها ولا أؤلها من المتشابهات فلا مساغ لها إلا ~~الإيمان بها، كما قال تعالى: # والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من ~~عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب # [آل عمران: 7] أي: نؤمن به ولا نفسره ولا نؤوله، فأما أرباب الحقائق ~~والإشارات وأن يريهم الله تعالى حقيقة بعض المتشابهات، فالعلاج في هذا ~~الزمان ألا يفشو أسرار الحق تعالى بالكتابة، اللهم إلا أن يجدوا مريدا ~~صادقا مستعدا لقبول هذا الفيض بلا تعصب منزها عن شوائب الهوى؛ لئلا ~~يقع في فتنة؛ ولهذا المعنى نزه الله ذاته وصفاته عن فهم المفسرين ووصف ~~المتأولين فقال: { سبحانه وتعالى عما يشركون } [الزمر: ~~67]؛ أي: بصفات المخلوقين. ### || [39.68-72] # ثم أخبر عن نفخ الصور وإشراق النور بقوله تعالى: { ونفخ في ~~الصور فصعق من في السموت ومن في الأرض إلا من ~~شآء الله } [الزمر: 68]، يشير إلى نفخ نفخات ألطاف الحق في صور ~~الأرواح { فصعق } [الزمر: 68]،؛ أي: فتغير عن وصفه في سماوات القلوب ~~من الصفات الإنسانية إلى الصفات الربانية، ومن في الأرض البشرية من ~~الصفات النفسانية إلى الصفات ms1401 الروحانية { إلا من شآء الله } ~~[الزمر: 68] في بعض الصفات أن لا يغيرها، { ثم نفخ فيه أخرى ~~فإذا هم قيام } [الزمر: 68]؛ أي: قائمون بالله { ينظرون } ~~[الزمر: 68] بنور الله. # { وأشرقت الأرض } [الزمر: 69] أرض الوجوه، { بنور ربها ~~} [الزمر: 69] إذا تجلى لها، وبقوله: { ووضع الكتاب وجيء ~~بالنبيين والشهدآء وقضي بينهم بالحق وهم ~~لا يظلمون } [الزمر: 69]، يشير إلى أن النبيين والشهداء إذا دعوا ~~للقضاء والحكومة والمحاسبة، فكيف يكون حال الأمم وأهل المعاصي والذنوب؟ # { ووفيت كل نفس ما عملت } [الزمر: 70] من الخير ~~والشر، والطاعة والمعصية، { وهو أعلم بما يفعلون } [الزمر: ~~70]؛ أي: والله أعلم منهم بأنفسهم بما يفعلون؛ إذ هو يخلق أفعالهم فيهم، ~~وهو يعلم أيها خلق للخير والشر، { وسيق } [الزمر: 71] الذكر، { ~~الذين كفروا } [الزمر: 71] بداعية الكفر على أقدام أفعالهم، { ~~إلى جهنم } [الزمر: 71] البعد والفراق، { زمرا } [الزمر: 71] ~~فرقة فرقة على أقدام أفعال آخر، { حتى إذا جآءوها فتحت ~~أبوابها } [الزمر: 71] السبعة التي من الأوصاف الذميمة النفسانية؛ ~~وهي: الكبر والبخل، والحرص والشهوة، والحسد والغضب والحقد، فإنها أبواب ~~جهنم، وكل من يدخل فيها لا بد له من أن يدخل من باب من أبوابها. # وبقوله: { وقال لهم خزنتهآ ألم يأتكم رسل ~~منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم ~~لقآء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت ~~كلمة العذاب على الكافرين } [الزمر: 71]، يشير إلى أن ~~الحكمة الإلهية اقتضت إظهارا لصفة القهر أن يخلق نارا ويخلق لها أهلا، ~~كما أنه تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلا إظهارا لصفة اللطف، فلهذه ~~الحكمة { قيل } [الزمر: 72] في الأزل قهرا وقسرا { ادخلوا ~~أبواب جهنم } [الزمر: 72]، وهي الصفات الذميمة كما مر شرحها { ~~خالدين فيها } [الزمر: 72]، بحيث لا يمكنه الخروج عن هذه الصفات ~~بتبديلها، كما يخرج المتقون منا { فبئس مثوى المتكبرين } ~~[الزمر: 72]، به يشير إلى أن العصاة صنفان: # صنف منهم: متكبرون وهم المصرون متابعو إبليس فلهم الخلود في النار. # وصنف منهم: متواضعون وهم التائبون متابعو آدم فلهم النجاة، وبهذا الدليل ~~يثبت أنه ليس ذنب أكبر بعد الشرك من الكبر؛ بل الشرك أيضا يتولد من ~~الكبر، كما قال تعالى: # أبى واستكبر وكان ms1402 من الكفرين # [البقرة: 34]، وهذا تحقيق قوله تعالى: # " الكبرياء دوائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهم ألقيته في النار " # ؛ ولهذا المعنى قال صلى الله عليه وسلم # " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من الكبر ". ### || [39.73-75] # ثم أخبر عن سوق أهل التقى إلى جنة المأوى بقوله تعالى: { وسيق ~~الذين اتقوا ربهم } [الزمر: 73]، يشير إلى أنهم سيقوا ~~بداعية الإيمان على أقدام الأعمال الصالحة { إلى الجنة زمرا } ~~[الزمر: 73] فرقة فرقة، كل فرقة على قدم خلق آخر، ولكنه سوق بغير تعب ولا ~~نصب، بل سوق بروح وطرب، هؤلاء عوام أهل الجنة، وفوق هؤلاء قوله: # وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد # [ق: 31]، وفوقهم من قال فيهم: # يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا # [مريم: 85]، وفرق بين من يساق إلى الجنة وبين من تقربت منه الجنة، وفي ~~الحقيقة أهل السوق الظالمون، وأهل الزلفة المقتصدون، وأهل الوفد ~~السابقون، { حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها } [الزمر: ~~73]؛ أي: وجدوا أبوابها مفتوحة؛ لئلا يصيبهم وصب الانتظام، { وقال ~~لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها ~~خالدين } [الزمر: 73] هذا لعوام أهل الجنة، ولخواصهم قوله: # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58]، { وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ~~} [الزمر: 74]، للعوام بقوله: { وأورثنا الأرض نتبوأ من ~~الجنة حيث نشآء فنعم أجر العاملين } [الزمر: 74]، ~~وللخواص صدقهم وعده بقوله: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26]، ولأخص الخواص أصدقهم وعده بقوله: # إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند ~~مليك مقتدر # [القمر: 55] فنعم أجر العاشقين. # وبقوله: { وترى الملائكة حآفين من حول العرش ~~يسبحون بحمد ربهم } [الزمر: 75]، يشير إلى أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وخواص متابعيه من أمته إذا كانوا # في مقعد صدق عند مليك مقتدر # [القمر: 55] في جوار رب العالمين وكمال قرب أو أدنى ترى يا محمد ~~الملائكة حافين من حول العرش، ولا حول لهم ولا قوة على العبور، والوصول ~~إلى العرش وهم { يسبحون بحمد ربهم } [الزمر: 75]، راضون ~~قائمون بذلك، { وقضي بينهم بالحق } [الزمر: 75]؛ يعني: بين ~~الملائكة وبين الأنبياء والأولياء بما أعطي كل فريق منهم من المراتب ~~والمنازل ما أعطي، ms1403 { وقيل } [الزمر: 75]؛ يعني: قال كل فريق منهم { ~~الحمد لله رب العالمين } [الزمر: 75] على ما أنعم علينا ~~به. ### | [40 - سورة غافر] ### || [40.1-6] # { حم } [غافر: 1]، يشير إلى القسم بسر بينه وبين حبيبه محمد صلى الله ~~عليه وسلم لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وذلك أن الحاء والميم هما ~~حرفان من وسط اسم الله وهو رحمان، وحرفان من وسط اسم حبيبه وهو محمد، كما ~~أن الحرفين سر اسميهما، فهما يشيران إلى أن القسم بسر كان بينهما أن { ~~تنزيل الكتاب من الله العزيز } [غافر: 2] الذي معز ~~لأوليائه { العليم } [غافر: 2]، بما صدر منهم إلى أعز أوليائه به، { ~~غافر الذنب } [غافر: 3] لهم ما يتوب عليهم، { وقابل التوب ~~} [غافر: 3] بأن يوفقهم الإخلاص في التوبة؛ لأنهم مظهر صفات لطفه، { ~~شديد العقاب } [غافر: 3] لمن لا يؤمن ولا يتوب؛ لأنهم مظهر صفات ~~قهره، { ذي الطول } [غافر: 3] لعموم خلقه بالإيجاد من العدم، وإعطاء ~~الحياة والرزق بالكرم، وأيضا { غافر الذنب } [غافر: 3] لظالمهم، { ~~وقابل التوب } [غافر: 3] لمقصدهم، { شديد العقاب } [غافر: ~~3] لمشركهم، { ذي الطول } [غافر: 3] لسابقهم، ولما كانت من سنة كرمه ~~أن سبقت رحمته غضبه، غلبت ها هنا أسامي صفات لطفه على اسم صفة قهره؛ بل ~~من عواطف إحسانه ومراحم طوله وإنعامه جعل صفة اسم قهره بين ثلاثة أسماء ~~من صفات لطفه فصار # مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا ~~يبغيان # [الرحمن: 19-20]، فإذا هبت رياح العناية من مهب الهداية ويتموج البحرين ~~فيتلاشى البرزخ باصطكاك البحرين، ويصير الكل بحرا واحدا، وهو بحر { لا ~~إله إلا هو إليه المصير } [غافر: 3]، فإذا كان إليه ~~المصير فقد طاب المصير. # وبقوله: { ما يجادل في آيات الله إلا الذين ~~كفروا } [غافر: 4]، يشير إلى أنه إذا أظهر البرهان واتضح البيان ~~استسلمت الألباب الصافية للاستجابة والإيمان، فأما أهل الكفر والطغيان ~~فلهم على الجحود إصرار، وشؤم شركهم يحول بينهم وبين الإنصاف، وكذلك أهل ~~الحرمان من كرامات أولياء الله، وذوق مشاربهم ومقاماتهم يصرون على ~~إنكارهم، يخصص الله عباده بالآيات، ويعرضون عليهم بقلوبهم، فيجادلون في ~~جحد الكرامات، وسيفتضحون كثيرا، ولكنهم لا يميزون بين ms1404 رجحانهم ونقصانهم، ~~{ فلا يغررك تقلبهم في البلاد } [غافر: 4] لتحصيل ~~العلوم؛ إذا كان مبنيا على الهوى والميل إلى الدنيا فلا يكون لها نور ~~يهتدي به إلى ما خصص الله تعالى به عباده المخلصين. # { كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم ~~وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه } [غافر: 5]، يشير ~~به: إن في كل عصر يكون فيه صاحب ولاية لا بد لهم من أرباب الجحود ~~والإنكار وأهل الإعراض، كما كانوا في عهد كل نبي ورسول، { وجادلوا ~~بالباطل ليدحضوا به الحق } [غافر: 5]؛ ليكون ذلك سببا ~~لشقاوة المنكرين، وسعادة المقربين ثم قال: { فأخذتهم } [غافر: 5]؛ ~~أي: عاقبتهم على ذلك الإنكار بالإصرار عليه، { فكيف كان عقاب } ~~[غافر: 5]؛ أي: كان عقاب الدنيا بالإصرار، وعقاب الآخرة بالنار، وذلك ~~قوله: { وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا ~~أنهم أصحاب النار } [غافر: 6]. ### || [40.7-11] # ثم أخبر عن أحوال حملة العرش وأعمالهم بقوله تعالى: { الذين ~~يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ~~ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا } [غافر: 7]، ~~يشير إلى أن الملائكة كما أمروا بالتسبيح والتحميد والتمجيد لله تعالى ~~فكذلك أمروا بالاستغفار والدعاء لمذنبي المؤمنين؛ لأن الاستغفار للذنب. ~~ويجتهدون في الدعاء لهم فيدعون لهم بالنجاة، ثم برفع الدرجات كما قال ~~تعالى: { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما } [غافر: ~~7] فارحمهم وأعف عنهم ما علمت لهم ومنهم، وبقوله: { فاغفر للذين ~~تابوا واتبعوا سبيلك } [غافر: 7]، يشير إلى أنه الملائكة لا ~~يستغفرون إلا لمن تاب ورجع عن إتباع الهوى، واتبع بصدق الطلب وصفاء النية ~~سبيل الحق تعالى وبقوله: { وقهم عذاب الجحيم } [غافر: 7]، ~~يشير إلى أن بمجرد التوبة لا تحصل النجاة إلا بالثبات عليها، وتخليص ~~العمل عن شوب الرياء والسمعة، وتصفية القلب عن الأهواء والبدع. # وبقوله: { ربنا وأدخلهم جنات عدن التي ~~وعدتهم ومن صلح من آبآئهم وأزواجهم ~~وذرياتهم } [غافر: 8]، يشير إلى أن بركة الرجل التائب تصل إلى ~~آبائه وأزواجه وذرياته لينالوا بها الجنة ونعيمها، { إنك أنت ~~العزيز } [غافر: 8] تعز التائبين وتحبهم وإن أذنبوا، { الحكيم } ~~[غافر: 8] فيما لم تعتصم محبتك عن الذنوب، ثم يتوب عليهم. # { وقهم السيئات } [غافر: 9]؛ يعني: بعد ms1405 أن تابوا؛ لئلا يرجعوا ~~إلى المعاصي والذنوب، { ومن تق السيئات يومئذ فقد ~~رحمته وذلك هو الفوز العظيم } [غافر: 9]، يحيلون ~~الأمر فيه إلى رحمته، وبرحمته لئن سلط على المؤمنين أراذل في خلقه وهم ~~الشياطين فقد قيض بشفاعة أفاضل من خلقه وهم الملائكة المقربون. # ثم أخبر عن أراذل الخلق دون الأفاضل بقوله: { إن الذين كفروا ~~ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم } ~~[غافر: 10]، يشير إلى أن مقت الحق تعالى مودع في محبة العبد نفسه؛ لأنها ~~أعدى عدوه، وقد صرف محبة الله الذي هو أحب محبته إلى أعدى عدوه بدل صفته ~~فمقته الله عز وجل؛ فمعنى الآية: إن العبد لو مقت نفسه في الله لكان أحبه ~~ولم يمقته، فلما أحب نفسه ولم يمقتها في الله ومقت الله له يضره نفسه ~~فمقته الله، فمقت الله للعبد أكبر على العبد من مقته نفسه؛ لأن مقته ~~لنفسه ينفعه وينفع نفسه ومقت الله له يضره نفسه، ولأن أشد العقوبات التي ~~توصل الحق إلى العباد آثار سخطه وغضبه، وأجل النعم التي يفردها بها آثار ~~رضاه عنهم، فإذا عرف الكافر في الآخرة أن ربه عليه غضبان فلا شيء أصعب ~~على قلبه منه على أنه لا بكاء ينفعه، ولا غناء يزيل عنه ما هو فيه ~~ويدفعه، ولا يسمع له تضرع في الآخرة ولا ترجى له حيله، { إذ تدعون ~~إلى الإيمان فتكفرون } [غافر: 10]. # { قالوا ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا ~~اثنتين } [غافر: 11] إماتة القلوب وإحياء النفوس، إماتة الأبدان ~~وإحياؤها بالبعث { فاعترفنا بذنوبنا } [غافر: 11]، وإن كان ~~تقدير الأعمال والإماتة والإحياء منك { فهل إلى خروج من ~~سبيل } [غافر: 11] اليوم بنوع من الأعمال، ولما لم يحبهم الله؛ لأنه ~~لا سبيل لكم إلى الخروج من النار بنوع من الأعمال فلعله خلى موضع الرجاء ~~بكرمه. ### || [40.12-16] # ثم قال: { ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم ~~} [غافر: 12]؛ أي: ذلك العذاب بأنكم إذا دعيتم بوحدانية الله بالخروج عن ~~الإثنينية كفرتم بكفران هذه النعمة على أنفسكم، وأنكرتم قبولها، { وإن ~~يشرك به } [غافر: 12]؛ يعني: ببقاء الوجود والدعوة إلى غير الله من ~~نعيم ms1406 الدار، { تؤمنوا } [غافر: 12] وتقبلوا، { فالحكم لله ~~العلي الكبير } [غافر: 12]، في ذلك لا لكم، فلمن يشاء يبقيه في ~~مقام الإثنينية، ولمن شاء يخرجه إلى الوحدانية كما قال تعالى: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات # [البقرة: 57] إلى نور الوحدانية. # وبقوله: { هو الذي يريكم آياته } [غافر: 13]، يشير إلى أنه ~~ليس للإنسان أن يرى ببصيرته حقائق آيات الحق تعالى إلا بإرادة الحق تعالى ~~إياه كما قال تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق # [فصلت: 53]، { وينزل لكم من السمآء } [غافر: 13]؛ أي: ~~سماء الأرواح، { رزقا } [غافر: 13]؛ أي: الواردات والشواهد التي هي ~~رزق القلوب وبها تتربى، { وما يتذكر إلا من ينيب } [غافر: ~~13]؛ أي: وما يتحقق هذه الحقائق إلا لمن يرجع بكلية إلى الله تعالى ~~فيشاهد في كل مقام ما يناسب ذلك المقام. # وبقوله: { فادعوا الله مخلصين له الدين } [غافر: 14]، ~~يشير إلى أن المدعو من الله ينبغي أن يكون على كراهة كافر النفس فإنها ~~تميل إلى مشاربها. # ثم أخبر عن الدرجات والكرامات بقوله تعالى: { رفيع الدرجات } ~~[غافر: 15]، يشير إلى رفع درجات الطوائف المختلفة، رافع درجات العصاة ~~بالنجاة، والمطيعين بالمثوبات، والأصفياء والأولياء بالكرامات، والعارفين ~~بالارتقاء عن الكونين، والمحبين بالفناء في المجيء وبقاء المحبوبية، { ~~ذو العرش } [غافر: 15]؛ أي: ذو الملك العظيم؛ لأنه تعالى خلقه أرفع ~~الموجودات وأعظمها جنة إظهارا للعظمة، وأيضا بجميع الصفات ذو عرش ~~القلوب فإنها العرش الحقيقي؛ لأنه تعالى استوى على العرش بصفة الرحمانية ~~ولا شعور للعرش به، واستوى على قلوب أوليائه بجميع الصفات وهم العلماء ~~بالله مستغرقين في بحر معرفته، { يلقي الروح من أمره على ~~من يشآء من عباده } [غافر: 15] روح الدراية للمؤمنين، وروح ~~الولاية للعارفين، وروح النبوة للنبيين، { لينذر يوم التلاق } ~~[غافر: 15]؛ أي: لينذر الروح يوم تلتقي مع الله بلا هود، وهو معنى ~~قوله: { يوم هم بارزون } [غافر: 16]؛ أي: خارجون من وجودهم ~~بالفناء، { لا يخفى على الله منهم شيء } [غافر: 16] من ~~وجوده هم عند إفنائه حتى لا يبقى له غير الله، فيقول الله تبارك وتعالى: ~~{ لمن الملك اليوم } [غافر: 16]؛ يعني: ملك الوجود، وهذا ~~المقام الذي أشار إليه ms1407 الجنيد بقوله: ما في الوجود سوى الله فإذا لم يكن ~~لغير الله ملك الوجود يكون هو الداعي والمجيب، فيقول: { لله ~~الواحد القهار } [غافر: 16]؛ لأنه تعالى تجلى بصفات القهارية ~~فما بقي الداعي والمجيب غير الله. ### || [40.17-20] # { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } [غافر: 17] في بذل ~~الوجود للمعبود، { لا ظلم اليوم } [غافر: 17]؛ يعني: يوم التجلي ~~يكون بقدر بذل الوجود نيل الجود، فإن الحطب بقدر بذل الوجود المجازي ينال ~~من جود النار بلا ظلم على الحطب من النار، بأن تأخذ وجود شيء من الحطب ~~ولا تجود عليه من النارية بشيء، { إن الله سريع الحساب } ~~[غافر: 17] للعباد عند جريان هذه الأحكام؛ إذ جاء الحق وزهق الباطل ~~بالسرعة. # { وأنذرهم يوم الأزفة إذ القلوب لدى الحناجر ~~كاظمين } [غافر: 18]، إن كانت قيامة العوام مؤجلة، فقيامة الخواص ~~معجلة لهم في كل نفس قيامة من العتاب والعقاب والثواب، والبعاد ~~والاقتراب، وما لم يكن لهم في حساب وشهادة الأعضاء فالدمع يشهد، وخفقان ~~القلب ينطق، والتحول يخبر، واللون يفضح، والعبد يستر، ولكن البلاء يظهر، ~~وإذا أزف فناء الصفات بلغت القلوب الخناجر، وعيونهم شرفت بدموعها، { ما ~~للظالمين } [غافر: 18] على أنفسهم بحمل أمانة المحبة { من ~~حميم ولا شفيع يطاع } [غافر: 18]، يستغيثون به فيسقي في حقهم ~~بالمساعدة؛ لخلاصهم من ورطة الهلاك، { يعلم خآئنة الأعين ~~وما تخفي الصدور } [غافر: 19]، فخائنة أعين المحبين استحسانهم ~~شيئا غير المحبوب، والنظر إلى غير المحبوب خائنة أعين القلوب، وفي ~~معناها قيل فقلت: إذا استحسنت غيركم أمرت الدموع بتأديبها { وما ~~تخفي الصدور } [غافر: 19] من متمنيات النفوس، ومستحسنات القلوب، ~~ومرغوبات الأرواح، فالحق تعالى بها خبير، ويكون السالك موقوفا بها حتى ~~يخرج عن تعلقها. # وبقوله تعالى: { والله يقضي بالحق والذين يدعون ~~من دونه لا يقضون بشيء } [غافر: 20]، يشير إلى أن الحق ~~تعالى هو الذي يخرج السالكين عن تعلقات أوصافهم على ما قضى به وقدر في ~~الأزل، لا عاملين عليها وإن كان بواسطة أعمالهم كقوله تعالى: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # [البقرة: 257] وإن كان بواسطة إيمانهم وأعمالهم الصالحة، وكذلك يقضي ms1408 ~~الأجانب بالبعاد، وبالوصال لأهل الوداد، { إن الله هو السميع ~~} [غافر: 20] في الأزل قد سمع سؤال أهل الحوائج وهم بعد في العدم بلا ~~وجود، وكذلك سمع أنين نفوس المذنبين، وحنين قلوب المحبين وهم مسبوقون ~~بالعدم، { البصير } [غافر: 20] بحاجاتهم وبقضاء حوائجهم. ### || [40.21-22] # { أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان ~~عاقبة الذين كانوا من قبلهم } [غافر: 21]؛ أي: فينظروا ~~كيف خلق السماوات والأرض وما بينهما على قضية حوائجهم وهم صنفان: أهل ~~السعادة، وأهل الشقاوة: # فأهل السعادة: شكروا الله على نعمة الوجود فزادهم نعمة الإيمان، فشكروا ~~نعمة الإيمان فزادهم نعمة الولاية، فشكروا نعمة الولاية فزادهم نعمة ~~القرب والمعرفة في الدنيا، ونعمة الجوار في الآخرة. # وأهل الشقاوة: قد كفروا نعمة الوجود فعذبهم الله بالكفر والبعاد، والطرد ~~واللعن في الدنيا، وعذبهم في الآخرة بالنار وأنواع التعذيبات، وقوله: { ~~كانوا هم أشد منهم قوة } [غافر: 21] فيعتبروا بمن كانوا ~~هم منهم أشد قوة في الجهل والاعتداء، { وآثارا في الأرض } [غافر: ~~21] بالفساد، { فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم ~~من الله } [غافر: 21] من قهر الله وبطشه، { من واق } [غافر: ~~21]، أو لم يسيروا بنفوسهم في أقطار الأرض ويطوفوا مشارقها ومغاربها؛ ~~ليعتبروا بها فيزهدوا فيها، ولم يسيروا بقلوبهم في الملكوت بجولان قطع ~~التعلقات فيشهدوا أنوار التجلي فيستبصروا بها، أو لم يسيروا بأسرارهم في ~~ساحات الصمدية؛ ليهلكوا في سلطان الحقائق، ويتخلصوا من حبس المخلوقات ~~ملكها وملكوتها. # وبقوله: { ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم ~~بالبينات فكفروا فأخذهم الله } [غافر: 22]، يشير ~~إلى بعض السالكين والقاصدين إلى الله إن لم يصل إلى مقصوده؛ ليعلم أن ~~موجب حجبيته وحرمانه اعتراض خامر قلبه على شيخه أو على غيره من المشايخ ~~بعض أوقاته، ولم يتداركه بالتوبة والإنابة، فإن الشيوخ بمحل الأنبياء ~~للمريدين وفي الخبر " الشيخ في قومه كالنبي في أمته " ، { إنه ~~قوي } [غافر: 22] على انتقام الأعداء للأولياء، { شديد العقاب ~~} [غافر: 22] في الانتقام من الأعداء. ### || [40.23-27] # ثم أخبر عن أهل الإعراض والاعتراض بقوله: { ولقد أرسلنا ~~موسى بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون ~~وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب } [غافر: 23-24]، ~~يشير إلى أنه تعالى من ms1409 عواطف إحسانه يرسل أفضل خلقه في وقته إلى من أرذل ~~خلقه، ويبعث أخص عباده إلى أحسن عباده؛ ليدعوه إلى حضرة جلاله لإصلاح ~~حاله بفضله ونواله، والبعد عن خسة طبعه وركاكة عقله يقابله بالتكذيب ~~وينسبه إلى السحر، والله سبحانه وتعالى إظهارا لحلمه وكرمه لم يعجل ~~عقوبته ويمهل إلى أوانه ظهور شقوته، فيجعله مظهر صفة قهره، وليبلغ موسى ~~عليه السلام كمال سعادته فيجعله مظهر صفة لطفه. # { فلما جآءهم بالحق من عندنا } [غافر: 25]؛ يعني: ~~موسى عليه السلام ومعه التوراة والمعجزات، قالوا: لاستكمال شقاوتهم؛ ~~يعني: فرعون وقومه، { قالوا اقتلوا أبنآء الذين آمنوا ~~معه واستحيوا نسآءهم } [غافر: 25]، عزم على إهلاك موسى ~~وقومه، واستعان على ذلك بجهده وحيله ورجاله إتماما لاستحقاقهم العذاب ~~وللرد من حفظ الحق تعالى كان كما قال: { وما كيد الكافرين ~~إلا في ضلال } [غافر: 25] في ازدياد ناقدا لهم به، يشير إلى أن ~~من حفر بئرا لولي من أولياء الله ما يقع فيه إلا حافره، بذلك أجرى الحق ~~تعالى سنته. # { وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه } ~~[غافر: 26]، فمن عمي قلبه ظن أن الله يذره أن يقتل موسى بحوله وقوته أن ~~تذره وقومه، ولم يعلم أن الله يهلكه وقومه، وينجي موسى وقومه وهو يقول: { ~~إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في ~~الأرض الفساد } [غافر: 26] ولم يخف هلاك نفسه، وهلاك قومه وفساد ~~حالهم في الدارين، { وقال موسى إني عذت بربي ~~وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ~~} [غافر: 27]، فأعاذه الله من شرهم وأمنهم من كيدهم. ### || [40.28-33] # وبقوله: { وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم ~~إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله } [غافر: ~~28] إلى قوله: { ومن يضلل الله فما له من هاد } [غافر: ~~33]، ويشير إلى أن الله تعالى إذا شاء بكمال قدرته إظهارا لفضله وقدرته ~~يخرج الحي من الميت، كما أخرج مؤمن من آل فرعون مؤمنا حيا قلبه ~~بالإيمان من بين قوم كفار أموات قلوبهم بالكفر فيتحقق قوله تعالى: # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها # [السجدة: 13]، وإذا شاء إظهارا لعزته وجبروته يعمي ويصم ms1410 الملوك ~~والعقلاء مثل فرعون وقومه؛ لئلا يبصروا آيات الله الظاهرة، ولا يسمعوا ~~الحجج الباهرة مثل ما نصحهم بها مؤمن أنهم بتحقق قوله: { ومن يضلل ~~الله فما له من هاد } [غافر: 33] وتحقيقا لقوله: # ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين # [السجدة: 13]. ### || [40.34-37] # ثم أخبر عن أسباب الارتياب بقوله تعالى: { ولقد جآءكم يوسف ~~من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جآءكم ~~به حتى إذا هلك } [غافر: 34]، يشير إلى أن الإنسان من ظلوميته ~~وجهوليته لو خلى إلى طبيعته لا يؤمن بنبي من الأنبياء، ولا بمعجزاتهم ~~أنها آيات الحق تعالى، وهذا طبيعة المتقدمين والمتأخرين منهم، وأن ~~المهتدي منهم من يهده الله بفضله وكرمه، ومن إنكارهم الطبيعي أنهم ما ~~آمنوا بنبوة يوسف عليه السلام فلما هلك أنكروا أن يكون بعده رسولا. # كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: { قلتم لن يبعث الله من ~~بعده رسولا كذلك يضل الله } [غافر: 34]؛ أي: يكله إلى ~~إنكاره الطبيعي { من هو مسرف } [غافر: 34] في طلب الدنيا ~~وشهواتها، { مرتاب } [غافر: 34] في دعوى الإيمان والطلب. # { الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان ~~أتاهم } [غافر: 35]؛ أي: بغير شاهد من شواهد الحق تعالى أتاهم من ~~الله بوادة الحق { كبر مقتا عند الله } [غافر: 35]، أن يقولوا ~~على الله ما لا تعلمون، { وعند الذين آمنوا } [غافر: 35] أن ~~يجادلوهم بالباطل { كذلك يطبع الله على كل قلب ~~متكبر جبار } [غافر: 35]؛ أي: كذلك بطريق تكبر المتكبر، وتمرد ~~الجبار والجدال بالباطل يختم الله تعالى بخاتم المقت على كل قلب متصف ~~بالكبر والجبروت. # وبقوله: { وقال فرعون يهامان ابن لي صرحا لعلي ~~أبلغ الأسباب } [غافر: 36]، { أسباب السموت ~~فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا } ~~[غافر: 37] يشير إلى أن من ظن الله سبحانه في السماء كما ظن فرعون فإنه ~~فرعون وقته، ولو لم يكن من المضاهاة بين من يعتقد أن الله تعالى في ~~السماء وبين الكافر إلا هذا لكفى به خزيا لمذهبهم وغلط اعتقادهم، فإن ~~فرعون غلط إذ توهم أن الله في السماء، ولو كان في السماء لكان فرعون ~~مصيبا ms1411 في طلبه من السماء، وقوله: { وكذلك زين لفرعون ~~سوء عمله وصد عن السبيل } [غافر: 37] دل على أن اعتقاده ~~أن الله في السماء خطأ، وأنه بذلك مصدود عن سبيل الله، { وما كيد ~~فرعون } [غافر: 37] في طلب الله عن السماء، { إلا في تباب } ~~[غافر: 37] خسران وضلالة. ### || [40.38-42] # وبقوله: { وقال الذي آمن يقوم اتبعون أهدكم ~~سبيل الرشاد } [غافر: 38]، يشير إلى أن الهداية مودعة في أتباع ~~الأنبياء والأولياء، وللولي أن يهدي سبيل الرشاد كما يهدي النبي إليه ~~بتبعية النبي، ومن الهداية قوله: { يقوم إنما هذه ~~الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار ~~} [غافر: 39]، { من عمل سيئة فلا يجزى إلا ~~مثلها } [غافر: 40] إظهارا للعدل { ومن عمل صالحا من ~~ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون ~~الجنة يرزقون فيها بغير حساب } [غافر: 40] إظهارا ~~للفضل مما لم يكن وحساب العبد أن يرزق مثله. # ثم أخبر عن الداعي إلى الخير والداعي إلى الشر بقوله تعالى: { ~~ويقوم } [غافر: 41]، يشير إلى قول مؤخر الروح: { ما لي ~~أدعوكم إلى النجاة } [غافر: 41] بمتابعة المصطفى ومخالفة ~~الهوى من نار الأخلاق الذميمة، والأوصاف السبعية والبهيمية والسفلية، { ~~وتدعونني إلى النار } [غافر: 41] نار الشهوات وهي دركات ~~الجحيم. # { تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي ~~به علم } [غافر: 42]؛ أي: رغبة وذوق منه، { وأنا أدعوكم ~~إلى العزيز } [غافر: 42] الذي # ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 4] ولا يوجد له شبيه، { الغفار } [غافر: 42] لمن تاب ~~ورجع إليه من متابعة الهوى بمتابعة المصطفى. ### || [40.43-46] # { لا جرم أنما تدعونني إليه } [غافر: 43] من عبادة ~~الهوى، { ليس له دعوة } [غافر: 43]؛ أي: استجابة دعوة في ~~الدنيا؛ أي: ببقاء، { في الدنيا ولا في الآخرة } [غافر: 43]؛ ~~أي: بنجاة ورفعة درجات في الآخرة، { وأن مردنآ } [غافر: 43] ~~مرجعنا، { إلى الله } [غافر: 43]، لا بد بالموت ومفارقة الأرواح ~~الأجساد، { وأن المسرفين } [غافر: 43] بالتصرف في الدنيا ~~وزينتها وشهواتها على وفق هوى أنفسهم، { هم أصحاب النار } ~~[غافر: 43] نار القطيعة والبعد والطرد. # { فستذكرون مآ أقول لكم } [غافر: 44] يا آل فرعون النفس ~~عند معاينة عذاب أخلاقكم، { وأفوض أمري إلى الله } [غافر: ~~44] بقطع التعلق ms1412 عنكم، وترك التخلق بأخلاقكم وطلب التخلق بأخلاق الله، { ~~إن الله بصير بالعباد } [غافر: 44] فيتقرب بكرمه إلى من ~~تقرب إليه، ويطرد من تقرب إلى الدنيا وشهواتها، { فوقاه الله } ~~[غافر: 45]؛ أي: الروح { سيئات ما مكروا } [غافر: 45]؛ أي: من ~~شر النفس وصفاتها، { وحاق بآل فرعون } [غافر: 45]؛ أي: بالنفس ~~وصفاتها { سوء العذاب } [غافر: 45]؛ أي: النفس وصفاتها في ~~استغراقهم في بحر شهوات الدنيا ملابسة الخلاق الذميمة يزداد كل ساعة بعد ~~وطرد عن الحضرة، وذلك معنى قوله: { النار يعرضون عليها ~~غدوا وعشيا } [غافر: 46]؛ أي: نار القطيعة، وعن نعيم جنان ~~العرفان بقوله: { ويوم تقوم الساعة } [غافر: 46]، يشير إلى ~~ساعة مفارقة الروح البدن بالموت فإن من مات فقد قامت قيامته، { ~~أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } [غافر: 46]؛ وذلك إن ~~اشد عذاب فرعون النفس بساعة المفارقة؛ لأنه يعظم عن جميع مألوفات الطبع ~~دفعة واحدة، والعظام عن المألوف شديد، فاعلم أن بحسب كل شيء تعلق به قلبه ~~من المال والجاه والأولاد والأهالي يكون للميت عند انقطاعه عنه ضربة يجد ~~ألمها كما يجد ألم قطع كل عضو منه، وقد يكون الألم بقدر شدة التعلق به. ### || [40.47-51] # وبقوله: { وإذ يتحآجون في النار فيقول الضعفاء ~~للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا } [غافر: 47] ~~في الدنيا، { فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار * ~~قال الذين استكبروا إنا كل فيهآ إن الله قد ~~حكم بين العباد } [غافر: 47-48]، يشير إلى أن محاجة بعضهم لبعض ~~بأن يقول الضعفاء للمستكبرين: أنتم أضللتمونا، والمستكبرون يقولون لهم: ~~بل أنتم وافقتمونا باختياركم يزيد في غيظ قلوبكم، فكما يعذبون بنفوسهم ~~يعذبون بضيق صدورهم، ويفيض بعضهم من بعض. # { وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ~~ربكم يخفف عنا يوما من العذاب } [غافر: 49]، وهذه ~~أيضا من إمارات الأجنبية يدخلون واسطة بينهم وبين ربهم، ثم إن الله ~~تعالى ينزع الرحمة عن قلوبهم حتى لا يشفعوهم. # { قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات } ~~[غافر: 50] إذلالهم واستهزائهم وتقريعا، وهذا أيضا نوع من العذاب حتى ~~أجابوهم بالتذلل والهوان، { قالوا بلى قالوا فادعوا } ~~[غافر: 50] وهذا أيضا من نوع الإيذاء ونوع من ms1413 العذاب، ثم يقولون لهم ~~مستخفين بهم: { وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } [غافر: ~~50]؛ يعني: من القبول. # ثم أخبر عن نصرة الأنبياء والأولياء بقوله تعالى: { إنا لننصر ~~رسلنا والذين آمنوا } [غافر: 51]، يشير إلى الظفر بنفوسهم، ~~فإن كمال النصرة في الظفر على أعدى عدوك وهو نفسك التي بين جنبيك وهو ~~الجهاد الأكبر، ولا يمكن الظفر على النفس ألا ينصره الحق تعالى ينصر ~~القلب على النفس، { في الحياة الدنيا } [غافر: 51] بالتوفيق ~~لتزكيتها بالمجاهدات والرياضات الظاهرة، { ويوم يقوم الأشهاد ~~} [غافر: 51] عند طلوع شواهد الحق بنصره عليها بكيد خفي ولطف غير مرئي من ~~حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب، وغاية النصرة أن يقبل الناصر عدو من ينصره، ~~فإذا أراه وحققه أنه لا عدو في الحقيقة وان الخلق أشباح يجري عليهم أحكام ~~القدرة، فالولي لا عدو له ولا صديق ليس له إلا الله تعالى، قال الله ~~تعالى: # الله ولي الذين آمنوا # [البقرة: 257]. ### || [40.52-59] # ثم قال: { يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم ~~اللعنة ولهم سوء الدار } [غافر: 52] به يشير إلى حاصل ~~أمر النفس وظلمها على القلب، ودليل الخطاب أن المؤمنين ينفعهم معذرتهم، ~~ولهم من الله الرحمة ولهم حسن الدار. # قوله: { ولقد آتينا موسى الهدى } [غافر: 52]، يشير إلى ~~موسى القلب أنه يهديه الله إلى حضرته بجذبات ألطافه وتجلى صفات جلاله ~~وجماله، ولا هادي له غيره، { وأورثنا } [غافر: 53] من بعد موسى؛ ~~أي: من بعد إصلاح حال موسى القلب بالهداية والوصول، { بني ~~إسرائيل } [غافر: 53]؛ أي: أرباب الطلب، { الكتاب } [غافر: 53]، ~~{ هدى وذكرى } [غافر: 54]؛ أي: ما يكتب وينقل من أحوال كمالات ~~القلب ورفعة درجات يكون سبب هدايتهم، وتذكيرا { لأولي الألباب } ~~[غافر: 54]؛ وهم أرباب القلوب المستعدة لقبول الفيض الإلهي. # وبقوله: { فاصبر } [غافر: 55] على أذاهم يشير إلى قلب الطالب الصادق ~~بالصبر على ذي النفس، والهوى، والشيطان، { إن وعد الله حق } ~~[غافر: 55] في نصرة القلب المجاهد مع كافر النفس وظفره عليها، { ~~واستغفر لذنبك } [غافر: 55]؛ أي: مما سرى إليك من صفات النفس ~~في تخلقه بأخلاقها فاستغفره لهذا الذنب فإنه صدأ مرآة القلب، { وسبح ~~بحمد ربك بالعشي ms1414 والإبكار } [غافر: 55]؛ أي: بدوام ~~الطاعات وملازمة الأذكار تصفوا مرآة القلب من صدأ الأخلاق الذميمة. # وبقوله: { إن الذين يجادلون في آيات الله بغير ~~سلطان } [غافر: 56]، يشير إلى مدعي أهل الطلب ومجادلتهم مع أرباب ~~الحقائق فيما { أتاهم } [غافر: 56] الله من فضله بغير حجة وبرهان بل # حسدا من عند أنفسهم # [البقرة: 109]، { إن في صدورهم إلا كبر } [غافر: 56]؛ أي: ~~ليس مانعهم في قبول الحق، وتصديق الصديقين، وتسليمهم فيما يبشرون إليه في ~~الحقائق والمعاني أكبر مما كان وصف إبليس إذ # أبى واستكبر # [البقرة: 34]، و # قال أنا خير منه # [الأعراف: 12] وهذه الصفة مركوزة في النفوس كلها؛ ولهذا المعنى بعض ~~الجهلة المغترين بالعلوم ينكرون على بعض مقالات المشايخ الراسخين في ~~العلم. # وبقوله: { ما هم ببالغيه } [غافر: 56]، يشير إلى أن المدعين ~~الكذابين لهذا الحديث المنكرين على أرباب الحقائق لا يصلون إلى مرادهم ~~ولا يدركون مرتبتهم؛ ولهذا قال بعض المشايخ: لا تنكر فإن الإنكار شؤم، ~~والمنكر من هذا الحديث محروم ثم قال: { فاستعذ بالله } [غافر: ~~56] أيها الطالب المحق من شر نفسك، والنفوس المتمردة، وجميع آفات تعوقك ~~عن الحق، وتقطع عليك طريق الحق تعالى: { إنه هو السميع } ~~[غافر: 56] للحاجات، { البصير } [غافر: 56] العليم بقضائها. # وبقوله: { لخلق السموت والأرض أكبر من خلق ~~الناس } [غافر: 57]، يشير إلى منكري البعث أنهم يقرون أن الله خلق ~~السماوات والأرض، وينكرون مرة أخرى يوم البعث، فخلق السماوات والأرض ~~ابتدءا وابتداعا أعظم من خلق الناس، وبعثهم وخلقهم مرة أخرى { ~~ولكن أكثر الناس } [غافر: 57] من أهل الغفلة، { لا ~~يعلمون } [غافر: 57] أن الإعادة أهون من البداية في خلق من لم يكن ~~شيئا. ### || [40.60-64] # ثم أخبر عن استدعاء الدعاء عن أهل الولاء بقوله تعالى: { وقال ~~ربكم ادعوني أستجب لكم } [غافر: 60]، يشير إلى أن معنى ~~ادعوني؛ أي: لا تطلبوا مني غيري فإن من كنت له يكون له ما كان لي، وإن من ~~يطلبني يجدني كما قال # " إلا من طلبني وجدني " # ، ويقال: { ادعوني } [غافر: 60] بشرط الدعاء، وشرط الدعاء الأكل من ~~الحلال، وقيل الدعاء مفتاح الحاجة وأسنانه لقم الحلال، ويقال: كل من دعاه ~~استجاب ms1415 له إما بما سأله أو شيء آخر هو خير له منه، ويقال، الكافر ليس ~~يدعوه؛ لأنه إنما يدعو من له شريك وهو لا شريك له، وكذلك المبتدع من ~~المعطلة أو المشبهة لا يعبدون الله؛ لأنهم إنما يعبدون إلها لا صفات له ~~من الحياة والسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة والإرادة بزعمهم، إنما ~~يدعون إلها له جوارح وأعضاء من اليد والأصابع والأرجل والساق والعين، ~~والله تعالى منزه عن ذلك فإنه # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # [الشورى: 11]، فأما أهل السنة فيثبتون له ذلك بالصفات لا بالأعضاء ~~والجوارح، ولا يفسرونه ولا يؤدونه ويقرؤونه على ما أراد الله به ويؤمنون ~~به، ويقولون: إذا ثبت أن هذا الخطاب للمؤمنين فما من مؤمن يدعوا الله ~~ويسأله شيئا إلا أعطاه إما في الدنيا وإما في الآخرة يقول له: هذا ما ~~طلبته في الدنيا وقد ادخرتها لك إلى هذا اليوم، حتى يتمنى العبد انه ليته ~~لم يعط شيئا في الدنيا ويقال: ادعوني - بالسؤال - استجب لكم بالفضل ~~والنوال، { إن الذين يستكبرون عن عبادتي } [غافر: ~~60]؛ أي: عن دعائي وطلبي، { سيدخلون جهنم } [غافر: 60] ~~الحرمان والبعد مني، { داخرين } [غافر: 60]؛ أي: ذليلين مهينين ~~مردودين. # وبقوله: { الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ~~} [غافر: 61]، يشير إلى ليل البشرية يسكنون أهل الرياضات والمجاهدات فيه ~~إلى استرواح القلوب ساعة فساعة؛ لئلا يمل عن مداومة الذكر والتعبد وحمل ~~أعباء الأمانة، { والنهار مبصرا } [غافر: 61]؛ أي: نهار ~~الروحانية مظهرا للجد والاجتهاد في الطلب، والتصبر على التعب، وسكون ~~الناس في الليل على أقسام: # أهل اللغة: يسكنون إلى استراحة النفوس والأبدان. # وأهل الشهوة: يسكنون إلى أمثالهم وأشكالهم في الرجال والنسوان. # وأهل الطاعة: يسكنون إلى حلاوة أعمالهم لبسطهم واستقلالهم. # وأهل المحبة: يسكنون إلى حنين النفوس، وحنين القلوب، وضراعة الأسرار، ~~واشتغال الأرواح بنار الأشواق، وهم يقدمون القرار في ليلهم ونهارهم أولئك ~~أصحاب الاشتياق أبدا في الاحتراق، { ذلكم الله ربكم ~~خلق كل شيء } [غافر: 62] الذي جعل سكونكم معه، وأنزع حكم له ~~عن غيره، واشتياقكم إليه، ومحبتكم فيه، وانقطاعكم إليه، { لا إله ~~إلا هو } [غافر: ms1416 62] الذي يقلبكم في جميع الأحوال من حال إلى حال، ~~ويستعملكم بجميع الأعمال والأقوال، { فأنى تؤفكون } [غافر: 62] ~~مع رؤية هذه الآيات وكشف البينات إلا بقهر دامغ، وحكم بالغ. # { كذلك يؤفك } [غافر: 63] كما يؤفكون قهر وحكمة، { الذين ~~كانوا بآيات الله يجحدون } [غافر: 63]، وبقوله: { الله ~~الذي جعل لكم الأرض قرارا } [غافر: 64]، يشير إلى أنه ~~تعالى جعل أرض البشرية مقرا للروح، { والسمآء بنآء } [غافر: ~~64]؛ أي: سماء الروحانية مبنية عليها، { وصوركم فأحسن ~~صوركم } [غافر: 64] بأن جميع أرض البشرية وسماء الروحانية في عالم ~~صوركم، ولم يجمعها في صورة شيء آخر من الملائكة، والجن، والشياطين، ~~والحيوانات، وإلى هذا المعنى أشار بقوله تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4]، وفيه إشارة أخرى إلى: إن الله تعالى خلق الأرض لكم ~~استقلالا ولغيركم طفيلا وتبعا؛ لتكون مقركم، والسماء أيضا خلقها لكم؛ ~~لتكون سقفكم مستقلين به وغيركم تبعا لكم فيه، { وصوركم ~~فأحسن صوركم } [غافر: 64] إذ جعلها مرآة جماله كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " كل جميل من جمال الله وإنما جعل لكم جميلا ليحبكم " # ، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله جميل يحب الجمال " # ، فيه إشارة إلى: تخطئة الملائكة فيما قبحوكم و # قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء # [البقرة: 30]، فإن الحسن ليس ما يستحسنه الناس، فإن الحسن ما يستحسنه ~~الحبيب ما حطك الواشون عن رتبة عندي، ولا ضرك مغتاب كأنهم أسنوا، أو لم ~~يعلموا عليك عندي بالذي عابوا خلق الشموس في ضيائها والأقمار في أنوارها، ~~ولم يقل لهما { وصوركم فأحسن صوركم } [غافر: 64]، ~~وفيه أن الواشين قبحوا صورتكم عندنا؛ بل الملائكة كتبوا صحيفتكم بقبيح ما ~~ارتكبتم، ومولاكم أحسن صوركم عنده بأن محاسن ديوانكم الزلات، وأثبت في ~~ذلك الحسنات كما قال تعالى # يمحوا الله ما يشآء ويثبت # [الرعد: 39] وقال: # فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات # [الفرقان: 70]. # { ورزقكم من الطيبات } [غافر: 64]، ليس الطيب ما ~~يستطيبه الخلق، الطيب ما يستطيبه الرب، فإنه طيب لا يقبل إلا طيبا، ~~فالطيب الذي يقبله الله من العبد إذ هو من مكاسب كلام الطيب؛ وهو كلمة " ~~لا ms1417 إله إلا الله " ، كما قال تعالى: # إليه يصعد الكلم الطيب # [فاطر: 10]، والطيب الذي هو مواهب الحق تعالى هو تجلي صفات جماله ~~وجلاله، وبها أشار بقوله: { ورزقكم من الطيبات } [غافر: ~~64]، ثم قال: { ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب ~~العالمين } [فاطر: 64]. ### || [40.65-67] # ثم قال: { هو الحي } [غافر: 65]؛ أي: له الحياة الحقيقة الأزلية ~~الأبدية، ومن هو حي بإحيائه من نور صفاته، كما قال تعالى: # فأحيينه وجعلنا له نورا # [الأنعام: 122]، ويشير بقوله: { لا إله إلا هو } [غافر: 65] ~~بعد قوله: { هو الحي } [غافر: 65]، إلى أن الذي يحيي بحياته ونور ~~صفاته لما يبلغ رتبة الإلهية، { فادعوه } [غافر: 65] بالإلهية { ~~مخلصين } [غافر: 65] عن حبس الوجود، { له الدين } [غافر: 65]؛ ~~أي: المقرين له بالعبودية من غير دعوى بالربوبية كمن ادعى بها بقوله: أنا ~~الحق، وقول من قال: سبحاني ما أعظم شأني، { الحمد لله رب ~~العالمين } [غافر: 65]؛ يعني: فيما أنزلكم وبلغكم مقام الوحدة بفضله ~~ورحمته لأنه مقام لا وسع للإنسان في بلوغه بمجرد سعيه من دون فضل ربه. # ثم قال: { قل } [غافر: 66] يا محمد { إني نهيت } [غافر: 66]، مع ~~جلال قدري واختصاصي بالحبيبية { أن أعبد الذين تدعون من ~~دون الله } [غافر: 66]؛ أي: يثبتون له الإلهية في مقام الواحد عن ~~غلبات السكر من الذات الشراب الطهور الذي سقاكم ربكم في أقداح تجلي صفاته ~~بقوله: # " أنا الحق سبحاني " # وما يعد له { لما جآءني البينت من ربي } [غافر: ~~66]؛ أي: من تجلي ذاته وصفاته إذا اكتال علي بأوفى الكيل أصفى الشراب { ~~وأمرت أن أسلم لرب العلمين } [غافر: 66]. # ثم يشير به إلى أنه صلى الله عليه وسلم مع كمال نبوته ورسالته وقربه ~~بربه وعظم قدره عنده لو لم يسلم لرب العالمين بالعبودية لم يكن مسلما. # ثم أخبر عن أطوار خلقة الإنسان بالشرح والبيان بقوله تعالى: { هو ~~الذي خلقكم من تراب } [غافر: 67]، يشير إلى خلق قالب ~~الإنسان وبدء أمره من الذرة الترابية، استخراجها من صلب آدم { ثم من ~~نطفة } [غافر: 67]؛ أي: أودعها في قطرة نطفة أبيه { ثم من ~~علقة } [غافر: 67] خلقها علقة في بطن أمه { ثم يخرجكم ~~طفلا ms1418 } [غافر: 67] من بطون أمهاتكم { ثم لتبلغوا ~~أشدكم ثم لتكونوا شيوخا } [غافر: 67] ففي كل طور من ~~هذه الأطوار اختصكم بخاصية لم توجد في غيركم، وكل واحد منها خزانة الله ~~تعالى فيها لطفه وقهره مودع، فمنكم المجذوبون ومنكم المخذولون: # فالمجذوبون: هم المسلكون المصعدون الطائرون بجناحي لطفه وقهره إلى أعلى ~~مراتب القرب. # والمخذولون: هم المهبطون المخسفون السائرون بقدمي لطفه وقهره إلى أسفل ~~مدارج البعد. # وذلك قوله: { ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا ~~أجلا مسمى } [غافر: 67]؛ أي: من القرب والبعد { ولعلكم ~~تعقلون } [غافر: 67] تفهمون طريق القرب فتسعون فيه، وتلهمون طريق ~~البعد فتعرضون عنه. ### || [40.68-77] # { هو الذي يحيي } [غافر: 68] القلوب الميتة بنور ربوبيته ~~ولطفه. # { ويميت فإذا قضى أمرا } [غافر: 68]؛ أي: في الأزل { ~~فإنما يقول له كن } [غافر: 68] في حال القضاء { فيكون } ~~[غافر: 68] إلى الأبد، { ألم تر إلى الذين يجادلون في ~~آيات الله أنى يصرفون } [غافر: 69] يشير به: إلى أهل ~~الأهواء والبدع، أنهم يصرفون معاني القرآن إلى أرائهم وأهوائهم، { ~~الذين كذبوا بالكتاب } [غافر: 70]؛ أي: بالقرآن إذا بدلوا ~~معانيه بآرائهم { وبمآ أرسلنا به رسلنا } [غافر: 70]؛ أي: ~~بما هو حقيقة رسالة الرسل في إرشاد الخلق إلى الصراط المستقيم في طلب ~~الحق تعالى، فكذبوا به فسروه برأيهم وبدلوا السنة بالبدعة، فوقعوا عن ~~الصراط المستقيم والدين القويم { فسوف يعلمون } [غافر: 70]، { ~~إذ } [غافر: 71] أراد { الأغلال في أعناقهم والسلاسل ~~} [غافر: 71] التي بدواعي الهوى ابتدعوها في أعناق أرواحهم، { ~~يسحبون } ، { في الحميم } [غافر: 72]، أي: نار القطيعة { ثم ~~في النار يسجرون } [غافر: 72]؛ { ثم قيل لهم أين ما ~~كنتم تشركون } [غافر: 73] من الهوى والدنيا { من دون الله ~~قالوا ضلوا عنا } [غافر: 74] إذ لم يكن له أضل { بل لم ~~نكن ندعوا من قبل شيئا } [غافر: 74]؛ لأنه كان مجازا لا ~~حقيقة، فيضلون به عن الصراط المستقيم { كذلك يضل الله ~~الكافرين } [غافر: 74] بأن يريهم شيئا مجازيا في زينة وجود شيء ~~حقيقي، فيضلون به عن الصراط المستقيم، { ذلكم بما كنتم ~~تفرحون في الأرض } [غافر: 75] بزينتها { بغير الحق } ~~[غافر: 75]؛ يعني: في طلب الباطل { وبما كنتم تمرحون } [غافر: ~~75] بزينة الدنيا وشهواتها، { ادخلوا ms1419 أبواب جهنم ~~خالدين فيها } [غافر: 76]؛ وهي شهوات الدنيا، كل شهوة منها باب من ~~أبواب جهنم النفس في الدنيا، وباب من أبواب جهنم النار في الآخرة { ~~فبئس مثوى المتكبرين } [غافر: 76] دركات النار، { ~~فاصبر } [غافر: 77] على طلب الحق وترك الباطل أيها الطالب الصادق { ~~إن وعد الله حق } [غافر: 77] لكلا الفريقين، { فإما ~~نرينك بعض الذي نعدهم } [غافر: 77] عين اليقين كشفا ~~وعيانا { أو نتوفينك } [غافر: 77] بجذبات الألوهية ليكون ~~فارغا عنهم { فإلينا يرجعون } [غافر: 77] فنكافئهم بحسب ~~أعمالهم وأحوالهم. ### || [40.78-81] # ثم أخبر عن إرسال الرسل، وإيضاح السبل بقوله تعالى: { ولقد ~~أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك } ~~[غافر: 78] يشير إلى أن الحكمة البالغة الأزلية اقتضت أنا نبعث قبلك ~~رسلا، ونجري عليهم وعلى أممهم أحوالا، ثم # نقص عليك من # [هود: 120] أنبائهم # ما نثبت به فؤادك # [هود: 120] ونؤدبك بتأديبهم؛ لتتعظ بهم، ولا نقدمك بالرسالة عليهم؛ ~~ليتعظوا بك، فإن السعيد من يتعظ بغيره { ومنهم من لم نقصص ~~عليك } [غافر: 78]؛ لاستغنائك عن ذلك، تحفيفا لك عما لا يعنيك، وهذه ~~أمارة كمال العناية فيما قص عليه وفيما لم نقصص عليه، وفيه جواب من التمس ~~منه صلى الله عليه وسلم أن يأتي بآية، فقال: كما أن ذكر الرسل وقصصهم ما ~~كان بالتماس النبي صلى الله عليه وسلم إلا بإرادة الله، كذلك { وما ~~كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا ~~جآء أمر الله } [غافر: 78] على ما اقتضت الحكمة والإرادة في ~~إتيان الآية { قضي بالحق } [غافر: 78] بإتيانها في وقتها ~~وإظهارها على يده كما التمسوها، { وخسر هنالك المبطلون } ~~[غافر: 78] الذين أرادوا إبطال الحق بتكذيب الآيات. # ثم أخبر أنه تعالى أظهر من الآيات لمصلحة عباده، وما لم يظهر أيضا لم ~~يظهر لمصلحتهم بقوله: { الله الذي جعل لكم الأنعام ~~لتركبوا منها ومنها تأكلون * ولكم فيها ~~منافع } [غافر: 79-80]؛ أي: خلقها لمنافعكم، ولو كان لكم فيها مفاز ~~لم يخلقها ومنافعها { ولتبلغوا عليها حاجة في ~~صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون } [غافر: 80]؛ ~~يعني: خلق الفلك أيضا لمصلحتكم ومنفعتكم. # وفيه إشارة أخرى: { الله الذي جعل لكم الأنعام ~~لتركبوا ms1420 منها } [غافر: 79]؛ أي: خلق النفس البهيمية الحيوانية؛ ~~ليكون مركبا لروحكم العليا { ولتبلغوا عليها حاجة في ~~صدوركم } [غافر: 80] من مشاهدة الحق ومقامات القرب { ولكم ~~فيها منافع } [غافر: 80]؛ أي: في صفاتها، وهي الشهوة الحيوانية، ~~ومنفعتها أنها مركب العشق والغضب، وأنها مركب الصلابة في الدين، والحرص ~~مركب الهمة، وبهذه المراكب يصل إلى المراتب العلوية، كما قال: { ~~وعليها وعلى الفلك }؛ أي: صفات القلب { تحملون }؛ أي: ~~جوار الحق تعالى، { ويريكم آياته } [غافر: 81] بتجلي صفاته { ~~فأي آيات الله } [غافر: 81]؛ أي: صفاته { تنكرون } [غافر: ~~81] إذا تجلى بها؛ أي: لا يبقي معها الإنكار والجحود. ### || [40.82-85] # { أفلم يسيروا في الأرض } [غافر: 82] أرض البشرية { ~~فينظروا } [غافر: 82] ببصيرة القلوب { كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم } [غافر: 82] من النفوس المتمردة { كانوا ~~أكثر منهم } [غافر: 82] استعدادا في طلب الدنيا، واستيفاء ~~الشهوات { وأشد قوة } [غافر: 82] في الحرص على المال وطلب الجاه ~~{ وآثارا في الأرض } [غافر: 82] بطول أعمال الأعمار { فمآ ~~أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } [غافر: 82] أمرهم ~~بالاعتبار بمن كانوا قبلهم؛ كانوا أشد قوة وأكثر أموالا وأطول ~~أعمارا، فانجروا في حبال آمالهم، فوقعوا في وهدة غرورهم، وما ~~للحق عن مراده فيهم، واغتروا بسلامتهم في مدة ما أرخينا لهم عنان ~~آمالهم، ثم فاجأناهم بالعقوبة، فلم يعجزوا الله في مراده منهم. # وهذا تحقيق قوله: { فلما جآءتهم رسلهم بالبينات ~~فرحوا بما عندهم من العلم } [غافر: 83]؛ أي: من شبهات ~~المعقولات والمخيلات والموهومات، ثم عاجلناهم بالعقوبة { وحاق بهم ~~ما كانوا به يستهزئون } [غافر: 83] فلم يعجزوا الله في ~~مراده منهم { فلما رأوا بأسنا } [غافر: 84] ووقعوا في مذلة ~~الخيبة وشدة البأس { قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا ~~بما كنا به مشركين } [غافر: 84] تمنوا أن لو أعيدوا إلى ~~الدنيا من البأس، وما قابلهم الله في الخيبة { فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم لما رأوا بأسنا } [غافر: 85] وتخرطهم في سلك من ~~أبائهم من أهل الشرك والسخطة، { سنت الله التي قد خلت في ~~عباده } [غافر: 85] الذين أشركوا في عبودية غيره { وخسر ~~هنالك الكافرون } [غافر: 85]؛ أي: كافري النعمة خسروا على ~~أنفسهم مزيد النعمة. ### | [41 - سورة فصلت] ### || [41.1-8] # { حم * تنزيل ms1421 من الرحمن الرحيم } [فصلت: 1-2] يشير: ~~بالحاء إلى الحكمة، وبالميم إلى المنة؛ أي: من على عباده بتنزيل حكمة ~~من الرحمن الأزلي، الذي سبقت رحمته غضبه، فخلق الموجودات برحمانيته ~~الرحيم الأبدي، الذي وسعت رحمته كل شيء إلى الأبد { كتاب فصلت ~~آياته } [فصلت: 3] بين الحق والباطل، والسعيد والشقي، وبقوله: { ~~قرآنا عربيا } [فصلت: 3] يشير إلى أن القرآن قديم من حيث أنه ~~كلام الله وصفته، والعربية كسوة مخلوقة، كساه الله { لقوم ~~يعلمون } [فصلت: 3] العربية، والعربية بحروفها مخلوقة والقرآن منزه ~~عنها، { بشيرا } [فصلت: 4] لمن يعرف قدره ويؤدي حقه بالوصول والوصال { ~~ونذيرا } [فصلت: 4] لمن لم يعرف قدره، ولا يؤدي حقه بالانقطاع ~~والانفصال، { فأعرض أكثرهم } [فصلت: 4] عن أداء حقه { فهم ~~لا يسمعون } [فصلت: 4] بسمع القبول والانقياد. # { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه } ~~[فصلت: 5] في التوحيد { وفي آذاننا وقر } [فصلت: 5] ما يفهم كلامك ~~قالوه حقا، وإن قالوا على الاستهانة والاستهزاء؛ لأن قلوبهم في أكنة حب ~~الدنيا وزينتها، مقفولة بقفل الشهوات والأوصاف البشرية، ولو قالوا ذلك عن ~~بصيرة لكان ذلك منهم توحيد، فتعرضوا للمقت لما فقدوا من صدق القلب؟! ~~قالوا: { ومن بيننا وبينك حجاب } [فصلت: 5] من الأنانية { ~~فاعمل } [فصلت: 5] بالله فانيا عن وجودك موحدا { إننا ~~عاملون } [فصلت: 5] ببقاء وجودنا مشركين، وبقوله: { قل إنمآ ~~أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنمآ إلهكم ~~إله واحد } [فصلت: 6] يشير إلى أن البشر كلهم متساو، وفي البشرية ~~مسدود بهم باب معرفة الله بالوحدانية بالآلات البشرية من العقل وغيره، ~~وإنما فتح هذا الباب على قلوب الأنبياء بالوحي، وقلوب الأولياء بالشواهد ~~والكشوف، وعلى قلوب المؤمنين بالإلهام والشرح، كما قال تعالى: # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه # [الزمر: 22]، وبقوله: { فاستقيموا إليه } [فصلت: 6] يشير إلى ~~أن استقامة المرء في دينه موقوف على استقامته في المتابعة ظاهرا ~~وباطنا، { واستغفروه } [فصلت: 6]؛ ليرفع بقوة النبوة الحجب التي ~~بينكم وبينه { وويل للمشركين } [فصلت: 6] الذين بقوا في شرك ~~الوجود { الذين لا يؤتون الزكاة } [فصلت: 7]؛ أي: لا يزكون ~~نفوسهم عن خبث الحديث { وهم بالآخرة } [فصلت: 7] وهى وجودهم ~~الباقي { هم كافرون ms1422 } [فصلت: 7] بكفر السر والحجاب. # ثم أخبر عن عرفان الإيمان بقوله تعالى: { إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } [فصلت: 8] ~~يشير إلى أن من آمن ولم يعمل صالحا لم يؤجر إلا ممنونا؛ أي: ناقصا، ~~وهو أجر الإيمان، ونقصان من ترك العمل، ثم بترك العمل الصالح يدخل النار ~~ويخرج منها بأجر الإيمان، فأجر العمل الصالح الذي يصدر من النفس الجنة، ~~وهو الأعمال البدنية: كالصلاة والصوم والحج وما أشبهها، وأجر الأعمال ~~القلبية: كالرضاء واليقين والتوكل وما أشبهن من الأخلاق الحسنة، الشوق ~~والمحبة وصدق الطلب، وأجر الأعمال الروحانية: كالتوجه إلى الله بالكلية، ~~وترك التلذذ بكشف الأسرار، وشهود المعاني والكرامات، والاستئناس بالله، ~~والاستيحاش من الخلق، والقلق في المحبة، وأجر أعمال الأسرار: كالإعراض ~~عما سوى الله، وترك الركون إلى مقامات القرب، والفطام عن الالتذاذ ~~بالمعارف، ودوام التجلي، وكشوف الحقائق بالدقائق. ### || [41.9-14] # { قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين } [فصلت: 9]؛ أي: أرض البشرية في يومي الهوى والطبيعة، { ~~وتجعلون له أندادا } [فصلت: 9] من الهوى والطبيعة إذا تحركت ~~أرض البشرية، { ذلك } [فصلت: 9] من ابتلاء { رب العالمين } ~~[فصلت: 9] الذي خلق عالمي العقل والهوى، { وجعل فيها } [فصلت: 10] ~~في أرض البشرية { رواسي } [فصلت: 10] من العقل؛ لتسكين أرض البشرية ~~لا يستقر إلا برواسخ العقل { من فوقها وبارك فيها } [فصلت: ~~10] بالحواس الخمس، { وقدر فيهآ أقواتها } [فصلت: 10] بستة ~~من قوى البشرية { في أربعة أيام } [فصلت: 10]؛ أي: مع يومي ~~خلق الأرض؛ يعني: في يومي الروح الحيواني والروح الطبيعي { سوآء ~~للسآئلين } [فصلت: 10] لهذه القضية، { ثم استوى إلى ~~السمآء } [فصلت: 11] سماء القلب { وهي دخان } [فصلت: 11] نار ~~الروحانية، وبقوله: { فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو ~~كرها } لتجيبا { قالتآ أتينا طآئعين } [فصلت: 11] وإنما ~~ذكرهما بلفظ التأنيث في البداية، كأنهما كانتا ميتة وهي مؤنثتان، وإنما ~~ذكرهما في النهاية بلفظ التذكير؛ لأنه أحياهما وأعقلهما وهما في العدم، ~~فأجابا بقولهما: أتينا طائعين جواب العقلاء، وفي قوله: { فقضهن ~~سبع سموت } [فصلت: 12] إشارة إلى أن لسماء القلب سبعة أطوار، ~~كما قال تعالى: # وقد خلقكم أطوارا # [نوح: 14] فالطور الأول من القلب يسمى: الكركر ms1423 وهو محل الوسوسة. # والثاني: الشغاف وهو مظهر الهواجس. # والثالث: الفؤاد وهو معدن الرؤية كما قال تعالى: # ما كذب الفؤاد ما رأى # [النجم: 11]، والرابع: القلب وهو منبع الحكمة، كما قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " ظهرت ينابيع الحكمة في قلبه على لسانه " # ، والخامس: السويداء وهو مرآة الغيب. # والسادس: الشغاف وهو مثوى المحبة كما قال تعالى: # قد شغفها حبا # [يوسف: 30]، والسابع: محبة القلب وهي مودة التجلي وموضوع الكشوف، ومركز ~~الأسرار ومهبط الأنوار، { في يومين } [فصلت: 12]؛ أي: يومي الروح ~~الإنساني، والإلهام الرباني { وأوحى في كل سمآء أمرها } ~~[فصلت: 12]؛ أي: ما هو أهله ومحله، { وزينا السمآء الدنيا ~~بمصبيح } [فصلت: 12] وهي أنوار الأذكار والطاعات والعبادات { ~~وحفظا } [فصلت: 12] من الشياطين، { ذلك تقدير العزيز } ~~[فصلت: 12] الذي لإظهار عزته وعظمة قدر هذه الكمالات ودبرها في نطفة ~~قدرة { العليم } [فصلت: 12] الذي أحاط علمه بمصالح الدارين وأهلها، { ~~فإن أعرضوا } [فصلت: 13] أرباب النفوس المتمردة عن الله، وطلبه ~~وطلب رضاه { فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد ~~وثمود } [فصلت: 13]؛ أي: أخبر المكذبين لك أن لكم سلفا سلكتم طريقهم ~~في العناد والجحود، فإن أبيتم إلا الإصرار ألحقناكم بهم بالهلاك فتكونوا ~~كأمثالهم { إذ جآءتهم الرسل من بين أيديهم ومن ~~خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شآء ~~ربنا لأنزل ملائكة فإنا بمآ أرسلتم به ~~كافرون } [فصلت: 14]. ### || [41.15-20] # { فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق } ~~[فصلت: 15] وركنوا إلى قوة نفوسهم { وقالوا من أشد منا ~~قوة } [فصلت: 15] فهابهم قواهم لما استكمن منهم بلواهم، { أولم ~~يروا أن الله الذي خلقهم } [فصلت: 15] وخلق الأشياء ~~كلها { هو أشد منهم قوة } [فصلت: 15] في إهلاكهم، { ~~وكانوا بآياتنا يجحدون } [فصلت: 15] مع إحاطة علمهم بالآيات ~~والقدرة، قال الله تعالى: { فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا } ~~[فصلت: 16]؛ ليقلعهم من أصولهم، ولما يغادر منهم أحدا { وأما ~~ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ~~فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا ~~يكسبون } [فصلت: 17] قيل: إنهم في الابتداء آمنوا وكانوا يتقون ~~وصدقوا، ثم ارتدوا وكذبوا، فأجراهم مجرى إخوانهم في الاستئصال، { ~~ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون } [فصلت: 18] ~~فمنهم من نجاهم من غير أن يروا ms1424 النار عبروا القنطرة ولم يعلموا، وقوم ~~كالبرق الخاطف: وهم أعلاهم، وقوم كالراكض: وهم أيضا الأكابر، وقوم على ~~الصراط: يسقطون وتردهم الملائكة على الصراط فبعد وبعد، وقوم بعد ما دخلوا ~~النار: فمنهم من تأخذه إلى كعبيه، ثم إلى ركبتيه، ثم إلى حقويه، فإذا ~~بلغت القلب قال الحق تعالى للنار: # " لا تحرقي قلبه فإنه محترق في " # ، وقوم يخرجون من النار: بعد ما امتحشوا وصاروا حمما. # ثم أخبر عن حشر الأعداء مع القرناء بقوله تعالى: { ويوم يحشر ~~أعدآء الله إلى النار فهم يوزعون } [فصلت: 19] يشير ~~إلى أن من لم يمتثل أوامر الله تعالى ونواهيه ولم يتابع رسوله، فهو عدوا ~~لله وإن كان منافقا بالله مقرا بوحدانيته، وإن ولي الله: من كان يؤمن ~~بالله ورسله، ويمتثل أوامر الله ونواهيه، ومتابعة الرسول، ويحشر الأولياء ~~إلى الله وجنته، كما يحشر الأعداء إلى نار القطيعة والبعد وجحيمه { ~~حتى إذا ما جآءوها شهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون } [فصلت: 20]؛ ~~لأنهم كانوا يستعملوها في معاصي الله بغير اختيارهم. ### || [41.21-24] # { وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا } [فصلت: 21] ~~بهذا يشير إلى أن الجماد في الآخرة يكون حيوانا ناطقا، كما قال تعالى: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 64]. # وبقوله: { قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } ~~[فصلت: 21] يشير إلى: إن الأرواح والأجسام متساوية، وفي قدرة الله إن شاء ~~جعل الأرواح بوصف الأجسام # صم بكم عمي فهم لا يعقلون # [البقرة: 171]، وإن شاء جعل الأجسام بوصف الأرواح تنطق وتسمع، وتبصر ~~وتعقل؛ ولهذا قال: { وهو خلقكم أول مرة } [فصلت: 21]؛ ~~يعني: خلق الأرواح بوصفها حين خلقها { وإليه ترجعون } [فصلت: ~~21] كما يشاء بوصف الأرواح أم بوصف الأجسام، { وما كنتم ~~تستترون } [فصلت: 22]؛ لأنه لم يكن في حسابكم ما استقبلتم { أن ~~يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم } ~~[فصلت: 22]؛ لأنها كانت أجساما صامتة غير ناطقة، وبقوله: { ولكن ~~ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون } ~~[فصلت: 22] يشير إلى معتقد الفلاسفة الزنادقة أنهم يعتقدون أن الله لا ~~يكون عالم الجزيئات، فرد عليهم بقوله: { وذلكم ظنكم الذي ms1425 ~~ظننتم بربكم أرداكم } [فصلت: 23] أهلككم { فأصبحتم ~~من الخاسرين } [فصلت: 23] الذين خسروا على بذرا لأرواحهم في أرض ~~أجسادهم بأن لم يصل إليه ماء الإيمان والعمل الصالح، ففسد حتى صار بوصف ~~الأجساد # صم بكم عمي فهم لا يعقلون # [البقرة: 171]، كما قال: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات # [العصر: 1-3] { فإن يصبروا } [فصلت: 24] على ما هم فيه من ~~الخسران { فالنار مثوى لهم } [فصلت: 24] نار الطرد والقطيعة ~~والبعد، { وإن يستعتبوا } [فصلت: 24] فعلى ما قال: { فما هم ~~من المعتبين } [فصلت: 24]. ### || [41.25-29] # وبقوله: { وقيضنا لهم قرنآء } [فصلت: 25] يشير إلى أنه ~~تعالى إذا أراد بعبد سوء قيض له إخوان وقرناء شرهم الأضداد لهم فيما ~~رموا، وإذا أراد بعبد خيرا قيض له قرناء خيرا يعينونه على الطاعة، ~~ويحملونه عليها، ويدعونه إليها، وإذا كان إخوان سوء يحملونه على ~~المخالفات ويدعونه إليها ومن ذلك الشيطان، فإنه مقيض على الإنسان مسلط ~~يوسوس إليه بالمخالفات، وشر من ذلك النفس الأمارة بالسوء، وبئس القرين ~~النفس تدعو اليوم إلى ما فيه هلاكها وهلاك العبد، وتشهد غدا عليه بما ~~دعته إليه، وشر قرين للمرء نفسه، ثم الشياطين، ثم شياطين الإنس { ~~فزينوا لهم ما بين أيديهم } [فصلت: 25] من طول الأمل { ~~وما خلفهم } [فصلت: 25] من نسيان الزلل، والتسويف في التوبة، ~~والتقصير في الطاعة { وحق عليهم القول } [فصلت: 25] ~~بالتقدير الأزلي { في أمم قد خلت من قبلهم من ~~الجن والإنس } [فصلت: 25] بالشقاوة، { إنهم كانوا ~~خاسرين } [فصلت: 25] بإفساد استعدادهم الفطري. # ثم أخبر عن أحوال أهل الكفر ومقالهم بقوله تعالى: { وقال الذين ~~كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ~~لعلكم تغلبون } [فصلت: 26] يشير إلى طبيعة النفوس المتمردة ~~الأمارة بالسوء إن من شأنها: انتشار الهواجس النفسانية، وإلقاء الخواطر ~~المنتسبة من الأوصاف الحيوانية، وإثارة الوساوس الشيطانية والهجو من ~~الكلام، وإنشاء اللغو والباطل، وحديث النفس على الدوام اشتغالا للقلوب ~~بها عن استماع الإلهامات الربانية والإشارات الوحدانية؛ لعلها تغلب على ~~القلوب والأرواح، وتسلب العقول والأفهام، ولم تعلم أن القلوب التي نورت ~~بالإيمان وأبدت بعواطف الإحسان، والأرواح التي كوشفت بعوارف الحرمان ~~ولطائف ms1426 العيان؛ فهي التي شرفت بسماع أسرار الغيب المبرأة عن الريب، ~~والقلوب التي هي في ظلمات جهلها لا يدخل الإيمان فيها، ولا يباشر السماع ~~سرها. # وبقوله: { فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا } ~~[فصلت: 27] يشير إلى أنه تعالى إذا تجلى على النفوس الكافرة المتمردة ~~يعذبها بها عذابا شديدا يؤدي إلى إفنائها، ثم قال: { ~~ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون } [فصلت: ~~27]؛ أي: نجزي النفوس بسطوة نار نور التجلي عند احتراق صفاتها وإفناء ~~ذواتها، { أسوأ } ما كانت تعمل في شغل القلوب عن استماع كلام الحق، { ~~ذلك جزآء أعدآء الله } [فصلت: 28]؛ أي: النفوس المتمردة، { ~~النار } [فصلت: 28] نار أنوار التجلي { لهم فيها } [فصلت: 28] ما ~~يشاءون، { دار الخلد } [فصلت: 28]؛ أي: بدوام التجلي في مقام التمكن ~~{ جزآء بما كانوا بآياتنا } [فصلت: 28] من شواهد الحق { ~~يجحدون } [فصلت: 28] ينكرونها لئلا يصل إلى القلوب. # وبقوله: { وقال الذين كفروا ربنآ أرنا الذين ~~أضلانا } [فصلت: 29] يشير إلى أن النفوس إذا فنيت عن أوصافها بنار ~~أنوار التجلي، وذاقت حلاوة الشرب تلتمس من ربها اطلاعها على بقايا ~~الأوصاف الشيطانية والحيوانية التي جبلت النفوس عليها؛ ليمكنها منها، ~~فتجعلها تحت أقدام جهة إفنائها فيعلوا بها إلى مقامات القرب، كما قال ~~تعالى: # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28] وذلك قوله: { أرنا الذين أضلانا من الجن ~~والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من ~~الأسفلين } [فصلت: 29]؛ أي: ليكونا من الأعلين إذا كانا تحت ~~أقدامنا. ### || [41.30-35] # ثم أخبر عن القلوب المستقيمة والأرواح الكريمة بقوله تعالى: { إن ~~الذين قالوا ربنا الله } [فصلت: 30] يشير إلى يوم الميثاق ~~لما خوطبوا بقوله: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172]؛ أي: ربنا الله، وهم الذرات المستخرجة من ظهر آدم عليه ~~السلام أقروا بربوبيته { ثم استقاموا } [فصلت: 30] على إقرارهم ~~بالربوبية، تائبين على أقدام العبودية لما خرجوا إلى عالم الصورة، ولهذا ~~ذكر بلفظه { ثم }؛ لأنه للتراخي فأقروا في عالم الأرواح، ثم استقاموا ~~في عالم الأشباح، وهم المؤمنون بخلاف المنافقين والكافرين، فإنهم أقروا ~~ولم يستقيموا على ذلك: # فاستقامة العوام: في الظاهر بالأوامر والنواهي، وفي الباطن بالإيمان ~~والتصديق. # واستقامة الخواص: في الظاهر بالتجريد عن الدنيا وترك زينتها ms1427 أو شهواتها، ~~وفي الباطن بالتفريد عن نعيم الجنان شوقا إلى لقاء الرحمن، وطلب ~~العرفان. # واستقامة الأخص: في الظاهر برعاية حقوق المتابعة على وفق المبايعة ~~بتسليم النفس والمال، وفي الباطن بالتوحيد في استهلاك الناسوتية؛ ليستقم ~~بالله مع الله، فانيا عن الأنانية باقيا بالهوية بلا أرب من المحبوب، ~~مكتفيا من عطائه ببقائه، ومن مقتضى جوده بدوام فنائه في وجوده، { ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا } [فصلت: 30] الخوف إنما يكون في المستقبل من الوقت؛ وهو ~~بحلول مكروه أو فوات محبوب، والملائكة يبشرونهم بأن كل مطلوب لهم سيكون ~~وكل محذور لهم لا يكون، هذا تحقيق قوله تعالى: { ألا تخافوا } ، ~~والحزن من حزونة الوقت، والذي هو راض بجميع ما يجري مستسلم للأحكام ~~الأزلية فلا حزونة في عيشه؛ بل من يكون قائما بالله، هائما في الله، ~~دائما مع الله، لا يدركه الخوف والحزن، فالملائكة يبشرونهم ألا تخافوا ~~من سوء الخاتمة، ولا تحزنوا على فوات العناية في السابقة، { ~~وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون } [فصلت: 30]؛ ~~أي: جنة الوصلة، فإن الوعد صار نقدا فما بقي الوعد والوعيد، وما هو إلا ~~عبد في العبد، فأوعد الله للعوام من جميل الثواب، وللخواص من حسن المآب ~~نقد لأخص الخواص من أولي الألباب، ويقال: لا تخافوا من عزل الولاية، ولا ~~تحزنوا عن منع الهداية، وابشروا بحسن العناية في البداية والنهاية، ولا ~~تخافوا ذلة المذلة، ولا تحزنوا مما أسلفتم من الذلة، وابشروا بدوام ~~الوصلة، وبقوله: { نحن أوليآؤكم } [فصلت: 31] يشير إلى ولاية ~~الرحمة للعوام، وولاية النصرة للخواص، وولاية المحبة لأخص الخواص، ~~فبولاية الرحمة للعوام { في الحياة الدنيا } [فصلت: 31] يوفقهم ~~لإقامة الشريعة، { وفي الآخرة } [فصلت: 31] يجازيهم بالجنة، وبولاية ~~النصرة للخواص في الحياة الدنيا يسلطهم على أعدى عدوهم وهو أنفسهم ~~الأمارة بالسوء؛ ليجعلوها مزكاة من أخلاقها الذميمة وأوصافها الدنية، وفي ~~الآخرة جذبة # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28] وبولاية المحبة لأخص الخواص في الحياة الدنيا يفتح عليهم ~~أبواب المشاهدات والمكاشفات، وفي الآخرة يجعلهم من أهل القربات ~~والمعاينات، { ولكم فيها } [فصلت: 31] في الآخرة { ما تشتهي ~~أنفسكم } [فصلت: 31] من نعيم ms1428 الجنة بحسب علو همتكم فيها، { ولكم ~~فيها ما تدعون } [فصلت: 31] بدواعي القلوب والأرواح، من الوصول ~~والوصال بحسب صدق الطلب، وحسن السؤال من حضرة الجلال ذي الفضل والأفضال، ~~والكرم والنوال، { نزلا } [فصلت: 32] فضلا وعطاء، وتقدمه لما يستديم ~~إلى الأبد من فنون الأعطاف وأصناف الألطاف { من غفور رحيم } ~~[فصلت: 32] يبدل السيئات بالحسنات، ويزيد لأهل الطاعات في الدرجات ~~والقربات. # ثم أخبر عن أحسن الأقوال لأرباب الأحوال بقوله تعالى: { ومن أحسن ~~قولا ممن دعآ إلى الله } [فصلت: 33] يشير إلى أن أحسن قول ~~قاله الأنبياء والأولياء قولهم: بدعوة الخلق إلى الله، وهو من خصائص ~~النبي صلى الله عليه وسلم إنه كان مخصوصا بهذه الدعوة قال تعالى: # إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا ~~إلى الله بإذنه # [الأحزاب: 45-46] وهو أن يكتفي بالله في الله لا يطلب منه غيره، قال: { ~~وعمل صالحا } [فصلت: 33] أي: كما يدعو الخلق إلى الله يأتي بما ~~يدعوهم إليه؛ يعني: سلكوا طريق الله إلى أن يصلوا إلى الله وصولا بلا ~~اتصال ولا انفصال، فبسلوكهم ومنازلتهم عرفوا الطريق إلى الله، ثم دعوا ~~بعد ما عرفوا الطريق إليه الخلق إلى الله، { وقال إنني من ~~المسلمين } [فصلت: 33] لحكمة الراضين بقضائه وتقديره { ولا ~~تستوي الحسنة } [فصلت: 34]؛ وهي التوجه إلى الله بصدق الطلب ~~وخلوص المحبة، { ولا السيئة } [فصلت: 34]؛ وهي طلب ما سواه منه ~~والرضاء عنه بما دونه، ولهذا قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين. # وبقوله: { ادفع بالتي هي أحسن } [فصلت: 34] يشير إلى دفع ~~طلب ما سوى الله بطلب الله فإنه أحسن مما سواه، فإذا فعلت ذلك وتقربت إلى ~~الله بطلبه والله يتقرب إليك بتجلي صفاته لك { فإذا الذي بينك ~~وبينه عداوة } [فصلت: 34]؛ يعني: النفس الأمارة بالسوء { ~~كأنه ولي حميم } [فصلت: 34]؛ لتزكيتها عن صفاتها الذميمة ~~بإفاضة أنوار التجلي عليها، وهذا هو الإكسير الأعظم بأن صار العدو صديقا ~~والبعيد قريبا، { وما يلقاها إلا الذين صبروا } ~~[فصلت: 35] لا يقوم باستفادة هذه الأحوال إلا من أكرم بتوفيق الصبر، ورقى ~~عن سفاسف الشيم الإنسانية إلى معالي الأخلاق الربانية، { وما ~~يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم ms1429 } [فصلت: 35] من فناء نفسه والبقاء ~~بربه. ### || [41.36-40] # وبقوله: { وإما ينزغنك من الشيطن نزغ فاستعذ ~~بالله } [فصلت: 36] يشير إلى أن النبي والولي لا ينبغي أن يكون أمنا ~~من مكر الله، وإن الشيطان صورة مكر الحق تعالى يكون على حذر من نزغاته ~~مستعيذا بالله من همزاته، فلا يذرها أن تصل إلى القلب بل يرجع إلى الله ~~في أول الخطرة، فإنه إن لم يخالف أول الخطرة صار فكرة، ثم بعد ذلك يحصل ~~العزم على ما يدعو إليه الشيطان، ثم إن لم يتدارك ذلك تجري الذلة، فإن لم ~~يتدارك بحسن الرجعة صار قسوة ويتمادى به الوقت فهو يخطر كل آفة، ولا ~~يتخلص العبد من نزغات الشيطان إلا بصدق الاستعانة بالله والإخلاص في ~~العبودية، قال الله تعالى: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # [الحجر: 42] فكلما زاد العبد في تبريه من حوله وقوته، وأخلص بين يدي ~~الله تضرعه واستعانته، زاد الله في حفظه ورفع الشيطان عنه؛ بل يسلطه عليه ~~ليسلم على يديه، { إنه هو السميع } [فصلت: 36] لدعائك { ~~العليم } [فصلت: 36] بقضاء حوائجكم. # ثم أخبر عن آياته وتكرماته بقوله تعالى: { ومن آياته اليل ~~والنهار } [فصلت: 37] يشير إلى ليل البشرية ونهار الروحانية، { ~~والشمس والقمر } [فصلت: 37] إذا تجلت شمس الروح وقمر القلب { ~~لا تسجدوا للشمس ولا للقمر } [فصلت: 37]؛ أي: لا ~~تتخذوا ما كشف لكم عند تجلي شمس الروح من المعقولات، وأنواع العلوم ~~الدقيقة مقصدا ومعبدا كما اتخذت الفلاسفة، { ولا للقمر } [فصلت: ~~37]؛ أي: لا تتخذوا أيضا ما شاهدتم عند تجلي شواهد الحق في قمر القلب من ~~المشاهدات، ومكاشفات العلوم الدينية مقصدا ومعبدا كما اتخذ بعض أرباب ~~السلوك، ووقفوا عند عقبات العرفان والكرامات، فشغلوا بالمعرفة عن ~~المعروف، وبالكرامة عن المكرم { واسجدوا لله الذي ~~خلقهن } [فصلت: 37]؛ أي: اتخذوا المقصود والمعبود حضرة حضرت جلال ~~الله، الذي خلق ما سواه منازل السائرين به إليه { إن كنتم } [فصلت: ~~37] من جملة المحبين الصادقين الذين { إياه تعبدون } [فصلت: 37] ~~طمعا بوصاله والوصول إليه، لا من الذين يعبدونه خوفا من النار وطمعا ~~إلى الجنة، { فإن استكبروا } [فصلت: 38] أهل الأهواء والبدع، ms1430 ~~ولا يوفقون للسجود بجميع الوجود لله، { فالذين عند ربك } ~~[فصلت: 38] من أرواح الأنبياء والأولياء { يسبحون له باليل ~~والنهار } [فصلت: 38] ينزهونه عن احتياج سجدة أحد من العالمين على ~~أنه # ولله يسجد من في السموت والأرض طوعا وكرها ~~وظلالهم بالغدو والآصال # [الرعد: 15]، { وهم لا يسئمون } [فصلت: 38] على التسبيح ~~والتنزيه، { ومن آياته أنك ترى الأرض } [فصلت: 39] أرض ~~البشرية { خاشعة } [فصلت: 39] يابسة عند إعواز ما الهوى، وإشراق شمس ~~العناية لم ينبت منها نبات داعية من دواعي البشرية، { فإذآ أنزلنا ~~عليها المآء } [فصلت: 39] ماء الخذلان والابتلاء { اهتزت } ~~[فصلت: 39] بنبات الدواعي { وربت } [فصلت: 39] منها أشجار المعاصي ~~والمناهي، { إن الذي أحياها } [فصلت: 39]؛ أي: أحيا النفوس ~~الميتة { لمحى الموتى } [فصلت: 39]؛ أي: القلوب الميتة يحييها ~~بنور الإيمان، وصدق الطلب، وغلبات الشوق، وكذلك إذا وقع للعبد فترة في ~~معاملة وغيبة من نشاط طلبه، فإذا تغمده الحق سبحانه بما يدخل على قلبه من ~~ماء التذكير نبت في قلبه نبات الوفاق، فيعود إلى مألوف مقام هو تعود عود ~~تعداده غضا طريا، وشجر وفاقه بعد ما أصابته الجذوبة بماء العناية ~~مستقيا، وكذلك إذا حصل لأهل العرفان وقفة، أو بدا لهم من جراء سوء ~~أدب حجبة، نظر الحق سبحانه وتعالى إليهم بالرعاية فاهتزت رياض أنسهم، ~~واخضرت مشاهد قربهم، وانهزمت وفود وقفتهم { إنه على كل شيء ~~قدير } [فصلت: 39] من إظهار اللطف والقهر. # وبقوله: { إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون ~~علينآ } [فصلت: 40] يشير إلى إن إلحادهم عن الحق إنما كان من نتيجة ~~خذلاننا فلا يخفى علينا سبب إلحادهم، فإن كل إنسان نكل إلى نفسه لا يصدر ~~منه إلا إلحاد عن الحق؛ لأنها جبلت على الأمارية بالسوء، { أفمن ~~يلقى في النار } [فصلت: 40] وهي: الطبيعة الإنسانية النفسانية ~~الحيوانية التي هي منشأ دركات جهنم { خير أم من يأتي آمنا ~~يوم القيامة } [فصلت: 40] وهو منظور بنظر عنايتنا، محفوظ من شر ~~نفسه بفضل رعايتنا، وفي قوله تعالى: { اعملوا ما شئتم } [فصلت: ~~40] إشارة إلى أن وكالتهم إلى هوى أنفسهم، فإنه بالطبع يهوون إلى الدرك ~~الأسفل، { إنه بما تعملون بصير } [فصلت: 40] بأن ms1431 يكون ~~مصيركم إلى النار. ### || [41.41-46] # وبقوله: { إن الذين كفروا بالذكر لما جآءهم } ~~[فصلت: 41] يشير إلى # إن الذين يلحدون في آياتنا # [فصلت: 40] وفي القرآن إنما ألحدوا فيه؛ لأنهم كفروا به لما جاءهم وإنما ~~كفروا؛ لأنهم كانوا لأهل الخذلان، { وإنه لكتاب عزيز } ~~[فصلت: 41]؛ يعني: القرآن وإن من عزته أن { لا يأتيه الباطل } ~~[فصلت: 42]؛ يعني: أهل الخذلان { من بين يديه } [فصلت: 42]؛ ~~يعني: بالإيمان به { ولا من خلفه } [فصلت: 42] بالعمل به { ~~تنزيل من حكيم } [فصلت: 42] ينزل بحكمته على من يشاء من عباده ~~لمن يشاء أن يعمل به { حميد } [فصلت: 42] في أحكامه وأفعاله؛ لأنها ~~صادرة منه بالحكمة، وبقوله: { ما يقال لك إلا ما قد قيل ~~للرسل من قبلك } [فصلت: 43] يشير إلى تسلية أرباب الطلب ~~المعرضين عن الخلق المقبلين على الله؛ يعني: أيها الطالب الصادق، إن أطلق ~~الخلق لسان اللوم فيك، ويقال: إنه مجنون أو ساحر، فإنه قد قيل للرسل أكثر ~~من ذلك # فاصبر على ما يقولون # [ق: 39]، { إن ربك لذو مغفرة } [فصلت: 43] لك { وذو ~~عقاب أليم } [فصلت: 43] لأعدائك وحسادك. # ثم أخبر عن نعمة القرآن وإنكار أهل الكفران بقوله تعالى: { ولو ~~جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت ~~آياته ءاعجمي وعربي } [فصلت: 44] يشير إلى إزاحة العلة ~~لمن أراد أن يعرف صدق الدعوة وصحة الشريعة، فإنه لا نهاية للتعلل بمثل ~~هذه المعللات؛ لأنه تعالى لو جعل القرآن أعجميا وعربيا، لقالوا: لولا ~~جعله عبرانيا وسريانيا، ثم وصف القرآن بأنه شفاء للمؤمنين وسبب شقاء ~~للكافرين بقوله: { قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء } ~~[فصلت: 44] فهو شفاء للعلماء حيث استراحوا به عن حد الفكرة وتحير ~~الخواطر، وشفاء لصدق صدور المريدين لما فيه من التنعم بقراءته والتلذذ ~~بالتكفر فيه، وشفاء لقلوب المحبين من لواعج الاشتياق لما فيه من لطف ~~المواعيد، وشفاء لقلوب العارفين لما يتوالى عليها من أنوار التحقيق، ~~وآثار خطاب الرب العزيز: { والذين لا يؤمنون في آذانهم ~~وقر } [فصلت: 44] لا يسمعون بقلوبهم من الحق فلا يستجيبون، ويقول: في ~~ظلمات الجحد والجهل { وهو عليهم عمى } [فصلت: 44] لا يزدادون ~~على مر الأيام إلا الضلال ms1432 { أولئك ينادون من مكان ~~بعيد } [فصلت: 44]؛ لأن النداء إنما يجيئ من فوق أعلى عليين، وهم في ~~أسفل السافلين في الطبيعة الإنسانية وهم أبعد البعد. # وبقوله: { ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه } ~~[فصلت: 45] يشير إلى أن الإلهامات الربانية التي يلهم بها موسى الروح، ~~فاختلف فيها فالقلب يؤمر بها، والنفس تكفر بها ولا تعمل بها { ولولا ~~كلمة سبقت من ربك } [فصلت: 45] في تأخير عذاب النفس ~~بتكاليف الشريعة ومخالفة هواها إلى أجل مسمى، وهو حد البلوغ { لقضي ~~بينهم } [فصلت: 45] بتزكية النفس بأحكام الشرع { وإنهم } ~~[فصلت: 45]؛ يعني: النفوس وصفاتها { لفي شك منه مريب } ~~[فصلت: 45]؛ يعني: من إلهامات الحق، هل هي من الله أم لا؟ { من عمل ~~صلحا } [فصلت: 46] في تزكية نفسه { فلنفسه } [فصلت: 46]؛ لأن ~~فلاحها في صلاحها بالتزكية { ومن أسآء } [فصلت: 46] بمخالفات ~~الشريعة { فعليها } [فصلت: 46]؛ أي: فعليها راجعة إساءتها؛ لأنها ~~تقاسي ضرها وتلافي شرها، { وما ربك بظلم للعبيد } ~~[فصلت: 46] بل هم يظلمون على أنفسهم بالإساءة. ### || [41.47-50] # وبقوله: { إليه يرد علم الساعة } [فصلت: 47] يشير إلى ~~علم جزاء أعمال العباد يوم القيامة، فإنه لا يعلمه إلا هو؛ لأنه { وما ~~تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ~~ولا تضع إلا بعلمه } [فصلت: 47]؛ أي: لا تخرج من ثمرة عمل ~~من أعمال العباد من أحكام التقدير الإلهي، ولا تحمل أنثى نفس بحمل صفة من ~~صفاتها، ولا تضع من عمل هو من نتائج تلك الصفة إلا بعلمه وتقديره الأزلي، ~~{ ويوم يناديهم أين شركآئي } [فصلت: 47]؛ يعني: الذين ~~كانوا يرون أنهم يخلقوا أفعالهم وأعمالهم { قالوا آذناك ما ~~منا من شهيد } [فصلت: 47] يشهد أنه خالق فعله، وكوشفوا بأنه لا ~~خالق إلا الله ولا وجود في الحقيقة إلا الله، { وضل عنهم ما ~~كانوا يدعون من قبل } [فصلت: 48] له وجود { وظنوا } ~~[فصلت: 48] وأيقنوا { ما لهم من محيص } [فصلت: 48] مهرب إلا ~~الله عند قيام الساعة بتجلي صفة القهارية. # ثم أخبر عن اللوم الإنساني والكرم الرباني بقوله تعالى: { لا يسأم ~~الإنسان من دعآء الخير } [فصلت: 49] يشير إلى أن الإنسان ~~مجبول على طلب الخير بحيث لا ms1433 تتطرق إليه الساعة، فبهذه الخصلة بلغ من بلغ ~~رتبة خير البرية، وبها بلغ من بلغ دركة شر البرية وذلك؛ لأنه لما خلق ~~لحمل الأمانة التي أشفق منها البرية # فأبين أن يحملنها # [الأحزاب: 72]، وهي عبارة عن الفيض الإلهي بلا واسطة وذلك فيض لا نهاية ~~له، فلحملها احتاج الإنسان إلى طلب غير متناه، فصرف بعضهم هذا الطلب في ~~قبول الفيض الإلهي وأعرض عن غيره متأخر البرية، ومن صرف هذا الطلب في ~~تحصيل الدنيا وزينتها وشهواتها واستيفاء لذاتها فما شئتم من الطلب، وصار ~~شر البرية، { وإن مسه الشر } [فصلت: 49] وهو فطامه عن مألوفات ~~نفسه وهواه { فيئوس قنوط } [فصلت: 49] لا يرجو زوال البلايا ~~والمحن لعدم علمه بربه وانسداد الطريق على قلبه في الرجوع إلى الله؛ ~~ليدفع عنه ذلك، { ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ~~ضرآء مسته } [فصلت: 50]؛ أي: لئن كشفنا عنه البلاء وأوحينا إليه ~~الرضاء لدعاه استحقاقا واتفاقا، ولا يعتقد ذلك هنا فضلا وإنعاما؛ ~~لأنه محجوب بأنانيته عن هويتنا؛ بل يرى ذلك من جلادته وكفايته أو من ~~طالعه وجده { ليقولن هذا لي } [فصلت: 50] من حسن استعدادي ~~وسعادة طالعي. # وبقوله: { ومآ أظن الساعة قآئمة ولئن رجعت إلى ~~ربي } [فصلت: 50] بالحشر والنشر { إن لي عنده للحسنى } ~~[فصلت: 50] بحسب قسمي وسعد طالعي، { فلننبئن الذين ~~كفروا بما عملوا } [فصلت: 50]؛ أي: فلينجزينهم بجزاء ما عملوا ~~{ ولنذيقنهم من عذاب غليظ } [فصلت: 50] وهو عذاب الطرد ~~والبعد، وإفساد استعداد الروح لقبول الفيض وحرمة حرمانه، وقد كان معذبا ~~بهذا العذاب ولكنه لم يجد ذوق العذاب وألمه، فلنذيقنه الآن بعد انتباهه ~~من نومة غفلته. ### || [41.51-54] # { وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه } ~~[فصلت: 51]؛ لأنه إذا خليناه إلى طبيعة الإنسانية وهي الظلومية الجهولية ~~لا يميز بين البلاء والعطاء، فكثير مما يتوهمه عطاء هو مكر واستدراج وهو ~~يستديمه، وكثير مما هو فضل ونعمة وصرف عطاء وهو يظنه بلاء فيعافه ويكرهه؛ ~~بل إذا أنعمنا عليه صاحبه بالبطر، وإذا أبليناه قابله بالضجر؛ بل وإذا ~~أنعمنا عليه عجب بنفسه فتكبر مختالا في زهوة لا يشكر ربه ولا يذكر فضله، ms1434 ~~ويشتغل بالنعمة عن المنعم ويتباعد عن نشاط طاعة، وكالمستغني عنا يهيم على ~~وجهه، { وإذا مسه الشر فذو دعآء عريض } [فصلت: 51] ~~وتضرع شديد بالاظطرار بخصوصية الجوهر الإنسانية فإن له إلى ربه الرجعى ~~عند الاضطرار لحاجته الأصلية الكلية اليد. # وبقوله: { قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم ~~كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد } [فصلت: ~~52] يشير إلى أن كل بلاء وعناء، ونعمة ورحمة، ومهانة ومسرة تنزل بالعبد، ~~فهو من عند الله فإن استقبله بالتسليم والرضاء صابرا شاكرا للمولى في ~~الشدة والرخاء والسراء والضراء، فهو من المهتدين المقربين، وإن استقبله ~~بالكفران والجزاع بالخذلان فهو من الأشقياء والمبعدين المضلين، وبقوله: { ~~سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم } [فصلت: 53] ~~يشير إلى معان كثيرة منها: أن الخلق لا يرون آياتنا إلا بإراءة الله ~~إياهم. # ومنها: أن الله خلق الآفاق مظهر آياته، وكذلك نفس الإنسان مظهر آياته. # ومنها: أنه ليس للآفاق شعور على الآيات، ولا على مظهريتها للآيات. # ومنها: أن الإنسان هو الذي له شعور على الآيات، وعلى مظهريته للآيات. # ومنها: أن نفس الإنسان مرآة مستعدة لمظهرية جميع آيات الله، ومظهريتها ~~بإرادة الحق تعالى بحيث تبين له أنه الحق، ويتبين لغيره أنه الحق، وفي ~~قوله: { حتى يتبين لهم أنه الحق } [فصلت: 53] إشارة ~~إلى: العوام والخواص وأخص الخواص: # فأما العوام: فتبين لهم باختلاف الليل والنهار والأحداث التي تجري في ~~أحوال العالم، واختلاف الأحوال التي تجري عليهم في الطفولية إلى ~~الشيخوخة، واختلاف أحكام الأعيان مع اتفاق جواهرها في التجانس، وهذه هي ~~آيات حدوث العالم، واقتضاء المحدث بصفاته. # وأما الخواص: فيتبين لهم ببصائر قلوبهم من شواهد الحق واختلاف الأحوال ~~في القبض والبسط، والجمع والفرق، والحجب والجذب، والستر والتجلي، والكشوف ~~والبراهين، وأنوار الغيب وما يجدونه من حقائق معاملاتهم ومنازلاتهم ~~بإراءة الحق تعالى. # وأما أخص الخواص: فيتبين بالخروج عن ظلمات حجب الإنسانية إلى نور الحضرة ~~الربانية بتجلي صفات الجمال والجلال كشف القناع الحقيقي عن العين ~~والعيان. # ولهذا قال: { أولم يكف بربك } [فصلت: 53] بإراءة آياته ~~وتعريف ذاته وصفاته بكشف القناع ورفع ms1435 الأستار، { أنه على كل ~~شيء شهيد } [فصلت: 53] لا يغيب عن قدرته شيء، وبقوله: { ألا ~~إنهم في مرية من لقآء ربهم } [فصلت: 54] يشير إلى ~~أن أهل الصورة لفي شك من تجويز ما يكاشف به أهل الحقيقة من أنواع ~~المشاهدات والمعاينات، { ألا إنه بكل شيء محيط } [فصلت: ~~54] وهو قادر على التجلي لكل شيء، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إذا تجلى الله لشيء خضع له ". ### | [42 - سورة الشورى] ### || [42.1-6] # { حم * عسق } [الشورى: 1-2] يشير إلى القسم بحاء حبه، وميم محبوبه ~~محمد، وعين عشقه على سيده، وقاف قربه إلى سيده بكمال لم يبلغه أحد في ~~خلقه، أقسم بأنه: { كذلك يوحي إليك } [الشورى: 3] أنك محبوبه ~~الأزلي وبحبك خلق الموجودات بتبعيتك { وإلى الذين من قبلك } ~~[الشورى: 3]؛ أي: وكذلك أوحى إلى الأنبياء من قبلك أنك محبوبه الأزلي، { ~~الله العزيز } [الشورى: 3]؛ أي: أوحى الله العزيز الذي لا يحتاج ~~إلى وجودك ووجود غيرك، { الحكيم } [الشورى: 3] الذي لحكمة بالغة ~~اتخذك حبيبا في الأزل وخلقك للأبد وخلق الموجودات بتبعيتك، { له ما ~~في السموت وما في الأرض } [الشورى: 4] ملكا وملكا { ~~وهو العلي العظيم } [الشورى: 4] أعلى رتبة وأعظم عزة في ~~الألوهية، في أن استحقاقه لأوصاف المجد والجلال بمالكية ما في السماوات ~~وما في الأرض، وبملكية من فيهما. # وبقوله: { تكاد السموت يتفطرن من فوقهن } ~~[الشورى: 5] يشير إلى قبيح أقوال المشركين من بني آدم وأفعالهم وجراءتهم ~~على الله تعالى، ولعظم كفرهم كادت السماوات تنشق إلى أسفلهن؛ أي: تنفطر ~~جملتها، فالمعنى أن أولاد آدم بهذه الصفة { والملائكة ~~يسبحون بحمد ربهم } [الشورى: 5] لا يفترون، ومع هذا عناية ~~الله تعالى في حق أولاد آدم أن الملائكة مأمورون بترك التسبيح { ~~ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو ~~الغفور } [الشورى: 5] فيه إشارة إلى أن استغفار الملائكة لهم ليس من ~~اختيارهم؛ بل أن الله هو الغفور لبني آدم { الرحيم } [الشورى: 5] ~~بهم، وبرحمته يأمر الملائكة بالاستغفار لهم وهو يغفر مع كثرة عصيانهم، ~~والكفار الذين يرتكبون عظيم هذا الجرم من الشرك والذنوب العظائم لا يقطع ~~رزقهم ولا صحبتهم ولا تمتعاتهم في ms1436 الدنيا، وإن كان يريد أن يعذبهم في ~~الآخرة، وبقوله: { والذين اتخذوا من دونه أوليآء ~~الله حفيظ عليهم } [الشورى: 6] يشير إلى أن كل من عمل بمتابعة ~~هواه وترك الله حدا ونقض له عهدا، فهو متخذ الشياطين أولياء؛ لأنه من ~~يعمل بأوامرهم وأفعاله موافقة لطباعهم، { الله حفيظ عليهم } ~~[الشورى: 6] بأعمال سرهم وعلانيتهم، إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم، { ~~ومآ أنت عليهم بوكيل } [الشورى: 6]؛ لتمنعهم عن معاملاتهم. ### || [42.7] # ثم أخبر عما أوحى الله لإنذار أم القرى بقوله تعالى: { وكذلك ~~أوحينآ إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى } ~~[الشورى: 7] يشير إلى إنذار نفسه الشريفة؛ لأنها أم القرى نفوس آدم ~~وأولاده؛ لأنه صلى الله عليه وسلم هو الذي تعلقت القدرة بإيجاده قبل كل ~~شيء، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " أول ما خلق الله روحي ومنه تنشأ الأوراح والنفوس " # ، ولهذا المعنى قال آدم: " ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة "؛ فالمعنى: ~~أنه: كما يوحى إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم والأمم، { ~~وكذلك أوحينآ إليك قرآنا عربيا } [الشورى: 7]؛ ~~لتنذر نفسك الشريفة بالقرآن العربي؛ لأن نفسك عربية { ومن حولها } ~~[الشورى: 7] من نفوس أهل العالم؛ لأنها محدثة بنفسك الشريفة، ولذلك قال ~~تعالى: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107]، وقال صلى الله عليه وسلم: # " بعتث إلى الخلق كافة " # ، { وتنذر يوم الجمع } [الشورى: 7] يوم يجمع بين الأرواح ~~والأجساد، { لا ريب فيه } [الشورى: 7] لا شك في كونه، { فريق ~~في الجنة وفريق في السعير } [الشورى: 7]، كما أنهم اليوم ~~فريقان فريق في جنة القلوب وراحات الطاعات وحلاوات العبادات وتنعمات ~~القربات، وفريق في سعير النفوس وظلمات المعاصي وعقوبات الشرك والجحود، ~~فكذلك غدا فريق من أهل اللقاء، وفريق هم أهل الشقاء والبلاء. ### || [42.8-12] # { ولو شآء الله لجعلهم أمة واحدة } [الشورى: 8] ~~كالملائكة المقربين # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6]، أو جعلهم كالشياطين المبعدين المطرودين المتمردين، ولكن ~~الحكمة الإلهية اقتضت أن يجعلهم مركبين من جوهري الملكي والشيطاني؛ ~~ليكونوا مختلفين بعضهم الغالب عليه الوصف الملكي مطيعا لله تعالى، ~~وبعضهم الغالب عليه الوصف الشيطاني متمردا ms1437 على الله تعالى؛ ليكونوا ~~مظاهر صفات لطفه وقهره، مستعدين لمرآة صفات جماله وجلاله، متخلقين ~~بأخلاقه، وهذا سر قوله: # وعلم ءادم الأسمآء كلها # [البقرة: 31] ومن هنا قالت الملائكة: # سبحنك لا علم لنآ إلا ما علمتنآ # [البقرة: 32] ويدل على هذا التأويل قوله تعالى: { ولكن يدخل ~~من يشآء في رحمته } [الشورى: 8]؛ ليكون مظهرا لصفات لطفه { ~~والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير } [الشورى: 8]؛ ~~ليكونوا مظهرا لصفات قهره. # وبقوله: { أم اتخذوا من دونه أوليآء فالله هو ~~الولي } [الشورى: 9] يشير إلى أنه لا ولاية لأحد دونه، فالله هو ~~متولي الأمور في الخير والشر والنفع والضر، { وهو } [الشورى: 9] الذي ~~{ يحيي الموتى } [الشورى: 9]؛ أي: النفوس والقلوب، اليوم وغدا، ~~{ وهو على كل شيء قدير } [الشورى: 9] من الإيجاد ~~والإعدام، وبقوله: { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه ~~إلى الله } [الشورى: 10] يشير إلى اختلاف العلماء في شيء من ~~الشرعيات والمعارف الإلهية، فالحكم في ذلك إلى كتاب الله وسنة رسول الله، ~~وإجماع الأمة وشواهد القياس، أو إلى أهل الذكر، كما قال تعالى: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43] ولا ترجعون إلى العقول المشوبة بآفة الوهم والخيال، فإن ~~فيها للنفس والشيطان مدخلا بإلقاء الشبهات، وأدنى الشبهة في التوحيد ~~كفر، وقد زلت أقدام جميع أهل الأهواء والبدع والفلاسفة عن الصراط ~~المستقيم والدين القويم بهذه المذلة، وبقوله: { ذلكم الله ربي ~~عليه توكلت وإليه أنيب } [الشورى: 10] يشير إلى أنه ~~إذا اشتغلت قلوبكم بحديث نفوسكم لا تدرون أبالسعادة جرى حكمكم، أم ~~بالشقاوة مضى أسمكم؟ فكلوا الأمر إلى الله واشتغلوا في الوقت بأمر الله ~~دون التفكير فيما ليس لعقولكم سبيل إلى معرفته وعلمه من عواقبكم. # { فاطر السموت } [الشورى: 11] سماوات القلوب عن معالم الغيوب، ~~{ والأرض } [الشورى: 11] أرض النفوس عن عوالم الغيوب، { جعل لكم ~~من أنفسكم أزواجا } [الشورى: 11] أي: خلق حواء النفس من ضلع ~~آدم الروح لتسكن إليها، { ومن الأنعام أزواجا } [الشورى: 11]؛ ~~أي: خمر في طينتكم صفات الأنعام بأضعاف ما فيها، { يذرؤكم فيه } ~~[الشورى: 11] يخلقكم في وصف الأنعام لاستعداد حمل الأمانة التي ما حملها ~~الملائكة؛ لكونهم أرواحا مفردة، ms1438 ولا الحيوانات؛ لأنها عرية في الأرواح ~~الروحانية، وحملها الإنسان؛ لكونه مركبا من الروح الملكي والجسد ~~الحيواني، ثم قال في هذا المعرض: { ليس كمثله شيء } [الشورى: ~~11]؛ يعني: شيئا من هذه الأشياء التي ركب منها الإنسان من جميع ~~الموجودات، فإنه نسخة العالم بما فيه من العناصر الأربعة: النبات ~~والحيوان، والأجرام، والنفوس، والأرواح، ثم قال: { وهو السميع ~~البصير } [الشورى: 11]؛ أي: مع أنه تعالى سميع بصير والحيوان أيضا ~~سميع بصير ولكن لا شبه له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أحكامه، على أن ~~قوما وقعوا في تشبيه ذاته بذات المخلوقين فوصفوه بالحد والنهاية والكون ~~في المكان، وأقبح قولا منهم من وصفه بالجوارح والآلات، وقوم وصفوه بما ~~هو تشبيه في الصفات فظنوا أن بصره في حدقة، وسمعه في عضو، وقدرته في يد ~~إلى غير ذلك، وقوم قاسوا حكمه على حكم عباده فقالوا: ما يكون من الخلق ~~حسنا فمنه حسن فؤلاء كلهم أصحاب التشبيه، والحق تعالى مستحق التنزيه دون ~~التشبيه، محقق بالتحصيل دون التعطيل والتمثيل، مستحق التوحيد دون ~~التحديد، موصوف بصفات الكمال، مسلوب عن العيوب والنقصان، { له ~~مقاليد السموت والأرض } [الشورى: 12]؛ أي: مفاتيح سماوات ~~القلوب وفيها خزائن لطفه ورحمته، وأرض النفوس وفيها خزائن قهره وعزته، ~~فكل قلب مخزن لنوع من ألطافه فبعضها مخزن المعرفة، وبعضها مخزن المحبة، ~~وبعضها مخزن الشوق، وبعضها مخزن الإرادة، وغير ذلك من الأحوال كالتوحيد ~~والتفريد والهيبة والأنس والرضا وغير ذلك، وكل نفس مخزن لنوع من أوصاف ~~قهره، فبعضها مخزن النكرة، وبعضها مخزن الجحود، وبعضها مخزن الإنكار، ~~وغير ذلك من الأخلاق الذميمة كالشرك والنفاق، والحرص والكبر، والبخل ~~والشره، والغضب والشهوة، وغير ذلك، وفائدة التعريف أن المقاليد له قطع ~~أفكار العباد من الخلق إليه في جلب ما يريدونه ودفع ما يكرهونه، فإنه { ~~يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر إنه بكل شيء ~~عليم } [الشورى: 12] يوسع ويضيق رزق النفوس ورزق القلوب، والخلق بمعزل ~~عن هذا الوصف. ### || [42.13-15] # ثم أخبر عن تبيين الدين بقوله تعالى: { شرع لكم من الدين ما ~~وصى به نوحا والذي أوحينآ إليك وما ms1439 وصينا ~~به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين } ~~[الشورى: 13] يشير إلى أصول الدين أنها لم تختلف في جميع الشرائع، فأما ~~الفروع فمختلفة فالآية تدل على أن مسائل أحكامها في جميع الشرائع واحدة، ~~ثم بين بقوله: { أن أقيموا الدين } [الشورى: 13]؛ أي: في ~~الأصول؛ وهي التوجه إلى الله بالكلية في صدق الطلب بتزكية النفس عن ~~الصفات الذميمة، وتصفية القلب عن تعلقات الكونين، وتحلية الروح بالأخلاق ~~الربانية، ومراقبة السر بكشف الحقائق وشواهد الحق، { ولا ~~تتفرقوا فيه } [الشورى: 13]؛ أي: في الدين تفرق أهل الأهواء ~~بالبدع بحسبان المعرفة والبراهين المعقولة، { كبر على ~~المشركين } [الشورى: 13] مشرك أهل الأهواء والسمعة والرياء { ما ~~تدعوهم إليه } [الشورى: 13] من التوحيد والوحدة. # وبقوله: { الله يجتبي إليه من يشآء ويهدي إليه ~~من ينيب } [الشورى: 13] يشير إلى مقامي المجذوب والسالك، فإن المجذوب ~~من الخواص اجتباه في الأزل وسلكه في سلك من يحبهم واصطنعه لنفسه تعالى، ~~وجذبه به عن الدارين بجذبة توازي عمل الثقلين # في مقعد صدق عند مليك مقتدر # [القمر: 55]، والسالك من العوام الذين سلكهم في سلك من يحبونه موفقين ~~للهداية على قدمي الجهد والإنابة، إلى سبيل الرشاد في طريق العناد، { ~~وما تفرقوا } [الشورى: 14]؛ يعني: أهل الأهواء والبدع { إلا ~~من بعد ما جآءهم العلم } [الشورى: 14] من الكتاب والسنة { ~~بغيا بينهم } [الشورى: 14]؛ أي: حسد بعضهم على بعض طلبا للرئاسة ~~والقدرة والشهرة، { ولولا كلمة سبقت من ربك إلى ~~أجل مسمى } [الشورى: 14] بافتراقهم ثلاثة وسبعين فرقة افتراق كل ~~فرقة في زمان معين، { لقضي بينهم } [الشورى: 14] بالهداية. # وبقوله: { وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم } ~~[الشورى: 14] يشير إلى الذين أورثهم الكتاب، الذين اصطفيناهم من العباد ~~بعد أهل الأهواء والبدع، { لفي شك منه } [الشورى: 14] من افتراق ~~المبتدعين { مريب } [الشورى: 14] لباطليتهم، { فلذلك } [الشورى: ~~15]؛ أي: لبطلان مذاهب الأهواء والنوع { فادع } [الشورى: 15] إلى صراط ~~مستقيم السنة { واستقم كمآ أمرت } [الشورى: 15] بالكتاب في ~~الدعاء والطاعة، أمر الكل بالاستقامة وأقره الداعي بذكر الاستقامة ~~واختصمه به لاستقامة تبعية، ثم قال: { ولا تتبع أهوآءهم ~~وقل آمنت بمآ أنزل الله من كتاب } [الشورى: 15]؛ ليعلم ~~أن إتباع الأهواء ms1440 ضلالة وإن كان مقرونا بشبه المعقول، والإيمان بما أنزل ~~الله في التوحيد والمعرفة، وإثبات الصفات ونفي التشبيه والتعطيل هداية، { ~~وأمرت لأعدل بينكم } [الشورى: 15]؛ أي: لأستوي بين أهل ~~الأهواء وبين أهل السنة بترك البدعة ولزوم الكتاب والسنة؛ ليندفع ~~الافتراق ويكون الاجتماع، { الله ربنا وربكم } [الشورى: 15] ~~لا الهوى { لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم } [الشورى: 15] ~~مقبولا للسنة لا علينا وعليكم، مردودا للبدعة، { لا حجة بيننا ~~وبينكم } [الشورى: 15]؛ أي: خصومة بالأهواء والعصبية، { الله ~~يجمع بيننا } [الشورى: 15] في المرافقة بالسير إلى الله، { ~~وإليه المصير } [الشورى: 15] بانتهاء السير إلى الله كقوله: # وأن إلى ربك المنتهى # [النجم: 42]. ### || [42.16-19] # وبقوله: { والذين يحآجون في الله من بعد ما ~~استجيب له حجتهم داحضة } [الشورى: 16] يشير إلى الذين ~~يجادلون في معرفة الله بشبه المعقول مع صاحب المعرفة الذي استجيب له ~~بالوصول إلى الحضرة، فحجتهم من بعد استجابته صعبة باطلة { عند ~~ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد } [الشورى: 16]؛ ~~لأنهم يحجبون بالباطل، فهم مستوجبون اللعنة والطرد والإبعاد. # ثم أخبر عن إنزال القرآن والميزان بقوله تعالى: { الله الذي ~~أنزل الكتاب بالحق والميزان } [الشورى: 17] يشير إلى ~~كتاب الإيمان الذي كتب الله في القلوب، وميزان العقل الذي يوزن به أحكام ~~الشرع، والخير والشر، والحسن والقبح، فإنهما قرينان متلازمان لابد ~~لأحدهما من الآخر، وسماها البصيرة فقال: # قد جآءكم بصآئر من ربكم # [الأنعام: 104] فمن صبر فلنفسه ومن عمى فعليها، ففي انتفاء أحدهما ~~انتفاء الآخر، كما قال تعالى: # صم بكم عمي فهم لا يعقلون # [البقرة: 171] فنفي العقل والبصيرة بانتفاء الإيمان. # وبقوله: { وما يدريك لعل الساعة قريب } [الشورى: 17] ~~يشير إلى زجرهم عن طول الأمل وينبئهم على انتظار الأجل وهجومه، { ~~يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } [الشورى: 18] ~~إنكارا وجحودا واستهزاءا وتكذيبا بها، { والذين آمنوا } ~~[الشورى: 18] بالغيب { مشفقون منها } [الشورى: 18] من أحكام ~~الآخرة، ويكلون أمرهم إلى الله فلا يتمنون الموت حذار الابتلاء، ولكن إذا ~~أراد الموت لم يكرهوه { ويعلمون أنها الحق } [الشورى: 18] ~~فيستعدون له { ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ~~ضلال بعيد } [الشورى: 18]؛ أي: ضلالة بعيدة لأنه أزلي، { الله ~~لطيف بعباده } [الشورى: ms1441 19] فلطفه من وجهين: أحدهما لطف الفطرة ~~التي فطر الناس عليها في أحسن تقويم مستعدا لقبول الفيض الإلهي بلا ~~واسطة، ولطف الجذبة للوصلة، وأيضا لطيف بعباده بأن جعلهم عباده لا عباد ~~الدنيا ولا عباد النفس والهوى والشيطان، { يرزق من يشآء } ~~[الشورى: 19] بلطفه الوصول والوصال، { وهو القوي } [الشورى: 19] ~~في إيصال العباد إلى الحضرة، { العزيز } [الشورى: 19]، بأنهم # ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء # [البقرة: 255] وأكثر ما يستعمل اللطف في وصفه في الإحسان بالأمور ~~الدينية، خاطب العابدين بقوله: { لطيف بعباده } [الشورى: 19]؛ ~~أي: بعمل غوامض أحوالكم من وفيق الرياء والتصنع لئلا يعجبوا بأحوالهم ~~وأعمالهم، وخاطب العصاة بقوله: { لطيف } لئلا ييأسوا من إحسانه، وخاطب ~~الفقراء بقوله: { يرزق من يشآء } [الشورى: 19]؛ أي: أنه يحسن ~~بكم، وخاطب الأغنياء بقوله: { لطيف }؛ ليعلموا أنه يعلم دقائق ~~معاملاتهم في جمع المال من غير وجهة بنوع تأويل، ومن لطفه بعباده: أنه ~~جعلهم مظهر صفات لطفه، أنه عرفهم أنه لطيف ولولا لطفه ما عرفوه، أنه زين ~~أسرارهم بأنوار العرفان وكاشفهم بالعين والعيان. ### || [42.20-22] # { من كان يريد حرث الآخرة } [الشورى: 20] بحمده وسعيه { ~~نزد له في حرثه } [الشورى: 20] بهدايتنا، وتوفيق مزيد طاعتنا، ~~وصفاء الأحوال في المعارف بعنايتنا اليوم، ونزيده في الآخرة قربة ومكانة ~~ورفعة في الدرجات، وشفاعة الأصدقاء والقرابات، { ومن كان يريد ~~حرث الدنيا } [الشورى: 20] مكتفيا به { نؤته منها } ~~[الشورى: 20]؛ أي: من آفات حب الدنيا من عمى القلب وبكمه وصمه وسفهه، ~~والحجب التي يتولد منها من الأخلاق الذميمة النفسانية، والأوصاف الردية ~~الشيطانية السبعية، والبهيمية الحيوانية، { وما له في الآخرة من ~~نصيب } [الشورى: 20]؛ أي: في الأوصاف الروحانية والأخلاق الربانية. # ثم أخبر عن جفاء الشركاء بقوله تعالى: { أم لهم شركاء ~~شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } ~~[الشورى: 21] يشير إلى كفار النفوس أنهم شرعوا عند استيلائهم من الدين ~~بالهوى للأرواح والقلوب ما لم يرض به الله من مخالفات الشريعة وموافقات ~~الطبيعة، { ولولا كلمة الفصل } [الشورى: 21]؛ يعني: ما سبق ~~من الحكم بالحكمة في تأخير تكاليف الشرع لقمع الطبع تربية لقالب بحمل ~~أعباء الشريعة، { لقضي ms1442 بينهم } [الشورى: 21] بالتكاليف ~~والمجاهدات قبل البلوغ، { وإن الظالمين } [الشورى: 21]؛ يعني: ~~في ظلم نفسه بمتابعة الهوى، { لهم عذاب أليم } [الشورى: 21] بعد ~~البلوغ في العظام من مألوفات الطبيعة بالأحكام الشرعية، { ترى ~~الظالمين مشفقين مما كسبوا } [الشورى: 22] بمتابعة ~~الهوى في الأوصاف الذميمة، { وهو واقع بهم } [الشورى: 22]؛ ~~يعني: عذاب ما كسبوا ما في الدنيا بكثرة الرياضات وأنواع المجاهدات؛ ~~لتزكية النفوس من أوصافها وتحليتها بأضدادها، وأما في الآخرة بورودها ~~النار لتنقيتها، { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } ~~[الشورى: 22] استعملوا تكاليف الشرع؛ لقمع الطبع، وكسر الهوى، وتزكية ~~النفس، وتصفية القلب، وتحلية الروح، { في روضات الجنات } ~~[الشورى: 22] في الدنيا جنات الوصلة والمعارف وطيب الأنس في الخلوة، وفي ~~الآخرة في روضات الجنة، { لهم ما يشآءون عند ربهم } ~~[الشورى: 22]؛ أي: مراتبهم في القربات والوصلات، والمكاشفات والمشاهدات، ~~ونيل الدرجات على قدر همتهم ووفق مشيئتهم، { ذلك هو الفضل ~~الكبير } [الشورى: 22] في حق الأمة، والنبي صلى الله عليه وسلم مخصوص ~~بالفضل العظيم كما قال تعالى: # وكان فضل الله عليك عظيما # [النساء: 113]. ### || [42.23-26] # { ذلك } [الشورى: 23] الفضل الكبير { الذي يبشر الله ~~عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات } [الشور ى: 23] ~~به فضل من الله، والنبي صلى الله عليه وسلم مبشر به بأن الله يبشرهم على ~~لسانه، { قل } يا محمد { لا أسألكم عليه } [الشورى: 23]؛ ~~أي: على التبشير { أجرا } [الشورى: 23]؛ لأن الله ليس يطلب منكم على ~~الفضل عوضا، فأنا أيضا لا أسألكم على التبشير أجرا، فإن المؤمن أخذ من ~~الله خلقا حسنا، فكما أن الله تعالى بفضله يوفق العبد للإيمان ويعطي ~~الثواب لمن آمن به وليس يرضى بأن يعطيك فضله مجانا؛ بل يعطيك عليه ~~أجرا، كذلك ليس يرضى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يطلب أجرا على ~~التبليغ والتبشير؛ بل يشفع ذلك. # وقوله: { إلا المودة في القربى } [الشورى: 23] ذلك أيضا ~~ليثبت الله قلبك على المحبة في الله، وهو أن تود من يتقرب إلى الله ~~بالطاعة، { ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا } ~~[الشورى: 23] بالتضعيف والتوفيق لمثلها والإخلاص فيها، وبزيادة لا يصل ~~العبد إليها بوسعه مما يدخل تحت طوف البشر، { إن ms1443 الله غفور } ~~[الشورى: 23] للمقصرين على الطاعة برحمته، { شكور } [الشورى: 23] ~~للموفرين في الطاعة فوق استطاعتهم فيها، { أم يقولون افترى ~~على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك } ~~[الشورى: 24]؛ أي: أنك إن افتريته ختم الله على قلبك ولكنك لم تكذب على ~~ربك، ولو كنت تكذب على ربك لختم على قلبك، { ويمح الله الباطل ~~} [الشورى: 24]؛ أي: الكذب { ويحق الحق بكلماته } ~~[الشورى: 24]؛ أي: الصدق، { إنه عليم بذات الصدور } ~~[الشورى: 24] ومعنى الآية: إن الله يتصرف في عباده بما يشاء من إبعاد ~~قريب وإدناء بعيد. # ثم أخبر عن قبول التوبة وعفو السيئة بقوله تعالى: { وهو الذي ~~يقبل التوبة عن عباده } [الشورى: 25] يشير إلى أن الله ~~تعالى إذا أراد أن يتوب على عبد من عباده ليرجع من أسفل سافلين البعد إلى ~~أعلى عليين القرب يخلصه عن رق عبودية ما سواه بتصرف جذبات العناية، ثم ~~يوفقه للرجوع إلى الحضرة، ويقبل منه الرجوع بالتقرب إليه كما قال: # " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا " # ؛ أي: من تقرب إلي شبرا بالتوبة تقربت إليه ذراعا بالقبول، ولو لم يكن ~~القبول سابقا على التوبة لما تاب، كما قال بعضهم لبعض المشايخ: أن أتوب ~~إلى الله هل يقبلني، قال: إن يقبلك الله تتوب إليه، { ويعفوا عن ~~السيئات } [الشورى: 25]؛ أي: يعفو عن كثير من الذنوب التي لا يطلع ~~العبد عليها ليتوب عنها، وأيضا يعفو عن كثير من الذنوب قبل التوبة ليصير ~~العبد به قابلا للتوبة وإلا لما تاب، { ويعلم ما تفعلون } ~~[الشورى: 25] من السيئات والحسنات مما لا يعلمون إنها من السيئات ~~والحسنات، فبتلك الحسنات يعفو عن السيئات، { ويستجيب الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات } [الشورى: 26]؛ يعني: ويعطيهم ~~الثواب في الآخرة ويجيبهم ما سألوه { ويزيدهم من فضله } ~~[الشورى: 26] بهذه الزيادة يشير إلى الرؤية، فإن الجنات ونعيمها مخلوقة ~~تقع في مقابلة مخلوق مثلها، وهو عمل العبد والرؤية مما يتعلق بالقديم فلا ~~تقع إلا في مقابلة القديم، وهو الفضل الرباني كقوله تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26]؛ أي: للذين أحسنوا بالإيمان والعمل الصالح لهم الجنان ~~ونعيمها، والزيادة هي ms1444 الرؤية التي من فضل الله يؤتيها من يشاء، ولما ذكر ~~أنه تعالى يقبل توبة التائبين ومن لم يتب يغفر ذلتهم، والمطيعون يدخلهم ~~الجنة، فلعل يخطر ببال أحدهم أن هذه النار فلمن هي؟ قال تعالى: { ~~والكافرون لهم عذاب شديد } [الشورى: 26] فلعل خطر ببالهم ~~أن العصاة من المؤمنين لا عذاب لهم فقال الله: { والكافرون لهم ~~عذاب شديد } [الشورى: 26] فدليل الخطاب: إن المؤمنين لهم عذاب ولكن ~~ليس بشديد، ثم إن العبد لم يتب خوفا من النار ولا طمعا في الجنة، لكان ~~في حقه أن يتوب ليقبل الحق سبحانه، ثم إن العاصي يكون أبدا منكسر القلب ~~فإذا علم أن الله يقبل الطاعة من المطيعين يتمنى أن له طاعة يسيرة ~~ليقبلها الله فيقول الحق: عبدي، إذ لم تكن لك طاعة تصلح للقبول فلك توبة ~~إن أتيت بها تصلح لقبولنا. ### || [42.27-31] # وبقوله: { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في ~~الأرض } [الشورى: 27] يشير إلى تسلية الفقير كأنه يقول: إنما لم أبسط ~~أيها الفقير، عليك الدنيا لما كان لي من العلوم إن وسعت عليك لطغوت وسعيت ~~في الأرض بالفساد، ويشير أيضا إلى وعيد الحريص على الدنيا لئلا ينتبه عن ~~نومة الغفلة ويتحقق له أن لو بسط الله له الرزق بحسب حرصه على الطلب؛ ~~لكان سبب بغيه وطغيانه وفساد حاله فيكن فائزة حرصه على الدنيا، ثم قال: { ~~ولكن } وهي كلمة استدراك، إن لم أوسع عليك الرزق لصلاح حالك لم أضع ~~عنك الكل، { ولكن ينزل بقدر ما يشآء } [الشورى: 27]؛ ~~لعلمه بصلاح حالك، { إنه بعباده خبير بصير } [الشورى: ~~27]. # وبقوله: { وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ~~وينشر رحمته } [الشورى: 28] يشير إلى أن العبد إذا ذبل غصن ~~وقته، وتكدر صفو ورده، وكسف شمس أنسه، وبعد بالحضرة وساحات القرب عهده، ~~فربما ينظر الحق بنظر رحمته فينزل على سره أمطار الرحمة ويعود عوده طريا ~~وينبت من مشاهد أنسه وردا جنيا، وأنشدوا: # أقبل فقد # أعيى الصدود # ولعل أي # امي تعود # ولعل عهدك باللو # ى يحيي العهود # والغصن ينشد تارة # وتراه مخضر تميد # { وهو الولي ms1445 } [الشورى: 28] لطالبيه، { الحميد } [الشورى: ~~28] في توليتهم، وبقوله: { ومن آياته خلق السموت ~~والأرض وما بث فيهما من دآبة } [الشورى: 29] يشير إلى ~~سماوات الأرواح وأرض الأجساد { وما بث فيهما من دآبة } ~~النفوس والقلوب فلا مناسبة بين كل واحد منهم، فإن بين الأرواح والأجساد ~~بونا بعيدا في المعنى؛ لأن الجسد من أسفل سافلين والروح من أعلى عليين، ~~والنفس تميل إلى الشهوات الحيوانية الدنياوية، والقلب يميل إلى الشواهد ~~الروحانية الأخروية الربانية، { وهو على جمعهم } [الشورى: 29] ~~على طلب الدنيا وزينتها، وعلى طلب الآخرة ودرجاتها، وعلى طلب الحضرة ~~وقرباتها { إذا يشآء قدير } [الشورى: 29]، { ومآ أصبكم ~~من مصيبة فبما كسبت أيديكم } [الشورى: 30] يسلى به ~~قلوب العباد وأهل المصائب؛ يعني: إذا أصابتكم مصيبة الذنوب والمعاصي ~~موجبة للعقوبة الأخروية الأبدية تداركنا بإصابة المصيبة الدنيوية ~~الفانية؛ ليكون جزاء لما يذر منكم من سوء الأدب، وتطهيرا لما تلوثتم به ~~من المعاصي، ثم إذا كثرت الأسباب من البلايا على عبد وتوالت عليه ذلك ~~فليكفر في أفعاله المذمومة، كم يحصل منه حتى يبلغ جزاء ما يفعل مع العفو ~~الكثير بقوله: { ويعفوا عن كثير } [الشورى: 30] هذا المبلغ، ~~فعند هذا يزداد حزنه وأسفه وخجله لعلمه بكثرة ذنوبه وعصيانه وغاية كرم ~~الله، { ومآ أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من ~~دون الله من ولي } [الشورى: 31] يمنعكم مني { ولا نصير } ~~[الشورى: 31] ينصركم على أو على أنفسكم أو على غيركم. ### || [42.32-38] # ثم أخبر عن آياته البينات بقوله تعالى: { ومن آياته الجوار ~~في البحر كالأعلام } [الشورى: 32] يحثهم على الفكرة المنبهة ~~لهم في السفن التي تجري في البحار، فيرسل الله تعالى الرياح مرة ويسكنها ~~أخرى وما يريهم من السلامة والهلاك، والإشارة في هذا إلى مسلك الناس في ~~خلال فتن الوقت من الأنواع المختلفة، ثم حفظ العبد في إيواء السلامة، ~~وذلك يوجب خلوص الشكر الموجب له جزيل المزيد فيه إشارة أخرى، { ومن ~~آياته الجوار } جواري سنن هممهم العالية في بحر الدنيا، جارية ~~بريح العناية الأزلية إلى ساحل الحضرة الربوبية بغير سكون والتفات إلى ما ~~في بحر الدنيا، { إن يشأ يسكن الريح ms1446 فيظللن رواكد ~~على ظهره } [الشورى: 33]؛ أي: على ظهر البحر بفضله وكرمه، { إن ~~في ذلك لآيات لكل صبار شكور } [الشورى: 33] يشير إلى ~~كل من صبره بالله وشكره بالله، فإنه تعالى هو الصبور الشكور، { أو ~~يوبقهن } [الشورى: 34] بعدله وقسطه { بما كسبوا } [الشورى: ~~34] من موجبات الهلاك، { ويعف عن كثير } [الشورى: 34]؛ أي: وإنه ~~يعفو عن كثير من الذنوب المهلكات، { ويعلم الذين يجادلون ~~في آياتنا } [الشورى: 35] بالهوى والطبيعة من غير بينة { ما لهم ~~من محيص } [الشورى: 35] خلاص من الله وعذابه، ثم قال: { فمآ ~~أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا } [الشورى: 36]؛ ~~يعني: إن الراحات في الدنيا لا تصفو من المشائب ولا تخلو، وإن أنفق البعض ~~منها من الأجانين فإنها سريعة الزوال وشبكة الارتحال، { وما عند ~~الله } [الشورى: 36] من الثواب الموعود { خير وأبقى } ~~[الشورى: 36] من هذا القليل الموجود؛ بل ما عند الله من الألطاف الخفية، ~~والمقامات العلية، والمواهب السنية خير وأبقى مما في الدنيا والآخرة، { ~~للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } [الشورى: 36] ~~لا على الدنيا ولا على الآخرة، { والذين يجتنبون كبائر ~~الإثم } [الشورى: 37] وهو حب الدنيا ومتابعة الهوى، فإنهما رأس كل ~~خطيئة ومنشؤها، { والفواحش } [الشورى: 37] وهي الاشتغال بطلب ~~الدنيا وصرفها في اتباع الهوى، { وإذا ما غضبوا هم يغفرون ~~} [الشورى: 37]؛ أي: يتجرعون كاسات الغضب النفسانية بأفواه القلوب ~~الروحانية، ويسكنون سورة الصفة الشيطانية، { والذين استجابوا ~~لربهم } [الشورى: 38] فيما دعاهم إليه بخطاب # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28]، { وأقاموا الصلاة } [الشورى: 38]؛ أي: أداموا ~~بالحضور والمراقبة والسير، وبقوله: { وأمرهم شورى بينهم } ~~[الشورى: 38] يشير إلى التمسك بذيل إرادة المشايخ في السلوك إلى الحضرة؛ ~~ليتسلكوا بمشاورتهم وإرشادهم لا باسترسال النفس والهوى وتلقين الشيطان، ~~كما قال الجنيد: " من لم يكن له أستاذ فأستاذه الشيطان " ، { ومما ~~رزقناهم } [الشورى: 38] من الولاية والهداية { ينفقون } ~~[الشورى: 38] على طالبي أرباب طلب الله بصدق الإرادة. ### || [42.39-44] # ثم أخبر عن انتصار ذوي الأبصار بقوله تعالى: { والذين إذآ ~~أصابهم البغي } [الشورى: 39] يشير إلى أرباب القلوب الذين ~~أصابهم الظلم من قبل أنفسهم، { هم ينتصرون } [الشورى: 39] من ~~الظالم، وهو نفسهم بكبح عنانها عن الركض في ميدان المخالفة، ms1447 { وجزآء ~~سيئة } [الشورى: 40] صدرت من النفس من قبل الحرص والشهوة، أو الغضب، ~~أو البخل، أو الجبن، أو الحسد، أو الكبر والغل { سيئة } [الشورى: ~~40] تصدر من القلب { مثلها } [الشورى: 40]؛ أي: مثل ما يصادف ~~علاجها؛ أي: بصد تلك الأوصاف فإن العلاج بأضدادها، ولا يجاوز عن حد ~~المعالجة في رياضة النفس وجهادها، فإن لنفسك عليك حقا، { فمن عفا ~~وأصلح } [الشورى: 40]؛ أي: عفا عن المبالغة في رياضة النفس وجهادها ~~بعد أن تصلح النفس بعلاج أضداد أوصافها، { فأجره على الله } ~~[الشورى: 40] بأن يتصف بصفاته فإن من صفاته العفو، وهو عفو يحب العفو ~~فيكن العبد العفو محبوبا لله تعالى، { إنه لا يحب ~~الظالمين } [الشورى: 40] الذين يضعون شدة الرياضة على النفس موضع ~~العفو، { ولمن انتصر } [الشورى: 41] من القلوب على النفوس { ~~بعد ظلمه } [الشورى: 41]؛ أي: بعد أن ظلم النفس عليه، { ~~فأولئك } [الشورى: 41]؛ يعني: النفوس { ما عليهم من ~~سبيل } [الشورى: 41]؛ يعني: من القلوب على النفوس المرتاضة المطمئنة ~~بذكر الله، { إنما السبيل } [الشورى: 42] للقلوب على النفوس، { ~~الذين يظلمون الناس } [الشورى: 42]؛ أي: القلوب { ~~ويبغون } [الشورى: 42] ويظلمون { في الأرض } [الشورى: 42] أرض ~~القلوب { بغير الحق } [الشورى: 42] أي: أتوا بغير المأذون لهم من ~~الأفعال الخبيثة والأوصاف الذميمة، { أولئك } [الشورى: 42]؛ أي: ~~النفوس { لهم عذاب أليم } [الشورى: 42] هي الرياضات الشديدة ~~الأليمة على خلاف هواها، { ولمن صبر } [الشورى: 43] على الرياضة { ~~وغفر } [الشورى: 43]؛ أي: لمن غفر من القلوب؛ أي: عفا عن النفوس ~~المرتاضة { إن ذلك } [الشورى: 43]؛ أي: ذلك الصبر والمغفرة { ~~لمن عزم الأمور } [الشورى: 43]؛ يعني: الأمور المحمودة عند ~~الله، { ومن يضلل الله } [الشورى: 44] من النفوس الأمارة بالسوء ~~{ فما له من ولي } [الشورى: 44] من القلوب والأرواح بأن يخرجه ~~من الأمارية، { من بعده } [الشورى: 44]؛ أي: من بعد الله فله أن ~~يخرجه من الصفة الأمارية كما قال: # إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي # [يوسف: 53]؛ أي: إلا ما يخرجها برحمته عن الصفة الأمارية ولهذا المعنى ~~قال: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # [البقرة: 257]، { وترى الظالمين } [الشورى: 44] من النفوس التي ~~لم تقبل الصلاح بالعلاج في الدنيا، { لما رأوا ms1448 العذاب } ~~[الشورى: 44] يوم القيامة { يقولون هل إلى مرد من سبيل ~~} [الشورى: 44]؛ لنقبل الصلاح بعلاج الرياضات الشرعية والمجاهدات ~~الطريفة. ### || [42.45-47] # { وتراهم يعرضون عليها } [الشورى: 45] على النار { ~~خاشعين من الذل } [الشورى: 45] إذ لم يخشعوا في الدنيا من عزة ~~العناية لا ينفعهم ندامة ولا يسمع منهم دعوة، { ينظرون من طرف ~~خفي } [الشورى: 45] من خجالة المؤمنين إذ يعيرونهم بما ذكروهم فلم ~~يسمعوا، وذكروا أنه لا ناصر لهم لينصرهم ولا راحم يرحمهم، { وقال ~~الذين آمنوا } [الشورى: 45]، # وجاهدوا في الله حق جهاده # [الحج: 78] الذين ربحوا على ربهم، { إن الخاسرين الذين ~~خسروا أنفسهم } [الشورى: 45] بإبطال استعدادهم، إذ صرفوه في ~~طلب الدنيا وزخارفها والالتذاذ بها { وأهليهم } [الشورى: 45]؛ أي: ~~وخسروا أهليهم { يوم القيامة } [الشورى: 45] إذا لم يقوا أنفسهم ~~وأهليهم نارا بقبول الإيمان وأداء الشرائع # يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * ~~وصحبته وبنيه # [عبس: 34-36]، { ألا إن الظالمين } [الشورى: 45] الذين كانوا ~~في جهنم شهوات النفس جنيا في الدنيا { في عذاب مقيم } [الشورى: ~~45] في الآخرة، { وما كان لهم من أوليآء } [الشورى: 46] من ~~المؤمنين { ينصرونهم } [الشورى: 46] بالشفاعة، ولا الذين اتخذوا { ~~من دون الله } [الشورى: 46] من دون أن ينصرونهم بالنجاة من أولياء ~~الله، { ومن يضلل الله } [الشورى: 46] بأن يشغلهم بغيره { فما ~~له من سبيل } [الشورى: 46] يصل به إلى الله. # ثم أخبر عن الاستجابة بالعبودية للربوبية بقوله تعالى: { استجيبوا ~~لربكم } [الشورى: 47] للعوام: إلى الوفاء بعهده والقيام بحقه ~~والرجوع من مخالفته إلى موافقته، وللخواص: إلى الاستسلام للأحكام الأزلية ~~والإعراض عن الدنيا وزينتها وشهواتها؛ إجابة لقوله تعالى: # والله يدعوا إلى دار السلام # [يونس: 25]. # ولأخص الخواص: من أهل المحبة إلى صدق الطلب بالإعراض عن الدارين متوجها ~~بحضرة الجلال، ببذل الوجود في نيل الوصول والوصال مجيبا لقوله: # وداعيا إلى الله بإذنه # [الأحزاب: 46]، والطريق اليوم إلى الاستجابة مفتوح وعن قريب سيغلق الباب ~~على القلوب بغتة ويؤخذ قلبه وذلك قوله تعالى: { من قبل أن يأتي ~~يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجأ ~~يومئذ وما لكم من نكير } [الشورى: 47]. ### || [42.48-51] # { فإن أعرضوا } [الشورى: 48] عن الله بالإقبال على ms1449 الدارين ولم ~~يجيبوا { فمآ أرسلناك عليهم حفيظا } [الشورى: 48] يحفظهم ~~عن الالتفات إلى الدارين لأن الحفظ من شأني لا من شأنك فإني حفيظ، { إن ~~عليك إلا البلاغ } [الشورى: 48] فليس عليك إلا بتبليغ ~~الرسالة، ثم نحن نعلم بما نعاملهم بالتوفيق أو بالخذلان. # وبقوله: { وإنآ إذآ أذقنا الإنسان منا رحمة فرح ~~بها } [الشورى: 48] يشير إلى ما يفتح الله تعالى به على القلوب من ~~رحمته الخاصة؛ يعني: المواهب الإلهية، وفتوحات الغيب، وأنواع الكرامات ~~التي تربى بها أطفال الطريقة، ثم من ضيق سخطات البشرية استمالت الطبيعة ~~إلى البطر بها فيجيبه، والعجب أنها تداخله وتغلق أبواب الفتوحات بعد ~~فتحها وذلك قوله: { وإن تصبهم سيئة بما قدمت ~~أيديهم فإن الإنسان كفور } [الشورى: 48]؛ يعني: إذ لم ~~يشكر على ما فتح الله عليه من المواهب ليزيده؛ بل نظر إلى نفسه بالعجب، ~~وأفشى سره على الخلق وإراءته شمعة من خصوصيته للإنسانية، إذ وكله الله ~~إلى نفسه، ثم قال: { لله ملك السموت } [الشورى: 49]؛ أي: ~~سماوات القلوب { والأرض } [الشورى: 49] أرض النفوس { يخلق ما ~~يشآء } [الشورى: 49] فيهما، وبقوله: { يهب لمن يشآء إناثا ~~ويهب لمن يشآء الذكور } [الشورى: 49] يشير إلى أرباب ~~الولاية من المشايخ المسلكين، يهب لبعضهم من المريدين الصادقين الأتقياء ~~الصلحاء وهم بمثابة الإناث لا تصرف لهم في غيرهم بالتخريج والتسليك، ويهب ~~لبعضهم من المريدين والصديقين المحبين الواصلين، الكاملين المسلكين ~~المخرجين وهم بمثابة الذكور لاستعداد تصرفهم في الطالبين، { أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا } [الشورى: 50]؛ يعني: يهب لبعضهم ~~من الجنسين المذكورين متصرفين في الغير وغير المتصرف، { ويجعل من ~~يشآء } [الشورى: 50] لبعضهم من المشايخ { عقيما } [الشورى: 50] لا ~~يقوم منهم المريدون، { إنه عليم } [الشورى: 50] لمن يجعله متصرفا ~~وغير متصرف في المريد، { قدير } [الشورى: 50] على من يشاء أن يجعله ~~متصرفا أو غير متصرف. # ثم أخبر عن معاملة أهل المكالمة بقوله تعالى: { وما كان لبشر ~~أن يكلمه الله إلا وحيا } [الشورى: 51] يشير إلى أن ~~البشر متى كان محجوبا بصفات البشرية، موصوفا بأوصاف الخلقية الظلمانية ~~الإنسانية لا يكون مستعدا أن يكلمه الله إلا بالإلهام والوحي في النوم ~~أو اليقظة، { أو ms1450 من ورآء حجاب } [الشورى: 51] بالكلام الصريح { ~~أو يرسل رسولا } [الشورى: 51] من الملائكة، { فيوحي ~~بإذنه ما يشآء إنه علي } [الشورى: 51] إنه علي بعلو ~~القدم لا يجانسه محدث، { حكيم } [الشورى: 51] فيما يساعد البشر بإفناء ~~أنانيته بهويته، فإذا فنيت البشرية وارتفعت الحجب وتبدلت كينونيته ~~بكينونية الحق حتى به يسمع وبه يبصر وبه ينطق، فيكلمه الحق به شفاها، وبه ~~يسمع العبد كلام كفاحا كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم في سر # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم: 10]. ### || [42.52-53] # وقال: { وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا } ~~[الشورى: 52] وهو نور ينعكس في مرآة كينونيتك بتجلي كينونيتنا لمرآة ~~كينونيتك؛ ليكون بنا حبيبا فتحب جمالنا بمحبتنا، ونحب جمالك بمحبتك التي ~~هي عكس محبتنا في مرآتك فإذا أمعنت النظر وجدت الناظر والمنظور، والمحب ~~والمحبوب واحدا كما قيل: # أنا من أهوى ومن أهوى أنا # نحن روحان حللنا بدنا # وقوله: { ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } [الشورى: ~~52]؛ أي: حقيقتهما إذ كنت في ظلمة كينونيتك، فلما أخرجناك منها بتجلي ~~كينونتنا جعلناك نورا دربت به نور الكتاب ونور الإيمان، فإن حقيقتهما ~~نور واحد كما قال: { ولكن جعلناه نورا نهدي به من ~~نشآء من عبادنا } [الشورى: 52] إلى حضرة جلالنا بالوصول ~~والوصال، { وإنك لتهدي } [الشورى: 52] أيضا { إلى صراط ~~مستقيم } [الشورى: 52]، { صراط الله الذي له ما في ~~السموت وما في الأرض } [الشورى: 53] ملكا وملكا؛ لأنك نور ~~تهدي إلى حضرة جلالنا، ولمناسبة نوره مع نور الإيمان والقرآن قيل: # " كان خلقه القرآن " # ، وقال تعالى فيه: # وإنك لعلى خلق عظيم # [القلم: 4]، { ألا إلى الله تصير الأمور } [الشورى: 53]؛ ~~لأنه تعالى مبدأ كل شيء ومرجع كل شيء ومصيره. ### | [43 - سورة الزخرف] ### || [43.1-8] # { حم * والكتاب المبين } [الزخرف: 1-2] يشير إلى القسم بحاء ~~حياته وميم ملكه معناه وحياتي وملكي، وهذا القرآن المبين الذي أبان طريق ~~وصول السالكين إلى الله والمعتصمين بالله، إن الذي أخرت من رحمتي لعبادي ~~المؤمنين حق وصدق، { إنا جعلناه قرآنا عربيا } [الزخرف: ~~3] بعد أن كان القرآن كلامي وصفتي قائمة بذاتي، عرية عن كسوة العربية، ~~منزهة عنها وعن ms1451 توابعها، وإنما كسوناها العربية ليتيسر عليكم فهم معناه، ~~وذلك قوله: { لعلكم تعقلون } [الزخرف: 3]؛ أي: تفهمون معناه، ~~{ وإنه }؛ يعني: القرآن { في أم الكتاب } وهو علم الحق ~~تعالى فإنه أصل كل كتاب، ولهذا المعنى قال في أم الكتاب { لدينا } ~~[الزخرف: 4] نظيره قوله: # يمحوا الله ما يشآء ويثبت وعنده أم الكتاب # [الرعد: 39]، وقوله: { لعلي } [الزخرف: 4] قدره { حكيم } ~~[الزخرف: 4] محكم الوصف لا تبديل له ولا تحويل، { أفنضرب عنكم ~~الذكر صفحا } [الزخرف: 5]؛ أي: أفنترككم ولا نذكركم ونقطع عنكم ~~خطابنا وتعريفنا؛ أي: لا تفعل ذلك، { أن كنتم قوما مسرفين } ~~[الزخرف: 5] بأن أسرفتم في خلافكم؛ أي: لا ندفع عنكم التكليف بأن خالفتم، ~~ولا نهجركم بقطع الكلام عنكم وإن أسرفتم، وفي هذا إشارة لطيفة وهي ألا ~~يقطع الخطاب اليوم عمن تمادى في عصيانه، وأسرف أكثر شأنه فأحرى من لم ~~يقصر في إيمانه وإن تلطخ بعصيانه، ولم يدخل خلل في عرفانه لا يمنع عنه ~~لطائف غفرانه وعواطف إحسانه، وبقوله: { وكم أرسلنا من نبي ~~في الأولين } [الزخرف: 6]، { وما يأتيهم من نبي ~~إلا كانوا به يستهزئون } [الزخرف: 7] يشير إلى كمال ~~ظلومية نفس الإنسان وجهوليتها، وكمال حكم الله وكرمه وفضل ربوبيته بأنهم ~~وإن بالغوا في إظهار أوصافهم الذميمة وأخلاقهم اللئيمة، بالاستهزاء مع ~~الأنبياء والمرسلين والاستخفاف بهم، إلى أن كذبوهم وسعوا في قتلهم من أهل ~~الأولين والآخرين، وكذلك يفعلون أهل كل زمان مع ورثة الأنبياء من العلماء ~~المتقين، والمشايخ السالكين الناصحين لهم، الداعين إلى الله والهادين ~~لهم، وإن الله تعالى لم يقطع عنهم مراحم فضله وكرمه، وكان يبعث إليهم ~~الأنبياء، وينزل عليهم الكتب، ويدعوهم إلى جناته، وينعم عليهم بعفوه ~~وغفرانه، ومن غاية أفضاله وإحسانه تأديبا وترهيبا لعباده أهلك بعض ~~المتمردين المتمادين في الباطل؛ ليعتبر المتأخرون من المتقدمين وذلك ~~قوله: { فأهلكنآ أشد منهم بطشا ومضى مثل ~~الأولين } [الزخرف: 8]. ### || [43.9-16] # ثم أخبر عن فضله مع الكفار بتوفيقهم للإقرار بقوله تعالى: { ولئن ~~سألتهم من خلق السموت والأرض ليقولن ~~خلقهن العزيز العليم } [الزخرف: 9] يشير إلى أن جبلة ~~الإنسان معرفة الله مركوزة وذلك؛ لأن الله تعالى أخذ ذرات ms1452 ذريات بني آدم ~~من ظهورهم وأشهدهم على أنفسهم بخطاب: # ألست بربكم # [الأعراف: 172]، فاسمعهم خطابه وعرفهم بربوبيته ووفقهم لإجابته حتى ~~قالوا: بلى، فصار ذلك الإقرار بذر ثمرة إقرارهم بخالقية الله تعالى في ~~هذا العالم الذي هو العزيز، فلعزته لا يهتدي إلى سرادقات عزته إلا من ~~أعزه بجذبات عناية العليم الذي يعلم # حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124]، # وهو أعلم بالمهتدين # [الأنعام: 117] بكمال حكمته، وبقوله: { الذي جعل لكم الأرض ~~مهدا } [الزخرف: 10] يشير إلى أرض النفس إنه جعلها قرارا للروح { ~~وجعل لكم } [الزخرف: 10]؛ أي: للأرواح { فيها سبلا ~~لعلكم تهتدون } [الزخرف: 10] إلى حضرة الربوبية إذا جاءتهم ~~في الله كما قال تعالى: # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # [العنكبوت: 69]، { والذي نزل من السمآء } [الزخرف: 11] ~~سماء الروح { مآء } [الزخرف: 11] ماء الهداية { بقدر فأنشرنا ~~به بلدة ميتا } [الزخرف: 11]؛ أي: فأحيينا به بلدة القلب الميت ~~{ كذلك تخرجون } [الزخرف: 11] من ظلمات أرض الوجود بإحياء ~~الأرواح إلى نور الله؛ ليحيا به كما قال: # أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمت ليس ~~بخارج منها # [الأنعام: 122]، { والذي خلق الأزواج كلها } [الزخرف: ~~12]؛ أي: أصناف الخلق وأنواع المخلوقات كما قال: # مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون # [يس: 36]، { وجعل لكم من الفلك والأنعام } [الزخرف: ~~12]؛ أي: فلك القلوب وأنعام النفوس { ما تركبون }. # { لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم ~~} [الزخرف: 13] بتسخيرها لركوبكم { إذا استويتم عليه ~~وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا } [الزخرف: 13] ~~ولو لم ينعم علينا بتسخيرها { وما كنا له مقرنين } [الزخرف: ~~13] مطيعين لتسخيرها، { وإنآ إلى ربنا لمنقلبون } ~~[الزخرف: 14] كما جئت أول مرة كما قال: # كما بدأنآ أول خلق نعيده # [الأنبياء: 104] فكان بدء خلقنا بإشارة أمركن أخرج أرواحنا من كتم العدم ~~إلى عالم الملكوت، ثم بنفخة الخاصة رددنا أسفل سافلين القالب وهو عالم ~~الملك، ثم بجذبة # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28] أعادنا على مركب النفوس من عالم الملك إلى ساحل بحر ~~الملكوت، ثم سخر لنا فلك القلوب وسيرنا في بحر الملكوت إلى عالم ~~الربوبية. # وبقوله: { وجعلوا له من عباده ms1453 جزءا } [الزخرف: 15] يشير ~~إلى خصوصية الإنسان بكفران النعمة لله تعالى؛ لأنه عز وجل بعد أن أنعم ~~على الإنسان باستعداد الرجوع إلى الحضرة وهيأ أسبابه للرجوع، جعلوا ~~الملائكة وهم عباده جزء منه بأنهم قالوا هم بنات الله، والبنت تكون جزء ~~من والدها ولهذا قال: { إن الإنسان لكفور مبين } [الزخرف: ~~15]، { أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين ~~} [الزخرف: 16]. ### || [43.17-25] # { وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل ~~وجهه مسودا وهو كظيم } [الزخرف: 17] إلى قوله: { إنا ~~بمآ أرسلتم به كافرون } [الزخرف: 24] بذلك كله يشير إلى ~~كفورية الإنسان وسوء أدبه مع الله وأوصاف ظلوميته وجهوليته، ومن جهالته ~~تقليد آياته في الضلالة عن عمى قلبه واتباع هوى نفسه، فإن وكل إلى نفسه ~~وطبيعتها لا يخرج من ظلمات نفسه أبدا ويكون # كالأنعام بل هم أضل # [الفرقان: 44] إلى أن أدركته العناية الأزلية فتخرجه من ظلمات الأوصاف ~~الإنسانية بجذبات الولاية إلى نور الهداية وإلا من لم يجعل الله له نورا ~~فماله من نور، وبقوله تعالى: { فانتقمنا منهم فانظر كيف ~~كان عاقبة المكذبين } [الزخرف: 25] يشير إلى أن من خذله ~~الله ووكله إلى خصوصية نفسه المتمردة الأمارة بالسوء فإنه ينتقم منه ~~بالهلاك والعذاب، ويجعله مرآة صفات قهره؛ ليعلم أن الحكمة البالغة مقتضية ~~بأن يجعل المكذبين من أهل الكفران مرآة صفات قهره، كما اقتضت أن يجعل ~~للمصدقين من أهل الإيمان مرآة صفات لطفه. ### || [43.26-32] # ثم أخبر عن طريق كل فريق منهم بقوله تعلى: { وإذ قال إبراهيم ~~لأبيه وقومه } [الزخرف: 26] يشير إلى إبراهيم القلب إذ قال ~~لأبيه: وهو الروح، وقومه: وهم النفس وصفاتها وهواها { إنني برآء ~~مما تعبدون } [الزخرف: 26] من الروحانيات والمعقولات ~~والنفسانيات وشهوات الدنيا وزخارفها، { إلا الذي فطرني ~~فإنه سيهدين } [الزخرف: 27] به يشير إلى أن ليس لشيء من ~~المخلوقات الهداية إلى الله إلا بالله كما قال صلى الله عليه وسلم: # " والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا " # ، وقال صلى الله عليه وسلم: # " بعثني الله مبلغا وليس لي من الهداية شيء " # ، فبهذا المعنى يتحقق لك أن كل من ادعى معرفة ms1454 الله والوصول إليه بطريق ~~العقل والرياضة والمجاهدة من غير متابعة الأنبياء، وإرشاد الله من ~~الفلاسفة والبراهمة والرهابنة، فدعواه باطلة ومتمناه كاسدة. # وفيه إشارة أخرى وهي: إن الله تعالى إذا أرشد عبدا من عباده هداه إلى ~~صراط مستقيم معرفته، وإن لم يبلغه دعوة نبي، أو إرشاد ولي، أو نصح ناصح، ~~ولا يتقيد بتقليد آياته وأهل بلده من أهل الضلالة والأهواء والبدع، ولا ~~يؤثر فيهم شبههم ودلائلهم المعقولة المشوبة بالوهم والخيال ولا يخاف في ~~الله لومة لائم، كما كان حال إبراهيم عليه السلام فإنه لم يبلغه دعوة ~~نبي، ولا إرشاد ولي، ولا نصح ناصح، فلما آتاه الله رشده قال: { لأبيه ~~وقومه إنني برآء مما تعبدون * إلا الذي ~~فطرني فإنه سيهدين } [الزخرف: 26-27]، وفي زماننا هذا أهل ~~الأهواء والبدع ممن لم يرشدهم الله، فإنهم متقيدون بتقليد آبائهم ~~المبتدعة بحيث لا يؤثر فيهم آيات القرآن والأحاديث الصحيحة، والبراهين ~~القاطعة مع دعوى الإسلام والإيمان، ويقولون كما قال الأولون من الكفار: # إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة وإنا على ~~ءاثارهم مقتدون # [الزخرف: 23] ولعمري أن هذه المصيبة قد عمت بحيث لا يمكن تداركها إلا ما ~~شاء الله، والمعصوم من عصمه الله من هذه الفتنة والبلاء وهم الذين قال ~~تعالى فيهم: { وجعلها كلمة باقية } [الزخرف: 28] وهي لا إله ~~إلا الله { في عقبه لعلهم يرجعون } [الزخرف: 28] إلى ~~الله على قدمي اعتقاد أهل السنة والجماعة والأعمال الصالحة على قانون ~~المتابعة بنور هذه الكلمة الباقية، ثم قال في حق أهل الأهواء والبدع ~~والضلالة: { بل متعت هؤلاء وآبآءهم } [الزخرف: 29] من ~~الدنيا وشهواتها فأسكرهم حب الدنيا وأصمهم وأعمى أبصارهم { حتى ~~جآءهم الحق } [الزخرف: 29] من دلائل القرآن، { ورسول ~~مبين } [الزخرف: 29] قد بين الحق والباطل بالأحاديث الصحيحة، { ~~ولما جآءهم الحق } [الزخرف: 30] من أرباب الدين وأهل الحق { ~~قالوا هذا سحر } [الزخرف: 30]؛ أي: ينظرون إلى الحق وأهله كمن ~~ينظر إلى السحر وساحره، ويقولون بلسان الحال: { وإنا به كافرون ~~} [الزخرف: 30]. # { وقالوا لولا نزل هذا القرآن } [الزخرف: 31]؛ أي: ~~حكم القرآن وأسراره وحقائقه التي ينطق بها فقير لا يؤثر به { على ms1455 ~~رجل من القريتين عظيم } [الزخرف: 31]؛ أي: من علماء ~~البلاد وأفاضلهم، { أهم يقسمون رحمت ربك } [الزخرف: 32]؛ ~~أي: الولاية، { نحن قسمنا بينهم } [الزخرف: 32] ولايتهم، { ~~معيشتهم في الحياة الدنيا } [الزخرف: 32] وذلك في قسمة ~~المحبة الأزلية من المحبين بإشارة يحبهم ويحبونه، { ورفعنا ~~بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا ~~سخريا } [الزخرف: 32] كاتخاذ المشايخ المحققين المريدين الصادقين ~~سخريا بالتربية، { ورحمت ربك } [الزخرف: 32] من الولاية، { ~~خير } [الزخرف: 32] لأهلها { مما يجمعون } [الزخرف: 32] أهل ~~الدنيا. ### || [43.33-37] # وبقوله: { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ~~لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من ~~فضة ومعارج عليها يظهرون } [الزخرف: 33] يشير إلى ~~الجبلة الإنسانية التي طبعت على حب الدنيا وزخارفها واستيفاء شهواتها؛ ~~لأن الإنسان خلق منها، وله نفس حيوانية مائلة إلى مراتع الدنيا وزخارفها، ~~فإن الكفر والجهل والظلم مركوز في طبيعتها؛ لأنها منشأ الأوصاف البهيمية ~~والسبعية والشيطانية، فلو خليت إلى طبعها ووافق لها مقتضاها ومنتهى هواها ~~من الدنيا وزخارفها لمالت إليها، واستغرقت في بحر غفلاتها، ولم تتضرع إلى ~~طاعة ربها، وعبودية خالقها، وطلب معرفته، وإن الله تعالى بكمال حكمته لم ~~يخلق الإنسان على طبيعة واحدة في الطاعة والعبودية؛ لأنه تعالى خلق ~~الملائكة عل هذه الطبيعة لتكون مظهرا لصفات لطفه، كذلك لم يخلقهم على ~~طبيعة واحدة في الكفر والتمرد؛ لأنه تعالى خلق الشياطين على هذه الطبيعة؛ ~~ليكونوا مظهرا لصفات قهره، وإنما خلق الإنسان أطوارا مختلفة، ليكون ~~بعضهم مظهرا لصفات لطفه كالملائكة، وبعضهم مظهرا لصفات قهره كالشياطين، ~~وبعضهم مظهرا لصفات لطفه وقهره جميعا في سر # وعلم ءادم الأسمآء كلها # [البقرة: 31] وخصوصيتهم بهذه الكرامة من بين سائر المخلوقات وهم خلفاء ~~الله في أرضه وهم زبدة العالم وخلاصته، وهم الذين خلقوا لإظهار الكنز ~~المخفي ومعرفته، والعالم بما فيه تبع لوجودهم، وسخر لهم ما في السماوات ~~وما في الأرض و # هم خير البرية # [البينة: 7]، وهم الذين يحبهم ويحبونه، ولولا أن الله تعالى أخرجهم من ~~ظلمات طبيعتهم، وهداهم إلى نور ذاته وصفاته بجذبات عنايته لا يجذعوا ~~بزخارف الدنيا إذ جعل الله لهم من الزخرف بيوتا { ولبيوتهم ~~أبوابا وسررا عليها ms1456 يتكئون } [الزخرف: 34]، { ~~وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا } ~~[الزخرف: 35] لا دوام له ولا حاصل الدائمة والقربة اللازمة عند ربك؛ أي: # في مقعد صدق عند مليك مقتدر # [القمر: 55] للمتقين الذين اتقوا ربهم عما سواه. # ثم أخبر عن تارك الذكر والفكر بقوله تعالى: { ومن يعش عن ذكر ~~الرحمن } [الزخرف: 36] يشير إلى من أعرض عن الله بالإقبال على ~~الدنيا { نقيض له شيطانا } [الزخرف: 36] وإن أصعب الشياطين ~~نفسك الأمارة بالسوء، { فهو له قرين } [الزخرف: 36] ملازم لا ~~تفارقه في الدنيا والآخرة، فهذا جزاء من ترك المجالسة مع الله بالإعراض ~~عن الذكر فإنه يقول: # " أنا جليس من ذكرني " # فمن لم يعرف قدر خلوته مع الله، وحاد عن ذكره، وأخلد إلى الخواطر ~~النفسانية الشيطانية سلط الله عليه من يشغله عن ربه وصرفته سطوات الأنوار ~~الإلهية عنه، ومن لم يعرف قدر فراغ قلبه، واتبع شهوته وفتح بابها على ~~نفسه بقى في يد هواه أسيرا غالبا عليه أوصاف شيطنة النفس وهذا تحقيق ~~قوله: { وإنهم ليصدونهم عن السبيل } [الزخرف: 37]؛ ~~أي: عن سبيل الله بالشبهات التي توقعهم في ضلالات البدع والأهواء، { ~~ويحسبون أنهم مهتدون } [الزخرف: 37] الذي سولت له نفسه ~~أمرا فيتوهم أنه على صواب، ثم يحمل قرينة السوء على موافقته في باطله ~~ويدعي أنه حق فقد أضر بنفسه وبغيره. ### || [43.38-45] # { حتى إذا جآءنا } [الزخرف: 38] حين انكشف غطاء الحجب عن بصره ~~بهبوب نفحات ألطافه بين خيانة قرينه وندم على صحبته، { قال يليت ~~بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين } ~~[الزخرف: 38] وهذه الندامة لا تنفع لمن فاته الوقت وأدركه المقت بشؤم ~~قرينه السوء، كما قال تعالى: { ولن ينفعكم اليوم إذ ~~ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون } [الزخرف: 39] ~~التابع والمتبوع من أهل الأهواء والبدع. # وبقوله: { أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن ~~كان في ضلال مبين } [الزخرف: 40] يشير إلى أن من شددنا بصيرته ~~ولبسنا عليه رشده، ومن صببنا في مسامع قلبه رصاص الشقاء والحرمان لا ~~يمكنك يا محمد مع كمال نبوتك هدايته، وإسماعه في عين عنايتنا السابقة ~~ورعايتنا اللاحقة، وبقوله: { فإما نذهبن بك فإنا ms1457 منهم ~~منتقمون } [الزخرف: 41]، { أو نرينك الذي وعدناهم ~~فإنا عليهم مقتدرون } [الزخرف: 42] يشير إلى تسلية النبي ~~صلى الله عليه وسلم إنه تعالى ينتقم من أعدائه ومنكريه إما في حال حياته ~~وإما بعد وفاته، وإنه لقادر على الانتقام منهم بواسطة كما كان يوم بدر، ~~وبغير واسطة كما كان في زمان أبي بكر رضي الله عنه وغيره، فبذلك أشبه على ~~حد الخوف والرجاء ووفقه على وصف التجريد لاستبداده على الغيب، وكذلك ~~المقصود في أمر كل أحد أن يكون من جملة نظارة التقدير ويفعل الله ما ~~يريد، ثم قال: { فاستمسك بالذي أوحي إليك } [الزخرف: ~~43]؛ أي: فاعتصم بالقرآن فإنه حبل الله المتين بأن تتخلق بخلقه، وتدور ~~معه حيث يدور، وتقف حيث ما أمرت، وثق { إنك على صراط ~~مستقيم } [الزخرف: 43] تصل به إلى حضرة جلالنا، { وإنه } ~~[الزخرف: 44]؛ أي: القرآن { لذكر لك ولقومك } [الزخرف: 44] ~~به شرف الوصول لك وبمتابعتك، { وسوف تسألون } [الزخرف: 44] عن ~~هذا الشرف والكرامة هل أديتم حقه وقمتم بأداء شكره سعيا في طلب الوصال ~~والوصول، أم ضيعتم حقه وجعلتموه وسيلة الاستنزال إلى الدرك الأسفل، بصرفه ~~في تحصيل المنافع الدنياوية والمطالب النفسانية؟ وبقوله: { وسئل من ~~أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من دون ~~الرحمن آلهة يعبدون } [الزخرف: 45] يشير إلى أن بعثة جميع ~~الرسل كانت على # ألا تعبدوا # [يوسف: 40] مع الله إلها آخر من النفس والهوى والشيطان، أو شيء من ~~الدنيا والآخرة كقوله: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين # [البينة: 5]؛ أي: ليقصدوه فإنه المقصود، ويطلبوه فإنه المطلوب والمحبوب ~~والمعبود. ### || [43.46-50] # ثم أخبر عن حالة رسالة موسى عليه السلام بقوله: { ولقد أرسلنا ~~موسى بآيتنآ إلى فرعون وملإيه فقال إني ~~رسول رب العلمين } [الزخرف: 46] يشير إلى ظلومية الإنسان ~~وجهولية كفران نعمة ربه، إذ يرسل إليهم رسولا كريما بدلائله وحجته ~~الظاهرة الباهرة، وهي معجزاته إلى فرعون، وهو فرعون النفس { وملإيه ~~}؛ أي: صفاتها، { فلما جآءهم بآياتنآ } [الزخرف: 47]؛ ليسعدوا ~~وينتبهوا وينتفعوا بها { إذا هم منها يضحكون } [الزخرف: 47] ~~فقوبل بالهزأ والضحك والتكذيب، { وما نريهم من آية إلا ~~هي أكبر من أختها ms1458 } [الزخرف: 48] والله تعالى لم يتبع تلك ~~الآيات والدلالات بشيء إلا كان أوضح مما قبله، ولم يقابلوه إلا بجفاء ~~أوحش مما قبله من ظلومية طبع الإنسان وكفوريته، وبقوله: { وأخذناهم ~~بالعذاب لعلهم يرجعون } [الزخرف: 48] يشير إلى أن من ~~جهولية نفس الإنسان ألا يرجع إلى الله على أقدام العبودية إلا إن تجرد ~~بسلاسل البأساء والضراء إلى الحضرة، كما قال تعالى: # وإذا مسه الشر فذو دعآء عريض # [فصلت: 51]، ولهذا لما عظم الأمر وضاق نطاق بشريتهم { وقالوا ~~يأيه الساحر } [الزخرف: 49] وما قالوا مع هذا الاضطرار بها يا ~~أيها الرسول، { ادع لنا ربك } [الزخرف: 49]؛ لأنهم ما رجعوا إلى ~~الله بصدق النية وخلوص العقيدة ليروه بنور الإيمان رسولا ويرون الله ~~ربهم، وإنما رجعوا بالاضطرار لخلاص أنفسهم لا لإخلاص قلوبهم قالوا: { ~~ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون } ~~[الزخرف: 49]؛ أي: لنؤمنن بك وبربك، فدعا موسى عليه السلام وأجابه ربه ~~فكشف عنهم فعادوا إلى كفرهم ونقضوا عهدهم وذلك قوله تعالى: { فلما ~~كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون } [الزخرف: 50]. ### || [43.51-56] # وبقوله: { ونادى فرعون في قومه قال يقوم أليس ~~لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا ~~تبصرون } [الزخرف: 51] يشير إلى أن من تعزز بشيء من دون الله فحتفه ~~وهلاكه في ذلك الشيء، فلما تعزز فرعون بملك مصر وجري النيل بأمره فكان ~~فيه هلاكه، وكذلك من استصغر أحدا سلطه الله عليه، كما أن فرعون استصغر ~~موسى عليه السلام وحديثه وعابه بالفقر واللكنة، فقال: { أم أنآ ~~خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين } ~~[الزخرف: 52]، { فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب ~~أو جآء معه الملائكة مقترنين } [الزخرف: 53] فسلام ~~الله عليه وكان هلاكه في يديه. # وفيه إشارة أخرى وهي: إن قوله: { أم أنآ خير } هو من خصوصية صفة ~~إبليس فكانت هذه الصفة توجد في فرعون وكان في صفة فرعون قوله: # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24] ولم توجد هذه الصفة في إبليس؛ ليعلم أن الله أكرم ~~الإنسان باستعداد يختص به، وهو قوله: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4] فإذا افسد استعداده ms1459 واستنزله دركة لا يبلغه فيها إبليس وغيره ~~وهي أسفل سافلين فيكون شر البرية، ولو استكمل استعداده ينال رتبة في ~~القربة لا يسعه فيها ملك مقرب فيكون خير البرية. وبقوله: { فاستخف ~~قومه فأطاعوه } [الزخرف: 54] يشير إلى أن كل من استولى على قوم ~~فاستخفهم فأطاعوه رهبة منه وإن آمنوا من سطوته فخالفوه أمنا منه، فإذا ~~استولى سلطان القلب على قومه وهم النفس وصفاتها وهواها، فاستخفهم ~~بالرياضة والمجاهدة على وفق الشريعة وقانون الطريقة أطاعوه رهبة منه، بأن ~~يزيد في جهادهم ورياضتهم ومخالفة طباعهم، وإن استولت على قومها وهم القلب ~~والروح وصفاتهما فاستخفهم بمخالفات الشريعة، وموافقات الهوى والطبيعة ~~فأطاعوها رهبة إلى أن يتخلقوا بأخلاقها فأطاعوها رغبة، وبقوله: { ~~فلمآ آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين ~~} [الزخرف: 55] يشير إلى أن إغضاب أوليائه إغضابه، وإنه ينتقم لأوليائه ~~من أعدائه كما أخبر في حديث رباني: # " من عاد لي وليا فقد بارزني بالحرب، وإني لأغضب لأوليائي كما يغضب ~~الليث الجرو لجروه " # ، وهذا أصل في باب الجمع أضاف أسلافهم أولياءه إلى نفسه، وفي الخبر أنه ~~يقول: # " مرضت فلم تعدني " # ، وقال في صفة نبينا صلى الله عليه وسلم: # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء: 80] فجعلناهم سلفا متقدمين، ومثلا يتعظ بهم من خلفهم من ~~المتأخرين. ### || [43.57-62] # ثم أخبر عن مشكلهم في ضرب مثلهم بقوله تعالى: { ولما ضرب ابن ~~مريم مثلا إذا قومك منه يصدون } [الزخرف: 57] يشير ~~إلى صدود نفس الإنسان وإعراضه عن الحق وجداله في الباطل، كما أن كفار مكة ~~بهذا الاختصاص ضربوا للنبي صلى الله عليه وسلم مثلا بعيسى ابن مريم أنه ~~كان يزعمك رسول الله، وقد قلت: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98] وهو عزير والملائكة قد عبدوا من دون الله فنحن نرضى بأن ~~نكون نحن وألهتنا معهم في النار، وليس لهم في الآية موضع الحجة؛ لأنه ~~تعالى قال: # إنكم وما تعبدون # [الأنبياء: 98] ولم يقل إنكم ومن تعبدون، { وقالوا ءأ لهتنا ~~خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا } [الزخرف: 58] وذلك ~~إنهم قالوا: إن قال ألهتكم خير ms1460 فقد أقر بأنها معبودة، وإن قال: عيسى خير ~~من ألهتكم فقد أقر بأن عيسى يصلح لأن يعبد، وإن قال: ليس واحد منهم خيرا ~~فد نفي عيسى خير من ألهتكم فقد أقر بأن عيسى يصلح لأن يعبد، وإن قال: ~~فراموا بهذا السؤال أن يجادلوه ولم يسألوه للاستفادة، وجواب النبي صلى ~~الله عليه وسلم عنه أن عيسى خير من آلهتهم ولكن ليس يستحق أن يعبد، وليس ~~ما هو خير في الأصنام استحق أن يكون معبودا من دون الله، فبين الله ~~تعالى أن جدالهم ليس لفائدة إنما هو في خصوصية نفس الإنسان فقال: { بل ~~هم قوم خصمون } [الزخرف: 58]؛ أي: خلقوا على المخاصمة والمخالفة ~~والمجادلة كما قال تعالى: # وكان الإنسان أكثر شيء جدلا # [الكهف: 54]. وبقوله: { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه } ~~[الزخرف: 59] يشير إلى أن كل عبد ينعم عليه إما بجعله نبيا أو بجعله ~~وليا، { وجعلناه مثلا لبني إسرائيل } [الزخرف: 59]؛ ~~أي: عبرة يعتبرون به بأن يسارعوا في عبوديتنا طمعا في أنعامنا عليهم، { ~~ولو نشآء لجعلنا منكم ملائكة } [الزخرف: 60]؛ أي: إن ~~أطعتمونا ننعم عليكم بأن نجعلكم متخلقين بأخلاق الملائكة، { في الأرض ~~يخلفون } [الزخرف: 60]؛ أي: ليكونوا خلفائي في الأرض بهذه الأخلاق ~~لتستعدوا بها، أن تتخلقوا بأخلاقي فإنها حقيقة الخلافة، { وإنه ~~لعلم للساعة } [الزخرف: 61] في نزول عيسى عليه السلام { فلا ~~تمترن بها } [الزخرف: 61]؛ أي: فلا تشكوا بالساعة وقيامها { ~~واتبعون } [الزخرف: 61] فإن في اتباعي قيام الساعة الحقيقة، { ~~هذا صراط مستقيم } [الزخرف: 61]؛ أي: من اتبعني في الحقيقة ~~فقد قامت قيامته، وقد عبر عن الصراط الحقيقي، { ولا يصدنكم ~~الشيطان } [الزخرف: 62] متابعتي { إنه لكم عدو مبين ~~} [الزخرف: 62] ولما كانت العداوة في الضد عن صراط المتابعة فكان أعدى ~~الأعداء النفس؛ لأن تصرفها في الصد عن المتابعة أقوى من الشيطان. ### || [43.63-69] # وبقوله: { ولما جآء عيسى بالبينات قال قد جئتكم ~~بالحكمة } [الزخرف: 63] يشير إلى أن الأنبياء عليهم السلام كما ~~يجيئون بالكتاب من عند الله يجيئون بالحكمة مما آتاهم الله كما قال ~~تعالى: # ويعلمكم الكتاب والحكمة # [البقرة: 151]، وقال: # ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ms1461 # [البقرة: 269]؛ ولهذا قال: { ولأبين لكم بعض الذي ~~تختلفون فيه } [الزخرف: 63]؛ لأن البيان عما تختلفون هو الحكمة، ~~{ فاتقوا الله وأطيعون } [الزخرف: 63] فإن طاعتي الحق كما ~~قال: # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء: 80]، { إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه } ~~[الزخرف: 64]؛ أي: لا تعبدوني فإن بالعبودية شريك معكم، وإنه متفرد في ~~ربوبيته إيانا، { هذا صراط مستقيم } [الزخرف: 64] أن نعبده ~~جميعا { فاختلف الأحزاب من بينهم } [الزخرف: 65]؛ يعني: ~~قومه تحزبوا عليه حزب آمنوا بأنه عبد الله ورسوله، وحزب آمنوا بأنه # ثالث ثلاثة # [المائدة: 73] فعبدوه بالإلهية، وحزب اتخذوه ولدا لله وابنا له # تعالى الله عما # [النمل: 63] يقول الظالمون، وحزب كفروا به وجحدوا نبوته، وظلموا عليه ~~وأرادوا قتله، فقال تعالى فيهم: { فويل للذين ظلموا من ~~عذاب يوم أليم } [الزخرف: 65]؛ أي: أليم عذابه، { هل ~~ينظرون } [الزخرف: 66]؛ أي: الذين تحزبوا عليه، { إلا الساعة ~~أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون } [الزخرف: 66] ~~بإتيانها، فيجازي كل حزب بحسب أختلافهم فيه. # ثم أخبر عن وصف الأخلاء والأصدقاء على المعصية في الدنيا بقوله تعالى: { ~~الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين } [الزخرف: 67] يشير إلى أن كل خلة وصداقة تكون في الدنيا ~~مبنية على الهوى، والطبيعة الإنسانية تكون في الآخرة عداوة يتبرأ بعضهم ~~من بعض وبعض، والأخلاء في الله خلتهم باقية إلى الأبد وينتفع بعضهم عن ~~بعض، ويشفع بعضهم في بعض، ويتكلم بعضهم في شأن بعض، وهم المتقون الذين ~~استثناهم الله تعالى، وشرائط الخلة في الله أن يكونوا متحابين في الله، ~~خالصة لوجه الله من غير شوب بعلة دنيوية هوائية متعاونين في طلب الله ولا ~~يجري بينهم مداهنة، فبقدر ما يرى بعضهم في بعض صدق الطلب والجد في ~~الاجتهاد ليساعده ويرافقه ويعاونه، فإذا علم منه شيئا لا يرضاه الله لا ~~يرضى من صاحبه ولا يدار به، فقد قيل: المداراة في الطريقة كفر؛ بل ينصحه ~~بالرفق والموعظة الحسنة، فإذا عاد إلى ما كان عليه وترك ما [لا يرضي ربه] ~~يعود إلى صدق مودته وحسن صحبته كما قال تعالى: # وإن عدتم عدنا # [الإسراء: 8]، وبقوله: { يعباد لا ms1462 خوف عليكم اليوم ~~ولا أنتم تحزنون } [الزخرف: 68] يشير إلى أن من أعتقه الله من ~~رق المخلوقات، واختصه بشرف عبوديته في الدنيا لا خوف عليه يوم القيامة من ~~شيء يحجبه عن الله، ولا يحزن على ما فاته من نعيم الدنيا والآخرة مع ~~استغراقه في لجي بحر المعارف والعواطف، ثم وصفهم وشرح سيرتهم فقال: { ~~الذين آمنوا بآياتنا } [الزخرف: 69]؛ أي: بأنوار شواهد تجلي ~~آثار صفاتنا آمنوا إيمانا عيانيا { وكانوا مسلمين } [الزخرف: ~~69] في البداية لأوامرنا ونواهينا في الظاهر، وفي الوسط مسلمين لآداب ~~الطريقة على وفق الشرع بتأديب أرباب الحقيقة في تبديل الأخلاق والتزكية ~~في الباطن، وفي النهاية مسلمين للأحكام الأزلية والتقديرات الإلهية، ~~وجريان الحكم ظاهرا وباطنا في الإخراج عن ظلمة الوجود المجازي إلى نور ~~الوجود الحقيقي. ### || [43.70-76] # ثم أخبر عن منازل أرباب الوصول بقوله: { ادخلوا الجنة } ~~[الزخرف: 70] جنة الوصال { أنتم وأزواجكم } [الزخرف: 70]؛ أي: ~~أمثالكم في الطلب { تحبرون } [الزخرف: 70] في رياض الأنس { يطاف ~~عليهم بصحاف من ذهب } [الزخرف: 71] من طعام المشاهدات { ~~وأكواب } من شراب المكاشفات، { وفيها ما تشتهيه الأنفس ~~} [الزخرف: 71] أرباب المجاهدات لما قاسوه في الدنيا من الجوع والعطش، ~~وتحملوا وجوه المشاق فيجازون في الجنة بوجوه من الثواب، وأما أرباب ~~القلوب من أهل المعرفة والمحبين فلهم { وتلذ الأعين } [الزخرف: ~~71] من النظر إلى الله لطول ما قاسوه من فرط الاشتياق بقلوبهم، وبذل ~~الأرواح في الطلب لما عالجوا من أحزانهم لشدة غلبهم، { وأنتم فيها ~~خالدون } [الزخرف: 71]؛ أي: دائمون في لذة الاستغراق، { وتلك ~~الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون } ~~[الزخرف: 72]؛ أي: بما أورثتم بيوتكم في النار لأهل النار، وأورثتم بيوت ~~أهل النار في الجنة، { لكم فيها فاكهة كثيرة } [الزخرف: 73] ~~من أثمار أشجار المعارف { منها تأكلون } [الزخرف: 73] وفي رياض ~~الأنس ينقلبون في يوم، { إن المجرمين } [الزخرف: 74] الذين ~~أبطلوا حسن استعدادتهم الروحانية باستيفاء اللذات وشهواتهم النفسانية ~~الحيوانية { في عذاب جهنم } [الزخرف: 74] صفات النفس { ~~خالدون } [الزخرف: 74] إذ لم يخرجوا منها لحسن الاستعداد حتى أبطلوه. # وبقوله: { لا يفتر عنهم } [الزخرف: 75]؛ يعني: عن الكافرين ~~العذاب يشير إلى أن أهل التوحيد وكان بعضهم في ms1463 النار ولكن لا يخلدون فيها ~~ويفتر عنهم العذاب بدليل الخطاب، وقد ورد في الخبر أنه يميتهم الحق أمانة ~~أن يخرجهم من النار، والميت لا يحس ولا يألم، وذكر في الآية { وهم ~~فيه مبلسون } [الزخرف: 75]؛ أي: خائبون وهذه صفة الكفار والمؤمنون ~~وإن كانوا في بلائهم فهم على وصف رجائهم يعدون أيامهم إلى أن تنتهي ~~أشجانهم، وقال بعض الشيوخ: " إن حال المؤمن في النار من وجه أرواح ~~لقلوبهم من حالهم في الدنيا؛ لأن اليوم خوف الهلاك وغدا يقين النجاة ". ~~ولقد أنشدوا: # غيب السلامة إن صاحبها # متوقع لقواهم الظهر # وفضيلة البلوى ترقب أهلها # عقب الرجاء ودورة الدهر # { وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين } ~~[الزخرف: 76] يشير إلى نوع عذر من صفات قهره إلى صفات لطفه كرما منه ~~ورحمة. ### || [43.77-84] # وبقوله: { ونادوا يمالك ليقض علينا ربك } [الزخرف: ~~77] يشير إلى أنهم لو قالوا في الدنيا يا مالك بدل قولهم: { يمالك } ~~يسمعوا أنتم تخرجون بدل { قال إنكم ماكثون } [الزخرف: 77]، { ~~لقد جئناكم بالحق } [الزخرف: 78] بالدين القويم فلم تقبلوا ~~إلا من الطبيعة الإنسانية، أن أكثرهم يميلون إلى الباطل وذلك قوله: { ~~ولكن أكثركم للحق كارهون } [الزخرف: 78]، وبقوله: ~~{ أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون } [الزخرف: 79] يشير ~~إلى أن أمور الخلق منتقضة عليهم فلما يتمشى لهم ما دبروه وقلما يرتفع لهم ~~من الأمور شيء على ما قدروه، وهذه الحال أوضح دليل على إثبات الصانع، ~~وبقوله: { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم ~~بلى ورسلنا لديهم يكتبون } [الزخرف: 80] خوفهم بسماع ~~أحوالهم وكتابة الملك أعمالهم عليهم لغفلتهم عن الله، ولو كان لهم خبر عن ~~الله لما كان خوفهم لغير الله ومن علم أن أعماله تكتب علبه ويطالب ~~بمقتضاها قل إلمامه بما يخاف أن يسأل عنه. # ثم أخبر عن تنزيه ذاته وصفاته بقوله تعالى: { قل إن كان ~~للرحمن ولد فأنا أول العابدين } [الزخرف: 81] ~~يشير إلى نوع من الاستهزاء بهم وبمقالهم والاستخفاف بعقولهم؛ يعني: قل إن ~~كان للرحمن ولد كما تزعمون وتعبدون عيسى بأنه ولده فأنا كنت أول العابدين ~~له، ثم نزه ذاته وصفاته عما نسبوه إليه ms1464 بقوله: { سبحان رب ~~السموت والأرض رب العرش عما يصفون } [الزخرف: ~~82] يعني: ذاته وصفاته منزهة عن كل وصف تدركه العقول والظنون، وما ~~ينسبونه إلى العرش في معنى الاستواء بظنونهم في طلب التأويل # وما يعلم تأويله إلا الله # [آل عمران: 7]، وبقوله: { فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى ~~يلقوا يومهم الذي يوعدون } [الزخرف: 83] يشير إلى: أن ~~الله تعالى خلق الخلق أطوارا مختلفة، فمنهم من خلقه فيستعده للجنة ~~بالإيمان والعمل الصالح وانقياد الشريعة ومتابعة النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # ومنهم من خلقه للنار فيستعده للنار برد الدعوة والإنكار والجحود ~~والخذلان، بأن وكل إلى الطبيعة النفسانية الحيوانية التي تميل إلى اللهو ~~واللعب والخوض فيما لا يعنيه. # ومنهم من خلقه للقربة والمعرفة فيستعده لها بالمحبة والصدق، والتوكل ~~واليقين، والمشاهدات والمكاشفات والمراقبات، وبذل الوجود بترك الشهوات ~~وأنواع المجاهدات، وتسليم تصرفات أرباب الولات؛ ليتحقق له أنه تعالى { ~~وهو الذي في السمآء إله } [الزخرف: 84]؛ أي: هو معبود أهل ~~السماء وبه تقوم السماء، { وفي الأرض إله } [الزخرف: 84]؛ أي: ~~هو الذي معبود أهل الأرض وإله الآلهة، ولا قاضي لحوائج أهل الأرض إلا هو، ~~وبه تقوم الأرض، { وهو الحكيم } [الزخرف: 84] في تدبير العالم ~~وأهله، { العليم } [الزخرف: 84] بجميع الأحوال في الأزل إلى الأبد. ### || [43.85-89] # { وتبارك الذي له ملك السموت والأرض } [الزخرف: ~~85] تعالى وتقدر وتنزه وتكبر { الذي له ملك } سماوات الأرواح ~~الأشباح { وما بينهما } [الزخرف: 85] من القلوب والأسرار والنفوس ~~{ وعنده علم الساعة } [الزخرف: 85] لا يعلمها إلا هو { ~~وإليه ترجعون } [الزخرف: 85] بالاختيار والاضطرار يرجعون ~~بالموت في السلاسل والأغلال # يسحبون في النار على وجوههم # [القمر: 48]، { ولا يملك الذين يدعون من دونه ~~الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } ~~[الزخرف: 86]؛ أي: من شهد الحق وشاهده بفضل الحق وفيضه، فيثب له الحق حق ~~الشفاعة؛ لأن الشفاعة لأهل الحضور في المشاهدة لا لأهل الغيبة في البعد، ~~{ ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله } [الزخرف: ~~87]؛ لأن الإنسان خلق للمعرفة وطبع عليها وبهذا أكرمه الله، فأما الإنسان ~~في معرفة الأنبياء وقبول دعوتهم، والتوفيق لمتابعتهم، والتدين بأديانهم، ~~{ فأنى يؤفكون } [الزخرف: 87] بتكذيب الأنبياء ورد دعوتهم إلا ms1465 ~~لكمال عزة الله وجلاله وعظمته، { وقيله يرب إن هؤلاء ~~قوم لا يؤمنون } [الزخرف: 88] بأنبيائك وكتبك مع إيمانهم ~~بخالقيتك، فأجاب الله لأهل هذا القيل بقوله: { فاصفح عنهم وقل ~~سلام } [الزخرف: 89]؛ لأن الأمر ليس إليهم ولا إليك ولكنه بمشيئتنا ~~منوط، { فسوف يعلمون } [الزخرف: 89] إذا كشف الغطاء وظهر ~~اللقاء؛ لأن كل من خلق لما خلق وما عمل، وإلى ما رجع، رجع، والله أعلم. ### | [44 - سورة الدخان] ### || [44.1-10] # { حم * والكتاب المبين } [الدخان آية 1-2]، يشير بالحاء إلى ~~حاء حقيقته، بالميم إلى ميم محبته ومعناه: بحقي ومحبتي لعبادي، وكتابي ~~العزيز إليهم المبين لهم، أن لا أعذب أهل محبتي بفرقتي، { إنآ ~~أنزلناه في ليلة مباركة } [الدخان: 3] ليلة ذات بركة ~~وقدر؛ لأنها ليلة افتتاح الوصلة، وأشد الليالي بركة وقدرا ليلة يكون ~~العبد فيها حاضرا ببقائه، مشاهدا لربه، يتنعم بأنوار الوصلة ويجد فيها ~~نسيم القربة، وأحوال هذه الطائفة في لياليهم مختلفة كما قالوا: # لا أظلم الليل ولا أدعي # إن نجوم الليل ليست تغور # ليلي كما شأت فإن لم تجد # طال وإن جادت فليلي قصير # { إنا كنا منذرين } [الدخان: 3] للطالبين المشتاقين؛ لئلا ~~يقطع عليهم طريق الوصلة قواطع الكونين، { فيها يفرق كل أمر ~~حكيم } [الدخان: 4]؛ أي: يفصل في هذه الليلة كل أمر صادر بالحكمة من ~~السماء في السنة من أقسام الحوادث في الخير والشر، والمحن والمنن، ~~والنصرة والهزيمة، والخصب والقحط، ولهؤلاء القوم من الحجب والجذب، والوصل ~~والفصل، والوفاق والخلاف، والتوفيق والخذلان، والقبض والبسط، والستر ~~والتجلي منكم، بين عبد ينزل له الحكم والقضاء بالشقاء والبعد، وآخر نزل ~~حكمه بالوفاء والدقة، { أمرا من عندنآ } [الدخان: 5] نازلا ~~بالحكمة البالغة منا، { إنا كنا مرسلين } [الدخان: 5] محمدا ~~صلى الله عليه وسلم رحمة مهداة { رحمة من ربك } [الدخان: 6]؛ ~~ليخرج المشتاقين من ظلمات المفارقة إلى نور المواصلة، وأيضا { إنا ~~كنا مرسلين } رحمة لنفوس أوليائنا بالتوفيق، ولقلوبهم بالتحقيق، ~~{ إنه هو السميع } [الدخان: 6] لأنين المشتاقين، { العليم ~~} [الدخان: 6] بحنين المحبين، { رب السموت } [الدخان: 7] ~~سماوات الأرواح، { والأرض } [الدخان: 7] أرض الأشباح، { وما ~~بينهمآ } [الدخان: 7] من القلوب والأسرار والنفوس، ويدخل فيه مكاسب ~~العباد ms1466 فإنه يملكها بمعنى قدرته عليها، وإذا حصل مقدوره في الوجود دل على ~~أنه مفعوله؛ لأن معنى الفعل مقدور وجد من فاعل، { إن كنتم موقنين ~~} [الدخان: 7]، { لا إله إلا هو } [الدخان: 8]؛ أي: لا يتصرف ~~في الإيجاد والتغيير في حال إلى حال إلا هو، { يحيي } [الدخان: 8] ~~قلوب أوليائه بنور محبته وتجلي صفات جماله، { ويميت } [الدخان: 8] ~~نفوسهم بتجلي صفات جلاله، { ربكم } [الدخان: 8] أو رب آدم وأولاده، ~~{ ورب آبآئكم الأولين } [الدخان: 8]؛ أي: رب آباء العلوية، ~~{ بل هم } [الدخان: 9] هذا خطاب الغائبين؛ أي: أهل الغيبة { في ~~شك } [الدخان: 9]؛ لغيبتهم عن الحق، { يلعبون } [الدخان: 9] وصف ~~أهل الشك والنفاق باللعب وذلك لترددهم وتجرئهم في أمر الدين، واشتغالهم ~~بالدنيا، واغترارهم بزينتهما. # وبقوله: { فارتقب يوم تأتي السمآء بدخان مبين } ~~[الدخان: 10]، يشير إلى مراقبة سماء القلب عن تصاعد دخان أوصاف البشرية. ### || [44.11-18] # { يغشى الناس } [الدخان: 11]عن شواهد الحق { هذا عذاب ~~أليم } [الدخان: 11]، لأرباب المشاهدة. # كما قال السري: اللهم مهما عذبتني فلا تعذبني بذل الحجاب، { ربنا ~~اكشف عنا العذاب } [الدخان: 12]، عذاب الحجاب { إنا ~~مؤمنون } [الدخان: 12]، بأنك قادر على رفع الحجاب وإرجائه، ومن ~~أمارات إرخاء الحجاب بدخان البشرية: مخالفة سفراء قلوبهم من الخواطر التي ~~ترد من الحق عليهم، حتى عوقبوا في الوقت بما لا يتبع له وسعهم، فإذا ~~اخذوا في الاستغاثة يقال لهم: { أنى لهم الذكرى وقد ~~جآءهم رسول } [الدخان: 13]، من يوأده الحق { مبين } [الدخان: ~~13]، بإلهام تقواهم وفجورهم، { ثم تولوا عنه } [الدخان: 14]، ~~وخالفوه { وقالوا معلم مجنون } [الدخان: 14]؛ أي: خاطر ~~شيطاني، { إنا كاشفوا العذاب } [الدخان: 15]، عن صورتهم في ~~الدنيا { قليلا إنكم عآئدون } [الدخان: 15]؛ لأن جميع الدنيا ~~عندنا قليل، ولكن { يوم نبطش البطشة الكبرى } [الدخان: ~~16]، تورثهم حزما طويلا، ولا يجدون في ظلال انتقامنا مقبلا، { إنا ~~منتقمون } [الدخان: 16]. # ثم أخبر عن فتن أرباب المحن بقوله تعالى: { ولقد فتنا ~~قبلهم قوم فرعون وجآءهم رسول كريم } [الدخان: ~~17]، يشير إلى أنه تعالى جعل فرعون وقومه فيما فتنهم فداء أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم؛ لتعتبر هذه الأمة بهم فلا يصرون في جحودهم كما أصروا، ~~ويرجعوا إلى طريق الرشد، ms1467 ويقبلوا دعوة رسولهم ويؤمنون بما جاء؛ لئلا ~~يصيبهم ما أصابهم بعد أن جاءهم رسول كريم طالبهم بإزالة الظلم عن نبي ~~إسرائيل، واستنصر بالله وأظهر الحجة من قبل الله، ثم أمرهم: { أن ~~أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين } ~~[الدخان: 18]. ### || [44.19-28] # وهم أمانة الله ردوهم إلى: { وأن لا تعلوا على الله } ~~[الدخان: 19]، بإهانة عباد الله واستحقاقهم، { إني آتيكم ~~بسلطان مبين } [الدخان: 19]، من المعجزات الظاهرة الباهرة ~~القاهرة، { وإني عذت بربي } [الدخان: 20]، من شر نفسي { ~~وربكم } [الدخان: 20]، من شر نفوسكم { أن ترجمون } [الدخان: ~~20]، لشيء من الفتن. # وفيه إشارة أخرى، وهي: أن الله فتن فرعون وقومه، وهم صفات النفس وجاءهم ~~رسول كريم من الخواطر الرحمانية: # أن أدوا إلي عباد الله # [الدخان: 18]؛ أي: بني إسرائيل صفات القلب # إني لكم رسول أمين # [الدخان: 18] عند الحق أؤديهم إليه، { وأن لا تعلوا على ~~الله } بالاعتداء والاستكبار أنى أتيكم من الله سلطان مبين، بدلائل ~~وحجج واضحة وبراهين قاطعة من واردات ترد على القلوب؛ فتعجز النفوس عن ~~تكذيبها. # وبقوله: { وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون } [الدخان: 21]، ~~يشير إلى مداهنة الروح المسلم مع النفس الكافر؛ وذلك بأن الروح العلوي ~~يدعو النفس السفلية إلى عالم عبودية الله ومراتب قربه، ومن طبيعة النفس ~~الأمارة بالسوء أن تدعو الروح العلوي إلى العالم السفلي، وتدارك البعد عن ~~الحضرة؛ فمن دأب أهل البدايات والمداهنة بين الروح والنفس على شرط أن ~~الروح يقول مع النفس وصفاتها: # قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا ~~أنتم عابدون مآ أعبد * ولا أنآ عابد ما عبدتم ~~* ولا أنتم عابدون مآ أعبد * لكم دينكم ولي ~~دين # [الكافرون: 1-6]، إلى أوان غلبة الروح وصفاته على النفس وصفاتها، فينزل ~~فيه آية القتال جاهدا الكفار والمنافقين، وأغلظ عليهم { فدعا ربه ~~} [الدخان: 22]، بعد اليأس عن إيمان النفس وإصرارها على متابعة هواها { ~~أن هؤلاء } [الدخان: 22]؛ يعني: النفس وصفاتها { قوم ~~مجرمون } [الدخان: 22]، مصرون على كفرهم ومتابعة هواهم، فيلهم الله ~~الروح أن أسر بعبادي؛ فيمده بالسير من عالم البشرية إلى عالم الروحانية، ~~ومن عالم الروحانية إلى عالم الربانبة ms1468 إلى أن يتخلق الروح بأخلاق الحق، ~~فلا بد للنفس بالتأييد الإلهي أن يتبع الروح عند استيلاء سلطان الحق ~~عليه، وهذا تحقيق قوله: { فأسر بعبادي ليلا إنكم ~~متبعون } [الدخان: 23]. # { واترك البحر } [الدخان: 24] بحر فضل الحق تعالى { رهوا } ~~[الدخان: 24]، مشقوقا بعصا الذكر، { إنهم } [الدخان: 24]؛ يعني ~~فرعون النفس وصفاتها { جند مغرقون } [الدخان: 24] فانين في بحر ~~الوحدة، { كم تركوا من جنات } [الدخان: 25]؛ أي: جنات ~~الشهوات، { وعيون } [الدخان: 25] من مستلذات الحيوانية، { وزروع ~~} [الدخان: 26] في الآمال الفاسدة { ومقام كريم } [الدخان: 26] من ~~المقامات الروحانية بعبورها عليها، { ونعمة } [الدخان: 27] من ~~تنعمات الدنيا والآخرة بالسير والإعراض عنها، { كانوا فيها ~~فاكهين } متنعمين. # وبقوله: { كذلك وأورثناها قوما آخرين } [الدخان: 28]، ~~يشير إلى أنه الصفات النفسانية وإن فنيت بتجلي الصفات الربانية، فمهما ~~يكون القالب باقيا بالحياة يتولد من الصفات النفسانية والحيوانية، فيكون ~~وارث تلك الصفات الفانية إلى أن تفنى هذه الصفات المتولدة بالتجلي أيضا، ~~ولو لم تكن هذه المتولدات ما كان السائر الترقي؛ فافهم جدا، وبهذا ~~الترقي يبرأ السائر على المقام الملكي؛ لأنه ليس للملك ترقيا من مقامه، ~~كما قال: # وما منآ إلا له مقام معلوم # [الصافات: 164]. ### || [44.29-39] # وبقوله: { فما بكت عليهم السمآء والأرض } [الدخان: ~~29]، يشير إلى أن سماء الأرواح وأرض الأشباح إنما تبكي على النفس ~~وصفاتها؛ إذ لم تستعد بتبدل الأخلاق، ولم تفن في صفاته، { وما كانوا ~~منظرين } [الدخان: 29] لنيل هذه السعادة العظمى. # { ولقد نجينا بني إسرائيل } [الدخان: 30]؛ أي: القلب ~~وصفاته { من العذاب المهين } [الدخان: 30]، الذي يصل إليهم { ~~من فرعون } النفس، { إنه كان عاليا } [الدخان: 31]؛ أي: ~~مرتبة علية { من المسرفين } [الدخان: 31]، الذين أسرفوا على ~~أنفسهم بالظلم والعدوان، { ولقد اخترناهم على علم } ~~[الدخان: 32] من التقديرات الأزلية { على العالمين } [الدخان: ~~32]، ولو لم يخترهم ما كان لهم الخيرة أن يكونوا غالبين على فرعون النفس ~~وصفاتها، { وآتيناهم } [الدخان: 33]؛ يعني: للقلب وصفاته { من ~~الآيات } [الدخان: 33]؛ أي: التجليات { ما فيه بلاء مبين } ~~[الدخان: 33] لهلاك فرعون النفس وصفاتها في الإفناء. # ثم أخبر عن مقالة منكري الحشر والنشر بقوله تعالى: { إن هؤلاء ~~ليقولون * إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن ms1469 ~~بمنشرين } [الدخان: 34-35]، يشير إلى أن من غلب عليه الحس، ولم يكن ~~له عين القلب مفتوحة؛ ليطالع ببصر بصيرته عالم الغيب وهو الآخرة لا يؤمن ~~إلا بما يريه بصر الجسد؛ ولهذا أنكروا البعث والنشور؛ إذ لم يكن لهم ~~مشاهد إلا نظر حسهم، وقال: { فأتوا بآبآئنا } [الدخان: 36]؛ أي: ~~أحيوهم حتى نراهم بنظر الحس ونستخبر عنهم أحوالهم بعد الموت، { إن ~~كنتم صادقين } [الدخان: 36] فيما تدعون من البعث. # ثم هددهم بالهلاك فقال: { أهم خير أم قوم تبع } [الدخان: ~~37]، وهو ملك اليمن، وكانوا قوم فيهم كثرة وتبع كان مسلما، فأهلك الله ~~قومه على كثرة عددهم وكمال قوتهم، { والذين من قبلهم } ~~[الدخان: 38] من الأمم { أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين ~~} [الدخان: 38] مستحقين للهلاك. # وبقوله: { وما خلقنا السموت والأرض وما بينهما ~~لعبين } [الدخان: 38]، يشير إلى السماوات والأرض الأشباح، وما ~~بينهما من القلوب والأسرار والنفوس، وإنها صدق درة المعرفة، دليله قوله ~~تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56] أي ليعرفون وهذا تحقيق قوله: { ما خلقناهمآ ~~إلا بالحق } [الدخان: 39]؛ أي: ما خلقناهما إلا مرآة قابلة لظهور ~~صفات الحق، كما قال: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53]. # وبقوله: { ولكن أكثرهم لا يعلمون } [الدخان: 39]، ~~يشير إلى أن مرآة قلب أكثرهم مكدرة بصدأ صفات البشرية، وهم لا يعلمون ~~أنهم مرآة لظهور صفاتها فيها. ### || [44.40-50] # { إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين } [الدخان: 40]؛ أي: ~~يفصل بين أرباب الصفاء وأصحاب الصداء، { يوم لا يغني مولى عن ~~مولى } [الدخان: 41]، ولا ناصر، ولا حميم عن حميم، ولا نسيب عن نسيب، ~~ولا شيخ عن مريد { شيئا } [الدخان: 41]، من الصفاء إذا لم يحصلوا ~~هاهنا في دار العمل، { ولا هم ينصرون } [الدخان: 41]، في تحصيل ~~الصفاء ورفع الضراء، { إلا من رحم الله } [الدخان: 42]، عليه ~~بتوفيق تصفية القلب في الدنيا، كما قال تعالى: # إلا من أتى الله بقلب سليم # [الشعراء: 89]، { إنه هو العزيز } [الدخان: 42] يعز من يشاء ~~بصفاء القلب، { الرحيم } [الدخان: 42]، يرحم من يشاء بالتجلي لمرآة ~~قلبه. # وبقوله: { إن شجرت الزقوم } [الدخان: 43]، { طعام ~~الأثيم } [الدخان: 44]، يشير إلى ms1470 أن الأثيم وهو الذي عبد صنم الهوى ~~وغرس شجرة الحرص؛ فأثمرت الشهوات النفسانية اللذيذة على مذاق النفس في ~~الدنيا، يكون طعامه في الآخرة الزقوم الذي { كالمهل يغلي في ~~البطون } [الدخان: 45]، { كغلي الحميم } [الدخان: 46]، { ~~خذوه } [الدخان: 47]، أيتها الزبانية الطبائع الحيوانية، { ~~فاعتلوه } [الدخان: 47]، اسحبوه { إلى سوآء الجحيم } ~~[الدخان: 47]، جحيم البعد والقطيعة، { ثم صبوا فوق رأسه ~~من عذاب الحميم } [الدخان: 48]، وهو عذاب الحسرة والحرمان، ~~وحرقة الهجران في قعر النيران. # وبقوله: { ذق } [الدخان: 49]، يشير إلى أنه كان معذبا بهذا العذاب في ~~الدنيا، ولكن كان في نوم الغفلة لم يكن ليذوق ألم العذاب، فلما مات انتبه ~~فذاق ألم ما ظهر به على نفسه، { إنك أنت العزيز } [الدخان: ~~49]، في نظرك { الكريم } [الدخان: 49]، عند قومك؛ فذق ألم عذاب الذلة ~~والإهانة؛ { إن هذا ما كنتم به تمترون } [الدخان: 50] ~~بوساوس الشيطان وهواجس النفس. ### || [44.51-59] # ثم أخبر عن أرباب اليقين من المتقين بقوله: { إن المتقين في ~~مقام أمين } [الدخان: 51]، يشير إلى أن من اتقى بالله عما سواه ~~يكون مقام الوحدة آمن خوف الإثنينية، وأن يكون بالصورة { في جنات ~~وعيون } [الدخان: 52]، { يلبسون من سندس وإستبرق ~~متقابلين } [الدخان: 53]، بالقلوب متوجهين إلى الحضرة، { كذلك ~~} [الدخان: 54] متوجهين بالقلوب إلى الحضرة، { وزوجناهم بحور ~~عين } ، في الصورة، { يدعون فيها بكل فاكهة آمنين } ~~[الدخان: 55]، يشتهون آمنين من أن يتولد عنها الحجب للقلوب، كما يكون في ~~الدنيا، { لا يذوقون فيها الموت } [الدخان: 56]؛ أي: موت ~~النفس سبقت بسيف المجاهدة وقمع الهوى وترك الشهوات، { إلا الموتة ~~الأولى } [الدخان: 56] في الدنيا بقتل النفس بسيف الصدق في الجهاد ~~الأكبر، { ووقاهم عذاب الجحيم } [الدخان: 56]؛ أي: عذاب ~~البعد وجحيم الهجران، { فضلا من ربك } [الدخان: 57]، لا ~~استحقاقا لهم، { ذلك } [الدخان: 57]؛ أي: ذلك المقام الوحداني { هو ~~الفوز العظيم } [الدخان: 57]؛ أي: الخلاص من حبس الوجود، { ~~فإنما يسرناه بلسانك } [الدخان: 58]؛ يعني: تقرير هذا ~~المقام في الوحدة { لعلهم } [الدخان: 58]؛ يعني: خواص أمتك { ~~يتذكرون } [الدخان: 58] أن هذا المقام بعد لهم، { فارتقب } ~~[الدخان: 59] ظهور هذه الطائفة { إنهم مرتقبون } [الدخان: ~~59]، وإن طلبهم وظهورهم. ### | [45 - سورة الجاثية] ### || [45.1-8] # { حم } [الجاثية: 1]، يشير بالحاء إلى ms1471 حياته وبالميم إلى مودته، كأنه ~~قال: بحياتي ومودتي لأوليائي، لا شيء أحب علي من لقاء أحبائي، ولا أعز ~~وأحب على أحبائي من لقائي، { تنزيل الكتاب } [الجاثية: 2]؛ أي: ~~هذا الكتاب تنزيل { من الله العزيز الحكيم } [الجاثية: 2]، ~~على أوليائه وأحبائه. # ثم أخبر: { إن في السموت والأرض } [الجاثية: 3] الصورية ~~والمعنوية { لأيت } [الجاثية: 3]، شواهد الربوبية لائحة، وأدلة ~~الإلهية واضحة { للمؤمنين } [الجاثية: 3] المحبين الذين صحا ~~فكرتهم عن سكر الغفلة وجبت سيرهم في محال العبرة، وصفاء قلبهم عن دنس ~~البشرية، وتجلي روحهم بإطلاق الربوبية؛ فحظوا بحقائق الوصلة. # وبقوله: { وفي خلقكم وما يبث من دآبة ءايت ~~لقوم يوقنون } [الجاثية: 4]، يشير إلى أن العبد إذا أمعن نظره ~~في حسن استعداده ظاهرا وباطنا، وأنه خلق في أحسن تقويم يرى استواء قده ~~وقامته وحسن صورته وسيرته واستكمال عقله وتمام تميزه، وما هو مخصوص به في ~~جوارحه وحوائجه، ثم فكر فيما عداه من الدواب في أجزائها وأعضائها ~~وأوصافها وطبائعها والتمييز والعلم، ثم وقف على اختصاصه، وامتياز بني آدم ~~من بين البرية من الحيوانات في الفهم والعقل والتمييز والعلم ثم في ~~الإيمان، ومن الملائكة في حمل الأمانة، وتعلم علم الأسماء، ووجوه لخصائص ~~أهل الصفوة من المكاشفات والمشاهدات والمعاينات والمخافيات وأنواع ~~التجليات، وما صار به الإنسان خليفة الله ومسجود ملائكته المقربين، عرف ~~تخصيصهم بمناقبهم وانفرادهم بفضائلهم؛ فاستيقن أن الله كرمهم، وعلى كثير ~~من المخلوقات فضلهم، وإنهم محمولو العناية في بر الملك وبحر الملكوت. # وبقوله: { واختلاف الليل والنهار ومآ أنزل الله ~~من السمآء من رزق } [الجاثية: 5]، يشير إلى اختلاف ليل ~~البشرية ونهار الروحانية، وما أنزل الله تعالى من الواردات الربانية من ~~سماء الأرواح، ومن غيث الرحمة رزقا للقلوب؛ { فأحيا به الأرض } ~~[الجاثية: 5] أرض القلوب { بعد موتها } [الجاثية: 5]، عند استيلاء ~~أوصاف البشرية عليها في أوان الولادة إلى حد البلاغة، إذا كانت محرومة عن ~~غداء تعيش به، وهو أوامر الشريعة ونواهيها المودع فيها نور الإيمان، الذي ~~هو حياة القلوب، { وتصريف الرياح } [الجاثية: 5]، وهي رياح ~~نفحات الحق تعالى { ءايت لقوم يعقلون } [الجاثية: 5]، ~~التعرض لنفحات ألطاف الحق. # وفيه ms1472 إشارة أخرى: أن الله تعالى جعل العلوم الدينية كسبية مصححة ~~بالدلائل، وموهبية محققة بالشواهد؛ فمن لم يستبصر بهما زلت قدمه عن ~~الصراط، ووقع في عذاب الجحيم، فاليوم في ظلمة الحيرة والتقليد وفي الآخرة ~~في الوعيد بالتخليد. # وبقوله: { تلك ءايت الله نتلوها عليك بالحق ~~فبأي حديث بعد الله وءايته يؤمنون } [الجاثية: ~~6]، يشير إلى أن الإيمان الحقيقي لا يمكن حصوله في القلوب إلا بالله ~~وكتابته في القلوب، وبإراءته المؤمنين آياته، وإلا فلا يحصل بالدلائل ~~المنطقية ولا بالبراهين العقلية؛ فافهم جدا. # { ويل لكل أفاك } [الجاثية: 7] مكذب { أثيم } [الجاثية: ~~7] معرض عن الحق، { يسمع ءايت الله } [الجاثية: 8]، في ~~الظاهر؛ إذ { تتلى عليه ثم يصر } [الجاثية: 8]، على ~~الإنكار والجحود { مستكبرا } [الجاثية: 8]، عن قبول الحق، يسمع ~~الباطن { كأن لم يسمعها } [الجاثية: 8]، فمن استمع باستماع ~~الحق والفهم، واستبصر بنور التوحيد فاز بذخر الدارين، وتصدى لعز ~~المنزلين، ومن تصامم بحكم الخذلان والغفلة؛ { فبشره بعذاب ~~أليم } [الجاثية: 8] بوقوعه في وهدة الجهل. ### || [45.9-13] # وقد وسم بكي الهجران والقطيعة، فآل أمره إلى أنه { وإذا علم من ~~ءايتنا شيئا } [الجاثية: 9]، من عالم رباني { اتخذها ~~هزوا } [الجاثية: 9]، قليل العناد وتأوله على ما نفع له من وجود ~~المراد من دون تصحيح بإسناد، فهؤلاء: { أولئك لهم عذاب ~~مهين } [الجاثية: 9] مذل، وقد يكاشف حاله من بواطن قلبه بتعريفات من ~~الغيب، لا يبدو فيها ريب ولا يتخالجه منها شك فيما هو به في حاله، فإذا ~~استهان بها وقع في ذل الحجة وهوان الفرقة. # { من ورآئهم جهنم } [الجاثية: 10] جهنم الحرص والأمل، { ~~ولا يغني عنهم ما كسبوا } [الجاثية: 10] بالسوء وبالحرص { ~~شيئا } [الجاثية: 10]، القلوب { ولا ما اتخذوا من دون ~~الله أوليآء } [الجاثية: 10] من الدنيا وأهلها، { ولهم ~~عذاب عظيم } [الجاثية: 10]، وهو هجران إله عظيم { هذا هدى } ~~[الجاثية: 11]؛ أي: هذا الذي ذكرنا من الآيات والدلالات والإشارات وأسباب ~~الهداية لمن أراد الله به خيرا يسمعهم، { والذين كفروا ~~بآيت ربهم } [الجاثية: 11] أن أعرضوا عنها وأنكروا عليها، { ~~لهم عذاب من رجز } [الجاثية: 11]، وهو نظر قهر الحق ~~بالقطيعة، وهو { أليم } [الجاثية: 11] مؤلم حقا. # ثم أخبر عن كرمه ms1473 مع العبد بأنواع نعمه بقوله تعالى: { الله الذي ~~سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره } ~~[الجاثية: 12]، يشير إلى أنه تعالى مسخر بحر العدم؛ لتجري فيه فلك الوجود ~~بأمره، وهو أمر # كن # [البقرة: 117]، والحكمة في هذا التسخير مختصة بالإنسان لا بالفلك، سخر ~~البحر والفلك له وسخره لنفسه؛ ليكون خليفة مظهرا لذاته وصفاته تبارك ~~وتعالى نعمة منه وفضلا؛ لإظهار الكنز المخفي، فبحسب كل مسخر من الجزيئات ~~والكليات يجب على العبد شكر، وشكره أن يستعمله في طلب الله بأمره ولا ~~يستعمله في هوى نفسه، وله أن يعتبر من البحر الصوري، والذين يركبون البحر ~~فربما تسلم سفينتهم وربما تغرق، كذلك العبد في فلك الاعتصام في بحار ~~التقدير، تمشي بهم رياح المشيئة، مرفوع لهم شراع التوكل من شيء في البحر ~~بمجرى اليقين، فإن هبت رياح العناية تحث السفينة إلى ساحل السعادة، وإن ~~هبت نكباء الفتنة لم يبق بيد الملاح شيء غرقت في لجة الشقاوة، فعلى العبد ~~أن يكون ابتغاؤه فضل الله، ويسعى في الطلب بأداء شكر النعم، وذلك قوله: { ~~ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } [الجاثية: ~~12]. # وبقوله: { وسخر لكم ما في السموت وما في الأرض ~~جميعا منه } [الجاثية: 13]، يشير إلى أن السماوات والأرض وما فيهن ~~خلقت للإنسان، ووجودها تبع لوجوده، وناهيك عن هذا المعنى إن الله تعالى ~~أسجد ملائكته لآدم عليه السلام، وهذا غاية التسخير وهم أكرم وأعز مما في ~~السماوات والأرض، ومثال هذا أنه لما أراد أن يخلق ثمرة خلق شجرة، وسخرها ~~للثمرة لتحمل، فالعالم بما فيه شجرة وثمرتها الإنسان؛ ولعظم هذا المعنى ~~قال: { إن في ذلك لأيت لقوم يتفكرون } [الجاثية: ~~13]؛ أي: في هذا المعنى دلالات على شرف الإنسان، وكماليته { لقوم } ~~لهم قلوب منورة بنور الإيمان والعرفان، { يتفكرون } بفكر سليم. ### || [45.14-18] # وبقوله: { قل للذين ءامنوا يغفروا للذين لا ~~يرجون أيام الله } [الجاثية: 14]، يشير إلى أن المؤمنين إذا ~~غفروا لأهل الجرائم، وإن لم يكونوا أهل المغفرة لإصرارهم على الكفر ~~والإيذاء يصير متخلقا بأخلاق الحق، ثم الله تعالى يجزي كل قوم جزاء ~~عملهم، كما قال: { ليجزي قوما ms1474 بما كانوا يكسبون } ~~[الجاثية: 14] من الخير والشر. # { من عمل صلحا } [الجاثية: 15]، من العفو للجرم { ~~فلنفسه } [الجاثية: 15]؛ يعني: نفسه تتصف بصفة العفو والمغفرة وهي ~~من صفات الله، { ومن أسآء } [الجاثية: 15]، من المعصية والظلم { ~~فعليها } [الجاثية: 15]؛ أي: تصير نفسه متصفة بالعصيان والظلم، وهو ~~من صفات الشيطان، { ثم إلى ربكم ترجعون } [الجاثية: 15] ~~على حسب صفاتكم وأعمالكم، إن كنتم من الأبرار فإن الأبرار لفي نعيم، وإن ~~كنتم فجارا فإن الفجار لفي جحيم. # وبقوله: { ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب ~~والحكم والنبوة } [الجاثية: 16]، يشير إلى القلب وصفاته؛ ~~لأنه محل تنزيل الكتاب، وهو الإلهامات الربانية والإشارات والخواطر ~~الرحمانية، وكشف المعاني الحكمية، وشواهد الأسرار [الربانية]؛ إنما هو ~~القلب وصفاته، { ورزقناهم من الطيبات } [الجاثية: 16]؛ ~~وهي الواردات الرحمانية الطيبة من حيث صفات النفس والشيطان، { ~~وفضلناهم } [الجاثية: 16]؛ أي: القلوب { على العالمين } ~~[الجاثية: 16]؛ أي: على أهل عالم قالبهم من الروح والسر والخفى، وإن كان ~~الروح في بدء الأمر أشرف من القلب؛ لإفاضة فيضه عليه، ولما صار عرش القلب ~~استواء صفة رحمانية الحق تعالى فضله الله على الروح بهذه الخاصية. # { وآتيناهم بينات من الأمر } [الجاثية: 17]، وهو بيان ~~كشف العيان، { فما اختلفوا } [الجاثية: 17]؛ يعني: النفس والقلب ~~في الإعراض والإقبال على الله، { إلا من بعد ما جآءهم ~~العلم } [الجاثية: 17]، العياني والبياني { بغيا بينهم } ~~[الجاثية: 17]، من طبيعة النفس وهواها { إن ربك يقضي ~~بينهم يوم القيامة } [الجاثية: 17]؛ أي: يوم إحياء القلوب ~~بنور الصدق والمحبة { فيما كانوا فيه يختلفون } [الجاثية: ~~17]، من الإعراض النفساني والإقبال القلبي. # ثم أخبر عن الشريعة النبوية المصطفية بقوله تعالى: { ثم جعلناك ~~على شريعة من الأمر فاتبعها } [الجاثية: 18]، يشير ~~إلى أنا أفردناك من جملة الأنبياء بلطائف فاعرفها، وخصصناك بحقائق ~~فأدركها، وسننا لك طريق فاسلكها، وأثبتنا لك الشرائع فاتبعها، ولا تتجاوز ~~عنها ولا يحتاج إلى متابعة غيرك، ولو كان موسى وعيسى حيا لما وسعهما إلا ~~إتباعك. # ثم قال: { ولا تتبع أهوآء الذين لا يعلمون * ~~إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا } [الجاثية: 18-19]. ### || [45.19-22] # { إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا } [الجاثية: 19]؛ ~~يعني: إن أراد الله ms1475 بك نعمة فلا يقدر أحد على منعها، وإن أراد بك فتنة ~~فلا يقدر أحد أن يصرفها عنك، فلا تعلق لمخلوق فكرك، ولا تتوجه بضميرك إلى ~~غيرنا، وثق وتوكل علينا. # { وإن الظالمين بعضهم أوليآء بعض } [الجاثية: ~~19]؛ لمناسبة فيما بينهم يتعلق بعضهم ببعض لقضاء حوائجهم، سماهم: ~~الظالمين؛ لأنهم وضعوا الشيء في غير موضعه، وسمي المؤمنين: المتقين؛ ~~لأنهم اتقوا عن هذا المعنى، فاتخذوا الله الولي في الأمور كلها، وذلك ~~قوله: { والله ولي المتقين } [الجاثية: 19]؛ لأنهم اتقوا ~~به عما سواه { هذا بصائر للناس } ، يعني: اتخاذ الله الولي ~~والاتقاء به عما سواه للناسين الغافلين عن الله موجب البصيرة، { وهدى ~~ورحمة لقوم يوقنون } [الجاثية: 20]؛ أي: المستعدين للوصول ~~إلى مقام اليقين بأنوار البصيرة، إذا تلألأت انكشف بها الحق والباطل، ~~فنظر الناس على مراتب، فمن ناظر بنور العقل، ومن ناظر بنور الفراسة، ومن ~~ناظر بنور الإيمان، ومن ناظر بنور العرفان، ومن ناظر بنور العيان، ومن ~~ناظر بنور العين؛ فهو على بصيرة شمسها طالعة وسماؤها على السحاب مصبحة. # وبقوله: { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن ~~نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات } ~~[الجاثية: 21]، يشير إلى أن من حفظناه بالخذلان في حضيض الضعة لمن رفعناه ~~في هواء المنعة، ومن أخذناه بيده فنعتناه كمن رأسه الخذلان فرحمناه، ومن ~~بعد بذل جهله واستفراغ وسع وإسبال دمع وإحراق قلب عذرناه فرحمناه، كمن ~~يبسط وقت أنس حال وروح لطف حففناه فرفعناه وسكرناه، ثم قربناه وأدنيناه، ~~ثم أفنيناه عن أنانيته، ثم أبقيناه ببقائنا، وذلك حقيقة قوله: { سوآء ~~محياهم ومماتهم } [الجاثية: 21]؛ أي: سواء قوم محياهم ~~ومماتهم بهواهم وطبعهم، وقوم محياهم بنا ومماتهم فينا { سآء ما ~~يحكمون } [الجاثية: 21]. # { وخلق الله السموت } [الجاثية: 22] سماوات القلوب، { ~~والأرض } [الجاثية: 22]، أرض النفوس { بالحق ولتجزى كل ~~نفس بما كسبت } [الجاثية: 22]، بترك الهوى، { وهم لا ~~يظلمون } [الجاثية: 22] في المجازات بغير الاستحقاق. ### || [45.23-27] # ثم أخبر عن جزاء أهل الأهواء؛ أي: بقوله تعالى: { أفرأيت من ~~اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم } ~~[الجاثية: 23]، يشير إلى الفلاسفة والدهرية والطائفية، من لم يسلك سبيل ~~الإتباع، ولم يستوف أحكام الرياضة ms1476 بتأديب الطريقة على قانون الشريعة، ولم ~~ينسلخ هواه بالكلية، ولم يؤدبه، ولم يسلكه إمام مقتدى في هذا الشأن من ~~أرباب الوصال والوصول، بل اقتدى بأئمة الكفر والضلالة، وانتفى آثارهم ~~بالشبهات العقلية وحسبان البراهين القطعية؛ فوقع في شبكة الشيطان، فأخذه ~~بزمام هواه، وأضله في نبه هواه، وربما دعاه إلى الرياضة وترك الشهوات؛ ~~لتصفية العقل وسلامة الفكر، فيمينه إدراك الحقائق حتى أوبقه في وهدات ~~الشبهات فيهم في كل ضلالة، ويضل في كل فج عميق، وأصبح خسرانه أكثر من ~~ربحه، ونقصانه أوفر من رجحانه، { وختم على سمعه } [الجاثية: ~~23]؛ لئلا يسمع الحق، { وقلبه } [الجاثية: 23]؛ لئلا يفهم الحق، { ~~وجعل على بصره غشاوة } [الجاثية: 23]، لئلا يرى الحق { ~~فمن يهديه من بعد الله } [الجاثية: 23]؛ أي: لا يقدر على ~~هدايته إلا الله، { أفلا تذكرون } [الجاثية: 23]، أرباب العقول ~~السليمة أنهم في ضلالة بعيد يعملون القرب على ما يقع لهم من نشاط نفوسهم ~~زمامهم بيد هواهم، أولئك أهل المكر استدرجوا من حيث لا يشعرون. # { وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ~~وما يهلكنآ إلا الدهر } [الجاثية: 24]، يشير إلى أن من ختم ~~الله على قلبه انحسم مادة نظره إلى عالم الآخرة، كالأنعام لا ترى إلا ~~عالم الحس، فلا يؤمن بما في الغيب من البعث وتنكره، { وما لهم ~~بذلك من علم } [الجاثية: 24]؛ أي: بإنكار البعث { إن هم ~~إلا يظنون } [الجاثية: 24] الظنون الكاذبة. # { وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينات } [الجاثية: 25] ~~لا يسمعون؛ لأن سمعهم مختوم عليه { ما كان حجتهم } [الجاثية: ~~25] عند عقولهم السخيفة في انتفاء السمع، { إلا أن قالوا ائتوا ~~بآبآئنآ } [الجاثية: 25]؛ أي: أحيوهم { إن كنتم صادقين } ~~[الجاثية: 25] في الإحياء بعد الموت؛ فأجابهم الله تعالى بقوله: { قل ~~الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم ~~القيامة } [الجاثية: 26]؛ يعني: بالأحياء يوم القيامة لا في الدنيا، ~~وفيه إشارة إلى أهل الإشارة { قل الله يحييكم } بالحياة ~~الإنسانية، { ثم يميتكم } عن صفاتكم الإنسانية الحيوانية، { ~~ثم يجمعكم } بالحياة الربانية إلى يوم القيامة، وهي النشأة ~~الأخرى { لا ريب فيه } [الجاثية: 26] عند أرباب النظر، { ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون } [الجاثية: ms1477 26]؛ لأنهم ~~أهل النسيان والغفلة. # { ولله ملك السماوات } [الجاثية: 27]، سماوات القلوب يحي ~~منها ما يشاء بنوره، ويميت ما شاء بظلمة النفوس، { والأرض } ~~[الجاثية: 27] أرض النفوس، يحيي منها ما شاء بنوره، ويميت منها ما شاء ~~بالحرص والشهوة، ويميت منها ما شاء بنور الإيمان والإخلاص، { ويوم ~~تقوم الساعة } [الجاثية: 27]، وهو يوم نشور القلوب عن قبور الصدور ~~بقيام المحبة، { يومئذ يخسر المبطلون } [الجاثية: 27]، ~~الذين أبطلوا الاستعداد الفطري. ### || [45.28-32] # ثم أخبر عن أحوال القيامة وأهوالها بقوله تعالى: { وترى كل ~~أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها } [الجاثية: ~~28]، يشير إلى عجز العباد، وألا قوة لهم فيما كتب الله عليهم في الأزل، ~~وألا يصيبهم في الدنيا والآخرة إلا ما كتب الله لهم، وهذا حقيقة قوله: ~~{ كل أمة تدعى } في أعمالهم، { كتابها } الذي كتب الله لهم ~~في الأزل فيعلمون به، ثم يوم القيامة يقال لهم: { اليوم تجزون ~~ما كنتم تعملون } [الجاثية: 28]، { هذا كتابنا }؛ يعني: ~~الذي كتبنا عليكم في الأزل بما تعملون، إلى الأبد ينطق عليكم بالحق أنكم ~~عملتم ما كتبنا لكم، { إنا كنا نستنسخ } [الجاثية: 29]، بقلم ~~أفعالكم على صحيفة أعمالكم من كتابنا، الذي كتبنا لكم { ما كنتم ~~تعملون } على وفق مشيئتنا ومقتضى حكمتنا. # { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فيدخلهم ربهم في رحمته } [الجاثية: 30]، التي سبقت ~~غضبه في حقهم ليكونوا مظهرا لصفات لطفه، { ذلك هو الفوز ~~المبين } [الجاثية: 30] بالعناية السابقة لهم، { وأما الذين ~~كفروا } [الجاثية: 31] بالحكمة الأزلية والإرادة القديمة؛ ليكونوا ~~مظهرا لصفات قهره، يقال لهم: { أفلم تكن ءايتى تتلى ~~عليكم فاستكبرتم } [الجاثية: 31] أن تقولوا: لا إله إلا ~~الله؛ لأنكم ما كنتم أهلا لها، { وكنتم قوما مجرمين } ~~[الجاثية: 31] مستعدين للإباء والاستكبار؛ ولهذا المعنى { وإذا قيل ~~إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ~~ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن ~~بمستيقنين } [الجاثية: 32]، لعدم نور اليقين. ### || [45.33-37] # { وبدا لهم سيئات ما عملوا } [الجاثية: 33]؛ أي: أثمر ~~لهم في الآخرة ما زرعوا في مزرعة الدنيا بأعمالهم السيئة، { وحاق ~~بهم ما كانوا به يستهزئون } [الجاثية: 33]، أهل الحق { ~~وقيل اليوم ننساكم ms1478 } [الجاثية: 34]، من الرحمة { كما ~~نسيتم لقآء يومكم هذا } [الجاثية: 34]؛ أي: كما زرعتم في ~~مزرعة الدنيا بذر النسيان أثمركم في الآخرة ثمرة النسيان، { ~~ومأواكم النار } [الجاثية: 34]؛ لأنها مأوى من نسينا، كما أن ~~الجنة مأوى من ذكرنا، { وما لكم من ناصرين } [الجاثية: 34]؛ ~~ليخلصوكم منها، { ذلكم } [الجاثية: 35]؛ أي: أصابكم ذلكم { ~~بأنكم اتخذتم ءايت الله } [الجاثية: 35]، التي رأيتم ~~على مخلص عبادنا، { هزوا وغرتكم الحياة الدنيا } ~~[الجاثية: 35]؛ إذ ما قبلتم وصيتنا إذ قلنا؛ فلا تغرنك بالحياة، { ~~فاليوم لا يخرجون منها } [الجاثية: 35]؛ من نار قهرنا؛ ~~لأنكم دخلتم فيها على قدمي الحرص والشهوة فيها، { ولا هم ~~يستعتبون } [الجاثية: 35] في الرجوع إلى الجنة على قدمي الإيمان ~~والعمل الصالح. # { فلله الحمد رب السموت } [الجاثية: 36]؛ أي: رب ~~سماوات القلوب يربيها بين إصبعي اللطف والقهر، إن شاء أقامها ليكون ~~مظهرا لصفات اللطف، وإن شاء أزاغها ليكون مظهرا لصفات القهر، { ورب ~~الأرض } [الجاثية: 36]؛ أي: رب أرض النفوس ينبت فيه ما يشاء من شجرة ~~الكفر والإيمان ونبات السعادة والشقاوة، كما هو { رب العالمين } ~~[الجاثية: 36]، يخلق فيها ما يشاء من أصناف المخلوقات. # { وله الكبريآء في السماوات والأرض } [الجاثية: 37]، ~~بأنهما مظهر صفات عظمته وجلاله وعزته وكبريائه؛ يعني: إذا تجلى الحق - عز ~~وعلا - بصفة من صفاته لمرآة قلب عبد من عباده، إنما يتجلى بحسب استعداد ~~مرآة قلب العبد لا بحسب كمالية صفاته؛ فإن له تعالى بكل صفة كبرياء وعظمة ~~لا نهاية لها، وإنه لو تجلى بصفة من صفاته بعظمتها وكبريائها؛ لاضمحلت ~~الموجودات وتلاشت المكونات، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج ~~أنملة إبهامه فوضعه على نصف أنملة خنصره، وقال: # " تجلى نور الربوبية هذا المقدار للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا " # ، وكبرياء كل صفة من صفاته بأنه لا أول لها ولا مبدأ لها، بل هي أبدية ~~صمدية وسرمدية؛ ولهذا قال: # " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منها ألقيته في جهنم ~~" # ؛ فلهذه [الخصوصية] للعبد أن يخلق بكل خلق من أخلاق الحق تعالى، ولكنه ~~محال أن يتخلق بهذين الخلقين؛ لأنهما أزلي أبدي لا يتطرق إليهما التغير ms1479 ~~وفي خلق العبد تغير، وله بداية ونهاية وله مبدئ ومعيد، { وهو ~~العزيز الحكيم } [الجاثية: 37]. ### | [46 - سورة الأحقاف] ### || [46.1-5] # { حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } ~~[الأحقاف: 1-2]، يشير إلى أن حميت قلوب أهل عنايتي عن آفات صفات النفس ~~الأمارة بالسوء، فصرفت عنها خواطر النظر إلى الدنيا وما فيها، ووجهتها ~~للحضرة الربانية، وثبتها على مشاهدة اليقين بنور التحقيق؛ فلاح فيها ~~شواهد برهانهم، فأضفنا بها لطائف إحساننا، فكمل منالها من عين الوصلة، ~~وغديناهم بنسيم الأنس في ساحات القربة، وربيناهم ب { تنزيل ~~الكتاب } للتأدب بآدبه والتخلق بأخلاقه { من الله العزيز }؛ ~~المعز للمؤمنين بإنزال الكتب عليهم، { الحكيم } لكتابه عند التبديل ~~والتغير والنسخ. وبقوله: { ما خلقنا السموت والأرض وما ~~بينهمآ إلا بالحق } [الأحقاف: 3]، يشير إلى أن المخلوقات ~~كلها ما خلقت إلا لمعرفة الحق تعالى، قال تعالى: # " فخلقت الخلق لأعرف " # ، { وأجل مسمى } [الأحقاف: 3]، لمعرفة كل عارف، { والذين ~~كفروا عمآ أنذروا معرضون } [الأحقاف: 3]؛ ليكونوا مظهر ~~صفات قهره ليعرف أنه تعالى قهار، وفيه إشارة إلى أن الإعراض عما انذروا ~~به كفر. # بقوله: { قل أرأيتم ما تدعون من دون الله } ~~[الأحقاف: 4]، يشير إلى كل ما يعبد من دون الله من الهوى والشيطان ~~والدنيا والأصنام، { أروني ماذا خلقوا من الأرض }؛ أي: من ~~أرض النفوس، كما خلقتها { أم لهم شرك في السموت } ~~[الأحقاف: 4]؛ أي: في سماوات القلوب؛ ليخلقوا فيها من الحق والباطل، كما ~~أن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء؛ فإن شاء أقامه للحق وإن شاء أزاغه ~~للباطل. # { ائتوني بكتاب } [الأحقاف: 4] من عند الله يا عبدة غير الله، هل ~~لكم فيه دليل على عبادة غير الله، { من قبل هذآ أو أثارة ~~من علم } [الأحقاف: 4] من المعقول والمنقول والمكاشف والمشاهد ~~بتجويز العبادة لغير الله، { إن كنتم صادقين } [الأحقاف: 4] فيما ~~يعبدون من دون الله. # { ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا ~~يستجيب له } [الأحقاف: 5]؛ أي: من لا قدرة له على الاستجابة { ~~إلى يوم القيامة } [الأحقاف: 5]، ويدعو دعاء الذي يقول: # ادعوني أستجب لكم # [غافر: 60]، { وهم عن دعآئهم غافلون } [الأحقاف: 5]؛ أي: ~~عن استجابة ms1480 دعائهم عاطلون. ### || [46.6-10] # { وإذا حشر الناس } [الأحقاف: 6]؛ أي: إذا نشر عن نوم غفلتهم، ~~بل أحيوا بحياة الله { كانوا لهم أعدآء وكانوا ~~بعبادتهم كافرين } [الأحقاف: 6]، كما كان حال إبراهيم عليه ~~السلام إذ قال: # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء: 77]، وقال: # وإنني بريء مما تشركون # [الأنعام: 19]. # { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين ~~كفروا للحق لما جآءهم هذا سحر مبين } ~~[الأحقاف: 7]؛ ذلك لأنهم عموا عن رؤية الحق وصموا عن سماع الحق، فرموا ~~رسلنا بالسحر وكلامنا بالافتراء، كما قال: { أم يقولون افتراه ~~قل } [الأحقاف: 8]، يا محمد { إن افتريته فلا تملكون ~~لي من الله شيئا } [الأحقاف: 8]، أن يدفعوا عني عذابه { هو ~~أعلم بما تفيضون فيه } [الأحقاف: 8]، في حقي وفيما تظنون { ~~كفى به } [الأحقاف: 8]؛ أي: بالله { شهيدا بيني وبينكم ~~} [الأحقاف: 8]؛ أي: هو يجازيني إن كنت ساحرا أو مفتريا، وإن كنت ~~صادقا فيما جئت به منه فهو يكافئني، { وهو الغفور } [الأحقاف: ~~8]، المخلص مع عباده { الرحيم } [الأحقاف: 8] بهم. # ثم أخبر عن حال الرسالة بقوله تعالى: { قل ما كنت بدعا من ~~الرسل } [الأحقاف: 9]، يشير إلى أني لست بأول رسول أرسلت، ولا بغير ~~ما جاءوا في أصول التوحيد، حيث إنما أمرتكم بالإخلاص في التوحيد والتصديق ~~في العبودية، # " وبعثت لأتمم مكارم الأخلاق " # ، # وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا # [الأحزاب: 46] بنور الفيض الإلهي؛ لتكونوا مستفيضين من نور سراجي بمصباح ~~قلوبكم فتضيء بنار النور الإلهية، # نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء # [النور: 35]. # وبقوله: { ومآ أدري ما يفعل بي ولا بكم } [الأحقاف: 9]، ~~يشير إلى فساد أهل القدر والبدع، حيث قالوا إيلام البريء قبيح في العقل ~~فلا يجوز؛ لأنه لو لم يجوز ذلك لكان يقول: اعلم قطعا أني رسول الله ~~معصوم؛ فلا محالة يغفر لي، ولكنه قال: { ومآ أدري ما يفعل بي ~~ولا بكم } ليعلم أن الأمر أمره، والحكم حكمه، له أن يفعل بعباده ما ~~يريد، ولا يسأل عما يفعل، { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } ~~[الأحقاف: 9]؛ بخاصة نفسي مستسلما لأحكامه الأزلية، { ومآ أنا ~~إلا نذير مبين } [الأحقاف: 9]، لكم أرسلت إليكم ms1481 مبلغا، وليس ~~إلي من الهداية شيء، ولكن الله يهدي من يشاء. # وبقوله: { قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم ~~به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله } ~~[الأحقاف: 10]، يشير إلى أنه لا عذر له بحال ولا أمان لهم من عقوبة الله، ~~وما يستروحون إليه من حججهم عند أنفسهم كلها في التحقيق باطل، إذا شهد ~~على مثله شاهد { فآمن واستكبرتم } [الأحقاف: 10]، استكبار ~~إبليس جحودا وعنادا { إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين } [الأحقاف: 10]، الذين يضعون الجحد والعناد موضع الإقرار ~~والتسليم. ### || [46.11-14] # { وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ~~} [الأحقاف: 11]؛ يعني: الذين { ما سبقونآ إليه } [الأحقاف: ~~11]، مثل هؤلاء الأراذل، هذا نوع من أنواع مكر النفس ليتوهم بها براءة ~~ذمتها عن إنكار الحق، والتمادي في الباطل، { وإذ لم يهتدوا ~~به } [الأحقاف: 11]؛ أي: بما ليس من مشاربهم، وما هم من أهل ذوق ~~الإيمان بالقرآن به وبالمواهب الربانية، { فسيقولون هذآ إفك ~~قديم } [الأحقاف: 11]. # وبقوله: { ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة } ~~[الأحقاف: 12]، يشير إلى أن التوراة إنما أنزلت على موسى قبل القرآن؛ ~~لتكون إماما لمن آمن بها في الإيمان بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم ~~إذ مشروح فيها أحوال حقيقتها، وتكون رحمة بأن يؤمنوا بهما، { وهذا } ~~[الأحقاف: 12]؛ يعني: القرآن { كتاب مصدق } [الأحقاف: 12]؛ ~~يعني: للكتب المنزلة المشروحة فيها الوصية بالإيمان بمحمد، وأخذ الميثاق ~~من النبيين وجميع الأمم على الإيمان والنصرة لدينه، { لسانا ~~عربيا } [الأحقاف: 12]، أي: بلسان عربي؛ لأن قومه عرب { لينذر ~~} [الأحقاف: 12] اليهود والنصارى، { الذين ظلموا } [الأحقاف: ~~12]، ظلموا أنفسهم بأن قالوا: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، وغيروا ~~ذكر محمد صلى الله عليه وسلم ونعته في التوراة والإنجيل، و # يحرفون الكلم عن مواضعه # [النساء: 46]، { وبشرى للمحسنين } [الأحقاف: 12]، الذين ~~آمنوا بجميع الأنبياء والكتب المنزلة، (وهدوا إلى الصراط المستقيم)، ~~وثبتوا على الدين القويم. # ثم أخبر عن سلامة أهل الاستقامة قوله تعالى: { إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا } [الأحقاف: 13]، يشير إلى أنهم ~~قالوا: { ربنا الله } من بعد استقامة الإيمان في قلوبهم، { ثم ~~استقاموا } بجوارحهم على أركان الشريعة، وبأخلاق ms1482 نفوسهم على آداب ~~الطريقة بالتزكية، وبأوصاف القلوب على التصفية، وبتوجيه الأرواح على ~~التحلية بالتخلق بأخلاق الحق؛ فقالوا: { ربنا الله } باستقامة ~~الإيمان، { ثم استقاموا } بالنفوس على أداء الأركان، وبالقلوب ~~على الإبقاء، وبالأسرار على العرفان، وبالأرواح على الإحسان، وبالإخفاء ~~على العيان، وبالحق على الفناء بأنانيتهم والبقاء بهويته؛ { فلا خوف ~~عليهم } [الأحقاف: 13] بالانقطاع، { ولا هم يحزنون } ~~[الأحقاف: 13] على ما فات لهم من خطاب الدارين، { أولئك أصحاب ~~الجنة } [الأحقاف: 14] جنة الوحدة { خالدين فيها } [الأحقاف: ~~14]، فانين عن الاثنينية باقين بالوحدة { جزآء بما كانوا ~~يعملون } [الأحقاف: 14] في استقامة الأعمال مع الأقوال. ### || [46.15-18] # وبقوله: { ووصينا الإنسان بولديه إحسانا حملته ~~أمه كرها ووضعته كرها } [الأحقاف: 15]، يشير إلى رعاية ~~الحق الوالدين على جهة الاحترام، لما عليه لهما من حق التربية والإنعام؛ ~~ليعلم أن رعاية حق الله تعالى على جهة التعظيم، لما عليه له في حق ~~الربوبية، وأنعام الوجود أحق وأولى وفي إثبات حق الوالدين، قال: { ~~وحمله وفصله ثلثون شهرا حتى إذا بلغ ~~أشده وبلغ أربعين سنة } [الأحقاف: 15]، فحق من كان في ~~شأنه بالتقدير والقسمة والخلق والخلق والرزق والأجل، حتى إذا بلغ أشده ~~في النبوة في الولاية والإيمان والإسلام من الأزل إلى الأبد أثبت وأعظم، ~~كما أشار إلى هذا المعنى. # بقوله: { قال رب أوزعني } [الأحقاف: 15]، وفقني { أن ~~أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ~~وأن أعمل صلحا ترضه } [الأحقاف: 15]، فيه إشارة إلى ألا ~~يمكن للعبد أن يعمل عملا يرضى به ربه إلا بتوفيقه وإرشاده. # وبقوله: { وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك ~~وإني من المسلمين } [الأحقاف: 15]، يشير إلى أن صلاحية ~~الآباء تورث الصلاحية للأبناء. # وبقوله: { أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما ~~عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة ~~وعد الصدق الذي كانوا يوعدون } [الأحقاف: 16]؛ يعني: ~~الأبناء على جزاء ما أحسنوا مع الآباء، يشير إلى أن بر الوالدين إذا كان ~~مشروطا بقبول الطاعة، والتجاوز عن السيئات موعود بنعيم الجنات، فكيف لمن ~~يؤدي حقوق الربوبية بالقيام بحق العبودية؛ فيفني ناسوتيته في لاهوتية ربه ~~- تبارك وتعالى - فهل له جزاء إلا ما وعده ربه ms1483 جل جلاله بقوله: # " كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا.... " # الحديث. # وبقوله: { والذي قال لوالديه أف لكمآ.... } ~~[الأحقاف: 17] الآية، يشير إلى ذم الذين اتصفوا في حقهما بالتأفيف، وفي ~~ذلك تنبيه على ما وراءها من التأفيف، فحكم أن صاحبه من أهل الخسران، ~~والخسران نقصان في الإيمان؛ فكيف بمن خالف مولاه، وبالعصيان أداء كما ~~قال: { أولئك الذين حق عليهم القول في أمم ~~قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا ~~خاسرين } [الأحقاف: 18]. ### || [46.19-23] # وبقوله: { ولكل درجت مما عملوا وليوفيهم ~~أعملهم وهم لا يظلمون } [الأحقاف: 19]، يشير إلى أن من ~~منة الله أن يجازي على حسب أعمالهم من الخير والشر، ولكل واحد من السعادة ~~والشقاوة، وبحسب أعمالهم ونياتهم فيها منازل يبلغونها، وهم لا يظلمون في ~~التوفية. # ثم أخبر عن آثار أهل النار بقوله تعالى: { ويوم يعرض الذين ~~كفروا على النار أذهبتم طيبتكم في حياتكم ~~الدنيا واستمتعتم بها } [الأحقاف: 20]، يشير إلى أن للنفس ~~طيبات من الدنيا الفانية، وللروح طيبات من الآخرة الباقية، من اشتغل ~~باستيفاء طيبات نفسه في الدنيا يحرم في الآخرة من استيفاء طيبات روحه؛ ~~لأن في طلب استيفاء طيبات النفس إبطال استعداد الروح في استيفاء طيباته ~~في الآخرة مودعة، وفي ترك استيفاء طيبات النفس في الدنيا كمالية استعداد ~~الروح في استيفاء طيبات في الآخرة مودعة؛ فلهذا يقال لأرباب النفوس: { ~~فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون ~~في الأرض بغير الحق } [الأحقاف: 20]، بأنكم استكبرتم في قبول ~~دعوة الأنبياء في ترك شهوات النفس واستيفاء طيباتها؛ لئلا تضيع طيبات ~~أرواحكم، { وبما كنتم تفسقون } [الأحقاف: 20] تخرجون من أوامر ~~الحق ونواهيه، ويقال للروح وأرباب القلوب: # كلوا واشربوا هنيئا بمآ أسلفتم # [الحاقة: 24] في الأيام الخالية، ولما كانت نفوسهم تاركة لشهواتها ~~بتبعية الروح، يقال لهم: # ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم # [فصلت: 31]؛ أي: من نعيم الجنة فإنها من طيباتها وتلذ الأعين، وهو ~~مشاهدة الجمال والجلال وهي طيبات الروح. # وبقوله: { واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف ~~وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا ~~تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم ms1484 عذاب يوم ~~عظيم } [الأحقاف: 21]، يشير إلى أن كل نبي بعث لإنذار قومه: { ألا ~~تعبدوا إلا الله }؛ أي: لا تعبدوا النفس وهواها وشهواتها ~~الدنيوية؛ لكي لا يذهبوا طيباتهم في الحياة الدنيا، فإن فيها عذابا ~~عظيما عظيما، وهو: فوت الدرجات والقربات، ونيل الدركات بإتباع الشهوات. # وبقوله: { قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا } ~~[الأحقاف: 22]، يشير إلى طباع النفوس المتمردة، التي اتخذت هواء نفسها ~~وشهوات الدنيا، وزينتها آلهة يعبدونها، فمن تدعوهم منها إلى الله وقربه ~~ومعرفته يجيبونه من غاية جهلهم، وكمال شقاوتهم: أجئتنا لتعرضنا بالإفك عن ~~ألهتنا، { فأتنا بما تعدنآ } [الأحقاف: 22] من العقاب والثواب، ~~{ إن كنت من الصادقين } [الأحقاف: 22]، إن عبادة الهوى تورث ~~العذاب العظيم، وإن عبادة الإله تورث الثواب العظيم. # { قال } [الأحقاف: 23] أرباب القلوب: { إنما العلم عند ~~الله } [الأحقاف: 23]، من يكون أهلا للثواب ومن يكون أهلا للعقاب، ~~وكما أن الطبيب الحاذق يعلم بنبض المريض أنه فيم علاجه، ومتى ما يصلح ~~للمريض من الأشربة والمغامن الموافقة له في كل وقت من الأوقات وحال من ~~الأحوال، وإنما أنا مبلغ { وأبلغكم مآ أرسلت به } ~~[الأحقاف: 23] من الأنوار، { ولكني أراكم قوما ~~تجهلون } [الأحقاف: 23] الصواب من الخطأ والصلاح من الفساد خير ~~أدلكم على الرشاد. ### || [46.24-26] # { فلما رأوه عارضا } ، فيه إشارة إلى أنه تعرض في سماء ~~القلوب تارة عارض يعرض { مستقبل أوديتهم } [الأحقاف: 24]، ~~فيمطر مطر الرحمة يحي به الله أرض البشرية، فينبت منها الأخلاق الحسنة ~~والأعمال الصالحة، وتارة يعرض عارض { قالوا هذا عارض ~~ممطرنا بل هو ما استعجلتم به } [الأحقاف: 24] بسوء ~~أخلاقكم وفساد أعمالكم، { ريح فيها عذاب أليم } [الأحقاف: 24]. # { تدمر كل شيء } [الأحقاف: 25]، تدمر كل شيء من الأخلاق ~~الحميدة { بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا ~~مساكنهم } [الأحقاف: 25]؛ أي: أشخاصهم خالية عن الأخلاق والآداب ~~والأعمال الصالحة، وقلوبهم فارغة من الصدق والإخلاص والرضاء والتسليم، { ~~كذلك نجزي القوم المجرمين } [الأحقاف: 25]، المعرضين عن ~~الحق المقبلين على الباطل. # ثم أخبر عن تبيين أهل التمكن بقوله تعالى: { ولقد مكناهم ~~فيمآ إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا ~~وأبصارا وأفئدة } [الأحقاف: 26]، يشير إلى أن هذه الآلات ~~أسباب تحصيل ms1485 التوحيد، ولكن لمن يشأ الله به خيرا، { فمآ أغنى ~~عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من ~~شيء } [الأحقاف: 26]؛ أي: من التوحيد؛ إذ لم يشأ الله بهم خيرا ما ~~جحدوا وما استهزءوا. ### || [46.27-31] # { ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا ~~الآيات } [الأحقاف: 27]، التي تعتبر بها { لعلهم يرجعون } ~~[الأحقاف: 27] عن كفرهم إلى التوحيد بهذه الدلالات والعبارات؛ لأنها ~~أسباب الرجوع إلى الحق والتوحيد لم يرجع واحد منهم؛ ليعلم أن الهداية بيد ~~الله يؤتيها من يشاء كما قال: # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها # [السجدة: 13]. # بقوله: { فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله ~~قربانا آلهة } [الأحقاف: 28]، يشير إلى الأسباب التي اتخذوها من ~~دون الله من التعبد؛ أي: المختلفة التي تقربوا بها هل نصرهم في الاهتداء، ~~{ بل ضلوا عنهم } [الأحقاف: 28]؛ أي: بل ضلت الأسباب عنهم عند ~~الاهتداء فلم ينفعوهم، { وذلك إفكهم } [الأحقاف: 28]؛ أي: ظنهم ~~الذي أفترته نفوسهم إفكا، { وما كانوا يفترون } [الأحقاف: ~~28]، أن الأسباب والمعاملات شركاء الله في الهداية. # ثم أخبر عن اهتداء الحق بهداية الله، مع أنهم أبعد عن قبول الهدى من ~~الإنسان بقوله تعالى: { وإذ صرفنآ إليك نفرا من ~~الجن } [الأحقاف: 29]، يشير إلى صرف نفر الجن الصفات الذميمة ~~النفسانية الظلمانية إلى الروح النوراني وهي سبعة، كما أن نفر الجن سبعة: ~~الكبر والبخل والغضب والشهوة والحرص والحسد والحقد، { يستمعون ~~القرآن } [الأحقاف: 29]؛ أي: يستمعون إلهام الحق تعالى الذي يلهم به ~~الروح، { فلما حضروه } [الأحقاف: 29] بإحضار الله وصرفهم إليه، { ~~قالوا أنصتوا } [الأحقاف: 29]، فلما انعكس نور حضور الروح، ~~ألهمهم بإلهام الحق على الصفات الذميمة أسكنهم عن إظهارها؛ فإن أهل ~~الحضور صفتهم الذبول والسكون والهيبة والوقار والنوران، والهيجان ~~والانزعاج يدل على غيبة أو قلة بقضاء، ونقصان من الإطلاع، { فلما ~~قضي } [الأحقاف: 29]؛ أي: فرغ من تصرفات الإلهام الرباني، { ولوا ~~إلى قومهم } [الأحقاف: 29] وهم المتولدات من الصفات الذميمة، وهي ~~الأخلاق السنية { منذرين } [الأحقاف: 29]؛ أي: مجزين الأخلاق بلسان ~~التصرف. # { قالوا يقومنآ إنا سمعنا كتابا } [الأحقاف: 30]؛ أي: ~~إلهاما ربانيا { أنزل من بعد موسى } [الأحقاف: 30] بعد ~~إنزاله على موسى الروح أنزل على محمد ms1486 القلب { مصدقا لما بين ~~يديه } [الأحقاف: 30] من الكتب المنزلة، { يهدي إلى الحق } ~~[الأحقاف: 30]، ويخرج من الباطل { وإلى طريق مستقيم } ~~[الأحقاف: 30] إلى مقعد صدق # عند مليك مقتدر # [القمر: 55]. # { يقومنآ أجيبوا داعي الله } [الأحقاف: 31] باستعمال ~~الأعضاء والجوارح في الأعمال الصالحة الشرعية، وتهذيب الأخلاق وتزكية ~~الأوصاف { وآمنوا به } [الأحقاف: 31]؛ أي: بالإلهام الداعي إلى ~~الله { يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب ~~أليم } [الأحقاف: 31]؛ أي: بتبديل الأخلاق من السيئة إلى الحسنة. ### || [46.32-35] # { ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض ~~} [الأحقاف: 32]؛ أي: ومن لم يبدل أخلاقه بترك الدنيا والرغبة في الآخرة ~~والتوجه إلى الله، فليس الله بعاجز في إخراجه من الدنيا { وليس له ~~من دونه أوليآء } [الأحقاف: 32] لينقذوه من النار، { ~~أولئك في ضلال مبين } [الأحقاف: 32]، ومأوى أهل الضلال ~~السعير. # ثم أخبر عن قدرة إحياء الموتى هدى لأهل النهي بقوله تعالى: { أولم ~~يروا أن الله الذي خلق السموت } [الأحقاف: 33]، ~~يشير إلى سماوات القلوب { والأرض } [الأحقاف: 33]، أرض النفوس، { ~~ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى ~~} [الأحقاف: 33]، فيه إشارة إلى أن الله تعالى خلق سماوات القلوب حية ~~بحياة روحانية، لكنها ميتة من حياة ربانية، وليس لشيء غير الإنسان هذه ~~الكرامة أن يحيه الله بالنور الرباني، كما قال تعالى: # أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس # [الأنعام: 122]، { بلى إنه على كل شيء قدير * ~~ويوم يعرض الذين كفروا على النار } [الأحقاف: ~~33-34]، يقال لهم على سبيل تأكيد إلزام الحجة { أليس هذا ~~بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب } ~~[الأحقاف: 34]؛ أي: العذاب الذي كنتم به معذبين في البعد والقطيعة وإفساد ~~الاستعداد الأصلي لقبول الكمالات وبلوغ القرب، ولكن ما كنتم تذوقون مرارة ~~ذلك العذاب وحرقته؛ لغلبة الحواس الظاهرة وكلالة الحواس الباطنة { بما ~~كنتم تكفرون } [الأحقاف: 34]، تسترون الحق بالباطل. # وبقوله: { فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل } ~~[الأحقاف: 35]، يشير إلى صبر من كان قصده وعزمه إلى الله، فيصبر عما سواه ~~ما يحجبه عن الله، ويصير على مقاساة ما يوصله إلى الله كما قيل لبعضهم ~~بما ms1487 وجدت ما وجدت قال: بعزيمة كعزيمة الرجال، وأولوا العزم من لا يكون في ~~عزمه مسخ ولا في طلبه نسخ، ثم قال: { ولا تستعجل لهم } ~~[الأحقاف: 35]؛ أي: العذاب ومهلهم؛ لتستعدوا بالتمتعات الحيوانية للعذاب ~~العظيم، فإني أمهلهم رويدا { كأنهم يوم يرون ما ~~يوعدون } [الأحقاف: 35] من ذوق العذاب { لم يلبثوا } ~~[الأحقاف: 35] في التمتع بنعيم الدنيا { إلا ساعة من نهار } ~~[الأحقاف: 35]؛ لشدة ألم العذاب الروحاني بالنسبة إلى التنعم الجسماني، ~~ثم قال: { بلاغ } [الأحقاف: 35]، إن هذه الإشارة بلاغ من الله إلى أهل ~~الله وطالبيه، فإن العبد يضرب بالعصا والحر تكفيه الإشارة { فهل ~~يهلك } [الأحقاف: 35] على الله { إلا القوم الفاسقون } ~~[الأحقاف: 35]، الذين خرجوا من عزم طلبه إلى طلب ما سواه. ### | [47 - سورة محمد] ### || [47.1-4] # { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } [محمد: 1]، ~~يشير إلى كفر النفوس المجبولة عليه وضد القلوب المجبولة على طلب الحق عن ~~السير في سبيل الله، بالهواجس النفسانية ودواعي البشرية والشهوات ~~الحيوانية { أضل أعملهم } [محمد: 1]؛ أي: أضل الله أعمالهم ~~ليكون في طلب الحق تعالى، ويجعلها في إتباع الهوى وطلب الدنيا وزينتها ~~وشهواتها. # { والذين آمنوا } [محمد: 2] بالله، { وعملوا الصالحات ~~} [محمد: 2] في طلب الله، { وآمنوا بما نزل على محمد } ~~[محمد: 2] من بيان السير إلى الله والدلالات إلى الحق، { وهو الحق ~~من ربهم } [محمد: 2]؛ أي: أمنوا بأنه الحق وعملوا به في طلب الحق، ~~{ كفر عنهم سيئاتهم } [محمد: 2]؛ أي: محا وصقل عن مرآة ~~قلوبهم صدأ الكفر والإنكار، { وأصلح بالهم } [محمد: 2]؛ أي: ~~أصلح قلبهم؛ ليكون قابلا للفيض الإلهي بلا واسطة. # { ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل } [محمد: ~~3] وهو الهوى والدنيا، { وأن الذين آمنوا اتبعوا ~~الحق من ربهم } [محمد: 3]، وهو صدق الطلب بجهاد النفس ومخالفة ~~الهوى بجذبة الحق تعالى، { كذلك يضرب الله للناس ~~أمثالهم } [محمد: 3]؛ ليهتدوا بالمثال المطابق في الصورة إلى حقائق ~~عالم المعالي. # وبقوله: { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب } ~~[محمد: 4]، يشير إلى كافر النفس حيثما وجدتموه، وهو يمد رأسه إلى مشرب من ~~مشارب الدنيا ونعيمها، فضرب الرقاب؛ أي: فاضربوا عن ذلك الرأس، وادفعوه ~~عن ذلك المشرب، { حتى إذآ ms1488 أثخنتموهم } [محمد: 4]؛ أي: ~~غلبتموهم وسخرتموهم، { فشدوا الوثاق } [محمد: 4]؛ أي: شدوهم ~~بوثاق أركان الشريعة وآداب الطريقة، فإن بهذين الجناحين يطير صاحب الهمم ~~العلية إلى عالم الحقيقة، { فإما منا } [محمد: 4] على النفوس { ~~بعد } [محمد: 4] الوصول بترك المجاهدة، { وإما فدآء } [محمد: ~~4] بكثرة العبادة؛ عوضا عن ترك بعد الظفر بالنفوس؛ ولتأمل النفوس بسيف ~~المخالفة، فإن في مذهب أرباب الطلب يجوز كل ذلك بحسب نظر كل مجتهد، فإن ~~كل مجتهد منهم نصيب { حتى تضع الحرب أوزارها } [محمد: 4] ~~إلى أن يقصد القاصد المقصود، ويجد الطالب المطلوب، ويصل العاشق المعشوق، ~~فإن جرى على النفس بعد الظفر بها مسامحة في إعفاء ساعة وإفطار يوم؛ ~~ترويحا للنفس من الكد وإحماءها للحواس، قوة لها على الجهد فيما يستقبل ~~من الأمر، فذلك على ما يحصل به الاستصواب من شيخ المريد، أو فتوى لسان ~~القوم أو فراسة صاحب الوقت، { ذلك } [محمد: 4] الذي ذكرت من طرف ~~العبد، { ولو يشآء الله لانتصر منهم } [محمد: 4]؛ ~~يعني: بقهر النفس يتجلى صفات الجلال بغير سعي المجاهدة في القتال، { ~~ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا } ~~[محمد: 4]؛ يعني: في النفوس { في سبيل الله } [محمد: 4] في طلب ~~الحق تعالى، { فلن يضل أعمالهم } [محمد: 4] من بذل الوجود في ~~طلب المعبود. ### || [47.5-11] # { سيهديهم } [محمد: 5] إلى حضرة الربوبية بجذبة # ارجعي إلى ربك # [الفجر: 28] { ويصلح بالهم } [محمد: 5] أي: يجعلهم قابضي فيض ~~الإلوهية { ويدخلهم الجنة عرفها لهم } [محمد: 6]؛ ~~أي: بالجذبة عرف النفوس قبول الفيض الإلهي. # ثم أخبر أن النصر في النصرة بقوله تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا إن تنصروا الله ينصركم } [محمد: 7]، يشير إلى ~~أنكم إن وجدتم في أنفسكم شيئا يحرضكم على نصرة الله، فذلك من أثر نصرة ~~الله إياك، فإنه قد نصركم بالتوفيق لنصرة الحق، فأما نصرة الله من العبد ~~على وجهين: صورة ومعنى. # أما نصرته في الصورة: نصرة دينه بإيضاح الدليل وتبينه، وشرح فرائضه ~~وسننه وإظهار معانيه وأسراره وحقائقه، ثم بالجهاد والغزو لإعلاء كلمته ~~وقمع أعداء الدين. # وأما نصرته في المعنى: فبإفناء ناسوتيته في لاهوتيته؛ ليبقى بعد فناء ~~خلقه. # وأما نصرة الله للعبد أيضا ms1489 على وجهين: صورة ومعنى. # أما نصرته للعبد في الصورة: فبإرسال الرسل وإنزال الكتب، وإظهار الإعجاز ~~والآيات، وبتبيين السبل إلى النعيم والجحيم وحضرة الكريم، ثم بالأمر؛ أي: ~~وأمر في الجهاد الأصغر والأكبر، وتوفيق المسعى فيهما طلب الرضاء لا تبعا ~~لهواه، وبإظهاره على أعداء الدين وقهرهم في إعلاء كلمة الله العليا. # وأما نصرته للعبد في المعنى: فيأتيه أو يشده في إفناء وجوده الفاني في ~~وجوده الباقي، بتجلي صفات جماله وجلاله، { ويثبت أقدامكم } ~~[محمد: 7] في الجهاد الأصغر والأكبر؛ لئلا تزول عن التوحيد والوحدة، { ~~والذين كفروا } [محمد: 8] من النفوس السائرة بالحق يقيم صفاتها ~~الذميمة، { فتعسا لهم } [محمد: 8] طردا وبعدا من جوار الحق، { ~~وأضل أعمالهم } [محمد: 8] عن طريق الحق والصواب، { ذلك ~~بأنهم كرهوا مآ أنزل الله } [محمد: 9] من موجبات ~~مخالفات النفس والهوى وموافقات الشرع ومتابعة الأنبياء، { فأحبط ~~أعملهم } [محمد: 9]؛ لشوبها ما بالشرك والرياء والتصنيع والهوى. # { أفلم يسيروا في الأرض } [محمد: 10] تسلكوا في أرض ~~البشرية، { فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم } [محمد: 10] من القلوب والأرواح، لما تابعوا الهوى وتأولوا ~~بحب الدنيا { دمر الله عليهم } [محمد: 10]، وأهلكهم في أودية ~~الرياء وبوادي البدعة والضلالة، { وللكافرين } [محمد: 10] النفوس ~~اللئام في طلب المرام { أمثالها } [محمد: 10] من الضلال والهلاك. # { ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا } [محمد: 11]؛ أي: ~~ناصرهم على طلب الحق ومؤيدهم بالوصول والوصال، { وأن الكافرين ~~لا مولى لهم } [محمد: 11]؛ أي: ما هو بناصر لهم، فصاروا أهل ~~الخذلان والخسران. ### || [47.12-15] # { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~} [محمد: 12]؛ إذ هو مولى لهم بنصرهم، { جنات } [محمد: 12] وهي جنات ~~القلوب، { تجري من تحتها الأنهار } [محمد: 12] والفضائل ~~والمناقب والمواهب، { والذين كفروا } [محمد: 12]؛ أي: النفوس ~~المتمردة { يتمتعون } [محمد: 12] بمتاع الدنيا، { ويأكلون ~~كما تأكل الأنعام } [محمد: 12]؛ للحظوظ النفسانية لا للحقوق ~~الربانية، { والنار } [محمد: 12] نار القطيعة { مثوى لهم } ~~[محمد: 12] مقام لهم. # { وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك ~~التي أخرجتك } [محمد: 13]، يشير به إلى روح الإنسان وقرية ~~قالبه؛ أي: كم من قالب هو أقوى وأعظم من قالبك، الذي يخرج منه، { ~~أهلكناهم } [محمد: 13] بالموت، { فلا ناصر ms1490 لهم } [محمد: ~~13] في دفع الموت عنهم؛ فانتبه واعتبر. # { أفمن كان على بينة من ربه } [محمد: 14] بإراءته ~~آياته في الآفاق وفي نفسه، عند تصفية مرآة قلبه عن صدأ أخلاقه الذميمة ~~النفسانية، فيكاشفه شواهد الحق معانيه، { كمن زين له } [محمد: ~~14] بتسويلات النفس، وإلقاء الشيطان وتزينه { سوء عمله } [محمد: ~~14] بالبدعة ومخالفة الشرع، { واتبعوا أهواءهم } [محمد: 14] ~~في العقائد القلبية والأعمال القالبية. # وبقوله: { مثل الجنة التي وعد المتقون فيهآ ~~أنهار } [محمد: 15]، يشير إلى جنة قلوب أرباب الحقائق، الذين هم على ~~بينة من ربهم، التي وعد من اتقى بربه عما سواه فيها أنهار { من مآء ~~غير ءاسن } [محمد: 15]، وهو ماء حياة القلوب؛ فإنه لم يأسن بطول ~~المكث، بل يزداد طيبه، { وأنهار من لبن } [محمد: 15]، وهو لبن ~~الفطرة التي فطر الناس عليها، { لم يتغير طعمه } [محمد: 15] ~~بحموضة الأهواء والبدع، { وأنهار من خمر لذة ~~للشاربين } [محمد: 15]، وهي خمر الشوق والمحبة، كما قال شاربها: # شربت الحب كأسا بعد كأس # فما نفد الشراب وما رويت # { وأنهار من عسل } [محمد: 15]، وهو عسل الوصال { مصفى } ~~[محمد: 15]، عن كدر الملال بمشاهدة الجمال، منزهة عن المثل والمثال بلا ~~زوال ولا انتقال، فمن الحس عسل اللقاء أنس على الدوام ببقائه، ولم يطلب ~~مع بقائه شيئا آخر لا من عطائه ولا من لقائه؛ لاستهلاكه في علائه عند ~~سطوات كبريائه، { ولهم فيها } [محمد: 15] في جنة القلوب { من ~~كل الثمرات } [محمد: 15]، التي جنت أرباب الحقائق من شجرة الكلمة ~~الطيبة، { ومغفرة من ربهم } [محمد: 15]، يغفر عنهم ذنب ~~وجودهم، { كمن هو خالد في النار } [محمد: 15]؛ أي: مثل أرباب ~~اللقاء - كما مر ذكرهم - كمثل أصحاب الشقاء وخلودهم في نار الجفاء، { ~~وسقوا مآء حميما } [محمد: 15] من عين الهجران بكأس الخذلان { ~~فقطع أمعآءهم } [محمد: 15] من الحرمان. ### || [47.16-19] # ثم أخبر عن وفاق أهل النفاق بقوله تعالى: { ومنهم من يستمع ~~إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين ~~أوتوا العلم ماذا قال آنفا } [محمد: 16]، يشير إلى أهل ~~الأهواء، الذين هم بمعزل عن السمع الروحاني، إذا طبع الله على قلوبهم ~~بكفرهم، فأصمهم الله وأعمى أبصارهم، فلا ms1491 يسمعون دعوة الحق ولا يفهمون، لو ~~يستمعون إليه بسمع الظاهر؛ لأنهم كما قال تعالى: { أولئك ~~الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا ~~أهوآءهم } [محمد: 16]، فضلوا عن سبيل الله. # { والذين اهتدوا } [محمد: 17] إلى طريق الحق، فاستمعوا إلى ~~دعوة الحق { زادهم هدى } [محمد: 17] في طلب الحق، { وآتاهم } ~~[محمد: 17] ربهم { تقواهم } [محمد: 17]، وهو الاتقاء بالله عما ~~سواه، بل اهتدوا بأنواع المجاهدات، فزادهم هدى بأنوار المشاهدات { فهل ~~ينظرون إلا الساعة } [محمد: 18]؛ أي ساعة الوصال { أن ~~تأتيهم بغتة فقد جآء أشراطها } [محمد: 18]، وهي ~~غلبات الشوق وصدق الطلب؛ فإنه من شرط الوصال كما قال: # " ألا من طلبني وجدني " # ، { فأنى لهم إذا جآءتهم } [محمد: 18]، ساعة الوصال { ~~ذكرهم } [محمد: 18] ببقاء الوجود؛ لأنه من كمال كشف الحقيقة. # { فاعلم أنه لا إله إلا الله } [محمد: 19]؛ أي: ~~فاعلم بعلم اليقين ألا إله بغير اليقين إلا الله بحق اليقين، فإذا تجلى ~~بصفة علمه الذاتي للجهولية الذاتية للعبد تفنى ظلمة جهوليته بنور علمه، ~~فيعلم بعلم الله ألا موجود إلا الله، فهذا مظنة حسبان العبد أن العالم ~~بعلم الله أنه لا إله إلا الله، كما قال الله # وما قدروا الله حق قدره # [الأنعام: 91]؛ لعلمه، فقيل: { واستغفر لذنبك } [محمد: 19]؛ ~~إذ حسبت أنك العالم بوحدانية الله؛ لأن من وصفه تعالى أنه لا يعلمه إلا ~~هو، كما أنه لا إله إلا هو، واستغفر لذنبك { وللمؤمنين ~~والمؤمنات } [محمد: 19] بأنهم يحسبون أنهم يحسنوا علم لا إله إلا ~~الله، فإن من وصفه ما قدروا الله حق قدره. # { والله يعلم متقلبكم } [محمد: 19]؛ أي: متقلب كل روح ~~في العدم بوصف خاص إلى عالم الأرواح في مقام مخصوص، { ومثواكم } ~~[محمد: 19]؛ أي: مثوى كل روح إلى أسفل سافلين، والقالب بوصف خاص إلى عالم ~~الأرواح، ثم متقلبه من أسفل السافلين القالب بالإيمان والعمل الصالح، أو ~~بالكفر والعمل الصالح إلى الدرجات الروحانية والدركات النفسانية، ثم ~~مثواه إلى عليين القرب المخصوص به، أو إلى سجين البعد المخصوص به مثاله، ~~كما أن لكل حجر ومدد وشجر وحصب يبنى به دارا متقلبا مخصوصا، وموضعا ~~من الدار مخصوصا به لا يشارك ms1492 شيئا آخر متقلب؛ ليوضع فيه شيء أخر، كذلك ~~لكل روح متقلب مخصوص به ومثوى مخصوص به، لا يشارك فيه أحدا. ### || [47.20-25] # ثم أخبر عن أمارة أهل الوفاق وأهل النفاق بقوله تعالى: { ويقول ~~الذين آمنوا لولا نزلت سورة } [محمد: 20]؛ يعني: نأمر ~~بالجهاد، يشير إلى أن من أمارات الإيمان تمني الجهاد؛ شوقا إلى لقاء ~~الله عز وجل. # وبقوله: { فإذآ أنزلت سورة محكمة وذكر فيها ~~القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون ~~إليك نظر المغشي عليه من الموت } [محمد: 20]، ~~يشير إلى أن من أمارات الكفر والنفاق كراهية الجهاد كراهة للموت، كما أن ~~من أمارات الإيمان تمني الموت، كما قال تعالى: # فتمنوا الموت إن كنتم صادقين # [الجمعة: 6]، وقال الكفار ولا يتمنوه أبدا، { فأولى لهم } ~~[محمد: 20]؛ أي: فأولى بهم { طاعة } [محمد: 21] منهم لله ولرسوله { ~~وقول معروف } [محمد: 21]، بالإجابة لما أمروا بالجهاد، { ~~فإذا عزم الأمر } [محمد: 21]؛ أي: جد الأمر وافترض القتال في ~~الجهادين. # وبقوله: { فهل عسيتم إن توليتم } [محمد: 22]، يشير إلى ~~أرباب الطلب وأصحاب المجاهدة، إن أعرضتم عن طلب الحق تعالى: { أن ~~تفسدوا في الأرض } [محمد: 22]، أرض قلوبكم بإفساد استعدادها ~~لقبول الفيض الإلهي، { وتقطعوا أرحامكم } [محمد: 22] مع ~~أهل الحب في الله؛ فتكونوا في سلك { أولئك الذين لعنهم ~~الله فأصمهم وأعمى أبصارهم } [محمد: 23]. # وهذا كما قال الجنيد: لو أقبل صديق على الله ألف سنة، ثم أعرض عنه لحظة ~~فإن ما فاته أكثر مما ناله، { أفلا يتدبرون القرآن } ~~[محمد: 24]، فإن فيه شفاء من كل داء؛ ليقضي بهم إلى حسن العرفان، ويخلصهم ~~من سجن الهجران، { أم على قلوب أقفالهآ } [محمد: 24]، أقفل ~~الحق على قلوب أهل الهوى، فلا يدخلها زواجر التنبيه، ولا ينبسط عليها ~~شعاع العلم، ولا يحصل لهم فهم الخطاب، وإذا كان الباب مقفلا فلا الشك ~~والإنكار الذي فيها يخرج، ولا الصدق واليقين الذي هم يدعون إليه يدخل في ~~قلوبهم. # وبقوله تعالى: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم من ~~بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم ~~وأملى لهم } [محمد: 25]، يشير إلى الذي يطلع فجر طلبه، ويتلألأ ~~نور التوحيد في ms1493 قلبه، ثم قبل سوغ نهار إيمانه تغيم سماء قلبه من منشأ ~~نزعات الشيطان وتسويلاته، وانكسف شمس طلبه، وأظلم نهار عرفانه، ودجى ليل ~~سكره، وغابت نجوم عقله؛ فحدث عن بحر ظلماتهم ولا حرج. ### || [47.26-29] # { ذلك } [محمد: 26]؛ أي: ذلك التراجع { بأنهم } [محمد: 26]؛ ~~أي: بأن القلوب لما مالت إلى النفوس وذاقت من مشاربها، { قالوا ~~للذين كرهوا ما نزل الله } [محمد: 26]، من الواردات وهم ~~النفوس، { سنطيعكم } [محمد: 26] نوافقكم { في بعض الأمر } ~~[محمد: 26] من حب الرئاسة وقبول الخلق، { والله يعلم ~~إسرارهم } [محمد: 26] عاملهم بحب تغير أحوالهم وزيغ قلوبهم، كما ~~قال الله تعالى: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5] فسدت بصائرهم وغطت أسرارهم، وليس عليهم وجه التحقيق. # { فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم ~~وأدبارهم } [محمد: 27]، يقلبون وجوههم عن الحق، ويقلبونها عن ~~السفليات ويديرونها عن العلويات، { ذلك بأنهم اتبعوا مآ ~~أسخط الله } [محمد: 28]، وهو الإعراض عن الحق تعالى والإقبال على ~~الباطل في الدنيا وشهواتها، { وكرهوا رضونه } [محمد: 28] وهو ~~مخالفات النفس والهوى، وترك الدنيا وموافقات الشرع ومتابعة الأنبياء؛ { ~~فأحبط أعملهم } [محمد: 28]، إذا تغيرت أحوالهم. # ثم أخبر عن مرض أصحاب الغرض بقوله تعالى: { أم حسب الذين في ~~قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم } [محمد: ~~29]، يشير إلى أن من مرض القلوب الحسبان الفاسد والظنون الكاذبة، فظنوا ~~أن الله لا يطلع على خبث عقائدهم ولا يظهره على رسوله، ليس الأمر كما ~~توهموه؛ بل الله تعالى فضحهم وكشف تلبيسهم، ولقد أخبر رسوله صلى الله ~~عليه وسلم وعرفه أعيانهم. ### || [47.30-34] # وقال: { ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ~~} [محمد: 30]، بإراءته الحق تعالى إياه، وقال: { ولتعرفنهم في ~~لحن القول } [محمد: 30]؛ أي: في معنى الخطاب؛ لأنك تنظر بنور الله ~~فترى منشأ كلامهم، فيخبرك سرائرهم عن ضمائرهم، وأن الأسرة لتدل على ~~السريرة؛ فالمؤمن ينظر بنور الفراسة، والعارف ينظر بنور التحقيق، والنبي ~~ينظر بالله فلا يستتر عليه شيء، { والله يعلم أعمالكم } ~~[محمد: 30] إنها صادرة بخباثة نياتكم. # وبقوله: { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين ~~منكم } [محمد: 31]، يشير إلى أن البلاء مخلص إبريز الولاء، كما قيل: ~~البلاء للولاء كاللهب للذهب، فإن بالابتلاء ms1494 والامتحان يتبين جواهر ~~الرجال؛ فيظهر المخلص، ويفضح المارق، وينكشف المنافق، ويتميز الموافق، ~~وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان. # وفي قوله تعالى: { حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين ونبلوا أخباركم } [محمد: 31]، إشارة إلى ~~أننا نعلمكم، ونكشف لكم من المجاهد الصابر منكم، وبالابتلاء نخبركم عن ~~جواهركم أنها من السعداء والأشقياء، وإلا نحن عالمون بخالص جواهركم من ~~الأزل إلى الأبد؛ لأنا خلقناها على أوصافها، # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14]، فيتغير أحوال جواهركم في الأمة، فإن المختلفة لا تظنوا ~~تغير علمنا، فإذا يراكم في حالة واحدة، وتغيرات أحوالكم كلها كما هي؛ ~~بحيث لا يشغلنا حالة عن حالة. # { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } [محمد: ~~32]؛ أي: أنكروا بعد أن أقروا، وقطعوا الطريق على الطالبين، { ~~وشآقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى } ~~[محمد: 32] بشواهد الحق، فلم يعرفوا قدرها ولم يؤدوا حقها، أخذوا بكفران ~~النعمة وأمهلوا بالخذلان فتقاعدوا عن الخدمة، { لن يضروا الله ~~شيئا } [محمد: 32]، وإنما أضروا بأنفسهم { وسيحبط أعمالهم ~~} [محمد: 32]، لا ينتفعون بها في الدارين. # ثم أخبر عن الطاعة بقدر الاستطاعة بقوله تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا ~~تبطلوا أعمالكم } [محمد: 33]، يشير إلى أن عمل وطاعة لم يكن ~~بأمر الله وسنة رسوله، فهو باطل لم يكن له ثمرة؛ لأنه صدر عن الطبع ~~والطبع ظلماني، وإنما جاء الشرع وهو نوراني؛ ليزيل ظلمة الطبع بنور ~~الشرع، فيكون ثمرا وثمرته أن يخرجكم من الظلمات إلى النور؛ أي: من ظلمات ~~الطبع إلى نور الحق. # { إن الذين كفروا } [محمد: 34] من النفوس المتمردة، { ~~وصدوا } [محمد: 34]، القلوب { عن سبيل الله } [محمد: 34] ~~وطلبه، { ثم ماتوا وهم كفار } [محمد: 34] على طبيعتهم، { ~~فلن يغفر الله لهم } [محمد: 34] في الآخرة؛ لأنهم ماتوا على ~~الكفر؛ فيحشرون على ما ماتوا عليه. ### || [47.35-38] # { فلا تهنوا } [محمد: 35] في جهاد النفس، { وتدعوا إلى ~~السلم } [محمد: 35]؛ أي: تدعوا النفس إلى الصلح، فإن من صالح نفسه ~~وترك جهاده لن يفلح أبدا، { وأنتم الأعلون } [محمد: 35]، يخاطب ~~القلوب والأرواح العلوية، ولكم القوة الروحانية، { والله معكم } ~~[محمد: 35] بالنصر؛ إذ تجاهدون ms1495 النفس السفلية الضعيفة في الله، { ولن ~~يتركم أعمالكم } [محمد: 35] لن ينقصكم أجوركم؛ لأنه لا يظلم ~~مثقال ذرة، # وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا ~~عظيما # [النساء: 40]، بالغوا في العبودية وسارعوا في طلب الحق تعالى. # ولا تغتروا بالدنيا وزينتها، { إنما الحيوة الدنيا } ~~[محمد: 36] عند أرباب النظر وأصحاب الطلب { لعب ولهو } [محمد: ~~36]، مخصوصة بالفناء، مجبولة على التعب والنصب والبلاء والعناء، { وإن ~~تؤمنوا } [محمد: 36] بطلب الحق، { وتتقوا } [محمد: 36] بالحق ~~عما سواه، { يؤتكم أجوركم } [محمد: 36] بالتقرب إليكم على حسب ~~تقربكم إليه؛ فإن تقربتم إليه شبرا يتقرب إليكم ذراعا، وإن جئتم إليه ~~وأنتم تمشون يجئ إليكم وهو يهرول كما يليق بذاته وصفاته، تعالى عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا. # وبقوله: { ولا يسألكم أمولكم } [محمد: 36]، يشير إلى ~~المؤمنين من أهل الجنة أنه تعالى لا يسألكم جميع أموالكم ليدخلكم الجنة، ~~بل بأداء الزكاة الواجبة يرضى عنكم لدخول الجنة، وهذا لمن يوق شح نفسه، ~~فأما الأحرار عن ذوق الكونين ومن علت رتبتهم في طلب الحق تعالى؛ فلا ~~يسامحون في استيفاء ذرة، ويطالبون ببذل الروح والتزام الغرامات، فإن ~~المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، بل يقال لهم: { إن يسألكموها ~~فيحفكم } [محمد: 37]، به يشير إلى الطالب الصادق، والعاشق الوامق ~~الذي لا ترضى عنه الآية؛ فيخفى في السؤال كذلك أن يسأل الله، فيحفي لا ~~يرضى منه إلا ببذل الوجود إفناء الناسوتية في لاهوتية، وهذا مقام أخص ~~الخواص، وقال للعوام: أن يسألكموها { فيحفكم تبخلو } [محمد: ~~37] ببذل الوجود؛ لقصور همتكم في طلب المقصود ولجهلكم عن كمال المفقود. # ثم قال لأرباب الهمم العلية في طلب المواهب السنية: { ها أنتم ~~هؤلاء تدعون لتنفقوا } [محمد: 38] في حقيقة الوجود الكلي ~~لنيل المقصود الكلي، فمنكم من يتجلى { في سبيل الله } [محمد: 38] ~~ببذل الوجود، { فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما ~~يبخل عن نفسه } [محمد: 38]؛ لأنه بخل بوجود مجازي، فإنه حرم عن ~~وجود حقيقي باق، { والله الغني } [محمد: 38] لذاته بذاته، ومن ~~غناه تمكنه من تنفيذ مراده، واستغناؤه عن سواه، { وأنتم الفقرآء ~~} [محمد: 38] إلى الله في الابتداء؛ ليخلقكم في الوسط ليربيكم ms1496 في ~~الانتهاء ليغنيكم عن أنانيتكم، ويبقيكم بهويته، والله غني عنكم من الأزل ~~إلى الأبد، وأنتم الفقراء يحتاجون إليه من الأزل إلى الأبد. # وبقوله تعالى: { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم } ~~[محمد: 38]، يشير إلى أن الإنسان خلق ملولا غير ثابت في طلب الحق تعالى، ~~وإن من خواصهم: من يرغب في طلب الحق تعالى بالجد والاجتهاد من حسن ~~استعداده الروحاني، ثم في أثناء السلوك بمجاهدة النفس ومخالفة هواها بظمأ ~~النهار وسهر الليل تمل النفس من مكايدة الشيطان وطلب الرحمن، فيتولى عن ~~الطلب بالخذلان وابتلي بالكفران؛ إذ لم يكن مستعانا بجذبة العناية، فما ~~أمكنه حسن الرعاية، فالله تعالى قادر على أن يستبدل به قوما آخرين في ~~الطلب صادقين، وعلى قدم العبودية ثابتين، وقد أدركتهم جذبات العناية ~~موفقين للهداية، وهم أشد رغبة وأعز رهبة منكم، { ثم لا يكونوا ~~أمثالكم } [محمد: 38] في الإعراض بعد الإقبال، والإنكار بعد ~~الإقرار، وترك الشكر والوفاء بأن يكونوا خيرا منكم من جميع الأحوال؛ ~~إظهارا للقدرة على ما يشاء والحكمة فيما يشاء. ### | [48 - سورة الفتح] ### || [48.1-5] # { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } [الفتح: 1]، يشير إلى فتح ~~باب قلبه صلى الله عليه وسلم إلى حضرة ربوبيته بتجلي صفات جماله وجلاله، ~~وفتح ما انغلق على جميع القلوب، وتفصيل شرائع الإسلام، وغير ذلك من ~~فتوحات قلبه؛ { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك } ~~[الفتح: 2]؛ أي: ليستر لك بأنوار جلاله ما تقدم من ذنب وجودك من بدء خلق ~~روحك، وهو أول شيء تعلقت به القدرة، كما قال: # " أول ما خلق الله روحي " # ، وفي رواية: # " نوري ". # { وما تأخر } [الفتح: 2]؛ أي: من ذنب وجودك إلى الأبد، وذنب ~~الوجود هو إلى الأبد، وذنب الوجود هو الشركة في الوجود وغفره ستره بنور ~~الوحدة؛ لمحو آثار ظلمة الاثنينية، { ويتم نعمته عليك } ~~[الفتح: 2]، وهي نور وحدانيته كما قال تعالى: # والله متم نوره # [الصف: 8]؛ ولهذا سماه الله نورا بقوله: # قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين # [المائدة: 15]. # { ويهديك صراطا مستقيما } [الفتح: 2]؛ أي: يهديك بجذبات ~~ألطافه على صراط مستقيم عنايته إلى ذاته وصفاته، { وينصرك الله ms1497 ~~نصرا عزيزا } [الفتح: 3]؛ أي: ينصرك ببذل وجودك المجازي في وجوده ~~العزيز الحقيقي. # { هو الذي أنزل السكينة } [الفتح: 4] من أنوار ولاية ~~نبوته { في قلوب المؤمنين } [الفتح: 4] بتوجه قلوبهم إلى ~~الإيمان بنبوته؛ { ليزدادوا إيمنا } [الفتح: 4]؛ أي: إيمانا ~~بنبوته { مع إيمنهم } [الفتح: 4] بالله، والسكينة: ما يسكن إليه ~~القلب من أنوار الإيمان والإيقان والعرفان بالدلائل والبرهان والعرفان ~~بمشاهدة العيان، بل الاستغراق في بحر العين بلا أين { ولله جنود ~~السموت والأرض } [الفتح: 4]؛ أي: كلها دالة على وحدانيته، وهي ~~جنود الله بالنصرة لعباده بالظفر بمعرفته، { وكان الله عليما } ~~[الفتح: 4] بمن هو أهل النصرة للمعرفة { حكيما } [الفتح: 4] فيما حكم ~~في الأزل لهم. # { ليدخل المؤمنين والمؤمنات } [الفتح: 5]؛ أي: { ~~إنا فتحنا لك فتحا مبينا } [الفتح: 1]؛ ليغفر لك الله ~~وليدخل المؤمنين والمؤمنات بتبعيتك { جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم } ~~[الفتح: 5] بستر ذنوبهم وبحطها عنهم، ويزكيهم عن أخلاقهم الذميمة كما فعل ~~بك، { وكان ذلك عند الله } [الفتح: 5]، لهم { فوزا ~~عظيما } [الفتح: 5]؛ إذ فازوا بالنعيم المقيم وجوار الله العظيم. ### || [48.6-9] # { ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين ~~والمشركات } [الفتح: 6] بذل الحجاب وسوء العقاب في الدارين، { ~~الظآنين بالله ظن السوء } [الفتح: 6] في ذاته وصفاته ~~بالأهواء والبدع، وفي أفعاله وأحكامه بالظلم والبعث، { عليهم ~~دآئرة السوء } [الفتح: 6]؛ أي: عاقبه بالمساءة فيما اعتقده { ~~وغضب الله عليهم } [الفتح: 6]؛ وغضبه: إرادته العقوبة لهم في ~~الآخرة، وكون الشرك والنفاق في الدنيا، { ولعنهم } [الفتح: 6]، ~~بعدهم من فضله حق فيهم كلمته، وسبقت من الله بالشقاوة قسمة، كما قال: { ~~وأعد لهم جهنم وسآءت مصيرا } [الفتح: 6]. # { ولله جنود السموت والأرض } [الفتح: 7]، به يشير ~~إلى ما أعد الله من عظائم فضله، وعجائب صنعه في سماوات القلوب وأرض ~~النفوس، يمد بها أولياءه وينصرهم بها على أنفسهم؛ ليفوزوا بكمال قربه، ~~ويخذل به أعداءه ويهلكهم في أودية الأهوية؛ ليصيروا إلى كمال بعده، { ~~وكان الله عزيزا } [الفتح: 7] بذل أعدائه، { حكيما } [الفتح: ~~7] فيما يعز أولياءه. # ثم أخبر عن سر الرسالة إلى أهل الضلالة بقوله تعالى: { إنآ ~~أرسلنك شهدا } [الفتح: 8]، يشير إلى أنه لما كان أول مخلوق ~~خلقه الله ms1498 تعالى كان شاهدا بوحدانية الحق تعالى وربوبيته، وشاهدا بما ~~أخرج من العدم إلى الوجود من الأرواح والنفوس والأجرام والأركان والأجسام ~~والمعادن والنبات والحيوان والملك والجن والشيطان والإنسان، وكل ما دب ~~فيه روح؛ لئلا يشذ عنه مما يمكن للمخلوق دركه من أسرار أفعاله، وعجائب ~~صنعه، وغرائب قدره بحيث لا يشاركه فيه غيره؛ ولهذا قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " علمت ما كان وما سيكون " # ؛ لأنه شاهد الكل وما غاب لحظة، وشاهد خلق آدم عليه السلام ولأجله قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد، أو كنت مخلوقا وعالما بأني نبي ~~وحكم لي بالنبوة وآدم بين أن يخلق له روح ثم يخلق له جسد ولم يخلق بعد ". # واحد منهما شاهد: وأما ما جرى عليه في امتناع السجود لآدم من: الإكرام، ~~والإخراج من الجنة بسبب المخالفة، وما تاب الله عليه... إلى آخر ما جرى ~~عليه. # وشاهد: خلق إبليس، وما جرى عليه من: امتناع السجود لآدم، والطرد واللعن ~~بعد طول عبادته ووفور علمه بمخالفة أمر واحد، فحصل له بكل حادثة جرت على ~~الأنبياء والرسل والأمم فهوم وعلوم، فلما تحصل لروحه ما أمكنه حصوله من ~~كمال العلم، والحال لكمال الربوبية الإلهية في عالم الأرواح، أراد أن ~~يزداد نورا على نور، وأن يحصل كمالا على كمال إنزال روحه في قالبه على ~~وجه المعروف، بعدما شرفه وفضله أقصى ما يمكن من الإكرام، ثم رباه بلبان ~~العناية في حجر الهداية، إلى أن أرسله إلى الأحمر والأسود { شهدا ~~ومبشرا } [الفتح: 8]، يبشر أمته أن لهم في متابعة الرتبة المحجوبة، ~~التي هي مخصوصة به من بين سائر الأنبياء والمرسلين - عليهم السلام - { ~~ونذيرا } [الفتح: 8] لهم؛ لئلا ينقطعوا عنا شيئا من الدارين. # { لتؤمنوا بالله } [الفتح: 9] إيمانا حقيقيا يوجب صدق ~~الطلب { ورسوله } [الفتح: 9]، إيمانا يوجب متابعته بالشرط، { ~~وتعزروه } [الفتح: 9] وتعينوه بصدق الطلب في المتابعة؛ لتبلغوا ~~مقام المحبوبية، { وتوقروه } [الفتح: 9]؛ أي: تعظموه؛ فإن بالتعبد ~~أن يصل العبد إلى الجنة، وبالتعظيم يصل إلى الله، وتعظيم النبي صلى الله ~~عليه وسلم وتوقيره بإتباع سنته في ms1499 الظاهر والباطن، والعلم بأنه زبدة ~~الوجودات وخلاصتها، وهو المحبوب الأزلي وما سواه تبع له. # وبقوله: { وتسبحوه بكرة وأصيلا } [الفتح: 9]، يشير إلى ~~استغراق جميع الأوقات بالعبودية على وصف تنزيه الحق تعالى وغناه عن ~~العالمين، ويرى العبد كل خير وطاعة يصدر منه أنه نعمة من نعيم ربه أنعم ~~به عليه. ### || [48.10-11] # وبقوله: { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون ~~الله } [الفتح: 10]، يشير إلى كمال فناء وجوده صلى الله عليه وسلم في ~~الله وبقائه بالله، فوقع بهذا المعنى بقوله: { يد الله فوق ~~أيديهم فمن نكث } [الفتح: 10]؛ أي: عقد هذه البيعة مع الله، { ~~فإنما ينكث على نفسه } [الفتح: 10] بالحرمان من هذه ~~السعادة العظمى، { ومن أوفى بما عاهد عليه الله } ~~[الفتح: 10]، فكذلك صرح بهذا أنه جرت البيعة والمعاهدة مع الله، { ~~فسيؤتيه أجرا عظيما } [الفتح: 10]، بأن يرزقه عند الثبات على ~~المتابعة. # ثم أخبر عن قول أهل اللسان بما ليس لهم في الجنان بقوله تعالى: { ~~سيقول لك المخلفون من الأعراب.. } [الفتح: 11] الآية، ~~يشير إلى أن القلوب الغافلة عن الله يقولون أهلها بألسنتهم ما ليس له ~~حقيقة ولا شعور لقلوبهم على حقيقة ما يقولون، فإنهم يقولون بالمجاز ويرون ~~به معنى آخر كقوله: { شغلتنآ أموالنا وأهلونا ~~فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في ~~قلوبهم } [الفتح: 11]، ويريدون به اعتذارا لتخلفهم؛ ولقولهم شغلتنا ~~حقيقة، وذلك أن أموالهم وأهليهم شغلتهم عن ذكر الله والائتمار بأوامره، ~~وعن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم المأمورون، { قل فمن يملك ~~لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا } [الفتح: 11] ~~وهو التخلف، { أو أراد بكم نفعا } [الفتح: 11] وهو الإتباع، { ~~بل كان الله } [الفتح: 11] في الأزل { بما تعملون } ~~[الفتح: 11] اليوم، ولماذا تعملون بالصدق أو بالرياء، { خبيرا } ~~[الفتح: 11] لا يخفى عليه شيء من الأزل إلى الأبد. ### || [48.12-15] # وبقوله: { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول ~~والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في ~~قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا } ~~[الفتح: 12]، يشير إلى أن كل من خلق أن يصيبه في الغزو قتلا وجراحة أو ~~ما يكره من المصائب، ثم يتخلف عن الغزو فإنه ms1500 من الهالكين، وقد استولى ~~الشيطان على قلبه فزين في قلبه الحياة الدنيا؛ ليؤثرها على الحياة ~~الأخروية، التي وعدت الشهداء الدرجات العلا في الجنة والقربات في جوار ~~الحق تعالى. # وبقوله: { ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنآ ~~أعتدنا للكافرين سعيرا } [الفتح: 13]، يشير إلى أن سعير ~~النفوس ونوران شعلة صفاتها اعتدناها مستولية على قلوب من لم يؤمن بالله ~~ورسوله، فمن أطفأ سعير نفسه وشعلة صفاتها بماء الذكر وترك الشهوات يؤمن ~~قلبه وينجو من سعير نفسه. # { ولله ملك السموت والأرض } [الفتح: 14]؛ أي: ملك ~~سماوات القلوب وأرض النفوس، { يغفر } [الفتح: 14] نفس { لمن ~~يشآء } [الفتح: 14]، ويزكيها عن الصفات الذميمة، ويجعلها مطمئنة قابلة ~~لجذبة: # ارجعي # [الفجر: 28]، { ويعذب من يشآء } [الفتح: 14] باستيلاء صفات ~~النفس عليها وبقلبه، كما لم يؤمن به أبدا { وكان الله غفورا } ~~[الفتح: 14] القلب من يشاء، { رحيما } [الفتح: 14] لنفس من يشاء، ~~يؤتي ملك نفس من يشاء لقلبه، وينزع ملك قلب من يشاء ويؤتي لنفسه. # { سيقول المخلفون } [الفتح: 15]؛ أي: النفس المتمردة { إذا ~~انطلقتم } [الفتح: 15]؛ أي: إذا انطلقت القلوب المجذوبة إلى حضرة ~~الربوبية { إلى مغانم } [الفتح: 15] مواهب الحق تعالى إلى مغانم؛ ~~{ لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا ~~كلام الله } [الفتح: 15]؛ أي: في حقهم، وهو قوله: # إن النفس لأمارة بالسوء # [يوسف: 53]، { قل } [الفتح: 15]، يا قلب السليم للنفس المتمردة، { لن ~~تتبعونا } [الفتح: 15] في طلب الحق تعالى، { كذلكم قال ~~الله من قبل فسيقولون } [الفتح: 15] النفوس، { بل ~~تحسدوننا } [الفتح: 15] أيها القلوب، { بل كانوا لا ~~يفقهون } [الفتح: 15]؛ يعني: النفوس { إلا قليلا } [الفتح: ~~15]، وهو المتاع الدنيا؛ يعني: لا يتجاوز ميمة النفوس عن المتاع ~~الدنيوي القليل. ### || [48.16-19] # ثم أخبر عن قتال ناس أولي بأس بقوله تعالى: { قل للمخلفين ~~من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ~~تقاتلونهم أو يسلمون } [الفتح: 16]، يشير إلى أن النفوس ~~المتخلفة عن الطاعات والعبادات من الفرائض والنوافل لو دعيت إلى الجهاد ~~في سبيل الله، والجهاد الأكبر وهو جهاد النفس والشيطان والدنيا، { ~~تقاتلونهم } بنهي النفس عن الهوى وترك الدنيا وزينتها، فإذا ~~أجابوا أو أطاعوا فقد استوجبوا الأجر الحسن، وذلك قوله: { فإن ~~تطيعوا ms1501 يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا ~~كما توليتم من قبل } [الفتح: 16]؛ أي: إن أعرضتم عن الجهاد ~~كما أعرضتم عن الطاعات والعبادات، { يعذبكم عذابا أليما } ~~[الفتح: 16]، يتألمون به في الدنيا والآخرة. # وبقوله: { ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج ~~حرج ولا على المريض حرج } [الفتح: 17]، يشير إلى أن أصحاب ~~الأعذار من أرباب الطلب، فمن عرض له مانع يعجزه عن السير بلا عزيمة منه، ~~وهمته في الطلب ورغبته في السير وتوجهه إلى الحق باق فلا حرج عليه فيما ~~يعتريه، فيكون أجره على الله، وذلك قوله: { ومن يطع الله ~~ورسوله } [الفتح: 17]؛ يعني: بقدر الاستطاعة { يدخله جنت ~~تجري من تحتها الأنهر ومن يتول } [الفتح: 17]؛ يعني: ~~يعرض عن الله وينقض عهد الطلب، { يعذبه عذابا أليما } ~~[الفتح: 17]. # وبقوله: { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ ~~يبايعونك تحت الشجرة } [الفتح: 18]، يشير إلى أن الله ~~تعالى بفضله وكرمه رضي عنهم أولا؛ ليكونوا مؤمنين، ويبايعونك ثانيا، ~~ولولا سبقت رضاه لم يؤمنوا ولم يبايعوك، { فعلم ما في قلوبهم ~~} [الفتح: 18] من الضعف والعجز الإنساني؛ { فأنزل السكينة ~~عليهم } [الفتح: 18]، إذا نظر إلى قلوبهم بنظر الرضاء، { ~~وأثابهم فتحا قريبا } [الفتح: 18] من مغانم الدنيا والآخرة، ~~وذلك قوله: { ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله ~~عزيزا حكيما } [الفتح: 19]، أعزهم بالمغانم في الدنيا والآخرة ~~حكيما في جميع أفعاله مع عباده. ### || [48.20-23] # ثم أخبر عن وعد المغانم ونيل الغنائم بقوله تعالى: { وعدكم الله ~~مغانم كثيرة تأخذونها } [الفتح: 20]، يشير إلى ما وعد الله ~~عباده من المغانم الكثيرة بقوله: # ادعوني أستجب لكم # [غافر: 60]، يأخذونها كل واحد بحسب مطرح نظره وعلو همته، فمن كانت همته ~~الدنيا تعجل لكم هذه، ومن كانت همته الآخرة، { فعجل لكم هذه ~~وكف أيدي الناس عنكم } [الفتح: 20]؛ أي: أيدي دواعي شهوات ~~النفس عنكم؛ لتكونوا من أهل الجنة لقوله: # ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي ~~المأوى # [النازعات: 40-41]، ولو وكلكم إلى أنفسكم لاتبعتم الشهوات؛ وهي: دركات ~~الجحيم إذ حفت النار بالشهوات، { ولتكون } [الفتح: 20] في ترك ~~الدنيا وشهوات النفس { آية للمؤمنين } [الفتح: 20]، يهتدون ~~بهديكم، { ويهديكم صراطا مستقيما } [الفتح: 20] إلى حضرة ms1502 ~~الربوبية. # وذلك قوله: { وأخرى لم تقدروا عليها } [الفتح: 21]؛ أي: ~~أنتم تقدرون سلوك طريق الجنة على قدمي الإيمان والعمل الصالح، ولا يقدرون ~~على سلوك طريق الوصول إلى الحضرة، { قد أحاط الله بها } ~~[الفتح: 21] بتجلي صفات جماله وجلاله، { وكان الله على كل ~~شيء } [الفتح: 21] من أنواع التجلي بحسب استعداد كل طالب له، { ~~قديرا } [الفتح: 21] بأن يتجلى له، وهي المغانم الكثيرة على الحقيقة. # { ولو قتلكم الذين كفروا } [الفتح: 22] من نفوسكم ~~المتمردة { لولوا الأدبار } [الفتح: 22]؛ لأني ناصركم على قتال ~~نفوسكم، { ثم لا يجدون } [الفتح: 22] من دوني { وليا ولا ~~نصيرا } [الفتح: 22] ينصرهم. # { سنة الله التي قد خلت من قبل } [الفتح: 23]؛ يعني: ~~في التقدير الأزلي { ولن تجد لسنة الله تبديلا } ~~[الفتح: 23] إلى الأبد، فإن المنصور من نصره الله وإن المقهور من قهره ~~الله. ### || [48.24-25] # { وهو الذي كف أيديهم } [الفتح: 24]؛ أي: أيدي النفوس ~~بالاستيلاء { عنكم } [الفتح: 24]؛ أي: عن قلوبكم { وأيديكم ~~عنهم ببطن مكة } [الفتح: 24]، وهي مكة الروح في بطنه كعبة ~~القلب، { وأيديكم }؛ أي: أيدي قلوبكم، { عنهم } عن النفوس من ~~أن تهلكها بالمجاهدة والرياضة، { من بعد أن أظفركم ~~عليهم } [الفتح: 24]؛ لأن الحكمة في جهاد النفس تزكيتها، والظفر بها ~~لإهلاكها، فإنها مطية الروح ومشقها، بها يبلغ كعبة الوصال؛ ولهذا قيل ~~لبعضهم: إلى متى ينتهي طلب الطالبين؟ قال: إلى الظفر بنفوسهم { وكان ~~الله بما تعملون بصيرا } [الفتح: 24]؛ أي: بما تعلمون في ~~طلبه بالصدق بصيرا بأن يهديكم إلى الحضرة، ويكف أيدي النفوس عنكم؛ لئلا ~~يقطع الطريق عليكم. # { هم الذين كفروا } [الفتح: 25]؛ أي: النفوس المتمردة، { ~~وصدوكم عن المسجد الحرام } [الفتح: 25]، وهي كعبة ~~القلب، { والهدي معكوفا } [الفتح: 25]، وهو كل ما يتقرب به إلى ~~الله من النفس والمال { أن يبلغ محله } [الفتح: 25]، ومحله ~~الصدق والإخلاص يعني: من خاصة النفس أن تصد وجه الطالب عن الله، وبنشوب ~~الخيرات والصدقات التي يتقرب بها إلى الله بالرياء والسمعة والعجب؛ لئلا ~~يبلغ محل الإخلاص والقبول. # وبقوله: { ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم ~~تعلموهم أن تطئوهم } [الفتح: 25]، يشير إلى بعض صفات النفس ~~أنها قابلة للفيض الإلهي لم تعرفوا أحوالها، ms1503 أن تقهروها لو سلطناكم ~~عليها؛ { فتصيبكم منهم معرة } [الفتح: 25]، بإفساد ~~استعدادها لقبول الفيض الإلهي، { بغير علم } [الفتح: 25] منكم بما ~~يفوتكم من إعوازها؛ { ليدخل الله في رحمته } [الفتح: 25] ~~بالوصول إلى حضرته، { من يشآء } [الفتح: 25] من عباده على مطية النفس ~~المطمئنة المظفرة بها، كما قال تعالى: # يأيتها النفس المطمئنة *ارجعي إلى ربك # [الفجر: 27-28]، فحقيقة معنى الآية: لولا هذه المصالح في استيفاء النفس ~~بعد اطمئنانها وتزكية صفاتها، { لو تزيلوا } [الفتح: 25] تميزوا ~~عند التزكية، ما منها صفة لا تصلح في استيفاء النفس بعد اطمئنانها إلا ~~قلعها، كالكبر والشدة والحسد والحقد، ومنها ما تصلح للتبديل: كالبخل ~~بالسخاوة، والحرص بالقناعة، والغضب بالحلم، والجبانة بالشجاعة، والشهوة ~~بالمحبة؛ { لعذبنا الذين كفروا منهم } [الفتح: 25] من ~~النفوس المتمردة { عذابا أليما } [الفتح: 25] للهلاك. ### || [48.26-27] # ثم أخبر عن الحمية الجاهلية بقوله تعالى: { إذ جعل الذين ~~كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية } ~~[الفتح: 26]، يشير إلى أن خاصية أهل الخذلان، فإنه تعالى إذا أخذل أحد ~~وكله إلى نفسه، فنفسه الأمارة بالسوء تأمره بالفواحش والأخلاق الذميمة ~~إلى أن يتعدى إلى قلبه، والقلب يتصف بصفات النفس، فالحمية الجاهلية هي: ~~أنفة النفس تعدت إلى قلوب أهل الخذلان. # ثم أخبر عن أهل العناية بقوله: { فأنزل الله سكينته على ~~رسوله وعلى المؤمنين } [الفتح: 26]، وهي نور نظر العناية ~~إلى قلوب أهل العناية، ومن نتائج النظر { وألزمهم كلمة ~~التقوى } [الفتح: 26]، وهي كلمة لا إله إلا الله إلزام إكرام، ولطف ~~بأن حبب إليهم الإيمان، وزينه في قلوبهم حتى اتقوا بوحدانيته عما سواه، { ~~وكانوا أحق بها وأهلها } [الفتح: 26] مع جميع الأمم؛ لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان خلاصة الموجودات وأصلها، وهو الحبيب الذي ~~خلقت الموجودات بتبعيته، والكلمة هي صورة الجذبة التي توصل الحبيب ~~بالحبيب والمحب بالمحبوب، فهي بالنبي أحب؛ لأنه هو الحبيب لتوسله إلى ~~حبيبه، وأمته أحق بها من الأمم؛ لأنهم المحبون لتوصل المحب بالمحبوب، وهم ~~أهلها لأن أهل هذه الكلمة من يفدي بذاته وصفاته من حقيقة الكلمة، فينتفي ~~بنفيها عن ذاته وصفاته، ويبقى بإثباتها معها بلا أنانية، وما بلغ هذا ms1504 ~~المبلغ بالكمال إلا النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: # " أما أنا فلا أقول أنا وأمتي " # ؛ لقوله تعالى: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران: 110]، { وكان الله بكل شيء عليما } [الفتح: ~~26] في الأزل فينا وجود كل إنسان على ما هو أهله، فمنهم: أهل الدنيا، ~~ومنهم: أهل الآخرة، ومنهم: أهل الله وخاصته. # وبقوله: { لقد صدق الله رسوله الرءيا بالحق ~~لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله آمنين ~~محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون } [الفتح: 27]، ~~امتحن المؤمن والمنافق بهذه الرؤيا؛ إذ لم يتعين وقت دخولهم فيه، فأخر ~~الدخول تلك السنة، فهلك المنافقون بتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم فيما ~~وعدهم بدخول المسجد الحرام، وازداد كفرهم ونفاقهم، وازداد إيمان المؤمنين ~~بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم مع إيمانهم، وانتظروا صدق رؤياه فصدق ~~الله ورسوله الرؤيا بالحق، فهلك من هلك عن بينة وحيي من حيي عن بينة ~~ولذلك قال تعالى: { فعلم ما لم تعلموا } يعني: من تربية نفاق ~~أهل النفاق وتقوية إيمان أهل الإيمان { فجعل من دون ذلك ~~فتحا قريبا } من فتوح الظاهر والباطن. ### || [48.28-29] # { هو الذي أرسل رسوله بالهدى } [الفتح: 28] أي: بما ~~يهدي إلى الله { ودين الحق } أي: دينا كاملا وغلا كل دين حق ~~فأما الدين الكامل في الحقيقة فدين أرسل به محمد صلى الله عليه وسلم وهو ~~دعوته إلى الله كما قال تعالى: # وداعيا إلى الله بإذنه # [الأحزاب: 46]. # وقوله: { ليظهره على الدين كله } [الفتح: 28]، يشير إلى ~~هذا المعنى أي: كان دعوة كل نبي إلى الجنة وبهذا يقدمون أممهم فأظهره ~~بالدعوة إلى الله على الدين كله { وكفى بالله شهيدا } [الفتح: ~~28]، على حقيقة هذا المعنى؛ لأن العقول تحير عن إدراك هذا المعنى. # ثم خص النبي صلى الله عليه وسلم والذين معه بالتدين بهذا الدين لنيل هذه ~~الرتبة العظمى بقوله: { محمد رسول الله والذين معه ~~أشدآء على الكفار } [الفتح: 29]، كفار النفوس في إفنائها أشد ~~مما كانت الأمم عليها { رحمآء بينهم } [الفتح: 29]، في التودد ~~والتحاب في الله والتعاون في طلب الله، كما هو سنة مشايخ هذه الأمة خلفا ~~عن ms1505 سلف في تسليك المريدين الذين يريدون وجهه { تراهم ركعا ~~سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا } [الفتح: 29]؛ ~~أي: قصدهم في الطاعة والعبادة الوصول والوصال وذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء { سيماهم في وجوههم } [الفتح: 29]، سيمات المحبين { من ~~أثر السجود } [الفتح: 29]، فإنهم لا يسجدون لشيء من الدنيا ~~والعقبى إلا الله مخلصين له الدين { ذلك مثلهم في التوراة ~~} أي: ضرب الله المعنى مثلهم في التوراة { ومثلهم في الإنجيل ~~كزرع أخرج شطأه } أي: مثل طلاب الحق تعالى كمثل زرع أي: ~~كنبات مثمرة أخرج فراخه { فآزره فاستغلظ } حتى استعد لحمل ~~الثمرة { فاستوى على سوقه } أي: أثمر { يعجب الزراع ~~} أي: الطلاب ثمرة شجرة وجوده وهي قول بعضهم أنا الحق وقول بعضهم سبحاني ~~ما أعظم شأني { ليغيظ بهم الكفار } كفار النفوس لأن شجرتهم ~~غير مثمرة معدة لنار جحيم القطيعة { وعد الله الذين آمنوا } ~~[الفتح: 29]، إيمان الطلب { وعملوا الصالحات } [الفتح: 29] في ~~السلوك والسير إلى الله { منهم مغفرة } [الفتح: 29] وهي ستر ~~أوصافهم بتجلي صفاته، { وأجرا عظيما } [الفتح: 29]، وهو يتجلى لهم ~~بذاته وصفاته العظمى؛ فإن العظيم الحقيقي هو الله، وقوله: { منهم }؛ ~~لأن كل مؤمن ليس موعودا بهذا الوعد إلا خواص أهل الجنة. ### | [49 - سورة الحجرات] ### || [49.1-4] # { يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي ~~الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم ~~} [الحجرات: 1]، يشير إلى شهادة المنادي بالشرف: لا تقدموا أمر عمل ~~المكلف قدم الإكرام بالشرف على إلزام الكلف؛ أي: لا تقدموا حكمكم برأيكم ~~وعقلكم بين يدي الله ورسوله؛ أي: لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله، ولا ~~تعملوا في أمر الدين من ذات أنفسكم شيئا، وقفوا حيثما وقفتم، وافعلوا ما ~~به أمرتم؛ أي: اعملوا بالشرع لا بالطبع في طلب الحق، وكونوا أصحاب ~~الاقتداء والاتباع لا أرباب الابتداء والابتداع. # وبقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت النبي } [الحجرات: 2]، يشير إلى أنه من ~~شرط المؤمن ألا يرى رأيه وعقله واختياره فوق رأي النبي صلى الله عليه ~~وسلم والشيخ، ويكون مستسلما لما فيه مصلحته، ويحفظ الأدب في خدمته ~~وصحبته، { ولا تجهروا ms1506 له بالقول كجهر بعضكم ~~لبعض } [الحجرات: 2]؛ أي: لا تخاطبوه كخطاب بعضكم لبعض، بل خاطبوه ~~بالتعظيم والتبجيل، ولا تنظروا إليه بالعين التي تنظرون إلى أمثالكم، ~~وأنه بحسن خلقه يلاينكم، ولا تنبسطوا معه متجاسرين بما يعاشركم به من ~~تخلقه، ولا تبدؤه بحديث حتى يفاتحكم، { أن تحبط أعمالكم } ~~[الحجرات: 2] بسوء الأدب وترك الحرمة، { وأنتم لا تشعرون } ~~[الحجرات: 2] لا تقفون عليه. # { إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله } ~~[الحجرات: 3] وعند شيخه، وهم الذين تقع عليهم السكينة من هيبة حضرته ~~وولايته، { أولئك الذين امتحن الله قلوبهم ~~للتقوى } [الحجرات: 3]، انتزع عنها حب الشهوات وصفاتها عن دنس سوء ~~الأخلاق وتحليها بمكارمها، حتى انسلخوا عن عادات البشرية { لهم ~~مغفرة } [الحجرات: 3]، بأنوار صفات الحق تعالى، { وأجر عظيم ~~} [الحجرات: 3] بتجلي صفة العظمة. # ثم أخبر عن سوء أدب بعض العرب بقوله تعالى: { إن الذين ~~ينادونك من ورآء الحجرات } [الحجرات: 4]، يشير إلى أنهم ~~إنما ينادونك؛ لأنهم من وراء الحجبات يرونك فلا يعرفون قدرك، { ~~أكثرهم لا يعقلون } [الحجرات: 4]؛ أي: مالهم به عقل يعرفون ~~قدرك، ولو عرفوا قدرك لما تركوا حرمتك ولا التزموا هيبتك. ### || [49.5-8] # { ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان ~~خيرا لهم والله غفور رحيم } [الحجرات: 5] من استعجالهم ~~بالمنارات حتى أيقظوك وقت القيلولة من سوء أدبهم، فأما أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الذين عرفوا قدره، فكانوا كما في الخبر " يقرعون بابه ~~بالأظافير ". # وبقوله: { يأيها الذين آمنوا إن جآءكم فاسق ~~بنبإ } [الحجرات: 6]، يشير إلى تسويلات النفس الفاسقة الأمارة ~~بالسوء، ومجيئها كل ساعة بنبأ شهوات الدنيا؛ { فتبينوا } ~~[الحجرات: 6] ربحها وخسرانها من قبل { أن تصيبوا قوما } ~~[الحجرات: 6]، من القلوب وصفاتها { بجهالة } [الحجرات: 6]؛ فإن ما ~~فيه شفاء النفوس وحياتها فيه مرض القلوب ومماتها، { فتصبحوا } ~~[الحجرات: 6] صباح القيامة، وأنتم { على ما فعلتم نادمين } ~~[الحجرات: 6]، وفيه أيضا إشارة إلى ترك الاستماع إلى كلام الساعي ~~والتمام والمغتاب للناس، والآية تدل على قبول خبر الواحد إذا كان عدلا، ~~والفاسق الخارج من طريق الحق وصراط الطلب. # وبقوله: { واعلموا أن فيكم رسول الله } [الحجرات: 7]، ~~يشير إلى رسول الإلهام الرباني جل ms1507 جلاله في أنفسكم يلهمكم فجور نفسكم ~~وتقواها، { لو يطيعكم في كثير من الأمر } [الحجرات: 7]، ~~أمر النفس الأمارة؛ { لعنتم } [الحجرات: 7] لوقعتم في الهلاك، { ~~ولكن الله حبب إليكم الإيمان } [الحجرات: 7] ~~بالإلهامات الربانية، { وزينه في قلوبكم } [الحجرات: 7] بقلم ~~الكرم، { وكره } [الحجرات: 7] بنور نظر العناية { إليكم ~~الكفر والفسوق } [الحجرات: 7]، وهو ستر الحق والخروج إلى ~~الباطل، { والعصيان } [الحجرات: 7] هو الإعراض عن طلب الحق، { ~~أولئك هم الراشدون } [الحجرات: 7] إلى الحق بإرشاد الحق. # { فضلا من الله ونعمة } [الحجرات: 8]، منه وينعم به على ~~من يشاء من عباده { والله عليم } [الحجرات: 8] بأحوال عباده، { ~~حكيم } [الحجرات: 8] فيما يفعل بهم. ### || [49.9-13] # ثم أخبر عن أحوال أهل القتال بقوله: { وإن طآئفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } [الحجرات: 9]، ~~يشير إلى أن المؤمن لا يخرج بالفسق عن الإيمان؛ لأن إحدى الطائفتين لا ~~محالة فاسق إذا اقتتلتا وسماهما مؤمنين. # ويشير أيضا إلى: أن الإصلاح بين المسلمين إذا تفاسدوا من أعظم الطلبات، ~~وأتم القربات. # ويشير أيضا إلى: وجود نصرة المظلوم؛ حيث قال: { فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى ~~تفيء إلى أمر الله } [الحجرات: 9]. # ويشير أيضا إلى: أن النفس إذا أظلمت على القلب باستيفاء شهواتها ~~واستعلائها في فسادها، يجب أن يقاتل حتى تثخن بالجراحة بسيوف المجاهدة، ~~فإن استجابت بالطاعة فيعفي عنها؛ لأنها هي المطية إلى باب الله، { ~~وأقسطوا } [الحجرات: 9] بين القلب والنفس؛ لئلا يظلم القلب على ~~النفس، كما لا تظلم النفس على القلب؛ لأن لنفسك عليك حقا، { إن ~~الله يحب المقسطين } [الحجرات: 9]؛ أي: يؤدون إلى كل ذي حق ~~حقه. # { إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ~~} [الحجرات: 10]، اعلم أن أخوة النسب إنما تثبت إذا كان منشأ النطف صلبا ~~واحدا، فكذلك أخوة الدين منشأ نطفها صلب النبوة، وحقيقة نطفها نور الله ~~فإصلاح ذات بينهم يرفع حجب أستار البشرية عن وجود القلوب؛ ليتصل النور ~~بالنور من روزنة القلب؛ ليصيروا كنفس واحدة، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " المؤمنون كنفس واحدة إذا اشتكى عضو واحد تداعى سائر الجسد بالحمى ~~والسهر " # ، فأما شرط الأخوة فمن حق الأخوة في الدين ms1508 أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، ~~وسترك ما ستره، وألا يحوجه إلى الاستعانة بك والاستعانة تعيده، وتنصره ~~ظالما ومظلوما، فمنعك إياه عن الظلم فذلك نصرك إياه، وألا تقصر في تفقد ~~أحواله؛ بحيث يشكل عليك موضع حاجته، فيحتاج إلى مسألتك، ومن حقه ألا ~~تلجئه إلى الاعتذار بل تبسط عذره، فإن أشكل عليك وجهه عدت باللائمة على ~~نفسك في خفاء عذره، وتتوب عنه إذا أذنب وتعوده إذا مرض، وإذا أشار إليك ~~بشيء فلا تطالبه بالدليل وإيراد الحجة، كما قالوا: # لا يسألون أخاهم حين يندبهم # في النائبات على ما قال برهانا # إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهمو # لأية حرب أم لأي مكانا # { واتقوا الله } [الحجرات: 10] في إخوتكم في الدين، بحفظ عهودهم ~~ورعاية حقوقهم في المشهد والمغيب والحياة والممات، { لعلكم ~~ترحمون } [الحجرات: 10]، كما ترحمون. # ثم أخبر عن قوم يسخرون بمن يسخرون بقوله تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا ~~منهم } [الحجرات: 11]، يشير إلى أنه لا عبرة بظاهر الخلق، فلا ~~ينظرون إلى أحد بنظر الازدراء والاستهانة والاستخفاف والاستحقار؛ ولأن في ~~استحقار أخيك عجب نفسك مودع، كما نظر إبليس بنظر الحقارة إلى آدم عليه ~~السلام، فأعجب بنفسه فقال: # أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين # [الأعراف: 12]، فلعن إلى الأبد لهذا المعنى فمن حقر أخاه المسلم، أو ظن ~~أنه خير منه يكون إبليس وفيه، وفيه إشارة إلى أهل المحبة وأرباب ~~السلوك، فإنهم مخصوصون بهذا الاسم، كما قال تعالى: # فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]؛ يعني: لا ينظر المنتهى من أرباب الطلب بنظر الحقارة إلى ~~المبتدئ والمتوسط، { عسى أن يكونوا خيرا منهم } ، فإن ~~الأمور بخواتيمها؛ ولهذا قال: # " أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري " # ، وقال صلى الله عليه وسلم: # " رب أشعت أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره " # ، وبالنساء يشير إلى عوام المسلمين؛ لأنه تعالى يعبره عن الخواص بالرجال ~~لقوله تعالى: # رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله # [النور: 37]. # { اجتنبوا كثيرا من الظن } [الحجرات: ms1509 12]، { ولا ~~نسآء من نسآء عسى أن يكن خيرا منهن } ~~[الحجرات: 11] إلى هذا المعنى يشير. # ثم يقول: كان للملائكة شركة مع إبليس في قولهم لآدم: # أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء... # [البقرة: 30]، كان في نظرهم إليه بالحقارة إعجاب أنفسهم مودعا، ولكن ~~الملائكة لم يصروا على ذلك الإعجاب، وتابوا إلى الله ورجعوا مما قالوا، ~~فعالجهم الله بإسجادهم لآدم عليه السلام؛ لأن في السجود غاية الهوان ~~والذلة للساجد، وغاية العظمة والعزة للمسجود، فلما كان في تحقير آدم ~~هوانه وذله وعزة الملائكة وعظمتهم فأمرهم بالسجود؛ لأن العلاج بأضدادها ~~فزال عنهم علة العجب، وقد أصر إبليس على قوله وفعله، ولم يتب فأهلكه الله ~~بالطرد واللعنة، فكذلك حال من ينظر إلى أخيه المسلم بنظر الحقارة، ولا ~~ينتهي عما نهاه الله تعالى بقوله: { ولا تلمزوا أنفسكم } ~~[الحجرات: 11]، وإنما قال: { أنفسكم }؛ لأن المؤمنين أنفسهم واحدة ~~إن عملوا شرا إلى أحد؛ فقد عملوا إلى أنفسهم، كما قال تعالى: # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم... # [الإسراء: 7] الآية. # { ولا تنابزوا بالألقاب } [الحجرات: 11]؛ أي: بألقاب فيها ~~شين لدينهم، { بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } [الحجرات: ~~11]؛ أي: اسم يخرجهم من الإيمان، { ومن لم يتب } [الحجرات: 11]؛ ~~يعني: من مقالة إبليس وفعاله بأن ينظر إلى نفسه بالعجب وإلى غيره ~~بالحقارة، { فأولئك هم الظالمون } [الحجرات: 11]، فيكونوا ~~منخرطين في سلك اللعنة والطرد مع إبليس، كما قال: # ألا لعنة الله على الظالمين # [هود: 18]. # ثم أخبر عن الاجتناب عن قومه من الظن بقوله تعالى: { يأيها ~~الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن } [الحجرات: ~~12]، وتمامها { إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا ~~يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم ~~أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله ~~تواب رحيم } [الحجرات: 12]. # قوله تعالى: { يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر ~~وأنثى } [الحجرات: 13]، يشير إلى خلق القلوب إنها خلقت من: ذكر وهو ~~الروح، وأنثى وهي النفس، { وجعلناكم شعوبا وقبآئل } ~~[الحجرات: 13]؛ أي: جعلناها صنفين: صنف منها شعوبا وهي التي تميل إلى ~~أمها، وهي النفس والغالب عليهما صفات النفس، وصنف منها قبائل وهي التي ~~تميل إلى أبيها، وهو ms1510 الروح والغالب عليها صفات الروح؛ { لتعارفوا ~~} [الحجرات: 13] أصحاب القلوب وأرباب النفوس، لا ليتكاثروا ويتنافسوا ~~ويتشابهوا بالعقول والأخلاق الروحانية الطبيعية، فإنها ظلمانية لا يصلح ~~شيء منها للتفاخر به ما لم يقرن به الإيمان والتقوى، فإن تنورت الأفعال ~~والأخلاق والأحوال بنور الإيمان والتقوى، ولم تكن الأفعال منسوبة ~~بالرياء، ولا الأخلاق مصحوبة بالأهواء، ولا الأحوال منسوبة إلى الإعجاب؛ ~~فعند ذلك تصلح للتفاخر والمباهات بها، كما قال تعالى: { إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير } ~~[الحجرات: 13]، وقال صلى الله عليه وسلم: # " الكرم التقوى " # ، وأتقاهم من يكون أبعدهم من الأخلاق الإنسانية وأقربهم إلى الأخلاق ~~الربانية والتقوى التحرز، والمتقي من يتحرز عن نفسه بربه، وهو الذي أكرم ~~على الله من غيره. ### || [49.14-15] # وبقوله: { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن ~~قولوا أسلمنا } [الحجرات: 14]، يشير إلى أن حقيقة الإيمان ليست ~~مما يتناول باللسان بل هو نور يدخل القلب إذا شرح صدر العبد للإسلام، كما ~~قال تعالى: # فهو على نور من ربه # [الزمر: 22]، وقال صلى الله عليه وسلم في صفة ذلك النور: # " " إن النور إذا وقع في القلب انفسح له واتسع " قالوا: يا رسول الله هل ~~لذكرك النور من علامة يعرف بها؟ قال: " بلى التجافي عن دار الغرور ~~والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت " " # ، ولهذا قال تعالى: { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } ~~[الحجرات: 14]، فهذا دليل على أن محل الإيمان القلب. # واعلم أن الإيمان حياة القلب ولهذا سمى الله تعالى من لا إيمان له ~~بالميت بقوله تعالى: # إنك لا تسمع الموتى # [النمل: 80]، والقلب لا يحيا إلا بعد ذبح النفوس. # { وإن تطيعوا الله ورسوله } [الحجرات: 14] في الأوامر ~~والنواهي، فقد ذبحتم النفوس بسيف الصدق، { لا يلتكم من ~~أعمالكم شيئا } [الحجرات: 14] في ذبح النفوس { إن الله ~~غفور } [الحجرات: 14]، لمن يهادن النفس في أثناء السلوك؛ لترعى في بعض ~~مراتعها لئلا تزاحم القلب في طلب مقاصده، { رحيم } [الحجرات: 14] به. # ثم أخبر عن المؤمن الحقيقي بقوله: { إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله } [الحجرات: 15]؛ أي: شاهدوا الله بنور ~~الله فأمنوا برسوله، ms1511 { ثم لم يرتابوا } [الحجرات: 15]، لم ~~يشكوا فيما شاهدوا بنور الله؛ إذ لم تحجبهم أنفسهم وأموالهم عن نور الله؛ ~~لأنهم خرجوا من حجب النفس والمال، { وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله } [الحجرات: 15] ببذلها في طلب الله، ~~{ أولئك هم الصادقون } [الحجرات: 15]، الذين صدقوا فيما ~~عاهدوا الله عليه، فلما جعل الإيمان مشروطا ببذل المال والنفس، فذكر ~~بلفظ إنما وهي التحقيق يقتضي الطرد والعكس، فمن أفرد الإيمان عن الشرائط ~~التي جعلها له فمردود عليه قوله. ### || [49.16-18] # وبقوله: { قل أتعلمون الله بدينكم } [الحجرات: 16]، ~~يشير إلى أن التوفيق في الأمور الدنيا وحقيقتها معتبر واجب وموكولة إلى ~~الله؛ فالأسامي منه توجد والأحكام منه تطلب وأمره يتبع، { والله ~~يعلم ما في السماوات } [الحجرات: 16] سماوات القلوب من ~~استعدادها في العبودية، { وما في الأرض } [الحجرات: 16] أرض النفوس ~~من تمردها عن العبودية، { والله بكل شيء } [الحجرات: 16] جبلت ~~القلوب والنفوس عليه { عليم } [الحجرات: 16]؛ لأنه تعالى أودعه فيها ~~عند تخمير طينة آدم بيده. # { يمنون عليك أن أسلموا } [الحجرات: 17]؛ أي: استسلم لك ~~ظاهرهم، { قل لا تمنوا علي إسلامكم } [الحجرات: 17]؛ ~~أي: تسليم ظاهركم لي؛ لأنه ليس هذا من طبيعة نفوسكم المتمردة، { بل ~~الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان } [الحجرات: 17]، ~~إذا كتب في قلوبكم الإيمان؛ فانعكس نور الإيمان من مصباح قلوبكم إلى ~~مشكاة نفوسكم، فتنورت واستضاءت بنور الإسلام، فإسلامكم في الظاهر من فرع ~~الإيمان الذي أودعت في باطنكم { إن كنتم صادقين } [الحجرات: 17] ~~في دعوى الإيمان. # { إن الله يعلم غيب السموت } [الحجرات: 18]؛ أي: ما ~~غاب عن سماوات القلوب وما حضرها، { والأرض } [الحجرات: 18] ما غاب عن ~~أرض النفوس وما حضرها، { والله بصير بما تعملون } ~~[الحجرات: 18] في الظاهر أنه من نتائج ما أودعته في باطنهم، فمن لاحظ ~~شيئا من أعماله وأحواله، فإن رآها من نفسه كان شركا، وإن رآها لنفسه ~~كان مكرا، وإن رآها من ربه لربه كان توحيدا، وفقنا الله لذلك بمنه ~~وكرمه وجوده. ### | [50 - سورة ق] ### || [50.1-7] # { ق } [ق: 1]، يشير إلى أن لكل سالك من السائرين إلى الله عز وجل إلى ~~الله مقامات في القرب، لما بلغ ms1512 كل سالك إلى مقامه المقدر له يشار إليه ~~بقوله: قاف، أو قف مكانك ولا تجاوز حدك؛ وهي: جواب القسم لقوله: { ~~والقرآن المجيد } [ق: 1]، مجازه قف، فإن هذا مقامك والقرآن ~~المجيد فلا تجاوز عنه. # { بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم فقال ~~الكافرون } [ق: 2]، الذين حرموا عن رشاش النور يوم رش عليهم من نور ~~ربهم، فإنهم كانوا ممن أخطأهم النور، { هذا شيء عجيب } [ق: 2]؛ ~~وذلك لأنهم لم يكونوا من السالكين السائرين إلى الله، فيعجبون من مجيء ~~المنذر لينذرهم يوم الرشاش، ولم يتعجب من مجيء المنذر من كان له شركة معه ~~في إصابة الرشاش؛ لأنهم عرفوه بنور الرشاش، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " المؤمن ينظر بنور الله " # ، فلما كان الكفار بمعزل من ذلك النور، فمن عمى قلوبهم ما رأوا الآخرة ~~وما آمنوا بالبعث، وقالوا: { أءذا متنا وكنا ترابا } [ق: ~~3]، فبعث { ذلك رجع بعيد } [ق: 3] عن العقول. # وبقوله: { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم } [ق: 4]، يشير ~~إلى أن علمنا الأزلي محيط بما يجري من الأزل إلى الأبد، وبما ينقص من ~~أجزاء كل إنسان بعد موته من الأركان الأربعة، فجزء كل عنصر منه يرجع إلى ~~كله بإذن الله، فإذا أراد الله أن يحيي شخصا يأمر كل عنصر ليرد جزء أحد ~~منه إلى شخص هو منه، { وعندنا كتاب حفيظ } [ق: 4]، يحفظ كل ذرة ~~من ذرات الموجودات؛ لئلا يضيع إلى أن خاطبناه بردها إلى مكانها. # { بل } [ق: 5] الكافرين الذين بمعزل عن نور الإيمان، { كذبوا ~~بالحق لما جآءهم } [ق: 5] من عمى قلوبهم، { فهم في ~~أمر مريج } [ق: 5] من غلبات آفات الحس والوهم والخيال على عقولهم؛ ~~فلا يهتدون إلى الحق، ولو لم نعم قلوبهم. # { أفلم ينظروا إلى السمآء } [ق: 6]، سماء قلوبهم { ~~فوقهم } [ق: 6]، فوق نفوسهم { كيف بنيناها } [ق: 6] طبقات ~~مختلفة، { وزيناها } [ق: 6] بكواكب المعارف، { وما لها من ~~فروج } [ق: 6] بين أطباقها. # { والأرض } [ق: 7] أرض النفوس، { مددناها وألقينا فيها ~~رواسي } [ق: 7] من أوصاف البشرية، { وأنبتنا فيها من كل ~~زوج } [ق: 7] من الذكور والإناث، { بهيج } [ق: 7] به أولو الألباب. ### || [50.8-15] ms1513 # { تبصرة وذكرى } [ق: 8]؛ أي: مبصرا ومذكرا { لكل عبد ~~} [ق: 8] لا يعبد إلا ربه، { منيب } [ق: 8] لا يرجع إلا إليه. # { ونزلنا من السمآء } [ق: 9] سماء الأرواح، { مآء ~~مبركا } [ق: 9] ماء الفيض الإلهي؛ { فأنبتنا به جنت } ~~[ق: 9] القلوب، { وحب الحصيد } [ق: 9]؛ وهو: حب المحبة يحصد محبة ~~ما سوى إليه من القلوب. # { والنخل باسقات } [ق: 10] وهي شجرة التوحيد، { لها طلع ~~نضيد } [ق: 10] من أنواع المعارف؛ { رزقا للعباد } [ق: 11] ~~الذين يبيتون عند ربهم يطعمهم ويسقيهم، { وأحيينا به } [ق: 11]؛ ~~أي: بماء الفيض { بلدة } [ق: 11]؛ أي: بلدة القلب { ميتا } [ق: ~~11] من نور الله، كما قال تعالى: # أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا... # [الأنعام: 122] الآية، { كذلك الخروج } [ق: 11] من ظلمات الوجود ~~إلى نور واجب الوجود؛ فافهم جدا. # ثم أخبر عن المكذبين للأنبياء والمرسلين بقوله تعالى: { كذبت ~~قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود } [ق: 12]، { ~~وعاد وفرعون وإخوان لوط } [ق: 13]، { وأصحاب ~~الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد } ~~[ق: 14]، يشير إلى أن عموم أهل كل زمان الغالب عليهم الهوى والطبيعة ~~الحيوانية أهل الحس، نفوسهم المتمردة بعيدة عن الحق قريبة إلى الباطل، ~~كلما جاء إليهم رسول كذبوه وعلى ما جاء به قاتلوه؛ فحق عليهم عذاب ربهم ~~لما كفروا بأنعم الله، فما أعياه إهلاكهم. # ثم قال: { أفعيينا بالخلق الأول } [ق: 15]، أو اعتياض ~~علينا فعل كل شيء حتى نعي بالبعث أو يشق علينا البعث؛ أي: ليس كذلك، { ~~بل هم في لبس من خلق جديد } [ق: 15]، ومن كمال قدرتنا ~~على قانون حكمتنا ووفق إرادتنا. ### || [50.16-23] # { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم } [ق: 16] قبل خلقه، مثل ~~بعد خلقه { ما توسوس به نفسه } [ق: 16] من شهوات بطلب ~~استيفائها، وتصنع مع الخلق، أو سوء خلق، أو اعتقاد فاسد، وغير ذلك من ~~أوصاف النفس، يوسوس بذلك ليشوش عليه قلبه ووقته، وكيف لا يعلم وكل ذلك ~~مما خلقناه فيه وقدرنا له فعله؟! { ونحن أقرب إليه من ~~حبل الوريد } [ق: 16]، أقرب أجزاء نفسه إلى نفسه، يشير به إلى أنه ~~تعالى أقرب إلى العبد من نفس العبد إلى العبد، ms1514 فكما أنه كل وقت يطلب نفسه ~~يجدها؛ لأنها قريبة منه، فكذلك كل وقت طلب الله وجده؛ لأنه قريب منه، كما ~~قال: # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب # [البقرة: 186]، وقال: # " ألا من طلبني وجدني ". # وبقوله: { إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن ~~الشمال قعيد } [ق: 17]، يشير إلى أن من لم يعرف قدر قربي إليه، ~~ويكون بعيدا مني بخصاله الذميمة وأفعاله الردية، ولم يرض بأني أكون ~~رقيبه. # وأوكل عليه رقيبين { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ~~عتيد } [ق: 18]، يكتب بقلم حركاته ومداد لدنيته على صحيفة قلبه، فإن ~~كانت حركاته شرعية ملكية ونيته خالصة ربانية؛ فتجيء كتابته نورانية ~~روحانية، وإن كانت حركاته طبيعية حيوانية ونيته هوائية شهوانية؛ فتجيء ~~كتابته ظلمانية نفسانية، فمن هاهنا تبيض وجوه وتسود وجوه. # وفيه أيضا إشارة إلى كمال عنايته في حق عباده؛ إذ جعل على كل واحد ~~رقيبين من الملائكة المقربين؛ ليحفظوه بالليل والنهار إذا كان ماشيا ~~فواحد بين يديه وواحد خلفه، ويقال: هما اثنان بالليل لكل أحد واثنان ~~بالنهار، ويقال: بل الذي يكتب الخيرات كل يوم آخر، والذي يكتب الشر ~~والذلة كل يوم هو الذي كان بالأمس؛ لتكثر شهود الطاعة غدا ويقل شهود ~~المعصية، وبقاء الذي يكتب المعصية كل يوم اثنان آخران وكل ليلة اثنان ~~آخران؛ لئلا يعلم في مساوئك إلا القليل منهم، فيكون علم المعاصي متفرقا ~~فيهم. # { وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه ~~تحيد } [ق: 19]، إذا أشرقت النفس على الخروج من الدنيا، فأحوالهم ~~تختلف؛ فمنهم: من يزداد في ذلك الوقت خوفه ولا تتبين إلا عند ذهاب الروح ~~حاله، ومنهم: من يكاشف قبل خروجه، فيسكن روعه ويحفظ عليه قلبه، ويتم له ~~حضوره وتميزه؛ فيسلم الروح على مهل من غير استكراه وعبوس، ومنهم: وفي ~~معناه يقول بعضهم: # أنا إن مت فالهوى حشو قلبي # وبداء الهوى يموت الكرام # ثم قال: { ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد } [ق: 20]، ~~لكل نفس أوعدها الله بحسب سيرها من أول الفطرة إلى يوم البعث، { ~~وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد } [ق: 21]؛ أي: الذي ms1515 ~~ساقها من مبدأ الوجود أما سوقا باللطف وأما سوقا بالبيت قوله: # " هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي ولا أبالي " # شهيد من شواهد الحق؛ ليجري عليها من الأحكام الأزلية. # وبقوله: { لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك ~~غطآءك فبصرك اليوم حديد } [ق: 22]. # يشير إلى أن الإنسان وإن خلق من عالمي الغيب والشهادة، فالغالب عليه في ~~البداية الشهادة وهي العالم الحسي، فيرى بالحواس الظاهرة عالم المحسوس مع ~~اختلاف أجناسه، وهو بمعزل عن إدراك عالم الغيب، فمن الناس: من يكشف الله ~~غطاءه عن بصر بصيرته؛ فيجعل بصره حديدا، يبصر رشده ويحذر شره لهم ~~المؤمنون من أهل السعادة. # ومنهم: من يكشف الله غطاءه عن بصر بصيرته يوم القيامة، يوم # لا ينفع نفسا إيمنها لم تكن ءامنت من قبل... # [الأنعام: 158] الآية، وهم الكفار من أهل الشقاوة { وقال قرينه } ~~[ق: 23] وهو سائقه، { هذا ما لدي عتيد } [ق: 23]، معد لك في ~~الأزل. ### || [50.24-31] # { ألقيا في جهنم } [ق: 24] يا سائق ويا شهيد، { كل ~~كفار عنيد } [ق: 24]، كل من طبع على الكفر والعناد، { مناع ~~للخير } [ق: 25]؛ إذ طبع على الشر، { معتد } [ق: 25] في الظلم، ~~{ مريب } [ق: 25] في الدين، { الذي جعل مع الله إلها ~~آخر } [ق: 26] من الهوى والدنيا، { فألقياه في العذاب ~~الشديد } [ق: 26]، وهو طلب الدنيا بالحرص والغفلة. # { قال قرينه } [ق: 27]، وهو الروح العلوي، فإنه قرين نفسي السفلية: ~~{ ربنا مآ أطغيته } [ق: 27]، فإنه ليس إلا طغاء وإلا غواء من ~~شأني، { ولكن كان في ضلال بعيد } [ق: 27]؛ أي: طبعت النفس ~~على الضلالة، كما قال: # إلا ما رحم ربي # [يوسف: 53]. # { قال } [ق: 28] الله تعالى: { لا تختصموا لدي وقد ~~قدمت إليكم بالوعيد } [ق: 28]، { ما يبدل القول ~~لدي } [ق: 29]؛ إذ قلت: # " هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي " # ، { ومآ أنا بظلام للعبيد } [ق: 29]، بأن أرسل أهل ~~الجنة إلى النار أو أرسل أهل النار إلى الجنة؛ لأنه ظلم والظلم وضع الشيء ~~في غير موضعه. # وبقوله: { يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل ~~من مزيد } [ق: 30]، يشير ms1516 إلى جهنم نفس الإنسان، وحرصها على الدنيا ~~وشهواتها كلما ألقى نوع منها، ويقال لها: { هل امتلأت وتقول ~~هل من مزيد } من أنواع الشهوات، فلا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. # وفيه إشارة أخرى، وهي: أن الحرص الإنساني قشر محبة الله تعالى، بل هو ~~عين المحبة، إذا كان متوجها إلى الدنيا وشهواتها يسمى الحرص، وإذا كان ~~متوجها إلى الله تعالى وقرباته يسمى محبة؛ فاعلم أن ما زاد في الحرص نقص ~~من المحبة، وما نقص من الحرص زاد في المحبة، وإذا اشتعلت نار المحبة فلا ~~يسكن نائرتها بما يلقى فيها من محبوبات الدنيا والآخرة، بل يكون من حطبها ~~ويزيد في اشتعالها، حتى: # " يضع رب العزة فيها قدمه فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض، فتقول: ~~قط.. قط ". # ثم أخبر عن حال المؤمنين المتقين بقوله: { وأزلفت الجنة ~~للمتقين } [ق: 31]، يشير إلى جنة قلوب خواص المتقين أنها أزلفت ~~وقربت لهم في الدنيا، بل هم في الدنيا بالأجساد وهم في الآخرة بالقلوب. # ويقال: إن الجنة تقرب من المتقين، كما أن النار تجر بالسلاسل إلى المحشر ~~المجرمين. # ويقال: بل يقرب الجنة بأن يسهل على المتقين مسيرهم إليها، ويراد بهم ~~الخواص من المتقين، ويقال: هم ثلاثة أصناف: قوم: يحشرون إلى الجنة مشاة، ~~وهم الذين قال فيهم: # وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا # [الزمر: 71]، وهم عوام المؤمنين، وقوم: يحشرون إلى الجنة # ركبانا # [البقرة: 239] على طاعاتهم المصورة لهم بصورة حيوان، فهؤلاء هم الخواص، ~~وأما خاص الخاص فهم: الذين قال لهم: { وأزلفت الجنة ~~للمتقين } تقرب الجنة منهم، { غير بعيد } [ق: 31]؛ أي: ~~الجنة غير بعيد عنهم، وهم البعداء عن الجنة # في مقعد صدق عند مليك مقتدر # [القمر: 55]. ### || [50.32-38] # ويقال لهم: { هذا ما توعدون } [ق: 32]؛ { هذا } إشارة إلى ~~مقعد صدق، ولو كانت الإشارة إلى الجنة لقال: هذه. # وفي الحقيقة أن موعود المتقين الموصوفين { لكل أواب حفيظ } ~~[ق: 32]، هو الراجع إلى الله في جميع أحواله لا إلى ما سواه، حافظا ~~لأنفاسه مع الله لا يصرفها إلا في طلب الله، وما يؤكد هذا المعنى قوله: ms1517 # إن المتقين في جنات ونهر * في مقعد صدق عند ~~مليك مقتدر # [القمر: 54-55]. # وأيضا يدل عليه قوله: { من خشي الرحمن بالغيب } [ق: ~~33]؛ أي: بنور الغيب يشاهد شواهد الحق، فتخشى من خشيته، منه ما قال: ~~لجباريته بل قال: لرحمانيته، والخشية من الرحمن خشية الفراق؛ ولهذا قال: ~~{ وجآء بقلب منيب } [ق: 33] إلى ربه معرض عما سواه، مقبل عليه ~~بكلية { ادخلوها } [ق: 34]، يعني الجنة { بسلام } [ق: 34]؛ أي: ~~بسلامة القلب منها، { ذلك يوم الخلود } [ق: 34] لم يسكن إليها، ~~بل يعبر عنها. # وبقوله: { لهم ما يشآءون فيها ولدينا مزيد } [ق: 35]، ~~يشير إلى أن من يريدنا، ويعبر عن نعيم الجنة للوصول إلينا فيصل إلينا، ~~ولدينا يجدنا لمزيد ما يشاءون أهل الجنة منها، وهذا كما قال: # " من كان لي كنت له ومن كنت له كان له ما كان لي " # ، وقال تعالى: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه # [الشورى: 20]. # ثم أخبر عن تهديد أهل الوعيد بقوله: { وكم أهلكنا قبلهم ~~من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد ~~هل من محيص } [ق: 36]، يشير إلى إهلاك النفوس المتمردة في القرون ~~الماضية؛ إظهارا لكمال القدرة والحكمة البالغة؛ لتتأدب به النفوس ~~القابلة للخير، وتتعظ به القلوب السليمة. # كما قال تعالى: { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ~~} [ق: 37]؛ أي: قلب سليم من تعلقات الكونين، فالقلوب أربعة: قلب قاس وهو ~~قلب الكافر، وقلب مقفول وهو قلب المنافق، وقلب مطمئن وهو قلب المؤمن، ~~وقلب سليم وهو قلب المحبين المحبوبين، الذي هو مرآة صفات جمال الله ~~وجلاله، كما قال: # " لا يسعني أرضي ولا سمائي، وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن ". # وقوله: { أو ألقى السمع وهو شهيد } [ق: 37]؛ يعني: من لم ~~يكن له قلب بهذه الصفة يكون له سمع يسمع بالله وهو حاضر مع الله، فيعبر ~~عما يشير إليه الله في إظهار اللطف أو القهر. # ثم قال: { ولقد خلقنا السموت } [ق: 38]؛ أي: سماوات ~~الأرواح { والأرض } [ق: 38]؛ أي: أرض الأشباح، { وما بينهما } ~~[ق: 38] من النفوس والقلوب في الأسرار وسر الأسرار { في ستة ~~أيام ms1518 } [ق: 38]؛ أي: في ستة أنواع من المخلوقات، وهي محصورة فيما ~~ذكرناه من الأرواح والأشباح والنفوس والقلوب والأسرار وسر الأسرار، فلا ~~مخلوق إلا وهو داخل في جملتها؛ فافهم جدا. # { وما مسنا من لغوب } [ق: 38]؛ لأنها خلقت بإشارة أمر: { كن ~~} ، كما قال تعالى: # ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر # [القمر: 50]، فأنى يمسه اللغوب، وأنه صمد لا يحدث في ذاته حادث. ### || [50.39-45] # وبقوله: { فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك ~~} [ق: 39]، يشير إلى تربية النفوس بالصبر على ما يقول الجاهلون، من كل ~~نوع من المكروهات وتزكيتها عن الصفات المذمومات، بملازمة الذكر ~~والتسبيحات والتحميدات { قبل طلوع الشمس } [ق: 39]؛ يعني: من ~~أول النهار، { وقبل الغروب } [ق: 39]؛ يعني: آخر النهار، { ~~ومن الليل } [ق: 40]؛ أي: من جميع الليل بقدر الوسع والطاقة، { ~~فسبحه وأدبار السجود } [ق: 40]؛ يعني: بعد الصلاة. # وبقوله: { واستمع يوم يناد المناد } [ق: 41]، يشير إلى ~~مراقبة القلوب بعد انقضاء أوقات الذكر؛ لاستماع نداء الهواتف الغيبية ~~والإلهامات الربانية والإشارات الإلهية { من مكان قريب } [ق: ~~41]. # { يوم يسمعون } [ق: 42]، وهو قلب النفوس { الصيحة ~~بالحق } [ق: 42]، من جناب الحق بتجلي صفاته، { ذلك يوم ~~الخروج } [ق: 42] عن ظلمات البشرية إلى نور الروحانية والربانية. # { إنا نحن نحيي } [ق: 43] القلوب الميتة، { ونميت } [ق: ~~43] النفوس المحبة، { وإلينا المصير } [ق: 43] لمن ماتت نفسه ~~وحيي قلبه، وذلك { يوم تشقق الأرض } [ق: 44]؛ أي: أرض الوجود ~~{ عنهم سراعا } [ق: 44] بجذبة الحق تعالى، { ذلك حشر ~~علينا يسير } [ق: 44]، بإفناء وجودكم وإبقائكم بوجودنا. # { نحن أعلم بما يقولون ومآ أنت عليهم بجبار ~~} [ق: 45]، هذا خطاب لمع القلب؛ يعني: ما أنت على النفس وصفاتها بمسلط، { ~~فذكر بالقرآن } [ق: 45]؛ أي: بدقائق معانيه وحقائق أسراره { ~~من يخاف وعيد } [ق: 45]؛ يعني: بعض النفوس القابلة لتذكر القرآن ~~ووعيده، فإنه ليس من نفس قابلة له. ### | [51 - سورة الذاريات] ### || [51.1-15] # { والذاريات ذروا } [الذاريات: 1]، يشير إلى الرياح [السحابية] ~~بحمل أنين المشتاقين المتعرضين لنفحات الألطاف إلى ساحات العزة، ثم تأتي ~~بنسيم نفحات الحق إلى مشام أسرار أهل المحبة، فيجدون راحة من غلبات ~~اللوعة، وفي معناه أنشدوا: # وإني لأستهدي الرياح سلامكم ms1519 # إذا أقبلت من نحوكم بهبوب # وأسألها حمل السلام إليكم # فإن هي يوما بلغت فأجيبي # بقوله: { فالحاملات وقرا } [الذاريات: 2]، يشير إلى سحاب ألطاف ~~الربوبية بحمل أمطار مراحم الألوهية، فيمطر على قلوب الصديقين. # وبقوله: { فالجاريات يسرا } [الذاريات: 3]، يشير إلى سفن وجود ~~المحبين المحبوبين شراعها مرفوعة إلى مهب رياح العناية؛ فتجري بها في بحر ~~التوحيد على أيسر حال. # وبقوله: { فالمقسمات أمرا } [الذاريات: 4]، يشير إلى من ينزل ~~من الملائكة المقربين؛ لتفقد أهل الوصلة وللقيام بأنواع من الأمور لأهل ~~هذه القصة، فهؤلاء القوم يسألونهم عن أحوالهم هل عندهم خبر من فراقهم ~~ووصالهم، ويقولون: # بربكما يا صاحبي قفا ليا # أسائلكم عن حالكم فسألانيا # { إنما توعدون } [الذاريات: 5]، أيها الطالبون الصادقون في ~~خطاب: # " ألا من طلبني وجدني " # { لصادق } [الذاريات: 5]، { وإن الدين } [الذاريات: 6]؛ أي: ~~حقيقة الدين { لواقع } [الذاريات: 6] في جدر قلوب المجاهدين فينا ~~وأسرار المجتهدين لنا، أن الله تعالى وعد المطيعين بالجنة، والتائبين ~~بالمحبة، والأولياء بالقربة، والعارفين بالوصلة، والطالبين بالوجدان. # ثم جدد القسم فقال: { والسمآء ذات الحبك } [الذاريات: 7]، ~~أشار إلى سماء القلب ذات الطرائق إلى الله عز وجل، { إنكم } ~~[الذاريات: 8] أيها الطالبون الصادقون { لفي قول مختلف } ~~[الذاريات: 8] في الطلب؛ فمنكم من يطلب منا ما قلنا من الدرجات في جنان ~~النعيم، ومنكم من يطلب منا ما عندنا من كمالات القربات، ومنكم من يطلب ~~منا بالدنيا من العلوم والمعارف، ومنكم من يطلبنا بجميع صفاتنا، فمن ~~استقام على الطريقة وثبت ملازما في طلبه لبلغ كل قاصد مقصده. # وبقوله: { يؤفك عنه من أفك } [الذاريات: 9]، يشير إلى أن في ~~قطاع الطريق على أرباب الطلب للكثرة، فمن يصرفه طلبه قاطع من القطاع من ~~النفس والهوى والدنيا وزينتها وشهواتها وجاهها ونعيمها فصرف؛ فقد حرم ~~عن متمناه وأهلكه هواه، كما قيل نعوذ بالله من الحور بعد الكور، وينادي ~~عليه منادي العزة: وكم مثلها فارقتها وهي تصغر. # وبقوله: { قتل الخراصون * الذين هم في غمرة ~~ساهون } [الذاريات: 10-11]، يشير إلى مدعي هذا الحدث الكذابين الذين ~~هم في غمرة الحسبان والغرور لاهون، ومن استبطاء حصول المرام { ~~يسألون أيان يوم الدين ms1520 } [الذاريات: 12]؟ وهم في ضلالة ~~ظلمة ليل الدنيا يستعجلون في استصباح نهار الدين، فأجابتهم عزة الجبروت ~~عن تنق الكبرياء والعظموت، { يوم هم على النار } [الذاريات: ~~13]؛ أي: على نار الشهوات { يفتنون } [الذاريات: 13]؛ أي: بعذاب ~~البعد والقطيعة يعذبون. # { ذوقوا فتنتكم }؛ أي: عذاب فتنتكم التي قطعت عليكم طريق ~~الطلب، { هذا الذي كنتم به } [الذاريات: 14] تملون عن الطلب، ~~{ تستعجلون } [الذاريات: 14] الظفر بالمقصود. # ثم أخبر عن المتقين التائبين بقوله تعالى: { إن المتقين في ~~جنات وعيون } [الذاريات: 15]، يشير إلى أنهم في جنات قلوبهم، ~~وعيون الحكمة في عاجلهم، بل في جنات الوصل وفي أجلهم في جنات الفضل، ~~فغدا نجاة ودرجات واليوم مناجاة وقربات. ### || [51.16-23] # { آخذين مآ آتاهم ربهم } [الذاريات: 16] اليوم بقلوب فارغة ~~من الله من أصناف ألطافه، وغدا يأخذون ما يعطيهم ربهم في الجنة من فنون ~~العطاء والرغد، { إنهم كانوا قبل ذلك } [الذاريات: 16]؛ ~~أي: قبل أن كانوا في الوجود وكانوا في العدم { محسنين } [الذاريات: ~~16]، وإحسانهم أنهم كانوا محبين الله بالله، كما قال تعالى: # ويحبونه # [المائدة: 54] وهم بعد في العدم. # ولما حصلوا في الوجود { كانوا قليلا من الليل ما ~~يهجعون } [الذاريات: 17]؛ أي: كانوا قليلا، وكانوا لا ينامون ~~بالليل كقوله: # وقليل من عبادي الشكور # [سبأ: 13]، وكقوله صلى الله عليه وسلم: # " نوم العالم عبادة " # ، فمن يكون في العبادة نائما؟ # { وبالأسحار هم يستغفرون } [الذاريات: 18]؛ أي: يستغفرون ~~عن رؤية عبادات يعلمونها في سهرهم إلى الأسحار بمنزلة العاصين، يستغفرون ~~استصغارا لقدرهم واستحقارا لفعلهم، والليل إما للأحباب في أنس المناجاة ~~وإما للعصاة في طلب النجاة، والسهر لهم في لياليهم دائم؛ لفرط أسف أو ~~لشدة لهف، وإما للاشتياق أو للفراق، كما قال: # وأكم ليلة فيك لا صباح لها # أفنيتها قابضا على كبدي # قد عضت العين بالدموع وقد # وضعت خدي على بنان يدي # وإما لكمال أنس وطيب روح، كما قالوا: # سقى الله عيشا نضيرا مضى # زمان الهوى في الصبا والمجون # لياليه تحكي انسداد اللحاظ # للعين عند ارتداد الجنون # وبقوله: { وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم } ~~[الذاريات: 19]، يشير إلى ما آتاهم الله من فضله من المقامات والكمالات، ~~أنه فيها ms1521 حق للطالبين الصادقين إذا قصدوهم من أطراف العالم في طلبها إذ ~~عرفوا قدرها، والمحروم من لم يعرف قدر تلك المقامات والكمالات، فاقصدوهم ~~في طلبها فلهم في ذمة هؤلاء الكرام حق التفقد والنصح، # " فإن الدين النصيحة " # ؛ فإنهم بمنزلة الطبيب، والمحروم بمنزلة المريض، فعلى الطبيب أن يأتي ~~إلى المريض، ويرى نبضه ويعرف علته ويعرفه خطرها، ويأمره بالاحتماء عن كل ~~ما يضره، ويعالجه بأدوية تنفعه إلى أن يزول مرضه وتظهر صحته. # { وفي الأرض آيات للموقنين } [الذاريات: 20]، منها أنها ~~تحمل كل شيء، فكذلك الموقن العارف يحمل كل حمل من كل أحد، ومن استثقل ~~حملا وتبرم برؤية أحد؛ ساقه الله إليه فلغيبته عن الحقيقة ومطالعته ~~الخلق بعين التفرقة، وأهل الحقائق لا يتصفون بهذه الصفة، ومنها أنه يلقى ~~عليها كل قذارة وقمامة فتنبت كل زهر ونور وورد، كذلك المعارف يتشرف ما ~~يسقي من الجفاء، ولا يترشح إلا بكل خلق على شيمة زكية، ومنها أن ما كان ~~منها سبخا يترك ولا يعمر؛ لأنه لا يتحمل العمارة كذلك من الإيمان له ~~بهذه الطريقة يهمل؛ فإن مقابلته بهذه القصة كإلقاء البذر في الأرض ~~السبخة. # وبقوله: { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } [الذاريات: 21]، ~~يشير إلى أن نفس الإنسان مرآة جميع صفات الحق تعالى؛ ولهذا قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " من عرف نفسه فقد عرف ربه " # ، فلا يعرف أحد نفسه إلا بعد كمالها، وكمالها في أن تصير مرآة تامة ~~مصقولة قابلة لتجلي صفات الحق لها؛ فيعرف نفسه بالمرآتية ويعرف ربه ~~بالتجلي فيها، كما قال تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53]. # وبقوله: { وفي السمآء رزقكم وما توعدون } [الذاريات: ~~22]، يشير إلى سماء الأرواح، كما ينزل ما هو سبب رزق الأبدان من سماء ~~الصورة كذلك ينزل ما هو سبب رزق القلوب وحياتها من سماء الأرواح من ~~الطوالع واللوامع والشواهد والتجليات الروحانية والتجليات الربانية، { ~~وما توعدون } [الذاريات: 22]، # " ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ". # { فورب السمآء والأرض إنه لحق } [الذاريات: 23]؛ ~~أي: فكما قولكم أن الله ms1522 خالق السماء والأرض حق؛ كذلك القول فإنه الرازق ~~حق ووعده حق لكم، { مثل مآ أنكم تنطقون } [الذاريات: 23]؛ ~~يعني: كما أنطقكم الله فينطقون بقدرته بلا شك حق من الله أن يرزقكم ما ~~وعدكم، وإنما اختص التمثل بالنطق؛ لأنه مخصوص بالإنسان وهو أخص صفاته. ### || [51.24-30] # ثم أخبر عن ضيف المكرمين غيره للمؤمنين بقوله تعالى: { هل أتاك ~~حديث ضيف إبراهيم المكرمين } [الذاريات: 24]، يشير إلى ~~إبراهيم الروح وضيفه المكرمين تجليات صفات الجمال والجلال؛ { فراغ } ~~[الذاريات: 26]؛ أي: إبراهيم الروح { إلى أهله } [الذاريات: 26]؛ ~~أي: إلى أوصاف بشريته، { فجآء بعجل سمين } [الذاريات: 26]؛ أي: ~~بالصفة البهيمية مشوبة بنار التجلي؛ { فقربه إليهم } ~~[الذاريات: 27] تقربا إلى الله يبذلها، { قال ألا تأكلون } ~~[الذاريات: 27]، طلب الفناء من هذه الصفة بالكلية فما أفنوها، وما كان ~~القصد فناؤها بالكلية؛ إنما كان القصد إزالة قوتها وشوكتها المضرة للروح. # { فأوجس منهم } [الذاريات: 28]؛ أي من سطوات التجلي { خيفة ~~} [الذاريات: 28] على نفسه، { قالوا لا تخف } [الذاريات: 28]؛ أي: ~~إنا ما أرسلنا إلا لإصلاح ذلك وإهلاك أعدائك، { وبشروه بغلام } ~~[الذاريات: 28] وهو إسحاق قلبه { عليم } [الذاريات: 28] بالعلم اللدني ~~يولد له بعد هلاك أعدائه، وهم النفس وصفاتها. # { فأقبلت امرأته } [الذاريات: 29] وهي الروح الطبيعي { في ~~صرة فصكت وجهها } [الذاريات: 29]؛ تعجبا من أن يلد عجوزا ~~مثلها غلاما مثل القلب الحقيقي، { وقالت عجوز عقيم } ~~[الذاريات: 29] لم تلد قط كيف تلد الآن مثله، { قالوا } [الذاريات: ~~30] التجليات بلسان الحال: { كذلك قال ربك } [الذاريات: 30]، ~~إنه عليه هين { إنه هو الحكيم } [الذاريات: 30] يحكم بمثل هذا ~~المقتضي حكمته، { العليم } [الذاريات: 30] بفعل أمثاله. ### || [51.31-40] # { قال } [الذاريات: 31]؛ يعني إبراهيم الروح: { فما خطبكم ~~أيها المرسلون } [الذاريات: 31]؛ يعني: التجليات { قالوا ~~إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين } [الذاريات: 32] وهم ~~النفس وصفاتها الذميمة؛ { لنرسل عليهم حجارة من طين * ~~مسومة عند ربك } [الذاريات: 33-34]، هلاك { للمسرفين ~~} [الذاريات: 34]، وهي الأذكار والأوراد والمجاهدات والرياضات والمعاملات ~~المهلكة للنفس وأوصافها؛ { فأخرجنا من كان فيها من ~~المؤمنين } [الذاريات: 35] سالمين من الهلاك، { فما وجدنا ~~فيها } [الذاريات: 36]؛ أي: في مدينة الشخص الإنساني { غير بيت ~~من المسلمين } [الذاريات: 36]؛ أي: القلب السليم وأوصافة ~~الحميدة، { وتركنا فيهآ آية ms1523 } [الذاريات: 37] من تزكية النفس ~~وتهذيب أخلاقها، عبرة { للذين يخافون العذاب الأليم } ~~[الذاريات: 37]، بوعيد قوله: # قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها # [الشمس: 9-10]. # ثم أخبر عن عذاب أهل العقاب بقوله تعالى: { وفي موسى إذ ~~أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين } [الذاريات: 38]، ~~يشير إلى موسى القلب إذ أرسله إلى فرعون النفس بسلطان وهو عصا لا إله إلا ~~الله مبين إعجازها بأن يتلقف ما تؤفكون من سحر تمويهات سحرة فرعون النفس، ~~{ فتولى بركنه } [الذاريات: 39]؛ أي: أعرض رؤية الإعجاز ~~والإيمان به بجميع صفاته، { وقال } [الذاريات: 39] فرعون النفس لموسى ~~القلب: { ساحر أو مجنون * فأخذناه وجنوده } ~~[الذاريات: 39-40]؛ يعني: فرعون النفس وصفاتها، { فنبذناهم في ~~اليم } [الذاريات: 40]؛ أي: يم الدنيا ليهلكوا فيها، { وهو ~~مليم } [الذاريات: 40]؛ أي: مستحق اللوم إنما هو فرعون النفس؛ لأنها ~~هي الأمارة بالسوء والصفات تبع لها. ### || [51.41-48] # وبقوله: { وفي عاد } [الذاريات: 41] إلى قوله: { والسمآء ~~بنينها } [الذاريات: 47]، يشير إلى النفس وصفاتها وأسباب هلاكها من ~~غضب ربها. # وبقوله: { والسمآء بنينها بأييد } [الذاريات: 47]، يشير ~~إلى سماء القلوب؛ إذ بناها بحكمة بالغة قابلة للفيض الإلهي، { وإنا ~~لموسعون } [الذاريات: 47]؛ يعني: القلوب لقبول الفيض، كما قال: # " وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن " # ؛ يعني: إذا وسعته لهذا القبول { والأرض فرشناها } [الذاريات: ~~48]؛ أي: أرض النفوس فرشناها لسماء القلوب؛ ليمطر عليها مطر الحكمة من ~~سماء القلوب؛ فتنبت منها أشجار العبودية التي تثمر أثمار مواهب الربوبية، ~~ثم أثنى على نفسه تعالى عزة لكمال صنيعه فقال: { فنعم الماهدون ~~} [الذاريات: 48]. ### || [51.49-54] # وبقوله: { ومن كل شيء خلقنا زوجين } [الذاريات: 49]، ~~يشير إلى أنه تعالى خلق لكل شيء من عالم الملك وهو عالم الأجسام زوجا ~~بيد القدرة الإلهية، كما قال تعالى: # فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ~~ترجعون # [يس: 83]، بهذا الطريق للوصول والوصال. # { لعلكم تذكرون } [الذاريات: 49] أنكم بهذا الطريق جئتم من ~~الحضرة ويد القدرة إلى الملكوت، ومن الملكوت إلى الملك فبهذا الطريق ~~ترجعون إلى الله، وهو قوله: { ففروا إلى الله } [الذاريات: ~~50]؛ أي: يا أيها الذين فررتم من الله بتعلقات الكونين ففروا إليه بقطع ~~التعلقات عما سواه { إني لكم ms1524 منه نذير } [الذاريات: 50]، ~~بهذا القطع { مبين } [الذاريات: 50] بالبراهين القاطعة. # { ولا تجعلوا مع الله } [الذاريات: 51] في المعرفة بوحدانية ~~{ إلها آخر } [الذاريات: 51] من النفس والهوى والدنيا والآخرة، ~~فتعبدوها بالميل إليها والرغبة بها، فإن التوحيد في الإعراض عنها وقطع ~~تعلقاتها والفرار إلى الله منها؛ لأن من صح قرآن إلى الله صح قرآن مع ~~الله وهذا إكمال فإنه التوحيد، لا يغفر أن يشرك به. # ثم أخبر عن عادة ساداتهم في الكفر بقوله تعالى: { كذلك مآ أتى ~~الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو ~~مجنون } [الذاريات: 52]، يشير إلى أرباب النفوس المتمردة من الأولين ~~والآخرين، مركوزة في جبلتهم طبيعة الشيطانية من التمرد والإباء ~~والاستكبار، فما أتاهم رسول من الأنبياء في الظاهر، ومن الإلهامات ~~الربانية في الباطن إلا أنكروا عليه، وقالوا: { ساحر } [الذاريات: 52] ~~يريد أن يسحرنا، { أو مجنون } [الذاريات: 52] لا عبرة بقوله: { ~~أتواصوا به } [الذاريات: 53]، كأن بعضهم بالتمرد والإنكار ~~والجحود؛ لأنهم خلقوا على طبيعة واحدة،، { بل هم قوم طاغون } ~~[الذاريات: 53] بأنهم وجدوا أسباب الطغيان، وهي: السعة والتنعم والبطر ~~والغنى. # { فتول عنهم } [الذاريات: 54]، فإنك لا تهدي من أحببت منهم، { ~~فمآ أنت بملوم } [الذاريات: 54]، في العجز عن هدايتهم؛ لأنك تبلغ ~~وليس إليك من الهداية شيء. ### || [51.55-60] # { وذكر } [الذاريات: 55]، فإن حرفتك أن تكون مذكرا، كما قال ~~تعالى: # فذكر إنمآ أنت مذكر # [الغاشية: 21]، { فإن الذكرى تنفع المؤمنين } ~~[الذاريات: 55]، الذين من الله عليهم أن هداهم للإيمان، فذكر العاصين ~~منهم عقوبتي؛ ليرجعوا عن مخالفة أمري، وذكر المطيعين جزيل نوالي؛ ~~ليزدادوا طاعة وعبادة لي، وذكر المحبين ما شاهدوا من أنوار جمالي ~~وجلالي في الغيب وغيب الغيب؛ ليزيدوا في بذل الوجود وطلب المفقود. # { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } [الذاريات: ~~56]؛ لأن ذرة معرفتي مودعة في صدق عبوديتي، وإن معرفتي تنقسم قسمين: ~~معرفة صفات جمالي ومعرفة صفات جلالي، ولكل واحدة منهما مظهر، والعبودية ~~مشتملة على المظهرين بالانقياد لها والتمرد عنها، فمن انقاد لها بالتسليم ~~والرضاء كما أمر به، فهو مظهر صفات جمالي ولطفي، ومن تمرد عنها بالإباء ~~والاستكبار، فهو مظهر صفات جلالي وقهري، فحقيقة ms1525 قوله: { وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون } [الذاريات: 56]؛ أي: خلقت ~~المقبولين منهم؛ ليعبدوا الله فيكونوا مظهر صفات لطفه، وخلقت المردودين ~~منهم؛ ليعبدوا الهوى فيكونوا مظهر صفات قهره، هذا المعنى الذي أردت من ~~خلقهم { مآ أريد منهم من رزق } [الذاريات: 57] يحصلونه ~~بكسبهم { ومآ أريد } [الذاريات: 57] منهم { أن يطعمون } ~~[الذاريات: 57]؛ يعني: ما خلقتهم لمصلحة من مصالح الدنيا يختص بها؛ وإنما ~~خلقتهم مختصين بأن يكونوا مظاهر صفات لطفي وقهري ومظهرهما. # { إن الله هو الرزاق } [الذاريات: 58] بجميع الخلائق، { ~~ذو القوة المتين } [الذاريات: 58] في خلق الأرزاق والمرزوقين، ~~{ فإن للذين ظلموا } [الذاريات: 59]، من أهل القلوب على ~~قلوبهم، بأن جعلوها ملوثة بحب الدنيا بعد أن كانت معدن محبة الله مع { ~~ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم } [الذاريات: 59] من أرباب ~~النفوس بجميع صفاتها؛ لأن القلب إن صلح صلح به سائر الجسد، وإذا ~~فسد فسد به سائر الجسد { فلا يستعجلون } [الذاريات: 59] ~~في إفساد القلب { فويل للذين كفروا } [الذاريات: 60] بنعمة ~~ربهم في إفساد القلب، { من يومهم الذي يوعدون } [الذاريات: ~~60] بإفساد سائر صفات الجسد. ### | [52 - سورة الطور] ### || [52.1-15] # { والطور * وكتاب مسطور } [الطور: 1-2]، يشير إلى طور ~~النفس الذي كلم الله عليه موسى القلب؛ لشرف استماع كلام الحق عليه صار ~~محل القسم، فأقسم الله به وبكتاب كتبه الله تعالى { في رق منشور ~~} [الطور: 3]؛ أي: في قلوب منسوبة إلى الرقة يدل عليه قوله: # كتب في قلوبهم الإيمان # [المجادلة: 22]. # { والبيت المعمور } [الطور: 4]، وهو سر قلوب العارفين معمور ~~بأسرار الحق تعالى، { والسقف المرفوع } [الطور: 5]، وهو الروح ~~المرفوع درجاته إلى الحضرة، وهو سقف بيت الغلبة. # { والبحر المسجور } [الطور: 6]؛ أي: بحر قلب سجر بنار المحبة ~~ما قسم لعزة هذه الأشياء، { إن عذاب ربك لواقع } [الطور: ~~7]؛ أي: العذاب لأهل العذاب واقع بالنقد؛ لأن أشد العذاب ذل الحجاب كان ~~من دعاء سري السقطى: اللهم مهما عذبتني فلا تعذبني بذل الحجاب والحجاب ~~واقع؛ فإن أعظم الحجاب حجاب النفس { ما له من دافع } [الطور: 8] ~~من قبل العبد؛ بل دافع حجاب النفس وهو رحمة الله تعالى، كما قال تعالى: # النفس لأمارة بالسوء إلا ما ms1526 رحم ربي إن ~~ربي # [يوسف: 53]. # وبقوله: { يوم تمور السمآء مورا } [الطور: 9]، يشير إلى ~~سماء القلب ومورة توجهه للحق تعالى بصدق الطلب، { وتسير الجبال } ~~[الطور: 10] جبال النفس { سيرا } [الطور: 10] إلى عالم القلب، ومنه ~~إلى عالم الأرواح، ومنه بجذبة: # ارجعي # [الفجر: 28] إلى حضرة الربوبية، { فويل يومئذ } [الطور: 11] ~~حين ظفر الطالب بالمطلوب، ووصل المحب إلى المحبوب، { للمكذبين } ~~[الطور: 11] بهذا الحديث، من ينزل الحسرات الموقدة التي قطعت على الأفئدة ~~من فوات هذه السعادة العظمى، والحرمان عن ما وعدناكم من عذاب خوضكم في ~~الدنيا، ولعبكم بها من الغفلة ونيران الحسرات [والزفرات] { الذين ~~هم في خوض } [الطور: 12] الدنيا وشهواتها وزخارفها { يلعبون } ~~[الطور: 12]. # { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } [الطور: 13] دعاء ~~لا خلاص منها ولا رجوع، يناديهم عزة الحق تعالى: { هذه النار ~~التي كنتم بها تكذبون * أفسحر هذا } [الطور: ~~14-15]؛ يعني الذي { أم أنتم لا تبصرون } [الطور: 15] حقائق ~~هذه المعاني. # تفسير عين الحياة. # اعلم يا طالب النور على الطور والعلم في الكتاب المسطور، والحكمة على ~~الرق المنشور، والحقيقة في البيت المعمور، والحق على السقف المرفوع، وسر ~~الباطن في البحر المسجور، أن هذه لطائف أودعها الله في وجودك؛ لتعرف ~~أسرارها، ويحصل لك بها السرور والحبور في القبور، ويتنعم بتلك اللطائف ~~بعد النشور في مرر الحور، المنكبة على أريكة المعرفة فوق القصور، ويتقن ~~بأن قالبك هو الطور، وسرك هو الكتاب المسطور، وقلبك هو الرق المنشور، ~~وروحك هو البيت المعمور، وصفتك هي السقف المرفوع، ونفسك هي البحر المسجور ~~في عالم الأنفس. # والله تعالى أقسم بما في الآفاق، كما فسره المفسرون بقوله تعالى: { ~~والطور * وكتاب مسطور * في رق منشور * والبيت ~~المعمور * والسقف المرفوع * والبحر المسجور } ~~[الطور: 1-6]، وعالم الآفاق ملك عالم الأنفس مظهر لصفة باطنية الحق، كما ~~أن عالم الآفاق مظهر لصفة ظاهرية الحق تعالى، وهو تعالى عالم الغيب ~~والشهادة، ويجوز أن يقسم بمظاهر ظاهريته وباطنيته، ولكن الطور الآفاقي لا ~~يتعلق بك، وكل ما هو كائن في الآفاق إذا أخرجت من عالم بذلك الآفاقي ~~بقي في عالمه، ويكون بينك وبين ما ms1527 فيه بعد المشرقين؛ فاطلب طورا يكون ~~معك بعد خروجك من عالم الآفاق، وهو طور قالبك الباقي بعد الحشر معك إما ~~متنعما في الجنة وإما متألما في النار، واجتهد اليوم أن تجعله نورا لا ~~ظلمانيا؛ ليكون قبرك منورا لا مظلما مكدرا في البرزخ، ويكون مأواك ~~الجنة لا جهنم بعد خلاصك من البرزخ، وإن لم تنور طورك اليوم، ولم تسكن ~~البحر المسجور الذي سجر بنيران الشهوة والغضب والكبر، بماء الذكر وثلج ~~الرياضة وبرد الأخلاق الحميدة. # { إن عذاب ربك لواقع } [الطور: 7]، ولكل لطيفة عذاب يختص ~~بما دون غيرها، وأشد العذاب ذل الحجاب وهو أن ليس له واقع بعد الوقوع، ~~كما يقول: { ما له من دافع } [الطور: 8]، ولا حيلة للسالك في ~~دفعة خاصته. # { يوم تمور السمآء } [الطور: 9]، سماء الصدر { مورا } ، { ~~وتسير الجبال } [الطور: 10]، جبال قوى معدنيته { سيرا } ~~[الطور: 10]، عند مشاهدته قوته القابضة النازعة، التي هي عزرائيل تقبض ~~قوى روحانيته السارية في عودته، وينزع من ذرات وجوده اللطيفة الحيوانية، ~~التي هي من خصائص صفات روحانيته. # { فويل يومئذ للمكذبين * الذين هم في خوض ~~يلعبون } [الطور: 11-12]؛ أي: يخوضون في غمرات البحر اللجي الدنيوي، ~~ويلعبون فيها يزيدها الباطل ومتاعها القليل، ويكذبون اللطائف المستخلصة ~~عن الأكدار المتحلية بالأنوار المرسلة إليهم بالإنذار والإيثار؛ ~~لاشتغالهم بالدنيا الفانية، ومتاع الغرور وغفلتهم عن الآخرة الباقية، ~~التي هي دار السرور. # { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا * هذه النار ~~التي كنتم بها تكذبون } [الطور: 13-14]؛ أي: تكذبون اللطائف ~~المرسلة إليكم الداعية لكم إلى الحق، فهذه النار التي كانت فيكم، وأنتم ~~أشعلتموها في وجودكم، وأوقدتموها بنيران الحسد والحقد والكبر والغضب ~~والبغض، وجمعتم لها حطب الحطام الدنيوي من الدراهم والدنانير والأموال ~~والأملاك والمواشي، فصار المجموع حطمتكم مما تكوي جباهكم وجنوبكم. # { أفسحر هذا } [الطور: 15]، الذي يدفعكم خزية نيرانكم إليها ~~دفعا، ويقولون معكم: { هذه النار التي كنتم بها ~~تكذبون } [الطور: 14] دار الكسب خلف الأستار، وتنكرون اللطائف ~~المنذرة غاية الإنكار، ويستهزئون بالإنذار، فسحر هذا الذي تبصرونه اليوم، ~~الذي كشفنا عنكم فيه الغطاء ورفعنا الأستار، أتظنون أن الذي تشاهدونه ليس ms1528 ~~حقيقة أم سحر أعينكم، { أم أنتم لا تبصرون } [الطور: 15]، ~~حقيقة. ### || [52.16-23] # { اصلوها } [الطور: 16] أدخلوها لتذوقوا عذابها، { فاصبروا } ~~[الطور: 16] في هذا البلاء { أو لا تصبروا } [الطور: 16] حين لا ~~ينفعهم الصبر؛ إذ لم تصبروا حين ينفعكم الصبر، { سوآء عليكم } ~~[الطور: 16] أجزعتم أم صبرتم؛ { إنما تجزون ما كنتم ~~تعملون } [الطور: 16] في الدنيا من الخير والشر الذي تعملون في ~~الآخرة من الصبر والخضوع والخشوع والتضرع والدعاء، فإنه لا ينفع شيء ~~منها، والحاصل أن يقال: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108]. # ثم أخبر عن التقى وأرباب هذه الدرجات العلا بقوله تعالى: { إن ~~المتقين في جنات ونعيم } [الطور: 17]، يشير إلى أنهم في ~~جنات القرب ونعيم المشاهدة في العاجل والآجل؛ إذ اتقوا بالله سواه. # { فاكهين } [الطور: 18]، متعجبين { بمآ آتاهم ربهم } ~~[الطور: 18] من أصناف ألطافه، { ووقاهم ربهم عذاب ~~الجحيم } [الطور: 18] جحيم نفوسهم وعذابها وشهواتها. # { كلوا } [الطور: 19] من طعام المشاهدات، { واشربوا } [الطور: ~~19]، من شراب المكاشفات، { هنيئا بما كنتم تعملون } ~~[الطور: 19] من أنواع المجاهدات ورعاية آداب الرياضات، فإن المجاهدات ~~تورث المشاهدات: # فاشرب على وجهها كغرتها # مدامة في الكؤوس كالشرر # { متكئين على سرر مصفوفة } [الطور: 20]، سرر الدرجات ~~والقربات المفيضة في العبودية، { وزوجناهم بحور عين } ~~[الطور: 20]، من إنكار الحقائق الغيبية { والذين آمنوا } [الطور: ~~21] بهذا الحديث في طلب الحق تعالى من القلب والروح، { واتبعتهم ~~ذريتهم } [الطور: 21] من النفس وصفاتها { بإيمان } [الطور: ~~21] بهذا الحديث { ألحقنا بهم ذريتهم } [الطور: 21]، وإن ~~لم يكونوا مستعدين لنيل هذه الكمالات من الوصول والوصال بالاستقلال، { ~~ومآ ألتناهم من عملهم } [الطور: 21]؛ أي: ما ينقص من جزاء ~~عمل القلب والروح { من شيء } [الطور: 21]، بسبب إلحاق النفس وصفاتها ~~بهم في المقام. # { كل امرىء بما كسب رهين * وأمددناهم } [الطور: ~~21-22]؛ يعني: القلب والروح { بفاكهة ولحم مما يشتهون ~~} [الطور: 22]؛ يعني: بما هو من مشارب النفس الحيوانية؛ تقوية للروحانية ~~وإمدادا للسير في الصفات الربانية. # { يتنازعون } [الطور: 23]؛ يعني: يتعاطون القلب والروح والنفس ~~وصفاتها، { فيها } [الطور: 23]؛ أي: في مقامات السير { كأسا } ~~[الطور: 23] من مشارب الروح والقلب للنفس، وكأسا من مشارب النفس للروح ~~والقلب، { لا لغو } [الطور: 23] من أوصاف البشرية ms1529 { فيها } ~~[الطور: 23] في الكاسات؛ لينزله إلى مقام النفس { ولا تأثيم } ~~[الطور: 23] من أوصاف الروحانية؛ لعده بطبع الروحانية في الروحانية. # تفسير عين الحياة # { اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سوآء عليكم ~~إنما تجزون ما كنتم تعملون } [الطور: 16]؛ يعني: صلوا ~~الستار التي أنتم أوقدتموها، وأشعلتم حطب الحطام بنيرانها، { ~~فاصبروا } وهو أمر على طريق الظن والاستهزاء بهم، { أو لا ~~تصبروا } وهو كلام يتكلم المتكلم به على طريق عدم الالتفات إلى حال ~~المجرمين، { سوآء عليكم } أن تصبروا على هذه النار { أو لا ~~تصبروا }؛ لأن إخراجكم من هذه النار التي أنتم أشعلتموها في دار ~~الكسب محال غير ممكن، هذا جزاؤكم على ما كسبتم من حطب الحطام، واجتهدتم ~~في إيقاد النار، وبالغتم في اشتعالها بريح القوى. # { إن المتقين } [الطور: 17] الذين اتقوا متاع الدنيا، وهو ما ~~عده الله تعالى في كلامه؛ حيث بين ما زينه الشيطان للإنسان بقوله عز ~~وجل: # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع ~~الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب # [آل عمران: 14]، # قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا # [آل عمران: 15] عن هذه الأمتعة التي ذكرناها، وعن نيران الشهوة والغضب ~~والكبر والحسد عند ربهم جنات، كما يقول في هذه السورة { إن ~~المتقين في جنات ونعيم * فاكهين بمآ آتاهم ~~ربهم } [الطور: 17-18]، من العلم النافع، الذي حملهم على التقوى من ~~متابعة الهوى والاشتغال باللعب واللهو في جميع أمتعة الدنيا، التي هي ~~الحطمة في العقبى. # { ووقاهم ربهم عذاب الجحيم } [الطور: 18]؛ يعني: بعد ~~أن يلهيهم الله بالعلم النافع وقاهم من العذاب بالتوفيق الذي أعطاهم ~~الله؛ ليجتهدوا في إطفاء نيران الشهوة والغضب والكبر، وإخمادها بالماء ~~والثلج والبرد. # { كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون } [الطور: ~~19]؛ يعني: { كلوا } من ثمرات المعارف المختصة باللطيفة النفسية، { ~~واشربوا } من العيون المختصة باللطيفة القلبية، { هنيئا بما ~~كنتم تعملون } من الأعمال الصالحة الظاهرة على الجوارح، والإخلاص ~~والصدق الباطن المختص بالقلب. # { متكئين على سرر مصفوفة } [الطور: 20] بما صفوا ~~أسرارهم مستريحين بمشاهدة أنوارهم، { وزوجناهم بحور عين } ~~[الطور: ms1530 20]، بما تركوا في البحر المسجور وهو النفوس، زوجنا لطيفة حورية ~~روحانيتهم بمعاينة صورة الذكر الخالص عن الخواطر الودية. # { والذين آمنوا } [الطور: 21]، من قوى لطائفهم باللطيفة المرسلة ~~الخفية، وما مضى عليهم من الأمور الغيبية، { واتبعتهم ~~ذريتهم } [الطور: 21]؛ أي: قوى قالبيتهم ونفسيتهم { بإيمان } ~~[الطور: 21]؛ يعني: ما عملوا بالجوارح الظاهرة والقوى الباطنة شيئا ينقص ~~حقيقة إيمانهم، من ارتكاب المناهي والاشتغال بالملاهي، والاجتراء على ~~المعاصي مما يؤخذ صاحبه وقت كشف الغطاء بالنواهي، { ألحقنا بهم ~~ذريتهم } [الطور: 21]؛ يعني: ألحقنا باللطائف قواهم المزكاة في ~~التمتع بالأكل والشرب وما تشتهي أنفسهم، { ومآ ألتناهم من ~~عملهم من شيء } [الطور: 21]؛ أي: ما نقصنا من آبائهم بما أعطينا ~~ذرياتهم، { كل امرىء بما كسب رهين } [الطور: 21]، هذه ~~إشارة إلى أن اللطائف أجور خاصة مما يليق بحالها من معارف الحقيقة ~~الإلهية، وللقوة المذكورة أجورا خاصة من المعارف الحقيقية والروحية ~~والسرية والقلبية، وللجوارح أجورا خاصة مما يليق بها من التنعم بالنعيم ~~المقيم، والحور العين، وما اشتهت أنفسهم في الجنة، فكل جارحة من الجوارح ~~أو قوة من القوى أو لطيفة من اللطائف بحسب سعيها في طاعة الله تعالى في ~~دار الكسب، يجزيها الله في دار الجزاء بمثل ما كسبت وسعت وادخرت لنفسها، ~~كما يقول تعالى: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39]، # وأن سعيه سوف يرى # [النجم: 40] خيرا كان أو شرا. # { وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون } [الطور: ~~22]، هذه أيضا لقوى نفوسهم الباطنة، وجوارحهم الظاهرة المتحلية بالطاعة، ~~{ يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم } ~~[الطور: 23]؛ يعني: يكون كؤوس استعدادات اللطائف مملوءة من شراب ~~المشاهدة، منزها من كل باطل من كل شيء يأثم به شاربه، وهذه مدخرة لهم ~~في دار الجزاء، ينظرهم كؤوس استعداداتهم من اللغو والتأثيم والرفث والكذب ~~والغيبة والكبر والحسد وأمثالها في دار الكسب، يتناولون في دار الجزاء ~~كؤوس استعداداتهم المطهرة المملوءة من شراب المعرفة. ### || [52.24-31] # { ويطوف عليهم غلمان لهم } [الطور: 24] من واردات الحق ~~تعالى، { كأنهم لؤلؤ مكنون } [الطور: 24]، لا كدورة فيهم ~~من نقوش الدارين، والقوم عن الدار وعمن في الدارين مختطفون باستيلاء ms1531 ما ~~يستغرقهم من تتابع الكاسات في بحر الحياة. # { وأقبل بعضهم } [الطور: 25]؛ يعني: القلب والروح { على ~~بعض } [الطور: 25]؛ يعني: على النفس { يتسآءلون * قالوا ~~إنا كنا قبل } [الطور: 25-26]؛ أي: قبل السير والسلوك { في ~~أهلنا } [الطور: 26]؛ أي: في عالم الإنسانية { مشفقين } [الطور: ~~26]، خائفين من سموم صفات البهيمية والسبعية والشيطانية والشهوات ~~الدنياوية؛ فإنها مهب سموم قهر الحق تعالى، { فمن الله } [الطور: ~~27] تعالى { علينا ووقانا عذاب السموم } [الطور: 27] سموم ~~قهره، ولولا فضله ما تخلصنا منه بجهدنا وسعينا، بل { إنا كنا من ~~قبل ندعوه } [الطور: 28]، ونتضرع إليه بتوفيقه في طلب النجاة ~~وتحصيل الدرجات، { إنه هو البر } [الطور: 28] لمن يدعوه، { ~~الرحيم } [الطور: 28] لمن ينيب إليه. # ثم أخبر عن التذكير لدفع التقصير بقوله تعالى: { فذكر فمآ أنت ~~بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون * أم يقولون شاعر ~~نتربص به ريب المنون } [الطور: 29-30]، يشير إلى أن ~~طبيعة الإنسان متنفرة في حقيقة الدين، مجبولة على حب الدنيا وزينتها ~~وشهواتها، والجوهر الروحاني الذي جبل على فطرة الإسلام في الإنسان موزع ~~بالقوة كالجوهر في المعدن، فلا نستخرج إلى الفعل إلا بجهد جهيد، وسعي تام ~~على قانون الشريعة، ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم وإرشاده، وبعده ~~بإرشاد ورثة علمه وهم العلماء الربانيون الراسخون في العلم من المشايخ ~~المسلكين، وفي زمان كل واحد منهم. # والخلق مع دعوى إسلامهم ينكرون على سواهم في الأغلب، ويستعدون ترك ~~الدنيا والعزلة والانقطاع عن الخلق، والتبتل إلى الله، وطلب الحق تعالى ~~إلا من كتب الله في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وهو الصدق في الطلب ~~وحسن الإرادة المنتجة في بذر، # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]، و # ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء # [المائدة: 54]، وإلا من خصوصية طبيعة الإنسان أن يمرق من الدين، كما ~~يمرق السهم من الرمية، وإن كانوا يصلون ويصومون، ويزعمون أنهم مسلمون ~~ولكن بالتقليد لا بالتحقيق، اللهم إلا من شرح الله صدره للإسلام فهو على ~~نور من ربه. # وفي قوله: { فذكر } إشارة أيضا إلى أن التذكير على النبي والشيخ ~~واجب في كل حال والعظة للخلق؛ ليحيي من حيي عن ms1532 بينة وهلك من هلك عن بينة، ~~ومن طبيعة الإنسان أن ينسب أهل التحقيق من الإنسان والمشايخ إلى الكهانة ~~والجنون والسحر والشعر. # وبقوله: { قل تربصوا فإني معكم من المتربصين ~~} [الطور: 31]، يشير إلى النصير في الأمور ودعوة الخلق، والتوكل على الله ~~فيما يجري على عباده والتسليم لأحكامه في المقبولين والمردودين. # تفسير عين الحياة # { ويطوف عليهم غلمان لهم } [الطور: 24]؛ أي: غلمان ~~أخلاقهم الكريمة الشريفة، { كأنهم لؤلؤ مكنون } [الطور: ~~24] في اللطافة مصورة عن أن يصل إليه غبار عالم الحدوث، وكدورة دخان ~~الهوى. # { وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون } [الطور: 25] من ~~هذا النعيم كيف يستحقها، { قالوا إنا كنا قبل في ~~أهلنا مشفقين } [الطور: 26]؛ يعني: كنا نشفق على قوانا وجوارحنا ~~المستعملة في دار الكسب، ونمنعها عن التورط في غمرة، والاشتغال باللهو ~~واللعب، والاشتغال بنيران الشهوة والغضب، { فمن الله علينا ~~ووقانا عذاب السموم } [الطور: 27]، يعني من الله علينا ~~بالتوفيق في دار الكسب للإشفاق على الأهل والتوخي عن متاع الزور وادخار ~~هذه النعمة في دار الجزاء، بأعمالنا الصالحة التي عملناها بتوفيقه، ~~ووقانا أيضا من عذاب السموم، الذي هو نتيجة ريح الهوى ونار الشهوة ~~بمنه وتوفيقه، الذي أعطاناه لتسكين ريح الهوى وإخماد نار الشهوة في ~~الدنيا. # { إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم ~~} [الطور: 28]؛ يعني: أنبأتنا اللطيفة المرسلة بأنه هو البر الرحيم، إننا ~~بلطائفنا دعوناه بأسمائه الحسنى وعرفناه بصفاته المثلى، وعلمناه بأنه كان ~~تاب علينا حين أوجدنا وأبدعنا أولا، ثم رحيما علينا بإرساله اللطائف ~~المرسلة إلينا، وتنبيهها إيانا بأن فيها النيران وقتل الحيات والعقارب، ~~وتعليمها لنا كيفية إخماد النيران وقتل الحيات والعقارب، وكيفية تبديل ~~هذه الصفات الذميمة بالصفات الكريمة، التي هي الغلمان والولدان، التي نحن ~~نتنعم بمشاهدتهم اليوم صورها؛ { فذكر } [الطور: 29]؛ يعني: ذكري ~~أيتها اللطيفة الخفية قواك وأمتك ما علمناك بالوارد، وبصرناك بكشف الغطاء ~~ليشاهد ما في الغيب، ولا تخافي من أسن القوى المنكرة المنافقة المشركة ~~بأنهم يقولون: إنك كاهن يلقي إليه الشيطان هذه المعاني، أو مجنون خلط ~~عقله من كثرة المجاهدة، وضعف دماغه من خشونة الرياضة؛ { فذكر ms1533 فمآ ~~أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون } [الطور: 29]، ~~والذي دعاني إلى كتب هذه الإشارات أو الرموز، وهداني إلى إبراز هذه ~~الجواهر النفيسة من الكنوز هو أمره الجازم المطاع، ولست ممن يخاف لومة ~~لائم، ولا ممن يبالي بأن يقال له: إنك كاهن أو مجنون. # وأقول حقا وأعرف صدقا بأن # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلم ~~ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا # [الأنعام: 125]، # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به ~~إلا الفسقين * الذين ينقضون عهد الله من بعد ~~ميثقه # [البقرة: 26-27]. # { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون } ~~[الطور: 30]؛ يعني: تقول القوة المنكرة المنافقة: إنه شاعر مثل الشعراء ~~الماضين، فعن قريب يموت ولا يبقى له تبعا؛ فينبغي ألا يلتفت إلى قوله، ~~ولا نترك هوانا ومشهياتنا ودين آبائنا، وهو متابعة الهوى على وفق مراد ~~النفس. # قولي أيتها النفس اللطيفة الخفية { قل تربصوا } [الطور: 31]؛ ~~أي: انتظروا الموت، { فإني معكم من المتربصين } ~~[الطور: 31]؛ يعني: إني أيضا منتظر، حتى يأتيكم الموت بغتة والأمر ~~فجاءة، ويكشف عنكم الأغطية، يقولون: # ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا... # [السجدة: 12] الآية، ويجيبكم القدر بقوله: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108]. ### || [52.32-41] # وبقوله: { أم تأمرهم أحلامهم بهذآ... } [الطور: 32]، ~~إلى قوله: { أم لهم إله غير الله سبحان الله ~~عما يشركون } [الطور: 43]، يشير إلى سفه أحلامهم، وركاكة عقولهم، ~~وخسة نفوسهم، وقصر نظرهم، وغلبة حسهم، واستغراقهم في الغفلة إلى غاية. # تفسير عين الحياة # { أم تأمرهم أحلامهم بهذآ } [الطور: 32]؛ يعني: ~~أيتها القوى المنكرة المكذبة، أتأمركم عقولكم بالإنكار على أهل الحق ~~والتكذيب؛ لما يقولون صدقا حقا، { أم هم قوم طاغون } [الطور: ~~32]، أم هذه القوى المنكرة الطاغية قوم طردهم الله عن حضرته؛ لما عرف من ~~طغيان قواهم المكدرة بالهوى، المتلوثة بالحظوظ الباطلة. # { أم يقولون تقوله } [الطور: 33]؛ يعني: أم تقول هذه القوى ~~المنكرة: إنك تنشدت بفصاحتك، ويختلف هذا الوارد من عند نفسك، وتسحر قلوب ~~المستمعين ببيانك؛ ليكونوا تبعا لك، { بل لا يؤمنون } [الطور: ~~33]، بما يقول أهل الحق من الحق بحكم الوارد الخفي الجلي. # قل لهم: { فليأتوا ms1534 بحديث مثله إن كانوا صادقين } ~~[الطور: 34]، يعني: أيتها القوى القالبية والنفسية الغير مزكاة: إن كنتم ~~تدعون أن اللطيفة الخفية تقول من عند نفسها مما تخير من حقيقة الطور، ~~وبقاء النقش المسطور في الرق المنشور، والتنعم في البيت المعمور والسقف ~~المرفوع، والمعالم في البحر المسجور بعد البعث من القبور، فلتأتوا أنتم ~~أيضا من عند أنفسكم { بحديث مثله إن كانوا صادقين } في ~~هذا الحديث. # { أم خلقوا من غير شيء } [الطور: 35]، يعني: أيتها القوى ~~المنكرة أنتم تظنون أنكم خلقتم من غير خالق، { أم هم الخالقون } ~~[الطور: 35]؛ يعني: أم أنتم خلقتم أنفسكم، { أم خلقوا ~~السماوات والأرض } [الطور: 36]؛ يعني: أأنتم خلقتم سماوات ~~روحانيتكم وأرض بشريتكم، وأنتم عاجزون عن جذب نفع أنفسكم، ودفع ضر عن ~~أنفسكم، فكيف تقدرون على خلق أنفسكم وخلق سماوات روحانيتكم وأرض ~~بشريتكم؟! { بل لا يوقنون } [الطور: 36]، بهذه المعارف لغلظة ~~غلظاء غفلتهم، وكثافة حجاب جهلهم، ولا تعلمون أن هذه المعارف من مواهب ~~الحق، لا يمكن لأحد من المخلوقين أن يتكلم بها إلا بإلهامه. # { أم عندهم خزآئن } [الطور: 37] رحمة { ربك } [الطور: ~~37]، يعطونها لمن يشاءون ويمنعونها ممن يشاءون، { أم هم ~~المصيطرون } [الطور: 37]، أم هم المسلطون على خزائن مواهب الرب ~~ودفائن معارفه، يعملون بها ما يشاءون، ويتصرفون فيها كما يريدون. # { أم لهم سلم يستمعون فيه } [الطور: 38]؛ يعني: أم لهم ~~استعداد الإشراف على [الوحي] { فليأت مستمعهم بسلطان ~~مبين } [الطور: 38]؛ يعني: لم يكن لأحد أن يجعل من استعداده سلما ~~باختياره وقوته، ويسمع من الحق تعالى الحقيقة أو من أهل الغيب اللطائف ~~الغيبية، وبقدر إتيان مثل هذه الحكمة التي نحن نلهم اللطيفة الخفية. # { أم له البنات ولكم البنون } [الطور: 39]؛ يعني: تقول ~~القوى الروحية الأنسية بالهوى المدنية بالنفس أن القوى الفاعلة منهم ~~والقوى القابلة من اللطائف، لا يعرفون أن جميع القوى من اللطيفة الفائضية ~~من الحق طارت، ووصلت إلى كل ذرة من ذرات الموجودات وقت مد بحرها في عالم ~~التفرقة، ثم جمعتها عند الحرز في عالم الجمع، فالقوى التي أنتم تجدون في ~~نفوسكم، هي: القوى المودعة فيكم وقت المد الذي ms1535 أنتم بها قائمون باقون. # { أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون } ~~[الطور: 40]؛ أي: تسألهم اللطيفة المرسلة أجرا بإرسالها إليكم المعاني ~~الواردة الهادية لكم إلى الصراط المستقيم، فيثقل عنكم من الأجر، فأنتم ~~تنكرونها ولا تقبلون هديها. # { أم عندهم الغيب فهم يكتبون } [الطور: 41]، يعني: أم ~~تعلم القوى الروحية المدنسة بشهوات النفس، المستأنسة بطبيعة الهوى علم ~~الغيب؛ فيكتبون ما يجري في الغيب بأن يحكموا على أن اللطيفة المرسلة ~~تحتهم على هذا الطريق من تلقاء نفسها، وتهديكم إلى سبيل الرشاد؛ ليكثر ~~أتباعها. ### || [52.42-49] # { وإن يروا كسفا من السمآء ساقطا يقولوا } ~~[الطور: 44] من غباوتهم وسفههم إنه { سحاب مركوم } [الطور: 44]؛ ~~يعني: أنهم وإن رأوا كل آية لا يؤمنون، كما قال تعالى: # ولو فتحنا عليهم بابا من السماء # [الحجر: 14]، حتى شاهدوا باليقين # لقالوا إنما سكرت أبصارنا # [الحجر: 15]، وليس هذا عيانا ولا مشاهدة { فذرهم حتى ~~يلقوا يومهم الذي فيه يصعقون } [الطور: 45]؛ أي: ~~فأعرض عنهم حتى يلاقوا يومهم الذي يتجلى لهم الحق، فيصعقون عن أنانيتهم ~~كما صعق موسى إذ تجلى ربه للجبل { يوم لا يغني عنهم ~~كيدهم شيئا } [الطور: 46]؛ لأنه من صفات النفس، وقد ماتت النفس ~~عن صفاتها بصعقة التجلي، { ولا هم ينصرون } [الطور: 46]، بشيء من ~~الأوصاف البشرية. # { وإن للذين ظلموا } [الطور: 47] أنفسهم بإفساد الاستعداد ~~الأصلي في قابلية الفيض الإلهي، { عذابا دون ذلك } [الطور: 47]؛ ~~أي: من صفات القهر دون صفات اللطف، { ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } [الطور: 47]، اللطف من القهر ولا القهر من اللطف. # ثم أخبر عن الصبر أنه دافع للقهر بقوله تعالى: { واصبر لحكم ~~ربك } [الطور: 48]؛ أي: فاصبر لما حكم به لك في الأزل؛ فإنه لا يتغير ~~حكمنا الأزلي إن صبرت وإن لم تصبر، ولكن إن صبرت على قضائه؛ فقد جزيت ~~ثواب الصابرين بغير حساب. # وفيه إشارة أخرى فاصبر لحكم ربك، { فإنك بأعيننا } [الطور: ~~48] نعينك على الصبر لأحكامنا الأزلية، كما قال تعالى: # واصبر وما صبرك إلا بالله # [النحل: 127]، { وسبح بحمد ربك حين تقوم * ومن ~~الليل فسبحه وإدبار النجوم } [الطور: 48-49]، به يشير ~~إلى مداومته على الذكر وملازمته بالليل والنهار. ms1536 # تفسير عين الحياة. # { أم يريدون كيدا } [الطور: 42]، يعني: بكيد القوى الروحية ~~الدنسية الأنسية لغاية حسدها للطيفة الفائضة من الحق، وجهلها باشتقاق ~~اللطيفة عليه؛ لقصور علمهم على شهواتهم العاجلة وينكرون اللطيفة، { ~~فالذين كفروا هم المكيدون } [الطور: 42]؛ يعني: إذا ~~خرجوا من عالم الخيال وعاينوا ما وعدتهم اللطيفة، وأوعدتهم في الغيب ~~تحسروا من إنكارهم وكفرهم، ولا ينفعهم إلا العذاب الأليم الدائم؛ فكانوا ~~في الحقيقة مكيدين بإعطاء اختيارهم وقوتهم التي بها كادوا اللطيفة ~~وبإمهالهم زمان الإنكار. # { أم لهم إله غير الله } [الطور: 43]؛ أي: هم يقولون: ~~إن إله اللطيفة إله آخر، وإلهنا إله آخر يأمرنا إلهنا بما نحن فيه، { ~~سبحان الله عما يشركون } [الطور: 43]، إن الله منزه عن ~~الشرك مقدس عن النظير والتشبيه، متعال عن أن يكون له ضد ولا ند في الملك ~~والملكوت، وله فيهما ملكا وطلقا وملكا حقا من الشقائق والدقائق ~~المتصلة بدقائق الجبروت، المربوطة بحقائق اللاهوت. # { وإن يروا كسفا من السمآء ساقطا } [الطور: 44]؛ أي: ~~عذابا من سماء الصدر، نازلا عن القوى الروحية المنوطة في النفس ~~والقالب، يقولون قبل أن يصل إليهم أنهم { يقولوا سحاب مركوم ~~} [الطور: 44] بعضه ببعض؛ لتسقينا من مطر الرحمة. # { فذرهم حتى يلقوا يومهم الذي فيه يصعقون ~~} [الطور: 45]؛ يعني: اتركهم حتى يلاقوا، ويعاينوا يوم كشف الغطاء العذاب ~~الواصل إليهم بعين العيان، ويصعقون من هيبة العذاب ولا صراخ لهم { يوم ~~لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون } ~~[الطور: 46]؛ لأنهم ضيعوا الاستعدادات التي أعطيناهم من الآلات والأدوات ~~الجسمانية والروحانية عارية؛ ليكتسبوا بها في دار الكسب النعيم الأخروي ~~الباقي، واستعملوها في تحصيل نعيمهم الدنيوي الفاني، وحصلوا بتلك الآلات ~~والأوقات والإنكار والأغلال والعذاب الأليم الدائم، فليس لهم صريخ، ولا ~~نصير. # { وإن للذين ظلموا } [الطور: 47]؛ أي: القوى التي ظلمت على ~~اللطيفة الخفيفة، يمنعها عنها حقها من الحظوظ النفسانية المزكاة، { ~~عذابا دون ذلك } [الطور: 47]، وهو عذاب يحصل لهم من عملهم بأن ~~اللطيفة كانت معهم في جميع الأحوال، رقيبة لهم مطلعة عليهم، وهم قصروا في ~~خدمتها وكادوا بها كيدا عظيما، وظلموا عليها بمنع الخلق الحظي عنها، ms1537 ~~وهذا من أشد العذاب، وفي دار المقام للقوى الظالمة الكافرة الباقية ~~العارفة بما ضيعت وقصرت، ولا سبيل لها إلى الرجوع للتدارك، ولا تنسى أبد ~~الدهر تقصيرها. # { ولكن أكثرهم لا يعلمون } [الطور: 47]؛ يعني: لا ~~يعلم أكثر الخلق اليوم ما يدخر لهم من مكتسباتهم غدا في دار المقامة؛ ~~لكثافة حجب جهلهم بأجر الآخرة، وقصور نظرهم عن اللذات الآجلة، مقصورة ~~همتهم على الشهوة العاجلة، وغلظ أستار ظلمهم من ظلام وجودهم. # { واصبر لحكم ربك } [الطور: 48] يا صاحب اللطيفة الخفية، { ~~فإنك بأعيننا } [الطور: 48]؛ أي: بحفظنا [وأمننا] وأنت عزيز ~~عندنا، { وسبح بحمد ربك } [الطور: 48]؛ أي: نزهه عن الشريك، ~~وتيقن أن تنزيهك وتسبيحك له من توفيقه، واحمده حمد العاجز عن أداء حق ~~حمده؛ ليكون هذا العجز منك محمودا عند ربك { حين تقوم } [الطور: ~~48]، مقام العبودية على عتبة العبدية. # { ومن الليل فسبحه } [الطور: 49]، يعني: فسبحه عند نزول ~~السكينة عليك؛ ليدخلك في دار الحرية ويجلسك على سرير الكرامة، { ~~وإدبار النجوم } [الطور: 49]؛ أي: إدبار نجوم اللطائف عند ظهور ~~نجم اللطيفة الخفية، وأيضا وقت هلاك النجوم عند ظهور قوى شمس الوجه، كما ~~بقوله تعالى: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]. # فينبغي أن يسبح السالك له عند ظهور نور الوجه بلسانه، ويتحرز عن إثبات ~~وجود غير وجوده؛ لأنه شرك مطلق في ذلك المقام، وبدو نجوم القوى ~~الروحانية أيضا دليل قاطع على طلوع شمس الوجه على سبيل الجذبة والسر، ~~الذي به صارت اللطائف القالبية والنفسية والقلبية والسرية والروحية ~~والخفية محلا للقسم. # وذكر البحر المسجور بعد ذكر اللطائف القالبية والقلبية والسرية والروحية ~~والخفية في القسم الملكوتي والسر، الذي سلك القلب في سلك السر في القسم، ~~وإن القسم بقاف القلب مدرج في قاف والقرآن، والخصوصية التي بها ما أقسم ~~بين قسمه باللطائف الخمسة، باللطيفة القلبية والخفية، وأقسم منهما ~~منفردا في سورة قاف والنجم، وسورة النجم مكية وهي اثنا وثلاثون آية من ~~حدود القرآن، ولا يمكن لأحد أن يفسر حد القرآن برأيه الملكوتي؛ لأنه ~~يتعلق بأسرار عالم الجبروت، ومطلع القرآن يتعلق بأسرار عالم اللاهوت، ~~فأما بطن ms1538 القرآن من أسرار عالم الملكوت، والذي أشرت إليه في تفسير هذه ~~السورة كان من بطن القرين مما ينبغي للسالك أن يعرفه؛ ليمكن له السلوك ~~ويصح له التوجه إلى مالك الملوك، فالواجب على مفسر ظاهر القرآن ألا ~~يفسر إلا بالسماع، وعلى المحقق ألا يفسر البطن إلا بإلهام، وعلى الموحد ~~ألا يفسر الحد إلا بإذن، وعلى المطلع على سر الذات أن يصير ألكن، وأبكم ~~في مطلع القرآن؛ ليكون هو المبين، والله المستعان وعليه التكلان. ### | [53 - سورة النجم] ### || [53.1-15] # أيها المسبح بأعداد النجوم سبح عند نزول النجم الحقيقي الذي صار محلا ~~للقسم، حيث قال في كتابه المحكم: { والنجم إذا هوى } [النجم: ~~1]؛ يعني: بحق اللطيفة الخفية النازلة على محمد المصطفى صلى الله عليه ~~وسلم، { ما ضل صاحبكم وما غوى } [النجم: 2]؛ يعني: ما ضل ~~محمد صلى الله عليه وسلم فيما اختار طاعة الله وعبادته، وما غوى فيما ~~يأمركم به وينهاكم عنه، { وما ينطق عن الهوى } [النجم: 3]، ~~وما يتكلم عن هوى نفسه أبدا، { إن هو إلا وحي يوحى } ~~[النجم: 4]؛ يعني: ليس نطقه وكلامه إلا وحيا من الله تعالى يوحي إليه، { ~~علمه شديد القوى } [النجم: 5]؛ يعني: علمه جبرائيل الذي هو ~~أمين الوحي، وحظك منه أيها السالك في عالم الأنفس أن تعلم أن الله أودع ~~فيك اللطيفة الخفية؛ وهي داعية إلى الحق اللطائف القالبية والنفسية، ~~والقلبية والسرية، والروحية والخفية، وقواها والوارد الذي يرد عليك عند ~~التصفية والتزكية كان من عند الله، علمتك القوة الروحانية الشديدة على ~~الشيطان. # { ذو مرة فاستوى } [النجم: 6]؛ يعني: ذي قوة معتدلة بأمر الحق ~~عند اللطيفة الخفية، { وهو بالأفق الأعلى } [النجم: 7]؛ يعني: ~~محمد كان بالأفق الأعلى حين ذي قوة استواء جبرائيل والأفق الأعلى كان ~~لمحمد ولروحانيته؛ لأن أفقه كان أعلى الأفق، ولكل لطيفة أفق إلى ما فوقه ~~وأفق إلى ما تحته، فلمحمد أفقان: # أفق الفوق إلى الحق: وهو الأفق المبين. # وأفق التحت إلى الخلق، والأفق الأعلى؛ أي: أفقه أعلى الأفق ومنتهى وصول ~~اللطائف إليه، فكذلك للطيفتك الخفية أفقان فاطلب أفقها، واجتهد أن تأخذ ~~من الحق ms1539 في الأفق المبين؛ يعني: بلا واسطة ولا تقنع بالستور؛ لئلا تكون ~~ممن أكل من تحته، وكن عالي الهمة لتأكل من الفوق والتحت ومن جميع الجهات، ~~ثم لا تقنع بهذا حتى تصل إلى مقام تأكل منه، ولا يمكن لأحد أن يأكل من ~~ذاته إلا بعد وصوله إلى الذات الواحدة وهلاكه فيها، وبيان سر الهلاك في ~~الذات يقرع باب الطلع، وأما مأمور شدة فأعبر وأعتبر. # { ثم دنا فتدلى } [النجم: 8]؛ يعني: نزل شديد القوة على ~~اللطيفة ودنا منها فكان دنوه، { فكان قاب قوسين أو أدنى ~~} [النجم: 9] مقدار قوسين أو أدنى، افهم يا سالك أن اللطيفة الخفية دنت ~~من الحق، فتدلت بنزولها من أفق الأزل إلى أفق الأبد حتى تصل أفق الأزل ~~بالأبد، وهو عبارة عن { قاب قوسين أو أدنى } [النجم: 9]، ~~إشارة إلى: اتصال طرفي القوس عند غاية النزع، وهذه العبارة والإشارة ~~يدلان على وصول اللطيفة الخفية إلى الحق على حد ما كان لأحد أن يتجاوز ~~ذلك الحد، والذي أشار إليه المفسرون: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ~~جبرائيل بحيث سد الأفق قول صدق وكلام حق، ولكن ينبغي أن يعرف اللطيفة ~~الجبرائيلية والأفق، ويعلم أن صورته كيف سرقت الأفق وما يعني سد الأفق، ~~وحقائق هذه الأشياء متعلقة بحد القرآن مما لا يؤذن تفسيره، خذ من تفسير ~~بطنه نصيب باطنك، وخذ من ظهره حظ ظاهرك؛ وهو الإيمان والإقرار مما قال ~~الله تعالى، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرادوا أراد رسول الله ~~بذلك القول. # { فأوحى إلى عبده مآ أوحى } [النجم: 10]؛ يعني: أوحى ~~الله تعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام أعلى مقام الزلفى ~~والقربى جهرا، ما أوحى إلى سره قبل ذلك الوقت سرا، وهذا السر كشوفي ثم ~~شهودي؛ يعني: ألهم الرب سر السالك من حيث الكشف في البداية سرا، ثم ~~يلهمه بعد إيصاله إلى حضرة المشاهدة جهرا؛ ليتفق بالإلهام الكشفي أنه ~~كان من الحق سبب الوحي الجهري حالة الشهود، وهذه طريقة مبناه واضحة عند ~~أصحاب الوصول في السير والسلوك. ms1540 # { ما كذب الفؤاد ما رأى } [النجم: 11]؛ يعني: في الوحي ~~الشهودي لا يمكن للقوة المدركة أن تكذب ما رأى فؤادها، غير أنها في عالم ~~الكشف كانت دخيلة نظرا عليها الشبهة بإلقاء الشيطان في روعها، { ~~أفتمارونه على ما يرى } [النجم: 12] في المشاهدة؛ يعني: ~~خاطبي قواك، أتنكرون على اللطيفة ما رأت في عالم الشهود؟ ويجادلها { ~~ولقد رآه نزلة أخرى } [النجم: 13]؛ يعني: اللطيفة الخفية، ~~رأى الحق بعد نزوله من الأفق الأعلى إلى سدرة المنتهى وسدرة المنتهى ~~ووحيه، كما أن الأفق الأعلى خفي، فيها جنة المأوى كما قال تعالى: { عند ~~سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى } [النجم: 14-15]، ~~وكل ما ذكره أهل الظاهر في تفسير سدرة المنتهى حق، فينبغي أن يشاهد ~~السالك في معراجه مثل ما ذكروه، وجنة المأوى اليوم موجودة بل هي معك، فإن ~~كنت عمرتها وزرعت فيها البذور والطيبة صارت جنة المأوى، والنار موجودة ~~وهي معك، فإن كنت عمرتها وزرعت فيها البذور الفاسدة صارت جهنم وهي أيضا ~~معك، وكلاهما في المنتهى، ولكل أحد من الناس سدرة المنتهى حاصلة؛ لأن ~~منتهى سره يكون إليها ولا يمكن التجاوز عنها، فأما المخصوصون المجذوبون ~~فإنهم جذبوا عنها بجذبات اللطف، كما أخبرنا الصادق الصدوق صلى الله عليه ~~وسلم بقوله: # " جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين " # لأن العامل يصل بعمله إلى سدرة منتهاه، ولا يمكن التجاوز عنها بعمله؛ ~~لأن العمل يتعلق بالعامل، ولا يصل أحد إلى الله بعمله إلا بتوفيقه ~~وجذبته، ولكن يصل بعمله المخلوق إلى سدرة منتهاه؛ وهي أيضا مخلوقة، ~~فاجتهد في أن تصل إلى سدرة منتهى استعدادك اليوم، وتشاهد ما هيئت نفسك في ~~سدرتك، ولا تلتفت إليه وتوجه بالكلية شطر جناب الجبروت؛ لأن السدرة وما ~~فيها ملكوتية. ### || [53.16-26] # { إذ يغشى السدرة ما يغشى } [النجم: 16] من نور العزة ~~تهتدي إلى جناب الجبروت، فإذا كنت ملتفتا على نعيم السدرة وتفرجاتها، ~~مشتغلا بمتنزهاتها، تحرم عما في عالم الجبروت مما لا عين رأت، ولا أذن ~~سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فارفع الهمة كما رفع نبيك حين وصل إليها، { ~~ما زاغ ms1541 البصر وما طغى } [النجم: 17]؛ أي: ما زاغ بصر النبي ~~صلى الله عليه وسلم وما التفت إلى الجنة ومزخرفاتها، ولا إلى الجحيم ~~وتبعاتها شاخصا بصره إلى الحق وما طغى قدمه عن الصراط المستقيم، ومازال ~~في سيره إلى الله تعالى حتى صادقته الجذبة وأوصلته إلى عالم الجبروت. # { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } [النجم: 18]، روى ~~علقمة عن عبد الله؛ يعني: رأى رفرفا خضرا أفق السماء، وهذا أقرب إلى ~~مرادنا؛ لأن قرب يتلون بالجذبة، واللون الأخضر أخص الألوان بسر غيب ~~الغيوب، وأشار به إلى أنه سد الأفق صحيحة في عالم المشاهدة، ومن تشرف ~~بالجذبة يعلم صحة قول عبد الله رضي الله عنه: { أفرأيتم اللات ~~والعزى * ومناة الثالثة الأخرى } [النجم: 19-20]؛ ~~يعني: أفرأيتم أيتها القوى اللات القالبية، والعزى النفسية، ومناة المنى ~~الهوائية، إنها بنات الله؛ يعني: تظنون أن هذه اللطائف الغير المستخلصة، ~~روائع حقيقية ونتائج إلهية وتنسبونها إلى الله بالبنية؛ لأنكم تشاهدونها ~~بأنها لطائف، وتنظرون إلى صورتها وتظنون من حيث الصور بأنها آيات؛ لقصور ~~علمكم بذات الحق. # { ألكم الذكر وله الأنثى } [النجم: 21] أيتها الغفلة ~~الجاهلة، وإذ قد نسبتم اللطائف إلى الله، فكيف لبستم نسبته البنات؟ { ~~ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى } ~~[النجم: 21-22]؛ أي: قسمة جائرة ناقصة غير معتدلة، أن تنسبوا إلى خالقكم ~~ما تكرهون لأنفسكم. # { إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم } ~~[النجم: 23] ليس هذه { اللات والعزى * ومناة الثالثة ~~الأخرى } [النجم: 19-20] من اللطائف الخفية، بل هي أباطيل أنتم ~~كسبتموها في دار الكسب وسميتموها بهذه الأسماء، وآباؤكم كسبوا هذه ~~الاستعدادات الباطلة؛ يعني: أنفسكم الأمارة وأرواحكم المتدنسة بتربية ~~القالب الغير المزكى عن الأخلاق الردية، كسبوا هذه اللطائف الباطلة ~~وسموها آلهة { مآ أنزل الله بها من سلطان } [النجم: 23] ~~ما أنزل بهذه الاستعدادات من قوة حقيقة يكون لكم حجة وبرهانا على أنها ~~ذات حظ من القوى الخفية، { إن يتبعون إلا الظن وما ~~تهوى الأنفس } [النجم: 23]؛ يعني: القوى القالبية والنفسية الكاذبة ~~الفاجرة الأمارة بالسوء، لا يقولون هذا القول إلا بالظن وليس لهم برهان ~~على ما ms1542 يزعمون إلا هوى أنفسهم، { ولقد جآءهم من ربهم ~~الهدى } [النجم: 23]؛ يعني: بيان طريق الحق على لسان اللطيفة الخفية، ~~واللطائف الخفية وأخواتها المستخلصة عن الأباطيل المزكاة عن الأضاليل. # { أم للإنسان ما تمنى } [النجم: 24]؛ يعني: أيظن الإنسان ~~الغافل الجاهل أن ينفعه التوجه إلى آلهة هواه غدا عنده مولاه، { ~~فلله الآخرة والأولى } [النجم: 25]؛ أي: ليس كما نطق الغافل ~~الجاهل أن عبادة آلهة هواه تنفعه في الآخرة بنعيم الباقي، وفي الأولى ~~يذوق ثمرات المعرفة؛ التي هي # لا مقطوعة ولا ممنوعة # [الواقعة: 33]؛ لأن الآخرة والأولى ملكا وملكا، { وكم من ملك ~~في السموت } [النجم: 26]؛ أي: كم قوى في سماوات أطوار القلب { ~~لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن ~~الله } [النجم: 26] في الشفاعة، { لمن يشآء ويرضى } [النجم: ~~26] في العلم القديم به خير، ويرضى عن عمله الصالح في الدنيا، فما ظنكم ~~بالقوى القالبية والنفسية أنها مع كدوراتها يقدر على شفاعتكم من غير ~~الإذن من الله، وحصول الإذن لا يمكن لأحد إلا لمن يشاء ويرضى. ### || [53.27-31] # { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون ~~الملائكة تسمية الأنثى } [النجم: 27]، لكن نظرهم مقصورا ~~على صورها وقلة عقلهم بمعناها، يزعمون أن القوى واللطائف بنات الله، { ~~وما لهم به من علم } [النجم؛ 28]؛ أي غير متيقن بما يزعمون { ~~إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من ~~الحق شيئا } [النجم: 28]؛ يعني: لا يصل الظن إلى حد يحكم عليه ~~بخفية الشيء المظنون؛ لأن فوق الظن العلم، وفوق العلم الصحيح السماعي علم ~~اليقين المكاشفي، وفوق علم اليقين المكاشفي عين اليقين وهو العلم ~~المشاهدي، وفوق عين اليقين المشاهدي حق اليقين مما يتعلق بالوصول، وفوقه ~~حقيقة حق اليقين مما يتعلق بالذوق، ومثاله في عالم الشهادة علمك بأن هذه ~~الشجرة تحمل رمانا فيه حياة مثل العسل، ولكل حبة نبت خاص وطعم حلو كأنه ~~سكر معقود وشراب مروق، والشجرة كانت شجرة رمان، فاعتقادك بما يخرج عن هذه ~~كما سمعت عن الدهقان؛ هو اعتقاد صحيح علمي، فإذا أخضرت الشجرة وأزهرت ~~فشاهدتها زاد علمك السماعي وتبدل بعلم اليقين، وإذا انتشرت الزهرات خرج ms1543 ~~منها درج الرمان، وشاهدته تبدل علمك علم اليقين الكشفي بعين اليقين، كمال ~~حده واقتطفته وشققته وشاهدت حباته، والبيوت التي وصفها الدهقان لكل حبة ~~صار عين اليقين، فإذا أكلته وذقته ووصل إلى حلقك حلاوته، واختلط بوجودك ~~شرابه، وصار هو أنت ولطيفتك المدركة هو، فصار حق اليقين في هذا المقام ~~حقيقة حق اليقين. # { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا } [النجم: 29]؛ يعني: لا ~~يصل إلى مرتبة علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين وحقيقة حق اليقين أحد ~~إلا بذكرنا، فمن كان معرضا عن ذكرنا فهو صاحب ظن وتخمين، فأعرض عنه ولا ~~تسمع كلامه؛ لأنه لا يقول إلا ظنا و # الظن لا يغني من الحق شيئا # [يونس: 36]، وإعراضه عن ذكرها فأعرض عن قولي: { عن ذكرنا ولم ~~يرد إلا الحياة الدنيا * ذلك مبلغهم من ~~العلم } [النجم: 29-30]؛ لأنهم ما وصلوا إلى حقيقة العلم لكون نظرهم ~~مقصورا على ظاهر الحياة الدنيا؛ التي هي متاع قليل من الحياة الأخروية ~~التي هي الحياة بالحقيقة؛ لأنها دائمة ليس لحالها ماض ولا مستقبل، { ~~إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم ~~بمن اهتدى } [النجم: 30]؛ يعني: هو أعلم بالقوة الضالة عن سبيل ~~الهدى، وأعلم بالقوة المهتدية إلى الصراط المستقيم، وهو يجازيهم بما ~~عملوا في دار الكسب، { ولله ما في السموت وما في ~~الأرض } [النجم: 31] من القوى القالبية والنفسية، والقلبية والروحية، ~~{ ليجزي الذين أساءوا بما عملوا } [النجم: 31]، يعني: ~~بالقوة السفلية العاجزة القالبية والنفسية، والقلبية والروحية يجزيهم ~~الله بالقوى الأرضية الدركات وما فيها، { ويجزي الذين ~~أحسنوا بالحسنى } [النجم: 31]؛ أي: يجزي القوى العلوية بما ~~أحسنوا من الإيمان بالله ورسوله وبآياته البينات بالحسنى؛ التي هي جزاء ~~أعمالهم الحسنة، التي هم كسبوها. ### || [53.32-39] # { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا ~~اللمم } [النجم: 32] يحذرون من الكفر بالله والشرك به؛ لأنها من ~~الكبائر، وترك طاعته كسالة ورجاء المغفرة وهو من الفواحش، إلا اللمم إذ ~~الإنسان خلق من الأضداد فلا يمكن له الاحتراز عن اللمم، وهو لمة تلم به ~~من تلك الأضداد عند انبعاث قوتها، ونرجو من الله أن ms1544 يعفو عنا كل ما يطرأ ~~علينا من غير انخرام النية على إباحته خاصة على ما ندم صاحبه من الملامة ~~به، ومن ارتكابه تلك اللمة، وهو الغفور العفو الرءوف يغفر ويعفو ويرأف ~~على عبده المبتلي بالأضداد في دار الابتلاء، النادم بقلبه على ذنبه ~~المستغفر من ربه، { إن ربك واسع المغفرة } [النجم: 32]، ~~واسمه الغفور يدل على أنه واسع المغفرة، وبه يغفر الذنوب الذاتية جميعها، ~~كما يغفر باسم غافريته الذنوب الصفاتية، وبغفاريته الذنوب الأفعالية، ~~وبعفويته الذنوب الآثارية، وإن لم يتب من نسيان وغفلة منها فباسم غفوريته ~~يغفر إذا تاب من الفواحش، وشرح غفوريته بما يتعلق بمطلع القرآن، ومما ~~يطوي سره لا مما يروي حقيقة، { هو أعلم بكم إذ أنشأكم ~~من الأرض } [النجم: 32]؛ يعني: بما حصل لكم من القوى المعدنية ~~السفلية الخبيثة، { وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم ~~} [النجم: 32]؛ يعني: بما لكم من القوى النباتية والحيوانية الفاسدة ~~التابعة للهوى، المقبلة على الرديء المعرضة عن المولى، { فلا ~~تزكوا أنفسكم } [النجم: 32]، إذ نفسكم غير زكية بما حصل لها ~~من القوى المعدنية الأرضية، والقوى النباتية والحيوانية، { هو أعلم ~~بمن اتقى } [النجم: 32]؛ يعني: الله أعلم بمن وفق؛ لأن يبقى في ~~القوى التابعة للهوى، ويجتهد في تزكية نفسه من الأخلاق الردية الحاصلة له ~~من السفليات. # { أفرأيت الذي تولى } [النجم: 33] عن الحق، { وأعطى ~~} [النجم: 34] الحظ للقوى السفلية، { قليلا وأكدى } [النجم: 34] ~~على القوى العلوية حقها؛ يعني: منع الحق عنها، { أعنده علم ~~الغيب فهو يرى } [النجم: 35]؛ أي: عنده علم ما أودعناه يوم ~~الجزاء لمن يعطي الحظ للقوى السفلية، ويمنع الحق عن القوى العلوية، فهو ~~يرى ذلك الجزاء. # { أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم ~~الذي وفى } [النجم: 36-37]؛ أي: أم لم يخبر بما في الصحف اللطيفة ~~السرية والقلبية المبلغة لطائفها إلى أمم القوى بالتمام والكمال، { ~~ألا تزر وازرة وزر أخرى } [النجم: 38]؛ يعني: لا يحمل ~~وزر قوة نفسية على قوة قالبية، { وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى } [النجم: 39]؛ يعني: أبلغي أيتها اللطيفة الخفية إليهم أن ليس في ~~الدار الآخرة لأحد إلا ما ms1545 سعى في دار دنياه خيرا كان أم شرا. ### || [53.40-46] # { وأن سعيه سوف يرى } [النجم: 40]؛ أي: إن كل أحد سوف يرى ~~ما سعى؛ لأن الدنيا مزرعة الآخرة، وهو يزرع اليوم فلا بد أن يحصد ما يزرع ~~غدا، { ثم يجزاه الجزآء الأوفى } [النجم: 41]؛ وهو جزاء ~~يتفضل عليهم بفضله فوق ما يكسبونه من الوصول إلى حضرته، وقرارة عيونهم ~~بمشاهدته، { وأن إلى ربك المنتهى } [النجم: 42]؛ يعني: ~~نهاية الأمر رجوعه إلى ربه، { وأنه هو أضحك وأبكى } ~~[النجم: 43]؛ يعني: إنه خلق فيك موجبات البسط والقبض، والسرور والحزن، ~~والآثار الناسوتية التي هي الضحك والبكاء اللذان هما من أفعاله الملكوتية ~~التي هي متصلة بالصفات الجبروتية مجتمعة في الذات اللاهوتية، وبعبارة ~~أخرى أنه أضحك القوى الأرضية بإنبات أشجار المعرفة، وأبكى سماء الصدور ~~بمطر الرحمة، وفي حقيقة هذا البيان رمز يتعلق بحد القرآن { وأنه ~~هو أمات وأحيا } [النجم: 44]؛ يعني: أمات القوى السماوية ~~العاجزة عن الحياة الحقيقة الطيبة، وأحيى القوى الصالحة الأرضية بمطر ~~الرحمة النازلة من سماء الربوبية، المنبتة أشجار المعرفة الآمنة على شوك ~~الشك والوهم والقلق. # { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى } [النجم: 45]؛ ~~أي: القوى الفاعلية الروحانية السماوية، والقوى القابلة النفسية الأرضية ~~{ من نطفة إذا تمنى } [النجم: 46]؛ أي: من نطفة العلم إذا ~~تمنى بأمر المولى. ### || [53.47-62] # { وأن عليه النشأة الأخرى } [النجم: 47]؛ يعني: النشأة ~~الثانية الإرادية وهي بأن يقذف نور الإرادة في قلبها، فإذا شاء انشربا من ~~قبر قالبها. # { وأنه هو أغنى وأقنى } [النجم: 48]؛ يعني: هو المغني ~~أحياه بأموال المعرفة، والمقني أولياءه بالأحوال السنية والأخلاق الرضية، ~~{ وأنه هو رب الشعرى } [النجم: 49]؛ يعني: هو رب الشعور ~~الذي يحصل للإنسان على أطوار القلب من القوى الكوكبية، وعلى ما في أطباق ~~وأرض القالب من القوى العنصرية. # { وأنه أهلك عادا الأولى } [النجم: 50]؛ يعني: هو أهلك ~~قوى العادية المعتدلة، { وثمود فمآ أبقى } [النجم: 51]؛ يعني: ~~القوى الباغية الذين هم عقروا ناقة الشوق، { وقوم نوح من قبل ~~إنهم كانوا هم أظلم وأطغى } [النجم: 52]؛ لأنهم من ~~قوى النفس أخذوا قوة أوفى من هؤلاء القوى القالبية، { والمؤتفكة ~~أهوى } [النجم: 53]؛ وهم قوم ms1546 لوط؛ أي: القوى النجسة الغير المطهرة، ~~التي أهواهم ربهم في هاوية الهوى، { فغشاها ما غشى } [النجم: ~~54]؛ أي: ألبسها الله ما ألبس؛ ليكونوا محجوبين ف { أهوى } [النجم: ~~53]؛ أي: أسقطت القوة الشديدة الجبرائيلية بلذة قالبها وقلبها بما فيها ~~من القوى النجسة المنتنة، { فبأي آلاء ربك تتمارى } ~~[النجم: 55] أيتها القوى الإنسانية الباقية، بأي نعمة ربك تشك؟ أما تعلمي ~~أن هذه القوى المعاونة لك هو من آثار فعله؟ # { هذا نذير من النذر الأولى } [النجم: 56]؛ يعني: هذا ~~الذي قرأناه عليك هي آيات الله الواردة على لطيفتك الخفية بالحق واللطيفة ~~المنذرة لك، كما كانت اللطائف المنذرة من قبل، { أزفت الآزفة } ~~[النجم: 57]؛ أي: دنت القيامة الخفية، والآزفة هي القيامة الخفية، { ~~ليس لها من دون الله كاشفة } [النجم: 58]؛ يعني: ليس لهذه ~~القيامة الخفية كاشفة غير الله عن أهوالها وشدائدها، وهي أقرب القيامات ~~إلى حضرة الله، وأقرب إليك منك، حتى أنت لفرط قربها إليك لم تقدر على ~~مشاهدتها وأنت في وسطها، بل هي محيطة بجميع أجزاء وجودك، وشرها يتعلق بحد ~~القرآن. # { أفمن هذا الحديث تعجبون } [النجم: 59]؛ أي: من ~~الوارد الجديد، { وتضحكون } [النجم: 60]؛ يعني: يستهزئون، ويقولون ~~العجب كيف تكون هذه الآزفة محيطة بنا ونحن لا نشاهدها؟ { ولا تبكون ~~} [النجم: 60] مما تسمعون من اللطيفة المبلغة ما يخبركم عن أحوال الآزفة، ~~{ وأنتم سامدون } [النجم: 61]؛ أي: غافلون لاهون مشتغلون بسماع ~~اللهو، مستهزئون بالوارد باللطيفة المبلغة، { فاسجدوا لله } ~~[النجم: 62] أيتها القوى المتكبرة في مقام المذلة؛ ليقربكم الله إلى ~~نفسه، { واعبدوا } [النجم: 62]، أيتها القوى العابدة لآلهة هواكم ~~الله المعبود الحق # الذي لا إله إلا هو # [الحشر: 22]؛ لأن رؤيتك وجودك ذنب لا يقاس به ذنب، فيا أيها السالك: أقى ~~وطرك من هذه السورة، وخذ حظك من معراجك، وأعط حق في رجوعك، وهذا الذي ~~كتبت بتوفيق الله وإلهامه مما ورد على قلبه دفعة واحدة من تفسير بطن ~~القرآن، وأما تفسير جهره لا يمكن كتابته ولو صارت الأشجار أقلاما، ~~والسماوات قرطاسا، والبحار مدادا، اللهم ثبت قلبي على دينك، وقوتي على ~~استعمال سنة نبيك الموصل إلى حضرتك، ووفقني لما ms1547 تحب وترضى من القول ~~والعمل والنسبة، وأعذني من الخطأ والخبل، والسهو والذل بحق محمد المبعوث ~~إلى أهل السهل والجبل صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبته والتابعين لهم ~~وسلم تسليما. ### | [54 - سورة القمر] ### || [54.1-9] # أيتها القوى العلوية الساجدة، وأيتها القوة السفلية العابدة اعلما أن ~~الساعة قد قربت، وافهما ما يقول الله تعالى في كلامه حيث يقول: { ~~اقتربت الساعة وانشق القمر } [القمر: 1] يعني: قيامة ~~القلب دنت، وعلامة دونها انشقاق قمر القلب، كما يقول بعده: { وانشق ~~القمر } [القمر: 1] الهيبة الوارد القهري. # { وإن يروا آية } [القمر: 2]؛ يعني: القوى الكافرة القالبية ~~والمشركة والمنافقة النفسية، آية انشقاق قمر القلب أو غيرهما من الآيات ~~البينات الأنفسية { يعرضوا } [القمر: 2] عن الآيات لبينة، { ~~ويقولوا سحر مستمر } [القمر: 2]؛ يعني: سحر بأعيننا ~~واستمر فينا، وليست لهذه الآيات حقيقة، واستدلوا بعلمهم الحاصل من قبيل ~~العقل أن الخرق والالتئام محال في الفلكيات، وما فطنوا أنه إن لم يكن هذا ~~الأمر محالا عند العقل، فكيف يكون إظهاره على يد البشر؟ ومعنى المعجزة ~~أن الأناسي يعجزون عن إتيان مثل ما يأتي به صاحب المعجزة الذي هو إنس من ~~الأناسي، فحملتهم شقاوتهم على إنكار المعجزة، وقدرهم إنكارهم سلاسل ~~الاستكبار حتى لا يقبلوا الحق فأوردتهم شقاوتهم النار. # { وكذبوا } [القمر: 3] اللطيفة الخفية المرسلة إلى جميع قوى ~~اللطائف؛ ليدعوهم إلى الحق بالمعجزات القاطعة والآيات الساطعة، { ~~واتبعوا أهوآءهم } [القمر: 3] المردية { وكل أمر ~~مستقر } [القمر: 3] بأهله من الخير والشر، فالخير مستقر بأهله في ~~الجنة، كما يقول تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى # [يونس: 26]، والشر مستقر بأهله في النار، كما يقول تعالى للذين أساءوا ~~السوء؛ لأن كل أحد من الناس يعمل على شاكلته، ويختم له في نهايته على ما ~~قدره الله له في بدايته من سعادته وشقاوته. # { ولقد جآءهم } [القمر: 4]؛ يعني: أهل مكة، وجودهم الكافرة ~~بالواد الخفي والبيان الجلي { من الأنبآء } [القمر: 4]؛ يعني: من ~~أخبار القوى المكذبة للطائف السالفة، ومما حان معهم من العذاب { ما ~~فيه مزدجر } [القمر: 4] من الزجر والوعظ؛ ليزدجروا عن التكذيب ~~والإنكار. # { حكمة بالغة } [القمر: 5]، تامة بلغت منتهاها في الوعظ ms1548 والزجر، ~~{ فما تغن النذر } [القمر: 5]؛ يعني: ليست موعظة النذر بالحكمة ~~البالغة الواردة للقوى الكافرة المشركة المستكبرة الناطقة، { فتول ~~عنهم } [القمر: 6] أيتها اللطيفة الخفية؛ لأنهم جبلوا على الشقاوة { ~~يوم يدع الداع إلى شيء نكر } [القمر: 6]؛ يعني: يوم ~~يدعو داعي الأماني لقطع الأمنية وهو أنكر الأشياء؛ لأن قطع الرجاء عن ~~المستغيث والبلاء أشد من البلاء، وأنكر العناء نريهم، { خشعا ~~أبصرهم } [القمر: 7]، في تلك الأشياء؛ لأن قطع الحالة المنكرة؛ ~~أي: دليله خاضعة ناظرة إلى كل من يمر عليهم بالذل والمسكنة ليرحم عليهم ~~المار، { يخرجون من الأجداث } [القمر: 7]؛ يعني: حين يدعوهم ~~الداعي خرجوا من قبور قوالبهم شاءوا أو أبوا، { كأنهم جراد ~~منتشر } [القمر: 7] فتفرق، ويكون صور قواهم المكتسبة في البدن ~~المجعول مثل الجراد المتفرق حيارى متفرقين، { مهطعين } [القمر: 8] ~~مسرعين مقبلين { إلى الداع } [القمر: 8]؛ وهو قواه أسرا قبليتهم ~~المسلطة عليهم، { يقول الكافرون } [القمر: 8] بالحق المنكرون ~~آياته، المكذبون لطائفه المرسلة إليهم بالمعجزات الواضحة الآيات البينة، ~~{ هذا يوم عسر } [القمر: 8] صعب شديد، لا قدرة لنا على دفع ~~الداعي المسلط علينا، ولا يسمع منا عذر ولا تنفعنا شفاعة، والله ما ذلك ~~اليوم إلا يوم عسر عبوس، فالسعيد من أيقظ بهذه المواعظ وأقبل على الحق ~~وأدبر عن الباطل، وترك الهوى واشتغل بعبادة المولى، وعلم أن الخروج من ~~الدنيا والدخول في العقبى حتى كتبه الله على اللطيفة الإنسانية وتنعمها ~~وتأملها أبد الآباد، سبب كسب البدن المكسب الباقي في هذا البدن المجعول ~~الفاني من جواهر المفردات السفلية، ولطائف المفردات العلوية الحقيقة فيها ~~وقت الإيجاد صدق لا شك فيه، كما أن الفرخ المستكن في البيضة إذا تمت ~~مودته الفرخية كيف يقشر قشر البيضة، والمجعول بتربية دجاجة الروح ~~الإنسية ويطير في هوى الهوية، ويسرح في رياض الجنة القلبية، ويأكل من ~~ثمار معرفة الربوبية، ويشرب من شراب الألوهية، وكل هذا يحصل للسالك في ~~الدنيا بالموت الاختياري، كما يقول الحكيم السني السيد المسمى بالسمناني ~~- رحمه الله - بالفارسية بيت شريف: # بمير؛ أي: روست يبش أزمرك اكرمي نزندكي خواهي كه ادريس ازجنين مردن ~~بهشتي كشت بيش أزماه. ms1549 # وإشارة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: # " موتوا قبل أن تموتوا " # ، كانت إلى هذه الحقيقة { كذبت قبلهم قوم نوح } [القمر: ~~9]؛ يعني: القوى القالبية والنفسية كذبت اللطيفة النفسية المستخلصة عن ~~الكدورات المطهرة عن القاذورات، المرسلة بالآيات البينات، { فكذبوا ~~عبدنا } [القمر: 9]؛ يعني: تلك القوى كذبوا اللطيفة المأمورة المطهرة ~~النفسية بما بلغت إليهم من الآيات البينات الأنفسية في بداية السلوك، { ~~وقالوا مجنون وازدجر } [القمر: 9]؛ يعني: ازدجر بين عشيرته ~~القريبة؛ وهي القوى النفسية، فصار مجنونا، وشاهدت هذا الحال في بداية ~~أمري؛ إذ نسبني إلى الجنون والدي وعمي وجميع أقربائي وأحبائي، فلما ~~اشتغلت بالذكر الخفي القوي ظهرت لي في الليلة الأولى شرارات نيران منورة ~~من صدري حتى لحقت بالسماء، فلما فتحت العين وأبصرتها معاينة قلت في نفسي: ~~إن الذين يقولون في حقي صدق، ما هذه المعاينة للشرارات في ظلمة الليل في ~~جوف البيت المظلم إلا من فساد جذب في الدماغ؟ والقوى المكذبة النفسية ~~يخوفوني ويمنعونني عن الذكر، والقوى الشيطانية يشككونني في مشاهدة الآية ~~البينة وقلبي كان غير ملتفت إلى أقوالهم، مشتغلا بالذكر حتى طلع الصبح، ~~فلما خرجت من البيت ودخلت المسجد لصلاة الجماعة ظهر فوق سجادتي وعن ~~يميني، وعن قبلتي كواكب درية لا تحصى، فخفت عنها في الظاهر وأنست بها في ~~الباطن، والقوى المشكلة الشيطانية والقوى المكذبة النفسية أيضا يشوشونني ~~ويأمرونني بترك الذكر، وأنا روعان من ألسن الناس أن أقفوه بما أشهده ~~وأعاينه، وهذه المشاهدة حصلت لي أول ليلة اشتغالي بالذكر الخفي القوي، ~~على وفق مذهب مشايخنا - قدس الله أرواحهم - وكنت قبل هذه الليلة مشتغلا ~~بكثرة الأوراد المأثورة، والأذكار اللسانية من أنواع التسبيحات ~~والتهليلات، والتكبيرات والتحميدات، والصلاة والسلام، وكثرة الركعات ~~والسجدات في الصلاة، وبالمجاهدات والرياضات، على وفق ما يعجبني مما حكي ~~من المشايخ المتقدمة، ففي هذه الآية أخذت هذا الذكر القوي الخفي بشرط ~~النفي والإثبات من أخ لي في الدين - رحمه الله - وكان من مريدي شيخنا - ~~أطال الله بقاءه - فلما اشتغلت بالذكر ظهرت لي هذه الحالات، وما قلت له ~~معه لخوفي عما يقولون، فلما ms1550 ظننت الإشراق وظهرت لي الكواكب الدرية، بحيث ~~لا يحصى عددها ولا يوصف ضياؤها، قلت مع أخي شرف الدين: هذه الأقوال، ~~فاستبشر وتبسم وقال: الحمد الله الذي هداك إلى هذه المشاهدة الغيبية ~~والآيات الأنفسية، وإنا قد سلكنا سنة واحدة في حرم بيت الله الحرام، فبعد ~~ذلك حصلت لنا هذه الشرارات على جبل عرفات، فأحسن الله إليك ووفقك لمشاهدة ~~هذه الآيات في مدة قريبة، فالواجب عليك القيام بشكر الحق، والقيام بشكره ~~هو أن تعتزل الناس وتشتغل بهذا الذكر على هذه الشريطة، فيفتح عليك باب ~~القلب إن شاء الله تعالى، فاسترحت من القوى المكذبة والمتفككة. # واشتغلت بعد ذلك بالذكر، واخترت العزلة والخلوة سنتين متتابعتين حتى جلت ~~بعد هذه المدة في خلق الأربعين الموسوية، وفتح الله بلفظ على قلبي ما لا ~~عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وسلكت الطريق على الترتيب ~~من العبور على قوى القالبية على وفق دعوة اللطيفة الآدمية، ثم على القوى ~~النفسية على وفق دعوة اللطيفة النوحية، ثم على القوى القلبية على وفق ~~اللطيفة الإبراهيمية، ثم على القوى السرية على وفق دعوة اللطيفة ~~الموسوية، ثم على القوى الروحية على وفق دعوة اللطيفة الداودية، ثم على ~~القوى الخفية على وفق دعوة اللطيفة العيسوية، ثم على القوة الخفية ~~المودعة في جميع القوى على وفق دعوة اللطيفة الخفية، وهي الدعوة ~~المحمدية، دعا الناس بها صلى الله عليه وسلم وسمعت من جميع القوى من ~~التكذيب والتشكيك في أمر اللطائف وإنكارهم دعوتهم وكفرهم بربهم ما لا ~~يمكن كتابة عشر عشره في المجلدات. # ومقصودي من كتابة هذه الحالة الواحدة التي تظهر في البداية للسالك؛ هو ~~أن يعلم الرجل المطالع هذا الكتاب المسمى ب " نجم القرآن "؛ وهو المزيل ~~للتفسير النجمي الذي كتبه الموفق نجم الدين داية الأسدي الرازي - شكر ~~الله سعيه - من أول القرآن إلى سورة النجم، فلما وصل إلى سورة النجم قال: ~~يكون عجب أن يأذن الله لي في الشروع في النجم وإتمامه، فإذا وصل إلى ~~النجم وشرع ومرض وعرج بنجمه المنير من ms1551 أرض البشرية إلى سماء الربوبية ~~وألهمنا الله تعالى إتمام تفسيره، والتفسير المكتوب بخطه الشريف تسع ~~مجلدات، وهذا المزيل مجلد واحد؛ ليكون معشرة كاملة خفية، ما أشار إليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: # " إن للقرآن ظهرا وبطنا... " # ، ويؤمن ببطنه كما آمن بظهره، ولا يشك فيما أشرنا إلى تكذيب القوى ~~للآيات الأنفسية وإنكارهم اللطائف المرسلة وآياتهم الخفية؛ لئلا يشقى عند ~~مطالعة هذا الكتاب بإنكاره الآيات البينات التي شاهدها كاتبها مرارا، ~~غير معدودة من بداية اشتغاله بالسلوك إلى هذا الوقت الذي ألهم كتابة هذه ~~الآيات ومقدار زمان اشتغاله بالذكر، هذا الذي وصفته لك، فقس بواقي الآيات ~~عليها؛ لأن الخبير يقنعه القليل من الكثير، ولا يزيد للبليد إظهار الآيات ~~إلا الإنكار بالتقليد. ### || [54.10-18] # { فدعا ربه أني مغلوب فانتصر } [القمر: 10]؛ يعني ~~اللطيفة النفسية دعت ربه: إني مغلوب من غلبة القوى المكذبة والمنكرة، ~~فانصرني بالوارد القهري، { ففتحنآ أبواب السمآء } [القمر: ~~11] الصدر { بماء منهمر } [القمر: 11] بماء الوارد القهري ~~منصبا على أرض البشرية، { وفجرنا الأرض عيونا فالتقى ~~المآء على أمر } [القمر: 12]؛ يعني: غلب ماء سماء الصدر على ماء ~~عنصرية أرض البشرية { على أمر قد قدر } [القمر: 12] على حد ~~قدرناه وأمرناه { وحملناه على ذات ألواح ودسر } ~~[القمر: 13]؛ يعني: حملنا اللطيفة النوحية على سفينة شريعتها، التي هي ~~ذات ألواح سرية ودسر خفية؛ والدسر المسامير، { تجري بأعيننا } ~~[القمر: 14]؛ أي: بحفظنا ومراء منا على وجه الماء، وأغرقنا القوى المكذبة ~~المنكرة لآياتنا في ماء الوارد الظاهر { جزآء لمن كان كفر } ~~[القمر: 14]، وهو الاستعداد المخصوص بالنفس كفر باللطيفة النفسية، النفس ~~قدر جوهرها،؛ وهي نعمة من الله تعالى كفر بها وبآياتنا وكذب اللطيفة ~~المرسلة. # { ولقد تركناها آية } [القمر: 15]؛ يعني: هذه الحالة ~~تركناها في النفوس علامة بعينه للسالكين طريقتنا، { فهل من ~~مدكر } [القمر: 15]؛ أي: متعظ متذكر في نفسه بأن هذه الحالة كيف ~~وقعت لي؟ وما معنى هذه الواقعة، وكنت في بداية وصولي إلى هذه الواقعة؟ # حكيت لأحد من خلاني: إني رأيت اليوم واقعة مثل واقعة نوح عليه السلام، ~~ورأيت أيضا قيام القيامة، فضحك وقال: القيامة ms1552 الموعودة المستقبلة، ~~والواقعة النوحية الماضية كيف يجتمعان في حالة واحدة؟ فلما تفرست منه قلة ~~علمه بالطريق وإنكاره للآية سكت، وقلت في نفسي: كما يقول: أين المدكر { ~~فكيف كان عذابي ونذر } [القمر: 16]؛ يعني: أين من يتذكر ~~كيفية العذاب الواقع؟ ويتفكر في إنزال النذر والمواعظ ويتعظ به. # { ولقد يسرنا القرآن للذكر } [القمر: 17]؛ يعني: ~~سهلنا لمن لم يكن أهلا لورود عليه قراءة القرآن على اللطيفة المرسلة ~~المبلغة؛ ليذكروا الآيات التي بينا فيه ويتعظوا بها وينتفعوا بها، { ~~فهل من مدكر } [القمر: 17]؛ أي: من متعظ بآيات القرآن الذي ~~سيرنا عليها قراءته، { كذبت عاد } [القمر: 18]؛ يعني: قوى العادية ~~الفانية القالبية كذبت اللطيفة المستخلصة من كدورات الهوى المرسلة، { ~~فكيف كان عذابي ونذر } [القمر: 18] انظر كيف وصل إليهم ~~عذابي وإنذاري. ### || [54.19-27] # { إنآ أرسلنا عليهم ريحا صرصرا } [القمر: 19] شديدة ~~الهبوب من ريح هواهم المكدرة { في يوم نحس } [القمر: 19] ريحية من ~~أيام عنصره { مستمر } [القمر: 19] دائم بنحوسيته، { تنزع ~~الناس } [القمر: 20]؛ أي: تقلع القوى الريحية الهوائية شجرة القوى ~~الناسية التناسية مع أغصان إنسانيتها، وترمي بها على رقبة روحانيتهم { ~~كأنهم أعجاز نخل منقعر } [القمر: 20]، منقطع من مكانه ~~ساقط أرض البشرية لميلانه إلى الهوى، وإشارته إلى النخل في هذا المقام ~~كانت لحكمه؛ وهي أن النخل أفق النباتات القريبة إلى حد الحيوان. # واعلم أن الأيام سبعة، فبإزاء كل مفردة سفلية وعلوية، فالسبت يوم ~~التراب، والأحد يوم الماء، والاثنين يوم الهواء، والثلاثاء يوم النار، ~~والأربعاء يوم النور، والخميس يوم الحياة، والجمعة يوم الوجود، وبياضية ~~جوهرية صور هذه المفردات يومها، وسوادية مادية قابلية هذه المفردات ~~إليها، وكشف سر أيامها ولياليها بتعلق بحد القرآن. # واعلم لطيفة أخرى في خصوصية كل يوم من الأيام بلطيفة من اللطائف السبع، ~~فالسبت مختص باللطيفة القالبية الآدمية، والأحد مختص باللطيفة النفسية ~~النوحية، والاثنين مخصوص باللطيفة القلبية الإبراهيمية، والثلاثاء مخصوص ~~باللطيفة السرية الموسوية، والأربعاء مخصوص باللطيفة الروحية الداودية، ~~والخميس مخصوص باللطيفة الخفية العيسوية، والجمعة مخصوص باللطيفة الخفية ~~المحمدية؛ ولأجل هذا استوى الرحمن على عرش الجمعة، واستوت الأيام الستة ~~على عرش الجمعة. # كما أشار ms1553 إلى هذا السر في كلامه المجيد، حيث قال: # الله الذي خلق السموت والأرض في ستة أيام ~~ثم استوى على العرش # [الأعراف: 54]، واعلم أن عرش حكمته القالب الشهادي، وعرش قدرته اللطيفة ~~القالبية، وعرش إرادته اللطيفة النفسية، وعرش علمه اللطيفة القلبية، وعرش ~~كلامه اللطيفة السرية، وعرش بصره اللطيفة الروحية، وعرش علمه اللطيفة ~~الخفية، وعرش حياته اللطيفة الخفية التي كانت اللطائف بها قائمة، { ~~فكيف كان عذابي ونذر } [القمر: 21]؛ يعني: تفكر أيها القارئ ~~في كيفية عذابي وتذكر أيها المتذكر إجابة دعاء النذر، { ولقد ~~يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } [القمر: 22]؛ ~~يعني: سهلنا قراءة كلامنا على الألسنة، فهل من يتذكر بالقلب من الآيات ~~التي يقرأها باللسان. # { كذبت ثمود بالنذر } [القمر: 23]؛ يعني: القوى القالبية ~~المكذبة، كذبت اللطيفة المطهرة المرسلة إليها، وإنذارها بالآيات البينة ~~القهرية المنزلة على القوى القالبية المكذبة السالفة، { فقالوا ~~أبشرا منا واحدا نتبعه إنآ إذا لفي ضلال ~~وسعر } [القمر: 24]؛ يعني: هذا المنذر بشر مثلنا واحد منا، كيف نتبعه ~~ونترك آلهة هدانا؟ ولو نترك دين طبيعتنا المستقيمة التي صارت عادتنا، ~~إنما إذا ألقي خطأ وبعد عن الحق، ولا يكون هذا إلا من قلة عقلنا وهيماننا ~~في أمرنا، { أءلقي الذكر عليه من بيننا } [القمر: 25] ~~وحده مع أن فينا من كان أحسن منه وجها، وأنظف ثيابا وأكثر أموالا ~~وتبعا، { بل هو كذاب أشر } [القمر: 25] متكبر بطر يريد أن ~~يتفوق علينا ويتخذنا هزوا، ويستخدمنا فيما يشاء. # { سيعلمون غدا من الكذاب الأشر } [القمر: 26]؛ يعني: ~~سوف يعلم القوي المكذب إذا نزل عذابنا من الكذاب الأشر البطر المتكبر، { ~~إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم } [القمر: 27]؛ يعني: ~~أرسلنا ناقة الشوق والواردات الوجدية فتنة واختبارا وابتلاء للقوى ~~القالبية المكذبة للطيفة المستخلصة عن الكدورات، { فارتقبهم } ~~[القمر: 27] أيتها اللطيفة المرسلة، { واصطبر } [القمر: 27] على ~~إيذائهم لك عند ورود الواردات الوجدية حالة السماع على القوى القالبية ~~المكذبة، بحيث يقولون: إنه مرائي يريد بإظهارها منه حالة أن يسخر قلوب ~~الحاضرين. ### || [54.28-37] # { ونبئهم } [القمر: 28]؛ أي: أخبرهم { أن المآء } [القمر: ~~28]؛ أي: ماء الحياة { قسمة بينهم } [القمر: 28] وبين الناقة ~~الشوقية، { كل شرب ms1554 محتضر } [القمر: 28]؛ يعني: كل نصيب محضرة ~~من كان يشرب الماء نصيبه، وحظ السالك من هذه الآية أن يجعل شرب حياته ~~نصيب الناقة شوقه عند ورود واردات الوجد، وهو الحضور المطلق، وترك ~~الأعمال البدنية عند ورود واردات الوجدية، ونصيب الجوارح الظاهرة ~~لاستعمالها في الأعمال البدنية، ولو أهمل هذا الشرط عذب لعقره ناقة شوقه ~~بالمنع لها عن شرب الوارد الوجدي، { فنادوا صاحبهم فتعاطى ~~فعقر } [القمر: 29]؛ يعني: نادت القوى المكذبة القالبية قوتهم ~~الجاهلية الطالبة للرئاسة، المحبة للدنيا، العابدة للهوى، فتناولت الناقة ~~الشوقية بسيف استعدادها الحاصلة من القوى العلوية، فعسرت ناقة الشوق، { ~~فكيف كان عذابي ونذر } [القمر: 30] بالقوى القالبية المانعة ~~لناقة الشوق عن استيفاء الحظ عن مشرب السماع، { إنآ أرسلنا ~~عليهم صيحة واحدة } [القمر: 31] من صيحات قولهم الجبرائيلية ~~المسلطة عليهم، { فكانوا كهشيم المحتظر } [القمر: 31]؛ ~~يعني: صارت القوى التي جمعتها قوة النفسية لاحتضار غنم الأخلاق الحميدة ~~القالبية المكتسبة الغير المزكاة بنور اللطيفة، مثل الشجرة البالية التي ~~ذرتها الريح العاصفة. # { ولقد يسرنا القرآن للذكر } [القمر: 32]؛ يعني: سهلنا ~~قراءة القرآن الذي فيه آيات وموعظة وأخبار، وعن حال من ظلم على القوة ~~النفسية المزكاة القهرية إلى اللطيفة النفسية بعقر الناقة الشوقية التي ~~فيها الاستعداد الموصل له إلى كعبة قلبه، { فهل من مدكر } ~~[القمر: 32]؛ أي: هل من قارئ يذكر هذه الآيات ويتعظ بها؟ ويتفكر في نفسه ~~ليعرف ناقته ومشربها ونصيبها، ويعرف القوى الظالمة المانعة لناقته عن ~~الشرب العاقرة لها بسيف الاستعداد العلوي، ويخاف من الصيحة الجبرائيلية ~~التي هي مسلطة عليه من بدء فطرته إلى حين رحلته من محلة هذا البدن ~~المجعول؛ لينزل ناقته ويتعهدها عند الشرب، ويركبها وينتفع بها في السلوك ~~في بيداء النفس؛ ليصل إلى كعبة القلب ويشرف بمعاهدة رب البيت. # { كذبت قوم لوط بالنذر } [القمر: 33]؛ يعني: كذبت القوى ~~المتلونة بالهوى اللطيفة المطهرة المرسلة، وإنذارها بالنذر السالفة { ~~إنآ أرسلنا عليهم حاصبا } [القمر: 34] حاصلا من كدورات ~~أفعالهم الخبيثة الأرضية، والبخارات الهوائية الصاعدة إلى الهوى، المنجدة ~~تحت سماء الصدر، الممطرة عليهم من الفوق، المدبرة لهم تدبيرا، { إلا ~~آل لوط } [القمر: ms1555 34]؛ يعني: إلا القوى المؤمنة المطهرة المصدقة ~~باللطيفة المطهرة المرسلة الآمنة عن الحاصب، { نجيناهم بسحر * ~~نعمة من عندنا } [القمر: 34-35]؛ يعني: أنجيناهم بتسحرهم في ~~التطهر وقت المناجاة، وكان بسحرهم { نعمة من عندنا } [القمر: ~~35]، وشكرهم على نعمتنا أنجيناهم، { كذلك نجزي من شكر } ~~[القمر: 35] نعمتنا. # { ولقد أنذرهم بطشتنا } [القمر: 36] البطشة ثلاثة بطشات، ~~مثل: الطامة، والنار كبرى ووسطى وصغرى، فالبطشة الكبرى، والطامة الكبرى، ~~والنار الكبرى، إذا أخذت المرء فلا يمكن الخلاص منها، وأما الوسطى فيمكن ~~بالشفاعة وبعض الأعمال الصالحة وإن كانت مغلوبة، وأما الصغرى فإذا ظهرت ~~للسالك يزيد إيقانه ويظهر له نشاطا في سلوك الطريقة، وتحرضه على التوجه ~~الكلي إلى الله يشرف بالتجليات بعد هذه الحالات، ولله بطشة خفية في كل ~~لمحة، وطامة جلية في كل بطشة، ونار مضيئة مشرقة في كل طامة، وساعة وقائمة ~~في كل نار، وواقعة خافضة في كل ساعة لا يشاهدها إلا الأقطاب الأربعة؛ ~~وهم: العالم العلوي والسفلي، { فتماروا بالنذر } [القمر: 36]؛ ~~يعني: أنذرت اللطيفة المتطهرة للقوى الملونة عذابنا وبطشنا لهم بأفعالهم ~~الخبيثة، فشكوا بالنذر؛ أي: بالإنذار، وكذبوها ولم يصدقوا إرسال الحاصب ~~عليهم. # { ولقد راودوه عن ضيفه } [القمر: 37]؛ يعني: طالب القوى ~~المتلونة القربان بضيف الوارد القهري النازل على اللطيفة المتطهرة؛ ليعذب ~~القوى المتلونة في صور اللطف، { فطمسنآ أعينهم } [القمر: 37]؛ ~~يعني: صيرنا أعينهم مطموسة من كدورات أفعالهم الخبيثة، وأرسلنا عليهم ~~صاحب أفعالهم، وقلنا: { فذوقوا عذابي ونذر } [القمر: 37]؛ أي: ~~هذا العذاب الذي كنتم به تكذبون، وحظ السالك من هذه الآية أن لا يأذن ~~للقوى المشككة المكذبة بالدخول على ضيف الوارد القدسي بحال البتة. ### || [54.38-45] # { ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر } [القمر: 38]؛ ~~يعني: عند طلوع صبح النفس اللوامة في بكرة الملهمة، استقر العذاب بالقوى ~~المشككة والمتلونة { فذوقوا عذابي ونذر } [القمر: 39]؛ يعني: ~~عذاب الحاصب الحاصل من أعمالكم الخبيثة ونياتكم المتلونة، مما أنذركم به ~~اللطيفة المتطهرة المرسلة. # { ولقد يسرنا القرآن للذكر } [القمر: 40]؛ يعني: ~~سهلنا على الألسنة قراءة القرآن الذي فيه هذه الآيات المذكرة لهم من ~~العذاب الواقع بالأعمال الخبيثة على القوى المتلونة العامل للخبائث: { ~~فهل من مدكر ms1556 } [القمر: 40]؛ يعني: هل أحد يتعظ بهذه المواعظ ~~بقلبه مما يتلوه بلسانه؛ والمراد من إنزال القرآن وتيسير قراءته على ~~اللسان وكشفه بالبيان؛ تذكرة آياته والاتعاظ بمواعظه، والتفكر في عجائبه ~~بالجنان، لا قراءته بصوت حسن؛ طلبا للدراهم والدنيا من الأعوان ووعظ ~~العوام والارتفاق بالنسوان، وهذا القارئ يكون داعيا من دعاة الشيطان، ~~والاحتراز من قراءته ووعظه واجب على أهل الإسلام والإيمان. # { ولقد جآء آل فرعون النذر * كذبوا بئاياتنا ~~كلها } [القمر: 41-42]؛ يعني: كذب القوى الفرعونية من القوى القالبية ~~اللطائف السرية والعقلية المنزلة بالآيات الأنفسية والآفاقية لهم، فما ~~أظهرت اللطيفة السرية الموسوية بالآيات الأنفسية والعقلية الهارونية ~~الآفاقية، ما زادهم المنذرين إلا طغيانا، واللطيفة السرية أنفسية، ~~واللطيفة العقلية آفاقية، كما شرحناها في حمل الصنايع المعاينة، { ~~فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر } [القمر: 42]؛ يعني: ~~أخذناهم بالعذاب أخذ من يكون غالبا على أمره، قادرا على شوق ما في علمه ~~على حسب إرادته. # { أكفركم خير من أولئكم } [القمر: 43]؛ يعني: ~~أيتها القوى الملائكية الوجودية الغير المستخلصة، قواكم الكافرة خير واجب ~~إلى الله من قوى الأمم التي كفرت باللطائف المرسلة السالفة؛ لئلا يعذبكم ~~بما عذبهم بكفرهم، { أم لكم برآءة في الزبر } [القمر: 43]؛ ~~يعني: لكم براءة في كتاب الله تعالى بأنكم تسلمون ولا تعذبون بكفركم، { ~~أم يقولون نحن جميع منتصر } [القمر: 44]؛ يعني: يظنون ~~أن بجمعية قواكم تغلبون على حكم الحق والوارد القاهر، { سيهزم ~~الجمع ويولون الدبر } [القمر: 45] سوف يهزم جمعكم بالوارد ~~الذكري القهري، ويفرون مدبرين وعليهم الدمار والرماد؛ لإدبارهم عن الواقع ~~وإقبالهم على الهوى. ### || [54.46-51] # { بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر } ~~[القمر: 46]؛ يعني: إذا دخلت قيمة القلب يكون أعظم هيبة وأشد مرارة للقوى ~~المدبرة من عذاب أرسلنا عليهم بالوارد الذكري القهري، { إن ~~المجرمين في ضلال وسعر } [القمر: 47] عند حلول الساعة تسعر ~~على المجرمين نيرانهم المشتعلة في جهنم قالبهم من نيران الحسد والحقد، ~~والبغض والغضب، والكبر والشهوة، { يوم يسحبون في النار ~~على وجوههم } [القمر: 48]؛ لاستنكافهم عن وضع الوجه لله على أرض ~~التواضع، واستكبارهم على الحق بالقوة الباطلة، يقول لهم: { ذوقوا ~~مس سقر } [القمر: 48]؛ يعني: ms1557 ذوقوا مساس سقر قالبكم بأخذكم المعارف ~~من الوارد، واشترائكم متاع الحياة الدنيا بها في دار الكسب، هذه { سقر ~~} [القمر: 48] جزاءكم اليوم في دار الجزاء. # { إنا كل شيء خلقناه بقدر } [القمر: 49]؛ يعني: لكل ~~شيء قدر معين وأجل معلوم مكتوب في اللوح المحفوظ، كما كان في أم الكتاب ~~لا يتأخر ولا يتقدم مما قدر. # { ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر } [القمر: ~~50]؛ يعني: لشيء إذا أردنا وقوعه حين انقضاء أجله المعلوم، ودخول وقته ~~المقدر أن # يقول له كن فيكون # [البقرة: 117] في الحال من غير تأخير، ويشبه سرعة نفاذ الأجر بالكلمة ~~الواحدة بلمح البصر، وهو أقرب عند أهل البصيرة؛ لأنهم يسمعون الكلمة في ~~كل ساعة، ويشاهدون الساعة في كل نفس، ويتنعمون بمعارف الآيات في كل حال، ~~وكشف سر هذا الحال من حد القرآن مما يجب إخفاؤه ويحرم إفشاؤه، { ولقد ~~أهلكنآ أشياعكم } [القمر: 51] أيتها القوى الكاذبة المكذبة ~~المستكبرة، { فهل من مدكر } [القمر: 51]؛ أي: هل أحد يتذكر من ~~قراءة القرآن واستماع الآيات ويتعظ بهذه المواعظ، ويعرض عن قواه الكافرة ~~المكذبة ويقبل على قواه المؤمنة المصدقة، ويؤمن بلطائف القالبية الحسية، ~~والقلبية والسرية والروحية والخفية. ### || [54.52-55] # { وكل شيء فعلوه في الزبر } [القمر: 52]؛ يعني: مكتوب ~~في كتبنا كل ما عمل شخص من الأشخاص، وتلك الكتب الموجودة مع كل أحد من ~~بني آدم؛ ولكنهم لكثافة حجبهم الظلمانية لا يستطيعون قراءتها، أما ترى ~~أيها الجاهل الغافل إذا صريع مصروع، عامي أمي كيف يقرأ القرآن، والزبور، ~~والتوراة، والإنجيل؟ وكيف يتكلم المصروع العجمي بالعربي، والعربي ~~بالعجمي، والمغولي بالهندي، والهندي بالمغولي؟ فلولا أن تلك الكتب ~~المكتوبة على الألواح موجودة فكيف يقدر بعد الإغماء عليه لخرق حجابه على ~~قراءة تلك الكتب؟ ولأجل هذا ضرب به المثل ابن الفارض وهو من محققي هذه ~~الأمة في قصيدته التائية، غير أنه رجع القهقرى حتى مال إلى الإيجاد، قال ~~رحمه الله تعالى: # مثال محق والحقيقة عمدتي # وأثبت بالبرهان قولي ضاربا # على فمها في مسها حيث جنت # بمتبوعة ينبيك في الصرع غيرها # عليه براهين الأدلة صحت # ومن لغة تبدو بغير ms1558 لسانها # وهذا شيء شاهدناه مرارا ثم شاهدنا في سلوك الطريقة أن السالك الأمي ~~يقرأ جميع القرآن في طرفة عين وإلى هذه الحقيقة أشار ابن الفارض حيث قال ~~رحمه الله: # وقل لي من ألقى إليك علومه # وقد ركدت منك الحواس بغفوة # وما كنت تدري قبل يومك ما جرى # بأمسك أو ما سوف يجري بغدوة # فأصبحت ذا علم بأخبار من مضى # وأسرار من يأتي مدلا بخبرة # أتحسب من جاراك في سنة الكرى # سواك بأنواع العلوم الجليلة # وما هي إلا النفس عند اشتغالها # بعالمها عن مظهر البشرية # تجلت لها بالغيب في شكل عالم # هداها إلى فهم المعاني الغريبة # وقد طبعت فيها العلوم وأعلنت # بأسمائها قداما بوحي الأبوة # فاجتهدوا أيها الغافلون في تطهير لوح الباطن عن الغبار الواقع على وجهه ~~من عالم الجذب، سبب ريح الهوى بالذكر الكريم؛ ليقرؤوا جميع الكتب المنزلة ~~وغير المنزلة، وتطلعوا على أم الكتاب الذي هو مخزون في عالم الجبروت ~~عند الرب، وفصيح لسانك بجميع اللغات وقت الغدر عن مشاهدة الصغائر ~~والكبائر المكتوبة على ألواحكم، كما يقول الله تعالى: { وكل صغير ~~وكبير مستطر } [القمر: 53]؛ يعني: صغائر أعمالكم وكبائرها من ~~الخير والشر، مكتوبة على ألواحكم. # { إن المتقين في جنات ونهر } [القمر: 54]؛ يعني: ~~الذين اتقوا عن غبار تراب الطبيعة، وريح الهوى في جنات قلوبهم ونهر ~~معارفهم الجبروتية، مستريحون { في مقعد صدق } [القمر: 55] وهو ~~موضع الحكمة { عند مليك مقتدر } [القمر: 55]؛ يعني: موضع ~~الحكمة عند القدرة وفيه أسرار رحمته، أشرح لك نبذة نستفيد منها ما يهز به ~~عطف إرادتك للطلب. # اعلم أن مفاتيح الغيب، ومقعد الصدق، وأم الكتاب عنده في عالم الجبروت، ~~وهي مظاهر جبروتية لصفات لاهوتية؛ وهي: الحياة، والسمع، والبصر، والكلام، ~~والعلم، والقدرة، والإرادة، والحكمة، وجواهر الملائكة الأربع، والعناصر ~~الأربعة في الملكوت، مظاهر لمظاهر الصفات الجبروتية، وقال الإنسان ~~المنفوخ فيه الروح مظهر لمظاهر الصفات الملكوتية؛ التي هي مظهر لمظاهر ~~الصفات الجبروتية؛ التي هي مظاهر الصفات اللاهوتية، وقال الإنسان ناسوتي، ~~وبه يتم أمر الحكمة وهو أنت، فانظر إلى نفسك لترى آيات أفعال الحق، وادخل ms1559 ~~في نفسك تشاهد آيات صفات الحق، واصقل مرآة نفسك لتشرف بمشاهدة جمال الحق، ~~وارحم نفسك بنفسك في نفسك ولا تضع قدمك خارجا من حرم نفسك؛ لأنها البيت ~~الحرام وكعبة الأمان ودار السلام، وفيها الجنة والرضوان والروح والريحان؛ ~~لئلا تضل في بادية الجريان بالخيبة والخسران، فالعالم بأسره ملكه ~~وملكوته، وغيبته وشهادته، وأنفسه وآفاقه إنسان صغير، والإنسان عالم كبير، ~~فالويل لمن ترك الكبير للصغير، وحقير من يقنع بالقليل من الكثير. # اللهم ارفع همتنا بطلب الملك القدير، ووفقنا لمتابعة حبيبك المنير، ~~البشير النذير للخير والشر به صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، ~~والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. ### | [55 - سورة الرحمن] ### || [55.1-13] # قدسية رحمانية إسلام أبادية مختومة بختام المسك مما ينافسه المتنافسون ~~وفيه يرغب الراغبون، وله يزهد الزاهدون، وإليه يتوجه المتوجهون، وبه يسلك ~~السالكون، ومعه يطرب المطربون ويرقص الراقصون، ومنه يستريح المستريحون، ~~طوبى لمن نظر فيها بعين العبرة وانتفع منه الخير، وحمل على جند النفس ~~حمله أهل الغيرة؛ ليخلص من بيداء الحساب ويخرج من نية الحيرة، ويخلص نفسه ~~من رق الشيطان ويدخله في زمرة عباد الرحمن، ويقرأ سورة الرحمن ويتدبر في ~~هذا البيان الذي جاء من حضرة القرآن، ونقش على صحيفة الجنان؛ ليشاهد ~~حقيقة بعين العيان، ويعرف حقيقة بحق الإيقان، والله المستعان وعليه ~~التكلان. # يا طالب علم الرحمن في القرآن: اعلم أن الله تعالى يقول: { ~~الرحمن * علم القرآن } [الرحمن: 1-2]؛ يعني: الرحمن إذا ~~استوى على عرش الروحانية علم القرآن للأرواح الطيبة بما نقش بالقلم الخفي ~~على ألواحهم الساذجة من علم القديم، فلما تصاعد غبار عالم الحدوث ووقع ~~على ألواحهم خفي النقش، وما هم بقادرين على بقي الغبار ولا على غسل ~~الألواح. # { خلق الإنسان } [الرحمن: 3] الجامع، وجمع فيه المفردات العلوية ~~والسفلية؛ ليحصل له استعداد يزيل الغبار عن وجه ألواح، ويغسل الصور ~~المنقوشة ليلوح فيها المعاني، كما يقول تعالى بعد ذكر خلق الإنسان: { ~~علمه البيان } [الرحمن: 4]؛ ولهذا السر قال الله تعالى مع حبيبه: # فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا ~~بيانه # [القيامة: 18-19]؛ ms1560 لأن البيان تفصيلي والقرآن إجمالي، وليس للمخلوقات في ~~تفاصيل المعرفة حظ إلا للإنسان، لقوة لها حصلت من امتزاج مفردات العلويات ~~والسفليات، واختلاط الأنوار والظلمات، وهو مزاج معتدل في اللطافة ~~والكثافة؛ ولأجل هذا صار مظهر صفات الذات. # { الشمس والقمر بحسبان } [الرحمن: 5]؛ يعني: شمس النبوة ~~وقمر الولاية على فلك وجود الإنسان، يدور بالحساب في الدائرة الأزلية ~~والأبدية على قطب نقطة نون الرحمن، ولا يكشف هذا السر حتى يفهم قوسيته ~~صورة في البياض والسواد، وإيصال دائرة الأزل إلى الأبد عند نزعة بواسطة ~~وتروا، والولاية القائمة بألف الاسم الأعظم، وسر سين السهم الأسمى الذي ~~لأجله ظهر قوس النون، ووتر الواو، وألف الاسم؛ وهو آخر حروف القوس وبه ~~تتصل دائرة الأزل بالأبد، وبه يتم التدبير وحكمه الرجوع وحصول الصيد ~~المقصود من إيجاد وجود كل موجود، والشروع في تحقيقه يلزم الشروع في بيان ~~حد القرآن مما لست مأذونا في إفشائه. # { والنجم والشجر يسجدان } [الرحمن: 6]؛ يعني: نجم أمر ~~التدبير، وشجر سر التدبير عند عروجها على مدبرها يسجدان له ويتذللان بين ~~يديه بالرجوع عليه، والنجم استعداد علوي نزل وقت التدبير لتربية الشجر، ~~وهو القوة السفلية ليظهر فيعرج ثم يعرج إلى ربه، { والسمآء ~~رفعها } [الرحمن: 7]؛ يعني: سماء الصدر رفعها فوق البشرية { ووضع ~~الميزان } [الرحمن: 7]؛ يعني: وضع القوة المميزة العاقلة بين القوى ~~السمائية وإعطاء الحقوق العلوية، { وأقيموا الوزن بالقسط } ~~[الرحمن: 9]؛ يعني: لسان الميزان عند البيان، ينبغي أن يكون قائما ~~بالعدل لا يميل على جانب الإفراط والتفريط بالهوى؛ لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم " # ، { ولا تخسروا الميزان } [الرحمن: 9]، إشارة إلى التفريط، ~~كما أن قوله: { ألا تطغوا في الميزان } [الرحمن: 8] كان ~~إشارة إلى الإفراط. # { والأرض وضعها للأنام } [الرحمن: 10]؛ يعني: أرض البشرية ~~وضعها وفرشها وبسطها للقوى الإنسانية، { فيها فاكهة } [الرحمن: 11] ~~من فواكه معرفة الصفات الفعلية، { والنخل ذات الأكمام } ~~[الرحمن: 11]، إشارة إلى الشجرة التي هي مظهر لمعارف الصفات الذاتية؛ ~~ولأجل هذا قال: { ذات الأكمام } [الرحمن: 11]؛ لأن شجرة الإنسان ~~ذات الأطوار، كما أن النخل ms1561 ذات الأكمام كل طورها مستور بطور آخر؛ ولأجل ~~هذا قال صلى الله عليه وسلم: # " النخلة عمتكم " # ، وهي أفق النباتات { والحب ذو العصف والريحان } ~~[الرحمن: 12]؛ يعني: حب الحب المزروع في أرض البشرية؛ يعني: ذو أوراق من ~~المكاشفات، { ذو العصف والريحان } [الرحمن: 12] من المشاهدات؛ ~~وهو الورق الحسن الذي يخرج من الحب، والعصف هو الورق الذي يحفظه، { ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: 13]، إشارة إلى ~~القوتين: العلوية والسفلية؛ يعني: بأي نعم ربكما أيها القوتان تكذبان، ~~أبنعمة رفع السماء، أم بنعمة وضع الأرض تكذبان؟ أبإنزال النجم التدبيري، ~~أم بتفريج الشجر الحكمي تكذبان؟ ### || [55.14-25] # { خلق الإنسان من صلصال كالفخار * وخلق الجآن ~~من مارج من نار } [الرحمن: 14-15]، خلق القوة الإنسانية من ~~العناصر السفلية المتأثرة بالعناصر العلوية، وخلق القوة الجنية من ~~العناصر العلوية المكتسبة بسبب الهوى ألوان العناصر السفلية، { فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: 16]؛ يعني: أيتها القوتان، ~~أبنعمة استعداد قبول الأثر من العناصر العلوية، أم بنعمة قوة الاكتساب من ~~العناصر السفلية تكذبان؟ # { رب المشرقين ورب المغربين } [الرحمن: 17]؛ يعني: ~~رب مشرق شمس النبوة ومشرق قمر الولاية في العالم الجسماني، ورب مغرب شمس ~~النبوة ومغرب قمر الولاية في العلم الروحاني، { فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان } [الرحمن: 18]؛ يعني: أبنعمة إشراقها لأجل ~~الكسب، أم بنعمة إغرابهما لأجل الاستراحة تكذبان أيتها القوتان؟ # { مرج البحرين يلتقيان *بينهما برزخ لا ~~يبغيان } [الرحمن: 19-20]؛ يعني: مرج البحرين: الروحاني، والجسماني ~~{ يلتقيان * بينهما برزخ } [الرحمن:19-20] الإنسان؛ أي: ~~حاجز يمنعهما أن يتغيرا؛ يعني: إن لم يكن حاجز القلب بين القوى العلوية ~~والسفلية لتغير مزاج القوى النورانية العلوية من دخان القوى الظلمانية ~~السفلية، ويصل أيضا حاصبات القوى السفلية من غلبات أنوار القوى العلوية؛ ~~لأن القوى السفلية ضعيفة عاجزة عن حمل الأنوار العلوية إن لم يكن بينهما ~~واسطة اللطف من القوى السفلية وأكثر من القوى العلوية، كما أن - القصرون ~~- ألين من العظم وأخشن من اللحم، { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان } [الرحمن: 21] أيتها القوتان، أبنعمة مرج البحرين، أم ~~بنعمة الحاجز الذي إن لم يكن هو بطل ومتغير استعدادكما تكذبان؟ # { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ms1562 } [الرحمن: 22]؛ يعني: ~~من البحر العلوي يخرج لؤلؤ أنوار الأسرار السري، ومن البحر السفلي يخرج ~~مرجان نيران العشق القلبي، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ~~[الرحمن: 23] أيتها القوتان تكذبان؟ # { وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام } ~~[الرحمن: 24]؛ يعني: له بيض الخواطر المسخرة في بحر الإنسان الذي فيه ~~البحران يلتقيان، { كالأعلام } [الرحمن: 24]؛ ليقطع بعلامتها ويميز ~~الخاطر العلوي من السفلي وإلا شيء من الجني، { فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان } [الرحمن: 25]، أفبنعمة تسخير السفن، أم بنعمة ~~الأعلام أيها القوتان تكذبان؟ ### || [55.26-34] # { كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو ~~الجلال والإكرام } [الرحمن: 26-27]؛ يعني: من يكون على أرض ~~البشرية فان، والفناء إشارة إلى فناء المركبات، كما أن الهلاك إشارة إلى ~~هلاك المفردات، ولأجل هذا إشارة في الفناء إلى تجلي الصفات، وفي الهلاك ~~إلى تجلي الذات، وأطلق الهلاك على كل شيء حيث قال: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]، وأضاف الوجه إلى هويته، وأطلق الفناء على من على وجه الأرض ~~البشرية من المركبات بقوله تعالى: { كل من عليها فان } ~~[الرحمن: 26]، وأضاف الوجه إلى الصفة حيث قال: { ويبقى وجه ~~ربك ذو الجلال والإكرام } [الرحمن: 27]؛ يعني: صاحب تجلي ~~الجمال والجلال؛ يعني: بتجلي الجلال الصور الكثيفة، ويبقى بتجلي الجمال ~~المعاني المكتسبة اللطيفة من الصورة الكثيفة، والفرق بين الهلاك والفناء ~~بين فناء نور القمر عند حجاب الأرض له عند أخذ النور من الشمس وهلاك ~~أنوار الكواكب عند طلوع الشمس، وأبين لك فرق أظهر من هذا في صورة النبات، ~~إذا وضعته في قدح فيه ماء يفني تركيب الصورة النباتية القائمة ثلاثة ~~قوائم، ويهلك معنى حلاوة في الماء؛ لغلبة الماء عليه، وفي الهلاك والفناء ~~أسرار سوى هذا يتعلق بعضها تجد القرآن وبعضها بمطلع القرآن، { فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: 28]؛ يعني: أيتها القوتان، ~~أبنعمة إفناء الصور الكثيفة، أم بنعمة إبقاء المعاني اللطيفة المكتسبة من ~~الصور الكثيفة في دار الكسب تكذبان؟ # { يسأله من في السموت والأرض } [الرحمن: 29]؛ يعني: ~~القوة العلوية والسفلية تسأله حظوظهم وحقوقهم، { كل يوم هو في ~~شأن } [الرحمن: 29]؛ يعني: يحيي ويميت، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل، ms1563 ويخفض ~~ويرفع لحكمته وقدرته على وفق إرادته، يمحو ما يشاء عن الألواح، ويثبت ما ~~يشاء على الألواح في يوم الحال الحاجز بين الأزل والأبد، { فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: 30]، أبنعمة محو السيئات، أم ~~بنعمة إثبات الجنان أيتها القوتان تكذبان؟ # { سنفرغ لكم أيه الثقلان } [الرحمن: 31]؛ يعني: سوف ~~نفرغ من استعمالكم في دار الكسب أيها القربان الثقيلان العظيمان برفعان ~~قدر، كما لأنكما ثقلان الأرض البشرية والسماء الروحانية، ويشتغل بالإعطاء ~~جزاء أعمالكم في دار الجزاء، { فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~} [الرحمن: 32]، أبنعمة الاستعمال في دار الكسب في الأعمال الصالحة، أم ~~بنعمة إعطاء الجزاء في دار الجزاء أيتها القوتان تكذبان؟ # { يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا ~~من أقطار السموت والأرض فانفذوا لا تنفذون ~~إلا بسلطان } [الرحمن: 33]؛ يعني: أيتها القوى العلوية والسفلية، ~~إن كنتم تستطيعون أن تتفرقوا أو ترجعوا إلى سماء الروحانية وأرض ~~الجسمانية فتفرقوا، وما كنتم على التفرق والرجوع إلى كلياتكم إلا ~~بسلطاننا وحكمنا وبياننا، وبعبارة أخرى إن كنتم تستطيعون على تحصيل ~~المعارف العلوية والسفلية بغير سلطان الوارد فاسعوا في الطلب، ولا يمكن ~~تحصيل المعارف بسعيكم إلا عند نزول سلطان الوارد، { فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان } [الرحمن: 34]؛ يعني: أيتها القوتان العلوية ~~والسفلية، أبنعمة اجتماعكما لكسب الحسنات الباقيات في دار الكسب، أم ~~بنعمة تفريقكما وإدخالكما في دار الجزاء لاستراحتكما عن الشغل، وتنعمكما ~~بالأعمال الصالحة المكتسبة تكذبان؟ ### || [55.35-45] # { يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا ~~تنتصران } [الرحمن: 35]؛ يعني: يرسل عليكما أيتها القوتان شواظ من ~~نار علوية، وهو لهب النار الأخضر واستعداد النحاسية من العناصر السفلية، ~~فلا يمنعان صاحبهما عن العذاب إن يشأ عذابهما، وفي هذا أسرار رحمة أشير ~~إلى بعضها لك يفطن له الخبير. # اعلم أن الله تعالى خلق قالب الإنسان مستعدا مثل النحاس المستعد ~~للتربية والتصعيد إلى حد يطرح عليه الكيمياء ويقلبه عينا روحانيا، وخلق ~~فيه من نار القوة الفاعلية قوة إذا زكى النحاس من الظلمة المنطبعة فيه من ~~أركان الأرضيات، وظهر النار من لهب الهوى، وقيل صاحب التزكية والتطهير ~~كثير الإيمان وطرح على نحاس القالب ms1564 واشتعل فيه النار المطهرة عن لهب ~~الهوى، فجعل قالبية الظلماني نورانيا، ويصير نحاسية الجسماني عينا ~~باقيا روحانيا، وإن لم تزك النحاس من ظلمات الطبيعة ولم تظهر النار ~~نورانيا من لهب الهوى، تذيب النار التي هي ذات لهب هوائية نحاس استعداد ~~القوة المكدرة الجسمانية في جحيم قالبه التي عمرها في دار الكسب، وتغذيه ~~أبد الآباد تارة بالإذابة والإحراق في جحيم اغتراره بنور النار، وتارة ~~بإدخاله النحاس المذاب في زمهرير إنكاره؛ ليخمد ويصلح للإذابة تارة أخرى ~~في دار القرار؛ لإعراضه عن طاعة الملك الواحد القهار، { فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: 36]؛ يعني: أيتها القوتان، ~~أبنعمة إعطاء آثار الخضراء العلوية، أم بنعمة إعطاء الاستعداد النحاسي ~~السفلي تكذبان؟ # { فإذا انشقت السمآء فكانت وردة كالدهان } ~~[الرحمن: 37]؛ يعني: إذا فرجت سماء الصدور، وتنزلت القوى الملكية على ~~القالب، ويكون لون السماء المنشقة مثل دهق الزيت إذا وصل إليه حرارة ~~النارية، لون كل ساعة بلون آخر، فكذلك سماء الصدر تتلون من حرارة شموس ~~القوى الملكية بلون آخر على حسب قوى ملك من الملائكة المنزلة، كما قيل: ~~لون ماء لون إنائه من ينصركما أيتها القوتان؟ { فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان } [الرحمن: 38]، أبنعمة انشقاق السماء، أم بنعمة ~~إنزال القوى الملكية تكذبان؟ # { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن * ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: 39-40]؛ يعني: ~~أيتها القوتان، أبنعمة الخلاص من الذنب في دار الكسب، أم بنعمة غفران ~~ذنبكما تكذبان؟ # واعلم أن الملائكة النازلة يعرفونهم بسيماهم، فتؤخذ بنواصي نياتهم ~~السيئة وأقدام أعمالهم الفاسدة، ويلقون في جهنم قالبهم الذي عمروها في ~~دار الكسب يطوف من نار عنصرهم الغير المستخلصة عن لهب الهوى، وحميم ~~عنصرية مائهم المكدرة بتراب الطبيعة، كما { يعرف المجرمون ~~بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام * فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان * هذه جهنم التي يكذب بها ~~المجرمون * يطوفون بينها وبين حميم آن } [الرحمن: ~~41-44]، والآن واد من أودية جهنم مثل الويل، فأما الويل حصل من شره، ~~والآن من الهوى إلا من ستره الله بستر ستاريته فإن الملائكة لا يعرفونه، ~~{ فبأي آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: 45] أيتها ms1565 ~~القوتان، أبنعمة الخلاص عن الجزاء لستره، أم بنعمة المغفرة عن الذنب ~~بغفرانه تكذبان؟ ### || [55.46-56] # وهذه المواعظ جاءت لتتعظ بها القوتان من آلاء الرب ونعمائه؛ ولأجل هذا ~~يقول: { ولمن خاف مقام ربه جنتان } [الرحمن: 46] جنة ~~عن يمين لقوة روحانيتهم فيها المعارف، وجنة عن شمال لقوى جسمانيتهم فيها ~~فيما اشتهت أنفسهم، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ~~[الرحمن: 47]؛ يعني: أيتها القوتان الخائفتان من مقامكما عند ربكما يوم ~~الحساب، المشتغلتان بكسب الأعمال الصالحة المدخر لكم جزاءها في يوم ~~المآب، أبنعمة جنة اليمين، أم بنعمة جنة الشمال تكذبان؟ { ذواتآ ~~أفنان } [الرحمن: 48]؛ يعني: جنتكما ذواتا أغصان من المعارف الجلالية ~~والجمالية، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: 49]؛ ~~يعني: أيتها القوتان، أبنعمة المعارف الجلالية، أم بنعمة المعارف ~~الجمالية تكذبان؟ { فيهما عينان تجريان } [الرحمن: 50]؛ ~~يعني: في جنتكما تجريان عين المكاشفة وعين المشاهدة، { فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان } [الرحمن: 51] أيتها القوتان؟ { فيهما من ~~كل فاكهة زوجان } [الرحمن: 52]؛ يعني: من كل فاكهة معرفة ~~صورتان خالدتان من صورة الأعمال الروحانية والجسمانية، التي عملها في دار ~~الكسب صاحبها { فبأي آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: ~~53]؛ يعني: أيتها القوتان، بنعمة أي صورة من الصورتين الخالدتين تكذبان؟ # { متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق وجنى ~~الجنتين دان * فبأي آلاء ربكما تكذبان } ~~[الرحمن: 54-55]؛ يعني: الصورة الخالدة متكئين على بساط البسط المفروش؛ ~~الذي بطائن الفرش من إستبرق اللطف، وظواهرها من نور الفضل مما ليس له ~~نظير في الدنيا، كما قال في وصفه النبي صلى الله عليه وسلم: # " جزاء عن الملك العلام، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على ~~قلب بشر " # ، { وجنى الجنتين } [الرحمن: 54]؛ يعني: اجتناء ما يجتني صاحب ~~الجنتين يكون عليه سهلا قريبا على أية حالة شاء يجتني ثمارها من غير ~~تحول عن مقام إلى مقام آخر، ومن غير حركة بالقيام والقعود، { فيهن ~~قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن ~~} [الرحمن: 56]؛ يعني: في هذه الجنان صور حسنة خالدة من صور الأعمال ~~الصالحة، يقصر طرفهن على صاحبها ولا يقدر أن ينظرن إلى غير صاحبها، وكل ~~ما ينظر إلى ms1566 صاحبها يريد في عينها جمال صاحبها، لم يمسهن يد قوة علوية ~~ولا سفلية قبل يد صاحبها، وحسنهن من حسن الأعمال، وزيادة حسنهن في كل ~~نظرة من حسن النية والصدق والإخلاص في العمل. ### || [55.57-70] # { فبأي آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: 57]؛ يعني: ~~أيتها القوتان، أبنعمة قصر طرفهن عليكما، أم بنعمة حفظهن عن مسام يد ~~غيركما تكذبان؟ { كأنهن الياقوت والمرجان } [الرحمن: ~~58]؛ يعني: قوة قلبها كالياقوت وقوة نفسها كالمرجان؛ وهو أفق المعارف، ~~وللياقوت القوة القلبية، أم بنعمة خاصة تفريج القلب وتقويته؟ { فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: 59]؛ يعني: أيتها القوتان، ~~أبنعمة ياقوت القوة القلبية، أم بنعمة مرجان القوة النفسية تكذبان؟ # { هل جزآء الإحسان إلا الإحسان } [الرحمن: 60]؛ يعني: ~~هل جزاء الأعمال الحسنة التي عملها صاحبها في دار الكسب إلا الإحسان في ~~دار الجزاء؟ وهل يخرج من الشجرة الطيبة إلا الثمرة الطيبة؟ { فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: 61]؛ يعني: أيتها القوتان، ~~أبنعمة التوفيق التي أعطيتكم في دار الكسب، أم بنعمة الجزاء التي ادخرت ~~لكم في دار الجزاء، بأي هذين الإحسانين تكذبان؟ # { ومن دونهما جنتان } [الرحمن: 62]؛ يعني: أيتها القوتان ~~أبالجنة السرية، أم بالجنة الخفية تكذبان؟ { مدهآمتان } [الرحمن: ~~64]؛ يعني: سوداوان مثل سواد العين التي فيها عين الإنسان، { فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: 65]؛ يعني: أيتها القوتان، ~~أبنعمة سواد العين في عين الإنسان، أم بنعمة عين الإنسان في سواد العين ~~تكذبان؟ ولهذا السواد من يتعلق بحد القرآن، وقد أشرنا إلى بعض أسراره في ~~موارد الشوارد، ومدارج المعارج، وسواطع القواطع. # { فيهما عينان نضاختان } [الرحمن: 66]؛ يعني: نوارتان بماء ~~المعارف الذي إذا شربه صاحب تقر عينه بمشاهدة جمال محبوبه لا ينقطعان أبد ~~الآباد، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: 67]؛ أي: ~~بأية عين من هاتين العينين تكذبان؟ { فيهما فاكهة ونخل ~~ورمان } [الرحمن: 68] يعني: في هذه الجنتين فاكهة الإرادة، ونخل ~~الولاية، ورمان النبوة، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ~~[الرحمن: 69]؛ يعني: أيتها القوتان، بأية جنتين من هذه الجنان الأربع ~~تكذبان؟ { فيهن خيرات حسان } [الرحمن: 70]؛ يعني: في الجنان ~~الأربع ضوء الأخلاق الحسنة والأعمال الخيرة، { خيرات } [الرحمن: 70] ~~وجوهها { حسان } [الرحمن: 70] أخلاقها. ### || [55.71-78] # { فبأي ms1567 آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: 71]؛ يعني: ~~أيتها القوتان، أبنعمة الأعمال الصالحة، أم بنعمة الأخلاق الحسنة تكذبان؟ ~~{ حور مقصورات في الخيام } [الرحمن: 72]؛ يعني: صورة عمل ~~روحي محبوسة في خيام لطيفة جسمانية، { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان } [الرحمن: 73]؛ يعني: أيتها القوتان، أبنعمة صورة العمل ~~الروحي، أم بنعمة حبسها في خيام القوة الجسمانية تكذبان؟ { لم ~~يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن } [الرحمن: 74]؛ لأنهن ~~محبوسات في الخيام الجسمانية، مأمونات عن ملامسة يد قوة علوية مكدرة ~~بدخان الهوى، وسفلية ملوثة بقاذورات الطبع، { فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان } [الرحمن: 75]؛ يعني: أيتها القوتان، أبنعمة ~~حفظ هذه الأمور الخالدة عن مساس يد قوة مكدرة علوية، أم بنعمة صوتها عن ~~ملامسة يد قوة ملوثة سفلية تكذبان؟ # { متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان } ~~[الرحمن: 76]؛ يعني: تلك الصورة الحسنة الخيرة الخالدة، متكئين على بسط ~~الرفرف الخضر الذي يوصلها الجذبة إليها، ولحاف الألحاف الخفية المنقوشة ~~عليها معارف سر الربوبية المودع في تراب الطبيعة، وشر الخلافة المدرج في ~~نار الروحانية، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: ~~77]؛ يعني: أيتها القوتان، أبنعمة بسط الرفرف الخضر، أم بنعمة لحاف ~~العبقري المنقوش عليه أسرار الربوبية والخلافية تكذبان؟ # { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } [الرحمن: ~~78]؛ يعني: تبارك وتعالى اسم ربك الذي لجلالته وإكرامه، وكمال قدرته ~~وإعظامه يحصل لقائله هذه الجنان التي وصفناها في سورة الرحمن، فأبشروا يا ~~صعاليك الذاكرين أن جميع الحسنات والطيبات مدرجات في الكلمة الطيبة ~~الحسنة؛ وهي # لا إله إلا الله # [الصافات: 35]. # هل جزآء الإحسان # [الرحمن: 60]؛ يعني: هل جزاء من يقول: لا إله إلا الله من صدق القلب إلى ~~الجنة المضافة إلى الرب، والجنان التي فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ~~هي صور الأعمال الحسنة، فاجتهدوا في تطهير مجاري ذكركم الكريم، وفي نفي ~~الخواطر عند اشتغالكم بالذكر لتدخلوا جناتكم، وتجالسوا رضوانكم، وتشاهدوا ~~رحمانكم، وتعرفوا إنسانكم، وتطلعوا على سر ما قال نبيكم صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الله تعالى خلق الإنسان على صورة الرحمن " # ، ومن قرأ سورة الرحمن وعرفها حق المعرفة اطلع على كمال معرفته صلى ~~الله عليه وسلم، وإشاراته اللطيفة المدرجة ms1568 في كلماته الشريفة، وعلم أنه ~~صدوق فيما قال: # " أوتيت جوامع الكلام " # صلى الله عليه وسلم. # اللهم ثبتنا على متابعته، وعرفنا إشاراته، ولا تحرمنا من بركاته، ووفقنا ~~للصلاة عليه، وأشركنا في تحياته وصلاته بحقه صلى الله عليه وسلم، وعلى ~~آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم يفرق بين المسيء والمحسن، يسوق ~~المسيء على جهنم بسوط سيئاته، ويسوق المحسن إلى الجنة بسوط حسناته. ### | [56 - سورة الواقعة] ### || [56.1-16] # يا طالب معرفة الواقعة الرافعة، اعلم أن الواقعة اسم لقيامة الروح، كما ~~أن الآزفة اسم لقيامة الخفي، والحاقة لقيامة السر، والساعة لقيامة القلب، ~~والواقعة إذا وقعت ترفع صاحبها طورا وتخفض طورا، وتسير من هواها # الجبال سيرا # [الطور: 10]، وتمور الأرض مورا، وتفور نيران الشوق والعشق من هبوب رياح ~~اللطف من شمال الجمال فورا، وتشتعل نيران الشدة والغيرة من نفخ ريح سموم ~~الجلال اشتعالا، وتفجر حينا أنهار المعرفة تفجيرا، وتجعل ماء الحكمة ~~غورا. # واقرأ سورة الواقعة من كتاب الحق حيث يقول: { إذا وقعت ~~الواقعة * ليس لوقعتها كاذبة } [الواقعة: 1-2] ~~متدبرا؛ لتفهم أن الواقعة أمر جزم لا شك في وقوعها، والسالك إذا اشتغل ~~بالسلوك والتصفية ووصل ذكره إلى الروح يشاهد الواقعة وهي في البداية، مثل ~~ستر أسود يجيء من فوق الرأس عند غلبة الذكر، وكلما تدبر في النزول يقع ~~على الذكر هيبة وسكينة، وربما في البداية يغمى عليه، فأما في الوسط فإذا ~~نزل برأسه حتى يقع على عينيه يشاهد عوالم الغيب وما فيه كما شاء الله أن ~~يريه في تلك الواقعة، ويكشف عليه العلوم الروحانية في تلك الواقعة، ويرى ~~السالك عجائب وغرائب ما لا يعد ولا يحصى، فإذا أفاق من واقعته يكون ~~كالحيوان يحكها السلكة، ويرشده مسلكه إلى ما فيه مصلحة وقته، ويصير ما هو ~~مناسب لحوصلته، ويقوى قلبه ويأمره بالذكر والتوجه الكلي حتى يصفو سر ~~الواقعة فيكون سرا منورا، فكلما ينزل يجد السالك منها طمأنينة وذوقا، ~~وربما يصل إلى حد حتى أن السالك بعد نزولها يفتح عينه في عالم الشهادة ~~ويشاهد مآله في الواقعة؛ وهي حالة سنية ms1569 معتبرة عند أرباب السلوك. # { ليس لوقعتها كاذبة } [الواقعة: 2]، بل هي صادقة؛ لأن ~~الشيطان يفر من ظل الواقعة، ولا تقدر النفس أن تشكل صاحب الواقعة أصلا؛ ~~لأنها أظهر من أن يمكن للنفس والشيطان أن يلبسا حالها على السالك، وعندي ~~أنها حالة حقيقة؛ وهي النقطة الحقيقية، والذي تشاهده في عالم الشهادة ~~بالنسبة إليها حالة النوم، وفي الحقيقة كل ما يشاهده في العالم الخيالي ~~لا حقيقة له؛ ولأجل هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا " # ، فكن أيها النائم في نومك على حذر من حقائق الحيات والعقارب المنبثة ~~بصور أفلاكك لكن تنتبه فتشكر الله على أنك خلصت من النوم، ولا تتنعم ~~بصورها المزينة المزخرفة الدنيوية، لكن تنتبه بحزنك الانتباه لما رأيت ~~الصور المزينة الملتبسة في النوم، ولا بد من الانتباه من مشاهدة حقائق ~~الصور المكتسبة بالأخلاق والصفات، فاجتهد في أن تجد بصرك وتكشف غطاءك في ~~اليوم لتشاهد حقائق الصور؛ لئلا تلتفت إلى الصور المزخرفة، وتشاهد وراء ~~الصور حقائق المعاني العقربية والنارية، والحطمة في صورة مزينة بالشهوات؛ ~~ليتيقن بها أطفال الطبيعة وجهال قوى القالبية والنفسية، ويعاين في الصور ~~الهائلة المزخرفة الدنيوية حقائق الحورية والخلدية والنعم الباقية، لكن ~~يتنبه بشكر الله على خلاصك من الصور الهائلة، ووصولك إلى حقائقها وتنعمك ~~بها أبد الآباد؛ ولأجل هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الجنة حفت بالمكاره، والنار حفت بالشهوات " # ، والذي يقول الله تعالى في صفة الواقعة: { خافضة رافعة } ~~[الواقعة: 3] تدل على هذه المعاني؛ لأنها تخفض أهل الشهوات وترفع درجات ~~الذين تركوا الشهوات، ونظروا بعين التحقيق إلى معاني الصمد المزخرفة لا ~~إلى صورتها، وأعرضوا عن الباطل وأقبلوا على الحق. # { إذا رجت الأرض رجا } [الواقعة: 4]؛ يعني: زلزلت أرض ~~البشرية من غلبة ريح الذكر الروحي، { وبست الجبال بسا } ~~[الواقعة: 5]؛ يعني: فتت القوى المعدنية فتا من صدمات سلطان الذكر ~~الروحي، { فكانت هبآء منبثا } [الواقعة: 6]؛ يعني: غبارا ~~متفرقا بقوة النفي بالذكر الروحي، { وكنتم أزواجا ثلاثة } ~~[الواقعة: 7]، أيتها القوى القالبية والنفسية، والقلبية والسرية، ~~والروحية والخفية: إنكم في تلك ms1570 الحالة تتفرقون على ثلاثة فرق: أصحاب ~~الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون كما يصفهم الله تعالى: { فأصحاب ~~الميمنة } [الواقعة: 8]، هم أصحاب اليمن والبركة من المتيقظين في ~~نومة الدنيا، المشاهدين حقائق الصور بعين الإيمان، { مآ أصحاب ~~الميمنة } [الواقعة: 8] ما أحسن حال أصحاب الميمنة بعد الخلاص من ~~النوم، { وأصحاب المشأمة } [الواقعة: 9]، وهم أصحاب الشؤم ~~والمنقصة من الجاهلين النائمين بنومة الغفلة في الدنيا، القاصرين نظرهم ~~على الصور المزخرفة المزينة العاجلة، الغافلين عن حقائقها ومعانيها، { ~~مآ أصحاب المشأمة } [الواقعة: 9]؛ يعني: ما أقبح حال أصحاب ~~المشأمة بعد الانتباه من نومة الدنيا، { والسابقون السابقون } ~~[الواقعة: 10]؛ يعني: السابقون الذين سبقت لهم منا الحسنى، ما زاغ بصرهم ~~وما طغى، قدمهم عن الصراط يمينا وشمالا؛ هم السابقون بتوجههم الصادق ~~إلى الله تعالى، { أولئك المقربون } [الواقعة: 11] من ~~الله، { في جنات النعيم } [الواقعة: 12]؛ أي: في حقائق ما ~~يشاهدونها في صور الكراهة في الدنيا من المجاهدة والرياضة وترك الشهوات ~~وما شكلها. # { ثلة من الأولين } [الواقعة: 13]؛ يعني: يكون السابق ~~قليلا من القوى القالبية والنفسية، والقلبية والسرية، والروحية والخفية، ~~{ وقليل من الآخرين } [الواقعة: 14]؛ يعني: أيضا هم قليلون من ~~القوى الخفية، كما يقول تعالى في موضع آخر: # وقليل ما هم # [ص: 24] { على سرر موضونة * متكئين عليها ~~متقابلين } [الواقعة: 15-16]؛ يعني: سرر السر متواصلة من الصفات ~~منسوجة بجوهر الوفاء وذهب الرضاء. ### || [56.17-29] # { يطوف عليهم ولدان مخلدون } [الواقعة: 17]؛ يعني: ~~يطوف عليهم صور أعمالهم القلبية وأخلاقهم الروحية الحميدة، { بأكواب ~~} [الواقعة: 18]؛ أي: باستعدادات علوية، { وأباريق } [الواقعة: 18]؛ ~~أي: باستعدادات سفلية، { وكأس من معين } [الواقعة: 18]؛ أي: ~~باستعداد معتدل من امتزاج الاستعدادات العلوية والسفلية المطهرة مملوءا ~~من خمر المعاينة، { لا يصدعون عنها } [الواقعة: 19]؛ يعني: لا ~~يؤلم دماغهم الروحاني عن شربها، { ولا ينزفون } [الواقعة: 19]؛ أي: ~~لا يغني شرابهم، ولا ينفذ ذوقهم، وهم لا يسأمون من شربها، وكلما يشربون ~~كأسا تزيد رغبتهم في شرب كأس أخرى، بذوق يحصل لهم من الشرب الأول إلى ما ~~لا يتناهى، وهم خالدون في هذه الأذواق الحاصلة من الذوق الروحي، { ~~وفاكهة مما يتخيرون } [الواقعة: 20]؛ يعني: لهم الفواكه ~~المطرفة مما يختارون، ولهم ms1571 { ولحم طير مما يشتهون } ~~[الواقعة: 21]؛ يعني: لهم قوة طرية حاصلة من الذكر الروحي يطيرون بها ~~إلى حيث يشتهونه، { وحور عين * كأمثال اللؤلؤ ~~المكنون } [الواقعة: 22-23] يعني: لهم حور عين من القوى القابلة ~~القالبية والنفسية المزكاة المطهرة تفنيهم على أفعالهم كما يريدون، وهذه ~~القوى المزكاة كانت أمثال اللؤلؤ المخزون في أصداف القالب والنفس في بحر ~~الدنيا، لا يصل إلى تلك القوى غبار الهوى { جزآء بما كانوا ~~يعملون } [الواقعة: 24] في دار الكسب من محافظة القوى الحقوقية ~~المستكنة في أصداف القالب والنفس عن غبار الحظوظ الباطلة العاجلة. # { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما } [الواقعة: 25]؛ ~~يعني: في جنتهم النباتية والمعدنية، المزكاة عن غطاء الكذب وشوك الشرك، ~~لا يسمعون من صور أعمالهم الصالحة { إلا قيلا سلاما سلاما } ~~[الواقعة: 26]؛ يعني: سلامة عن اللغو وسلامة عن التأثيم في دار النعيم، { ~~وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين } [الواقعة: 27]؛ يعني: ~~أحسن أحوالهم { في سدر مخضود } [الواقعة: 28]؛ يعني: ثمرة تعلقه ~~منقاة من الشوك من الثمار، معرفة الصفات الفعلية الحاصلة من بذر الذكر ~~القالبي والنفس في طلح { وطلح منضود } [الواقعة: 29]؛ يعني: من ~~أصلها إلى فرعها ثمرة لطيفة من غير أن يكون لها قشر يجب طرحه، وهذه ثمرة ~~حاصلة من بذر الذكر القلبي. ### || [56.30-44] # { وظل ممدود } [الواقعة: 30]؛ أي: في راحة ممدودة غير متناهية ~~حاصلة من ظل الذكر السري، { ومآء مسكوب } [الواقعة: 31]؛ أي: ~~مصبوب على أرض جنتهم وتراب طبيعتهم الكافورية من ماء الذكر الدائم ~~الروحي، { وفاكهة كثيرة * لا مقطوعة ولا ممنوعة } ~~[الواقعة: 32-33]؛ يعني: معارف متناهية وغير ممتنعة عنهم يأكلونها متى ~~شاءوا، حاصلة من بذور أذكار القوى العلوية والسفلية، { وفرش ~~مرفوعة } [الواقعة: 34]؛ يعني: بسط مبسوطة على بساط البسط في ~~العالم الخفي، مرفوعة فرش استعداداتهم المزكاة السفلية بالقوة الخفية من ~~أثر الذكر الخفي. # { إنآ أنشأناهن إنشآء } [الواقعة: 35]؛ يعني: جددنا لهم كل ~~ساعة صور أذكارهم القالبية والنفسية، { فجعلناهن أبكارا * ~~عربا } [الواقعة: 36-37] لا يمسها أحد قبلهم { عربا } [الواقعة: ~~37]؛ يعني: يعرب تلك الصور المحببة إلى القوة الفاعلية العلوية، لهم ~~المعاني بأحسن كلام، وأبين نظام، وأفصح بيان، وأوضع ms1572 برهان بلا ترجمان، { ~~أترابا } [الواقعة: 37]؛ يعني: مستويات في القدر والرفعة { ~~لأصحاب اليمين } [الواقعة: 38]: يعني: هذا الذي ذكرناه مدخر { ~~لأصحاب اليمين } [الواقعة: 38] في دار الإقامة بما عملوا من ~~الصالحات في دار الكسب، وأصحاب اليمين أيضا يقولون قليلون، كما يقولون: ~~{ ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين * ~~وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال } [الواقعة: 39-41]؛ ~~يعني: ما أقبح حال أصحاب الشمال { في سموم } [الواقعة: 42]؛ وهي ريح ~~حارة هوائية ممزوجة بنيران الشيطانية، { وحميم } [الواقعة: 42]؛ وهو ~~ماء عنصريتهم الحار مما أسخن بنيران الشهوية، { وظل من يحموم } ~~[الواقعة: 43]؛ وهو نار عنصريتهم المدنسة بتراب الطبيعية، كثيرة الدخان ~~من الحظوظ الباطلة الطبيعية، وأشار به إلى الظل؛ لأن نارهم دست في تراب ~~طبيعتهم وارتفعت عن وجه أرض البشرية، وصعدت إلى دماغ روحانيتهم، وصارت ~~مثل الظلمة، { لا بارد } [الواقعة: 44] ظلال الظلمة المتصاعدة من ~~أبخرة الهوى يمنع صاحبه عن الحرارة المفرطة الشيطانية والشهوانية، { ~~ولا كريم } [الواقعة: 44] حر نارها بحيث يدفع ما يجد من برودة الجهل ~~والظلم الترابي. ### || [56.45-56] # { إنهم كانوا قبل ذلك مترفين } [الواقعة: 45]؛ يعني: ~~في دار الفرار بالصور المزينة المزخرفة، المتلبسة في أكيسة عناصرهم ~~متنعمين، { وكانوا } [الواقعة: 46] قبل { يصرون على الحنث ~~العظيم } [الواقعة: 46]؛ لكثافة حجبهم وغلظ أستارهم يصرون على تكذيب ~~اللطائف، والشرك بالله والكفر بذاته، { وكانوا يقولون أإذا ~~متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون * أو ~~آبآؤنا الأولون } [الواقعة: 47-48] على سبيل الاستهزاء إنكارا ~~بالبعث لقلة علمهم بالله، يبعثهم كل ساعة كما يقول: # فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون # [الروم: 56]؛ لكثافة حجبكم، { قل } [الواقعة: 49] يا أيتها اللطيفة ~~الخفية { إن الأولين والآخرين } [الواقعة: 49]؛ يعني: القوى ~~البسيطة والمركبة { لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم } ~~[الواقعة: 50]؛ يعني: صور قواكم المتحللة من المفردات الأولى والمركبات ~~الأخيرة، لمجموعون في يوم البعث من قبل القالب، { ثم إنكم ~~أيها الضآلون } [الواقعة: 51] في نية الظنون { المكذبون ~~} [الواقعة: 51] بالوارد، وتقولون لصاحب الوارد: إنك لمجنون. # { لأكلون من شجر من زقوم } [الواقعة: 52]؛ يعني: نثرتم ~~بالقوة الخبيثة بذر الكلمة الخبيثة في أرض بشريتكم الخبيثة، { ~~فمالئون منها البطون } [الواقعة: 53] لغلظتها، { ~~فشاربون عليه من الحميم } [الواقعة: ms1573 54]، وهو ماء ~~عنصريتكم المسخن بنار الشهوات، { فشاربون شرب الهيم } ~~[الواقعة: 55] لهيمان إبل قوة حيواناتكم في بيداء الشكوك، وشدة عطشكم ~~لحرمانكم عن ينابيع الذكر ومصانع الوارد، { هذا نزلهم يوم ~~الدين } [الواقعة: 56]؛ يعني: هذا ما قدمتم في دار الكسب لأنفسكم، ~~فجعلنا منه نزلكم في دار الجزاء. ### || [56.57-64] # { نحن خلقناكم فلولا تصدقون } [الواقعة: 57] بالبعث ~~بعد الخلق، فانظروا إلى مبدأ خلقكم لتعلموا أنا خلقناكم بالوسائط، ولا ~~تحسبوا أن الوسائط مختارة بنفسها؛ لئلا تشركوا بالخالق؟ # { أفرأيتم ما تمنون * ءأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون } [الواقعة: 58-59]؛ يعني: في عالم الأنفس، { ~~أفرأيتم } [الواقعة: 58] أيها السالكون إلا مني الإرادة، أنتم ~~تخلقونه أم نحن خلقناه في ظهر القوة الفاعلة؟ ونحن صببناه في رحم القوة ~~القابلة. # { نحن قدرنا بينكم الموت } [الواقعة: 60]؛ يعني: موت ~~الجهل في بداية الأمر؛ ليكسب القوة الفاعلة العلوية من القوى القابلة ~~السفلية استعدادا؛ فإما كاملا لتستعمله في التزود لدار المعاد، ويجعل ~~له مطية ليركبها يوم الرجوع إلى رب الأرباب، وبعبارة أخرى؛ يعني: نحن ~~قدرنا الموت اللطيفة الحاصلة مني الارادة بأنها تبلغ مبلغ الرجال، أو ~~تموت صبية، { وما نحن بمسبوقين * على أن نبدل ~~أمثلكم } [الواقعة: 60-61]؛ يعني: ما نحن بمغلوبين عاجزين عن ~~إفناء مركباتكم وإهلاك مفرداتكم وإبدال قوى أمثال قواكم المتحللة الفانية ~~الهالكة { وننشئكم في ما لا تعلمون } [الواقعة: 61] من ~~تبديل قواكم، وصفاتكم الحاصلة من تلك القوى، كما يشاهد الرجل أنه يتورط ~~في أمر الدنيا تورطا عظيما، بحيث لا يذكر الله تعالى طرفة عين مشتغلا ~~بهواه مقبلا على شهواته مربيا قوى سبعية وبهيمية، فيبدل الله قواه ~~وصفاته بحيث لا يفتر عن ذكر الله ساعة، ولا يشتغل بالدنيا ولو يضربونه ~~ضربا شديدا، ويترك هواه ويقبل على مولاه ويعرض عن شهواته، ويستمر في ~~مجاهداته ورياضاته، أليس هذه نشأة معينة وتبديلا مبينا ظاهرا؟ فمالكم ~~أيها العمي لا تؤمنون بخالقكم، ومنشئكم وباعثكم من قبول أقوالكم؟ { ~~ولقد علمتم النشأة الأولى } [الواقعة: 62] التي هي من ~~مني النطفة المودعة في ظهر القوة الفاعلة، المصبوب في قبورهم رحم القوة ~~القابلة، { فلولا تذكرون } [الواقعة: 62] إني قادر على ms1574 بعثكم ~~من قبور قوالبكم، وأنشئكم النشأة الثانية بصب نطفة العناية؛ وهي ماء ~~الحياة في ظهر قوة الولاية في رحم الإرادة، وإبدال قوتكم الفاسدة بالقوة ~~الصالحة، وتغيير صفاتكم القبيحة بصفاتكم الحسنة. # { أفرأيتم ما تحرثون } [الواقعة: 63] من بذور الأعمال في ~~أرض البشرية، { ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون } ~~[الواقعة: 64]؛ أي: أنتم تنبتون، أم نحن المربون؟. ### || [56.65-76] # { لو نشآء لجعلناه حطاما } [الواقعة: 65]؛ يعني: لو نشأ ~~لجعلنا بذور أعمالكم حطمة ليعذبوا بها { فظلتم تفكهون } ~~[الواقعة: 65]؛ أي: تتعجبون مما ينبت من بذوركم لا حب فيه، وهذا يكون من ~~شؤم الغفلة عن الإخلاص في النية وقت العمل، فاحذروا أيها السالكون من ~~الأذكار المصحوبة بالغفلة والأعمال الغير الخالصة؛ لئلا تكون أعمالكم ~~وأذكاركم حطمتكم في دار الجزاء - نعوذ بالله من تلك الحالة - بل نحن ~~محرومون من كسبنا وزرعنا. # { أفرءيتم المآء الذي تشربون * ءأنتم ~~أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون } [الواقعة: ~~68-69]؛ يعني: أفرأيتم ماء الوارد العرفاني الذي تشربون؟ أيتها القوى ~~الذاكرة { ءأنتم أنزلتموه من المزن } [الواقعة: 69] ~~الخفي { أم نحن المنزلون * لو نشآء جعلناه أجاجا ~~} [الواقعة: 69-70]؛ يعني: جعلنا ماء الوارد نكرانيا، { فلولا ~~تشكرون } [الواقعة: 70] نعمتنا وتؤمنون بقدرتنا بأنا قادرون على ~~بعثكم في النشأة الأخرى، كما كنا قادرين على خلقكم في النشأة الأولى. # { أفرأيتم النار التي تورون } [الواقعة: 71] في نداء ~~الذكر وحجر القلب من نار العشق، { أأنتم أنشأتم شجرتهآ } ~~[الواقعة: 72]؛ يعني: شجرة نار العشق، { أم نحن المنشئون * ~~نحن جعلناها } [الواقعة: 72-73]؛ يعني: شجرة نار العشق، { ~~تذكرة } [الواقعة: 73] لنار الحق، { ومتاعا للمقوين } ~~[الواقعة: 73]؛ يعني: استعدادا للمسافرين الذين دخلوا دار القربة؛ ~~ليتاجروا برأس مالهم ويربحوا أضعاف ما في أيديهم، لكن يأخذ صاحب المال ~~منهم ماله، فيبقى لهم ما اكتسبوا برأس مالهم وتنعموا بمكاسبهم إذا رجعوا ~~إلى مواطنهم الأصلية، فمن خسر برأس ماله فقط أورى من زند ذكره الدنيوي ~~نار الشهوة؛ التي هي تذكرة للنار الكبرى، التي هي الموقدة في صدور أهل ~~الهوى، وإذا رجع إلى وطنه يأخذ صاحب المال رأس ماله ويبقي معه مكتسباته، ~~وتكون مكتسباته حطمه تتصرف فيها النار الموقدة المطلعة ms1575 على الأفئدة، ~~ويحرق الحطمة ويشتعل النار الكبرى من إحراق الحطمة، وتعذب صاحبها في دار ~~الجزاء أبد الآباد بالنار الموقدة، وحطمته المجتمعة في دار الكسب نعوذ ~~بالله منه. # { فسبح باسم ربك العظيم } [الواقعة: 74]؛ يعني: نزه ~~مجاري ذكر الحق الباطل باسم ربك العظيم؛ وهو الله الحق، ثم سبح ذاته عن ~~الشريك والنظير المعين، وتيقن أنه الفاعل المختار يفعل ما يشاء ويحكم ما ~~يريد، ونحن المستعملون المضطرون المخزون الفقراء، { فلا أقسم ~~بمواقع النجوم } [الواقعة: 75]؛ يعني: أقسم باللطائف الحقوقية ~~المطهرة عن الأباطيل، هي مواقع نجوم الواردات القدسية الخفية من السماء، ~~الجبروتية اللاهوتية، { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } ~~[الواقعة: 76]؛ لأنه يعظم اللطائف التي هي مظاهر ذاته وصفاته بالقسم، وفي ~~العظيم سر عظيم يتعلق بمطلع القرآن. ### || [56.77-85] # { إنه لقرآن كريم } [الواقعة: 77]؛ يعني: كلام رب كريم؛ وهي ~~صفة ذاتية له فانظر فيه وافتكر، وبشر وجودك بأنه صار مظهر الصفات ~~الذاتية، { في كتاب مكنون } [الواقعة: 78]؛ أي: محفوظ مصون عند ~~الله أن يمسه محدث؛ لأنه صفة قديمة، { لا يمسه إلا ~~المطهرون } [الواقعة: 79]؛ يعني: لا يمس ذلك الكتاب إلا الذين ~~طهرهم الله عن قاذورات الحدث، وصيرهم ربانيين إلهين، { تنزيل من ~~رب العالمين } [الواقعة: 80]؛ يعني: ينزل من عند رب العالمين ~~نزول الفعل الصادر عن الصفة الفاعلية لظهر الأثر لا من قبيل نزول الشيء ~~من الأعلى إلى الأسفل، تعالت حضرة الملك المتعال من أن ينزل منها شيء أو ~~يصعد إليها شيء، كنزول الجسمانيات وصعودها، وكشف هذا السر يتعلق بحد ~~القرآن. # { أفبهذا الحديث أنتم مدهنون } [الواقعة: 81]؛ ~~يعني: بهذا الذي ذكرناه أيها القوى القالبية والنفسية الكاذبة المكذبة ~~تكذبون { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } [الواقعة: ~~82]؛ يعني: تجعلون شكر رزقكم وحظكم من الوارد التكذيب. # { فلولا إذا بلغت الحلقوم } [الواقعة: 83]؛ يعني: الحياة ~~التي هي رأس مالكم، { وأنتم حينئذ تنظرون } [الواقعة: 84] ~~إليها مشاهدون ما ينزع عنكم، { ونحن أقرب إليه منكم } ~~[الواقعة: 85]، وهذا سر عظيم كشفه الله في ظاهر القرآن، أعرضوا عنه ما ~~زين عليه كل يوم مرارا كثيرة، فلولا غيرتي على هذه الحكمة المدرجة في ~~هذه الآية، وخوفي من ms1576 أن يسبك قلوب الغفلة لبسطت هذا السر؛ لأنه من بطن ~~القرآن، وأذكره - إن شاء الله - في قدسية أخرى، بحيث يكون تمام القدسية ~~مشحونا ببيانها { ولكن لا تبصرون } [الواقعة: 85]؛ أي: لا ~~تشاهدون إلا قريبة وتظنون بالله القريب الظنون الكاذبة. ### || [56.86-96] # { فلولا إن كنتم غير مدينين } [الواقعة: 86]؛ يعني: ~~هلا إن كنتم غير مملوكين مسخرين، { ترجعونهآ } [الواقعة: 87]؛ ~~يعني: تردون الروح التي بلغت الحلقوم { إن كنتم صادقين } ~~[الواقعة: 87] بأنكم قادرون غير عاجزين، مالكون غير مملوكين، فإذا أعلمتم ~~عجزكم فاعلموا أن الله الذي خلقكم بقدرته وأحياكم بإرادته وأماتكم ~~بحكمته، قادر على أن يبعثكم من قبر قالبكم بعد موتكم، محط للسالك أن ~~يتعين في حالة القبض، أن الله هو القابض لا يقدر على ترديد حياة البسط ~~إذا نزعها الله عنه وتفوض أمره إلى مالكه الذي في قبضته متردد، كما يقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فإن شاء ~~أماته بالقبض، وإن شاء أحياه بالبسط، وإن شاء أماته بالنكرة، وإن شاء ~~أحياه بالمعرفة " # ، بترك اختيار نفسه إلى مسلكه ليوصله إلى مرتبة، بترك اختياره للحق ~~ويكون كالميت بين يدي الغسال في الحضرة يمشون على وجه الأرض مقصورين، كما ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الآخرة يمشي على وجه الأرض، فلينظر ~~إلى هذا " # ، وأشار إلى أبي بكر رضي الله عنه؛ لأنه شاهد في هذا اليوم أن الأمر ~~لله، كما يشاهد الآخرون في الآخرة، ويقولون: # والأمر يومئذ لله # [الانفطار: 19]، ولو لم يترك السالك اختياره بالتفويض جميع أموره إليه ~~لم يصل إلى مطلوبه البتة. # { فأمآ إن كان من المقربين * فروح وريحان ~~وجنت نعيم } [الواقعة: 88-89]؛ يعني: روح من روح الذكر الروحي، ~~وريحان من نسيم الذكر السري، وجنة نعيم من ذوق الذكر القلبي، { ~~وأمآ إن كان من أصحاب اليمين * فسلام لك من ~~أصحاب اليمين } [الواقعة: 90-91]؛ يعني: سلامة لك من شؤم العقوبة ~~والعذاب الدائم؛ لسلامة جوارحك وأعضائك عن ارتكاب المنهيات، وسلامة صدرك ~~عن الغل والحقد والحسد، ms1577 إنك من أصحاب اليمين، { وأمآ إن كان من ~~المكذبين الضآلين } [الواقعة: 92]؛ يعني: المكذبين باللطيفة ~~الضالين في بيداء الشبه، فهم أصحاب المشأمة لشؤم تكذيبهم وتضليلهم مما ~~كسبوه في دار الكسب من الحميم والجحيم؛ ولأجل هذا يجزيهم الله في الآخرة ~~بمثل ما كسبوه لأنفسهم في دار الكسب، وبقوله تعالى: { فنزل من ~~حميم * وتصلية جحيم } [الواقعة: 93-94]؛ يعني: حميم عنصر ~~مائية المستحق بنار الشهوات وجحيم عنصر نارية المشتعلة بريح الهوى ~~المحملة بتراب الطبيعة المكدرة، { إن هذا لهو حق اليقين ~~} [الواقعة: 95]؛ يعني: إن هذا البيان لهو الحق؛ لأنه كلام الحق وبيانه ~~عن عالم اليقين، وإما تخرب قواك بثلاثة أخراب، وجزاءهم بما كسبوا في دار ~~الكسب من الأعمال الصالحة والفاسدة المدخرة لهم في دار الجزاء، فاعلم أن ~~اللطائف المرسلة والحقائق الحقوقية المسكنة في جميع القوى العلوية ~~والسفلية؛ هم المقربون السابقون، والقوى المؤمنة باللطائف المرسلة من ~~القوى القالبية والنفسية، والقلبية والسرية، والروحية والخفية والحقية؛ ~~هي من أصحاب اليمين السالمين من العقاب يوم المآب، المتنعمين بأعمالهم ~~الصالحة الباقية لهم في دار الثواب، والقوى الكافرة القالبية والمشركة ~~النفسية والمنافقة والقلبية والجاحدة السرية والمستكبرة الروحية والضالة ~~الخفية ممن لم يؤمنوا باللطيفة الخفية؛ هي من أصحاب المشأمة المشئومين ~~المكذبون الضالون، فأبشر أيها المحمدي إنك لست من أصحاب المشأمة إن كنت ~~دخلت في دار التصديق وهو شهادتك بأن " لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله " ومن وفق لهذه الشهادة من إخلاص وتصديق يكون من أصحاب اليمين ويكون ~~رفيقه التوفيق، ولا يمكن للشيطان أن يقطع عليه الطريق، وإلى هذا أشار ~~النبي الصادق الصدوق: # " من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة " # ، وهذا التشريف يصل إلى أمة الحبيب الشريف صاحب الخلق اللطيف، والخلق ~~الظريف، والقلب النظيف - عليه أفضل التحية والسلام - لشرفه فطوبى لمن ~~تبعه في الشريعة، وطوبى ثم طوبى لمن تبعه في الشريعة والطريقة، وطوبى ثم ~~طوبى لم تبعه في الشريعة ووصل إلى عالم اليقين بصورة الذكر، ثم تبعه في ~~الطريقة ووصل إلى عين اليقين؛ يعني: الذكر، ثم تبعه في الحقيقة ms1578 ووصل إلى ~~حق اليقين بحقيقة الذكر، ثم نزه مجاري الذكر الخفي عن صورة الذكر ومعناه ~~وحقيقته؛ ليستحق أن يجري عليه الذكر الخفي ويكون محلا للقسم، كما قال ~~الله تعالى: # فلا أقسم بمواقع النجوم # [الواقعة: 75] بعد وصول الذاكر بصورة الذكر إلى علم اليقين، فأمره أن ~~ينزه مجاري ذكره من صورة الذكر؛ ليستحق أن يجري عليه الذكر المعنوي بقول ~~{ فسبح باسم ربك العظيم } [الواقعة: 96] مجاري الذكر ~~الخفي عن صورة الذكر الموصل، فهكذا يقول بعد وصوله إلى عين اليقين وحق ~~اليقين: { فسبح باسم ربك العظيم } [الواقعة: 96]؛ يعني: ~~نزه باسم ربك العظيم مجاري الذكر الخفي عن صورة الذكر الموصل إلى علم ~~اليقين؛ ومعنى الذكر الموصل إلى عين اليقين وحقيقة الذكر الموصل إلى الحق ~~اليقين؛ ليستحق أن يجري عليه الذكر الخفي الموصل للذاكر إلى حقيقة حق ~~اليقين؛ ليصير الذاكر مذكورا ويصل القاصد إلى المقصود، ويكون الشاهد هو ~~المشهود، وسر هذه اللطيفة في حد القرآن فاقتصر على رمز رمز به إليه ~~واجتهد في الذكر الصوري برعاية شرائطه، وهو أن يذكر الله بالقوة الخفية ~~بالشرط والإثبات؛ ليصل إلى الذكر المعنوي، ثم اجتهد في الذكر المعنوي ~~برعاية المتحد في الذكر مع الذاكر؛ لتصل إلى الذكر الحقيقي، ثم اجتهد في ~~الذكر الحقيقي بنفي قوة ذاكرتك وإثبات القوة المذكورية؛ لتصل إلى الذكر ~~الخفي، فإذا وصلت إليه وقت ما في ذاتك بذاتك لذاتك، وصرت ملكا حيا ~~باقيا، ويكون عنوان منشور ملكيتك في دار البقاء من الملك الحي الذي لا ~~يموت إلى الملك الحي الذي لا يموت، فاجتهد في ألا تفوت هذه المرتبة في ~~الحال ولا تغرنك الآمال الصادقة لك عن الاجتهاد بالإرجاء بأنك تصل إليها ~~في المال؛ لأن ترك النقد بالوعد للوصل إلى الفقد المتروك لا يكون إلا في ~~قلة العقل وهي من أقبح الخصال. # اللهم ارزقنا الوصال في الحال وأذقنا بكأس مشاهدة الجمال زلال رحيق ~~الجلال بحق صاحب الكمال صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه خير صحب وآل ~~التابعين لهم بإحسان من أهل اللطف والنوال. ### | [57 - سورة الحديد] ### || [57.1-4] ms1579 # يا أيها السباح، في بحر التسبيح بالاستعداد الظاهر الكامل اللطائف ~~الظاهرة والباطنة، القلبية والنفسية، والقلبية والسرية، والروحية ~~والخفية، اعلم أن الله ذكر المسبحين في كتابه المبين وكلامه المتين على ~~فواتح السور ثلاث مرات بصيغة الماضي، ومرتين بصيغة المستقبل، ومرة واحدة ~~بصيغة الأمر؛ ليطلع السالك على أن تسبيح اللطائف الظاهرة بلسان النبوة ~~في بحر الأزل كان لصفات ذاته، وتسبيح اللطائف المطهرة الباطنة بلسان ~~الولاية في بحر الأبد كان لصفات فعله، وتسبيح اللطيفة الخفية بلسان ~~اللطيفة الأنانية في بحر الجمال كان لذاته بذاته؛ ليتوجه السالك المحقق ~~إلى كعبة الحال لا إلى الماضي ولا إلى المستقبل؛ لأن التوجه إلى الماضي ~~في توبة اللطيفة يكدر وجه الجمال، والتوجه إلى المستقبل بعد طلوع شمس ~~الحال يشق قلب الحال، والسر الذي ذكر بصيغة الماضي ثلاث مرات إشارة إلى ~~نور النبوة؛ لأنها قائمة بواو الولاية، وواو الولاية قائمة بألف ~~الألوهية، فما له مرتبتان وله ثلاث مراتب، والسر الذي ذكر بصيغة المستقبل ~~مرتين؛ لأن واو الولاية قائمة بألف الألوهية وله مرتبتان، والحكمة في أنه ~~ذكر بصيغة الأمر مرة واحدة؛ لأن اللطيفة الأنانية ظهرت في مرتبة الألف، ~~وكشف هذه الأسرار زيادة على ما ذكرته بفرع باب مطلع القرآن، فارجع من ~~المطلع إلى الحد، ومن الحد إلى البطن، ومن البطن إلى الظهر. # وافهم ما يقول الله تعالى في كلامه حيث يقول { سبح لله ما في ~~السموت والأرض وهو العزيز الحكيم } [الحديد: 1]؛ ~~يعني: نزه له أهل السماوات الروحانية وأهل الأرض البشرية عن معرفتهم له؛ ~~لأن جناب عزته له أعلى من أن يصل فهم المخلوق إلى أفق معرفته، وسرادقات ~~حكمته أرفع من أن يقدر رفعها المخلوق المحدث بقوله: { له ملك ~~السموت والأرض } [الحديد: 2] ملكا مطلقا، { يحيي ~~ويميت } [الحديد: 2] يحيي المفردات عند التركيب بحكمته، ويمت ~~المركبات بإفناء صورها بعد التركيب بعزته، { وهو على كل شيء ~~قدير } [الحديد: 2]؛ يعني: على إحياء الموتى وإماتة الإحياء، { هو ~~الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء ~~عليم } [الحديد: 3]؛ يعني: هو الأول في عالم لاهوته، والآخر في عالم ~~ملكوته، ms1580 والظاهر في عالم ناسوته، والباطن في عالم جبروته، وهو إشارة إلى ~~وحدانية ذاته المحيط بالكل؛ ولأجل هذا يبدأ به ويختم عليه في قوله: { ~~وهو بكل شيء عليم } [الحديد: 3] من الحقائق اللاهوتية، ~~والحقائق الجبروتية، والدقائق الملكوتية، والشقائق الناسوتية عليم. # { هو الذي خلق السموت والأرض في ستة أيام } ~~[الحديد: 4]؛ يعني: هو الذي خلق السماوات الروحانية والأرض البشرية في ~~ستة أيام، النقطات البياضية والسوادية المدرجة في الحظ الإلهي { ثم ~~استوى على العرش } [الحديد: 4]؛ أي: على عرش النقطة الحكمية في ~~الجمعة المباركة الألفية؛ لأنها مجمع النقطات العلمية والإرادية، ~~والقدرية والحكمية، وبها تمت الأسبوع وعليه مدار أشهر الحروف وأباجاد ~~السنين، وأعياد الكلمات الكاملات التامات الباقيات، وفهم هذه الأسرار ليس ~~يفسرها الأعجمي فأدرج، فاعلم أنه تعالى { يعلم ما يلج في ~~الأرض وما يخرج منها } [الحديد: 4]؛ لأنه أودع فيها قوة ~~الولوج واستعداد الإخراج وقت التخمير، { وما ينزل من السمآء ~~وما يعرج فيها } [الحديد: 4]؛ لأنه أدرج فيها سر النزول وحكمة ~~العروج وقت التدبير، { وهو معكم أين ما كنتم } [الحديد: ~~4]؛ يعني: وجودكم مستفاد من نظر وجوديته، وكيف نيتكم موجودة به؟ { ~~والله بما تعملون بصير } [الحديد: 4]؛ لأنه مستعملكم. ### || [57.5-9] # { له ملك السموت والأرض } [الحديد: 5] الآفاقي ~~والأنفسي، { وإلى الله ترجع الأمور } [الحديد: 5] الروحانية ~~بعد النزول إلى الأرض وجذب اللطائف الأمرية المستكنة في الأرض، وعروجه ~~سماء الروحانية ليكتسب المعارف العلوية بالاستعداد الحاصل من جذب اللطائف ~~الأرضية، ويرجع إلى حضرة ربه مع حصول المعارف التفصيلية من العلوية ~~والسفلية والصفاتية. # { يولج الليل في النهار } [الحديد: 6] بتجلي صفة جلاله، { ~~ويولج النهار في الليل } [الحديد: 6] بتجلي صفة جماله، { ~~وهو عليم بذات الصدور } [الحديد: 6] يعلم ما يليق بحال ~~السالك يرتبه طورا في القبض وطورا في البسط، وطورا في النكرة وطورا ~~في المعرفة. # { آمنوا بالله ورسوله } [الحديد: 7] أيتها القوى القالبية ~~النفسية، { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } ~~[الحديد: 7] من الاستعدادات العلوية والسفلية والاختيار العاري؛ ليمكن ~~لكم العروج في درجات جناتكم والخلاص من أسفل دركاتكم، { فالذين ~~آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير } [الحديد: 7]؛ ~~يعني: من آمن باللطيفة الخفية، وأنفق من ms1581 استعداداتها الحاصلة في عالم ~~الكسب وقت تدبير الأمر العلوي من السماء الروحانية إلى الأرض البشرية في ~~طاعة الله له أجر كبير من إعطاء الاستعدادات الباقية الوهبية المتنعمة ~~أبد الآباد بما كسبوا من إنفاق استعداداتهم من الأعمال الصالحة. # { وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم ~~لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم ~~مؤمنين } [الحديد: 8]؛ يعني: أيتها القوى القالبية والنفسية ما لكم ~~لا تؤمنون بالله بعد أن اللطيفة الخفية دعتكم إلى الحق وأطلعتكم على ~~الآيات البينات النفسية، بحيث أنكم شاهدتموها وأخذتم ميثاقكم وقت مشاهدة ~~الآيات البينات بأن لا تنكروا الحق بعد ظهور الآيات البينات { إن ~~كنتم مؤمنين } [الحديد: 8] بالحق يجب عليكم ألا ترتدوا على ~~أعقابكم، ولا تنقضوا ميثاقكم، { هو الذي ينزل على عبده ~~آيات بينات } [الحديد: 9]؛ يعني: على اللطيفة الخفية المستحقة ~~لاسم العبدية آيات أنفسية بينة بحيث شاهدتموها، { ليخرجكم من ~~الظلمات إلى النور } [الحديد: 9]؛ يعني: ليخرجكم من ظلمات ~~القالب إلى النور الروحاني من ظلمات الحجب الروحانية المكتسبة من ظلمات ~~القالب إلى النور الروحاني، { وإن الله بكم لرءوف رحيم ~~} [الحديد: 9]؛ أي: بإرسال اللطيفة الخفية إليكم؛ ليخرجكم من ظلمات الكفر ~~والشرك والظنون إلى نور الإيمان والإيقان والعرفان. ### || [57.10-12] # { وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله } [الحديد: 10]؛ ~~أي: استعدادكم في طاعته، { ولله ميراث السموت والأرض ~~} [الحديد: 10]؛ أي: تعلمون أن لله ميراث السماوات الروحانية والأرض ~~البشرية، يتحلون باستعدادكم الذي هو أعطاكم من القوى العلوية والسفلية، ~~ولا تنفقون في طاعة من يرث الاستعدادات بعد إفنائكم ونفديكم بتركتكم ~~المكدرة، وإن تنفقوا يرث هو أيضا استعداداتكم العلوية ويدخلكم في جنات ~~تركاتكم المطهرة المزكاة عن الكدورات بالنفقة، فيما يغركم إلى خالق الأرض ~~ووارث التركات والمعذب لتارك التركات المزكاة بنعيم الجنان الموصل له إلى ~~أعلى الدرجات، { لا يستوي منكم } [الحديد: 10]، أيتها القوى ~~المؤمنة: { من أنفق من قبل الفتح } [الحديد: 10]؛ يعني: ~~جاهد في سبيل الله قبل اطلاعه على الآيات البينات، وفتح مكة وجوده بجند ~~الذكر وحزب الخواطر وحزب الروحانية، { وقاتل } [الحديد: 10] الأعداء ~~من القوى القالبية والنفسية والشيطانية مع من يجاهد في السلوك، ms1582 بعد طلوع ~~شمس الحقيقة ووصل نور الجذبة، { أولئك أعظم درجة } ~~[الحديد: 10] لمجاهدتكم من غير المشاهدة { من الذين أنفقوا ~~من بعد وقاتلوا } [الحديد: 10] بقوة نور الجذبة، { وكلا ~~وعد الله الحسنى } [الحديد: 10] الباقية بحسنى أعمالهم ~~باستعداداتهم الفانية في دار الكسب. # أبشر أيها السالك المجاهد؛ لأن الله تعالى عظم أجرك ودرجتك على المجذوب، ~~ولا تبال بالمشاهدة وبالغ في المجاهدة في الكسب؛ لأن المشاهدة أخروية ~~موعودة في دار الجزاء على قدر هممكم، فمن كان همته الأكل والشرب والجماع ~~مشتهيات النفس فيعطي له ما اشتهت نفسه من النعيم المقيم، ومن كان همته ~~عبودية الحق خالصا مخلصا يريد وجهه بنور وجهه العظيم، وتقر عينه ~~بمشاهدة جماله الكريم، { من ذا الذي يقرض الله قرضا ~~حسنا فيضاعفه له } [الحديد: 11] أضعافا مضاعفة بواحدة عشرا ~~وبواحدة سبعمائة، ويزيد عليه لمن يشاء، { وله أجر كريم } ~~[الحديد: 11] من مشاهدة وجهه الكريم { يوم ترى المؤمنين ~~والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ~~} [الحديد: 12]؛ يعني: يوم يكشف الغطاء الظلماني ترى القوى المؤمنة من ~~القوى الفاعلة والقابلة نور ذكرهم ونور عناصرهم المطهرة بنور الذكر، ونور ~~روحانيتهم المنورة بنور اللطيفة الخفية بين أيديهم بتوجههم الخالص إلى ~~الحق، { وبأيمانهم } [الحديد: 12]؛ أي: بأعمالهم الصالحة للحق ~~يسعى ويهديه إلى حضرة الحق، { بشراكم اليوم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها } [الحديد: 12]، أيها ~~السالكون بشرناكم يوم كشف الغطاء بجنات قربنا نيتكم المطهرة، وأنهار ~~المعرفة الجارية غير المنقطعة الخالدة تتنعمون بإثمار أعمالكم الصالحة، ~~وتشربون من أنهار معرفتكم الجارية أبد الآباد { ذلك هو الفوز ~~العظيم * يوم يقول المنافقون والمنافقات ~~للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم } [الحديد: ~~12-13]؛ يعني: يوم كشف الغطاء تقول القوى المنافقة الفاعلة والقابلة ~~للقوى المؤمنة: أمهلونا نقتبس من ضياء نوركم نور نهتدي به في ظلمات ~~وجودنا. ### || [57.13-16] # { قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا } [الحديد: 13]؛ ~~يعني: ارجعوا إلى عالم الكسب واكسبوا النور باستعدادكم، ولا يمكن لكم ~~الرجوع؛ لأنكم أقبلتم على ظلمات الطبيعة وأعرضتم عن نور اللطيفة الخفية، ~~خلفتم النور وراءكم وقدمتم الظلمات أمامكم، { فضرب بينهم بسور ~~له } [الحديد: 13]؛ يعني: بين القوى المؤمنة ms1583 والمنافقة، يضرب الله ~~بسور قوى القالبية الظلماني له باب من رابطة كانت بين القالب والروح { ~~باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ~~} [الحديد: 13]؛ يعني: باطن قوى القالب المطهرة رحمة للمؤمنين، وظاهر قوى ~~القالب المكدرة عذاب للمنافقين. # { ينادونهم ألم نكن معكم } [الحديد: 14] في دار الكسب، ~~{ قالوا } [الحديد: 14]؛ يعني: القوى المؤمنة { بلى ~~ولكنكم فتنتم أنفسكم } [الحديد: 14] بالشهوات العاجلة ~~واتباع الهوى، وإنكار الحق والإقبال على الباطل، والغفلة عن ذكر المولى، ~~{ وتربصتم } [الحديد: 14] بهلاك اللطيفة بالخفية، { ~~وارتبتم } [الحديد: 14]؛ أي: شككتم بالسرائر، { وغرتكم ~~الأماني } [الحديد: 14] والآمال الكاذبة، { حتى جآء أمر ~~الله } [الحديد: 14]؛ يعني: حتى جاء أمر الحق بكشف الغطاء وشاهدتم ~~وتيقنتم، ولا سبيل لكم إلى الرجوع إلى دار الكسب، { وغركم بالله ~~الغرور } [الحديد: 14]؛ يعني: غركم الشيطان بتسويله وتسويفه وخداعه ~~ومكره حتى أوردكم النار. # { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين ~~كفروا } [الحديد: 15]؛ لأن الأمر بيد غيركم، والآلات والأدوات بها ~~يمكن الكسب متنزعة عنكم، وهي كانت عادية عنكم والعادية مردودة لا محالة، ~~وما كسبتم بتلك الآلات لأنفسكم قالوا ما لكم بتضييع الأوقات ونزع الآلات ~~والأدوات، ثم ويل بعد ويل بكسب الشقاوة الأبدية بتلك الاستعدادات، { ~~مأواكم النار } [الحديد: 15] التي أنتم أشعلتموها في دار الكسب، ~~{ هي مولاكم } في دار الجزاء، { وبئس المصير } [الحديد: ~~15]؛ يعني: بئس مرجعكم وبئس مولاكم. ### || [57.17-20] # { اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها } ~~[الحديد: 17]؛ لئلا يقنطوا من رحمته وبترك الاشتغال بمداومة القلب الميت؛ ~~لأن الله يحيي الأرض البشرية بعد موتها بداء الغفلة عن الذكر بمطر ذكر ~~الحق، { قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون } ~~[الحديد: 17]؛ كما أريكم في أنفسكم آيات الأحياء { لعلكم ~~تعقلون } [الحديد: 17] أنه هو المحيي، فترجعوا إلى حضرته وتشتغلوا ~~بذكره حتى يحيي بمطر الذكر أرضكم الميتة، ويخرج منها نباتات المعارف ~~لتتمتعوا بها. # { إن المصدقين والمصدقات } [الحديد: 18]؛ يعني: ~~القوى الفاعلة والقابلة المؤمنة المصدقة اللطيفة الخفية، { وأقرضوا ~~الله قرضا حسنا } [الحديد: 18] من استعداداتهم وتصديقهم على ~~القوى القالبية والنفسية بأوقاتهم الشريفة؛ ليتمتعوا من الذكر اللساني، ~~{ يضاعف لهم } [الحديد: 18]؛ يعني: يضاعف الله لهم المعرفة ~~بإنفاقهم وقتهم ms1584 على القوى القالبية والنفسية المؤمنة المبتدئة في السلوك، ~~وحظ المسلك أن يؤثر أوقاته على مريديه، والقوى القالبية والسرية، ~~والروحية والخفية، أن يختاروا ذكر اللسان على أذكارهم للقوى المبتدئة في ~~السلوك من القوى القالبية والنفسية، وأن يدفعوا بهم ويداووهم ولا يأمرهم ~~بالمجاهدة فوق طاقتهم، { ولهم أجر كريم } [الحديد: 18] من ~~النظر إلى جمال الرب الرءوف الرحيم. # { والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم ~~الصديقون والشهدآء عند ربهم } [الحديد: 19]؛ يعني: من ~~آمن بالله وبلطيفته الخفية أولئك من الصديقين الذين مرتبتهم قريبة من ~~النبيين والشهداء؛ يعني: المقربين إلى الحضرة شهداء الله على جميع الأمم، ~~{ لهم أجرهم } [الحديد: 19]؛ يعني: أجر أعمالهم، { ونورهم } ~~[الحديد: 19]؛ يعني: نور ذكرهم، به يعبرون الصراط، { والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنآ } [الحديد: 19]، يعني من القوى ~~القالبية والنفسية الكافرة بالله المكذبة باللطيفة الخفية والآيات ~~الأنفسية { أولئك أصحاب الجحيم } [الحديد: 19]؛ لأنهم ~~عمروا في دار الكسب جحيم أنفسهم بإشعال نيران الحقد والحسد والكبر ~~والشهوة { اعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب ولهو ~~وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأمول ~~والأولد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم ~~يهيج فتره مصفرا ثم يكون حطما وفي الآخرة ~~عذاب شديد } [الحديد: 20] لمن اشتغل بمتاع الحياة الدنيا الدنية ~~الفانية التي هي لعب ولهو لا حقيقة لها، وزينة عاجلة وتفاخر بينكم ~~بالجهل، وتكاثر في الاستعدادات أو النتائج الفكرية؛ { كمثل غيث ~~أعجب الكفار نباته } [الحديد: 20]؛ ليربي النبات فترى ~~النبات { مصفرا ثم يكون حطما } [الحديد: 20] يعني: ~~منكسرا وحصول الحطمة من هذا الحكم؛ فلأجل هذا يكون للقوى الكافرة ~~المنافقة { وفي الآخرة عذاب شديد } [الحديد: 20] من جميع ~~الحطام الذي هو حطمته في دار البقاء { ومغفرة من الله ~~ورضون } [الحديد: 20] للقوى المؤمنة في دار البقاء لإعراضها عن ~~الحياة الدنيوية التي هي اللعب واللهو بترك الاشتغال بالشهوات العاجلة ~~على وفق الهوى، ويعلمها أن الدنيا مرحلة لا دار إقامة { وما ~~الحيوة الدنيآ إلا متع الغرور } [الحديد: 20] يعني: ~~حياة الدنيا مدرجة في إناء الماضي والمستقبل مثل: متاع الذي يبقى على ~~حواشي الإناء بعد أكل صاحبه وإضافته إلى الغرور. # إشارة إلى سرعة نفادها لا يتوقف ms1585 نفس إلا وقد يخرج، فالنفس الذي يخرج ولا ~~يرجع؛ فهو ميت، والنفس الداخل لو لم يخرج؛ فهو ميت فليس له حظ في الحياة ~~إلا القليل الذي يصحب النفس الداخل والخارج # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان # [العنكبوت: 64] لأنه حال مجرد عارض لباس الماضي والمستقبل. ### || [57.21-24] # { سابقوا إلى مغفرة من ربكم } [الحديد: 21] أيتها ~~القوى المؤمنة { وجنة عرضها كعرض السمآء والأرض } ~~[الحديد: 21] وهي جنة طور من أطوار قلبكم { أعدت للذين ~~آمنوا بالله ورسله } [الحديد: 21] يعني: القوى المؤمنة بجميع ~~اللطائف { ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو ~~الفضل العظيم } [الحديد: 21] فحظ السالك أن يعرف هذه الآية أن ~~الجنة موجودة اليوم، وهي لا في السماء في كتابه بعين اليقين إن شاء الله ~~{ مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم ~~إلا في كتب من قبل أن نبرأهآ } [الحديد: 22] يعني: ~~ينبغي للسالك أن يعلم أن كل شيء يصيبه في الشهادة والغيب في الآفاق ~~والأنفس كان في كتابه المبين في عالم الجبروت من قبل خلق الآفاق والأنفس ~~{ إن ذلك على الله يسير } [الحديد: 22] { لكيلا ~~تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ آتاكم } ~~[الحديد: 23] يعني: لكيلا تأسى على الماضي ولا تفرح بالمستقبل على ما ~~يأتيك، ويكون أين الوقت مراتب النفس صاحب الحال ليكون من أولياء الله # ولا خوف عليهم # [البقرة: 277] من المستقبل # ولا هم يحزنون # [البقرة: 277] على الماضي للتمتع بالحياة الأخروية الطيبة، ويطلع على ~~حقيقة الحياة الدنيوية بأنها # متع الغرور # [الحديد: 20] { والله لا يحب كل مختال فخور } ~~[الحديد: 23] فسبيل السالك ألا يفرح بالبسط ولا يحزن على القبض ولا يكون ~~مختالا متكبرا بالمعارف الوهبية مفتخرا بها متفوقا على الأقران { ~~الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } [الحديد: ~~24] يعني: يأمرون القوى الخفية والسرية والروحية والقلبية ببخل المعارف ~~والأذكار للقوى المبتدئة المؤمنة المسترشدة النفسية والقالبية، والقوى ~~القالبية والنفسية بالبخل بالأعمال الصالحة الظاهرة إن الله غني عن ~~أعمالهم وأذكارهم { ومن يتول } [الحديد: 24] يعني: عن الحق وعن ~~ذكر الحق { فإن الله هو الغني الحميد } [الحديد: 24] ~~يعني: غني عن أعمال الخلق حميد في ذاته ms1586 من غير أن يحمده أحد. ### || [57.25-26] # { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات } [الحديد: 25] يعني: ~~لطائفها بالآيات البينات الأنفسية { وأنزلنا معهم الكتاب } ~~[الحديد: 25] يعني: وارد الذي فيه أمر العبادة { والميزان } ~~[الحديد: 25] يعني: القوة المميزة العاقلة وفيه سر الطهارة { ليقوم ~~الناس بالقسط } [الحديد: 25] لتقوم القوى القالبية والنفسية ~~والقلبية والسرية والروحية والخفية بالعدل، لا يظلم بعضهم بعضا { ~~وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } [الحديد: 25] لأجل ~~السياسة أنزلنا حديد الذكر اللساني، ولأجل الطهارة أنزلنا الميزان، وهو ~~الذكر السري ولأجل العبادة أنزلنا الكتاب، وهو الذكر الخفي { ومنافع ~~للناس } [الحديد: 25] أي: في ذكر اللسان ينتفعون به في العاجل والآجل ~~بأن يدعوا منه بالبيان البرهاني الميزاني وبالبيان الجدلي الحديدي { ~~وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب } [الحديد: ~~25] يعني: أنزلنا هذه الأشياء؛ لنعلم من يؤمن بالغيب وينصر الله اللطائف ~~{ إن الله قوي عزيز } [الحديد: 25] يعني: قوي في حكمته ~~متميز في ذاته { ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم } [الحديد: ~~26] يعني: أرسلنا اللطيفة النفسية المزكاة، واللطيفة القلبية المطهرة { ~~وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب } [الحديد: ~~26] يعني: في القوى المتولدة من هذه اللطائف جعلنا الحكمة والحكم { ~~فمنهم مهتد } [الحديد: 26] يعني: من القوى النفسية والقلبية { ~~وكثير منهم فاسقون } [الحديد: 26] بتكذيبهم اللطائف المطهرة ~~المزكاة. ### || [57.27] # { ثم قفينا على آثارهم برسلنا } [الحديد: 27] من ~~اللطائف النفسية والقلبية المطهرة المزكاة عند نسيان القوى المؤمنة ذكر ~~الله وأحكامه، وغفلتهم عن الحق، وإقبالهم على الباطل، واتخاذهم العبادة ~~عادة { وقفينا بعيسى ابن مريم } [الحديد: 27] يعني: ~~اتبعنا اللطائف المرسلة باللطيفة الخفية المؤيدة بروح القدس لمجيء ~~اللطيفة الخفية { وآتيناه الإنجيل } [الحديد: 27] يعني: الوارد ~~القدسي { وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ~~ورحمة ورهبانية ابتدعوها } [الحديد: 27] يعني: جعلنا في ~~القوى التابعة للطيفة الخفية رأفة بقواهم ورحمة على استعدادهم ورهبانية ~~يعني: زهدا في الدنيا وخشية من المولى، وتركا للهوى ابتدعوها من أنفسهم ~~محبة الله مجاهدة أنفسهم ما كتبناها عليهم يعني: هذه الرهبانية { ما ~~كتبناها عليهم } [الحديد: 27] بل هم اختاروها ابتغاء رضوان ~~الله عليهم؛ لعلمهم بأن رضى المولى في تركهم الهوى، وما اختاروها { ~~إلا ابتغآء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها ~~} [الحديد: ms1587 27] بعد اختيارها لوجه الله { فآتينا الذين آمنوا ~~منهم أجرهم } [الحديد: 27] برعايتهم رهبانيتهم التي ابتدعوها؛ ~~ابتغاء لوجه الله { وكثير منهم فاسقون } [الحديد: 27] بترك ~~رعايتهم ما ابتدعوها من الرهبانية؛ ابتغاء لوجهه، فحفظ السالك من هذه ~~الآيات [واجب] على نفسه، ويرعى حق الرعاية كل شيء أوجب على نفسه في ~~البداية من المجاهدات أو العبادات النافلة، ولا يرخص لنفسه أن يترك شيئا ~~مما باشرته في بداية أمره وعنفوان حاله وشرح إراداته؛ ليكون من ~~المحفوظين. ### || [57.28-29] # { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله } [الحديد: 28] يا ~~أيتها القوى المؤمنة اتقوا الله عن التكاسل في الذكر، ومحافظة الأوقات ~~ومراقبة الأنفاس { وءامنوا برسوله } [الحديد: 28] يعني: آمنوا ~~باللطيفة الخفية بعد أن آمنتم باللطائف المرسلة من قبيل أن { يؤتكم ~~كفلين من رحمته } [الحديد: 28] يعني: نصيبين: نصيبا من ~~معارف الصفات الفعلية، ونصيبا من معارف الصفات الذاتية { ويجعل ~~لكم نورا } [الحديد: 28] من نور ذاته { تمشون به } [الحديد: ~~28] بين القوى القالبية والنفسية والقلبية والسرية والروحية والخفية ~~والحقية { ويغفر لكم } [الحديد: 28] مما سلف من عصيانكم { ~~والله غفور رحيم } [الحديد: 28] { لئلا يعلم أهل ~~الكتاب } [الحديد: 29] من القوى السرية والخفية المجاهدة اللطيفة ~~الخفية { ألا يقدرون على شيء من فضل الله } ~~[الحديد: 29] وهو النور الذاتية الذي يعطى للمؤمن باللطيفة الخفية بعد ~~إيمانه باللطائف المرسلة { وأن الفضل بيد الله } [الحديد: ~~29] يعني: الفضل على الأجر المستحق به على عمله بيد لطف الله { يؤتيه ~~من يشآء والله ذو الفضل العظيم } [الحديد: 29] لأنه ~~خلقنا من لا شيء، وهدانا إلى الإيمان وأرسل إلينا اللطائف وعلمنا سلوك ~~سبيل الرشاد، وقوانا على السلوك في طريق السلوك، ثم يؤتينا أجر العمل ~~التي يقومه علمنا وبهدايته علمنا الحق من الباطل، ثم يؤتينا نور ذاته ~~فضلا على الأجور لنمشي بنوره بين الخلق، وليس هذا الأفضل عظيم اللهم لا ~~تحرمنا من فضلك العظيم ولطفك العميم وثبتنا على متابعة حبيبك الكريم صلى ~~الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان الثابتين على الصراط ~~المستقيم. ### | [58 - سورة المجادلة] ### || [58.1-3] # أيتها القوى القابلة المجادلة مع القوة الفاعلة المماثلة بشكل العلم أن ~~الله ms1588 يسمع تحاوركما في وجود المحارث على وفق ما يعلم بعلم القدم، والعلم ~~يظهر ما في القدم على القدم من الحكم ولا تحسبي أن ما يقول الله تعالى في ~~كتابه المحكم { قد سمع الله قول التي تجادلك في ~~زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركمآ ~~إن الله سميع بصير } [المجادلة: 1] يكون سمعه مثل سمعك، ~~وتجدد له العلم في استماع تحاوركما مما لم يكن به عالم، أو لم يكن ~~لتحاوركما سميعا لئلا تكفري بذات الله وصفاته تعالى وتقدس عما يصفه ~~الكافرون والمشتهون والمعطلون. # واعلم أيها السالك أن القوة الفاعلة الروحانية ربما تسأم من القوة ~~القابلة الجسمانية عند إيصال الذكر إلى وجوده باشتغالها بالوارد الجديد ~~وضبطه، وجعل القوة القابلة كظهر أمها وهي اللوح فتشكو القوة القابلة إلى ~~ربها من القوة الفاعلة المعرضة عنها، فيرحم الله على شدة حرصها على ذوق ~~الذكر، وأوحى اللطيفة الخفية بأني سمعت تحاوركما يعني: مراجعتكما الكلام ~~في مراجعة القوة القابلة، وإني سميع بصير أسمع مناجاة من يناجني، ويتضرع ~~إلي وأبصر أحوال المشتكي والمشتكى عنه، وأقول { الذين يظاهرون ~~منكم من نسآئهم ما هن أمهاتهم إن ~~أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم } [المجادلة: 2] يعني: ليس ~~الظاهرة في حساب؛ لأنه كلام كذب تكلم به الرجل على وفق هواه من غير أن ~~يكون له حقيقة، وليست القوة القابلة الجسمية مثل القوة القابلة الروحية ~~في المرتبة، فكيف يكون حراما على القوى الفاعلة الروحية، والقوى الفاعلة ~~الروحية ليست مثل قوة العلم الفاعل؛ لأنه في قبضته تعالى وتقدس، فالواجب ~~للقوة الفاعلة المراجعة للقوة القابلة والاشتغال بالذكر اللساني؛ ليوصل ~~الحرارة إلى القلب الصنبوري الشكل؛ لأن هذا القلب الصنبوري الشكل مثل ~~الفرج للقوة القابلة، واللسان مثل الذكر للقوة الفاعلة وحرارته وريحه مثل ~~القوة التي تظهر للذكر عند النهوض في العالم الجسماني، فإن في العالم ~~الروحاني يكون صورة الذكر التلقيني مثل الذكر والقلب الحقيقي الذي هو ~~معدن الفقه مثل الفرج، وهلم جرا إلى أن يصل إلى اللوح والقلم ومعرفة ~~مماثلة اللسان والذكر والقلم والألف وآدم من حد القرآن مما لايؤذن ~~إفشاؤه. ms1589 # فاعلم أن المظاهر ليست بشيء والمراجعة واجبة للقوة الفعلية؛ لأن الله ~~تعالى يقول: { وإنهم ليقولون منكرا من القول ~~وزورا } [المجادلة: 2] يعني: منكرا لإيمان القابل في مقام النكرة ~~اضطر إلى هذا القول المنكر لا في مقام المعرفة؛ لأن المعرفة تمنعه عن ترك ~~الذكر اللساني ولو كان واصلا كاملا؛ لأن القوة ما دامت المرابطة واصلة ~~بين الروح والبدن الاشتغال بالعبادة البدنية واجب، وتركها لصار متروكا ~~نعوذ بالله منه وزورا؛ لأن القوة القابلة تحت القلم وبعبارة أخرى يسمونه ~~العقل { وإن الله لعفو غفور } [المجادلة: 2] يعني: يعفو ~~ويغفر ذنب الجاهل تحقيقه فعله إثر الذنب ويتوب بعد علمه بأن تلك الفعلة ~~كانت ذنبا، ويكفر عن قوله كما أوجب عليه الحق كفارة لذلك القول الزور ~~عقوبة لقائله؛ لئلا يكلم بتلك الكلمة بعد. # ثم يقول تعالى: { والذين يظاهرون من نسآئهم ثم ~~يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن ~~يتمآسا } [المجادلة: 3] فالواجب على السالك أن يرجع إلى الذكر ~~اللساني ولا يلتفت إلى ما قال وقت اشتغاله بالوارد القدسي، وعليه أن يعتق ~~رقبة مما أسر من القوى النفسية وأسلمت على يده. # والإشارة إلى تحرير الرقبة هي أن تركه الذكر اللساني كان من أثر تلك ~~القوة النفسية المسلمة على يد القوة الفاعلة الروحية، ولا يعرف هذه ~~الإشارة إلا سالك واصل إلى حقائق القوى النفسية بالذكر اللساني، وإن لم ~~يستطع السالك تحرير الرقبة. ### || [58.4-6] # { فإطعام ستين مسكينا } [المجادلة: 4] يعني: إطعام الخواطر ~~دخلت عليه من السكينة بطعام الذكر القالبي والنفسي والقلبي والسري ~~والروحي والخفي عشرا عشرا عدد السنين، والمراد من العشر في كل مقام أن ~~الحواس الظاهرة والباطنة ينبغي أن تكون حاضرة وقت الذكر، فإن كانت ~~[متغافلة] لا يحاسب به، ولا يقبل منه ولا يخرج من عهده الكفارة { ~~ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير } ~~[المجادلة: 3] يعني: هذا الحكم أوجب عليكم ليكون لكم موعظة وعبرة وتذكرة؛ ~~لئلا ترجعوا إلى قول الزور والمنكر الذي يلوث مجاري الذكر ويظهر فيه ~~الضعف حتى يترك الذكر اللسان، وهذا الضعف من شؤم ما يجري على لسان ms1590 السالك ~~من الفحش، ومما لا يعنيه في دينه ودنياه { فمن لم يجد } ~~[المجادلة: 4] الرقبة والطعام لفاقته { فصيام شهرين ~~متتابعين من قبل أن يتمآسا } [المجادلة: 4] وهو السكوت ~~عن غير الذكر القالبي والنفسي والقلبي والسري والروحي والخفي في شهرين ~~الجسماني والروحاني من غير فترة ليظهر بذلك مجاري الذكر الكريم { فمن ~~لم يستطع } [المجادلة: 4] الصوم والإطعام لمساكين خواطر السكينة ~~بأذكار اللطائف الستة مع حضور الحواس العشرة الظاهرة والباطنة وتحرير ~~الرقبة { فإطعام ستين مسكينا } [المجادلة: 4] من مساكين حرم ~~[الصدر] وهم أهل الصفة من نزاع القبائل اجتمعوا للذكر من قبائل قوى ~~العناصر الأربعة والصورة والمادة الجامعة في مسجد [قبالة] الدماغ، فيجب ~~على السالك أن يطعمهم من طعام الذكر اللساني حتى يشبعوا { ذلك ~~لتؤمنوا بالله ورسوله } [المجادلة: 4] يعني: ذلك الحكم ~~حكمنا به ليصدقوا أمر الحق، واللطيفة الخفية { وتلك حدود الله ~~} [المجادلة: 4] يعني: تحرير الرقبة وإطعام المساكين والقوم ولا تحسب ~~أيها السالك أن تكرار لفظ إطعام المساكين في عالم الأنفس بلا معنى؛ لأن ~~الله لا يكرر لفظا إلا وله في تكراره حكمة خاصة، وأشرنا إلى بعض تلك ~~الحكمة من قبل فاجتهد أن تفهمها { وللكافرين عذاب أليم } ~~[المجادلة: 4] يعني: من يكفر بحدودنا ولم يصدق نبينا، ولم يؤمن بواردنا ~~من القوى القالبية والنفسية المعاندة الكافرة يعذب بها عذابا أليما وقت ~~كشف الغطاء بأن يطلع على حكمتنا المودعة في تلك الأحكام المنتجة للمؤتمر ~~بها تعم المعارف وتجعلها سبب إنزاع الآلات والأدوات عنها بالائتمار بها ~~عذاب خسرة الفوت، وهو أشد العذاب { إن الذين يحآدون الله ~~ورسوله } [المجادلة: 5] يعني: الكافرة والمشركة القالبية والنفسية ~~يحادون الله واللطيفة المرسلة الخفية، ويخالفون أمر الوارد ويتعدون حدود ~~الله { كبتوا كما كبت الذين من قبلهم } [المجادلة: 5] ~~يعني: أذلوا وأهلكوا وكبوا على وجوههم لاستكبارهم وإبائهم الحق، كما أذل ~~وأهلك من القوى المستكبرة على اللطائف المرسلة { وقد أنزلنآ ~~آيات بينات } [المجادلة: 5] أنفسية على السالك، فإذا لم يؤمن بها، ~~ويكفر بنعمة الآيات النعمة الأنفسية # وله عذاب مهين # [النساء: 14]. # كما يقول تعالى: { وللكافرين عذاب مهين } [المجادلة: 5] ~~والعذاب المهين: هو أن يكون ms1591 السالك في أعين أهل الحق مهينا ذليلا ~~[كثيف] على قلوبهم ثقيلا وللقوى الكافرة أن تكون مدركة بعد اطلاعها على ~~إهانتها على تضييع أوقات كسبها لعزة الدائمة لنفسها { يوم ~~يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا ~~أحصاه الله ونسوه } [المجادلة: 6] يوم يكشف الغطاء ويبعثهم من ~~قبور القوالب المظلمة؛ فيجزيهم الله بأعمالهم التي أحصاها وحفظها حين ~~نسيها عاملوها { والله على كل شيء شهيد } [المجادلة: 6] ~~يعني: عليم مطلع على جميع ما يصدر منهم حاضر معهم، ولكنهم لكثافة حجبهم ~~وظلام وجودهم كانوا غافلين عنه، جاهلين بحضوره وسر معانيه، كافرين ~~بأحكامه. ### || [58.7-8] # { ألم تر أن الله يعلم ما في السموت وما في ~~الأرض } [المجادلة: 7] يعني: يعلم ما في قوى الروحانية والجسمانية ~~والاستعدادات العلوية والسفلية التي هي ودائعه، وهو بيده خمرها في طينة، ~~ونفخ فيها من روحه { ما يكون من نجوى ثلاثة } [المجادلة: ~~7] أي: نجوى قوة معدنية ونباتية وحيوانية وسفلية أرضية، ومن نجوى قوة ~~جنية وملكية وعقلية علوية سماوية { إلا هو رابعهم } [المجادلة: ~~7] يعني: بالنقطة الحكمية المتفننة يتم أمر نجوى النقطات الثلاث العلمية ~~والإرادية والقدرية { ولا خمسة إلا هو سادسهم } ~~[المجادلة: 7] يعني: ولا نجوى حواسهم الخمسة إلا هو سادسهم بالإظهار، ~~وهذا سر عظيم أشير إليه إن كنت حديد السمع شهيد القلب تفطن له إن شاء ~~الله تعالى. # اعلم أن الله خلق الحواس الخمسة؛ لأن تكون آلات الإدراك ونفس الإدراك ~~يتعلق به فكيف يمكن المستعملة حركة من غير شعور المستعمل لها بها، ~~والمبالغة في الكشف في هذا المقام يقرع باب مطلع القرآن فسددناه { ولا ~~أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما ~~كانوا } [المجادلة: 7] هذه إشارة إلى: نظرة وجودية إلى الأشياء إن ~~كانت الوسائط أكثر والروابط أدنى من الثلاثة والخمسة هو معهم أينما ~~كانوا، وسر هذا لا يعرف إلا بعد معرفة الذات الواحد، ثم معرفة الواحدة في ~~الكثرة مقدسة عن الحلول والاتحاد والأثقال من حيث الصورة والانفعال من ~~حيث الحقيقة منزهة عن أن يكون لها مثل وشريك بل أقول: ولا أخاف من جحود ~~الأوداء وإنكار الأخلاء، ms1592 قول الحق هو: الحق وما تدعون من دونه هو: ~~الباطل، والباطل معدوم، والمعدوم ليس شيء، وحق ما قال جنيد البغدادي - ~~قدس الله سره - ليس في الوجود إلا الله، وهو الوجود المحض تعالى الله عما ~~يصفه الظالمون علوا كبيرا { ثم ينبئهم بما عملوا يوم ~~القيامة } [المجادلة: 7] يعني: يوم يكشف الغطاء عنهم الغطاء القالبي ~~يجرهم، ولكنهم موتى في قبور قوالبهم لا يسمعون، كما يقول اللطيفة الخفية: ~~و # إنك لا تسمع الموتى # [النمل: 80] # ومآ أنت بمسمع من في القبور # [فاطر: 22] دعهم حتى أجزهم يوم النشور يعلمون في ذلك اليوم { إن ~~الله بكل شيء عليم } [المجادلة: 7] ويستحيون من أعمالهم من ~~اطلاعنا على أحوالهم حتى يعرفوا في عرف خجالتهم، ولا ينفعهم الخجالة بعد ~~كشف الحجاب، وانتزاع الآلات، والأدوات وسد باب التوبة، والإنابة إلى رب ~~الأرباب { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى } ~~[المجادلة: 8] النجوى يعني: ألم تر إلى القوة السرية الجاحدة، والقوة ~~النفسية المنافقة الذين يتناجون، ويستهزئون بالقوى المؤمنة ويتغامزون ~~بأعينهم، فأمرناهم بترك النجوى بما تركوا { ثم يعودون لما ~~نهوا عنه ويتناجون بالإثم } [المجادلة: 8] أي: بالكفر ~~الوارد { والعدوان } [المجادلة: 8] أي: معاداة القوى المؤمنة { ~~ومعصيت الرسول } [المجادلة: 8] أي: معصية أمر اللطيفة الخفية { ~~وإذا جآءوك حيوك بما لم يحيك به الله } ~~[المجادلة: 8] يعني: القوى السرية الجاحدة والنفسية المنافقة يسلمون عليك ~~من حيث باطنهم وإضمارهم إن رعاهم لك نصرك { ويقولون في ~~أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول } [المجادلة: 8] ~~يعني: يمنحونك بهذا الدعاء عليك لو كنت مرسلا من عند ربك للحقهم العذاب، ~~ولا يعلمون أن الله يمهلهم؛ ليزدادوا في جميع حطب الخواطر الردية وإشعال ~~نيران الحسد والحقد والبغض والكبر؛ ليعذبهم عذابا شديدا { حسبهم ~~جهنم يصلونها فبئس المصير } [المجادلة: 8] يعني: ~~حسبهم جهنم قالبهم. ### || [58.9-11] # { يأيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا ~~تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول } ~~[المجادلة: 9] يعني: أيتها القوة المؤمنة إذا تناجيتم لا تتناجوا بالشك ~~في الواردات ومعاداة بعضكم بعضا ومعصية أمر اللطيفة الخفية وحظ السالك ~~من هذه الآية ألا يتناجى في مجلس شيخه، لا في الظاهر ولا في الباطن ms1593 بالشك ~~في المعرفة التي ترد على الشيخ أهي مثل ما ترد علينا من سبيل الفكر ~~والنتائج العقلية؟ ولا في معاداة الأصحاب حسدا عليهم، وعلى أحوالهم، ~~وعلى قلوبهم ومكانتهم عند الشيخ، ولا في العصيان ما يأمره الشيخ به وحظ ~~القوى المؤمنة ألا تأذن للنفس أن يناجي الشيطان في الخلوة، ولا وارد ~~النفس أن يدخل عليها الشيطان، ويلقي في روعها من الشك في الذات والصفات، ~~وفي أنها صارت واصلا غير محتاجة إلى أمر اللطيفة في الترقي بنفي الخواطر ~~بالذكر والقوى الخفي، ولاشتغل السالك في خلوته بتميز الخواطر بل يشتغل ~~بنفي جميع الخواطر شرا كان أو خيرا { وتناجوا بالبر ~~والتقوى } [المجادلة: 9] يعني: يجوز للقوى المؤمنة أن تناجي القوة ~~القلبية والسرية والروحية والخفية بالبر، وهو ترك محبة الدنيا والتقوى، ~~وهو الاجتناب عن الهوى { واتقوا الله الذي إليه ~~تحشرون } [المجادلة: 9] يعني: اتقوا من الذي يحشر إليه أعمالكم ~~الظاهرة والباطنة ولا تضمروا خلاف ما تظهرونه { إنما النجوى ~~من الشيطان } [المجادلة: 10] يعني: من تزيين الشيطان في قلوبكم { ~~ليحزن الذين آمنوا } [المجادلة: 10] يعني: ليحزن القوى ~~المؤمنة { وليس بضآرهم شيئا } [المجادلة: 10] يعني: لا يضر ~~القوى المؤمنة بنجواكم { إلا بإذن الله وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون } [المجادلة: 10] لأن القوى المؤمنة ~~آمنوا بأن الضار والنافع هو الله توكلوا عليه، وتيقنوا بأن لا مانع ولا ~~معطي إلا هو، لا يلتفتون إلى نجوى الشياطين، والنفس المنافقة، والقوى ~~السرية الجاحدة { يأيها الذين آمنوا إذا قيل لكم ~~تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم ~~وإذا قيل انشزوا فانشزوا } [المجادلة: 11] يعني: أيتها القوة ~~المؤمنة؛ إذ قيل لكم بالخاطر الإلهامي: أن أفسحوا في خلوتكم على قواكم ~~بترك المجاهدة الشاقة فافسحوا، يفسح الله لكم بالمشاهدات والمكاشفات ~~الوهبية، وإذا قيل لكم: انهضوا من مقامكم بدخولكم على أحوالكم للترقي من ~~مقام، فانهضوا ولا تعسروا بما وجدتم في ذلك المقام؛ لأن في ذلك المقام لا ~~في مقام أعلى منه تجدون معارف أفضل مما وجدتم في مقامكم هذا { يرفع ~~الله الذين آمنوا منكم } [المجادلة: 11] يعني: يرفع الله ~~ذكر القوة المؤمنة القائمة بأمر اللطيفة ms1594 الخفية عن مقام السر، ودخولها في ~~حظ الأحوال التي تتعلق بالروح الخفي { والذين أوتوا العلم ~~درجات } [المجادلة: 11] يعني: لمن وصل إلى عالم الحق وشرف العلم ~~اللدني درجات غير متناهية { والله بما تعملون خبير } ~~[المجادلة: 11] من القيام عن حظوظكم وترك شهواتكم، واختياركم أمر اللطيفة ~~الخفية، وحظ هذا السالك من هذه الآية أن يترك جميع معارفه بأمر مسلكه، ~~وينفي الكرامات العيانية والبيانية باشتغاله بذكر حقه، ولا يطلب من الحق ~~شيئا غيره. ### || [58.12-14] # { يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول ~~فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } [المجادلة: 12] يعني: ~~أيتها القوى المؤمنة إذا أردتم أن تذكروا الذكر الخفي وتناجوا اللطيفة ~~الخفية، فقدموا الذكر القلبي والسري والروحي والخفي تصدقا عن الأيتام ~~والمساكين والفقراء { ذلك } [المجادلة: 12] يعني: هذه الأذكار التي ~~تتصدق بها عن القوى القلبية والسرية والروحية والخفية { خير لكم ~~وأطهر } [المجادلة: 12] لقلوبكم ولمجاري ذكركم ليذكروا الذكر الخفي ~~وتناجوا اللطيفة الخفية بطهارة تامة قلبية ولسانية: { فإن لم ~~تجدوا } [المجادلة: 12] الفرصة والاستطاعة لنزول سلطان الذكر الخفي ~~ودنو اللطيفة الخفية { فإن الله غفور رحيم } [المجادلة: ~~12] يعني: يغفر لكم ترك التصدق بالذكر؛ لضيق الوقت، ويرحم على عجزكم { ~~ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات } ~~[المجادلة: 13] يعني: خفتم من الفقر بالتصدق على القوى القلبية والسرية ~~والروحية والخفية؛ لترككم الاكتساب بالأعمال الظاهرة { فإذ لم ~~تفعلوا } [المجادلة: 13] ما أمرتم به لخوفكم على ترك أعمالكم ~~الظاهرة، فأنتم معفوون؛ لأنه تعالى { وتاب الله عليكم } ~~[المجادلة: 13]؛ لقلة عملكم بالتصدق، وبأن الاشتغال بالذكر القلبي والسري ~~والروحي والخفي أفضل من اشتغالكم بالأعمال الظاهرة { فأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله } ~~[المجادلة: 13] يعني: اشتغلوا بالطاعات الظاهرة وأطيعوا أمر الله الحق ~~واللطيفة في مراعاة أحوالكم وأعمالكم في الظاهر والباطن إن لم تكونوا من ~~أولي العلم اللدني ومن أصحاب الذكر القلبي والسري والروحي والخفي، وهذه ~~آية مبشرة للضعفة والعجزة من القوى المؤمنة النفسية إذا آمنت باللطيفة، ~~وما قدرت على التجاوز عن مقاماتهم، وأذكارهم القالبية والنفسية إن الله ~~يرحمهم، ويتوب عليهم، ويدخلهم في زمرتهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " المرء مع من ms1595 أحب " # بشرطين: لا تكون منكرا للواصلين أهل القوة والعزيمة لقصورهم عن مرتبتهم ~~حسدا وجهلا؛ بل يتواضعون لهم ويتقربون إليهم ويذرون همهم لئلا يحرمهم ~~الله عما رزقهم، ولا يحرم إن شاء الله الصادقين من المستضعفين { ~~والله خبير بما تعملون } [المجادلة: 13] يعني: مطلع على ~~الاستعدادات المودعة فيكم، وعلى قواكم المعطية لكم مما بها تطيقون العمل ~~{ ألم تر إلى الذين تولوا قوما } [المجادلة: 14] ~~يعني: تولت القوى النفسية المنافقة عن اللطيفة الخفية، وعصوا أمرها بأن ~~اتخذت القوى السرية الجاحدة أولياء { غضب الله عليهم } ~~[المجادلة: 14] يعني: اتفاقهم وإظهارهم خلاف ما في ضمائرهم { ما هم ~~منكم } [المجادلة: 14] لأنهم تولوا عن اللطيفة وأتوا أمره في الظاهر ~~والباطن { ولا منهم } [المجادلة: 14] يعني: لا من القوى الكافرة ~~القالبية أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار؛ لزيادة شعور حصل لهم من ~~نفاقهم في مقام التلوين { ويحلفون على الكذب وهم ~~يعلمون } [المجادلة: 14] أنهم يكذبون في حلفهم. ### || [58.15-19] # { أعد الله لهم عذابا شديدا } [المجادلة: 15] لشتمهم ~~اللطيفة الخفية بأنها جاءت، وشوشت معارفنا، وسدت علينا باب مشاهدة هذه ~~الأنوار الملوثة { إنهم سآء ما كانوا يعملون } ~~[المجادلة: 15] يعني: الشتم أولا ثم أطلع الله اللطيفة الخفية على ~~ضمائرهم وأخبرتهم حلفهم بالكذب وتورية الحال على اللطيفة، وجهلهم بالوارد ~~المخبر للطيفة الخفية { اتخذوا أيمانهم جنة } [المجادلة: ~~16] يعني: إيمانهم الكاذب شرا لأنفسهم لئلا ينقطع اللطيفة الخفية حقوقهم ~~من الذكر السري { فصدوا عن سبيل الله } [المجادلة: 16] ~~بالإعراض عن أمر اللطيفة الخفية والإقبال على الهوى { فلهم عذاب ~~مهين } [المجادلة: 16] وقت كشف الغطاء أجلا وهوائهم على قلوب ~~المشايخ عاجلا نعوذ بالله { لن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من الله شيئا } [المجادلة: 17] يعني: لن تغني ~~عنهم يوم كشف الغطاء عن قهر الله استعداداتهم العارية ولا نتائج أفكارهم ~~الردية { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } ~~[المجادلة: 17] لأنهم ما كسبوا في دار الكسب بالاستعدادات العارية الآثار ~~الحسد والحقد والبغض والغضب والكبر واللطيفة الباقية المكدرة القالبية. # { يوم يبعثهم الله جميعا } [المجادلة: 18] بعد كشف ~~الغطاء لرسوخ نقش يمين الكذب { فيحلفون له كما يحلفون ~~لكم ويحسبون أنهم على ms1596 شيء } [المجادلة: 18] يعني: ~~يحلفون لله وقت كشف الغطاء، كما يحلفون للمؤمنين بظنهم أنهم نجوا كما ~~كانوا نجوا منكم في الدنيا، وتعطى لهم الحقوق كما يعطيهم اللطيفة الخفية ~~قبل كشف الغطاء { ألا إنهم هم الكاذبون } [المجادلة: 18] ~~رسخ الكذب والاعوجاج في صور لطيفتهم الباقية الخالدة المكدرة المظلمة ~~المعوجة { استحوذ عليهم الشيطان } [المجادلة: 19] يعني: ~~غلب واستولى لاتباع محاربه في وجود لطيفتهم المدركة الباقية { ~~فأنساهم ذكر الله } [المجادلة: 19] لغلبة ذكر الدنيا عليهم ~~وكثر محبة متاعها في عروقهم مثل: سريان الماء في عروق الأشجار { ~~أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم ~~الخاسرون } [المجادلة: 19] اعتبروا أيها السالكون بهذه الآية، ولا ~~تفضلوا عن ذكر الله، ولو لم يقدروا على السلوك كما هو حقه، لئلا تكونوا ~~من حزب الشيطان؛ لأن حزب الشيطان هم الغافلون عن ذكر الرحمن ولهم ~~الخسران، وأي خسران خسارة رأس مالهم بلا ربح وخسارة كسب العذاب الملكي ~~الباقي برأس مالهم العاري الفاني. ### || [58.20-22] # { إن الذين يحآدون الله ورسوله } [المجادلة: 20] ~~يعني: يخالفون أمر الحق واللطيفة الخفية في هذه الأحكام التي ذكرناها { ~~أولئك في الأذلين } [المجادلة: 20] ذل الدنيا بمذلتهم عند ~~العارفين، وذل العقبى بإدراكهم مذلتهم، وعدم الاستعداد للتدارك لها { ~~كتب الله } [المجادلة: 21] أي: أوجب الله بكتابته بالقلم الخفي على ~~لوح العقل { لأغلبن أنا ورسلي } [المجادلة: 21] على أمري ~~وعلى تعذيب من يخالف اللطيفة الخفية { إن الله قوي عزيز } ~~[المجادلة: 21] يعني: قوي على حجته غالب على أمره؛ ليهلك من هلك عن بينة ~~ويحي من حي عن بينة. # { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا ~~آبآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم } ~~[المجادلة: 22] يعني: القوى المؤمنة بالله وباللطيفة الخفية، وبيوم يكشف ~~فيه الغطاء ينبغي ألا يلتفتوا إلى القوى العلوية التي هي بمنزلة آبائهم ~~ولا إلى المعارف التي كانت نتائج أفكارهم وعقولهم التي هي بمنزلة أبنائهم ~~ولا إلى القوى القلبية المكدرة بالهوى التي هي بمنزلة إخوانهم، ولا إلى ~~القوى العنصرية التي هي بمنزلة عشائرهم التفات المودة والمحبة { ~~أولئك } [المجادلة: 22] يعني: القوى المؤمنة التي ms1597 لا يلتفتون ~~إليهم يعني: المودة { كتب في قلوبهم الإيمان } [المجادلة: ~~22] أي: أثبت بحيث رسخ الإيمان في قلوبهم وبما يشاهد السالك في بداية ~~تصفية القلب في الواقعة أن لوح قلبه مسود من نقوش مختلفة ثم تشاهده أنه ~~قد محي، وظهر عن التقوى ثم تشاهده أنه منقوش من كلمة الله الله من الأول ~~إلى الآخر، ثم تشاهده أنه مقل عن النقوش، وبقي فيه الله وحده، ثم تشاهده ~~بأن هذا الاسم مكتوب بمداد النور الأحمر، ثم بالنور الأبيض، ثم بالنور ~~الأخضر، ثم تشاهده لوحا نورانيا لا لون له، ولا نقش عليه، وعند هذا ~~يظهر عليه نقوش العلم اللدني { وأيدهم بروح منه } ~~[المجادلة: 22] يعني: أيد كتابته بمداد الروح القدسي ليظهر فيه العلم ~~الذاتي بحيث لا يبقى وجود اللوح والقلم والكتابة والمداد والنقش وهذا كشف ~~العلم مقام لمجهول مما أشار إليه المشايخ في مقاماتهم { ويدخلهم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } ~~[المجادلة: 22] يعني: بعد رجوعهم عن غلبة تلك الحال يدخلهم في المساكن ~~الطيبة المعدنية المطهرة وجنات القوى النباتية المزكاة المرباة بماء ~~الإيمان بحيث تجري من تحتهم أنهار المعارف التصيلية بحكم التصرف لهم على ~~تلك المعارف خالدا مخلدا { رضي الله عنهم } [المجادلة: 22] ~~باشتغالهم بالذكر بعد إيمانهم باللطيفة الخفية { ورضوا عنه } ~~[المجادلة: 22] بإنجاز الوعد، وهو وعد لقاء الحق { أولئك حزب ~~الله } [المجادلة: 22] يعني: القوة المؤمنة الذاكرة الراضية بقضاء ~~الله وقدره أولئك حزب الله { ألا إن حزب الله هم ~~المفلحون } [المجادلة: 22] من الحجاب الرافع بينهم وبين ربهم، ~~اللهم اجعلنا من حزبك الراضي بقضائك وقدرك المفلح بحبيبك بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم. ### | [59 - سورة الحشر] ### || [59.1-3] # أيها المسبح المفلح المجمح: اسبح في بحر التسبيح؛ كالحوت تسمع تسبيح أهل ~~السماوات والأرض للحي الذي لا يموت، ومتى مادمت تتعلق بكل حشيش وتخاف من ~~الفرق، وتدور حول السواحل فما أنت من المسبحين، فإذا دخلت البحر وصرت ~~بحريا تأمن من الفرق وتستريح من الحرق، فافهم ما يقول الله تعالى في سورة ~~الحشر { سبح لله ما في السموت } [الحشر: 1] أي: في ~~سماوات دماغك ms1598 { وما في الأرض } [الحشر: 1] بعزته أي: في أرض بدنك ~~من القوى المخزونة في الدماغ، ومن القوى المدفونة في البدن { وهو ~~العزيز الحكيم } [الحشر: 1] بعزته حذف القوة الحافظة والذاكرة ~~والمتفكرة والمتخلية وأخواتها في سماوات الدماغ لئلا يصل إليها أبخرة ~~المعدة وقاذوراتها وبحكمه أودع القوى الجارية والعارية والهاضمة ~~والدافعة، وأخواتها من أرض البدن لبريتها ويدفع منها ما يضرها ويجذب ~~إليها ما ينفعها؛ ليصل كل جزء إلى كلها، ويلحق كل فرع بأصلها في السفل ~~والترقي وكشف هذا السر من حد القرآن { هو الذي أخرج الذين ~~كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر } ~~[الحشر: 2] يعني: هو الحق الذي سبحه أهل السماوات والأرض بالحق وأخرج ~~القوة الكافرة من أهل الكتاب السري من ديارهم القالبية لأول حشر في وادي ~~المقدس الخفي حشر الخواطر الخفية { ما ظننتم أن يخرجوا } ~~[الحشر: 2] من حصون إيمانهم الذين تحصنوا بها وقت ظهور اللطيفة السرية { ~~وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله } ~~[الحشر: 2] يعني: أن حصون إيمانهم باللطيفة السرية يمنعهم من جند خواطر ~~اللطيفة الخفية، وإن لم يؤمنوا باللطيفة الخفية، ولم يخرجوا من حصون ~~إيمانهم التقليدي الذي صار لهم عادة، وورثوا عن آبائهم تقليدا لا ~~تحقيقا عادة لا عبادة { فأتاهم الله من حيث } [الحشر: 2] ~~يعني: أتى حزب الله، وهو الخواطر الخفية من حيث { لم يحتسبوا } ~~[الحشر: 2] يعني: من حقوقهم التي كانت مدفونة مستكنة فيهم وقت التخمير { ~~وقذف في قلوبهم الرعب } [الحشر: 2] بقتل خواطر الهوى وهو ~~سيد خواطرهم { يخربون بيوتهم بأيديهم } [الحشر: 2] يعني: ~~أي يخربون القوى الكافرة الجاحدة باستعدادهم الحاصل من إيمانهم باللطيفة ~~السرية حيث أبدانهم بالمجاهدة { وأيدي المؤمنين } [المؤمنين: ~~2] أي: باستعداد الخواطر الخفية، وهذه حالة نظر أعلى السالك عند اشتغاله ~~بالمنكر الخفي واشتغال القوى الثابتة للطيفة السرية بالذكر السري؛ ليصد ~~السالك عن الذكر الخفي، فلا يلتفت السالك إلى ذكركم، ويشتغل بذكره، فهم ~~بالذكر السري يخربون بيوت البدن، والسالك يخرب بيت البدن بمعول الذكر ~~الخفي؛ لينقض جدار البيت المظلم، وينور بنور الشمس الطالعة الحقيقية { ~~فاعتبروا يأولي الأبصار } [الحشر: 2] حكمة الملك الغفار، ~~وعزة الواحد ms1599 القهار، كيف هدى اللطيفة الخفية وقواها على الثبات على ذكرها ~~بحكمته وكيف قذف الرعب والخوف في قلوب القوى الثابتة اللطيفة السرية ~~الجاحدة اللطيفة الخفية من حقوقهم التي كانت مستكنة فيهم بعزته { ~~ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء } [الحشر: 3] يعني: ~~الخروج من حصونهم بما قذف في قلوبهم { لعذبهم في الدنيا } ~~[الحشر: 3] بالعذاب العاجل، وهو سد المعرفة السرية والأنوار النفسية { ~~ولهم في الآخرة عذاب النار } [الحشر: 3] التي أوقدتها ~~القوى الجاحدة من نيران الحسد والبغض في قوالبها. ### || [59.4-6] # { ذلك } الحشر: 4] العذاب { بأنهم شآقوا الله ~~ورسوله } ، يعني: خالفوا أمر الحق وأمر الوارد الذي ورد على اللطيفة ~~الخفية { ومن يشآق الله } [الحشر: 4] أي: يخالف أمر الله { ~~فإن الله شديد العقاب } [الحشر: 4] ومن شدة عقابه تخريب ~~بيوتهم بأيديهم { ما قطعتم من لينة } [الحشر: 5] يعني: ما ~~قطعتم من محلة وجودهم التي وصلت إلى أفق مرتبة النباتية { أو ~~تركتموها قآئمة على أصولها فبإذن الله ~~وليخزي الفاسقين } [الحشر: 5] بإخراجهم عن أوطانهم، وتخريب ~~بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، وقطع محلاتهم التي وصلت إلى حد الأفقية { ~~ومآ أفآء الله على رسوله منهم } [الحشر: 6] أي: على ~~اللطيفة الخفية في هذا الجهاد من استعدادات القوى السرية { فمآ ~~أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب } [الحشر: 6] يعني: ~~أيتها القوى المؤمنة المتابعة للطيفة الخفية ما أوجفتم على القوى السرية ~~خيل هممكم، ولا ركاب أشواقكم { ولكن الله يسلط رسله ~~على من يشآء } [الحشر: 6] من القوى { والله على كل ~~شيء قدير } [الحشر: 6] فجعلنا استعدادات القوى السرية خاصة للطيفة ~~الخفية؛ ليتصرف فيها كيف يشاء، وما لكم فيها حصة وحق. ### || [59.7-9] # { مآ أفآء الله على رسوله من أهل القرى } ~~[الحشر: 7] يعني: ما أعطى الله من الفيء في هذا الجهاد من أهل القرى ~~وغنائم معارفهم السرية للطيفة الخفية { فلله } [الحشر: 7] يعني: ~~أسرار منها خاصة لله لا نصيب لأحد فيها { وللرسول } [الحشر: 7] أي: ~~للطيفة الخفية من غنائم معارف الصفات الذاتية { ولذي القربى } ~~[الحشر: 7] يعني: للقوى اللطيفة الخفية مما كانت مستكنة في الوجود وقت ~~التخمير من غنائم معارف الصفات الفعلية { واليتامى } [الحشر: 7] ~~يعني: للقوى ms1600 القلبية من معارف الآثار وهي الآيات البينات الأنفسية { ~~والمساكين } [الحشر: 7] يعني: لخواطر السكينة من لطائف الذكر السري ~~{ وابن السبيل } [الحشر: 7] يعني: للخواطر الواردة من الروح الخفي ~~من شراب المحبة، وطعام الذكر، وثمرات المعارف القالبية والنفسية ~~والعنصرية والمعدنية والنباتية { كي لا يكون دولة بين ~~الأغنيآء منكم } [الحشر: 7] يعني: لا يكون عليه لأغنيائكم ~~العارفين على الفقراء والضعفاء والسالكين المبتدئين { ومآ آتاكم ~~الرسول فخذوه } [الحشر: 7] من المعارف والاستعدادات الحاصلة في ~~الجهاد { وما نهاكم عنه فانتهوا } [الحشر: 7] يعني: انتهوا ~~من الغلول والسرقة ولا تسرقوا الأسرار بغير إذن المسلك { واتقوا ~~الله إن الله شديد العقاب } [الحشر: 7] فحظ السالك من ~~هذه الآيات ألا يشتغل بالمعارف الحاصلة له في الجهاد إلا بإذن مسلكه ولو ~~أمره المسلك بنفي تلك المعارف يجب عليها تركها، وهذه مجاهدة من أشد ~~المجاهدات جربناها كثيرا، ولو لم ينفها السالك وأخفى في نفسه معناها ~~سرقة ينسد عليه الباب ويعاقبه بأشد العقاب وهو أن يسقط من عين الشيخ نعوذ ~~بالله منه؛ لأن اللحم إذا فسد صلح بالملح، فكيف فسد. # { للفقرآء المهاجرين } [الحشر: 8] يعني: للحقوق التي كانت ~~مستكنة في القوى القالبية والنفسية وقت التخمير، فإن انبعثت اللطيفة ~~الخفية وهاجرت أوطان أبدانها، وخرجت من ديار هواها وأموال استعداداتها ~~القالبية والنفسية والشهوية اتبعت بها فضل الله ورضوانه، ونصرة الله ~~واللطيفة الخفية، وهي الصادقة كما يقول الله تعالى: { الذين ~~أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من ~~الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك ~~هم الصادقون } [الحشر: 8] { والذين تبوءوا الدار ~~والإيمان من قبلهم } [الحشر: 9] يعني: القوة الناصرة السرية ~~المؤمنة للطيفة الخفية في مدينة السر توطنت القوة المهاجرة الحقوقية، ~~وآمنت باللطيفة الخفية قبل دخولها في مدينة السر بنور الحق { يحبون ~~من هاجر إليهم } [الحشر: 9] من القوى الحقوقية المستكنة في ~~القالب وقت التخمير { ولا يجدون في صدورهم حاجة ممآ ~~أوتوا } [الحشر: 9] يعني: القوى الناصرة السرية يحبون المهاجرين ~~ويوطنونهم في مدينتهم من غير حرارة وتبطؤ ولا طلب مكافأة ولا مجازاة { ~~ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } ~~[الحشر: 9] يعني: يختارون الحقوق المهاجرة على أنفسهم ms1601 بطعام الذكر السري ~~وشرابه وثمرات المعارف الآثارية والفعلية، ولو كانوا محتاجين إليها ~~مفترقين إلى طعام الذكر السري وشرابه { ومن يوق شح نفسه ~~فأولئك هم المفلحون } [الحشر: 9] يعني: يتصدق ويؤثر على ~~إخوانه وأصحابه من القوى الحقوقية، وهو محتاج إليها ويمنع له شيخ نفسه أن ~~يتصدق، وهو على خلاف هوى نفسه يتصدق، فهو المفلح لتزكيته عن رذيلة صفة ~~البخل والشح. ### || [59.10-12] # { والذين جآءوا من بعدهم } [الحشر: 10] من القوى المؤمنة ~~النفسية والقالبية، وإن لم يدركهم في المرتبة والمنزلة، ولكن { ~~يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ~~ربنآ إنك رءوف رحيم } [الحشر: 10] هم أيضا يكونون من ~~المفلحين لدعائهم لإخوانهم السابقين ومسألتهم من الله ألا يجعل في قلوبهم ~~غلا وحسدا على ما آتاهم الله بفضله وسعة رحمته، فحظ العامة من الأمة ~~المحمدية ألا يظنوا من أصحاب الرسول رضي الله عنهم، ويدعوا لهم بالخير؛ ~~فيرفعوا قدرهم على أنفسهم ولا يفتروا بكثرة مجاهداتهم التي يشتغلون بها؛ ~~لأن السابقين جاهدوا مجاهدة، لو أنا جاهدنا بأموالنا وأنفسنا وقاتلنا في ~~معركة العدو أشد مقاتلة حتى قتلنا لا نصل بأدنى مجاهدة السابقين، وينبغي ~~أن يفضلوهم على أنفسهم، وحظ السالك من هذه الآية أن يتواضع لأصحاب شيخه ~~المتقدمين عليه، ويفضلهم على نفسه، ويدعو لهم بالخير، وحظ القوى النفسية ~~والغالبية المؤمنة أن يؤثروا خواطر السرية وحظوظ القوى الحقوقية على ~~أنفسهم، ويزكون الأعمال البدنية والذكر اللساني إذا أراد القوى الحقوقية ~~والسرية أن يتنعموا بالوارد والذكر السري والقلبي أو الروحي أو الخفي، ~~ويصبروا على ترك حظه من الأعمال البدنية، والأذكار اللسانية؛ لأن الله ~~يرأف ويرحم بهم ويوصلهم إلى مرتبة لا يمكن الوصول إليها بالأعمال ~~البدنية، والأذكار اللسانية بجذبته { ألم تر إلى الذين ~~نافقوا } [الحشر: 11] من القوى النفسية { يقولون لإخوانهم ~~الذين كفروا من أهل الكتاب } [الحشر: 11] أي: من القوى ~~السرية الجاحدة { لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا ~~نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم ~~والله يشهد إنهم لكاذبون } [الحشر: 11] لأنهم يقولون ~~بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وإذا قذف الله ms1602 الرعب من الحقوق التي كانت ~~مستكنة في طينتهم؛ ليخرجوا بيوتهم بأيديهم صاروا متملقين { لئن ~~أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ~~ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ~~ينصرون } [الحشر: 12] لإدبارهم واشتغالهم بشهواتهم وضعف نياتهم خلاف ~~أهل الكتاب؛ لأنهم كسبوا قوة من إيمانهم باللطيفة السرية من قبل إرسال ~~اللطيفة الخفية. ### || [59.13-17] # { لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله } [الحشر: ~~13] يعني: أيتها القوة المؤمنة هم يرهبون منكم أشد رهبة من الله لجهلهم ~~بالله وقصور نظرهم عن الحق { ذلك } [الحشر: 13] بنظرهم إلى الباطن { ~~بأنهم قوم لا يفقهون } [الحشر: 13] أي: ليس لهم قلب يعرف ~~صفات الله من بطشه وقهره { لا يقاتلونكم } [الحشر: 14] القوى ~~السرية الجاحدة { جميعا إلا في قرى محصنة } [الحشر: 14] ~~يعني: لا يبرزون ليحاربوكم مواجهة؛ بل يدخلون في حصون إيمانهم الحاصلة ~~باللطيفة السرية ولا تمنعهم من جنود اللطيفة الخفية؛ لأن هذه الجنود تجيء ~~من أعلاها والحصن تمنع من يكون أسفلها مثل جند الشيطان والهوى { أو من ~~ورآء جدر } [الحشر: 14] يعني: وراء الخواطر السرية { بأسهم ~~بينهم شديد } [الحشر: 14] يعني: ما داموا في حصونهم يكون بأسهم ~~شديدا، ولكن ليس الحصول بما نعتهم عن جنود الخواطر الخفية { ~~تحسبهم جميعا } [الحشر: 14] في حصن واحد في الصورة { ~~وقلوبهم شتى } [الحشر: 14] لأنهم متفرقون في طلب شهواتهم لا ~~يتحصنوا بهذا الحصن من تحقيق ولأجل الله، بل لعادتهم ولاستيفاء حظوظهم من ~~القوى السرية الضعيفة الجاهلة الجاحدة { ذلك بأنهم قوم لا ~~يعقلون } [الحشر: 14] حقيقة التحصن بإيمانهم مثلهم { كمثل ~~الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم ~~عذاب أليم } [الحشر: 15] بظنهم حصونهم مانعتهم عن ضرب الرحمن، ومثل ~~المنافقين { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر ~~فلما كفر قال إني بريء منك } [الحشر: 16] يعني: إذا ~~قالت القوة المستكبرة الشيطانية للقوة المستعجلة الإنسانية بعد طول ~~مجاهدتها في طريق الكشف، واطلاعها على بعض أسرار المكاشفات اكفري بنعمة ~~الله التي أنعم في حقك، وهو بأن تباشر مع القوة النفسية على وفق الهوى ~~بالشهوة الحظية بقول القوة الشيطانية، ويطلعها على أسرار مكاشفاتها، ثم ~~يقتلها بالمجاهدات لحظها الهوى، فلما ms1603 فعلت هذه الفعلة القبيحة لشؤم عجبها ~~قالت لها القوة الشيطانية { إني بريء منك إني أخاف ~~الله رب العالمين * فكان عاقبتهمآ أنهما في ~~النار خالدين فيها وذلك جزآء الظالمين } [الحشر: ~~16-17] لأن القوة المستكبرة أبت من أخذ الحق والقوة المعجبة أعجبت بنفسها ~~ونسيت توفيق ربها، وغفلت عن ذكره الحق، وكفرت بنعمة المكاشفة، وقبلت كلام ~~العدو. ### || [59.18-21] # { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ~~ما قدمت لغد } [الحشر: 18] يعني: أيتها القوة المؤمنة اعتبري ~~من هذه الآيات، ومما جرى على القوة المستكبرة والمعجبة، واكتسبي لنفسك ~~اليوم ما ينفعك غدا بعد كشف الغطاء وطي عالم الكسب { واتقوا ~~الله } [الحشر: 18] يعني: اتقوا عن الله عن عبادتكم، وتمسكوا بأذيال ~~رحمته بأيدي عجزكم ومسكنكم. # { إن الله خبير بما تعملون } [الحشر: 18] سرا وجهرا ~~نية أو عملا، فأخلصوا نياتكم؛ لأن الله لا ينظر إلى أعمالكم ولا إلى ~~صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم ونياتكم وانظروا بعين المنقصة إلى نفوسكم ~~وبعين الفضيلة إلى إخوانكم ولا تطاولوا على القوة النفسية والقالبية ~~المؤمنة بعدكم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " مثل أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره " # { ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم ~~أنفسهم } [الحشر: 19] يعني: مثل القوى التي آمنت باللطائف، ثم نسوا ~~ذكر الله واشتغلوا بمشتهيات أنفسهم، وجعلوا دين الله عادة وميراثا، ~~وغفلوا عن حقيقة الدين { أولئك هم الفاسقون } [الحشر: 19] ~~لا يشادهم حظوظ أنفسهم على الحقوق، ووقفوهم على صور الأعمال العارية غير ~~الدخول في معناها { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب ~~الجنة } [الحشر: 20] يعني: لا يستوي من زكى قوى نباتية لتكون له ~~بستانا كمن يشعل نيران الحقد والحسد { لرأيته خاشعا ~~متصدعا من خشية الله } [الحشر: 21] يعني: لو أنزلنا ~~الوارد على جبل القوة المعدنية لرأيتها خاشعة متصدعة من قوة الوارد وخشية ~~ما أودع الله في الوارد، ولا تخشع هذه القلوب، فيدل على أن قلوب ~~المنافقين والكافرين والاستعدادات المميزة للقوة الكافرة المنافقة ~~النفسية والقلبية أشد وأصلب من جبل قوى معدنيته، ولأجل هذا السر يتمنى ~~مقام الترابية بعد حصول الاستعدادات { وتلك الأمثال نضربها ms1604 ~~للناس لعلهم يتفكرون } [الحشر: 21] فينبغي أن يتفكر ~~القارئ في هذه الآية لئلا يشتغل طول عمره بتصحيح مخرجه بلا تفكر يوما ~~واحدا في عجائب أمثاله وحكمه ويفهم الظاهري؛ أن الله يضرب الأمثال؛ ~~ليتفكروا فيها ويفهموا ما في ضمن هذه الأمثال ولا يفقهون على ظاهر الجبل ~~الذي ضرب به المثل، ويعلم أن مراد الله من إرسال الرسل، وإنزال الكتب ~~تطهير القلب، وتزكية النفس، والتوجه إلى كعبة الوحدة لا حفظ الكتب، ~~والغلبة على الأمم وجمع الدراهم والدنانير والأملاك والعقار والدواب ~~والأنعام والجارية والأزواج والأولاد والتنعم بالنعم والتفوق على الأنام ~~والارتكاب على الآثام أيها الغفلة الجهلة العجزة عن أيدي الشهوة والقوى ~~تظنون أن قراءة الكلام وعلم الحلال والحرام مع الاشتغال بالشهوة على وفق ~~الهوى يجتمعان لا والله لو لم يتصدع قلبك من القراءة، ولم يخشع من الوعظ، ~~ولم يخرج منه حب الرئاسة والجاه؛ لا ينفعك قراءة الكلام، وعملك بالحلال ~~والحرام بل يكون عليك حجة ووبالا، ويزيد عليك عذابا ونكالا وسلاسلا ~~وأغلالا. ### || [59.22-24] # { هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب ~~والشهادة } [الحشر: 22] يعلم ما في ضميركم بعلمه الغيبي، ويعلم ما ~~تكسب جوارحكم بعمله الشهاوي { هو الرحمن الرحيم } [الحشر: ~~22] بصفة رحمانيته استوى على العرش وسوى عليه أمور عالم الغيب الروحاني { ~~هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس ~~السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار ~~المتكبر } [الحشر: 23] يعني: هو الله الملك لا ملك إلا هو ولا ملك ~~إلا له، ولا ملك إلا بيده ولا الملك إلا خلقه القدوس بمعنى مقدس منزه عما ~~تخط به الأفكار والعقول { السلام } [الحشر: 23] يعني: مسلم عن صفات ~~العجز والنقص { المؤمن } [الحشر: 23] يعني: يأمن من عذابه من يؤمن ~~به وبرسله وكتبه واليوم الآخر والقدر خيره وشره منه { المهيمن } ~~[الحشر: 23] يعني: شهيد على الكل حفيظ للكل { العزيز } [الحشر: 23] ~~يعني: غالب على أمره في لطفه وقهره الجبار؛ يعني: يجبر قلوب المجاهدين له ~~والمهاجرين إليه بإطلاعهم على معارف عالم جبروته المتكبر يعني: الممتنع ~~جنابه عن أن يلج عليه متكبر من خلقه مستكبر على اللطيفة ms1605 المبلغة { ~~سبحان الله عما يشركون } [الحشر: 23] يعني: هو منزه عن أن ~~يشرك به أحد بالنظر إلى اختيار نفسه والالتجاء إلى غير ربه وقت القبض ~~والابتلاء والنكرة { هو الله الخالق البارىء المصور ~~له الأسمآء الحسنى } [الحشر: 24] يعني: هو القدر المقلب للشيء ~~كما يريده طورا فطورا، وهو البارئ المنشئ بعد التقدير، والتقليب أعيان ~~المقدور، والقلوب وهو المصور بعد الخلق والإنشاء في أي صورة يشاء. # الأسماء الحسنى يعني: أسماء لأفعاله الحسنة وافهم أنه ابتداء بالاسم ~~الذاتي، ثم بأسمائه الحسنى الناسوتية مطلقا مجملا مفصلا، ثم ذكر ~~تفصيله على سبيل الإجمال في قوله تعالى: { يسبح له ما في ~~السموت والأرض وهو العزيز الحكيم } [الحشر: 24] ~~يعني: بعزته سر أسماء شقائق ناسوتية، وبحكمته أودع سره في بحر تسبيحه، ~~وإشارته إلى ما في السماوات والأرض لتفطن لها الخبير، ويطلع على أسراره ~~المودعة في الشقائق الناسوتية المقصودة من الكل التي هي آخر العمل، وكل ~~ما تقدم عليه مطلوب لظهور الشقيقة الكاملة المستحقة للمرائية، وهي مطلوبة ~~لذات الله تعالى، ولهذا السر رجع في نهاية هذه السورة إلى بدايتها، وختم ~~على قوله: { يسبح له ما في السموت والأرض وهو ~~العزيز الحكيم } [الحشر: 24] وهذا السر مخصوص بحد القرآن، وأما ~~السر الذي افتتح السورة بصيغة الماضي واختتمها بصيغة المستقبل من مطلع ~~القرآن كلاهما منتهي إفشاؤهما، فاطلب في صفة العزة سر الابتداء، وفي صفة ~~الحكمة سر الانتهاء، واعلم أن عين العزة عين العلم وحاء الحكمة حاء ~~الحياة المحيطة بالكل يحيي بأوليته، ويتقن الأمر المحكم بآخريته، وهو ~~الحي الحكيم، والله أتى في تفسير بطن هذه السورة لقد أسمعت لو ناديت ~~حيا، ولكن لا حياة لمن أنادي اللهم اجعلنا عارفين بأسمائك الحسنى بمحمد ~~المصطفى صلى الله عليه وسلم، وعلى آله المجتبين وأصحابه المرتضين. ### | [60 - سورة الممتحنة] ### || [60.1-3] # يا أيها المتخذون أعداء الله أولياء أنفسكم، أما تقرءون كلام رب ~~العالمين، ولا تفهمون ما يقول تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~لا تتخذوا عدوي وعدوكم أوليآء تلقون ~~إليهم بالمودة } [الممتحنة: 1] يعني: يا أيتها القوى المؤمنة ~~لا تتخذوا القوة الكافرة القالبية ms1606 والمشركة المنافقة النفسية، وإن كانت ~~عشائركم أولياء؛ لأنهم يريدون أن تشتغلوا بالشهوات العاجلة ليتمتعوا ~~بحظوظهم من اشتغالكم بالشهوات العاجلة، ويعذبكم ربكم في الآخرة، ولا ~~تلقوا لهم من أسرار الوارد، وأخبار اللطيفة الخفية بمودة أصلية كانت ~~بينكم وبينهم؛ لأن السالك يريد أن يعارضهم ويدخلهم في ميدان الخلوة، ~~ويجاهدهم ولو ألقت القوة المؤمنة إلى القوة الكافرة خير إدخالهم في ~~الخلوة أبوا واعتدوا وجعلوا يمكرون مكرا ويكيدون كيدا ليضروا اللطيفة ~~الخفية إلى حد شاهدنا أنها تمرض الوجود وتظهر الآلام الشديدة والأوجاع ~~المؤلمة في وجود السالك، لئلا يدخل في الخلوة ولا يشتغل بالعزلة، فإن كان ~~السالك صادقا لا يضره كيدهم، بل يحرضه ويبالغ في المجاهدة مع وجود ~~الآلام والأوجاع، وهذا الابتلاء يتقن كثيرا عنه غيبة السالك عن حضرة ~~مسلكه إني أردت في بداية أمري أن أدخل الخلوة في أربعين [موسوية] ففطنت ~~القوى القالبية والنفسية الكافرة المشركة لأخيارهم القوى المؤمنة اللائمة ~~فأمرضوني، وكان لي أخ في الدين من سلاك الطريقة رحمه الله قال لي: اترك ~~الخلق في العشر الأول وداو نفسك حتى تصح، ثم ادخل في الخلوة على سنة ~~المصطفى صلى الله عليه وسلم وتمم ثلاثين يوما، فأطعت أمره فلما دخل ليلة ~~أول أربعين وهيئوا لي مشروبا سهلا لأشرب صبيحة تلك الليلة، فجاء ~~الخادم، وقال: إن أحدا من المفنين جاء مسافرا من جانب خراسان، ويستأذن ~~أن يدخل عليك، ويزمزم لكم فقلت: ائذنوا فدخل وقعد وزمزم، وقال في أول ~~اشتغاله بالزمزمة: هذه الفارسية المهيجة، وهي هذه شعر [....] فغلب علي ~~الوقت لأني سمعت هذا الكلام من الحق ذرفت ورقصت، وهيج في باطني أشواقا ~~عظيمة، فلما فرغت من السماع دخلت الخلوة، وجلست وما ضرني المرض، وفتح ~~الله علي في تلك الخلوة فتوحات عظيمة لا حرمنا الله من أمثالها، فالمقصود ~~من إيراد هذه الحكاية أن يعرف السالك كيد القوى ومكرها، ولا يلتفت إليها، ~~ولو تمرض يقول لها: الدخول في الخلوة وقت المرض، وكثرة الطاعة في هذه ~~الحالة أجود والمرض مبشر رسول الموت، فينبغي أن تدخل الخلوة، وتشتغل بذكر ~~الحق ms1607 لتموت فيها مستريحا، فإذا رأت القوة الكافرة صدق السالك خافت من ~~صدقه وهربت عنه { وقد كفروا بما جآءكم من الحق } ~~[الممتحنة: 1] الواو واو الحال يعني: القوى الكافرة كفروا بالوارد الذي ~~جاءكم من الحق أيتها القوى المؤمنة { يخرجون الرسول ~~وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم } [الممتحنة: 1] يعني: ~~يخرجون اللطيفة المرسلة من بلدة الوجود القالبي إل مدينة السر فبعد ~~إخراجكم عن بلدة قالبهم فلا تتخذوها أولياء لأنفسكم { إن كنتم ~~خرجتم جهادا في سبيلي وابتغآء مرضاتي تسرون ~~إليهم بالمودة } [الممتحنة: 1] مهاجرين إلى الله وإلى رسوله. # واعلم أن في بداية الأمر للقوى المؤمنة نزاعا إلى بلدة قالبها ~~واشتياقها إلى عشيرتها، وهي القوى الكافرة والمشركة النفسية والقالبية، ~~ويجهلون أمر الحق وأحكام الوارد، ولكنهم متبعون اللطيفة باذلين جهدهم في ~~خدمتها مع هذا يجزون القوى القالبية والنفسية بالنصيحة لهم أن الأمر على ~~خلاف ما أضمرتم، وقوة حزب الخواطر الخفية غالبة أطيعوا أمر ربكم والقوى ~~الكافرة العاصية لا يلتفتون إلى نصائحهم ويجهزون جيوشهم، ويمدون من ~~الشيطان جنود خواطره؛ ليحاربوا اللطيفة فأعلمهم الله تعالى بأن القوى ~~الكافرة لا يقبلون نصيحتكم، فأخرجوا مودتهم عن القلوب ولا تجزوهم بأسرار ~~الحق وأخبار اللطيفة، ويقول { وأنا أعلم بمآ أخفيتم ~~ومآ أعلنتم } [الممتحنة: 1] من النزاع إلى عشائركم ومن النصيحة ~~التي تنصحهم، ومن استقامتكم في متابعة اللطيفة الخفية، فمن بعد ذلك لا ~~تنصحوا القوى الكافرة؛ لأنهم مردودون عن الحضرة لا ينفعهم نصحكم { ومن ~~يفعله منكم } [الممتحنة: 1] بعد إعلامكم { فقد ضل سوآء ~~السبيل } [الممتحنة: 1] يعني: أخطاء الطريقة النقية الصفية المنسوبة ~~إلى الصوفية { إن يثقفوكم } [الممتحنة: 2] ويظفروا بكم { ~~يكونوا لكم أعدآء ويبسطوا إليكم أيديهم } ~~[الممتحنة: 2] بالضرب والقتل والأسر { وألسنتهم بالسوء } ~~[الممتحنة: 2] يبسطوا ألسنتهم بالشتم والفحش { وودوا لو ~~تكفرون } [الممتحنة: 2] كما كفروا حتى يقتلوكم { لن تنفعكم ~~أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة } [الممتحنة: 3] ~~يعني: القوى القالبية والنفسية والخواطر الردية التي هي نتائج قواكم لن ~~تنفعكم يوم القيامة؛ بل يفرون منكم وأنتم تفرون منهم، ويقولون فبئس ~~القرين يمنعونا عن ذكر الله وطاعته، فلا تلتفتوا إلى أرحامكم ولا أولادكم ~~وأعرضوا عنهم وأقبلوا ms1608 على اللطيفة الخفية لتنجوا من العذاب الأليم { ~~يفصل بينكم } [الممتحنة: 3] بقوله: فريق: في الجنة المزكاة قوة ~~نباتية من الأباطيل والخبائث، وفريق: في السعير المشتعلة فيها نيران ~~الحقد والحسد والشهوة والغضب { والله بما تعملون بصير } ~~[الممتحنة: 3] يعني: إن يشتغلوا بتزكية جنتكم أو باشتعال نيرانكم في سعير ~~قالبكم يبصر الله أعمالكم، ويعلم نياتكم وضمائركم. ### || [60.4-6] # { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين ~~معه } [الممتحنة: 4] لأن اللطيفة القلبية { إذ قالوا } ~~[الممتحنة: 4] لآبائهم { لقومهم } [الممتحنة: 4] بعد أن ظهر لهم ~~شركهم { إنا برءآؤا منكم } [الممتحنة: 4] فينبغي أن يتبعوا ~~أثر اللطيفة القلبية، وإنا أمرنا اللطيفة الخفية بأن تتبع ملة أبيها ~~إبراهيم، وهو اللطيفة القلبية، وهذا سر عظيم أشير إليه؛ لئلا تغلظ في ~~نسبة الأبوة. # اعلم أن الله تعالى أودع اللطيفة الخفية في جميع الأشياء، ولكنها مستكنة ~~مستورة بأستار وحجب مما لا يجب ردها ورباها في أطوار التراكيب حتى وصلت ~~إلى تركيب هو أعدل التراكيب، وهو القلب فصارت نطفة اللطيفة الخفية في طهر ~~اللطيفة القلبية مستعدة، إذا وجدت لطيفة قابلة لها يدع فيها؛ فأرسل الله ~~الإرادية لتكون قابلة لتلك النطفة، فإذا شاهدت اللطيفة القلبية استعداد ~~قابليتها أودعت فيها النطفة ورباها الله في رحم الإرادة مدة مديدة ورقاها ~~برقاها حتى وصلت إلى حضرة الحق فأمرها بالرجوع إلى العوالم التي عبرت ~~عليها لتنذر أهلها وتبشر أممها فهو خاتم اللطائف والمقصود من إيجاد الكل ~~ولأجل هذا أشار إليه أن # واتبع ملة إبرهيم حنيفا # [النساء: 125] # وما كان من المشركين # [البقرة: 135] والزيادة على هذا الكشف منتهي لأن سره من أسرار مطلع ~~القرآن { إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤا منكم } ~~يعني: أنتم إذا دخلتم في متابعة اللطيفة ينبغي ألا تلتفتوا إلى أرحامكم ~~وأولادكم ويقولوا ألقوا ما قالت اللطيفة القلبية وقواها لآبائهم { ~~ومما تعبدون من دون الله } [الممتحنة: 4] يعني: يقولون ~~إنا براء منكم ومن آلهة هواكم { كفرنا بكم } [الممتحنة: 4] ~~وبآلهتكم { وبدا بيننا وبينكم العداوة } [الممتحنة: 4] ~~الخفية { والبغضآء } [الممتحنة: 4] لله تعالى { أبدا حتى ~~تؤمنوا بالله وحده } [الممتحنة: 4] وتتركوا آلهتكم وترجعوا ~~عن شركائكم وتتبعوا أسوة إبراهيم ms1609 { إلا قول إبراهيم لأبيه ~~لأستغفرن لك } [الممتحنة: 4] قبل أن جاءه الوارد وأعلمه أن ~~أباه لم يدخل دين الحق يعني: يجب عليكم متابعة اللطيفة القلبية إلا في ~~قولها قبل وقوفها على أمر اللطيفة الروحية المستكبرة المرساة في تراب ~~الطبيعة التابعة للقوى القالبية { لأستغفرن لك } فلما تبين ~~للطيفة القلبية مردوديتها بتراب منها وقالت: { ومآ أملك لك من ~~الله من شيء } [الممتحنة: 4] يعني: لا أقدر أن أدفع عنك عذاب الله ~~إن عصيت الرب وأشركت به { ربنا عليك توكلنا وإليك ~~أنبنا وإليك المصير } [الممتحنة: 4] بإعراضنا عن آبائنا ~~وأمهاتنا وعشائرنا وأرحامنا وأولادنا وإليك أنبنا من [راعيتنا] القوى ~~القالبية والنفسية ومودتنا لها وإليك المصير يعني: إليك مرجعنا ومالنا ~~ملجأ وملاذ غير ذكرك الكريم { ربنا لا تجعلنا فتنة ~~للذين كفروا } [الممتحنة: 5] يعني: لا تجعلهم غالبين علينا ولا ~~منصورين بل اجعل كيدهم في تضليل واجعلهم مغلوبين مقهورين { واغفر ~~لنا ربنآ } [الممتحنة: 5] صدر عنا من الجهل بإخبارنا إياهم الأخبار ~~والأسرار نصيحة لهم ومودة ونزعة رحيمية { إنك أنت العزيز ~~الحكيم } [الممتحنة: 5] يعني: أنت غالب على أمرك حكيم في جميع أفعالك ~~أن تغفر لنا فنحن عبادك وإن تعذبنا فأنت أعلم وأحكم ونحن مستحقون العذاب ~~{ لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة } [الممتحنة: 6] أيتها ~~القوة المؤمنة المتابعة اللطيفة الخفية في القوى القلبية التابعة للطيفة ~~القلبية { أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم ~~الآخر } [الممتحنة: 6] يعني: تبرأ مما تبرى، ويقولون ما قالوا { ومن ~~يتول } [الممتحنة: 6] أي: يعرض عن أسوتهم الحسنة { فإن الله ~~هو الغني الحميد } [الممتحنة: 6] يعني: الحق مستغن عن عبادتكم ~~حميد في ذاته إن لم يحمده ويعبده أحد ولا تقنطوا أيتها القوى المؤمنة عن ~~إيمان القوى القالبية والنفسية القريبة لكم. ### || [60.7-9] # { عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم ~~} [الممتحنة: 7] لأجل الله { منهم } [الممتحنة: 7] أي: من القوى ~~الكافرة والمشركة { مودة } [الممتحنة: 7] إيمانية بأن يدخلهم الله ~~في دائرة الإيمان ويخالطهم مخالطة الإخوان { والله قدير } ~~[الممتحنة: 7] على ما يشاء لو شاء لهدى الناس جميعا { والله غفور ~~رحيم } [الممتحنة: 7] يغفر عما سلف ويرحم على القوة القالبية ms1610 ~~والنفسية ويدخلها في رحمته بهدايته إلى الإيمان { لا ينهاكم ~~الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم ~~يخرجوكم من دياركم أن تبروهم } [الممتحنة: 8] وهذه ~~حالة مخصوصة بالمقتصدين والحال التي بينا من قبل حال الظاهر لنفسه وهو ~~السالك المبتدئ فإذا أخرج السالك المبتدئ محبة القوة القالبية والنفسية ~~لأجل الحق وبأمر الحق من باطنه ورسخ قدميه في الطريقة لا يضره الاشتغال ~~بنصيحة القوى القالبية والنفسية التي لا يقاتلونه لأجل الدين بل يطلبون ~~منه حظوظهم المباحة بشرط أن يكونوا مغلوبين مقهورين لا يقدرون على إخراج ~~القوى المؤمنة عن ديارهم ولكن ينبغي أن { وتقسطوا إليهم } ~~[الممتحنة: 8] يعني: تعدلوا فيهم بالإحسان والبر وإعطاء الحظوظ ولا ~~يتجاوزوا عن حد الاعتدال { إن الله يحب المقسطين } ~~[الممتحنة: 8] الذين اجتنبوا عن الإفراط والتفريط في جميع الأمور وهذا ~~حال المقتصد وهو السالك المتوسط { إنما ينهاكم الله عن ~~الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم ~~وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم } [الممتحنة: 9] ~~يعني: لا ينهاكم الله عن أن تعطوا حظوظ القوى القالبية والنفسية الذين ~~قاتلوكم عداوة للحق لأن يخرجوكم من دين الحق ويدخلوكم في دين الباطل ~~وأخرجوكم من ديار القالب وغلبوا على إخراجكم أن تتخذوهم أولياء { ومن ~~يتولهم فأولئك هم الظالمون } [الممتحنة: 9] يعني: ~~من يتخذهم أولياء نفسه كان ظالما يضع الولاية في غير موضعها. ### || [60.10-11] # { يأيها الذين آمنوا إذا جآءكم المؤمنات ~~مهاجرات فامتحنوهن } [الممتحنة: 10] يعني: أيتها القوى ~~المؤمنة إذا جاءتكم القوى القابلة مهاجرات من القوى الكافرة المشركة ~~القالبية والنفسية والروحية المستكبرة المرساة بتراب الطبيعة فامتحنوهن ~~بالبيعة فإن بايعنكم على ألا يشتغلن بالهوى والشهوات العاجلة النفسانية ~~الردية فأقبلوهن { الله أعلم بإيمانهن فإن ~~علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار } ~~[الممتحنة: 10] يعني: إذا علمتم أنهن يؤمن بالله ورسوله ولا يشركن فلا ~~تعطوهن إلى القوى الكافرة والمشركة { لا هن حل لهم ولا هم ~~يحلون لهن } [الممتحنة: 10] يعني: لا القوى القابلة المؤمنة ~~تجعل للقوى الفاعلة الكافرة ولا القوى الفاعلة الكافرة تجعل للقوى ~~القابلة المؤمنة { وآتوهم مآ أنفقوا } [الممتحنة: 10] عليهن ~~يعني: حظوظهن { ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذآ ms1611 ~~آتيتموهن أجورهن } [الممتحنة: 10] يعني: لا جناح على القوى ~~المؤمنة الروحيتان أن تنكح القوى القالبية المؤمنة بعد أداء حظوظهن ~~والقالبية والنفسية من العلو والسفل بالقسط { ولا تمسكوا بعصم ~~الكوافر } [الممتحنة: 10] يعني: أن لا تمسك القوى الفاعلة الروحية ~~بالقوى القابلة القالبية الكافرة { واسألوا } [الممتحنة: 10] أيتها ~~القوى الفاعلة المؤمنة { مآ أنفقتم } [الممتحنة: 10] على القوة ~~القابلة بعد أن لحقت بالقوة الكافرة والشركة يعني: المعارف التي ~~أعطيتموها من المعارف الروحية وسئلوا يعني: القوى الفاعلة الكافرة ~~والمشركة ما أنفقوا على القوى القابلة التي لحقت بالقوى المؤمنة ما ~~أعطوها من المنكرة والحيل التي يسهل عليها جذب الحظوظ العاجلة على وفق ~~الهوى ومعرفة كيفية اتباع الشهوات { ذلكم حكم الله يحكم ~~بينكم والله عليم حكيم } [الممتحنة: 10] عليم ~~بالاستعدادات حكيم فيما يحكم ويأمركم به لأن معرفة الحيل ينبغي أن ترد ~~إلى القوى الكافرة لئلا يشكوكم بها والمعرفة الروحانية ينبغي أن يردوا ~~إليكم لئلا يخبروا بها القوى المؤمنة وفيه أسرار جمة تتعلق بحد القرآن { ~~وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار } ~~[الممتحنة: 11] يعني: أيتها القوى المؤمنة الفاعلة إن فاتكم شيء من ~~أزواجكم أي: القوى القابلة اللاحقة إلى الكفار مرتدة راجعة إليها { ~~فعاقبتم } [الممتحنة: 11] يعني: المرتدة بالقتل بأن لا تعطى حقها ~~حتى تموت بالمجاهدة { فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ~~مآ أنفقوا } [الممتحنة: 11] يعني: أن أزمة القوى الفاعلة تعتد إن ~~أمنوا وبقيت القوى القابلة التي في حيالتها عندكم فآتوهن من عنائهم ~~استعدادات قابلية ونفسية بعد غلبتكم على القوى القابلة التي بقيت عندكم { ~~واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } [الممتحنة: 11] ~~يعني: اتقوا الله من أن يبقى معكم من الأخلاق الردية التي حصلت للقوة ~~القابلة من القوى الكافرة والمشركة أو تبقى مع القوى القابلة المرتدة من ~~الأخلاق الشريفة التي حصلت لها من القوى الفاعلة المؤمنة لئلا يكون لهم ~~ملك الأخلاق استعدادا للإغواء ولأجل هذا السر من المشايخ بأن لا يؤذن ~~لسالك خرج من حبال شيخه أن يدخل في دائرة الصوفية لأنه سارق يسرق المعارف ~~والوقائع ويدعو الخلق إلى نفسه بتلك الاستعدادات. ### || [60.12-13] # { يأيها النبي إذا ms1612 جآءك المؤمنات يبايعنك ~~على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا ~~يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتن ~~يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك ~~في معروف فبايعهن } [الممتحنة: 12] يعني: أيتها القوى ~~اللطيفة الخفية إذا جاءك المؤمنة القابلة يبايعنك على أن لا يشركن بالله ~~شيئا في الاختيار ويضعن الاختيار إلى الله بالكلية ولا يسرقن الموتة ~~القلبية والسرية والروحية والخفية ولا يزينن بالهوى يعني: لا تأذن لخاطر ~~الهوى أن يدخل فيهن ولا يقتلن الوارد الذي يرد عليهن والخاطر الإلهامي ~~الذي يخطر بهن بدس الوارد والخاطر الإلهامي تحت تراب الطبيعة ولا يأتين ~~بهتان يفترينه على القوى الفاعلة المؤمنة واللطيفة الخفية ويزعم أن ~~الخاطر السري خاطر الروح أو خاطر الروح خاطر الحق وأمثاله ولا يعصينك في ~~معرفة الله وفيما تأمرهم بأمر الوارد مع ترك الضجارة والملالة عند مصيبة ~~وبلاء التشنيع على { واستغفر لهن } [الممتحنة: 12] مما سلف ~~عليهن { إن الله غفور رحيم } [الممتحنة: 12] يغفر الذنوب ~~ويرحم على من يتوب { يأيها الذين آمنوا لا تتولوا ~~قوما غضب الله عليهم } [الممتحنة: 13] يعني: أيتها القوى ~~المؤمنة التابعة للطيفة الخفية لا تتخذوا القوى المؤمنة المتابعة للطيفة ~~السرية المنكرة للطيفة الروحية والخفية { قد يئسوا من الآخرة ~~} [الممتحنة: 13] بإنكارهم اللطائف الروحية والخفية { كما يئس ~~الكفار من أصحاب القبور } [الممتحنة: 13] يعني: كما يئس ~~القوى النفسية التي هي من أصحاب القوى القالبية وفي هذه الآية أظهر نسبة ~~القوالب إلى القبور لمن كان له قلب شهيد أو سمع حديد اللهم أرزقني قلبا ~~شهيدا أو سمعا حديدا بحق محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه أجمعين. ### | [61 - سورة الصف] ### || [61.1-5] # أيها الصافون في مصاف الأعداء المصفون من أهل الصفاء القائمون في صفوف ~~الصوفية بشرط الوفاء القاعدون في صفة أصحاب الصفة بالتوكل والرضاء سبحوا ~~الله بالنسبة الأرض والسماء ونزهوه من أن يحاط بالأفكار والعقول وافهموا ~~ما يقول في كتابه الكريم حيث يقول { سبح لله ما في ~~السموت وما في الأرض وهو العزيز الحكيم } [الصف: ~~1] بحكمة خلق الأرض والسماء وما فيهما وما بينهما لتسبحه في السماوات ms1613 ~~الروحانية القوى العلوية وفي أرض البشرية القوى السفلية وبعزته حجب الكل ~~عن مشاهدته وسخرهم بقدرته ليمتزجوا ويختلطوا بالفعل والانفعال [ليتولد] ~~من الآباء العلوية والأمهات السفلية اللطيفة الأنانية المسبحة بلسان الحق ~~لذات الرب سبحانه وتعالى أن يقدر أحد أن يذكره أو يسبح له غيره واللطيفة ~~الأنانية الكاملة هي مرآة وجهه الكريم والمسبح لذاته عكس ذاته المنطبع في ~~المرآة فإن لم يسبح الناظر في المرآة نفسه فكيف تقدر المرآة أن تسبحه ~~فالمسبح عكس ذاته فتسبيحه بتسبيحه إياه فإن ظهر المسبح والمنظور هو ~~المسبح وهو الناظر والمنظور والذاكر والمذكور { يأيها الذين ~~آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون } [الصف: 2] يا أيتها ~~القوى المؤمنة النفسية لم تقولون إنا نجاهد العدو إذا واجهتموه وافقتموه ~~وأعصيتم شهواته على وفق هواه ما علمتم أن الله يقول: { كبر مقتا ~~عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } [الصف: 3] { إن ~~الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم ~~بنيان مرصوص } [الصف: 4] يعني: إذا غلب في أثناء المجاهدة ~~والخلوة جند خواطر الشيطان والقوى القالبية والنفسية لغير المزكاة على ~~القلب فينبغي أن يكون السالك المجاهد وقواه القلبية لا يزالون عن مكانهم ~~مواجهة العدو في صف الجهاد كأنهم قد رص بعضهم ببعض لأن كيد الشيطان ~~ضعيف إذا رأى من السالك والقوى القلبية ثبات القدم وصدقهم في المجاهدات ~~ينهزم سيما إذا شاهد حزب الرحمن وهو أنوار الجذبة وأنوار الخواطر السرية ~~والخفية يتولى مدبرا ويقول إني أرى ما لا ترون ويقوى السالك على حزب ~~الشيطان بعد ذلك بحيث كلما واجهه انهزم إلا ما شاء الله لو ابتلي السالك ~~بإيقاع الشهوات على وفق الهوى وترك الذكر فإنه يجيء كرة أخرى ويجلب بخيله ~~ورجله للقتال فالسالك الموفق لا يخاف من كثرتهم ويعتصم بحبل الذكر ويتقلد ~~بسيف الثقلين ويحمل عليهم ويهزمهم بقوة الولاية عند استحضاره الشيخ فبعد ~~ذلك يضعف الشيطان والقوى القالبية والنفسية التي هي حزبه ويجب على السالك ~~بعد ذلك رعاية القوى القلبية بحقوق الذكر ومحاسبة القوى النفسية ~~والقالبية من الحظوظ حتى لا يلقمهم لقمة من غير حساب ms1614 { وإذ قال ~~موسى لقومه يقوم } [الصف: 5] يعني: اللطيفة السرية لقواها { ~~لم تؤذونني } [الصف: 5] بالافتراء علي بأن ذكري معلول بريح الهوى ~~{ وقد تعلمون أني رسول الله إليكم } [الصف: 5] ~~فربما يذكر السالك الذكر السري ولا يصل ذوق إلى القوى النفسية المؤمنة ~~فيفترون على اللطيفة السرية أن ذوق ذكرك لا يصل إلينا ولم نجد ذوق فعله ~~حدثت من ريح الهوى إلى ذكرك وإن لم يكن السالك محفوظا أو تحت ولاية ~~الشيخ ينغصون العيش عليه فسبيل السالك في هذا المقام أن يقول إني أذكر ~~الله لله لا للذوق وإن لم يصل إلى الذوق في الدنيا يصل في العقبى وإن لم ~~يصل فالحكم للمولى إن ما عشت أذكر مولاي وولي وإلهي من غير طمع وأجرة ولا ~~يكون كأجير سوء في سلوكه خاصة عند هجوم ظلمات النكرة وخمود نيران الشوق ~~وجمود الاستعداد وركود ريح الذكر القلبي ويجتهد في الطاعات والرياضات ~~والذكر وإن لم يجد منه راحة بل يكون في تلك الساعة كان إعطاؤه ترض ~~بالحجارة فيجب أن يبالغ في الذكر على وجه التعظيم والهيبة حتى يفتح الله ~~عليه باب المعرفة فيجد حينئذ أضعاف ما يجده من الذوق قبل هذه الحالة { ~~فلما زاغوا أزاغ الله } [الصف: 5] يعني: القوى النفسية ~~والقالبية عن الحق بافترائهم على اللطيفة السرية { أزاغ الله ~~قلوبهم } [الصف: 5] يعني: أمالها الله بوجوههم عن الحق { والله ~~لا يهدي القوم الفاسقين } [الصف: 5] الذين يفترون على ~~نبيهم. ### || [61.6-9] # { وإذ قال عيسى ابن مريم } [الصف: 6] يعني: اللطيفة الخفية ~~{ يبني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا ~~لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي ~~من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات } ~~[الصف: 6] الخفية التي شاهدتها القوى النفسية والقالبية المؤمنة باللطيفة ~~السرية { قالوا هذا سحر مبين } [الصف: 6] أنكرتها وقالت: ~~هذا يسحر بأعيننا وليس لهذه الآيات حقيقة وهذه الأحوال تظهر للسالك بعد ~~عبوره على الحجبات القالبية والنفسية والقلبية والروحية ووقوفه في تلك ~~المواطن حتى يرسل الله اللطيفة الخفية لترقيها من ذلك المقام، ويدخلها في ~~عالم الخفي ودعتها اللطيفة الخفية إلى الحق بالصحيفة ms1615 الخفية التي هي ~~مصدقة للصحف الروحية والسرية والقلبية والنفسية والقالبية، ويبشرهم ~~باللطيفة الخفية التي هي أحمد اللطائف لحقها، وأشكرهم على نعم الحق، ~~وأعظمهم قدرا، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم على الله وأحبهم عنده، وهي ~~اللطيفة المقصودة التي لولاها لما خلق الدنيا والعقبى، فأنكرت القوى ~~النفسية والقالبية اللطيفة الخفية؛ لوقوفهم على ترك شهواتهم التي هي صارت ~~عادتهم إذا صدقوا اللطيفة الخفية، واستدلوا بالسلوك؛ لأن العبادة ترك ~~العادة، فالواجب على السالك في هذا المقام أن يترك جميع عباداته النافلة ~~بأمر مسلكه؛ ليسهل عليه التجاوز عن هذه المرتبة { ومن أظلم ~~ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى ~~الإسلام } [الصف: 7] يعني: من أظلم ممن ادعى التسليم لأوامر اللطيفة ~~المرسلة، وترك عاداته للترقي من مقامه، يفتري علي الكذب، ويقول للطيفة ~~المرسلة ما أنت برسول صادق؛ بل أنت ساحر كذاب تريد أن تصدنا عن طريقتنا، ~~وتخرجنا عن ملتنا، وملة آبائنا وأمهاتنا السفليات { والله لا ~~يهدي القوم الظالمين } [الصف: 7] الذين ظلموا أنفسهم ~~بالافتراء على رسلهم والاستهزاء بالوارد الذي ورد على اللطيفة المرسلة { ~~يريدون ليطفئوا نور الله } [الصف: 8] يعني: القوى التابعة ~~للشهوات على وفق الهوى يريدون أن يطفئوا نور الله اللطيفة الخفية لئلا ~~يظهر { بأفوههم } [الصف: 8] يعني: بافترائهم وكذبهم وأكلهم ~~الشهوات على وفق هواهم { والله متم نوره } [الصف: 8] يعني: ~~مظهر نور اللطيفة الخفية { ولو كره الكفرون } [الصف: 8] من ~~القوى التابعة للطائف ثم الهادية عن الجهاد البالغة للشهوات المشتغلة ~~بالحظوظ العاجلة الغافلة عن ذكر الرب الكافرة نعم مشاهدة الآيات الأنفسية ~~{ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون } ~~[الصف: 9] يعني: هو الذي خلقكم وهداكم إلى السلوك بأمر اللطائف المرسلة ~~إليكم يرسل رسوله الكريم، وهو اللطيفة الخفية الداعية إلى الحق المعلمة ~~أمر التقويم والتصقيل والتوجيه للمرأة التي هي منظورة الحق على وجه يمكن ~~إكمال المرأة به، ويجعلها مستحقة لأن ينظر إليها الله تعالى بنظر جلاله ~~وجماله ويشاهد فيها ذاته وصفاته وأفعاله وآثاره على وجه التفضيل؛ ولهذا ~~السر أظهر هذا الدين على الأديان كلها، وسنحت الشرائع ms1616 بشريعتها الزهري، ~~ولو كره المشركون الذين أشركوا بالله بإثباتهم اللطائف بالنبوة والقوى ~~القابلة والفاعلة بالشركاء لله، تعالى عما يقول المشركون والكافرون علوا ~~كبيرا هو الله الواحد الأحد الصمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا خلق القوى ~~القابلة بنظر ربوبيته، وخلق القوى الفاعلة بنظر ألوهيته وأزوج بينهما ~~بحكمته، وأخرج من بينهما ذريته ليكونوا مظاهر لطفه وقهره، وهو الغالب على ~~أمره بفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد في ملكوته. ### || [61.10-12] # { يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ~~تنجيكم من عذاب أليم } [الصف: 10] يعني: أيتها القوى المؤمنة ~~باللطائف هل أدلكم على كسب إن اشتغلتم به ينجيكم من عذاب الآخرة، وهو ~~أسهل مما تواظبون عليه من الأوزار والأغلال؛ لأني بعثت بالملة الحنيفية ~~السمحة السهلة، وهو أن { تؤمنون بالله } [الصف: 11] يعني: ~~وحدانيته { ورسوله } ، يعني: اللطيفة الخفية المرسلة التي هي خاتم ~~الأنبياء وسيد المرسلين { وتجاهدون في سبيل الله ~~بأموالكم وأنفسكم } [الصف: 11] يعني: باستعدادكم الحاصل من ~~سلوككم بأمر اللطائف المرسلة من قبيل ترك اختيار أنفسكم وعادتكم { ~~ذلكم خير لكم } [الصف: 11] من كثرة مجاهدتكم وتعبكم ورياضتكم ~~الشاقة على أنفسكم { إن كنتم تعلمون } [الصف: 11] أن حقيقة ~~العبادة ترك الهوى، والائتمار بما يأمر به المولى، والانتهاء عما ينهى ~~عنه لا تعذيب النفس، وقلة الأكل والنوم على وفق الهوى؛ ولأجل هذا السر ~~قال المشايخ: لو يأكل المريد بأمر شيخه كل يوم دجاجة مسمنة، وحلوى من سكر ~~خير له من أن يأكل في كل أسبوع قرصا من شعير على وفق أمر نفسه وهواه، ~~وإن شاهدنا وجربنا في أنفسنا، وفيمن سلكناه أن الإفطار على وفق أمر الشيخ ~~خير له من الصوم باختيار نفسه، وإن ترك العبادات النافلة من الصلاة والحج ~~والصدقة والتلاوة بأمر شيخه؛ أنفع له من الإتيان بها على وفق اختيار ~~نفسه، وفي هذا السر لطيفة إفشاؤها حرام على المسلك من قبل أن يطلع الله ~~السالك عليها، فإذا أطلع الله السالك عليها، ويحكيها السالك للمسلك، ~~فيجوز للمسلك أن يخبره عن هذه اللطيفة، فمن يؤمن بالله أيتها القوى ~~المؤمنة باللطائف المرسلة من قبل باللطيفة ms1617 الخفية منكم { يغفر لكم ~~ذنوبكم } [الصف: 12] بإثبات الولد والصاحبة لله، وبإثبات الشركاء له ~~{ ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار } [الصف: ~~12] يعني: جنات القلب تجري من تحتها أنهار المعرفة تكون تحت تصرفكم متى ~~شئتم شربتم منها { ومساكن طيبة في جنات عدن } [الصف: ~~12]، وهي مساكن قوى معدنية السالك إذا صارت طيبة يكون بعد خراب البدن ~~لصاحبه مساكن طيبة في جنات عدن، وهو القوى النباتية المزكية عن الخبائث ~~المطهرة عن الأباطيل، وإذا خرج صاحب هذه القوى من دار الكسب؛ يكون له في ~~دار الجزاء مساكن طيبة بتطهير قوى معدنية، وجنات عدن بتزكية قوى نباتية { ~~ذلك الفوز العظيم } [الصف: 12]. ### || [61.13-14] # { وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب } ~~[الصف: 13] يعني: لكم شيء آخر في العاجل مما تحبونه، وهو النصر على ~~الأعادي، وفتح البلاد من الأداني والأقاصي غير ما ادخر لكم في الأجل، كما ~~يقول نصر من الله، وفتح قريب { وبشر المؤمنين } [الصف: 13] ~~أيتها اللطيفة الخفية بالنصر والفتح في العاجل والخلود في الجنة مع ~~الرضوان في الآجل { يأيها الذين آمنوا كونوا أنصار ~~الله } [الصف: 14] يعني: أيتها القوى المؤمنة التابعة للطائف المرسلة ~~من قبل إذا آمنتم باللطيفة الخفية كونوا أنصار الله { كما قال عيسى ~~ابن مريم للحواريين } [الصف: 14] يعني: كما قالت اللطيفة ~~الخفية للقوى الصافية التابعة لها { من أنصاري إلى الله } ~~[الصف: 14] في الجهاد مع الأعادي { قال الحواريون نحن ~~أنصار الله } [الصف: 14] يعني: قالت القوى الصافية: نحن أعوان الله ~~ننصرك ونغنيك عن مقابلة العدو { فآمنت طآئفة من بني ~~إسرائيل } [الصف: 14] ممن آمنوا باللطيفة السرية قبل إرسال اللطيفة ~~الخفية باللطيفة الحنيفية إذا أرسلت { وكفرت طآئفة فأيدنا ~~الذين آمنوا } [الصف: 14] باللطيفة الخفية { على عدوهم ~~فأصبحوا ظاهرين } [الصف: 14] يعني: إذا شرفوا بالتجلي الجمالي ~~صاروا غالبين على من كفر من أمة مؤمنة باللطيفة السرية كافرة باللطيفة ~~الخفية، فهكذا أيتها القوى المؤمنة باللطيفة الخفية إن كنتم تؤمنون ~~باللطيفة الخفية تردكم بتجليات الجمال، بحيث تصبحون ظاهرين غالبين على ~~عدوكم من القوى الكافرة والمشركة القالبية والنفسية، اللهم اجعلنا ظاهرين ~~على عدونا ثابتين على متابعة ms1618 سيدنا وحبيبك محمد وآله وصحبه وسلم صلاة ~~وتسليما دائما أبدا. ### | [62 - سورة الجمعة] ### || [62.1-4] # يا من تدعي أنك تسبح لله ما فهمت من قوله تعالى حيث قال: { يسبح ~~لله ما في السموت وما في الأرض الملك القدوس ~~العزيز الحكيم } [الجمعة: 1] وإن لم تكن من أهل الفهم من عند ~~نفسك بالكشف فألق سمعك إلي وكن شهيدا حتى أفسره لك بإذن الله تعالى. # واعلم أن التسبيح لا يصدق من أحد من رؤية وجوده، فينبغي للمسبح أن يعرف ~~الله بصفة الملكية والقدوسية والعزيزية والحكيمية، ومعرفته صفة ملكه لا ~~يصدق ما دام يتلجئ إلى أحد غيره، ويرى الملك لغيره متصرفا، ولا يأتمر ~~بأمره، ولا ينتهي من نهيه، ويشتغل بنهر طبعه، ومعرفة صفة قدسه لا يحصل ~~إلا بعد علمه بأن كل ما يخطر بباله وحسه وذكره، فالله خالق تلك الخواطر ~~وكل ما رأى من صور صفاته في الغيب والشهادة يتيقن بأن الله مصورها، ~~ومعرفته صفة عزيزية منوطة بأنه يعرف أنه غالب على أمره، خلق الشيطان ~~لعزته، وخلق النفس قرينة لغيرته على أن يعرفه غيره، ومعرفته حكيمية ~~متعلقة بمعرفته النقطة المتقنة الواهية صور الأشياء بعد ظهور [الصفات] ~~الثلاثة: العلمية والإدارية والقدرية؛ ليعلم حقيقة ظهور القالب الإنساني ~~على شكل قامة الألف، ويعلم قواها السوادية، وقواها البيانية، وكيفية ~~تداخل الحروف بعضها في البعض، وأخذ النقطات البيانية حظوظها من النقطات ~~السوادية، وأخذ النقطات السوادية حقوقها من النقطات البياضية؛ ليظهر عليه ~~حكمة صدور هذا الفعل من ذات سبب صفاته الملكية والقدسية والعزيزية ~~والحكيمية، وإن الملك اسم للسر الذي أودعه الله في النقطة العلمية، ~~والقدوس اسم للذي أودعه الله في النقطة الإرادية، والعزيز اسم للسر الذي ~~أودعه الله في النقطة القدرية، ويطلع على ينبوع الحياة في النقطة ~~العلمية، وعلى نهر السمع في النقطة الإرادية، وعلى بحر البصر في النقطة ~~القدرية، وعلى مد الكلام وجوزه في النقطة المتقنة الحكمية ليجتني من شجرة ~~روحانيته المغروسة في أرض بشريته إثمار الكلمات الطيبات في بستان بلدته ~~الطيبة، ويضعها على طبق اللطائف ويتحف بها على يدي ms1619 اللطيفة الأنانية إلى ~~حضرة ربه الغيور، والمبالغة في هذا التقرير في هذه الآية فرعت باب مطلع ~~القرآن، فعطفت عنان البيان عنه { هو الذي بعث في الأميين ~~رسولا منهم } [الجمعة: 2] يعني: بعث اللطائف المرسلة إلى كل ~~الأمم منهم، وبعث اللطيفة الخفية إلى جميع الحقوق المودعة في القوى ~~السفلية والعلوية، وهي أمة أمية؛ لأنها وهبية لا كسبية { يتلوا ~~عليهم آياته } [الجمعة: 2] يعني: يقرأ عليهم آيات الحق في أنفسهم ~~{ ويزكيهم } [الجمعة: 2] من غبار الأخلاق الرذيلة التي علقت ~~بأذيال القوى الحقوقية في أرض البشرية من تراب الطبيعة { ويعلمهم ~~الكتاب } [الجمعة: 2] بالوارد الوهبي الخفي لا من العلم الكسبي ~~الخلقي العسكري { والحكمة } [الجمعة: 2] بالنور الحكمي المخصوص ~~بالخفي، والمراد من الكتاب: الأحكام التي تتعلق بملك السالك، وبالحكمة ~~الأحكام التي بملكوت السالك يعني: تزكي بالكتاب قوى سفليته، وبالحكمة ~~تزكي علويته { وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } ~~[الجمعة: 2] بعبادتهم أوثان الهوى، ومتابعتهم القوى الجاهلية القالبية، ~~والظالمة النفسية { وآخرين منهم } [الجمعة: 3] يعني: يعلمهم ~~ويعلم آخرين منهم من القوى التي تحدث من [. # ....] بعد المخللات { لما يلحقوا بهم } [الجمعة: 3] يعني: ~~القوى الحادثة للقوى التابعة الزكية العارفة بالكتاب والحكمة لم يدركوهم، ~~ولكنهم يحدثونهم بعدهم { وهو العزيز الحكيم } [الجمعة: 3] ~~بقدرته أرسل اللطيفة الخفية إلى الأميين من القوى الحقوقية الأمية ~~الأصلية؛ ليعلمهم الكتاب والحكمة بعد أن غابوا عن الحضرة من وقت التخمير، ~~وصاروا ضالين في أودية البشرية، ويبدأوا الشكوك والظنون مشتغلين بعمارة ~~وكر قالبهم وتربية بيضتهم غافلين عن ذكر الله بالحكمة البالغة؛ ليتم ~~الوكر وتنتج البيضة الفرخ، ولولا غفلتهم عن الذكر ما اشتغلوا بعمارة ~~الوكر وتربية البيضة، والمراد من إيجاد الذكر والأنثى والعلو والسفل، ~~وعمارة الوكر وتربية البيضة هو: الفرخ الذي يحصل فيه؛ فيطير في سواء ~~المحبة، وبأخذ طيور المعرفة ليفرح السلطان في طيرانه، وعلمه بكيفية الأخذ ~~ورجوعه إلى يد السلطان { ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء } ~~[الجمعة: 4] يعني: من ذلك العلم والطيران والرجوع من فضل الله ووجهه لا ~~من كسب أحد وتعلمه يؤتيه من يشاءه { والله ذو الفضل العظيم ~~} [الجمعة: 4]؛ ليعطيهم الاستعداد ويهب ms1620 لهم العلم اللدني، ويرسل إليهم ~~الوارد القدسي، ويدعوهم بلطيفة إليه، ثم يجزيهم الجزاء الأوفى، ويثني ~~عليهم ويشكر سعيهم ويجعلهم المقربين. ### || [62.5-7] # { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها } ~~[الجمعة: 5] مثل القوى النفسية المؤمنة باللطيفة السرية، وقبولهم الوارد ~~السري من حيث الظاهر، ولم يحملوا حقيقة الوارد من حيث المعنى، وترك العمل ~~بما في ضمن الوارد { كمثل الحمار يحمل أسفارا } [الجمعة: ~~5] يعني: يحملون الأسفار من حيث الظاهر، وهم جاهلون في باطنه غافلون عن ~~حقيقة وروده، فيجب التعزية لنفسهم على حفظ كلمات القرآن المقتصرين على ~~حفظه وقراءته والتاركين لفهمه، والعمل به، وعلى السالك الذي يرد عليه ~~الوارد، وهو يتكلم بالوارد ولا يعمل به، وعلى اللطيفة المبلغة التي تأمر ~~القوى عن الاجتناب عن الهوى، ويلقي الشيطان في أمنيته أن يتكلم بشرب ~~نفسه، وهو طبعه ويظن أن نفسه مطمئنة لا يضرها الاشتغال بصحبة الخلق، ~~والتوسع في المعيشة، ولا يذكر حال أشرف الخلق وأحبهم إلى الله محمد صلى ~~الله عليه وسلم أنه صلى حتى تورمت قدماه بعد أن غفر الله له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر، وما شبع في مدة حياته من خبز الشعير إلا مرتين، وبعده حال ~~سيد الأولين علي بن أبي طالب رضي الله عنه على مدين ونصف من السويق ~~الشعير، الغير متحول في رمضان الذي استشهد فيه حتى وزنوا ما في جرابه ~~بعده، وهو رضي الله عنه استشهد صبيحة يوم الثالث والعشرين من رمضان كان ~~منا، ونصف من قالوا يجب على السالك ما دامه في قيد الحياة الدنيوية؛ ~~الاحتراز عن الطعام والكلام والمنام { بئس مثل القوم الذين ~~كذبوا بآيات الله } [الجمعة: 5] من القوى المكذبة القالبية ~~والنفسية { والله لا يهدي القوم الظالمين } [الجمعة: 5] ~~الذين ظلموا أنفسهم بكسبهم السيئات، وتكذيبهم اللطائف المنذرة { قل ~~يأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أوليآء ~~لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم ~~صادقين } [الجمعة: 6] في هذه الدعوى يعني: أيتها القوى المؤمنة ~~باللطيفة السرية من حيث الظاهر، وهي القوى التي إذا اشتغل صاحبها ~~بالسلوك، وشاهد أنوار السر والمعارف السرية ms1621 آمنت بالآيات السرية، واطمأنت ~~بأنوارها، وظنت أن ليس وراء العبادات قربة، ورجعت إلى عالمها واشتغلت ~~بشهواتها التي تركتها وقت سلوكها وقالت: إني وصلت فيما يضرني الاشتغال ~~بشهوات النفس يعتريها العجب والغرور من المعارف السرية والأنوار التي ~~تشاهدها حتى يستدرجها الحق من حيث لا يعلم، ويجعل تلك المعارف والأنوار # كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه ~~لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفه حسابه # [النور: 39] وناقشها في المحاسبة وليس لأحد من أهل الآخرة عذاب أشد من ~~عذابها نعوذ بالله منه، ونسأل الله العافية، وحسن المنقلب والمآب والثبات ~~على طاعة الله، وعبوديته على وفق متابعة نبيه محمد سيد الأحباب صلى الله ~~عليه وسلم وعلى آله وأصحابه. # وإذا أودعتها الخفية إلى الترقي إلى عالم الخفي والحق أبت دعوتها خوضا ~~على تركها الشهوات بعد أن قاستها في السلوك السري ورجوعها إلى مألوفات ~~طبعها، وقالت: أنا وصلت إلى حضرة الله ولينا وهو حسبنا لا يحتاج إلى دليل ~~غيره في طريقنا، فيقول الله تعالى في كتابه لحبيبه: قل لهم { ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } [الجمعة: 6] في محبتنا ~~عاشقين جمالنا يعني: اشتغلوا بالمجاهدة ليحصل لكم الموت الاختياري { ~~ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم } [الجمعة: 7] ~~يعني: لا يشتغلون بالمجاهدة ولا يجتهدون في تضعيف النفس، ولا يشتهون أن ~~يكشف غطاؤهم بما كسبت أيديهم من الاشتغال بملاذهم العاجلة وشهواتهم ~~الهودية { والله عليم بالظالمين } [الجمعة: 7] الذين ظلموا ~~على قواهم بعد اشتغالهم بذكر الله، وتحصيل الاستعداد السري بالرجوع إلى ~~مألوفات طبعهم، وتركهم السلوك والذكر. ### || [62.8-11] # { قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ~~ملاقيكم } [الجمعة: 8] يعني: أنتم تفرون من الموت الاختياري، والموت ~~الاضطراري الذي هو ملاقيكم لا محالة { ثم تردون إلى عالم ~~الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون } ~~[الجمعة: 8] في الشهادة باستيفاء حظوظهم على وفق الهوى وفي الغيبة ~~باستعداد الوارد السري والمعارف التي حصلت لكم في سلوككم في الباطل، وكسب ~~الشهوات النفسانية العاجلة { يأيها الذين آمنوا إذا ~~نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر ~~الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن ms1622 كنتم ~~تعلمون } [الجمعة: 9] يعني: أيتها القوى المؤمنة إذا نوديتم للتقرب ~~إلى حضرة الرب، والرجوع إليه من يوم الجمعة في مقام الجمع في مسجد جامع ~~القلب بالوارد الخفي؛ فاسعوا إلى ذكر الله القلبي السري الخفي وذروا ~~كسبكم في سوق القالب بمتاع الحياة الدنيوية النفسية بالاشتغال بالذكر ~~القلبي والسري والخفي في تلك الساعة، وترك الأعمال البدنية والذكر ~~اللساني، { خير لكم إن كنتم تعلمون } [الجمعة: 9] حقيقة ~~هذا الحال؛ لأن الأعمال البدنية كانت معبرة لاستجلاب هذا الوقت، فإذا دخل ~~الوقت المطلوب واشتغالك بأسباب وإعراضك عن المقصود يكون من ركاكة العقل، ~~ودناءة الهمة، وخساسة النفس، ويكون مثلك مثل شخص يطلبه السلطان لتقربه ~~إليه، ويجعله نديمه، ويشيره وهو يقول: دعوني لأن أغرس للسلطان شجرة في ~~البستان، وأجتني ثمراتها، وآتي بها إلى السلطان، كيف يضحك أولو الألباب ~~من قلة عقله؟ وكيف يسقط من عين السلطان لدناءة همته؟ والذي نقل عن ~~المشايخ أنهم قالوا: صاحب الورد ملعون لأجل هذا السر، قالوا: لأن الورد ~~معتبر ليحصل منه الوارد، فإذا جاء الوارد وهو يدفعه بورده لا يكون إلا من ~~المبعدين من حضرة الرب، وهم أيضا قالوا: لا وارد لمن لا ورد له، فالورد ~~مستجلب الوارد وهو المقصود من الورد { فإذا قضيت الصلاة } ~~[الجمعة: 10] في مسجد جامع القلب بيد الوارد القدسي { فانتشروا } ~~[الجمعة: 10] أيتها القوى المؤمنة { في الأرض } [الجمعة: 10] يعني: ~~أرض البشرية { وابتغوا من فضل الله } [الجمعة: 10] بالكسب في ~~سوق القالب من الأعمال الصالحة البدنية { واذكروا الله كثيرا ~~} [الجمعة: 10] باللسان بعد الفراغ عن التوجه في مقام الجمع بالذكر ~~القلبي والسري والخفي { لعلكم تفلحون } [الجمعة: 10] أي: ~~تنجون من الكدورات الحاصلة في دار الكسب، وسوق القالب، والذكر اللساني ~~يدفع الكدورات الحاصلة عند الاشتغال بالكسب في عالم الكون والفساد من ~~غبار الطبيعة والفلاح منوط بالتزكية لا تحصل إلا بالذكر اللساني القوي ~~الخفي على وفق قانون أهل الطريقة بشرط النفي والإثبات { وإذا رأوا ~~تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قآئما } ~~[الجمعة: 11] في جامع القلب وقت الحضور مع الرب، إذا رأت القوى المؤمنة ~~عملا بدنيا أو ms1623 ذوقا سمعيا يتركون اللطيفة الخفية في مقام الجمع ~~قائما في الإمامة، وتركوا الاقتداء وخرجوا من جامع القلب إلى سوق القالب ~~للكسب والسماع { قل ما عند الله خير } [الجمعة: 11] من ~~المعارف الوهبية والأذواق الحاصلة من العلم اللدني في مقعد صدق { خير ~~من اللهو } [الجمعة: 11] من الذوق السمعي { ومن التجارة } ~~[الجمعة: 11] أي: من الأعمال البدنية والمعارف الكسبية { والله ~~خير الرازقين } [الجمعة: 11] يرزق القوى القالبية والنفسية ~~والقلبية والسرية والروحية والخفية والحقية بالوسائط والأسباب، ويرزقهم ~~أيضا غير الوسائط والأسباب من عنده بلطفه وكرمه ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر، فالواجب على السالك أن يعتبر بهذه السورة، ولا ~~يلتفت عند ورود الوارد ونزور الواقعة بالأعمال البدنية ولا بالسماع ~~الصورية البتة حتى يسكن سلطان الوارد ويقضي بالواقعة وطرد من السالك، ثم ~~يرجع إلى عالم الكسب وذكر اللسان ولا يترك العقل والذكر بعد انقضاء مدة ~~الوارد والواقعة، ولو يترك لترك وصار متروكا نعوذ بالله منه. # .. # اللهم اجعلني من المحفوظين المقبولين المقبلين إليك بالكلية في جميع ~~الأحوال بمحمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه خير صحبة وآل. ### | [63 - سورة المنافقون] ### || [63.1-4] # يا أيتها اللطيفة الخفية المرسلة لا يغرنك القوى المنافقة النفسية بلين ~~كلامهم وأيمانهم الكاذبة، وافهمي ما قال الله تعالى في كتابه الكريم ~~لحبيبه صاحب الخلق العظيم حيث جاءه المنافقون، وقالوا له إنك لرسول الله ~~وأضمروا خلاف ما أظهروه، وجعلوا { أيمانهم جنة } [المنافقون: ~~2] وسترا لأنفسهم ليغتر الرسول بكلامهم وإيمانهم، وبترك مقاتلتهم بقوله ~~{ إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد ~~إن المنافقين لكاذبون * اتخذوا أيمانهم ~~جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم سآء ما كانوا ~~يعملون } [المنافقون: 1-2] شهد الله على رسالة الرسول أولا ثم يشهد ~~على كذب المنافقين فيما يظهرون؛ لأن الله مطلع على ضمائرهم على أنهم ~~أضمروا خلاف ما أظهروا، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يغتر ~~بشهادتهم وإيمانهم، فكذلك أيتها اللطيفة المرسلة ينبغي ألا يغتر بالقوى ~~المنافقة؛ لأنهم إذا علموا منك الصدق ms1624 في المجاهدة، وثبات القدم في ترك ~~الهوى، وجاءوك ونافقوك وداهنوك والتمسوا منك أن تلقنهم الذكر، ويأخذوا ~~منك تلقين الذكر، وكل ذلك لشعورهم بصدقك في المجاهدة لكي توافقهم ~~وتواسيهم بأن النفس قد صارت مؤمنة، فالواجب عليك إعطاء حقها؛ لأن الله ~~تعالى بين للسالك ثلاث مقامات في قوله: # فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات بإذن الله # [فاطر: 32] فالسالك المبتدئ ينبغي أن يكون ظالما لنفسه يأخذ منها حقها ~~وحظها إلا مقدار ما يبقى رمقها، ويتقوى به على الطاعة وإلى هذه النفس ~~أشار النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: # " أعدى أعدائك عدوك نفسك التي بين جنبيك " # والمقتصد هو السالك المتوسط ينبغي أن يقصد في المجاهدة ويرفق بالنفس؛ ~~لأنها صارت في هذه المرتبة مركب للسالك وأشار إلى هذه النفس النبي صلى ~~الله عليه وسلم حيث قال: # " نفسك مطيتك، فارفق بها " # ، والسابق هو السالك المنتهي يجب عليه أن يعطي حق النفس؛ لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم جعلها صاحبة للحق حيث قال: إن لنفسك عليك حقا، فيا أيتها ~~اللطيفة تيقني أن النفس جبلت على النفاق فما دام فيها عرق من القوى ~~السفلية الغير المستخلصة من رذائل الأخلاق باقيا، فاحذري منها، ولا ~~تغتري بها، وكذلك كلما وصل إليها شرب من عالم الطبيعة جدد نشاطها إلى ~~الرجوع إلى طبيعتها، وهي كمثل القصب المقطوع إذا وجد الماء يخرج أحسن فما ~~كان قبل القطع وقلعه لا يمكن إلا بالموت الكبير الأخير، ولأجل هذا السر ~~أمر الله نبيه في كلامه بالعبادة حتى الموت بقوله: # واعبد ربك حتى يأتيك اليقين # [الحجر: 99] يعني: الموت الأخير الاضطراري لا الموت الاختياري، ولكن ~~يكسر قوتها بالموت الاختياري بحيث يسكن سلطانها، ودخلت تحت أمر اللطيفة ~~المرسلة، فكوني على حذر منها متى دامت متصرفة في أرض البشرية، ولا تغتروا ~~بإيمانهم لأنهم اتخذوه جنة وسترا وصدوا وأعرضوا عن سبيل الحق بالأعمال ~~السيئة والأخلاق الردية { ذلك بأنهم آمنوا } [المنافقون: 3] ~~بألسنتهم { ثم كفروا } [المنافقون: 3] إذا خلوا بالقوى المشركة ~~النفسية والقوى الكافرة القالبية؛ ليجتذبوا منهم حظوظهم اليوم والشهوات ~~العاجلة ms1625 { فطبع على قلوبهم } [المنافقون: 3] أي: ختم بالكفر ~~حتى يسمعون منك الوارد الغض الطري { فهم لا يفقهون } ~~[المنافقون: 3] ويقولون أنه أساطير الأولين، ونتائج طبعه المستقيم، وأنه ~~شاعر عظيم، وساحر عليهم يسحر قلوب الخلق بكلامه الرائق، وأن فقهه علامة ~~حياة القلب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في جواب من سأله عن الخيار ~~بقوله: # " خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا " # يعني: كل من كان له استعداد كامل في الجاهلية إذا دخل في الإسلام بشرط ~~حياة القلب، وعلامتها فقه القلب أحكام الوارد والتذاذه به، ومعه ذلك ~~الاستعداد، فهو يكون خيرا ممن لم يكن له استعداد مثل استعداده، وهذا أمر ~~بين، إذا كان رجل قوي المشي وهو يقصد [السومنات] لزيادة بيت الأوثان ~~يرجع من الكفر ويسلم ويقبل على زيارة الكعبة، ويمشي كل يوم فرسخا هو يصل ~~إلى الكعبة قبل الرجل الذي كان ضعيف المشي، وهو مسلم عازم إلى زيارة ~~البيت الحرام، ولأجل هذا قال صلى الله عليه وسلم # " المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف " # ، فأما هؤلاء المنافقون طبع على قلوبهم لنفاقهم فهم لا يفقهون حقيقة ~~الوارد { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم } [المنافقون: ~~4] يعني: للقوى المنافقة النفسانية مناظر حسنة، وقوة عظيمة، وكلام رائق، ~~وتملق تام تعجبك حسن صورتهم، ولنعوذ كلامهم { وإن يقولوا تسمع ~~لقولهم } [المنافقون: 4] أي: الفصاحة ظاهرهم، وتشدقهم ولكنهم خشب ~~مسندة أشباح بلا أرواح صور بلا معاني، أسندهم الله على جدار القالب، فلما ~~خرب الجدار، سقطوا كما يقول الله تعالى { كأنهم خشب ~~مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو } ~~[المنافقون: 4] ويخافون من المجاهدة والمحاربة والهجرة عن مألوفات الطبع، ~~وإذا سمعوا من قوى القلب صيحة عند الذكر يكادوا أن يموتوا من الخوف؛ ~~لشعورهم بوصول جنود الخواطر السرية والخفية التي أي: حزب الرحمن { ~~فاحذرهم } [المنافقون: 4] واحذر عن صحبتهم وعن استماع كلامهم، وعن ~~مجالستهم { قاتلهم الله أنى يؤفكون } [المنافقون: 4] ~~يعني: لعنهم الله بإفكهم كيف يؤفكون الكلام، ويصرفون الناس عن الحق. ### || [63.5-7] # { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول ~~الله لووا رءوسهم } [المنافقون: 5] عطفوا ms1626 رؤوسهم، وأعرضوا ~~وجوههم كراهية للاستغفار؛ خوفا من حرمانهم المشتهيات العاجلة، واللذات ~~الهوائية، وإنكار يوم الجزاء. # { ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون } [المنافقون: 5] ~~أي: معرضون وهم مستكبرون لاستكبارهم على اللطيفة المرسلة، وإبائهم الحق ~~بالتكبر الذي حصل للقوى النفسية في الطبيعة النازية المستكنة فيها وقت ~~تخمير طينتها، وما زكيتهم على وفق الحكمة الواردة على اللطيفة المرسلة { ~~سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ~~لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم ~~الفسقين } [المنافقون: 6] يعني: أيتها اللطيفة المرسلة إن الله ~~يعلم باستعدادهم الخبيث وفسقهم لا تستغفري لهم أن يداهنوك، ويقولوا: نحن ~~من عشائرك ومتبعيك ومقويك؛ لأنهم فاسقون إذا واجهت العدو مالوا إلى جانب ~~العدو، # وتركوك قآئما # [الجمعة: 11] وحيدا لن يغفر الله لهم ولن يهديهم؛ لأن الله يعلم ~~ضمائرهم { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند ~~رسول الله حتى ينفضوا } [المنافقون: 7] يعني: هذه القوى ~~المنافقة يقولون للقوى المؤمنة النفسية: لا تعطين القوى العلوية التابعة ~~للطيفة المرسلة حظوظهم مما لا بد لهم من العالم السفلي حتى يتفرقوا، أو ~~إذا لم يجدوا حظوظهم في ظاهركم مثل الذكر اللساني، والأعمال الصالحة التي ~~تتعلق بالجوارح يعرضون عنكم، ويقبلون على عالمهم، ويصعدون على عالمهم، ~~وتسترحن منهم، ولا يعلمون أن خزائن السماوات والأرض لله يرزقهم من خزائن ~~السماوات معارف الأفعال، ومن خزائن الأرض معارف الآثار بحيث يتقوين بها، ~~ويستغنين عن المعارف المكتسبة بواسطة القوى القالبية والنفسية، كما يقول ~~الله { ولله خزآئن السموت والأرض ولكن ~~المنافقين لا يفقهون } [المنافقون: 7] لجهلهم بأمر الله ~~وقدرته. ### || [63.8-11] # { يقولون لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل } [المنافقون: 8] يعني: القوى المنافقة ~~العزيزة في وجودهم من حيث يشاءوا { يقولون لئن رجعنآ إلى ~~المدينة } [المنافقون: 8] من هذه العزوة، وهي التي غزاها السالك في ~~خلوته الأولى مع النفس، والنفس إلى مدينتنا القالبية. # { ليخرجن } [المنافقون: 8] الخواطر القلبية التي آويناها في ~~مدينتنا، وهم غرباء أذلاء، ولا يعلمون أن الغزوة لله ولرسوله وللمؤمنين، ~~كما يقول الله تعالى: { ولله العزة ولرسوله } ~~[المنافقون: 8] يعز رسول الله بعد هذا الغزو، ولا يقهر الأعداء ms1627 ولرسوله ~~لإعزاز الله إياه وتسلطه على القوى القالبية والنفسية، وتسخير المدينة ~~وأهلها شاءوا أم أبوا { وللمؤمنين } [المنافقون: 8] بنصر الله ~~إياهم على أعدائهم، وثباتهم في الجهاد، وصبرهم على الشدائد الدنيوية ~~الفانية { ولكن المنافقين لا يعلمون } [المنافقون: 8] ~~لأن الله تعالى طبع على قلوبهم بعزته وحكمته { يأيها الذين ~~آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر ~~الله } [المنافقون: 9] يعني: يا أيتها القوى المؤمنة لا يشغلكم ~~استعدادكم الحاصل في هذه الغزوة في ميدان هذه الخلوة، ولا نتائج خواطركم ~~العارفة المطلعة على بعض أسرار الآثار والأفعال عن ذكر الله؛ لأنكم إن ~~تشتغلوا باستعدادكم ومعارفكم، وتتركوا ذكر الله بلسانكم وقلبكم بعد ~~خروجكم عن الخلوة، وتضيعون أوقاتكم بمجالسة الأقران الذين هاجرتموهم عند ~~دخول الخلوة، وبمدارات الخلوة بان لنا قوة الاختلاط حاصل الاستعداد حصل ~~بنا في هذه الخلوة شغلتم عن ذكر الله { ومن يفعل ذلك ~~فأولئك هم الخاسرون } [المنافقون: 9] لخسرانهم رأس مالهم ~~بلا ربح؛ لأنك مطالب في كل نفس بعمل صالح، فلو طوعت ذلك النفس وما كسبت ~~بذلك النفس، وهو رأس مالك في سوق الدنيا خسرت رأس مالك بلا ربح، فكما أنك ~~تشاهد أن من أكل في الأمس طعاما لذيذا وشرابا عذبا، واليوم عطش وجاع ~~لا ينفعه طعام الأمس وشرابه حتى يكسب طعاما وشرابا، ويأكل ويشرب ليسكن ~~عطشه وجوعه اليومي، فكذلك كل ما حصل لك في الخلق، فإذا خرجت من الخلق، ~~وتركت الكسب رجعت وعطشت اليوم ما ينفعك ما وجدت من قبل هذا اليوم في ~~الخلق، فالواجب على السالك أن يجتهد في حفظ الأنفاس، ومراعاة الأوقات ~~لئلا يضيع نفسا من الأنفاس، ولا يمشي عليه وقت من الأوقات إلا وهو ذاكر ~~كاسب معرفة جديدة لنفسه الجديدة؛ لأن كل نفس عليه حقا كما أن له من كل ~~نفس حظا فحظه من النفس الحياة، ومن النفس عليه ذكر الله ليكتسب به معرفة ~~من معارف الصفات والذات، ولو غفل عن الذكر في بعض الأوقات ينبغي أن ~~يتداركه في الغدو والآصال، ولا يجوز للسالك أن يمضي عليه يوم ولا يشتغل ~~بالذكر على شرط ms1628 النفي والإثبات بعد صلاة الصبح إلى وقت الإشراق، وعند ~~الغروب إلى سقوط الشفق الأحمر ومن غفل في هذين الوقتين عن الذكر فهو ~~مدع كذاب ليس من أهل السلوك، ولو كان خلا ألف خلق، { وأنفقوا ~~من ما رزقناكم } [المنافقون: 10] من الاستعدادات القوى السفلية ~~والعلوية { من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ~~رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن ~~من الصالحين } [المنافقون: 10] يعني: يجب على السالك أن ينفق ~~قواه واستعداده الحاصل في عالم البشرية على وفق أمر الوارد من قبيل أن ~~يدخل وقت انتزاع الاستعدادات، ويكشف غطاؤه فيقول: رب لولا أخرتني لأني ~~علمت حتى أصدق وأعمل صالحا { ولن يؤخر الله نفسا إذا ~~جآء أجلهآ } [المنافقون: 11] يعني: لا يمكن بعد حلول الأجل المعلوم ~~أن يؤخر لأحد { والله خبير بما تعملون } [المنافقون: 11] ~~يعني: عليهم بأعمالهم وضمائرهم لو ردوا لما نهوا عنه، وأنهم خلقوا مظاهر ~~لقهره ولا يعملون صالحا، ولا ينفقون نفقة إلا رياء وسمعة، ولا يجتهدون ~~في تزكية قواهم وتصفية نفوسهم؛ لأنهم قوم لا يعلمون حكمة إرسال اللطيفة ~~إليهم، ولا يفقهون أحكام الوارد على اللطيفة المرسلة. # فيا أيها السالك اعتبر بهذه الآيات، واغتنم هذا التفسير، ولا تغتر ~~بخلوتك ومعرفتك واستعدادك الحاصل في هذا الغزو، وكن ذاكرا لله على كل ~~حال، وراقب نفسك لئلا تشتغل بالهوى، وحاسبها في كل يوم وليلة خمس مرات، ~~وناقشها في المحاسبة، وحافظ على وقت الصبح إلى الإشراق، ومن المغرب إلى ~~العشاء خاصة؛ لئلا تكون غافلا عن ذكر الله في هذين الوقتين؛ لتكتب في ~~جريدة السالكين المجاهدين الذاكرين، ولا تكتب من القاعدين المتكاسلين ~~الغافلين. # ويا أيتها اللطيفة افهمي ما كتبت هذه الأسرار إلا عن مشاهدة فثقي بقولي؛ ~~لأنك على الخبير بها سقطت، واليوم الذي كنت مشغولا بكتابة هذه القدسية ~~أرسل الله القوى المنافقة بعد الإشراق إلى [دعايتهم] وسمعت كلامهم، فلما ~~رجعت عن الغيبة خرجت من الخلوة وصليت شكرا وكتبت هذه على هذه الأوراق. # اللهم وفقنا لحفظ الأوقات وعد الأنفاس، والاشتغال بذكرك الكريم بجميع ~~الحواس، وقونا على دفع الوسواس وهي خواطر ms1629 الناس بحق محمد المبعوث إلى ~~الجنة والناس صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ذوي البأس، والتابعين ~~لهم بإحسان صلاة لا تدخل تحت القياس. ### | [64 - سورة التغابن] ### || [64.1-5] # يا طالب معرفة تسبيح أهل السماوات والأرض: اعلم أنهم يسبحون الله بألسنة ~~أحوالهم كلهم على قدرهم مما وصل إليه [من] رشاشة نور جوده الذي صار به ~~موجودا، وظهر من كتم العدم إلى صحراء الشهادة، وبه قائما، وبه حيا، ~~وبه باقيا، وبه عارفا، واقرأ ما يقول الله تعالى في كلامه القديم، ~~وكتابه الكريم - متدبرا مرتلا لتفهم حقيقة تسبيح ما في السماوات وما في ~~الأرض حيث يقول -: # { يسبح لله ما في السموت وما في الأرض } ~~[التغابن: 1]، يعني: ينزهونه عن أن يكون في السماوات والأرض؛ لأنه كان ~~قبل خلق السماوات والأرض، وينزهونه عن أن يعزب عنه مثقال ذرة في الأرضين ~~السفلى والسماوات العلى، # يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل ~~من السمآء وما يعرج فيها # [سبأ: 2] { له الملك } ، في الشهادة خلقا، { وله الحمد } ~~[التغابن: 1]، في الملكوت حقا، يعني: مع كمال قدرته ما تصرف في ملكه إلا ~~حكمة وعدلا، { وهو على كل شيء قدير } [التغابن: 1]، فيا ~~أيها السالك ينبغي أن تعلم أنه خلق في أرض بشريتك قوى قابلة مظاهرة لصفة ~~ربوبيته، وخلق في سماوات روحانيتك قوى فاعلة مظاهر الصفة فاعلية، وألف ~~ازدواجا بين السفليات والعلويات بحكمته؛ ليظهر لطيفة مجتمعة فيها القوى ~~القابلة والفاعلة لتكون خلفته لذاته وصفاته وفي أرضه وسمائه، وسبحت له ~~بجميع الألسنة والقوى المتفرقة. # واعلم أن إشارته في قوله: { له الملك وله الحمد } إشارة ~~إلى الملك والملكوت؛ لأن موجب إظهار الملك هو الحمد، والحمد ملكوتي، ~~والحميد جبروتي، والذات التي [لها] صفة الحميد لاهويته، وفي كشف هذا السر ~~يفتح باب إلى حد القرآن [فسددته]. # { هو الذي خلقكم } [التغابن: 2]، من المفردات، ثم جمع أفراد ~~المركبات السفلية والعلوية في قالب الإنسان وروحه، وخلقه # في أحسن تقويم # [التين: 4]؛ { فمنكم كافر } [التغابن: 2]، مظهر لقهره، { ~~ومنكم مؤمن } [التغابن: 2]، مظهر للطفه، [و] القوى الأمارة ~~الكافرة والقوى اللوامة المؤمنة ms1630 جمعت في وجود بني آدم بقدرته؛ فمن اقتدت ~~باللطيفة المبلغة وزكت قواها من رذائل الأخلاق المظلمة الترابية، ~~والصفات المردية المائية، والخصائل المعنوية الهوائية، والدعاوية المهلكة ~~النارية، وصفت أعمالهم عن قاذورات اجتماع هذه العناصر الغير المزكية، ~~وطهرت باطنها عن جنابة محبة الدنيا الدنية؛ صارت لطيفة باقية منعمة أبد ~~الآباد، { والله بما تعملون بصير } [التغابن: 2]، من الخير ~~والشر، والسعيد سعيد في الأزل، والشقي شقي لم يزل. # قال الشيخ أبو يزيد البسطامي قدس سره: كل الناس يخافون من الخاتمة، وإنا ~~أخاف من السابقة، جف القلم بما هو كائن، # ما يبدل القول لدي ومآ أنا بظلام للعبيد # [ق: 29] انتهى. # وكيف يتصور الظلم ونحن نغرس أصل العنب في البستان، ونسقيه من الماء ~~ونربيه حتى يثمر العنب ونجنيه، ونعصره ونأخذ منه صفاؤه، ونجعل منه ~~الحلاوة، ونهرق على وجه الأرض العصارة المكدر وهو يقول بلسان الحال - إذا ~~[نظر] إلى وجهها الأسود بإدراكها الذي حصل لها في العروج طورا طورا حتى ~~وصل إلى [العينية بالرائية] -: # يليتني كنت ترابا # [النبأ: 40] كما كنت في الأرض قبل التركيب والتربية والعروج، ولما كان ~~إلى الشعور على سوادية على شقاوتي، وعلى أني مستحق تحت قدم الخلق، وما ~~كان هذا ظلما ينسب إلى الدهقان؛ فكيف يتصور أنه تعالى ظلم على أحد؟! ~~فكما كان استعداد كل أحد وحظه واحد من صفات لطفه [أو] قهره وقت التربية ~~ظهر في العصر صفاء، وفي العصارة كدر، وتحقيق هذا السر يختص بمطلع القرآن؛ ~~فافهم أن الله تعالى خلق الخلق بحكمته، ورباهم بصفات قهره ولطفه، وأرسل ~~إليهم الرسول عليه السلام ليهديهم إلى سبيل التصفية والتنقية والتزكية ~~والتربية؛ فمن كان صالحا للتربية صدق الرسول عليه السلام واشتغل بما ~~أمر به، ومن كان فاسدا كذب الرسل، وأقام على طبيعته المكدرة، و # ما على الرسول إلا البلاغ # [المائدة: 99]، ولا يقدر أحد أن يهدي أحدا بغير إذن الله، كما يقول في ~~كتابه: # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء # [القصص: 56]، ويقول: # إنك لا تسمع الموتى # [النمل: 80]، وما أنت إلا نذير. # فيا ms1631 أيتها اللطيفة المنذرة: أنذري جميع القوى عشيرتك الأقربين أولا، ~~ثم أنذري من كان حول مكة وجودك من الأقربين والأبعدين، ثم أنذري جميع ~~القوى التي في ملكك وملكوتك من القوى الترابية الأنسية ومن القوى النارية ~~الجنية، لأنك أرسلت إلى كافة الخلق بشيرا ونذيرا. # { خلق السموت والأرض بالحق } [التغابن: 3]، يعني: ~~خلق سماوات روحانيتك اللطيفة، وأرض بشريتك الكثيفة، من لطفه وقهره بالحق؛ ~~ليظهر منها لطيفة مستحقة لمظهرية ذاته، والمفردات ما كانت مستحقة لمظهرية ~~ذاته؛ لأن المفردات مظاهر [لطافات] أفعاله، والمركبات السفلية مثل ~~المعادن والنبات والحيوان ما كانت مستحقة لمظهرية ذاته أيضا؛ لعدم ~~اللطائف العلوية فيها، والمركبات العلوية قوى فاعلات، واللطائف السفلية ~~قوى قابلات؛ فلأجل هذا جمعت في [نشأة] الإنسان صارت مظاهر لذاته، كما ~~أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: # " خلق الله آدم على صورته " # ، ولهذا السر قبل حمل الأمانة { وصوركم فأحسن صوركم ~~} [التغابن: 3]، كما بينا { وإليه المصير } [التغابن: 3]، بعد ~~خراب البدن، واكتساب استعدادات المظهرية مرجع الإنسان إلى حضرته. # { يعلم ما في السموت والأرض } [التغابن: 4]، كما أشرنا ~~إليه { ويعلم ما تسرون وما تعلنون } [التغابن: 4]، ~~لأنه معهم، ويطلع على قوى سرهم وقوى علانيتهم، { والله عليم ~~بذات الصدور } [التغابن: 4]، لأن فساد عالم كونك وصلاحه مربوط ~~بسماء الصدر التي هي سماء الدنيا، وهي ذات البروج. # { ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل } [التغابن: ~~5]، من قوى القالبية الكافرة؛ { فذاقوا وبال أمرهم } ~~[التغابن: 5]، يعني: جزاء أعمالهم، والعذاب الذي لحق بهم من مشتهياتهم ~~العاجلة، { ولهم عذاب أليم } [التغابن: 5]، مدخر في دار الآخرة ~~بعد خراب البدن. ### || [64.6-8] # { ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات } ~~[التغابن: 6]، يعني: اللطائف المرسلة المنذرة والمبشرة، أتوا إلى القوى ~~القالبية والنفسية بالآيات الأنفسية البينة؛ { فقالوا } [التغابن: ~~6]، يعني: القوى القالبية والنفسية { أبشر يهدوننا } [التغابن: ~~6]، يعني: هذه اللطائف أيضا من أصل عنصرنا يهدوننا؛ { فكفروا ~~وتولوا } [التغابن: 6]، أي: أعرضوا عن اللطائف المرسلة، { ~~واستغنى الله } [التغابن: 6]، عن إقبالهم على اللطائف المرسلة، ~~وإيمانهم بما جاءوا؛ لأن الله خلقهم مظاهر صفات لطفه وقهره، من أعرض صار ~~مظهرا لقهره، ومن أقبل صار ms1632 مظهرا للطيفة اللطيفة، والله مستغني عنهم؛ ~~ولكنهم متألمون إذا صاروا مظاهر قهره، متنعمون إذا صاروا مظاهر لطفه؛ ~~لوجدانهم الألم المقيم والعذاب الدائم الأليم، ووجدانهم لذة السرور ~~والحضور في دار النعيم؛ فلأجل هذا غير مستغنين عن أن يؤمنوا ليتخلصوا من ~~العذاب ويستسعدوا باللذات { والله غني } [التغابن: 6]، يعني: عن ~~إيمان المؤمن والكافر، { حميد } [التغابن: 6]، في أفعاله لإتمام ~~المظاهر. # { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا } [التغابن: 7]، من ~~قبور القالب { قل بلى وربي لتبعثن } [التغابن: 7]، قل يا ~~أيتها اللطيفة الحقية: بلى وحق ربي لتبعثن من قبور القالب { ثم ~~لتنبؤن } [التغابن: 7]، أي: لتجزن { بما عملتم } ~~[التغابن: 7]، في دار الكسب باستعداد القوى السفلية والعلوية { وذلك ~~على الله يسير } [التغابن: 7]، يعني: بعثكم وحسابكم بعد خلقكم ~~أهون من خلقكم قبل وجودكم. # { فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا } ~~[التغابن: 8]، يعني: أيتها القوى القالبية والنفسية آمنوا بالذي خلقكم ~~وصوركم في أحسن صورة، وباللطيفة المرسلة إليكم وبالنور الوارد الذي ~~أنزلنا عليها { والله بما تعملون خبير } [التغابن: 8]، من ~~النقير والقمطير. ### || [64.9-11] # { يوم يجمعكم ليوم الجمع } [التغابن: 9]، يعني: يوم ~~جمع المتفرقات من القوى العلوية والسفلية وآثارها { ذلك يوم ~~التغابن } [التغابن: 9]، لاطلاع القوى الكافرة على اتباعه استعدادها ~~في استعمالها في الباطل، واطلاع القوى المؤمنة على تضييع وقت من أوقاتها ~~ونفس من أنفاسها في غير ذكر الله، و [ضيعته] في ذلك النفس الذي هو ظرف له ~~ليضع فيه ما يدخر له في هذا اليوم؛ فإذا رأى ظرفه خاليا من النعم يتحسر ~~على غبنه، وإن كان - نعوذ بالله - مملوءا من الحيات والعقارب ~~والقاذورات؛ فيلدغنه ويلسعنه ويؤذينه تنبيها؛ فهو الخسران العظيم ~~والعذاب الأليم، تفكر واحذر، واجعل في ظرفك ما تتنعم به أبد الآباد، ولا ~~تجعل فيه ما يتألم بمشاهدته يوم يكشف الغطاء خالدا مخلدا، { ومن ~~يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته } ~~[التغابن: 9]، يعني: من يؤمن من قوى النفس اللوامة والقوى القالبية ~~المتطهرة بالله اليوم قبل كشف الغطاء، ويعمل صالحا، ويضع في ظرفه ~~الصالحات، يكفر عنه ما سلف من السيئات، ويخرج من ظروفه الفاسدة التي وضع ~~فيها ms1633 من قبل، { ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~} [التغابن: 9]، يعني: يدخله جنات قلبه التي تجري من تحتها الأنهار ~~[بالمعارف]، { خالدين فيهآ أبدا ذلك الفوز العظيم } ~~[التغابن: 9]، لأنه تعود أبد الآباد بعمل قليل في أيام قلائل فانيات. # { والذين كفروا وكذبوا } [التغابن: 10]، من القوى ~~القالبية والنفسية { بآيتنآ } [التغابن: 10]، الأنفسية مما شاهدتها ~~{ أولئك أصحب النار } [التغابن: 10]، التي استعملوها في ~~أنفسها من نيران الغضب والبغض والكبر والحسد، { خلدين فيها ~~وبئس المصير } [التغابن: 10]، يعني: بئس مرجع القوى الكافرة ~~المكذبة. # { مآ أصاب من مصيبة إلا بإذن الله } [التغابن: 11]، ~~يعني: ما أصاب من خير وضر إلا بمشيئته وقضائه، في ملكه وملكوته، { ومن ~~يؤمن بالله يهد قلبه } [التغابن: 11]، يعني: من يؤمن بالله ~~من القوى القالبية والنفسية، يهد قلبه بنور الوارد؛ بأن يجعل له يقينا، ~~ما أراد الله أن يصيبه من القبض والبسط لم يخطئه، وما لم يرد لم يكن ~~ليصيبه، ولو كان الجن والإنس بعضهم لبعض ظهيرا لا يقدرون على إصابة ~~مصيبة خيرا أو شرا إلى شخص من الآفاق والأنفس مما لم يرد الله إصابته ~~إليه، { والله بكل شيء عليم } [التغابن: 11]، يعني: ~~باستحقاق كل استعداد للخير والشر؛ فيرسل إليه على قدر استحقاق الاستعداد. ### || [64.12-14] # { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول } [التغابن: 12]، يعني: ~~يا أيتها القوى القالبية والنفسية أطيعوا أمر الحق، وأطيعوا أمر اللطيفة ~~المرسلة، { فإن توليتم } [التغابن: 12]، وأعرضتم عن الحق ~~بإقبالكم على الباطل، واستيفاء النعم العاجلة على وفق الهوى؛ { ~~فإنما على رسولنا البلاغ المبين } [التغابن: 12]، ~~يعني على اللطيفة المرسلة أن تبلغ أحكامنا وتبين لكم حلالنا وحرامنا. # { الله لا إله إلا هو } [التغابن: 13]، يعني: لا ينبغي أن ~~يعبد الهوى؛ لأن الذي خلق الكل هو الإله المعبود، وليس وجود يستحق للآلهة ~~إلا هو، { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } [التغابن: ~~13]، يعني: القوى المؤمنة يتوكلون على الله في ضراء المجاهدة وسراء ~~المشاهدة، في بلاء القبض ونعماء البسط. # { يأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم } [التغابن: 14]، يعني: ~~يا أيتها القوى الروحية اعلموا أن القوى القالبية والنفسية عدو لكم ~~لجهلهم بالحقيقة ونظرهم إلى الشهوة ms1634 العاجلة؛ فاحذروهم ولا تلتفتوا إلى ما ~~يطلبون منكم من مشتهياتهم الهوائية؛ فينبغي للسالك أن يحذر من القوى ~~القالبية التي منعها عن الهجرة من مكة وجوده إلى مدينة رسوله، أو يخاف من ~~القوى النفسية التي يطلب منها شهوتها، وهو بالشفقة عليها يتبع مرادها ~~وهواها ويشتغل عن ذكر مولاه، { وإن تعفوا وتصفحوا ~~وتغفروا } [التغابن: 14]، يعني: لا يمنع القوى القالبية والنفسية ~~السالك المجاهدة من الهجرة عن مألوفاته مع أعدائه { فإن الله ~~غفور رحيم } [التغابن: 14]، يعني: يغفر لسيئات ارتكبت القوى من ~~قبل، ويرحم لها. ### || [64.15-18] # { إنمآ أموالكم وأولادكم } [التغابن: 15]، يعني: ~~استعداداتكم السفلية والعلوية، والأعمال المتولدة من اختياراتكم الوهبية ~~{ فتنة } [التغابن: 15]، [أي] شغل عن الحق وذكره، بها يقع الشخص في ~~الشهوات العاجلة الهوائية، وبها يقع في العجب والغرور والإباء ~~والاستكبار، { والله عنده أجر عظيم } [التغابن: 15]، لمن ~~لا يكسب باستعداده الاختيار لهوى نفسه ما لا يرضى به ربه؛ ولكن لا يلتفت ~~إلى قواه القالبية والنفسية وقت الهجرة والجهاد، ولا يغتر بهجرته وجهاده ~~عند الله { أجر عظيم } مقيم في دار النعيم. # { فاتقوا الله ما استطعتم } [التغابن: 16]، يعني: أيتها ~~القوى الروحانية المؤمنة اتقوا الله من الالتفات إلى أزواج قوى قالبكم، ~~وأولاد قوى أنفسكم وأموال استعدادكم { ما استطعتم } يعني: بقدر ما ~~أعطيناكم القوة الاختيارية { واسمعوا } [التغابن: 16]، أمر الوارد { ~~وأطيعوا } [التغابن: 16]، حكم اللطيفة المبلغة { وأنفقوا } ~~[التغابن: 16]، من المعارف { خيرا لأنفسكم } [التغابن: 16]، ~~ليكون لكم مدخرا في دار إقامتكم، يعني: ينبغي أن ينصح السالك بالمعارف ~~التي أعطاها الله لقواه، وأن يعطي حقوقها على وفق أمر الحق من العلويات ~~والسفليات { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون } [التغابن: 16]، يعني: ينبغي أن يعطي حقوقهم، ونفسه ~~مائلة إلى ذلك الحق؛ ليكون شاقا على نفسه، وبه يحصل التزكية [لنفسه] عن ~~البخل، ومن يعط حق الله القوي ونفسه شحيح صحيح فهو من المفلحين. # { إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم } ~~[التغابن: 17]، يعني: أن يعط القوى القالبية والنفسية من المعارف ~~القلبية؛ ليهتدوا بها يضاعف الله تلك المعارف لكم { ويغفر لكم } ~~[التغابن: 17]، إن كنتم بخلتم بها قبل ذلك عن ms1635 مستحقها، { والله ~~شكور حليم } [التغابن: 17]، يعني: حلم عنكم فلم يعاقبكم بما سلف، ~~وشكر لكم على ما أعطيتموه بعد ذلك. # { عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم } [التغابن: ~~18]، يعني: يعلم ما في القوى الغيبية من الأوصاف الجيدة والردية، وما على ~~الجوارح من الأعمال الفاسدة والصالحة، غالب على أمره إن شاء يعاقب بها ~~وإن شاء يعفو عنها، حكيم بالعفو والعقوبة، إن يعفو فحكمته، وإن يعذب ~~فبحكمته، فحظ السالك من تفسير بطن هذه الآيات أن لا يبخل عن المريد ~~بأموال الظاهر والمعارف الباطنة بقدر استحقاق المريدين واحتياجهم إليها، ~~وحظ السالك أن يعطي لكل ذي حق من قواها حقها على وفق أمر المولى من ~~الحقوق العلوية والحظوظ السفلية. اللهم اجعلنا من أهل السخاوة والجود ~~لوجهك الكريم بحق محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. ### | [65 - سورة الطلاق] ### || [65.1-2] # يا أيها المطلق أما تعلم أنك مقيد بالأمر والنهي، غير مطلق ما دمت في ~~سجن القالب وقيد الطبيعة محبوسا؛ فإذا أنت تشتهي أن تطلق القوة القالبية ~~- [النفورة] عن قبول الحق، الخائنة في أمانة الأسرار - فاقتف أثر نبيك ~~عليه الصلاة والسلام، وافهم ما قلنا له في الكلام، وبينا له فيه الحلال ~~والحرام حيث قلنا: { يأيها النبي إذا طلقتم النسآء ~~فطلقوهن لعدتهن } [الطلاق: 1]، يعني: لطهرهن الذي تحصينه ~~من عدتهن؛ فينبغي للسالك أن لا يطلق القوة القالبية بتة البتة، ويطلقها ~~على وجه السنة في الطهر من علة إبائها الحق عند غلبة دم محبة الدنيا ~~عليها، أو حمل خاطر الهوى، وهاتان الحالتان حيضها ونفاسها، والحكمة في ~~تأخير الطلاق إلى وضع الحمل ووقت الطهر: رحمة الحق ورأفة على الخلق؛ ~~فربما ترجع القوة العاصية القابلة بعد خلاصها من دم محبة الدنيا، ووضع ~~حمل خاطر الهوى، كما يقول الله تعالى: { لعل الله يحدث بعد ~~ذلك أمرا } [الطلاق: 1]، وينبغي للمسلك أن لا يطلق مريدا دخل في ~~حبالة ولايته لترك أدب من الآداب - عند اتساع مجاري شيطانه، لاشتغاله ~~بالاستراحة على خلاف عادته، وتصرف الهوى في باطنه - حتى يطهر باطنه عن ~~هاتين العلتين؛ فربما يتوب ms1636 إلى الله، ويرجع عن فعله، ويستغفر بين يدي ~~شيخه، ويجعل الله قبوله في قلب مسلكه أكثر مما كان قبل ذلك، { ~~وأحصوا العدة } [الطلاق: 1]، يعني: عدد أقرائها ليعلم بقاء ~~زمان الرجعة، ومراجعة ومراعاة أمر النفقة والسكنى إذا أراد أن يطلقها ~~ثلاثا، وإحصاء السالك عدد أقراء القوة القابلة كل يوم خمس مرات في أوقات ~~الصلاة، ومراعاة خاطرها بالخواطر الكلية المبشرة لها، ومراعاة السكنى أن ~~يسكنها في بيت الرخصة، ولا يشدد عليها بأمر العزيمة، { واتقوا ~~الله ربكم } [الطلاق: 1] عن التشديد عليها، وإخراجها عن بيت ~~الرخصة كما قال تعالى: { لا تخرجوهن من بيوتهن ولا ~~يخرجن } [الطلاق: 1]؛ يعني: ينبغي للقوى الفاعلة أن لا يخرجوهن من ~~بيوتهن أي: القوى القابلة، ولا القوى القابلة يخرجن من بيوت زوجهن ما لم ~~ينقص، وإن خافت من خراب البدن وخراب بيته يكون من شدة غيرة القوى ~~الفاعلة، وغلبة حميتها في شرح السلوك، يجوز للقوة القابلة أن تخرج من بيت ~~الزوج إلى بيت أمها وهي: بيت القالب وبيت الشبهة، وإن دخلت بيت الحرام ~~وهو: الهوى يجب عليها الرجم { إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة } [الطلاق: 1]، يعني: لا يجوز للقوة الفاعلة إخراج القوة ~~القابلة عن بيتها إلا أن تأتي القوة القابلة بفاحشة وهي الكفر، { ~~مبينة } بلسانها غير أن تكن في صدورها { وتلك حدود الله ~~} [الطلاق: 1]، حدود بينه على الخلق { ومن يتعد حدود الله ~~فقد ظلم نفسه } [الطلاق: 1]، فالواجب عليه اتباع الأمر والنهي، ~~والتباعد عن الابتداع في العبادة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كل بدعة ضلالة " # ، و " كل عمل لا يعمل بسنتي فهو بدعة " ، { لا تدرى لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا } [الطلاق: 1]، يعني: إن كنت لا تخرجها ~~يمكن أن يحدث الله في قلبها توبة وإنابة وندامة على فعلها، وترجع عن ~~فعلها وتستغفر، ويجعل الله في قلبك شفقة عليها جديدة محدثة. # { فإذا بلغن أجلهن } [الطلاق: 2]، يعني: قربن من انقضاء ~~عدتهن؛ { فأمسكوهن بمعروف } [الطلاق: 2]، يعني: راجعوهن ~~باللطف، وعدوهن من الله رحمة ومغفرة، وقووا خاطرهن بالخواطر اللطيفة ~~والواقعات القلبية والسرية والرحمية والخفية والتجليات الجمالية، ms1637 { أو ~~فارقوهن بمعروف } [الطلاق: 2]، أي: اتركوهن بمعروف يعني: لا ~~تأخذ القوة الفاعلة المعارف الروحانية منها؛ فربما يدخل عليها السرية ~~والخفية ويجعل بعد ذلك على الروح الدخول فيها، وألف بينهما المؤلف ~~الحقيقي، { وأشهدوا ذوى عدل منكم } [الطلاق: 2]، يعني: ~~أشهدوا على الرجعة أو الفراق النفس اللوامة والملهمة، والحكمة في هذا ~~الإشهاد أن اللوامة ربما تلومها فيرجعان، والملهمة ربما تلهمها بالخير ~~[فتعان] { وأقيموا الشهادة لله } [الطلاق: 2]، يعني: ينبغي ~~أن الشهود يقيموا شهادتهم بالصدق بالله عند قاضي العقل، { ذلكم ~~يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر } ~~[الطلاق: 2]، يعني: بينا هذه الحدود ليتعظ بها القوة المؤمنة المصدقة ~~باليوم الآخر، لئلا يستعجل في الأمور، ولا يظلم على القوى القابلة ~~الضعيفة، وحمل المجاهدة عليها فوق طاقتها، وتتعظ بها القوة المؤمنة ~~القابلة، ولا يأذن للهوى أن يدخل عليها، ولا يأبى أمر القوة الفاعلة ~~بالنشوز، { ومن يتق الله يجعل له مخرجا } [الطلاق: ~~2]، يعني: من يخش الله من القوة الفاعلة والقابلة، ولا يتعد حدود الله، ~~ويجتنب عن الفواحش، يجعل له مخرجا من خواطر الشيطان، ومخرجا من ضيق ~~الهوى. ### || [65.3-5] # { ويرزقه من حيث لا يحتسب } [الطلاق: 3]، من اللطائف ~~الخفية، والمعارف الإلهية، والتجليات الجمالية، من حيث لا يحتسب، وهذا ~~مما جربناه كثيرا، إن لطف يصل إلى السالك وقت [يأنسه عند] نزول الوارد ~~اللطفي، { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } [الطلاق: ~~3]، يعني: من يتوكل حال القبض ونزول البلاء، ويعلم أن القابض هو الله، ~~والمبلي هو، ويكل أمره إليه، حسبه هو من تدبيراته التي تشوشه ولا يكون ~~إلا ما أراد الله وقوعه. # { إن الله بالغ أمره } [الطلاق: 3]، يعني: فنفذ قضاؤه لا ~~محالة. # قال سيدنا علي رضي الله عنه: إن صبرت جرت عليك المقادير وأنت مأجور، وإن ~~جزعت جرت عليك المقادير وأنت مأزور. { قد جعل الله لكل ~~شيء قدرا } [الطلاق: 3]، يعني: حالة القبض مقدرة، وحالة البسط ~~مقدرة؛ فينبغي أن لا تضجر عند القبض ولا تقنط من رحمة الله، ولا تأمن ~~حالة البسط من مكر الله وتكون بين خوف ورجاء ما دمت في سجن القلب ms1638 ~~محبوسا؛ لأن الخوف المفرط المثمر لليأس يهلك صاحبه بالكفر، والرجاء ~~المفرط للأمن أيضا يهلك صاحبه بالخسران؛ فالواجب للسالك أن يعلم أن الله ~~بصير بحاله رحيم رءوف عليه، ويقول: # وكلت إلى المحبوب أمري كله # فإن شاء أحياني، وإن شاء أتلفا # أنا العبد وما للعبد غيره، { واللائي يئسن من المحيض من ~~نسآئكم إن ارتبتم } [الطلاق: 4]، يعني: شككتم فلم تدروا ما ~~عدتهن { فعدتهن ثلاثة أشهر } [الطلاق: 4]، وحظ السالك من ~~هذه الآية يعني: إذا كانت القوة القابلة في غفران إرادتها يجب مراعاتها ~~أكثر من مراعاتها القوة القابلة التي بردت حرارتها وتوجهت قوة استعدادها ~~إلى الانحطاط، وإن إرادة القوة الفاعلة تطليقها وتطليقها على وجه السنة ~~وانقضاؤها بعد ثلاثة أشهر مطمئنة وملهمية ولوامية؛ فإذا رجعت القوة ~~القابلة راكضة على عقبها إلى أماريتها تمت عدتها، { واللائي لم ~~يحضن } [الطلاق: 4]، وهي القابلة الناقص استعدادها حكمها حكم ~~الآيسات، { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن ~~حملهن } [الطلاق: 4]، يعني: القوة الحاملة خاطر الهوى عدتها وضع ~~حملها، { ومن يتق الله } [الطلاق: 4]، بعد الوضع ولا يلتفت إلى ~~خاطر الهوى { يجعل له من أمره يسرا } [الطلاق: 4]، يعني: ~~يسر الله أمره بالتوبة وسهل عليه سلوك الطريق. # { ذلك أمر الله } [الطلاق: 5]، يعني: ما ذكر من الأحكام ~~والحدود { أنزله إليكم } ، بالوارد الجلي { ومن يتق ~~الله } [الطلاق: 5]، ولا يشك في أحكام الوارد ويتوب إليه { يكفر ~~عنه سيئاته } [الطلاق: 5]، التي سلفت من النفور عن أمر الولي ~~والالتفات إلى خاطر الهوى { ويعظم له أجرا } [الطلاق: 5]، بأن ~~الله يبدل - بلطفه - سيئاتهم حسنات، وهذا مما شاهدنا في أثناء السلوك ~~دائما يذنب السالك ويخاف من ذلك الذنب يسد عليه باب المكاشفات ~~والمشاهدات؛ [فربما] يفتح عليه أبواب المكاشفات والمشاهدات أكثر مما كان ~~قبل حدوث ذلك الذنب، ويتفق هذا لصادق إذا اعترى عليه عجب من كثرة مجاهدته ~~وصفاء أعماله؛ فأجرى عليه ذلك الذنب ليذهب بعجبه، ويظهر فيه الإفلاس، ~~والمسكنة، والعجز، والاضطرار، وتعيير نفسه والنظر إليها بعين الحقارة، ~~وكل هذا بقبول الحضرة الإلهية؛ فإذا خاف على ذنبه وأيس من نفسه وعمله ~~يبدل الله سيئاته حسنات، ويفتح عليه ms1639 أبواب المكاشفات والمشاهدات ~~والواقعات مما يتعجب السالك من تلك الفتوحات. ### || [65.6-7] # { أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم } [الطلاق: 6]، ~~يعني: القوة القابلة المطلقة أسكنها من حيث يسكن من وجود الوجد الغيبي ~~والمعارف القلبية، ووسع معيشتها من المعارف والواردات { ولا ~~تضآروهن } [الطلاق: 6]، أي: لا تؤذونهن بالمجاهدات الشاقة على ~~البدن { لتضيقوا عليهن } [الطلاق: 6]، مساكنهن في بيوتكم ~~بحيث يضطرون إلى الخروج إلى بيت القالب أو بيت الهوى؛ فإن ذلك التضييق ~~كان ذنبا لكم { وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن ~~حتى يضعن حملهن } [الطلاق: 6]، من النصائح والمواعظ ~~والمعارف حتى يضمن حمل الخواطر الهوائية { فإن أرضعن لكم } ~~[الطلاق: 6]، يعني: إن أرضعن ولدكم وهو: عملكم البدني؛ بأن يرضع قوتك ~~القالبية ليعمل بها { فآتوهن أجورهن } ، على إرضاعهن أولاد ~~أعمالكم الصالحة من المعارف الغيبية والخواطر القلبية والأصوات الحسية ~~السمعية { وأتمروا بينكم بمعروف } ، أي: يقتصدوا في ~~الأخذ والإعطاء ولا يقصدوا القرار من الجانبين { وإن تعاسرتم } ~~[الطلاق: 6]، في الأجرة والإرضاع؛ فليس للقوة الفاعلة إكراه القوة ~~القابلة، ولكنه يستأجر للصبي مرضعا غير أمه؛ فينبغي للسالك في هذا ~~المقام أن يتوجه بالكلية إلى الله، ولا يشتغل بغيره، ويدخل خلوته ويسد ~~عليه بابه، إن أراد الله حياته وقيامه يرسل إليه شرابه وطعامه [من] عالم ~~الغيب، بحيث لا يكون له احتياج إلى طعام المخلوقين، ويرضع أطفال العمالة ~~الصالحة من ثدي القلب في القلب، أحسن مما كان يرضعه من ثدي القلب في عالم ~~الشهادة { فسترضع له أخرى } [الطلاق: 6]، إشارة إلى هذا. # { لينفق ذو سعة من سعته } [الطلاق: 7]، يعني: قدر غناه، ~~والغنى غنى القلب، { ومن قدر عليه رزقه } [الطلاق: 7]، ~~يعني: ضيق عليه رزقه من عالم المكاشفات والمشاهدات { فلينفق ممآ ~~آتاه الله } [الطلاق: 7]، يعني: ينفق استعداده الحاصل من تلك ~~المشاهدات السابقة { لا يكلف الله نفسا إلا مآ آتاها } ~~[الطلاق: 7]، يعني: الله يعلم بما أعطى كل شخص من الاستعداد؛ فإن لم يعطه ~~استعداد لا يكلفه على إنفاقه، ولا يعذبه على ترك الإنفاق إن لم يكن له ~~استعداد وهبي ولا كسبي؛ فالواجب على المسلك أن لا يبخل على مريديه بما ms1640 ~~آتاه الله من المعارف ما يصلح لحوصلة كل واحد منهم، وإن ضيق الوقت عليه، ~~ولا يرد الوارد الجديد؛ فعليه أن ينفق على المريدين من المعارف السمعية، ~~والمعارف التي كشفت عليه من قبل دخول حال النكرة { سيجعل الله ~~بعد عسر يسرا } [الطلاق: 7]، يعني: بعد عسر النكرة يسر المعرفة ~~للمسلك المنتهي، وبعد عسر القبض يسر البسط للسالك المتوسط، وبعد عسر ~~المجاهدة يسر المشاهدة للمبتدئ. ### || [65.8-10] # { وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله } ~~[الطلاق: 8]، يعني: كل أهل قرية قالب وأشار إلى القوى القالبية في هذه ~~لأنها إذا عتت وعصت أمر ربها، ورسل الرب وهي: الخواطر الرحمانية { ~~فحاسبناها حسابا شديدا } [الطلاق: 8]، وشدة حسابها أن يوكل ~~عليها القوة القلبية ليحاسبها في كل نظرة ولقمة { وعذبناها ~~عذابا نكرا } [الطلاق: 8]، من إبطانها في مقام النكرة. # { فذاقت وبال أمرها } [الطلاق: 9]، يعني: ذاقت من مرارة ~~المجاهدة والقبض والنكرة جزاء ما عملت بخاطر الهوى، واشتغلت بشهواتها ~~العاجلة الردية { وكان عاقبة أمرها خسرا } [الطلاق: 9]، ~~يعني: بعد أن يقاسي في الدنيا بمرارة المجاهدة والقبض والنكرة إن [ثبتت] ~~على متابعة الهوى فيكون عاقبتها أيضا خسرانه رأس ماله في المجاهدة، وما ~~حصل له ربح المشاهدة، نعوذ بالله من مثل هذا في الدنيا والعقبى. # { أعد الله لهم عذابا شديدا } [الطلاق: 10]، يعني: في ~~الآخرة بما كسبوا في الدنيا، وهو عذاب الاطلاع على خسران رأس المال بلا ~~ربح، وهو الفقر المذموم { فاتقوا الله } [الطلاق: 10]، عن العتو ~~والعصيان { يأولي الألباب الذين آمنوا } [الطلاق: 10]، ~~يعني: أيتها القوى المؤمنة الأئمة { قد أنزل الله إليكم ~~ذكرا } [الطلاق: 10]. ### || [65.11-12] # { رسولا } [الطلاق: 11]، يعني: الوارد رسولا يدل على الذكر يعني: ~~أنزل الله إليكم رسولا وهو اللطيفة المبلغة { يتلوا عليكم ~~آيات الله مبينات } [الطلاق: 11]، يعني: يتلو عليكم آيات ~~أنفسكم مبينات بحيث تشاهدونها في أنفسكم. # { ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ~~الظلمات إلى النور } [الطلاق: 11]، يعني: يخرج القوى المؤمنة ~~التي اشتغلت بالأعمال الصالحة لها في دار البقاء من ظلمات القالب ~~والطبيعة إلى نور العقل والنور { ومن يؤمن بالله ويعمل ~~صالحا } [الطلاق: 11]، القوى القالبية { يدخله جنات ms1641 تجري ~~من تحتها الأنهار } [الطلاق: 11]، يعني: يدخله جنات القلب التي ~~تجري من تحتها أنهار المعرفة { خالدين فيهآ أبدا قد أحسن ~~الله له رزقا } [الطلاق: 11]، من عنده مثل مشاهدة جماله. # { الله الذي خلق سبع سموت } [الطلاق: 12]، أطوار ~~القلب { ومن الأرض مثلهن } [الطلاق: 12]، أي من القالب سبعة ~~أعضاء { يتنزل الأمر بينهن } [الطلاق: 12]، يعني: الأمر ~~السماوي وقت التدبير ينزل إلى الأرض ويحصل من القوى الأرضية استعداد ~~العروج، ويعرج إلى الحضرة الربانية كما بينا في كثير من [مولاتنا] حقيقة ~~النزول وحكمة العروج { لتعلموا أن الله على كل ~~شيء قدير } [الطلاق: 12]، يعني: يقدر على أن يدع الأمر في ظلمات ~~الأرض ليكسب [الاستعداد] ويدس أنواره السماوية في تراب الطبيعة وتهوي إلى ~~أسفل الدركات، ويقدر أن يحدث الاستعدادات القالبية الظلمانية بقوة الأمر ~~من أسفل سافلين الدركات الطبيعية الجسمانية إلى أعلى عليين الروحية ~~الرحمانية { وأن الله قد أحاط بكل شيء علما } ~~[الطلاق: 12]، يعني: ليعلموا أن علم الله محيط بالأرضيات والسماويات، ~~يعلم استعداد [كل] لطيفة أرضية خلقية، ولطيفة سماوية أمرية، ويستعملها ~~على قدر استعدادها، وهو غالب على أمره، حاكم في ملكه، يفعل ما يشاء ويحكم ~~ما يريد، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا ولا تجعلنا مقيدين بقيد الطبيعة، ~~[مغلولين] في أسر الهوى، وثبتنا على متابعة المصطفى صلى الله عليه وسلم ~~وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الجزاء. ### | [66 - سورة التحريم] ### || [66.1-4] # يا أيها المحرم على نفسك لابتغاء مرضاة اللطيفة القابلة - التي هي زوجك ~~عند مشاهدتها بعد رفع الحجبات المظلمة في أثناء السلوك آيات الأنفسية، ~~وإطلاعها على حصول الحجبات من اللقمات، والاشتغال بالشهوات - ما أحل الله ~~لك من الحظوظ المباحة التي بها يمكن بقاء الحقوق، أما تسمع ما يخاطب ربك ~~به حبيبه عليه السلام في كلامه القديم حيث يقول: { يأيها النبي ~~لم تحرم مآ أحل الله لك تبتغي مرضات ~~أزواجك } [التحريم: 1]، وتحرم ما أحل الله لك بحكمته، وفيه مزيد ~~درجتك وقوة ارتقائك إلى عالم الحق، وبه يمكن التجاوز على عالم الروحانية، ~~أما تعلم أني لا أحب المعتدين كما لا ms1642 أحب المسرفين؛ فالإسراف إفراط، ~~والاعتداء تفريط، وكلاهما مذمومان، وأنت خير الناس وأحب الخلق علي؛ فكن ~~أمة وسطا قائما على الصراط المستقيم بين الإفراط والتفريط { والله ~~غفور رحيم } [التحريم: 1]، يعني: غفور اللمة التي صدرت عنك بتحريم ~~ما أحل الله لك { رحيم } عليك بأمره، كلوا وأشربوا، ورخصته لك في ~~الاشتغال بالشهوات المباحة المصعدة إلى الحق. # { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } [التحريم: 2]، ~~يعني: ما وجب عليكم أن تكفروها إذا حنثتم، والسنة لأجل هذا وردت: بأن ~~الرجل إذا حلف أن لا يتكلم مع والديه، ورأى الاشتغال بذلك خيرا وأحب عند ~~الله فليتكلم؛ وليكفر عن يمينه { والله مولاكم } [التحريم: 2]، ~~يعني: نصيركم ووليكم ومعينكم { وهو العليم الحكيم } [التحريم: ~~2]، يعلمكم بعلمه القديم ما كان فيه لكم خير عظيم، وبحكمته خلقكم محتاجين ~~إلى الأكل والشرب والنكاح؛ ليقرب البعيد برحمته، ويبعد القريب بعزته، ~~ويبقي النسل بحكمته. # { وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه } [التحريم: 3]، ~~يعني: إذ أسر اللطيفة الخفية إلى بعض قوى اللطيفة القالبية { حديثا ~~} [التحريم: 3]، من الحقائق { فلما نبأت به } [التحريم: 3]، ~~يعني: تلك القوة بذلك الحديث { وأظهره الله عليه } ~~[التحريم: 3]، يعني: أطلع الله اللطيفة على ما أنبأت القوة نظائرها { ~~عرف بعضه } [التحريم: 3]، أي: غضب بما عرف بعضه؛ فلعله من إفشاؤه ~~سره يعني: أخبرت اللطيفة القوة القابلة بحقيقة سر الربوبية المودعة فيها، ~~وبحقيقة سر الخلافة المودعة؛ فما الروح، أو على ترك ما يكن للقوة القابلة ~~لجهلها بحقيقة ما أحل الله لها؛ { فلما نبأت } القوة القابلة ~~لنظائرها بترك اللطيفة وتحريمها لابتغاء رضاء القوة القابلة ما أحل الله ~~لها، عرفت اللطيفة إفشاء بعض الأسرار التي سارتها بها معها وغضبت { ~~وأعرض عن بعض } [التحريم: 3]، يعني: ما أفشت أسرار الربوبية ~~والخلافة { فلما نبأها به } [التحريم: 3]، يعني: فلما أنبأت ~~اللطيفة الخفية بما أطلع الله لها عليه { قالت } [التحريم: 3]، القوة ~~القابلة { من أنبأك هذا } [التحريم: 3]، يعني: من أخبرك بأني ~~أفشيت سرك { قال نبأني العليم الخبير } [التحريم: 3]، ~~يعني: نبأني من يعلم ضمائر الصدور وسرائر القلوب وخفايا الأرواح، ويخبر ~~بصفة خبير [تنبيها] لمن أراد. # { إن تتوبآ إلى ms1643 الله فقد صغت } [التحريم: 4]، يعني: تتوب ~~القوة القابلة ونظيرها إلى الله ويرجعا إلى حضرته بالتضرع والإبهام لئلا ~~تفشيا أسرار اللطيفة الخفية يقبل الله توبتهما { فقد صغت ~~قلوبكما } [التحريم: 4]، يعني: زاغت عن الحق واستوجبت العقوبة حين ~~سرت قلوبكما بتحريم اللطيفة الخفية على نفسها ما أحل الله لها { وإن ~~تظاهرا عليه } [التحريم: 4]، يعني: تعاونا وتتظاهر على تحريم ~~اللطيفة الخفية على نفسها ما أحل الله لها { فإن الله هو ~~مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ~~ذلك ظهير } [التحريم: 4]، يعني: أنا وليها وناصرها والقوى السرية ~~والقوى المؤمنة اللوامية والقوى الملهمية الملكية ظهيرها. ### || [66.5-7] # { عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا ~~منكن } [التحريم: 5]، يعني: يقدر الرب إن طلقت اللطيفة الخفية القوى ~~القابلة القالبية على أن يبدلها قوى خيرا منكن { مسلمات } ~~[التحريم: 5]، أي: ذوات تسليم لها { مؤمنات قانتات } [التحريم: ~~5]، أي: طائعات أمرها راضيات بما يعمل { تائبات } [التحريم: 5]، أي: ~~راجعات عن الخواطر التي كرهتها اللطيفة، { عابدات } [التحريم: 5]، ~~أي: ذوات عبادة نافعة لها، { سائحات } [التحريم: 5]، أي: سالكات ~~مسلكها، صابرات على مخالفة هوى نفسها لطلب رضى اللطيفة الخفية، صائمات عن ~~مشتهيات، { ثيبات } [التحريم: 5]، من القوى التي كانت قابلة للطائف ~~قبل اللطيفة الخفية { وأبكارا } [التحريم: 5]، من القوى القابلة ~~الخاصة التي لا يمسها أحد قبل اللطيفة الخفية، وهي القوة المحبوبية. # { يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ~~نارا } [التحريم: 6]، يعني: يا أيتها القوى اللائمة المؤمنة احفظوا ~~أنفسكم وقواكم القابلة القالبية نارا { وقودها الناس ~~والحجارة } [التحريم: 6]، يعني: النار المشتعلة في البغض والكبر ~~والحسد في الوجود وقودها الصفات النفسانية والقوى المعدنية القالبية، { ~~عليها ملائكة غلاظ شداد } [التحريم: 6]، يعني: موكلة ~~عليها القوى العلوية الغليظة الشديدة { لا يعصون الله مآ ~~أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } [التحريم: 6]، يعني: يطيعون ~~الله في تعذيبكم كيف ما شاءوا بكم. # { يأيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما ~~تجزون ما كنتم تعملون } [التحريم: 7]، [أي] تكسبون في دار ~~الكسب، لا عذر لكم أيتها القوى الكافرة بعد نزع الآيات والأدوات، وأخذ ~~رأس المال عنكم، وإخراجكم من سوق الكسب. ### || [66.8-9] # { يأيها الذين آمنوا توبوا إلى ms1644 الله توبة ~~نصوحا } [التحريم: 8]، يا أيتها القوى المؤمنة توبوا من الذنوب ~~واللمم - التي [هي من] خاصية بشريتكم - إلى الله توبة خالصة، ناصحة بحيث ~~ينصح صاحبها بأن لا يعود إليها أبدا ولو قطع إربا إربا، { عسى ~~ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم } [التحريم: 8]، يعني: ~~إذا رجعتم إلى الله بالإخلاص، وأعقدتم بأن لا تعودوا إلى مخالفته أبدا ~~يكفر الله عنكم سيئاتكم السالفة، { ويدخلكم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار } [التحريم: 8]، يعين: يدخلكم جنات القلب تجري من ~~تحتها أنهار المعرفة { يوم لا يخزى الله النبي ~~والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم ~~وبأيمانهم يقولون ربنآ أتمم لنا نورنا ~~واغفر لنآ إنك على كل شيء قدير } [التحريم: 8]، ~~يعني: ذلك اليوم،، وهو: يوم التجلي، لا يخزي الله اللطيفة المبلغة، ولا ~~يخزيه والذين آمنوا معه من القوى المؤمنة النفسية والقالبية، نور ذكرهم ~~وإيمانهم { يسعى بين أيديهم } بتوجههم الصادق إلى الحق ~~بإيمانهم، وبالأعمال الصادرة عنهم، على يمين وبركة، { يقولون ~~ربنآ أتمم لنا نورنا } يعني: نور أعمالنا بنور أفضالك، ~~وأعطنا نورا من أنوارك، حتى نشاهد وجهك الكريم بنورك، { واغفر لنآ ~~} أي: الخطرات التي تخطر؛ فنأمن ظلمات عالم الفناء والضلال، { إنك ~~على كل شيء قدير }. # { يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين } ~~[التحريم: 9]، يعني: يا أيتها اللطيفة الخفية جاهدي كفار قوى القالب ~~المظلم، ومنافقي قوى النفس الأمارة { واغلظ عليهم } [التحريم: ~~9]، ولا ترفق بهم { ومأواهم جهنم } [التحريم: 9]، بعد ~~مجاهدتهم في دار الكسب بجهادك إياهم والغلظة عليهم { وبئس المصير ~~} [التحريم: 9]، أي: بئس المرجع جهنم لهم. ### || [66.10-12] # { ضرب الله مثلا للذين كفروا } [التحريم: 10]، يعني: ~~ضرب الله مثلا للقوى الكافرة المستكبرة { امرأت نوح وامرأت ~~لوط كانتا } [التحريم: 10]، قوتين قابلتين { تحت عبدين من ~~عبادنا صالحين } [التحريم: 10]، أي: قوتين فاعلتين صالحتين { ~~فخانتاهما } [التحريم: 10]، القوتان القابلتان بكفرهما بربهما، ~~وإنكارهما اللطيفتين الصالحتين الفاعلتين؛ { فلم يغنيا عنهما ~~من الله شيئا } [التحريم: 10]، يعني: لا ينفعهما أنهما كانتا ~~قابلتين تحت اللطيفتين الصالحتين، ولا يدفعا عنهما من عذاب الله من شيء { ~~وقيل ادخلا النار مع الداخلين } [التحريم: 10]، يعني: ~~قيل للقوتين القابلتين ادخلا مع القوى الكافرة ms1645 القالبية والنفسية النارية ~~التي أنتم أوقدتموها في دار الكسب من نيران الحسد والكبر والكفر والشهوة ~~الردية. # { وضرب الله مثلا للذين آمنوا } [التحريم: 11]، ~~يعني: القوى المؤمنة من قوى النفس اللوامة { امرأت فرعون } ~~[التحريم: 11]، يعني: القوى الصالحة القابلة تحت القوة الفاسدة الفاعلة ~~المستكبرة ما ضرها كفر القوة الفاعلة الفاسدة إذا كانت صالحة هي بنفسها { ~~إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني ~~من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين } ~~[التحريم: 11]، يعني: إذ قالت اللطيفة الصالحة القابلة في مناجاتها مع ~~ربها: { رب ابن لي عندك بيتا } في أخص أطوار القلب، وهي ~~[....] موضع عند الرب الصمد الواحد الأحد الذي # لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 3-4]، وقالت أيضا في مناجاتها: { ونجني } من هذه القوة ~~الفاسدة الفاعلة وعملها، { ونجني } من أعوانها وقواها الظالمة، انظر ~~كيف نجاها، وبنى لها بيتا في الجنة المضافة المخصوصة به، وما نفعت ~~صحبتها للقوة الفاسدة الفاعلة، وكيف ينفع ويضر والله يقول: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الأنعام: 164]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " يا فاطمة أنقذي نفسك من النار " # يعني: لا يحمل القلب وزر الخاطر الذي يخطر من قبل النفس، ولا الروح وزر ~~خاطر القلب، ولا النفس وزر خاطر القلب والروح، ولا ينفع النفس والقالب ~~طاعة الروح والقلب، إن لم يطيعا بالجوارح الظاهرة القالبية والقوى ~~الباطنة النفسية. # { ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها } ~~[التحريم: 12]. # وهي القوة الإرادية التي لا تتصل بقوة الولاية، وسلكت مسلك الطريقة ~~بإحصان فرج قوة القابلة عن الأباطيل والحظوظ الردية الشهوانية الهوائية { ~~فنفخنا فيه من روحنا } [التحريم: 12]، يعني: جذبناها إلينا ~~وأوصلناها إلى مرتبة حصلت لها اللطيفة الخفية العيسوية فصارت ولية { ~~وصدقت بكلمات ربها وكتبه } [التحريم: 12]، من غير أن ~~يعلمها أحد وارد بالكلمات في الأنفس الوارد الذي يرد عليها { وكتبه ~~} يعني: ما تجد مكتوبا على صحف قلبها وسرها وروحها { وكانت من ~~القانتين } [التحريم: 12]، أي: من القوى مطيعين وهذا إشارة شريفة في ~~حق المجذوبين يعني: ذكر بصفة الرجال وأدخلهم في القانتين منهم، يعني: من ms1646 ~~أحصن فرج قابليته من المريدين وإن لم يصل إلى مرشد ويصدق الوارد وما يجد ~~في صحف القلب والسر والروح، ويتوجه إلى الله توجها كليا لما يمكن له ~~الوصول إلى مرتبة الولاية؛ ولكن على سبيل الندرة، والنادر لا حكم له، وحظ ~~السالك من هذه السورة وتفسير بطنها: أن يحترز في أن يحرم ما أحل الله على ~~نفسه بجهله عنده مبادئ المكاشفات والمشاهدات، وقلما السالك إذا ابتلاه ~~الله بالغيبة عن خدمة شيخه في بداية أمره كما كان حال هذا المسكين أن ~~يتخلص من هذه الورطة، وسبيله إذا عرف اللطيفة حق المعرفة أو عرفه شيخه ~~يتوب إلى الله من ذلك الفعل، ويأكل ما قد حرمه الله في البداية على نفسه ~~قدر ما يرفع عنه اسم التحريم، ويقتصر على ذلك، ويأكل لقمات متتابعة، وكل ~~عمل حلال حرم على نفسه في البداية على نفسه [يعمله] بقدر ما يرفع اسم ~~التحريم؛ فينبغي أن يشتغل به قدر ما خرج عن حد النهي الذي يقول في كتابه ~~الكريم بقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل ~~الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين # [المائدة: 87]، واقتصروا على عمل واحد في كل سنة، أو لقمة واحدة في كل ~~وقت حضرت لموافقة أخ من الإخوان، إذا علم إن لم يواكله ينكسر قلبه ويحزن ~~عليه صاحبه يوافقه ويواكله، ولا يسرف في أكلها، ولا يأكلها إذا كان ~~خاليا إلا لقمة واحدة؛ لأنه قال الله تعالى: # كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما ~~حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل ~~التوراة # [آل عمران: 93]، وهذه الآية تدل على أن السالك إذا حرم شيئا على نفسه ~~في بداية أمره لله جهلا بالطريق فلا يجوز الاشتغال به بعد ورود الوارد ~~عليه ومعرفته بالطريق؛ ولكن نسخ حكمه حكم هذه السورة المنزلة على اللطيفة ~~الخفية التي هي خاتم اللطائف، ودينها ناسخ الأديان. # وحظ آخر للسالك من تفسير بطن هذه السورة: أن يتيقن بأن لكل قوة من قواها ~~القابلة والفاعلة عذاب مختص بها لا ms1647 ينفعها صلاح القوة الفاعلة، ولو فسدت ~~الفاعلة لا ينفعها صلاح القوة القابلة، ولا يضر فساد القوة الفاعلة للقوة ~~الصالحة القابلة وعلى العكس، وفي كشف هذا السر باب مفتوح إلى مطلع القرآن ~~مما يجب إغلاقه فسددته ورجعت إلى ما يليق بآذان المستمعين وحوصلة ~~المسترشدين. # فاعلم أيها المسترشد إن السالك ربما يكون في ساعة واحدة في الجنة ~~والجحيم وهذا مما شاهدناه مرارا في أنفسنا، وأنفس السالكين الذين سلكوا ~~هذا الطريق بحضرتنا، وأمرنا بأن لطيفة منك ولها صورة معينة تعرفها أنها ~~صورتك متنعمة في أعلى عليين، وفي هذه الحالة أيضا ترى لطيفة منك على ~~صورتك - غير هذه اللطيفة المنعمة وأنت تشاهدها وتعرفها أنها صورتك - ~~معذبة في أسفل سافلين، وأنت الشاهد بصورتي لطيفتك، وتتعجب من هذه الحالة ~~المتضادة! وتتألم بألم الصورة المتألمة، وتتنعم بتنعم الصورة المتنعمة، ~~وربما يكون أربع صور، وربما يكون سبع صور، وربما أن يكون ترى العالم ~~مملوءا من صورك، كل صورة في عمل خاص، وربما يكون أن تشاهد جميع الصور ~~يتحركون بحركتك، وينبسطون ببسطك، وينقبضون بقبضك، ويتكلمون بكلامك، وكل ~~شيء يصدر منك يصدر منهم، مثل الصورة المنطبقة في المرآة من عكس صورتك، ~~وسر هذه الصورة المنطبقة في المرآة من عكس صورتك، وسر هذه الصور يتعلق ~~أيضا بحد القرآن. # قلنا: [ولما كنا غير] مأذونين في إفشائه فطوينا الصحيفة، وختمنا هذه ~~السورة على دعاء ألهمته الوقت: اللهم اجعل صورنا ومعانينا منورين بنور ~~وجهك الكريم، لئلا نلتفت عنك إلى غيرك، وليس الغير موجودا! يا عليم يا ~~حليم يا عظيم يا رحيم بمحمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه والتابعين ~~لهم بإحسان إلى يوم الدين، [يوم] يفرغ فيه الحكيم من حساب اللئيم الكريم. ### | [67 - سورة الملك] ### || [67.1-5] # يا طالب سر الملك والملكوت اعلم أن سرهما في يدي مالك الملك والملكوت، ~~كما يقول في كتابه الكريم: # بيده ملكوت كل شيء # [يس: 83]، و { تبارك الذي بيده الملك } [الملك: 1]، ~~والملك إشارة إلى: عالم الناسوت، واليد إشارة إلى: عالم الجبروت، { ~~وهو } إشارة إلى: عالم اللاهوت، فتبارك وتعالى الذي ms1648 بيده الملك ~~والملكوت أن تشبه يده الأيدي، وتنزهت وتقدست ذاته أن تكون معطلة عن ~~الصفات الحسنى؛ ولكن ينبغي أن يكون السالك سنيا لا ظاهريا، ولا ~~باطنيا، ولا مشبهيا، ولا معطليا ليعرف سر اليد المذكورة في كلام الرب، ~~وسر ما قال سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ~~الطويل: # " كلتا يدي الرحمن يمين " # ، ولا يمكن لك المعرفة بهذا الحديث إن كنت جامدا بليدا؛ فأشعل نار ~~الذكر حتى تذهب جمودتك وبلادتك، وانظر بعد ذلك في بدائع الصنائع لتفهم ما ~~فيه من حقائق الدقائق، ثم جئ حتى أقول معك بعض أسراره مما يتعلق ببطن ~~القرآن. # واعلم أن اليمين واليسار يطلق في عالم الجهات، ولا جهة في عالم الحق، ~~ولا زمان، ولا مكان، ولا خلاء من الوجود، ولا ملاء من الجسم الكلي، وكل ~~شيء يرى بعين الحس في الملك فتبصره ببصيرة العقل في الملكوت قائم به، وهو ~~موجد حياة كل الأحياء منه، وقيام كل الأشياء به، # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]، و # كل من عليها فان # [الرحمن: 26] ويبقى وجهه. # وإطلاق اليمين في الحديث كان لأجل اليمن والبركة، وإظهار سر التوحيد، ~~وإشارته إلى " كلتا يديه " إشارة إلى: يدي الظاهرة والباطنة؛ يعني: بيد ~~إرادته الباطنة باطن ملكوت كل شيء، وبيد قدرته الظاهرة ظهور الملك، وبعد ~~هذا تحرك سلسلة حد القرآن مما أمرت بستره فأدرج. # واعلم أنه على كل شيء قدير كما يقول في كتابه الكريم: { تبارك ~~الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير } ~~[الملك: 1] يقدر على الإبداع، والإيجاد، والإبقاء، والإفناء، { الذي ~~خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا } [الملك: 2]، ذكر الموت والحياة؛ لأن القدرة فيهما أظهر، وقدم ~~الموت على الحياة؛ لأنه [سابقتكم] # أموتا فأحيكم # [البقرة: 28]؛ يعني: كنتم جاهلين فأحياكم بالعلم، وكنتم في بطون أمهاتكم ~~موتى فأحياكم بنفخ الروح، وكنتم موتى في القالب فأحياكم بنور الإيمان، ~~وكنتم موتى في البرزخ فأحياكم يوم القيامة، وكنتم موتى في النكرة فأحياكم ~~بالمعرفة، وكنتم موتى من مشاهدة وجه الرب فأحياكم بمشاهدته للابتلاء حتى ~~تتم مظاهر لطفه ms1649 وقهره، وحتى يرى { أيكم أحسن عملا } [الملك: ~~2] في الاختيار الحياتي الذي أعطاه ربكم لكم لتكونوا خلائف الأرض، ~~أتشتغلون في عالم اختياركم بذكر مولاكم؟ أم تبتغون هواكم وتغفلون عن ذكر ~~مولاكم؟ أتتركون الدنيا الفانية للآخرة الباقية؟ أم تشتغلون بالدنيا ~~لاستيفاء حظوظكم العاجلة الشهوية؟ أم تشتغلون بتزكية النفس عن الكدورات ~~الحاصلة لها في دار الفناء؟ أم تتركونها مكدرة مظلمة صاعد عليها كل ساعة ~~دخان الهوى؟ أتجتهدون في تصفية السر وتحلية الروح بالأخلاق والصفات ~~الحسنة؟ أم تتركونها ملوثة بقاذورات الأخلاق الشيطانية والصفات البهيمية؟ ~~أتقبلون على تصقيل القلب ليكون مرآة لوجه الرب وهو المقصود من إيجاد ~~الموجودات؟ أم تعرضون عنه ليتأثر فيه طبع [الطغي] { وهو العزيز ~~الغفور } [الملك: 2]؛ يعني: هو غالب على أمره أن يعذب المقصر في ~~تقويم القالب وتصقيل القلب وإقامة المرآة محاذاة وجه الرب في عالم ~~التوجه، غفور لمن يقوم القالب على وفق ظاهر الشرع بالسياسة، وتصقيل ~~القلب على قانون حكمة الطريقة بالطهارة، ويقيم المرآة المقومة المصقلة ~~محاذاة وجه الرب بالطهارة، والله تعالى أرسل جميع الرسل إلى الخلق ~~ليعلمهم بالسياسة أمر التقويم، وبالطهارة أمر التصقيل، وبالعبادة أمر ~~التوجه؛ لترى في المرآة ذاته وأفعاله وآثاره كما يقول تعالى: # " كنت كنزا مخفيا فأردت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف ". # { وهو العزيز الغفور * الذي خلق سبع سموت ~~طباقا } [الملك: 2-3]؛ أي: سماوات أطوار القلب طبقا طبقا في كل ~~واحدة منها حكمة خاصة، { ما ترى في خلق الرحمن من ~~تفاوت } [الملك: 3]؛ يعني: لا يفوته، وإضافة الخلق في هذا المقام إلى ~~الرحمن كانت من سر فينبغي ألا يغفل عنه، وهو أنه بعد استوائه على العرش ~~واستواء الخليقة على عرش القالب الجسماني خلق سماوات القلب والصدر، ~~والسماء الروحانية، والأرض القالبية، # كانتا رتقا # [الأنبياء: 30] من قبل مقتضاهما عند استواء الرحمن على عرش الروح، ~~واستواء خليقته على عرش القالب، وفي هذا سر يتعلق بحد القرآن مما ليس هو ~~من نفس المستمعين. # { فارجع البصر هل ترى من فطور } [الملك: 3]؛ يعني: كرر ~~النظر واعتبر بنظر الاعتبار هل ترى في خلقه من نقصان من ms1650 الشق والصدع أو ~~الخرق؟ { ثم ارجع البصر كرتين } [الملك: 4] كرة في ملكه، ~~وكرة في ملكوته، وكرة بعين الحس، وكرة ببصيرة العقل حتى يقع نظرك في عالم ~~ملكه وملكوته على شيء، يقول عقلك المضل وقواك الكافرة وهويتك المدعية ~~للإلهية: ينبغي أن يكون هذا على خلاف ما خلفناه وسويناه، فيا أيها الجاهل ~~الضال لا تتفكر في قبضتك وأنا ملك [الملوك] حتى ترى حكمة الحكيم إن لم ~~تكن ممن يتفكر في ملكه العظيم، وتعلم أن لو يزيد أنملة على الأنامل الخمس ~~كيف يكون قبيحا؟! بحيث يحكم عقلك على قطعها، ولو تنقص أنملة من الأنامل ~~كيف تستحي منها وتمد يدك في كمك حتى لا يطلع على نقصانك أحد؟! وإن كانت ~~الأنامل متصلة بعضها ببعض لا يمكن لك القبض والبسط، وإن كانت الأنامل ~~مستوية لا يتصل بعضها ببعض وقت الضم، وعجائب القبضة الواحدة التي هي عضو ~~جسماني من أعضائك، وعروقها، وأغصانها، وروابطها الظاهرة، وأظافرها، ~~وكيفية تحليل الخلط السوداني من رؤوس الأظافر ينبغي أن تقطع في كل شهر ~~مرتين، وكيفية عضلاتها وروابطها الباطنة إلى حقيقة صفة القدرة، واتصال ~~القدرة بالإرادة، وتعلق الإرادة بالعلم الروحاني، ثم تعلق العلم بالقلم ~~الذي في قبضة الحق، واتصال حقيقة القبضة الحقية باليد المذكورة في كلام ~~المجيد وهلم جرا إلى الدقائق الجبروتية المتصلة بحقائق اللاهوتية مما لا ~~يحصى أبد الدهر في ظنك بعجائب ملكه وملكوته، وجبروته ولاهوته، ومع هذا ~~تدعي الربوبية الإلهية، وتعجز عن إدراك سر عضو من أعضائك أيها المعاند ~~الجاهل. # { ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير } [الملك: 4]؛ ~~يعني: ينقلب نظرك صاغرا ذليلا عاجزا، وهو كليل منقطع عن النظر على ~~نقصان في ملكه وملكوته، { ولقد زينا السمآء الدنيا ~~بمصبيح } [الملك: 5]؛ يعني: زينا سماء الدنيا بمصابيح خواطر القدر ~~في آفاق عالم الإنسان، وهو مظهر السر في أنفس عالم الإنسان السرية ~~والروحية والخفية، والقالب الذي هو عالم الكون، والفساد مظهر لسماء ~~الدنيا الذي هو ذات البروج، ولا تغلط بأنا بينا في الواردات أن القلب ~~أعلى من الصدر، ويشاهد الصدر إلى القلب أقرب، وتفكر ms1651 في إحاطة جسمية الصدر ~~بالقلب في عالم الشهادة كما تشاهد إحاطة فلك الثوابت بالأفلاك السبعة؛ ~~لئلا تغلط ونحن في هذا المقام ندخل في طريق الجسمانيات { وجعلنها ~~رجوما للشيطين } [الملك: 5]؛ يعني: جعلنا الخواطر السرية ~~والروحية والخفية على سماء الصدر حفظة؛ ليرجم بها الشياطين إذا أرادوا أن ~~يوسوسوا في الصدر ويسترقوا السمع { وأعتدنا لهم عذاب ~~السعير } [الملك: 5]؛ يعني: للقوى النفسية التي يمددها بقدر الشيطان ~~التجاوز عن عالمها والصعود إلى سماء الصدر. ### || [67.6-12] # { وللذين كفروا بربهم } [الملك: 6] من القوى القالبية ~~والنفسية الملوثة بقاذورات اللطيفة المكدرة بدخان الهوى بعد انقلاب جرها ~~إليها خاسئا حسيرا وكفرانها بنعمة ربها، وتكذيبها اللطيفة في إخبارها ~~عن الآيات الغيبية، { عذاب جهنم } [الملك: 6] التي أظلموها ~~بظلمهم، وأشعلوا فيها نيران الكبر والكفر، { وبئس المصير } ~~[الملك: 6]؛ يعني: بئس مرجعها، { إذآ ألقوا فيها سمعوا لها ~~شهيقا } [الملك: 7]؛ يعني: صوتا كصوت الحمار وهو أنكر الأصوات، ~~والشهيق أنكرها؛ لأنه أول نهيقه، { وهي تفور } [الملك: 7]؛ يعني: ~~جهنم قالبة. # { تكاد تميز من الغيظ } [الملك: 8]؛ يعني: تكاد تنقطع من ~~تغيظها على صاحبها الذي اجتهد في اشتعالها، { كلما ألقي فيها ~~فوج } [الملك: 8] جماعة من القوى القالبية الكافرة، والنفس المشركة ~~المنافقة، { سألهم خزنتهآ ألم يأتكم نذير } [الملك: ~~8]؛ يعني: قواها العلوية، وهي خزنة نيران جهنم القالبية والنفسية السفلية ~~على سبيل التوبيخ لهم سألهم ما جاءكم رسول ينذركم من هذا اليوم قالوا: { ~~قالوا بلى قد جآءنا نذير فكذبنا وقلنا ما ~~نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير } ~~[الملك: 9]؛ يعني: جاءت اللطيفة المنذرة وبلغت إلينا ولكن كذبنا لاتباع ~~هوانا، وقلنا: لا يمكن أن ينزل علينا مثلنا، لستم إلا في ظلال كبير؛ ~~لرجوعكم عن دين آبائكم ولو كان الله أراد أن ينزل علينا لأنزل علينا ~~ملائكة، أنتم تأكلون وتشربون وتمشون في الأسواق، وتحتاجون إلى البول ~~والغائط وإلى ما يحتاج البشر إليه. # { وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير } [الملك: 10]؛ لأن القوى النفسية تسعر جهنم ~~القالب، { فاعترفوا بذنبهم } [الملك: 11] في تلك الحالة، { ~~فسحقا لأصحاب السعير } [الملك: 11]؛ أي: بعدا ms1652 للقوى ~~النفسية والمسعر نيران جهنم قالبها عن رحمة الله { إن الذين ~~يخشون ربهم بالغيب } [الملك: 12]؛ يعني: القوى اللوامة ~~المؤمنة المصدقة بما في الغيب المتقية من قهر الحق، { لهم مغفرة ~~} [الملك: 12] من اللمم اللازم للطيفة البشرية { وأجر كبير } ~~[الملك: 12] بالأعمال التي عملت على وفق أمر اللطيفة المبلغة المنذرة ~~المبشرة. ### || [67.13-17] # { وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم ~~بذات الصدور } [الملك: 13]، إشارة إلى: القوة المنافقة المكذبة؛ ~~يعني: إن كنتم تشكون في أمر الوارد الذي يرد من الحق على اللطيفة، ~~ويقولون: لو أسررنا لا تعرف اللطيفة نجوانا، فأسروا أن الحق { عليم ~~بذات الصدور } [الملك: 13]؛ يعني: جميع القوة النفسية والقالبية ~~مربوطة بما أودعناه في سماء الصدر، # لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموت ولا في ~~الأرض # [سبأ: 3]؛ يعني: الشقائق الأرضية متصلة بالدقائق السماوية، والدقائق ~~السماوية مربوطة بصفاتنا مستجمعة في ذاتنا، فأي شيء يفوت عنا؟ # { ألا يعلم من خلق } [الملك: 14] في السماء والأرض وما فيهما ~~وما بينهما، { وهو اللطيف الخبير } [الملك: 14]؛ يعني: لا ~~تحجبه كثافة الحجب، خبير بما في الضمائر والصدور، { هو الذي جعل ~~لكم الأرض ذلولا } [الملك: 15]؛ يعني: جعل أرض البشرية مسخرة ~~للقوى النفسية مذللة تحتها، { فامشوا في مناكبها } [الملك: ~~15]؛ أي: قواها المعدنية، { وكلوا من رزقه } [الملك: 15]؛ ~~يعني: من رزق الله الذي أخرج لكم من أرض البشرية من نباتات المعارف ~~الآثارية، { وإليه النشور } [الملك: 15]؛ يعني: إلى الله تنشرون ~~من قبور قالبكم، وسر هذه الآية يثبت في تصعيد اللقمة في فوائد؛ لتفهم ~~كيفية النشور من قبور القالب بعد أكل رزقه. # { ءأمنتم من في السمآء أن يخسف بكم الأرض } ~~[الملك: 16]؛ يعني: ما أمنتم من عذاب موكل عليه القوى السماوية بعد كفركم ~~بربكم أن يأمرهم أن يخسف بكم الأرض البشرية، { فإذا هي تمور } ~~[الملك: 16]؛ أي: تتحرك عند الخسف بهم حتى تلقيهم إلى أسفل دركات ~~الطبيعة، { أم أمنتم من في السمآء أن يرسل عليكم ~~حاصبا } [الملك: 17]؛ يعني: أتأمنون الذي جعل القوى العلوية الصدرية ~~حافظات لكم أن يرسلوا عليكم أعمالكم الهودية الصاعدة الموقوفة تحت الصدر؛ ~~لتلوثها وضيائها ودخانها الجامدة ms1653 مثل الحجارة فيهلككم: { فستعلمون ~~كيف نذير } [الملك: 17]؛ أي: تعلمون أن الله كيف يرسل النذير بعد ~~معاينتكم العذاب. ### || [67.18-21] # { ولقد كذب الذين من قبلهم } [الملك: 18] من القوى ~~القالبية المكذبة، { فكيف كان نكير } [الملك: 18]؛ أي: إنكاري ~~عليهم بالعذاب الذي أرسلت عليهم من السماء، { أولم يروا إلى ~~الطير فوقهم صفت ويقبضن ما يمسكهن إلا ~~الرحمن } [الملك: 19]؛ يعني: لا تنظرون إلى طيور خواطركم يطيرون ~~فوقكم صفا صفا، { ويقبضن } [الملك: 19] أجنحتها؛ أي: استعدادها ~~السفلي بعد بسطها باستعدادها العلوي، { ما يمسكهن } [الملك: 19] ~~في حال القبض والبسط باستعداد هي القوى السفلية والعلوية، { إلا ~~الرحمن } [الملك: 19] الذي استوى على العرش، وسوى الأمور عليها ~~بعد استوائه على عرش الروح، واستواء خليقته على عرش القالب، { إنه ~~بكل شيء بصير } [الملك: 19]؛ يعني: بالخواطر الظاهرة العلوية، ~~والخواطر الوالجة في الأرض والخارجة منها، { أمن هذا الذي ~~هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن } [الملك: 20]، ~~استفهام بمعنى الإنكار، تلك الخواطر والقوى جلالكم يقدرون أن ينصروكم من ~~عذابنا من غير إذن الرحمن، { إن الكافرون إلا في غرور * ~~أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه } [الملك: ~~20-21]؛ يعني: إن أمسك الرحمن رزق الحياة والمعرفة عنكم من يقدر أن ~~يرزقكم رزق الحياة والمعرفة؟ { بل لجوا في عتو ونفور } ~~[الملك: 21]؛ يعني: غلب عليهم اللجاج حتى تمادوا في الباطل والتباعد عن ~~قبول الحق. ### || [67.22-26] # { أفمن يمشي مكبا على وجهه } [الملك: 22]؛ يعني: مكبا ~~على الضلالة والجهالة مثل البهائم، { أهدى أمن يمشي سويا ~~على صراط مستقيم } [الملك: 22]؛ يعني: يمشي بالعلم والمعرفة ~~والإيمان مثل القامة المعتدلة الإنسانية على الصراط المستقيم، ويظهر بعد ~~كشف الغطاء أن يكون قامة الكفار معوجة ناكسة رؤوسهم، والمؤمنون متوجهة ~~إلى الحق، { قل هو الذي أنشأكم } [الملك: 23] من النيران ~~والعناصر السفلية، { وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة } [الملك: 23] من القوى العلوية اشكروه من القوى القالبية ~~والنفسية الملوثة كما يقول في موضع آخر: # وقليل من عبادي الشكور # [سبأ: 13]، اللهم اجعلني من الجميل والجليل يا جميل يا جليل. # { قل هو الذي ذرأكم في الأرض } [الملك: 24]؛ أي: هو ~~الذي أنشأكم وذرأكم الحيبب في ms1654 أرض البشرية، { وإليه تحشرون } ~~[الملك: 24] إلى حضرته وتحشرون من القالب { ويقولون متى هذا ~~الوعد } [الملك: 25]؛ أي: القوى المكذبة، { ويقولون متى } ~~[الملك: 25] يجيء { هذا الوعد إن كنتم صادقين } [الملك: ~~25]، فبينوا لنا متى موعده { قل إنما العلم عند الله ~~وإنمآ أنا نذير مبين } [الملك: 26]؛ يعني: علم الحشر ~~والنشر، والقيامة والموت عند الله إذا أراد يكشف الغطاء حتى نشاهدهما ~~بعين العيان في كل لمحة في الدنيا، وإن أراد أن يؤخرها إلى أجل معلوم، ~~وإنما أنا بأمره أنذركم، وأبين لكم بحكم الوارد. ### || [67.27-30] # { فلما رأوه زلفة } [الملك: 27]؛ يعني: بعض القوى المكذبة ~~لما شاهدوا بعض الآيات في أثناء السلوك { سيئت وجوه الذين ~~كفروا } [الملك: 27]؛ أي: اسودت بما كذبوا الآيات التي شاهدتها الآن، ~~{ وقيل } [الملك: 27] لهم القوى العلوية { هذا الذي كنتم ~~به تدعون } [الملك: 27] أي: تتمنون أن يعجل فينبغي للسالك في هذا ~~المقام ألا يدع النفس أن تشك في بواقي الآيات؛ لأنها ما دامت في قالب ~~الكدورات يصل من عالم السفل إليها دخان يصعد من الهوى على دماغها يحفظ ~~عقله يشك، فإذا أراد السالك آية من آيات النفس مما لم يكن يراها قبل ~~السلوك فيجب الإذعان لمسلكه واشتغاله برفع الحجاب؛ ليرى آيات ربه الكبرى ~~وإن لم يقدر على رفع الحجاب فينبغي أن يكون مؤمنا ببواقي الآيات، مصدقا ~~بملكه قياسا فيما يقول ويحكي عن الآيات الأنفسية الغيبية، وألا يشك ~~البتة فيما يشاهد قرنائه وأصحاب مسلكه قياسا: إنني أيضا سالك ولم أر ما ~~يحكي نظر؛ أي: لأن الاستعدادات متفاوتة في الكثافة واللطافة، والله يقبض ~~ويبسط، ويعطي ويمنع كيف يشاء، لا راد لقضائه، ولا مانع لعطائه، ولا دافع ~~لبلائه، وعلينا التسليم والتصديق وله الحكم على التحقيق وبيده التوفيق، ~~وهو الرفيق في هذا الطريق. # { قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي } [الملك: ~~28]؛ يعني: أيتها اللطيفة المبلغة المنذرة المبشرة، قولي: { إن ~~أهلكني الله ومن معي } [الملك: 28] من القوى [المؤمنة] { ~~أو رحمنا } [الملك: 28] من غاية كرمه ورحمته فضلا منه من يقدر أن ~~يقول لم أهلكت أو رحمت، { فمن يجير الكافرين من عذاب ms1655 ~~أليم } [الملك: 28] يوم يكشف الغطاء عن أبصارهم ويعذبهم بصفاتهم ~~وأخلاقهم، من يجيرهم منه فنحن بعد الإيمان نخاف منه، فكيف لا تخافون مع ~~وجود الاستكبار عن عبادته، وكيف لا نخاف لأنا نعلم أنه غني عن العالمين ~~وعن أعمالهم، فمن يهلكه فبعدله ومن يرحمه فبفضله. # { قل هو الرحمن آمنا به } [الملك: 29]؛ يعني: هو الذي ~~آمنا به، هو الرحمن المستوي على عرش روحانية [قلوبنا]، { وعليه ~~توكلنا } [الملك: 29]؛ لأنه ضمن كفالتنا ووكالتنا، { ~~فستعلمون من هو في ضلال مبين } [الملك: 29]؛ يعني: ~~سوف ترون وقت كشف الغطاء ما تستمعون منا اليوم ولا تصدقونه، وتطلعونه على ~~ضلالتكم وجهالتكم معاينة، { قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم ~~غورا } [الملك: 30] أيها السالك الواصل إلى ينبوع المعرفة احذر من هذا ~~الخطاب بقول مع اللطيفة المبلغة قول للقوى المواصلة العارفة: إن كنتم ~~تصبحون في حال التجلي الجمال، وترون ينبوع المعرفة غورا ليس فيها ماء، { ~~فمن يأتيكم بمآء معين } [الملك: 30] من الذي يقدر أن يأتي ~~بماء الإيمان ظاهرا بحيث ترى العيون آثاره في عالم الناسوت؟ وهي الأعمال ~~التي هي مخصوصة بالخوارج أذهب بماء الإيمان عن ينبوع قلبه، لا يظهر ~~الأعمال على جوارحه البتة، وبقدر ظهور بماء الإيمان من ينبوع القلب، ~~يستعمل الجوارح بالطاعات ويمنعها عن المخلفات وارتكاب المنهيات، فكن ~~حذرا أيها السالك العارف مادمت في قفص القالب أسيرا محبوسا، ولا تتكئ ~~على معرفتك ومشاهدتك حتى تكسر قفص القالب وتطير إلى ذكرك الأصلي، واجمع ~~بين ظاهر تفسير القرآن وباطنه، وأجر حكمهما على ظاهرك وباطنك؛ لأن الله ~~تعالى خلقك من الغيبية والشهادية، وعبادة الغيبية والشهادية وعبادة ~~الغيبية [الغبية] والحضور، والإخلاص والصدق، وعبادة الشهادية الركوع ~~والسجود، والقيام والقعود، والصلاة والصوم والجهاد والزكاة والحج، ولكل ~~ركن من الأركان الظاهرة ركن معين بإزائه من الأركان الباطنة، إن أهملته ~~فقد كنت كمن عمل على قشر الجوز ليخرج منه الدهن، فاجتهد أن تكون من ~~[السادة في] الطهارة والعبادة في الظاهر والباطن لتكون كاملا في مرتبة ~~الإنسانية، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا ~~وأرزقنا اجتنابه، وصلي وسلم وبارك على ms1656 سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. ### | [68 - سورة القلم] ### || [68.1-15] # يا صائد نون النبوة في قعر بحر النون بشبكة القالب، لتشويشه في تنور ~~[الناقور] بنار الذكر المروية قلب الذاكر من ملاطفات المذكور، تفكر فيما ~~يقول الله تعالى في كتابه حيث يقول: { ن والقلم وما يسطرون ~~} [القلم: 1]؛ يعني: بحق النور الذي أودعنا في نون النبوة القائمة بواو ~~الولاية، الثابتة بألف الألوهية، المتصلة بوجود سواده وبياضه في دائرة ~~الأزل إلى الأبد، وهو نور المداد الذي خلقه الله تعالى في دواة روح ~~النون؛ ليكتب بقلم قدرته على لوح العقل ما كان في علمه القديم، وأشار ~~إليه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: # " أول ما خلق الله تعالى في مقام المرادية نوري، وأول ما خلق الله تعالى ~~روحي في مقام الدواتية، وأول ما خلق الله تعالى القلم في مقام الفاعلية، ~~وأول ما خلق الله العقل في مقام القابلية " # وظلالها في عالم السفل العناصر الأربعة؛ فالنار ظل العالم الخفي، والهوى ~~ظل دواة الروح، والماء ظل مراد السر، والتراب ظل لوح القلم؛ يعني: أقسم ~~بنور النبوة. # { والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك ~~بمجنون } [القلم: 1-2] جواب القسم؛ يعني: لست أيتها اللطيفة الخفية ~~المبلغة المذكرة بالنعمة التي أنعمنا في حقك، وهم الوارد القدسي بمجنون ~~فيما تأمر القوى به وتنهاهم عنه، وتتلو عليهم من الآيات البينات مما يرد ~~عليك من الحق، فلا تبال مما تقول القوى المكذبة الحاسدة، { وإن لك ~~لأجرا غير ممنون } [القلم: 3]؛ يعني: في إبلاغ الوالد، والصبر ~~على أذى القوى المكذبة لأجرا غير منقطع أبد الآباد، { وإنك ~~لعلى خلق عظيم } [القلم: 4]؛ يعني: حصلت الأخلاق منا وتأدبت ~~بآدابنا، حيث سمعت منا ما قلنا معك في كتابنا، ولا تكن # فظا غليظ القلب # [آل عمران: 159]، وقولنا: # فاعف عنهم واستغفر لهم # [آل عمران: 159]، وقولنا: # خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين # [الأعراف: 199]؛ يعني: لا تشتغل بمكافآتهم. # { فستبصر ويبصرون } [القلم: 5]؛ يعني: ستري أيتها اللطيفة ~~وقت كشف الغطاء، وتبصري أيضا القوى المكذبة، { بأييكم ~~المفتون } [القلم: 6]؛ يعني: بأيكم المفتون الذي فتن به ms1657 { إن ~~ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم ~~بالمهتدين } [القلم: 7]؛ يعني: هو أعطاهم الاستعدادات المتصلة ~~والمهدية، { فلا تطع المكذبين } [القلم: 8]؛ يعني: لا تطع ~~القوى النفسية المكذبة إذا تملقت معك بالمداهنة، { ودوا لو ~~تدهن فيدهنون } [القلم: 9] يتمنون أنك تداهنهم كما هم يداهنوك، ~~وتشتغل أيضا بأباطيلهم والاستيفاء من الحظوظ النفسانية، وترافقهم وتلين ~~لهم ولا تؤمهم بترك مشتهيات أنفسهم؛ [ليثبوا لك] في المرافقة معك في طلب ~~الحظوظ، لهم أنفسهم. # { ولا تطع كل حلاف مهين } [القلم: 10]؛ يعني: القوى ~~الحالفة بالله كذبا لتميل خاطرك اللطيفة المذكرة إليها، { مهين } ~~[القلم: 10] ذليل عند الله، { هماز } [القلم: 11]؛ أي: مغتاب، وهي ~~القوة النفسية تغتاب عند اللطيفة قوى القالبية، وتغتاب عند القوى المكذبة ~~القالبية اللطيفة، { مشآء بنميم } [القلم: 11]، وهي أيضا للقوة ~~النفسية القريبة إلى عالم الصدر، تمشي بنميمة من عالم القلب عند طلب حظها ~~من القوى الفاعلية العلوية، ثم يرجع إلى القوى القابلة القالبية السفلية ~~لطلب حظها من عالم القلب، وتتم اللطيفة المبلغة وأقواها المتابعة لها، { ~~مناع للخير } [القلم: 12]؛ يعني: يمنع الوارد القدسي في ~~الطريق لئلا يصل إلى القوى القالبية ويكدره في عالمه؛ لأن عالم النفس ~~عاجز بين عالم الصدر وعالم القلب، { معتد } [القلم: 12]؛ أي: ظالم ~~على القوى القابلة، يمنع الوارد وغلظه بالخواطر المكدرة النفسية، { ~~أثيم } [القلم: 12]؛ أي: كثير الإثم، فاجر في فعله يمنع الخير عن ~~غيره، { عتل } [القلم: 13] غليظ الوصف، قبيح الخلق، يدفع بالعنف ~~الوارد لئلا يصل إلى القلب، { بعد ذلك زنيم } [القلم: 13]؛ ~~يعني: بعدما وصفناها من الأخلاق الذميمة والأخلاق الكريمة، زنيمة؛ يعني: ~~تنسب نفسها إلى العالم العلوي وليست في ذلك العالم بشيء؛ لأن هذه القوة ~~المنتجة من الهوى لا من الروح. # { أن كان ذا مال وبنين } [القلم: 14] لا يغرنك بأن كان له ~~استعداد ومعارف هي نتيجة طبعها المكدرة الهودية، بأن لها نسبة إلى الروح ~~{ إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين } ~~[القلم: 15]؛ يعني: إن كانت لها نسبة إلى الروح وما كانت زنيمة ولها حظ ~~من المعارف، ما قالت: { إذا تتلى عليه آياتنا } [القلم: 15] ~~الأنفسية أنها { أساطير ms1658 الأولين } [القلم: 15]؛ وعرفت حقيقة ~~الوارد النازل من حضرة رب العالمين. ### || [68.16-29] # { سنسمه على الخرطوم } [القلم: 16]؛ يعني: سوف يجعل في ~~نفسها وسم سواد فساد اعتقادها؛ لتعرف به بين القوى، لئلا يفتروا بنميمتها ~~ونفاقها ومداهنتها، { إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب ~~الجنة } [القلم: 17]؛ يعني: اختبرناهم كما اختبرنا القوى السالكة ~~المجاهدة على وفق هوى أنفسكم من غير الاقتداء، فتظهر لهم جنة المعرفة ~~النفسانية أعمالهم فاستبشروا بها وظنوا أنهم { ليصرمنها ~~مصبحين } [القلم: 17] ويتنعمون بها أبد الآباد، { إذ أقسموا ~~} [القلم: 17]؛ أي: حلفوا { ليصرمنها مصبحين } [القلم: 17] ~~ليقطعن ثمر المعرفة، { ولا يستثنون } [القلم: 18]؛ يعني: كانوا ~~غافلين عن ذكر الله وأن الأمر بمشيئة الله، معتقدين بأنفسهم غير مقلدين ~~لأهل الحق؟ # { فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون } [القلم: ~~19]؛ يعني: نار الغيرة من الله طافت على جنتهم، { وهم نآئمون } ~~[القلم: 19]؛ يعني: غافلون عن ذكر الله تعالى، { فأصبحت } [القلم: ~~20] فجعلت جنتها { كالصريم } [القلم: 20]؛ يعني: كالليل المظلم، { ~~فتنادوا مصبحين * أن اغدوا على حرثكم إن ~~كنتم صارمين } [القلم: 21-22]، فتنادت القوى بعضهم بعضا في صبح ~~طلع من أفق الصدر أن اغدوا على جنة معارفكم وحرث أعمالكم؛ لتقطعوا ~~وتدخروا بها، { فانطلقوا } [القلم: 23]؛ أي: انطلقت القوى { وهم ~~يتخافتون } [القلم: 23]؛ أي: يتشاورون { أن لا يدخلنها ~~اليوم عليكم مسكين } [القلم: 24]؛ يعني: لا تأذنوا للخواطر ~~المسكينة لئلا يشوشهم؛ لأن هذا الخاطر يقول معهم: إن جنة معارفكم ليست ~~بشيء، وحاصلها مثل # كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء # [النور: 39]. # { وغدوا على حرد قادرين } [القلم: 25]؛ يعني: [تحركوا] ~~على قصد أنهم قادرون على حرثهم، { فلما رأوها } [القلم: 26]؛ ~~يعني: جنة معارفهم وحرث أعمالهم، { قالوا إنا لضآلون } ~~[القلم: 26]؛ يعني: إنا لمخطئون الطريق، وهذا مقام إذا وصل إليه السالك ~~ويظن أن أعماله كانت أعمال بدعية هوائية غير مستنة بسنة مقتداه، فشاهد ~~موضع حرثه # كأن لم تغن بالأمس # [يونس: 24]، يقول: في نفسه أخطأت الطريق، ليس هذا موضع حرثي، ولا يعلم ~~أنه أخطأ الطريق وقت الزرع؛ فلأجل هذا حرم وقت الحصاد، من ثمرة عمله ~~وزرعه فالواجب على السالك أن يقتدي بمقتداه في جميع أعماله وأقواله، ~~وحركاته وسكناته، لئلا ms1659 يحرم وقت الحصاد من زرعه، ولا [يتأسف] على ضياع ~~عمله وفوات استعداده، ومضي زمان زرعه، يقولون: ما نحن بضالين ومخطئين ~~الطريق، { بل نحن محرومون } [القلم: 27] عن نفع زرعنا؛ لتركنا ~~الاقتداء وغفلتنا عن الذكر في الاستثناء، وقصدنا على أن يدخل علينا خاطر ~~السكينة، { قال أوسطهم } [القلم: 28]؛ يعني: أعلمهم وأخبرهم ~~وأعدلهم من القوة المكدرة، لهم: { ألم أقل لكم لولا ~~تسبحون } [القلم: 28]؛ أ ي: هلا تذكرون فتغفلون عن ذكر الرب، { ~~ولا يستثنون } [القلم: 18]، { قالوا سبحان ربنآ ~~إنا كنا ظالمين } [القلم: 29]؛ يعني: منزه ربنا عن أن يظلم ~~علينا، بل كنا ظلمنا أنفسنا بغفلتنا عن ذكر ربنا. ### || [68.30-42] # { فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون } [القلم: 30]؛ ~~يعني: القوى اللوامة بعد أن ترى آيات الرب نفسها، وهذا ينفع في أثناء ~~السلوك إذا طلع السالك على ظلمة الغفلة عن ذكر ربه وتركه الاقتداء ~~بمقتداه، فيتوب إلى الله ثم يستأنف العمل على وفق الاقتداء، ويترك الغفلة ~~ويشتغل بالذكر؛ ليزرع بعد ذلك على وفق أمر الدهقان الخبير، ويحصد - إن ~~شاء الله تعالى - على وفق مراده عن قريب ذاته، لا ينفع بأن يفرغ عنه ~~الآيات والأدوات، والبذر والأرض، ولا يزيد له من حسرته إلا العذاب الأليم ~~المقيم، اللهم نبهنا من نومة الغافلين واجعلنا من الذاكرين. # { قالوا يويلنا إنا كنا طاغين } [القلم: 31] في منعنا ~~المسكين، { عسى ربنآ أن يبدلنا خيرا منهآ إنآ ~~إلى ربنا راغبون } [القلم: 32]، فإذا تابوا إلى الله # يبدل الله سيئاتهم حسنات # [الفرقان: 70]، { كذلك العذاب } [القلم: 33]؛ يعني: هكذا يكون ~~العذاب، فينبغي أن يخالف السالك من مثل هذه الواقعة الهائلة ويرجع إلى ~~الله رغبة ورهبة، { ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا ~~يعلمون } [القلم: 33]؛ لأن الرجوع في الآخرة إلى عالم الكسب غير ~~ممكن، وفي هذه الواقعة التي رأى السالك إذا انتبه ويرجع إلى الله منيبا ~~تائبا يقبل الله توبته ويبدل الله سيئاته حسنات، فإن لم يلتفت إلى هذه ~~الواقعة الهائلة، ويظن أنها من قبيل الخيالات أو غلبة خلط السوداء يعذب ~~في الآخرة بمثل هذه الواقعة الهائلة، وأشد منها دائما أبدا بعد نزع ~~الآلات والأدوات ms1660 عنه. # { إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم } ~~[القلم: 34]؛ يعني: الذين اتقوا ربهم متاع الحياة الدنيا، واجتنبوا عنها ~~لهم عند ربهم جنات النعيم من كل ما اشتهت أنفسهم، { أفنجعل ~~المسلمين كالمجرمين * ما لكم كيف تحكمون } ~~[القلم: 35-36]؛ يعني: نجعل القوى المؤمنة كالمجرمة، لو تظنون أيتها ~~القوة المجرمة هذا منا ساء ما تظنون وجود ما تحكمون، وظنكم بالدهر مخطئ؛ ~~لأنا خلقناكم لتكونوا باقين أبد الآباد مظاهر اللطف والقهر، فكل من كان ~~مؤمنا مسلما فهو مظهر اللطف يتنعم أبد الآباد، ومن كان مشركا مجرما ~~فهو مظهر القهر يتألم أبد الآباد، { أم لكم كتاب فيه ~~تدرسون } [القلم: 37]؛ يعني: هذا الظن منكم بأن دين الدهر عن حق أم ~~من عند أنفسكم، أم من كتاب جاء من الحق أنتم درستم فيه، { إن لكم } ~~[القلم: 38] بعد الجزم { فيه } [القلم: 38]، في ذلك الكتاب { لما ~~تخيرون } [القلم: 38] لما تختارون وتشتهون، { أم لكم ~~أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم ~~لما تحكمون } [القلم: 39]؛ يعني: عاهدناكم وأعطيناكم مواثيق إلى ~~يوم القيامة، { إن لكم لما تحكمون } [القلم: 39]؛ أي: يفعل ~~بكم كما تشاءون وتختارون لأنفسكم بعد افتراق الجزم في دار الكسب. # هذا خطاب مع السالك الذي يتضرع ويبتهل بعد هذه الواقعة ويتمنى أن يكون ~~له بعد هذه الواقعة أحوال حسنة، ولا يفطن بأن نكبته من غفلته وترك ~~الاقتداء لمقتداه، فبقول الله تعالى لمقتداه { سلهم أيهم ~~بذلك زعيم } [القلم: 40]؛ يعني: أيتها اللطيفة الهادية المهدية ~~سلي عنهم من الكفيل لكم بأن الله يعطي لكم الأحوال السنية، { أم لهم ~~شركآء } [القلم: 41]؛ يعني: لهم أرباب غير الله، إن غضب ربكم، ~~أربابكم يشفعون لكم عنده! { فليأتوا بشركآئهم إن كانوا ~~صادقين } [القلم: 41]؛ يعني: يأتوا بشفعائكم منهم، { يوم يكشف ~~عن ساق ويدعون } [القلم: 42]؛ يعني: يكشف الغطاء عن شدة، { ~~ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون } [القلم: 42] ~~السجود؛ لأنهم استكبروا في دار الكسب عن التذلل للرب، والانقياد للطيفة ~~المبلغة والاقتداء بمقتداهم بقوا مطيعين ظهور عن غاية استكبارهم وإبائهم ~~الحق. ### || [68.43-52] # { خشعة أبصرهم } [القلم: 43]؛ أي: ذليلة مهينة ينظرون إلى ~~وجوههم المظلمة المكدرة و[أنوفهم] ms1661 المسودة، { ترهقهم ذلة } ~~[القلم: 43]؛ يعني يغشاهم ذل الندامة، وغضبة الحسرة، وهوان الفضيحة، { ~~وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سلمون } ~~[القلم: 43]؛ يعني: في دار الكسب عند سلامة استعداداتهم يدعون إلى طاعة ~~الحق، وتذليل النفس بالانقياد لأمر اللطيفة المرسلة إليهم أبوا وطغوا ~~وعتوا، وكذبوا اللطيفة المبلغة { فذرني ومن يكذب بهذا ~~الحديث } [القلم: 44]؛ يعني: دعني ومن يكذب بالوارد { ~~سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } [القلم: 44]؛ أي: ~~يمهلهم قليلا في رزق مكاشفاتهم النفسية ليزدادوا في إنكار اللطيفة، ~~ويفتروا ببعض الكرامات التي هي عين المكر مما يقدر العدو على إتيان مثلها ~~مثل المرور على الماء، والطيران في الهواء، والإسراف على الخواطر حتى يظن ~~أنه عند الله من المكرمين، وينكر المقتدى فيأخذهم بغتة، وينزع منهم ~~الآيات والأدوات، ويكشف عليهم أحوال زرعهم وحرثهم فصاروا عارفين بالمقتدى ~~متحرين على فوات الوقت وضياع الاستعداد معذبين أبد الآباد، { وأملي ~~لهم إن كيدي متين } [القلم: 45]؛ يعني: مهلتي في تلك ~~المكاشفات والكرامات كان من كيد المتين القوي، { أم تسألهم ~~أجرا فهم من مغرم مثقلون } [القلم: 46]؛ يعني: ~~اللطيفة المبلغة يسأل عن إبلاغها الأحكام أجرا يثقل عليهم ولم يطيعون، { ~~أم عندهم الغيب فهم يكتبون } [القلم: 47]؛ يعني: أم ~~عندهم كتب الغيب فهم يكتبون منها. # { فاصبر لحكم ربك } [القلم: 48] أيتها اللطيفة المبلغة؛ ~~يعني: اصبري على أذاهم وتكذيبهم لكن { ولا تكن كصاحب الحوت ~~إذ نادى وهو مكظوم } [القلم: 48]؛ يعني: لا تكن ضجرا ولا ~~تستعجل بالدعاء على قواك قبل نزع الآلات والأدوات عنها فربما يهتدون إلى ~~طريق الحق، ويتوبون إلى الله ويتركون الغفلة، والكظم من أشرف الأخلاق، ~~والصبر على الكظم أمر الدواء وأنفع لداء الحادث من الغيب والضجر. # { لولا أن تداركه نعمة من ربه } [القلم: 49]؛ ~~يعني: لولا أن أدركته الداخلة في النون { لنبذ بالعرآء } ~~[القلم: 49]؛ أي: طرح بالفضاء في جوف الحوت بالولاية الحيوانية النباتية ~~وكان محروما من نعمة النبوة النونية، { وهو مذموم } [القلم: 49] ~~يذم ويلام بنزوله وبانحطاطه من مرتبة النبوية والولاية، وهذا سالك دعا ~~على أممه على سبيل الضجارة بالعجلة وقت عروجه على معارج قلبه، ثم أخذ منه ~~آلات ms1662 الترقي بدعائه على أممه وطرح في جوف حوت الصدر فبقي فيه بحيث لا ~~تزيد مرتبته ولا يترقى من حاله، وهذه حسرة عظيمة للسالك ولو ألهم في قلب ~~السالك أنك وصلت إلى سدرة المنتهى منتهيك وأعطيت درجات جميع المقربين ~~وليس لك الترقي بعد هذه المرتبة ينبغي أن يعري نفسه بنزع الآلات والأدوات ~~عنها ووقوفها في مرتبتها؛ لأن المراتب الإنسانية والدرجات النفسانية غير ~~منتهية إذا دخل السالك في عالم اللاهوت كل ساعة ونفس ولمحة لا يترقى فيها ~~السالك من مقامه فهو مغبون كما قال صلى الله عليه وسلم: # " من استوى يوماه فهو مغبون كل الغبن " # ، من رضي بالدون وكل ما سوى الحق فهو دون، فاحذر عن الهمة الدنية وعليك ~~بالهمة العلية، كما قال سلطان العارفين طيفور البسطامي - قدس سره - ~~ليحيى بن معاذ الرازي حين سأله عن فضلات وارده الذي ورد عليه ليلة من ~~الليالي وجاءه يحيى ورآه في تلك الحالة فقام وراءه من إقباله إلى السحر ~~وهو على تلك الحالة فلما أفاق والتفت سلم يحيى عليه وقال: أفض ما أفاض ~~الله عليك، فقال: لو أعطاك الله درجات جميع الأنبياء والأولياء لا تقنع ~~بها ولا تسكت عن الطلب؛ لأن عنده أكثر منها لا يتناهى أبد الآبدين ودهر ~~الداهرين، { فاجتباه ربه } [القلم: 50]؛ يعني: اصطفاه بنعمة ~~النبوة التي أعطاه إياها، { فجعله من الصالحين } [القلم: ~~50]؛ يعني: من اللطيفة المستخلفة عن الأباطيل الصالحة لدعوة الأمم. # { وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم ~~لما سمعوا الذكر } [القلم: 51]؛ يعني: إذا أرادوا القوى ~~الحاسدة ليحسدوا بالوارد والذي يرد عليك، ويزلقونك بأعينهم لما عظموا ~~أمرك { ويقولون إنه لمجنون } [القلم: 51] لبعض القوى ~~الجاهلة فاستعذ بالله منهم، وتيقن أنك لست بمجنون، والوارد الذي يرد عليك ~~ما هو إلا ذكر وموعظة وغيرة لقواك، كما يقول الله تعالى: { وما هو ~~إلا ذكر للعالمين } [القلم: 52]، فيا أيها الطالب تفسير بطن ~~القرآن ينبغي أن تطلع أولا على ظهر القرآن، ويستقيم ظاهرك على أوامره ~~ونواهيه، ثم تشتغل ثانيا بتطهير باطنك لتفهم بطن القرآن بتعليم الرحمن ~~وإلهام الملك الديان، وتطلع ms1663 على معرفة حده ثالثا في عالم الجنان، وتشرف ~~بمشاهدة مطلعه رابعا من غير ظن وحسبان، وهو المستعان وعليه التكلان، ~~اللهم ثبتنا على متابعة حبيبك سيد الإنس والجان صلى الله على آله وصحبه ~~والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الفرقان. ### | [69 - سورة الحاقة] ### || [69.1-10] # أيها الغافل عن القيامة السرية اعلم أن قيامته حاقة مستحاقة محاقة فيما ~~يقول في كتابه الكريم { الحاقة * ما الحآقة * ومآ أدراك ~~ما الحاقة } [الحاقة: 1-3]؛ يعني: حقت القيامة الواقعة في السر ~~الذي فيه خوارق الأمور، وحقائقها أن يعتبر بها؛ يعني: مستحاقة الوجود عن ~~الأباطيل، ومحاقة الوجود الحادث بحيث لا يبقى إلا الوجود الحقيقي في ~~الوجود المطلع، وفي أثر هذه القيامة قال أستاذ الطريقة الجنيد البغدادي ~~قدس سره: ليس في الوجود إلا الله الحاقة الأولى هي المستحاقة، ~~والثاني نية هي المحاقة، والثالثة هي الحاقة التي تحق حقوقها وتظهر ~~الحقائق المودعة في جميع القوى والمفردات واللطائف، ولم يطلع أحد عليها ~~إلا بعد الوصول إليها، ومطالعتها عيانا، { كذبت ثمود وعاد ~~بالقارعة } [الحاقة: 4]؛ يعني: كذبت قوى اللطيفة القارعة؛ يعني: ~~كذبت قوى اللطيفة القالبية والنفسية العادية المتعدية المكذبة لطائفها ~~المنذرة لها بالقارعة، وهو قيامة القلب حتى نزل لهم العذاب الذي هو علامة ~~القارعة في الدنيا. # { فأما ثمود } [الحاقة: 5]؛ يعني: قومه وقوى اللطيفة القالبية، { ~~فأهلكوا بالطاغية } [الحاقة: 5]؛ أي: بطغيانهم هلكوا حين سلط ~~الله عليهم عين طاغيتهم من كدورات تراب قالبهم، والأخلاق نشأت من خواص ~~التراب مثل الكبارة والجهل والمذلة وأمثالها { وأما عاد ~~فأهلكوا بريح صرصر عاتية } [الحاقة: 6]؛ يعني: سلط الله ~~عليهم حين عتوهم الحاصل من ريح قالبهم المكدرة بظلمات الحظوظ الهودية، ~~والأخلاق التي ظهرت منها مثل الإباء عن الحق والاستنكاف عن قبول الحق ~~ومتابعة الهوى. # { سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام ~~حسوما } [الحاقة: 7]؛ يعني: سلط الريح عليهم سبع ليال حاصلة من ظلمات ~~ما افترقت لسبعة أغصانهم مما زين لهم الشهوات من النساء والبنين، والذهب ~~والفضة، والخيل المسومة والأنعام والحرث اللاتي هن متاع الحياة الدنيا، ~~وبها يقدر الشيطان أن يزين الدنيا في عيون ابن آدم، ms1664 وفي وجودك أشار إلى ~~النساء بالقوة القابلة، والبنين بالقوة المتولدة والخواطر التي نتجت من ~~القوى القابلة، والذهب والفضة بالاستعدادات المعدنية القالبية، والخيل ~~المسومة والأنعام والحرث بالاستعدادات الحيوانية والنباتية والنفسية، ~~وثمانية أيام ظاهرة من ثمان صفات التي وهبها الله تعالى لبني آدم ليطيع ~~بها الحق ويستعملها في معرفة الحق؛ وهي الحياة، والسمع، والبصر، والكلام، ~~والعلم، والإرادة، والقدرة، والحكمة، فاستعمالها في معرفة الحياة وهي ~~الحياة في الباطل والحظوظ، وبالغ في النكران والكفران فبريح ظنونهم ~~الباطلة العاتية أهلكهم الله في سبع ليال مظلمة حاصلة من استعمال سبعة ~~أغصانهم في طلب الباطل، وثمانية أيام مكدرة بدخان الهوى من استعمال ثمان ~~صفاتهم من متابعة الهوى ومخالفة المولى، { حسوما } [الحاقة: 7]؛ أي: ~~متتابعة؛ لأنهم بهذه الأعضاء والصفات تتابعوا في معصية الله تعالى وكانوا ~~غافلين عن ذكر الله، ولا يذكرونه لا كثيرا ولا قليلا، { فترى ~~القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية } ~~[الحاقة: 7]؛ يعني: في تلك الليالي والأيام ترى وجودهم الحاصل من حظوظ ~~الباطل [ساقط] لكل مثل { أعجاز نخل خاوية } [الحاقة: 7]؛ أي: ~~ساقط من شدة الريح مما لا يكون أصله محكما؛ يعني: وجودهم وجود إنسان ~~ولأصل هذا شبهت بالنخلة ولكن ما كانت نخلة، وجودهم أصيلا عريقا في أرض ~~الإيمان # اجتثت # [إبراهيم: 26] قوة الأرض # ما لها من قرار # [إبراهيم: 26] فقلعتها ريح ظنونهم الكاذبة بالحق العاتية للحق عن أصلها ~~خاوية خالية الأجواف عن الحق. # { فهل ترى لهم من باقية } [الحاقة: 8]؛ يعني: ترى اليوم ~~من تلك القوى والخواطر أثرا { كأن لم تغن بالأمس } [يونس: ~~24] { وجآء فرعون ومن قبله والمؤتفكات ~~بالخاطئة } [الحاقة: 9]؛ يعني: اللطيفة القالبية الغير المستخلصة ~~عن الأباطيل في الوجود الحادث وقواها الخاطئة المؤتفكة، { فعصوا ~~رسول ربهم } [الحاقة: 10]؛ أي: عصوا اللطيفة المطهرة المرسلة ~~إليهم، { فأخذهم أخذة رابية } [الحاقة: 10]؛ أي: زائدة ~~على عذاب من قبلهم؛ لأن ماء وجودهم طغى الحق، وحصل لهم من ماء وجودهم ~~محبة الدنيا، وشرب وجودهم ماء حبة الدنيوية، بحيث [كان] الشبع في وجودهم ~~مجاري الشيطان، ويدخل في عروقهم لاتساع مجاريهم، وظهر لهم من ماء وجودهم ~~أخلاق كريهة مثل ms1665 طول الأمل والأماني الباطلة، واستسقاء الحرص والكسالة في ~~الطاعة وأمثالها يسلطها الله عليهم. ### || [69.11-19] # { إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية } ~~[الحاقة: 11]؛ يعني: في زمن نوح إذا طغى ماء وجودهم فطغى الماء وسلط ~~عليهم حملناكم في سفينة السكينة عند تلاطم البحر الطاغي الوجود، { ~~لنجعلها لكم تذكرة } [الحاقة: 12]؛ أي: عظة وعبرة؛ لئلا ~~يشتغلوا بعد الأخلاق الحاصلة من الماء الطاغي، { وتعيهآ أذن ~~واعية } [الحاقة: 12]؛ يعني: لتحفظها وتبلغها إلى من بعدها؛ لئلا ~~يطغوا ربهم، ولا يعصوا للطيفة المرسلة إليهم؛ لئلا يعذبوا بالماء الطاغي ~~فما فعلتم بل نسيتموها، # فأغرقناهم في اليم # [الأعراف: 136] بطغيانهم اللطيفة المرسلة إليهم المذكرة لهم. # { فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة * وحملت ~~الأرض والجبال } [الحاقة: 13-14]؛ يعني: إذا نفخ نفخ الذكر ~~اللساني القالبي رفعت الأرض البشرية والجبال المعدنية من أماكنها، { ~~فدكتا دكة واحدة } [الحاقة: 14]؛ أي: كسرتا حتى صارتا # هبآء منبثا # [الواقعة: 6]، { فيومئذ وقعت الواقعة } [الحاقة: 15]، ~~والواقعة قيامة الروح، كما أن الحاقة قيامة السر، والساعة قيامة القلب، { ~~وانشقت السمآء فهي يومئذ واهية } [الحاقة: 16]؛ أي: ~~ضعيفة مع صلابتها من شدة نفخ الذكر. # { والملك على أرجآئهآ } [الحاقة: 17]؛ يعني: القوى على ~~أقطار السماء متحيزين مترصدين مراقبين إشارة الرب تعالى، { ويحمل ~~عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } [الحاقة: 17]؛ يعني: ~~يحمل حقيقة العرش الروحاني حقائق الصفات الثمانية فوق القوى القلبية، ~~والذي جاء في الحديث أنهم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله ~~بأربعة أخر؛ هي أربعة حروف سوادية التي الآن حافظة صورة عرش كلمة الله، ~~فإذا جاءت القيامة أيدهم الله بأربعة حروف بياضية ليحفظ حقيقة عرش كلمة ~~الله في تلك الساعة؛ ولهذا السر تتقي النفوس المتألمة والمتنعمة في ~~العقبى خالدات، وحقيقتها تتعلق بحد القرآن، فاختصرت على هذا الذي بينت لك ~~مما لم يبينه قبلي أحد قط، واغتنم بهذا البيان، واشتغل بالسلوك في ~~الطريقة المستقيمة المسلوكة بالأقدام الثابتة على الصراط المستقيم، وهو ~~متابعة نبيه الكريم صاحب الخلق العظيم صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ~~والتابعين لهم بإحسان الثابتين على الدين القويم، وهم الذين جمعوا بين ~~ظاهر القرآن ms1666 وباطنه، وآمنوا بمحكمه ومتشابهة، ومما أولوه من عند أنفسهم ~~برأيهم العليل وعلمهم القليل { يومئذ تعرضون } [الحاقة: 18] ~~الأعمال والخواطر على الله الخبير اللطيف، { لا تخفى منكم ~~خافية } [الحاقة: 18]؛ أي: لا يمكن إخفاء خاطر خفي لا شهادة القوى ~~الباطنة والجوارح الظاهرة على أعمال صاحبها وأفكاره. # { فأما من أوتي كتبه بيمينه فيقول هآؤم ~~اقرءوا كتبيه } [الحاقة: 19]؛ وهم أصحاب اليمين أهل اليمن ~~والبركة ممن صدقوا اللطائف المرسلة إليهم، وآمنوا بالله واليوم الآخر ~~يقول لهم تعالى: خذوا كتابكم واقرءوا ما في صحيفتكم يقولون فرحين: ### || [69.20-29] # { إني ظننت } [الحاقة: 20]؛ أي: أيقنت { أني ملاق ~~حسابيه } [الحاقة: 20]؛ أي: حسابي في الآخرة، { فهو في عيشة ~~راضية * في جنة عالية } [الحاقة: 21-22]؛ يعني: المؤمن ~~الموقن بيوم الحساب والجزاء يكون في ذلك؛ أي: في حالة مرضية في جنة ~~القلب. # { قطوفها دانية } [الحاقة: 23]؛ يعني: يسهل عليه اقتطاف ثمرات ~~المعارف من شجرة وجودهم يقال في جنة القلب: { كلوا واشربوا ~~هنيئا بمآ أسلفتم في الأيام الخالية } [الحاقة: ~~24]؛ يعني: أخلاقهم الحميدة الطيبة يقول لهم: كلوا من طعام الذكر، ~~واشربوا من شراب المحبة، واقطفوا من ثمار المعرفة، هنيئا لكم بما جاهدتم ~~في الله، وصبرتم على ترك اللذات العاجلة والشهوات الفانية لذتها في ~~الأيام الماضية الدنيوية الغير ثابتة، { وأما من أوتي كتبه ~~بشماله } [الحاقة: 25] لاعوجاجه في طريق الحق والبغاية من قبلة ~~التوجه إلى جانب الهوى وإقباله على الدنيا، { فيقول } [الحاقة: 25] ~~صاحب الكتاب { يليتني لم أوت كتبيه } [الحاقة: 25] سيتمنى ~~إن لم يفقه كتابه المملوء من قبائح أعماله وفواسد أفكاره. # { ولم أدر ما حسابيه } [الحاقة: 26]؛ يعني: يا ليتني كنت ~~ترابا بحيث لا أقدر أن أقرأ كتابي، وفي هذا المقام يتمنى ألا يكون له ~~إدراك كما كان قبل دخوله في الطور الإنساني، ولا ينفع له التمني ولم يزد ~~له إلا عذابا، { يليتها كانت القاضية } [الحاقة: 27]؛ ~~يعني: يتمنى أن يكون منه في القالب فلا يبعث من قبر القالب فيكون موتى ما ~~كان علم بهذا اليوم، { مآ أغنى عني ماليه } [الحاقة: 28]، ما ~~ينفعني الاستعداد الذي حصل في مملكة وجودي، وهذا عذاب يختص ms1667 بالمجاهدين ~~السالكين الذين سلكوا الطريق من غير إرشاد المرشدين المتصل إرشاده بالنبي ~~الهادي عليه السلام؛ يعني: سلك الطريق برأيه وعقله وفكره وحديثه لا من ~~إلهام رباني ووارد رحماني، يتمنى صاحبه أنه كان ميتا في قالبه قبل ~~اشتغاله بالسلوك ورفعه بعض الحجب بكثرة مجاهدته، كما أن العوام [مبعدين] ~~عن إدراك هذه الآلام مشتغلين بهوى أنفسهم لكثافة حجبهم الظلمانية ~~القالبية والنفسية. # { هلك عني سلطانيه } [الحاقة: 29]؛ يعني: ما بقيت لي حجة ~~ونزع عني استعدادي الذين يمكن به أن أحاج، وشهدت علي جوارحي وقواي ~~بأعمالي وأفكاري فلا برهان لي ولا سلطان لي ولا نصير لي ولا ظهير لي، ~~يقول تعالى لخزنة جهنم التي رباها وقواها في دار الكسب: ### || [69.30-42] # { خذوه فغلوه } [الحاقة: 30] بالتجلي الذي أنقل صورته { خذوه ~~فغلوه } [الحاقة: 30]؛ يعني: جحيم نفسه [وأغلاله] { ثم ~~الجحيم صلوه * ثم في سلسلة ذرعها سبعون ~~ذراعا فاسلكوه } [الحاقة: 31-32]؛ أي: خذوه بالقوة التي رباها في ~~دنياه فغلوه بالبخل الذي أنقل صورته، { ثم الجحيم صلوه } ~~[الحاقة: 31]؛ يعني: جحيم نفسه التي اشتعل فيها نيران الحقد والحسد ~~والكبر والبغض، ثم في سلسلة أمانيه وأماليه المسلسلة بعضها ببعض إلى ~~الآن، { ذرعها سبعون ذراعا } [الحاقة: 32]؛ وهي إشارة إلى ~~أنها الحجبات الحاصلة من استعمال أغصانها السبعة في الحواس العشرة ~~الظاهرة والباطنة على وفق هواه في جميع دنياه، والاشتغال بما اشتهاه، { ~~فاسلكوه } [الحاقة: 32] فما دخوله أبد الآباد؛ لأنه كفر بالله ~~الأزلي الأبدي، وأشرك بصفاته الأزلية الأبدية حين استعمل صفاته المعطية ~~له لأجل أن يعرف بها الحق من الباطل الحاصل منه النكرة. # { إنه كان لا يؤمن بالله العظيم * ولا يحض ~~على طعام المسكين } [الحاقة: 33-34]؛ يعني: لا يصدق اللطيفة ~~المبلغة بوجود البارئ ولا يطعم خاطر السكينة طعام ذكر الله الذي خلقه، ~~ولا يأمر القوى النفسية أن يطعمون الخواطر النازلة إليهم من السكينة، { ~~فليس له اليوم ها هنا حميم } [الحاقة: 35]؛ أي: قريب ~~شفيع له وصديق ينفعه. # { ولا طعام إلا من غسلين } [الحاقة: 36]؛ يعني: ليس له ~~طعام في هذا المقام إلا غسالة فرحته التي [هي] فرحت وجوده بالأخلاق ms1668 ~~الردية والأوصاف الرذيلة في دار الكسب، { لا يأكله إلا ~~الخاطئون } [الحاقة: 37]؛ لأنهم أخطئوا رميهم بسهام استعدادهم ~~ففرحوا بتلك السهام التي أعطيناهم؛ ليروا بها العدو وجودهم المدرك الذي ~~حصل من امتزاج المفردات العلوية والسفلية الباقي بعد خراب البدن المجعول ~~أبد الآباد، { فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون ~~} [الحاقة: 38-39]؛ أي: أقسم بما تبصرون من قدرتي ونفاذ مشيئتي وإظهار ~~لطفي وقهري، { وما لا تبصرون } [الحاقة: 39] من حكمتي في إيلام ~~بعض المظاهر وإنعام بعضها. # { إنه لقول رسول كريم } [الحاقة: 40]؛ يعني: إن هذا ~~الوارد الذي يتلو عليكم اللطيفة الخفية وتقول لكم معناه ما تقول من ~~عندها، { وما هو بقول شاعر } [الحاقة: 41]؛ يعني: ما تلقفته ~~بفكرها وما نظمته بحسن طبعها، { قليلا ما تؤمنون } [الحاقة: ~~41]؛ يعني: لا تؤمن القوى القالبية المكذبة المكدرة باللطيفة المبلغة ~~أصلا، { ولا بقول كاهن } [الحاقة: 42]؛ يعني: لا بقول من إلقاء ~~الشيطان، { قليلا ما تذكرون } [الحاقة: 42]؛ يعني: القوى ~~النفسية المعاندة لا تذكر أصلا أن اللطيفة كانت معنا من قبل ورود ~~الوارد، وما قالت معنا شيئا من هذا وما أمرتنا لاتباع لها وقت الطفولية ~~إلى وقت البلوغ، فالذي تقول في هذا الوقت كون من عند غيرها لا من عندها ~~ينبغي أن يقول في أول حال صاحبناها. ### || [69.43-52] # { تنزيل من رب العالمين } [الحاقة: 43]، يعني: إنه تنزيل ~~من رب العالمين يتلوه رسول الرسل الكريم، { ولو تقول علينا ~~بعض الأقاويل } [الحاقة: 44]؛ أي: لو اختلف في نفسه بعض ما قال؛ ~~أي: لو اختلف من نفسه بعض ما قال، { لأخذنا منه باليمين } ~~[الحاقة: 45]؛ أي: أخذنا قوله عليه بقوة المجادلة والمباحثة، { ثم ~~لقطعنا منه الوتين } [الحاقة: 46]؛ يعني: لقطعنا حجته التي ~~يحاج بها معنا من ظهر قلبه، { فما منكم من أحد عنه ~~حاجزين } [الحاقة: 47]؛ يعني: من القوى القالبية والنفسية لا يكونوا ~~مانعين إن كنا نقطع حجته التي يحاج اللطيفة بها معنا من عند نفسه وظهر ~~قلبه. # { وإنه لتذكرة } [الحاقة: 48] وموعظة وعبرة { ~~للمتقين } [الحاقة: 48] الذين اتقوا خواطر النفس الأمارة، واتقوا ~~متاع الدنيا التي هي آلة تزيين الشيطان، { وإنا لنعلم أن ~~منكم ms1669 مكذبين } [الحاقة: 49]؛ لأنا خلقناهم بظاهر القهر، ~~وجعلناهم على التكذيب والكفران، { وإنه لحسرة على ~~الكافرين } [الحاقة: 50]؛ يعني: إن تضييعهم هذا الاستعداد الذي ~~أعطيناهم ليكونوا مظاهر صفتنا؛ إذا عرفوا يوم القيامة يكون حسرة عليهم ~~لتضييعهم الاستعداد واستعمال في الباطل { وإنه لحق اليقين } ~~[الحاقة: 51]؛ يعني: وقوع القيامة والمحاسبة والمجازاة وورود الوارد لحق ~~اليقين على الواصل. # { فسبح باسم ربك العظيم } [الحاقة: 52]؛ يعني: بعد ~~وصولك إلى هذه الحالة فنزه باسم ربك العظيم، وهو الله مجازي ذكره الكريم، ~~واشتغل بالذكر الخفي في هذا المقام بتنزيهك مجازي الذكر، وتنزيهك مجازي ~~الذكر فقدان وجودك بوجدان وجودك الحق؛ لتصل إلى حقيقة حق اليقين إن شاء ~~الله رب العالمين. # اللهم أذقنا حلاوة حقيقة اليقين بحق محمد خاتم الأنبياء وسيد المرسلين ~~صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه آجمعين. ### | [70 - سورة المعارج] ### || [70.1-10] # أيها السائل عن العذاب الواقع الذي ليس له دافع غير الذكر الواقع قدر ~~صاحبه في العروج النافع له في الرجوع القاطع برهانه الساطع نوره اللامع ~~أما تقرأ سورة المعارج؛ لتفهم من ظاهر تفسيرها كيفية عروجك إلى بارئك، ~~ومن باطن تفسيرها حقيقة رجوعك إلى ربك، وهو قال لحبيبه صلى الله عليه ~~وسلم: { سأل سآئل بعذاب واقع * للكافرين ليس له ~~دافع * من الله ذي المعارج } [المعارج: 1-3]؛ يعني: حضرة ~~الله معارج جميع اللطائف لطيفة. # { تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة } [المعارج: 4]، ولطيفة تعرج إليه ~~في يوم كان مقداره سبعمائة ألف سنة، ولطيفة تعرج إليه في يوم كان مقداره ~~ثلاثمائة ألف سنة وستين ألف سنة، ولطيفة تعرج إليه في يوم كان مقداره ~~سبعين ألف سنة، ولطيفة تعرج إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ~~ولطيفة تعرج إليه في يوم كان مقداره ستة آلاف سنة، ولطيفة تعرج إليه في ~~يوم كان مقداره ألف سنة، ولطيفة تعرج إليه في يوم كان مقداره أقل من ~~لمحة، وهذه اللطيفة الأنانية الكاملة المستحقة للمرآتية وإفشاء سر ~~معارجها ومدتها المقدرة من حد القرآن مما لا يحل إفشاؤها. # { تعرج الملائكة والروح } [المعارج: ms1670 4]؛ يعني: القوى ~~الروحانية والروح الأسنية إليه، إلى حضرة في يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة؛ لأنهم ما كسبوا من أرض البشرية استعدادا وقوة فأما المدبرات ~~الأمرية التي أنزلها الله من السماوات إلى الأرض، ثم يعرج إليه في يوم ~~كان مقداره ألف سنة؛ ولأجل هذا السر قال الشيخ الصمداني أبو الحسن ~~الخرقاني قدس سره: إني صعدت ظهيرة للطوف بالعرش فرأيت جماعة يطوفون ~~بالعرش طوافا لا يعجبني لبرودتهم وسكونتهم؛ فطفت بالعرش ألف طوفة وما ~~أتموا طوفة واحدة فسألتهم من أنتم؟ وما هذه البرودة في طوافكم؟ قالوا: ~~نحن الملائكة، وهذا طبعنا لا يمكن أن نتجاوز عما جبلنا الله عليه، ~~فسألوني من أنت؟ وما هذه السرعة؟ قلت: أنا ابن آدم وهذه السرعة نتيجة طبع ~~النار التي ركدت فينا. # { فاصبر صبرا جميلا } [المعارج: 5]، أيتها اللطيفة الخفية على ~~استهزاء السائلين عن العذاب الواقع للمكذبين لك { إنهم يرونه ~~بعيدا } [المعارج: 6]؛ يعني: يرون العذاب بعيدا لحجابهم وغطائهم { ~~ونراه قريبا } [المعارج: 7]؛ لأن العذاب محيط بهم، بل صار وجودهم ~~عين العذاب بما كسبوا من النار والحطب في دار الكسب؛ فاصبر حتى تشتعل ~~نارهم ويحترق بنارهم حطبهم ويكشف غطاؤهم؛ ليصيروا بالعذاب ويتضرعوا، ~~ويقولون: # ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا # [السجدة: 12]، فيقول لهم: # ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون # [السجدة: 20]، ولو أراد والتكرار لقوله لهم: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108]. # { يوم تكون السمآء كالمهل } [المعارج: 8]؛ يعني: سماء ~~الصدر كغلي الزيت إذا أذيبت من شدة اشتعال نيرانهم، { وتكون ~~الجبال كالعهن } [المعارج: 9]؛ يعني: جبال القوة المعدنية ~~القالبية: كالصوف المنقوش عند هبوب ريح هوائهم، { ولا يسأل حميم ~~حميما } [المعارج: 10] من شدة العذاب، ولا يقدرون من شدة عذاب أنفسهم ~~أن يسألوا عن أحوالهم. ### || [70.11-25] # { يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب ~~يومئذ ببنيه } [المعارج: 11] أي بجميع خواطره الشهواتية، { ~~وصاحبته وأخيه } [المعارج: 12]؛ أي: بقالبه وأخيه { ~~وفصيلته التي تؤويه } [المعارج: 13]؛ أي: بقوى نفسانية ~~قريبة إليه، { ومن في الأرض جميعا } [المعارج: 14]؛ أي: بجميع ~~القوى الحاصلة في الأرض البشرية، { ثم ينجيه } [المعارج: 14] من ~~ذلك العذاب بفان؛ يعني: تتمنى اللطيفة ms1671 النفسية المكدرة الملطخة المكذبة ~~المستهزئة عند نزول العذاب، ونزع الآلات والأدوات عنها أن تفتدي بجميع ~~مالها؛ لتتخلص من ذلك العذاب، { كلا } [المعارج: 15]؛ أي: حقا لا ~~يمكن بها النجاة عند اشتعال نيرانها في دار الكسب، وجمع حطبها الباقي أبد ~~الدهر، والانتزاع منها؛ لأن الكسب { إنها لظى } [المعارج: 15]؛ ~~يعني: النار التي أوقدتها في جهنم قالبا ذات لظى ولهب أبدية دائمة { ~~نزاعة للشوى } [المعارج: 16]؛ يعني: تلك النار حال كونها ينزع ~~الجلد واللحم من العظم، { تدعوا من أدبر وتولى } ~~[المعارج: 17]؛ يعني: النار التي أوقدتها تدعو صاحبها وموقدها الذي أدبر ~~عن الحق وتولى عن اللطيفة المنذرة الداعية بها إلى الجلد، { وجمع ~~فأوعى } [المعارج: 18]، أي: أجمعت القوى والاستعداد في مخالفة الحق، ~~فأوعيها وحفظها؛ ليكون معينها على استيفاء الشهوات عنه الهوائية { إن ~~الإنسان خلق هلوعا } [المعارج: 19]؛ يعني: حريصا على ما منع ~~منه، ضجورا جزوعا عند منع الشهوات عنه، غير صابر على الرياضة والمجاهدة ~~{ إذا مسه الشر جزوعا } [المعارج: 20] يجزع إلى الخلق، ولا ~~يرجع إلى الخالق بالتسليم والرضاء { وإذا مسه الخير منوعا ~~} [المعارج: 21]؛ يعني: لا يعطي حقوق القوى العلوية من خير أعطى الله ~~القوى السفلية { إلا المصلين * الذين هم على ~~صلاتهم دآئمون } [المعارج: 22-23]؛ يعني طبيعة الإنسان هكذا إن ~~الإنسان يتوجه إلى الله على سبيل الدوام. # { والذين في أمولهم حق معلوم * للسآئل ~~والمحروم } [المعارج: 24-25]؛ يعني: القوى السفلية التي توزن حق ~~السائل من القوى العلوية الغريبة النازلة في مساكنهم من استعداداتهم، ~~الحاصلة في مملكة القالب والمحروم الذي كان محروما من طعامه فرضي، وهو ~~الذكر وهو القوة القلبية؛ لأن قوتها سند الذكر. ### || [70.26-33] # { والذين يصدقون بيوم الدين } [المعارج: 26]؛ يعني: ~~يوم الجزاء بعد يوم الكسب، { والذين هم من عذاب ربهم ~~مشفقون } [المعارج: 27]؛ يعني: يخالفون قهريته ويرجون لطفه ويعلمون ~~{ إن عذاب ربهم غير مأمون } [المعارج: 28]، إلا من رحم ~~الله بلطفه. # { والذين هم لفروجهم حافظون } [المعارج: 29]؛ يعني: ~~حافظون قوة شهوتهم { إلا على أزواجهم } [المعارج: 30]؛ يعني: ~~إلا على ما جعل الله لهم فيه حقا؛ ليكون بذل ما بتجلي عن وجودهم ويبقى ~~به وتبقى ms1672 به قوتهم لطاعته، { أو ما ملكت أيمانهم } ~~[المعارج: 30]؛ يعني: فوق الحظ الذي إن لم يكن هو يستحلل الحق ويزوج ~~صاحبه بعد أيام إلى الموت. # { فإنهم غير ملومين } [المعارج: 30] باستعمالهم القوة ~~الشهرية في استيفاء الحق أو الحظ الذي يكون الحق أنه دائما لله تعالى لا ~~لهوى أنفسهم { فمن ابتغى ورآء ذلك } [المعارج: 31]؛ يعني: ~~من يستعمل القوة الشهوية؛ لاستيفاء حظوظه العاجلة على وفق هواه وخلاف رضا ~~مولاه؛ { فأولئك هم العادون } [المعارج: 31]؛ أي: ~~المجاوزون عن الحسد الظالمون على أنفسهم. # { والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون } [المعارج: ~~32]؛ يعني: يحافظون على أمانات الحواس الظاهرة والباطنة، لا ينظرون إلا ~~بالحق ولا يسمعون إلا للحق ولا يتكلمون إلا بالحق ولا يتفكرون إلا في ~~آيات الحق، وبعبارة أخرى: لا يفشون أسرار الحق وهم الأمناء من الخواطر. # { والذين هم بشهاداتهم قائمون } [المعارج: 33]؛ يعني: ~~لا يكتمون الشهادة التي تطلب منهم اللطيفة الخفية في استعمال القوى ~~النفسانية القوى الشهوية بغير الحق. ### || [70.34-39] # { والذين هم على صلاتهم يحافظون } [المعارج: 34]؛ ~~يعني: الذين هم يراقبون الأوقات التي فيها مأذنون بالتوجه إلى الحضرة ~~الصمدية، { أولئك في جنات مكرمون } [المعارج: 35]؛ ~~يعني: أولئك آمنون من العذاب، مكرمون في جنات القلب، { فمال الذين ~~كفروا قبلك مهطعين } [المعارج: 36]؛ يعني: ما بال القوى ~~الكافرة المستهزئة حين تريد أن تبلغ حكم الوارد مسرعين إليك؛ ليسمعوا ~~أحكام الوارد أحوال الغيب ويستهزئوا { عن اليمين وعن الشمال ~~عزين } [المعارج: 37]؛ أي: جماعات متفرقين حولك، يسمعون كلامك وأخبارك ~~عن حكم الوارد، يكذبون بالقلب، ويستهزئون به إذا تفرقوا من مجلسك # الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم ~~يعمهون # [البقرة: 15]. # { أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم } ~~[المعارج: 38] بأنهم يجيئون بالصورة عندك ويجلسون معك نفاقا ورياء ~~وسمعة، أن يدخل جنة القلب { كلا }؛ أي: لا يدخل جنة نعيم حتى يطهر ~~قلبه من النفاق، ويصدقك وحظ السالك من هذه الآية أن يجتهد في الخلوة عند ~~غلبة الذكر، ولمعان الأنوار لا تغتر بها نفسه يمنع صاحبه عن الاجتهاد ~~والمبالغة في الذكر؛ لشؤمه من هذه الحالة، ولو اغتر بها لمنع عن الدخول ~~في ms1673 جنة القلب. # { إنا خلقناهم مما يعلمون } [المعارج: 39]؛ يعني: من ~~نطفة ثم نربيها طورا فطورا؛ حتى صارت ذاكرة فينبغي ألا ينسى أزل ~~حاله، ولا يغش بما فيه من نعيم مشاهدة الآيات الآثارية؛ لئلا يحرم عن ~~مشاهدة الآيات العقلية، ولا يغتر بها أيضا؛ لئلا يحرم عن مشاهدة الصفات، ~~ولا يقنع بها؛ لئلا يحرم عن المعارف الذاتية. ### || [70.40-44] # { فلآ أقسم برب المشرق والمغرب } [المعارج: 40]؛ ~~يعني: أقسم برب مشارق كل نفس نازل من الوجود، ومغارب كل نفس صاعد من ~~الأنفاس النازلة من الوجود، { إنا لقدرون * على أن ~~نبدل خيرا منهم } [المعارج: 40-41]؛ يعني: تبدل نفسك خيرا ~~مما نزل وصعد، { وما نحن بمسبوقين } [المعارج: 41] لا تقدر ~~النفس أن تسبقنا، { فذرهم يخوضوا ويلعبوا } [المعارج: ~~42]؛ يعني: دع القوى المكذبة يخوضوا مع هواهم في أودية الشكوك، ويلعبوا ~~مع أطفال شهواتهم في زقاق الطبيعة؛ { حتى يلقوا يومهم ~~الذي } [المعارج: 42] كانوا { يوعدون } [المعارج: 42]؛ حتى ~~يشاهدوا ويعاينوا. # { يوم يخرجون من الأجداث سراعا } [المعارج: 43]؛ يعني: ~~من قبور قوالبهم مسرعين مجيبين الداعي مجبورين في الإجابة { كأنهم ~~إلى نصب يوفضون } [المعارج: 43]؛ يعني: إلى ضالتهم يسرعون { ~~خشعة أبصرهم } [المعارج: 44]؛ أي: ذليلة خاضعة مهينة ملتفتة ~~يمينا وشمالا طالبة مغيثا ومعينا، ولا تجد مفرا ولا مهربا { ~~ترهقهم ذلة } [المعارج: 44]؛ أي: يغشاهم هوان فوق هوان؛ ~~لتكذيبهم اللطيفة واستهزائهم بالوارد. # { ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون } [المعارج: 44]، فيا ~~أيها السالك: اعتبر بهذه السورة، واحذر عن تكذيبك الوارد واليوم الموعود ~~ولا تحسب أن الذي عانيته في نفسك هو اليوم الموعود؛ لئلا يكفر باليوم ~~الموعود العامر، وتيقن أن الذي وجدته في نفسك بالموت الاختياري فكذلك ~~تجده في الموت الاضطراري، ومثل ذلك تجده في اليوم الموعود الكبير العظيم، ~~وإن لم يؤمن بالقيامات الثلاث: # الصغرى: الحاصلة من الموت الاختياري كما قال صلى الله عليه وسلم: # " قبل أن تموتوا ". # والوسطى: بالموت الاضطراري كما قال صلى الله عليه وسلم: # " من مات فقد قامت قيامته ". # والقيامة الكبرى: وهي القيامة كما نطق به الكتاب والسنة؛ فأنت كافر لا ~~ينفعك الإيمان بإحدى القيامات الثلاث، كما قال الله تعالى: # نؤمن ms1674 ببعض ونكفر ببعض # [النساء: 150]، وتيقن أن كل قيامة متأخرة أبين وأكبر من القيامة ~~المقدمة، كما أن الذي يبصره عند طلوع الشمس فيزداد ظهوره إذا طلعت الشمس، ~~والذي يبصره عند طلوع الشمس، فيزداد ظهوره عند استواء الشمس في يوم صبيح. # فهكذا ينبغي أن يعلم القيامة الحاصلة بالموت الاختياري، أنها نموذج مما ~~كان مودعا في القيامة التي قامت بالموت الاضطراري، وما شاهدت في هذه ~~القيامة هو أنموذج مما كانت مدخرة في القيامة الكبرى الأخيرة، وأنا مؤمن ~~بحمد الله وحسن توفيقه بالقيامات الثلاث كما نطق به الكتاب والسنة. اللهم ~~ثبتني على الإيمان ووفقني لمتابعة حبيبك نبي آخر الزمان صلى الله عليه ~~وسلم وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان صغيرا وكبيرا. ### | [71 - سورة نوح] ### || [71.1-6] # أيتها اللطيفة المستخلصة من كدورات الباطل، المطهرة من قاذورات الطبيعة ~~ادعي أمتك إلى الحق بالحق للحق، وإن أبوا فادعي لهم ولا تدعي عليهم إنا ~~أرسلناك في نوبة نبوة من كان بأمته رءوفا رحيما ومدحناه على خلقه ~~العظيم؛ لأنه قال مع أمته الطاغية: # وأنا بريء مما تعملون # [يونس: 41]، وما قال: إني برئ منكم، وقال في دعائه إذ أذوه: # " اللهم اغفر لهم فإنهم قوم لا يعلمون ". # وتفكر في سورة نوح حيث يقول: { إنآ أرسلنا نوحا إلى ~~قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب ~~أليم } [نوح: 1]، والباقي { أنذر } مقدر يعني: أرسلنا اللطيفة ~~النفسية المطهرة إلى قواها { أن أنذر قومك من قبل أن ~~يأتيهم عذاب أليم } [نوح: 1] من عذاب الطوفان المائية ~~القالبية في الدنيا، ومن عذاب النارية القالبية في العقبى. # { قال يقوم إني لكم نذير مبين * أن اعبدوا ~~الله واتقوه } [نوح: 2-3]؛ يعني: اعبدوا خالقكم ومولاكم، ولا ~~تعبدوا هواكم واتقوا من عقوبة الله الواحد القهار { وأطيعون * ~~يغفر لكم } [نوح: 3-4]؛ يعني: أطيعوا أمري يغفر لكم { من ~~ذنوبكم } [نوح: 4]؛ أي: من ذنوب سلفت. # { ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا ~~جآء لا يؤخر لو كنتم تعلمون } [نوح: 4]؛ يعني: يحييكم ~~في عافية إلى وقت الأجل المعلوم فإن أجل الله لآت # كل نفس ms1675 ذآئقة الموت # [آل عمران: 185] لا محالة { لو كنتم تعلمون } [نوح: 4] أن ~~الإيمان عند حلول الأجل لا ينفع لصاحبه؛ لأنه ما كسب باستعداد { قال ~~رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا * فلم يزدهم } ~~[نوح: 5-6]؛ يعني: دعوت القوى النفسية حين كنت متجليا بصفات الجلال ~~والجمال قهرا ولطفا فلم يزدهم { دعآئي إلا فرارا } [نوح: 6]، ~~ونفارا مني وإباء لدعوتي. ### || [71.7-11] # { وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا ~~أصابعهم في آذانهم } [نوح: 7]؛ يعني: أصابع الغفلة في ~~آذانهم؛ لئلا يسمعون دعائي وإنذاري { واستغشوا ثيابهم } ~~[نوح: 7]؛ يعني: ثياب الجهل؛ لئلا يصل إليهم برد تعليمي إياهم { ~~وأصروا } [نوح: 7] ظلما من غاية ظلام وجودهم وكثافة استعدادهم ~~المكدرة، { واستكبروا } [نوح: 7] بالكبر والكفر { استكبارا } ~~[نوح: 7] عن قبول الحق. # { ثم إني دعوتهم جهارا } [نوح: 8]؛ يعني: الآثار الظاهرة ~~والموعظة الحسنة { ثم إني أعلنت لهم } [نوح: 9]؛ يعني: ~~أعلمتهم ودللتهم على الأفعال بالمجادلة والمباحثة، { وأسررت لهم ~~إسرارا } [نوح: 9]؛ يعني: بينت لهم حقائق الصفات بالحكمة؛ { فقلت ~~استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السمآء ~~عليكم مدرارا } [نوح: 10-11]، يرسل بلطفه في سماء صدركم مطر ~~الرحمة؛ لينبت في أراضي بشريتكم نبات المعرفة. ### || [71.12-20] # { ويمددكم بأموال وبنين } [نوح: 12]؛ يعني: ~~بالاستعدادات الحالمة من المعارف، ونتائج المعرفة مثل التوكل والرضاء، { ~~ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا } [نوح: 12]؛ ~~يعني: أنهارا من الأخلاق الحميدة الجارية في وجودكم { ما لكم لا ~~ترجون لله وقارا } [نوح: 13]؛ يعني: ما لكم لا تعظمون الله ~~الذي هذا ذكرته كان من آثاره وأفعاله وصفاته. # { وقد خلقكم أطوارا } [نوح: 14]؛ يعني: ما لكم من طور ~~المعدن والنبات والحيوان { ألم تروا كيف خلق الله سبع ~~سموت طباقا } [نوح: 15]؛ يعني: بعد إتمام الخلق في أطوار المعدن ~~والنبات والحيوان. # { ألم تروا كيف خلق الله سبع سموت } [نوح: ~~15]، كيف خلق سبع أطوار القلب { طباقا } [نوح: 15]، وجعل قمر الإرادة ~~في طور من أطواره نورا يهدي به إلى نور الولاية، وجعل قمر الإرادة في ~~طور من أطواره نورا يهدي به إلى نور الولاية { وجعل الشمس ~~سراجا } [نوح: 16]، الولاية في طور من أطواره { سراجا } [نوح: 16]؛ ~~يعني: ليستضئ منها قلوب ms1676 المريدين، كما يقول: { وجعل القمر ~~فيهن نورا وجعل الشمس سراجا } [نوح: 16]. # { والله أنبتكم من الأرض نباتا } [نوح: 17]؛ يعني: في ~~الطور النباتي كنتم من النبات في أرض البشرية فيكم نشور ونماء، حتى ينزل ~~عليكم القوة الحيوانية { ثم يعيدكم فيها } [نوح: 18]؛ أي: في ~~الأرض البشرية وقت الموت الاختياري { ويخرجكم } [نوح: 18] منها ~~عند الإحياء بالحياة الطيبة؛ إذا نزل نطق الذكر من سماء الصدر ويمطر على ~~أرض البشرية { إخراجا } [نوح: 18] بينا، { والله جعل لكم ~~الأرض بساطا } [نوح: 19]؛ أي: من أرض البشرية فراشا مبسوطا؛ { ~~لتسلكوا منها سبلا فجاجا } [نوح: 20]؛ يعني: لتسلكوا من ~~أرض البشرية المبسوطة سبلا بكل فج من القوى والطبائع المذكورة فيها؛ ~~ليعرفوا بدائع صنائع الرب. ### || [71.21-25] # { قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم ~~يزده ماله وولده إلا خسارا } [نوح: 21]؛ يعني: ما ~~سمعوا دعوتي وأعرضوا عني وأقبلوا على هواهم الذي لم يزد استعدادهم ~~وخاطرهم { إلا خسارا } [نوح: 21]؛ أي: نقصانا في دين متبعيه بترك ~~الإيمان، وفي دنياهم بالفناء عن قريب وإبقاء نيران الحسرة في وجودهم { ~~ومكروا مكرا كبارا } [نوح: 22]؛ يعني: حرثوا القوى اللطيفة ~~الداعية لها؛ لتعلموا بالآمالي والآمال. # { وقالوا لا تذرن آلهتكم } [نوح: 23]؛ يعني: هواكم { ~~ولا تذرن ودا } [نوح: 23]؛ يعني: مودة الهوى، { ولا سواعا ~~} [نوح: 23]؛ يعني: الساعة التي بينها لكم لتعبدوه فيها، { ولا يغوث ~~} [نوح: 23]؛ يعني: ولا استغاثة { ويعوق } [نوح: 23]، والقوة ~~الهوائية التي هي عائقة لكم عن ترككم الشهوات، { ونسرا } [نوح: 23]. # { وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ~~ضلالا } [نوح: 24]؛ يعني: القوة الطائرة الهوائية في وجود بني آدم؛ ~~يعني: القوى النفسية الضامرة المستكبرة فتعبدون آلهة هواها وضوء القوى ~~الهوائية، والزمان الذي عين لهم الهوى بعبادتها فهذه أرباب لهم (وإلههم ~~هواهم)؛ يعني: لم يتركوا عبادة آلهتهم وأربابهم، ولا يعبدون رب اللطيفة ~~على الأمم التي هي قواها، أنهم كانوا ظالمين باتخاذ الأرباب والآلهة من ~~دون الله الرب الذي خلقهم ورباهم وأعطاهم الاستعدادات والقوى، ووضع اسم ~~الآلهة على الهوى وهذا من أفحش الظلم؛ لأن الظلم هو وضع الشيء في غير ~~موضعه، { مما خطيئاتهم أغرقوا } [نوح: 25] بالطواف ~~المائية ms1677 القالبية المكدرة الظلمانية في الدنيا؛ { فأدخلوا نارا ~~فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا } [نوح: 25]؛ ~~يعني: في النار القالبية المشتعلة من نار الكبر والحسد بعد الطوفان. ### || [71.26-28] # { وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا } [نوح: 26]؛ يعني: على أرض البشرية من القوى المستكبرة الآبية ~~الظالمة أحد يدور في فج من فجاجها { إنك إن تذرهم يضلوا ~~عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } [نوح: 27]؛ ~~يعني: إذا بقي خاطر من خواطر الهوى في الباطن، أو قوة من القوى النفسية ~~الفاجرة يضلوا القوى المؤمنة ويلدوا خواطر هوائية ليضلوا الصورة المسلمة ~~اللائمة وهذا في مبادئ السلوك؛ إذا تنور القلب من الذكر وخرج طوفان ماء ~~القالب من غلبة الذكر تسأل اللطيفة عن الرب، ألا تذر على وجه الأرض أرض ~~البشرية خاطرا من خواطر الهوى، وتدعو أيضا لنفسها ولقواها التابعة لها ~~ولروحها ولقالبها ولمن دخل بيت قلبها المغفرة بقوله: { رب اغفر ~~لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين ~~والمؤمنات } [نوح: 28]؛ يعني: رب اغفر لي ولروحي ولقالبي ولقوى ~~قالبي وللقوى المؤمنة النفسية من القوى الفاعلة والقابلة، { ولا تزد ~~الظالمين إلا تبارا } [نوح: 28]؛ يعني: رمز القوى الظالمة ~~القالبية والنفسية تدميرا لا انتعاش لها بعد، وأهلكهم هلاكا، لا ظهور ~~لها بعد فيا أيها السالك: ينبغي أن تعتبر بهذه السورة، ولا تعجل في ~~الدعاء على أمتك؛ بل تدعو لهم وتتبع سنة نبيك الرفيق الشفيق على أمته؛ ~~لأن # لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا ~~الله واليوم الآخر # [الأحزاب: 21]. # ولأجل هذا السر أمر المشايخ مريديهم أن يسروا على أنفسهم في الخلوات ~~أبواب الدعوات، لا يسألون الله شيئا قط؛ لأنهم كأنهم كانوا جاهلين في ~~بداية أمرهم بما سألوا من الله بجهلهم شيئا إن أجابهم الله، ضيع ~~استعدادهم وهم جاهلون به وقت الدعاء والسؤال؛ فعليك أن تأخذ من ظاهر ~~تفسيرها حظ ظاهرك، وتأخذ من باطن تفسيرها حق باطنك؛ لتكون سنيا كاملا ~~ظاهريا وباطنيا، اللهم اجعلنا محفوظين بظاهر القرآن وباطنه وحده ومطلعه ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين. ms1678 ### | [72 - سورة الجن] ### || [72.1-7] # أيتها اللطيفة الخفية التالية كلام الحق؛ إذا استمعت منك القوى النفسية ~~القوى المؤمنة الجنية فمدي في تلاوتك، وأحسني في قراءتك وخبري تخبيرا؛ ~~فافهم إذا رجعوا إلى قومهم يقولون: { إنا سمعنا قرآنا عجبا ~~* يهدي إلى الرشد فآمنا به } [الجن: 1-2] فيمكن أن يؤمن ~~بهم كثير من القوى النفسية. ويدعو أمر اللطيفة الخفية لما تسمع ما يقول ~~تعالى في كتابه الكريم: { قل أوحي إلي أنه استمع نفر ~~من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا * ~~يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنآ ~~أحدا * وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ~~ولا ولدا } [الجن: 1-3]؛ يعني: إذا استمعوا الوارد يؤمنون بالله ~~وحده، ويتقون عن الشرك وعن شبهة ثالث الثلاثة كما بينا في سورة التوحيد، ~~ويقولون تعالت قدرة ربنا عن أن يحتاج إلى اتخاذ صاحبة؛ لإيجاد الخلق { ~~وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا } [الجن: 4]؛ ~~يعني: اللطيفة النفسية الجاهلة الغير المتخلصة عن الظلمات الحظوظية ~~الباطلة ما على الله عدوانا وكذبا. # { وأنا ظننآ أن لن تقول الإنس والجن على الله ~~كذبا } [الجن: 5]؛ لأجل ذلك كنا ملنا إلى اللطيفة الجاهلية، { ~~وأنه كان رجال من الإنس } [الجن: 6]؛ أي: من القوى ~~القلبية المشتغلة بالتزكية { يعوذون برجال من الجن } ~~[الجن: 6]؛ أي: بقوى النفس الأمارة { فزادوهم رهقا } [الجن: 6]؛ ~~أي: زاد للقوى الأمارة باستعاذة قوى القالب إليها طغيانا وكفرا؛ فينبغي ~~للسالك أن يحترز في أثناء سلوكه بالإصغاء إلى المعاني الغيبية التي من ~~إلقاء القوى الأمارة، ولا يستمد من تلك القوى البتة حتى ينتمي سلوكه، ~~ويصل حضرة الله تعالى ويصير متصرفا في جميع القوى بأمر الحق؛ ليستعملها ~~فيما يشاء كما يشاء على وفق الإشارة. # { وأنهم ظنوا كما ظننتم } [الجن: 7] أيها القوى الكافرة ~~الجنية الخبيثة، ظنوا بالله ظنونا ما ظنت أيتها القوى الكافرة الأسنية، ~~وهي القوى القالبية الملوثة بأقذار الطبيعة { أن لن يبعث الله ~~أحدا } [الجن: 7]؛ يعني: ظننتم أن الله لن يبعث أحدا منا من قبول ~~القالب. ### || [72.8-13] # { وأنا لمسنا السمآء فوجدناها ملئت حرسا ~~شديدا وشهبا } [الجن: 8]؛ يعني: خواطر ms1679 الحق يحرسون بماء الصدر ~~حراسة شديدة وشهبا؛ يعني: من نجوم خواطر السر والخفى، { وأنا كنا ~~نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد ~~له شهابا رصدا } [الجن: 9]؛ فمن يرد منا أن يستمع يصل إليه من ~~رجم الشهاب. # { وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض } [الجن: ~~10]؛ يعني: يرجم الشهاب؛ لئلا يسمع من أمر السماء شيئا ليستفيد بها لا ~~تدري أن الله أراد بمن في الأرض البشرية شرا { أم أراد بهم ~~ربهم رشدا } [الجن: 10] بحراسة السماء فحظك أيها السالك من هذه ~~السورة أن يبقى وقت ورود الوارد؛ لئلا تسرق منه القوى النفسية، وتلبس ~~فيها المعاني الخبيثة، ويلقي بها إليك بعد فتور الوارد ظن أنه الوارد بما ~~فيه من معاني الوارد المسترقة، وتلتفت إليه ويسد عليك باب الوارد الأعلى ~~بالتفاتك إلى معاني القوى النفسية، وأكثر من هلك من أهل السلوك من ~~اليونانية والنصرانية الشكمانية بهذه المعاني الملتبسة بالوارد. # لأنهم إذا اشتغلوا بالسلوك، اشتغلوا بربهم غير متشبثين بعروة نبي من ~~الأنبياء ليرشدهم في الغيب، ويطلعهم على الحق والباطل، ويهديهم إلى القوى ~~المستخلصة، ويعرفهم خاصة القوى الملوثة؛ فإذا أصغوا وجودهم بالرياضة قويت ~~القوى النفسية، وصعدت إلى سماء الصدر، واسترقت من المعارف الربانية، ~~ونزلت إلى عالمها، وكملت مع صاحبها فظن صاحبها أنها وارد غيبي ترده من ~~عالم الرب على قلبه واطمأن بها، واستدرج منها حتى صار إماما في ملة ~~الشيطان راعيا للأمم إليه، وهو خليفة خاص الشيطان والحكماء القديمة ~~اليونانية والرهابين المرتاضة بالنصرانية وحكماء الهند الذين أنهم ظنوا ~~الوصول إلى المأمون حين قالوا: إنا ناصر برخانا، والبرخان بلغتهم: ~~الواصل إلى الرحمن، وهم يقولون في أثناء السلوك، وفي الوصول بالاتحاد. # وها جئنا معهم وألزمناهم بلطف الله وحسن توفيقه ومعونيته حتى أسلموا ~~وآمنوا، ثم بعضهم ارتدوا وماتوا على الكفر بأنهم أقروا بأن الاتحاد باطل؛ ~~فأما الأئمة المهدية الذين اعتصموا بحبل نبي من الأنبياء واشتغلوا ~~بالسلوك، أمنوا من هذه الورطة الوعيرة بأن استحكمت عقدة إرادتهم، ذلك ~~بولاية ذلك النبي حتى دخلت نوبة النبوة المحمدية الناسخة لجميع الأديان ~~لكمال ms1680 أدرج الله في نبوته، أغلق المسرفون باب سمعهم بالشهاب الثاقب من ~~أوج ولاية رسالته؛ فمن دخل في زمرة متبعيه، واشتغل بالسلوك على وفق ~~إشارته سلم من القوى الخبيثة النفسية وأمن من إلقائها، وينبغي للسالك ~~ألا يغتر بأنه يقول على اللسان: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن ~~محمدا رسول الله، بأنه ممن يجوز له السلوك؛ لئلا يغتر بجبة الغرور في ~~شبكة المغرور؛ لأن التشكيك أمر يختص بولاية الرسالة وينبغي أن يكون ~~المسلك حيا في عالم البشرية؛ ليهديك إلى الصراط المستقيم، ويقرئك ~~الخواطر ومنشأها، والمسلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو إلى الذي كان ~~وصاه بالأسرار، وعلمه كيفية الوصول إلى عالم الأنوار وأصله إلى حضرة الله ~~الواحد القهار، وهو أرشد مريده ووصاه كما وصاه نبيه وعلمه وأوصله إلى ~~الآن معنعنا متصلا؛ لتمكن الاستفادة من قلبه وقالبه صورة ومعنى، ويدفع ~~عن نفسه كيد قطاع الطريق، ويسهل عليه العبور على مكامنهم بقوته وهمته ~~وذكره. # { وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا ~~طرآئق قددا } [الجن: 11]؛ يعني: منا القوى الصالحة المصدقة، ومنا ~~القوى الفاسدة المكذبة لقوانا المتفرقة طرائق مختلفة باختلاف الطبائع ~~المتضادة التي ركزت فينا، { وأنا ظننآ أن لن نعجز ~~الله في الأرض ولن نعجزه هربا } [الجن: 12]؛ يعني: ~~علمنا يقينا بعد استماع القرآن من اللطيفة التالية أن لن تفوته إن أراد ~~ربنا الحق أمرا في أرض البشرية، ولا نطيق أن نهرب منه إن طلبنا. # { وأنا لما سمعنا الهدى } [الجن: 13]؛ يعني: الوارد ~~والهدى الذي فيه { آمنا به } [الجن: 13]، وصدقنا اللطيفة التالية ~~فيما تلت علينا؛ { فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا ~~رهقا } [الجن: 13]؛ يعني: من يصدق الرب، ويؤمن به فلا يخاف بخسا ~~ورهقا؛ أي: نقصا من المعرفة ولا نكرة وظلمة تغشاه بحيث يدين على قلبه. ### || [72.14-19] # { وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون } [الجن: 14]؛ ~~أي: منا من سلم نفسه إلى ملكه - وهو اللطيفة - تسليما حقيقيا، ومنا ~~الجائر الذي ظلم على نفسه بترك التسليم لمسلكه واختياره مشتهى وفق هواه؛ ~~{ فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا } [الجن: 14]؛ ~~يعني: من ms1681 صار مستسلما لشيخه وترك اختيار نفسه قصد طريق الحق والرشاد ~~وتوخاه، { وأما القاسطون } [الجن: 15] الذين اتبعوا أهواءهم ~~وخالفوا مولاهم وظلموا أنفسهم بمتابعة هواهم والتلذذ بالشهوات العاجلة؛ { ~~فكانوا لجهنم حطبا } [الجن: 15] أنهم جمعوا حطبا في دار ~~الكسب، وأوقدوا نيران الكبر والحسد حتى صار وجودهم القالبي حطبا، وقواهم ~~النفسية نيرانا فيعذب في دار البوار بتلك الحطب والنار أبدا. # { وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم مآء ~~غدقا } [الجن: 16]؛ يعني: إن كانت القوى استقامت على طريق العدل ~~والاستقامة في الطريق واجبة لمن أراد وجه الله تعالى { لأسقيناهم ~~مآء } [الجن: 16] المعرفة كثيرا؛ يعني: أسقيناهم من ينبوع العلم ~~الكثير الماء، المعرفة كثيرا؛ يعني: أسقيناهم من يبنوع العلم الكثير، لا ~~من ينبوع العلم القليل، والعلم الكثير هو: اللدني الفائض من رب العلم ~~الجليل، والعلم القليل: هو الذي يحصل من الفكر بالرأي العليل؛ { ~~لنفتنهم فيه } [الجن: 17] وهذا مقام الابتلاء؛ يعني: نمتحنهم ~~بالعلم اللدني إن أفشوا سره عند الأغيار؛ { يسلكه عذابا صعدا ~~} [الجن: 17]، وإن ستروه وأدوا حق الأمانة؛ يقربه إلى مقام القربة ~~الزلفى، ويزيده من المعارف الذاتية ما لم يطلع عليه أحد. # { ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا } ~~[الجن: 17]؛ يعني: من يعرض بعد الاطلاع على المعرفة الذاتية عن ذكر ربه ~~عند المسترشدين فوق طاقتهم { يسلكه عذابا صعدا } شاقا على ~~نفسه، { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله ~~أحدا } [الجن: 18]؛ يعني: مساجد القلوب بنيت في عالم الأنفس لله، فلا ~~تدعو في تلك المساجد مع ذكر الله أحدا؛ يعني: لا تأذن للخواطر الصادة لك ~~عن ذكر الله في دخولها في قلبك، وأكثر تقرر القلب يكون؛ لأجل أن الذاكر ~~يأذن للخاطر الدخول في أثناء الذكر فاحذر أيها السالك عن الخواطر في ~~الذكر القلبي. # { وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون ~~عليه لبدا } [الجن: 19]؛ يعني: إذا أرادت اللطيفة الخفية أن تقوم ~~في مسجد القلب وتشتغل بذكر الله يجمعون عليه الخواطر المتشعبة جمعا؛ ~~ليشوشوها ويبطلون توجهها. ### || [72.20-24] # { قل إنمآ أدعوا ربي ولا أشرك به أحدا } [الجن: ~~20]؛ يعني: تتوجه اللطيفة على الحق وتذكره ms1682 وتقول: لا أشرك به أحدا، ولا ~~أذكر غيره أحدا، ولا آذن أن يدخل الخاطر في ذكر الله أبدا. # { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } [الجن: 21]؛ ~~يعني: قل للخواطر المتجمعة عليك: إني لا أملك أن أرفع عنكم ضرا، ولا أن ~~أسوق إليكم نفعا # إلا ما شآء الله # [الأعلى: 7]، وهذا القول في بداية حال السالك، إذا اجتمعت عليه القوى ~~القالبية والنفسية ليستمعوا منه الفوائد وإرادتهم ضد السالك على سلوكه. # فيجب عليه في هذا المقام، أن يدفعهم عن نفسه بهذا الكلام، فأما في ~~النهاية فيرشدهم ويهديهم ويعرفهم أمر الله تعالى { قل إني لن ~~يجيرني من الله أحد } [الجن: 22]، ولن يمنعني من عذابه أحد ~~إن اشتغلت في هذا المقام بغير ذكر يعزز الذكر عن القلب أو القلب عن الذكر ~~{ ولن أجد من دونه ملتحدا } [الجن: 22]، الذكر للقلب ملجأ ~~ولا من دون القلب للذكر مسكنا وملتحدا. # { إلا بلاغا من الله ورسالاته } [الجن: 23]؛ يعني: ~~إلا ما أمرني أن أبلغ وأرسل لأجل البلاغ إليكم، لو أشتغل بالإبلاغ ~~والإرسال لا يضرني ذلك الإبلاغ { ومن يعص الله ورسوله } ~~[الجن: 23] بعد إرسال الله إليكم رسوله وإبلاغ اللطيفة المرسلة المبلغة ~~أمره إليكم { فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبدا * ~~حتى إذا رأوا ما يوعدون } [الجن: 23-24]؛ يعني: يعذبون في ~~مشعلة قلوبهم حتى يبعثوا من قالبهم ويشاهدوا ما ادخر الله لهم؛ { ~~فسيعلمون } [الجن: 24] في ذلك الوقت { من أضعف ناصرا ~~وأقل عددا } [الجن: 24]؛ أي: اللطيفة الملوثة القالبية والنفسية ~~أضعف ناصرا لقواهم المتبعة لهواها، أم اللطائف المطهرة لأتباعها من ~~القوى المؤمنة المتابعة لمولاها، أو القوى القالبية والنفسية الفاجرة أقل ~~عددا، أم القوى القلبية البشرية والروحية والخفية المؤمنة. ### || [72.25-28] # { قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ~~ربي أمدا } [الجن: 25]؛ يعني: قل لا أدري إن ذلك قريب أم بعيد { ~~علم الغيب } [الجن: 26]، ربنا وهذا من علوم الغيب، { فلا ~~يظهر على غيبه أحدا } [الجن: 26]؛ يعني: لا يظهر ربنا ولا ~~يكشف على أحد علم غيبه المخصوص به، { إلا من ارتضى من رسول ~~} [الجن: 27]، يستثني ms1683 ويقول الله، إلا من يصطفيه بالرسالة فإنه محرم لسره ~~وأمين على وحيه لا ينطق عن الهوى ولا يتكلم، إلا بأمر المولى { فإنه ~~يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا } [الجن: 27]؛ ~~يعني: يجعل له حرسا من خواطر السكينة محرسة ورصدا من نور الجذبة يرصده؛ ~~لئلا تقدر القوى الخبيثة النفسية على استراق السمع والاطلاع على الوارد ~~القدسي، ويدفعون الشياطين على إلقاء خاطر في نفسه؛ لتتكلم اللطيفة ~~المرسلة به ظنا بأنه من الوارد؛ { ليعلم أن قد أبلغوا ~~رسالات ربهم } [الجن: 28]؛ يعني اللطيفة المرسلة أن الخواطر ~~التي جاءت من عند السكينة، أبلغوا رسالات ربهم من غير شوب بالخواطر ~~الشيطانية. # { وأحاط بما لديهم } [الجن: 28]؛ ويعني: أحاط علم الله بما ~~عند الرسل من أبراره { وأحصى كل شيء عددا } [الجن: 28]؛ ~~يعني: أحصى نعمه ومعارفه التي أنعم على اللطيفة، وعدها عددا تذكره ~~اللطيفة، واشتغل بأداء شكره، ولا يمكن لأحد أن يشكر ربه حق شكره أبد ~~الآباد؛ لاعتراف من إذا حق شكره، فإن اعترافه بالعجز عن أداء حق شكره ~~غاية شكر لربه، اللهم اجعلنا عارفين نعمك معترفين بالعجز عن أداء حق شكرك ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم. ### | [73 - سورة المزمل] ### || [73.1-12] # يا أيها المتأمل في إبلاغ الوارد، والمزمل بكساء النفس عند هبوب رياح ~~اللطيف البارد حرارة نيران النشوة الشارد لذة الرقاد عن العين الطارد جند ~~الشهوات عن الباطن، وغماء لأنف الشيطان الماردة تفكر في سورة المزمل حيث ~~قال الله تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم وتعظيما له: { يأيها ~~المزمل * قم اليل إلا قليلا * نصفه أو انقص ~~منه قليلا * أو زد عليه } [المزمل: 1-4]؛ يعني: أيها ~~المتلفف بكساء النفس عند وجدان برودة الوارد قم في غلبة أنوار الجلال ~~للتقرب إلى الله الملك المتعال، والتوجه بالكلية إليه خاصة في تلك الحالة ~~إلى أن يطلع صبح الجمال من أفق الصدر، وإن غلب عليك الملال وعلى جوارحك ~~الكلال فاسترح قليلا نصفه أو ثلثه أو ثلثين. # واعلم أن الله لا يمل حتى تملوا فتقرب إليه بالنشاط { ورتل ~~القرآن ترتيلا } [المزمل: 4]؛ يعني: تثبت فيه تثبيتا، ms1684 وتدبر في ~~قصصه تدبيرا، وتفكر في أوامره ونواهيه تفكرا تاما والتقط من در حكمته ~~سلاما، وتلذذ بأذيال رحمة الله عند قراءتك آية الرحمن بمطالعتك آيات ~~ألطاف البر التواب، وقد جاء في الحديث الصحيح المروي عن سيد الأحباب أنه ~~قام بآية من القرآن ليلة ومراوده أبو ذر وإن تلك الآية كانت # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم # [المائدة: 118]، فاعتبر من جولان سره في ميدان هذه الآية الجامعة لأسرار ~~مظاهر اللطف والقهر وأسراره من حد القرآن، ولا تعبر على الآيات كعبور ~~الغافلين كما ذكرهم تعالى في كتابه حيث يقول: # وكأين من آية في السموت والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]، وتيقن أن كل آية من آيات القرآن كنز من كنوز الرحمن فيه ~~جواهر ودرر لا تحصى. # فاغتنم بتسيير القرآن على اللسان وكشف بيانه على الجنان، وعندي أن من ~~يقدر على اقتطاف ثمرة من ثمراته يستنكف التلذذ بثمرات الجنان، تيقظ فتفكر ~~{ إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } [المزمل: 5]؛ يعني: ~~ثقيلا في العمل والوزن والقدر؛ أي: عمله ثقيل على الأبدان، وثوابه في ~~الميزان، وقدره عظيم عند الرحمن، والموارد ثقل إذا يرد على السالك في ~~البداية كأن السماء وقعت عليه، ولا يحسب أن ثقل الوارد يوازي ثقل الوحي ~~ولا عشر عشيره، روت عائشة رضي الله عنها " رأيته ينزل عليه في اليوم ~~الشاتي الشديد البرد فينفصم عنه وأن جبينه يتفصد عرقا " وهو صلى الله ~~عليه وسلم في القوة بمرتبة، قيل في حقه أن الله أعطاه أربعين ضعف قوة ~~أعطاها الله لموسى بن عمران وهو أقوى الأنبياء. # { إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا } ~~[المزمل: 6]؛ يعني: الثلث الأخير هي أجدر للقانتين أن يتوجهوا إلى الله ~~فيه؛ لأن في تلك الساعة أخذت النفس حظها من النوم، ولها نشاط في الطاعة، ~~والوقت وقت نزول الرب إلى السماء الدنيا، وأصوب للتقرب إلى الرب، وأصح ~~للقراءة دائم، وأتم إخلاصا في القيام، وأكثر بركة في تلك الساعة ~~المباركة التي يمتد سلطنة الجلال إلى آخرها، وقرب طلوع ms1685 صبح الجمال ~~والدعاء والتضرع والابتهال، وأرجى للاستجابة؛ لأنه يقول: # " هل من داع فأجيبه، هل من سائل فأعطيه ". # { إن لك في النهار سبحا طويلا } [المزمل: 7]؛ يعني: إن ~~اللطيفة في نهار تجلي الجمال متصرفا في القوى، وإقبالا وإدبارا في ~~قضاء الحقوقية مما فرض عليها أداؤها وقضاؤها، كما جاء في الحديث # " إن لنفسك عليك حقا وإن لزوجك عليك حقا " # في عالم الأنفس؛ وهي القوى القالبية، وإن لزوجك عليك حقا في عالم السر ~~الخفي، وأداء هذه الحقوق لا يمكن إلا في تجلي نهار الجمال، { واذكر ~~اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا } [المزمل: 8] بعد الصلاة ~~في الليل اشتغل بذكر لا إله إلا الله، وأخلص في الذكر لله إخلاصا، ~~وانقطع إليه في الذكر انقطاعا كليا وهذا من خاصية الذكر، فالواجب عليك ~~أن تشتغل بذكر الله في ناشئة الليل مخلصا في ذكرك منقطعا عن ذكر غير ~~ربك. # { رب المشرق والمغرب } [المزمل: 9] على قراءة من يقرأ ~~بأن يكون على نعت الرب؛ يعني: رب مشرق شمس الروح في عالم الأجسام، ومغرب ~~شمس الإيمان في عالم الأرواح، وفي هذا سر يتعلق بحد القرآن، { لا ~~إله إلا هو } [المزمل: 9] ليس وجود يستحق لأن يكون معبودا إلا ~~هو، { فاتخذه وكيلا } [المزمل: 9]؛ يعني: فوض إليه أمرك؛ لأنه ~~قيم بأمورك قبل شعورك بوجودك، فالآن أيضارع التدبير إلى من خلقك تستريح؟ # { واصبر على ما يقولون } [المزمل: 10] القوى الجاهلة بألا ~~يقوم بأمرنا، { واهجرهم هجرا جميلا } [المزمل: 10]؛ يعني: لا ~~تؤتهم عنك، ولا تلتفت إلى ما يقولون فاهجرهم بالقلب، وخالطهم بالقالب، { ~~وذرني والمكذبين أولي النعمة } [المزمل: 11]؛ يعني: ~~دعني والقوى المكذبة بالوارد باللطيفة المنذرة أولي النعمة؛ يعني: ~~بالاستعدادات التي أنعمنا بها عليهم، { ومهلهم قليلا } ~~[المزمل: 11]؛ أي: زمانا قليلا في الدنيا؛ ليزيدوا في شقاوتهم الموعودة ~~لهم. # { إن لدينآ أنكالا } [المزمل: 12]؛ يعني: قيودا عظاما هي ~~نتيجة صفة بخلهم، { وجحيما } [المزمل: 12]. ### || [73.13-18] # وهي نتيجة صفة حسرتهم، { وطعاما ذا غصة } [المزمل: 13]؛ هي ~~ثمرة شجرة بغضهم، { وعذابا أليما } [المزمل: 13]؛ هي ثمرة ~~استهزائهم وتكذيبهم، { يوم ترجف الأرض } [المزمل: 14]؛ أي: ~~تزلزلها أرض البشرية، { والجبال } [المزمل: 14]؛ أي: قوة ms1686 معدنية ~~القالب، { وكانت الجبال كثيبا مهيلا } [المزمل: 14]؛ ~~يعني: من سطوة نزول سلطان الذكر إلى الصدر، وتسير جبال معدنية القالب ~~كالرجل الساحل. # { إنآ أرسلنآ إليكم رسولا شاهدا عليكم كمآ ~~أرسلنآ إلى فرعون رسولا } [المزمل: 15]؛ يعني: أيتها ~~القوى المستكبرة إنا أرسلنا إليكم نطفة خفية لتكون شاهدة على أفعالكم ~~وأقوالكم وحركاتكم وسكناتكم، كما أرسلنا إلى فرعون اللطيفة القالبية ~~الغير المستخلصة رسولا من اللطيفة السرية المزكاة { فعصى فرعون ~~الرسول } [المزمل: 16]؛ يعني: عصى اللطيفة القالبية الغير المستخلصة ~~اللطيفة السرية المنذرة، { فأخذناه أخذا وبيلا } [المزمل: ~~16]؛ يعني: عاقبناهم عقوبة عظيمة نعرفهم في بحار الهوى، { فكيف ~~تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا } ~~[المزمل: 17]، يعني: كيف لكم أن تتقوا من عذابنا يوم يجعل ولدان خواطركم ~~متقين شاهدين على كفركم شمصا من أهل الوارد، إن كفرتم بالله في الدنيا ~~بتكذيب آياته والإعراض عن اللطائف المرسلة إليهم. # { السمآء منفطر به } [المزمل: 18]؛ يعني: في ذلك اليوم لنزول ~~جنة الوارد، وهيبة سلطان تشق سماء الصدر، { كان وعده مفعولا } ~~[المزمل: 18] بلا محالة كينونة ذلك اليوم؛ لأن وعده صدق. ### || [73.19-20] # { إن هذه تذكرة } [المزمل: 19]؛ يعني: إن هذه الآيات موعظة ~~وتذكير لمن يشاء سبيل الهدى والإعراض عن الهوى، { فمن شآء اتخذ ~~إلى ربه سبيلا } [المزمل: 19] واشتغل بذكره بكرة وأصيلا؛ لئلا ~~يذوق في ذلك اليوم عذابا وبيلا. # { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي ~~اليل ونصفه وثلثه وطآئفة من الذين معك } ~~[المزمل: 20]؛ يعني: أيتها اللطيفة الخفية إن الله يعلم أنك في بداية ~~السلوك في ظلمة الليل الجلال تقوم مقام التوجه أقل من ثلثي الليل ونصفه ~~وثلثه وطائفة من القوى معك، { والله يقدر اليل والنهار ~~} [المزمل: 20] فلا بد من تجلي الجلال والجمال على وفق استطاعة القالب ~~والروح، { علم أن لن تحصوه } [المزمل: 20] حتى لن تطيقوه، لأن ~~القوة البشرية لا تتحمل هذه المجاهدات التي كنتم تشتغلون بها في ~~البدايات، لأن المبتدئ الرحيل في الطريق ومباينه يظن أنه بالعجلة وحمل ~~الميثاق يقطعه وذلك من غاية اشتياقه وقلة معرفته بالحق، فلما سلك ووصل ~~إلى عالم العرفان يطلع على أن ms1687 كل شيء مرهون بوقت معين لا يمكن الوصول ~~إليه قبل إيقانه، فدخل فيه الضعف الذي أشار الله تعالى إليه بقوله: # وعلم أن فيكم ضعفا # [الأنفال: 66]، ولحكمة هذا الضعف أسرار جمة مختصة بحد القرآن، { فتاب ~~عليكم } [المزمل: 20]؛ يعني: رحمكم بالتخفيف والعفو والتقصير في ~~القيام بمثل تلك المجاهدات العنيفة، { فاقرءوا ما تيسر من ~~القرآن علم أن سيكون منكم مرضى } [المزمل: 20] من ~~تناول الحظوظ النفسية والقلبية مما لا يمكن بقاء الحقوق القلبية والروحية ~~إلا بها، فمن عليكم من أن جاهدتم فينا وهديناكم إلى الملة الحنيفية ~~السمحة السمية، من [قوى] صحيفة سركم. # واعلموا # " إن الدين لمتين فأوغلوا فيه برفق " # ؛ لأن المنبت لا أرض قطع ولا ظهرا أبقى، { وآخرون يضربون في ~~الأرض يبتغون من فضل الله } [المزمل: 20]؛ يعني: الهوى ~~المؤمنة القالبية ولا الجالبية طعام الحظوظ من عالم الشهادة ابتغاء ~~الحقوق المودعة في الحظوظ التي هي من فضل الله لم تقرع لقراءة صحيفة سره، ~~فهو معفو مغفور أن يقتصر على خمس آيات من لوح قلبه، { وآخرون ~~يقتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه } ~~[المزمل: 20]؛ يعني: القوى المؤمنة النفسية الذين يجاهدون للقوى الكافرة ~~القالبية والمشركة النفسية، ويقاتلون القوى الشيطانية النازلة في جهنم ~~الصدر؛ لئلا يغلبوا على القوى القلبية مغفورون وإن اقتصروا على تيسير من ~~قرأ الآيات السرية من لوح القلب مخزون على المقابلة لما كانت القوى ~~القالبية والسرية مجذبة على القراءة، { وأقيموا الصلوة ~~وآتوا الزكوة } [المزمل: 20]؛ يعني: أقيموا في مقام التوجه، ~~وآتوا زكاة أنفسكم، وإيتاء زكاة النفس في حد المقام تطهيرها من الحظوظ ~~بحق الذكر، { وأقرضوا الله قرضا حسنا } [المزمل: 20]؛ ~~يعني: من صلة الرحم وقري الضيف، وصلة الرحم في هذا المقام للسالك أن ينصح ~~لقوى النفس والقالب بالخير، ويدعوهم إلى سبيل النجاة بحسن الخلق ~~والمداراة والرفق بهم، وقري الضيف هو إكرام الخواطر السرية والخفية ~~وإكرامها حضور القلب مع الرب، وإطعامها طعام الذكر وشراب الإخلاص، { ~~وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله } ~~[المزمل: 20]؛ يعني: كل عمل يعمل هو ذخيرة مدخرة عند الله لا بد أن ~~تجدوه؛ ms1688 لأنه مستودع، { هو خيرا وأعظم أجرا } [المزمل: 20]؛ ~~أي: الساعة ادخرنا فيها خير لأنفسكم وطاعة هي خير مما أفنيتم ساعاتكم ~~بالبطالة؛ أي: ادخرتم في تلك الساعة لأنفسكم عقوبة وأعظم أجرا للعمل ~~القلبي من العمل القالبي. # فاجتهدوا بعد تحقيق المجاهدة الصورية بالمجاهدة المعنوية؛ وهي الإخلاص ~~في الأعمال وصدق التوجه ونفي الخواطر الردية؛ { واستغفروا الله ~~} [المزمل: 20] من رؤيتكم خلاصكم، { إن الله غفور رحيم } ~~[المزمل: 20]؛ يعني: يغفر لمن يتوب إليه بعد الاكتساب من المعاصي، ويرحم ~~من تغلب عليه شهوته، وهو يريد أن يدفعها ولا يمكن له دفعها لغلبة قواها ~~القالبية والنفسية، وضعف قوى قلبه ينصره بخواطر السكينة وملكية الرحمة ما ~~لنا ذلة على صدره من عالم سره ليخرج من ضيق المجاهدة مع الشهوة إلى متسع ~~عالم الرحمة. # اللهم اغفر خطايانا، وارحم عجزنا وتقصيرنا بحق محمد صلى الله عليه وسلم ~~تسليما كثيرا وعلى آله وأصحابه أجمعين. ### | [74 - سورة المدثر] ### || [74.1-17] # يا أيها المنذر لا تدثر بدثار القالب، { يأيها المدثر } ~~[المدثر: 1] من خوف وارد القلب، { قم فأنذر } [المدثر: 2] قواك ~~بأمر الرب، { وربك فكبر } [المدثر: 3]؛ أي: عظم الرب عما تصفه ~~القوى الكافرة، { وثيابك فطهر } [المدثر: 4]؛ يعني: طهر بماء ~~الذكر ثياب وجودك ليمكن لك أن تعظم الرب، { والرجز فاهجر } ~~[المدثر: 5]؛ يعني: اهجر الرجز بعد تطهير الثياب؛ لئلا يلوث بالخاطر ~~الهوى، { ولا تمنن } [المدثر: 6] بتكثير؛ يعني: لا تنذر الخلق ~~لنفسك، ولا تنصحهم لحظك، ولا تعط مالك من المعارف الآثارية تريد به ~~وجاهتك حتى يفيض عليك من المعارف الصفاتية، { ولا تمنن تستكثر ~~} [المدثر: 6] في نفسك عين معرفتك حتى يشرفك الله بالمعارف الذاتية، ولا ~~تعمل لله مراقبة جهره لتكون مخلصا في عملك. # { ولربك فاصبر } [المدثر: 7]؛ يعني: فاصبر على كتمان الأسرار ~~خاصة لأمر الرب وغيره على محذرات أسراره المقدسة؛ لئلا يطلع عليها ~~الأغيار، { فإذا نقر في الناقور } [المدثر: 8]؛ يعني: إذا نفخ ~~في الصور التي هي كالناقور، وفي عالم الأنفس ناقور كل أحد قالبه، والنافخ ~~فيه قوة إسرافيلية كما ذكرنا من قبل، { فذلك يومئذ يوم ~~عسير } [المدثر: 9]؛ يعني: النفخ في القالب في تلك ms1689 الساعة أمر عسير، { ~~على الكافرين } [المدثر: 10]؛ أي: على القوى الكافرة، { غير ~~يسير } [المدثر: 10] ليس بعده عسرة رجاء اليسر. # { ذرني ومن خلقت وحيدا } [المدثر: 11]؛ يعني: أيتها ~~اللطيفة الخفية المنذرة ذرني ومن خلقت من القوى وحيدا من غير شريك، { ~~وجعلت له مالا ممدودا } [المدثر: 12]؛ يعني: جعلت له ~~استعدادات كثيرة، وأعطيته آلات وأدوات لأجل الكسب، { وبنين شهودا ~~} [المدثر: 13]؛ يعني: بنتائج شاهدين لها مأمور بأمرها معينين على كسبها، ~~{ ومهدت له تمهيدا } [المدثر: 14]؛ يعني: بسطت له بساط العيش ~~على أحسن وجه خيرا من لطائف النباتات والحيوانات العلوية والسفلية، { ~~ثم يطمع أن أزيد } [المدثر: 15] بعناده وكفرانه؛ يعني: { ~~كلا } [المدثر: 16]؛ أي: ليس الأمر كما ظن، { إنه كان لآياتنا ~~عنيدا } [المدثر: 16] كما بينا له أنه عاند اللطيفة المنذرة والآية ~~البينة معاندة جحودا وإنكارا { سأرهقه صعودا } [المدثر: 17] ~~سأكلفه اليوم مشقة دائمة صاعدة أبد الآباد. ### || [74.18-30] # { إنه فكر وقدر } [المدثر: 18]؛ يعني: القوى الكافرة إذا ~~فكرت في حقيقة الوارد ما تنطق به اللطيفة المنذرة، وقدر في نفسه أن يؤمن ~~بما نطقت اللطيفة، ثم فكرت في ترك اختيارها وتسليمها اللطيفة، وترك ~~مشتهياتها قدرت تقدير أسوء وأنكرت الآية البينة، { فقتل كيف ~~قدر } [المدثر: 19]؛ أي: طرح عن حضرة الحق، { ثم قتل كيف ~~قدر } [المدثر: 20] على طريق التعجب؛ يعني: بعدما علم وذاق حلاوة ~~الوارد كيف قدر نفسه إنكاره، { ثم قتل كيف قدر } [المدثر: ~~20] ثم لعن وطرح كيف قدر في نفسه إنكار الآيات البينات بعد مشاهدتها. # { ثم نظر } [المدثر: 21]؛ أي: نظرة القوة الكافرة على ترك هواها، ~~{ ثم عبس } [المدثر: 22]؛ أي: عبس وجهها على ما فكرت في ترك هواها ~~وتسليمها للطيفة، { وبسر } [المدثر: 22]؛ أي: كره كراهة شديدة في ~~قبول ما تنطق به اللطيفة، { ثم أدبر } [المدثر: 23]؛ أي: تولى عن ~~قبول الحق، { واستكبر } [المدثر: 23]؛ أي: أبى أمر الحق استكبارا ~~بنفسه بأنه كيف يكون تبعا لغيره، { فقال إن هذآ إلا سحر ~~يؤثر } [المدثر: 24]؛ أي: ليس هذا الوارد الذي يرد على اللطيفة ~~المنذرة إلا سحر يروى عن شجرة قواها، { إن هذآ إلا قول ~~البشر } [المدثر: 25] يقول من تلقاء نفسه، وألقاه ms1690 قواها الساحرة له. # { سأصليه سقر } [المدثر: 26]؛ يعني: القوة الكافرة لسوف أصليها ~~في سقر قالبها، وهو اسم من أسماء جهنم التي تتعلق بالقالب، { ومآ ~~أدراك ما سقر } [المدثر: 27]؛ يعني: سقر قالب جهنم محماة بنيران ~~البغض والكبر وحب الشهوات، { لا تبقي ولا تذر } [المدثر: 28]؛ ~~أي: لا تبقي أهلها أحياء ولا تذرهم أمواتا، { لواحة للبشر } ~~[المدثر: 29] مغيرة لوجه البشرية حتى يصير مكدرا صبورا، وتلوح له هذه ~~الحالة ويشاهد وجهه عيانا، { عليها تسعة عشر } [المدثر: 30] ~~من القوى العنصرية إذا ضربت أربعة في أربعة يحصل ستة عشر، وخاصية ~~المعدنية والنباتية والحيوانية على هذه الستة تسعة عشر من قواها، وخواصها ~~في صورها هائلة موكلة ليشعلوا نيرانها ويعذبوا فيها أبد الآباد. ### || [74.31-37] # { وما جعلنآ أصحب النار إلا ملئكة } [المدثر: ~~31]؛ يعني: كانوا مأمورين بأمور بأمر الله غالبين على الهوى الجسماني غير ~~مغلوبين، { وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين ~~كفروا } [المدثر: 31]؛ يعني: فتناهم بقواهم وبعدد قواهم الذين ظنوا ~~أن يقدروا على غلبتهم لقلة عددهم، وما ظنوا أن قواهم كانوا قائمين بهم ~~واليوم غالبون بأمر الرتبة عليهم؛ { ليستيقن الذين أوتوا ~~الكتب } [المدثر: 31] عدتهم بما أوتوا من علم الوارد، { ويزداد ~~الذين ءامنوا إيمنا } [المدثر: 31]؛ يعني: يزداد إيمانا من ~~شاهد هذه القوى في نفسه، وعلم عددها إذا جاء الوارد وبين هذه الأعداد ~~كما هي إيمانا مشاهديا على إيمان مكاشفي، { ولا يرتاب الذين ~~أوتوا الكتب والمؤمنون } [المدثر: 31] ألا يشكون فيما ~~جاء به الوارد ونطقت به اللطيفة المنذرة يعلمهم بما في كتابهم مسطورا، { ~~وليقول الذين في قلوبهم مرض } [المدثر: 31]؛ أي: القوى ~~المنافقة التي ما طهرت بماء الوارد باطنها، { والكفرون } [المدثر: ~~31] والقوى المنكرة للوارد واللطيفة المنذرة، { ماذآ أراد الله ~~بهذا مثلا } [المدثر: 31]؛ يعني: أي شيء أراد الله بهذا المثل؟ ~~أي: لا تحقق لعدتهم بل هو مثل ضربه لمعنى خاص لا يتعلق بسقر، { كذلك ~~يضل الله من يشآء ويهدي من يشآء } [المدثر: 31]؛ ~~يعني: الله أعلم باستعداد كل أحد من الخلق فمن شاء أن يكون مظهرا لقهره ~~واستعداده لائق بأن يكون مضل قهره يضله، ومن شاء أن ms1691 يكون مظهرا للطفه ~~واستعداده قابل للطف يهديه، { وما يعلم جنود ربك إلا ~~هو } [المدثر: 31] وما يعلم بالقوى التي خلقها في مملكتك إلا هو، { ~~وما هي إلا ذكرى للبشر } [المدثر: 31]؛ يعني: ذكر النار ~~والسقر؛ لأجل الموعظة ليتعظ ويذكر أهوالها وينب إلى الله ويخافها. # { كلا والقمر } [المدثر: 32] هذا قسم يقول حقا وحق اللطيفة ~~الجمالية الطالعة في القلب، { والليل إذ أدبر } [المدثر: 33] ~~وحق اللطيفة الجلالية المستكنة في القالب، { والصبح إذآ أسفر ~~} [المدثر: 34] وحق اللطيفة الحاجزة بين بياض الجمال وسواد الجلال التي ~~أودعناها في الصدور والألوان، التي يشاهد السالك المبتدئ بعد خروجه عن ~~ظلمات القالب ألوان هذه اللطيفة المستودعة في الصدر، { إنها لإحدى ~~الكبر } [المدثر: 35] جواب القسم؛ يعني: بحق هذه اللطائف إن سقر ~~لأحدى الكبر؛ أي: آية من آياتها الكبرى. # { نذيرا للبشر } [المدثر: 36]؛ يعني: هي منذرة للقوى البشرية، ~~{ لمن شآء منكم أن يتقدم أو يتأخر } [المدثر: 37]؛ ~~يعني: هذه نذيرة لمن شاء منكم أن يتقدم إلى معصية أو يتأخر عن طاعة، ~~وبعبارة أخرى أن يتقدم إلى الحق أو يتأخر عن الحظ. ### || [74.38-49] # { كل نفس بما كسبت رهينة } [المدثر: 38]؛ يعني: لا شك ~~ولا شبهة أن كل نفس كسبت شرا فهي رهينة به، وكل نفس كسبت خيرا فهي ~~رهينة به، وليس لكل نفس إلا ما كسبت، { إلا أصحاب اليمين } ~~[المدثر: 39] هذا استثناء من رهينة بكسب اللمم؛ يعني: يغفر الرب لمم ~~أصحاب اليمين؛ لأنهم اتكلوا على فضل الله بصدق القلب لا باللسان، فإذا ~~صدرت عنهم لمة بشرية فلما يخلص البشر عنها يغفرها ربه بما وقر في قلبه من ~~تصديق ذلك اليوم، وإقراره بالوارد وإيمانه بالجزاء، ويدخلهم الله { في ~~جنات يتسآءلون * عن المجرمين * ما سلككم في ~~سقر } [المدثر: 40-42]؛ أي: ما أدخلكم في سقر مستهزئا بهم. # { قالوا لم نك من المصلين } [المدثر: 43]؛ أي: لم نكن من ~~المطيعين بالجوارح الظاهرة، { ولم نك نطعم المسكين } ~~[المدثر: 44]؛ أي: أطعمنا خاطر السكينة من طعام الذكر، { وكنا ~~نخوض مع الخآئضين } [المدثر: 45]؛ يعني: نخوض مع القوى ~~المرباة بالباطل في أباطيلهم، { وكنا نكذب بيوم الدين ~~} [المدثر: ms1692 46]؛ يعني: كنا غير مصدقين بيوم الجزاء، { حتى أتانا ~~اليقين } [المدثر: 47]؛ أي: الموت وكشف غطاءنا فكاشفنا وشاهدنا بعد ~~كشف الغطاء ما يكذب، والسالك يشاهد بالموت الاختياري كل ما ذكرته في جميع ~~الكتاب مشاهدة يقين، { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } ~~[المدثر: 48]؛ يعني: بعد الموت الاضطراري لا ينفع لمن مات غافلا عن ~~حقيقة الآيات منكرا إياها شفاعة الشافعين. # { فما لهم عن التذكرة معرضين } [المدثر: 49] نصب على ~~الحال كونهم معرضين عن موعظة الوارد وعن اللطيفة الواعظة المنذرة لهم ~~بالوارد الذي يرد على قلبه في الحق. ### || [74.50-56] # { كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة } ~~[المدثر: 50-51] شبههم بالحمر لجهلهم، وبالمستنفرة لتنفر طبعهم عن حمل ~~الأمانة؛ يعني: القوى الجاهلة يهربون من سلطة قوى الواردة كما تهرب الحمر ~~من الأسد، { بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا ~~منشرة } [المدثر: 52]؛ يعني: القوى القالبية والنفسية يريدون أن ~~يرد عليهم الوارد كما يرد على القلب ليؤمنوا، ولا يعلمون أن ليس لهم طاقة ~~سماع ما في الوارد على لسان اللطيفة المنذرة، فكيف يطيقون حمل قوة ~~الوارد؟ # { كلا } [المدثر: 53] لا يؤتون الصحف، لأنهم ملوثون بأقذار اللطيفة، ~~{ بل لا يخافون الآخرة } [المدثر: 53]؛ هو التمني أيضا يلقي ~~الشيطان فيهم ليزداد لهم إنكار الآخرة، لا يتمنون الوارد أن يرد عليهم ~~ليؤمنوا، بل يكذبون الوارد ووجود الآخرة ولا يخافون منها، { كلا } ~~[المدثر: 54]؛ أي: حقا، { إنه تذكرة } [المدثر: 54]؛ يعني: ~~الوارد تذكرة وموعظة، { فمن شآء ذكره } [المدثر: 55] واتعظ به، { ~~وما يذكرون إلا أن يشآء الله } [المدثر: 56] وما يتعظون ~~بالوارد إلا من شاء الله هدايته وجعله مظهرا للطفه؛ لينفي عن الباطل ~~وجوده، ويستغفر ربه في كل حال { هو أهل التقوى } [المدثر: 56]؛ ~~يعني: الله أهل أن يتقي من محارمه، ويخاف من نقمته، { وأهل ~~المغفرة } [المدثر: 56]؛ أي: أهل لمن يتوب إليه ويستغفره أن يتوب ~~عليه ويغفر له. # اللهم اجعلنا من أهل التقوى وأهل المغفرة بحق محمد صلى الله عليه وسلم ~~وعلى آله وصحبه والبررة وعلى التابعين لهم بإحسان المقتفين أثره. ### | [75 - سورة القيامة] ### || [75.1-10] # يا صاحب النفس اللوامة ويا أيها السائل عن ms1693 يوم القيامة ما أعددت له من ~~الكرامة؛ لأنه يوم مكرم، بحيث صار محلا للقسم كما قال في كتابه المعظم: ~~{ لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس ~~اللوامة } [القيامة: 1-2]؛ أي: أقسم بهما والسر الذي قرنهما أن كل ~~من وصل إلى قيامته اليوم تصير نفسه الأمارة لوامة، بحيث تلوم صاحبها في ~~كل حركة وسكون يصدر منه على خلاف أمر الحق، ولا تحسب أن القيامة بعيده ~~عنك، بل لو كشف الغطاء غطاؤك لشاهدت القيامة أقرب إليك من شراك نعلك، ~~ولوامتها دالة على ظهور نور القيامة في باطنك، وهذه الملامة تنفع لصاحبها ~~ما دامت معها آلات الكسب لتعتذر وتتوب إلى الله؛ فأما بعد نزع الآلة عنها ~~لا تنفع ملامتها إلا ندامة وحسرة وعذابا، والنفس المؤمنة اللوامة تلوم ~~صاحبها في الدنيا، والنفس الكافرة اللوامة تلوم صاحبها في العقبى. # { أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه } [القيامة: 3]؛ ~~يعني: يظن الإنسان أنا لا نقدر على جمع العظام البالية بعد تفرقها، أما ~~ترى في المغناطيس الذي خلقناه في الدنيا وهو حجر جسماني ظلماني وأودعنا ~~فيه خاصية جذب المتفرقات وجمعها، ومثاله بين في عالم الشهادة إذا سحق ~~الحديد سحقا وتفرق أجزاؤه في حائط ثم أقيم المغناطيس على رأس الحديد ~~المسحوق المتفرق، كيف يجمع المتفرقات بقدرتنا وبضم بعضها إلى بعض؟ فما ظن ~~الكافر بالروح الإنساني وخاصيته إذا أمرنا أن ينظر إلى أجزاء قالبه ~~المتفرقة لا يقدر أن يجمعها، وخاصية الروح الإنساني اللطيف العلوي لا ~~يكون أقل من الحجر الجسماني الكثيف السفلي. # { بلى قادرين على أن نسوي بنانه } [القيامة: 4] ~~معناه بلى قادرين على جمع العظام كما كنا قادرين على تسوية بنانه من نطفة ~~لا عظم فيها ولا شكل لها، فسوينا البنان وسخرناه للإنسان أن يستعمله فيما ~~شاء، أفلا نقدر على أن نجمع العظام البالية؟ بلى نجمع عظامه التي بها كان ~~ذا قوة واقترف ذنوبا عظاما كما سوينا بنانه ليعد ذنوبه، ويشهد على صاحبه ~~بما استعمله وهو عدة، { بل يريد الإنسان ليفجر أمامه * ~~يسأل أيان يوم القيامة } [القيامة: 5-6]؛ يعني: يكذب ~~الكافر الجاهل ms1694 ما كنا نعد أيامه من الحساب والجزاء، ويريد أن يعمل على ~~وفق مشتهاه يسأل متى يكون القيامة استهزاء واستخفافا يقول الله تعالى: { ~~فإذا برق البصر } [القيامة: 7]؛ أي: شخص بصر الرجل عند كشف ~~الغطاء ويرى ما بعده اللطيفة المبلغة، { وخسف القمر } [القيامة: ~~8]؛ أي: أظلم ضوء قمر قلبه في ليل قالبه، { وجمع الشمس ~~والقمر } [القيامة: 9]؛ أي: جمع شمس روحه وقمر قلبه في عالم نفسه؛ ~~ليرى بضوء شمس روحه أن هؤلاء أعد الله تعالى للقوى العلوية المستكبرة ~~الروحانية التابعة للهوى القوى السفلية على وفق هواها، وهذا الحال مما ~~يشاهد الأغلال والإنكار التي كسبتها القوى السفلية على وفق هواها، وهذا ~~الحال مما يشاهد السالك في أثناء سلوكه، فينبغي أن يتيقن بأنه من علامات ~~القيامة التي قامت بالموت الاختياري، { يقول الإنسان يومئذ ~~أين المفر } [القيامة: 10] لشدة ما يشاهده في ذلك اليوم. # فأما السالك في هذه الحالة يلتجئ إلى كشف ولاية شيخه، أو يعتصم بحبل ذكر ~~الله الذي لقنه شيخه، أو يلوذ بأذيال ولاية بنيته وكل أحد على مقدار ~~توجهه وصدقه وغلبة الذكر وولاية شيخه أو ولاية بنيته، يفر من تلك الأهوال ~~إلى ما يغلب عليه في تلك الحالة، ويتوجه إليه في تلك الساعة من الذكر، أو ~~الإرادة لشيخه، أو الاتصال لولاية بنيته. ### || [75.11-21] # فأما البالغون يشاهدون آيات الرب ويفرحون بها ولا يخافون منها، بل يحبون ~~من شجرة كل آية ثمار معرفة الصفات، { كلا لا وزر } [القيامة: 11]؛ ~~أي: حقا لا مهربا لكم من هذا المقام ولا حصن لكم؛ لأن الحصن الذي كنتم ~~تتحصنون به في هذا اليوم خربتموه في دار الدنيا، وما التفتم إلى ما بلغت ~~اللطيفة إليكم عنا: أن لا إله إلا الله حصني يؤمن من عذابي ما دخلتم فيه ~~وما اشتغلتم بعمارته، فاليوم لا حصن لكم ولا حرز ولا ملجأ، أما تعلمون أن ~~الله تعالى قال في كتابه: # ففروا إلى الله # [الذاريات: 50]، فلما فررتم إليه في دنياكم من أعادي شيطانكم وهواكم، ~~ووافقتم أعداءكم وخالفتم مولاكم فليس لكم اليوم المفر. # { إلى ربك يومئذ المستقر } [القيامة: ms1695 12]؛ يعني: ~~مستقر الخلق ومرجعهم إلى ربهم كما يقول: # إلى ربك الرجعى # [العلق: 8] إلى ربك المنتهى، { ينبأ الإنسان يومئذ بما ~~قدم وأخر } [القيامة: 13] من عمل صالح أو فاسد، وبعبارة أخرى ~~بما قدم لنفسه من مكتسباته وبما أخر لورثته من مخلفاته المنحة للورثة ~~والمحنة له، { بل الإنسان على نفسه بصيرة } [القيامة: ~~14]؛ لأن جوارحه وحواسه عددوا أعماله خيرا كان أو شرا، فإذا كشف الغطاء ~~في ذلك اليوم حدد بصره ووجد جميع أعماله حاضرة عنده. # { ولو ألقى معاذيره } [القيامة: 15]؛ أي: لو أرخى ستور ~~قالبه فهو بنور قمر قلبه وضياء شمس روحانيته يشاهد في ذلك اليوم مكتسبات ~~لا تستره ستور قالبه، ولا يخفى خلف ستور الاستعدادات الجسمانية عمل ~~أعماله؛ لأن القوى الجسمانية والروحانية كانوا شاهدين عليه بما عمل في ~~دار الكسب، { لا تحرك به لسانك لتعجل به } [القيامة: ~~16] أيتها اللطيفة المبلغة لا تحرك بالوارد لسانك لتعجل بالوارد ويجذب ~~الوارد إليك بالعجلة؛ لأن العجلة من الشيطان؛ يعني: اترك اختيارك وألقي ~~سمعك، ولا تحرك لسانك عند نزول الوارد، { إن علينا جمعه ~~وقرآنه } [القيامة: 17]؛ يعني: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ~~قبل ورود الوارد، فكلما أنا أنزلناه من غير شعورك واختيارك فعلينا أن ~~نجمعه في صدرك، ونيسر على لسانك قراءته. # { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } [القيامة: 18]؛ يعني: إذا ~~أنزلناه فاسمع ثم اتبع قراءته، ولا تعجل ببيانه، ولا تقل من نفسك معناه، ~~{ ثم إن علينا بيانه } [القيامة: 19] فكلما إنا أنزلنا ~~الوارد فعلينا أن نبين عليك معناه ونيسر على لسانك بيانه، { كلا } ~~[القيامة: 20]؛ أي: حقا لا ينفع البيان لمجيء الدنيا؛ لأنهم { بل ~~تحبون العاجلة * وتذرون الآخرة } [القيامة: 20-21] هم ~~يحبون الشهوات العاجلة لنفوسهم ولا يصبرون على تركها، لأنهم لا يؤمنون ~~بالآخرة، وهم القوى القالبية والنفسية الغالبة على القوى الروحانية ~~واستردافها للهوى. ### || [75.22-30] # { وجوه يومئذ ناضرة } [القيامة: 22]؛ يعني: إذا برق البصر ~~يرى وجوها مسرورة منظرة منعمة بمشاهدة جمال وجه الرب، { إلى ربها ~~ناظرة } [القيامة: 23] بلا حجاب كلما ينظر إلى نضارة وجه الناظر ~~وقرارة عينه وحق لها تنظر وتفر، وكلما تزيد نضارة ms1696 الوجه وقرارة العين ~~يتنعم بمشاهدة جمال وجه الرب أكثر من الأول؛ لأن حسن جماله بلا نهاية، ~~والناظر بقدر قرارة عينه يقدر أن يشاهد ذلك الجمال، فكلما يزداد قربه ~~يزداد حسن جماله في نظره ولأجل هذا لا يستريح الواصلون من العمل بعد ~~وصولهم إلى الأصل و # لمثل هذا فليعمل العاملون # [الصافات: 61]، وعلى هذه المشاهدة # فليتنافس المتنافسون # [المطففين: 26] فعلامة الواصل إلى هذا المقام في الدنيا زيادة عطشه عند ~~شرب ماء مشاهدته، فكلما يزداد عطشه إلى أبد الآباد، وسر هذا الحرف ~~يتعلق بحد القرآن، فاجتهد في أن تصل إلى هذه الكرامة العظيمة في الدنيا؛ ~~لأن استيفاء حظك منها مع الآلات والأدوات يزيد نفعا فما يرى بعد نزع ~~الآلات والأدوات. # { ووجوه يومئذ باسرة } [القيامة: 24]؛ أي: عابسة كالحة ~~مغتمة قبيحة مكدرة من سوء أعمالهم، وقبح أفعالهم، وكدورة أخلاقهم، { ~~تظن أن يفعل بها فاقرة } [القيامة: 25] يظن أحد إن أراها ~~أن إصابتها واهية، وهو بنفسه رأى وجهه ويتألم من مشاهدة وجهه القبيح ~~العابس، ولا بد له من مشاهدته؛ لأنه كسبه لنفسه بنفسه، وهو غمر غائب عنه ~~لمحة، بل صار عين وجوده القبح والألم، وهذا من العذاب الأليم نعوذ بالله ~~منه. # { كلا إذا بلغت التراقي } [القيامة: 26]؛ يعني: حقا إذا ~~بلغت روح كل واحد ترقونه، { وقيل من راق } [القيامة: 27] ولا راق ~~له إلا الحق، { وظن أنه الفراق } [القيامة: 28] ويتيقن صاحبه ~~بأن لا راق له، وإن لا بد له من فراق الدنيا وهجرانها، { والتفت ~~الساق بالساق } [القيامة: 29]؛ يعني: من الهيبة والشدة المتتابعة، ~~وهذه حالة سيشاهدها السالك في أثناء سلوكه وقت ظهور قياسته، واشتغاله بما ~~لا يعنيه في اليوم الذي وقعت له هذه الواقعة وهذه من أصعب الحالات، ~~فينبغي للسالك إذا رجع في واقعته يستغفر مما كان عليه قلبه. # { إلى ربك يومئذ المساق } [القيامة: 30] لا ينفع لف ~~الساق بالساق عن ساقه إلى ربه؛ لأن حضرة الرب مرجع الكل يساق الناس إليه ~~شاءوا أم أبوا. ### || [75.31-40] # { فلا صدق ولا صلى } [القيامة: 31]؛ يعني: القوى الجاهلة ~~الكاذبة لا صدقت اللطيفة المبلغة، ولا صلت في ms1697 دار الكسب بالقالب، { ~~ولكن كذب وتولى } [القيامة: 32]؛ يعني: كذبت الوارد وتولت ~~عن صاحب الوارد، { ثم ذهب إلى أهله يتمطى } [القيامة: ~~33]؛ يعني: ثم ذهب إلى القوى القالبية والنفسية تنجر من حصول شهواتها ~~العاجلة، واستيفاء حظوظها عن القوى العلوية على وفق هواها. # { أولى لك فأولى } [القيامة: 34] التفاف الساق إلى الساق في ~~هذه اليوم، { ثم أولى لك فأولى } [القيامة: 35] يسود الوجه ~~وبالملك بمشاهدته { أيحسب الإنسان أن يترك سدى } ~~[القيامة: 36]؛ أي: ظن الإنسان الغافل عن الله تعالى ركبه من جميع ~~المفردات العلوية والسفلية، وجعله مختارا في إرادته في الدنيا أن يتركه ~~جهلا، وكان خلقه عبثا، { ألم يك نطفة من مني يمنى ~~} [القيامة: 37]؛ يعني: في بدء خلقته كان نطفة من مني يمنى من القوة ~~الفاعلة الملقية إلى القوة القابلة، { ثم كان علقة فخلق ~~فسوى } [القيامة: 38] في تعليق النطفة المنتشرة في القوة القابلة ~~حتى صارت مستحقة لنفخ الروح فيها، فلما نفخ فيها وتمت خلقته { فجعل ~~منه الزوجين الذكر والأنثى } [القيامة: 39] من هذه ~~النطفة التي صارت خلقته علقة، ثم صارت مضغة مخلقة وغير مخلقة لنفخ الروح، ~~فاستوت خلقتها وتمت بنيتها، فخلقنا من هذه القوى الفاعلة والقابلة ليظهر ~~منها المشايخ الباقية المدركة المتنعمة والمتألمة، وجعلناها مظاهر لطفنا ~~وقهرنا. # { أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى } ~~[القيامة: 40] أليس الذي عمل هذه الأعمال في النطفة، وخلق صاحب النطفة ~~بإرادته كما شاء مما يشاء يقدر أن يحيي القوى الميتة القالبية والنفسية ~~غير المدركة بنتائجها الباقية وبما كسبت من الآلام الدائمة، بلى قادر على ~~أن يحيي الموتى في الدنيا قبل نزع الآلات والأدوات منها لتعذر عن ~~السيئات، وتتوب إلى خالق السماوات والأرض، وتحيا بعد نزع الآلات حياة ~~طيبة أبد الآباد، وقادر على أن يحيي الموتى العقبى بعد نزع الاستعدادات ~~لتشقى في الآخرة أبد الآباد ونحدد على ذلك؛ لأنا شاهدنا في أنفسنا وفي ~~أنفس غيرنا مما أرسلهم الله إلينا لنداويهم فداويناهم وأحياهم الله ~~تعالى، وشاهدوا كل الذي كتب في هذه السورة مشاهدة إيقان عيان عن غير ظن ~~وحسبان، وصار إيمانهم الغيبي الذي يخبر ms1698 الله عنهم في كلامه بقوله تعالى: # يؤمنون بالغيب # [البقرة: 3] إيمانا شهوديا وعيانيا ذوقيا أظهر من فلق الصبح. # ونسأل الله الثبات على هذه الطريقة النفسية الصفية المنسوبة إلى الصوفية ~~حق الممات، وأن يحشرنا يوم القيامة تحت لواء سيد السادات صلى الله عليه ~~وسلم وعلى آله أصحاب الكرامات، وأصحابه أهل المدرجات، والتابعين لهم ~~بإحسان السالكين جميع المقامات الشاهدين في كل مقام من المقامات آياته ~~البينات صلاة غير منقطعة أبد الآباد آمين آمين آمين آمين. ### | [76 - سورة الانسان] ### || [76.1-5] # أيها الذاكر هل أتى عليك حين من الدهر في الذكر كأن لم يكن شيئا ~~مذكورا ولم يكن شيئا مذكورا، ولو لم يكن هكذا لن يصح منك الذكر؛ لأن ~~من خاصية الذكر نسيان غير الحق كما يقول في كتابه # واذكر ربك إذا نسيت # [الكهف: 24]؛ أي: نسيت سوى الرب إما تقرأ كلام الرب حيث يقول: { هل ~~أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا } [الإنسان: 1]، وهذا الحال يظهر على الذاكر الذي يسلك في ~~مرتبة آدم عند غلبة سلطان ذكر الحق على طينة قالبه، فتلاشى الطين من ~~الطينة الطينية، وينفذ نور الذكر الحقيقي في أجزاء وجوده وعند مجيء الحق ~~زهوق الباطل، كما قال في كلامه: # جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا # [الإسراء: 81]، فلما يزهق الباطل يصير اللطيفة مستحقة؛ لينفخ الروح ~~القدسي الإضافي فيها، فإذا نفخ فيها صار السالك آدم وقته وإنسانا كاملا ~~في مرتبة البياض والسواد. # { إنا خلقنا الإنسان من نطفة } [الإنسان: 2]؛ أي: من ~~نور نطفة الولاية في هذه المرتبة { أمشاج } [الإنسان: 2] مختلطة بنور ~~النبوة ونور الحق، ونور الربوبية في رحم الإرادة، { نبتليه } ~~[الإنسان: 2] بالإصدار التي جمعناها جبرا في قالبه، وأمرناه بمحافظة ~~الأضداد ومخالفة هواهم، { فجعلناه سميعا } متصفا بصفة سمع الحق ~~{ بصيرا } [الإنسان: 2] متصفا بصفة بصره، { إنا هديناه ~~السبيل } [الإنسان: 3] بعد إعطاء هاتين الصفتين إياه؛ يعني: سبيل ~~المحق الباطل، { إما شاكرا وإما كفورا } [الإنسان: 3] ~~نعمتنا وهذه الهداية تمام أمر الابتلاء، # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة # [الأنفال: 42]. # { إنآ أعتدنا ms1699 للكافرين سلاسلا وأغلالا ~~وسعيرا } [الإنسان: 4]؛ يعني: هيأنا للكافرين، فمنها: سلاسل التمني ~~والحرص؛ بحيث لو كان له واديان من ذهب لابتغى ثالثا، ولا يملأ جوفه إلا ~~التراب وأغلال البخل وسعير الحسد، ويسرنا لهم كسب السلاسل والأغلال ~~والسعير { إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها ~~كافورا } [الإنسان: 5]؛ يعني: إن الشاكرين نعمنا يشربون من كأس ~~استعدادهم التي كان مزاجها كافورا؛ يعني: طينة الكأس ممن وجه بكافور ~~الجمال صورة والجلال معنى، والمسك جلالي في الصورة والكافور جمالي في ~~الصورة، وفي بيان هذا السر لطيفة، لو بحت بها لاستباح العوام سفك دم، وإن ~~كان من بطن القرآن فطويت صحيفتها. ### || [76.6-13] # { عينا } [الإنسان: 6]، والأصح أن يكون نصبا على المدح يعني: أعني ~~عينا { يشرب بها عباد الله } [الإنسان: 6]؛ وهي عين المعرفة ~~يشرب بها عباد الله بعد كأس الاستعدادات التي # كان مزاجها كافورا # [الإنسان: 5] يطفئ نيران الشهوة والغضب والبغض والكبر، وأخواتها الحاصلة ~~من امتزاج القوى غير المزكاة بعضها ببعض، والشراب المصبوب في # كأس كان مزاجها كافورا # [الإنسان: 5] من حب الجلال المعنوي، وعن المعرفة الحاصلة عند التجليات ~~الجلالية المعنوية { يفجرونها تفجيرا } [الإنسان: 6] كلما ~~أخذوا من العين يريد انفجار العين، ويمشي معهم حيث مشوا في عالم الآثار ~~والأفعال والذات. # { يوفون بالنذر } [الإنسان: 7]، هؤلاء العباد الشاكرون أوفوا ~~بنذرهم في دار الكسب، ونذرهم ألا يشتغلوا بذكر غيرنا ولا يلوثوا ألسنتهم ~~بذكر غيرنا وهم، # رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله # [النور: 37]، مشغولون بذكر الحق مؤتمرون بأمره حيث قال # فاذكروني أذكركم # [البقرة: 152]، فذكروه حتى صاروا مذكورين له بعد أن كانوا ذاكرين { ~~ويخافون يوما كان شره مستطيرا } [الإنسان: 7]؛ يعني: ~~تبلى السرائر، ويطير عمل كل امرئ بصاحبه إلى مستقره الذي عمده صاحب العمل ~~بعمله في دار الكسب، { ويطعمون الطعام على حبه } ~~[الإنسان: 8]؛ يعني: على محبة الحق لا من خوف العقوبة، ولا رجاء الثواب ~~والجزاء، { مسكينا } [الإنسان: 8]؛ يعني: خاطر السكينة، { ويتيما ~~} [الإنسان: 8] خاطر القلب، { وأسيرا } [الإنسان: 8]؛ يعني: خاطر ~~الروح يطعمون هذه الخواطر الذكر على محبته المذكورة خاصة غير متوقعين ~~جزاء ولا شكورا. # { إنما نطعمكم ms1700 لوجه الله لا نريد منكم جزآء ~~ولا شكورا } [الإنسان: 9]، { إنا نخاف من ربنا يوما ~~عبوسا قمطريرا } [الإنسان: 10]، إنا نخاف من اللطيفة الربوبية ~~السكينة في قالبنا يوما أظلم فيه شمس الروح، وقمر القلب وكوكب الحواس، ~~ونجوم القوى فصار يوما عبوسا على صاحبه، وهذا يشاهد وقت تقرر ذكر الرب ~~عن القلب الغافل عن الرب، وفي ذكر القمطرير شدة الكرب، وهو عند تقرر ~~القلب السليم عن الذكر الذي يجري على لسان ملوث بالغيبة، والكذب والفحش، ~~ومما لا يعنيه { فوقهم الله شر ذلك اليوم } [الإنسان: ~~11]؛ لمخافتهم من ذلك اليوم والتجائهم إلى الحق بصدق النية، { ~~ولقاهم نضرة وسرورا } [الإنسان: 11]؛ يعني: نضارة وجوه ~~أحوالهم، ومسرة في قلوبهم وأسرارهم، { وجزاهم بما صبروا } ~~[الإنسان: 12] مكابدة نفسهم وجهادهم الأعداء يعني: القوى القالبية ~~والنفسية حتى إطعامهم المسكين، واليتيم والأسير، { جنة وحريرا } ~~[الإنسان: 12] جزاء النفس الجنة وجزاء القالب الحرير يعني: القوى ~~القالبية والنفسية الصابر على ترك مشتهاها لوجه الله، { متكئين ~~فيها } [الإنسان: 13] نصب على الحال { على الأرائك } [الإنسان: ~~13]؛ أي: على أرائك الرحمة، { لا يرون فيها شمسا ولا ~~زمهريرا } [الإنسان: 13]؛ يعني: حرا وبردا؛ لأنهم كانوا معتدلين ~~في الأمزجة في دار الكسب ثابتين على الصراط المستقيم غير ذائقين إلى طرفي ~~الإفراط والتفريط. ### || [76.14-20] # { ودانية عليهم ظلالها } [الإنسان: 14]؛ يعني: يرون في ~~الجنة أشجار أعمالهم الصالحة قريبة إليهم ظلالها، { وذللت ~~قطوفها تذليلا } [الإنسان: 14] أي: سخرت قطوف أثمار المعارف من ~~أشجار الأعمال تسخيرا، بحيث شاءوا أكلوا منها، وأينما مشوا مشوا، { ~~ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت ~~قواريرا } [الإنسان: 15] { قواريرا من فضة قدروها } ~~[الإنسان: 16]؛ يعني: يطاف عليهم قواهم المطر بآنية نياتهم الثابتة، مثل ~~القصعة في الصلابة وأكواب استعدادهم الوسيعة الصافية؛ مثل الزجاج وشبهه ~~بالزجاج؛ لأن الزجاج يخرج من الحجر، ويشعل النار تحته؛ لتحرق أجزاءه ~~الباطلة الكثيفة، كما كان حال القالب فهو مثل الحجر، فينبغي أن يشعل ~~صاحبه نار الذكر؛ ليخرج منه خبائبه وكشائفه حتى يصير آنية صافية لطيفة، ~~وشبهه بالفضة؛ ليكون آمنا من الكسر صلابة استعدادهم مثل الفضة، وصفاؤهم ~~ورقتهم الزجاجة يصف أمير المؤمنين علي ابن ms1701 أبي طالب رضي الله عنه نفس ~~المؤمن أنها أصلب من الصلد وأذل من العبد { قدروها تقديرا } ~~[الإنسان: 16]؛ يعني: قدروا كؤوس استعدادهم على قدر رتبتهم تقديرا ~~معينا لا يزيد على مقدار شربهم، ولا ينقص عنه فطوبى لاستعداداتهم الغير ~~متناهية، { ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا } ~~[الإنسان: 17]؛ يعني: يسقون أيضا من كأس استعدادهم الممزوجة بزنجبيل ~~الشوق يسكن زمهرير الحرص والبخل والكسل، الحال المعنوي { عينا فيها ~~تسمى سلسبيلا } [الإنسان: 18]؛ يعني: يسقون بهذه الكؤوس ~~الممزوجة بنزنجبيل الشوق من العين السلسبيل، وهو عين خلقه الله تعالى في ~~جنة قالب الإنسان الصافي المزكى عن الحظوظ والأباطيل لها ماء بردة مثل ~~الكافر، وهو برد العقود وحرارة مثل حرارة الزنجبيل حتى تسكن برد الكافور، ~~وريحه مثل ريح المسك، ولا يحصل هذه العين إلا لمن اعتدل مزاجه في الدنيا ~~بترك الحظوظ، وإعطاء الحقوق إياه والتوجه إلى الحق في كلتا الحالتين؛ ~~ليحصل من ترك الحظوظ برد الكافور، ويكسب من إعطاء الحقوق حرارة الزنجبيل، ~~ويجد من التوجه ريح المسك، فإن كنت عملت في الدنيا بهذا الذي شرحته لك، ~~فمن قريب تسقى من عين السلسبيل. # { ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم ~~حسبتهم لؤلؤا منثورا } [الإنسان: 19]؛ يعني: منثرا في ~~خدمتك وشبهه باللؤلؤ؛ لصفاء القوة التي ربيت في صدف القالب في بحر ~~الدنيا، وأصل اللؤلؤ وهو القوة المصفاة من قطرة قطرة من سماء الصدر، كما ~~يقول الله تعالى: { ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا ~~رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا } [الإنسان: 19] { ~~وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا } ~~[الإنسان: 20]، حتى إذا رأيت في جنة قالبك ولدان قواك المصفاة رأيت ~~باقيا خالدا، وملكا كبيرا من عندي، وهذا المقام ينبغي أن يقرأ لا ~~يروي بعد هذا النعيم { وملكا كبيرا } [الإنسان: 20]؛ يعني: جمال ~~يتولد، ويقرأ سكون اللام ليس له معنى غير جمال الرب العظيم إن مشاهدة ~~الرب هي الملك الكبير. ### || [76.21-26] # { عاليهم ثياب سندس } [الإنسان: 21] نصب على الظرف { خضر ~~وإستبرق } [الإنسان: 21]، صفة الثياب وإشارته إلى قوله: { ~~عاليهم } [الإنسان: 21] إشارة إلى: علو همتهم في الدنيا، وتركهم ~~للباس الفاخر تذليلا لأنفسهم، وتواضعا ms1702 لربهم في مقام العبودية، وإشارة ~~إلى لون الخضرة إشارة إلى حصول حياتهم الطيبة والخضرة لون الحياة، وهي ~~أحب الألوان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، { وحلوا أساور ~~من فضة } [الإنسان: 21]؛ لأنهم ما دنسوا في الدنيا أيديهم بأخذ ~~الحرام والإعطاء بالباطل رياء وسمعة والسؤال من غير الحق؛ فصارت هذه ~~الصفات لهم أساور في الدار الباقية الأخروية، { وسقاهم ربهم ~~شرابا طهورا } [الإنسان: 21] جزاء لا يمدوا أيديهم إلى الخمر ~~الحرام في الدنيا يسقيهم ربهم في العقبى شراب المعرفة طهورا من الشك ~~والوهم والظن، فمن شربه لم يبق في قلبه غش وغل وحقد وحسد؛ يعني: يطهر ~~القلب من هذه الصفات المكدرة ماذا رأيت قلبك اليوم على هذه الصفة، فبشر ~~نفسك بشرب من شراب الطهور غدا، ومن لا يلتفت إلى غير الحق في الدنيا، ~~فيبشر نفسه بأن يسقيه ربه على يد لطفه شراب معرفته { إن هذا كان ~~لكم جزآء } [الإنسان: 22]؛ أي: جزاء ما عملتم في الدنيا، { وكان ~~سعيكم } [الإنسان: 22] في دار الدنيا { مشكورا } [الإنسان: 22] ~~عند الله بأنكم كنتم شاكرين نعمة الله، فإذا شكرت نعمة الله فاعلم أنك ~~عند الله، { مشكورا } [الإنسان: 22]، وإن رضيت عنه، فاعلم أنه راض ~~عنك فانظر قدر الله في قلبك فعلى قدر ذلك يكون قدرك عند الرب، أيها ~~المسكين الغافل أما تقرأ القرآن، وأما تعلمه # وهو معكم أين ما كنتم # [الحديد: 4] والله أنت الجنة، وأنت النار، وأنت الدنيا، وأنت العقبى، ~~ومعك ما تشتهي وتتمنى من العقاب والثواب، ولو لم تقرأ كتابك فما تنفعك ~~قراءة الكتاب، وسماع الخطاب، وعتاب رب الأرباب { إنا نحن ~~نزلنا عليك القرآن تنزيلا } [الإنسان: 23]؛ أي: نجما ~~نجما ليثبت به فؤادك، ولو أنزلناه جملة واحدة ما كنت تحمله، { فاصبر ~~لحكم ربك } [الإنسان: 24] على الأحكام المحددة النازلة عليك على ~~سبيل الخواطر، وترك مشتهيات النفس { ولا تطع منهم ءاثما أو ~~كفورا } [الإنسان: 24]؛ يعني: لا تطع القوة الآثمة القالبية والقوة ~~الكافرة النفسية في ترك الصبر، والاشتغال بالشهوات العاجلة، { واذكر ~~اسم ربك بكرة وأصيلا } [الإنسان: 25] ذكر الرب في بكرة ~~الروحانية، وأصيل الجسمانية بدفع ms1703 كيد القوة الآثمة الكافرة { ومن ~~الليل فاسجد له } [الإنسان: 26]؛ يعني: إذا أسدل ليل النكرة ~~ذيله على وجه نهار المعرفة تواضع للرب { وسبحه ليلا طويلا } ~~[الإنسان: 26] ونزهه عن معرفتك له في طول ليل النكرة؛ لأن ليل النكرة ~~يسدل ذيله على وجه نهار المعرفة حينا لرؤية المعارف مخوفا إياه، ووقتا ~~لتسكين القلب عند استيلاء أنوار المعرفة بحيث يريد أن يذهب ببصر عقل ~~المعارف إن لم يسدل ليل النكرة ذيله على وجهه، وفي ليل النكرة للمعارف ~~استراحة وسكون، وربما يكون لتربية ثمرة المعرفة، ففي كل حال ينبغي أن ~~يتواضع فيه للرب، ويسبحه بأمره فسبح. ### || [76.27-31] # { إن هؤلاء يحبون العاجلة } [الإنسان: 27]؛ يعني: ~~القوى الآثمة والكافرة يحبون الشهوات الدنيوية القريبة إليهم { ~~ويذرون ورآءهم يوما ثقيلا } [الإنسان: 27]؛ يعني: يوم ~~الجزاء والحساب ليثقل عليهم لتركهم العمل لأجله { نحن خلقناهم ~~وشددنآ أسرهم } [الإنسان: 28]؛ يعني: خلقنا القوى وقوينا ~~أصولها كفروا بنعمتنا { وإذا شئنا بدلنآ أمثالهم ~~تبديلا } [الإنسان: 28]؛ يعني: إذا شئنا أهلكنا القوى الآثمة ~~والكافرة بالتحليل وبدلنا قوى أمثالهم أحسن وأقوى منهم { إن هذه ~~تذكرة } [الإنسان: 29]؛ يعني: إن هذه السورة موعظة وذكرى لمن يريد ~~سلوك سبيل الهدى { فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا } ~~[الإنسان: 29]؛ أي: وسيلة بهذه الموعظة إلى طاعة الحق وترك طاعة الآثم ~~والكفور ثم يذكر بعد التأديب بالترهيب والترغيب أمر التوحيد لئلا يغفل ~~السالك عن حقيقة سر الوحدة ويقول { وما تشآءون إلا أن يشآء ~~الله } [الإنسان: 30] أي: ليس المشيئة إلا مشيئة الله ومشيئتكم مربوطة ~~بمشيئة { إن الله كان عليما } [الإنسان: 30] بأحوال مظاهر ~~لطفه وقهره { حكيما } [الإنسان: 30] فيما أودع في كل مظهر من ~~الاستعداد والقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد عمله ~~بالاستعدادات { يدخل من يشآء في رحمته } [الإنسان: 31] ممن ~~كان مظهر اللطف { والظالمين أعد لهم عذابا أليما } ~~[الإنسان: 31]؛ لأنهم كانوا مظاهر لطيفة قهره يفعل ما شاء ويحكم ما يريد # لا يسأل عما يفعل وهم يسألون # [الأنبياء: 23] بحكمه وحكمته وإرادته وقدرته. # اللهم اجعلنا مظاهر لطفك بحق محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ~~أجمعين وسلم تسليما كثيرا وهذه ms1704 سورة مختصة بسيد الأولياء أمر المؤمنين ~~علي رضي الله عنه فينبغي للسالكين سبيله أن يقتدوا بسنته ويفهموا ما في ~~سورته ليكونوا من شيعته. ### | [77 - سورة المرسلات] ### || [77.1-19] # يا طالب الوصل لما غفلت عن يوم الفصل واشتغلت بالفرع عن الأصل حين قرأت ~~كلام الرب على سبيل العزل وما فهمت من الكلام إلا الحروف والمد والشد ~~ومعنى اللغات العربية التي كان أبو جهل اعلم منك ومن استاذك لأن فهم ~~القرآن يتعلق بالقلب وأنت بلا قلب؛ لدسته في تراب الطبيعة فاسمع نصيحتي ~~ومر إلى الكتاب وقل لأستاذك ليكتب لك ألف الأصل ويعلمك سرها وحقيقتها ~~ويطلعك على ما أودع في صدقها من الدرر المستورة لتستتر بها وتدخل في بروج ~~الحروف وتشاهد نجوم النقطات المسعودة والمنحوسة ثم تعرج إلى كرسي الأبجاد ~~ثم تستوي على عرش الكلمات ثم تشاهد كيفية استواء الرحمن على العرش ثم ~~تنزل إلى العرش المبسوط في عالم الشرع وتفهم ما يقسم الرب به فقوله { ~~والمرسلات عرفا } [المرسلات: 1] وتطلب في وجودك القوة المرسلة ~~إلى القوى القالبية العارفة المتتابعة لتفهم أنه يقسم باللطيفة الجمالية ~~المودعة في قلبك ثم يقسم باللطيفة الجلالية المستودعة في قالبك بقوله { ~~فالعاصفات عصفا } [المرسلات: 2] ثم يقسم باللطيفة المنبسطة ~~الحيوانية في قوله تعالى:- { والناشرات نشرا } [المرسلات: 3] ثم ~~يقسم باللطيفة المتميزة الفارقة بين الحق والباطل في قوله { ~~فالفارقات فرقا } [المرسلات: 4] ثم يقسم باللطيفة الذاكرة ~~الملقية إليك ما كنت تنساه باشتغالك بتربية القالب بقوله { ~~فالملقيت ذكرا } [المرسلات: 5] { عذرا أو نذرا } ~~[المرسلات: 6]؛ يعني: أعذارا للقوى النفسية وإنذارا للقوى القالبية { ~~إنما توعدون لوقع } [المرسلات: 7] جواب القسم يعني: يوم ~~القيامة وما وعدت وأوعدت اللطيفة الخفية الذاكرة المنذرة { لوقع } ~~أي: كائن لا محالة وله علامات فإذا ظهرت العلامات تيقن بتوعده { فإذا ~~النجوم طمست } [المرسلات: 8]؛ يعني: إذا محيت أنوار الحواس ~~الظاهر والباطن لغلبه نور الحق { وإذا السمآء فرجت } ~~[المرسلات: 9]؛ يعني: إذا سماء الصدر صارت ذات فرجة ينزل عليك القوى ~~العلوية على صور هائلة أو حسنة على قدر حسن أعمالك وقبحها { وإذا ~~الجبال نسفت } [المرسلات: 10]؛ يعني: جبال قوة معدنية قالبك ms1705 قلعت ~~من أماكنها ونسفتها الرياح العاصفة نسفا { وإذا الرسل أقتت ~~} [المرسلات: 11]؛ يعني: جمعت اللطائف المرسلة في ذلك الوقت المعلوم ~~وقوعه يشهدون على أمم القوى بما عملوا { لأي يوم أجلت } ~~[المرسلات: 12]؛ أي: لأي يوم أخرت هذه الأعمال { ليوم الفصل } ~~[المرسلات: 13] أخرت ليفصل بين الحق والباطل ويجزي كل أحد على وفق أعماله ~~من الخير والشر { ومآ أدراك ما يوم الفصل } [المرسلات: 14] ~~{ ويل يومئذ للمكذبين } [المرسلات: 15] كذبوا بيوم ~~الفصل وقرءوا كلام الله هزوا على سبيل الهزل { ألم نهلك ~~الأولين } [المرسلات: 16] أما سمعوا بالأولين الذين كذبوا بيوم ~~الفصل وآثروا بحياة العاجلة الدنيوية وبنوا القصور الرفيعة والبساتين ~~النزهة كيف أهلكناهم { ثم نتبعهم الآخرين } [المرسلات: 17] ~~الذين اتبعوهم وأتباع الهوى ومخالفة المولى بالهلاك { كذلك نفعل ~~بالمجرمين } [المرسلات: 18] أي نفعل بالقوى المجرمة المكذبة بيوم ~~الفصل كما فعلنا بهم { ويل يومئذ للمكذبين } [المرسلات: ~~19]. ### || [77.20-31] # { ألم نخلقكم من مآء مهين } [المرسلات: 20] عنصري ~~منفعل { فجعلناه في قرار مكين } [المرسلات: 21]؛ أي: في ~~رحم القالب { إلى قدر معلوم } [المرسلات: 22]؛ أي: مقدار معين ~~{ فقدرنا } [المرسلات: 23] كما شئنا { فنعم القادرون } ~~[المرسلات: 23]؛ أي: نعم المقدرون قدر قدره ومقداره وقدره من القوى ~~العلوية والسفلية تقديرا تاما { ويل يومئذ للمكذبين } ~~[المرسلات: 24] بالقدر خيره وشره منا { ألم نجعل الأرض ~~كفاتا } [المرسلات: 25]؛ يعني: ألم نجعل أرض البشرية صاحبة جمع وضم ~~تضم وتجمع القوى المتفرقة العنصرية { أحيآء } [المرسلات: 26] عارفين ~~بمقدارها { وأموتا } [المرسلات: 26] جامعين بموجدها { وجعلنا ~~فيها رواسي شامخات } [المرسلات: 27]؛ يعني: جعلنا في أرض ~~البشرية القوى المعدنية كالجبال الراسيات العاليات لئلا تتزلزل { ~~وأسقيناكم مآء فراتا } [المرسلات: 27]؛ أي: ماء الحياة ~~الباقية الروحانية التي يبقى شاربها في دار البقاء أبدا { ويل ~~يومئذ للمكذبين } [المرسلات: 28] بالخلود في دار القرار { ~~انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون } [المرسلات: 29] ~~يعني: تكذبون الدار الآخرة في الدنيا تقول اللطيفة المنذرة للقوى إذا ~~نجومها طمست وظهور علامات أخرى { انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث ~~شعب } [المرسلات: 30] وهي ظل القالب ذي شعب ثلاث وهي القوة المعدنية ~~والنباتية والحيوانية الباقية له ماء الحياة الباقية التي سقاه في الدنيا ~~وهو المتاع القليل { لا ظليل } [المرسلات: ms1706 31] ظله لأنه ظل الباطل ~~الذي كسبه القالب { ولا يغني من اللهب } [المرسلات: 31] لأنه ~~اشتعل في الظلال الثلاثة نارا ذات لهب. ### || [77.32-44] # { إنها ترمي بشرر } [المرسلات: 32] { كالقصر } ~~[المرسلات: 32]؛ يعني: ناره المشعلة ترمي بالقوة المعدنية شرارات القوة ~~النباتية { كالقصر } [المرسلات: 32] { كأنه جملت صفر } ~~[المرسلات: 33] من القوة الحيوانية التي هي إحدى ظلاله { ويل ~~يومئذ للمكذبين } [المرسلات: 34] بالجزاء للكل عمل مثله { ~~هذا يوم لا ينطقون } [المرسلات: 35]؛ يعني: يوم الفصل لا ~~ينطقون إلا بالنطق الذي أنطق كل شيء يشهد جوارحهم على صواحبهم { ولا ~~يؤذن لهم فيعتذرون } [المرسلات: 36]؛ أي: لا رخصة لهم أن ~~يشتغلوا بالعذر لجرائمهم ولما شهدت الجوارح عليهم { ويل يومئذ ~~للمكذبين } [المرسلات: 37] تتكلم الجوارح وشهادتها على صاحبها { ~~هذا يوم الفصل جمعنكم والأولين } [المرسلات: 38] ~~{ فإن كان لكم كيد فكيدون } [المرسلات: 39]؛ يعني: إن كنتم ~~تقدرون أن تدفعوا العذاب عن أنفسكم فادفعوا هذا على سبيل الاستهزاء جزاء ~~استهزائهم بالوارد وتكذيبهم اللطيفة المبلغة { ويل يومئذ ~~للمكذبين } [المرسلات: 40] الوارد واللطيفة المبلغة فيما وعدوا ~~وأوعدوا { إن المتقين في ظلال وعيون } [المرسلات: 41]؛ ~~يعني: الذين اتقوا من المتاع القليل العاجل وخشوا ربهم واتبعوا ألطافهم ~~المبلغة وتركوا شهواتهم النفسانية اللاهوتية لهم ظلال من الرحمة وعيون من ~~الماء الطيب المحيي بالحياة الطيبة الأبدية { وفواكه مما ~~يشتهون } [المرسلات: 42] من فواكه المعرفة يقولون لهم { كلوا ~~واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون } [المرسلات: 43] في ~~دار الكسب هذا مما زرعتم وحضرتم وكسبتم { إنا كذلك نجزي ~~المحسنين } [المرسلات: 44] الذين أحسنوا في ديار الدنيا وقت ~~جزيناهم بما زرعوا وقت الحصاد زرعوا عملا صالحا فحصدوا سنابل طيبة ~~واقتطفوا فواكه صالحة. ### || [77.45-50] # { ويل يومئذ للمكذبين } [المرسلات: 45] بحقيقة الزرع ~~والحصاد يقولون لهم { كلوا وتمتعوا قليلا } [المرسلات: 46] ~~في دار الكسب من المتاع القليل { إنكم مجرمون } [المرسلات: ~~46] لأنهم لا يسمعون لأن أذانهم من تلك الفعلة مسدودة { ويل ~~يومئذ للمكذبين } [المرسلات: 47] بالآذان القلبية وبأن ~~يكون للإنسان سمع وبصر غير هذا السمع الشهاوي والبصر الشهاوي { وإذا ~~قيل لهم اركعوا لا يركعون } [المرسلات: 48]؛ يعني: يوم ~~الفصل إذا قيل لهم اركعوا لا يقدرون بأنهم في الدنيا ما كانوا راكعين { ~~ويل ms1707 يومئذ للمكذبين } [المرسلات: 49] بالركوع والسجود ~~في دار الكسب { فبأي حديث بعده يؤمنون } [المرسلات: ~~50]؛ أي: بأي وارد أيتها القوى المجرمة أنتم تؤمنون بهذا الوارد القدسي ~~الذي لا خلف فيه. # فيا أيها السالك إذا وقعت على العلامات التي شرحناها من قبل وشاهدتها ~~فينبغي أن يؤمن بآيات الله التي ذكرتك اللطيفة فإن تشاهدها لتنتفع بها ~~وإلا فالويل لك إن كنت مكذبا بعد مكاشفته آية من الآيات البينة ~~الأنفسية. # اللهم اجعلنا من الصادقين المصدقين آياتك بحق محمد صلى الله عليه وسلم ~~وآله وصحبه أجمعين الأكرمين المستجمعين. ### | [78 - سورة النبإ] ### || [78.1-15] # أيها السائل عن النبأ العظيم ما أعددت له من الرزق الكريم عن سبيل النزل ~~من النعيم المقيم والرحيق المختوم الذي كان مزاجه من تسنيم كما يقول الرب ~~الرحيم في كلامه القديم بقوله { عم يتسآءلون } ، { عن ~~النبإ العظيم } [النبأ: 2]؛ يعني: القوى المشركة عم يتساءلون عن ~~الوارد الذي ورد عن حضرة الرب على اللطيفة الخفية المبلغة أحكام الوارد ~~إلى أممه { الذي هم فيه مختلفون } [النبأ: 3]؛ يعني: القوى ~~المشركة والمؤمنة يختلفون في أمر الوارد يصدقونه حينا ويكذبونه حينا { ~~كلا } [النبأ: 4]؛ أي: حقا { سيعلمون } [النبأ: 4] عاقبة ~~اختلافهم وتكذيبهم القوى المشركة { ثم كلا سيعلمون } [النبأ: ~~5]؛ أي: ستعلم القوى المؤمنة المصدقة جزاء تصديقهم. # { ألم نجعل الأرض مهدا } [النبأ: 6] يذكر صنائعه ويقول { ~~ألم نجعل الأرض مهدا } [النبأ: 6]؛ أي: أرض البشرية فراشا ~~لهم { والجبال أوتادا } [النبأ: 7]؛ أي: القوى المعدنية ~~القالبية أوتاد الأرض البشرية، { وخلقناكم أزواجا } [النبأ: ~~8] ليستأنس بعضهم ببعض من القوى الفاعلة والقابلة وتظهر منها النتائج ~~القالبية { وجعلنا نومكم سباتا } [النبأ: 9]؛ يعني: غفلتكم ~~استراحة كما قيل: لولا الغفلة لبطلت الحكمة { وجعلنا اليل ~~لباسا } [النبأ: 10]؛ يعني: سترناكم بلباس اللطيفة الجلالية لتسكنوا ~~وتستريحوا { وجعلنا النهار معاشا } [النبأ: 11]؛ يعني: كشف ~~عليكم نهار الكسب باللطيفة الجمالية لتكسبوا معاشكم في العاجل والآجل. # { وبنينا فوقكم سبعا شدادا } [النبأ: 12]؛ يعني: بنينا ~~أطوار القلب فوق القالب { وجعلنا سراجا وهاجا } [النبأ: 13]؛ ~~أي: جعلنا في طور من أطواره الشمس الروحانية المنيرة المضيئة التي هي ~~كالسراج يعني: تقتبس منه القوى الحسية الظاهرة والباطنة ms1708 ضياء { ~~وأنزلنا من المعصرات مآء ثجاجا } [النبأ: 14]؛ يعني: ~~أنزلنا من الصدر ماء الربوبية صبابا { لنخرج به حبا ~~ونباتا } [النبأ: 15]. ### || [78.16-28] # { وجنات ألفافا } [النبأ: 16]؛ أي: يخرج من ماء الربوبية حب ~~الحب المستكن في القالب وقت التخمير ونبات الأدوية منافعه للقلوب ~~المريضة وجنات ملتفة أشجار أعمالهم لحسنها وزينتها، { إن يوم ~~الفصل } [البنأ: 17]؛ يعني: يوم فيه البر والفاجر، ويقضي بينهما ~~بالحق وهم اسم من أسماء يوم الحساب، { كان ميقاتا } [النبأ: 17] لما ~~وعد أوعد. # { يوم ينفخ في الصور } [النبأ: 18]؛ يعني: في صور القوى ~~المتحلل بنفخ ريح الروح، { فتأتون أفواجا } [النبأ: 18]؛ أي: ~~تحضرون في ميقاتها زمرا { وفتحت السمآء فكانت أبوابا } ~~[النبأ: 19]؛ يعني: فتحت أبواب القلوب، وأذنت الملائكة القلبية والسرية ~~والروحانية في النزول، { وسيرت الجبال فكانت سرابا } ~~[النبأ: 20]؛ أي: سيرت القوى المعدنية القالبية حتى صارت مثل السراب في ~~غير اللطيفة الباقية القالبية. # { إن جهنم كانت مرصادا } [النبأ: 21] كانت جهنم في تلك ~~الساعة ترصد أهلها الذين عمروها وبالغوا في تعميقها أنها كانت { ~~للطاغين مآبا } [النبأ: 22]؛ يعني: رجوع القوى الطاغية يكون ~~إليها { لابثين فيهآ أحقابا } [النبأ: 23]؛ أي: ماكثين في ~~جهنم مدة أراد الله مكثها بما جفوا وطغوا إن كانوا كفروا بالله أو أشركوا ~~فخلدوا فيها وإن لم يكفروا أو لم يشركوا، ولكن عصوا الله وبقيوا حتى ~~طهروا عن تلك المعصية { لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا * ~~إلا حميما } [النبأ: 24-25] برد العفو فيها ولا شراب الروية ~~المسكن عطش الجهل، { إلا حميما وغساقا } [النبأ: 25] إلا ~~شراب الحميم بنار البغض والحسد والكبر، وزمهرير الجهل والظلم والبخل، وهو ~~الغساق ينزل عليهم، { جزآء وفاقا } [النبأ: 26]؛ يعني: جازيناهم ~~بما يوافق أعمالهم. # { إنهم كانوا لا يرجون حسابا } [النبأ: 27]؛ يعني: لا ~~يخافون من يوم الحساب، ولا يرجون ما وعدهم الله يوم المآب، { ~~وكذبوا بآياتنا كذابا } [النبأ: 28]؛ أي: كذبوا اللطائف ~~المبلغة إليهم آياتنا غاية التكذيب. ### || [78.29-36] # { وكل شيء أحصيناه كتابا } [النبأ: 29]؛ يعني: أحصينا ~~في كتبهم كل شيء صدر منهم، كما أثبتنا في اللوح المحفوظ، { فذوقوا ~~فلن نزيدكم إلا عذابا } [النبأ: 30] لتكذيبهم اللطائف ~~والآيات البينات الأنفسية؛ لأن ms1709 بعد هذا اليوم لا يمكن الكسب، ولا ينفع ~~الندم على تقوية الآلات وتضييع الأدوات بعد انتزاع الاستعدادات. # { إن للمتقين مفازا } [النبأ: 31]؛ يعني: الذين اتقوا ربهم ~~وآمنوا بيوم الحساب وعملوا الصالحات بعد رجاء الجزاء في يوم المآب فوزا ~~وغنيمة النجاة من النار، ومن المتنزهات في دار القرار، { حدآئق } ~~[النبأ: 32] من جنات القلب، { وأعنابا } [النبأ: 33] من ثمرة معرفة ~~الرب، { وكواعب أترابا } [النبأ: 33] وعلوما مطهرة عن مس أحد ~~غيره، { وكأسا دهاقا } [النبأ: 34]؛ يعني: استعدادا مملوءا من ~~العلم، { لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا } [النبأ: ~~35]؛ يعني: لا يبقي لكأس استعدادهم فرجة للباطل والكذب لامتلائه من علوم ~~الحق. # { جزآء من ربك عطآء حسابا } [النبأ: 36]؛ يعني: جازاهم ~~الله بما عملوا في الدنيا من الصالحات ومن إخراجهم الباطل عن القلب، ~~وامتلاء قلوبهم بذكر الحق وأعطاهم هذا العطاء حسابا وافيا بما وفوا ~~بعهد الله وكسبوا للمعاد. ### || [78.37-40] # { رب السموت والأرض } [النبأ: 37] بدل من ربك؛ يعني: ~~جازى العباد في سماوات أطوار القلوب، وفي أرض استعداد الباقية القالبية ~~من أنواع النعم بما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وتقر عين القلب من مشاهدة ~~وجه الرب، { وما بينهما الرحمن } [النبأ: 37]؛ يعني: رب ~~سماوات أطوار القلب وأرض استعدادات الباقية القالبية وبينهما من الصفات ~~بالنفسانية المزكوة { لا يملكون منه خطابا } [النبأ: 37]؛ ~~يعني: لا يقدر أحد على خلق السماوات والأرض وما بينهما أن يكلمون الرب ~~إلا بإذنه. # { يوم يقوم الروح } [النبأ: 38] في ذلك اليوم في حضرة الرب، { ~~والملائكة صفا } [النبأ: 38]؛ يعني: الروح الإنسانية إلا خليقة ~~الرب في مملكة الوجود وملائكة قوى السر والقلب المطيعون لأمر الرب، { ~~لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن } [النبأ: ~~38]؛ يعني: لم يرد من عرش وارد الإشارة لم يقدر قوة من القوى أن يخاطب ~~الرب، وإذا خاطب بأمره وإذنه، { وقال صوابا } [النبأ: 38] كما قال ~~في الدنيا قول: " لا إله إلا الله " وقال: { صوابا } [النبأ: 38] حقا ~~صدقا. # { ذلك اليوم الحق } [النبأ: 39]؛ يعني: يوم الفصل يوم حق ~~وقوعه، { فمن شآء اتخذ إلى ربه مآبا } [النبأ: 39]؛ ~~يعني: بعد تقرير ذلك اليوم، وتبيين أحواله وأحوال الخلق ms1710 فمن شاء السلامة ~~والسعادة اتخذ إلى حضرة الرب، وآب إلى [خدمته] آيبا تائبا { إنآ ~~أنذرناكم عذابا قريبا } [النبأ: 40] إنا أعلمناكم أيتها ~~القوى القالبية والنفسية عذابا قريبا إليكم، بل عذابا هو لا ينفك عنكم ~~ساعة، بل هو من كسبكم بحيث صار وجودكم، ولكن من كثافة الحجب ورمد عيونكم ~~لا تبصرونه اليوم، فلما كشف الغطاء وصار البصر حديد اليوم { يوم ~~ينظر المرء ما قدمت يداه } [النبأ: 40]؛ يعني: ينظر إلى ~~ما كسبت يداه وقدمت لنفسه إلى الدار الباقية خيرا أم شرا، { ويقول ~~الكافر } [النبأ: 40] في ذلك اليوم بعد اطلاعه على ما قدمت يداه من ~~الشر، { يليتني كنت ترابا } [النبأ: 40]؛ يعني: فاقدا قوة ~~الإدراك كما كنت قبل التركيب ولا ينفعه هذا الندم؛ لأنه كسب قوة الإدراك ~~الباقية الدائمة الأبدية المؤلمة له في الآخرة أبد الآباد، فيا أيها ~~الكاسب اكسب اليوم في دار الكسب لطيفة باقية متنعمة؛ لتتنعم بها أبد ~~الآباد مع الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. # اللهم اجعلنا من الصالحين بمحمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه أجمعين. ### | [79 - سورة النازعات] ### || [79.1-14] # أيها الغرق النزاع إلى حال الفرعون كثير النزاع مع اللطيفة المبلغة بحق ~~اللطيفة الجلالية التي أودعناها إلى بعض ملائكتنا الروحانية حتى ينزعون ~~أرواح الكفرة من أبدانهم حتى تغرق نفسهم في بحر صدورهم، وبحق اللطيفة ~~الجمالية التي أدرجناها في بعض ملائكتنا القلبية ينشطون بنفس المؤمن، ~~ويرفقون بهم رفقا حتى ينشط روحه من عقال البدن كالإبل حين ينشط من عقاله ~~يسرح في رياض الجنة على مراده، وبحق الله للطيفة الربانية المودعة في بعض ~~ملائكتنا السرية حين يقبضون أرواح المؤمنين سهلا، ويسألونها سبلا ~~كالسابح بالمشي في الماء، مسرعين كالفرس الجواد، وكالسفن على وجه الماء ~~عند هبوب الرياح اللطيفة المسرعة بها إلى منزلها، وبحق القدسية المسكنة ~~في بعض ملائكتنا المرباة في القوة الخفية اللاتي يسبقون بأرواح المؤمنين ~~سبقا إلى الفردوس، وبحق اللطيفة المدبرة التي أودعناها في بعض ملائكتنا ~~العنصرية المدبرة الأمر الإلهية هن ظلال لجبرائيل وميكائيل وإسرافيل ~~وعزرائيل؛ ليبعثن من قبور القوالب يوم ترجف الراجفة، كما ms1711 يقول في كتابه ~~ويقسم بهذه الودائع بقوله تعالى: { والنازعات غرقا * ~~والناشطات نشطا * والسابحات سبحا * فالسابقات ~~سبقا * فالمدبرات أمرا } [النازعات: 1-5] جواب القسم محذوف ~~تقديره لتبعثن من القبور. # { يوم ترجف الراجفة } [النازعات: 6] فهي يوم القيامة إذا ~~رجفت جبال القالب، وزلزلت أرض البشرية { تتبعها الرادفة } ~~[النازعات: 7] وهي القيامة المخصوصة بالنفس تميت القوى عند الراجفة، ~~ويحيها بالرادفة { قلوب يومئذ واجفة } [النازعات: 8]؛ يعني: ~~في الرادفة مضطربة مسرعة قلقة رجلة، { أبصارها خاشعة } ~~[النازعات: 9]؛ أي: ذليلة كثيرة العبرة، { يقولون } [النازعات: 10]؛ ~~أي: المنكرون بهذا اليوم من القوى القالبية والنفسية الفرعونية الصفات، { ~~أإنا لمردودون في الحافرة } [النازعات: 10]؛ يعني: وقت ~~الرادفة يظنون أنهم يردون إلى الدنيا. # { أإذا كنا عظاما نخرة } [النازعات: 11]؛ يعني: الذي بليت ~~عظامها وصارت كالمناخرة المجوفة التي تمر فيها الرياح ويصوت أنحن مردودون ~~إلى الدنيا؟! { قالوا تلك إذا كرة خاسرة } [النازعات: ~~12]؛ يعني: رجوعنا بعد هذه الأهوال التي شاهدناها يكون رجعة غايته؛ ~~لخسران وجودنا وضعف قوانا، { فإنما هي زجرة واحدة } ~~[النازعات: 13]؛ يعني: زجرة الرادفة زجرة واحدة يحشر جميع القوى أرض ~~الساهرة كما يقول: { فإذا هم بالساهرة } [النازعات: 14] وهي ~~أرض ساهر أهلها يطلعون على عملهم خارج ما في صدورهم. ### || [79.15-26] # { هل أتاك حديث موسى } [النازعات: 15] أيتها اللطيفة الخفية ~~المبلغة { إذ ناداه ربه بالواد } [النازعات: 16] الأيمن ~~السري إلى واد { المقدس طوى } [النازعات: 16] الخفي وناداه ربه { ~~اذهب إلى فرعون } [النازعات: 17] لطيفة قالبيتك الغير ~~المستخلصة عن الباطل الملحة الملطخة بتراب الطبيعة، { إنه طغى } ~~[النازعات: 17] أمر اللطيفة المبلغة { فقل هل لك إلى أن ~~تزكى } [النازعات: 18]؛ أي: هل لك رغبة إلى أن تؤمن بالحق، وتصلح ~~العمل بإخراج الباطل عن حقيقتك، وتشهد أن لا إله إلا الله وتكفر بآلهة ~~هواك، { وأهديك إلى ربك فتخشى } [النازعات: 19]؛ أي: ~~أهديك إلى صراط مستقيم فتخشى من عذاب الجحيم المدخر في دار الإقامة ~~بضلالتك عن الهدى والدين القويم. # { فأراه الآية الكبرى } [النازعات: 20] من آيات النفس وهي ~~بيضاء الهمة العلية بأي شيء أشارت أذعن إلى أمرها؟ وعصاه الذكر الذي به ~~يبطل تسحر الشيطان، { فكذب وعصى } [النازعات: 21]؛ يعني: كذب ~~اللطيفة الفرعونية بيد ms1712 الهمة وعصيت عصاء الذكر، وبعبارة أخرى: كذب ~~اللطيفة المبلغة وعصى بها ربها وظن أنها من أثر التسحر، { ثم أدبر ~~يسعى } [النازعات: 22]؛ أي: أعرض عن الحق وسعى إلى الباطل، { ~~فحشر فنادى } [النازعات: 23]؛ أي: جمع القوى القالبية والنفسية ~~فنادى القوى الشيطانية حين جمعوا { فقال أنا ربكم الأعلى ~~} [النازعات: 24]؛ يعني: أصنام الهوى ربكم وأنا رب الأصنام الهوائية؛ لأن ~~الهوى انبعث من تلك اللطيفة القالبية. # { فأخذه الله نكال الآخرة والأولى } [النازعات: 25]؛ ~~أي: عاقبه الله بنكال العاجل بتسلط اللطيفة عليه، وعذابه الآجل بإلقائه ~~في قعر جهنم جحيم جسده المملوء من نيران الحسرة والندامة، { إن في ~~ذلك لعبرة } [النازعات: 26]؛ أي: اعتبار وموعظة { لمن ~~يخشى } [النازعات: 26] لمن يؤمن باللطيفة ويخشى مما أوعد ويرجو بما ~~وعده. ### || [79.27-36] # { ءأنتم أشد خلقا } [النازعات: 27] خطاب مع القوى القالبية { ~~أم السمآء بناها } [النازعات: 27]؛ أي: سماء الصدر التي بنيناها ~~فرفعنا سقفها فوق القالب فسويناها بلا خرق وخدش وفرجة كما يقول: { رفع ~~سمكها فسواها } [النازعات: 28] { وأغطش ليلها ~~وأخرج ضحاها } [النازعات: 29]؛ أي: أظلم بصفة الجلال ليل القالب ~~وأخرج بصفة الجمال ضحى الروح. # { والأرض بعد ذلك دحاها } [النازعات: 30]؛ يعني: البشرية، ~~{ أخرج منها مآءها ومرعاها } [النازعات: 31]؛ أي: من أرض ~~البشرية ماء الحياة، ومراعاها القوى القالبية والنفسية من الخواص ~~الظاهرة، { والجبال أرساها } [النازعات: 32] القوى المعدنية ~~التي هي في القالب، وأرض البشرية بها مستحكمة غير مزلزلة، { متاعا ~~لكم ولأنعامكم } [النازعات: 33]؛ أي: يستمتع به اللطائف ~~والقوى { فإذا جآءت الطآمة الكبرى } [النازعات: 34] وهي ~~القيامة النارية القالبية لا تظلم القيامات الترابية والمائية والهوائية ~~القالبية، وهي هذه القيامة ظهور الرادفة. # { يوم يتذكر الإنسان ما سعى } [النازعات: 35]؛ يعني: ~~يظهر عليه في أرض الساهرة ما تراها في اليوم، ويحسبه أنه من قبيل الخيال ~~فإذا شاهد تذكر ما سعى في عالم الدنيا من خير أو شر، { وبرزت ~~الجحيم } [النازعات: 36] في تلك الساعة { لمن يرى } [النازعات: ~~36] مقام فيها بالعمل الذي عمل في الدنيا فيما يجعل الله جزاءه فيها. ### || [79.37-46] # { فأما من طغى } [النازعات: 37] بآيات أمر اللطيفة { وآثر ~~الحياة الدنيا } [النازعات: 38]؛ أي: اختار اللذة العاجلة على ~~اللذة الآجلة ms1713 { فإن الجحيم هي المأوى } [النازعات: 39]؛ ~~لأنه آوى في الدنيا وسط جحيم الهوى، فاليوم أيضا إذا برزت الجحيم وكشف ~~أستارها شاهد نفسه في وسطها، وطالع جزاء الأعمال الفاسدة فيها المدخرة ~~فيها، { وأما من خاف مقام ربه } [النازعات: 40] في الدنيا ~~{ ونهى النفس عن الهوى } [النازعات: 40] ومنع نفسه عن ~~التورط في جحيم الهوى، { فإن الجنة هي المأوى } ~~[النازعات: 41]؛ لأنه كان في الدنيا آوى نفسه في جنة القلب بتركه ما ~~اشتهت على وفق الهوى. # { يسألونك عن الساعة } [النازعات: 42] وهي قيامة القلب { ~~أيان مرسها } [النازعات: 42]؛ يعني: متى ظهورها؟ { فيم أنت ~~من ذكرها * إلى ربك منتههآ } [النازعات: 43-44]؛ أي: ~~منتهى الساعة إلى الرب؛ يعني: منتهي إلى الرب تلك الساعة الممدود ~~سويعاتها من أسرار مطلع القرآن؛ يعني: انتهاؤها إلى ربها؛ أي: لا تعلمها ~~والله أخفاها لحكمة إظهارها لا يجوز قبل أوانها، وهي أيضا تتعلق بحد ~~القرآن، { إنمآ أنت منذر من يخشها } [النازعات: 45]؛ ~~يعني: لست أنت مطلعا على علم الساعة بل أنت منذر من يخشى الساعة { ~~كأنهم يوم يرونها } [النازعات: 46]؛ أي: كأن السائلين { ~~يوم يرونها } [النازعات: 46] يوم يشاهدون تلك الساعة { لم ~~يلبثوا } [النازعات: 46] في الدنيا { إلا عشية أو ~~ضحها } [النازعات: 46]؛ يعني: عشية استراحة القوى أو ضحى الكسب بها. # فيا أيها المنتظر للساعة لو تشاهدها لم تلبث ساعة في قالبك للاستراحة أو ~~الكسب، وتسارع إلى حضرة الرب فلا ينفع للسالك في هذا المقام إلا التوجه ~~الكلي، ولو لم يكن توجهه إلى الحق في الأعمال بل كان توجهه إلى جنة ~~مشتهيات النفس في دار البقاء لا ينخرط في تلك الساعة في سلك إلا بالهمة. # اللهم ارفع همتنا واصرف توجهنا من أعمالنا إليك بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم. ### | [80 - سورة عبس] ### || [80.1-20] # أيها المعبس في وجه أصحابه المعرض بوجهه عن الطلاب أما تقرأ فصل الخطاب ~~وما تفهم العتاب الذي أدرج رب الأرباب في طي الكتاب المستطاب المنزل على ~~نبيه سيد الأحباب حيث قال: { عبس وتولى * أن جآءه ~~الأعمى } [عبس: 1-2] فينبغي أيتها اللطيفة المبلغة إذا جاءك طالب من ~~قوى النفس التي ms1714 عميت عيناها بالهوى ويطلب منك الهدى أن تغتنم مجيئها، ~~وتقبل بوجهك عليها وترشدها إلى سبيل الهدى، { وما يدريك لعله ~~يزكى } [عبس: 3]؛ أي: يتطهر من الباطل بتعليمك إياه وبقي لك ثواب ~~الدلالة والتعليم { أو يذكر فتنفعه الذكرى } [عبس: 4]؛ ~~أي: يتعظ بوعظك فتنفعه الموعظة، وأنت جئت إلى هذا العالم لينتفع بك ~~الآخر. # { أما من استغنى } [عبس: 5] عن الوعظ وعن استماع الحق { ~~فأنت له تصدى } [عبس: 6]؛ يعني: تقبل بوجهك إليه وتصغي إلى ~~كلامه، وهو في الأنفس القوى الشريفة القالبية والنفسية تقبل اللطيفة ~~عليها ليعطي حظها رجاء أن تقبل منها الحق، { وما عليك ألا ~~يزكى } [عبس: 7]؛ يعني: ما عليك إلا البلاغ، فإن لم يزك ما عليك ~~ذنب، { وأما من جآءك يسعى } [عبس: 8]؛ أي: القوى الضعيفة ~~الطالبة { وهو يخشى } [عبس: 9] من الله ويسعى إليك؛ لترشده إلى ~~سبيل الحق وطريق النجاة، { فأنت عنه تلهى } [عبس: 10]؛ أي: ~~أنت تشتغل عنه باشتغالك بالأشراف. # { كلا } [عبس: 11] كلمة جاءت على سبيل الزجر؛ أي: أنت عن مثل هذا ~~الفعل { إنها تذكرة } [عبس: 11]؛ يعني: هذه الموعظة والعتاب ~~موعظة للمرشدين ليغتنموا مجيء المسترشدين، ويشتغلوا بإرشادهم ما ينزه على ~~نفوسهم، ومنعه للطالبين ليجتهدوا في الطلب إذ اعلموا أن الله عاتب حبيبه ~~لأجلهم، { فمن شآء ذكره } [عبس: 12]؛ أي: من كان سعيدا اتعظ به، ~~واجتهد في طلبه كان بمشيئة الله المسطورة. # { في صحف مكرمة } [عبس: 13] بكرامة الله تعالى آمنة على أن ~~يطلع عليها العدد { مرفوعة } [عبس: 14]؛ أي: رفيعة القدر عنه لا ~~تصل إليها يد العدو، ومودعة في صحف القلب والسر والروح والخفى مطهرة عن ~~الزيغ بحديث النفس، وعن إلقاء الشيطان بالزيادة والنقصان لا يمسها يد ~~لامس لا تكون { مطهرة } [عبس: 14] عن الباطل بل يمسها المطهرون، ~~وهم القوى الملكية القلبية والسرية والروحية كما يقول في كتابه: { ~~بأيدي سفرة * كرام بررة } [عبس: 15-16] بأيدي كتبة على ~~الله بررة على خلقه بكتابتهم كل ينؤون قبل الوقوع من الخير، ولا يكتبون ~~ما ينوؤون من السر إلا بعد الوقوع، وهم جمع من الملائكة التي خلقهم الله ~~من رشاش النور المطهر من ms1715 رأس القلم على لوح العقل، وهم الكتبة وفي هذا سر ~~يتعلق بحد القرآن مما يجب أن يطوي سره. # { قتل الإنسان مآ أكفره } يعني: لمن القوى المتقدة الشريفة ~~المقبلة عليها اللطيفة بوجهها لتهديها، وهو أعرض عنها وما قبل هدايتها # فكفرت بأنعم الله # [النحل: 112] التي أنعم في حقها من إعطاء الاستعداد لها والتفات اللطيفة ~~إليها ألا تتفكر { من أي شيء خلقه } [عبس: 18] { من ~~نطفة خلقه } [عبس: 19]؛ أي: من نطفة قطرة نقطة القاسم خلقها { ~~فقدره } [عبس: 19]؛ أي: في لوح العقل قدرها { ثم السبيل ~~يسره } [عبس: 20]؛ أي: يسرها سبيل عالم الجسم لينزل إليه. ### || [80.21-32] # { ثم أماته فأقبره } [عبس: 21] أماتها من المعارف ~~الروحانية لتشتغل باكتساب الآلات الجسمانية التي يكون لها أدوات الحصول ~~المعارف الإلهية على وجه التفصيل فأقبرها في قبر القالب { ثم إذا ~~شآء أنشره } [عبس: 22]؛ يعني: إذا شاء الله أحياها بالنور الإرادي ~~المنصب في صدره ليذكر المعارف كما قال الله تعالى: # أو من كان ميتا فأحيينه # [الأنعام: 122] ليجتهد في طلب المعارف ويتذكر محلها ومكانتها في الملكوت ~~بعد نزولها إلى عالم الناسوت. # { كلا } [عبس: 23]؛ أي: حقا { لما يقض مآ أمره } [عبس: ~~23]؛ أي: لم يؤد حق الحق الذي فرض عليها أداؤه إن لم يطلب الحق في الحظ ~~والحظ للحق { فلينظر الإنسان إلى طعامه } [عبس: 24]؛ أي: ~~فلينظر اللطيفة الغيبية والشهادية المستجمعة في الإنسان الذي هو أنس علوي ~~وأنس سفلي إلى الطعام المركب من الحظوظ العلوية المغلوبة والحقوق السفلية ~~المستكنة في الحظوظ وكيفية اجتماع الأضرار فيه رحمة منا وحكمة منا ليعبر ~~بالرزق الذل جعلنا بسبب حصولها { أنا صببنا المآء صبا } ~~[عبس: 25]؛ يعني: صببنا ماء المعرفة من سحاب الإرادة { ثم شققنا ~~الأرض شقا } [عبس: 26]؛ يعني: شققنا أرض القالب شقا ليمطر من ~~الصدر على أرض القالب لينبت أشجار المعرفة { فأنبتنا فيها حبا ~~} [عبس: 27] بموجب المحبة { وعنبا } [عبس: 28]؛ يعني: ثمرة المعرفة ~~الذاتية المسكرة صاحبها { وقضبا } [عبس: 28]؛ يعني: معرفة يصل ذوقها ~~إلى جميع القوى القلبية { وزيتونا } [عبس: 29]؛ يعني: معرفة مختصة ~~بالقوى الروحية { ونخلا } [عبس: 29]؛ أي: معرفة مختصة بالقوى الخفية ~~{ وحدآئق غلبا } [عبس: ms1716 30]؛ أي: معارف سرية { وفاكهة } ~~[عبس: 31]؛ أي: معرفة مخصوصة بالقوى النفسية { وأبا } [عبس: 31]؛ أي: ~~معرفة مشتملة على جميع القوى القالبية { متاعا لكم ~~ولأنعامكم } [عبس: 32]؛ أي: منفعة للطائفكم ولقواها. ### || [80.33-42] # { فإذا جآءت الصآخة } [عبس: 33]؛ يعني: قيامة النفس فكاد ~~صيحتها يضم الآذان { يوم يفر المرء من أخيه } [عبس: ~~34]؛ يعني: تفر النفس من القلب { وأمه } [عبس: 35]؛ يعني: من القالب ~~{ وأبيه } [عبس: 35]؛ أي: من الأرواح { وصحبته } [عبس: 36]؛ ~~أي: من هوية { وبنيه } [عبس: 36]؛ أي: من الخواطر المتولدة عنه { ~~لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه } [عبس: 37]؛ ~~يعني: لكل لطيفة من هذه اللطائف شأن خاص متعلق بها ليشغلها عن غيرها في ~~هذا اليوم ترى وجوها مشرقة بنور الرب منعمة بنعمة الهداية ضاحكة أسنانها ~~بما يشاهدون من حسن الجزاء فرحة بإنجاز الوعد لهم، وترى وجوها مظلمة ~~مكدرة عليها سيماء النحوسة والشقاوة تلمع تغشاها كل ساعة كائنة وذلة ~~وغيرة أرضية قالبية وقترة سماوية صدرية كما يقول في كتابه الكريم { ~~وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة * ووجوه ~~يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة * أولئك ~~هم الكفرة الفجرة } [عبس: 38-42]؛ يعني: هم الذين كفروا ~~بنعمة الاستعداد الذي أعطاهم الله وإقبال اللطيفة عليهم وما آمنوا بالله ~~وما قبلوا دعوة اللطيفة وفجروا في عالم الأنفس باختلال القوى النفسية ~~والقالبية واستردافها على وفق هواهم فيا أيها السالك اعتبر بهذه السورة ~~واجتهد في الطلب ويا أيها المسلك احذر من هذا العتاب وأد حق الطلاب وتذكر ~~ما قال الله تعالى لنبيه داود - عليه السلام - إذا رأيت لي طالب فكن له ~~خادما لتكون من المعتبرين بالقرآن المنتفعين من نعم معارفه. # اللهم انفعنا بغفرانك الكريم نفعا عظيما وصل على سيدنا محمد صلى الله ~~عليه وسلم وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان والسالكين صراط مستقيم. ### | [81 - سورة التكوير] ### || [81.1-14] # أيها المدل بضياء شمسك، وأنوار نجومك، وثبات جبالك، وكثرة عشائرك ومالك، ~~وأنعامك وأملاكك، وأعوانك، { إذا الشمس كورت } [التكوير: 1]؛ ~~يعني: إذا أظلمت شمس روحك وأمرت بالتكوير، { وإذا النجوم ~~انكدرت } [التكوير: 2]؛ يعني: إذا أذهب بضوء نجوم حواسك وبقيت مكدرة ~~منتثرة متحللة، { وإذا الجبال سيرت } [التكوير: ms1717 3]؛ يعني: ~~إذا سيرت جبال قالبك وهي كانت سير كلي طرفة عين، ولكن ما كنت تشاهد سيرها ~~فيشاهدها في هذه الساعة، { وإذا العشار عطلت } [التكوير: 4]؛ ~~يعني: عشار القوى القالبية عطلت؛ أي: تركت مباركها، { وإذا الوحوش ~~حشرت } [التكوير: 5]؛ يعني: وحوش الأخلاق الذميمة النفسانية جمعت ~~وغلبت وكثرت في عينك، { وإذا البحار سجرت } [التكوير: 6]؛ ~~يعني: بحار عنصرية مائيتك سجرت بحرارة نزع الروح عن قالبك، { وإذا ~~النفوس زوجت } [التكوير: 7]؛ يعني: زوجت كل قوة نفسانية بعملها ~~الذي عملته في دار الدنيا، { وإذا الموءودة سئلت * بأى ~~ذنب قتلت } [التكوير: 8-9]؛ يعني: سئلت عن الخواطر الإلهامية التي ~~وردت على السالك وهو نفاها وقتلها، ووأدها في قبر القالب وظلمها، { ~~وإذا الصحف نشرت } [التكوير: 10]؛ يعني: نشرت صحف أعمال كل ~~أحد خيرا كان أمر شرا، { وإذا السمآء كشطت } [التكوير: 11]؛ ~~يعني: يرفع سماء الصدر حتى يكشف ما في صدورهم، بعبارة أخرى: قلعت أوتادها ~~وطويت كطي السجل للكتاب. # { وإذا الجحيم سعرت } [التكوير: 12]؛ يعني: أحميت جحيم ~~النفس بنيران الهوى، { وإذا الجنة أزلفت } [التكوير: 13]؛ ~~يعني: زينت جنة القلب وقربت لأولياء الله تعالى، { علمت نفس مآ ~~أحضرت } [التكوير: 14]؛ يعني: أيها المذل: إذا ظهرت هذه العلامات # علمت نفس ما قدمت وأخرت # [الانفطار: 5] فيما أحضر. ### || [81.15-29] # { فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس } [التكوير: ~~15-16]؛ أي: أقسم بالآيات في ضوء شمس الذات؛ يعني: بالأنوار المودعة في ~~قوى القلبية التي إذا طلعت شمس اللطيفة الأنانية يهلك في ضوئها، وتستر ~~بيضائها، ويرجع إلى أصلها، { والليل إذا عسعس } [التكوير: ~~17]؛ يعني: بالأنوار الجلالية التي أودعناها في ليل القالب إذا أدبر، { ~~والصبح إذا تنفس } [التكوير: 18]؛ يعني: بالنور الجمالي الذي ~~أودعناه في يوم لدليل بعده إذا تنفس وهو صبح القيامة، { إنه لقول ~~رسول كريم } [التكوير: 19] هذا جواب القسم؛ يعني: هذا التقدير لقول ~~رسول كريم { ذي قوة } [التكوير: 20] قوي علي وهو أمين { عند ذي ~~العرش مكين } أشار إلى العرش لأنك لا تشك فيما يرد عليك من القوى ~~المخزونة في دماغك أن هذا الوارد يكون مثل ذلك، { مطاع ثم أمين ~~} [التكوير: 21]؛ يعني: يطاوعك لذلك الوارد جميع القوى الروحانية ms1718 ويقرون ~~بحقيقته، وهو أمين على وحي الحق وإلهامه يبلغ صاحبه بلا زيادة ونقصان، ~~{ وما صاحبكم بمجنون } [التكوير: 22]؛ أي: اللطيفة المبلغة ~~بعد ورود الوارد وتبليغها رسالة الحق، ما هو بمجنون فيما يتكلم به، ~~ويخاطب معكم ما كنتم تستمعون من أحد قبل. # { ولقد رآه بالأفق المبين } [التكوير: 23]؛ يعني: صاحب ~~الوارد الإلهي وهو إشارة إلى: أفق محمد صلى الله عليه وسلم خاصة في هذا ~~المقام؛ لأن أفق آدم عليه السلام كان متصلا بأفق نوح، كان متصلا بأفق ~~إبراهيم، كان متصلا بأفق موسى، وأفق موسى كان متصلا بأفق داود، وأفق ~~داود كان متصلا بأفق عيسى، وأفق عيسى كان متصلا بأفق محمد صلى الله ~~عليه وسلم وعلى آله وصحبه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وأفق محمد صلى ~~الله عليه وسلم كان متصلا بالحق وهو أفق الأعلى من طرف الخلق؛ يعني: ليس ~~أفق أعلى من أفقه وهو الأفق المبين من طرف الحق، كما أن للمعدن أفقا إلى ~~حد النبات، وللنبات أفقا إلى حد الحيوان، وللحيوان أفقا إلى حد ~~الإنسان، والإنسان صاحب الأفقين العلويين والسفليين ولأجل هذا كان وسطا ~~وخيرا، فهكذا صارت أمة محمد صلى الله عليه سلم وسطا كما قال الله تعالى ~~في كتابه: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا # [البقرة: 143]، وقال الله تعالى: # كنتم خير أمة # [آل عمران: 110] وفي حقيقة الأفق سر يتعلق بحد القرآن مما لا يجوز ~~إفشاؤه، هذا بساط قد طويناه، { وما هو على الغيب بضنين } ~~[التكوير: 24]؛ يعني: وما اللطيفة المبلغة بضنين؛ أي: متهم على الواردات ~~الغيبية ولا بخيل بإبلاغها، { وما هو بقول شيطان رجيم } ~~[التكوير: 25] وما هذا الوارد بإلقاء الشيطان الرجيم، { فأين ~~تذهبون }؛ أي: أين تعدلون عن الصراط المستقيم وتشكون في صدق الوارد، ~~ثم تكلم به قبل ورود الوارد وهذه اللطيفة كانت معكم، أفلا تصدقونه فيما ~~يقول من الوارد الغيبي: { إن هو إلا ذكر للعالمين } ~~[التكوير: 27]؛ أي ليس هذا الوارد إلا ذكرا ووعظا لجميع العالم إن ~~آمنوا به وعملوا بما فيه، { لمن شآء منكم أن يستقيم } ~~[التكوير: 28] إزاغته عن الصراط المستقيم بإنكاره الوارد والاستهزاء ~~لصاحب ms1719 الوارد المبلغ، { وما تشآءون إلا أن يشآء الله ~~رب العالمين } [التكوير: 29]؛ يعني: ما تشاءون هداية أحد وإضلاله ~~إلا أن يشاء الله هدايته وإضلاله، يضل به من يشاء، ويهدي به من يشاء وهو ~~رب العالمين، يربيهم بلطفه وقهره كما يشاء # لا يسأل عما يفعل # [الأنبياء: 23] من إعطاء التوفيق لأحد والخذلان لآخر ويسألون بحكمه ~~وحكمته. # اللهم أعذنا من الخذلان وشرفنا بالتوفيق لقبول الوحي عن الرب بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان على سبيل التحقيق. ### | [82 - سورة الإنفطار] ### || [82.1-8] # يا مترصد القيامة، تيقن بدخول { إذا السمآء انفطرت } ~~[الانفطار: 1]؛ يعني: إذا انفطرت سماء الصدر وهو أحد علامات القيامة، { ~~وإذا الكواكب انتثرت } [الانفطار: 2] كواكب القوى المخزونة ~~في الدماغ وتحللت، { وإذا البحار فجرت } [الانفطار: 3]؛ أي: ~~بحار عنصرية مائية القالب فجرت بالعرق، { وإذا القبور بعثرت ~~} [الانفطار: 4]؛ أي: قبور القالب بعثرت وقلبت على صاحبها، وهذه علامات ~~القيامة يشاهد السالك عند غلبة سلطان الذكر اللساني على وجوده، { ~~علمت نفس ما قدمت وأخرت } [الانفطار: 5]؛ أي: علمت ~~قوى النفس ما قدمت من الأعمال الصالحة والفاسدة، وأخرت من التبعات باتباع ~~الهوى ومخالفة المولى. # { يأيها الإنسن ما غرك بربك الكريم } [الانفطار: ~~6]؛ يعني: أيتها اللطيفة الإنسانية، ما غرك؛ أي: ما خدعك بكرم ربك لأنك ~~اتكأت على سرير رحمته، واشتغلت بمشتهيات نفسك، وتركت الطاعة وركبت ~~المعاصي رجاء مغفرته بتسويل الشيطان الغرور، أما علمت أنه هو { الذي ~~خلقك } [الانفطار: 7] من العدم { فسواك } [الانفطار: 7] في ~~الرحم { فعدلك * في أي صورة ما شآء } [الانفطار: 7-8] ~~في القدم { ركبك } [الانفطار: 8] من المفردات في أعدل مزاج وأحسن ~~تقويم، ما خلقك سدى ولا هزلا ولا عبثا. ### || [82.9-19] # { كلا بل تكذبون بالدين * وإن عليكم ~~لحافظين } [الانفطار: 9-10] حقا أنهم يكذبون بيوم الجزاء؛ لأجل هذا ~~يعملون الفساد ويرجون من الله الثواب، ولو أنكم تصدقون بيوم الحساب ما ~~كنتم متورطين في المخالفات، وحفظتنا للتي كانت رقباؤكم يحفظون أعمالكم ~~ويشهدون ما تفعلون { كراما كاتبين } [الانفطار: 11] يكتبون ما ~~تكسبون { يعلمون ما تفعلون } [الانفطار: 12] يمهلونكم ~~لتزدادوا إثما؛ لأنا كتبنا في الكتاب القديم ms1720 { إن الأبرار لفي ~~نعيم * وإن الفجار لفي جحيم } [الانفطار: 13-14]؛ لأن ~~بذور البر إذا زرعت خرجت النعيم، وبذور الفجور إذا زرعت أبرزت الجحيم، ~~وإنكم اليوم في الزراعة لأن الدنيا مزرعة الآخرة، وغدا في الحصاد فكل ~~أحد يحصد ما يزرع، فالعجب من العاقل أنه يزرع الشوك ويرجو الرطب فليس هذا ~~الغرور إلا من إلقاء الغرور، فاحذر منه وأزرع في مزرعتك خيرا تحصد رغبته ~~ولا تزرع شرا لئلا تحصد ندامته، { يصلونها يوم الدين } ~~[الانفطار: 15]؛ يعني: الفجار في جحيم عمروها منذ عاشوا في الدنيا، { ~~وما هم عنها بغآئبين } [الانفطار: 16]؛ يعني: الفجار ما ~~كانوا عن الجحيم بغائبين معهم يعمرونها ولكن كانوا محجوبين؛ لكثافة ~~جحيمهم وعمى أبصارهم المريضة، فسل محبة الدنيا وظفرة الهوى، { ومآ ~~أدراك ما يوم الدين } [الانفطار: 17] ثم كرر معظما لذلك ~~اليوم ويقول: { ثم مآ أدراك ما يوم الدين } [الانفطار: ~~18]؛ يعني: أخذ عنهم الاختيار الوهبي الذي أعطاهم الله؛ ليبلوهم أيهم ~~أحسن عملا بذلك الاختيار الوهبي نسوا الله واليوم الآخر، وحصلوا مشتهيات ~~أنفسهم على وفق هواهم، ويملكون بعضهم و # يحسبون أنهم يحسنون صنعا # [الكهف: 104] بغلبتهم على الآخرين وباستيفاء حظوظهم من الدين { يوم ~~لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله } ~~[الانفطار: 19] اليوم أيضا لله، ولكنهم سبب اختيارهم الذي أعطاهم الله ~~محجبون عن المختار الحقيقي الوهاب لكل أحد اختياره، فإذا نزع عنهم ~~الاستعداد وأخذ الاختيار فعرفوا في ذلك الوقت أن ليس لهم اختيار، ولا ~~يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. # وأقروا أن الأمر بيد الله وهو المريد المختار الفعال لما يريد ولا ~~ينفعهم في ذلك الوقت الإقرار، فالواجب عليك أيها السالك، أن تجتهد في أن ~~تشاهد اليوم اختياره واضطرارك، وتعلم أن الأمر كله بيد الله يبطش ويأخذ، ~~ويعطي ويمنع، ويحيي ويميت، يرفع أقواما ويضع آخرين، يعز من يشاء ويذل من ~~يشاء، ويحكم ما يريد، وتلتجئ إلى حضرته بالتمسك والعجز ليرحمك إن شاء ~~الله، ولا يمكن هذا إلا بترك اختيارك وتسليمك إلى شيخك؛ ليوصلك إلى ~~الاختيارية الحقيقية إن شاء الله، ولأجل ms1721 هذا السر يحتاج إلى بشر مثلك؛ ~~لينذرك ويبشرك ويهديك إلى ربك، ولأجل هذا [تلي على] زبدة الكائنات عليه ~~أزكى التحيات وأزكى الصلوات بقوله تعالى: # قل إنمآ أنا بشر مثلكم # [الكهف: 110] وهذا سنة سنها الله تعالى ولن تجد لسنته تبديلا، من يرد ~~أن يصل إلى الله؛ فليلذ بأذيال متابعة حبيبه، ومن يرد أن يصل إلى حبيبه ~~فليعتصم بحبل ولايته ويشاهد ولايته، فليترك اختياره وإرادته وإلا فلا ~~يلعب بالتوراة إن لم يكن يهوديا صرفا، والله إن منادي الحق ينادي ~~دائما من الصباح إلى الرواح { والأمر يومئذ لله } ~~[الانفطار: 19]، و # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]، ولكن صماخك مسدول بقطن الغفلة لا يسمع النداء، وعينك بحب ~~الدنيا رمدا لا تبصر هلاك الأشياء وبقاء وجهه، فاسمع نصيحتي وداوي نفسك ~~المريضة، ووقر صماخك، ورمد عينك؛ لترى وتسمع ما يرى ويسمع أهل الحق، ~~وتجدون ذوق المشاهدة والمكالمة في السماع والذكر نقدا ويرجون أضعاف ~~أضعاف ما يجدون غدا. # اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. ### | [83 - سورة المطففين] ### || [83.1-13] # أيها المطفف، الذي يأخذ من القوى العلوية بكيل وفي ولا يعطي حقه من ~~القوى السفلية إلا بوزن طفيف وكيل منقوص، أما سمع ما يقول رب العالمين ~~للمطففين في كلامه القديم حيث يقول: { ويل للمطففين * ~~الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا ~~كالوهم أو وزنوهم يخسرون } [المطففين: 1-3]؛ يعني: ~~يكيلون على الحفظة أعمالهم الناقصة، ويزنون حظوظ القوى من القوى السفلية ~~في التفكر في آلاء الله ونعمائه، والاعتبار بما في عالم الآفاق، واستماع ~~المواعظ بوزن خاسر، ويستوفون حظوظها من القوى العلوية من الحياة والعقل ~~وغيرهما مما نكب بها نفسها بالحظوظ العاجلة على وفق سواها، ولولاها لكانت ~~مثل البهائم في جذب المنافع ودفع المضار عن نفسه، وخسران وزنهم يرجع إلى ~~أعمالهم الباطنة مثل: الحضور، والإخلاص، والصدق، والنية، والتوجه ~~وأمثالها، وخسران كيلهم يرجع إلى الأعمال التي تتعلق بالحواس الظاهرة ~~مثل: أركان الصلاة، والإمساك والشرب، وإيتاء الزكاة وأشبهها. # { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم ~~عظيم } [المطففين: 4-5]؛ يعني: هؤلاء يظنون أنهم غير ms1722 مبعوثين من قبور ~~قوالبهم ليوم عظيم شأنه # يوم تبلى السرآئر # [الطارق: 9] من الصدور وتشهد الأعضاء على كل ما صدر عن صاحبه وورد عليه ~~{ يوم يقوم الناس } [المطففين: 6] من قبور قوالبهم { لرب ~~العالمين } [المطففين: 6] لأمر ربه ليجزي كل نفس بما كسبت، { كلا ~~} [المططفين: 7]؛ أي: ليس الأمر كما ظنوا، { إن كتاب الفجار ~~لفي سجين } [المطففين: 7]؛ يعني: كتاب القوى الفاجرة يصعد إلى ~~السماء؛ أي: سماء الصور؛ فأبت السماء أن تقبله فرد ونزل إلى الأرض؛ أي: ~~أرض القالب فأبت الأرض أن تقبله فصار مترددا فيأمر الله تعالى حتى ~~يسحبوه من سجين؛ وهو موضع الشيطان تحت سبع أرضين الأعضاء السبعة مثل الجب ~~الذي لا يكون له قعر ولا نهاية، قعره يدل على أنه مظهر لصفة قهر الحق ~~وفيه أسرار تتعلق بحد القرآن، { ومآ أدراك ما سجين } ~~[المطففين: 8]؛ أي: سجين موضع يسجن فيه كتاب الفجار الذي هو كتاب { ~~كتاب مرقوم } [المطففين: 9]؛ يعني: مكتوب فيه أعمالهم كالأعلام ~~المرقومة على الثياب بحيث لا يفنى بالغسل، وهذه إشارة إلى: تثبت الأعمال ~~وجوديته الفاسدة على وجودهم بحيث صارت الأعمال وجودية ذاتية لهم ولأجل ~~هذا يخلدون في العذاب، { ويل يومئذ للمكذبين * ~~الذين يكذبون بيوم الدين * وما يكذب به إلا ~~كل معتد أثيم } [المطففين: 10-12]؛ أي: لا يكذب بيوم الجزاء ~~إلا قوة عبدة قالبية أو أثيمة نفسية قالت: هكذا جبلت النفس، { إذا ~~تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين } [المطففين: ~~13]؛ يعني: إذا تتلى على تلك القوى الآيات الأنفسية قالت: هكذا جبلت ~~النفس فإذا غلبت عليها خلطة السوء يشهد أشياء هائلة، وهي من قبيل ~~الخيالات. ### || [83.14-25] # { كلا } [المطففين: 14]؛ أي: ليس الأمر على ما زعمتم { بل ران ~~على قلوبهم } [المطففين: 14]؛ أي: طبع الله على قلوبهم بالذنوب ~~التي اقترفتها القوى حتى يكتب على لوح وجودهم ظلمة الجهل والظلم، ويبطل ~~استعداد اللوحية ليغرس الصور الهائلة التي هي ثمرة أعماله الفاسدة ~~الثابتة عليه، روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ms1723 ورجع واستغفر ~~صقل قلبه منها، وإن زاد زادت حتى يعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكره الله ~~في كتابه: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون } " # ، وأصل الرين الغلبة؛ يعني: غلبت عليهم شقوتهم لغلبة الظلمة على لوح ~~وجودهم مما كسبت أيديهم وكتبت على اللوح بخط أعمالهم حتى اسود اللوح من ~~المعاصي، ومات القلب لفوات استعداد قابلية الرحمة من الحق. { كلا ~~إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } [المطففين: 15]؛ ~~يعني: القوى الفاجرة، والألواح المسودة بنقوش المعاصي عن رحمة ربهم ~~ولقائه محجوبون بالحجاب الذي كسبوا في دار الكسب { ثم إنهم ~~لصالوا الجحيم } [المطففين: 16] الذي كسبوها وعملوها عملا ~~وعمروها وبالغوا في تعميق قربها وإشعال نارها { ثم يقال هذا ~~الذي كنتم به تكذبون } [المطففين: 17]، يقال لهم: القوى ~~الملهمة التي تلهم القوى الأمارة بالخير وهي تكذبها، وتقول: كيف نترك ~~لذتها العاجلة التي تشاهدها لقولك ووعدك لنا بدار لا نشاهدها، فقوله لهم ~~في ذلك اليوم: { هذا الذي كنتم به تكذبون } [المطففين: ~~17]؛ يعني: هذه الدار التي بها تكذبون في الدنيا، وهذا جزاء أعمالكم التي ~~كنتم عاملين لها في دار كسبكم، { كلا إن كتاب الأبرار لفي ~~عليين } [المطففين: 18]؛ أي: حقا أن محل كتاب الأبرار لفي عليين؛ ~~أي: لفي مرتبة الملائكة التي يصلون إليها في الملكوت الأعلى ويضعون فيها ~~كتاب الأبرار وليس فوقها لهم سبيل؛ لأن ذلك المقام أعلى عليين الروحانية ~~ولا يمكن التجاوز لأحد من ذلك المقام إلا بالجذبة، { ومآ أدراك ما ~~عليون } [المطففين: 19] عليون محل كتاب الأبرار؛ وهو { كتاب ~~مرقوم * يشهده المقربون } [المطففين: 20-21] من أعلى ~~عليين ويفرحون بذلك الكتاب. # { إن الأبرار لفي نعيم } [المطففين: 22] الذين كسبوا في دار ~~الكسب بالقوة القالبية والنفسية، والقلبية والسرية، والروحية والخفية، ~~حتى رقم في وجودهم عين ذلك النعيم، { على الأرآئك ينظرون } ~~[المطففين: 23] على أريكة الرحمة ينظرون إلى جزاء أعمالهم وإلى نقوش ~~ألواحهم، { تعرف في وجوههم نضرة النعيم } [المطففين: ~~24]؛ لأن وجوههم كانت مبصرة من نور كسبوه في دار الكسب { يسقون من ~~رحيق } المحبة { مختوم } [المطففين: 25]. ### || [83.26-36] # { ختامه مسك } [المطففين: 26]؛ يعني: مختوم بطين خمره بيده ms1724 وقت ~~التخمير، وتكون طينته من عرف المعرفة مسكا وفي المسك والكافور الذي ~~يذكرهما الله تعالى في كتابه تعلق بحد القرآن. # { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون } [المطففين: 26]؛ ~~يعني: من الاطلاع على سر الرحيق الحبي، والطيني المسكي، والأرض ~~الكافورية فليرغب الراغبون من أخص الخواص من السابقين ويضن على إفشاء سره ~~لنفاسته وعلو مثاله، فتحل الفتنة { ومزاجه من تسنيم } ~~[المطففين: 27]؛ يعني: مزج الحب بالطين وبعبارة أخرى؛ يعني: مزجوا رحيقهم ~~بسنيم الريق؛ أي: ريق الساقي وهذا مخصوص بالمقربين من الأنبياء ~~والصديقين، { عينا يشرب بها المقربون } [المطففين: 28]؛ ~~وهي عين المعاينة تنبع من وجه المشايخ، يشرب بها المقربون خاصة وهي مما ~~قال الله تعالى: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين # [السجدة: 17]، { إن الذين أجرموا } [المطففين: 29]؛ يعني: ~~القوى المجرمة { كانوا من الذين آمنوا يضحكون } ~~[المطففين: 29] في دار الدنيا، ويقولون: هؤلاء مساكين تركوا هذا النعيم ~~المعين النقد لخيالاتهم الفاسدة ويتبعون أنفسهم ويستهزءون بعقولهم، { ~~وإذا مروا بهم يتغامزون } [المطففين: 30]؛ يعني: يشير ~~بعضهم إلى بعض استهزاء بهم وبما كانوا مشتغلين بالعبادة والمجاهدة وترك ~~المشتهيات النفسية والهووتية، { وإذا انقلبوا إلى أهلهم ~~} [المطففين: 31]؛ أي: إلى قوى قالبهم ونفسهم { انقلبوا فكهين } ~~[المطففين: 31]؛ أي متعجبين من أحوالهم، ضاحكين من أفعالهم، { وإذا ~~رأوهم } [المطففين: 32]؛ أي: إذا رأوا القوى اللطيفة { قالوا ~~إن هؤلاء لضالون } [المطففين: 32]؛ يعني: ضلوا الطريق ~~الواضح واللذة العاجلة، ويتبعون النفس بخيال: أن لهم بعد هذه الدار دار ~~ينعمون فيها أبد الدهر، { ومآ أرسلوا } [المطففين: 33]؛ يعني: ~~القوى المجرمة { عليهم } [المطففين: 33]؛ أي: على القوى المطيعة { ~~حافظين } [المطففين: 33] لأعمالهم وأحوالهم ولكنهم أرادوا أن يستوفوا ~~القوى المطيعة لأهوائهم، فلما عصت القوى المطيعة لأمرهم وطاوعت أمر ربهم ~~حسدوا عليهم وضحكوا منهم وآذوهم. # { فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون } ~~[المطففين: 34]؛ يعني: يوم خروجهم من الدنيا ودخولهم في دار الآخرة ~~يضحكون من الكفار بتجهيزهم في النار، وبخسرهم على أنفسهم فيما أضاعوا ~~الاستعداد الذي به يمكن حصول النعيم المقيم، والمؤمنون { على ~~الأرآئك ينظرون } [المطففين: 35] إلى الكفار بعين العبرة { هل ~~ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } [المطففين: 36]؛ يعني: ~~هل جزاء استهزائهم ms1725 بالمؤمنين إلا هزاء، فعليك يا سالك الطريقة أن تستهزئ ~~بالقوى المجرمة، وشاهد نعمك لتعمل بالنعيم المقيم عملا صالحا؛ ليكون ~~غدا من المقربين الشاربين رحيق المحبة الممزوجة بنسيم ريق الساقي إن شاء ~~الله تعالى. # اللهم اسقني من كأس محمد صلى الله عليه وسلم شربة لا أظمأ بعدها أبدا. ### | [84 - سورة الإنشقاق] ### || [84.1-13] # أيها الكادح لربك؛ القادح في أمر لطيفتك، الفاضح نفسك، { إذا ~~السمآء انشقت } [الانشقاق: 1]؛ يعني: إذا انشقت سماء صدرك { ~~وأذنت لربها } [الانشقاق: 2] في انشقاقها { وحقت } ~~[الانشقاق: 2]؛ أي: تطيع أمر الرب وهو يوم قادح، { وإذا الأرض ~~مدت } [الانشقاق: 3]؛ أي: أرض البشرية مدت في عينيك لا يبقى فيها ~~عوجا ولا أمتا { وألقت ما فيها } [الانشقاق: 4]؛ ألقت ما فيها ~~من كنوز القوالب والاستعدادات { وتخلت } [الانشقاق: 4]؛ أي: ما ~~بقيت فيها من القوى، وخلت بالكلية منها، وانتزعت عنها شاءت أم أبت { ~~وأذنت لربها وحقت } [الانشقاق: 5]؛ أي: وحق لها أن تطيع ~~أمر ربها. # { يأيها الإنسن إنك كادح إلى ربك كدحا } ~~[الانشقاق: 6] أيتها اللطيفة الباقية الإنسانية، إنك مسرعة إلى ربك في ~~عملك، فانظري ما عملت خيرا عملت لتكوني مسارعة إلى لطفه، أم شرا عملت ~~لتكوني مسارعة إلى قهره { فملاقيه }؛ أي: تشاهدين جزاء الشر لا ~~محالة، وكلكم في تلك الحالة مسارعون إلى ربكم بأمر الرب حيث يقول: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم # [آل عمران: 133] فطوبى لمن سارع إلى مغفرة، وويل لمن [كفر] نعمته، { ~~فأما من أوتي كتبه بيمينه * فسوف يحاسب ~~حسابا يسيرا } [الانشقاق: 7-8] وهو المسارع إلى مغفرة الرب، { ~~وينقلب إلى أهله مسرورا } [الانشقاق: 9]؛ أي: ينقلب إلى ~~قواه الطائعة له المؤمنة بربه، مسرورا معه مغفورا { وأما من ~~أوتي كتبه ورآء ظهره } [الانشقاق: 10] وهو المسارع إلى ~~نعمته؛ لأنه كان متوجها إلى الدنيا مدبرا عن العقبى، فلأجل ذلك أوتي ~~كتابه وراء ظهره؛ لأن كل ما عمل بقي وراء ظهره وما قدم لنفسه عملا ~~صالحا، { فسوف يدعوا ثبورا } [الانشقاق: 11] ينادي بالويل ~~والثبور ويدعو هو بنفسه على نفسه بالويل والثبور حين يهوى به في السعير ~~كقوله تعالى: { ويصلى سعيرا * إنه كان في ms1726 أهله ~~مسرورا } [الانشقاق: 12-13]؛ يعني: في الدنيا مع القوى الكافرة كان ~~مسرورا باتباع الشهوات والتلذذ بالمنهيات على وفق هواه. ### || [84.14-25] # { إنه ظن } [الانشقاق: 14] في دار الدنيا { أن لن يحور } ~~[الانشقاق: 14]؛ أي: لن يرجع إلينا { بلى } رجوعه كان إلينا. # { إن ربه كان به بصيرا } [الانشقاق: 15] كان بمشهد الحق ~~كل ما كان عامله من اتباع الهوى ومخالفة أمر المولى، { فلا أقسم } ~~[الانشقاق: 16]؛ أي: أقسم بالسر الذي أودعت { بالشفق } [الانشقاق: ~~16] عند غروب شمس الروح، { والليل } [الانشقاق: 17]؛ أي: والسر الذي ~~أودعته بجلالي في سوار ليلة الموت وفوت ضياء الشمس، { وما وسق } ~~[الانشقاق: 17]؛ أي: والسر الذي أودعت في ضم المنتشرات وجمع المتفرقات ~~حالة النزع، { والقمر إذا اتسق } [الانشقاق: 18] والسر الذي ~~أودعت في قمر القلب في تلك الساعة إذا أتم نوره ليبصر به عند كشف الغطاء ~~الذي يكون بصره حديدا ويتمنى الرجوع والمهلة ولا ينفعه التمني. # { لتركبن طبقا عن طبق } [الانشقاق: 19]؛ يعني: لتركبن ~~اللطيفة المطاوعة درجة بعد درجة في تلك الساعة، ورتبة بعد رتبة حتى ~~تقربها إلى الله زلفى، { فما لهم لا يؤمنون } [الانشقاق: 20] ~~هذا استفهام بمعنى الإنكار؛ أي: فما للقوى الكافرة لا يؤمنون، فهذا مخصوص ~~في عالم الأنفس بالسالك الذي شاهد طيفه يصعد إلى الحق، وأنكر بعد ذلك ~~الصور بتلقين الشيطان، وكذب تلك الحالة وظن أنه كان خيالا، { وإذا ~~قرىء عليهم القرآن لا يسجدون } [الانشقاق: 21] آيات ~~الأنفس { لا يسجدون } [الانشقاق: 21]؛ أي: لا يتواضعون للحق ولا ~~يؤمنون به، { بل الذين كفروا } [الانشقاق: 22]؛ بل الذين ~~جعلناهم مظاهر قهر، وحكمنا عليهم بالكفر { يكذبون } [الانشقاق: 22] ~~هذه الآيات { والله أعلم بما يوعون } [الانشقاق: 23]؛ أي: ~~بما يحفظون في صدورهم؛ لأنه أودع فيهم سر مظهريتهم لقهره، { ~~فبشرهم بعذاب أليم } [الانشقاق: 24] وهذا سخره لهم { ~~إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم أجر ~~غير ممنون } [الانشقاق: 25]؛ أي: غير مقطوع ولا منقوص، فعليك أيها ~~السالك أن تخضع لأمر الحق، وتصدق الآيات الأنفسية التي تطرأ عليك والقرآن ~~الذي يقرأ عليك لطيفتك السرية، وتؤمن بالحق الذي أنزل عليك، وتعمل بما ~~فيه ليكون لك أجرا غير ممنون. # اللهم ارزقنا ms1727 الإيمان الصحيح بالآيات الأنفسية والأفاقية بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم. ### | [85 - سورة البروج] ### || [85.1-10] # سورة يا شاهد شاهد الحق، ويا شهود مشهودك، ويا مشهود شاهدك تبين لك في ~~اليوم الموعود، وحقيقة الشاهد والمشهود، واعلم أن الله تعالى خلق لوح ~~العقل وكتب عليه كل شيء أراد إظهاره في الوقت المقدر والأجل المعلوم ~~المعين؛ وهو أول خلق خلقه في مقام القلبية وجعل له مظهرا في العالم ~~الجسماني؛ وهو سماء الدنيا التي زينها الله بمصابيح النجوم والبروج، ورتب ~~عليها أمور عالم الكون الفاسد الذي هو المسمى بالدنيا؛ وهي سماء صدرك في ~~عالم الأنفس وأقسم بها في كتابه وقال: { والسمآء ذات البروج } ~~[البروج: 1]؛ أي: بحق الوديعة التي أودعت في قابليتها بصفة ربوبيتي، { ~~واليوم الموعود } [البروج: 2]؛ أي: بالسر الذي أظهره في اليوم ~~الموعود، وهو إذا دخل نجوم كل برزخ آخر وتتبدل الأشكال التي أظهرناها على ~~ذلك الثوب الذي سميته ذات البروج والسماء الدنيا، فبعد التبديل يظهر السر ~~الذي أودعه الله في اليوم الموعود وهو يوم القيامة. # { وشاهد ومشهود } [البروج: 3]؛ أي: بحق اللطيفة الكاملة ~~الأنانية المستحقة المرائية، والعكس الذي ظهر في المرآة من جمال الشاهد، ~~فالمرآة مشهودة لجمال الشاهد، والشاهد هو الله، والمشهود مرآة، فإذا صارت ~~المرآة واحدة عكس الجمال تصير مشاهدة والجمال يكون مشهودا وهذا سر مخصوص ~~بمرآة بني آدم، ولأجل هذا صار أشرف الخلائق وأكرمهم عند خالقه حتى أمر ~~الملائكة بسجوده، وفي تحقيقه أسرار تتعلق بحد القرآن ولا رخصة في إظهارها ~~إلا في بسم الله الرحمن الرحيم، فإني مرخص أن أبين حده ومأذون في بيان ~~مطلع النقطة الواقعة تحت الباء التي في أول البسملة، فإن ساعدني القدر ~~وأخرني الأجل كتبت بعد الفراغ في تفسير بطن القرآن حد البسملة ومطلع ~~نقطة الباء إن شاء الله تعالى. # { قتل أصحاب الأخدود * النار } [البروج: 4-5] جواب القسم؛ ~~يعني: أن أصحاب اللطيفة النفسية المكذبة للطيفتها، المنذرة الداعية إلى ~~ربهم، والمنكرة لها بعد اطلاعها على الآيات البينات الأنفسية الملكوتية، ~~لعنوا وطردوا وأبعدوا من رحمة الله تعالى بإنكارهم الآيات البينات ~~وتكذيبهم ms1728 اللطيفة في دعوتها لهم إلى خالق السماوات، الذين اشتعلوا بنيران ~~الغضب والبغض في أخاديد وجودهم؛ ليحرقوا اللطيفة الداعية لهم إلى الحق ~~فتخرج النار الموقدة من شفير أخاديدهم عناصر وأحرقتهم كقوله تعالى: { ~~النار ذات الوقود } [البروج: 5]؛ وهي بدل الأخدود. # { إذ هم عليها قعود } [البروج: 6]؛ يعني: أصحاب الأخدود ~~كانوا على شفير أخاديد لهم قاعدين لتعذيبهم اللطيفة الداعية والقوى ~~المؤمنة بها، { وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ~~} [البروج: 7]؛ يعني: النفس الأمارة وقواها الكافرة كانوا حاضرين فلما ~~شاهدوا خروج النار من شفير الأخدود، وإحراق الكافرين ونجاة المؤمنين ~~منها، ندموا وما نفعهم الندم بعد نزول البلاء وظهور الآيات، { وما ~~نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز ~~الحميد * الذي له ملك السماوات والأرض والله ~~على كل شيء شهيد } [البروج: 8-9]؛ يعني: ما كرهوا الإيمان وما ~~عابوا المؤمنين وما تبينوا إلا أن يؤمنوا بالله الغالب على أمره { ~~الحميد } المحمود بكل موجود عين لسانه، الذي يسبح به خالقه { الذي ~~له ملك السماوات والأرض }؛ يعني: بحكمة النار والريح أمر ~~الريح؛ ليخرج النار من قعر الأخدود وإحراق الكافرين الذين كانوا على شفير ~~الأخدود، وأنجى المؤمنين الذين كانوا في قعر الأخدود، { والله على ~~كل شيء شهيد }؛ يعني: حاضرا معهم شاهدا لأحوالهم، ماكرا ~~بالذين مكروا بالمؤمنين. # { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } ~~[البروج: 10]؛ أي: عذبوا وأرادوا أن يحرقوهم { ثم لم يتوبوا ~~فلهم عذاب جهنم } [البروج: 10] ولهم؛ أي: عذاب الأجل بكفرهم ~~وإصرارهم على الكفر بعد اطلاعهم على الآيات البينات { ولهم عذاب ~~الحريق } [البروج: 10]؛ أي: العذاب الأجل بنصرة عدوهم عليهم؛ وتسلط ~~القوى المؤمنة على القوى الكافرة، وتذليلهم وأسرهم. ### || [85.11-22] # { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير } ~~[البروج: 11]؛ يعني: القوى التي آمنت باللطيفة الداعية لها وعملت ~~الصالحات لهم الجنات التي عمرت في نفوسهم بالعمل الصالح تجري من تحتها ~~الأنهار والمعرفة، و { ذلك الفوز الكبير } [البروج: 11] وهذه ~~الآية تصلح أن تكون جواب القسم؛ يعني: يكرر القسم، ثم قال: # قتل أصحاب الأخدود # [البروج: 4].... إلى آخره، ثم أقسم وقال: { إن الذين آمنوا ms1729 ~~وعملوا الصالحات } [البروج: 11] ولو نقول: إن في الآية تقديما ~~وتأخيرا كما قيل يجوز؛ يعني: قتل أصحاب الأخدود # والسمآء.... # [البروج: 1] إلى آخره؛ { إن بطش ربك لشديد } [البروج: 12] ~~جواب بعد الجواب؛ يعني: يوم يبطش البطشة الكبرى تكون أشد من البطش العاجل ~~الذي بيناه في عذاب الحريق. # { إنه هو يبدىء ويعيد } [البروج: 13]؛ يعني: خلقهم أولا، ~~يميتهم ثانيا، ثم يحييهم ثالثا، وبعبارة أخرى: { إنه هو ~~يبدىء ويعيد } [البروج: 13] ويعيد القوى في النفس الأمارة من ~~الغيب إلى الشهادة ويجعلها مظهرا لصفة قهره، ويعيدها إلى عالم الغيب من ~~الشهادة مع الكتاب الآلات الباقية للمظهرية لصفة القهر. # { وهو الغفور الودود } [البروج: 14] للقوى التائبة المؤمنة { ~~ذو العرش المجيد } [البروج: 15] الذي كان فوق الكرسي المسمى ~~بفلك الأفلاك؛ وهو مستوى الصفة الروحانية ومحرك الأفلاك؛ وهو مبدئ ظهور ~~الفعل { فعال لما يريد } [البروج: 16]؛ يعني: يفعل بتحركه ~~الأفلاك ما كتب على اللوح أراد ظهوره، { هل أتاك حديث الجنود ~~* فرعون وثمود } [البروج: 17-18]؛ أي: سمعت حديث القوى ~~القالبية، والنفسية التي آمنت بفرعون اللطيفة القالبية غير المستخلصة عن ~~الباطل وإرادة الغلبة على اللطيفة المستخلصة عن الباطل الواصلة إلى الحق ~~ما فعل الله بهم، { بل الذين كفروا في تكذيب } [البروج: ~~19] أيتها اللطيفة الخفية، لك كما كذبوا من قبل اللطائف المستخلصة عن ~~الباطل الداعية أممهم إلى الحق والأمن، { والله من ورآئهم ~~محيط } [البروج: 20]؛ يعني: عالم بكيدهم قادر على دفعهم ولكنه ~~يمهلهم؛ ليكسوا آلات شقاوتهم الأبدية، { بل هو قرآن مجيد } ~~[البروج: 21]؛ يعني: إن الذي ينزل عليك من أحوالهم، ومما يؤول إليه أمرهم ~~في الآخرة، من أمور الغيبية المشهودة من أعين أهل الشهادة، قرآن حق لا ~~شعر ولا كهانة وبعبارة أخرى: { بل هو قرآن مجيد } [البروج: ~~21] إنهم أمهلوا حتى أكثروا الفساد وادخروا العذاب الشديد ليوم المعاد ~~مكتوب { في لوح محفوظ } [البروج: 22]؛ أي: في لوح عقلك، محفوظ ~~في قوة حافظتك، وقد بينا في قدسية أخرى ذكر القرآن القديم الكريم الذي { ~~لا يمسه إلا المطهرون } [الواقعة: 79] والقرآن المجيد ~~الذي يقرؤه الآفاقيون، فاطلب منها حقيقتها فسبيلك أيها السالك سماءك ~~ولوحك، وشاهدك ms1730 ومشهودك، ويوم الموعود، ولا تنكر الآيات البينات الأنفسية ~~التي تشاهدها في السلوك، وتذعن الأمر للطيفة، وتكفر بالنفس الأمارة، ~~وتكون من حزب الرحمن، وتجاهد مع جند الشيطان؛ لتكون من الفائزين بالفوز ~~الكبير. # اللهم اجعلنا من أهل الفوز والسداد والصلاح بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان كل صباح ورواح. ### | [86 - سورة الطارق] ### || [86.1-9] # أيها الطارق في ليل القالب من سماء الصدر الطالب، محبوب القلب الكاسب، ~~مطلوب الرب في سوق القدر، اعلم أن الله أقسم بالسماء والطارق في كتابه ~~بقوله: { والسمآء والطارق * ومآ أدراك ما الطارق * ~~النجم الثاقب } [الطارق: 1-3]؛ يعني: النجم المضيء من نور العرش ~~الذي هو مستوى الرحمن، يطرق من السماء إلى عالم البشرية في ظلمة ليل ~~القالب، { إن كل نفس لما عليها حافظ } [الطارق: 4] ~~جواب القسم؛ يعني: ليس كل نفس لما عليها منا حافظ، وحفظتك من هذا القبيل ~~يحفظونك من العاهات الجسمانية والآفات الروحانية، وأنت غافل عن نفسك وعن ~~حفظك وتحسب أنك خلقت للأكل والشرب، والجماع كالبهائم ولا تتفكر في خلقك { ~~فلينظر الإنسان مم خلق * خلق من مآء دافق * ~~يخرج من بين الصلب والترآئب } [الطارق: 5-7] النازل من ~~سماء صدرك، أما تعلم أن الله خلق لطيفتك الإرادية من ماء الرحمن المصبوب ~~في رحم قالبك مما كان مودعا في صلب روحك، ومن ماء التربية المستودع في ~~ترائب قالبك وقت التخمير؟ # { إنه على رجعه لقادر } [الطارق: 8]؛ يعني: أن الله قادر ~~على رجعه { لقادر } إلى أصله إن لم يعطه حقه، فالواجب عليك أيها ~~المريد، أن تغتنم نزول اللطيفة الإرادية في قلبك وتربيها أحسن مما يربي ~~أحد ولده العزيز؛ لأن ذلك الولد عدو لك وفتنة لك، وهذا الولد مبارك عليك ~~حبيب لك يوصلك إلى حضرة ربك { يوم تبلى السرآئر } [الطارق: ~~9] يظهر لكل أحد في ذلك اليوم سر هذا الولد العزيز ويندم على تقصيره في ~~تربيته ولا ينفعه الندم. ### || [86.10-17] # { فما له من قوة } [الطارق: 10] أن يشتغل سيده بتربيته { ولا ~~ناصر } [الطارق: 10] أن ينصره على استرضائه إذ أذنه بالرجوع ليربيه ms1731 حق ~~تربية، ثم يقسم بالقوة التي أودعها في سماء الصدر بأن تمطر على رحم ~~القالب ماء الرحمة لينعقد نطفة اللطيفة الإرادية، ويقول: { والسمآء ~~ذات الرجع * والأرض ذات الصدع } [الطارق: 11-12]؛ أي: ~~أرض القالب التي أودع فيها سر الربوبية؛ لتتصدع وتأخذ الماء وتنبت منه ~~الشجرة الطيبة التي هي اللطيفة الإرادية. # { إنه لقول فصل } [الطارق: 13]؛ أي: هذا الذي أنزلنا عليك ~~لقول حق يفصل بين الحق والباطل { وما هو بالهزل } [الطارق: 14]؛ ~~يعني: هذا قول جد صدق لا لغو ولا هزل إن كنت تشتغل بتربية هذه اللطيفة ~~الإرادية تصل إلى مرتبة الولاية، وإن كنت تهمل حق هذه اللطيفة وتقصر في ~~تربيتها تعذب عذابا أليما، { إنهم يكيدون كيدا } [الطارق: ~~15]؛ يعني: القوى الطبيعية يكيدون ألا تبلغ الرجال هذه اللطيفة مبلغ ~~الرجال لئلا تسلط عليهم، { وأكيد كيدا } [الطارق: 16]؛ يعني: ~~استدرجهم من حيث يكيدون وأعد لهم بما يكيدون، { فمهل الكافرين ~~} [الطارق: 17]؛ أي: مهل القوى الطبيعية الكافرة أياما قلائل؛ ليعمروا ~~دركاتها ويشعلوا نيرانها، { أمهلهم رويدا } [الطارق: 17]؛ ~~يعني: أنظر لهم ولا تستعجل؛ لكي يتمتعوا ويلههم الأمل فيأخذهم أخذ بغتة، ~~وتعد لهم بما كادوا باللطيفة الإرادية عذابا شديدا؛ وهو عذاب الاطلاع ~~على عرش اللطيفة وما أودع الله لصاحبها من النعيم المقيم والملك العظيم ~~في جنة قلبها، ونحشرهم على فوات الاستعداد الذي يمكن ترتيبها. # اللهم وفقنا لتربية اللطيفة الإرادية المثمرة نور الولاية بحق محمد صاحب ~~الهداية صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا ~~إلى يوم الدين. ### | [87 - سورة الأعلى] ### || [87.1-9] # يا مسبح سبح أولا لجاري اسمه ربك اشتغل بذكر الله حتى يطهر لسانك عن ~~الغيبة والكذب والفحش والنميمة وما شاكلها، يستحق أن يكون مسبحا لله ولا ~~يمكن حصول تطهير اللسان إلا باسم الرب فلأجل هذا قال في كتابه: { سبح ~~اسم ربك الأعلى } [الأعلى: 1] [من أن] يجري على لسان ملوث، ~~والاسم الأعلى هو الله، والذكر الأفضل لا إله إلا الله ولأجل هذا السر ~~اختار المشايخ الذين عرفوا الطريق على وجه التحقيق وهم طبقة أستاذ ~~الطريقة الجنيد البغدادي - قدس سره ms1732 - للسالكين الذين دخلوا في الطريقة، ~~وجاهدوا في تطهير القلب؛ لينزل سلطان ذكر الرب فيه لا إله إلا الله، وإذا ~~طهرت صورة الذكر صورة لسانك، وطهرت معاني الذكر حقيقة جنانك عرفت الرب ~~وسبحته حق التسبيح، وعلمت أنه خلقك من العناصر الأربعة فسواك في أعدل ~~الأمزجة ليصلح أن يكون مركبا للروح الإضافي، وقدر أقوات القوى الروحانية ~~من نفحات ألطاف الرب، وأقوات القوى الجسمانية من التدبيرات السماوية ~~النازلة إلى أرض القالب، وهدى كل قوة إلى قوتها المقدرة كما قال في ~~كتابه: { الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى * ~~والذي أخرج المرعى } [الأعلى: 2-4]؛ يعني: أخرج مرعى الروح ~~من ثدي الخفي كما أخرج مرعى الجسم من ثدي البطن { فجعله غثآء } ~~[الأعلى: 5]؛ أي: هشيما مذللا للأطفال، ونور البصيرة في سواد الخفي، ~~ولين المعرفة والتربية الجسمانية والروحانية { أحوى } [الأعلى: 5]؛ ~~يعني: بحكمته جعل رأس الثديين أسود لأنه أودع نور البصر في سواد العين، ~~ونور البصيرة في سواد الخفي، ولين المعرفة والتربية في الثديين المصبوغين ~~بصبغ السواد الذي ليس بعده لون في تحقيق هذا السر قرع باب حد القرآن. # { سنقرئك فلا تنسى } [الأعلى: 6] يقول الله تعالى للطيفة ~~الخفية: سنقرئك من بيان الحدود فلا تنسى حقيقة أبد الدهر { إلا ما ~~شآء الله } [الأعلى: 7]؛ لأنه حكيم رحيم يعلم أن الأسرار التي هي ~~مدرجة في الحدود لو تكشف على أحد يحترق العقل ويبطل نظام العالم السفلي، ~~{ إنه يعلم الجهر وما يخفى } [الأعلى: 7] إنه يعلم ~~ظاهر القرآن وباطنه، ويعلم قوة ظاهرك وباطنك ومقدرا تحمله معاني الظهر ~~والبطن، فعلى قدر ما تكون قوتك نقرأه عليك ويثبت في قلبك بحور ما لك طاقة ~~في حملها. # { ونيسرك لليسرى } [الأعلى: 8]؛ أي: نهون عليك حمل ما أثبت ~~في لوحك وقرأته والعمل به، { فذكر } [الأعلى: 9] القوى القالبية ~~والنفسية، والسرية والقلبية، والروحية والخفية، { إن نفعت ~~الذكرى } [الأعلى: 9]؛ يعني: إن كنت تذكر ما قرأت على لوحك فما عليك ~~أن ينفع لهم الذكرى أو لا ينفع وعليك الوعظ والإبلاغ. ### || [87.10-19] # { سيذكر من يخشى } [الأعلى: 10] سوف ينفع الذين يخشون من ~~ربهم من القوى ms1733 المستعدة الغير الملطخة بتراب الطبيعة [المدساء] في الطين ~~اللازب، { ويتجنبها الأشقى * الذى يصلى النار ~~الكبرى } [الأعلى: 11-12] فكل من كان من الأشقياء الذين أصليناهم في ~~النار الكبرى التي بها استكبر وأبى أمر الرحمن ويتجنبون عن الموعظة ~~والذكر؛ لأنهم لا يموتون في تلك النار بألا يكون لهم خبر من عذابها، ولا ~~يحيون بأن يكون لهم من الحياة لذة؛ بل لا يموتون من الطريق الجسماني ~~يأكلون ويتمتعون ولكن ليس لهم حقانية حقيقة روحانية. # { ثم لا يموت فيها ولا يحيا } [الأعلى: 13] حياة تنفع؛ ~~ليبصروا الحق ويسمعوا كلام الحق وينتفعوا بموعظة اللطيفة، { قد ~~أفلح من تزكى } [الأعلى: 14]؛ أي: كل لطيفة اشتغلت بتزكية ~~القوى القالبية والنفسية أفلحت؛ لأنها ذكرت اسم الرب فصلت وتوجهت إليه ~~كما قال في كتابه: { وذكر اسم ربه فصلى } [الأعلى: 15] ~~والأشقى الذين لا هم أموات ولا أحياء، آثروا عيش الدنيا على عيش الآخرة ~~لأنهم كانوا أمواتا عن القوى الأخروية، أحياء بالقوى الدنيوية كما قال ~~الله تعالى: { بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة ~~خير وأبقى } [الأعلى: 16-17]؛ لأنها دار البقاء خيرها لا ينفد ~~وعيشها لا يفنى، والدنيا مرحلة الفناء عيشها عن قريب يفنى وتبعتها أبد ~~الآباد تبقى. # { إن هذا لفي الصحف الأولى } [الأعلى: 18]؛ يعني: إن ~~هذا الماء المكتوب في { صحف } [الأعلى: 19] القلب والسر { صحف ~~إبراهيم وموسى } [الأعلى: 19] فاجتهد أيها السالك لتقرأ صحفك، ~~ولا يمكن لك القراءة حتى تعالج بصرك الذي أعماه سبيل محبة الدنيا وظفرة ~~الهوى، فإذا عالجت البصر وصار صحيحا تعلم علم القراءة من أستاذك ~~لتقرأه من صحيفتك وتعرف حقيقة هذه الآيات فيك وتشتغل بالعمل بما أمرت به ~~إن شاء الله تعالى. # اللهم اجعلنا قارئين صحفنا عاملين بما فيها بحق محمد صلى الله عليه وسلم ~~وعلى آله وصحبه أجمعين. ### | [88 - سورة الغاشية] ### || [88.1-13] # يا طالب معرفة القيامة المائية القالبية، اسمع ما يقول تعالى في كتابه ~~الكريم حيث يقول: { هل أتاك حديث الغاشية } [الغاشية: 1] ~~والغاشية ما يغشى صاحبه عليه من هواها، وهي حاصلة من الماء الذي ركب ~~القالب عنه، وأحمى بالنيران المشعلة بالريح الهوائية، ms1734 وجمع في باطنه بحيث ~~صار متقنا وغلب عليه عند خراب القالب. # { وجوه يومئذ خاشعة } [الغاشية: 2]؛ أي: ذليلة ليس لهم ~~وجاهة، { عاملة ناصبة } [الغاشية: 3] عملوا بالهوى ما عملوا في ~~عمران قالبه، ونصبوا على وفق متابعة هواهم ما نصبوا؛ يعني: ما وفقوا ~~لاتباع اللطيفة الخفية؛ بل عملوا ونصبوا بالابتداع من هوى أنفسهم. # { تصلى نارا حامية } [الغاشية: 4] بالحطب الذي جمعوا من ~~الأخلاق الذميمة والأوصاف الكريهة، { تسقى من عين آنية } ~~[الغاشية: 5]؛ أي: متناهية في الحرارة التي حصلت من النار الحامية بحطب ~~الأخلاق الردية ونيران الشهوة والغضب، { ليس لهم طعام إلا ~~من ضريع } [الغاشية: 6]؛ لأنهم ما أطعموا القوى القلبية والسرية ~~والروحية من شراب الذكر وطعامه، فلا يكون لهم يومئذ { طعام إلا من ~~ضريع } [الغاشية: 6] وهو شوك الخواطر القالبية الردية لصاحبها باتباع ~~هواها، { لا يسمن ولا يغني من جوع } [الغاشية: 7]؛ لأنهم ~~كلما أكلوا منها زاد جوعهم وعطشهم بعدها، ولهم { وجوه يومئذ ~~ناعمة * لسعيها راضية } [الغاشية: 8-9] والوجوه التي ~~توجهت إلى قبلة وجه الله، ونعمت القوى القلبية والسرية والروحية بنعمة ~~الذكر، وسعت في طاعته طلبا لمرضاته يكن ناعمات لسعيها راضيات في جنات ~~عاليات عامرات في بواطنهم كما يقول الله تعالى: { في جنة عالية ~~* لا تسمع فيها لاغية } [الغاشية: 10-11]؛ لأنهم اشتغلوا في ~~حبس القالب بذكر الله وما اشتغلوا باللغو واللهو، فلا جرم كانت جنة ~~قالبهم عالية طاهرة من لاغية. # { فيها عين جارية } [الغاشية: 12] من المعرفة { فيها سرر ~~مرفوعة } [الغاشية: 13] من الأسرار الرفيعة التي لا يصل إليها ~~المقربون من عباده الخواص. ### || [88.14-26] # { وأكواب موضوعة } [الغاشية: 14] موضوعة في حانة أنفسهم؛ وهي ~~الاستعدادات القالبية مملوءة من شراب المحبة ورحيق المشاهدة { ~~ونمارق مصفوفة } [الغاشية: 15]؛ أي: وسائد الرحمة مصفوفة ~~ليتكئوا عليها كما يتكئوا على وسائد وكالته في عالم القلب، { ~~وزرابي مبثوثة } [الغاشية: 16]؛ أي: فرشوا البسط مبسوطة في ~~بساط الباسطة، { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } ~~[الغاشية: 17] إن كنتم تشكون وتعجبون مما ذكرنا، أفلا ينظرون إلى إبل ~~الشوق كيف خلقت؛ لتكون مركبهم ويصلون عليها إلى هذا المقام الذي لا يصل ~~إليه أحد # إلا ms1735 بشق الأنفس # [النحل: 7] أفلا ينظرون إلى سماء صدورهم كيف رفعت، وإلى جبال قالبهم كيف ~~نصبت، وإلى أرض بشريتهم كيف سطحت كما يقول في كتابه: { وإلى ~~السمآء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * ~~وإلى الأرض كيف سطحت * فذكر إنمآ أنت مذكر ~~} [الغاشية: 18-21] أيها النائب لمحمد صلى الله عليه وسلم القائم مقامه ~~في وجود كل أمة محمد صلى الله عليه وسلم { إنمآ أنت مذكر }؛ ~~يعني: خلقت في وجود كل أحد لطيفة أحمدية وقوة محمدية؛ ليذكرهم قواها من ~~الغاشية، وينذرهم بالنار الحامية والعين الآنية، ويبشرهم بالجنة العالية ~~والعين الجارية والفرش المرفوعة والنمارق المصفوفة والزرابي المبثوثة، { ~~لست عليهم بمصيطر } [الغاشية: 22]؛ أي: لست بمسلط على هذه ~~القوى لأنها خلقت لعمل خاص متعلق بكل واحد منها، وما عليك إلا البلاغ ~~والإنذار والإبشار. # { إلا من تولى } [الغاشية: 23]؛ أي: القوى التي تولت عن الحق ~~وعما خلقت له، { وكفر } [الغاشية: 23]؛ أي: كفرت حتى بخالقها والحق ~~الذي لأجله خلقت، { فيعذبه الله العذاب الأكبر } ~~[الغاشية: 24] بإعراض القوى عن الحق، وإقبالها على الباطل بعذاب فقدان ~~الحق وهذا من أكبر العذاب، { إن إلينآ إيابهم } [الغاشية: ~~25]؛ أي: رجوعهم إلى حضرة الحق { ثم إن علينا حسابهم } ~~[الغاشية: 26]؛ يعني: الحق محاسبهم يوم الغاشية بإبطالهم الحقوق التي ~~كانت ودائع الحق فيهم، وإحقاقهم الأباطيل التي كانوا مأمورين بإخراجها. ~~فيها أيها السالك، اجتهد اليوم في إيتاء كل ذي حق حقه وإخراج الباطل عن ~~نفسك؛ لتكون وجيها عند الله يوم الغاشية. # اللهم اجعل وجهي إليك ناظرا متنعما بحق محمد صلى الله عليه وسلم وعلى ~~آله وصحبه أجمعين صاحب الوجاهة والقدر. ### | [89 - سورة الفجر] ### || [89.1-15] # يا طالب رضا المولى، ويا هاربا من هاوية الهوى، ويا عارجا في الدرجات ~~العلى، ويا صاحب ذوي النهي، اعلم أن الله أقسم بالفجر؛ وهو قدر جمال ~~الروح الفاعل، وبليال عشر؛ وهي اللطيفة الجلالية المسكنة في القالب؛ ~~وهي السكينة والحلم، والتواضع والصبر، والحكمة والفيض، والغيرة والعزة، ~~والهمة والثبات، وأقسم أيضا بالشفع؛ وهو الأحوال الطارئة على النفس من ~~الفقر والغنى، والخوف والرجاء، والفرح والحزن، والترح بامتثال الأوامر؛ ms1736 ~~وهو الحال الذي ظهر في الآخرة الباقية التي فيها ينادي لأهلها يا أهل ~~الجنة فرح لا بعده ترح، ويا أهل النار ترح لا بعده فرح، وأقسم ثانيا ~~بالليل إذا يسر؛ يعني: بالسير الذي جعل في الليل العظيم القدر، الذي رفع ~~فيه قدر صاحبه وأسرى إلى سدرة المنتهى همته. # كما يقول الله تعالى: { والفجر * وليال عشر * والشفع ~~والوتر * واليل إذا يسر * هل في ذلك قسم لذى ~~حجر } [الفجر: 1-5]؛ أي: هل يقنع هذا القسم لمن كان له عقل بحجر؛ أي: ~~يمنعه عن تكذيب الحق في القسم، { ألم تر كيف فعل ربك ~~بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها ~~في البلاد } [الفجر: 6-8]؛ يعني: ألم تر القوى النفسية أن الله فعل ~~بالقوى العادية التي نبت لنفسها من التنعم في ذات عماد قالبها إرم جنة من ~~القول النباتية الخبيثة، متى ما شاءت على وفق هواها دخلت وأكلت من ~~ثمارها، لم يخلق مثل ذلك الإرم في قوالب غيرها كيف خربها ربها. # { وثمود الذين جابوا الصخر بالواد } [الفجر: 9] ~~جابوا صخور جبال القالب ليأمنوا من عذاب الرب، { وفرعون ذى ~~الأوتاد * الذين طغوا في البلاد } [الفجر: 10-11]؛ أي: ~~القوة القالبية الكاملة في الباطلة فسدت أركانها وأحكمت أوتادها بهواها، ~~وطغت في بلاد القالب على جميع القوى القالبية { فأكثروا فيها ~~الفساد } [الفجر: 12] وأراد أن يظهر على سماء الصدر، ورحاب مع الرب { ~~فصب عليهم ربك سوط عذاب } [الفجر: 13]؛ يعني: فرد ~~كيدهم في نحورهم، وأدخلهم النيران التي أوقدوها، وخرب جنانهم التي بنوها، ~~{ إن ربك لبالمرصاد } [الفجر: 14] هذا جواب القسم؛ يعني: ~~وحق هذه اللطائف التي ذكرها ربك في وجودك إن ربك رباك وأودع فيك هذه ~~اللطائف، { لبالمرصاد }؛ يعني: يرصدك ويراك في تقلبك ويسمع نجواك ~~ولا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا في الأرض القالب، ولا في ~~الصدور، ولا في نهار الروح، ولا في ظلمة ليل النفس، ولا في أطوار القلب. # { فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ~~ونعمه فيقول ربي أكرمن } [الفجر: 15]؛ يعني: إذا فتح ~~عليه بأنوار البسط ms1737 يقول: إني من المكرمين عند ربي. ### || [89.16-23] # { وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ~~ربي أهانن } [الفجر: 16]؛ يعني: إذا فتحنا عليه أبواب الفيض ~~وأمسكنا عنه رزقه من البسط يقول: صرت مهينا عند ربي، { كلا } [الفجر: ~~17]؛ أي: حقا ليس الأمر كذلك، { بل لا تكرمون اليتيم } ~~[الفجر: 17]؛ إذا فتحنا عليكم باب البسط لا تكرمون خاطر القلب بكرامة ~~الحضور في الذكر { ولا تحآضون على طعام المسكين } ~~[الفجر: 18]؛ أي: لا يطعمون القوى المسكينة بطعام الذكر الخفي القوي، ~~وظنوا أنهم وصلوا وتركوا الذكر والمراقبة واغتروا بحال البسط، { ~~وتأكلون التراث أكلا لما * وتحبون المال ~~حبا جما } [الفجر: 19-20] وتأكلون من نعم البسط وما أورثهم في حال ~~البسط أكلا تماما شديدا من نعمة البسط الحاصلة من ذكر اللسان، ولا ~~يلتفتون إلى اليتيم والمسكين، { وتحبون المال حبا جما } ~~[الفجر: 20]؛ أي: يحبون ما حصل لهم من نعم البسط حبا كثيرا، { كلا } ~~[الفجر: 21]؛ يعني: ما هكذا ينبغي حقا أن يفعل صاحب البسط، { إذا ~~دكت الأرض دكا دكا } [الفجر: 21]؛ يعني: إذا دكت أرض القالب ~~من سطوة الوارد الجلالي المثمر بلاء الفيض، { وجآء ربك ~~والملك صفا صفا } [الفجر: 22]؛ أي: جاءت اللطيفة الربوبية ~~التي يقوم بها وجودك وخواطر القلب مع تلك اللطيفة صفا صفا، { وجيء ~~يومئذ بجهنم } [الفجر: 23] أرجئ جهنم قالبك التي اشتعلت نارها ~~بهوى نفسك، { يومئذ } [الفجر: 23] هي في تلك الحالة، { يتذكر ~~الإنسان وأنى له الذكرى } [الفجر: 23]؛ يعني: وما تنفع ~~الذكرى وأين القبول، وأين له بحال ذكر التوبة. ### || [89.24-30] # { يقول يليتني قدمت لحياتي } [الفجر: 24] هذه آية تدل ~~على: أن الرجل ما دام في قبر قالبه كان ميتا فإذا خرج منه يصير ذي حياة ~~وعلم وبصر، { يقول يليتني قدمت لحياتي } [الفجر: 24] في ~~تلك الحالة التي هي بالنسبة للحياة الأبدية مماتا للأعمال الصالحة لا ~~ينفعني اليوم. # { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد * ولا يوثق ~~وثاقه أحد } [الفجر: 25-26]؛ يعني: يعذب بعذاب الحسرة والندامة ~~الدائمة، ويوثقه بالقيود الملائكية يأخذ الآلات والأدوات عنه وسعوره، بل ~~لا سبيل له إلى الرجوع ولا سبيل له إلى الخلاص من ms1738 هذا العذاب أبد الآبدين ~~ودهر الداهرين، { يأيتها النفس المطمئنة } [الفجر: ~~27]؛ أي: القوى النفسية المطمئنة الخفية، المصدقة لها المؤتمرة بأمرها، ~~المنتهية عما نهتها المشتغلة بحفظ حقوقها، التاركة حظوظها العاجلة، ~~المعرضة عن هواها المقبلة على مولاها { ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية } [الفجر: 28] حين خروجها من قبر قالبها { ~~فادخلي في عبادي } [الفجر: 29] بعد التجاوز عن العقبة الكؤود ~~النفسانية { وادخلي جنتي } [الفجر: 30]؛ يعني: في جنة القلب ~~المضاف إلى الرب لشرفها. فيا أيها السالك، أعبر بهذه الحالات واعتبر عن ~~مشتهيات النفس الأمارة؛ لتكون من الداخلين جنة الرب، ولا تفرح بالبسط ولا ~~تحزن بالقبض، وكن في كلتا الحالتين ذاكرا للرب لئلا تكون من الذين يعبدون ~~الله على حرف كما ذكرهم الله في كتابه. # اللهم اجعل نفسنا مطمئنة راضية مرضية وثبتنا على متابعة حبيبك محمد خير ~~البرية صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان كل غدوة ~~وعشية. ### | [90 - سورة البلد] ### || [90.1-10] # يا طالب البلد الأمين، ويا قارئ الكتاب المبين، اعلم أن الله تعالى أقسم ~~بهذا البلد وقال: { لا أقسم بهذا البلد * وأنت حل ~~بهذا البلد } [البلد: 1-2]؛ أي: حرمنا هذا البلد على غيرك ~~وأحللنا لك كل ما تفعل في بلد الوجود من قتل كفرة النفس ومشركها وأسر ~~الهوى وسير قواها، { ووالد وما ولد } [البلد: 3]؛ أي: بحق ~~اللطيفة الفاعلية ونتائجها، { لقد خلقنا الإنسان في كبد } ~~[البلد: 4]؛ يعني: اللطيفة الإنسانية في مكابدة وشدة مع هؤلاء الأضداد ~~المنفرة بالطبع [بعها] بعضها عن بعض، منه خلقناه { أيحسب } ~~[البلد: 5] القوى الكافرة { أن لن يقدر عليه أحد } [البلد: ~~5] من هواها بقوتها واعتمادها على مكرها، { يقول أهلكت مالا ~~لبدا } [البلد: 6]؛ يعني: أنفق قوتي في مشتهيات الهوى وأسلطها على ~~اللطيفة؛ لتجلب خواطرها النفسية ورجل خاطرها القالبية ويمنعها عن التسليط ~~على أهل البلد. # { أيحسب أن لم يره أحد } [البلد: 7]؛ أي: ما يكيد ويمكر؛ ~~بل الله مطلع على جميع ما يخفي ويظهر، { ألم نجعل له عينين ~~* ولسانا وشفتين * وهديناه النجدين } [البلد: ~~8-10]؛ يعني: ألم نجعل للإنسان هذه القوى؛ يعني: القوة الباصرة وقوة ~~التكلم وزينة ms1739 التيقن والقوة المميزة بين الخير والشر، أيظن أن لن ير كيده ~~خالقه الذي هداه على تمييز الخاطرين. ### || [90.11-20] # { فلا اقتحم العقبة } [البلد: 11] لم ينفق قواه فيما يسهل ~~عليه جواز العقبة الكؤود والنفسانية وقت خروجه عن قبر القالب، { ومآ ~~أدراك ما العقبة } [البلد: 12]؛ يعني: ما تدري بأي شيء يسهل ~~عليه جواز العقبة، { فك رقبة } [البلد: 13]؛ يعني: فك رقبة نفسه ~~عن أمر هواه، { أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيما ذا ~~مقربة * أو مسكينا ذا متربة } [البلد: 14-16]؛ يعني: ~~يطعم الخاطر القلبي الذي كان يتيما في عالم النفس، أو خاطر السكينة الذي ~~هو محتاج إلى الذكر من طعام ذكر الله، { ثم كان من الذين ~~آمنوا } [البلد: 17]؛ أي: هذا المطعم ينبغي أن يكون مؤمنا بأن الله ~~أرسل بخاطر القلب وخاطر السكينة إليه، { وتواصوا } [البلد: 17]؛ ~~يعني: قواها النفسية والقالبية، { بالصبر } [البلد: 17] على مراده ~~خلاف الهوى، { وتواصوا بالمرحمة } [البلد: 17]؛ أي: ~~بالمرحمة على الخواطر الغريبة التائبية في عالمه. # { أولئك أصحاب الميمنة } [البلد: 18]؛ يعني: هذه القوى ~~النفسانية المؤمنة المطعمة تكون من أصحاب الميمنة غدا، { والذين ~~كفروا بآياتنا } [البلد: 19]؛ يعني: كفروا بالآيات الأنفسية التي ~~خلقناها وأظهرناها في باطن السالك وكشفناها عليه، { هم أصحاب ~~المشأمة } [البلد: 19]؛ يعني: تلك القوى الكافرة التي كانت في نفس ~~السالك هم أصحاب المشأمة غدا، { عليهم نار مؤصدة } [البلد: ~~20]؛ يعني: عليهم نار مطبقة عليهم الأبواب لا يدخل عليهم روح من عالم ~~الروح، ولا يخرج من داخلهم كرب وغم بأنهم كسبوا هذه النار المؤصدة ~~بكفرانهم وطغيانهم اللطيفة في عالم الكسب. # اللهم اجعلنا مؤمنين لك وسهل الجواز على العقبة بحق محمد صلى الله ~~عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين. ### | [91 - سورة الشمس] ### || [91.1-15] # يا شمس النبوة وضحى الرسالة وقمر الولاية، ونهار المعرفة وليل السكينة، ~~وسماء العزة وأرض التواضع، ويا صاحب النفس الملهمة، ويا طالب الفلاح، ~~اعلم أن الله أقسم بالحقائق المودعة في النبوة والرسالة، والولاية ~~والمعرفة، والسكينة والعزة، والتواضع والنفس الملهمة في كلامه حيث يقول: ~~{ والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها * والنهار ~~إذا جلاها * والليل إذا يغشاها * والسمآء ms1740 وما ~~بناها * والأرض وما طحاها * ونفس وما سواها * ~~فألهمها فجورها وتقواها } [الشمس: 1-8] بما سوى وقت سويته ~~قالبها، { قد أفلح من زكاها } [الشمس: 9] فكل من زكى نفسه من ~~الأخلاق الذليلة الحاصلة من العناصر القالبية المظلمة، وحلاها بالأخلاق ~~الحميدة الحاصلة من القوى الروحانية النورانية، { قد أفلح من ~~زكاها * وقد خاب من دساها } [الشمس: 9-10]؛ أي: دس نفسه ~~في تراب الطبيعة الملطخة بالطين القالبي بمتابعة الشهوات النفسانية على ~~وفق هواه قد خاب من لطف الله، ومن التنعم في دار القرار الداس نفسه في ~~تراب دار البوار ولتكذيبه اللطيفة التي أرسلها الله إليه في نفسه وعصيانه ~~اللطيفة وطغيانه كما قال تعالى: { كذبت ثمود بطغواهآ * إذ ~~انبعث أشقاها } [الشمس: 11-12]؛ يعني: إذا انبعثت اللطيفة وأسرعت ~~إلى الطاغية انبعث أشقى قوى النفس على أثر اللطيفة الصالحة ليعقر ناقة ~~شوقها. # { فقال لهم رسول الله } [الشمس: 13]؛ أي: اللطيفة { ناقة ~~الله وسقياها } [الشمس: 13]؛ أي: أخذوا ناقة الشوق ومشربها من ~~عين الذكر، { فكذبوه فعقروها } [الشمس: 14] بتكذيبهم صالح ~~اللطيفة النفسية وعقروا ناقة الشوق، { فدمدم عليهم ربهم ~~بذنبهم } [الشمس: 14]؛ أي: أهلكهم الله، { فسواها } [الشمس: ~~14]؛ أي: عمهم بذلك العذاب، { ولا يخاف عقباها } [الشمس: 15] ~~ولا يخاف القوى العاقرة في عقر ناقة الشوق عاقبة الأمر، فأهلكهم الله ~~بطغيانهم لرسوله وتكذيبهم إياه. # اللهم اجعلنا من الصادقين الصالحين. ### | [92 - سورة الليل] ### || [92.1-13] # يا ساكن القالب الظلماني وطالب النور الروحاني، إن الله تعالى يقسم ~~باللطيفة الجلالية المظهر بها ليل القالب، المظلمة بها نهار الروح لكمال ~~قدرته وإظهار حكمته حيث يقول: { والليل إذا يغشى } [الليل: ~~1] وابتدأ بالليل في هذا المقام لأن ابتداء خلقك في عالم الشهادة تخمير ~~طينة قالبك، وقيده بقوله: { إذا يغشى }؛ لأن ظلمة ليل القالب في ~~البداية تغشى جميع الأسرار التي كانت في طي الطينة مستودعة، { ~~والنهار إذا تجلى } [الليل: 2]؛ يعني: بحق اللطيفة الجلالية ~~التي أودعناها في النهار الروحاني تتنور بها ظلمة القلب، ويطلع السالك ~~على الودائع المسكنة في قالبه وقت التخمير؛ وهي الأمانة التي أشار إليها ~~حيث قال: # وحملها الإنسان # [الأحزاب: 72]. # { وما خلق الذكر والأنثى ms1741 } [الليل: 3]؛ أي: بحق من خلق ~~اللطائف الفاعلية والقالبية التي أودعناها في روحك وشخصك، { إن ~~سعيكم لشتى } [الليل: 4]؛ لتفاوت الاستعدادات التي تتعلق ~~بالفاعلية القالبية مما جعلناه فيك، { فأما من أعطى } [الليل: ~~5] جهده في طاعة الله وماله من القوى والاستعدادات للحق، { واتقى } ~~[الليل: 5] عن الباطل { وصدق بالحسنى } [الليل: 6]؛ أي: صدق ~~ربه فيما أوحى على لسان سر نبيه إليه بوجود الجنة التي هي الثمرة، التي ~~حصلت من الشجرة الطيبة الإنسانية بذرها الكلمة الروحانية { ~~فسنيسره لليسرى } [الليل: 7]؛ أي: نيسره بالحقائق المودعة ~~في اللطائف لعمل يوصله إلى يسر الأبد ويسار السرمد { وأما من بخل ~~واستغنى } [الليل: 8] من القوى الحقانية التي أعطيناها له، واستغنى ~~وجعل نفسه مستغنيا عن الأعمال بالقوى التي أعطيناها ليكتسب بها السعادات ~~السرمدية { وكذب } [الليل: 9] الله ونبيه { بالحسنى } [الليل: ~~9] التي هي الباقية للعمى الحاصل له من خيار الهوى الصارف إياه عن ~~المولى. # { فسنيسره للعسرى } [الليل: 10]؛ أي: نيسره بتلك القوى ~~ليبطل بها حقوقها في طلب حظوظه العاجلة، ويعسر عليه الاشتغال بما ينفعه ~~في الآخرة بتوجهه إلى حظ نفسه وبطلان استعداده وقواه في استعمالها في غير ~~حقه { وما يغني عنه ماله إذا تردى } [الليل: 11]؛ أي: ~~بطل استعداده وأخذ منه الآلة وأدواته وأهوي في هاوية هواه ما يغني عنه ~~قواهم { إن علينا للهدى } [الليل: 12]؛ أي: نودع فيك اللطائف ~~ونبين على لسان بشريتك ما كان فيه هداك { وإن لنا للآخرة ~~والأولى } [الليل: 13] فمن طلبها من غيرنا فقد أخطأ الطريقان أولاك ~~اشتغالك بحظوظك العاجلة النفسانية الهووية الشهوية وأخراك توجهك إلى ~~الحقائق الباقية المودعة فيك أولاك وأخراك، ولا يتخرج عنك ولا يطلب من ~~غيرك؛ لأن الحق معك كما يقول تعالى: # وهو معكم أين ما كنتم # [الحديد: 4] لئلا تغلط وتضل وتزل عن الصراط المستقيم وتهوي إلى الجحيم. ### || [92.14-21] # { فأنذرتكم نارا تلظى } [الليل: 14]؛ أي: أخبرتكم بما ~~أودعت فيكم وأنذرتكم بالنار التي هي كافية في حجر قابلكم معجونة بطينتكم ~~تتلظى من اشتعالكم تلك النار بالشهوات الباطلة، وتبغي بعد خراب قالبكم ~~وهي نار الحسرة { لا يصلهآ إلا الأشقى * الذي كذب ~~وتولى } [الليل: 15-16] ms1742 بالحسنى التي معه وتولى عن الحق بتوجهه إلى ~~الباطل. # { وسيجنبها الأتقى * الذى يؤتي ماله يتزكى } ~~[الليل: 17-18]؛ أي: الأتقى الذي اتقى عن الباطل والاشتغال بالحظ العاجل ~~ويؤتي ماله من القوى والاستعدادات في استعمالها بالحق، الطلب الحق { ~~يتزكى } لتزكي لطائفه عن الإبطال عن الأباطيل الحاملة في عالم ~~الظلمة { وما لأحد عنده } [الليل: 19] من القوى والاستعدادات عند ~~اللطيفة الخفية { من نعمة } [الليل: 19] تجب على تلك اللطيفة { ~~تجزى } [الليل: 19]؛ لأن اللطيفة الخفية أعطت كل لطيفة حقا في بدء ~~الخلقة، وتدعوهم إلى الحق بعد نسيانهم الحق في عالم الظلمة والاشتغال بما ~~فيه تكميل قواها القالبية والنفسية { إلا ابتغآء وجه ربه ~~الأعلى } [الليل: 20]؛ أي: اللطيفة الخفية تدعوهم، وتصبر على أذاهم ~~لا من احتياجها إليهم ولا من نعمة لهم عليها أن تجزى لها؛ بل كان خالصا ~~لابتغاء وجه الله ربه الأعلى لعلمه بأن رضاه في هذا { ولسوف ~~يرضى } [الليل: 21]؛ أي: عن قريب يرضى عنه ربه بإعطائه إياه وعده من ~~المقام المحمود أحده قبول شفاعته في أمته الخاطئة، وهذه أرجى آية في كتاب ~~الله للأمة الخاطئة فاجتهد أن تكون مستقيما في اعتقادك باللطيفة الخفية ~~التي هي فيك مودعة، متيقنا بما أخبرتك اللطيفة الخفية عن الغيوب ولا يحل ~~عندك الغرور بالتشكيك والتكذيب في إيمانك الغيبي؛ لتصل إليك فائدة شفاعة ~~لطيفتك الخفية إن شاء الله تعالى. # اللهم ثبتنا على متابعة حبيبك عليه الصلاة والسلام. ### | [93 - سورة الضحى] ### || [93.1-11] # اعلم يا طالب اللطيفة الجمالية والجلالية في اللطيفة الخفية التي هي ~~محمد وجودك إن الله في كلامه القديم وقت إسبال الحجاب الجلالي على وجه ~~جمال حال محمد ليتم معرفة الحقيقة بعد النكرة التي هي حال جمال الحال حيث ~~قال: { والضحى * والليل إذا سجى } [الضحى: 1-2]؛ أي: وحق ~~اللطيفة الجمالية المستودعة في روحك وحق اللطيفة الجلالية المستكنة في ~~نفسك إذا سجى بالحجاب الجلالي على وجه ضحى اللطيفة الجمالية والسر في ~~إطلاق وتقييد الليل، هو في هذه الحالة رجحت اللطيفة الجمالية بإسبال حجاب ~~اللطيفة الجلالية لإكمال المعرفة فاحتاج إلى إخبار إسدال الحجاب بقوله: ms1743 { ~~إذا سجى } ، ثم يقول بعد القسم: { ما ودعك ربك } [الضحى: ~~3] بإسبال الحجاب { وما قلى } [الضحى: 3] لظهور سلطان النكرة { ~~وللآخرة } [الضحى: 4]؛ يعني: المعرفة الأخيرة التي تطلع من أفق قلبك ~~بعد هذه النكرة { خير لك من الأولى } [الضحى: 4] السابقة على ~~هذه النكرة؛ لأنها كانت من معارف الملكوت والمعرفة التي تحصل لك في صدق ~~هذه النكرة هي الدرة اليتيمة وهي من المعارف الجبروتية. # { ولسوف يعطيك ربك فترضى } [الضحى: 5]؛ أي: يعطيك من ~~المعارف اللاهوتية التي كنت تسألها في دعائك تقول: # " اللهم أرنا الحق حقا وأرزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا ~~اجتنابه " # وهذه المعرفة مثل الدرة اليتيمة درر المعارف وسوف يدل على أنه أعطاه بعد ~~قوله: { يعطيك ربك فترضى } [الضحى: 5] وفاء التعقيب أيضا ~~تدل على أنه وصل بعد رفع حجاب النكرة إلى هذه المعرفة المطلوبة، وقوله: { ~~ألم يجدك يتيما فآوى } [الضحى: 6].... إلى آخره، أيضا يدل ~~على أنه واصل إلى المعارف اللاهوتية؛ لأنه تعالى يقول امتنانا عليه ~~وتعليما له في التخلق بخلق مع خلق الله حين يقول: { ووجدك ضآلا ~~فهدى } [الضحى: 7]؛ يعني: ألم يجدك درة لطيفة وأنانيتك يتيما فريدا ~~وحيدا ما كان لها مرب في صغرها فرباها وآواها في تاج المحبوبية { ~~ووجدك عآئلا فأغنى } [الضحى: 8] في عالم الجبروت؛ يعني: كنت ~~ضالة بطريق الدقائق الجبروتية محرومة عن معارف الصفات الفعلية، وكيفية ~~استعمال رقائق الصفات دقائق الأفعال؛ ليظهر منها شقائق الآثار وحقيقة ~~ارتباط الشقائق بالدقائق والدقائق بالرقائق والرقائق بالحقائق، فهذه ~~لطيفتك إلى هذه المعارف كلها على سبيل التفصيل، { ووجدك عآئلا ~~فأغنى } [الضحى: 8]؛ أي: فقيرا إلى معارف عالم اللاهوت وحقائقه ~~المتصلة بالذات الواحدة التي بها رقائق الصفات الجبروتية فائقة فهل كله ~~يقول في مقام الامتنان. # ثم يقول في مقام التعليم: { فأما اليتيم } [الضحى: 9] الذي يكون ~~في عالم الملكوت { فلا تقهر } [الضحى: 9] والطف به واهده إلى معارف ~~الدقائق الملكوتية بالرفق وآوه في رياض قدس سرك كما آويناك. # { وأما السآئل } [الضحى: 10] الذي يسأل عنك في عالم الجبروت من ~~دقائق الصفات { فلا تنهر } [الضحى: 10]؛ لأن للسائل حقا وهو دخيل ~~في عالم الجبروت ms1744 وضال طريق هداه إلى الرقائق المتصلة بالحقائق فأرشده ~~واهده كما هديناك { وأما بنعمة ربك فحدث } [الضحى: ~~11]: أي: بنعمة معارف الحقائق اللاهوتية التي ربيناك بصفات الربوبية ثم ~~أنعمنا بها عليك فحدث مع كل أحد من أمم قواك على قدر عقولهم ولأجل هذا ~~قال صلى الله عليه وسلم # " نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم " # وأوتي صلى الله عليه وسلم في هذا المقام جوامع الكلام بحيث لو تكلم ~~بكلمة وجيزة أخذ منها الخاص والعام كلهم على قدر استعدادهم، فأيديهم ~~وكانت مندرجة في كلمة وجيزة معان كثيرة فاجتهد أيها السالك أن تكون في ~~هذا المقام مؤدبا بآداب رسولك مع ربك متخلق بخلق الله مع خلق الله في ~~عالم شهادتك وغيبك ليمكن لك أن تؤدي حق هذا المقام وتتمتع بعده بالمقام ~~المحمود المخصوص بمحمد أحمد للخلائق بأخلاقه الحميدة القاسم بين الخلق ~~رزق خلق الخلائق، وفيه اسرار تتعلق بحد القرآن فادرج أيها الإنسان الغالب ~~عليك النسيان وتوكل على الرحيم الملك المستعان مالك الدنيا في السرور ~~والأحزان لتكون في ملكك وملكوتك مهدي إلى آخر الزمان. ### | [94 - سورة الشرح] ### || [94.1-8] # يا منشرح الصدر على القدر رافع الذكر فما أنقاضك، { ألم نشرح ~~لك صدرك } [الشرح: 1] بنور جمالنا المودع في ظلمة قالبك، { ~~ووضعنا عنك وزرك } [الشرح: 2] { الذي أنقض ظهرك } ~~[الشرح: 3] وهو من الخواص القالبية والنفسية التي أنقض وأثقل ظهر ظاهر ~~اللطيفة الخفية بنفوذ نور الذكر في وجود الذكر، كما أشار إليه النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ذكر المفردين الذين اهتزوا بالذكر: # " حتى وضع الذكر عنهم أوزارهم " # ، { ورفعنا لك ذكرك } [الشرح: 4] باقتران ذاكريتك بمذكوريتنا ~~وإيصال حقيقة مذكوريتك إلى حقيقة ذاكريتنا، وإظهار نور عزك بنور عزتنا، ~~كما يقول تعالى: # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # [المنافقون: 8]، في هذه الآية صرح بأن المؤمنين كانوا عزيزين بنور عزة ~~اللطيفة الخفية النبوية المحمدية، كما أن الرسول عزيز بنور عزة الله الحق ~~المبين، فاجتهد في طلب عزتك التي أودعها الله فيك. # { فإن مع العسر يسرا } [الشرح: 5]؛ أي: مع العسر المجاهدة ~~والمذلة في الدنيا ms1745 الفانية يسر المجاهدة والعزة في العقبى الباقية، { ~~إن مع العسر يسرا } [الشرح: 6]؛ أي: مع عسر النكرة وتحمل ~~مرارة مشاقها يسر المعرفة والاسترواح بمجاهدة حلاوة مذاقها. # { فإذا فرغت } [الشرح: 7] عن المجاهدة في عالم الكسب { فانصب ~~} [الشرح: 7] للمشاهدة في عالم الوهب، ونصب المشاهدة رعاية الأدب المختصة ~~بخواص حضرة السلطان، { وإلى ربك } [الشرح: 8] وقت المشاهدة ~~والوهب { فارغب } [الشرح: 8]؛ يعني: كن على الهمة ولا تلتفت إلى غير ~~الرب، ولا تطلب من الرب إلا الرب، فإذا وجدته وجدت الكل، ولا يفوت عنك ~~شيء، كما قيل في المثل: كل صيد في جوف الفرا. # وجاء في الحكايات المنقولة عن بعض المشايخ أن أحدا منهم جذب وعرج به ~~إلى الحضرة وأوقف بين يدي الحق، فقال له الحق: إن كل الطالبين طلبوا مني ~~شيئا إلا أبا يزيد فإنه طلبني، ويكون مثل هذا الخطاب من رب الأرباب على ~~سبيل التنبيه للسالك لانبعاث داعية همته العالية في طلبه لطفا به منه، ~~تأدبا إياه وتعليما له، اللهم أرفع همتنا وأدبنا بأحسن تأديب بحق محمد ~~صلى الله عليه وسلم. ### | [95 - سورة التين] ### || [95.1-8] # يا ساكن البلد الأمين، وآكل ثمرة اليقين من شجرة التين، اعلم أن الله ~~أقسم بالتين وهو الثمرة اليقينية الذاتية الوجودية اللاهوتية، وبالزيتون ~~وهو الثمرة العينية الصفاتية الجبروتية، وبطور سينين بفله الملكوتي الذي ~~هو جبل مضى صفاؤه وسناؤه من سناء سبحات الجلال عليه بترتيب أمر النطق؛ ~~وهو جبل ختم الله طينه بيدي لطفه وقهره في أربعين درجة، لاهوتية وجبروتية ~~وملكوتية وناسوتية عشرا عشرا في صباح حاجز بين ظلمة العالم الجسماني ~~وضياء العالم الروحاني، وبه يتم تدبير الأمر وهو المقصود من تجلي الذات ~~وإبراز الصفات وإصدار الأفعال وإظهار الآثار؛ لأن الله تعالى أدرج # كن # [آل عمران: 47] كون ذلك الجبل جوهر اللطيفة العارفة المعرفة الشاهدة ~~المشهودة للمرآتية، وهو القلب. # { البلد الأمين } [التين: 3]؛ أي: المأمون من دخول الشيطان فيه، ~~بيت الله الحرام الذي قال في كتابه: # ومن دخله كان آمنا # [آل عمران: 97] من عذاب الفرقة، والدخول في هذا البيت الحرام على النفس ~~الملوثة بمحبة ms1746 الدنيا الملطخة بمشتهياتها واتباعها على وفق الهوى المكدرة ~~باشتغال بما سوى الحق تعالى، والحق يقسم بذاته وصفاته وأفعاله وآثاره في ~~كلامه بقوله تعالى: { والتين والزيتون * وطور سينين * ~~وهذا البلد الأمين * لقد خلقنا الإنسان في ~~أحسن تقويم } [التين: 1-4]؛ يعني: جمعنا فيه الحقائق اللاهوتية، ~~والدقائق الجبروتية، والرقائق الملكوتية، والشقائق الناسوتية. # { ثم رددناه أسفل سافلين } [التين: 5]؛ يعني: رددناه ~~إلى أسفل سافلين الطبيعة للابتداء، { إلا الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت فلهم أجر غير ممنون } [التين: ~~6] لأجل هذا الترديد؛ لأنهم صدقوا اللطيفة الخفية، وآمنوا بالحق ~~واستعملوا قواهم في الأعمال الصالحات، فلهم أجر على هذه الأعمال التي ~~عملوا لله { غير ممنون } [التين: 6]؛ أي: غير مقطوع أبد الآباد، ~~وكان ردنا إياهم وقت التدبير إلى { أسفل سافلين } [التين: 5] ~~الطبيعة ليكتسبوا القوى الصالحة، وتعرج إلى ربها مع حصول المعارف على ~~سبيل التفضيل، ويجتازوا عن درجة الروحانيين، ويكونوا مرآة لوجه الله ~~تعالى الملك الكريم من كمال عنايتنا بهم واصطفائنا بالمرآتية من بين ~~المخلوقات. # { فما يكذبك بعد بالدين } [التين: 7]؛ يعني: فما يكذبك ~~الشيطان بعد هذا التقدير، وكشف سر التدبير وحكمة العروج إلى الرب القدير ~~{ بالدين } [التين: 7] الذي هو فطرتك الخفية، أتظن أن الله خلقكم ~~عبثا؟! أتحسب أن الله تعالى جمع فيك المفردات وركبك من لطائف المفردات ~~العلوية والسفلية بالهزل؟! وإنك لا ترجع إليه { أليس الله ~~بأحكم الحاكمين } [التين: 8]؟! # يعني أن الحكم الحقيقي للحاكم القادر لا يفعل فعلا عبثا، ولا يخلق ~~شيئا باطلا فخلقه لك { في أحسن تقويم } [التين: 4]، ثم رده ~~إياك إلى { أسفل سافلين } [التين: 5] [لم] يكن من غير حكمة، ولا ~~يكون بعد هذا الرد رجوعك إليه، ولا ينفي منك لطيفة باقية تتنعم وتتألم ~~بعد خراب البدن، فكل نفس تكون مطمئنة تؤمن وتقول: بلى وأنا من الشاهدين ~~على أنك أحكم الحاكمين، ولا يمكن أن يصدر منك فعل غير حق وعمل غير متقن، ~~خلقتنا لمظهرية صفات لطفك وقهرك، وأودعت فينا لطيفة مستحقة؛ لتكون مرآة ~~لذاتك، فطوبى لمن آمن بحقيتك وعمل عملا صالحا على مرآة وجوده بتصقيلها ~~وإقامتها محاذاة الوجه بعد إخراج الحديد ms1747 من الجبل، وبناء البلد الأمين ~~الذي فيه مسكن المعملة، وغرس الأشجار المثمرة؛ ليضيء بضياء نور مروج في ~~دهن الزيت { البلد الأمين } [التين: 3]، فيطلع في بستانه على ثمرة ~~المعرفة الذاتية ويجتنيها ويأكلها ويصل إلى لطيفة ذوقها، اللهم أذقنا ~~معرفتك الذاتية بمحمد صلى الله عليه وسلم. ### | [96 - سورة العلق] ### || [96.1-10] # أيتها اللطيفة الخفية، { اقرأ باسم ربك الذي خلق } ~~[العلق: 1] مفردات لطائفك أولا، { خلق الإنسان من علق } ~~[العلق: 2]؛ أي: خلق ثانيا حقيقة إنسانيتك عند خلق المفردات بعضها ببعض ~~ليصل إليها ضوء نور اسم ربك؛ لكي تشرق به أرض قالبك. # { اقرأ } [العلق: 3] بالقوة التي أودعناها في اسمك الأحمدي الذي هو ~~مظهر اسمنا الأحدي، { وربك الأكرم * الذى علم ~~بالقلم } [العلق: 3-4]. # وهو أول موجود أوجده الله في مرتبة الفاعلية، وهذه إشارة ترد على ~~اللطيفة المتخلقة من ظلمات القالب، ويظهر على السالك بعد هذا الأمر العلم ~~اللدني، فإذا أدى حق هذه المقام في السجود يعطى له العلم المجهول في مقام ~~الاقتراب، وهو مقام يرفع الحجاب فيه بين الأرباب الباطلة المتفرقة ورب ~~الأرباب، يسجدوا له ويؤمنوا به ويقولوا: نحن التراب وأنت رب الأرباب، وفي ~~هذا البيان سر عزيز يتعلق بحد القرآن الذي لا يمكن لقلم البيان التجاوز ~~عنه؛ لأنه مأمور بأن يمد عين البيان في ميدانه. # { علم الإنسان ما لم يعلم } [العلق: 5] من تفاصيل علم ~~الأسماء، ومحاضر الصفاء، ومصادر الأفعال، ومظاهر الآثار. # { كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى } ~~[العلق: 6-7]؛ يعني: حقا إن الإنسان إذا أراه مستغنيا بالقوى والآلات ~~والأدوات التي أعطيناها ليكتسب بها علم التفاصيل، { ليطغى } [العلق: ~~6] ويعصي ربه بتلك الآلات والأدوات واستعمالها بغير حقها؛ ليكتسب اللذائذ ~~العاجلة الشهوانية ويتمتع بها، ونسيانه بأن رجوعه إلى ربه كما يقول: { ~~إن إلى ربك الرجعى } [العلق: 8]؛ يعني: مرجع كل اللطائف ~~إلى رب الحق، فكل لطيفة أثقلت بالباطل ظهرها فهي معذبة وقت الرجوع. # { اقرأ باسم ربك } [العلق: 1] لكي يخفف نور اسم ربك ظهرك على ~~ظلمة الباطل، كما أشرنا إليها من قبل. # { أرأيت الذي ينهى * عبدا إذا صلى } [العلق: ~~9-10]؛ ms1748 يعني: أرأيت القوى القالبية والنفسية إن تنهى لطيفتها التي توجهت ~~إلى لطيفتها الخفية. ### || [96.11-19] # { أرأيت إن كان على الهدى } [العلق: 11]؛ يعني: اللطيفة ~~التي كانت على الهدى بتوجهها إلى اللطيفة الخفية، { أو أمر ~~بالتقوى } [العلق: 12] إن أمرت قواها بأن يتقوا الهوى ويتركوا ~~الاشتغال بالباطل فما تنفع التقوى بعد نزع الآلات والأدوات عنها اطلاعها ~~على أمر اللطيفة وضياع الآلة؛ لإبقاء الحسرة في نفسها وشدة آلام الحسرة ~~على فواتها. # { أرأيت إن كذب وتولى } [العلق: 13]؛ أي: قوة جهل إلى ~~جهله كذبت بالحق وتولت عن الإيمان، { ألم يعلم } [العلق: 14]؛ أي: ~~القوى الجهلية { بأن الله يرى } [العلق: 14] ما في ضميرها، { ~~كلا لئن لم ينته } [العلق: 15] عن تكذيب اللطيفة الخفية فيما ~~وعدت وأوعدت، ويشتغل بالحظ العاجل ويستعمل الحق في الباطل { لنسفعا ~~بالناصية } [العلق: 15]، إذا لنأخذن بناصية إدبارها واستكبارها ~~ونجرها إلى النار الموقدة في صدرها من نيران الحقد والحسد. # { ناصية كاذبة } [العلق: 16] قوة مكذبة اللطيفة الخفية { ~~خاطئة } [العلق: 16] طريق رشدها بمخالفة أمر اللطيفة الخفية، { ~~فليدع ناديه } [العلق: 17] إلى قواها القالبية والنفسية، التي ~~هي عشيرتها ولينتصر بها عن هذه النيران المشتعلة في وجودها المقتحمة ~~فيها، { سندع الزبانية } [العلق: 18]؛ وهي حقائق القوى القهرية ~~التي أودعت في النفس الأمارة؛ لتحزن القوى الجاهلة الظالمة الخاطئة ~~الكاذبة المكذبة بنواصيها وتلقيها في دركات قالبها. # { كلا } [العلق: 19]؛ يعني: ليس الأمر كما زعمت القوى الجاهلة، فيا ~~أيها اللطيفة { لا تطعه } [العلق: 19]؛ أي: لا تطع القوى الجاهلة، ~~وصل لربك متوجها كعبة قلبك، { واسجد } [العلق: 19] على تراب ~~قالبك، { واقترب } [العلق: 19] باللطيفة الربوبية المستكنة في تراب ~~قالبك؛ ليعطيك ربك الرفعة والعزة والكرامة بإيصالك اللطيفة الخفية التي ~~هي محمد وجودك للجذب إليها جميع اللطائف في مقام العروج، وترجع إلى ربك # راضية مرضية # [الفجر: 28] إن شاء الله تعالى. # اللهم اجعلنا راضين مرضيين بحق محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ~~أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. ### | [97 - سورة القدر] ### || [97.1-5] # يا طالب ليلة القدر وشرح الصدر، اعلم أن الله تعالى يقول: { إنا ~~أنزلناه في ليلة القدر } [القدر: 1]؛ أي: النور ms1749 الذي يحصل ~~به انشراح الصدر؛ وهو الجمال المخصوص بسيد أهل الكمال المودع في ظل ~~قالبه، الذي بذلك النور ما كان لقالبه ظل قابلة قالبه، كان ظل النور لا ~~ظل الظلمة بخلاف القوالب؛ لأنها ظلال ظلمانية، فلما طلعت شمس الروح أظهر ~~ظلال الظلمة وهذا سر عزيز يتعلق بحد القرآن، فأنت أيها السالك الطالب ~~اجتهد في طلب ذلك الظل المودع فيه ذلك النور في اللطيفة القالبية ~~المستخلصة عن الأباطيل، المتسكن فيها نور لطيفتك الخفية ليصل في ظلمة ليل ~~قالبك إلى ظل اللطيفة المستودع فيها نور القدر، ونشاهد ذلك النور في ~~لطيفتك المستحقة ليكون قالبا للطيفتك الخفية، وتصير صاحب القدر منشرح ~~الصدر. # { ومآ أدراك ما ليلة القدر } [القدر: 2] التي هي ظلمات ~~القالب مسكنة، { خير من ألف شهر } [القدر: 3] روحاني؛ لئلا ~~يغتر بالأنوار الروحانية ويجهل أن يصل إلى ظلمات وصل إليها خضر لطيفتك ~~الحيوانية، وشرب من ينبوعها ماء الحياة السرمدية، وما التفت إلى الجواهر ~~النفيسة التي منعت ذي القرنين عن شراب ماء الحياة من منبعها. # وذو القرنين خاصيتا نفسك اللوامة؛ وهي العقل العملي والهوى العملي، ~~وينبغي أن تخاف من هيبة سواد تلك الظلمة، وتلتجئ بالذكر القلبي وتلوذ ~~بأذيال متابعة النبي، وتلتجئ إلى همة الشيخ الهادي المهدي؛ لتصل إلى ~~الينبوع الذي ينبع منه ماء الحياة وتشرب منه بكأس الحبيب صلى الله عليه ~~وسلم، وتشاهد تنزل الملائكة قوى روحانيتك وروح قوتك الخفية القدسية، كما ~~يقول تعالى: { تنزل الملائكة والروح فيها } [القدر: 4]؛ ~~أي: في تلك الليلة شديدة السواد المهيبة، التي فيها المستكن نور القدر ~~الخفي عن أعين لطائفك المتلهبة بالأباطيل الجبلية على بصائر لطائفك ~~المستخلصة عن الأباطيل. # { بإذن ربهم من كل أمر } [القدر: 4]؛ يعني: هذه القوى ~~التي كانت وسائط من الأمر والمأمور، كما شرحناها في " بدائع الصنائع " ، ~~لا ينزلون إلا بإذن الرب على القلب الصافي عن كدورات الأضاليل، للسليم عن ~~آفات الأباطيل، بخلاف الملائكة التي هي الحفظة؛ لأنهم ينزلون على الصافي ~~والصالح، والباطل والفاسق، والضال والكتبة، ويتعلق بها الموت والحياة ~~والرزق وغيره يسلمون على القلب السليم، السلام ms1750 من الرب الكريم، الرب ~~البر الرحيم؛ لأن تلك الليلة كلها سلام وخير حتى يطلع فجر النفس، كما ~~يقول: { سلام هي حتى مطلع الفجر } [القدر: 5]. # اللهم ارفع قدرنا وذكرنا واشرح قلبنا وصدرنا بحق حبيبك محمد صلى الله ~~عليه وسلم. ### | [98 - سورة البينة] ### || [98.1-4] # أيها التالي سطور كلام الكتاب العالي، وظلمة الليالي لدرك المكارم ~~والمعالي، اعلم أن القوى الكافرة القالبية والمشركة النفسية غير منفكين ~~عن كفرهم وشركهم، حتى جاءتهم بينة الوارد الغيبي هو رسول من الله مالك ~~الملك، ليقول في كتابه الحميد وكلامه المجيد: { لم يكن الذين ~~كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى ~~تأتيهم البينة * رسول من الله يتلوا صحفا ~~مطهرة } [البينة: 1-2]؛ وهي صحف السر والقلب المطهر من الشقاق ~~والنفاق وسوء الأخلاق. # { فيها كتب قيمة } [البينة: 3]؛ يعني: في صحف السر والقلب كتب ~~قيمة غير معوجة لاستقامة السلام عند إقامة المرآة محازاة الوجه، ولو لم ~~يكن السالك مستقيما تكون الكتب معوجة على صحف قلبه، والسرة وإن كانت ~~مطهرة وهذه حالة شهودية لا يطلع على حقيقة هذا البيان إلا أهل المشاهدة. # { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جآءتهم البينة } [البينة: 4]؛ لأنهم كانوا ثابتين على عاداتهم ~~في عبادتهم بحيث صارت العبادة عادة لهم، فإذا جاءتهم البينة الواردة ~~وأمرتهم بترك العبادات العادية، وبالإخلاص في التوجه، وبالصلاة في ~~العبادة وبالزكاة في الطهارة، وتفرقت القوى الكافرة { والمشركين ~~منفكين } [البينة: 1] عن الحق مجتمعين في حظوظهم. ### || [98.5-6] # { ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين حنفآء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ~~وذلك دين القيمة } [البينة: 5]؛ يعني: ما أمرهم الوارد إلا ~~بأن يعبدوا الله مخلصين في مقام التوجه، { حنفآء } [البينة: 5] عند ~~إقامة المرآة في محازاة الوجه، بأن يقيموا الصلاة في مقام العبادة؛ لأن ~~هذه الصلاة مجموعة العبادات فيها القيام والقعود، والركوع والسجود، ~~والتسبيح والتهليل، والتكبير والتحميد، والقراءة والدعاء، والخشوع ~~والتذلل والافتقار، وبأن يؤتوا الزكاة في مقام الطهارة؛ وهي تزكية النفس ~~عن أوساخ الأوصاف الذميمة، وتصقيل القلب عن كدورات الأخلاق الرذيلة، ~~وتطهير السر عن غبار عالم الحدث، وتلك ms1751 الملة الخفية القيمة. # { إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين } ~~[البينة: 6]؛ يعني: القوى القالبية والنفسية، والمؤمنة باللطيفة ~~المستخلصة عن الكدورات المرسلة إليها من حيث التقليد عادة لا عبادة، ~~والكافرة اللطيفة الخفية { إن الذين كفروا من أهل ~~الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيهآ ~~أولئك هم شر البرية } [البينة: 6]؛ لأنهم أشعلوا نيران ~~الحقد والحسد والكبر في جهنم قالبهم بإنكار الوارد الذي يرد على اللطيفة ~~الخفية، وكفرهم بنعمة إرسال اللطيفة الخفية إليهم، وشركهم في عبادة ربهم ~~بأمر أهوائهم. ### || [98.7-8] # { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات } [البينة: 7]؛ ~~يعني: أن القوى التي آمنت باللطيفة الخفية، وعملت الصالحات من الإخلاص في ~~الطاعات وترك العادات في العبادات، ومخالفة الآباء والأمهات بأمر خالق ~~الأرض والسماوات؛ لأنهم اتبعوا خير اللطائف وصاروا # خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران: 110] يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، { جزآؤهم عند ~~ربهم جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار ~~خالدين فيهآ أبدا } [البينة: 8]؛ يعني: يجزيهم الله في دار ~~الجزاء بما كسبوا طارت معدنهم في دار الكسب { جنات عدن } [البينة: ~~8] في قلوبهم، { تجرى } [البينة: 8] من تلك الجنة أنهار المعرفة ~~الخالدة أبد الآباد، آمنة عن الانقطاع والنفاد، { رضى الله ~~عنهم } [البينة: 8] لتركهم تقليد آبائهم ودخولهم في # دين القيمة # [البينة: 5]، وانقيادهم أمر اللطيفة الخفية المعلمة لهم أمر التقويم ~~والتصقيل والتوجه في صورة الصلاة والزكاة ومعنى الإخلاص، { ورضوا ~~عنه } [البينة: 8] بما يحكم عليهم؛ لإيقانهم بأنه رءوف رحيم حكيم ~~عليم، { ذلك لمن خشي ربه } [البينة: 8]؛ يعني: رضاك عن الله ~~من ثمرة الخشية من الله، فإذا خشيت من ربك وتركت ما يسخط به عليك ربك رضي ~~الله عنك، وإذا رضي عنك ربك يجعلك من أهل الرضا وباب الله الأعظم، فإذا ~~وقفت بالباب بالحرمة وراعيت شرائط حسب الأدب، ورضيت في جميع الحالات من ~~رب الأرباب، وقطعت النظر عن الأسباب يدخلك في دار الصفاء، ويجلسك على ~~سرير أصحاب الصمت، ويسقيك من شراب المعرفة الذاتية، ويسكرك عن رؤية وجودك ~~حتى لا تسمع إلا من الله، ولا تكون إلا بالله، ولا تعمل إلا لله، ولا ~~تسافر إلا ms1752 في الله، ولا تنظر إلا إلى الله، ولا [ترى] إلا لله، فحينئذ ~~يكون سكران كل اللسان. # فأما شراب المعرفة الصفاتية فيثمر طول طور اللسان، ويجعل الرجل صاحب ~~البيان منبسط الجنان في الجنان، وهذه مراتب تحصل للسالك في مقام الخشية؛ ~~ولأجل هذا جاء في القرآن: # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر: 28]، وقال الله تعالى: # أوتوا الكتاب # [البقرة: 145] درجات، وقال الله تعالى أيضا: # ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات # [الزخرف: 32]، وقال سيد السادات عليه أفضل الصلاة والسلام وأزكى ~~التحيات: # " أنا أعلمكم بالله وأخشاكم من الله " # ، وكل من كان خشي من الله كان أعلم بالله، وكل من كان أعلم بالله كان ~~أرفع درجة عند الله، وكل من كان أقرب إلى الله كان أكثر خشية إلى الله ~~كما قيل بالفارسية: بيت تزديكا نرابيش بور حيراني كيشان دانندسيات ~~سلطاني. # اللهم اجعلني من أهل الرضاء، وأدخلني في زمرة أهل الصفاء. ### | [99 - سورة الزلزلة] ### || [99.1-8] # يا فزعا من زلزلة القيامة وأحوالها { إذا زلزلت الأرض ~~زلزالها } [الزلزلة: 1] فما ينفعك الفزع في الساعة من أهوالها، ~~واعلم أن الله ذكر القيامة، والطامة، والصاخة، والحاقة، والغاشية، ~~والساعة، والواقعة؛ ليعلمه أن القيامات كثيرة، ولكل قيامة اسم خاص لها، ~~والخلاص من كل قيامة بنوع طاعة مميزة من غيرها، فالواجب عليك عرفان ~~القيامات، ثم عرفان الطاعات المخصوصة بكل قيامة من القيامات، ليمكن لك ~~الاشتغال بها والاستخلاص منها. # واعلم أولا أن القيامة التي يذكرها الله تعالى في هذه السورة؛ هي ~~القيامة القالبية، والطاعة التي تنفع لهذه القيامة الطاعات القالبية ~~المفروضة عليك، كالإقرار باللسان في كلمتي الشهادة، والأذكار اللسانية، ~~والقيام والقعود، والركوع والسجود، والقراءة في الصلاة، وإيتاء الزكاة، ~~والحج، والصوم، والجهاد، والحدود، والكفارات طاعة تتعلق بالشهادة ~~الآفاقية، فإذا أديت حق الطاعات القالبية تخلصت من أهوال القيامة ~~القالبية إن شاء الله تعالى. # واعلم أن أرض قالبك تزلزلت عند نزول سلطان الذكر اللساني عليها وأخرجت ~~ما فيها من الخاصيات، كما يقول: { وأخرجت الأرض أثقالها } ~~[الزلزلة: 2] فالواجب على الخير اليقظان ألا يلتفت إليها ولو التفت من ~~دناءة همته إلى ms1753 تلك الخواص، ويقول: { ما لها } [الزلزلة: 3]، كما قال ~~تعالى في كتابه الكريم: { وقال الإنسان ما لها * يومئذ ~~تحدث أخبارها } [الزلزلة: 3-4] تلك الخواص، { أخبارها } ~~[الزلزلة: 4]؛ أي: ما فيها من الخواص التي يمكن أنها الكتاب الخير والشر ~~وما يحدث تلك الخاصيات بأنفسهن، بل يحدث بوحي الرب، كما قال تعالى: { ~~بأن ربك أوحى لها * يومئذ يصدر الناس ~~أشتاتا } [الزلزلة: 5-6]؛ لأنهم التفتوا إليها وتفتشوا عن حالها، ~~وأوحى الله إليها وأنطقها كما أنطق كل شيء ليحدثن بأخبارها، فتشتت وتفرق ~~الناس في مشاهدة خواصها وأعمالهم الصادرة عنهم من الخير والشر، أنها من ~~أي خاصية صدرت؟! { ليروا أعمالهم * فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره } [الزلزلة: 6-7]؛ أي: يره مصدره، من أي خاصة ~~كان؟ # { ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } [الزلزلة: 8]؛ أي: ~~مصدره، ففي هذه المقام مناقشة عظيمة في الحساب، وهذا القيامة التي ألجمت ~~الناس يعرف الحسرة والندامة والحياء، وليس من المقامات قيامة أشد من هذا، ~~والواجب عليك أن تموت اليوم الموت الاختياري لتشاهد قيامتك التي نبه ~~النبي إليها حيث قال صلى الله عليه وسلم: # " من مات فقد قامت قيامته " # ، لتحاسب نفسك قبل أن تحاسب، وتتخلص من أحوالها اليوم لتكون من الفائزين ~~غدا - إن شاء الله تعالى - وأشرح بتوفيق الله تعالى أن أمهلني الله ~~القيامات للآخرة في موقعها بإذن الله تعالى. ### | [100 - سورة العاديات] ### || [100.1-5] # اعلم يا طالب الهمة العالية أن الله تعالى أقسم بالهمم العالية في كتابه ~~القدير، حيث قال: { والعاديات ضبحا } [العاديات: 1]؛ أي: وحق ~~الهمم العالية التي تعدو في سبيل إلى حد يخرج من جوف اشتياقها صوت الدعاء ~~من شدة العدو أو غاية الاشتياق، بحيث تسمع الملائكة السماوية صيح تضرعها ~~في دعائها والتماسها من مالكها؛ ليسهل عليها سلوك الطريق الوعر الذي ~~يتعلق بحبال القالب. # { فالموريات قدحا } [العاديات: 2]؛ أي: الموريات من حجر الجبال ~~بنور شوقي نار الهداية المستكنة في حجر القالب وقت لتخمير اللطيفة؛ وهي ~~حوافز تلك الهمم وحوافز الذكر، { فالمغيرات صبحا } [العاديات: ~~3]؛ يعني: إذا وصلت الهمة بعد سلوكها في جبال القالب الراسية في ظلام ms1754 ~~الليل القالبي، وعبورها عنها على أفق عالم النفس، وتنفس صبح النفس أغار ~~أصحاب الهمم العالية على الخواطر النفسية واستوائها. # { فأثرن به نقعا } [العاديات: 4]؛ يعني: هيجن غبار خواطر ~~النفس محملة الذكر في الكرة الأولى؛ لئلا يختفي خاطر من خواطرها. # { فوسطن به جمعا } [العاديات: 5]؛ يعني: وسط الهمم العالية ~~وجنود القوى القلبية، وحزب الخواطر الذكرية التي هي حزب الرحمن في وسط ~~عالم النفس، مجتمعين منصورين ذاكرين، [رمح] الذكر فوق سطح النفس، ناجين ~~أعلام الهداية في سوق الهوى، ضاربين طبل النصرة على أبواب حضرة الإمارة، ~~آسرين قوى النفس الأمارة صاحبها بمخالفة المولى، الصافة مواجهة صف القوى ~~القلبية باستظهار جند الهوى. ### || [100.6-9] # { إن الإنسان لربه لكنود } [العاديات: 6]؛ يعني: إن ~~الإنسان لا يرضى بهذا الفتح لأنه كنود، ويدخل مني الإذن بدخوله في عالم ~~القلب، فالواجب على صاحب الهمم العلية أن يشكر الله على نعمة الفتح ~~والنصرة في هذا المقام، ثم يسأل منه التوفيق للدخول في عالم القلم وكنوده ~~من علق همته، وعجلته من غاية اشتياقه، وبهاتين الخصلتين اللتين إن ظهرتا ~~تتبدلا بالهمة، والسرعة المحمودة التي أشار إليها الله تعالى حيث قال في ~~كتابه: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم # [آل عمران: 133]، صار الإنسان أشرف الموجودات، وإن لم يكن هاتان ~~الخصلتان موجودتان في ابن آدم، ويمكن له التجاوز عن مقامه، مثل الملائكة ~~الذين يقولون: # وما منآ إلا له مقام معلوم # [الصافات: 164]، وظلمه وجهله وكفرانه أيضا من الواجبات العالية الهمة ~~في سلوك الطريقة. # كما أن الكنود والعجلة من الموجبات أيضا إذا ظهر صار صفتين حميدتين ~~معينتين لصاحبهما على قطع الطريق والغلبة على العدو، وبعلو الهمة التي هي ~~نتيجة الكنود المطهر من تلويثات الهوى النفسية، وبسرعة السير لغلبة ~~الاشتياق التي هي من خصائص صفة العجلة المزكاة من كدورات القوى القالبية، ~~بحيث يسير في عمره القصير سيرا باستعداد العجلة، ويصل إلى مطلوبه في ~~سيره، وينتهي سيره في مدة يسيرة إلى ما لا يمكن الوصول لمنتهاه إلا ~~بخمسين ألف سنة لغيره، فذلك الجهل؛ لأنه من جهله تثقل الأمانة قلبه ~~وحملها حيث أبت ms1755 الكائنات حملها وقبولها، كما يقول تعالى: # وحملها الإنسان إنه كان ظلوما # [الأحزاب: 72] على نفسه، # جهولا # [الأحزاب: 72] بحقيقة ثقل الأمانة. # ولولا صفة ظلوميته لما حارب بنفسه وما قاتلها، ولما اجتهد في قلع أشجار ~~خواطرها، وما شد عليها مشربها من ينبوع الهوى، ولولا صفة كفرانه لما ~~التفت إلى تربيته طبيعتها له ورحم عليها، وما حملها على ترك مألوفاتها، ~~وقطع النظر عن مشتهياتها، وما أمرها بالمجاهدة في خلع عاداتها ورفض ~~محبوبتها طباعها، ونفض الأيدي من الدنيا ومتاعها، فكفرانه بنعمة تربيته ~~اللطيفة، وبالنفس التي رباني في حجرها من زمان تعلق الروح بالعلة إلى أن ~~بلغ مبلغ الرجال، وعلم أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ~~وطفق ينفي الباطل ويثبت الحق، وسلك الطريق وعرف المظلوم من المحمود على ~~سبيل التحقيق، سير له قهر النفس وهواها وأضعف الطبيعة وأقواها؛ لأنها ~~أرضعته من الصغر إلى الكبر. # { وإنه على ذلك لشهيد } [العاديات: 7]؛ يعني: أن الحق ~~شهيد بما أودعه من الصفات الجديدة في أجبال قالبه ومعدن نفسه ليكون له ~~استعداد المحاربة وقت الجهاد، ثم يحصل له من هذه الجديدة المرآة التي هي ~~المقصودة من إيجاد المكونات. # { وإنه لحب الخير لشديد } [العاديات: 8]؛ يعني: أن ~~الإنسان لحب المعارف لشديد؛ ولأجل هذه يبخل السالك بمعارفه ولو لم تكن ~~صفة البخل فيه يكون إفشاء لأسرار الطريقة في بداية وصوله إلى المعارف ~~القلبية؛ لقلة عمله فإن إفشاء سر الطريقة لا يجوز، وإظهار علاماتها لغير ~~أهلها منهى عنه، وينبغي للسالك في مقام كشف المعارف القلبية ألا يلتفت ~~إليها ويجتهد في السلوك، ويبالغ في نفي المعارف؛ لئلا ينقطع بالمعارف عن ~~المعروف. # { أفلا يعلم } [العاديات: 9] السالك { إذا بعثر ما في ~~القبور } [العاديات: 9]؛ أي: بعثر ما في قبور القلب، وأبين وأخرج ما ~~في معدته مستكن مستودع. ### || [100.10-11] # { وحصل ما في الصدور } [العاديات: 10]؛ أي حصل له في عالم ~~الأنفس قوة التميز، وميز بين معارف خواطر الشر وخواطر الخير، وحصل له قوة ~~النفي والإثبات بعد قوة التميز؛ لينفي خواطر الشر ويثبت خواطر الخير في ~~عالم القلب. # { إن ربهم ms1756 بهم يومئذ لخبير } [العاديات: 11]؛ يعني: ~~إن الله لخبير من يحفظون من الخواطر الردية والحميدة، وهذه إشارة ليتفطن ~~السالك؛ لأن ترك الالتفات إلى المعارف التي حصلت له في عالم النفس بعد ~~خروجه عن قبر القالب ودخوله في روضة القلب واجب، ونفي الخواطر بأسرها ~~خيرها وشرها لازم ليجعل الوجه ساذجا عن النقوش الشهادية؛ ليكون صالحا ~~لحول المعاني الغيبية المعارف القلبية فيها، واليوم أيضا لخبير بجميع ~~أحوالنا ولكنه قيد ب { يومئذ } [العاديات: 11]؛ لأن ذلك اليوم بسبب ~~رفع الحجاب وكشف الغطاء نصير عالمين بخبرته، فاجتهد أيها السالك حتى تعرف ~~خبيرته اليوم لتتمتع بهذه المعرفة، وأن ينزع عنك الآلات والأدوات وتعرف ~~خبيرته بعد كشف الغطاء، لا يزد لك من معرفتك إلا حسرتك الأثرة. # فارفع همتك أيها السالك لتعرف الحجاب اليوم الذي أنت مختار، وتعرف ~~[خبرة] مالك الممالك لتصير همتك مخلدة للقسم، والله تعالى يحب معالي ~~الأمور ويبغض سفاسفها. # اللهم ارزقنا بهمة عالية ونفس راضية مرضية، وصل على محمد صلى الله عليه ~~وسلم وآله وصحبه خير البرية. ### | [101 - سورة القارعة] ### || [101.1-5] # يا قارع رأس نفسك بمقرعة الشقاوة، اعتبر بسورة القارعة حيث يقول الله ~~تعالى: { القارعة } [القارعة: 1] قد جاءت القارعة احذرها، ولا يثقل ~~مقرعتك بالهوى. # { ما القارعة } [القارعة: 2]، هي القيامة الهوائية التي قامت في ~~قالبك، { ومآ أدراك ما القارعة } [القارعة: 3]؛ لأنك غافل ~~عنها مشتغل بما فيه بثقل المقرعة في القارعة. # { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } [القارعة: 4] ~~المتفرق في النيران المشتعلة بريح هواء النفس، { وتكون الجبال ~~كالعهن المنفوش } [القارعة: 5]؛ يعني: جبال قالبك تكون في تلك ~~الريح كالعهن المنقوش. ### || [101.6-11] # { فأما من ثقلت موازينه } [القارعة: 6] في ذلك الموقف ~~بثقيل الأعمال الصالحة التي صدرت من القوى القالبية { فهو في عيشة ~~راضية } [القارعة: 7] بها من التنعم بما تشتهي نفسه، { وأما ~~من خفت موازينه } [القارعة: 8] عن الأعمال الصالحة { ~~فأمه هاوية } [القارعة: 9]؛ يعني هو ولد الهاوية؛ لصدور الأعمال ~~المتولدة من الهوى المدخرة لهذه البلوى، والهاوية ربها في حجر القلب { ~~ومآ أدراك ما هيه } [القارعة: 10] أيها المسكين، أما تفطن ~~إشارة الحق بقوله تعالى: { فأمه ms1757 هاوية } [القارعة: 9] لكي تشتغل ~~بدفع هذه الأم، وتتبع الأب الذي هو يهديك إلى النعيم الأبدي؛ وهو القوة ~~الروحانية النورانية، وأمك هي القوى القالبية الظلمانية، تدسك في شراب ~~الطبيعة وتأمرك بتربية القالب الذي هو في الحقيقة أنتن من الجيفة، والله ~~تعالى أعطاك قشر القالب يسلم لبك فيه، ويأمن من كدورات عالم الحدث، اللب ~~قشر القشر ليكون حجابا بينك وبين الغيب، ليتمتع باللذات الخسيسة ~~الشهادية، ولا ينقص عليك ذكر الغيب عيش عاجلك حتى تقرع القارعة بمقرعتها ~~قشرك، فيرى لبك الباطل المبطل حقوقه باستيفاء القشر عنه حظا ظلمانيا ~~صرفا، فتتحسر على تضييع لبك الحقيقي الباقي معك غير الويل الدائم على ~~نفسك. ### | [102 - سورة التكاثر] ### || [102.1-8] # يا أيها المتكاثر المتفاخر بكثرة القبائل والعشائر، اللاهي بالأموات في ~~المقابر عن الحي الذي يطلع على الصغائر والكبائر، اعلم أن قالبك قبرك ~~المدفون والقوى التي تتشعب من قالبك هي قبائلك وعشائرك القريبة إلى نفسك ~~الأمارة، ونفسك أبدا تتفاخر بتلك القوى، وبها تستمد وتبارز القوى ~~القلبية والروحية، وتشتهي أن تغلب عليها وتباشرها وتستخدمها القوى ~~القالبية، وتسترد فيها القوى النفسية، فإذا انتشرت من غير قالبك وحشرت في ~~الموقف العظيم وشاهدت القوى القلبية والروحية؛ أي: لما يخاصمونك، والحق ~~يأخذ بظلمك الذي ظلمت عليه، ولا مفر ولا مهرب [من] عذبة لا يعذب بها أحد ~~إلا الذي كان عمله مثل عملك؛ ولأجل هذا قال في كتابه تعالى: { ~~ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر * كلا ~~سوف تعلمون } [التكاثر: 1-3] بعد النشر. # { ثم كلا سوف تعلمون } [التكاثر: 4] ما في الموقف { ~~كلا لو تعلمون علم اليقين } [التكاثر: 5] اليوم ما ~~ادخرتم لأنفسكم من العذاب المهين، { لترون الجحيم } [التكاثر: ~~6] التي استقررتموها بظلمكم على القوى القلبية والروحية. # { ثم لترونها عين اليقين } [التكاثر: 7] ما كوشفتم من ~~قبل بعلم اليقين، { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } ~~[التكاثر: 8] القالبي العاجلي الفاني، الذي ألهاكم عن النعيم الآجل ~~الباقي للسالك إذا اشتغل بالسلوك يكشف عليه أحوال الموت والقبر، والنشر ~~والحشر، والموقف والحساب، والصراط والجنة والجحيم بطريق المكاشفة، بحيث ~~يراها علم اليقين، ثم إذا أشرقت أرضها باطنه ms1758 بتولد ربه، يشاهد بعين ~~اليقين جميع ما يكاشف به بطريق اليقين. # وأشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: # " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا " # ، ومن به يطلع اليوم على أحواله يعسر عليه الأمر غدا جدا، ولا تنفعه ~~الحسرة حقا، ولا يزيد إلا عذابا صعدا. # فاجتهدوا أيها الساعين في كشف غطائكم بذكر ربكم، # ولا يغرنكم بالله الغرور # [فاطر: 5]، أما تسمعون ما يقول ربكم تعالى: # ما غرك بربك الكريم # [الانفطار: 6]. # واعلم أن في قالبك أربع قيامات: ترابية ومائية وهوائية ونارية، فاجتهد ~~اليوم في الذكر فربما تشاهد هذه القيامات قبل أن تقوم القيامة الوسطى ~~والكبرى، وتقف في هذه المواقف في القيامة الصغرى وتحاسب نفسك فيها وتتخلص ~~فيها؛ لئلا تعد في القيامة الوسطى ولا الكبرى بعد نزع الآلات والأدوات ~~والاستعدادات والأقاويل عليك، [و] الملاهي بالباطل عن الحق الغافل عن ~~الموت، الشاغل قواك باللهو والهزل، المشتغل بالأموات المشتغل في صدرك ~~سمات حسرة الفوت. # اللهم نبهنا من نومة الغافلين، واجعلنا من المستيقظين. ### | [103 - سورة العصر] ### || [103.1-3] # يا طالب الأوقات المشرقة والساعات المثمرة، إن أشرف ساعة من الساعات هي ~~ساعة فرضت فيها طاعة من الطاعات، وأشرف تلك الساعات الساعة التي صدرت ~~محلا لقسم الله تعالى؛ وهي العصر كما يقول الله تعالى: { والعصر * ~~إن الإنسان لفى خسر } [العصر: 1-2] إن رءوس مال الإنسان عمره، ~~وكل لحظة تمضي عليه [تذهب] برءوس ماله مطلقا. # { إن الإنسان لفى خسر } [العصر: 2]؛ أي: ربحوا في سوق الدنيا ~~باستعداد عمره وحصلوا نعيم الدار الآخرة الباقية، وفائدة خصوصية ساعة ~~العصر ذكرها في ضيعة من " بدائع الصنائع " و " الشرح والبسط " فاطلبه ~~منها. # وأما الحكمة التي بها قال الله تعالى بعد القسم: { إن الإنسان ~~لفى خسر } [العصر: 2]، اسمع بسمع حديد وقلب شهيد أن الله تعالى خلق ~~الإنسان # في أحسن تقويم # [التين: 4] بإدراجه جميع المفردات العلوية والسفلية فيه، فلذلك جمع الله ~~تعالى لأمة محمد خواص جميع الساعات في الصلاة الوسطى؛ وهي صلاة العصر، ~~إذا أدى الإنسان حق الطاعة في تلك الساعة صيرت الفوائد المدرجة في جميع ~~الساعات لها، وأشار ms1759 إلى هذا المعنى حبيب الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله فرض على أمة موسى عليه السلام أن يعملوا يوما ليأخذوا ~~أجورهم، فعملوا من الصبح إلى الظهر وملوا وتركوا العمل والأجر، فعين الله ~~تعالى لأمة عيسى عليه السلام من الظهر إلى العصر، وعملوا وتركوا العمل ~~والأجر، ثم فرض الله تعالى على أمتي بقية اليوم أن يعملوا ويأخذوا أجر ~~اليوم كله فقبلوا وعملوا، وأخذوا الأجر الكثير بالعمل القليل ". # فيقول الله تعالى: { إن الإنسان لفى خسر } [العصر: 2]، مل ~~وترك العمل وحرم نفسه على الأجر الكثير الباقي باشتغاله عدد بملازمته في ~~أيام معدودة فانية، وهذا الحديث رويته بالمعنى، لأن لفظه ما كان بخاطري ~~في الحال. # ثم يقول الله تعالى مستثنيا: { إلا الذين آمنوا } [العصر: 3] ~~بالنبي وهو لطيفتك الخفية، وبما أوحى الله إليها على لسان سرها، { ~~وعملوا الصالحات } [العصر: 3]؛ أي: الأعمال التي أمروا بها في ~~الساعة المخصوصة، { وتواصوا بالحق } [العصر: 3] في طلب الحق ~~وترك الباطل، { وتواصوا بالصبر } [العصر: 3] على ترك الهوى ~~ومشتهيات الأنفس في الأزمان الفانية في دار الدنيا ليدخر لها السعادات ~~الباقية في دار البقاء. # فينبغي أن يعرف أن عصر عالم الأنفس في الأيام الروحانية قائم مقام ليلة ~~القدر في الليالي الجسمانية، والعصر يتعلق بضوء نور الجلال الذي أودعه ~~الله في النهار، ولولاه ما اشتغل الناس في النهار بالكسب، والقدر يتعلق ~~بضوء نور الجمال الذي أودعه في الليل، ولولاه ما اشتغل أحد باستراحة في ~~الليل، وفيه حكمة التدبير مما يتعلق بحد القرآن، ولست مأذنونا بإفشائه. # فاجتهد أن تكون من الموجهين إلى قبلة الأحدية في جميع الأوقات في الأيام ~~الروحانية خاصة إذا غربت شمس الروح إلى مغرب الروحانية؛ لأنك لا تدري بعد ~~غروبها أتطلع من مشرقها أو من مغربها؟ فإذا طلعت من مغربها لا ينفعك طاعة ~~إن غفلت عن التوجه في تلك الساعة، فالسالك يفطن للإشارة التي أشرت إليها ~~ولا ينتفع بتقرير هذه القدسيات إلا السالك، وشرحت ساعة القدر في سورة ~~القدر. # اللهم ارفع قدرنا، واشرح صدرنا، وآمن من المحاق بدرنا. ### | [104 - سورة ms1760 الهمزة] ### || [104.1-9] # أيها [الغافل] قول الخليل الذي يأمرك بطاعة ربك وينهاك عن مخالفته، وعن ~~الاشتغال بالشهوات العاجلة الفانية الصارفة لك عن اللذات الآجلة الباقية، ~~أما تسمع ما يقول الله تعالى: { ويل لكل همزة لمزة } ~~[الهمزة: 1]؛ والهمزة هي القوى النفسية الحسودة المرائية التي تعيبك في ~~غيبك، وإذا وجدت خلا مع الشيطان طففت في معائب القوى القلبية، واللمزة ~~هي القوى النفسية الوقيحة التي تعيبك في وجهك وتقابل خاطرك القلبي ~~بالمكابرة والمجادلة، فاجتهد حتى تشاهد الهمزة واللمزة اللتين هما من قوى ~~نفسك لتشتغل بدفعها، وهما جمعتا الاستعدادات القالبية والقوى الطبيعية ~~وظنا أنهما خالدات معها، وما عرفنا أن تلك الاستعدادات في الحقيقة مثل ~~الحطب لهما عند اشتعال نيران حطمة نفسها بنار الله الموقدة في صدرها ~~المطلعة أفئدتها؛ أي: على حقيقتها، كما يقول تعالى: { الذى جمع ~~مالا وعدده * يحسب أن ماله أخلده * كلا ~~لينبذن في الحطمة * ومآ أدراك ما الحطمة } ~~[الهمزة: 2-5]، الحطمة ما جمع الرجل من الحطام وهي مثل الحطب، { نار ~~الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة * إنها ~~عليهم مؤصدة } [الهمزة: 6-8]؛ أي: تلك النار عليهم مطبقة طبقا ~~فوق طبق { في عمد ممددة } [الهمزة: 9]؛ يعني: لإطباقها أوتاد ~~معلقة على صاحبها، ممددة إلى قعر الدركات القالبية. # فأشفق على نفسك أيها السالك وادفع شر الهمزة واللمزة عن نفسك اليوم، ~~وأطفئ { نار الله الموقدة } [الهمزة: 6] بذكر الله تعالى، ولا ~~تحسب أن { نار الله الموقدة } [الهمزة: 6] مختصة بك لا بل ~~عامة، ولكن من يجمع الحطب الرطب الحظوظي يحرق الحطب ويظلم على صاحب البيت ~~بالدخان الحاصل من رطوبة الحظوظ الهووتية، ومن يجمع العود اليابس القماري ~~يحرق العود ويتنور البيت بنار المحبة، ويملأ دماغ السالك من روائح ~~المعرفة، فالجامع أنت ووقت الجمع يومك، فانظر ما تجمع. # اللهم وفقنا لجمع العود، وهو الطاعة والعبادة، فالمدخرة نار المحبة ~~ورائحة المعرفة. ### | [105 - سورة الفيل] ### || [105.1-5] # أيها السائل الميئوس من رحمة الملك الجليل، القانط من نصرة الولي الخليل ~~عند ظهور القوى القالبية والنفسية بمدد سلطان الطبيعية، وضربها خيامهم ~~خارج التفصيل، { ألم تر كيف فعل ms1761 ربك بأصحاب الفيل ~~} [الفيل: 1]، فلا يقنط من نصرة الحق إياك، ولا تخف من قتل أصحابك، وكثرة ~~أحزانهم، وقل ما قال الشاعر: # تعيرنا أنا قليل عديدنا # فقلت لها: إن الكرام قليل # والله يقول في كتابه: # وقليل من عبادي الشكور # [سبأ: 13]، وقال: قليل في الأولين وقليل في الآخرين، وانتظر حزب الرحمن ~~من جانب سماء صدرك ونزوله لأجل { كيدهم في تضليل } [الفيل: 2]، ~~كما قال تعالى: { ألم يجعل كيدهم في تضليل } [الفيل: 2] ~~بإرسال حزبه من جانب سماء الصدر، وهم طير أبابيل كما قال تعالى: { ~~وأرسل عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من ~~سجيل } [الفيل: 3-4] بحجارة حاصلة من النفي الذي هو مودع في حرف ~~(لا)؛ لأن الله تعالى يكيدهم بما كادوا، فجعل ما كادوا من خاصة طين ~~قالبهم وحجارة معدن طبيعتهم؛ ليخربوا كعبة القلب، فأمر الله تعالى طير ~~الذكر ليجعل { كيدهم في تضليل } [الفيل: 2] برد كيدهم ونفي ~~مكرهم في صورة السجيل؛ وهو الطير والحجارة. # يقول بعض المفسرين فارسية مستعربة؛ يعني: سنك وكل ليمطر على رءوسهم ~~ويهلكهم بكيدهم، كما قال: { ألم يجعل كيدهم في تضليل } ~~[الفيل: 2]، وفي آية أخرى قال: # إنهم يكيدون كيدا * وأكيد كيدا # [الطارق: 15-16]، فكيده معهم أن يدفع لهم بكيدهم ويسلط عليهم كيد الذي ~~كادوا؛ ولأجل هذه السالك الخبير إذا شاهد ترادف الخواطر النفسانية ~~والطبيعية وغلبتها يسر في الباطن بعرفانه نصرة الحق إياه، ورد كيد الكفار ~~النفس الأمارة إلى نحورهم، ويزداد شوقه إلى الذكر القوي الخفي، ويبالغ في ~~النفي على سبيل الحضور لرجاء النصرة من الملك الغفور، والطير طير الذكر ~~الصدري ترمي القوى الطبيعة المستمدة من قوى القالب، والنفس عند حلولها ~~حول حرم الصدر عازما على خراب كعبة القلب بسجيل الخواطر الرذيلة ~~الترابية الهووية المنجمة تحت الأثير. # { فجعلهم كعصف مأكول } [الفيل: 5]، فجعل طير الذكر ~~الصدري مستهبها من قوة ونية جازمة وعزيمة صادقة، تلك القوى { كعصف ~~مأكول } [الفيل: 5]، مثل التين المتفرق الذي تضربه الرياح يمينا ~~وشمالا، ففي هذه الحالة أيها السالك المبتلي لا تيأس # من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا ms1762 ~~القوم الكافرون # [يوسف: 87]، ولذ بأذيال الذكر القوي الخفي الصدري وبالغ في التقى على ~~شرط التعظيم راجيا نصرة الحق لتدفع أصحاب الفيل، والفيل صورة الطبيعة ~~وأصحابه قواها، ولا يمكن دفع القوى الطبيعية المسلطة على الإنسان إلا ~~بنصرة الله الملك المنان الحنان، وبالذكر الذي هو ضرب الرحمن إياه، وما ~~دام الإنسان حيا فهذه القوى أيضا حية موجودة معه، فلا تعتمد عليها ~~بإذعانها لك وتقبلك لها، فإنها كلما وجدت شربها وأخذت منها حظها صارت حية ~~مثل الأفعى فاحذرها حتى تخرج من عالمها وعالم الدنيا؛ ولهذا السر أمر ~~الله تعالى حبيبه المصطفى في كلامه بقوله تعالى: # حتى يأتيك اليقين # [الحجر: 99] واليقين هاهنا الموت الكبير بالاتفاق. # اللهم خلصنا من الطبيعة، وارزقنا المتابعة للسنة المصطفوية في الشريعة. ### | [106 - سورة قريش] ### || [106.1-4] # يا متفرق الخاطر من غلبة الخواطر الذميمة الطبيعية المستمدة من القوى ~~القالبية والنفسية، لا تحزن إن الله معك، فكما ينصرك على أصحاب الفيل ~~سيجمع لك خاطرك ويؤلفك بإلفك وهو خاطر قلبك، { لإيلاف قريش } ~~[قريش: 1] وهو خاطر جزم صدر { إيلافهم } [قريش: 2] فهم بعد تفرقهم ~~في براري النفس وبوادي القلب. # { رحلة الشتآء والصيف } [قريش: 2]، وهي حالة القبض والبسط، ~~{ فليعبدوا رب هذا البيت } [قريش: 3]، وهو الحق الذي ~~كان في ذكر الله يسمونه أهل الطريقة سلطان الذكر؛ لأنه يربي القلب في هذا ~~الطور وأطعم القوى القالبية من جوع يحصل لها في الرياضة والمجاهدة بترك ~~مشتهياتها وصرفها عن الاشتغال بملاذها العاجلة وحظوظها الشهوانية طعام ~~الغيب، وآمن القوى النفسانية الجائعة من الأسر والقتل والعزل بملاطفات ~~لاطفها سلطان الذكر، وإبقاء كل قوى من قواها في مملكة الوجود فأعمالها ~~المشتغلة بها بالحق للحق عاريا عن الباطل، خاليا من الحظ العاجل، ~~طالبا حظ الآجل، فالواجب على العامل في هذا المنزل ألا يأكل ولا يشرب ~~ولا ينام ولا يستريح إلا لبقاء قوة خفية بها يمكن الاشتغال بطاعة الله ~~تعالى لأجل الثواب المدخر في العقبى. # فأما السادة من أصحاب الهمم العالية تركوا كما تركوا أصحاب اليمين ~~الدنيا لأجل العقبى، أما سمعت ما قال سيد الطريقة: الدنيا ms1763 حرام على أهل ~~الآخرة، والآخرة حرام على أهل الدنيا، وهما حرامان على أهل الله، وهذه ~~الإشارة مستنبطة من كلام الله تعالى حيث يقول: # منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة # [آل عمران: 152]، وفي آية أخرى: # يريدون وجهه # [الكهف: 28]، فقد أثبت للمريدين ثلاث إيرادات: إرادة الدنيا، وإرادة ~~الآخرة، وإرادة الوجه الأعلى، فكن عالي الهمة أيها السالك لتصل إلى مالك ~~المماليك. # اللهم اجعلنا مريدين لوجهك من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة. ### | [107 - سورة الماعون] ### || [107.1-7] # أيتها اللطيفة القلبية المصدقة بيوم الجزاء، { أرأيت الذي ~~يكذب بالدين } [الماعون: 1] من قوى نفسك الأمارة بالسوء، { ~~فذلك الذي يدع اليتيم } [الماعون: 2]؛ أي: يدافع خاطر ~~اليتيم، الذي هو من قبيل القلب بأنه في عالم النفس يتيم غريب، { ولا ~~يحض على طعام المسكين } [الماعون: 3]؛ يعني: لا يطعم ~~الخاطر المسكين بشهوة النفس من قبيل السكينة بطعام الذكر. # { فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون ~~} [الماعون: 4-5]؛ يعني: ويل للقوى النفسية المقلدة المؤمنة خوفا من ~~المجاهدة التي [عليها] صاحبها السالك؛ لئلا يقتلها بالمجاهدة ولئلا ~~يأسرها ويغير عليها مالها وأهلها، واستعدادها وهواها يصلوك بالصورة رعيا ~~عن المجاهدة؛ وهم عن حقيقتها ساهون لا يصلون إلا لدفع الضرر عنهم ويجز ~~النفع عن صاحبهم إليهم. # { الذين هم يرآءون * ويمنعون الماعون } [الماعون: ~~6-7]؛ يعني: القوى النفسية يراءون القوى القلبية وجميع الطاعات، { ~~ويمنعون الماعون } [الماعون: 7]، الصدق وملح الإخلاص عن القوى ~~المطيعة المرائية، وبعبارة أخرى يمنعون الزكاة؛ يعني: لا يزكون أنفسهم عن ~~الأخلاق الرذيلة مثل: الرياء والسمعة. # فيا أيها السالك اجتهد في صيدان الدنيا تنتصر على نفسك والهوى، ولا تأمن ~~مكرها، ولا تعط حظهما إلا بالحق؛ لأنهما إذا شربهما الحظوظي عصا حفظهم؛ ~~ولذلك جبلهما ابتلاء للعباد الذين هم مظاهر لطفه وقهره، وخلط في أرضه، # لنبلوهم أيهم أحسن عملا # [الكهف: 7]. # اللهم اجعلنا مخلصين في طاعتك، مؤدين حق عبادتك بمحمد وآله وصحبه وسلم. ### | [108 - سورة الكوثر] ### || [108.1-3] # يا طالب كوثر المعرفة، اعلم أنك ما دمت في تيه القالب وبيداء النفس ~~مترددا متحيرا لا تصل إلى الكوثر المعرفة؛ لأنه ms1764 في روضة القلب ورياض ~~الجنة محفور، فإذا طففت في السلوك، وجاوزت تيه القالب، وخرجت من براري ~~النفس ودخلت في [دار] عروس القلب، وشممت نسيم رياض الوادي الأيمن، ووصلت ~~إلى وادي القدس الذي هو منتهى أطوار القلب في علم الخفي يعطيك بالسبعية ~~الكوثر الذي أعطاه للحبيب بالأصالة، كما قال في كتابه العزيز: { إنآ ~~أعطيناك الكوثر } [الكوثر: 1]، ويسقيك من ذلك الحوض طهور شراب ~~المعرفة في كأس المحبة على ساقي اللطف والكرم، كما قال تعالى: # وسقاهم ربهم شرابا طهورا # [الإنسان: 21]. # فينبغي أن تصل بجميع قوى لطائفك لهذا المقام، كما قال لحبيبه: { فصل ~~لربك وانحر } [الكوثر: 2]؛ أي: فانحر ذات النفس لقربانك إلى ~~عالم الذات، كما أمر حبيبه صلى الله عليه وسلم: { وانحر } [الكوثر: ~~2] ولا تخف مما يلقي إليك الشيطان، ويقول لك: إن كنت تنحر ذات النفس تبقى ~~ابترا، { إن شانئك هو الأبتر } [الكوثر: 3]؛ أي: عدوك أبتر ~~عن الحظوظ، فالمتيقظ هو الذي لا يتكلم في المقام كله من المعارف نظرا ~~إلى أن تبقى منه هذه المعرفة تذكرة؛ لأن الله تعالى يغضب عليه، وأمر بنحر ~~ذات نفسه في هذا المقام لأجل هذا السر، فإن أدى السالك حق هذا المقام ~~بإسبال الأستار على وجه الأسرار، يجري الله سبحانه على قلبه ولسانه أسرار ~~ومعارف من غير شعوره بها على وجه لا ينقض الظاهر، ويبقى اسمه في العالم ~~من أولاد قلبه وأثمار أشجار وجوده الباقي أبد الآباد آمنا عن الفناء ~~والنفاذ. # اللهم أعنا على نحر ذاتنا، ووفقنا لنصلي في كعبة القلب متوجهين إلى قبلة ~~الوجه بجميع قوى لطائفنا كما تحب وترضى ### | [109 - سورة الكافرون] ### || [109.1-6] # يا أيها السالك المبتدئ في مملكة الأعادي بين جنود قوى القالب وأحزاب ~~قوى النفس الأمارة، { قل } [الكافرون: 1] معهم عند هجومهم عليك ليقطعوا ~~عليك { يأيها الكافرون } [الكافر: 1] بنعمة الوجود، والذي ~~أعطاكم الموجد { لا أعبد ما تعبدون } [الكافرون: 2] من أصنام ~~قوى الطبيعة الحيوانية، { ولا أنتم عابدون مآ أعبد } ~~[الكافرون: 3] وأنا أعبد موحدا، { ولا أنآ عابد ما عبدتم ~~} [الكافرون: 4] من آلهة الهوى النفسانية. # { ولا أنتم عابدون مآ ms1765 أعبد } [الكافرون: 5] وهو الحق ~~الخالق الرازق، { لكم دينكم } [الكافرون: 6] في عبادتكم العجل ~~الباطل، { ولي دين } [الكافرون: 6] في عبادتي الملك الحق العادل، ~~وهذا مقام المهادنة لضعف حزب الرحمن؛ وهو القوى القلبية، فإذا أبلغ ~~السالك مبلغ الرجال وتم أمر السلوك، وظهر له أصحاب الإلهامات، وطلع رايات ~~السكينة من أعالي مدينة رسول الخاطر الحق يتسنح حكم هذه المهادنة بالأمر ~~الصادق عن الحضرة الألوهية، # واقتلوهم حيث ثقفتموهم # [البقرة: 191]، أما في برادي القالب، أو في صحاري النفس، أو في حرم ~~الصدر، أو في كعبة القلب، والرياء المحمود، هذا الرياء الذي حمله على ~~المهادنة والتقية في هذا المقام جائزة بل واجبة؛ لأنه تعالى يقول: # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء من دون ~~المؤمنين # [آل عمران: 28] إلى قوله: # والله رؤوف بالعباد # [آل عمران: 30]؛ لأنه مطلع على ضعفهم عند المقاومة مع الأعادي وقوة ~~إيمانه بالله فيرحمه ويتجاوز عنه، ويرأف به بالنظرة له عليهم عن تكميل ~~قواه على وفق الحكمة والسنة الجارية، # ولن تجد لسنة الله تبديلا # [الفتح: 23]، فالسعيد في هذا المقام هو أن يجتهد في إضعاف قوى العدو ~~بترك ما اشتهت نفسه من الأكل والشرب والنوم وما فيه الاستراحة للبدن، ~~ويبالغ في الطاعات المقوية لجند القلب وحزب الرب بالإخلاص التام الذكر ~~القوي الخفي، بشرط النفي والإثبات من أنفع المعالجات لتقوية مزاج القلب ~~وتضعيف القوى النفسانية، وإخراج الأخلاق الردية الهوائية دماغ العقل. # اللهم أجمعنا صحيحين مستقيمين في طاعتك وعبوديتك، وثبتنا في الجهاد مع ~~أعدائك على وفق متابعة حبيبك صلى الله عليه وسلم، وآله وصحبه أجمعين. ### | [110 - سورة النصر] ### || [110.1-3] # يا صاحب الفتح، اعلم أن الله تعالى يقول: { إذا جآء نصر الله ~~والفتح } [النصر: 1] في جهادك ومقاتلتك الأعداء النفسانية ~~والشيطانية، والفتح الذي حصل لك في تخليص حصونهم لمشيده. # { ورأيت الناس } [النصر: 2]؛ أي: القوى النفسانية والشيطانية، { ~~يدخلون في دين الله } [النصر: 2]؛ أي: يدخلون في حكم اللطيفة ~~القلبية، ويدخلون دين الحق، ويكسرون أصنام الخلق ودنان خمر الغفلات، ~~ويخربون بيت الأوثان وحان الشهوات، أو يدبرون عن الباطل ويقبلون على ~~الحق، ويتوجهون إلى كعبة القلب ms1766 ويستقبلون قبلته { أفواجا } [النصر: ~~2]؛ أي: فوجا بعد فوج من القوى الطبيعية والحسية والفكرية والعقلية. # { فسبح بحمد ربك } [النصر: 3]؛ أي: نزه نفسك عن رؤية ~~النصرة والفتح باجتهادك وكفايتك وحلتك ورأيك، وتيقن بأن النصر والفتح كان ~~من توفيق الله تعالى، واحمد ربك على وجدان التوفيق لتنزيه نفسك عن هذه ~~الرؤية وتسبيحك الحق؛ لأنه ما نصرك وما فتح عليك بعلة من العلل الخارجة ~~والداخلة؛ لأنه منزه عن أن يعمل عملا بعلة - تبارك وتعالى - عن مباشرة ~~فعل معلول وعمل مجهول، { واستغفره } [النصر: 3] من خطرات خطرت ~~بقلبك من السرور بالنصر والفرح بالفتح؛ لأنهما من هذا المقام يحجبانك عن ~~النصير الفتاح بالحقيقة. # { إنه كان توابا } [النصر: 3] يقبل توبة العبد ويوفقه ~~بالتوبة؛ لأنه يحب توبة العبد المذنب كما أنه يحب عبادة العبد الصالح؛ ~~لأن العبد المذنب مظهر لصفة غفاريته، والتائب مظهر لصفة توابيته، كما أن ~~العابد مظهر لصفة معبوديته، على سمة الأسماء تجري أمور الناس، والأسماء ~~مصدر الآثار، كما أن الصفات مصدر الأفعال، فاحفظ هذا السر العزيز. # واعلم أن النصرة إشارة إلى غلبة لطيفتك الخفية على جنود الباطل، والفتح ~~إشارة إلى فتح مكة وجودك حرم صدرك وكعبة قلبك وتطهيرها عن جنود النسناس، ~~وأحزاب الخناس، وأصنام الوسواس. # وفي هذه المقام يدخل السالك في زمرة الإنسان بعد خروجه عن مرتبة الناس، ~~ولا يمكن للسالك الخروج عن المرتبة الناسية والدخول في دار الإنسانية إلا ~~بالانخلاع عن لباس البشرية وخلاصه عن تلبيس الشيطانية، ولا تدرك هذه ~~المعاني بالفكر والقياس والحدس الذكي وحده الحواس. # اللهم انصرنا على الأعادي، وافتح علينا أبواب الأيادي، واحفظنا في ~~البوادي عن الخلق العادي، لنشكرك شكر الصادي عن الماء الزلال البارد في ~~الحر الشديد إذا سقى في الكوز الجديد المملوء من الجليد ليكون بثمر ~~المريد يا رب العالمين. ### | [111 - سورة المسد] ### || [111.1-5] # يا أيها الحريص على أطراف كعبة قلبك، اعلم أن أبا لهب نفسك أمر مرآة ~~هواه ليجمع العصاة بين الحطب، ويفرق حول كعبة قلبك المبينة في حرم صدرك ~~ليتخرج في قدم همتك ويمنعك عن الطواف بكعبة قلبك، ms1767 أما تسمع ما يقول أبو ~~لهب نفسك حين ناداه لطيفتك الخفية ليبلغ إليه ما أوحيه للطيفتك تبارك، ~~تبا لك ألهذا وعدتنا وأبى دعوة الحق؟! فكيف أجاب الله له على لسان ~~لطيفتك؟! # { تبت يدآ أبي لهب } [المسد: 1]، أو هلكت قوتا القبض والبسط ~~لنفسك الخبيثة المستعملة لهما في الباطل، { وتب } [المسد: 1]؛ أي: ~~أجاب هذا الدعاء؛ لأن يداه لا تصل إلى اللطيفة الخفية، وهي يجمع لنفسه ~~الحطب ليحترق به بتلهب من سوأة نيران حسده وحقده، وكان أبو لهب؛ أي: صاحب ~~لهب في سعير نفسه وجحيم قالبه، ولا شك أن الألقاب تنزل من السماء. # { مآ أغنى عنه ماله } [المسد: 2] وهو ماله من القوى ~~القالبية، { وما كسب } [المسد: 2] في عالم الناسوت بتلك القوى ~~الذميمة عن اللقب الذي نزل معه من السماء، { سيصلى نارا ذات ~~لهب } [المسد: 3]؛ لأنه جمع الحطب بالقوى القالبية والنفسية، وأشعل ~~نيران الحقد والحسد، وسير نفسه وجحيم قالبه ذات لهب من ريح غروره بنور ~~ناره وعجبه بنفسه، وبكرة على القوى القلبية. # { وامرأته حمالة الحطب } [المسد: 4]؛ أي: هوى المؤدي ~~الذي به يمكن لأبي لهب النفس أن يحمل الحطب من أشجار أم غيلان هلاكه في ~~صحاري الشيطان، { في جيدها } [المسد: 5]؛ أي: في أصل خاطر الهوى، { ~~حبل من مسد } [المسد: 5] وأصل خاطر الكبر، وأبى الشيطان أمر ~~الرحمن كان من استكباره، كما قال تعالى: # أبى واستكبر وكان من الكفرين # [البقرة: 34]، ودعوى الهوى بالألهية أيضا كان من غاية تكبره؛ أي: في ~~عتق كبره الذي به تطاول على اللطائف حبل من ذلة، وهو تمنيها الكاذب الذي ~~يجرها إلى أسفل سافلين دركات الطبيعة، ولأجل هذا يكون دائما منكس الرأس، ~~كما أخبر الله تعالى عن أحوالهم في كتابه حيث قال: # ناكسوا رءوسهم عند ربهم # [السجدة: 12]، فالواجب على الطائف حول الكعبة ألا يلتفت إلى هو نفسه ~~لحظ نفسه؛ ليمكن له الدخول في بيت ربه ومشاهدة وجهه إن شاء الله تعالى. # اللهم خلصني من هوى نفسي، وأدخلني كعبة قلبي، وأقرر عيني بمشاهدة جمال ~~ربي بحق محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه، وعلى ms1768 من اتبع الهدى وترك ~~الهوى في متابعة المصطفى. ### | [112 - سورة الإخلاص] ### || [112.1-4] # يا طالب الوحدانية وسرها في عالم الخفى، { قل } [الإخلاص: 1] بلسانك ~~للطيفتك الخفية في عالم الخفى: { هو الله أحد } [الإخلاص: 1] ~~إشارة إلى الله؛ لأن اللطيفة الخفية في عالمها؛ وهي محجوبة عن غيب الغيوب ~~الذي هو عالم الحق؛ لأن الله { أحد } [الإخلاص: 1] في ذاته، { ~~الصمد } [الإخلاص: 2]؛ أي: الصمد في صفاته ليس لذاته مثل ولا لصفاته ~~شبه، ولا له ضد، ولا له ند. # { لم يلد } [الإخلاص: 3] لأنه صمدي الصفات، { ولم يولد } ~~[الإخلاص: 3]؛ لأنه أحدي الذات، أول كل شيء وآخره، موجد كل شيء ومعدمه، ~~مبقي الحقوق المفردة ومغني الحظوظ المركبة، ومهلك المفردات عند تجلي صفة ~~وتريته. # { ولم يكن له كفوا أحد } [الإخلاص: 4] في ملكه وملكوته، ~~واللطيفة الأنانية المستحقة المرائية يقول: سبحان الله الواحد الأحد، ~~الفرد الوتر الصمد، الذي { لم يلد ولم يولد * ولم يكن ~~له كفوا أحد } [الإخلاص: 3-4] سبحانه ما أعظم شأنه. # وإذا كانت في اللطيفة بقية من القوى الحميدة اللطيفة القالبية أو ~~النفسية يقول: " سبحاني ما أعظم شأني " ، وأنا الحق "؛ فإذا أفاق من غلبة ~~حالتها يقول: # أقتلوني يا ثقاتي # إن في قتلي حياتي # ومماتي في حياتي # وحياتي في مماتي # وهذه منزلة عظيمة مشكلة ينبغي للسالك أن يكون في بدرقة حماية شيخه ووليه ~~وتقليد نبيه صلى الله عليه وسلم؛ ليخلصه من هذه الورطة في عالم [سيره]، ~~ويصله إلى لطيفة الخفية في غيب الغيوب، ويعرض هذا الغلط على لطيفته ~~الخفية عند تجلي اللطيفة الخفية على اللطيفة الأنانية، والنصارى لأجل هذا ~~أثبتوا الأبوة والأمومة والبنونة وقالوا: # ثالث ثلاثة # [المائدة: 73]، وتحزبوا في مذهب الاتحاد أحزابا كثيرة، مثل: اليعاقبة ~~والملكية، والنسطورية، فكلهم قالوا بالاتحاد. # ولكن اليعاقبة يزعمون أن الاتحاد كان بالناسوت واللاهوت من حيث الامتزاج ~~والاختلاف، بحيث صار الله تعالى حصلت عظمته، والبصري المأخوذ من مريم ~~جوهرا واحدا، شخصا واحدا، إلها واحدا، يكفرون الملكية والنسطورية، ~~ويستحلون دمهما. # والملكية يزعمون أن الاتحاد كان بالناسوت لا باللاهوت، اتحاد للجارة ~~بحيث صار الله عز وجل كما يقول الظالمون ms1769 الكافرون الجاهلون والإنسان ~~المولد من مريم، بل هو جوهرين ناسوتي ولاهوتي شخصا واحدا إلها واحدا، ~~ومن لم يعتقدهم يحكمون بكفره واستباحة دمه. # والنسطورية يزعمون أن الاتحاد كان بالشبه والرضاء بحيث صار الله تعالى ~~عما يصفه المشركون الجاحدون علوا كبيرا، والمولود من مريم يسمونه ~~بلغتهم (عمايزيل) ومعناها بالعربي: لنا جوهران أزلي وزمني، وأقنوماني ~~ناسوتي ولاهوتي ابنا واحدا مسيحيا واحدا إلها حقا من إله حق ابن ~~جوهر أبيه، ومن لم يذهب مذهبهم فلا يدخلون القداس، ويقرون بكفرهم وقتلهم ~~وكلهم صدقوا بتكفيرهم وأمرهم بقتلهم، علا الله تعالى وتقدست صفاته ~~بالأقانيم الثلاثة بالاتفاق بعضهم يفسرون الأقانيم الثلاثة؛ أي: الأشخاص ~~بالأب والابن وروح القدس، وبعضهم يقولون: إن ذات البارئ تعالى الله عن ~~ذلك # علوا كبيرا # [الإسراء: 43] الأب والمسيح الابن، والكلمة هي الجابلة المصورة المفصلة ~~للمعاني المبسوطة، التي بها يكون التعقل هي # روح القدس # [النحل: 102]، وبعضهم يزعمون أن الأب هو القدم والابن هو الحكمة، وروح ~~القدس هي الحياة. # وكلهم غلطوا في النقطات الخارجة عن بحر الجبروت وقت المد، وهي النقطة ~~العلمية التي هي منبع عالم الخفاء، والنقطة الإرادية التي هي منبع عالم ~~الروح، والنقطة القدرية التي هي منبع عالم السر، وظنوا بالنقطة العلمية ~~أنها ذات البارئ، وبالنقطة الإرادية أنها ابن البارئ، وبالنقطة القدرية ~~أنها هي الكلمة، وبعبارة بعضهم هي روح القدس، فكفروا بالله تعالى، ~~واشركوا به في عين اعتقادهم بالاتحاد؛ لأن سنة الله تعالى جرت على إثبات ~~الوسائط كما نشاهدها في عالم الشهادة، إن الولد لا يحصل إلا بازدواج ~~الذكر والأنثى، فعلى هذا الترتيب أثبتوا الوسائط في عالم الغيب بالنقطة ~~الفاعلة؛ وهي النقطة القابلة، وهي للنقطة القدرية لظهور نقطة الإرادة وهي ~~النتيجة، فحسبوا أن ليس وراء العبادات قربة، وأثبتوا رقائق الدقائق ~~الملكية وحقوق ثلاثة، وما وفقوا السير إلى عالم الجبروت ليشاهدوا دقائقها ~~المتصلة إلى حقائق اللاهوتي، ويعاينوا بالذوق الصرف استهلاك الحقائق في ~~ذات الحق الأعظم أحدي الذات وأحدي الصفات، الذي هو فرد بين الخلق وتر بعد ~~الخلق، ولا يمكن الوصول إلى هذا المقام إلا بمتابعة المحبوب؛ ms1770 لأنه ~~اللطيفة الخفية وينزل ويقتدي بالمهدي الذي يكون من أمة الحبيب وولد من ~~أولاده؛ ليطلع على اللطيفة الخفية ويستغفر عن رؤية لطفية روح القدس في ~~نفسه، ويدعو أمته إلى الدين الحنفي ليدخلوا في الحنيفية السمحة السهلة، ~~ويكسروا صليبهم، ويهرقوا خمرهم، ويقتلوا خنزيرهم، ويقولوا كلمتي الشهادة ~~ويشهدوا بأن لا إله إلا الله حقا، وأن محمدا رسول الله صدقا. # فاجتهد أيها العابر على اللطائف القالبية، والنفسية والقلبية، والسرية ~~والروحية، والواصل إلى لطيفتك الخفية، ألا تعجب بنفسك ولا تظن بأنك ~~وصلت وكملت بتجلي لطيفة أنانيتك على لطيفة خفيك، وتلوذ بأذيال سنن الحبيب ~~المطلق وتعتصم بحبل الله المتين؛ وهو القرآن المبين الذي أنزل على حبيبه ~~الأمين، حتى تصل جذبة الحق من عالم اللطيفة الحقيقية، ويجذبك من اللطائف ~~كلها ويوصلك إلى اللطيفة الخفية، ويجعلك محرما لأسرار ذاته وحكمته التي ~~كانت له في إيجاده الموجودات وإفناء المركبات وإهلاك المفردات، وإبقاء ~~اللطائف المستكملة أبد الآباد إما متنعما وإما متألما، فسير عيسى عليه ~~السلام كان سير الحبيب من الأنبياء المتقدمة؛ ولأجل هذا قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " الأنبياء أبناء علات إلا أنا وعيسى " # ، وأما سير إبراهيم عليه السلام كان مستقيما إلى أن وصل إلى فاطر ~~السماوات والأرض، وتوجه إليه # ما كان إبراهيم يهوديا # [آل عمران: 67]؛ لأنهم أثبتوا اللطيفة السرية بالنبوة في عالم السر، إذا ~~وجدوها غير حاصلة من امتزاج الروح والقلب، وقالوا: إن عزير ابن الله # ولا نصرانيا # [آل عمران: 67]؛ لأنهم غلطوا في الخفى؛ لأن اللطيفة الخفية أعظم قدرا ~~من اللطيفة السرية، وأعلى مرتبة من اللطيفة الروحية، وأثبتوا الأبوة ~~والأمومة والبنوة كما ذكرنا، # ولكن كان حنيفا مسلما # [آل عمران: 67] بسيره المستقيم إلى عالم القلب، # وما كان من المشركين # [آل عمران: 67] فيما رأى من الآيات الملكوتية المودعة في نفسه في ظلمة ~~ليل القالب بقوله: # هذا ربي # [الأنعام: 76]؛ لأنه وصل إلى فاطر السماوات والأرض في عالم القلب، تبرأ ~~من الأفلاك وتوجه بالكلية إلى فاطر الأرضين والسماوات، وقال في نهاية ~~معراجه: # إني وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض ~~حنيفا ومآ أنا ms1771 من المشركين # [الأنعام: 79]. # وأمر الله تعالى حبيبه المصطفى بأن يبتدي به في بداية معراجه ويزيد عليه ~~بقوله: # قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول ~~المسلمين # [الأنعام: 162-163]، وقال الله تعالى: # إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ~~وهذا النبي # [آل عمران: 68]، ومن على أمته في كل يوم خمس أوقات بالصلاة، التي هي ~~معراج أمته بقوله تعالى: # إني وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض ~~حنيفا ومآ أنا من المشركين # [الأنعام: 79]، # إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول ~~المسلمين # [الأنعام: 162-163]، وذكرت حقيقة الصلاة التي كانت معراجا في مدارج ~~المعارج، فلا أكررها فإن كنت تشتهي مطالعتها فاطلبه وطالعه وأد حقه؛ ~~لتصل إلى حظك المخفي الخفي المودع فيه. # اللهم اجعلنا موحدين قائمين بالقسط غير راغبين إلى الباطل، الثابتين على ~~الحق بمحمد حبيبك المطلق صلى الله عليه وسلم، وصحبه وسلم والتابعين لهم ~~بإحسان إلى اليوم الدين. ### | [113 - سورة الفلق] ### || [113.1-5] # أيها المتعوذ من شر القوى القالبية والنفسية المردية المؤدية المعنوية، ~~{ قل أعوذ برب الفلق } [الفلق: 1] إذا دخلت عالم القلب ~~والنفس المظلمة بظلمات الهوى؛ يعني: استعذ برب الفلق وهو طلوع صبح القلب ~~موافق النفس. # { من شر ما خلق } [الفلق: 2]، من القوى القالبية والنفسية في ~~هذا العالم الظلماني الكثير المهالك، { ومن شر غاسق إذا وقب ~~} [الفلق: 3]؛ أي: من شر الظلماني الذي وقب عند اشتغال قوة من القوى إلى ~~استيفاء شهواتها في عالمها بالهوى. # { ومن شر النفاثات في العقد } [الفلق: 4]؛ أي: من شر ~~الخواطر الطارئة على النفس من نفس الشيطان في عقد عقيدتها المستحكمة ~~بهواها، المستودعة تحت حجر القالب في بئر طبيعتها. # { ومن شر حاسد إذا حسد } [الفلق: 5]؛ أي: من شر قوة حسدية ~~نفسه حسدت على القوة القلبية عند انبعاثها وقت طلوع الفلق، وهذه ~~الاستعاذة واجبة على اللطيفة عند سلوكها ووصولها إلى أفق القلب في عالم ~~النفس، وأيضا واجبة على اللطيفة القلبية السالكية الواصلة إلى أفق السر ~~في عالم القلب، وأيضا ms1772 واجبة على اللطيفة القالبية السائرة الواصلة إلى ~~الروح في عالم السر، وأيضا واجبة على اللطيفة السرية السائرة الواصلة ~~إلى أفق الخفى في الروح، وأيضا واجبة على اللطيفة الخفية بتجلي اللطيفة ~~على لطيفة أنانيتها، فأما استعاذة اللطيفة الخفية المنسوبة إلى محمد صلى ~~الله عليه وسلم يقول في هذا المقام: # " اللهم إني أعوذ بك منك، اللهم أعذني من شري وشر ما يقوم بي، وأخرجني ~~مني، وخذني عني " # ، على متابعة من قال من كمال معرفته، فأما أنا فلا أقول إلا: اللهم صل ~~عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [114 - سورة الناس] ### || [114.1-6] # أيها الهارب من شر أنانية نفسك الطالب أنانية حقك، { قل أعوذ ~~برب الناس } [الناس: 1] في عالم القلب؛ ليحفظك بربوبيته من ذنوب ~~القوى القالبية، { ملك الناس } [الناس: 2] في عالم النفس يسلطك على ~~جنود القوى النفسانية بسلطنة مكية، { إله الناس } [الناس: 3] في ~~عروجك عن سماء صدرك ليخلصك عن آلهة هواك [و] ألوهته { من شر ~~الوسواس } [الناس: 4] الذي بواسطة هذه القوى [يلقي] { الخناس * ~~الذى يوسوس في صدور الناس } [الناس: 4-5] على إلقاء ~~الخواطر في صدورهم { من الجنة والناس } [الناس: 6]؛ أي: من ~~القوى الخبيثة القالبية والنفسية. # واعلم أن الاستعاذة واجبة على جميع اللطائف في عروجهم على سماوات أطوار ~~الغيوب خاصة اللطيفة القالبية والنفسية عند عروجها على سماء الصدر؛ لأن ~~الشياطين يعرجون إلى أن يصلوا إلى سماء الصدر ليسترقوا السمع، أو يشق شق ~~السالك المجذوب المقبول المردود إلى عالم القالب داعيا أمته إلى الحق، ~~أو يوسوس اللطيفة القالبية عند عروجها على سماء الصدور ودخولها عالم ~~القلب؛ لئلا يتمتع بالعروج وسيولها بالأمنية الشهوية، ويعبدها محبة الهوى ~~الردية، فإذا استعاذت اللطيفة بالرب صارت الاستعاذة كالشهاب الثاقب، ~~ويحرق أجنحة الخواطر الشيطانية الصادة لها عن الردود إلى حضرة القابلية، ~~ولا يمكن الشيطان أن يتجاوز عن سماء الصدر ببركة قوة النبوة المحمدية. # فيا أيها المحمدي، اجتهد في طلب اللطيفة الخفية المنسوبة إلى محمد ~~المخصوصة بأحمد لتصل إليها في أفق المقام المحمود، وتتنعم فيها بمشاهدة ~~المعبود، ولا يمكن لك طلب اللطيفة الخفية ما ms1773 دام معك من دنياك شيء، أما ~~سمعت أن عيسى عليه السلام كان نائما متكئا على لبنة، فجاء الشيطان ~~اللعين ووقف على رأسه، فلما أحس عيسى عليه السلام بمجيء اللعين هب من ~~منامه وقال: ما جاء بك أيها اللعين إلي، فقال: أخذت قماشتي فجئت أطلب ~~القماش، فقال عيسى عليه السلام: وما قماشك؟ قال: هذه اللبنة التي وضعتها ~~تحت رأسك، فأخذ روح الله اللبنة ورمى بها وجهه، فإذا كان حاله عليه ~~السلام كذلك فما ظن أحد غيره بحاله مع وجود اشتغاله بماله ومناله وأهله ~~وعياله، إن الشيطان يدعه أن يخرج على سماء الصدر أو يشتغل بالسلوك فلا ~~يغرنك الغرور، ومعك من قماشه شيء يسير وهو الدنيا بأنك تسلك الطريق وتصل ~~إلى عالم الحقيقة، ولو تجردت عن الدنيا بأسرها في مقام التجريد يمكن لك ~~بعد ذلك السلوك، ولكن لا يمكن لك الوصول لطيفتك الخفية ما دام في باطنك ~~شيء من المعاني الباطلة والقالبية والنفسية والقلبية والسرية والروحية ~~والخفية فإذا أفردت نفسك في مقام التفريد يمكن لك بعد ذلك السلوك ولكن لا ~~يمكن لك الوصول إلى لطيفتك الخفية ولكن لا يمكن لك مشاهدة الحق الأعظم ~~ومعك الحقوق الحاصلة من تصفية اللطائف عن الأباطيل حتى صارت حقوقا صرفة، ~~فلما وجدت في مقام التوحيد عن الحقوق فيمكن لك مشاهدة الحق الأعظم ولكن ~~لا يمكن لك الاطلاع على أسرار الذات الواحد كما هو حقها ما دام معك رؤية ~~التوحيد فإذا جردت عن رؤية التوحيد ووجدت في مقام الوحدة متمكنا في مقام ~~العبودية فيطلعك الله الملك المبين على أسرار ذاته المقدسة وصفاته ~~المسبحة وأفعاله المنزهة وآثاره المتقنة المحكمة، ويجعلك محرما ~~لأسراره وخازنا لأنواره ومظهرا لآثاره. # اللهم لا تكلني إلي طرفة عين ولا أقل من ذلك يا رب وصلى الله على سيدنا ~~محمد وآله وصحبه وتابعيهم وتابعي تابعيهم إلى يوم الدين وسلم تسليما ~~كثيرا إلى يوم الدين والحمد الله رب العالمين. ms1774