######OpenITI# #META# bkid: 760 #META# bk: شرح مقامات الحريري #META# Shamela_short_metadata_record: #META# اسم الكتاب: شرح مقامات الحريري #META# المؤلف: أبو عباس أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي (المتوفى: 619 ه) #META# الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت #META# الطبعة: الثانية، 2006 م - 1427 ه #META# عدد الأجزاء: 3 #META# أعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (مؤسسة سليمان الراجحي الخيرية) #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: None #META# auth: أبو العباس الشريشي #META# authinf: الشريشي (557 - 619 ه = 1181 - 1223 م). • أحمد بن عبد المؤمن بن موسى، أبو العباس القيسي الشريشي: من العلماء بالأدب والأخبار. • نسبته إلى شريش (Xeres) بالأندلس، ومولده ووفاته فيها، كان يقرئ بها العربية وعلوم الأدب. [مؤلفاته]. • اختصر (نوادر القالي). • وله كتب وشروح أشهرها (شرح المقامات الحريرية - ط) وهو الكبير في مجلدين. • وله شرحان آخران للمقامات أحدهما وسط وهو اللغوي (خ) والثاني صغير، وهو المختصر. • ورسائل في (العروض). • وشرح (الإيضاح للفارسي). • ومجموع من (قصائد العرب) المشهورة. • و (برنامج) اشتمل على ذكر شيوخه ورواياته عنهم. • و (شرح مقامات البديع الهمذاني - خ) مختصر، في المخطوطة (1212 كتاني)، بالرباط (1). __________. (1) نفح الطيب 1: 382 وتكملة الصلة، القسم الأول 136 وبغية الوعاة 143 وهو فيه (أحمد بن عبد المنعم ابن موسى بن عيسى بن عبد المؤمن) وكذا سماه بروكلمن 1: 277 والصواب ما ذكرناه، قال معاصره الرعيني في (الإيراد - خ): (أحمد بن عبد المؤمن ابن موسى بن عيسى بن عبد المؤمن ... هكذا كتب لي اسمه بخطه). نقلا عن: «الأعلام» للزركلي #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 760 #META# over: 1 #META# seal: 0A5BC4B4 #META# oauth: 2969 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 1 #META# vername: None #META# cat: الأدب والبلاغة #META# lng: أحمد بن عبد المؤمن بن موسى، أبو العباس القيسي الشريشي #META# higrid: 619 #META# ad: 619 #META# aseal: 3B37E364 #META# blnk: None #META# pdfcs: 1 #META# shrtcs: None #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/760 #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم ### | AUTO مقدمة الشارح # قال الشيخ الأستاذ اللغوي النحوي أبو العباس أحمد بن عبد المؤمن بن عيسى ~~بن موسى بن عبد المؤمن القيسي الشريشي، تغمده الله برحمته ورضوانه، وأسكنه ~~فسيح جناته بمنه وكرمه آمين: # الحمد لله الذي اختص هذه الأمة بأفصح الألسنة وأفسح الأذهان، وشرف ~~علماءها بالافتنان في أفانين البلاغة والبيان، وميزنا بين سائر الأمم ~~بالنثر المتفق الفقر والنظم المعتدل الأوزان. # نحمده على أفئدة هداها، وألسنة أطال في شأو البلاغة مداها، ونصلي على سيد ~~المرسلين، وخيرة العالمين، الذي ختمت بنبوته العامة النبوة، ونسخت بشرعته ~~التامة الكتب المتلوة، محمد سيد هذا العالم والمخصوص بعلو المكانة، وعموم ~~الديانة في ولد آدم، وعلى آله وصحبه الذين عزروه ووقروه، وآووه إيواء ~~الموفين بالعهود ونصروه، ونقلوا شرعه الكريم نقل التواتر وآثروه، وسلم ~~تسليما، وآتاهم من لدنه رحمة وأجرا عظيما. # ورضي الله عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، مجدد معالم الديانة، ~~والمليء بأداء الأمانة، والمشهور على تعاقب العصور بالزمان والمكان ~~والمكانة، وعن خلفائه الراشدين المرشدين أئمة الهدى، والتالين له في شرف ~~ذلك المدى، والقائمين بأعباء أمره الموعود أنه يبقي أبدا. # ونسأل الله تعالى لسيدنا الخليفة الإمام أمير المؤمنين ابن الخلفاء ~~الأئمة الراشدين، سعدا يعلى أعلامه. ونصرا يصحب قلمه وحسامه، وتأييدا يظهر ~~أمره وينصر اعتزامه، حتى ينتظم شذان الأمصار في سلك ملكه، وتزدحم وفود ~~الأمم على غمر بره، وتنطوي ضمائر القلوب ومخبآت الغيوب على إخلاص طاعته ~~والانثناء لأمره. # أما بعد؛ فإن العلم أربح المكاسب، وأرجح المناصب، وأرفع المراتب، وأنصح ~~المناقب، وحرفة أهل الهمم من الأمم، ونحلة أهل الشرف من السلف، لم يتقلد ~~سلكه إلا جيد ماجد ولم يتوشح برده إلا عطف جاد في طلب الكمال جاهد ولم ~~يستحق اسمه إلا الواحد الفذ بعد الواحد، وهو وإن تشعبت أفانينه، وتنوعت ~~دواوينه؛ فعلم الأدب PageV01P007 # علمه، والأس الذي يبنى عليه كلمه، والروح الذي يخب في ميدان الطروس قلمه؛ ~~ولذلك كان أولى ما تقترحه القرائح، وأعلى ما تجنح إليه الجوانح؛ فذوو ~~الأخطار في سائر الأقطار يتنافسون في اقتنائه، ويتصافنون ms0001 في عافي إنائه ~~(¬1)، ويرتاحون لأوضاعه وتآليفه، ويستريحون إلى أعبائه المكدودة وتكاليفه، ~~فإنه زمام المنظوم والمنثور، وقوام نطق الألسنة وفكر الصدور، ومنشط المقال ~~من عقال الفهاهة، ومميز الأقدار بالمهابة والنباهة. # ولم يزل في كل عصر من حملته بدر طالع، وزهر غصن يانع، وعلم ترنو إليه ~~أبصار وتومئ إليه أصابع، وصناعة البراعة بينهم تتمكن وتتأصل، وتنويع البديع ~~ينضبط ويتحصل، والآخر يكد ذهنه في تتميم ما غادره الأول؛ إلى أن اعتدلت ~~كفتاه، وامتلأت ضفتاه، وراق مجتلاه ومجتباه، وتناهى في الحسن والإحسان لفظه ~~ومعناه. # وكان آخر البلغاء وخاتمة الأدباء، أولهم بالاستحقاق، وأولاهم بسمة ~~السباق، والفذ الذي قد عقمت عن توأمة فتية العراق، وفارس ميدان البراعة، ~~ومالك زمام القرطاس واليراعة، والملبي عند استدعاء درر الفقر بالسمع ~~والطاعة، أبو محمد القاسم ابن علي الحريري- سقى الله ثراه صوب رحماه، وكافأ ~~إحسانه في الثناء عليه بحسناه- فبسط لسان الإحسان، ومد أفنان الافتنان، ~~ومهد جادة الإجادة، وقوي مادة الإفادة، ولم يبق في البلاغة متعقبا، ولا ~~للريادة مترقبا، لا سيما في المقامات التي ابتدعها، والحكايات التي نوعها ~~وفرعها، والملح التي وشحها بدرر الفقر ورصعها؛ فإنه برز فيها سابقا، وبز ~~البلغاء فائقا، وأتى بالمعنى الدقيق واللفظ الرقيق مطابقا، وخلدها تاجا على ~~هامة الأدب وتقصارا (¬2) في جيد لغة العرب، وروضة تحوم أنفاس الهمم عليها، ~~ولا تصل أيدي المطامع إليها. # ولما كانت من البراعة بهذا المحل الشهير، وسارت مسير النيرين بين مشاهير ~~الجماهير؛ جعلت الاعتناء بها سهم فهمي، والعكوف عليها تحرز عزمي، والدءوب ~~في حفظ لغاتها وفك مخبآتها أهم همي، وصيرت تحفظها فرض عيني، والفكر الذي لا ~~يحول وسني بينه وبيني، فبدأت بروايتها عن الشيوخ والثقات، وتقييد ألفاظها ~~عن أعلام هذه الجهات؛ حتى لا أنقل لفظا إلا عن تحقيق، ولا أثبت ضبطا إلا من طريق. # فكان أول من أخذت عنه روايتها، وتلقيت منه درايتها، ببلدي، الشيخ الفقيه ~~المقرئ أبو بكر بن أزهر الحجري، حدثني بها عن صهره الفقيه المحدث الراوية ~~أبي القاسم بن عبد ربه القيسي المعروف بابن جهور، عن منشئها أبي محمد ~~الحريري. ms0002 PageV01P008 # وحدثني بها أيضا ببلدي الشيخ الفقيه الراوية أبو بكر بن مالك الفهري عن ~~ابن جهور المذكور، وعن الشيخ الفقيه أبي الحجاج الأبدي القضاعي كلاهما عن ~~أبي محمد الحريري. وحدثني بها أيضا إجازة الشيخ الفقيه المحدث أبو محمد عبد ~~الله بن محمد ابن عبد الله الحجري عن القضاعي، وحدثني بها أيضا الكاتب ~~الزاهد أبو الحسن بن جبير عن الشيخ الجليل بركات بن إبراهيم بن طاهر بن ~~بركات القرشي المعروف بالخشوعي عن الحريري. وحدثني بها أيضا الشيخ الفقيه ~~الأستاذ أبو ذر مصعب بن محمد بن مسعود الخشني بسنده، بعد وقوفه رحمه الله ~~على هذا الشرح وأمره لي بتكليمه، وتلقيت بها جماعة من جلة الأشياخ أكثر في ~~العدد ممن ذكرت؛ لا يعدمني واحد منهم إفادة ضبطية أو لفظية، ولا يفقدني ~~زيادة هزلية أو وعظية فأخذتها أخذ متثبت، عن واع منكت. # ثم لم أدع كتابا ألف في شرح ألفاظها وإيضاح أغراضها، وتبيين الإنصاف بين ~~انفصالها واعتراضها إلا وعيته نظرا، وتحققته معتبرا ومختبرا، وترددت في ~~تفهمه وردا وصدرا، وعكفت على استيفائه بسيطا كان مختصرا؛ حتى أتيت على جميع ~~ما انتهى إليه وسعي ممن فسرها، واستوعبت عامة فوائده الممكنة بأسرها؛ ولم ~~أترك في كتاب منها فائدة إلا استخرجتها، ولا فريدة إلا استدرجتها ولا نكتة ~~إلا علقتها، ولا غريبة إلا استلحقتها، ولا غادرت في موضع منها مستحسنا يشذ ~~عن جمعي، ولا مستجادا ينبو عنه بصري أو سمعي. فاجتمع من ذلك حفظا وخطا ~~أعلاق جمة، وفوائد لم تهتم بها قبلي همة، ثم لم أقنع بتبيين الدواوين، ولا ~~اقتصرت على توقيف التصانيف؛ حتى ليقت بها صدور الأمصار، وعلماء هذه ~~الأعصار، فباحثت وناقشت، وتأولت وتداولت، وطالبت المتحفظ بالأداء، والمتيقظ ~~بالإبداء؛ حتى لم أبق في قادحة زندا إلا اقتدحته، ولا مقفلا إلا افتتحته، ~~فتحصل لي من ذلك أيضا عيون صائبة النواظر، وفنون قلما توجد في مخبآت ~~الدفاتر. # وأنا في خلال ذلك ألتمس مزيدا، ولا أسأم بحثا وتقييدا، إلى أن عثرت على ~~شرح الفنجديهي للمقامات- والفنجديهي هو الشيخ الحافظ أبو سعد محمد بن ms0003 عبد ~~الرحمن بن محمد المسعودي، من قرية فنج ديهة من عمل خراسان- فرأيت في شرحه ~~الغاية المطلوبة، والبغية المرغوبة، والضالة التي كانت عني إلى هذا الأوان ~~مطوية محجوبة؛ فاستأنفت النظر ثانيا، وشمرت عن ساعد الجد لا متكاسلا ولا ~~وانيا، وعانيت نور المعنى في نور اللفظ فأصبحت مجتليا جانيا، فاستوعبته ~~أيضا أبلغ استيعاب، وقيدت من فوائد ما لم أجد قبله في كتاب، وأخذت منه ~~أحاديث مسندة أوردها، وآثارا مرفوعة قيدها تليق بالباب الذي أوردت فيه، ~~وتورد مصححة إما لألفاظه وإما لمعانيه، وحذفت أسانيد- وإن كان قد أوردها- ~~تخفيفا عمن يريد المتن ويبتغيه فتم لي بهذا الغرض استيفاء مقاصده، واستيعاب ~~فوائده. وتركته مستلب المعاني، مطروق المغاني، كالروض ركدت PageV01P009 # ريحه، والجسم قبض روحه؛ فانضاف من فوائد هذا التأليف البديع- إلى الفوائد ~~الملتقطة من الألسنة والمأخوذة من التصانيف المستحسنة- روض كله زهر، وسلك ~~كله درر، وأدب إن لم يجمعه التصنيف فهو بعد عين أثر. # فاستخرت الله تعالى في ضم ما انتشر من فوائدها، ونظم ما انتثر من ~~فرائدها، والاعتناء بتأليف في المقامات يغني عن كل شرح تقدم فيها، ولا يحوج ~~إلى سواه في لفظ من ألفاظها ولا معنى من معانيها، فتم من ذلك مجموع جامع ~~وموضوع بارع أودعته من اللغات أصحها وأوضحها، وأسلسها قياد لفظ وأسمحها؛ ~~وأولاها بالصواب في مظان الاختلاف وأرجحها؛ ونسبت المشكل منها إلى قائله من ~~جهابذة العلماء، وجمعت بين مشهور اللغات ومشهور الأسماء، وسبكت العبارة عن ~~المعاني سبكا يدل على الإلغاء والإصغاء. وهذا الفصل وإن سبقني إليه من ~~تقدمني من الشارحين قبلي، فلي فيه مزية إيراد اللفظ البعيد عن الإشكال، ~~والمطابقة بين الأقوال وأرباب الأقوال. # ثم زدت في فوائد هذا التأليف التعريف بالأمصار المذكورة في المقامات على ~~أوفى ما يمكنني؛ من ذكر مواضعها وأقدارها واختطاطها، ومن عقد صلحها، أو ~~تولى فتحها؛ وهذه فوائد لا يخفى مكانها، ولا ينكر استحسانها بالحاجة إلى ~~التعريف بالمكان، تتلو الحاجة إلى غوامض اللسان. # ثم استوعبت شرح الأمثال ونسبتها، جمعا بين القائلين والأقوال، ولم أغفل ~~منها الكثير الدور ولا القليل الاستعمال، وهذا ms0004 الفن لم يتبعه أحد على ~~الكمال، وإن ذكره فإنما يذكره استطرادا بحسب الحال. # ثم استوفيت أيضا ذكر من وقع فيه من الرجال والنساء أتم استيفاء، وعرفت ~~المشتهرين من الأدباء والأبناء، وبنيت أنسابهم وأمكنتهم، وأخبارهم وحرفتهم، ~~وآثارهم ومدتهم، وزيادة في التهمم والاعتناء، وهذا الفن أيضا لم يورده ~~الشارحون حق إيراده؛ ولا اعتمدوه بالتبليغ حق اعتماده، وهو مهم في الإفادة، ~~على مغفلة في الوقت وبعده الإعادة. # ثم زدت فيه فصلين مفيدين لم أر من اعتنى بهما، . ولا من قصد قصدهما. سوى ~~أبي سعيد الفنجديهي في بعض المواضع، فإنه ألمح وألمع، وأورد اليسير فما شفى ~~ولا أقنع: # أحدهما تبيين مأخذ الحريري في الكلام، وإخراج الاحالات المودعة فيه من ~~حيز الإبهام والرد إلى المنشأ في آية أو أثر أو خطبة أو خبر، أو حكمة ~~فائقة، أو لفظة رائقة، أو بيت نادر، أو مثل سائر؛ وهذا تتميم بين، وتكميل متعين. # والفصل الثاني: التنبيه على صناعة البديع، وتوفية أسمائه؛ كالتجنيس ~~والتتميم والترصيع، والإتيان بهذا النوع من التبيين والتنبيه على الجميع، ~~وبسط أنواع الأدب PageV01P010 # وافتنانه، والإكثار من الشعر في مظانه من الجد والهزل في المواضع اللائقة ~~باستحسانه، ومقابلة كل باب بما يزيد في حسنه وبيانه، والجري مع أبي محمد ~~حسب اتساع خطوه وامتداد ميدانه. # ومن تمام التصنيف رد الفرع إلى أصله، والجمع في الترتيب بين الشكل وشكله، ~~فأتبعت المواعظ بما يزيدها أثرا في القلوب، وأردفت المسليات بما يعينها في ~~إجلاء الكروب، وسلكت هذه المسالك في سائر الأساليب وأنواع الضروب؛ فإن وجد ~~هذا الكتاب لفظ ظاهر الهزل أو معنى ينسب فيه إلى العذل؛ من وصف نور وثمر ~~وذكر نديم وخمر أو نعت حسن وحسن أو مدح سماع وأذن، فلأن أبا محمد بدأ بأمر ~~فتمم، وخص نوعا فعمم مع أن صنعة الأدب مبنية على الملح، وخواطر الأدباء ~~جائشة بما سنح، فجاء من هذا الترتيب الغريب، ما يضرب في الإجادة بسهم مصيب، ~~ويثبت لي في الجد والدءوب أوفر نصيب. # ثم رأيت الشارحين لها من أولى البصر كالفنجديهي وابن ظفر قد ms0005 جردوا من ~~شروحهم مختصرات وجيزة.، اقتصروا فيها على إيراد اللغات، فحذوت حذوهم في ~~مختصر أوردتها فيه على الكمال، ووفيتها حقها من رفع الغلط وكشف الإشكال، ~~ولم أخل في تصريفها واشتقاقها بوجه من الوجوه ولا حال من الأحوال فجاء غاية ~~في هذا الباب، مغنيا في اللغات الغريبة عن كل كتاب؛ فإن فاته هذا الأصل ~~بضروب من الإفادات وأنواع من الزيادات، فلذلك الفرع شفوف الاستيعاب في ~~اللغات، ومزية الاشتقاق والتصريف والشاهد من الشعر والآيات. # وكل ذلك بلطف الله تعالى، وبسعد من شرفت كتابي بخدمته، وبنيت تأليفي على ~~أداء شكر نعمته، ونصبت نفسي لأقف ببابه الأعلى، وأتزين بلثم تربته فأنا ~~العبد وهو المولى؛ عماد الأنام، والظل الممدود على المسلمين والإسلام، ~~ونعمة الله التي هي من أفضل النعم الجسام؛ منفق سوق المعارف، ومفجر بحور ~~المنن والعوارف، والمجير بفضله وعدله من المفاقر الفادحة والمخاوف، سيدنا ~~الخليفة الإمام أمير المؤمنين أبو عبد الله ابن إمام الأئمة الراشدين وولي ~~عهده سيدنا الأمير الأجل أبو يعقوب، أيد الله سلطانهم، وأيد بيضتهم وحزبهم، ~~وجمع القلوب على الانقياد لهم، والوجوه على التوجه قبلهم. # وهذا الكتاب وإن كان المعبر عن حسنه، والغاية الملتمسة في فنه، والجامع ~~لما افترق في سواه، والمبرز بما وشحه من الزيادات وحلاه، فإنه لم يتم جماله ~~ولا استوفى احتواءه على الفوائد واشتماله، إلا ببركة مولانا الخليفة، ~~واقترن اسمه الكريم باسم ولي عهده المستحق للتقديم في الصحيفة فالحمد لله ~~على التوفيق لخدمتهم، والمعونة على شكر نعمتهم، والتعرض لخيري الدنيا ~~والآخرة في ظل حرمتهم. # وقد بذلت في الخدمة جهدي، وأبرزت من فوائد هذا التأليف أنفس ما عندي، ولم PageV01P011 # أتعاط قياما بكل الواجب، ولا وفاء بجميع الحق الراتب؛ فالقول يقتصر عن ~~التحصيل، وليس إلى مطاولة الطود ومكاثرة اليم من سبيل. # وقد كنت حين أتممت هذا التأليف، وألقيت عن كاهلي الأعباء التي له ~~والتكليف، وجلوته كالحسناء ألقت في المنصة النصيف، كثرت خطابه إلي من ~~البلدان، وتواردت عليه رغبات الاستحسان، فقلت: حتى يتشرف بلثم اليمين ~~العليا، ويتخصص بقبول إمام الدين والدنيا، فمن ms0006 بابه الأسمى يلتقط دره ~~المنظوم، وببركاته يسطع مسكه العبق المختوم. # وها أنا أشرع ببركة الله وبركة خليفته المبارك الأهدى، وبنجله المتقلد ~~منه صفة وعهدا، في الشرح الخطبة كلمة كلمة، وإيضاحها حتى لا أدع لفظة ~~مبهمة، ثم أشرح المقامات على الولاء، وأسلك الجمع بين الإيجاز والاستيفاء، ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم ~~النبيين وآله وسلم أفضل التسليم. PageV01P012 ### | CHECK مقدمة صاحب المقامات # بسم الله الرحمن الرحيم # الصدر # اللهم إنا نحمدك على ما علمت من البيان، وألهمت من التبيان، كما نحمدك ~~على ما أسبغت من العطاء، وأسبلت من الغطاء. # *** # اللهم إنا نحمدك؛ اللهم اسم خصصته الميم المشددة في آخره بنداء البارئ ~~سبحانه، والتزم معها حذف حرف النداء لوقوع الميم خلفا عنه، ولمحل اللام في ~~أوله، أنه لا يلي حرف النداء لام التعريف إلا في قولهم: «يا الله»؛ لتكون ~~اللام الزائدة نائبة عن حرف أصلي، وهي همزة «إله»، فصارت كالأصلي، وفي غير ~~هذا الاسم تتجرد اللام للزيادة في أول الامس. و «يا» «زائدة» في أوله كذلك، ~~وهما جميعا لتخصيص الاسم وإزالة شياع التنكير عنه، فلما تقاربا في المعنى، ~~وتشابها في الزيادة، وطلب كل واحد منهما أن يلي الاسم دون صاحبه، ترك ~~استعمال الجمع بينهما في أول الاسم إلا في ضرورة الشاعر لإقامة الوزن، وأما ~~اللام في قولهم: «يا الله» فلما كانت نائبة عن حرف أصلي خفيت زيادتها، فلما ~~زادوا الميم في آخره فضحت اللام وشهرت معنى الزيادة، فامتنعت «يا» من أوله ~~إلا عند الضرورة كامتناعها في الرجل والغلام؛ فلما كانت الميم هي الموجبة ~~لمنع «يا» حمل الاسم معها معنى «يا» فصار مختصا بالنداء ممتنعا من غيره. # ونحمدك، معناه نثني عليك بأتم وجوه الثناء كلها، فيدخل تحته الشكر، ~~والشكر ثناء يقابل به معروف، وفي الحديث: «الحمد رأس الشكر فمن لم يحمد ~~الله لم يشكره» (¬1) والحمد ذكر الرجل بما فيه من صفات جليلة، والشكر ذكره ~~بما له من أفعال جزيلة، من قولهم: دابة شكور، إذا ظهر بها منالسمن ms0007 فوق ما ~~تأكل من العلف ويقال: # أشكر من بروقة، وهي شجرة معروفة تخصب بأدنى مطر؛ ويؤكد الفرق بينهما أن ~~الحمد في مقابلة الذم والشكر في مقابلة الكفر فاختلاف نقيضيهما دليل على ~~اختلافهما في أنفسهما. # البيان: وضوح المعنى وظهوره، والتبيان: تفهم المعنى وتبينه، والبيان منك PageV01P013 # لغيرك، والتبيان منك لنفسك، مثل التبيين تقول: بينت الشيء لغيري بيانا ~~وتبينته أنا تبيانا؛ وقد وقع التبيان بمعنى البيان؛ حكى أبو منصور الأزهري ~~رحمه الله: بينت الشيء تبيينا وتبيانا، قال تعالى تبيانا لكل شيء [النحل: ~~89] أي يبين لك فيه كل ما تحتاج إليه أنت وأمتك من أمر الدين، فهو لفظ عام ~~أريد به الخاص، وقد يقع البيان لكثرة الكلام ويعد ذلك من النفاق؛ قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان ~~شعبتان من النفاق» (¬1) أخرجه الترمذي وقال: «العي قلة الكلام والبذاء ~~الفحش، والبيان كثرة الكلام». # ألهمت: نبهت عليه وفهمته. وأسبغت: أتممت وكثرت. وأسبغت: أطلت. # والغطاء: أراد به ستر الله على عبده. # *** # ونعوذ بك من شرة اللسن، وفضول الهذر، كما نعوذ بك من معرة اللكن، وفضوح ~~الحصر، ونستكفي بك الافتتان بإطراء المادح، وإغضاء المسامح، كما نستكفي بك ~~الانتصاب لإزراء القادح، وهتك الفاضح. # *** # نعوذ، أي نستجير، شرة: حدة واللسن: حدة اللسان وإدلاله على الكلام فضول: # زوائد. الهذر: إكثار الكلام بغير فائدة. معرة: شدة وصعوبة، والمعرة: ~~العيب والعار. # وقيل: هي كل ما يؤذيك، وفلان يعر قومه، أي يدخل عليهم مكروها يلطخهم به؛ ~~وأصله من العرة وهي الفعلة القبيحة، أو من العر وهو الجرب. واللكن: احتباس ~~اللسان عند الكلام فضوح شهرة وفضيحة. الحصر العي، وحصر حصرا إذا أعيا ~~واستحيا أو أضاق صدره. واستعاذ من شرة اللسن لأنه من اقتدر على الكلام أداه ~~إلى المطاولة في الجدل وتصوير الباطل في صورة الحق، وفيه إثم على الكلام ~~وأصل الشرة القلق والانتشار، ومنه الشر؛ وقد شر يشر، ومنه شرر النار. ثم ~~استعاذ من ضدها وهي المعرة لأن صاحبها لا يتم لفظه فيشين بذلك نفسه، ويقصر ~~عن مراده من ms0008 البيان، ثم قرن بها الحصر لأن من يعتريه يتوالى عليه الوهل ~~والخجل؛ فلا يستطيع الكلام، فيفتضح ويشتهر عيبه. # وهذا الفن من الكلام يسمى في صنعة البديع المقابلة، وأول من صدر به كتابا ~~عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب البيان فقال اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول ~~كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من التكلف لما لا نحسن، كما نعوذ بك ~~من العجب بما PageV01P014 # نحسن، ونعوذ بك من السلاطة والهذر (¬1)، كما نعوذ بك من العي والحصر؛ ~~وقديما تعوذوا بالله من شرهما، ورغبوا إليه في السلامة منهما؛ وقد قال ~~النمر بن تولب: [الوافر] # أعذني رب من حصر وعي ... ومن نفس أعالجها علاجا # وقال محمد بن علقمة: [الوافر] # لقد وارى المقابر من شريك ... كثير تحلم وقليل عاب # صموتا في المحافل غير عي ... جديرا حين ينطق بالصواب # ثم استرسل في ذكر العي والبيان إلى غاية بعيدة، واستشهد على النوعين ~~بآيتين؛ بقوله تعالى؛ سلقوكم بألسنة حداد [الأحزاب: 19]، وفي الضدبقوله ~~تعالى: أومن ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين [الزخرف: 18]، فاحتذى ~~الحريري هذا الحذو، فجاءت تشبيهاته أطبع وأصنع، وزاد عليه بأن ابتدأ بحمد ~~الله على نعمة البيان، ثم استعاذ مما استعاذ منه الجاحظ، وبيان المقابلة في ~~كلامه أنه قابل شرة بمعرة واللسن باللكن، والهذر بالحصر؛ فإذا تفهمت ~~مواقعها في كلامه قست عليها ما يشبهها في النظم والنثر وسئل قدامة الكاتب ~~عن المقابلة، فقال: هي أن يضع الشاعر ألفاظا يعتمد التوافق بين بعضها وبعض ~~في المخالفة، فيأتي في الموافق بما يوافق، وفي المخالف بما يخالف، وأنشد في ~~ذلك: [الطويل] # فيا عجبا كيف اتفقنا فناصح ... وفي مطوي على الغش غادر # فجعل بإزاء «ناصح»، «وفي»، «غاشا: غادرا». ومثله: [الطويل] # فتى ثم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا # نستكفي: معناه نسألك ونطلب منك أن تكفينا الافتتان؛ وذلك أن تصاب بفتنة ~~الإعجاب، وأصل الفتنة اختبار الفضة بالنار، قال تعالى في الاختبار: وفتناك ~~فتونا [طه: 40] أي اختبرناك، والفتين: الفضة المحرقة، والفتين أيضا: ~~الحجارة المحرقة، ms0009 وهي الحجارة تدلك بها الأقدام في الحمام، والإطراء: ~~الاسترسال في مدح الإنسان بمحضره، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فأنا عبد الله ورسوله». # إغضاء: تجاوز ومسامحة، وأصله أن يبدو لك الشيء فتدني جفنيك وتقصر نظرك ~~كأنك لم تره، والاغضاء: الإغماض وأغضيت عنه وأغمضت، إذا تغافلت عنه. # المسامح: الموافق لغرضك، والمتجاوز عن عيبك، الانتصاب: الظهور والاعتراض ~~أمام PageV01P015 # الشيء، إزراء: تقصير: وتنقيص، القادح: العائب، وقدحت الدود في الأسنان ~~والشجر: # أكلتها فكأن فعل هذا العائب في أعراض الناس فعل الدود في الشجر. والقادح أيضا: # الذي يضرب الزند بالحجر ليورى، وهتك: شق، وهتك الستر: خرقته. الفاضح الذي ~~يشهر عيوبك، وفضحت الشيء: كشفته. # *** # ونستغفرك من سوق الشهوات إلى سوق الشبهات؛ كما نستغفرك من نقل الخطوات ~~إلى خطط الخطيئات. ونستوهب منك توفيقا قائدا إلى الرشد، وقلبا متقلبا مع ~~الحق، ولسانا متحليا بالصدق، ونطقا مؤيدا بالحجة، وإصابة ذائدة عن الزيغ، ~~وعزيمة قاهرة هوى النفس، وبصيرة ندرك بها عرفان القدر # *** # نستغفرك: نسألك المغفرة، وهي من غفرت الشيء سترته. الشبهات: جمع شبهة وهي ~~ما يشتبه عليك أمره، والخطوات: جمع خطوة؛ وهي ما بين القدمين، الخطط: # جمع خطة وهي الطريق يخطه الرجل في الأرض يجعله حدا للشيء يحوزه ويعتمده، ~~والخطة بالضم: المنزلة والمزية. والخطيئات: الذنوب وهي من الخطأ، وجعل ما ~~ساقه في المقامات كأنه شهوة اشتهى عملها، ثم اشتبه عليه: هل في ذلك رضا ~~الله أم سخطه! فكأنه ساق شهوة إلى سوق يجهل التبايع فيها خاسر الصفقة، ~~فلهذا استغفر الله منها: # الهداية رشده الله رشدا وأرشده: هداه. ورشد هو رشدا ورشادا: اهتدى. ~~متحليا: متصفا ومتزينا، مؤيدا: معانا. وأصاب في كلامه إصابة: إذا نطق ~~بالصواب، ورمى فأصاب لم يخطئ؛ وقوله تعالى رخاء حيث أصاب [ص: 36]، أي حيث ~~أراد، قال الفراء: # اختلفت أنا وعيسى النحوي في الآية فقلت: ما أحد أعلم بهذا من رؤبة، قال: ~~فسرنا إليه فلقيناه يتوكأ على اثنين، فقال: أين تصيبان؟ أي أين تريدان؟ ~~فقلت لصاحبي: كفيت السؤال ms0010 ذائدة: دافعة، الزيغ: الميل، وزاغ عن الحق: مال ~~عنه إلى الباطل. العزيمة: # الجد، وعزم على الشيء: جد فيه. قاهرة: غالبة. وهوى النفس: ما تحبه وتميل ~~إليه بصيرة: يقينا والبصيرة للقلب، والبصر للعين. عرفان القدر أي معرفة ~~أقدارنا. # *** # وإن تسعدنا بالهداية إلى الدراية، وتعضدنا بالإعانة على الإبانة، وتعصمنا ~~من الغواية في الرواية، وتصرفنا عن السفاهة في الفكاهة؛ حتى نأمن حصائد ~~الألسنة، ونكفى غوائل الزخرفة؛ فلا نرد مورد مأثمة، ولا نقف موقف مندمة، ~~ولا نرهق بتبعة ولا معتبة، ولا نلجأ إلى معذرة عن بادرة. PageV01P016 # الدراية: مصدر دريت الشيء دراية ودريا، علمته. تعضدنا تقوينا، وعضده: ~~أعانه وكان له عضدا، الإبانة: مصدر أبنت الشيء أي بينته تعصمنا من الغواية، ~~أي تمنعنا من الضلالة والفساد، والغواية: مصدر غوى غيا وغواية وغوى أيضا ~~غواية، وهما ضد رشد رشدا. الرواية: نقل الحديث من صاحبه إلى طالبه، تصرفنا: ~~تزيلنا. السفاهة: الجهل، والفكاهة: المزاح وما تستريح به النفوس وهي في ~~الكلام كالفاكهة في الطعام. حصائد الألسنة: شر كلامها وقطعها في أعراض ~~الناس وأراد ما جاء في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قلت يا رسول ~~الله، إنا لنؤاخذ بما نتكلم؟ فقال: «ثكلتك أمك يا معاذ! هل يكب الناس في ~~النار على رءوسهم إلا حصائد ألسنتهم! » فدعا الله أن يتم سعده بأن يؤمنه ~~عادية الألسنة. والحصائد في الأصل: جمع حصيدة وهي الحزمة من الزرع المحصود ~~فهي فعيلة بمعنى مفعولة والحصيد: الشيء المحصود. # نكفي: نمنع غوائل: قواتل ومهلكات، واحدها غائلة؛ وغالته المنية أهلكته، ~~الزخرفة: تزيين الباطل، وأصلها تزيين الشيء بالزخرف وهو الذهب. نرد: نقصد، ~~مورد مأثمة: موضع إثم، والمورد أصله الموضع يشرب منه الماء مندمة: ندم. ~~نرهق: نتهم ونعاب: والزهق العيب، وتبعة: خطيئة يتبعه ضرها بعد الموت. ~~معتبة؛ سخط، وهي من العتاب، وهو تقبيح القول على جهة الاشفاق، وأصله من ~~عتبت الأديم، أي رددته إلى الدباغ ليصلح، ومنه: إنما يعاتب الأديم ذو ~~البشرة، ويقال عتب علي في كذا عتبا فأعتبته، أي رجعت إلى ما يريد وأرضيته، ~~وباء «تبعة» وتاء ms0011 «معتبة» يكسران ويفتحان. # نلجأ: نحوج. معذرة: اعتذار. بادرة: سقطه وزلة، وقد بدرت الكلمة والفعلة: ~~خرجت من غير أن يدبر موقعها، وفلان تخشى بوادره، أي فلتاته. # *** # اللهم فحقق لنا هذه المنية، وأنلنا هذه البغية، ولا تضحنا عن ظلك السابغ، ~~ولا تجعلنا مضغة للماضغ؛ فقد مددنا إليك يد المسألة، وبخعنا بالاستكانة لك ~~والمسكنة، واستنزلنا كرمك الجم وفضلك الذي عم، بضراعة الطلب، وبضاعة الأمل ~~ثم بالتوسل بمحمد سيد البشر، والشفيع المشفع في المحشر، الذي ختمت به ~~النبيين، وأعليت درجته في عليين. ووصفته في كتابك المبين فقلت وأنت أصدق ~~القائلين: إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ~~[التكوير: 19 - 21]. اللهم صل عليه وعلى آله الهادين، وأصحابه الذين شادوا ~~الدين، واجعلنا لهديه وهديهم متبعين، وانفعنا بمحبته ومحبتهم أجمعين، إنك ~~على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. # *** PageV01P017 # المنية: ما يتمنى، والبغية: ما يطلب، أنلنا: أعطنا تضحنا: تكشفنا ظلك ~~السابغ: # سترك المديد، وأصل الظل الستر والموضع الذي لا تبلغه الشمس وفي الحديث ~~«ضحا ظله»، أي عدم فانكشف موضعه للشمس. مضغة: لقمة، وكل ما يمضغ لقمة، ~~والماضغ هنا العائب الآكل أعراض الناس وجعل العرض حين يعيبه مضغة له، قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «لما عرج بي مررت بأقوام لهم أظفار من نحاس ~~يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبرائيل؟ فقال: «هؤلاء الذين ~~يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم». # المسألة: الحاجة والفقر بخعنا: أقرنا، وبخع له بحقه أقر به وبخع نفسه ~~قتلها غيظا، ومنه: فلعلك باخع نفسك [الكهف: 6] فالمتعدية بالباء غير ~~المتعدية بنفسها، الاستكانة: الخضوع والمسكنة: الفقر والذلة. استنزلنا: ~~طلبنا أن تنزل علينا، والاستنزال السؤال بتلطف، والجم: الكثير، فضلك: ~~إحسانك. عم: شمل ضراعة: ذلة البضاعة: # المال يتجر به. الأمل: الرجاء؛ يقول إن تجارتنا التي نحصل بها منك ~~إحسانك، رجاؤنا توكلنا عليك التوسل: التقرب، البشر: الخلق، وهو في الأصل ~~جمع بشرة، وهي ظاهرة الجلد وسموا بشرا، لظهور أبشارهم خلافا لغيرهم من ~~الحيوان، الشفيع: الطالب لغيره. # والمشفع: الذي أعطي الشفاعة، وقال النبي صلى الله ms0012 عليه وسلم: «خيرت بين ~~الشفاعة وبين أن يدخل شطر أمتي الجنة فاخترت الشفاعة وإنها أعم وأكفى، ~~أترونها للمؤمنين المتقين! لا ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين» (¬1). # المحشر: موضع اجتماع الناس يوم القيامة والمحشر أيضا: الحشر وهو الأشبه ~~باليوم، ختمت: جعلته خاتمهم، أي آخرهم، درجته: منزلته، عليين: أعلى الجنة ~~وكأنه جمع علية، المبين: المبين. رسول كريم، قيل: وهو جبرائيل، وقيل هو ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # مكين: رفيع المنزلة. ثم: معناه هناك، قال الزجاجي: هي إشارة إلى ما كان ~~متراميا من الأماكن، والأشهر أن المراد به في الآية جبرائيل، ولذا رجع ~~الحريري آخرا فأزال الآية من كتابه واستشهد بما اتفق مشاهير المفسرين على ~~أن المراد به نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو قوله تعالى: وما أرسلناك إلا ~~رحمة للعالمين [الأنبياء: 107]، وليس رجوعه عن القول يعيب بل هو حسن، إذ ~~كان الرجوع عن الخطأ إلى الصواب واجبا، إلا أن الثابت عند ابن جهور إنه ~~لقول رسول كريم؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: وهو جبرائيل وهو الرسول ~~لمحمد بالقرآن. ذي قوة؛ لأنه قلع بأحد جناحيه أربع مدائن لقوم لوط؛ وهي ~~سدوم ودامورا وصابورا وعمورا؛ في كل مدينة مائة ألف إنسان سوى ما فيها من ~~الدواب والأنعام، آله، أي أهله وأصله «أأل» فأبدلت الهمزة ألفا، وأكثر ما ~~تضاف إلى الظاهر، وقد سمع إضافتها إلى المضمر في الشعر والكلام الفصيح، ~~خلافا لأبي جعفر النحاس وأبي بكر الزبيدي، فإنهما من إضافتها إلى المضمر، ~~وأكثرهم على أن همزتها مبدلة من PageV01P018 # هاء «أهل» وصوابه أنها أصل في بابها، من آل يؤول إذا رجع لأنهم يرجعون ~~إليه ويرجع إليهم، الهادين: المرشدين إلى الطريق الخير، وقد هديته الطريق ~~إذا أرشدته شادوا: # ترفعوا وبنو. هديه وهديهم: وطريقته وطريقتهم، وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم «الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ~~ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ~~ومن آذى الله يوشك أن يأخذه» (¬1) جدير: # حقيق. # *** # وبعد. فإنه قد جرى ببعض ms0013 أندية الأدب الذي ركدت في هذا العصر ريحه وخبت ~~مصابيحه، ذكر المقامات التي ابتدعها بديع الزمان، وعلامة همذان رحمه الله ~~تعالى. وعزا إلى أبي الفتح الإسكندري نشأتها، وإلى عيسى بن هشام روايتها، ~~وكلاهما مجهول لا يعرف، ونكرة لا تتعرف. # *** # أندية: مجالس واحدها ندي، والندي والنادي والمنتدى: مجلس القوم للحديث، ~~وقيل هو من الندى وهو الكرم، لأنهم يقصدون فيه فيعطون. وقيل: هو من النداء ~~الذي هو الصوت لأنه ينادي فيه بعضهم بعضا ليجتمعوا. وقيل: هو من الندى وهو ~~العرق لأن الداخل فيه يحتشم فيعرق. والأدب: معرفة الأخبار والأشعار، وفلان ~~أديب، إذا كان متفننا مشاركا، ركدت: سكنت، والمقامات: المجالس، واحدها ~~مقامة، والحديث يجتمع له ويجلس لاستماعه يسمى مقامة ومجلسا، لأن المستمعين ~~للمحدث ما بين قائم وجالس، ولأن المحدث يقوم ببعضه تارة ويجلس ببعضه أخرى؛ ~~قال الأعلم: المقامة المجلس يقوم فيه الخطيب يحض على فعل الخير. ### || AUTO [بديع الزمان] # ذكر البديع أبو المنصور الثعالبي في يتيمته، فقال: «بديع الزمان هو أبو ~~الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني، مفخر همذان، ونادرة الفلك وبكر عطارد، ~~وفريد الدهر، وغرة العصر؛ ومن لم يلف نظيره في ذكاء القريحة وسرعة الخاطر ~~وشرف الطبع وصفاء الذهن وقوة النفس، ولم يدرك قرينة في ظرف النثر وملحة ~~وغرر النظم ونكته، ولم يروا أن أحدا بلغ مبلغه من لب الأدب وسره أو جاء ~~بمثل إعجازه وسحره فإنه كان صاحب عجائب وبدائع وغرائب فمنها أنه كان ينشد ~~القصيدة ولم يسمعها قط وهي أكثر من خمسين بيتا، فيحفظها كلها ويوردها إلى ~~آخرها، ولا ينخرم حرف منها وينظر في الأربع PageV01P019 # والخمس الأوراق من كتاب لم يعرفه ولم يره نظرة واحدة خفيفة، ثم يعيدها عن ~~ظهر قلبه هذا ويسردها سردا، وكان يقترح عليه عمل قصيدة أو إنشاء رسالة في ~~معنى غريب وباب بديع، فيفرغ منها في الوقت والساعة والجواب عما فيها وكان ~~ربما يكتب الكتاب المقترح عليه فيبتدئ بآخرسطوره، ثم هلم جرا إلى الأول ~~ويخرجه كأحسن شيء وأملحه، ويوشح القصيدة الفريدة من قبله بالرسالة الشريفة ~~من إنشائه، ms0014 فيقرأ من النظم النثر، ومن النثر النظم. ويعطي القوافي الكثيرة، ~~فيصل بها الأبيات الرشيقة، ويقترح عليه كل عروض من النظم والنثر فيرتجله في ~~أسرع من الطرف، على ريق لا يبلعه، ونفس لا يقطعه؛ وكلامه كله عفو الساعة ~~وفيض اليد ومسارقة القلم ومجاراة الخاطر، وكان مع هذا مقبول الصورة، خفيف ~~الروح، حسن العشرة ناصح الظرف، عظيم الخلق، شريف النفس كريم العهد خالص ~~الود، حلو الصداقة، مر العداوة، فارق همذان سنة ثمانين وثلاثمائة وهو مقتبا ~~الشبيبة، غض الحداثة وقد درس على أبي الحسين بن فارس، وأخذ عنه جميع ما ~~عنده واستنفذ علمه وورد حضرة الصاحب أبي القاسم بن عباد، فتزود من ثمارها ~~وحسن آثارها، وورد نيسابور في سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة فنشر بها بزه، ~~وأظهر طرزه وأملى أربعمائة مقامة نحلها أبا الفتح الإسكندري في الكدية ~~وغيرها وضمنها ما تشتهي الأنفس، من لفظ أنيق قريب المأخذ بعيد المرام وسجع ~~رشيق المطلع والمقطع كسجع الحمام. وجد يروق فيملك القلوب، وهزل يشوق فيسحر ~~العقول ... ثم ألقى عصاه بهراة فعاش فيها عشية راضية وحين بلغ أشده وأربى ~~على أربعين سنة؛ ناداه الله فلباه. وفارق دنياه في سنة ثلاث وتسعين ~~وثلاثمائة؛ فقامت نوادب الأدب وانثلم حد القلم، وبكاه الفضائل مع الأفاضل، ~~ورثاه الأكارم مع المكارم؛ على أنه ما مات من لم يمت ذكره، ولقد خلد من بقي ~~على الأيام نظمه ونثره؛ والله عز وجل يتولاه بعفوه وغفرانه، ويحييه بروحه ~~وريحانه». # وذكر الحصري رحمه الله تعالى في كتاب الزهر أن الذي سبب للبديع رحمه الله ~~تأليف مقاماته، وهو أنه رأى أبا بكر بن الحسين بن دريد قد أغرب بأربعين ~~حديثا، ذكر أنه استنبطها من ينابيع صدره، وانتخبها من معادن فكره على طبع ~~العرب الجاهلية بألفاظ بعيدة حوشية، فعارضه البديع بأربعمائة مقامة لطيفة ~~الأغراض والمقاصد، بديعة المصادر، والموارد، وانتهى كلامه. # والذي جاء بها، فيه قلة الامتاع للسامع من حديثها، وفيها مقامات لا تبلغ ~~عشرة أسطار فجاءت مقامات الحريري أحفل، وأجزل وأكمل؛ فلذلك فضلت البديعية، ~~وقد صرح علماء الأدب في ms0015 كتبهم بتفضيل البديع على نظرائه من أهل زمانه، ~~ولقبه بالبديع يدل على قدره الرفيع، قال: [البسيط] # وقلما أبصرت عيناك من رجل ... إلا ومعناه إن فتشت في لقبه PageV01P020 # وسئل بعض علماء الأدب من أهل عصرنا عن الحريري والبديع، فقال: لم يبلغ ~~الحريري أن يسمى «بديع يوم» فكيف يقارن بديع زمان! # وجرى ذكر مقاماته في مجلس بعض أشياخنا، وكان حافظا أديبا، فقال: مقامات ~~البديع يحكى أنها ارتجال، وأن البديع كان يقول لأصحابه في آخر مجلسه: ~~اقترحوا غرضا نبني عليه مقامة فيقترحون ما شاءوا فيملي عليهم المقامة ~~ارتجالا في الغرض الذي اقترحوه؛ وهذا أقوى دليل إن صح على فضل البديع. قوله ~~علامة: أي كثير العلم، وهي بنية للمبالغة. ### || AUTO [همذان] # وهمذان، بفتح الميم ونقط الذال: بلد بخراسان. وقيل همذان من كور الجبل. # وبلد همذان واسع جليل القدر كثير الأقاليم والكور، افتتح سنة ثلاث ~~وعشرين، ويشرب أهلها من عيون وأودية، وقال اليعقوبي: من أراد السير من ~~الدينور إلى همذان سار متنزها إلى موضع، يقال له: أسدآباذ مرحلتين من ~~أسدآباذ إلى مدينة همذان مرحلتان- وهي كثيرة البرد. وقال فيها ابن خالويه- ~~وهو همذاني، واستوطن حلب عند بني حمدان: # [الطويل] # إذا همذان اعترها البرد وانقضى ... برغمك أيلول وأنت مقيم # فعيناك عمشاء وأنفك سائل ... ووجهك مسود البياض بهيم # بلاد- إذا ما الصيف أقبل جنة ... ولكنها عند الشتاء جحيم # ولبعضهم: [الكامل] # همذان متلفة النفوس ببردها ... والزمهرير، وحرها مأمون # غلب الشتاء مصيفها وخريفها ... فكأنما تموزها كانون # وكل الرواة يروونها «همذان» بفتح الميم ونقط الذال، إلا ابن اللبانة فإني ~~رأيت في شرحه: همدان بسكون الميم ودال غير معجمة، وهي قبيلة يمانية، قال ~~فيها علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه: [الطويل] # ولو كنت بوابا على باب جنة ... لقلت لهمدان ادخلوا بسلام # والرواية الأولى أثبت. قوله: «عزا» أي نسب يقال: عزيته عزيا، وعزوته عزوا: # نسبته؛ واعتزي إلى بني فلان: انتسب إليهم وأبو الفتح في البديعية بمنزلة ~~أبي زيد في الحريرية، وعيسى بمنزلة الحارث نشأتها: صنعتها. وروايتها: إسناد ~~أحاديثها. والنكرة التي لا ms0016 تتعرف، هي في غير الأسماء. # *** PageV01P021 # فأشار من إشارته حكم، وطاعته غنم، إلى أن أنشئ مقامات أتلو فيها تلو ~~البديع وإن لم يدرك الظالع شأو الضليع، فذاكرته بما قيل فيمن ألف بين ~~كلمتين، ونظم بيتا أو بيتين، واستقلت من هذا المقام الذي فيه يحار الفهم، ~~ويفرط الوهم ويسبر غور العقل وتبين قيمة المرء في الفضل، ويضطر صاحبه إلى ~~أن يكون كحاطب ليل أو جالب رجل وخيل، وقلما سلم مكثار، أو أقيل له عثار. # *** # غنم: غنيمة وحكى الفنجديهي في شرحه للمقامات: أن الذي أشار عليه بها هو ~~شرف الدين أنوشروان بن خالد وزير الخليفة، أمره بإنشاء المقامات وحكم عليه بها. # وقيل: أمره به صاحب البصرة وواليها، وقال: سمعت الشيخ الثقة أبا بكر عبد ~~الله بن محمد بن أحمد بن النقور البزار ببغداد يقول؛ سمعت الشيخ الرئيس أبا ~~محمد الحريري يقول: أبو زيد السروجي كان شحاذا بليغا، ومكديا فصيحا، ورد ~~علينا البصرة، فوقف يوما في مسجد بني حرام يتكلم، ويسأل شيئا، وكان بعض ~~الولاة حاضرا، والمسجد غاص بالفضلاء فأعجبهم بفصاحته، وحسن صناعته وملاحته، ~~وذكر أسر الروم ابنته، كما ذكرنا في المقامة الحرامية وهي الثامنة ~~والأربعون، قال: فاجتمع عندي عشية ذلك اليوم جماعة من المعارف فضلاء البصرة ~~وعلمائها، فحكيت لهم ما شاهدت من ذلك السائل وسمعت من لطافة عبارته في ~~تحصيل مراده، وطرافة إشارته في تسهيل إيراده؛ فحكى كل واحد من جلسائي أنه ~~شاهد من هذا السائل في مسجده مثل ما شاهدت، وإنه سمع منه معنى آخر فصلا ~~أحسن مما سمعت، وكان يغير في كل مسجد زيه وشكله، ويظهر في فنون احتياله، ~~فعجبوا من جريانه في ميدانه، وافتنانه في إحسانه؛ قال الحريري؛ فابتدأت في ~~إنشاء المقامة الحرامية تلك الليلة، حاذيا حذوه فلما فرغت منها أقرأتها ~~جماعة من الأعيان، فاستحسنوها غاية الاستحسان، وأنهوا ذلك إلى وزير ~~السلطان، واقترحوا علي أخواتها، والله المستعان. # وهذا الذي ذكر الفنجديهي قد حدثني بنحوه من يوثق به من الطلبة، بسند يتصل ~~بأبي محمد الحريري، وإن الحريري وفد مع أهل البصرة ms0017 بغداد، فوجدوا بواسط أبا ~~زيد السروجي فقال: يا أهل البصرة أنتم تزعمون أنكم لا تكادون ولا تخدعون، ~~وقد والله مشيت على مساجدكم ومحاضركم، فما تعذر علي فيها موضع لم أجلب ~~منافع أهله بضروب من المكر، فلما بلغوا بغداد أخبروا بالقصة وزير السلطان، ~~فأمر الحريري بجمع المقامات. # لكن الذي ثبت عندنا هو ما حدثني به الشيخ الفقيه أبو بكر بن أزهر أن ~~الفقيه الراوية أبا القاسم بن جهور، حدثه أن الحريري حدثه أن قصة المقامة ~~الثامنة والأربعين PageV01P022 # حق، وأن رجلا قام بمسجد بني حرام فأظهر التوبة من ذنبه، وسأل عن الوجه في ~~كفارته فقام رجل من بين الناس، فذكر أسر ابنته، فنظم الحريري القصة وجعلها ~~مقامة، وأنها أول مقامة أثبتت في الكتاب وكان ابن جهور يقول: إن الذي أشار ~~إليه بها في قوله: «فأشار من إشارته حكم» هو المستظهر بالله العباسي، وكان ~~لهذا المستظهر رغبة في الطلب، وحظ من الأديب، وعناية بأهل العلم. # وحدث ابن جهور أنه دخل بغداد في أيامه وبها ألف رجل وخمسمائة رجل حامل ~~علم، وكلهم قد أثبت أسماءهم السلطان في الديوان، وأجرى على كل واحد من ~~المال بقدر حظه من العلم، وكان ابن جهور يحدث أن الحريري ألف المقامات كلها ~~على الركاب، وذلك أن المستظهر بالله لما أمره بصنعتها، أخرج كالحافظ على ~~العمال، فكان يخرج في الأبردين يتمشى في ضفتي دجلة والفرات، ويصقل خاطره ~~بنظر الخضرة والمياه فلمينقض فصل العمل إلا وقد اجتمع له مائتا مقامة فخلص ~~منها خمسين وأتلف البواقي، وصدر الكتاب، ورفعه إلى السلطان فبلغ عنده أسنى ~~المراتب. # قوله: «فذاكرته بما قيل فيمن ألف بين كلمتين ونظم بيتا أو بيتين»، قال ~~عمرو بن العلاء: الإنسان في فسحة من عقله، وفي سلامة من أفواه الناس، ما لم ~~يضع كتابا أو يقل شعرا. # وقال العتابي: من صنع كتابا فقد استشرف للمدح والذم، فإن أحسن فقد استهدف ~~للحسد والغيبة، وإن أساء فقد تعرض للشتم بكل لسان. # غيره: من صنف فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس. وقال ms0018 حسان: [البسيط] # وإنما الشعر عقل المرء يعرضه ... على البرية إن كيسا وإن حمقا (¬1) # وإن أحسن بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا # واستقلت: طلبت الإقالة. المقام: موضع القدمين وأنت قائم. يحار: يتحير: # يفرط: يسبق. الوهم: الغلط. يسبر غور العقل، يختبر قدره ومنتهاه، وأصله في ~~الجراحات يختبر غورها، أي بعد قعرها. والمسبار: الحديدة التي يقاس بها ~~مقدار غور الجراحة وسبرها: قاسها به، يفعل ذلك الدبيب للقصاص أو للدواء. ~~ويقال لحديدته: # السبار والمسبار والمسبر والمكحل والميل والمرود والمجراف. # تبين: تتبين، يضطر: يلجأ. حاطب ليل: جامع الحطب بالظلام، وهذا مثل لأكثم ~~ابن صيفي حكيم العرب، ذكره أبو عبيد في الأمثال وقال: إنما شبهه بخاطب ~~الليل لأنه ربما نهشته الحية أو لسعته العقرب في احتطابه ليلا، فكذلك ~~المهذار ربما أصابه في إكثاره بعض ما يكره، وقال الفرزدق: [الطويل] PageV01P023 # كمحتطب ليلا أساود هضبة ... أتاه بها في ظلمة الليل حاطبه (¬1) # وأبين من تفسيره أن حاطب الليل لا يبصر ما يحتطب، فهو يؤلف بين الحطب ~~الكبير والصغير والقوي والضعيف والجيد والرديء، فكذلك المكثار يأتي بالضعيف ~~من الكلام والقوي والجيد والرديء، فشبهه لذلك بالحاطب وأراد ب «جالب رجل ~~وخيل» ما أراد بحاطب الليل، لأن الراجل ضعيف والفارس قوي، والمكثار: الكثير ~~الكلام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر ~~سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه، كانت النار أولى به، ألا ومن كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت» (¬2). # أقيل: أقيم ورفع. عثار: انكباب وسقوط وإقامة العاثر أن ترفعه من سقطته ~~ومنه الإقالة في البيع ونحوه. # *** # فلما لم يسعف بالإقالة، ولا أعفى من المقالة لبيت دعوته تلبية المطيع، ~~وبذلت في مطاوعته جهد المستطيع وأنشأت- على ما أعانيه من قريحة جامدة، ~~وفطنة خامدة وروية ناضبة وهموم ناصبة- خمسين مقامة تحتوي على جد القول ~~وهزله ورقيق اللفظ وجزله وغرر البيان ودرره وملح الأدب ونوادره، إلى ما ~~وشحتها به من الآيات ومحاسن الكنايات ورصعته فيها من الأمثال العربية، ~~واللطائف الأدبية والأحاجي النحوية والفتاوى اللغوية والرسائل المبتكرة ms0019 ~~والخطب المحبرة والمواعظ المبكية والأضاحيك الملهية مما أمليت جميعه على ~~لسان أبي زيد السروجي، وأسندت روايته إلى الحارث بن همام البصري. # والاسعاف المصدر، وساعفته مساعفة: قضيت إرادته ولا أعفى من المقالة، أي ~~لم يعفني من كلامه وإلحاحه، وأعفيت: الرجل وعافيته: أزلت عنه ما يشق عليه ~~وأصله الترك، ومنه إعفاء اللحية، وهو أن يتركها على حالها، ومنه: عفا الله ~~عنك لبيت: أجبت وقلت: لبيك. أنشأت: ابتدأت وأخذت أفعل، أعانيه: أعالجه ~~وأصلها من العناء وهو التعب قريحة: ذهن وأصلها ماء البئر النابع عند حفرها، ~~ومنه القرحة للجراحة، لأن أصلها مادة وشبه الذهن بذلك لما يتولد عنه من ~~المعاني فطنة: ذكاء والفطن: الذكي خامدة ساكنة وخمدت النار: سكن لهبها روية ~~تدبر وروأت الأمر تدبرت كيف تصنعه. PageV01P024 # وأصل الروية الهمز واستعملت بغير همز. ناضبة: جافة، ونضب الماء: غار في الأرض. # ناصبة: متعبة، وهم على معنى النسب أي ذو نصب ولو جاء على القياس لقيل: ~~منصب، لأن فعله أنصبه الهم وقال بشر: [الطويل] # تعناك هم من أميمة منصب ... وجاء من الأخبار ما لا يكذب (¬1) # ونصب نصبا: أعيا من التعب. جزلة: غليظة ومتينة. وغرر: جمع غرة وهي خيار ~~الشيء ومنه غرة الفرس وهو البياض في جبهته فجعلها للبيان مجازا. درره جمع ~~درة، وهي الجوهرة العظيمة، والكلام الحسن يشبه بالدرر والجواهر، ملح: جمع ~~ملحة، وهي مليح الكلام. نوادره: غرائبه وشحتها: زينتها، الكنايات: ضرب من ~~الألغاز، وأصل الكناية أن تذكر الشيء بغير لفظه، إما لإبهام على جليسك أو ~~لتعظيم أو لتحقير، فالإبهام أن تذكر لفظا يفهم من ظاهره غير مرادك مثل قوله ~~تعالى حاكيا عن هود عليه السلام، حين قال له قومه: إنا لنراك في سفاهة ... ~~قال يا قوم ليس بي سفاهة [الأعراف: # 66، 67] فليس في اللفظ زيادة على ما في السفاهة، وقد تضمن الكلام التكذيب ~~لهم والتعظيم، مثل كناية الرجل بأبي فلان، ترك اسمه وعدل إلى كنايته تعظيما ~~له. والتحقير: # أن يكون الشيء خسيسا فتأنف من ذكره فتذكره بغير اسمه، . مثل قوله تعالى: ~~كانا يأكلان الطعام [المائدة: 75] فكنى ms0020 عن الحدث بالأكل لما كان يتولد عنه، رصعته: # نظمته، وألصقت بعضه ببعض، وتاج مرصع: مزين بخرز وجوهر ينتظم فيه. ~~اللطائف: # الرقائق والكلمة اللطيفة، أي الرقيقة المعنى التي تحل في القلب فتلطفه، ~~الأحاجي: # ضرب من الألغاز واحدها أحجية، وهي قولك لصاحبك: أخرج: ما في يدي ولك كذا ~~تقول العرب: أحاجيك ما في يدي؟ وحجياك ما في يدي؟ وهي من الحجى وهو العقل. # الفتاوى اللغوية، أراد بها المسائل المائة التي في الثانية والثلاثين ~~والفتيا: إظهار الشيء المسئول عنه عند السؤال. المبتكرة: التي لم يسبق ~~إليها، وبكر وابتكر خرج بكرة ومنه الباكور وهو المبكر من كل شيء في ~~الإدراك، وبكر كل شيء: أوله. والمحبرة: المزينة، وحبرت الشيء تحبيرا زينته، ~~وأصلها من الحبر وهي ثياب تصنع باليمن فيها رقوم وتزيين أمليت: ألقيت، ~~وأمليت على الصبي: ألقيت عليه ما يكتب. أسندت: رفعت. # *** PageV01P025 # وما قصدت بالإحماض فيه إلا تنشيط قارئيه، وتكثير سواد طالبيه. ولم أودعه ~~من الأشعار الأجنبية إلا بيتين فذين أسست عليهما بنية المقامة الحلوانية ~~وآخرين توأمين ضمنتهما المقامة الكرجية وما عدا ذلك فخاطري أبو عذره ومقتضب ~~حلوه ومره هذا مع اعترافي بأن البديع رحمه الله سباق غايات وصاحب آيات، وأن ~~المتصدي بعده لإنشاء مقامة؛ ولو أوتي بلاغة قدامة، لا يغترف إلا من فضالته، ~~ولا يسري ذلك المسرى إلا بدلالته. # *** # الإحماض: الانتقال من الشيء إلى شيء، وأصله في الإبل ترعى الخلة وهي حلوة ~~المرعى فتمله فتنتقل إلى الحمض تأكل منه فيذهب الحمض عن قلوبها استيلاء ~~الحلاوة فتنشط بذلك على الرعي فيقال: أحمض الرجل إحماضا، والعرب تقول: ~~الخلة خبز الإبل والحمض فاكهتها فأراد به تنقله في المقامات، من حكاية ~~فائقة إلى قضية رائقة، ومن موعظة تبكي إلى ملهية تسلي، وفي ذلك تنشيط ~~وترغيب في قراءتها، ونفي للملل والكسل عن قارئها، سواد: أشخاص، ويسمى الشخص ~~سوادا، لأنه يسود الأرض بظله. # أودعه: أضمنه، الأجنبية: التي ليست من شعره، والأجنبي: من ليس بينك وبينه ~~قرابة من الجنابة وهي البعد فذين: منفردين هذا من شعر وهذا من آخر، ~~وتوأمين: أخوين ms0021 من شعر واحد. أسست: أصلت، والأساس أصل الحائط. الحلوانية ~~والكرجية: منسوبتان إلى حلوان والكرج، وهما بلدان، ما عدا: ما جاوز. خاطري: ~~ذهني. أبو عذره، أي أول صانع له، يقال للمرأة: فلان أبو عذرها، أي أول زوج ~~تزوجها فوجدها عذراء فافتضها وأزال عذرتها، أي ما بها من صعوبة، مقتضب. ~~مقتطع. حلوه ومره: جيده ورديئه. # غايات: جمع غاية وهي طلق (¬1) الخيل والسباق منها الذي يجيء أبدا سابقا ~~المتصدي: المتعرض. بلاغة: فصاحة، وأصلها أن يبلغ الإنسان من الكلام والحجة ~~ما أراد. ### || AUTO [قدامة بن جعفر] # قدامة. وهو أبو الوليد بن جعفر، كان بليغا مجيدا عالما بأسرار صنعة ~~الكتاب ولوازمها، وله كتاب يعرف بسر البلاغة في الكتابة، وترجمته تدل على ~~متضمنه، وله تحقيق في صنع البديع يتميز به عن نظرائه، وتدقيق في كلام العرب ~~يربي فيه على أكفائه، وتحذيق في علوم التعليم أضرم فيها شعلة ذكائه؛ فلذلك ~~سار المثل ببلاغته، واتفق PageV01P026 # المتقدم والمتأخر على فضل براعته. الفضالة: البقية من الماء وغيره، وهي ~~ما فضل عن الحاجة. واغترفها: أخذها بيده يسري بذلك المسرى: يقصد ذلك ~~المقصد، وأصل يسري، يسير بالليل، دلالته: تقدمه وهدايته، وتفتح دالها ~~وتكسر، والفتح أكثر. والدليل بالفلاة: الذي يهدي القوم قصدهم. # *** # ولله در القائل: [الطويل] # فلو قبل مبكاها بكيت صبابة ... بسعدى شفيت النفس قبل التندم # ولكن بكت قلبي فهيج لي البكا ... بكاها، فقلت: الفضل للمتقدم # مبكاها: بكاءها، صبابة: شوقا هيج: حرك والبيتان لعدي بن الرقاع، وقبلها: # [الطويل] # ومما شجاني أنني كنت نائما ... أعلل من فرط الكرى بالتنسم # إلى أن دعت ورقاء في غصن أيكة ... تردد مبكاها بحسن الترنم # فلو قبل مبكاها ... ### || AUTO [عدي بن الرقاع] # وعدي هو أبو زيد بن مالك، ينتمي إلى معاوية بن الحارث، وينسب إلى الرقاع ~~وهو جد جده. وكان شاعرا مقدما عند بني أمية، مداحا لهم، خاصا بالوليد بن ~~عبد الملك، ومنزله بدمشق، وهو من حاضرة الشعراء لا من باديتهم، وكان من ~~أوصف الناس للمطية، وكذا ذكره صاحب الأغاني في ترجمته وقال نوح بن جرير ~~لأبيه: من أنسب ms0022 الناس؟ قال: ابن الرقاع في قوله: [الكامل] # لولا الحيا وأن رأسي قد عسا ... فيه المشيب لزرت أم القاسم (¬1) # وكأنها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم # وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينة سنة وليس بنائم # *** # أقر الحريري هنا للبديع بالفضل، وجعله سباقا للغايات، وما أحسن هذا الأدب ~~منه، مع علمه بفضل مقاماته على مقامات البديع، ومن أدل دليل على ذلك أنه ~~منذ ظهرت مقامات الحريري لم تستعمل مقامات البديع، ثم إنه طبق استعمالها ~~آفاق الأرض، PageV01P027 # إلا أنه أسر هنا شيئا، لأنه ختم كلامه، بأن البديع فضله بالتقدم؛ وهذا ~~منه مذهب مستحسن، ألا تراه كيف بدأ بتجريد الفضل للبديع وحده، ثم لم ير ~~لنفسه قدرا في قوله: # «وإن لم يدرك الظالع شأو الضليع»؛ فجعل نفسه كالفرس الأعرج الذي جريه إذا ~~أجتهد دون مشي الصحيح، وجعل البديع كالفرس العتيق الكامل القوة ثم لما بلغ ~~إلى هذا الموضع بعد أسطار صرح في الظاهر للسامع بأن البديع سباق غايات، ~~وصاحب آيات، وأومى لمن فطن أنه إنما فضله بتقدم الزمان. ثم خلط الكلام في ~~الخلفاء بين المتقدمين والمتأخرين، ثم تناسى ذلك إلى آخر الكتاب في السابعة ~~والأربعين، وصرح هناك بتفضيل المتأخر على المتقدم وتفضيله نفسه على البديع، ~~حيث يقول: [الرجز] # إن يكن الإسكندري قبلي ... فالطل قد يبدو أمام الوبل # * والفضل للوابل لا للطل* # ولو كان غيره من العلماء المنسوبين إلى سوء الأدب، ورأى فضل مقاماته، لذم ~~البديع ونقص كتابه فكان ينعكس الذم عليه: وكذا رأينا في الغالب من ادعى ~~لنفسه فضلا، وازدرى غيره، أنه قلما يكون إلا ممقوتا، فلما أظهر الحريري مدح ~~البديع ووفاه قسطه من التفضيل والترفيع، ولم ينظر إلى نفسه إلا بطرف خفي قل ~~من يتفطن له، ستر الله عليه ورفع صيته، ووضع لكتابه القبول عند الخاصة ~~والعامة. [الطويل] # فشرق حتى لم يجد ذكر مشرق ... وغرب حتى لم يجد ذكر مغرب # فلا يذم كتابه إلا أحد الرجلين فذين ذكرهما؛ إما جاهل، أو حاسد. # *** # ومذهب الناس في تفضيل الحديث على القديم؛ وأكثرهم على ms0023 تفضيل القديم، وقد ~~أحسن حبيب حيث يقول: [الكامل] # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول # كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل # وقال: [الكامل] # لا زلت من شكري في حلة ... لابسها ذو سلب فاخر # يقول من تقرع أسماعه: ... ما ترك الأول للآخر # وذكر ابن شرف علة ذلك فقال: [الكامل] # أولع الناس بامتداح القديم ... وبذم الحديث غير الذميم # ليس إلا لأنهم حسدوا الحي ... ومالوا إلى العظام الرميم PageV01P028 # وللمتأخرين شعر كثير في تفضيلهم أنفسهم على المتقدمين؛ من أحسنه قول ~~المعري: [الخفيف] # وإني وإن كنت الأخير زمانه ... لات بما لم تستطعه الأوائل # وقال ابن عمار: [الطويل] # أنا ابن عمار لا أخفى على أحد ... إلا على جاهل بالشمس والقمر # إن كان أخرني دهري فلا عجب ... فوائد الكتب يستلحقن في الطرر # والذي ذكر أبو العباس في الكامل هو الحق، قال: وليس لقدم العهد يفضل ~~القائل، ولا لحداثة العهد يهضم المصيب، ولكن يعطى كل ما يستحق ### || AUTO [الحمام] # وأما بيت عدي في الحمام فالحمام قد ذكر العرب لها في أشعارها، ونلم هنا ~~بفصل منها؛ يروى عن علي رضي الله عنه أنه اشتكى إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الوحشة فقال له: «اتخذ حمامة تؤنسك وتصيب من فراخها وتوقظك ~~للصلاة بتغريدها» (¬1). # ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتخذوا الحمام فإنها ~~تلهي الجن عن صبيانكم» (¬2). # وروى جابر رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم كان يعجبه النظر إلى ~~الحمام الأحمر وإلى الأترج. # وكان إبراهيم بن سيار يعجب بالحمام، وكان إذا ذكرها يقول: إن الله جمع ~~فيها حسن المنظر، وكريم المخبر؛ تكفيك مئونتها، وتكثر لديك معونتها؛ فهي ~~للطارق عدة وللمستوطن لذة، تطعم في الصحراء، وتعود عليك بالسراء ويأنس ~~الوحيد بحركاتها، وتغنيه عن الأوتار بنغماتها؛ وغيرها من الطير يستعجم وهي ~~ناطقة، وينفر عنك وهي داجنة، وفي طباعها سكون إلى الناس واستئناس بهم، وهي ~~طير عفيف، يبقي الذكر بعد الأنثى مفردا، والأنثى مثل ذلك، مع شدة اتفاقهما ~~على ms0024 المحبة، إن طارا طارا معا، وإن وقعا وقعا معا، لها سرعة طيران لا تكاد ~~تصيدها سباع الطير إلا بحيلة. # ولم تزل العرب تستحسن تسجيع الحمام وتغريد البلبل والورشان، وقد ذكرت ~~العرب من رقة تسجيعه ما يبعث التذكر، ويولد الشجون، ويهيج الأسى، ويجدد رقة ~~القلب؛ حتى يجعل البكاء فرضا معها، والتصابي لازما لأجلها وأعراب وادي ~~القرى إذا ظفروا بشراب الطائف، أتوا حوائط النخل عند استعلاء الظهيرة، إذا ~~صارت الوراشين PageV01P029 # والفواخت إلى تلك الظلال، فيشربون ويأنسون بتغريدهن، ويقيمون ترجيع ~~أصواتهن مقام المزامير والأوتار وأنا أسوق من المنظوم ما يوافق هذا النثر، ~~كقول أبي صخر الهذلي: [الطويل] # ولما دعت غورية الأيك سجعت ... فسجع دمعي يستهل ويستشري # يذكرني شجوى دعاء حمامة ... ويبعث لوعات الصبابة في صدري # بكت حزنا رزء الهديل وشفني ... فراق حبيب ضاق عن فقده صبري # وأنشد الأصمعي قال: [البسيط] # أيها البلبل المغرد في النخ ... ل غريبا عن أهله حيرانا # أفراقا تشكوه أم ظلت تدعو ... فوق أفنان نخلة ورشانا! # هاج لي صوتك المغرد شجوا ... رب صوت يهيج الأحزانا # وقال آخر: [الوافر] # أحن إلى حوائط ذات عرق ... لتغريد الفواخت والحمام # ألم بها بكل فتى كريم ... من الفتيان مخلوع الزمام # وقال آخر: [الوافر] # إذا غنت على الأغصان ورق ... أجبناها بإعمال المدام # وقال آخر: [الوافر] # سيغنيك عن مزمار آل محرق ... ومربعهم تغريد تلك الحمائم # بأيكة أطيار تجاوبن بالضحى ... على باسقات مائلات نواعم # وأنشد أبو علي عفا الله تعالى عنه: [الطويل] # ومن بستان إبراهيم غنت ... حمائم بينها فنن رطيب # فقلت لها وقيت سهام رام ... ورقط الريش مطعمها الحبوب # كما هيجت ذا حزن معنى ... على أشجانه فبكى الغريب # وقال نصيب: [الوافر] # لقد هتفت في جنح ليل حمامة ... تبكي على إلف وإني لنائم # كذبت وبيت الله لو كنت عاشقا ... لما سبقتني بالبكاء الحمائم (¬1) PageV01P030 # وأنشد أبو العباس لحميد بن ثور: [الطويل] # وما هاج هذا الشوق إلا حمامة ... دعت ساق حر ترحة وترنما (¬1) # محلاة طوق لم يكن من تميمة ... ولا ضرب صواغ بكفيه درهما # تغنت على غصن عشاء فلم تدع ... لنائحة ms0025 في نوحها متلوما # إذا حركته الريح أو مال ميلة ... تغنت عليه مائلا ومقوما # عجبت لها أنى يكون غناؤها ... فصيحا ولم تفغر بمنطقها فما # فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها ... ولا عربيا شاقه صوت أعجما # وقال حبيب: [الكامل] # لتضعضعت عبرات عينيك أن دعت ... ورقاء حين تضعضع الإظلام (¬2) # لا تشجين لها فإن بكاءها ... ضحك وإن بكاءك استغرام # هن الحمام، فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام # وسمع حبيب بخراسان غناء بالفارسية، فلم يدر ما هو، غير أنه شوقه فقال: ~~[الوافر] # حمدتك ليلة شرفت وطالت ... أقام سهادها ومضى كراها (¬3) # سمعت بها غناء كان أولى ... بأن يقتاد نفسي من عناها # ومسمعة يحار السمع فيها ... ولم تصممه لا يصمم صداها # ولم أفهم معانيها ولكن ... ورت كبدي فلم أجهل شجاها # وظلت كأنني أعمى معنى ... يحب الغانيات ولا يراها # يعني بهذا الأعمى بشارا حيث يقول: [البسيط] # يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا (¬4) # قالوا بمن لا ترى تهذي! فقلت لهم: ... الأذن كالعين توفي القلب ما كانا # *** PageV01P031 # وأرجو ألا أكون في هذا الهذر الذي أوردته، والمورد الذي توردته، كالباحث ~~عن حتفه بظلفه، والجادع مارن أنفه بكفه، فألحق بالأخسرين أعمالا الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. # *** # قوله: «الهذر الذي أوردته» أي الإكثار الذي أتيت به، وقد تقدم المورد ~~وتوردته: # اقتحمته. الباحث: المفتش، والظلف: للبقر والغنم كالحافر للخيل والحمير. ~~وهذا مثل للعرب؛ وذلك أن ما عزة كانت لقوم، فأرادوا ذبحها فلم يجدوا شفرة، ~~فنبشت بظلفها في الأرض، فاستخرجت منها شفرة، فذبحوها بها، وقالوا: بحثت عن ~~حتفها بظلفها، فسارت مثلا. وقال الشاعر: [الطويل] # وكانت كعنز السوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت الثرى تستثيرها (¬1) # وقال أبو الأسود: [المتقارب] # فلا تك مثل التي استخرجت ... بأظلافها مدية أو بفيها (¬2) # فقام إليها بها ذابح ... ومن يدع يوما شعوبا يجيها # ولفظ المثل عند أبي عبيد «كالعنز تبحث عن المدية» والجادع: القاطع الأنف. # والمارن: طرف الأنف، وأراد به قصيرا مولى جذيمة الأبرش. وقد ذكرنا قصته ~~في شرح الرابعة ms0026 والعشرين. ورجا المصنف ألا يدركه من الضرر ما أدركا من ~~الضرر حين جنيا على أنفسهما وانتفع غيرهما، ضل سعيهم: خابت أعمالهم، وأصل ~~ضل، تحير فلم يدر أين يتوجه، وأصل السعي المشي بسرعة، سمع أعرابي رجلا يقرأ ~~قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا [الكهف: 103]، فقال: أنا أعرفهم، قيل له: ~~ومن هم؟ قال: الذين يبردون ويأكل غيرهم. # *** # على أني وإن أغمض لي الفطن المتغابي، ونضح عني المحب المحابي، لا أكاد ~~أخلص من غمر جاهل أو ذي غمر متجاهل، يضع مني لهذا الوضع ويندد بأنه من ~~مناهي الشرع. ومن نقد الأشياء بعين المعقول، وأنعم النظر في مباني الأصول، ~~نظم هذه المقامات، في سلك الإفادات وسلكها مسلك الموضوعات، عن العجماوات ~~والجمادات. # *** PageV01P032 # أغمض: سامح وسد عينيه عما لم يرض، والفطن: الذكي. التغابي: المتجاهل عن ~~الشيء وهو عارف به، وهو مما يحمد به الرجل، قال حبيب: [الكامل] # ليس الغبي بسيد في قومه ... لكن سيد قومه المتغابي (¬1) # ونضح بالماء: غسل. المحابي: الذي يفضلني على غيري، وحباني: اختصني ~~بالعطية، وأصل حاباه أن تعطيه ويعطيك، وقد يكون في معنى «حباه». الغمر: ~~الجاهل ذي غمر: صاحب عداوة. متجاهل: مستعمل للجهل وهو على خلافه؛ يقول؛ إن ~~سد عينيه عن عيبي فطن ذو عقل، أو تغابى حين يبصر لي خطأ، أو رأى لي ذلك ~~العيب محب، فجعل يغسله عني لمحبته لكلامي؛ فلا أخلص مع ذلك إما من جاهل ~~يعيب ما لا يفهم، أو من عارف يظهر لي عداوة وحسدا، فيرد حسني قبيحا، وهو ~~عارف بحسني؛ فيشيع في الناس أن المقامات أكاذيب، وهو عارف بفضلها وما قصد بها. ### || AUTO [ما قيل في الحقد] # والغمر: الحقد، وصاحبه مذموم، ولا أعرف من تعرض من الفصحاء لمدح حامله ~~سوى ما يحكى أن عبد الملك بن صالح جيء به إلى الرشيد في قيوده، فقال له ابن ~~خالد- وأراد أن يبكته: بلغني أنك حقود، فقال عبد الملك: أيها الوزير، إن ~~كان الحقد هو بقاء الخير والشر؛ إنهما لباقيان في صدري- وفي رواية أخرى: ~~إنما صدري خزانة تحفظ ما استودعت من خير ms0027 أو شر- فقال الرشيد: والله ما رأيت ~~أحدا احتج للحقد بمثل ما احتج به عبد الملك، ففتح الباب لابن الرومي، فقال ~~يخاطب بعض من عابه بالحقد: # [الطويل] # لئن كنت في حفظي لما أنا مودع ... من الخير والشر انتحيت على عرضي # لما عبتني إلا بفضل أمانة ... ورب امرئ يزري على خلق محض # ولولا الحقود المستكنات لم يكن ... لينقض وترا آخر الدهر ذو نقض # وما الحقد إلا توأم الشكر في الفتى ... وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض # فحيث ترى حقدا على ذي إساءة ... فثم ترى شكرا على حسن العوض # ثم رجع إلى الطريقة المثلى، فانتحل المذهب الأعلى، وقال يعيبه، ضاربا ~~بسهم البلاغة في الوجهين: [البسيط] # يا مادح الحقد محتالا له شبها ... لقد سلكت إليه مسلكا وعثا # يا دافن الحقد في ضعفي جوانحه ... ساء الدفين الذي أضحت له جدثا # الحقد داء دوي لا دواء له ... يري الصدور إذا ما جمره حرثا PageV01P033 # فاستشفينه بصفح أو محادثة ... فإنما يبرأ المصدور ما نفثا # إن القبيح إذا أصلحت ظاهره ... يعود ما لم منه مرة شعثا # كم زخرف القول ذو زور ولبسه ... على العقول ولكن قلما لبثا # *** # قوله «يضع مني» أي يحط من منزلتي. الوضع: الكتاب. يندد: يشهر العيب، ندد ~~به، إذا أسمعه المكروه، نقد الأشياء: فتش وبحث عليها. المعقول: العقل. # أنعم: بالغ. وأصل النظم جعل حبات الجواهر في خيطها وضمها فيه لغيرها ثم ~~سمي بيت الشعر نظما، لأن الكلام فيه ملتصق بعضه ببعض كحب الجواهر، والبيت ~~يضمه كالخيط، والسلك: خيط الجوهر. والإفادات: الفوائد. سلك: قصد. ~~الموضوعات: # الكتب المؤلفة، أي أدخلها مدخل هذه الكتب. العجماوات: البهائم، وسميت ~~واحدتها عجماء لأن صوتها لا يفهم منه معنى. والجمادات: ما عدا الحيوان، ~~وأراد ما ألف من الكتب مما لا حقيقة له في الظاهر، وقد ضمن الحكم الشافية ~~في الباطن، مثل كتاب كليلة ودمنة وغيره مما ألف على ألسنة ما لا عقل له ولا ~~روح. وكذلك المقامات، وإن كان ظاهرها كذبا فالقصد بها تمرين الطالب وتهذيبه ~~وتذكية عقله، وأن يكتسب تجارب الدنيا من حكايات ms0028 السروجي، فيكون متنبها لما ~~يطرأ عليه من النوازل، فتؤمن على عقله الغفلة والخديعة، إلى ما ينضاف إليه ~~من تعليم صنعة الكتابة والشعر، فإنها أعون شيء عليها. ### || AUTO [حكم بلسان البهائم] # ومما يحكى على ألسنة البهائم ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بينا راع في غنم إذ ~~عدا عليها الذئب، فأخذ شاة منها، فطلبه الراعي منه حتى استنقذها، فالتفتت ~~إليه الذئب وقال: من لها يوم السبع، يوم ليس لها راع غيري! » (¬1). # بينما رجل يسوق بقرة له قد حمل عليها، فالتفتت إليه البقرة فكلمته فقالت: ~~أنا لم أخلق لهذا، وإنما خلقت للحرث، فقال الناس: سبحان الله! تعجبا وفزعا؛ ~~أبقرة تتكلم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإني مؤمن بذلك وأنا ~~وأبو بكر وعمر» (¬2). # السبع، بسكون الباء: أرض المحشر والسبع: الفزع. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود ~~وحتى يختبئ اليهودي PageV01P034 # وراء الحجر فيقول الحجر: يا عبد الله، يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله» (¬1). # قالوا خرج أسد وذئب وثعلب يتصيدون، فاصطادوا حمار وحش وغزالا وأرنبا فقال ~~الأسد للذئب: اقسم بيننا هذا، فقال: الحمار للملك، والغزال لي، والأرنب ~~للثعلب؛ فرفع الأسد يده فضربه ضربة، فإذا هو مجدل بين يديه. ثم قال: ~~للثعلب: # اقسمها، فقال: الحمار يتغذى به الملك، والغزال يتعشى به، والأرنب بين ~~ذلك، فقال الأسد: ويحك ما أقضاك! من علمك هذا القضاء؟ قال: رأس هذا الذئب. # وحدث الشعبي، قال: صاد رجل قبرة، فقالت: ما تريد أن تصنع بي؟ قال: أذبحك ~~وآكلك. فقالت: والله ما أشبع من جوع وخير لك من أكلي أن أعلمك ثلاث خصال: # واحدة وأنا في يدك، والثانية وأنا على الشجرة، والثالثة وأنا على الجبل؛ قال: # هاتي: قالت: لا تلهفن على ما فات، فخلى سبيلها، فلما صارت على الشجرة ~~قالت: لا تصدقن بما لا يكون أنه سيكون، فلما صارت على الجبل قالت له: يا ~~شقي لو ذبحتني أخرجت من ms0029 حوصلتي درتين، كل واحدة عشرون مثقالا، قال: فعض ~~الرجل على شفته تلهفا، ثم قال: هاتي الثالثة، فقالت: أنت قد نسيت ثنتين ~~فكيف أخبرك بالثالثة! ألم أقل لك: لا تلهفن على ما فات، ولا تصدقن بما لا ~~يكون أنه سيكون! أنا ولحمي ودمي وريشي لا يكون في عشرون مثقالا، فكيف يكون ~~في حوصلتي درتان كل واحدة عشرون مثقالا! ثم طارت وذهبت. وأمثال هذه الملح ~~أكثر من أن تحصى. # *** # ولم يسمع بمن نبا سمعه عن تلك الحكايات، أو أثم رواتها في وقت من ~~الأوقات. # ثم إذا كانت الأعمال بالنيات، وبها انعقاد العقود الدينيات، فأي حرج على ~~من أنشأ ملحا للتنبيه، لا للتمويه، ونحا بها منحى التهذيب، لا الأكاذيب! ~~وهل هو في ذلك إلا بمنزلة من انتدب لتعليم، أو هدى إلى صراط مستقيم! ~~[الطويل] # على أنني راض بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه، لا علي ولا ليا # قوله: «نبا سمعه» أي ارتفع، وأصله في السيف إذا ارتفع فلم يمض في الضربة. # أثم: جعلهم أصحاب إثم، انعقاد العقود، أي ارتباط العقائد. حرج: إثم، وأصل ~~التحريج التضييق، للتنبيه، أي لينبه به الغافل الذهن فيجعله حاضر الخاطر، ~~نحا منحى: # قصد مقصد. التهذيب: التلخيص، وهذبت الطالب: أخرجته وخلصته، ورجل مهذب: PageV01P035 # مخلص من العيوب. ويروى: ندب وانتدب، فندب دعا، وانتدب أجاب. وهدى: # أرشد. صراط مستقيم: طريق معتدل، ومن فعل ما ذكر مأجور غير آثم، لكنه مع ~~هذا رضي أن يخلص ممن يتكلم في كتابه بتعييب، وأن يخرج من هذا الكتاب كفافا ~~لا أجر ولا وزر؛ بل نرجو له الأجر على نية الإفادة والتعليم، إن شاء الله تعالى. # *** # وبالله أعتضد، فيما أعتمد، وأعتصم مما يصم وأسترشد، إلى ما يرشد؛ فما ~~المفزع إلا إليه، ولا الاستعانة إلا به، ولا التوفيق إلا منه، ولا الموئل ~~إلا هو؛ عليه توكلت وإليه أنيب، وبه نستعين، وهو نعم المعين! # أعتضد: أستعين. أعتمد: اقتصد. أعتصم: أمتنع يصم، يعيب. أسترشد: # أستهدي. يرشد: يهدي ويدل على الخير. والمفزع: الملجأ، وكذلك الموئل. وتقول: # فزعت إلى فلان، إذا لجأت إليه ms0030 واستعنت به ليحميك ويمنعك، وفزعت منه: ~~خفته، والمفزع الذي ذكره مصدر بمعنى الفزع. وتقول: ووألت من ذلك إذا نجوت ~~منه، وأنت موئلي منه، أي الذي تنجيني منه. والمفزع: الموئل والحصن، تفزع ~~إليه فينجيك من طالبك. أنيب: أرجع. والإنابة: الرجوع إلى الله تعالى ~~والتوبة إليه. PageV01P036 ### | AUTO المقامة الأولى وهي الصنعانية # حدث الحارث بن همام قال: لما اقتعدت غارب الاغتراب، وأنأتني المتربة عن ~~الأتراب، طوحت بي طوائح الزمن، إلى صنعاء اليمن، فدخلتها خاوي الوفاض، بادي ~~الإنفاض؛ لا أملك بلغة ولا أجد في جرابي مضغة. # *** # إن قيل؛ لأي معنى اختار الحريري حارثا وهماما وأبا زيد، دون غيرهم من ~~الأسماء؟ فالجواب أنه إنما قصدهم لأنهم أصدق الأسماء، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث المرفوع: «تسموا بأسماء الأنبياء وأحب الأسماء ~~إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة» ~~(¬1) وصدقهما أنه ليس أحد إلا وهو يحرث، أي يحاول الكسب أو يهم بحاجته. # وأما أبو زيد، فإن صدق أنه إنسان بعينه كما تقدم في الصدر وقع الإكتفاء ~~به، وإن لم يصدق فقد حكى أهل اللغة أنه كنية الكبر، وأنشد ابن قتيبة: ~~[الطويل] # أعار أبو زيد يميني سلاحه ... وحد سلاح الدهر للمرء كالم # وكنت إذا ما الكلب أنكر أهله ... أفدى، وحين الكلب جذلان نائم # سلاحه: العصا وإنكار الكلب أهله، إذا لبسوا السلاح. وجذلان نائم، في ~~الجدب إذا ماتت المواشي فيشبع من لحومها وينام. وقال ابن الأعرابي: يقال ~~للشيخ الكبير: أبو زيد وأبو سعيد والسروجي في الغالب إنما يصفه بالكبر ~~والهرم. # فوقعت التسمية لغوية، وإنما عنى بالحارث بن همام نفسه لأنه يصفه بأشياء ~~لا تليق إلا بالدهر، مثل قوله: [الرجز] # وكل سرح فيه ذئبي عائث ... حتى كأني للأنام وارث # * سامهم وحامهم ويافث* PageV01P037 # ومثل قوله: [مجزوء الكامل] # ووترت أرباب الأرا ... ئك والدرانك والسجوف # وهي كثيرة، وفي الخمسين له كلام لا يليق إلا بالدهر، فجعل أخذ الحارث من ~~أبي زيد، كناية عن علم الحريري بما جرب من صروف الدهر. # قوله: «اقتعدت» أي ركبت، وأصله ms0031 اتخذت قعدة أو قعودا، وهما اسمان للبعير ~~يقعد عليه راكبه. والغارب: مقدم سنام البعير. والاغتراب والغربة: التحول في ~~البلدان والبعد عن الأوطان، وسيأتي ما أصلهما، وأراد: لما اتخذت ظهر الغربة ~~قعودا. أنأتني: # أبعدتني. المتربة: الفقر. الأتراب: الأصحاب على سنن واحد. طوحت: رمت. # وطوائح: نوائب؛ تقول: طوحت بالرجل، إذا رميت به إلى الهلاك، وقياس ~~الطوائح المطاوح لأنك تقول: طوحت فهي مطوحة والجمع مطوحات ومطاوح. قال أبو ~~عبيد: جاءت الطوائح على حذف الزيادة، ورد الفعل إلى أصله، فإنه من طاحت فهي ~~طائحة، والجمع طوائح، قال أبو عمرو الشيباني: جاءت على النسب، مثل لابن ~~وتامر، أي ذو لبن وذو تمر وذات تطويح، قال الشاعر: [الطويل] # ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح (¬1) # ومثله وأرسلنا الرياح لواقح [الحجر: 15]: تقديره ملاقح، لأنك تقول: # ألقحت الريح السحاب إذا جمعته وألقته، وضارع مرتفع بمضمر تقديره: يبكيه ~~ضارع، وهو الذليل. # *** ### || AUTO [صنعاء] # صنعاء، بلد باليمن، وأضافها إلى اليمن، لأن ثم صنعاء أخرى، وهي قرية ~~بدمشق. وكان اسم صنعاء في القديم «أزال»، قال ابن الكلبي والشرقي (¬2): ~~ولما وافتها الحبشة قالوا: نعم، فسمى جبلها نعم أي انظر، فلما نظروا إلى ~~مدينتها ورأوها حصينة مبنية بالحجارة قالوا: هذه صنعاء، وتفسيرها هنية، ~~فسميت صنعاء. # وحكى الهمذاني قال: وأهل صنعاء يقولون في الإسلام: إنها القرية المحفوظة، ~~وأنهم PageV01P038 # سمعوا هاتفا يقول في بعض أيام من حاربهم: كل عليك يا أزال، وأنا أتحنن عليك! # وأقدم قصور اليمن وأنبهها ذكرا، وأبعدها صيتا غمدان وقصر أزال، وهي صنعاء. # والذي أسس غمدان وابتدأ بنيانه واحتفر بئره الذي هو اليوم سقاية لمسجد ~~جامع صنعاء، سام بن نوح عليه السلام، على ما يذكره علماء صنعاء واليمن، ~~وذلك أنه لما مات نوح اجتوى بعده السكنى في الأرض الشمالية، فأقبل طالعا في ~~الجنوب يطلب أطيب البلاد، حتى صار إلى الإقليم الأول، فوجد اليمن أطيبه ~~مسكنا، وصنعاء أطيب اليمن، فوضع مقراته- وهى الخيط الذي يقدر به البناء ~~ويبنى على حده- فوضع الأساس في ناحية فج غمدان في غربي الجبل، وهو اليوم ~~معروف بصنعاء، فلما ms0032 ارتفع بعث الله طائرا، فاختطف المقراة فطار بها، وتبعه ~~سام، لينظر أين يقع؛ فأم بها جنوب النعم من سفح نعم، فوقع بها، فلما اتبعه ~~طار بها، وطرحها على حرة غمدان، فلما قرت، علم سام أنه قد أمر بالبناء ~~هنالك؛ فأسس غمدان. واحتفر بيده بئره المسمى كرامة. ويستقى منها إلى اليوم ~~لكنها أجاج. # خاوي الوفاض: فارغ المزاد، ويقال: خوى الرجل، إذا سجد فترك بين جسده وبين ~~الأرض خواء، وخوى البعير: برك على هذه الحال. والوفاض: جمع وفضة وهي شبه ~~الجراب، وهي أيضا كنانة السهام إذا كانت من جلد لا من خشب، فإن كانت من خشب ~~مجلد أو غير مجلد فهي كنانة أو جعبة. # ابن سيده في المحكم: الوفضة خريطة يحمل فيها الراعي أداته وزاده. ~~والوفضة: # جعبة السهام. قال أبو منصور الأزهري معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~«أنه أمر بصدقة [أن] توضع في الأوفاض» (¬1): إنهم أخلاط الناس. قال الفراء: ~~هم أهل الصفة. أبو عبيد: هذا كله عندنا واحد؛ لأن أهل الصفة أخلاط من قبائل ~~شتى، ويمكن أن يكون مع كل واحد منهم وفضة، فعلى هذا من قصر الوفضة على ~~الجعبة، وخطأ الحريري بأن الزاد لا يكون في الجعبة، فهو المخطي والجاهل ~~باتساع اللغة. بادي الإنفاض: ظاهر الفقر، وقد أنفض، إذا فنى زاده. وأنفض ~~الجراب إذا انتفض وسقط ما من فيه من بقية الزاد، ومنه قولهم: # النفاض يقطر الجلب، أي فناء زادهم يجعل إبلهم قطارا، أي مربوطة بعضها خلف ~~بعض، تساق إلى السوق فتباع، فيأكلون ثمنها، قال الهذلي: [المتقارب] # له ظبية وله عكة ... إذا انفض القوم لم ينفض (¬2) # ظبية: جريب صغير من جلد ظبي. بلغة: زاد للمسافر يبلغ به من يومه إلى PageV01P039 # غده، الجراب: وعاء من جلد يصنع للزاد- مضغة: لقمة. # *** # فطفقت أجوب طرقاتها مثل الهائم، وأجول في حوماتها جولان الحائم، وأرود في ~~مسارح لمحاتي، ومسايح غدواتي وروحاتي، كريما أخلق له ديباجتي، وأبوح إليه ~~بحاجتي، أو أديبا تفرح رؤيته غمتي، وتروي روايته غلتي؛ حتى أدتني خاتمة ~~المطاف وهدتني فاتحة الإلطاف إلى نادر ms0033 رحيب، محتو على زحام ونحيب، فولجت ~~غابة الجمع، لأسبر مجلبة الدمع، فرأيت في بهرة الحلقة، شخصا شخت الخلقة، . ~~عليه أهبة السياحة، وله رنة النياحة، وهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه ويقرع ~~الأسماع بزواجر وعظه، أحاطت به أخلاط الزمر إحاطة الهالة بالقمر، والاكمام ~~بالثمر، فدلفت إليه لأقتبس من فوائده، وألتقط بعض فرائده، فسمعته يقول حين ~~خب في مجاله وهدرت شقاشق ارتجاله: # *** # طفقت: أخذت وجعلت، ومعناها ابتداء الفعل والدخول فيه. أجوب: أقطع وأخرق، ~~وجوب الأرض: قطعها بالمشي، الهائم: الحيران. أجول: أتصرف. حوماتها: # جهاتها، الحائم: الطائر العاطش يحوم حول الماء، أي يدور به، أراد: ألتمس ~~المسارح: # مراعي البهائم. لمحاتي: نظراتي، يريد المواضع التي يسرح عينيه فيها ~~بالنظر، مسايح: # مسالك، أراد طرقه التي يسير فيها بالمشي بالغدو والعشي، والسيح: الماء ~~الجاري على وجه الأرض، وتكون المسائح أيضا جمع مسيحة أو مسحة، وهي الطوافة، ~~من قولك: # مسحت البيت، أي طفت به، فيكون على هذا «فعائل» ميمها أصيلة، وعلى الأول ~~«مفاعل». أخلق: أهين، ديباجتي: جلدة وجهي، يريد أنه يخلق وجهه بالمسألة كما ~~يخلق الثوب، وهذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المسألة كدوح وخدوش في ~~وجه صاحبها» (¬1) وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال المسألة بالرجل حتى ~~يلقى الله عز وجل، وما على وجهه مزعة لحم» (¬2)، أي قطعة. أبوح: أذكر، ~~حاجتي: فقري. تفرج: تزيل. غمتي: غمي وما يضيق نفسي. غلتي: عطشي. أدتني: ~~أوصلتني. خاتمة المطاف: آخر المشي هدتني: دلتني. # والإلطاف: حسن السؤال وفاتحته، أراد به سؤالك من تلقى في الطريق إذا دخلت ~~بلدا غريبا، فإذا سألت بتلطف أرشدت بسرعة، فسؤالك هو الذي فتح لك الطريق. ويقال: # لطف سؤال الرجل، إذا رق لفظه ولم يكن فيه جفاء، فتقبله القلوب، وألطف ~~الرجل PageV01P040 # سؤاله، إذا سألك بحنان وتلطف، واللطف الرفق، وألطفتك أيضا: بررتك ~~وأكرمتك.، فالإلطاف مصدر ألطف، ويروي: «الألطاف» جمع لطف وهو الرفق، يقال: ~~لطف الله بالعباد لطفا رفق بهم رفقا، وهو راجع إلى الأول. ناد مجلس. رحيب: ~~واسع محتو: # مشتمل، نحيب: بكاء. ولجت: دخلت، غاية الجمع: وسط الناس، ms0034 وأصل الغابة ~~الشجر الملتف يغيب فيه من يدخله، لأسبر: لأفتش، وأراد دخلت بين الناس لأجرب ~~وأعرف ما الذي أبكاهم وجلب دموعهم. ويروي «محلبة» بالحاء، وهي من الحلب، ~~يقال: انحلبت عينه، إذا سالت بالدمع. بهرة: وسط. شخت: دقيق ورقيق، والشخت: ~~الحطب الرقيق. أهبة السياحة: آلة العبادة وهي مثل العصا وركوة الماء وثياب ~~الصوف وغير ذلك. يطبع الأسجاع، أي يرتبها ويصنعها، تقول: طبعت الدرهم ~~والسيف إذا صنعتهما، وطبعت الكتاب إذا ختمته، وكانت الملوك تكتب في فصوص ~~خواتمها «لا إله إلا الله» و «الملك لله» وتطبع بذلك كتبها هذا المعني أليق ~~بطبع الأسجاع، أي يزينها ويختمها بجواهر كلامه، ومن روى «الجواهر» باللام ~~فعلى «يصنعها» لا غير، والتفسير على الروايتين أخذته عن أبي ذر. والأسجاع ~~الكلام المفقر، له قافية. كقافية الشعر، وكان من كلام الكهان، وهذه الموعظة ~~التي في المقامة من الأسجاع، وسجعت الحمامة، إذا غنت على طريقة واحدة، ~~يقرع: يضرب. الأسماع: الآذان. زواجر: نواه، وزجره: نهاه وانتهره. أحاطت؛ ~~حلقت: أخلاط: أصناف. مختلطون. الزمر: الجماعات. الهالة: # الدارة حول القمر من نوره، والطفاوة: الدارة حول الشمس. والساهور: هو ~~غلاف القمر الذي يستتر فيه ما نقص منه. الأكمام: جمع كم، وهو الغلاف الذي ~~ينشق عن الثمر ويحيط به وسمي كما لأنه يستر ما تحته، والأكمام: جمع قليل، ~~والكثير كمام، والثمر حمل الأشجار، دلفت: قربت. ودلف الشيخ في مشيته إذا ~~أسرع من ضعف فقارب خطوه، اقتبس من فوائده: التمس وطلب أخذها واكتسابها، ~~والفرائد: شذور الذهب تفصل ما بين الجواهر. خب في مجاله: أخذ في كلامه، ~~والخب عدو سهل وهو الذي تسميه العامة السير، وفرس مسيار والمجال للخيل: ~~موضع تصرفها وجريها، هدرت: # صوتت. شقاشق: جمع شقشقة، وهي النفاخة يخرجها فحل الإبل من حلقه عند هياجه ~~ورغائه، ويرجع فيها هديره؛ شبه صوت الواعظ حين يرفعه ويزجر به الناس بصوت ~~البعير يهيج ويتابع الهدير، قال الأخطل: [الوافر] # إذا هدرت شقاشقه ونشبت ... له الأظفار ترك له الهدار (¬1) # أراد: نشبت وترك، فخفف. # *** PageV01P041 # أيها السادر في غلوائه، السادل ثوب خيلائه، الجامح في جهالاته، ms0035 الجانح ~~إلى خزعبلاته ... إلام تستمر على غيك، وتستمرئ مرعى بغيك! وحتام تتناهى في ~~زهوك، ولا تنتهي عن لهوك! # *** # السادر: الراكب هواه، لا يرده شيء استطالة وبغيا، ويقال للذي يطيل الجلوس ~~في الشمس حتى يتحير بصره: قد سدر فهو سادر. في غلوائه: في ارتفاعه للشر ~~ولجاجة فيه، وهو من غلا يغلو في الأمر، إذا جاز الحد؛ فيقول: يا أيها ~~الأعمى الكثير اللجاج في ركوب المعاصي؛ هلا نظرت بعين البصيرة، ورجعت عما ~~أنت عليه من الضلال! السادل: المرخي، خيلائه: كبره. الجامح: الجاري إلى غير ~~غاية، وقد جمح الفرس إذا أكب رأسه، وجرى في غير قصد، فيريد أنه أكثر الفساد ~~حتى جرى منه في غير طريق الجانح: المائل. الخزعبلات: الأباطيل، وهو ما ~~يتراءى للإنسان في نومه من الخيال. # تستمر: تدوم في زورك. غيك: ضلالك. تستمرئ: تستطيب من المريء، وهو ما يلتذ ~~به من الطعام. بغيك: ظلمك. تتناهى: تبلغ النهاية، ونهاية الشيء، آخره، ~~زهوك: كبرك وعجبك. اللهو: ما يشغل عن الخير من أنواع الطرب. ### || AUTO [ما قيل شعرا في ذم الكبر] # وقال القاضي أبو جعفر بن عمر في ذم الكبر وما يتعلق به: [الوافر] # ولا تنسب إلى كبر فهذا ... أبوك الترب يخفضك انتسابا # ولا تصحب أخا كبر وقدم ... على النفس الأعادي والصحابا # ولا تحبب محاباة بمدح ... كفى بالمرء حوبا أن يحابى # وحاذر أن ترى في القوم رأسا ... ولا تنس الذنوب وكن ذنابى # ترابا كن هنا فعساك ألا ... تمنى أن تكون غدا ترابا # وقال أبو نواس: [البسيط] # حذرتك الكبر لا يغشاك ميسمه ... فإنه ملبس نازعته الله (¬1) # يا بؤس جلد على جوف مجوفه ... يحوي مقادير إن كلمته تاها # يرى عليك له فضلا يبين به ... إن نال في العاجل السلطان والجاها # إني لأمقت نفسي عند نخوتها ... فكيف آمن مقت الله إياها # وقال أبو العتاهية: [السريع] PageV01P042 # عجبت للإنسان في فخره ... وهو غدا في قبره يقبر (¬1) # ما بال من أوله نطفة ... وجيفة آخره يفخر! # أصبح لا يملك تقديم ما ... يرجو ولا تأخير ما يحذر # *** # تبارز بمعصيتك، مالك ناصيتك، وتجترئ ms0036 بقبح سيرتك على عالم سريرتك، وتتوارى ~~عن قريبك، وأنت بمرأى رقيبك، وتستخفي من مملوكك، وما تخفى خافية على مليكك ~~أتظن أن ستنفعك حالك إذا آذن ارتحالك! أو ينقذك مالك، حين توبقك أعمالك! أو ~~يغني عنك ندمك، إذا زلت قدمك! أو يعطف عليك معشرك، يوم يضمك محشرك! # *** # قوله: «تبارز» أي تكاشف وتقابل، والبارز: الظاهر المنكشف، والناصية: شعر ~~مقدم الرأس. تجترئ: تقدم وشجع. والجريء: الشجاع المقدام. سيرتك: عادتك، ~~وجمعها سير وهي ما يعامل به الناس من خير أو شر، وتقول: سرت سيرة من خير أو ~~شر، إذا أحدثتها فعمل بها الناس بعدك، فصارت عادة لهم ولذلك فسرنا السيرة ~~بالعادة حيث وقعت، وأصل السيرة هيئة فعل السير، وذلك أنك تقول: جلس فلان ~~جلسة بالفتح، وهي المرة الواحدة من جلوسه، فإذا كسرت الجيم فهي هيئة جلوسه، ~~ومثله ركب ركبة والركبة هيئة ركوبه، وتقول: سار هذا الفعل سيرة، والسيرة ~~بالكسر: هيئة سيره في الناس من حسن أو قبح أو صواب أو خطأ، وسيرة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: هيئة أفعاله حيث كانت. تتوارى: تستتر بمرأى من رقيبك، ~~أي بمنظر ربك أو بحيث يراك، ورقيب الشيء: حافظه وحارسه. ومليكك: مالكك، ~~وأراد أن الإنسان إذا خلا بريبة، استتر بها عن أخيه وعبده حياء منهما، ولا ~~يستحي من ربه الذي يطلع على معاصيه، ولا يخفى عليه خافية، وأشار إلى قوله ~~تعالى: يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم ... [النساء: 108]، ~~وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: [البسيط] # إن كنت تعلم أن الله يا عمر ... يرى ويسمع ما يأتي وما تذر # وأنت في غفلة من ذاك تركب ما ... نهاك عنه، فأين الخوف والحذر! # تجاهر الله إقداما عليه، ومن ... حثالة الناس تستحيي وتعتذر # وقال نابغة بني شيبان: [الخفيف] PageV01P043 # إن من يركب الفواحش سرا ... حين يخلو بسره غير خال (¬1) # كيف يخلو وعنده كاتباه ... شاهداه وربه ذو الجلال # وقال أبو نواس: [الطويل] # إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت، ولكن قل علي رقيب (¬2) # ولا تحسبن الله يغفل ms0037 ساعة ... ولا أن ما يخفى عليه يغيب # لهونا لعمر الله حتى تراكمت ... ذنوب على آثارهن ذنوب # حالك: عزتك ومالك. آن: حان وقرب. ارتحالك: انتقالك، توبقك: تهلكك، يقال: ~~أوبقته الذنوب، أهلكته فوبق، أي هلك ووبق أيضا. # وقال أعشى همدان: [البسيط] # أستغفر الله أعمالي التي سلفت ... من عثرة يعاقبني بها أبق # زلت: زلقت .. معشرك: قومك. محشرك: موضعك الذي تحشر إليه. # *** # هلا انتهجت محجة اهتدائك، وعجلت معالجة دائك، وفللت شباة اعتدائك، وقدعت ~~نفسك فهي أكبر أعدائك! # أما الحمام ميعادك فما إعدادك! وبالمشيب إنذارك، فما أعذارك، وفي اللحد ~~مقيلك، فما قيلك! وإلى الله مصيرك فمن بصيرك! طالما أيقظك الدهر فتناعست، ~~وجذبك الوعظ فتقاعست، وتجلت لك العبر فتعاميت، وحصحص الحق فتماريت، وأذكرك ~~الموت فتناسيت، وأمكنك أن تواسيفما آسيت. # *** # انتهجت: ركبت. والنهج المنهج والمنهاج: الطريق الواضح. محجة: طريق، من ~~حجة يحجه، إذا قصده. اهتدائك؛ استقامتك. معالجة: مداواة. فللت كسرت. شباة: حد. # اعتدائك: جورك وظلمك. قدعت: كففت قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس ~~عدوك الذي إن قتلته كان لك نورا، وإن قتلك دخلت الجنة، ولكن أعدى عدوك نفسك ~~التي بين جنبيك». قال الأصمعي: كنا بطريق مكة في بعض المنازل، إذ وقفت ~~علينا أعرابية فقالت: أطعمونا مما أطعمكم الله، فناولها بعض القوم شيئا ~~فقالت له: كبت الله لك كل عدو لك إلا نفسك. PageV01P044 # قوله: «أما»: حرف إخبار واستفتاح كألا، الحمام: الموت، من حم الأمر، قضي: # الموعد. ما إعدادك: ما استعددت له، والاعداد مصدر أعد للأمر إذا هيأ له ~~ما يحتاج إليه من عدة، يقول: الموت: هو الذي وعدت به أن يأتيك ولا بد، ~~فاستعد له من أفعال البر. # وللفقيه الزاهد أبي عمران موسى بن عمران: [السريع] # يا صاح في الموت لنا حكمة ... بالغة لو أننا ننتفع # فاعمل له قبل مفاجاته ... ويحصد الزارع ما قد زرع # لا حيلة تنجيك منه ولا ... ذو وزر عنه به يمتنع # كم أمم أفناهم قبلنا ... وشمل قوم شته فانصدع # ولحبيب: [الطويل] # فقد أيقنت بالموت نفسي لأنني ... رأيت المنايا يخترمن حياتيا (¬1) # فيا ليت أني ms0038 بعد موتي ومبعثي ... أكون رفاتا لا علي ولا ليا # المشيب: الشيب، يقال: شاب رأسه شيبا أو مشيبا. إنذارك: إعلامك، وأنذرك: # أعلمك مما تحذر وخوفك منه، وأراد قوله تعالى: وجاءكم النذير [فاطر: 37]، ~~وانظر هذا المعنى في الحادية والأربعين مستوفي نظما ونثرا. # أعذارك: جمع عذر، والإعذار بكسر الهمزة مصدر أعذر في طلب الحاجة إذا بالغ ~~فيها قال: ابن السبتي وجنس قوافيه: [مخلع البسيط] # الشيب في مفرقي حلا ... وعقد عهد الملاح حلا # وكان كالآبنوس رأسي ... فاحتله عاجه فحلا # وحرمت وصلي الغواني ... وقلن قتل العميد حلا # اللحد: حفرة في جانب القبر، ولحد الميت وألحده: شق له في جانب القبر وأصل ~~اللفظة الميل، ومقيلك: مقامك، وأصله النوم في القائلة، قيلك: حديثك المقول ~~وحجتك الواضحة، والقول مصدر كالطحن والذبح والقيل: اسم للمقول كالطحن ~~بالكسر: اسم للدقيق المطحون، والذبح اسم للمذبوح، يعقوب: القال والقيل ~~اسمان لا مصدران. ابن سيده: القيل في الأصل مصدر، وحكى الفارسي قاله قولا ~~وقيلا، مثل ذكره ذكرا، والقال يجوز أن يكون مصدرا، فإن سيبويه حكى: ذامه ~~ذاما وعابه عابا، إلا أنه لم ينص على القال، مصيرك: رجوعك نصير: معدول عن ~~ناصر للمبالغة. تناعست، PageV01P045 # أي أظهرت أنك ناعس. جذبك: قادك بعنف، ويقال: جذب وجبذ وهي أقل من الأولى، ~~وصحفت العامة هذه الثانية وقالوا: «حبد» بدال غير منقوطة، تقاعست: تأخرت ~~وتصعبت وتشبهت بالأقعس؛ وهو الذي دخل ظهره وخرج صدره، أي قادك الوعظ إلى ~~الخير فلم تنقد له والعرب تقول: عزة قعساء كأنها تتقعس عن الذلة. تجلت: ~~ظهرت والعبر: ما يتخوف ويتعظ به عند رؤيته حصحص: تبين، من الحص وهو ذهاب ~~الشعر فيتبين ما تحته، والحاء الثانية مبدلة من صاد ثالثة، وإذا اجتمع ~~الأمثال في مثل هذا، أبدلت العرب من الحرف الأوسط حرفا من جنس الحرف ~~السابق، ومثله حثحثت ورقرقت، أصلهما حثثت ورققت، هذا قول الكوفيين، وقال ~~البصريون: هما لغتان تقاربتا، إذ لا يبدل الحرف إلا من مثله أو من مقاربه ~~في المخرج، هذه الحروف متباعدة لا يصح إبدالها، ماريت: شككت: تؤاسي: تعطي. # *** # تؤثر فلسا توعيه، ms0039 على ذكر تعيه، وتختار قصرا تعليه على بر توليه، وترغب ~~عن هاد تستهديه، إلى زاد تستهديه، وتغلب حب ثوب تشتهيه، على ثواب تشتريه. # يواقيت الصلات، أعلق بقلبك من مواقيت الصلاة، ومغالاة الصدقات، آثر عندك ~~من موالاة الصدقات، وصحاف الألوان، أشهى إليك من صحائف الأديان. # ودعابة الأقران، آنس لك من تلاوة القرآن. # *** # تؤثر: تفضل. توعيه: تجعله في وعاء. بر إحسان. توليه: تعطيه وتلصقه بمن ~~تبره. هاد: مرشد لطريق الخير. ترغب عنه: أي تتركه. تستهديه، أي تسترشده ~~وتسأله أن يهديك إلى الخير، وتستهديه الثانية: تطلب أن يهدي لك هدية. يقول: ~~تترك من يهديك إلى طريق الخير، فلا تسأله الهداية، وتقصد أعراض الدنيا من ~~الأطعمة وغيرها، وترغب أن تعطي منها هدية، قال الزاهد بن عمران: [الطويل] # توق وحاذر من قبول هدية ... وإن جاءك فيها الحديث المرغب # فقد حدثت بعد الرسول حوادث ... تحذرنا منها، وعنها ترغب # وكانت هديات الأوائل قبلنا ... تؤلف فيما بينهم وتحبب # فعادت بلايا يسرع المن نحوها ... تفرق فيما بيننا وتجنب # وله في مثله: [السريع] # احذر هدايا الناس تأمن المن ... ها أو قول واش يشي # فقل من يهديك إلا امرؤ ... من رغبة أو رهبة قد حشي PageV01P046 # التبس الأمر فلا تقدمن ... واخش مقام الله فيمن خشي # كانت هدايا ثم عادت رشا ... وفي الرشا الهلك لمن يرتشي # حذرنا منها نبي الهدى ... إذ لعن الراشي والمرتشي # الثواب: المكافأة على الفعل، وأراد به ما يجازي الله به عباده على إحسانه ~~من الأجر، وهو من ثاب يثوب إذا رجع، وأثبت الرجل: أعطيته الثواب، وهو ~~المكافأة على فعله، قوله «يواقيت»: أي جواهر. الصلات: العطايا. # أعلق: ألصق. مواقيت: أوقات، وهي جمع ميقات. # *** ### || AUTO [التجنيس] # ومما يستحسن من تجنيس الصلات الصلاة، حكاية أحمد بن المدبر- وكان إذا ~~مدحه شاعر ولم يرض شعره، قال لغلامه: امض به إلى المسجد فلا تفارقه حتى ~~يصلي مائة ركعة، ثم خله، فتحاماه الشعراء إلا الأفراد المجيدين- فجاء ~~الحسين بن عبد الرحمن البصري المعروف بالجمل، فاستأذنه في النشيد، فقال: ~~أعرفت الشرط؟ قال نعم: وأنشد: [الوافر] # أردنا في أبي ms0040 حسن مديحا ... كما بالمدح تنتجع الولاة # فقلنا أكرم الثقلين طرا ... ومن كفاه دجلة والفرات # فقالوا يقبل المدحات لكن ... جوائزه على المدح الصلاة # فقلت لهم: وما تغني صلاتي ... عيالي، إنما تغني الزكاة! # فأما إذ أبى إلا صلاتي ... وعاقتني الهموم الشاغلات # فيأمر لي بكسر الصاد منها ... لعلي أن تنشطني الصلات # فيصلح لي على هذي حياتي ... ويصلح لي على هذي الممات # فضحك واستظرفه، وأمر له بمائة دينار، وقال: من أين أخذت هذا؟ قال: من قول ~~أبي تمام: [الكامل] # هن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام (¬1) # *** # قوله: «مغالاة الصدقات»، أي الزيادة في المهور، وغاليت: زدت في ثمن ~~السلعة ورددتها غالية، والصدقات واحدتها صدقة، قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «من يمن المرأة تيسير صداقها PageV01P047 # وخطبتها» (¬1)، قال عروة: وأنا أقول: من أول شؤمها أن يكثر صداقها. آثر: ~~أفضل وأكثر أثرة. موالاة: متابعة. صحائف: جمع صحيفة، وهي الورقة يكتب فيها ~~من الرق والقرطاس، دعابة: مزاج، وفي فلان دعابة وتداعب الرجلان: تمازحا، ~~وفي الحديث: # «كانت فيه صلى الله عليه وسلم دعابة» (¬2)، وفي حديث جابر رضي الله عنه: ~~«هلا بكرا تداعبها وتداعبك! » (¬3). الأقران: الأصحاب والأمثال. تلاوة: ~~قراءة، وتلوته: قرأته، واختلفوا في اشتقاق القرآن، فقال أبو عبيدة: سمي ~~قرآنا لأنه يجمع السور ويضمها، قال الله تعالى: فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ~~[القيامة: 3]، أي إذا جمعنا لك شيئا فضمه واعمل به، وقال قطرب: سمي قرآنا ~~لأن القارئ يظهره ويبينه ويلقيه من فيه، من قول العرب: ما قرأت الناقة سلا ~~قط، أي ما رمت به. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن القلوب لتصدأ كما ~~يصدأ الحديد» قالوا: يا رسول الله. ما جلاؤها؟ قال: «قراءة القرآن» (¬4). # تأمر بالعرف وتنتهك حماه وتحمي عن النكر ولا تتحاماه، وتزحزح عن الظلم ثم ~~تغشاه، وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ثم أنشد: [المجتث] # تبا لطالب دنيا ... ثنى إليها انصبابه # ما يستفيق غراما ... بها وفرط صبابه # ولو درى لكفاه ... مما يروم صبابه # *** # العرف، أي المعروف، تنتهك: تبالغ في تناوله بما لا يجوز. حماه: ما حمي ms0041 ~~منه ومنع، وأصل الحمى موضع العشب يحميه الرجل لإبله، وانتهاكه: استئصال ~~عشبه بالرعي، ونهكت الجلد وانتهكته، إذا أخذته بشفرة حتى يرق ويضعف النكر: ~~المنكر. # تتحاماه: تتباعد عنه. تزحزح عن الظلم: تنحي عنه غيرك وتزيله، وتغشاه: ~~تأتيه وتباشره، تخشى: تخاف، وقال ذو الرمة في هذا المعنى وهو أحسن شعر ~~قاله: [البسيط] # يا رب قد أسرفت نفسي وقد علمت ... علما يقينا لقد أحصيت آثاري PageV01P048 # يا مخرج الروح من نفسي إذا احتضرت ... وفارج الكرب زحزحني عن النار (¬1) # دعا لنفسه أن يكون من الفائزين، لقوله تعالى: فمن زحزح عن النار وأدخل ~~الجنة فقد فاز [آل عمران: 185]. # قوله «تبا»، أي خسرانا وهلاكا، وتبت يده: خسرت قال تعالى: وما زادوهم غير ~~تتبيب [هود: 101]، أي غير خسار وهلاك، قال الشاعر: [الوافر] # عرادة من بقية قوم لوط ... ألا تبا لما عملوا تبابا (¬2)! # ثنى: عطف ورد: انصبابه: جريه، يستفيق: يستريح، وأفاق من المرض: استراح، ~~غراما: شدة حب لازم له غير مفارق، ومنه سمي الغريم لملازمته التقاضي ~~وإلحاحه فيه؛ قال تعالى: إن عذابها كان غراما [الفرقان: 65] أي ملحا دائما ~~ومنه إنا لمغرمون [الواقعة: 66]، وفلان مغرم بالنساء: يحبهن ويلازمهن، وقال ~~حاتم: [الطويل] # فما أكلة إن نلتها بغنيمة ... ولا جوعة إن جعتها بغرام # أي بهلاك وملازمة. # فرط صبابة: شدة شوق ومجاوزة حد في ذلك. يروم: يطلب. صبابة. بقية الماء. # *** ### || AUTO [ما قيل شعرا في ذم الدنيا] # وهذا الشعر مستحسن القوافي، ومثله في ذلك قول الزاهد ابن عمران، وكثيرا ~~ما كان يستمد في شعره من أدب المقامات: [الكامل] # تبا لذي جهل دعا لمبرة ... وأجبته برا به فأذاعها # منا وقد كافأته بهباته ... وذخرتها عندي له، فأضاعها # فأقل اللئام من الرجال ولا تجب ... مهما دعوك وجنبن أوضاعها # وقال آخر: [مجزوء الكامل] # يا من يضيع عمره ... متماديا في اللهو أمسك # واعلم بأنك لا محا ... لة ذاهب كذهاب أمسك PageV01P049 # ولمنصور الفقيه في الشعر المردف: [المتقارب] # إذا كنت تزعم أن الفراق ... فراق الحياة قريب قريب # وأن المقدم ما لا يفوت ... على ما يفوت مصيب مصيب # وأنت على ذاك ms0042 لا ترعوي ... فأمرك عندي عجيب عجيب # وقال القاضي أبو حفص عمر في معنى شعر الحريري في ذم الدنيا: [مخلع ~~البسيط] # يا راكضا في طلاب دنيا ... ليس لمن تصرع انتعاش # لم تخش نار هوى لظاها ... بمن له نحوها انحياش # أعذر منك الفراش حالا ... علمت ما يجهل الفراش # نطلبها لا تنام عين ... عنها ولا يستقر جاش # من لك بالري من شراب ... يشتد من شربه العطاش # دعها فطلابها رعاع ... طاشت بألبابهم فطاشوا # لم يردوها فهم رواء ... وواردوها هم العطاش # فاظمأ لتروى، وكن كقوم ... سقوا بها غبة فعاشوا # كأن آمالنا ظباء ... ونحن من حيرة خداش # إن لآمالنا انبساطا ... به لأعمارنا انكماش # كأن رجالنا صقور ... ونحن من تحتها خشاش # ولابن الرومي رحمه لله: [الطويل] # لعمرك ما الدنيا بدار إقامة ... إذا زال عن عين اللبيب غطاؤها # فكيف بقاء الناس فيها وإنما ... ينال بأسباب الفناء بقاؤها # وقال آخر: [الطويل] # ومن يحمد الدنيا لعيش يسره ... فسوف لعمري عن قريب يلومها # إذا أدبرت كانت على المرء حسرة ... وإن أقبلت كانت كثيرا همومها # ولابن سارة رحمه الله تعالى: [الوافر] # بنو الدنيا بجهل عظموها ... فجلت عندهم وهي الحقيره # يهارش بعضهم بعضا عليها ... مهارشة الكلاب على العقيره # *** # ثم إنه لبد عجاجته، . وغيض مجاجته، واعتضد شكوته. وتأبط هراوته فلما PageV01P050 # رنت الجماعة إلى تحفزه، ورأت تأهبه لمزايلة مركزه، أدخل كل منهم يده في ~~جيبه، فأفعم له سجلا من سيبه، وقال: اصرف هذا في نفقتك، أو تفرقه على ~~رفقتك، فقبله منهم مغضيا، وانثنى عنهم مثنيا، وجعل يودع من يشيعه، ليخفي ~~عليه مهيعه، ويسرب من يتبعه، لكي يجهل مربعه. # *** # قوله: «ثم إنه لبد عجاجته»، أي سكن غبرته المرتفعة حتى لصقت بالأرض غيض: # جفف. المجاجة: ما يلقي من فيه، وقد مج الرجل ريقه إذا سال من حمق أو كبر، ~~وأراد بلبد عجاجته، قطع كلامه الذي كان قد استرسل، وأخذه من قول سليمان بن ~~عبد الملك، وقد تكلم وفد بين يديه، فلم يصنعوا شيئا وتكلم بعدهم رجل قبيح ~~المنظر فأبلغ، فقال سليمان: كأن كلامه بعد كلامهم سحابة لبدت ms0043 عجاجا. # وأراد ب «غيض مجاجته» ما كان يسيل من عينيه وأنفه عند البكاء. واعتضدها: # جعلها تحت عضده. والشكوة: ركوة الماء تصنع من جلد الثور أو الخروف، ~~وتأبطها: # جعلها تحت إبطه. هراوته: عصاه. رنت: نظرت. تحفزه: تهيؤه وعجلته للانصراف، ~~وتحفز وانحفز، إذا كان جالسا على عقبيه متهيئا للقيام، تأهبه: استعداده، ~~مزايله: # مفارقه. مركزه: موضعه الذي قام به. أفعم ملأ، وفعمت الشيء فعما: ملأته. سجلا: # دلوا. سيبه: عطاؤه، معناه وهب له نصيبا من عطائه. رفقتك: أصحابك. مغضيا: # مستحييا، وأصل «أغضى» كف بصره وضم جفنيه، . انثنى: رجع وانعطف عن طريقه، ~~مهيعه: طريقه البين. يسرب: يفرق. فكأنه «تفعل» من السرب وهو الطريق، كأنه ~~يردهم عن تشييعه في طريق مختلفة، أو يكون من لفظ السرب، وهو الجحر. فكأنه ~~يغيبهم عنه حيث يقصد تعمية طريقه عليهم، أو يكون من لفظ السارب وهو الذاهب ~~في الأرض، وقد سرب سروبا، فكأنه يذهبهم في كل ناحية ليجهل مكانه مربعه: ~~منزله في الربيع خاصة. والمربع: المنزل في كل وقت؛ من ربعت بالمكان، أقمت به. # *** # قال الحارث بن همام: فاتبعته مواريا عنه عياني، وقفوت إثره من حيث لا ~~يراني؛ حتى انتهى إلى مغارة، فانساب فيها على غرارة، فأمهلتهريثما خلع ~~نعليه، وغسل رجليه، ثم هجمت عليه، فوجدته محاذيا لتلميذ، على خبز سميذ، ~~وجدي حنيذ، وقبالتهما خابية نبيذ، فقلت له: يا هذا، أيكون ذاك خبرك وهذا مخبرك! # *** # مواريا: ساترا. عياني: شخصي، أي تبعته مستخفيا بحيث لا يراني، قفوته: ~~اتبعته من جهة قفاه، انساب: دخل، وأصل الانسياب، جرى الحية على وجه الأرض، ~~أو PageV01P051 # جرى الماء كذلك، ولا يكون الانسياب إلا على وجه الأرض، لا يقال: انساب في ~~الجحر؛ حدثني به بعض من لقيت من أصحابنا، وكان أضبط الناس للسان العرب، قال: # وقول الحريري: «انساب فيها» وهم منه، ولو قال: «انشام فيها» لكان أمثل، ~~يشبهه بالسيف إذا وضع في غمده. غرارة: غفلة. ريث: قدر. هجمت عليه: دخلت ~~عليه فجأة، ومنه هجم عليه الحر، وهجمت عينه: دخلت في رأسه. محاذيا: ملاصقا ~~أو جالسا بحذائه. تلميذ: متعلم ms0044 الصنعة حنيذ: مشوي، وحنذ اللحم حنذا: شواه ~~بحجارة محماة. نبيذ، أراد به خمرا، خبرك، أراد به أمرك الذي أنت عليه، ~~مخبرك، أي باطنك وما يختبر منك. # ومما ينتظم في هذا النمط حكاية أبي نواس حين رئي في مجلس منصور بن عمار ~~يبكي، فظن الناس أنه قد نسك، فجعلوا يهنئونه، ويقولون: نرجو لك من الله ~~الخير، فقال: أنا أهون على الله من ذلك؛ وليس كما تظنون، ولكن أبكي لبكاء ~~ذلك الغزال- وغلام بالمجلس يبكي من وعظ منصور- ثم قال: [السريع] # لم أبك في مجلس منصور ... شوقا إلى الجنة والحور # لكن بكائي لبكا شادن ... تقيه نفسي كل محذور # تنتسب الألسن في وصفه ... إلى مدى عجز وتقصير # وحضر أيضا مجلس بعض القصاص، فقالوا له: لعل الله قد أقبل بك! فقال: إنما ~~حضرت لأجل هذا الغزال، ثم قال: [مجزوء الرمل] # خلياني والمعاصي ... ودعا ذكر القصاص # واسقياني الخمر صرفا ... في أباريق الرصاص # وعلى وجه غزال ... طائع ليس بعاصي # بين فتيان كرام ... قد تواصوا بالمعاصي # وعلى الله- وإن أف ... رطت في الذنب- خلاصي # *** # فزفر زفرة القيظ، وكاد يتميز من الغيظ؛ ولم يزل يحملق إلي، حتى خفت أن ~~يسطو علي، فلما أن خبت ناره، وتوارى أواره، أنشد: [المتقارب] # لبست الخميصة أبغي الخبيصة ... وأنشبت شصي في كل شيصه # وصيرت وعظي أحبولة ... أريغ القنيص بها والقنيصه # وألجأني الدهر حتى ولج ... ت بلطف احتيالي على الليث عيصه # على أنني لم أهب صرفه ... ولا نبضت لي منه فريصه PageV01P052 # ولا شرعت بي على مورد ... يدنس عرضي نفس حريصه # ولو أنصف الدهر في حكمه ... لما ملك الحكم أهل النقيصه # *** # قوله: «فزفر زفرة القيظ» الزفرة: تنفس المهموم أو المغتاظ، والقيظ: شدة ~~الحر، شبه ما أبداه من شدة الغيظ بوهج الحر. يتميز: يتقطع ويتفرق، يحملق: ~~يحد النظر، والحملقة: نظر الغضبان، والحملاق: باطن الجفن. يسطو: يصول ~~ويتناولني بالمكروه، يقال: سطا عليه وبه، يسطو سطوا وسطوة، إذا قهره وأذله، ~~خبت ناره: سكنت حدة غيظه، توارى: تغطى واستتر. أواره: لهبه ونار غيظه، ~~والأوار: وهج النار الخميصة: # كساء فيه خطوط، وقال يعقوب وأبو ms0045 عبيد: الخميصة: كساء مربع أسود له علمان. # الخبيصة: نوع من الحلواء، وتسميه عامتنا الخبيز، بالزاي، وكنى به عن لذة ~~العيش، . # الشص: حديدة معوجة يصاد بها الحوت، وتسمى الصنارة، شيصة: ثمرة رديئة؛ ومن ~~ملح قصاص البلدان، أن أبا عبد الله الخواص كان يقول فيقصصه: إنما الناس مثل ~~التمر، فيهم الشيص والبرني، يا رب اجعلنا برنيا ولا تجعلنا شيصا، وقال قاص ~~آخر: إن في الجنة لحم جدي ولحم كل شيء بلا عظم مثل الشيص في بلادنا بلا ~~نوى، يريد أنه لا يحتقر شيئا؛ فكل ما اتخذ له أخذه، أحبولة: آلة يصاد بها، ~~أريغ: أطلب ما يصعب أخذه، كأنه يروغ من كذا، أي عدل عنه ورجع، وهو يخفى ~~رجوعه. قال الفراء: يقال لا للذي يرجع: راغ يروغ، إلا أن يكون مخيفا ~~لرجوعه، قال الله تعالى: فراغ عليهم ضربا باليمين [الصافات: 93]، أي رجع ~~إليهم يضربهم مخيفا لرجوعه، ومعنى «باليمين» أي بيمينه الذي حلف في قوله ~~تعالى: وتالله لأكيدن أصنامكم [الأنبياء: 57]، أو يريد باليمين القوة، وقال ~~تعالى: فراغ إلى أهله فجاء بعجل [الذاريات: 26]، أي رجع إليهم في إخفاء منه ~~لرجوعه. القنيص والقنيصة: الذكر والأنثى مما يصاد من الوحش، وهذا مثل، ~~وإنما أراد ما يأخذه من الناس بالحيل، ألجأني: أحوجني. ولجت: دخلت. # لطف: رقة، وتلطف، عيصه: بيته، وأصله الشجر الملتف. والليث: الأسد. أهب: # أخف، صرفه تقلبه، نبضت: تحركت. فريصة: بضعة في آخر الكتف تتحرك عند ~~الفزع، شرعت: دخلت، وعلى: بمعنى «في» نحو قولك: كان ذلك على عهد فلان، أي ~~في عهده. مورد موضع الماء. يدنس: يوسخ ويعيب، . عرضي: ذكرى. نفس حريصة: # كثيرة الرغبة والطمع، النقيصة: الخصلة القبيحة يفعلها الرجل فينقص بها. # وقال بعضهم: [الكامل] # غضي عيونك يا عيون النرجس ... منك استحيت بأن أقبل مؤنسي # نام الحبيب تدبلت أجفانه ... وعيونكن شواخص لم تنعس # فأجابني تفاح صفحة خده ... بفصاحة من ألسن لم تخرس PageV01P053 # قبل حبيبك ما اشتهيت فإن من ... عاداتنا كتمان سر المجلس # يا رب إن قدرته لمقبل ... غيري فللمسواك أو للأكؤس # ولئن قضيت لنا بصحبة ثالث ... يا ms0046 رب فلتك شمعة في المجلس # ومن أحسن ما قيل في الدهر، قول تميم بن المعز: # يا دهر ما أقساك من متلون ... في حالتيك وما أقلك منصفا # أتروح للنكس الجهول ممهدا ... وعلى اللبيب الحر سيفا مرهفا! # وإذا صفوت كدرت شيمة باخل ... وإذا وفيت نقضت أسباب الوفا # لا أرتضيك وإن كرمت لأنني ... أدري بأنك لا تدوم على الصفا # زمن إذا أعطى استرد عطاءه ... وإذا استقام بدا له فتحرفا # ما قام خيرك يا زمان بشره ... أولى بنا ما قل منك وما كفى # إدريس بن اليمان: [البسيط] # ماذا أقول لدنيا لو ظفرت بها ... أدبتها غضبا للعلم والأدب # شجا من أقذية الأيام برح بي ... بل بالعوالي وبالهندية القضب # *** # ثم قال لي: ادن فكل، وإن شئت فقم وقل. فالتفت إلى تلميذه وقلت: # عزمت عليك، بمن تستدفع به الأذى، لتخبرني من ذا؟ فقال: هذا أبو زيد ~~السروجي، سراج الغرباء، وتاج الأدباء. # فانصرفت من حيث أتيت، وقضيت العجب مما رأيت! # *** # قول: «أدن» أي أقرب. قل، أي قل ما شئت، التلميذ: الخادم، والجمع ~~التلاميذ، قال لبيد: [المنسرح] # * يجلو التلاميذ لؤلؤا قشبا (¬1) * # أي يجلو التلاميذ لؤلؤا جديدا، وطلبة العلم: تلاميذ شيخهم، الأذى: الضرر، PageV01P054 # سراج: مصباح، يريد أنه للغرباء مصباح يفخرون به ويهتدون بحيلته، وللأدباء ~~تاج يتزينون به ويضعونه فوق رءوسهم. انصرفت: رجعت، قضيت العجب؛ أي أتممته، ~~كأنه قال: قضيت حاجتي مما رأيت، ويقال: قضى بحبه من كذا، أي بلغ مراده، ~~وقضى عليه القاضي، أي قطع عليه، والقاضي: القاطع للأمور المحكم لها. وقوله ~~تعالى: فقضاهن سبع سماوات في يومين [فصلت: 12]، أي قطعهن وأحكم خلقهن، ~~ويكون «قضى» بمعنى «عمل». PageV01P055 ### | AUTO المقامة الثانية وهي الحلوانية # حكى الحارث بن همام قال: كلفت مذ ميطت عني التمائم، ونيطت بي العمائم، ~~بأن أغشى معان الأدب، وأنضي إليه ركاب الطلب لأعلق منه بما يكون لي زينة ~~بين الأنام، ومزنة عند الأوام، وكنت لفرط اللهج، باقتباسه، والطمع في تقمص ~~لباسه، أباحث كل من جل وقل، وأستسقي الوبل الطل، وأتعلل بعسى ولعل. # *** # كلفت، أي اشتد حبي، والكلف: شدة الحب ms0047 والمبالغة فيه، فلان كلف بفلان، أي ~~مبالغ في محبته، وميطت وأميطت: أزيلت. التمائم: الأحراز نيطت: علقت، وإذا ~~بلغ الصبي الحلم عند العرب أزلوا الأحراز عن عنقه، وألبس العمامة والإزار، ~~وقلد السيف، فأراد: أحببت مذ بلغت الحلم مجالس الأدباء. أغشى: أقصد وأدخل. # المعان: المنزل. أبو عبيد، يقال: البصرة معان منا، أي منزل منا، قال ~~المعري: # [الوافر] # * معان من أحبتنا معان (¬1) * # فالأول اسم موضع معلوم جنس به، وجعله منزل أحبابه، وقال بعضهم: سمي معانا ~~لمعاينة الناس فيه بعضهم بعضا، أو لأن فيه أعيانا، أنضي: أهزل الركاب: ~~الإبل، وجعل للطلب إبلا مجازا، وإنما يريد: أتعبت نفسي فرحلت إلى طلبه على ~~الإبل، لأعلق منه: لأحصل منه على فائدة أتعلق بها، الأنام: الخلق مزنة: ~~سحابة. الأوام: شدة العطش؛ يريد أنه يتعب نفسه في طلب الأدب ليتزين به بين ~~الناس؛ ويعيش به إذا احتاج إليه، فرط اللهج: شدة الحب، يقال: قد لهج ~~بالشيء، إذا أكثر الحديث به لحبه فيه، وحرصه عليه، ولهج الفصيل بالرضاع، ~~إذا لج فيه. اقتباسه: اكتسابه، التقمص: لبس PageV01P056 # القميص. لباسه: ثيابه، أي أطمع أن ألبس من ثيابه قميصا. أباحث: أسائل. جل: # عظم. قل: حقر. أستسقى الوبل والطل، أي أطلب منه السقي، والوبل: أشد المطر ~~والطل: أضعفه، ويقال: الرك أضعف من الطل، ومنه قيل للدني: ركيك. أتعلل: # أشغل نفسي وأطمعها، والعلالة: الشيء اليسير، وعسى ولعل: معناهما الرجاء ~~والطمع؛ يريد أنه يسائل الجليل في العلم والحقير، ومن كثر علمه وكان ~~كالوبل، أو قل وكان كالطل، وإذا فقد من يؤخذ عنه العلم رجا نفسه بوجوده ~~وأطمعها. والتعلل: قطع الزمان بالعيش اليسير وقد تعلل بشرا به، إذا أخذ منه ~~قليلا قليلا؛ فمعنى «أتعلل عسى ولعل»، أذهب عله وجدي بالرجاء والطمع. # *** # فلما حللت حلوان، وقد بلوت الإخوان، وسبرت الأوزان؛ وخبرت ما شان وزان، ~~ألفيت بها أبا زيد السروجي يتقلب في قوالب الانتساب، ويخبط في أساليب ~~الإكتساب فيدعي تارة أنه من آل ساسان، ويعتزي مرة إلى أقيال غسان، ويبرز ~~طورا في شعار الشعراء، ويلبس حينا كبر الكبراء. ### || AUTO [حلوان] ms0048 # حللت: نزلت، وحلوان: بلدة بينها وبين مدينة بغداد أربع مراحل، وهي من كور ~~الجبل، وسميت باسم بانيها، وهو حلوان بن علي بن الحاف بن قضاعة وهي مدينتان ~~بينهما نهر عظيم مقداره فرسخ، وهي مقابلة لطبرستان، وهي جبلية سهلية بحرية ~~لها زيتون ونخيل، وبها قصب السكر وافتتحت في زمن عمر. # *** # بلوت: جربت، الإخوان: الأصحاب. سبرت: فتشت، الأوزان: أقدار الناس، خبرت: ~~جربت وعرفت، شان: عاب. وزان: زين؛ يريد أنه دخلها وهو مجرب عارف بالناس. ~~ألفيت: وجدت، يتقلب: يتنوع. قولب جمع قالب، وقالب كل شيء: قياسه، وما يصنع ~~عليه. يخبط: المشي في الأرض على غير قصد كمشي الأعمى، أساليب: # طرق. واحدها أسلوب. آل ساسان: ملوك الفرس. يعتزي: ينتسب. أقيال: ملوك ~~غسان: قبيلة باليمن كان منها ملوك، وغسان: ماء كان شربا لولد مازن بن الأزد ~~بن الغوث فسموا به، يبرز: يظهر. طورا: حينا. شعار: ثياب. والشعار ثوب يلي الجسد. # كبر: تكبر، يريد أنه لقي أبا زيد بحلوان يتنوع بذلك. في أحوال المكدين، ~~ويجري بذلك في طرق اكتساب المعيشة فيدعي أنه من آل ساسان. # وأصل هذا أن الفرس كان فيهم الملك، وكانت العرب تحت حكم ملوكهم، فلما بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لملكهم بكتابه يدعوهم إلى الإسلام، مزقوه، ~~فدعا الله عليهم أن PageV01P057 # يمزقوا كل ممزق، فأوقع بهم المسلمون في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~بعد حروب شديدة معظمها بالقادسية، فلم يبق لهم في الملك رسم، وصاروا في ~~خلافة عثمان رضي الله عنه تحت حكم المسلمين، وكانوا أهل دهاء وجراءة وحروب ~~ورماية، فسكن من بقي منهم الأمصار، واستعربوا وتفقهوا. فكان منهم من نفع ~~الله به المسلمين، وكان منهم أهل أهواء وبدع، ونشأت منهم هذه الطائفة ~~الخسيسة أهل الكدية، فكانوا يطوفون على البلدان، ويقولون: نحن من بني ~~ساسان، فينتسبون إلى ملوكهم، ثم يتذللون في السؤال، ويذكرون تلاعب الدهر ~~وانقلاب حال الملوك إلى السؤال، فيقع الإشفاق عليهم، والميل بالرزق لهم، ~~حتى شعر الناس بمكرهم وخديعتهم، فطردوا، وصار الناس إذا رأوا سائلا متمسكا ~~قالوا. ساساني، ms0049 وقيل: إن ساسان اسم رجل معين، وهو أول من أسس الكدية، ~~فنسبوا إليه، كما أن الطفيلي منسوب إلى رجل اسمه طفيل وهو أول من تطفل، ~~فأراد أن أبا زيد كان يتنوع في أحواله، فيتمسكن تارة ويدعي أنه من ساسان، ~~ويتعاظم أخرى فينتسب إلى غسان، ويبرز مرة في أحلاس الشعراء المكدين، ويظهر ~~ثانية في ثياب فاخرة، ولباس الكبراء المثرين. # *** # بيد أنه مع تلون حاله، وتبين محاله، يتجلى برواء ورواية، ومداراة ودراية، ~~وبلاغة رائعة، وبديهة مطاوعة، وآداب بارعة وقدم لأعلام العلوم فارعة، فكان ~~لمحاسن آلاته، يلبس على علاته، ولسعة روايته، يصبي إلى رؤيته، ولخلابة ~~عارضته يرغب عن معارضته ولعذوبة إيراده يسعف بمراده فتعلقت بأهدابه لخصائص ~~آدابه، ونافست في مصافاته، لنفائس صفاته. [الطويل] # فكنت به أجلو همومي وأجتلي ... زماني طلق الوجه ملتمع الضيا # أرى قربه قربي ومعناه غنية ... ورؤيته ريا، ومحياه لي حيا # قوله: «بيد أنه»، أي غير، محاله: باطله: والمحال ما لا يمكن أن يتصور، ~~وهو «مفعل» من حال الشيء، إذا تغير، كأنه أزال عن وجهه. يتجلى: يتزين. ~~رواء: نظافة وحسن منظر، مدارة: حسن سياسة في صحبته، وأصلها المخادعة، دراية ~~ودرية: مصدر دريت، بلاغة: فصاحة، رائعة: معجبة، ومن شاهدها ارتاع وتعجب، ~~والبديهة والبداهة: # الأخذ في الكلام من غير فكرة، وهي الارتجال. مطاوعة: منقادة بارعة: فائقة ~~تفضل غيرها أعلام: جبال فارعة: طائلة قد علتها، واللام في قوله: «لأعلام» ~~زائدة، وزيادتها إذا تقدمت أحسن منها إذا تأخرت، مثل ضربت زيدا ولزيد ضربت، ~~آلاته: عدده، وأراد به هذه الأنواع التي قدمها التيتحلى بها يلبس: يصاحب ~~ويخالط علاته: عيوبه التي ذكر من أنواع الغربة، سعة روايته: كثرة علمه وما ~~يرويه. يصبى: يمال. خلابة: خداع، وقد PageV01P058 # خلبه خلبا وخلابة: خدعه، عارضته: قوة كلامه. معارضته: مقابلته ومناقضة ~~كلامه، وتقول: رغبت عن الشيء تركته وتزهدت فيه، ورغبت فيه، إذا أحببته، ~~فيريد أنه لقوة كلامه وصلابته لا يتعرض أحد لجداله فهو يخادع به الناس حتى ~~لا يعترض له فيما يقول، وقيل: معنى فلان شديد العارضة، إذا أفحش وأسمع ~~المكروه، ورجل ms0050 شديد العارضة، أي لا تقرب ناحيته، إيراده: أخذه في الكلام، ~~يسعف: يساعد، أهدابه: أطراف ثوبه وخصائص الشيء: ما يختص به، أي ينفرد، ~~نافست: زايدت وغاليت مصافاته: # مصاحبته، نفائس جمع نفيس، وهو الرفيع من كل شيء، يسمى نفيسا، من النفس ~~وهو العين، حتى كأنه لرفعته تتعلق به العين، وقد قال المعري: # فالعين يسلم منها ما رأت فنبت ... عنه وتلحق ما تهوى من الصور (¬1) # قوله: «أجلو»، أي أكشف أجتلى: نظر طلق الوجه: مستبشرا، والطلق ضد العابس، ~~ملتمع: منير بادي اللمعان: قربي: نسبا، ومغناه: منزله، من قولهم: غني ~~بالمكان يغني غنيانا، إذا أقام به غنية: غنى، يقال: غني يغني غنى فهو غني، ~~إذا استغنى، والاسم: الغنية، ريا: شبعا من الماء، ورويت من الماء ضد عطشت: محياه: # حياته. حيا: مطر عام. يقول: أنه بمصاحبته أبا زيد يزول همه، ويلقاه ببشر ~~منه، فيرى قربه منه بالود كقرابة النسب، وكان منزله لما يجد فيه من الخصب ~~أو من غزارة العلم يرى أنه غناه، وإذا رآه زال عطشه للعلم أو للماء برؤيته، ~~وقصد تجنيس الألفاظ يبعد المعنى. # *** # ولبثنا على ذلك برهة، ينشئ لي كل يوم نزهة، ويدرأ عن قلبي شبهة، إلى أن ~~جدحت، له يد الإملاق كأس الفراق، وأغراه عدم العراق بتطليق العراق، ولفظته ~~معاوز الإرفاق، إلى مفاوز الآفاق ونظمه في سلك الرفاق خفوق راية الإخفاق، ~~فشحذ للرحلة غرار عزمته، وظعن يقتاد القلب بأزمته. [الطويل] # فما راقني من لاقني بعد بعده ... ولا شاقني من ساقني لوصاله # ولا لاح لي مذ ند ند لفضله ... ولا ذو خلال حاز مثل خلاله # لبثنا: أقمنا. برهة: مدة، ينشئ: يصنع ويبتدئ، والنزهة أصلها التباعد عن ~~الريب، ثم كثرت حتى صارت الخروج للرياض، للتفرج، ثم استعملت في المعاني ~~فقيل: نزه فلان في آدابه، وكنى بهذا عما يستفيده من علمه. يدرأ: يدفع. ~~شبهة: إشكال والتباس. جدحت: حركت ومزجت، والمجدح: آلة يمزج بها المشروب ~~الصعب PageV01P059 # الامتزاج، الإملاق: الفقر من الملقة وهي الصخرة الملساء، فأملق كأنه صادف ~~ملقة لا تنبت شيئا، ولم يصادف خصبا بعد أن ms0051 كان في ترفه وغنى، أغراه: حرضه. # والعراق، اختلفوا فيه، فقال صاحب العين: العراق: العظم بلا لحم، فإن كان ~~عليه لحم فهو عرق. # ابن قتيبة، يقال للعظم الذي عليه اللحم عراق، وللخالي من اللحم عرق. # أبو عبيد، العراق: القطعة من اللحم، أبو زيد، قول العامة: ثريده العراق ~~خطأ؛ إذ كان العراق العظام، وأنشد لرجل يطرد الطير عن زرعه في عام جدب: ~~[الرجز] # عجبت من نفسي ومن إشفاقها ... ومن طرادي الطير عن أرزاقها (¬1) # في سنة قد كشفت عن ساقها ... حمراء تبرى للحم عن عراقها # ابن الأنباري، قول أبي عبيد هو الصواب؛ لأن العرب تقول: أكلت العراق ولا ~~تقول: أكلت العظم، وفي حديث أم إسحاق العنزية: فجعلت لا آكل العراق ولا ~~أضعه، فقولها: «لا آكل» يدل على أن العراق لحم مفرد أو لحم على عظم، # الأصمعي، قيل لأعرابي: أي الطعام أطيب؟ قال: ثريده دكناء من الفلفل، ~~رقطاء من الحمض، ذات حفافين من البضع، لها جناحان من العراق، قيل: كيف أكلك لها؟ # قال: أصدع بهاتين- يعني السبابة والوسطى- وأسند بهذين- يعنى الإبهام ~~والخنصر- وأجمع ما شذ منها بهذه- يعني البنصر- وأضرب فيها ضرب ولي السوء في ~~مال اليتيم، فهذا يدل على أن العرق قطع اللحم إذا كانت العرب لا تصف الثريد ~~والأطعمة بكثرة العظام. # والعراق في البيت: الأكل، تقول: عرقت العظم عراقا، أكلت ما عليه من ~~اللحم، والعظم معروق، وهو بمنزلة سكت سكاتا. # العراق: قال صاحب العين: هو شاطئ البحر، وبه سميت العراق لأنها على شاطئ ~~دجلة، ابن الأعرابي، سمي عراقا لأنه سفل عن نجد، ودنا من البحر، أخذ من ~~عراق القربة، وهو الخرزفي أسفلها، قطرب، سمي عراقا لأنه دنا من البحر، . ~~وبه يناخ وينجد. # ويقال: استعرقت إبلهم، إذا أتت ذلك الموضع، لفظته، أي رمته. ومعاوز: جمع ~~معوز، والمعوز هو العوز نفسه، والمعوز بالكسر: الثوب الخلق وجمعه معاوز، ~~الإرفاق ومصدر أرفقته، إذا أوصلت إليه نفعا يرتفق به، ورفقته بمعناه فأراد ~~بمعاوز الإرفاق فقد ما يرتفق به والمفاوز: جمع مفازة وهي الصحراء سميت ~~مفازة على التفاؤل، لأن الرجل إذا PageV01P060 # قطعها فاز ms0052 ونجا. والآفاق: نواحي الأرض، نظمه: ضمه وجمعه سلك: خيط، ~~الرفاق: # جمع رفقة، وعنى بسلك الرفاق الطريق الذي ينتظمون فيه إذا أخذوا في السير، ~~لأنهم يمشون فيه واحدا بعد واحد، فنظمهم الطريق، وصار لهم كالسلك. خفوق: ~~اضطراب، وقد خفق خفقا وخفوقا، والإخفاق: الخيبة، ويقال: غدا فأخفق، إذا ~~خاب، ومثله في الصائد: صاد فأروق. شحذ: حد وسن، وشحذ الرجل سيفه.، إذا ألح ~~عليه بالتحديد، ومنه قولهم للملح في المسألة: شحاذ، والعامة تصحفه فتقول: ~~شحات، بالتاء. غرار: # حد. وأراد أنه لما عزم على الارتحال حد عزمته، أي عول على السفر يجد. ~~والعزمة: # مصدر عزم إذا جد، وجعل لها حدا، مبالغة في تعجيل السفر. ظعن: ذهب وارتحل. # أزمة: جمع زمام، وهو حبل من جلود يشد به في حلقه مجعولة في وتد أنف ~~البعير، فجعل تعلق قلوب أصحابه به عند فراقه، وحنينهم إليه؛ كأنه قد ربطها ~~بأزمة وقادها معه، فمن روى «القلوب» عادت الهاء من «أزمته» على السروجي، ~~ومن روى «القلب» عادت على القلب أو على السروجي، والقلب لابن همام. # وقوله: «راقني»، أي أعجبني، وقد راق الشيء يروق روقا فهو رائق إذا أعجب، ~~لاقني: لصق بي وصحبني. شاقني: شوقني. ساقني لوصاله: دعاني لصحبته، لاح: # ظهر، ند: فر وشرد. ند: مثل، والجمع أنداد، خلال: جمع خلة الضم؛ وهي ~~الصداقة، خلاله: جمع خلة بالضم أيضا، وهي الخصلة. وهذا النمط في وصف الصديق ~~وغيبته بارع ولابن عمران في ذلك: [البسيط] # يا مرحبا بصديق لست أبصره ... إلا تجدد لي أنس بمرآه # وإن تغيب عن عيني فلم أره ... فلي فؤاد بظهر الغيب يرعاه # *** # واستسر عني حينا، لا أعرف له عرينا، ولا أحد عنه مبينا، فلما أبت من ~~غربتي، إلى منبت شعبتي، حضرت دار كتبها التي هي منتدى المتأدبين، وملتقى ~~القاطنين منهم المتغربين، فدخل ذو لحية كثة، وهيئة رثة، فسلم على الجلاس، ~~وجلس في أخريات الناس. # *** # استسر: غاب واختفى، وأصله من سرار الهلال في آخر الشهر وهو يستسر ليلة لا ~~يظهر أو ليلتين، والعرين: بيت الأسد ومأواه، مبنيا: معلما به يبين ms0053 لي أين ~~استقر. أبت: # رجعت، منبت شعبتي، أي بلدة قرابتي التي نبتوا فيها، يريد البصرة. ~~والشعبة: القرابة، دار كتبها: مدرسة العلم. منتدى: مجتمع القاطنين: ~~الساكنين، وقطن بالمكان: أقام فيه، كثة: كثيرة الأصول من غير طول. PageV01P061 ### || AUTO [اللحية وما قيل فيها] # ويقال للحية إذا أقصر شعرها وكثر: أنها لكثة، وقد «كثت تكث كثاثة وكثوثة، ~~ورجل كث اللحية، ولحية كثحمة، إذا كثفت وقصرت وجعدت، ورجل كثحم اللحية، ~~وإذا عظمت وكثر شعرها قيل: إنه لذو عثنون، وإنه لهلوف، فإذا كانت اللحية ~~قليلة في الذقن ولم تكن في العارضين فذلك السنوط والسناط، ورجل سناط: بين ~~السنط، فإذا لم يكن في وجهه كثير شعر، فذلك الثطط ورجل ثط، ورجال ثطاط، ~~والسبلة: مقدم اللحية، ورجل مسبل، وفلان خفيف العذارين، وهما ما اتصل من ~~شعر اللحية بالصدغ، وهما العارضان، وهما ما نبت في الخدين من الشعر على ~~عوارض الأسنان، قال رؤبة في لحية حرب بن قطن: [الرجز] # هلوفة كأنها جوالق ... نكداء لا بارك فيها الخالق (¬1) # لها فضول ولها بنائق ... إذا الرياح العصف السوابق # طيرنها طارت لها عقائق ... إن الذي يحملها لمائق # وأنشد أبو علي: [الطويل] # وأنت امرؤ قد كثأت لك لحية ... كأنك منها قاعد في جوالق (¬2) # قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سعادة المرء خفة لحيته». وكانت عائشة ~~رضي الله عنها تقسم فتقول: «لا والذي زين الرجال باللحى»، تقول: إنه قسم ~~الملائكة. # قال الأحدب الصوفي: سمعت مطيار بن أحمد يقول: رأيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم في المنام، فقلت: يا رسول الله، أشتهى لحية كبيرة، فقال لي: «لحيتك ~~جيدة، وأنت محتاج إلى عقل تام». # وقال صلى الله عليه وسلم: «اعتبر واعقل الرجل في ثلاث: في طول لحيته، ~~ونقش خاتمه، وكنيته». # أتى رجل طويل اللحية معاوية فقال له: أما اللحية فلا نسأل عنها، فما نقش ~~خاتمك؟ فقال: وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين PageV01P062 # [النمل: 20]، قال: فما كنيتك؟ فقال: أبو الكوكب الدري، قال: كمل الرجل. # وكان صلى الله عليه وسلم يأخذ من ms0054 لحيته من طولها وعرضها بالسواء (¬1). # وكان عبد الله بن عمر يقبض على لحيته، ويأخذ ما زاد منها على قبضته. # الحسن بن المثنى: إذا رأيت رجلا له لحية طويلة، ولم يتخذ لحية بين ~~لحيتين، كان في عقله شيء. # وكان المأمون جالسا مع ندمائه ببغداد، مشرفا على دجلة وهم يتذاكرون أخبار ~~الناس، فقال المأمون: ما طالت لحية إنسان قط إلا ونقص من عقله بمقدار ما ~~طال من لحيته، وما رأيت عاقلا قط طويل اللحية. فقال له بعض جلسائه، ولا يرد ~~على أمير المؤمنين: قد يكون في طول اللحى أيضا عقل؛ فبينما هم يتذاكرون في ~~هذا، إذ أقبل رجل كبير اللحية، حسن الهيئة، فاخر الثياب، فقال المأمون: ما ~~تقولون في هذا الرجل؟ # فقال بعضهم: رجل عاقل، وقال آخر: يجب أن يكون هذا قاضيا، فقال المأمون ~~لبعض الخدم: علي بالرجل، فلم يلبث أن أصعد إليه ووقف بين يديه، فسلم فأجاد ~~السلام، فأجلسه المأمون، واستنطقه فأحسن النطق، فقال المأمون: ما اسمك؟ ~~فقال: علوية، قال: فما الكنية؟ قال: أبو حمدويه، فضحك المأمون، وغمز جلساءه ~~ثم قال: ما صنعتك؟ قال: فقيه أجيد الشرع في المسائل، فقال له: نسألك مسألة! ~~فقال الرجل: سل عما بدا لك، فقال لهالمأمون: ما تقول في رجل اشترى شاة من ~~رجل، فلما تسلمها المشتري، وقضى الثمن، ضرطت، فخرج من استها بعرة ففقأت عين ~~رجل؛ على من تجب دية العين؟ قال: فنكت بإصبعه في الأرض طويلا، ثم قال: تجب ~~على البائع دون المشتري، فقال المأمون: وما العلة التي أوجبت الدية عليه ~~دون المشتري؟ قال: إنه لما باعها لم يشترط أن في استها منجنيقا، قال: فضحك ~~المأمون حتى استلقى على قفاه، وضحك كل من حضره من الندماء. وأنشد المأمون ~~يقول: [السريع] # ما أحد طالت له لحية ... فزادت اللحية في حليته # إلا وما ينقص من عقله ... أكثر مما زاد في لحيته # وقال آخر: [المتقارب] # إذا عظمت للفتى لحية ... فطالت فصارت إلى سرته # فنقصان عقل الفتى عندنا ... بمقدار ما زاد في لحيته # وأنشد أبو علي: [مجزوء الكامل] ms0055 PageV01P063 # لا تفخرن بلحية ... كثرت منابتها طويله (¬1) # يهوى تفرقها الريا ... ح كأنها ذنب الحسيله # قد يدرك الشرف الفتى ... يوما، ولحيته قليله # وقال: الحسيلة العجلة. # وأنشد أبو العباس رحمه الله: [الطويل] # كل امرئ ذي لحية عثولية ... يقوم عليها ظن أن له فضلا (¬2) # وما الفضل في طول السبال وعرضه ... إذا الله لم يجعل لصاحبه عقلا # عثولية: كبيرة. # نظر يزيد بن مزيد الشيباني رحمه الله إلى رجل ذي لحية عظيمة، وقد تلففت ~~على صدره، وإذا هو خاضب، فقال له: إنك من لحيتك في مئونة، فقال: أجل، ولذلك ~~أقول: [الطويل] # لعمرك لو يعطي الأمير على اللحى ... لأصبحت قد أيسرت منذ زمان # إذا لشفتني لحيتي من عصابة ... لهم عنده ألف ولي مائتان # لها درهم للدهن في كل جمعة ... وآخر للحناء يبتدران # ولولا نوال من يزيد بن مزيد ... لصوت فى حافاتها الجلمان # فأمر له بعشرة آلاف درهم. والجلمان: المقص، ويسمى الجالم. # وقال إسحاق بن خلف يصف رجلا بالقصر وطول اللحية: [البسيط] # ما سرني أنني في طول داود ... وأنني علم في البأس والجود # ماشيت داود فاستضحكت من عجب ... كأنني والد يمشي بمولود # ما طول داود إلا طول لحيته ... يظل داود فيها غير موجود # تكنه خصلة منها إذا نفحت ... ريح الشمال، وجف الماء في العود # أجدى وأغنى من الخز الصفيق ومن ... بيض القطائف يوم القر والسود # وأشد إفراطا منه قول ابن الرومي: [السريع] # ولحية يحملها مائق ... مثل الشراعين إذا أشرعا # تقوده الريح بها طائعا ... قودا عنيفا يتعب الأخدعا PageV01P064 # وإن عدا والريح في وجهه ... لم ينبعث في مشيه إصبعا # لو غاص في اليم بها غوصة ... صاد بها حيتانه أجمعا # وأشد إفراطا منه قول الآخر: [الكامل] # يا لحية الشيخ الأزب تميم ... أهديت للأقوام عرف الثوم # لو أنها دون السماء غمامة ... ضاقت مسالك دعوة المظلوم # أو صبها في الماء ثم سما بها ... قامت مقام العارض المركوم # ولابن سارة: [البسيط] # ولحية لست أدري كيف أنعتها ... فضول أشعارها أودت بأشعاري # كأنها ويمين الريح تنشرها ... مذبة وقعت في عود بيطار # وقال آخر: [السريع] # أبصرت شيخا ms0056 ذاهبا جائيا ... ذا لحية قد كبرت في اتساع # عرضا وطولا وهو من خلفها ... كأنه ناشر ثوب يباع # وقال آخر: [الوافر] # لقد كانت مجالسنا فساحا ... فضيقها بلحيته رباح # مقلبة الأسافل والأعالي ... لها في كل زاوية جناح # وقال آخر: [السريع] # يا أيها الناس خذوا حذركم ... قد برزت لحية بهلول # فطولها الفرسخ في فرسخ ... وعرضها ميل إلى ميل # لو ضم ما يقطر من دهنها ... أسرج منه ألف قنديل # ولو سها الحجام عن قصها ... لخالطت ما في السراويل # ذكر هنا أبو محمد لحية السروجي أنها كثة، وكل صفة يصف بها السروجي في ~~المقامات، فتلك كانت صفة الحريري. وذكر ابن جهور أن الحريري كان قليل ~~اللحية لا خلقة، وإنما كان مولعا بنتفها، كانت يده رحمه الله لا تفارق ~~لحيته. وهذا على كثرته قليل فيما قيل في اللحية. # قوله «رثة»، أي خلقة بالية. أخريات: أطراف، وهي جمع أخرى. # *** # ثم أخذ يبدي ما في وطابه، ويعجب الحاضرين بفصل خطابه، فقال لمن PageV01P065 # يليه: ما الكتاب الذي تنظر فيه؟ فقال: ديوان أبي عبادة، المشهود له ~~بالإجادة. # *** # أتى طلحة رضي الله عنه مجلس قوم، فجعلوا ينادونه من كل جانب: هاهنا يا ~~صاحب رسول الله! قال: فجلس في أدنى المجلس، ثم قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: «إن من التواضع لله الرضا بالدون من شرف المجلس». # وطابه: زقاق لبنه، أراد أنه يظهر ما عنده. يعجب: يجعلهم يتعجبون. بفصل ~~خطابه: يريد بفصل كلامه وجودة بلاغته، وقوله تعالى: وفصل الخطاب [ص: 20] هو ~~قول الخطيب: «أما بعد». يليه: يلصق به. ### || AUTO [البحتري] # أبو عبادة. قال البكري: هو الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد، من بني بحتر ~~بن عتود بن عنين بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن جلهمة، وهي طيئ. ~~شاعر مقدم لا يعدل به أحد، يفضل على حبيب، والناس في تفضيلهما على اختلاف. # قال أبو الفرج الأصبهاني: كان البحتري شاعرا فصيحا، حسن المذهب نقي ~~الكلام، ختم به الشعراء المحدثون، وله تصرف في ضروب الشعر، سوى الهجاء، فإن ms0057 ~~بضاعته فيه نزرة. # قال البحتري: وكان أول أمري أني سرت إلى أبي عامر بحمص، فعرضت عليه شعري- ~~والشعراء يعرضون عليه أشعارهم- فترك من حضر وأقبل علي، فقال لي حين تفرقوا: ~~أنت أشعر من أنشدني، فكيف حالك؟ فشكوت خلة، فكتب إلى أهل معرة النعمان، ~~وشهد لي بالحذق في الشعر، وشفع لي إليهم، وقال: امتدحهم. فسرت إليهم، ~~فأكرموني بكتابه، ووظفوا لي أربعة آلاف درهم، فكانت أول مال أصبته. # وحدث أبو الفرج، قال: حدثني أبو الغوث البحتري، عن أبيه، قال: أول أمري ~~أني دخلت على أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري، فأنشدته قصيدة أولها: [الكامل] # * أأفاق صب من هوى فأفيقا (¬1) * # فسر أبو يوسف بها، وقال: أحسنت والله يا فتى وأجدت- وفي مجلسه رجل رفيع ~~نبيل قريب المجلس منه، فوق كل من حضر، تكاد تمس ركبته ركبته، فأقبل علي، ثم ~~قال: أما تستحي مني! هذا شعري تنتحله وتنشده بحضرتي! فقال أبو سعيد: أحقا ~~ما PageV01P066 # تقول؟ قال: نعم، وإنما علقه مني وسبق به إليك، وزاد فيه. ثم اندفع فأنشد ~~أكثر القصيدة، حتى شككني- علم الله- في نفسي، وبقيت متحيرا، فقال لي أبو ~~سعيد: يا فتى، قد كان لك في قرابتك مني ما يغنيك عن هذا! فجعلت أحلف بكل ~~محرجة من الإيمان أن الشعر لي، ما سمعته منه، ولا انتحلته. فلم ينفع ذلك ~~شيئا، وأطرق أبو سعيد، وقطع بي حتى تمنيت أن يساخ بي في الأرض، فقمت منكسف ~~البال، أجر رجلي، فما بلغت باب الدار حتى ردني الغلام، فأقبل علي الرجل ~~وقال: الشعر لك يا بني، والله ما قلته قط، ولا سمعته إلا منك؛ ولكنني كنت ~~ظننت أنك تهاونت بموضعي، فأقدمت على الإنشاد بحضرتي، تريد مضاهاتي، حتى ~~عرفني الأمير نسبك، ولوددت ألا تلد طائية إلا مثلك، ودعاني وضمني إليه، ~~وعانقني، وأبو سعيد يضحك، فلزمته بعد ذلك وأخذت عنه، واحتذيت فنه. # وعن أبي الغوث عن أبيه قال: قال لي أبو تمام: بلغني أن بني حميد أعطوك ~~مالا جليلا، فبم مدحتهم؟ فأنشدني شيئا منه، فأنشدته، فقال لي: كم أعطوك؟ ~~فقلت: كذا، فقال لي: ms0058 ظلموك، والله ما وفوك حقك، فلم استكثرت ما أعطوك! ~~والله لبيت منها خير مما أخذت. ثم أطرق قليلا وقال: لعمري لقد استكثرت ذلك ~~لما مات الكرام، وذهب الناس، وغاضت المكارم، وكسدت أسواق الأدب، أنت والله ~~يا بني أمير الشعراء غدا بعدي، فقمت فقبلت رأسه ويديه ورجليه، وقلت: والله ~~لهذا القول أسر لي مما وصل إلي منهم. # قال البحتري: أنشدت أبا تمام يوما شيئا من شعري، فأنشدني بيت أوس: ~~[الطويل] # وإن مقرم منا ذرا حد نابه ... تمخط فينا ناب آخر مقرم (¬1) # ثم قال: يا بني، نعيت إلي نفسي: فقلت: أعيذك بالله من هذا! فقال لي: إن ~~عمري ليس يطول، وقد نشأ مثلك لطيئ، أما علمت أن خالد بن صفوان المنقري رأى ~~شبيب بن شبة، وهو من رهطه يتكلم، فقال. يا بني، نعى نفسي إلي إحسانك في ~~كلامك؛ لأنا أهل بيت، ما نشأ فينا قط خطيب إلا مات من قبله. # قال: فمات أبو تمام بعد سنة من قوله هذا، ومات البحتري سنة ثلاث وثمانين ~~ومائتين. # المبرد: ذكرت للمتوكل المنازعة التي جرت بيني وبين أبي الفتح في تأويلات، ~~فبعث إلى عامله بالبصرة أن يحملني إليه مكرها، فوردت سر من رأى، فأدخلت على PageV01P067 # المتوكل، وفي المجلس البحتري وأبو العنبس الصيمري، فأنشده البحتري قصيدة أولها: # [مجزوء الكامل] # عن أي ثغر تبتسم ... وبأي طرف تحتكم (¬1) # حسن يضن بحسنه ... والحسن أشبه بالكرم # حتى بلغ: # قل للخليفة جعفر المت ... وكل بن المعتصم # المرتضى ابن المجتبى ... والمنعم ابن المنتقم # أما الرعية فهي من ... أمنات عدلك في حرم # يا باني المجد الذي ... قد كان قوض فانهدم # اسلم لدين محمد ... فإذا سلمت فقد سلم # نلنا الهدى بعد العمى ... بل والغنى بعد العدم # ثم مشى القهقرى للانصراف، فوثب أبو العنبس، وقال: يا سيدي، تأمر برده! ~~فقد والله عارضته، فأخذ ينشد في ذلك: [مجزوء الكامل] # في أي سلح تنتظم ... وبأي كف تلتقم # أدخلت رأس البحتر ... ي أبي عبادة في الرحم # ووصله بما يشبهه من الشعر. فضحك المتوكل حتى استلقى، وقال: يدفع إلى أبي ms0059 ~~العنبس عشرة آلاف درهم، فقال أبو الفتح: يا أمير المؤمنين، والبحتري الذي ~~هجي وأسمع المكروه ينصرف خائبا؟ قال: ويدفع إلى البحتري عشرة آلاف درهم، ~~قال: يا سيدي، وهذا البصري الذي أشخصناه من بلده، ألا يشركهم فيما حصلوه؟ ~~قال: ويدفع له عشرة آلاف: قال وانصرفنا كلنا في شفاعة الهذلي، ولم ينفع ~~البحتري جده وحذقه. # وأما أبو الفرج، فقال: حدثني جحظة عن أبي العنبس الصيمري، قال: كنت عند ~~المتوكل والبحتري ينشده: # * عن أي ثغر تبتسم* # وكان البحتري من أبغض الناس إنشادا، يتشادق ويتزاور في مشيه مرة جانبا، ~~ومرة القهقرى، ويهز رأسه مرة ومنكبيه أخرى، ويشير بكفيه، ويقف عند كل بيت، ويقول: # أحسنت والله! ثم يقبل على المستمعين، ويقول لهم: ما لكم لا تقولون: ~~أحسنت! هذا والله ما لا يحسن أحد أن يقول مثله، فضجر المتوكل من ذلك، وأقبل ~~علي فقال: أما PageV01P068 # تسمع يا صيمري ما يقول؟ فقلت: بلى يا سيدي، فمر فيه بما أحببت، فقال: ~~بحياتي اهجه على هذا الروي، فقلت على البديهة [مجزوء الكامل] # أدخلت رأسك في الرحم ... وعلمت أنك تنهزم # يا بحتري حذار ويح ... ك قضاقضة ضغم # فلقد أسلت بواديي ... ك من الهجاسيل العرم # فبأي عرض تعتصم ... وبهتكه جف القلم # والله حلفة صادق ... وبقبر أحمد والحرم # وو حق جعفر الإما ... م بن الإمام المعتصم # لأصيرنك شهرة ... بين المسيل إلى العلم # يا بن الثقيلة والثقي ... ل على قلوب ذوي النعم # وعلى الصغير مع الكب ... ير من الموالي والحشم # وبعد هذا ما يقبح ذكره؛ فغضب البحتري، وخرج يعدو، وجعلت أصيح به: # أدخلت رأسك في الرحم ... وعلمت أنك تنهزم # والمتوكل يضحك، ويصفق حتى غاب عنه. # ومدح البحتري بعض الولاة، فتوانى في حقه، فأنشده: [البسيط] # إن الأمير أطال الله مدته ... يعطى من العرف ما لم يعطه أحد (¬1) # ينسى الذي كان من معروفه أبدا ... إلى العباد، ولا ينسى الذي يعد # فأعطاه خمسين ألف درهم، وقال: البيتان خير من القصيدة. # وقال الهذلي: قيل للبحتري: أيما أشعر؟ أنت أو أبو تمام؟ قال: جيده خير من ~~جيدي، ورديئي ms0060 خير من رديئه. وصدق، أبو تمام لا يتعلق به أحد في جيده، وربما ~~اختل لفظه لا معناه، والبحتري لا يختل لفظه. # وقيل له: قد عثرت باحتذائك أبا تمام في شعرك! فقال: أيعاب علي أن أتبع ~~أبا تمام، وما عملت بيتا قط حتى أخطر شعره ببالي! # وذكروا معنى تعاوره البحتري وأبو تمام، فقال المبرد للبحتري: أنت في هذا ~~أشعر من أبي تمام، فقال: لا والله، ذلك الرئيس الأستاذ، والله ما أكلت ~~الخبز إلا به. # وقال عبد الله بن الحسن: سألت المبرد عن أبي تمام والبحتري أيهما أشعر؟ ~~فقال: PageV01P069 # لأبي تمام استخراجات لطيفة، ومعان ظريفة، وجيده أجود من شعر البحتري ومن ~~تقدمه من المحدثين، وشعر البحتري أحسن استواء من شعره، لأن البحتري يقول ~~القصيدة كلها، فتكون سليمة من طعن طاعن، وأبو تمام يقول البيت النادر ~~والبارد؛ وهذا المعنى كان أعجب إلى الأصمعي، وما أشبهه إلا بغائص يخرج ~~الدرة المخشلبة- وهي زجاجة توضع مكان الدرة- ثم قال: لأبي تمام والبحتري من ~~المحاسن ما لو قيس بأكثر شعر الأوائل ما وجدوا فيه مثله، ثم قال: والبحتري ~~ختم الشعر، وله بيتان لو وضعا إلى شعر زهير لجازا فيه؛ وهما: [الوافر] # فما سفه السفيه وإن تعدى ... بأنجع فيك من حلم الحليم (¬1) # متى أحفظت ذا كرم تخطى ... إليك ببعض أفعال اللئيم # وذكر المبرد في هذا المجلس شعرا له، وقدمه على نظرائه: [الكامل] # وإذا ذكرت محاسن ابني صاعد ... أدت إليك مخائل ابني مخلد (¬2) # كالفرقدين إذا تأمل ناظر ... لم يعل موضع فرقد عن فرقد # وقوله: [الكامل] # من شاكر عني الخليفة للذي ... أولاه من فضل ومن إحسان (¬3) # حتى لقد أفضلت من إفضاله ... ورأيت نهج الجود حيث رآني # وبعدهما: [الكامل] # أغنت يداه يدي وشرد جوده ... بخلي، فأفقرني كما أغناني # وله أيضا في الفتح بن خاقان، وقد نزل إلى الأسد فقتله: [الطويل] # حملت عليه السيف عطفك ما انثنى ... ولا يدك ارتدت ولا حده نبا (¬4) # فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا ... وصمم لما لم يجد عنك مهربا # وله فيه: # وما منع الفتح بن خاقان نيله ms0061 ... ولكنها الأيام تعطى وتحرم (¬5) # سحاب خطاني جوده وهو مسبل ... وبحر عداني فيضه وهو مفعم # وبدر أضاء الأرض شرقا ومغربا ... وموضع رجلي منه أسود مظلم PageV01P070 # أأشكو نداه بعد أن وسع الورى ... ومن ذا يذم الغيث إلا مذمم! # وله أيضا في انتقاض صلح بين عشيرته: [الوافر] # إذا ما الجرح رم على فساد ... تبين فيه تفريط الطبيب (¬1) # وللسهم السديد أشد حبا ... إلى الرامي من السهم المصيب # ومن جيد شعره: [الطويل] # ولما التقينا واللوى موعد لنا ... تبين رائي الدر حسنا ولا قطه (¬2) # فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه # والبحتري مكثر جدا، وديوان شعره نسخ مختلفا بالزيادة والنقص؛ لأن شعره لا ~~ينضبط لكثرته. ### || AUTO [وصية أبي تمام للبحتري] # قال البحتري: كنت أروم الشعر في حداثتي، وكنت أرجع فيه إلى الطبع، ولم ~~أكن أقف على تسهيل مأخذه ووجوه اقتضائه، حتى قصدت أبا تمام، وانقطعت فيه ~~إليه، واتكلت في تعريفه عليه، فكان أول ما قال لي: يا أبا عبادة، تخير ~~الأوقات وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم. واعلم أن العادة جرت في الأوقات ~~أن يقصدها الإنسان لتأليف الشيء، أو حفظه في وقت السحر، وذلك أن النفس تكون ~~قد أخذت بحظها في الراحة، وقسطها من النوم، فإن أردت التشبيب، فاجعل اللفظ ~~رقيقا، والمعني رشيقا، وأكثر فيه بيان الصبابة، وتوجع الكآبة، وقلق ~~الأشواق، ولوعة الفراق؛ فإذا أخذت في مدح سيد [ذي أياد]، فأشهر مناقبه، ~~وأظهر مناسبه، وابن معالمه، وشرف مقامه، ونضد المعاني، واحذر المحتمل منها. ~~وإياك أن تشين شعرك بالألفاظ الهجينة، وكن كأنك خياط تقطع الثياب على ~~مقادير الأجسام، وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك، ولا تعمل شعرا إلا وأنت فارغ ~~القلب. واجعل شهوتك إلى قول الشعر الذريعة إلى حسن نظمه، فإن الشهوة تجمع ~~النفس. وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سبق من شعر الماضين، فما استحسن ~~العلماء فاقصده، وما تركوه فاجتنبه؛ ترشد إن شاء الله تعالى. # قال: فأعملت نفسي فيما قال، فوقفت على السياسة. # *** # فقال: هل عثرت له فيما لمحته، على بديع استملحته؟ قال: نعم، ms0062 قوله: ~~[السريع] # كأنما يبسم عن لؤلؤ ... منضد أو برد أو أقاح (¬3) PageV01P071 # فإنه أبدع في التشبيه، المودع فيه. # *** # قوله: «هل عثرت»، معناه اطلعت. لمحته: نظرته. بديع: معنى لم يسبق غيره ~~إليه من تشبيه أو تجنيس وشبههما مما ذكر من صنع البديع في [المقامة] ~~الثالثة والعشرين. # والبدع: إحداث الشيء قبل أن يكون أولا، والبدعة: ما ابتدع من الدين، ~~والبديع: # المحدث العجيب، وأبدع الرجل: أتى ببديع من قول أو فعل، وأبدع الله ~~الأشياء وابتدعها: خلقها بلا مثال. استملحته: وجدته مليحا. يبسم: يبدي بعض ~~أسنانه عند الضحك. لؤلؤ: جوهر شبه به الأسنان. وهذا البيت من شعره، وقبله: ~~[السريع] # بات نديما لي حتى الصباح ... أغيد مجدول مكان الوشاح (¬1) # فبت أفديه ولا أرعوي ... لنهي ناه عنه أو لحي لاح # أمزج كأسي بجنى ريقه ... وإنما أمزج راحا براح # كأنما يبسم ... البيت. # وبعده: [السريع] # سحر العيون النجل مستهلك ... لبي، وتوريد الخدود الملاح # قل لأبي نوح شقيق العلا ... ومعدن الجود، وترب السماح # أعوذ بالفضل الجميل الذي ... عودتني، والنائل المستماح # من أن تصد الطرف عني وأن ... أخيب في جدواك بعد النجاح # أشمت حسادي وأخرجتني ... عن سيبك المغدى علي المراح # فهل لأنس بان من عودة ... أم هل لحال فسدت من صلاح # لست على سخطك جلد القوى ... ولا على هجرك شاكي السلاح # قوله: «المودع»: المضمن، وأودع الشيء: صيره وديعة. # *** # فقال له: يا للعجب، ولضيعة الأدب! لقد استسمنت ذا ورم، ونفخت في غير ضرم! ~~أين أنت من البيت الندر، الجامع مشبهات الثغر! وأنشد: [البسيط] # نفسي الفداء لثغر رق مبسمه ... وزانه شنب ناهيك من شنب # يفتر عن لؤلؤ رطب وعن برد ... وعن أقاح وعن طلع وعن حبب # *** PageV01P072 # استسمنت: حسبته سمينا وطلبت السمانة من هزيل. ورم: دمل، والمعنى أنه ~~يرميه بسوء الفهم، وقد بين هذا أبو الطيب المتنبي فقال: [البسيط] # أعيدها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم (¬1) # وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم # ونفخت في غير ضرم، مثل لطلب الشيء في غير موضعه، ولفظ المثل: «نفخت» أو ~~«تنفخ»، ms0063 والضرم: النار. الندر، والنادر: الغريب. الثغر: الأسنان، مبسمه: ~~موضع ابتسامة، يعني الفم. # الشنب: الماء القليل الجاري على الأسنان الجرمي: سمعت الأصمعي يقول: # الشنب برد الأسنان والفم، فقلت: أصحابنا يقولون: حدتها حين تطلع، فيراد ~~بذلك حداثتها وطراءتها، لأنها إذا أتت عليها السنون تغيرت، فقال: ما هو إلا ~~بردها. ابن سيده: قال الأصمعي: سألت رؤبة عن الشنب ما هو؟ فأخذ حبة رمان ~~فأومأ إلى بصيصها. # ناهيك: كافيك، وتقول: ناهيك بفلان! أي قد انتهى الأمر فيه إلى الغاية ~~ونهي الرجل من اللحم وأنهى، إذا شبع منه واكتفى، والنهي: الغدير لأنه ينتهي ~~إليه ماء الوادي. يفتر: يكشف ويبسم. رطب، أي طري كما أخرج من أصدافه، وفي ~~اللؤلؤ إذ ذاك رطوبة وسطوح بياض، فإذا أصابه الهوى ودام عليه صلب، وإذا ~~تداولته الأيدي باللمس وقدم تغير بياضه. الطلع: أول حمل النخلة، وهو الفرخ ~~فإذا انشق فهو بالضحك، وبه تشبه الأسنان في بياضه، ثم الإغريض إذا افترق ~~حبه، وإنما شبه الأسنان بالطلع، وهو الفرخ، لأنه إذا شق وجد ما فيه من حمل ~~النخلة في غاية البياض، ويقال له: الوليع، قال الشاعر: [المتقارب] # وتبسم عن لؤلؤ كالوليع ... تشقق عنه الرقاة الجفوفا (¬2) # الجفوف جمع جف وهو قشر الفرخ، ويقال له القيقاء والبلبلة، وهو طيب الريح، ~~والرقاة: الراقون إلى أعلى النخل. # والحبب: تنضد الأسنان، وقيل: طرائق تظهر في الخمر عند مزجها بالماء، فأما ~~الفقاقيع التي تعلو الخمر عند المزج فهي الحباب، بزيادة الألف، قال ~~المتلمس: [الوافر] PageV01P073 # عقار أعتقت في الدن حتى ... كأن حبابها حدق الجراد (¬1) # وقال آخر: [الكامل] # حمراء قانية إذا ما شعشعت ... ينزو إلى وجه النديم حبابها # *** # فاستجاده من حضر واستحلاه، واستعاده منه واستملاه، وسئل لمن هذا البيت، ~~وهل حي قائله أو ميت؟ فقال: أيم الله، للحق أحق أن يتبع، وللصدق حقيق بأن ~~يستمع؛ إنه يا قوم، لنجيكم منذ اليوم. قال: فكأن الجماعة ارتابت بعزوته، ~~وأبت تصديق دعوته. فتوجس ما هجس في أفكارهم، وفطن لما بطن من استنكارهم، ~~وحاذر أن يفرط إليه ذم، أو يلحقه وهم، فقرأ إن بعض ms0064 الظن إثم. # ثم قال: يا رواة القريض، وأساة القول المريض، إن خلاصة الجوهر تظهر ~~بالسبك، ويد الحق تصدع رداء الشك، وقد قيل فيما غبر من الزمان: عند ~~الامتحان يكرم المرء أو يهان، وها أنا قد عرضت خبيتي للاختبار، وعرضت ~~حقيبتي على الاعتبار. # *** # قوله: «استعاده»، أي قال: أعده علي. استملاه: طلب أن يكتبه. ايم الله: ~~يمين يحلف به. نجيكم: محدثكم- يعني نفسه. ارتابت: شكت والريب: الشك. ~~بعزوته: # بنسبته، أي بنسبته إلى نفسه. دعوته: ادعاؤه أنه من قوله: والدعوة بكسر ~~الدال في النسب، وبفتحها في الطعام. فتوجس: أي أحس وسمع هجس: وقع وخطر. فطن: # شعر. بطن: خفي، يريد أنه فهم منهم أنهم لم يصدقوه في أن الشعر له، ~~وأنكروا أن يقول مثله. حاذر: خاف. يفرط: يسبق. القريض: الشعر. أساة: أطباء، ~~وأحدهم آس. # القول المريض: الضعيف من قبل راويه. خلاصة: ما خلص منه. وجواهر الأرض، ~~مثل الحديد والنحاس وغيرهما، فإذ عرض الجوهر على النار، فما كان منه خالصا ~~زاد صفاء وجودة، وما لم يكن خالصا فضحته النار وأظهرت عيبه. السبك: ~~الاختبار بالنار. # تصدع: تشق. غبر: مضى هنا، ويستعمل كثيرا بمعنى «بقي» وهو من الأضداد؛ يقال: # غبر الشيء غبورا إذا بقي، قال الله تعالى: إلا امرأته كانت من الغابرين ~~[الأعراف: # 83]، أي الباقين. الامتحان: الاختبار والبحث، وهذا المثل من أمثال الفرس، ~~ولهذا أبعد مدته حيث قال: غبر من الزمان. خبيتي: مكتومي، وما خبأته من ~~علمي، وأصل «خبيتي» الهمز، فقلبت همزته ياء وأدغمت فيها الياء، كما قلبت في ~~«خاسية». وتقول: PageV01P074 # عرضت الشيء على البيع وعرضته للبيع، إن أتيت بعلى خففت الراء، وإن أتيت ~~باللام شددتها. والحقيبة: وعاء يجعله الراكب خلفه، والاعتبار والاختبار واحد. # ... فابتدر أحد من حضر، وقال: أعرف بيتا لم ينسج على منواله، ولا سمحت ~~قريحة بمثاله، فإن آثرت اختلاب القلوب، فانظم على هذا الأسلوب: [البسيط] # فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد # ... قوله: «ابتدر»، أي سبق بالكلام وبادر به. والمنوال: خشبة الحائك؛ ~~يريد أن البيت رفيع الصنعة في الشعر لم يصنع بيت ms0065 مثله، لأن الثوب أنواع، ~~وصنعة الشعر تشبه نسج الثوب. سمحت: جادت. قريحة: ذهن. آثرت: فضلت. اختلاب ~~القلوب: إمالتها إليك بتصديقك وانخداعك بما تبديه، وهو من الخلب وهو من ~~غشاء القلب. وعن أبي عبيدة وغيره قال ثعلب: الخلب: الذي بين الزيادة ~~والكبد، يقال: خلبني حب فلان، أي وصل حبه إلى خلبي، وفلان خلب نساء، أي ~~تخلبه النساء، وخلاب: يخلب الناس، أي يذهب بقلوبهم، وخلب جمعه خلبة، وكله ~~من الخلب، قال أعرابي: [البسيط] # من كان لم يدر ما حب جمعت له ... أو كان في غفلة أو كان لم يجد # فالحب أوله روع وآخره ... مثل الحرارة بين الخلب والكبد # [انظم: قل شعرا منظوما. والأسلوب: الطريقة]. # لؤلؤا: درا. النرجس: نوار أصفر في نوره انكسار وفتور لا يكاد يرى، له ~~ورقة قائمة، تشبه به العينان إذا كان في نظرهما فتور. ### || AUTO [ما قيل في النرجس] # وقد تمادى إنكار أدباء وقتنا تشبيه العين بهذا النوار الأصفر المعروف ~~عندنا بالنرجس، فأكثرهم ينكر أن يكون يقع به تشبيه لأجل صفرته، وإن ذكرته ~~لأحد قال: # وأي صفرة في العين إلا أن يكون بصاحبها علة اليرقان! ويستهجن موضع ~~التشبيه جدا. # وقد سألت عنه بعض أشياخي في صغري، وأنا أقرأ عليه كتاب «الجمل» وكان ~~أديبا شاعرا، فأنكر وقوع التشبيه بهذا النور الأصفر، وقال لي: النرجس عندهم ~~بالمشرق نور يشبه نوار القول، وأكثر من لقيته يستبعد التشبيه بهذا الأصفر، ~~لأجل لونه، وذلك لقلة تحصيلهم معرفة كلام العرب وتشبيهاتها، والعرب توقع ~~تشبيهاتها على الصورة دون المعنى، وعلى المعنى دون الصورة، وعليهما جميعا؛ ~~وهو أكمل وجوه التشبيه. وانظر أقسام التشبيه في الثالثة والعشرين تقع على ~~علم هذا وغيره بإذن الله تعالى. PageV01P075 # وتشبيه العيون بالسيوف والسهام، إنما المراد به المضاء والقطع، ولا يلتفت ~~في ذلك إلى اللون، وكذلك تشبيه العيون بالنرجس الأصفر إذا قصد ما فيه من ~~الفتور واقع متمكن في التشبيه، ألا ترى ابن المعتز التفت إلى الفتور وحده ~~حين قال: [الكامل] # وسنان قد خدع النعاس جفونه ... فحكى بمقلته ذبول النرجس (1) # والنرجس الذي يشبه ms0066 به أهل المشرق العيون، هو نبات له قضبان خضر في رءوسها ~~أقماع، يخرج منها نور ينبسط منه على الأقماع ورق أبيض، في وسط البياض دائرة ~~قائمة من ورق صغير. هذه الصفة التي تقع في أشعارهم إذا ذكروا النرجس، وبذلك ~~وصفه كسرى أنوشروان، فقال: النرجس ياقوت أصفر، بين در أبيض على زمرد أخضر، ~~أخذه بعضهم فقال فيه: [الطويل] # وياقوتة صفراء في رأس درة ... مركبة في قائم من زبرجد # كأن بهي الدر عقد نظامها ... فريد أنيق قد أطاف بعسجد # وأنشد أبو عون الكاتب في كتاب التشبيه له، فقال: من جيد ما قيل في النرجس ~~ما أنشده المبرد رحمه الله تعالى: [السريع] # نرجسة لاحظني طرفها ... تشبه دينارا على درهم # وقال عبيد الله بن عبد الله فيه: [المنسرح] # ترنو بأبصارها إليك كما ... ترنو إذا خافت اليعافير # مثل اليواقيت قد نظمن على ... زمرد فوقهن كافور # كأنها والعيون ترمقها ... دراهم وسطها دنانير # وقال أبو نواس: [الطويل] # لدى نرجس غض القطاف كأنه ... إذا ما منحناه العيون عيون # مخالفة في شكلهن وصفرة ... مكان سواد والبياض جفون # أجاد التشبيه، وكشف بذكر المخالفة قناع الشبهة، وبين مواقع التشبيه غاية ~~البيان. # وقال أبو عبد الملك بن فرج في كتاب الحاس والمحسوس، له: وأحسن بيت ~~أنشدنيه أبو جعفر البغدادي رحمه الله: [الطويل] # مداهن در بين أوراق فضة ... على قيس شبر أخضر كالزبرجد # وقال أبو الفرج الببغاء: [السريع] PageV01P076 # ونرجس لم يعد مبيضه ال ... كأس ولا أصفره الراحا # تخال أحقاق لجين حوت ... من أصفر العسجد أقداحا # كأنما يهدي المحيي به ... لطفا إلى الأرواح أرواحا # يغني عن الورد إذا مارنا ... ويخلف الورد إذا فاحا # وقال ابن المعتز: [الطويل] # كأن عيون النرجس الغض بيننا ... مداهن در بينهن عقيق # إذا بلهن القطر خلت دموعه ... بكاء عيون كحلهن خلوق # وقال الناشي: [مجزوء المتقارب] # أخص الصفات التي ... تناولها من كتب # عيون بلا أوجه ... لها حدق من ذهب # وقال ابن الرومي: [الكامل] # يا نرجس الدنيا ترى أبدا ... للافتراج ودائم النخب # ذهب العيون إذا مثلن لنا ... در الجفون زبرجد القصب # وهذه ms0067 الصفة التي أثبتها أهل المشرق للنرجس، هي التي يصف بها أهل المغرب ~~البهار، قال ابن أبي عامر في جارية اسمها بهار: [الكامل] # حدق الحسان تقر لي وتغار ... وتظل في صفة البهار تحار # طلعت على قضبي عيون كمائمي ... مثل العيون تحفها الأشفار # وأخص شيء بي إذا شبهتني ... در تمنطق سلكه دينار # أهدى لنا قضب الزبرجد ساقه ... وحباه أنفس عطره العطار # أنا نرجس حقا بهرت عقولهم ... ببديع تركيبي فقيل بهار # بين أن البهار عندنا، هو الذي تسميه أهل المشرق نرجسا. # وقال أبو جعفر بن برد: [الطويل] # تأمل فقد شق البهار مغلسا ... كمائمه عن نوره الخضل الندى # مداهن تبر في أنامل فضة ... على أذرع مخروطة من زبرجد # وقال القسطلي: [المتقارب] # بهار يروق بمسك ذكي ... وصنع بديع وخلق عجب PageV01P077 # غصون الزبرجد قد أورقت ... بها فضة نورت بالذهب # وقال القاضي أبو الحسن بن لبال: [الرمل] # وبهار يحكى كئوس لجين ... حملتها أنامل من زبرجد # سامرتها الكواكب الزهر حتى ... سمرت وسطها كواكب عسجد # وأنشدني بعض أشياخنا: [الكامل] # انظر إلى حسن البهار وغنجه ... يرنو إليك بمقلتي وسنان # فكأنما هي راحة من فضة ... قد ضمنت كأسا من العقيان # وكأن نشر نسيمه غب الندى ... يأتيك بالأنفاس من بغدان # والذي تسميه أهل المغرب نرجسا يسميه أهل المشرق بهارا، ولذلك قال الحريري ~~في العاشرة: «ووردتي بالبهار»، دعا فيها على الغلام بالحمى، وأن ينعكس حمرة ~~خده صفرة، وقال حبيب في ذلك: [الخفيف] # إن وجه الحمى لوجه صفيق ... حين تسطو به نهارا جهارا # لم تشن ورد وجنتيه ولكن ... صيرت ورد وجنتيه بهارا # وبلون النرجس يشبه أهل الأندلس المريض. # وقال أبو بكر الأبيض: [البسيط] # يا شاكيا صدني عن مسه ألمي ... طال اشتياقي به ليلا فلم أنم # تضاءل الدهر إشفاقا على قمر ... رقيبه في سماء المجد والكرم # لم أرض قلبي مكانا إذ حللت به ... حتى خلطتك في سودائه بدمي # أنت البهار ولا أدري متى خلعت ... عليك أيدي الليالي نرجس السقم # ولابن الزقاق: [الرمل] # وغزال ذي اعتدال شفه ... بعد ما شق هواه الأنفسا # جارت الحمى على وجنته ms0068 ... فاستحال الورد منه نرجسا # فثبت بما قدمناه، أن نرجسهم بهارنا، وأن بهارهم نرجسنا. وآكد ما يدل على ~~صحته اشتراك البيت الذي أنشده أبو الفرج على النرجس مع بيت ابن برد في لفظ ~~واحد، أخذ ابن برد منه صفة النرجس، فقلبه لاسم البهار حين نظمه. # واعلم أن تشبيه العين بنرجسهم أبين لتعلقهم بالصورة، وأن تشبيهها بنرجسنا ~~أدون لتعلقه بالمعنى، وهو مع ذلك متمكن في باب التشبيه، وأناسم النرجس لا ~~بد فيه من صفرة. PageV01P078 # وقد قال شاعر من المشرق، وهو أحمد بن يونس الكاتب في مناقضة ابن الرومي ~~في تفضيله النرجس على الورد: # إن كنت تنكر ما ذكرنا بعد ما ... قامت عليه دلائل وشواهد # فانظر إلى المصفر لونا منهما ... وافطن فما يصفر إلا الحاسد # فلولا ما ذكرنا من أشعارهم، لحكمنا بهذا البيت، على أن نرجسهم هو نرجسنا، ~~ومذهب ابن الرومي تفضيله على الورد، وهو القائل: [المتقارب] # وأحسن ما في الوجوه العيو ... ن وأشبه شيء بها النرجس # والنفوس تتشوق إلى رؤية نرجسهم، لأنا لم نعلم نرجسنا غير هذا الأصفر، حتى ~~نعلم بما ذكرناه أنه هو النوار المعروف، وهم أيضا يتشوقون لمنظر نرجسنا. # ويدل على ذلك حكاية القاضي الفقيه أبي الحسن بن لبال، قال: خرجت عشية ~~لخارج إشبيلية أيام حداثتي وقراءتي بها، فجلست في وسط واديها، وبيدي كتاب ~~أنظر فيه، وإذا رجل يحملق حوالي، فإذا نظرت في الكتاب يأخذ وينشد للأشعار ~~التي بين أيدينا نظائر من بديع الشعر، فذاكرته فوجدته بحر أدب، فسألته عن ~~محفوظه، فقال: # أحفظ خمسة عشر ألف بيت من الشعر، فسألته: هل تنظم شيئا؟ فأنشدني في وصف ~~فرس، وزعم أنه القائل: [الكامل] # منع الحوافر أن تطين به الثرى ... فكأنه في جريه متعلق # وكأن أربعة توافق طرفه ... فتكاد تسبقه إلى ما يرمق # فاستعدت بيته، وراجعته في قوله: «تطين»، فقلت له: إنما هو «تطأن»، فلم ~~يعرف اللفظ، وإنما تكلم بلا همر على لحن عامته، فجربته في غيره، فوجدت شعره ~~من جهة الطبع وكثرة الحفظ، لا من جهة العلم، فسألته عن بلاده، فقال: أنا ms0069 من ~~العراق، فقلت له: فما السبب الذي جاء بك إلى الأندلس؟ فقال لي: لأرى النرجس ~~الأصفر المذكور في أشعاركم عيانا. ودعاني إلى الإطالة في ذكر النرجس رغبة ~~أن أرفع عن غيري حيرة الشبهة التي أقمت فيها زمانا طويلا، لا أجد من يرفعها عني. ### || AUTO [الوأواء الدمشقي] # والبيت الذي اقتضى النظم على أسلوبه هو لأبي الفرج الغساني الدمشقي، ~~المعروف بالوأواء، ذكره أبو منصور الثعالبي في يتيمته، فقال: أبو الفرج من ~~حسان الدهر، وصاغة الكلام. # ومن عجائب أمره أنه كان مناديا بدار البطيخ بدمشق ينادي على الفواكه، وما ~~زال يشعر حتى جاد شعره، ووقع له ما يروق، ويشوق ويفوق، حتى تعلق بالعيوق. PageV01P079 # وقال الفتح بن خاقان: إني انصرفت البارحة من مجلس أمير المؤمنين، فلما ~~دخلت مجلسي لقيت خلافة جاريتي، فلم أتمالك أن، قبلتها، فوجدت ما بين شفتيها ~~هواء، لو رقد المحموم فيه لأفاق. وهذا مستطرف من كلام الفتح، فقال الوأواء ~~ملما به: [الطويل] # سقى الله ليلا طاب إذ زار طيفه ... فأفنيته حتى الصباح عناقا (¬1) # بطيب نسيم منه يستجلب الكرى ... فلو رقد المحموم فيه أفاقا # وله أيضا: [البسيط] # بالله ربكما عوجا على سكني ... وعاتباه، لعل العتب يعطف (¬2) # وعرضا بي وقولا في حديثكما ... ما بال عبدك بالهجران تتلفه! # فإن تبسم قولا في ملاطفة ... ما ضر لو بوصال منك تسعفه! # وإن بدا لكما من سيدي غضب ... فغالطاه، وقولا: ليس نعرفه # وله في النحول: [الوافر] # وما أبقى الهوى والشوق مني ... سوى روح تردد في خيال (¬3) # خفيت عن العواذل أن تراني ... كأن الروح مني في محال # وله في الزرقة: [البسيط] # يا من هو الماء في تكوين خلقته ... ومن هو الخر في أفعال مقلته (¬4) # ومن بزرقة سيف اللحظ طل دمي ... والسيف، ما فخره إلا بزرقته # علمت إنسان عيني أن يعوم فقد ... جادت سباحته في بحر دمعته # وله أيضا: [المتقارب] # تملكت يا مهجتي مهجتي ... وأسهرت يا ناظري ناظري (¬5) # وما كان ذا أملى يا ملول ... ولا هجس الهجر في خاطري # فجد بالوصال فدتك النفوس ... فلست على الهجر بالقادر # وفيك تعلمت ms0070 نظم القريض ... فلقبني الناس بالشاعر # وله من قصيدة: # يقمن لنا برق الثغور أدلة ... إذا ما ضللنا في ظلام الذوائب PageV01P080 # قال: ومن بديع تشبيهاته قوله: # فأمطرت لؤلؤا من نرجس ... (¬1) البيت. # ثم قال: هذا البيت ضمنه خمسة تشبيهات بغير أداة التشبيه، وذكر المتنبي ~~منها أربعة فأجاد، وهي ما ضمنها قوله رحمه الله: [الوافر] # بدت قمرا، ومالت خوط بان، ... وفاحت عنبرا، ورنت غزالا (¬2) # وللفقيه أبي محمد بن حزم خمسة تشبيهات في بيت واحد، ولا يقدر أحد على ~~أكثر منه، إذ لا يحتمل العروض ولا أبنية الأسماء أكثر من ذلك، قال: ~~[الطويل] # خلوت بها والكأس ثالثة لنا ... وجنح ظلام الليل قد مد واتلج # فتاة عدمت العيش إلا بقربها ... وهل في ابتغاء العيش ويحك من حرج! # كأني وهي والكأس والخمر والدجى ... ثرى وحيا والدر والتبر والسبج # وقبل بيت الوأواء: [البسيط] # إنسية لو بدت للشمس ما طلعت ... للناظرين ولم تغرب على أحد # قالت وقد فتكت فينا لواحظها: ... ما إن أرى لقتيل الحب من قود # فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد # ثم استمرت وقالت وهي ضاحكة: ... قوموا انظروا كيف فعل الظبي بالأسد! # وأول القصيدة: [البسيط] # لما وضعت على صدري يدا ليد ... وصحت في الليلة الظلماء واكبدي! # وقال أيضا: [الوافر] # أتاني زائرا من كان يبدي ... لي الهجر الطويل ولا يزور (¬3) # فقال الناس لما أبصروه ... ليهنك زارك القمر المنير # فقلت لهم ودمع العين يجري ... على خدي له در نثير # ولو نصبوا رحا بإزاء عيني ... لكانت من مدامعها تدور # *** # فلم يكن إلا كلمح البصر أو هو أقرب، حتى أنشد فأغرب: [البسيط] # سألتها حين زارت نضو برقعها ال ... قاني وإيداع سمعي أطيب الخبر PageV01P081 # فزحزحت شفقا غشى سنا قمر ... وساقطت لؤلؤا من خاتم عطر # *** # قوله: «لمح البصر»، يعني نظر العين إلى الشيء بسرعة ثم تغيب عنه بسرعة، ~~وأصل البصر الإدراك بالعين. أغرب: أتى بغريب. نضو: كشف. القاني: الأحمر. ~~إيداع سمعي: إعطاء أذني، كأنه جعله وديعة عنده. زحزحت: أزالت. الشفق: حمرة ~~الشمس بعد الغروب. غشى: غطى. سنا: ضوء. عطر: ms0071 فواح طيب التنفس. وبيت الحريري ~~في صنعة البديع فائق، وإن لم يأت بعدد تشبيهات بيت أبي الفرج، وبيانه أن ~~أبا الفرج يصف امرأة باكية، فيقول: إنها نثرت دموعها على من قتلت من ~~عشاقها، فسقطت على خدها فبللته، وعضت على أصابعها المصبوغة بالحناء ~~بأسنانها، فجعل البيت كله استعارة، فقال: «فأمطرت لؤلؤا»، وهو يريد: بكت ~~دمعا، وذكر نرجسا ووردا، وهو يريد عينا وخدا، وذكر عنابا وبردا، وهو يريد ~~أنامل وأسنانا، فضمن تحت ألفاظه هذه المعاني، وزاد فائدة التشبيه؛ وهذا ~~يفعله أهل القدرة على الشعر، فقابل الحريري هذا بقوله: # «فزحزحت شفقا»، وهو يرى نقابا أحمر، وذكر «سنا قمر» وهو يريد ضوء وجهها، ~~وذكر لؤلؤا من خاتم، وهو يريد كلاما من فم. والبيت الثاني في مقابلة بيت ~~أبي الفرج، والأول توطئة له، وهو يصف امرأة زارته متنقبة فسألها، أن تكشف ~~عن وجهها وتحدثه، فأزالت نقابها، وأسمعته كلاما حسنا من فم عطر. ### || AUTO [ما قيل في اللؤلؤ] # واللؤلؤ تشبه به الأسنان في مثل قوله: [السريع] # * كأنما يبسم عن لؤلؤ (¬1) * # وقوله: [البسيط] # * يفتر عن لؤلؤ رطب وعن برد* # ويشبه به الكلام في مثل قول البحتري: [الكامل] # * ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه (¬2) * PageV01P082 # وقول الحريري: [البسيط] # * وساقطت لؤلؤا من خاتم عطر* # ويشبه به الدمع، كقول الوأواء: «فأمطرت لؤلؤا»، وهو كثير. # ومن أحسنه قول الشاعر: [الطويل] # ولما وقفنا للوداع ودمعها ... ودمعي يثيران الصبابة والوجدا # بكت لؤلؤا رطبا ففاضت مدامعي ... عقيقا، وصار الكل في نحرها عقدا # وقال ابن عبد ربه: [الكامل] # وكأنما غاص الأسى بجفونها ... حتى أتاك بلؤلؤ منثور # فأخذه الرمادي فحسنه فقال: [الطويل] # ولم أر أحلى من تبسم أعين ... غداة اللوى عن لؤلؤ كان كامنا # قال: فوقعت استعارة التبسم للعين موقعا لطيفا، وإنما هو للثغر بسبب توسط ~~اللؤلؤ. والحذاق يتحيلون في أخذ المعاني بترك القافية والوزن، كقول ابن شهيد: # [الطويل] # ولما فشا من دمعنا بعض سرنا ... إلى كاشحينا والقلوب كواتم # أمرنا بإمساك الدموع جفوننا ... ليشجي بما يطوي عذول ولائم # أبى دمعنا يجري مخافة شامت ... فنظمه بين المحاجر ناظم # وراق ms0072 الهوى منا عيون كريمة ... تلمحن حتى ما تروق المباسم ### || AUTO [ما قيل في الامتحان] # وقال ابن شهيد في الامتحان فأحسن: [الطويل] # ونبئت أقواما تجيش صدورهم ... علي وأني منهم فارغ الصدر # أصاخوا إلى قولي فأسمعت صمهم ... وغاصوا على سري فأعياهم أمري # فقال فريق: ليس ذا الشعر شعره ... وقال فريق ليمن الله ما ندري # فمن شاء فليخبر فإني لحاضر ... ولا شيء أجلى للشكوك من الخبر # وينظر في هذا الامتحان ونسبة شعره فيه إلى الانتحال، إلى قصة أبي بكر بن ~~بقي حين استهدى بعض إخوانه أقلاما، فبعث إليه بثلاث من القصب، وكتب معها: ~~[البسيط] # خذها إليك أبا بكر العلا قصبا ... كأنما صاغها الصواغ من ورقه # يزهى بها الطرس حسنا ما نثرت به ... مسك المداد على الكافور من ورقه PageV01P083 # فأجابه أبو بكر بن بقي فقال: [البسيط] # أرسلت نحوي ثلاثا من قنا سلب ... ميادة تطعن القرطاس في ورقه # فالحظ ينكرها والخط يعرفها ... والرق يخدمها بالرق في عنقه # فحسده عليها بعض من سمعها، ونسبه إلى الانتحال، فقال أبو بكر يخاطب صاحبه ~~الأول: [البسيط] # وجاهل نسب الدعوى إلى كلمي ... لما رماه بمثل النبل في حدقه # فقلت من حنقي لما تعرض لي: ... من ذا الذي أخرج اليربوع من نفقه! # ما ذم شعري وايم الله لي قسم ... إلا امرؤ ليست الأشعار من طرقه # الشعر يشهد أني في كواكبه ... بل الصباح الذي ينشق في أفقه # وخرج السلامي (¬1) إلى الموصل وهو صبي حين راهق البلوغ، فوجد بها أبا ~~عثمان الخالدي وأبا الفرج الببغاء وأبا الحسن التلعفري وشيوخ الشعراء، فلما ~~رأوه عجبوا منه، واتهموه في شعره، فقال الخالدي: أنا أكفيكم أمره. فاتخذ ~~دعوة، وجمع الشعراء والسلامي معهم، فلما توسطوا الشراب، أخذ في التفتيش عن ~~قدر بضاعته، ثم لم يلبثوا أن جاء مطر شديد وثلج وبرد عم الأرض كثرة، فألقى ~~أبو عثمان الخالدي نارنجا بين أيديهم على ذلك البرد، وقال: يا أصحابنا، هل ~~لكم في أن نصف ذلك؟ فقال السلامي ارتجالا: [مجزوء الكامل] # لله در الخالدي ... الأوحد الندب الخطير # أهدى لماء المزن عن ms0073 ... د جموده نار السعير # حتى إذا صدر العتا ... ب إليه من حنق الصدور # بعثت إليه بعذره ... من خاطري أوفى السرور # لا تعذلوه فإنما ... أهدى الخدود إلى الثغور # فأمسكوا عنه عند ذلك، واعترفوا له بالفضل، إلا التلعفري، فإنه أقام على ~~قوله فيه، حتى قال السلامي فيه: [الكامل] # يا شاعرا بشعوره لم يشعر ... ما كنت أول طالب لم يظفر # لو كنت تعرف والدا تسمو به ... لم تنتسب صفة إلى تلعفر # تاه ابن فائقة الفسوق على الورى ... بقذال صفعان ونكهة أبخر # وبلادة في الشعر تعلم أنه ... تيس ولو نصرت بطبع البحتري PageV01P084 # وقال فيه: [الوافر] # سما التلعفري إلى وصالي ... ونفس الكلب تكبر عن وصاله # ينافي خلقه خلقي وتأبى ... فعالى أن تضاف إلى نعاله # فصنعتي اللطيفة في لساني ... وصنعته الخسيسة في قذاله # فإن أشعر فما هو من رجالي ... وإن يصفع فما أنا من رجاله ### || AUTO [صاعد بن الحسن الربعي] # وكان المنصور بن أبي عامر قد أثبت عنده الحسدة، أن صاعدا اللغوي متهم في ~~كل ما يورده من حديث أو شعر، فأدخلت عليه يوما باكورة ورد لم تفتح أكمامها، ~~فقال فيها صاعدا ارتجالا: [المتقارب] # أتتك أبا عامر وردة ... يذكرك المسك أنفاسها # كعذراء أبصرها مبصر ... فغطت بأكمامها راسها # فسر بذلك المنصور. وكان ابن العريف حاضرا فحسده وقال: إن هذين البيتين ~~لغيره، [وقد أنشدنيهما بعض البغداديين بمصر لنفسه، وهماعندي على ظهر كتاب ~~بخطه، فقال له المنصور: أرنيه. فخرج ابن العريف، وركب وجعل يبحث، حتى أتى ~~مجلس ابن برد- وكان أحسن أهل وقته بديهة- فوصف له ما جرى فقال: [المتقارب] # عشوت إلى قصر عباسة ... وقد صرع النوم حراسها # أبياتا ضمن فيها البيتين، فكتبها ابن العريف بخط بصري، وصار بها إلى ~~المنصور. # فاشتد غيظه، وقال: غدا أمتحنه، فإن فضحه الامتحان لم يبق في موضع لي فيه ~~سلطان ثم أخذ طبقا فيه ضروب من الأنوار، وعليه جوار باسمين على بركة ماء ~~حصباؤها الدر والجوهر. ودعاه في مجلس حافل، وقال له: هذا طبق فيه شيء ما ~~توهمت أنه قدم بين يدي ملك قبلي، فصفه ms0074 فقال على البديهة: [الطويل] # أبا عامر هل غير جدواك واكف ... وأعجب ما يلقاه عندك واصف! # وشائع نور صاغها هامر الحيا ... حليا فمنها عبقر ورفارف # ولما تناهى الحسن فيها تقابلت ... عليها بأنواع الملاهي الوصائف # كمثل الظباء المستكنة كنسا ... تظللها بالياسمين السقائف # فلم ترعيني في البلاد حديقة ... تنقلها في الراحتين المناصف # والحكاية لطولها في القسم الرابع من الذخيرة. # وخرج معه إلى أرض الزاهرة، فمد يده إلى شيء من الترنجان يعبث به، ورمى به ~~إلى صاعد معرضا بأن يصفه، فقال: [الطويل] PageV01P085 # لم أدر قبل ترنجان عبثت به ... أن الزمرد قضبان وأوراق # من طيبه سرق الأترج نكهته ... يا قوم حتى من الأشجار سراق! # كأنما الحاجب المنصور علمه ... فعل الجميل فطابت منه أخلاق # من ليس يقعده عن سؤدد كرم ... ولا يقول له في سوأة ساق # وله أيضا: [الوافر] # بعثت إليك من خيري داري ... محزمة كألوان العقيق # توكل بالعكوف على التصابي ... وتصطاد الخليع من الطريق # *** # فحار الحاضرون لبداهته، واعترفوا بنزاهته. فلما آنس استئناسهم بكلامه، ~~وانصبابهم إلى شعب إكرامه، أطرق كطرفة العين، ثم قال: ودونكم بيتين آخرين، ~~وأنشد: [البسيط] # وأقبلت يوم جد البين في حلل ... سود تعض بنان النادم الحصر # فلاح ليل على صبح أقلهما ... غصن وضرست البلور بالدرر # فحينئذ استسنى القوم قيمته، واستغزروا ديمته، وأجملوا عشرته، وجملوا ~~قشرته*** # قوله: «لبداهته»، أي لارتجاله وإنشاده من غير فكرة، ويقال: بدهه بدها ~~وبديهة وبداهة، إذا فجأه. وبده في كلامه: إذا لم يتفكر فيه، وفلان حسن ~~البديهة والبداهة، أي الارتجال. ### || AUTO [سرعة البديهة وما قيل فيها] # والقول من غير تفكر وهو عندهم مما يمدح به، وإن كانت الإصابة غالبا في ~~الروية وإطالة الفكرة، كما قال عبد الله بن وهب الراسبي للخوارج حين عقدوا ~~له: دعوا الرأي حتى يختمر، فلا خير في الرأي الفطير، والقول القصير. # وقال المنصور لكاتبه: لا تبرم أمرا حتى تفكر، فإن فكرة العاقل مرآته تريه ~~حسنه من قبيحه. # وقال أيضا: الحكمة نور الفكرة، والصواب فرع الروية، والتدبير فرع الهمة. # قال ابن الرومي: [البسيط] # نار الروية نار جد ms0075 منضجة ... وللبديهة نار ذات تلويح PageV01P086 # وقد يفضلها قوم لعاجلها ... لكنه عاجل يمضي مع الريح # وقال أشجع في جعفر بن يحيى: [المتقارب] # يريد الملوك مدى جعفر ... ولا يصنعون كما يصنع # وليس بأوسعهم في الغنى ... ولكن معروفه أوسع # بداهته مثل تفكيره ... متى تلقه فهو مستجمع # وقال فيه: [الوافر] # بديهته وفكرته سواء ... إذا التبست على الناس الأمور # وقال إبراهيم بن العباس الصولي في الفضل بن سهل: [الكامل] # يقضي الأمور على بديهته ... وتريه فكرته عواقبه # فيظل يوردها ويصدرها ... فلنعم حاضره وغائبه # ودخل المأمون يوما بعض دواوينه، فرأى غلاما جميل الصورة، على أذنه قلم ~~فقال: من أنت يا غلام؟ فقال: أنا يا أمير المؤمنين الناشئ في دولتك، ~~والمتقلب في نعمتك، والمؤمل بخدمتك؛ الحسن بن رجاء خادمك. فقال المأمون: ~~أحسنت يا غلام، وبالإحسان في البديهة تفاضلت العقول. ثم أمر أن ترفع مرتبته ~~في الديوان. # *** # قوله: «بنزاهته» أي برفعته وبعده من التهمة بسرقة الشعر. آنس: أبصر ~~استئناسهم: # أنسهم وتركهم الإنكار. طرفة: نظرة، قد طرف طرفا، إذا حرك جفنيه بعد النظر. # دونكم: إغراء، ومعناه خذوا حذركم واسمعوا. جد: تحقق. البين: الفراق. بنان: # أصابع. الحصر: المنقطع عن الكلام عيا. ليل؛ أراد به نقابا أسود. صبح: وجه. # أقلهما: رفعهما. غصن: قد. ضرست البلور: الأصابع. الدرر: الأسنان. # والظاهر من سياق هذين البيتين أنه قصد أن يزيدهم استئناسا بأنه غير مدع ~~في الشعر، ودل على هذا ظاهر الكلام قبل البيتين وبعدهما، وهو قد أدرج معنى ~~زائدا في البيت ولم يصرح به لما عليه في ذلك من التقصير عن درجة غيره، وذلك ~~أنه لما لم يستوف مقابلة بيت أبي الفرج مرة ببيتيه المتقدمين، استوفاها في ~~هذا البيت الثاني، لأنه قابل «أمطرت» بساقطت، واللؤلؤ باللؤلؤ، والنرجس ~~بالخاتم، وهما العين والفم، وحمرة الخد بسنا القمر، وبقي عليه زائد من قول ~~أبي الفرج: «وعضت على العناب بالبرد» فقابله في هذا البيت بقوله: «وضرست ~~البلور بالدرر، وجعلها تعض على أصابعها وهي بيض، لأنه يصف امرأة شعرت بفراق ~~أحبابها، فتركت الزينة واستعمال الحناء، فلما حان وقت فراقهم، لبست ms0076 ثياب ~~الحزن، وأقبلت تودعهم تلهفا وتندما على فراقهم، ووصف الأصابع PageV01P087 # باللين والصبغ، وذلك مذكور في العاشرة، وجعلها لابسة السواد، لأن أهل ~~الشرق يلبسونه لحزنهم، وأهل الأندلس يلبسون البياض لحزنهم، قال الشاعر: ~~[الوافر] # ألا يا أهل أندلس فطنتم ... بلطفكم إلى أمر عجيب # لبستم في مآتمكم بياضا ... وجئتم منه في زي غريب # صدقتم فالبياض لباس حزن ... ولا حزن أشد من المشيب # وأنشد أبو عثمان الأشنانداني في أبيات المعاني له: [البسيط] # أرعت مراتع مدراها على عجل ... صنوين إن أفردا لم يرعيا أبدا # واستبدلت من رياض الحزن مونقة ... ثوب الأمير الذي في ملكه قعدا # عنى بمراتع مدارها شعرها، وبصنوين مقص حلقته به، وبرياض الحزن ثيابا ~~ملونة، وبثوب الأمير ثوبا أسود، لأن ملوك بني العباس لباسهم السواد وعارض ~~ابن لبال الحريري في أبياته فقال: [مجزوء الكامل] # ودعتها ومدامعي ... تنهل بالدمع الطليق # فبكت فأذرت أدمعا ... في صفحة الخد الأنيق # ومضت تعض بنانها ... بين التلهف والشهيق # ورأيت مبيض اللج ... ين يعض محمر العقيق # وكما عارض بيت الحريري عارض قول البحتري المتقدم: [السريع] # يا بأبى ظبي إذا مارنا ... أثخن قلبي وفؤادي جراح # يفتر عن طلع وعن جوهر ... وفضة أو حبب أو أقاح # فزاد عليه بوصفين. ### || AUTO [مما قيل في الفراق] # ومما يناظر ما تقدم من البكاء عند الفراق قول محمد بن يوسف: [الكامل] # وكأنما أثر الدموع بخدها ... طل تساقط فوق ورد يانع # عذب الفراق لنا قبيل وداعنا ... ثم اجترعناه كسم ناقع # وقال ابن الرومي: [المنسرح] # لو كنت يوم الوداع شاهدنا ... وهن يطفئن غلة الوجد # لم تر إلا دموع باكية ... تسفح من مقلة على خد # كأن تلك الدموع قطر ندى ... يقطر من نرجس على ورد PageV01P088 # وقال الناشي: [المتقارب] # بكيت الفراق وقد راعني ... بكاء الحبيب لبعد الديار # كأن الدموع على خدها ... بقية طل على جلنار # وقال أبو نواس: [الطويل] # تقول غداة البين إحدى نسائهم ... لي الكبد الحرى فسر ولك الصبر (¬1) # وقد غلبتها عبرة فدموعها ... على خدها جمر وفي نحرها صفر # يقول: لون خدها أحمر، فتشكلت الدمعة به جمرا، ولون نحرها ms0077 أصفر عاجي كما ~~قال ذو الرمة: [البسيط] # كأنها فضة قد مسها ذهب ... فصار فيها للون الدمع صفرته # وقيل للعباس بن محمد: ما لون الماء؟ فقال: لون إنائه. # ولما ذكر الحريري الحلل السود على الجارية، تذكرت ما قال أبو عثمان ~~الناجم في جارية رأى عليها ثوبا أزرق: [الخفيف] # ما تعدت قبول حين جلت زي ... اشبيها بوجهها ذي الضياء # لبست أزرقا فجاءت بوجه ... يشبه البدر في أديم السماء # ولأبي حفص بن برد في غلام بدا له في ثوب لازوردي، فقال: [مجزوء الكامل] # لما بدا في لازور ... دي الحرير وقد بهر # كبرت من فرط الجما ... ل وقلت ما هذا بشر # فأجابني لا تنكرن ... ثوب السماء على القمر # وقال ابن المعتز في غلام عليه ديباج بنفسجي: [مجزوء الكامل] # وبنفسجي الثوب قت ... ل محبه من حاله # الآن صرت البدر إذ ... ألبست ثوب جماله # قوله: «استسنى»، أي استعظم، وقد سنو الرجل، وسنا: شرف وعظم. ديمته: # كلامه بالشعر وهو دائم غير منقطع، أو يريد بها فطنته التي تمده بما شاء ~~من الشعر، وأصل الديمة المطر الدائم. واستغزروها: استكثروها ووجدوها غزيرة ~~أجملوا عشرته، أي أحسنوا صحبته وعاشروه بالجميل. جملوا قشرته، أي حسنوها، ~~من لفظ الجمال، أو يكون معناه: جملوا من جملت الحساب وأجملته، أي جمعته، ~~فكأنهم جمعوا له شيئا PageV01P089 # وكسوه. وقشرته: ثوبه، لأنه قدم أن هيئته كانت رثة، فاحتاجوا أن يكسوه. # *** # قال المخبر بهذه الحكاية: فلما رأيت تلهب جذوته، وتألق جلوته، أمعنت ~~النظر في توسمه، وسرحت الطرف في ميسمه، فإذا هو شيخنا السروجي، وقد أقمر ~~ليله الدجوجي، فهنأت نفسي بمورده، وابتدرت استلام يده، وقلت له: ما الذي ~~أحال صفتك، حتى جهلت معرفتك، وأي شيء شيب لحيتك، حتى أنكرت حليتك! فأنشأ ~~يقول: [المجثث] # وقع الشوائب شيب ... والدهر بالناس قلب # إن دان يوما لشخص ... ففي غد يتغلب # فلا تثق بوميض ... من برقه فهو خلب # واصبر إذا هو أضرى ... بك الخطوب وألب # فما على التبر عار ... في النار حين يقلب # ثم نهض مفارقا موضعه، ومستصحبا القلوب معه # *** # تلتهب جذوته: اشتعال جمرته ms0078 واتقادها؛ وأراد حدة ذهنه، والجذوة: النار في ~~طرف العود. تألق: لمعان. جلوته: ما جلاه وكشفه من وجهه، وتقول: جلوت العروس ~~جلوة، إذا أزلت نقابها، وأظهرت وجهها، والجلوة بالكسر: هيئة جلوة حين يجلى، ~~وأراد بتألق جلوته بريق وجهه. أمعنت: بالغت وأدمت النظر، وأصله من أمعن في ~~الأرض إذا أبعد الذهاب فيها. توسمه: نظر سماته، وهي علامته التي يعرف بها، ~~ويريد أنه أدام النظر في نعوته. سرحت الطرف: أرسلت العين بالنظر، وأصل ~~الطرف تحرك العين عند النظر، تقول: طرفت العين طرفا. والعين: الجارحة، ~~والبصر: ما تدركه بنظرها، ثم سميت العين طرفا لذلك. وميسمه: علامته. أقمر: ~~ابيض، فصار مثل لون القمر. الدجوجي: الشديد السواد، وأراد نبات شعره ~~الأسود. # قوله: «بمورده»، أي بقدومه وإتيانه، تقول: ورد علينا فلان، إذا قدم عليك ~~من بلد آخر، والمورد: مصدر ورد، وهو بمعنى الورود، لأنه قدم أنه غاب عنه ~~مدة لا يعرف له موضعا، ولا يجد عنه مخبرا؛ حيث قال: «واستتر عني حينا»، ~~فلما رآه ببلده بالبصرة فرح بقدومه وهنأ نفسه على ذلك. # استلام: تقبل اليد. ابن الأنباري: استلم الحجر، معناه أخذه ومسه بيده، ~~واستلم، افتعل، من المسالمة. يريد أخذ الحجر وضمه إليه، أو يكون استفعل، من ~~اللأمة وهي PageV01P090 # السلاح، يريد أنه حصن نفسه بمس الحجر من العذاب، لأن السلاح إنما يلبس ~~ليمتنع به ويتحصن. أحال: غير. حليتك: صفتك، ولذلك احتاج أن يمعن النظر لما ~~تغيرت صفاته التي كان يعرفه بها من الفتوة والشبيبة، فلما رآه قد شاب شعره، ~~وتغيرت صفاته لم يعرفه إلا بعد طول تأمل. وقال الحلواني القيرواني: ~~[الكامل] # ولرب باكية رأت في لمتي ... وخز المشيب تألقت ضحكاته # قالت: أغصنا قد علاه فلا أرى ... زهر الرياض ونورت ورقاته # فأجبتها: قارعت في جنب الهوى ... صرف الزمان، وهذه نكباته # ولابن الجد: [الكامل] # نكرت نحولي وهو من فرط الأسى ... لفراق إخوان علي كرام # وتعجبت للشيب لا تتعجبي ... هذا غبار وقائع الأيام # قوله: «فأنشأ يقول» أي ابتدأ، وأنشدوا: [مجزوء الكامل] # أنشأت تطلب ما تغي ... ر قد تناشبت الأظافر # أي ابتدأت ms0079 تطلب. الشوائب، أصله ما يقع في الماء الصافي من الأقذاء ~~فيكدره، فأراد أن أنكاد الدهر شيبته. وقلب: كثير التقلب، فيحول من حال إلى ~~حال. دان: طاع وانقاد. يتقلب: يتحول عن الطاعة. وميض: لمع خفي. خلب: خداع، ~~لا ماء فيه، وأراد: لا تثق بالدهر، إذا ما كسبت فيه شيئا من المال فإنه ~~يحول عنك ولا يترك لك منه شيئا. أضرى: أغرى وألصقها بك، وأصل «أضرى» من ~~ضراوة الكلب، تقول ضري الكلب بالصيد؛ إذا تعلم الصيد، وأضربته أنا بمعنى ~~عرضته للصيد. والخطوب: الأمور الشداد. وألب: حشد، أي اصبر للشدائد إذا ~~أضراها الدهر بك وحشدها، فما عليك في ذلك عيب، كما أن الذهب يسبك بالنار ~~وهو مع ذلك عزيز القدر. والتبر: الذهب قبل سبكه، وانظر هذا المعنى عند قوله ~~في السابعة والأربعين: [البسيط] # وطالما أصلي الياقوت جمر غضى ... ثم انطفأ الجمر والياقوت ياقوت # وزاد الآخر في المعنى فقال: [البسيط] # إني أنا الذهب المحمى ومخبره ... يزيد في السبك للدينار دينارا # وأنشدوا: [الكامل] # اصبر على نوب الزما ... ن فهكذا مضت الدهور # فرح وحزن تارة ... لا الحزن دام ولا السرور PageV01P091 ### | AUTO المقامة الثالثة وهي الدينارية # روى الحارث بن همام قال: نظمني وأخدانا لي ناد، لم يخب فيه مناد، ولا كبا ~~قدح زناد، ولا ذكت نار عناد؛ فبينا نحن نتجاذب أطراف الأناشيد، ونتوارد طرف ~~الأسانيد، إذ وقف بنا شخص عليه سمل، وفي مشيته قزل. # *** # نظمني، أي جمعني. أخدانا؛ أي أصحابا. ناد: مجلس. مناد: متكلم. كبا: شح ~~ولم يبد نارا. قدح: ضرب. زناد: حديدة النار، وزناد العرب من خشب، وأكثر ما ~~يكون من المرخ والعفار؛ وإنما هو أن يؤخذ عود قدر شبر، فيثقب في وسطه ثقب ~~لا ينفذ، ويؤخذ عود آخر قدر ذراع، فيحد طرفه، ويجعل ذلك في الثقب، وقد وضعه ~~رجل بين رجليه، فيديره ويفتله، فيبدي النار، فالأعلى زند والسفلى زندة، ~~والزناد جمع زند. # قوله: «ذكت»، أي اشتعلت. عناد: خلاف، يريد أن هؤلاء الأصحاب لحسن أدبهم ~~ومناظرتهم ليس بينهم خلاف، وهم علماء لا يسقط من كلامهم شيء، ms0080 وليس فيهم ~~جاهل، فيكون كلامه قليل الإصابة. والأناشيد: ما يتناشدونه من الأشعار ~~بينهم، كأن واحدها أنشودة. وتجاذب أطرافها، يريد المشاركة في إنشادها، أي ~~إذا أنشد أحدهم شعرا ليغرب به شاركوه في إنشاده لحفظهم الأشعار، فكأنهم ~~تجاذبوه كما يتجاذب بأطراف الثوب. والأسانيد: الأخبار المسندة إلى أهلها. ~~وأصل التوارد، مزاحمة الإبل على شرب الماء، فجعل مشاركتهم في ضبط غرائب ~~الأخبار كتوارد الإبل على الماء، والطرف: الغرائب، والطرفة: الشيء العجيب ~~من كل شيء، الذي لا يوجد له نظير. # سمل: ثوب خلق، وأكثر ما تقول العرب: ثوب أسمال وأخلاق، فيوصف بالجمع لأنه ~~قطع متفرقة. وسمل: قليل، وفي تبذل اللباس روى أبو هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب المتبذل لا يبالي بما لبس». قزل: عرج. # *** # فقال: يا أخاير الذخائر، وبشائر العشائر، عموا صباحا، وأنعموا اصطباحا، ~~وانظروا إلى من كان ذا ندي وندى، وجدة وجدا، وعقار وقرى، ومقار وقرى، فما ~~زال به قطوب الخطوب، وحروب الكروب، وشرر شر الحسود، وانتياب PageV01P092 # النوب السود، حتى صفرت الراحة، وقرعت الساحة، وغار المنبع، ونبا المربع، ~~وأقوى المجمع، وأقض المضجع، واستحالت الحال، وأعول العيال، وخلت المرابط، ~~ورحم الغابط، وأودى الناطق والصامت، ورثى لنا الحاسد والشامت. # *** # قوله: «يا أخاير الذخائر»، الأخاير: جمع أخير، كما يقال: أكبر وأكابر، ~~والمستعمل خير وشر، ولا يقال: أخير ولا أشر إلا شاذا، وإن كان هو الأصل، ~~لكنه رفض استعماله وجاء الجمع على الأصل، لأنه يرد الشيء إلى أصله وقال ~~رؤبة: [الرجز] # * بلال خير الناس وابن الأخير (¬1) * # فنطق بالمستعمل لشهرته، وبأصله وهو قليل، فإذا تعجبوا من ذلك قالوا: ما ~~أخير فلانا، وما أشر فلانا. والذخائر: جمع ذخيرة؛ وهي الشيء النفيس الغالي ~~يصونه الإنسان ويعتده لزمانه. البشائر: جمع بشارة، وقد بشرت الرجل بشارة ~~إذا أدخلت عليه السرور. # والعشائر: جمع عشيرة، وهي قرابة الرجل من قبيلته، يقول: أنتم أرفع ~~الذخائر، وخيرها، وأنتم يستبشر من لقيكم برؤيتكم، ويتيامن بلقائكم، ويعلم ~~أنكم تصلونه وتكرمونه؛ ليستعطفهم بهذا الكلام. عموا صباحا: دعاء لهم ~~بالنعمة في الصباح، أي ms0081 جعلكم الله تنعمون في صباحكم. وعموا: أمر من وعم ~~يعم، وهي في معنى نعم ينعم. # وأنعموا اصطباحا، أي طاب شربكم في الصباح وتنعمتم به، والاصطباح: أن ~~يصبحوا وهم يشربون. ندي: مجلس اجتماع، أي هو شريف يقعد ويجتمع عنده. ندى: كرم. # جدى: عطية. العقار: المال الذي لا ينتقل كالنخل والدور والأرضين. قرى: ~~جمع قرية. مقار: جفان يقرى فيها الأضياف، أي يطعمون فيها. والقرى: طعام الضيف. # قطوب. عبوس. الخطوب: الشدائد. الحروب: القتال. الكروب: الهموم، قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «مما أعلم أنه لا يقوله مكروب إلا فرج الله عنه، كلمة ~~أخي يونس: فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت ... [الأنبياء: 87] الآية». # ومن كلام ابن المعتز: الحوادث المحضة مكسبة لحظوظ جزيلة، وثواب مدخر، ~~وتطهير من ذنب، وتنبيه من غفلة، وتعريف بقدر النعمة، ومرور على مقارعة ~~الدهر، وإذا استرجع الله مواهب الدنيا كانت مواهب الآخرة. # غيره: لولا حوادث الأيام، لم يعرف صبر الكرام، ولا جزع اللئام. # وقال أبو تمام: [الكامل] PageV01P093 # والحادثات وإن أصابك بؤسها ... فهو الذي أنباك كيف نعيمها (¬1) # الحسود: المتمني إهلاك مالك، وإذا رأى لك خيرا تمنى إزالته، يريد أن ~~الحسود اتبع ما له بالعين حتى أهلكه، وقلما يوجد الذي يرمي بالعين إلا ~~حسودا. انتياب: نزول وقصود. النوب: النوازل. قوله، «صفرت»، أي خلت من ~~الدراهم الراحة: باطن الكف. # قرعت: خلت من المال وصارت قرعاء. والساحة: فناء الدار، والساحة عند العرب: # الرحبة التي تحلق بها البيوت، وأراد أنها خلت من الإبل والبقر والغنم ~~وغير ذلك. غار المنبع: جف الماء النابع، والمنبع: موضع النبع. المربع: ~~المنزل في الربيع. ونبا: # بأهله: وجد نبوة، أي ارتفاعا غير وطئ فلم تمكن الإقامة فيه. أقوى: خلا. ~~المجمع: # موضع الاجتماع. أقض: خشن وصار فيه القضض، وهي الحجارة. والمضجع: موضع ~~رقاده، وأخذه من قول أبي ذؤيب: [الكامل] # أم ما لجنبك لا يلائم مضجعا ... إلا أقض عليه ذاك المضجع (¬2) # وكنى بهذه الألفاظ عن تغير الأحوال وذهاب الملل. # وساق الكلام مساق حكايات الأعراب؛ منها أن أعرابيا وقف بقوم، فقال: أشكو ~~إليكم ms0082 أيها الملأ زمانا أناخ علي بكلكله بعد نعمة من البال، وثروة من ~~المال، وغبطة من الحال، أصماني جديداه بنبل مصائبه، عن قسي نوائبه، فما ترك ~~لي راغية أجتدي ضرعها، ولا ثاغية أرتجي نفعها، فهل فيكم من معين على صرفه، ~~أو معد على حتفه! # وقد ذكرنا منها جملة في الثالثة والثلاثين. وحكى أبو علي في نوادره حكاية ~~عن أبي زيد اللغوي على لسان أعرابي يشبه كلام الحريري هنا في سياقه وكثير ~~من الألفاظ، فيقول: إن المنبع الذي كنا نعيش به نحن وأموالنا قد ذهب، ~~فهلكنا بذهابه. والمربع: # وهو موضع الخصب، صار نبوة لا ينبت شيئا، فلم تجد الإبل ما ترعاه فهلكت، ~~وإذا هلك المال هلك صاحبه، والمجالس التي كنا نجتمع فيها، هلك أهلها فخلت، ~~ومضجعنا الذي كان موطأ بالفرش أقض فامتنع من الإضجاع عليه. # قوله: «استحالت، تغيرت». وحال الرجل: ما هو عليه من خير أو شر أو غنى أو ~~فقر، والحال أيضا: المال. أعول: بكى، وعيال الرجل: من يفتقر إليه في مئونته ~~ونفقته، واحدهم عيل. المرابط: المواضع التي تربط فيها الخيل وتحبس. الغابط: ~~الذي يتمنى مثل مالك ولا ينقص منه شيء. أودى: هلك. الناطق: المال من ~~الحيوان مثل الإبل والبقر والغنم، وكل ما يتملك من ذي روح؛ سميت بذلك ~~لأصواتها، والناطق كل حيوان PageV01P094 # له صوت. والصامت: الذهب والفضة والمتاع. رثى: بكى. وأشفق الشامت: الذي ~~يسر بمصيبتك، ومنه تشميت العاطس، وهو إدخال السرور عليه بالدعاء، وقد شمت ~~به شماتا وشماتة، فهو شامت إذا سر ببلاء ينزل به. والحاسد، هو الحسود. # *** ### || AUTO [الحسد وما قيل فيه] # والحسد أول ذنب عصي الله به في السماء والأرض، أما في السماء فحسد إبليس ~~آدم، وأما في الأرض فحسد قابيل هابيل. # وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس ~~[فصلت: 29]: إنهما قابيل وإبليس، فالحسد حمل إبليس على الكفر، وحمل قابيل ~~على قتل أخيه. # وقال علي رضي الله عنه: لا راحة لحسود، ولا أخ لملول، ولا محب لسيئ الخلق. # وقال رجل لخالد بن ms0083 صفوان: إني أحبك، قال: وما يمنعك، ولست لك بجار ولا أخ ~~ولا ابن عم! يريد أن الحسد موكل بالأدنين. # الحسن البصري: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد بنفس دائم، وحزن لازم، ~~وغيرة لا تنفد. # معاوية: كل الناس أقدر على أن أرضيهم إلا حاسد نعمة، فإنه لا يرضيه إلا ~~زوالها. # المبرد: حدثنا الزيادي، قال: يقال: ستة لا تخطئهم الكآبة: فقير حديث عهد ~~بغنى، ومكثر يخاف على ماله التلف، والحسود، والحقود، وطالب مرتبة فوق قدره، ~~وخليط أهل الأدب وليس منهم. # قال الأصمعي: اجتمع ثلاثة حساد، فقال أحدهم لصاحبه: ما بلغ من حسدك؟ # قال: ما اشتهيت أن يفعل بمسلم خير قط، فقال الثاني: أنت رجل صالح، ولكني ~~ما اشتهيت أن يفعل بي خير قط، فقال الثالث: ما في الأرض خير منكما، ولكني ~~ما اشتهيت أن يفعل أحد بأحد خيرا قط. # قال: وأنشد الشاعر: [البسيط] # كل العداوة قد ترجى مودتها ... إلا عداوة من عاداك من حسد # وقال حبيب: [الكامل] # وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود (¬1) PageV01P095 # لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود # وقال القاضي ابن عمر: [المتقارب] # نهاني حلمي فما أظلم ... وعز مكاني فما أظلم # ولا بد من حاسد قلبه ... بنور مآثرنا مظلم # رحمت حسودي على أنه ... يعذب بي ثم لا يرحم # أتانا الحسود ولسنا كما ... يقول ولكن كما يعلم # وقال اليماني: [الكامل] # إني لأرحم حاسدي لفرط ما ... ضمت صدورهم من الأوغار # نظروا صنيع الله بي فعيونهم ... في جنة وقلوبهم في نار # لا ذنب لي قد رمت كتم فواضلي ... فكأنما برقعتها بنهار # قوله: «رثى لنا الحاسد والشامت»: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ارحموا ~~ثلاثا: غني قوم افتقر، وعزيز قوم ذل، وفقيها يلعب به الجهال». # قال الشافعي: خمسة مرحومون: عزيز ذل، وغني فل، وحبيب مل، وفصيح كل، وفقيه ضل. # وقال الشافعي: ومن حديث واثلة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~تظهر الشماتة بأخيك، فيعافيه الله ويبتليك» (¬1)، وأخذه الحريري من قول ~~الآخر: [السريع] # لم ms0084 يبق إلا نفس خافت ... ومقلة إنسانها باهت # ومغرم توقد أحشاؤه ... بالنار إلا أنه ساكت # رق فما في جسمه مفصل ... إلا وفيه سقم ثابت # يرثي له الشامت مما به ... يا ويح من يرثي له الشامت! # *** # وآل بنا الدهر الموقع، والفقر المدقع، إلى أن احتذينا الوجى، واغتذينا ~~الشجا، واستبطنا الجوى، وطوينا الأحشاء على الطوى، واكتحلنا السهاد، ~~واستوطنا الوهاد، واستوطأنا القتاد، وتناسينا الأقتاد، واستطبنا الحين ~~المجتاح، واستبطأنا اليوم المتاح، فهل من حر آس، أو سمح مواس! فو الذي ~~استخرجني من قيلة، لقد أمسيت أخا عيلة، لا أملك بيت ليلة. PageV01P096 # قال الحارث بن همام: فأويت لمفاقره، ولويت إلى استنباط فقره، فأبرزت ~~دينارا، وقلت له اختبارا: إن مدحته نظما، فهو لك حتما، فانبرى ينشد في ~~الحال، من غير انتحال. # *** # قوله: «آل بنا» أي رجع بنا، وقد آل يئيل ويؤول، أي رجع. الموقع: المهلك، ~~من أوقع به، ويحتمل أن يريد بالموقع الذي يحمله على الوقوع، ورجل موقع إذا ~~اشتكى ألم رجليه. المدقع: الملصق بالدقعاء، أي التراب، أي لم يترك للإنسان ~~شيئا يبسطه غير التراب. احتذينا: انتعلنا. الوجى: توجع باطن القدمين من ~~الحفا، يريد أنه ليس مكان النعال الحفا حتى توجعت قدماه. الشجى: ما يعرض في ~~الحلق، وكنى بهذا عن سوء الحال، لأن الشجىليس بغذاء إنما هو مشقة وتعب. ~~ولكن بالغ في وصف سوء حاله، فقال: إنه ينتعل ما لا ينتعل، ويغتذى ما ليس ~~بغذاء، أي ليس ثم انتعال ولا غذاء. # استبطنا، أي جعلناه في بطوننا. الجوى: فساد الجوف. والأحشاء: ما في الجوف ~~وما حشي به. الطوى: الجوع، وقد طوي يطوى؛ لأن الأحشاء إذا امتلأت من الطعام ~~انتشرت، وإذ فرغت منه انطوى بعضها على بعض. والسهاد: امتناع النوم، من قول ~~الشاعر: [الرمل] # ما لعيني كحلت بالسهاد ... ولجنبي نابيا عن وسادي # استوطنا: سكنا واتخذناه وطنا. الوهاد: ما انخفض من الأرض. استوطأنا: ~~وجدناه وطيئا. القتاد: شجر له شوك شديد يسمى عندنا حمض الأمير. الأقتاد: ~~خشب الرحال، يريد أنهم نسوا ركوب المطايا لبعد عهدهم بها ورجعوا الآن يمشون ~~على الشوك ms0085 فيجدونه وطيئا. الحين: الموت. المجتاح: من لفظ الجوائح، يريد به ~~المستأصل للأموال. # استبطأنا: وجدناه بطيء المجيء. المتاح. المقدر، يريد أن يوم موتهم تمنوه ~~لشدة ما قاسوا، وأبطأ عليهم. آس: طبيب يطب علة الفقر والجمع الأساة. سمح: كريم. # والمواسي: المعين. وذكر عاصم في شرح قوله: «يواسي في كريهته أخاه»، أن ~~معناه، جعله أسوة نفسه، فمواس من الأسوة، كأنه يشاركه في ماله. ويقال: ~~آسيته، والأصل الهمز. # المفضل: معنى فلان يواسي فلانا، يشاركه، والمواساة المشاركة، وآساه: ~~شاركه فيما هو فيه. # مؤرج: ما يواسيه، أي ما يصيبه بخير أصلا. # غيره: معناه يعوضه من مودته وقرابته شيئا، من الأوس وهو العوض، قال ~~الشاعر: # [مجزوء الكامل] PageV01P097 # فلأرمينك مشقصا ... أوسا أويس من الهباله (¬1) # والهبالة: اسم ناقة، أي أرميك بسهم يكون عوضا عن الناقة. وكأن أصله ~~يؤاوسه، فقدموا السين وهي لام الفعل، وأخروا الواو وهي عينه، فصار «يؤاسوه» ~~فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، فهو من المقلوب، وإن جعلته من أسوت ~~الجرح، إذا أصلحته فلا قلب فيه. # قوله: «فو الذي استخرجني من قيلة»، قيلة هي أم الأوس والخزرج، وهي بنت ~~الأرقم الغسانية، وانتسابه لها كانتسابه قبل إلى أقيال غسان. أخا عيلة: ~~صاحب فقر، قال تعالى: وإن خفتم عيلة [التوبة: 28]، أي فقرا، وقال صلى الله ~~عليه وسلم: «أعوذ بك من القسوة والغفلة والعيلة والمسكنة». بيت ليلة: قوت ~~يبيت عليه ليلة. # أويت: أشفقت وحننت. مفاقره: جمع فقر على غير قياس- ومثله مذاكير الرجل ~~جمع ذكر: محاسنه ومساويه. لويت: انعطفت. استنباط: استخراج الفقر في النثر: # فواصله، وهي مثل القوافي في النظم، والفقر: ما تقدم في المقامة من الكلام ~~المفقر. # أبرزت: أطهرت. حتما: واجبا، يريد أنه قصد إلى أن يحقق ما تقدم من الفصاحة ~~في فقره إن كانت له أو انتحلها، فقال ليختبره: امتدح هذا الدينار بشعر. ~~فانبرى، أي اعترض وتقدم. انتحال: ادعاء منه في شعر غيره، يقال: انتحل كذا، ~~أي ألزمه نفسه، وجعله كالملك، من النحلة، وهي الهبة والعطية. [الرجز] # *** # أكرم به أصفر راقت صفرته ... جواب آفاق ترامت سفرته # مأثورة سمعته وشهرته ms0086 ... قد أودعت سر الغنى أسرته # وقارنت نجح المساعي خطرته ... وحببت إلى الأنام غرته # كأنما من القلوب نقرته ... به يصول من حوته صرته # وإن تفانت أو توانت عترته ... يا حبذا نضاره ونقرته # وحبذا مغناته ونصرته ... كم آمر به استتبت إمرته # ومترف لولاه دامت حسرته ... وجيش هم هزمته كرته # وبدر تم أنزلته بدرته ... ومستشيط تتلظى جمرته # أسر نجواه فلانت شرته ... وكم أسير أسلمته أسرته PageV01P098 # أنقذه حتى صفت مسرته ... وحق مولى أبدعته فطرته # * لولا التقى لقلت جلت قدرته* # *** # قوله: «اكرم به»، معناه ما أكرمه. راقت. أعجبت. جواب آفاق: قطاع بلاد. # ترامت سفرته: بعدت غيبته، وسمى السفر سفرا، لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، ~~أي يكشفها ويوضحها، أخذ من قولهم: سفرت المرأة عن وجهها، إذا كشفته ~~وأظهرته، ويقال للمكنسة: مسفرة، لأنها تسفر التراب عن الموضع، وسفر بيته، ~~كنسه. مأثورة: # محدث بها. سمعته: ذكره المسموع أودعت: ضمنت. أسرته: خطوط وجهه، أراد ~~نقشه، وأن بين أسطاره سر الغنى، فمن ملكه ملك الغنى. قارنت: ساوت: النجح: ~~ضد الخيبة. المساعي: المشي في طلب الحوائج. الأنام: الخلق. غرته: وجهه؛ قيل ~~لأبي الزناد: مالك تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا! قال: إنها وإن أدنتني ~~من الدنيا، فقد صانتني عنها. والنقرة: القطعة المسبوكة من الذهب والفضة، ~~قبل أن يطبع منها الدراهم والدنانير، وأراد: كأنما قطعت نقرته من قلوب ~~الناس لشدة حبهم فيه. والنقرة، إنما تستعمل من الفضة، واستعملها في الذهب ~~لقرب ما بينهما، وأخذه من قول البحتري: # فكل قلب إليه منصرف ... كأنه من جميعها خلقا (¬1) # أو من قول ابن الرومي: [الطويل] # *** # به أمست الأهواء يجمعها هوى ... كأن نفوس الناس في حبه نفس # أو من قول المتنبي: [الكامل] # *** # في خطه من كل قلب شهوة ... حتى كأن مداده الأهواء (¬2) # يصول: يقهر ويغلب، وصال الشجاع على قرنه، والفحل على إبله، والحمار على ~~أتنه صولا، إذا قهر وعلا وصاح بها. الصرة: الخرقة تصر فيها الدراهم. حوته: ~~ضمته، يريد أن من ملك الدينار صال به على زمانه. تفانت: هلكت. توانت: أبطأت ~~وضعفت عن نصرته. عترته: قرابته الأدنون ms0087 نضاره: ذهبه. نضرته: حسنه. مغناته: ~~منابه، يقال فلان يغني مغناتك، أي ينوب منابك، ويقوم مقامك، يريد أنه ينوب ~~عن الإنسان في المضايق وينصره. استتبت: تمت واستقامت، والمستتب: الطريق ~~البين، قال الشاعر: [الطويل] # * على مستتب كالمجرة تعمل* PageV01P099 # إمرته: ولايته. مترف: منعم. حسرته: تفجعه، وحزنه. كرته: رجعته، وبدر تم: # القمر ليلة الكمال؛ ويريد به شخصا به يشبه البدر في حسنه ورفعته، فإذا ~~بعثت في طلبه الدينار أنزلته عن مرتبته وتملكته، والبدرة: عشرة آلاف درهم ~~مستشيط: غضبان: تتلظى: # تتلهب. جمرته: شدة غيظه أسر: أخفى نجواه: حديثه سرا. شرته: حدته وغضبه، ~~يقول: كم من غضبان شديد الغيظ، مثل حاكم يصول بصاحب جناية ويهدده، فإذا رشي ~~بالدينار وبعث إليه سرا أزال غضبه، وسكنت حدته. أسلمته، تركته. أسرته: قومه. # مسرته: فرحه أبدعته: أوجدته قبل أن يكون. فطرته: خلقته. التقى: الخوف. جلت: # عظمت. # *** # ثم بسط يده، بعد ما أنشده، وقال: أنجز حر ما وعد، وسح خال إذا رعد فنبذت ~~الدينار إليه، وقلت: خذه غير مأسوف عليه، فوضعه في فيه، وقال: بارك اللهم ~~فيه، ثم شمر للانثناء، بعد توفيه الثناء. # *** # قوله: «أنجز حر ما وعد»، هذا مثل، قاله الحارث آكل المرار- وهو جد امرئ ~~القيس- لصخر بن نهشل بن دارم؛ وذلك أن الحارث قال: يا صخر، هل أدلك على ~~غنيمة على أن لي خمسها؟ قال نعم، فدله على قوم من العرب، فأغار عليهم صخر ~~بقومه فظفروا وغنموا، فحملهم صخر على أن يعطوا الحارث الخمس، فأبوا؛ وكان ~~طريقهم على شجعات- وهي ثنية متضايقة- فلما دنوا منها صار إليهم صخر حتى قعد ~~على رأسها، ومنعهم الجواز أو يعطوا الحارث الخمس، فقال حمزة اليربوعي: ~~والله لا نعطيه من غنيمتنا شيئا؛ ومضى في الثنية، فحمل عليه صخر فقتله. ~~فلما رأى ذلك الجيش أعطوه الخمس، ففي ذلك يقول نهشل بن حري بن منجز بن نهشل ~~بن دارم: [الطويل] # ونحن منعنا الجيش أن يتأوبوا ... على شجعات والجياد بنا تجري # حبسناهم حتى أقروا لحكمنا ... وأدي أنفال الخميس إلى صخر # فمعنى «أنجز حر ما وعد» أحضر وهيأ. وقد نجز الشيء ms0088 إذا حضر، ولفظه لفظ ~~الخبر، ومعناه الأمر، أراد لينجز حر ما وعد. # *** # سح: صب وأمطر. خال: سحاب يخيل لك أن المطر فيه. رعد: صوت؛ يقول لابن ~~همام: إن السحاب إذا سمع الرعد سح بالمطر، وأنت قد أسمعتني ذكر الدينار، ~~ووعدتني به، فأنجز لي وعدي. # نبذت: رميت. مأسوف: محزون. بارك: أي ضع البركة فيه، وقولهم: تبارك الله، PageV01P100 # أي تقدس وتطهر، وقيل: هو «تفاعل» من البركة، أي البركة تنال بذكر اسمك. ~~الانثناء: # الرجوع. توفيه الثناء: كمال الشكر والمدح. ### || AUTO [في وصف الدينار] # ومما قيل في وصف الدينار ومدحه: [الكامل] # ومقسم الوجنات يبرق وجهه ... باد على وجناته عباد # جبل الأنام على محبة حسنه ... فكأنه رب وهم عباد # وفي مقامات البديع في وصفه: [الرجز] # يا حسنها فاقعة صفراء ... مشرقة منقوشة قوراء # يكاد أن يقطر منها الماء ... قد أثمرتها همة علياء # يا ذا الذي بغيته الثناء ... ما ينقضي بقدرك الإطراء # * امض على الله لك الجزاء* # *** ### || AUTO [الوعد وإنجازه] # وإذ قد فرغت من شرح ألفاظه في إنجاز الوعد في المثل، وما اتصل به، فلنذكر ~~مذاهبهم في ذلك. # فأكثرهم على إنجاز الوعد، وقد ذكر فيما هو مستقبل: [المتقارب] # * وبع آجلا منك بالعاجل* # وقال: وإذا خيرت بين ذرة منقودة، ودرة موعودة فمل إلى النقد وقال جرير: # [الطويل] # إني لأرجو منك خيرا عاجلا ... والنفس مولعة بحب العاجل (¬1) # قال آخر: [الطويل] # ولا شك أن الخير منك سجية ... ولكن خير الخير عندي المعجل # وقال آخر: [الطويل] # أتى زائرا من غير وعد وقال لي: ... أجلك عن تعذيب قلبك بالوعد # وبعضهم يرى أن يكون بين الوعد الإنجاز مهلة؛ ومنه أن منصور بن زياد كلم ~~يحيى PageV01P101 # ابن خالد في حاجة رجل، فقال له: عده عني قضاءها، فقال منصور بن زياد: وما ~~يدعوك إلى العدة مع القدرة! فقال: هذا قول من لا يعرف موقع الصنائع من ~~القلوب، إن الحاجة إذا لم يتقدمها وعد ينتظر به نجحها، لم تتحدث النفس ~~بسرورها؛ إن الوعد مطعم والإنجاز طعام، وليس من فاجأه طعام كمن وجد رائحته ~~وتطعمه ثم طعمه، ms0089 فدع الحاجة تختمر بالوعد، ليكون لها عند المصطنع حسن موقع ~~ولطف محل. # قال ابن الكلبي لهشام بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين، لا تصنع إلي ~~معروفا حتى تعدني به، فإنه لم يأتني منك سيب على غير وعد إلا هان علي قدره، ~~وقل مني شكره، فقال له: لم قلت ذلك، وقد قال سيد قومك أبو مسلم الخولاني: ~~إن أنجح المعروف في القلوب، وأبرده على الأكباد معروف غير منتظر بوعد لا ~~يكدره مطل. # ووعد المهدي عيسى بن دأب جارية ثم وهبها له، فأنشده عبد الله بن مصعب ~~الزبيري [قول مضرس الأسدي] [الطويل] # ولا تيأسن من صالح أن تناله ... وإن كان قدما بين أيد تبادره # فقال: يدفع لعبد الله جارية أخرى، فقال الزبيري: # وأنجز خير الناس من قبل وعده ... أراحك من مطل ومن طول كده # فقال له عيسى بن دأب: ما صنعت شيئا! هلا قلت: [الرجز] # حلاوة الفضل بوعد ينجز ... لا خير في العرف كنهب ينهز # فقال المهدي: [مجزوء الكامل] # الوعد أحسن ما يكو ... ن إذا تقدمه ضمان # وقال بعض البلغاء: دع الوعد يركض ثلاثا، فإن كثير العطاء قبل الوعد قليل، ~~وجليله حقير. # وقال يحيى بن خالد: من لم يبت مسرورا بوعد، لم يجد للصنيعة مطعما وفيه ~~يقول أبو قابوس النصراني: [البسيط] # رأيت يحيى أتم الله نعمته ... عليه يأتي الذي لم يأته أحد # ينسى الذي كان من معروفه أبدا ... إلى الرجال ولا ينسى الذي يعد # وقال الحارثي: [الطويل] # وما روضة دارية أسدية ... منمنمة زهراء ذات ثرى صعد # بأحسن من حر تضمن حاجة ... لحر، فأوفى بالنجاح مع الوعد # وقال ابن رشيق: [السريع] PageV01P102 # أحسنت في تأخيرها منة ... لو لم تؤخر لم تكن كامله # وكيف لا يحسن تأخيرها ... بعد يقيني أنها حاصله! # وجنة الفردوس يدعى بها ... آجله للمرء، لا عاجله # وقال رجل لأبي عمرو بن العلاء: وعدتني بأمر فلم تنجزه! فقال أبو عمرو: من ~~أولى منا بالعتب؟ أنا وإلا أنت! قال: أنا؛ قال أبو عمرو: لا والله بل أنا، ~~قال: وكيف؟ # قال: لأبي وعدتك وعدا فأنت ms0090 تفرح بالوعد، فبت ليلتك جذلان مسرورا وبت أنا ~~بهم الإنجاز، فبت ليلتي مفكرا مغموما بما عاق الدهر من بلوغ الإرادة فيه، ~~فلقيتني مدلا ولقيتك مستحييا. # واعتذر بعض الرؤساء لأبي علي البصري من تأخر وعد، فقال: في شكر ما تقدم ~~من إحسانك شاغل عن استبطاء ما تأخر منه. # *** # فنشأت لي من فكاهته نشوة غرام، سهلت علي ائتناف اغترام، فجردت دينارا آخر ~~وقلت له: هل لك في أن تذمه، ثم تضمه؟ فأنشد مرتجلا وشدا عجلا: # *** # قوله: «فنشأت»، أي ظهرت وبدت. فكاهة: مزاح. نشوة غرام: سكرة شوق، ~~والغرام: الحب المعذب للقلب. ائتناف: استقبال. اغترام: غرم. ثم ذكر أن يذمه ~~ثم يضمه، وقد نظمهما الزاهد بن عمران في قوله: [الكامل] # إن المئونة والحساب كلاهما ... قرنا بهذا الدرهم المذموم # كلف الأنام بذمه وبضمه ... فتعجبوا لمذمم مضموم # وقال ابن شرف في الدينار والدرهم: [الطويل] # ألا رب شيء فيه من أحرف اسمه ... نواه لنا عنه وزجر وإنذار # فتنا بدينار وهمنا بدرهم ... وآخر ذا هم، وآخر ذا نار # وقال ابن رشيق: [المجتث] # صحفت دالين من دين ... ار يلوح ودرهم # فقال لي ذلكم «ذي ... نار» وذا قال: «ذرهم» # وابن رشيق وابن شرف أديبا القيروان، يجمعهما البلد والزمان، وكانا مرة ~~يتصاحبان، ومرة يتباغضان. # وقال ابن رشيق في مدح الدينار والدرهم: [الوافر] PageV01P103 # صديق المرء كالدينار طبعا ... وكيف يفارق المرء الطباعا! # تراه إذا أقام يقيم جاها ... وإن فارقته أجدى انتفاعا # أخذه من قول كشاجم: [الرمل] # ومريد من أباه ... ومهين من أجله (¬1) # فهو كالدينار لا يك ... رم إلا من أذله # وقال آخر: [البسيط] # النار آخر دينار نطقت به ... والهم آخر هذا الدرهم الجاري # والمرء ما لم يفد من غيره ورعا ... مقسم القلب بين الهم والنار # قوله: «مرتجلا»، أي من غير تفكر. شدا: ابتدأ الغناء وطرب بنشيده [الرجز] # *** # تبا له من خادع مماذق ... أصفر ذي وجهين كالمنافق # يبدو بوصفين لعين الرامق ... زينة معشوق ولون عاشق # وحبه عند ذوي الحقائق ... يدعو إلى ارتكاب سخط الخالق # لولاه لم تقطع يمين سارق ... ولا بدت مظلمة من فاسق ms0091 # ولا اشمأز باخل من طارق ... ولا شكا الممطول مطل العائق # ولا استعيذ من حسود راشق ... وشر ما فيه من الخلائق # أن ليس يغني عنك في المضايق ... إلا إذا فر فرار الآبق # واها لمن يقذفه من حالق ... ومن إذا ناجاه نجوى الوامق # قال له قول المحق الصادق: ... لا رأى في وصلك لي ففارق # *** # تبا: أي خسرا. مماذق: لا يصفو وده لصاحبه، وقد مذق وده، إذا لم يخلصه، ~~ومذق اللبن: خلطه بالماء، والمذيق: المخلوط. أصفر ذي وجهين، قال أبو هريرة ~~رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شر الناس ذو الوجهين، ~~يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه» (¬2). PageV01P104 # ووقع هذا في نثر البديع، قال في مخاطبة أبي الفتح عيسى: أظعنا تريد؟ قلت: ~~إي والله، قال: أخصب رائدك، ولا ضل قائدك، فمتى عزمت؟ قلت: غداة غد، فقال: # [الوافر] # صباح الله لا صبح انطلاق ... وطير الوصل لا طير الفراق # وقال السعد لا يعدوك دأبا ... يصاحبكم إلى يوم التلاقي # فأين تريد؟ قلت: الوطن، قال: بلغت الوطن، وقضيت الوطر، فمتى العود؟ # قلت: القابل، فقال: طويت الريط (¬1)، وثنيت الخيط، فأين أنت من الكرم؟ ~~قلت: بحيث أردت، فقال: إذا رجعك الله سالما من هذا الطريق؛ فاستصحب لي عدوا ~~في ثياب صديق، من نجار الصفر، يدعو إلى الكفر، ويرقص على الظفر، كدارة ~~العين، يحط ثقل الدين، وينافق بوجهين. فعلمت أنه يلتمس دينارا، فقلت: ذلك ~~لك نقدا، ومثله وعدا، فأنشأ يقول: [مخلع البسيط] # رأيك مما خطبت أعلى ... لا زلت للمكرمات. أهلا # صلبت عودا، ودمت فردا ... وطبت فرعا وطبت أصلا # يا واحد الدهر والمعالي ... لا لقي الدهر منك ثكلا # قوله: «عدوا في ثياب صديق» من قول أبي نواس: [الطويل] # إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق (¬2) # قوله: «الرامق» أي الناظر، ورمقت الشيء رمقا أتبعت النظر إليه. وزينة ~~المعشوق التي في الدينار: نقشه وتزيينه، ولون العاشق: صفرته، فالناظر في ~~الدينار يرى في الظاهر زينته فيهواه، فيقع على ما وقع عليه باطن العاشق من ~~العذاب والغرام، ويدل على ms0092 ذلك صفرته الظاهرة عليه. وقال ابن ظفر: زينة ~~المعشوق غرور مدعاة إلى التهور في الغرام، ولون العاشق وهو الأصفر دليل على ~~ما أسر من شاغف الكلف، فالغافل ينظر من الدينار مثل زينة المعشوق مجردة عن ~~عاقبتها، فيصيده الهوى، والعاقل ينظر منه إلى لون العاشق، فيستدل على باطن ~~الجوى ذوي الحقائق، يعني أهل الرشد والعلم، والذين ينظرون إلى ما في الدنيا ~~بعين الحقيقة. # ثم لولا حب الدنيا ما سرق السارق، فيستوجب قطع يده، أو بعض أعضائه، واليد ~~يجب قطعها بربع دينار ذهب. ومن ملح السرقة أن الجاحظ حكىأن رجلين كان ~~أحدهما أيمن، والآخر أعسر، فكان الأيمن يفخر على الأعسر، فأخذا في سرقة، ~~فقطعت أيمانهما، فكان الأعسر يعمل بيساره أعماله كلها، والأيمن لا يستطيع ~~أن يعمل بيساره PageV01P105 # شيئا، ففخر الأعسر عليه بذلك، فقال له الأيمن: ما علمت أن للأعسر فضيلة ~~إلا أن يسرق فيؤخذ فتقطع يمينه. # الفاسق: الخارج عن الطاعة إلى ركوب المعصية أو عن الإيمان إلى الكفر، أخذ ~~من فسقت الرطبة، إذا خرجت من قشرها. وقال قوم: الفاسق الجائر، واحتجوا ~~بقوله تعالى: إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه [الكهف: 50]، أي جار، ~~عنه قال رؤبة: [الرجز] # يهوين في نجد وغور غائرا ... فواسقا عن قصدها جوائرا (¬1) # اشمأز: انقبض. باخل: شحيح، وبخيل أكثر من باخل. طارق: قاصد بليل. # المطل: تأخير الحق الواجب، وأصله من مطل القين الحديد في النار، إذا مده وطوله. # العائق: الحابس، وقد عاقه عن الشيء إذا حبسه. راشق: عائن، وأصله الرامي، ~~فجعله للذي يصيب الناس بعينه. واستعيذ: قرئ عليه المعوذتان، وهما: قل أعوذ ~~برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس. الخلائق: الطبائع، واحدتها خليقة. الآبق: # الهارب، وأبق العبد يأبق إباقا: زال عن مولاه، وفي معنى فراق الدينار فوق ~~الأخطل: # [الوافر] # ومعشوق يرقص كل يوم ... ترى في وجهه أبدا كلاما # إذا فارقته أجداك خيرا ... ولا يجدي عليك إذا أقاما # وهذا من قول الحسن البصري، وقد رأى رجلا يقلب درهما، فقال له: أتحب درهمك ~~هذا؟ قال: نعم، قال: فإنه ليس لك ms0093 حتى يخرج من يدك. # واها: تعجب، معناه ما أعجب من يقذفه. حالق: جبل أملس منيف. ناجاه: حدثه ~~سرا. الوامق: المحب، وقد ومق يمق مقة المحق: القائل الحق. # *** # فقلت له: ما أغزر وبلك! فقال: والشرط أملك، فنفحته بالدينار الثاني، وقلت ~~له: عوذهما بالمثاني، فألقاه في فمه، وقرنه بتوأمه، وانكفأ يحمد مغداه، ~~ويمدح النادي ونداه. # *** PageV01P106 # قوله: «ما أغزر ويلك»، أي ما أكثر بلاغتك. وأملك: ألزم وأحق، يريد أن ~~شرطك الذي شرطت من إعطائي دينارا آخر إن ذممته، قد لزمك بذمي له. والشرط ~~أملك مثل، وأول من قاله الأفعى الجرهمي، وكان حكيما للعرب، فتحاكم إليه ~~خصمان، فاشترط أحدهما وأراد ألا يلتزمه، فقال الأفعى: الشرط أملك، وتقديره ~~الشرط أملك لأمرك منك. # نفحته: رميته. عوذهما: رقاهما. والمثاني: أم القرآن، سميت بذلك لأنها ~~تثني في الصلاة، واختصها لأنه أشار عليه أن يحمد الله على أخذ الدينار، ~~فكأنه قال: اقرأ الحمد لله رب العالمين، شكرا لله عليهما وتعويذا لهما. # وهذا كما قال ابن رشيق في غلام جميل: [السريع] # معتدل القامة والقد ... مورد الوجنة والخد # لو وضع الورد على خده ... ما عرف الخد من الورد # قل للذي يعجب من حسنه ... اقرأ عليه سورة الحمد # وله في مثله: [السريع] # شكوت بالحب إلى ظالمي ... فقال لي مستهزئا: ما هو! # قلت: غرام ثابت، قال لي: ... اقرأ عليه «قل هو الله» # وقال أبو عبيد: المثاني في كتاب الله ثلاثة أشياء: القرآن، سماه الله ~~المثاني في قوله تعالى: كتابا متشابها مثاني [الزمر: 23]، وسمى الفاتحة ~~«مثاني» في قوله: سبعا من المثاني [الحجر: 87] وروى عثمان وابن عباس وابن ~~مسعود عنه صلى الله عليه وسلم. «إن المثاني من السور ما دون المئين»، كأنها ~~جعلت مبادئ والتي تليها مثاني. # قوله: «بتوأمه»، أي بأخيه، يعني الدينار الأول. انكفأ: انقلب وولى، معناه ~~بكوره وسيره في الغدو. النادي ونداه: المجلس وكرم أهله. ### || AUTO [مدح الأشياء وذمها] # ونريد أن نأتي بفصل في مدح الشيء وذمه على حكم ما مدح الحريري الدينار ~~وذمه، ونبين مذهب العرب وأهل الأدب في ذلك، فقد ألف ms0094 ابن رشيق فيه كتابا ~~جلبت في هذا الكتاب عيونه. # قال أبو عثمان الجاحظ: العربي يعاف الشيء ويهجو به غيره، فإن ابتلي به ~~فخر به، ولكنه لا يفخر به لنفسه من جهة ما هجا به غيره، فافهم هذا؛ فإن ~~الناس يغلطون على العرب، ويزعمون أنهم يمدحون بالشيء الذي يهجون به، وهذا ~~باطل؛ ليس شيء إلا وله وجهان، فإذا مدحوا ذكروا أحسن الوجهين، وإذا ذموا ~~ذكروا أقبح الوجهين. PageV01P107 # قال ابن رشيق: وأكثر ما تجري هذه الممادح والمذام على جهة المنافقة، لا ~~على جهة المناصفة، ومن باب المسامحة لا من باب المشاححة، وإلا فالشيء لا ~~يوافق ضده، فيكون الحسن قبيحا في حالة واحد، والمدح ذما لمعنى واحد، لكن ~~لكل شيء- كما ذكر الجاحظ- مساوئ ومحاسن؛ كما فعل عمرو بن الأهتم بين يدي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد استشهده الزبرقان بن بدر على ما ادعاه من ~~الشرف في قومه، قال عمرو: أجل يا رسول الله، إنه مانع حوزته، مطاع في ~~أنديته، شديد العارضة. فقال الزبرقان: أما والله لقد علم أكثر مما قال؛ ~~ولكن حسدني شرفي، فقال عمرو: أما وقد قال ما قال، فو الله ما علمته إلا ضيق ~~الطعن زمر المروءة، لئيم الخال، حديث الغنى فرأى الكراهة في عين رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لما اختلف قوله، فقال: يا رسول الله، رضيت فقلت أحسن ما ~~علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت؛ وما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الثانية، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر ~~لحكمة» (¬1). # وكتب يزيد بن معاوية في صدر كتابه إلى عبيد الله بن زياد- وقد ولاه ~~محاربة الحسين بن علي رضي الله عنهما- وكان قبل ذلك يسيء الرأي فيه: أما ~~بعد، فإن المسبوب يوما ممدوح، وإن الممدوح يوما مسبوب. # ويروى أن عيسى عليه الصلاة والسلام لم يعب شيئا قط، فمر يوما بكلب ميت، ~~فقال أصحابه: ما أنتن ريحه! فقال عيسى عليه الصلاة والسلام: ما أحسن بياض ~~أسنانه! . # وقالت للحضين بن منذر امرأة: كيف ms0095 سدت وأنت دميم بخيل! فقال: لأني سديد ~~الرأي، شديد الإقدام. # وقال مسلمة بن عبد الملك لأخيه هشام: كيف تطمع في الخلافة وأنت بخيل، ~~وأنت جبان! فقال: لأني حليم، وأنا عفيف؛ فسلم لعائبه ما ادعاه من مساوئه، ~~وذكر من محاسنه ما لم ينازع فيه. # صعد خالد بن عبد الله القسري منبر مكة يوم الجمعة، وهو أمير للوليد بن ~~عبد الملك بن مروان، فأثنى على الحجاج خيرا، فلما كانت الجمعة الثانية وقد ~~مات الوليد، ورد عليه كتاب سليمان يأمره بشتم الحجاج وذكر عيوبه، وإظهار ~~البراءة منه، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن إبليس كان ~~يظهر من طاعة الله عز وجل ما كانت الملائكة ترى له به عليهم فضلا، وكان ~~الله قد علم من غشه ما خفي عن الملائكة، فلما أراد الله فضيحته ابتلاه ~~بالسجود لآدم، فظهر لهم ما كان يخفيه منهم، فلعنوه. وإن PageV01P108 # الحجاج كان يظهر من طاعة أمير المؤمنين ما كنا نرى له به فضلا، وكان الله ~~قد أطلع أمير المؤمنين من غله وغشه على ما خفي عنا؛ فلما أراد فضيحته أجرى ~~ذلك على يد أمير المؤمنين فالعنوه لعنة الله. ثم نزل. # ومر غيلان بن خرشة الضبي مع عبد الله بن عامر بنهر أم عبد الله الذي يشق ~~البصرة، فقال عبد الله: ما أصلح هذا النهر لأهل هذا المصر! فقال غيلان: أجل ~~والله أيها الأمير؛ يتعلم العوم فيه صبيانهم، ويكون لسقائهم ولسيل مياههم، ~~ويأتيهم بميرتهم؛ ثم عاد ابن عامر فساير زيادا عليه، فقال زياد: ما أضر هذا ~~النهر لأهل هذا المصر! فقال: # أجل والله أيها الأمير، تنز منه دورهم، ويغرق فيه صبيانهم، ويكثر لأجله ~~بعوضهم. # ومدح الجاحظ العروض، فقال: هو ميزان الشعر ومعياره، به يعرف الصحيح من ~~السقيم، والعليل من السليم، وعليه مدار القريض والشعر، وبه يسلم من الأود ~~والكسر. # ثم ذمه فقال: هو علم مولد، وأدب مستبرد، ومذهب مرفوض، تستنكره العقول، ~~مستفعلن فعول، من غيره فائدة ولا محصول. # وكان العباس بن علي عم المنصور يأخذ الكأس بيده، ms0096 ثم يقول: أما النفس ~~فتسمحين، وأما الهم فتطردين، أفتراك مني تفلتين! ثم يشربها. # وشكا أبو العنياء حاله إلى عبد الله بن سليمان، فقال: أليس قد كتبنا لك ~~إلى إبراهيم بن المدبر! قال: كتبت إلى رجل قد حصر من همته طول الفقر، وذل ~~الأسر، ومعاناة محن الدهر، فأخففت في طلبتي. قال: أنت اخترته، قال: وما ~~علمي أعز الله الامير في ذلك! قد اختار موسى قومه سبعين رجلا وما كان منهم ~~رشيد، واختار رسول صلى الله عليه وسلم ابن أبي سرح كاتبا فرجع إلى المشركين ~~مرتدا، واختار علي رضي الله عنه أبا موسى حكما، فحكم عليه. # *** # قال الحارث بن همام: فناجاني قلبي بأنه أبو زيد، وأن تعارجه لكيد. # فاستعدته وقلت له: قد عرفت بوشيك، فاستقم في مشيك. فقال: إن كنت ابن ~~همام، فحييت بإكرام، وحييت بين كرام. فقلت: أنا الحارث، فكيف حالك ~~والحوادث؟ فقال: أتقلب في الحالين: بؤس ورخاء، وأنقلب مع الريحين: زعزع ~~ورخاء. فقلت: كيف ادعيت القزل، وما مثلك من هزل! فاستسر بشره الذي كان ~~تجلى، ثم أنشد حين ولى: [المتقارب] # تعارجت لا رغبة في العرج ... ولكن لأقرع باب الفرج # وألقي حبلي على غاربي ... وأسلك مسلك من قد مرج PageV01P109 # فإن لامني القوم قلت اعذروا ... فليس على أعرج من حرج # *** # قوله: «فاستعدته»، أي قلت له أعد علي. عرفت بوشيك، أي عرفت بحسن كلامك ~~وتزيينه. استقم استعدل وأزل عوجك. حييت: طال بقاؤك، والتحية البقاء: # حييت: عشت. والحوادث: ما يحدث من الخير والشر. بؤس: شدة العيش. رخاء: ~~لينه وسعته. زعزع: ريح شديدة تحرك الشجر وتقلعه. والزعزعة: تحريك الشيء إذا ~~أردت قلعه. رخاء: ريح لينة سريعة، من الإرخاء في السير، وهو عدو فوق ~~التقريب، وناقة مرخاء: سريعة القزل: أسوأ العرج، وقد قزل قزلا. # وهزل هزلا: ترك الجد في قول أو فعل، يقول: كيف تحيلت بالعرج ومثلك لا ~~يهزل ولا يقع في هذه النقيصة! فهو يهزأ به، فغضب عند ذلك استسر بشره: زال ~~عنه سماحه وطلاقة وجهه. تجلى: ظهر. ولى: ذهب. # قوله: «أقرع»، أي أضرب. الفرج: ms0097 كشف الهم. ألقي حبلي على غاربي: أي أسرح ~~وأمشي حيث أحببت، والعرب تطلق هذا اللفظ، فتقول للمرأة: حبلك على غاربك، أي ~~أنت مسيبة فتوجهي حيث شئت لا مانع لك ولا حابس، والغارب: ما انحدر من ~~السنام، والحبل هو الذي يعقل به البعير، فإذا سرحوه حلوا عقاله وألقوه على ~~غاربه، قال ابن الأنباري: أصله أن يلقى على حبل الناقة على غاربها فتفزع، ~~ولا ترعى إذا لم تره على الأرض. # أسلك مسلك، أي أدخل مدخل، والمسلك: الطريق. مرج: خلط الجد بالهزل. # حرج: إثم والله تعالى أعلم. PageV01P110 ### | AUTO المقامة الرابعة وهي الدمياطية # أخبر الحارث بن همام قال: ظعنت إلى دمياط، عام هياط ومياط؛ وأنا يومئذ ~~مرموق الرخاء، موموق الإخاء، أسحب مطارف الثراء، وأجتلي معارف السراء. # فرافقت صحبا قد شقوا عصا الشقاق، وارتضعوا أفاويق الوفاق؛ حتى لاحوا ~~كأسنان المشط في الاستواء، وكالنفس الواحدة في التئام الأهواء. وكنا مع ذلك ~~نسير النجاء، ولا نرحل إلا كل هوجاء، وإذا نزلنا منزلا، أو وردنا منهلا، ~~اختلسنا اللبث، ولم نطل المكث، فعن لنا إعمال الركاب، في ليلة فتية الشباب، ~~غدافية الإهاب. فأسرينا إلى أن نضا الليل شبابه، وسلت الصبح خضابه. # *** # قوله: «ظعنت»، أي رحلت، والظعن ضد الإقامة. # دمياط: بلد بينه وبين مصر ثلاثون فرسخا، وهي على ساحل البحر الملح، وإلى ~~دمياط ينتهي ماء النيل، فيفترق منها فيخرج بعضه إلى بحيرة تنيس، وهي بحيرة ~~تجري فيها السفن والمراكب العظام، ويخرج بعضه إلى البحر، وبها تعمل الشروب، ~~وقد ذكرنا ذلك عند تنيس. # قوله: «هياط»: صياح، وتهايط القوم: اجتمعوا ودبروا أمرهم. مياط: دفاع، أي ~~كان عام هرج وخلاف. مرموق: منظور إليه، الرخاء: سعة المال موموق: محبوب. # أسحب: أجر. مطارف: ثياب لها أعلام في أطرافها أجتلى: أنظر. معارف: وجوه. # السراء: الغنى والسرور. رافقت: صحبت في السفر. والصحب: الأصحاب الشقاق: # الخلاف، ومعنى شقوا عصاه، أزالوه وطرحوه، والعرب تقول: شق فلان العصا، ~~إذا ترك الطاعة وخرج مباينا، قال أبو عبيد: العصا تضرب مثلا للاجتماع، ~~وانشقاقها يضرب مثلا للافتراق الذي لا اجتماع بعده. أفاويق: جمع ms0098 أفواق، ~~وأفواق جمع فواق، وهو ما بين الحلبتين والوفاق: ترك الخلاف، وقد وافقته ~~موافقة ووفاقا. # قوله: «لاحوا» أي ظهروا. والعرب تضرب المثل بأسنان المشط، وهو يقع على كل ~~استواء في أي حال كان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الناس كأسنان المشط، ~~وإنما يتفاضلون PageV01P111 # بالعافية»، فإن أرادوا الاستواء في الشر قالوا: سواسية كأسنان الحمار، ~~وقال كثير يهجو بني ضمرة: [الطويل] # فسائل بقومي كل أجرد سابح ... وسل غنما ربي بضمرة أو سخلا (¬1) # سواء كأسنان الحمار فلا ترى ... لذى كبرة منهم على ناشئ فضلا # التئام: اجتماع واتفاق. الأهواء: جمع هوى، وهو ما تحبه وتميل إليه النفس، ~~فأراد أن أغراضهم متفقة. النجاء: السير السريع. نرحل: نشد عليها الرحل ~~ونشخص بها. هوجاء: ناقة سريعة، كأن بها هوجا وهو الحمق، لسرعة مشيها. وردنا ~~منهلا: أتينا ماء ننزل عليه، والنهل: المشرب الأول، والعلل الثاني؛ وذلك أن ~~الإبل ترد الماء فتشرب منه، ثم تخرج ترعى ساعة وتستريح، وتسمي تلك ~~الاستراحة الرعي التمرئة، ثم ترد مرة أخرى فتشرب الماء، فالشرب الأول نهل، ~~والثاني علل. والمنهل: موضع النهل. والورود: قصد الماء. # اختلسنا: استرقنا. اللبث: الإقامة، ومثله المكث، أي لا يستقرون بموضع ~~ينزلون فيه إلا قليلا. والركاب: الإبل؛ وإعمالها: استعمالها. فتية الشباب: ~~صغيرة السن، وأراد أنها طويلة سوداء لا قمر فيها، لأن شعر الشباب أسود، ~~ويريد أنها أول الشهر، فهي كالفتية، والليلة أول الشهر سوداء. غدافية: ~~منسوبة إلى الغداف، وهو الغراب لسواده، والإهاب: الجلد، وأراد لونها ~~أسرينا: مشينا بالليل، ويقال: سرى وأسرى. نضا الليل شبابه، أي أزال ظلامه، ~~ونضا ثوبه: جرده عنه، ومثله: سلت خضابه، وأراد أن الصبح بيض الظلام بضوئه، ~~وسلت الشيء سلتا؛ أزاله عما علق به، والمرأة خضابهاكذلك، وسيأتي ذكر الصبح ~~آخر المقامة. ### || AUTO [مما قيل في سواد الليل] # وينظر في سراه مع صحبه في سواد الليل إلى قول ابن شهاب: [الخفيف] # وفتو أسروا وقد عكف اللي ... ل وأقعى مغدودف الأطناب # وكأن النجوم لما هدتهم ... أشرقت كالعيون من أهداب # يتفرون جوز كل فلاة ... جنح ليل جوزاؤه من ركاب ms0099 # عن ذكرى لمدحهم فتناهوا ... من حديثي في عرض أمر حجاب # همة في السماء تسحب ذيلا ... من ذيول العلا وجد الركاب # ومما جاء في سرى الليل قول عبد الصمد بن المعذل، وهو من حسن الاستعارة: # [المتقارب] PageV01P112 # أقول وجنح الدجى ملبد ... ولليل في كل فج يد # ونحن ضجيعان في مسجد ... فلله ما ضمن المسجد! # فيا ليلة الوصل لا تبعدى ... كما ليلة الهجر لا تبعد # ويا غد إن كنت لي راحما ... فلا تدن من ليلتي يا غد # وقال ابن المعتز: [مخلع البسيط] # يا رب ليل حالك الجلباب ... ملتحف خافيتي غراب # وما أحسن قول ابن شهيد في وصف الليل: [الطويل] # وبتنا نراعي الليل لم نطو برده ... ولم يجن شيب الصبح من فرعه وخطا # تراه كملك الزنج من فرط كبره ... إذا رام شيئا في تأخره أبطأ # مطلا على الآفاق والبدر تاجه ... وقد علق الجوزاء في أذنه قرطا # وقال حبيب: [الطويل] # إليك هتكنا جنح ليل كأنه ... قد اكتحلت منه البلاد بإثمد (¬1) # وقال ذو الرمة: [الكامل] # ودوية مثل السماء اعتسفتها ... وقد صبغ الليل الحصى بسواد (¬2) # وقال أيضا [الطويل] # وليل كجلباب العروس ادرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد (¬3) # أحم غدافي، وأبيض صارم ... وأعيس مهري، وأروع ماجد # وقال البحتري: [الخفيف] # يا خليلي بالهواجر من مع ... ن بن عوف وبحتر بن عتود (¬4) # اطلبا ثالثا سواي، فإني ... رابع العيس والدجى والبيد PageV01P113 # وقال السلامي: [الطويل] # إليك طوى عرض البسيطة عاجلا ... قطار المطايا أن يلوح لها القصر # وكنت وعزمي في الظلام وصارمي ... ثلاثة أشباح كما اجتمع النسر # وبشرت آمالي بملك هو الورى، ... ودار هي الدنيا، ويوم هو الدهر # فالبيت الأول والثاني نحو بيت البحتري، والبيت الثالث نحو بيت ذي الرمة ~~في التقسيم، وبمثل هذا الكلام يمتدح الملوك وإلا فلا. ولما مدح عضد الدولة ~~بلغه به من المكانة الغاية القصوى، وفتن بشعره، حتى كان يقول: إذا رأيت ~~السلامي في مجلسي، ظننت أن عطاردا نزل من السماء. وسنذكر من شعره ما يحسن. # *** # فحين مللنا السرى، وملنا إلى الكرى، صادفنا أرضا مخضلة الربا، معتلة ~~الصبا، فتخيرناها ms0100 مناخا للعيس، ومحطا للتعريس، فلما حلها الخليط، وهدأ بها ~~الأطيط والغطيط، سمعت صيتا من الرجال، يقول لسميره في الرحال: كيف حكم ~~سيرتك، مع جيلك وجيرتك؟ . # *** # قوله: «السرى»، أي السير بالليل. الكرى: النوم. مخضلة: مبتلة بالندى. الربا: # الكدى، واحدها ربوة. معتلة الصبا، أي لينة الريح. مناخا: منزلا العيس: ~~الإبل يخالط بياضها حمرة. محطا: منزلا تحط به الأحمال. التعريس: النزول ~~بالليل في آخره، وهذا التخير الذي ذكر لهذه الأرض، منتزع من حديث ابن عباس ~~رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا كانت أرض مخصبة ~~فتقصدوا في السير وأعطوا الركاب حقها، فإن الله رفيق يحب الرفق، وإذا كانت ~~مجدبة فألحوا عليها، وعليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل، وإياكم ~~والتعريس على ظهر الطريق، فإنه مأوى الحيات ومدارج السباع» (¬1). # الخليط: الأصحاب. هدأ: سكن. الأطيط: أصوات الإبل، والغطيط: أصوات الناس ~~النيام. صيتا: جهير الصوت. سميره: رفيقه الذي يسمر معه بالحديث. الرحال: ~~منازل المسافرين، سميت رحالا باسم الرحال التي توضع فيها، والرحل: اسم لما ~~يحمله البعير من حمله وقتبه وما يوطأ به تحت الحمل. سيرتك: عادتك. جيلك: ~~أهل عصرك. جيرتك: جيرانك. # *** # فقال: أرعى الجار، ولو جار، وأبذل الوصال لمن صال وأحتمل الخليط، PageV01P114 # ولو أبدى التخليط، وأود الحميم، ولو جرعني الحميم، وأفضل الشفيق، على ~~الشقيق، وأفي للعشير، وإن لم يكافئ بالعشير، وأستقل الجزيل، للنزيل، وأغمر ~~الزميل، بالجميل. أنزل سميري، منزلة أميري، وأحل أنيسي، محل رئيسي، وأودع ~~معارفي، عوارفي، وأولي مرافقي، مرافقي، وألين مقالي، للقالي، وأديم تسآلي، ~~عن السالي، وأرضى من الوفاء، باللفاء وأقنع من الجزاء، بأقل الأجزاء، ولا ~~أتظلم، حين أظلم، ولا انقم، ولو لدغني الأرقم. # *** # قوله: «أرعى»، أي أحفظ. جار: تعدى ومال عن الحق، قال صلى الله عليه وسلم: ~~«ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (¬1). أبذل: أعطي. صال: ~~صاح مخوفا. الخليط: # الصاحب، ويقع على الواحد والاثنين والجمع بلفظ واحد، وسمي بذلك لاختلاط ~~الأمر بين الصاحبين. الحميم الأول: الصديق المخلص، والثاني: الماء الحار. ~~الشفيق: # المحب. الشقيق: الأخ من الأب، كأنه ms0101 شق معك ظهر أبيك ومن الأم كأنه شق معك ~~بطن أمك. أفي للعشير: أعامل الصاحب بالوفاء يكافئ بالعشير: يجازى بالعشر من ~~فعلى، والمكافأة المواساة. استقل، أراد قليلا الجزيل: الكثير. النزيل: ~~الضيف، والنزل ما يعد للضيف من طعام وغيره. أغمر: أعطى الزميل: الرديف. ~~الجميل: الأفعال الجميلة. أميري: الحاكم على الأنيس: الذي يؤنس بحديثه، ~~وفلان رئيس قومه: أفضلهم وأعزهم. أودع: أعطى وديعة معارفي: من يعرفني. عورا ~~في: هباتي؛ واحدها عارفة، وهي اليد من النعمة. أولى مرافقي: أعطى مصاحبي في ~~السفر، ومنه الرفقة لاتفاق بعضهم ببعض، جمع مرفقة وهي المعونة وما يرتفق ~~به. القالي: المبغض، وقليت الرجل قلي، أبغضته تسآلي: كثرة سؤالي. السالي: ~~الناسي للمودة والتارك لها، وسلوت عن الشيء أسلو سلوا وسلوة، إذا تركته. ~~اللفاء: النقصان. وقال أبو علي في الإيضاح: اللفاء ما دون الحق، قال أبو ~~زيد الطائي واسمه حرملة رحمه الله: [الوافر] # فما أنا بالضعيف فتظلموه ... ولا حظي اللفاء ولا الخسيس (¬2) PageV01P115 # أقنع: أرضى، والقناعة الرضا باليسير. والجزاء: المكافأة، وجازيته بما صنع ~~مثل كافأته، والأجزاء: الأنصباء تقسم على جماعة، واحدها جزء، وأقلها أنقصها أتظلم: # أشتكي من الظلم. لا أنقم: لا أنتقم. تقول: نقمت منه نقمة، أي عاقبته، ~~فمعناه: لا أعاقب صاحبي، ولو بلغ في الإضرار مني الغاية، وتقول أيضا: نقمت ~~الشيء وأنقمه نقما ونقوما: إذا أنكرته، فمعناه على هذا: لا أنكر على صاحبي ~~ولو بالغ في الأذى، ويقال في الإنكار أيضا، نقم ينقم. # *** # فقال له صاحبه: ويك يا بني! إنما يضن بالضنين، وينافس في الثمين؛ لكن أنا ~~لا آتي، غير المواتي، ولا أسم العاتي، بمراعاتي، ولا أصافي، من يأبى ~~إنصافي، ولا أواخي، من يلغي الأواخي، ولا أمالي، من يخيب آمالي، ولا أبالي، ~~بمن صرم حبالي، ولا أداري، من جهل مقداري، ولا أعطي زمامي، من يخفر ذمامي، ~~ولا أبذل ودادي، لأضدادي، ولا أدع إيعادي، للمعادي، ولا أغرس الأيادي، في ~~أرض الأعادي، ولا أسمح بمواساتي، لمن يفرح بمساءاتي، ولا أرى التفاتي، إلى ~~من يشمت بوفاتي، ولا أخص بحبائي، إلا أحبائي، ولا أستطب لدائي، ms0102 غير أودائي، ~~ولا أملك خلتي، من لا يسد خلتي، ولا أصفي نيتي، لمن يتمنى منيتي، ولا أخلص ~~دعائي، لمن لا يفعم وعائي، ولا أفرغ ثنائي، على من يفرغ إنائي. # *** # قوله: «ويك» معناه التعجب، كأنه قال: ما أعجبك! أو عجبا لك. وقيل: أراد ~~«ويلك»، فحذف اللام. إنما يضن بالضنين، هذا مثل؟ أول من قاله الأغلب ~~العجلي، وفسره أبو عبيد فقال: معناه: تمسك بإخاء من تمسك بإخائك، وبيانه أن ~~الضنين البخيل، ويضن: يبخل، فيقول: إنما أتمسك وأتعلق بصاحب تمسك بي وعرف ~~حقي، فأنا أبخل به على غيري أن يشركني في صحبته كما يبخل بي هو على غيره، وقيل: # الضنين في المثل هو الشيء المضنون به لنفاسته، فمعناه إنما يبخل بالشيء ~~النفيس الرفيع. المواتي: المساعد الموافق. العاتي المتكبر الصعب الخلق. ~~والمراعاة: المحافظة للود اسم: اجعلها سمة، أي علامة. أصافي: أخلص له ودي. ~~يأبى: يمنع. إنصافي، أي إعطائي الحق من نفسه. أواخي: أصير له أخا وأتخذه ~~صديقا. يلغي: يترك ويطرح. # الأواخي: أسباب الود، واحدها أخية، وأصل الأخية عروة من حبل تشد في وتد ~~أو على حجر تحت الأرض، وتبقى العروة على الأرض فيربط فيها حبل الدابة ~~فيمسكها. أمالي: # أعاون، وأصلها الهمزة، تقول: مالأته على الأمر أمالئه، إذا عاونته ~~وساعدته، ومنه: والله ما قتلت عثمان ولا مالأت في قتله، فخفف الهمزة ~~ليوافقآمالي، وهو جمع أمل، وهو PageV01P116 # الرجاء. صرم حبالي: قطع أسباب وصالي، وهم يكنون بالحبل عن الود، لأن الود ~~يربط القلوب ويؤلفها كالحبل فيما يربط. قوله: «أداري» أسوس وأسخن صحبته. ~~والزمام: # حبل من جلود يربط في حلقة في أنف البعير. يخفر ذمامي: ينق عهدي، أي لا ~~أنقاد لمن لا عهد له. ودادي: حبي، وهو من واده وهو الذي لا يكون إلا من ~~اثنين فوضعه موضع ودي، ويقال أيضا: في الحب حباب، مثل وداد، قال الشاعر: ~~[الطويل] # * أداء عراني من حبابك أم سحر (¬1) * # أضدادي: أعدائي المناقضين لأفعالي. إيعادي: تهديدي وتخويفي الأيادي: ~~النعم، وواسيته: مواساة: جعلته أسوة نفسي في مالي فقاسمته فيه مساءاتي: ~~أحزاني وما يسوء بي. ms0103 التفاتي: نظري وانعطافي إلى جهته. يشمت: يسر: وفاتي: ~~موتي. أخص: أفرد. # حبائي: عطائي. أحبائي: جمع حبيب أستطب: أطلب طبه. خلتي: صداقتي. يسد ~~خلتي: يصلح فقري. أخلص: أجعله خالصا. يفعم: يملأ. أفرغ ثنائي: أصب مدحي ~~وأكسوه، أو يكون أفرغه، أبلغ آخره. # *** # ومن حكم بأن أبذل وتخزن، وألين وتخشن، وأذوب وتجمد، وأذكو وتخمد! لا ~~والله، بل نتوازن في المقال، وزن المثقال، ونتحاذى في الفعال، حذو النعال ~~حتى نأمن التغابن، ونكفي التضاغن؛ وإلا فلم أعلك وتعلني، وأقلك وتستقلني، ~~واجترح لك وتجرحني، وأسرح إليك وتسرحني. وكيف يجتلب إنصاف بضيم، وأنى تشرق ~~نفس مع غيم! ومتى أصحب ود بعسف، وأي حر رضي بخطة خسف! ولله أبوك حيث يقول: # *** # قوله: «تخزن»، أي تحبس. أذكو: أضيء، يقال: خمدت النار، إذا سكن لهبها، وذكت: # اتقدت. والمثقال: الصنجة التي يوزن بها، سميت بذلك لأنها تثقل ما يوزن ~~بها في الكفة الثانية. # نتحاذى: نتشابه. والفعال: بفتح الفاء: اسم للفعل الحسن أو القبيح، ولا ~~يقال بكسرها إلا في مصدر فاعل، قال ابن الأعرابي: الفعال: فعل الواحد من ~~الخير والشر، والفعال بالكسر: # الفعل بين الاثنين. حذو: متشابهة، والعرب تقول في الشيئين يشتبهان: هما ~~حذو النعل بالنعل، أي كل واحد من النعلين تقطع على قالب أختها، ومنه قول ~~الهذلي: [الكامل] PageV01P117 # وتأمل السبت الذي أحذوكم ... فانظر بمثل حذائه فاحذوني (¬1) # التغابن: الغبن. نكفي: نمنع. التضاغن: العداوة، وتضاغن الرجلان: اعتقد كل ~~واحد منهما لصاحبه ضغنا وهو الحقد. أعلك: أسقيك عللا، أي مرة بعد أخرى. # تعلني: تمرضني. أقلك: أرفعك. تستقلني: تحقرني. أجترح: اكتسب. أسرح: أرعى ~~عليك، وأجلب عليك الرزق بالغداة والعشي تسرحني: تهملني. ضيم: ذل أنى: كيف ~~تشرق: تضيء، من أشرقت، وتشرق تطلع، من شرقت. غيم: سحاب. أصحب: # أنقاد. بعسف: بجور. وأصل العسف ركوب الأمر بغير تدبير. والخطة: المنزلة ~~والمرتبة، والخسف: الإذلال والنقصان، ومنه خسف الأرض، والخاسف: المهزول، ~~ويقال: باتوا على الخسف، أي جياعا ليس لهم شيء يتقوتون به والخسف للدابة: ~~أن تبيت بغير علف [السريع] # *** # جزيت من أعلق بي وده ... جزاء من يبني على أسه # وكلت ms0104 للخل كما كال لي ... على وفاء الكيل أو بخسه # ولم أخسره وشر الورى ... من يومه أخسر من أمسه # وكل من يطلب عندي جنى ... فما له إلا جنى غرسه # لا أبتغي الغبن، ولا أنثني ... بصفقة المغبون في حسه # ولست بالموجب حقا لمن ... لا يوجب الحق على نفسه # ورب مذاق الهوى خالني ... أصدقه الود على لبسه # وما درى من جهله أنني ... أقضي غريمي الدين من جنسه # فاهجر من استغباك هجر القلى ... وهبه كالملحود في رمسه # والبس لمن في وصله لبسة ... لباس من يرغب عن أنسه # ولا ترج الود ممن يرى ... أنك محتاج إلى فلسه # *** # قوله: «أعلق»، فمعنى علق، أي ألصق. أسه: أصل بنائه؛ يقول: من علق بقلبي ~~وده، جعلت ذلك الود أسا بقلبي، وبنيت عليه ودي، فإن أسس في قلبي ودا سليما ~~بنيت له عليه مثله، وإن غشني في ود غششته، والهاء في «أسه» ترجع إلى «من» ~~أي من نصحني في صحبته نصحته. والخل: الصاحب. بخسه: نقصه أخسر: أنقص. الورى: PageV01P118 # الخلق من الناس. الجنى: ما يجني من الثمرة أبتغي الغبن: أطلب الخداع: أنثني: # أرجع، وصفقة المغبون: بيعة المخدوع حسه: فهمه، والحسن: صوت حركة الحي. # والصفقة: في الأصل مصدر، يقال: صفق صفقا إذا ضرب بإحداهما على الأخرى، ~~وكانت صفقة البيع عند العرب أن يضرب المشتري بيده على يد البائع، فإن رضي ~~البيع قبض على يد المشتري وانعقد البيع، وإن لم يرض أرسل يده، ثم صاروا ~~يقولون، رضي الصفقة، إذا رضي البيع، ثم سمي عقد البيع صفقة. مذاق: خلاط غير ~~مخلص. الهوى: # الحب. وخالني: حسبني. لبسه: تخليطه وتلبيسه. غريمي: صاحب ديني: من جنسه: # من نوع ما أعطاني. استغباك: استجهلك. القلي: البغض. هبه: احسبه. الملحود: # المدفون. رمسه: قبره، وينظر إلى بيته قول ابن الرومي: [الرمل] # من تصدى لأخيه ... بالغنى فهو أخوه # فإن احتاج إليه ... راء منه ما يسوه # يكرم المثري فإن أم ... لق أقصاه بنوه # أنت ما استغنيت عن صا ... حبك الدهر أخوه # فإن احتجت إليه ... ساعة مجك فوه # ووجد على حجر مكتوبا: [الرمل] # كل ms0105 من أحوجك الدهر إليه ... وتعرضت له هنت عليه # وهذان المذهبان اللذان ذكرهما الحريري مبنيان على آيتين، من كتاب الله ~~تعالى؛ قوله تعالى: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو ~~خير للصابرين، والثانية قوله تعالى: ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم ~~من سبيل [الشورى: 41]. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا خير في صحبة من لا يرى لك من الحق، ~~مثل الذي ترى له». # وللشعراء القدماء والمحدثين في المذهبين شعر كثير، قال المقنع الكندي في ~~المذهب الأول: [الطويل] # وإن الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا (¬1) # أراهم إلى نصري بطاء وإن هم ... دعوني إلى نصر أتيتهم شدا # وإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا # وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا غي هويت لهم رشدا # وإن زجروا طيرا بنحس تمر بي ... زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا # لهم جل مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا PageV01P119 # ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس يسود القوم من يحمل الحقدا # وقال معن بن أوس المزني في المذهب الثاني: [الطويل] # إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل (¬1) # ويركب حد السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل # وكنت إذا ما صاحب رام ظنتي ... وبدل سوءا بالذي كنت أفعل # قلبت له ظهر المجن فلم أدم ... على ذاك إلا ريثما أتحول # وقال إبراهيم بن العباس الصولي: [الوافر] # أميل مع الذمام إلى ابن عمي ... وآخذ للصديق من الشقيق (¬2) # وإن ألفيتني حرا مطاعا ... فإنك واجدي عبد الصديق # أفرق بين معروفي وبيني ... وأجمع بين مالي والحقوق # وكنت إذا الصديق أراد غيظي ... وأشرقني على شرق بريقي # غفرت ذنوبه، وصفحت عنه ... مخافة أن أعيش بلا صديق # وكلف إبراهيم بن العباس بعض إخوانه مقاطعة صديق فقال له: [مجزوء الكامل] # إني متى أحمل بحقد ... ك لا أضر به سواكا (¬3) # ومتى أطعتك في أخيك ... أطعت فيك غدا أخاكا # حتى أرى مستقسما ms0106 ... يومي لذا، وغدا لذاكا # وقال أبو الفتح البستي في المذهب الثاني: [السريع] # فإن تزرني أزر وإما ... تقف ببابي أقف ببابك # والله لا كنت في حسابي ... إلا إذا كنت في حسابك # أين هذا من قول البستي أيضا وقد خالفه فيه خلافا شديدا، ولا نازعه أحد ~~فيه، ولا سبقه إليه إذ يقول: [المتقارب] # وإني لأختص بعض الرجال ... وإن كان فدما ثقيلا عباما (¬4) # فإن الجبين على أنه ... وخيم ثقيل يشهي الطعاما PageV01P120 # ولابن شرف: [البسيط] # بع من جفاك ولا تبخل بسلعته ... واطلب به بدلا إن رام تبديلا # وهو كثير، وبما ذكرت يستدل على الباب. # *** # قال الحارث بن همام: فلما وعيت ما دار بينهما، تقت إلى أن أعرف عينهما، ~~فلما لاح ابن ذكاء، وألحف الجو الضياء، غدوت قبل استقلال الركاب، ولا ~~اغتداء الغراب، وجعلت أستقرئ صوب الصوت الليلي، وأتوسم الوجوه بالنظر ~~الجلي، إلى أن لمحت أبا زيد وابنه يتحادثان، وعليهما بردان رثان، فعلمت ~~أنهما نجيا ليلتي، وصاحبا روايتي. # *** # قوله: «وعيت»، أي حفظت. تقت، أي اشتقت. عينهما: شخصهما لاح: ظهر. # ابن ذكاء: هو الصبح، وذكاء هي الشمس، ويقال للصبح: ابن ذكاء لأنه من ضوئها. # ألحف: غطى. الجو: الهواء بين السماء والأرض، أراد أن الصبح غطى نواحي ~~السماء بضوئه. ### || AUTO [مما قيل في ضوء الصبح شعرا] # ومن حسن التشبيه في ضوء الصبح قول ذي الرمة: # وقد لاح للساري الذي كمل السرى ... على أخريات الليل فتق مشهر (¬1) # كلون الحصان الأبيض البطن قائما ... تمايل عنه الجل واللون أشقر # شبه اختلاط الضوء بالظلمة بالفرس الأشقر الأبيض البطن. # وقال ابن المعتز: [الوافر] # وساق يجعل المنديل منه ... مكان حمائل السيف الطوال # غدا والصبح تحت الليل باد ... كطرف أشقر ملقى الجلال # وقال يوسف الرمادي: [الطويل] # وليلة أنس قد غمرنا ظلامها ... بأوجه راح تستنير فترشف # إلى أن بدا ضوء الصباح كأنما ... تحمل لقمان، وأقبل يوسف PageV01P121 # قوله: «غدت»، أي بكرت. استقلال: ارتفاع وقيام. والركاب: الإبل واحدتها، ~~راحلة. ولا اغتداء الغراب، أي ولا مثل اغتدائه؛ فحذف «مثل» المنصوبة بلا، ~~وأقام «اغتداء» مقامها لأن «لا» لا تنصب ms0107 المعارف، وأراد أن اغتدائي كان قبل ~~أن يغتدي الغراب، والغراب أكثر الطير بكورا، وهذا وما شابهه في هذا الكتاب ~~مثل قوله: «ولا كيد فرعون موسى»، «ولا انهلال السحب»، «ولا عمرو بن عبيد»، ~~إذا طلبت حقيقة معناه صار المشبه أقوى من المشبه به، ولم يأت هذا إلا عن ~~العرب، تقول العرب: «فتى ولا كمالك» فيريدون مالكا أفضل من الفتى، ومثله ~~«مرعى ولا كالسعدان» أي أن المرعى فاضل في طيبه، ولكن السعدان أفضل منه، ~~ومثله: «ماء ولا كصداء»، فصداء أفضل من ذلك الماء على طيبه، فهذا مذهب ~~العرب في ذكر «لا» بين المشبهين. # وأما قول الحريري: «غدوت ولا اغتداء الغراب»، فيريد أن غدوي أبكر من ~~اغتداء الغراب، وكذلك «ولا انهلال السحب»، وهو يريد أن جودهم فوق جود ~~السحاب، لأن كلام العرب: فلأن أبكر من الغراب، وأجود من السحاب، ولا يقولون ~~السحاب أجود من فلان، ولا الغراب أبكر من فلان، ولا فائدة في ذلك، فإذا ~~حققت لفظه «ولا» في تشبيه الحريري على ما يجب لها في كلام العرب انقلب ~~المعنى، وإنما اللفظ من كلام عامة العراق، فاستعملها لأنها عندهم متعارفة ~~وليس بعربية، ومثل هذا قد جوزه المولدون في أشعارهم، وجاء منه في مقامات ~~البديع كثير. ويستعمل أهل فاسفي مغربنا لفظة «ولا» في تشبيهاتهم كثيرا جدا ~~على حد استعمال الحريري لها، ولا يستعملها أهل الأندلس. # وقال الفنجديهي: الرفع في قوله: «ولا اغتداء الغراب»، أكثر مبالغة في ~~التشبيه من النصب. # قوله: «أستقرئ»، أي أتتبع. صوب: جهة وناحية الليلي: الذى سمع بالليل ~~أتوسم، أتعرف وأنظر سمتها. الجلي: البين. لمحت: رأيت. بردان رثان: ثوبان ~~خلقان. نجيا ليلتي، أي المتحدثان فيها، وجعلهما متحدثين مع الليلة مجازا ~~لما أوقعا الحديث فيها، كقوله تعالى: بل مكر الليل والنهار [سبأ: 33] ولا ~~يمكران إنما يمكر فيهما، فنسب ذلك المكر إليهما. صاحبا روايتي. أي اللذان ~~أروى عنهما هذه القصة. # *** # فقصدتهما قصد كلف بدماثتهما، راث، لرثاثتهما، وأبحتهما التحول إلى رحلي، ~~والتحكم في كثري وقلي، وطفقت أسير بين السيارة فضلهما، وأهز الأعواد ~~المثمرة لهما، إلى ms0108 أن غمرا بالنحلان، واتخذا من الخلان. وكنا بمعرس نتبين ~~منه بنيان القرى، ونتنور نيران القرى. PageV01P122 # فلما رأى أبو زيد امتلاء كيسه، وانجلاء بوسه، قال لي: إن بدني قد اتسخ، ~~ودرني قد رسخ، أفتأذن لي في قصد قرية لأستحم؛ وأقضي هذا المهم؟ فقلت: إذا ~~شئت فالسرعة السرعة، والرجعة الرجعة، فقال: ستجد مطلعي عليك، أسرع من ~~ارتداد طرفك إليك. # *** # كلف: محب. دماثتهما: سهولتهما، والدماثة سهولة الأرض، وكل ما وطئته ~~وسهلته وأذللته بيدك فهو دمث. راث: باك مشفق. ورثاثتهما: سوء حالهما. أبحته: # جعلته له مباحا كثري وقلي: أي كثير مالي وقليله. طفقت: أخذت. أسير: أمشي. # السيارة: القوم الذين يسيرون في الأسفار. أهز الأعواد، استعارة، وأراد ~~أنه يستعطف لهما أصحاب الأموال فيواسونهم، فكنى عنهم بالأعواد، وقد كرر هذا ~~المعنى نظما حين قال: [الرجز] # قصدته والشيخ يبغى جنى ... عود له ما زال مهزوزا # وقال الشاعر في مثله: [البسيط] # إلا يكن ورقي غصا أراح به ... للمعتفين فإني لين العود # أراد إن لا أكن كثير المال فإني كريم. والورق: المال غير الصامت، وأراح به: # أهتز به، من الأريحية. وراح الشجر: أتى بورق في آخر الصيف لا أصل له، ~~ويقال لها الخلفة. قوله: «غمرا»، أي أعطيا. النحلان: العطايا. الخلان: ~~الأصحاب. وقوله: # «وكنا بمعرس»، المعرس موضع النزول آخر الليل نتنور: ننظر النيران. القرى: ~~طعام الضيف. كيسه: وعاء دراهمه، والكيس: خريطة تسع خمسمائة درهم والبدرة ~~تسع عشرة آلاف درهم، قال حبيب: # من بعد ما صارت هنيدة صرمة ... والبدرة النجلاء صارت كيسا (¬1) # قوله: «انجلاء بوسه»، انكشاف فقره. درني: وسخى. ورسخ الشيء في الأرض ~~رسوخا: غاب فيها، ورسخ العالم في العلم: دخل فيه. استحم: أدخل الحمام، ~~واستحم الرجل: اغتسل بالحميم؛ وهو الماء الحار. أقضى: أقطع وأزيل، وقضيت ~~الشيء: صنعته. المهم: أراد به فرض الصلاة، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ~~إن أهم أموركم عندي الصلاة، فمن ضيعها فهو لما سواها أضيع. وقيل: المهم: ~~الوسخ لأن PageV01P123 # الأمر المهم، هو الذي في القلب منه هم وشغل، وقد ذكر أن الذي أوجب عليه ~~قصد ms0109 الحمام هو ما عليه من الوسخ، فيكون قوله: «وأقضى هذا المهم» من قوله ~~تعالى: ثم ليقضوا تفثهم [الحج: 29]، وقد أهمني الشيء فهو مهم، وهذا القول ~~أوفق بمراده. ### || AUTO [الحمام وما قيل فيه شعرا] # وللزاهد بن عمران رحمه الله وقد استبطأ في دخول الحمام: [البسيط] # يا صاح عهدي بالحمام قد بعدا ... فلا تلمني فيه إن طلبت مدى # قارعت فيه العدا في معرك لجب ... دحض تزل به الأقدام قد بعدا # عدا أثرن برأسي حين ثرن به ... توقدا وأعادت جلده جلدا # فظلت مستأصلا بالقتل أجمعها ... فلم أدع والدا منها ولا ولدا # ثم انثنيت معافى ناعما جذلا ... مظفرا أستزيد الواحد الصمدا # ورأى نفسه ممتدا بين يدي الحكاك، فقال: [المتقارب] # أأغتر إن مد في العمر لي ... وأرجي المتاب إلى قابل # وأغفل والموت لي طالب ... حثيث كذئب الغضى القاتل # كأني بي هكذا ميتا ... تحكم في يد الغاسل # وله أيضا: [المنسرح] # شكرت للدهر حسن ما صنعا ... طريد مجد تحيتي رفعا # يا حسن حمامنا وقد غربت ... شمس الضحى فيه بعد ما متعا # أيقن أن الهلال راكبه ... فضاء للحاضرين واتسعا # فأنعم أبا عامر بنعمته ... واعجب لأمرين فيه قد جمعا # نيرانه من زنادكم قدحت ... وماؤه من بنانكم نبعا # ولبعضهم في حمام كانت مضاوئه من زجاج أحمر، وفي سمائه حمرة وبياض ~~[المتقارب] # تحيرت من طيب حمامنا ... فخيل لي أن فيه الفلق # فمن حمرة فوقنا وابيضاض ... لخد الحبيب إذا ما عرق # رأى الدهر ما سد من حسنه ... فسد كوى سقفه بالشفق # ودخل الحمام أبو جعفر التطيلي وأبو بكر بن بقي رحمهما الله تعالى، فقال ~~أبو جعفر: [المنسرح] # يا حسن حمامنا وبهجته ... مرأى من السحر كله حسن # ماء ونار حواهما كنف ... كالقلب فيه السرور والحزن PageV01P124 # ونظر فيه إلى غلام وسيم، فقال: [البسيط] # هل استمالك ميال القوام وقد ... سالت عليه من الحمام أنداء # كالغصن باشر حر النار من كثب ... فظل يقطر من أعطافه الماء # وقال آخر: [البسيط] # حمامنا فيه فصل القيظ محتدم ... وفيه للبرد سر غير ذي ضرر # ضدان ينعم جسم المرء بينهما ... كالغصن ms0110 ينعم بين الشمس والمطر # وقال ابن رشيق: ومما قلته على عقب وداع: # ولم أدخل الحمام ساعة بينهم ... لأجل نعيم، قد رضيت ببوسي # ولكن لتجري عبرتي مطمئنة ... فأبكي، ولا يدري بذاك جليسي # وقال آخر: [الوافر]. # وحمام كأن النار فيه ... مسعرة بنيران الجحيم # دخلت أنا ومن أهواه فيه ... فعاد لنا كجنات النعيم # وقال آخر في ذم حمام: [المتقارب] # وحمام سوء وخيم الهوا ... قليل المياه كثير الزحام # فما للقيام به من قعود ... ولا للقعود به من قيام # حنياته عطفات القسي ... وقطراته صائبات السهام # وقال آخر في تعجيل الخروج منه: [مجزوء الرمل] # خذ من الحمام واخرج ... قبل أن يأخذ منكا # حدثن عنه وإلا ... حدث الحمام عنكا # وقال ابن رشيق: [الوافر] # ومرتهن لدى الحمام أضحى ... وحالاه لأصحاب السعير # إذا سئموا العذاب أو استغاثوا ... أغاثوهم بباب الزمهرير # كذلك حاله حرا وبردا ... ببيت الحوض أو بيت الطهور # وطال به انتظار مواعديه ... فقد زاد الشقي على النظير # وله أيضا: [الطويل] # سأشكر للحمام بدءا وعودة ... أيادي بيضا ما لهن ثمين PageV01P125 # جلاك على عيني عريان حاسرا ... فرحت بتطليق وأنت قمين # وطهر قلبي من هواك ببارد ... وسخن نقر الجفن وهو سخين # قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الحمام يذكر جهنم، وينقي الدرن. # وقال علي رضي الله عنه: بئس البيت الحمام! تكشف فيه العورات، وترتفع فيه ~~الأصوات، ولا يقرأ فيه آية من كتاب الله تعالى. # ودخله بعض الأمراء مع الرقاشي فقال له: امدحه، فقال: يذهب القشافة، ويعقب ~~النظافة، ويفش التخمة، ويطيب النعمة، فقال: ذمه، فقال: يهتك الأستار، ويؤلف ~~الأقذار، ويذهب بالوقار. # *** # قوله: «إذا شئت فالسرعة السرعة»، يقول إذا شئت أن تقصد الحمام فالزم ~~السرعة، وعجل الرجعة، وكررهما تأكيدا، والفعل الناصب لهما يلزم إضماره مع ~~التكرير، فإذا أفردت جاز إظهار الفعل، ونظيرهما قول العرب: الطريق، الطريق، ~~والأسد الأسد وقال الشاعر: [البسيط] # * خل الطريق لمن يبنى المنار له (¬1) * # فلما سقط التكرير ساغ له إظهار الفعل. مطلعي: مصدر بمعنى طلوعي. أهل ~~الحجاز يفتحون لامه في المصدر وغيرهم يكسرها. ارتداد طرفك، أي رجوع نظرك. # *** # ثم ms0111 استن استنان الجواد في المضمار، وقال لابنه: بدار بدار! ولم نخل أنه ~~غر، وطلب المفر. فلبثنا نرقبه رقبة الأعياد، ونستطلعه بالطلائع والرواد، ~~إلى أن هرم النهار، وكاد جرف النهار ينهار. فلما طال أمد الانتظار، ولاحت ~~الشمس في الأطمار، قلت لأصحابي: قد تناهينا في المهلة، وتمادينا في الرحلة، ~~إلى أن أضعنا الزمان، وبان أن الرجل قد مان، فتأهبوا للظعن، ولا تلووا على ~~خضراء الدمن. # *** PageV01P126 # استن استنان الجواد: جرى كما يجري الفرس، وإنما يقال: استن في كلامه إذا ~~جرى في غير طريق بتحريف، ومنه قولهم: استنت الفصال حتى القرعى، يريدون جرت ~~الفصال وهي تلعب، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «فاستنت شرفا أو شرفين» ~~(¬1). وقال الشاعر يذكر طعنة خرج دمها في جهة: [المتقارب] # بمستنة كاستنان الخرو ... ف وقد قطع الحبل بالمرود (¬2) # أراد المهر، ويقال له: خروف وفلو. وقد فسر «استنت الفصال» بأن معناه أحسن ~~رعيتها، حتى كأنه صقلها. والجواد: الفرس الكريم. المضمار: الطلق تجري فيه ~~الخيل، سمي مضمارا لأن الخيل تضمر فيه، وذلك أن العرب كانت تسمن الخيل ~~فتستخرجها إلى المضمار، فتجريها طلقا قدر ما تحتمل، ثم تزيدها يوما آخر في ~~الجري على ذلك، ثم لا تزال تزيدها في الطلق كل يوم، حتى تجري بها الأميال، ~~فيسيل عرق الخيل بذلك الجري، ويشتد لحمها بذلك التضمير قال زهير: [الوافر] # تضمر بالأصائل كل يوم ... تسن على سنابكها القرون (¬3) # القرون: دفع العرق، واحدها قرن. # وقوله: «بدار بدار»، أي سبقا سبقا، وهو معدول عن بدر، فيقول لابنه: أبدر ~~بالجري، واسبق إلى الحمام. لم نخل: لم نحسب. غر: خدع. نرقبه، أي ننظر من ~~أين يجيء ويروى: «نرقبه رقبة أهلة الأعياد». # وما أحسن قول ابن الزقاق في هذه الرقبة: [الطويل] # وشهر أدرنا لارتقاب هلاله ... جفونا إلى نحو السماء موائلا (¬4) # إلى أن بدا أحوى المدامع أحور ... يجر لأذيال الشباب غلائلا # فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا ... بمن قد حوى طيب السمول شمائلا # أتطلبك الأبصار في الجو ناقصا ... وأنت كذا تمشي على الأرض كاملا # وله في معناه: [الكامل] PageV01P127 # لله شهر ما ms0112 نظرت هلاله ... إلا كنون أو كعطفة لام (¬1) # حتى تبدي لي أغن مهفهف ... بضيائه ينجاب كل ظلام # فطفقت أهتف بالأنام ضللتم ... وغلطتم في عدة الأيام # ما جاءنا شهر لأول ليلة ... مذ كانت الدنيا ببدر تمام # نستطلعه، أي نلتمس طلوعه. الطلائع: الباحثون عليه. والرواد: الطالبون له، ~~وأصل الطلائع الباحثون عن أخبار العدو. والراصدون في الطرقات، الواحد ~~طليعة، وأصل الرواد الطالبون للمرعى. هرم: شاخ، ومعناه قارب أن يتم ينهار: ينهدم. # والجرف: ما يأكله الوادي، استعاره للنهار. لاحت: ظهرت والأطمار: الثياب ~~الخلقة، أراد أن ثوب الشمس وهو ضوأها قد تغير وبلى عند الغروب، وبعضهم ~~يستعمل هذه الاستعارات في الشتاء وغروب الشمس. # ومما يستغرب من ذلك قول العلوي الأصبهاني: [الطويل] # ومجلس شرب جئته متطربا ... عشيا وعين الشمس في الأفق تنعس # وقال ابن الرومي: [الطويل] # كأن جنوح الشمس ثم غروبها ... وقد جعلت في مجنح الليل تمرض # تخاوص عين بين أجفانها الكرى ... يرنق منها النوم وهي تغمض # وقال أيضا: [الطويل] # إذا رتعت شمس الأصيل ونفضت ... على الأفق الغربي ورسا مزعزعا # وودعت الدنيا لتقضي نحبها ... وشول باقي عمرها فتشعشعا # ولاحظت الأنوار وهي مريضة ... وقد وضعت خدا على الأرض أضرعا # كما لاحظت عواده عين مدنف ... توجع ما أوصابه ما توجعا # أخبرني ابن منصور، قال: خرجت بخارج فاس عشية مع فتى وراق، فنظر إلى صفرة ~~الشمس واستنشق برد النسيم، وأنشدني مرتجلا: [خلع البسيط] # انظر إلى الشمس في الأصيل ... كأنها وجنتا عليل # ورق هذا النسيم حتى ... كأنما يشتكي نحولي # وقال ابن الزقاق: [الكامل] # وعشية لبست ملاء شقيق ... تزهى بلون للخدود أنيق (¬2) PageV01P128 # أبقت بها الشمس المنيرة مثل ما ... أبقى الحياء بوجنتي معشوق # لو أستطيع شربتها كلفا بها ... وعدلت فيها عن كئوس رحيق # وقال ابن سراج: [الكامل] # والشمس تنفض زعفرانا بالربا ... وتبث مسكتها على الغيطان # وما أحسن قول الرصافي في معناه: [الكامل] # وعشي أنس للسرور وقد بدا ... من دون قرص الشمس ما يتوقع (¬1) # سقطت ولم تملك يمينك ردها ... فوددت يا موسى لو أنك يوشع # وقال ابن الرومي في طلوع الشمس في خلل السحاب ms0113 وذكر امرأة: [الوافر] # تريك بياض غرتها ووجها ... كقرن الشمس أغسق ثم زالا # أصاب خصاصة فبدا كليلا ... كلا وانفل سائره انفلالا # قوله: «بدا كليلا» إشارة إلى أنه عند ما بدا غاب بسرعة، وأذكر «كلا» في ~~المقامة التاسعة والثلاثين. # وقال ابن المعتز في نحوه: [الوافر] # تظل الشمس ترمقنا بلحظ ... مريض مدنف من خلف ستر # تحاول فتق غيم وهو يأبى ... كعنين يريد نكاح بكر # قوله: «تناهينا»، أي بلغنا النهاية، والمهلة: التراخي، يقول: قد تراخينا ~~في انتظاره حتى بلغنا الغاية في ذلك. «تمادينا في الرحلة»، هذا على حذفمضاف ~~للعلم به، تقديره: تمادينا في ترك الرحلة وانتظارها، ومثل هذا الحذف جائز ~~في النظم والنثر وأنشد أبو علي: [البسيط] # أنا النذير لكم مني مجاهرة ... كي لا ألام على نهيي وإنذاري # أي على تركي النهي والإنذار، وقال آخر: # وأهلك مهر أبيك الدواء ... ليس له من طعام نصيب # أي فقد الدواء، وجاء فى القرآن وسئل القرية التي كنا فيها [يوسف: 82] أي ~~أهل القرية، وهي أشد قوة من قريتك [محمد: 13]، أي من أهل قريتك، ومثل هذا ~~كثير في القرآن والكلام الفصيح، بما لا يتم المعنى إلا بتقديره؛ فالذي غلظ ~~الحريري PageV01P129 # فقال: لو تمادت بهم الرحلة لكانوا في سير متصل، قد جهل الكلام الفصيح فأراد: # طالت بنا هذه السفرة. وتمادى الشيء فهو متماد، إذا طال فيه المدى، وهو ~~الغاية البعيدة. يقول: تأخرنا عن السفر اليوم لتمادينا في انتظاره، فطالت ~~علينا السفرة لعطلة السفر، حتى أضعنا اليوم الذي انتظرناه فيه حيث لم نسافر ~~فيه. والزمان: اليوم. بأن: # تبين. مان: كذب؛ يقال منه: مان يمين مينا، وأما مانه يمونه مونا، فقام ~~بمؤنته. قوله: # «فتأهبوا»، استعدوا. الظعن: الرحيل ولا تلووا: تعرجوا. خضراء الدمن: عشب ~~المزابل، هي حسنة المنظر سيئة المخبر، وإذا يبست لم ينتفع بعودها لخوره ~~وضعفه، فشبه بها أبا زيد لحسن ظاهره فيما أبدى لهم من فصاحته، وسوء باطنه ~~في كذبه وإخلاف وعده، حتى عطلهم عن سفرهم نهارا في انتظاره، قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «إياكم وخضراء الدمن»، فقيل له: وما ms0114 خضراء الدمن؟ فقال: ~~«الجارية الحسناء في المنبت السوء». # *** # ونهضت لأحدج راحلتي، وأتحمل لرحلتي، فوجدت أبا زيد قد كتب، على القتب: ~~[الكامل] # يا من غدا لي ساعدا ... ومساعدا دون البشر # لا تحسبن أني نأيت ... ك عن ملال أو أشر # لكنني مذ لم أزل ... ممن إذا طعم انتشر # قال: فأقرأت الجماعة القتب، ليعذره من كان عتب فأعجبوا بخرافته، وتعوذوا ~~من آفته. # ثم إنا ظعنا ولم ندر من اعتاض عنا. # *** # قوله: «أحدج»: أي اجعل عليها الحدج، وهو مركب من مراكب النساء، وأراد ~~أرحل الناقة. وراحلته: ناقته. أتحمل لرحلتي، أوقر حملي للرحيل، يقال: تحمل ~~القوم، إذا عبوا أحمال. هم وارتحلوا. والقتب: الرحل. قوله: «ساعدا»، أي ~~ذراعا يستعين به. مساعدا: موافقا. نأيتك: بعدت عنك. أشر: بطر وعدم شكر، ~~يقال: أشر الرجل يأشر أشرا، إذا بطر، قال الأخطل يذكر بني أمية: [البسيط] # أعطاكم الله جدا تنصرون به ... لا جد إلا صغير بعد محتقر (¬1) # لم يأشروا فيه إذ كانوا مواليه ... ولو يكون لقوم غيرهم أشروا PageV01P130 # قوله: «مذ لم أزل»، أي مذ بنت ووجدت. انتشر: ذهب. عتب: لام وسخط فعله. ~~خرافته: حديثه الملهى. ### || AUTO [حديث خرافة] # وحديث خرافة مثل سائر على ألسنة الناس في القديم والحديث، يضرب لكل حديث ~~لا حقيقة له. ووقع في أمثال المفضل بسند يصل إلى عائشة رضي الله عنها، أنها ~~قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: حدثني حديث خرافة (¬1)، فقال: رحم الله ~~خرافة، كان رجلا صالحا، فأخبرني أنه خرج ذات، ليلة فلقي ثلاثة نفر من الجن ~~فسبوه، فقال أحدهم: نعفو عنه، وقال آخر نقتله، وقال آخر: نستعبده، فبينما ~~هم يتشاورون في أمره، إذ ورد عليهم رجل، فقال: السلام عليكم. فقالوا: وعليك ~~السلام، قال: وما أنتم؟ قالوا: نفر من الجن، أسرنا هذا فنحن نأتمر في أمره، ~~فقال: إن حدثتكم حديثا عجيبا، أتشركونني فيه؟ # قالوا: نعم، قال: إني كنت ذا نعمة فزالت، وركبني دين، فخرجت هاربا، ~~فأصابني عطش شديد، فسرت إلى بئر فنزلت لأشرب، فصاح بي صائح من البئر: مه! ~~فخرجت منها ولم أشرب، فغلبني العطش، ms0115 فعدت، فصاح بي، ثم عدت الثالثة فشربت، ~~ولم ألتفت إليه فقال: اللهم إن كان رجلا فحوله امرأة، وإن كان امرأة فحولها ~~رجلا، فإذا أنا امرأة، فأتيت مدينة فتزوجني رجل، فولدت منه ولدين، ثم عدت ~~إلى بلدي، فمررت بالبئر التي شربت منها، فنزلت فصاح بي كما صاح في الأول، ~~فشربت ولم ألتفت له، فدعا كالأول، فعدت رجلا كما كنت. فأتيت بلدي، فتزوجت ~~امرأة، فولدت منها ولدين، فلي ابنان من ظهري وابنان من بطني. فقالوا: إن ~~هذا لعجيب، أنت شريكنا، فبينما هم يتشاورون إذ ورد عليهم ثور يطير فلما ~~جاوزهم، إذا رجل بيده خشبة، وهو يحفز في إثره، فوقف عليهم فسلم، فردوا ~~وسألهم، فردوا عليه مثل ردهم على صاحبهم؛ فقال: إن حدثتكم بحديث أعجب من ~~هذا أتشركونني فيه؟ قالوا: نعم قال: # كان لي عم، وكان موسرا، وكان له ابنة جميلة، وكنا سبعة إخوة، وكان لعمي ~~عجل يربيه، فانفلت، فقال: أيكم يرده فابنتي له؛ فأخذت خشبتي هذه، واتزرت، ~~ثم حفزت في إثره وأنا غلام، وقد شبت، فلا أنا ألحقه ولا هو يكل؛ فقالوا: إن ~~هذا لعجب، أقعد فأنت شريكنا. فبينما هم يتشاورون، إذ ورد عليهم رجل على فرس ~~أنثى، وخلفه غلام على فرس ذكر، فسلم كما سلم صاحباه فردوا عليه كردهم على ~~صاحبيه. فسألهم فأخبروه الخبر، فقال لهم: إن حدثتكم بحديث أغرب من هذا، ~~أتشركونني فيه؟ فقالوا نعم، قال: كانت لي أم خبيثة- ثم قال للفرس الأنثى ~~الذي تحته: أكذلك هو فقالت: # برأسها نعم- قال: وكنت أتهمها بهذا العبد- وأشار إلى الفرس، الذي تحت غلامه: # أهكذا؟ فقال برأسه: نعم- فوجهت بغلامي هذا الراكب ذات يوم في بعض حاجاتي، PageV01P131 # فحبسته عندها فأغفى، فرأى في منامه كأنها صاحت صيحة، فإذا هي بجرذ قد ~~خرج، فقالت: اسجد، فسجد، ثم قالت: اكرب فكرب، ثم قالت: ادرس فدرس، ثم دعت ~~برحا فطحنت قدح سويق، فأتت به الغلام، فقالت له: ائت به مولاك، فأتاني به، ~~فاحتلت عليهما حتى سقيتهما القدح، فإذا هي فرس أنثى، وإذا هو فرس ذكر، قال: # أكذلك؟ قالت الفرس الأنثى ms0116 برأسها: نعم، وقال الفرس الذكر برأسه: نعم، ~~فقالوا إن هذا أعجب شيء سمعناه، أنت شريكنا. فأجمع رأيهم فأعتقوا خرافة ~~فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وسلم فأخبره بهذا الحديث، فما جاء من ~~الأحاديث المحالية نسب إلى خرافة صاحب الحديث. # *** # قوله: «آفته» أي ضرره. ظعنا: رحلنا. اعتاض: استبدل. PageV01P132 ### | AUTO المقامة الخامسة وهي الكوفية # حكى الحارث بن همام قال: سمرت بالكوفة في ليلة أديمها ذو لونين، وقمرها ~~كتعويذ من لجين، مع رفقة غذوا بلبان البيان، وسحبوا على سحبان ذيل النسيان، ~~ما فيهم إلا من يحفظ عنه ولا يتحفظ منه، ويميل الرفيق إليه، ولا يميل عنه، ~~فاستهوانا السمر، إلى أن غرب القمر، وغلب السهر. فلما روق الليل البهيم، ~~ولم يبق إلا التهويم، سمعنا من الباب نبأة مستنبح، ثم تلتها صكة مستفتح، فقلنا: # من الملم، في الليل المدلهم؟ فقال: # *** ### || AUTO [الكوفة] # سمرت بالكوفة. الكوفة بلد بالعراق مشهور بينه وبين بغداد ثلاثون فرسخا، ~~وسميت كوفة لاستدارتها، أخذت من الكوفان، وهي الرملة الشديدةالبياض، وقيل: # سميت كوفة لاجتماع الناس فيها، من قولهم: تكوف الرمل تكوفا، إذا ركب بعضه ~~بعضا، وقيل: سميت كوفة، لأنها قطعت من البلاد، من قولهم: أعطيت فلانا كيفة، ~~أي قطعة، وكفت أكيف كيفا: قطعت والكوفة «فعلة» منه، قلبت الياء واوا للضمة ~~التي قبلها. # وهي مدينة العراق الكبرى، والمصر الأعظم وقبة الإسلام، ودار هجرة ~~المسلمين، وأول مدينة اختطها المسلمون بالعراق. # وذكر شيخنا أبو الحسن بن جبير في رحلته حاجا، أنه دخل الكوفة في أول محرم ~~سنة تسع وتسعين وخمسمائة، فقال: هي مدينة كبيرة، وقد استولى الخراب على ~~أكثرها، فالعامر منها أقل من الخراب، ومن أسباب خرابها قبيلة خفاجة ~~المجاورة لها، وهي لا تزال تضر بها، وكفاك بتعاقب الأيام والليالي ما حقا ~~ومفنيا! وبناؤها بالآجر خاصة، ولا سور لها. والجامع العتيق آخرها مما يلي ~~شرق البلد، ولا عمارة تتصل به من جهة الشرق. وهو جامع كبير، في الجانب ~~القبلي منه خمس أبلطة، وفي سائر الجوانب بلاطتان متسعتان، وهي على أعمدة من ~~السواري المصنوعة من صميم الحجارة ms0117 المنحوتة قطعة على قطعة، مفرغة بالرصاص، ~~ولا قسي عليها، وهي في نهاية من الطول متصلة PageV01P133 # بسقف المسجد، فتحار العيون في تفاوت ارتفاعها، فما رئي في الأرض مسجد ~~أعلى سقفا منه، ولا أطول أعمدة، ولهذا الجامع آثار كثيرة منها بيت بإزاء ~~المحراب عن يمين مستقبل القبلة، يقال إنه كان مصلى الخليل إبراهيم عليه ~~السلام، وعليه ستر أسود صونا له، ومنه يخرج الخطيب لابسا ثياب السواد ~~للخطبة، والناس يزدحمون على هذا البيت للصلاة فيه، وبمقربة هذا البيت عن ~~يمين القبلة محراب محلق عليه بأعواد الساج، كأنه مسجد صغير مرتفع عن صحن ~~البلاط، هو محراب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وفيه ضربه الشقي عبد ~~الرحمن بن ملجم، فالناس يصلون فيه باكين داعين، وفي الزاوية من البلاط ~~القبلي المتصل بآخر البلاط الغربي شبه مسجد صغير محلق عليه أيضا بأعواد ~~الساج، وهو مفار التنور الذي كان آية نوح عليه السلام، ويتصل بالجدار ~~القبلي فضاء، يقال إنه. كان منشأ السفينة. # ومع هذا الفضاء دار علي بن أبي طالب رضي الله عنه- تلقينا هذه الآثار من ~~أشياخ- البلد وفي الجهة الشرقية بيت قبر مسلمة بن عقيل، وفي جوف الجامع ~~سقاية كبيرة فيها ثلاثة أحواض كبار، وفي غربي المدينة على مقدار فرسخ ~~المشهد الشهير المنسوب لعلي بن أبي طالب حيث بركت ناقته، وهو محمول عليها ~~ميتا، وفيه قبره، والله تعالى أعلم بصحة ذلك. والفرات في الجانب الشرقي على ~~قدر نصف فرسخ، والجانب الشرقي كله حدائق نخل ملتفة يمتد سوادها امتداد البصر. # *** # قوله: «سمرت» أي ذهب نومي. الأديم: الجلد، وأراد أن لون الليلة فيه سواد ~~وبياض، لأن قمرها ناقص، ولذلك جعله. كتعويذ من لجين؛ وهو خرز فضة، يستعمل ~~مستديرا استدارة القمر، وبعض الدائرة، فارغ فيربط في الدائرة خيط، فيعلق في ~~أعناق الصبيان. ### || AUTO [مما قيل في الهلال شعرا] # وقال فيه السكرادي: [الكامل] # قم سل همي بالمدا ... م ففيه هم قد أمضه # أو ما ترى قمر السما ... ء كأنه تعويذ فضه # فإذا ألم به المحا ... ق تخاله في الخد عضه ms0118 # وعلى معنى البيت الآخر، قال إسماعيل القاضي يصف الهلال: [مجزوء الخفيف] # اسقني قبل صاحبي ... واخش صرف النوائب # فالهلال الذي يلو ... ح خلال الغياهب # مثل فخ اللجين صي ... غ لصيد الكواكب # وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: [المنسرح] PageV01P134 # لما رأيت الهلال منطويا ... في غرة الفجر قارن الزهره # شبهته والعيان يشهد لي ... بصولجان أوفى لضرب كره # وقال القاضي أبو الحسن بن لبال: [مجزوء الرجز] # انظر إلى الهلال إذ ... لاح بهي المنظر # كزورق من فضة ... وسط لجين أخضر # أخذه من قول ابن المعتز: [الكامل] # أهلا بفطر قد أنار هلاله ... فالآن فاغد إلى المدام وبكر # وانظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر # وله أيضا: [المنسرح] # أهلا وسهلا بالناي والعود ... وشرب كأس بكف مقدود # قد انقضت دولة الصيام وقد ... بشر مرأى الهلال بالعيد # يتلو الثريا كفاغر شره ... يفتح فاه لأكل عنقود # وقد شبهه ابن المعتز بقلامة الظفر، فأحسن حيث يقول: [البسيط] # وجاءني في قميص الليل مستترا ... يستعجل الخطو من خوف ومن حذر # ولاح ضوء هلال كاد يفضحه ... مثل القلامة قد قدت من الظفر # وأخذه من قول الأعرابي: [المتقارب] # كأن ابن مزنتها جانحا ... فسيط لدى الأفق من خنصر (¬1) # ابن مزنتها: الهلال. الفسيط: قلامة الظفر. # قوله: «غذوا»: أي ربوا به وجعل غذاؤهم؛ واللبان للآدميات، واللبن ~~للآدميات وغيرهن. سحبوا: جروا. سحبان: فصيح العرب، وانظره في السادسة عشرة. ~~ذيل اللسان: طرفه، يريد أنهم بفصاحتهم أنسوا ذكر سحبان، فكأنهم جروا عليه ~~ثوب النسيان حتى غطوه، فلم يذكره أحد من هؤلاء، وأصل ذلك أن يسحب ذيل الثوب ~~على أثر ليخفى، كقول امرئ القيس: [الطويل] # * تعفى بذيل الدرع إن جئت موئلي* # وكقوله: [الطويل] PageV01P135 # خرجت بها تمشي تجر وراءنا ... على أثرينا ذيل مرط مرحل (¬1) # قوله: «يحفظ عنه»، أي هم علماء يروون العلم فيحفظ عنهم. يتحفظ، يتحذر، ~~وأخذ هذا من قول سليمان بن عبد الملك: قد أكلت الطيب، ولبست اللين، وركبت ~~الفاره، وتبطنت العذراء، فلم يبق لي من لذتي إلا صديق أطرح فيما بيني وبينه ~~مئونة التحفظ. فهذا الذي طلبه سليمان ms0119 وجده الحريري في أصحابه، وأصل التحفظ ~~الاجتهاد في حفظ الشيء وقلة الغفلة في الأمور، كأنه على حذر، وأنشد ثعلب: ~~[الكامل] # إني لأبغض عاشقا متحفظا ... لم تتهمه أعين وقلوب (¬2) # قوله: «يميل الرفيق إليه»، تقول: ملت إلى فلان، إذا أحببته وتقربت منه، ~~وملت عنه، إذا كرهته وبعدت عنه. والرفيق: الصاحب يرتفق به في السفر. قوله: ~~«استهوانا»، هوى بنا وشغلنا. والسمر: الحديث يسمر عليه. وذكر الحريري أن ~~أصل السمر ظل القمر، والسمر: # الحديث، ومنه أخذ السمير، وغالب أحوال السمار أنهم يتحدثون في ظل القمر- ~~وذكر هذا في تفسير الرابعة والأربعين- وهو الأصل، ثم لتسع فيهفصار الجلوس ~~بالليل للحديث يسمى سمرا، على أي حال اتفق. روق: ضرب رواقه، والرواق. الثوب ~~يستظل به من الشمس، يريد أن الليل ضرب عليهم من ظلامه رواقا فانحجب عنهم به ~~القمر. والبهيم: الخالص السواد، والبهيم الخالص من كل لون. والتهويم: النوم ~~بالليل، والتغوير: النوم في القائلة، وقد هوم الرجل، إذا أسقط النعاس رأسه ~~فانتبه بسقوطه فرفعه، فحقيقته سجود الرأس من النعاس، قال ذو الرمة في ذلك: ~~[الطويل] # وأشعث مثل السيف قد لاح جسمه ... وجيف المهارى والهموم الأباعد (¬3) # سقاه النعاس كأس سكر فرأسه ... لدين الكرى في آخر الليل ساجد # ويقال: خفق رأسه فهو خافق، قال ذو الرمة: [البسيط] # وخافق الرأس فوق الرحل قلت له ... زع بالزمام وجوز الليل مركوم (¬4) PageV01P136 # وقال الرصافي فأحسن: [الخفيف] # ومجدين للسرى قد تعاطوا ... غفوات الكرى بغير كئوس # جنحوا وانحنوا على العيس حتى ... خلتهم يلثمون أيدي العيس # نبذوا الغمض وهو حلو إلى أن ... وجدوه سلافة في الرءوس # قوله: «نبأة»، أي صوت. مستنبح: يحكي نباح الكلاب، وكان الرجل إذا تلف ~~بالليل بالصحراء ولم يدر أين يتوجه، حاكى بصوته نباح الكلب، فإن كان قريبا ~~من العمران نبحت لنباحه كلاب الحي، فسمع أصواتها، فقصد الحي فتسمى العرب من ~~يفعل هذا المستنبح. وأنشد أبو علي في نوادره: [الطويل] # ومستنبح بات الصدى يستتيهه ... فتاه وجوز الليل مضطرب الكسر # رفعت له نارا ثقوبا زنادها ... تليح إلى الساري: هلم إلى قدري # وقال حسان بن ماثل: [الطويل] ms0120 # ومستنبح في جنح ليل دعوته ... بمشبوبة في رأس صمد مقابل (¬1) # فقلت له أقبل، فإنك راشد ... وإن على النار الندى وابن ماثل (¬2) # وقد أنشد أبو تمام في حماسته في باب الأضياف في المستنبح ما فيه كفاية؛ ~~فلينظر هنالك. # قوله: «تلتها»، أي تبعتها. صكة: دفعة. مستفتح: طالب فتح الباب الملم: ~~الزائر: # المدلهم: الشديد السواد، من الدهمة، ولامه زائدة [الرجز] # *** # يا أهل ذا المغنى وقيتم شرا ... ولا لقيتم ما بقيتم ضرا # قد دفع الليل الذي اكفهرا ... إلى ذراكم شعثا مغبرا # أخا سفار طال واسبطرا ... حتى انثنى محقوقفا مصفرا # مثل هلال الأفق حين افترا ... وقد عرا فناءكم معترا # وأمكم دون الأنام طرا ... يبغي قرى منكم ومستقرا # فدونكم صيفا فنوعا حرا ... يرضى بما احلولى وما أمرا # وينثني عنكم ينث البرا # *** PageV01P137 # المغنى: المنزل. ووقيتم: كفيتم وإنما دعا لهم بهذا، لأن في حديث أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يوشك قلوب ~~الناس أن تملأ شرا حتى يجري الشر فضلا بين الناس فلا يجد قلبا يدخله». # اكفهر: تراكم ظلامه وكثر. ذرا. شعثا: متغير الشعر، والشعث: ترك غسل الرأس ~~حتى يتغير. مغبرا: عليه الغبار، وفي الحديث عن جابر بن عبد الله رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا وسخت ثيابه، فقال: «أما وجد هذا ~~ما ينقي به ثيابه! ». ورأى رجلا شعث الرأس، فقال: «أما وجد هذا ما يسكن به ~~شعره! » أخا سفار: صاحب أسفار، أي ملازم لها. اسبطر: امتد وطال سفره انثنى: ~~رجع عاد. محقوقفا: منحنيا. الأفق: ناحية السماء. افتر: انفتحت أطرافه ولم ~~يتقارب، كأنه فر هذا من هذا، ومنه فررت الدابة، وافتر: ضحك، وشبه انحناؤه ~~من السفر بدائرة القمر الناقص، وأكثر ما يوقعون هذا التشبيه على الانحناء ~~من الكبر، قال الشاعر: [الوافر] # تقوس بعد مر العمر ظهري ... وداستني الليالي أي دوس # فأمشي والعصا تهوي أمامي ... كأن قوامها وتر لقوسي # وقال ابن لبال: [المنسرح] # قوس ظهري المشيب والكبر ... والدهر يا عمرو كله عبر # كأنني والعصا تدب معي ms0121 ... قوسها وهي في يدي وتر # قوله: «عرا»: قصد. فناءكم: منزلكم، وفناء الدار: ما أحاط بها من الأرض ~~فحمته. معترا: قاصدا لطلب معروفكم، أمكم: قصدكم. طرا: أجمع. يبغي قرى: # يطلب طعاما. احلولى: اشتدت حلاوته. ينث: يفشي وينشر. البر: الإحسان # *** # قال الحارث بن همام: فلما خلبنا بعذوبة نطقه، وعلمنا ما وراء برقه، ~~ابتدرنا فتح الباب وتلقيناه بالترحاب، وقلنا للغلام: هيا هيا، وهلم ما تهيا. # فقال الضيف: والذي أحلني داركم، لا تلمظت بقراكم، أو تضموا لي ألا ~~تتخذوني كلا! ولا تجشموا لأجلي أكلا؛ فرب أكلة هاضت الآكل، وحرمته مآكل، ~~وشر الأضياف من سام التكليف، وآذى المضيف، خصوصا أذى يعتلق بالأجسام، ويفضي ~~إلى الأسقام، وما قيل في المثل الذي سار سائره: «خير العشاء سوافره»، إلا ~~ليعجل التعشي، ويجتنب أكل الليل الذي يعشي، اللهم إلا أن تقد نار الجوع، ~~وتحول دون الهجوع. # *** PageV01P138 # قوله: «خلبنا»، أي خدعنا. علمنا ما وراء برقه، يريد أن ما أبدى لهم من ~~الكلام الفصيح دلهم على ما عنده من العلم، كما أن البرق إذا ظهر ولمع علم ~~ما وراءه من المطر. ابتدرنا: استبقنا، الترحاب: من قولهم. مرحبا مرحبا. هيا ~~هيا، أي سق سق. # هلم ما تهيا، أي أحضر ما تيسر. لا تلمظت بقراكم: لا تذوقت بطعامكم، وأصل ~~التلمظ تتبع اللسان ما بقي من الطعام في الفم بعد الأكل. كلا: ثقيلا، وفلان ~~كل على أهله، إذا لم يكفهم مئونة نفسه، والكل: الإعياء، وجمعه كلول، وعلى ~~فلان كل كثير، قال النابغة الجعدي: [الطويل] # رأيتم بني سعد كلولا كثيرة ... شهيد بذاك ابنا حماد بن أحمرا (¬1) # تجشموا: تكلفوا أكلا: طعاما، والأكلة: الغداء والعشاء، والأصل في هذا أن ~~الأكل بالفتح، مصدر أكل، وبالضم ما أكل، والأكلة بالفتح: المرة الواحدة، ~~وبالضم اللقمة، وبالكسر هيئة الأكل. هاضت: أضعفت، وأدخلت عليه هيضة، وهي ~~القيء والاسهال، وأصل المثل: رب أكلة تمنع أكلات؛ وقال ابن هرمة: [الوافر] # وربت أكلة منعت أخاها ... بلذة ساعة أكلات دهر # وكم من طالب يشفى بشيء ... وفيه هلاكه لو كان يدري # والمآكل: جمع مأكلة أو مأكل، وهي ms0122 الأكل، وهي أيضا ما يؤكل سام التكليف، ~~أي عرض مضيفه إلى تكلف ما يشق عليه. والأذى: الضرر، والمضيف: صاحب المنزل. # يفضي: يؤول. سار سائره: انتشر التحدث به ومشى في الناس خير العشاء ~~سوافره؛ بواكره، أي ما أكل منه بضوء النهار، واحدها سافرة، والسافرة: التي ~~سفرت نقابها عن وجهها، أي كشفته؛ فكأن اللقمة إذا أبصرتها عند أكلها قد ~~سفرت الظلام عن نفسها، وتجمع على سوافر على هذا المعنى، حكى أبو بكر بن ~~شعبان النحوي، قال: دخلت على محمد اليزيدي وهو يتغدى، فقال: يا أبا بكر، ~~خير الغداء بواكره، فخير العشاء ماذا؟ فقلت: لا أدري، فقال: # دخلت على حسين بن الخادم، وهو يتغدى فقال: يا أبا سليمان، خير الغداء ~~بواكره، فخير العشاء ماذا؟ فقلت: لا أدري، فقال: كنت بحضرة الرشيد وهو ~~يتغدى، فدخل الأصمعي، فقال: يا أصمعي، خير الغداء بواكره، فخير العشاء ~~ماذا؟ فقال: بواصره، يعني ما يبصر من الطعام قبل الظلام. وحكى أبو يعقوب في ~~الغداء التأخير. فقال: قال الحكيم- وقيل هو لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه- ~~من سره البقاء ولا بقاء، فليبكر الغداء، وليباكر العشاء، وليخفف الرداء- ~~يريد ثقل الدين. # التعشي: أكل العشاء، وهو ما يؤكل بالعشي. يعشي: يورث العشا، وهو سواد ~~البصر ليلا، قال ابن دريد: [مجزوء الكامل] PageV01P139 # وأرى العشا في العين أك ... ثر ما يكون من العشاء (¬1) # أراد من تأخير العشاء، لأن أكل الطعام بالليل يحدث ضعف البصر أكثر من ~~غيره، وقال كشاجم: [مجزوء الخفيف] # ونديم مخالف ... لا يشاء الذي أشا (¬2) # هو في الصحو لي أخ ... وعدو إذا انتشى # اقترحت العشاء يو ... ما عليه فأدهشا # ساعة ثم قالى لي: ... العشا يورث العشا # كأن هذا التطبب أخذه كشاجم من قول [ضيف] الصاحب بن عباد، قال الصاحب: # ما أفحمني أحد كأبي الحسن البديهي، فإنه كان عندي، فقدمت إليه فاكهة، ~~فأمعن في المشمش، فقلت: المشمش يلطخ المعدة، فقال: لا يعجبني المضيف إذا ~~تطبب، فوددت أني لم أقلها. # وورد النهي عن ترك العشاء في حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ms0123 ~~صلى الله عليه وسلم: «لا تدعوا العشاء، ولو بكف من حشف، وإن تركه مهرمة» (¬3). # وقوله: «تحول دون الهجوع»، أي تمنع من النوم، وجاء في الحديث النهي عن ~~التكلف، قال سفيان: ذهبت أنا وصاحب لي إلى سلمان، فقال: لولا أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن التكلف لتكلفت لكم، ثم جاء بخبز وملح، فقال ~~صاحبي: لو كان في ملحنا صعتر! فبعث سلمان مطهرته، فأرهنها، فجاء بصعتر، ~~فلما أكلنا قال صاحبي: الحمد لله الذي أقنعنا بما رزقنا، فقال سلمان: لو ~~قنعت لم تكن مطهرتي مرهونة! وجاء في حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «نعم الإدام الخل» (¬4)، وكفى بالمرء إثما أن يسخط ~~ما قرب إليه. الهجوع، أي النوم. # *** # قال: فكأنه اطلع على إرادتنا، فرمى عن قوس عقيدتنا، لا جرم أنا آنسناه ~~بالتزام الشرط، وأثنينا على خلقه السبط ولما أحضر الغلام ما راج، وأذكى ~~بيننا السراج، تأملته فإذا هو أبو زيد، فقلت لصحبي: ليهنئكم الضيف الوارد، ~~بل PageV01P140 # المغنم البارد! فإن يكن أفل قمر الشعرى فقد طلع قمر الشعر، أو استسر بدر ~~النثرة فقد تبلج بدر النثر. فسرت حميا المسرة فيهم، وطارت السنة عن مآقيهم، ~~ورفضوا الدعة التي كانوا نووها وثابوا إلى نشر الفكاهة بعد ما طووها؛ وأبو ~~زيد مكب على إعمال يديه، حتى إذا استرفع ما لديه، قلت له: أطرفنا بغريبة من ~~غرائب أسمارك، أو عجيبة من عجائب أسفارك. # *** # قوله: «عقيدتنا»؛ أي ما انعقدت عليه نياتنا، ويقال: رميت عن القوس، ولا يقال: # رميت بها، إلا أن ترميها من يدك. لا جرم، بمعنى حقا، ولا بد ولا محالة. السبط: # السهل. راج: تيسر. أذكى: أوقد. السراج: المصباح تأملته: نظرته ليهنئكم، ~~أي ليسركم. الوارد: القاصد. المغنم البارد: الهنيء الذي يغنم دون قتال ولا ~~تعب. أفل: # غاب الشعري: كوكب معروف، وهما شعريان: العبور والغميصاء، سموها عبورا ~~لأنهم يزعمون أنها عبرت المجرة، وسموا الأخرى الغميصاء لأنها بكت على أختها ~~حتى غمصت عينها. أي خفيت استسر: غاب وخفي. النثرة: ثلاثة أنجم ms0124 مجتمعة. ~~تبلج: ظهر وأضاء. النثر: ضد النظم، يقول: إن غاب قمر السماء الذي يتحدث ~~بضوئه، فهذا أبو زيد قمر الفصاحة قد طلع، فجددوا حديثكم ودعوا النوم. # سرت: مشت حميا المسرة: شدة السرور، والحميا: حدة الخمر وتسمى الخمر ~~الحميا. السنة: أخف من النوم. مآقيهم: عيونهم، والمآق: طرف العين من جهة الأنف. # رفضوا: تركوا. الفكاهة: الحديث المظرف، وأصلها المزاح، ومنه قولهم: لا ~~تمازحن صبيا ولا تفاكهن أمة، قال ابن الأنباري: المعنى: لا تمازحن، إلا أنه ~~استسمج إعادة اللفظ فأتى بلفظ في مثل معناه، مخالف للفظه. وتفاكهن، مشتق من ~~الفكاهة، وهي المزاح، وقال طرفة: [الطويل] # وإن امرأ لم يعف يوما فكاهة ... لمن لم يرد سوءا بها لجهول (¬1) # ووصف أبو العيناء بن أبي دواد، فقال: له هزل يؤثم به، وجد يتقدم الجد، ~~وبين ذلك فكاهة تستملح، ودعا به تستظرف. ومزح، مصادره ثلاثة: مزح ومزاح ~~وممازحة. # اليزيدي: بالكسر لا غير. أبو عمرو: ما ذكره اليزيدي مصدر مازحت مزاحا ~~وممازحة. # قوله: «مكب»، أي مائل الرأس. إعمال يديه: استعمالها بالأكل. واسترفع: أمر ~~برفعه، ويروى «استفرغ»، أي أتم. أطرفنا، أي حدثنا بطرفة، وهي الحديث ~~المستملح، والطرفة عند العرب: الشيء المحدث الذي لم يكن عرف، وجاء فلان ~~بطرفة وشيء PageV01P141 # طريف. وهو مشتق من الطريف والطارف، وهما المال المستحدث الذي جمعه الرجل ~~واكتسبه. والتالد: ما ورثه عن الآباء، قال الشاعر: [الطويل] # وأصبح مالي من طريف وتالد ... لغيري وكان المال بالأمس ماليا # أسمارك: جمع سمر، وهو الحديث يسمر عليه. # *** # فقال: لقد بلوت من العجائب ما لم يره الراءون، ولا رواه الراوون؛ وإن من ~~أعجبها ما عاينته الليلة قبيل انتيابكم، ومصيري إلى بابكم؛ فاستخبرناه عن ~~طرفة مرآه، في مسرح مسراه، فقال: إن مرامي الغربة، لفظتني إلى هذه التربة، ~~وأنا ذو مجاعة وبؤسى، وجراب كفؤاد أم موسى. فنهضت حين سجا الدجى، على ما بي ~~من الوجى، لأرتاد مضيفا، أو أقتاد رغيفا، فساقني حادي السغب، والقضاء ~~المكنى أبا العجب، إلى أن وقفت على باب دار، فقلت على بدار: # *** # قوله: «ما لم يره الراءون»، أي ms0125 الناظرون إليه، وقوله: «ولا رواه الراوون» ~~أي حفظه الحافظون، عاينته: شاهدته ورأيته بعيني. انتيابكم: قصدكم مصيري: رجوعي. # مرآه: رؤيته. مسرح: حيث يسرح ويمشي. مسراه: سيره بالليل مرامي: قواذف ~~التربة: # البلدة مجاعة: جوع. بؤسى: ضرر. جراب: وعاء الزاد. كفؤاد أم موسى، أي ~~فارغا لقوله تعالى: وأصبح فؤاد أم موسى فارغا [القصص: 10]. ### || AUTO [موسى عليه السلام] # وسمي موسى لأنهم وجدوه بين ماء وشجر، ومو بالقبطية هو الماء، وشا الشجر، ~~فعربت فجعلت الشين سينا. وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن ~~يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام، ولم تزل بنو إسرائيل من عهد يوسف ~~عليه السلام تحت أيدي الفراعنة، وهم على بقايا من دين إبراهيم عليه السلام ~~المشروع له وإسحاق ويعقوب ويوسف عليهم الصلاة والسلام، حتى كان فرعون الذي ~~بعث موسى عليه السلام إليه، ولم يكن منهم فرعون أعتى على الله منه ولا أطول ~~عمرا. وكان شديد الغلظة سيئ الملكة. واسمه الوليد بن مصعب، وكان اتخذ بني ~~إسرائيل خولا، فصنف منهم يبنون، وصنف يحرثون، ومن لا عمل له وظف عليه ~~الجزية، فرأى في منامه أن نارا أقبلت من المقدس، فأحرقت القبط وتركت بني ~~إسرائيل، فسأل عن رؤياه، فقيل له: # يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه رجل يكون على يديه هلاك مصر، ~~فأمر بقتل كل مولود يولد في بني إسرائيل. فجمع القوابل وعهد إليهن بذلك، ~~فذبح الولدان PageV01P142 # وعذب الحبالى، حتى يطرحن ما في بطونهن، حتى كاد يفنيهم، فقيل له: إنما هم ~~خولك، وإنك إن تفنهم ينقطع النسل. فأمر بقتل الغلمان عاما ويستحيون عاما، ~~فولد هارون في السنة التي يستحيون فيها. وولد موسى في السنة التي يقتلون فيها. # فلما وضعته أمه حزنت لشأنه، فأوحى الله إليها: أن أرضعيه، فإذا خفت عليه ~~فألقيه في اليم- وهو النيل- ولا تخافي ولا تحزني. فعملت تابوتا وجعلته فيه، ~~وألقته في اليم، وقالت لأخته: قصيه، أي اقتفي أثره، فحمله الماء حتى أدخله ~~بين أشجار تحت قصر فرعون، فخرج جواري فرعون يغتسلن، فوجدن التابوت، فأدخلنه ms0126 ~~إلى آسية امرأة فرعون، وهي بنت مزاحم، إسرائيلية، فكشفت عنه التابوت، ~~فرأته. فرحمته وأخذته، وأخبرت به فرعون، فأراد أن يذبحه، وخشي أن يكون ~~المولود الذي حذر منه، فلم تزل به آسية حتى تركه لها، وذلك قوله تعالى: ~~فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا [القصص: 8]، فاللام من ليكون ~~للعاقبة، ولم يكن لفرعون ولد، فاتخذه له ولدا، فارتادوا له المرضعات، فلم ~~يقبل ثدي واحدة منهن، ولما غاب أمره عن أمه، كاد قلبها يطير وجدا عليه، ~~فبعثت أخته كأنها تلتمس رضاعه، فلما رأت أسفهم عليه حيث لا يقبل على مرضعة- ~~وذلك قوله تعالى وحرمنا عليه المراضع من قبل [القصص: 10] قالت: هل أدلكم ~~على أهل بيت يكفلونه لكم؟ فقالوا لها: دلينا على ذلك، فذهبت فجاءت بأمه. # فلما رأته كادت لشدة حبها فيه، وفرحها به أن تقول: هو ابني، وتفتضح، ~~فعصمها الله من ذلك، وذلك قوله تعالى: وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت ~~لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها [القصص: 12]، فأعطته ثديها، فأخذ يرضعه. ~~فربته في قصر فرعون، فلما تحرك عرضته آسية على فرعون، فلما أخذه مد موسى ~~يده إلى لحيته فنتفها، فقال فرعون: علي بالذباحين، فإنما هو هذا! فقالت ~~آسية: قرة عين لي ولك، لا تقتلوه فإنه صبي لا يعقل، ودعت له بحمر وياقوت ~~لتختبره، فطرح جبريل عليه السلام يده في النار وأخذ قطعة منها، فوضعها موسى ~~عليه السلام في فمه، فأحرقته. فتكره فرعون، فكبر في حجره. فلما ترعرع ~~تبناه، فكان يركب مراكبه ويلبس ملابسه، ويدعى ابن فرعون. # ثم إن موسى عليه السلام أخبر أن فرعون قد ركب، فركب أثره، فأدركه ببلد ~~منف، فدخلها وقد أحليت لفرعون وليس في طرقها أحد، فرأى إسرائيليامع قبطي ~~يقتتلان، فاستغاثه الإسرائيلي، فوكز القبطي فقضى عليه، فكان من قصته معهما ~~ما قص الله تعالى في كتابه، حتى خرج خائفا يترقب إلى مدين. # وأما رجوعه منها إلى فرعون بأنه رسول الله إلى أن غرق فرعون في البحر ~~وجنوده، فمذكور في الثامنة عشرة. # *** PageV01P143 # قوله: «نهضت»، أي مشيت. سجا الدجى: ms0127 سكن بالظلام وغطى كل شيء. # الوجى: الحفا. أرتاد: أطلب. مضيفا: منزلا، وأضافه: أنزله. وضافه: نزل به ~~فهو ضيفه، أي النازل به. أقتاد: أقود. حادي السغب: سائق الجوع [الرجز] # *** # حييتم يا أهل هذا المنزل ... وعشتم في خفض عيش خضل # ما عندكم لابن سبيل مرمل ... نضو سرى خابط ليل أليل # جوى الحشى على الطوى مشتمل ... ما ذاق مذ يومان طعم المأكل # ولا له في أرضكم من موئل ... وقد دجا جنح الظلام المسبل # وهو من الحيرة في تململ ... فهل بهذا الربع عذب المنهل # يقول لي: ألق عصاك وادخل ... وابشر ببشر وقرى معجل! # *** # حييتم: طابت حياتكم، والتحية البقاء. خفض: لين وخفض عيشه خفضا، إذا أخصب، ~~خضل: ناعم، وخضل: الشيء يخضل خضلا: ابتل ابن سبيل: خاطر طريق، وهو الغريب، ~~وسمي الغريب ابن السبيل، لأنه إذا ظهر على قوم لا يعرفونه لم يعرف له نسب ~~إلا السبيل الذي جاء منه. ومرمل: لا زاد له، وأرمل القوم: فنى زادهم. # ومن أبيات اللغز في ابن السبيل: [الطويل] # ونحن ابن من لا ينكر الناس فضله ... وليس له في الناس من طالب وترا # فإن تحفظوا فينا أبانا فحقنا ... رعيتم وإلا أوقدت ناركم شرا # أي سبيتم في كل مكان، كما قال الآخر: [الطويل] # وأنت الذي شيبتني قبل شيبتي ... وأوقدت لي نارا بكل مكان # ومنها أيضا: [الوافر] # وأحيانا يكون كبير سن ... وأحيانا يكون من الشباب # ومنسوب إلى من لم يلده ... كذاك الله أنزل في الكتاب # قوله: «نضو سرى»، أي هزيل من مشى الليل في الأسفار. وخابط ليل: الذي يمشي ~~فيه على غير هداية. أليل: شديد السواد. جوى الحشى: فاسد الجوف من الجوع، ~~وهو الطوى. مشتمل: منضم، أي قد انضم جوفه على الجوع، ففسدت أحشاؤه. موئل: ~~ملجأ، من ووألت إلى كذا أي لجأت. دجا: ألبس. جنح: سواد: # المسبل. المطبق. تململ: تقلب وتوجع. والربع: المنزل، والمنهل: موضع ~~الماء. PageV01P144 # ويقال: ألقى عصاه، إذا ترك السير وأقام، وروى الأصبعي عن بعض البصريين ~~أنه قال: سميت العصا عصا لأن اليد والأصابع تشتمل عليها، وهو من قول العرب: ms0128 ~~عصوت القوم إذا جمعتهم على خير أو شر، ويقال: عصي بالسيف يعصى إذا ضرب به ~~كما يضرب بالعصا. بشر: طلاقة وجه. # *** # قال: فبرز إلي جوذر، عليه شوذر، وقال: [الرجز] # وحرمة الشيخ الذي سن القرى ... وأسس المحجوج في أم القرى # ما عندنا لطارق إذا عرى ... سوى الحديث والمناخ في الذرا # * فما ترى فيما ذكرت ما ترى* # *** # برز: خرج. جؤذر: ظبي، وأصله ولد الغزالة. الشوذر: ثوب قصير. ### || AUTO [إبراهيم عليه السلام] # والشيخ الذي سن القرى، هو إبراهيم عليه السلام، واختصه بلقب الشيخ لأنه ~~أول من شاب، ولما رأى الشيب، قال: يا رب، ما هذا؟ فأوحى الله إليه، يا ~~إبراهيم، هذا وقار، فقال: يا رب زدني وقارا. وشاب وهو ابن مائة وخمسين سنة، ~~وذلك أنه لما ولدت سارة إسحاق، قال الكنعانيون: ألا تعجبون لهذا الشيخ ~~والعجوز وجدا غلاما، فتبنياه! فصور الله إسحاق على صورة إبراهيم عليهما ~~السلام، فلم يفصل بينهما، فوشم الله إبراهيم بالشيب. # قوله: «سن»: ابتدأ، وجعله سنة، وهو أول من ضيف الضيف، وأطعم المساكين، ~~وقص شاربه، وقلم أظافره واستحد واستاك، وفرق شعره، ومضمض واستنثر، واستنجى ~~بالماء. وأسس المحجوج، أي بنى أساس البيت الحرام. # وأم القرى: مكة. والطارق: الآتي بالليل. والمناخ: موضع البروك. يقري: # يضيف. الكرى: النوم برى أعظمه، أي أزال اللحم عنها. انبرى: اعترض. ### || AUTO [قرى الضيف] # وقال حبيب في أن أول من قرى الضيف إبراهيم عليه السلام: [الكامل] # للجود سهم في المكارم والتقى ... لا ربه المكدي ولا المسهوم (¬1) # وبيان ذلك أن أول من قرى ... وحبا خليل الله إبراهيم PageV01P145 # وقال أبو بحر صفوان بن إدريس في فتى اسمه إبراهيم، وأبدع ما شاء حيث قال: ~~[الكامل] # أسمي من سن القرى رفقا بمن ... يفنى عليك صبابة وغراما # أنا ضيف حسنك فاصطنعني إنه ... ضيف الهوى يستوجب الإكراما # لما نظرت نجوم خيلان بدت ... في صحن وجنتك استفدت مقاما # أفنيت جسم الصب شوقا مثلما ... أفنى سميك قبلك الأصناما # يا زهرة سكنت فؤادي غضة ... إني تبوأت اللهيب كماما # حتى كأن الحب قال لأضلعي: ... يا نار كن بردا ms0129 له وسلاما # وقال أبو بكر بن ميمون فيما يتعلق بهذه النار: [المتقارب] # أبا قاسم والهوى جنة ... وإني من حرها لم أفق # تقحمت جاحم نار الحشى ... وخضت بحار سواد الحدق # أكنت الخليل وكنت الكليم ... أمنت الجوى وأمنت الغرق! # انظر إلى الأضياف الرابعة والأربعين. # *** # فقلت: ما أصنع بمنزل قفر، ومنزل حلف فقر! ولكن يا فتى، ما اسمك، فقد ~~فتنني فهمك؟ فقال: اسمي زيد، ومنشئ قيد، ووردت هذه المدرة أمس، مع أخوالي ~~من بني عبس. # *** # قوله: «بمنزل قفر»؛ كأن هذا المنزل هو الذي وصفه الآخر حيث يقول: [الرمل] # ليس إغلاقي لبابي أن لي ... فيه ما أخشى عليه السرقا # إنما أغلقته كي لا يرى ... سوء حالي من يمر الطرقا # منزل أوطنه الفقر فلو ... يدخل السارق فيه سرقا ### || AUTO [البؤس والحرمان] # وإنما أخذ الحريري هذا المعنى من قصة يزيد المدني، وكان من أهل الملح، ~~فاستضافه أعرابي، فقال: ما عندنا إلا الأسودان، فقال الأعرابي: خير كثير، ~~فقال: لعلك تظنهما التمر والماء! والله ما هما إلا الليل والحرة، فلم يكن ~~ليزيد دار إلا الحرة- وهي أرض سوداء فيها حجارة سود، وهي مقبرة المدينة- ~~والقبور المجصصة تكون بالليل موحشة، فما ظنك بقبور سود في أرض سوداء في ~~ظلمة الليل! كيف حال من يكون هذا قراه! فبهذا البلاء أعرض يزيد عن ضيافة ~~الأعرابي. PageV01P146 # ونحو هذا من أقوال المازحين قول أبي الشمقمق- ويروى عن وهب عابد قرطبة: ~~[الوافر] # برزت من المنازل والقباب ... فلم يعسر على أحد حجابي # فمنزلي الفضاء وسقف بيتي ... سماء الله أو قطع السحاب # وإني لم أجد مصراع بيت ... يكون من السحاب إلى التراب # ولا أنشق الثرى عن عود نحت ... أؤمل أن أشد به ثيابي # ولا خفت الإباق على عبيدي ... ولا خفت الهلاك على دوابي # وفي ذا راحة وفراغ بال ... فدأب الدهر ذا أبدا ودابي # وقال آخر: [الطويل] # ولما التمست الرزق فانجذ حبله ... فلم يصف لي من بحره العذب مشرب # خطبت إلى الإعدام إحدى بناته ... فزوجنيها الفقر إذ جئت أخطب # فأولدتها الحرف الشقي فماله ... على الأرض غيري والد حين ينسب # فلو ms0130 تهت في البيداء والليل مسبل ... علي جناحيه لما لاح كوكب # ولو خفت شرا فاستترت بظله ... لأقبل ضوء الشمس من حيث تغرب # ولو جاد إنسان علي بدرهم ... لرحت إلى رحلي وفي الكف عقرب # ولو يمطر الناس الدنانير لم يكن ... بشيء سوى الحصباء رأسي يحصب # وإن يقترف ذنبا ببرقة مذنب ... فإن برأسي ذلك الذنب يعصب # وإن أر خيرا في الأنام فنازح ... وإن أر شرا فهو منى مقرب # أمامي من الحرمان جيش عرمرم ... ومنه ورائي جحفل حين أركب # وقال آخر: [الخفيف] # لو ركبت البحار صارت أجاجا ... لا ترى في متونها أمواجا # ولو أني وضعت ياقوته حم ... راء في راحتي لصارت زجاجا # ولو أني وردت عذبا فراتا ... عاد لا شك فيه ملحا أجاجا # وقال آخر: [الخفيف] # لو وردت البحار أطلب ماء ... جف قبل الورود ماء البحار # أو مسست العود النضير بكفي ... لذوى بعد بهجة واخضرار # أو رمى باسمى النجوم الدراري ... لانزوى ضوأها عن الأبصار # ولو أني بعت القناديل يوما ... أدغم الليل في ضياء النهار PageV01P147 # وقال شواش: [الكامل] # كسدت شواشينا وقل معاشنا ... فسعودنا مقرونة بنحوس # فكأنما قطعت رءوس الناس أو ... خلقوا لشقوتنا بغير رءوس # قيل لأبي الشمقمق: أبشر فإنا روينا في الحديث: «العارون في الدنيا هم ~~الكاسون يوم القيامة»، فأنشأ يقول: [مجزوء الرمل] # أنا في حال تعالى ... الله ربي أي حال # ليس لي شيء إذا قيل ... لمن ذا؟ قلت ذا لي # فأراضي الله فرشي ... والسماوات ظلالي # ولقد أفلست حتى ... حل أكلى لعيالي # ومن رأى شيئا محالا ... فأنا عين المحال # لو بقي في الناس حر ... لم أكن في مثل حالي # قوله: «منزل»، أي مضيف. حلف: صاحب. منشئ: موضعي الذي نشأت فيه. ### || AUTO [مدينة فيد] # وفيد بلد مشهور، في نصف المسافة التي بين مكة وبغداد، وفيها عين ماء، ~~وينزلها عمال طريق مكة وأهلها من طيئ، وهم في سفح جبلهم المعروف بسلمى، وقد ~~ذكرها زهير في قوله: [البسيط] # ثم استمروا وقالوا إن مشربكم ... ماء بشرقي سلمى فيد أو ركك (¬1) # قال الزجاجي: سميت بفيد بن حام، وهو أول من ms0131 نزلها، قال: ويقول أهل ~~العراق: هي من قولهم: فاد الرجل يفيد فيدا إذا مات، أو من قولهم: استفاد ~~فائدة، وقلما يقولون: أفاد فائدة، والفيد أيضا نور الزعفران. قال شيخنا ابن ~~جبير رضي الله عنه: إنه خرج من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم بضحوة ~~يوم السبت الثامن من المحرم سنة سبع وتسعين مع أمير الحاج، وصبحوا فيدا يوم ~~الأحد في اليوم الرابع عشر من خروجهم. ثم وصفها فقال: هي مصر كبير، منفرج ~~في بسيط من الأرض، يمتد حوله ربض، يطيف به سور عتيق. وهو معمور بسكان من ~~الأعراب يتعيشون من الحجاج في التجارات PageV01P148 # والمبايعات وغير ذلك من المرافق، وفيها يترك الحجاج بعض أزوادهم إعدادا ~~للإرمال (¬1) من الزاد عند انصرافهم يتركونها عند معارفهم، بها، فإذا رجعوا ~~أخذوا أزوادهم، ووهبوا لمن أودعوها عندهم شيئا من ذلك. # وهي نصف الطريق من بغداد إلى مكة أو أقل يسيرا، ومنها إلى الكوفة اثنا ~~عشر يوما في طريق سهلة. ودخلها أمير الحاج على تعبية وأهبة إرهابا ~~للمجتمعين بها من الأعراب لئلا يداخلهم الطمع في الحاج، لكنهم لا يجدون ~~إليهم سبيلا والحمد لله. # والمياه كثيرة في آبارها، تمدها عيون تحت الأرض، وامتلأت أيدي الحجاج ~~القادمين من أغنام العرب بالمبايعة، فلم يبق خيمة ولا ظلالة إلا وإلى ~~جانبها كبش أو كبشان، بحسب الوجد، فعم جميع المحلة الغنم واللبن والسمن ~~والعسل، فأكلوا واحتملوا، وكان ذلك اليوم عيدا للركب. # قال: وبهذه المحلة العراقية، وما انضاف إليها من الخراسانية والموصلية ~~وسائر جهات الآفاق ينزل من صحبة أمير الحاج جمع لا يحصى عددهم إلا الله ~~تعالى، يغص بهم البسيط الأفيح، ويضيق بهم المهمه الضحضح، فترى الأرض تميد ~~بهم ميدا، وتموج بجمعهم موجا، فتصير بهم بحرا طامي العباب، ماؤه السراب، ~~وسفينه الركاب، وشراعه الظلال المرفوعة والقباب، ويسير سير السحاب، متداخلا ~~بعضها على بعض، فتعاين تزاحما في البراح المنفسح يهول ويروع، واصطكاكا ~~لمبيع التجارات فيه، فبعضها ببعض مقروع؛ فمن لم يشاهد هذا السفر العراقي لم ~~يشاهد عجبا يتحدثبه، ويتحف السامع بغرائبه، والقرة والقوة ms0132 لله وحده وحسبك ~~أن النازل في منزل من هذه المحلة متى خرج لبعض حاجاته، ولم يكن له دلالة ~~على موضعه ضل وتلف، وعاد منشودا بجملة الضوال، وربما اضطر به الحال إلى ~~الوصول لمضرب الأمير ورفع المسألة إليه، فيأمر أحد المنشدين بما أعد لذلك ~~فيردفه خلفه على جمل، ويطوف به المحلة مناديا باسم جماله وبلده، إلى أن ~~يؤديه إلى رفقته. # وعجائب هذه المحلة كثيرة، ولأهلها من اليسار ما يغنيهم على ما هم بسبيله. # وما ذكرنا أمر هذه المحلة إلا ليستدل على أن فيها بلدا في غاية القوة ~~والعمارة، حيث أمد هذا الجمع الكثير والجم الغفير بما تقدم من أنواع ~~الأرزاق، وإن قبائل طيئ متوفرة بحيث تطلع إلى الغارة على مثل هذه المحلة. ~~والملك لله وحده مفني الجميع بعد كمال العدة. # قوله: «وردت»، أي أتيت. المدرة: البلد. عبس: قبيلة. # *** PageV01P149 # فقلت له: زدني إيضاحا، عشت ونعشت، فقال: أخبرتني أمي برة، وهي كاسمها ~~برة؛ أنها نكحت عام الغارة بماوان، رجلا من سراة سروج وغسان، فلما آنس منها ~~الإثقال- وكان باقعة فيما يقال- ظعن عنها سرا وهلم جرا فما يعرف: # أحي هو فيتوقع، أم أودع اللحد البلقع. # قال أبو زيد: فعلمت بصحة العلامات أنه ولدي، وصدفني عن التعرف إليه صفر ~~يدي، ففصلت عنه بكبد مرضوضة، ودموع مفضوضة. فهل سمعتم يا أولي الألباب، ~~بأعجب من هذا العجاب! فقلنا: لا ومن عنده علم الكتاب، فقال: # أثبتوها في عجائب الاتفاق، وخلدوها بطون الأوراق، فما سير مثلها في ~~الآفاق فأحضرنا الدواة وأساودها، ورقشنا الحكاية على ما سردها. # *** # إيضاحا: بيانا. نعشت: جبرت. وبرة الأول اسمها والثاني صفتها، يريد أنها ~~مكرمة كثيرة البر. نكحت: تزوجت. عام الغارة، أي عام أغار عليهم عدوهم. ~~ماوان: بلدة. # سراة: سادة. آنس: أبصر والإثقال: الامتلاء بالولد. باقعة: داهية، ويقال: ~~إنه الذي جال بقاع الأرض وعرف خيرها وشرها. # قال ابن الأنباري رحمة الله: فلان باقعة، أي داهية حذر محتال حاذق، ~~والباقعة عند العرب: الطائر الحذر المحتال الذي يشرب الماء من المباقع ~~(¬1)، ولا يرد المشارع والمياه المحصورة خوفا من أن ms0133 يحتال عليه فيصطاد، ثم ~~شبه به كل حذر محتال. هلم جرا، معناه إلى الآن، قال ابن الأنباري: هلم جرا، ~~سيروا على هينتكم، أي تثبتوا على سيركم، ولا تجهدوا أنفسكم ولا تشقوا ~~عليها، أخذ من الجر في السوق، وهو أن تترك الغنم والبقر ترعى في السير، ~~وينتصب «جرا» في قول الكوفيين على المصدر، لأن في «هلم» معنى «جر»، وفي قول ~~البصريين: هو مصدر في موضع الحال تقديره «هلم جارين» أي مستثبتين، قياسا ~~على: جاء عبد الله مشيا، وأقبل ركضا، وجاء وأقبل عند الكوفيين بمعنى مشى ~~وركض وقال بعضهم: ينصب على التمييز. يتوقع: ينتظر، أودع: # أدخل اللحد البلقع: اللحد الخالي. صدفني: أمالني. التعرف: أن يعرفه أنه ~~أبوه. صفر يدي: فراغها من الدراهم. فصلت: زلت مرضوضة: مدقوقة مكسورة. ~~مفضوضة: # مفترقة. أولي الألباب: أهل العقول. العجاب: مبالغة في العجب. # خلدوها، أي أثبتوها. الآفاق: البلدان وجهات الأرض جميعها. أساودها: PageV01P150 # أقلامها. رقشنا: كتبنا. على ما سردها، أي كما حكاها وتكلم بها. # *** # ثم استبطناه عن مرتآه، في استضمام فتاه، فقال: إذا ثقل ردني، خف علي أن ~~أكفل ابني؛ فقلنا: إن كان يكفيك نصاب من المال، ألفناه لك في الحال؛ فقال: ~~وكيف لا يقنعني نصاب، وهل يحتقر قدره إلا مصاب! # قال الراوي: فالتزم منه كل منا قسطا، وكتب له به قطا، فشكر عند ذلك ~~الصنع، واستنفد في الثناء الوسع، حتى إننا استطلنا القول، واستقللنا الطول. ~~ثم إنه نشر من وشي السمر، ما أزرى بالحبر، إلى أن أظل التنوير، وجشر الصبح ~~المنير، فقضيناها ليلة غابت شوائبها، إلى أن شابت ذوائبها، وكمل سعودها، ~~إلى أن انفطر عودها. # *** # استبطناه: سألناه وطلبنا منه معرفة باطنه. مرتآه: رأيه وغرضه. ردني: كمي. # أكفل: أضم. نصاب: عشرون دينارا. ألفناه: جمعناه. يقنعني: يكفيني. مصاب: # مجنون. قوله: «قسطا»، أي نصيبا. قطا: كتابا. الصنع: الفعل الجميل، ~~استنفد: # استتم. الوسع: الطاقة، ووسع الرجل قدر ما يجد من مال أو كلام أو غير ذلك، ~~وهو من السعة، أي أثنى غاية ما يمكنه من الثناء. استطلنا: استكثرنا ووجدناه ~~كثيرا طويلا، والطول: ms0134 الإنعام والفضل، أي رأينا ما أنعمنا به عليه قليلا. ~~والوشى: ثياب مرقومة بألوان شتى من الحرير. والحبر: ثياب فيها خطوط ورقوم ~~مختلفة، والحبر تصنع باليمن، فشبه حسن حديثه بالوشى، وخص الحبر لحسن فنونه، ~~وقال ابن الزقاق- وكأنه وصف الليلة والعجاب الذي سامرهم به أبو زيد، وزاد ~~عليه الشجاعة: # [الكامل] # لله ليلتنا التي استجدى بها ... فلق الصباح لسدفة الإظلام # طرأت علي مع النجوم بأنجم ... من فتية بيض الوجوه كرام # إن حوربوا فزعوا إلى بيض الظبا ... أو خوطبوا فزعوا إلى الأقلام # فترى البلاغة إن نظرت إليهم ... والبأس بين يراعة وحسام # جتر: طلع. قضيناها: أتممناها. شوائبها: ما ينكدها ويكدرها. الذوائب: ~~الشعر الطويل الأسود، وأراد به ظلام الليل، وجعل فيه بياض الصبح بمنزلة ~~الشيب في سواد الشعر، قال ابن دريد: [الرجز] # إما ترى رأسي حاكي لونه ... طرة صبح تحت أذيال الدجى PageV01P151 # انفطر: انشق وطلع. عودها: بياض صبحها، ويقال: انفطر القضيب، إذا بدا نبات ~~ورقه، وقال امرؤ القيس: [المتقارب] # * كخرعوبة البانة المنفطر (¬1) * # *** # ولما ذر قرن الغزالة، طمر طمور الغزالة، وقال: انهض بنا لنقبض الصلات، ~~ونستنض الاحالات، فقد استطارت صدوع كبدي، من الحنين إلى ولدي. فوصلت جناحه، ~~حتى سنيت نجاحه؛ فحين أحرز العين في صرته، برقت أسارير مسرته، وقال لي: ~~جزيت خيرا عن خطا قدميك، والله خليفتي عليك! فقلت: أريد أن أتبعك لأشاهد ~~ولدك النجيب، وأنافثه لكي يجيب. # *** # قرن الغزالة: شعاعها وحاجبها، والغزالة من أسماء الشمس، وأسماؤها كثيرة؛ ~~ذكرها يعقوب وغيره، وذكر منها عشرة خمسة بالهاء، وهي: الغزالة، والجارية، ~~والجونة، ومهاة، والإلهة. وخمسة بغير الهاء وهي: الشمس، والسراج، والضح، ~~وذكاء، وبوح. # طمر: وثب. الغزالة: الظبية. انهض أي قم: الصلات: العطايا. نستنض: # نستحضر. والناض: المال الحاضر. والإحالات: الديون التي وعدوه بها. ~~استطارت: # توسعت وانتشرت. صدوع: شقوق. والحنين: الشوق والرحمة. # وصلت جناحه، أي مشيت معه ويدي في يده، وجناح الرجل: يده. سنيت: # يسرت. نجاحه: قضاء حاجته. أحرز العين: حصل المال. وصرته: خرقة دراهمه. # برقت: لمعت. أسارير: طرق الوجه، ومنه الحديث عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «فخرج تبرق ms0135 أسارير وجهه»، ويقال لها الأسرة؛ ويقال لخطوط الكف: ~~الأسرة، وقد جمعهما التهامي في لفظ واحد في قوله: [الكامل] # يبدي أسرة وجهه ويمينه ... في ساعة الإعسار والإيسار # مسرته: سروره، أراد: انطلق وجهه سرورا بالمال. خطا: مشى. والنجيب: الجيد ~~العقل الكريم الأصل. قوله: «أنافثه»، أي أكلمه. # *** PageV01P152 # فنظر إلي نظرة الخادع إلى المخدوع وضحك حتى تغرغرت مقلتاه بالدموع، ~~وأنشد: [مخلع البسيط] # يا من تظنى السراب ماء ... لما رويت الذي رويت # ما خلت أن يستسر مكري ... وأن يخيل الذي عنيت # والله ما برة بعرسي ... ولا لي ابن به اكتنيت # وإنما لي فنون سحر ... أبدعت فيها وما اقتديت # لم يحكها الأصمعي فيما ... حكى، ولا حاكها الكميت # تخذتها وصلة إلى ما ... تجنيه كفي متى اشتهيت # ولو تعافيتها لحالت ... حالي، ولم أحو ما حويت # فمهد العذر أو فسامح ... إن كنت أجرمت أو جنيت # ثم إنه ودعني ومضى، وأودع قلبي جمر الغضى. # *** # تغرغرت: امتلأت. تظنى: حسب. حلت: حسبت. يستسر: يخفي. مكري: # خداعي. يخيل: يلبس ويشبه. عرسي: زوجتي. فنون: أنواع. أبدعت فيها: أحدثتها ~~ولم أقتد بغيري فيها. يحكها: يحدث بها. حاكها: نسجها وقال مثلها. الأصمعي ~~مذكور في المقامة الأربعين. ### || AUTO [الكميت الشاعر] # وأما الكميت الشاعر، فهو ابن زيد الأسدي، وهو شاعر مجيد مكثر جدا، وديوان ~~شعره مستعمل مشهور؛ ولما قال قصائده الهاشميات قصد البصرة، فأتى الفرزدق فقال: # يا أبا فراس، أنا ابن أخيك، فقال: ومن أنت؟ فانتسب له، قال: صدقت، وما حاجتك؟ # قال: أنت شيخ مضر وشاعرها، وأحببت أن أعرض عليك ما قلت، فإن كان حسنا ~~أمرتني بإذاعته، وإن كان غير ذلك أمرتني بستره: قال: يا ابن أخي، أحسب شعرك ~~على قدر عقلك، فقل راشدا، فأنشده: [الطويل] # طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ... ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب (¬1)! # قال: بلى، فالعب، فأنشده: [الطويل] PageV01P153 # ولم يلهني دار ولا رسم منزل ... ولم يتطربني بنان مخضب (¬1) # قال: ما يتطربك إذا؟ فقال: [الطويل] # لا أنا ممن يزجر الطير همه ... أصاح غراب أم تعرض ثعلب # قال: أنت ممن؟ ويحك! وإلى من تسمو؟ قال: ms0136 [الطويل] # ولا السانحات البارحات عشية ... أمر صحيح القرن أم مر أعضب # قال: أما هذا فقد أحسنت فيه، قال: [الطويل] # ولكن إلى أهل الفضائل والنهى ... وخير بني حواء والخير يطلب # قال: فمن هم ويحك! فقال: [الطويل] # إلى النفر البيض الذين بحبهم ... إلى الله فيما نابني أتقرب # فقال: أرحني ويحك! من هؤلاء؟ فقال: [الطويل] # بني هاشم رهط النبي فإنني ... بهم ولهم أرضى مرارا وأغضب # فقال: لله درك يا بني! فقد أصبت وأحسنت، إذ عدلت عن الزعانف والأوباش، ~~إذا لا يصرد سهمك (¬2)، ولا يثلب قولك. ثم مر فيها، فقال: أظهر وأشهر، فأنت ~~أشعر من مضى، وأشعر من بقي. # فحينئذ قدم المدينة، فأتى عبد الله بن الحسين، فأنشده، فقال: يا أبا ~~المستهل، إن لي ضيعة أعطيت فيها أربعة آلاف دينار وهذا كتابها، وقد أشهدت ~~لك بها شهودا، فقال: # بأبي أنت وأمي! كنت أقول الشعر لغيركم أريد به الدنيا والمال، ولا والله ~~ما قلت فيكم شيئا إلا لله، وما كنت لآخذ في شيء جعلته لله ثمنا. فلما أبى ~~عليه أخذ مئزره، فدفعه إلى أربعة غلمان، فجعل يدور به دور بني هاشم، ويقول: ~~هذا الكميت، قال فيكم الشعر حين صمت الناس عن فضلكم، وعرض دمه لبني أمية، ~~فأثيبوه بما قدرتم. فاجتمع له من حلى النساء ومن الدنانير والدراهم ما ~~قيمته مائة ألف درهم، فجاء بها إلى الكميت، وقال: يا أبا المستهل أتيناك ~~بجهد المقل، ونحن في دولة عدونا، فاستعن بهذا على دهرك، فقال: بأبي أنت ~~وأمي، قد أكثرتم وأطنبتم، وما أردت بمدحي إياكم إلا الله، فأردده إلى أهله. ~~فجهد به بكل حيلة، فأبى، فقال: أما إذا أبيت أن تقبل، فإن رأيت أن تقول ~~شعرا تغضب به بين النزارية واليمنية لعل فتنة تحدث، فنخرج بين أضغانها، ~~فقال قصيدته التي أولها: [الوافر] PageV01P154 # ألا حييت عنا يا مدينا ... وهل بأس بقول مسلمينا (¬1)! # فعرض فيها، وصاح باليمن فيما كان من أمر الحبشة وغيرهم؛ مثل قوله: ~~[الوافر] # لنا قمر السماء وكل نجم ... تشير إليه أيدي المهتدينا # وما ضربت هجان بني نزار ms0137 ... هوائج من فحول الأعجمينا # وما حملوا الحمير على عتاق ... مضمرة فيلفوا مبلغينا # ومشت في العرب، فافتخرت نزار على اليمن واليمن على نزار، وثارت العصبية ~~في البادية والحاضرة، وتحزب الناس، فتعصب مروان بن محمد لقومه من نزار على ~~اليمن، فانحرفت عنه إلى الدعوة العباسية وكان الكميت سبب ذلك. # وكان لامتداحه بني هاشم وتعريضه ببني أمية، يطلبه خلفاء بني أمية، فهرب ~~منهم عشرين سنة، فجد هشام بن عبد الملك في طلبه ولم يجده، ولم يستقر للكميت ~~قرار من خوفه. وكان لمسلمة بن عبد الملك حاجة عند هشام يقضيها له، لا يرده ~~فيها، فخرج مسلمة لبعض صيوده، فأتاه الناس يسلمون عليه، وأتاه الكميت- ~~ومسلمة لا يعرفه- فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، أما بعد: [مجزوء ~~الكامل] # قف بالديار وقوف زائر ... وتأي إنك غير صاغر (¬2) # حتى انتهى إلى قوله: [مجزوء الكامل] # يا مسلم بن أبي الولي ... د لميت إن شئت ناشر # علقت حبالي من حبا ... لك ذمة الجار المجاور # فالآن صرت إلى أمي ... ة والأمور لها مصاير # والآن كنت به المصي ... ب كمهتد بالأمس حائر # فقال مسلمة: سبحان الله! من هذا الذي أقبل من أخريات الناس ثم بدأنا ~~بالسلام، ثم قال: أما بعد ثم الشعر؟ قيل: الكميت، فأعجب بفصاحته، فسأله عما ~~كان فيه من طول غيبته، فذكر له سخط هشام عليه، فضمن له أمانه وتوجه به حتى ~~أدخله على هشام، وهشام لا يعرفه، فقال الكميت: السلام عليك يا أمير ~~المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال هشام: نعم الحمد لله، من هذا؟ قال ~~الكميت: مبتدئ الحمد ومبتدعه، الذي خص بالحمد نفسه، وأمر به ملائكته، وجعله ~~فاتحة كتابه، ومنتهى شكره، وكلام أهل جنته. # أحمده حمد من علم يقينا، وأبصر مستبينا، وأشهد بما شهد به لنفسه، قائما ~~بالقسط PageV01P155 # وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده العربي ورسوله النبي الأمي، الذي ~~أرسله والناس في هبوات (¬1) حيرة ومدلهمات ظلمة، عند استمرار أبهة الضلالة. ~~فبلغ عن الله ما أمر به، حتى أتاه اليقين صلى الله عليه وسلم. ثم إني يا ~~أمير المؤمنين ms0138 تهت في حيرة، وحرت في سكرة، أهاب بي داعيها، فأجابه غاويها، ~~فاقطوطيت (¬2) في الضلالة حائدا عن الحق، قائلا بغير الصدق، فهذا مقام ~~العائذ بك، ومنطق التائب، ومبصر الهدى بعد طول العمى. يا أمير المؤمنين، كم ~~من عاثر أقلتم عثرته، ومجترم عفوتم عن جرمه! # فقال هشام- وقد علم أنه الكميت: من سن لك هذا الغواية، وأهاب بك في ~~العماية؟ قال: الذي أخرج آدم من الجنة فنسى ولم يجد له عزما، وأنت يا أمير ~~المؤمنين، أضاء الله بك الظلمة الداجية بعد العموس فيها فبصرت، وحقن بك ~~دماء قوم أشرب خوفك قلوبهم؛ فهم يبكون لما يعلمون من حزمك وعزمك وبصيرتك، ~~وعز بأسك. # وثبات جأشك. وأنت مستغن برأيك عن رأي ذوي الألباب؛ برأي أريب، وحلم مصيب. # فأطال الله لأمير المؤمنين البقاء، وأتم عليه النعماء، ودفع به الأعداء. # فرضي عنه وأمر له بمال كثير. # فهذه منزلة الكميت من الشعر والخطابة خلافا لمن يقول: القافية جلبته في ~~المقامات؛ وغيره من الشعراء كان أولى بموضعه. # *** # قوله: «حاكها»، أي نسجها. يريد أن الكميت ممن يصنع الشعر ولا يقوله على ~~طبعه، فلذلك قال: «حاكها». وسأل بعض الخلفاء جريرا عن النابغة وزهير، فقال: # ينيران الشعر ويسديانه، والعلماء بالشعر يسمون صناع الشعر عبيد الشعر، ~~مثل زهير وابنه كعب والحطيئة وعدي بن الرقاع والكميت. # قوله: «تخذتها»، أي اتخذتها، يقال: تخذ يتخذ بمنزلة اتخذ يتخذ، وخفف عنه، ~~حذفوا ألف الوصل من اتخذ، والتاء الأولى الساكنة، التي هي فاء الفعل، فبقي ~~تخذ، ومثله تقي يتقي واتقى يتقي، حذفت ألفه وتاؤه الأولى، وليس يطرد هذا ~~التخفيف، وإنما جاء في اتخذ واتقى وأتجه واتسع، فقالوا: تقي وتخذ وتجه وتسع ~~وصلة أي موصلة. # تعافيتها: تكارهتها، وهي تفاعلت من عفت الشيء أعافه عيافا، أي كرهته. حالت: # تغيرت. أحو: أجمع. مهد: اقبل وسهل. أجرمت: أذنبت لنفسي، جنيت: أذنبت ~~لغيري، أراد: إن كان عذري بينا فأقبله، وإن كنت ظالما فتجاوز واسمح. أودع: ~~ضمن وجعل فيه. الغضى: شجر جمره يثبت في النار. PageV01P156 ### | AUTO المقامة السادسة وهي المراغية وتعرف بالخيفاء # روى الحارث بن ms0139 همام قال: حضرت ديوان النظر بالمراغة، وقد جرى به ذكر ~~البلاغة؛ فأجمع من حضر من فرسان اليراعة، وأرباب البراعة، على أنه لم يبق ~~من ينقح الإنشاء، ويتصرف فيه كيف شاء، ولا خلف، بعد السلف، من يبتدع طريقة ~~غراء، أو يفترع رسالة عذراء، وأن المفلق من كتاب هذا الأوان، المتمكن من ~~أزمة البيان، كالعيال على الأوائل، ولو ملك فصاحة سحبان وائل. # *** # ديوان النظر، أي مجلس المناظرة. المراغة: بلدة من كور أذربيجان. اليراعة: # القلم قبل أن يبرى ويسوى، فإذا بري وسوي قيل له قلم، وبقي عليه الاسم ~~الأول وهو اليراعة، واليراع: القصب. أرباب البراعة: أصحاب أصالة الرأي. ~~والبارع: الأصيل الجيد الرأي، ويقال: برع يبرع بروعا وبراعة، إذا فاق في ~~السؤدد. وينقح: يحسن ويخلص. الإنشاء. الكتابة. خلف: بقي. السلف: المتقدمون، ~~وسلفوا: ذهبوا وتقدموا. # يبتدع: يحدث. طريقة: حالة موصوفة، وطريقة فلان كذا، أي حالته التي هو عليها. # غراء: واضحة مشهورة لم يقل أحد مثلها. وغرة الشيء: أوله. يفترع: يفتض. عذراء: # بكر، سميت عذراء لصعوبة جماعها، وتعذر الشيء: تصعب، وافتراع البكر: ~~إدماؤها وإزالة ما تصعب منها، وكل ما أدميته فقد فرعته وافترعته، فمعنى ~~يفترع رسالة عذراء أي يأتي برسالة قد تصعب طريقها على غيره، فاقتدر هو على ~~سلوك طريقها والإتيان بها. # المفلق: الفصيح المعرب الذي يأتي بالفلق؛ وهو الشيء العجيب. الأوان: الوقت. # العيال: من يتكل في مئونته على غيره ولا يقوم بنفسه، وعال الرجل عيلة إذا ~~افتقر، وعلته عولا: قمت بمؤنته، فيريد أن كتاب هذا الزمان عيال على من ~~تقدمهم حيث افتقروا إلى الأخذ من كلامهم. # وقد وعدنا أن نذكر سحبان فيما يأتي إن شاء الله تعالى. # *** # وكان بالمجلس كهل جالس في الحاشية، عند مواقف الحاشية، فكان كلما PageV01P157 # شط القوم في شوطهم، ونثروا العجوة والنجوة من نوطهم، ينبئ تخازر طرفه، ~~وتشامخ أنفه، أنه مخرنبق لينباع، ومجرمز سيمد الباع، ونابض يبرى النبال، ~~ورابض يبغي النضال. فلما نثلت الكنائن، وفاءت السكائن، وركدت الزعازع، وكف ~~المنازع، وسكنت الزماجر، وسكت المزجور والزاجر، أقبل على الجماعة، وقال: # *** # الكهل: التام الخلق، ms0140 بين الشاب والشيخ. الحاشية: طرف المجلس. والحاشية ~~الثاني. الأتباع وخدمة القوم، وأصلها رذال المال وصغاره، قال يعقوب: ~~الحاشية والحواشي والحشو: صغار الإبل، وأنشد: [الرجز] # * جللتها والأخر الحواشيا (¬1) * # ل: جرى. شوطهم: طلقهم. نثروا: ألقوا عليها. العجوة: التمرة الطيبة. # والنجوة: الرديئة، هكذا كان يفسرها شيخنا أبو بكر بن أزهر عن ابن جهور، ~~وما وجدت في كتاب لغة أن النجوة اسم للتمرة الرديئة، وقد بحث عنها بعض ~~أصحابنا غاية البحث في كل كتاب فيه ذكر النخل والتمر، فأخبرني أنه ما وجد ~~لها ذكرا، وأظنها لغة بصرية متعارفة بينهم في التمر الرديء، لا أنها لغة ~~عربية، فاستعملها كما استعمل غيرها من لغة بلده، لأن البصرة أكثر بلاد الله ~~نخلا، فيسمون كل نوع من التمر باسم، والتمر تكثر أنواعه عندهم. ورأيت أكثر ~~أهل سجلماسة لا يكادون يحصون أنواعه لكثرتها، ورأيت بها نوعا من التمر ~~زعموا أنه لا يطيب أبدا، وإنما حاله أن ينكمش على نواه، فلا تجد إلا جلدا ~~يابسا على النواة، فيعلفونه المعز، فيحتمل أن يكون مثل هذا في نخل البصرة ~~يسمى نجوة، ويقابل بالعجوة التي هيأشرف التمر وأطيبه. وأما من فسر النجوة ~~هنا بالمرتفع من الأرض، فلا معنى له. الفنجديهي: النجوة، قيل: إنها لفاظة ~~التمر إذا سقطت لا يبالي بها، فإن صحت روايتها فكأنها سميت بالنجوة التي هي ~~العذرة. نوطهم: وعاء تمرهم، قال أبو حنيفة: النوطة: الجلة الصغيرة من جلال ~~التمر، والجلة: الوعاء الذي يكنز فيه التمر، وكل وعاء له علاقة فهو نوطه، ~~والجمع نوط، وقد ناطه ينوطه، إذا علقه، فأراد: ألقوا الكلمة الجيدة ~~والرديئة من كلامهم. ينبئ: يخبر. تخازر طرفه: كسر عينيه بالنظر، وتخازر: ~~نظر بمؤخر عينيه، وهو نظر المنكر للشيء. تشامخ: ارتفاع، وهو فعل المستحقر ~~للشيء مخرنبق: متهيئ. لينباع: لينهض، وفسره أبو عبيدة في الأمثال، فقال: ~~المخرنبق: المطرق الساكت، لينباع. ليثب إذا أصاب فرصة، قال: ومعناه أنه PageV01P158 # سكت لداهية يريدها، وقيل: المخرنبق: الساكت على السوء. لينباع: ليظهر ~~الذي في ظنه في الشر. مجرمز: منقبض، وهو كقول النابغة: # وقلت يا قوم إن ms0141 الليث منقبض ... على براثنه للوثبة الضاري (¬1) # فأخذه ابن الرومي فقال: [الطويل] # سكن سكونا كان رهنا بوثبة ... غماس كذاك الليث للوثب يلبد # نابض: رام، ويقال: أنبض القوس، إذا جذب وترها ثم أطلقه ليختبر شدتها. # ونبض العرق: تحرك، فيكون: «نابض» على النسب، أو على حذف الزائد. ~~الفنجديهي: # أورد أبو الحسين بن فارس اللغوي في كتابه المجمل أن نبض لغة في أنبض، ~~وهما بمعنى واحد، قال الشاعر: [الطويل] # فإن أباها مقسم بيمينه ... لئن نبضت كفي فإني لنابض (¬2) # فصح بهذا قوله. رابض: لاطئ بالأرض، وربضت الشاة: اضطجعت. يبغي النضال، أي ~~يطلب المراماة، وأراد أنه يريد أن يلقي عليهم المسائل ليجاذبوه. قوله: # «نثلت»، أي نفضت وصب ما فيها. الكنائن: الجعاب، وهي أوعية السهام. فاءت: # رجعت. السكائن: جمع سكينة، وهي الوقار، يريد: أتم أهل المجلس كلامهم ~~فسكتوا. # ركدت: سكنت. الزعازع: الرياح الشديدة المزلزلة، واحدها زعزع. كف المنازع: # أمسك المخالف، يريد انقطع كلامه. # *** # لقد جئتم شيئا إدا، وجرتم عن القصد جدا، وعظمتم العظام الرفات، وافتتم في ~~الميل إلى من فات، وغمصتم جيلكم الذين فيهم لكم اللدات، ومعهم انعقدت ~~المودات. أنسيتم يا جهابذة النقد، وموابذة الحل والعقد، ما أبرزته طوارف ~~القرائح، وبرز فيه الجذع على القارح، من العبارات المهذبة، والاستعارات ~~المستعذبة، والرسائل الموشحة، والأساجيع المستملحة! وهل للقدماء إذا أنعم ~~النظر، من حضر، غير المعاني المطروقة الموارد، المعقولة الشوارد، المأثورة ~~عنهم لتقادم الموالد، لا لتقدم الصادر على الوارد! وإني لأعرف الآن من إذا ~~أنشا، وشى، وإذا عبر، حبر، وإن أسهب، أذهب، وإذا أوجز، أعجز، وإن بده، شده، ~~ومتى اخترع، خرع. PageV01P159 # إدا: أمرا فظيعا منكرا. جرتم عن القصد: خرجتم عن الاستقامة. جدا: كثيرا. # الرفات: البالية. افتتم: فعلتم ما لا يجب وتجاوزتم فيه، ويقال: افتتات ~~الرجل «افتعل» من الفوات، وفات: ذهب وعدم. غمصتم: حقرتم وغطيتم. جيلكم: أهل عصركم. # اللدات: جمع لدة، وهو الذي ولد معك. جهابذة: حذاق؛ الواحد جهبذ. النقد: ~~معرفة الكلام، نقده: ميزه، وأصله من ميز الدراهم الجيدة من الرديئة. ~~موابذة: حكام، والموبذ: الكثير الجاه من الفرس، مثل الوزير والقائد. ms0142 ~~أبرزته: أظهرته. طوارف، جديدات وغريبات. القرائح: الأذهان. برز: غلب. الجذع ~~من الخيل ابن سنتين. # القارح: ابن خمس، أي غلب فيه الحديث العصر القديم. عبارات: جمع عبارة وهي ~~التفسير، وعبرت عن فلان: تكلمت عنه وكنت لسانه. المهذبة: المخلصة من العيب. # الاستعارة: أن تعير اللفظ ما يستحقه غيره، وهي من العارية. الموشحة: ~~المزينة. # الأساجيع: جمع أسجوعة، وهي الكلام المربوط بقافية. أنعم: بالغ. المطروقة: ~~التي نزل عليها. المعقولة: المربوطة. الشوارد: الفارة، يقول: ليس للقدماء. ~~إلا المعاني التي قصدها المتأخرون، كما قصدها المتقدمون، وقيدها المتأخرون ~~بالكتاب كما قيدها المتقدمون، فكان تقييدها سببا لأن مشت في الأقطار فعرفت ~~وحفظت. المأثورة: # المحدث بها. الصادر: الخارج عن الماء، والوارد: الداخل إليه، وذكر هنا أن ~~الصادر يتقدم الوارد، وذلك أنا إذا فرضنا موضع ماء لا يمكن وروده إلا واحدا ~~بعد واحد، فالصادر يسبق الوارد على ما ذكره في المقامة. قال الحريري في درة ~~الغواص: إن الخواص يقولون: هذا أمر يعرفه الصادر والوارد، ووجه الكلام أن ~~يقال: الوارد والصادر، لأنه مأخوذ من الورد والصدر، ولما كان الورد يقدم ~~الصدر، وجب أن يقدم لفظ «الوارد» على الصادر، وهذا كما ترى، الورد يقدم ~~الصدر في حق واحد، ورد الماء ثم صدر عنه، وأما في حق اثنين كما قدمنا وكما ~~ذكر هو في هذه المقامة، فالصادر يتقدم الوارد. وقول الناس: هذا أمر يعرفه ~~الصادر والوارد في حق اثنين، فهم فيه على صواب، ومحال أن يكون المثل في حق ~~واحد، لأن الشيء لا يعطف على نفسه، ولو كان الوارد على زعمه يتقدم الصادر ~~لجاز تقديم الصادر عليه، لأن الواو لا تعطي رتبة، يقول: لا نتحدث بكلمهم ~~ونظمهم ونثرهم لفضلهم علينا، لكن لسبقهم لنا. # أنشأ: كتب. وشى: زين ورقم. عبر: تكلم أو فسر. حبر: حسن. أوجز: اختصر. # أعجز، أي عجز عن فعله غيره. أسهب: أطال الكلام. أذهب: جاء بالذهب، وأصل ~~أسهب، حفر بئرا بعيدة القعر، وأذهب: صادف معدن الذهب في حفير. بده: ارتجل ~~ولم يتفكر. شده: حير من يتعاطى منزلته. اخترع: قال ما لم ms0143 يسبق إليه. خرع: ~~شقق المعاني. # *** # فقال له ناظورة الديوان، وعين أولئك الأعيان: من قارع هذي الصفاة، PageV01P160 # وقريع هذه الصفات؟ فقال: إنه قرن مجالك، وقرين جدالك؛ وإذا شئت ذاك فرض ~~نجيبا، وادع مجيبا، لترى عجيبا. فقال له: يا هذا، إن البغاث بأرضنا لا ~~يستنسر، والتمييز بين الفضة والقضة متيسر، وقل من استهدف للنضال، فخلص من ~~الداء العضال، أو استثار نقع الامتحان، فلم يقذ بالامتهان، فلا تعرض عرضك ~~للمفاضح، ولا تعرض عن نصاحة الناصح. فقال: كل امرئ أعرف بوسم قدحه، وسيتفرى ~~الليل عن صبحه. فتناجت الجماعة فيما يسبر به قليبه، ويعمد فيه تقليبه؛ فقال ~~أحدهم: ذروه في حصتي؛ لأرميه بحجر قصتي، فإنها عضلة العقد، ومحك المنتقد. ~~فقلدوه في هذا الأمر الزعامة، تقليد الخوارج أبا نعامة. # *** # قوله: «ناظورة»، أي كبير القوم ومقدمهم الذي ينظرون إليه. الديوان: دار ~~الكتاب وموضع اجتماعهم. والديوان، الزمام يكون فيه أسماء الجند وأرزاقهم، ~~وأصله «دوان»، فقلبت واوه الأولى ياء لانكسار ما قبلها، ودل عليه دواوين في ~~جمعه، وهو اسم أعجمي عرب، والأصل في تسميته أن كسرى أمر الكتاب أن يجتمعوا ~~له في دار، ويعملوا حساب السواد في ثلاثة أيام، وأعجلهم فيه، فأخذوا في ~~ذلك، واطلع عليهم لينظر ما يصنعون؛ فنظر إليهم يحسبون بأسرع ما يمكن، ~~وينسخون كذلك، فعجب من كثرة حركتهم، فقال: # أرى «ديوان» ومعناه شياطين، ثم سمى موضعهم ديوانا، ثم استعملته العرب، ~~وجعل كل محصل من كلام أو شعر ديوان. قارع: ضارب وكاسر. الصفاة: الصخرة ~~الملساء، استعارها للصعب من الكلام. قريع: سيد. الصفات: النعوت التي تقدم ~~أنه يعرف بفعلها. وقرن مجالك: صاحب كلامك الذي تجول فيه- يعني نفسه. قرين جدالك: # صاحب مجادلتك، والقرن بالكسر: الذي يماثلك في شدة أو خصام أو علم، وإن لم ~~يكن بينكما معرفة، وقرينك: صاحبك الذي لا يفارقك كأنهقرن معك. والمجال: # الموضع الذي تراض فيه الخيل. رض: سس ولين. النجيب: الفحل الكريم من ~~الإبل، وعنى نفسه. ادع مجيبا، يقول: سسني ثم ادعني أستجب لك. ترى عجيبا، في ~~حسن جوابي. البغاث: صغار الطير. يستنسر: يصير نسرا، ms0144 يقول: نحن أهل علم ~~ومعارف، فلا تجوز علينا المخاوف، والعرب تقول في أمثالها: «إن البغاث في ~~أرضنا يستنسر»، أي يرجع الضعيف قويا لعزنا وحمايتنا له ممن يريده، وقيل في ~~البغاث: إنه ذكر الرخم، وقيل: البغاث كل ما يصاد من الطير، والجوارح: كل ما ~~يصيد، والرهام: ما لا يصيد ولا يصاد، كالخطاف وغيره. القضة: الحصى البيض ~~الصغار، ويقال: جاء بالقض والقضيض بالقاف والضاد، ومعناه جاء بالكبير ~~والصغير. والقضيض: صغار الحصى وما تكسر منه، وقالوا: جاءوا قضهم بقضيضهم. ~~أي كلهم. استهدف: صار هدفا، وهو PageV01P161 # الغرض للسهم. النضال: المراماة. العضال: الذي لا يبرأ منه. استثار: حرك ~~نقع غبار. # الامتحان: الاختبار. يقذ: يقع في عينه القذى، وهو ما يسقط في العين، ~~ويقول: من صار غرضا للألسنة قل أن يسلم، ومن صار طالبا لمناظرة أهل المعارف ~~أهين وأفحم. # المفاضح: المخزيات واشتهار العيوب. وسم: علامة. قدحه: سهمه، يريد قداح ~~الميسر، وكان كل رجل يعمل في قدحه علامة يعرف بها، قال دريد بن الصمة: ~~[الوافر] # وأصفر من قداح النبع فرع ... به علمان من عقب وضرس (¬1) # الضرس: العض بالضرس وسنذكر في الثالثة والأربعين قداح العرب: # سيتفرى: سيتكشف. قوله: «تناجت»، أي تحدثت سرا. يسبر: يقاس. قليبه: بئره. # يعمد: يقصد. تقليبه: تجريبه. ذروه: اتركوه. حصتي: نصيبي. قصتي: خبري، ~~وجعل لمسألته حجرا يرميه به مجازا. عضلة: صعبة. العقد: جمع عقدة، يريد أن ~~عقدها صعب الحل. محك المنتقد: وهو حجر يقاس جيد الفضة والذهب من الرديء؛ ~~أراد أن مسألته نهاية في الصعوبة، والعضلة: كل مسألة شديدة لا يهتدى ~~لمثلها، ولا يوقف على جوابها، من قولهم: داء عضال ومعضل، إذا كان شديدا لا ~~يهتدى لدوائه، ولا يوقف على علاجه، وعضلت المرأة تعضيلا، نشب ولدها في ~~بطنها، وعضلت الدجاجة بيضها كذلك، وفلان عضلة من العضل، أي داهية لا يهتدى ~~لمكره. قوله: «الزعامة»، أي الرئاسة. ### || AUTO [قطري بن الفجاءة] # وأبو نعامة هو قطري بن الفجاءة التميمي الخارجي. وكان له فرس يكنى بها في ~~الحرب، ويكنى في السلم أبا محمد. وقطري: منسوب إلى قطر، موضع قريب ms0145 من عقير. # وكان فارسا شجاعا شاعرا مجيدا، وكان رئيس الخوارج، وسلموا عليه بأمير ~~المؤمنين عشرين سنة، وكان خطيبا فصيحا، وله خطبة في ذم الدنيا انتهى فيها ~~من البلاغة إلى الغاية. وأولها: # أما بعد فإني أحذركم الدنيا فإنها حلوة خضرة، حفت بالشهوات، وراقت ~~بالقليل، وتحببت بالعاجل، وتحلت بالأماني، وتزينت بالغرور، لا تدوم زهرتها، ~~ولا تؤمن فجعتها، غرارة ضرارة، حائلة زائلة، نافدة بائدة، لا تعدو إذا هي ~~تناهت إلى أمنية الرغبة فيها، والرضا عنها، أن تكون كما قال تعالى: كماء ~~أنزلناه من السماء فاختلط به نبات PageV01P162 # الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا [الكهف: 45]. # كم واثق بها قد فجعته، وذي طمأنينة إليها قد صرعته، وذي احتيال فيها قد ~~خدعته. وكم من ذي أهبة فيها قد صيرته حقيرا، وذي نخوة قد ردته ذليلا، وذي ~~تاج قد كبته لليدين والفم؛ سلطانها دول، وعيشها رنق، وعذبها أجاج، وحلوها ~~صبر، مليكها مسلوب، وعزيزها مغلوب، وسليمها منكوب، وجامعها محروب؛ مع أن ~~وراء ذلك سكرات الموت، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الحكم العدل ليجزي ~~الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى [النجم: 31]. # ومن جيد شعره في وقعة دولاب (¬1): [الطويل] # لعمرك إني في الحياة لزاهد ... وفي العيش ما لم ألق أم حكيم (¬2) # من الخفرات البيض لم ير مثلها ... شفاء لدى بث ولا لسقيم # لعمرك إني يوم ألطم وجهها ... على نائبات الدهر جد لئيم # ولو شهدتني يوم دولاب أبصرت ... طعان فتى في الحرب غير ذميم # غداة طفت علماء بكر بن وائل ... وعجنا صدور الخيل نحو تميم # فلم أر يوما كان أكثر مفظعا ... يمج دما من فائظ وكليم # وضاربة خدا كريما على فتى ... أغر نجيب الأمهات كريم # أصيب بدولاب ولم تك موطنا ... له أرض دولاب ودير حميم # فلو شهدتني يوم ذاك وخيلنا ... تبيح من الكفار كل حريم # رأت فتية باعوا الإله نفوسهم ... بجنات عدن عنده ونعيم # وأم حكيم التي شبب بها، كانت معه في عسكر الإباضية، وكانت من أشجع الناس، ~~وأجملهم وجها، وأحسنهم بدينه متمسكا. وكان ms0146 قطري يحبها ويجلها، وأخبر من ~~شاهدها في تلك الحروب أنها كانت ترتجز فتقول: [الرجز] # أحمل رأسا قد سئمت حمله ... وقد مللت دهنه وغسله # * ألا فتى يحمل عني ثقله* # والخوارج يفدونها بالآباء والأمهات، وخطبها جماعة من أشراف الخوارج ~~فردتهم، وقالت: [الطويل] PageV01P163 # ألا إن وجها حسن الله خلقه ... لأجدر أن يلفى به الحسن جامعا # وأكرم هذا الجرم عن أن يناله ... تورك فحل همه أن يجامعا # أين هذه من أم خارجة، واسمها عمرة بنت سعد، كان يقال: لها خطب، فتقول: # نكح، وضرب بها المثل فقيل: أسرع من نكاح أم خارجة. # وأين هي من حفيدة قطري مع صاحبها، حكى الأصبهاني عن إسماعيل بن المهاجر ~~قال: خرجت أنا والسيد الحميري سكارى، فلقينا بنت الفجاءة بن عمرو بن قطري ~~بن الفجاءة، وكانت امرأة برزة حسناء، فواقفها السيد، وأنشدها من شعره، ~~فأعجب كل واحد منهما صاحبه، ثم خطبها، فقالت: كيف يكون هذا ونحن على ظهر ~~الطريق! قال: # يكون كنكاح أم خارجة، قيل لها: خطب، قالت: نكح، فاستضحكت وقالت: ننظر في ~~هذا، وعلى ذلك فمن أنت؟ قال: [البسيط] # إن تسأليني بقومي تسألي رجلا ... في ذروة المجد من أجواد ذي يمن # ثم الولاء الذي أنجو النجاة به ... من كبة النار للهادي أبي حسن # فقالت: لا شيء أعجب من هذا! يماني وتميمية، ورافضي وإباضية، فكيف ~~يجتمعان! فقال: بحسن رأيك تسخو نفسك، ولا يذكر أحدنا سلفا ولا مذهبا، قالت: # أفليس التزويج إذا علم، انكشفت معه الستور؟ قال: وأنا أعرض عليك أخرى، قالت: # وما هي؟ قال: المتعة التي لا يعلم بها أحد، قالت: تلك أخت الزنا، قال: ~~أعيذك بالله أن تكفري بعد إيمانك! قالت: وكيف؟ قال لها: قال الله تعالى: ~~فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة، قالت: أستخير الله وأقلدك، إذ ~~كنت صاحب قياس وتفتيش. # ولما انصرفت معه، وبات معرسا بها؛ وبلغ أهلها من الخوارج أمرها توعدوها ~~بالقتل، فجحدت وقالوا: أتزوجت بكافر! فكانت تختلف إليه مدة وتواصله. # وقوله: «تقليد الخوارج أبا نعامة»، لما قتل الزبير بن علي السليطي أمير ~~الخوارج، أداروا ms0147 أمرهم، فأرادوا تولية عبيدة بن هلال اليشكري، فقال: ألا ~~أدلكم على من هو خير مني لكم؟ من يطاعن في قبل، يحمي عن دبر؛ عليكم بقطري ~~بن الفجاءة المازني، فبايعوه. # *** # فأقبل على الكهل، وقال: أعلم أني أوالي، هذا الوالي، وأرقح حالي، بالبيان ~~الحالي. وكنت أستعين على تقويم أودي، في بلدي، بسعة ذات يدي، مع قلة عددي. ~~فلما ثقل حاذي، ونفذ رذاذي، أممته من أرجائي، برجائي، ودعوته لإعادة روائي، ~~وإروائي؛ فهش للوفادة وارتاح، وغدا بالإفادة وراح. فلما استأذنته في ~~المراح، إلى المراح، على كاهل المراح؛ قال: قد أزمعت ألا أزودك بتاتا؛ ولا PageV01P164 # أجمع لك شتاتا، أو تنشئ لي أمام ارتحالك، رسالة تودعها شرح حالك، حروف ~~إحدى كلمتيها يعمها النقط، وحروف الأخرى لم يعجمن قط، وقد استأنيت بياني ~~حولا، فما أحار قولا، ونبهت فكري سنة، فما ازداد إلا سنة. واستعنت بقاطبة ~~الكتاب، فكل منهم قطب وتاب، فإن كنت صدعت عن وصفك باليقين، فأت بآية إن كنت ~~من الصادقين. # فقال له: استسعيت يعبوبا، واستسقيت أسكوبا، وأعطيت القوس باريها، وأسكنت ~~الدار بانيها. ثم فكر ريثما استجم قريحته، واستدر لقحته، وقال: ألق دواتك ~~وأقرب، وخذ أداتك واكتب: # *** # قوله: «أوالي»، أي ألازم وأتخذه وليا. أرقح: أصلح، يقال رقح من عيشه، إذا ~~أصلح منه، قال الشاعر: [السريع] # يترك ما رقح من عيشه ... يعبث فيه همج هامج (¬1) # الهمج: البعوض، ثم قيل لأرذال الناس: همج. الحالي: المزين بالحلي. أودي: # عوجي. سعة: كثرة. ذات يدي، أي مالي. عددي: عيالي. حاذي: ظهري، وفلان خفيف ~~الحاذ، أي قليل العيال، وأصل الحاذ مؤخر الفخذين. نفد رذاذي: فرغ قليل ~~مالي، والرذاذ. المطر الضعيف. أمته: قصدته. أرجائي: جهاتي وبلادي. رجائي: # أملي. روائي: حسن هيئتي وحالي: إروائي: إزالة عطشي. هش: خف، ورجل هش ~~بسام: طليق الوجه. للوفاة: للقدوم عليه. وارتاح: طرب واهتز. الإفادة: تكسيب ~~الفوائد. المراح، بفتح الميم: المشي والانصراف. والمراح، بالضم: الموضع ~~الذي تروح إليه الإبل وتروح منه، أو تراح إليه، أي تساق بالعشي. والمراح، ~~بالكسر: النشاط والخفة، وقد مرح مرحا، لعب، من الفرح. كاهل: ما ms0148 بين فروع ~~الكتفين، استعاره للنشاط. أزمعت: عزمت بتاتا: زادا. شتاتا: مالا متفرقا. ~~تنشئ: تصنع وتكتب. أمام ارتحالك: قبل سفرك: تودعها: تضمنها وتجعل فيها. ~~يعجمن: ينقطن، وأعجمت الكتاب: أزلت عنه عجمته. PageV01P165 # قط: لفظة موضوعة لما مضى من الدهر. وجعل الحريري قول الخواص: «لا أكلمه ~~قط» من أفحش الخطأ لتناقض الكلام، قال: وذلك أن العرب تستعمل لفظة «قط» ~~فيما مضى من الزمان، كما تستعمل لفظة «أبدا» فيما يستقبل، فيقولون ما كلمته ~~أبدا، والمعنى: ما كلمته فيما انقطع من عمري، لأنه من قططت الشيء، إذا ~~قطعته، ومنه قط القلم، إذا قطع طرفه. وفيما يؤثر من شجاعة علي رضي الله عنه ~~أنه كان إذا استقبل قد، وإذا استدبر قط، فالقد قطع الشيء طولا، والقط قطعه ~~عرضا. يقول. تصنع رسالة تضمنها حالك، يكون تركيبها من كلمة يعم حروفها ~~النقط، وكلمة لا ينقط منها حرف، وبهذا المعنى سميت المقامة الخيفاء، لأن ~~الأخيف من الخيل: الذي إحدى عينيه زرقاء. # والأخرى كحلاء. استأنيت: أمهلت وأخرت. أحار: رد وراجع. نبهت: أيقظت. سنة: # حولا. سنة: نوما. قاطبة: جماعة. قطب وجهه، إذا عبسه. صدعت: أوضحت وأظهرت، ~~وأصل الصدع الشق. باليقين: بالحق الواضح. آية: علامة، قال ابن الأنباري ~~رحمه الله: في قولهم آية من القرآن ثلاثة أوجه: # قيل إنها علامة لانقطاع الكلام قبلها وبعدها، واحتج أبو عبيدة لذلك بقول ~~الشاعر: # [الوافر] # * بآية ما تحبون الطعاما (¬1) * # وبقول النابغة: [الطويل] # توهمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع (¬2) # الثاني: سميت الآية لأنها جماعة حروف، قال أبو عمرو: خرج القوم بآيتهم، ~~أي بجماعتهم. # الثالث: سميت آية لأنها عجب من العجائب، فالآية العجب. # قوله: «استسعيت»: طلبت سعيه أي جريه. واليعبوب: الفرس السريع. استسقيت: PageV01P166 # استمطرت وطلبت سقياه. والأسكوب: المطر الكثير. باريها: صانعها، وكل هذه ~~أمثال، ويريد: أنا أهل لكل ما طلبت. # وأول من قال: أعط القوس باريها الحطيئة، وذلك أنه دخل على سعيد بن العاص ~~وهو يقري الناس، فأكل أكلا جافيا، وخرج الناس، فأقام، وأتاه الحاجب ليخرجه ~~فامتنع، وقال: أترغب بهم عن مجالستي! إني بنفسي عنهم ms0149 لأرغب! فقال له سعيد: # دعه. ثم تذاكروا الشعر والشعراء، فقال لهم الحطيئة: والله ما أصبتم جيد ~~الشعر ولا شاعر العرب، ولو أعطيتم القوس باريها، وقعتم على ما تريدون، فقال ~~له سعيد: فمن أشعر العرب؟ قال: الذي يقول: [الخفيف] # لا أعد الإقتار عدما ولكن ... فقد من قد رزئته الإعدام (¬1) # إلى آخر القصيدة. قال: فمن قائلها؟ قال: أبو دؤاد الإيادي، قال: ثم من؟ قال: # والله لحسبك بي رهبة أو رغبة؛ أنا إذا رفعت إحدى رجلي على الأخرى، وعويت ~~في إثر القوافي كما يعوي الفصيل الصادي إثر أمه؛ قال: [من أنت؟ قال: ] ~~الحطيئة، قال: حياك الله يا أبا مليكة، ألا أعلمتنا بمكانك، ولم تحملنا على ~~الجهل بك، فنضيع حقك ونبخسك قسطك! وأدناه ووصله. # وقال الشاعر: [البسيط] # يا باري القوس بريا ليس يحسنه ... لا تظلم القوس واعط القوس باريها (¬2) # ريث: مقدار وبطء. استجم: استكثر. قريحته: طبيعته، والقريحة في الأصل أول ~~ماء البئر النابع، واستجمها: تركها حتى تكثر. استدر: استنزل درها وهو ~~لبنها. واللقحة: # الناقة ذات اللبن؛ يريد: أقام قليلا يفكر ويختار ما يقول: ومثل هذه ~~الحالة ذكروا أن صديقا لكلثوم العتابي أتاه يوما، فقال له: اصنع لي رسالة، ~~فاستمد مدة، ثم علق القلم، فقال له صاحبه: ما أرى بلاغتك إلا شاردة عنك، ~~فقال له العتابي: إني لما تناولت القلم تداعت علي المعاني من كل جهة، ~~فأحببت أن أترك كل معنى حتى يرجع إلى موضعه، وهذا مثل قول امرئ القيس- ~~ويقال إنه قالها وهو ابن عشر سنين: [المتقارب] # أذود القوافي عني ذيادا ... ذياد غلام غوي جوادا (¬3) PageV01P167 # فلما كثرن وعنينه ... تخير منها جوادا جيادا # فأعزل مرجانها جانبا ... وآخذ من درها المستجادا # وقال عريف القوافي: [الطويل] # أبيت بأبواب القوافي كأنما ... أصادي بها سربا من الوحش نزعا (¬1) # عواصي إلا ما جعلت وراءها ... عصا مربد تغشى وجوها وأذرعا # إذا خفت أن تروى علي رددتها ... وراء التراقي خشية أن تطلعا # أصادي: أداري، وجعل القوافي تقتحم عليه كالإبل، وهو يضربها بعصاه حتى ~~يختار جيادها. ### || AUTO [الدواة والمداد والقلم] # قوله «ألق»، أي اجعل ms0150 فيها ليقة، تقول: لقت الدواة فهي مليقة، وألقتها فهي ~~ملاقة، وجمع الليقة ليق. ويقال للصوفة قبل أن تبل بالمداد: البوهة ~~والموارة، فإذا بلت بالمداد سميت ليقة، وقد يقال لها: ليقة قبل أن تبل، ~~سميت بما تؤول إليه، كما قيل للكبش: ذبيح، وللصيد: رمية، فإن كانت قطنة فهي ~~العطبة والكرسفة، وكرسفت الدواة كرسفة، والقطن كله يقال له: العطب والكرسف. # ويقال للمداد: نقس ونقس، والكسر أفصح، وقيل: الفتح مصدر نقستها، جعلت ~~فيها نقسا، والحبر من المداد بالكسر لا غير، والحبر بالفتح والكسر: العالم. ~~وقال بعضهم: سمي المداد حبرا باسم العالم، كأنهم أرادوا مداد حبر، فحذفوا، ~~ولو كان ما قالوه صحيحا لقالوا للمداد: حبر بالفتح، والأشبه أن يسمى حبرا ~~لأنه يحسن الكتابة، من قولهم: حبرت الشيء إذا حسنته. ويقال للجمال: حبر ~~وسبر، فمداد حبر، كقولك مداد زينة وجمال، أو يكون من الحبر والحبار، وهو ~~الأثر، فيسمى بذلك لتأثيره في الكتاب. # ويقال: مددت الدواة أمدها مددا، إذا جعلت فيها مدادا، فإن كان فيها مداد ~~فزدت عليه قلت: أمددتها، فإذا أمرته أن يأخذ من المداد بالقلم قلت: استمدد، ~~فإن سألته أن يعطيك على القلم مدادا، قلت: أمدد لي من دواتك، واستمددته ~~أنا؛ سألته أن يمدني. وقال الخليل: مدني وأمدني: أعطني من مداد دواتك، وكل ~~شيء زاد في شيء فهو مداد له، وأمهت الدواة وموهتها؛ إذا جعلت فيها ماء، ~~والأمر من ذلك كله أمه وموه دواتك. PageV01P168 # واشتقاق الدواة من الدواء، لأن بها إصلاح أمر الكتاب، وبعض الشعراء ~~اشتقها من دوي الرجل يدوي دويا، إذا صار في جوفه الداء، قال: [البسيط] # أما الدواة فأدوى حملها جسدي ... وحرف الخط تحريف من القلم (¬1) # ووزنها «فعلة» تحركت الياء وقبلها فتحة، فقلبت ألفا، وتجمع دويات؛ كقناة ~~وقنوات، ودوى كقناة وقنا. ويقال: أدويت فأنا مدو: اتخذت دواة، ويقال للذي ~~يبيعها: # دواء كخياط وإذا أمرت من يتخذها قلت: أدو دواء، ويقال لمن يحملها ~~ويمسكها: # دواء، ويقال لها: الدواة والرقيم والنون. # ويقال: هو القلم المزبر بالزاي والمزبر من زبرت وذبرت، أي كتبت، ومن فرق ms0151 ~~بينهما قال: زبرت بالزاي، أي كتبت، وذبرت، أي قرأت. وسمي قلما لأنه قلم، أي ~~قطع وسوى، كما يقلم الظفر، وكل عود قطع وحز رأسه وأعلم بعلامة فهو قلم، قال ~~الله تعالى: إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم [آل عمران: 44]، وكانت سهاما ~~فيها أسماؤهم مكتوبة. ويقال للذي يقلم به: مقلم، وللذي يبرى به: مبرى، ولما ~~سقط عن البرى والتقليم: القلامة والبراية. وقيل لأعرابي: ما القلم؟ ففكر ~~ساعة، وجعل يقلب أصابعه، ثم قال: لا أدري؛ فقيل له: توهمه في نفسك، قال: هو ~~عود قلم من جوانبه كتقليم الأظفار. ويقال لعقدة: الكعوب، واحدها كعب، ولما ~~بينها الأنابيب، واحدها أنبوب، ويستعملان في الرمح، وفي كل عود فيه عقد، ~~والعقدة التي تشينه تسمى الأبنة وجمعها أبن، فإن كان في العود أو القصبة ~~تأكل، قيل فيه: قادح ونقد، ويقال لباطنه: # الشحمة، ولظاهره الليط، فإن قشرت منه قشرة قلت: ليطت من القلم ليطة، فإن ~~أخذت شحمته بالسكين قيل: شحمته أشحمه، فإن أفرطت في أخذها، قلت: بطنته ~~تبطينا فهو مبطن، وحفرته فهو محفور، فإن تركت شحمته، قلت: أشحمته إشحاما. ~~ويقال لغشائه الذي عليه: الغلاف واللحاء والقشر، فإذا نزعتها عنه قيل: ~~قشرته ولحوته وقشوته وسحوته، ويقال في ثلاثتها بالياء، ووسقته ونقحته، ~~مشددان. ويقال لطرفيه اللذين يكتب بهما: السنان والشعيرتان، واحدهما سن ~~وشعيرة، فإذا قطع طرفه وهيئ للكتابة قيل: # قططته أقطه قطا، وقصمته أقصمه قصما، والمقط بالكسر: ما يقط عليه، وبالفتح ~~الموضع الذي يقط من رأسه، فإن جعلت إحدى سنيه أطول من الأخرى قلت: قلم ~~محرف، وقد حرفته تحريفا، فإن سويتهما قلت: قلم مبسوط، فإن سمع له صوت عند ~~الكتابة، فذلك الصريف والصرير والرشيق ويقال للقصب: اليراع والأباء، الواحد ~~يراعة وأباءة، وقيل: # الأباء أطراف القلم، أي القصب، ويقال للقطن الذي يوجد في بطنها: البيلم ~~والقيصف والقيسع، واحدته بيلمة وقيصفة وقيسعة، فإن كان في القصب تأكل قيل ~~فيه: قادح ونقد، PageV01P169 # وكذلك العود والسن والقرن، فإن كان فيها عوج فذلك الدرء. # قوله: «خذ أداتك»، أي قلمك. وقال ابن طاهر لكاتب له: ألق ms0152 دواتك، وأطل سن ~~قلمك، وفرق بين السطور، وتوسط بين الحروف. # وقال ابن عبد ربه: ينبغي للكاتب أن يصلح آلته التي لا بد له منها، وأداته ~~التي لا تتم صناعته إلا بها، وهي دواته، فلينعم ربها إصلاحها، ثم ليختر من ~~أنابيب القصب أقلها عقدا، وأكثفها لحما، وأصلبها قشرا، وأعدلها استواء، ~~ويجعل لقرطاسه سكينا حادا ليكون عونا له على برى أقلامه، ويبريها من ناحية ~~نبات القصب. # واعلم أن محل القلم من الكاتب محل الرمح من الفارس، نظم أحد الشعراء فقال: # [الرمل] # يمسك الفارس رمحا بيد ... وأنا أمسك فيها قصبه # فكلانا فارس في شأنه ... إنما الأقلام رمح الكتبة # وقال أبو الفتح البستي: [البسيط] # إن هز أقلامه يوما ليعملها ... أنساك كل كمي هز عامله # وإن أقر على رق أنامله ... أقر بالرق كتاب الأنام له # رأى جعفر بن يحيى خطا فاستحسنه، فقال: الخط خيط الحكمة، ينظم فيه ~~منثورها، وتفصل فيه شذورها. # ومن كتاب جعفر بن يحيى إلى محمد بن الليث: أما بعد، فليكن قلمك محرفا. لا ~~متينا ولا رقيقا، ضيق القلب، فأبره بريا مستويا كمنقار الحمامة، وأعطف ~~بطنه، ورقق شفرتيه، وليكن قرطاسك رقيقا مستوى النسج، مخرج السحاءة (¬1)، ~~مستويا من أحد الطرفين إلى آخره، فليست تستقيم السطور إلا فيما كان كذلك، ~~وليكن أكثر مطك في أطراف القرطاس الذي فيه يسارك، وأقله في الوسط، ولا تمط ~~في الطرف الآخر، والمط نصف الخط، ولا يقوى عليه إلا العاقل. # قال العتابي: سألني الأصمعي في دار الرشيد أي الأنابيب للكتابة أصلح، ~~وعليها أصبر؟ فقلت له: ما نشف بالهجير ماؤه، وستره من تلويحه غشاؤه، من ~~الدرية الظهور، النيرة القشور، الفضية الكسور؛ قال: فأي نوع من البري أصوب ~~وأكتب؟ فقلت له: # البرية المستوية القطة، التي عن يمين سنها قرنة (¬2)، تأمن معها المجة ~~عند المدة والمطة، للهواء في شقها صفيق، وللريح في جوفها خريق، والمداد في ~~خرطومها رقيق. قال العتابي: فبقي الأصمعي شاخصا إلي لا يحير جوابا. PageV01P170 # وقال الحسن بن وهب: يحتاج الكاتب إلى خلال: جودة بري القلم، وإطالة ~~جلفته، وتحريف قطته، وحسن ms0153 التأتي لامتطاء الأنامل، وإرسال المدة بعد إشباع ~~الحروف، واستواء الرسوم، وحلاوة المقاطع. # وقال بعض الكتاب: عطروا دفاتركم بجيد الحبر، فإن الكتب غوان والحبر غوال. # وقال بعض الكتاب أيضا: [الوافر] # وما روض الربيع وقد زهاه ... ندى الأسحار يأرج بالغداة # بأضوع أو بأسطع من نسيم ... تؤديه الأفاوه من دواة # كأن هذا من قول الآخر: [الوافر] # دعي في الكتابة ليس منها ... له فكر يعد ولا بديه # كأن دواته من ريق فيه ... تلاق، فريحها أبدا كريه # ونظر جعفر بن محمد إلى فتى على ثيابه أثر مداد، وهو يستره، فقال له: ~~[الكامل] # لا تجزعن من المداد فإنه ... عطر الرجال وحلية الكتاب # ولبعضهم يهجو كاتبا: [الوافر] # حمار في الكتابة يدعيها ... كدعوى آل حرب في زياد # فدع عنك الكتابة لست منها ... ولو لطخت نفسك بالمداد # وقال كشاجم لوراق يدعي الكتابة: [الكامل] # وزعمت أنك في الكتابة مدرك ... شأوي، فقلت: رماحنا أقلام (¬1) # هيهات تلك صناعة ممزوجة ... فيها ضياء واضح وظلام # هذا الحديد سلاح أبطال الوغى ... وبه يمج دماءنا الحجام # وقال أبو العيناء: كنت عند إبراهيم بن العباس، وهو يكتب كتابا، فنقطت من ~~القلم نقطة مفسدة، فمسحها بكمه؛ فتعجبت، فقال: لا تعجب، المال فرع والقلم ~~أصل، والأصل أحوج إلى المراعاة من الفرع، وبهذا السواد جاءت هذه الثياب، ثم ~~أطرق قليلا وقال: [الوافر] # إذا ما الفكر ولد حسن لفظ ... وأسلمه الوجود إلى العيان # ووشاه فنمنمه جواد ... فصيح في المقال بلا لسان # ترى حلل البيان منشرات ... تجلى بينها صور المعاني PageV01P171 # وكتب سليمان بن وهب بقلم صلب، فاعتمد عليه اعتمادا شديدا، فصر القلم في ~~يده، فأنشد: [الطويل] # إذا ما التقينا وانتضينا صوارما ... يكاد يصم السامعين صريرها # تساقط في القرطاس منها بدائع ... كمثل اللآلي نظمها ونثيرها # تقود أبيات البيان بفطنة ... تكشف عن وجه البلاغة نورها # تظل المنايا والعطايا شوارعا ... تدور بما شئنا وتمضي أمورها # إذا ما خطوب الدهر أرخت ستورها ... تجلت بنا عما يسر ستورها # وأتى رجل وكيعا، فقال: رجل يمت إليك بحرمة! فقال له: وما حرمتك؟ قال له: # كنت تكتب بمحبرتي عند الأعمش. ms0154 فوثب وكيع إلى منزله، ثم أخرج منه دنانير ~~لنفقته، وقال له: اعذرني فما أملك غيرها، ودفعها إليه. # وقال أبو الحسن بن لبال في محبرة آبنوس: [الكامل] # وخديمة للعلم في أحشائها ... كلف بجمع حلاله وحرامه # لبست رداء الليل ثم توشحت ... بنجومه وتتوجت بهلاله # وحدثني عن شيخي الفقيه أبي عبد الله بن زرقون ابنه الفقيه أبو الحسين، قال: # حدثني أبي أنه كان بسبتة أيام الشبيبة والطلب، في مجلس جمع من طلبة ~~الأدب، فتعرض لهم رجل بمحبرة صنعها، وأراد أن يقصد بها الوالي على حسنها، ~~وكانت محبرة آبنوس بحلية صفراء مذهبة، فأطرقوا يروون، فبادرهم أبو الطالب ~~بن أبي ركب فقال: [الكامل] # جاءتك من غرر العلا زنجية ... في حلة من حلية تتبختر # سوداء صفراء الحلي كأنها ... ليل تطرزه نجوم تزهر # فاستحسنهما من حضر، ورأوا أنه قد أربى على الغاية فيما عنه صدر، فكتبا ~~للرجل في رقعة، فبعد ما سار بها قليلا، رجع فأبرز منها قلم صفر مذهبا، ورغب ~~أن يضمن ذكره في منظوم يضاف إلى البيتين، فأطرقوا يروون في ذلك، فبادرهم ~~أبو طالب المذكور فقال: [الكامل] # كملت بأصغر من نجار حليها ... تخفيه أحيانا، وحينا يظهر # خرسان إلا حين يرضع ثديها ... فتراه ينطق ما يشاء ويذكر # وقال آخر يصف دواة وأقلاما: [الخفيف] # قد بعثنا إليك أم العطايا ... والمنايا زنجية الأحساب # في حشاها من غير حرب حراب ... وهي أمضى من نافذات الحراب PageV01P172 # وأحسن ما قيل في القلم قول حبيب يصف قلم محمد بن عبد الملك الزيات: # [الطويل] # لك القلم الأعلى الذي بسنانه ... تصاب من المرء الكلى والمفاصل (¬1) # له الجلوات اللاء لولا نجيها ... لما احتفلت للملك تلك المحافل # لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأرى الجنى اشتارته أيد عواسل # له ديمة طل، ولكن وقعها ... بآثاره في الشرق والغرب وابل # فصيح إن استنطقته وهو راكب ... وأعجم إن خاطبته وهو راجل # إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت ... عليه شعاب الفكر وهي حوافل # أطاعته أطراف القنا وتقوضت ... لنجواه تقويض الخيام الجحافل # إذا استغزر الذهن الذكي وأقبلت ... أعاليه في القرطاس وهي أسافل # وقد ms0155 رفدته الخنصران وسددت ... ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل # رأيت جليلا شأنه وهو مرهف ... ضنى، وسمينا خطبه وهو ناحل # وقال أبو الفتح البستي: [الطويل] # إذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم ... وعدوه مما يكسب المجد والكرم # كفى قلم الكتاب مجدا ورفعة ... مدى الدهر أن الله أقسم بالقلم # وقال البحتري: [البسيط] # تعنو له وزراء الملك خاضعة ... وعادة السيف أن يستخدم القلما (¬2) # وقال أبو العباس التنوخي: [البسيط] # إن يخدم القلم السيف الذي خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم # فالموت والموت لا شيء يقابله ... ما زال يتبع ما يجري به القلم # بذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أن السيوف لها مذ أرهفت خدم # وناقضه أبو الطيب المتنبي فقال: [البسيط] # حتى رجعت وأقلامي قوائل لي: ... المجد للسيف ليس المجد للقلم (¬3) # أكتب بنا أبدا بعد الكتاب به ... فإنما نحن للأسياف كالخدم # وقال الصولي: فاخر صاحب سيف صاحب قلم، فقال صاحب القلم: أنا أكتب بلا PageV01P173 # غرر، وأنت تقتل على خطر، فقال صاحب السيف: القلم خادم السيف إن تم مداده، ~~وإلا فإلى السيف معاده. # قال الصولي: وقال بعض اليونانيين: الدين والدنيا تحت شيئين: سيف وقلم، ~~والسيف تحت القلم. # وفي ذلك يقول جرير النميري: [الوافر] # أتحقرني ولست لذاك أهلا ... وتدنى الأصغرين من الخوان # جهابذة وكتاب وليسوا ... بفرسان الكتيبة والطعان # ستذكرني وتعرفني إذا ما ... تلاقي الحلقتان من البطان # وقال كشاجم: [الطويل] # هنيئا لأصحاب السيوف بطالة ... تقضي بها أيامهم في التنعم # وكم فيهم من دائم الأمر لم يرع ... بحرب ولم ينهد لقرن مصمم # وكل ذوي الأقلام في كل ساعة ... سيوفهم ليست تجف من الدم # وقال آخر: [البسيط] # قوم إذا أخذوا الأقلام من قصب ... ثم استمدوا بها ماء المنيات # نالوا بها من أعاديهم وإن بعدوا ... ما لا ينال بحد المشرفيات # وقال البحتري يصف كلام الحسن بن وهب وأقلامه: [الكامل] # وإذا تألق في العيون كلامه ال ... محمود خلت لسانه من عضبه (¬1) # وإذا دجت أقلامه ثم انتحت ... برقت مصابيح الدجى في كتبه # فاللفظ يقرب فهمه في بعده ... منا، ويبعد نيله من قربه # حكم، فسائحها خلال بنانه ... متدفق، ms0156 وقليبها في قلبه # فكأنها والسمع معقود لها ... شخص الحبيب بدا لعين محبه # وقال علي بن الجهم في رقعة جاءته بخط جارية: [السريع] # ما رقعة جاءتك مثنية ... كأنها خد على خد # نبذ سواد في بياض كما ... ذر فتيت المسك في الورد # ساهمة الأسطر مصروفة ... عن وجهة الهزل إلى الجد # يا كاتبا أسلمني عتبه ... إليه، حسبي منك ما عندي PageV01P174 # وقال البحتري في ابن الزيات: [الخفيف] # قد تصرفت في الكتابة حتى ... عطل الناس ذكر عبد الحميد (¬1) # في نظام من البلاغة ما ش ... ك أمرؤ أنه نظام فريد # وبديع كأنه الزهر الضا ... حك في رونق الربيع الجديد # ما أعيرت منه بطون القراطي ... س وما حملت ظهور البريد # حزن مستعمل الكلام اختيارا ... وتجنبن ظلمة التعقيد # كالعذارى غدون في الحلل الصف ... ر إذا رحن في الخطوب السود # قال المأمون لمحمد بن داود: إن شاركناك في اللفظ فقد تاركناك في الخط، فقال: # يا أمير المؤمنين، إن من أعظم آيات النبي صلى الله عليه وسلم أنه أدى عن ~~الله تعالى رسالته، وحفظ وحيه، وهو أمي لا يعرف من فنون الخط فنا، ولا يقرأ ~~من حروفها حرفا، وبقي عمود ذلك في أهله، فهم يشرفون بالشرف الكريم في نقص ~~الخط، كما يشرف غيرهم بزيادته، وإن أمير المؤمنين أخص الناس برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، والوارث لموضعه، والمتقلد لنهيه ولأمره، فتعلقت به ~~المشابهة الجليلة، وتناهت إليه الفضيلة. فقال المأمون: يا محمد، لقد تركتني ~~لا آسي على الكتابة ولو كنت أميا. # قد ذكرنا من آلات الكتابة نثرا ونظما ما فيه كفاية وفي السادسة والعشرين ~~من النظم في أوصاف الكتاب ما يستحسن وينتظم بما أوردنا هنا. # وإنما أخرج الحريري رسالته الخيفاء من هذه الأوصاف المنظومة في الرسائل ~~التي قدمناها آنفا لما ذكره من أن جميع الكتاب قطب لإنشائها وتاب، لما فيها ~~من لزوم نقط لفظة وترك أخرى؛ وهي على ما بها من التكلف، رائقة المعاني، ~~أنيقة المباني، ولو غيره تعاطاها لأظلمت معانيها، وتداعت مبانيها، فلله هو! ~~لقد كان منقادا له صعب الكلام ms0157 بأيسر مرام! وما هو في محاولة البلاغة إلا ~~كما قال حبيب في سليمان بن وهب: [الخفيف] # سرح نطقه إذا ما استمرت ... عقدة العي في لسان الخطيب (¬2) # ومصيب شواكل الأمر فيه ... مشكلات ملكن لب اللبيب # لا معنى بكل شيء ولا ك ... ل عجيب في عينه بعجيب # *** # الكرم- ثبت الله جيش سعودك- يزين، واللؤم- غض الدهر جفن حسودك يشين، ~~والأروع يثيب، والمعور يخيب، والحلاحل يضيف، والماحل يخيف، PageV01P175 # والسمح يغذي، والمحك يقذي، والعطاء ينجي، والمطال يشجي، والدعاء يقي، ~~والمدح ينقي، والحر يجزي والإلطاط يخزي، واطراح ذي الحرمة غي، ومحرمة بني ~~الآمال بغي، وما ضن إلا غبين، ولا غبن إلا ضنين، ولا خزن إلا شقي، ولا قبض ~~راحه تقي. وما فتئ وعدك يفي، وآراؤك تشفي، وهلالك يضي، وحلمك يغضي، وآلاؤك ~~تغني، وأعداؤك تثني، وحسامك يفني، وسؤددك يبني، ومواصلك يجتني، ومادحك ~~يقتني، وسماحك يغيث، وسماؤك تغيث، ودرك يفيض، وردك يغيض، ومؤملك شيخ حكاه ~~فيء، ولم يبق له شيء. أمك بظن حرصه يثب، ومدحك بنخب مهورها تجب، ومرامه ~~يخف، وأواصره تشف، وإطراؤه يجتذب، وملامه يجتنب، ووراءه ضفف، مسهم شظف؛ ~~وحصهم جنف، وعمهم قشف، وهو في دمع يجيب، ووله يذيب؛ وهم تضيف، وكمد نيف، ~~لمأمول خيب، وإهمال شيب، وعدو نيب، وهدو تغيب، ولم يزغ وده فيغضب، ولا خبث ~~عوده فيقضب، ولا نفث صدره، فينفض، ولا نشز وصله فيبغض، وما يقتضي كرمك نبذ ~~حرمه؛ فبيض أمله، بتخفيف ألمه، ينث حمدك بين عالمه. بقيت لإماطة شجب، ~~وإعطاء نشب، ومداواة شجن، ومراعاة يفن، موصولا بخفض، وسرور غض، ما غشي معهد ~~غني، أو خشي وهم غبي، والسلام. # *** # قوله: «غض الدهر جفن حسودك»، يقال: غض جفنه، أي سد عينيه، دعاء عليه ~~بالعمى، يقول: الكرم يزين صاحبه. واللؤم- وهو البخل- يشينه ويعيبه، ثم دعا ~~له بدوام السعد وثبوته، وبعمى عين الحسود حتى لا يبصر ما أعطي الممدوح من ~~النعم، فيأخذها بالعين. الأروع: السيد الكريم، وهو الذي قصد، وقيل: الأروع ~~الحديد النفس، وقيل: الذي يروعك بجماله. يثيب: يجازي قاصده. والمعور: ~~البادي العورة، وهو الفارس يظهر في طعنه خلل، وأراد ms0158 به الناقص الخلق الكثير ~~السفاهة، ومن جملة عيوبه البخل حتى يخيب قاصده، لأنه قابل به الأروع، وهو ~~التام الجسيم، الجهير الصوت، قال الشاعر: [الطويل] # يواخي لئيم الناس كل ملائم ... وينطق بالعوراء من كان معورا (¬1) PageV01P176 # الحلاحل: السيد الذي يحل به الناس كثيرا. يضيف: ينزل الأضياف ويكرمهم. # والماحل: البخيل، شبه بالبلد الماحل، وهو الجدب، فكأن الماحل الذي لا ~~يوجد عنده خير، يقال: أمحل البلد، وبلد ماحل وذو محل، مثل لابن وتامر، ~~والماحل النمام، يقال: محل به إلى السلطان إذا وشى به، وهو الذي يخيف على ~~الحقيقة، والماحل أيضا: المخاصم، وقد ما حلته وما حلني. يغذي: يطعم. ~~والمحك: اللجوج، وهو مقابل السمح الخلق. يقذي: يجعل في العين قذى، أي يضر ~~قاصده ويؤلمه. ينجي: # يخلص صاحبه من الذم، وتقدم المطال. ينقي: يغسل العيب. والإلطاط: الامتناع ~~من فعل الخير، ويقال: لط وألط، إذا ذهب، ولط الشيء وألطه، إذا ستره. يخزي: يهين. # اطراح: ترك. ذي الحرمة، أي صاحبها، والحرمة ما لا يحل انتهاكه، ومن قصدك ~~فقد دخل في حرمك، فتركه ليس من المروءة. غي: فساد وضلال. محرمة: منع. بنى ~~الآمال: أهل الرجل الذين يرجون خيره ويأملونه. بغى: ظلم. ضن: بخل. غبين: # مخدوع في رأيه. ضنين: بخيل، يقول: ما يضن بماله من هو سديد النظر ولا ~~المصيب الرأي إنما يبخل به من هو فاسد النظر مغبون في رأيه. خزن: حبس ماله: ~~قبض راحه: # ضم كفه على ما فيها، وهذه كناية عن المنع والبخل. والتقي: الذي يقي نفسه ~~من العذاب بعمله الصالح، من وقيت نفسي أقيها، واختلف في وزنه فقيل «فعول» ~~وأصلها «وقوى»، فأبدلوا من الواو تاء لقرب مخرجيهما، ومن الواو الثانية ياء ~~وأدغموها في الياء، وكسروا القاف لتصحح الياء، والاختيار أن يكون وزنه ~~«فعيلا» وأصله «تقي»، فأدغموا الياء في الياء، والدليل على صحته جمعهم له ~~على أتقياء، كولي وأولياء، ومن قال: إنه «فعول» قال: لما أشبه «فعيلا» جمع جمعه. # قوله: «ما فتئ»، أي ما زال. يفي: يصدق ويكون وفيا. آراؤك: جمع رأى. # تشفي: تزيل الهم عن قلب ms0159 وليك، وتبرئ مرض قاصدك من فقره، يصفه بجودة الرأي ~~وحسن النظر فيما يصلح به أحوال أصحابه وقصاده. هلالك يضيء: يصفه بطلاقة ~~الوجه وإضاءته عند السؤال، قال زهير: [الطويل] # تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله (¬1) # وكما قال أبو بكر في الطلاقة: [الكامل] # وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل (¬2) PageV01P177 # خلافا لسيئ الخلق الذي يقطب وجهه عند اللقاء، واللئيم الذي إذا سئل انزوى وتقبض. # يغضي: يسمح. آلاؤك: نعمك. أعداؤك تثني: يقول لكثرة المادحين لك والناشرين ~~لفضلك، لم يمكن أعداؤك وحسادك ذمك لتكذيب الناس إياهم، فصاروا يثنون عليك ~~مع من يثني؛ ويحكى أن أعرابيا استضاف حاتما، فلم ينزله، فبات جائعا مقرورا، ~~فلما كان في السحر ركب راحلته، وانصرف، فتقدمه حاتم، فلما خرج من بين ~~البيوت لقيه متنكرا، فقال له: من كان أبا مثواك البارحة؟ قال: حاتم، قال: ~~فكيف كان مبيتك عنده؟ قال: خير مبيت، نحر لي ناقة فأطعمني لحما عبيطا، ~~وأسقاني الخمر، وعلف راحلتي، وسرت من عنده بخير حال. فقال له: أنا حاتم، ~~والله لا تبرح حتى ترى ما وصفت، فرده وقال له: ما حملك على الكذب؟ فقال له ~~الأعرابي: إن الناس كلهم يثنون عليك بالجود، ولو ذكرت شرا كنت أكذب، فرجعت ~~مضطرا إلى قولهم، إبقاء على نفسي لا عليك. وقد تقدم قول البحتري في هذا ~~المعنى: [الطويل] # أأشكو نداه بعد ما وسع الورى ... ومن ذا يذم الغيث إلا مذمم (¬1)! # وقال حبيب: [الطويل] # فإن أنا لم يحمدك عني صاغرا ... عدوك فاعلم أنني غير حامد (¬2) # بسباقة تنساق من غير سائق ... وتنقاد في الآفاق من غير قائد # أفادت صديقا من عدو وصيرت ... أقارب دنيا من رجال أباعد # ومحلفة لما ترد أذن سامع ... فتصدر إلا عن يمين وشاهد # وهذه القصيدة من كلامه يمدح بها محمد بن الهيثم، يقول: يسمع عدوك إطنابي ~~في مدحك فيمدحك صاغرا، فكيف وليك! فأمدك بقصيدة تقطع الأرض، ليست بإبل ~~تساق، ولا بخيل تقاد، فترد العدو صديقا، والبعيد قريبا، ولا يسمعها أحد إلا ~~ويحلف أنه لم يسمع ms0160 مثلها، فيشهد له بالصدق. # قوله: «وسوددك يبني»، أي يرفع لك مجدا وشرفا. حسامك يفنى، أي سيفك يقطع ~~ويفني أعداءك. مواصلك يجتنى، أي من زارك وواصلك اجتنى نعمتك ومواهبك. # يقتنى، أي يكتسب. سماؤك تغيث، أي تأتي بالغيث وهو المطر فيستغيث الناس به ~~من الجدب. سماحك يغيث، أي جودك وحسن خلقك يفرج كرب المهموم، وتقول: غوث ~~الرجل، أي قال: وا غوثاه، وأغثته أغيثه، إذا فرجت عنه ما يشتكي منه. درك يفيض: # عطاؤك يشمل، أي لبنك يملأ الإناء ويفيض عليه، يريد أن عطاءه يكثر لسائله. ~~وردك PageV01P178 # يغيض، أي منعك يذهب الرزق، وغاض الماء: غار في الأرض، مؤملك: راجيك. # والفيء: الظل بعد الزوال، يريد أن عمره قد أدبر، فشبه نفسه بالفيء ~~الذاهب. أمك بظن، أي قصدك برجاء. وحرصه يثب، أي طمعه يتزايد فيجعله في غاية ~~من القلق. # نخب: مختارة. مهورها: حقوقها، يقول: مدحك بنخب في ملئه، فوجبت حقوقها ~~لحسنها وجودتها. ومما ينظر إلى هذه المعارضة قول الشاعر: [الوافر] # وخذ حمدي بجودك، ذا بهذا ... كلانا اليوم أربح صيرفي # لأصبح من نوالك في رياش ... وتصبح من مقالي في حلي # وقال آخر: [مجزوء الرجز] # وحلة كساها ... كالحلي في التهابه # فاستبطنت مديحا ... كالأري في نصابه # فراح في ثيابي ... ورحت في ثيابه # وقال ابن شهيد في ضيف له: [الطويل] # وما انفك معشوق الثواء نمده ... ببشر وترحيب وبسط لسان # إلى أن تشهى البين من ذات نفسه ... وحن إلى الأهلين حنة حان # فأتبعته ما سد خلة حاله ... وأتبعني ذكرا بكل مكان # وقوله: «مرامه يخف»، أي مطلبه يسهل عليك. # أواصره: جمع آصرة وهي صلة الرحم، والأصر: الموضع الحابس، من قولهم: # أصرت فلانا على الشيء آصره أصرا، إذا حبسته عليه وعطفته، ويقال: ما ~~تأصرني على فلان آصرة، أي ما تحبسني عليه حابسة، ولا تعطفني عليه عاطفة. ~~ذكره ابن الأنباري. # وذكر الحريري في الدرة، أن اشتقاق أواصر القرابة والعهد من المأصر، بكسر ~~الصاد، ومعناه الوضع الحابس للمار عليه، فسميت أواصر، لأنها تعطف على ما ~~يجب رعايته من المودة والرحم. قال: وحكى عبيد الله بن ms0161 عبد الله بن طاهر، ~~قال: اجتمع عندنا أبو نصر أحمد بن حاتم وابن الأعرابي فتحادثا، فحكى أبو ~~نصر أن أبا الأسود دخل على عبيد الله بن زياد، وعليه ثياب رثة، فكساه ثيابا ~~جديدة من غير أن يسأله، أو استكساه، فخرج وهو يقول: [الطويل] # كساك ولم تستكسه فحمدته ... فتى ماجد يعطى الجزيل وياصر # وإن أحق الناس إن كنت مادحا ... بمدحك من أعطاك والعرض وافر # فقال ابن الأعرابي: «وناصر» بالنون، فقال له أبو نصر: دعني يا هذا ويا ~~صري وعليك بناصرك؛ يريد ب «ياصر» يعطف. PageV01P179 # قوله: «تشف»، أي تزيد وتفضل غيرها، يقول: إن الأسباب التي توجب عطفك ~~وحنانك علي كثيرة منها الشيخ والضعف وكثرة العيال وجودة المدح، والعهود ~~السابقة التي بيني وبينك. إطراؤه يجتذب، أي مدحه يتجاذبه الناس ويحرصون على ~~تحصيله لجودته، وأصل الإطراء المدح في الوجه، فهو بمشاهدته كأنه مدح طري، ~~أو ظهرت عليه طراوة. ملامه يجتنب: ذمه يخاف ويبعد منه، فيرشي عليه، يقول: ~~إن الذي رجاك شيخ مسن فقير قصدك بيقين لأنك من أهل الكرم، فطمعه لذلك يزيد ~~لما ارتجى من معروفك، وأهدى إليك من مدائحه عرائس وجبت عليك حقوقها، ومرامه ~~سهل عليك، ولديك علق تقوم مقام القرابة، وتزيد على ذلك، وله مدح يرغب فيه ~~وذم يرهب منه. # ووراءه ضفف، أي خلفه كثرة عيال، من ضف الطعام ضفا إذا كثر القوم عليه، ~~وضف العيش اشتد. والشظف: سوء الحال، حصهم: عراهم ونتف ريشهم. جنف: # ميل الدهر عليهم. قشف: بؤس عيش. يجيب: يساعد. وله: هم وحيرة. يذيب: # يذهب اللحم. تضيف: نزل به ومال إليه. كمد: حزن قارب الموت. نيف: زاد على ~~المعهود. لمأمول، أي لمقصود مرجو. إهمال: تضييع وتسييب. نيب: عض بأسنانه. # وهدو تغيب، أي سكون وأمن زال عنه. يزغ: يمل. نفث صدره، أي تكلم بشر، ~~ونفث: بزق من داء في صدره ومنه المثل: لا بد للمصدور أن ينفث. ينفض، أي ~~يضرب ويبعد. نشز: ارتفع وزال. يقتضي: يتضمن ويلزم. نبذ: طرح. حرمه: جمع حرمة. # بيض أمله، أي أسعد رجاءه، ورده أبيض بعطائك ms0162 الذي يخفف ألمه، ويزيل وجعه. # ينث: ينشر. عالمه: ناسه وأهل زمانه. بقيت: عشت وطال بقاؤك. إماطة شجب: ~~إزالة هلاك وتنحيته. نشب: مال. شجن: حزن، والشجن أيضا الحاجة. مراعاة: حفظ. # يفن: شيخ كبير. موصولا، أي متصلا. بخفض: عيش هنيء. غض: ناعم جديد. # غشي: قصد ودخل. معهد: موضع يعهد به جلوسه. وهم غبي: غلط جاهل. # *** # فلما فرغ من إملاء رسالته، وجلى في هيجاء البلاغة عن بسالته، أرضته ~~الجماعة فعلا وقولا، وأوسعته حفاوة وطولا. ثم سئل من أي الشعوب نجاره، وفي ~~أي الشعاب وجاره، فقال: [مجزوء الكامل] # غسان أسرتي الصميمه ... وسروج تربتي القديمة # فالبيت مثل الشمس إش ... راقا ومنزلة جسيمة # والربع كالفردوس مط ... يبة ومنزهة وقيمة # واها لعيش كان لي ... فيها ولذات عميمة # أيام أسحب مطرفي ... في روضها ماضي العزيمة PageV01P180 # أختال في برد الشبا ... ب وأجتلي النعم الوسيمة # لا أتقي نوب الزما ... ن ولا حوادثه المليمة # فلو أن كربا متلف ... لتلفت من كربي المقيمة # أو يفتدى عيش مضى ... لفدته مهجتي الكريمة # فالموت خير للفتى ... من عيشه عيش البهيمة # تقتاده ترة الصغا ... ر إلى العظيمة والهضيمة # ويرى السباع تنوشها ... أيدي الضباع المستضيمة # والذنب للأيام لو ... لا شؤمها لم تنب شيمة # ولو استقامت كانت ال ... أحوال فيها مستقيمة # *** # قوله: «إملاء رسالته»، أي إلقائها عليه ليكتبها جلى: كشف. الهيجاء: ~~الحرب، وهي من الهيج وهو الحركة والاضطراب. بسالته: شجاعته. أوسعته: كثرت ~~له. حفاوة: # إكرام. والطول: الإنعام. الشعوب: القبائل، وأحدها شعب، بفتح الشين وهو ~~الأب الكبير. ثعلب، الشعب: الأب الأكبر الذي ينتهون إليه والقبيلة دونه. ~~نجاره: أصله. # الشعاب: الطرق في الجبال. وجاره: جحره، أراد بيته، لأنهم سألوه من أي ~~قبيلة هو، وعن مسكنه في أي موضع هو. # وقوله: «غسان أسرتي»: أي هذه القبيلة أصلي وقرابتي. الصميمة: الصريحة ~~الخالصة. تربتي. بلدتي. إشراقا: ضياء ونقاء من العيب. جسيمة: عظيمة. ~~الفردوس: # الجنة، سميت بذلك لعرائشها، والفردوس: المعرش من الكرم. مطيبة، أي سروج ~~مثل الجنة في طيب الهواء، وفي نزهتها وحسنها، وفي قدرها، وأراد بالبيت ~~غسان، وبالربع سروج، أو يريد بيته في ms0163 غسان في الشرف كالشمس، ومنزله في سروج ~~كالجنة في طيبها ونزهتها، وقد قال في أخرى: [الرمل] # من رآها قال مرسى ... جنة الدنيا سروج # ومثل قوله في البيت مثل الشمس، قول أبي الطمحان القيني: [الطويل] # وإني من القوم الذين هم هم ... إذا مات منهم سيد قام صاحبه (¬1) PageV01P181 # نجوم سماء كلما غار كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه # أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه # وقال حسان بن ثابت: [الكامل] # بيض الوجوه مضيئة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول (¬1) # وزاد عليه في الإضاءة والإشراق حجية بن المضرب فقال: [الطويل] # أضاءت لهم أحسابهم فتضاءلت ... لنورهم الشمس المنيرة والبدر # وزاد عليه أبو الطيب وعلى الناس في علو الهمة وتبعيد منازلها من منازل ~~الكواكب، حيث يقول: [البسيط] # وعزمة بعثتها همة زحل ... من تحتها بمكان الترب من زحل # وزحل أرفع من الشمس ومن سائر الكواكب منزلة، وهذا من غلو المتنبي الذي ~~يخرج به عن الناس حتى يعاب، لأنه لو جعلها مع زحل في منزلة واحدة، كما جعل ~~الحريري منزلته مع الشمس لكان قد بلغ النهاية، وزاد على غيره، فلم يكتف ~~بذلك حتى جعلها تعلو على زحل، كما يعلو زحل على الأرض. ومن هذا الإفراط في ~~شعره كثير، وأكثر النقاد يعيبون عليه؛ وبعد هذا فمعجزاته في الشعر زاد بها ~~على المتقدمين والمتأخرين عند الأكثر فلا يجاري في كثير منها. # واها: تعجبا، كأنه قال: ما أعجب ما كان عيشي بها! عميمة: كثيرة. أسحب ~~مطرفي: أجر ثوبي المعلم في طرفه إعجابا بنفسي. أختال: أمشي الخيلاء متكبرا. ~~برد الشباب: ثوب الفتوة. أجتلي: أنظر. الوسيمة: الحسان. والنوب والحوادث: ~~النوازل والمصائب، كلها بمعنى واحد، وهي ما ينوب الإنسان: أو يحدث عليه أو ~~ينزل به، أو يصيبه من البلاء بعد العافية. المليمة: التي تأتي بما يلام ~~عليه. كربي المقيمة: همومي الثابتة. مهجتي: نفسي، وأصلها دم القلب. تقتاده: ~~تسوقه. برة: حلقة من صفر تجعل في وترة أنف البعير، يذلل بها. الصغار: ~~الذلة. العظيمة: داهية يستعظم أمرها. # والهضيمة: المحقرة لشأنه عند الناس، ms0164 فيريد بالبهيمة البعير الذي يقاد ~~ويذلل بالبرة، وبالعظيمة سؤاله الناس، وبالهضيمة احتقارهم له إذا سألهم ~~فيردونه خائبا. والسباع هنا: # الأسود. تنوشها: تتناولها وتخدشها. PageV01P182 ### || AUTO [مما قيل في الضباع] # والضباع: جمع ضبع؛ وهو نوع من سباع الأرض، وهي مضادة في الخلقة لسبع ~~الأندلس، لأنها عظيمة الكفل والفخذين رقيقة الصدر، وهذا السبع أزل عظيم ~~الصدر، والضبع عظيم البطن، ولذلك سمى حضاجر بالجمع، والحضجر: عظيم البطن. # والحضجر: الوطب الكبير من اللبن، ويشبه به العظيم البطن، وهي عرجاء مثل ~~هذا السبع، ويضرب بحمقها المثل فيقال: أحمق من ضبع، وأحمق من أم عامر وهي ~~كنيتها. # ومن حمقها أن الصائد يدخل وجارها فيقول لها: خامري أم عامر، ومعناه الجئي ~~إلى أقصى مغارك واستتري، فتتقبص، فيقول: أم عامر ليست في وجارها، ثم يقول: ~~أبشري أم عامر بكمر الرجال، أبشري أم عامر بشاة هزلي، وجرادة عظلى، فتمد ~~يديها ورجليها، فيوثقها ويشد عراقيبها بحبال فلا تتحرك، ولو شاءت أن تقتله ~~لأمكنها، ولا يدخل عليها إلا عريانا، وإن دخل بثوب قتلته، ثم يخرج لأصحابه ~~بالحبال، وهم على فم الوجار بأسلحتهم، فيخرجونها بالجر من قعر الوجار ~~ويقتلونها. # ومن حمقها أنها تترك جراءها إذا خرجت تلتمس ما تأكل، فتجد جراء أخرى قد ~~خرجت أيضا لذلك، وتركت جراءها فترضع أولاد غيرها، وتترك أولادها، فربما ~~ضاعت جراؤها فأكلها الذئب. وقال الشاعر: [الطويل] # كمرضعة أولاد أخرى وضيعت ... بني بطنها، هذا الضلال عن القصد # قال أبو زيد: والضباع لا تفترس شيئا إنما تأكل الجيف، وتنبش القبور عن ~~الموتى، وربما اجتمعت الجماعة منها على حمار فأكلته، وليس لها بالنهار كبير ~~عمل، قال الهذلي: [الوافر] # تبيت الليل لا يخفى عليها ... حمار حيث جر ولا قتيل (¬1) # قوله: «المستضيمة» أي المذللة. والضيم: الذل؛ يضرب المثل لتلاعب الزمان ~~بالناس بالأسود والضباع، فقال: إن الضباع المحتقرة عند الأسود تتناول ~~الأسود بالضرر، وكذلك الزمان يرفع الحقير والهجين ويكثر رزقه، ويضع الرفيع ~~ويقتر عليه، ويملك الهجناء والأراذل الخطط الجسام، ويجرع النبلاء والأعيان ~~غصص المخازي وكئوس الحمام. # *** ### || AUTO [الدهر وأحواله] # وهذه أحوال مشاهدة تنسب إلى ms0165 الدهر لوقوعها فيه، وقدرها الباري عز وجل ~~اختبارا لعباده، وليبصر العقلاء جريان أحكامه في خلقه، وأن الكل تحت قهره، ~~وأن كل إنسان من PageV01P183 # أهل الحزم والرأي عاجز عن إدراك ما لم يقدر له؛ وقال محمد بن الفضل: ~~[الرمل] # هانت الدنيا على الل ... ه فأعطاها اللئاما # فهم فيها يعيشو ... ن ويلحون الكراما # وقال المعري في معنى بيت الحريري: [الوافر] # ومن صحب الليالي علمته ... خداع الإلف والقيل المحالا (¬1) # وغيرت الخطوب عليه حتى ... تريه الذر يحملن الجبالا # وقال يزيد المهلبي يرثي المتوكل: [البسيط] # علتك أسياف من لا دونه أحد ... وليس فوقك إلا الواحد الصمد # وأصبح الناس فوضى يعجبون به ... ليثا صريعا تندى حوله النقد # وأخذ لفظ بيته من قول حبيب: [البسيط] # من لم يعاين أبا نصر وقاتله ... فما رأى ضبعا في شدقه سبع (¬2) # فيم الشماتة إعلانا بأسد وغى ... أفناهم الصبر إذ أبقاكم الجزع! # هكذا ينظم حر الكلام، ويعتذر لموت الكرام، وتنفى عنهم شماتة اللئام. وقد ~~أحسن الاعتذار أيضا لأبي نصر بأغرب من هذا، وجعله قاتل نفسه، إذ لا نظير له ~~في شجاعته فيقتله، وإنما قتله أمر الله الذي لا يغالب، كما قال أبو الطيب: ~~[الطويل] # ألا إنما كانت وفاة محمد ... دليلا على أن ليس لله غالب (¬3) # وكذلك قوله: [الطويل] # فإن ترم عن عمر توانى به المدى ... فخانك حتى لم يجد فيك منزعا # فما كنت إلا السيف لاقى ضريبة ... فقطعها حتى انثنى فتقطعا # أي لم يقتل حتى قلت أعداءه، وأبو نصر هو محمد بن حميد قتله بابك الخرمي ~~ومما قال فيه حبيب- وهو أشجع بيت قيل- قوله: [الطويل] # ونفس تعاف العار حتى كأنما ... هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفر (¬4) # فأثبت في مستنقع الموت رحله ... وقال لها: من تحت أخمصك الحشر # قوله: «الذنب للأيام»، نسب الذنب إليها لوقوع المكروه فيها كما تقدم. ~~تنب: PageV01P184 # ترتفع، شيمة: طبيعة، أي لولا شؤم الأيام لم تتغير الطباع، أي لو استقامت ~~هي لاستقامت أحوال الناس فيها، فكان كل إنسان يدرك منها على قدر منزلته. # *** ### || AUTO [مما قيل في ذم الزمان] # ومما ms0166 قيل في ذم الزمان مما يوافق هذا المعنى، أن عبد الملك بن مروان سأل ~~مسلمة بن يزيد- وكان من المعمرين- فقال: أي الملوك رأيت أكمل؟ وأي الزمان ~~رأيت أفضل؟ فقال: أما الملوك فلم أر إلا حامدا أو ذاما، وأما الزمان فيرفع ~~أقواما ويضع أقواما، وكلهم يذم زمانه. لأنه يبلي جديدهم، ويفرق عديدهم، ~~ويهرم صغيرهم، ويهلك كبيرهم. # أبو جعفر الشيباني قال: أتانا أبو مياس الشاعر، ونحن في جماعة، فقال: ما ~~أنتم فيه؟ قلنا: نذكر الزمان وفساده، قال: كلا إن الزمان وعاء، وما ألقي ~~فيه من خير أو شر كان على حاله، ثم أنشأ يقول: [الوافر] # أرى حللا تصان على رجال ... وأخلاقا تذال ولا تصان # يقولون الزمان به فساد ... وهم فسدوا وما فسد الزمان # وقال آخر: [المتقارب] # أيا دهر إن كنت عاديتنا ... فها قد صنعت بنا ما كفاكا # جعلت الشرار علينا خيارا ... وأوليتنا بعد وجه قفاكا # وقال أبو العتاهية: [الطويل] # كفاك عن الدنيا الذميمة مخبرا ... غنى باخليها وافتقار كرامها # وأن رجال النفع تحت مداسها ... وأن رجال الضر فوق سنامها # وقال ابن لنكك: [مجزوء الرمل] # يا زمانا ألبس الأح ... رار ذلا ومهانه # لست عندي بزمان ... إنما أنت زمانه # وقال ابن الرومي: [الكامل] # دهر علا قدر الوضيع به ... وغدا الشريف يحطه شرفه # كالبحر يرسب فيه لؤلؤه ... سفلا ويطفو فوقه جيفه # وكرره فقال: [البسيط] # قالت علا الناس إلا أنت قلت لها: ... كذاك يسفل في الميزان ما رجحا PageV01P185 # وقال آخر: [الخفيف] # رب يوم بكيت فيه فلما ... صرت في غيره بكيت عليه # وقال آخر: [البسيط] # لم أبك من زمن نكد أساء به ... إلا بكيت لعيه حين أفقده # ولا جزعت على ميت فجعت به ... إلا ظللت بسكنى القبر أحسده # ولا ذممت زمانا في تقلبه ... إلا وفي زمني قد صرت أحمده # وقال ابن أبي عيزارة: [الطويل] # عتبت على سلم فلما فقدته ... وجربت أقواما بكيت على سلم # رجعت إليه بعد تفويت غيره ... فكان كبرء بعد طول من السقم # وأنشد المبرد: [الطويل] # حياة أبي العباس زيدت بقربه ... أخا ثقة قاس الأمور وجربا # ونعتب ms0167 أحيانا عليه ولو قضى ... لكنا على الباقي من الناس أعتبا # قال عروة بن الزبير: الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم. أخذه أبو الطيب فقال: # [الوافر] # وشبه الشيء منجذب إليه ... وأشبهنا بدنيانا الطغام # ولو لم يعل إلا ذو محل ... تعالى الجيش وانحط القتام # ودهر ناسه ناس صغار ... وإن كانت لهم جثث عظام # وما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرغام # الطغام: السفلة. # *** # ثم إن خبره نما إلى الوالي، فملأ فاه باللالئ، وسامه أن ينضوي إلى ~~أحشائه، ويلي ديوان إنشائه، فأحسبه الحباء، وظلفه عن الولاية الإباء. # قال الراوي: وكنت عرفت عود شجرته، قبل إيناع ثمرته، وكدت أنبه على علو ~~قدره، قبل استنارة بدره، فأوحى إلي بإيماض جفنه، ألا أجرد عضبه من جفنه، ~~فلما خرج بطين الخرج، وفصل فائزا بالفلج، شيعته قاضيا حق الرعاية، ولا حيا ~~له على رفض الولاية، فأعرض متبسما، وأنشد مترنما: [المتقارب] # لجوب البلاد مع المتربة ... أحب إلي من المرتبة PageV01P186 # لأن الولاة لهم نبوة ... ومعتبة يا لها معتبه! # وما فيهم من يرب الصنيع ... ولا من يشيد ما رتبه # فلا يخدعنك لموع السراب ... ولا تأت أمرا إذا ما اشتبه # فكم حالم سره حلمه ... وأدركه الروع لما انتبه # *** # قوله: «نما»، أي ارتفع ووصل. اللآلئ: الدرر. سامه: كلفه، ينضوي: ينضم. # وأحشائه: خاصته. يلي ديوان إنشائه: يتولى دار كتابته، أي يكون هو الذي ~~ينشئ الكتب، وينسخها الكتاب وتنفذ إلى البلاد. أحسبه: كفاه. الحباء: ~~العطاء. ظلفه: منعه. # الإباء: الامتناع، وقد أبيت من كذا، أي امتنعت منه؛ ويكنى به عن نزاهة ~~النفس. عود شجرته، يريد أنه كان عرفه قبل أن يتكلم، وأن يعرف نفسه. وإيناع ~~الثمرة: إدراكها ونضج ثمرتها. إيماض جفنه: إشارة عينه. عضبه: سيفه. جفنه: ~~غمده، أي أشار علي أن أستره. بطين: مملوء. الخرج: وعاء معلوم، وهذا كقول ~~الشاعر: [الطويل] # يبيتون بالدهنا خفافا عيابهم ... ويخرجن من دارين بجر الحقائب (¬1) # وقد أخذ هذا اللفظ في مقامة أخرى فقال: حتى آل ذا عيبة خضراء وحقيبة ~~بجراء، أي مملوءة. وإلى هذا المعنى أشار، نصيب في قوله: [الطويل] # أقول ms0168 لركب قافلين رأيتهم ... قفا ذات أو شال ومولاك قارب (¬2) # قفوا خبروني عن سليمان إنني ... لمعروفه من أهل ودان طالب # فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب # ثناؤها عليه، أن بدت للناس مملوءة من معروفه، فأتى أبو العتاهية فزاد ~~المعنى بيانا بقوله: [الكامل] PageV01P187 # إن المطايا تشتكيك لأنها ... قطعت إليك سباسبا ورمالا (¬1) # فإذا أتين بنا أتين مخفة ... وإذا رجعن بنا رجعن ثقالا # قوله: «فصل»، أي زال وتنحي. الفلج: الظفر بما أراد. الرعاية: حفظ الصحبة. # لاحيا: لائما. رفض: ترك. مترنما: مطربا، أي لما خرج ممتلئ الوعاء، ظافرا ~~بما أراد، لمته على ترك خدمة الأمير التي كلفه، فأنشد معتذرا. المتربة، أي ~~الفقر. المرتبة: # المنزلة الرفيعة. وهذا البيت ينظر إلى حكاية الأصمعي وقد رئي راكبا حمارا ~~فقيل له: # أبعد براذين الخلفاء تركب هذا؟ فقال متمثلا: [الطويل] # ولما أبت إلا طرافا بودها ... وتكديرها الشرب الذي كان صافيا # شربنا برنق من هواها مكدر ... وليس يعاف الرنق من كان صاديا # يقول: هذا وأملك ديني ونفسي، أحب إلي من ذلك مع ذهابهما. # أطرف الشيء وتطرفه: استفاده، وقيل: استجاده. # نبوة: ارتفاع وقلة ثبات. معتبة: سخط. يا لها: تعجب، كأنه قال: يا عجبا ~~لها، ما أشدها. يرب: يصلح ويقوي. الصنيع: الفعل الجميل. يشيد: يرفع ويتم. ~~رتبه: بناه وهيأه. السراب: ما يظهر نصف النهار كأنه ماء، اشتبه: أشكل. ~~الحالم: من يرى في منامه رؤيا، وقد حلم يحلم: والروع: الفزع، يقول: مثل ~~المترفه بالخطة السلطانية كحالم رأى نفسه في النوم أميرا، فانتبه في أيدي ~~أعاديه أسيرا، أو رأى نفسه بين غزلان ورياحين فانتبه لزئير أسود ولصفير ~~ثعابين، وكذلك الأمراء إن رفعوا الخديم ببعض إنعامهم كدروه بتعجيل ~~انتقامهم. ومما يجري في هذا النمط قول الشاعر: [الطويل] # إلى الله أشكو كل يوم وليلة ... إذا نمت لم أعدم خواطر أوهام # فإن كان شرا كان لا شك واقعا ... وإن كان خيرا كان أضغاث أحلام # أخذ المعنى هذا الشاعر من قول أشعب الطماع. قال: رأيت رؤيا نصفها حق، ~~ونصفها باطل، قيل: وكيف ذلك؟ قال: كنت ms0169 أراني أحمل بدرة؛ فمن ثقلها كنت أسلح ~~في ثيابي، فانتبهت فإذا السلح ولا بدرة. قال الفنجديهي: ومن أحسن ما سمعت ~~في هذا المعنى أبيات لطيفة المعاني ظريفة المباني، شرفني بإنشادها وإملائها ~~علي السيد الأجل أبو المظفر يوسف بن أيوب صلاح الدين بقاهرة مصر لبعضهم: ~~[البسيط] # وزارني طيف من أهوى على وجل ... من الوشاة وداعي الصبح قد هتفا # فكدت أوقظ من حولي به فرحا ... وكاد يهتك ستر الحب بي شغفا PageV01P188 # ثم انتبهت وآمالي تخيبني ... نيل المني فاستحالت غبطتي أسفا # ومن ملح هذا الباب، أن ابن عبدل دخل على بشر بن مروان لما ولي الكوفة، ~~فقال: أيها الأمير إني رأيت رؤيا، فأذن لي بقصها، فقال: قل، فقال: [الكامل] # أغفيت قبل الصبح نوم مسهد ... في ساعة ما كنت قبل أنامها # فرأيت أنك رعتني بوليدة ... مغنوجة حسن علي قيامها # وببدرة حملت إلي وبغلة ... شهباء ناجية يصل لجامها # فقال له بشر: كل شيء رأيته فهو عندك إلا البغلة، فإنها دهماء، قال: ~~امرأتي طالق ثلاثا إن كنت رأيتها إلا دهماء ولكني غلطت. # قال البطين الشاعر: قدمت على علي بن يحيى الأرميني، فكتبت إليه: [البسيط] # رأيت في النوم أني راكب فرسا ... ولي غلام وفي كفي دنانير # فجئت مستبشرا مستشعرا فرحا ... وعند مثلك لي بالفعل تبشير # فوقع في أسفل كتابي: أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين [سورة ~~يوسف: 44]، ثم أمر لي بكل ما رأيته في منامي. PageV01P189 ### | AUTO المقامة السابعة وهي البرقعيدية # حكى الحارث بن همام، قال: أزمعت الشخوص من برقعيد، وقد شمت برق عيد، ~~فكرهت الرحلة عن تلك المدينة، أو أشهد بها يوم الزينة. فلما أظل بفرضه ~~ونفله، وأجلب بخيله ورجله، اتبعت السنة في لبس الجديد، وبرزت مع من برز ~~للتعبيد وحين التأم جمع المصلى وانتظم، وأخذ الزحام بالكظم، طلع شيخ في ~~شملتين، محجوب المقلتين، وقد انتضد شبه المخلاة، واستقاد العجوز كالسعلاة، ~~فوقف وقفة مهافت، وحيا تحية خافت. ولما فرغ من دعائه، أجال خمسة في وعائه؛ ~~فأبرز منه رقاعا قد كتبن بألوان الأصباغ، في أوان الفراغ، فناولهن ms0170 عجوزه ~~الحيزبون، وأمرها بأن تتوسم الزبون، فمن آنست ندى يديه، ألقت منهن ورقة ~~لديه، فأتاح له القدر المعتوب، رقعة فيها مكتوب ... # *** # ازمعت الشخوص، أي عزمت على الخروج. برقعيد: بلد بينه وبين الموصل عشرون ~~فرسخا، . شمت: نظرت. # ويريد بيرق عيد، مقدمات العيد التي ينظر الناس بها في أسبابه، سأل رجل ~~الجنيد، لماذا سمي يوم العيد؟ فقال: لأن آدم لما خرج من الجنة، وأهبط إلى ~~الأرض، ثم تاب الله عليه، فرده إلى الجنة، كان في ذلك اليوم؛ فقيل له يوم ~~عيد، لأنه أعيد إلى الجنة فيه، قال ابن الأنباري رحمه الله: معنى يوم ~~العيد، الذي يعود فيه الفرح والسرور. والعيد عند العرب: الوقت الذي يعود ~~فيه الفرح أو الحزن، وأصله «العود» لأنه من عاد يعود، فلما سكنت الواو وكسر ~~ما قبلها قلبت ياء، فصارت من باب ميزان وميقات، وهما من الوزن والوقت، ~~وكذلك الياء إذا سكنت، وانضم ما قبلها قلبت واوا مثل موسر وموقن، وهما من ~~أيسر وأيقن، ويقولون في الجمع مياسر. # المدينة: البلد، من أخذها من مدن بالمكان يمدن، إذا أقام فيه، فهي ~~«فعيلة» والجمع مدائن بالهمز، والميم أصلية والياء زائدة، ومن أخذها من دان ~~يدين، فالميم PageV01P190 # زائدة والياء أصلية، وهي «مفعولة». يقال: دنت الرجل ملكته، ودنت له أطعت، ~~ويقال للأمة مدينة لأنها مملوكة، قال الشاعر: [الطويل] # ربت وربا في حجرها ابن مدينة ... يظل على مسحاته يتركل (¬1) # يعني عبدا: يوم الزينة: يوم العيد لتزين الناس فيه. قوله: «أظل»، أي قرب ~~ودنا حتى دخلنا في ظله. بفرضه: يعني زكاة الفطر. ونفله: يعني صلاة العيد. # الفنجديهي: فرض العيد: صدقة الفطر، ونفل العيد مثل الصلاة والغسل ولبس ~~الجديد من الثياب. # ابن عمر رضي الله عنهما: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من ~~رمضان على الناس صاعا من تمر أو شعير، على كل كر أو عبد، ذكر أو أثنى من ~~المسلمين. # ابن عباس رضي الله عنهما: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر ~~من رمضان لجبر الصيام من اللغو والرفث ms0171 طعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة ~~فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعدها فهي صدقة من الصدقات. أجلب بخيله ورجله، ~~أي جمع أصحاب الخيل والرجالة وجاء بهم، ضرب به المثل لإقباله وتصميمه على ~~المجيء. لبس: لباس، وجاء في لبس الجديد حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما على أحدكم أن يكون له ثوبان سوى ثوبي ~~مهنته لجمعته ولعيده». # جابر: كان للنبي صلى الله عليه وسلم حلة يلبسها في العيدين ويوم الجمعة. ~~برزت: خرجت. # التأم: التحم والتصق. المصلى: موضع صلاة العيد. الزحام: الضيق لكثرة الناس. # الكظم: تضييق النفس من شدة الزحام. شملتين: عباءتين، والشملة: نوع من ~~الأكسية، وقيل لها شملة لأن صاحبها يشتمل بها، أي يديرها حواليه، محجوب: مستور. # المقلتين: العينين، أراد أنه أعمى. اعتضد: علقها في عضده. استقاد: جعلها تقوده. # السعلاة: أنثى الغول، وذكرها يسمى الكعنكع، وأنشدوا: [الرجز] # * غولا تراعي شرسا كعنكعا (¬2) * # والغول: جن مسكنها الصحارى تتراءى للإنسان كأنها إنسان فلا يزال يتبعها ~~حتى PageV01P191 # يضل الطريق فيهلك. قوله: «متهافت»، أي متساقط لضعفه، وتهافت الشيء في يدي: # تناثر. خافت: خفي الصوت، وقد خفت الرجل، إذا ظهر عليه الضعف من مرض أو ~~جوع أو غير ذلك، وأصل خفت مات هزالا. فرغ: أتم أجال: مشى وصرف. خمسه: # أصابعه. في وعائه، يعني المخلاة التي اعتضدها، وهي تعليقة يعلقها السائل ~~في عنقه أو ذراعه، ويجعل فيها ما يعطى من الصدقة. أبرز: أخرج. أوان: وقت. ~~الفراغ: قلة الشغل. ناولهن: أعطاهن. الحيزبون: المسنة القوية الخلق. تتوسم: ~~تنظر. الزبون: # المنخدع عن ماله «فعول» بمعنى «مفعول»، وهو من ألفاظ أهل المشرق، وأراد ~~به الكثير الصدقة، آنست: أبصرت ندى: كرم. أتاح: ساق. القدر المعتوب: ~~الملوم. [الهزج] # لقد أصبحت موقوذا ... بأوجاع وأوجال # وممنوا بمحتال ... ومختال ومغتال # وخوان من الإخوا ... ن قال لي لإملالي # وإعمال من العما ... ل في تضليع أعمالي # فكم أصلى بأذحال ... وأمحال وترحال # وكم أخطر في بال ... ولا أخطر في بال # فليت الدهر لما جا ... ر أطفا لي أطفالي # فلولا أن أشبالي ... أغلالي ms0172 وأعلالي # لما جهزت آمالي ... إلى آل ولا والي # ولا جررت أذيالي ... على مسحب إذلالي # فمحرابي أحرى بي ... وأسمالي أسمى لي # فهل حر يرى تخ ... فيف أثقالي بمثقال # ويطفي حر بلبالي ... بسربال وسروال! # *** # قوله: «موقوذا»، أي مشرفا على الموت من شدة الأوجاع والأوجال، والموقوذة ~~في القرآن (¬1): المقتولة بالخشب، والوقذ: شدة الضرب. أو جال: مخاوف. ممنوا: # مبتلى. محتال: ماكر كثير الحيلة. مختال: متكبر. مغتال: مهلك. خوان: كثير ~~الخيانة. # ابن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قلما يوجد ~~في آخر الزمان درهم من حلال، أو أخ يوثق به». قال: مبغض. إقلالي: فقري. ~~إعمال: جد وبحث، تقول: # أعملت الشيء في الشيء، إذ جعلته يعمل فيه. والعمال: عاملو كل شيء. تضليع: PageV01P192 # إفساد. أعمال: جمع عمل، يريد أنه مطلوب يبحث على أعماله إذا أتى بها ~~مجموعة فتنقض أعماله وتصير له أضلاعا بعد اجتماعها، وذلك فساد لها. ويحتمل ~~أن يكون التضليع من «ضلعك مع فلان». أي ميلك معه، فأعماله تميل عن طرقها ~~فتفسد. وقيل: # تضليع الأعمال: تثقيلها، قال الأزهري رحمه الله: ضلع الدين. ثقله حتى ~~يميل صاحبه عن الاستواء لثقله، وفي الحديث: «أعوذ بالله من ضلع الدين». ~~أصلى: أحترق. أذحال: # أحقاد وعداوات. إمحال: فقر. ترحال: سفر ونقلة من بلد إلى بلد. أخطر: أمشي ~~متبخترا، وقد خطر الرجل، إذا أقبل بيديه وأدبر بهما، وهي مشية الشبان. بال: خلق. # ولا أخطر في بال: لا أمر على بال أحد ولا خاطره. جار: مال عن الحق ولم يعدل. # أطفأ: أمات. أطفالي: أولادي، ومثله: أشبالي. # الفنجديهي: يقول: ليت الدهر لما ظلم أولادي، وجار عليهم أماتني لأتخلص، ~~فإن مقاساة الولائد سبب الوقوع في المصائد. قال ابن عيينة: قلت لصياد: أي ~~طائر أسرع إلى مصايدكم؟ قال: الذي يزق، يعني الذي يطعم ولده. أغلالي: ~~قيودي. والأعلال: # جمع عل، وهو القراد الضخم، وهو الذي يلصق بأفخاذ الدواب، وهو كثير التشبث ~~والالتصاق، لا يقلع إلا بجهد، فيريد بالأغلال أولاده لأنهم قيوده فلا يسرح ~~بسببهم، وبالأعلال أنهم قد تعلقوا به يطلبون ما عنده، ms0173 وقال الشاعر يصف ~~ناقته: [الطويل] # * ولو ظل في أوصالها العل يرتقي (¬1) * # ويقال للقراد: الطلح والفينق والحجير والعل والبرام والقرشوم واللبود في ~~بعض اللغات. جهزت: أرسلت. آل: قريب، وآل: أهل، أو يكون آل أميرا وسائسا؛ ~~قال عمر رضي الله عنه: ألنا وأيل علينا، أي سسنا الناس وساسنا غيرنا، فيكون ~~على هذا مقلوبا من «آيل»، كما قيل: سار في سائر مسحب: طريق. يقول: لولا ظل ~~الأولاد ما قصدت واليا، ولا جررت ذيلي في طريق ذل، ويقال: سحب ذيله سحبا ~~إذا جره، والمسحب: # موضع جره ثوبه محرابي: مسجدي. أحرى: أحق بي. أسمالي. أثوابي الخلقة. أسمى ~~لي: أعز لي وأرفع لقدري. أثقالي: همومي أو ديوني، أو كثرة عيالي وأحدها ~~ثقل، وثقل الشيء ثقلا ضد خف، وأثقل الرجل: كثر عياله. بلبالي: حزني، ~~والبلبال: # وسواس الهموم. سربال: قميص. والسروال: معروف، وفي الحديث أن امرأة سقطت ~~من على حمار فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم بوجهه عنها، فقالوا: إنها ~~متسرولة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # «اللهم اغفر للمتسرولات من أمتي- ثلاثا- يا أيها الناس اتخذوا السراويلات ~~فإنها من أستر ثيابكم، وحضوا بها نساءكم إذا خرجن». PageV01P193 # ومن ملح الصاحب بن عباد أن بعض الشعراء كتب له: [المتقارب] (¬1) # أيا من عطاياه تعطى الغني ... إلى راحتي من نأي أو دنا # كسوت المقيمين والزائرين ... كسا لم يخل مثلها ممكنا # وخاشية الدار يمشون في ... ثياب من الخز إلا أنا # فقال الصاحب: قرأت في أخبار معن بن زائدة أن رجلا قال له: احملني أيها ~~الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغلة وحمار وجارية، ثم قال له: لو علمت أن ~~الله خلق مركوبا غير هذا لحملتك عليه. وقد أمرنا لك من الخز بجبة وقميص ~~ودراعة وسراويل وعمامة ومنديل ومطرف ورداء وكساء وجورب وكيس، ولو علمنا ~~لباسا غير هذا من الخز لأعطيناكه. ثم أمر بإدخاله إلى الخزانة؛ وصب تلك ~~الخلع عليه. # وأخبار الصاحب مستظرفة كثيرة الملح. # قال الحارث بن همام: فلما استعرضت حلة الأبيات، تقت إلى معرفة ملحمها، ~~وراقم علمها. فناجاني الفكر بأن الوصلة إليه العجوز، وأفتاني ms0174 بأن حلوان ~~المعرف يجوز؛ فرصدتها وهي تستقري الصفوف صفا صفا؛ وتستوكف الأكف كفا كفا، ~~وما إن ينجح لها عناء، ولا يرشح على يدها إناء، فلما أكدى استعطافها، وكدها ~~مطافها، عاذت بالاسترجاع، ومالت إلى إرجاع الرقاع، وأنساها الشيطان ذكر ~~رقعتي، فلم تعج إلى بقعتي، وآبت إلى الشيخ باكية للحرمان، شاكية تحامل ~~الزمان؛ فقال: إنا لله، وأفوض أمري إلى الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله! ~~ثم أنشد: [مخلع البسيط] # لم يبق صاف ولا مصاف ... ولا معين ولا معين # وفي المساوي بدا التساوي ... فلا أمين ولا ثمين # *** # قوله: «ملحمها»، ناسجها، ولما جعل الشعر حلة جعل له ناسجا وراقما. ~~ناجاني: # حدثني. الوصلة: الموصلة. استعرضت، أي نظرت وعرضتها على نفسي. تقت: PageV01P194 # اشتقت. أفتاني، أعلمني. الحلوان: أجر الكهان، وأراد أجرة العراف، وهو ~~الذي يعرف بالتلائف الملتقطة أربابها، فيفتكونها منه بما اتفقوا عليه، فذهب ~~مالك أن من عرف اللقطة، وكان من شأنه أخذ الجعل على مثل ذلك، فله أجرة ~~مثله، والشافعي لا يوجب له حقا؛ سواء كان من شأنه أن يعرف باللقطة أو لم ~~يكن، تعب في ذلك أو لم يتعب، إلا أن يشترط قبل الطلب. # رصدتها: ارتقبتها. تستقري: تتبع؛ واقتريت الأرض واستقريتها، تتبعتها ~~متأملا. # تستوكف: تستمطر. ينجح: ينفع ويؤثر؛ يقال: نجحت الحاجة إذا انقضت، ونجح ~~طالبها إذا لم يخب، وأنجح: أشهر؛ يقول: إن مشيها عليهم لم يقض حاجتها ولا نفعها. # وقصد برشح الإناء كرم الكف؛ يقول: لم يرشح لها كف بعطية. أكدي: خاب وصعب، ~~ويقال: أكدي الحافر، وهو أن يحفر البئر يطلب الماء، فإذا بلغ إلى الصلابة ~~ويئس من الماء ولم يقدر على الحفر قيل له: أكدي فهو مكد، والكدية هي ~~الصلابة التي يتعذر حفرها. استعطافها: تليينها القلوب. كدها: أتعبها. ~~مطافها: مشيها وطوفها على الناس، ويحسن أن ينشد هنا في حالها لأبي نواس: ~~[الطويل] # إذا لم يعنك الله فيما تريده ... فليس لمخلوق إليه سبيل # وإن هو لم يرشدك في كل مسلك ... ضللت، ولو أن السماك دليل # غيره: [الطويل] # إذا لم يكن عون من الله للفتى ms0175 ... فأكثر ما يجنى عليه اجتهاده # عاذت: تعوذت ولاذت. الاسترجاع؛ قولهم: إنا لله وإنا إليه راجعون، وفي ~~حديث أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما قال أحد عند ~~المصيبة إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرا ~~منها؛ إلا استجيب له» (¬1). # ارجاع: رد. تعج: تميل وترجع. بقعتي: موضعي. آبت: رجعت. الحرمان: # الخيبة والمنع. تحامل: مشقات، وتحاملت في الأمر: تكلفته على مشقة. أفوض: أرد. # لا حول، أي لا حيلة، يقال: ما له حيلة ولا حول، وما له احتيال ولا محتال، ~~ولا محالة ولا محيلة؛ كله بمعنى. ويقال: ما له محال بالفتح، أي حول، ومحال ~~بالكسر، أي مكر. ثعلب: هو من قولهم: محل به؛ إذا سعى به إلى السلطان وعرضه ~~للهلاك. # ومحل به القرآن: شهد عليه بالتقصير؛ وقال الفراء: المحالة على ثلاثة ~~أقسام؛ هي PageV01P195 # الحيلة، والتي تجعل على رأس البئر كالبكرة، وواحدة محال الظهر وهي فقاره. ويقال: # أخذت في الحولقة، والحوقلة، إذا قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، وينتصب ~~«لا حول ولا قوة» بالتبرئة، وإن شئت رفعتهما بالابتداء، «وبالله» خبر ~~«قوة»، وحذفت خبر «لا حول» لدلالة الثاني عليه، وإن شئت رفعت «حول» ~~بالابتداء، ونصبت «قوة» بالتبرئة، وإن شئت نصبت «حولا» بالتبرئة ورفعت ~~«قوة» بالعطف على موضع «لا حول»، وإن شئت نصبت «قوة» بالتنوين عطفا على اللفظ. # وقوله: «صاف»، أي خالص الود. مصاف: صادق في وده. معين: ماء كثير، يريد ~~صاحب كرم كثير. معين: يعين بماله. المساوي: ضد المحاسن، واحدها «سوء» على ~~غير قياس، وقيل لا واحد لها. بدا: ظهر. الثمين: النفيس الغالي الثمن؛ يقول: ~~إن الناس قد استووا في الأفعال السيئة، وأراد قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~يزال الناس بخير ما تباينوا، فإذا استووا هلكوا»، ومعناه أن الناس في ~~الغالب إنما يتساوون في الشر، ولا تجدهم كلهم فضلاء لأن الخير قليل. # قال أبو العباس التطيلي فيما يتعلق بهذا المعنى: [البسيط] # والناس كالناس إلا أن تجربهم ... وللبصيرة حكم ليس للبصر # كالأيك مشتبهات في ms0176 منابتها ... وإنما يقع التفضيل بالثمر # وقال التهامي: # ومن الرجال معالم ومجاهل ... ومن النجوم غوامض ودراري # ولربما اعتضد الحليم بجاهل ... لا خير في يمنى بغير يسار # والناس مشتبهون في إيرادهم ... وتفاضل الأقوام بالإصدار # *** # ثم قال لها: مني النفس وعديها، واجمعي الرقاع وعديها، فقالت: لقد عددتها ~~لما استعدتها، فوجدت يد الضياع، قد غالت إحدى الرقاع، فقال: تعسا لك يا ~~لكاع، أنحرم ويحك القنص والحبالة، والقبس والذبالة! إنها لضغث على إبالة. ~~فانصاعت تقتص مدرجها، وتنشد مدرجها؛ فلما دانتني قرنت بالرقعة، درهما ~~وقطعة، وقلت لها: إن رغبت في المشوف المعلم- وأشرت إلى الدرهم- فبوحي بالسر ~~المبهم. وإن أبيت أن تشرحي، فخذي القطعة واسرحي. فمالت إلى استخلاص البدر ~~التم، والأبلج الهم، وقالت: دع جدالك، وسل عما بدا لك، فاستطلعتها طلع ~~الشيخ وبلدته، والشعر وناسج بردته. # *** PageV01P196 # قوله: «عديها»، أي طمعيها. استعدتها: رددتها. غالت: أهلكت، واستعار ~~للتضييع «يدا» مجازا. تعسا: هلكا، والتعس: الدعاء ألا تقال عثرته يا لكاع: ~~يا لئيمة يا منتنة، واللكاع: وسخ الفرج. واللكع: ولد الحمار. القنص: الصيد. # الحبالة: الشبكة، وصفة الحبالة أن يعمد لحبل من شعر مخلوط بيسير من صوف، ~~فذلك أقوى له، فيعقد في أحد طرفيه عين يجري فيها الحبل، ويربط في الطرف ~~الثاني خشبة، وربما حددوا طرفها، ثم يأتون إلى الطريق الذي يدخل منه الصيد ~~إلى الماء فيحفرون فيه حفرة فيغطونها بورق الشجر وشبهها، ويفتحون عليها عين ~~الحبل، ثم يغطونها بالتراب والزبل، حتى تصير في طبع الأرض، فإذا أقبل الصيد ~~للماء، فوضع يده أو رجله في الحفرة، سقطت به، وانضم على يده أو رجله الحبل، ~~فيثب فازعا ويفر، فتتبعه تلك الخشبة، فكلما انتفض أقبلت عليه، فتضربه بين ~~يديه ورجليه وبطنه وظهره، فتوهي أعضاءه، وربما كسرت يديه أو رجليه، فلا ~~يسير بها قدر ميل، حتى يقف موقوذا منها، فيأتيه الصائد فيأخذه، وأنواع ~~الحبالة كثيرة. # قوله: «القبس»، يريد به نور المصباح، والذبالة: الفتيلة. ضغث: حزمة من ~~حشيش صغيرة، وأصلها جماعة القضبان، وشبهها من النبات، يجمعها أصل واحد، وكل ~~ما جمعت عليه كفك من حشيش أو عيدان ms0177 فانتزعته من أصله ضغث. إبالة: حزمة ~~كبيرة، والضغث على الإبالة مثل حزمة الحطابإذا حملها للبيع، وجعل فوقها ~~حزيمة صغيرة لنفسه؛ فالكبيرة إبالة والصغيرة ضغث، فكأنه قال: إنها خسارة ~~على خسارة، ويقال لها: # إبالة وأبيل وأبيلة، وضغث على إبالة، مثل أخذه من قول الشاعر: [مجزوء ~~الكامل] # في كل يوم من ذؤاله ... ضغث يزيد على إباله (¬1) # وقال آخر وذكر ناقته: [البسيط] # ردت عواري غيطان الفلا ونجت ... بمثل إبالة من خالص الشعر # وهذا مثل قول حبيب: [الطويل] # فكم جزع واد جب ذروة غارب ... وبالأمس كانت أتمكته جوانبه (¬2) # قوله: «انصاعت»، أي ذهبت نافرة وانثنت مسرعة، وكل ما ثنيته ولويته بسرعة؛ ~~فقد صعته صوعا، وكذلك إذا جمعته وفرقته، فذهب عنك بسرعة، وصاع الشجاع القوم PageV01P197 # في الحرب؛ إذا جمعهم بهيبته ثم صدمهم، ففروا سراعا متفرقين، وكل نافر ~~مسرع منصاع، وقال ذو الرمة في الخمر: [البسيط] # رمى فأخطأ والأقدار غالبة ... فانصعن والويل هجيراه والحرب (¬1) # تقتص، أي تتبع. مدرجها: طريقها التي مشت فيها لتفريق الرقاع، ويقال: درج ~~الشيخ والصبي درجا ودرجانا، إذا تقاربت خطاهما، والمدرج: الموضع الذي درجا ~~فيه، والمدرجة: قارعة الطريق. تنشد: تطلب من نشدت الضالة، ومدرجها: رقعتها، ويقال: # أدرجت الكتاب والثوب طويتهما. القطعة: عند أهل المشرق: الواحدة من صرف ~~يعرفونه الحندوس، يعمدون إلى دراهمه فيقطعونها قطعا، فهي صرفهم، وبها ~~يتصدقون، فأراد أنه قرن برقعة الشعر درهما، وقطعة من الحندوس، وقال لها: إن ~~خبرتني بقائل الشعر، فخذي الدرهم أجرة، وإن أبيت أن تعرفيني به فخذي القطعة ~~صدقة وانصرفي. المشوف: # المصقول المجلو، والشوف: الجلاء، والمعلم: المنقوش، ونقشه علامته، وقيل: ~~هو الذي عليه علامة الملك، وأخذه من قول عنترة: [الكامل] # ولقد شربت من المدامة بعد ما ... ركد الهواجر بالمشوف المعلم (¬2) # بوحي. تكلمي. المبهم: المغلق الملبس. أبيت: امتنعت. اسرحي: اذهبي. # استخلاص: تخليص، واستخلص الشيء، جعله خالصا. التم: الكامل. والأبلج: ~~النقي الأبيض، وفعله إبلاج كاحمار. الهم: الكبير الذي يهم به من رآه، وشيخ ~~هم: مسن، والهم: # الرقيق النحيف، وهو من همته النار إذا أذابته، وهممت الشحم: أذبته. ~~استطلعتها طلعه: # استخبرتها خبره، ms0178 وسألتها أن تطلعني عليه، وتقول: استطلعت طلع الشيء، إذا ~~حاولت الاطلاع عليه، وأردت معرفة خبره الذي تطلع منه عليه، وطلع بالكسر. ~~بردته: ثوبه. # *** # فقالت: إن الشيخ من أهل سروج، وهو الذي وشى الشعر المنسوج، ثم خطفت ~~الدرهم خطفة الباشق، ومرقت مروق السهم الراشق، فخالج قلبي أن أبا زيد هو ~~المشار إليه، وتأجج كربي لمصابه بناظريه، وآثرت أن أفاجيه وأناجيه، لأعجم ~~عود فراستي فيه، وما كنت لأصل إليه إلا بتخطي رقاب الجمع، المنهي عنه في ~~الشرع، وعفت أن يتأذى بي قوم، أو يسري إلي لوم، فسكدت بمكاني، PageV01P198 # وجعلت شخصه قيد عياني، إلى أن انقضت الخطبة، وحقت الوثبة، فخفقت إليه، ~~وتوسمته علي التحام جفنيه، فإذ ألمعيتي ألمعية ابن عباس، وفراستي فراسة إياس. # *** # وشى: زين ورقم. خطفت: أخذت بسرعة. الباشق: من جوارح الطير. مرقت: # خرجت بسرعة. الراشق: الذي يرشق الصيد، أي ينشبه، ويكون الراشق بمعنى ~~المرشوق، كقوله تعالى: من ماء دافق [الطارق: 6]، أي مدفوق. قوله: «خالج»، ~~أي داخل وجاذب. تأجج: اشتعل. كربي: همي، والتأجج «التفعل» من الأجيج، وهو ~~تصويت النار ولهبها إذا اشتعلت وعظمت. آثرت: اخترت وفضلت، وآثرته بكذا: ~~فضلته به والإيثار المصدر. أفاجيه: آتيه فجأة وهو لا يشعر. أناجيه: أحدثه. ~~أعجم: أجرب. # فراستي: نظري، وجعل لها عودا مجازا. تخطى رقاب الجمع: الجواز على أعناق ~~الناس؛ خرج الترمذي في النهي عن ذلك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرا إلى جهنم» (¬1). # عفت: كرهت. يتأذى: يصيبهم أذى. يسري: يصل. اللوم: ضد الحمد، وهو أن تأخذ ~~الإنسان بلسانك ذما لما فعل. سكدت: التصقت ولزمت. قيد عياني: غرض نظري، أي ~~قيدت نظري فيه. انقضت: تمت. حقت الوثبة، أي وجبت القفزة إليه. # خففت: أسرعت. توسمته: نظرته. التحام: التصاق وانغلاق. ألمعيتي: ذكائي ~~وصدق ظني، والألمعي، هو الذي يظن بك الظن، ولا يخطئ، وهو اليلمعي من ~~اللمعان، كأنه يلمع لذكائه وجودة فطنته، وقال أوس: [المنسرح] # الألمعي الذي يظن بك الظن ... كأن قد رأى وقد سمعا (¬2) # ولا يبين أحد الألمعي بأحسن ms0179 مما بينه أوس، فإذا سئلت: ما الألمعي؟ فأنشدت ~~بيته تأت بالجواب الشافي. # والفراسة، أن تنظر الشيء فتستدل بظاهره على باطنه، وبما حضر على ما غاب، ~~وقيل: الألمعية أن ترى الشيء على بعد فتعرفه وتحققه، والفراسة أن ترى الرجل ~~بين يديك فتحكم عليه بما أضمر، أو بما يريد أن يفعله، فالألمعية في البعد، ~~والفراسة في PageV01P199 # القرب، وكيف اختلفت الألمعية والفراسة، فالظن الصادق يجمع بينهما. ### || AUTO [ابن عباس وبعض أخباره] # وابن عباس رضي الله عنه، هو عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم ~~القرشي الهاشمي، يكنى أبا العباس. # ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وكان ابن ثلاث عشرة سنة يوم توفي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # واختلف في السنة التي مات فيها، ما بين ثمان وستين في الأقل، وأربع ~~وسبعين في الأكثر. وصلى عليه محمد ابن الحنفية، وقال: اليوم مات رباني هذه ~~الأمة، وضرب على قبره فسطاط. # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اللهم علمه الحكمة وتأويل ~~القرآن» (¬1)، وفي حديث آخر: «اللهم بارك فيه، وانشر منه، واجعله من عبادك ~~الصالحين». وفي حديث آخر: # «اللهم زده علما وفقهه» (¬2)؛ وفي حديث آخر: «اللهم فقهه في الدين وعلمه ~~التأويل» (¬3). # وكلها أحاديث صحاح. # وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحبه ويدنيه ويقربه ويشاوره، مع وفور ~~جلة الصحابة رضي الله عنهم. # وكان ابن عمر رضي الله عنه يقول: ابن عباس فتى الكهول، له لسان سئول، ~~وقلب عقول. # عبد الله بن عبد الله: ما رأيت أحدا كان أعلم بالسنة، ولا أجلد رأيا، ولا ~~أثبت نظرا من ابن عباس. # ولقد كان عمر يعده للمعضلات، مع اجتهاد عمر ونظره للمسلمين. # عمرو بن دينار: ما رأيت مجلسا كان أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس، الحلال ~~والحرام والعربية والأنساب والشعر. # عطاء: كان الناس يأتون ابن عباس في الشعر والأنساب، وناس يأتونه لأيام ~~العرب ووقائعها، وناس يأتونه للعلم والفقه، فما منهم صنف إلا يقبل عليهم ~~بما يشاءون. # مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس، قلت: أجمل الناس؛ ms0180 فإذا تكلم قلت: أفصح ~~الناس، فإذا تحدث قلت: أعلم الناس. PageV01P200 # أبو وائل: خطبنا ابن عباس رضي الله عنهما، وهو على الموسم، فافتتح سورة، ~~فجعل يقرأ ويفسر، فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله، لو سمعته ~~فارس والترك والروم لأسلمت. # طاوس: أدركت نحو خمسمائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا ~~ذكروا ابن عباس خالفوه، فلم يزل يقودهم حتى ينتهوا إلى قوله: # ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن ابن عباس، ولو أدرك أسناننا ما عاشره منا رجل. # يزيد الأصم: خرج معاوية حاجا، ومعه ابن عباس، فكان لمعاوية موكب، ولابن ~~عباس موكب ممن يطلب العلم. # القاسم بن محمد: ما رأيت في مجلس ابن عباس باطلا قط، وما سمعت فتوى أشبه ~~بالسنة من فتواه. # وكان أصحابه يسمونه الحبر والبحر. وذكر أبو العباس في الكامل أن عمر بن ~~أبي ربيعة أنشده قصيدته: [الطويل] # أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غد أم رائح فمهجر (¬1) # فحفظها من سمعها، وهي ثمانون بيتا. # مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما: رأيت جبريل عليه السلام عند النبي صلى ~~الله عليه وسلم مرتين، ودعا لي بالحكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين. # وروى عنه أنه رأى رجلا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعرفه، فسأل عنه ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيته؟ قال: ~~نعم، قال: ذاك جبريل، أما إنك ستفقد بصرك؛ فعمي بعد ذلك في آخر عمره، وهو ~~القائل في ذلك- ويروى لحسان رضي الله عنهما: [البسيط] # إن يأخذ الله من عيني نورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نور (¬2) # قلب ذكي وعقل غير ذي دخل ... وفي فمي صارم كالسيف مأثور # نظر إليه الحطيئة في مجلس عمر رضي الله عنهما، فقال: من هذا الذي برع ~~الناس بعلمه، ونزل عنهم بسنه؟ فقيل له: عبد الله بن عباس. # وقال فيه حسان بن ثابت رضي الله عنهما: [الطويل] # إذا ما ابن عباس بدا لك وجهه ... رأيت له في كل أحواله فصلا (¬3) PageV01P201 # إذا قال ms0181 لم يترك مقالا لقائل ... بمنتطحات لا ترى بينها فصلا # كفى وشفى ما في النفوس ولم يدع ... لذي إربة في القول جدا ولا هزلا # سموت إلى العليا بغير مشقة ... فنلت ذراها لا ذليلا ولا وغلا # ونظر إليه معاوية يوما يتكلم معه، فأتبعه بصره، فقال متمثلا: [الطويل] # إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... مصيب ولم يثن اللسان على هجر # يصرف بالقول اللسان إذا انتحى ... وينظر في أعطافه نظر الصقر # وروي أن طائرا أبيض خرج من قبره، فتأولوه علمه خرج إلى الناس. # وقيل: دخل قبره طائر أبيض، فقيل: هو بصره. # وقال أبو الزبير: مات ابن عباس رضي الله عنهما بالطائف، فجاء طائر أبيض ~~فدخل في نعشه حين حمل، فما رئي خارجا منه. # وفضائله كثيرة مشهورة، فلنقف منها على هذا القدر. ### || AUTO [إياس القاضي] # وأما إياس، فهو أبو واثلة بن معاوية بن قرة بن إياس بن هلال بن رباب ~~المزني، قاضي البصرة. وسبب قضائه أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كتب ~~إلى عدي بن أرطأة عامله على البصرة؛ أن اجمع إياس بن معاوية المزني والقاسم ~~بن ربيعة الحارثي، فول القضاء أنفذهما وأفقههما. فجمع بينهما، فقال كل ~~واحد: إن صاحبه أنفذ وأفقه، فقال له إياس: سل عني وعن القاسم فقيهي المصر: ~~الحسن وابن سيرين- وكان القاسم يأتيهما وإياس لا يأتيهما- فعلم القاسم أنه ~~إن سألهما أشارا به، فقال القاسم: لا تسأل عني ولا عنه؛ فو الله الذي لا ~~إله إلا هو؛ إن إياسا لأفقه مني، فإن كنت كاذبا فما عليك إلا ألا توليني ~~وأنا كاذب، وإن كنت صادقا فينبغي لك أن تقبل قولي. فقال له إياس: # إنك جئت برجل، فوقفته على شفير جهنم، فنحي نفسه منها بيمين كاذبة يستغفر ~~الله منها، وينجو مما يخاف، فقال له عدي: أما إنك إذ فهمتها فأنت لها؛ ~~فاستقضاه. # وقال إياس رحمه الله: أرسل إلي ابن هبيرة فأتيته، فسألني فسكت، فلما أطلت ~~قال: هيه! قلت: سل عما بدا لك، قال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: أتفرض ~~الفرائض؟ قلت: نعم، قال: ms0182 أتعرف من أيام العرب شيئا؟ قلت: نعم، قال: أتعرف ~~من أيام العجم شيئا؟ قلت: أنا بها أعرف، قال: إني أريد أن أستعين بك على ~~عملي، قلت: # إن في خصالا ثلاثا لا أصلح معها للعمل، قال: ما هي؟ قلت: أنا دميم كما ~~ترى، وأنا عيي، وأنا حديد، قال: أما دمامتك فإني لا أريد أن أحاسن بك ~~الناس، وأما العي فإني أراك تعرب عن نفسك، وأما الحدة فإن السوط يقومك، قم. ~~فولاني القضاء، وأعطاني عشرة آلاف درهم، فهي أول مال تمولته. PageV01P202 # ودخل عليه عدي بن أرطأة في مجلس القضاء- وعدي أمير البصرة، وكان أعرابي ~~الطبع- فقال: يا هناه، أين أنت؟ قال: بينك وبين الحائط، قال: فاسمع مني، قال: # للاستماع جلست، قال: إني تزوجت امرأة، قال: بالرفاء والبنين، قال: وشرطت ~~لأهلها ألا أخرجها من بينهم، قال: أوف لهم بالشرط، قال: فأنا أريد الخروج، ~~قال: في حفظ الله، قال: فاقض بيننا، قال: قد فعلت، قال: فبم تحكم؟ قال: ~~بألا تخرجها، قال: # بشهادة من؟ قال: بشهادة ابن أخت خالتك. # وأول ما ظهر من ذكائه، أنه دخل دمشق، وهو غلام، فتحاكم مع شيخ عند ~~قاضيها، فصال إياس بحدته على الشيخ، فقال له القاضي: إنه شيخ كبير، فخفض ~~كلامك، فقال له إياس: الحق أكبر منه، فقال له القاضي: أسكت، فقال: ومن ينطق ~~بحجتي؟ فقال له القاضي: ما أراك تقول حقا، فقال إياس: لا إله إلا الله، أحق ~~هذا أم باطل؟ فدخل القاضي من فوره إلى عبد الملك بن مروان، فأعلمه بما رأى ~~من ذكائه، فقال له عبد الملك: أخرج فاحكم بينهما، وأخرجه الآن من دمشق إلى ~~بلاده لئلا يفسد على أهل الشام. # ولما دخل عبد الملك البصرة رأى إياسا وهو صبي، وخلفه أربعة من القراء ~~أصحاب الطيالسة، وإياس يقدمهم، فقال عبد الملك: أف لهذه العثانين؛ أما فيهم ~~شيخ يقدمهم غير هذا الحدث! ثم التفت إليه، وقال: كم سنك؟ فقال: سني- أطال ~~الله بقاء الأمير- سن أسامة بن زيد بن حارثة حين ولاه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جيشا فيهم أبو ms0183 بكر وعمر؛ فقال: تقدم بارك الله فيك، وكان سنه سبع ~~عشرة سنة. # وأما ذكاؤه وفراسته، فقد ألف في ذلك المدائني كتابا سماه كتاب «زكن ~~إياس»، والزكن: التشبيه، يقال: زكن عليهم وزكم: شبه وخيل، وقيل: الزكن: ~~الظن والتفرش. # ومن زكنه أنه اختصم إليه رجلان في قطيفتين: حمراء وخضراء، فقال أحدهما: ~~دخلت الحوض لأغتسل ووضعت قطيفتي، ثم دخل واغتسل، فخرج قبلي، وأخذ قطيفتي، ~~فتبعته، فزعم أنها قطيفته، فقال: ألك بينة؟ قال: لا، قال: ائتوني بمشط، ~~فأتي به، فسرح رأس هذا، ثم هذا، فخرج من رأس أحدهما صوف أحمر، ومن رأس ~~الآخر أخضر، فقضى بالأخضر لصاحب الأخضر، وبالأحمر لصاحب الأحمر. # وأتى المدينة فصلى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزكنه أهله حتى ~~صاروا فرقتين: # فرقة تزعم أنه معلم، وأخرى تزعم أنه قاض، ثم وجهوا إليه رجلا، فأخبره ~~خبرهم، فقال: أصاب الذين ذكروا أني قاض، ورويدا أخبرك عن القوم؛ أما الذي ~~من صفته كذا فهو كذا، وأما الذي يليه فهو كذا، وأما ذاك الشيخ فإنه نجار، ~~فقال الرجل: في كلهم والله أصبت إلا في الشيخ، فإنه من قريش، فقال إياس: ~~وإن كان من قريش! فقام الرجل إلى أصحابه، فقال: قد جئتكم من عند أعجب ~~الناس، والله إن منكم من أحد إلا أخبرني PageV01P203 # بصناعته إلا هذا فزعم أنه نجار، فقال: صدق والله؛ إني لأنجر عيدان جواري- ~~يعني عود المزمار. # ونظر إلى ثلاث نسوة فزعن من شيء، فقال: هذه حامل، وهذه مرضع، وهذه بكر، ~~فسألن فوجدن كذلك، فسئل من أين لك علم ذلك؟ فقال: لما فزعن وضعت كل واحدة ~~منهن يدها على أهم المواضع لها، فوضعت المرضع على ثديها، والحامل على ~~بطنها، والبكر على فرجها. # وسمع نباح كلب لم يره، فقال: هذا نباح كلب مربوط على شفير بئر، فنظر فكان ~~كما قال، فقيل له في ذلك، فقال: سمعت عند نباحه دويا، ثم سمعت بعده صدى ~~يجيبه، فعلمت أنه عند بئر. # ومن فراسته أنه رأى أثر اعتلاف بعير، فقال: هذا بعير أعور، فنظروا فكان ~~كما قال، ms0184 فقيل له في ذلك، فقال: لأني وجدت اعتلافه من جهة واحدة. # ولما صار ذكاؤه يضرب به المثل، كما يضرب بجود حاتم وحلم الأحنف وشجاعة ~~عمرو بن معد يكرب، نظمهم حبيب في بيت جمع فضلهم المتفرق للعباس بن المأمون، ~~فقال: [الكامل] # إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس (¬1) # وتوفي سنة اثنتين وعشرين ومائة وأخباره كثيرة، وفيما أوردناه كفاية. # *** # فعرفته حينئذ شخصي؛ وآثرته بأحد قمصي، وأهبت به إلى قرصي، فهش لعارفتي ~~وعرفاني، ولبى دعوة رغفاني، وانطلق ويدي زمامه، وظلي إمامه، والعجوز ثالثة ~~الأثافي، والرقيب الذي لا يخفى عليه خافي. فلما استحلس وكنتي، وأحضرته ~~عجالة مكنتي، قال لي: يا حارث، أمعنا ثالث؟ فقلت: ليس إلا العجوز، قال: ما ~~دونها سر محجوز. ثم فتح إحدى كريمتيه، ورأوا بتوأمتيه، فإذا سراجا وجهه ~~يقدان، كأنهما الفرقدان. فابتهجت بسلامة بصره، وعجبت من غرائب سيره، ولم ~~يلقني قرار، ولا طاوعني اصطبار، حتى سألته: ما دعاك إلى التعالي؛ مع سيرك ~~في المعامي، وجوبك الموامي، وإيغالك في المرامي! # *** # قوله: «أهبت به»، أي دعوته، وأصل «أهاب» دعا لنفسه من بعد. وقيل: الإهابة PageV01P204 # دعاء الإبل للشرب. والقرص: رغيف صغير سمي قرصا، كأنه قرص من العجين، أي ~~قطع، والتقريص: التقطيع. هش: خف فرحا. والعارفة، يريد النعمة وهي المعروف. # لبى: أجاب وقال: لبيك، ومصدره تلبية وهي «تفعلة»، من الإلباب وهو اللزوم، ~~ولب بالمكان وألب به: أقام، وأصله لبب بثلاث باءات، فأبدلوا الآخرة ياء ~~استثقالا لاجتماع الأمثال، كما قالوا: تظنيت وتمطيت، فالياء فيهما بدل من ~~مثل الحرف الذي قبلها، ثم أتبعوه الإبدال في المصدر وهو تلبية، فياؤه باء، ~~وقولهم: لبيك، معناه إجابة بعد إجابة، ولزوما لطاعتك بعد لزوم. رغفان: جمع ~~رغيف، يريد أنه لما سمع بذكر الخبر، فكأن الخبر دعاه فأجابه. زمامه: مقوده. ~~إمامه: هاديه. الأثافي: حجارة القدر، وهي ثلاث، والعرب تقول: رماه الله ~~بثالثة الأثافي- يعنون بها الجبل، لأنهم يجعلون حجرين ويلصقونهما بالجبل، ~~فيقوم الجبل مقام الحجر الثالث، واحدتها أثفية بالتشديد، وقد تخفف، وقد ~~أثفيت القدر وأثفتها وثفيتها، وتسمي العرب أثافي ms0185 الحديد المنصب. # الرقيب: الحافظ، يريد الله تعالى. استحلس وكنتي، أي دخل، بيتي، وجلس على ~~جلسه، وهو ما يبسط تحت بسطه؛ يقيها الأرض، وفلان حلس بيته، أي لازم القعود ~~فيه، وفي الحديث: «كن في الفتنة حلس بيتك» (¬1)، أي لا تدخل فيها، والحلس: ~~كساء يلي ظهر البعير تحت البرذعة ويلزمه، فشبه الذين يعرفون الشيء ويلزمونه ~~بالحلس، ومنه قولهم: لست من أحلاسها، أي من أصحابها العارفين بها. ومنه بنو ~~فلان أحلاس الخيل، أي الذين يضمرونها ويلزمون ظهورها، وأحلاس القوافي: ~~المجيدون في نظم الشعر، والوكنة: الثقبة في الحائط يسكنها الطائر، وقيل: هي ~~الموضع من الشجرة وغيرها، يقع عليه للمبيت، وهي الوكن، ووكن الطائر وكنا، ~~فهو واكن إذا حضن على فرخه، فلزم وكنته. عجالة مكنتي: ما تعجل وأمكن من ~~الطعام. محجوز: ممنوع، وحجزت الشيء: حزته ومنعته، وحجزت بين الشيئين حجزا، ~~فأنا حاجز، إذا جعلت بينهما حائلا، والمفعول محجوز، ومنه الحجاز؛ لأنها أرض ~~حجزت بين نجد والسراة. كريمتيه: # عينيه، وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد أذهب الله ~~كريمتيه إلا كان ثوابه عند الله الجنة» قالوا: وما كريمتاه؟ قال: عيناه ~~(¬2). رأرأ: قلبهما وأدارهما إدارة كثيرة. وتوأمتاه: # كريمتاه، وقوله: «مسح كريمتيه»، يريد أنه حكهما بكفه، فانتفض عنهما ما ~~كان ألصقهما به، حتى التحما. وقيل: رأرأ: أدار العين وحدد نظرها. وتوأمتاه: ~~عيناه، وفي الغريب المصنف: رأرأت المرأة بعينها ولألأت، إذا برقت عينها، ~~وأنشد ابن الأعرابي: [الطويل] PageV01P205 # عجبت من الحور الكريم نجارها ... ترأرئ بالعينين للرجل الحبل (¬1) # الحبل: الداهية. الفرقدان: نجمان منيران في بنات نعش. ابتهجت: فرحت. # سيره: عاداته. يلقني قرار: يحبسني سكون وطمأنينة. التعامي: استعمال العمى. # المعامي: الطرق المجهولة، وقيل: القفار البعيدة التي تعمى فيها الآثار ~~فلا يهتدى فيها. # الموامي: القفار، واحدها موماة. إيغالك: إبعادك ومبالغة دخولك. المرامي: ~~المقاصد والبلاد التي ترميه إلى بلاد أخرى؛ يقول: سألته ما الذي دعاك إلى ~~استعمالك العمى مع دخولك لطلبك الرزق في المشقات وجوب البلاد البعيدة، فلم ~~تجد لنفسك حيلة حتى تشبهت بالعميان! # *** # فتظاهر باللكنة، وتشاغل باللهنة، حتى إذا ms0186 قضى وطره، أتأر إلي نظره؛ ~~وأنشد: [الطويل] # ولما تعامى الدهر وهو أبو الورى ... عن الرشد في أنحائه ومقاصده # تعاميت حتى قيل إني أخو عمى ... ولا غرر أن يحذو الفتى حذو والده # ثم قال لي: انهض إلى المخدع فائتني بغسول يروق الطرف، وينقي الكف، وينعم ~~البشرة، ويعطر النكهة، ويشد اللثة، ويقوي المعدة، وليكن نظيف الظرف، أريج ~~العرف، نقي الدق، ناعم السحق، يحسبه اللامس ذرورا، ويخاله الناشق كافورا، ~~واقرن به خلالة نقية الأصل، محبوبة الوصل، أنيقة الشكل، مدعاة إلى الأكل؛ ~~لها نحافة الصب، وصقالة العضب، وآلة الحرب، ولدونة الغصن الرطب. # *** # تظاهر: استعان. واللكنة: احتباس اللسان؛ يريد: لما امتلأ فمه بالطعام- لم ~~يتسرح لسانه بالكلام، فوجد بذلك علة لقطع الجواب، فكأن اللكنة أعانته على ذلك. # اللهنة: الطعام المعجل للضيف قبل الغداء، وكل ما تعجلته قبل إدراك الطعام ~~لهنة، ولهنت الضيف: عللته بذلك. قضى وطره؛ أتم حاجته من الأكل، والوطر: ~~المراد، ولا فعل له. أتأر: تابع نظره وحدده. الورى: الخلق. أنحائه: أغراضه ~~ومقاصده، والنحو كالقصد. لا غرو: لا عجب. يحذو حذوه: أي يفعل فعله. PageV01P206 ### || AUTO [مما قيل في العمى شعرا] # وهذا الاعتذار عن التعامي حسن، وقد تقدم اعتذار ابن عباس رضي الله عنهما عنه. # ومما يعزى للحصري في ذلك: [الوافر] # وقالوا قد عميت فقلت كلا ... فإني اليوم أبصر من بصير # سواد العين زار سواد قلبي ... ليجتمعا على فهم الأمور # أخذه من قول بشار: [الطويل] # إذا ولد المولود أعمى وجدته ... وجدك أهدى من بصير وأحولا # عميت جنينا والذكاء من العمى ... فجئت عجيب الظن للعلم معقلا # وغاض ضياء العين للقلب فاغتدى ... بقلب إذا ما ضيع الناس حصلا # وشعر كنور الروض لاءمت بينه ... بقول إذا ما أحزن الشعر أسهلا # وقال بشار: [مخلع البسيط] # قالوا العمى منظر قبيح ... قلت بفقدي لكم يهون # تالله ما في البلاد شيء ... تأسى على فقده العيون # وعكس هذا المعنى أبو العيناء حين سأله المتوكل: ما أشد ما عليك في ذهاب ~~بصرك؟ قال: ما حرمته يا أمير المؤمنين من رؤيتك مع إجماع الناس على جمالك. ms0187 # ومما يستملح من هذا الباب: نشأ أعمى بين أعورين، فإذا مشيا أو قعدا، ~~فحاذى عور هذا عور هذا نشأ بينهما أعمى. # وقال المتنبي يمدح العور ويذمه في بيت واحد: [الوافر] # أيا ابن كروس يا نصف أعمى ... وإن تفخر فيا نصف البصير (¬1) # فإذا انضم ابن كروس إلى مثله نشأ بينهما أعمى، قال الشاعر: [البسيط] # وبيننا أبدا أعمى نؤلفه ... قد يخلق الله عميانا من العور # وقال آخر: [الوافر] # ألم ترني وعمرا حين نغدو ... إلى الحاجات ليس لنا نظير # أسايره على يمنى يديه ... وفيما بيننا رجل ضرير # وقال آخر في أعور وعوراء تعاشقا: [الخفيف] PageV01P207 # هي عوراء باليمين وهذا ... أعور بالشمال وافق شنا # بين شخصيهما ضرير إذا ما ... قعدت عن شماله تتغنى # فأما قول جميل اليشكري في صفة الذئب: [الطويل] # وأعور من يمناه إن شاء مرة ... وإن شاء من يسراه ما كان راقدا # لقد فزت دون العور- أوس- برتبة ... وأعطيت نابا يفلق الصخر باردا # فإنما وصفه بشدة الحذر، وذكر العور على معنى الاستعارة كما قال حميد بن ~~ثور: [الطويل] # ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان نائم # وقال ابن المعذل: [المديد] # أشتهي في المقلة القبلا ... لا كثيرا يشبه الحولا # واحمرار الخد من خجل ... إنني أستحسن الخجلا # وقال آخر: [مجزوء الرجز] # وأحول ذي حركه ... يملأ بيتي بركة # يريد أنه يرى من الشيء اثنين، كما قال الآخر: [البسيط] # فقد جعلت أرى الشخصين أربعة ... والواحد اثنين مما بورك البصر # لأن هذا يصف الكبر. # واعتذر القاضي أبو محمد عبد الوهاب عن الحول فأحسن، حيث يقول: [الطويل] # حمدت إلهي إذ بليت بحبها ... وبي حول يغني عن النظر الشزر # نظرت إليها والرقيب يظنني ... نظرت إليه، فاسترحت من العذر # فحوله رفع عنه ثقل مئونة التكلف الذي ذكر الآخر حين قال: [الطويل] # ولما التقينا والعيون نواظر ... وليس لنا رسل سوى الطرف للطرف # تنزهت في خديك من نظر خفي ... وما زلت أخفي الود ضعفا على ضعفي # فإن غفل الواشون فزت بنظرة ... وإن نظروا نحوي نظرت إلى كفي # فلذلك حمد الله على الحول. # وقال الناشي ms0188 في هذا المعنى فأحسن: [الكامل] # يتناقلان اللفظ من جفنيهما ... فكأنما يتناسخان كتابا # وإذا سهت عين الرقيب تخالست ... كفاهما خلس السلام سلابا PageV01P208 # وللقاضي أبي محمد عبد الوهاب، أنشدنا بعض أشياخنا البيت الثاني والأخير ~~من القطعة التالية، وكان كثيرا ما يحرضنا بها على الطلب، ويسلينا عن ~~الغربة: [الطويل] # ومحجوبة في الخدر عن كل ناظر ... ولو برزت بالليل ما ضل من يسري # أقول لها والدمع يغلب صبرها ... أعدي لفقدي ما استطعت من الصبر # سأنفق ريعان الشبيبة آنفا ... على طلب العلياء أو طلب الأجر # أليس من الحرمان أن لياليا ... تمر بلا نفع وتحسب من عمري! # ولم ينشدنا البيت الأول ولا الأوسط، وهما من القطعة. # وأما كلام الحريري الذي فرغنا من شرحه؛ فهو منقول من مقامة البديع، يقول ~~على لسان عيسى بن هشام: «ثم فارقهم وتبعته، وعرفت أنه متعام لسرعة ما عرف ~~الدينار. # فلما نظمتنا حلوة، مددت يمناي إلى يسرى عضديه، فقلت: والله لتريني سرك، ~~أو لأهتكن سترك، ففتح عن توأمتيه، وحدر لثامه عن وجهه، فإذا والله أبو ~~الفتح الإسكندري، فقلت له: أنت أبو الفتح؟ فقال: [مجزوء الرمل] # أنا أبو قلمون ... في كل لون أكون # اختر من الكسب دونا ... فإن دهرك دون # زج الزمان بحمق ... إن الزمان زبون # لا تكذبن بعقل ... ما العقل إلا الجنون # وعتب الحريري على العمى فائق في النثر، وشعره في الاعتذار عنه رائق في ~~النظم، وهو على انطباعه في القصد إذا أتى بالبيتين أتى بالعجب، وهو في ذلك ~~كما قيل في أبي منصور الفقيه: إذا رمى بزجية قتل. # *** # قوله: «المخدع»، هو بيت داخل بيت، قال ابن الأنباري: هو الخزانة في جانب ~~البيت، وهو من خدع، إذا توارى واستتر، وأخدعه إخداعا: أخفاه، فمن ضم ميم ~~«مخدع» فهو من «أخدع»، ومن فتح فهو من «خدع»، وخدع الصب في جحره خدعا: # دخله خوفا من صائده. الغول: الأشنان، وهو النقاوة، ويقال أيضا: الغاسول، ~~وكل ما غسلت به ثوبك أو رأسك فهو غسل وغسول. يروق: يعجب. والطرف: العين. ينق: # ينظف. والبشرة: ظاهر الجلد. والنكهة: رائحة الفم، ms0189 ونكهت الرجل أنكهه ~~وأنكهه- والفتح أقل- واستنكهته، كله شممت فاه، قال الشاعر: [الوافر] # نكهت مجالدا فشممت منه ... كريح الكلب مات حديث عهد (¬1) PageV01P209 # واللثة: اللحم على الأسنان. نظيف الظرف: نقي الوعاء. أريج العرف: عطر ~~الرائحة، والأرج: فوح الطيب وأرج المسك: فاح. فتي الدق: طري الكسر. ناعم: # حسن، قد بولغ في سحقه، يريد أنه في الحال الذي يسحق يستعمل. الناشق: الشام. # والذرور والكافور: من أنواع الطيب، والذرور هو المعروف بالذريرة، والذرور أيضا: # غبار يذر في العين، وكله مأخوذ من الذر، وهو التفرق، لأن أجزاءه تفرقت ~~عند سحقه، وفعله ذر، وأصله ذرر والكافور مأخوذ من الكفر، وهو التغطية، ~~فلشدة فوحه وحده يستر رائحة غيره من الطيب. واللامس: الذي يمسه بيده. ~~الخلالة: عويد رقيق يخرج به الطعام من خلل الأسنان. أنيقة الشكل، معجبة ~~الهيئة، وشكل الشيء: هيئته التي هو عليها. ومدعاة: داعية، والهاء للمبالغة. ~~نحافة الصب: رقة العاشق. والعضب: السيف القاطع. آلة: عدة وأداة، يريد أنها ~~محددة مصقولة مثل آلة الحرب. ويروى «ألة» بالتشديد، وهي الحربة. لدونة: ~~لين. نحافة الصب: ليس هو تشبيها حقيقيا، وإنما أراد أنها أخذت من العاشق ~~نحافته، ومن العضب صقالته، ومن الغصن لدونته، ولو شبه الخلالة في الرقة ~~بالعاشق ونحوله لكان جائزا، وكان من التشبيه المقلوب، وكلاهما بديع في بابه. # والخلالة التي ذكر، أصلها نبات لشجير ينبت في الصيف، وتطلع له رءوس، يكون ~~في الواحد منها عدة من قضبان رقاق، فيمسك الرجل منها في جيبه رأسا، فمتى ~~أكل طعاما نزع منها قضيبا فتخلل به، ويعرف هذا النبات عندنا بالبستينج، ~~فيحتمل أن يكون هذا بعينه هو الذي عندهم فيالمشرق، وإلا فصفته التي وصفت ~~موجودة في البستينج من الرقة والصفاء واللين والحدة. # وجاء في الحديث النهي عن التخلل بعود الآس والرمان والقصب، وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «نقوا أفواهكم بالخلال فإنها مسكن الملكين ~~الكاتبين الحافظين، وإن قلمهما اللسان، ومدادهما الريق، وليس عليهما شيء ~~أشد من فضول الطعام». # أبو أيوب: قال صلى الله عليه وسلم: «حبذا المتخللون في الوضوء والطعام» (¬1). # أبو هريرة قال: ms0190 قال صلى الله عليه وسلم: «من أكل فليتخلل، فما تخلل ~~فليلفظ، وما لاك بلسانه فليبتلع» (¬2). PageV01P210 ### || AUTO [أشعار في التشبيه] # والخلالة إذا بلغت من رقتها، أن تقع بين الأسنان، فالعاشق إذا بلغ الغاية ~~النحول، هو الذي يشبه بها، كما قال في التاسعة في وصف الصبي الهزيل من ~~الجوع: «ولي منه سلالة، كأنها خلالة»، وأخذه من قول ديك الجن: [الخفيف] # ارحم اليوم ذلتي وخضوعي ... فلقد صرت ناحلا كالخلال # وقال أبو الطيب: [البسيط] # روح تردد في مثل الخلال إذا ... أطارت الريح عنه الثوب لم يبن (¬1) # فذكر أن ثوبه على بدن لم يتبين للناظر. والتشبيه المقلوب عندهم شيء ~~مستظرف، ومذهب مستحسن كما قال ذو الرمة: [الطويل] # ورمل كأوراك العذارى قطعته ... وقد جللته المظلمات الحنادس (¬2) # فقلب التشبيه، لأن العادة أن تشبه الأعجاز بكثبان الرمل، كما قال الآخر: ~~[الرجز] # * مثل قضيب تحته كثيب* # وكما قال الآخر: [الطويل] # وبيض نضيرات الوجوه كأنما ... تأزرن دون الأزر رملات عالج # وأخذه حبيب، وجود الصنعة حيث قال: # كم أحرزت قضب الهندي مصلتة ... تهتز من قضب تهتز من كثب # علق قوله: «من قضب تهتز» ب «أحرزت» يلج لك بديع صنعته بسرعة، فإنه أراد: # كم أحرزت قضب الهند وهي السيوف إذا أصلتت من أغمادها، وهزت. من قضب، أي ~~قدود نساء. تهتز من كثب، أي أكفال شبه أكداس رمال. # وما أعذب وأظرف قول البحتري: [الكامل] # أين الغزال المستعير من النقا ... كفلا ومن نور الأقاحي مبسما (¬3) # فهذا هو الذي جرت به العادة؛ في التشبيه، فقلب ذو الرمة العرف والعادة ~~فشبه كثبان النقا بأكفال النساء، وتبعه خالد الكاتب وغيره. PageV01P211 # حدث جحظة قال: حدثني خالد الكاتب، قال: جاءني يوما رسول إبراهيم بن ~~المهدي، فسرت إليه، فرأيت رجلا أسود على فرش قد غاص فيها، فاستجلسني وقال: # أنشدني من شعرك، فأنشدته: [الطويل] # رأت منه عيني منظرين كما رأت ... من الشمس والبدر المنير على الأرض # عشية حياني بورد كأنه ... خدود أضيفت بعضهن إلى بعض # ونازعني كأسا كأن حبابها ... دموعي لما صد عن مقلتي غمضي # وراح وفعل الراح في حركاته ... كفعل ms0191 نسيم الريح في الغصن الغض # فزحف حتى صار في ثلثي الفراش، وقال: يا فتى، شبهوا الخدود بالورد، وأنت ~~شبهت الورد بالخدود! فزدني، فأنشدته: [مجزوء الكامل] # عاتبت نفسي في هوا ... ك فلم أجدها تقبل # وأطعت داعيها إلي ... ك ولم أطع من يعذل # لا والذي جعل الوجو ... ه لحسن وجهك تمثل # لا قلت إن الصبر عن ... ك من التصابي أجمل # فزحف حتى انحدر من الفراش، ثم قال: زدني، فأنشدته: [الوافر] # عش فحبيك سريعا قاتلي ... والصنى إن لم تصلني واصلي # فأنا بين اكتئاب وضنى ... تركاني كالقضيب الذابل # فبكى العاذل لي من رحمة ... فبكائي لبكاء العاذل # فاستخف طربا، ثم قال: يا بليق، كم معك لنفقتنا؟ قال: ثمانمائة وخمسون ~~دينارا، قال: اقسمها بيني وبين خالد، فدفع إلي نصفها: # وقد سبق إلى قوله: «كأنه خدود»، قال المفضل: دخلت على الرشيد وبين يديه ~~طبق ورد، وعنده جارية مليحة شاعرة أديبة، قد أهديت إليه، فقال: يا مفضل، قل ~~في هذا الورد شيئا تشبهه به، فأنشأت أقول: [البسيط] # كأنه خد معشوق يقبله ... فم الحبيب وقد أبقى به خجلا # وقالت الجارية: [البسيط] # كأنه لون خدي حين تدفعني ... كف الرشيد لأمر يوجب الغسلا # فقال: يا مفضل قم فاخرج، فإن هذه الماجنة قد هيجتنا، فقمت وأرخيت الستور. # ولقد أحسن ابن الزقاق في قوله: [الخفيف] # ورياض من الشقائق أضحت ... تتهادى بها نسيم الرياح PageV01P212 # زرتها والغمام يجلد منها ... زهرات تروق لون الراح # قلت: ما ذنبها؟ فقال مجيبا: ... سرقت حمرة الخدود الملاح # وقال البحتري: [البسيط] # في طلعة الشمس شيء من ملاحتها ... وللقضيب نصيب من تثنيها (¬1) # وقال ابن المعتز: [الطويل] # سقتني في ليل شبيه بشعرها ... شبيهة خديها بغير رقيب # فأمسيت في ليلين: في الشعر والدجى ... وشمسين: من خمر وخد حبيب # وأستطرد إلى قلب التشبيه من مبالغة النحول الذي ذكرنا، فأقول: إذا صار ~~جسم العاشق من النحول يوصف بمثل قول الشاعر: [السريع] # أنحلني الحب فلو زج بي ... في مقلة النائم لم ينتبه # قد كان لي فيما مضى خاتم ... والآن لو شئت تمنطقت به # وبمثل قول أبي بكر ms0192 بن دريد: [السريع] # إن الذي أبقيت من جسمه ... يا متلف الصب ولم يشعر # صبابة لو أنها قطرة ... تجول في جفنك لم تقطر # صار جسم الخلالة على نحافته أكبر من جسم الصب بأضعاف، فينقلب التشبيه، ~~وكذلك إذا بولغ في وصف الأكفال بالعظم صغرت عندها الكثبان، فينقلب التشبيه. # وقد ترجم ابن جني في خصائصه ترجمة، فقال: هذا باب من غلبة الأصول على ~~الفروع، ثم أنشد بعض ما أنشدنا، وقرنها بمسائل من العربية حسان تشبه الباب. # وللمتقدمين والمتأخرين في النحول شعر كثير، ويستحسن في ذلك قول المجنون: # [الطويل] # فأصبحت من ليلى الغداة كناظر ... مع الصبح في أعقاب نجم مغرب (¬2) # ألا إنما غادرت يا أم مالك ... صدى أينما تذهب به الريح يذهب # أخذه المؤمل فقال: [السريع] # قد صرت من ضعفي إلى حالة ... تجري لها آماق حسادي # يكاد جسمي من نحول الضنى ... تحمله أنفاس عوادي PageV01P213 # وزاد خالد الكاتب، فجعله لا يدرك إلا بالوهم، فقال: [البسيط] # يا من تجاهل عما كان يعمله ... عمدا وباح بسر كان يكتمه # غدا خليلك نضوا لا حراك به ... لم يبق من جسمه إلا توهمه # فزاد ابن المعتز، وجعله يخفى على الموت، فقال: [البسيط] # مسهد خانه التفريق في أمله ... أضناه سيده ظلما بمرتحله # فدق حتى لو أن الدهر قاد له ... حتفا لما أبصرته مقلتا أجله # فأعدمه المتنبي واستريح منه. فقال: [الطويل] # أراك حسبت السلك جسمي فعقته ... عليك بدر عن لقاء الترائب (¬1) # ولو قلم ألقيت في شق رأسه ... من السقم ما غيرت من خط كاتب # *** # قال: فنهضت فيما أمر، لأدرأ عنه الغمر، ولم أهم إلى أنه قصد أن يخدع، ~~بإدخالي المخدع، ولا تظنيت أنه سخر من الرسول، في استدعاء الخلالة والغسول. # فلما عدت بالملتمس، في أقرب من رجع النفس، وجدت الجو قد خلا، والشيخ ~~والشيخة قد أجفلا، فاستشطت من مكره غضبا، وأوغلت في إثره طلبا. # فكان كمن قمس في الماء، أو عرج به إلى عنان السماء. # *** # قوله: «أدرأ»، أي أزيل. الغمر: الودك. أهم: أظن، ويذهب وهمي. تظنيت: # حسبت، وأبدل إحدى نوني «ظن» ياء ms0193 تخفيفا للتضعيف. سخر: هزأ. الملتمس: # المطلوب. الجو هنا: داخل البيت. أجفلا: هربا وأسرعا. قوله: «استشطت»: ~~اشتد غضبي. مكره: خداعه. أوغلت: بالغت وباعدت. قمس: غمس. عرج به: طلع به. # عنان بفتح العين: سحاب، والعنانة: السحابة، وأعنت السماء: صار لها عنان، ~~والله الموفق للصواب. PageV01P214 ### | AUTO المقامة الثامنة وهي المعرية [معرة النعمان] # هي بلدة بالشام، والنعمان: اسم جبل مطل عليها، والمعرة اسم البلدة، ~~فأضيفت إليه، ولها سبعة أبواب، وعلى جبل منها دير سمعان، فيه قبر عمر بن ~~عبد العزيز، وقبر شيث بن آدم عند باب شيث منها، وداخلها قبر يوشع بن نون، ~~وله يوم حفيل في كل عام، وإلى المعرة ينسب الشاعر المعري. قال شيخنا ابن ~~جبير: إنه خرج من قنسرين يريد حمص، قال: فرأينا عن يمين طريقنا بمقدار ~~فرسخين بلاد المعرة، وهي سواد كلها محاطة بشجر الزيتون والتين والفستق ~~وأنواع الفواكه، ويتصل التفاف بساتينها وانتظام قراها مسيرة يومين، وهي من ~~أخصب البلاد، وأكثرها أرزاقا، ووراءها جبل لبنان، وهو سامي الارتفاع، ممتد ~~الطول، متصل من البحر إلى البحر، وفي سفح الجبل حصون للملحدة الإسماعيلية، ~~فرقة مرقت من الإسلام، وادعت الإلهية، قيض لهم شيطان يعرف بسنان، خدعهم ~~بأباطيل وخيالات، وموه عليهم باستعمالها، وسحرهم بمحالها، فاتخذوه إلها ~~يعبدونه، ويبذلون الأنفس دونه، وحصلوا من طاعته بحيث يأمر أحدهم بالتردي من ~~شاهق جبل، فيتردى المأمور، والله يضل من يشاء. # *** # أخبر الحارث بن همام قال: رأيت من أعاجيب الزمان، أن تقدم خصمان، إلى ~~قاضي معرة النعمان، أحدهما قد ذهب منه الأطيبان، والآخر كأنه قضيب البان. # *** # قوله: «الأطيبان»، أي الأكل والنكاح، أي هو شيخ مسن، وقيل: الأطيبان: ~~النوم والنكاح، وقيل: طيب النكاح، وطيب النكهة. # أبو هريرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الأطيبان التمر واللبن» (¬1). # وسئل شيخ مسن من العرب عن حله، فقال: ذهب مني الأطيبان: السير والأير، ~~وبقي الأرطبان: الضراط والسعال. PageV01P215 # والبان: شجر تشبه بقضبانه القدود الناعمة. # *** # فقال الشيخ: أيد الله القاضي، كما أيد به المتقاضي، إنه كانت لي مملوكة ~~رشيقة القد، أسيلة الخد، صبور على الكد، تخب ms0194 أحيانا كالنهد، وترقد أطوارا ~~في المهد، وتجد في تموز مس البرد، ذات عقل وعنان، وخد وسنان، وكف ببنان، ~~وفم بلا أسنان؛ تلدغ بلسان نضناض، وترفل في ذيل فضفاض، وتجلى في سواد ~~وبياض، وتسقى ولكن من غير حياض، ناصحة خدعة، خبأة طلعة، مطبوعة على ~~المنفعة، ومطواعة في الضيق والسعة، إذا قطعت وصلت، ومتى فصلتها عنك انفصلت، ~~وطالما خدمتك فجملت، وربما جنت عليك فآلمت وململت، وإن هذا الفتى ~~استخدمنيها لغرض، فأخدمته إياها بلا عوض، على أن يجتني نفعها، ولا يكلفها ~~إلا وسعها، فأولج فيها متاعه، وأطال بها استمتاعه، ثم أعادها إلي وقد ~~أفضاها، وبذل عنها قيمة لا أرضاها. # *** # المتقاضي، أي المتحاكم إليه الذي يطلب من الحاكم قضاؤه، وعونه على خصمه؛ ~~وهذا الغرض الذي ذكره ضرب من الألغاز، لأنه مشى كلامه في وصف جارية وغلام، ~~وقد ضمن الكلام وصف إبرة ومرود. مملوكة، يعني الإبرة جعلها مملوكة لأنها ~~مما يتمول. رشيقة القد: معتدلة القامة. أسيلة: ملساء. خد الإبرة: شق فيه ~~ثقبها، وأصل الخد شق مستطيل في الأرض، والأسالة: ملاسة مع طول. # صبور على الكد، أي صابرة على المشقة والتعب، وفعول- بمعنى فاعل- يمتنع من ~~إلحاق الهاء به إذا وقع صفة لمؤنث، قال عنترة: [البسيط] # إني امرؤ سهل الخليقة ماجد ... لا أتبع النفس اللجوج هواها # ومنه: امرأة شكور وصبور ولجوج ولحن أبو محمد خواص العراق بقولهم: # شكورة ولجوجة وصبورة، قال: إن هذه التاء إنما تدخل في «فعول» إذا كانت ~~بمعنى «مفعول»، نحو ناقة ركوبة وشاة حلوبة. قال: وذكر النحويون في امتناع ~~الهاء من «فعول» بمعنى «فاعل» للمؤنث عللا، أجودها أن الصفات الموضوعة ~~للمبالغة نقلت عن بابها لتدل على المعنى الذي تخصصت به، فأسقطت الهاء من ~~صبور وفتاة معطار ونظائره؛ كما ألحقت بصفة المذكر في رجل علامة ونسابة، ~~ليدل على تحقيق المبالغة، وتؤذن بحدوث معنى زائد في الصفة. وامتناع الهاء ~~المذكورة في أصل مطرد [لم يشذ منه إلا قولهم]: عدوة، فإنهم ألحقوه بصديقة، ~~والشيء في أصول العربية [قد] يحمل على ضده ونقيضه، كما يحمل على نظيره ~~ورسيله. PageV01P216 # تخب: ms0195 تثب في الثوب بسرعة. النهد: الفرس الضخم. أطوارا: أحيانا، ومهدها: # مئبر الخائط الذي تمسك به إبرته. تموز: أحد الشهور، وهو يوليه. والبرد: ~~أن يبردها الحداد بالمبرد ليقومها ويعدلها، فالبرد هنا فعل صانعها. قال ابن ~~ظفر: ذهب بالبرد إلى ما طبع عليه الحديد من البرد في القيظ. قوله: «ذات عقل ~~وعنان»، أراد بالعنان الخيط لأنها ترسله في الخياطة، والعقل شدها بالخيط ~~حين تمسك في الثوب. سنان: طرفها المسنون، أي المحدد. كف ببنان: الكف ~~والتضريب شيئان معروفان في الخياطة، فيريد أن الخائط يقلب التضريب بأصابعه ~~وهي البنان ويكفه بالإبرة. فم، يريد ثقب الإبرة. # تلدغ: تضرب الإصبع. واللسان النضناض للحية، والنضنضة، قيل: هي صوت الحية، ~~وقيل: حركة لسانها، وإنما اختلف فيها لأن الحية إذا ضيق عليها فتحت فاها ~~وصفرت وحركت لسانها، فيقال: نضنضت، وشبه طرف الإبرة بلسان الحية لكثرة ~~حركته في الثوب؛ وما أحسن قول الشاعر في تشبيه لسان الأفعى بنور السراج: ~~[الوافر] # وقنديل كأن النور منه ... محيا من أحب إذا تجلى (¬1) # أشار على الدجى بلسان أفعى ... فشمر ذيله فرقا وولى # وقال ابن الصباغ الصقلي في شمعة: [المنسرح] # يطعن صدر الدجى بعالية ... صنوبري لسان كوكبها # كحية باللسان لاحسة ... ما أدركت من سواد غيهبها # وللبيتين الأولين حكاية مستظرفة، حدثني بها غير واحد من الطلبة أردت ترك ~~ذكرها لأمرين: لشهرتها، ولأني وجدت البيتين مثبتين في بعض النسخ من القلائد ~~لأحد رجالها، ثم عزم علي بعض الأدباء أن أذكرها، فذكرتها على اختصار ~~لفائدتها؛ وذلك أن الشاعر المعروف بالبكي الهجاء، دخل عليه في ليلة ماطرة ~~ذات رعد وبرق في بيت فندق دواب- شخص في الظلام لا يعرفه، وعلى البكي بقية ~~من سلهامة خلقة، لا يواريه غيرها، وعلى الثاني بقية من قميص قد أسود من طول ~~البلى وكثرة الأوساخ، حتى لا يعرف رائيه من أي ثوب هو؛ وقد بلل كل واحد ~~منهما المطر. وهما في بلاء من الفقر والجوع والبرد، فرق لهما خادم الفندق، ~~فدخل عليهما بقنديل، فعند ما نظر كل واحد منهما صاحبه تأسى به، ورأى أنه قد ms0196 ~~وجد لنفسه نظيرا في الشقاء. فقال البكي لجليسه: أي شيء أنت؟ فقال: شاعر، ~~وشؤم الأدب بلغ بي ما ترى، قال: # فأجز، فقال: [الوافر] # * وقنديل كأن النور منه* PageV01P217 # فقال الآخر: [الوافر] # * محيا من أحب إذا تجلى* # فقال البكي: [الوافر] # * أشار على الدجى بلسان أفعى* # فقال الآخر: [الوافر] # * فشمر ذيله فرقا وولى* # فقال له البكي- وقد أعجب به: بمن تعرف؟ فقال: بعنق البرة، قال له: وأنا ~~البكي، فجعلا يتناظران بقية ليلتهما في أيهما أكثر حرمانا، حتى أصبحا وكانا ~~يتلمسان. # فقال عنق البرة للبكي: هلم لنقترع؛ أينا يقيم هنا، وأينا يرتحل؟ فإنا إن ~~بقينا في موضع واحد، أدرك الناس من شؤمنا ما يؤدي بهم إلى الهلاك، فاقترعا ~~فخرجت قرعة البكي بالرحيل، فارتحل ونزل بفاس، فحل بأهلها من بلائه ما قد شهر. # قوله: «ترفل في ذيل فضفاض»، أي تمشي في خيط طويل. تجلى في سواد وبياض، أي ~~تبرز في خيط أسود لخياطة السواد، وأبيض لخياطة البياض. تسقى: أراد سقي ~~الحداد لها إذا أخرجها من النار وألقاها في الماء لتصلب. ناصحة: خائطة، ~~والنصاح: # الخياط، ونصحت الثوب: خطته. خدعة: تخدع الخائط كثيرا، فتخيط وجه الثوب ~~الأعلى، وتترك الأسفل، والهاء في هذه الصفات للمبالغة. خبأة طلعة؛ يصف ~~حالها من الخياطة حين تختبئ في الثوب، ثم تطلع في يد الخائط. مطبوعة أي ~~مصنوعة لينتفع بها. # مطواعة في الضيق والسعة؛ يريد إذا دفعتها في الثوب دخلت فيه، سواء اتسع ~~موضع دخولها أو ضاق. إذا قطعت وصلت، يريد إذا قطعت الثوب وفصلته ألفته. ~~فصلتها عنك: # نحيتها، وجعلتها في مئبرها. خدمتك، أي صرفتها فيما تحتاج من خياطة ثيابك. جملت: # ألفت قطع الثوب. جنت عليك فآلمت، أي ضربتك فأوجعتك وصيرتك ذا ألم. ململت، ~~أي جعلتك متقلبا لشدة الوجع. قوله: «استخدمنيها»، أي طلب مني خدمتها. الغرض: # الحاجة، وأصل الغرض ما قصدته سهام الرامي، ثم سميت الحاجة غرضا، لأنها ~~قصدت بالرغبة فيها. وسعها: طاقتها وقدر ما تحتمل مما تكلف. أولج فيها ~~متاعه، أي أدخل فيها خيطه. أفضاها: خرق عينها، وفي المرأة خلط مسلكيها، من ~~أفضيت ms0197 إلى الشيء، وصلت إلى متسعه، ومنه: القوم فوضى، أي متسعون مختلطون. ~~بذل: أعطى. # *** # فقال الحدث: أما الشيخ فأصدق من القطا، وأما الإفضاء ففرط عن خطا، وقد ~~رهنته، عن أرش ما أوهنته، مملوكا لي متناسب الطرفين، منتسبا إلى القين، PageV01P218 # نقيا من الدرن والشين، يقارن محله سواد العين، يفشي الإحسان، وينشي ~~الاستحسان، ويغذي الإنسان، ويتحامى اللسان، إن سود جاد، أو وسم أجاد، وإذا ~~زود وهب الزاد، ومتى استزيد زاد، لا يستقر بمغنى، وقلما ينكح إلا مثنى، ~~يسخو بموجوده، ويسمو عند جوده، وينقاد مع قرينته، وإن لم تكن من طينته، ~~ويستمتع بزينته، وإن لم يطمع في لينته. # *** ### || AUTO [القطا] # القطا: طائر يصيح «قطا قطا» فسمي بصياحه، وبما يفهم من صوته، ولذلك تسميه ~~العرب الصدوق، ويقال: أنسب من قطاة، لأنها إذا صاحت عرفت، وقال الشاعر: # [البسيط] # تدعو القطا وبه تدعى إذا انتسبت ... يا صدقها حين تدعوها فتنتسب (¬1) # حمراء مقبلة سكاء مدبرة ... للماء في البحر منها نوطة عجب # وقال الكميت: [البسيط] # لا تكذب القول إن قالت قطا صدقت ... إذ كل ذي نسبة لا بد ينتحل (¬2) # وقال أبو وجزة: [البسيط] # ما زلن ينسبن وهنا كل صادقة ... باتت تباشر عرما غير أزواج (¬3) # يريد، أن الحمير وردت الماء ليلا، فأثارت القطا عن أفاحيصه، فصاحت: «قطا PageV01P219 # قطا»؛ فذلك انتسابه وجعلها صادقة لصياحها قطا، والعرم بيضها، لأن فيه ~~سوادا وبياضا، وبيض القطا أفراد ثلاثة أو خمسة، قال مزاحم العقيلي في القطا ~~وفراخها: [الطويل] # فلما دعته بالقطاة أجابها ... بمثل الذي قالت له لم يبدل (¬1) # وقال المعري: [الكامل] # عرفت جدودك إذ نقطت وطالما ... لفظ القطا فأبان عن أنسابها # وقال الأصمعي: القطا لا تصيح إلا إذا أرادت الماء، فإذا عدم الماء، وسمعت ~~العرب صياح القطا، فرحوا به وعرفوا قرب الماء من بعده. # وقيل: سمي القطا لثقل مشيه، يقال: قطا الرجل يقطو، إذا ثقل مشيه. # *** # قوله: «فرط» أي سبق. عن خطا، أي عن غير تعمد. رهنته: أعطيته رهنا، ~~وأرهنتك: أعطيتك ما ترهنه. والأرش: قيمة العيب، أي دية الجرح، مأخوذ من أرش ~~بين القوم لأن ms0198 الأرش يختصم في قدره. أوهنته: أفسدته، ووهن الشيء يوهن ويهن: # ضعف، وأوهنته أنا، إذا أضعفته. مملوكا، يعني المرود. متناسب الطرفين، أي ~~هذا الطرف مثل هذا الطرف، تكتحل بأيهما شئت. القين: الحداد الذي صنعه. ~~الدرن: وسخ الحديد، والشين: العيب، أي هو مصقول معتدل ليس فيه اعوجاج ولا ~~عيب. يقارن محله سواد العين أي عند التكحل به. يفشي: يحدث ويظهر. وإحسان ~~الكحل في العين لا يخفى. ينشئ استحسان، أي ينشئ لناظر العين استحسان الكحل ~~في العين والإنسان: إنسان العين يغذيه بالكحل، والإنسان: السواد الذي في ~~وسط العين، إذا رأيته رأيت فيه شخصا، والشخص هو الإنسان، فسمي السواد به. ~~يتحامى: يبعد عنه، يريد أنه يكحل العين ولا يقرب من الفم. قوله: «سود»، أي ~~جعل فيه الكحل. جاد: أعطاه العين. وسم العين بالكحل: أجاد عمله فيها. قلما ~~ينكح إلا مثنى، أي ينكح عينا واحدة في الغالب. وقد نظم هذا النثر في ~~الثانية والأربعين. # جوده، أي يجود بكحله للعين. ويسمو: يطلع للعين، وجعل له الكحل غذاء يأخذ ~~ويرتفع به للغير. قرينته: مكحلته. من طينته: من جنسه. زينته: تزيينه للعين ~~يطمع في لينته: أي لا يطمع أن يكون الحديد لينا. وكل لفظة فسر بها المرود ~~والإبرة، لها لفظ في ظاهرها غير ما فسرت به. # *** # فقال لهما القاضي: إما أن تبينا، وإلا فبينا، فابتدر الغلام، وقال: ~~[المنسرح] PageV01P220 # أعارني إبرة لأرفو أط ... مارا غفاها البلى وسودها # فانخرمت في يدي على خطإ ... مني لما جذبت مقودها # فلم ير الشيخ أن يسامحني ... بأرشها إذ رأى تأودها # بل قال هات ابرة تماثلها ... أو قيمة بعد أن تجودها # واعتاق ميلي رهنا لديه ونا ... هيك بها سبة تزودها # فالعين مرهى لرهنه ويدي ... تقصر عن أن تفك مرودها # فاسبر بذا الشرح غور مسكنتي ... وارث لمن لم يكن تعودها # *** # تبينا: توضحا وتفسرا حديثكما المهم الملغز. فبينا: أبعدا، أو ارتفعا. قوله: # «أرفو» أي أخيط، ويروى «لأرفأ» يقال: رفأت الثوب أرفؤه ورفوته وأرفوه، ~~والرفو من أدق أنواع الخياطة، وهو نسج الخرق في الثوب حتى يعود كأنه لم ms0199 يكن ~~فيه خرق. # وقال ابن القابلة السبتي في غلام رفاء: [مخلع البسيط] # يا رافيا قطع كل ثوب ... ويا رشا حبة اعتمادي # عسى بخيط الوصال ترفو ... ما قطع الهجر من فؤادي # وقال الحلواني في خياط: [المديد] # رب خياط فتنت به ... فتنة أوهت قوى جلدي # لاعب بالخيط يفتله ... أتراه ظنه جسدي! # ليت أني كنته فأرى ... بين ذاك الدر والبرد # فعلت بالثوب إبرته ... فعل سهم الشوق في خلدي # وجرى المقراض في يده ... جرى عينيه على كبدي # ومن مجون أبي نواس، أنه كان يؤاكل إسماعيل بن أبي سهل، فعرضت له على ~~مائدة رقاقة في جانبها خرق قد ضم، فرفعها بإحدى يديه ونقرها بالأخرى، ~~فانفرجت، وقال وهو يضحك: أخبزكم مرفوء؟ فلما خرج قال: [الرمل] # خبز إسماعيل كالوش ... ى إذا ما انشق يرفا # عجبا من أثر الصن ... عة فيه كيف يخفى # إن رفاءك هذا ... ألطف الأمة كفا # فإذا قابل بالنص ... ف من الخبزة نصفا # ألطف الصنعة حتى ... لا ترى المغرز أشفى PageV01P221 # مثل ما جاء من التن ... ور ما غادر حرفا # والأطمار: الثياب الخلقة، واحدها طمر. عفاها البلى: غيرها القدم ودرسها، ~~وسودها بالأوساخ حتى صارت في طبع الثوب، فمتى غسلت لم تزل. # ومما قالت الشعراء في الأطمار مما يستحسن قول الحمدوني في طيلسان وهبه له ~~أحمد بن حرب المهلبي: [الخفيف] # يا بن حرب أطلت همي برفوي ... طيلسانا قد كنت عنه غنيا # فهو في الرفو آل فرعون في العر ... ض على النار بكرة وعشيا # وقال أيضا فيه: [الرمل] # طيلسان لابن حرب ... يتداعى لا مساسا # قد طوى قرنا فقرنا ... وأناسا فأناسا # لبس الأيام حتى ... لم تدع فيه لباسا # غاب تحت الحس حتى ... لا يرى إلا قياسا # وقال فيه أيضا: [المنسرح] # قل لابن حرب مقالة العاتب ... ولست فيما أقول بالكاذب # أما رأيت الرفاء يحزنني ... برفوه طيلسانك الذاهب # أفناه جور البلى عليه كما ... أفنى الهوى عمر خالد الكاتب # وقال فيه أيضا: [السريع] # إن ابن حرب جادلي كاسيا ... بطيلسان هرم قشعم # انظر إلى كثرة تمزيقه ... كأنما مزق في مأتم # رفوى له وهو ms0200 رميم كمن ... يبنى بناء فوق مستهدم # يصدعه اللحظ بإيماضه ... صدع فؤاد العاشق المغرم # يذكرني كثرة تمزيقه ... تفرق الناس عن الموسم # وقال فيه أيضا: [الخفيف] # يا بن حرب كسوتني طيلسانا ... مل من صحبة الزمان وصدا # طال ترداده إلى الرفو حتى ... لو بعثناه وحده لتهدى # فحسبنا نسج العناكب قد جئن ... إلى ضعف طيلسانك شدا # وقال أيضا فيه: [السريع] PageV01P222 # يا قاتل الله ابن حرب لقد ... أطال إتعابي على عمد # بطيلسان خلت أن البلى ... يطلبه بالوتر والحقد # أجد في رفوي له والبلى ... يلهو به في الهزل والجد # إن اتهم الرافي في رفوه ... مضى به التمزيق في نجد # غنيته لما مضى راحلا: ... تركتني يا واحدي وحدي # والحمدوني هو إسماعيل بن إبراهيم حمدويه، نسب إلى جده، وهو من أهل ميسان، ~~وكان حلو التصرف مليح الافتتان، وهو القائل: [السريع] # من كان في الدنيا له شارة ... فنحن من نظارة أدنى # نلحظها من كثب حسرة ... كأننا لفظ بلا معنى # وقال ابن الرومي في طيلسانه: [الطويل] # ولي طيلسان ناحل غير أنه ... ثبوت لهمات الرياح الزعازع # وما ذاك إلا أنه متهتك ... يخلى سبيل الريح غير منازع # أراه لضوء الشمس بالعين رؤية ... ويمنعني من لمسه بالأصابع # شكا ثقل اسم الطيلسان لضعفه ... فسميته ساجا فهل ذاك نافعي! # وقال ابن سارة في فروة: [الكامل] # أودت بذات يدي فريوة أرنب ... كفؤاد عروة في الضنا والرقة # يتجشم الرفاء في ترقيعها ... بعد المشقة في قريب الشقة # لو أن ما أنفقت في ترقيعها ... يحصى لزاد على رمال الرقة # إن قلت: «باسم الله» عند لباسها ... قرأت علي «إذا السماء انشقت» # وله فيها أيضا: [الكامل] # لي فروة وصفي لجائحتي بها ... يأتيك بين مقرط ومشنف # عطلت كتب أبي عبيد بالذي ... ألفت فيها من غريب مصنف # يسطو علي الغرم في ترقيعها ... سطو الغرام على فؤاد المدنف # فأنا وفروى خوف تمزيقي لها ... أحكي معاوية بجنب الأحنف # وله في طيلسانه: [السريع] # وطيلسان هرم يحتمى ... عليه أكل الخل والبقل # كأن كفي إذا انضمتا ... عليه خوف الريح في غل PageV01P223 # ولبعض أصحابه فيه: [المتقارب] # على منكب ابن ms0201 علي سمل ... تقطعه لحظات المقل # إذا غيم الجو أبصرته ... رهين الذبول بكف البلل # نسوا طيلسان ابن حرب به ... وصاروا به يضربون المثل # وله في غفارته: [المجتث] # لأحمد بن علي ... غفارة كالسراب # إن هب أدنى نسيم ... تمر مر السحاب # والشعر في هذا الباب كثير. # وقوله: «انخرمت»، أي انكسرت. مقودها: خيطها. تأودها: انكسارها، وأصله ~~الاعوجاج. أعتاق ميلي: أحبس مرودي. ناهيك: كافيك، ومعناه المبالغة، كأنه ~~بلغ النهاية في العيب الذي فعل. سبة: عيب يسب به. مرهى: خالية من الكحل، ~~وقد مره الرجل مرها إذا لم يتعهد الكهل، والمرهى من النساء: البيضاء البينة ~~الزرق الذي يختص الكحل في زرقها. اسبر: قس. غور: غاية وقدر. ارث: ارحم وتوجع. # *** # فأقبل القاضي على الشيخ، وقال: إيه، بغير تمويه، فقال: [المنسرح] # أقسمت بالمشعر الحرام ومن ... ضم من الناسكين خيف مني # لو ساعفتني لم يرني ... مرتهنا ميله الذي رهنا # ولا تصديت أبتغي بدلا ... من إبرة غالها ولا ثمنا # لكن قوس الخطوب ترشقني ... بمصميات من هاهنا وهنا # وخبر حالي كخبر حالته ... ضرا وبؤسا وغربة وضنى # قد عدل الدهر بيننا فأنا ... نظيره في الشقاء وهو أنا # لا هو يستطيع فك مروده ... لما غدا في يدي مرتهنا # ولا مجالي لضيق ذات يدي ... فيه اتساع للعفو حين جنى # فهذه قصتي وقصته ... فانظر إلينا وبيننا ولنا # *** # إيه: كلمة يستزاد بها الحديث. والتمويه: الكذب، وهو في الحديث كالتعمية، ~~وقد موه عليه، إذا خيل له أنه على شيء وهو على ضده، وأصل التمويه الصقل، ~~كأن على ألفاظه المموهة صقالة، وهو من لفظ الماء. المشعر: المزدلفة، وهو ~~جمع، سمي مشعرا PageV01P224 # لأنه من علامات الحج، وكل علامات الحج مشاعر، والمشعر والمنسك: موضع ذبح ~~الهدى بمكة المفضل، سمي مشعرا، لأنه شعر أنه حرام كالبيت. الناسكين: الحجاج ~~الذين يشعرون الهدى وما ينحر، أنسك ونسك منسكا ونسكا ونسكا، إذا ذبح النسك، ~~وأصلها ذبائح الجاهلية ثم سميت الأضاحي، والناسك أيضا: الزاهد. خيف: موضع ~~بمنى. قوله: «ساعفتني»: ساعدتني. تصديت: تعرضت. غالها: أهلكها. الخطوب: # الأمور الشداد. ترشقني: تصيبني. بمصميات: بسهام قاتلة. بؤس: شدة حال. ms0202 ضنى: # ضعف ومرض. وهو أنا، أي هو مثلي في ضيق الحال. مجالي: موضع تصرفي. ذات ~~يدي: مالي، وذات اليد ما يملك. العفو: الغفران. جنى: أذنب. قصتي: حديثي، ~~يقول: فانظر إلينا بعين الشفقة والرحمة، وأصلح بيننا بما ننصرف به شاكرين ~~لك، وهب لنا ما نثني به عليك، وجعل النظر عاملا في الجميع، لأن من وجوه ~~النظر الإصلاح بينهم والتكرم عليهم. # *** # فلما وعى القاضي قصصهما، وتبين خصاصتهما وتخصصهما؛ أبرز لهما دينارا من ~~تحت مصلاه، وقال لهما: اقطعا به الخصام وافصلاه. فتلقفه الشيخ دون الحدث، ~~واستخلصه على وجه الجد لا العبث، وقال للحدث: نصفه لي بسهم مبرتي، وسهمك لي ~~عن أرش إبرتي، ولست عن الحق أميل، فقم وخذ الميل. # فعرا الحدث لما حدث اكتئاب، واكفهر على سمائه سحاب، وجم له القاضي، وهيج ~~أسفه على الدينار الماضي؛ إلا أنه جبر بال الفتى وبلباله، بدريهمات رضخ بها ~~له، وقال لهما: اجتنبا المعاملات، وادرآ المخاصمات، ولا تحضراني في ~~المحاكمات، فما عندي كيس الغرامات. # فنهضا من عنده، فرحين برفده، مفصحين بحمده، والقاضي ما يخبو ضجره، مذ بض ~~حجره، ولا ينصل كمده، مذ رشح جلمده. # *** # قصصهما، أي حديثهما، وهو جمع قصة. خصاصتهما: فقرهما. تخصصهما: # رفعتهما وانقباضهما، وقد تخصص الرجل، إذا انقبض عن العامة وتشبه بالخاصة، أبرز: # أخرج. مصلاه: بساطه الذي يصلي عليه. أفصلاه: اقطعاه وأزيلاه. استخلصه: ~~حازه لنفسه خالصا. الجد: التحقيق. العبث: الهزل. سهم: نصيب. مبرتي: إكرامي ~~الذي وصلني به القاضي. أميل: أخرج وأعدل عنه. عرا: قصد ونزل به. حدث: ظهر. # اكتئاب: حزن وهم. وجم: غضب، والوجوم: السكوت على غضب. هيج: حرك. PageV01P225 # أسفه: حزنه. باله: فكره. بلباله: حزنه ووسواسه، رضخ: كثر العطاء. اجتنبا: باعدا. # المعاملات: المعاوضات والعواري. ادركا: ادفعا. كيس: وعاء الدراهم. رفده: عطاؤه. # يخبو ضجره: يسكن غضبه: بض حجره: رشحت كفه. قال الأخطل: [الكامل] # كزم اليدين من العطية ممسك ... ما إن تبض صفاته ببلال (¬1) # يفصل كمده: يزول حزنه. الجلمد: الصخر الصلب، كنى به عن كفه؛ وأنه بخيل، ~~ويد البخيل تشبه بالحجر، وقال جرير: [البسيط] # كأنما خلقت كفاه ms0203 من حجر ... فليس بين يديه والندى عمل (¬2) # يرى التيمم في بر وفي بحر ... مخافة أن يرى في كفه بلل # وقال ابن عبد ربه: [البسيط] # يراعة غرني منها وميض سنا ... حتى مددت إليه الكف مقتبسا (¬3) # فصادفت حجرا لو كنت تضربه ... من لؤمه بعصا موسى لما انبجسا # كأنما صيغ من لؤم ومن كذب ... فكان هذا له روحا وذا نفسا # أين هذه الأكف من التي ذكر حجية بن المضرب، حين قال: [الطويل] # أناس إذا ما الدهر أظلم وجهه ... فأيديهم بيض وأوجههم غر # يصونون أحسابا ومجدا مؤثلا ... ببذل أكف دونها المزن والبحر # فلو لامس الصخر الأصم أكفهم ... أفاض ينابيع الندى ذلك الصخر # وقال أبو الشيص: [الكامل] # إن الأمان من الزمان وريبه ... يا عقب شطا بحرك الفياض # بحر يلوذ المعتفون بسيله ... فعم الجداول مترع الأحواض # لأبي محمد المؤمل راحتا ... ملك إلى أعلى العلا نهاض # فيد تدفق بالغنى لصديقه ... ويد على الأعداء سم قاض # وقال أبو تمام: [الطويل] # تعود بسط الكف حتى لو أنه ... دعاها لقبض لم تجبه أنامله (¬4) PageV01P226 # وقال البحتري: [الكامل] # قد قلت للغيث الركام ولج في ... إبراقه، وألح في إرعاده (¬1) # لا تعرضن لجعفر متشبها ... بندى يديه فلست من أنداده # الله شرفه، وأعلى ذكره ... ورآه غيث بلاده وعباده # وقال ابن الرومي: [الطويل] # مقبل ظهر الكف وهاب بطنها ... له راحة فيها الحطيم وزمزم # فظاهرها للناس ركن مقبل ... وباطنها عين من الجود عيلم # *** # حتى إذا أفاق من غشيته، أقبل على غاشيته وقال: قد أشرب حسي، ونبأني حدسي؛ ~~أنهما صاحبا دهاء، لا خصما ادعاء، فكيف السبيل إلى سبرهما، واستنباط سرهما! ~~فقال له نحرير زمرته، وشرارة جمرته: إنه لم يتم استخراج خبئهما إلا بهما، ~~فقفاهما عونا يرجعهما إليه، فلما مثلا بين يديه، قال لهما: # اصدقاني سن بكركما، ولكما الأمان من تبعة مكركما. فأحجم الحدث واستقال، ~~وأقدم الشيخ وقال: # *** # قوله: «غشيته»، أي ذهاب عقله بأن يغمى عليه. وغاشيته: زواره ومن يغشى ~~موضعه. أشرب: دوخل: حسي: إدراكي وفهمي. نبأني: حدثني. وأخبرني. حدسي: # ظني، قال الفراء رحمه الله: حدست أحدس، إذا قلت ms0204 في الشيء برأيك. غيره: # حدست: ظننت ظنا بلغت منه غاية الشيء في عدده أو وزنه، وأصله من قول العرب: # بلغت الحدس، أي الشيء الذي تطلب لحاقه. والدهاء في الرجل: الحذق والتبصر ~~في الأشياء. لا خصما ادعاء، أي ليس بينهما ادعاء على الحقيقة فيختصمان ~~فيها. سبرهما: # اختبارهما. استنباط: استخراج. نحرير: حاذق. زمرته: جماعته، وجعله شرارة؛ ~~لنفوذ ذهنه واتقاده، ولذلك يسمى نحريرا، أي ماهرا بالأشياء كلها، كأنه ~~لإدراكه وفهمه بالأشياء ينحرها بظنه الصادق. خبئهما: خفي ما عندهما. ~~قفاهما: أتبعهما. والعون: # الشرطي، لأنه يعين من يتصرف له. مثلا: وقفا، يقال: مثل الشيء، فهو ماثل، ~~إذا قام وانتصب، وإذا لطئ بالأرض أو ذهب، وهو من الأضداد. سن بكر كما: ~~حقيقة خبركما. والبكر: الفتى من الإبل، وسنه: مبلغ عمره، لأن بالسن يعرف كم ~~بلغ من PageV01P227 # العمر، ولفظ المثل «صدقني سن بكره»، وروى البكري عن ابن الأعرابي أن رجلا ~~سام رجلا بكرا على أن يشتريه مسنا، فقال البائع: هذا جمل؛ لبكرله، وقال ~~المشتري: هذا بكر، فقال البائع: بل هو مسن، فبينما هما يتنازعان إذ نفر ~~البكر، فقال صاحبه: ليسكن نفاره: «هدع هدع»، وهي كلمة من العرب يسكن بها ~~صغار الإبل عند نفارها، ولا تقال للكبار، فقال المشتري عند ذلك: صدقني سن ~~بكرة. تبعة؛ شرحت في الصدر. أحجم: # تأخر فزعا. أقدم: تقدم متشجعا. استقال: طلب الإقالة. [الرجز] # *** # أنا السروجي وهذا ولدي ... والشبل في المخبر مثل الأسد # وما تعدت يده ولا يدي ... في إبرة يوما ولا في مرود # وإنما الدهر المسيء المعتدي ... مال بنا حتى غدونا نجتدي # كل ندى الراحة عذب المورد ... وكل جعد الكف مغلول اليد # بكل فن وبكل مقصد ... بالجد إن أجدى وإلا بالدد # لنجلب الرشح إلى الحظ الصدى ... وننفد العمر بعيش أنكد # والموت من بعد لنا بالمرصد ... إن لم يفاج اليوم فاجي في غد # *** # الشبل: ولد الأسد. المخبر: التجربة والخبرة. تعدت: ظلمت، والمتعدي: # الظالم المجاوز الحد في الظلم. مال بنا، أي حطنا. نجتدي: نسأل الناس ~~الجدا، وهو العطاء. ندي الراحة: كريم الكف. وجعد الكف، ضده، ms0205 وأراد أن يسأل ~~كل كريم سهل العطاء، وكل لئيم صعبه، وأصل الجعودة انقباض الشعر، ثم استعيرت ~~لقبض الكف من اللؤم، ومثله مغلول اليد، أي كأن يده محبوسة بغل للؤمها، ~~والسائل كأنه يحاول بسطها بالجود فيجدها محبوسة بغل اللؤم، وفي الكتاب ~~العزيز: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط [الإسراء: 29] ~~فهذا نهي عن التبذير. # وقال حبيب في قصيدة يمدح بها حفص بن عمر الأزدي ويذكر الجعودة، وهي: # [الطويل] # يرى الوعد أخزى العار إن هو لم تكن ... مواهبه تأتي مقدمة الوعد (¬1) # فلو كان ما يعطيه غيثا لأمطرت ... سحائبه من غير برق ولا رعد # من القوم جعد أبيض الوجه والندى ... وليس بنان يجتدى منه بالجعد # وقال البحتري: [الخفيف] PageV01P228 # صنتني عن معاشر لا أسمي ... أوليهم إلا غداة سبابي (¬1) # من جعاد الأكف غير جعاد ... وغضاب الوجوه غير غضاب # خطروا خطرة الجهام وساروا ... في نواحي الظنون سير السحاب # وقال أيضا في نحوه: [الوافر] # وخلفني الزمان على أناس ... وجوههم وأيديهم حديد (¬2) # لهم حلل حسن بيض ... وأخلاق قبحن فهن سود # أناس لو تأملهم لبيد ... بكى الخلف الذي يشكو لبيد # قوله «الدد»: ضد الجد، وهو اللهو واللعب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«لست من دد ولا الدد مني» (¬3)، أي لست من باطل ولا الباطل مني أجدى: نفع. ~~الحظ: البخت والنصيب. والصدى: العطشان، وأراد أن حظه في الدنيا قليل، فهو ~~سعى له ليجلب رزقا يكثر به حظه. ننفذ: نتمم. أنكد: مشئوم وكل ما جلب شرا ~~فهو أنكد ونكد. # والمرصد: الموضع الذي ترتقب فيه من تريد أخذه، وقد رصدته رصدا ترقبته. يفاج: # يأت على غفلة، وأصله فاجأ بالهمز، فسهله. # *** # فقال له القاضي: لله درك، فما أعذب نفثات فيك، وواها لك لولا خداع فيك، ~~وإني لك لمن المنذرين، وعليك من الحذرين، فلا تماكر بعدها الحاكمين، واتق ~~سطوة المتحكمين، فما كل مسيطر يقيل، ولا كل أوان يسمع القيل. # فعاهده الشيخ على مشورته، والارتداع عن تلبيس صورته، وفصل عن جهته، ~~والختر يلمع من جبهته. # قال الحارث بن همام: فلم أر ms0206 أعجب منها في تصاريف الأسفار، ولا قرأت مثلها ~~في تصانيف الأسفار. # *** # قوله: «لله درك»، أي ما أحسن كلامك، والدر أصله اللبن، وكأنه سمي بحكاية ~~صوته عند الحلب. ولله، أصله القسم، ولا تدخل اللام في القسم إلا على اسم ~~الله تعالى، والتعجب معها لازم، فإذا قال الذي يسمع صوت الحلب لصاحب ~~الناقة: لله PageV01P229 # درك! فكأنه قال: والله إن درك هذا لكثير، ثم استعير للفصيح في كلامه، ~~ولكل من أحسن في شيء، فكأنه قيل: ما أحسن ما جئت به! وقيل: معناه لله اللبن ~~الذي شربته من أمك، قال الفراء رحمه الله: ربما قالوا: درك، ولم يقولوا: ~~لله درك، وأنشد: [الخفيف] # در در الشباب والشعر الأس ... ود والضامرات تحت الرجال # قوله: «نفثات»، أي كلمات. واها: عجبا. والمنذر: المعلم بما يخاف. تماكر: # تخادع. سطوة: بطشة. المتحكم: الذي يتحكم بما شاء فيمتثل حكمه. مسيطر: ~~أمير مسلط. يقيل: يغفر الزلة. أوان: وقت. عاهده: حالفه. مشورته: أخذ رأيه. ~~الارتداع: # الكف. تلبيس: تخليط. صورته: قصته. فصل: زال الختر: الخداع. يلمع: يضيء، ~~يريد أنه انفصل عنه وعلى وجهه علامة الغدر، وأن يمينه التي حلف له كاذبة، ~~وأول من نظم في هذا المعنى الشماخ حين قال: [الطويل] # أتتني تميم قضها بقضيضها ... تمسح حولي بالبقيع سبالها (¬1) # يقولون لي: احلف ولست بحالف ... أخادعهم عنها لكيما أنالها # ففرجت هم النفس عني بحلفة ... كما شقت الشقراء عني جلالها # ومن الملح في اليمين الفاجرة، قول ابن الرومي: [المتقارب] # وإني لذو حلف كاذب ... إذا ما استمحت وفي المال ضيق # وهلى من جناح على معسر ... يدافع بالله ما لا يطيق # وقال فيه أيضا: [الوافر] # إذا حلت على ضيق ديوني ... وباكرني التجار وخوفوني # دفعتهم بمن لو شاء أدى ... حقوقهم إليهم منذ حين # ولدعبل: [الخفيف] # سألوني اليمين فارتعت عنها ... كي يغروا بذلك الارتياع (¬2) # ثم أرسلتها كمنحدر السي ... ل تدلى من المكان اليفاع # وأنشد أبو علي: [الكامل] # لا شيء يدفع حق خصم شاغب ... إلا كحلف عبيدة بن سميذع PageV01P230 # يمضي اليمين على اليمين لجاجة ... عض الجموح على اللجام المقدع # فإذا يذكر ms0207 حلفه أصغى لها ... وإذا يذكر بالتقى لم يسمع # قوله: «تصاريف»، أراد التصرف بالجولان في البلدان. والأسفار: الأول: جمع ~~السفر في البلاد، والثاني: جمع سفر، وهو الكتاب، قال الفراء رحمه الله: ~~الأسفار: # الكتب العظام. والتصانيف: التآليف المنوعة، والمصنف الذي فيه أنواع شتى. PageV01P231 ### | AUTO المقامة التاسعة وهي الإسكندرانية # قال الحارث بن همام: طحا بي مرح الشباب؛ وهوى الاكتساب، إلى أن جبت ما ~~بين فرغانة وغانة، أخوض الغمار، لأجني الثمار، وأقتحم الأخطار، لكي أدرك ~~الأوطار، وكنت لقفت من أفواه العلماء، وثقفت من وصايا الحكماء، أنه يلزم ~~الأديب الأريب، إذا دخل البلد الغريب، أن يستميل قاضية، ويستخلص مراضيه، ~~ليشتد ظهره عند الخصام، ويأمن في الغربة جور الحكام؛ فاتخذت هذا الأدب ~~أماما، وجعلته لمصالحي زماما، فما دخلت مدينة، ولا ولجت عرينة، إلا وامتزجت ~~بحاكمها امتزاج الماء بالراح، وتقويت بعنايته تقوي الأجساد بالأرواح. # *** # طحا بك قلبك ووهمك طحوا وطحيا: ذهب بك، وطحا الله الأرض. ودحاها: # بسطها. ابن الأنباري: طحا قلبه في الهوى واللهو، إذا تطاول وتمادى، قال علقمة: # [الطويل] # * طحا بك قلب في الحسان طروب (¬1) * # مرح الشباب: نشاط الفتوة. جبت: قطعت ومشيت. ### || AUTO [فرغانة] # فرغانة: مدينة في أقصى خراسان، وكان فيها بيت يسمى هيكل الشمس، بناه فارس ~~الملك، وخربه المعتصم، وبها قتل قتيبة بن مسلم الباهلي أمير خراسان سنة ~~ثلاث وخمسين، وبينها وبين سمرقند ثلاثة وخمسون فرسخا. قال اليعقوبي: من ~~سمرقند إلى أسروشنة خمس مراحل شراقا، ومن أسروشنة إلى فرغانة مرحلتان، ~~ومدينة فرغانة التي PageV01P232 # ينزلها الملك يقال لها كاسان، وهي مدينة جليلة القدر، عظيمة الأمر، وكل ~~هذه المدن مضافة إلى عمل سمرقند. وكان أنوشروان بنى فرغانة، ونقل إليها من ~~كل بيت قوما، وسماها أزهر خانه، أي من كل بيت. ### || AUTO [غانة] # وغانة: بلد من بلاد السودان، وإليها ينتهي التجار، والمدخل إليها من ~~سجلماسة، ومن سجلماسة إليها مسافة ثلاثة أشهر، ومن غانة إلى سجلماسةشهر ~~ونصف، ودون ذلك، وسبب ذلك أن الرفاق تتجهز إليها من سجلماسة بالأمتاع ~~والأثقال، فتباع في غانة بالتبر، فمن سافر إليها بثلاثين حملا يرجع ms0208 منها ~~بثلاثة أحمال، أو بحملين: واحد لركوبه، وثان للماء بسبب المفازة التي في ~~طريقها، حدثني غير واحد من تجارها أنهم يقطعون المفازة في ستة عشر يوما، لا ~~يرون فيها ماء إلا على ظهور الإبل، فأثمان أحمال الثلاثين جملا يجتمع فيها ~~من التبر ما يجعل في مزود واحد، فيطوون المراحل للخفة. # وغانة بلد مملكة السودان، وانتشر الإسلام في أهلها، وبها مدارس للعلم، ~~وبها من تجار المغرب كثير يدخلون التجارة فيصيبون الخصب والأمن وكثرة ~~المتاجر، فيشترون بها خدما للتسري، ويقيمون بها عند أميرها في غاية ~~الكرامة، والخدم فيها قد جعل الله فيهن من الخصال الكريمة في خلقهن فوق ~~المراد، من ملاسة الأبدان، وتفتق السواد، وحسن العينين، واعتدال الأنوف، ~~وبياض الأسنان، وطيب الروائح. ### || AUTO [السواد والبياض ومما قيل فيه شعرا] # وكان ابن الرومي وصف واحدة منهن بقوله: [مخلع البسيط] # تذكرك المسك والغوالي والن ... د ذوات النسيم والعبق # ليست من العبس الأكف ولا ال ... فلج الشفاه الخبائث العرق # أكسبها الحب أنها صبغت ... صبغة حب القلوب والحدق # يفتر ذاك السواد عن يقق ... من ثغرها كالئالئ النسق # كأنها والمزاح يضحكها ... ليل تعرى دجاه عن فلق # لها حر يستعير وقدته ... من قلب صب وصدر ذي حنق # يزداد ضيقا على المراس كما ... تزداد ضيقا أنشوطة الوهق # غصن من الآبنوس ركب في ... مؤزر معجب ومنتطق # وقال الشريف الرضي: [الطويل] # أحبك يا لون السواد فإنني ... رأيتك في العينين والقلب توأما (¬1) PageV01P233 # وما كان سهم العين لولا سوادها ... ليبلغ حبات القلوب إذا رمى # إذا كنت تهوى الظبى ألمى فلا تلم ... جنوني على الظبي الذي كله لمى # وقال ابن مسلمة: [الوافر] # يكون الخال في خد قبيح ... فيكسوه الملاحة والجمالا # فكيف يلام مشغوف على من ... يراها كلها في العين خالا! # وله أيضا: [البسيط] # لام العواذل في سوداء فاحمة ... كأنها في سواد القلب تمثال # وهام بالخال أقوام وما علموا ... أني أهيم بشخص كله خال # ولابن رباح: [الوافر] # وسوداء الأديم إذا تبدت ... يرى ماء النعيم جرى عليه # رآها ناظري فصبا إليها ... وشبه الشيء منجذب إليه # ولابن ms0209 رشيق: [مخلع البسيط] # دعا بك الحسن فاستجيبي ... يا مسك في صبغة وطيب # تيهي على البيض واستطيلي ... تيه شباب على مشيب # ولا يرعك اسوداد لون ... كمقلة الشادن الربيب # فإنما النور عن سواد ... في أعين الناس والقلوب # قال ابن رشيق: أخذته من قول الآخر، أنشده الجاحظ: [الخفيف] # مشبهات الشباب والمسك تفديه ... ن نفسي من الردى والخطوب # كيف يهوى الفتى اللبيب وصال ال ... بيض، والبيض مشبهات المشيب # وأخذ بيته الآخر من قول الآخر، أنشده الجاحظ: [الطويل] # وإن سواد العين في العين نورها ... وما لبياض العين نور فيعلم # فأخذه أيضا أبو الطيب، فقال في كافور وأحسن: [الطويل] # فجاءت بنا إنسان عين زمانه ... وخلت بياضا خلفها ومآقيا # ولابن الجهم: [المتقارب] # وعائب للسمر من جهله ... مفصل للبيض ذي محك # قولوا له عني: أما تستحي! ... من يجعل الكافور كالمسك! PageV01P234 # والسابق لهذا المعنى أبو حفص الشطرنجي، والناس تبع له حيث قال: [السريع] # أشبهك المسك وأشبهته ... قائمة في لونه قاعدة # لا شك- إذ لونكما واحد ... أنكما من طينة واحده # على أن العباس بن الأحنف معاصره، قال: [الطويل] # أحب النساء السود من أجل تكتم ... ومن أجلها أحببت ما كان أسودا # فجئني بمثل المسك أطيب نكهة ... وجئني بمثل الليل أطيب مرقدا # أخذ بيته الأول من قول ابن الأعرابي: [الوافر] # أحب لحبها السودان حتى ... أحب لحبها سود الكلاب # وقال ابن الرومي في تفضيل السواد على البياض: [المنسرح] # وبعض ما فضل السواد به ... والحق ذو سلم وذو نفق # ألا يعيب السواد حلكته ... وقد يعاب البياض بالبهق # وهذه الأقوال كلها على استحسانها اعتذارات واقتدارات من الشعراء على ~~تحسين القبيح، والأمر المجمع عليه تفضيل البياض. # قال الجاحظ: العرب تمدح بالبياض، وتهجو بالسواد، وربما مدحوا بالسواد، ~~ولكن أصل ما يبنون عليه أمرهم ذمه، وأنشد: [الوافر] # لهم ديباجة عرفت قديما ... بياض في الوجوه وفي الجلود # وأحسن كشاجم فيما قصد إليه بقوله: [المديد] # يا مشبها في فعله لونه ... لم تعد ما أوجبت القسمه (¬1) # خلقك من خلقك مستخرج ... والظلم مشتق من الظلمة # قوله: «جبت ما بين فرغانة وغانة»، وما هنا ms0210 بمعنى الذي، كأنه قال: جبت ~~الذي بين فرغانة التي هي أقصى المشرق، وغانة التي هي أقصى المغرب من البلاد ~~والقفار والبحار لكسب المال، فما هي التي أوجبت لما بين البلدتين ما ذكر أن ~~يعم بالمشي، ولو سقطت لم يلزم العموم، وكأنه يشير بهذا التعبير إلى قول ~~حبيب: [الطويل] # سلي هل عمرت القفر وهو سباسب ... وغادرت ربعي من ركابي سباسبا (¬2) # وغربت حتى لم أجد ذكر مشرق ... وشرقت حتى قد نسبت المغاربا PageV01P235 # قوله: «أخوض الغمار»، أي أدخل المياه الغزيرة فأجوزها. أقتحم الأخطار، أي ~~أترامى في المخاوف. والخطر: الغرر. والأوطار: الحاجات. وقال أبو عمر ~~القسطلي فيما يتعلق بهذا: [الطويل] # تخوفني طول السفار وإنني ... لتقبيل كف العامري سفير # دعيني أرد ماء المفاوز آجنا ... إلى حيث ماء المكرمات نمير # ألم تعلمي أن الثواء هو النوى ... وأن بيوت العاجزين قبور # وأن خطيرات المهالك ضمن ... لراكبها أن الجزاء خطير # وقال النابغة الجعدي: [الطويل] # إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه ... شكا الفقر أو لام الصديق فأكثرا (¬1) # فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا # وقال ابن سارة: [البسيط] # سافر فإن الفتى من باب مفتتحا ... قفل النجاح بمفتاح من السفر # إن شئت خضرتها يا ابن الرخاء فكن ... في طي عمر الفيافي نائي الحضر # ولا يصدنك عن أمر تصعبه ... قد ينبع الكوثر السلسال من حجر # لا بد أن يقع المطلوب في شرك ... ولو بنى وكره في دارة القمر ### || AUTO [مما قيل في السفر والحض عليه] # ومما ينتظم في باب الحض على السفر وترك العجز قولهم: لا ينبغي للعاقل أن ~~يكون إلا في إحدى المنزلتين، إما في الغاية من طلب الدنيا، وإما في الغاية ~~من تركها، ولا ينبغي للعاقل أن يرى إلا في أحد مكانين، إما مع الملوك ~~مكرما، وإما مع العباد متبتلا، ولا يعد الغرم غرما إلا إذا ساق غنما، ولا ~~الغنم غنما إلا إذا ساق غرما؛ ونظم هذا المعري فقال: [الوافر] # ذر الدنيا إذا لم تخط فيها ... وكن فيها كثيرا أو قليلا (¬2) # وأصبح واحد الرجلين ms0211 إما ... مليكا في العشائر أو أبيلا PageV01P236 # الأبيل: الراهب. # وفي كتاب الهند: من لم يركب الأهوال لم ينل الرغائب. # وفي التوراة: ابن آدم، خلقت من الحركة إلى الحركة، فتحرك وأنا معك. # وفي بعض الكتب: امدد يدك إلى باب من العمل؛ أفتح لك بابا من الرزق. # وقالوا: من ضعف عن عمله اتكل على رزق غيره. # وقال علي رضي الله عنه: الحرص مقدمة الكون. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس: «ما المروءة فيكم»؟ ~~قالوا: العفة والحرفة. # ورئي عكرمة وراء نهر بلخ، فقيل له: ما جاء بك هاهنا؟ فقال: بناتي. # وقال رجل لمعروف الكرخي: يا أبا محفوظ أتحرك لطلب الرزق أم أجلس؟ قال: # لا بل تحرك، فإنه أصلح لك، فقال: أتقول هذا؟ قال: وما أنا قلته ولكن الله ~~عز وجل أمر به، قال لمريم عليها السلام: وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك ~~رطبا جنيا [مريم: 25] ولو شاء لأنزله عليها. # وأنشد الثعالبي: [الطويل] # ألم تر أن الله أوحى لمريم ... وهزي إليك الجذع يساقط الرطب # ولو شاء أن تجنيه من غير هزها ... جنته، ولكن كل شيء له سبب # وقال موسى بن عمران عليه السلام: لا تلوموا السفر؛ فإني أدركت فيه ما لم ~~يدركه أحد؛ يريد أن الله كلمه فيه. # ونظم هذا المعنى حبيب فقال: [المنسرح] # فإن موسى صلى على روحه ... الله صلاة كثيرة القدس (¬1) # صار نبيا وعظم بغيته ... في جذوة للصلاء والقبس # قال المأمون: لا شيء ألذ من السفر في كفاية؛ لأنك تحل كل يوم في محلة لم ~~تحلها، وتعاشر قوما لم تعاشرهم. # الثعالبي: من فضائل السفر أن صاحبه يرى من عجائب الأمصار، وبدائع ~~الأقطار، ومحاسن الآثار، ما يزيده علما بقدرة الله، ويدعوه إلى شكر نعمته. # وفي الأثر الصحيح: سافروا تصحوا وتغنموا. # آخر: السفر يشد الأبدان، وينشط الكسلان، ويشهي إلى الطعام. PageV01P237 # آخر: ليس بينك وبين بلد نسب، فخير البلاد ما حملك. # قال ابن رشيق: كتبت إلى بعض إخواني: مثل الرجل القاعد- أعزك الله- كمثل ~~الماء الراكد، إن ترك تغير، وإن تحرك تكدر، ومثل المسافر كالسحاب ms0212 الماطر، ~~هؤلاء يدعونه رحمة، وهؤلاء يدعونه نقمة، فإذا اتصلت أيامه، ثقل مقامه، وكثر ~~لوامه، فاجمع لنفسك فرجة الغيبة، وفرحة الأوبة، والسلام. # وقال ابن رشيق: [البسيط] # غب عن بلادك وارج حسن مغبة ... إن كنت حقا تشتكي الإقلالا # فالبدر لم يجحف به إدباره ... ألا يسافر يطلب الإقبالا # وقال أبو الطيب: [الطويل] # وما بلد الإنسان غير الموافق ... ولا أهله الأدنون غير الأصادق (¬1) # وقال البحتري: [الخفيف] # وإذا ما تنكرت لي بلاد ... أو صديق فإنني بالخيار (¬2) # وقال أبو الطيب: [الطويل] # إذا لم أجد في بلدة ما أريده ... فعندي لأخرى عزمة وركاب # وقال إبراهيم بن العباس الصولي: [البسيط] # لا يمنعنك خفض العيش في دعة ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان (¬3) # تلقى بكل بلاد إن حللت بها ... أهلا بأهل وجيرانا بجيران # أي لا يمنعنك الشوق إلى الوطن في الغربة من الاستمتاع بلذة العيش، فالأرض ~~واحدة، والناس جنس واحد. وفي غير الحماسة: [البسيط] # لا يمنعنك خفض العيش في دعة ... من أن تبدل أوطانا بأوطان # برفع «خفض»، أي لا يمنعنك عيشك الهنيء في بلدك أن تجول في البلدان، وترى ~~الناس، فتستفيد النزهة والتجربة. # وقالوا: المسافر يسمع العجائب، ويكشف التجارب، ويجلب المكاسب. أوحش أهلك ~~إذا كان أنسك في إيحاشهم، واهجر وطنك إذا نبت نفسك عنه. # قيل لأعشى بكر: إلى كم ذا الاغتراب؟ أما ترضى بالدعة! قال: لو دامت الشمس ~~عليكم يومين لمللتموها. PageV01P238 # أخذه حبيب فقال: [الطويل] # وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد (¬1) # فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد # وقال الحكماء: لا تنال الراحة إلا بالتعب، ولا تدرك الدعة إلا بالنصب. ~~وقال حبيب: [الطويل] # على أنني لم أحو وفرا مجمعا ... ففزت به إلا بشمل مبدد (¬2) # ولم تعطني الأيام يوما مسكنا ... ألذ به إلا بنوم مشرد # وقال ابن عبد ربه: هل يجوز في عقل، أو يمثل في وهم، أو يصح في قياس، أن ~~يحصد زرع بغير بذر، أو يثمر مال بغير طلب، أو تجني ثمرة بغير غرس، أو يورى ~~زند بغير قدح! وقد يكون الإكداء ms0213 مع الكد، والخيبة مع الغيبة. # وقال الشاعر: [المتقارب] # وما زلت أقطع عرض البلاد ... من المشرقين إلى المغربين # وأدرع الخوف تحت الدجى ... وأستصحب الجدي والفرقدين # وأطوي وأنشر ثوب الهموم ... إلى أن رجعت بخفي حنين # وقال ابن رشيق: [الكامل] # يعطى الفتى فينال في دعة ... ما لم ينل بالكد والتعب # فاطلب لنفسك فضل راحتها ... إذ ليست الأشياء بالطلب # إن كان لا رزق بلا سبب ... فرجاء ربك أعظم السبب # وقال محمد بن يسير: [المنسرح] # قد يرزق الخافض المقيم وما ... شد لعنس رحلا ولا قتبا (¬3) # ويحرم المال ذو المطية والر ... حل ومن لا يزال مغتربا # وقال آخر: [البسيط] # قد يرزق المرء لم تتعب رواحله ... ويحرم الرزق بالأسفار والتعب # إني وعمرك ما أحصى ذوي حمق ... الرزق أعدى بهم من لاصق الجرب PageV01P239 # ولآخر: [الطويل] # ألا رب باغي حاجة لا ينالها ... وآخر قد تقضى له وهو جالس # آخر: [البسيط] # قد يرزق المرء، لا من حسن حيلته ... ويصرف الرزق عن ذي الحيلة الداهي # ما مسني من غنى يوم ولا عدم ... إلا وقولي فيه: الحمد لله # آخر: [البسيط] # لو كان باللب يزداد اللبيب غنى ... لكان كل لبيب مثل كافور # لكنه الرزق بالقسطاس من حكم ... يقصى اللبيب، ويعطى كل ماخور # ومثل هذا قليل في كثير وإنما يحكم بالأغلب، والنجح مع الطلب أكثر، ~~والحرمان للعاجز أصحب، وشرح حبيب هذا المعنى فقال: [الكامل] # هم الفتى في الأرض أغصان المنى ... غرست وليست كل حين تورق # أوصى بعض الحكماء ابنه وأراد سفرا، فقال: إنك تدخل بلدا لا تعرفه، ولا ~~يعرفك أهله، فتمسك بوصيتي تنفق بها؛ عليك بحسن الشمائل؛ فإنها تدل على ~~الحرية، ونقاء الأطراف فإنها تشهد بالملوكية، ونظافة البزة فإنها تشهد ~~بالنشء في النعمة، وطيب الرائحة فإنها تظهر المروءة، والأدب الجميل فإنه ~~يكسب المحبة، وليكن عقلك دون دينك، وقولك دون فعلك، ولباسك دون قدرك، والزم ~~الحياء والأنفة فإنك إن استحييت من الفظاظة اجتنبت الخساسة، وإن أنفت من ~~الغلبة لم يتقدمك نظير في مرتبة. # قوله: «لقفت»، أخذت، واللقف: أخذ ما يرمى إليك بيدك. ثقفت: قيدت، ويمدح ms0214 ~~الرجل الحازم به فيقال: فلان ثقف لقف. والأريب: العاقل، وقد أرب أرابة ~~وأربا، صار أريبا، والأريبة من أربت العقدة أربا، شددتها. يستميل: يستنزل ~~ويدعوه أن يميل إليه. يستخلص مراضيه، أي يحوزها لنفسه. ومراضيه: ما يرضي ~~القاضي ويوافقه، وهو جمع مرضاة، ويقال: صلة الرحم مرضاة للرب، أي يرضيه ~~برها، يقول: العاقل إذا دخل بلدة استعطف قاضيها لنفسه، بحسن خلقه حتى يخف ~~عليه أمره. ليشتد: ليتقوى. # جور: ظلم، إماما: قدوة، زماما: حبلا أقودها به. ولجت: دخلت. عرينة: بلدة، ~~وأصلها بيت الأسد. الراح: اسم الخمر، وأبهم، على ابن الرومي مم اشتق اسمها ~~حين قال: [الكامل] # والله ما أدري لأية علة ... يدعونها في الراح باسم الراح # ألريحها أم روحها تحت الحشا ... أم لارتياح نديمها المرتاح! PageV01P240 # وانظر الامتزاج الذي ذكر في الخامسة والأربعين. # عنايته: اعتناؤه به واهتمامه. # *** # فبينما أنا عند حاكم الإسكندرية، في عشية عرية، وقد أحضر مال الصدقات، ~~ليفضه على ذوي الفاقات، إذ حل شخص عفرية، تعتله امرأة مصبية، فقالت: أيد ~~الله القاضي، وأدام به التراضي، إني امرأة من أكرم جرثومة، وأطهر أرومة، ~~وأشرف خئولة وعمومة، ميسمي الصون، وشيمتي الهون، وخلقي نعم العون، وبيني ~~وبين جاراتي بون، وكان أبي إذا خطبني بناة المجد، وأرباب الجد، سكتهم ~~وبكتهم، وعاف وصلتهم وصلتهم، واحتج بأنه عاهد الله بحلفة، ألا يصاهر غير ذي حرفة # *** ### || AUTO [الإسكندرية] # مدينة عظيمة من بلاد مصر، بناها الإسكندر ذو القرنين، وهو الذي مشى مشارق ~~الأرض ومغاربها. قال السدي: لما سأل أهل الكتاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن ذي القرنين، قال: # سأخبركم كما تجدونه مكتوبا عندكم: إن أول أمره أنه غلام من الروم، أعطي ~~ملكا، فسار حتى أتى ساحل البحر من أرض مصر، فابتنى عندها مدينة يقال لها ~~الإسكندرية. # وقال الهمذاني: ذو القرنين ينسب إليه التاريخ قبل الإسلام، ومؤدبه ~~أرسطاطاليس الحكيم، وكان ملكه الذي بلغ فيه أقصى المشرق والمغرب خمسة عشر ~~عاما، والإسكندرية لما بناها رخمها بالرخام الأبيض جدرها وأرضها، فكان ~~لباسهم فيها السواد من نصوع بياض الرخام، وإذا كانت ليلة مقمرة يدخل ms0215 الخياط ~~الخيط في خرق الإبرة من بياض رخامها. # وقيل: إنها مكثت سبعين عاما لا يدخلها أحد إلا وعلى بصره خرقة سوداء من ~~بياض جصها ورخامها، ولم يحتج لها في تلك المدة إلى سراج بالليل من ضيائها. # وقيل: كانت ثلاث مدن يحيط بجميعها سور. # قال ابن جبير: ما شهدنا بلدا أوسع مسالك، ولا أعلى بناء، ولا أعتق ولا ~~أحفل من الإسكندرية، وأسواقها في نهاية الاحتفال ومن أعجب ما في وصفها أن ~~بناءها تحت الأرض كبنائها فوقها وأعتق، لأن الماء إذا جاء من النيل يخترق ~~جميع آبارها وأزقتها تحت الأرض، فتتصل الآبار بعضها ببعض، ويمد بعضها بعضا، ~~وعاينا فيها من سواري الرخام وألواحه كبرا وعلوا واتساقا حسنا ما لا يتخيل ~~إلا بالوهم؛ حتى إنك تلقى بعض PageV01P241 # سواريها يغص بها الجو صعودا لا يدري معناها، ولا لأي شيء وضعت إلا ما ~~يتحدث به أنه كان عليها من قديم الزمان مبان للفلاسفة وأهل الرئاسة ومن ~~أعظم عجائبها المنار، آية للمتوسمين وهداية للمسافرين، لولاه ما اهتدوا في ~~البحر إلى بر الإسكندرية، ويظهر على أزيد من سبعين ميلا، ومبناه في نهاية ~~العتاقة والوثاقة طولا وعرضا، يزاحم الجو سموا وارتفاعا ينحصر عنه الوصف، ~~وينحسر دونه الطرف، الخبر عنه يضيق، والمشاهدة له تتسع، ذرعنا أحد جوانبه ~~الأربع، فألفينا فيه نيفا وخمسين باعا، ويذكر أن في طوله أزيد من مائة ~~وخمسين قامة. # وأما داخله فمرأى هائل، اتساع معارج، ومداخل وكثرة مساكن حتى إن الوالج ~~في مسالكه ربما ضل، وفي أعلاه مسجد موصوف بالبركة، يتبرك الناس بالصلاة ~~فيه، طلعنا إليها، وشهدنا من شأن مبناه عجبا لا يستوفيه وصف واصف، والله ~~تعالى لا يخليه من عزة الإسلام. # *** # قوله «عشية عرية»، أي باردة. يفضه: يفرقه. ذوي الفاقات: أهل الفقر ~~والحاجات. عفرية: يقال رجل عفرية وعفر وعفري، إذا كان صحيحا شديدا موثق ~~الخلق، أخذ من عفر الأرض، وهو التراب، أي من علق به عفره بالأرض ومنه ليث ~~عفرين، أي ليث ليوث، معفر لفريسته. قال الخليل: رجل عفر بين العفارة، إذا ~~وصف بالشيطنة، والعفير ms0216 أيضا: الظريف الكيس، ويقال للشيطان: عفريت وعفرية، ~~وهم عفارية. وقرئ: «قال عفرية من الجن»، وفي الحديث: «إن الله ليبغض ~~العفريت النفريت» (¬1)، قيل هو الجموع المنوع. # وقال أبو عثمان النهدي: دخل رجل عظيم الجسم على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال له: متى عهدك بالحمى. قال: ما أعرفها، قال فبالصداع، قال: ما أدري ما ~~هو! قال: أفأصبت بمالك؟ قال: لا، قال: أفرزئت بولدك؟ قال: لا، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: «إن الله يبغض العفريت النفريت» (¬2)، وهو الذي لا يرزأ في ~~بدنه ولا يصاب في ماله. # وقوله: «تعتله»، أي تسوقه بعنف، وكذلك تدعه. مصبية: لها صبي. جرثومة: # أصل، وكذلك أرومة. ميسمي: علامتي. الصون: الصيانة والانقباض. شيمتي: # طبيعتي. الهون: الرفق. بون: بعد. بناة: جمع بان، والمجد: الشرف الضخم، ~~وأصله من الإبل المواجد، وهي التي امتلأت بطونها من الرعي وعظمت. وأمجدها ~~راعيها، إذا رعاها بحيث تمجد، ومجدت وهي تمجد: رعت فامتلأت. وحكى الأصمعي ~~قال: أتيت PageV01P242 # شعبة يوما؛ وعنده حماد بن سلمة، وهما يتكلمان في حديث فقال شعبة: يا أبا ~~سلمة، هذا الفتى الذي ذكرت لك فقال حماد؛ يا بني كيف تنشد بيت الحطيئة: ~~«أولئك قوم .. »؟ فابتدأت القصيدة من أولها: [الطويل] # ألا طرقتنا بعد ما هجعت هند ... وقد سرن خمسا وائلات بها الجد # إلى أن بلغت قوله: [الطويل] # أولئك قوم إن بنوا البنى ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا (¬1) # فقال لي حماد: يا بني إن العرب تقول: بنى يبني بناء في العمران، ويقولون ~~في الشرف: نبا ينبو نبوا، فأنشد هذا البيت «أحسنوا البنى» فعرفت قدر حماد ~~من ذلك فما كنت أنشد إلا كما لقنني. # قوله: «أرباب الجد». أي أصحاب السعد والمال. والعرب تقول: لفلان جد من ~~الدنيا، أي حظ وبخت، قال امرؤ القيس: [الوافر] # * وقاهم جدهم ببني أبيهم (¬2) * # وقال آخر: [الخفيف] # عش بجد ولا يضرك نوك ... إنما عيش من ترى بالجدود (¬3) # وجد الرجل: صار له جد، وأجده الله: جعل له جدا، وما كنت ذا جد، ولقد جددت ~~تجد، ورجل جديد: حظيظ من الجد والحظ. # أبو ms0217 عبيد قوله: «ولا ينفع ذا الجد منك الجد»، أي ولا ينفع ذا الغنى منك ~~غناه إنما تنفعه طاعته. يعقوب: أي من كان له حظ في الدنيا لم ينفعه ذلك في ~~الآخرة. # بكتهم: قطع كلامهم وأهانهم. عاف: كره. وصلتهم: اتصالهم به، والوصلة: # سبب التواصل، وهي في الآدميين ما يصل واحدا بآخر من حب وغيره، والوصلة ~~بالفتح: # ما جعلته بين عود وعود، أو حبل وحبل، فوصلتهما به. صلتهم: عطيتهم. حلفة: # يمين. يصاهر: يخاتن. حرفة: صنعة ومكسب، وهي فعلة من الحرف وهو الحرمان، PageV01P243 # والمحارف: المحروم، كأن صاحبها منع الرزق، فصار يعالج كسبه. # أبو هريرة رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم: «خير الكسب كسب يد ~~العامل إذا نصح» (¬1). # سهل بن سعد رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عمل ~~الأبرار من الرجال الخياطة، ومن النساء الغزل». # *** # فقيض القدر لنصبي ووصبي، أن حضر هذا الخدعة نادى أبي، فأقسم بين رهطه، ~~أنه وفق شرطه، وادعى أنه طالما نظم درة إلى درة، فباعهما ببدرة؛ فاغتر أبي ~~بزخرف محاله؛ وزوجنيه قبل اختبار حاله، فلما استخرجني من كناسي، ورحلني عن ~~أناسي، ونقلني إلى كسره، وحصلني تحت أسره، وجدته قعدة جثمة، وألفيته ضجعة ~~نومة. وكنت صحبته برياش وزي، وأثاث وري، فما برح يبيعه في سوق الهضم، ويتلف ~~ثمنه في الخضم والقضم، إلى أن مزق حالي بأسره، وأنفق مالي في عسره. # *** # قوله: «قيض»، أي قدر وساق. نصبي: تعبي. ووصبي: مرضي، ونصب الرجل نصبا. ~~أعيا من التعب، ووصب وصبا: أتعبه المرض، فهو نصب ووصب. الخدعة: # الكثير الخداع لغيره، وبسكون الدال الذي يخدعه غيره كثيرا؛ التحريك ~~للفاعل والسكون للمفعول فيما يأتي على «فعلة» من الصفات. نادى: مجلس. رهطه: ~~قومه، وهو اسم لجماعة من ثلاثة إلى عشرة، ويجمع أرهط وأراهط. وفق شرطه: أي ~~موافق ما اشترط. # نظم درة، يريد أنه جوهري ينظم سلوك اللؤلؤ. بدرة: عشرة آلاف درهم، وأراد ~~بالدرة هنا الكلمة، ويعبر بها عن الحكمة، قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا ~~تدعوا الدرة في أفواه الكلاب»، يعني ms0218 العلم. اغتر: انخدع، وهو افتعل من ~~الغرور. زخرف محاله: تزيين باطله، وأصل زخرف؛ زين الشيء بالزخرف وهو الذهب. ~~كناسي: بيتي وأصله للظبي، وهو من قوله تعالى: الجوار الكنس [التكوير: 16] ~~تشبيها لها بالظباء على ما ذكره ابن قتيبة؛ ويقال له: كناس ومكنس من الكنس، ~~كأن الظبية قد كنست مرقدها ووطأته. رحلني: نقلني وحملني على الرحل. كسره: ~~بيته، وأصله جانب بيت الشعر أو الخباء، لأن جانب الخباء قد انكسر عن يمينه. ~~أسره: حبسه. قعدة: كثير القعود. جثمة: كثير الجثوم، وهو ملازمة الموضع. ~~ضجعة: كثير الاضطجاع، وهو الامتداد على الأرض للنوم. نومة: كثير النوم، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لهم المقت من الله»، وذكر الذي يكثر ~~النوم بالنهار، PageV01P244 # ولم يأخذ من الليل شيئا، وفي حديث آخر: «خير أهل شر الزمان مؤمن نومة» ~~(¬1). أبو عبيدة: هو الخامل الذكر الذي لا يعرف الشر وأهله، فتريد أنه عاجز ~~قد لازم بيتها، فإن تصرفت فيه اعترضها ممتدا، فلا تجد معه راحة. رياش: ~~ثياب، «فعال» من الريش، لأنها تكسو البدن كما يكسو الريش الطائر. زي: هيئة ~~حسنة من اللباس. أثاث: متاع. ري: # حالة حسنة، وأصله الهمز، فسهل وأدغم ليوافق «زيا» قال ابن الأنباري: ~~الأثاث: # المتاع. والرؤي والرؤاء: المنظر، وما له رؤاء أي ما له منظر ولا لسان. ~~والحرفان، من رأيت أرى. ما برح: ما زال. الهضم: النقصان. الخضم: الأكل ~~بالفم كله. والقضم: # الأكل بأطراف الأسنان. مزق: قطع وأفسد. حالي: غناي، ويروى «ما لي» مكان ~~«حالي»، وما فيه بمعنى الذي كأنه قال: فرق الذي لي، ورواية ابن ظفر «بالي» ~~بالباء، وقال: البال: الخاطر، وما لهذا الشيء بال، إذا حقرته، والبال ~~كالخلد، تقول خطر ببالي، كما تقول: خطر بخلدي ونفسي، وكأن هذا هو الأصل. ~~والبال: الحال أيضا، ومنه قوله: [الوافر] # * وخالف بال أهل الدار بالي* # عسره، أي فقره. # *** # فلما أنساني طعم الراحة، وغادر بيتي أنقى من الراحة، قلت له: يا هذا، إنه ~~لا مخبأ بعد بوس، ولا عطر بعد عروس، فانهض للاكتساب بصناعتك، وأجنني ثمرة ~~براعتك؛ فزعم ms0219 أن صناعته قد رميت بالكساد، لما ظهر في الأرض من الفساد، ولي ~~منه سلالة، كأنه خلالة، وكلانا ما ينال معه شبعة، ولا ترقأ له من الطوى ~~دمعه، وقد قدته إليك، وأحضرته لديك، لتعجم عود دعواه، وتحكم بيننا بما أراك الله. # فأقبل القاضي عليه، وقال له: قد وعيت قصص عرسك، فبرهن الآن عن نفسك، وإلا ~~كشفت عن لبسك، وأمرت بحبسك؛ فأطرق أطراق الأفعوان، ثم شمر للحرب العوان، وقال: # *** # الراحة: القرار والعيش الهنيء، وأراد بأنقى من الراحة خلو الكف من الشعر. # مخبأ: ستر. بؤس: شدة وفقر. عطر: طيب. PageV01P245 # ولا عطر بعد عروس، مثل يضرب لتأخير الشيء عن وقت الحاجة إليه، وأصله أن ~~رجلا تزوج امرأة فوجدها تفلة، فقال لها: أين عطرك؟ قالت: خبأته لغير هذا ~~الوقت، فقال لها: لا مخبأ لعطر بعد عروس؛ وبهذا اللفظ روى أبو زيد الأنصاري المثل. # البكري: عروس رجل كانت عنده ابنة عم له، فمات عنها، فتزوجها بعده ابن عم ~~لها آخر، وهي كارهة، وانطلق بها إلى أهله وقد زودها طيبا في سفط، فمر بها ~~بقبر عروس، فأقبلت تبكيه وترفع صوتها، وتقول: يا عروس الأعراس، ويا شديد ~~الباس؛ مع أشياء لا يعلمها الناس. فانتهرها زوجها، وقال: ما تلك الأشياء؟ ~~فقالت: كان عن المكارم غير نعاس، يعمل السيف صبيحة الباس. ثم قالت: يا عروس ~~الأعراس الأزهر، الكريم المحضر، مع أشياء كانت تذكر؛ فازداد زوجها غضبا، ~~وقال: ما تلك الأشياء؟ # فقالت: كان عيوفا للخنا والمنكر، طيب النكهة غير أبخر، ثم أخذت السفط ~~وكسرته على قبر عروس، ثم قالت: لا عطر بعد عروس، فذهب مثلا. فقال زوجها: ~~ارجعي إلى أهلك، أنت طالق، فقالت: إذا أنصرف مغتبطة. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن عروسا هذا رجل من هذيل، وامرأته هذلية ~~اسمها أسماء. # قوله: «براعتك»، أي جودة تدبيرك. سلالة: ولد صغير كما سل من بطن أمه؛ ~~ولهذا سمي ولد الناقة عند النتاج قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى: سليل، ثم ~~اتسعوا في السلالة فقالوا: فلان كريم السلالة. والخلالة: عود تنقى به ms0220 ~~الأضراس من الطعام، شبهت ولدها به في رقته. ترقأ: تنقطع. الطوى: الجوع، ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت» (¬1). ~~تعجم: تختبر. دعواه: ما ادعاه من الصنعة، وعجمت العود: # عضضته بأسنانك لتعلم قوته من ضعفه. وعيت: حفظت. قصص عرسك: حديث زوجك. ~~برهن: أظهر حجتك، والبرهان: الحجة. لبسك. تخليطك والتباس أمرك. # أطرق: أمال رأسه إلى الأرض ساكتا. الأفعوان: ذكر الأفاعي، وهذا منقول من ~~قول المتلمس: # فأطرق إطراق الشجاع ولو رأى ... مساغا لنابيه الشجاع لصمما # ووقع لنا في رواية «لناباه»، وهي لغة. شمر: احتزم. العوان: التي قوتل ~~فيها مرة بعد أخرى، وهي أشد، والمرأة العوان: التي علت في السن ولم تهرم. ~~والعوان: # الثيب، كانت ذات زوج أو لم تكن، وعونت المرأة تعوينا، والجمع عون. ~~[المنسرح] # *** # اسمع حديثي فإنه عجب ... يضحك من شرحه وينتحب PageV01P246 # أنا امرؤ ليس في خصائصه ... عيب ولا في فخاره ريب # سروج داري التي ولدت بها ... والأصل غسان حين أنتسب # وشغلي الدرس، والتبحر في ال ... علم طلابي، وحبذا الطلب # ورأس ما لي سحر الكلام الذي ... منه يصاغ القريض والخطب # أغوص في لجة البيان فأخ ... تار اللآلي منها وأنتخب # وأجتني اليانع الجني من ال ... قول، وغيري للعود يحتطب # وآخذ اللفظ فضة فإذا ... ما صغته قيل إنه ذهب # وكنت من قبل أمتري نشبا ... بالأدب المنتقى وأحتلب # ويمتطي أخمصي لحرمته ... مراتبا ليس فوقها رتب # وطالما زفت الصلات إلى ... ربعي فلم أرض كل من يهب # *** # قوله: «ينتحب»، أي يبكى، ونحب نحيبا: أعلن بالبكاء. خصائصه: فضائله وما ~~يختص به من الأفعال المحمودة. ريب: شكوك. التبحر: التوسع. طلابي: أي طلبي، ~~وإنما هو للعلم، وذكر التبحر واللآلئ والغوص وغير ذلك مجازا؛ وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «ما انتعل رجل قط ولاتخفف ولا لبس ثوبا ليغدو في طلب ~~علم يتعلمه إلا غفر الله له حيث يخطو عتبة بيته». روي عن عائشة رضي الله ~~عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من انتعل ليتعلم ~~خيرا غفر الله له قبل ms0221 أن يخطو». # ابن عباس رضي الله عنهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الغدو والرواح ~~في تعليم العلم خير عند الله من الجهاد في سبيله». # ابن مسعود رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من خرج يطلب ~~بابا من العلم ليرد به ضلالا إلى هدى، أو باطلا إلى حق، كان كعبادة متعبد ~~أربعين سنة». # قوله: «يصاغ»، أي يصنع. القريض: الشعر، أغوص: أغيب في الماء إلى قعره. # واللجة: معظم الماء، جعله للبيان مجازا. اللآلئ: جمع لؤلؤة أنتخب: أختار. ~~وقال المسيب بن علس في وصف الغائص وانتخابه الدرة وتشبيه المرأة بها: ~~[الكامل] # كجمانة البحري جاء بها ... غواصها من لجة البحر (¬1) # نصف النهار الماء غامره ... وشريكه بالغيب ما يدري PageV01P247 # فأصاب منيته فجاء بها ... صدفية كمضيئة الجمر # يعطى بها ثمنا فيمنعها ... ويقول صاحبه: ألا تشري! # وترى الصراري يسجدون لها ... ويضمها بيديه للنحر # وقال عبد الرحمن بن حسان: [الخفيف] # وهي بيضاء مثل جوهرة الغ ... واص ميزت من جوهر مكنون (¬1) # وقال النابغة: [الكامل] # أو درة صدفية غواصها ... بهج متى يرها يهل ويسجد (¬2) # قوله: «اليانع» أي الناعم. الجني: الطري. أمتري نشبا، أي أستخرج مالا، ~~ومريت ضرع الناقة: مسحته وحككته ليدر اللبن. والنشب، قيل: هو العقار وما لا ~~ينقل، وكأن مالكه قد نشب إليه حيث لا ينتقل به، كالذي ماله الماشية أو ~~الذهب والفضة. المنتقى: # المختار، ويروى «المقتنى»، وهو المكتسب. ويقال: احتلب وحلب حلبا، ~~والحليب: # اللبن، وهو الحلاب، والحلاب أيضا: الإناء يحلب فيه، وأصله السيلان. وتحلب ~~الضرع: سال وانحلبت عينه: سال دمعها. يمتطي: يركب. أخمصي: باطن قدمي، وهو ~~ما ضمر منها وارتفع عن الأرض. لحرمته: أي لرفعته وشرفه. مراتبا: منازلا: ~~والمرتبة منزلة الشرف، من الرتب وهو ما أشرف من الأرض. والرتب: جمع رتبة، ~~وهي بمعنى المرتبة، وأصل الرتب الدرج تقطع في الحجر ليصعد بها إلى أعلى ~~الجبل، ومنه رتب كلامه، إذا أتبع بعضه بعضا على نظام واعتدال. زفت: حملت، ~~من زففت العروس إلى زوجها إذا أهديتها له. الصلات: العطايا. ربعي: منزلي. ~~لم أرض كل من يهب، ms0222 أي لا أرضى أن أكون تحت منة كل أحد. [المنسرح] # *** # فاليوم من يعلق الرجاء به ... أكسد شيء في سوقه الأدب # لا عرض أبنائه يصان ولا ... يرقب فيهم إل ولا نسب # كأنهم في عراصهم جيف ... يبعد من نتنها ويجتنب PageV01P248 # فحار لبي لما منيت به ... من الليالي وصرفها عجب # وضاق ذرعي لضيق ذات يدي ... وساورتني الهموم والكرب # وقادني دهري المليم إلى ... سلوك ما يستشينه الحسب # فبعت حتى لم يبق لي سبد ... ولا بتات إليه أنقلب # وادنت حتى أثقلت سالفتي ... بحمل دين من دونه العطب # ثم طويت الحثى على سغب ... خمسا فلما أمضني السغب # لم أر إلا جهازها عرضا ... أجول في بيعه وأضطرب # *** # من يعلق: معنى من استفهام. يرقب: يرعى. إل: قرابة، وإل: بقاء عهد. # وسبب: معرفة وصحبه، والسبب: العلم، ومنه: وآتيناه من كل شيء سببا [الكهف: # 84]؛ وأصله الحبل؛ ثم يستعمل في كل ما يربط شيئا بشيء، من كلام أو غيره. # عراصهم: مواضعهم، وأصل العرصة، فناء الدار. يقال: لب الرجل يلب لبابة، ~~ورجل ملبوب: موصوف باللبابة، ولب كل شيء من الثمار ولبابه: داخله، ولب كل شيء: # خالصه. منيت: ابتليت وقدر لي. صرفها: تقلبها وتصرفها بما يكره. ذرعي: ~~كناية عن صدري وخلقي، وأصل الذرع كيل الشيء بالذراع؛ ثم صار مثلا، يقال: ~~ضاق ذرعي بكذا إذا لم تحتمله وضاق تصرفك فيه. ذات يدي، أي مالي. ساورتني: ~~واثبتني. # الكرب: الهموم، وكررها لاختلاف اللفظ. المليم: الذي أتى بما يلام عليه. سلوك: # دخول. يستشينه: يستعيبه، والشين: العيب. لبد: شيء لا قليل ولا كثير، ~~وأصله الصوف، وأكثر ما يستعمل مزدوجا مع سبد؛ يقال: ما عنده سبد ولا لبد، ~~أي لا شعر ولا صوف، ويراد بها نفي الإبل والغنم، ثم صار نفيا لكل شيء من ~~المال. بتات: زاد. # أنقلب: أرجع. # ادنت: أخذت بالدين، وفي حديث عمر: «فادان معرضا» (¬1). والسالفة: صفحة ~~العنق، يريد أن هذا الدين لثقله ومقاساة همومه فوق العطب، والعطب: الذي هو ~~الهلاك دونه في الشدة. عائشة رضي الله عنها: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«إذا أراد الله ms0223 أن يذل عبده ابتلاه بالدين وجعله في عنقه»، وقال أنس رضي ~~الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والدين فإنه هم بالليل ~~ومذلة بالنهار»، وروى جابر رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«لا هم إلا هم الدين ولا وجع إلا وجع العين». # الحشى: أسقاط الجوف. سغب: جوع. أمضني: أحرقني. جهازها: متاعها الذي PageV01P249 # جاءتني به، والجهاز، متاع البيت، يريد شوارها، عرضا، أراد «عرضا» فحركه ~~ضرورة، والعرض الأمتعة هنا، أخبرني بهذا من يوثق به في اللغة: والعرض خلاف ~~النقد مشهور في اللغة. وفي العين: العرض، بفتح الراء: كثرة المال، فيقول: ~~لما لم يبق لي مال لم أر مالا إلا جهازها، فيكون على هذا أتم معنى، ويخرج ~~عن الضرورة التي ألزمته ذلك التحريك. أحول: أتصرف. أضطرب: أكثر الترداد ~~والتصرف. [المنسرح] # *** # فجلت فيه والنفس كارهه ... والعين عبرى والقلب مكتئب # وما تجاوزت إذ عبثت به ... حد التراضي فيحدث الغضب # فإن يكن غاظها توهمها ... أن بناني بالنظم تكتسب # أو أنني إذ عزمت خطبتها ... زخرفت قولي لينجح الأرب # فو الذي سارت الرفاق إلى ... كعبته تستحثها النجب # ما المكر بالمحصنات من شيمي ... ولا شعاري التمويه والكذب # ولا يدي مذ نشأت نيط بها ... إلا مواضي اليراع والكتب # بل فكرتي تنظم القلائد لا ... كفي، وشعري المنظوم لا السخب # فهذي الحرفة المشار إلى ... ما كنت أحوي بها وأجتلب # فأذن لشرحي كما أذنت لها ... ولا تراقب واحكم بما يجب # *** # عبرى: باكية. مكتئب: حزين. عبثت: لعبت وتحكمت فيه؛ يقول: ما تصرفت في ~~بيعه إلا برضا منها ومنى. قوله: «توهمها»، أي ظنها. خطبتها: مراسلتها في ~~النكاح. # لينجح الأرب: لتقضى الحاجة. تستحثها: تستعجلها. النجب: الإبل الكرام. المكر: # الخداع، المحصنات: العفائف. شيمي: طبائعي. شعاري: علامتي: التمويه، تقدم ~~في الثامنة. نيط: علق، وناط الشيء نوطا: علقه. اليراع: الأقلام. والمواضي: ~~المسرعة في الكتابة؛ يريد أنه فصيح لا يتوقف قلمه. السخب: جمع سخاب، وهي ~~قلادة قرنفل ليس فيها جوهر ولا لؤلؤ. قال ابن ظفر: السخب: العقود من اللؤلؤ ~~وغيره، ومن الطيب أيضا. أحوى: أحوز ms0224 وأجمع. # فأذن: اسمع. لا تراقب: لا ترع منا أحدا ولا تؤثره على صاحبه واحكم بيننا ~~بما يجب؛ وأخذ معنى الأبيات المتقدمة من قول ابن هرمة: # إني امرؤ لا أصوغ الحلي تعمله ... كفاي لكن لساني صائغ الكلم # وقال آخر: [الطويل] PageV01P250 # وإني لنظام القلائد للعلى ... ولست بنظام القلائد للنحر # *** # قال: فلما أحكم ما شاده، وأكمل إنشاده، عطف القاضي إلى الفتاة، بعد أن ~~شعف بالأبيات، وقال: أما أنه قد ثبت عند جميع الحكام، وولاة الأحكام، ~~انقراض جيل الكرام، وميل الأيام إلى اللئام، وأبي لإخال بعلك صدوقا في ~~الكلام، بريا من الملام، وها هو قد اعترف لك بالقرض، وصرح عن المحض. # وبين مصداق النظم، وتبين أنه معروق العظم؛ وإعنات المعذر ملأمة، وحبس ~~المعسر مالمة، وكتمان الفقر زهادة، وانتظار الفرج بالصبر عبادة، فارجعي إلى ~~خدرك، واعذري أبا عذرك، ونهنهي من غربك، وسلمي لقضاء ربك. ثم إنه فرض لهما ~~في الصدقات حصة، وناولهما من دراهمهما قبضة، وقال لهما: تعللا بهذه ~~العلالة، وتنديا بهذه البلالة. واصبرا على كيد الزمان وكده، فعسى الله أن ~~يأتي بالفتح أو أمر من عنده. فنهضا وللشيخ فرحة المطلق من الإسار، وهزة ~~الموسر بعد الإعسار. # *** # قول: «أحكم»، أي أتقن. شاده: بناه وزينه، وشاد البناء: أطاله وعمله ~~بالشيد، وهو الجص، ويقال: فيه: أشاد، ويقال: شاد عمله بالشيد وأشاده: ~~أطاله، هو الأول، وأشاد الحديث: رفعه، وعطف: ثنى عنقه وردها، وكل ما تثنيه ~~من عنق أو جارحة أو عود فقد عطفته. شعف: أعجب. انقراض: انقطاع وهلاك. جيل: ~~صنف، وجيلك: # أهل عصرك بعلك: زوجك؛ وبعل الرجل بعولة: تزوج. والقرض: السلف، أراد به ما ~~أعطته من ثمن جهازها سلفا. صرح: بين. وصرح عن المحض، مثل يضرب لسر الأمر، ~~إذا انكشف، وقالوا: أمر صراح، أي منكشف ظاهر، والصريح من اللبن: المحض ~~الخالص الذي لا رغوة فيه، قال الشاعر: [الوافر] # * وتحت الرغوة اللبن الصريح (¬1) * PageV01P251 # ثم قالوا: لكل شيء خالص: صريح. وقوله: «بين مصداق النظم»، يريد أن نظمه ~~إنما هو للشعر لا للجوهر. معروق: لا لحم على عظمه، أي هو فقير ms0225 إعنات: مشقة. # المعذر: الذي يجهد نفسه في الشيء ثم لا يستطيعه، يقال: قد أعذر، أي قد ~~بين عذره أنه لا يقدر عليه، وعذر فهو معذر، إذا قصر في طلب الشيء، قال ~~تعالى: وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم [التوبة: 90]، وقال ابن دريد: # * حكم المعذر غير حكم المعذر* # الملائمة والمأثمة: اللؤم والإثم. والمعسر: الفقير: والزهادة: قلة ~~الرغبة، قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«من جاع واحتاج فكتمه الناس وأنزله بالله، كان حقا على الله أن يفتح عليه ~~رزق سنة من حلال». # وعن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «انتظار ~~الفرج بالصبر عبادة». # وقال ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما صبر أهل بيت على ~~جهد ثلاثا إلا أتاهم الله عز وجل برزق». # خدرك: بيتك، وأصله الستر يكون خلفه الجارية المحجوبة. أبا عذرك: زوجك ~~المفتض لك. نهنهي: كفي غربك: حدة لسانك. وقيل: معنى «نهنهي من غربك»، أي ~~غيضي من دموعك، والغرب: فيض الدمع، والأول أشبه. سلمي: انقادي. فرض، أي ~~أوجب. حصة: نصيب. ناولهما: أعطاهما. قبضة: ما أخذت بأطراف أصابعك. # العلالة: الشيء القليل. تعللا: خذا منه شيئا بعد شيء، وكذلك تنديا، وأصل ~~العلالة بقية الماء في الإناء، وبقية اللبن في الضرع بعد الحلب، قال الرجز: ~~[الرجز] # * يرضعها الدرة والعلالة (¬1) * # والبلالة: الندى القليل يبل وجه الأرض. كيد: مكر. كده: جهده وأنشد أبو ~~محجن الثقفي: [الطويل] # عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كل يوم في خليقته أمر (¬2) # عسى ما ترى ألا يدوم وأن ترى ... له فرجا مما ألح به الدهر PageV01P252 # إذا اشتد عسر فارج يسرا فإنه ... قضى الله أن العسر يتبعه اليسر # الإسار: الحبل يشد به الأسير. هزة: طرب. الموسر: الغني. الإعسار: الفقر، ~~وسئل حكيم: أي الأشياء أحلى؟ قال: النصرة على العدو بعد الهزيمة، ~~والاستغناء بعد الحاجة، والغلبة للمتكلم. # *** # قال الراوي: وكنت عرفت أنه أبو زيد ساعة بزغت شمسه، ونزغت عرسه، وكدت ~~أفصح عن افتنانه؛ وإثمار أفنانه؛ ثم ms0226 أشفقت من عثور القاضي على بهتانه، ~~وتزويق لسانه، فلا يرى عند عرفانه، أن يرشحه لإحسانه، فأحجمت عن القول ~~إحجام المرتاب، وطويت ذكره كطي السجل للكتاب، إلا أني قلت بعد ما فصل، ووصل ~~إلى ما وصل: لو أن لنا من ينطلق في أثره، لأتانا بفص خبره، وبما ينشر من ~~حبره! فأتبعه القاضي أحد أمنائه، وأمره بالتجسس عن أنبائه، فما لبث أن رجع ~~متدهدها، وقهقر مقهقها، فقال له القاضي: مهيم، يا أبا مريم، فقال: لقد ~~عاينت عجبا، وسمعت ما أنشأ لي طربا، فقال له: ماذا رأيت، والذي وعيت! # *** # قوله: «بزغت»، أي طلعت. ونزغت: نشزت وقابلته بالشر والذكر القبيح، وأراد ~~أنه عرفه حين ساقته زوجته إلى القاضي. أفصح: أبين. افتنانه: تنوعه. إثمار: ~~إخراج الثمر، وهو حمل كل شجرة. أفنانه: أغصانه. أشفقت: خافت. عثور: ظهور، ~~وعثر على الأمر: اطلع عليه. بهتانه: باطله وكذبه. تزويق: تزيين، وهو من ~~الزاووق الذي يعرفه العامة بالزواق، أي أنه تزيين في الظاهر، وليس له ثبات. ~~عرفانه: تقدم معرفته. # يرشحه: يهيئه، وفلان يرشح لكذا، أي يؤهل له، من رشحت الأم ولدها باللبن، ~~إذا جعلته في فيه شيئا بعد شيء حتى يقوى، وقيل: الترشيح: التربية، وقيل: هو ~~تحنن الأم على ولدها من الشدة. أحجمت: تأخرت. المرتاب: صاحب الريبة. طويت: سترت. # السجل: الورق. والكتاب: المكتوب فيها، وقوله تعالى: كطي السجل للكتب ~~[الأنبياء: 104]، قيل: السجل: اسم كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: ~~ملك من السماء الثالثة ترفع إليه الحفظة أعمال العباد كل خميس واثنين. فصل: ~~زال وانفصل بفص خبره: # بحقيقة أمره. ينشر: يظهر. حبره: حسن كلامه، وأصله ثياب يمانية مزينة، ~~ونشرها: # حلها من طيها. التجسس: البحث. أنبائه: أخباره ما لبث، أي ما أقام، ~~والمعنى ما أبطأ شيئا حتى رجع. متدهدها: متحركا، والتدهده: قذفك الحجر من ~~أعلى إلى أسفل. # قهقر: رجع إلى خلف. مقهقها: مبالغا في الضحك، والقهقهة: حكاية صوت ~~الضاحك. PageV01P253 # مهيم: كلمة استفهام، معناها: ما الأمر؟ عاينت: رأيت. أنشأ: أحدث، ~~وتقديره: # سمعت شيئا أحدث لي ذلك الشيء المسموع الطرب، ولا يكون «أنشأ» ms0227 فعلا لأبي ~~زيد، إنما هو فعل ل «ما» من قوله: «ما أنشأ». وعيت: حفظت. # *** # قال: ولم يزل الشيخ مذ خرج يصفق بيديه، ويخالف بين رجليه، ويغرد بملء ~~شدقيه، ويقول: [مجزوء الرمل] # كدت أصلى ببليه ... من وقاح شمريه # وأزور السجن لولا ... حاكم الإسكندرية # فضحك القاضي حتى هوت دنينته، وذوت سكينته، فلما فاء إلى الوقار، وعقب ~~الاستغراب بالاستغفار، قال: اللهم بحرمة عبادك المقربين، حرم حبسي على ~~المتأدبين. ثم قال لذلك الأمين: علي به، فانطلق مجدا في طلبه. ثم عاد بعد ~~لايه، مخبرا بنأيه، فقال له القاضي: أما إنه لو حضر، لكفي الحذر، ثم ~~لأوليته ما هو به أولى، ولأريته أن الآخرة خير له من الأولى. # قال الحارث بن همام: فلما رأيت صغو القاضي إليه، وفوت ثمرة التنبيه عليه، ~~غشيتني ندامة الفرزدق حين أبان النوار، والكسعي لما استبان النهار. # *** # يصفق بيديه: يضرب بكفيه. يخالف بين رجليه: يعبث بهما في مشيه فيضع كل رجل ~~موضع الأخرى، وهي من أنواع الرقص؛ أراد أنه يضرب بكفيه ويرقص. يغرد: # يغني. بملء شدقيه، أي بصوت شديد تمتلئ به أشداقه. # وملء القدح: قدر ما يملؤه. أبو يعقوب: يقال: أعطني ملء القدح ماء، وأعطني ~~ملئيه، وأعطني ثلاثة أملائه. # أصلي ببلية، أي قربت أن أحترق بها وأتصلى بها، والبلية: المصيبة يبتلى ~~بها، وقاح، جمع وقاحة، وهي صلابة الوجه، وأصلها من الحافر الصلب، وقال ~~بعضهم في صلابة الوجه: [السريع] # لا يعمل المبرد في وجه ... بل وجهه يعمل في المبرد # فجعل وجهه لصلابته يؤثر في الحديد. شمرية، أي شديدة القحة، قال الأصمعي: # سألت أعرابيا، وقد خرج من الصلاة: ما قرأ الإمام؟ قال: ما أدري إلا أنه ~~وقع بين موسى وفرعون شمرية. هوت: سقطت. دنينته: قلنسوته، وهذه اللفظة إنما ~~وقعت في PageV01P254 # المقامات بفتح الدال وكسر النون، ودنينته بنونين لتوافق «سكينته»، ~~والصحيح حذف نونها الثانية وكسر الأولى، وهي قلنسوة محددة الطرف يلبسها ~~القضاة والأكابر، وليست من كلام العرب، إنما هي من الألفاظ المستعملة في ~~العراق، وقد استعملها شعراؤهم، قال ابن لنكك: [البسيط] # نفسي تقيك أبا ms0228 الهندام يا أملي ... إني بكل الذي ترضاه لي راضي # ما كان أيرى فقيها إذ ظفرت به ... فكيف ألبسته دينية القاضي # وقال الصابي: [مجزوء الرجز] # وفوقه دينية ... تذهب طورا وتجي # ذوت: زالت وخفيت. سكينته: وقاره، وأصل ذوى، في الشيء الذي فيه بلل وندوة، ~~فيجف بلله، فاستعاره للسكينة. فاء: رجع. وعقب: أتبع. الاستغراب: كثرة ~~الضحك، حتى تدمع العينان؛ أراد أنه أتبع ضحكه الاستغفار ليكون كفارة له، ~~وهذا الذي حكي عن القاضي يحكى مثاله عن الحجاج، يقال: إنه كان إذا استغرب ~~ضحكا يوالي من الاستغفار. # وقال عبد الله بن مسعود: في كتاب الله آيتان ما أصاب عبد ذنبا فقرأهما ثم ~~استغفر الله إلا غفر له الأولى: قوله تعالى: والذين إذا فعلوا فاحشة ... ~~[آل عمران: 135]، والثانية قوله تعالى: ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ... ~~[النساء: 110] الآية. # قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: من قال: «أستغفر الله الذي لا إله إلا ~~هو الحي القيوم وأتوب إليه» خمس مرات، غفر له ولو فر من الزحف. # شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سيد ~~الاستغفار أن تقول: # اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت وأنا عبدك أصبحت على عهدك ووعدك ما استطعت. ~~أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي إنه لا ~~يغفر الذنوب إلا أنت» (¬1). # وأصل غفر واستغفر غطى. قال قطرب: اللهم اغفر لنا ذنوبنا، أي غطها، من قول ~~العرب: غفرت المتاع في الوعاء أغفره غفرا، أي غطيته. ثعلب: غفر الرجل في ~~مرضه يغفر غفرا، أي نكس، فكأن المرض غطى عليه. وقال الأصمعي رحمه الله: ~~اللهم اغفر لنا ذنوبنا، أي استرها علينا، ومنه: اصبغ ثوبك، فإنه أغفر ~~للوسخ، أي أستر، وهذه معان متقاربة. PageV01P255 # قوله: «علي به»، أي جئني به. مجدا: مجتهدا في طلبه. لأيه: إبطائه. نأيه: # بعده. الحذر: الخوف. أوليته، بمعنى وليته وأعطيته. أولى: أحق، يريد أنه ~~لو رجع إليه كان يصله في المرة الثانية بما هو خير مما وصله به أول ms0229 مرة. ~~قوله: «صغو»، أي ميل. # فوت: ذهاب. التنبيه: الإعلام. غشيتني: غطتني. ولحقتني. أبان: طلق. ~~النوار: بنت عم الفرزدق وزوجه. استبان: تبين. # وقال الشاعر: [الطويل] # لو أن صدور الأمر تبرز للفتى ... كأعقابه لم تلفه يتندم (¬1) ### || AUTO [الفرزدق وبعض أخباره] # والفرزدق اسمه همام بن غالب بن صعصعة، دارمي من أشراف تميم، والفرزدق لقب ~~به لجهومة وجهه وغلظه، والفرزدق: قطعة العجين، وقيل: الرغيف الضخم. # وخبره مع النوار بنت أعين المجاشعي، أنه خطبها رجل من قريش أو من دارم، ~~فبعثت إلى الفرزدق أن يكون وليها إذا كان ابن عمها، فقال: إن بالشام من هو ~~أقرب إليك مني ولاء، وأنا حذر من أن يقدم منهم قادم، فينكر ذلك علي، فاشهدي ~~أنك جعلت أمرك إلي. فجعلت له أمرها أن يزوجها ممن يرى، وأشهدت له بذلك، ~~فقال لها: # أرسلي إلى القوم أزوجك ممن خطبك. فلما غص مسجد بني مجاشع ببني تميم جاء ~~الفرزدق، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: قد علمتم أن النوار ولتني أمرها، ~~وأشهدكم أني قد زوجتها من نفسي، فنشزت عليه ونافرته من البصرة إلى عبد الله ~~بن الزبير بمكة حين أعياها أمراء البصرة، أن يطلقوها منه. وأعياها الشهود ~~أن يشهدوا لها اتقاء من شره، فلم يقدر أحد على حملها، حتى تحملها قوم من ~~بني عدي، يقال لهم بنو نسير إلى مكة، فصحبتهم النوار، فقال الفرزدق: ~~[الطويل] # وقد سخطت مني النوار الذي ارتضى ... به قبلها الأزواج، خاب رحيلها (¬2) # أطاعت بني أم النسير فأصبحت ... على شارف ورقاء صعب ذلولها # وإن امرأ يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها # ومن دون أبوال الأسود بسالة ... وبسطة أيد يمنع الضيم طولها # وإن أمير المؤمنين لعالم ... بتأويل ما وصى العباد رسولها # ثم ارتحل في أثرها حتى وصلا مكة، فنزلت النوار على بنت منظور بن زبان ~~زوجة PageV01P256 # عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، ونزل الفرزدق على ابنه حمزة، وقال: ~~[الكامل] # أصبحت قد نزلت بحمزة حاجتي ... إن المنوه باسمه الموثوق (¬1) # بأبي عمارة خير من وطئ الحصى ... وجرت له في الصالحين ms0230 عروق # بين الحواري الأغر وهاشم ... ثم الخليفة بعد والصديق # فكان كل ما أصلح حمزة بن عبد الله من شأن الفرزدق نهارا أفسدته بنت منظور ~~ليلا، حتى غلبت النوار، وقضى ابن الزبير عليه، فقال: [البسيط] # أما البنون فلم تقبل شفاعتهم ... وشفعت بنت منظور بن زبانا (¬2) # ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا # فلما سمع ابن الزبير شعره، توقف في أمره، فلقيه يوما بباب المسجد، فضمه ~~إلى الحائط، حتى كادت تزهق نفس الفرزدق. وكان الزبير في غاية من القوة، ثم ~~هزه وتركه خائفا، ثم دخل على النوار، فقال لها: إما أن تتمي زواج ابن عمك ~~وإلا قتلته، وأرحت المسلمين من شر لسانه، فقالت له: ولا بد أن تقتله؟ قال: ~~ولا بد، فعطفها عليه رحم القرابة، وقالت: لا والله لا أدعه للقتل، قد ~~رضيته. فتزوجها، فحكم عليه ابن الزبير بمهر مثلها عشرة آلاف درهم، فسأل: هل ~~بمكة أحد يعينه؟ فدل على سلم بن زياد، وكان ابن الزبير قد حبسه، فقال: ~~[الطويل] # دعي مغلقي الأبواب دون فعالهم ... ومري بمسرى لي هبلت إلى سلم (¬3) # إلى من يرى المعروف سهلا سبيله ... ويفعل أفعال الكرام التي تنمي # ثم دخل على سلم؛ وأنشده القصيدة، فقال: هي لك ومثلها لنفقتك، فقبض عشرين ~~ألفا، فدفع مهرها، فدخل بها، وأحبلها قبل أن تخرج من مكة، ثم خرج بها، وهما ~~عديلان في محمل، وكانت أبدا تخالفه وتسبه، لأنها كانت صالحة الدين، وكان هو ~~رديء الدين، زانيا قاذفا للمحصنات، فكانت تكرهه. # ومن ملح أخبارها أنه راود امرأة شريفة على نفسها، فامتنعت عليه، فتهددها ~~بالهجاء، فاستعانت بالنوار، فقالت: واعديه ليلة؛ ثم أعلميني. ففعلت، وجاءت ~~النوار، ودخلت الحجلة مع المرأة، فلما دخل الفرزدق البيت، أمرت الجارية ~~فأطفأت السراج، وبادر الحجلة والنوار فيها، وهو لا يشك أنها صاحبة الدار، ~~فواقعها. فلما فرغ قالت: يا عدو الله، يا فاسق! فعرفها، وعلم أنه قد خدع، ~~فقال لها: وأنت هي! يا سبحان الله! ما أطيبك حراما، وأبردك حلالا! فلم تزل ~~تؤذيه بلسانها حتى أبغضها. PageV01P257 # فحدث أبو ms0231 معقل راويته، قال: قال لي الفرزدق يوما: امض بنا إلى حلقة ~~الحسن، فإني أريد أن أطلق النوار، فقلت: إني أخاف أن تتبعها نفسك، ويشهد ~~عليك الحسن وأصحابه، قال: امض بنا، فجئنا حتى وقفنا على الحسن فقال: كيف ~~أصبحت يا أبا سعيد؟ قال: بخير، كيف أصبحت يا أبا فراس؟ قال: لتعلمن أن ~~النوار طالق مني ثلاثا، فقال الحسن وأصحابه: قد سمعنا، قال: فانطلقنا، فقال ~~الفرزدق: يا هذا، إن في قلبي من النوار شيئا، فقلت: قد حذرتك، فقال: ~~[الوافر] # ندمت ندامة الكسعي لما ... غدت مني مطلقة نوار (¬1) # وكانت جنتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضرار # ولو أني ملكت يدي ونفسي ... لأصبح لي على القدر اختيار # وكنت كفاقئ عينيه عمدا ... فأصبح ما يضيء له نهار # وتوفي سنة عشر ومائة. وفيها مات جرير وابن سيرين والحسن، فقالت امرأة ~~بصرية: كيف يفلح بلد مات فقيهاه وشاعراه، وأضافت جريرا إلى البصرة لكثرة ~~قدومة إليها، ومسكنه باليمامة. وأخباره تطول، وإنما ذكرنا منها ما تعلق ~~بالنوار معه. ### || AUTO [الكسعي وقوسه] # وأما الكسعي فرجل منسوب إلى كسع، قبيلة باليمن، واسمه محارب بن قيس، ~~وبندامته يضرب المثل؛ يقال: أندم من الكسعي، وقيل: إنه من بني سعد بن ~~ذبيان، وقيل: اسمه عامر بن الحارث. # ومن حديثه أنه كان يرعى إبلا بواد كثير العشب والخمط؛ فبينما هو يرعاها ~~بصر بنبعة على صخرة، فقال: ينبغي أن تكون هذه قوسا، فجعل يتعهدها ويقومها ~~حتى أدركت، فقطعها، فلما جفت اتخذ منها قوسا، وأنشأ يقول: [الرجز] # يا رب وفقني لنحت قوسي ... فإنها من لذتي لنفسي # وانفع بقوسي ولدي وعرسي ... أنحتها صفراء مثل الورس # * صلداء ليست كقسي النكس (¬2) * # ثم دهنها وخطمها بوتر، واتخذ من برايتها خمسة أسهم، وجعل يقلبها في كفه، ~~وينشد: [الرجز] PageV01P258 # هن وربي أسهم حسان ... يلذ للرامي بها البنان # كأنما قومها ميزان ... فأبشروا بالخصب يا صبيان # * إن لم يعقني الشؤم والحرمان (¬1) * # ثم أتى قترة على موارد حمر، فكمن فيها، فمر به قطيع، فرمى عيرا منها ~~بسهم، فأمخطه- أي أنفذه- وجازه، وأصاب الجبل، فأورى نارا، فظن أنه أخطأه، ms0232 ~~فأنشأ يقول: # [الرجز] # أعوذ بالله العزيز الرحمن ... من نكد الجد معا والحرمان # ما لي رأيت السهم بين الصوان ... يوري شرارا مثل لون العقيان # * فأخلف اليوم رجاء الصبيان (¬2) * # ثم مر به قطيع آخر، فرمى عيرا فأمخطه السهم، فصنع صنيعه الأول، فأنشأ يقول: # [الرجز] # لا بارك الرحمن في رمي القتر ... أعوذ بالخالق من شر القدر # أأمخط السهم لإرهاق الضرر ... أم ذاك من سوء احتيال ونظر # * أم ليس يغني حذر عنه قدر (¬3) * # ثم مر به قطيع آخر فرمى عيرا، فأمخطه السهم، فصنع صنيعه الأول، فأنشأ يقول: # [الرجز] # ما بال سهمي يوقد الحباحبا ... قد كنت أرجو أن يكون صائبا (¬4) # فأخطأ العير وولى جانبا ... فصار رأيي فيه رأيا خائبا # ثم مر به قطيع آخر، فرمى عيرا بسهم فأمخطه السهم، وصنع ما صنع أولا، ~~فأنشأ يقول: [الرجز] # يا أسفا والجد النكد ... في قوس صدق لم تزين بأود # أخلف ما أرجو لأهل وولد ... فيها ولم يغن الحذار والجلد # * فخاب ظن الأهل جمعا والولد (¬5) * # ثم مر به قطيع آخر، فرمى عيرا بسهم، فأمخطه السهم، وصنع كما صنع أولا، PageV01P259 # فأنشأ يقول: [الرجز] # أبعد خمس قد حفظت عدها ... أحمل قوسي وأريد ردها # أخزى الإله لينها وشدها ... والله لا تسلم مني بعدها # * ولا أرجي ما حييت رفدها (¬1) * # ثم أخذ القوس، فكسرها على حجر وبات، فلما أصبح أبصر الأعيار الخمسة ~~مطروحة حوله، فأسف وندم على كسر القوس، وعض على إبهامه فقطعها تلهفا، وأنشأ ~~يقول: [الوافر] # ندمت ندامة لو أن نفسي ... تطاوعني إذا لقطعت خمسي (¬2) # تبين لي سفاه الرأي مني ... لعمر أبيك حين كسرت قوسي PageV01P260 ### | AUTO المقامة العاشرة وتعرف بالرحبية # حكى الحارث بن همام قال: هتف بي داعي الشوق، إلى رحبة مالك بن طوق؛ ~~فلبيته ممتطيا شملة، ومنتضيا عزمة مشمعلة. فلما ألقيت بها المراسي، وشددت ~~أمراسي، وبرزت من الحمام بعد سبت راسي، رأيت غلاما أفرغ في قالب الجمال، ~~وألبس من الحسن حلة الكمال. # *** # هتف بي، أي دعاني، يقال: هتف بي هتفا وهتافا: دعاه، وهتف الحمامة: مدت ~~صوتها. والشوق: تحرك الحب، يريد أن شوقه ms0233 إلى الرحبة يهيج عليه حتى سار ~~إليها، وجعل له داعيا مجازا. والرحبة: مدينة شهيرة من عمالة الفرات، بناها ~~مالك بن طوق، ووليها فنسبت إليه، وإليها تنسب الثياب الرحبية، وتعرف برحبة ~~الشأم، وهي على يسار الطريق هي والرقة في استقبالك الفرات جائيا من حران، ~~وهي في آخر ديار ربيعة، وأول بلاد الشأم والفرات، بين ديار ربيعة والشأم، ~~فإذا عبرته صرت في حد الشام. ### || AUTO [مالك بن طوق] # ومالك- كنيته أبو كلثوم- بن مالك بن عتاب بن سعيد بن زهير بن جشم بن بكر ~~ابن حبيب بن عمرو بن غنم بن ثعلب. وقال حبيب يمدحه ويذكر الرحبة: [الكامل] # يا مال قد علمت ربيعة أنه ... ما كان مثلك في الأراقم أرقم (¬1) # طالت يدي لما رأيتك سالما ... وأنيخ عن خدى ذاك العظلم # وشممت ترب الرحبة العبق الثرى ... وشفى صداي البحر منها الخضرم # كم حل في أكنافها من معدم ... أمسى بها يأوي إليه المعدم # وقال فيه: [البسيط] # رأته في النوم عتاب فقال لها ... ذو والفراسة: هذا صفوة الكرم (¬2) PageV01P261 # فجاء والنسب الوضاح جاء به ... كأنه بهمة فيهم من البهم # طعان عمرو بن كلثوم ونائله ... إن السيور التي قدت من الأدم # لو كان يأمل عمرو مثله خلفا ... من صلبه لم يجد للموت من ألم # يقول هذا في اتصاله بنسب عمرو بن كلثوم، وأين هذا من قول دعبل يهجوه: # [البسيط] # الناس كلهم يعدو لحاجته ... ما بين ذي فرح منهم ومهموم (¬1) # ومالك ظل مشغولا بنسبته ... يروم منها بناء غير مهدوم # يبني بيوتا خرابا لا أنيس بها ... ما بين طوق إلى عمرو بن كلثوم # وكان ملكا شجاعا، جوادا ممدوحا أميرا على الجزيرة مسكن قومه بني ثعلب. # *** # قوله «لبيته»، أي أجبته. ممتطيا: راكبا، شملة: ناقة سريعة. منتضيا: مجردا. # عزمة مشمعلة، أي عزمة سريعة لا تواني فيها. المراسي: هي محابس السفينة. ~~أمراسي: # حبالى، يريد أنه استعد للإقامة وترك السفر، وضرب لذلك المثل بإلقاء ~~المراسي وشد الأمراس. برزت: خرجت وظهرت. سبت: حلق، ومتى دخل أهل المشرق ~~الحمام حلقوا رءوسهم. أفرغ: وضع ليصنع. والقالب: الذي تطبع ms0234 فيه الدراهم، ~~ودرهم مفرغ، إذا أذيبت فضته وصبت في قالبه فيريد أن هذا الغلام لإفراط حسنه ~~أفرغ في قالب الجمال. ### || AUTO [مما قيل في الحسن والجمال] # ونذكر في هذه المقامة من أوصاف الحسن والجمال ما أمكن، ونضيف إلى ذلك ما ~~قيل في العلمان من الأشعار الحسان مما يليق بهذا المكان وندعها من كل مقامة ~~يقع فيها ذكر العلمان. قال ابن عبد ربه: الحسن أحمر، وقد تضرب فيه الصفرة ~~مع طول المكث في الكن والتضمخ بالطيب كما تضرب في بيضة الأدحي. وقال ~~أعرابي: [البسيط] # وما تطيبت من صفراء خالية ... كالعاج صفرها الأكنان والطيب # وقال آخر: [الرجز] # كأن لون البيض في الأدحي ... لونك لولا صفرة الجادي (¬2) # يريد أنها تضمخ بالجادي، وهو الزعفران، وصفرة النعمة لا تبلغ صفرته. # وقالوا: إن الجارية الحسناء تتلون بلون الشمس، فهي بالضحى بيضاء، وبالعشى PageV01P262 # صفراء، قال الأعشى: [مجزوء الكامل] # بيضاء ضحوتها وصف ... راء العشية كالعراره (¬1) # العرار: البهار. # وقال الحريري في الدرة: فأما قولهم في الحسن: أحمر، فمعناه أنه لا يكتسب ~~ما فيه من الجمال إلا بتحمل مشقة يحمر منها الوجه، كما قالوا: السنة ~~الحمراء للمجدبة، وكنوا عن الأمر المستصعب بالموت الأحمر، وأما قوله: ~~[الطويل] # هجان عليها حمرة في بياضها ... تروق لها العينان والحسن أحمر # فإنه عنى به الحسن في حمرة اللون مع البياض، دون غيره من الألوان. # وقالوا: في الجارية: جميلة من بعيد، مليحة من قريب، فالجميلة التي تأخذ ~~بصرك جملة، فإذا دنت منك لم تكن كذلك، والمليحة التي كلما كررت بصرك فيها ~~زادتك حسنا. # وقيل: الجميلة السمينة؛ من الجميل، وهو الشحم، والمليحة البيضاء من ~~الملحة، وهي البياض، والصبيحة كذلك من الصبح لبياضه. # وقالوا: إن الوجه الرقيق البشرة الصافي الأديم إذا خجل يحمر، وإذا فرق ~~يصفر، ومنه قولهم: ديباج الوجه، يريدون تلونه من رقته. # وقال عدي بن زيد في تلون الوجه: [الخفيف] # حمرة خلط صفرة في بياض ... مثل ما حاك حائك ديباجا # وقال ابن عبد ربه في ذلك: [الكامل] # يا لؤلؤا يسبي العقول أنيقا ... ورشا بتقطيع القلوب رفيقا ms0235 # ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... درا يعود من الحياء عقيقا # وإذا نظرت إلى محاسن وجهه ... ألفيت وجهك في سناه غريقا # يا من تقطع خصره من رقة ... ما بال قلبك لا يكون رقيقا! # وأعاد معنى: «درا يعود من الحياء عقيقا»، في بيت آخر فقال وأحسن: ~~[الكامل] # كم سوسن لطف الحياء بلونه ... فأصاره وردا على وجناته # قالت امرأة خالد بن صفوان لخالد: لقد أصبحت جميلا، قال: وكيف ذاك وما في PageV01P263 # رداء الحسن ولا عموده ولا برنسه! قالت: وما ذاك؟ قال: عموده الشطاط (¬1)، ~~ورداؤه البياض، وبرنسه سواد الشعر. # وقالوا: الحلاوة في العينين، والجمال في الأنف، والحسن في الوجه، ~~والملاحة في الفم. # وقال بعضهم: الظرف في القد، والبراعة في الجيد، والرقة في الأطراف ~~والخصر، والشأن كله في الكلام، والمدار على العقل. # وقال علي بن عبيد الريحاني: الحسن تناسب الصورة، وزينته اعتدال الحركة؛ ~~ثم ما لا يحسن اللسان الترجمة عنه من خفة الروح والقبول. # وسئل عن اختياره من الحسن، فقال: أما ما يمكن نعته فخلتان وثلاثة بينهما، ~~ليست من صفة اللسان تعجبني صورة أكثر نعتها الملاحة، وبراعة بفصاحة، والخلة ~~الثالثة نسميها مراح الروح وشكل النفس وملهبة الشوق، وبمقدار تمكن الثالثة ~~من القلب يستحكم سلطان الهوى على العقل، فهذه زبدة هذا الباب. # وأحسن الحسن، ما لم يجلب بتزيين وتضييق، وتحلية وتزويق، وأطيب الطيب ~~أنفاس عبقة من كبد سليمة، ومزاج معتدل، وثغر نقي، قال امرؤ القيس: [الطويل] # أم تراني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب (¬2) # ويحكى أن سيبويه كان يقرأ على الخليل بن أحمد منتقبا، لئلا يشغله بحسنه ~~عن تعليمه. ومعنى «سيبويه» بالفارسية رائحة التفاح، وكان يقال: إنه أطيب ~~الناس رائحة ومع تحفظ الخليل وورعه، فكان إذا استأذن عليه سيبويه يقول: ~~مرحبا بزائر لا يمل. # وكان أبو حاتم السجستاني يختم القرآن في كل أسبوع، ويتصدق كل يوم بدينار، ~~ومع هذا الفضل كان يميل بحبه إلى أبي العباس المبرد، وكان أبو العباس يلزم ~~حلقته وهو غلام وسيم، فقال فيه: [مجزوء الكامل] # ماذا لقيت اليوم ms0236 من ... متمجن خنث الكلام # وقف الجمال بوجهه ... فسمت له حدق الأنام # حركاته وسكونه ... يجنى بها ثمر الأثام # فإذا خلوت بمثله ... وعزمت فيه على اغترام # لم أعد أفعال العفا ... ف، وذاك آكد للغرام # نفسي فداؤك يا أبا ال ... عباس يا جل اعتصامي PageV01P264 # فارحم أخاك فإنه ... نزر الكرى بادي السقام # وأنله ما دون الحرا ... م فليس يرغب في الحرام # والولوع في الجمال سجية ركبها الله في الأولياء وأكابر العلماء، فمن ~~دونهم من السوقة والغوغاء. وعلى قدر ذكاء الأرض يطيب زرعها، وعلى قدر طيب ~~التربة يطيب تبعها، فمنها العذب والأجاج وما بينهما، وعلى قدر شرف النفس ~~يكون حبها، فمنه المستحسن ومنه المستقبح. [الطويل] # * وكل إناء بالذي فيه ينضح* # في كتاب الوشاح: العشق إذا تزين بالعفاف فهو معنى شريف، ويتلو قوله تعالى: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين [الزخرف: 67]؛ فمن اتقى الله ~~فهو خليل. # وذهبت طائفة من المتكلمين البغداديين إلى أن الله تعالى إنما امتحن الناس ~~بالهوى، ليأخذوا أنفسهم بطاعة من يهوونه، وليشق عليهم سخطه، ويسرهم رضاه؛ ~~فيستدلوا بذلك على قدر طاعة الله تعالى لأنه لا مثل له ولا نظير، وهو ~~خالقهم غير محتاج إليهم، ورازقهم مبتدئ المنن عليهم، فإذا أوجبوا على ~~أنفسهم طاعة لسواه كان هو تعالى أولى أن يتبع رضاه. # قالوا: ولا ينبغي للعاقل ولا للجاهل أن ينكر علاقة شخص بشخص، وحنين شكل ~~إلى شكل، ومؤالفة إلف إلى إلف، فالقلوب صافية قابلة، والعيون إليها ناقلة. # وقالوا: لا عاشق على الأغلب إلا موفور النعماء، مكفى كد المعيشة؛ لأنه من ~~فراغ نفسه ورقة حاشيته. # وقد قيل: إن جميلا وبثينة لو قعدا ليلتين دون غداء وعشاء لبزق كل واحد ~~منهما في وجه صاحبه. # ومن شرط المعشوق أن يكون ممن يؤيس ويطمع، ويستتر ويلمع، ويبدو ويحجب، ~~ويلين ويصعب، ويرضى ويسخط، ويقرب ويشحط، كما قال أبو الطيب: [الكامل] # وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه ... في الهجر فهو الدهر يرجو ويتقي (¬1) # وبين الرضا والسخط والقرب والنوى ... مجال لدمع المقلة المترقرق # والحسن أول سعادة المرء، ورائد اليمن، ms0237 وسائق النجح؛ لأن الله تعالى بلطف ~~الحكمة، وبشرف الإبداع والصنعة، لم يخلق الصورة مختارة الصفات، سليمة من ~~الآفات، إلا عن فضل الاحتفاء، ولم يطابقها من الأخلاق إلا بما يناسب جمالها ~~من PageV01P265 # العقل والصفاء. وقلما تجد الخلق إلا تبعا للخلقة، تناسبا يطرد، وأصلا لا ~~ينعكس، وإجماعا لا ينفرد، وما خلق الله نبيا قط إلا وقد بهر أهل زمانه ~~بحسنه وإحسانه؛ فإذا نظرته لأول وهلة رأيته أحسنهم صورة، وأتقنهم بنية، فهو ~~أولى مرتبة، وأعلى منقبة. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يعذب حسان الوجوه، سود ~~الحدق». # وورد عليه وفد عبد القيس، وفيه غلام وضيء الوجه، فأقعده وراء ظهره، وقال: # إنما أتي أخي داود من النظر. # وقد أكثر الشعراء في وصف الحسن؛ فمن أحسن ذلك ما قال علي بن بسام؛ وكأنه ~~يصف الفتى الذي ذكره الحريري: [الكامل] # يا من تسربل بالملاحة وارتدى ... فعليه تعتكف العيون إذا بدا # فيرى هلالا زاهرا ويرى قضي ... با ناضرا ويرى كثيبا أملدا # فإذا نهضت ترجرجا وإذا سفر ... ت تبلجا وإذا مشيت تأودا # فترى الجبين كتاج ملك زانه ... در تراه مفرقا ومنضدا # ويجول ذاك الرشح في أقطاره ... كالياسمين جرى به قطر الندى # الوجه فضي أحاط بوجنتي ... ذهب، فأنبت عارضين زبرجدا # وفم عقيقي تضمن لؤلؤا ... رطبا ونظم فوق ذاك زمردا # ولأبي إسحاق الخفاجي: [الطويل] # وأغيد أهدى نرجسا من محاجر ... وثنى فأبدى سوسنا من سوالف # وقد ماج من عطفيه ماء شبيبة ... تعب ولا أمواج غير الروادف # تطلع مثل الرمح بسطة قامة ... وفتكة ألحاظ ولين معاطف # ولابن وكيع: [الكامل] # يا من إذا لاحت محاسن وجهه ... غفرت بدائعها جميع ذنوبه # إن كان في تعذيب قلبي راحة ... لك فاجتهد بالله في تعذيبه # ولأبي إسحاق الخفاجي: [الكامل] # يا رب وضاح الجبين كأنما ... رسم العذار بصفحتيه كتاب # تغرى بطلعته العيون ملاحة ... وتبيت تعشق عقله الألباب # خلعت عليه من الصباح غلالة ... تندى ومن شفق السحاب نقاب # ولأبي نواس: [الطويل] # أساء فزادته الإساءة حظوة ... حبيب على ما كان فهو حبيب PageV01P266 # يعد علي الواشيان ذنوبه ... ومن ms0238 أين للوجه الجميل ذنوب! # ولأبي إسحاق الخفاجي: [الطويل] # تعلقته نشوان من خمر ريقة ... له رشفها دوني، ولي دونها السكر # ترقرق ماء مقلتاي ووجهه ... ويذكى على قلبي ووجنته الجمر # أرق نسيبي فيه رقة حسنه ... فلم أدر أي قبلها منهما السحر # وطبنا معا ثغرا وشعرا، كأنما ... له منطقي ثغر، ولي ثغره شعر # *** # وقد اعتلق شيخ بردنه، يدعي أنه فتك بابنه، والغلام ينكر عرفته، ويكبر ~~قرفته، والخصام بينهم متطاير الشرار، والزحام عليهما يجمع بين الأخيار ~~والأشرار، إلى أن تراضيا بعد اشتطاط اللدد، بالتنافر إلى والي البلد، وكان ~~ممن يزن بالهنات، ويغلب حب البنين على البنات، فأسرعا إلى ندوته، كالسليك ~~في عدوته. # *** # قوله: «وقد اعتلق شيخ بردنه»، أي تعلق بكمه وأطراف ثوبه. فتك: قتل، ~~والفتك: أن تأتي رجلا آمنا منك وتقتله، أو تكمن له في موضع لا يعرف بك، ~~فإذا أتاك قتلته، ثم سمي من هجم على الأمور العظام فاتكا، فإذا أدخلت رجلا ~~منزلك أو موضعا لا مغيث له فيه، فقتلته فذلك الغيلة، فإن كان رجلا يخافك ~~فأمنته وآنسته حتى آمنك، ثم قتلته فذلك الغدر. عرفته: معرفته. يكبر: يراه ~~أمرا كبيرا قرفته: تهمته، وقد قرفته بذنب، إذا حملته عليه واتهمته به، وشبه ~~ما يلحق كل واحد منهما من أذى صاحبه بشرر النار اشتطاط اللدد: اشتداد ~~الخصام. التنافر: التحاكم. يزن: بالهنات: يتهم بالقبائح، والهنات: الدواهي ~~والهن والهنة من الكنايات العامة التي يكنى بها عن كل شيء ولا يقتصر بها ~~على شيء دون شيء. ### || AUTO [بعض أخبار الولاة] # قوله «ويغلب حب البنين على البنات» نذكر هنا من الولاة المتهمين بهذه ~~الهنات ما يليق بالموضع. قال أهل الأخبار: إن القاضي يحيى بن أكثم، كان ~~مشتهرا بحب الغلمان، وإن أهل البصرة رفعوا أمره إلى المأمون قبل اتصاله به، ~~وقالوا فيه: إنه قد أفسد أولادهم، وظهرت منه الفواحش، وأنه القائل في صفة ~~الغلمان: [السريع] # أربعة تعشق ألحاظهم ... فعين من يعشقهم ساهره PageV01P267 # فواحد دنياه في وجهه ... منافق ليست له آخره # وآخر دنياه منقوصة ... من خلفه آخرة وافره # وثالث فاز بكلتيهما ms0239 ... قد جمع الدنيا مع الآخرة # ورابع قد ضاع ما بينهم ... ليست له دنيا ولا آخره # فاستعظمها المأمون وعزله عنهم. # ثم اتصل بعد ذلك يحيى بالمأمون، ونادمه، فخرج معه في يوم عيد، وقد ركب ~~الجند أمامه، ويحيى يحادثه ويضاحكه، فنظرت إلى غلام أمرد من أولاد الجند في ~~غاية الفراهة، عليه ثوب حرير أخضر، ودرع موشاة مزررة بالذهب. فالتفت إلى ~~يحيى، وقال له: ما تقول في هذه البضاعة؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا ~~لقبيح من إمام مثلك مع فقيه مثلي، قال: فمن الذي يقول: [المنسرح] # قاض يرى الحد في الزناة ولا ... يرى على من يلوط من باس # قال: من عليه لعنة الله وغضبه، ابن أبي نعيم، الذي يقول: # أميرنا يرتشي وحاكمنا ... يلوط والشر بيننا راسي # قاض يرى الحد .. البيت، وبعده: [المنسرح] # لا أحسب الموت ينقضي وعلى ال ... أمة وال لآل عباس # قال: أو صحيح هذا؟ قال: نعم، قال: ينفى إلى السند، وإنما مازحناك، ثم قال ~~المأمون في الغلام: [مجزوء الرمل] # أيها الراكب ثوبا ... ه حرير وحديد # جئت للعيد وفي وج ... هك للأعين عيد # أنت جندي ولكن ... فيك للحسن جنود # وفي يحيى يقول ابن أبي نعيم: [الراجز] # يا ليت يحيى لم يلده أكثمه ... ولم تطأ أرض العراق قدمه # ألوط قاض في البلاد نعلمه ... أي دواة لم يلقها قلمه # * وأي جحر لم يلجه أرقمة* # وهذا كقول الآخر: [الرمل] # * يدخل الأفعى إلى خيس الأسد* # ويحيى خراساني من مرو. وبلغ من تحكمه على المأمون أن فرض لأربعمائة غلام PageV01P268 # مرد، واختارهم حسان الوجوه يركبون لركوبه، فقال راشد بن إسحاق: [الوافر] # خليلي انظرا متعجبين ... لأظرف منظر تقلاه عيني # لفرض ليس يقبل فيه إلا ... أسيل الخد حلو المقلتين # يقودهم إلى الهيجاء قاض ... شديد الطعن بالرمح الرديني # إذا شهد الوغى منهم غلام ... تجدل للجبين ولليدين # وبات الشيخ منحنيا عليه ... وصدغاه تحاذي الركبتين # وقال فيه: [الطويل] # وكنا نرجي أن نرى العدل بيننا ... فأعقبناه بعد الرجاء قنوط # متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها ... إذا كان قاضي المسلمين يلوط # *** # وكان القاضي أبو القاسم ms0240 علي بن محمد التنوخي مولعا بالغلمان، وكان له ~~غلام اسمه نسيم، في نهاية من الحسن، وكان يؤثره على سائر غلمانه، ويخصه ~~بتقريبه واستخدانه، فكتب إليه بعض من يأنس به: [الرمل] # هل على من لامه مدغمة ... لاضطرار الشعر في ميم نسيم # فوقع تحت البيت: نعم، ولم لا! # وسنذكر من شعره في هذه المقامة ما يستملح. # وممن كان يميل إلى الغلمان من الأمراء أبو العشائر الحمداني الذي يقول ~~فيه المتنبي: [الوافر] # فيا بحر البحور ولا أوري ... ويا ملك الملوك ولا أحاشي (¬1) # كأنك ناظر في كل قلب ... فما يخفى عليك محل غاش # وقال بعض الرواة: دخلت على أبي العشائر أعوده من علة، فقلت: ما يجد ~~الأمير؟ # فأشار إلى غلام قائم بين يديه، كأن رضوان قد غفل عنه بأبق من الجنة، ثم ~~أنشأ يقول: # [مخلع البسيط] # أسقم هذا الغلام جسمي ... بما بعينيه من سقام # فتور عينيه من دلال ... أهدى فتورا إلى عظامي # وامتزجت روحه بروحي ... تمازج الماء بالمدام PageV01P269 # ولأبي العشائر: [البسيط] # سطا علينا ومن حاز الجمال سطا ... ظبي من الجنة الفردوس قد هبطا # له عذاران قد خطا بوجنته ... فاستوقفا فوق خديه وما انبسطا # وظل يخطو فكل قال من شغف: ... يا ليته في سواد الناظرين خطا! # ومع هذا الميل، كان نزيه النفس، رفيع الهمة، سليم الناحية، وكان في الجود ~~غاية، وفي الشجاعة نهاية، وفي الشعر آية. وإذا كان المتنبي الذي هو أشعر ~~الناس عند الأكثرية، يقول حين عوتب في آخر أيامه على فتور شعره: قد تجوزت ~~في شعري، وأعفيت طبعي، واغتنمت الراحة، مذ فارقت آل حمدان، ومنهم الذي ~~يقول- يعني أبا العشائر: # أأخا الفوارس لو رأيت مواقفي ... والخيل من تحت الأسنة تنحط # لقرأت منها ما تخط يد الوغى ... والبيض تشكل والأسنة تنقط # فهكذا تستعار المعاني البديعة في الألفاظ الرفيعة؛ فما ظنك بمن يثني عليه ~~المتنبي هذا الثناء! # *** # وممن وصف غلاما فأحسن، الأمير تميم بن المعز صاحب مصر، حيث يقول: # [الطويل] # وبات ضجيعي منه أهيف ناعم ... وأدعج وسنان وألعس أشنب # كأن الدجى من لون صدغيه طالع ... وشمس ms0241 الضحى في صحن خديه نغرب # وقال أيضا: [البسيط] # يا ليلة بات فيها البدر معتنقي ... وكانت الشمس فيها بعض جلاسي # وبت مستغنيا بالثغر عن قدحي ... وبالخدود عن التفاح والآس # وقال أيضا: [مجزوء الكامل] # ورد الخدود أرق من ... ورد الرياض وأنعم # هذا تنشقه الأنو ... ف وذا يقبله الفم # فإذا عدلت فأفضل ال ... وردين ورد يلثم # قوله: «ندوته»، أي مجلسه. ### || AUTO [السليك بن السلكة] # والسليك، هو ابن السلكة، معروف بأمة، وكانت أمة سوداء شديدة السواد، وكان PageV01P270 # هو أسود، وأبوه عمرو بن سنان بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد ~~مناة بن تميم السعدي التميمي. # وكان يسبق الخيل على رجليه، وكان من العدائين ومن رجلي العرب- وهم الذين ~~يسعون على أقدامهم، ويسبقون الخيل، فيستغنون بأرجلهم عنها- وكان من أشجع ~~الناس، وكان لا يغير إلا وحده، وكان يقال له: الرئبال: # وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمرو بن معد يكرب، فقال: أي العرب كان ~~أبغض لك أن تلقاه؟ فقال: أما من معد فعدي بن فزارة ومرة بن ذبيان وكلاب بن ~~عامر وشيبان بن بكر وشق بن عبد القيس والأراقم من تغلب، ثم لم جلت بفرسي ~~على مياه سعد ما خفت هيج أحد؛ ما لم يلقني حراها أو عبداها، قال: أما حراها ~~فعامر بن الطفيل وعتيبة بن الحارث بن شهاب، وأما عبداها فعنترة الفوارس ~~وسليك المقانب. # وأما عدوته المذكورة، فيقال: إنه أحاط به عدوه فنزا نزوة عد فيها أربعا ~~وعشرون خطوة، وعد أيضا في نزوة للشنفري إحدى وعشرون خطوة. # ويقال في المثل: أعدى من الشنفرى، وأعدى من السليك. # فأما الشنفرى فإنه أغار على بجيلة مع تأبط شرا وعمرو بن براق، فرصدتهم ~~بجيلة على الماء، فقال تأبط شرا: إن بالماء رصدا، فقالا: ليس عليه أحد، ولا ~~بد من وروده، فورد الشنفرى ثم عمرو، فقال تأبط شرا: القوم إنما يريدونني، ~~فلذلك لم يعرضوا لكما، وإذا وردت أنا الماء فسيشدون علي، ويأسرونني، فاذهب ~~يا شنفرى، كأنك تهرب، وكن في أصل ذلك القرن، فإذا سمعتني أقول: خذوا خذوا، ms0242 ~~فتعال فأطلقني، وقال لعمرو: # إني سآمرك أن تستأسر لهم، فلا تبعد ولا تمكنهم من نفسك. ثم ورد الماء، ~~فشدوا عليه، وكتفوه، وفعلا ما أمرهما، فقال: تأبط شرا: يا معشر بجيلة، هل ~~لكم في أن تيسروا فداءنا ونستأسر لكم ابن براق؟ قالوا: نعم. فقال يا عمرو: ~~هل لك في أن تستأثر ويباشرونا في الفداء؟ قال: حتى أروض نفسي شوطا أو ~~شوطين، فجرى الأول كالريح، والثاني كالخيل، ثم أراد أن يجري ثالثا، فجعل ~~يقع ويقوم فشلا؛ يطمعهم بذلك، فقال لهم تأبط شرا: خذوا خذوا، فأسرعوا إليه ~~بأجمعهم، وهوى الشنفرى كالريح فقطع وثاقه، ثم أحضروا ثلاثتهم، فنجوا، فقال ~~تأبط شرا من قصيدة: [البسيط] # ليلة صاحوا وأغروا بي سراعهم ... بالعيكتين لدى عمرو بن براق (¬1) # لا شيء أسرع مني غير ذي عذر ... أو ذي جناح بجنب الريد خفاق PageV01P271 # فالثلاثة عداءون، والمثل مقصور على الشنفرى. # وأما السليك، فرأته طلائع جيش لبكر بن وائل، جاءوا مجردين ليغيروا على ~~تميم، فقالوا: إن علم السليك بنا أنذر قومه، فبعثوا إليه فارسين على ~~جوادين، فلما صافحاه خرج يمحص (¬1) كأنه ظبي، فطارداه يوما أجمع، ثم قالا: ~~إذا كان الليل أعيا فنأخذه، ووجدا أثر بوله قد خد (¬2) في الأرض، فقالا: ~~قاتله الله! ما أشد متنه! فتبعاه ليلتهما: فلما أصبحا وجداه قد عثر بأصل ~~شجرة، فندر منها كمكان قدمه، وسقطت قوسه في جريه فانخطمت، فوجدا قطعة منها ~~قد ارتزت (¬3) بالأرض، فقالا: ما بعد هذا شيء، والله لاتبعناه بعد هذا. ومر ~~السليك إلى أهله، فأنذرهم، فكذبوه لبعد الغاية، فقال: [الطويل] # يكذبني العمران: عمرو بن جندب ... وعمرو بن سعد والمكذب أكذب (¬4) # ثكلتكما إن لم أكن قد رأيتها ... كراديس يهديها إلى الحي موكب # كراديس فيها الحوفزان وحوله ... فوارس همام متى يدع يركبوا # فصدقه قوم، فنجوا، وكذبه آخرون، فورد عليهم الجيش فاكتسحهم. # ومن شعر السليك يرثي فرسه- وكان يقال لها النحام- وأنشدها المبرد في باب ~~التشبيه من الكامل: [الوافر] # كأن قوائم النحام لما ... تحمل صحبتي أصلا محار (¬5) # على قرماء عالية شواه ... كأن بياض غرته خمار # وما يدريك ما فقري ms0243 إليه ... إذا ما القوم ولوا أو أغاروا PageV01P272 # ويحضر فوق جهد الحضر نصا ... يصيدك نافلا والمخ رار # أي: يصيد لك. ونافلا: ثانيا، ورار: ذائب من الهزال؛ وحكاية السليك، عن ~~أبي عبيدة، وحكاية الشنفري عنه وعن الشيباني؛ وكلتاهما على اختصار. # ونزل على جماعة من كنانة ضيفا، فأكرموه، وجمعوا له إبلا كثيرة، وأعطوه ~~إياها، وكان قد كبر وشاخ، وذهبت قوته، وانتقص عدوه، فقالوا له: إن رأيت أن ~~ترينا ما بقي من عدوك! قال: نعم، ابغوا لي أربعين شابا، وأتوني بدرع ثقيلة ~~عظيمة، فأتوا بها واختاروا من شبانهم أربعين أقوياء عداءين، فلبس سليك ~~الدرع، ثم قال للشبان: # الحقوني، ثم عدا عدوا وسطا، وعدا الشبان وراءه جهدهم، فلم يلحقوه حتى غاب ~~عنهم، ثم كر راجعا حتى عاد إلى قوم وحده يخطر، والدرع عليه، وسبق الشبان. # وخرج في ليلة مقمرة يطلب الإغارة، فغلب عليه النوم آخر الليل، فبينما هو ~~ملتف بكساء، جثم عليه رجل مثله، شديد البأس، عظيم القوة، وأمسك على يديه، ~~ومنعه التحرك، وجعل يلمزه ويؤذيه، ويقول له: استأسر يا خبيث، فاجتهد سليك ~~حتى خلص إحدى يديه، فضم الرجل إليه ضمة، وعصره عصرة، فضرط، فقال له: أضرطا ~~وأنت الأعلى! فأرسلها مثلا، فلما تخلص منه، قال له: من أنت؟ قال: أنا رجل ~~افتقرت فقلت: لأخرجن ولا أرجع إلى أهلي حتى آتيهم وأنا غني. فقال له ~~السليك: انطلق معي، فانطلقا فوجدا ثالثا، قصته قصتهما، فاصطحبوا حتى أتوا ~~واديا لمراد، فلما أشرفوا عليه إذا فيه نعم، قد ملأ نواحيه من كثرته، فقال ~~لهما السليك: كونا قريبا مني حتى آتي الرعاء، فأعلم علم الحي: أهو قريب أم ~~بعيد؟ فإن كان قريبا رجعت، وإن كان بعيدا أوحيت إليكما بقولي فأغيرا. فأتي ~~الرعاء فاستخبرهم عن الحي، فأخبروه ببعد الحي، وأنهم إن طلبوا لم يدركوا، ~~فقال للرعاء: ألا أغنيكم؟ قالوا: بلى، فرفع صوته فغنى: # [البسيط] # يا صاحبي ألا لا حي في الوادي ... سوى عبيد وآم بين أذواد (¬1) # أتنظران قريبا ريث غفلتهم ... أم تغدوان فإن الريح للعادي # فلما سمعا ذلك أتياه، وطردوا الإبل ms0244 فذهبوا بها، ولم يبلغ الصريخ الحي، ~~حتى فاتوا بالإبل. PageV01P273 # قال ابن الأعرابي: آم مقلوب آئم، وهم العزاب، جمع أمة. # وكان السليك من أدل الناس بالأرض وأعلمهم بمسالكها، وكان يستودع الماء ~~بيض النعام في الشتاء، ويدفنه في المفاوز العظيمة، فإذا كان الصيف وانقطعت ~~إغارة الخيل أغار على ربيعة، وشرب من ذلك الماء. وكان يقول: اللهم إني أعوذ ~~بك من الخيبة، وأما الهيبة فلا هيبة. # *** # قوله: «عدوته»، العدوة بالكسر: الحالة، وبالفتح المرة الواحدة، فيريد ~~الحريري، أن إسراعهما إلى الوالي كان كعدوة السليك. # *** # فلما حضراه، جدد الشيخ دعواه واستدعى عدواه فاستنطق الغلام وقد فتنه ~~بمحاسن غرته، وطر عقله بتصفيف طرته، فقال: إنها أفيكة أفاك، على غير سفاك؛ ~~وعضيهة محتال، على من ليس بمغتال. فقال الوالي للشيخ: إن شهد لك عدلان من ~~المسلمين، وإلا فاستوف منه اليمين. فقال الشيخ: إنه جدله خاسيا، وأفاح دمه ~~خاليا، فأنى لي شاهد، ولم يكن ثم مشاهد! ولكن ولني تلقينه اليمين، ليبين لك: # أيصدق أم يمين! فقال له: أنت المالك لذلك؛ مع وجدك المتهالك، على ابنك ~~الهالك! # *** # واستدعى عدواه، أي طلب إغاثته وأعداه الحاكم: أغاثه. استنطق: أمره أن ~~ينطق وقد بين هذا الاستنطاق في الرابعة والثلاثين عند شراء الغلام قال: «ثم ~~استنطقته عن اسمه، لا لرغبة في علمه، بل لأنظر أين فصاحته من صباحته، وكيف ~~لهجته من بهجته». # وكذلك لم يرد الوالي أن يستنطقه ليقول حجته؛ بل ليعلم حلاوته من صورته ~~التي فتنته. # وقد ذكرنا أن فائدة الحسن إنما تدور على اللسان. ### || AUTO [إبراهيم النظام] # وهذا الاستنطاق هو الذي ذهب بإبراهيم بن سيار النظام، الذي هو إمام في ~~علم الكلام إلى علاقة غلام؛ وذلك أنه لقي غلاما جميل الوجه، مقبول الصورة، ~~فاستحسنه، وتصور فيه الصورة الباطنة المناسبة لخلقته الظاهرة، فقال له: يا ~~غلام، إنه لولا ما سبق من قول الحكماء، لما جعلوا السبيل لمثلي إلى مثلك ~~بقولهم: لا ينبغي لأحد أن يصغر عن أن يقول، ولا أن يكبر عن أن يقال له، لما ~~أنست إلى مخاطبتك، ولا انشرح صدري ms0245 إلى محادثتك، لكنه سبب الإخاء وعقد ~~المودة، ومحلك من قلبي محل الروح من جسد PageV01P274 # الجبان، فقال له الغلام- وهو لا يعرفه: لئن قلت ذلك أيها الرجل، لقد قال ~~أستاذنا إبراهيم بن سيار النظام: الطباع تجاذب ما شاكلها بالمجانسة، وتميل ~~إلى ما قارنها بالموافقة، وكياني مائل إلى كيانك بكليتي؛ ولو كان الذي ~~انطوى عليه لك عرضا لم أعتد به ودا، ولكنه جوهر جسمي، فبقاؤه ببقاء النفس، ~~وعدمه بعدمها، وأقول كما قال الهذلي: # فتبيني أني بكم كلف ... ثم اصنعي ما شئت عن علم (¬1) # فقال له النظام: إنما كلمتك بما سمعت، وأنت عندي حسن الصورة غلام، ولولا ~~أن محلك محل مقيم ما تعرضت لك، ثم اعتلقه النظام بعد، وقال فيه جريا على علمه: # [الطويل] # توهمه طرفي فآلم خده ... فصار مكان الوهم من نظري أثر (¬2) # وصافحه كفي فآلم كفه ... فمن لمس كفي في أنامله عقر # ومر بفكري خاطرا فجرحته ... ولم أر خلقا قط يجرحه الفكر # وقال فيه أيضا: [الكامل] # وإذ تأمل في الزجاجة ظله ... جرحته لحظة مقلة الظل # وقال فيه أيضا: [الرجز] # أفرغ من نور سماوي ... مصور في جسم إنسي # وافتقر الحسن إلى حسنه ... فجل عن تحديد كيفي # وقال فيه: [مجزوء الكامل] # يا مشرقا ملأ العيو ... ن فلحظها ما يستقل # أوفى على شمس الضحى ... حتى كأن الشمس ظل # أتريد قتلي عامدا ... ولقتل مثلي ما يحل # فصرف في شعره من صناعته، وأبدع في تخيله ببراعته. # *** PageV01P275 # قوله: «غرته»، أي وجهه. طر، أي قطع وأذهب. تصفيف طرته: شعره المعتدل على ~~جبهته. أفيكة أفاك: كذبة كذاب. سفاك: قتال. عضيهة: بهتان. وباطل. مغتال: # قاتل الغيلة. استوف: استكمل. جدله: صرعه وألقاه على الجدالة، وهي الأرض: # خاسيا: متباعدا ممنوع الكلام، كأنه قهره ومنعه أن يصيح عند قتله، ولذلك ~~لم يجد عليه شاهدا، وأصله الهمزة فسهله ليوافق «خاليا» إن أخذته من خسأت ~~الكلب، وإن أخذته من خسي البصر إذا كل، فلا تسهيل فيه، ومعناه قريب من ~~الأول، أي أنه أضعفه بالضرب حتى لم يستطع الكلام ثم قتله. أفاح دمه، بحاء ~~مهملة: أراقه. قال ms0246 أبو زيد في نوادره: # أفحت دمه ففاح فيحا وفيحانا، وأنشد: [الرجز] # نحن قتلنا الملك الجحجاحا ... ولم ندع لسارح مراحا # * إلا ديارا أو دما مفاحا (¬1) * # وقال أبو حاتم: أراد: ودما مفاحا أي مهراقا. خاليا: بمعنى «منفردا». أنى، ~~بمعنى كيف. مشاهد: من شاهد حاله وحضر عليها. ولني: مكني. تلقينه: تفهيمه ~~وإلقاءه عليه. يمين: يكذب. وجدك: حزنك. المتهالك: الكثير التفاوت، وتهالكت ~~المرأة عليه: تراخت عليه، وتكاسلت، قال الأعشى: [الطويل] # تهالك حتى ينكر المرء عقله ... وتسبي الحكيم ذا الحجى بالتقتل (¬2) # *** # فقال الشيخ للغلام: قل: والذي زين الجباه بالطرر، والعيون بالحور، ~~والحواجب بالبلج، والمباسم بالفلج، والجفون بالسقم، والأنوف بالشمم، ~~والخدود باللهب، والثغور بالشنب، والبنان بالترف، والخصور بالهيف، إنني ما ~~قتلت ابنك سهوا ولا عمدا، ولا جعلت هامته لسيفي غمدا، وإلا فرمى الله جفني ~~بالعمش، وخدي بالنمش، وطرتي بالجلح، وطلعي بالبلح، ووردتي بالبهار، ومسكتي ~~بالبخار، وبدري بالمحاق، وفضتي بالاحتراق، وشعاعي بالإظلام، ودواتي ~~بالأقلام. # *** PageV01P276 # قوله: «الذي زين الجباه بالطرر .. »، إلى آخر يمينه، إنما ذكر صفات الحسن ~~شيئا بعد شيء، ليري هذا الوالي كمال الغلام، فيشتد حبه فيه، فإذا ذكر صفة ~~من صفاته نبه الوالي بذكرها على النظر إليها، فوجدها كما يصف، فهو الآن في ~~هذه اليمين يجلو محاسن الغلام عليه. # الطرر: جمع طرة، وهي اعتدال الشعر على الجبهة، والطرة عندهم أن يقطع ~~للجارية من مقدم ناصيتها حتى لا يبلغ الشعر حاجبيها، فيبقى ما بين شعر ~~ناصيتها وحاجبيها من جبهتها نقيا، والشعر عليها معتدل، كطرة الثوب ثم تسمى ~~الشعور الحسان طررا. # أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث فاتنات: الشعر ~~الحسن، والوجه الحسن، والصوت الحسن». # عائشة رضي الله عنها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ملائكة السماء ~~يسبحون بذوائب النساء وبلحى الرجال، فيقولون: سبحان الذي زين الرجال ~~باللحى، والنساء بالذوائب». # قال صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد أحدكم أن يتزوج المرأة فليسأل عن ~~شعرها كما يسأل عن وجهها». # قالوا: الشعر الحسن يزيد الوجه حسنا وجمالا، وقال ابن صارة- وكأنه وصف ~~طرة هذا الغلام- يصف بها ms0247 أبا الفضل بن الأعلم، وكان من أجمل الناس وأذكرهم ~~في علم النحو والأدب، وقرأ النحو قبل أن يلتحى، فقال فيه: [الكامل] # أكرم بجعفر اللبيب فإنه ... ما زال يوضح مشكل «الإيضاح» # ماء الجمال بخده مترقرق ... فالعين منه تجول في ضحضاح # ما خده جرحته عيني، إنما ... صبغت غلالته دماء جراحي # لله زاي زبرجد في عسجد ... في جوهر في كوثر في راح # ذي طرة سبجية ذي غرة ... عاجية كالليل والإصباح # رشأ له خد البريء ولحظه ... أبدا شريك الموت في الأرواح # *** ### || AUTO [مما قيل في الحسن والجمال] # ونذكر بعد هذا الحور في العينين، وهو شدة بياض البياض وسواد الكحل، وكل ~~ذلك عندهم ممدوح. وقد أكثر الشعراء من وصف ذلك حتى لو تركنا ذكره لشهرته ~~لكان لنا فيه عذر، على أنا نلم ببعض ما قيل في ذلك، وأما ما يزهد فيه من ~~ذلك، ويقل ذكره في أشعارهم فالزرق؛ على أنه قد جاء في حديث عائشة رضي الله ~~عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الزرق في العينين يمن». PageV01P277 # وقال معاوية لصحار العبدي: إنك أحمر، قال: والذهب أحمر، قال: إنك لأزرق، ~~قال: والبازي أزرق. # ولبعض أصحابنا: [الطويل] # أحبك أن قالوا بعينيك زرقة ... كذاك عتاق الطير زرق عيونها # وقال الصنوبري: [المنسرح] # قالوا به زرقة، فقلت لهم ... بذاك تمت خصاله البهجه # ما كحل العين مثل زرقتها ... كم بين ياقوتة إلى سبجه # وقال آخر: [مخلع البسيط] # ما مثل ذا الظبي في الظباء ... الأزرق الأزرق القباء # يجول في مقلتيه طرفي ... في زرقة الماء والسماء # بأبي الشقر ما عليهم ... من ذلك النور والبهاء # شقرة شعر على بياض ... شعاع شمس على هواء # وكل هذا اعتذار جاء على وفق مدح سواد الألوان، ولسواد الألوان في التاسعة ~~فصل مستطرف فقف عليه. # واختلفوا في الحور، فقال أبو عبيدة: الحوراء: الشديدة بياض بياض العين في ~~شدة سواد سوادها. # وقال أبو عمرو: الظبية الحوراء: السوداء العين التي ليس في عينها بياض، ~~ولا يكون هذا في الإنس إنما يكون في الوحوش. # وقال يعقوب: الحور سعة العين ms0248 وكبر المقلة وكثرة البياض. # وقال قطرب: الحوراء: الحسنة المحاجر، صغرت العين أم كبرت. # واشتقاق «ح ور» يدل على صحة قول يعقوب وأبي عبيدة؛ لأنهم إنما يوقعونه في ~~الغالب على البياض مثل الدقيق الحواري للدرمك الشديد البياض ونحوه، وقلما ~~يتفق شدة بياض العين إلا مع شدة سوادها، ألا ترى أن بياضها مع الزرق ليس ~~هناك في النقاء، وقال القاضي التنوخي في أحور: [الكامل] # حور بعينيه أطال تحيري ... ترك الدموع بخدي المتعصفر # غصن تأود فوق غصن من نقا ... ليل تبلح عن نهار مسفر # كالشمس إلا أنه متنفس ... عن مسكة متبسم عن جوهر # والبلج: أن يكون ما بين الحاجبين نقيا من الشعر، وهو من علامات السيادة ~~عند PageV01P278 # العرب، ويتمدح به ويتيمن بصاحبه، ويتطير بمقرون الحاجبين؛ ويقال: أبلج ~~وأبلد، وهي البلجة والبلدة، قال كثير: [الطويل] # جميل المحيا أبلج الوجه واضح ... حليم إذا ما زلزلته الزلازل # الفلج: أن يكون بين منابت الأسنان تباعد، وقد فلج ثغره فلجا، وهو مستحب ~~في الثغر. قال وجيه الدولة: وهو مما يليق بهذا الموضع لذكره أوصافا ذكرها ~~الحريري رحمه الله هنا: [الطويل] # إذا عدم الروض المنور ناظري ... أرانيه ظبي فاتر الطرف أدعج # فصدغاه ريحاني وعيناه نرجسي ... ومن ثغره لي أقحوان مفلج # ووا حربا من حسن ورد بخده ... يطيف به من عارضيه بنفسج # الجفون: أغطية العيون، ثم تسمى العين جفنا مجازا. # والسقم: فتور العين، ومن حسن التشبيه في ذلك قول أبي نواس: [الطويل] # فطب بحديث من نديم مساعد ... وساقية بين المراهق والحلم (¬1) # ضعيفة كر الطرف تحسب أنها ... قريبة عهد بالإفاقة من سقم # وقال أيضا: [البسيط] # وشادن قال لي لما رأى سقمي ... وضعف جسمي والدمع الذي انسجما # أخذت دمعك من لفظي، وجسمك من ... خصرى، وسقمك من طرفي الذي سقما # وقال ابن الرومي: [الكامل] # قلبي من الطرف السقيم سقيم ... لو أن من أشكو إليه رحيم # وقال ابن الزقاق: [الوافر] # ومقلة شادن أودت بجسمي ... كأن السقم لي ولها لباس # يسل اللحظ منها مشرفيا ... لقتلي ثم يغمد النعاس # ولأبي العلاء بن زهر في مثل ذلك: ms0249 [البسيط] # يا راشقي بسهام ما لها غرض ... إلا فؤادي وما منها له عوض # وممرضي بجفون كلها سقم ... صحت وفي طبعها التمريض والمرض # امنن ولو بخيال منك يؤنسني ... فقد يسد مسد الجوهر العرض PageV01P279 # الشمم: ارتفاع في لين الأنف، وهو من علامات الجمال والسؤدد، قال الفرزدق: # [البسيط] # بكفه خيزران ريحه عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم (¬1) # يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فلا يكلم إلا حين يبسم # وقال آخر: [السريع] # في باعه طول وفي وجهه ... نور وفي العرنين منه شمم # وقال النابغة: [البسيط] # * شم العرانين ضرابون للهام (¬2) * # اللهب: اشتعال النار بغير دخان، فشبه الحمرة في الخد وضياءه بحمرة النار، ~~وكني به أبو لهب لجماله. # وقال ابن وكيع؛ فجمع السقم واللهب: [مخلع البسيط] # واحزني من جفون ظبي ... أقام عذري بها عذاره # أسقم جسمي بسقم طرف ... حيرني في الهوى احوراره # عجبت من جمر وجنتيه ... يحرقني دونه استعاره # هو اختياري فأبصروه ... شاهد عقل الفتى اختياره # وله قريب منه: [مخلع البسيط] PageV01P280 # كأن صدغا له تراه ... وهو على خده مدار # بيت من الحسن لي إليه ... حج مدى الدهر واعتمار # ولابن الزقاق: [الرمل] # بأبي من لم يدع لي لحظه ... في الهوى من رمق منذ رمق # جعلت نكهته في ثغره ... عبقا في نسق يسبي الحدق # وبدت خجلته في خده ... شفقا في فلق تحت غسق # وقال الخفاجي: [السريع] # يا بانة تهتز فينانة ... وروضة تنفح معطارا # كم دمع عين فيك قد أجريته ... وقلب صب فيك قد طارا # كني فسمى قوسه حاجبا ... رمزا وسمي النبل أشفارا # فإن رمى يجرحني طرفه ... لحظته أجرحه ثارا # فيصبغ الدر عقيقا به ... وأصبغ الألوان أزهارا # يدير للأعين من وجهه ... كعبة حسن حيثما دارا # قد طبع الحسن به درهما ... تسبك منه العين دينارا # فلي به عين مجوسية ... تعبد من وجنته نارا # غيره: [الطويل] # وأغيد تدمى وجنتاه من اللمح ... تخلق إلا من صدودي بالشح # غدا قاتلي أن ظلت أجرح خده ... متى صار بالقتل القصاص من الجرح! # الثغور: جمع ثغر وهو السن. وتقدم الشنب في الثانية. # وقال العباس بن الأحنف ms0250 في طيب الفم: [الطويل] # ذكرتك بالتفاح لما شممته ... وبالراح لما قابلت أوجه الشرب # وتذكرت بالتفاح منك سوالفا ... وبالراح طعما من مقبلك العذب # وقال ديك الجن، واسمه عبد السلام: [الكامل] # بأبي فم شهد الضمير له ... قبل المذاق بأنه عذب # كشهادة لله خالصة ... قبل العيان بأنه الرب # وقال أحمد بن محمد الغساني: [المتقارب] # له مبسم برقه خاطف ... عقول الرجال إذا ما ابتسم PageV01P281 # أقول له إذ بدا دره ... شهدنا لصانعه بالحكم # أرى الدر تثقبه الناظمون ... وما ثقبوا إذا فكيف انتظم! # وقال أبو بكر البلوي: [المنسرح] # تقطف من ثغره ووجنته ... أنامل الطرف زهرة عجبا # شقيقها مذهبا يرى خجلا ... وأقحوانا مفضضا شنبا # وقال ابن بشر الكاتب: [المنسرح] # ولم نزل، والظلام حارسنا ... جسمين مستودعين في جسم # ألثمه في الدجى وبرق ثنا ... ياه يريني مواقع اللثم # ثم افترقنا عند الصباح وقد ... أثر فيه كهيئة الختم # وقال الشريف الرضي: [البسيط] # بتنا ضجيعين في ثوبي هوى وتقى ... يلفنا الشوق من فرق إلى قدم (¬1) # وبات بارق ذاك الثغر يوضح لي ... مواقع اللثم في داج من الظلم # وقال المتنبي: [الطويل] # حسان التثني ينقش الوشي مثله ... إذا مسن في أثوابهن النواعم (¬2) # ويبسمن عن در تقلدن مثله ... كأن التراقي وشحت بالمباسم # فهذه معان مختلفة في أوصاف الثغر كلها حسان. # *** # قوله: «والبنان بالترف»، أي الأصابع باللين والنعمة، وأحسن ما قيل في ذلك ~~قول النابغة: [الكامل] # بمخضب رخص كأن بنانه ... عنم يكاد من اللطافة يعقد (¬3) # فهذا تشبيه بديع. # وقال امرؤ القيس: [الطويل] # وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل (¬4) PageV01P282 # وقال غيره: [السريع] # يا قمرا أبصرت في مأتم ... يندب شجوا بين أتراب (¬1) # أبرزه المأتم لي كارها ... من بين رايات وحجاب # يبكي فيذري الدر من نرجس ... ويلطم الورد بعناب # وقال عكاشة: [الكامل] # سقيا لمنزلنا الذي كان به ... يوم الخميس عشية أصحابا # إذ نحن نسقاها شمولا قرقفا ... تدع الصحيح بعقله مرتابا # من كف جارية كأن بنانها ... من فضة قد قمعت عنابا # وكأن يمناها إذا ضربت بها ... تلقي على يدها الشمال حسابا # وقال آخر: [الوافر] # وحوراء ms0251 اللواحظ بين قلبي ... وبين جفونها حرب البسوس # ترى ماء النعيم يجول فيها ... كمثل الخمر في صافي الكئوس # كأن بنانها أقلام عاج ... مرصعة الرأس بآبنوس # ووصف الخصور بالهيف، وهو الضمر والرقة، وسنذكر معها ما يستظرف، وقد تقدم ~~قول ابن عبد ربه: [الكامل] # يا من تقطع خصره من رقة ... ما بال قلبك لا يكون رقيقا # وقال ابن الرومي: [مجزوء الكامل] # وهبت له عيني الهجوعا ... فأثابها منه الدموعا # ظبي كأن بخصره ... من ضمره ظمأ وجوعا # وقال عبيد الله بن عبد الله: [السريع] # سلمى وما سلمى تفوق المنى ... والحسن أوصافا وألوانا # وشاحها يحسد خلخالها ... كجائع يحسد شبعانا # وقال كشاجم في مقلوبه: # مساولة الكل غير بطن ... مثقل فهي عنكبوت PageV01P283 # حجولها الدهر في اضطراب ... ووشحها كاظم صموت # وقال حبيب: [الطويل] # مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل (¬1) # من الهيف لو أن الخلاخيل صيرت ... لها وشحا جالت عليها الخلاخل # أخذه القاضي ابن لبال فقال: [الطويل] # جلوت لنا شيئا من الدر عاطلا ... بعيشك لم جنبته الجيد والنحرا # فقالت ولم تكذب خشيت سقوطه ... وأومت إلي فيها نظمته ثغرا # كذلك إن عض السوار بمعصمي ... وحاذرت أن يدميه حملته الخصرا # وأكثر ما يذكرون الخصر بالرقة مع ذكر الكفل بالعظم، كما قال ديك الجن: # [الكامل] # وتمايلت فضحكت من أردافها ... عجبا، ولكني بكيت لخصرها # تسقيك كأس مدامة من كفها ... وردية، ومدامة من ثغرها # وقال القاضي أبو حفص بن عمر: # مشت كالغصن يثنيه النسيم ... ويعدوه النسيم فيستقيم # لها ردف تعلق من ضعيف ... وذاك الردف لي ولها ظلوم # يعذبني إذا فكرت فيه ... ويتعبها إذا رامت تقوم # وما حبي لها إلا عذاب ... عليه من نضارتها نعيم # *** # قوله: «سهوا». أي خطأ. والهامة: الرأس. وإلا فرمى الله جفني بالعمش، إنما ~~ذكر العمش والنمش وما بعده لأنها أضداد لما تقدم، وعند الإشارة لها يتبين ~~من الغلام عند الوالي أضدادها، فيزداد حسنا. [الكامل] # * وبضدها تتبين الأشياء (¬2) * # والعمش: انتثار شعر العينين. والنمش: أخفى من البرش. الجلح: الصلع، وهو PageV01P284 # انحسار الشعر من النزعتين، وفعله جلح الرجل واجلخ، ms0252 كاسود. والطلع: قد ~~تقدم في الثانية، وإذا علته خضرة سمي بلحا. والبهار: نرجس المغرب، وهو ~~أصفر، والورد أحمر، فدعا له بعلة تذهب جمال وجهه وتصفر حمرة خده. والبخار: ~~كالبخر: النتن. # والمسكة: أطيب العطر، فدعا له بتغير الرائحة. وتقدم أن أطيب الطيب أنفاس ~~عبقة من كبد سليمة.، وتقدم في الثانية معنى قوله: «ووردتي بالبهار» منظوما، ~~وقال الصابي في أبخر: [الكامل] # نطق ابن نصر فاستطارت جيفة ... في العالمين لنتن فيه الفاسد # فكأن أهل الأرض كلهم فسوا ... متواطئين على اتفاق واحد # وقالت جنان في أبي نواس: [الخفيف] # فإذا ما أردت أن تحمد الل ... ه على ما أعطى وأولاك شكرا # فليكن ذاك بالضمير فمن سب ... ح بالفسو نال إثما ووزرا # وقال آخر: [السريع] # أهدى زريق قطه لقمة ... قد لاكها في فمه الأبخر # فبادر القط إلى دفنها ... يحسبها من بعض ما قد خرى # قوله: «وبدري بالمحاق»، المحاق: أن ينمحق ضوء القمر فلا يبقى منه شيء. # واحتراق الفضة: اسودادها. وشعاعي بالظلام، أي صباحة وجهه ووضاءته بسواد ~~اللحية، أي عاجلني لله بالالتحاء، ويريد بهذا كله أن يكسو بياض وجهه سواد ~~الشعر، فيكسد ولا يلتفت إليه. # وقال ابن المعتز في مثل هذا الدعاء: [البسيط] # يا رب إن لم يكن في وصله طمع ... وليس لي فرج من طول هجرته # فاشف السقام الذي في طرف مقلته ... واستر ملاحة خديه بلحيته # ونقل لفظ احتراق الفضة من قول أبي الحسين الثغري، وهو من شعراء اليتيمة: # [الرمل] # لي حبيب يزهى بحسن عجيب ... وبقد مثل القضيب الرطيب # أحدقت بالسواد فضة خدي ... ه، فقد أحرقت سواد القلوب ### || AUTO [مما قيل في العذار وفي الالتحاء] # ونذكر هنا ما يليق بهذا الموضع مما قيل في العذار وفي الالتحاء مما مدح ~~به وذم، قال ابن عبد ربه: [الكامل] PageV01P285 # ومعذر نقش الجمال بمسكه ... خدا له بدم القلوب مضرجا # لما تيقن أن سيف جفونه ... من نرجس جعل النجاد بنفسجا # وقال ابن صارة: [الكامل] # ومعذر رقت حواشي حسنه ... فقلوبنا حذرا عليه رفاق # لم يكس عارضه السواد وإنما ... نفضت عليه سوادها الأحداق ms0253 # وقال عبد المحسن الصوري: [الوافر] # ومعتذر العذار إلى فؤادي ... لجرم سابق من مقلتيه # وكم أعرضت عنه فأعرضت بي ... عن الأعراض خضرة عارضيه # ولما قلت إن الشعر يسعى ... لقلبي في الخلاص سعى عليه # وقال أبو القاسم الزاهي: [الكامل] # لولا عذارك ما خلعت عذاري ... لكنت في وزر من الأوزار # ما كنت أحسب أن أعاين أو أرى ... تخطيط ليل في بياض نهار # حتى نظرت إلى عذارك فاغتدى ... سقم القلوب ونزهة الأبصار # وللمعتمد بن عباد: [مخلع البسيط] # تم له الحسن بالعذار ... واختلط الليل بالنهار # أخضر في أبيض تبدى ... ذلك آسي وذا بهاري # لقد حوى مجلسي تماما ... إن يك من ريقه عقاري # وقال ابن حمدون: [مخلع البسيط] # ظل على خده العذار ... فافتضح الآس والبهار # وابيض هذا واسود هذا ... واجتمع الليل والنهار # أغض عيني عنه لأني ... عليه من مقلتي أغار # فهذا كله حسن في مدح العذار؛ وإن كان النذير بموت الجمال، فإذا تقوى ~~العذار واسود؛ صاروا إلى نعيه، كما قال أبو بكر البلوي: [السريع] # انظر إلى ميت ولكنه ... خلو من الأكفان والغاسل # قد كتب الدهر على خده ... بالشعر: هذا آخر الباطل # وله في ضده: [مجزوء الكامل] PageV01P286 # لما التحى من قد هويت ... وقلت رسم قد دثر # عاينت من طلابه ... زمرا مواصلة زمر # وكذاك أصحاب الحديث ... نفاقهم عند الكبر # وكما قال أبو الحسن بن الحاج: # أبا جعفر مات فيك الجمال ... فأظهر خدك لبس الحداد # وقد كان ينبت زهر الرياض ... فأصبح ينبت شوك القتاد # أبن لي متى كان بدر السما ... ء يدرك بالكون أو بالفساد! # وهل كنت في الملك من عبد شمس ... فأخنى عليك ظهور الفساد # وقال سعيد بن حميد في غلام التحى: [الكامل] # هلا وأنت بماء وجهك يستقى ... روض الشباب قليل شعر العارض # فالآن حين بدت بخدك لحية ... ذهبت بحسنك ملء كف القابض # مثل السلافة عاد خمر عصيرها ... بعد اللذاذة مثل خل الحامض # وقال علي بن بسام في أخيه جعفر: [البسيط] # يا من نعته إلي الإخوان لحيته ... أدبرت والدهر إقبال وإدبار # قد كنت ممن يهش الناظرون له ... تغص ms0254 دونك أسماع وأبصار # أيام وجهك مصقول عوارضه ... وللرياض على خديك أنوار # فيا لدهر مضى ما كان أحسنه ... إذا أنت ممتنع، والشرط دينار # حانت منيته فاسود عارضه ... كما تسود بعد الميت الدار # وفيه يقول أيضا: [البسيط] # حانت وفاتك يا أبا العباس ... فدع المكاس فلات حين مكاس # ما بال وجهك بعد كثرة نوره ... قد سودوه بحالك الأنفاس! # أين الدنانير التي عودتها ... هيهات جاء الشعر بالإفلاس # كانت بخد ثيابه ديباجة ... فاستبدلت حلسا من الأحلاس # وكذا البناء فغير مرتفع إذا ... كانت بليته من الآساس # وقال مصعب الماجن: [الكامل] # قد صافحت أقطار خدك لحية ... تركته وهو مسود الأقطار # فكأن خط الشعر في جنباته ... ليل أقام على نجوم أو نهار PageV01P287 # وكان لمحمد بن بشر بابان يدخل من الأكبر أصحابه، ومن الأصغر أحبابه فجاء ~~يوما غلام مليح، وأراد الدخول من الأصغر على عادته، فمنع، فجعل يخاصم ~~البواب لإدلاله، فبلغ ذلك ابن بشر، فكتب إليه: [مجزوء الرمل] # قل لمن رام بجهل ... مدخل الظبي الغرير # بعد أن علق في خدي ... ه مخلاة الشعير # ليته يدخل إن جا ... ء من الباب الكبير # وقال ابن الأبار: [مخلع البسيط] # لست بصاب إلى معذر ... بل أنا في حبه معذر # لا أعشق الظبي ذا لجام ... لأنه في الظباء منكر # أحسن ما فيه أن تراه ... بين مهاة وبين جؤذر # ينظر قوله: «لأنه في الظبا منكر» إلى قول حبيب: [الوافر] # تعشقك الكبار يدل عندي ... على أن الرحى قلبت ثفالا # وقال آخر: [السريع] # لي في أبي يحيى ومشعوقه ... شغل على ذي شغل شاغل # يا ليت شعري قول ذي حيرة ... من منهما المفعول والفاعل! # وقال ابن حصين في محبوب صغير: [مجزوء الرمل] # بأبي ظبي صغير الس ... ن حازت ثلث سني # سرني أن ليس يدري ... مذهبي فيه وفني # فهو يدعوني عما ... وأنا أدعوه بابني # وللخبز أرزي: [البسيط] # قالوا عشقت صغيرا قلت أرتع في ... روض المحاسن حتى يدرك الثمر # ربيع حسن دعاني لاتباع هوى ... لما تفتح فيه النور والزهر # وقال التنوخي في جسيم: [البسيط] # من أين أستر وجدي وهو منتهك ms0255 ... ما للمتيم في نيل الهوى درك # قالوا عشقت عظيم الجسم قلت لهم ... الشمس أعظم جسم ضمه الفلك # وللفقيه ابن حزم: [الطويل] # وذي عذل فيمن سباني حسنه ... يطيل ملامي في الهوى ويقول: PageV01P288 # أفي حسن وجه لاح لم تر غيره ... ولم تدر كيف الجسم، أنت قتيل! # فقلت له: أسرفت في اللوم ظاهرا ... وعندي رد لو أردت طويل # ألم تر أني ظاهري وأنني ... على ما بدا حتى يقوم دليل! # وأحسن حبيب حين قال: [البسيط] # قال الوشاة بدا في الخد عارضه ... فقلت لا تنكروا وما ذاك عائبه (¬1) # الحسن منه على ما كنت أعهده ... والشعر حرز له ممن يطالبه # أحلى وأعذب ما كانت شمائله ... إذ لاح عارضه واخضر شاربه # وصار من كان يلحى في مودته ... إن سيل عني وعنه قال صاحبه # وقال الحلواني: [البسيط] # قالوا التحى فامحت بالشعر بهجته ... فقلت: لولا الدجى لم يحسن القمر # خطت يد الحسن فيه فوق وجنته: ... هذي محاسن- يا أهل الهوى- أخر # وله أيضا: [الخفيف] # لي حبيب إذا شكوت إليه ... سامني بالهوى عذابا شديدا # لست أدعو بالشعر غيظا عليه ... خيفة أن يكون حسنا جديدا # غير أني أدعو بقلب قريح ... أن أراه مثلي محبا عميدا # وقال غيره: [مخلع البسيط] # قد حل في سوقك الكساد ... مذ لاح في خدك السواد # كأنما الشعر فيه زرع ... والنتف منه له حصاد # وقوله: «ودواتي بالأقلام»، أي ابتلاه الله أن يلاط به، قال: الفنجديهي: ~~أنشدني بعض الشعراء بمروروز لبعضهم: [الوافر] # دوادار الأمير له دواة ... كمثل الياسمين بغير صوف # يرى قلم الأمير يغوص فيها ... مغاص عصيدة في حلق صوفي # ونقل لفظ الدواة والأقلام من قول ديك الجن؛ وكان يهوى غلاما من حمص، اسمه ~~بكر، فجلس معه ليلة يتحدث بها حتى غاب القمر، فقام بكر ليمشي، فقال: # [الطويل] PageV01P289 # دع البدر فليغرب فأنت لنا بدر ... إذا ما تجلى عن محاسنك الشعر # إذا ما انقضى سحر الذين ببابل ... فأنت لنا سحر وريقك لي خمر # ولو قيل لي قم فادع أحسن من ترى ... لصحت بأعلى الصوت: يا بكر يا بكر! # وكان هذا الغلام شديد ms0256 التصاون والتمنع، فاحتال عليه قوم من حمص، فأخرجوه ~~إلى متنزه، فأسكروه وفسقوا به، فبلغ ذلك ديك الجن فقال: [الكامل] # يا بكر ما فعلت بك الأرطام ... يا دار ما فعلت بك الأيام # في الدار بعد بقية نستامها ... أم ليس فيك بقية تستام # شغل الظلام كراك في أبوابهم ... فتفرغت لدواتك الأقلام # وله فيه أيضا: [البسيط] # قولا لبكر بن مهدي إذا اعتكرت ... عساكر الليل بين الطاس والجام # ألم أقل لك إن الكبر مهلكة ... والبغي والعجب إفساد لأقوام # قد كنت تفرق من سهم تعاينه ... فصرت غير رميم رقعة الرامي # وكنت تفزع من لمس ومن قبل ... فقد ذللت لإسراج وإلجام # إن تدم فخذاك من ركض فربتما ... أمسى وقلبي منك الموجع الدامي # قال أبو علي بن رشيق: كنت أوصي غلاما وضيئا، كان يختلف إلي، وأحذره من ~~كثرة التخليط، فخرج يوما في جماعة من أصحابه، فأوقع به، فأخبرت بذلك، فقلت: # [السريع] # يا سوء ما جاءت به الحال ... إن كان ما قالوا كما قالوا # ما أحذق الناس بصوغ الخنا ... صيغ من الخاتم خلخال # وهذا من قول ابن المعتز: [الطويل] # مضى خالد والمال تسعون درهما ... وآب ورأس المال ثلث الدراهم # وهذا المعنى الخبيث يتبين بعقد التسعين والثلاثين في اليد. # وقال ابن رشيق: [الكامل] # سقطت ثنيته فأوجع قلبه ... لسقوطها وجرى عليه عظيم # فإذا مررت به فسل فؤاده ... عنها وقل صبرا كذاك الريم # عجبا للؤلؤة هوت من سلكها ... والسلك لا واه ولا مفصوم # أتعديا يا خطب وهو مصون ... أبدا بخاتم ربه مختوم PageV01P290 # ويستحب لمن وسم بوسمة الجمال، أن يكون شديد التصاون، قليل التبذل، فذلك ~~أدعى للسلامة، وقد قال ابن وكيع في ذلك: [البسيط] # قالوا عشقت كثير البخل ممتنعا ... فقلت: هيهات عنكم غاب أطيبه # لو جاد هان، وقلت الجود عادته ... وإنما عز لما عز مطلبه # فإذا تبذل وأجاب كل من دعاه صار عرضة للظنون، ونبت عن محاسنه العيون، لأن ~~النفس الحرة لا تنفك من غيرة، وقد قال العباس بن الأحنف: [الكامل] # يا قوم لم أهجركم لملالة ... مني ولا لمقال واش حاسد (¬1) # لكنني ms0257 جربتكم فوجدتكم ... لا تصبرون على طعام واحد # وقال أبو الوليد بن حزم: [الكامل] # لما استمالك معشر لم أرضهم ... والقول فيك كما علمت كثير # داويت دونك مهجتي فتماسكت ... من بعد ما كادت إليك تطير # فاذهب فغير جوانحي لك منزل ... واسمع فغير وفائك المشكور # وله أيضا: [المتقارب] # يقول وقد لمته في الهوى ... فلان، وعرضت شيئا قليلا: # أتحسدني؟ قلت: لا، والذي ... أحلك في الحب مرعى وبيلا # وكيف وقد حل ذاك الإزار ... وقد سلك الناس تلك السبيلا! # وقال محمد بن السري: [الكامل] # قايست بين جماله وفعاله ... فإذا الملاحة بالخيانة لا تفي # والله لا كلمته ولو أنه ... كالبدر أو كالشمس أو كالمكتفي # وقال آخر: [الطويل] # أيا حسنا أزرت قبائح فعله ... عليه كما أزرى الكسوف على البدر # لقد فقت كل الناس حسنا وزينة ... ولكنما قبحت ذلك بالغدر # وقال ابن عيينة: [الكامل] # ضيعت عهد فتى لعهدك حافظ ... في حفظه عجب وفي تضييعك # إن تقتليه وتذهبي بفؤاده ... فبحسن وجهك لا بحسن صنيعك # *** PageV01P291 # فقال الغلام: الاصطلاء بالبلية، ولا الإيلاء بهذه الألية، والانقياد ~~للقود؛ ولا الحلف بما لم يحلف به أحد. وأبى الشيخ إلا تجريعه اليمين التي ~~اخترعها، وأمقر له جرعها. ولم يزل التلاحي بينها يستعر، ومحجة التراضي تعر، ~~والغلام في ضمن تأبيه، يخلب قلب الوالي بتلويه، ويطمعه في أن يلبيه، إلى أن ~~ران هواه على قلبه، وألب بلبه، فسول له الوجد الذي تيمه، والطمع الذي ~~توهمه، أن يخلص الغلام ويستخلصه، وأن ينقذه من حبالة الشيخ ثم يقتنصه. # *** # قوله: «الاصطلاء»، أي الاتصال والتلبس. والبلية، أراد دعوة الباطل التي ~~ادعى عليه الشيخ. والإيلاء: الحلف: والألية: اليمين. والقود: قتل النفس ~~بالنفس، فيقول: # الصبر على الضرب أو القتل أهون من هذه اليمين التي لم يحلف بها أحد ~~اخترعها: # استنبطها. أمقر: أمر، من المقر؛ وهو الصير. # وهذه اليمين المخترعة، حكى الأصمعي شبهها، فقال: اختصم أعرابيان عند بعض ~~الولاة في دين، فجعل المدعى عليه يحلف بالطلاق والعتاق، فقال المدعي: دعني ~~من هذه الأيمان، واحلف بما أقول لك، فقال: ما قولك؟ قال: قل: لا ترك الله ms0258 ~~لك خفا يتبع خفا، ولا ظلفا يتبع ظلفا، وحتك من أهلك وولدك، كما يحات الورق ~~من الشجر؛ إن كان بقي لي هذا الحق قبلك. فأعطاه حقه ولم يحلف له. # وحكى المسعودي أن الفضل بن الربيع قال: صار إلي عبد الله بن مصعب بن ثابت ~~بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، فقال: إن موسى بن عبد الله بن الحسن ~~بن علي بن أبي طالب قد أرادني على بيعته، فأخبرت الرشيد بذلك، فجمع بينهما، ~~فقال الزبيري لموسى: سعيتم علينا، وأردتم نقض بيعتنا ودولتنا، فقال له ~~موسى: ومن أنتم! فغلب الرشيد الضحك حتى رفع رأسه إلى السقف لئلا يظهر منه ~~الضحك، ثم قال موسى: يا أمير المؤمنين، هذا المشنع علي، خرج مع أخي محمد ~~على جدك المنصور، وهو القائل [من أبيات]: # قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتنا ... إن الخلافة فيكم يا بني الحسن # وليست سعايته حبا لك، ولا مراعاة لدولتك؛ ولكن بغضا لنا جميعا أهل البيت، ~~وأنا أستحلفه بيمين، فإن حلف بها أني قلت ذلك، فدمي حلال لأمير المؤمنين. ~~فقال له الرشيد: احلف له يا عبد الله، فامتنع، فقال له الفضل: لم تمتنع وقد ~~زعمت أنه قال ما ذكرته؟ قال: فإني أحلف له، قال موسى: قل: تقلدت الحول ~~والقوة دون حول الله وقوته إلى حولي وقوتي، إن لم يكن ما قلته حقا. فحلف ~~له، فقال موسى: الله أكبر! حدثني أبي عن أبيه، عن جده، عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: «ما حلف أحد بهذه اليمين وهو PageV01P292 # كاذب إلا عجل الله له العقوبة قبل ثلاث»، وها أنذا بين يدي أمير المؤمنين ~~في قبضته، فإن مضت ثلاث ولم يحدث له حادث، فدمي حلال لأمير المؤمنين. # قال الفضل: فو الله ما صليت العصر من ذلك اليوم، حتى سمعت الصراخ من داره. # فدخلت عليه، فو الله ما كدت أعرفه: لأنه صار كالزق العظيم، ثم اسود حتى ~~صار كالفحم، فعرفت الرشيد في الحين، فما انقضى كلامنا حتى عرفنا أنه قد ~~مات، فبادرت بتعجيله، وتوليت الصلاة ms0259 عليه. فلما ووري في قبره انخسف به، ~~وخرجت رائحة مفرطة النتن، ومرت أحمال شوك على الطريق، فأمرت بها فطرحت في ~~قبره، فانخسف ثانية، فأمرت بألواح ساج، فطرحت على قبره وألقى التراب عليها، ~~وانصرفت، وأعلمت الرشيد. فأكثر التعجب، وأحضر موسى؛ فأعطاه ألف دينار، وقال ~~له: لم عدلت عن اليمين المتعارفة عند الناس؟ فقال: أخبرت بالسند المتقدم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حلف بيمين كاذبة مجد الله فيها، ~~استحيا الله من تعجيل عقوبته، ومن حلف بيمين كاذبة نازع الله فيه حوله ~~وقوته إلا عجل الله له العقوبة قبل ثلاث». # *** # قوله: «التلاحي»، السباب والتشاتم. علي رضي الله عنه، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «من لاحى الرجال سقطت مروءته وذهبت كرامته، وما زال جبريل ~~ينهاني عن ملاحاة الرجال كما ينهاني من عبادة الأوثان» (¬1). وفي المثل: من ~~لا حاك فقد عاداك. # يستعر: يتقد. محجة التراضي: أي طريق الرضا تعر: تصعب. وفي ضمن تأبيه، أي ~~في أثناء كلامه وامتناعه. يخلب: يخدع ويأخذ قلبه. تلويه: انعطافه يطمعه: ~~يدعوه للطمع. يلبيه: يجيبه لمراده. وران: غلب وغطى. أبو هريرة رضي الله ~~عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة ~~سوداء، فإن تاب صقلت، وإن عاد زادت حتى تعظم في قلبه، فذلك الران» (¬2)، ~~قال الله تعالى: كلا بل ران على قلوبهم [المطففين: 14]. # ألب: أقام. لبه: عقله: سول: زين. الوجد: حرقه القلب. تيمه: عبده وذلله، ~~والمتيم: المستعبد لهواه. توهمه: ظنه. يستخلصه: يختصه لنفسه. حبالة: آلة الصيد. # يقتنصه: يصيده؛ يقول: إن هذا الغلام في أثناء كلامه بالتمنع وترك ~~الانقياد للشيخ يطمع الوالي في الانقياد له، وإنه إذا دعاه لما يريده منه ~~أجابه، وإنما فعل هذا حين رأى إدامة نظر الوالي في وجهه، واستحسانه كلامه، ~~ولو فسر الوالي حال الغلام بمنظوم لأنشد: # [البسيط] PageV01P293 # يهدي لك الدر من لفظ ومبتسم ... ضربان: منتثر منه ومنظوم # يجني الذنوب، وأحنو أن أؤاخذه ... من أجل ذلك قيل الحسن مرحوم # ولأنشد إذا غلب عليه هواه: [البسيط] # مرآك ms0260 مرآك لا شمس ولا قمر ... وورد خديك لا ورد ولا زهر # في ذمة الله قلب أنت ساكنه ... إن بنت بان فلا عين ولا أثر # لولا محلك من قلبي لما أسفت ... نفسي عليك، فرفقا أيها القمر # هذه الأبيات لأبي الوليد بن حزم؛ وقد كرر معنى البيت الأخير فقال: ~~[الكامل] # أذكيت من قلبي بنأيك لوعة ... حتى خشيت على محلك فيه # ومما يتعلق بهذا المعنى قول الآخر: [الطويل] # ولما رماني بالسهام تعمدا ... وفيها نصال الهجر حتى امتلا صدري # فقلت له لا ترم قلبي فإنه ... مكانك والمرمي أنت ولا تدري # وقال آخر: [الطويل] # حملتك في قلبي فهل أنت عالم ... بأنك محمول وأنت مقيم! # ألا أن شخصا في فؤادي محله ... وأشتاقه، شخص علي كريم # وقال التهامي: [الكامل] # قلبي فداؤك وهو قلب لم يزل ... تذكى شهاب الشوق في أثنائه # جاورته شر الجوار وزرته ... لما حللت فناءه بفنائه # حرق سوى قلبي ودعه فإنني ... أخشى عليك وأنت في سودائه # وقال آخر: [السريع] # أودع فؤادي حرقا أودع ... نفسك تؤذى أنت في اضلعي # أمسك سهام اللحظ أو فارمها ... أنت بما ترى مصاب معي # موقعها القلب وأنت الذي ... مسكنه في ذلك الموضع # *** # فقال للشيخ: هل لك فيما هو أليق بالأقوى، وأقرب للتقوى! فقال: إلام تشير ~~لأقتفيه، ولا أقف لك فيه؟ فقال: أرى أن تقصر عن القيل والقال، وتقتصر منه ~~على مائة مثقال، لأتحمل منها بعضا، وأجتبي الباقي لك عرضا، فقال الشيخ: PageV01P294 # ما مني خلاف، فلا يكن لوعدك إخلاف، فنقده الوالي عشرين، ووزع على وزعته ~~تكملة خمسين. ورق ثوب الأصيل، وانقطع لأجله صوب التحصيل، فقال له: خذ ما ~~راج، ودع عنك اللجاج، وعلي في غد أن أتوصل، إلى أن ينض لك الباقي ويتحصل، ~~فقال الشيخ: أقبل منك على أن ألازمه ليلتي، ويرعاه إنسان مقلتي، حتى إذا ~~أعفى بعد إسفار الصبح، بما بقي من مال الصلح، تخلصت قائبة من قوب، وبرئ ~~براءة الذئب من دم ابن يعقوب، فقال له الوالي: ما أراك سمت شططا، ولا رمت فرطا. # قال الحارث بن همام: فلما رأيت ms0261 حجج الشيخ كالحجج السريجية، علمت أنه علم ~~السروجية. # *** # قوله: «أليق» أي أشكل وأصقل. بالأقوى: بصاحب القوة. والذي هو أقرب ~~للتقوى، وهو العفو لقوله تعالى: وأن تعفوا أقرب للتقوى [البقرة: 237]. ~~أقتفيه: # أتبعه. لا أقف لك فيه، أي لا أتوقف فيما تشير به. تقصر: تكف. عن القيل ~~والقال، أي عن كل كلام. أجتبي: أجمع. عرضا: كل ما ليس فيه روح من الأمتعة ~~غير العين؛ وهو ليس بنقد من السلع التي يتجر فيها من متاع ورقيق وغير ذلك. ~~أتحمل: أضمن، وفلان حميل بكذا، أي ضامن له. إخلاف: كذب وعد. نقده: أعطاه ~~نقدا. وزع: فرق. # وزعته: شرطته الذين يكفون عنه الناس، واحدهم وازع مثل كافر وكفرة، وقد ~~وزعته وزعا كففته، وأيضا دفعته. وقال الحسن البصري رحمه الله: لا بد ~~للسلطان من وزعة. # الأصيل العشي. وثوبه: ضوء الشمس، وهو في ذلك الوقت رقيق. صوب: وقع، وصاب ~~السهم صوبا وصيبا: وقع بالرمية، وصاب السحاب الموضع: أمطر. والتحصيل: # أن يحصل بقية المال. راج: حضر وتيسر، ويقال: راج الشيء روجا فهو رائج إذا ~~جاء جاء سريعا. قوله: «إنسان مقلتي»، أي سواد عيني. يرعاه: يحفظه وينظره. ~~أعفى: أتى بالبقية، والعفاوة: بقية المرق في القدر. تخلصت: انفصلت. ~~والقائبة: البيضة. # والقوب: الفرخ، وهذا مثل يضرب للرجلين يفترقان بعد الصحبة، وجاء مقلوبا ~~لأن الذي ينفصل ويخرج إما هو الفرخ من البيضة، والقوب، من تقوب الشيء إذا ~~انتشر، ومنه القوباء لداء الحزاز. وابن يعقوب هو يوسف عليهما السلام، ~~وبراءة الذئب من دمه، هو ما يحكى أن إخوته لما جاءوا أبيهم يبكون على يوسف، ~~علموا أنه لا يصدقهم، فاصطادوا ذئبا فلطخوه بدم، وأتوه يبكون، وقالوا له: ~~هذا الذئب قد ضري، أكل أغنامنا وأكل يوسف أخانا، قال لهم: أطلقوه، ودعا ~~الله يعقوب أن ينطقه له، فقال للذئب: ادن مني، فجعل يبصبص بذنبه ويدنو منه، ~~حتى وضع خده على فخذيعقوب، فقال له: لم PageV01P295 # أكلت ابني، وفجعتني فيه؟ فقال: لا والله يا نبي الله، ما رأيته ولا ~~أكلته، وإني لغريب في أرضكم اليوم، وصلت من مصر في ms0262 طلب أخ لي فقدته، ~~فأوثقني هؤلاء وساقوني إليك، فقال لهم يعقوب عليه السلام: الذئب مع أخيه ~~أوفى منكم مع أخيكم. # قوله: «سمت»: أي كلفت. شططا: شيئا بعيدا، والشطط: مجاوزة القدر. # ورمت فرطا: طلبت شيئا متفاوتا، وكيف لم يسمه شططا، وقد حرمه لذة ليلة مع ~~هذا الغلام أحسن من ليلة الخفاجي حيث يقول: [مخلع البسيط] # وليلة طلقة قضتني ... من موعد للحبيب دينا # بتنا نجر الذيول فيها ... والخمر تمشي بنا بالهوينى # أرسل في روض وجنتيه ... لحظة عين تفيض عينا # كأنما اللحظ كيمياء ... تذهب من وجهه لجينا # وما توهمت أن طرفا ... يقلب عين اللجين عينا # أو ليلة الآخر حين يقول: [الكامل] # لما رأى من ظلت فيه متيما ... جسمي ضئيلا والفؤاد مولها # جادت شمائله علي بليلة ... أهدت إلى الصب المعنى ما اشتهى # عانقت فيها البدر ليلة تمه ... يا من رأى بدرا يعانقه السها! ### || AUTO [أحمد بن سريج من أئمة الشافعية] # قوله: «الحجج السريجية» منسوبة إلى أحمد بن سريج، وهو من كبار أصحاب ~~الشافعي، وكان حسن الاحتجاج، مليح المناظرة. # وقال الفنجديهي: السريجية منسوبة إلى الإمام أبي العباس أحمد بن عمر بن ~~سريج إمام أصحاب الشافعي على الإطلاق، ومن لا نفست ذات در بمثله في الآفاق، ~~حججه في أحكام الشرع أوضح الحجج، وأقواها وأمتنها على مرور الأيام والحجج، ~~وكان يلقب بالبازي الأشهب، وبالشافعي الثاني، لتبحره في استنباط المعاني، ~~من غوامض الأخبار والمثاني، دلائله في فنون العلم متينة، وبراهينه مبينة. # وقال: رأيت في المنام كأنا أمطرنا كبريتا أحمر، فملأت كمي وحجري وجيبي ~~منه، فعبر لي أني أرزق علما غزيرا كعزة الكبريت الأحمر. # وسمع يتمثل بهذه الأبيات: [المتقارب] # فلا تحسد الكلب أكل العظام ... فعند الخراءة ما ترحمه # تراه وشيكا شكسا استه ... كلوما جناها عليه فمه # إذا ما أهان امرؤ نفسه ... فلا أكرم الله من يكرمه PageV01P296 # وكان يناظر محمد بن داود، فقال له ابن داود يوما وقد أكثر عليه السؤال: ~~أبلعني ريقي، فقال له: قد أبلعتك الدجلة والفرات. # وقال له مرة: أمهلني ساعة، فقال: قد أمهلتك من الساعة إلى ms0263 أن تقوم ~~الساعة. # وقال له ابن داود يوما: أكلمك من الرجل وتجيبني من الرأس! فقال له: كذلك ~~البقر إذا حفيت أظلافها، وهنت قرونها. # واجتمع أبو العباس بن سريج وأبو بكر بن داود الأصبهاني في مجلس عيسى بن ~~الجراح الوزير، فتناظرا في الإبلاء، فقال ابن سريج: أنت بقولك: من كثرت ~~لحظاته، دامت حسراته، أبصر منك في الكلام في الإيلاء، فقال له ابن داود: ~~لئن قلت ذلك، فإني أقول: [الطويل] # أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال محرما # وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه ... يصب على الصخر الأصم تهدما # وينطق طرفي عن مترجم خاطري ... فلولا اختلاسي رده لتكلما # رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم ... فلست أرى حبا صحيحا مسلما # وقال له ابن سريج: بم تفتخر؟ ولو شئت قلت: [الكامل] # ومساهر بالغنج من لحظاته ... قد بت أمنعه لذيذ سناته # أصبو لحسن كلامه وحديثه ... وأكرر اللحظات في وجناته # حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولي بخاتم ربه وبراته # فقال له أبو بكر: أصلح الله الوزير! يحفظ عليه ما قال، حتى يقيم عليه ~~شاهدين عدلين، أنه ولى بخاتم ربه وبراءته، فقال له ابن سريج: فيلزمني في ~~هذا ما يلزمك في قولك: [الطويل] # * وأمنع نفسي أن تنال محرما* # فضحك الوزير، وقال: لقد جمعتما ظرفا ولطفا وعلما وفهما. # اشتملت هذه الحكاية على أن هذين الرجلين العالمين على اشتهارهما بالعلم ~~والفضل والدين كانا يرتاحان إلى التعشق على سبيل التظرف والتزام التعفف على ~~ما يليق ويشكل بمنصبهما؛ وإذا كان التعشق بشرط العفاف، فإنما يزيد الرجل ~~الفاضل رقة طبع، وحلاوة شمائل. # وقال ابن سريج في مرضه الذي مات فيه: أريت في المنام البارحة كأن قائلا يقول: # هذا ربك يخاطبك، فسمعته يقول: ماذا أجبتم المرسلين؟ فقلت: بالإيمان ~~والتصديق، قال: فقيل: ماذا أجبتم المرسلين؟ فوقع في نفسي أنه يراد مني ~~زيادة في الجواب، PageV01P297 # فقلت: بالإيمان والتصديق، غير أنا قد أصبنا من هذه الذنوب، فقال: أما إني ~~سأغفرها لك. # وتوفي لخمس مضين من جمادى الأولى سنة ست وثلاثمائة، وبلغ سنه ms0264 سبعا وخمسين ~~سنة وستة أشهر، ودفن في حجرة، بسويقة غالب ببغداد رحمة الله عليه. ### || AUTO [من شعر النسيب] # ونذكر الآن من نفيس الشعر المضمن «من ظفر من محبوبه بمراده من الوصال، ثم ~~عف عما يخل بأهل الجلال»، قال إدريس بن اليمان: [البسيط] # لم تدر ما خلدت عيناك في خلدي ... من الغرام ولا ما كابدت كبدي # أفديك من زائر رام الدنو فلم ... يسطعه من حرق في الدمع متقد # خاف العيون، فوافاني على عجل ... معطلا جيده إلا من الغيد # عاطيته الكأس فاستحيت مدامتها ... من ذلك الشنب المعسول والبرد # حتى إذا غازلت أجفانه سنة ... وصيرته يد الصهباء طوع يدي # أردت توسيده خدي وقل له ... فقال: كفك عندي أفضل الوسد # فبات في حرم، لا غدر يزعجه ... وبت ظمآن لم أصدر ولم أرد # بدر ألم وبدر التم منمحق ... والأفق محلولك الأرجاء من حسد # تحير الليل فيه، أين مطلعه ... أما درى الليل أن البدر في عضدي! # وقال الرمادي: [السريع] # وليلة راقبت فيها الهوى ... على رقيب غير وسنان # والراح ما تنزل عن راحتي ... وقتا ومن راحة ندماني # ورب يوم قيظه منضج ... كأنه أحشاء ظمآن # أبرز من خديه لي رشحه ... طلا على ورد وسوسان # وكان في تحليل أزراره ... أقود لي من ألف شيطان # فتحت الجنة من جيبه ... فبت في جنة رضوان # مروءة في الحب تنهي بأن ... يجاهر الله بعصيان # وقال سعيد بن حميد: [الخفيف] # زائر زارنا على غير وعد ... أهيف الكشح، مثقل الأرداف # غالب الخوف حين غلبه الشو ... ق فأخفى الهوى وليس بخافي # غض طرفي عنه تقى الله واختر ... ت على بذله بقاء التصافي PageV01P298 # ثم ولي والخوف قد هز عطفي ... ه، ولم نخل من لباس العفاف # وقال بعض الطالبيين: [الطويل] # رموني وإياها بشنعاء هم بها ... أحق، أدال الله منهم وعجلا # بأمر تركناه ورب محمد ... جميعا، فإما عفة أو تجملا # وسنزيد ما يستحسن في العفاف وضده في الثانية عشر. # قوله: «علم السروجية»، أي مشهورها. والعلم: الجبل. # *** # فلبثت إلى أن زهرت نجوم الظلام، وانتثرت عقود الزحام، ثم قصدت فناء ~~الوالي، ms0265 فإذا الشيخ للفتى كالي، فنشدته الله: أهو أبو زيد؟ فقال: إي ومحل ~~الصيد! فقلت: من هذا الغلام، الذي هفت له الأحلام، قال: هو في النسب فرخي، ~~وفي المكتسب فحي، قلت: فهلا اكتفيت بمحاسن فطرته، وكفيت الوالي الافتنان ~~بطرته! فقال: لو لم تبرز جبهته السين، لما قنفشت الخمسين، ثم قال: # بت الليلة عندي لنطفئ نار الجوى، ونديل الهوى من النوى، فقد أجمعت على أن ~~أنسل بسحرة، وأصلي قلب الوالي نار حسرة. # *** # لبثت: أقمت. عقود: جمع عقد، أراد ما يعقد من جموع الناس في الزحام. # انتثرت: افترقت. زهرت: أضاءت. الفناء: ما حول الدار. ناشدته: سألته. هفت، ~~أي طارت. الأحلام: العقول. فطرته: خلقته. تبرز: تظهر. والطرة: قد تقدمت، ~~وشبه اعتدال الشعر على الجبهة بشكل السين على السطر، وأخذه من قول التهامي: ~~[البسيط] # يا رب معنى بعيد الشأن نسلكه ... في سلك لفظ قريب الفهم مختصر # لفظ يون لقعد القول واسطة ... ما بين منزلة الإسهاب والخصر # إن الكتابة صارت تحت أنمله ... والجود فالتقيا منه على قدر # ترد أقلامه الأرماح صاغرة ... عكسا، كعكس شعاع الشمس للقمر # وفي كتابك فاعذر من يهيم به ... من المحاسن ما في أحسن الصور # الطرس كالخد والنونات دائرة ... مثل الحواجب والسينات كالطرر # ومن ملح الخبز أرزي: [الرمل] # وبنفسي من إذا خمشته ... نثر الورد عليه ورقه PageV01P299 # وإذا مست يدي طرته ... أفلتت منه فعادت حلقه # أخذها من حكاية لعمر بن أبي ربيعة؛ حدث المغيرة بن عبد الرحمن، قال: # حججت مع أبي وأنا غلام، علي جمة، فجئت عمر فسلمت عليه، فجلست عنده، فجعل ~~يمد الخصلة من شعري ثم يرسلها، فترجع على ما كانت عليه، ويقول: وا شباباه! ~~حتى فعل ذلك مرارا، ثم قال لي: يا ابن أخي، قد سمعتني أقول في شعري: قالت ~~وقلت ... وكل مملوك لي حر إن كنت كشفت عن فرج امرأة حرام قط، فسألت عن ~~رقيقه، فقيل لي: أما في الحوك فسبعون سوى غيرهم. # وساير عمر عروة بن الزبير يحدثه، فقال: وأين زين المواكب؟ - يعنى ابنه ~~محمدا، وكان يعرف بذلك لجماله- فقال عروة: ms0266 هو أمامك، فركد يطلبه، فقال له ~~عروة: يا أبا الخطاب، أولسنا أكفاء كراما لمحادثتك! قال: بلى، بأبي أنت ~~وأمي، ولكني مغرى بهذا الجمال حيث كان، ثم التفت إليه، وقال: [البسيط] # إني امرؤ مولع بالحسن أتبعه ... لا حظ لي فيه إلا لذة النظر # أخذه العباس بن الأحنف، فقال: [البسيط] # أتأذنون لصب في زيارتكم ... فعندكم شهوات السمع والبصر # لا يضمر السوء إن طالت إقامته ... عف الضمير ولكن فاسق النظر ### || AUTO [مما قيل في حلق الشعر] # ومما يتعلق بذكر الشعر حلاقة، والشعر فيه كثير؛ فنلم منه باليسير. # وأول من قرع هذا الباب- فيما يذكر- القائل: [الخفيف] # حلقوا رأسه ليكسوه قبحا ... خيفة منهم عليه وشحا # كان من قبل ذاك ليلا وصبحا ... فمحوا ليله وأبقوه صبحا # وقال أبو العباس القريعي: [الرمل] # كان إلا قمرا تحت دجى ... فانجلى الليل ولاح القمر # أو كزهر في كمام كامن ... شققت عنه فتم الزهر # وقال أبو العباس بن حيون: [الكامل] # حلقوك في تغيير حسنك رغبة ... فازداد حسنك بهجة وضياء # كالخمر فض ختامه فتشعشعت ... والشمع قط ذباله فأضاء # *** # قوله: «قنفشت»، أي أخذت بسرعة، تقول: قفشت الشيء، قفشا إذا جمعت عليه PageV01P300 # كفك بسرعة، وقد انقفشت العنكبوت، إذا دخلت حجرها. # قوله: «الجوى»، أي مرض القلب. نديل: نعوض، والإدالة: أن يكون الشيء لك ~~مرة ولغيرك أخرى وهي من الدولة. النوى: البعد أو يريد: هلم لنجدد المودة في ~~هذه الليلة، ويكون ذلك عوضا من طول الفراق، فقد عزمت على أن أنسل بالسحر ~~وأفر، والانسلال: الخروج مستخفيا. أصلي قلب الوالي: أجعله متحرقا بالتحسر ~~والتفجع. # *** # قال: فقضيت الليلة معه في سمر، آنق من حديقة زهر، وخميلة شجر، حتى إذا ~~لألأ الأفق ذنب السرحان، وآن انبلاج الفجر وحان، ركب متن الطريق، وأذاق ~~الوالي عذاب الحريق، وسلم إلي ساعة الفراق، رفعة محكمة الإلصاق، وقال: # ادفعها إلى الوالي إذا سلب القرار، وتحقق منا الفرار؛ ففضضتها فعل ~~المتملس، من مثل صحيفة المتلمس. # *** # قضيت: أتممت. سمر: حديث بالليل يسمر عليه. آنق: أحسن. حديقة: بستان، ولا ~~تكون إلا تحت حائط أو زرب. زهر: تور. خميلة: ms0267 روضة فيها شجر. لألأ: لمع ~~وأضاء. الأفق: جهات السماء. ذنب السرحان، هو الفجر الكاذب، وهو ضوء يظهر ~~قبل الفجر دقيق متصعد إلى السماء. والسرحان: الذئب، شبه ضوأه بذنبه. آن: ~~حان وقرب. # انبلاج الفجر: ظهور ضوئه. متن: ظهر. الحريق: سلم: ترك. محكمة الإلصاق: ~~متقنة الطي. القرار: السكينة، يريد أن الوالي إذا أخبر بهربنا ذهب عقله، ~~فجعل يتململ ولا يقر. فضضتها: كسرت ختامها. ### || AUTO [المتلمس وصحيفته] # والمتلمس، شاعر مشهور، اسمه جرير بن عبد المسيح، وسمي المتلمس بقوله: ~~[الطويل] # فهذا أوان العرض جن ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمس (¬1) # وهو مأخوذ من تلمس الرجل الحاجة، إذا طلبها سرا من غيره، وأصل ذلك من ~~اللمس باليد، كالذي يلمس بيده في الظلام مواضع خفية يطلب منهاشيئا ضاع منه، ~~أو كلمس الأعمى شيئا بيده. PageV01P301 # ومن كلام عامتنا: فلان يتلمس، بسكون التاء، أي يدخل بين الناس باستخفاء ~~ولا يشعر به. # والمتلمس أحد الثلاثة الذين اتفق العلماء على أنهم أشعر المقلين في ~~الجاهلية، وهم: المتلمس والمسيب بن علس وحصين بن الحمام. # والمتملس، بالميم قبل اللام، هو المتخلص الذي يطلب السلامة والخلاص ~~بسهولة، وقد أملس إذا خرج من بين القوم هاربا وهم لا يشعرون، وقد أملس ~~الشيء، إذا سقط من يدك ولم تشعر به لملاسته. # والصحيفة: الكتاب. وقصتها أن المتلمس وطرفة كانا يتنادمان مع عمرو بن هند ~~ملك الحيرة- وكان سيئ الخلق شديده، وهو الذي حرق من تميم مائة رجل، فهجوه، ~~فقال فيه المتلمس- وكان طرده لشيء بلغه عنه: [الكامل] # أطردتني حذر الهجاء ولا ... واللات والأنصاب لا تئل (¬1) # أي لا تنجو. # وقال فيه أيضا: [الكامل] # إن الخيانة والمغالة والخنا ... والغدر نتركه ببلدة مفسد (¬2) # ملك يلاعب أمه وقطينها ... رخو المفاصل أيره كالمبرد # فإذا حللت ودون بيتي غاوة ... فابرق بأرضك ما بدا لك وارعد # وقال طرفة: [الوافر] # فليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبتنا تخور (¬3) # لعمرك إن قابوس بن هند ... ليخلط ملكه نوك كثير # في أبيات شهرتها تنبي وتغني عن ذكرها؛ فاستحيا أن يقتلها بحضرته، وبينهما ~~إدلال المنادمة، فكتب لهما بصحيفتين، وختمهما لئلا يعلما ms0268 ما فيهما- هو أول ~~من ختم الكتاب- وقال لهما: اذهبا إلى عاملي بالبحرين، فقد أمرته أن يصلكما ~~بجوائز. فذهبا PageV01P302 # فمرا بطريقهما بشيخ يحدث ويأكل من خبز بيده، ويتناول القمل من ثيابه ~~ويقصعه، فقال المتلمس: ما رأيت شيخا كاليوم أحمق من هذا! فقال الشيخ: ما ~~رأيت من حمقى! أخرج الداء، وآكل الدواء، وأقتل الأعداء. ويروى: أقتل عدوا، ~~وأدخل طيبا، وأخرج خبيثا، أحمق والله مني من يحمل حتفه بيده. # فاستراب المتلمس بقوله، وطلع عليهما غلام من أهل الحيرة من كتاب العرب، ~~فقال له المتلمس: أتقرأ يا غلام؟ قال: نعم، ففك الصحيفة فإذا فيها: فإذا ~~أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيا: فقال لطرفة: ادفع إليه صحيفتك، ~~فإن فيها مثل هذا، فقال طرفة: كلا لم يكن ليجترئ علي- وكان غرا صغير السن- ~~فقذف المتلمس بصحيفته في نهر الحيرة، وقال: [الطويل] # قذفت بها في الثني من جنب كافر ... كذلك أقنو كل فظ مضلل (¬1) # رضيت لها بالماء لما رأيتها ... يجول بها التيار في كل جدول # وأخذ نحو الشأم وقال: [الكامل] # ألقى الصحيفة كيف يخفف رحله ... والزاد حتى نعله ألقاها (¬2) # أراد: أنه تخفف للفرار، فألقى ما لا يثقل، وما لا بد للسفر منه. # وقال حين نجا: [الكامل] # من مبلغ الشعراء عن أخويهم ... خبرا فتصدقهم بذاك الأنفس (¬3) # أودى الذي علق الصحيفة منهما ... ونجا- حذار حبائه- المتلمس PageV01P303 # ألق الصحيفة، لا أبا لك إنما ... يخشى عليك من الحباء النقرس # وأما طرفة فوصل إلى البحرين، فلما قرأ العامل صحيفته، وسأله عن المتلمس ~~فأخبره بفراره، عفا عنه لصدقه ورعايته لطابع الملك حيث لم يفكه. # وقيل: إنه سجنه، وبعث إلى عمرو بن هند، وقال له: ما كنت لأقتل طرفة، ~~وأعادي قبيلته، فإذا أردت قتله، فابعث إليه من يقتله. ففعل وخير في قتله؛ ~~فاختار أن يسقى الخمر، ويفصد أكحله؛ ففعل به ذلك حتى مات نزفا، ودفن بهجر. ~~وقيل في قتله غير ذلك. # وقال البحتري يصدق ما تقدم: [الكامل] # ولقد سكنت إلى الصدود من النوى ... والشري أري عند طعم الحنظل (¬1) # وكذاك طرفة حين أوجس ضربة ... في الرأس هان عليه فصد ms0269 الأكحل # وقال: وهو في السجن يخاطب قومه: [السريع] # أسلمني قومي ولم يغضبوا ... لسوءة حلت بهم فادحه (¬2) # كل خليل كنت خاللته ... لا ترك الله له واضحه # كلهم أروغ من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحه! # وقال يخاطب عمرو بن هند في السجن: [الطويل] # أبا منذر كانت غرورا صحيفتي ... ولم أعطكم بالطوع مالي ولا عرضي (¬3) # أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض # وقتل وهو ابن عشرين سنة، والعرب تقول: أشعر الناس ابن العشرين وتعنيه، ~~إلا أن أبا العباس أنشد لأخته ترثيه: [الطويل] # عددنا له ستا وعشرين حجة ... فلما توفي واستوى سيدا ضخما (¬4) PageV01P304 # فجعنا به لما رجونا إيابه ... على خير حال، لا وليدا ولا قحما (¬1) # وهلك المتلمس في الجاهلية ببصرى. # *** # فإذا فيها مكتوب: [الطويل] # قل لوال غادرته بعد بيني ... سادما نادما يعض اليدين # سلب الشيخ ماله، وفناه ... لبه، فاصطلى لظى حسرتين # جاد بالعين حين أعمى هواه ... عينه فانثنى بلا عينين # خفض الحزن يا معنى فما يج ... دي طلاب الآثار من بعد عين # ولئن جل ما عراك كما ج ... ل لدى المسلمين رزء الحسين # فقد اعتضت منه فهما وحزما ... واللبيب الأريب يبغي ذين # فاعص من بعدها المطامع واعلم ... أن صيد الظباء ليس بهين # لا ولا كل طائر يلج الف ... خ ولو كان محدقا باللجين # ولكم من سعى ليصطاد فاصط ... يد ولم يلق غير خفي حنين # *** # قوله: «غادرته»، أي تركته. يعض اليدين: تندما. سادما. متغيرا، والسادم: # المتغير العقل من الغم، من قولهم: ماء سدم، ومياه سدم وأسدام، أي متغيرة، وقيل: # السديم: الحزين الذي لا يطيق ذهابا ولا مجيئا، من قولهم: بعير مسدم، إذا ~~منع من الضراب، فكأن الحزين منع من الذهاب والمجيء، فيقول: تركته يعض يديه ~~تندما وتلهفا. اللظى: لهب النار، وقد لظت النار: علا لهبها؛ فيريد أن الشيخ ~~أخذ ماله والفتى عقله، فاحترق بنار فجعتين جاد: سمح. العين: الذهب. هواه: ~~تعشقه وميله: انثنى. # رجع. بلا عينين، أي بغير مال ولا بصر. خفض: سكن. معنى: معذب. يجدي: ينفع، ~~والعين هاهنا: الشخص. # *** ### || AUTO ms0270 [قصة المثل: طلب أثرا بعد عين] # وقولهم: طلب أثرا بعد عين، كأن رجلا تمكن من عدوه أو من صيد ليرميه، ~~فتراخى عنه حتى فاته، ثم شد في طلبه بعد الفوت؛ وأول من قال ذلك مالك بن ~~عمرو العامري؛ وكان بعض ملوك غسان أخذه وأخاه سماكا بسبب قتيل كان له في ~~عمالته، PageV01P305 # فحبسهما زمانا، ثم قال لهما: إني قاتل أحدكما، فجعل كل واحد منهما يقول: ~~اقتلني مكان أخي، فقتل سماكا وخلي مالكا، فقال سماك حين ظن أنهمقتول: ~~[المتقارب] # وأقسم لو قتلوا مالكا ... لكنت لهم حية راصده (¬1) # برأس سبيل على مرقب ... ويوما على طرق وارده # أأم سماك فلا تجزعي ... فللموت ما تلد الوالده # وانصرف مالك إلى قومه، فلبث فيهم زمانا. ثم إن ركبا مروا بهم وأحدهم يغني ~~بهذا البيت: [المتقارب] # * وأقسم لو قتلوا مالكا* # فسمعت بذلك أم سماك، فقالت: يا مالك، قبح الله الحياة بعد سماك! اخرج في ~~طلب ثأر أخيك، فخرج فلقي قاتل أخيه في ناس من قومه، فقال: من أحس لي الجمل ~~الأحمر! فعرفوه، فقالوا له: لك مائة من الإبل، وكف عنه، فقال: لا أطلب أثرا ~~بعد عين، فذهبت مثلا، ثم حمل على قاتل أخيه فقتله. # *** # قوله: «جل»، أي عظم. عراك: قصدك. رزء الحسين: المصاب بقتله حين قتل ~~بكربلاء. # وحديثه أن معاوية لما مات أرسل إليه أهل الكوفة أن قد حبسنا أنفسنا على بيعتك. # وطولب بالمدينة أن يبايع يزيد، فخرج إلى مكة، وأرسل ابن عمه مسلم بن عقيل ~~إلى الكوفة وقال له: إن كان حقا ما كتبوا به، فعرفني ألحق بك. # فخرج من مكة للنصف من رمضان، وقدم [الكوفة] لخمس خلون من شوال، وأميرها ~~النعمان بن بشير، فدخل مستترا، فبايعه من أهلها ثمانية عشر ألفا. فكاتبه بذلك. # فلما هم بالخروج لقيه ابن عباس رضي الله عنهما، فقال له: يا بن عم، أهل ~~العراق أهل غدر، وإنما يدعونك للحرب، فقال له: يا ابن عم، كتب إلي مسلم ~~باجتماع أهل الكوفة علي، فقال له: قد جربتهم، وهم أصحاب أبيك وأخيك. وقتلتك ~~غدا ms0271 مع أميرهم، إذا بلغ ابن زياد خبرك استفزهم، فكان الذين كتبوا إليك أشد ~~عليك عن عدوك، فإن أبيت إلا الخروج فلا تخرجن بنسائك وولدك معك، فإني لخائف ~~أن تقتل كما قتل عثمان، ونساؤه وولده ينظرون إليه. فرد عليه: لأن أقتل ~~بموضع كذا، أحب إلي من أن أستحل بمكة. PageV01P306 # واتصل الخبر بيزيد، فكتب إلى عبيد الله بن زياد بتوليته الكوفة. فخرج ~~مسرعا، فدخلها في حشمه وهو ملثم، والناس يتوقعون قدوم الحسين، فجعل عبيد ~~الله بن زياد يسلم على الناس، والناس يقولون: وعليك السلام يا ابن رسول ~~الله، قدمت خير مقدم، حتى انتهى إلى القصر. # فحسر اللثام، ففتح له النعمان الباب، وتنادي الناس: ابن مرجانة، فحصبوه ~~بالحصباء، ففاتهم. ووضع الرصد في طلب مسلم، فصاح مسلم: يا منصور- وكان ~~شعارهم- فاجتمع له في ساعة واحدة ثمانية عشر ألفا. فأحاطوا بالقصر فقاتلوا ~~ابن زياد، فلم يمس المساء ومعه مائة رجل. فلما رأى تفرقهم سار نحو أبواب ~~كندة، فبلغ الباب ومعه ثلاثة، فخرج وليس معه أحد، فبقي حائرا لا يدري أين ~~يتوجه، فنزل من على فرسه، ودخل أحد أزقة الكوفة، فانتهى إلى باب مولاة ~~لمحمد بن الأشعث، فاستسقاها فسقته، وأعلمها حاله، فرقت له، فآوته وأعلمت ~~محمد بن الأشعث بمكانه، فمشى إلى ابن زياد، فأعلمه، فوجه معه سبعين رجلا، ~~فاقتحموا عليه، فقاتلهم مسلم، وأمنه محمد بن الأشعث، وحمله إلى ابن زياد ~~فضرب عنقه، وبعث برأسه إلى يزيد بن معاوية، فصلب جثته. # وانتهى الأمر إلى الحسين، وقد بلغ القادسية، فهم بالرجوع، فقال له إخوة مسلم: # لا نرجع أو نقتل، أو نأخذ بثأرنا، فقال الحسين: لا خير في العيش بعدكم، ~~فسار حتى لقي خيلا لابن زياد، وعليها عمر بن سعد بن أبي وقاص، فعدل إلى ~~كربلاء، وهو في نحو خمسمائة فارس، فلما كثرت العساكر أيقن أنه لا محيص له، ~~فقال: اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا، ثم هميقاتلوننا! ثم خطب ~~قومه فقال: يا عباد الله، اتقوا الله، وكونوا من الدنيا على حذر، فإن ~~الدنيا لو بقيت على أحد، أو ms0272 بقي عليها أحد، لكانت الأنبياء أحق بها ~~وبالبقاء، غير أن الله خلقها للفناء، فجديدها بال، ونعيمها مضمحل، وسرورها ~~مكفهر، والدار قلعة، والمنزل تلعة (¬1)؛ فتزودوا فإن خير الزاد التقوى، ~~واتقوا الله لعلكم تفلحون. # ثم قاتل حتى قتل رضي الله عنه وفيه ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ~~ضربة؛ وتولى قتله سنان بن أنس النخعي، واحتز رأسه، وانطلق به مسرعا إلى ابن ~~زياد، وهو يقول: [الرجز] # أوقر ركابي فضة وذهبا ... إني قتلت الملك المحجبا # * قتلت خير الناس أما وأبا* # وبعث معه الرأس إلى يزيد بن معاوية، وعنده أبو برزة، فجعل ينكت بالقضيب ~~على فيه، وهو يقول: [الطويل] PageV01P307 # نفلق هاما من رجال أعزة ... علينا، وهم كانوا أعق وأظلما (¬1) # فقال له أبو برزة: ارفع قضيبك عن فمه، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يلثمه. # وقتل يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وقتل معه سبعة وثمانون، منهم علي ابنه ~~الأكبر، ومن ولد أخيه الحسن عبد الله والقاسم وأبو بكر، ومن إخوته العباس ~~وعبد الله وجعفر ومحمد وعثمان بنو علي، ومن بني عمه جعفر ومحمد وعون أبناء ~~عبد الله بن جعفر. ومن ولد عقيل عبد الله وعبد الرحمن وجعفر، ودفنهم أهل ~~القادسية بعد قتلهم بيوم، وقتلوا هم من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانين. # *** # قوله: «اعتضت»: اقتلعت من العوض. يبغي ذين: يطلب هذين. الظباء: الغزلان. # يلج: يدخل. محدقا باللجين، أي محلقا بالفضة، والصائد يفرق حول الفخ حب ~~القمح وشبهه، فيلقطه الطائر حتى يتوصل إلى ما نصب له فيقع، فقال: ما كل ~~طائر يخدع، ولو حلق له الفخ بحب اللجين بدلا من القمح، وإني من هذا الصنف. # قوله: «ولكم من سعى ليصطاد فاصطيد»، من قول الصابي: [الرجز] # يا قمرا كالخشف في نظرته ... وكالقضيب اللدن في نضرته # خلتك صيدا كان في قبضتي ... فصرت من صيدي في قبضته # والسابق له كعب بن زهير في قوله: [البسيط] # طاف الرماة بصيد راعهم فإذا ... بعض الرماة بنبل الصيد مقتول (¬2) # *** ### || AUTO [قصة المثل: رجع بخفي حنين] # وخفا حنين، يضرب بهما المثل للخائب الخاسر، ms0273 واختلف في حنين، فقال يعقوب: ~~إنه كان رجلا مدعيا، فجاء إلى عبد المطلب، وعليه خفان، فقال: يا عم إني من ~~ولد هاشم، فأنعم النظر فيه، وقال: لا وعظام هاشم، ما أرى فيك شمائل هاشم، ~~فارجع خائبا خاسرا. # وقيل: كان رجلا مغنيا، فدعاه قوم من أهل الكوفة. ليطربهم في نزهة، فخرجوا ~~به إلى الصحراء، فضربوه وسلبوا ثيابه، وتركوا عليه خفيه؛ فلما رجع إلى ~~زوجته- وكانت تنتظر رجوعه على عادته بما يفضل من أطعمة النزهة- ورأته على ~~تلك الحالة قالت لكل من سألها: رجع حنين بخفيه. PageV01P308 # وقيل: إنه كان صانعا، فساومه أعرابي بخفين، وماكسه حتى أخرجه. فلما ارتحل ~~الأعرابي، أخذ حنين إحدى الخفين فوضعها على الطريق، ثممشى وألقى الأخرى في ~~موضع آخر على الطريق، وكمن له، فلما مر الأعرابي بالخف قال: ما أشبه هذه ~~بخف حنين؛ ولو كان معها الأخرى لأخذتها. فلما انتهى إلى الأخرى، ندم على ~~ترك الأولى، فأناخ راحلته، وأخذها ورجع إلى الأولى؛ فلما غاب عمد حنين إلى ~~راحلته بما عليها فركبها، ومضى بها، ورجع الأعرابي إلى قومه بخفين، فكان ~~إذا سئل عن حاله قال: # رجعت بخفي حنين فصار مثلا. # وقيل: كان حنين لصا حقيرا فأخذ وصلب، فجاءته أمه وعليه خفان فانتزعتهما ~~ورجعت، فقيل: رجعت بخفين حنين، أي رضيت منه بذلك. # *** # فتبصر ولا تشم كل برق ... رب برق فيه صواعق حين # واغضض الطرف تسترح من غرام ... تكتسي فيه ثوب ذل وشين # فبلاء الفتى اتباع هوى النف ... س وبذر الهوى طموح عين # قال الراوي: فمزقت رقعته شذر مذر، ولم أبل أعذل أم عذر. # *** # قوله «تبصر»: أي أحسن النظر. حين: هلاك. والصاعقة: نار ترسل مع الرعد ~~والبرق، وجمعها صواعق، وصعق الرجل إذا أصابته، وصعق إذا مات، وقيس تقول: # صاعقة، وبنو تميم صاقعة؛ وقد صقع. غرام: عذاب الحب. شين: عيب. والبذر: ~~زرع الحب في الأرض. # طموح: ارتفاع يريد أن أصل العشق مداومة النظر، ألم فيه بقول عيسى عليه ~~السلام: «لا يزني فرجك ما غضضت بصرك»؛ وقد تقدم: من كثرت لحظاته دامت ~~حسراته. # وقال سابق البربري ms0274 في اتباع الهوى: [الطويل] # وهجر الهوى للمرء فاعلم سعادة ... وطول الهوى رين على القلب رائن # فكن دافنا للشر بالخير تسترح ... من الشر إن الخير للشر دافن # وقال آخر: [الطويل] # إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى ... إلى كل ما فيه عليك مقال # وقال المتنبي: [الطويل] PageV01P309 # عزيز أسى من داؤه الأعين النجل ... عناء به مات المحبون من قبل (¬1) # فمن شاء فلينظر إلي فمنظري ... نذير إلى من ظن أن الهوى سهل # وما هي إلا لحظة بعد لحظة ... إذا نزلت في قلبه رحل العقل # وقال ابن زيدون: [البسيط] # من يسأل الناس عن حالي فشاهده ... محض العيان الذي يغني عن الخبر (¬2) # أما الضنى فجنته نظرة عنن ... كأنها والردى جاءا على قدر # فهمت معنى الهوى من وحي طرفك لي ... إن الحوار لمفهوم من الحور # وقال العباس بن الأحنف: [الكامل] # الحب أول ما يكون لجاجة ... تأتي به وتسوقه الأقدار (¬3) # حتى إذا اقتحم الفتى لجج الهوى ... جاءت أمور لا تطاق كبار # فهذا كله يبين بيت الحريري. # قوله: «مزقت»: قطعت. شذر مذر: قطعا متفرقة في كل جهة، وأصل الشذر قطع ~~الذهب، ومذر اتباع لها. # لم أبل: أي لم أبال. عذل: لام. عذر: قبل العذر. PageV01P310 ### | AUTO المقامة الحادية عشرة وهي الساوية # حدث الحارث بن همام، قال: أنست من قلبي القساوة، حين حللت ساوة، فأخذت ~~بالخبر المأثور، في مداوتها بزيارة القبور. # فلما صرت إلى محلة الأموات، وكفات الرفات، رأيت جمعا على قبر يحفر، ~~ومجنوز يقبر، فانحزت إليهم متفكرا في المآل، متذكرا من درج من الآل. # فلما ألحدوا الميت، وفات قول ليت، أشرف شيخ من رباوة، متخصرا بهراوة، وقد ~~لفع وجهه بردائه، ونكر شخصه لدهائه. # *** # الحادية عشرة، تبنى على الفتح كبناء أحد عشر. آنست: أدركت وأحسست. # القساوة: غلظ القلب. وقلب قاس وقسي، أي صلب، وقلوب قاسية وقسية؛ وهما عن ~~السكائي والفراء لغتان بمعنى واحد. # أبو عبيدة: القاسية مأخوذة من القسوة، والقسية التي ليست خالصة الإيمان، ~~كالدرهم القسي وهو الذي خالطه غش من نحاس أو غيره، وقد قسا القلب يقسو ~~قساوة، وقساء: ms0275 صلب. # ساوة: بلد بينه وبين الري اثنان وعشرون فرسخا، وهي في الطريق ما بين ~~همذان والري. # الخبر المأثور، أي المحدث به، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «عودوا ~~المرضى، واحضروا المقابر، فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر الآخرة» (¬1). # وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كنت ~~نهيتكم عن زيارة القبور، ثم بدا لي فزوروها، فإنها ترقق القلب، وتدمع ~~العين، وتذكر الآخرة» (¬2). PageV01P311 # وسأل رجل عائشة رضي الله عنها، فقال: يا أم المؤمنين، إن لي داء فهل عندك ~~دواؤه؟ قالت: وما داؤك؟ قال: القسوة، قالت: بئس الداء داؤك. عد المرضى، ~~وأشهد الجنائز، وتوقع الموت. # وقيل لعلي رضي الله عنه: ما شأنك جاورت المقبرة! قال: إني أجدهم خير ~~جيران صدق، يكفون الألسنة، ويذكرون الآخرة. # وكانت عجوز في عبد القيس متعبدة، فإذا جاء الليل تحزمت، ثم قامت إلى ~~المحراب، فإذا جاء النهار خرجت إلى المقبرة؛ فعوقبت في إتيان القبور، ~~فقالت: إن القلب القاسي إذا جفا لم يلينه إلا رسوم البلى، وإني لآتي ~~القبور؛ فكأني أنظر وقد خرجوا من بين أطباقها، وكأني أنظر إلى تلك الوجوه ~~المتعفرة، وإلى تلك الأجسام المتغيرة، وإلى تلك الأكفان الدسمة. # وقال ميمون بن مهران: خرجت مع عمر بن عبد العزيز إلى المقبرة؛ فلما نظر ~~إلى القوم بكى، ثم أقبل علي فقال: يا ميمون، هذه قبور آبائي بني أمية كأنهم ~~لم يشاركوا أهل الدنيا في لذاتهم وعيشهم؛ أما تراهم صرعى قد خلت من قبلهم ~~المثلات، واستحكم فيهم البلى، وأصابت الهموم في أبدانهم مقيلا، ثم بكى ~~وقال: والله لا أعلم أحدا أنعم ممن صار إلى هذه القبور وقد أمن من عذاب الله. # استنشد المتوكل أبا الحسن علي بن محمد بن موسى بن جعفر بن علي بن الحسين، ~~فقال: إني لقليل الرواية في الشعر، فقال: لا بد، فأنشده: [البسيط] # باتوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلب الرجال فلم تنفعهم القلل # واستنزلوا بعد عز عن معاقلهم ... وأودعوا حفرا، يا بئس ما نزلوا! # ناداهم صارخ من بعد ما دفنوا: ... أين الأسرة ms0276 والتيجان والحلل؟ # أين الوجوه التي كانت منعمة ... من دونها تضرب الأستار والكلل! # فأفصح القبر عنهم حين سيل بهم: ... تلك الوجوه عليها الدود يقتتل # قد طالما أكلوا دهرا وما شربوا ... فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا # قال عمر: لو أنشد شعرا في أوصاف آبائه وبني عمه ملوك بني أمية وانحطاطهم ~~من عز المملكة إلى ذل المقبرة، لم يكن إلا هذا الشعر. # أبو الحسن القلوي كان قد سعي به إلى المتوكل، وقيل له إن في بيته سلاحا ~~وكتبا وغير ذلك، فوجه إليه بعدة من الأتراك، فهجموا عليه على غفلة ممن في ~~داره، فوجدوه PageV01P312 # في بيت مغلق عليه وحده، وعليه مسح شعر، ولا بساط في البيت إلا الرمل ~~والحصى، وعلى رأسه ملحفة صوف متوجها إلى ربه، يترنم بالقرآن، فمثل بين يدي ~~المتوكل على حاله، والمتوكل يشرب وفي يده كأس، فلما رآه عظمه وأجلسه إلى ~~جنبه. وعلم أنه لا يوجد عنده شيء مما قيل، فناوله، فقال: يا أمير المؤمنين، ~~ما خامر لحمي ولا دمعي قط فأعفني منه، فأعفاه، ثم قال: أنشدني شعرا ~~أستحسنه، فأنشده الأبيات المتقدمة، فأشفق من حضر عليه من المتوكل. فو الله ~~لقد بكى المتوكل بكاء طويلا، وبكى من حضر، وقال: يا أبا الحسن، أعليك دين؟ ~~قال: أربعة آلاف درهم، فدفعت إليه، ورد إلى منزله مكرما، وقال: ما يقول ولد ~~أبيك في العباس بن عبد المطلب! قال: وما يقولون يا أمير المؤمنين في رجل ~~افترض الله طاعته على بنيه! فأمر له بمائة ألف درهم، وإنما أراد طاعة الله ~~على بنيه فعرض. # وقال سابق البربري في المعاريض: [الطويل] # تعاون على الخيرات تظفر ولا تكن ... على الإثم والعدوان ممن يعاون (¬1) # وداهن إذا ما خفت يوما مسلطا ... عليك، ولا يحتال من لا يداهن # ولا تك ذا لونين يبدي بشاشة ... وفي صدره ضب من الغل كامن # رجعت إلى عرض المقامة. # عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فجلس إلى قبر، وكنت أدنى القوم منه، فبكى وبكينا، فقال: ما ms0277 يبكيكم؟ قلنا: ~~بكاؤك، قال: هذا قبر أمي آمنة، استأذنت ربي في زيارتها، فأذن لي (¬2). ~~فاستأذنته في أن أستغفر لها، فأبى علي، فأدركني ما يدرك الولد من الرقة. # وكان عثمان إذا وقف على قبر بكى حتى يبلل لحيته، فسئل عن ذلك، فقيل له: # تذكر الجنة والنار ولا تبكي، وتبكي إذا وقفت على قبر! فقال: سمعت رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه ~~صاحبه فما بعده أيسر، وإن لم ينج منه فما بعده أشد» (¬3). PageV01P313 # والمقصود من زيارة القبور الاعتبار للزائر والانتفاع بدعائه للمزور، ولا ~~ينبغي أن يغفل الزائر عن الدعاء لنفسه وللميت. # وكان رجل يشهد الجنائز، فإذا أمسى وقف على المقابر، فقال: آنس الله ~~وحشتكم، ورحم الله غربتكم، وتجاوز الله عن سيئاتكم، وقبل الله حسناتكم؛ لا ~~يزيد على هذا شيئا. قال: فأمسيت ليلة ولم أدع، فبينما أنا نائم إذا خلق ~~كثير قد جاءوني، فقلت: من أنتم؟ قالوا نحن أهل المقابر، قلت: ما حاجتكم؟ ~~قالوا: إنك كنت عودتنا هدية عند انصرافك إلى أهلك، قلت: وما هي؟ قالوا: ~~الدعوات التي كنت تدعو، قلت: # فإني أعود لذلك؛ فما تركتها بعد ذلك. # قوله: محلة الأموات، هي المقابر التي يحلون بها. كفات: قبور وأوعية وكفت ~~الشيء: ضممته وقبضته، وكفات الشيء: ما ضمه وستره، وقوله تعالى: ألم نجعل ~~الأرض كفاتا أحياء وأمواتا [المرسلات: 25 - 26] قيل: كفات الأحياء بيوتهم، ~~وكفات الأموات قبورهم. والرفات: العظام البالية، وقال ابن المعتز في مقبرة: ~~[الطويل] # وسكان دار لا تزاور بينهم ... على قرب بعض في التجاور من بعض (¬1) # كأن خواتيما من الطين فوقهم ... فليس لها حتى القيامة من فض # وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: [البسيط] # انظر لنفسك يا مسكين في مهل ... ما دام ينفعك التفكير والنظر # قف بالمقابر وانظر إن وقفت بها ... لله درك ماذا تستر الحفر! # ففيهم لك يا مغرور موعظة ... وفيهم لك يا مغتر معتبر! # وقال مالك بن دينار: مررت بالمقابر، فأنشدت أقول: [المتقارب] # أتيت القبور فناديتها ... فأين المعظم والمحتقر؟ # وأين ms0278 المدل بسلطانه ... وأين المزكي إذا ما افتخر؟ # فنوديت من بينهم: لا رأى ... شخوصا لهم ولا من أثر! # تفانوا جميعا فلا مخبر ... وماتوا جميعا ومات الخبر # فيا سائلي عن أناس مضوا ... أما لك فيما ترى معتبر! # تروح وتغدو بنات الثرى ... وتمحى محاسن تلك الصور! # ومما وجد على قبر مكتوبا: [المتقارب] # تناجيك أجداث وهن سكوت ... وسكانها تحت التراب خفوت PageV01P314 # أيا جامع الدنيا لغير بلاغة ... لمن تجمع الدنيا وأنت تموت؟ # ومما وجد على قبر مكتوبا: [البسيط] # إن الحبيب من الأحباب مختلس ... لا يمنع الموت بواب ولا حرس # فكيف تفرح بالدنيا ولذتها ... يا من يعد عليه اللفظ والنفس؟ # لا يرحم الموت ذا جاه لعزته ... ولا الذي كان منه العلم يقتبس # قد كان قصرك معمورا له شرف ... فقبرك اليوم في الأجداث مندرس # ووجد على قبر مكتوبا: [الوافر] # وقفت على الأحبة حين صفت ... قبورهم كأفراس الرهان # فلما أن بكيت وفاض دمعي ... رأت عيناي بينهم مكاني # قال أعرابي: من خاف الموت بادر الفوت، ومن لم يقمع النفس عن الشهوات ~~بادرت به إلى الهلكات، والجنة والنار أمامك. # مرض أعرابي فقيل له: إنك تموت، قال: وإذا مت فإلى أين أذهب؟ قالوا: إلى ~~الله، قال: فما كراهتي أن أذهب إلى من لم أر الخير إلا منه! . # وقال أعرابي: ما بقاء عمر تقطعه الساعات، وسلامة بدن معرض للآفات! ولقد ~~عجبت للمؤمن كيف يكره الموت وهو ينقله إلى الثواب الذي أحيا له ليله، وأظمأ ~~له نهاره! . # وقال آخر: من كانت مطيتاه الليل والنهار، سارا به وإن لم يسر، وبلغا به ~~وإن لم يبلغ. # آخر: تصرف الليل والنهار، لا تبقى معه الأعمار، ولا لأحد فيه الخيار. # *** # قوله: مجنوز، أي ميت؛ وحكى ابن سيده قول بعضهم: جنزت الميت إذا سترته ~~بالكفن. وقال الحسن- لما أنذر بجنازة النوار امرأة الفرزدق- للمنذر بها: ~~إذا جنزتموها فآذنوني بالجنازة، والجنازة من جنزت وهي بالفتح الميت، ~~وبالكسر النعش، وقيل معناهما واحد، وهو الميت والمختار الكسر. يقبر: يدفن. ~~انحزت: ملت. المآل: # المرجع. مذكرا: متذكرا. درج: هلك. الآل: الأهل. ألحدوا: دفنوا وألقوه في ms0279 ~~اللحد، وهو حفير في جانب القبر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل ~~المقبرة يقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» ~~(¬1). PageV01P315 # وكان علي رضي الله عنه إذا دخلها يقول: السلام عليكم يا أهل الديار ~~الموحشة والمنازل المقفرة، من المؤمنين والمؤمنات. اللهم اغفر لنا ولهم، ~~واعف عنا وعنهم. ثم يقول: الحمد لله الذي جعل الأرض كفاتا، أحياء وأمواتا، ~~منها خلقنا، وإليها معادنا، وعليها محشرنا، طوبى لمن ذكر المعاد، وقنع ~~بالكفاف ورضي عن الله. # وكان الحسن البصري رحمه الله إذا دخل قال: اللهم رب الأجساد البالية، ~~والعظام النخرة، التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، أدخل عليها روحا منك ~~وسلاما منا. # قوله: «أشرف»: أي طلع. والرباوة: الكدية. متخصر: أي جاعلها مما يلي خصره. ~~هراوة: عصا. لفع: غطى. نكر: غير هيئته. لدهائه: لمكره. # *** # فقال: لمثل هذا فليعمل العاملون، فاذكروا أيها الغافلون، وشمروا أيها ~~المقصرون، وأحسنوا النظر أيها المتبصرون. ما لكم لا يحزنكم دفن الأتراب، ~~ولا يهولكم هيل التراب، ولا تعبئون بنوازل الأحداث، ولا تستعدون لنزول ~~الأجداث، ولا تستعبرون لعين تدمع، ولا تعتبرون بنعي يسمع، ولا ترتاعون لإلف ~~يفقد، ولا تلتاعون لمناحة تعقد، يشيع أحدكم نعش الميت، وقلبه تلقاء البيت، ~~ويشهد مواراة نسيبه، وفكره في استخلاص نصيبه، ويخلي بين ودوده ودوده، ثم ~~يخلو بمزمره وعوده. # *** # ويقال: قصر فهو مقصر، إذا ترك الشيء وهو قادر عليه وشمر: اجتهد. # والمتبصر: الناظر في الشيء على وجه التفهم، فقد يصيب وقد يخطئ، ولذلك ~~قالوا: أحسنوا النظر. الأتراب: الأصحاب المتقاربون في الموالد، كأنهم قطعوا ~~من تربة واحدة، وأكثر ما يقع للنساء، وإذا مات للإنسان صاحب على سنه كان ~~أوقع لحزنه، فلذا نبه بالترب، قال الإلبيري: [المتقارب] # فإن الردى غل أهل التقى ... فلم يبق إلا الغشوم العتيد # وأودى بكل خليل ودود ... فأين، ولا أين، خل ودود! # وكن من أخي ثقة قد لحدت ... فلله ما غيبته اللحود # وأثكلني الأنس ثكل اللذات ... فصرت كأن غريب وحيد PageV01P316 # وكم من شقي يواري التراب ... وكم من سعيد يواري ms0280 الصعيد! # قوله: «يهولكم»، أي يفزعكم، والهيل: الصب الكثير من أعلى إلى أسفل، في ~~مثل كدس الرمل، وعند صب التراب على الميت تطير القلوب إشفاقا، وتسيل العيون ~~رحمة، قال أبو العتاهية: [الوافر] # بكيتك يا أخي بدمع عيني ... فلم يغن البكاء عليك شيا # كفى حزنا بدفنك ثم أني ... نفضت تراب قبرك من بديا # وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا # أبو علي الرازي: مررت بصبيان في طريق الشأم يلعبون بالتراب، وقد ارتفع ~~الغبار، فقلت: مهلا، قد غبرتم، فقال صبي منهم: يا شيخ: أين تفر إذا هيل ~~عليك التراب في القبر، فغشي علي، فأفقت والصبي قاعد عند رأسي مع الصبيان ~~يبكون، فقلت له: أعندك حيلة في الفرار من التراب؟ قال: أنا لا أعلم، ولكن ~~سل غيري، فقلت: ومن غيرك؟ # قال: عقلك. تعبئون: تبالون وتهتمون. والنوازل: جمع نازلة، وهي المصيبة. # الأحداث: ما يحدث على الإنسان من الخير والشر. والأجداث، بالجيم: القبور، ~~واحدها جدث وجدف. تستعبرون: تبكون. تعتبرون: تتعظون وترونه عبرة. والنعي: # ذكر موت الإنسان، وكانت العرب إذا مات منها سيد ركب رجل فرسه، ومشى في ~~الأحياء، فيقول: نعاء فلانا، والناعي: المخبر بموت الرجل، وقد نعاه نعيا. ~~ترتاعون: # تخافون. إلف: صاحب، وهو في الأصل مصدر ألفت الشيء إلفا، فسمي به، ويقال ~~في معناه: أليف. تلتاعون: تحترقون من الحزن، واللوعة: حرقة من الهم. ~~المناحة: اجتماع النساء للبكاء على الميت. تعقد: تجمع وتؤلف. وقلبه تلقاء ~~البيت، أي قلبه مستقبل لبيت الميت، يفكر فيما ترك ليرثه. مواراة: دفن، وقد ~~واراه، إذا ستره. استخلاص: # تحصيل. ودوده الأول: محبوبه الذي يوده، ودوده الثاني: جمع دودة، والواو للعطف. # وقال سابق البربري في معنى ما تقدم: [البسيط] # نلهو ونأمل أياما تعد لنا ... سريعة المر تطوينا ونطويها # كم من عزيز سيلقى بعد عزته ... ذلا، وضاحكة يوما سنبكيها # وللحتوف تربي كل مرضعة ... وللحساب برى الأرواح باريها # لا تبرح النفس تنعى وهي سالمة ... حتى يقوم بنادي القوم ناعيها # ولن تزال طوال الدهر ظاعنة ... حتى تقيم بواد غير واديها # أموالنا لذوي الميراث نجمعها ms0281 ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها # وقال آخر: [البسيط] # اعمل وأنت من الدنيا على حذر ... واعلم بأنك بعد الموت مبعوث PageV01P317 # واعلم بأنك ما قدمت من عمل ... يحصى عليك، وما خلفت موروث # وقال الحسن: ابن آدم! أنت أسير الدنيا، رضيت من لذاتها بما ينقضي، ومن ~~نعيمها بما يمضي، ومن ملكها بما ينفد، تجمع لنفسك الأوزار، ولأهلك الأموال، ~~فإذا مت حملت أوزارك إلى قبرك، وتركت أموالك لأهلك. أخذه أبو العتاهية ~~فقال: [البسيط] # أبقيت مالك ميراثا لوارثه ... يا ليت شعري ما أبقى لك المال # القوم بعدك في حال تسرهم ... فكيف بعدهم دارت بك الحال! # ملوا البكاء فما يبكيك من أحد ... واستحكم القيل في الميراث والقال # وقال ابن عبد ربه: [الوافر] # أيا من عنده أمل طويل ... يؤديه إلى أجل قصير # أتفرح والمنية كل يوم ... تريك مكان قبرك في القبور # هي الدنيا فإن سرتك يوما ... فإن الحزن عاقبة السرور # ستسلب كل ما جمعت فيها ... كعارية ترد إلى المعير # وقال جبلة بن الحويرث: [البسيط] # يا قلب إنك في الأحياء مغرور ... فاذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير (¬1) # تريد أمرا ولا تدري: أعاجله ... خير لنفسك أم ما فيه تأخير! # فاستقدر لله خيرا وارضين به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير # وبينما المرء في الأحياء مغتبطا ... إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير # يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحي مسرور # حتى كأن لم يكن إلا تذكره ... والدهر أيتما حين دهارير # وذاك آخر عهد من أخيك إذا ... بالموت ضمنه اللحد الخناسير # *** # طالما أسيتم على انثلام الحبة، وتناسيتم اخترام الأحبة، واستكنتم لاعتراض ~~العسرة، واستهنتم بانقراض الأسرة، وضحكتم عند الدفن، ولا ضحككم ساعة الزفن، ~~وتبخترتم خلف الجنائز، ولا تبختركم يوم قبض الجوائز، وأعرضتم عن PageV01P318 # تعديد النوادب، إلى إعداد المآدب، وعن تحرق الثواكل؛ إلى التأنق في ~~المآكل، لا تبالون بمن هو بال، ولا تخطرون ذكر الموت ببال، حتى كأنكم قد ~~علقتم من الحمام بزمام، أو حصلتم من الزمان على أمان، أو وثقتم بسلامة ~~الذات، أو تحققتم مسالمة هادم اللذات؛ كلا ساء ما تتوهمون، ثم كلا ms0282 سوف ~~تعلمون! # *** # قوله: «أسيتم»، أي حزنتم: انثلام: انكسار ونقصان. اخترام: هلاك، يقول: ~~إذا انتقص لكم من المال أدنى شيء حزنتم عليه، ولا تحزنون على نقص أحبابكم. # أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من أصبح حزينا على ~~الدنيا، أصبح ساخطا على الله». # قوله: «استكنتم»، ذللتم، واستكان، استفعل من لفظ الكين، وهو لحم باطن ~~الفرج. اعتراض العسرة: ظهور الفقر. انقراض الأسرة: موت القرابة الزفن: الرقص. # ضحكتم عند الدفن، جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الله ~~تعالى كره لكم العبث في الصلاة، والرفث في الصيام، والضحك في الجنائز». # ورأى ابن مسعود رضي الله عنه رجلا يضحك في جنازة، فقال: تضحك وأنت في ~~جنازة! والله لا أكلمك أبدا. # ونظر عبد الله بن ثعلبة إلى رجل يضحك في جنازة مستغربا، فقال: أتضحك ~~ولعلك قد أخذت أكفانك من القصار! . # وفي الحديث «كثرة الضحك تميت القلب وتذهب بهاء المؤمن» (¬1). # قوله: «تبخرتم»، أي تعظمتم وأظهرتم الإعجاب في مشيكم. الجوائز: الصلات ~~وهم يظهرون في أحسن الثياب عند الملوك ليكثر لهم العطاء. # أعرضتم: تنحيتم، وهو من العرض، كأنك إذا لقيت من تكره استقبلته بعرضك، أي ~~بجانبك. النوادب: النوائح اللواتي يندبن الميت أي يبكينه، فيقول: أعرضتم عن ~~الباكيات حين عددن خصال الميت المحمودة، ولم تفكر في تلك الحال. إعداد، أي ~~استعداد. المآدب: المطاعم للأعراس. تحرق: توجع. الثواكل: الفاقدات ~~لأحبابهن. # التأنق: التحسين، وقد تأنق في الشيء، إذا احتفل فيه فأعجب به كل من رآه. بال. # دارس متغير، يريد الميت. ببال: بفكر وخاطر. الحمام: الموت، وأصله القدر. ~~وهو من حم، أي قدر، وذات الشيء نفسه وحقيقته. مسالمة: متاركة ومصالحة. PageV01P319 # أبو هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله: «أكثروا ذكر هاذم اللذات، قالوا: ~~وما هاذم اللذات؟ قال: الموت» (¬1). # وقال الإلبيري في معنى ما تقدم: [المنسرح] # كم آمن للمنون لاه ... عن الردى بات مطمئنا # صبحه وافد المنايا ... فعاين الموت حين عنا # حتى إذا ما قضى بكاه ... حميمه معولا مرنا # واروه في لحده وسنوا ... عليه قيد التراب سنا ms0283 # وانتهبوا ماله وشنوا ال ... غارات فيما حواه شنا # لمثل هذا فكن معدا ... ما قد أعد الهداة منا # وارتقب الموت فهو حتم ... يخترم الطفل والمسنا # قوله: كلا، زجر، أي ليس الأمر كما ظننتم. # *** # ثم أنشد: [المنسرح] # أيا من يدعي الفهم ... إلى كم يا أخا الوهم # تعبي الذنب والذم ... وتخطي الخطأ الجم # أما بان لك العيب! ... أما أنذرك الشيب! # وما في نصحه ريب ... ولا سمعك قد صم # أما نادى بك الموت ... أما أسمعك الصوت! # أما تخشى من الفوت ... فتحتاط وتهتم # فكم تسدر في السهو ... وتختال من الزهو # وتنصب إلى اللهو ... كأن الموت ما عم # *** # قوله: [المنسرح] # أيا من يدعي الفهم ... إلى كم يا أخا الوهم # يسمى هذا من أنواع الشعر المسمط، أي المفصل، مأخوذ من السمط وهو سلك ~~الجوهر المفصل بالزمرد والذهب وغير ذلك. الوهم: الغلط. الجم: الكثير، وعلى PageV01P320 # قوله: «وتخطي الخطأ الجم»، ذكر الحريري في الدرة أن قول الخواص: «أخطأ ~~لمن يأتي بالذنب متعمدا تحريف للفظ والمعنى، ولا يقال: أخطأ إلا لمن لم ~~يتعمد الفعل ولمن اجتهد»، فلم يوافق الصواب لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا ~~اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر» (¬1) وإنما أوجب له الأجر على اجتهاده في ~~إصابة الحق الذي هو نوع من أنواع العبادة، لا عن الخطأ الذي يكفي صاحبه أن ~~يعذر فيه ويرفع مأثمه عنه، و [اسم] الفاعل من هذاالنوع: # مخطئ، والاسم الخطأ، قال الله تعالى: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا ~~خطأ [النساء: 92] وأما المتعمد، فيقال فيه: خطئ فهو خاطئ، والمصدر الخطء، ~~قال الله تعالى: إن قتلهم كان خطأ كبيرا [الإسراء: 31]، والاسم منه ~~الخطيئة، ويقع على الصغيرة، قال الله تعالى: أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ~~[الشعراء: 82] إخبارا عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وعلى الكبيرة كقوله ~~تعالى: وأحاطت به خطيئته [البقرة: 81] الآية: قال أبو محمد الحريري: ولي في ~~تضمين هاتين اللفظتين وتخصيص معنييهما المتنافيين: [البسيط] # لا تخطون إلى خطء ولا خطأ ... من بعد ما الشيب في فوديك قد وخطا # فأي عذر لمن شابت مفارقه ... إذا جرى ms0284 في ميادين الهوى وخطا # وهذه التفرقة منه مستحسنة، وكذا يقع في أكثر كلامهم، وأما على القطع فلا، ~~لأنه قد حكى الزجاج وقطرب وابن دريد في الجمهرة أن العرب تقول: خطئت الشيء ~~أخطؤه خطأ، وخطئني وأخطأته خطأ في معنى واحد، قال: [الكامل] # والناس يلحون الأمير إذا همو ... خطئوا الصواب ولا يلام المرشد (¬2) # أما: حرف استفتاح وإخبار. بان: ظهر. أما أنذرك الشيب، سيأتي مستوفيا. # وقال في الشيب الفقيه الزاهد أبو عمران رحمه الله: [الكامل] # ذهب الشباب بجهله وبعاره ... وأتى المشيب بحلمه ووقاره # شتان بين مبعد من ربه ... بغروره ومبشر بجواره # ما زلت أمرح بالشباب جهالة ... كالطرف يمرح معجبا بعذاره # وسحبت أثواب البطالة لاهيا ... وجررت من بطر فضول إزاره # حتى تقلص ظله فتكشفت ... عوراته وبدا قبيح عواره PageV01P321 # لم أحظ منه بطائل غير الأسى ... وتندم مني على أوزاره # والآن قد خط المشيب بمفرقي ... بمواعظ والحق في تذكاره # والنفس تركب غيها لا ترعوي ... عنه ولا تصغي إلى إنذاره # لهفي على عمر يمر مضيعا ... محصى علي بليله ونهاره # كان شاب في بني إسرائيل عبد الله عشرين سنة، وعصاه عشرين سنة، قنطر يوما ~~في المرآة، فرأى الشيب في لحيته، فساءه ذلك فقال: إلهي أطعتك عشرين سنة، ~~وعصيتك عشرين سنة، فإن رجعت إليك أتقبلني؟ فسمع صوتا من زاوية البيت: ~~أحببتنا فأحببناك، وتركتنا فتركناك، وعصيتنا فأمهلناك؛ فإن رجعت إلينا ~~قبلناك. # قال ابن وضاح: إذا بلغ الرجل أربعين سنة ولم يتب، مسح إبليس على وجهه، ~~وقال: بأبي وجه لا يفلح أبدا! وأنشدوا: [الكامل] # وإذا مضى للمرء من أعوامه ... خمسون وهو إلى التقي لم يجنح # ركدت عليه المخزيات وقلن قد ... أرضيتنا فأقم لذا لا تبرح # وإذا رأى إبليس غرة وجهه ... حيا وقال: فديت من لم يفلح # وقال آخر: [الوافر] # تلاحظني المنية من قريب ... وتلحظني ملاحظة الرقيب # وتنشر لي كتابا فيه طي ... بخط الدهر أسطره مشيبي # كتاب في معانيه غموض ... تلوح لكل أواب منيب # أزال الله يا صاحي شبابي ... فعوضت البغيض من الحبيب # وبدلت التكاسل من نشاطي ... ومن حسن النضارة بالشحوب # كذاك ms0285 الشمس يعلوها اصفرار ... إذا جنحت ومالت للغروب # وهذا القدر كاف هنا في ذكر الشيب. # *** # وقوله: «ريب»، شك. أما أسمعك الصوت، الصوت هنا: النياحة على الميت. # والفوت: بعد الشيء. الاحتياط، من الحوطة، وهي الوقاية. تسدر: تتبختر. تختال: # تتكبر. الزهو: الكبر. عم: شمل. # ولأبي العتاهية في معناه: [السريع] # حتى متى ذو التيه في تيهه ... أصلحه الله وعافاه! # يتيه أهل التيه من جهلهم ... وهم يموتون وإن تاهوا # من طلب العز ليبقى به ... فإن عز المرء تقواه PageV01P322 # لم يعتصم بالله من خلقه ... من ليس يرجوه ويخشاه # ولمحمد بن حازم: [الطويل] # فيا شامخا أقصر عنانك مقصرا ... فإن مطايا الدهر تكبو وتعثر # ستقرع سنا أو تعض ندامة ... يديك إذا خان الزمان وتبصر # ويلقاك رشد بعد غيك واعظ ... ولكنه يلقاك والأمر مدبر # [الهزج] # *** # وحتام تجافيك ... وإبطاء تلافيك # طباعا جمعت فيك ... عيوبا شملها انضم # إذا أسخطت مولاك ... فما تقلق من ذاك # وإن أخفق مسعاك ... تلظيت من الهم # وإن لاح لك النقش ... من الأصفر تهتش # وإن مر بك النعش ... تغاممت ولا غم # تعاصي الناصح البر ... وتعتاص وتزور # وتنقاد لمن غر ... ومن مان ومن نم # *** # قوله: «تجافيك»، أي تباعدك من فعل الخير. إبطاء: تأخر. تلافيك: تداركك. # طباعا: أخلاقا؛ يريد أن أخلاقك قد جمعت فيك عيوبا انضم عليك شملها. أخفق: # خاب. مسعاك: طلبك ومشيك في اكتساب الرزق. تلظيت: احترقت واشتعلت، وهو ~~تفعلت، من اللظى. الأصفر: الدينار، ونقشه الكتاب الذي فيه. تهتش: تخف وتهتز ~~طربا. تغاممت: أظهرت الغم. ولا غم، أي ليس عندك غم على الحقيقة. # كان أبو الدرداء رضي الله عنه إذا رأى جنازة قال: اغدي فإنا رائحون، أو ~~روحي فإنا غادون. # أبو عمرو بن العلاء قال: جلست إلى جرير وهو يملي على كاتبه: [الكامل] # * ودع أمامة حان منك رحيل (¬1) * PageV01P323 # ثم طلعت جنازة فأمسك، وقال شيبتني هذه الجنازة، فقلت: فلم تساب الناس؟ # قال: يبدءونني، ثم لا أعفو، وأعتدي ولا أبتدي، ثم أنشأ يقول: [الوافر] # تروعنا الجنائز مقبلات ... ونلهو حين تذهب مدبرات # كروعة هجمة لمغار ذئب ... فلما غاب عادت راتعات # وقال آخر: ms0286 [الكامل] # وتعد كثرة من يموت تعجبا ... عما قريب سوف تدخل في العدد # وأراك تحملهم ولست تردهم ... وكأنني بك قد حملت ولا ترد # قوله: «تعاصي الناصح البر»، أي تعاصي من ينصحك ويبرك. تعتاص: تتصعب، وهو ~~«تفتعل» من العصيان، على القلب. تزور: تنقبض. غر: خدع. مان: كذب، ونم: # مشى بالنميمة. # *** # [الهزج] # وتسعى في هوى النفس ... وتحتال على الفلس # وتنسى ظلمة الرمس ... ولا تذكر ما ثم # ولو لاحظك الحظ ... لما طاح بك اللحظ # ولا كنت إذا الوعظ ... جلا الأحزان تغتم # ستذري الدم لا الدمع ... إذا عاينت ذا جمع # يقي في عرصة الجمع ... ولا خال ولا عم # كأني بك تنحط ... إلى اللحد وتنغط # وقد أسلمك الرهط ... إلى أضيق من سم # *** # الرمس: القبر. لاحظك الحظ: نظرك السعد. طاح بك: أذهبك وأهلكك، واللحظ: ~~النظر بمؤخر العين، وقد لحظه لحظا ولاحظته ملاحظة، وكله من اللحاظ، وهو طرف ~~العين مما يلي الصدغ. وجلا: كشف. تذري: تصب وترسل متفرقا. # أنس رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس ~~ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم ~~في وجوههم كأنها جداول، حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء، فلو أن السفن أجريت ~~في دموعهم لجرت» (¬1). PageV01P324 # لا جمع، أي لا قبيل ولا عشير يحميك ولا يمنعك يوم القيامة. يقي: يمنع. # عرصة الجمع: موضع اجتماع الناس في الحشر. تنحط تنزل. اللحد: حفير في جانب ~~القبر. وتنغط: تنضم وتنقبض، يقال: غططته في الماء إذا أغرقته فيه وغمسته. ~~أسلمك الرهط: تركك قومك. سم: عين الإبرة، يريد ضيق القبر على الميت. وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها ~~سعد بن معاذ». # وعن أنس رضي الله عنه، قال: توفيت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فتبعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فساءنا حاله، فلما انتهيناإلى ~~القبر فدخله، التمع وجهه صفرة، فلما خرج أسفر وجهه، قلنا: يا رسول الله، ~~رأينا منك شأنا فمم ذلك؟ قال: «ذكرت ms0287 ضغطة بنتي وشدة عذاب القبر فأتيت ~~فأخبرت أن الله تعالى قد خفف عنها، ولقد ضغطت ضغطة سمع صوتها ما بين ~~الخافقين». [الهزج] # *** # هناك الجسم ممدود ... ليستأكله الدود # إلى أن ينخر العود ... ويمسي العظم قد رم # ومن بعد فلا بد ... من العرض إذا اعتد # صراط جسره مد ... على النار لمن قد أم # فكم من مرشد ضل ... ومن ذي عزة ذل # وكم من عالم زل ... وقال الخطب قد طم # فبادر أيها الغمر ... لما يحلو به المرء # فقد كاد يهي العمر ... وما أقلعت عن ذم # *** # قوله: «ينخر»، أي يبلى، والعود: تابوت الميت. رم: بلي: قال الفنجديهي: ~~إلى أن ينخر العود، أي إلى أن يبلى الجسم الناعم الذي هو مثل القضيب، وقال ~~الإلبيري: # [الطويل] # كأني بنفسي وهي في السكرات ... تعالج أن ترقي إلى اللهوات # وقد رم رحلي واستقلت ركائبي ... وقد آذنتني بالرحيل حداتي # إلى منزل فيه عذاب ورحمة ... وكم فيه من زجر لنا وعظات # ومن أعين سالت على وجناتها ... ومن أوجه في الترب منعفرات # ومن وارد فيه على ما يسره ... ومن وارد فيه على الحسرات # قوله: «اعتد» أي استعد، روى أبو بكر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: «يحمل PageV01P325 # الناس يوم القيامة على الصراط فيتقادع بهم جنبتا الصراط تقادع الفراش في ~~النار، فينجي الله برحمته من يشاء» (¬1). التقادع: التهافت، كأن كل واحد ~~منهم يقدع صاحبه كي يسبقه. # والجسر: بناء على النار يجاز عليه من جهة إلى أخرى. وأم: قصد. مرشد: هاد. ضل: # تحير. الخطب: الأمر الشديد. طم: عظم. الغمر: الجاهل بالأمور. والذي يحلو ~~به المر: هو التوبة والأعمال الصالحة التي يصلح بها ما فسد. يهي: يضعف. ~~أقلعت عن ذم، أي رجعت عن أمر مذموم، وقال ابن عبد ربه: [البسيط] # بادر إلى التوبة الخلصاء مجتهدا ... والموت ويحك لم يمدد إليك يدا # وارقب من الله وعدا ليس يخلفه ... لا بد لله من إنجاز ما وعدا # *** # ولا تركن إلى الدهر ... وإن لان وإن سر # فتلفى كمن اغتر ... بأفعى تنفث السم # وخفض من تراقيك ms0288 ... فإن الموت لاقيك # وسار في تراقيك ... وما ينكل إن هم # وجانب صعر الخد ... إذا ساعدك الجد # وزم اللفظ إن ند ... فما أسعد من زم # ونفس عن أخي البث ... وصدقه إذا نث # ورم العمل الرث ... فقد أفلح من رم # *** # قوله: «لا تركن»: تقول: ركنت إلى فلان، إذا اتخذته ركنا تلجأ إليه، تلفى: # توجد. اغتر: انخدع. تنفث: تبصق عند لدغها. خفض: سكن. تراقيك ارتفاعك ~~وتكبرك. سار: ماش. والتراقي: العظمان المعوجان على الصدر. ينكل: يضعف ~~وينقطع. إن هم: إن أرادك وهم بك، وفي معنى هذا قول أبي نواس- قال غانم ~~الوراق: # دخلت عليه قبل وفاته بيوم فقال لي: أمعك ألواحك؟ قلت: نعم، قال: اكتب: # [الخفيف] # دب في السقام سفلا وعلوا ... وأراني أموت عضوا فعضوا # ليس تمضي من لحظة لي إلا ... نقصتني بمرها بي جزوا # ذهبت جدتي بطاعة نفسي ... وتذكرت طاعة الله نضوا # قد أسأنا كل الإساءة فالل ... هم صفحا عنا وغفرا وعفوا PageV01P326 # قوله: «نفس»، أي وسع نفسه، كأنه خنق فضاق نفسه، فأمر بحله. أخي البث: # صاحب الحزن. نث: نطق وكشف له سره. رم: أصلح، وقد رممت الشيء رما أصلحته. ~~الرث: الخلق. # ورش من ريشه انحص ... بما عم وما خص # ولا تأس على النقص ... ولا تحرص على اللم # وعاد الخلق الرذل ... وعود كفك البذل # ولا تستمع العذل ... ونزهها عن الضم # وزود نفسك الخير ... ودع ما يعقب الضير # وهيئ مركب السير ... وخف من لجة اليم # بذا أوصيت يا صاح ... وقد بحت كمن باح # فطوبى لفتى راح ... بآدابي يأتم # *** # رش: اجعل له ريشا. انحص: نتف ريشه، تقول: رشت الرجل، أي أعنته وأغنيته. ~~بما عم وما خص، أي بما كثر من العطية وقل. تأس: تحزن: على النقص، أي على ~~النقصان في الصدقة والمعروف، ولا تكن أيضا حريصا على جمعه ومنعه فمن احتاج ~~إليه، واللم: جمع المال، ولممت الشيء لما. الرذل: الرديء، يريد: عاد أخلاق ~~البخل، أو الخلق السوء. # عائشة رضي الله عنها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من مسيء إلا وله ~~توبة، إلا صاحب سوء الخلق ms0289 لأنه لا يتوب من ذنب إلا عاد في شر منه». والبذل: ~~العطاء، وبذلت الشيء بذلا، أي أبحته عن طيب نفس. والعذل: اللوم، أي. من ~~لامك على العطاء لا تسمعه وأعط، وأحسن ما قيل في رد العذل على كثرته قول ~~زهير: [الطويل] # وأبيض فياض نداه غمامة ... على معتفيه ما تغب فواضله (¬1) # بكرت إليه غدوة فرأيته ... قعودا إليه بالصريم عواذله # يفدينه طورا، وطورا يلمنه ... وأعيا فما يدرين أين مخاتله PageV01P327 # فأقصرن فيه عن كريم مرزإ ... صبور على الأمر الذي هو فاعله # قوله «نزهها»، أي باعدها. عن الضم، أي عن ضم الأصابع على ما في الكف، ~~يقول: ابسط كفك بالعطية ولا تقبضها على ما فيها شحا، قال ابن عبد ربه: ~~[البسيط] # يا قابض الكف لا زالت مقبضة ... فما أناملها للناس أرزاق # وغب إذا شئت حق لا ترى أبدا ... فما لفقدك في الأحشاء إحراق # كأنه قلب بيت ابن دريد في رجل من أهل البصرة: [الكامل] # يا من يقبل كف كل ممخرق ... هذا ابن يحيى ليس بالمخراق # قبل أنامله فلسن أناملا ... لكنهن مفاتح الأرزاق # أخذه ابن دريد من إبراهيم بن العباس الصولي يمدح الفضل بن سهل: ~~[المتقارب] # لفضل بن سهل يد ... تقاصر عنها المثل # فبسطتها للغنى ... وسطوتها للأجل # وباطنها للندى ... وظاهرها للقبل # وسرقه ابن الرومي فقال: [الكامل] # أصبحت بين خصاصة ومذلة ... والحر بينهما يموت ذليلا # فامدد إلي يدا تعود بطنها ... بذل النوال وظهرها التقبيلا # وقال ابن عبد ربه: [الطويل] # وما خلقت كفاه إلا لأربع ... عقائل لم يعقل لهن ثواني # لتقبيل أفواه، وإعطاء نائل، ... وتقليب هندي وحبس عنان # قوله: «ودع ما يعقب الضير»، أي دع عنك شيئا يجيئك في أثره ضرر. المركب ~~هنا: السفينة. واليم: البحر. واللجة: معظم الماء، وجعل الميت كالمسافر، ~~وضرب له البحر مثلا لكثرة ما يرى من الأهوال، فأمره بالاستعداد لذلك. يا ~~صاح: يا صاحب. بحت. نطقت، يريد أن كل ما قدم من الوصية إنما هو على وجه ~~النصح، كما وصي هو بها قبل ذلك، وأراد بقوله: «صاح» كل من يسمع وصيته، لا ~~صاحبا ms0290 معينا. طوبى: شجرة في الجنة، وهي، عندهم «فعلى» من الطيب. يأتم: ~~يقتدى بها في الظاهر، يريد أنه من اقتدى بهذه الوصية فطوبى له، وهو يريد: ~~من حصل آداب المقامات كلها رأس. # *** # ثم حسر ردنه عن ساعد شديد الأسر، قد شد عليه جبائر المكر لا الكسر، PageV01P328 # متعرضا للاستماحة، في معرض الوقاحة، فاختلب به أولئك الملأ، حتى أترع كمه ~~وملأ؛ ثم انحدر من الربوة، جذلا بالحبوة. # قال الراوي: فجاذبته من ورائه، حاشية ردائه، فالتفت إلي مستسلما، وواجهني ~~مسلما، فإذا هو شيخنا أبو زيد بعينه ومينه، فقلت له: [الهزج] # إلى كم يا أبا زيد ... أفانينك في الكيد # لينحاش لك الصيد ... ولا تعبا بمن ذم # *** # قوله: «حسر»، أي كشف. ردنه: كمه. الأسر: الخلقة، ومنه قوله تعالى: # وشددنا أسرهم [الإنسان: 28]، أي خلقهم، وهو من الإسار، وهو القد الذي يشد ~~به الأسير، فشرك الجلد هي الإسار- ويراد بها في الخلقة العصب- التي يشتد ~~بها الجسد وتلتئم بها الأعضاء، وإليها حكم حركة البدن من القيام والقعود، ~~فسبحان الذي أنشأ الخليقة كيف شاء! الاستماحة: الطلب، استفعالة، من ماح ~~الرجل يميحه إذا أعطاه، وأصل ذلك من المائح، وهو النازل في قعر البئر ليغرف ~~ماءها ويفرقه على دلاء المستقين، وقد ماحالبئر ميحا. الوقاحة: ترك الحياء ~~وصلابة الوجه، من الحافر الوقاح وهو الصلب. ومعرضها: موضع عرضها ونشرها، ~~وإن كسرت الميم وفتحت الراء فهو ثوب الوقاحة، لبسه لأن المعرض الثوب الذي ~~تعرض فيه الجارية للبيع، والوقاحة: # إظهار ذراعه صحيحا مشدودا عليه بخرق، ليوهم من رآه أنه مكسور. اختلب: ~~خدع، واحتلب بالحاء: حلب ما عندهم كما تحلب الشاة. الملأ: الجماعة. أترع: ملأ. # انحدر: هبط، والربوة، لغة في الرباوة التي تقدمت. جذلا: مسرورا. الحبوة: ~~العطية. # جاذبته: نازعته. مينه: كذبه. أفانينك: أنواع كذبك وحيلك. ينحاش: ينضم ~~ويجتمع، وحشت الصيد أحوشه، إذا جئته من حواليه لتصرفه إلى الحبالة. لا ~~تعبأ، أي لا تبالي، من عبأت الحلم للجهل، والخيل للحرب إذا أعددته، وإذا لم ~~يبال بالشيء لم يستعد له. # *** # فأجاب من غير استحياء، ولا ارتياء، وقال: [الهزج] # تبصر ودع ms0291 اللوم ... وقل لي هل ترى اليوم # فتى لا يقمر القوم ... متى ما دسته تم! # فقلت له: بعدا لك يا شيخ النار، وزامله العار، فما مثلك في طلاوة ~~علانيتك، وخبث نيتك، إلا مثل روث مفضض، أو كنيف مبيض. PageV01P329 # ثم تفرقنا، فانطلقت ذات اليمين، وانطلق ذات الشمال، وناوحت مهب الجنوب، ~~وناوح مهب الشمال. # *** # ارتياء: إبطاء، وهو «افتعال» من رؤية القلب، التي معناها التدبر والتفكر، ~~وأصل بابه الهمزة، فنقلها لمكان همزة اللام؛ يقول: أجاب من غير فكرة. يقمر: ~~يغلب، وتقول: قامرت الرجل قمارا فقمرته أقمره، أي غلبته. دسته، أي حيلته، ~~والدست: الذي يكون لك فيه الغلب في الشطرنج، تقول: الدست لي، والدست علي. ~~ومن ألفاظ عامة المشرق أن يقول الرجل لصاحبه: هلم نأخذ دستا. تم: كمل. ~~قوله: «زاملة»، أي حاملة، والزاملة: الدابة يحمل عليها. طلاوة علانيتك، أي ~~حسن ظاهرك. خبث نيتك: # فساد باطنك، وفي معنى هذا قال لقمان لابنه: احذر واحدة- وهي أهل للحذر: ~~إياك أن ترى أنك تخشى الله وقلبك فاجر؛ يحذره من الرياء، وفي الحديث: «من ~~أصلح سريرته أصلح الله علانيته». # وقيل لرجل مراء: ما أحسن صلاتك! قال: ومع هذا فإني صائم! قال الشاعر: # [الرمل] # وإذا أظهرت شيئا حسنا ... فليكن أحسن منه ما يسر # فمسر الخير موسوم به ... ومسر الشر موسوم بشر # وقال محمود الوراق لابن أخيه: [الوافر] # تصوف كي يقال له أمين ... وما معنى التصوف والأمانة # ولم يرد الإله به ولكن ... أراد به الطريق إلى الخيانة # وقال فيه أيضا: [الكامل] # شمر ثيابك واستعد لقائل ... واحكك جبينك للقضاة بثوم # وعليك بالفتوي فاجلس عنده ... حتى تصيب وديعة ليتيم # وقال الأبيض الإلبيري: [الكامل] # أهل الرياء لبستم ناموسكم ... كالذئب يصبح في الظلام العاتم # فملكتم الدنيا بمذهب مالك ... وقسمتم الأموال بابن القاسم # وركبتم شهب البغال بأشهب ... وبأصبغ صبغت لكم في العالم # وقال آخر: [الكامل] # لا شيء أخسر صفقة من عالم ... لعبت به الدنيا مع الجهال PageV01P330 # فغدا يفرق دينه أيدي سبا ... ويديله حرصا لجمع المال # لا خير في كسب الحرام وقلما ... يرجى الخلاص لكاسب لحلال # فخذ الكفاف ms0292 ولا تكن ذا فضلة ... فالفضل تسأل عنه أي سؤال # قوله: «مفضض»، مطلي بالفضة. والكنيف: المستراح. ذات: جهة وناحية. # ناوحت: قابلت. مهب: ناحية هبوبها. الجنوب: الريح القبلية. والشمال ~~[مقابل] الجنوبية. PageV01P331 ### | AUTO المقامة الثانية عشرة وهي الدمشقية # حكى الحارث بن همام قال: شخصت من العراق إلى الغوطة، وأنا ذو جرد مربوطة، ~~وجدة مغبوطة، يلهيني خلو الذرع، ويزدهيني حفول الضرع. فلما بلغتها بعد شق ~~النفس، وإنضاء العنس، ألفيتها كما تصف الألسن، وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ ~~الأعين، فشكرت يد النوى، وجريت طلقا مع الهوى، وطفقت أفض فيها ختوم ~~الشهوات، وأجتني قطوف اللذات، إلى أن شرع سفر في الإعراق، وقد أشفقت من ~~الإغراق، فعادني عيد من تذكار الوطن، والحنين إلى العطن، فقوضت خيام ~~الغيبة، وأسرجت جواد الأوبة. # *** ### || AUTO [غوطة دمشق] # شخصت، أي خرجت. الغوطة: موضع بالشأم خصيب بخارج دمشق، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «ستفتح عليكم الشأم فعليكم بمدينة يقال لها دمشق، هي خير ~~مدائن الشأم وفسطاط المؤمنين بأرض منها يقال لها الغوطة» (¬1). قال ~~الأصمعي: أحسن أنهار الدنيا ثلاثة أنهار: الغوطة، وسمرقند، ونهر الأبلة، ~~وهو قريب من البصرة، وحشوشها ثلاثة: # عمان، وأردبيل، وهيت. وسميت دمشق باسم صاحبها الذي بناها، وهي إرم ذات ~~العماد. # وقال اليعقوبي: مدينة دمشق جليلة المقدار قديمة، وهي مدينة الشأم في ~~الجاهلية والإسلام، وليس لها نظير في جميع بلاد الشأم في أنهارها ~~وبساتينها، ومبانيها وكثرة عمارتها. وافتتحت في خلافة عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه سنة أربع عشرة. # وقال شيخنا ابن جبير: مدينة دمشق هي جنة المشرق، ومطلع حسنه المونق، ~~وعروس المدن. قد تحلت بأزاهير الرياحين، وتجلت في حلل سندسية من البساتين، ~~وحلت من موضع الحسن بمكان مكين، وتجلت في منصتها بأجمل تزيين، وتشرفت بأن PageV01P332 # آوى الله المسيح وأمه منها إلى ربوة ذات قرار ومعين. ظل ظليل، وماء ~~سلسبيل، ينساب انسياب الأراقم بكل سبيل، ورياض تحيي النفوس بنسيمها العليل، ~~تبرز لناظريها بمجتلى صقيل، وتناديهم: ألا هلموا إلى معرس للحسن ومقيل، وقد ~~سئمت أرضها كثرة المياه حتى اشتاقت إلى الظمأ، ms0293 فتكاد تناديك بها الصم ~~الصلاب: اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب [ص: 42]. قد أحدقت البساتين بها ~~إحداق الهالة بالقمر، واكتنفتها اكتناف الأكمام للزهر، وامتدت بشرقيها ~~غوطتها الخضراء امتداد البصر، فكل موقع لحظته بجهاتها الأربع، نضرته ~~اليانعة قيد النظر، ولقد صدق القائلون عنها: إن كانت الجنة في الأرض فدمشق ~~لا شك منها، وإن كانت في السماء فهي بحيث تسامتها وتحاذيها. # وقال فيها البحتري: [البسيط] # إذا أردت ملأت الطرف من بلد ... مستحسن، وزمان يشبه البلدا (¬1) # يمسي السحاب على أجبالها فرقا ... ويصبح النبت في صحرائها بددا # فلست تبصر إلا واكفا خضلا ... أو يانعا خضرا، أو طائرا غردا # كأنما القيظ ولي بعد وفدته ... أو الربيع دنا من بعد ما بعدا # *** # قوله: «جرد»، أي خيل قصيرة شعر الجسد. جدة: غنى. مغبوطة: محسودة، أراد ~~مغبوط عليها مالكها، فقلب. يلهيني: يدعوني إلى اللهو. خلو الذرع: فراغ ~~البال والصدر من الهم، يزدهيني: يحملني على الزهو. حفول الضرع: كثرة المال، ~~والضرع للبقرة والشاة بمنزلة الثدي للمرأة، وحفوله: امتلاؤه باللبن. شق: ~~مشقة. إنصاء: إهزال. # والعنس: الناقة القوية. ألفيتها: وجدتها النوى: البعد والانتقال من بلد ~~إلى بلد، وأراد أنه شكر سفره. ويد النوى: النعمة التي أنعم بها عليه، بأن ~~أوصله إلى الغوطة. الهوى: ما تهواه النفس وتشتهيه. طفقت: أخذت. أفض: أكسر. ~~ختوم: ربوط؛ يريد أن شهوته التي كانت قد شدت وربطت أخذ يكسر ختومها ويسرحها ~~في المآكل والمشارب واللذات. أجتني: أجمع. جناة قطوف: ما يجنى من الثمار، ~~وجعله للذات اتساعا. # شرع: أخذ وابتدأ. من شرعت الدابة في الماء، إذا دخلته لتشرب سفر: ~~مسافرون، الإعراق: المشي إلى العراق، أشفقت: خفت الإغراق: الفقر من أجل ~~الزاد والمأكل، وكأنه غرق في ذلك، فهو يرجع إلى الغرق والإغراق: المبالغة ~~في الشيء، يقال: أغرق الرجل في القول والرمي بالقوس، إذا بالغ فيهما. # عادني: زارني. عيد: شوق، وكل ما تذكرته واشتقت إليه فهو عيد، كأنه عاد ~~إلى قلبه بعد نسيانه، ونقل لفظ الشاعر: [الخفيف] PageV01P333 # عاد قلبي من الطويلة عيد ... واعتراني من حبها تسهيد (¬1) # ابن الأنباري، العيد هنا: ms0294 الوقت الذي يعود فيه الحزن والشوق، وقال تأبط شرا: # [البسيط] # يا عيد ما لك من شوق وإيراق ... ومر طيف على الأهوال طراق # العيد: ما يعتاد من الحزن والشوق، ومعنى «يا لك من شوق»: ما أعظمك من ~~شوق. الحنين: الشوق. العطن: مبارك الإبل حول الماء، وأراد به بلده. قوضت: # هدمت. خيام: بيوت. الأوبة: الرجوع، وأراد قطعت أسباب الإقامة. # *** # ولما تأهبت الرفاق، واستتب الاتفاق، ألحنا من المسير، دون استصحاب ~~الخفير، فردناه من كل قبيلة، وأعملنا في تحصيله ألف حيلة، فأعوز وجدانه في ~~الأحياء، حتى خلنا أنه ليس من الأحياء، فحارت لعوزه عزوم السيارة، وانتدوا ~~بباب جيرون للاستخارة؛ فما زالوا بين عقد وحل، وشزر وسحل، إلى أن نفد ~~التناجي، وقنط الراجي. # وكان حذتهم شخص ميسمه ميسم الشبان، ولبوسه لبوس الرهبان، وبيده سبحة ~~النسوان، وفي عينيه ترجمة النشوان، وقد قيد لحظه بالجمع، وأرهف أذنه ~~لاستراق السمع. فلما أنى انكفاؤهم، وقد برح له خفاؤهم، قال لهم: يا قوم ~~ليفرخ كربكم، وليأمن سربكم، فسأخفركم بما يسرو روعكم، ويبدو طوعكم. # *** # استتب: تهيأ وأقام. ألحنا: خفنا. الخفير: المجير، وهو الذي تمشي الرفاق ~~في ذمته، وتسميه العامة الغفير. ردناه: طلبناه. أعوز: عدم. الأحياء الأول: ~~القبائل، والثاني ضد الموتى. حالت: تغيرت. لعوزه: لفقده. عزوم: جمع عزم، ~~وهو الجد. # السيارة: الرفقة، وهي فعالة من السير. انتدوا: اجتمعوا. # *** ### || AUTO [باب جيرون] # باب جيرون، من أبواب جامع دمشق، وجيرون هذا هو جيرون بن سعد بن عاد، وهو ~~الذي بنى دمشق، ونقل إليها الرخام، وسماها إرم، وعلى هذا نقلة الأخبار؛ وأن PageV01P334 # إرم ذات العماد هي دمشق، يقال: إنه كان فيها أربعمائة ألف عمود. وقد تقدم ~~أيضا أن دمشق سميت باسم بانيها، وهو دماشق بن نمروذ بن كنعان، وقيل: بانيها ~~دمشق بن عامر بن لمك بن أرفخشذ بن سام بن نوح. # قال اليعقوبي: جامع دمشق ليس في الإسلام أحسن منه، بناه الوليد بن عبد ~~الملك في خلافته بالرخام والذهب سنة ثمان وثمانين، مفروش بالرخام الأبيض ~~المختم بالأزرق، وسقفه لا خشب فيه، مذهب كله، ومنائره ثلاث: ms0295 واحدة في مؤخر ~~المسجد، مذهب كلها من أعلاها إلى أسفلها. # وذكر شيخنا ابن جبير في وصف هذا الجامع ووصف دمشق غرائب لا يتسع لها هذا ~~الكتاب، فلنلم هنا ببعض ما وصف في هذا الجامع؛ لنفي بشرطنا. قال: هذا ~~الجامع من أشهر جوامع الإسلام حسنا وإتقان بناء، وغرابة صنعة، واحتفال ~~تنميق وتزيين، ومن عجيب شأنه أنه لا يلم به نسج العنكبوت، ولا تلم به الطير ~~المعروفة بالخطاف، انتدب لبنائه الوليد، ووجه إلى ملك الروم بالقسطنطينية ~~يأمره بأشخاص اثني عشر ألف صانع من بلاده، وتقدم إليه بالوعيد في ذلك إن ~~توقف [عنه]، فامتثل أمره مذعنا، وشرع في بنائه، وبلغت الغاية في التأنق ~~فيه، وأنزلت جدره كلها بفصوص الذهب المعروفة بالفسيفساء، وخلطت بها أنواع ~~من الأصبغة الغريبة، قد مثلت أشجارا، وفرعت أغصانا منظومة بالفصوص ببديع ~~الصنعة المعجزة وصف كل واصف، فجاء يعشي العيون وميضا وبصيصا. وبلغت النفقة ~~فيه أحد عشر ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار. # وكان أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه صالح النصارى لما دخلها، بأن أخذ ~~نصف الكنيسة الشرقي، فصيره مسجدا، وبقي النصف الغربي للنصارى. فأخذه ~~الوليد، وأدخله في الجامع بعد أن رغب إليهم أن يعوضهم عنه، فأبوا، فأخذه ~~قهرا. وكانوا يزعمون أن من يهدم كنيستهم يجن، فبادر الوليد، وقال: أنا أول ~~من يجن في الله، وبدأ الهدم بيده، فبادر المسلمون، فأكملوا هدمها. ثم ~~أرضاهم عمر بن عبد العزيز في خلافته عن الكنيسة بمال عظيم. # وطول هذا الجامع من الغرب إلى الشرق: ذرعه مائتا خطوة، وهما ثلاثمائة ~~ذراع، وذرعه في السعة من القبلة إلى الشمال مائة وخمس وثلاثون خطوة، وهي ~~مائتا ذراع، وتكسيره بالمرجع المغربي أربعة وعشرون مرجعا، وهو تكسير مسجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم؛ غير أن طوله من القبلة إلى الشمال، وبلاطاته ~~المتصلة بالقبلة ثلاث، مستطيلة من المشرق إلى المغرب، سعة كل بلاطة منها ~~ثمان عشرة خطوة، وقامت البلاطات على ثمانية وستين عمودا، منها ثمانية أرجل ~~تتخللها واثنتان مرخمة ملصقة بالجدار الذي يلي الصخرة، وأربع أرجل مرخمة ms0296 ~~أبدع ترخيم، مرصعة بفصوص من الرخام ملونة، قد نظمت خواتيم، وصورت محاريب ~~وأشكالا غريبة قائمة في البلاط الأوسط، دور كل رجل منها اثنان PageV01P335 # وسبعون شبرا، ويستدير بالصحن بلاط من ثلاث جهاته، سعته عشر خطا، وعدد ~~قوائمه سبع وأربعون، منها أربع عشرة رجلا، والباقي سوار، وسقف الجامع كله ~~من خارج ألواح رصاص. وأعظم ما فيه قبة الرصاص المتصلة بالمحراب، وهي سامية ~~في الهواء، عظيمة الاستدارة، وقد استقل بها هيكل عظيم، هو عماد لها يتصل من ~~المحراب إلى الصحن والقبة، قد أغصت بالهواء، فإذا استقبلتها رأيت مرأى ~~هائلا، ومن أي جهة استقبلت البلد ترى القبة في الهواء، كأنها معلقة في ~~الجو، وعدد شمسياتها الزجاجية المذهبة الملونة أربع وسبعون، فإذا قابلتها ~~الشمس واتصل شعاعها بها انعكس الشعاع إلى كل لون منها، واتصل ذلك بالجدار ~~القبلي، ويتصل بالأبصار منها أشعة ملونة هائلة لا تبلغ العبارة تصورها، ~~ومحرابه من أعجب المحاريب الإسلامية حسنا وغرابة صنعة يتقد ذهبا كله، وقد ~~قامت في وسطه محاريب صغار متصلة بجداره، تحفها سويريات مفتولات فتل ~~الأسورة، فإنها مخروطة، بعضها أحمر، كأنها مرجان لم ير شيء أجمل منها. # وفيها ثلاث مقاصير: مقصورة معاوية، وهي أول مقصورة وضعت في الإسلام، ~~طولها أربعة وأربعون شبرا، وعرضها نصف الطول. ويليها بجهة الغرب المقصورة ~~التي أحدثت عند زيادة الكنيسة فيه، وهي أكبر. والثالثة بالجانب الغربي، ~~يجتمع الحنفية فيها للتدريس. # وله أربعة أبواب: باب قبلي يعرف بباب الزيادة، وباب شمالي يعرف بباب ~~الناطفيين، وباب غربي يعرف بباب البريد، وباب شرقي يعرف بباب جيرون، وهو ~~أعظمها. # وله وللغربي دهاليز متسعة يفضي كل دهليز منها إلى باب عظيم كانت كلها ~~مداخل للكنيسة، فبقيت على حالها. # ثم ذكر في الصحن عجائب من الأبنية والقباب والصوامع الثلاث والمياه ~~المدبرة فيه ما يطول وصفه واختصاره. قال: وهذا الصحن من أجمل المناظر ~~وأحسنها، وفيه مجتمع أهل البلد ومتفرجهم ومنتزههم، كل عشية تراهم فيه ~~ذاهبين وراجعين من باب جيرون إلى باب البريد، لا يزالون على هذه الحالة إلى ~~انقضاء صلاة العشاء الأخيرة، منهم ms0297 من يتحدث مع صاحبه، ومنهم من يقرأ، فهذا ~~دأبهم أبدا بالعشي والغداة، وأكثر الاحتفال بالعشي، [فيخيل لمبصر ذلك أنها ~~ليلة سبع وعشرين من رمضان المعظم لما يرى من احتفال الناس واجتماعهم، لا ~~يزالون على ذلك كل يوم]، وأهل البطالة يسمونهم الحراثين. # وللجامع أربع سقايات في كل جهة سقاية. وأعظمها سقاية باب جيرون. # وذكر أن حول باب جيرون من الأبنية الغريبة ما يطول وصفه، وذكر باب جيرون ~~فقال: يخرج من دهليزه إلى بلاط طويل عريض له خمسة أبواب مقوسة، لها ستة ~~أعمدة PageV01P336 # في جهة اليسار، منه مشهد كبير كان فيه رأس الحسين رضي الله عنه، قبل أن ~~ينقل إلى القاهرة، وبإزائه مسجد صغير لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وقد ~~انتظمت أمام البلاط أدراج ينحدر عليها إلى الدهليز، وهي كالخندق العظيم ~~تتصل إلى باب عظيم الارتفاع ينحسر الطرف دونه سموا، قد حفته أعمدة كالجذوع ~~طولا، وكالأطواد ضخامة، وبجانبي الدهليز أعمدة قامت عليها شوارع مستديرة، ~~فيها حوانيت العطارين وغيرهم، وعليها شوارع مستطيلة فيها الحجر والبيوت ~~للكراء مشرفة على الدهاليز، وفوقها سطح بيت فيه سكان الحجر والبيوت، وفي ~~وسط الدهليز حوض كبير مستدير من الرخام، عليه قبة تقلها أعمدة من الرخام. ~~وفي وسط الحوض أنبوب صفر يزعج الماء بقوة، فيرتفع في الهواء أزيد من ~~القامة، وحوله أنابيب صغار ترمي الماء علوا، فيخرج منها كقضبان اللجين، ~~فكأنها أغصان تلك الدوحة المائية، ومنظرها أبدع من أن يوصف، وعن يمين ~~الخارج من باب جيرون في جدار البلاط الذي أمامه شبه غرفة، بها هيئة طاق ~~كبير مستدير، فيه طيقان من صفر وقد فتحت أبوابا صغارا على عدد ساعات ~~النهار، ودبرت تدبيرا هندسيا، فعند انقضاء ساعة من النهار، تسقط صنجتان من ~~صفر من فمي بازيين من صفر قائمين على طاستين من صفر مثقوبتين، فتبصر ~~البازيين يمدان أعناقهما للصنجتين إلى الطاستين، ويقذفانهما بسرعة، بتدبير ~~عجيب تتخيله الأوهام سحرا، فعند وقوعهما يسمع لهما دوي، فيعودان من الأثقاب ~~إلى داخل الجدار إلى الغرفة، ويتعلق الباب تلك الساعة بلوح أصفر، فلا ms0298 يزال ~~كذلك حتى تنقضي الساعات، فتغلق الأبواب كلها، ثم تعود إلى حالاتها الأولى. ~~ولها بالليل تدبير آخر، وذلك أن في القوس المنعطف على الطيقان المذكورة ~~اثنتي عشرة دائرة من النحاس مخرمة، في كل دائرة زجاجة. وخلف الزجاجة مصباح ~~يدور به الماء على ترتيب مقدار الساعة، فإذا انقضت عم الزجاجة ضوء المصباح، ~~وأفاض على الدائرة شعاعا، فلاحت دائرة محمرة، ثم ينتقل إلى الأخرى، حتى ~~تنقضي ساعات الليل، وقد وكل بها من يدير شأنها، فيعيد فتح الأبواب، ويسرح ~~الصنج إلى موضعه وهي التي تسمى الميقات. # ثم ذكر في باب جيرون، وفي الجامع وفي خارج البلد عجائب ليست من شرطنا، ~~وإنما ذكرنا منها ما دعت إليه الحاجة من ذكر باب جيرون. # *** # قوله: «الاستخارة» أي طلب الخيرة، واستخرت الله: سألته أن يهب لي الخيرة. # شزر: عقد. سحل: حل، وشزرت الحبل شزرا شددت فتله، وسحلت النسج سحلا أفردت ~~سداه ولم تفتله. نفد: تم وفرغ. التناجي: التحدث سرا. قنط: يئس الراجي: # الطامع. حذتهم: قريبا منهم، تقول: داري حذوه وحذوته وحذته، أي حذاءه. ميسمه: # علامته، وأصل الميسم الموسم، لأنه من وسمت الشيء، فقلبت الواو ياء ~~لسكونها وكسر ما قبلها. لبوسه: ثيابه. الرهبان: العباد. والترهب: ترك ~~النساء. سبحة: خيط ينظم فيه PageV01P337 # خرز يعد به التسبيح، وكانت لأبي هريرة رضي الله عنه سبحة من النوى ~~المجزع، وهو الذي حك حتى اختلف لونه. وفرغ من سبحته، أي من صلاته وما ~~يتبعها من الذكر. # ترجمة: علامة. النشوان: السكران. قيد لحظه: ربط نظره، أي شخص فيهم. أرهف: # أحد. آن: حان وقرب، ويروى «ناء» مقلوب «آن». انكفاؤهم: انقلابهم ورجوعهم. # برح: انكشف. خفاؤهم: سرهم. # ليفرخ كربكم: ليزول ويسكن، ومثل العرب: أفرخ روعك، ومعناه: انجلى وانكشف ~~كما ينكشف ما في البيضة إذا انشق عن الفرخ. وقيل: معنى أفرخ، ذهب. # وقال الفارسي في التذكرة: معنى أفرخ روعك: صار له فرخ، وإذا أفرخ الطائر ~~طار، لأنه فارق الحضن، وهذا قول حسن. # وقال عروة بن مضرس: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بجمع قبل أن يصلي ~~الصبح، فقلت: ms0299 يا رسول الله، طويت الجبلين، ولقيت شدة، فقال: «أفرخ روعك، من ~~أدرك إفاضتنا هذه فقد أدرك الحج»: وقال الأخطل يصف الثور والكلاب: [الكامل] # حتى إذا ما الثور أفرخ روعه ... وأفاق أقبل نحوها يتذمر (¬1) # أضما وهز لهن روقي رأسه ... إذ قد أتيح لهن موت أحمر # فقوله: «أفاق» بعد «أفرخ روغه» يدل على أنه أراد ذهب فزعه وزال ويتذمر، ~~يحض نفسه على الإقدام، يقال: ذمرته إذا حضضته. وأضما، أي غضبان، والموت ~~الأحمر مذكور في المقامة بعد هذه. قوله: «كربكم» أي همكم سربكم، أي جمعكم، ~~أي تأمنوا في نفوسكم. سأخفركم: سأجيركم. يسرو: يكشف ويزيل. روعكم: فزعكم. يبدو: # يظهر. طوعكم: منقادا لكم، وأراد سأجيركم بشيء يزيل عنكم الفزع، ويكون ~~منقادا لكم، وذلك الشيء هو الكلمات التي يأتى بها. # *** # قال الراوي: فاستطلعنا منه طلع الخفارة، وأسنينا له الجعالة عن السفارة، ~~فزعم أنها كلمات لقنها في المنام، ليحترس بها من كيد الأنام، فجعل بعضنا ~~يومض إلى بعض، ويقلب طرفيه بين لحظ وغض، وتبين له أنا استضعفنا الخبر، ~~واستشعرنا الخور، فقال: ما بالكم اتخذتم جدي عبثا؛ وجعلتم تبري خبثا! ~~ولطالما والله جبت مخاوف الأقطار، وولجت مقاحم الأخطار، فغنيت بها عن ~~مصاحبة خفير، واستصحاب جفير. ثم إني سأنفي ما رابكم، وأستسل الحذر الذي PageV01P338 # نابكم، بأن أوافقكم في البداوة، وأرافقكم في السماوة، فإن صدقكم وعدي، ~~فأجدوا سعدي، وأسعدوا جدي. وإن كذبكم فمي، فمزقوا أدمي، وأريقوا دمي. # قال الحارث بن همام: فألهمنا تصديق رؤياه، وتحقيق ما رواه، فنزعنا عن ~~مجادلته، واستهمنا على معادلته، وفصمنا بقوله عرى الربائث، وألغينا اتقاء ~~العابث والعائث. # *** # استطلعنا منه طلع الخفارة، أي استخبرناه عن خبر الإجارة، قال ابن ~~الأنباري: # معنى السفارة في كلامهم الإصلاح، والسفير: المصلح. # قال الشاعر: [الوافر] # وما أدع السفارة بين قومي ... وما أمشي بغش إن مشيت # وأسنينا له الجعالة عن السفارة، أي كثرنا له العطاء ليدلنا على المجير، ~~وأن يكون رسولا بيننا وبينه. ويمكن أن تكون السفارة فعالة، من لفظ السفير، ~~فيكون اسما للحرفة كالنجارة والخياطة. لقنها: حفظها. ليحترس، ليمتنع يومض: ~~يشير. لحظ: ms0300 نظر بطرف عينيه. غض: كسر النظر؛ أي جعلوا يتغامزون عليه ~~استضعافا لخبره. استشعرنا الخور، أي ظهر علينا الفزع والضعف من كلامه. ~~العبث: اللعب. تبري: ذهبي، والتبر: كل ما لم يصنع من الجواهر من نحاس ~~وغيره. خبثا: فاسدا. جبت: قطعت. مخاوف: مواضع الخوف الأقطار: نواحي الأرض. ~~ولجت: دخلت. مقاحم: مهالك، والفحمة الأمر العظيم لا يركبه أحد لهوله. ~~الأخطار: جمع خطر، وهو الغرر. جفير: جعبة السهام. # رابكم: شكككم، أستسل: أزيل. الحذر: الخوف. نابكم: قصدكم. أوافقكم: # أساعدكم وأمشي معكم مصاحبا لكم. أرافقكم: أسافر معكم، والرفيق: الصاحب في ~~السفر. السماوة: مفازة بين الشأم والعراق، وسماوة كل شيء شخصه، وبذلك سميت ~~السماوة لأنها منازل ثمود، وفيها إلى الآن أشخاص منازلهم وآثارهم. أجدوه: ~~ردوه ذا جد، وهو السعد والحظ، والمعنى أنه يقول: إن كان سعدي قليلا فأجدوه، ~~أي كثروا حظه بعطيتكم حتى يعود صاحبه كثير السعد، وكذلك يقدر: أسعدوا جدي، ~~فيريد: إن صدقتكم وعدي، وسلمتم، فهبوا لي من أموالكم ما يتقوى به سعدي ~~الضعيف، ويكثر حظي القليل. ويقال أيضا: أجد الشيء إذا صيره جديدا. مزقوا: ~~قطعوا. أدمي: جلدي. # أريقوا: صبوا. # ألهمنا، أي ألقي في قلوبنا. نزعنا: أقلعنا. مجادلته: مخالفته. استهمنا: ~~ضربنا السهام وتخاطرنا على من يركب معه رفيقا. ومعادلته: الركوب معه في ~~المحمل، وهو أن يركب هذا في الأيمن، وهذا في الأيسر، مأخوذة من العدل. PageV01P339 # ونذكر هنا حكاية مضحكة تزيد المعادلة بيانا، كان المعتصم يأنس بعلي بن ~~الجنيد الإسكاف، وكان عجيب الصورة والحديث، فقال المعتصم لابن حماد: اذهب ~~إلى ابن الجنيد، وقل له: يتهيأ ليزاملني، فأتاه فقال له: تهيأ لمزاملة أمير ~~المؤمنين، فإن مزاملة الخلفاء كبيرة، فقال: كيف أتهيأ لها؟ أصيب رأسا غير ~~رأسي! أشتري لحية غير لحيتي! قال ابن حماد: شروطها الامتناع عن الحديث ~~والمذاكرة والمنادمة، وألا تبصق ولا تسعل ولا تمخط ولا تتنحنح، وأن تتقدم ~~في الركوب إشفاقا عليه من الميل، وأن يتقدمك في النزول، فمتى لم يفعل هذا ~~المعادل كان ومثقلة الرصاص التي تعدل بها القبة واحدا، فقال لابن حماد: ~~اذهب قل له ms0301 ما يزاملك إلا من أمه زانية. فرجع إلى المعتصم وأعلمه، فضحك ~~وقال: علي به، فلما جاء قال: يا علي، أبعث إليك أن تزاملني فلا تفعل! فقال ~~له: إن رسولك هذا الأرعن جاءني بشروط حسان السامي وخالويه الحاكمي، فقال: ~~لا تبصق ولا تعطس، وجعل يقرقع بصاداته، وهذا لا أقدر عليه؛ فإن رضيت أن ~~زاملك، فإذا جاءني الفساء والضراط فسوت وضرطت، وإلا فليس بيني وبينك عمل. ~~فضحك المعتصم حتى فحص برجليه، وقال: نعم زاملني على هذه الشروط، فسار ساعة ~~فلما توسط البر، قال: يا أمير المؤمنين، قد حضر ذلك المتسامح، قال: ذلك ~~إليك، قال: # يحضر ابن حماد، فحضر، فناوله كمه، وقال أجد في كمي دبيب شيء، فانظر ما ~~هو، فأدخل رأسه فشم رائحة الكنيف، فقال: ما أرى شيئا، ولكني أعلم أن في جوف ~~ثيابك كنيفا، والضحك قد ذهب بالمعتصم كل مذهب، وابن الجنيد يفسو فساء ~~متصلا، ويقول لابن حماد: قلت: لي: لا تسعل أو لا تمخط، فخريت عليك، ثم قال: ~~قد نضجت القدر، وأريد أخرى، فأخرج المعتصم رأسه من العمارية حين كثر عليه ~~الضحك، وصاح: ويلك يا غلام، الأرض: الساعة أموت! . # قوله: «فصمنا»، أي قطعنا وحللنا والعرا: عيون من شريط أو غيره يشد بها فم ~~الخرج أو العدل، واحدها عروة. والربائث: العلق، واحدها ربيثة، وهو ما يثبت ~~الإنسان ويحبسه عن أمر يريده، وقد ربثتك عن الأمر ربثا، وتربثت أنا تربثا، ~~إذا تثبطت. ألغينا: # اطرحنا. اتقاء: خوف. العابث: الذي يعبث بأموالهم من أهل الشر فيفسدها، ~~والعابث: # المفسد، ويقال: عبث بفتح الباء عبثا: وبكسرها عبثا: لعب واستخف، وعاث عيثا: # أفسد. # *** # ولما عكمت الرحال، وأزف الترحال، استنزلنا كلماته الراقية، لنجعلها ~~الواقية الباقية، فقال: ليقرأ كل منكم أم القرآن، كلما أظل الملوان. ثم ~~ليقل بلسان خاضع، وصوت خاشع: اللهم يا محيي الرفات، ويا دافع الآفات، ويا ~~واقي المخافات، ويا كريم المكافاة، ويا موئل العفاة، ويا ولي العفو ~~والمعافاة، صل PageV01P340 # على محمد خاتم أنبيائك، ومبلغ أنبيائك، وعلى مصابيح أسرته، ومفاتيح ~~نصرته، وأعذني من نزغات الشياطين، ونزوات السلاطين، ms0302 وإعنات الباغين، ~~ومعاناة الطاغين، وعدوان المعادين، وغلب الغالبين، وسلب السالبين، وحيل ~~المحتالين، وغيل المغتالين، وأجرني اللهم من جور المجاورين، ومجاورة ~~الجائرين، وسطوة الجبارين، وكف عني أكف الضائمين، وأخرجني من ظلمات ~~الظالمين، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين. # *** # عكمت الرحال، أي شدت الأحمال بالعكام، والعكام ما يشد به فم العكم وهو ~~العدل. وقيل: إن أصل العكام كمامة تربط على فم البعير، ومثله اللجام، ~~يستعار لما يشد به المتاع ويقال: عكمت المتاع عكما شددته في العكم، أو ~~شددته بالعكام، وعكمت البعير شددت عليه العكم، أو ربطت العكام على فمه، ~~وأعكمتك أعنتك. # أزف: دنا وقرب. استنزلنا: طلبنا منه إنزالها، أي تلطفنا به ليذكرها ~~الراقية: الرفيعة، من رقي في الدرجة، أو المعوذة لنا، من رقيت المريض، وهو ~~أشبه لموافقتها لمعنى الواقية، وهي الكافية، لما يخاف من الشر، أظل الأمر: ~~قرب ودنا وكأنه ألقي عليك ظله. # الملوان: الليل والنهار، والخاضع: الذليل، وخضع خضوعا: أقر بالذل. ~~والخاشع: # المتواضع، وخشع خشوعا: خفض صوته، ورمى ببصره إلى الأرض، والخضوع قريب ~~منه، إلا أن أكثر ما يستعمل الخشوع في الصوت والخضوع في الأعناق. الرفات: ~~العظام البالية الآفات: المضرات. المكافأة: المجازاة. موئل: ملجأ. العفاة: ~~جمع عاف، وهو سائل العفو ولي العفو: صاحب المغفرة. والمعافاة. المباعدة من ~~الضرر، وقد عافاه مما يكره وأعفاه. أنباؤك: أخبارك، والنبأ الخبر. أسرته: ~~رهطه، وأراد بالمصابيح المهاجرين، وبالمفاتيح الأنصار. أعذني: أجرني ~~النزغات: الإفساد، نزغ الشيطان بين القوم، أي أفسد ذات بينهم، والشيطان: ~~البعيد من الخير، من قولهم: دار شطون، أي بعيدة، ونوى شطون. # قال النابغة: [الوافر] # * نأت بسعاد عنك نوى شطون* (¬1) PageV01P341 # وقال نابغة بني شيبان: [الوافر] # فأضحت بعد ما وصلت بدار ... شطون لا تعاد ولا تعود # نزوات: وثوب، وقد نزا نزوا ونزوا، إذا وثب، ونزا على الشيء، ارتفع. ~~إعنات: مشقة. # الباغين: المتعدين، وقد بغى عليه بغيا: تعدى عليه. معاناة: معالجة ~~ومقاساة. الطاغين: المسرفين في الظلم والمعاصي، والعادين: المتجاوزين الحد ~~في الظلم. غيل: جمع غيلة، وهي الهلاك. # والمغتال: المهلك أجرني: أمني. سطوة: بطش وتهديد. الضائمين: المذلين. # *** # اللهم حطني ms0303 في تربتي، وغربتي وغيبتي، وأوبتي ونجعتي، ورجعتي، وتصرفي ~~ومنصرفي، وتقلبي ومنقلبي. واحفظني في نفسي، ونفائسي، وعرضي وعرضي، وعددي ~~وعددي، وسكني ومسكني، وحولي وحالي، ومالي ومآلي، ولا تلحق بي تغييرا، ولا ~~تسلط علي مغيرا، واجعل لي منك سلطانا نصيرا، اللهم احرسني بعينك وعونك، ~~واخصصني بأمنك ومنك، وتولني باختيارك وخيرك. ولا تكلني إلى كلاءة غيرك، وهب ~~لي عافية غير عافية، وارزقني رفاهية غير واهية. واكفني مخاشي اللأواء، ~~واكنفني بغواشي الآلاء، ولا تظفر بي الأعداء، إنك سميع الدعاء. # *** # قوله: «اللهم حطني في تربتي»، أي احفظني في بلدتي. أوبتي: رجعتي. نجعتي: # سفري في طلب الرزق. نفائسي: كرائم مالي. عرضي: نفسي وعرضي: مالي. عددي: # أهلي. عددي: آلاتي، وما أستعده. سكني: أهلي. حولي: قوتي. حالي: بالي. مآلي: # مرجعي. منك: إحسانك. تولني: كن لي وليا. تكلني: تحوجني. كلاءة: حفظ ~~وحراسة. وعافية: عيش سالم من الآفات. # قال أبو الدرداء رضي الله عنه: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاء ~~وما أعد الله لصاحبه من الثواب إذا صبر، وذكر العافية وما أعد الله لصاحبها ~~من الثواب إذا شكر، فقلت: يا رسول الله، أعافى فأشكر، أحب إلي من أن أبتلى ~~فأصبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحب معك العافية. غير عافية، أي ~~غير دراسة. رفاهية: غنى متسع. واهية: ناقصة ضعيفة. # مخاشي: ما يخشى ويخاف. اللأواء: الشدة. اكنفني: استرني. غواشي: أي ما ~~يتغشى به، أي يتغطى. الآلاء: النعم. # *** # ثم أطرق لا يدير لحظا، ولا يحير لفظا، حتى قلنا: قد أبلسته خشية، أو ~~أخرسته غشية. ثم أقنع رأسه، وصعد أنفاسه وقال: PageV01P342 # أقسم بالسماء ذات الأبراج، والأرض ذات الفجاج، والماء الثجاج، والسراج ~~الوهاج، والبحر الفجاج، والهواء والعجاج، إنها لمن أيمن العوذ، وأغنى عنكم ~~من لابسي الخوذ، من درسها عند ابتسام الفلق، لم يشفق من خطب إلى الشفق، ومن ~~ناجى بها طليعة الغسق، أمن ليلته من السرق. # قال: فتلقناها حتى أتقناها، وتدارسناها، لكيلا لا ننساها. # *** # أطرق، أي نظر إلى الأرض ساكنا، وقد فسر قوله: «أطرق» بقوله: «لا يدير ~~لحظا، ولا يحير ms0304 لفظا»، فيدير لحظا يجيل نظره في الجهات الأربع، ويحير لفظا: ~~يرد كلاما، والغشية: أن يغشى على عقله. أقنع: رفع. صعد: جعلها تصعد، أي ترتفع. # الأبراج، أي منازل القمر. الفجاج، أي المسالك، واحدها: فج، والفج الطريق ~~الواسع في الجبل، وقيل: هو المتسع بين مرتفعين، وقيل: هو الفتح بين ~~الشيئين: الثجاج: # السيال الكثير الصب. السراج: الشمس. الوهاج: الوفاد المتلألئ، وهو من وهج ~~النار، وهو اتقادها وحرها، العجاج: المصوت لاضطراب أمواجه. الهواء: ما بين ~~السماء والأرض. والعجاج: الغبار. والعوذ: الرقى. أغنى: أجزأ وأكفى، والغنى ~~الكفاية، وأغنى فلان مغني فلان، أي كفاه الحضور وقام مقامه. والحوذ، بالحاء ~~المهملة الدرع، وينقط الحاء بيض السلاح. ابتسام الفلق: ظهور الفجر. يشفق: ~~يخاف. خطب: أمر شديد. الشفق: الحمرة بعد غروب الشمس. ناجي: تكلم بها سرا، ~~طليعة الغسق، أول طلوع الظلام. تلقناها، أي فهمناها. أتقناها: أحكمناها. ~~تدارسناها، الدرس في كلامهم الرياضة والتذليل، وطريق مدروس: كثر مشى الناس ~~فيه، فذللوه وأثروا فيه، فمعنى درس القرآن أو الدعاء، ذلل لسانه وراضه. ### || AUTO [بعض الأدعية المأثورة] # ونصل هذا الدعاء الذي ذكر أنه مستجاب وصدق إذا صحب الدعاء به الإخلاص، ~~والتضرع بأدعية ينتفع بها إن شاء الله تعالى. # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا قال: «اللهم أنت الصاحب ~~في السفر، والخليفة في الحضر. اللهم إنى أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة ~~المنقلب، ومن الحور بعد الكور، ومن سوء المنظر في الأهل والمال والولد» ~~(¬1). PageV01P343 # وقالت أم سلمة رضي الله عنها: من خرج في طاعة الله تعالى فقال: اللهم إني ~~لم أخرج أشرا ولا بطرا، ولا رياء، ولا سمعة، ولكني خرجت ابتغاء مرضاتك، ~~واتقاء سخطك، فأسألك بحقك على جميع خلقك أن ترزقني من الخير أكثر مما أرجو، ~~وتصرف عني من الشر أكثر مما أخاف .. استجيب له بإذن الله تعالى (¬1). # وقالوا: كلمات الفرج عند الكرب: لا إله إلا الله الحليم الكريم، وسبحان ~~الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين. # قال جعفر بن محمد لسفيان الثوري: إذا كثرت همومك فأكثر من قول: ms0305 لا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإذا درت عليك النعم فأكثر من الحمد لله ~~العالمين، وإذا أبطأ عليك الرزق فأكثر من الاستغفار. # ومن قال في ليل أو نهار: اللهم ربي لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب ~~العرش العظيم ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، أعلم أن الله على كل شيء ~~قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما، اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي ومن شر ~~كل دابة أنت آخذ بناصيتها. إن ربي على صراط مستقيم ... لم يضره شيء. # ومن قال: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو ~~السميع العليم، ليلا أو نهارا أمن مما يخاف. # ومن قال: سبحان الله وبحمده، ولا حول ولا قوة إلا بالله ثلاث مرات بعد ~~صلاة الصبح أمن من كل غم وجذام وبرص وفالج. # ومن قال: باسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله، ما شاء الله كل نعمة ~~من الله، ما شاء الله الخير كله بيد الله، ما شاء الله لا يصرف السوء إلا ~~الله، من قالها إذا أصبح أمن من الحرق والغرق. # ومن دخل على سلطان يخاف سطوته فقال: الله أعز وأكبر مما أخاف وأحذر، ~~اللهم رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، كن لي جارا من عبدك فلان، وجوره ~~وأشياعه وأتباعه. تبارك اسمك وجل ثناؤك. وعز جارك، ولا إله غيرك ثلاث مرات ~~أمن من شره. # وقال المنصور للربيع: علي بجعفر، قتلني الله إن لم أقتله! فلما مثل بين ~~يديه حرك شفتيه، ثم قرب وسلم فقال: لا سلم الله عليك يا عدو الله، تعمل علي ~~الغوائل في ملكي قتلني الله إن لم أقتلك! فقال: يا أمير المؤمنين إن سليمان ~~أعطى فشكر، وإن أيوب ابتلى فصبر، وإن يوسف ظلم فغفر، عليهم السلام، وأنت ~~على أثر منهم، وأحق من تأسى بهم. فنكس المنصور رأسه مليا ثم رفع رأسه، ~~وقال: إلي أبا عبد الله، فأنت القريب PageV01P344 # القرابة، وأنت ذو الرحم الواشحة. ms0306 والسليم الناحية، والقليل الغائلة. ثم ~~صافحه بيمينه، وعانقه بشماله، وأجلسه معه على فراشه، وأقبل يسائله ويحادثه، ~~ثم قال: عجلوا لأبي عبد الله إذنه وجائزته وكسوته. فلما خرج أمسكه الربيع ~~وقال له: رأيتك قد حركت شفتيك فانجلى الأمر، وأنا خادم السلطان، ولا غنى لي ~~عنه، فعلمني إياه، فقال: نعم، قلت: اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، ~~واكنفني بحفظك الذي لا يرام، لا أهلك وأنت رجائي، فكم من نعمة أنعمتها علي ~~قل عندها شكري فلم تحرمني، وكم من بلية ابتليت بها قل عندها صبري فلم ~~تخذلني. اللهم بك أدرأ في نحره، وأعوذ بك من شره. # ومن قال إذا سمع المؤذن: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله ~~عليه وسلم نبيا، غفرت له ذنوبه. # ومن دعاء الأعراب: قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: ما من قوم أشبه ~~بالسلف من الأعراب لولا جفاء فيهم. # وقال: غيلان إذا أردت أن تسمع الدعاء فاسمع دعاء الأعراب. # وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا بفلاة من الأرض يقول: اللهم إن استغفاري إياك ~~مع كثرة ذنوبي للؤم، وإن تركي الاستغفار مع معرفتي سعة رحمتك لعجز، إلهي كم ~~تتحبب إلي برحمتك وأنت غني عني، وكم أتبغض إليك بذنوبي وأنا فقير إليك: # يا من إذا وعد وفى، وإذا أوعد عفا، أدخل عظيم جرمي في عظيم عفوك، يا أرحم ~~الراحمين. # قال: وسمعت آخر يقول في دعائه: اللهم إني أسألك عمل الخائفين، وخوف ~~العاملين، حتى أتنعم بترك النعيم طمعا فيما وعدت، وخوفا مما أوعدت. اللهم ~~أعذني من سطواتك، وأجرني من نقماتك. # قال: ودعت أعرابية لابن لها خرج مسافرا، فقالت: كان الله صاحبك في السفر، ~~وخليفتك في أهلك، وانجح طلبتك، امش مصاحبا مكلوءا، لا أشمت الله بك عدوا، ~~ولا أرى فيك لمحبك سوءا. # وهذا الباب كثير، وإنما ذكرنا من الأدعية ما جرب واستحسن، والله ينفع بها آمين. # قال أعرابي يصف دعوة: [الطويل] # وسارية لم تسر في الليل تبتغي ... محلا ولم يقطع بها البيد قاطع # سرت حيث لم تسر الركاب ولم تنخ ... لورد ولم ms0307 يقصر لها القيد مانع # تحل وراء الليل والليل ساقط ... بأوراقه فيه سمير وهاجع # تفتح أبواب السماء لوفدها ... إذا قرع الأبواب منهن قارع # إذا وفدت لم يردد الله وفدها ... على أهلها، والله راء وسامع PageV01P345 # وإني لأرجو الله حتى كأنني ... أرى بجميل الظن ما الله صانع # *** # ثم سرنا نزجي الحمولات، بالدعوت، لا بالحداة، وبحمى الحمولات، بالكلمات ~~لا بالكمماة، وصاحبنا يتعهدنا بالعشي والغداة، ولا يستنجز منا العدات، حتى ~~إذا عاينا أطلال عانة، قال لنا: الإعانة الإعانة، فأحضرناه المعلوم ~~والمكتوم، وأريناه المعكوم والمختوم، وقلنا له: اقض ما أنت قاض، فما تجد ~~فينا غير راض، فما استخفه سوى الخف والهين، ولا حلي بعينه غير الحلي ~~والعين. فاحتمل منهما وقره، وناء بما يسد فقره، ثم خالسنا مخالسة الطرار، ~~وانصلت منا انصلات الفرار فأوحشنا فراقه، وأدهشنا امتراقه، ولم نزل ننشده ~~بكل ناد، ونستخبر عنه كل مغو وهاد، إلى أن قيل: إنه مذ دخل عانة، ما زايل ~~الحانة. # *** # قوله: «نزجي»، أي نسوق. الحمولات، بفتح الحاء: الإبل، وبضمها الأحمال. # الحداة: خدمة الإبل، بمنزلة المكارين للدواب. نحمي: نمنع الكماة: ~~الشجعان. # يتعهدنا: يتفقدنا. يستنجز: يطلب إحضار ما وعد به عانة، بعين غير منقوطة: ~~قرية بالجزيرة كثيرة الأعناب. # وقال امرؤ القيس: [الكامل] # * من خمر عانة أو كروم شبام* (¬1) # وأطلالها: آثارها، يريد أنه لما أشرف على عانة، قال لهم: أعطوني ما ~~أستعين به. # المعلوم: الظاهر. والمكتوم: المستور. والمعكوم: المجعول في عكم، قال يعقوب: # العكم: نمط تجعل فيه المرأة ذخيرتها، أو يكون المعكوم المشدود بالعكام، ~~وقد تقدم آنفا، والمختوم: المطبوع عليه، يريد: أريناه أنواع أموالنا. ~~استخف: استحقر. الخف: # الخفيف. الهين: الهين. حلي: حسن. الحلي: ما يتحلى به النساء. والعين: ~~الذهب والفضة، يريد أنه استحقر الخفيف القدر الهين القيمة، مثل الإمتاع، ~~وشبهها فتركها، وأعجبه الحلي والذهب فحملهما، أو يكون معنى «استخف» وجده ~~خفيفا، والخف والهين، يريد الخفيف عليه حمله، الهين عليه نقله؛ يريد الذهب ~~والجوهر، ويكون قوله PageV01P346 # «حلي بعينه» وما بعده مفسرا ومؤكدا لاستخف وما بعده، وهذا أشبه من الأول. # وقره: حمله. ناء: نهض بثقل. ms0308 خالسنا: سارقنا وتسلل عنا. الطرار: الذي يشق ~~الجيوب ويستخرج ما فيها، والطر: القطع، وقد طر طرا، وطرة الشعر منه، لأنها ~~مقطوعة من جملته، مفصولة عنه. والمنتهز الذي يخطف من يدك الشيء بسرعة. # انصلت: انسل ولم يشعر به. والانصلات: سقوط السيف من الغمد. والفرار، وهو ~~الزاووق، ويسمى الزئبق، سمي فرارا لأنه سريع السيلان لا يستقر في موضع، ~~والفرار من كثر فراره. أوحشنا: أذهب أنسنا أدهشنا: حيرنا. امتراقه: خروجه ~~مسرعا، ومرق السهم: خوج من القوس، ومن الرمية. ننشده: نطلبه مغو وهاد: مضل ~~ومرشد. الحانة: # بغير نقط: بيت الخمار أو حانوته، والحان والحانة هي الدسكرة التي ذكر، ~~وقال ابن شهيد فيه: [الكامل] # يا رب حان قد أدرت بديره ... خمر الصبا مزجت بصفو خموره # في فتية جعلوا الزقاق تكاءهم ... متصارعين تخشعا لكثيره # يهدى إلينا الراح كل معصفر ... كالخشف خفره التماح خفيره # والى علي بطرفه وبكفه ... فأمال من رأسي لعب كبيره # وترنم الناقوس عند صلاتهم ... ففتحت من عيني لرجع هديره # زايل: فارق # *** # فأغراني خبث هذا القول بسبكه، والانسلال فيما لست من سلكه، فأدلجت إلى ~~الدسكرة، في هيئة منكرة، فإذا الشيخ في حلة ممصرة، بين دنان ومعصرة، وحوله ~~سقاة تبهر، وشموع تزهر، وآس وعبهر، ومزمار ومزهر، وهو تارة يستبدل الدنان، ~~وطورا يستنطق العيدان، ودفعة يستنشق الريحان، وأخرى يغازل الغزلان. # فلما عثرت على لبسه، وتفاوت بين يومه من أمسه، قلت له: أولى لك يا ملعون، ~~أأنسيت يوم جيرون! فضحك مستغربا ثم أنشد مطربا: # *** # أغراني: حثني. سبكه: تجريبه. الانسلال: الدخول. سلكه: شكله، وانسلكت حبة ~~اللؤلؤ: جرت في السلك، وهو خيط النظام. أدلجت: مشيت بالليل. الدسكرة، بناء ~~كالقصر حوله بيوت يسكنها الخمار والحشم، قال الجعدي: [المتقارب] # ودسكرة صوت أبوابها ... كصوت المواتح بالحوأب # سبقت صياح فراريجها ... وصوت نواقيس لم تضرب PageV01P347 # برية ذي عتب شارف ... وصهباء كالمسك لم تقطب # المواتح: البكرات، والحوأب: اسم ماء الفراريج: الديوك عتب: أوتار، وشارف: # اسم العود، شبهه بالشارف من الإبل، لأنها أغن صوتا وأطربه، قال متمم: ~~[الطويل] # إذا شارف منهن قامت فرجعت ... حنينا فأبكى شجوها البرك ms0309 أجمعا (¬1) # ممصرة: مصبوغة بالمصرة، وهي العصفر قبل أن يوضع فيه الخل، فلونها أصفر، ~~فإذا وضع فيها الخل أحمر ما يصبغ به وسمي معصفرا. والحلة: ثوبان: إزار ~~ورداء، وسميت حلة، لأنها تحل على لابسها كما يحل الرجل على الأرض دنان: جمع ~~دن، وهو نوع من الخوابي طويل الأسفل ضيقه، ويسمى الراقود. # وهذه الحالة التي وجد عليها الحريري السروجي بعد ذلك الترهب الذي كان ~~عليه في أول المقامة لها نظائر لرجال مشاهير بالعلم والفصل. # *** ### || AUTO [في مجالس الشراب] # حكى الثعالبي في يتيمته، وقد ذكر القاضي التنوخي فقال: هو أبو القاسم علي ~~بن محمد بن داود بن فهم، من أعيان أهل العلم والأدب، وأفراد ذوي الكرم وحسن ~~الشيم، وكان كما قرأت في فصل للصاحب: إن أردت فإني سبحة ناسك، أو أحببت ~~فإني تفاحة فاتك، أو اقترحت فإني مدرعة راهب، أو اخترت فإني نخبة شارب. # وكان تقلد قضاء البصرة والأهواز بضع سنين، وكان المهلبي وغيره من وزراء ~~العراق يميلون إليه جدا، ويعدونه ريحانة الندماء، وتاريخ الظرفاء، يعاشرون ~~منه من تطيب عشرته، وتلين قشرته، وتكرم أخلاقه، وتحسن أخباره، وتسير ~~أشعاره؛ ناظمة حاشيتي البر والبحر، وناحيتي الشرق والغرب. وكان من جملة ~~القضاة الذين ينادمون الوزير المهلبي، ويجتمعون إليه في الأسبوع ليلتين، ~~على اطراح الحشمة والتبسط في القصف والخلاعة، منهم ابن قريعة وابن معروف ~~والقاضي التنوخي وغيرهم، وما منهم إلا أبيض اللحية طويلها، وكذلك كان ~~المهلبي، وإذا تكمل الأنس، وطاب المجلس، ولذ السماع، وأخذ الطرب فيهم مأخذه ~~وهبوا ثوب الوقار للعقار، وتقلبوا في أعطاف العيش، بين الخفة والطيش، ووضع ~~بين يدي كل واحد منهم طست من ذهب من ألف مثال مملوء شرابا، فيغمس فيه ~~لحيته، بل ينقعها حتى تشرب أكثره، ويرش بعضهم بعضا، ويرقصون بأجمعهم، ~~وعليهم مصبغات الثياب، ومخانق البرم، ويقولون كلما يكثر شربهم هرهر، وفيهم ~~يقول السري: [المنسرح] PageV01P348 # مجالس ترقص القضاة بها ... إذا انتشوا في مخانق البرم # وإذا أصبحوا عادوا لعادتهم في الترهب والتوقر والتحفظ وأبهة القضاة وحشمة ~~المشايخ الكبراء. # وقال في ابن معروف: كان كما ms0310 قرأته في فصل للصاحب: شجرة فضل عودها أدب، ~~وأغصانها علم، وثمرها عقل، وعروقها شرف؛ تسقيها سماء الحرية، وتغذوها أرض ~~المروة، وفيه يقول الصابي: [البسيط] # أقسمت بالله ما يرجى لمعروف ... في الحادثات سوى القاضي ابن معروف # ومن شعر ابن معروف: [الكامل] # لو كنت تدري ما الذي صنع الهوى ... والشوق في الجسم النحيل البالي # لهجرت هجري واجتنبت تجنبي ... ووصلت من بعد النعيم وصالي # وقال القاضي التنوخي في غلام جسيم: [الوافر] # له في كل عضو دعص رمل ... ثقيل الجسم ذو روح خفيف # أأعشق لا عشقت أخا نحول ... كأني لست ذا الخلق الظريف # إذا لمسته كفي لم تلامس ... سوى جلد على عظم ضعيف # شرب المأمون وعبد الله بن طاهر، ويحيى بن أكثم القاضي، فتعامل المأمون ~~وابن طاهر على سكر يحيى فغمزا به الساقي، فأسكره، وكان بين أيديهم رزم من ~~ورد وريحان، فأمر المأمون، فشق له قبر في الرزم وصير فيه. وعمل بيتي شعر، ~~ودعا قينة فجلست عند رأسه، وغنت بهما وهما: # ناديته وهو حي لا حراك به ... مكفن في ثياب من رياحين # فقلت: قم، قال: رجلي لا تطاوعني ... فقلت: خذ، قال: كفي لا تواتيني # فانتبه يحيى لرنة العود فقال: [البسيط] # يا سيدي وأمير الناس كلهم ... قد جار في حكمه من كان يسقيني # إني غفلت عن الساقي فصيرني ... كما تراني سليب العقل والدين # لا أستطيع نهوضا قد وهى قدمي ... ولا أجيب لداع حين يدعوني # فانظر لنفسك في قاض يكون لكم ... إني غدوت دفينا في الرياحين # *** # والحالة التي وصف بها أبو زيد خلعت الأمين عن الملك، ونقلته إلى المأمون. # قال الربيع: قعد الأمين يوما للناس وعليه طيلسان أزرق، وتحته لبد أبيض، ~~فوقع على PageV01P349 # ثمانمائة قصة، فلقد أصاب فما أخطأ، وأسرع فما أبطأ، ثم قال: يا ربيع ~~أتراني لا أحسن التدبير والسياسة، ولكني وجدت شم الآس، وشرب الكأس، ~~والاستلقاء من غير نعاس، أشهى إلي. وكذلك خلعت قبله الوليد بن يزيد، وبعده ~~المتوكل وغيرهم من الخلفاء والأمراء، ممن آثر راحة النفس على تعب السياسة. # قوله: «تبهر» أي تسقيه ms0311 بالبهار، وهو شبه الإبريق، وقيل: تبهر، تغلب ~~العقول بحسنها، يقال: بهر بهرا، إذا غلبه، وبهر القمر السماء: ملأها بنوره ~~تزهر: تضيء. # شموع: مصابيح الشمع. آس: ريحان. عبهر: نرجس، وقيل: ياسمين، قال علي رضي ~~الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شموا النرجس ولو في اليوم ~~مرة واحدة، ولو في الشهر مرة واحدة، ولو في الدهر مرة واحدة، فإن في القلب ~~حبة من الجنون والجذام والبرص، لا يقلعها إلا شم النرجس». # وقال علي رضي الله عنه: حباني النبي صلى الله عليه وسلم بالورد، وقال: ~~«أما إنه سيد ريحان الجنة بعد الآس». # وقال أردشير بن بابك: الورد در أبيض، وياقوت أحمر، على كراسي زبرجد أخضر، ~~بوسطه شذور من ذهب أصفر، له رقة الخمر، ونفحات العطر. ### || AUTO [مما قيل في الأزهار شعرا] # ونذكر هنا طرفا من المنظوم في الأزهار يليق الموضع بحول الله تعالى، قال ~~محمد بن عبد الله بن طاهر ملما بقول أردشير: [البسيط] # كأنهن يواقيت يطيف بها ... زمرد وسطه شذر من الذهب # فاشرب على منظر مستظرف حسن ... من خمرة مزجت كالجمر في اللهب # وللمعتمد بن عباد: [السريع] # كأنما ياسميننا الغض ... كواكب في السماء تبيض # والطرق الحمر في جوانبه ... كنهد عذراء مسه عض # ولأبي الفضل الميكالي: # وما ضم شمل الأنس يوما كنرجس ... يقوم بعذر اللهو عن خالع العذر # فأحداقه أحداق تبر وساقه ... كقامة ساق في غلائله الخضر # ولعضد الدولة: [البسيط] # يا طيب رائحة من نفحة الخير ... إذا تمزق جلباب الدياجير # كأنما رش بالماورد واعتبقت ... به دواخن ند عند تبخير # كأن أوراقه في القد أجنحة ... حمر وصفر وبيض من زنابير PageV01P350 # ولعلي بن بسام: [البسيط] # أما ترى الورد يدعو للورود على ... حمراء صافية في لونها صهب # مداهن من يواقيت مركبة ... على الزبرجد في أفواهها ذهب # وقال آخر: [المنسرح] # نرجسة عينها محبرة ... لم تكتحل قط آفة الغمض # باكرها الطل فهي باهتة ... تنظر فعل السماء في الأرض # وللأسعد بن بليط: [السريع] # بنفسج باتت أكف الصبا ... تنثره في زرقة لا تحد # كأنما قط بمنثوره ... رءوس ms0312 أفلام من اللازورد # وقال آخر في نور الباقلى: [البسيط] # نوارة الباقلا إذا راق منظرها ... تحكي الفراشة تنقيطا وترييشا # كأنما هي ما حول الذبالة إذ ... مدت جناحا مكان الكف مرقوشا # والباب كثير. # *** # قوله: «مزهر» عود الغناء. يستبزل: يستسقي منها شرابا، والمبزل الثقب في ~~جانب الخابية تجري منه الخمر صافية، ويبقى العكر في قعرها، قال الأخطل: ~~[البسيط] # لما أتوها بمصباح ومبزلهم ... سارت إليهم سئور الأبجل الضاري (¬1) # تدمى إذا طعنوا فيها بجائفة ... وفي الزجاج عتيق غير مسطار # أراد أن الخمر خرجت خروج الدم من الأبجل، وهو عرق. # وقال ابن حصين: [السريع] # حجبت عنها الدن فاستعبرت ... جريا كما قوس إحليل # كأنها في الكأس منصبة ... خيط من الفضة مفتول # وقال آخر في قمع الشراب: [المتقارب] # ولما رأى الناس فضل المدام ... وخافوا على جرمها أن يسيلا PageV01P351 # تواخوا إلى شربها بينهم ... سبيل حفاظ فكنت السبيلا # قوله: «يستنطق»، يأمر بضربها ليسمع صوتها يستنشق: يشم يغازل: يلاعب. # عثرت: اطلعت، وأعثرت في معناه. لبسه: تخليطه. تفاوت: تباعد. أولى لك: ~~كلمة تهديد معناها: قد وليك الشر فاحذر. والملعون: المطرود، ولعنه الله: ~~طرده، والاستغراب: الضحك الكثير. # ومما يوافق شعره وحاله قول الببغاء: [الخفيف] # غادني بالصبوح قبل الصباح ... واجر في حلبة الصبا والمراح # عاصنيها كالجلنار إذا ما ... كللت من حبابها بالأقاح # في اختصاص التفاح بالطيب والحم ... رة لا في كثافة التفاح # خدمتها الأجسام بالطبع لما ... شاهدت قربها من الأرواح # فتدارك بها حشاشة نفسي ... أو فحرك بها سكون ارتياحي # بين وردين من بنان وخد ... وشرابين من رضاب وراح # ونشيد مستنبط من حديث ... وغناء يغني عن الاقتراح # فألذ الحياة ما خالط العا ... قل فيها فساده بصلاح # وله أيضا في مثله: [الخفيف] # زمن الورد أشرف الأزمان ... وأوان الربيع خير أوان # أشرف الزهر زار في أشرف الده ... ر فصل فيه أشرف الإخوان # وأدرها عذراء وانتهز ال ... إمكان من قبل عائق الإمكان # في كئوس كأنها زهر الخش ... خاش ضمت شقائق النعمان # واختدعها عند النزال بألفا ... ظ المثاني ومطربات الأغاني # وقال [ابن] وكيع في الخشخاش: [الوافر] # وخشخاش كأنا منه ms0313 نفري ... قميص زبرجد عن جسم در # كأقداح من البلور صينت ... بأغشية من الديباج خضر # وقال آخر في شقائق النعمان: [المتقارب] # كأن الشقائق إذا برزت ... غلالة در وثوبا أحم # قصاع من الجمر مشبوبة ... بأوساطها لمع من حمم # *** # لزمت السفار وجبت القفار ... وعفت النفار لأجني الفرح PageV01P352 # وخضت السيول ورضت الخيول ... لجر ذيول الصبا والمرح # ومطت الوقار وبعت العقار ... لحسو العقار ورشف القدح # ولولا الطماح إلى شرب راح ... لما كان باج فمي بالملح # *** # قوله: «السفار»: مصدر سافرت. جبت: قطعت. عفت: كرهت خضت: جزت ومشيت فيها. ~~رضت: ذللت وركبت. المرح: النشاط والعجب. مطت: نحيت وأزلت، ويقال: ماط ~~وأماط: باعد، وأيضا باعد غيره، والأصمعي يقول: ماط هو، وأماط غيره. # العقار: المال الثابت الذي لا ينقل. حسو: شرب. العقار: الخمر. رشف: مص ~~الطماح: ارتفاع النظر. باح: تكلم والملح: الكلام الحلو، يريد أنه فعل ما ~~ذكر ليرتاح ويشرب الخمر. # *** ### || AUTO [مما قيل في الخمر والشراب] # ذكر أبو محمد الحريري في هذا الموضع من المقامات أوصاف الخمر وفضلها ~~ومنافعها، وذهابها بالهموم والأسقام، وذكر أنها من أفضل الأشياء وأن بيع ~~أشرف الأعلاق فيها سداد، وأن ترك الإصغاء فيها إلى العذل رشاد؛ وأن كمال ~~لذتها مع السقاة الحسان، والتطريب بأنواع الغناء والألحان، إلى غير ذلك مما ~~أشار إليه، ونبه عليه، وأنا أسوق هنا في وصف الخمر فصلا من كلام الحكماء ~~والأدباء وسائر الأفاضل من الملوك ومهرة الشعراء، جريا معه في أغراضه، ~~حسبما فعلناه في العاشرة في أوصاف الغلمان، وفي الحادية عشرة في فضائل أهل ~~الأديان وأكثر اعتمادي في هذا الفصل على اختيارات انتقيتها من كتاب قطب ~~السرور، وضممت إليها ما يلائمها من غيره، وهو فصل بديع في بابه. # ذكر مؤلفه في منافع الخمر وفضائلها قول الله تعالى: ومن ثمرات النخيل ~~والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا [النحل: 67] وقال تعالى في الجنة: ~~فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة ~~للشاربين وأنهار من عسل مصفى [محمد: 15، 16] فلم يذكر الماء واللبن إلا ~~بالسلامة من ms0314 التغير، والعسل إلا بأنه مصفى، وجعل الخمر لذة للشاربين، فكان ~~هذا من التفضيل. وقال تعالى: يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس ~~من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون [الواقعة: 18، 19]، فنفى عنها عيوب خمر ~~الدنيا، وهي ذهاب العقل بالسكر والصداع بالخمار وذهاب المال، كما قال تعالى ~~في فاكهتها: لا مقطوعة ولا ممنوعة [الواقعة: 32، 33]، فنفى عنها عيوب فاكهة ~~الدنيا التي تأتي في وقت وتنقطع PageV01P353 # في آخر وتمنع إلا بالثمن، وقال تعالى: ويسقون فيها كأسا كان مزاجها ~~زنجبيلا [الإنسان: 17]. # وأما ما ذكره تعالى من أن فيها منافع للناس، فإن منافعها لا تحصى كثرة، ~~فمن منافعها ما يصيب الناس من أثمانها، ولو لم تعصر الأعناب لبارت على ~~أهلها ومنها صلاح الجسم لأنها تروق الدم وتفتق اللسان، وتزيد في الهمة، ~~وتهون الرزية، وتمد في الأمنية، قال جالينوس: الخمر تدر الدم وتصفي اللون، ~~وتقوي المنعة، وتبعث النشاط. # وقال أفلاطون: إنما كان النبيذ يثمر السرور، ويولد الضحك، ويطيب النفس ~~لشبهه بالدم، وأنه يفعل في الجسد إذا اعتدل فعله، لأنه أحمر حار رطب والدم ~~أحمر حار رطب، فإذا صح جوهره، وتمت أجزاؤه ولد في النفس السرور والضحك ~~والنشاط. # الحارث بن كلدة. طبيب العرب: الطلاء (¬1) مصلحة للبدن ومطيبة للنفس، تفتح ~~له العروق أفواهها، كما تفتح الفراخ أفواهها للطعام. # بعث قيصر إلى قس بن ساعدة، فسأله: أي الأشربة أفضل؟ فقال: ما صفا في ~~العين، ولذ على الذوق، وطابت رائحته في الأنف من شراب الكرم، قال: ما تقول ~~في مطبوخه؟ قال: مرعى ولا كالسعدان، قال: فما تقول في نبيذ الزبيب؟ قال: ~~ميت أحيا، وفيه بعض المنفعة، وما يكاد يحيا من مات مرة، قال: ما تقول في ~~نبيذ العسل؟ قال: # نعم شراب الشيخ للأبردة (¬2) والمعدة الفاسدة. # قال: فنبيذ التمر؟ قال: أوساخ تدعو إليها ضرورات تذم عاقبتها في الأبدان، قال: # فما الذي يذهب بالهموم عند الشراب؟ قال: جوهر فيه لا تبلغه عقول العباد، ~~قال: فما أصلح أوقات الشراب؟ قال: أول النهار، ألا ترى أن الدواء يبكر به، ~~والمسافر يدلج لحاجته! لأن العقول ms0315 أول النهار أذكى والفطن أصح، قال: فمن أي ~~شيء يكون الخمار؟ # قال: من ضعف قوة الجوارح عن جذب ما يصعد إلى الدماغ من البخار حتى يفشيه ~~الهواء قليلا قليلا، قال: فالصرف أفضل أم الممزوج؟ قال: الصرف سلطان جائر، ~~والممزوج سلطان عادل، والعادل مصلح، والجائر مفسد، قال: أفتشربه أنت؟ قال: ~~نعم، ولا أبلغ ما يغير عقلي، قال: ولم؟ قال: أصونه لسؤال مثلك. # أمر الوليد بن يزيد بحمل ابن شراعة من الكوفة، فلما قدم عليه، قال: يا بن ~~شراعة، والله ما أرسلت إليك، أسألك عن كتاب الله ولا عن سنة نبيه، قال: يا ~~أمير المؤمنين لو سألتني عنهما لوجدتني حمارا، قال: أرسلت إليك أسألك عن ~~القهوة، قال: # دهقانها الحكيم وطبيبها الرفيق العليم، فاسأل عما بدا لك، قال: فأخبرني ~~عن الماء، PageV01P354 # قال: لا بد لي منه والكلب والحمار شركائي فيه، قال: فما تقول في اللبن، ~~قال: ما رأيته إلا استحييت من أمي لطول ما أرضعتني إياه، قال: فالسويق؟ ~~قال: شراب المحرور والعجلان والمسافر، قال: فنبيذ التمر؟ قال: سريع ~~الامتلاء، سريع الانفشاش، قال: فما تقول في نبيذ الزبيب؟ قال: حومة حاموا ~~بها على الشراب، فلم يصيبوه، قال: فما تقول في الخمر؟ قال: تلك صديقة روحي، ~~جلت عن المثل، تلك التي تزيد النفس إشراقا، قال: فأنت يا ابن شراعة صديقي، ~~اجلس، أي الطعام أحب إليك؟ قال: يا أمير المؤمنين، ليس لصاحب الشراب على ~~الطعام حكم، غير أن أنفعه أدسمه وأشهاه أمرؤه، قال: فأي المجالس أحب إليك ~~أن يكون شربنا فيه؟ قال: ما لم تخف الشمس أن تحرقه، أو السماء أن تغرقه، ~~ولا تشرب إلا على وجه السماء، فو الله يا أمير المؤمنين ما نادم الناس أصبح ~~من وجهها، قال: فابرز بنا. فلم ير بعد ذلك يشرب إلا تحت السماء. # كان أبو للسائب فقيها ورعا ظريفا فسأله بعض المجان، فقال: يا أبا السائب ~~ما تقول في نبيذ الجر؟ قال: اشربه حتى تجر قال: فنبيذ الدن، قال: اشربه حتى ~~تجن، قال: فالداذي؟ (¬1) قال: أحلى من العسل الماذي، ms0316 قال: فنبيذ الزبيب ~~والعسل؟ فرفع يديه، وقال: العظمة لله، قال: فما تقول في الخمر؟ قال: لا ~~أشربها قال: ولم؟ قال: # أخاف ألا أؤدي شكرها فتنزع مني. # قيل لأبي نواس: صف لنا الأشربة، قال: أما الماء فيعظم خطره بقدر تعززه، ~~وأما السويق فبلغة العجلان، وروي الظمآن، وأما العسل فنبيل المنظر، سخيف ~~المخبر، وأما الخمر فهي شقيقة الروح وصديقة النفس ما ارتضعت ممزوجة، وصرفها ~~غير مأمون على نهك البدن وغرس السقم المؤدي إلى العطب. # قالت الهند: إن الشراب مبارك، يزيد في الدم بحرارته، ويكسر البلغم بحدته، ~~ويشهي الطعام بلطافته، وأما السكر فمحرم في كل ملة، وسبيل من سبل الضلالة، ~~واسم من أسماء الوسوسة، قبيح الأفعال، مذموم الأحوال. # وقالت الحكماء: من فضائل الشراب؛ أن كل مشروب وإن راق وصفا وحلا وعذب، ~~فأوله طيب، ثم يعود في نقصان حتى يعود مكروها إلا الشراب، فإنك كلما ازددت ~~منه ازددت فيه رغبة وحبا، وكان أوسطه إليك أعجب، وآخره أطرب، حتى إذا سرا ~~في العروق برقته، وعم البدن بلطافته، ودب في الأعضاء والمفاصل دبيب النمل ~~في نقا الرمل، وخادع عقلك فامتلأت بهجة وسرورا، وعدت ملكا محبورا، تضرب في ~~الخلافة بأوفر سهم، ثم أسلمك إلى النوم الذي هو حياتك وصحتك، فاجتذبت النفس ~~ما PageV01P355 # شاكلها من لطيفه، وأخذ كل عضو قوته من كثيفه، ثم لا يزال الهواء يخرج ~~بالأنفاس متصعدا ببخاره، ويجذب ما تحت الدماغ من أستاره، فحينئذ تهب بجذل ~~ونشاط، كأنما أنشطت من رباط، وذلك تقدير العزيز العليم. # وقالوا: الشراب مصباح الظلام، وشفاء الأسقام، وإذا تمشى في عظامك جعلك ~~خالي الذرع؛ فسيح الباع، رخى البال، قليل الاشتغال، رحب الهمة، واسع ~~النعمة، فهو أخو الصبوة، وقسيم الشهوة، ولو لم يكن من مننه عليك إلا أنه ~~إذا مزجته بروحك، وخلطته بدمك، بغض إليك الحرص ونصبه، والشره وتعبه، وحبب ~~إليك المروءة والسماح، وحسن لك الفكاهة والمزاح. # وقالوا: الشراب يلذ لك في السفر كلذته في الحضر، ويطيب استعماله في ~~الصحو، كما يطيب في المطر؛ فهو أصل اللذات الذي عليه تتفرع، وعنصرها الذي ms0317 ~~عنه تنبع، وبه تتصل، وإليه ترجع، يرد الشيوخ في طمع الشبان، ويدعو الشبان ~~إلى نشاط النشوان، وقال أبو نواس في ذلك: [السريع] # ما العيش إلا في جنون الصبا ... فإن تولى فجنون المدام # راح إذا ما الشيخ والى بها ... خمسا تردى برداء الغلام # فلله در من استنبطه ودل عليه، وسقيا لمن بحث عنه واهتدى إليه، ماذا أثار ~~وأي شيء أظهر! . # قالوا: ومدار قوامه على اثني عشر شيئا: المواد الثلاث، والقوى الأربع، ~~والحواس الخمس. فالثلاث: هي نسيم الهواء، وعذوبة الماء، ومألوف الأهواء ~~والأربع هي القوة الجاذبة التي تطيب الطعام وتبرده، والماسكة التي تمسكه ~~وتجذبه، والهاضمة التي تهديه وتنضجه، والدافعة التي تدفع إلى كل عضو سهمه ~~من جوهره، فتخرج عنه ثقله، والحواس الخمس: البصر والسمع والشم والذوق ~~واللمس. وكل شيء من ذلك تدخله الزيادة والنقص فلا يستغني عما يقويه في حال ~~ضعفه، ويصفيه من أوساخه، فلم يجد أهل التجارب الماضون لذلك سببا أبين أثرا، ~~ولا أخف محملا، ولا ألطف دبيبا في الأبدان من ماء الكرم، فاستعملوه لذلك ~~استعمالا دائما، فهو ريحانة النفس وترياقها، فيشرب في كل حين، وينفع كل ~~حاسة، وتحيد عنه النوازل والأحزان، وحق للنفس أن تألفه، وللطبيعة أن ~~تلائمه؛ إذ كان حبيبها وشقيق روحها، فتراه يحدث في النفس الشجاعة والتكرم ~~والأناة والتحلم. # ومن علامات الكريم إذا أخذ فيه الشراب الاستحياء والتودد واللهو والسرور ~~والبذل لما في يديه، وكسوة جليسه من أنفس ثيابه، وإذا بلغ المدى في شربها ~~توسد يساره، ونام حميدا كريما. # ومن علامات اللئيم المماراة والسفه، وفتل الشارب والتلفت إلى العربدة ~~وشدة PageV01P356 # الغضب، وربما بكى وعوى عواء الذئاب، ونبح نباح الكلاب، فشرب الماء يحرم ~~مع مثل هذا، فكيف الشراب! . # ومن فضائله أنه يلائم الطبائع المعتادة في كل زمان من فصول السنة، يشربه ~~المحرور ممزوجا فيبرده، والمقرور صرفا فيسخنه، واليابس معتدلا فيرطبه، ~~والمرطوب صرفا فيجففه، فمن شربه في الصيف فيستحب له أن يشربه على خضرة ~~الجنان وتحت الظلال، وعلى المياه وعلى الورد والياسمين والبنفسج والآس ~~والسفرجل والتفاح. وإن كان في الشتاء، ms0318 فبخلاف ذلك، من الجلوس في الأكنان ~~واستعمال الكوانين، ولبس الأحمر والممشق (¬1) وشم فتيت المسك والعنبر ~~والمرزنجوش (¬2). # وأما الربيع والخريف فبين ذلك، لأخذهما من رطوبة الشتاء وحرارة الصيف ~~وإذا اجتمع مع الشراب نغم وألحان على صنوف الملاهي والعيدان، تعاونا على ~~إذهاب الغموم والأحزان، فلله در من استنبطه، ماذا أثار وعلى أي شيء دل! . # ولم لم يكن الشراب أغلب شيء على العقول، وأقربه للقلوب، وألطف محلا في ~~النفوس، وأشد ملاءمة للأجسام، وأجمعه لمحمود الخلال حتى لا تقاربه لذة، ولا ~~تساويه شهوة، ولا تعدله خصلة من خصال المسرات- لما حملت الأشراف وذوي ~~العقول أنفسهم على معاقرته، لا يردهم ما ينالهم فيه عن معاودته، من شنيع ~~الأقوال ولوم العذال، فيما أنفقوا عليه من الذخائر، وبذلوا من الأموال. # كان بالبصرة رجل ذو ضياع فأنفق ماله في الشراب، فباع ضيعته، فلما تم ~~البيع قال له المشتري: تأتيني بالعشي، أدفع لك المال، وأشاهدك، فقال: لو ~~كنت ممن يرى بالعشي ما بعت الضيعة. # قال محمود بن الحسن الكاتب: بعت داري فأصابني مثل هذا، فقلت: [مجزوء ~~الكامل] # أتلفت مالي في العقار ... وخرجت فيها عن وقاري # حتى إذا كتب الكتا ... ب وجاءني رسل التجار # قالوا: الشهادة بالعشي ونح ... ن في صدر النهار # فأجبتهم ردوا الكتا ... ب ولا تعنوا بانتظاري # لو كنت أظهر بالعشي لم ... اسمحت ببيع داري # وقال ابن الرومي: [الخفيف] # أنا أهوى ذات الخمار على الجي ... ب وذات الوشاح والدملجين PageV01P357 # وأرى في النبيذ رأي صواب ... لشيوخ العراق والكوفتين # وإذا ما الغناء خاض ذوو الألب ... اب فيه اعتصمت بالحرمين # كلما جاءت الرخائص فيه ... كان أخذي له بكلتا اليدين # وقال العطوي: [مجزوء الخفيف] # جارة لي أجارها ال ... حسن من كل عائب # فهي بين النساء كال ... بدر بين الكواكب # سألتني هل النبي ... ذ حلال لشارب؟ # قلت: إي والذي يري ... نيك دون الرقائب # فاشربيه فإن في ... ه لإحدى العجائب # ينبت الورد في ريا ... ض خدود الكواعب # ولبعض المتقدمين: [البسيط] # من ذا يحرم ماء المزن خالطه ... في جوف خابية ماء العناقيد # إني لأكره تشديد الرواة ms0319 لنا ... فيها ويعجبني قول ابن مسعود # وقال ابن الرومي: [الطويل] # أحل العراقي النبيذ وشربه ... وقال: الحرامان المدامة والسكر # وقال الحجازي الشرابان واحد ... فحلت لنا بين اختلافهما الخمر # سآخذ من قوليهما طرفيهما ... وأشربها حلا وللوازر اوزر # خرج الحسن بن هانئ، ومعه مطيط صاحبه، حتى أتيا دير خمار، فقال الحسن ~~لمطيط: ادخل بنا نتماجن على هذا الخمار، فدخلا فسلما، فرد عليهما السلام، ~~فقال له الحسن: أعندك خمر عتيقة [يا خمار]. # قال: عندي منها أجناس، فأي جنس تريد؟ قال: التي يقول فيها الشاعر: ~~[الخفيف] # حجبت خيفة وصينت فجاءت ... كجلاء العروس بعد الصيان # وكأن الأكف تصبغ من ضو ... ء سناها بالورس والزعفران # فملأ له الخمار قدحا من خمرة صفراء، كأنها ذهب محلول، فشربه الحسن، وقال: ~~أحسن من هذا أريد، فقال له الخمار: من أي جنس تريد؟ قال: التي يقول فيها ~~الشاعر: [الخفيف] # رققتها أيدي الهواجر حتى ... صيرت جسمها كجسم الهواء # فهي كالنور في الإناء وكالنا ... ر إذا ما تصير في الأحشاء PageV01P358 # فملأ له الخمار قدحا من خمرة كأنها العقيق، فشربه، وقال: ارفع من هذا ~~أريد، قال: أي نوع تريد؟ قال: التي يقول فيها الشاعر: [الكامل] # فإذا حسا منها الوضيع ثلاثة ... سمح الوضيع كفعل ذي القدر # في لون ماء المزن إلا أنها ... بين الضلوع كواقد الجمر # فملأ له الخمار قدحا من خمرة بيضاء، كأنها ماء المزن، فشرب الحسن، وقال ~~للخمار: أتعرفني؟ قال: إي والله يا سيدي، أنا أعرف الناس بك، قال: فمن أنا؟ قال: # أنت الذي يسكر من غير وزن، فضحك الحسن، وقال لمطيط: ادفع إليه ما معك من ~~النفقة، فأعطاه مائة درهم وانصرف. # وقال أبو عثمان الناجم: دخلت على أبي العباس عبد الله بن المعتز، وهو ~~مخمور طيب النفس، فقال: يا أبا عثمان، أنشدني ما شئت حتى أعارضك بأحسن منه ~~أو مثله، فأنشدته لأبي نواس: [البسيط] # وعاشق دنف نبهته سحرا ... فقام للراح والتذكار مصطبحا # ودارت الخمر من صهباء صافية ... فما احتسى قدحا حتى بكى فرحا # ففكر ساعة، وضحك وقال: [البسيط] # وقهوة كشعاع الشمس صافية ms0320 ... مثل السراب ترى في قعره شبحا # إذا تعاطيتها لم تدر من لطف ... راحا بلا قدح أعطيت أم قدحا # وقالوا: ما دراريع الخز والسمور بأدفأ من الشراب للمصرور والمقرور. # وقال بعضهم: كنت في منتزه لي، وإذا شيخ منيخ على علوة معه صبي في يوم ~~بارد، فكنت أسمع الصبي يقول للشيخ: أعطني فروتي، فيناوله شيئا لا أتبينه، ~~فبعثت غلامي ينظر إليه. فإذا عند الشيخ قنينة، كلما طلب الصبي فروته سقاه قدحا. # قال: وأنشدوا للهدهد الأصبهاني: [السريع] # إنا أناس حسن ديننا ... لبيعنا الآجل بالعاجل # إذا شربنا خمسة خمسة ... فقد لبسنا الفرو من داخل # وقال عمرو الضبابي: [الرجز] # أعددت لليل إذا الليل برد ... خابيتين من طلاء قد ركد # * فتطرد الهم وتكفيك الصرد* # وقال آخر: [الطويل] # إذا هبت الأرواح فاجعل دثارها ... إذا التحف الأقوام دكن المطارف PageV01P359 # ثلاثة أرطال شرابا معتقا ... تكن آمنا منها ولست بخائف # فإن دثار المرء من تحت جلده ... أخف وأدنى من دثار الملاحف # قال الجاحظ: جلست عجوز من العرب إلى فتيان يشربون، فسقوه قدحا فطابت ~~نفسها، ثم سقوها آخر فاحمر وجهها وضحكت، ثم سقوها قدحا ثالثا، فقالت: ~~خبروني عن نسائكم بالعراق، أيشربن من هذا الشراب؟ قالوا: نعم، قالت: زنين ~~ورب الكعبة، والله لا يدري أحدكم من أبوه. # وسقي أعرابي قدحا من شراب، ولم يكن يعرفه، فحركته الأريحية، فسألوه عنها، ~~فقال: والله ما أدري ما. هي! غير أني أراكم تحببون إلي وأراني أسر بكم، وما ~~وهب إلي أحد منكم شيئا. # ومر أعرابي بقوم يشربون، فدعوه، فنزل وعقل بعيره. وشرب معهم، فلما أخذ ~~منه الشراب، قام إلى بعيره فنحره، وشوى لهم من كبده وسنامه، ثم رفع عقيرته ~~يتغنى: [الوافر] # عللاني إنما الدنيا علل ... واسقياني، عللا بعد نهل # بادرا باللهو يوما صالحا ... ودعاني من عتاب وعذل # وانشلا ما اغبر من قدريكما ... واسقياني أبعد الله الجمل # وقال إسحاق الموصلي: سقيت أعرابيا نبيذا، فقال: ما على هذا شيء، يطيب ~~النفس، ويطرد الحزن، ويمني الخير، ويعد الغنى، ثم أنشأ يقول: [الوافر] # ألا خذها كماء الزعفران ... رمتها بالنحول يد ms0321 الزمان # تصوغ إذا علاها الماء طوفا ... من الياقوت فصل بالجمان # وتترك من أراد الشرب منها ... صحيح الجسم منكسر اللسان # كأن الشمس طالعة بكفي ... إذا أخذت زجاجتها بناني # ومر الفرزدق بالحكم بن المنذر بن الجارود؛ فاستسقاه ماء، فقال: هلا لبنا ~~يا أبا فراس؟ قال: ذلك إليك، فملأ له عسا من خمر، وأمر فحلبت عليه لقحة، ~~فصعدت الرغوة فوق الشراب، وأتاه به، فشربه حتى صك بالعس جبهته، وانتفخت ~~أوداجه، واحمرت عيناه، فمسح سباله، وقال: جزاك الله خيرا، فإنك ما زلت تخفي ~~الصدقات ونعما هي! . # ودخل الأخطل على عبد الملك، فقال: ليت شعري، ما يعجبك من إدمان الخمر، ~~وأولها التقطيب والكراهة، وآخرها السكر والسفاهة! فقال: ولكن بينهما حالة ~~ما يسرني بها ملكك، هذا نظمه الشاعر، فقال: [الخفيف] # إن يكن أول المدام كريها ... ويكن آخر المدام صداعا PageV01P360 # فلها بين ذا وذاك هناة ... وصفها بالسرور لن يستطاعا # وأنشد ابن قتيبة لأبي محجن الثقفي: [الطويل] # إذ مت فادفني إلى جنب كرمة ... تروي عظامي بعد موتي عروقها # ولا تدفنني بالفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت ألا أذوقها # قال: فأخبرني من رأى قبره بأرمينية، أنه بين شجرات الكروم، والفتيان ~~يشربون عندها، وينشدون شعره، وإذا جاء قدحه صبوه على قبره. # ومنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أهل الشام شرب الخمر. فقال شاعرهم: ~~[الطويل] # ألم تر أن الدهر يعثر بالفتى ... ولا يملك الإنسان صرف المقادر # صبرت ولم أجزع وقد مات إخوتي ... وما أنا عن شرب المدام بصابر # رماها أمير المؤمنين بحتفها ... فخلانها يبكون حول المعاصر # ورأى ذؤيب السلمي خمرا أهراقها السلطان، فقال: [الخفيف] # يا لقومي لما أتى السلطان ... لا يكن للذي أهانوا هوان # سكبوا في التراب من حلب الكرو ... م عقارا كأنها الزعفران # سكبت في مكان نحس لقد صا ... دف سعد السعود ذاك المكان # كيف صبري عن بعض نفسي وهل يص ... بر عن بعض نفسه إنسان! # ولما انهمك الوليد بن يزيد في الشراب والتبذل مع الندماء، اجتمع وجوه بني ~~أمية، فلاموه وعنفوه، فقال لهم اسمعوا ما عندي: [الخفيف] # أشهد ms0322 الله والملائكة الأب ... رار والعابدين أهل الصلاح # أنني أشتهي السماع وشرب الرا ... ح والعض في الخدود الملاح # والنديم الكريم والخادم الفا ... ره يسعى علي بالأقداح # وظريف الحديث والكاعب الطف ... لة ترتج في سموط الوشاح # انصرفوا، فيئسوا منه، فدبروا في إفساد دولته. # ودخل على المأمون عمرو بن مسعدة ورجل من الفقهاء، وبين يديه جام زجاج فيه ~~رطل شراب، فمد به يده المأمون إلى الرجل، فقال: يا أمير المؤمنين، والله ما ~~شربتها ناشئا فلا تسقنيها شيخا، فرد يده إلى عمرو، فأخذها منه، وقال: الله ~~الله يا أمير المؤمنين، إني آليت في الكعبة ألا أشربها؛ ففكر طويلا والكأس ~~في يد عمرو، ثم قال: [الكامل] # ردا علي الكأس إنكما ... لا تعلمان الكأس ما تجدي # لو ذقتما ما ذقت ما مزجت ... إلا بدمعكما من الوجد PageV01P361 # ما مثل نعماها إذا اشتملت ... إلا اشتمال فم على خد # خوفتماني الله ربكما ... وكخيفتيه رجاؤه عندي # إن كنتما لا تشربان معي ... خوف العقاب شربتها وحدي # وقال الحسن بن هانئ وهو الإمام في الخمريات: [البسيط] # ساع بكأس إلى ناس على طرب ... كلاهما عجب في منظر عجب # قامت تريني، وأمر الليل مجتمع ... صبحا تولد بين الماء والعنب # كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب # وله أيضا: [الكامل] # قال ابغني المصباح قلت له اتئد ... حسبي وحسبك ضوأها مصباحا # فسكبت منها في الزجاجة شربة ... كانت له حتى الصباح صباحا # من قهوة جاءتك قبل مزاجها ... عطلا فألبسها المزاج وشاحا # شق البزال فؤادها فكأنها ... أهدت إليك بريحها تفاحا # فأتتك في صور تداولها البلى ... فأزالهن وأثبت الأرواحا # وقال ابن المعتز: [الطويل] # ونار قدحناها سراعا بسحرة ... متى ما يرق ماء عليها توقد # يجول حباب الماء في جنباتها ... كما جال دمع فوق خد مورد # وقال ابن وكيع: [الطويل] # وصفراء من ماء الكروم كأنها ... فراق عدو أو لقاء صديق # كأن الحباب المستدير بطوقها ... كواعب در في سماء عقيق # الطوق: حاشية الكأس. # وقال ابن المعتز في الحباب وتشبيهه له أحسن من تشبيهه بجميعه: [مجزوء ~~الكامل] # أسقي مخدرة ms0323 الدنا ... ن سلاف خمر قرقفا # راحا تخال حبابها ... درا يجول مجوفا # وقال الحسن: [مجزوء الرمل] # بنت عشر لم تعاين ... غير نار الشمس نارا # ثم سحت فأدارت ... فوقها طوقا فدارا # كاقتران الدر بالدر ... صغارا وكبارا # فإذا ما اعترضته الس ... عين من حيث استدارا PageV01P362 # خلته في جنبات الك ... أس واوات صغارا # وله أيضا في مثل ذلك: [مجزوء الكامل] # والكأس أهواها وإن رزئت ... بلغ المعاش وقللت فضلي # ذخرت لآدم قبل خلقته ... فتقدمته بخطوة القبل # فأتاك شيء لا تلامسه ... إلا بحسن غريزة العقل # فإذا علاها الماء ألبسها ... نمشا كمثل خلاخل الحجل # حتى إذا سكنت جوانحها ... كتبت بمثل أكارع النمل # خطين من شتى ومجتمع ... غفل من الإعجام والشكل # وقال ابن المعتز: [البسيط] # كأن في كأسها والماء يقرعها ... أكارع النمل أو نقش الخواتيم # وقال حبيب: [الكامل] # صعبت وراض المزج سيئ خلقها ... فتعلمت من حسن خلق الماء (¬1) # خرقاء يلعب بالعقول حبابها ... كتلاعب الأفعال بالأسماء # وضعيفة فإذا أصابت فرصة ... قتلت، كذلك قدرة الضعفاء # وكأن بهجتها وبهجة كأسها ... نار ونور قيدا بوعاء # أو درة بيضاء بكر أطبقت ... حبلا على ياقوتة حمراء # وقال ابن البال: [الكامل] # ومدامة لبست غلالة نرجس ... وتنفست في الكأس أي تنفس # باكرتها والورد يوقظه الندى ... وتبل خديه عيون النرجس # والشمس تنظر من وراء غمامة ... لبست من الكافور أحسن ملبس # نبهتها بيد المزاج فأصبحت ... ترنو إلي بأعين لم تنعس # وتوردت حتى توقد كأسها ... فحسبتها في الكف جذوة مقبس # [مجزوء المتقارب] # *** # ولا كان ساق ... دهائي الرفاق # لأرض العراق ... بحمل السبح PageV01P363 # فلا تغضبن ... ولا تعجبن # ولا تعتبن ... فعذري وضح # ولا تعجبن ... لشيخ أبن # بمغنى أغن ... ودن طفح # فإن المدام ... تقوي العظام # وتشفي السقام ... وتنفي الترح # *** # قوله: «دهائي»، أي تشيطني ومكري، السبح، جمع سبحة، وقد تقدمت تصخبن: # ترفعن صوتك بالصياح. تعتبن: تلومن، وضح: ظهر، أبن: أقام. مغنى: منزل، أغن: # كثير الأشجار، فإذا هبت الريح فيها سمعت لها غنة، ومن هذا قولهم: روضة ~~غناء، لأن صوت الريح يخرج من بين أشجارها، وعشبها أغن. # ومن فسرها بأن الذباب يغني فيها، فهو صحيح ms0324 في المعنى فاسد في التصريف، ~~لأن يغني أصله (غ ن ى) وأغن أصله (غ ن ن) فيريد بالمغنى الأغن منزلا كثير ~~الأشجار. # وفسره بعضهم كثير الأهل، والأول أولى. # طفح: امتلأ خمرا، المدام: الخمر، وقوله: «تقوي العظام، وتسفي السقام» وقد ~~تجاوز هنا قوم حتى جعلوها من العاهات؛ قال الأقيشر- ويروي لأبي نواس: ~~[الطويل] # ومقعد قوم قد مشى من شرابنا ... وأعمى سقيناه ثلاثا فأبصرا # كميت كأن العنبر الورد ريحها ... إذا شمها الحاني من الدن كبرا # توقد في أيدي السقاة كئوسها ... إذا ما رآها صائم القوم أفطرا # وقال آخر: [الطويل] # أبا هاشم هل لي سبيل إلى التي ... أرى شربة منها قواما لأحدب # وقوله: «وتنفي الترح»، أي تزيل الحزن. # وقال الحسن بن هانئ في أن الخمر تزيل الحزن والهم: [البسيط] # دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي منها بي الداء # صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجر مسته سراء # قامت بإبريقها والليل معتكر ... فظل من وجهها في البيت لألاء # وأرسلت من فم الإبريق صافية ... كأنما أخذها بالعقل إعفاء # رقت عن الماء حتى لا يلائمها ... لطافة وجفا عن شكلها الماء PageV01P364 # فلو مزجت بها نورا لمازجها ... حتى تولد أنوار وأضواء # وقال البحتري: [الكامل] # فاشرب على زهر الرياض يشوبه ... زهر الخدود وزهرة الصهباء (¬1) # من قهوة تنسي الهموم وتبعت ... الشوق الذي قد ظل في الأحشاء # يخفي الزجاجة لونها، فكأنها ... في الكأس قائمة بغير إناء # وقال حبيب: [الكامل] # بمدامة يغدو الفتى لكئوسها ... حولا على السراء والضراء (¬2) # راح إذا ما الراح كن مطيها ... كانت مطايا الشوق في الأحشاء # عنبية ذهبية سبكت لها ... ذهب المعاني صاغة الشعراء # [مجزوء المتقارب] # *** # وأصفى السرور ... إذا ما الوقور # أماط ستور ال ... حيا واطرح # وأحلى الغرام ... إذا المستهام # أزال اكتتام ال ... هوى وافتضح # فبح بهواك ... وبرد حشاك # فزند أساك ... به قد قدح # وداو الكلوم ... وسل الهموم # ببنت الكرو ... م التي تقترح # وخص الغبوق ... بساق يسوق # بلاء المشوق ... إذا ما طمح # *** # قوله: «أماط»، أي أزال، اطرح: رمى بها، وهذا منتزع من قول علي بن الخليل: # [مجزوء ms0325 الكامل] # لا تكمل اللذات ... إلا بالقيان وبالخمور # هتك الستور فإنما ال ... لذات في هتك الستور PageV01P365 # فدع العواذل لا يق ... فن عليك من دون الصدور # واعلم بأنك راجع ... حقا إلى رب غفور # قوله: «الغرام»، شدة الحب، المستهام: الذي حمله الحب على أن يهيم، أي ~~يذهب ولا يدري أين يتوجه. افتضح: اشتهر، يقول: أصفى ما يكون السرور إذا ~~أزال الوقور ثياب الحياء واطرحها عنه، وأحلى ما يكون العشق إذا أزال العاشق ~~الكتم وشهر نفسه به، ومن هذا قول أبي نواس: [الطويل] # ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر # ويح باسم من تهوى ودعني من الكنى ... فلا خير في اللذات من دونها ستر # قوله: «زند أساك»، الزند: الذي يقدح به النار، والأسى: الحزن، يقول: يرد ~~قلبك بذكر من تهوى، فإنك إن رمت كتمه قدح به زند حزنك. # ونحو هذا ما يحكى أن أبا الفضل الدارمي، كان له هوى بغلام، فإذا رآه أنكر ~~حبه، والغلام يعرف شدة وجده به، فدمعت يوما عينا أبي الفضل، فقال له ~~الغلام: دمعك شاهد عليك، فقال: [الطويل] # وهبني قد أنكرت حبك جملة ... وآليت أني لا أروم محطها # فمن أين لي في الحب جرح شهادة ... سقامي أملاها، ودمعي خطها! # وقال المتنبي: [البسيط] # وكاتم الحب يوم البين منهتك ... وصاحب الدمع لا تخفى سرائره (¬1) # والشعر في هذا كثير، وكله تبع لقول العباس بن الأحنف: [الخفيف] # لا جزى الله دمع عيني خيرا ... وجزى الله كل خير لساني # نم دمعي فليس يكتم شيئا ... ورأيت اللسان ذا كتمان # كنت مثل الكتاب أخفاه طي ... فاستدلوا عليه بالعنوان # أما الاشتهار الذي ذكر فإنما يأخذ به أهل التماجن ومن لا بال له، وأما ~~أهل المروءات والتصاون، فغايتهم إعلام المحبوب بشأنهم، وكتمه عن الناس، ~~وذلك شديد، ولا يقوم به إلا من كمل عقله، وأما أن يكتمه عن محبوبه كحكاية ~~أبي الفضل، فأشد أحوال هذا الباب أن يكون لمحبوبك أصحاب يألفهم ويألفونه، ~~فيعلمون بشأنك كما فعل أبو الأصبغ بن رشيد المرتكي، أنشدنيه الفقيه أبو ms0326 ~~الحسن بن زرقون: [المتقارب] # أبا قاسم إن قسمت الهوى ... كئوسا فحظي أوفى الكئوس PageV01P366 # وبين جفونك با قاتلي ... وبين فؤادي حرب البسوس # وبين الجوانح نار الجوى ... كما قد سمعت بنار المجوس # أسارقك اللحظ في خفية ... كما يتناول قيد الشموس # فمهما بدوت ومهما رنوت ... فشغل العيون وشغل النفوس # سررت به بين أصحابه ... فحدوا اللحاظ وهزوا الرءوس # وهذا على خطرة فذة ... فكيف لو أني نويت الجلوس # قوله: «داو الكلوم»، يريد جراح قلبه من أنكاد الدهر، ولذلك اتبعه، ب «سل ~~الهموم»، لأنه في معنى «داو الكلوم»، وهذا كقول العطوي: # أعجبتن أن أناخ بي الدهر ... فخاصمته إلى الأقداح # لا تذاد الهموم أنشبن أظفا ... را حدادا بشرب ماء قراح # أحمد الله صارت الكأس تأسو ... دون إخواني الثقات جراحي # قوله: «تقترح» تتمنى. الغبوق: شرب العشي، والمسوق: المحب، وطمح: ارتفع ~~بالنظر، يقول: خص شرابك بالعشي مع غلام حسن يسقيك ويبيت معك على شرابك، ~~ويكون لإفراط حسنه، يجلب عذاب العاشق إذا نظره. # ومما قيل في السقاة ووصف الخمر من الشعر المستحسن قول أبي نواس: # [الطويل] # إذا عب فيها شارب القوم خلته ... يقبل في داج من الليل كوكبا # ترى حيثما كانت من البيت مشرقا ... وما لم تكن فيه من البيت مغربا # يدور بها ساق أغن ترى له ... على مستدار الخد صدغا معقربا # سقاني ومناني بعينيه منية ... فكانت إلى نفسي ألذ وأعجبا # وقال ابن الرومي فأحسن: [الكامل] # ومهفهف كملت محاسنه ... حتى تجاوز منية النفس # تصبو الكئوس إلى مراشفه ... وتضج في يده من الحبس # أبصرته والكأس بين فم ... منه وبين أنامل خمس # فكأنها وكأن شاربها ... قمر يقبل عارض الشمس # وقال ابن المعتز: [البسيط] # ظبي مخلى من الأحزان أودعني ... ما يعلم الله من حزن ومن قلق # كأنه وكأن الكأس في يده ... هلال أول شهر غاب في شفق PageV01P367 # وقال أيضا: [الكامل] # يا حسن أحمد غاديا أمس ... بمدامة صفراء كالورس # وكأن كفيه تقسم في ... أقداحنا قطعا من الشمس # ولأبي طالب الرفاء في معنى آخر: [الطويل] # لها في كف شاربها شعاع ... تطرف منه مبيض البنان # ولأبي ms0327 بكر الخالدي: [البسيط] # تومي إليك بأطراف مطرفة ... فيها خضابان للعناب والعنب # فهذا في انتقال حمرتها لأصابع حابسها، فإذا انتقلت لخد شاربها حدث ~~للشعراء في ذلك معنى بديع صنع البديع يسمى المطابقة، وهو الوصف بالغروب ~~والطلوع وقال في ذلك الطليق المرواني: [الرمل] # أصبحت شمسا وفوه مغربا ... ويد الساقي المحيي مشرقا # فإذا ما غربت في فمه ... أطلعت في الخد منه شفقا # ولأبي مطروح بن فتوح: [الكامل] # صهباء تغرب إن بدت من كفه ... في فيه ثم تلوح في وجناته # وقال غيره: [السريع] # بدر بدا يشرب شمسا بدت ... وجدها في الحسن من جده # تغرب في فيه ولكنها ... من بعد ذا تطلع في خده # وقال آخر: [السريع] # أقول والكأس على فيه وقد ... صوبها كالكوكب الصائب # ذا كوكب يغرب في كوكب ... ويلي على الطالع والغارب! # *** # رجعنا إلى ذكر السقاة- قال ابن المعتز: [الطويل] # تدور علينا الكأس من كف شادن ... له لحظ عين يشتكي السقم مدنف # كأن سلاف الخمر من ماء خده ... وعنقودها من شعره الجعد يقطف # وقال أبو بكر الخالدي: [البسيط] # أهلا بشمس مدام من يدي قمر ... تكامل الحسن فيه فهو تياه # كأن حمرتها إذ قام يمزجها ... من خده اعتصرت أو من ثناياه # في وجه فل وريحان تراح له ... منا قلوب وأبصار وتهواه PageV01P368 # النرجس الغض عيناه وطرته ... بنفسج، وجني الورد خداه # ولابن الزقاق: [الطويل] # وساق يحث الكأس وهي كأنما ... تلألأ منها مثل ضوء جبينه # سقاني بها صرف الحميا عشية ... وثنى بأخرى من رحيق جفونه # هضيم الحشا ذو وجنة عند مية ... تريك قطاف الورد في غير حينه # فأشرب من يمناه ما فوق خده ... وألثم من خديه ما في يمينه # وقال الخوارزمي: [الطويل] # وصفراء كالدينار بنت ثلاثة ... شمال وأنهار ودهر محرم # مسرة محزون وعذر معربد ... وكنز مجوسي وفتنة مسلم # بدور بها ظبي تدور عيوننا ... على عينه من شرط يحيى بن أكثم # وقال ابن المعتز: [الخفيف] # ونداماي في شباب وشيب ... أتلفت ما لهم نفوس كرام # بين أقداحهم حديث نضير ... وهو سحر وما سواه كلام # وغناء يستعجل الراح بالرا ... ح كما ms0328 تاح في الغصون الحمام # وكأن السقاة بين الندامى ... ألفات بين السطور قيام # *** # [المتقارب] # وشاد يشيد ... بصوت تميد # جبال الحديد ... له إن صدح # وعاص النصيح ... الذي لا يبيح # وصال المليح ... إذا ما سمح # وجل في المحال ... ولو بالمحال # ودع ما يقال ... وخذ ما صلح # وفارق أباك ... إذا ما أباك # ومد الشباك ... وصد من سنح # وصاف الخليل ... وناف البخيل # وأول الجميل ... ووال المنح # ولذ بالمتاب ... أمام الذهاب PageV01P369 # فمن دق باب ... كريم فتح # *** # قوله: «شاد»، أي مغن، يشيد: يتقن غناءه ويحكمه. تميد: تميل. صدح: رفع ~~صوته بالغناء، والصداح: الصوت الشديد، يقول: وأحضر الخمر مغنيا تميل الجبال ~~لحسن غنائه، وهذا مثل ما حكى المنجم، قال: حكي لي أن إبراهيم بن المهدي، ~~كان أحسن الناس غناء ببرهان، وذلك أني كنت أراه في مجالس الخلفاء مثل ~~المأمون والمعتصم يغني المغنون، فإذا ابتدأ هو لم يبق أحد من الغلمان ~~والمتصرفين وأصحاب الصناعات والمهن الصغار والكبار، إلا وقد ترك ما في يده، ~~وصار بأقرب موضع يمكنه أن يسمعه، فلا يزال مصغيا إليه، لاهيا عما كان فيه ~~ما دام يغني، فإذا أمسك وغنى غيره رجعوا إلى أشغالهم، ولا برهان أقوى من ~~شهادة الفطرة، واتفاق الطبائع على الميل إليه مع اختلافها في غير ذلك. # وقال منصور بن المهدي: غنى أخي إبراهيم الأمين يوما فقال: [المتقارب] # وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها # لكي يعلم الناس أني امرؤ ... أتيت الفتوة من بابها # وكان الأمين مشرفا على حمر الوحش، وهو مخمور، وكان من عادته ألا يشرب وهو ~~مخمور، فاستوى جالسا وطرب، وقال: أحسنت والله يا عم، وأحييت لي طربا، وغنى ~~يومئذ على أشد طبقة ينتهي إليها، وما سمعت مثله قط وقد رأيت منه شيئا ~~عجيبا، لو حدثت به ما صدقته، كان إذا ابتدأ يغني أصغت الوحش، ومدت أعناقها، ~~ولم تزل تدنو منه، حتى تضع رءوسها على الدكان الذي كنا عليه، فإذا سكت نفر ~~عنا، حتى تنتهي إلى أبعد غاية يمكنها التباعد فيها عنا، وجعل الأمين يعجب ~~من ذلك. # قوله: «يبيح»، أي ms0329 يجعله له مباحا، يقول: أعص من يعذلك في وصل المليح متى ~~سمح بوصله. # وكان أعرابي قد طال تعشقه لجارية، فقيل له: ما كنت صانعا لو ظفرت به، ولا ~~يراكما غير الله؟ قال: إذا والله لا أجعله أهون الناظرين، لكني كنت أفعل ~~بها ما كنت أفعله بحضرة أهلها، شكوى وحديث عذب، وإعراض عما يسخط الرب، ~~ويقطع الحب، فإن تلقي وصال المليح، إذا سمح بمثل هذا فعصيان النصيح واجب، ~~وأكثر الناس يرى أن الظفر بالمعشوق يسقط نصف عشقه، وأن النكاح يفسد الحب: # وقال المأمون: [مجزوء الكامل] # ما الحب إلا قبلة ... وغمز كف وعضد # وكتب فيها رقي ... أنفذ من نفث العقد PageV01P370 # من لم يكن ذا حبه ... فإنما يبغي الولد # ما الحب إلا هكذا ... إن نكح الحب فسد # وقال حبيب في نقيضه وأجاد: [الطويل] # وقالت نكاح الحب يفسد شكله ... وكم نكحوا حبا وليس بفاسد! # وقالت أم الضحاك المحاربية: [الوافر] # شفاء الحب تقبيل وضم ... وجر بالبطون على البطون # ورهز تمهل العينان منه ... وأخذ بالمناكب والقرون # وقال الحسن: [الوافر] # إذا هجع النيام فخل عني ... وعمن كان أيصلح للدبيب # فإني عالم فطن أريب ... ولم يخبرك مثل فتى أريب # ألذ الفعل تأخذه سرورا ... بمنح الحب أو منع الرقيب # وبعد هذا ما يقبح ذكره، وشعر الحسن يكثر في هذا الباب. # وقال ابن الأبار رحمه الله- وذكر أنه فعل بمحبوبه وبرقيبه: [الخفيف] # فوثبنا على الغزال وثوبا ... ودببنا على الرقيب دبيبا # فهل أبصرت أو سمعت بصب ... ناك محبوبه وناك الرقيبا! # وقال ابن بسام: لقد ظرف ابن الأبار، واستهتر ما شاء وقدر، وأظنه لو قدر ~~على إبليس الذي تولى له هذا المذهب لدب عليه. # وابن المعتز كنى ولم يصرح، فقال: [البسيط] # فكان ما كان مما لست أذكره ... فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر # أين ما قدمناه لابن الأبار من قول الآخر في ضده: [مجزوء الكامل] # ومنعم غض القطاف ... عذب لماه للارتشاف # فوردت جنة نحره ... ونعيمها دون اقتطاف # وعصيت سلطان الهوى ... وأطعت سلطان العفاف # وقال ابن الأبار أيضا: [الكامل] # ومعرض بالغصن في حركاته ... تسل ms0330 القلوب العفو من لحظاته # عاطيته كأسا كأن سلافها ... من ريقه المعسول أو وجناته # وأطعت سلطان العفاف تكرما ... والمرء مجبول على عاداته PageV01P371 # وقال الشريف الرضي فأحسن: [البسيط] # بتنا ضجيعين في ثوبي هوى وتقى ... يلفنا الشوق من فرق إلى قدم # وبات بارق ذاك الثغر يوضح لي ... مواقع اللثم في داج من الظلم # وباتت الريح كالغيرى تجاذبنا ... على الكثيب فضول الريط واللمم # وأكتم الصبح عنها وهي غافلة ... حتى تكلم عصفور على علم # فقمت أنفض بردا ما تعلقه ... غير العفاف وراء الغيب والكرم # وقال ابن فرج الجياني: [الوافر] # وطائعة الوصال صددت عنها ... وما الشيطان فيها بالمطاع # بدت بالليل سافرة فباتت ... دياجي الليل سافرة القناع # وما من لحظة إلا وفيها ... إلى فتن القلوب لنا دواع # فملكت الهوى جمحات شوقي ... لأجري في العفاف على طباعي # كذاك الروض ما فيه لمثلي ... سوى نظر وشم من متاع # ولست من السوائم مهملات ... فأتخذ الرياض من المراعي # وقال أيضا فأحسن: [الوافر] # بأيهما أنا في الشكر بادي ... أشكر الطيف أم شكر الرقاد # سرى لي فازدهى أملي، ولكن ... عففت فلم أنل منه مرادي # وما في النوم من حرج ولكن ... جريت من العفاف على اعتياد # كأنه لما عف في اليقظة جرى على عادته في النوم، وهذا من قول أبي الطيب: ~~[الطويل] # يرد يدا عن ثوبها وهو قادر ... ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد # وهذا أملك شهوة من التهامي، وإن كان قد أحسن حيث يقول: [البسيط] # إني لأصرف طرفي عن محاسنها ... تكرما وأكف الكف عن لمم # ولا أهم ولي نفس تنازعني ... أستغفر الله إلا ساعة الحلم # وقال ابن طباطبا: [الكامل] # يقظاته ومنامه شرع ... كل بكل منه مشتبه # إن هم في حلم بفاحشة ... زجرته عفته فينتبه # أخذه السري، فكتب إلى صديق له، وكان اتهمه بغلام بعثه إليه: [الوافر] # أبا بكر أسأت الظن فيمن ... سجيته التمنع والخلاف # وخفت عليه في الخلوات مني ... ولم يك بيننا حال تخاف PageV01P372 # جفوت من الصبا ما ليس يجفى ... وعفت من الهوى ما لا يعاف # فلو أني هممت بقبح فعل ... لدى الإغفاء ms0331 أيقظني العفاف # قوله: «جل»، تصرف، المحال: المكر. لذ: تعلق وتستر. المحال: الباطل، وما ~~لا يمكن ثبوته، ودع ما يقال، أي لا تلتفت إلى من ينقصك باتباع لذاتك، وخذ ~~ما يوافقك ويصلح بك. # وهذا رأي من اشتهر بالمجون كالحسن في قوله: [الكامل] # دع عنك ما جدوا به وتبطل ... وإذا لقيت أخا الحقيقة فاهزل # لا تركبن من الذنوب خسيسها ... واعمد إذا قاربتها للأنبل # وخطيئة تغلو على مستامها ... يأتيك آخرها بطعم الأول # حللت لا حرج علي حرامها ... ولربما حللت غير محلل # وقال ابن وكيع: [الكامل] # لا تقبلن من الرشيد كلامه ... وإذا دعاك أخو الغواية فاقبل # ودع الترهب والتجمل للورى ... فالعيش ليس يطيب للمتجمل # وقال أيضا: [الكامل] # فارقت بعدك عفتي ووقاري ... وخلعت في طرق المجون عذاري # لا تأمرني بالتستر في الهوى ... فالعيش أجمع في ركوب العار # لا تكثرن علي إن أخا الحجا ... برم يقرب الصاحب المكثار # قوله: «أباك»، أي تمنع منك، سنح: تيسر، يقال: سنح الشيء سنوحا، إذا تيسر ~~صاف الخليل، أي أخلص الود لصاحب، ناف: باعد. أول الجميل: ألصق المعروف بمن ~~يستحقه، وقد أولاني فلان المعروف: ألصقه بي، وجعله بينه وبيني، وقيل معنى ~~«أولاني» ملكني، من قولهم: هذا ولي المرأة، أي مالك أمرها. وقيل: معناه ~~عضدني به وقواني، من قولهم: بنو فلان ولاة على بني فلان، أي يعينونهم ~~ويعضدونهم، وقيل: # أولاني: أنعم علي، من الألاء، وهي النعم، واحدها إلي وألي، والأصل ولي ~~وولي، أبدل من الواو المكسورة همزة، على حد «إساد» وأبدل من الواو المفتوحة ~~همزة على حد أحد وامرأة أناة، وال المنح: تابع العطايا، أمام الذهاب: قدام ~~الموت، يقول: إذا شخت وأيقنت الموت، فاضرب باب التوبة، فإنه يفتح لك إذ كل ~~كريم بابه يفتح. # ابن عباس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المصلي يقرع باب الملك، ~~وإنه من يداوم قرع الباب يوشك أن يفتح له»، والله تعالى أكرم الكرماء، ~~وبابه باب التوبة. وقال الإلبيري: [الوافر] # فلازم قرع باب التوبة دأبا ... فإن لزومه سبب الدخول # *** PageV01P373 # فقلت له: بخ بخ لروايتك، وأف ms0332 وتف لغوايتك، فبالله من أي الأعياص عيصك، ~~فقد أعضلني عويصك؟ فقال: ما أحب أن أفصح عني، ولكن سأكني ... # [مجزوء الخفيف] # أنا أطروفة الزما ... ن وأعجوبة الأمم # وأنا الحول الذي اح ... تال في العرب والعجم # غير أني ابن حاجة ... هاضه الدهر فاهتضم # وأبو صبية بدوا ... مثل لحم على وضم # وأخو العيلة المع ... يل إذا احتال لم يلم # *** # قوله: «بخ بخ»، أي عجب عجب وتثقل وتخفف، وهي كلمة تقال عند الإعجاب ~~بالشيء. أف وتف، الأصمعي: الأف وسخ الآذان، والتف: وسخ الأظفار، ثم استعمل ~~ذلك عند كل شيء يضجر منه. # وقال غيره: الأف: القلة، مأخوذ من الأفف وهو القلة ثم نسق التف عليه. ~~ومعناه كمعناه، ويقال: لمن يدعى عليه بالخيبة: أف وتف لك. وقال ابن ~~الأنباري: إذا أفردت أف، ففيها عشرة أوجه: فتح الفاء، وكسرها وضمها على ~~قياس مد؛ وثلاثتها بالتنوين على قياس ويل، فنصبه على الدعاء، ورفعه ~~بالابتداء، وخفضه على التشبيه بالأصوات كمه وصه، وأف كقد، وأفي بضم الهمزة ~~منصوب على الدعاء، وأفي بإضافته إلى نفسه، وأف بضم الهمزة وسكون الفاء ~~تشبيها بالأدوات، نحو: هل وبل. # غوايتك: ضلالتك. الأعياص: الأصول، والعيص: بيت الأسد، ويريد: من أي ~~القبائل والبلاد. أعضلني: صعب علي، عويصك: صعب أمرك ومشكله. أفصح: أبين. # أكنى أوري، أي أدل على نفسي بكلام خفي. أطروفة: غريبة. الحول: الكثير ~~الحيلة، هاضه: كسره. اهتضم: ظلم ونقص، الوضم أطروفة خشبة الجزار التي يقطع ~~عليها اللحم. والعيلة: الفقر، وعال الرجل يعيل عيلة، إذا افتقر، قال الله ~~تعالى: وإن خفتم عيلة [التوبة: 28]، وقال الشاعر: [الوافر] # وما يدري الفقير متى غناه ... وما يدري الغني متى يعيل (¬1) # والمعيل: الكثير العيال، وقد أعال يعيل. # *** PageV01P374 ### || AUTO [مما قيل في الخضاب] # قوله: «الريب»، أي لريبة. مسود وجه الشيب، نبه به على قوله في أول ~~المقامة: # «ميسمه ميسم الشبان» يريد أنه خضب شيبه وتشبه بالفتيان، والخضاب مباح ~~والتدليس مكروه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «غيروا هذا الشيب» (¬1). # وكان أبو بكر رضي الله عنه يخضب لحناء والكتم، وجاء النهي عن الخضاب ~~بالسواد، ms0333 وروى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بهذا السواد كحواصل الحمام، ولا ~~يربحون رائحة الجنة» (¬2). # ومن كلام المولدين: الخضاب تذكرة الشباب. # الخضاب أحد الشبابين. # وقال مالك بن أسماء بن خارجة لجارية له: قومي اخضبي رأسي ولحيتي، فقالت: # دعني، فقد عييت مما أرقعك، فقال: [البسيط] # عيرتني خلقا أبليت جدته ... وهل رأيت جديدا لم يعد خلقا! # وقال آخر: [البسيط] # أليس عندك شكر للتي جعلت ... ما ابيض من قادمات الرأس كالحمم # وجددت منك ما قد كان أخلقه ... طول الزمان وصرف الدهر والقدم # وقال آخر: [الوافر] # وقائلة تقول وقد رأتني ... ترقع عارضاي من القتير # عليك الخضب علك أن تداني ... إلى بيض ترى منهن حور # فقلت لها: المشيب نذير عمري ... ولست مسودا وجه النذير # وقال عبدان الأصبهاني: [الخفيف] # في مشيبي شماتة لعداتي ... وهو ناع منغص لحياتي # ويعيب الخضاب قوم وفيه ... لي أنس إلى حضور وفاتي # لا ومن يعلم السرائر مني ... ما تطلبت خلة الغانيات # إنما رمت أن يغيب عني ... ما ترينيه كل يوم مراتي # وهو ناع إلي نفسي ومن ذا ... سره أن يرى وجوه النعاة! # وقال آخر: [الكامل] # بكرت تحسن لي سواد خضابي ... لو كان ذلك يعيدني لشبابي PageV01P375 # وإذا أديم الوجه أخلقه البلى ... لم ينتفع فيه بحسن خضاب # ماذا الذي يبدي عليك خضابه ... وخلاف ما يرضيك في الأثواب! # وقال ابن عبد ربه: [الوافر] # إذا فصل الخضاب بكى عليه ... ويفرح كلما وصل الخضابا # كأن حمامة بيضاء ظلت ... تقاتل في مفارقه غرابا # وقال ابن الرومي: [الكامل] # يا أيها الرجل المسود شعره ... كيما يعد به من الشبان # أقصر فلو سودت كل حمامة ... بيضاء ما عدت من الغريان # وأملح منه قول الآخر: [الكامل] # قالت خضبت الشيب ثم أتيتنا ... تبغي لدينا بالخضاب ودادا # فأجبتها لم أختضب لك إنما ... شيبي صبغت على الشباب حدادا # وما أحسن ما قال ابن هانئ الأندلسي: [الكامل] # بنتم فلولا أن أغير لمتي ... عبثا وألقاكم علي غضابا # لخضبت شيبا في مفارق لمتي ... ومحوت محو ms0334 النفس منه كتابا # وخضبت مبيض الحداد عليكم ... لو أنني أجد البياض خضابا # وإذا أردت على المشيب وفادة ... فاجعل مطيك دونه الأحقابا # فلتأخذن من الزمان حمامة ... ولتدفعن إلى الزمان غرابا # *** # قال الراوي: فعرفت حينئذ أنه أبو زيد ذو الريب والغيب، ومسود وجه الشيب، ~~وساءني عظم تمرده، وقبح تورده، فقلت له بلسان الأنفة، وإدلال المعرفة: ألم ~~يأن لك يا شيخنا أن تقلع عن الخنا! فتضجر وزمجر، وتنكر وفكر، ثم قال: إنها ~~ليلة مراح لا تلاح، ونهزة شرب راح لا كفاح. فعد عما بدا، إلى أن نتلاقى ~~غدا، ففارقته فرقا من عربدته، لا تعلقا بعدته، وبت ليلتي لابسا حداد الندم، ~~على نقلي خطا القدم، إلى ابنة الكرم لا الكرم، وعاهدت الله سبحانه وتعالى ~~ألا أحضر بعدها حانة نباذ، ولو أعطيت ملك بغداد، وألا أشهد معصرة الشراب، ~~ولو رد علي عصر الشباب. # ثم إنا رحلنا العيس، وقت التغليس، وخلينا بين الشيخين وإبليس. # *** # قوله: «تمرده»، تشيطنه، وتمرد إذا كثر شره، والمريد: الخبيث الذي لا يطاق PageV01P376 # مكره تورده: إتيانه بما لا يحل، وأصل التورد قصد الماء. الأنفة: الغضب ~~يأن: يحين ويقرب. # الخنا: الفساد. تضجر. اشتد غضبه. زمجر: تكلم بما لا يفهم. تنكر: تغير ~~علي، ونكر نفسه كأنه لا يعرفني. مراح: طرب ونشاط. تلاح: مشاتمة. نهزة: فرصة ~~وغنيمة. كفاح: قتال. # فعد: اصرف واترك. فرقا: فزعا. عربدته: شره وشغبه. الحداد: ثياب الحزن. ~~الخطا: جمع خطوة، وهي ما بين القدمين. نباذ: خمار. عصر: زمان. رحلنا العيس: ~~جعلنا على الإبل رحالها. التغليس: الخروج في الغلس، وهي الظلمة التي بين ~~طلوع الفجر والشمس. # وأظن أنه بنى هذه المقامة على حكاية لأبي دلامة، حكى الأصبهاني أن موسى ~~بن داود الهاشمي عزم على الحج، فقال لأبي دلامة: احجج معي ولك عشرة آلاف ~~درهم، فقال: هاتها، فدفعها إليه، فأخذها وهرب إلى السواد، وجعل ينفقها ~~هنالك في شرب الخمر، فطلبه موسى فلم يقدر عليه، وخشي فوت الحج، وخرج. فلما ~~شارف القادسية إذا هو بأبي دلامة خارج من قرية إلى أخرى وهو سكران، فأمر ~~بأخذه وتقييده، ms0335 وطرح في محمل بين يديه، فلما سار غير بعيد أقبل على موسى ~~ونادى: [الكامل] # يا أيها الناس قولوا أجمعون معا: ... صلى الإله على موسى بن داود # كأن ديباجتي خديه من ذهب ... إذا بدا لك في أثوابه السود # إني أعوذ بداود وأعظمه ... من أن أكلف حجا يا بن داود # خبرت أن طريق الحج معطشة ... من الشراب وما شربي بتصريد # والله ما في من أجر فتطلبه ... ولا الثناء على ديني بمحمود # فقال موسى: ألقوه عن المحمل، لعنه الله، فألقي وعاد إلى موضعه بالسواد ~~حتى أنفق المال. # وقال آخر: [الوافر] # ألم ترني وبشارا حججنا ... وكان الحج من خير التجارة # خرجنا طالبي سفر بعيد ... فمال بنا الطريق إلى زرارة # فآب الناس قد حجوا وبروا ... وأبنا موقرين من الخساره # وقال أبو نواس في الحج: [البسيط] # وقائل: هل تريد الحج قلت له: ... نعم، إذا فنيت لذات بغداذ # وكيف بالحج لي ما دمت منغمسا ... في بيت قوادة أو بيت نباذ! # قوله: «وخلينا بين الشيخين أبي زيد وإبليس» من قول الحسن: [السريع] # بت وإبليس إلى الصبح في ... كل الذي يؤثمني خصمي # وانظر هذا في الثامنة والأربعين، والله أعلم. PageV01P377 ### | AUTO المقامة الثالثة عشرة وتعرف بالبغدادية # حدث الحارث بن همام، قال: ندوت بضواحي الزوراء، مع مشيخة من الشعراء، لا ~~يعلق لهم مبار بغبار، ولا يجري معهم ممار في مضمار، فأفضنا في حديث يفضح ~~الأزهار، إلى أن نصفنا النهار. فلما غاض در الأفكار، وصبت النفوس إلى ~~الأوكار، لمحنا عجوزا تقبل من البعد، وتحضر إحضار الجرد، وقد استتلت صبية ~~أنحف من المغازل، وأضعف من الجوازل، فما كذبت إذ رأتنا، أن عرتنا، حتى إذا ~~ما حضرتنا قالت: # *** # ندوت، أي خرجت، ويقال: ندت الإبل تند وإذا خرجت من المشرب ترعى فيما قرب ~~منه، وهو الذي قصد، لأنه أراد أنه خرج مع أصحابه خارج البلد يستريحون ثم ~~يرجعون. والضواحي: المواضع البارزة للشمس. # *** ### || AUTO [الزوراء] # والزوراء، هي في الجانب الشرقي من بغداد، وسميت زوراء لازورار قبلتها، أي ~~لانحرافها. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ms0336 سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «تكون مدينة بين الفرات ودجلة يكون فيها ملك بني العباس، ~~وهي الزوراء يكون فيها حرب مفظعة تسبى فيها النساء، وتذبح فيها الرجال كما ~~يذبح الغنم». # والزوراء هي بغداد، ويقال لها الزوراء، ومدينة السلام، ومدينة المنصور، ~~وبغداد وبغداذ وبغدان وبغذان وبغذام وبغذام وبغداد- عن الفراء. # وبعضهم يقول: تفسيره بستان رجل، فبغ بستان، وداد رجل. وقيل: بغ صنم، وداد ~~عطية وإنما اختلفت العرب في لفظها إذ لم تكن من كلامها، ولا اشتقاق لها من ~~لغتها، وأشهر لغاتها بغداد، بدالين وبغدان، بالنون. وكان الأصمعي رحمه الله ~~لا يقول بغداد، وإنما يقول مدينة السلام، لأن بغ عندهم اسم صم، وداد عطية ~~بالفارسية فكأنها PageV01P378 # عطية الصم. وبناها المنصور، وبعث رجالا يطلبون له موضعا يبني فيه مدينة، ~~فطلبوا فلم يجدوا، حتى جاء ينزل فنزل على البر الذي في الصراة، فقال: هذا ~~موضع أرضاه، تأتيه الميرة من الفرات ودجلة والصراة، فوجه حينئذ الصناع من ~~الشأم والموصل والكوفة وواسط والبصرة، فابتدئت سنة خمس وأربعين ومائة. # وقال محمد بن أبي سهل: لما أراد المنصور بناء بغداد، أمرني أن آخذ ~~الطالع، فأخذنا طالعها، فكان المشتري، فأخبرته بما تدل عليه النجوم من طول ~~بنائها وكثرة عمارتها، ثم قلت: وخلة أخرى يا أمير المؤمنين، نجدها على ما ~~تدل عليه النجوم ... # لا يموت فيها خليفة، فرأيته يتبسم، وقال: الحمد لله، ذلك فضل الله يؤتيه ~~من يشاء. # وقيل لرجل: كيف رأيت بغداد؟ فقال: الأرض كلها بادية وبغداد حاضرتها. # ابن جبير: بغداد هي المدينة العتيقة، ولم تزل حضرة الخلافة العباسية وقد ~~ذهب رسمها ووسمها، وهي بالإضافة إلى ما كانت عليه قبل إنحاء الحوادث عليها، ~~والتفات أعين النوائب إليها كالطلل الدارس، والأثر الطامس، أو تمثال الخيال ~~الشاخص، فلا حسن فيها يستوقف البصر، ويستدعي من المستوفز الغفلة والنظر، ~~إلا دجلتها التي بين الشرقية والغربية منها كالمرآة المجلوة بين صفحتين، أو ~~العقد المنتظم بلبتين، فهي تردها فلا تظمأ، وتطلع [منها] في مرآة صقيلة فلا ~~تصدأ. والهواء المنتظم يتولد بين هوائها ومائها، ms0337 فهي معروفة بفتن الهوى، ~~إلا أن يعصم الله منها. وكنا سمعنا أن هواء بغداد ينبت السرور في النفس، ~~ويبعث دائما على الانبساط والأنس، فلا تكاد تجد فيها إلا جذلان طربا، وإن ~~كان نازح الدار مغتربا، حتى حللت بقرية وزيران، وهي على مرحلة منها، فلما ~~نفحتنا نوافح هوائها، ونقعنا الغلة ببرد مائها، أحسسنا من أنفسنا على حال ~~وحشة الانفراد دواعي من الإطراب، واستشعرنا بواعث فرح كأنه فرحه الغياب ~~بالإياب، وهفت بنا محركات من الأنس ذكرتنا معاهد الأحباب في عصر الشباب، ~~هذا للغريب النازح الوطن، فكيف الوافد فيها على أهل وسكن! [الطويل] # سقى الله باب الطاق صوب غمامة ... ورد إلى الأوطان كل غريب # وبغداد جانبان: شرقي وغربي ودجلة بينهما. فأما الجانب الغربي فقد عمه ~~الخراب، واستولى عليه، وهو كان المعمور أولا، ولكنه مع خرابه يحتوي على سبع ~~عشرة محله، كل واحدة منها مدينة مستقلة، لها الحمامان والثلاثة، وصلاة ~~الجمعة في ثمان منها، وأكبرها القرية، وهي على شط دجلة ومقربة من الجسر، ثم ~~الكرخ، وهي مدينة مشهورة، ثم محلة باب البصرة، وهي مدينة بها جامع المنصور، ~~وهو كبير عتيق البنيان، ثم الشارع وهي مدينة، وهذه الأربع أكبر المحلات، ~~والوسيطة بين دجلة وبين نهر يتفرع من الفرات، وينصب في دجلة، يجيء فيها ~~جميع المدائن التي يسبقها الفرات. # وعلى بابها نهر آخر منه ينصب في دجلة. PageV01P379 # ومنها العتابية، وهي مدينة يصنع فيها الثياب العتابية، وهي حرير وقطن ~~مختلفات الألوان، وأسماء سائر المحلات يطول ذكرها، وأما الشرقية فهي محدثة ~~وهي حفيلة الأسوار، عظيمة الترتيب، تشمل من الخلق على بشر كثير لا يحصيهم، ~~إلا الذي أحصى كل شيء عددا. وبالشرقي محلة الرصافة، وبها كان باب الطاق ~~المشهور على الشط، وبإزائها محلة كبيرة تعرف بقبر أبي حنيفة رحمه الله، ~~فيها قبة سامية في الهواء بيضاء، فيها قبر الإمام أبي حنيفة، وبالقرب منها ~~قبر الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. # وحمامات بغداد لا تحصى، أخبرني بعض أشياخها، أن فيها اليوم ألفي حمام، ~~وأكثرها مطلية بالقار، مسطحة به، فيخيل للناظر ms0338 فيها أنها رخام أسود صقيل، ~~وأكثر حمامات هذه الجهة على هذه الصفة، لكثرة القار عندهم، وشأنه عجيب، ~~لأنه منبع عين بين البصرة والكوفة، يصير القار في جوانبها كالصلصال، فيجرف ~~ويجلب، وقد انعقد فسبحان خالقه! # وببغداد من المدارس نحو الثلاثين، ما منها مدرسة إلا كالقصر العظيم، ~~وأعظمها النظامية. وبساتين بغداد وحدائقها بالغربية، ومنها تجلب الفواكه ~~للشرقية، والعادة أبدا أن يكون بين الشرقية والغربية جسران لجواز الناس، ~~ومع ذلك فمن يعبر بينهما من الناس في الزوارق لا يحصى، وذلك لكثرة الناس، ~~وزوارقها لا تحصى، والناس ليلا ونهارا من معاينة العبور فيها في نزهة متصلة ~~رجالا ونساء. # وبالجملة فشأن هذه البلدة أعظم من أن يوصف، وأين هي اليوم مما كانت عليه! ~~هى اليوم داخلة تحت قول حبيب: [الكامل] # * لا أنت أنت ولا الديار ديار* (¬1) # ثم ذكر ابن جبير أهلها فذمهم بكل عيب؛ من الكبرياء وبيع الربا، ثم استثنى ~~فقهاءها ووعاظها. # *** ### || AUTO [مما قيل في الشعر والشعراء] # قوله: «مع مشيخه من الشعراء»، قال الخليل في مدح الشعراء: هم أمراء ~~الكلام يصرفونه أنى شاءوا وجائز لهم ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى، ~~وتقييده ومد مقصوره وقصر ممدوده، والجمع بين لغاته والتفريق بين صفاته. # وسئل غيرهم عنهم، فقال: ما ظنك بقوم الاقتصاد محمود إلا منهم، والكذب ~~مذموم إلا بينهم! PageV01P380 # وقال آخر: إياكم والشاعر، فإنه يطلب على الكذب مثوبة، ويقرع جليسه بأدنى كلمه. # وقال بعض الظرفاء يذمهم: [السريع] # الكلب والشاعر في رتبة ... يا ليت أني لم أكن شاعرا! # هل هو إلا باسط كفه ... يستمطر الوارد والصادرا # والله لولا حرقات الهوى ... ما كنت إلا رجلا تاجرا # وقال ابن الرومي: [الطويل] # يقولون ما لا يفعلون مسبة ... من الله مسبوب بها الشعراء # وقال أيضا: [الكامل] # للناس فيما يكلفون مغارم ... عند الكرام لها قضاء ذمام # ومغارم الشعراء في أشعارهم ... إنفاق أعمار وهجر منام # وجفاء لذات، وهجر مكاسب ... لو خولفت حرست من الإعدام # وتشاغل عن ذكر رب لم يزل ... حسن الصنائع، سابغ الإنعام # قوله: «مبار»، أي معارض. مضمار: طلق. ممار: مجادل. ms0339 أفضنا: اندفعنا. # يفضح: يكشف عيوبها. شبه الجماعات في الآداب بالخيل الجياد في الطلق لا ~~يلحق غبارها من يجاريها، وجعل حديثهم بحسن تفننه يفضح الأزهار متى قرن بها. # *** ### || AUTO [مجالس الشعراء] # ونجعل تفسيرا لهذا المجلس الموصوف باجتماع الشعراء ما حدث به دعبل أنه ~~اجتمع هو ومسلم بن الوليد وأبو الشيص وأبو نواس، وهؤلاء مشيخة شعراء عصرهم، ~~فقال لهم أبو نواس: إن مجلسنا هذا قد اشتهر باجتماعنا فيه، ولهذا اليوم ما ~~بعده فليأت كل امرئ منكم بأحسن ما قال فلينشده، فأنشد أبو الشيص: [الكامل] # وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم # أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم # أشبهت أعدائي، فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهم # وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا ... ما من يهون عليك ممن يكرم # فجعل أبو نواس يعجب من حسن الشعر، حتى ما كاد ينقضي عجبه. # ثم أنشد مسلم أبياتا منها: [الطويل] # فأقسم أنسي الداعيات إلى الصبا ... فقد فجأتها العين والستر واقع PageV01P381 # فغطت بأيديها ثمار نحورها ... كأيدي الأسارى أثقلتها الجوامع # قال دعبل: فقال لي أبو نواس: هات أبا علي وكأني بك قد جئت بأم القلادة .. ~~لا تعجبي يا سلم، فأنشدته: [الكامل] # أين الشباب وأية سلكا ... أم أين يطلب؛ ضل أم هلكا # لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى # يا ليت شعري كيف صبركما ... يا صاحبي إذا دمي سفكا # لا تطلبا بظلامتي أحدا ... قلبي وطرفي في دمي اشتركا # ثم سألناه أن ينشدنا فأنشد: [البسيط] # لا تبك ليلى ولا تركن إلى هند ... واشرب على الورد من حمراء كالورد # كأسا إذا انحدرت في حلق شاربها ... وجدت حمرتها في العين والخد # فالخمر ياقوتة، والكأس لؤلؤة ... في كف جارية ممشوقة القد # تسقيك من عينها خمرا ومن يدها ... خمرا، فما لك من سكرين من بد # لي سكرتان وللندمان واحدة ... شيء خصصت به من بينهم وحدي # فلما بلغ هذا البيت، قاموا فسجدوا له، فقال: أفعلتموها! والله لا أكلمكم ~~ثلاثا ولا ثلاثا ولا ثلاثا! ثم قال: تسعة ms0340 في هجر الإخوان كثير، وفي بعضها ~~استصلاح للفاسد، وعقوبة على الهفوة.، ثم التفت إلينا وقال: أعلمتم أن حكيما ~~عتب على حكيم، فكتب المعتوب عليه إلى العاتب: يا أخي، إن أيامالعمر أقل من ~~تحمل الهجر، نظم ذلك الشاعر فقال: [مجزوء الكامل] # العمر أقصر مدة ... من أن يمحق بالعتاب # أو أن يكدر ما صفا ... منه بهجر واجتناب # وقال ابن طاهر: [الطويل] # إلى كم يكون الصد في كل ساعة ... ولم لا تملين القطيعة والهجرا! # رويدك إن الدهر فيه بقية ... لتفريق ذات البين فانتظري الدهر! # وقال آخر: [الكامل] # ولقد علمت فلا تكن متجنيا ... أن الصدود هو الفراق الأول # حسب الأحبة أن يفرق بينهم ... ريب الزمان فما لنا نستعجل! # وقال القاضي عبد الوهاب: [المنسرح] # لا تتعجل قطيعتي فكفى ... يوما بذا الدهر بيننا مقطع PageV01P382 # عما قريب تجيء فرقتنا ... ثمت لا ملتقى ولا مجمع # وأخذه الكل من جميل: [الكامل] # ولعل أيام الحياة قليلة ... فعلام يكثر عتبنا ويطول! # قوله: «نصفنا» أي بلغنا نصفه. غاض: جف. در الأفكار: كلامها، والدر: # اللبن، استعارة لما يتولد من الذهن. صبت: مالت. الأوكار: البيوت هنا. لمحنا: # أبصرنا. تحضر: تجري. الجرد: الخيل القصيرة الشعر. استتلت: جعلتهم تلوها ~~يتبعونها. أنحف: أقل لحما. الجوازل: فراخ الحمام، واحدها جوزل. عرتنا: ~~قصدتنا. # *** # حيا الله المعارف، وإن لم يكن معارف؛ اعلموا يا مآل الآمل، وثمال ~~الأرامل، أني من سروات القبائل، وسريات العقائل، لم يزل أهلي وبعلي يحلون ~~الصدر، ويسيرون القلب، ويمطون الظهر، ويولون اليد. فلما أردى الدهر ~~الأعضاد، وفجع بالجوارح الأكباد، وانقلب ظهرا لبطن، نبا الناظر، وجفا ~~الحاجب، وذهبت العين، وفقدت الراحة، وصلد الزند، ووهنت اليمن، وضاع اليسار، ~~وبانت المرافق، ولم يبق لنا ثنية ولا ناب، فمذ اغبر العيش الأخضر، وازور ~~المحبوب الأصفر؛ واسود يومي الأبيض، وابيض فودي الأسود، حتى رثى لنا العدو ~~الأزرق، فحبذا الموت الأحمر. وتلوي من ترون عينه فراره، وترجمانه اصفراره، ~~قصوى بغية أحدهم ثردة، وقصارى أمنيته بردة. وكنت آليت ألا أبذل الحر إلا ~~للحر، ولو أني مت من الضر. وقد ناجتني القرونة، بأن توجد عندكم ms0341 المعونة، ~~وآذنتني فراسة الحوباء، بأنكم ينابيع الحباء، فنضر الله امرأ أبر قسمي، ~~وصدق توسمي، ونظر إلي بعين يقذيها الجمود، ويقذيها الجود. # *** # للعارف الأول: الوجوه، واحدها معروف. قال الشاعر: [الكامل] # متلثمين على معارفنا ... نثني لهن حواشي العصب # وإن لم يكن معارف، أي وإن كنت لا أعرفهم. مآل: مرجع، وقد آل يؤول أولا ~~ومآلا، إذا رجع. والآمل: الراجي. وثمال: غياث وملجأ. الأرامل: المساكين، ~~يعقوب: هن جماعة الرجال والنساء، ويقال لهم: أرامل، وإن لم يكن فيهم نساء. # ويقال: جاءت أرملة من رجال ونساء محتاجين، ويقال للرجال الضعفاء ~~لمحتاجين: PageV01P383 # أرملة، وإن لم يكن فيهم نساء. وأرمل القوم: فني زادهم، وواحد الأرامل ~~أرمل وأرملة، وإنما قيل للفاقدة زوجها: أرملة، لأن أمرها يؤول إلى الضيعة ~~والحاجة. سروات: # سادات، واحدها سراة، والسري: السيد الكبير ذو المروءة، والسرو: المروءة، ~~وقد سرى سروا وسرو سراوة: جمع السخاء والفضل، قال امرؤ القيس: [الكامل] # * ولها عليه سراوة الفضل* (¬1) # وأنشد يعقوب: [الكامل] # إن السري هو السري بنفسه ... وابن السري إذا سرى أسراهما (¬2) # قال ثعلب: السري في كلامهم: الرفيع، مأخوذ من السراة، وسراة كل شيء: # أعلاه، وسريات: سيدات. العقائل: كرائم النساء، تريد أن أباها وأمها من ~~السادات. # البعل: الزوج، وبعل الرجل بعولة: تزوج. الصدر: مقدم المجلس. القلب: قلب ~~العسكر، والعسكر خمسة أقسام: مقدمة، وساقة، وميمنة، وميسرة، وقلب، وهو محل ~~الملوك، أرادت أن قرابتها منهم. يمطون: يهبون. الظهر: الإبل بأوقارها، ~~وأمطاه: # أعطاه دابة يركب مطاها، أي ظهرها. يولون اليد: يهبون النعمة. أردى: أهلك. # الأعضاد: جمع عضد وهو غليظ الذراع الذي بين المرفق والمنكب. فجع: أحزن، ~~وجاء بفجيعة، وهي الرزية يتفجع عليها الجوارح: عوامل الجسد كاليد والرجل ~~والعين، تريد أن الدهر إذا أهلك أهلها فكأنه قطع جوارحها فتعطلت منفعتها. ~~انقلب: تحول. ظهر البطن: كناية عن الخلاف، أي بعد أن كان مستقيما انقلب. ~~نبا: ارتفع ولم يستقر: # الناظر: من ينظر عليها. الحاجب: من يحجبها ويسترها. والعين: الذهب. ~~الراحة: # الدعة والسكون. صلد: لم يور نارا، وأرادت انقطاع الخير عنها. وهنت: ~~استرخت. # اليمين: القوة. بانت: ذهبت وبعدت. المرافق: ms0342 من كان يرتفق بحياته ومنفعته، ~~والمرافق: كل ما ارتفقت به من مال وغيره. ثنية: صغيرة من الإبل. وناب: مسنة. # وهذا الكلام كله استعارة كما تقدم في الإبرة والمرود، لكنه كني هنا ~~بالجوارح والأعضاء عمن كان يستعين به من القرابة على الدهر، ومعاني الأعضاء ~~بينة إلا الراحة، PageV01P384 # فإنها بطن الكف: والزند: طرف عظم الساعد، والثنية والناب صريحتان، ونبا ~~الناظر: لم ينم، وجفا الحاجب: لم يرسل الجفن على العين فتنام، كما قال ~~بشار: [الوافر] # نبت عيني عن التغميض حتى ... كأن جفونها عنها قصار (¬1) # وقال التهامي: [الكامل] # قصرت جفوني أم تباعد بينها ... أم صورت عيني بلا أشفار (¬2) # قوله: «اغبر»، أي علته غبرة. والأخضر: الناعم. ازور: انقبض. الأصفر، هو ~~الدينار. الفود: ناحية الرأس بين الأذن والجبهة، وهذا من قول أعرابي ذكر ~~مصيبته فقال: # مصيبة والله تركت سود الرءوس بيضا، وبيض الوجوه سودا، وهونت المصائب بعدها. # وقال عبد الله بن الزبير الأسدي: [الوافر] # رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا (¬3) # فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا # وقال التهامي: [البسيط] # تسود الشمس منا بيض أوجهنا ... ولا تسود بيض العذر واللمم # وكان حالهما في الحكم واحدة ... لو احتكمنا من الدنيا إلى حكم # قوله: «رثى» بكى وأشفق. العدو الأزرق: أراد الروم وهم أعداء العرب. ~~والموت الأحمر: الشديد، ومنه الحسن أحمر، أي من أحب الحسن احتمل المشقة. ~~وفي الحديث: كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ~~يكن أحد أقرب إلى العدو منه (¬4)، فمعناه اشتد، وقيل: معنى الموت الأحمر: ~~القتل، وقد قال الأخطل: [الكامل] # * أن قد أتيح لهن موت أحمر* (¬5) PageV01P385 # يريد قتل الثور الكلاب، وتقدم في المقامة قبل هذه، فلما فيه من الدم سمي ~~أحمر، وهو الأظهر من مقصد الحريري، لأنه علق غيره من الصفات باللون مثل ~~العدو الأزرق، والروم زرق العيون، فكذلك الموت الأحمر. # أبو عبيدة: الموت الأحمر أن يتغير بصر الرجل من الهول، فيرى الدنيا في ~~عينيه حمراء ورداء، والموت الأغبر: هو الموت جوعا، لأنه يغبر في عينيه كل ms0343 ~~شيء، والموت الأسود هو الموت في غمة الماء، والموت الأبيض هو موت العافية، ~~قال الخطابي: # الموت الأبيض، أي فجأة، لأنه يأخذ الإنسان ببياض لونه. # قوله: «تلوي»، أي خلفي وإلى جانبي. عينه: شخصه. فراره: معرفته، أي شخصه ~~يعرفكم بحاله، والعرب تقول: عينه فراره للشيء تعرفه إذا أبصرته، والفر في ~~البهائم. كشف أسنانها حتى يعرف ما لها من السن. ووقع في المقامات فراره بضم ~~الفاء، وكذا في نوادر أبي علي، ووقع في النسخ العتاق من الأمثال لأبي عبيد: ~~فراره، بكسر الفاء، وأنشد أبو علي: [الرجز] # * هو الحبيب عينه فراره* (¬1) # وفسره فقال: نظرك إليه يغنيك عن فره لتخبره، وهما لغتان: فراره وفراره. # قوله: «ترجمانه» المتكلم عنه، يريد أن صفرة لونه تخبرك أنه جائع. قصوى: # غاية. بغية: طلب. وقصارى أمنيته، أي منتهى ما يتمناه وغايته. بردة: ثوب، ~~أي أقصى ما يطلب ما يأكل وغاية ما يتمنى ما يلبس. آليت: حلفت. أبذل الحر: ~~أهين الخد، الحر: الكثير المروءة: ناجتني: حدثتني. القرونة: النفس. ~~المعونة: ما يستعان به، آذنتني: أعلمتني. فراسة الحوباء: فطنة النفس. ~~الينابيع: جمع ينبوع، وهو ما يخرج من الماء وينبع. الحباء: العطاء. أبر. ~~راعى وأكرم. توسمي: نظري وظني. يقذيها: يجعل فيها القذى، والجمود: الشح. # وقال بعضهم في ذم التشكي إلى المخلوق: [الرجز] # لا أشتكي ضري إلى النا ... س وهم من أعلم # إن إلها مسر بالضر ... جواد منعم # أشكو الذي يرحمني ... إلى الذي لا يرحم # الكستجي، قال: أملقت حتى لم يبق في منزلي إلا جارية، فدخلت دار المتوكل، ~~فلم أزل متفكرا، فحضرني بيتان، فأخذت قصبة، وكتبت على الحائط الذي كنت إلى ~~جانبه: [الرجز] PageV01P386 # الرزق مقسوم فأجمل في الطلب ... يأتي بأسباب ومن غير سبب # فاسترزق الله ففي الله غنى ... الله خير لك من أب حدب # فركب المتوكل في ذلك اليوم، وجعل يطوف على الحجر، ومعه الفتح بن خاقان، ~~حتى وقف على البيتين، وقال: من كتب هذا؟ وقرأهما الفتح له، فاستحسهما، وقال: # من كان في هذه الحجرة؟ فقيل: الكستجي، فقال: أغفلنا وأسأنا إليه، فأمر لي ~~ببدرتين. # وقال ms0344 محمد بن مخلد الكاتب: لزمت أبا الحسن علي بن محمد بن الفرات. أغدو ~~وأروح إلى بابه، لا أحظى بطائل، ولا أصل إلى تصريف ولا نائل، حتى كرهت ~~نفسي، فرأيت هاتفا في المنام يقول لي: [الرجز] # يا أيها المكثر في المطالب: ... اهجر تصاريف المنى الكواذب # إذا أتى وقت القضاء الغالب ... بادرت الحاجة كف الطالب # فتركت المسير إليه، فلم يمض لي أسبوع حتى تقلد حامد بن العباس الوزارة، ~~فقلدني كتابته، فثابت حالي. # *** # قال الحارث بن همام: فهمنا لبراعة عبارتها، وملح استعارتها، وقلنا لها: # قد فتن كلامك، فكيف إلحامك! فقالت: أفجر الصخر، ولا فخر، فقلنا: إن ~~جعلتنا من رواتك، لم نبخل بمواساتك، فقالت: لأرينكم أولا شعاري، ثم ~~لأروينكم أشعاري. فأبرزت ردن درع دريس، وبرزت برزة عجوز دردبيس، وأنشدت ~~تقول: [السريع] # أشكو إلى الله اشتكاء المريض ... ريب الزمان المتعدي البغيض # يا قوم إني من أناس غنوا ... دهرا وجفن الدهر عنهم غضيض # فخارهم ليس له دافع ... وصيتهم بين الورى مستفيض # كانوا إذا ما نجعة أعوزت ... في السنة الشهباء روضا أريض # تشب للسارين نيرانهم ... ويطعمون الضيف لحما غريض # ما بات جار لهم ساغبا ... ولا لروع قال: حال الجريض # *** # قوله «همنا»، أي تحيرنا. البراعة: الفصاحة. عبارتها: سياق كلامها. ملح ~~استعارتها، يريد ما استعارته من تسمية الأشخاص بأسماء الأعضاء. إلحامك: ~~نسجك الشعر. يفجر الصخر، أي يخرج من الحجر الماء، ومن البخيل العطاء. ~~مواساتك: PageV01P387 # صلتك، وأصلها أن تجعل صاحبك أسوة نفسك. شعاري: ثوبي اللاصق بجسمي، سمي ~~شعارا لأنه يلي شعر الجسد، والظهار: الثوب الذي يظهرللعيون، والدثار: # الثوب الذي بينهما. ردن: كم. درع: قميص. دريس. خلق. برزت: ظهرت. # دردبيس: داهية. ريب: جور. غنوا: أقاموا. غضيض: منكسر. صيتهم: ذكرهم ~~الحسن، وهو من الصوت، فلما كسرت الصاد أصير على وزن الذكر ومعناه، وانقلبت ~~واوه ياء. مستفيض: متحدث به مشهور. نجعة: مرعى. أعوزت: فقدت. الشهباء: # التي أجدبت فلا مطر فيها، ولا عشب. والروض: الموضع الكثير العشب. أريض: # متسع. تشب: توقد. للسارين: للماشين بالليل: غريض: طري. ساغبا: جائعا. # الروع: الفزع. الجريض: الغض بالريق عند ms0345 الموت. حال: منع، أي لا يقول ~~جارهم حال الموت دون الأمن. # *** ### || AUTO [قصة المثل: حال الجريض دون القريض] # ووفد عبيد بن الأبرص على النعمان الأكبر، وهو ابن الشقيقة وباني الخورنق، ~~فامتدحه فوصله وأكرمه، وكان له يوم نعيم ويوم بؤس في السنة، فورد عليه في ~~ويوم بؤسه، فقال له: ما أخرجك، ثكلتك أمك! فقال: حضور أجلي، وانقطاع أملي؛ ~~وكان من لقيه يوم بؤسه لم يخلصه من الموت شيء، فاستنشده: [مخلع البسيط] # * أقفر من أهله ملحوب* (¬1) # فقال له: حال الجريض دون القريض، فعزم عليه أن ينشد، فأنشده: [مخلع ~~البسيط] # أقفر من أهيله عبيد ... فاليوم لا يبدي ولا يعيد (¬2) # ثم قال له: اختر، إن شئت أخرجت نفسك من الأكحل، وإن شئت من الأبجل، وإن ~~شئت من الوريد، فقال عبيد: [السريع] # خيرتني بين سحابات عاد ... فردت من بؤسك شر المراد PageV01P388 # وكان قتل النعمان لعبيد سبب قطعه يوم بؤسه، فلم يفعله بعد. [السريع] # *** # فغيضت منهم صروف الردى ... بحار جود لم نخلها تفيض # وأودعت منهم بطون الثرى ... أسد التحامي وأساة المريض # فمحملي بعد المطايا المطا ... وموطني بعد البقاع الحضيض # وأفرخي ما تأتلي تشتكي ... وبؤسا له في كل يوم وميض # إذا دعا القانت في ليله ... مولاه نادوه بدمع يفيض # يا رازق النعاب في عشه ... وجابر العظم الكسير المهيض # أتح لنا اللهم من عرضه ... من دنس الذم نقي رحيض # يطفئ نار الجوع عنا ولو ... بمذقة من حازر أو مخيض # فهل فتى يكشف ما نابهم ... ويغنم الشكر الطويل العريض # فو الذي تعنو النواصي له ... يوم وجوه الجمع سود وبيض # لولاهم لم تبد لي صفحة ... ولا تصديت لنظم القريض # *** # قوله: «غيضت»، أي أذهبت. والصروف: الطواري تصرفك من حال إلى حال. لم ~~أخلها: لم أحسبها. أودعت: ضمنت. الثرى: التراب. التحامي: الحماية والمنعة، ~~وتحاميته: تباعدت منه وتمنعت عليه. أساة: أطباء: المطايا: الإبل. المطا: الظهر. # محملي: ما أحمل عليه أثقالي. تقول: صرت أحمل على ظهري بعد أن كان محملي ~~ظهور الإبل. اليفاع: الارتفاع من الأرض. الحضيض: أسفل الجبل. ما تأتلي: ~~تقصر. بؤسا: # ضرا. ms0346 وميض: لمعان. القانت: العابد، والقنوت. طول القيام: يفيض: يملأ ~~العين حتى تفيض بالدمع. النعاب: فرخ الغراب، اختصه من الطير لأنهم يزعمون ~~أنه يخرج من بيضته أبيض الزغب، فيراه الذكر فيستريب فيضرب أنثاه، وينقرها ~~حتى تفر طائرة فيطير خلفها ويتركانه، فيقيض الله له ذبابا يطير حول عينيه، ~~فيفتح منقاره ليشردها، فتدخل في حلقه، فيتغذى بها حتى يسود ريشه، فحينئذ ~~يرجع إليه أبواه، فيكملان تربيته. ويا رازق النعاب، من دعاء داود عليه ~~السلام. المهيض: الذي انكسر بعد الجبر. أتح: قدر. رحيض: مغسول. # مذقة: جرعة. حازر. لبن حامض شديد الحموضة. والمخيض: اللبن يمزج بالماء، ~~ويحرك، والمخض التحريك ليخرج زبده، وإذا طال مكث المخيض واشتدت حموضته سمي ~~حازرا. نابهم: نزل بهم. العريض: الواسع العرض. تعنو: تذل. النواصي: شعر ~~مقدم الرأس. صفحة: ناحية العنق. تصديت: تعرضت. القريض الشعر. # *** # قال الراوي: فو الله لقد صدعت بأبياتها أعشار القلوب، واستخرجت خبايا PageV01P389 # الجيوب، حتى ماحها من دينه الامتياح، وارتاح لرفدها من لم نخله يرتاح، ~~فلما افعوعم جيبها تبرا، وأولاها كل منا برا، تولت يتلوها الأصاغر، وفوها ~~بالشكر فاغر، فاشرأبت الجماعة بعد ممرها، إلى سبرها، لتبلو مواقع برها. ~~فكفلت لهم باستنباط السر المرموز، ونهضت أقفو أثر العجوز، حتى انتهيت إلى ~~سوق مغتصة بالأنام، مختصة بالزحام، فانغمست في الغمار، واملست من الصبية ~~الأغمار، ثم عاجت بخلو بال، إلى مسجد خال، فأماطت الحلباب، ونفضت النقاب، ~~وأنا ألمحها من خصاص الباب، وأرقب ما ستبدي من العجاب. # *** # قوله: «صدعت»: شقت: أعشار: قطع: خبايا: ما خبئ فيها من الدراهم. # ماحها: أعطاها. دينه: عادته. الامتياح: طلب المعروف، يريد مشيخة الشعراء ~~الذين قد مر ذكرهم، وعيش الشعراء إنما هو من الاستجداء والطلب، ومعلوم أنه ~~من كانت عادته أن يأخذ لا يعطي في الغالب شيئا، ولذلك قال: من لم نخله ~~يرتاح، أي من لم نحسب أنه يهتز للعطاء، وقد ارتاح، إذا اهتز للكرم والعطاء ~~ولذلك قال حبيب: [الكامل] # لم يخلق الرحمن أحمق لحية ... من سائل يرجو الندى من سائل # وقال آخر: [الطويل] # لموت الفتى خير من الفقر ms0347 للفتى ... وللموت خير من سؤال بخيل # لعمرك ما شيء لوجهك قيمة ... فلا تلق مخلوقا بوجه ذليل # ولا تسألن من كان يسأل مرة ... فللموت خير من سؤال سئول # وحدث عيسى بن عمر النحوي، قال: قدمت من سفر، فدخل علي ذو الرمة الشاعر، ~~فعرضت عليه أن أعطيه شيئا، فقال: أنا وأنت نأخذ ولا نعطي. # ومدح أبو الشمقمق مروان بن أبي حفصة فقال له: يا أبا الشمقمق، أنت شاعر ~~وأنا شاعر، وغايتنا جميعا السؤال. # وكان بشار يعطيه في كل سنة مائتي درهم، فأتاه مرة، فقال: هلم الجزية يا ~~أبا معاذ، فقال: ويحك! أجزية هي؟ قال: هو ما تسمع، فقال له بشار يمازحه: ~~أنت أفصح مني؟ قال: لا، قال: فأعلم؟ قال: لا، قال: فأشعر؟ قال: لا، قال: ~~فلم أعطيك؟ قال: # لئلا أهجوك، قال: إن هجوتني هجوتك، قال أبو الشمقمق: أو كذا هو؟ اسمع: ~~[الرجز] # إني إذا ما شاعر هجانيه ... أدخلت في است أمه علانيه # بشار يا بشار ... وأراد أن يقول: يا بن الزانية، فأمسك بشار بفمه، وقال: ~~أراد والله PageV01P390 # أن يشتمني. ثم دفع إليه مائتي درهم، وقال: لا تسمعن منك هذا الصبيان. # ولقيت بسجلماسة شاعرها وعينها الحاج أمدحثر، وكان له شعر رائق، فحدثت عنه ~~أنه قصده يوما فتى شاعر يستجديه بشعر، فوقع الحاج تحت شعره: [الرجز] # نحن بزاة الناس لا نصاد ... من كان ذا فهم بنا يصطاد # ثم كتب له، قطعة من شعره، وقال له: اقصد بها فلانا فإنه يصك بما يرضيك، ~~فعلم المقصود بالشعر بنية الحاج، فوصله بما أرضاه. # وعد أبو نواس أبا الطفيل الشاعر وعدا فألح عليه، فقال: [الطويل] # وأخرس ولاج وغاد ورائح ... رجاء نوال لو يعان بجود # وإني وإياه كعريان يصطلي ... من الطل نارا غير ذات وقود # زويت له وجها قطوبا عن الندى ... وألبسته من وعده بوعيد # فإن كنت لا عن سوء فعلك مقلعا ... فدونك فاستظهر بنعل حديد # فعندي مطل لا يطير غرابه ... مطير ولا يدعى له بوليد # قوله: «افعوعم»، امتلأ، وافعوعل بينت للمبالغة. تبرا: ذهبا. أولاها: ~~أعطاها. # البر: الإكرام. فاغر: ms0348 منفتح. اشرأبت: تطلعت، وتقول: اشرأب الرجل، إذا مد ~~عنقه لينظر. سبرها: اختبارها. تبلو تختبر، يريد أن الجماعة أرادت أن تعرف: ~~هل أوقعت إكرامها فيمن يستحقه أم لا. كفلت ضمنت. استنباط: استخراج. ~~المرموز: المخفي. # نهضت: تقدمت للمشي أقفو: أتبع. مغتصة: ممتلئة. انغمست: غابت ودخلت. # الغمار: كثرة الخلق وجماعتهم التي تغمر الأرض، أي تغطيها، ورده ابن ~~الأنباري وجعله من خطأ العامة، وقال: إنما تقول العرب دخل في خمار الناس، ~~بالخاء، وهو جمعهم، إذا استتر بهم، ومنه الخمار لتغطية الرأس، ومنه الخمر. ~~وقال يعقوب: هو كل ما استتر به الإنسان من شجر أو غيره، فإن كان من شجر ~~خاصة فهو الضراء، وحكى بعضهم غمارا، جعله من غمر الماء الشيء، إذا غطاه. ~~قوله: املست: انفلتت بسهولة، والاملاس: أن يسقط الشيء من يدك ولا تشعر به. ~~الأغمار: الجهال. عاجت: مالت. # بخلو بال، أي خالية منفردة. أماطت: أزالت. الجلباب: ثوب أوسع من الخمار ~~يتجلبب به، أي يلتف فيه والجلباب كالملحفة للمرأة والرداء للرجل. نضت: نحت وجردت: # النقاب: ما يغطى به الوجه ألمحها: أنظرها. خصاص: فرج، يريد به من شقوق الباب. # *** # فلما انسرت أهبة الخفر، ورأيت محيا أبي زيد قد سفر، فهممت بأن أهجم عليه، ~~على ما أجري إليه، فاسلنقى اسلنقاء المتمردين. ثم رفع عقيرة المغردين، ~~واندفع ينشد: [المجتث] PageV01P391 # يا ليت شعري أدهري ... أحاط علما بقدري # وهل درى كنه غوري ... في الخدع أم ليس يدري # كم قد قمرت بنيه ... بحيلتي وبمكري # وكم برزت بعرف ... عليهم وبنكري # أصطاد قوما بوعظ ... وآخرين بشعر # وأستفز بخل ... عقلا وعقلا بخمر # وتارة أنا صخر ... وتارة أخت صخر # ولو سلكت سبيلا ... مألوفة طول عمري # لخاب قدحي وقدحي ... ودام عسري وخسري # فقل لمن لام: هذا ... عذري فدونك عذري # *** # انسرت: زالت، ويروى: بفصل سرت عن إن، ومعناه إن أزالت بالهمزة- والمنفصل ~~فعل العجوز، والمتصل فعل الأهبة، وهي العدة؛ يريد لما أن زالت عنها هيئة ~~لباسها التي استترت بها عنا كان الخفر وهو الحياء يمنعها أن تكشف وجهها حتى ~~نعرفها. محيا: وجه سفر: انكشف. أهجم: آخذه على ms0349 غفلة. أعنفه: أقبح فعله. ~~اسلنقى: صار على ظهره. # المتمردين: الشياطين ومن لا يرجى صلاحه. عقيرة: صوت. المغردين. المطربين ~~بالغناء، والعقيرة بمعنى معقورة، أي جارحة مقطوعة. كان رجل قطعت إحدى رجليه ~~فرفعها ووضعها على الأخرى. ورفع صوته فقيل لكل من رفع صوته: قد رفع عقيرته. # قوله: «يا ليت شعري» معناه: ليت درايتي وفطنتي، ومعنى الشاعر في كلامهم ~~الفطن العالم، وسمي شاعرا، لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره. وأجاز الفراء: ~~ليت شعري أباك ما صنع، على معنى: ليتني أعلم أباك ما صنع، وأنشد: [الخفيف] # ليت شعري مسافر بن أبي عم ... رو وليت يقولها المحزون (¬1) # ومعناه ليتني أعلم مسافرا. # وقال آخر: [الخفيف] # خمر الشيب لممتي تخميرا ... وحدا بي إلى القبور البعيرا # ليت شعري إذا القيامة قامت ... ودعي بالحساب أين المصيرا PageV01P392 # قال ثعلب: المصير منصوب بشعري، أي ليتني أعلم المصير أين هو، والبعير ~~منصوب بحدا، أي وحدا الشيب البعير إلى القبور بي. كنه: حقيقة. غوري: آخر ~~أمري، وأصل الغور: قعر الحرجة والمنخفض من الأرض. قمرت: غلبت وخدعت. مكري: # خداعي. أستفز: أستخف وأخدع، واستفزه من كذا: أخرجه منه، والخل كناية عن ~~الشر، والخمر كناية عن الخير، هذا على مذهب العرب. وكانت الخمر أجل ما ~~عندهم، ويقولون: ما عنده خل ولا خمر، أي ما عنده شر ولا خير، وإذا فسدت ~~الخمر عندهم صارت خلا، وقد قال في ألغازه: [مجزوء الوافر] # وما شيء إذا فسدا ... تحول غيه رشدا # يريد أن الخمر إذا فسدت، صارت خلا، فبعد أن كانت حراما رجعت حلالا، وزال ~~تأثيرها في العقول. # صخر: هو ابن الشريد، وأخته الخنساء، فأراد أنه مرة رجل، ومرة، أخرى امرأة. # ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربعة ~~لعنوا في السماء: # رجل خلقه الله ذكرا فتأنث، وامرأة خلقها الله أنثى فتذكرت، تتشبه ~~بالرجال. والذي يضل الأعمى، ورجل حصور؛ ولم يجعل الله حصورا إلا يحيى بن ~~زكريا عليهما السلام». # وأما صخر، فهو ابن عمرو بن الحارث بن الشريد بن رباح، من بني سليم ms0350 بن ~~منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان. وكان في جماله أجمل رجل في العرب، ~~وسنذكر لمعة من أخبار صخر وأخته الخنساء في المقامة الأربعين إن شاء الله تعالى. # سلكت سبيلا: دخلت طريقا. مألوفة: مركوبة ملتزمة قدحي: سهمي. قدحي: # ضربي بالزند. عسري: فقري. خسري: ضد ربحي، والخسر: النقص، يريد: لو مشيت ~~على طريقه واحدة أبدا لخسرت وخبت. دونك، أي خذ. # *** # قال الحارث بن همام: فلما ظهرت على جلية أمره، وبديعة إمره، وما زخرف في ~~شعره من عذره، علمت أن شيطانه المريد، لا يسمع التفنيد، ولا يفعل إلا ما ~~يريد. فثنيت إلى أصحابي عناني، وأبثثتهم ما أثبته عياني، فوجموا لضيعة ~~الجوائز، وتعاهدوا على محرمة العجائز. # *** # جلية: ظاهرة. بديعة: غريبة. إمره: دهائه وعجبه. زخرف: زين. المريد: ~~العاري من الخير إنما هو شر كله. التفنيد: اللوم، وفندت فعله، إذا عبته. ~~ثنيت: عطفت، وتقول: جاء ثانيا عنانه، إذا بلغ مراده ولم يجهد نفسه. ~~أبثثتهم: أخبرتهم: أثبته. حققه. عياني: معاينتي. # وجموا: غضبوا. الجوائز: العطايا. تعاهدوا: تحالفوا. محرمة: منع وحرمان. PageV01P393 ### | AUTO المقامة الرابعة عشرة وهي المكية # حكى الحارث بن همام، قال: نهضت من مدينة السلام، لحجة الإسلام، فلما قضيت ~~بعون الله التفث، واستبحت الطيب والرفث، صادف موسم الخيف، معمعان الصيف، ~~فاستظهرت للضرورة؛ بما يقي حر الظهيرة، فبينا أنا تحت طراف، مع رفقة ظراف، ~~وقد حمي وطيس الحصباء، وأعشى الهجير عين الحرباء، إذ هجم علينا شيخ متسعسع، ~~يتلوه فتى مترعرع، فسلم الشيخ تسليم أديب أريب، وحاور محاورة قريب لا غريب، ~~فأعجبنا بما نثر من سمطه؛ وعجبنا من انبساطه قبل بسطه، وقلنا له: ما أنت! ~~وكيف ولجت وما استأذنت! # *** # نهضت، أي تقدمت، وسمي النهوض تقدما لسرعة الحركة، وسمى المنصور بغداد ~~مدينة السلام، لأن دجلة يقال لها وادي السلام، ونهر السلام، وأضاف الحجة ~~إلى الإسلام لأنها أحد أركانه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام ~~على خمس» (¬1)، والحج أحدها. # التفث: ما يلزم الحاج من ترك الطيب وحلاق الشعر. والرفث: النكاح. استبحت: # استحللت. الموسم: الموضع الذي يجتمع ms0351 فيه الناس من عيد أو سوق. الخيف: ~~موضع بمكة. معمعان: شدة الحر. استظهرت: استعددت، تقول: قد استظهر للشيء ~~بكذا إذا استعد له، وقد تقدم آنفا للحسن: [الطويل] # * فدونك فاستظهر بنعل حديد* # يقي: يمنع. الظهيرة: حر نصف النهار، فيقول: بسبب ضرورة الحر جعلت على ~~نفسي سترا يمنع عني حر الشمس. طراف: قبة من جلد. ظراف: جمع ظريف، وهو ~~النبيل المهذب. حمي وطيس الحصباء: اشتد حر الجنادل لمن وطئها، وأصل الوطيس ~~التنور يحمى فيطبخ فيه. أعشى: أعمى. الهجير: حر نصف النهار. الحرباء: دويبة PageV01P394 # تستقبل الشمس وتدور معها، وانظرها في المقامة السادسة والثلاثين، وقال ~~المعري: # [الكامل] # وهجيرة كالهجر موج سرابها ... كالبحر ليس لمائه من طحلب (¬1) # أوفي بها الحرباء عودي منبر ... للظهر إلا أنه لم يخطب # فكأنه رام الكلام ومسه ... عي فأسعده لسان الجندب # وقال أيضا في نحوه: [الطويل] # وساحرة الأقطار يجنى سرابها ... فتصلب حرباء بريا على جذع (¬2) # قوله: «هجم» أي دخل على غفلة. متسعسع: هرم متقارب الخطو. مترعرع: شاب ~~متزايد، وترعرع الغلام، أي أخذ في الزيادة في طوله وخلقته، والرعرع: ~~الشباب. # أريب: عاقل. حاور: راجع الكلام. نثر من سمطه، أبدى من كلامه، وأصل السمط ~~خيط الجوهر. انبساطه: دالته، وهذا الكلام أصله في البساط، تقول: بسطته ~~فانبسط، فلا يكون الانبساط مطاوعا إلا بعد الشروع في البسط، يقول: فهذا ~~الشيخ انبسط علينا قبل أن نبسطه، أي دل علينا قبل أن نجعل له السبيل في ~~ذلك. ومما يستحسن من المنظوم هنا قول ابن كناسة: [المنسرح] # في انقباض وحشمة فإذا ... لاقيت أهل الوفاء والكرم # أرسلت نفسي على سجيتها ... فقلت ما قلت غير محتشم # قال إسحاق الموصلي: أنشدني ابن كناسة هذين البيتين، فقلت له: وددت أني ~~سبقتك إليهما وينقص من عمري سنتان. # ولجت: دخلت. # *** # فقال: أما أنا فعاف، وطالب إسعاف، وسر ضري غير خاف، والنظر إلي شفيع لي ~~كاف، وأما الانسياب، الذي علق به الارتياب، فما هو بعجاب، إذ ما على ~~الكرماء من حجاب، فسألناه: أنى اهتدى إلينا، وثم استدل علينا؟ فقال: إن ~~للكرام نشرا تنم به نفحاته، ms0352 وترشد إلى روضة فوحاته، فاستدللت بتأرج عرفكم، ~~على تبلج عرفكم، وبشرني تضوع رندكم بحسن المنقلب من عندكم. فاستخبرناه ~~حينئذ عن لبانته، لنتكفل بإعانته. # *** # عاف: طالب معروف. إسعاف: قضاء حاجتي. الشفيع: الطالب لغيره، يقول: PageV01P395 # لست أحتاج إليكم مع ظهور سري لشفيع، لأن نظركم إلي يغني عن الشفيع. كاف: ~~مغن عن غيره. الانسياب: الدخول بسهولة، وقد تقدم أصله في الأولى. الارتياب: ~~الشك والإنكار. عجاب: مبالغة في عجب. أنى: كيف. نشرا تنم به نفحاته: طيبا ~~تفوح روائحه وأنفاسه. ترشد: تدل وتهدي. فوحاته: روائحه العطرة. والعرف: ~~الرائحة الطيبة، وتأرجها: تحركها، وتأرج الطيب: فاح. تبلج: ظهور. عرفكم: ~~معروفكم؛ ولاحظ الحريري في هذا قول العرجي: [المنسرح] # يوم يقول الرسول قد أذنت ... فأت على غير رقبة فلج (¬1) # أقبلت أهوى إلى رحالهم ... أهدى إليها بريحها الأرج # قالوا: ويستدل بالطيب على الملوكية في المواطن التي يكون الناس فيها غير ~~معروفين؛ فمن ذلك الحمام ومعرك الحرب، ومثل هذا الموطن الذي ذكر الحريري في ~~الحج إذا حل، قالوا: والطيب دليل لا يكذب ونمام لا يفسد، والطيب: غذاء ~~الروح، والنفحات الذكية: نشاط النفس، فهو طب وطيب، وقال ابن البواب: ~~[الطويل] # إذا أبصرتك العين من بعد غاية ... فأوقعت شكا فيك أثبتك القلب # ولو أن ركبا يمموك لقادهم ... نسيمك حتى يستدل بك الركب # وقال السري الموصلي: [البسيط] # حليه وثناياه وعنبره ... كل ينم عليه أو يراقبه # فلست أدري إذا ما سار في أفق ... شمائل الأفق أذكى أم جنائبه # وقال ابن سكرة: [البسيط] # أهلا وسهلا بمن زارت بلا عدة ... تحت الظلام ولم تحذر من العسس # تسترت بالدجى عمدا فما استترت ... وناب إشراقها ليلا عن القبس # ولو طواها الدجى عني لأظهرها ... برق اللثات وعطر النحر والنفس # وأخذه المعتمد بن عباد فقال: [الرجز] # ثلاثة منعتنا من زيارتها ... خوف الوشاة، وخوف الحاسد الحنق # ضوء الجبين ووسواس الحلي وما ... تحوي معاطفها من عنبر عبق # هب الجبين بفضل الكم تستره ... والحلي تنزعه، ما حيلة العرق! # *** # فقال: إن لي مأربا، ولفتاي مطلبا، فقلنا: كلا المرامين سيقضى، وكلاكما PageV01P396 # سوف يرضى، ولكن الكبر الكبر، ms0353 فقلنا: أجل، ومن دحى السبع الغبر، ثم وثب ~~للمقال، كالمنشط من العقال، وأنشد: [مجزوء الرجز] # إني امرؤ أبدع بي ... بعد الوجى والتعب # وشقتي شاسعة ... يقصر عنها خببي # وما معي خردلة ... مطبوعة من ذهب # فحيلتي منسدة ... وحيرتي تلعب بي # إن ارتحلت راجلا ... خفت دواعي العطب # وإن تخلفت عن الرف ... قة ضاق مذهبي # فزفرتي في صعد ... وعبرتي في صبب # وأنتم منتجع الر ... اجي ومرمى الطلب # لهاكم منهلة ... ولا انهلال السحب # وجاركم في حرم ... ووفركم في حرب # ما لاذ مرتاع بكم ... فخاف ناب النوب # *** # قوله: «مأربا»، أي حاجة. المرامين: المطلبين. الكبر الكبر، أي قدموا ~~الأكبر. # ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرني جبريل عليه ~~السلام أن أقدم الأكبر». # أجل: نعم. دحا: بسط. السبع الغبر: الأرضين. المنشط: المحلول. عقال: قيد ~~البعير، وعقدته بأنشوطة، أي عقدته عقدة تنحل بجذبة أو بجذبتين، وقولهم: بئر ~~نشوط، إذا كان دلوها يخرج بجذبة أو جذبتين، وتسمي عامتنا عقدة الأنشوطة ~~اللخ. أبدع بي: # أي عطبت ناقتي، يقال: أبدع بالرجل إذ كلت إبله أو عطبت. وفي الحديث: إن ~~رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: احملني فإني أبدع بي، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «ما عندي ما أحملك عليه ولكن اذهب إلى فلان فقل له ~~يحملك»، فأتاه فحمله فرجع إليه فأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # «من دل على خير فله أجر فاعله» (¬1). قوله: «الوجى»: وجع الحافر من ~~الحفى. شقتي شاسعة: سفرتي بعيدة. خببي: مشيتي، وخبب الفرس خببا، وهو ضرب من ~~العدو دون الإسراع. الخردل: حب معروف في نهاية الصغر. مطبوعة: مصنوعة. ~~منسدة: منغلقة. # العطب: الهلاك. تخلفت: تأخرت. مذهبي: طريقي. زفرتي في صعد: نفسي في PageV01P397 # ارتفاع. عبرتي في صبب: دمعي في انحدار. المنتجع: الموضع الخصيب الذي ~~ينتجع للمرعى، يقول: موضعكم خصيب وأنتم كرام فمن طلب منكم رزقه وجده. لهاكم: # عطاياكم. منهلة: منصبة. لاذ: تستر ولجأ. مرتاع: خائف. والنوب: جمع نائبة ~~على غير قياس، وهي الداهية، وجعل لها نابا مجازا وجنس به، وأصل الناب ms0354 للسبع. # *** # [الرجز] # ولا استدر آمل ... حباكم فما حبي # فانعطفوا في قصتي ... وأحسنوا منقلبي # فلو بلوتم عيشتي ... في مطعمي ومشربي # لساءكم ضري الذي ... أسلمني للكرب # ولو خبرتم حسبي ... ونسبي ومذهبي # وما حوت معرفتي ... من العلوم النخب # لما اعترتكم شبهة ... في أن دائي أدبي # فليت أني لم أكن ... أرضعت ثدي الأدب # فقد دهاني شؤمه ... وعقني فيه أبي # *** # استدر: طلب الدر وهو اللبن. آمل: راج. حباءكم: عطاءكم. انعطفوا: ميلوا. # منقلبي: مرجعي، يقول: عساكم أن تشفقوا علي وتميل قلوبكم بالرحمة إلي حتى ~~يحسن منقلبي من عندكم. بلوتم: جربتم. أسلمني: تركني. الكرب: الهموم. خبرتم: # اختبرتم. حسبي: شرفي. والحسب آباء أشراف بحسب أو أفعال كريمة. مذهبي: # طريقتي. خوت: جمعت. النخب المختارة. اعترتكم قصدتكم. شبهة: شك وحيرة. # دهاني: أهلكني وضرني. شؤمه: نحسه. عقني قطعني وأساء إلي بتعليمه، فهو ~~يتطير بأدبه. ### || AUTO [الأدب] # والتطير بالأدب مذهب قديم متداول، وقد أشار إليه ابن قتيبة في صدر أدبه: # وقال عمر بن شبة: من أعجب العجب ثلاثة مقارنة لثلاثة: الحرفة للأدباء، ~~وتباعد المال عن الظرفاء، وإقبال الدنيا على النوكى. # وقيل للحسن البصري رحمه الله: لم صارت الحرفة مقرونة مع العلم، والثروة ~~مقرونة مع الجهل؟ فقال: ليس كما قلتم، ولكن طلبتم قليلا في قليل فأعجزكم، ~~طلبتم PageV01P398 # المال وهو قليل في أهل العلم وهم قليل، ولو نظرتم إلى من تحارف من أهل ~~الجهل لوجدتموهم أكثر؛ وقال الحمدوني: [البسيط] # ما ازددت من أدبي حرفا أسر به ... إلا تزيدت حرفا تحته شوم # كذا المقدم في حذق بصنعته ... أنى توجه فيها فهو محروم # وقال أبو إسحاق الصابي: [الطويل] # إذا جمعت بين امرأين صناعة ... فأحببت أن تدري الذي هو أحذق # فلا تتفقد منهما غير ما جرت ... به لهما الأرزاق حين تفرق # فحيث يكون النقص فالرزق واسع ... وحيث يكون الفضل فالرزق ضيق # أخذه عبد الملك بن وهبون، فقال: [الطويل] # يعز على العلياء أني خامل ... وإن أبصرت مني خمود شهاب # وحيث ترى زند النجابة واريا ... فثم ترى زند السعادة كابي # وقال أبو إسحاق الصابي: [البسيط] # قد كنت أعجب من ms0355 مالي وكثرته ... وكيف تغفل عنه حرفة الأدب # حتى انثنت وهي كالغضبى تلاحظني ... شزرا فلم تبق لي شيئا من النشب # واستيقنت أنها كانت على غلط ... فاستدركته وأفضت بي إلى الحرب # الضب والنون قد يرجى اجتماعهما ... وليس يرجى اجتماع المال والأدب # وقال علي بن بسام يرثي عبد الله بن المعتز، على ما كان بينهما من ~~العداوة: # [البسيط] # لله درك من ميت بمضيعة ... ناهيك في العلم والآداب والحسب # ما فيه «لو» ولا «ليت» فتنقصه ... وإنما أدركته حرفة الأدب # وكان ابن المعتز قام على المقتدر، فلما ظفر به أمر فرمي في صهريج فيه ماء ~~في شدة البرد فمات. ومن عجائب الدنيا أن أباه المعتز لما خلع عن الملك أدخل ~~حماما، وأغلق عليه فمات من حره. # وكما نفوا أن يجتمع المال والفهم في الغالب، كذلك نفوا أن تجتمع النجابة ~~في الولد والوالد في الغالب، قال الشاعر. [المتقارب] # إذا أطلع الدهر حرا لبيبا ... فكن في ابنه سيئ الاعتقاد # فلست ترى من نجيب نجيبا ... وهل تلد النار غير الرماد! # ولما أوجع الفقر والحرمان القاضي عبد الوهاب لأجل أدبه على ما شرطوا في PageV01P399 # الأدب، تمنى الكفاف ولزوم العلم إلى الممات، فقال: [البسيط] # يا لهف نفسي على شيئين لو جمعا ... عندي لكنت إذا من أفضل البشر # كفاف عيش كفاني ذل مسألة ... وخدمة العلم حتى ينقضي عمري # فلما فتح عليه باب الرزق مات، على ما يأتي ذكره، فسبحان من أنفذ حكمه في ~~خلقه كيف شاء! # *** # فقلنا له: أما أنت فقد صرحت أبياتك بفاقتك، وعطب ناقتك، وسنمطيك ما يوصلك ~~إلى بلدك، فما مأربة ولدك؟ فقال له: قم يا بني كما قام أبوك، وفه بما في ~~نفسك لا فض فوك. فنهض نهوض البطل للبراز، وأصلت لسانا كالعضب الجراز، وأنشأ ~~يقول: [المجتث] # يا سادة في المعالي ... لهم مبان مشيده # ومن إذا ناب خطب ... قاموا بدفع المكيدة # ومن يهون عليهم ... بذل الكنوز العتيده # أريد منكم شواء ... وجردقا وعصيده # فإن غلا فرقاق ... به توارى الشهيده # أو لم يكن ذا ولا وذا ... فشبعة من ثريده # فإن ms0356 تعذرن طرا ... فعجوة ونهيده # فأحضروا ما تسنى ... ولو شظى من قديده # وروجوه فنفسي ... لما يروج مريده # والزاد لا بد منه ... لرحلة لي بعيده # وأنتم خير رهط ... تدعون عند الشديده # أيديكم كل يوم ... لها أياد جديده # وراحكم واصلات ... شمل الصلات المفيدة # وبغيتي في مطاوي ... ما ترفدون زهيده # وفي أجر وعقبى ... تنفيس كربي حميده # ولي نتائج فكر ... يفضحن كل قصيده # *** # قوله: «صرحت» بينت. فاقتك: فقرك، وتصريح أبياته بعطب ناقته هو قوله، ~~«أبدع PageV01P400 # بي» المتقدم، وفي معناه: أن أعرابية خرجت إلى الحج، فلما كانت ببعض ~~الطريق عطبت ناقتها، فرفعت يديها إلى السماء وقالت: يا رب أخرجتني من بيتي ~~إلى بيتك، فلا بيتي ولا بيتك! قوله: «نمطيك» نعطيك مطية. مأربة: حاجة. فه: ~~تكلم. فض: كسر. # نهض: تقدم. أصلت: جرد. العضب. الجراز: السيف القاطع. مشيدة: مرتفعة. ناب ~~خطب: قصد أمر شديد. والمكيدة، هي الكيد، وكل ما يكاد به فهو مكيدة. وقاموا ~~بدفعها: اقتدروا عليها، يقول: إذا قصدوا بأمر عظيم وكيدوا به اقتدروا على ~~دفع الكيد واكتفوا بمن يريد ضرهم. العتيدة: الحاضرة المذخورة. رقاق: خبز ~~رقيق. توارى: # تغطى. الشهيدة: الشاة المشوية، وقلما يؤكل لحمها إلا بالرقاق، وربما سموا ~~الهريسة شهيدة، وأنشدوا في ذلك: [الطويل] # هلموا إلى من عذبت طول ليلها ... بأضيق سجن في الجحيم تسعر # وقد جلدوها الحد وهي برية ... فسيروا إلى دفن الشهيدة تؤجروا # وقيل: الشهيدة الدجاجة المحشوة، وقيل: السمكة المحشوة. طرا: جميعا. # عجوة: نوع من التمر الطيب. والنهيدة: الزبدة، والتمر بالزبد شيء يلذ ~~عندهم أكله. # تسنى: حضر. شظى: قطعة. روجوه: عجلوه. ولا بد منه، أي قد وجب عليكم ~~فالتزموه لي، تقول: لا بد من كذا، معناه قد ألزمته نفسي وجعلته واجبا علي، ~~من قول العرب: قد أبد الرجل القوم، وأبد الرامي الوحش، إذا ألزمهن الحتف، ~~قال أبو ذؤيب: # [الكامل] # فأبدهن حتوفهن فهارب ... بذمائه أو بارك متجعجع (¬1) # قوله: «أياد»: أي نعم. راحكم: أكفكم. واصلات شمل الصلات: أي تؤلف وتصل ~~متفرق العطايا والفوائد. بغيتي: إرادتي. مطاوي ما ترفدون. مطاوي الثوب: # معاطفه وما يطوى منه. وترفدون: تعطون، ms0357 وتقدير البيت: بغيتي زهيدة أي ~~قليلة في مطاوي عطاياكم، أي ما طلبته منكم قليل في أثناء ما تهبون. قوله: ~~«وفي أجر»: عن أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ~~أطعم أخاه المؤمن طعاما وافق به شهوته أدخله الله الجنة». وفي حديث عبد ~~الله بن عمرو بن العاص «من أطعم أخاه خبزا حتى يشبعه وسقاه ماء يرويه أبعده ~~الله من النار سبع خنادق». تنفيس: تفريج، وترويح، يقول: # عاقبة تفريج همي لمن فرجه محمودة للأجر الذي فيها، والثناء بشعري عليه، ~~وعلى هذا رتب: «ولي نتائج فكر»: وهي أشعاره الحسان. يفضحن: يشهرن عيوبها، ~~يقول: إذا أنشدت شعري افتضحت قصائد الشعراء وتنقصت. PageV01P401 # قال الحارث بن همام: فلما رأينا الشبل يشبه الأسد، أرحلنا الوالد وزودنا ~~الولد، فقابلا الصنع بشكر نشرا أرديته، وأديا به ديته. ولما عزما على ~~الانطلاق. # وعقدا للرحلة حبك النطاق، قلت للشيخ: هل ضاهت عدتنا عدة يعقوب، أو هل ~~بقيت حاجة في نفس يعقوب! فقال: حاش لله وكلا، بل جل معروفكم وجلى، فقلت له: ~~فدنا كما دناك، وأفدنا كما أفدناك أين الدويرة، فقد ملكتنا الحيرة! . # *** # الشبل: ولد الأسد. أرحلناه: أعطيناه راحلة يركبها. الصنع: الفعل الجميل. ~~نشرا أرديته: استعارة لنشر الشكر. أديا: أعطيا. ديته: حقه، يقول: جعلا ~~شكرهما حقا لبرنا ومكافأة لصلتنا، وكأن المال الموهوب قد استهلكه الآخذ له، ~~فإن شكر عليه فالشكر للواهب هو دية ماله الهالك. وإنما أراد قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «من نشر معروفا فقد شكره، ومن ستره فقد كفره». ### || AUTO [مما قيل في الشكر] # وفي حديث جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ~~أعطي شيئا فوجد فليجر، ومن لم يجد فليثن به، فإن أثنى عليه فقدشكره، وإن ~~كتمه فقد كفره». # وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «من دعاكم فأجيبوه، ومن أتى إليكم ~~معروفا فكافئوه، فإن لم يجد أحدكم فليدع له حتى يعلم أنه قد كافأه». # وقالوا: إذا قصرت يداك عن المكافأة فليطل لسانك بالشكر. # وما ms0358 أحسن قول حبيب في نشر الشكر وذم ستره. [الكامل] # للنار نار الشوق في كبد الفتى ... والبين يوقده هوى مسموم # خير له من أن يخامر قلبه ... وهواه معروف امرئ مكتوم # سرق الصنيعة فاستمر ملعنا ... يدعو عليه النائل المظلوم # أأقنع المعروف وهو كأنه ... قمر الدجى إني إذا للئيم # مثر من المال الذي ملكتني ... أعناقه ومن الوفاء عديم # فأروح في بردين لم يسحبهما ... قبلي فتى وهما الغنى واللوم # ومن ملح الأعراب؛ أن أعرابيا لصا أخذه الحجاج، فضربه سبعمائة سوط، وهو ~~يقول عند كل سوط: شكرا يا رب، فقيل له: والله ما يمنع الحجاج من تركك إلا ~~كثرة شكرك، أما سمعت الله يقول: لئن شكرتم لأزيدنكم [إبراهيم: 7]! فأنشأ ~~الأعرابي يقول: [الرجز] PageV01P402 # يا رب لا شكر فلا تزدني ... أسات في شكرك فاعف عني # باعد ثواب الشاكرين مني # ومر بشار برجل قد رمحته بغلة فسقط مكسورا، وهو يقول: الحمد لله والشكر ~~لله، فقال: استزده يزدك من هذه النعم. # وسيأتي نوع آخر من الشعر في الشكر بحول الله تعالى. # *** # قوله: «حبك النطاق»: النطاق والمنطقة: ما يشد على وسطك كالحزام. والحبك: # خيوط أو شرك يشد بها النطاق، وأراد أنهما تحزما للارتحال، ويقال: حبكت ~~الشيء حبكا: شددته، واحتبكت إزاري: شددته. والمحبوك: المفتول، وحبكته: شددت ~~فتله، والحبك: الطرائق في السماء من أثر الغيم، والحبك أيضا: التكسير الذي ~~يكون في الرمل والشعر والماء. # ضاهت: شابهت. عدتنا: ما وعدناك به من الراحلة، ولابنك من الزاد. # *** ### || AUTO [قصة المثل: مواعيد عرقوب] # عرقوب: رجل من العماليق يضرب به المثل في إخلاف الوعد، وقصته أنه أتاه أخ ~~له يسأله شيئا، فقال له: إذا أطلعت هذه النخلة فلك طلعها، فلما أطلعت أتاه ~~فقال له: # دعها حتى تصير بلحا، فلما أبلحت أتاه، فقال له: دعها حتى تصير زهوا، فلما ~~أزهت قال له: دعها حتى تصير رطبا، فلما أرطبت قال له: دعها حتى تصير تمرا، ~~فلما أتمرت عمد إليها عرقوب من الليل فجدها، ولم يعطه شيئا. # وقيل: عرقوب هو ابن سعد بن زيد مناة بن تميم، ويقول بنو ms0359 سعد: هو منا. # وقيل: هو من الأوس والخزرج، قال علقمة: [الطويل] # وقد وعدتك موعدا لو وفت به ... كموعود عرقوب أخاه بيثرب (¬1) PageV01P403 # وقال كعب بن زهير: [البسيط] # كانت مواعيد عرقوب لها مثلا ... وما مواعيدها إلا الأباطيل (¬1) # *** # وقال عبد الله بن عمر: خلف الوعد ثلث النفاق. وحاجة نفس يعقوب: خشية ~~العين على بنيه حين أمرهم أن يتفرقوا على الأبواب، ولا يدخلوا من باب واحد، ~~لأنهم كانوا في غاية الجمال وكمال الخلق، وقال الله تعالى: ما كان يغني ~~عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها [يوسف: 68]، وأراد ~~الحريري: هل بقيت لك حاجة لم تقضها؟ فقال: حاش لله، أي معاذ الله. # ابن الأنباري قولهم: حاشى فلانا، معناه أستثنيه، وأخرجه من المذكورين ~~الفراء: # هو من حاشيت أحاشي، ويقال: قام القوم حاشى عبد الله بالنصب والخفض، وحاشى ~~لعبد الله، وحاش وحشى، وخفض ما بعدها بإضمار اللام لكثرة صحبتها حاشى، ~~كأنها ظاهرة، أو تقول: أضيفت حاشى إلى عبد الله، لأنه أشبه الاسم لما لم ~~يأت معه فاعل. # كلا: معناها الزجر، أي ليس الأمر كما تظن. جل: عظم. وهو من الجلل، ~~والجليل هو العظيم ويكون في غير هذا اليسير وهو من الأضداد، جلى: سبق ~~معروفكم كل معروف، والمجلي من الخيل: السابق. # دنا: جازنا أين الدويرة؟ سأله أين تسكن من البلاد، ملكتنا: غلبتنا، يقول: ~~قد التبس علينا أمرك وتحيرنا فيه. # *** # فتنفس تنفس من ادكر أوطانه، وأنشد والشهيق يلعثم لسانه: [مجزوء الرمل] # سروج داري ولكن ... كيف السبيل إليها # وقد أناخ الأعادي ... بها وأخنوا عليها # فو التي سرت أبغي ... حط الذنوب لديها # ما راق طرفي شيء ... مذ غبت عن طرفيها # ثم غرورقت عيناه بالدموع، وآذنت مدامعه بالهموع، فكره أن يستوكفها، ولم ~~يملك أن يكفكفها، فقطع إنشاده المستحلي، وأوجز في الوداع وولى. # *** PageV01P404 # تنفس: ردد النفس إلى الجوف بصوت ورفعه إلى صدره، والتنفس: ضد الشهيق، وهو ~~رد النفس إلى الجوف بصوت، يلعثم: يلوي ويعقل، ويقال: سأله عن كذا فما ~~تلعثم، أي ما توقف ولا تلبث ولا أبطأ، فإذا ذكرت ms0360 للغريب بلده وهو على بعد ~~منه تنفس وتلهف. أناخ: أقام ونزل. أخنوا: أفسدوا، وأتوا على خرابها. والتي ~~يبغي حط الذنوب إليها هي مكة. حط: إلقاء وإنزال. لديها: عندها، أي إذا حج ~~ودعا الله حط ذنوبه عنه. # وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ~~حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» (¬1). # راق: أعجب. طرفيها: جهتيها. اغرورقت: امتلأت. آذنت: أعلمت. الهموع: # السيلان، يستوكفها: يستدرها ويجريها، يكفكفها: يردها، المستحلي: ~~المستعذب. # أوجز: اختصر. # *** ### || AUTO [مما قيل في الحنين إلى الأوطان] # ومما ينتظم بهذا الموضع من ذكر الأوطان والتشوق إليها قوله رفاعة بن عاصم ~~الفقعسي، وأنشدها البكري لامرأة من طيئ: [الطويل] # ألم تعلمي يا دارا بلجاء أنني ... إذا أخصبت أو كان جدبا جنابها (¬2) # أحب بلاد الله ما بين منعج ... إلي وسلمى أن يصوب سحابها # بلاد بها نيطت علي ثمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها # قال علي بن عبد الكريم النصيبيني: أتاني ابن الرومي بقصيدته التي يمدح ~~فيها سليمان بن عبد الله بن طاهر، وقال لي: أنصفني وقل الحق: أيما أحسن ~~قولي في الوطن: [الطويل] PageV01P405 # ولي وطن آليت ألا أبيعه ... وألا أرى غيري له الدهر مالكا # عهدت به شرخ الشباب ونعمة ... كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا # وحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالكا # إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا # أو قول الأعرابي: أحب بلاد الله ... الأبيات، فقلت: بل قولك لأنه ذكر ~~الوطن ومحبته، وأنت ذكرت حب الوطن والعلة في ذلك. # وقال ابن الرومي يتشوق إلى بغداد: [الكامل] # بلد صحبت به الشبيبة والصبا ... ولبست ثوب العيش وهو جديد # فإذا تمثل في الضمير رأيته ... وعليه أغصان الشباب تميد # أخذه من قول أعرابي يتشوق إلى بلده: [الطويل] # ذكرت بلادي فاستهلت مدامعي ... بشوق إلى عهد الصبا المتقادم # حننت إلى ربع به اخضر شاربي ... وقطع عني قبل عقد التمائم # وقال إسحاق الموصلي: [الطويل] # أتبكي على بغداد وهي قريبة ... فكيف إذا ما ازددت عنها ms0361 غدا بعدا # لعمرك ما فارقت بغداد عن قلى ... لو أنا وجدنا من فراق لها بدا # كفى حزنا أن رحت لم أستطع لها ... وداعا ولم أحدث لساكنها عهدا # وأنشدني أن شيخنا أبو بكر السلامي وكان يزعم أنهما لأخي الحريري، وقد ~~أحسن قائلهما كائنا من كان: [البسيط] # طيب الهواء ببغداد يؤرقني ... شوقا إليها وإن عاقت مقادير # فكيف أصبر عنها اليوم إذ جمعت ... طيب الهواءين: ممدود ومقصور PageV01P406 ### | AUTO المقامة الخامسة عشرة وهي الفرضية # أخبر الحارث بن همام قال: أرقت ذات ليلة حالكة الجلباب. هامية الرباب، ~~ولا أرق صب طرد عن الباب، ومني بصد الأحباب، فلم تزل الأفكار يهجن همي، ~~ويجلن في الوساوس وهمي، حتى تمنيت لمضض ماعانيت، أن أرزق سميرا من الفضلاء، ~~ليقصر طول ليلتي الليلاء، فما انقضت منيتي، ولا أغمضت مقلتي، حتى قرع الباب ~~قارع، له صوت خاشع، فقلت في نفسي: لعل غرس التمني قد أثمر، وليل الحظ قد ~~أقمر، فنهضت إليه عجلان، وقلتمن الطارق الآن! فقال: غريب أجنة الليل، وغشيه ~~السيل، ويبتغي الإيواء لا غير، وإذا أسحر قدم السير. # *** # أرقت: سهرت ولم أنم، وفي حديث زيد بن ثابت: شكوت إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أرقا أصابني، فقال: «قل اللهم غارت النجوم، وهدأت العيون، وأنت ~~حي قيوم، لا تأخذك سنة ولا نوم، يا حي يا قيوم، أهدئني ليلي، وأنم عيني». ~~فقلتها فأذهب الله عني ما كنت أجده. # حالكة الجلباب: سوداء الثوب، هامية الرباب: سائلة السحاب؛ يريد أن الليلة ~~مظلمة ممطرة، صب: عاشق. طرد: نفي. مني ابتلى. صد: هجر. الأفكار: أحاديث ~~النفس. يهجن: يحركن. ويجلن: يصرفن والوساوس الفكر المقلقة، وهمي: بالي ~~وخاطري، وقال ابن شهيد في نحو هذه الليلة: [الكامل] # ولرب ليل للهموم تسدلت ... أستاره فمحا الضيا بستوره # كالبحر يضرب موجه في موجه ... صعب على العبار وجه عبوره # طاولته من عزمتي بتصبر ... أثبت همي في قرارة كوره # وبراحة من همتي ذو كرة ... عمدت تذاكرني بطبع ذكيره # فرد إذا انبعثت دياجي جنحه ... هولا علي خبطت في ديجوره # حتى بدا عبد العزيز لناظري ms0362 ... أملي، فمزقت الدجى عن نوره PageV01P407 # وليلة الحريري ضد ليلة ابن رشيق في قوله: [الطويل] # ومن حسنات الدهر عندي ليلة ... من العمر لم تترك لأيامنا ذنبا # خلونا ننفي القذى عن عيوننا ... بلؤلؤة مملوءة ذهبا # وملنا لتقبيل الخدود ولثمها ... كميل جياع الطير تلتقط الحبا # قوله: «تمنيت». ابن الأنباري: في معناه قدرت وأحببت أن يصير إلي، وهو من ~~المنى وهو القدر، يقال: منى الله لك ما تحبه يمنيه منيا، أي قدره لك. لمضض، ~~أي لحرقة، عاينت: شاهدت، ويروى «عانيت» أي قاسيت، سميرا: صاحبا يسمر معه ~~يقصر: يردها قصيرة بأنسه وحديثه. الليلاء: الشديدة الطويلة السواد، ولابن ~~الزقاق في مثل هذا السمير: [الخفيف] # رب ليل أتحفت فيه بأنس ... من سمير زف الحديث عروسا # فاجتنينا مما يحدث زهرا ... واغتبقنا من خلقه خندريسا # وانثنى الليل يفضل الصبح حسنا ... والدراري يفضلن فيه الشموسا # ولئن كان لم يحل عن دجاه ... فلقد عاد فحمه آبنوسا # قوله: «أغمضت مقلتي»، نامت عيني. قرع: ضرب. خاشع: لين. أثمر: طلع ثمره، ~~الحظ: البخت. أقمر: صار قمر، يقول: لعل: بختي قد زال نحسه وأقبل سعده إذ ~~وجدت ما تمنيت، نهضت: تقدمت. الطارق: الآتي بالليل أجنه: ستره. غشيه: غطاه، ~~الإيواء مصدر آويت الرجل، إذا أنزلته على نفسك وضممته، وتقول: أويته وآويت ~~بمعني واحد. أسحر: دخل في وقت السحر، يريد أنه لا يطلب غير المبيت وينصرف ~~في السحر. # *** # قال: فلما دل شعاعه على شمسه، ونم عنوانه بسر طرسه، وعلمت أن مسامرته ~~غنم، ومساهرته نعم، ففتحت الباب بابتسام، وقلت ادخلوها بسلام، فدخل شخص قد ~~حنى الدهر صعدته، وبلل القطر بردته، فحيا بلسان عضب، وبيان عذب، ثم شكر على ~~تلبية صوته، واعتذر من الطروق في غير وقته، فدانيته المصباح المتقد، ~~وتأملته تأمل المنتقد، فألفيته شيخنا أبو زيد بلا ريب؛ ولا رجم غيب، ~~فأحللته محل من أظفرني بقصوى الطلب ونقلني من وقذ الكرب، إلى روح الطرب، ثم ~~أخذ يشكو الأين وأخذت في كيف وأين. فقال: أبلعني ريقي، فقد أتعبني طريقي، ~~فظننته مستبطنا للسغب، متكاسلا لهذا السبب، فأحضرته ما يحضر للضيف ms0363 المفاجئ، ~~في الليل الداجي. # *** PageV01P408 # الشعاع: ما يبدو لك من الشمس إذا ظهرت كالخيال، نم: أفشى السر: والطرس: # الكتاب. العنوان: ما يكتب على ظهره، يريد أن كلام الطارق تدل على مراده. # والمسامرة. هي المساهرة. غنم: غنيمة، نعم: نعمة. بسلام، أي بسلامة وأمن. قوله: # «صعدته»، الصعدة: الرمح الطويل، وكني به عن القامة. بردته: ثوبه. عضب: قاطع. # تلبية: قولي له: لبيك. الطروق: المجيء بالليل. دانيته: قربت منه، تأملته: ~~نظرته المنتقد: المجرب للدراهم، أي نظرته بعين المباحثة، ألفيته: وجدته، ~~ريب: شك. رجم الغيب: رمى الظن. أظفرني: ملكني. قصوى: غاية. هي مؤنث الأقصى ~~أي الأبعد. # وقذ الكرب. حرقة الهموم: روح الطرب: راحة السرور. الأين: التعب كيف: سؤال ~~عن حال. وأين: سؤال عن مكان، أي سألته كيف حالك، ومن أين جئت. أبلعني ريقي، ~~أي لا تكثر علي السؤال فيجعلني جوابك عن بلع ريقي. السغب: الجوع، وقد سغب ~~وسغب جاع. الداجي: المظلم. # *** # فانقبض انقباض المحتشم، وأعرض إعراض البشم، فسؤت ظنا بامتناعه، وأحفظني ~~حئول طباعه، حتى كدت أغلظ له في الكلام، وألسعه بحمة الملام، فتبين من ~~لمحات ناظري، ما خامر خاطري، فقال: يا ضعيف الثقة، بأهل المقة، عد عما ~~أخطرته بالك، واستمع إلي لا أبا لك! فقلت: هات، يا أخا الترهات، فقال: اعلم ~~أني بت البارحة حليف إفلاس، ونجي وسواس، فلما قضى الليل نحبه، وغوره الصبح ~~شهبه، غدوت وقت الإشراق، إلى بعض الأسواق؛ متصديا لصيد يسنح أو حر يسمح، ~~فلحظت بها تمرا قد حسن تصفيفه، وأحسن إليه مصيفه، فجمع على التحقيق، صفاء ~~الرحيق، وقنوء العقيق، وقبالته لبأ قد برز كالإبريز الأصفر، وانجلى في ~~اللون المزعفر، فهو يثني على طاهيه، بلسان تناهيه، ويصوب رأي مشتريه، ولو ~~نقد حبة القلب فيه. # *** # المحتشم: المستحي هنا. أعرض: نحى وجهه. وتحقيقه: ولى عرضه، أي جانبه. ~~البشم: الكسل من الشبع وقد بشم بشما: مرض من كثرة الأكل. سؤت ظنا: # أساء ظني، وظنا المنصوب على التميز فاعل في المعنى، من باب تفقأ شحما. ~~أحفظني: # أغضبني. حئول طباعه: تغير أخلاقه. حمة الملام: سم العتاب. ألسعه: أقرصه ms0364 ~~بلساني، ولسعته العقرب: ضربته بإبرتها. # لمحات ناظري، أي خطرات عيني، خامر خاطري، خالط فكري المقة: الحب. # عد، أي اصرفه عن نفسك، الترهات: العجائب، وأيضا الأباطيل، وأصلها الطرق ~~الصغار المتشعبة عن الطريق الأعظم. حليف إفلاس: ملازم فقر. نجي: محدث. ولما ~~كانت الوساوس تشغل بال الإنسان وتجعله يتحدث وحده جعل نفسه محدثا لها. قضى ~~نحبه: PageV01P409 # تم وانقضى، وقضى الرجل نحبه: مات، والنحب: النذر. وغور: غيب. شهبه: # نجومه. والإشراق: الارتفاع الشمس وصفاؤها الأسواق: جمع سوق وسميت سوقا، ~~لأن الأشياء تساق إليها، وتساق منها، أو لأن سوق الناس تكثر فيها. والسوق: ~~جمع ساق، والسوق بالفتح: مصدر سقت، وبالضم الاسم، متصديا: متعرضا. # يسنح: يعرض من جهة اليمين ويزاد بيانا عند ذكر السانح والبارح، يسمح: ~~يجود، لحظت: نظرت، ولحظت: أضيق عيني، أي أبصرت بضيق عيني. تصفيفه، أي جعله ~~صفا واحدا، وصففت الشيء: جعلته صفا واحدا مضموما. # المصيف: زمن الصيف. الرحيق: الخمر، قنوء: حمرة. العقيق: خرز أحمر. # عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تختموا ~~بخواتيم العقيق فإنه لا يصيب أحدكم غم ما دام عليه ذلك» واللبأ: أول ما ~~يحلب من اللبن وهو لم ينضج. برز: # ظهر. الأبريز: الذهب الخالص. المزعفر: المصبوغ بالزعفران. # ويروى: «المعصفر»، وهو المصبوغ بالعصفر، وطاهيه: طابخة: تناهيه غايته ~~وكماله، يقول: هذا اللبأ بحسن صنعته وجودة طبخه كأنه يثني للمشترين على ~~طابخه وإن لم يكن له لسان، فكماله في الحسن وجودته في الصنعة قام له مقام ~~اللسان، ويسمى هذا الكلام بلسان الحال قال الشاعر: [الكامل] # ولسان نعمتك التي قلدتني ... بالشكر أبلغ من لسان بياني # وقال المتنبي: [المنسرح] # تنشد أثوابنا مدائحه ... بألسن ما لهن أفواه (¬1) # إذا مررنا على الأصم بها ... أغنته عن مسمعيه عيناه # أخذه من قول نصيب: [الطويل] # فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب (¬2) # وقال أبو العتاهية: [المتقارب] # أيا عجبا كيف يعصي الإل ... ه أم كيف يجحده الجاحد! (¬3) # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد # ولله في كل تسكينه ... وتحريكة في الورى شاهد ms0365 PageV01P410 # وقال الفضل بن عيسى الرقاشي: سل الأرض: من غرس أشجارك، وشق أنهارك، وجنى ~~ثمارك؟ فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا. # ومنه سؤال العرب للمنازل الخالية والديار الدارسة، وقال شاعرهم: [الطويل] # وأجهشت للتوباد حين رأيته ... وكبر للرحمن حين رآني # وأذريت دمع العين لما رأيته ... ونادى بأعلى صوته فدعاني # فقلت له أين الذين عهدتهم ... حواليك في أمن وخصب زمان! # فقال مضوا واستودعوني ديارهم ... ومن ذا الذي يبقي على الحدثان! # التوباد: جبل بني عامر، وجوابه لهذا الشاعر بالمعنى، فجعله لفظيا مجازا، ~~وهذه الحالة الدالة التي سماها الجاحظ في أقسام البيان النصبة، قال الجاحظ: ~~جمع أصناف الدلالة على المعاني من لفظ أو غيره خمسة لا تنقص ولا تزيد، ~~أولها اللفظ ثم الإشارة، ثم العقد، ثم الخط، ثم النصبة، والعقد؛ أخذ العدد ~~في الأصابع. # قوله: «نقد»، أي أعطى نقدا، وهو المال الحاضر، حبة القلب: سواده. # *** # فأسرتني الشهوة بأشطانها، وأسلمتني العيمة إلى سلطانها، فبقيت أحير من ~~صب، وأذهل من صب، لا وجد يوصلني إلى نيل المراد، ولذة الازدراد، ولا قدم ~~يطاوعني على الذهاب، مع حرقة الالتهاب، لكن حداني القرم وسورته، والسغب ~~وفورته، على أن أنتجع كل أرض، وأقتنع من الورد ببرض، فلم أزل سحابة ذلك ~~النهار، أدلي دلوي إلى الأنهار، وهي لا ترجع ببلة، ولا تجلب نقع غلة، إلى ~~أن صفت الشمس للغروب، وضعفت النفس من اللغوب، فرحت بكبد حرى، وانثنيت أقدم ~~رجلا وأؤخر أخرى. # *** # أسرتني: ربطتني كالأسير. أشطانها: حبالها. أسلمتني: تركتني. العيمة: شهوة ~~اللبن. وسلطانها: قدرتها وغلبتها، يريد أن الشهوة إلى اللبأ قهرته حتى ~~تركته مستسلما لا يملك نفسه. ### || AUTO [الضب] # الضب: يشبه الحرذون، وهو حرذون الصحراء وإذا فارق جحره لم يهتد إليه ~~فيتحير. فيجعل حجرا عند جحره، واقفا ليهتدى به، فإذا أزاله الصائد تحير، ~~فجاء فأخذه، وربما قتله بذلك الحجر، قال الشاعر: [الوافر] PageV01P411 # وإن الضب ذو دهي ومكر ... كما اليربوع والذئب اللعين # يرى مرداته من رأس ميل ... ويأمن سيل بارقة هتون # ويدخل عقربا تحت الذنابي ... رواغ الفهد من أسد كمين # جعل الذئب لعينا، لأن ms0366 من رآه صاح عليه، ومرداته: حجره، والعقرب يعده الضب ~~للصائد إن أدخل يده في جحره، وأخذ بذنبه، لسعته العقرب، وربما أكل العقارب ~~وترك منها واحدا في باب جحره للصائد، قال الشاعر: [الطويل] # وأخدع من ضب إذا جاء حارش ... أعد له عند الذنابة عقربا (¬1) # والضب، أي وصف بالضلال وقالوا في بيت المتنبي: [الطويل] # لقد لعب البين المشت بها وبي ... وزودني في السير ما زود الضبا (¬2) # أراد أنه زودني الضلال عن وطني، الذي خرجت منه، فما أوفق للعود إليه، ~~والاجتماع مع الحبيب. # وقال الواحدي يقول: جعل البين زادي زاد الضب، والضب لا يتزود في المفازة، ~~ومعناه: فارقت الحبيب من غير وداع ولا التقاء يكون لي زادا على البعد. ~~ويقال أيضا: # أخدع من ضب، وذلك أنه يطمع الصائد في نفسه، فإذا حنق عليه خدع في جحره، ~~ومنه أخذ معنى الخداع. # ويقال فيه: إنه أعق من ضب، وذلك أنه يأكل أولاده، ويكنى أبا الحسل ويسمي ~~ولده الحسل، وأمثال العرب به كثيرة. ويزعمون أنه كان حكما في الدواب في ~~الزمان، الذي كانت فيه الحيوان تتكلم. وعنه يروون: في بيته يؤتى الحكم، ~~يعني نفسه. وفيه خواص ليست في الحيوان، تزعم العرب أنه لا يشرب الماء، وإذا ~~أخذه العطش صعد ربوة واستقبل الريح، وأنه طويل العمر. ويقولون: إنه أحيا من ~~ضب، يريدون أن حياته لا تكاد تنقضي، وأنه لا يسقط له سن، وأنه أطول الدواب ~~دما، وإذا ذبح يبقى زمانا، وحينئذ يموت، وأن له ذكرين ولأنثاه فرجين. # *** # «أذهل من ضب»: أي أشغل قلبا من عاشق، ووساوس العشق أفضت ببعض العشاق إلى ~~الجنون، وجد: غنى، وقد وجدت وجدا، أي كثر مالي والازدراد: كثرة الأكل، ~~وزردت الطعام وازدردته إذا ابتلعته، الالتهاب: اشتغال نار الجوع. حداني: # ساقني، القرم: شهوة اللحم، وأراد به شهوة الأكل. سورته: شدته. وفورة ~~السغب: PageV01P412 # غليان الجوع. أنتجع: أمشي في طلب ما آكل، والورد: الحظ من الماء. والبرض: ~~قليل الماء. سحابة ذلك النهار، أي طوال ذلك النهار، كما تقول: بياض يومي، ~~أي يومي كله، أي لم يزل ms0367 طول يومه يستجدي فلم يعط شيئا. نقع غلة: إرواء عطش صغت: # مالت. اللغوب: الفشل. حرى: ملتهبة، انثنيت: رجعت. ### || AUTO [المقامة المجاعية] # أطال أبو محمد هذه المقامة حتى كادت تثقل على السامع، وللبديع فيما يتعلق ~~بمعناها مقامة بتراء فلو زيد في البديعية وقصر في الحريرية لاعتدلتا. وها ~~أنا أذكر البديعية هنا بجملتها؛ لرشاقتها وخفتها. # قال عيسى بن هشام: كنت ببغداد عام المجاعة، فدفعت إلى جماعة قد نظمهم سلك ~~الثريا، وكلهم يطلب شيئا، وفيهم ذو لثغ في لسانه وفلج في أسنانه فقال: ما ~~خطبك؟ فقلت: حالات لا يفلح صاحبهما، فقير كده الجوع، وغريب ليس يمكنه ~~الرجوع، فقال، أي الثلمتين تريد سدها؟ فقلت: الجوع يا سيدي، وقد بلغ مني ~~مبلغه فقال: ما تقول في رغيف، على خوان نظيف، ونقل قطيف، على لون لطيف، ~~وخردل حريف، إلى شواء صفيف، يقربه إليك من لا يماطلك بوعد، ولا يعذبك بصد. ~~[ثم يعلك بعد ذلك بأقداح ذهبية، من راح عنبية]، أذاك أحب إليك أم أوساط ~~محشوة وأكواب مملوءة، وأنقال معددة، وفرش منضدة، [وأنوار مجودة] ومطرب ~~مجيد، له من الغزال عين وجيد، فإن لم ترد هذا ولا ذلك، فما تقول في لحم ~~طيري، وسمكبحري، وباذنجان مقلي، وراح نقي، وتفاح جني، ومضطجع وطي، على حذاء ~~نهر جار، وبركة ذات ثرثار. # فقلت: أنا عبد الثلاثة، فقال: وأنا خادمها لو حضرت، فقلت من أي الحجرات ~~أنت؟ فقال: [الكامل] # من ربعة الإسكندرية ... من نبعة فيهم زكيه # سخف الزمان وأهله ... فركبت من سخفي مطيه # *** # وبينما أنا أسعى وأقعد، وأهب وأركد؛ إذ قابلني شيخ يتأوه آهة الثكلان، ~~وعيناه تهملان، فما شغلني ما أنا فيه من داء الذئب، والخوى المذيب، عن ~~تعاطي مداخلته، والطمع في مخاتلته، فقلت له: يا هذا، إن لبكائك سرا، ووراء ~~تحرقك لشرا، فأطلعني على برحائك، واتخذني من نصحائك، فإنك ستجد مني طبا ~~آسيا، أو عونا مواسيا، فقال: والله ما تأوهي من عيش فات، ولا من دهر افتات، ~~بل لانقراض العلم ودروسه، وأفول أقماره وشموسه، فقلت: وأي حادثة نجمت، ~~وقضية PageV01P413 # استعجمت حتى ms0368 هاجت لك الأسف، على فقد من سلف. فأبرز رقعة من كمه، وأقسم ~~بأبيه وأمه، لقد أنزلها بأعلام المدارس، فما امتازوا عن الأعلام الدوارس، ~~واستنطق لها أحبار المحابر، فخرسوا ولا خرس سكان المقابر، فقلت: أرينها ~~فلعلي أغني فيها، فقال: ما أبعدت في المرام؛ فرب رمية من غير رام، ثم ~~ناولنيها، فإذا المكتوب فيها: # *** # قوله: «أسعى»، أي أمشي مسرعا، أهب وأركد: أتحرك وأسكن، أراد أجري وأقف، ~~وأصل الهبوب والركود للربح، يتأوه: يتوجع ويقول: آه، وهو قول الحزين. # آهة الثكلان: توجع الفاقد لأحبابه. تهملان: تسيلان، وداء الذئب: هو ~~الجوع، والذئب أصبر السباع على الجوع وأعفها، وإذا افترس شاة أكل منها شبعة ~~وترك سائرها ولم يرجع إليها، وعافة إن أروح (¬1) الخوى: خلو الجوف من ~~الطعام. # المذيب: المذهب اللحم والقوى. التعاطي: تناول ما لا تحب. ومداخلته: معرفة ~~سره. مخاتلته: مخادعته. تحرقك: توجعك، والبرحاء: الشدة والمشقة. طبا: # حاذقا. آسيا: طبيبا. مواسيا: معينا، والمواساة تكون بالنفس أو بالمال، ~~ويشاكل كلامه قول الشاعر: [الطويل] # ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة ... يواسيك أو يسليك أو يتوجع (¬2) # افتات: ظلم وجاوز الحد. انقراض: انقطاع. دروسه: محوه. أفول: مغيب، وكنى ~~بالأقمار والشموس عن مشاهير العلماء، وبأفولهم عن هلاكهم، قال أبو الدرداء ~~رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «موت العالم مصيبة ~~لا تجبر، وثلمة لا تسد، ونجم طمس، وموت قبيلة أيسر من موت عالم» (¬3)، ~~حادثة: نازلة وأمر حدث، نجمت: ظهرت. قضية: قصة، استعجمت. أشكلت. هاجت: ~~حركت. الأسف: # الحزن. سلف: مات وذهب. أعلام: مشاهير، وأصلها الجبال يستدل بها على ~~مجاهيل الأرض. المدارس: جمع مدرسة، وهي المحاضر التي يدرس فيها العلم. ~~امتازوا: # افترقوا. والأعلام الدوارس: الجبال المقفرة الخالية من الأشجار والعمران. ~~استنطق: # استخبر، وسألهم أن ينطقوا ويجيبوا عنها. أحبار: علماء. خرسوا: سكتوا. ~~أغني: أقرب وأنفع. المرام: الطلب. # *** PageV01P414 ### || AUTO [قصة المثل: رب رمية من غير رام] # رب رمية من غير رام، أي قد يصيب الغرض من ليس له علم بالرماية، وهو مثل، ~~قاله حكيم بن عبد يغوث المنقري، وكان حكيم ms0369 من أرمى الناس، فأقسم يوما ~~ليعقرن ولا بد، فخرج ومعه قوسه فرمى ولم يصنع شيئا، فبات ليله بأسوإ حال، ~~وفعل في اليوم الثاني والثالث كذلك، فلما أصبح قال لقومه: ما أنتم صانعون، ~~فإني قاتل اليوم نفسي إن لم أعقر اليوم مهاة؟ فقال له ابنه: يا أبت احملني ~~معك، أرفدك، فقال: وما أحمل من رعش وهل، جبان فشل، فانطلقا فإذا هما بمهاة ~~فرماها فأخطأها، ثم مرت به أخرى، فقال له ابنه مطعم: يا أبت ناولني القوس، ~~فغضب أبوه وهم أن يعلوه بها، فقال له مطعم: أحمد بحمدك، فإن سهمي سهمك، ~~فناوله القوس، فرمى مطعم فلم يخطئ، فقال عند ذلك حكيم: رب رمية من غير رام، ~~وقال: [الوافر] # رماها مطعم من غير علم ... بمس القوس لم يخطئ صلاها # وكان أبوه قد آلى عليها ... فلم تبرر أليته مهاها # *** # [الخفيف] # أيها العالم الفقيه الذي فا ... ق ذكاء فما له من شبيه # أفتنا في قضية حاد عنها ... كل قاض وحار كل فقيه # رجل مات عن أخ مسلم حر ... تقي من أمه وأبيه # وله زوجة لها أيها الح ... بر أخ خالص بلا تمويه # فحوت فرضها وحاز أخوها ... ما تبقى بالإرث دون أخيه # فاشفنا بالجواب عما سألنا ... فهو نص لا خلف يوجد فيه # فلما قرأت شعرها، ولمحت سرها، قلت له: على الخبير سقطت، وعند ابن بجدتها ~~حططت، إلا أني مضطرم الأحشاء، مضطر إلى العشاء؛ فأكرم مثواي، ثم استمع ~~فتواي؛ فقال: لقد أنصفت في الاشتراط؛ وتجافيت عن الاشتطاط؛ فصر معي إلى ~~مربعي لنظفر بما تبتغي، وتنقلب كما ينبغي. قال: فصاحبته إلى ذراه، كما حكم ~~الله. فأدخلني بيتا أحرج من التابوت، وأوهن من بيت العنكبوت، إلا أنه جبر ~~ضيق ربعه، بتوسعة ذرعه، فحكمني في القرى، ومطايب ما يشترى؛ فقلت: أريد أزهى ~~راكب على أشهى مركوب، وأنفع صاحب مع أضر مصحوب. # *** # قوله: «فاق»، أي فضل. ذكاء: حدة ذهن. حاد: مال. PageV01P415 # قوله: «رجل مات عن أخ .. »، البيت. # فائدة ذكر الأخ، إثبات النسب، لأن الأجنبي لا يرث، وفائدة ذكر المسلم أن ~~أهل ms0370 دينين لا يتوارثان، وفائدة ذكر الحر أن العبد لا يرث الحر، وأما التقي، ~~فما لقيت من أشياخنا من نبه عليه، حتى حدثني به الفقيه أبو العباس الليثي، ~~عرف بالحضار، فقال فائدة لطيفة، وهي التحرز من قاتل العمد، لأنه لا يرث ~~وليه، فأراد أن موجبات التوارث قد كملت لهذا الوارث، ومع هذا لم يرث أخاه. # والحبر: العالم. تمويه: شك وكذب. حوت: حازت. الإرث: لغة في الورث، وهو ~~بالهمز بدل من الواو. لمحت: أي نظرت، واللمحة نظرة غير متمكنة. ابن بجدتها: # عالم سرها، ويقال: بجد في المكان إذا أقام به، والمقيم بالموضع عالم به. ~~وقيل: أصله من قولهم: فلان من أهل البجد، أي من أهل البادية، وهم العلماء ~~باللسان على ما وضع. حططت: نزلت، والخبير، عالم الخبر، وهذه أمثال للعالم ~~بحقيقة الشيء. # مضطرم: متقد. مثواي: منزلي، وأكرمت مثوى الضيف، إذا أحسنت نزله ووطأت له. # فتواي: ما أفتيك به. الاشتراط والشرط بمعنى. تجافيت: تباعدت. الاشتطاط: ~~مجاوزة الحد. مربعي: منزلي. تظفر: تفوز، وأصله من الظفر، كأنه إذا ظفر بشيء ~~أنشب أظفاره فيه. تنقلب: ترجع. ذراه: منزله، وكل ما كان من حائط وشبهه ذرى. ~~أحرج: أضيق. # أوهن: أضعف. جبر: أصلح. توسعة ذرعه: سعة خلقه واحتماله. القرى: طعام ~~الضيف. مطايب: جمع طيب، على غير قياس. أزهى: أعجب، والزهو الكبر، وكانوا ~~يصففون التمرة على اللبأ عند بيعه، فيريد بالراكب التمر وبالمركوب اللبأ؛ ~~لأنهم يشقون التمرة ويغترفون بنصفها من القدح الذي فيه اللبأ. ويريد: بأنفع ~~صاحب التمر، وبأضر مصحوب اللبأ، وهذا يوافق قول الأعرابي: [الطويل] # ألا ليت لي خبزا من التمر واللبا ... وخيلا من البرني فرسانها الزبد # فأطلب فيما بينهن شهادة ... بموت كريم لا يعد له لحد # والبرني من أفضل التمر، وقال صحار الكلبي: [المتقارب] # أكلت الضباب فما عفتها ... وإني لأهوى قديد الغنم # وركبت زبدا على تمرة ... فنعم الطعام ونعم الأدم # والعرب تقول: على الثمرة مثلها زبدا، وقيل في تفسيره بالعكس، لأن الأطباء ~~يقولون: إن التمر مضر سريع العفن، يولد السداد (¬1)، ويقولون أيضا: إنه حار ~~رطب ملين للبطن ms0371 يولد المني، فيقابل ضرره نفعه، وكفى لنا أنه قوت يكتفى معه ~~بأدنى الطعام، وفيه قوة زائدة، وبالجملة فاللفظ مشكل، وما وجدت من يحققه. PageV01P416 # ويستملح من كلام الحريري أنه أراد بالراكب وبأنفع صاحب التمر، لأنه قدمه ~~في التفسير حين قال: لعلك تعني ابنة نخيلة، مع لبإ سخيلة، وليس في الأبيات ~~المتقدمة شاهد على اللبأ، لأن حكم الزبد للزوجة، وتعلقه بالتمرة غير حكم ~~اللبأ، فبالحرى يقرن اللبأ بالتمر إذا شقت، وجعله أضر مصحوب لأنه لبن لم ~~ينضج، والنار تقطع بعض ضرره. # وقال الفنجديهي: أزهى راكب التمر، أي أحسن منظرا وأكثر حمرة، وأشهى مركوب ~~اللبأ وجعل التمر راكبا واللبأ مركوبا، لأن التمر يجتنى من رءوس النخل، فهو ~~كالراكب، ولأن اللبأ يضع تمرات فوق اللبأ والرائب، ليزيد رغبة المشتري فيه. ~~وجعل التمر أنفع صاحب، لاكتفاء العرب به عن جميع المطعومات، حتى يبقى أحدهم ~~دهرا لا يأكل إلا التمر، ولا يضره ذلك، وجعل اللبأ أضر مصحوب، لأنه يولد ~~الصفراء. # وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: إنا كنا آل محمد صلى الله عليه وسلم ~~نمكث شهرا لا نستوقد نارا؛ إن هو إلا الأسودان: الماء والتمر (¬1). # وقال صلى الله عليه وسلم: «بيت لا تمر فيه جياع أهله» (¬2). # والعرب تستحسن أكل الزبد مع التمر، قال سفيان الثوري: ما رأيت أحسن من ~~زبدة على إزادة. # وقال معاوية لعبد الرحمن بن أبي بكر: أي اللقمة أطيب؟ قال: تعضوضة عليها ~~مثلها زبدا، والإزاد نوع من التمر، والتعضوض تمر أسود. # وقالوا: ما أكلنا تمرا أحمد من التعضوض، أي أشد حلاوة، وتاؤه زائدة. # *** # فأفكر ساعة طويلة، ثم قال: لعلك تعني بنت نخيلة، مع لبإ سخيلة، فقلت: # إياهما عنيت، ولأجلهما تعنيت، فنهض نشيطا، ثم ربض مستشيطا، وقال: اعلم ~~أصلحك الله، أن الصدق نباهة، والكذب عاهة؛ فلا يحملنك الجوع الذي هو شعار ~~الأنبياء، وحلية الأولياء على أن تلحق بمن مان، وتتخلق بالخلق الذي يجانب ~~الإيمان، فقد تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، وتأبى الدنية ولو اضطرت PageV01P417 # إليها. ثم إني لست لك بزبون، ولا أغضي على صفقة ms0372 مغبون، وها أنا قد أنذرتك ~~قبل أن ينهتك الستر، وينعقد فيما بيننا الوتر، فلا تلغ تدبر الإنذار، وحذار ~~من المكاذبة حذار. # *** # قوله: «سخيلة»، السخيلة: ولد الشاة ذكرا كان أو أنثى. تعنيت: تعبت. # وقال أعرابي: أنا أشتهي ثريدة دكناء من الفلفل، رقطاء من الحمص، ذات ~~جناحين من اللحم، لها جناحان من الفواق، فأضرب فيها كما يضرب ولي السوء في ~~مال اليتيم. # وقال رجل لأعرابي: ما يسرني لو بت ضيفا لك، قال: لو بت ضيفا لي أصبحت ~~أبطن من أمك قبل أن تلدك بساعة. # قيل لأشعب: ما تقول في ثريدة مغمورة بالسمن، مشقفة باللحم؟ قال: فأضرب ~~كم؟ قالوا: تأكلها من غير ضرب. قال: هذا ما لا يكون، ولكن لم أضرب أو أتقدم ~~على بصيرة؟ . # وقيل لمزبد- وقد أكل طعاما كظه: قئه، فقال: وما فيه! خبز نقي، ولحم جدي ~~طري، امرأته طالق لو وجدت قيئا لأكلته. # قوله: «نهض»، تقدم للمشي. نشيطا: أي خفيفا، وهي من الأنشوطة. ربض: # نزل. مستشيطا: شديد الغضب. نباهة: رفعة. عاهة: آفة وعيب. شعار: علامة، ~~وشعار المؤمنين في الحرب «لا إله إلا الله»، أي علامتهم، والأنبياء عليهم ~~السلام منزهون عن شهوات المطاعم. # أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نور الحكمة الجوع ~~والتباعد من الله الشبع، والقربة إليه حب المساكين والدنو منهم. لا تشبعوا ~~فتطفئوا نور الحكمة من قلوبكم، ومن بات يصلي في خفة من الطعام، بات حور ~~العين حوله حتى يصبح». # أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ~~«ما أحوجك إلى الجلوس؟ قال: الجوع، فبكيت، فقال: لا تبك، فإن شدة القيامة ~~لا تصيب الجائع إذا ما احتسب». # قوله: «حلية»: صفة يتحلون بها. وتتخلق: تتطبع. يجانب: يباعد. وأشار لقوله ~~صلى الله عليه وسلم، قيل: أيكون المؤمن كذابا؟ قال: لا. # عمر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يبلغ صريح ~~الإيمان عبد حتى يدع المزاح والكذب والمراء، وإن كان محقا» (¬1). PageV01P418 # وقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: اتقوا ms0373 الكذب، فإن الكذب يجانب الإيمان. # *** ### || AUTO [قصة المثل: تجوع الحرة ولا تأكل ثدييها] # قوله: «تجوع الحرة ولا تأكل ثدييها»، أي لا ترضع لبنها بالأجرة، ثم ~~تأكلها، وهو مثل يضرب للذي لا يمنعه من صيانته شدة فقره، وهذا المثل للحارث ~~بن سليل الأسدي، وكان خطب إلى علقمة بن خصفة الطائي- وكان شيخا فقال علقمة ~~لامرأته: # اختبري ما عند ابنتك، فقالت: أي بنية، أي الرجال أحب إليك؟ الكهل الجحجاح ~~الواصل المياح، أم الفتى الوضاح، الذهول الطماح؟ قالت: بل الفتى، قالت: إن ~~الفتى يغيرك، وإن الشيخ يعيرك، قالت: يا أماه إن الفتى شديد الحجاب، كثير ~~العتاب، يا أماه أخشى من الشيخ أن يدنس ثيابي ويبلي شبابي، ويشمت بي ~~أترابي. فلم تزل أمها بها حتى غلبتها على رأيها. فتزوجها الحارث، ثم ارتحل ~~بها إلى أهله، وإنه لجالس ذات يوم بفناء قبته، وهي إلى جانبه إذ أقبل شباب ~~من بني أسد يعتلجون، فتنفست الصعداء ثم بكت، فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: ما ~~لي وللشيوخ، الناهضين كالفروخ، من كل حوقل فنيخ، فقال: ثكلتك أمك! تجوع ~~الحرة ولا تأكل بثدييها، ثم قال: وأبيك لرب غارة شهدتها، وسبية أردفتها، ~~وخمرة شربتها، فالحقي بأهلك، فلا حاجة لي فيك. # قولها: «الجحجاح»: السيد السمح. والمياح: الكثير المعروف، ويغيرك يتزوج ~~عليك، ويعيرك: يميرك، ويعتلجون: يتصارعون. والحوقل: اللسن، والفنيخ: الضعيف ~~الرخو. وقول العامة: لا تأكل ثدييها، أي لا تأكل لحم الثدي خطأ لا وجه له، ~~ويجوز على حذف مضاف تقديره أجر ثدييها أو ثمنهما، أو يكون على المجاز، ~~كأنها إذا أكلت أجرهما فقد أكلتهما، ونحوه قول الشاعر: [الطويل] # إذا صب ما في القعب فاعلم بأنه ... دم الشيخ فاشرب من دم الشيخ أودعا # يريد رجلا أخذا إبلا في دية أبيه، فيقول له: إذا شربت لبنها فكأنك تشرب ~~دم أبيك. # قوله: «وتأبى الدنية ولو اضطرت إليها»: أي تتمنع من إتيان الفعل الدنيء، ~~ولو ألجئت إليه. والزبون: الذي يغلب في المعاملات، فعول بمعنى مفعول، لأنه ~~بزين أي يدفع عن استكمال حقه. # أغضى: أسدل جفني، أي لا أسكت ms0374 لك على الخداع. أنذرتك: نبهتك. ينهتك: # ينقطع. الوتر: العداوة، وقيل: الفرد، فيكون معنى: «ينعقد بيننا الوتر»، ~~أي يرتبط. # وتري بوترك، أي شخصي بشخصك في هذه المعاملة، أو عند المضاربة معك إن ~~خدعتني. تلغ: تترك. الإنذار: التحذير. حذار، أي احذر وخف. # *** PageV01P419 # فقلت: والذي حرم أكل الربا، وأحل أكل اللبأ، ما فهت بزور، ولا دليتك ~~بغرور، وستخبر حقيقة الأمر، وتحمد بذل اللبأ والتمر. فهش هشاشة المصدوق، ~~وانطلق مغدا إلى السوق، فما كان بأسرع من أن أقبل بهما يدلح، ووجهه من ~~التعب يكلح، فوضعهما لدي، وضع الممتن علي، وقال: اضرب الجيش بالجيش، تحظ ~~بلذة العيش. فحسرت عن ساعد النهم، وحملت حملة الفيل الملتهم، وهو يلحظني ~~كما يلحظ الحنق، ويود من الغيظ لو اختنق، حتى إذا هلقمت النوعين، وغادرتهما ~~أثرا بعد عين، أقردت حيرة في إظلال البيات، وفكرة في جواب الأبيات، فما لبث ~~أن قام، وأحضر الدواة والأقلام، وقال: قد ملأت الجراب، فأمل الجواب، وإلا ~~فتهيأ إن نكلت، لاغترام ما أكلت، فقلت له: ما عند إلا التحقيق، فاكتب ~~الجواب، وبالله التوفيق. # *** # الربا: البيع الفاسد. # ابن عباس رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أكل ~~درهما من ربا، فهو مثل ثلاث وثلاثين زنية، ومن نبت لحمه من السحت فالنار ~~أولى به» (¬1). # فهت: نطقت. زور: باطل. دليتك بغرور: يريد أنه لم يعرر به بل صدقه. # ستنخبر: ستجرب. هش: اهتز. المصدوق: الذي أخبر بالصدق. مغذا: مسرعا، وقد ~~أغذ إغذاذا، إذا أسرع. يدلح: يتثاقل في المشي، ودلحت الدابة بالحمل دلوحا، ~~والسحاب بالماء. نهضت به ثقيلا. يكلح: يعيش. الممتن: المتفضل. اضرب الجيش ~~بالجيش، أي اخلطهما عند أكلك لهما. تحظ: تسعد، حسرت عن ساعد، أي شمرت عن ~~ذراع. النهم: الكثير الشهوة والحرص على الأكل. الملتهم: المبتلع لما وجد. # يلحظني: ينظرني بطرف عينه. الحنق: المغتاظ. وحنق حنقا: اشتد غيظه. هلقمت: # ابتلعت بسرعة. غادرتهما: تركتهما أثرا بعد عين، أي بعد أن كان الطعام ~~مريئا ابتلعته فلم يبق غير أثره الإناء. # *** ### || AUTO [ما شهر من مغربات الزرد] # (¬2) # ويليق بهذا ms0375 الموضع أن نذكر فيه ما شهر من مغربات الزرد، قال الشاعر في ~~أكول: [الوافر] PageV01P420 # فتضرب خمس كفك في ثريد ... بلقم منك منكمش الذهاب # كأن دويه في الحلق لما ... يهمهم صوت رعد أو سحاب # وقال آخر: [الطويل] # إذا غرد العصفور طار فؤاده ... وليث حديد الناب عند الثرائد # وقال آخر: [السريع] # لم تر عيني آكلا مثله ... يضرب باليسرى معا واليمين # تلعب بالقصعة أطرافه ... لعب أخي الشطرنج بالشاهين # فمن مشاهير أهل الزرد هلال بن أسعر المازني، وهو من شعراء الدولة ~~الأموية، ذكر الأصبهاني أنه كان عظيم الخلق شديدا قويا. # قال أبو عمرو بن العلاء: لم أكن أراه حيا، بل رأيته ميتا، فما رأيت على ~~سرير أطول منه. # قال هلال: جعت مرة، ومعي بعير لي، فنحرته فأكلته إلا ما جعلته منه على ~~ظهري، ثم أردت جماع امرأتي، فلم أقدر، فقالت: كيف تصل إلي وبيننا بعير! # وحدث شيخ من بني مازن، قال: أتاني هلال، فأكل جميع ما في بيتنا، فبعثنا ~~إلى الجيران نستقرض الخبز منهم، فلما رأى اختلافنا، قال: كأنكم أرسلتم إلى ~~الجيران: # أعندكم سويق؟ (¬1) فأتيته بجراب طويل فيه سويق وبرنية (¬2) فيها نبيذ، ~~فصب السويق كله، وصب النبيذ، وازدرد الكل. # ومر على رجل من بني مازن بالبصرة، ومعه زورق رطب، قد ساقها من بستانه، ~~فجلس على زورق منها صغير، مغطى ببارية (¬3) فقال: آكل من رطبك؟ قال: نعم، قال: # ما يكفيني؟ قال: ما يكفيك، فجلس على الزورق يأكل التمر إلى أن اكتفى، ~~فسلت البارية فإذا الزورق مملوء نوى. # وقال صدقة بن عبد الله المازني: أولم علي أبي لما تزوجت، فعملنا عشر جفان ~~ثريدا من جزور، فكأن أول من جاءنا هلال، فقدمت إليه جفنة فأكلها، ثم أخرى ~~حتى أتى على عشر جفان، ثم استسقى، فأتى بقربة من نبيذ، فوضع طرفها في شدقه، ~~فأفرغها في جوفه، ثم خرج، فاستأنفنا عمل الطعام، ومن أعجب ما أكله مائتا ~~رغيف بمكوك (¬4) بلح. # وكانت شبعته تكفيه لخمسة أيام. وكان لا يقاومه أحد في النجدة. PageV01P421 # ومنهم سليمان بن عبد الملك، ذكر المسعودي أن ms0376 شبعه (¬1) كانت كل يوم مائة ~~رطل بالعراقي، وكان ربما أتاه الطباخون بسفافيد فيها الدجاج، وعليه جبة ~~الوشي، فبحرصه على الطعام، كان يدخل يده في كمه ثم يقبض على الدجاجة، وهي ~~حارة فيفصلها. # قال الأصمعي: ذكرت ذلك للرشيد، فقال: قاتلك الله! ما أعرفك بأخبارهم! لقد ~~كنت أرى الدسم في أكمام جبابه، ولا أدري ما سببه، حتى حدثتني. وكساني منها جبة. # وخرج يوما من الحمام وقد اشتد جوعه [فاستعجل الطعام ولم يكن فرغ منه] ~~فأمر أن يقدم ما لحق من الشواء، ولم يكن فرغ من الطعام شيء، فقدم إليه ~~عشرون خروفا، فأكل أجوافها مع أربعين رقاقة، ثم قدم الطعام، فأكل مع ندمائه ~~كأنه لم يأكل. # قال الشمردل وكيل عمرو بن العاص رضي الله عنه لما قدم سليمان الطائف، دخل ~~بستاني هو وعمر بن عبد العزيز، وأيوب ابنه، فجال في البستان ساعة، ثم قال: ~~ناهيك بمالكم هذا مالا! ثم ألقى صدره على غصن شجرة، وقال: ويلك يا شمردل! ~~عندك شيء تطعمني؟ فقلت: بلى عندي جدي، كانت تغدو عليه بقرة وتروح [عليه] ~~أخرى، قال: # عجل به ويحك! فأتيته به كأنه عكة سمن، فأكله وما دعا عمر ولا ابنه حتى ~~إذا بقي الفخد قال: هلم أبا حفص، قال: إني صائم، فأتى عليه، ثم قال: ويلك ~~أعندك شيء؟ فقلت: # سبع دجاجات هنديات كأنهن رئلان النعام (¬2)، قال: عجل بهن، فأتيته بهن، ~~فكان يأخذ برجل الدجاجة فيلقي عظامها بفيه، فلما فرغ منهن قال: ويلك! أعندك ~~شيء؟ فقلت: # حريرة (¬3) كأنها قراضة ذهب، فقال: عجلها، فأتيته بها، فجعل يشربها شربا، ~~فلما فرغ تجشأ فكأنما صاح في جب، ثم قال: يا غلام أفرغت منغدائي؟ قال: نعم ~~فقدم إليه ثمانين قدرا، فأكثر ما أكل من قدر ثلاث لقمات، وأقل ما أكل لقمة، ~~ثم مسح يده واستلقى على فراشه، وأذن للناس، وصفت الموائد، فأكل معهم فما ~~أنكرت من أكله شيئا. وسبب وفاته أن نصرانيا أتى بزنبيل مملوء بيضا، وآخر ~~مملوء تينا، فقال: قشروا، فجعل يأكل بيضة وتينة، حتى أكل الزنبيلين، ثم ~~أتوه بقصعة ms0377 مملوءة محا بسكر، فأكله فأتخم، فمات. # ومنهم عمرو بن معد يكرب، دخل على عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ~~فقال: من أين أقبلت يا أبا ثور؟ فقال: من عند سيد بني مخزوم، أعظمها هامة، ~~وأقلها ملامة، وأفضلها حلما، وأقدمها سلما، قال: من هو؟ قال: سيف الله وسيف ~~رسوله خالد بن الوليد، قال: فأي شيء صنعت عنده؟ قال: أتيته زائرا فدعا لي ~~بقعب وفرس وثور، فقال له عمر: وأبيك إن في هذا لشبعا، قال: لي ولك؟ قال: لي ~~ولك، قال: PageV01P422 # بلى، فما تقول يا أمير المؤمنين، إني لآكل الجذع من الإبل، أنتقيه عظما ~~عظما، وأشرب الشن (¬1) من اللبن رائبا (¬2) أو صريفا (¬3). # *** # قوله: «أقردت». سكت وخضعت. ما لبث: ما تمهل. الجراب: وعاء الزاد، وأراد ~~بطنه. أمل، يقال: أمليت عليه إذا ألقيت عليه ما يكتب، وأمللت لغة، وقيل: # الأصل أمللت، فأبدل من اللام ياء. نكلت: انقطعت. # *** # [الخفيف] # قل لمن يلغز المسائل إني ... كاشف سرها الذي تخفيه # إن ذا الميت الذي قدم الشر ... ع أخا عرسه على ابن أبيه # رجل زوج ابنه عن رضاه ... بحماة له، ولا غزو فيه # ثم مات ابنه وقد علقت من ... ه فجاءت بابن يسر ذويه # فهو ابن ابنه بغير مراء ... وأخو عرسه بلا تمويه # وابن الابن الصريح أدنى إلى ... الجد وأولى بإرثه من أخيه # فلذا حين مات أوجب للزو ... جة ثمن التراث تستوفيه # وحوى ابن ابنه الذي هو في الأص ... ل أخوها من أمها باقيه # وتخلى الأخ الشقيق من الإر ... ث وقلنا يكفيك أن تبكيه # هاك مني الفتيا التي يحتذيها ... كل قاض يقضي وكل فقيه # *** # لا غزو: لا عجب. علقت: حملت. ذويه: قرابته، وأضاف «ذوي» إلى المضمر، وهي ~~لغة قليلة، ومنعها بعضهم، وجوزها جماعة من أئمة اللغة. # وقال أبو علي الفارسي. اللهم صل على محمد وذويه، حملوا «ذوي» على ~~الأصحاب. # الأزهري: سمعت غير واحد من العرب، يقول: كنا مع ذوي عمرو، يعني مع أصحاب ~~عمرو، وهو كثير في كلام قيس ومن جاورهم. # وقال الحريري في الدرة: ويقولون: رأيت ms0378 الأمير وذويه، فيهمون فيه، لأن ~~العرب لم تنطق بذي، الذي بمعنى صاحب إلا مضافا إلى اسم جنس، كقولك: ذو مال ~~وذو PageV01P423 # نوال، فأما إضافته إلى الأعلام أو إلى أسماء الصفات المشتقة من الأفعال ~~فلم تسمع بحال، ولهذا لحن من قال: صلى الله على محمد وذويه، وكما لم ~~يقولوا: ذو أبي ولا ذو أمي، واقتصروا على إضافته إلى الجنس، ولهذا لم يرفع ~~السببي، لأنه ليس بمشتق [من فعل]، فلا يقال: مررت برجل ذي مال أخوه؛ ~~وتصحيحه ذو مال أخوه، لأن النكرة تختص بأن توصف بالجملة. # قوله: «مراء» جدال. تمويه: كذب. الصريح: الخالص. أدنى: أقرب. التراث: # المال الموروث. حوى: حاز. تخلى: خرج بلا شيء. هاك: خذ. يحتذيها: يتبعها ~~ويعمل بها. # وتقريب هذا اللغز أن تقول: رجل وابنه وامرأة وابنتها، تزوج الرجل البنت، ~~والابن الأم، فمات الابن، وقد حملت منه الأم، فوضعت غلاما، فكان للرجل ابن ~~ابنه، ولزوجته أخا لأم، ثم مات الرجل وترك أخا فورثت زوجته الثمن، وأخوها ~~من أمها الباقي، لأنه ابن ابن الميت، وهو يحجب الأخ، كما كان يحجبه الابن ~~لو كان حيا. # ومثله قوله الآخر: [الطويل] # وقائلة أوص الغداة فإنني ... أرى الموت قد حطت لديك ركائبه # فقلت وقد راع الفؤاد مقالها ... وضاقت به خوف الحمام مذاهبه # لك الثمن إن حانت وفاتي فريضة ... وسائر ما يبقى فصنوك صاحبه # جوابه: [الطويل] # تعلم فإن العلم أكبر ملبس ... لمن شرفت أخلاقه ومذاهبه # حليلة هذا أمها زوجة ابنه ... فذلك والإلغاز جم عجائبه # فإن ابنه صنو لزوجته ومن ... يقر بعرف العلم تعلو مراتبه # فميراثها ثمن وللصنو ما بقي ... كذلك يقضي من تعالت مناقبه # والمتقدم للسؤال في هذه المسألة عبد الملك بن مروان، وذلك أنه وقف به ~~رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا تزوجت امرأة، وزوجت ابني من أمها، ~~فامددنا بشيء نستعين به. فقال له: إن أخبرتني كيف يدعى ابن كل واحد منكما ~~لابن صاحبه، فأنا أرفدك، وإلا فلا أعطيك شيئا. فقال له الرجل: فسل عن ذلك ~~كاتبك وصاحب شرطتك، فإن أجاباك، فما تعطيه لي، فادفعه ms0379 إليهما، وإلا فأنا ~~أعذر. فسألهما فلم يعرفا ذلك، فابتدر رجل من آخر الصفوف، وقال له: أرأيت إن ~~أخبرتك، أتعطيني ما ذكرت للسائل؟ فقال له: نعم، فقال ابن الأب عم ابن الابن ~~وابن الابن خال ابن الأب، فوصله. # فهذا أخف أمرا في الظاهر من التوارث الذي فرض الحريري، وأشكل في المعنى. # *** PageV01P424 # قال: فلما أثبت الجواب، واستثبت منه الصواب، قال لي: أهلك والليل، فشمر ~~الذيل، وبادر السيل، فقلت: إني بدار غربة، وفي إيوائي أفضل قربة، لا سيما ~~وقد أغدف جنح الظلام، وسبح الرعد في الغمام، فقال: اغرب عافاك الله إلى حيث ~~شيت، ولا تطمع في أن تبيت، فقلت. ولم ذاك، مع خلو ذراك؟ # قال: لأني أنعمت النظر، في التقامك ما حضر، حتى لم تبق ولم تذر، فرأيتك ~~لا تنظر في مصلحتك، ولا تراعي حفظ صحتك، ومن أمعن فيما أمعنت، وتبطن ما ~~تبطنت، لم يكد يخلص من كظة مدنفة، أو هيضة متلفة، فدعني بالله كفافا، واخرج ~~عني ما دمت معافى، فوالذي يحيي ويميت، ما لك عندي مبيت. # فلما سمعت أليته، وبلوت بليته، خرجت من بيته بالرغم، وتزود الغم، تجودني ~~السماء، وتخبط بي الظلماء، وتنبحني الكلاب، وتتقاذف بي الأبواب، حتى ساقني ~~إليك لطف القضاء، فشكرا ليده البيضاء! # *** # قوله: «أثبت» صحح. استثبت، أي وجده ثابتا. أهلك والليل، كلام للعرب، كأنه ~~قال: بادر أهلك قبل الليل، وتحقيق المعنى في ذلك أنه عطف الليل على الأهل، ~~وجعلهما مبادرين، ومعنى المبادرة مسابقتك الشيء، كقولك: بادرت زيدا المنزل ~~كأني سابقته إليه، وكأن الليل والرجل المخاطبيتسابقان إلى أهل الرجل، فأمره ~~الآمر أن يسابق الليل إليهم، ليكون عندهم قبل الليل. شمر الذيل، أي ارفع ~~ساقك، واستعد للمشي. إيوائي: ضمي. قربة: ما يتقرب به من أعمال البر. أغدف: ~~أسبل وأرسل، ومنه قول عنترة: [الكامل] # إن تغدفي دوني القناع فإنني ... طب بأخذ الفارس المتلثم (¬1) # وإنما قيل للغراب غداف لسبوغ ريشه. # وقال رؤبة يخاطب أخاه: [الرجز] # * نبت من جناحك الغدافي* (¬2) PageV01P425 # جنح الظلام: ميله، وجنح الليل جنوحا، وأجنح: مال، وهو من الجناح وكان ~~الطائر إذا ms0380 عدل عن طريق طيرانه، فيرجع يطير إلى جهة جناحه، قيل له: جنح، ثم ~~استعير في الليل وغيره، كما قيل: نكب عن طريقه، هي من المنكب، كأنه قال: ~~مال بمشيه إلى جهة منكبه. # سبح: صوت. الغمام: السحاب. اغرب: غب وابعد. ذراك: منزلك. أنعمت: # بالغت. تراعي: تحفظ. أمعن: كثر، وتقول: أمعن لي بحقي: اعترف به وأظهره، ~~مأخوذ من الماء المعين، وهو الجاري الظاهر. # الفراء: المعين من الماعون، أو مفعول من العيون. # تبطن: ملأ بطنه. كظة: امتلاء البطن. مدنفة: ممرضة. هيضة: انطلاق البطن ~~بالقيء والإسهال. كفافا: مسالمة، أي كف عني شرك وخيرك. معافى: سالما من ~~الآفات. # أليته: يمينه. بلوت: خبرت وشاهدت. الرغم: الذل. تجودني: تمطرني والسماء: ~~المطر هنا. # وتذكرت بهذه الحالة خروج السلامي من دار الشريف الرضي في عشية ماطرة، ~~فأعطاه كساء استتر به، فلما وصل إلى منزله كتب إليه بقصيدة: # منها: [الكامل] # ودعت دارك والسماء تجودني ... بيد الغمام فلا يكن بك ما بي # ما كنت إلا جنة فارقتها ... كرها فصب علي سوط عذاب # ورأيت غالية الطريق ومسكه ... طيبا معدا لي على الأبواب # وحمى كساؤك لا عدمت معيرة ... دراعتي وعمامتي وجبابي # فوليت يا بحر السماحة كسوتي ... وولي أخوك الغيث بل ثيابي # فوصلت أشكر ذا وأشكو ذا وبال ... عينين ما بهما من التسكاب # وقال آخر فأحسن: [الكامل] # وغمامة نثرت دموعا عند ما ... نثر النسيم جمانها تسبيكا # تهدي السقوف جمانها متفرقا ... وتمده عند السقوط سلوكا # وقال ابن شهيد فأحسن: [الطويل] # ومرتجز ألقى بذي الأثل كلكلا ... وحط بجرعاء الأبارق ما حطا # سعى في قياد الريح يسمح للصبا ... فألقت على غبر التلاع به مرطا # وما زال يروي الترب حتى كسا الربا ... درانك، والغيطان من نسحه بسطا PageV01P426 # وعنت له ريح تساقط قطره ... كما نثرت حسناء عن جيدها سمطا # قوله: «تخبط» أي تجعلني أمشي فيها على غير هدى. تتقاذف: تترامى وتتطارح، ~~وجعل الأبواب يرميه بعضها على بعض، لما كان يقرعها ولا تفتح له. # لطف القضاء، أي رفق قدر الله وقضائه. يده البيضاء: نعمته الكريمة، وتقول: # لفلان علي يد بيضاء ms0381 أي نعمة، وجمعها أياد. ### || AUTO [شكر النعمة ومما قيل فيها] # قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ~~أهدى إلى قوم نعمة فلم يشكروها له استجيب له فيهم». # قال عبد الله بن المبارك: أقبل نصر بن سيار: فقال: اللهم إني أهديت إلى ~~بسام نعمة فلم يعد لي بشكرها، فاجعل موتهم قتلا بالسيف. فبلغني أنه قتل ~~منهم سبعون رجلا. # وقال أبو نواس وأتى بمعنى بديع: [الكامل] # قد قلت للعباس معتذرا ... من ضعف شكريه ومعترفا # أنت امرؤ جللتني نعما ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا # فإليك بعد اليوم تقدمة ... لاقتك بالتصريح مكتنفا # لا تحدثن إلي عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا # اعترضه الناشئ في معناه فقال: [الكامل] # إن أنت لم تحدث إلي يدا ... حتى أقوم بشكر ما سلفا # لم أحظ منك بنائل أبدا ... ورجعت بالحرمان منصرفا # وقال طريح: [الطويل] # طلبت ابتغاء الشكر فيما صنعت بي ... فقصرت مغلوبا وإني لشاكر # وقد كنت تعطيني الجزيل بداية ... وإني لما استكثرت منك لحاقر # فأرجع مغبوطا وترجع بالتي ... لها أول في المكرمات وآخر # وقال آخر: [الطويل] # رهنت يدي بالشكر في شكر بره ... وما فوق شكري للشكور مزيد # ولو أن شيئا يستطاع استطعته ... ولكن ما لا يستطاع شديد # وقال إبراهيم بن العباس الصولي: [المتقارب] # فلو كان للشكر شخص يبين ... إذا ما تأمله الناظر PageV01P427 # لمثلته لك حتى تراه ... فتعلم إني امرؤ شاكر # وهذا الباب من الشكر وإن وفيناه حقه هنا يأتي متفرقا في الكتاب. # *** # ولما ذكر البطنة وخطرها، وأنها أوجبت عليه خروجه من منزل ضيفه على الحالة ~~التي وصف، أردنا أن نصلها بما يشاكلها. # ومما جاء في ذم البطنة من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يشتري غلاما وضع بين يديه تمرا، فإن أكل ~~كثيرا قال: «ردوه، فإن كثرة الأكل من الشؤم». # وقيل للتستري: الرجل يأكل في اليوم مرة؟ قال: أكل الصديقين، قيل: فمرتين؟ # قال: أكل المؤمنين. قيل: فثلاثا؟ قال: قل لأهلك يبنوا لك ms0382 معلفا. # ويقبح أن يكون الرجل وصافا لبطنه وفرجه، وإن من المروءة أن يترك الرجل ~~الطعام وهو يشتهيه. # وقال عمرو بن العاص لمعاوية رضي الله عنهما يوم الحكمين: أكثروا الطعام، ~~فو الله ما بطن قوم قط إلا فقدوا بعض عقولهم، وما مضت عزيمة رجل بات بطينا. # وقال بعض الحكماء: لكل شيء صدأ وصدأ القلوب شبع البطون. # عزم المعتصم يوما على الاصطباح، وأمر ندماءه أن يطبخ كل واحد منهم قدرا، ~~فدخل عليه غلام ابن أبي داود، فقال المعتصم: الساعة يأتي ابن أبي دواد، ~~فيقول: فلان الهاشمي، وفلان القرشي والأنصاري، فيقطعنا بحوائجه عما عزمنا ~~عليه، وأنا أشهدكم أني لا أمضي له يومي هذا حاجة، فلم يتم الكلام إلا ~~والحاجب يستأذن به، فقال لجلسائه: كيف ترون؟ فقالوا: لا تأذن له، فقال: ~~سوأة لكم! الحمى سنة أهون علي من ذلك، ودخل فما هو إلا أن سلم وجلس وتكلم ~~حتى ضحك المعتصم، وسفر وجهه إليه، ثم قال: يا أبا عبد الله، لقد طبخ كل ~~واحد من هؤلاء قدرا، وقد جعلناك حكما في طبخها، قال: فليحضر كل واحد قدره ~~وآكل، ثم أحكم فيها. فوضعت بين يديه، فأكل من أول قدر أكلا كثيرا، فقال ~~المعتصم: هذا ظلم، قال: وكيف ذاك؟ قال: لأني أراك أمعنت في هذا اللون، ~~وستحكم لصاحبه، فقال: علي أن آكل من القدور كلها مثله، قال: شأنك، فأكل ثم ~~قال: أما هذه فقد أجاد طباخها، إذ قلل خلها وكثر زيتها، ثم أكل من كل قدر ~~كذلك، ووصف القدور كلها بصفات حسنة سر بها أصحابها، ثم قدم الطعام، فأكل مع ~~القوم كما أكلوا، أنظف أكل وأحسنه، وهو يحدثهم بأخبار الأكلة في صدر ~~الإسلام، كمعاوية وعبد الله بن زياد، والحجاج وسليمان بن عبد الملك. وعن ~~أكلة دهره مثل ميسرة التمار، ودورق القصاب، وحاتم الكيال، وإسحاق الحمامي. PageV01P428 # فلما رفعت الموائد قال له المعتصم، وقد أطربه حديثه: ألك حاجة يا أبا عبد الله؟ # قال: رجل من أهل بيتك، وطئه الدهر، وغير حاله، قال: ومن هو؟ قال: سليمان ~~بن عبد الله، ms0383 قال: قدر له ما يصلحه، قال: خمسون ألفا، قال: قد أنفذت ذلك ~~له، قال: # ولي حاجة أخرى، ثم ذكر ثلاث عشرة حاجة لا يرده عن شيء منها، ثم قام ~~خطيبا، فقال: عمرك الله يا أمير المؤمنين طويلا فبعمرك تخصب جنات رعيتك، ~~ويلين عيشهم، وتنمو أموالهم، ولا زلت ممتعا بالكرامة والسلامة، مدفوعا عنك ~~حوادث الأيام وغيرها، ثم انصرف. فقال المعتصم: هذا والله يتزين الملك ~~بمثله، ويبتهج بقربه، أما رأيتم كيف دخل، وكيف تكلم، وكيف أكل، ثم انبسط في ~~الكلام، وكيف طاب به أكلنا، ما يرد هذا عن حاجته إلا لئيم الأصل، والله لو ~~سألني في مجلسي هذا ما قيمته عشرة آلاف ما رددته عنها، وأنا أعلم أنه ~~يكسبني في الدنيا حمدا، وفي الآخرة ثوابا. # وفيه يقول أبو تمام: [الوافر] # لقد أنست مساوئ كل دهر ... محاسن أحمد بن أبي دواد (¬1) # وهذه الحكاية تنتظم في حكايات أهل الزرد المتقدمين في المقامة، وقد احتوت ~~على رجال موصوفين بذلك، ختمنا بها الباب. # *** # فقلت له: أحبب بلقائك المتاح، إلى قلبي المرتاح، ثم أخذ يفتن في حكاياته، ~~ويشمط مضحكاته بمبكياته، إلى أن عطس أنف الصباح، وهتف داعي الفلاح، فتأهب ~~لإجابة الداعي، ثم عطف إلى وداعي، فعقته عن الانبعاث، وقلت: الضيافة ثلاث، ~~فناشد وحرج، ثم أم المخرج، وأنشد إذ عرج: [الخفيف] # لا تزر من تحب في كل شهر ... غير يوم ولا تزده عليه # فاجتلاء الهلال في الشهر يوم ... ثم لا تنظر العيون إليه # قال الحارث بن همام: فودعته بقلب دامي القرح، ووددت لو أن ليلتي بطيئة الصبح. # *** # قوله: «أحبب»، تعجب معناه: ما أحب لقاءك إلى قلبي. المتاح: المقدر، ~~والمرتاح: المهتز طربا. يفتن: ينوع. ويشمط: يخلط. أنفه: أوله، وجعل للصباح ~~أنفا عاطسا مجازا لما كان يدفع ظلمة الليل. هتف: صاح. داعي الفلاح، هو ~~المؤذن. PageV01P429 # والفلاح: البقاء. تأهب: استعد. عقته: حبسته. الانبعاث: النهوض. # وذكر أن الضيافة ثلاث: لأنه جاء في حديث أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم ms0384 الآخر ~~فليكرم ضيفه» (¬1). وجائزته يوم وليلة، والضيافة ثلاث، ولا يحل له أن يثوى ~~عنده حتى يحرجه، فما أنفق عليه بعد ثلاث فهو صدقة. # أبو عبيدة: جائزته يوم وليلة، أي يعطي الضيف بعد إكرامه ثلاثة أيام ما ~~يجوز به يوما وليلة، يقال: أسف بجائزة وجيزة، وجوزة، أي قدر ما يجوز به ~~المسافر من منهل إلى منهل. # ومن ملح باب الضيافة، قال المبرد: أضاف رجل رجلا فأطال المقام حتى كرهه، ~~فقال الرجل لامرأته: كيف لنا أن نعلم مقدار مقامه؟ فقالت له: ألق بيننا شرا ~~حتى نتحاكم إليه، ففعل، فقالت المرأة للضيف: بالذي يبارك لك في غدوك غدا، ~~أينا أظلم؟ فقال: # والذي يبارك لي في مقامي عندكم شهرا ما أعلم. # ونزل بصري على مدني، وكان صديقا له، فألح عليه في الجلوس، فقال المدني ~~لامرأته: إذا كان غدا فإني أقول لضيفنا: كم ذراع يقفز فأقفز، فإذا قفز ~~فأغلقي الباب خلفه، فلما كان من الغد، قال له المدني: كم قفزك يا أبا فلان؟ ~~قال: جيد، فعرض عليه أن يقفز معه، فأجابه، فوثب المدني من داره إلى خارج ~~أذرعا، وقال للضيف: ثب أنت، فوثب الضيف إلى داخل الدار ذراعين، فقال له: ~~وثبت أنا إلى خارج الدار أذرعا، وأنت إلى داخلها ذراعين، فقال الضيف: ~~ذراعان من الدار خير من أربع إلى «برا». # الأزهري: برا مولدة. # قوله: «ناشد» حلف. حرج: وكد يمينه، أي لا يقيم، والحرج: الإثم. # ابن الأنباري: تحرج فلان عن كذا، أي تدين وضيق على نفسه، والحرج عندهم ~~الضيق. أم: قصد. عرج: التوى عن الباب منصرفا. اجتلاء: نظو. # القرح: الجرح، وأنشد الثعالبي في هذا المعنى، فقال: [الطويل] # عليك بإقلال الزيارة إنها ... إذا كثرت كانت إلى الهجر مسلكا # فإني رأيت الغيث يسأم دائما ... ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا PageV01P430 # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «زر غبا تزدد حبا» (¬1). # نظمه الشاعر فقال: [الطويل] # إذا شئت أن تقلى فزر متواترا ... وإن شئت أن تزداد حبا فزر غبا # وقالوا: قلة الزيارة أمان من الملالة. # وقالوا في ضده: ترك الزيارة ms0385 سبب القطيعة. # وقال علي رضي الله عنه: الصبر من كرم الطبيعة، والمن مفسدة الصنيعة، وترك ~~التعاهد للصديق يكون داعية القطيعة. # وقال عبد الصمد بن المعذل في ضد هذا: وأن يحافظ على الصداقة بظهر الغيب، ~~ويمدح إبراهيم بن الحسن: [البسيط] # يا من فدت نفسه نفسي وقد جعلت ... له وقاء لمن يخشى وأخشاه # أبلغ أخاك وإن شط المزار به ... إني وإن كنت لا ألقاه ألقاه # وإن طرفي موصول برؤيته ... وإن تباعد عن مثواي مثواه # الله يعلم أني لست أذكره ... وكيف يذكره من ليس ينساه # لا شيء مما نرى إلا له شبه ... وما لكم آل إبراهيم أشباه # عذرا فهل حسن لم ينمه حسن ... وهل فتى عدلت جدواه جدواه # قال أبو العتاهية: [الكامل] # أقلل زيارتك الصديق ولا تطل ... إتيانه فتلج في هجرانه (¬2) # إن الصديق يلج في غشيانه ... لصديقه فيلج في عصيانه # حتى تراه بعد طول سروره ... وكأنه متبرم بمكانه # وإذا تولى عن صيانة نفسه ... رجل تنقص واستخف بشأنه # وإفراط البر بالصاحب داع إلى كثرة الإخجال، ومانع من العودة بعد ~~الانفصال. # وكتب ابن عمار إلى ابن زريق، وقد عتب عليه، أن اجتاز ببلده ولم يلقه هذه ~~الأبيات: [البسيط] # لم يلوعنك عناني سلوة خطرت ... ولا فؤادي ولا سمعي ولا بصري # لكن عدتني عنكم خجلة عرضت ... كفاني العذر منها بيت معتذر PageV01P431 # لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر # ضمن ابن عمار هذا البيت أحسن تضمين، وهو للمعري، وما قيل في العجز عن ~~الشكر أحسن منه، والإقلال يمنع تلاقي الأحباب، ويحط من همم ذوي الأحساب، ~~فإنه إذا لم يكن عندك ما تقدم بين يدي ضيفك أو زائرك تمنيت إذا حل بك ألا تراه. # وقال حبيب: [الطويل] # وسيان عندي صادفوا لي مطمعا ... أعاب به أو صادفوا لي مقتلا # وقال ابن الجد: [الطويل] # وإني لصب بالتلاقي وإنما ... يصد فؤادي عن معاذ يرك العسر # أذوب حياء من زيارة صاحب ... إذا لم يساعدني على بره الوفر # وفي المقامة التي تلي هذه فن ثان من الزيارة، تقف عليه إن شاء ms0386 الله تعالى. # *** PageV01P432 ### | AUTO المقامة السادسة عشرة وتعرف بالمغربية # حكى الحارث بن همام، قال: شهدت صلاة المغرب، في بعض مساجد المغرب، فلما ~~أديتها بفضلها، وشفعتها بنفلها، أخذ طرفي رفقة قد انتبذوا ناحية، وامتازوا ~~صفوة صافية، وهم يتعاطون كأس المنافثة، ويقتدحون زناد المباحثة، فرغبت في ~~محادثتهم، لكلمة تستفاد، أو أدب يستزاد، فسعيت إليهم، سعي المتطفل عليهم. # *** # أديتها: تممتها، شفعتها: زوجتها، يريد أنه صلى الفريصة، ثم صلى النافلة ~~بفضلها، يريد أنه صلاها في الجماعة، وهي أفضل من صلاة الفذ. انتبذوا: ~~انفردوا، وصاروا إلى جهة وزاوية من المسجد. وامتازوا: انفصلوا. صفوة: ~~خيارا. يتعاطون: # يعطي بعضهم بعضا. المنافثة: المحادثة. يقتدحون، أي يضربونها ويستخرجون نارها. # المباحثة: المناظرة في العلم. # *** ### || AUTO [في معنى التطفل] # المتطفل: الآتي إلى الطعام من غير أن يدعى، وهو الوارش (¬1) عند العرب. # وتطفل: تشبه بطفيل العرائس، وهو طفيل بن دلال الدارمي، يسمى طفيل ~~الأعراس، وطفيل العرائس، لكثرة دورانه على حضورها، ومشاهدته لها، والأكل ~~منها، من غير أن يدعى إليه، واسمه مشتق من الطفل، وهو إقبال الليل على ~~النهار. # أبو عمرو: الطفل: الظلمة. # ابن الأعرابي: ويقال للطفيلي اللعموظ، والجمع اللعاميظ. # وطفيل من بني عبد الله بن غطفان، كان يأتي الأعراس ولم يدع. ومسكنه ~~بالكوفة، وكان يقول: وددت أن الكوفة بركة مصهرجة، فلا يخفى علي فيها دخان، ~~فنسب إليه كل PageV01P433 # من يتطفل، نسبة مذهب لا نسب، والتطفل من أخلاق اللئام، وسجايا الأوغاد، ~~ومنهي عنه في الشرع. # ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من دعي ~~فلم يجب فقد عصى الله ورسوله، ومن دخل على غير دعوى دخل سارقا وخرج مغيرا» (¬1). # عائشة رضي الله عنها: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من دخل على قوم ~~لطعام لم يدع فأكل دخل فاسقا، وأكل حراما». # *** ### || AUTO [من أخبار المتطفلين] # ونسوق هنا فصلا للطفيليين، يكون في هذه المقامة بمنزلة فضل الأكلة في ~~المقامة التي قبل هذه لأن حالتيهما متقاربة. # فمن ذلك ما يحكى عن بشار الطفيلي أنه قال: رحلت يوما إلى البصرة، فلما ms0387 ~~دخلتها قيل لي: إن هنا عريفا للطفيليين يبرهم، ويكسوهم ويرشدهم إلى الأعمال ~~ويقاسمهم. فسرت إليه فبرني وكساني، وقمت عنده ثلاثة أيام، وله جماعة يصيرون ~~إليه بالزلات (¬2) فيأخذ النصف، ويعطيهم النصف، فوجهني معهم في اليوم ~~الرابع، فحصلت في وليمة، فأكلت وأزللت معي شيئا كثيرا وجئته به، فأخذ ~~النصف، وأعطاني النصف، فبعت ما وقع لي بدراهم، فلم أزل على هذه الحالة ~~أياما، ثم دخلت يوما على عرس جليل، فأكلت وخرجت بزلة حسنة، فلقيني إنسان ~~فاشتراها بدينار، فأخذته وكتمته، وكتمت أمرها. فدعا جماعة من الطفيليين، ~~فقال: إن هذا البغدادي قد خان، فظن أني لا أعلم ما فعل، فاصفعوه وعرفوه ما ~~كتمنا، فأجلسوني شئت أم أبيت، وما زالوا يصفعونني واحدا بعد واحد، فيصفعني ~~الأول منهم، ويشم يدي، ويقول: أكل مضيرة (¬3)، ويصفعني الآخر ويشم يدي، ~~ويقول: أكل كذا، ويصفعني الآخر، حتى ذكروا كل شيء أكلته، ما غلطوا بشيء ~~منه، ثم صفعني شيخ منهم صفعة عظيمة، وقال: باع الزلة بدينار، وصفعني آخر، ~~وقال: هات الدينار، فدفعته إليه، وجردني الثياب التي أعطانيها، وقال: اخرج ~~يا خائن في غير حفظ الله. فخرجت إلى بغداد، وحلفت ألا أقيم ببلد فيه طفيلية ~~يعلمون الغيب. # ونريد هنا أن نذكر بعض ما اشتهر من حكايات طفيلية البصرة، إذ هم أحذق خلق ~~الله في باب التطفيل: PageV01P434 # بعث المأمون في طلب عشرة من زنادقة البصرة، فجمعوا فرآهم طفيلي، فمضى ~~معهم، فأدخلوا في سفينة، فدخل معهم، وجيء بالقيود، فقيد معهم، فقال أحدهم: ~~يا طفيلي إلي هنا، فأقبل عليهم فقال: فديتكم، أي شيء أنتم؟ فقالوا له: بل ~~أنت، من أنت؟ وهل أنت من أصحابنا؟ قال: والله ما أعرفكم، غير أني طفيلي، ~~خرجت من منزلي، فرأيت منظرا جميلا، ونعمة ظاهرة، فقلت: شيوخ وكهول وشبان، ~~ما اجتمع هؤلاء إلا لصنيع، فدخلت وسطكم كأني أحدكم إلى هذا الزورق، فرأيته ~~قد فرش ومهد، ورأيت سفرا (¬1) مملوءة فقلت: نزهة إلى بعض البساتين والقصور، ~~إن هذا اليوم يوم مبارك، فزدت ابتهاجا، فجاء هذا الموكل بكم فقيدكم، فطار ~~عقلي فما الخبر؟ فضحكوا وفرحوا ms0388 به، وقالوا له: قد حصلت في الإحصاء، نحن ~~مانية على مذهب ماني، القائل بالنور والظلمة، نسير إلى المأمون، فيسألنا عن ~~مذهبنا، ويدعونا إلى التوبة. ويظهر لنا صورة ماني، ويأمرنا أن نتفل عليها، ~~ونبرأ منها، فمن فعل نجا، وإلا قتل، فإذا دعيت فأخبره باعتقادك، وللطفيلي ~~مداخلات وأخبار فاقطع سفرنا بها. فكان ذلك. فلما دخلوا على المأمون، دعاهم ~~بأسمائهم وامتحنهم فأمر عليهم بالسيف، وتأخر الطفيلي وقد استوعب العدة، ~~فسأل الموكلين بهم، فقالوا: وجدناه معهم، فجئنا به، فقال له: ما خبرك؟ فقال ~~له: يا أمير المؤمنين، امرأته طالق إن كنت أعرف من أقوالهم شيئا، إنما أنا ~~رجل طفيلي، ثم قص قصته معهم. # فضحك المأمون كثيرا، ثم أظهر الصورة، فلعنها وبرئ منها، ثم قال: اعطوها ~~لي حتى أسلح عليها، والله ما أدري ما ماني! أنصراني أم يهودي أم مسلم؟ فقال ~~المأمون: # يؤدب على فرط جهله وتطفيله ومخاطرته بنفسه، فقال: يا أمير المؤمنين ~~بحياتك، إن كنت ولا بد عازما، فاجعل السياط كلها على بطني، فهو الذي حملني ~~على هذا الغرر. # فعاد إلى الضحك، فاستوهبه منه إبراهيم بن المهدي بحديث في تطفيله يذكر في ~~خبر إسحاق الموصلي، فوهبه له، وأجاز الطفيلي بجائزة سنية. # كان إبراهيم بن المدبر عاملا على البصرة، وكان له سبعة ندماء لا يأنس ~~بغيرهم، وكل واحد منهم منفرد بعلم من العلوم. وكان طفيلي يعرف بابن دراج، ~~من أكمل الناس أدبا، وأخفهم روحا وأشدهم في كل مليحة افتنانا. فاحتال ودخل ~~في جملة الندماء، فخرج إبراهيم، فرآه فقال لحاجبه: قل لهذا الرجل، ألك ~~حاجة؟ فسقط في يد الحاجب، وعلم أن الحيلة تمت عليه، وأنه لا يرضي ابن ~~المدبر من عقوبته إلا بقتله، فمر يجر رجليه، فقال له: يقول لك الأستاذ: ألك ~~حاجة؟ فقال: قل له: لا، فأدخله عليه، فقال: # فأي شيء أدخلك! أأنت طفيلي؟ فقال: نعم أصلحك الله! فقال: إن الطفيلي ~~يحتمل على دخوله على الناس بخصال، منها أن يكون لاعبا للشطرنج أو بالنرد، ~~أو ضاربا بالعود، أو PageV01P435 # بالطنبور، فقال: أيدك الله، إنا لما ذكرت ms0389 في الطبقة العليا، فقال لبعض ~~الندماء: لاعبه بالشطرنج، قال: أعزك الله. فإن قمرت (¬1)؟ قال: أخرجناك، ~~قال: وإن قمرت، قال: # أعطيناك ألف درهم، فقال: أحضرها فإن في حضورها قوة للنفس، فلعبا ~~بالشطرنج، فغلب الطفيلي، ومد يده لأخذ الدراهم، فقال الحاجب: أعزك الله، ~~ذكر أنه في الطبقة العليا، وإن فلانا غلامك يغلبه، فأحضر الغلام فغلبه؛ ~~فقالوا له: انصرف، فقال: # أحضروا النرد، فلوعب به فغلب، فقال الحاجب: لكن بوابنا فلان يغلبه، فأحضر ~~البواب فغلبه، فقيل له: اخرج، قال: فالعود؟ فأعطي عودا، فضرب فأصاب، وغنى ~~فأطرب، فقال الحاجب: يا سيدي إن في جوارنا شيخا يعلم القيان، هو أحسن منه، ~~فأحضر إليه، فكان أطيب منه، فقيل له: اخرج، فقال: فالطنبور؟ فضرب ضربا لم ~~ير أحسن منه، فقال الحاجب: إن فلانا المحتكر أطيب منه، فأحضر فكان أحذق ~~منه، فقال ابن المدبر: قد تقصينا لك بكل جهد، فأبت حرفتك إلا طرحك، فقال: ~~يا سيدي، بقيت معي فائدة حسنة، فقال: وما هي؟ قال: تأمر أن يحضر قوس بندق ~~مع خمسين بندقة من رصاص، ويقام هذا الحاجب فأرميه في دبره، فإن أخطأته ~~بواحدة، فاضرب عنقي، فضج الحاجب. ووجد ابن المدبر شفاء نفسه في عقوبته، ~~فأمر بخشبتين، وشد الحاجب فوقهما. وأعطي القوس، فرماه بخمسين بندقة، فما ~~أخطأ دبره بواحدة منها. # وحل الحاجب وهو يتأوه لما به، فقال له الطفيلي: يا صفعان، هل على باب ~~الأمير من يحسن مثل هذا؟ فقال له الحاجب: يا قرنان إذا كان البرجاس (¬2) ~~استي فلا يحسن أحسد مثلك. # قال: وذهب الضحك بابن المدبر هو وأصحابه كل مذهب، ثم أعطاه ألف درهم ~~وانصرف. # صحب طفيلي رجلا في سفر، فلما نزلوا ببعض المنازل، قال له الرجل: خذ درهما ~~وامشي فاشتر لنا لحما. فقال له الطفيلي: قم أنت، والله إني لتعب، فاشتر أنت. # فمضى الرجل، فاشتراه، ثم قال له الرجل: قم فاطبخه، فقال: لا أحسن، فقام ~~الرجل، فطبخه، ثم قال الرجل للطفيلي: قم فاثرد، فقال: والله إني لكسلان، ~~فترد الرجل، ثم قال له: قم فاغترف، قال: أخشى أن ينقلب ms0390 على ثيابي، فغرف ~~الرجل حتى ارتوى الثريد، فقال له: قم الآن فكل، قال: نعم إلى متى هذا ~~الخلاف! قد والله استحييت من كثرة خلافك. وتقدم فأكل. # وقال طفيل العرائس: ليس في الأرض أكرم من ثلاثة أعواد: عصا موسى عليه ~~السلام، وخوان الطعام، ومنبر الخليفة. PageV01P436 # ومن وصيته لأصحابه: إذا دخلتم عرسا، فلا تلتفتوا إلى الملاهي، وتخيروا ~~المجالس، وإن كان العرس كثير الزحام، فليمض أحدكم ولا ينظر في عيون الناس، ~~ليظن أهل الرجل أنه من أهل المرأة، وأهل المرأة أنه من أهل الرجل، وإن كان ~~البواب فظا وقحا، فليبدأ به فليأمره ولينهه من غير عنف، ولكن بين النصيحة ~~والإدلال. # وقال بنان الطفيلي: التمكن على المائدة خير من ثلاثة ألوان. # وسئل بنان: هل تحفظ من كتاب الله تعالى شيئا؟ قال: نعم، آية. قيل: وما هي؟ # قال: قال لفتاه آتنا غداءنا [الكهف: 62] قيل: أتحفظ شيئا من الشعر؟ # قال: بيتا واحدا، قيل: ما هو؟ قال: [البسيط] # نزوركم لا نكافئكم بجفوتكم ... إن الكريم إذا ما لم يزر زارا # وبعده: [البسيط] # يقرب الشوق دارا وهي نازحة ... من عالج الشوق لم يستبعد الدارا (¬1) # وقال أبو الورد المحاكمي في طفيلي: [الوافر] # طفيلي يؤم الخبز أنى ... يراه ولو يراه على يفاع # ولا يروي من الأخبار إلا: ... «أجيب ولو دعيت إلى كراع» # وقال طفيلي أيضا: [الخفيف] # نحن قوم إذا دعينا أجبنا ... ومتى ننس يدعنا التطفيل # ونقل علنا دعينا فغبنا ... وأتانا فلم يجدنا الرسول # وأقبل طفيلي إلى طعام لم يدع إليه، فقال صاحب الطعام: من دعاك؟ فأنشده: # [السريع] # دعوت نفسي حين لم تدعني ... فالحمد لي لا لك في الدعوه # وكان ذا أحسن من موعد ... مخلفه يدعو إلى الجفوه # ودخل طفيلي في صنيع رجل من القبط، فقال له: من أرسل إليك؟ فأنشأ يقول: # [البسيط] # أزوركم لا أكافيكم بجفوتكم ... إن المحب إذا ما لم يزر زارا # فقال: «زر زارا»، ليس ندري من هو؟ أخرج من بيتي! # وقال آخر في طفيلي كوفي: [الطويل] # زرعنا فلما سلم الله زرعنا ... وأوفى عليه منجل لحصاد PageV01P437 # بلينا بكوفي حليف ms0391 مجاعة ... أضر علينا من دبي وجراد # وحدث آدم الطويل، قال: دخل حانوتي غريب يأكل شيئا من الطعام فتقدم سائل، ~~فقلت له: ما أكثر ترددك إلي! فقال الغريب الذي في الحانوت: لعله كما قال ~~الشاعر: # [السريع] # لو طبخت قدر بمطمورة ... أوفى ذرا قصر بأعلى الثغور # وكنت بالصين لوافيتها ... يا عالم الغيب بما في القدور! # حكى المبرد قال: كان بالبصرة طفيلي مشهور، وكان ذا أدب وظرف، فمر بسكة ~~النخع بالبصرة على قوم عندهم وليمة، فاقتحم عليهم، وأخذ مجلسه مع من دعي، ~~فأنكره صاحب المنزل فقالوا له: لو تأنيت أو صبرت يا هذا قبل الدخول حتى ~~يؤذن لك، كان أحسن لأدبك، وأعظم لقدرك، وأجل لمروءتك؛ فقال: إنما اتخذت ~~البيوت ليدخل فيها، ووضعت الموائد ليؤكل عليها، والحشمة قطيعة، واطراحها صلة. # وجاء في الآثار: صل من قطعك، وأعط من منعك، وأحسن إلى من أساء إليك. # وأنشد: [الخفيف] # كل يوم أدور في عرصة الدا ... ر أشم القتار شم الذباب # فإذا ما رأيت آثار عرس ... أو دخانا أو دعوة الأصحاب # لم أعرج دون التقحم لا أر ... هب شتما أو لكزة البواب # مستهينا بمن دخلت عليه ... غير مستأذن ولا هياب # ذاك أهنا من التكلف والغر ... م وشتم البقال والقصاب # كان بالبصرة طفيلي يكنى أبا سلمة، وكان إذا بلغه خبر وليمة، لبس لبس ~~القضاة، وأخذ ابنيه معه، عليهما القلانس الطوال والطيالسة، فيتقدم أحدهما ~~فيدق الباب، ويقول: # افتح يا غلام لأبي سلمة، ثم لا يلبث حتى يلحقه الآخر، فيقول: افتح ويلك! ~~قد جاء أبو سلمة، ويتلوهما، فإن لهم يعرفهم البواب فتح لهم، وإن عرفهم لم ~~يلتفت إليهم، ومع كل واحد منهما فهر مدور يسمونه كيسان، فينتظرون من دعي، ~~فإذا جاء وفتح له طرحوا الفهر في العتبة، حيث يدور الباب، فلا يقدرون على ~~إغلاقه فيهجمون ويدخلون. # فأكل أبو سلمة يوما على بعض الموائد لقمة حارة من فالوذج، وبلعها بشدة ~~حرارتها، فتجمعت أحشاؤه، فمات على المائدة، فقال عبد الصمد بن المعدل يرثيه: # [البسيط] # أحزان نفسي عني غير منصرمه ... وأدمعي من جفون العين ms0392 منسجمه # على صديق ومولى لي فجعت به ... ما إن له في جميع الصالحين لمه # كم جفنة مثل دور الحوض مترعة ... كوماء جاء بها طباخها رذمة PageV01P438 # قد كللتها شحوم من قليتها ... ومن سنام جزور عبطة سنمه # غيبت عنها فلم تعلم لها خبرا ... لهفي عليك وعولي يا أبا علمه # ولو تكون لها حيا لما بعدت ... يوما عليك ولو في جاحم حطمه # قد كنت أعلم أن الأكل يقتله ... لكنني كنت أخشى ذاك من تخمه # إذا تعمم في شبليه ثم غدا ... فإن حوزة من يأتيه مصطلمه # *** # وقلت لهم: أتقبلون نزيلا يطلب جنى الأسمار، لا جني الثمار، ويبغي ملح ~~الحوار، لا ملحاء الحوار، فحلوا لي الحبا، وقالوا: مرحبا مرحبا، فلم أجلس ~~إلا لمحة بارق خاطف، أو نغبة طائر خائف، حتى غشينا جواب، على عاتقه جراب، ~~فحيانا بالكلمتين، وحيا المسجد بالتسليمتين، ثم قال: يا أولي الألباب، ~~والفضل اللباب، أما تعلمون أن أنفس القربات، تنفيس الكربات، وأمتن أسباب ~~النجاة، مواساة ذوي الحاجات. وإني ومن أحلني ساحتكم، وأتاح لي استماحتكم، ~~لشريد محل قاص، وبريد صبية خماص، فهل في الجماعة، من يفثأ عنا حميا ~~المجاعة؟ # فقالوا له: يا هذا، إنك حضرت بعد العشاء، ولم يبق إلا فضلات العشاء، فإن ~~كنت بها قنوعا، فما تحد فينا منوعا، فقال: إن أخا الشدائد، ليقنع بلفاظات ~~الموائد، ونفاضات المزاود. فأمر كل منهم عبده، أن يزوده ما عنده. # *** # قوله: «نزيلا» أي ضيفا. الأسمار: المذاكرة بالليل. وجناها: ما يجنى من ~~فوائدها. يبغي: يطلب. ملح الحوار: مليح الكلام، والحوار: مراجعة القول. ~~ملحاء الحوار: لحم سنام الفصيل. الحبا: جمع حبوه، وكانت العرب ليس لها في ~~البوادي حيطان تستند إليها في مجتمعهم، فكان الرجل يقيم ركبتيه في جلوسه، ~~فيضع عليها أو يدير بهما ثوبا، ويعقد عليهما يديه، ويستريح إليها، ويقوم ~~ذلك له مقام الاستناد، فيقال لذلك العقد: الحبوة، فأراد أنهم حلوا له الحبا ~~إكراما له. لمحة بارق: لمعة برق. # خاطف: يخطف العين بسرعة فيمنعها النظر. نغبة: جرعة. غشينا: دخل علينا فجأة. # جواب: قطاع للأرض بمشيه. العاتق: ما بين ms0393 المنكب والعنق. جراب: وعاء للخبز ~~الكلمتين: سلام عليكم. التسليمتين: سلامه عند الدخول وسلامه من الركعتين. ~~وتحية المسجد: أن يركع الداخل فيه ركعتين، وقيل: التسليمتين تسليمة من صلاة ~~المغرب وتسليمة من الركعتين اللتين بعدها. الألباب: الأذهان اللباب: ~~الخالص. أنفس: أرفع. PageV01P439 # القربات: ما يتقرب به إلى الله عز وجل، واحدها قربة. الكربات: الهموم. ~~تنفيسها: # تفريجها وإزالتها. أمتن: أقوى وأغلظ. النجاة: التخلص. مواساة: جعلك لهم ~~أسوة نفسك. ساحتكم: موضعكم. أتاح: قدر. استماحتكم: اجتداءكم والطلب منك. شريد: # منفر، والشريد: الهارب. قاص: بعيد. بريد: رسول. خماص. جياع. يفثأ: يكسر. # حميا المجاعة: حده الجوع. فضلات: بقايا لفاظات: ما يلفظ منها، أي يطرح. # نفاضات: ما ينفض من بقية الزاد. # ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أكل ما يسقط من ~~الخوان نفى عنه الفقر، وعن ولده الحمق». # والمزاود: أوعية الزاد. # *** # فأعجبه الصنع، وشكر عليه، وجلس يرقب ما يحمل إليه، وثبنا نحن إلى استثارة ~~ملح الأدب وعيونه، واستنباط معينه من عيونه، إلى أن جلنا فما لا يستحيل ~~بالانعكاس، كقولك: ساكب كأس. فتداعينا إلى أن نستنتج له الأفكار، ونفترع ~~منه الأبكار، على أن ينظم البادي ثلاث جمانات في عقده، ثم تتدرج الزيادات ~~من بعده، فيربع ذو ميمنته في نظمه، ويسبع صاحب ميسرته على رغمه. # قال الراوي: وكنا قد انتظمنا عدة كأصابع الكف، وتألفنا ألفة أصحاب الكهف. # *** # الصنع: الجميل. وقوله: «وجلس يرقب»، وقال قبل هذا: «فلم أجلس إلا لمحة ~~بارق»، وقال في الثامنة والعشرين، «وجلس حتى ختم نظمالتأذين» وأكثر ما صرف ~~الجلوس في مقاماته من قيام. # وقال في الدرة: «يقولون للقائم: اجلس، والاختيار على ما حكاه الخليل، أن ~~يقال لمن كان قائما: اقعد، ولمن كان نائما أو ساجدا: اجلس. وعلل بعضهم هذا ~~الاختيار بأن القعود هو الانتقال من علو إلى سفل، ولهذا قيل لمن أصيب برجلة: # مقعد، وإن الجلوس من سفل إلى علو، ومنه قول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: # [الكامل] # قل للفرزدق والسفاهة كاسمها ... إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس # أي اقصد نجدا. ms0394 # وكان عمر واليا على المدينة فقال للفرزدق: إن كنت تلزم العفاف، وإلا ~~فاخرج إلى نجد. PageV01P440 # وحكى أبو عبد الله بن خالويه: قال دخلت على سيف الدولة بن حمدان يوما، ~~فلما مثلت بين يديه قال: اقعد، ولم يقل: اجلس، فتبينت بذلك اعتلاقه بأهداب ~~الأدب واطلاعه على أسرار كلام العرب. # والذي نظر هو الوجه، ولهذا جعله على الاختيار، ولم يجعله من اللحن، إلا ~~أنه لقرب المعنيين، يجوز أن يكون قد استعمل جلس في المقامات، من القيام. # *** # يرقب: ينظر ويحرس ثبنا: رجعنا. استثارة: استخراج. ملح: ما يتلمح به من ~~الكلام. عيونه: مختاره. استنباط: استخراج. معينه: ماؤه الصافي عيونه: جمع ~~عين الماء. وكنى بالمعين والعين عن الكلام والقلوب، جلنا: تصرفنا. يستحيل. ~~يتغير الانعكاس: قراءة اللفظة من آخرها. ساكب: صاب. تداعينا: دعا بعضنا ~~بعضا. نستنتج: # نستدعي منها النتاج وهو الولد الأفكار: جمع فكر، وجعل ما يبديه الفكر من ~~الكلام نتاجا له نفترع: نفتض. جمانات: جمع جمانة، وهي حبة تعمل من فضة ~~كالدرة، تتدرج: # تتمشى. يربع: يصنع أربع جمانات. ذو، بمعنى صاحب. يسبع: يصنع سبعا رغمه: # إكراهه وإذلاله. انتظمنا: اجتمعنا. تألفنا: تصاحبنا وانضم بعضنا إلى بعض، ~~ومنه ألفت الكتاب. والألفة: الصحبة والاجتماع. والكهف: الغار وأصحابه قصتهم ~~معروفة. # *** ### || AUTO [قصة أهل الكهف] # قال ابن عباس في قوله عز وجل: ما يعلمهم إلا قليل [الكهف: 22] أنا من ~~أولئك القليل، وهم مكسلمينا ويمليخا، وهو المبعوث بالورق إلى المدينة، ~~ومرطونس وسارينوس ويوانس وكفشطيوس وقطينوسيسوس، وهو الراعي، والكلب اسمه ~~قطمير وهو أنمردون الكروي وفوق القلطي. # وقال أبو شبل: بلغني أن من كتب هذه الأسماء في شيء ووضعه في الحريق سكن ~~الحريق. # وذكر الطبري أنهم كانوا في أيام الطوائف على دين عيسى ابن مريم، وكانوا ~~في حكم ملك للروم يسمى دقيانوس يعبد الأصنام، فبلغه عن الفتية مخالفتهم ~~لدينه، فطلبهم فهربوا منه، فاجتازوا براعي غنم، فأتبعهم بكلبه، فعلموه ~~دينهم، وصاروا إلى ربهم، فآواهم الليل إلى كهف، فقالوا: نبيت هنا الليلة ثم ~~نصبح فنرى رأينا، فضرب الله على آذانهم فناموا، وتبعهم الملك فوجدهم في ms0395 ~~الكهف، فلم يطق أحد منهم دخوله، فبنى عليهم باب الكهف، ففتحه الرعاء بطول ~~الزمان، فأقاموا فيه ما ذكر الله تعالى، ثم أحياهم الله تعالى بعد ثلاثمائة ~~وتسع، فشكوا: هل ناموا يوما واحدا أو بعضه؟ ثم مسهم الجوع، PageV01P441 # فبعثوا أحدهم بورق يشتري لهم طعاما، ووصوه أن يحترز حتى لا يشعر بهم أحد، ~~فيدل عليهم فيحملوا إلى الملك الذي فروا منه أمس فيما ظنوا، فيرجمهم أو ~~يرجعوا إلى دينه، فلما أتى باب المدينة، أنكر أن تكون هي التي خرج منها أمس ~~في ظنه لأنها تغيرت بمرور بعد زمان عليها، فأنكر أهلها. ثم أخرج الدراهم ~~ليشتري طعاما، فقال له البائع: من أين لك هذه الدراهم؟ وأمسكه، فقال: خرجت ~~أمس مع أصحاب لي فارين من هذا الملكو دينه، فبتنا في كهف، وأصبحنا اليوم، ~~فأرسلوني لأشتري لهم طعاما، فاستر علينا، فحمله الرجل إلى ملك المدنية يسمع ~~منه، وكان ملكا صالحا، نقص عليه القصة، فركب الملك في جملة من الناس ~~ليطلعوا على أمرهم، فدخل على أصحابه، فوجدهم قد عادوا إلى نومهم، فضرب الله ~~على أذنه معهم، فدخل الناس فوجدوا أجساما لا ينكرون منها شيئا، وكأنهم ~~مستيقظون يكلمونهم، غير أنها بغير أرواح، فقال لهم الملك: هذه آية الله ~~إليكم، فبنوا عليهم مسجدا يصلون فيه. # *** # فابتدر لعظم محنتي، صاحب ميمنتي، وقال: لم أخامل وقال ميامنه: كبر رجاء ~~أجر ربك. وقال الذي يليه: من يرب إذا بر ينم. وقال الآخر: سكت كل من نم لك تكس. # وأفضت النوبة إلي، وقد تعين نظم السمط السباعي علي فلم يزل فكري يصوغ ~~ويكسر، ويثري ويعسر، وفي ضمن ذلك أستطعم، فلا أجد من يطعم، إلى أن ركد ~~النسيم، وحصحص التسليم، فقلت لأصحابي: لو حضر السروجي هذا المقام، لشفى ~~الداء العقام، فقالوا: لو نزلت هذه بإياس، لأمسك على ياس. # وجعلنا نفيض في استصعابها، واستغلاق بابها، وذلك الزور المعتري يلحظنا ~~لحظ المزدري، ويؤلف الدرر ونحن لا ندري. # *** # قوله: «لعظم محنتي» لعظم بليتي. # *** # لم: من اللوم. مل: من الملل. كبره: عظم الكبير، وقدمه على نفسك. # يرب: ms0396 يصلح. بر: أكرم. ينم: يزيد خيره، وترتفع منزلته ونمى الشيء ينمي ~~وينمو نماء، ونموا ونميا: زاد، قال الأصمعي: نميت. # حديث فلان إلى فلان أنميه، إذا بلغته على وجه الإصلاح وطلب الخير، وفي PageV01P442 # الحديث: «فقال خيرا أو نمى خيرا» (¬1) أي أبلغ خيرا، أو رفعه، وكل شيء رفعته. # فقد نميته. ورواية ابن ظفر: «من يرب إذا بر ينم»، أي إذا كان البر من ~~الناس يمشي بالنميمة فمن يرب فعلا جميلا ويصلحه. # تكس: تكن كيسا، والكيس: الناقد في أموره، وقيل العاقل. أفضت: وصلت. # النوبة: الدولة. السمط: الخيط يعقد فيه اللؤلؤ. # يصوغ: يصنع. يثري ويعسر، أي يستغني ويفتقر، أي يكثر الكلام مرة ويقلل أخرى. # وفي ضمن ذلك، أي في أثنائه وفي مدته. أستطعم: أطلب طعاما، هذا أصله، ~~وتقول: أطعمت القارئ إذا وقف ففتحت عليه وأفتيته. واستطعم هو، إذا استدعي ~~ذلك. علي رضي الله عنه: إذا استطعم الإمام فأطعموه، أي إذا أرتج عليه ~~فافتحوا له. # ركد النسيم: سكنت الريح، يعني كلامه حصحص: تبين. التسليم: الانقياد، أي ~~انقدت للعجز عن الإتيان بها. # المقام: الموقف. العقام: الشديد الذي لا يؤثر فيه الدواء، بمنزلة الرحم ~~العقيم، التي لا تؤثر فيها النطفة فلا تلد. # إياس، تقدم ذكره. واليأس: ضد الطمع. # ولما ذكر هنا إياسا ويأسا، نذكر فصلا ذكره في الدرة على اللفظتين، قال: # ويقولون: أشرف فلان على الإياس من طلبه، فيهمون كما وهم أبو سعيد السكري، ~~وكان من جلة النحويين، وأعلام العلماء المذكورين، فقال: إن إياسا سمي ~~بالمصدر، من أيس، وليس كذلك- وإنما إياس عند المحققين مصدر آسيته، أي ~~أعطيته، والمصدر منه الأوس، ومنه المواساة، فكأنهم سموا إياسا بمعنى ~~تسميتهم عطاء. ووجه الكلام أن يقال: أشرف على اليأس، لأن أصل الفعل منه يئس ~~على فعل، قال الله تعالى: قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب ~~القبور [الممتحنة: 13] فأما أيس بتقديم الهمزة فمقلوب من يئس واستدل شيخنا ~~أبو القاسم بن المفضل النحوي على صحة ذلك فإن لفظة يئس، تساوي لفظة اليأس، ~~الذي هو الأصل في نظم الصيغة، فتكون الياء ms0397 مبدوءا بها والهمزة مثنى بها ~~بخلاف تنزلهما في أيس، فلهذا حكم على أيس أنها مقلوبة من يئس، والمقلوب لا ~~يتصرف تصرف الأصل ولا يكون له مصدر. # نفيض: نندفع بالكلام. المعتري: القاصد. يلحظنا: ينظرنا بطرف عينه. ~~استحقارا منه لنا. المزدري: المحتقر. يؤلف: يجمع. الدرر: جواهر الكلام. # *** PageV01P443 # فلما عثر على افتضاحنا، ونضوب ضحضاحنا، قال: يا قوم إن من العناء العظيم، ~~استيلاد العقيم، والاستشفاء بالسقيم، وفوق كل ذي علم عليم. ثم أقبل علي، ~~وقال: سأنوب منابك، وأكفيك ما نابك؛ فإن شئت أن تنثر، ولا تعثر، فقل مخاطبا ~~لمن ذم البخل، وأكثر العذل: لذ بكل مؤمل، إذا لم وملك بذل وإن أحببت أن ~~تنظم، فقل للذي تعظم: [مجزوء الرجز] # أس أرملا إذا عرا ... وارع إذا المرء أسا # أسند أخا نباهة ... ابن إخاء دنسا # اسل جناب غاشم ... مشاغب إن جلسا # اسر إذا هب مرا ... وارم به إذا رسا # اسكن تقو فعسى ... يسعف وقت نكسا # *** # عثر: اطلع. افتضاحنا: اشتهارنا بالعجز. نضوب ضحضاحنا: جفوف مائنا القليل. # الاستيلاد: طلب الولد، يقول: إن من تعب النفس طلب فائدة من ذهن كليل ~~وقريحة جامدة. نابك: نزل بك. تنثر: تقول نثرا. لذ: استتر به والجأ إليه. ~~مؤمل: مرجو لفعل الخير. لم: جمع المال. بذل: تكرم على غيره، وهذا اللفظ من ~~المعكوس في النثر بديع، فما ظنك بهذا النظم الرفيع الذي أردفه عليه، فإنه ~~من أشرف حسناته، رحمه الله! . # قوله: «أس» أعط، والأوس: العطية. أرملا: فقيرا أفنى زاده. عرا: قصد. ارع: # احفظ الصحبة. أسا: أتى بسوء، وأصله الهمز أساء فسهل الهمزة، يقول: إن ~~قصدك فقير فصله، وإن أخطأ عليك صاحب فلا تقطعه، وارع حق الصحبة، ويقال: ~~المرء بالهمز، والمر بلا همز، وبترك الهمز يستقيم الانعكاس في بيت الحريري، ~~ويقال: المرة، قال دعبل: [البسيط] # واحفظ عشيرتك الأدنين إن لهم ... حقا يفرق بين الزوج والمرة (¬1) # وهذا البيت الذي فسرناه وما بعده من الأبيات تقرؤه إن شئت من أوله، وإن ~~شئت من آخره. وجعل هذا النمط في عكس الحروف توطئة لما يذكر في المقامة بعد ms0398 ~~هذا في الرسالة القهقرية، من عكس ألفاظها، من أولها إلى آخرها إلا أن ذلك ~~العكس بالألفاظ وهذا بالحروف، وكلاهما غاية في بابه، وإنما يذكر الأدباء ~~هذا استملاحا في كلامهم، وامتحانا لخواطرهم. # *** PageV01P444 ### || AUTO [أمثلة من التصحيف وقلب الكلام] # ونريد أن نذكر هنا فصلا مما يوافقه أو يقاربه على ما شرطناه؛ فمن ذلك أن ~~بعض الأدباء اتهم صاحبا له بسعاية في جانبه فكتب إليه في المجلس: ساءك نم، ~~فنظره الذي وشى به، فكتب إليه: صحفه واقلب، فهو والله ما نطق به على لسانك، ~~من بغيك وعدوانك، وهو مقلوب مصحف: منك أتيت، فتضاحكا وتصافيا. # وكتب بعضهم إلى خازن السلطان: [السريع] # قد أقبل الشهر وإقباله ... يأتي بما أجرى ترتيبه # فوجه البر ومقلوبه ... يجزيك عن برك مقلوبه # وكتب بعض الظرفاء إلى صاحب له وهو مقلوب مصحف: ظبي سراب خشن. فإذا قرأته ~~على الولاء من آخره بعد القلب والتصحيف جاء منه: حسن شراب طيب. # ومن أنواع المعميات التصحيف، ومثاله: أن إبراهيم بن المهدي كتب إلى إسحاق ~~الموصلي: لا يرتج مثل الأسنة، فكتب إليه إسحاق. لا يرث جميل إلابثينة. # وقال أبو الجهم بن الأنباري للحسن بن وهب: ما تصحيف: كلني بيمينك فبعني ~~بحبتين، فقال: كل شيء منك في عيني حسن. # وغاب صديق عن صديق له، فلما لقيه قال له: عن تعبي، فجاوبه: زرعنا يزداد ~~حبا، فالأول قال: غبت عني، والثاني قال: زر غبا تزداد حبا. # وذكر في بعض مجالس الأدب التصحيف، فقال فتى شاب: أنا ابن بجدته، فقال ~~بعضهم: ما تصحيف: نصحت فحشي، فقال: تصحيف حسن، فاستغرب إسراعه، فاتهمه شاعر ~~من بلنسية، فقال: ما تصحيف بلنسية؟ فأطرق ساعة، ثم قال: أربعة أشهر، فقال ~~له البلنسي: صدق ظني إنك تنتحل ما تقول ويحك! والفتى يضحك، فقال له: # اشعر، فإنك شاعر، فقال: وأي نسبة بين أربعة أشهر وبلنسية؟ فقام وهو يقول: ~~هو ذاك؛ ثم تنبه بعد انصراف الفتى بعض من حضر، فنظر فإذا أربعة أشهر ثلاث ~~سنة، وهو تصحيف بلنسية، فخجل المنازع، ومضى إلى دار الفتى معتذرا. # كتب بعض ms0399 وزراء ابن عباد إليه يتسخط الإخوان هذا البيت: [الكامل] # وإذا صفا لك من زمانك واحد ... فهو المراد، وأين ذاك الواحد! # فوقع في الكتاب: وأين ذاك الواحد؟ صحف تعرف: فلما قرأه الوزير طار سرورا، ~~ومثل بالبساط فلثمه بين يديه، وإنما صحف، وأين، فجاء منه: وأنت، فرد عليه ~~من كلامه أبلغ جواب. # ومن ملح ابن عباد في التصحيف، أنه خرج في جملة وزرائه الأدباء، فاجتازوا PageV01P445 # بإشبيلية بالموضع الذي يباع فيه الجير والجبس، فلقي هناك جارية من أحسن ~~الناس وأقلهم حياء. فأقبل ابن عباد على ابن عمار، وقال: يا بن عمار ~~الجيارين، فقال ابن عمار: يا مولاي والجباسين، فعلم من حضر أنهما لم يريدا ~~أن يعرف كل واحد منهما صاحبه بما ذكر، فبحثوا عن مرادهما، فلم يعرفوه، ~~فسألوا: ابن عمار، فقال له ابن عباد: لاتبعها منهم إلا غالية. ثم إن ابن ~~عمار أخبرهم أن ابن عباد أعجبه حسن الجارية، وعابها بقلة الحياء، فصحف ~~«الجيارين»، فجاء منه «الحيازين» وصحفت أنا «الجباسين»، فجاء منه ~~«الخناشين»، فاستغربوا حضور أذهانهما وحسن كنايتهما. # أين هذه الأذهان من رجل مغفل، كان له ابن يسمى حسنا مسافرا، فاستفتح ~~المصحف يتفاءل له في القدوم، فخرج له «وحسن مآب»، فترك التيامن بهذا اللفظ ~~لمآب الفتى سالما، وقال: تصحيف «حسن مآب»: «حسن مات»، فاستدعى أم الفتى ~~وخدمه، ونعاه لهن فأقمن مناحة، وجاء الجيران والقرابة يتطلعون حادثتهم، فهو ~~يخبرهم بما تصحف له، والفتى داخل قد أقبل في أغبط حال وأسرها، فاستحمق وصار مثلا. # *** # قوله: «أسند» أضفه إليك وقربه منك. نباهة: رفعة. أبن: باعد. دنس: عيب. # يقول: صاحب من يشرفك بذكره الجميل، وباعد من يدنس عرضك وتعاب به. # *** ### || AUTO [مما قيل في الصديق] # وقد قيل: الصاحب رقعة في الثوب، فلينظر الإنسان ما يرقع به ثوبه. # قال ابن رشيق: [المنسرح] # اصحب ذوي القدر واستعد بهم ... وعد عن كل ساقط سفله # فصاحب المرء شاهد ثقة ... يقضي به غائبا عليه وله # ورقعة الثوب حين تلبسه ... شهرته أو تكون مشتكله # وفي الحديث: «الأنفس أجناد مجندة، وإنها لتشام في الهوى ms0400 كما تشام الخيل ~~فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» (¬1). # ونظم هذا الحديث أبو نواس فقال: [البسيط] # إن القلوب لأجناد مجندة ... لله في الأرض بالأهواء تعترف (¬2) PageV01P446 # فما تعارف منها فهو مؤتلف ... وما تناكر منها فهو مختلف # وقال طرفه- أو عدي بن زيد: [الطويل] # إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن مقتدي # وقال أبو العتاهية: [الرجز] # اصحب ذوي الفضل وأهل الدين ... فالمرء منسوب إلى القرين # وقال الخالدي: [الكامل] # وإذا أردت ترى فضيلة صاحب ... فانظر بعين البحث من ندمانه # فالمرء مطوي على علاته ... طي الكتاب وصحبه عنوانه # ومما يروى لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: [الهزج] # فلا تصحب أخا السوء ... وإياك وإياه (¬1) # فكم من جاهل أودى ... حليما حين آخاه # يقاس المرء بالمرء ... إذا ما المرء ما شاه # وفي الناس من الناس ... مقاييس وأشباه # وفي العين غنى للعي ... ن أن تنطق أفواه # وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه # وقال ابن رشيق: [مجزوء الكامل] # اختر لنفسك من تعا ... دي كاختيارك من تصادق # إن العدو أخو الصديق ... وإن تخالفت الطرائق # قوله: «اسل جناب غاشم» يريد جانب منزل ظالم، ولا تقربه. وسلوت يتعدى بعن ~~وبنفسه، تقول: سلوت عنه، وسلوته وسليته. # وقال الأسود بن يعفر: [الطويل] # فأقسمت لا أشريه حتى يملني ... بشيء ولا أسليه حتى يفارقا (¬2) PageV01P447 # قوله: «مشاغب» مسارع للشر. هب: تحرك. مراء: جدال، ومعنى «اسر» اكشف وأزل، ~~يقول: إذا تعلق بك وهب عليك جدال من صاحب فاكشفه عن نفسك بالمناصحة، وباعد ~~المراء. وتقول: سريت الثوب عني، وسريته، إذا كشفته، قال ابن هرمة: [الطويل] # * سرى ثوبه عني السرى المتخايل (¬1) * # ومنه سري عن الرجل أي كشف عنه ما كان يجده من الغم والغضب، وقد يكون معنى ~~«اسر» باعد وفارق من السرى، وهو سير الليل، فيقول: فارق موضع الجدال ~~وباعده. رسا: ثبت، أي إذا سكن الخلاف بين القوم فارم أنت به واتركه، ويروى: ~~«اسر» بالضم، أي كن سريا، أي سيدا ذا مروءة، إذاهاج ms0401 الجدال بين القوم ~~فباعده. # وقال سابق البريري: [البسيط] # لا تنفعن لجوجا حين تزجره ... إن اللجوج له في المال إغراء # وأغض في حسن عفو عن نوادره ... فالحر فيه عن الآفات إغضاء # *** ### || AUTO [المراء والجدال] # والمراء مدافعة الحق وترك الانقياد، لما ظهر منه، وقد يستعمل بمعنى ~~الجدال، فمن جادل ليظهر باطلا فجداله محظور. # وفي الحديث: «من ترك الجدال محقا بنى الله له بيتا في الجنة» (¬2). # وقال ميمون بن مهران: لا تمار من هو أعلم منك إنه يختزن عنك علمه ولم ~~تضره شيئا. # وقال لقمان لابنه: من لا يملك لسانه يندم، ومعن يكثر المراء يشتم، ومن ~~يدخل مداخل السوء يتهم. يا بني لا تمار العلماء فيمقتوك. # وقال مالك بن أنس رضي الله عنه: المراء يقسي القلوب ويورث الضغائن وقال ~~بلال بن مسعدة: إذا رأيت الرجل لجوجا مماريا معجبا بنفسه فقد تمت خسارته. PageV01P448 # ولمسعر بن كدام يخاطب ابنه: [الكامل] # إني منحتك يا كدام نصيحتي ... فاسمع لقول أب، عليك شفيق (¬1) # أما المزاحة والمراء فدعهما ... خلقان لا أرضاهما لصديق # إني بلوتهما فلم أخترهما ... لمجاور جار ولا لرفيق # قوله: «اسكن» الزم السكون والوقار. تقو: أراد تتقوى، يسعف: يساعد ويوافق. # نكس: قصر بك، يقول: لا تبادر إلى الجدال، والزم السكون، حتى يتقوى نظرك، ~~ويظهر لك صوابك، فعسى يوافقك على الإصابة بحسن التدبير وقت كان يصرفك عن ~~الصواب، لو التزمت الجدال. # ومن أعاجيب ابن الرومي قوله في ذم الجدال: [الكامل] # لأولي الجدال إذا غدوا لجدالهم ... حجج تضل عن الهدى وتجور # وهن كآنية الزجاج تصادمت ... فهوت وكل مكاسر مكسور # فالقاتل المقتول ثم لوهنه ... ولضعفه، والآسر المأسور # وقال من شعر يمازح صديقا له: [السريع] # لكن في الشيخ غريزية ... يخاصم الله بها في القدر # ما كان لم كان وما لم يكن ... لم يكن فهو كيل البشر # *** # قال: فلما سحرنا بآياته، وحسرنا ببعد غاياته، مدحناه حتى استعفى، ومنحناه ~~إلى أن استكفى. # ثم شمر ثيابه، وازدفر جرابه، ونهض ينشد: [الكامل] # لله در عصابة ... صدق المقال مقاولا # فاقوا الأنام فضائلا ... مأثورة، وفواضلا # حاورتهم فوجدت سح ms0402 ... بان لديهم باقلا # وحللت فيهم سائلا ... فلقيت جودا سائلا # أقسمت، لو كان الكرا ... م حيا، لكانوا وابلا # *** # قوله: «سحرنا» تركنا مسحورين. بآياته. بعجائبه، يقال: إن فلانا آية من ~~الآيات، PageV01P449 # أي عجب من العجائب. حسرنا: قطعنا وأكلنا. والغاية: الطلق، يريد أنا كلنا ~~في الغايات التي جرى فيها لبعدها؛ ويريد اتساعه في الكلام. # استعفى: قال: عافوني منه. منحناه: أعطيناه. استكفى: قال: يكفيني. ازدفر: # حمله على ظهره، والزفر الحمل على الظهر. جرابه: وعاء خبزه. عصابة: جماعة. # صدق المقال، أي صادقين في قولهم، وصدق جمع صدوق، وعدل عن صدوق على جهة ~~المبالغة في صدقة. مقاولا: ملوكا. فاقوا: فضلوا، وزادوا عليهم. فضائلا: جمع ~~فضيلة، وهي ما تفضل به غيرك من الأفعال المحمودة مأثورة: متحدث بها. # فواضلا: عطايا وأيادي، الواحدة فضيلة، وفواضل المال: ما يأتيك من مرافقتك وعكسه. # ومن كلام العرب: إذا عزب المال قلت فواضله، أي قل انتفاع رب الإبل بلبنها ~~إذا بعدت، قال الشاعر: # سأبغيك مالا بالمدينة إنني ... أرى عازب الأموال قلت فواضله (¬1) # قوله: «حاورتهم» خاطبتهم. # *** ### || AUTO [سحبان وائل] # سحبان فصيح العرب، وهو سحبان بن زفر بن إياس بن عبد شمس الواثلي من واثل ~~باهلة، وكان من فصحاء العرب وبلغائها، وبه يضرب المثل في البيان والفصاحة، ~~فيقال: أفصح من سحبان. # ودخل عند معاوية وعنده خطباء القبائل، فلما رأوه خرجوا لعلمهم بقصورهم ~~عنه، فقال: [الطويل] # لقد علم الحي اليمانون أنني ... إذا قلت أما بعد أني خطيبها (¬2) # فقال له معاوية: اخطب، فقال: انظروا لي عصا، فقالوا: وما تصنع بها وأنت ~~بحضرة أمير المؤمنين؟ قال: وما كان يصنع بها موسى وهو يخاطب ربه! فأخذه في ~~يده، فتكلم من الظهر إلى أن كادت صلاة العصر تفوت، ما تنحنح ولا سعل، ولا ~~توقف ولا ابتدأ في معنى، فخرج منه وقد بقيت عليه فيه بقية، ولا مال عن ~~الجنس الذي يخطب فيه، فقال معاوية: الصلاة! فقال: الصلاة أمامك، ألسنا في ~~تحميد وتمجيد، وعظة وتنبيه، PageV01P450 # ووعد ووعيد! فقال له معاوية: أنت أخطب العرب، فقال: العرب وحدها! بل أخطب ~~الإنس والجن، فقال ms0403 له معاوية: كذلك أنت. # وهو أول من قال: أما بعد، وأول من آمن بالبعث من الجاهلية، وأول من توكأ ~~على عصا، وعمر مائة وثمانين سنة، وهو القائل يمدح طلحة بن عبيد الله، وهو ~~طلحة الطلحات الخزاعي فقال فيه: [مجزوء الكامل] # يا طلح أكرم من مشى ... حسبا وأعطاهم لتالد (¬1) # منك العطايا فاعطني ... وعلي مدحك في المشاهد # فقال له طلحة: احتكم، فقال: برذونك الورد، وقصرك بزرنج، وغلامك الخباز، ~~وعشرة آلاف درهم، فقال له: أف أف لك! لم تسألني على قدري، إنما سألتني على ~~قدرك وقدر باهلة، والله لو سألتني كل قصر لي وعبد ودابة لأعطيتك. # *** ### || AUTO [باقل] # قوله: «باقلا»، هو من إياد، قيل من بني مازن. وقال حميد الأرقط في وصف ~~ضيف أكثر من الطعام: [الطويل] # أتانا وما داناه سحبان وائل ... بيانا وعلما بالذي هو قائل (¬2) # فما زال عنه اللقم حتى كأنه ... من العي لما أن تكلم باقل # والعرب تقول: إنه لأعيا من باقل، ومن عيه أنه اشترى ظبيا، فحمله على ~~عنقه، فسئل عن ثمنه، فحل عنه يديه وفتح أصابعه، وأشار بها- وأخرج لسانه- ~~يريد أنه بأحد عشر درهما، ولم يلهم أن يخبر عن سومه بلسانه- ولما عير باقل ~~بفعله قال: [المتقارب] # يلومون في عيه باقلا ... كأن الحماقة لم تخلق # فلا تكثروا العتب في عيه ... فللعي أجمل بالأموق # خروج اللسان وفتح البنان ... أخف علينا من المنطق # الأموق: الأحمق. قوله: «حللت» نزلت. سائلا: طالبا معروفهم جودا: كرما. # سائلا: جاريا. حيا: مطرا كثيرا. # والوابل: أشد المطر، يريد أنهم كانوا يزيدون عليهم في الفضل. # *** PageV01P451 # ثم خطا قيد رمحين، وعاد مستعيذا من الحين، وقال: يا عز من عدم الآل، وكنز ~~من سلب المال، إن الغاسق قد وقب، ووجه المحجة قد انتقب، وبيني وبين كني ليل ~~دامس، وطريق طامس، فهل من مصباح يؤمنني العثار ويبين لي الآثار؟ # *** # خطا: مشى ونقل خطاه. قيد: قدر. مستعيذا: مستجيرا. الحين: الموت. عدم ~~الآل: فقد الأهل، يقول: أنتم عز لمن فقد أهله، وكنز لمن أخذ ماله. الغاسق: القمر. # عائشة رضي الله عنها قالت: نظر النبي ms0404 صلى الله عليه وسلم إلى القمر، ~~فقال: «يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب» ~~(¬1)، يعني من شره إذا كسف. ووقب القمر: يقب وقوبا: دخل في الظلام الذي ~~يكسفه، وكل ما غاب فقد وقب. المحجة: # الطريق. انتقب: استتر، وجعل من الظلام نقابا. وكني: منزلي. دامس: مظلم. طامس: # دارس؛ لأن الظلام لما غطاه كأنه محاه. الآثار: الطرق التي أثر فيها المشي. # *** ### || AUTO [مما قيل في الشمع] # قال الصابي في شمعة، وذكر هذا المعنى: [البسيط] # وليلة من محاق الشهر مدجنة ... لا النجم يهدي السرى فيها ولا القمر # كلفت نفسي بها الإدلاج ممتطيا ... عزما، هو الصارم الصمصامة الذكر # إلى حبيب له في النفس منزلة ... ما حلها قبله سمع ولا بصر # ولا دليل سوى هيفاء مخطفة ... تهدي الركاب وجنح الليل معتكر # غصن من الذهب الإبريز أثمر في ... أعلاه ياقوتة صفراء تستعر # تأتيك ليلا كما يأتي المريب فإن ... لاح الصباح طوتها دونها الجدر # وقال آخر في مثله: [الطويل] # لنا شمعة نيطت ذراها بشعلة ... كحقة تبر علقت بلسانها # إذا عثر الساري بذيل من الدجا ... نحرنا له قلب الدجى بسنانها # تفك قيود الليل عن كل زائر ... فتجري بها الرجلان ملء عنانها # إذا ما أحست بالصباح تمارضت ... كنرجسة قد أذبلت بمكانها # تموت إذا ما قبلت خد حائط ... فتثبت خالا فوقه من دخانها PageV01P452 # كأن الجراد امتص جوهر روحها ... ولم يمتنع منها سويدا جنانها # وقال النمري: [المتقارب] # ولما دجا الليل مزقته ... بروح ينحف جثمانها # بشمع أعير قدود الرماح ... يحاكي ذراها وألوانها # غصون من التبر قد ركبت ... لهيبا يزين أفنانها # فيا حسن أرواحها في الدجى ... وقد أكلت فيه أبدانها # *** # قال: فلما جيء بالملتمس، وجلي الوجوه ضوء القبس، رأيت صاحب صيدنا، هو أبو زيدنا. # فقلت لأصحابي: هذا الذي أشرت إلى أنه إذا نطق أصاب، وإن استمطر صاب. # فأتلعوا نحوه الأعناق، وأحدقوا به الأحداق، وسألوه أن يسامرهم ليلته، على ~~أن يجبروا عيلته. فقال: حبا لما أحببتم، ورحبا بكم إذ رحبتم، غير أني ~~قصدتكم وأطفالي يتضورون من الجوع، ويدعون ms0405 لي بوشك الرجوع، وإن استراثوني ~~خامرهم الطيش، ولم يصف لهم العيش، فدعوني لأذهب فأسد مخمصتهم، وأسيغ غصتهم، ~~ثم أنقلب إليكم على الأثر، متأهبا للسمر إلى السحر. # فقلنا لأحد الغلمة: اتبعه إلى فئته، ليكون أسرع لفيأته، فانطلق معه ~~مضطبنا جرابه، ومحثحثا إيابه. # *** # قوله: «الملتمس»، أي المطلوب وهو المصباح، والقبس ضوأه. جلا: كشف. # صاحب صيدنا، أي الذي اصطاد أموالنا. استمطر: سئل المطر. صاب: وقع وقعا ~~شديدا، وكنى بالمطر الصوب عن العلم الكثير. أتلعوا: مدوا، وأتلع الرجل: نصب ~~عنقه ومدها، وتطاول لينظر شيئا. أحدقوا: حلقوا وأحاطوا، والأحداق: سواد ~~العين الأعظم: # عيلته: فقره يتضورون: يصيحون. ابن الأنباري: وقولهم: تركته يتضور، معناه ~~يظهر الضر الذي وقع به بالتقلقل والاضطراب والصياح، فيتضور، يتفعل من ~~الضور، والضور بمعنى الضير، ويقال: ضرني يضرني ضرا، وضارني يضيرني ويضورني ~~ضيرا وضورا PageV01P453 # بمعنى. وشك: سرعة. استراثوني: استبطئوني. خامرهم: خالطهم. الطيش: الخفة ~~وذهاب العقل من الجوع. أسد مخمصتهم: أزيل جوعهم. والغصة: ما يختنق به ~~وإساغتها: تسهيلها حتى تبتلع. انقلب على الأثر، أي في الحين وفي الطريق ~~الذي أمضى فيه. أرجع: أمشي على أثري فيه مسرعا، قبل أن يمشي غيري فيغيره، ~~فهذا معنى أنقلب على الأثر. متأهبا: مستعدا. فيئته: رجوعه. مضطبنا: حاملا ~~على ضبنه وهو خصره. # محثحثا: معجلا. إيابه: رجوعه. # *** # فأبطأ بطءا جاوز حده، ثم عاد الغلام وحده، فقلنا له: ما عندك من الحديث ~~عن الخبيث؟ # فقال: أخذني في طرق متعبة، وسبل متشعبة، حتى أفضينا إلى دويرة خربة، ~~فقال: هاهنا مناخي، ووكر أفراخي. ثم استفتح بابه، واختلج مني جرابه، وقال: # لعمري، لقد خففت عني، واستوجبت الحسنى مني، فهاك نصيحة هي من نفائس ~~النصائح، ومغارس المصالح، وأنشد: [المتقارب] # إذا ما حويت جنى نخلة ... فلا تقربنها إلى قابل # وإما سقطت على بيدر ... فحوصل من السنبل الحاصل # ولا تلبثن إذا ما لقطت ... فتنشب في كفة الحابل # ولا توغلن إذا ما سبحت ... فإن السلامة في الساحل # وخاطب بهات، وجاوب بسوف ... وبع آجلا منك بالعاجل # ولا تكثرن على صاحب ... فما مل قط سوى الواصل # *** # الخبيث، قال أبو الهيثم: ms0406 الخبيث: الذكر من الشياطين وجمعه خبث. أبو عبيدة: # الخبيث: ذو الخبث في تفسيره. متشعبة: متفرقة، وتشعب الطريق: خرجت منه شعب ~~إلى كل جهة، أي طرق أخر، فأراد أنه خلط عليه بحيث لا يهتدى إلى منزله، فكان ~~يخرجه من طريق إلى طريق. أفضينا: وصلنا، وهو من الفضاء. مناخي: منزلي، ~~وأصله موضع إناخة البعير. وكر أفراحي: عش أولادي. استفتح: ضرب وقال: افتحوا الباب. # اختلج: أخذ بسرعة. جرابه: وعاء زاده. الحسنى: الفعل الحسن. هاك: خذ ~~النفائس: # الذخائر: الرقاع. مغارس: مواضع يغرس فيها. المصالح: جمع مصلحة، مفعلة من ~~الصلاح. حويت: جمعت وحزت. جنى نخلة: هو التمر. بيدر: أندر الزرع، يسمى ~~بالشأم أندر، وبالعراق بيدر. حوصل: اجعل في حوصلتك وهي للطائر في الأصل. PageV01P454 # كفة: شبكة. الحابل: الصائد. توغلن: تكثرن الدخول. سبحت: عمت. الساحل: ما ~~ولي الماء من الأرض، وهو فاعل بمعنى مفعول، لأن الماء سحله أي قشره وأخذ ~~عشبه، كما تسحل الحديدة بالمبرد، أي تبرد بالمبرد، والسحالة: ما سقط من ~~المسحول. # وخاطب بهات: عكس قول الصاحب، وقد أهدى إليه العميري قاضي قزوين هدية ~~وكتبت معها: [الخفيف] # العميري عبد كافي الكفاة ... ومن اعتد في وجوه القضاة # خدم المجلس الرفيع بكتب ... مفعمات من حسنها مترعات # فوقع تحتها: [الخفيف] # قد قبلنا من الجميع كتابا ... ورددنا لوقتها الباقيات # لست أستغنم الكثير فطبعي ... قول خذ، ليس مذهبي قول هات # قوله: «آجلا» ضد عاجل. وقوله: «ولا تكثرن على صاحب»، أي لا تكثر من ~~الزيارة وأقللها خشية الملل. وروى قدامة بن جعفر أن رجلا كتب إلى آخر: إن ~~رأيت أن تحدد لي موعدا لزيارتك أتوقته إلى وقت رؤيتك فيؤنسني إلى حين، فافعل. # فأجابه الآخر: أخاف أن أعدك وعدا يعرض دون الوفاء به ما لا أملك دفعه، ~~فتكون الحسرة أعظم من الفرقة. # فأجابه: إنما أسر بموعدك، وأكون جذلا با PageV01P455 # أتاني هدو وعين الرقي ... ب مطروفة بالكرى الغامر # وأحبب به يسعف الهاجعين ... وتحرمه مقلة الساهر # وعهدي بتمويه عين المحب ... تنم على قلبه الطائر # فلما التقينا برغم الرقا ... دموه قلبي على ناظري # قال الرضي: قلت ms0407 هذه الأبيات سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، وتداول أهل الأدب ~~إنشادها، واستغربوا هذا المعنى، وشهدوا أنه مخترع لم يسمع، فلما تصفحت ~~ديوان شعر أبي سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وجدت بخطه في الجزء الثاني من شعره: # [الخفيف] # إن طيف الخيال زار طروقا ... والمطايا بين القنان وشعب # زارني واصلا على غير وعد ... وانثنى هاجرا على غير ذنب # كان قلبي إليه رائد عيني ... فعلى العين منة للقلب # كان عندي أن الغرور لطرفي ... فإذا ذلك الغرور لقلبي # فلا أدري: هل قصد نظمها حتى لا يخلي شعره من هذا المعنى، أو أنسي سماعه ~~مني، وقذف به خاطره، وكثيرا ما يلحق الشعراء ذلك، فيتواردون في بعض المعاني ~~المسبوق إليها، وقد كانوا سمعوها فأنسوها؛ والخواطر مشتركة، والمعاني ~~معترضة لكل خاطر، وكيفما جرى الأمر فالعنصر واحد. # *** # ثم قال: اخزنها في تامورك، واقتد بها في أمورك، وبادر إلى صحبك، في كلاءة ~~ربك، فإذا بلغتم، فأبلغهم تحيتي، واتل عليهم وصيتي، وقل لهم عني: إن السهر ~~في الخرافات، لمن أعظم الآفات، ولست ألغي احتراسي، ولا أجلب الهوس إلى رأسي. # قال الراوي: فلما وقفنا على فحوى شعره، واطلعنا على نكره ومكره، تلاومنا ~~على تركه، والاغترار بإفكه. # ثم تفرقنا بوجوه باسرة، وصفقة خاسرة. # *** # قوله: «اخزنها في تامورك»، أي اجعلها في قلبك، والتامور: حجاب القلب، ~~وقيل: دم القلب. كلاءة: حفظ وكلأه يكلؤه: حفظه. # الخرافات: أحاديث اللهو والأباطيل، قال الخليل: الخرافة الحديث المستملح ~~في PageV01P457 # الكذب. أبو عبيدة: كان خرافة رجلا صالحا سبته الجن، فرأى منهم عجائب فحدث ~~بها، فيقال في كل حديث يستغرب: كأنه حديث خرافة. # ألغي: أترك. الحتراسي: تحفظي. الهوس: يبس الرأس، يتولد من كثرة السهر. # فحوى: معنى. نكره: منكره ودهائه. تلاومنا: لام بعضنا بعضا. الاغترار: ~~الانخداع. # إفكه: كذبه. باسرة: عابسة، وبسر وجهه بسورا: عبسه. وصفقة خاسرة، أي تجارة ~~ومبايعة ناقصة. # *** PageV01P458 ### | AUTO المقامة السابعة عشرة القهقرية # حدث الحارث بن همام قال: لحظت في بعض مطارح البين، ومطامح العين، فتية ~~عليهم سيما الحجا، وطلاوة نجوم الدجى. وهم في مماراة مشتدة الهبوب، ومباراة ~~مشتطة الألهوب، فهزني لقصدهم ms0408 هوى المحاضرة، واستجلاء جنى المناظرة. # فلما التحقت برهطهم، وانتظمت في سمطهم، قالوا: أأنت ممن يبلى في الهيجاء، ~~ويلقي دلوه في الدلاء؟ فقلت: بل أنا من نظارة الحرب، لا من أبناء الطعن ~~والضرب. فأضربوا عن حجاجي، وأفاضوا في التحاجي. # *** # لحظت: نظرت. مطارح: جمع مطرح، وهو الموضع تطرح فيه نفسك، أي ترميها فيه. # البين: الفراق، فيريد بمطارح البين البلاد التي طرحه فيها البين ورماه ~~إليها. ومطامح العين: # المواضع الحسان التي تطمح فيها العين بالنظر، أي ترتفع إليها. سيما ~~الحجا: علامة العقل، والسيما من وسمت الشيء وسما إذا علمته، وأصله «وسمى»، ~~فحولت الواو من موضع الفاء إلى العين. فصار سومي، فقلبت الواو ياء لكسرة ما ~~قبلها. طلاوة: حسن. الدجا: الظلمة. # المماراة: الخصام. مشتدة: كبيرة الحركة. والشد: الجري. الهبوب: مجيء ~~الريح: مباراة: # معارضة. مشتطة: ممتدة متجاوزة الحد. الألهوب: الجري الشديد، فأراد أن ~~حركة الكلام بينهم في المناظرة شديدة. والمحاضرة: مجالسة العلماء. مناظرة: ~~سؤال العالم لتعلم حسن نظره وقدر معرفته. جناها: فوائدها. رهطهم: جماعتهم. ~~انتظمت في سمطهم، أي جلست بينهم. يبلى في الهيجاء: يقاتل في الحروب. ~~النظارة: القوم يقعدون في موضع مرتفع من الأرض ينظرون منه القتال ولا ~~يشهدونه، فأراد أنني ممن يحضر معكم للاستماع، لا للمناظرة. # الحجاج: مصدر حاجة، تقول: حاججت فلانا إذا أوردت عليه الحجة وأوردها ~~عليك، فإن غليته قلت: حججته. أفاضوا في الأحاجي: اندفعوا فيالألغاز. # *** # وكان في بحبوحة حلقتهم، وإكليل رفقتهم، شيخ قد برته الهموم، ولوحته ~~السموم، حتى عاد أنحل من قلم، وأقحل من جلم، إلا أنه كان يبدي العجاب، إذا PageV01P459 # أجاب، وينسي سحبان، كلما أبان. فأعجبت بما أوتي من الإصابة، والتبريز على ~~تلك العصابة، وما زال يفضح كل معمى، ويصمي في كل مرمى، إلى أن خلت الجعاب، ~~ونفد السؤال والجواب. # فلما رأى إنفاض القوم، واضطرارهم إلى الصوم، عرض بالمطارحة، واستأذن في ~~المفاتحة. # فقالوا له: حبذا، ومن لنا بذا! # *** # بحبوحة: وسط. إكليل: دائرة، وأصلها عصابة مكللة بالدر والياقوت، تعتمد ~~على رءوس الملوك. رفقتهم: جماعتهم. برته: أذهبت لحمه. لوحته: غيرته وأضمرت ~~جسمه. السموم: ms0409 الريح الحارة. أقحل: أيبس. # جلم: مقص، وأكثر ما يستعمل مثنى، فيقال: جلمان، والعجب من أبي محمد يقول ~~في الدرة: ويقولون: قرضت بالمقراض، وقصصت بالمقص فيهمون، كما وهم بعض ~~المحدثين حين قال في صفة مزنون بالقيادة، وإن كان قد أبدع في الإجادة: ~~[السريع] # إذا حبيب صد عن إلفه ... تيها وأعيا كل رواض # ألف فيما بين شخصيهما ... كأنه مسمار مقراض # قال: والصواب أن يقال: مقراضان ومقصان وجلمان، لأنهما اثنان. # فما منعه غيره أباحه هنا لنفسه، فقال: أقحل من جلم، ولا نقول كما قال: ~~إنه وهم، بل نقول: إنها لغة قليلة. # قال يعقوب: والجلم الذي يجز به، وقال رجل من الأزد في مفرد مقراض: # فعليك ما اسطعت الظهور بلمتي ... وعلي أن ألقاك بالمقراض # وقال الراجز في مفرد الجلم: [الرجز] # * وجلم كريشة الوقواق* # والوقواق: الخطاف، والجسم النحيل يشبه بالقلم والجلم، وقلب الشاعر ~~التشبيه وألغز بالقلم، فقال: [المتقارب] # ضئيل الرواء كثير الغناء ... من البحر في المنصب الأخضر # كمثل أخي العشق في شخصه ... وفي لونه من بني الأصفر # وقال ابن أبي لبابة في جلم: [الوافر] # ومعتنقين ما اتهما بعشق ... وإن وصفا بضم واعتناق PageV01P460 # لعمرو أبيك ما اجتمعا لمعنى ... سوى معنى القطيعة والفراق # وتقدم في الثانية من أبيات المعاني فيه: [البسيط] # ارعت مراتع مدراها على وهن ... صنوين إن أفردا لم يرعيا أبدا # أبان: بين. التبريز: الظهور والخروج قبلهم. # العصابة: الجماعة. يفضح: يشهر عيبه. معمى: مستور. يصمي: يصيب المقتل. # خلت الجعاب: أي أفرغ الكلام، والجعبة: وعاء السهام، فكنى بها عن القلوب، ~~وبالسهام عن الكلام الذمي يصدر عنها. # الإنفاض: فناء الزاد، وقد أنفض القوم، وأراد نفاد ما عندهم من العلم. الصوم: # السكوت والإمساك عن الكلام. # المطارحة، أصلها في الغناء، وهو ما يأخذه المتعلم عن المعلم وعرض بها، أي ~~ذكرها. المفاتحة: استفتاح الكلام. # *** # فقال: أتعرفون رسالة أرضها سماؤها، وصبحها مساؤها، نسجت على منوالين، ~~وتجلت في لونين، وصلت إلى جهتين، وبدت ذات وجهين، إن بزغت من مشرقها، ~~فناهيك برونقها، وإن طلعت من مغربها، فيا لعجبها! # قال: فكأن القوم رموا بالصمات، أو ms0410 حقت عليهم كلمة الإنصات. فما نبس منهم ~~إنسان، ولا فاه لأحدهم لسان، فحين رآهم بكما كالأنعام، وصموتا كالأصنام، ~~قال لهم: قد أجلتكم أجل العدة، وأرخيت لكم طول المدة، ثم هاهنا مجمع الشمل، ~~وموقف الفصل، فإن سمحت خواطركم مدحنا، وإن صلدت زنادكم قدحنا، فقالوا له: ~~والله ما لنا في لجة هذا البحر مسبح، ولا في ساحله مسرح، فأرح أفكارنا من ~~الكد، وهنئ العطية بالنقد، واتخذنا إخوانا، يثبون إذا وثبت، ويثيبون متى ~~استثبت. # فأطرق ساعة، ثم قال: سمعا لكم وطاعة، فاستملوا مني، وانقلوا عني ... # *** # أرضها سماؤها: يريد أعلاها أسفلها. صبحها مساؤها: أولها آخرها. المنوال: # خشبة الحائك، أراد أنها نسجت من الطرفين، لأنك تبتدئها بالقراءة إن شئت ~~من أولها، وإن شئت من آخرها. # بزغت: طلعت. ناهيك: كافيك. PageV01P461 # رونقها: حسنها، والرونق: صفاء الوجه وحسنه ونعمته. # الصمات: السكوت، والإنصات مثله. نبس: تكلم. الأنعام: المواشي. # أجلتكم: أخرتكم والعدة هنا: عدة الموت، لأنها أطول العدد، ألا ترى أنه ~~أرخى لهم طول المدة؛ والطول: الحبل. والشمل: الاجتماع. الفصل: القضاء، ~~يقول: قد طولت لكم الأمد لتستخبروا هذه الرسالة، وفي هذا الموضع يكون ~~اجتماعنا ويفصل فيه بين العارف وضده. # خواطركم: أذهانكم. صلدت: شحت. قدحنا: ضربنا زند النار، يقول: إن عرفتموها ~~مدحناكم وإن جهلتموها عرفناها لكم، وجعل صلود الزند كناية عن جمود القرائح. # لجة: معظم الماء. مسبح: موضع يسبح فيه، أي يعام. مسرح: موضع يسرح فيه، أي ~~يمشي ويتصرف. الكد. الجهد والتعب. هنيء: طيب. النقد: حضور المال. يثبون: # يقومون لقيامك. يثيبون: يهبون الثواب. استثبت: طلبت الثواب. استملوا: ~~اكتبوا. # *** # الإنسان صنيعة الإحسان، ورب الجميل فعل الندب، وشيمة الحر ذخيرة الحمد، ~~وكسب الشكر استثمار السعادة، وعنوان الكرم تباشير البشر، واستعمال المداراة ~~يوجب المصافاة، وعقد المحبة يقتضي النصح، وصدق الحديث حلية اللسان، وفصاحة ~~النطق سحر الألباب، وشرك الهوى آفة النفوس، وملل الخلائق شين الخلائق، وسوء ~~الطمع يباين الورع، والتزام الحزامة زمام السلامة، وتطلب المثالب، شر ~~المعايب، وتتبع العثرات، يدحض المودات، وخلوص النية، خلاصة العطية. وتهنئة ~~النوال ثمن السؤال، وتكلف الكلف، يسهل الخلف، وتيقن المعونة ms0411 يسني المئونة، ~~وفصل الصدر، سعة الصدر، وزينة الرعاة، مقت السعاة، وجزاء المدائح، بث ~~المنائح، ومهر الوسائل، تشفيع المسائل، ومجلبة الغواية، استغراق الغاية، ~~وتجاوز الحد يكل الحد. # *** # صنيعة: ما يصطنعه الإنسان لغيره من الخير، يريد أن الإنسان أهل الإحسان، ~~وإن عكست قلت: الإحسان صنيعة الإنسان، أي إصلاح الإحسان وتتميمه من صنع من ~~يوصف بالإنسانية وقد تقدم: [المتقارب] # * وما فيهم من يرب الصنيع* # وقال أعرابي لعبد الملك بن مروان: [الطويل] # يرب الذي يأتي من الخير إنه ... إذا فعل المعروف زاد وتمما PageV01P462 # وليس كبان حين تم بناؤه ... تتبعه بالنقض حتى تهدما # فمعنى يرب، هو قوله: زاد وتمما. # الندب: السيد الخفيف: شيمة: طبيعة. الذخيرة: الشيء الرفيع من مال أو ~~غيره، والادخار كالاقتناء. استثمار: تناول الثمر: عنوان: دليل: تباشير: ~~أوائل، وتباشير الصبح: طرائق ضوئه في الليل؛ ويقال للطرائق التي تراها على ~~وجه الأرض من آثار الرياح: التباشير. البشر: طلاقة الوجه. المداراة: خداع ~~القلوب بلطف الكلام، ومداراة الناس: معاملتهم بما يحبون. المصافاة: إخلاص ~~الصحبة. عقدها: ربطها. يقتضي: # يتضمن. حلية: زينة. الألباب: العقول. الهوى: ما يهواه الإنسان ويميل ~~إليه. آفة: داء. # الخلائق: الناس. شين: عيب. الخلائق: الطبائع، يقول: الملل في الناس يعيب ~~أخلاقهم. سوء الطمع: كثرة الحرص. تباين: تباعد. الورع: الكف عما فيه إثم، ~~وقد ورع الرجل يرع ورعا ورعة؛ إذا كف عما لا يحل، والورع بفتح الراء: ~~الجبان، وقد ورع وورع، وقال عروة بن أذينة في ذم الطمع: [البسيط] # لقد علمت وخير القول أصدقه ... بأن رزقي وإن لم آت يأتيني # أسعى له فيعنيني تطلبه ... وإن قعدت أتاني لا يعنيني # لا خير في طمع يدني إلى طبع ... وعقة من قوام العيش تكفيني (¬1) # وأنشد الحريري البيت الأول في الدرة: [البسيط] # لقد علمت وما الإسراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني (¬2) # قال: فيروي أكثرهم «الإسراف» بالسين المهملة، وروى بعضهم بالشين المعجمة، ~~ليكون معناه التطلع إلى الشيء والاستشراف إليه. # *** ### || AUTO [عروة بن أذينة وهشام بن عبد الملك] # قال: ولهذا البيت حكاية تحث على استشعار اليقين، وإعلاق الأمل بالخالق ms0412 ~~دون PageV01P463 # المخلوقين، فحليته بها تحلية لعاطله، ومنبهة على صدق قائله؛ وهو ما رويته ~~من عدة طرق: أن عروة هذا وفد على هشام بن عبد الملك في جماعة من الشعراء، ~~فلما دخل عليه عروة قال له ألست القائل: # لقد علمت وخير القول أصدقه ... الأبيات. # وأراك قد جئت تضرب من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق! فقال له: لقد وعظت ~~يا أمير المؤمنين فبالغت في الوعظ، وأذكرت ما أنسانيه الدهر. وخرج من فوره ~~إلى راحلته فركبها، ثم نصها نحو الحجاز. # فمكث هشام يومه غافلا عنه، فلما كان من الليل تعار (¬1) على فراشه، فذكره فقال: # رجل من قريش قال حكمة، ووفد إلي اليوم، فجبهته ورددته عن حاجته! وهو مع ~~هذا شاعر، لا آمن ما يقول. فلما أصبح سأل عنه، فأخبر بانصرافه، قال: لا ~~جرم، ليعلم أن الرزق سيأتيه، ثم دعا بمولى له، فأعطاه ألفي دينار، وقال: ~~الحق بهذا، أين أدركته فأعطه إياها. # قال: فلم يدركه إلا وقد دخل بيته، فقال: أبلغ أمير المؤمنين السلام وقل ~~له كيف رأيت! # *** # قوله: «الحزامة»: جودة الرأي، والحازم: الجامع لرأيه، المحكم لأموره وأصل ~~الحزم الجمع والشد، ومنه الحزمة، وحزمت المتاع جمعته وشددته، ومنه الحزام ~~لأنه يشد به وقد حزم الرجل: صار حازما. # الزمام: مقود البعير. # المثالب: المساوي، وثلبه: ذكره بسوء. التطلب: البحث، يريد أن البحث عن ~~عيوب الناس من أكبر العيوب، قال رجل للمستورد الخارجي: أريد غلاما عيابا، قال: # التمسه بفضل معايب فيه. # وكان يقول: أول ما يدل على عائب الناس معرفته بالعيوب. # ومعاوية: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنك إن اتبعت عورات ~~الناس أفسدتهم، أو كدت تفسدهم» (¬2). # أبو الدرداء: كلمة سمعها معاوية من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعه ~~الله بها: «مر المسيح صلوات الله عليه بقوم من اليهود، فقالوا له شر، فقال ~~خيرا، فقيل له في ذلك، فقال: # كل ينفق مما عنده». PageV01P464 # وكتب الشافعي رضي الله عنه لصديق له: [الطويل] # لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرت ببالك (¬1) # وأتى الشافعي ms0413 رضي الله عنه مسجدا، فصادف قوما يغتابونه، فسد الباب وقال: # [الطويل] # هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت (¬2) # وقال الشاعر: [السريع] # ثالبني عمرو وثالبته ... فأتم المثلوب والثالب # قلت له خيرا وقال الخنى ... كل على صاحبه كاذب # قوله: «العثرات»، السقطات. يدحض: يبطل، يريد أن البحث عن عيوب الصاحب ~~يبطل مودته. # أبو بردة الأسلمي رضي الله عنه: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~«يا معشر من أسلم بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه، لا تذموا الناس ولا ~~تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يلتمس عورة أخيه تتبع الله عورته، ~~ومن تتبع الله عورته يفضحه في بطن بيته» (¬3). # وقال سابق البربري: [الوافر] # إذا ما كنت طالب كل ذنب ... ولم تحلل أخاك عن العتاب # تباعد من تباعد بعد قرب ... وصار بك الزمان إلى اجتناب # وقال عبد الله بن جعفر: عليك بصحبة من إن صحبته زانك، وإن غبت عنه صانك، ~~وإن احتجت إليه مانك، وإن رأى منك خلة سدها، أو حسنة عدها. # وقال الحسن بن وهب: من حقوق المودة أخذ عفو الإخوان والإغضاء عن تقصير إن كان. # وقيل: خير الإخوان من إذا نسيت ذنبك لم يقرعك به، ومعروف عندك لم يمن ~~عليك به. # وقال الشاعر: [الطويل] # إذا شئت أن تدعى كريما مهذبا ... سنيا سريا ماجدا فطنا حرا # إذا ما بدت من صاحب لك زلة ... فكن أنت محتالا لزلته عذرا PageV01P465 # قوله: «خلوص النية»، صفاؤها، أي من أخلص لك النية؛ فكأنه قد أعطاك خالص ~~ماله، والخلاصة: ما خلص من الشيء وصفا. # النوال: العطاء. الكلف: المشقات. يسني. يسهل. المئونة: خدمة الضيف وما ~~ينفق عليه، يقول: من تيقن أن الله يعينه على البر أو ما ينويه من الحقوق، ~~سهل عليه تكلف المؤن؛ وهو من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله في ~~عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (¬1). # وقال صلى الله عليه وسلم: «من عظمت نعمة الله عنده عظمت مئونة الناس عليه ~~فإن لم يقم بتلك النعمة عرض النعمة للزوال». # وأما ms0414 معكوس ما قبله، وهو تيقن الخلف يسهل الكف، فمن قوله صلى الله عليه ~~وسلم «من أيقن بالخلف جاد بالعطية». # قال محمود الوراق: [البسيط] # من ظن بالله خيرا جاد مبتدئا ... والبخل من سوء ظن المرء بالله # قالوا: للمعروف ثلاث خصال: تعجيله وتيسيره وستره، فمن أخل بواحدة منها، ~~فقد بخس المعروف حقه، وسقط منه الشكر. # قوله: «الفضل»، هو الزيادة على قدر الحاجة. الصدر: هو المتقدم في الأمور، ~~مثل الوالي وسيد القوم، يقول: من يتصدر لأمور الناس، ففضله وشرفه سعة خلقه. # الرعاة: الولاة. مقت السعاة: بغض العمال الذين يجمعون الزكاة. والسعاة ~~أيضا المشاءون بالنميمية للملوك، فيقول: زين الملوك بغض العمال الذين جرت ~~العادة في قديم الزمان وحديثه بظلمهم الناس، فإذا أبغضوهم بحثوا على ~~أعمالهم الفاسدة، فخافوهم فعدلوا، وأما بغض المشائين النميمة للملوك فواجب، ~~لقول النبي صلى الله عليه وسلم «لعن الله المثلب». قيل: ومن المثلب يا رسول ~~الله؟ قال: «الذي يسعى بصاحبه إلى سلطان، فيهلك نفسه وصاحبه وسلطانه» (¬2). # قوله: «بث»، أي نشر. المنائح: العطايا، يقول: جزاء المدح بذل المال، وأصل ~~المنائح بذل فوائد الأموال لا الأموال. # مهر: حق، الوسائل، القرب، والوسيلة ما تجعله سببا بينك وبين من تريد ~~الوصول إليه مثل الشفيع والهدية في قضاء حاجتك. # المسائل: جمع مسألة، وهي هنا سؤال المحتاج. والمجلبة: مفعلة من الجلب، ~~والمعنى: حق الوسيلة قضاء الحاجة. الغواية: الضلالة. استغراق: تجاوز الحد، PageV01P466 # والحد: الأول الفصل بين الشيئين، وأصله المنع، والحد الآخر حد السيف وشبهه. # يكل: يضعف. # *** # وتعدي الأدب، يحبط القرب، وتناسي الحقوق، ينشئ العقوق، وتحاشي الريب يرفع ~~الرتب، وارتفاع الأخطار باقتحام الأخطار، وتنوه الأقدار بمواتاة الأقدار، ~~وشرف الأعمال في تقصير الآمال، وإطالة الفكرة تنقيح الحكمة، ورأس الرئاسة ~~تهذب السياسة، ومع اللجاجة تلغى الحاجة، وعند الأوجال تتفاضل الرجال، ~~وبتفاضل الهمم تتفاوت القيم، وبتزيد السفير يهن التدبير، وبخلل الأحوال ~~تتبين الأهوال، وبموجب الصبر ثمرة النصر، واستحقاق الإحماد بحسب الاجتهاد، ~~ووجوب الملاحظة، كفاء المحافظة، وصفاء الموالي بتعهد الموالي، وتحلي ~~المروءات يحفظ الأمانات، واختبار الإخوان بتخفيف الأحزان، ودفع الأعداء بكف ~~الأوداء، وامتحان ms0415 العقلاء بمقارنة الجهلاء، وتبصر العواقب يؤمن المعاطب، ~~واتقاء الشنعة ينشر السمعة، وقبح الجفاء ينافي الوفاء، وجوهر الأحرار عند ~~الأسرار. # *** # تعدي: تجاوز. يحبط: يفسد. # ينشئ العقوق: يظهر المقاطعة. تحاشى: ترك واعتزال. # الريب: التهم. الرتب: المنازل الرفيعة، قال بعض الحكماء: ثلاثة لا غربة معهن: # مجانبة الريب، وحسن الأدب، وكف الأذى. # ونظمها الشاعر فقال: [المتقارب] # يزين الغريب إذا ما اغترب ... ثلاث، فمنهن حسن الأدب # وثانية حسن أخلاقه ... وثالثهن اجتناب الريب # وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه لدهقان بعض ملوك العجم: بم ينبل الرجل ~~عندكم؟ قال: بترك الكذب، فإنه لا يشرف إلا من وثق بقوله. وبقيامة بأهله، ~~فإنه لا ينبل من يحتاج أهله إلى غيره، وبمجانبة الريب فإنه لا يعز من لا ~~يأمن أن يصادف على سوأة. # وبالقيام بحاجات الناس، فإنه من رجي الفرج لديه كثرت غاشيته. # قوله: «ارتفاع الأخطار» أي شرف الأقدار والقيم. اقتحام: دخول شديد، يقال: # فلان يقتحم في الأمور، أي يدخل فيها بغير تثبت ولا روية، وتقحمت الناقة، ~~إذا ندت فلم يمسكها راكبها، ومنه قحمة العرب، سميت قحمة، لأنهم إذا أجدبوا ~~تركوا البادية ودخلوا الريف. PageV01P467 # الأخطار: جمع خطر، وهو الغرر. # تنوه: ترفع. مواتاة: موافقة. الأقدار: الأول جمع قدر الإنسان، أي منزلته، ~~والأقدار الثاني: جمع قدر الله تعالى. # وقال الشاعر: [الكامل] # الجد أنهض بالفتى من عقله ... فانهض بجد في الحوادث أو ذر # ما أقرب الأشياء حين يسوقها ... قدر وأبعدها إذا لم تقدر # تقصير الآمال: تقليل الرجاء وكفه، ومن قلل الطمع شرف عمله الفكرة: ~~التدبير. # تنقيح: تخليص، وأصله أن تشذب العقد من العود أو القصب حتى يستوي موضعها ~~مع القصب. # قال الشاعر: [الطويل] # وطارت بصلب قوضت عند بيتها ... له أبن ما قوضت وكعوب # صلب: عمود البيت؛ جدبته المرأة لتضربه به فتهدم بيتها. # تهذب: تخلص: والمهذب: المخلص من العيوب. والسياسة: حسن المداراة. # واللجاجة: ركوب الرأس في الباطل: تلفى: توجد ويروى: «تلغى» و «تلقى»، ~~ومعناهما تترك وتطرح. والحاجة: ما يحتاج إليه، فإن عكست رجعت الحاجة الفقر، ~~يريد: إذا لججت في شيء أدركت حاجتك، وعلى ms0416 «تلغى» إذا وقعت لجة في حاجتك ~~تركت، وعلى العكس: من افتقر لج في السؤال حتى يعطى. # الأوجال: جمع وجل، وهو الفزع، والمعنى، أن تفاضل الرجال في الصبر عند ~~النوازل. # سلمان رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس شيء خيرا من ~~ألف مثله إلا الإنسان». # وقال الشاعر: [الطويل] # ولم أر أمثال الرجال تسارعوا ... إلى الخير حتى عد ألف بواحد # وفي عكسه يقول: الأمور المخوفة تصغر على العظيم وتعظم على الصغير، فعلى ~~قدر ما يفضل الرجل صاحبه في عزمه وإقدامه تتزايد الأوجالو تنتقض. # وقد قال المتنبي: [الطويل] # على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم (¬1) PageV01P468 # وتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم # الهمم: جمع همة. تتفاوت: تتباعد ما بينها. القيم: المنازل. السفير: ~~الرسول: # يهن: يضعف، والمعنى أن السفير إذا تعدى فزاد في الحديث ضعف التدبير، ولو ~~عكست لقلت: إن تدبير المرسل إذا اختل ضعف السفير، وإن كان حازما، وعلى هذا ~~أنشدوا: # [السريع] # إذا كنت في حاجة مرسلا ... فأرسل حكيما ولا توصه (¬1) # وإن ناصح منك يوما دنا ... فلا تنأ عنه ولا تقصه # وإن باب أمر عليك التوى ... فشاور لبيبا ولا تعصه # وذو الحق لا تنتقص حقه ... فإن القطيعة في نقصه # ولا تحرصن فرب امرئ ... حريص مضاع على حرصه # قوله: «خلل»، فساد. والإحماد: أن تجد الرجل محمودا. # والاجتهاد: بلوغ الجهد، وهو أقصى الطاقة، والمعنى: أن الرجل يستحق أن ~~يكون محمودا بحسب ما بذل من اجتهاده وطاقته؛ ولو عكست لقلت: الاجتهاد واجب ~~عليك فيما كلفته بحسب إحمادك من كلفك. # الملاحظة: النظر بمؤخر العين. # المحافظة: التحرز، والمعنى: إنك إذا أوجبت ملاحظة حال المحافظ لك، ففعلك ~~ذلك كفاء محافظته، وإن عكست قلت إن المحافظة لك إذا صفت محافظته فهي كفاء ~~ملاحظتك. # الموالي: الذي يوالي الخير، والكرم، أي يفعل المرة بعد المرة. تعهد: تفقد. # الموالي: بنو العم، وقيل: الموالي معن والاك بعتق أو بحلف أو بصحبة، فكل ~~واحد منهما مولى للآخر، والموالي بالضم بالفاعل، والمعنى إذا تعاهدت من ms0417 ~~والاك بما أوجبه ولاؤه من رعايته، صفت مودته لك، وإن عكست قلت: إن الموالي ~~يتعهدون من والاهم. # والصحيح في هذا الموضع أن الموالي الذي يوليك وده، والموالي: العبيد ~~والأتباع. # وسألني الأستاذ المقرئ الحاج ابن السقاط في هذا الموضع، فأجبت بما تقدم، ~~فقال لي: معنى هذا الموضع غائب عمن لا يعرف سيرة أهل المشرق، وذلك PageV01P469 # أن الرجل الشريف حين يصبح عندهم يأمر مواليه أن يقصدوا نظراءه من الأشراف ~~والأعيان، فيأتون باب الشريف، فيستأذنون عليه، ويدخلون إليه ويقولون له: ~~ينعم مولانا صباحك، ثم يسألونه عن حاله وعما حدث عنده ثم يفعلون كذلك بجميع ~~أصحاب مولاهم، وكذلك يفعل موالي ذلك المقصود في قصد نظراء مولاهم، فتنضبط ~~بذلك عندهم الرعايات بين الأصدقاء والأقارب، وتتزايد المودات بين الأولياء ~~والأجانب. فعلى هذاالمعنى يقول في تعهد الموالي، وهو حسن إن شاء الله تعالى. # قوله: «تحلي»، أي تزين. والمروءات، تقدمت. وتخفيف الأحزان: تهوين الطوارئ ~~والنوازل. الأوداء: والأحباب، يريد أنهم يكفون الأعداء، ورواية ابن ظفر ~~«دفع العداء»، وأنكر «الأعداء»، وقال: العداء بالفتح والمد: الظلم. # امتحان: اختبار، يقول: إنما يتبين لك العاقل بمقارنته وبمصاحبته للجاهل، ~~لأنه لا يوافقه، وإن عكست قلت: الجاهل إذا صحب العاقل تبصر وانتقى جهله. # وقالوا: إذا أردت أن تفحم عالما فأحضره جاهلا. # وقال الشاعر: [الكامل] # عدوي البليد إلى الجليد سريعة ... والجمر يوضع في الرماد فيخمد # وقال صلى الله عليه وسلم: «ويل لعالم أمر من جاهله». # وجاء كيسان إلى الخليل يسأله، ففكر ليجيبه فلما استفتح الكلام، قال له: ~~لا أدري ما تقول! فقال الخليل: [الكامل] # لو كنت تعلم ما أقول عذرتني ... أو كنت أجهل ما تقول عذلتكا # لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل فعذرتكا # تبصر العواقب: إمعان النظر في عاقبة الأمور. والمعاطب: المهالك، يريد من ~~نظر في عاقبة أمره أمن ما يحذر. # الشنعة: الفعل القبيح ينشر ذكره. السمعة: الذكر الجميل يسمع عنك، أو ~~القبيح فينشر في الناس. # الجفاء: سوء الأدب، وثقل الكلام. وينافي: يباعد. الوفاء: ضد الغدر. # *** # ثم قال: هذه مائتا لفظة، تحتوي على أدب وعظة، ms0418 فمن ساقها هذا المساق، فلا ~~مراء ولا شقاق، ومن رام عكس قالبها، وأن يردها على عقبها، فليقل: الأسرار ~~عند الأحرار، وجوهر الوفاء، ينافي الجفاء، وقبح السمعة ينشر الشنعة، ثم على PageV01P470 # هذا المسحب فليسحبها، ولا يرهبها، حتى تكون خاتمة فقرها، وآخرة دررها. # ورب الإحسان صنيعة الإنسان. # *** # تحتوي: تشتمل. عظة: موعظة. # المراء والشقاق، معناهما الخلاف، والعكس رد أول الكلام على آخره، وهو ~~الرد على العقب كما ذكره، وهو معنى القهقرة الذي سمى به المقامة، ولذلك لم ~~ينسبها إلى بلد. والقهقرة: رجوع الرجل عنك، كما جاء عليك، وذكر أن يرجع إلى ~~خلف، وهو يستقبلك بوجهه، وهو الرد على العقب، وذلك أن الرجل إذا توجه مقبلا ~~إليك، فإنما يقدم في مشيه إليك صدور قدميه، فإذا تقهقر قدم في مشيه عقبه، ~~وأصل القهقر: الحجر المدحرج، فإذا ضربته تدحرج في جريه، حتى يستقر، فإذا ~~أردت أن يرجع إلى الموضع الذي جاء منه ضربته فتدحرج راجعا إلى جهة موضعه، ~~فشبه رجوع الرجل على ما وصفنا، وكذلك هذه الرسالة رجوع آخرها إلى أولها، ~~مشبه بذلك. # ولذلك شبه الأعرابي فرسه في اجتماعه بالحجر (¬1) فقال: محبوبك مهملج (¬2) ~~كما تقهقر الأدعج. # والمسحب: الطريق الذي تجر فيه الشيء. # يرهبها: يخفها، أي لا يخرج الألفاظ عن طريقها فتختل، وذلك أن هذه الرسالة ~~مركبة كلها من مبتدأ وخبر، فإن وقفت فيها على مبتدأ في أولها أو آخرها أو ~~وسطها، فأقرأه مع ما بعده تجده مستقيما، واقرأه مع ما قبله تجده كذلك، فإن ~~وقفت على خبر مبتدأ فلا يستقيم مع ما بعده، وهو مع ما قبله أبعد، فأراد ~~بقوله «لا يرهبها» لا يبتدئ لفظه بغير مبتدأ فتتداعى مبانيها، وتبطل ~~معانيها فتفهمه. # والفقر في غير الموزون مثل القوافي في الموزون، والفقر مشتقة من فقار ~~الظهر، لأنها تنقطع على قافيتين أو ثلاثة، وهذا هو الفرق بين الفقر ~~والأسجاع إذ الأسجاع كلها ترجع إلى قافية واحدة من سجع الحمام وهو لا ~~يختلف، ولهذا قال المعري في الغراب: [الطويل] # أتى وهو طيار الجناح وإن مشى ... أشاع بما أعيا سطيحا ms0419 من السجع (¬3) # وسطيح: كاهن، وكلامه أسجاع. # *** # قال الراوي: فلما صدع برسالته الفريدة، وأملوحته المفيدة، علمنا كيف PageV01P471 # يتفاضل الانشاء، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. ثم اعتلق كل منا ~~بذيله، وفلذ له فلذة من نيله، فأبى قبول فلذتي، وقال: لست أزرأ تلامذتي. # فقلت له: كن أبا زيد، على شحوب سحنتك، ونضوب ماء وجنتك، فقال: # أنا هو على نحولي وقحولي، وقشف محولي، فأخذت في تثريبه، على تشريقه ~~وتغريبه. # *** # صدع: كشف وشق. # الفريدة: التي لا مثل لها. # أملوحته، يريد بها الرسالة، والأملوحة: الكلام المليح، يعجب له السامع. # والإنشاء: الكتابة. # فلذ: قطع فلذة: قطعة، وأصلها قطعة من كبد البعير. # قال الشاعر: [البسيط] # تكفيه حزة فلذ إن ألم بها ... من الشواء ويروي شربه الغمر (¬1) # نيله: عطائه. أرزأ: أنقص. # والتلميذ: هنا متعلم العلم، ولذلك أبى أن يأخذ منه شيئا، وهو في كل مقامة ~~إذا تعرض للكدية يفرده بالأخذ منه، أو يبتدئ التقدير منه، وذلك أن الجماعة ~~في هذه المقامة اشترطوا مناظرته، وابن همام شرط أنه من نظارة الحرب، أي ~~إنما جلس لينظر ويتعلم، فلهذا أخذ منهم وتركه، وزاده فائدة التنبيه على أنه ~~أبا زيد، ولذلك قال له: كن أبا زيد، وكن أتى به بلفظ الأمر، ومعناه الدعاء، ~~وفي الحديث: «كن أبا ذر» و «كن أبا خيثمة» (¬2)، وذلك أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم رأى شخصا من بعيد، فرجا أن يكون أبا ذر الغفاري، فقال: «كن أبا ~~ذر» أي جعلك الله أبا ذر، فكان ما رجاه النبي صلى الله عليه وسلم، PageV01P472 # وكذلك كان اللفظ هنا، كأن ابن همام لما أعجب بفصاحة صاحب الرسالة تمنى أن ~~يكون أبا زيد، لما عهد من فصاحته فقال: كن أبا زيد، أي جعلك الله أبا زيد ~~الذي عهدت منه الفصاحة، متى رأيته، فصدق منه أمنيته فقال: أنا هو الذي تمنيت. # والدعاء بلفظ الأمر كثير في كلامهم كقوله: [الطويل] # * ألا أنعم صباحا أيها الطلل البالي* (¬1) # وقول الآخر: [الطويل] # * ألا أنعم صباحا أيها الربع واسلم* (¬2) # أي سلمك الله من ربع، وجعل صباحك ناعما. ms0420 # الفنجديهي: كن أبا زيد، أي أنت أبو زيد، ومنه: كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~[آل عمران: 110] أي أنتم خير أمة. # شحوب: تغير: سحنتك: جلدة وجهك وهيئتك. نضوب: جفوف. والوجنة: # العظم الشاخص تحت العين. قحولي: يبسي. قشف: تغير هيئته بترك النظافة. ~~محولي جفوف جسمي. # تثريبه: لومه وتعييب فعله، والتثريب بالذنب المؤاخذة به، وأصله الاختلاط ~~والإفساد، وإنما يقول: لا تثريب عليك، من قدر فعفا. # *** # فحولق واسترجع، ثم أنشد من قلب موجع: [مجزوء الكامل] # سل الزمان علي عضبه ... ليروعني وأحد غربه # واسنل من جفني كرا ... ه مراغما، وأسال غربه # وأجالني في الأفق أط ... وى شرقه وأجوب غربه PageV01P473 # فبكل جو طلعة ... في كل يوم لي وغربه # وكذا المغرب شخصه ... متغرب ونواه غربه # ثم ولى يجر عطفيه، ويخطر بيديه، ونحن بين متلفت إليه، ومتهافت عليه، ثم ~~لم نلبث أن حللنا الحبا، وتفرقنا أيادي سبا. # *** # حولق: قال لا حول ولا قوة إلا بالله. استرجع: قال إنا لله وإنا إليه ~~راجعون. # عضبه: أي سيفه القاطع. ليروعني: ليفزعني. # غربه: حده. استل: أزال. كراه: نومه. # مراغما: مذللا. # غربه: مجرى دمعه، والغرب فيض الدمع. # أجالني: صرفني ومشاني. # الأفق: نواحي الأرض. أطوى: أقطع. أجوب: أخترق. # جو: ناحية غربة، فعلة، من الغروب مثل طلعة، من الطلوع. # المغرب: المبعد. المتغرب: الملازم للغربة. # نواه: سفرته. غربة: بعيدة. # *** ### || AUTO [مما قيل في الغربة والسفر] # ومن أحسن ما قيل في تبعيد السفر قول حبيب: [الطويل] # سلي هل عمرت الفقر وهو سباسب ... وغادرت ربعي من ركابي سباسبا (¬1) # وغربت حتى لم أجد ذكر مشرق ... وشرقت حتى قد نسيت المغاربا # خطوب إذا لاقيتهن رددنني ... جريحا كأني قد لقيت الكتائبا # وله أيضا: [البسيط] # ما اليوم أول توديعي ولا الثاني ... البين أكبر من شوقي وأحزاني (¬2) # دع الفراق فإن الدهر ساعده ... فصار أملك من روحي لجثماني # خليفة الخضرم من يربع على وطن ... في بلدة فظهور العيس أوطاني # في الشام أهلي وبغداد الهوى وأنا ... بالرقمتين وبالفسطاط إخواني # وما أظن النوى ترضى بما صنعت ... حتى تبلغني أقصى خراسان PageV01P474 # وقال الحلواني: [الكامل] # يا نفس ويحك، ms0421 في التغريب ذلة ... فتجرعي كأسي هوى وهوان # وإذا نزلت بدار قوم دارهم ... فلهم عليك تعزز الأوطان # وقال ابن شرف: [السريع] # إن ترمك الغربة في معشر ... قد جبل الناس على بغضهم # فدارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم # وقال البستي: [البسيط] # لا يعدم المرء كنا يستكن به ... وشبعة بين أهليه وأصحابه # ومن نأى عنهم قلت مهابته ... كالليث يحقر لما غاب عن غابه # والسابق لهذا المعنى زهير في قوله: [الطويل] # ومن يغترب يحسب عدوا صديقه ... ومن لا يكرم نفسه لا يكرم (¬1) # وفي قوله: [الوافر] # فقري في بلادك إن قوما ... متى يدعوا بلادهم يهونوا (¬2) # يقال: جاء يجر عطفيه، إذا جاء رخي البال متبخترا، وإنما ينظر في عطفيه ~~إذا كان معجبا بنفسه. # وثاني عطفيه، بمعنى متكبر، والعطفان: جانبا الثوب، والعطاف الرداء، ~~والجمع عطف. # ويقال: جاء يجر رجليه، إذا جاء مثقلا لا يقدر أن يحمل رجليه. # يخطر بيديه: يحركهما عند المشي. # متهافت: متساقط من الندم على فراقه. # أيادي سبا، يريد في كل طريق وجهة. # *** ### || AUTO [قصة سبأ وسد مأرب] # وسبأ هو أبو قبائل اليمن المتفرقة من سد مأرب الذين مزقهم الله كل ممزق. ~~وسمي سبأ لأنه أول من سبى السبي، وقيل: سبأ اسم أمهم، ومأرب اسم بلدهم. # وكانت سبأ من أحسن بلاد الله تعالى وأخصبها، وأكثرها شجرا وماء، وقد ذكر ~~الله تعالى أنها كانت جنتين عن يمين وشمال، وكانت مسيرة شهر في شهر للمجد PageV01P475 # الراكب، يسير في جنان من أولها إلى آخرها، لا تواجهه الشمس، ولا يفارقه ~~الظل، مع تدفق الماء، وصفاء الهواء، واتساع الفضاء، فمكثوا ما شاء الله، لا ~~يعاندهم ملك إلا قصموه. # وكانت في بدء الزمان تركبها السيول، فجمع ملك حمير أهل مملكته، فشاورهم ~~في دفع السيل، فأجمعوا على حفر مسارب له حتى تؤديه إلى البحر، فحشد أهل ~~مملكته حتى صرف الماء، واتخذ سدا في موضع جريان الماء من الجبال، ورصفه ~~بالحجارة والحديد، وجعل فيه مجاري للماء في استدارة الذراع، يخترقون منها ~~مقدارا معلوما من الماء وشربا مقسوما للأرض، فإذا ms0422 جاء السيل تصرف في ~~المجاري إلى جنانهم ومزدرعاتهم، بتقدير يعمهم نفعه. # وقيل: صنعة لقمان بن عاد، وجعله فرسخا في فرسخ؛ وذكر الأعشى في شعره أن ~~حميرا ابتنته، فقال: [المتقارب] # رخام بنته لهم حمير ... إذا جاء ماؤهم لم يرم (¬1) # وأروى الزروع وأعنابهم ... على سعة ماؤهم قد قسم # فعاشوا بذلك في غبطة ... فجاف بهم جارف منهدم # فلما كفروا بأنعم الله، ورأوا أن ملكهم لا يبيده شيء، وعبدوا الشمس، بعث ~~الله على سدهم فأرة فخرقته. وأرسل عليهم السيل، وأباد الله خضراءهم. # ولما انتهى الملك في ولد سبأ إلى عمرو بن عامر مزيقياء- وسمي بذلك لأنه ~~كان يمزق في كل ليلة حلة كبرا من أن تعاد عليه أو يلبسها غيره. وقيل: سمي ~~بذلك لأنه مزق الأزد في البلاد- وكان أخوه عمران كاهنا، فأتته كاهنة تدعى ~~طريفة فأخبرته بدنو فساد السد وفيض السيل، وأنذرته، فقال لها: وما آية ذلك؟ ~~فقالت: إذا رأيت جرذا يكثر بيديه الحفر، ويقلب برجليه الصخر؛ فاعلم أنه قد ~~اقترب الأمر. فقال: وما الأمر؟ فقالت: # وعد من الله ينزل يا عمرو، فلتكثر الشكر. # فرأى عمرو يوما في السد جرذا يقلب صخرة، ما يقلبها خمسون رجلا، فرجع وهو ~~يقول: [الرجز] # أبصرت أمرا هاج لي برح السقم ... من جرذ كفحل خنزير أجم # له مخاليب وأنياب قضم PageV01P476 # أي معوجة. فأجمع على الخروج منها، وأعمل الحيلة في بيع ماله، وألا بنكر ~~الناس عليه، فقال لابنه: إني صانع طعاما، وداع إليه أهل مأرب، فاردد علي ما ~~أقول لك من الحديث، ففعل ابنه ذلك ورد عليه بأقبح رد، فصاح عمرو: وا ذلاه! ~~يجيبني صبي! فحلف ألا يقيم ببلد ضيم فيه، فجعل يبيع أمواله. # وبعضهم يقول لبعض: اغتنموا غضبة عمرو، واشتروا منه قبل أن يرضى، فلما ~~اجتمعت له أمواله، أخبرهم بشأن السيل، فأجمعوا على الجلاء، فقال لهم عمران أخوه: # إني أصف لكم بلدانا، فاختاروا أيتها شئتم ... فمن كان منكم ذا هم بعيد، ~~وجمل غير شرود، فليلحق بالشعب من كرود، فلحق به همدان. # ثم قال: ومن كان منك ذا سياسة وصبر، على ms0423 أزمات الدهر، فليلحق ببطن مر؛ ~~فلحق به خزاعة. # ثم قال: ومن كان منكم يريد الراسخات في الوحل المطعمات في المحل، فليلحق ~~بيثرب ذات النخل. فنزلها الأوس والخزرج. # ثم قال: ومن كان منكم يريد الخمر والخمير، والأمر والتأمير، فليلحق ببصرى ~~وسدير، وهي من أرض الشأم، فنزلها غسان. # ثم قال: ومن كان منكم يريد الثياب الرقاق، والخيل العتاق، والذهب ~~والأوراق، فيلحق بالعراق، فلحق بها مالك بن فهم بن الأزد. # وتخلف مالك بن اليمان في قومه، حتى أخرجهم السيل فنزلوا نجران، وانتسبوا ~~إلى مذحج. # ودخلت جماعة منهم إلى معد فأخرجتهم معد بعد حروب، فنزلوا بجبال السراة ~~على تخوم الشأم. # فلما تفرقت في البلاد هذا التفرق، ضربت العرب بهم المثل، فقالوا: ذهبوا ~~أيدي سبأ وأيادي سبا، أي متفرقين في كل ناحية. # وقيل فيهم: إنهم كانوا مجتمعين يدا واحدة، فلما مزقهم الله وفرقهم، صارت ~~يدهم أيادي متفرقة، وأخذ كل طائفة منهم طريقا على حدة. أو يريد به النعمة، ~~فالمعنى: # تفرقنا كما تفرقت نعم أهل سبأ. # الزجاج: سبأ مدينة تعرف بمأرب على ثلاث ليال من صنعاء. # الجوهري: سبأ اسم رجل سميت به البلدة. # وذكر في الدرة أن لفظة التفرق تستعمل في الأشخاص والأجسام، نحو تفرق PageV01P477 # القوم، وإن الافتراق يقال في الأهواء والآراء، كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «تفترق أمتي على كذا وكذا فرقة»، فإذا قيل: إن لزيد ثلاثة إخوة ~~متفرقين، فالمعنى أن كل واحد منهم ببقعة. # وإن قيل مفترقين فالمعنى أن أحدهم لأبيه وأمه، والآخر لأبيه، والثالث ~~لأمه؛ وكذلك يقال: فرق بالتشديد فيما كان من قبل الجمع، وفرق بالتخفيف، ~~فيما يراد به التمييز كقوله: فرق بين الحق والباطل، والحالي والعاطل. # تم الجزء الأول، ويليه الجزء الثاني # وأوله: «المقامة الثامنة عشرة، وتعرف بالسنجارية» PageV01P478 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | AUTO المقامة الثامنة عشرة وتعرف بالسنجارية # حكى الحارث بن همام قال: قفلت ذات مرة من الشام، أنحو مدينة السلام، في ~~ركب من بني نمير، ورفقة أولي خير ومير، ومعنا أبو زيد السروجي: عقلة ~~العجلان، وسلوة الثكلان، وأعجوبة الزمان، ms0424 والمشار إليه بالبنان في البيان. # فصادف نزولنا سنجار، أن أولم بها أحد التجار، فدعا إلى مأدبته الجفلى، من ~~أهل الحضارة والفلا، حتى سرت دعوته إلى القافلة، وجمع فيها بين الفريضة ~~والنافلة. # *** # قفلت: رجعت من السفر. # *** ### || AUTO [الشام] # الشأم، ويقال له: شام وشأم، ويذكر ويؤنث، وينسب إليه شامي وشآم، على ~~فعال. ويحكى عن سيبويه شآمي، وإثبات الألف في النسب يدل على إثباتها في أصل ~~البناء. # وقيل: ألف يمان وشآم عوض من ياء النسب، قال طرفة: [الطويل] # * شآمية تروي الوجوه بليل* # وقال في الدرة المنسوب إليه على ثلاثة أوجه: شامي وهو القياس، وشآم بياء ~~مخففة كالمنقوص، وشآمي وهو شاذ لأنه يصير بمنزلة المنسوب إلى المنسوب، ~~وكذلك جوزت الثلاثة في المنسوب إلى اليمن. # وعلى الشاذ منها قول العرجي: [السريع] # إني أتيحت لي يمانية ... إحدى بني الحارث من مذحج (¬1) PageV02P003 # ولم يجز الحريري تأنيث الشام وقال: لفظه مذكر. # وقال ابن الأنباري- وذكر الشام والحجاز وغيرهما: فمن أنث من ذلك شيئا ~~فإنما يذهب به إلى معنى المدينة. # وقالوا: الشأم صفوة بلاد الله. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة ومعاذ: «عليكم بالشأم فإن الله ~~قد تكفل بالشام وأهله» (¬1). # وسميت شاما لأنها عن شامة الكعبة. # ابن الأنباري: يجوز أن يكون مأخوذا من اليد الشومي وهي اليسرى. # وقال قوم: أصله في الكعبة، لأن بابها يستقبل المطلع، فمن قابل طلوع الشمس ~~كانت الكعبة عن يمينه في شق الجنوب، والشأم عن يده الشومي في شق الشمال. # أبو القاسم الزجاجي: قال: جماعة من أهل اللغة: يجوز ألا يهمز، فيقال: شام ~~جمع شامة، سميت بذلك لكثرة قراها، وتداني بعضها من بعض، شبهت بالشامات. # وقال الشرقي سميت بسام بن نوح، لأنه أول من بناها، فغير اللفظ العجمي ~~فجعل السين شينا. # وقسمت الشأم خمسة أقسام: الشام الأولى، وأول حدها من طريق مصر أمج، ثم ~~غزة ثم الرملة، ومدينته العظمى فلسطين وعسقلان، وفلسطين هي الشأم الأولى، ~~ولها بيت المقدس. # الشأم الثانية الأردن، ومدينته العظمى طبرية، وهي بشاطئ البحيرة، ~~واليرموك بين فلسطين والأردن. # والشأم الثالثة الغوطة، ms0425 ومدينتها العظمى دمشق، ومن سواحلها طرابلس الشام. # الرابعة: أرض حمص الشأم. # الخامسة: قنسرين، ومدينته العظمى حلب، وهي من قنسرين على أربعة فراسخ. # وساحلها أنطاكية، مدينة عظيمة على شاطئ البحر داخلها المزارع والبساتين ~~والأنهار. # *** # قوله: «أنحو» أي أقصد. الركب: اسم لمن يركب الإبل، كذا قال الخليل. # وقال يعقوب: الركب: جمع راكب، وهم أصحاب الإبل خاصة، ولا يكون الركب إلا ~~أصحاب الإبل، وراكب الفرس فارس، وراكب البغل بغال، وراكب الحمار حمار، PageV02P004 # وراكب الفيل فيال، والجمع خيالة وبغالة وحمارة وقيالة، وتبعه ابن قتيبة ~~في هذا، وخطأهما جميعا ابن السيد وغيره واحتجوا بقول امرئ القيس: [السريع] # إذا ركبوا الخيل واستلأموا ... تحرقت الأرض واليوم قر (¬1) # فقوله: «ركبوا الخيل»، يدل على أنه يقال لمن ركب الفرس: راكب. # وما ذكره يعقوب هو الصحيح، لأن العرب إذا أفردت لفظ راكب أن ركب لم يقع ~~في كلامها إلا على أصحاب الإبل مطلقا، فإذا أرادت أن توقعه علىأصحاب الخيل ~~قيدته بذكر الخيل، فقالوا: ركبت الفرس، وراكب الفرس، فيذكرون الفرس، وعلى ~~هذا أتى: # [السريع] # * إذا ركبوا الخيل واستلأموا*. # فخفيت هذه التفرقة على ابن السيد، على حظه الوافر من اللغة. # وقال الحريري في الدرة: الراكب هو راكب البعير خاصة، وجمعه ركبان، فأما ~~الركب والأركوب، فقد جوز الخليل أن يطلق اسمهما على راكبي كل دابة إلا أن ~~الأركوب أكثر من الركب عدة وأكثر جماعة. # *** ### || AUTO [بنو نمير] # وبنو نمير قبيلة من بني صعصعة، إحدى جمرات العرب، وأشرف بيوت قيس عيلان، ~~وجمرات العرب ثلاثة، سموا بذلك لأنهم متوافرون في أنفسهم لم يدخلوا معهم ~~غيرهم، والتجمير في كلامهم التجميع؛ وهم بنو نمير، وبنو الحارث بن كعب، ~~وبنو ضبة بن أد، فطفئت جمرتان وهم بنو ضبة لمحالفتها الرباب، وبنو الحارث ~~لمحالفتها مذحج، وبقيت نمير لم تحالف، فهي على كثرتها ومنعتها، قال شاعرهم: ~~[الوافر] # نمير جمرة العرب التي لم ... تزل في الحرب تلتهب التهابا (¬2) # وكان الرجل منهم إذا قيل له: ممن أنت؟ قال: نميري كما ترى، إدلالا ~~بنسبته، وافتخارا بمنعته، حتى قال جرير في الراعي: [الوافر] # فغض ms0426 الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا (¬3) PageV02P005 # فصار إذا قيل له ممن أنت؟ قال: عامري. # ومرت امرأة بهم، فأحدوا النظر إليها، فقال أحدهم: والله إنها لرسحاء، ~~فقالت: يا بني نمير، والله ما امتثلتم في واحدة من اثنتين؛ لا قول الله عز ~~وجل: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم [النور: 30]، ولا قول جرير: [الوافر] # فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا (¬1) # قوله: «أولي خير»، أي ذوي غنى. مير: صلة وصدقة. عقلة العجلان: حابس ~~المستعجل. # سلوة الثكلان: مذهب حزن الحزين، يقول: إذا رآه من هو في شغل معجل حبسه، ~~أو حزين أزال حزنه. # البنان: الأصابع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء فتنة أن ~~يشار إليه بالأصابع في دين أو دينا إلا من عصمه الله». # *** ### || AUTO [سنجار] # سنجار: بلد بينه وبين قرقيسيا نيف وثلاثون فرسخا، وقرقيسيا على الفرات، ~~وهي كورة من كور ديار ربيعة، وفي سنجار فوهة نهر الخابور، فيمر حتى يصب في ~~الفرات، وهي على أميال من نصيبين، وعن يمين طريق الموصل. # *** # قوله: «أولم»، أي صنع وليمة، والوليمة: طعام العرس. والمأدبة: طعام يدعى ~~إليه الناس. # والجفلى: الناس أجمع. # والحضارة: ضد البداوة، يفتح أولها ويكسر. الفلا: القفر، وأراد دعا أهل ~~الحاضرة والبادية. سرت: وصلت. # القافلة: الرفقة الراجعة من سفرها، قال الأزهري: سميت قافلة تفاؤلا ~~بقفولها عن سفرها الذي ابتدأت. # وظن ابن قتيبة أن عوام الناس يغلطون في تسميتهم الناهضين في ابتداء ~~الأسفار قافلة؛ إلا منصرفة إلى وطنها وهذا غلط، وما زالت العرب تسمي ~~الناهضين في ابتداء الأسفار قافلة تفاؤلا، بأن ييسر الله لها القفول وهو ~~شائع عند فصحائهم إلى اليوم. # وأراد بالفريضة، أعيان التجار الذين حضورهم كالفرض، وبالنافلة: المكارين PageV02P006 # والأتباع، أو يريد بالفريضة من لا بد له أن يدعوه للحضور، مثل القرابة ~~والوجوه والأصحاب، والنافلة لفيف الناس، وأراد أنه حمل لعرسه من يحب ومن لا ~~يحب، والهاء من «فيها» ضمير الدعوة، ويروى «فيهما» بالميم. ### || AUTO [الحاضرة والبادية] # وأما ذكر الحاضرة والبادية، فقد أتينا في ذلك بفصل ms0427 أدبي مستحسن، ولسنا ~~نحتاج إلى إقامة دليل شاهد على فضل الحاضرة، لأنها محل الجمعيات والجماعات، ~~وإليها تجلب الخيرات، وبها تستمد البركات، ومنهم العلماء والفضلاء والملوك، ~~إلى ما يطول تعداده، ومن أراد الله به خيرا نقله من البادية إلى الحاضرة، ~~وقد أخبر الله تعالى عن يوسف عليه الصلاة والسلام في قوله: وقد أحسن بي إذ ~~أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو [يوسف: 100] وهذا فيه فضل للحاضرة لا ~~يدفع إذ قرن الخروج من السجن بالمجيء من البدو، وعده من إحسان الله سبحانه ~~وتعالى. # وقف أعرابي على دعبل وهو ينشد: [المتقارب] # إذا القوس أوترها أيد ... رمى فأصاب الكلى والذرى (¬1) # فقال له: ما عنيت؟ فقال دعبل: القوس قوس قزح، أمطرت الأرض بها، فأعشبت ~~فرعاها المال، فسمنت كلاه وأسنمه، فقال الأعرابي: لله دركم يا حاضرة! إنكم ~~لتسيرون معنا فتساوون، ولتنكبون عنا فتفوتون. # وفي ضد هذا المعنى قال شبيب بن شبة: كثر قطع الطريق بين مكة والبصرة، ~~فبعثني المنصور أقوم في المناهل، وأتكلم بذم البادية، وأوبخهم بما يردعهم، ~~فلم أرد ماء إلا تكلمت عليه بما يحضرني، فلا أجد من ينطق، حتى قمت على ما ~~لبني تميم، فلما انقضى كلامي، قام رجل منهم قال: الحمد لله أفضل ما حمدته، ~~وحمده الحامدون قبلك أو بعدك، وصلى الله على سيدنا محمد أفضل صلاة وأتمها ~~وأخصها وأعمها. ثم إني قد سمعت ما قلت في مدح الحاضرة وأهلها، وذم البادية ~~وأهلها، ومهما كان فينا أهل البادية من سوء، فليس فينا نقب الدور، ولا ~~شهادة الزور، ولا نبش القبور ولا نيك الذكور. # قال: فأفحمني والله حتى تمنيت أني لم أخرج لذلك الوجه. # وقال القطامي: [الوافر] # فمن تكن الحضارة أعجبته ... فأي رجال بادية ترانا (¬2) PageV02P007 # قال ابن رشيق: ومن أملح ما سمعه الناس في تفضيل البادية على الحاضرة من ~~حلاوة وطلاوة وصحة معنى، وقرب مأخذ، مأخوذ من قول أبي الطيب: [البسيط] # من الجآذر في زي الأعاريب ... حمر الحلى والمطايا والجلابيب (¬1) # ثم قال: [البسيط] # ما أوجه الحضر المستحسنات به ... كأوجه البدويات الرعابيب # حسن الحضارة ms0428 مجلوب بتطرية ... وفي البداوة حسن غير مجلوب # أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب # ولا برزن من الحمام مائلة ... أوراكهن صقيلات العراقيب # ومن هوي كل من ليست مخضبة ... تركت لون مشيبي غير مخضوب # فلو لم تفضل البادية إلا بهذا، لكان فيه مقنع. # *** # فلما أجبنا مناديه، وحللنا ناديه، أحضر من أطعمة اليد واليدين، ما حلا في ~~الفم وحلي في العين. ثم قدم جاما، كأنما جمد من الهواء، أو جمع من الهباء، ~~أو صيغ من نور الفضاء، أو قشر من الدرة البيضاء، وقد أودع لفائف النعيم، ~~وضمخ بالطيب العميم، وسيق إليه شرب من تسنيم، وسفر عن مرأى وسيم، وأرج نسيم. # فلما اضطرمت بمحضره الشهوات، وقرمت إلى مخبره اللهوات، وشارف أن تشن على ~~سربه الغارات، وينادى عند نهبه: يا للثارات! نشز أبو زيد كالمجنون، وتباعد ~~عنه تباعد الضب من النون، فراودناه على أن يعود، وألا يكون كقدار في ثمود. # *** # قوله: «ناديه» أي مجلسه. وطعام اليد: الثريد ونحوه. وطعام اليدين: الدجاج ~~الصحاح والشواء ونحو ذلك، وكانت وليمة في الأنصار، فحضرها حسان بن ثابت، ~~وقد كف بصره، ومعه ابنه عبد الرحمن، فلما وضع الطعام، جيء بالثريد، قال ~~حسان لابنه: # يا بني، أطعام يد أم طعام يدين؟ قال: بل طعام يد. فأكل، ثم جيء بالشواء، ~~فقال مثل ذلك، فقال: بل طعام يدين فأمسك. # حلا: طاب، حلي: حسن، وحلا في الفم، من الحلاوة، وحلي في العين من الحلي ~~المتزين به. PageV02P008 # وفي الدرة: العرب تقول: حلا في فمي، وحلي في عيني، وليس الثاني من نوع ~~الأول، وهو من الحلي الملبوس، فكأن المعنى: حسن في عيني كحسن الحلي ~~الملبوس، وهو من ذوات الياء، والأول من ذوات الواو، إلا أن المصدر فيهما ~~جميعا الحلاوة، والاسم حلولا حال؛ لأن الحالي ضد العاطل، وهو الذي عليه الحلي. # والجام: إناء من زجاج. جمد: عقد وصنع جامدا. # والهباء: غبار الشمس، وهو ما تراه يدخل عليك مع الشمس من شق باب أو كوة حائط. # صيغ: صنع. نور الفضاء، يعني الشمس، والفضاء؛ ms0429 الأرض الواسعة، وفي الفضاء ~~يتسع ضوء الشمس فيبيض نورها. # أودع: ضمن ضمن وجعل فيه. لفائف النعيم: ما لف من الحلوى وطوي بعضه على بعض. # الفنجديهي: لفائف النعيم اللوزينج والقطائف. # ضمخ: لطخ. العميم: الكثير. شرب: ماء. وتسنيم: أرفع شرابات أهل الجنة. # سفر: كشف. # مرأى وسيم: منظر حسن. أرج نسيم: طيب الرائحة، والنسيم: الريح اللينة ~~الهبوب؛ يريد: لما أحضر الجام، ساقوا معه ماء عذبا لغسل اليد، ثم كشف لهم ~~عن الجام، فرأوا منظرا من الحلواء الملونة، ورائحة عطرة من الأفاوية. # وقال في مثل ذلك عبد السلام بن الحسين المأموني: [البسيط] # خبيصة في الجام قد قدمت ... مدفونة في اللوز والسكر # يأكل من يأكلها خمسة ... بكفه فيها ولم يشعر # قوله: «اضطرمت» أي اشتعلت. قرمت، أي اشتهت. # اللهوات: جمع لهاة وهي أقصى الفم. شارف: قارب وأشرف عليه تشن: تفرق. # سريه: جماعته، ويريد به ما فيه من الحلواء، والسرب: بالكسر: جماعة ~~النساء، وبالفتح: الإبل في المرعى. الغارات، يريد الأيدي التي تغير على ~~الطعام. نهبه: انتهابه بالأيدي وأكل ما فيه. يا للثارات: كلمة ينادي بها ~~العرب إذا ظفروا بأعدائهم الذين لهم عندهم دم. والثأر: الطلب بالدم، وثأر ~~بالقتيل: قتل قاتله. # وقال حسان بن ثابت: [البسيط] # لتسمعن وشيكا في دياركم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا (¬1) PageV02P009 # فالثارات هنا جمع ثأر، وهو المطلوب بالدم، قال: [الوافر] # وكيف تجلد الأقوام عنه ... ولم يقتل به الثأر المنيم (¬1) # قال أبو علي: الثأر: المقتول، سمي بالمصدر، كرجل عدل، لذلك جمع بالتاء، ~~وتفسير أبي علي عكس ما تقدم، وإذا كان منقولا من المصدر احتمل وصف الفاعل ~~به والمفعول وثارات عثمان محتملة للتفسيرين، فتقديره على قول أبي علي: # يا مطلوبات عثمان، وعلى القول الآخر: يا طالبات عثمان هذا أوانكم بالجد، ~~وتفسير: يا للثارات في المقامة يستقيم على المعنيين، فعلى الأولى معناه: يا ~~مطلوبات الجياع، قد تمكنا منك، وعلى الثاني معناه: يا طالبين الأكل؛ قد ~~تمكنتم من المأكول. # وقوله: «نشز»، أي وثب. وتقدم في الضب أنه لا يرد الماء، وأن مسكنه ~~الصحراء. # والنون: الحوت، وهو لا يفارق ms0430 الماء، وهما لا يجتمعان، وقد تقدم للصابي: # [البسيط] # * الضب والنون لا يرجى التقاؤهما*. # وقال الآخر: [الطويل] # فلو أنهم جاءوا بشيء مقارب ... لقلت هو الشكل الموافق للشكل # ولكنهم جاءوا بحيتان لجة ... قوامس، والمكنى فينا أبانا الحسل # فضرب بتباعدهما المثل. # راودناه: أردناه على الفعل، تقول: راودته على كذا، إذا أردته على فعله. يعود: # يرجع. ثمود: أمة صالح عليه الصلاة والسلام. # وقدار: هو عاقر الناقة، يضرب به المثل في الشؤم، فيقال: أشأم من قدار، ~~ومن أحيمر عاد. # *** ### || AUTO [قصة ثمود] # وتقريب قصته، أن ثمود كانت تبني في طول أعمارها، فاتخذوا من الجبال بيوتا ~~فرهين، وبيوتهم إلى وقتنا هذا باقية منحوتة في الجبال ومساكنهم على قدر ~~أجسامهم، ورممهم وآثارهم فيها بادية، فلما بعث فيهم صالح، قال له زعيمهم: ~~إن كنت صادقا فأظهر لنا من هذه الصخرة ناقة سوداء عشراء، ذات عوف، فأتى ~~الصخرة فتمخضت PageV02P010 # كالحامل، وانشقت عن الناقة. ثم تلاها سقبها (¬1)، فآمن كثير منهم، وكان ~~شربها (¬2) يوما وشربهم يوما، فإذا كان يوم شربها حلبوها، فملئوا منلبنها ~~كل إناء ووعاء، فلما امتنعت إبلهم من الماء يوم شربها استثقلوها، وكان فيهم ~~امرأتان: عنيزة وصدقة، فبذلتا أنفسهما لقدار على أن يعقر الناقة، وهو قدار ~~بن قديرة، وهي أمه وسالف أبوه، وكان قدار أزرق اسمر قصيرا، وكان له صديق ~~اسمه مصدع بن مهرج، معاون له على ما كان به من الفساد في الأرض، وكانا في ~~تسعة من أهل الفساد، فضرب قدار عرقوبها بسيفه، وضرب مصدع العرقوب الآخر، ~~واستهموا لحمها، فخرجت ثمود تعتذر إلى صالح، وتزعم أنها لا ذنب لها. فقال: ~~انظروا، هل تدركون فصيلها، فعسى أن يرفع عنكم العذاب! فالتمسوه، فصعد إلى ~~جبل يقال له: القارة، وطال الجبل به في السماء، حتى ما تناله الطير، وبكى. # ثم استقبلهم، ورغا ثلاثا، فقال صالح: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، ذلك ~~وعد غير مكذوب، وآية ذلك أن تصبح وجوهكم في الأول مصفرة، وفي الثاني محمرة، ~~وفي الثالث مسودة. فلما رأوا صدقه أول يوم أرادوا قتله، فمنع منهم فلما ~~رأوا صدقه في ms0431 اليوم الثالث تحنطوا وتكفنوا وبكوا وضجوا، وجعلوا ينظرون من ~~أين يأتيهم العذاب. فصبحتهم في اليوم الرابع صيحة من السماء، قطعت قلوبهم ~~في صدورهم، فأصبحوا في ديارهم جاثمين، فعقروها يوم الأربعاء، وأصيبوا يوم ~~الأحد، وإنما أصيبوا والمذنب بعضهم، لأنهم رضوا فعله، والنية أبلغ من ~~العمل- وبلادهم بين الشأم والحجاز إلى ساحل البحر الحبشي ومر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بقربتهم، ونهى الناس عن دخولها، وأراهم مرتقى الفصيل. # ولما رأى صالح أنها دار سخط، ارتحل بمن معه إلى مكة، فلم يزالوا بها حتى ~~ماتوا، فقبورهم في غربي البيت، بين دار الندوة والحجر. # وقال حباب بن عمرو: [البسيط] # كانت ثمود ذوي عز ومكرمة ... ما إن يضام لهم في الناس من جار # فأهلكوا ناقة كانت لربهم ... قد أنذروها فكانوا غير أبرار # *** # فقال: والذي ينشر الأموات من الرجام، لا عدت دون رفع الجام، فلم نجد بدا ~~من تألفه، وإبراز حلفه، فأشلناه والعقول معه شائلة، والدموع سائلة، فلما ~~فاء إلى مجثمه، وخلص من مأثمه، سألناه لم قام، ولأي معنى استرفع الجام؟ فقال: # إن الزجاج نمام، وإني آليت منذ أعوام، ألا يضمني ونموما مقام. # فقلنا: وما سبب يمينك الصرى، وأليتك الحرى؟ # *** PageV02P011 # قوله: «ينشر»، أي يحيي الموتى ويقيمهم، فينشرون في الأرض. والرجام: # القبور، واحدها رجم. تألفه: ضمة وترك خلافه. إبرار حلفه: مراعاة قسمه. # أشلناه: رفعناه. شائلة: مرتفعة. # فاء: رجع. مجثمه: موضعه، وأصله للطائر. # الصرى: العزيمة، ويقال: أصررت على الشيء، عزمت عليه، وهو مني صرى وصرى ~~وأصرى أي عزيمة وجد. # وضلت ناقة أبي السمال، فقال: والله لئن لم يردها الله علي لا أصلي أبدا، ~~فذهب في ابتغائها، فوجدها وقد تعلق زمامها بشجرة، فقال: علم الله أنها كانت ~~مني صرى فردها علي. # وقال حبيب: [الكامل] # لما رآهم بابك دون المنى ... هجر الغواية بعد طول وصال (¬1) # تخذ الفرار أخا وأيقن أنه ... صرى عزم من أبي السمال # يقول: لما رأى كثرة من يحاربه أيقن أن ما تمناه فيهم لا يدركه، فهجر ~~الضلالة، وانهزم، إذ أيقن أن طالبه مصر على طلبه. # الحرى: الوكيدة الشديدة، ms0432 والكبد الحرى: اليابسة العاطشة. # وناظر الحريري بهذه المقامة مقامة المضيرية في البديعية، ومن هنا إلى ~~أولها مبني على تلك. # *** ### || AUTO [المقامة المضيرية للبديع الهمذاني] # قال البديع: حدثنا عيسى بن هشام قال: # كنت بالبصرة ومعي أبو الفتح الإسكندري، رجل الفصاحة، يدعوها فتجيبه، ~~والبلاغة، يأمرها فتطيعه. وحضرنا معه دعوة بعض التجار، فقدم مضيرة (¬2) ~~نثني على الحضارة (¬3)، وتترجرج (¬4) في الغضارة (¬5)، وتؤذن بالسلامة، ~~وتشهد لمعاوية رحمة PageV02P012 # الله بالإمامة، في قصعة يكل عنها الطرف، ويموج فيها الظرف. # فلما أخذت من الخوان (¬1) مكانها، ومن القلوب أوطانها، قام أبو الفتح ~~يلعنها وصاحبها، ويمقتها وآكلها، ويثلبها وطابخها، وظنناه يمزح، فإذا الأمر ~~بالضد، وإذا المزاح عين الجد، وتنحى عن الخوان، وترك مساعدة الإخوان، ~~فرفعناها فارتفعت معها القلوب، وسافرت خلفها العيون، وتحلبت لها الأفواه، ~~[وتلمظت لها الشفاه] واتقدت لها الأكباد، [ومضى في إثرها الفؤاد]، لكنا ~~سألناه عن أمرها، وساعدناه على هجرها. # ثم أخذ يذكر لهم المانع من أكلها، كما يذكر الآن السروجي ومقامة المضيرة ~~طويلة مضحكة. # *** # فقال: إنه كان لي جار لسانه يتقرب، وقلبه عقرب، ولفظه شهد ينقع، وخبؤه سم ~~منقع، فملت لمجاورته، إلى محاورته، واغتررت بمكاشرته، في معاشرته، ~~واستهوتني خضرة دمنته، لمنادمته، وأغرتني خدعة سمته، بمناسمته فمازجته ~~وعندي أنه جار مكاسر، فبان أنه عقاب كاسر، وآنسته على أنه حب مؤانس، فظهر ~~أنه حباب موالس، وما لحته ولا أعلم أنه عند نقده، ممن يفرح بفقده، وعاقرته ~~ولم أدر أنه بعد فره، ممن يطرب لمفره. # *** # قوله: «جار لسانه يتقرب»، معناه يتودد إليه بلسانه، ويكتم العداوة في ~~قلبه، وهذا ما يذكر بعده. ### || AUTO [مما قيل في الجار] # أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أشراط الساعة سوء الجوار ~~تعوذوا بالله من ثلاث، هن العواقر: إمام السوء، إن أحسنت لم يشكر، وإن أسأت ~~لم يغفر، ومن جار السوء إن رأى حسنا ستره، وإن رأى قبيحا أذاعه، ومن امرأة ~~السوء، التي إن غبت عنها خانتك، وإن دخلت عليها لسنتك». # قال بعض الفضلاء: الجار السوء يفشي السر، ويهتك الستر. # وقيل لأهل البحرين: ms0433 إن كنتم تحبون أن يحبكم الله ورسوله، فحافظوا على ~~ثلاث خصال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وحسن الجوار، فإن أذى الجار يمحو ~~الحسنات، كما تمحو الشمس الجليد عن الصفاة. # *** PageV02P013 # قوله: «ينقع»، أي يروى العطش. ومنقع، أي أديم حبسه، وأنقع سم الحية: ثبت ~~ودام. خبؤه: باطنه، وما خبأه من الشر. # محاورته: محادثته. بمكاشرته: مضاحكته: معاشرته: مصاحبته. # استهوتني: ذهبت بي. خضرة دمنته: حسن ظاهره، وتقدمت خضراء الدمن. # أغرتني: حرضتني وألصقتني به. سمته: علامته. مناسمته: مصاحبته، وقرب نسمتي ~~من نسمته، أي شخصي من شخصه. # مازجته: خالطته. مكاسر: قريب الدار، وكسر البيت: جانبه والعقاب الكاسر: # التي تضم جناحيها، وتهوي على فريستها، فضم الجناح هو كسره. # وآنسته: أبصرته. حب: حبيب، وكان زيد بن حارثة يسمى حب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، أي حبيبه. # وضح: تبين. حباب: حية. موالس: مخادع خائن في صحبته. # مالحته: واكلته، أي أكلت معه الملح، وأصل الممالحة الرضاع كأنه حين نادمه ~~راضعه الكأس، وملحت المرأة الصبي: أرضعته. # نقده: تجربته. عاقدته: عاهدته، وعقدت يدي على يده. # فره: اختباره وكشف سره، يريد أن هذا الصاحب كان يظهر مودته، ويسر عداوته. ### || AUTO [مما قيل في المودة والإخاء] # وقال الشاعر؛ وهو المغيرة بن حبناء: [الطويل] # أخوك الذي لا ينقض النأي عهده ... ولا عند صرف الدهر يزور جانبه (¬1) # وليس الذي يلقاك بالبشر والرضا ... وإن غبت عنه لسعتك عقاربه # قال: وأنشد آخر: [الطويل] # علي لإخواني رقيب من الصفا ... تبيد الليالي وهو ليس يبيد (¬2) # وإني لأستحيي أخي أن أبره ... قريبا وأن أجفوه وهو بعيد # وقال ابن المعتز: [السريع] # لم يبق مما فاتني كسبه ... إلا فتى يسلم لي قلبه # ينأى فلا يذهبه نأيه ... عني ولا يفسده قربه # يكون حسبي من جميع الورى ... في كل حال وأنا حسبه PageV02P014 # وقال بشار وزاد معنى: [الطويل] # تود عدوي ثم تزعم أنني ... صديقك، إن الرأي منك لعازب (¬1) # وليس أخي من ودني رأى عينه ... ولكن أخي من ودني وهو غائب # *** # وكانت عندي جارية، لا يوجد لها في الجمال مجارية، إن سفرت خجل النيران، ~~وصليت القلوب بالنيران، ms0434 وإن بسمت أزرت بالجمان، وبيع المرجان بالمجان، وإن ~~رنت هيجت البلابل، وحققت سحر بابل، وإن نطقت عقلت لب العاقل؛ واستنزلت ~~العصم من المعاقل، وإن قرأت شفت المفؤود، وأحييت الموءود، وخلتها أوتيت من ~~مزامير آل داود، وإن غنت ظل معبد لها عبدا، وقيل سحقا لإسحاق وبعدا، وإن ~~زمرت أضحي زنام عندها زنيما، بعد أن كان لجيله زعيما، وبالإطراب زعيما، وإن ~~رقصت أمالت العمائم عن الرءوس، وأنستك رقص الحبب في الكئوس، فكنت أزدري ~~معها حمر النعم، وأحلي بتمليها جيد النعم، وأحجب مرآها عن الشمس والقمر، ~~وأذود ذكراها عن شرائع السمر، وأنا مع ذلك أليح، من أن تسري برياها ريح، أو ~~يكهن بها سطيح، أو ينم عليها برق مليح. # *** # قوله: «مجارية»، مبارية معارضة، وفلان يباري الريح جودا، كأنه يعارضها ~~بفعله، فإذا هبت في زمن الشتاء والجهد، فضرت المحتاجين تتبعآثار فسادها ~~بماله وهباته فأصلحها. # سفرت: كشفت وجهها. خجل: استحيا. النيران: الشمس والقمر. # صليت: أحرقت، يقول: إذا كشفت وجهها افتضحت الشمس والقمر لبديع حسنها، ~~واخترقت القلوب بنيران حبها. # *** ### || AUTO [مما قيل في وصف النساء] # ونسوق هنا جملة من الشعر المستحسن في أوصاف النسوان: قال الشاعر: ~~[البسيط] PageV02P015 # لما تبدت من الأستار قلت لها ... سبحان سبحان ربي خالق الصور # ما كنت أحسب شمسا غير واحدة ... حتى رأيت لها أختا من البشر # كأنها هي إلا إن يفضلها ... حسن الدلال وطرف فاتر النظر # وقال أعرابي: [الطويل] # إذا حجبت لم يكفك البدر فقدها ... وتكفيك فقد البدر إن فقد البدر # وحسبك من خمر تقوتك ريقها ... وو الله ما من ريقها حسبك الخمر # وما الصبر عنها إن صبرت وجدته ... جميلا، وهل في مثلها يحسن الصبر! # ولو أن جلد الذر لامس جلدها ... لكان للمس الذر في جلدها أثر # وقال العباس بن الأحنف: [البسيط] # تاهت علينا بأن تمت محاسنها ... خود تكمل في أعطافها الفتن (¬1) # هممت بإتياننا حتى إذا نظرت ... إلى المرآة نهاها وجهها الحسن # ما كان هذا جزائي من محاسنها ... أغرت بي الشوق حتى شفني الشجن # وقال بشار: [الخفيف] # درة حيثما أديرت أضاءت ... ومشم ms0435 من حيثما شم فاحا # وجنات قال الإله لها كو ... ني فكانت روحا روحا وراحا # وله أيضا: [البسيط] # كأنها يوم راحت في محاسنها ... قارتج أسفلها واهتز أعلاها # حوراء جاءت من الفردوس مقبلة ... بالشمس طلعتها والمسك رياها # راحت ولم تعطه برءا لملته ... عنها ولو سألته النفس أعطاها # من اللواتي اكتست بردا فشق لها ... من حسنها الحسن سربا لإفرداها # وقال السلامي: [الطويل] # وفيهن سكرى اللحظ سكرى من الصبا ... يعاتب حلو اللفظ حلوا الشمائل # أدارت علينا من سلاف خدودها ... كئوسا وغنتنا بصوت الخلاخل # وقال أيضا [البسيط] # لبيك لبيك داعي اللهو من كثب ... إلى معاطف كالأغصان من كثب # إن السوالف كالسوسان في صعد ... إن الغدائر كالخلخال في صبب PageV02P016 # إلى خدود بنات الروم قد برزت ... من حجبها وأدارت أعين العرب # من كل سافرة عن مشرق خجلا ... فيه طرازان من ماء ومن لهب # واستضحكت عن لآل أو حصى برد ... يكاد بقطر من مائية الشنب # تحدو بها فتية صيغت وجوههم ... من الرضا وعواليهم من الغضب # وللأمير تميم بن المعز: [البسيط] # ناولتها شبة خديها معتقة ... صرفا كأن سناها ضوء مقباس # فقبلتها وهي ضاحكة ... فكيف تهدى خدود الناس للناس # قلت اشربي فهي دمعي، وحمرتها ... دمي، وطابخها في الكأس أنفاسي # قالت فإن كنت من حبي بكيت دما ... فأسقنيها على العينين والرأس # يا ليلة بات فيها البدر معتنقي ... وباتت الشمس فيها بعض جلاسي # وبت مستغنيا بالثغر عن قدح ... وبالخدود عن التفاح والآس # وقال أيضا: [البسيط] # قالت وقد نالها للبين أوجعه ... والبين صعب على الأحباب موقعه # اجعل يديك على قلبي فقد ضعفت ... قواه عن حمل ما تحويه أضلعه # واعطف علي المطايا ساعة فعسى ... من شت شمل الهوى بالوصل يجمعه # كأنني يوم ولت حسرة وأسى ... غريق بحر يرى الشاطي ويمنعه # وقال التهامي: [البسيط] # أهدى لنا طيفها نجدا وساكنه ... حتى اقتنصنا ظباء البدو في الحضر # فبات يجلو لنا من وجهها قمرا ... من البراقع لولا كلفة القمر # وراعها حر أنفاسي فقلت لها: ... هواي نار وأنفاسي من الشرر # وزاد در الثنايا در أدمعها ... فالتف منتظم منه بمنتثر ms0436 # ولو قدرت وثوب الليل منخرق ... بالصبح رقعته منهن بالشعر # بيضاء يسحب ليلا حسنه أبدا ... في الطول منه وحسن الليل في القصر # لو لم يكن أقحوانا ثغر مبسمها ... ما كان يزداد طيبا ساعة السحر # ولبعض أصحابنا: [الطويل] # شدهت فلا أدري بأي صفاتها ... تقيد ألباب الورى وتقودها # وأي لآليها أشد نفاسة ... أمنطقها أم ثغرها أم عقودها! # فللشمس مرآها، وللغصن قدها، ... وللمسك رياها، وللريم جيدها PageV02P017 # قال الحسن: [الكامل] # وذات خد مورد ... فتانة المتجرد # تأمل العين منها ... محاسنا ليس تنفد # فبعضها في انتهاء ... وبعضها يتولد # فالحسن في كل جزء ... منها معاد مردد # وكلما عدت فيها ... تكون في العود أحمد # *** # قوله: «أزرت بالجمان»، أي قصرت بحب الفضة. # والمرجان: اللؤلؤ الصغار. # والمجان: شيء لا ثمن له، وخذ هذا مجانا، أي باطلا؛ أراد أنها إذا ضحكت ~~فبدت أسنانها كانت أحسن مما وصف. وأخذه من قول أبي تمام: [السريع] # وقهوة كوكبها يزهر ... يسطع منها المسك والعنبر (¬1) # وردية يحثها شادن ... كأنها من خده تعصر # مهفهف لم يبتسم ضاحكا ... مذ كان إلا كسد الجوهر # وقال آخر وذكر المجان: [البسيط] # عثمان يعلم أن المدح ذو ثمن ... لكنه يشتهي مدحا بمجان # والناس أكيس من أن يمدحوا رجلا ... حتى يروا عنده آثار إحسان # رنت: نظرت، البلابل: وساوس الهموم. والسحر، ينسب إلى بابل وقال السلامي ~~في هذا المعنى: # أكحيلة الأجفان بالسحر الذي ... لولاه ما درت البلابل بابل # قد كان قلبي غافلا عما به ... أودي وقلب أخي السلامة غافل # حتى دهاني منك صدر رامح ... ذرب سناناه وطرف قاتل # ما عقدك المهنا بجيدك درة ... لكن فرند في حسام جائل # وللأمير تميم بن المعتز: [المنسرح] # وليلة بتها على طرب ... آخرها مشبه لأولاها # أقبل البرق من ثنيتها ... وألثم الشمس من محياها PageV02P018 # سقتني الرياح وهي خداها ... بأكؤس السحر وهي عيناها # إذا أرادت مزاجها جعلت ... بآخر اللحظ من فمي فاها # فيا لها قهوة معتقة ... وليس إلا الخدود مأواها # حبابها الثغر حين تمزج لي ... ونقلها اللثم حين أسقاها # *** ### || AUTO [ذكر بابل] # وبابل مدينة كان ينزلها ملوك العجم، وهي دار نمروذ بن ms0437 كنعان، وكانت بابل، ~~من استعظامها واستبشاع أمرها، لا تكاد تحصل، وأسسها نمروذ، وكانت مدينة ~~ضاحكة المنظر، زاهية البناء، واسعة الفناء، جمعت إلى حسن المنظر رصافة ~~البنيان وبهاء المنصب، فكانت سهلة بطحاء مربعة، في كل تربيع حصنان عظيمان، ~~وسورها لا يكاد سامع خبره يصدقه، كان عرضه خمسين ذراعا، في ارتفاع مائتي ~~ذراع، في دور أربعة وستين ميلا، وحوله خندق يجري فيه الفرات، وفيها مائة ~~باب نحاس. # وهي أقدم بناء بني بعد الطوفان، ونسب السحر لها لأن بها هاروت وماروت ~~معلمي السحر، فكان يعجبان من بني آدم حيث يعصون الله تعالى على إنعامه ~~عليهم، فابتلاهما الله تعالى فسلط عليهما الشهوة الآدمية، وحرم عليهما ~~القتل والزنا والخمر؛ وأنزلهما إلى الأرض للحكم بين أهلها، فجاءتهما الزهرة ~~في خصام، فوقعت في قلوبهما، فشكا كل واحد منهما لصاحبه ما يجده من حبها، ~~فأرسلا إليها، فراوداها فأبت حتى يعلماها الاسم الذي يرجعان به إلى السماء، ~~فأبيا عليها، قالت لهما: فاشربا الخمر، فشرباها فسكرا وعلماها الاسم، ~~وواقعاها، ثم خرجا فوجدا رجلا، فظنا أنه ظهر على أمرهما فقتلاه، وتكلمت ~~الزهرة الاسم الذي يرجعان به إلى السماء فرفعت ومسخت كوكبا وخيرا بين عذاب ~~الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فهما يعذبان ببابل، ويعلمان السحر. # وجاءت امرأة إلى عائشة رضي الله عنها، فقالت: يا أم المؤمنين، قالت لي امرأة: # هل لك أن أعلمك شيئا يصرف وجه زوجك إليك! فأتت بتيسين، فركبت واحدا، ~~وركبت الآخر، وسرنا ما شاء الله فقالت: أتدرين أنك ببابل؟ ودخلت على رجلين، ~~فقالا لي: # بولي على ذلك الرماد، فذهبت ولم أبل، ورجعت فقالا لي: ما رأيت؟ فقلت: ما ~~رأيت شيئا، قالا: أنت على رأس أمرك، فرجعت فتشددت وبلت؛ فخرج مثل الفارس ~~المقنع، فصعد في السماء، فقالا لي: ما رأيت؟ فأخبرتهما، فقالا لي: ذلك ~~إيمانك فارقك، فخرجت إلى المرأة، فقلت لها: والله ما علماني شيئا، ولا قالا ~~لي كيف أصنع، فقالت: # فما رأيت؟ قلت: كذا وكذا، فقال: أنت أسحر العرب، اعمليه، فقطعت جداول، ~~فإذا PageV02P019 # زرع يهتز، فقلت: أفرك فإذا ms0438 هو قد يبس، فأخذته وفركته، وقالت: خذيه، ~~واجعليه سويقا واسقيه زوجك، فلم أفعل شيئا من ذلك، وانتهى الأمر إلى هذا ~~فهل لي من توبة؟ . # ورأت رجلا من خزاعة فقالت: يا أم المؤمنين، هذا أشبه الناس بهاروت ~~وماروت. روى هذا الحديث بإسناد له ابن قتيبة. # *** # قوله: «عقلت لب العاقل»، اللب: العقل، وعقلته: شددته بعقال، وهو قيد ~~البعير. # والعصم: الوعول، والأعصم: التيس الجبلي الذي في يديه بياض، والمعصم: # موضع الخلخال. # الخليل: الأعصم الوعل، وعصمته: بياض في رجليه. # والمعاقل: قرون الجبال، وأراد أن كلامها لعذوبته يغلب أهل العقول حتى ~~تعداهم إلى الوحش، أو يريد بالعصم من له عزمة وهمة من الرجال، فإذا سمعها ~~تذلل لها. # وأخذ هذا من قول أبي بكر بن دريد: [المنسرح] # لو ناجت الأعصم لا نحط لها ... طوع القياد من شماريخ الذرا # أو صابت القانت في مخلولق ... مستصعب المسلك وعر المرتقى # ألهاه عن تسبيحه ودينه ... تأنيسها حتى تراه قد صبا # والسابق إلى هذا المعنى النابغة بقوله: [الكامل] # لو أنها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متعبد (¬1) # لرنا لرؤيتها وحسن حديثها ... ولخاله رشدا وإن لم يرشد # والمفؤود: الذي يشتكي فؤاده، والموءود: المدفون حيا، وانظره في الخامسة ~~والثلاثين. # وأراد أن حسن صوتها بالقرآن يشفي من مرض الفؤاد، ويحيي الموتى والعرب ~~تزعم في شعرها أن إفراط الحسن يحيي الموتى. قال الأعشى: [السريع] # لو أسندت ميتا إلى نحرها ... قام ولم يحمل إلى قابر (¬2) PageV02P020 # حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبا للميت الناشر! # وقال توبة بن الحمير: [الطويل] # ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... علي وفوقي تربة وصفائح (¬1) # لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح # وقوله: «مزامير»، المزمار: الصوت نفسه، والجمع مزامير. وقيل: صوابه زمار، ~~ولا يقال زامر، ويقال للأنثى: زامرة ولا يقال: زمارة، والآلة التي يزمر بها ~~الزمارة. # وكان داود عليه الصلاة والسلام أحسن خلق الله صوتا، وإذا قرأ الزبور رقت ~~لصوته الوحوش، وحنت حتى تؤخذ بأعناقها وهي مصغية له، وما صنعت الشياطين ~~المزامير والبرابط إلا على صوته. # ومعبد، أطبع المغنين ms0439 المتقدمين، إسحاق الموصلي أطبع المتأخرين، وفي معبد ~~يقول حبيب: [الطويل] # محاسن أوصاف المغنين جمة ... وما قصبات السبق إلا لمعبد (¬2) # *** ### || AUTO [معبد المغني] # وهو معبد بن وهب، وقيل ابن قطن وأبوه أسود، وكان هو خلاسيا مديد القامة، أحول. # غنى في أول الدولة الأموية، وتوفي أيام الوليد بن يزيد. # وكان علم جارية اسمها ظبية فاشتراها رجل من الأهواز، وذهبت به إلى كل ~~مذهب، فماتت وأخذت جواريه أكثر غنائها، فكان من أجلها يفضل معبدا على ~~نظرائه، ويظهر التعصب له، فسمع به معبد، فخرج إليه حتى أتى البصرة، فصادف ~~الرجل خارجا إلى الأهواز في سفينة، فسأله الدخول معه فأمر الملاح أن يجلسه ~~في مؤخر السفينة، PageV02P021 # وانحدر حتى بلغ إلى فم نهر الأبلة فتغدوا وشربوا، وأمر جواريه فغنين، ~~فغنت إحداهن للنابغة: [البسيط] # بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما (¬1) # ومعبد ساكت في ثياب السفر، حتى سكتت، فصاح: يا جارية، غناؤك ليس بمستقيم، ~~فغضب مولاها، وقال: وما أنت والغناء! ثم غنت الثانية بشعر عبد الرحمن بن ~~أبي بكر: [الرمل] # يا ابنة الأزدي قلبي كئيب ... مستهام عندها ما ينيب (¬2) # ولقد قالوا فقلت دعوني ... إن من تنهون عنه حبيب # إنما أفني عظامي وجسمي ... حبها، والحب شيء عجيب # فصاح معبد: يا جارية، قد أخللت بهذا الصوت إخلالا شديدا! فازداد غضبا ~~مولاها، وقال: ويلك! أما تكف عن هذا الفضول! ثم غنت أخرى لكثير فقالت: # [الطويل] # خليلي عوجا سلما ساعة معي ... على الربع نقضي حاجة ونودع (¬3) # وقولا لقلب قد سلا: راجع الهوى ... وللعين أذرى من دموعك أو دعي # فلا عيش إلا مثل عيش مضى لنا ... مصيفا أقمنا فيه من بعد مربع # فقال معبد: ما قومتن صوتا واحدا، فقال له الرجل: والله ما أراك تدع هذا ~~الفضول بوجه ولا حيلة، وأقسمت بالله لئن عاودته لأخرجنك من السفينة، فاندفع ~~معبد يغني الصوت الأول، فصاح الجواري: أحسنت والله يا رجل! فأعده، قال: لا ~~ولا كرامة، ثم غنى الثاني، فقلن لسيدهن: هذا والله أحسن الناس غناء، فاسأله ~~أن يعيد لعلنا أن نأخذه، ثم غنى الثالث فزلزل عليهم ms0440 السفينة، فوثب الرجل ~~وقبل رأسه، وقال: أخطأنا عليك، فأسألك أن تنزل إلي، فأبى فلم يزل به حتى ~~نزل، وقال له: من أين أخذ جواريك هذا الغناء؟ قال: من جارية أخذت عن أبي ~~عباد معبد، ثم استأثر الله بها، وكانت مني محل الروح من الجسد، فلذلك أفضل ~~معبدا على جميع المغنيين، فقال له معبد: وإنك لأنت هو! أفتعرفني؟ قال: لا، ~~فصك معبد بيده صلعته، وقال: فأنا والله معبد، وإليك قدمت PageV02P022 # من الحجاز، ولقصدكم بالأهواز دخلت السفينة، والله لا قصرت في جواريك ~~[هؤلاء] حتى أجعلهن خلفا من الماضية، فأكب الرجل والجواري على يديه ورجليه ~~بالتقبيل، ويقولون: «كتمتنا نفسك، حتى أسأنا عشرتك، وأنت ممن نتمنى من الله ~~أن نلقاه». # ثم وهب له ثلاثمائة دينار وطيبا وهدايا بمثلها، فأقام عنده سنة حتى أخذ ~~عنه جواريه ثم انصرف إلى الحجاز. # قال ابن الكلبي: قدم ابن سريح والغريض المدينة، وكانا في صنعة الغناء من ~~الحذاق، يتعرضان لمعروف أهلها، فلما شارفاها تقدما ثقلهما، ليرتادا منزلا، ~~حتى إذا هما بمغسلة تغسل فيها الثياب قرب المدينة، إذا هما بغلام ملتحف ~~بإزار وطرفه على رأسه، وبيده حبالة يصيد بها الطير، وهو يتغنى: [البسيط] # القصر فالنخل فالجماء بينهما ... أشهى إلى القلب من أبواب جيرون (¬1) # فإذا الغلام معبد فلما سمعاه مالا إليه، واستعاداه، فأعاد الصوت، فسمعا ~~شيئا لم يسمعا مثله قط، فقال أحدهما لصاحبه: هل سمعت كاليوم قط؟ قال: لا ~~والله، فما رأيك؟ قال ابن سريج: هذا غناء غلام يصيد الطير، فكيف بمن في ~~المدينة، أما أنا فثكلت والدي إن لم أرجع، فرجع ولم يدخلها. # وروى إسحاق أن معبدا سافر إلى مكة، فسمع ببطن مر غناء، فقصد الموضع، وإذا ~~رجل جالس على حرف بركة فارق شعره حسن الوجه عليه دراعة مصبوغة بزعفران، وهو ~~يتغنى: [الخفيف] # حن قلبي من بعد ما قد أنابا (¬2) ... ودعا الهم شجوه فأجابا # ذاك من منزل لسلمى خلاء ... لابس من خلائه جلبابا # عجت فيه وقلت للركب عوجوا ... طمعا أن يرد ربع جوابا # فاستثار المنسي من لوعة الح ... ب وأبدي ms0441 الهموم والأوصابا # فقرع معبد بعصاه وغنى: [الكامل] # منع الحياة من الرجال ونفعها ... حدق تقلبها النساء مراض (¬3) # وكأن أفئدة الرجال إذ رأوا ... حدق النساء لنبلها أغراض PageV02P023 # فقال الرجل له: أنت معبد؟ قال نعم، وقال له معبد: بالله أنت ابن سريج! قال: # نعم، وو الله لو عرفتك ما غنيت بين يديك. # قال معبد: فلما قدمت مكة، قيل لي: إن ابن صفوان قد جعل بين المغنين ~~جائزة، فأتيت بابه، فطلبت الدخول، فقال لي آذنه: قد أمرني أن ألا آذن لأحد ~~عليه، قلت: # فدعني أدنو من الباب، فأغني صوتا، فقال: أما هذا فنعم، فدنوت من الباب، ~~فغنيت، فقالوا: معبد، ففتحوا لي وأخذت الجائزة. # *** ### || AUTO [إسحاق الموصلي] # وأما إسحاق فذكره صاحب الأغاني، وقال: كان محل إسحاق من العلم والأدب ~~والرواية، وتقدمه في الشعر وسائر المحاسن أشهر من أن يوصف، وأما الغناء ~~فكان أصغر علومه، وأدنى ما وسم به وإن كان الغالب عليه؛ وهو الذي صحح أجناس ~~الغناء وطرائفها، وميزها تمييزا لم يقدر أحد عليه قبله ولا بعده، من تدقيق ~~المجاري، وتمييز الأصناف التي جعلوها صنفا واحدا، وهي في نفسها كذلك، ~~ولكنها تفترق عند متيقظ مثله، وأين مثله! وروي عنه أنه قال: بقيت دهرا أغلس ~~إلى هشام أسمع الحديث وإلى الكسائي أقرأ عليه جزءا من القرآن، وإلى الفراء ~~وابن غزالة أسمع اللغة، ثم آتي منصور زلزل، فيطارحني طريقتين أو ثلاثا، ثم ~~آتي عاتكة بنت شهدة، فآخذ منها صوتا أو صوتين، ثم آتي الأصمعي وأبا عبيدة، ~~فأستفيد منهما وأناشدهما، ثم أصير إلى أبي فأعلمه بما صنعت، وأتغدى معه، ~~فإذا كان العشي رحت إلى الرشيد. # وروى الحديث، ولقي أهله، مثل مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وغيرهما، وسأل ~~المأمون أن يكون دخوله مع أهل العلم والأدب، لا مع المغنين، فإذا أراده ~~للغناء غناه، فأجابه إلى ذلك. # وقال المأمون: لولا ما سبق لإسحاق على ألسنة الناس من الشهرة بالغناء، ~~لوليته القضاء بحضرتي، فإنه أولى به، وأصدق وأعف، وأكثر دينا وأمانة من ~~هؤلاء القضاة، وكان أجود الناس بالمال وأبخلهم بالغناء، ms0442 وأعطى لمنصور زلزل ~~لما علمه الضرب بالعود أكثر من مائة ألف درهم. # وأهدى له ابن الأعرابي نسخة من النوادر بخطه، فمر يوما على المدائني، فقال: # إلى أين يا أبا عبد الله؟ قال: أمر على رجل كما قال الشاعر: [المنسرح] # نحمل أشباحنا إلى ملك ... نأخذ من ماله ومن أدبه # فقال: ومن هو؟ قال: أبو محمد إسحاق بن إبراهيم. # ومات وهو أشعر أهل زمانه، وقال رأيت جريرا في منامي ينشد شعرا، فلما فرغ PageV02P024 # أخذ كبة شعر فألقاها في فمي، فابتلعتها، فتأولت ذلك أنه ورثني الشعر. # ومر به شيخ وهو في الحديث، فقال لجلسائه: هذا أشبه الناس بجرير الذي ~~رأيت، فسئل الشيخ، فإذا هو عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير. ومن شعره يفتخر: ~~[الطويل] # إذا كانت الأحرار أصلي ومنصبي ... وقام بنصري خازم وابن خازم # عطست بأنف شامخ وتناولت ... يداي الثريا قاعدا غير قائم # وسمعهما الأصمعي فاستحسنهما، وأعجب بهما وفضلهما. # ودخل على مروان بن أبي حفصة وهو يتحدث مع أبيه فأنشده: [الطويل] # إذا مضر الحمراء كانت أرومتي ... وقام بنصري خازم وابن خازم # عطست بأنف ... البيت. # فجعل إبراهيم يحدث مروان، وهو ساه عنه، فقال: ما لك لا تجيبني فقال: إنك ~~ما تدري ما أفرغ ابنك في أذني. ووجه إليه أحمد بن هشام بزعفران رطب وكتب إليه: # [البسيط] # اشرب على زعفران الرطب متكئا ... وأنعم نعمت بطول اللهو والطرب # فحرمة الكأس بين الناس واجبة ... كحرمة الود والأرحام والأدب # فأجابه إسحاق الموصلي: [البسيط] # اذكر أبا جعفر حقا أمت به ... أني وإياك مشغوفان بالأدب # وأننا قد رضعنا الكأس درتها ... والكأس حرمتها أولى من النسب # وجلس عند إبراهيم بن مصعب للشرب، فسقى الغلمان من حضر وجاء غلام قبيح ~~الوجه بقدح إلى إسحاق، فلم يأخذ منه، فقال له إبراهيم: لم لا تشرب؟ فقال: ~~[البسيط] # أصبح نديمك أقداحا تسلسلها ... من الشمول وأتبعها بأقداح # من كف ريم مليح الوجه ريقته ... بعد الهجوع كمسك أو كتفاح # لا أشرب الراح إلا من يدي رشإ ... تقبيل راحته تغني عن الراح # فدعا له بوصيفة تامة الحسن، ms0443 في زي غلام، عليها أقبية ومنطقة، فسقته حتى ~~سكر، ثم أمر بتوجيهها إليه بكل ما معها إلى داره. # ومن طرف إسحاق، أن كلثوما العتابي كان من العلم وغزارة الأدب وكثرة الحفظ ~~والترسل والنظم على ما لم يكن عليه أحد، فحضر مجلس المأمون، فوضع بين يديه ~~ألف دينار، وغمز إسحاق بالعبث به، فأقبل إسحاق يعارضه في كل باب ويزيد ~~عليه، وهو لا يعرف إسحاق، فقال: أيأذن أمير المؤمنين في نسبة هذا الرجل، ~~والسؤال عن اسمه؟ # فقال: أفعل، فقال له العتابي: ما اسمك ومن أين أنت؟ فقال: أنا من الناس، ~~واسمي كل PageV02P025 # بصل، فقال له العتابي: أما النسبة فمعروفة، وأما الاسم فمنكور، فقال له ~~إسحاق: ما أقل إنصافك، أو ما كلثوم من الأسماء! فالبصل أطيب من الثوم! فقال ~~له العتابي: قاتلك الله، ما أملحك! ما رأيت كالرجل حلاوة، أيأذن أمير ~~المؤمنين في صلته بما وصلني، فقد والله غلبني؟ فقال له المأمون: بل ذلك ~~موفور عليك، وأمر له بمثله. فانصرف إسحاق إلى منزله، ونادمه العتابي بقية يومه. # وكانت هشيمة الخمارة تجيد الشراب، فلما ماتت قال يرثيها: [الكامل] # أضحت هشيمة في القبور مقيمة ... وخلت منازلها من الفتيان # كانت إذا هجر الحبيب محبه ... دبت له في السر والإعلان # حتى يلين لما تريد قياده ... ويصير سيئه إلى الإحسان # وهو إسحاق بن إبراهيم بن ماهان، أصله فارسي، وترك ماهان إبراهيم صغيرا ~~فنشأ في بني تميم. # وهذا الذي ذكرنا نبذة من أدبه. # وأما محاسنه في الغناء فلا يأتي عليها الحصر، قال الواثق: ما غناني إسحاق ~~قط إلا ظننت أن قد زيد في ملكي؛ وإن إسحاق نعمة من نعم الملك، التي لم يحظ ~~أحد بمثلها؛ لو أن له العمر والنشاط مما يشتري لاشتريتهما بشطر ملكي. # وحدث حماد ابنه قال: حدثني أبي قال: غدوت يوما وأنا ضجر من ملازمة دار ~~الخليفة. فركبت بكرة عازما أن أطوف في الصحراء، وأتفرج، وقلت لعلماني: إن ~~جاء رسول الخليفة فعرفوه أني ركبت في مهم ومضيت، وطفت ما بدا لي، وغدوت، ~~وعدت، وقد حمي النهار، ms0444 فوقفت في ظل جناح شارع لأستريح، فلم ألبث أن خادم ~~جاء يقود حمارا فارها عليه جارية تحتها منديل دبيقي. وعليها من اللباس ~~الفاخر ما لا غاية وراءه، فرأيت لها شمائل ظريفة وطرفا فاترا، فحدثت أنها ~~مغنية، فدخلت الدار التي كنت عليها واقفا، فعلقها قلبي علوقا شديدا لم ~~أستطع معه براحا، وأقبل رجلان شابان، لهما هيبة تدل على قدرهما، وهما ~~راكبان، فأذن لهما فحملني حب الجارية وحسن حالهما أن توسلت بهما، فدخلت ~~معهما، فظنا أن صاحب الدار دعاني، وظن هو أني معهما، فجلسنا، وأتي بالطعام ~~فأكلنا، وجيء بالشراب، فخرجت الجارية، وفي يدها عود، فرأيت جارية حسناء، ~~فغنت غناء صالحا، فتمكن ما في قلبي منها، وشربنا. ثم قمت للبول، فسألهما ~~صاحب المنزل عني، فأنكراني، فقال: هذا طفيلي، ولكنه ظريف، فأجملوا عشرته، ~~فجئت وجلست فغنت في لحن لي: [الطويل] # ذكرتك أن مرت بنا أم شادن ... أمام المطايا تشرئب وتسنح # من المؤلفات الرمل أدماء حرة ... شعاع الضحى في وجهها يتوضح PageV02P026 # فأدته أداء صالحا. ثم غنت أصواتا فيها من صنعتي: [مجزوء الخفيف] # الطلول الدوارس ... فارقتها الأوانس # أوحشت بعد أنسها ... فهي قفر بسابس # فكان أمرها فيه أصلح من الأول، ثم غنت من صنعتي في شعري: [الخفيف] # قل لمن صد عاتبا ... ونأى عنك جانبا # قد بلغت الذي أرد ... ت وإن كنت لاعبا # واعترفنا بما ادعي ... ت وإن كنت كاذبا # فكان أصلح مما غنته، فاستعدته منها لأصححه. فأقبل علي أحد الرجلين، فقال: # ما رأيت طفيليا أصفق وجها منك، لم ترض بالتطفيل حتى اقترحت! وهذا تصديق ~~المثل، «طفيلي وقد يقترح»، فلم أجبه. وكفه صاحبه عني، فلم ينكف، ثم قاموا ~~للصلاة فأخذت عود الجارية، وأصلحته إصلاحا محكما. وعدت إلى موضعي، فصليت، ~~ثم عادوا، فعاد ذلك الرجل في عربدته علي، وأنا صامت، فأخذت الجارية عودها، ~~وجسته، فقالت: من جس عودي؟ فقالوا: ما جسه أحد، فقالت: والله لقد جسه حاذق ~~متقدم، وشد طبقته، فقلت لها: أنا أصلحته، فقالت: بالله عليك خذه، واضرب به، ~~فأخذته منها وضربت مبدأ طريق عجيب صعب، فيه نقرات ms0445 محكمة، فما بقي منهم أحد ~~إلا وثب، وجلس بين يدي، وقالوا: بالله يا سيدي، تغني؟ قلت: نعم، وأعرفكم ~~بنفسي أنا إسحاقي الموصلي، والله إني لآتيه على الخليفة وأنتم تشتمونني منذ ~~اليوم لأني تملحت معكم بسبب هذه الجارية! وو الله لا نطقت بحرف ولا جلست ~~معكم، أو تخرجوا هذا المعربد الغث، ونهضت لأخرج. فتعلقوا بي وتعلقت الجارية ~~بي، فقلت: والله لا أجلس إلا أن يخرج؛ فقال له صاحبه: من شبه هذا حذرت ~~عليك، فأخرجوه، فغنيت الأصوات التي غنتها الجارية من صنعتي؛ فطرب صاحب ~~البيت طربا شديدا، وقال لي: هل لك في أمر أعرضه عليك؟ فقلت: ما هو؟ فقال: ~~تقيم عندي شهرا، والجارية مع ما عليها لك، فقلت: أفعل، فأقمت عنده ثلاثين ~~يوما لا يعرف أحد أين أنا، والمأمون يطلبني. # فجئت بذلك منزلي بعد شهر، وركبت إلى المأمون، فقال لي: يا إسحاق، ويحك! ~~أين تكون؟ فعرفته الخبر فقال: علي بالرجل الساعة، فعرفتهم موضعه فأحضره، وقال: # أنت رجل ذو مروءة وسبيلك أن تعاون عليها، فأمر له بمائة ألف درهم، ونهاه ~~ألا يعاشر ذلك المعربد النذل، وأمر لي بخمسين ألفا، وقال: أحضر لي الجارية، ~~فأحضرتها فغنته، فقال: قد جعلت لها نوبة في كل يوم ثلاثاء؛ تغني مع ~~الجواري، وأمر لها بخمسين ألف درهم. فربحت والله تلك الركبة وأربحت. # وتشبه هذه الحكاية حكاية إبراهيم بن المهدي، إذ شفع للمأمون في طفيلي قد PageV02P027 # قدمنا ذكره، فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، هب لي ذنبه، وأحدثك حدثا ~~عجيبا في التطفيل عن نفسي، قال: قل، فقلت؛ خرجت يوما فمررت في سكك بغداد، ~~فشممت رائحة أبزار من جناح دار، وقدور قد فاح قتارها. فسألت خياطا: عن رب ~~الدار، فقال رجل من التجار اسمه فلان. فخرجت من شباك في الجناح كف ومعصم، ~~ما رأيت مثلهما قط، فذهب عقلي وبهت، وإذا رجلان نبيلان، فقال الخياط: هذان ~~نديماه، وهما فلان وفلان، فحركت دابتي، ودخلت بينهما، وقلت: قد استبطأكما ~~أبو فلان، فأتينا الباب، فدخلنا، فلم يشك صاحب الدار أنني منهما، فرحب بي، ~~وأجلسني في ms0446 أجل موضع، فأتينا بالألوان، فكان طعمها أطيب من رائحتها، فقلت ~~في نفسي: أكلت الألوان وبقي الكف. ثم سرنا إلى مجالس المنادمة، فإذا أنبل ~~مجلس، وصاحب الدار مقبل باللطف والحديث علي لما ظن أني منهما، فخرجت جارية ~~تنثني كأنها خوط بان، فسلمت وجلست، وأخذت بالعود وجسته، فتبينت الحذق في ~~جستها، وغنت هذا الصوت: # [الطويل] # توهمها طرفي فأصبح خدها ... وفيه مكان الوهم من نظري أثر # وصافحها كفي فآلم كفها ... فمن لمس كفي في أناملها عقر # ومر بفكري شخصها فجرحته ... ولم أر شخصا قط يجرحه الفكر # فهيجت بلابلي، وطربت، ثم غنت: [الطويل] # أشرت إليها هل علمت مودتي ... فردت بطرف العين إني على العهد. # فحدث عن الإظهار عمدا لسرها ... وحادت عن الإظهار أيضا على عمد # فصحت: السلاح! وجاءني ما لم أملك معه نفسي، ثم غنت: [الطويل] # أليس عجيبا أن بيتا يضمني ... وإياك لا نخلو ولا نتكلم # سوى أعين تشكو الهوى بجفونها ... وترجيع أحشاء على النار تضرم # إشارة أفواه وغمز حواجب ... وتكسير أجفان وقلب متيم # فحسدتها على حذقها، فقلت: يا جارية بقي عليك شيء، فغضبت ورمت بالعود، ~~وقالت: متى كنتم تحضرون مجالسكم البغضاء! فندمت ورأيت تغير القوم، فدعوت ~~بالعود وغنيت: [الكامل] # ما للمنازل لا يجبن حزينا ... أصممن أم بعد المدى فبلينا # راحوا العشية روحة مذكورة ... إن متن متنا أو بقين بقينا # فأقبلت على رجلي تقبلهما، وتقول: المعذرة والله يا سيدي من تغيير مثلك، ~~وقام مولاها وصاحباه، وصنعوا مثلها، وشربوا بالطاسات طربا، ثم غنيت: ~~[الطويل] PageV02P028 # أفي الحق أن أمسي ولا تذكرينني ... وقد سجمت عيناي من ذكرك الدما # إلى الله أشكو بخلها وسماحتي ... لها عسل مني وتبذل علقما # فجاء والله من طرب القوم ما حسبت له أن يخرجوا من عقولهم، فأمسكت حتى إذا ~~هدأ القوم اندفعت أغني: # حذا محبك مطوي على كمده ... صب مدامعه تجري على جسده # له يد تسأل الرحمن راحته ... مما به ويد أخرى على كبده # يا من رأى كلفا مستهدفا أسفا ... كانت منيته في طرفه ويده # فصاحت الجارية: السلاح! هذا والله الغناء يا مولاي. ms0447 وسكروا، وأمر صاحب ~~الدار غلمانه بحفظهم إلى منازلهم، وبقيت أشرب معه- وكان جيد الشراب- فقال: # يا سيدي ذهب والله ما خلا من أيامي باطلا إذ كنت لا أعرفك، فمن أنت؟ ~~فأخبرته، فقبل رأسي، وقال: وأنا أعجب من هذا الأدب، وأنا منذ اليوم مع ~~الخلافة. ثم سألني عن قصتي فأخبرته خبر الطعام والمعصم، فأحضر جواريه [ولا ~~أشعر]. ثم قال: ما بقي غير أمي وأختي، ولأنزلنهما إليك. فعجبت من كرمه، ~~وسعة صدره، فقلت: أبدأ بالأخت، ففعل، فلما رأيت معصمها، قلت: هي هي. فأرسل ~~إلي عشرة مشايخ وأحضر بدرتين، وقال: أشهدكم أني قد زوجت أختي فلانة من ~~إبراهيم بن المهدي، وأمهرتها عنه عشرة آلاف درهم. فدفعت إليه البدرة ~~الواحدة، وفرقت الأخرى على المشايخ، وانصرفوا، وقال: يا سيدي أمهد لك بعض ~~البيوت، فأحشمني، فقلت: بل أحملها لي منزلي في عمارية، فو حقك يا أمير ~~المؤمنين، لقد حمل إلي من الجهاز ما ضاق عنه بعض دوري. # فتعجب المأمون من كرمه، وأمر بإحضاره فصار من خواصه. # *** # قوله: «سحقا» أي بعدا. # *** ### || AUTO [زنام الزامر] # وزنام الزامر هو الذي أحدث الناي، وهو المزمار الذي تدعوه عامتنا بالمغرب ~~الزلامي، فصحفوه بإبدال نونه لاما، وإنما هو زنامي، وقال فيه الشاعر: ~~[الرمل] # إن في ناي زنام شغلا ... يشغل العاقل عن ناي زنام # قال القاسم بن زرزور الزامر: حدثني زنام الزامر، قال: لما اعتل المعتصم ~~علته التي مات منها، قال: هيئوا لي الزلال حتى أركبه، فهيئ له فركب، وأتى ~~فيمن PageV02P029 # معه، فمر بدجلة بإزاء منازله، فقال: يا زنام، قلت: لبيك يا أمير ~~المؤمنين! قال: # أزمر: [السريع] # يا منزلا لم تبل أطلاله ... حاشا لأطلالك أن تبلى # العيش أولى ما بكاه الفتى ... لا بد للمحزون أن يسلى # لم أبك أطلالك لكنني ... بكيت عيشي فيك إذ ولى # قال: فزمرت وما زلت أردده، وهو ينتحب ويبكي إلى أن خرج، ثم توفي بعد خمسة أيام. # وزنام سار المثل بضرب يزمره وإتقان صنعته. # وكان الواثق مولعا يزمره بعد أبيه المعتصم، حدث حسين بن الضحاك قال: دخلت ~~على الواثق، فقال: قل ms0448 الساعة أبياتا ملاحا حتى أهب لك شيئا مليحا، فقلت: في ~~أي معنى؟ قال: فما شئت بما ترى بين يديك، فالتفت فإذا بساط قد تفتحت ~~أنواره، وأشرق في نور الصبح، فخجلت وارتج علي، فقال الواثق: ألست ترى نور ~~صباح، ونور أقاح! ففتح لي، فقلت: [المتقارب] # ألست ترى الصبح قد أسفرا ... ومنسكب الغيث قد أمطرا # وأسفرت الأرض عن حلة ... تضاحك بالأصفر الأحمرا # وتعمل كأسين في فتية ... تطارد بالأصغر الأكبرا # يحث كئوسهم مخطف ... تجاذب أردافه المئزرا # فكل ينافس في بره ... ليفعل في ذاته المنكرا # فضحك، وقال: تستعمل ما قلت يا حسين إلا الفسق فلا ولا كرامة. ثم قال: # قوموا بنا إلى حانة الشط. فقام إليها، وشرب وطرب، وما ترك أحدا من ~~المغنين والجلساء إلا أمر له بصلة. وكان من الأيام التي سارت أخبارها في ~~الآفاق، فلما كان من الغد غدوت عليه، فقال: أنشدني ما قلت في يومنا الماضي، ~~فأنشدته: [البسيط] # يا حانة الشط قد أكرمت مثوانا ... عودي بيوم سرور كالذي كانا # لا تفقدينا دعابات الأمير ولا ... طيب البطالة إصرارا وإعلانا # وهاج زمر زنام بين ذاك لنا ... شجوا فأهدى لنا روحا وريحانا # وسلسل الرطل عمرو ثم عم به الس ... قيا فألحق أخرانا بأولانا # لا زلت آهلة الأوطان عامرة ... بأكرم الناس أعرافا وأغصانا # ذكرنا هذه الحكاية لظرفها، ولما وقع لزنام من الذكر في شعر حسن. # *** PageV02P030 # قوله: «زنيما»، أي دعيا في الزمر. قال ابن الأعرابي: الزنيم ابن الزانية. ~~أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل ~~الجنة ولد الزنا ولا شيء من نسله إلى سبعة آباء». # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كانت العباد فيما مضى إذا عبد الله ~~أحدهم أربعين سنة يسعى نوره بين يديه، فعبد الله عابد أربعين سنة وأربعين، ~~فلم يسع له نور، فابتهل إلى الله تعالى فقال: عبدتك أربعين وأربعين، ولم ~~يسع لي نور؛ فأري في منامه أنه لغير رشدة، فقال: # يا رب إن كان أبواي أكلا حماضا أضرس أنا! : فسعى نوره بين يديه». ms0449 # قوله: «جيله» أي أهل عصره. # الزهيم الأول السيد، والثاني الضامن، أراد أنه يضمن لمن سمعه أن يطربه ~~وقال أبو الفضل الدارمي في زامر أسود: [البسيط] # وحالك اللون كالليل البهيم له ... فضائل مشرقات الحس كالفلق # تخال مجلسنا وجها به حسنا ... إذ صار فيه كخال معجب لبق # تراه يحفظ ما يوحى إليه به ... وسره أبدا يهوي بمنخرق # يحدو بأنفاسه الأوتار مجتهدا ... فتستقيم به الألحان في الطرق # أهدى الشباب إليه حسن بهجته ... فناسب المسك في لون وفي عبق # الحبب: الفقاقيع تعلو الماء والخمر. أزدري: أحتقر. النعم: الإبل وأكرمها ~~الحمر. أحلي: أزين. بتمليها: بطول حياتها ومدتها، والملاوة: المدة، ومنه ~~قوله تعالى: وأملى لهم [محمد: 25]. مرآها: رؤيتها. أذود: أدفع. شرائع: # طرق. السمر: الحديث بالليل. أليح: أشفق، تسري: تسير ليلا. رياها: رائحتها ~~الطيبة. # يكهن: يشعر ويحسن، وتكهن الرجل: تحدث عن الغيب. # *** ### || AUTO [سطيح] # وسطيح الغساني أكهن الناس، وأنذر بسيل العرم، فكان يدرج جسده كما يدرج ~~الثوب، خلا جمجمة رأسه، وإذا مست باليد أثرت فيه للين عظمها. # ومن كهانته أنه لما كان ليلة ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتج ~~إيوان كسرى، فسقطت منه أربع عشرة شرفة، فأعظم ذلك أهل المملكة، وكتب إلى ~~كسرى صاحب الشام أن وادي السماوة انقطع تلك الليلة. # وكتب إليه صاحب اليمن أن بحيرة ساوة غاضت تلك الليلة. # وكتب إليه صاحب طبرية أن الماء لم يجر تلك الليلة في بحيرة طبرية. PageV02P031 # وكتب إليه صاحب فارس أن بيوت النار خمدت تلك الليلة، ولم تخمد قبل ذلك ~~بألف سنة. # فلما تواترت عليه الكتب، أظهر سريره، وبرز إلى أهل مملكته، فأخبرهم ~~الخبر، فقال الموبذان: أيها الملك إني رأيت تلك الليلة رؤيا هالتني، رأيت ~~إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، حتى اقتحمت دجلة وانتشرت في بلادنا. # قال: فما عندك في تأويلها؟ قال: ما عندي شيء، ولكن أرسل إلى عاملك ~~بالحيرة يوجه إليك رجلا من علمائهم فإنهم أصحاب علم بالحدثان. فبعث إليه، ~~فوجه عبد المسيح بن بقيلة الغساني، فأخبره كسرى بالخبر فقال: أيها الملك، ~~ما عندي فيها شيء، ms0450 ولكن جهزني إلى الشأم إلى خالي سطيح. فجهزه، فلما قدم ~~عليه وجده قد احتضر، فناداه فلم يجبه، فقال: [الرجز] # أصم أم يسمع غطريف اليمن ... رسول قيل العجم يهوي للوثن # يا فاصل الخطة أعيت من ومن ... أتاك شيح الحي من آل سنن # * أبيض فضفاض الرداء والرسن* (¬1) # فرفع إليه سطيح رأسه، وقال: عبد المسيح، على جمل مشيح، أقبل إلى سطيح، ~~وقد أوفى على الضريح بعثك ملك بني ساسان، لارتجاج الإيوان، وخمود النيران، ~~ورؤيا الموبذان؛ رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، حتى اقتحمت الواد، ~~وانتشرت في البلاد. # عبد المسيح، إذا ظهرت التلاوة، وغاض وادي السماوة، وظهر صاحب الهراوة، ~~فليست الشام لسطيح بشام، يملك منهم ملوك وملكات، بعدد ما سقط من الشرفات، ~~وكل ما هو آت آت، ثم قال: [البسيط] # إن كان ملك بني ساسان أفرطهم ... فإن ذا الدهر طورا دهارير (¬2) PageV02P032 # منهم بنو الصرح بهرام وإخوته ... والهرمزان وسابور وسابور # فربما أصبحوا منهم بمنزلة ... تهاب صولهم الأسد اليهاصير # حثوا المطي وجدوا في رحيلهم ... فما يقوم لهم سرج ولا كور # والناس أبناء علات فمن علموا ... أن قد أقل، فمحقور ومهجور # والخير والشر مقرونان في قرن ... والخير متبع والشر محذور # فأتى كسرى فأخبره، فغمه ذلك، فقال: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا، يدور ~~الزمان؛ فملكوا كلهم في أربعين سنة. # قوله: «ينم»: من النميمة. مليح: كثير الظهور. # *** # فاتفق لوشك الحظ المبخوس، ونكد الطالع المنحوس، أن أنطقتني بوصفها حميا ~~المدام، عند الجار النمام. ثم ثاب الفهم، بعد أن صرد السهم، فأحسست الخبال ~~والوبال؛ وضيعة ما أودع ذلك الغربال، بيد أني عاهدته، على عكم ما لفظته، ~~وأن يحفظ السر ولو أحفظته؛ فزعم أنه يخزن الأسرار، كما يخزن اللئيم ~~الدينار، وأنه لا يهتك الأستار، ولو عرض لأن يلج النار. # *** # الحظ: البخت والنصيب. ووشكه: سرعة زواله المبخوس: المنقوص. نكد: # مشقة. الطالع: نجم الإنسان، والطالع يقابله التساقط. حميا: حدة ثاب: رجع. صرد: # خرج من قوسه، وأراد بالسهم اللفظ الذي سمع منه جاره الخبال: الفساد. ~~الوبال: # الثقل، وهو وبال عليه أي ثقيل في ms0451 العاقبة، وطعام وبيل: ثقيل متخم، ومنه ~~استوبلت المدينة إذا لم توافق جسمك وإن أحببتها، أودع: جعل فيه. والغربال، ~~معلوم، يشبه به النمام حيث لا يمسك ما جعل فيه؛ قال الحطيئة يهجو أمه: ~~[الوافر] # تنحي فاجلسي مني بعيدا ... أراح الله منك العالمينا (¬1) # أغربالا إذا استودعت سرا ... وكانونا على المتحدثينا # كانون: أبرد أيام الشتاء، ويريد أنها باردة لحديث. PageV02P033 # قال كعب بن زهير رضي الله عنه: [البسيط] # ولا تمسك بالعهد الذي زعمت ... إلا كما يمسك الماء الغرابيل (¬1) # وقال في الحماسة: [الطويل] # ولا أكتم الأسرار لكن أنمها ... ولا أدع الأسرار تغلي على قلبي (¬2) # وإن قليل العقل من بات ليلة ... تقلبه الأسرار جنبا إلى جنب # وقال آخر: [البسيط] # أعزز علي بأخلاق وسمت بها ... عند البرية يا فالوذج السوق # تضيق بالسر ذرعا ان خصصت به ... حتى يرى دائعا كالنفخ في البوق # وقال في ضده: [الطويل] # ومستخبر عن سر ريا رددته ... بعمياء من ريا بغير يقين (¬3) # وقال انتصحني إنني لك ناصح ... وما أنا إن خبرته بأمين # وقال قيس بن الخطيم: [الطويل] # إذا جاوز الاثنين سر فإنه ... ببث وتكثير الحديث قمين (¬4) # يكون له عندي إذا ما ضمنته ... مكان بسوداء الفؤاد مكين # وقال العباس بن الأحنف: [المتقارب] # تعتيت تطلب ما أستحق ... به الهجر منك ولا تقدر (¬5) # وماذا يضرك من شهرتي ... إذا كان سرك لا يشهر # أمني تخاف انتشار الحديث ... وحظي من صونه أوفر PageV02P034 # ولو لم أصنه لبقيا عليك ... نظرت لنفسي كما تنظر # قوله: «بيد» بمعنى غير. عكم: ربط. أحفظته: أغضبته. يهتك: يخرق. # *** # فما إن غبر على ذلك الزمان، إلا يوم أو يومان، حتى بدا إلى أمير تلك ~~المدرة، وواليها ذي المقدرة، أن يقصد باب قيلة، مجددا عرض خيله، ومستمطرا ~~عارض نيله، وارتاد أن تصحبه تحفة تلائم هواه، ليقدمها بين يدي نجواه، وجعل ~~يبذل الجعائل لرواده، ويسني لمن يظفره بمراده، فأسف ذلك الجار الختار إلى ~~بذوله، وعصى في ادراع العار عذل عذوله، فأتى الوالي ناشرا أذنيه، وأبثه ما ~~كنت أسررته إليه، فما راعني إلا انسياب صاغيته إلي، وانثيال حفدته علي، ms0452 ~~يسومني إيثاره بالدرة اليتيمة، على أن أتحكم عليه في القيمة، فغشيني من ~~الهم، ما غشي فرعون وجنوده من اليم. # *** # غبر: مضى. المدرة: البلدة. قيلة: ملكه الأعظم. # مجددا عرض خيله، أي ليعرض عليه ما عنده من الأجناد. والنيل، أي العطاء. # ارتاد: طلب. تحفة: هدية. تلائم، توافق. هواه: إرادته. نجواه. حديثه مع الملك. # والجعل: حق من دلك على حاجة، والجعالة بمعناه، والجعائل جمعها. يسني: # ييسر وأصل الرواد طلاب المرعى، واحدهم رائد، وأصل الوسائل، أسباب الود. # أسف: انحط ودنا، وأسف الطائر: تدلى نحو الأرض لشيء يأخذه، وأسف الرجل: ~~طلب مذاق الأمور. # والجار الختار: الخداع بذوله: عطاؤه. ادراعه: لبسه الدرع. ناشرا أذنيه، ~~أي طامعا، وهو مثل. أبثه: قال له سرا. # قوله: «راعني» أي أفزعني. # انسياب: دخول. صاغيته: حاشيته. ومن يميل إليه. # انثيال: انصباب. حفدته: أتباعه. # يسومني: يعرض علي، إيثاره: تفضيله على نفسي. # الدرة اليتيمة: الجوهرة النفيسة، وبهذا سمى الثعالبي كتابه الدرة ~~اليتيمة، أي الدرة المنفردة التي لا مثل لها. واليتيمة درة مشهورة في البيت ~~الحرام أكبر من بيضة الحمامة، استخرجها من البحر كلب جاء ليلغ، فتعلقت ~~محارتها بفمه، ففضها في البر، فهي من عجائب الدنيا. PageV02P035 # ومن عجائبها الحافر، وهو حجر ياقوت، شبه حافر الفرس ألصقه أمير المؤمنين ~~بمصحف عثمان. # والغريبة الثالثة: فرس ذهب لم يصنعه صانع، إنما وجد في معدن الذهب وهو ~~عند ملك الحبشة بغانة. # والذي غشي فرعون وجنوده من اليم، هو الغرق. واليم: البحر الذي ذهبت ~~نفوسهم فيه. ### || AUTO [قصة موسى] # ولا بد أن نلم بنبذة من خبره، نكمل بها القصة حسبما شرطنا؛ وذلك أن موسى ~~عليه الصلاة والسلام، لما خرج فارا من فرعون حسبما قدمناه في الخامسة، توجه ~~إلى مدين، فبلغها كالا جائعا فقيرا، فوجد الناس يسقون كما نص الله تعالى: ~~وجد من دونهم امرأتين تذودان [القصص: 23]، أي يحبسان غنمهما، فأخبرتاه ~~بأنهما لا يسقيان حتى يصدر الرعاء، وأن لهما أبا شيخا كبيرا، فرحمهما ~~واقتلع الصخرة عن البئر- وكان لا يرفعها إلا نفر- فملأ وسقى لهما، ثم تولى ~~إلى ظل شجرة مثمرة فقال: رب ms0453 إني لما أنزلت إلي من خير فقير [القصص: 24]. ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال هذا موسى، ولو شاء إنسان أن ينظر إلى ~~خضرة أمعائه من شدة الجوع لفعل- أراد خضرة البقل الذي أكل في طريقه- فرجعت ~~الجاريتان بسرعة إلى أبيهما، فأنكر مجيئهما قبل الوقت الذي جرت العادة ~~بمجيئهما فيه، فأخبرتاه خبر موسى، فأرسل إلى إحداهما فأتته وهي تستحيي منه، ~~فقالت: إنأبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا # [القصص: # 25]. فمشى معها، وهي بين يديه فضرب الريح ثوبها، فنظر إلى عجيزتها فقال لها: # امشي خلفي، ودليني على الطريق، فلما أتى الشيخ سأله عن شأنه، فقص عليه ~~قصته فقال: لا تخف نجوت من القوم الظالمين [القصص: 25] فقالت التي دعته: يا ~~أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين [القصص: 26] فقال لها الشيخ: ~~أما القوة فقد خبرته بقلع الصخرة، فما يدريك أمانته؟ قالت له: إني مشيت ~~أمامه فلم يحب أن يخونني وردني خلفه. فقال له: إني أريد أن أنكحك إحدى ~~ابنتي هاتين [القصص: # 27] إلى آخر القصة. # فلما قضى أجله، وسار بأهله، وكان في شتاء، رفعت له نار فيما رأى فكانت من ~~نور الله تعالى، فقال لأهله: امكثوا إني آنست نارا [القصص: 29]، ومعنى ~~تصطلون، أي من البرد فكان عند إتيانه لها ما أخبر الله تعالى من أنه نودي ~~أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين [النمل: 8]. ثم قال ~~له: وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي أي ~~أضرب بها ورق الشجر للغنم ولي فيها مآرب أخرى [طه: 17 - 18]؛ من حمل الزاد ~~عليها والسقاء PageV02P036 # وغير ذلك، فقال له: ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى [طه: 20]. ~~فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب [القصص: 31]. أي لم ينظر ~~فنودي: لا تخف إنك من الآمنين [القصص: 31] الآيات. # فسأل الله تعالى أن يرسل معه أخاه هارون ردأ، أي عونا لكونه كان أفصح منه ~~لسانا للجمرة التي كانت أحرقت لسانه في صغره، فثقل لسانه فقال تعالى: سنشد ms0454 ~~عضدك بأخيك [القصص: 35]. # فأقبل موسى إلى أهله فصار بهم إلى مصر، فدخلها ليلا، فنزل ضيفا بأمه ~~وأخيه، وهم لا يعرفونه، وهارون غائب، فنزل بجانب الدار، وجاء هارون فسأل ~~عنه أمه فأخبرته أنه ضيف، فدعاه وأكل معه، ثم سأله: من هو؟ فقال: أنا موسى، ~~فقام كل واحد منهما لصاحبه واعتنقه. # فقال له موسى: يا هارون، إن الله قد أرسلني وإياك إلى فرعون، فانطلق معي، ~~فقال: سمعا وطاعة، فصاحت أمهما، وقالت: نشدتكما الله تعالى ألا تذهبا إليه ~~فيقتلكما! فسكناها ثم انطلقا إليه ليلا في قول السدي وضربا الباب، فكلمهما ~~البواب، فقالا له: # إنا رسول رب العالمين [الشعراء: 18]، ففزع البواب، فأتى فرعون فأخبره أن ~~مجنونين بالباب يزعمان كذا، فقال: أدخلهما. # وأما ابن إسحاق فحدث أنهما وقفا على باب فرعون، يلتمسان الإذن، يغدوان ~~ويروحان سنتين، وفرعون لا يعرف بهما حتى دخل ملة له، فقال له: أيها الملك، ~~إن على الباب رجلا أن له إلها غيرك، فقال: أدخلوه، فدخلا وبيد موسى عصاه، ~~فلما وقفا عرفه فرعون، فقالا: إنا رسول رب العالمين [الشعراء: 16]، فجاوبه ~~بقوله ألم نربك فينا وليدا [الشعراء: 18] الآيات، ثم ذكره أياديه قبله. # فقال له موسى: وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل [الشعراء: 18 - ~~22]، أي اتخذتهم عبيدا، تقتل من شئت وتسترق من شئت. فقال له وما رب ~~العالمين [الشعراء: 23] فأراه الآية الكبرى في العصا، أن ألقاها فإذا هي ~~تعبان مبين، ملأت ما بين السماطين فاتحة فاها، قد صار محجنها على ظهرها، ~~فارفض الناس، ومال فرعون عن سريره، فناشد موسى ربه، فأدخل يده في جيبه، ~~فأخرجها بيضاء كالثلج، ثم ردها، فعادت هيئتها، ثم وضع يده على الحية فصارت ~~عصا كما كانت أول مرة، وأخذ فرعون بطنه- وكان فيما يزعم يمكث الخمس والست ~~ولا يلتمس الخلاء- وكان ذلك مما زين له أنه ليس له شبيه في الناس- فقال ~~لملئه: إن هذا لسحر عظيم، فجمع السحرة، ووعدهم ليوم العيد، وأن يحشر الناس ~~ضحى، يحضرون أمرهم مع موسى، فاجتمعوا لذلك اليوم، فصف خمسة عشر ألف ساحر، ~~كل ساحر له ms0455 نوع من السحر، فخرج موسى يتوكأ على عصاه، حتى أتى الجمع، وفرعون ~~في مجلسه مشرف على وجوه أهل مملكته PageV02P037 # فقال لهم موسى: ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب [طه: 61]. # فقال بعضهم لبعض: أهكذا يقول ساحرا فخيروه في أن يلقى أو يلقوا؟ فقال: بل ~~ألقوا، فخيلوا بحبالهم وعصيم أشياء حيروا بها العقول، من حيات قد ملأت ~~الوادي، يركب بعضها بعضا، ونيران تحرق في ظاهرها ما مرت به وظلم متكاثفة، ~~كما وصف الله تعالى: واسترهبوهم وجاؤ بسحر عظيم [الأعراف: 116]، ففزع موسى ~~وأخوه لهول ما رأيا وذلك قوله تعالى: فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف ~~إنك أنت الأعلى [طه: 68] الآيات. فألقى موسى عصاه، فجعلت تلقف كل ما خيلوا ~~به، وكانوا جلبوا آلاتهم في السفن في النيل، فابتلعت السفن، وأقبلت فاتحة ~~فاها، على قبة فرعون بمن فيها، ففروا وتعلقوا بموسى يستنقذون به. فأخذها ~~موسى، فإذا هي عصا في يده كما كانت، فوقع السحرة سجدا قائلين: آمنا برب ~~هارون وموسى [طه: 70] لما تبينوا أن أمر العصا إلهي، ليس من تخاييلهم، فقال ~~لهم فرعون: آمنتم له قبل أن آذن لكم [طه: 71] إلى قوله تعالى: والله خير ~~وأبقى، أي لا سلطان لك إلا في الدنيا ولا سلطان لك بعدها، قالوا ربنا أفرغ ~~علينا صبرا وتوفنا مسلمين [الأعراف: 126]، فقتلهم فكانوا أول النهار سحرة ~~وآخره شهداء. # ثم أمر الله تعالى نبيه موسى أن يخرج بني إسرائيل فقال: فأسر بعبادي ليلا ~~[الدخان: 43]. # فأمرهم أن يستعيروا الحلي من القبط، فخرجوا ليلا، وألقى الله على القبط ~~النوم، حتى طلعت الشمس، وكان موسى على ساقة بني إسرائيل وهارون على ~~المقدمة، وعدد بني إسرائيل ستمائة ألف وعشرون ألف مقاتل، لا يعدون ابن ~~العشرة لصغره، ولا ابن الستين لكبره. وتبعهم فرعون، وعلى مقدمته هامان وهم ~~في ألف ألف وسبعمائة ألف، فذلك قوله تعالى: فأرسل فرعون في المدائن حاشرين ~~[الشعراء: 35]. فلما تراءى الجمعان، قالوا: يا موسى أوذينا من قبل أن ~~تأتينا بالذبح ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا! فقال: كلا ms0456 إن ~~معي ربي سيهدين [الشعراء: 62]. # فأتى موسى البحر، وكناه أبا خالد، فضربه بعصاه، فانفلق فكان كل فرق ~~كالطود العظيم [الشعراء: 63]، والطود: الجبل، فصار في البحر اثنا عشر طريقا ~~فدخل كل سبط طريقه، وكل سبط يقول: قتل أصحابنا ففتح الله بينهم قناطر، فنظر ~~آخرهم إلى أولهم. وجاء فرعون ومن معه، فأبت خيله أن تقتحم، فاقتحمها جبريل ~~على فرس أنثى، فاقتحمت الخيل في أثره، فلما توسط البحر، أمر البحر أن ~~يأخذهم، فانضم عليهم، فلما أدرك فرعون الغرق، قال: آمنت أنه لا إله إلا ~~الذي آمنت به بنوا إسرائيل [يونس: # 90] وجعل جبريل يدس الطين في فمه لئلا يتم الكلمة، فيرحمه الله، وميكائيل يقول: # آلآن وقد عصيت قبل [يونس: 91]. PageV02P038 # وأخرج الله بدن فرعون ميتا، حتى عرفه بنو إسرائيل، فهذا هو الذي غشى ~~فرعون وجنوده من اليم. # *** # ولم أزل أدافع عنها ولا يغني الدفاع، وأستشفع ولا يجدي الاستشفاع، وكلما ~~رأى مني ازدياد الاعتياص، وارتياد المناص، تجرم وتضرم، وحرق علي الأرم، ~~ونفسي مع ذلك لا تسمح بمفارقة بدري، ولا بأن تنزع قلبي من صدري، حتى آل ~~الوعيد إيقاعا، والتقريع قراعا، فقادني الإشفاق من الحين، إلى أن قضته سواد ~~العين، بصفرة العين، ولم يحظ الواشي بغير الإثم والشين. # *** # قوله: الاعتياص: أي التصعب، واعتاص الشيء اعتياصا: تصعب وتلوى. # المناص: الملجأ والمفر. # وتجرم: أتى الجرم. وتضرم: اشتد غضبه. والأرم: الأسنان. وحرق: عض بعضها ~~على بعض، حتى صوت، وذلك لشدة الغيظ، وهو مثل. آل: رجع. الوعيد: # التهديد. # قراعا: ضربا، والقراع: الخبط والضرب، والتقريع: الأخذ باللسان، يريد: # عددوني، فلما أبيت ضربوني. # الحين: الموت. قضته: عاوضته وبادلته سواد العين: جاريته التي هي نور عينه. # صفرة العين: لون الدنانير. لم يحظ: لم يأخذ حظوة، وهي النصيب. # والواشي: النمام، سمي واشيا لاستخراجه الأخبار وتوصله إلى معرفتها، من ~~قولهم: فلان يوشي الخبر، إذا استخرجه؛ وقيل: سمي واشيا لتحسينه ما ينقل من ~~الأخبار، وثوب موشى: محسن بما فيه من النقوش. وقيل: هو من الشية، وهي ~~العلامة، كأنه جعل لنفسه علامة من الوصف القبيح، والشين: العيب. # *** ### || AUTO ms0457 [من قصص الجاريات المتأدبات] # وعلى وصف الجارية المذكورة بالأدب والجمال نريد أن نسوق فصلا في الجواري ~~ذوات الأدب ممن أهديت إلى ملك كحال هذه، أولها معه سبب: # حدث الأصمعي قال: بعث لي هارون الرشيد وهو بالرقة، فحملت إليه، فأنزلني ~~الفضل بن الربيع ثم أدخلني عليه وقت المغرب، فاستدناني، وقال لي: يا عبد ~~الملك، وجهت فيك بسبب جاريتين، أهديتا إلي، لهما أدب، أحببت أن تبرز ما ~~عندهما، وتشير علي بالصواب فيهما. PageV02P039 # ثم أمر بإحضارهما فأحضرتا، فرأيت جاريتين ما رأيت مثلهما قط، فقلت ~~لإحداهما: ما عندك من العلم؟ فقالت: ما أمر الله في كتابه، ثم ما ينظر ~~الناس فيه من الأخبار والأشعار. فسألتها عن حروف من القرآن، فأجابتني كأنها ~~تقرأ القرآن من كتاب، ثم سألتها عن الأخبار والأشعار والنحو والعروض، فما ~~قصرت في جوابي في كل فن أخذت فيه، فقلت لها: فأنشدينا شيئا، فأنشدت: ~~[الطويل] # يا غياث العباد في كل محل ... ما يريد العباد إلا رضاكا # لا ومن شرف الإمام وأعلى ... ما أطاع الإله عبد عصاكا # فقلت: يا أمير المؤمنين، ما رأيت امرأة في مسك رجل مثلها. # وخبرت الأخرى، فوجدتها دونها، فأمر أن تصنع تلك الجارية لتحمل إليه في ~~تلك الليلة ثم قال: يا عبد الملك، أنا ضجر، وأحب أن تسمعني حديثا مما شهدت ~~من أعاجيب الزمان أتفرج به، فقلت: يا أمير المؤمنين، كان لي صاحب في بدو ~~بني فلان، وكنت أغشاه، وأتحدث إليه، وقد أتت عليه ست وتسعون سنة، وهو أصح ~~النفوس ذهنا وأقواهم بدنا، فغبت عنه، ثم أتيته فوجدته ناحل البدن، كاسف ~~البال، فسألته: ما سبب تغيره؟ فقال: فصدت بعض القرابة، فألفيت عندهم جارية؛ ~~قد طلت بالورس بدنها، وفي عنقها طبل تنشد عليه: [الوافر] # محاسنها سهام للمنايا ... مريشة بأنواع الخطوب # ترى ريب المنون بهن سهما ... يصيب بنصله مهج القلوب # فقلت: [الطويل] # ففي شفتي في موضع الطبل ترتعي ... كما قد أبحت الطبل في جيدك الحسن # هبيني عودا يابسا تحت شقة ... يمتع فيما بين نحرك والذقن # فلما سمعت الشعر، رمت بالطبل في ms0458 وجهي، ودخلت الخيمة، فوقفت حتى حميت ~~الشمس على مفرق رأسي، فلم تخرج، فانصرفت قريح القلب، فهذا التغير من عشقي لها. # فضحك الرشيد حتى استلقى، ثم قال: ويلك يا عبد الملك! ابن ست وتسعين يعشق! ~~فقلت له: قد كان هذا، فقال: يا عباس، أعط عبد الملك مائة ألف درهم، ورده ~~إلى مدينة السلام. # فانصرفت، ثم أتاني الخادم، فقال: أنا رسول بنتك- يعني الجارية- تقول لك: ~~إن أمير المؤمنين أمر لها بمال وهذا نصيبك، فدفع لي ألف دينار، فلم تزل ~~تواصلني بالبر الواصل، حتى كانت فتنة محمد، وانقطع خبرها عني، وأمر لي ~~الفضل بعشرة آلاف درهم. PageV02P040 # وحدث علي بن الجهم، قال: لما أفضت الخلافة إلى المتوكل، أهدى إليه الناس ~~على أقدارهم، فأهدى إليه ابن طاهر جارية أديبة، تسمى محبوبة، تقول الشعر، ~~وتلحنه، وتحسن من كل علم أحسنه، فحلت من قلب المتوكل محلا جليلا، فدخلت ~~يوما للمنادمة، فخرج وهو يضحك. فقال: يا علي، دخلت فرأيت محبوبة قد كتبت ~~على خدها بالمسك «جعفر»، فما رأيت أحسن منه، فقل فيه شيئا، فسبقتني محبوبة، ~~فقالت وأخذت عودها، وغنت: [الطويل] # وكاتبة بالمسك في الخد جعفرا ... بنفسي مخط المسك من حيث أثرا # لئن أودعت سطرا من المسك خدها ... لقد أودعت قلبي من الوجد أسطرا # فيا من مناها في السريرة جعفر ... سقى الله من سقيا ثناياك جعفرا # ويا من لمملوك يظل مليكه ... مطيعا له فيما أسر وأجهرا # ويا من لعيني من رأى مثل جعفر ... سقى الله صوب المسكرات لجعفرا! # قال: فتقلبت خواطري، حتى كأنى ما أحسن حرفا من الشعر، فقلت للمتوكل: # أقلني، فقد والله عزب ذهني عني، فلم يزل يعيرني به. # ثم دخلت عليه بعد ذلك للمنادمة، فقال: يا علي، أعلمت أني غاضبت محبوبة، ~~وأمرتها بلزوم مقصورتها، ومنعت أهل القصر من كلامها؟ فقلت: يا سيدي، إن ~~غاضبتها اليوم، فصالحها غدا، فدخلت عليه من الغد، فقال: ويحك يا علي! رأيت ~~البارحة في النوم كأني صالحت محبوبة، فقالت جاريته: شاطر، يا سيدي، لقد ~~سمعت الآن في مقصورتها هينمة، فقال: قم حتى ننظر ما ms0459 هي، فقام حافيا، حتى ~~قربنا من مقصورتها، فإذا هي تغني، وتقول: [المنسرح] # أدور في القصر لا أرى أحدا ... أشكو إليه ولا يكلمني # كأنني قد أتيت معصية ... ليست لها توبة تخلصني # فمن شفيع لنا إلى ملك ... قد زارني في الكرى وصالحني # حتى إذا ما الصباح عاد لنا ... عاد إلى هجره فصارمني # فصفق المتوكل طربا، فلما سمعته خرجت تقبل رجليه، وتمرغ خدها في التراب، ~~حتى أخذ بيدها راضيا عنها. # حدث أبو علي بن الأسكري المصري- وأسكر هي القرية التي ولد بها موسى عليه ~~السلام- قال: كنت من جلاس تميم بن أبي تميم، وممن يخف عليه، فأتي من بغداد ~~بجارية رائعة فائقة الغناء، فدعا جلاسه، ومدت الستارة، فأمرها فغنت: ~~[الكامل] # وبدا له من بعد ما اندمل الهوى ... برق تألق موهنا لمعانه # يبدو كحاشية الرداء ودونه ... صعب الذرى متمنع أركانه PageV02P041 # وبدا لينظر كيف لاح فلم يطق ... نظرا إليه وصده أشجانه # فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سمحت به أجفانه # قال: فأحسنت ما شاءت، وطرب تميم ومن حضر، ثم غنت: # سيسليك عما فات دولة مفضل ... أوائله محمودة وأواخره # ثني الله عطفيه، وألف شخصه ... على البر مذ شدت عليه مآزره # فطرب تميم ومن حضر طربا شديدا، ثم غنت: [البسيط] # أستودع الله في بغداد لي قمرا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه # فأفرط تميم في الطرب جدا. ثم قال لها: تمني ما شئت، فلك مناك، فقالت: # أتمنى عافية الأمير وسعادته، فقال: لا بد والله، فقالت: على الوفاء أتمنى ~~أيها الأمير، فقال: نعم فقالت: أتمنى أن أغني هذه النوبة ببغداد. فتغير وجه ~~تميم، وتكدر المجلس، وقمنا. فلحقني بعض خدمه، فردني. فلما وقفت بين يديه، ~~قال لي: ويحك! أرأيت ما امتحنا به، ولا بد من الوفاء: وما أثق في هذا ~~بغيرك، فتأهب لتحملها إلى بغداد، فإذا غنت هناك، فاصرفها، فقلت: سمعا ~~وطاعة، فأصحبها جارية سوداء تخدمها وتعاد لها، وأمر لي بناقة وبجمل عليه ~~هودج، فأدخلت فيه، وسرنا مع القافلة إلى مكة، فقضينا حجنا. # ثم لما وردنا القادسية، أتتني السوداء، فقالت لي: ms0460 تقول لك سيدتي: أين نحن؟ # فقلت: نحن نزول بالقادسية، فأخبرتها، فسمعت صوتها قد ارتفع بالغناء: ~~[مجزوء الكامل] # لما نزلنا القادسي ... ة حيث مجتمع الرفاق # وشممت من أرض الحجا ... ز نسيم أنفاس العراق # أيقنت لي ولمن أح ... ب بجمع شمل واتفاق # وضحكت من فرح اللقا ... ء كما بكيت من الفراق # فصاح الناس من أقطار الغافلة: أعيدي أعيدي، بالله! فما سمع لها كلمة. # فلما نزلنا الياسرية على خمسة أميال من بغداد في بساتين متصلة يبيت الناس ~~بها، ثم يبكرون ببغداد. فلما قرب الصباح إذا بالسوداء قد أتتني مذعورة، ~~فقالت: إن سيدتي ليست بحاضرة، وو الله لا أدري أين هي؟ فطلبتها فلم أجدها، ~~ولا وجدت لها ببغداد خبرا، فقضيت حوائجي ببغداد وانصرفت إلى تميم، فأخبرته ~~خبرها، فلم يزل واجما عليها. # وأخبار القيان كثيرة فلنقتصر على هذا القدر. # *** PageV02P042 ### || AUTO [مما قيل في الوشاة] # ومما جاء في الواشي، ما حكي أن رجلا وشى برجل إلى بلال بن أبي بردة، فقال ~~للساعي: انصرف، حتى أكشف عما ذكرت، فلما كشف عن الساعي، إذا هو لغير رشدة، ~~قال: نبأنا أبو عمرو- وما كذبت ولا كذبت- حدثني أبي عن جدي، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الساعي لغير رشدة». # وذكر السعاة عند المأمون، فقال: لو لم يكن من غيهم إلا أنهم أصدق ما ~~يكونون أبغض ما يكونون عند الله. # وقال ذو الرئاستين: قبول النميمة شر من النميمة، لأن النميمة دلالة، ~~والقبول إجازة، وليس من دل على شيء كمن قبله وأجازه، وقد جعل الله السامع ~~شريك القاتل، فقال: سماعون للكذب [المائدة: 41]. # وقال الشاعر: [الطويل] # لعمرك ما سب الأمير عدوه ... ولكنما سب الأمير المبلغ # ووشى واش بعبد الله بن همام السلولي إلى زياد، فقال له: إنه هجاك، فقال: ~~أجمع بينكما، قال: نعم؛ فبعث إلى ابن همام، وأدخل الرجل بيتا، فقال زياد: ~~يا بن همام، بلغني أنك هجوتني، فقال: كلا، أصلحك الله ما فعلت، ولا أنت ~~لذلك بأهل، فأخرج الرجل، وقال: إن هذا أخبرني، فأطرق ابن همام هنيهة، ثم ~~أقبل على ms0461 الرجل فقال: [الطويل] # وأنت امرؤ إما ائتمنتك خاليا ... فخنت، وإما قلت قولا بلا علم # فأنت من الأمر الذي كان بيننا ... بمنزلة بين الخيانة والإثم # فأعجب زياد بجوابه، وأقصى الواشي ولم يقبل منه. # قال الشاعر: [الكامل] # لا تقبلن نميمة من قائل ... وتحفظن من الذي أنباكها # إن الذي أنباك عنه نميمة ... سيدب عنك نميمة قد حاكها # علي بن أبي طالب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن موسى قال: يا رب ~~إني حيث ذهبت لا أنصر ولا أخذل، فأوحى الله إليه: إن في عسكرك غمازا، قال: ~~يا رب دلني عليه، قال: # يا موسى، أبغض الغماز، فكيف أغمز! ». # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أبغضكم إلي المشاءون بالنميمة، ~~المفرقون بين الأحبة، والملتمسون بين البراءة العيب» (¬1). PageV02P043 # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أربعة يؤذنون أهل النار على ما بهم ~~من الأذى»، وذكر رجلا يأكل لحوم الناس، ويمشي بالنميمة (¬1). # *** # فعاهدت الله تعالى مذ ذلك العهد؛ ألا أحاضر نماما من بعد، والزجاج مخصوص ~~بهذه الطباع الذميمة، وبه يضرب المثل في النميمة؛ فقد جرى عليه سيل يميني؛ ~~ولذلكم السبب لم تمتد إليه يميني. [الطويل] # فلا تعذلوني بعد ما قد شرحته ... على أن حرمتم بي اقتطاف القطائف # فقد بان عذري في صنيعي وإنني ... سأرتق فتقي من تليدي وطار في # على أن ما زودتكم من فكاهة ... ألذ من الحلوى لدى كل عارف # *** ### || AUTO [مما قيل في النميمة] # قوله «والزجاج مخصوص بهذه الطباع الذميمة»، قال السري فيما يتعلق بالزجاج ~~من النم: [الطويل] # رأيك تبدي للصديق نوافذا ... عدوك من أمثالها الدهر آمن (¬2) # وتكشف أسرار الأخلاء مازحا ... ويا رب مزح راح وهو ضغائن # سأحفظ ما بيني وبينك صائنا ... عهودك إن العهد للمرء صائن # وألقاك بالبشر الجميل مداهنا ... فلي منك خل ما علمت مداهن # أنم ما استودعته من زجاجة ... يرى الشيء فيها ظاهرا وهو باطن # وقال ابن المعتز: # لحى الله امرأ أعطاك سرا ... فضيعه وفض الله فاه # فإنك كلما استودعت سرا ... أنم من الزجاج بما وعاه # وقال السري: [البسيط] ms0462 # أستودع الله خلا منك أو سعه ... ودا ويوسعني غشا وتمويها (¬3) PageV02P044 # كأن سرى في أحشائه لهب ... فما يطيق له صما حواشيها # قد كان صدرك للأسرار جندلة ... ضنينة بالذي تخفي نواحيها # فعاد من بث ما استودعت جوهرة ... رقيقة تستشف العين ما فيها # وله أيضا: [الوافر] # ثناني عنك ما استشعرت سرا ... خلال فيك لست لها يراض (¬1) # وإنك كلما استودعت سرا ... أنم من النسيم على الرياض # قوله: «وبه جرى المثل في النميمة»، يقال: أنم من الزجاجة على ما فيها، ~~لأنه جوهر لا يكتم ما فيه. ### || AUTO [مما قيل في وصف الذهب والزجاج] # قال الأصبهاني: ما زال البلغاء يتعاطون وصف هذا الجوهر، فعبروا عن مدحه ~~وذمه، فأما ذمه فإن إبراهيم بن سيار النظام أخرجه في كلمتين بأوجز لفظ، ~~وأتم معنى، فقال: سريع الكسر، بطيء الجبر. # وقال في الذهب: الذهب لئيم، لأن الشكل يصير إلى شكله، وهو عند اللئام ~~أكثر منه عند الكرام. # وأما سهل بن هارون، فكان يوما بمجلس أحد الملوك، وشداد الحربي يعدد خصال ~~الذهب، فقال: هو أبقى الجواهر على الدفن، وأصبرها علىالماء، وأقلها نقصا في ~~النار، وهو أوزن من كل ذي وزن، إذا كان في مقدار شخصه، ولو وضعت على ظهر ~~الزئبق في إنائه قيراطا من ذهب، لرسب حتى يضرب قعر الإناء، وسائر الجواهر ~~تطفو فوقه؛ ولو كان الجوهر ذا وزن ثقيل، ورجح عظيم ولا تشد الأسنان ~~المتقلقلة بغيره، ولا يوضع في مكان الأنوف المصطلمة سواه، وميله أجود ~~الأميال، والهند تمره في العين بلا كحل لصلاح طبعه، وعليه مدار التبايع مذ ~~كان التبايع، وهو ثمن لكل شيء، وهو الزرياب (¬2) والصفائح التي تكون في سقف ~~الملوك، والطبخ في قدوره أغذى وأمرأ. # وسئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن الكبريت الأحمر؛ فقال: هو الذهب؛ ~~فأدرك سهل بن هارون من الغيرة والحسد ما دعاه إلى معارضته، فقال يذم الذهب، ~~ويفضل الزجاج: الذهب مخلوق والزجاج مصنوع، وإن فضله الذهب بالصلابة فضله ~~الزجاج بالصفاء، والزجاج أبقى على الدفن، والزجاج نور علوي، والذهب مياع ~~سيال، ولم تتخذ ms0463 الناس آنية للشراب أجمع لما يريدون من الشراب منه، والشراب ~~فيها أحسن منه PageV02P045 # في كل معدن، ولا يفقد معه وجه العديم، ولا يثقل اليد، ولا يرتفع في السوم. # وكان سليمان إذا شرب في إناء كلحت في وجهه مردة الجن، فعلمه الله تعالى ~~صنعة القوارير، فحسم عن نفسه تلك الجراءة. ومن كرع فيه فكأنما كرع في إناء ~~من ماء وهواء ونور، وقد تقدح النار من كسر قنينة الزجاج إذا كان فيها ماء ~~لأن طبع الزجاج والماء، والهواء والشمس واحد، وليس فيما يدور الفلك عليه ~~أقبل لكل صبغ منه وأجدر ألا يفارقه؛ حتى كأن ذلك الصبغ جوهرية فيه. ومتى ~~سقط عليه ضياء أنفذه إلى الجانب الآخر، وأعاره لونه، فإن كان الجام ذا ~~لونين، أراك الوشي أحسن من وشى صنعاء، ومن ديباج تستر وإذا وقع شعاع ~~المصباح على جوهر الزجاج صار المصباح والقنديل مصباحا واحدا، ورد الضياء كل ~~واحد منهما على صاحبه. # واعتبروا ذلك بالشعاع الذي يسقط على المرآة على وجه الماء، أو على ~~الزجاج، ثم انظروا كيف يتضاعف نوره، وإن كان سقوطه على عين إنسان أعشاه ~~وربما أعماه، قال الله تعالى: الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة ~~فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري [النور: 25]، والزيت ~~في الزجاجة نور على نور. قال الله تعالى: إنه صرح ممرد من قوارير [النمل: 44]. # وقال تعالى: وأكواب كانت قواريرا قواريرا من فضة [الإنسان: 15] فاشتق ~~اسما للفضة منها. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحادي بإبله: «يا أنيس ارفق ~~بالقوارير» (¬1)، فاشتق للنساء اسما منه. وقدوره أطيب طعاما من قدور ~~الحجارة، وهي لا تصدأ، وإن اتسخت فالماء وحده لها جلاء، ومتى غسلت عادت جددا. # واسم الذهب يتطير منه، وإن سقط عليك قتلك. ومن لؤمه سرعته إلى بيوت ~~اللئام، وإبطاؤه عن بيوت الكرام؛ وهو من مصائد الشيطان، ولذلك قالوا: أهلك ~~الرجال الأحمران، وهو فتان قتال لمن أصابه. # فلم يبق في المجلس أحدا إلا تحير من ذلك وتعجب من بلاغته وحسن بديهته، ~~واحتجاجه في معارضته من ms0464 غير روية، وأيقن أنه ليس دون اللسان حاجز، وأنه ~~مخراق يذهب في كل فن، فإذا صح العقل صح تقويم اللسان. # قوله «القطائف»، هي ما يجنى من الثمار، يريد بها الحلوى التي حرمهم أكلها ~~والرتق: السد والإغلاق وهو ضد الفتق، ويقال: هو الفاتق الراتق، أي هو مالك ~~لأمر، فهو يفتح ويغلق ويضيق ويوسع. ورتق: ضم وجمع، وامرأة رتقاء: لا يصل ~~إليها PageV02P046 # الرجال. وقوله تعالى: أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ~~ففتقناهما [الأنبياء: 30] أي كانتا سماء واحدة، وأرضا واحدة، فجعلت كلواحدة ~~منهما سبع. وقيل: كانتا معا ففتقناهما بالهواء الذي بينهما وقيل: فتق ~~السماء بالمطر والأرض بالنبات، فقال: سأسد ما خرقته. # قوله: «التليد»، المال القديم. والطريف: المكتسب فكاهة: ملح. # *** # قال الحارث بن همام: فقبلنا اعتذاره، وقبلنا عذاره، وقلنا له: قدما وقذت ~~النميمة خير البشر؛ حتى انتشر عن حمالة الحطب ما انتشر. ثم سألناه عما أحدث ~~جاره القتات، ودخلله المفتات؛ بعد أن راش له نبل السعاية، وجذم حبل الرعاية ~~فقال: أخذ في الاستخذاء والاستكانة، والاستشفاع إلي بذوي المكانة. # *** # عذاره: شعر خده، شبه بالشوكة التي تقع على خد الفرس. وقد عذرت الفرس عذرا ~~وأعذرته بالعذار بمعنى ألجمته، وأعذرت اللجام: جعلت له عذارا، وأنشد ابن ~~رشيق في معذر: [مخلع البسيط] # وأسمر اللون عسجدي ... يكاد يستمطر الجهاما # ضاق بحمل العذار ذرعا ... كالمهر لا يعرف اللجاما # ونكس الرأس إذ رآني ... كآبة واكتسى احتشاما # وظن أن العذار مما ... يزيح عن قلبي الغراما # وما درى أنه نبات ... أنبت في قلبي السقاما # وهل ترى عارضاه إلا ... حمائلا قلدت حساما # قوله: «قدما وقذت»، أي قديما أمرضت وأوجعت. # حمالة الحطب: هي أم جميل بنت حرب عمة معاوية وامرأة أبي لهب، وكانت تمشي ~~بالنميمة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين، وقيل بين زوجها وبين ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل ذلك للماشي بالنميمة، لأن الحطب يهيج ~~النار، والنميمة تهيج الشرر. وقيل: سميت حمالة الحطب لأنها كانت تطرح الشوك ~~للنبي صلى الله عليه وسلم في طريقه، وكانت عوراء وأبو لهب ms0465 أحول. # والقتات: النمام بالكذب والنميمة، وقت يقت قتا: مشى بالنميمة، ونم ينم نما: # ضيع الأحاديث ولم يحفظها، وقيل: النميمة من قولهم: جلود نمت إذا لم تمسك الماء. # والقتات أيضا: المتسمع على من ليس يشعر به، وهو القتات، والنمام والعساس ~~والهمام والغماز والمهينم، والمورش والممأس، وقد مأس يمأس. PageV02P047 # دخلله: خاصته العالم بداخل أمره. المفتات: المستبد برأيه المتسور على ما ~~لا ينبغي له. # راش: جعل لها ريشا. # السعاية: المشي بالنميمة. جذم: قطع الرعاية: حفظ الصداقة. الاستخذاء، ~~الخضوع والاستكانة: الذل. ذوو المكانة: أهل الجاه # *** # وكنت حرجت على نفسي، ألا يسترجعه أنسي، أو يرجع إلي أمسي؛ فلم يكن له مني ~~سوى الرد، والإصرار على الصد، وهو لا يكتئب من النجه، ولا يتئب من وقاحة ~~الوجه، بل يلط بالوسائل، ويلج في المسائل؛ فما أنقذني من إبرامه، ولا أبعد ~~عليه نيل مرامه؛ إلا أبيات نفث بها الصدر الموتور، والخاطر المبتور؛ فإنها ~~كانت مدحرة لشيطانه، ومسجنة له في أوطانه وعند انتشارها بت طلاق الحبور، ~~ودعا بالويل والثبور، ويئس من نشر وصلي المقبور؛ كما يئس الكفار من أصحاب ~~القبور. # *** # حرجت: أثمت وضيقت عليها بيمين أكيده. الإصرار: العزيمة. والصد: الإعراض ~~عنه. يكتئب: يهتم. النجه: الجفاء وتغليظ الكلام. يتئب: يرجع. يلط: يكثر ~~اللزوم بها. ويقال: ألط بالشيء، إذا لزمه. # إيرامه: ثقله. نفث: نطق وتكلم. الموتور: المظلوم. المبتور: المقطوع بالهم. # مدحرة: مدفعة ومبعدة، ودحرت الشيء دحورا ودحرا: أبعدته ودحر هو: بعد. بت: # قطع وأمضى، وجعله بتا وهو ما لا رجعة له فيه. # الحبور: السرور، وحبرته حبرته: سررته الثبور: الهلاك، وثبر الله العدو ثبورا: # أهلكه. يئس: قطع رجاءه. نشر: أحيا. المقبور: المدفون. الكفار: الدافنون ~~للموتى. # *** # فناشدناه أن ينشدنا إياها، وينشقنا رياها، فقال: أجل، خلق الإنسان من ~~عجل، ثم أنشد لا يزويه خجل، ولا يثنيه وجل: [الخفيف] # ونديم محضته صدق ودي ... إذ توهمته صديقا حميما # ثم أوليته قطيعة قال ... حين ألفيته صديقا حميما # خلته قبل أن يجرب إلفا ... ذا ذمام فبان جلفا ذميما PageV02P048 # وتخيرته كليما فأمسى ... منه قلبي بما جناه كليما # *** # ناشدناه: سألناه ms0466 وجعلناه. ينشقنا رياها: يشممنا رائحتها. أجل، حرف جواب ~~بمعنى نعم. # خلق الإنسان من عجل: قال أبو علي: هو على القلب، معناه: خلق العجل من ~~الإنسان، قال الزجاج: ويدل على ذلك قوله تعالى: وكان الإنسان عجولا ~~[الإسراء: # 11] ومثله: وقد بلغني الكبر [آل عمران: 40] أي بلغت الكبر، ومثله: فاختلط ~~به نبات الأرض [الكهف: 45]. # قال الشماخ: [البسيط] # * ليا كما عصب العلباء بالعود* (¬1) # أي العود بالعلباء. # وقال القطامي: [الوافر] # * كما بطنت بالفدن السياعا* (¬2) # أي بطنت بالسياع بالفدن وهو الطين بالتبن، والفدن: القصر. وقال ابن مقبل: # [البسيط]. # * وابتذلت وقع المحاجن بالمهرية الذقن* (¬3) # أي ابتذلت المهرية بوقع المحاجن، ومن جعل العجل الطين، فلا قلب فيه، وأراد: # لم يصبروا عن الآيات لعجلتهم في طلبها. PageV02P049 # وقوله: يزويه، أي يقبضه خجل: حياء، وقد خجل إذا استحيا. يثنيه: يرده. # وجل: خوف. # محضته، أي أخلصته. توهمته: حسبته. والحميم: الخاص من الإخوان، والحميم ~~الثاني: الماء الحار السخن. # والصديد: الدم المختلط بالقيح. أوليته: ألصقت به. القطيعة: البعد قال: مبغض. # إلفا: صاحبا. ذمام: عهد. بان: تبين جلفا: جافيا. ذميما. مذموما. كليما ~~الأول مكلما، والثاني مجروحا. # *** ### || AUTO [مما قيل في الغدر وقلة الوفاء] # وقد أكثر الناس من التشكي بغدر الإخوان وقلة الوفاء منهم على قديم الزمان ~~وحديثه، ونسوق منه ما يليق بهذا الموضع: # قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى لصديق له: هل بلغك شيء تكره ممن لا ~~تعرف؟ قال: لا، قال: فأقلل ممن تعرف. # الجاحظ: قرئ على باب شيخ من أهل الري: جزى الله من لا يعرفنا ولا نعرفه ~~خيرا، كأنه اتقى من ثقاته. # وقال امرؤ القيس بن حجر: [الطويل] # إذا قلت هذا صاحب قد رضيته ... وقرت به العينان بدلت آخرا (¬1) # كذلك جدي، ما أصاحب صاحبا ... من الناس إلا خانني وتغيرا # وقال النابغة: [الطويل] # ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث، أي الرجال المهذب (¬2)! # ولما انحرف ابن الزيات عن إبراهيم بن العباس الصولي، تحاماه الناس أن ~~يلقوه، وكان الحارث بن سنجر صديقا له، فهجره من ذلك، فكتب إليه: [الطويل] # تغير لي فيمن تغير حارث ... وكم ms0467 من خليل غيرته الحوادث (¬3) PageV02P050 # أحارث إن أشركت فيك فطالما ... نعمنا وما بيني وبينك ثالث # وكتب لابن الزيات: [الوافر] # أخي بيني وبين الده ... ر صاحب أينا غلبا (¬1) # صديقي ما استقام فإن ... نبا دهر علي نبا # وثبت على الزمان به ... فعاد به وقد وثبا # ولو عاد الزمان لنا ... لعاد أخا به حدبا # وكتب إليه أيضا: [المتقارب] # وكنت أخي بإخاء الزمان ... فلما نبا صرت حربا عوانا (¬2) # وكنت إليك ألوم الزمان ... فأصبح فيك ألوم الزمانا # وكنت أعدك للنائبات ... فأصبحت أطلب منك الأمانا # وقال أبو فراس: [الطويل] # أقلب طرفي لا أرى غير صاحب ... يميل مع النعماء حيث تميل (¬3) # وصرنا نرى أن المتارك محسن ... وأن خليلا لا يضر خليل # تصفحت أحوال الرجال فلم يكن ... إلى غير شاك في الزمان وصول # أكل خليل هكذا غير منصف ... وكل زمان بالكرام بخيل! # وله أيضا: [الطويل] # إذا الخل لم يهجرك إلا ملالة ... فليس له إلا الفراق عتاب (¬4) # إذا لم أجد في بلدة ما أريده ... فعندي لأخرى عزمة وركاب # بمن يثق الإنسان فيما ينوبه ... ومن أين للحر الكريم صحاب! # وقد صار هدا الناس إلا أقلهم ... ذئابا على أجسادهن ثياب # وقال الخباز البلوي: [الطويل] # ألا إن إخواني الذين عهدتهم ... أفاعي رمال لا تقصر في اللسع # ظننت بهم خيرا فلما بلوتهم ... نزلت بواد منهم غير ذي زرع # ولابن هارون القرطبي: [الكامل] # ذهب الوفاء فلا وفاء يرتجى ... تلقى الصديق من الوفا عريانا PageV02P051 # يعطيك ودا صادقا بلسانه ... ويجن تحت ضلوعه ألوانا # وقال المعري: [الوافر] # فظن بسائر الإخوان شرا ... ولا تأمن على سر فؤادا (¬1) # فلو خبرتهم الجوازئ خبري ... لما طلعت مخافة أن تكادا # تجنبت الأنام فلا أواخي ... وغبت عن الأنام فلا أعادى # ولما أن تجهمني مرادي ... جريت مع الزمان كما أرادا # وهونت الخطوب علي حتى ... كأني صرت أمنحها ودادا # وله أيضا: [البسيط] # والخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر # وكتب المعتصم صاحب المرية إلى ابن عمار: [الطويل] # وزهدني في الناس معرفتي بهم ... وطول اختياري صاحبا بعد صاحب # فلم ترني الأيام خلا تسرني ... مباديه ms0468 إلا ساءني في العواقب # ولا قلت أرجوه لدفع ملمة ... من الدهر إلا كان إحدى المصائب # وقال البحتري: [الكامل] # أما العداة فقد أروك نفوسهم ... فاقصد بسوء ظنونك الإخوانا # وقال أيضا: [المجتث] # أما العدو فيبدي ... ما عنده ويكاشف (¬2) # لكن توق وحاذر ... من الصديق الملاطف # وقال منصور بن إسماعيل التميمي الفقيه: قال ابن رشيق: [المجتث] # لو قيل لي خذ أمانا ... من حادثات الزمان # لما أخذت أمانا ... إلا من الإخوان # وهذا الباب لا يحصى كثرة. [الخفيف] # *** # وتظنيته معينا رحيما ... فتبينته لعينا رجيما # وتراءيته مريدا فجلى ... عنه سبكي له مريدا لئيما # وتوسمت أن يهب نسيما ... فأبى أن يهب إلا سموما PageV02P052 # بت من لسعه الذي أعجز الرا ... قي سليما وبات مني سليما # وهذا نهجه غداة افترقنا ... مستقيما والجسم مني سقيما # لم يكن رائعا خصيا ولكن ... كان بالشر رائعا لي خصيما # قلت لما بلوته: ليته كا ... ن عديما ولم يكن لي نديما # بغض الصبح حين نم إلى قل ... بي لأن الصباح يلفى نموما # ودعاني إلى هوى الليل إذ كا ... ن سواد الدجى رقيبا كتوما # وكفى من يشي ولو فاه بالصد ... ق أثاما فيما أتاه ولوما # *** # قوله: «تظنيته» أي حسبته، وأبدل من إحدى نونيه ياء. # لعينا: رجيما: شيطانا مبعدا مرجوما بالنجوم، وقيل: الرجيم: المرجوم أي ~~المشتوم المسبوب، من قوله سبحانه وتعالى: لئن لم تنته لأرجمنك [مريم: 46]، ~~أي لأسبنك وقيل: الرجيم الملعون، وهو مذهب أهل التفسير، فمعنى اللعين ~~والرجيم واحد. # تراءيته: ظننته، من تراءى لي الشيء: ظهر بعض الظهور. مريدا: محبا. جلى: # كشف. سبكي: تجربي. مريدا: كثير الشر. خبيثا. لئيما: وضيع القدر خسيس الهمة. # توسمت: ظننت، وتوسمت فيه الخير، أي رأيت فيه سمته، أي علامته والنسيم: # الريح اللينة. والسموم: الحارة. لسعه: ضره. سليم: الأول ملدوغ والثاني سالم: # ورائع: الأول حسن المنظر، والثاني مفزع. بلوته: جربته عديما غير موجود. يلفى: # يوجد. هوى. حب. رقيبا: حافظا. يشي: ينم. فاه: نطق. # قوله: بغض الصبح، وهو من المثل: الليل أخفى للويل، وقالوا: أنم من الصبح، ~~لأنه يهتك حجاب الظلام. وقال بعض الحكماء لابنه: ms0469 اجعل نظرك في العلم ليلا ~~لأن القلب في النهار كالطائر، وهو في الليل ساكن، فما ألقيت فيه من شيء وعاه. ### || AUTO [مما قيل في الليل] # فأما أكثر الشعراء فهم إلى الليل أفزع، ومن النهار أنزع، لأن الليل أجمع ~~لشتات الهموم والفكر، وأجلب لشوارد الأحزان والذكر. # قال امرؤ القيس: [الطويل] # وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي (¬1) PageV02P053 # وقال النابعة: [الطويل] # وصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب (¬1) # وقال قيس بن ذريح: [الطويل] # نهاري نهار الناس حتى إذا بدا ... لي الليل هزتني إليك المضاجع (¬2) # وقال الطرماح بن حكيم: [الطويل] # ألا أيها الليل الطويل ألا أصبح ... بصبح، وما الإصباح فيك بأروح (¬3) # بلى إن للعينين في الصبح راحة ... لطرحهما طرفيهما كل مطرح # وقال ابن المعتز: [البسيط] # لا تلق إلا بليل من تواصله ... فالشمس نمامة والليل قواد (¬4) # كم عاشق وظلام الليل يستره ... لاقى الأحبة والواشون رقاد # وقال المتنبي وأجاد: [الطويل] # كم زورة لك في الأعراب خافية ... أدهى وقد رقدوا من زورة الذئب (¬5) # أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي # وهذا البيت أمير شعره على كثرة الجيد فيه. والبديع فيه أنه قابل الشطر ~~الأول بالثاني حرفا بحرف، فقابل «أزورهم» بقوله: «أنثني»، و «سواد الليل» ~~ببياض الصبح، «ويشفع لي» ب «يغري بي». # وحكى ابن جني قال: حدثني المتبني وقت القراءة قال قال لي ابن خزابة وزير ~~كافوز: أعلمت أني أحضرت كتبي كلها، وجماعة من أهل الأدب يطلبون من أين أخذت ~~هذا المعنى، فلم يظفروا به! وكان أكثر من رأيت كتبا. PageV02P054 # قال ابن جني: ثم إني عثرت على الموضع الذي أخذ منه، فوجدته لابن المعتز ~~مصراعا بلفظ [لين] صغير [جدا] جرى فيه معنى بيت المتنبي كله على جزالة لفظه ~~وحسن تقسيمه وهو: [البسيط] # * فالشمس نمامة والليل قواد* # قال: الثعالبي إما أن يكون ألم به فحسنه وزينه، فصار أولى به، أو عثر على ~~الموضع الذي عثر عليه ابن المعتز فأربى عليه في جودة أخذه، وأن يكون قد ~~افترع المعنى وابتدعه، ms0470 فلله دره! وناهيك بشرف لفظه وبراعة نسجه! # قال: ولبعض أهل العصر بيت يجمع خمس مطابقات ولا يستقل إلا بإنشاد بيتين ~~قبله وهو: [الطويل] # عذيري من الأيام مدت صروفها ... إلى وجه من أهوى يد المسخ والمحو # وأبدت برأسي طالعات أرى بها ... سهام أبي يحيى مسددة نحوي # فذاك سواد الخط ينهى عن الهوى ... وهذا بياض الوخط يأمر بالصحو # وقال ابن رشيق: [الخفيف] # أيها الليل طر بغير جناح ... ليس للعين راحة في الصباح # كيف لا أبغض الصباح وفيه ... بان عني أولو الوجوه الصباح # وقال المتنبي: [الطويل] # وكم لظلام الليل عندك من يد ... تخبر أن المانوية تكذب (¬1) # وقاك أذى الأعداء تسري إليهم ... وزارك فيه ذو الدلال المحجب # المانوية هم الثنوية، وهم الذين يقولون: إن الخير كله من النور، والشر ~~كله من الظلام، فكذبهم بأن وجد الخبر في الظلام حيث ستره من أعدائه، ووقاه ~~شرهم، وكان عونا على زيارة حبه، ووجد الضد في النور، وهذا كله يجري في نمط ~~بيت الحريري. # *** # قال: فلما سمع رب البيت قريضه وسجعه، واستملح تقريظه وسبعه، بوأه مهاد ~~كرامته، وصدره على تكرمته. ثم استحضر عشر صحاف من الغرب، فيها حلواء القند ~~والضرب؛ وقال له: # لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، ولا يسع أن يجعل البريء كذي PageV02P055 # الظنة، وهذه الآنية تتنزل منزلة الأبرار، في صون الأسرار، فلا تولها ~~الإبعاد، ولا تلحق هودا بعاد. # *** # قوله: «قريضة» أي شعره، وتقدم السجع. # تقريظه وسبعه: المدح والذم، ويقال: سبعه يسبعه، إذا رماه بقبيح، من قولهم: # سبعت الذئب إذا رميته، وقيل: معنى سبعت قلت له قولا غمه وذعر منه، ويقال: ~~سبعت الوحش: ذعرتها، والأسد أفزعته. # بوأه: أنزله، مهاد: فراش. صدره: قدمه وأجلسه في صدر وسادته. # التكرمة: الوسادة وما يجلس الضيف المكرم عليه ودخل عمر على سلمان رضي ~~الله عنهما فألقى له وسادة. فقال: ما هذا يا أبا عبد الله؟ قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقوله: «ما من امرئ مسلم يدخل عليه أخوه المسلم، ~~فيلقي إليه وسادة إكراما له وإعظاما، إلا غفر الله تعالى ms0471 له». # قوله: «استحضر»: أمر بإحضارها. الغرب: نوع من الخشب كريم. القند: عصارة ~~قصب السكر. والضرب: العسل الأبيض. # الظنة: التهمة، أراد بالبريء آنية الغرب، وبالمتهم جام الزجاج. # والأبرار: الأخيار. صون: حفظ. تولها: تلصق بها. # عاد: قوم هود، وأراد: لا تساو بين هود وهو مؤمن، وبين قومه وهم كفار، فهم ~~أضداد كالبريء والمتهم فقد خرج من نوعهم، وإن كانت جنسية الآدمية والقرابة ~~تجمعهم، وكذلك الزجاج والغرب يجتمعان في الآنية والوعاء، ويختلفان في ~~الاحتواء على ما فيهما من الإخفاء والإظهار. # *** ### || AUTO [هود عليه السلام وقومه] # وهو هود بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وعاد هو ابن عوص بن ~~إرم بن سام بن نوح، وكانوا أهل أوثان ثلاثة يعبدونها من دون الله، وكانوا ~~ثلاث عشرة قبيلة باليمن، فدعاهم هود إلى عبادة الله تعالى، فكذبوه وعصوه، ~~وكانوا جبابرة أقوياء، طول الرجل منهم مائة ذراع، وطول أقصرهم ستون ذراعا، ~~قال الله تعالى: وزادكم في الخلق بصطة [الأعراف: 69]. أي عظما وطولا وقوة ~~وشدة، وعظهم هود عليه الصلاة والسلام، وقال لهم: أتبنون بكل ريع آية تعبثون ~~[الشعراء: 28] الآية، فكان جوابهم أن قالوا: من أشد منا قوة [فصلت: 65]، ~~وقالوا: سواء علينا أوعظت أم لم PageV02P056 # تكن من الواعظين [الشعراء: 136]. وقالوا: يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن ~~بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين [هود: 53] الآيات، واستكبروا ولم ~~يؤمنوا، فحبس عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا. # فأوفدوا وفدا يستسقون لهم، فبعثوا قيل بن عنز، ونعيم بن هزال، ومرثد بن ~~سعد، وكنيته أبو سعد، وجلهمة بن الخبيري، ولقمان بن عاد، ومع كل رجل منهم ~~رهط من قومه، فلما قربوا من مكة نزلوا على معاوية بن بكر العقيلي- وكانوا ~~أخوالا له وصهراء- فأنزلهم وأكرمهم شهرا، يشربون الخمر وتغنيهم قينتان له ~~يقال لهما: # الجرادتان. فلما رأى معاوية طول مقامهم عنده؛ وقد بعثهم قومهم للبلاء ~~الذي نزل بهم شق عليه ذلك، وقال: هلك أصهاري وأخوالي، والله ما أدري ما ~~أصنع بهم! وإني أستحي أن آمر بالخروج من عندي فيظنون أنه ضاق ms0472 بي مقامهم ~~عندي، فقال شعرا وأعطاه للجرادتين فغنتاهم به، وهو: [الوافر] # ألا يا قيل ويحك قم فهيم ... لعل الله يصبحنا غماما (¬1) # فيسقي أرض عاد إن عادا ... قد امسوا لا يبينون الكلاما # وإن الوحش تأتيهم جهارا ... فلا تخشى لعاديهم سهاما # وأنتم هاهنا فيم اشتهيتم ... نهاركم وليلكم التماما # فقبح وفدكم من وفد قوم ... ولا لقوا التحية والسلاما # فقال بعضهم لبعض: إنما بعثكم قومكم لما نزل بهم، فادخلوا الحرم. ~~فاستسقوا، فقال مرثد بن سعد: والله لا تسقون حتى تطيعوا نبيكم، فقال له ~~جهلمة: [الوافر] # أبا سعد وإنك من قبيل ... ذوي كرم وإنك من ثمود # أتأمرنا لنترك دين رفد ... وزمل آل صد والوفود # ونترك دين آباء كرام ... ذوي رأي ونتبع دين هود! # فإنا لا نطيعك ما بقينا ... ولسنا فاعلين لما تريد # ثم قال لمعاوية: امسك مرثدا عنا، لا يدخلن مكة معنا وهو على دين هود. # فدخلوا مكة، وخرج مرثد، فأدركهم قبل أن يدعوا، فقال: اللهم لا تدخلني في ~~شيء مما يدعوك به وفد عاد. # وقيل: قال: اللهم إن كان هود صادقا فاسقنا، فقد هلكنا، فأنشأ الله سحائب ثلاثا: # بيضاء، وحمراء وسوداء، ونودي من السحائب: يا قيل، اختر لنفسك ولقومك، قال: # لقد اخترت السحابة بالسوداء، لأنها أكثر السحاب ماء فنودي: اخترت رمادا ~~رمددا، لا PageV02P057 # يبقي من عاد أحدا، فساق الله سبحانه وتعالى السحابة السوداء إلى عاد ~~فاستبشروا، وقالوا: هذا عارض ممطرنا، فسخرت عليهم سبع ليال ريح صرصر، فلم ~~تدع منهم أحدا إلا هلك. # ولما خرجت الريح عليهم، قال سبعة منهم: تعالوا نقف على شفير الوادي ~~فثردها، فجعلت الريح تأخذ الواحد منهم فترميه حتى يدق عنقه، فتركتهم كما ~~قال الله تعالى: # كأنهم أعجاز نخل خاوية [الحاقة: 7]. واعتزل هود ومن معه من المؤمنين في ~~حظيرة، ما يصيبهم منها إلا نسيم يلين البشرة، وتلذه الأنفس، وإنها لتمر من ~~عاد بالظعن بين السماء والأرض. # ورجع وفد عاد، فنزلوا على معاوية، فأتاهم راكب على ناقة في الليلة ~~الثالثة من مصابهم، فأخبرهم الخبر، فقالوا: وأين فارقت هود؟ فقال: بساحل ~~البحر، وخيروا ms0473 حين دعوا بمكة لأنفسهم، فقال لقمان: يا رب أعطني عمرا، فعمره ~~الله عمر سبعة أنسر، يأخذ الفرخ إذا خرج من بيضته فيغذيه حتى يموت، ثم يأخذ ~~آخر حتى بقي السابع، فقال له ابن أخيه: ما بقي من عمرك؟ قال: عمر هذا ~~النسر، وهو لبد- ولبد بلسانهم- الدهر. # فلما لم يستطع لبد النهوض مع النسور، أيقن لقمان بالموت، فماتا جميعا. # واختار قبل أن يصيبه ما أصاب قومه، فاقتلعته الريح فقتلته. # وقال مرثد: يا رب أعطني برا وصدقا وعمر هود، فعمر مائة وخمسين سنة. # *** # ثم أمر خادمه بنقلها إلى مثواه، ليحكم فيها بما يهواه. # فأقبل علينا أبو زيد، وقال: اقرءوا سورة الفتح، وأبشروا باندمال القرح؛ ~~فقد جبر الله ثكلكم، وسنى أكلكم، وجمع في ظل الحلواء شملكم، وعسى أن تكرهوا ~~شيئا وهو خير لكم. # ولما هم بالانصراف، مال إلى استهداء الصحاف، فقال للآدب: إن من دلائل ~~الظرف، سماحة المهدي بالظرف، فقال: كلاهما لك والغلام، فاحذف الكلام، وانهض ~~بسلام. فوثب في الجواب، وشكر شكر الروض للسحاب. # *** # قوله: «مثواه»، أي منزله. وقال: اقرءوا سورة الفتح، أي لأن الله سبحانه ~~وتعالى قد فتح عليكم. اندمال القرح: الجرح. جبر: أصلح. ثكلكم: حزنكم على ~~فقدكم الحلواء بسببي، والحلواء: كل طعام عولج بحلاوة، وتمد وتقصر. شملكم: ~~عددكم المفترق. وفي معنى الآية قال بعضهم: [الكامل] PageV02P058 # لا تكره المكروه عند نزوله ... إن المكاره لم تزل متباينه # كم من يد لا تستقل بشكرها ... لله في طي المكاره كامنه # الآدب: صاحب العرس. # الظرف: جودة الرأي. الأصمعي وابن الأعرابي: الظريف: البليغ الجيد الكلام، ~~وقالا: الظرف في اللسان، واحتجا بقول عمر رضي الله عنه أنه إذا كان الرجل ~~ظريفا لم يقطع، أي إذا كان بليغا احتج عن نفسه بما يسقط عنه الحد، قال ~~الكسائي رحمه الله تعالى وفي الوجه، يقال لسان ظريف ووجه ظريف. غيره: ~~الظريف الحسن الوجه والهيئة. # المهدي: مرسل الهدية، والظرف: الوعاء. احذف: اقطع بعضه. انهض: تقدم. # وثب: بالغ وعجل جوابه. الروض: موضع العشب والأنوار. # *** # ثم اقتادنا أبو زيد إلى حوائه، وحكمنا في حلوائه، وجعل ms0474 يقلب الأواني ~~بيده، ويفض عددها على عدده، ثم قال: لست أدري أأشكو ذلك النمام أم أشكر، ~~وأتناسى فعلته التي فعلها أم أذكر، فإنه وإن كان أسلف الجريمة، ونمنم ~~النميمة، فمن غيمه انهلت هذه الديمة، وبسيفه انحازت لي هذه الغنيمة. وقد ~~خطر ببالي، أن أرجع إلى أشبالي، وأقنع بما تسنى لي، وألا أتعب نفسي ولا ~~أجمالي، وأنا أودعكم وداع محافظ، واستودعكم خبر حافظ. # ثم استوى على راحلته، راجعا في حافرته، ولاويا إلى زافرته. # فغادرنا بعد أن وخدت عنسه، وزايلنا أنسه، كدست غاب عنه صدره، أو ليل أفل بدره. # *** # حواؤه: موضعه، والحواء: أخبية قريب بعضها من بعض، ويفض: يفرق. وأسلف ~~الجريمة: قدم الذنب. نمنم: زين، والنمنمة: النقش. غيمة: سحابة. انهلت: سالت. # الديمة: العطية هنا، وانظر معنى هذا الشك الطارئ عليه في السابعة ~~والعشرين في قوله: # [الرمل] # * يا أخي الحامل ضيمي* # محافظ: راع للمودة. أستودعكم: أترككم وديعة في يده. خير حافظ: هو الله ~~سبحانه وتعالى يشير لقوله تعالى: فالله خير حافظا [يوسف: 64]. استوى عليها، ~~أي PageV02P059 # ركبها، وقال في الدرة: الراحلة تقع على الجمل والناقة، والهاء فيها ~~للمبالغة. كالتي في داهية وراوية، وسميت راحلة لأنها ترحل، أي يشد عليها ~~الرحل، فهي فاعلة بمعنى مفعولة، كما جاء في التنزيل: عيشة راضية [الحاقة: ~~21]، بمعنى مرضية، ولا عاصم اليوم من أمر الله [هود: 43]، أي لا معصوم، ومن ~~ماء دافق [الطارق: 6] أي مدفوق، وحرما آمنا [القصص: 57] أي مأمونا، كما جاء ~~مفعول بمعنى فاعل في قوله تعالى: حجابا مستورا [الإسراء: 45] أي ساترا، كان ~~وعده مأتيا [مريم: 51]، أي آتيا. # في حافرته: في الطريق الذي جاء منه. لاويا: عاطفا. زافرته: قرابته. وخدت: # أسرعت. عنسه: ناقته الصلبة، ومنه عنست المرأة، إذا طال مكثها لا تتزوج. ~~زايلنا: # فارقنا. دست: مجلس. صدره: أعيانه. أفل: غاب. PageV02P060 ### | AUTO المقامة التاسعة عشرة وهي النصيبية # روى الحارث بن همام، قال: أمحل العراق ذات العويم، لإخلاف أنواء الغيم، ~~وتحدث الركبان بريف نصيبين، وبلهنية أهلها المخصبين. # *** # أمحل: أجدب، أي لم ينزل فيه مطر. إخلاف الأنواء، يريد النجوم التي من ~~عادتها ms0475 أن تطلع بالمطر، وأخلفت: لم تجئ بمطر. الركبان: أهل الأسفار. ريف: خصب. # *** ### || AUTO [مدينة نصيبين] # نصيبين مدينة ديار ربيعة العظمى، وهي مطلة على جبل الجودي الذي استوت ~~سفينة سيدنا نوح عليه الصلاة والسلام عليه، وهو جبل عال مستطيل. # أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «زويت لي ~~الأرض، فرأيت مدينة أعجبتني، فقلت: يا جبريل، أي مدينة هذه؟ قال: نصيبين، ~~فقلت: اللهم عجل فتحها». # قال اليعقوبي: هي مدينة عظيمة كثير الأنهار والجنات والبساتين، ولها نهر ~~عظيم يقال له الهرماس، عليه قناطر حجارة قديمة رومية، وأهلها قوم من ربيعة ~~من بني تغلب، افتتحها غنم بن عياض في خلافة عمر رضي الله عنهما سنة ثمان عشرة. # قال شيخنا ابن جبير: مدينة نصيبين شهيرة العتاقة والقدم، ظاهرها شباب، ~~وباطنها هرم، جميلة المنظر، متوسطة بين الكبر والصغر، أمامها وخلفها بسيط ~~أخضر مد البصر، قد أجرى الله فيه مذانب من الماء تسقيه، وتطرد في نواحيه، ~~وتحف بها عن يمين وشمال بساتين ملتفة الأشجار، يانعة الثمار. وينساب بين ~~يديها نهر قد انعطف عليها انعطاف السوار، والحدائق، تنتظم حافتيه، وتفيء ~~ظلالها الوارفة عليه، فرحم الله أبا نواس حيث يقول: [البسيط] # طابت نصيبين لي يوما فطبت لها ... ليت حظي من الدنيا نصيبين # فخارجها رياضي الشمائل، أندلسي الخمائل، برق نضارة وغضارة، ويأتلق عليه ~~رونق الحضارة. وداخلها شعث البادية بادية عليه، فلا مطمح للبصر إليه، لا ~~تجد العين PageV02P061 # فيه فسحة مجال، ولا مسحة جمال. وهذا النهر ينساب إليها من عين معينة، ~~منبعها بجبل قريب منها، تنقسم منها مذانب تخترق بسائطها وعمائرها، ويتخلل ~~البلد منها جزء يفترق على شوارعها، ويلج في بعض ديارها، ويخترق جامعها منه ~~ميزاب ينصب في صهريجين، أحدهما وسط الصحن، والآخر عند الباب الشرقي، ويفضي ~~إلى سقايتين حول الجامع. وعلى النهر جسر معقود من صم الحجارة، متصل بباب ~~المدينة القبلي، وفيها مدرستان ومارستان واحد. # *** # قوله: وبلهنية أهلها المخصين، البلهنية: رخاء العيش. ### || AUTO [مما قيل في وصف الرياض شعرا] # ونريد أن نصل ما نذكره ms0476 من خصب نصيبين بأشعار مستحسنة في أوصاف الرياض تقع ~~كالصفة لها، قال إبراهيم بن العباس الكاتب: [المتقارب] # تأمل سماء أظلت علي ... ك فيها مصابيحها تزهر # وأرضا تقابلها بالعرو ... س والمرج بينهما جعفر # ومسحب نور غداة بالربي ... ع أنفاسه المسك والعنبر # خلال شقائقه أصفر ... وأضعاف أصفره أحمر # والماء مطرد بينها ... يضيق بآذيه المصدر # وللناطقات بأكنافه ... دواعي اشتياق ومستعبر # يشارفه البر من جانب ... ومن جانب بحره الأخضر # مجال وحوش ومرسى سفين ... فيا عذب لهو ويا منظر # ويا حسن دنيا ويا عز ملك ... يسوسهم الملك الأكبر # إمام به أمر الآمرو ... ن بالعرف واستنكر المنكر # وأنشد السيرافي: [الطويل] # ومجلس فتيان إلى جنب حافة ... بقطر بل بين الرياض الحدائق # تناصي ميادينا له أحدقت به ... مواخرها موصولة بالجواسق # وحف بريحان وكرم معرش ... ونهر وأشجار ونخل بواسق # وورد ونسرين وآس وسوسن ... أفاطيره محفوفة بالشقائق # تزخرف بالنوار حتى كأنما ... به جنة محفوفة بالنمارق # وقال كشاجم: [البسيط] # وروضة صنف النوار جوهره ... فيها فما شئت من حسن ومن طيب PageV02P062 # كأن ما تجتنيه من زخارفها ... أخلاق مستحسن الأخلاق محبوب # ما انفك للعين فيها أعين ذرف ... تبكي بدمع من الأنواء مسكوب # حتى كأن أفانين النبات بها ... على الميادين ألوان اليعاسيب # كان غدرانها بالروض محدقة ... تحبير ثوب من الموشي منصوب # ولتميم بن المعتز: [الطويل] # وقاذفة بالماء في وسط بركة ... قد التحفت لحاف في الظل سجسجا # إذا اقذفت بالماء سلته منصلا ... وعاد عليها ذلك النصل هودجا # تحاول إدراك النجوم بقذفها ... كأن لها قلبا على الجو محرجا # لدى روضة جاد السحاب ربوعها ... فزخرفها بين الرياض ودبجا # على نرجس غض يلاحظ سوسنا ... وآس ربيعي يناغي بنفسجا # كأن غصون الأقحوان زمرد ... تعمم بالكافور ثم تتوجا # ونوار نسرين كأن نسيمه ... من المسك في جو السماء تأرجا # قال أبو البحتري: تعرضت لأبي فحمة- وكان مجنونا ببغداد- له بديهة حسنة، ~~فقلت له: كيف أنت يا أبا فحمة؟ فأنشأ يقول: [الكامل] # أصبحت منك على شفا جرف ... متعرضا لموارد التلف # وأراك نحوي غير ملتفت ... متحرفا عن غير منحرف # يا من أطال بهجره كلفي ... أسفي ms0477 عليك أشد من كلفي # فأخرجت قبضة نرجس من كمي، فأخذها وشمها مليا، وأنشأ يقول: # لما تزوجت الجنوب بهاطل ... حون هتون زبرج دلاح # أضحى يلقحها بوسمي الصبا ... فاستثقلت حملا بغير نكاح # حتى إذا حان المخاض تفجرت ... فأتت بولدان بلا أرواح # حاك الربيع لها ثيابا وشيت ... بيد الندى وأنامل الأرواح # من أصفر في أزهر قد زانه ... تبر على ورق من الأوضاح # ركبن في عقد الزبرجد فاغتدى ... نحو الغزالة ناظرا بملاح # *** ### || AUTO [فصل أشعار المجانين] # ويتصل بهذه الحكاية فصل في ذكر ما يستحسن من أشعار المجانين، فإن أبا ~~محمد ذكر في هذه المقامة المصابين، وذكر المجانين في غيرها، لئلا يخل بما ~~شرطنا. قال PageV02P063 # بعض الأدباء: كان رجل من أهل الأدب، قد ذهب عقله بالمحبة، [وخلفه دابة ~~تدور معه، فاستوقفته] وقلت له: يا أبا فلان، ما حالك، وأين النعمة؟ قال: ~~تغير قلبي بالحب فتغيرت النعمة، ثم بكى وأنشأ يقول: [البسيط] # أرى التجمل شيئا لست أحسنه ... وكيف أخفى الهوى والدمع يعلنه # أم كيف صبر محب قلبه دنف ... الشوق ينحله والهجر يحزنه # وإنه حين لا وصل يساعفه ... يهوى السلو، ولكن ليس يمكنه # وكيف ينسى الهوى من أنت فتنته ... وفترة اللحظ من عينيك تفتنه # فقلت: أحسنت والله، فقال: قف قليلا، فو الله لأطرحن في أذنيك أدبا أثفل ~~من الرصاص، وأخف على الفؤاد من ريش النعام، فوقفت، فأنشد: [البسيط] # للحب نار على قلبي مضرمة ... لم تبلغ النار منها عشر معشار # الماء ينبع منها في محاجرنا ... يا للرجال لماء فاض من نار! # وأنشد أيضا: [المتقارب] # أعاد الصدود فأحيا الغليلا ... وأبدى الجفاء فصبرا جميلا # وأحسب نفسي على ما ترى ... ستلقى من المهجر غما طويلا # وأحسب قلبي على ما بدا ... سيذهب مني قليلا قليلا # قال الحسن بن هانئ: رأيت مانيا الموسوس فأنشدني: [الخفيف] # شعر حي أتاك من لفظ ميت ... صار بين الحياة والموت وقفا # قد برت جسمه الحوادث حتى ... كاد عن أعين البرية يخفى # لو تأملتني لتبصر شخصي ... لم تبين من المحاسن حرفا # ثم أتيت جعيفران الموسوس، وهو شيخ كبير من ms0478 بني هاشم، عليه قطيفة، وفي ~~عنقه غل من ذهب، فقال: من أين جئت يا حسن؟ فقلت: من بيت مانوية: فقال: في ~~حر أم مانوية! وقال لي اكتب: [البسيط] # ما غرد الديك ليلا في تنبهه ... إلا حثثت إليك السير مجهودا # ولا هدت كل عين لذ راقدها ... بنومة في لذيذ العيش ممهودا # إلا امتطيت الدجى شوقا إليك ولو ... أصبحت في حلق الأقياد مصفودا # أسعى مخاطرة بالنفس يا أملي ... والليل مدرع أثوابه السودا # فلم ترق ولم ترث لذي دنف ... زودته حرقات القلب تزويدا # هيهات لا غدر في جن ولا بشر ... من الخلائق إلا فيك موجودا PageV02P064 # ثم قال لي: خرق رقعة مانوية، فخرقنها، ثم مضيت فلقيت عرددا المصاب، وحوله ~~الصبيان، وهو يلطم وجهه، ويقول: يا أيها الناس، الفراق مر المذاق، فقلت: يا ~~أبا محمد، من أين أقبلت؟ فقال شيعت الحاج إذ كان لي فيهم سكن، وقلت في ذلك: # [الطويل] # هم ارحلوا يوم الخميس غدية ... وودعتهم لما استقلوا وودعوا # فلما تولوا ولت النفس معهم ... فقلت: ارجعي قالت: إلى أين أرجع؟ # إلى جسد ما فيه لحم ولا دم ... وما هو إلا أعظم تتقعقع # وعينان قد أعماهما الحزن والبكا ... وأذن عصت عذالها ليس تسمع # وجعيفران من مجانين الكوفة، أعطاه رجل درهما، وقال له: قل شعرا على قافية ~~الجيم، فقال بديها: [مجزوء الخفيف] # عادني الهم فاعتلج ... كل هم إلى فرج # سل عنك الهموم بال ... كأس والراح تنفرج # وهو القائل: [المجتث] # ما جعفر لأبيه ... ولا له بشبيه # أضحى لقوم كثير ... فكلهم يدعيه # هذا يقول بنيي ... وذا يخاصم فيه # والأم تضحك منهم ... لعلمها بأبيه # وقال ماني: [البسيط] # من الظباء ظباء عمها السحب ... وحليها الدر والياقوت والذهب # يا حسن ما سرقت عيني وما انتهبت ... والعين تسرق أحيانا، وتنتهب # إذا يد سرقت فالحد يقطعها ... والحد في سرق العين لا يجب # وله أيضا: [الطويل] # له وجنات في بياض وحمرة ... فحافاتها بيض وأوساطها حمر # رقاق يجول الماء فيها كأنها ... زجاج أجيلت في جوانبها الخمر # وأشعار المجانين في هذا الباب أكثر من أن تحصى. # *** # فاقتعدت ms0479 مهريا، واعتقلت سمهريا، وسرت تلفظني أرض إلى أرض، ويجذبني رفع من ~~خفض، حتى بلغتها نقضا على نقض. فلما أنخت بمغناها PageV02P065 # الخصيب، وضربت في مرعاها بنصيب، نويت أن ألقي بها جراني، وأتخذ أهلها ~~جيراني، إلى أن تحيا السنة الجماد، وتتعهد أرض قومي العهاد، فو الله ما ~~تمضمضت مقلتي بنومها، ولا تمخضت ليلتي عن يومها، دون أن ألفيت أبا زيد ~~السروجي يجول في أرجاء نصيبين، ويخبط بها خبط المصابين والمصيبين، وهو ينثر ~~من فيه الدرر، ويحتلب بكفيه الدرر. فوجدت بها جهادي قد حاز مغنما، وقدحي ~~الفذ قد صار توأما، ولم أزل أتبع ظله أينما انبعث، وألتقط لفظه كلما نفت، ~~إلى أن عراه مرض امتد مداه، وعرقته مداه، حتى كاد يسلبه المحيا، ويسلمه إلى ~~أبي يحيى. # *** # قوله: «اقتعدت مهريا»، أي ركبت بعيرا منسوبا إلى مهرة، قبيلة من قضاعة، ~~إبلهم أنجب الإبل، زعموا أنه كان يلقحها الوحش، وهي إبل متوحشة صغار بيض، ~~تكون بين عمان والشحر، وتزعم العرب إنها إبل الجن لسرعتها، فبقيت أنسالها ~~في بني مهرة. قال أبو عبيدة: المهرية من الإبل تسير أربعمائة ميل كل يوم، ~~ثم نسبت العرب إلى مهرة كل بعير نجيب. # اعتقلت: حبست، والاعتقال: أن تحبس الرمح بين ركابك وساقك تلفظني: # ترميني. رفع: مرتفع: خفض: منخفض. يجذبني: يسوقني لنفسه. نقضا على نقض: # هزيل على هزيل؛ وأخذ هذا اللفظ من قول أبي الشيص يصف شدة السير: [الكامل] # أكل الوجيف لحومهم ولحومها ... فأتوك أنقاضا على أنقاض # ولقد أتتك على الزمان سواخطا ... فرجعن عنك وهن عنه رواضي # وقال حبيب في معناه: [الطويل] # وركب يساقون الركاب زجاجة ... من السير لم تقصد لها كف قاطب (¬1) # وقد أكلوا منها الغوارب بالسرى ... وصارت لها أشباحهم كالغوارب # ولحبيب أيضا: [الطويل] # وركب كأمثال الأسنة عرسوا ... على مثلها والليل تسطو كواكبه (¬2) # على كل رواد الملاط تهدمت ... عريكته العلياء وانضم جانبه # رعته الفيافي بعد ما كان حقبة ... رعاها، وماء المزن ينهل ساكبه PageV02P066 # فكم جزع واد جب ذروة غارب ... وبالأمس كانت أتمكته مذائبه # قوله: «أنخت» بركت. مغناها: موضع سكناها. نويت: قصدت. ms0480 جراني صدري، ~~والجران: باطن عنق البعير، يقول: لما أخذ نصيبا في مرعاها، أضمر أن يقيم ~~بها ريثما يأتي أرضه المطر. الجماد: التي لا مطر فيها. تتعهد: تتفقد وتزور. ~~العهاد. كثرة المطر. # وتمضمضت العين بالنوم، إذا خالطها ودب فيها، وتمخضت المرأة: أضر بها وجع ~~الولادة، وتقول: تمخضت المرأة عن زوجها إذا حملت بالولد عنه، وتمخضت بولدها ~~إذا تحركت به ودنت ولادتها، وإذا استعير هذا المعنى لليلة صار تمخضها عن ~~اليوم السابق لها، كأن اليوم ألقي في الليلة ما كان فيه من الحيوان فتحركت ~~به؛ فيريد أنه لم ينقص يومي الذي وردت فيه نصيبين حتى وجدت فيه أبا زيد قبل ~~أن أدخل في ليلتي، ولأجل هذا قال قبل هذا: تمخضت مقلتي بنومها، أراد أنه ~~لقيه قبل الليلة التي ينام فيها، ولو قال: تمخضت بيومها للزم أن يكون اليوم ~~الذي يأتي بعدها، كأنها كانت تحمله فتلده إذا طلع صبحه من حيث إنه متصل ~~بها، ولو جعلت «عن» بمعنى الباء لانقلب إلى هذا المعنى، وإنما دل الكلام ~~على صحة المعنى الأول، وأصله المخض بالتحريك، ومنه: # مخضت اللبن مخضا، حركته لإخراج زبده، ومخضت المرأة وتمخضت: تحرك ولدها ~~ليخرج، ثم يستعار ذلك للأيام وغيرها، فأما استعارة حمل الولد فكقول عمرو بن ~~حسان في النعمان: [الوافر] # أجدك هل رأيت أبا قبيس ... أطال بقاءه النعم الركام (¬1) # تمخضت المنون له بيوم ... أتى، ولكل حاملة تمام # النعم الركام: الإبل الكثيرة، وصفر قابوس، تصغير الترخيم، وجعل المنية ~~حاملا باليوم الذي هلك فيه وجعل اليوم ولدها على جهة الاستعارة، وقال حبيب ~~في معناه: # [البسيط] # حتى إذا مخض الله السنين لها ... مخض الحليبة كانت زبدة الحقب (¬2) # فهذه استعارة من مخض اللبن، أراد أن السنين تحركت لهذه البلدة، أي كانت ~~تمر عليها فلا تنالها بمكروه حتى وجدها المسلمون كالزبدة في حسنها ولذتها ~~فأكلوها باستباحة من فيها. PageV02P067 # قوله: «ألفيت»، أي وجدت. يجول: يتصرف. أرجاء: نواحي. يخبط: يسأل الناس، ~~وأصل الخبط نفض ورق الشجر، ينض للإبل فيخزن ثم يدق لها في زمن الشتاء، ويبل ~~بالماء فتعلفه، ms0481 ثم يستعار الخبط للمعروف، وقال زهير بن أبي سلمى: [البسيط] # وليس مانع ذي قربى وذي نسب ... يوما ولا معدما من خابط ورقا (¬1) # يقال: خبطت الرجل، أي سألته، وخبط الرجل بالأمر: لم يهتد لصوابه، ~~والبعير: # ضرب بيده الأرض، والشيء: ضربته، والدابة الأرض: شدت وطأها، والشيطان ~~الإنسان: صرعه. # قوله: «المصابين» أي المجانين. والمصيبين: الواجدين لما يطلبون، والمصيب ~~أيضا ضد المخطئ، والمفعول مصاب، فيريد أنه يجول في نواحيها مسرعا كالمجنون، ~~أو كالمتيقن بوجود حاجته. # الدرر: الجواهر، والدرر: اللبان، أراد أنه يتكلم بكلام حسن فيأخذ به ~~العطايا، قدحي الفذ، أي سهمي المنفرد. توأما: زوجا، وأراد أنه كان منفردا ~~فصار يأبى زيد زوجا. انبعث: نهض وتوجه. نفث: نطق. عراه: قصده. امتد مداه، ~~أي طالت مدته. # عرقته: أخذت لحمه. مداه: سكاكينه. يسلمه: يتركه، وأبو يحيى: كنية الموت، ~~وقد تقدم في المقامة قبل سهام أبي يحيى مسددة نحوي. # *** ### || AUTO [ثواب المريض] # أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ~~مات مريضا مات شهيدا، ووقي من فتنة القبر، وغدي وريح عليه برزقه من الجنة» (¬2). # وقال: «مرض يوم يكفر ذنوب ثلاثين سنة» (¬3). # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصداع والحمى يصيب الإنسان وإن ذنوبه ~~مثل أحد فما يفارقه حتى لا يدع من ذنوبه وزن خردلة». # أنس رضي الله تعالى عنه، قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«المريض إذا برئ وصح PageV02P068 # من مرضه كان كمثل البردة تقع من السماء في صفاء لونها» (¬1). # *** # فوجدت لفوت لقياه، وانقطاع سقياه، ما يجده المبعد عن مرامه، والمرضع عند ~~فطامه، ثم أرجف بأن رهنه قد غلق، ومخلب الحمام به قد علق، فقلق صحبه لإرجاف ~~المرجفين، وانثالوا إلى عقوته موجفين: [المتقارب] # حيارى يميد بهم شجوهم ... كأنهم ارتضعوا الخندريسا # أسالوا الغروب وعطوا الجيوب ... وصكوا الخدود وشجوا الرءوسا # يودون لو سالمته المنون ... وغالت نفائسهم والنفوسا # *** # قوله: «سقياه»، أي فوائده التي كان يسقيه بها. مرامه: حاجته. فطامه: قطعه ~~عن الرضاع. أرجف: تحدث، والإرجاف: خوض الناس في الفتنة وحديثها. وغلق: كف، ~~وكان ms0482 من فعل الجاهلية أن يقول الراهن لمن يمسك رهنه: إن لم آتك إلى كذا ~~فالرهن لك فإن أتاه بالدين بعد الأمد قال له: قد غلق الرهن. # وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «لا يغلق الرهن، له غنمه وعليه غرمه» (¬2). # المخلب: ظفر الطائر الصائد. الحمام: المنون. انثالوا. انصبوا واندفعوا. عقوته: # موضعه وأصلها فناء الدار. # موجفين: مسرعين. حيارى: جمع حيران، والحيرة: التردد في الأمر وعدم التهدي ~~له، قال الواثق: # لا يك السقم ولكن كان بي ... وبنفسي وبأمي وأبي # قيل لي إنك صدعت فما ... خالطت سمعي حتى دير بي # وقال آخر: # أنا مذ خبرت بالعل ... ة والله عليل # ليت حماك بجسمي ... ولك العمر الطويل # يميد: يميل. شجوهم: حزنهم. الخندريس: الخمر. أسالوا الغروب: أجروا ~~الدموع، والغربة: الفيضة من الدمع، والجمع غروب: عطوا: شقوا. صكوا: لطموا: PageV02P069 # شجوا: جرحوا. يودون: يتمنون. سالمته: تركته وصالحته، وأصله الصلح. ~~المنون: # المنية. غالت: أهلكت. نفائسهم: كرائم أموالهم. ### || AUTO [مما قيل في عيادة المريض] # ونذكر هنا من الشعر ما يوافق هذا الموضع: # دخل أبو دهمان القيسي يوما على بعض الأمراء يعوده، فأنشده: [الطويل] # بأنفسنا لا بالطوارف والتلد ... نقيك الذي تخفي من السقم أو تبدي # بنا معشر العواد ما بك من أذى ... فإن أشفقوا مما أقول فبي وحدي # ودخل محمد بن عبد الله بن طاهر على المتوكل يعوده، فقال: [البسيط] # الله يدفع عن نفس الإمام لنا ... وكلنا للمنايا دونه غرض # فليت أن الذي يعروه من مرض ... بالعائدين جميعا لا به المرض # ففي الإمام لنا من غيره عوض ... وليس في غيره منه لنا عوض # وكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر: [الكامل] # أعزز علي بأن أراك عليلا ... أو أن يكون لك السقام نزيلا # لوددت أني مالك لسلامتي ... فأعيرها لك بكرة وأصيلا # فتكون تبقى سالما لسلامتي ... وأكون مما قد عراك بديلا # هذا أخ لك يشتكي ما تشتكي ... وكذا الخليل إذا أحب خليلا # هذا الشعر على فتوره شرف بمنصب قائله. # وكان المعتصم أميا لأن أباه هارون ms0483 الرشيد ندبه في صغره للتعلم فسمعه يوما ~~يقول وقد مرت به جنازة: ليتني مكانك ولا أرى هذا البلاء، فقال له: لا أندبك ~~إلى شيء تتمنى الموت من أجله؛ فلهذا لم يكن له علم بالأدب كأخويه الأمين ~~والمأمون. # ولأبي العباس المبرد: [الخفيف] # يا عليل أفديك من ألم الع ... لة هل لي إلى اللقاء سبيل # إن يحل دونك الحجاب فما يح ... جب عني وبك الضنى والنحول # ولأبي تمام في مالك بن طوق: [المنسرح] # ألبسك الله منه عافية ... في نومك المعترى وفي أرقك # يخرج من جسمك السقام كما ... أخرج ذم الفعال من خلقك # ولابن عبد ربه: [البسيط] # يا من عليه حجاب من جلالته ... وإن بدا لك يوما غير محجوب PageV02P070 # ما أنت وحدك مكسوا ثياب ضنى ... بل كلنا لك من مضنى ومشحوب # ألقى عليك يدا للضر كاشفة ... كشاف ضر نبي الله أيوب # *** # قال الراوي: وكنت فيمن التف بأصحابه، وأغذ إلى بابه، فلما انتهينا إلى ~~فنائه، وتصدينا لاستنشاء أنبائه، برز إلينا فتاه، مفترة شفتاه، فاستطلعنا ~~طلع الشيخ في شكاته، وكنه قوى حركاته، فقال: قد كان في قبضة المرضة، وعركة ~~الوعكة، إلى أن شفه الدنف واستشفه التلف، ثم من الله تعالى بتقوية ذمائه، ~~فأفاق من إغمائه. فارجعوا أدراجكم، وانضوا انزعاجكم، فكأن قد غدا وراح، ~~وساقاكم الراح. فأعظمنا بشراه، واقترحنا أن نراه، فدخل مؤذنا بنا، ثم خرج ~~آذنا لنا، فلقينا منه لقى، ولسانا طلقا، وجلسنا محدقين بسريره، محدقين إلى ~~أساريره. # *** # قوله: «أغذ»، أي أسرع. تصدينا: تعرضنا. الاستنشاء: الاستطلاع. أنبائه: # أخباره. برز: خرج. مفترة: ضاحكة. استطلعناه: سألناه أن يطلعنا. طلع الشيخ ~~في شكاته: خبر مرضه. كنه: حقيقة. عركه الوعكة: شدة المرضة، وعركت الشيء: ~~دلكته بيديك وحككته، ووعكته الحمى: كسرته. وشفه الدنف: أضعفه المرض ونقص ~~جسمه استشفه: استقصى بقية قوته. ذمائه: قوى نفسه إغمائه: ذهاب عقله من ~~الضعف. ارجعوا أدراجكم، أي في الطريق الذي جئتم فيه. انضوا انزعاجكم، أي ~~أزيلوا زعجكم وطيشكم، والانزعاج: ضد القرار. أعظمنا بشراه، أي وجدنا ما ~~بشرنا به عظيما، والبشارة بكسر الباء: ما بشرت به، ms0484 والبشارة بضمها: ما يعطى ~~على البشارة. والبشارة بفتحها: الجمال، وفلان بشير الوجه، أي حسنه، وعند ~~أكثرهم أن لفظ «بشرته» لا يستمل إلا في الإخبار في الخير، وليس كذلك، بل ~~يستعمل في الخير والشر قال تعالى: # فبشرهم بعذاب أليم [التوبة: 24]، والعلة في ذلك أن البشارة إنما سميت ~~بذلك لاستبانة تأثير خبرها في بشرة من بشر بها، وقد تتغير البشرة للمساءة ~~بالمكروه، كما تتغير عند المسرة بالمحبوب، إلا أنه إذا أطلق لفظها وقع على ~~الخير؛ كما أن النذارة يطلق لفظها في الشر، وهذا ذكرهالحريري في الدرة قال ~~ابن عزيز: البشرى: والبشارة إخبار بما يسر، قال تعالى: لهم البشرى [يونس: 64]. # اقترحنا: طلبنا، واقترحت الشيء: فعلته قبل أن يفعل. مؤذنا: معلما. لقى: # طريحا. طلقا: فصيحا. محدقين: محلقين، وأحدق القوم بالشيء إذا أحاطوا به ~~واحتفوا PageV02P071 # حوله. وحدقوا، أي نظروا إليه نظرا شديدا، فهم محدقون إليه، أي ناظرون، ~~والحدقة: # سواد العين الأعظم. والأسارير: تكاسير جلد الوجه. # *** # أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عاد مريضا فجلس عنده قدر ~~ساعة، أعطاه الله تعالى أجر عمل سنة لا يعصيه فيها طرفة عين» (¬1). # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عيادة المريض إذا دخلت عليه، أن تضع ~~يدك على رأسه وتقول: كيف أصبحت؟ أو كيف أمسيت؟ وإذا دخلت عليه تغمدتك ~~الرحمة، وإذا خرجت من عنده خضتها مقبلا ومدبرا» - وأومأ بيديه إلى حقويه (¬2). # أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عاد ~~المريض خاض الرحمة، فإذا جلس عنده انغمس فيها» (¬3). # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخلتم على مريض فنفسوا عليه في ~~أجله، فإن ذلك لا يرد شيئا وهو يطيب نفس المريض» (¬4). # نفسوا: وسعوا عليه بطول عمره. # ودخل كثير على عبد العزيز بن مروان يعوده فقال له: لولا أن سرورك ما يتم ~~بأن تسلم وأسقم أنا، لدعوت ربي أن يصرف ما بك إلي؛ ولكن أسأل الله لك أيها ~~الأمير العافية، ولي في كنفك النعمة. فضحك وأمر له بمال فخرج ms0485 وهو يقول: # [الكامل] # ونعود سيدنا وسيد غيرنا ... ليت التشكي كان بالعواد # لو كان يقبل فدية لفديته ... بالمصطفى من طار في وتلادي # وكتب آخر إلى عليل: [البسيط] # نبئت أنك معتل فقلت لهم ... نفسي الفداء له من كل محذور # يا ليت علته بي غير أن له ... أجر العليل وأني غير مأجور # *** PageV02P072 # فقلب طرفه في الجماعة، ثم قال: اجتلوها بنت الساعة، وأنشد: [الكامل] # عافاني الله وشكرا له ... من علة كادت تعفيني # ومن بالبرء على أنه ... لا بد من حتف سيبريني # ما يتناساني، ولكنه ... إلى تقضي الأكل ينسيني # إن حم لم يغن حميم ولا ... حمى كليب منه يحميني # وما أبالي إن دنا يومه ... أم أخر الحين إلى حين # فأي فخر في حياة أرى ... فيها البلايا ثم تبليني # *** # قوله: قلب طرفه، أي حول عينيه بنظرهم. اجتلوا: انظروا، ونسب الشعر للساعة ~~لما قيل فيها. عافاني: أي سلمني. تعفيني: تهلكني. من: أنعم. حتف: هلاك. ~~تقضي الأكل: تمامه وآخره. ينسيني: يؤخرني، والأصل الهمزة فسهله للشعر. حم: قدر. # حميم: صاحب. ### || AUTO [حمى كليب] # حمى كليب؛ هو ابن ربيعة أخو مهلهل الشاعر وخال امرئ القيس، وكان أعز ~~الناس في العرب. وبلغ من عزه فيهم أنه اتخذ جرو كلب، فإذا نزل بمنزل فيه ~~كلأ قذف ذلك الجرو فيه، فعوى فحيثما بلغ عواؤه لا يرعى أحد عشب ذلك الموضع ~~إلا بإذنه، وإذا جلس لا يمر أحد بين يديه إجلالا له، ولا يخشى أحد في مجلسه ~~غيره، ولا توقد نار غير ناره، ولا يجير تغلبي ولا يكري رجلا، ولا يحمي حمأ ~~ولا يغير إلا بإذنه. # وكان يحمي الصيد فيقول: صيد كذا في جواري، فلا يصيب أحد منه شيئا، وكان ~~قد حمي حمى لا يطؤه إنسان ولا بهيمة، فدخل فيه يوما فطارت قنبرة بين يديه ~~من على بيضها، فقال لها: [الرجز] # يا لك من قنبرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري # * ونقري ما شئت أن تنقري* (¬1) PageV02P073 # وكانت امرأته جليلة بنت مرة بن شيبان، وكان لمرة- وهو من بني بكر- عشرة ~~من الولد، منهم الحارث وجساس ونضله ms0486 وهمام، فجاءت جساسا خالة له اسمها ~~البسوس، التي يقال فيها: أشأم من البسوس، فنزلت عليه، ولها ابن وناقة تسمى ~~سراب، بفصيل لها، فدخل الحمى يوما، فوجد بيض القنبرة قد وطئته سراب فكسرته، ~~فسأل عنها فأخبر أنها لخالة جساس، فقال: أو قد بلغ من قدره أن يجير دون ~~إذني! يا غلام، ارم ضرعها، فخرقه بسهم، وقتل فصيلها، ثم طرد إبل جساس، ~~ونفاها عن المياه، عن شبيث والأحص (غديرين) حتى بلغ غدير الذئاب. فجاء ~~جساس، فقال: نفيت عن المياه مالي، حتى كدت تهلكه! فقال: إنا للمياه شاغلون، ~~فقال: هذا كفعلك بناقة خالتي وفصيلها، فقال: أو قد ذكرتها! أما إني لو ~~وجدتها في غير إبلي مرة استحللت تلك الإبل لها، فعطف عليه جساس فرسه، ~~فطعنه، فلما أحس الموت، قال: يا جساس، اسقني ماء. # فقال: تجاوزت شبيثا والأحص، واحتز رأسه، وأمال يديه، وجاء. فقالت أخته ~~لأبيها: # إن جساسا جاء خارجة ركبتاه، قال أبوها: والله ما خرجتا إلا لأمر. فلما ~~وصله قال: ما وراءك يا بني؟ قال: طعنت طعنة لتشغلن شيوخ وائل رقصا. قال: ~~قتلت كليبا؟ قال: # نعم، قال: وددت أنك وإخوتك متم قبل هذا، ما بنا إلا أن تتشاءم بنا وائل، ~~ثم لقي أخاه نضلة فقال: [الوافر] # وإني قد جنيت عليك حربا ... تغص الشيخ بالماء القراح # فأجابه أخوه نضلة: # فإن تك قد جنيت علي حربا ... فلا وان ولا رث السلاح # وكان أخوه همام قد آخى مهلهلا أخا كليب، وعاهده ألا يكتمه شيئا، فجاءته ~~أمة له، وعنده مهلهل، فأسرت إليه الخبر، فقال له مهلهل: ما قالت لك أمتك؟ فقال: # زعمت أن أخي جساسا قتل كليبا، فقال: است أخيك أضيق من ذلك. وتحمل القوم، ~~وغدا مهلهل في ثأر أخيه بالخيل، واجتمعت أشراف تغلب، وأتوا مرة، فتكلموا ~~معه في القصاص من جساس وإخوته، فذهب مرة إلى الدية، فغضبت تغلب ووقعت في ~~الحرب، فدامت بينهم أربعين عاما. # وكان فيما بينهم خمس وقائع: أولها يوم عنيزة وآخرها قتل جساس، وذلك أنه ~~لما اجتمع نساء تغلب للمأتم قالوا لأخته: رحلي ms0487 جليلة عن مأتمك، فإن قيامها ~~شماتة بنا، وعار علينا، فقالت لها: اخرجي يا هذه من مأتمنا، فإنك شقيقة ~~قاتلنا، فلما رحلت قالت أخت كليب: رحلة المعتدي، وفراق الشامت! ويل غدا لآل ~~مرة، من الكرة بعد الكرة. # فلما بلغ ذلك جليلة قالت: وكيف تشمت الحرة بهتك سترها، وترقب وترها! أسعد ~~الله جد أختي، أفلا قالت: نقرة الحياء، وخوف الاعتداء! # وجاءت وهي حامل، فولدت غلاما وسمته بالهجرس، ورباه جساس، فكان لا PageV02P074 # يعرف أبا غيره، فزوجه ابنته، فوقع بينه وبين بكري كلام، فقال له البكري: ~~ما أنت بمنته حتى ألحقك بأبيك. فأمسك عنه، ودخل إلى أمه فسألها فأخبرته، ~~فلما أوى إلى فراشه، وضع أنفه بين ثدي زوجته، وتنفس تنفيسة تنفط ما بين ~~ثدييها من حرارتها، فقامت الجارية فزعة، فدخلت إلى أبيها فأعلمته، فقال: ~~ثائر ورب الكعبة. # فلما أصبح أرسل وراء الهجرس، فأتاه فقال له: إنما أنت ولدي ومعي، وقد ~~كانت الحرب في أبيك زمانا طويلا حتى كدنا نتفانى، وقد اصطلحنا الآن، فانطلق ~~معي حتى نأخذ عليك ما أخذ علينا، قال: نعم، ولكن مثلي لا يأتي قومه إلا ~~بسلاحه، فأتيا جمعا من قومهما، فقص عليهم جساس ما كانوا فيه من البلاء، وما ~~صاروا إليه من العافية، ثم قال: وهذا ابن أختي قد جاء ليدخل فيما دخلتم ~~فيه، فلما قدموا للعقد أخذ بوسط رمحه، وقال: وفرسي وأذنيه، ورمحي ونصليه، ~~وسيفي وغراريه، لا يترك الرجل قاتل أبيه وهو ناظر إليه. ثم طعن جساسا ~~فقتله، ولحق بقومه وكان آخر قتيل فيهم. # وقد قيل في صورة قتل كليب غير ما ذكرنا، وحكايات الجاهلية كثيرة ~~الاضطراب، وقد نسب شعر القنبرة لطرفة. # وقال النابغة الجعدي وذكر قتل كليب وحذر به عقالا العقيلي: [الطويل] # كليب لعمري كان أكثر ناصرا ... وأبصر حزما منك ضرج بالدم (¬1) # رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة ... كحاشية البرد اليماني المسهم # فقال لجساس: أغثني بشربة ... تدارك بها منا علي وأنعم # فقال: تجاوزت الأحص وماءه ... وبطن شبيث وهو ذو مترسم # الترسم: اتباع الماء في قعر البئر، يقول: أي افتخار في ms0488 حياة تعرض علي ~~فيها الامتحانات، ثم بعد هذه المشقات تردني إلى الكبر والشيخوخة؛ فلم أبال، ~~أدنا الموت أم تأخر، إذ المآل إلى الهرم القائد إلى الموت. وأشار بهذا إلى ~~قول النمر بن تولب: # [الطويل] # يود الفتى طول السلامة جاهدا ... فكيف ترى طول السلامة يفعل! # وإلى قول حميد بن ثور: [الطويل] # أرى بصري قد رابني بعد صحة ... وحسبك داء أن تصح وتسلما # وجاء: كفي بالسلامة داء. # وجاء في أجر البلايا قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليصيبه البلاء ~~حتى يمشي في الناس ما له خطيئة». PageV02P075 # أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الهوى ~~والبلاء والشهوة معجونة بطينة آدم». # *** # قال: فدعونا له بامتداد الأجل، وارتداد الوجل، ثم تداعينا إلى القيام، ~~لاتقاء الإبرام، فقال: كلا بل البثوا بياض يومكم عندي، لتشفوا بالمفاكهة ~~وجدي، فإن مناجاتكم قوت نفسي، ومغناطيس أنسي. فتحرينا مرضاته، وتحامينا ~~معاصاته، وأقبلنا على الحديث نمخض زبده، ونلغي زبده، إلى أن حان وقت ~~المقيل، وكلت الألسن من القال والقيل. وكان يوما حامي الوديقة، يانع ~~الحديقة، فقال: إن النعاس قد أمال الأعناق، وراود الآماق، وهو خصم ألد، ~~وخطب لا يرد؛ وفصلوا حبله بالقيلولة، واقتدوا فيه بالآثار المنقولة. # *** # قوله ارتداد الوجل، أي إزالة الخوف. واتقاء الإبرام: خشية التثقيل. # *** ### || AUTO [تخفيف العيادة] # قال بعضهم: [الوافر] # إذا ما عدت محموما فخفف ... فتخفيف العيادة خير عاده # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخفوا العيادة، وأقلوا الجلوس؛ ~~والتعزية يوم». # أبو القاسم الوزير بن عيسى، قال: أنشدني أبو بكر أحمد بن موسى بن مجاهد، ~~وقد جئته عائدا، وأطال قوم عنده الجلوس، فقال لي: يا أبا القاسم، عيادة ثم ماذا؟ # فصرفت من حضر، ثم هممت بالانصراف معهم، فأمرني بالرجوع، ثم أنشدني عن ~~محمد بن الجهم: [البسيط] # لا تضجرن مريضا جئت عائده ... إن العيادة يوم إثر يومين # وسله عن حاله، وادع إلاله له ... واقعد بقدر فواق بين حلبين # من زار غبا إذا دامت مودته ... وكان ذاك صلاحا للخليلين # وقال آخر: [البسيط] # عيادة المرء ms0489 يوم بعد يومين ... وجلسة لك مثل اللحظ بالعين # لا تبرمن مريضا في مساءلة ... يكفيك من ذاك تسأل بحرفين PageV02P076 # مرض يحيى بن خالد، فكان إسماعيل بن صبيح إذا دخل عليه يعوده وقف عند ~~رأسه، ودعا له، ثم يخرج ويسأل الحاجب عن منامه وطعامه وشرابه. فلما أفاق ~~قال: ما عادني إلا إسماعيل بن صبيح، ودعا له. # وممن زاد على التخفيف فقطع الزيارة عبيد الله بن عبد الله بن ظاهر، مرض ~~أخوه محمد بن عبد الله فلم يعده عبيد الله، فكتب له محمد: [الكامل] # إني وجدت على جفا ... ئك من فعالك شاهدا # إني اعتللت فما وجد ... ت سوى رسولك عائدا # ولو اعتللت فلم أجد ... سببا إليك مساعدا # لاستشعرت عيني الكرى ... حتى أعودك راقدا # فأجابه عبيد الله أخوه: [الخفيف] # كحلت مقلتي بشوك القتاد ... لم أذق مذ حممت طعم الرقاد # يا أخي الحافظ المودة والنا ... زل من مقلتي مكان السواد # منعتني عليك رقة قلبي ... من دخولي عليك في العواد # لو بأذني سمعت منك أنينا ... لتفرى من الأنين فؤادي # ومرض حماد عجرد، فعاده أصحابه إلا مطيع بن إياس، وكان خاصا به، فكتب إليه ~~يقول: [الوافر] # كفاك عيادتي من كان يرجو ... ثواب الله في صلة المريض # فإن تحدث لك الأيام سقما ... يحول جريضه دون القريض # يكن طول التأوه منك عندي ... بمنزلة الطنين من البعوض # فما نفسي عليك تذوب حزنا ... وما دمعي عليك بمستفيض # ولمحمد بن عبد الله في محبوب له مرض: [المنسرح] # ألبسك الله منه عافية ... تغنيك عن دعوتي وعن جلدك # سقمك ذا لا لعلة عرضت ... بل سقم عينيك دب في جسدك # فيا مريض الجفون أحي فتى ... قتلته بالجفون لا بيدك # وقال آخر في محبوب له تركت الحمى على فيه أثرا: [المنسرح] # يا أملي كيف أنت من أملك ... وكيف ما تشتكيه من سقمك # هذان يومان لي أعدهما ... مذ لم تلح لي بروق مبتسمك # حسدت حماك حين قيل لنا ... بأنها قبلتك فوق فمك PageV02P077 # وقال العباس بن الأحنف: [الكامل] # قالت: مرضت فعدتها فتبرمت ... وهي الصحيحة والمريض العائد (¬1) # والله لو ms0490 أن القلوب كقلبها ... ما رق للولد الضعيف الوالد # قوله: «البثوا»، أي أقيموا. بياض يومكم، أي طوله، وبياض النهار: ضوأه: # مناجاتكم: محادثتكم. # مغناطيس، حجر يجلب الحديد تقول له العامة حجر المس. تحرينا، أي قصدنا. # تحامينا: تباعدنا. نمخض زبده: نحرك ونجمع فوائده، وكني بالزبد، وهو جمع ~~زبدة عن خيار الكلام. نلغي زبده: نترك ما لا خير فيه، وزبد الماء: ما يعلوه ~~من الرغوة. المقيل: # النوم في وقت القائلة. حامي الوديقة: شديد الحر. يانع الحديقة: ناعم ~~الروضة، والحديقة كل بستان محلق بحائط أو زرب. راود: طالب. الآماق: العيون، ~~وأصله طرف العين من جهة الأنف. والخطب: من يخطب المرأة. والقيلولة: الرقاد ~~في القائلة. # والآثار: الأحاديث. # *** ### || AUTO [مما قيل في القيلولة] # قلنا وقال: يقال: قال يقيل قيلولة ومقيلا: نام نصف النهار. # أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه وسلم «ثلاث من ضبطهن ضبط ~~الصوم: من تسحر، وقال: وشرب بعد ما يأكل». # وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قيلوا فإن الشياطين لا ~~تقيل». ودخل العباس على ابنه وهو مضطجع، فضربه برجله، وقال: قم لا نامت ~~عيناك! تنام في ساعة يقسم فيها الرزق! وإنما النوم على إحدى خصال: خرق أو ~~حمق، أو خلق، فنومة الحمق بعد العصر، لا ينامها إلا سكران أو شيطان، ونومة ~~الخرق نومة الصبح، ونومة الخلق نصف النهار». # ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استعينوا بقيلولة ~~النهار على قيام الليل، وبالسحور على صيام النهار». # قال الراوي: فاتبعنا ما قال، وقلنا وقال: فضرب الله على الآذان، وأفرغ ~~السنة في الأجفان؛ حتى خرجنا من حكم الوجود، وصرفنا بالهجود عن السجود، فما ~~استيقظنا إلا والحر قد باخ، واليوم قد شاخ، فتكرعنا لصلاة العجماوين، ~~وأدينا ما حل من الدين. PageV02P078 # ثم تحثحثنا للارتحال، إلى ملقى الرحال، فالتفت أبو زيد إلى شبله، وكان ~~على شاكلته وشكله، وقال: إني لإخال أبا عمرة، قد أضرم في أحشائهم الجمرة، ~~فاستدع أبا جامع، فإنه بشرى كل جائع، وأردفه بأبي نعيم، الصابر على كل ضيم، ~~ثم ms0491 عزز بأبي حبيب المحبب إلى كل حبيب، المقلب بين إحراق وتعذيب، وأهب بأبي ~~ثقيف، فحبذا هو من أليف، وهلم بأبي عون، فما مثله من عون، ولو استحضرت أبا ~~جميل، لجمل أي تجميل. # *** # قوله: «السنة»، النوم، الهجود: الرقاد. باخ: سكن حره. تحثحثنا، أي ~~تحركنا. # ملقى الرحال: موضعها. شبله: ولده. شاكلته: طريقته. شكله: مثله، وتكون ~~الشاكلة والشكل واحدا وجمع الشكل أشكال وشكول. # إخال: أحسب، وكنى الجوع أبا عمرة، لأنه يعمر كل جوف؛ قيل لمدني: أتعرف ~~أبا عمرة؟ قال: كيف لا أعرفه وقد تربع في كبدي. # وقال الراجز: [الرجز] # حل أبو عمرة وسط حجزتي ... وحل نسج العنكبوت برمتي (¬1) # أضرم: أوقد، وكنى الخوان- وهو المائدة- أبا جامع للاجتماع حوله للأكل. # وأردفه: جيء به خلفه، وكنى الحواري، وهو الدرمك أبا نعيم، لأن خبزه أنعم ~~الأخباز وأصفاها. # الضيم: الذل، وجعله صابرا على كل ذل، لأنه لا يصل من صورة البر إلى الخبز ~~إلا بعد علاج شديد، وتغير له من حال إلى حال. # وفسر معنى أبي حبيب بقوله: المحبب إلى كل لبيب. وقوله: المقلب بين إحراق ~~وتعذيب، يريد أن ما ولي من الجدي النار وقت شبه احترق، وما لم يلها أدركه ~~حرها فأنضجه وأسال ودكه، فذلك تعذيبه. # أهب: ادع به وصح به. # وكنى الخل أبا ثقيف لأنه يثقف الطعام، أي يحذقه فيطيب للأكل. # أليف: صاحب، وإنما قال: حبذا هو من صاحب، لقوله صلى الله عليه وسلم: «نعم ~~الإدام الخل» (¬2). PageV02P079 # وكنى الملح أبا عون، لأنه يستعان به على أكل الطعام، وطعام بلا ملح لا ~~يؤكل، وقد أشار إلى هذا بقوله: فما مثله من عون. # وكنى البقل أبا جميل لأنه يحسن بحضرته الإدام ويزينه، أو لأنه يذهب ~~الجميل، وهو ودك اللحم فيخف للأكل وقوله: لجمل أي تجميل، أليق بالتفسير ~~الأول، ولا يمتنع من الثاني؛ وحدث واثلة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «أحضروا موائدكم البقل فإنه مطردة للشيطان مع تسمية الله تعالى». # أبو الفضل بن مالك: يعجبني البقل على المائدة فإذا رأيت السكباج نسيت البقل. # السكباج: لحم بخل، والسك ms0492 بالفارسية، الخل، والباج اللحم، وسمي السكباج ~~بأم القرى لأنه من أجل أطعمتهم. # *** # وحي هل بأم القرى، المذكرة بكسرى، ولا تتناس أم جابر، فكم لها من ذاكر، ~~وناد أم الفرج، ثم افتك بها ولا حرج، واختم بأبي رزين، فهو مسلاة كل حزين، ~~وإن تقرن به أبا العلاء، تمح اسمك من البخلاء. وإياك واستدناء المرجفين، ~~قبل استقلال حمول البين، وإذا نزع القوم عن المراس، وصافحوا أبا إياس، فأطف ~~عليهم أبا السرو، فإنه عنوان السرو. # *** # وأم الشيء: معظمه وجليله، ومنه أم القرآن الحمد لله، وأم القرى لمكة ~~المشرفة، وأم الشيء أجله، والقرى: طعام الضيف، فكأنه قال: عجل بطعام فاضل ~~يقدم للضيف. # وكسرى ملك الفرس، وجعلها تذكرته، لأنه أول من صنعت له، فاستعملها، وأمر ~~بإجادة الصنعة في طبخها، وقيل: إن غيره طبخها واستعملها في زمن كسرى فنسبت إليه. # وكنى الجوزابة بأم الفرخ، وهي خبزة توضع في التنور ويعلق عليها طير أو ~~لحم، فيسيل ودكه فيها ما دامت تطبخ، فتفرج عنك هم الإدام فلا تحتاج إليه ~~فهي خبز بإدامه. # افتك بها ولا حرج، أي كلها ولا إثم عليك، وإن كان اللفظ يعطيك معنى آخر، ~~فالمراد به هذا. # وكنى الخبيص أبا رزين لفضله في الطعام وشرفه ورجحان ثمنه، وجعله آخر ما ~~يؤكل، والرزين من الرجال: الكثير الوقار، وقرن به الفالوذج، لأنه نوع منه؛ ~~قال بعض الطفيلية: الحلواء مثل الملك، يدخل بيتا فيه قوم جلوس ليس فيه متسع ~~لأحد، فإذا نظروا إلى الملك تضايقوا وأوسعوا له. # وكان عبد الله بن جدعان سيدا شريفا في قريش، فوفد على كسرى وأكل عنده PageV02P080 # الفالوذج، فسأله عنه فقيل له: هو الفالوذج، قال: وما هو؟ قيل لباب البر ~~مع عسل النحل، فقال: ابغوا لي غلاما يصنعه فأتوه به فابتاعه، وقدم مكة فصنع ~~بها الفالوذج، فوضع الموائد بالأبطح إلى باب المسجد، ثم نادى: ألا من أراد ~~الفالوذج، فليحضر! فكان فيمن حضر أمية بن أبي الصلت، وكان يمتدحه كثيرا ~~فقال فيه: [الوافر] # لكل قبيلة رأس وهاد ... وأنت الرأس تقدم كل هادي (¬1) # له داع بمكة ms0493 مشمعل ... وآخر فوق دارته ينادي # إلى ردح من الشيزى ملاء ... لباب البر يلبك بالشهاد # ولباب البر: خالص القمح، ويسمى النشا. يلبك: يخلط، والشهاد: العسل، ~~والفالوذج: الذي رأيت يسجلماسة هو العسل والسمن يوضعان على النار، ثم ~~يعقدان بالنشا، ثم يلون الكل بالزعفران فيجيء متعقق الحمرة، فيقطع قطعا على ~~قدر أكبر التمر، وفي شكله، ويؤتى به في الأعراس بعد الشواء، ويؤتى بالخبيص ~~آخرا، وخبيصهم في غاية البياض ليس كخبيص الأندلس، ويقرص قرصا على قدر صغار ~~الجبن، فمن رآها على بعد لم يشك أنها جبن. ويعد رجال المائدة، ويؤتى بطبق ~~كبير فيوضع بين أيديهم، وأمام كل رجل قرصته، فلا يكاد يكملها بالأكل لإفراط ~~حلاوتها. وأكثر أطعمة أهل القبلة مستملاة من أطعمة أهل المشرق؛ وكذا أكثر ~~أحوالهم من مبانيهم وأشكال ديارهم وسطوحها، واستعمال الإبل في السواقي ~~والطواحين، ودق النوى لعلفها نعم، وعلى أن البربرية غالبة على ألسنة أهل ~~القبلة فهم يستعملون كثيرا من ألفاظ أهل العراق، يقولون لفرق الناس ~~الشماسك، وكذا تسمية أهل سجلماسة، ويسمون البرادة التي لشرب الماء بوقالا، ~~وكذا تسمية أهل سجلماسة، وجمع البوقال بواقيل، قال الحسن بن هانئ: [البسيط] # أضمرت للنيل هجرانا ومقلية ... إذ قيل لي إنما التمساح في النيل # فمن رأى النيل رأى العين من كثب ... فلا أرى النيل إلا في البواقيل # وكان رأى التمساح أخذ رجلا، فهجا النيل. والبرادة عندهم آنية من صفر، ~~فيها مخاطيف يعلق فيها البواقيل، وترفع للهواء فيبرد فيها الماء. PageV02P081 # قوله: المرجفين، الطست والإبريق، لأن لهما عند أخذهما صوتا، بنقر أحدهما ~~في الآخر، فكأن ذلك الصوت يرجف، أي يخبر بتمام الطعام والحث على القيام. # أبو بكر الصفار: حضر مجنون بالكوفة طعام قوم، فجلس يأكل، فجعل الغلام ~~يحرك الطشت والإبريق، فقال: من هذا الذي يرجف بنا قبل انقضاء عملنا؟ # بينما طفيلي يأكل، سمع صوت دق الأسنان، فامتنع من الأكل فقيل له: ألا تأكل؟ # قال: حتى يسكن هذا الإرجاف الذي أسمع. # وقيل لطفيلي: مم اصفر وجهك؟ قال: من فترة بين قصعتين، مخافة أن تكون قد فنيت. # استقلال: ارتفاع. ms0494 حمول البين، أي إبل الفراق، ويريد بها الموائد لأنها ~~إذا ارتفعت يفرق أهل المجلس، فيقول: إياك أن تقربهما قبل أن ترتفع الموائد، ~~فيتهيأ الناس للغسل والانصراف، فإن غسلت الأيدي والموائد باقية توهم أن ثم ~~طعاما يستأنف أكله. # نزع: زال وتنحى. المراس: غسل الأيدي وذلك بعضها ببعض. # صافحوا: باشروا، والغسول قد تقدم في السابعة. # أطف: اجعله يطوف وقد بين لما كناه أبا السرو، أنه من فعل السرى من ~~الرجال، وعنوان السرو: دليل المروءة. # *** # قال: ففقه ابنه لطائف رموزه، بلطافة تمييزه، فطاف علينا بالطيبات والطيب، ~~إلى أن آذنت الشمس بالمغيب. فلما أجمعنا على التوديع، قلنا له: ألم تر إلى ~~هذا اليوم البديع، كيف بدا صبحه قمطريرا، ومسيه مستنيرا! فسجد ثم رفع رأسه، ~~وقال [مجزوء الكامل] # لا تيأسن عند النوب ... من فرجة تجلو الكرب # فكلم سموم هب ث ... م جرى نسيما وانقلب # وسحاب مكروه تنشى ... فاضمحل وما سكب # ودخان خطب خيف من ... ه فما استبان له لهب # ولطالما طلع الأسى ... وعلى تفيئته غرب # فاصبر إذا ما ناب رو ... ع فالزمان أبو العجب # وترج من روح الإل ... ه لطائفا لا تحتسب # قال: فاستملينا منه أبياته الغر، ووالينا لله تعالى الشكر، وودعناه ~~مسرورين ببرئه، مغمورين ببره: # *** PageV02P082 # قوله: «فقه»، أي فهم لطائف: دقائق. رموزه: إشاراته الخفية، والرمز: ~~الإشارة بالشفتين أو العينين. آذنت: أعلمت. أجمعنا: عزمنا. البديع: العجيب. ~~قمطريرا: # مظلما، ورجل قمطرير: شديد العبوس، واقمطر القوم: اشتدوا. الصبح والمسى: ~~اسمان لوقت زوال الظلام والضياء مستنيرا: كثير الضوء. # والنوب: النوازل. فرجة: راحة. تجلو الكرب: تزيل الهموم، وأنشدوا في هذا ~~المعنى: [الخفيف] # لا تضيقن في الأمور فقد تك ... شف غماؤها بغير احتيال (¬1) # ربما تكره النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال # كذا أنشدوه فرجة بالفتح، والفرجة بالضم في الحائط وشبهه، وبالفتح في ~~الأمر، وانظر هذا البيت في الأربعين في أخبار [أبي] عمرو بن العلاء. # سموم: ريح حارة. نسيما: ريحا ليته. تنشى: ابتدأ وظهر. اضمحل: زال. # سكب: أمطر خطب: أمر شديد. لهب النار: اشتعالها بغير دخان، وفي هذا المعنى ms0495 ~~قال أبو نواس: [الكامل] # خفض عليك ولا تكن قلق الحشا ... مما يكون وعله وعساه # فالدهر أقصر مدة مما ترى ... وعساك أن تكفى الذي تخشاه # وقال أيضا: [الرمل] # حسن الظن بمن قد عودك ... كل إحسان وقوي أودك # إن ربا كان يكفيك الذي ... كان بالأمس، سيكفيك غدك # الأسى: الحزن. تفيئته، أي حينه، وقال الزبيدي في الأبنية: جاء على تفيئة ~~ذلك، وتفئته حينه ووقته. والروح. الرزق: والروح: السرور والفرح، والروح: ~~برد نسيم الراحة. # اللطائف: جمع لطيفة، وهي رفق الله تعالى بعباده وإحسانه إليهم، واللطيف: # الرفيق والمحسن، وأراد في البيت: ارج في شدائدك الله، فله الطاف كثيرة لا ~~تحصى بالعدة، فبعد العسر يسر. # *** PageV02P083 ### || AUTO [في الفرج بعد الشدة] # وأنشد أبو حاتم في معنى أبيات المقامة: [الوافر] # إذا اشتملت على اليأس القلوب ... وضاق لما به الصدر الرحيب # ووطنت المكاره واطمأنت ... وأرست في مكامنها الخطوب # ولم تر لانكشاف الضر وجها ... ولا أغنى بحيلته الأريب # أتاك على قنوط منه غوث ... يمن به اللطيف المستجيب # وكل الحادثات إذا تناهت ... فمقرون بها الفرج القريب # قال أبو بكر بن الأنباري: أنشدني إسماعيل القاضي: [مجزوء الكامل] # لا تعتبن على النوائب ... فالدهر يرغم كل عاتب # واصبر على حدثانه ... إن الأمور لها عواقب # ولكل صافية قذى ... ولكل خالصة شوائب # كم فرجة مطوية ... لك بين أثناء النوائب # ومسرة قد أقبلت ... من حيث تنتظر المصائب # قال القاضي رحمه الله: ما عرض لي هم فادح، فذكرت تلك الأبيات، إلا رجوت ~~من الله الفرج، ثم تؤول عاقبة ما أحذره إلى فاتحة ما أوثر. # قال علي الكاتب: أصبحت يوما مغموما غما لا أعرف سببه، فجاءني رحل بظهر ~~حوار وإذا فيه: [مجزوء الكامل] # روح فؤادك بالضحى ... ترجع إلى روح وطيب # لا تيأسن وإن أل ... ح الدهر من فرج قريب # قال: فزال عني الهم، ووجدت طعم الفرج. # وحكى الأصمعي رحمه الله تعالى قال: بت ليلة بالبادية وحيدا مغموما، فلما ~~انتهى الليل سمعت قائلا يقول ولم أر شخصه: [الكامل] # فرج القضاء بكف من ... بقضائه نزل البلاء # واصبر فكل شديدة ... لا بد ms0496 يتبعها رخاء # وقال آخر: [الرمل] # سوف تبلى كل جدة ... وستقضى كل مدة PageV02P084 # إنما الدهر عناء ... وعوار مسترده # شدة بعد رخاء ... ورخاء بعد شدة # وقال آخر: [الرمل] # خف إذا أصبحت ترجو ... وارج إن أصبحت خائف # رب مكروه مخوف ... فيه لله لطائف # *** # قوله: استملينا: كتبنا. الغر: الحسان. والينا. تابعنا. مغمورين: مغطين. برئه. # إفاقته. بره: إحسانه وإكرامه. # وحيهل: قال ابن الأنباري: فيها ست لغات. # قال عبد الله بن مسعود. إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر، ومعناه أقبلوا على ~~ذكر عمر، فتنون هلا وتنصبه على المصدر، كأنه قال: مرحبا به. # الثاني: تفتح حي وهل وتبنيها كخمسة عشر. # الثالث: تسكن هاء «هلا» هذه الشبهة لكثرة الحركات. # الرابع: حيهل بتسكينهما جميعا كبخ بخ. # الخامس، حيهل إلى عمر: أي هلموا إلى ذكره. # السادس: حيهلي على عمر: أي أقبلوا على ذكره. ### || AUTO تفسير ألفاظ ما تضمنته هذه المقامة من كلمات لغوية وكنى طفيلية وكنايات صوفية # قوله: ذات العويم، يعني به الزمان المتقادم، ومثله ذات الزمن. # والسمهرية: الرماح، وفي تسميتها بذلك قولان: أحدهما أنها سميت بذلك ~~لصلابتها، من قولهم: اسمهر الشيء، إذا اشتد وقيل إنها منسوبة إلى سمهر زوج ~~ردينة، وكانا جميعا يقومان الرماح بسوق هجر فنسبت إليهما. # وقوله: نقضا على نقض: أي مهزولا على مهزول. # و«الجران» باطن العنق، وقيل منه يعمل السباط. # وقوله: فضرب الله على الآذان، أي أنامنا، ومنه قوله عز وجل فضربنا على ~~آذانهم في الكهف [الكهف: 11]، أي أثمناهم. وقيل في تفسيره منعناهم السمع. # وقوله: تكرعنا لصلاة العجماوين، أي غسلنا أكارعنا، وهو كناية عن الضوء، PageV02P085 # والعجماوان: صلاتا الظهر والعصر، سميتا بذلك لإسرار القراءة فيهما، ومنه ~~الحديث: # «صلاة النهار عجماء» (¬1). # وقوله: هلم، أي قل هلم، وهي تأتي بمعنى هات وبمعنى أقبل، والأفصح أن يوحد ~~لفظهما مع المذكر والمؤنث والاثنين والجمع، وبه نطق القرآن في قوله تعالى: # والقائلين لإخوانهم هلم إلينا [الأحزاب: 18]، ومن العرب من يقول للمذكر ~~الواحد هلم، وللاثنين هلما، وللجمع: هلموا، وللمؤنث الواحدة هلمي وللاثنتين ~~هلما، وللجمع هلممن. # وقوله: حيهل: أي عجل وأسرع، يقال: حي هل بفلان ms0497 بتسكين اللام وفتحها، ~~وتنوينها وبإثبات النون معها، ومعه قول ابن مسعود في عمر رضي الله عنه: إذا ~~ذكر الصالحون فحي هلا بعمر، وفي حيهل لغات أخر أضربنا عن ذكرها، إذا ليس ~~هذا موضع استيفاء شرحها. # فهذا تفسير الألفاظ اللغوية. # وأما تفسير الكنى الطفيلية والكنايات الصوفية: # فأبو يحيى، كنية الموت. # وأبو عمرة: كنية الجوع، ويكنى أيضا أبا مالك. # وأبو جامع: الخوان. # وأبو نعيم: الخبز الحواري. # وأبو حبيب: الجدي. # وأبو ثقيف: الخل. # وأبو عون: الملح. # وأبو جميل: البقل. # وأم القرى: السكباج. # وأم جابر: الهريسة. # وأم الفرج: الجوذاب. # وأبو رزين: الخبيص. # وأبو القلاء: الفالوذق «كذا في الأصل». # وأبو إياس: الغسول. # والمرجفان: الطست والإبريق. وأبو السرو: البخور. PageV02P086 ### | AUTO المقامة العشرون وهي الفارقية # حكى الحارث بن همام قال: يممت ميافارقين، مع رفقة موافقين، لا يمارون في ~~المناجاة، ولا يدرون ما طعم المداجاة، فكنت بهم كمن لم يرم عن وجاره، ولا ~~ظعن عن أليفه وجاره. فلما أنخنا بها مطايا التسيار، وانتقلنا عن الأكوار ~~إلى الأوكار، تواصينا بتذكار الصحبة، وتناهينا عن التقاطع في الغربة، ~~واتخذنا ناديا نعتمره طرفي النهار، ونتهادى فيه طرف الأخبار، فبينا نحن به ~~في بعض الأيام، وقد انتظمنا في سلك الالتئام، وقف علينا ذو مقول جري، وجرس ~~جهوري، فحيا تحية نفاث في العقد، قناص للأسد والنقد، ثم قال: # *** # يممت: أي قصدت. ### || AUTO [ميافارقين] # ميافارقين، بلدة منها إلى نصيبين ثلاثون فرسخا، وميافارقين بديار بكر، ~~وهي من كور الجزيرة، وكان تملكها سيف الدولة، وذكرها المتنبي، فقال: # نجانف عن ذات اليمين كأنها ... ترق لميافارقين ونرحم # الفنجديهي: سمعت بعض الأدباء يقول: سميت ميافارقين، لأن ذا الرمة أو غيره ~~من العشاق، لو وصل إليها بالاتفاق، وشاهد وجوه أهلها الملاح، والعيون ~~السقيمة الصحاح، وعاين رشاقة القدود، ولباقة الخدود، وسواد الطرر، وبياض ~~الغرر، وسمرة الشفاه اللعس، وحمرة الوجنات والجباه الملس، لقال لصاحبته: ~~ميافارقيني، ولا ترافقيني، فلا يجوز التيمم مع وجود الماء، ولا حاجة إلى ~~الدواء بعد البرء والشفاء. # *** # قوله: «يمارون» أي يجادلون ولا يخالفون. المناجاة: المحادثة المداجاة: ~~المساترة بالعداوة. لم يرم: ms0498 لم يزل. يقال ما رامني ولا يريمني، أي لم يبرح ~~عني ولا زال، ولا يقال إلا منفيا وجاره: بلده، وأصله الجحر: ظعن: رحل. ~~أليفه: صاحبه. الأكوار: PageV02P087 # الرحال. الأوكار: البيوت، يريد أنهم أتموا سفرهم وبلغوا الوطن، فتركوا ~~النقلة وأقاموا في البيوت. تناهينا: نهى بعضنا بعضا. ناديا: مجلسا. نعتمره ~~طرفي النهار، أي نجلس فيه بالغدو والعشي طرف: غرائب. السلك: خيط النظام. ~~وانتظمنا: اجتمعنا فيه. # الالتئام: الاتفاق، يقال: لسان جريء مقدم على الكلام. جرس: صوت. جهوري: # عال. نفاث: ساحر، والعقد: ما يعقدها السحرة وينفثون عليها بالبصاق قناص: صائد. # النقد: غنم صغار. [السريع] # *** # عندي يا قوم حديث عجيب ... فيه اعتبار للبيب الأريب # رأيت في ريعان عمري أخا ... بأس له حد الحسام القضيب # يقدم في المعرك إقدام من ... يوقن بالفتك ولا يستريب # فيفرج الضيق بكراته ... حتى يرى ما كان ضنكا رحيب # ما بارز الأقران إلا انثنى ... عن موقف الطعن برمح خضيب # ولا سما يفتح مستصعبا ... مستغلق الباب منيعا مهيب # إلا ونودي حين يسمو له ... نصر من الله وفتح قريب # هذا وكم من ليلة باتها ... يميس في برد الشباب القشيب # يرتشف الغيد ويرشفنه ... وهو لدى الكل المفدى الحبيب # فلم يزل يبتزه دهره ... ما فيه من بطش وعود صليب # حتى أصارته الليالي لقى ... يعافه من كان منه قريب # قد أعجز الراقي تحليل ما ... به من الداء وأعيا الطبيب # وصارم البيض وصار منه ... من بعد ما كان المجاب المجيب # وآض كالمنكوس في خلقه ... ومن يعش يلق دواهي المشيب # وها هو اليوم مسجى فمن ... يرغب في تكفين ميت غريب # *** # واللبيب والأريب: كلاهما بمعنى العاقل. ريعان: أول. أخا بأس: صاحب شدة ~~الحسام القضيب: السيف القاطع. المعرك: موضع القتال، وأراد به فروج الأبكار. # الفتك: سفك الدم، وهو أيضا ركوب الرجل ما هم به. كرات: دفعات ورجعات. # ضنكا: ضيقا. رحيب: واسع. بارز: قاتل الأفران: الأمثال في الشدة وغيرها. انثنى: # رجع. خضيب: مخضوب، يريد أيضا افتضاض الأبكار. سما: ارتفع وقام. منيع، أي ~~صعب ممنوع مهيب: مخوف. يميس: يتبختر. يرتشف: يقبل ويمص ريقهن. # والترشف: ms0499 المص الكثير. والغيد: جمع غيداء، وهي اللينة المفاصل من النعمة، ~~وقيل: PageV02P088 # المائلة العنق في نعمة. يبتزه: يجرده. والبطش: القوة والتناول الشديد. ~~صليب: قوي شديد. لقى: طريحا. يعافه: يستثقله ويكرهه. تحليل: إذهاب وإزالة، ~~وتحلل الداء: # ذهب شيئا فشيئا. أعيا: غلب. صارم: قاطع. البيض: النساء الحسان. المجاب: ~~الذي تجيبه النساء لحاجته منهن. والمجيب: الذي يجيبهن لحاجتهن منه. آض: رجع: # المنكوس: المردود إلى حالته الأولى من الضعف، وأشار إلى قوله تعالى: الله ~~الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة ~~[الروم: 54]، فرده إلى الحالة الأولى، وهذا هو النكس في الخلق، والنكس في ~~المرض أن يمرض، ثم يبرأ ثم يمرض والنكس في السهام: أن ينكسر السهم، فيجعل ~~في الجعبة محولا الكسر إلى فوق، فإذا أدخل الرامي يده في الجعبة ليأخذ سهما ~~فوجده محولا تركه وأخذ غيره. دواهي المشيب: حوائج الشيخ من الضعف والعلل ~~وغير ذلك. # ونذكر هنا من الأدب ما يليق بالموضع. # *** ### || AUTO [الضعف والكبر] # دخل المستوغر بن ربيعة على معاوية وهو ابن ثلاثمائة سنة، فقال: كيف تجدك ~~يا مستوغر؟ فقال: أجدني قد لان مني ما كنت أحب أن يشتد، واشتد مني ما كنت ~~أحب أن يلين، وابيض مني ما كنت أحب أن يسود، واسود مني ما كنت أحب أن يبيض، ~~ثم أنشأ يقول: [الرجز] # سلني أنبئك بآيات الكبر ... نوم العشاء وسعال بالسحر # وقلة الطعم إذا الزاد حضر ... وتركك الحسناء من قبل الظهر # * والناس يبلون كما تبلى الشجر* # ثم قال: ألا أخبركم بجيد العنب؟ هو ما زوي عموده، واخضر عوده، وتفرق ~~عنقوده. ألا أخبرك بجيد الرطب؟ هو ما كبر لحاه، وصغر نواه، ورق سحاه. # وفي الزبور: من بلع السبعين اشتكى من غير علة. # وقال ابن أبي معن: [البسيط] # من عاش أخلقت الأيام جدته ... وخانه ثقتاه السمع والبصر # *** # قوله مسجى: أي مغطى. # ووصف في أول الشعر ذكره بالشدة وفي آخره باللين، وأذكر من الصفتين ما ~~يكون من شرط ما ذكر. PageV02P089 # حكى أبو زياد الكلابي، قال: كان ms0500 عندنا أبو الغريب شيخا فتزوج ولم يولم، ~~فاجتمعنا على باب خبائه فصحنا: أولم ولو بيربوع، أو بقرد مجذوع، قتلتنا من الجوع: # فأولم، فلما عرس غدونا عليه فقلنا: [الرجز] # يا ليت شعري عن أبي الغريب ... إذ بات في مجاسد وطيب # معانقا للرشإ الربيب ... أأخمد المحفار في القليب # * أم كان رخوا يابس القضيب* # فصاح: يابس القضيب والله! ثم أنشأ يقول: [البسيط] # سقيا لعهد خليل كان يأدم لي ... زادي ويذهب عن زوجاتي الغضب # كان الخليل فأضحى قد تخونه ... مر الزمان وتطعاني به الثقب # يا صاح أبلغ ذوي الزوجات كلهم ... أن ليس وصل إذا انحلت عرا الذنب # والقوافي وقعت في لفظ يعقوب موقوفة. وعرا الذنب: عروق الذكر. # وكان أبو البيداء الأعرابي عنينا، وكان يتجلد ويقول لقومه: زوجوني ~~امرأتين، فيقولون: أما واحدة كفاية! فيقول: أما لي فلا، فزوجوه أعرابية، ~~وقالوا له: إن كفتك وإلا زوجناك الأخرى، فدخل بها، وأقام عليها أسبوعا ~~فزاره إخوانه في اليوم السابع، فقالوا له: يا أبا البيداء، ما كان من أمرك ~~في الأول؟ فقال: عظيم جدا، فقالوا: ففي اليوم الثاني، فقال أعظم وأجل، ~~قالوا: ففي اليوم الثالث، قال؛ لا تسألوا، فقالت امرأته من وراء الستر: ~~[الكامل] # كان أبو البيداء ينزو في الوهق ... حتى إذا ما حل في بيت أفق # فيه غزال حسن الدل خرق ... مارسه حتى إذا ارفض العرق # * تكسر المفتاح وانسد الغلق* # الوهق: حبل يفتح فيه عين واسعة تؤخذ بها الدابة، والأفق الجيد. وينزو: ~~يمتد ويقصر. # وتزوج الفرزدق بامرأة من مجاشع، فعجز عنها فقال: [البسيط] # يا لهف نفسي على نعظ فجعت به ... حين التقى الركب المحلوق والركب (¬1) # ما أبعد ما بين حالته هذه وبينها وقد لقيته جارية، فنظرها نظرا شديدا، ~~فقالت له: # ما لك تنظر، فو الله لو كان لي ألف حر ما طمعت في واحد، قال: ولم يا ~~لخناء؟ قالت: # لقبح منظرك وسوء مخيرك فيما أرى، فقال لها: أما والله لو خبرتني لغفر ~~مخبري على PageV02P090 # منظري، ثم كشف لها وأراها مثل ذراع البكر، فكشفت له عن مثل سنام البعير، ms0501 ~~فتسنمها، وقال: [السريع] # أدخلت فيها كذراع البكر ... مدملج الرأس شديد الأسر # زاد على شبر ونصف شبر ... كأنما أولجته في جمر # وسمع بشار كلام امرأة، فأحبها وأرسل لها أن تواصله، وألح عليها، فقالت ~~لرسوله؛ أي معنى له في أولي فيه، وهو أعمى لا يراني، فيعرف جمالي، وهو قبيح ~~الوجه لا حظ لي فيه! فليت شعري لأي شيء يطلب وصال مثلي! فأدى إليه الرسول ~~كلامها، فقال عد إليها فقل لها: [الكامل] # أيري له فضل على آيارهم ... وإذا أشط سجدن غير أوابي (¬1) # تلقاه بعد ثلاث عشرة قائما ... نظر المؤذن شك يوم سحاب # وكأن هامة رأسه بطيخة ... حملت إلى ملك بدجلة جابي # وعشق امرأة وتردد رسوله إليها حتى أبرمها، فشكته إلى زوجها، فقال: أجيبيه ~~وعديه إلى هنا، ففعلت ووجهت له، فجاء ولم يعرف بزوجها، فقال لها: ما اسمك ~~بأبي أنت وأمي! فقالت: أمامة، فقال: [الكامل] # أمامة قد وصفت لنا بحسن ... وإنا لا نراك فألمسينا # فوضعت يده على أير زوجها، وقد أنعظ لحسن حديثها معه، ففزع ووثب قائما ~~وقال: [الوافر] # علي ألية ما عشت حيا ... أمسك طائعا إلا بعود # ولا أهدي لأرض أنت فيها ... سلام الله إلا من بعيد # طلبت غنيمة فوضعت كفي ... على أير أشد من الحديد # فخير منك من لا خير فيه ... وخير من زيارتكم قعودي # فقبض زوجها عليه، وقال: هممت أن أفضحك، فقال: كفاني فديتك ما فعلت بي، ~~والله لا أعود لمثلها أبدا. # سمع الحكم بن عبدل امرأة تتمثل بقوله: [الطويل] # وأعسر أحيانا فتشتد عسرتي ... فأدرك ميسور الغنى ومعي عرضي # فقال لها: يا أخية، أتعرفين قائل هذا الكلام؟ قالت: هو ابن عبدل، قال: ~~أفتعرفينه عينا؟ فقالت: لا، والله، فقال: أنا هو، والذي أقول: [الطويل] PageV02P091 # وأنعظ أحيانا فينقد جلده ... وأعذله جهدي فلا ينفع العذل # وأزداد نعظا حين أسمع جارتي ... فأوثقه كل ما يثوب له عقل # وربتما لم أدر ما حيلتي بهن ... إذا هو آذاني وغربه الجهل # فآويته في بطن جاري وجارتي ... مكابرة قدما وإن رغم الفحل # فقالت المرأة: بئس الجار والله للمغيبة أنت، ms0502 قال: إي والله وللتي معها ~~زوجها وابنها وأخوها، أين قول هذا على إسلامه من قول عنترة على جاهليته: ~~[الكامل] # وأغض طرفي ما بدت لي جارتي ... حتى يوارى جارتي مأواها (¬1) # إني امرؤ سمح الخليقة ماجد ... لا أتبع النفس اللجوج هواها # وقال أبو الرقعمق: [الرمل] # كل يوم أنا من أيري ... في أمر عجاب # ليس يخليني من هم ... وحزن واكتئاب # عينه في كل من دب ... على وجه التراب # لم يدع لي ذهبا إلا ... رماه بالذهاب # وابتدى المشؤم أن يع ... مل في بيع الثياب # لعنة الله علي ... ه وبراغيث الكلاب # وللمفجع البصري في ضد ما تقدم، والمفجع صاحب ابن دريد، والقائم مقامه ~~بالبصرة في الإملاء: [الخفيف] # لي أير أراحني الله منه ... صار همي به عريضا طويلا # نام إذ زارني الحبيب عنادا ... ولعهدي به ينيك الرسولا # حسبت زورة علي لحيين ... وانصرفنا وما شفينا غليلا # ولراشد بن إسحاق: [الخفيف] # طالمنا قمنت كالمنارة نهتز ... اهتزازا تسمو إليه العيون # رب يوم رفعت فيه ثيابي ... فكأني في مشيتي مختون # فحنت قوسك الخطوب وأفنت ... ك فتون تفنى عليها الفنون # لم يدع منك حادث الدهر إلا ... جلدة كالرشاء فيها غضون # تتثنى كأنها صولجان ... أو كما حرفت من الخط نون PageV02P092 # وله أيضا فيه: [البسيط] # كأنه حين أطويه وأنشره ... سير يلف على دوامة الزيق # وإن يقم قلت قثاة معنفقة ... أو عروة ركبت في رأس إبريق # وله أيضا فيه: [البسيط] # أير ضعيف المتن رث القوى ... لو شئت أن أعقده لا نعقد # إن يمس كالبقلة في لينها ... فطالما أصبح مثل الوتد # وله أيضا فيه: [الطويل] # ينام على كف الفتاة وتارة ... له حركات ما يحس بها الكف # كما يرفع الفرخ ابن يومين رأسه ... إلى أبويه ثم يدركه الضعف # الفنجديهي: سمعت الحافظ أبا جعفر المروزي يقول: مازحت شيخنا نجيب بن ~~ميمون الواسطي يوما- وكان شيخا دمثا ظريفا- فقلت له: أخبرني هل بقي- من ~~سلطان الهوى شيء؟ وهل نقوم للخدمة العكازة الميمونية؟ فقال: آه آه، ثم ~~أنشد: [الطويل] # تعقف فوق الخصيتين كأنه ... رشأ على رأس الركية ملتف # كفرخ ابن ذي يومين ms0503 يرفع رأسه ... إلى أبويه ثم يدركه الضعف # وأنشد أيضا: [البسيط] # يقوم في الليل عند البول منحنيا ... كأنه قوس نداف بلا وتر # ولا يقوم إذا نبهته سحرا ... كما تقوم أيور الناس في السحر # ثم بكى بكاء شديدا، وذكرنا ووعظنا. # وهذه الأبيات المنسوبة لراشد بن إسحاق كلها من قصائد له مطولة في هذا ~~الفن، وأكثر شعره فيه، وله فيه شعر كثير؛ ومنه انتزع الحريري قصيدته في هذه ~~المقامة. # *** # ثم إنه أعلن بالنحيب، وبكى بكاء المحب على الحبيب. ولما رقأت دمعته، ~~وانفثأت لوعته، قال: يا نجعة الرواد، وقدوة الأجواد، والله ما نطقتببهتان، ~~ولا أخبرتكم إلا عن عيان، ولو كان في عصاي سير، ولغيمي مطير؛ لاستأثرت بما ~~دعوتكم إليه، ولما وقفت موقف الدال عليه، ولكن كيف الطيران بلا جناح، وهل ~~على من لا يجد من جناح! # *** PageV02P093 # قوله: «أعلن» أي رفع صوته. والنحيب: البكاء. وفي بكاء المحب على الحبيب ~~يقول الشاعر وزاد معنى: [المتقارب] # أتتني تؤنبني في البكاء ... فأهلا بها وبتأنيبها # تقول وفي قولها حكمة ... أتبكي بعين تراني بها! # فقلت: إذا استحسنت غيركم ... أمرت البكاء بتأديبها # قوله: رقأت، أي انقطعت. انفثأت: انكسرت وسكنت. لوعته: حرقته. النجعة: # المرعى. الرواد: الطالبون لها. بهتان: باطل. عيان: معاينة. # قوله: «في عصاي سير» مثل يضرب لمن ليس عنده منفعة ولا له قوة. والسير: # الشراك يدخل في ثقب في رأس العصا ويعقد منه حلقة، يدخل فيها يده التي ~~تمسك العصا، فتكون أشد لاعتماده عليها، وضربه بها، فجعل عصاه عاطلة من ~~سيرها، وهو يريد أن لا منفعة عنده. # وأنشدوا: [الرجز] # يا لك من همة وخير ... لو كان لي في عصاي سير # صبرا على النائبات صبرا ... ما يصنع الله فهو خير # فمن قليل بدا كثير ... كم مطر بدؤه مطير # *** ### || AUTO [مما قيل في العصا] # وذكر الجاحظ فوائد العصا، فمنها: سئل يونس عن قول الله عز وجل: ولي فيها ~~مآرب أخرى [طه: 18] فقال: لست أحيط بجميع مآرب موسى، لكني أذكر جملة تدخل ~~في باب الحاجة إليها: # من ذلك أنها تحسل للحية والعقرب والذئب والفحل ms0504 الهائج، ويتوكأ عليها ~~الكبير والسقيم والأقطع والخطيب والأعرج، فتنوب للأعرج عن ساق أخرى [وتنوب] ~~للأعمى عن قائده. وهي للقصار والدباغ وهي المفأد للملة ومحراك للتنور، ولدق ~~الجص والسمسم، ولخبط الشجر، وللشرطي والمكاري، وللراعي غنمه، وللراكب ~~مركبه، ووتد في الحائط، وتركزها فتجعلها قبلة، وإن شئت مظلة، وتدخلها في ~~عروة المزود وطرفها في يدك، والثاني في يد صاحبك، وإن كان فيها زج كانت ~~عنزة، فإن زدت شيئا، كانت عكازا، فإن زدت شيئا كانت مطردا، وإن زدت شيئا ~~كانت رمحا. # وكانت آيات موسى صلوات الله وسلامه عليه في عصاه، وكانت لا تفارق يد ~~سليمان عليه الصلاة والسلام في مقاماته، حتى سلط الله الأرضة وهو ميت فسقط، ~~فكانت للجن آية. PageV02P094 # وكان الحكم بن عبدل أعرج أحدب هجاء خبيث الهجاء، وكان الشعراء يقفون ~~بأبواب الملوك فلا يؤذن لهم، وكان يكتب على عصاه حاجته ويبعث بها، فلا تؤخر ~~له حاجة، فقال يحيى بن نوفل: [الطويل] # عصا حكم في الباب أول داخل ... ونحن على الأبواب نقصى وتحجب # وكانت عصا موسى لفرعون آية ... وهذي لعمر الله أدهى وأعجب # تطاع فلا تعصى ويحذر أمرها ... ويرغب في المرضاة منها وترهب # فضحك الناس منها وشاعت بالكوفة، وصارت ضحكة، فاجتنب أن يكتب عليها. # وكان لابن عبدل صديق أعمى يقال له يحيى ابن علية، وكان ابن عبدل قد أقعد، ~~فخرجا ليلة إلى منزل بعض إخوانهما، وابن عبدل يحمل والأعمى يقاد، فلقيهما ~~صاحب العسس، فأخذهما وحبسهما. فنظر ابن عبدل إلى عصا ابن علية في الحبس إلى ~~جانب عصاه، فضحك وقال: [مجزوء الكامل] # حبسي وحبس أبي علي ... ة من أعاجيب الزمان # أعمى يقاد ومقعد ... لا الرجل منه ولا اليدان # يا من رأى ضب الفلا ... ة قعيد موت في مكان # طرفي وطرف أبي علي ... ة دهرنا متوافقان # من يفتخر بجواده ... فجيادنا عكازتان # وقال أيضا: [الطويل] # أقول ليحيى ليلة السجن سادرا ... ونومي به نوم الأسير المقيد # أعني على حفظ النجوم ورعيها ... أعنك على تحبير شعر مقصد # ففي حالتينا عبرة وتفكر ... وأعجب من ذا حبس أعمى ومقعد # كلانا ms0505 إذا العكاز فارق كفه ... ينيخ صريعا أو على الكف يسجد # فعكازة تهدى إلى السبل أكمها ... وأخرى مقام الرجل قامت مع اليد # وولي إمرة الكوفة أعرج وولي شرطتها أعرج، فقصد الأمير ابن عبدل وهو أعرج، ~~ووجد سائلا أعرج فقال: [الكامل] # ألق العصا ودع التخامع والتمس ... عملا فهذي دولة العرجان # لأميرنا وأمير شرطتنا معا ... يا قومنا لكليهما رجلان # فإذا يكون أميرنا ووزيرنا ... وأنا فإن الرابع الشيطان # فبعث إليه الأمير بمائتي درهم فضة وسأله أن يكف. PageV02P095 # وكثيرا ما تصرف الشعراء في ذكر عصا موسى عليه السلام على أغراضهم، فمنها ~~ما يحسن ومنها ما يقبح. وقال ابن سارة: [البسيط] # ولي عصا من طريق الذم أحمدها ... بها أقدم في تأخيرها قدمي # كأنها وهي في كفي أهش بها ... على ثمانين عاما لا على غنمي # كأنني قوس رام وهي لي وتر ... أرمي عليها سهام الشيب والهرم # وقال أبو بكر البلوي: [الطويل] # كأن يميني حين حاولت بسطها ... لتوديع إلفي والهوى يصرف الدمعا # يمين ابن عمران وقد حاول العصا ... وقد جعلت تلك العصا حية تسعى # قال ابن رشيق: كنت أميل إلى قينة اسمها ليلى، فعشقها بعض خدام الحصون، ~~وكان يحسب خدمتها وكنسها منزله لا يثلم جاه متوليها فنهيته عنها فلم ينته، ~~فقلت فيه: [الخفيف] # ظن أن الحصون ملك سليما ... ن وليلى بجهله بلقيسا # وله في العصا مآرب أخرى ... حاش لله أن تكون لموسى # وقال الصابي: [الكامل] # يبدي اللواط مغالطا وعجانه ... أبدا لأغراض الورى يستهدف # فكأنه ثعبان موسى إذ غدا ... لحبالهم وعصيهم يتلقف # وقال الصاحب: [السريع] # هذا ابن متويه له آية ... يبتلع الأير وأقصى الخصى # يكفر بالرسل جميعا سوى ... موسى بن عمران لأجل العصا # وقال أبو الفرج الأصبهاني في القاضي الأيذجي، والشمس منه عكازة فلم يعطها ~~إياه: [البسيط] # اسمع حديثي تسمع آية عجبا ... لا شيء أعجب منه يبهر القصصا # طلبت عكازة للرجل تحملني ... ورمتها عند من يخفي العصا فعصى # وكنت أحسبه يهوى عصا عصب ... ولم أكن خلته صبا بكل عصا # ولما قدم قتيبة بن مسلم واليا على خراسان سقطت المخصرة ms0506 من يده، فتطير به ~~أهل خراسان، فقال: يا أهل خراسان ليس كما ظننتم، ولكن كما قال الشاعر: ~~[الطويل] # فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر # وأما قول الشاعر: [الطويل] # وبكفيك ألا يرحل الضيف لائما ... عصا العبد والبئر التي لا تميهها PageV02P096 # فقال يعقوب: البئر هنا حفرة تجعل فيها الملة وتجعل عليها الخبزة، والعصا ~~تقلب بها الخبزة على الملة، وينفض بها الرماد. # وقال آخر: [الطويل] # إذا جاء ثقاف يجر قناته ... طويل العصا نكبته عن شياهنا # فالثقاف الرسول بين المريب والمريبة، يأتي كالسائل، فإذا وقف ثقف الأرض ~~بعصاه، فإذا سمعت المرأة ذلك خرجت إليه، فأبلغها الرسالة، فثقفه علامة ~~بينهما وأراد بالشياه النساء. # قوله: «غيمي»، أي سحابي. مطير: تصغير مطر، أي لو كان لي قوة ومال لآثرت ~~بذلك نفسي. استأثرت: اختصصت. جناح: إثم. # *** # قال الراوي: فطفق القوم يأتمرون فيما يأمرون، ويتخافتون فيه يأتون، فتوهم ~~أنهم يتمالئون على صرفه بحرمان، أو مطالبته ببرهان، ففرط منه أن قال: يا ~~يلامع القاع، ويرامع البقاع، ما هذا الارتياء، الذي يأباه الحياء، حتى ~~كأنكم كلفتم مشقة لا شقة، أو استوهبتم بلدة لا بردة، أو هززتم لكسوة البيت، ~~لا لتكفين الميت، أف لمن لا تندى صفاته، ولا ترشح حصاته! # فلما بصرت الجماعة بذلاقته، ومرارة مذاقته، رفأه كل منهم بنيله، واحتمل ~~طله خوف سيله. # *** # يأتمرون: يتشاورون. يتخافتون: يتكلمون سرا. فيما يأتون، أي فيما يفعلون معه. # توهم ظن. صرفه. رده. # حرمان: خيبة. برهان: حجة. فرط: سبق: يلامع: جمع يلمع وهو السراب. القاع: # منخفض الأرض. يرامع: جمع يرمع وهي الحصى البيض، وقيل الحجارة الرخوة. # البقاع: جمع بقعة، وأراد أن لهم ظاهرا وليس لهم خبرة، كالسراب يخيل أنه ~~ماء ولا حقيقة له، واليرمع تظنه فضة وهو حجر. # الارتياء: تدبير الرأي، وأصله الهمز لأنه من الرأي. استوهبتم: طلبت منكم هبة. # بردة: ثوب يلبس. هززتم: حركتم. البيت: الكعبة. # أف: خيبة، وقد تقدم أن الصخرة والحصاة يكنى بهما عن يد البخيل ذلاقته: ~~حدة لسانه. رفأه: وصله. والطل والسيل هنا: القليل والكثير. # *** PageV02P097 # قال الحارث بن ms0507 همام: وكان هذا السائل واقفا خلفي، ومحتجبا بظهري عن طرفي. ~~فلما أرضاه القوم بسيبهم، وحق علي التأسي بهم خلجت خاتمي من خنصري، ولفت ~~بصري، فإذا هو شيخنا السروجي بلا فرية ولا مرية، فأيقنت أنها أكذوبة ~~تكذبها، وأحبولة نصبها، إلا أنني طويته على غره، وصنت شغاه عن فره، فحصبته ~~بالخاتم، وقلت: أرصده لنفقة المآتم، فقال: واها لك فما أضرم شعلتك، وأكثر ~~فعلتك، ثم انطلق يسعى قدما، ويهرول هرولته قدما. # *** # سيبهم: عطاؤهم. وحق: وجب. التأسي: الاقتداء. خلجت: جذبت وأخرجت. # الخنصر: الأصغر من الأصابع، ويليها البنصر ثم الوسطى ثم السبابة وتسمى ~~المسبحة والمشيرة، ثم الإبهام، وقال أبو العلاء المعري: [المتقارب] # شغلت عن المرء من خمسة اث ... نيتن فخصهما المفخر # يشار إليك بسبابة ... وتثني على فضلك المخنصر # فمن أجل ذا رفعت هذه ... إلى خالق الخلق تستغفر # ومن أجل ذا كسيت خاتما ... يزين وعريت البنصر # وقال صريع الغواني يلغز بخاتم: [الطويل] # وأبيض أما رأسه فمدور ... نقي وأما جسمه فمعار # ولم يتخذ إلا لتسكن وسطه ... خضيبة رأس ما عليه خمار # لها أخوات أربع هن مثلها ... ولكنها الصغرى وهن كبار # لفت: رددت. فرية: كذب. مرية: شك، وتقول: بين القوم أكذوبة يتكاذبون بها، ~~أي أحاديث كذب. تكذبها: استفعلها. أحبولة: آلة يصاد بها. وطويته على غره، ~~أي سترت عليه طريقته الملتزمة من الحيل، والغر بالنقط: كسور الثوب، يقال: ~~اطو الثوب على غره، أي على كسور طيه الأولى. # جابر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «طي الثوب راحته». # صنت: حفظت وكتمت: شغاه: عيبه. فره. كشفه. والشغا: بروز سن على أخواتها، ~~وخروج الحنك الأعلى على الأسفل. # وحصبته: رميته، والحصباء: الحصى الصغار، وحصبته: رميته بالحصباء، ~~فاستعاره للخاتم. # أرصده: أعده. واها: عجبا. ما أضرم شعلتك، أي ما أكبر توقد ذهنك، والشعلة PageV02P098 # لسان النار، وإنما تعجبت منه لأنه قد عرفه وأعلمه أنه قد عرف مكره حين ~~قال له: # أرصده، ثم ستر عليه، وأهل الشرق يتختمون ويتصدقون بخواتمهم. وفي البديعية ~~بعد تشك تقدم من أبي الفتح: قال ابن هشام: فو الله ما أنسني عن وحدتي ms0508 إلا ~~خاتم ختمت به خنصره، فلما تناوله أنشأ يقول: [الكامل] # وممنطق من نفسه ... بقلادة الجوزاء حسنا # متألف من غير أس ... رته على الأيام خدنا # كمتيم لقي الحبي ... ب فضمه شغفا وحزنا # علق سني قدره ... لكن من أهداه أسنى # أقسمت لو كان الورى ... في المجد لفظا كنت معنى # قال: فتبعته حتى سفرت الخلوة وجهها، فإذا والله أبو الفتح، والطلا ~~زغلوله، فقلت أبا الفتح، شبت وشب الغلام، فأين الكلام، وأين السلام؟ فقال: ~~[المتقارب] # غريبا إذا جمعتنا الطريق ... ألوفا إذا نظمتنا الخيام # قوله، يسعى، أي يسرع المشي. قدما: أي قدامه وقبالته. يهرول: يسرع، ~~والهرولة جري بين المشي والعدو. قدما، أي قديما وأولا، ومعناها كما فعل في ~~أول مرة حين سعى قدما. # *** # فنزعت إلى عرفان ميته، وامتحان دعوى حميته، فقرعت ظنبوبي، وألهبت ألهوبي، ~~حتى أدركته على غلوة، واجتليته في خلوة، فأخذت بجمع أردانه، وعقته عن سنن ~~ميدانه، وقلت له: والله ما لك مني ملجأ ولا منجى، أو تريني ميتك المسجى، ~~فكشف عن سراويله، وأشار إلى غرموله. فقلت له: قاتلك الله! فما ألعبك ~~بالنهي، وأحيلك على اللهي! ثم عدت إلى أصحابي عود الرائد الذي لا يكذب ~~أهله، ولا يبرقش قوله، فأخبرتهم بالذيرأيت وما وريت ولا راءيت، فقهقهوا من ~~كيت وكيت، ولعنوا ذلك الميت! # *** # نزعت: اشتقت. امتحان: تجربة. قرعت: ضربت. ظنبوب: مقدم عظم الساق، ويقال: ~~قرع لهذا الأمر ظنبوبه، إذا أسرع وجد فيه، ويبينه قول سلامة بن جندل: ~~[البسيط] # كنا إذا أتانا صارخ فزع ... كان للصراخ له قرع الظنابيب (¬1) PageV02P099 # أي كانت إغاثتنا له إسراعنا في نصرته. ألهبت: أشعلت. ألهوبي: شدة جربي. # والغلوة: مقدار رمية السهم. اجتليته: نظرته. بجمع أردانه، أي بجميع أطراف ثوبه. # عقته: صرفته عن وجهه. سنن: طريق. ميدانه: موضع جرية وطلقه. ملجأ: موضع ~~يلجأ إليه. منجى: موضع تنجو فيه. غرموله: ذكره. قاتلك الله، أي قتلك الله؛ ~~وأكثر ما يقع فاعلت على الاثنين، وقد يكون عن الواحد، نحو ناولت وسافرت؛ ~~وقيل: معنى قاتله، لعنه، وقيل عاداه. النهي: العقول، واحدها نهية، ومنه ~~نهيته عن كذا فانتهى. ms0509 واللها: # العطايا، واحدها لهوة، وأصله القبضة من الطعام، تجعل في فم الرحا. يكذب: ~~يحدث بالكذب: يبرقش: يزين، والبرقشة التزيين بألوان شتى. وريت، يقال: رويت ~~الخبر أوريه تورية: سترته وأظهرت غيره، وفي الحديث الشريف، أنه صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا أراد سفرا، ورى بغيره، وهو مأخوذ من الوراء، كأنه جعل ~~الخبر وراءه ولم يظهره. راءيت: استعملت الرياء، يريد أنه صرح لهم بذكر ~~العورة، ولم يكن عنها. فقهقهوا: أكثروا الضحك. # أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إياك ~~وكثرة الضحك فإنه يميت القلب» (¬1). والقهقهة من الشيطان والتبسم من الله ~~من كيت وكيت، أي من هذه القصة التي أسمعهم؛ وكيت وكيت، كناية عن الحديث ~~المدمج المتداخل. والله أعلم. PageV02P100 ### | AUTO المقامة الحادية والعشرون وهي الرازية # حدث الحارث بن همام قال: عنيت مذ أحكمت تدبيري، وعرفت قبيلي من دبيري، ~~بأن أصغي إلى العظات، وألغي الكلم المحفظات، لأتحلى بمحاسن الأخلاق، وأتخلى ~~مما يسم بالأخلاق. وما زلت آخذ نفسي بهذا الأدب، وأخمد به جمرة الغضب؛ حتى ~~صار التطبع فيه طباعا، والتكلف له هوى مطاعا. # عنيت، أي شغلت. أحكمت: أتقنت. قبيلي من دبيري، أي ما أقبل عليه من أمري ~~وما أدبر عنه. ابن الأنباري: ما يعرف قبيلا من دبير، أي ما يعرف الإقبال من ~~الإدبار، أي ما يعرف ما أقبل به من القبل إلى الصدر مما أدبر عنه. وقيل: ~~معناه: ما يعرف الشاة المقابلة من المدابرة، والمقابلة التي شق أذنها إلى ~~قدام، والمدابرة التي شق أذنها من مؤخرها، وترك ما قطع معلقا إلى خلف لا يبين. # أصغي: أميل. العظات: هي المواعظ. ألغي: أترك. الكلم: جمع كلمة المحفظات: ~~المغضبات. أتحلى: أتزين وأتصف. وأتخلى: أزول وأتفرغ، وتخليت من كذا: تركته. ~~يسم: يجعل سمة. الإخلاق: العيوب وتمزيق العرض وأصله في الثوب. # أخمد: أسكن. ### || AUTO [الطبع والتطبع] # والتطبع له في الطبيعة أثر، وإن لم تذهب الطبيعة بالجملة، لأنه اتفقت ~~العرب والعجم على قولهم: الطبع أملك. وكان ملك من ملوك الفرس، له وزير مجرب ~~حازم، فكان ms0510 يعرف اليمن في مشورته، فهلك وقام ابنه بعده، فلم يرفع به رأسا، ~~فذكر له مكانته من أبيه، قال: كان أبي يغلط فيه، وسأريكم ذلك فأحضره، وقال ~~له: أيهما أغلب على الرجل؟ الأدب أو الطبيعة؟ فقال: الطبيعة لأنها أصل ~~والأدب فرع، وكل فرع يرجع إلى أصله. فدعا الملك بسفرة، فوضعت، وأقبلت ~~سنانير بأيديها الشمع، فوقفت حول السفرة، فقال له: اعتبر خطأك وضعف مذهبك، ~~متى كان أبو هذه السنانير شماعا؟ فقال له: # أمهلني في الجواب إلى الليلة المقبلة، فقال: لك ذلك، فخرج الوزير، وأمر ~~غلامه أن يسوق له فأرة فساقها حية فربطها بخيط وعقدها في سينية. فلما راح ~~إلى الملك وضعها PageV02P101 # في كمه، ودخل فأحضر السفرة والسنانير فألقى لها الوزير الفأرة، فاستبقت ~~السنانير إليها، وتطاير الشمع حتى كاد البيت يضطرم عليهم نارا، فقال للملك: ~~كيف رأيت غلبه الطبع للأدب! قال: صدقت ورجع له ما كان عليه أبوه. وقال ذو ~~الإصبع: [البسيط] # كل امرئ راجع يوما لشيمته ... وإن تخلق أخلاقا إلى حين # وقال المتنبي: [الطويل] # أبي خلق الدنيا حبيبا تديمه ... فما طلبي منها حبيبا ترده؟ (¬1) # وأيسر مفعول فعلت تغيرا ... تكلف شيء في طباعك ضده # وقال العرجي: [البسيط] # يا أيها المتحلي غير شيمته ... ومن شمائله التبديل والملق (¬2) # ارجع إلى خلقك المعروف ديدنه ... إن التخلق يأتي دونه الخلق # وقال المتنبي أيضا: [المتقارب] # يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل (¬3) # وقال الشريف: [الكامل] # هيهات لا تتكلفن لي الهوى ... فضح التطبع شيمة المطبوع (¬4) # وقال ابن طاهر الأندلسي: [البسيط] # نقل الطباع من الإنسان ممتنع ... صعب إذا رامه من ليس من أربه # يريد شيئا وتأباه طبائعه ... والطبع أملك للإنسان من أدبه # فيريد أنه راض نفسه على اتباع الخير وبعد الشر، حتى انقادت له إلى ما ~~يريد، والتطبع استعمال غير ما في طبعك، والتكلف استعمال ما لا تقدر عليه ~~إلا بمشقة. # *** PageV02P102 # فلما حللت بالري، وقد حللت حبا الغي، وعرفت الحي من اللي، رأيت بها ذات ~~بكرة، زمرة في إثر زمرة، وهم منتشرون انتشار الجراد، ومستنون استنان ~~الجياد، ومتواصفون واعظا ms0511 يقصدونه، ويحلون ابن سمعون دونه. ### || AUTO [الري] # قوله: «فلما حللت بالري»: # الري: أرض على جادة خراسان، واسم مدينة الري المهدية، سميت بهذا الاسم، ~~لأن المهدي تولاها في خلافة المنصور لما توجه إلى خراسان لمحاربة عبد ~~الجبار بن عبد الرحمن الأزدي، وبها ولد الرشيد، والمهدي أقام بها عدة سنين ~~فشيد بناءها وأتقنه، وأرضع نساء الوجوه من أهلها الرشيد. وأهل الري أخلاط ~~من العرب، والعجم قليل فيها. وافتتحها قرط بن كعب الأنصاري في خلافة عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه. # ويشرب أهلها من عيون كثيرة وأودية عظيمة، وبها واد عظيم يأتي من بلاد ~~الديلم يقال له نهر عيسى، ولكثرة مياه البلد كثرت ثماره وجناته وأشجاره، ~~وله رساتيق (¬1) وأقاليم. # ونسب إليها الرازي، وهو من شاذ النسب. # وكتب الحجاج إلى قتيبة بن مسلم: ما يقيمك بأرض الفراعنة والجبابرة! سر ~~إلى خراسان، أرض الفضة والعقيان، والجواري الحسان. # *** # وتقدم الحبا. والغي: الضلال، والعرب تقول: ما يعرف الحي من اللي، والحو ~~من اللو، تقوله لمن تستجهله وتنفي عنه الفطنة، وتصريفها أن الحي مصدر حويت ~~الشيء حزته وجمعته، ولويت الرجل: مطلته ومنعته حقه لوا وليا وليانا، فالحي ~~مدح واللي ذم، فكأنه إذا قال: عرفت الحي من اللي إنما قال: عرفت الخير من ~~الشر، وما يضر مما ينفع، وعرفت الحي من اللي. وقبيلي من دبيري، إنما ~~يستعملان في النفي. وتجوز أبو محمد في استعمالهما في الإيجاب حيث كان أصلا للنفي. # الزمرة: الجماعة، وتقول: فلان إثر فلان أي خلفه وقريبا منه، كأنه يتبع ~~أثره إذا رفع هذا قدمه وضع الآخر قدمه في الموضع. منتشرون: متفرقون مستنون: جارون. # متواصفون: يصفه بعضهم لبعض. # *** ### || AUTO [ابن سمعون الواعظ] # ابن سمعون: هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن إسماعيل بن عيسى بن إسماعيل PageV02P103 # المعروف بابن سمعون، الواعظ. وكان وحيد عصره وفريد دهره في الإخبار عما ~~هجس في الأفكار، وليا من الأولياء الأخيار، كلامه في الوعظ نافع، ونصحه في ~~القلوب ناجع، ومجاله في تصاريف الكلام على الخواطر رحب واسع. وكان يقال له: ~~الشيخ المنطق بالحكمة. ms0512 # وحدث أبو الطاهر محمد بن علي العلاف قال: حضرت ابن سمعون يوما وهو في ~~مجلس الوعظ على كرسيه، وكان أبو الفتح القواس جالسا إلى جنب الكرسي، فغشيه ~~النعاس فنام، فأمسك أبو الحسن عن الكلام ساعة حتى استيقظ أبو الفتح ورفع ~~رأسه، فقال له: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في نومك؟ فقال نعم، فقال أبو ~~الحسن: لذلك أمسكت عن الكلام خوفا أن تنزعج وتنقطع عن الكلام الذي كنت فيه. # وذكر أبو علي الهاشمي، قال: حكى لي مولى الطائع لله تعالى، قال: أمرني ~~الطائع أن أوجه إلى ابن سمعون فأحضره دار الخلافة، ورأيت الطائع على صفة من ~~الغضب- وكان يتقى في تلك الحال، لأنه كان ذا حدة- فبعثت إلى ابن سمعون وأنا ~~مشغول القلب لأجله، فلما حضر، أعلمت الطائع حضوره- فجلس مجلسه، وأذن له في ~~الدخول فسلم عليه بالخلافة، ثم أخذ في وعظه فأول ما ابتدأ به أن قال: روي ~~عن أمير المؤمنين علي ابن أبيطالب رضي الله عنه ... وذكر خبرا، ولم يزل ~~يجري في ميدان الوعظ حتى بكى الطائع وسمع شهيقه، وابتل منديله بين يديه ~~بدموعه، فأمسك ابن سمعون حينئذ، ودفع إلي درجا فيه طيب وغيره، فدفعته إليه ~~وانصرف. وعدت إلى الطائع، وقلت: يا مولاي، رأيتك على صفة من الغضب على ابن ~~سمعون، ثم انتقلت عنها عند حضوره، فما السبب؟ فقال: رفع إلي أنه ينتقص عليا ~~رضي الله عنه، وأحببت أن أتيقن ذلك، فإن صح منه قلته، فلما حضر بين يدي ~~افتتح كلامه بذكره والصلاة عليه، وأعاد في ذلك وأبدى، وقد كان له مندوحة في ~~الرواية عن غيره وترك الابتداء به، فعلمت أنه وفق لما تزول به عنه الظنة، ~~وتبرأ ساحته عندي، ولعله كوشف بذلك. # وله كتاب المجالس وهو كله أحاديث متصلة الأسانيد. # ومن كلامه أن القلب بمنزلة المرآة فإذا أصابتها لطخة عولجت بالزيت، فإذا ~~زادت زيد فيها من حتات الآجر، فإذا زادت جليت بالحديد، فإذا زادت على ذلك ~~حتى ركبها الصدأ لم يكن لها بد من عرضها على النار حتى يتم جلاؤها. ms0513 # توفي ابن سمعون في ذي القعدة سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، ودفن بداره ~~بشارع العباسي، فلم يزل هناك حتى نقل يوم الخميس الحادي عشر من رجب سنة ست ~~وعشرين وأربعمائة ودفن بباب حرب ببغداد. وقيل: إن أكفانه لم تكن بليت بعد. # *** # فلم يتكاءدني لاستماع المواعظ، واختبار الواعظ؛ أن أقاصي اللاغط، PageV02P104 # وأحتمل الضاغط. فأصحبت إصحاب المطواعة، وانخرطت في سلك الجماعة؛ حتى ~~أفضينا إلى تاد جمع الأمير والمأمور، وحشد النبيه والمغمور، وفي وسط هالته، ~~ووسط أهلته، شيح قد تقوس واقعنسس، وتقلنس وتطلس؛ وهو يصدع بوعظ يشفي ~~الصدور، ويلين الصخور؛ فسمعته يقول، وقد افتتنت به العقول. # *** # قوله: يتكاءدني، أي يشق علي أقاصي: أباعد. اللاغط: الصائح بكلام لا يفهم، ~~والضاغط: الذي إذا زاحمك ضغطك لحائط أو غيره حتى ينقطع نفسك، يريد أنه لم ~~يمنعه ما أصابه من السب والصياح به والضغط واللكز من مزاحمة الناس حتى قرب ~~من الواعظ. # ويبين هذا قوله في الخمسين: «ولم أزل أتنقل في المراكز، وأغضى للاكز ~~والواكز» أصحبت: انقدت. المطواعة: المنقادين المطاوعين. والانخراط: دخول ~~الإنسان في الأمر بغير علم. وتقدم السلك. # أفضينا: وصلنا، وأراد أن هذا المجلس جمع العامة والأمير، ومن له ذكر رفيع ~~وشهرة. ومن هو مجهول مخمول. وأراد بالهالة حلقة الناس، وبالأهلة أشراف ~~الناس والعلماء. وحرك السين من «وسط»، مع الهالة لأنها دارة وساحة العرب ~~تقول: فلان جلس وسط الدار واحتجم وسط الرأس بالتحريك، وسكن مع الأهلة لأنه ~~أراد معنى بين، والعرب تقول: جلس وسط القوم، فحملوه على بين، لما حل محلها ~~وكان في معناها، ولا يجوز جلس بين الدار، فلهذا لا يقال جلس وسطها ~~بالتسكين. # تقوس: انحنى. اقعنسس: تقبض واحدودب. والقعس: دخول الظهر وخروج الصدر، ~~والحدب ضده وبينه الراجز بقوله [الرجز] # * أقعس يمشي مشية التقاعس*. # تقلنس: لبس القلنسوة. تطلس: لبس الطيلسان وهو كساء أخضر يلبسه الخواص. # يصدع: يشق. # *** # ابن آدم، ما أغراك بما يغرك، وأضراك بما يضرك، وألهجك بما يطغيك، وأبهجك ~~بمن يطريك. تعني بما يعنيك، وتهمل ما يعنيك، وتنزع في قوس تعديك، وترتدي ~~الحرص الذي يرديك؛ ms0514 لا بالكفاف تقتنع، ولا من الحرام تمتنع، ولا للعظات ~~تستمع، ولا بالوعيد ترتدع. دأبك أن تتقلب مع الأهواء، وتخبط خبط العشواء، ~~وهمك أن تدأب في الاحتراث، وتجمع التراث للوراث؛ يعجبك التكاثر PageV02P105 # بما لديك؛ ولا تذكر ما بين يديك، وتسعى أبدا لغاريك، ولا تبالي ألك أم ~~عليك أتظن أن ستترك سدى، وألا تحاسب غدا؛ أم تحسب أن الموت يقبل الرشا، أو ~~يميز بين الأسد والرشا. كلا والله لن يدفع المنون، مال ولا بنون؛ ولا ينفع ~~أهل القبور؛ سوى العمل المبرور، فطوبى لمن سمع ووعى؛ وحقق ما ادعى؛ ونهى ~~النفس عن الهوى، وعلم أن الفائز من ارعوى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن ~~سعيه سوف يرى. ثم أنشد إنشاد وجل، بصوت زجل: # *** # قوله: «ما أغراك»: ما أكثر لصوقك. يغرك: يدلك على الغرر. أضراك: أشد ~~ملازمتك. ألهجك: أشد حبك. # يطغيك: يردك طاغيا متجاوزا قدرك. أبهجك: أشد سرورك. يطريك: يمدحك في ~~وجهك، والنفس ميالة كثيرة الانخداع بمن يعظم شأنها ويثني عليها، فرارة ممن ~~يحقرها ويذمها، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: «احثوا التراب في وجوه ~~المداحين» تذليلا لهم بذلك حيث أكسبوا غيرهم عزة النفس والكبر. قال الشاعر: ~~[الكامل] # وخدعته بخديعة لما أبى ... والحر يخدع بالكلام الطيب # تعني: تشتغل. يعنيك: يتعبك. تنزع: ترمي. تعديك: ظلمك الحرص: أسوأ الطمع. ~~يرديك: يهلكك. # *** ### || AUTO [بعض الحكم والمواعظ] # كعب بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ذئبان جائعان ~~أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والسرف لدينه» (¬1). # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقتربت الساعة ولا يزداد الناس إلا ~~حرصا على الدنيا ولا تزداد منهم إلا بعدا». # وقال محمود الوراق: [الرمل] # كم إلى كم أنت للحر ... ص وللآمال عبد # ليس يجدي الحرص والسع ... ي إذا لم يك جد PageV02P106 # ما لما قدره الل ... ه من الأمر مرد # وفي كتاب للهند: لا ينبغي للملتمس من عيشه إلا الكفاف الذي يدفع به ~~الحاجة عن نفسه، وما سوى ذلك فإنما هو زيادة في غمه. ms0515 # وقالت الحكماء: أقل الدنيا يكفي، وأكثرها لا يكفي. # وقال أبو ذؤيب: [الكامل] # والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع (¬1) # وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لابنه: يا بني، إذا طلبت الغنى فاطلبه ~~بالقناعة، فإنها مال لا ينفد، وإياك والطمع فإنما هو فقر حاضر. وعليك ~~باليأس فإنك لم تيأس من شيء قط إلا أغناك الله عنه. # وقال: الغني من استغنى بالله والفقير من افتقر إلى الناس. # قال ابن أبي حازم رحمه الله تعالى: [البسيط] # استغن بالله لا تضرع إلى الناس ... واقنع بيأس فإن العز في الياس # واستغن عن كل ذي قربى وذي رحم ... إن الغني من استغنى عن الناس # ومن دعاء عمر رضي الله عنه: اللهم، لا تكثر لي من الدنيا فأطغى، ولا تقلل ~~لي منها فأنسى، فإنه ما قل وكفى، خير مما كثر وألهى. # وقالوا: ثمرة القناعة الراحة، وثمرة الحرص التعب. # وقالوا: لا غنى إلا غنى النفس. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عندك ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك! ~~لا بقليل تقنع، ولا بكثير تشبع. يا بن آدم، إذا أصبحت آمنا في سربك معافى ~~في بدنك، عندك قوت يومك فعلى الدنيا العفاء» (¬2). # وقيل لأبي حازم: ما مالك؟ فقال: مالان: الغنى بما في أيدي، واليأس مما في ~~أيدي الناس. # وقيل لآخر: ما مالك؟ فقال: التجمل في الظاهر والقصد في الباطن. # ومما قيل من الشعر في معنى ما تقدم، قال محمود الوراق: [السريع] PageV02P107 # يا عائب الفقر ألا تزدجر ... عيب الغنى أكبر لو تعتبر # من شرف الفقر ومن فضله ... على الغنى لو صح منك النظر # أنك تعصي الله تبغي الغنى ... وليس تعصي الله كي تفتقر # وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: [الطويل] # ومن سره أن لا يرى ما يسوؤه ... فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا # فإن صلاح المرء يرجع كله ... فسادا إذا الإنسان جاز به الحدا # وقال البحتري: [الوافر] # إذا ما كان عندي قوت يوم ... طرحت الهم عني يا سعيد # ولم تخطر هموم غد ببالي ms0516 ... لأن غدا له رزق جديد # وقال ابن طباطبا: [الرمل] # إن في نيل المنى وشك الردى ... وقياس القصد ضد السرف # كسراج دهنه غمر له ... فإذا غرقته فيه طفي # وقال آخر: [الكامل] # وإذا نبا بي منزل جاوزته ... واعتضت منه غيره لي منزلا # وإذا غلا شيء علي تركته ... فيكون أرخص ما يكون إذا غلا # *** # قوله: «ولا بالوعيد ترتدع» أي لا تكف عن غيك ولا ضلالك بما تخوف به من ~~أهوال الآخرة. دأبك، أي عادتك. الأهواء: جمع هوى، وهو ما تحبه النفس وتميل ~~إليه. تخبط: تمشي على عماية. العشواء: الناقة التي لا تبصر. تدأب: تداوم ~~الاحتراث: # الكسب. التراث: المال الموروث. # وفي معناه أنه وجد على حائط مكتوبا: ابن آدم غافص (¬1) الفرصة عند ~~إمكانها، وكل الأمور إلى وليها، ولا تحل في قلبك هم يوم لم يأت إن يكن من ~~أجلك، يأتك الله برزقك فيه، ولا تجعل سعيك في طلب المال أسوة المغرورين، ~~فرب جامع لبعل حليلته. # واعلم أن تقتير المرء على نفسه توفير منه على غيره، فالسعيد من اتعظ بهذه ~~الكلمات. # قال بديع الزمان: [المتقارب] # أيا جامع المال من حله ... يبيت ويصبح في ظله # سيؤخذ منك غدا كله ... وتسأل من بعد عن كله PageV02P108 # وله أيضا: [مجزوء الخفيف] # يا حريصا على الغنى ... قاعدا بالمراصد # لست في سعيك الذي ... خضت فيه بقاصد # إن دنياك هذه ... لست فيها بخالد # بعد هذا فإنما ... أنت ساع لقاعد # وقال سابق البربري: [الطويل] # فحتى متى تلهو بمنزل باطل ... كأنك فيه ثابت الأصل قاطن # وتجمع مالا تأكل الدهر دائبا ... كأنك في الدنيا لغيرك خازن # وقال رجال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن فلانا جمع مالا، قال: فهل جمع ~~له أياما! أخذه الشاعر فقال: [البسيط] # ارفه يعيش فتى يغدو على ثقة ... إن الذي قسم الأرزاق يرزقه # فالعرض منه مصون لا يدنسه ... والوجه منه جديد ليس يخلقه # جمعت مالا ففكر هل جمعت له ... يا جامع المال أياما تفرقه # المال عندك مخزون لوارثه ... ما المال مالك إلا حين تنفقه # قوله: «التكاثر» أي كثرة المال، تقول: ms0517 تكاثر المال تكاثرا: جاز الحد في ~~الكثرة. # أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من أمسى وأصبح وهمه الدينار ~~والدرهم تكاثرا حشر مع اليهود والنصارى، والذين قالوا ما هي إلا حياتنا ~~الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر». # تسعى لغاريك: تجهد في كسبك لتدرك شهوة بطنك وفرجك، وهما الغاران، قيل: # هما الفرج والفم. وقيل: الحنكان: الأعلى والأسفل؛ وأخذ اللفظ من قول ~~الشاعر: # [الطويل] # ألم تر أن الدهر يوم وليلة ... وأن الفتى يسعى لغاريه دائبا (¬1) # قوله سدى، أي مهمل مسيب. الرشا بالضم: جمع رشوة وهي العطية تدفع بها مضرة ~~من يقدر عليك. الرشا، بالفتح: الغزال. كلا: زجر. المنون: هي المنية، ~~المبرور: المتقبل. وعى: حفظ الوصية. ما ادعى، أي ما ادعاه من أنه قبل ~~الوصية. PageV02P109 # وحققه: داوم عليه بعمله. ارعوى: رجع وتاب. ما سعى: أي ما عمل وتعب فيه. # الفائز: الظافر بحاجته. وجل: خائف. زجل: شديد، وزجل الصوت زجلا: ارتفع ~~وأيضا طرب. # وقال أبو العتاهية فيما تقدم من ذكر الموت: [مجزوء الرمل] # بين عيني كل حين ... علم الموت يلوح # كلنا في غفلة وال ... موت يغدو ويروح # وقال البديع: [مجزوء الرمل] # إنما الدنيا غرور ... ولمن أصغى نصيح # ولسان الدهر بالوع ... ظ لواعيه فصيح # نحن لاهون وآجا ... ل المنايا لا تريح # *** # [الطويل] # لعمرك ما تغني المغاني ولا الغنى ... إذا سكن المثري الثرى وثوى به # فجد في مراضي الله راضيا ... بما تقتني من أجره وثوابه # وبادر به صرف الزمان فإنه ... بمخلبه الأشغى يغول ونابه # ولا تأمن الدهر الخئون ومكره ... فكم خامل أخنى عليه ونابه # وعاص هوى النفس الذي ما أطاعه ... أخو ضلة إلا هوى من عقابه # وحافظ على تقوى الإله وخوفه ... لتنجو مما يتقى من عقابه # ولا تله عن تذكار ذنبك وابكه ... بدمع يضاهي المزن حال مصابه # ومثل لعنيك الحمام ووقعه ... وروعه ملقاه ومطعم صابه # وإن قصارى منزل الحي حفرة ... ستنزلها مستنزلا عن قبابه # فواها لعبد ساءه سوء فعله ... وأبدى التلافي قبل إغلاق بابه # *** # قوله: لعمرك، العمر البقاء، فأقسم به كأنه قال: وحق بقائك ms0518 الكريم علي ~~المحبب إلي. # المغاني: المنازل الشريفة. المثري: الكثير المال. الثرى: التراب الندي، ~~وأثرى صار له كثير من المال كالثري في كثرته. ثوى: أقام. جد: تكرم بمالك. تقتني: # تكتسب، أي لا تنفع المنازل الرفيعة البناء ولا المال الكثيرة إذا آل ~~الحال إلى الموت. # بادر: سابق. صرف: تقلب. PageV02P110 # الأشغى: المعوج. يغول: يهلك. نابه: ضرسه. الخئون: الكثير الخيانة. النابه ~~والنبيه، من النباهة وهي الجلالة والرفعة، والخامل ضده. وأخنى علي: أخذ مالي. # ضلة، أي ضلالة، وهوى: سقط. عقابه الأول جباله، والثاني عذابه تله: تشتغل. # يضاهي: يشابه. الوبل: أكثر المطر. حال مصابه، أي حال وقوعه، والمصاب: ~~مصدر صاب يصوب صوبا ومصابا. الحمام: الموت. روعة: فزع صاحبه حين يلقاه. صابه: # مره، والصاب شجر مر. وقصارى: آخر ونهاية، كأنه قصر عندها أي جلس فلم ~~يجاوزها. واها: عجبا. التلافي: التدارك لما فات إغلاق بابه، أي موته. ### || AUTO [لقاء ملك الموت] # وفي روعة ملقاه يحكى أن إبراهيم عليه السلام، قال لملك الموت: هل تستطيع ~~أن تريني صورتك التي تقبض عليها روح الفاجر، قال: لا تستطيع ذلك، قال: بلى، قال: # فأعرض عني، ثم التفت، فإذا هو برجل أسود قائم الشعر منتن الريح، أسود ~~الثياب، يخرج من فيه ومن منخريه لهيب النار والدخان. فغشي على إبراهيم عليه ~~السلام، ثم أفاق وقد عاد إلى صورته: فقال إبراهيم: لو لم يكن للفاجر عند ~~موته إلا صورتك لكان حسبه. # وفي مطعم صابه، يحكى أن إبراهيم عليه السلام قال له الله تعالى: كيف وجدت ~~الموت يا خليلي؟ قال: كسفود جعل في صوف رطب، قال: أما إنا هونا عليك. وقال ~~لموسى عليه السلام: كيف وجدت الموت؟ قال كعصفور يقلى على المقلى، لا يموت ~~فيستريح، ولا يطير فينجو. وفي رواية: كشاة تسلخ من جلدها وهي حية. # وقال كعب الأحبار لعمر رضي الله عنهما، وقد سأله أن يحدثه عن الموت، قال: # الموت يا أمير المؤمنين كغصن كثير الشوك، أدخل جوف رجل، فأخذت كل شوكة ~~بعرق، ثم جذبه رجل شديد الجذب، فأخذ الغصن ما أخذ، وأبقىما أبقى. # وكان ms0519 النبي صلى الله عليه وسلم عند موته يقول: «إن للموت لسكرات، اللهم ~~هون علي سكرات الموت» (¬1). # وقالت عائشة رضي الله عنها: «لا أغبط أحدا يهون عليه الموت بعد الذي ~~رأيته من موته صلى الله عليه وسلم» (¬2). # فهذه حال أحبابه فكيف بمن غمر في بحار المعاصي! اللهم عفوك. # وشعر المقامة مزدوج القوافي، وعارضه الزاهد بن عمران فقال: [السريع] PageV02P111 # ما لي وللدنيا وعلمي بها ... غرارة خداعة ما لي # تغرني حتى إذا مكنت ... تعبث في نفسي وفي مالي # همت بها حبا فقد أفسدت ... ما كان من صالح أعمالي # أعمى الهوى قلبي وحبي، لها ... رأس خطاياي وأعمالي # تبكي على الفائت من حظها ... عيني بتسكاب وإهمالي # يا رب زهدني في حبها ... ولا تؤاخذني بإهمالي # وله في مثله: [السريع] # ارغب عن الدنيا وأوصافها ... مشوبة جاءتك أوصافيه # قتل أولي الألباب من فعلها ... فاصغ إلى نصحي وأوصافيه # ما بالغنى يغتر ذو فطنة ... كلا ولا يغتر بالعافيه # كم من غنى قد عاد فقرا وكم ... عافية قد أصبحت عافيه # وله أيضا: [السريع] # ما الزهد يا قوم- فلا تجهلوا- ... بلبس أسمال وأخلاق # لكنه لبس ثياب التقى ... في حسن آداب وأخلاق # وله أيضا: [الطويل] # خليلي لا يغررك مني ظاهري ... ومهما سألت الله فاسأله لي صفحا # فلو كنت ذا علم كعلمي بباطني ... لأضربت عن ذكري أيادي النهى صفحا # ولكن أرى الله الجميل بفضله ... فلم يفش لي سرا ولم يبد لي صفحا # وقال بعض الزهاد لصاحبه: إني أحبك في الله، فقال له: لو علمت مني ما أعلم ~~من نفسي لأبغضتني في الله. # وله أيضا: [المتقارب] # تحفظ بدينك لا تبتذله ... ولا تلف عرضك عرضا كليما # وعد عن الذنب لا تأته ... وبادر بإصلاح ما منك ليما # فأنت ابن عمران موسى المسيء ... ولست ابن عمران موسى الكليما # وقال غيره: [مجزوء الكامل] # لا تأمن الدهر الخئو ... ن وخف بوادر بغتته # فالموت سهم مرسل ... والعمر قدر مسافته # *** PageV02P112 # قال: فظل القوم بين عبرة يذرونها، وتوبة يظهرونها؛ حتى كادت الشمس تزول، ~~والفريضة تعول. فلما خشعت الأصوات، والتأم الإنصات، واستكنت العبرات ~~والعبارات؛ استصرخ مستصرخ ms0520 بالأمير الحاضر، وجعل يجأر إليه من عامله الجائر، ~~والأمير صاغ إلى خصمه، لاه عن كشف ظلمه. # فلما يئس من روحه، استنهض الواعظ لنصحه؛ فنهض نهضة الشمير، وأنشد معرضا ~~بالأمير. # *** # قوله: «عبرة يذرونها»، أي دمعة يصبونها. وتعول: تزيد وتضيق، يريد يضيق ~~وقتها، ويدخل عليها وقت غيرها فترجع صلاتين. خشعت: ذلت. التأم الإنصات: ~~اتصل السكوت. استكنت العبرات والعبارات، أي سكن البكاء والكلام. استصرخ ~~مستصرخ، أي استغاث مستغيث. يجأر: يصيح. يريد أن رجلا تشكى للأمير من عامل ~~له ولاه عليهم، فجار، فمال الأمير مع الوالي، وترك المشتكي. وقوله: صاغ، أي ~~مائل. ولاه: # أي تارك ومشتغل. يئس: قطع رجاءه. روحه: نصرته وعدله الذي يريح المشتكي، ~~والروح: الفرح والسرور. استنهض: سأله النهوض لينصح الأمير. # عائشة رضي الله عنها: قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان ~~ذا وصلة لأخيه المسلم إلى السلطان في مبلغ بر، وتيسير عسير، أعانه الله على ~~إجازة الصراط: يوم دحض الأقدام». # الشمير: الماضي في أموره: معرضا: من التعريض وهو أن تخاطب غيره وأنت تريده. # *** # [الكامل] # عجبا لراج أن ينال ولاية ... حتى إذا ما نال بغيته بغى # يسدي ويلحم في المظالم والغا ... في وردها طورا وطورا مولغا # ما إن يبالي حين يتبع الهوى ... فيها أأصلح دينه أم أوتغا # يا ويحه لو كان يوقن أنه ... ما حالة ألا تحول، لما طغى # أو لو تبين ما ندامة من صغا ... سمعا إلى إفك الوشاة لما صغا # فانقد لمن أضحى الزمام بكفه ... وتغاض إن ألغى الرعاية أولغا # وارع المرار إذا دعاك لرعيه ... ورد الأجاج إذا حماك السيغا # واحمل أذاه ولو أمضك مسه ... وأسال غرب الدمع منك وأفرغا PageV02P113 # فليضحكنك الدهر منه إذا نبا ... عنه وشب لكيده نار الوغى # ولينزلن به الشمات إذا بدا ... متخليا من شغله متفرغا # ولتأوين له إذا ما خده ... أضحى على ترب الهوان ممرغا # نال بغيته: أي أدرك ما طلب. بغى: جار وظلم. يسدي ويلحم، أي متصرف في ~~المظالم طولا وعرضا، ومقبلا ومدبرا. والسدي: خيوط الثوب طولا، واللحمة ~~خيوطه عرضا: والغا: شاربا. ms0521 وردها: ماؤها. مولغا: مسقيا غيره، ويريد أنه ~~يباشر الظلم بنفسه تارة، ويوليه غيره أخرى. أوتغ: أفسد وأهلك. # يا ويحه، قال الأزهري رحمه الله تعالى: ويح كلمة رحمة، وويل كلمة عذاب، ~~والفرق بين ويح وويل أن ويح تقال لمن وقع في بلية، يرحم ويدعى له بالتخلص منها. # وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «ويحك»، فجزعت فقال لي: «يا حميراء، إن ويح كلمة رحمة فلا تجزعي منها ~~ولكن اجزعي من الويل». # يوقن: يحقق. تحول: تتغير. طغى: ارتفع وجاز الحد في الجور. صغى: مال. # إفك. كذب. الوشاة: جمع واش، وقد تقدم. انقد: أطع، يقول: من أصبح حاكمك ~~فاتبعه وأطع له. تغاض: تغافل. ألغى: ترك. الرعاية: المحافظة للحقوق. لغا: ~~أخطأ وقال قبيحا، ثم قال: إن حملك على الذل فاحتمله، وكني برعي المرار عنه. ~~رد الأجاج: اشرب الماء المر والملح. حماك السيغا: منعك العذب السهل للشرب. # أمضك: أحرقك وصيرك مهموما، والمض التوجع من قول أو جرح. مسه: وقعه بجسمك. ~~والغرب: فيض الدمع، والغرب: الدلو. # *** # [الكامل] # هذا له ولسوف يوقف موقفا ... فيه يرى رب الفصاحة ألثغا # وليحشرن أذل من فقع الفلا ... ويحاسبن على النقيصة والشغا # ويؤاخذن بما اجتنى ومن اجتبى ... ويطالبن بما احتسى وبما ارتغى # ويناقشن على الدقائق مثل ما ... قد كان يصنع بالورى بل أبلغا # حتى يعض على الولاية كفه ... ويود لو لم يبغ منها ما بغى # *** # هذا له، إشارة إلى ذل العزل. الألثغ: الأخرس المحبوس اللسان، وهو أيضا ~~الذي يبدل الباء والراء غينا. وربها: صاحبها. والفقع: ضرب من الكمأة من ~~وطئه كسره لضعفه، وهو الفقاع، وبه يضرب المثل، فيقال: أذل من فقع بقرقر. # الشغا: الزيادة. اجتنى: جمع أموال الناس وضبطها لنفسه. اجتبى: اختار، ~~يريد أنه يطالب بما أخذ من الدنيا ويحاسب على الوالي الذي اختاره وولاه. PageV02P114 # احتسى: شرب الحسوة من اللبن بعد الحسوة. ارتغى: شرب الرغوة، أي يؤاخذ ~~بالقليل والكثير والظاهر والباطن. يناقش: يبحث عليه ويخرج ما عنده. أبلغ: أزيد. # يبغ، يدرك ويطلب. ### || AUTO [الولاية ms0522 والولاة] # ونذكر هنا فصلا من الآداب يحتوي على الولاية والعزل والتشكي من الولاة، ~~حسبما تضمن هذا الموضع في المقامة. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ستحرصون على الإمارة، وتكون حسرة ~~وندامة فنعمت المرضعة، وبئست الفاطمة» (¬1). # أراد عمر رضي الله عنه أن يستعمل رجلا فبدر الرجل يطلب العمل فقال: قد ~~كنا أردنا لذلك، ولكن من طلب هذا العمل لم يعن عليه. # ولقي عمر رضي الله عنه أبا هريرة رضي الله عنه فقال: ألا تعمل؟ فقال: ما ~~أريد العمل، قال: قد طلبه من هو خير منك، يوسف الصديق عليه السلام قال: ~~اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم [يوسف: 55]. # قال المغيرة بن شعبة: أحب الإمرة لثلاث: لرفع الأولياء، ووضع الأعداء ~~ولستر خاص الأشياء. وأكرهها لثلاث: لروعة البريد، وذل العزل وشماتة ~~الأعداء. # وقال أمير لأعرابي: قل الحق وإلا أوجعتك ضربا، قال: وأنت فاعمل به، فو ~~الله لما وعدك الله على تركه أعظم مما توعدتني به. # وذكر أهل السلطان عند أعرابي، فقال أما والله إن اعتزوا في الدنيا بالجور ~~لقد ذلوا في الآخرة بالعدل، ولقد رضوا بقليل، فإن عوضا من كثير باق، وإنما ~~تزل القدم حيث لا ينفع الندم. # تظلم رجل للمأمون من عامل له، فقال له: يا أمير المؤمنين، ما ترك لنا فضة ~~إلا فضها، ولا ذهبا إلا ذهب به، ولا ماشية إلا مشى بها، ولا غلة إلا غلها، ~~ولا ضيعة إلا أضاعها، ولا علقا إلا علقه، ولا عرضا إلا عرض له، ولا جليلا ~~إلا أجله، ولا دقيقا إلا دقه. فعجب المأمون من فصاحته، وقضى حاجته. # قحطبة بن حميد: إني لواقف على رأس المأمون يوما، وقد جلس للمظالم فكان ~~آخر من دخل عليه وتقدم إليه امرأة وقد هم بالقيام، عليها أهبة السفر وثياب ~~رثة. فوقفت بين يديه، وقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله ~~وبركاته، فنظر المأمون إلى PageV02P115 # يحيى بن أكثم، فقال يحيى: وعليك السلام يا أمة الله، تكلمي في حاجتك، ~~فقالت: [البسيط] # يا خير منتصف يرجى له الرشد ... ويا إماما ms0523 به قد أشرق البلد # تشكو إليك عميد الملك أرملة ... عدا عليها فلم يترك لها سبد # وابتز مني ضياعي بعد منعتها ... ظلما وفرق مني الأهل والولد # فأطرق المأمون حينا ثم رفع رأسه فقال: [البسيط] # في دون ما قلت زال الصبر والجلد ... عني وأقرح مني القلب والكبد # هذا أوان صلاة العصر فانصرفي ... واحضري الخصم في الوقت الذي أعد # والمجلس السبت أن يقض الجلوس لنا ... ننصفك منه وإلا المجلس الأحد # فجلس يوم الأحد، فكانت أول من تقدم إليه، فقالت: السلام عليك يا أمير ~~المؤمنين، فقال: وعليك السلام، أين الخصم؟ فقالت: واقف على رأسك، وأشارت ~~إلى ابنه العباس، فقال: يا أحمد بن أبي خالد، خذ بيده فأجلسه معها للخصومة. ففعل. # فجلس، فجعل كلامها يعلو كلامه فقال لها: أحمد يا أمة الله، أنت بين يدي ~~أمير المؤمنين وتكلمين الأمير، فاخفضي من صوتك، فقال له المأمون: دعها يا ~~أحمد فالحق أنطقها والباطل أخرسه. ثم قضى لها برد ضباعها وظلم العباس. وأمر ~~لها بنفقة وبكتاب إلى عامل بلدها أن يحسن معاونتها. # قال أبو العيناء: كان عيسى بن فرخان شاه يتيه علي في وزارته، فلما صرف ~~رهبني، فلما لقيني سلم علي فدنوت منه وقلت له: والله لقد كنت أقنع بإيمائك ~~دون بيانك، وبلحظك دون لفظك، والحمد لله على ما آلت إليه حالتك، فلئن أخطأت ~~فيك النعمة فلقد أصابت فيك النقمة، وإن كانت الدنيا أبدت مقابحها بالإقبال ~~عليك، فلقد أظهرت محاسنها بالانصراف عنك، ولله المنة إذ أغنانا عن الكذب ~~عليك، ونزهنا عن قول الزور فيك، فقد والله أسأت حمل النعم، وما شكرت حق ~~المنعم. فقيل له: يا أبا عبد الله، لقد أبلغت في السب، فما كان الذنب؟ ~~فقال: سألته حاجة أقل من قيمته، فردني عنها بأقبح من صورته. # وقال ابن الرومي في أبي الصقر، وكان قد مدحه فلم يرفع به رأسا: [الكامل] # فلئن نكبت لطالما نكبت ... بك همة لجأت إلى سندك # لو تسجد الأيام ما سجدت ... إلا ليوم فت في عضدك # يا نعمة ولت غضارتها ... ما كان أقبح حسنها ms0524 بيدك # فلقد غدت بردا على كبدي ... لما غدت حرا على كبدك # وقال فيه: [السريع] # خفض أبا الصقر فكم طائر ... خر صريعا بعد تحليق PageV02P116 # زوجت نعمى لم تكن كفؤها ... فصانها الله بتطليق # لا قدست نعمى تسربلتها ... كم حجة فيها لزنديق # وقال فيه قبل النكبة: [الوافر] # غدا يعلو الجياد وكان يعلو ... إذا ما استفره السبت الطراقا # أعنتها الشسوع فإن عراها ... حفاء الكد أنعلها طراقا # فزوج بعد فقر منه نعمى ... أراني الله صبحتها طلاقا # ومن غرائب التكاتب في العزل، ما كتب به أحمد بن مهران إلى معزول: بلغني ~~أعزك الله انصرافك عن عملك، فسررت بذلك، ولم أستفظعه لعلمي بأن قدرك أجل ~~وأعلى من أن يرفعك عمل تتولاه، أو يضعك عزل عنه، والله لو لم تختر ~~الانصراف، وترد الانعزال، لكان في لطف تدبيرك، وثقوب رويتك، وحسن تأتيك، ما ~~تزيل به السبب الداعي إلى عزلك والباعث على صرفك، ونحن إلى أن نهنئك بهذا ~~الحال، أولى بنا من أن نعزيك؛ إذ أردت الصرف فأوتيته، وأحببت الاعتزال ~~فأعطيته، فبارك الله لك في منقلبك وهنأك النعم بدوامها، ورزقك الشكر الموجب ~~المزيد لك فيها. # كان أبو شراعة لا يسأل ابن المدبر حاجة إلا قضاها، ولا يشفع لأحد إلا ~~شفعه، فلما عزل إبراهيم بن المدبر عن البصرة شيعه الناس، فردهم حتى لم يبق ~~إلا أبو شراعة، فقال يا أبا شراعة، غاية كل مودع الفراق. فانصرف راشدا ~~مكلوءا من غير قلى والله ولا ملل. وأمر له بعشرة آلاف درهم. فعانقه أبو ~~شراعة وبكى وأطال، ثم قال وهو أحسن ما قيل في التهنئة بالعزل: [الرمل] # يا أبا إسحاق سر في دعة ... وامض مكلوءا فما منك خلف # ليت شعري أي أرض أجدبت ... فأريحت بك من جهد العجف # نزل اللطف من الله بهم ... وحرمناك بذنب قد سلف # إنما انت ربيع باكر ... حيثما صرفه الله انصرف # ومن ملح هذا الباب أن بعض الوزراء قلد ابن حجاج عملا، فخرج إليه يوم ~~الخميس، وتبعه كتاب عزله يوم الأحد، فقال فيه: [مجزوء الكامل] # يا من إذا نظر الهلا ms0525 ... ل إلى محاسنه سجد # وإذا رأته الشمس كا ... دت أن تموت من الحسد # يوم الخميس بعثتني ... وصرفتني يوم الأحد # والناس قد غنوا ع ... لي لما خرجت من البلد # ما قام عمرو في الولا ... ية قائما حتى قعد # *** PageV02P117 # ثم قال: أيها المتوشح بالولاية، المترشح للرعاية؛ دع الإدلال بدولتك، ~~والاغترار بصولتك؛ فإن الدولة ريح قلب، والإمرة برق خلب. وإن أسعد الرعاة، ~~من سعدت به رعيته، وأشقاهم في الدارين من ساءت رعايته؛ فلا تك ممن يذر ~~الآخرة ويلغيها، ويحب العاجلة ويبتغيها، ويظلم الرعية ويؤذيها؛ وإذا تولى ~~سعى في الأرض ليفسد فيها؛ فو الله ما يغفل الديان، ولا تهمل يا إنسان، ولا ~~تلغى الإساءة ولا الإحسان؛ بل سيوضع لك الميزان، وكما تدين تدان. # قال: فوجم الوالي لما سمع، وامتقع لونه وانتقع، وجعل يتأفف من الإمرة، ~~ويردف الزفرة. ### || AUTO [اللثغ من الشعر] # وذكر اللثغ، وللشعراء في اللثغ ما يستحسن، قال ابن شهيد: [الكامل] # مرض الجفون ولثغة في المنطق ... شيئان جرا عشق من لم يعشق # ينبي فينبو في الكلام لسانه ... فكأنه من خمر عينيه سقي # لا ينعش الألفاظ من عثراتها ... ولو أنها كتبت له في مهرق # وأحسن ما في وصفه قول الرمادي: [الكامل] # لا الراء تطمع في الوصال ولا أنا ... الهجر يجمعنا فنحن سواء # فإذا خلوت كتبتها في راحتي ... فبكيت منتحبا أنا والراء # اخذه أبو القاسم بن العريف، فقال: [الخفيف] # أيها الألثغ الذي شف قلبي ... جد بحرف ولو نطقت بسبي # هجرك الراء مثل هجري سواء ... فكلانا معذب دون ذنب # فإذا شئت أن أرى لي مثالا ... في غرامي خططت راء بجنبي # *** # قوله: «المتوشح» أي المحتزم. والمترشح: المهيأ للرعاية أي لحفظ الناس. # الاغترار الانخداع. صولتك: عزك وقهرك، يقال: صال الرجل على قرنه، والفحل ~~على إبله، أي قهر وعلا، والفحل أيضا عض، وربما همز فعل الفعل. قلب، أي متقلب. # خلب: خادع لا ماء فيه، يريد أن الولاية تنقل من إنسان إلى آخر. تلغى: تهمل. # العاجلة: الدنيا لأن خيرها معجل. تولى: صار واليا. سعى: مشى مسرعا. # ابن عباس رضي الله ms0526 عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ولي ~~من أمر أمتي شيئا PageV02P118 # فحسنت سريرته رزق الهيبة في قلوبهم، وإذا بسطت يده لهم بالمعروف رزق ~~المحبة منهم، وإذا أنصف الضعيف من القوي قوى الله سلطانه وإذا عدل مد في ~~عمره» (¬1): وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. «آفة الدين ولاة السوء، ~~أيما وال ولي شيئا من أمور المسلمين فلم ينصح لهم، ولم يجتهد كنصيحته وجهده ~~لنفسه، كبه الله تعالى على وجهه يوم القيامة». # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة ولا ~~الآخرة للدنيا، ولكن من أخذ من هذه وهذه». # الديان: المجازي وهو الله سبحانه وتعالى، لأنه يجزي العباد على أعمالهم. # وقال الإلبيري: [الكامل] # كل امرئ فيما يدين يدان ... سبحان من لم يخل منه مكان # يا عامر الدنيا ليسلكنها وما ... هي بالتي يبقى بها سكان # تفنى وتبقى الأرض بعدك مثل ما ... يبقى المناخ وترحل الركبان # أأسر في الدنيا بكل زيادة ... وزيادتي فيها هي النقصان # تهمل: تترك هملا. وجم: سكت غاضبا وامتقع وانتقع: تغير وذهب الدم من وجهه، ~~ويقال في معناهما: انتقع واهتقع. # يتأفف: يقول: أف أف، وذلك فعل النادم المهموم. الزفرة: النفخة من الهم. # *** # ثم عمد إلى الشاكي فأشكاه، وإلى المشكو منه فأشجاه، وألطف الواعظ وحباه، ~~واستدعى منه أن يغشاه، فانقلب عنه المظلوم منصورا، والظالم محصورا، وبرز ~~الواعظ يتهادى بين رفقته، ويتباهى بفوز صفقته. واعتقبته أخطو متقاصرا، ~~وأريه لمحا باصرا. # فلما استشف ما أخفيه، وفطن لتقلب طرفي فيه، قال: خير دليليك من أرشد، ثم ~~اقترب مني وأنشد: [الرجز] # أنا الذي تعرفه يا حارث ... حدث ملوك فكه منافث # أطرب ما لا تطرب المثالث ... طورا أخو جد، وطورا عابث # ما غيرتني بعدك الحوادث ... ولا التحى عودي خطب كارث # ولا فرى حدي ناب فارث ... بل مخلبي بكل صيد ضابث # وكل سرح فيه ذئبي عائث ... حتى كأني للأنام وارث # * سامهم وحامهم ويافث* # *** PageV02P119 # أشكاه: أنصفه ورفع عنه شكواه، وفي الحديث: «شكونا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ms0527 حر الرمضاء فلم يشكنا» (¬1). أي لم يزل شكوانا، أي شكوا إليه ما ~~يصيب أقدامهم من شدة الحر في صلاة الظهر، وسألوه تأخيرها إلى الإبراد، فلم ~~يجبهم إلى ذلك، وأنشد يعقوب: [الرجز] # * ونشتكي لو أنها تشكينا* # *** # والمشكو إليه الوالي الذي اشتكى إليه. أشجاه: آذاه وأبكاه. ألطف: بره ~~وأكرمه. # حباه: أعطاه الحباء. يغشاه: يزوره. محصورا: محبوسا. يتهادى: يمشي متثاقلا ~~مشي الوقار. يتباهى: يتعاظم بفوز صفقته، بظفر قصته مع الوالي، وفاز فوزا: ~~ظفر بخير دنياه وأخراه، وأصل الصفقة في البيع هو أن تضرب بيدك على يد ~~مبايعك. اعتقبته: مشيت خلفه، كأنك تطأ بصدور قدميك مواطئ عقبيه. أخطو ~~متقاصرا: أي أمشي مستخفيا متشبها بالقصار. لمحا باصرا: أي نظرا شديدا. ~~استشف: استقصى. فطن: تنبه وشعر. # أرشد: دل، يقول: إذا كان لك دليلان، فخيرهما من هداك الطريق، فلما رآه ~~ينظر وتشكك فيه. قال: خير دليليك من دلك علي. اقترب: قرب. # حدث ملوك، أي يحدثهم بما يطربون. فكه: طيب الحديث، والفكه المزاح الحسن ~~الخلق، وفكه فكها وفكاهة: طابت نفسه وكثر ضحكه، قال الشاعر: [الكامل] # فكه إلى جنب الخوان إذا غدت ... نكباء تقطع ثابت الأطناب (¬2) # أبو عبيدة: رجل فكه: يأكل الفاكهة، وفاكه: عنده فاكهة. # وقال الشاعر أيضا: [الكامل] # فكه العشي إذا تأوب رحله ... صيف الشتاء مسامح بالميسر (¬3) # أي يأكل الفاكهة وقرئ «فاكهين وفكهين»: قال الفراء رحمه الله تعالى: ~~معناهما واحد أي معجبين بما آتاهم ربهم، كطمع وطامع، وفكه وتفكه إذا تعجب ~~ومنه: فظلتم تفكهون [الواقعة: 65] وقيل: معناه تندمون. # قوله: منافث، أي محادث. المثالث: من أوتار العود. طورا: حينا. عابث: لاعب. # الحوادث: ما يحدثه الدهر من خير أو شر. التحى: قشر. خطب كارث: أمر ثقيل صعب. # فرى: قطع. نابي: ضرسي. فارث: مفتت للكبد، قال الشاعر: [مجزوء الوافر] PageV02P120 # هوى من صخرة صلد ... ففرث تحتها كبده # وفرثت الكرش: أخرجت ما فيها من الزبل. ضابث: قابض عليه. السرح: # لمواشي تغدو راعية في المسرح وتروح منه. عائث: مفسد آكل لها. # *** ### || AUTO [سام وحام ويافث] # وسام وحام ويافث، أولاد نوح عليه الصلاة والسلام، وفيهم ms0528 نزلت: وجعلنا ~~ذريته هم الباقين [الصافات: 77] وبذلك جاءت الأخبار، وهم لأم واحدة. وأصاب ~~حام امرأته في السفينة. فدعا نوح عليه السلام أن يغير الله نطقته، فجاءت ~~بالسودان. # وذكر أهل التوراة أن نوحا عليه السلام شرب وانتشى وتعرى، فأبصر حام ~~عورته، فاطلع عليه أخواه، فأخذا رداءه فألقياه على عواتقهما، ومشيا على ~~أعقابهما، فوارياه، فعلم نوح عليه السلام بذلك، فقال: ملعون كنعان بن حام، ~~عبد العبيد يكون لأخويه، ومبارك سام، ويكثر الله يافث. # وفي تفسير النقاش أن نوحا لما أهبط من السفينة، نام فبدت عورته فنظر ~~إليها حام فضحك، ولم يغير عليه يافث ونظر ذلك سام، فزجره وغطى عورة أبيه، ~~فلما استيقظ أخبره، فدعا نوح ابنه حاما فقال: يا بني غير الله ماء صلبك، ~~فلا تلد إلا السودان. وقال ليافث: جعل الله ذريتك عبيدا لأولاد سام، وقال ~~لسام: جعل الله منك الأنبياء والصالحين والملوك. فكان سام القيم بعد أبيه ~~في الأرض، ونزل وسطها، نزل الحرم إلى اليمن إلى الشام. ومن ولده الأنبياء ~~كلهم عربيها وعجميها. ومن ولده عاد وثمود وطسم وجديس والعماليق ويعرب ~~وجرهم، وهم العرب العاربة، لأنالعربية لسانهم التي جبلوا عليها، ويقولون ~~لبني إسماعيل العرب المتعربة، لأنهم إنما تكلموا بها حين سكنوا بين أظهرهم، ~~ومن العماليق الجبابرة بالشأم والفراعنة بمصر. # سعيد بن المسيب: سام ولده العرب وفارس والروم وفي كل خير، وأما يافث فمن ~~ولده الصقالبة وبرجان والأسبان والترك والخزر ويأجوج ومأجوج. # ابن المسيب: وليس في واحد من هؤلاء خير وأما حام فمن ولده السند والهند ~~وأجناس السودان كلها مثل كوش والزبح والزغاوة والحبشة والزط والقبط بن ~~كنعان بن حام، والخلاف كثير. # *** # قال الحارث بن همام: فقلت له: تالله إنك لأبو زيد، ولقد قمت لله ولا عمرو ~~بن عبيد. فهش هشاشة الكريم إذا أم، وقال: اسمع يا ابن أم؛ ثم أنشأ يقول: ~~[السريع] # عليك بالصدق ولو أنه ... أحرقك الصدق بنار الوعيد PageV02P121 # وابغ رضا الله، فأغبى الورى ... من أسخط المولى وأرضى العبيد # ثم إنه ودع أخدانه، وانطلق يسحب أردانه. فطلبناه من بعد ms0529 بالري، واستنشرنا ~~خبره من مدارج الطي؛ فما فينا من عرف قراره، ولا درى أي الجراد عاره. # *** ### || AUTO [عمرو بن عبيد الزاهد] # قوله: «ولا عمرو بن عبيد»، هو الزاهد الذي كان يسكن بالبصرة ويجالس الحسن ~~البصري؛ حتى حفظ عنه شيئا كثيرا من علومه، واشتهر فضله بصحبته، وكان له سمت ~~وإظهار زهد. # ورآه الحسن يوما فقال: هذا سيد شباب أهل البصرة إن لم يحدث. ثم اعتزله ~~ونهى عنه، فقال بالعزل ودعا إليه، وترك مذهب أهل السنة، واعتزل الحسن ~~البصري، ونسبت إليه المعتزلة. # فأما قيامه الذي ذكره فهو دخوله على المنصور في جماعة من أهل العلم، ~~فاستشارهم في أمر، فكلهم أشار عليه بمراده إلا عمرا فإنه لم يصحبهم ونصحه، ~~فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا الأمر لو كان باقيا لأحد قبلك لما وصلك، ألم ~~تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد [الفجر: 7]، قال: فبكى المنصور حتى بل ~~ثوبه، فقال الربيع: يا عمرو، غممت أمير المؤمنين، فقال عمرو: إن هذا- يعني ~~الربيع- صحبك عشرين سنة، ما نصحك يوما واحدا، وما عمل وزراؤك بشيء من كتاب ~~الله تعالى. فقال له المنصور: فماذا أصنع؟ هذا خاتمي في يدك، فخذه أنت ~~وأصحابك، فاكفوني فقال عمرو: ادعنا بعدلك تسمح أنفسنا بعونك، ببابك ألف ~~مظلمة، اردد منها واحدة حتى نعلم أنك صادق. # ويروى أنه قال له المنصور: أعني بأصحابك، فقال: ارفع علم الحق يتبعك أهله. # ثم قال له المنصور: ما حاجتك يا أبا عثمان؟ فقال له: تأمر برفع هذا ~~الطيلسان عني، فرفع. وكان أمر المنصور أن يطرح عليه عند دخوله. فقال له: لا ~~تدع إتياننا، قال: نعم، لا يضمني وإياك بلد إلا أتيتك، وإن بدت لي حاجة ~~إليك سألتك، ولكن لا تعطني حتى أسألك، ولا تدعني حتى آتيك، قال: إذا لا ~~تأتينا أبدا، فلما ولوا للخروج، أتبعهم المنصور بصره، ثم قال: [مجزوء الرمل] # كلكم يمشي رويد ... كلكم حابل صيد # * غير عمرو بن عبيد* # وكان جده باب من سبي فارس، وكان أبوه عبيد بن باب نساجا، ثم تحول فصار ~~للحجاج شرطيا ms0530 بالبصرة. وكان فظا غليظا خسيسا، وبلغه أن الناس إذا رأوا ابنه قالوا: # هذا خير الناس، ابن شر الناس، فقال: صدقوا، أنا كآزر وابني كإبراهيم. # وقال إسحاق بن الفضل: بينما أنا واقف إلى جنب عمارة بن حمزة بباب ~~المنصور، إذ PageV02P122 # طلع عمرو بن عبيد على حمار، فنزل ونحى البساط برجله، وجلس دونه، فقال لي عمارة: # لا تزال بصرتكم ترمينا بأحمق، فما فصل كلامه من فيه حتى خرج الربيع، وهو ~~يقول: أين أبو عثمان عمرو بن عبيد؟ فو الله ما دل على نفسه حتى أرشد إليه. ~~فأتكأه يده، ثم قال: أجب أمير المؤمنين جعلني الله فداءك! فمر متوكئا عليه، ~~فقلت لعمارة الذي استحمقه: قد دعي وتركنا، فقال: كثيرا ما يكون مثل هذا، ~~فأطال اللبث، ثم خرج الربيع، وعمرو متوكئ عليه، وهو يقول: يا غلام، حمار ~~أبي عثمان. فما برح حتى أقره على سرجه وضم إليه ثوبه، واستودعه الله عز ~~وجل. فأقبل عمارة على الربيع، فقال: لقد فعلتم اليوم بهذا الرجل فعلا لو ~~فعلتموه بولي عهدكم لكنتم قد قضيتم حقه. قال: فما غاب والله عنك مما فعله ~~أمير المؤمنين أكثر وأعجب. # قال: فإن اتسع لك الحديث فحدثنا، فقال: ما هو إلا أن سمع أمير المؤمنين ~~بمكانه، فما أمهل حتى أمر بمجلس ففرش لبودا، ثم انتقل هو والمهدي إليه، ~~وعلى المهدي سواده وسيفه، ثم أذن له. فلما دخل عليه سلم بالخلافة، فرد ~~عليه، وما زال يدنيه حتى أتكأه فخذه وتحفى، ثم سأله عن نفسه وعن عياله؛ ~~يسميهم رجلا رجلا وامرأة امرأة، ثم قال: يا أبا عثمان عظني، فقال: أعوذ ~~بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم* بسم الله الرحمن الرحيم والفجر ~~وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر هل في ذلك قسم لذي حجر إلى قوله ~~تعالى: إن ربك لبالمرصاد [الفجر: 14] يا أبا جعفر، فبكى المنصور رحمه الله ~~تعالى بكاء شديدا، وكأنه لم يسمع تلك الآية الشريفة إلا تلك الساعة، فقال: ~~زدني، قال إن الله سبحانه وتعالى أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك منه ~~ببعضها، وإن ms0531 هذا الأمر الذي صار إليك إنما كان في يد من كان قبلك ثم أفضى ~~إليك، وكذلك يخرج منك إلى من هو بعدك، وإني أحذرك ليلة تتمخض صبيحتها عن ~~يوم القيامة. قال: فبكى والله أشد من بكائه الأول حتى رجف جنباه، فقال له ~~سليمان بن مالك: رفقا بأمير المؤمنين لقد أتعبته في هذا اليوم، فقال له ~~عمرو: بمثلك ضاع الأمر وانتشر، لا أبا لك! وماذا خفت على أمير المؤمنين إن ~~بكى من خشية الله تعالى. قال: فأنت والله الصادق البر، قد أمرت لك بعشرة ~~آلاف درهم تستعين بها على سفرك وزمانك، فقال: # لا حاجة لي بها، قال: والله لتأخذنها، قال: والله لا آخذها، فقال له ~~المهدي: يحلف أمير المؤمنين وتحلف! فأقبل على المنصور فقال: من هذا الفتى؟ ~~فقال: هذا ابني محمد، وهو ولي عهد المؤمنين، فقال: والله لقد سميته اسما ما ~~استحقه عمله، وألبسته لبوسا ما هو من لبوس الأبرار، ولقد ملكته أمرا، أمتع ~~ما يكون به أشغل ما يكون عنه. ثم التفت إلى المهدي وقال: يا ابن أخي، إذا ~~حلف أبوك حلف عمك، لأن أباك أقدر على الكفارة من عمك. ثم قال: يا أبا ~~عثمان، هل من حاجة؟ قال: نعم، قال: ما هي؟ قال: لا تبعث إلي حتى آتيك، قال: ~~إذا لا نلتقي. قال: عن حاجتي سألتني، ثم استحفظه الله عز وجل وودعه، ~~وانصرف. # فلما ولي أتبعه المنصور بصره وهو يقول: [مجزوء الرمل] # * كلكم يمشي رويد* # الأبيات. PageV02P123 # وقال إسماعيل بن مسلمة أخو القعنبي: رأيت الحسين بن أبي جعفر بعبادان في ~~المنام، فقال لي: يعقوب ويونس بن أبي عبيد في الجنة، فقلت: فعمرو بن عبيد، فقال: # في النار، ثم رأيته في الليلة الثانية والثالثة كذلك، فقلت له في الليلة ~~الثالثة: فعمرو بن عبيد؟ فقال: في النار، كم أقول لك! # *** # قوله: «هش» أي فرح. أم: قصد. الوعيد: التهديد. أغبى الورى: أجهل الناس ~~به، قال المنصور: والله ما عز ذو باطل، ولو طلع في جبينه القمر، ولا ذل ذو ~~حق ولو أصفق العالم ms0532 عليه. # وفي معنى قوله: «وابغ رضا الله ... » البيت. أن ابن هبيرة شاور الحسن ~~البصري، فقال: يا أبا سعيد، ما تقول في كتب تأتينا من عند يزيد بن عبد ~~الملك، فيها بعض ما فيها، فإن أنفذتها خفت سخط الله، وإن لم أنفذها خفت على ~~دمي. فقال الحسن: يا بن هبيرة، خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، فإن ~~الله مانعك من يزيد، ولا يمنعك يزيد من الله. # يا بن هبيرة، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فاعرض كتاب يزيد على كتاب ~~الله سبحانه وتعالى، فما وافقه فنفذه، وما خالفه فلا تنفذه. فقال: صدقتني ~~ورب الكعبة. # وشاور معاوية الأحنف في استخلاف يزيد، فسكت، فقال: ما لك لا تقول؟ فقال: # إن صدقناك أسخطناك، وإن كذبناك أسخطنا الله عز وجل، فسخطك أهون علينا من ~~سخط الله تعالى. قال: صدقت. # وكتب أبو الدرداء إلى معاوية: أما بعد، فإنه من يلتمس رضا الله بسخط ~~الناس كفاه الله مئونة الناس، ومن يلتمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس. # وكتبت إليه عائشة رضي الله تعالى عنها: أما بعد فإنه من يعمل بسخط الله ~~تعالى يصير حامده من الناس ذاما له. والسلام. # قوله: «أخدانه» أصحابه. ويسحب أردانه: يجر أذياله. استنشرنا: طلبنا أن ~~ينشر لنا. والمدرجة: الورقة تكتب فيها الرسالة، ويدرج فيها الكتاب، وأضافها ~~إلى الطي لأنها تطوى على ما فيها من الكتاب، فكأنه قال مما أدرج في الورق ~~من الكتاب وطوي عليه، يريد أنه أرسل فيه الرسائل إلى البلاد، فلم يعرف له ~~موضع قر فيه وثبت. عاره: ذهب به وأتلفه. # ويكنون بالجراد عن الناس، فكأنه قال: ما يدري أي الناس ذهب به. ويقال: # عارت عينه، صارت عوراء، ووعرتها أنا: فقأتها؛ فكأنه ذهب كما تذهب العين ~~وهذا بضعف. والله أعلم بالصواب. PageV02P124 ### | AUTO المقامة الثانية والعشرون وهي الفراتية # حكى الحارث بن همام قال: أويت في بعض الفترات، إلى سقي الفرات، فلقيت بها ~~كتابا أبرع من بني الفرات، وأعذب أخلاقا من الماء الفرات. فأطفت بهم ~~لتهذبهم، لا لذهبهم، ms0533 وكاثرتهم لأدبهم، لا لمآدبهم. فجالست منهم أضراب قعقاع ~~بن شور، ووصلت بهم إلى الكور بعد الحور؛ حتى إنهم أشركوني في المربع ~~والمرتع، وأحلوني محل الأنملة من الإصبع. واتخذوني ابن أنسهم عند الولاية ~~والعزل، وخازن سرهم في الجد والهزل. # *** # أويت، أي ملت وانضممت. الفترات: جمع فترة، وهي الهدنة والسكون؛ فكأنه ~~قال: مشيت في بعض السنين الآمنة. والفترة أيضا: ضعف الأعضاء، والفترة أيضا ~~ما بين نبي ونبي. # *** ### || AUTO [سقي الفرات] # وسقي الفرات بلاد يسقيها الفرات، والفرات نهر يشق بلاد الروم وبلاد ~~العراق، ويقع في البحر الحبشي، وجريانه خمسمائة فرسخ. # وقال الرشاطي: ابتداء الفرات وفوهته من قاليقلا من بلاد إرمينية، ثم يسير ~~إلى منبج من كور قنسرين إلى سميساط، ثم إلى ملطية، ثم إلى كيسوم من أرض ~~الرقة، ثم إلى الرقة وقرقيسيا والرحبة وكور الفرات، ثم إلى الأنبار، ثم إلى ~~الكوفة، ويلتقي مع الدجلة ما بين واسط والبصرة، ومنها انصبابها إلى البحر، ~~وجريانهما من الشمال إلى الجنوب. # وقال شيخنا ابن جبير: هذا النهر كاسمه فرات، وهو من أعذب المياه وأخفها، ~~وهو نهر كبير زخار، تصعد فيه السفن وتنحدر. وأما سقيه في أحواز بغداد فنبين ~~لك قدره. فذكر أنه عاينه في طريقه من الكوفة إلى بغداد، وأنه رحل مع أمير ~~الحاج من الكوفة يوم السبت. PageV02P125 # قال: ونزلنا قريب الظهر على نهر منسرب من الفرات، ورحلنا من ذلك الموقع، ~~وبتنا ليلة الأحد سلخ محرم بقرية من الحلة، ثم جئناها يوم الأحد وهي مدينة ~~عتيقة الموضع، مستطيلة متصلة بالفرات من جانبها الشرقي، وهي على شاطئه، ~~ويمتد بطولها. # ولها أسواق حفيلة جامعة للمرافق، قوية العمارة وديارها بين حدائق النخيل، ~~وألفينا بها جسرا معقودا على مراكب كبار متصلة من الشط إلى الشط، أمر ~~الأمير بعقدها اهتماما بالحاج، فعبرناها، ونزلنا على الفرات على فرسخ من ~~البلد، والطريق من الحلة إلى بغداد أحسن طريق وأجملها في بسائط وعمائر تتصل ~~بها القرى يمينا وشمالا، ويشق هذه البسائط أغصان من [ماء] الفرات تسقيها، ~~فللعين في هذه الطريق مسرح انشراح، وللنفس مزاد انبساط ms0534 وانفساح. # ومن مدينة الحلة يتسلسل الحاج أرسالا وأفواجا، لا يعرج المتأخر على ~~المتقدم، فحيثما شاءوا نزلوا، ومن جملة الدواعي لافتراقهم كثرة ~~القناطرالمعترضة في طريقهم إلى بغداد لا تكاد تمشي ميلا إلا ونجد قنطرة على ~~نهر متفرع عن الفرات، فلو زاحم ذلك البشر تلك القناطر دفعة، لتراكموا وقوعا ~~بعضا على بعض. # فرحلنا من الحلة ضحوة يوم الاثنين أول يوم من صفر، ونزلنا بعصره بقرية ~~تعرف بالقنطرة، كثيرة الخصب، كبيرة المساحة، متدفقة فيها جداول الماء، ~~وارفة الظلال بشجرات الفواكه، من أحسن القرى وأجملها، بها قنطرة محدودة ~~تصعد إليها وتنحدر عنها على فرع من فروع الفرات، فعرفت القرية بها. # ثم رحلنا عنها بسحر الثلاثاء، ونزلنا ضحوة بالفراش؛ قرية كثيرة العمارة ~~يشقها الماء وحولها بسيط أخضر جميل المنظر، والقرى من الحلة إلى بغداد على ~~صفة الفراش في الحسن والاتساع. # ثم رحلنا منها ونزلنا عشي النهار بزريران، وهي قرية من أجمل قرى الأرض ~~وأحسنها منظرا، وأفسحها ساحة وأوسعها اختطاطا، وأكثرها بساتين ورياحين ~~وحدائق من نخيل، ولها سوق تقصر عنه أسواق المدن. وحسبك من شرفها أن دجلة ~~تسقي شرقيها والفرات يسقي غربيها، وهي كالعروس بينهما. # ومن شرفها أن بإزائها إيوان كسرى، وهو بناء عال في الهواء على مقدار ~~الميل منها وأمامها بيسير مدائنه. واجتزنا سحرا على المدائن، فعاينا من ~~طولها واتباعها مرأى عجيبا. # ونزلنا قافلين بصرصر، وهي أخت زريران حسنا، يمر بجانبها القبلي نهر متفرع ~~من الفرات وهي من القرى التي تملأ النفوس حسنا وجمالا، لها أسواق حفيلة، ~~وجامع وجسر معقود على مراكب من الشط إلى الشط وهي من بغداد على ثلاثة ~~فراسخ، ورحلنا منها قبل الظهر؛ وجئنا بغداد قبل العصر، على بساتين وبسائط ~~يقصر الوصف عنها، فمن PageV02P126 # أراد أن يعرف قدر سقي الفرات فليقف على هذا الفصل الذي ذكرناه. # وقوله: «كتابا أبرع من بني الفرات»، أي أحذق وأزيد فضيلة. ### || AUTO [بني الفرات] # والفرات رجل من عجل كان له أبناء مشاهير بالكتابة والحذاقة والبراعة، ~~وتقلد الوزارة، قال في بعضهم صالح بن موسى رحمه الله: [المجتث] # آل ms0535 الفرات نداهم ... على الفرات يزيد # وأنت فضلك فيهم ... وعليك منه شهود # وقال ابن المعتز في علي بن محمد بن الفرات: [الطويل] # أبا حسن ثبت في الأمر وطأتي ... وأدركتني في المعضلات الهزاهز # وألبستني درعا علي حصينة ... فناديت صرف الدهر: هل من مبارز! # وقال علي بن بسام: [الطويل] # وقفت شهورا للوزير أعدها ... فلم تثنه نحوي الحقوق السوالف # فلا هو يرعاني رعاية مثله ... ولا أنا أستحيي الوقوف وآنف # وكان موسى بن الفرات عاملا لأحمد بن الخصيب وزير المنتصر بن المتوكل، ~~واستوزر المقتدر أبا الحسن علي بن محمد بن الفرات ثلاث مرات، يعزله ثم يرده ~~وقتل المقتدر وأبو الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات وزيره. # وتولى بعض دواوين المقتدر أبو طالب بن جعفر بن الفرات والحسن بن أبي ~~الحسين بن الفرات. فكان محل آل الفرات، الوزارة والكتابة والبراعة ~~والحذاقة. # وحكي أن بعض الأدباء جوز بحضرة الوزير أبي الحسن بن الفرات أن السين تقام ~~مقام الصاد في كل موضع فقال له الوزير: أتقرأ: جنات عدن يدخلونها ومن صلح ~~من آبائهم [الرعد: 23]، أو «ومن سلح؟ » فخجل الرجل وانقطع. # ومثل هذه النادرة أن النضر بن شميل مرض، فدخل عليه قوم يعودونه، فقال له ~~رجل منهم: يكنى أبا صالح: مسح الله ما بك، فقال له: لا تقل مسح بالسين ولكن ~~بالصاد بمعنى أذهب، وهو كلام العرب. فقال أبو صالح إن السين تبدل من الصاد ~~كالصراط والسراط وصقر وسقر، فقال له النضر: فأنت إذا أبو سالح! فخجل الرجل. # قوله: «أعذب من الماء الفرات» أي أحلى، والماء الفرات: العذب الحلو أطفت: # أي ألممت ونزلت. لتهذبهم: لظرفهم وتخلصهم من عيوب الجفاء كاثرتهم: ~~صاحبتهم فكثرت عددهم بي. مآدبهم: طعامهم. أضراب: أمثال. # *** PageV02P127 ### || AUTO [القعقاع بن شور] # القعقاع بن شور، قال المبرد: هو رجل سيد من عبد الله بن دارم، وكان إذا ~~جالسه جليس فعرفه بالقصد إليه جعل له نصيبا في ماله، وأعانه على عدوه، وشفع ~~له في حاجته، وغدا إليه بعد المجالسة شاكرا له؛ حتى شهر بذلك. # قال الفنجديهي: هو القعقاع بن شور ms0536 بن عمرو بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن ~~صعب بن علي بن بكر بن وائل الشيباني، وهو من الأجواد والأسخياء، يضرب به ~~المثل في حسن المجالسة والمعاشرة وإتيان الجليس بالشيء النفيس. # قال أبو عبيد: وكان من جلساء معاوية، فأهدى إلى معاوية هدايا يوم ~~المهرجان فيها جامات ذهب وفضة، فدفعها إلى جلسائه ودفع إلى القعقاع جام ~~ذهب، وفي القوم أعرابي إلى جنب القعقاع، فدفع إليه لجام فأخذه الأعرابي ~~ونهض ينشد: [الوافر] # وكنت جليس قعقاع بن شور ... ولا يشقى بقعقاع جليس (¬1) # ضحوك السن إن نطقوا بخير ... وعند الشر مطراق عبوس ### || AUTO [مما قيل في البر في الجليس شعرا] # ومما يستحسن في البر بالجليس قول صاعد اللغوي: [مجزوء الوافر] # لي من سر بني العبا ... س خل وجليس # شهد المجد عليه ... أنه العلق النفيس # فإذا جالسته لم ... تدر من منا الجليس # وقال كشاجم: [مجزوء الوافر] # جليس لي أخو ثقة ... كأن حديثه حبره (¬2) # يسرك حسن ظاهره ... وتحمد منه مختبره # ويستر عيب صاحبه ... ويستر أنه ستره # وقال آخر: [مجزوء الوافر] # جليس لي له أدب ... رعاية مثله تجب # لو انتقدت خلائقه ... تبهرج عندها الذهب PageV02P128 # وقال آخر: [الخفيف] # لي صديق غلطت بل لي مولى ... من لمثلي بأن يكون صديقي # نتلاقى التقاء روح بروح ... بضروب التقبيل والتعنيق # ليس في الأرض من يميز منا ... عاشقا في اللقاء من معشوق # أين ما وصف به القعقاع من قول والبة المشهور: [السريع] # قلت لندماني على خلوة ... أدن كذا رأسك من راسيا # ونم على وجهك لي ساعة ... إني امرؤ أنكح جلاسيا # والبة بن الحباب شيخ الحسن بن هاني أدبه صغيرا، فتخلق بخلقه. وقال الحسن: # [الخفيف] # وجليس كأن في وجنتيه ... كل شيء تسمو إليه النفوس # قد أصبنا منه فتستغفر الله كثيرا ... وقد يصاب الجليس ### || AUTO [الحور والكور] # قوله: الكور والحور، أي الزيادة والنقصان، وكلام العرب: نعوذ بالله من ~~الحور بعد الكور، أي من النقصان بعد الزيادة، فقلب اللفظ على مراده، وهو من ~~كور العمامة، وهو استعارة من نقض الأمر، كنقض العمامة بعد كورها وهو ms0537 شدها، ~~وكار عمامته: شدها على رأسه وجمعها وحاربها فنقضها وأفسدها. # وأمر الحجاج رجلا على جيش، ثم بعثه مرة أخرى تحت لواء أمير آخر، فقال: # هذا الحور بعد الكور، فقال له الحجاج: وما الحور بعد الكور؟ قال: النقصان ~~بعد الزيادة، فعلى هذا أكثر أهل اللغة. # وقيل معناها: نعوذ بالله من الخروج عن الجماعة بعد كوننا في الكور، وهو ~~الاجتماع، من كار عمامته جمعها في رأسه. وحارها: أفسدها. # ويروى «بعد الكون»، من قولهم: حار بعد ما كان، أي كان على حالة جميلة ~~فرجع عنها. وقيل: معناه نعوذ بك من خروجنا عن الجماعة بعد الكون على ~~الاستقامة فحذف للعلم به. # *** # في المرتع والمربع، يعني المأكل والمنزل، والمرتع الاتساع في الأكل ~~الكثير والشرب، والمربع: المنزل في الربيع، من ربعت في الموضع أقمت فيه. ~~الأنملة: طرف الأصبع أي عظموه ورفعوه فوق رءوسهم. PageV02P129 # ابن أنسهم، أي الذي يأنسون به. عند الولاية والعزل: أي زمن العمل والعطل. # خازن: كاتم وحابس. # *** # فاتفق أن ندبوا في بعض الأوقات، لاستقراء مزارع الرزداقات، فاختاروا من ~~الجواري المنشآت، جارية حالكة الشيات، تحسبها جارية وهي تمر مر السحاب، ~~وتنساب في الحباب كالحباب. ثم دعوني إلى المرافقة، فلبيت بلسان الموافقة. # *** # ندبوا، أي دعوا. استقراء، أن تتبع. الرزداقات: العمالات والأنظار، وأراد ~~أنهم خرجوا عمالا على الزرع، وكل موضع أو قرية انفصل عن المدينة بعمله فهو ~~رزداق ورستاق ومخلاف وكورة، فالرزداق بخراسان وهو فارسي عربي، والمخلاف ~~لليمن، والكورة لغيرهما من الأرضين. # الجواري: السفن. المنشآت: المصنوعات. حالكة الشيات: مسودة اللون، والشية ~~في الفرس لون يخالف لونه كالغرة والتحجيل وغير ذلك، فأراد أن موضع البياض ~~في غير السفينة هو منها أسود فهي كلها سوداء جامدة: ساكنة. ### || AUTO [وصف السفن] # وركب السلامي دجلة في زورق، ولم يكن رأى دجلة قبل ذلك فقال: [الوافر] # وميدان تجول به خيول ... تقود الدراعين ولا تقاد # ركبت به إلى اللذات طرفا ... له جسم وليس له فؤاد # جرى فحسبت أن الأرض وجه ... ودجلة ناظر وهو السواد # وقال القاضي التنوخي يصف دجلة في الظلام: والقمر يلمع ms0538 عليها، وينتظم في ~~سلك أبيات السلامي رحمه الله تعالى: [الكامل] # أحسن بدجلة والدجى متصوب ... والبدر في أفق السماء مغرب # فكأنها فيه بساط أزرق ... وكأنه فيها طراز مذهب # وقال منصور بن كيغلغ: [الكامل] # كم ليلة سامرت فيها بدرها ... من فوق دجلة قبل أن يتغيبا # والبدر يجنح للأفول كأنه ... قد سل فروق سيفا مذهبا # وتسميته للسفينة جارية، لجريانها على الماء، قال تعالى في السفن العظام: ~~ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام [الشورى: 32]. PageV02P130 # ولبعضهم: [الكامل] # يا من تأهب مزمعا لرواح ... متيمما بغداد غير ملاح # في بطن جارية كفتك بسيرها ... رقلان كل شناحة وشناح # فكأنها والماء ينطح صدرها ... والخيزرانة في يد الملاح # جون من العقبان يبتدر الدجى ... يهوى بصوت واصطفاق جناح # الشناح: الجمل التام الخلق. # وقال عبد الجليل بن وهبون يصف الأسطول: [الكامل] # يا حسنها يوما شهدت زفافها ... بنت الفضاء إلى الخليج الأزرق # من كل لابسة الشباب ملاءة ... حسب اقتدار الصانع المتأنق # ومجاذف تحكي أراقم ربوة ... نزلت لتكرع في غدير متأق # والماء في شكل الهواء فلا ترى ... في شكلها إلا جوارح تلتقي # ولابن حريق: [الكامل] # وكأنما سكن الأراقم جوفها ... من عهد نوح صاحب الطوفان # فإذا رأين الماء يطفح نضنضت ... من كل خرق حية بلسان # *** # قوله: ينساب، أي تمشي بسلاسة. الحباب: طرائق الماء. والحباب، بالضم: # الحية. وتشبيهه المشي السهل بحباب الماء أفشى وأعرف من تشبيهه بمشي ~~الحية، وتشبيهه بمشي الحية قد استعمل، وهو متمكن في المعنى، وبه وقع ~~التشبيه هنا في المقامة، وقال امرؤ القيس في تشبيهه بحباب الماء: [الطويل] # سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال (¬1) # وقال ابن الرومي: [البسيط] # فصغت ذلك من قولي إلى قمر ... يلهو بمكتحل طورا ومختضب # جرت تدافع من وشي لها حسن ... تدافع الماء في وشني من الحبب # وقال عمر بن أبي ربيعة في مشي الحية: [الطويل] # فلما فقدت الصوت منهم وأطفئت ... مصابيح شبت بالعشاء وأنور (¬2) PageV02P131 # وغاب قمير كنت أرجو غيوبه ... وروح رعيان وهوم سمر # وخفض عني الصوت أقبلت مشية ال ... حباب وركنى خيفة القوم ms0539 أزور # ثبت في الكتب الصحاح ضم الحاء وقول الأعرابي: [الوافر] # من المتصديات لغير سوء ... تسيل إذا مشت سيل الحباب # يروى بالفتح والضم. وابن الإفليلي يأبى إلا الضم. # وقال أبو القاسم بن هانئ فجمع بين التشبيهين: [الكامل] # قامت تميس كما تدافع جدول ... وانساب أيم في نقا يتهيل # وأتت تزجي ردفها بقوامها ... فتأطر الأعلى وماج الأسفل # وقال آخر ورفع الاحتمال: [السريع] # لما دنا الليل بأرواقه ... ولاحت الجوزاء والمرزم # أقبلت والوطء خفيف كما ... ينساب في مكمنه الأرقم # وما أحسن قول ابن شهيد في معناه: [المتقارب] # ولما تمكن من سكره ... ونام ونامت عيون العسس # دنوت إليه على رقبة ... دنو محب درى ما التمس # أدب إليه دبيب الكرى ... وأسمو إليه سمو النفس # أقبل منه بياض الطلى ... وأرشف منه اللمى واللعس # *** # فلما توركنا على المطية الدهماء، وتبطنا الولية الماشية على الماء، ~~ألفينا بها شيخا عليه سحق سربال، وسب بال، فعافت الجماعة محضره. وعنفت من ~~أحضره، وهمت بإبرازه من السفينة، لولا ما ثاب إليها من السكينة؛ فلما لمح ~~منا استثقال ظلة، واستبراد طله، تعرض للمنافثة فصمت، وحمدل بعد أن عطس فما شمت. # *** # قوله: المطية الدهماء، هي السفينة السوداء. وتوركناها: قعدنا عليها ~~متكئين. # وتبطنا: دخلنا بطنها. الولية المطيعة. وأوهم لقول الناس: فلان ولي يمشي ~~على الماء، فلما كانت مطيعة لخدامها ماشية على الماء سماها ولية. ألفينا: ~~وجدنا. سحق سربال، أي قميص خلق. والسب: الخمار. فيريد أن عليه مئزرا أو ~~خمارا باليا، والمئزر كالخمار PageV02P132 # للمرأة. عافت: كرهت. عنفت: لامت وأغلظت له القول، والعنف ضد الرفق. ثاب: # رجع. # قال الفراء رحمه الله تعالى: معنى السكينة الطمأنينة. # أبو عبيدة: هي فعيلة من السكون. وتشبه حالة أبي زيد هنا في إهانته أولا ~~وإكرامه آخرا حالة معبد في دخول السفينة، وقد تقدمت في الثامنة عشرة. # لمح: رأى. والظل، يوصف بالثقل مبالغة في ثقل صاحبه، يقال للمستثقل: ظلك ~~علي ثقيل، أي أخف ما يمكن أن يوجد منك الظل السريع الانتقال يثقل علينا، ~~فيصور شخصك أي منزلته من الثقل، وإنما يتصور ثقل الظل حقيقة إذا ms0540 أخذ عليك ~~إنسان عين الشمس في زمن البرد أو ضوأها وأنت تنظر ما يدفئ. ### || AUTO [مما قيل في الثقلاء] # ومما قيل في ثقيل: [مجزوء الرمل] # أنت يا هذا ثقيل ... وثقيل وثقيل # أنت في المنظر إنسا ... ن وفي المخبر فيل # لو تعرضت لظل ... فسد الظل الظليل # وكان الأعمش إذا حضر مجلسه ثقيل ينشد: [المتقارب] # فما الفيل تحمله ميتا ... بأثقل من بعض جلاسيا # وذكر ثقيلا كان يجلس إلى جانبه، فقال: والله إني لأبغض شقي الذي يليه مني. # وكان حماد بن سلمة إذا أري من يستثقله قرأ: ربنا اكشف عنا العذاب إنا ~~مؤمنون [الدخان: 12]. # عائشة رضي الله عنها: نزلت آية في الثقلاء: فإذا طعمتم فانتشروا ولا ~~مستأنسين لحديث [الأحزاب: 53]. # الشعبي: من فاتته ركعتا الفجر فليعلن الثقلاء. # وكان أبو هريرة رضي الله عنه إذا رأى ثقيلا قال: اللهم اغفر له وأرحنا منه. # قيل لجالينوس: لم صار الرجل الثقيل أثقل من الحمل الثقيل؟ قال: لأن ثقله ~~على القلب دون الجوارح، والحمل الثقيل يستعين القلب بالجوارح عليه. # وقال طبيب للحجاج: إياك ومجالسة الثقلاء، فإنا نجد في الطب أن مجالستهم ~~حمى الروح. # وقال حكيم لآخر: لا تصحبن ثقيلا، فمن يصحبه فإنما يعذب روحه. # وقيل: سخنة العين النظر إلى الثقلاء. PageV02P133 # وكان بعضهم إذا رأى ثقيلا غشي عليه. وكان آخر إذا رأى ثقيلا غمض عينيه. # وكان بعض الظرفاء إذا رأى ثقيلا قال: قد جاءكم الجبل، فإن جلس عندهم قال: # قد وقع عليكم. # وسمع الأعمش كلام ثقيل فقال: من هذا الذي يتكلم وقلبي يتألم. # قال رجل لخالد بن صفوان: أتستثقل فلانا؟ قال: أوه كدت والله أن تصدع قلبي ~~بذكره، والله لهو أثقل من شراب الترنجبيل بماء التين في أيام الحكاك بعقب ~~التخمة وأوان الحجامة. # سلم ثقيل على بعض الظرفاء فقال: وعليك السلام شهرا. # قعد ثقيل عند ظريف، فسئل عن ذلك، فقال: كانت نفسي قد شمخت علي فأردت أن ~~أهينها بذلك. # وقال رجل لغلام هاشمي: يا بغيض، فشكاه إلى أبيه، فقال: قد علمت أنك بغيض، ~~فكرهت أن أقوله لك حتى يكون ms0541 بغضك بإسنادك. # وسئل إنسان له ثلاث بنين ثقلاء: أي بنيك أثقل؟ فقال: ليس بعد الكبير أثقل ~~من الصغير إلا الأوسط. # كان أبو العتاهية يقول لابنه محمد: أنت والله يا محمد ثقيل الظل، مظلم ~~الهواء جامد النسيم، بارد حامض منتن. # قال سهل بن هارون: من ثقل عليك نفسه، وغمك سؤاله فأعره أذنا صماء، وعينا عمياء. # وأنشدوا: [السريع] # مشتمل بالبغض لا تنثني ... إليه لحظا مقلة الرامق (¬1) # يظل في مجلسنا قاعدا ... أثقل من واش على عاشق # وقال بعضهم: [الكامل] # يا من تبرمت الدنيا بطلعته ... كما تبرمت الأجفان بالسهد # إني لأذكره حينا فأحسبه ... من ثقله جالسا مني على كبدي # ولبعضهم: [مجزوء الخفيف] # نظر العين نحوه ... - علم الله- يمرض # فإذا ما أردتم ... أن تروه فغمضوا PageV02P134 # لا تصبكم ملمة ... والملمات تعرض # وقال بعضهم: [مخلع البسيط] # شخصك في مقلة النديم ... أوحش من نحسة النجوم # يا رجلا وجهه علينا ... أثقل من منة اللئيم # إني لأرجو بما أقاسي ... منك خلاصي من الجحيم # وقال بعضهم أيضا: [المتقارب] # ولي خلتان على هامتي ... جلوسهما مثل حد الوتد # ثقيلان لم يعرفا حفة ... فهذا الصداع وذاك الرمد # والأشعار في الثقلاء كثيرة وفي كتب الآداب مشهورة، فلنقتصر على هذه ~~النبذة. # قوله: استبراد طله. الطل: أضعف المطر، وهو الرذاذ، وأكثر نزوله ساكنا ~~بغير ريح، ولا برد في الغالب يكون معه، فكنى هنا بالطل عن كلامه القليل، ~~وإنه عندهم بارد الحديث، وإن كان ما جاء منه ثقيل مؤذ. # وقد جاء في ذلك: [المتقارب] # ولو مازج النار في حرها ... حديثك أطفأ منها اللهب # وقال آخر في شعر الصولي: [السريع] # داري بلا خيش ولكنني ... عقدت من خيشي طاقين # دار متى ما اشتد بي حرها ... أنشدت للصولي بيتين # وكلامه: [الطويل] # ويوم كتنور الطهاة سجرته ... على أنه منه أحر وأوقد # ظللت به عند المبرد جالسا ... فما زلت في ألفاظه أتبرد # لقي برد الخيار المغني أبا العباس المبرد في يوم ثلج بالجسر، فقال له: ~~أنت المبرد وأنا برد الخيار، واليوم كما ترى: اعبر بنا لا يهلك الناس من ~~الفالج بسببنا. وقال كشاجم رحمه ms0542 الله تعالى: [المتقارب] # غناء مديح بأرض الحجاز ... يطيب وأما بحمص فلا # لبرد الغناء وبرد الهواء ... فإن جمعا خفت أن يقتلا # قوله: تعرض، أي تهيأ. المنافثة: الكلام معهم. صمت: سكت. ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «موقع حديث الرجل من ~~القوم كموقعه من قلوبهم». PageV02P135 # حمدل: قال الحمد لله. ما شمت: ما أدخل عليه السرور بقولهم: يرحمك الله تعالى. # ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عطس ~~أو تجشأ فقال الحمد لله على كل حال دفع بها عنه سبعون داء أهونها الجذام». ### || AUTO [في تشميت العاطس] # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله، والذي ~~يشمت: يرحمك الله، وليقل هو: يهديكم الله، ويصلح بالكم» (¬1). # ومما يستظرف من حديث العطاس أن صوفيا في بلدنا كان حافظا للشعر، فلا يعرض ~~في مجلسه معنى إلا وينشد عليه شعرا، فاتفق أن عطسرجل بمحضره، فشمته ~~الحاضرون، فدعا لهم، فرأى الصوفي أن تشميته قطع إنشاده بما لا يشاكله من ~~النظم، وإن لم يشمته كان تقصيرا في البر. فأصبح للطلبة راغبا أن ينظم له ~~هذا المعنى، فقال الوزير الحسيب أبو عمرو بن محمد: [السريع] # يا عاطسا يرحمك الله إن ... أعلنت بالحمد على عطستك # ادع لنا ربك يغفر لنا ... وأخلص النية في دعوتك # وقل له يا سيدي رغبتي ... حضور هذا الجمع في حضرتك # وأنت يا رب النداء والندى ... بارك رب الناس في ليلتك # فإن يكن منك لنا دعوة ... فأنت محمود على عودتك # وهذا الوزير الشريف إنما يصرف شعره في أوصاف الغزلان، ومخاطبات الإخوان. # وكتب إلي يستهديني كتاب العقد: [الطويل] # أيا من غدا سلكا بجيد معارفه ... ومن لفظه زهر أنيق لقاطفه # محبك أضحى عاطل الجيد فلتجد ... بعقد على لباته وسولفه # وتوعك في بعض الأعياد فعاده من أعيان الطلبة جملة، فلما هموا بالانصراف ~~أنشدهم ارتجالا: [الكامل] # لله در عصابة أمجاد ... شرف النداء بقصدهم والنادي # لما أشاروا بالسلام وأربعوا ... أنشدتهم وصدقت في الإنشاد # في العيد ms0543 عدتم وهو يوم عروبة ... يا فرحتي بثلاثة الأعياد # *** PageV02P136 # فأخرد ينظر فيما آلت حاله إليه، وينتظر نصرة المبغي عليه. وجلنا نحن في ~~شجون، من جد ومجون؛ إلى أن اعترض ذكر الكتابتين وفضلهما، وتبيان أفضلهما، ~~فقال قائل: إن كتبة الإنشاء أنبل الكتاب؛ ومال مائل إلى تفضيل الحساب. ~~واحتد الحجاج، وامتد اللجاج؛ حتى إذا لم يبق للجدال مطرح، ولا للمراء مسرح؛ ~~قال الشيخ: لقد أكثرتم يا قوم اللغط، وأثرتم الصواب والغلط، وإن جلية الحكم ~~عندي، فارتضوا بنقدي، ولا تستفتوا أحدا بعدي. # *** # قوله: أخرد: أي سكت ذلا، ويروى: خرد، أي سكت حياء واستتر، تقول: # أخردت وخردت من حر الشمس. أي استترت، وأقرد من لفظ القرد أو القراد، ~~وأخرد من لفظ الخريدة. آلت: رجعت. المبغي عليه أي المظلوم، وأراد أن ينظر ~~النصرة على أعدائه، من قوله تعالى: ثم بغي عليه لينصرنه الله [الحج: 60] ~~جلنا: تصرفنا. # شجون: ضروب من الكلام، ومنه: الحديث شجون، أي فنون، ومشتبك بعضه ببعض. # وفي الحديث: «الرحم شجنة من الله»، معناه القرابة مشتبك بعضها ببعض، ~~كاشتباك العروق. اعترض: تصلب وظهر. الإنشاء: الكتابة. وكتبة الإنشاء هم ~~كتبة بين يدي السلطان وهم المترسلون. أنبل: أعظم قدرا. والحساب. كتبة ~~الزمام. # احتد: اشتد. والحجاج: المحاجة واللجاج: ركوب الرجل على الباطل، مطرح: # موضع يطرح فيه. المراد قد تقدم. آثرتم: فضلتم. جلية: بيان. نقدي: تمييزي. # *** # اعلموا أن صناعة الإنشاء أرفع، وصناعة الحساب أنفع، وقلم المكاتبة خاطب، ~~وقلم المحاسبة حاطب، وأساطير البلاغة تنسخ لتدرس، ودساتير الحسبانات تنسخ ~~وتدرس. والمنشئ جهينة الأخبار، وحقيبة الأسرار، ونجي العظماء، وكبير ~~الندماء، وقلمه لسان الدولة، وفارس الجولة، ولقمان الحكمة، وترجمان الهمة. ~~وهو البشير والنذير، والشفيع والسفير. به تستخلص الصياصي، وتملك النواصي، ~~ويقتاد العاصي، ويستدنى القاصي، وصاحبه بريء من التبعات، آمن كيد السعاة، ~~مقرظ بين الجماعات، غير معرض لنظم الجماعات. # *** # قوله: خاطب، أي جامع للكلام. حاطب: جامع للحطب، يريد أن المنشئ كالخطيب ~~يختار من الكلام النفيس فيسرقه، ولا يبالي كاتب الحساب بما كتب، ويكون PageV02P137 # حاطب بمعنى مجمع للمال. أساطير: أحاديث، وهي جمع أسطار، وأسطار: جمع ms0544 سطر. ~~وقيل: الأساطير: جمع أسطورة وإسطارة. دساتير: أزمة. تدرس: تمحى أو تترك حتى تتغير. ### || AUTO [قصة المثل: عند جهينة الخبر اليقين] # جهينة الأخبار، أي العارف بها. واختلفوا في المثل، قال الأصمعي رحمه الله ~~تعالى: جفينة بالجيم والفاء. # وقال أبو عبيدة رحمه الله تعالى: حفينة، بحاء غير معجمة. # وقال ابن الكلبي: جهينة بالجيم والهاء، وهو الصحيح. # وأصله أن حصين بن عمرو بن معاوية بن كلاب خرج يطلب فرصة فاجتمع برجل من ~~جهينة يقال له الأخنس بن كعب، فنزلا في بعض منازلهما. وتعاقدا ألا يلقيا ~~أحدا إلا سلباه، وكلاهما فاتك يحذر صاحبه، فلقيا رجلا، فسلباه كل ما معه ~~فقال لهما: هل لكما أن تردا علي بعض ما أخذتما مني وأدلكما على مغنم؟ ~~فقالا: نعم، قال هذا رجل لخمي قدم من بعض الملوك بمغنم كثير، وهو خلفي في ~~موضع كذا، فردا عليه بعض ماله، وطلبا اللخمي، فوجداه نازلا في ظل شجرة ~~وقدامه طعامه وشرابه، فحياه وحياهما، وعرض عليهما الطعام، فنزلا وأكلا، ~~وشربا مع اللخمي. ثم إن الأخنس ذهب لبعض شأنه، فلما رجع أبصر سيف صاحبه ~~مسلولا، واللخمي يتشحط في دمه، فسل سيفه، وقال: ويحك! قتلت رجلا قد تحرمنا ~~بطعامه وشرابه! فقال: اقعد يا أخا جهينة، فلهذا وشبهه خرجنا. ثم إن الجهني ~~شغل صاحبه بشيء، ثم وثب عليه فقتله، وأخذ متاعه ومتاع اللخمي. ثم انصرف إلى ~~قومه راجعا بماله، وكانت لحصين أخت تسمى صخرة، فكانت تبكيه في المواسم ~~وتسأل عنه فلا تجد من يخبرها بخبره، فقال الأخنس حين أبصرها: [الوافر] # وكم من فارس لا تزدريه ... إذا شخصت لرؤيته العيون # علوت بياض مفرقه بعضب ... فأضحى في الفلاة له سكون # يذل له العزيز وكل ليث ... من العقبان مسكنه العرين # فأضحت عرسه ولها عليه ... بعيد هدوء رقدتها أنين # كصخرة إذ تسائل في مراح ... وفى جرم وعلمهما ظنون # تسائل عن حصين كل ركب ... وعند جهينة الخبر اليقين (¬1) PageV02P138 # فمن يك سائلا عنه فعندي ... لسائله الحديث المستبين # مراح وجرم: قبيلتان. # حقيبة: وعاء. نجي: متكلم. الندماء: الجلساء على الخمر، يريد أن ms0545 أصحابه ~~أعيان وأشراف. النذير: المخوف. السفير: الرسول بين القوم. تستخلص: تملك ~~وتحصل. الصياصي: الحصون. النواصي: الرءوس، وأصل الناصية شعر مقدم الرأس. # القاصي: البعيد. التبعات: المطالبات. السعاة جمع ساع، وهو جابي الصدفة. مقرظ: # ممدوح. نظم الجماعات: تجميل الحساب، والجماع: الأخلاط وضروب من الناس، ~~والجماع: كل شيء انضم بعضه إلى بعض وتجمع؛ أراد أن كاتب التراسيل قد أمن من ~~مكر عمال الزكوات الذين يسرقون مال الرعية والسلطان ولا يعرض لأن يؤلف ما ~~افترق من الخراج حتى يصير جماعات. # *** # فلما انتهى في الفصل، إلى هذا الفصل، لحظ من لمحات القوم أنه ازدرع حبا ~~وبغضا، وأرضى بعضا وأحفظ بعضا. فعقب كلامه بأن قال: إلا أن صناعة الحساب ~~موضوعة على التحقيق، وصناعة الإنشاء مبنية على التلفيق، وقلم الحاسب ضابط، ~~وقلم المنشئ خابط. وبين إتاوة توظيف المعاملات، وتلاوة طوامير السجلات، بون ~~لا يدركه قياس، ولا يعتوره التباس، إذ الإتاوة تملأ الأكياس، والتلاوة تفرغ ~~الراس، وخراج الأوارج، يغني الناظر، واستخراج المدارج يعني الناظر. # *** # الفصل، أي القضاء والحكم، وأراد أنه فصل في القضاء بين الصنفين من ~~الكتاب. # إلى هذا الفصل، أي إلى هذا الحد. والفرق، فالأول من فصل الحاكم بين ~~الخصمين فصلا: قضى، والثاني من فصلت بين الشيئين فصلا وفصولا: فرقت، يريد ~~أنه فصل بين الكلام المتقدم والكلام المستأنف، وأراد أنه ازدرع في قلوب ~~كتبة الإنشاء حبه لمدحه لهم، وفي قلوب كتبة الحساب بغضه لما قصر بهم، فأخذ ~~يستأنف مدحهم. # أحفظ: أغضب. عقب: أتبع، وأراد بالتحقيق أن صنعة الحساب برهانية محققة. # والتلفيق: ضم شيء لطيف إلى مثله، ولفقت الشيء تلفيقا ضممت بعض أجزائه إلى ~~بعض. ضابط: محقق، والضبط الأخذ بشدة، ورجل ضابط للشيء، إذا قوي عليه فلم ~~يفلت منه. خابط: مغرر، وخبط: مشى على غير هداية. # الإتاوة: الخراج والجباية إلى بيت المال. توظيف: تقسيط. ووظف على الناس PageV02P139 # الغرم: قسطه عليهم، والوظيفة: نصيبك الذي تغرمه. المعاملات: أنواع من علم ~~الحساب، وأصلها مصدر عاملت الرجل معاملة إذا وافقته على بيع أو كراء أو ~~إجازة أو غير ذلك مما يتعامل به ms0546 الناس بعضهم مع بعض. تلاوة: قراءة. طوامير ~~السجلات: بطائق الترسيل، والطومار: الكتاب. بون: بعد. يعتوره: يتداوله ~~ويقصده. التباس: شك. # الأكياس: أوعية الدراهم. والإتاوة: رشوة العمال: قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «هدايا العمال رشوة». تغرغ الرأس: تهوسه بكثرة الدروس والسهر. ~~الأوارج: أزمة الخراج. وقيل: # صنف من الخراج. الناظر: العامل فيها، وأورجها، إذا تولى عملها والقيام بها. # المدراج: الرسائل، سميت بذلك لأنها تدرج، أي تطوى على ما فيها، ~~واستخراجها: # تتبع معانيها بجودة النظر ودرس ألفاظها. يعني: يتعب. الناظر: سواد العين، ~~يريد أن كاتب الزمام في راحة وهو يملي على أكياسه بالدراهم. وكاتب الرسالة ~~متعوب قليل المال. # *** # ثم إن الحسبة حفظة الأموال، وحملة الأثقال، والنقلة الأثبات، والسفرة ~~الثقات، وأعلام الإنصاف والانتصاف، والشهود المقانع في الإخلاف، ومنهم ~~المستوفي الذي هو يد السلطان، وقطب الديوان، وقسطاس الأعمال، والمهيمن على ~~العمال، وإليه المآب في السلم والهرج، وعليه المدار في الدخل والخرج، وبه ~~مناط الضر والنفع، وفي يده رباط الإعطاء والمنع. # ولولا قلم الحساب، لأودت ثمرة الاكتساب، ولاتصل التغابن إلى يوم الحساب. ~~ولكان نظام المعاملات محلولا، وجرح الظلامات مطلولا، وجيد التناصف مغلولا، ~~وسيف التظالم مسلولا. على أن يراع الإنشاء متقول، ويراع الحساب متأول. ~~والمحاسب مناقش، والمنشئ أبو براقش، ولكليهما حمة حين يرقى، إلى أن يلقى ~~ويرقى، وإعنات فيما ينشا، حتى يغشى ويرشى؛ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وقليل ما هم. # *** # النقلة: الأثبات، أي هم على يقين وثبات فيما ينقلون. السفرة: الكتبة. ~~الثقات: # الأمناء. أعلام الإنصاف: يريد المشاهير بإنصاف السلطان من الناس والناس ~~منه، وتقول: # أنصفت الرجل: أعطيته حقه، وانتصفت منه: أخذت حقك. والمقانع: الذين يقنع ~~بفعلهم، أي يرضى. والإخلاف: جودة الزرع، تقول: أخلف الزرع، إذا طاب؛ ورد ~~على أصحابه أضعاف ما نفق عليه. المستوفي: رأس المشارب. قطب: أصل. وقطب PageV02P140 # القوم سيدهم الذي يدبر أمرهم ويدورون على رأيه، بمنزلة قطب الرحى الذي ~~تدور عليه. # الديون: دار كتاب الخراج، وهو فارسي معرب. قسطاس: ميزان؛ يريد أنه ميزان ~~العمل الذي يعتدل به. # المهيمن: الشاهد. المآب: الرجوع. السلم والهرج: الصلح ms0547 والحرب. المدار: # المعول، أي عليه أن يعول في إدارة ما يدخل على السلطان من المال من ~~رعيته، وما يخرج عنه من لوازم الأجناد وغيرهم، وفلان كثير الدخل والخرج، ~~إذا كثر ما يدخل عليه من الفوائد وما يخرج عنه من الإنفاق. # مناط: تعلق. أودت: هلكت. نظام: خيط. مطلولا: هدرا أي باطلا لا حق فيه. # التناصف: أخذ الحق وإعطاؤه، واستعار له عنقا، وجعله مغلولا؛ أي محبوسا بغل. # التظالم: ضد التناصف. يراع: أقلام. متقول: منحول ما يقوله. متأول: مدبر؛ ~~يريد أن الملك يلقي للكاتب مقصده، فيحسن الكاتب الألفاظ ويرتب الفقر، فيزيد ~~في كتابته ألفاظا على ما حد له بالضرورة، فتلك الزيادات ضرب من التقول وهو ~~أن يقول على الرجل ما لم يقل، وكاتب الحساب لا يحتاج إلى تقول. مناقش: ~~مباحث. أبو براقش: # أي يأتي بأنواع مختلفة، وأبو براقش: طائر فيه ألوان شتى، مشتق من ~~البرقشة، وهي النقش والرقم، يقال: برقشت الثوب. وأنشد سيبويه وعزاه أبو ~~عمرو بن العلاء لبعض بني أسد: [مجزوء الكامل] # إن يبخلوا أو يحسنوا ... أو يعذروا لا يحفلوا (¬1) # يغدوا عليك مرجلي ... ن كأنهم لم يفعلوا # كأبي براقش كل حي ... ن لونه يتخيل # وأبو براقش وأبو قلمون، كنية للرجل الكثير التلون، القليل الارتباط، وأصل ~~أبي قلمون كنية لثياب إبريسم تنسج بمصر والروم، تتلون للعيون ألوانا شتى. ~~وفي البديعية: # [المجتث] # أنا أبو قلمون ... في كل لون أكون PageV02P141 # حمة بالتخفيف: سم وشر. يرقى: يصعد في منزله، ويرتفع في أصابع الكاتب حين ~~يكتب به. يرقى: إشارة للرشوة لأنها تسكن شرة، كما تسكن الرقية الوجع، ~~إعنات: مشقة. ينشى: يكتب. يغشى: يقصد ويدخل عليه. ### || AUTO [حائك الكلام] # هذه المقامة بناها أبو محمد على حكاية حائك الكلام المشهور، لأنهم حقروه ~~أولا في السفينة ثم عظموه آخرا بعد الاختبار. # ونذكر الحكاية وإن طالت لموافقتها المقامة: حدث عمرو بن مسعدة (¬1) أن ~~المعتصم لما رجع من الثغر، وصار بناحية الرقة قال لي: ما زلت تسألني في ~~الرخجي (¬2) حتى وليته الأهواز، وقعد في سرة الدنيا يأكلها خضما وقضما، ولم ~~يوجه إلينا ms0548 بدرهم واحد، اخرج إليه من ساعتك، واحلف ألا تقيم ببغداد إلا ~~يوما واحدا، فحلفت له، وقلت في نفسي: أبعد الوزارة أصير مستحثا لعالم خراج! ~~ولم أجد بدا من طاعته. # فخرجت إلى بغداد، ففرش لي زورق، وغشي بالسلخ (¬3)، فلما صرت عند دير ~~هزقل، وإذا رجل يصيح: يا ملاح، رجل منقطع، فقلت للملاح: قرب إلى الشط، ~~فقال: هذا شحاذ، وإن قعد معك، آذاك فأمرت الغلمان فأدخلوه في كوثل الزورق ~~(¬4)، فلما حضر الغداء دعوته فأكل أكل جائع، إلا أنه نظيف، فلما رفع ~~الطعام، أردت أن يستعمل معي ما يستعمل العوام مع الخاصة؛ أن يقوم فيغسل يده ~~في ناحية، فلم يفعل، فغمزه الغلمان فلم يفعل، فقلت: يا هذا، ما صناعتك؟ ~~فقال: حائك، فقلت في نفسي: هذه شر من الأولى، ثم قال لي: جعلت فداك! سألتني ~~عن صناعتي فأخبرتك، فما صناعتك؟ فقلت: # هذه والله أعظم، فكرهت ذكر الوزارة فقلت: كاتب. # فقال: الكاتب على خمسة أصناف: كاتب رسائل ويحتاج أن يعرف الفصل من الوصل، ~~والتهاني والتعازي والصدور وجملا من الإعراب. وكاتب خراج يحتاج إلى أن يعرف ~~الزرع والمساحة والتقسيط والحساب. وكاتب جند، يحتاج إلى أن يعرف شيات الخيل ~~وحلى الناس وكاتب شرطة يحتاج إلى أن يعرف الجراح والقصاص والديات، وكاتب ~~قاض يحتاج إلى أن يعرف الفقه والوثائق وما يتعلق بذلك، فأيهم أنت أعزك الله تعالى؟ # قلت: كاتب رسائل، قال: فأخبرني؛ إن كان لك صديق تكتب له في المحبوب PageV02P142 # والمكروه، فتزوجت أمه، كيف تكتب إليه؟ تهنيه أو تعزيه؟ قلت: والله لا ~~أدري، وهو بالتعزية أولى، قال: صدقت، فكيف تعزيه؟ قلت: والله لا أدري وهو ~~بالتعزية أولى، قال: صدقت، فكيف تعزيه؟ قلت: والله لا أدري. # قال: فلست بكاتب رسائل: فأيهم أنت؟ قلت: كاتب خراج، قال: فما تقول وقد ~~ولاك السلطان عملا، فجاء قوم يتظلمون من بعض عمالك، فأردت أن تنصفهم، وكنت ~~تحب العدل وتؤثر حسن الأحدوثة، وكان لأحدهم قراح (¬1) فأردت مساحته؟ قلت: # أضرب العطوف في العمود. قال: إذن تظلم الرجل، قلت: فأمسح العمود على حدة، ~~والعطوف على حدة، ms0549 قال: إذن تظلم الناس، قلت: والله فما أدري؟ قال: فلست ~~بكاتب خراج، فأيهم أنت؟ قلت: كاتب جند. # فقال: فما تقول في رجلين اسم كل واحد منهما أحمد، أحدهما مقطوع الشفة ~~العليا، والآخر مقطوع السفلى كيف تكتب عليهما؟ قلت: أكتب أحمد الأعلم وأحمد ~~الأعلم. قال: وكيف ورزق هذا مائة درهم ورزق الآخر ألف درهم، فيقبض هذا على ~~دعوة هذا، فتظلم صاحب الألف، قلت: والله ما أدري! قال: فلست بكاتب جند، ~~فأيهم أنت؟ قلت: كاتب قاض. # قال: فما تقول في رجل توفي وخلف زوجة وسرية، وللزوجة بنت وللسرية (¬2) ~~ابن، فتنازعتا فيه، فقالت كل واحدة منهما هذا ابني وقالت واحدة هذا ابني، ~~كيف تحكم بينهما وأنت خليفة القاضي! قلت: والله ما أدري؟ قال: فلست بكاتب ~~قاض، قال: فأيهم أنت؟ قلت: كاتب شرطة. # قال: فما تقول في رجل وثب على رجل، فشجه شجة موضحة (¬3)، فوثب عليه ~~المشجوج فشجه شجة مأمومة (¬4)، فقلت: لا أعلم، وقد سألت ففسر لي ما ذكرت. # قال: أما الرجل الذي تزوجت أمه، فتكتب إليه: أما بعد فإن أحكام الله ~~تعالى تجري بغير محاب المخلوقين، والله يختار للمخلوق، فخار الله لك في ~~قبضها إليه، فإن القبر أكرم لها، والسلام. # قال: وأما القراح فتضرب واحدا في واحد في مساحة العظوف، فتم بابه. # قال: وأما المقطوع العليا فتكتب عليه أحمد الأعلم، وعلى المقطوع السفلى ~~أحمد الأشرم، وأما المرأتان فيوزن لبنهما، فأيتهما كان لبنها أخف فهي صاحبة ~~البنت. وفي الموضحة خمس من الإبل، وفي المأمومة ثمانية وعشرون. PageV02P143 # قلت: فما نزع بك إلى هنا؟ قال: ابن عم لي كان عاملا على ناحية فخرجت إليه ~~فلقيته معزولا، فخرجت إلى بعض النواحي اضطرب في المعاش، قلت: أليس قد ذكرت ~~أنك حائك! قال: أنا أحوك الكلام، ولست بحائك الثياب. فلما بلغنا الأهواز ~~أمرت الحجام فأحفي من شعره، وأدخل الحمام، فكسوته من ثيابي، وكلمت الرخجي ~~فيه في الأهواز فأعطاه خمسة آلاف درهم، ورجع معي. # فقال لي المعتصم: ما كان من خبرك في طريقك؟ فأخبرته خبري، ثم خبر الرجل، ~~فقال: هذا ms0550 لا يستغنى عنه، فلأي شيء يصلح؟ قلت: هو والله يا أمير المؤمنين ~~أعلم الناس بالمساحة والهندسة، فولاه البناء، فكنت ألقاه في الموكب النبيل ~~فينزل عن دابته فأمنعه، فيقول: يا سبحان الله! إنما هذه نعمتك، وبك أفدتها. # ومثل إيهامه هنا أنه حائك إيهام أبي زيد في التاسعة أنه نظام. # *** # قال الحارث بن همام: فلما أمتع الأسماع، بما راق وراع، استنسبناه ~~فاستراب، وأبى الانتساب، ولو وجد منسابا لأنساب. فحصلت من لبسه على غمة؛ ~~حتى ادكرت بعد أمة. فقلت: والذي سخر الفلك الدوار، والفلك السيار، إني لأجد ~~ريح أبي زيد، وإن كنت أعهده ذا رواء وأيد. # فتبسم ضاحكا من قولي، وقال: أنا هو على استحالة حالي وحولي؛ فقلت ~~لأصحابي: هذا الذي لا يفرى فريه، ولا يبارى عبقريه. فخطبوا منه الود، ~~ويذلوا له الوجد؛ فرغب عن الألفة، ولم يرغب في التحفة، وقال: أما بعد إن ~~سحقتم حقي، لأجل سحقي، وكسفتم بالي، لإخلاق سربالي، فما أراكم إلا بالعين ~~السخينة، ولا لكم مني إلا صحبة السفينة. # *** # قوله: «أمتع الأسماع» أي متع الآذان ولذذها، ومنه يقال في الكتابة: أبقاك ~~الله وأمتع بك، ومعناه: أطال الله عمره، من الماتع وهو الطويل عند العرب، ~~ومنه متع النهار، أي علا، وقال الأنصاري. [الكامل] # واها لأيام الصبا وزمانه ... لو كان أمتع بالمقام قليلا! # ونبلاء الكتاب يكتبون بها إلى الأتباع والأدنياء، ولا يكتبون بها إلى ~~الأكفاء والأعلون. # *** PageV02P144 ### || AUTO [من أخبار الأدباء والشعراء] # وكتب محمد بن عبد الملك الزيات إلى عبد الله بن طاهر كتابا في صدره: ~~وأمتع بك، فكتب إليه ابن طاهر: [المنسرح] # أحلت عما عهدت من أدبك ... أم نلت ملكا فتهت في كتبك # أم قد ترى أن في ملاطفة ال ... إخوان نقصا عليك في أدبك # إن جفا كتاب ذي مقة ... يكون في صدره: وأمتع بك # أتعبت كفيك في مخاطبتي ... حسبك مما لقيت من تعبك # فأجابه ابن الزيات: [المنسرح] # كيف أخون الإخاء يا أملي ... وكل شيء أنال من سببك # إن يك جهل أتاك من قبلي ... فعد بفضل علي من حسبك # أنكرت شيئا ms0551 ولست فاعله ... ولن تراه يخط في كتبك # فاعف فدتك النفوس عن رجل ... يعيش حتى الممات في أدبك # ومن ملح أجوبة ابن الزيات أن الحسن بن وهب مرض فلم يعده، ولا تعرف خبره، ~~فكتب إليه الحسن: [الخفيف] # أي هذا الوزير أيدك الله ... وأبقاك لي زمانا طويلا # أجميلا تراه يا أكرم النا ... س لكيما أراه أيضا جميلا # إنني قد أقمت عشرا عليلا ... ما ترى مرسلا إلي رسولا # إن يكن يوجب التعهد في الصح ... بة منا علي منك طويلا # فهو أولى يا سيد الناس برا ... وافتقادا لمن يكون عليلا # فأجابه ابن الزيات: [الخفيف] # دفع الله عنك نائبة الده ... ر وحاشاك أن تكون عليلا # أشهد الله ما علمت وماذا ... ك من العذر جائزا مقبولا # ولعمري أن لو علمت فلا رم ... تك حولا لكان عندي قليلا # فاجعلن لي وإلى التعلق بالعذ ... ر سبيلا إن لم أجد لي سبيلا # فقديما ما جاد بالصفح والعف ... وو ما سامح الخليل خليلا # وكتب بعض الكتاب إلى صديق له يعاتبه على ترك عيادته: [الكامل] # يا جافيا ترك السؤال بعبده ... نفسي فداؤك من ملول قاطع # اعتل عبدك من تشكى رأسه ... ستا وأردفها بيوم سابع PageV02P145 # فحبست رسلك عن تعهد علتي ... وقطعت من سبب الوصال مطامعي # وعلمت منك تماديا في جفوتي ... فرجعت في عفوي كأحسن راجع # فأجابه الآخر: [الكامل] # لا والذي قسم الجمال بفضله ... فحباك منه بالضياء اللامع # ما إن علمت بعلة لك سيدي ... إلا بخطك في القريض البارع # وإذا أتتك رسالتي فقرأتها ... فأقبل فديتك من مقر خاضع # وكان الحسن بن وهب يتعشق غلاما لأبي تمام روميا، وكان أبو تمام يتعشق ~~غلاما للحسن خزريا، فرآه أبو تمام يعبث بغلامه، فقال: والله لئن أعنقت في ~~الروم لأركضن إلى الخزر، وما أشبهك إلا بداود وأشبه نفسي بخصمه، فقال ~~الحسن: لو كان هذا منظوما خفناه، والمنثور عارض لا حقيقة له، فقال أبو ~~تمام: [البسيط] # أبا علي لصرف الدهر والغير ... وللحوادث والأيام والعبر # أذكرتني أمر داود وكنت فتى ... مصرف القلب في الأهواء والذكر # أعندك الشمس لم يحظ ms0552 المغيب بها ... وأنت مضطرب الأحشاء بالقمر # إن أنت لم تترك السير الحثيث إلى ... جآذر الروم أعنقنا إلى الخزر # وكان الحسن يكتب لابن الزيات، فلما وقف على ما بينهما من أمر الغلامين، ~~تقدم إلى بعض ولده، وكانوا يجلسون عند ابن وهب أن يعلموه ما يدور بينهما، ~~فعزم غلام أبي تمام على الحجامة، فكتب إلى الحسن يعلمه بذلك، ويسأله توجيه ~~نبيذ مطبوخ فوجه إليه مائة دن ومائة دينار وخلعة وبخورا وكتب إليه: ~~[الخفيف] # ليت شعري يا أملح الناس عندي ... هل تداويت بالحجامة بعدي! # دفع الله عنك لي كل سوء ... باكر رائح وإن خنت عهدي # قد كتمت الهوى بمبلغ جهدي ... فبدا منه غير ما كنت أبدي # وخلعت العذار فليعلم النا ... س بأني إليك أصفي بودي # وليقولوا بما أحبوا إذا كن ... ت وصولا ولم ترعني بصد # من عذيري من مقلتيك ومن إش ... راق وجه من تحت حمرة حد # ووضع الرقعة تحت مصلاه، وأعلم ابن الزيات خبرها، فأرسل في الحين، وشغله ~~بشيء، ووجه من جاءه بها. فلما قرأها كتب فيها على لسان أبي تمام: [الخفيف] # ليت شعري عن ليت شعرك هذا ... أبهزل تقوله أم بجد # فلئن كنت في المقال محقا ... يا بن وهب لقد تطرفت بعدي # وتشبهت بي وكنت أرى أن ... ي أنا العاشق المتيم وحدي PageV02P146 # إن مولاي عبد غيري ولولا ... شؤم جدي لكان مولاي عبدي # ثم قال: ضعوا الرقعة مكانها، فلما قرأها الحسن قال: إنا لله افتضحنا عند ~~الوزير. # وأعلم أبا تمام، فتلقياه فقالا: إنا جعلنا هذين الغلامين سببا لتكاتبنا ~~بالأشعار، فقال لهما: ومن يظن بكما غير هذا! فكان قوله عليهما أشد. # محمد بن إسحاق: قلت لأبي تمام: غلامك أطوع للحسن من غلامه لك، قال: # إني أعطي غلامه قيلا وقالا، ويعطي غلامي ثيابا ومالا، وقال أبو تمام في غلامه: # [السريع] # يا عمرو قل للقمر الطالع ... اتسع الخرق على الراقع # يا طول فكري فيك من حامل ... لرقعة مفكوكة الطابع # ما أنت إلا رشا جؤذر ... حل بمغنى أسد جائع # قوله: راق، أي أعجب. راع: أفزع لإفراط ms0553 حسنه. استنسبناه: سألناه عن نفسه، ~~وهذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم «إذا جاء الرجل الرجل، فليسأله عن ~~اسمه واسم أبيه وممن هو، فإن ذلك أوصل للمودة» (¬1). استراب: دخلته الريبة. ~~منسابا: موضعا يدخل فيه. لبسه: # تخليطه. وغمة القلب: ما يعطيه من الشك أو الهم، فأراد أنه لبس عليه فلم يعرفه. # ادكرت، أي ذكرت. أمة: حين. الفلك: مدار النجوم. والفلك السيار: أي ~~السفينة السريعة. والفلك لفظ يقع للواحد والجمع. أعهده: أعرفه. رواء: فتوة ~~وحسن هيئة. # أيد: قوة. استحالة: تغير. الحول: القوة، وأيضا الحيلة. ولو خاطبه ابن ~~همام بشعر لكان للشريف الرضي في جوابه للصابي، وقد شكا إليه الهرم والجلوس ~~في المحفة وامتناعه من التصرف، فقال: [الطويل] # لئن رام قبضا من بنانك حادث ... لقد عاضنا منك انبساط جنان (¬2) # وإن أقعدتك النائبات فطالما ... سرى موقرا من مجدك الملوان # وإن هدمت منك الخطوب بمرها ... فثم لسان للمناقب بان # قوله: «لا يفري فريه»، أي لا يقطع قطعه ولا يعمل عمله، قال الحوافزان: # وما ارتعشت كفي ولا طاش ضربها ... إذا طرحوا بالفارس المتهلل # ولكنها إذ ذاك تفري فريها ... وتقرع رأس الفارس المتقتل # يباري عبقريه: يجاري جنيه، ولفظ الحريري كله منتزع من الحديث الصحيح قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «رأيت فيما يرى النائم كأني على بئر وأرى ~~جميع الناس، فجاء أبو بكر PageV02P147 # فنزل ذنوبا أو ذنوبين. وفيه ضعف، والله يغفر له. ثم جاء عمر رضي الله عنه ~~فاستحالت بيده غربا، فلم أر عبقريا من الرجال يفري فريه، حتى ضرب الناس ~~بأعطانهم» (¬1). يقال رجل عبقري، أي كامل قوي، والعبقري أيضا الحسن من كل ~~شيء. الوجد: المال. # رغب عن الألفة، أي تباعد عن الصحبة. ولم يرغب في التحفة، أي لم يطمع في ~~العطية، أي لم يقبل عطيتهم ولا صحبتهم. سحقتم: نقضتم وغيرتم. سحقي: ثوبي ~~البالي. وكسفتم بالي: تنقصتم حالي وغيرتموها. سربالي: قميصي. السخينة: ~~الساخطة الحارة الدمع. # *** # ثم أنشد: [الكامل] # اسمع أخي وصية من ناصح ... ما شاب محض النصح منه بغشه # لا تعجلن بقضية مبتوتة ... في مدح ms0554 من لم تبله أو خدشه # وقف القضية فيه حتى تجتلي ... وصفيه في حالي رضاه وبطشه # ويبين خلب برقه من صدقه ... للشائمين، ووبله من طشه # فهناك إن تر ما يشين فواره ... كرما وإن تر ما يزين فأفشه # ومن استحق الارتقاء فرقه ... ومن استحط فحطه في حشه # واعلم بأن التبر في عرق الثرى ... خاف إلى أن يستثار بنبشه # وفضيلة الدينار يظهر سرها ... من حكه لا من ملاحة نقشه # ومن الغباوة أن تعظم جاهلا ... لصقال ملبسه ورونق رقشه # أو أن تهين مهذبا في نفسه ... لدروس بزته ورثة فرشه # ولكم أخي طمرين هين لفضله ... ومفوف البردين عيب لفحشه # وإذا الفتى لم يغش عارا لم تكن ... أسماله إلا مراقي عرشه # ما إن يضر العضب كون قرابه ... خلقا ولا البازي حقارة عشه # *** # شاب: أي خلط، ومحضه: خالصه. وغشه: عيبه وفساده. # وللزاهد بن عمران في النصيحة: [مجزوء الكامل] PageV02P148 # اسمع أخي نصيحتي ... والنصح من أصل الديانة # لا تعرضن إلى الشها ... دة والوساطة والأمانه # تسلم من أن تعزى لزو ... ر أو فضول أو خيانه # وقال آخر فيمن لا يقبل النصيحة: [المتقارب] # إذا ما هديت امرأ مخطئا ... أضل السبيل إلى قصده # ولم تلفه سامعا قابلا ... فحسن له المشي في ضده # وقوله: «لا تعجلن»، وما بعده من قول الشاعر: [البسيط] # لا تمدحن امرأ حتى تجربه ... ولا تذمنه من غير تجريب # ولابن عمران أيضا: [الكامل] # تحر سبيل القصد في الناس ولتكن ... على حذر منهم ولا تسيء الظنا # ولا تمدحن من لم تجرب ولا تقل ... على غير علم ذاك من ذاكم أسنى # فما كل من يرضيك ظاهر حاله ... لدى الخبر محمودا وقد يحمد الأدنى # القضية: الحكم. مبتوتة: مقطوعة. تبله: تجربه. خدشه: عيبه وإذايته. تجتلي: # تنظر. بطشه: صولته عند الغضب، يقول: لا تحكم بشيء على أحد حتى تجربه في ~~الشدة والرخاء. وقال رجل لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: إن فلانا لرجل ~~صدق، قال: أسافرت معه؟ قال لا، قال: فهل كانت بينك وبينه خصومة؟ قال: لا. # قال: فهل ائتمنته على شيء؟ قال لا. ms0555 قال: فأنت الذي لا علم لك به، وإنما ~~أراك رأيته يرفع رأسه ويخفضه في المسجد. يبين: يظهر. خلب: كاذب. الشائمين: ~~الناظرين إلى البرق. وبله: مطره الكثير. طشه: مطره القليل. يشين: يعيب. ~~واره: استره. كرما: أي تكرما منك عليه. أفشه: حدث به وانشره. الارتقاء: ~~الترفيع. رقه: ارفعه. استحط: # اتضع. حشه: كنيفه وهو المستراح. التبر: الذهب قبل السبك. يستثار: يستخرج. # النبش: البحث عليه. الغباوة: الجهالة. رونق رقشه: حسن زينته. مهذبا: مخلصا. # دروس: إخلاق. بزته: لبسته. رثة: ضعف. طمرين: ثوبين خلقين. هيب: حيف. # مفوف: مزين. لفحشه: لقبح كلامه. يغش عارا: يدخله. أسماله: ثيابه البالية. مراقي: # سلالم ومدارج. عرشه: سريره ومنزلته. العضب: السيف. قرابه: جفنه. # ومما ينتظم في هذا السلك أن النجاد العدوي دخل على معاوية في عباءة ~~فاحتقره، فقال: يا أمير المؤمنين إن العباءة لا تكلمك، إنما يكلمك من فيها، ~~ثم تكلم فملأ سمعه بيانا، ثم خرج ولم يسأله شيئا، فقال معاوية: ما رأيت ~~رجلا أحقر أولا، ولا أجل آخرا منه. PageV02P149 # وقال بعضهم: [البسيط] # إني وإن كنت أثوابي ملفقة ... ليست بخز ولا من نسج كتان # فإن في المجد هماتي وفي لغتي ... فصاحة، ولساني غير لحان # وقال آخر: [الكامل] # هل ينفعنك بعد شيبك في الهوى ... توقير مكتسب ولبس ثياب # هيهات ما فخر المهند في الوغي ... بحلى غمد فوقه وقراب # وقال الخابزرزي: [البسيط] # لا تنظرن إلى أثواب مغترب ... نائي المحل بعيد الأهل والدار # وانظر إليه إذا ما قام في ملأ ... بمنطق لذوي الألباب سحار # وقال المعري: [الطويل] # وإن كان في لبس الفتى شرف له ... فما السيف إلا غمده والحمائل (¬1) # وقال أبو هفان: [الطويل] # لعمري لئن بيعت في دار غربة ... ثيابي إن ضاقت علي المآكل # فما أنا إلا السيف أخلق جفنه ... له حلية من نفسه وهو عاطل # وقال لبيد: [الطويل] # أصبحت مثل السيف أخلق جفنه ... تقادم عهد القين والسيف قاطع (¬2) # وقال النمري: [الطويل] # فإن تك أثوابي تمزقن عن بلى ... فإني كنصل السيف في خلق الغمد # كان بالكوفة رجل يعرف بأبي ذؤيب، وكان مقصدا للشعراء، فدخل مجلسه ms0556 محمد ~~ابن حازم الباهلي، وعليه ثياب رثة، وهم يتكلمون في معاني الشعر، فسأله ابن ~~حازم عن بيت للطرماح، فرد أبو ذؤيب جوابا محالا، وهو في ذلك كالمزدري لابن ~~حازم، فوثب مغضبا فقيل له: ماذا فتحت على نفسك الشر؟ أتدري من احتقرت؟ قال: ~~لا قيل: هو أخبث الناس لسانا، وأهجاهم، هذا ابن حازم، فوثب حافيا حتى لقيه ~~وحلف أنه لم يعرفه واستقاله فأقاله، وقال: [الكامل] # أخطأ علي ورد غير جوابي ... وزري علي وقال غير صواب PageV02P150 # وسكت من عجب لذاك فزادني ... فيما كرهت بظنه المرتاب # وقضى علي بظاهر من كسوة ... لم يدر ما اشتملت عليه ثيابي # من عفة وتكرم وتجمل ... وتجلد لمصيبة وعقاب # لكنه رجعت عليه ندامة ... لما يسب وحاف مض عتابي # فأقلته لما أقر بذنبه ... ليس الكريم على الكريم بناب # وكان ابن حازم ساقط الهمة، يرضيه اليسير على انطباعه في شعره. # وقال حماد بن يحيى: قال لي ابن حازم يوما: ما بقي علي شيء من اللذات إلا ~~بيع السنانير: فقلت له: ويحك! وأي في ذلك من اللذة؟ قال: يعجبني أن تجيء ~~العجوز الرعناء تخاصمني، وتقول: هذا سنوري سرق، فأخاصمها، فتشتمني، فأشتمها ~~وأغيظها ثم أنشد: [المجتث] # صل خمرة بخمار ... وصل خمارا بخمر # وخذ نصيبك من ذا ... وذا إلى حيث تدري # فقلت: إلى أين ويحك! فقال: إلى النار يا أحمق. # *** # ثم ما عتم أن استوقف الملاح، وصعد من السفينة وساح، فندم كل منا على ما ~~فرط في ذاته، وأغضى جفنه على قذاته، وتعاهدنا على ألا نحتقر شخصا لرثاثة ~~برده، وألا نزدري سيفا مخبوءا في غمده. # *** # قوله «ما عتم»، أي ما أبطأ ولا تأخر، ويقال: عتم القرى، إذا تأخر، وأعتم ~~حاجته: أخرها، ومنه صلاة العتمة لتأخر وقتها. استوقف الملاح: أمر خادم ~~السفينة بالوقوف. صعد: ارتقى وارتفع. ساح: ذهب في الأرض. في ذاته: أي في نفسه. # أغضى جفنه: سد عينه. قذاته: عاره وعيبه الذي تلقى به السروجي عند الدخول ~~في السفينة. والقذاة: ما يسقط في العين فيوجعها. نزدري: نحتقر. لرثاثة ~~برده: لإخلاق ثوبه. الله تعالى ms0557 الموفق. PageV02P151 ### | AUTO المقامة الثالثة والعشرون وهي الشعرية # حكى الحارث بن همام، قال: نبا بي مألف الوطن، في شرخ الزمن؛ لخطب خشي، ~~وخوف غشي؛ فأرقت كأس الكرى، ونصصت ركاب السرى، وجبت في سيري وعورا لم ~~تدمثها الخطا، ولا اهتدت إليها القطا؛ حتى وردت حمى الخلافة، والحرم العاصم ~~من المخافة، فسروت إيجاس الروع واستشعاره، وتسربلت لباس الأمن وشعاره. ~~وقصرت همي على لذة أجتنيها، وملحة أجتليها. # فبرزت يوما إلى الحريم لأروض طرفي، وأجيل في طرقه طرفي؛ فإذا فرسان ~~متتالون، ورجال منثالون، وشيخ طويل اللسان، قصير الطيلسان، قد لبب فتى جديد ~~الشباب، خلق الجلباب؛ فركضت في إثر النظارة؛ حتى وافينا باب الإمارة، وهناك ~~صاحب المعونة متربعا في دسته، ومروعا بسمته. # *** # قوله «نبا بي» أي قلق ولم يوافقني. الوطن: المنزل. ومألفه. موضع الاجتماع ~~به والتأليف فيه. # شرخ: أول، أراد في أول زمانه وشبابه. خطب: أمر مخوف. خشي: خيف. # وغشي: نزل وغطى. # أرقت: هرقت، وجعل للكرى وهو النوم كأسا مجازا، وكنى بهرقها عن إزالة ~~النوم عن عينه. نصصت: رفعت وحركت ركاب السرى: إبل السير. جبت: قطعت. وعورا: # طرقا صعبة. تدمثها: تسهلها وتلينها. الخطا هنا: الأقدام، وقوائم الحيوان. ~~والقطا: # طائر وقد تقدم. وهدايتها: فيما زعموا أنها تترك فراخها بالصحراء، وتذهب ~~عند طلوع الشمس لطلب الماء من مسيرة عشرين ليلة فما دونها، فيردنه ضحوة ~~يومهن فيحملن الماء لفراخهن فينهلنهن ثم يرجعن بعد الزوال إلى تلك المسافة، ~~فيشربن ويأتين فراخهن في عشية يومهن فيسقينهن عللا بعد نهل، ولا يخطئن ~~مواضع فراخهن، فيقال لذلك: أهدى من القطا، قال الشاعر: [الطويل] PageV02P152 # تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلت (¬1) # ولو أن برغوثا على ظهر قملة ... رأته تميم يوم زحف لولت # وقال حميد بن ثور: [الطويل] # كما اتصلت كدراء تسقي فراخها ... بعردة رفها والمياه شعوب (¬2) # فجاءت ومسقاها الذي وردت به ... إلى الصدر مشدود العصام كئيب # تبادر أطفالا مساكين دونها ... فلا لا تخطاه الرقاب رغيب # وصفن لها غوثا بأرض تنوفة ... فما هي إلا نهلة وتئوب # قوله: «حمى الخلافة»، هي بغداد. ms0558 الحرم: موضع الأمن. العاصم: المانع. # سروت: أزلت. إيجاس الروع: إحساس الفزع والخوف. واستشعاره، استفعال من ~~شعرت بالشيء. تسربلت: لبست سربالا. قصرت همي: حبست همتي وإرادتي. ملحه: # طرفة وشيء عجب. أجتليها: أنظرها. الحريم: موضع متسع حول قصر الملك يجتمع ~~فيه أجناده وغيرهم. أروض: أعلم وأسوس. طرفي: فرسي. أجيل: أمشي. متتالون: # متتابعون. منثالون: منصبون لكثرة جريهم. الطيلسان: ثوب خز أخضر. لبب: جعل ~~في عنقه ثوبا وقاده به، وأخذ بتلابيبه وهي أطوق ثوبه، والتلابيب مأخوذة من ~~اللبة وهي وسط الصدر. جديد الشباب، أي فتي السن، وتقدم الجلباب. # ركضت في أثر النظارة، أي خلف الناظرين لما يفعل به، ومن شأن الغوغاء ~~والعامة إذا رأوا محبوسا أو مضروبا أن يتبعوه ويتكاثروا عليه. ونظر عمر رضي ~~الله عنه إلى قوم يتبعون رجلا مريبا، فقال: لا مرحبا بهذه الوجوه التي لا ~~ترى إلا عند الشر. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ما اجتمعوا قط إلا ضروا ~~ولا تفرقوا إلا نفعوا، قيل له: قد علمنا ضر اجتماعهم. فما نفع افتراقهم؛ ~~قال: يذهب الحجام إلى دكانه، والحداد إلى كياره، وكل صانع إلى صنعته. وقال ~~دعبل: [البسيط] # ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم ... والله يعلم أني لم أقل فندا (¬3) # إني لأفتح عيني حين أفتحها ... على كثير، ولكن لا أرى أحدا # ومر علي بن الجهم بمبرسم، والناس قد تجمعوا حوله، وحلقوا به، فلما رآهم ~~المبرسم أخذ بعنان فرسه وأنشأ يقول: [الكامل] PageV02P153 # لا تحفلن بمعشر اله ... مج الذين تراهم # فبحق من أبلي بهم ... نفسي ومن عافاهم # لو قيس مولاهم بهم ... كانوا إذا مولاهم # ثم نظر حوله، فرأى غلاما جميل الوجه، حسن اللبسة، فهجم عليه وشق ثيابه ~~وهو يقول: [الكامل] # هذا السعيد لديهم ... قد صار بي أشقاهم # وافينا: وصلنا. صاحب المعونة: والي الجنايات، وقال الرستمي: ولي فلان ~~المعونة، أي ولي العون، أي ولاه السلطان عونه على حفظ المدينة ولفظها ~~مفعولة وهي بتأويل المصدر بمنزلة قولهم: ما له معقول، أي عقل ولا مجلود أي جلد. # مروعا بسمته، أي مفزعا بهيئته ووقاره. # *** # فقال له ms0559 الشيخ: أعز الله الوالي، وجعل كعبه العالي، إني كفلت هذا الغلام ~~فطيما، وربيته يتيما؛ ثم لم آله تعليما. فلما مهر وبهر، جرد سيف العدوان ~~وشهر، ولم أخله يلتوي علي ويتقح، حين يرتوي مني ويلتقح. فقال له الفتى: ~~علام عثرت مني؛ حتى تنشر هذا الخزي عني، فو الله ما سترت وجه برك، ولا هتكت ~~حجاب سترك، ولا شققت عصا أمرك، ولا ألغيت تلاوة شكرك. # فقال له الشيخ: ويلك وأي ريب أخزى من ريبك، وهل عيب أفحش من عيبك، وقد ~~ادعيت سحري واستلحقته، وانتحلت شعري واسترقته، واستراق الشعر عند الشعراء، ~~أفظع من سرقة البيضاء والصفراء، وغيرتهم على بنات الأفكار، كغيرتهم على ~~البنات الأبكار. فقال الوالي للشيخ: وهل حين سرق سلخ، أم مسخ أم نسخ! # *** # جعل كعبه العالي، أي جعل أسفل شيء منه يعلو أرفع شيء في غيره. كفلته: # ضممته وقمت بمؤنته. # أبو هريرة رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم «أنا وكافل اليتيم ~~في الجنة كهاتين- وهو يشير بإصبعيه- وخير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم ~~يحسن إليه، وشرها يتيم يساء إليه» (¬1). PageV02P154 # أبو أسامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مسح على ~~رأس يتيم لم يمسحه إلا لله، كانت له بكل شعرة مرت عليها يده حسنة، ومن أحسن ~~إلى يتيم أو يتيمة كنت أنا وإياه في الجنة كهاتين- وفرق بين إصبعيه» (¬1). # فطيما: أي صغيرا كما منع الرضاع. لم آله: أي لم أقصر في تعليمه. مهر: ظهر ~~وصار ماهرا أي حاذقا. بهر: غلب أمثاله. العدوان: الظلم. يلتوي: ينعطف، لضري ~~وهو من فعل الحية إذا أتبعها الرجل التوت عليه لتلسعه. يتقح: يسقط حياؤه. يلتقح: # يشرب لبن لقحتي، واللقحة: الناقة ذات اللبن. عثرت: اطلعت. الخزي: العار ~~والشر، والخزي: الهوان. هتكت: خرقت. حجاب سترك: أي ثوب طاعتك. ولا شققت عصا ~~أمرك، أي ما خالفت حكمك، وشق فلان العصا: خرج عن الأمر مخالفا. وشق عصا ~~المسلمين: فرق جماعتهم، والأصل في العصا الائتلاف والاجتماع، ومنه قولهم ~~للمطمئن: ألقى العصا، وقيل شق العصا: صار منها ms0560 في شق وخرج عن الجماعة، وفسر ~~قوله تعالى: شاقوا الله ورسوله [الأنفال: 13] بالمباينة، لأن من صار في شق ~~عن شق صاحبه فقد باينه، وقيل: معنى شق العصا رهب إلى شقها أي كسرها، فجيء ~~بالشق الذي هو من صفة العصا؛ وفي ضمنه المجاهرة بالخروج عن الجماعة قال ~~الشماخ: [الطويل] # تصدع شعب الحي وانشقت العصا ... كذاك النوى بين الخليط شقوق (¬2) # ألغيت: تركت. تلاوة: قراءة، والريب: الريبة والتهمة. أخزى: أضر، وأكثر ~~هوانا. أفحش: أقبح. ادعيته: نسبته لنفسك وليس لك. سحري: بديع كلامي. # استلحقته: ألحقته بنفسك. انتحلت: ادعيت. أفظع: أمر. البيضاء والصفراء: ~~الفضة والذهب. بنات الأفكار: هي الأشعار. سلخ: أخذ المعنى. مسخ: قلبالكلام وغيره. # نسخ: نقله بعينه. # والقائلون بالتناسخ لهم ألفاظ تشبه هذه، وهي النسخ والمسخ والرسخ والفسخ؛ ~~فالفسخ عندهم أن يحول الأدنى إلى الأعلى، والمسخ أن يحول الأعلى من الحيوان ~~إلى الأدنى، والرسخ رد الحيوان جمادا، والفسخ أن يتلاشى فلا يكون شيئا، ~~وقال شاعرهم: # [الوافر] # تعوذ بالإله من المسوخ ... وسله أن تكون من النسوخ (¬3) # لقد خاب الذي أضحى وأمسى ... ينقل في فسوخ أو رسوخ # وقال المعري: [الطويل] # وقال بأحكام التناسخ معشر ... غلوا فأجازوا الفسخ في ذاك والرسخا (¬4) PageV02P155 ### || AUTO [السرقات الشعرية] # وتقسيم الحريري السرقة في قوله: سلخ ومسخ ونسخ، يدخل تحت أحكام السرقات ~~التي عدها أبو محمد الحسين بن علي بن وكيع رحمه الله تعالى في كتابه ~~المترجم بالمنصف في الدلالات على سرقات المتنبي، فإنه جعلها عشرين وجها ~~عشرة أوجه يغفر في سرقتها ذنب الشاعر للدلالة على فطنته. # الأول منها استيفاء اللفظ الطويل في الموجز القصير، كقول طرفة: [الطويل] # أرى قبر نحام بخيل بماله ... كقبر غوي في البطالة مفسد (¬1) # اختصره ابن الزبعرى، فقال: [الوافر] # والعطيات خساس بينهم ... وسواء قبر مثر ومقل (¬2) # ففضل صدر بيته وجاء ببيت طرفة في عجز بيت أقصر منه بمعنى لائح ولفظ واضح. # الثاني: نقل اللفظ الرذل إلى الرشيق الجزل، كقول العباس بن الأحنف: ~~[الرمل] # زعموا لي أنها باتت تحم ... ابتلى الله بهذا من زعم (¬3) # اشتكت أكمل ما كانت كما ... يكسف ms0561 البدر إذ ما قيل تم # فهذا معنى لطيف أخذه ابن المعتز فقال: [الطويل] # طوى عارض الحمى سناه فحالا ... وألبس ثوبا للسقام هزالا # كذا البدر محتوم عليه إذا انتهى ... إلى غاية في الحسن عاد هلالا # الثالث: ما قبح مبناه دون معناه إلى ما حسن مبناه ومعناه، كقول أبي نواس: # [الرمل] # بح صوت المال مما ... منك يدعو أو يصيح (¬4) # ما لهذا آخذ فو ... ق يديه من يصيح # معناه صحيح ولفظه قبيح، أخذه مسلم فقال: [البسيط] # تظلم المال والأعداء من يده ... لا زال للمال والأعداء ظلاما # فجود الصنعة وجمع بين تظلمين كريمين، ودعا للممدوح بدوام ظلمه للمال PageV02P156 # والأعداء، وكل ذلك مليح جزل نقل عن ضعيف المبنى. # الرابع: عكس ما يصير بالعكس ثناء بعد ما كان هجاء، كقول البلاذري: ~~[الكامل] # قد يرفع المرء اللئيم حجابه ... ضعة ودون الرف منه حجاب # معكوسه: [الكامل] # ملك أغر محجب ... معروفه لا يحجب # الخامس: استخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق ما قصد إليه، كقول أبي ~~نواس في الخمر: [مخلع البسيط] # لا ينزل الليل حيث حلت ... فدهر شرابها نهار (¬1) # احتذاه البحتري وفارق مقصده، فجعله في محبوب، فقال: [مخلع البسيط] # غاب دجاها وأي ليل ... يدجو علينا وأنت بدر # السادس: توليد كلام من كلام لفظهما مفترق، ومعناهما متفق، كقول أبي تمام: # [الطويل] # لأمر عليهم أن تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه (¬2) # أخذه من قول الأعرابي، أنشده الأصمعي رحمه الله تعالى: [الوافر] # فكان على الفتى الإقدام فيها ... وليس عليه ما جنت المنون (¬3) # فجرد لفظه من أخذ منه، وهو في معناه متفق معه؛ وهذا من أدل الأقسام على ~~فطنة الشاعر. # السابع: في توليد معان مستحسنات في ألفاظ مختلفات، وهذا من أشذ باب وأقله ~~وجودا، وإنما قل لأنه من أحق ما استعمل فيه الشاعر فطنته؛ كقول أبي نواس: ~~[الرمل] # واسقنيها من كميت ... تدع الليل نهارا (¬4) # ثم قال أيضا: [مخلع البسيط] # لا ينزل الليل حيث حلت ... فدهر شرابها نهار (¬5) PageV02P157 # ثم قال أيضا: [الكامل] # قال ابغني المصباح قلت له اتئد ... حسبي وحسبك ضوأها مصباحا ms0562 (¬1) # فكل هذه معان متقاربات وألفاظ متشابهات، مولد بعضها من بعض. # الثامن: مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام حتى لا يزيد نظام على نظام، ~~وإن كان الأول أحق به لأنه ابتدع، والثاني اتبع، من ذلك قول العكوك في فرس: ~~[الرجز] # مطرد يرتج من أقطاره ... كالماء جالت فيه ريح فاضطرب # فذكر ارتجاجه، ولم يذكر سكونه، فأخذه ابن المعتز فقال: [الكامل] # فكأنه موج يذوب إذا ... أطلقته، فإذا حبست جمد # فجمع بين الصفتين. # التاسع: مماثلة السارق المسروق بزيادته في المعنى ما هو من تمامه؛ كقول ~~أبي حية: [الطويل] # فألقت قناعا دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين: كف ومعصم # أخذه من قول النابغة: [الكامل] # سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد (¬2) # فلم يزد النابغة على اتقائها باليد، وزاد عليه أبو حية بقوله: «دونه ~~الشمس» وخبر عن المتقي بأحسن خبر فاستحقه. # العاشر: رجحان السارق على المسروق منه بزيادة لفظ على لفظ من أخذ عنه، ~~كقول حسان: [الكامل] # يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل (¬3) # وقال أبو نواس رحمه الله تعالى: [الطويل] # إلى بيت حان لا تهر كلابهم ... علي ولا يخشون طول ثوائي # ولا فرق بين المعنيين. PageV02P158 # والسرقات المحمودة أكثر من أن تحصر. # ونريك وجه السرقات المذمومة، وهي كالمحمودة عشرة أقسام: # الأول: نقل اللفظ القصير إلى الطويل الكثير، كقول سالم الخاسر: [السريع] # أقبلن في رأد الضحى بنا ... يسترن وجه الشمس بالشمس # أخذه الثاني فقال: [الكامل] # وإذا الغزالة في السماء تعرضت ... وبدا النهار لوقته يترحل # أبدت لعين الشمس عينا مثلها ... تلقى السماء بمثل ما تستقبل # المعنى صحيح والكلام مليح؛ غير أنه تطويل تضييق، والبيتان جميعا نصف بيت سالم. # الثاني: نقل الرشيق الجزل إلى المستضعف الرذل، كقول القائل: [المنسرح] # كأن ليلى صبير غادية ... أو دمية زينت بها البيع # أخذه أبو العتاهية فقال: [السريع] # كأن عتابة من حسنها ... دمية قس فتنت قسها # فقصر لفظه عن الفصاحة، ومعناه عن الرجاحة. # الثالث: نقل ما حسن معناه ومبناه إلى ما قبح مبناه ومعناه، كقول امرئ ~~القيس: [الطويل] # ألم ترياني كلما ms0563 جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب (¬1) # فأتي بما لا يعلم وجوده في البشر من وجود طيب ممن لم يمس طيبا، وجاء ببيت ~~في مراده، حسن النظام مستوفي التمام، أخذه كثير، فقال: # فما روضة بالحسن طيبة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها (¬2) # بأطيب من أردان عزة موهنا ... إذا أوقدت بالمندل الرطب نارها # فطول وحسن، وقصر غاية التقصير، وأخبر أنها إذا تطيبت كالروضة في طيبها، ~~وذلك مما لا يعدم في أقل البشر تنظيفا. PageV02P159 # الرابع: عكس ما يصير بالعكس هجاء بعد أن كان ثناء، كقول أبي نواس رحمه ~~الله تعالى: [مجزوء الرمل] # فهو بالمال جواد ... وهو بالعرض شحيح (¬1) # عكسه ابن الرومي فقال: # ما شئت من مال حمى ... يأوي إلى عرض مباح # الخامس: نقل ما حسنت أوزانه وقوافيه إلى ما قبح وثقل على لسان راويه، ~~كقول مسلم رحمه الله تعالى: [الكامل] # أما الهجاء فدق عرضك دونه ... والمدح عنك كما علمت جليل # فاذهب فأنت طليق عرضك إنه ... عرض عززت به وأنت ذليل # أخذه أبو تمام فقال: [الخفيف] # قال لي الناصحون وهو مقال ... ذم من كان جاهلا إطراء # صدقوا في الهجاء رفعة أقوا ... م طغام فليس عندي هجاء # فبين الكلامين فرق بعيد. # الثامن: نقل العذب من القوافي إلى المستكره الجافي، كقول أبي نواس: ~~[المديد] # فتمشت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم # فهذا الكلام أتم بهاء من قول مسلم: [البسيط] # تجري محبتها في قلب عاشقها ... جري المعافاة في أعضاء منتكس # التاسع: نقل ما يصير على التفتيش والانتقاد إلى تقصير وإفساد، كقول ~~القائل: # [الكامل] # ولقد أروح إلى النجار مرجلا ... مدلي بما لي لينا أجيادي (¬2) # وإنما له جيد واحد، وهذا وإن جاز عند بعض العرب، فهو عند الآخرين غير ~~حميد ولا سديد. PageV02P160 # العاشر: أخذ اللفظ والمعنى وهو أقبح السرقات وأدناها وأوضعها. # وقد أكثر الشعراء ذم السرقة والسارق، وأول من ذم ذلك طرفة حين قال: ~~[البسيط] # ولا أغير على الأشعار أسرقها ... عنها غنيت وشر الناس من سرقا (¬1) # وقال الأعشى: [المتقارب] # فكيف أنا وانتحالي القوا ... في بعد المشيب، كفى ذاك ms0564 عارا (¬2) # ومن سرقة اللفظ والمعنى، ما يحكى عن أبي المعافى أنه لما مدح أبا العباس ~~محمد بن إبراهيم الإمام بقوله: [الوافر] # إليك بمدحتي يا خير أبنا ... رسول الله من تلد النساء # ستأتيك المدائح من رجال ... وما كف أصابعها سواء # فأخذه آخر وغيره بأن وضع الرجال موضع النساء، وغير عجز البيت الآخر فقال: # [الوافر] # * كما اختلفت إلى الغرض النبال* # فاستعدي عليه أبا المعالي صالح بن إسماعيل، وهو على شرطة محمد بن إبراهيم ~~بالمدينة، فقال: [البسيط] # ما سارق الشعر فيه وسم صاحبه ... إلا كسارق بيت دونه غلق # بل سارق البيت أخفى حين يسرقه ... والبيت يستره من ظلمة غسق # من جيد الشعر أن يخفى لسارقه ... وجيد الشعر قد سارت به الرفق # فقال صالح: فما تحب أن أفعل به؟ فقال: تحلفه عند منبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم ألا ينشد هذا الشعر إلا لي. # وكان محمد بن زهير يشرب، فإذا سكر لا يفيق إلا بإنشاد الشعر، فأمر يوما ~~جبار ابن محمد الكاتب أن ينشده، فأنشده أبياتا لأبي نواس ادعى أنه قائلها ~~وهي: [الخفيف] # صاح ما لي وللرسوم القفار ... ولنعت المطي والأكوار # شغلتني المدام والقصف عنها ... وسماع الغناء والمزمار # ومضى في الشعر، وأبو نواس قاعد، فوثب وتعلق به قدام محمد بن زهير، وأنشأ ~~يقول: [الخفيف] PageV02P161 # أعدني يا محمد بن زهير ... يا عذاب اللصوص والذعار # يسرق السارقون ليلا وهذا ... يسرق الشعر جهرة بالنهار # صار شعري قطيعة لجبار ... أفهذا لقلة الأشعار! # قل له فليغر على شعر حما ... د أخي الفتك أو على بشار # وسرق محمد بن يزيد الأموي شعرا لحبيب، فقال حبيب: [الخفيف] # من بنو مجدل من ابن الحباب ... من بنو تغلب غداة الكلاب # من طفيل وعامر ومن الح ... ارث أو من عتيبة بن شهاب # إنما الضيغم الهصور أبو الأشب ... ال جبار كل جيش وغاب # من عدت خيله على سرح شعري ... وهو للحين راتع في كتابي # غارة أسخنت عيون المعاني ... واستباحت محارم الآداب # لو ترى منطقي أسيرا ولأص ... بحت أسيرا لعبرة وانتحاب # يا عذارى الأشعار صرتن من ms0565 بع ... دي سبايا تبعن في الأعراب # طال رهبي إليك يا رب يا رب و ... رغبي إليك فاحفظ ثيابي # وعارض أبو أحمد عبد الله بن عبد الله بن طاهر قصيدة البحتري، فاستعار من ~~ألفاظها ومعانيها ما أوجب أن قال البحتري: [المنسرح] # ما الدهر مستنفد ولا عجبه ... تسومنا الخسف كله نوبه (¬1) # نال الرضا مادح وممتدح ... فقل لهذا الأمير ما غضبه # أجلى لصوص البلاد يطردهم ... وظل لص القريض ينتهبه # اردد علينا الذي استعرت وقل ... قولك يعرف لغالب غلبه # واستعدى ابن الرومي العلاء بن عيسى على البحتري، فقال: [البسيط] # قل للعلاء بن عيسى والذي نصلت ... به الدواهي نصول الآل في رجب (¬2) # أيسرق البحتري الناس شعرهم ... جهرا وأنت نكال اللص ذي الريب # وتارة يترز الأرواح منطقه ... فالقوم ما بين مقتول ومغتصب # نكله إن أناسا قبله ركبوا ... بدون ما قد أتاه باسق الخشب # إذا أجاد فأوجب قطع مقوله ... فقد دها شعراء الناس بالحرب # وإن أساء فأوجب قتله قودا ... بمن أمات إذا أبقى على السلب PageV02P162 # يسيء عفا فإن أكدت وسائله ... أجاد لصا شديد البأس والكلب # حي يغير على الموتى فيسلبهم ... حر الكلام بجيش غير ذي لجب # وقال فيه ابن الحاجب: [الخفيف] # والفتى البحتري يسرق ما قا ... ل ابن أوس في المدح والتشبيب # كل بيت له يجود معنا ... ه فمعناه لابن أوس حبيب # ولابن الحاجب أيضا: [الخفيف] # هل إلى محنة تخبر من فا ... ضلنا في القريض والمفضول # محنة تفضح اللصوص وتقضي ... بالذي فيهم قضى التنزيل # سارق المال تقطع الكف منه ... واللسان السروق منها بديل # ليسود الذي يحق له السو ... دد منا ويرذل المرذول # وبلغ الصاحب بن عباد أن بعضهم سرق شعره، فقال أبلغوه عني: [مجزوء الخفيف] # سرقت شعري وغيري ... يضام فيه ويخدع # فسوف أجزيك صفعا ... يكل رأسا وأخدع # فسارق المال يقطع ... وسارق الشعر يصفع # فاتخذ السارق لذلك جملا وهرب من الري. # وبين السري الموصلي والخالديين مستظرفات في هذه السرقات، اشتهرت في كتب ~~الآداب، فلنلم ببعض ما قال السري فيهما وفيه يقول الثعالبي: السري وما ~~أدراك ما السري، صاحب ms0566 الشعر الجامع بين عقود الدر، والنافث في عقد السحر؛ ~~ولله دره! ما أعذب بحره، وأصفى قطره، وأعجب أمره! وقد أخرجت من شعره ما ~~يكتب على جبهة الدهر، ويعلق في كعبة الظرف. وكتبت منه محاسن وملحا، وبدائع ~~وطرفا، كأنها أطواق الحمام وصدور البزاة البيض، وأجنحة الطواويس وسوالف ~~الغزلان، ونهود العذارى الحسان، وغمزات الحدق الملاح. # قال يتظلم إلى سلامة بن فهد من الخالديين: [الطويل] # تحيف شعري يا بن فهد مصالت ... عليه فقد أعدمت منه وقد أثرى # وفي كل يوم للغبيين غارة ... تروع ألفاظي المحجلة الغرا # إذا عن لي معنى تضاحك لفظه ... كما ضاحك النوار في روضه الغدرا # غريب كنشر الروض لما تبسمت ... مخائله للفكر أودعته سطرا # فوجه من الفتيان يمسح وجهه ... وصدر من الأقوام يسكنه الصدرا PageV02P163 # تناوله مثر من الجهل معدم ... من العلم معذور متى خلع العذرا # لأطفأتما تلك النجوم بأسرها ... وأدنستما تلك المطارف والأزرا # فويحكما هلا بشطر قنعتما ... وأبقيتما لي في محاسنه الشطرا # وقال يخاطب أبا الخطاب، وقد سمع أن الخالديين يرجعان إلى بغداد: [الكامل] # بكرت عليك معرة الأعراب ... فاحفظ ثيابك يا أبا الخطاب # ورد العراق ربيعة بن مكدم ... وعتيبة بن الحارث بن شهاب # أفعندنا شك بأنهما هما ... في الفتك لا في صحة الأنساب # جلبا إليك الشعر من أوطانه ... جلب التجار طرائف الأجلاب # شنا على الآداب أقبح غارة ... جرحت قلوب محاسن الآداب # فحذار من حركات صلى غارة ... وحذار من فتكات ليثي غاب # تركت غرائب منطقي في غربة ... مسبية لا تهتدي لإياب # أعزز علي بأن أرى أشلاءها ... تدمي بظفر للعدو وناب # جرحي وما ضربت بحد مهند ... أسرى وما حملت على الأقتاب # إن عز موجود الكلام عليهما ... فأنا الذي وقف الكلام ببابي # كم حاولا أمري فطال عليهما ... أن يدركا إلا مثار ترابي # والقصيدة طويلة جمعت منها ما وافق الغرض، وسنلم بشيء منها في الثالثة ~~والثلاثين بعون الله تعالى. # وقال يتظلم منهما لأبي البركات: [البسيط] # يا أكرم الناس إلا أن تعد أبا ... فات الكرام بآيات وآثار # أشكو إليك حليفي غارة شهرا ... سيف العقوق على ms0567 ديباج أشعاري # ذئبين لو ظفرا بالشعر في حرم ... لمزقاه بأنياب وأظفار # سلا عليه سيوف البغي مصلتة ... في جحفل من شنيع الظلم جرار # وأرخصاه فظل العطر متهما ... لديهما يشترى من غير عطار # إن قلداك بدر فهو من نخبي ... أو ختماك فياقوتي وأحجاري # كأنه جنة راقت حدائقها ... بين الغبيين في نار وإعصار # عار من النسب الوضاح منتسب ... في الخالديين بين الخزي والعار # وشتان بين قول السري في أبي بكر وأبي عثمان ابني هشام الخالديين، وبين ~~قول الثعالبي فيهما حين قال: إن هذين لساحران، يغربان فيما يجلبان، ويبدعان ~~فيما يصنعان، PageV02P164 # وكان ما يجمعهما من أخوة الأدب مثل ما ينظمهما من أخوة النسب، وهما في ~~الموافقة والمساعدة يجيئان بروح واحدة، ويشتركان في قول الشاعر وينفردان، ~~ولا يكادان في السفر والحضر يفترقان، وكانا في التساوي، كما قال أبو تمام: ~~[المتقارب] # رضيعي لبان شريكي عنان ... عتيقي رهان حليفي صفاء # بل، كما قال البحتري: [الكامل] # كالفرقدين إذا تأمل ناظر ... لم يعل موضع فرقد عن فرقد # بل كما قال الصابي: [الطويل] # أرى الشاعرين الخالديين نشرا ... قصائد يفني الدهر وهي تخلد # جواهر من أبكار لفظ وعونه ... يقصر عنها راجز ومقصد # تنازع قوم فيهما وتناقضوا ... ومر جدال بينهم يتردد # فطائفة قالت سعيد مقدم ... وطائفة قالت لهم بل محمد # وصاروا إلى حكمي فأصلحت بينهم ... وما قلت إلا بالتي هي أرشد # هما لاجتماع الفضل زوج مؤلف ... ومعناهما من حيث ألفت مفرد # كذا فرقدا الظلماء لما تشاكلا ... علا أشكلا ذاك أم ذاك أمجد # فزوجهما ما مثله في اتفاقه ... وفردهما بين الكواكب أسعد # فقاموا على صلح وقال جميعهم ... رضينا وساوى فرقد الأرض فرقد # وأفاضل الشأم والعراق، بعضهم يفضل السري عليهما، وبعضهم يفضلهما. # فهذا كله فصل في السرقات مستظرف، احتوى على فوائد من علم الأدب، وهي ~~عشرون وجها والعشرون وجها في السرقة جلبتها من كتاب الوكيعي على اختصار. # *** # فقال: والذي جعل الشعر ديوان العرب، وترجمان الأدب، ما أحدث سوى أن بتر ~~شمل شرحه، وأغار على ثلثي سرحه. فقال له: أنشدنا أبياتك برمتها؛ ليتضح ما ~~اختاره ms0568 من جملتها؛ فأنشد: [الكامل] # يا خاطب الدنيا الدنية إنها ... شرك الردى وقرارة الأكدار # دار متى ما أضحكت في يومها ... أبكت غدا بعدا لها من دار # وإذا أظل سحابها لم ينتفع ... منه صدى لجهامه الغرار # غاراتها ما تنقضي وأسيرها ... لا يفتدى بجلالة الأخطار # كم مزده بغرورها حتى بدا ... متمردا متجاوز المقدار PageV02P165 # قلبت له ظهر المجن وأولغت ... فيه المدى ونزت لأخذ الثار # فاربأ بعمرك أن يمر مضيعا ... فيها سدى من غير ما استظهار # واقطع علائق حبها وطلابها ... تلق الهدى ورفاهة الأسرار # وارقب إذا ما سالمت من كيدها ... حرب العدا وتوثب القدار # واعلم بأن خطوبها تفجا ولو ... طال المدى وونت سرى الأقدار # *** # قوله: «والذي جعل الشعر ديوان العرب»، أي كتابا تدون فيه أخبارهم، قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الشعر جزل من كلام العرب به يعطى السائل ~~ويكظم الغيظ وبه يؤتى القوم في ناديهم». وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«إن من الشعر لحكمة» (¬1) رواه ابن عمر رضي الله عنه قال: تعلموا الشعر فإن ~~فيه محاسن تبتغى ومساوي تتقى. وحكمة للحكماء ويدل على مكارم الأخلاق. # قوله: «يا خاطب الدنيا الدنية»، أي التي لا خير فيها، شرك: مصائد. الردى: # الهلاك. قرارة: موضع يستقر فيه الماء. الأكدار: ما يتكدر به الماء ~~الصافي. # أظل: دنا وقرب. ينتقع: يرتوي. صدى: عطش. جهامه: سحابه الذي لا ماء فيه. ~~الغرار: الخداع. تنقضي: تنقطع وتتم، أراد أن الدنيا تهلك من فيها، فكنى ~~بالأسير عن ذلك وأسير الموت لا يفدى. الجلائل: جمع جليلة وهي الشيء الرفيع، ~~وتقدمت الأخطار. مزده: معجب. غرورها: خداعها. متمردا: متجاوزا الحد في ~~الفساد. # المجن: الترس. أولغت: جعلتها تلغ الدم. المدى، جمع مدية: السكين. نزت: # وثبت عليه. الثأر: طلب الدم، وأراد أنها لما بسطت الأرزاق للإنسان فأعجب ~~بها، وركب رأسه في الفساد تحولت عليه، وسقت سكينها من دمه، والعرب تقول: ~~قلبت له ظهر المجن، أي غيرت له حالي، وهو مثل يضرب للمحاربة بعد المسالمة، ~~وأصله في الحرب، لأن الرجل إذا صالح صاحبه جعل بطن مجنه ms0569 مما يلي صاحبه ~~المصالح، فإذا حاربه قلب له ظهره للقتال. ومن جواب رسالة المهلب إلى ~~الحجاج: وزعمت أني إن لم ألقهم في موضع كذا أسرعت إلى صدر الرمح، فلو فعلت ~~لقلبت إليك ظهر المجن، ثم إذا كانت الواقعة، فهذا يبين ما ذكرناه. # اربأ بعمرك، أي ارفع عنها نفسك واحتفظ فيها بعمرك، وتقول: ربأت القوم أي ~~صرت لهم ربيئة، وهو الحارس لهم، والمربأ: الموضع المشرف الذي يقعد فيه ~~الناظر، PageV02P166 # فمعنى اربأ بنفسك: أي ارتفع بموضع ممتنع واحترس فيه لتنجو. سدى: مهملا. # استظهار: استعداد، وقد استظهرت بالشيء فظهرت به وأظهرته إذا جعلته خلف ~~ظهرك حماية ووقاية، والظهير المعاون. والعلائق: كل ما يعلق القلب بحب ~~الدنيا. والرفاهة: # الخفض والعيش الهنيء. الأسرار: البواطن، يريد أن سر الإنسان وخاطره إذا ~~قطع علائق الدنيا كان مترفها خالي السر والبال. أرقب: أحرس. سالمت: صالحت. كيدها: # مكرها. الغدار: الذي يؤمنك فإذا أمنته خانك. وتوثبه: تهيؤه للوثب عليك. ~~خطوبها: # أمورها ونوازلها. تفجأ: تأتي على غفلة. ونت: فترت: والسري: مشي الليل. ~~الأقدار: # ما يقدره الله على العبد من خير أو شر، فيقول: إذا أمنتك الدنيا من ~~مكرها، فلا تأمنها فخطوبها تأتي على غفلة بعد أمد طويل، وضمن هذا الشعر ~~وصايا في التحذير من الدنيا. # *** ### || AUTO [التحذير من الدنيا وغرورها] # ونسوق هنا من النظم والنثر ما ينتظم في سلك ما نظم، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» (¬1). # وقال: «الدنيا حلوة خضرة، فمن أخذها بحقها بورك له فيها، ومن أخذها بغير ~~حقها كان كالآكل الذي لا يشبع» (¬2). # وقيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: صف لنا الدنيا، فقال: ما أصف من دار ~~أولها عناء وآخرها فناء، حلالها حساب، وحرامها عذاب؛ من استغنى فيها فتن، ~~ومن افتقر فيها حزن. # وقال ابنه محمد ابن الحنفية: من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا. # وقيل لبعض الحكماء: صف لنا الدنيا، فقال: أمل بين يديك وأجل مطل عليك، ~~وشيطان فتان، وأماني جرارة العنان، تدعوك فتستجيب، وتزجرها فتخيب. # وقيل لآخر: صف لنا ms0570 الدنيا، فقال: ناقضة للعزيمة، مرتجعة للعطية، كل من ~~فيها يجري إلى ما لا يدري. # وقال هارون الرشيد: لو قيل للدنيا: صفي نفسك، ما وصفت نفسها بأكثر من قول ~~أبي نواس: [الطويل] PageV02P167 # إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق (¬1) # وقال آخر: [السريع] # يا خاطب الدنيا إلى نفسه ... تنح عن خطبتها تسلم # إن الذي تخطب غدارة ... قريبة العرس من المأتم # وقال أبو العرب الصقلي: [الوافر] # ولا يغررك منها حسن برد ... له علمان من علم الذهاب # فأوله رجاء من سراب ... وآخره رداء من تراب # وقال أبو العتاهية: [الرجز] # أصبحت الدنيا لنا فتنة ... والحمد لله على ذلكا (¬2) # قد أجمع الناس على ذمها ... وما أرى منهم لها تاركا # وله أيضا: [الوافر] # هي الدنيا إذا كملت ... وتم سرورها خذلت # وتفعل في الذين بقوا ... كما فيمن مضى فعلت # وقال المتنبي: [الخفيف] # أبدا تسترد ما تهب الدن ... يا فيا ليت جودها كان بخلا (¬3) # وهي معشوقة على الغدر لا تح ... فظ عهدا ولا تتمم وصلا # كل دمع يسيل منها عليها ... وبفك اليدين عنها تخلي # شيم الغانيات فيها فلا أد ... ري لذا أنث اسمها الناس أم لا # وله أيضا: [المتقارب] # فذي الدار أخون من مومس ... وأخدع من كفة الحابل (¬4) # تفانى الرجال على حبها ... وما يحصلون على طائل # وقال المعري: [الطويل] # وجدنا أذى الدنيا لذيذا كأنما ... جنى النحل أصناف الشقاء الذي نجني # على أم دفر غضبة الله إنها ... لأجدر أنثى أن تخون وأن تخني # كعاب دجاها فرعها ونهارها ... محيا لها قامت له الشمس بالحسن PageV02P168 # كأن بنيها يولدون وما لها ... حليل فتخشى العار إن سمحت بابن # وقال ابن عبد ربه: [الطويل] # ألا إنما الدنيا غضارة أيكة ... إذا اخضر منها جانب جف جانب # هي الدار ما الآمال إلا فجائع ... عليها ولا اللذات إلا مصائب # فلا تكتحل عيناك فيها بعبرة ... على ذاهب منها فإنك ذاهب # وقال أبو العتاهية: [الطويل] # رضيت بذي الدنيا ككل مكاثر ... ملح على الدنيا وكل مفاخر # ألم ترها ترقيه حتى إذا سما ... فرت حلقه منها بشفرة جازر ms0571 # وقال أبو بكر البلوي: [السريع] # إن الذي أصبح لا والد ... له على الأرض ولا والده # قد مات من قبلهما آدم ... فأي نفس بعده خالده # إن جئت أرضا أهلها كلهم ... عور فغمض عينك الواحدة # وقال ابن عمران: [السريع] # أف لدنيا قد شغفنا بها ... جهلا وعقل للهوى متبع # فتانة تخدع طلابها ... فلا تكن ممن بها ينخدع # أضغاث أحلام إذا حصلت ... أو كوميض البرق منها لمع # وقال ابن قاضي ميلة: [المتقارب] # لدنياك نور ولكنه ... ظلام يحار به المبصر # فإن عشت فيها على أنها ... كما قيل قنطرة تعبر # فلا تعمرن بها منزلا ... فإن الخراب لما تعمر # ولا تذخرن خلاف التقى ... فتفنى ويبقى الذي تذخر # ابن عمران: واعلم أن الإنسان لا يحب شيئا إلا أن يجانسه في بعض طباعه، ~~وإن الدنيا جانست الإنسان في بعض طبائعه فأحبها بكله. # وقال: [الطويل] # نراع لذكر الموت في حال ذكره ... وتعترض الدنيا فنلهو ونلعب # ونحن بنو الدنيا خلقنا لغيرها ... وما كنت منه فهو شيء محبب # وقال إبراهيم بن أدهم: [الطويل] # نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع PageV02P169 # فطوبى لعبد آثر الله ربه ... وجاد بدنياه لما يتوقع # وهذا مثل قول أعرابي وقد قيل له: كيف أنت في دينك؟ فقال: أخرقه بالمعاصي، ~~ولا أرقعه بالاستغفار. # وللأعمى التطيلي: [البسيط] # تنافس الناس في الدنيا وقد علموا ... أن سوف تقتلهم لذاتهم بددا # قل للمحدث عن لقمان أو لبد ... لم يترك الدهر لقمانا ولا لبدا # وللذي همه البنيان يرفعه ... إن الردى لم يغادر في الثرى أحدا # ما لابن آدم لا تفنى مطالبه ... يرجو غدا وعسى ألا يعيش غدا # تأمل هذه المقاطع فإنها تضمنت حكما وآدابا وكل قطعة منها لها تعلق بشعر ~~الحريري إما باللفظ أو بالمعنى. # *** # فقال الوالي: ثم ماذا، صنع هذا؟ فقال: أقدم للؤمة في الجزاء، على أبياتي ~~السداسية الأجزاء، فحذف منها جزءين، ونقص من أوزانها وزنين؛ حتى صار الرزء ~~فيها رزءين. فقال له: بين ما أخذ، ومن أين فلذ؟ فقال: أرعني سمعك، وأخل ~~للتفهم عني ذرعك؛ حتى تتبين كيف أصلت ms0572 علي، وتقدر قدر اجترامه إلي، ثم أنشد، ~~وأنفاسه تتصعد: [مجزوء الكامل] # يا خاطب الدنيا الدني ... ة إنها شرك الردى # دار متى ما أضحكت ... في يومها أبكت غدا # وإذا أطل سحابها ... لم ينتفع منه صدى # غاراتها ما تنقضي ... وأسيرها لا يفتدى # كم مزده بغرورها ... حتى بدا متمردا # قلبت له ظهر المجن ... وأولغت فيه المدى # فاربأ بعمرك أن يمر ... مضيعا فيها سدى # واقطع علائق حبها ... وطلابها تلق الهدى # وارقب إذا ما سالمت ... من كيدها حرب العدا # واعلم بأن خطوبها ... تفجا ولو طال المدى PageV02P170 # فالتفت الوالي إلى الغلام وقال: تبا لك من خريج مارق، وتلميذ سارق! فقال ~~الفتى: برئت من الأدب وبنيه، ولحقت بمن يناويه، ويقوض مبانيه؛ إن كانت ~~أبياته نمت إلى علمي، قبل أن ألفت نظمي؛ وإنما اتفق توارد الخاطر، كما قد ~~يقع الحافر على الحافر. # *** # قوله: أقدم أي تقدم. لؤمه في الجزاء: يريد أنه جازاه على ما فعل معه من ~~الخير مجازاة لئيم، فسرق شعره. السداسية الأجزاء، لأن عروضها من الكامل، ~~وأجزاؤها متفاعلن ست مرات. الرزء: المصاب. فلذ: قطع. أرعني سمعك: أي اسمع مني. # ذرعك: بالك وقلبك. أصلت: جرد سيفه. تتصعد: تتطلع إلى فوق. الخريج: الذي ~~خرجه معلمه، وفلان خريجك، أي الذي خرج بتهذيبك وتعليمك. مارق: خارج عن ~~الطاعة. وتلميذ: طالب متعلم. برئت: زلت وانفصلت. يناويه: يعاديه. يقوض: يهدم. # نمت: اتصلت. ونميت الحديث: أسندته. ألفت نظمي: جمعت شعري. # توارد الخواطر: تواطؤ الأذهان، أي وقع لذهن الفتى من الكلام ما وقع لذهن ~~الشيخ، مثل الحافر الذي وقع على الحافر. # وهذا الكلام يعزى لأبي الطيب المتنبي، وسئل عن اتفاقات الخواطر، فقال: ~~الشعر ميدان، والشعراء فرسان، فربما اتفق توارد الخواطر، كما قد يقع الحافر ~~على الحافر. # قال الأصمعي رحمه الله تعالى: قلت عمرو بن العلاء: أرأيت الشاعرين يتفقان ~~في المعنى ويتواردان في اللفظ لم يلق أحدهما صاحبه، ولا سمع شعره؟ فقال لي: ~~تلك عقول رجال توافقت على ألسنتها. ### || AUTO [توارد الخواطر] # ومن مشهور ذلك ما وقع في القصيدتين البائيتين لامرئ القيس وعلقمة، وكذلك ~~اتفاقه ms0573 مع طرفة في قوله: [الطويل] # وقوفا بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد (¬1) # وقال امرؤ القيس وتجمل (¬2). PageV02P171 # ومن توارد الخواطر قول ربيعة بن مقروم. [الكامل] # لو أنها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متبتل (¬1) # وقال النابغة: «صرورة متعبد» (¬2). # وقال: [الكامل] # لرنا لرؤيتها وحسن حديثها ... ولهم من تاموره يتنزل (¬3) # وقال النابغة: [الكامل] # لرنا لرؤيتها وحسن حديثها ... ولخاله رشدا وإن لم يرشد (¬4) # تاموره: صومعته. # ومن ذلك ما حكى أبو علي أنه خرج جرير والفرزدق مردفين إلى هشام بن عبد ~~الملك، فنزل جرير يبول، فتلفتت الناقة فضربها الفرزدق وقال: [الوافر] # إلام تلفتين وأنت تحتي ... وخير الناس كلهم أمامي (¬5) # متى تردى الرصافة تستريحي ... من التهجير والدبر الدوامي # ثم قال: الآن يجيء جرير، فأنشده البيتين فيرد علي: [الوافر] # تلفت أنها تحت ابن قين ... إلى الكيرين والفأس الكهام # متى تأت الرصافة تخز فيها ... كخزيك في المواسم كل عام # قال: فجاء جرير والفرزدق يضحك، فقال: ما يضحكك يا أبا فراس؟ فأنشده ~~البيتين، فقال جرير: تلفت أنها البيتين .. كما قال الفرزدق سواء، فقال: ~~والله لقد قلت PageV02P172 # هذين البيتين، فقال جرير: أما علمت أن شيطاننا واحد. # ومر رجل بالفرزدق بالمربد فقال: من أين أقبلت؟ قال: من اليمامة، قال: فأي ~~شيء أحدث ابن المراغة؟ فأنشده: [الكامل] # * هاج الهوى لفؤادك المهتاج* # فقال الفرزدق: [الكامل] # * فانظر بتوضح باكر الأحداج* # فقال الرجل: [الكامل] # * هذا هوى شغف الفؤاد مبرح* # فقال الفرزدق: [الكامل] # * ونوى تقاذف غير ذات حلاج* # فقال الرجل: [الكامل] # * إن الغراب بما كرهت لمولع* # فقال الفرزدق: [الكامل] # * بنوى الأحبة دائم التشحاج* # فقال الرجل: هكذا والله قال: أفسمعتها من غيري؟ قال: لا ولكن هكذا ينبغي ~~أن يقال، فقال: أما علمت أن شيطاننا واحد. # ودخل الفرزدق على امرأة من عقيل فحدثها، وأقبل فتى من قومها كانت تألفه، ~~فدخل فأقبلت عليه تحدثه، وتركت الفرزدق، فغاظه ذلك، وقال للفتى: أتصارعني؟ # قال: ذلك إليك فقام الفرزدق فلم يلبث أن أخذه الفتى مثل الكرة فصرعه، ~~وجلس على صدره، فضرط الفرزدق، فوثب الفتى عنه وقال: هذا مقام العائذ ms0574 بك، ~~والله ما أردت ما جرى، فقال: والله ما بي ذلك، ولكن كأني بابن المراغة جرير ~~قد بلغه الخبر، فقال: # [الطويل] # جلست إلى ليلى لتحظى بقربها ... فخانك دهر لا يزال خئون # فلو كنت ذا حزم شددت وكاءها ... شد خرقا بالدلاص قيون # فلما بلغ الخبر جريرا قال البيتين. # وأمر سليمان بن عبد الملك الفرزدق أن يضرب رقاب أسرى فاستعفاه، فلم يفعل، ~~وأعطاه سيفا لا يقطع فضرب به عنق رومي فنبا السيف، فضحك سليمان ومن حوله، ~~فجلس وهو يقول: [البسيط] PageV02P173 # أيعجب الناس أن أضحكت سيدهم ... خليفة الله يستسقى به المطر # لم ينب سيفي عن رعب ولا دهش ... عن الأسير ولكن أخر القدر # ثم قال: ما إن يعاب فرس إذا كبا، ولا يعاب صارم إذ نبا، ثم جلس وهو يقول: # كأني بابن المراغة قد بلغه الخبر فقال: [الطويل] # بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم # ضربت به عند الإماء فأرعشت ... يداك وقالوا محدث غير صارم # ثم قال: كأني يا أمير المؤمنين بابن القين قد أجابني فقال: [الطويل] # ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم # فأخبر الفرزدق القصة، فقال: [الطويل] # كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... وتقطع أحيانا مناط التمائم # ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم # وهل ضربة الرومي جاعلة لكم ... أبا عن كليب أو أبا مثل دارم # فهذا إن صح من أعجب اتفاق الخواطر. # وقال الأقيشر: [الوافر] # جريت مع الهوى طلق العتيق ... وهان علي مأثور الفسوق # وجدت ألذ عارية الليالي ... قران النغم بالوتر الخفوق # ومسمعة إذا ما شئت غنت ... متى نزل الأحبة بالعقيق # تمتع من شباب ليس يبقى ... وصل بعرا الصبوح عرا الغبوق # وقال أبو نواس رحمه الله تعالى: [الوافر] # جريت مع الهوى طلق الجموح ... وهل علي مأثور القبيح (¬1) # وجدت ألذ عارية الليالي ... قران النغم بالوتر الفصيح # ومسمعة إذا ما شئت غنت ... متى كان الخيام بذي طلوح # تمتع من شباب ليس يبقى ... وصل بعرا الغبوق عرا الصبوح # ومن ذلك ما نسب السري للخالدي ms0575 فيما قدمناه من سرقة شعره، قال السري: # [الكامل] # وكأن كأس مدامها ... لما ارتدت بحبابها PageV02P174 # توريد وجنتها إذا ... ما لاح تحت نقابها # وقال أبو بكر الخالدي: [مجزوء الرمل] # فكأن الكأس لما ... ضحكت تحت الحباب # وجنة حمراء لاحت ... لك من تحت النقاب # وقال السري في وصف جام فيه فالوذج: [الطويل] # بأحمر مبيض الزجاج كأنه ... رداء عروس مشرب بخلوق # له في الحشا برد الوصال وطيبه ... وإن كان تلقاه بلون حريق # كأن بياض اللوز في جنباته ... كواكب در في سماء عقيق # وقال أبو بكر الخالدي: [الطويل] # مداما كأن الكف من طيب نشرها ... وصفرتها قد خلقت بخلوق # نعاينها نورا علاه تجسد ... ونشربها نادرا بغير حريق # كأن حباب الماء في جنباتها ... كواكب لاحت في سماء عقيق # وقال السري رحمه الله تعالى: [الوافر] # رأت شيبا يصاحبني فصدت ... وكان جزاؤه منها العبوسا # وقالت إذ رأت للمشط فيه ... سوادا لا يشاكله نفيسا # تلق العاج منه بمشط عاج ... ودع للآبنوس الآبنوسا # وقال أبو عثمان أيضا: [الخفيف] # وقفتني ما بين هجر وبؤس ... وانثنت بعد ضحكة بعبوس # ورأتني مشطت عاجا بعاج ... وهي الآبنوس بالآبنوس # وهذا إما توارد أو تسابق، والتسابق أشبه بهم. # *** # قال: فكأن الوالي جوز صدق زعمه، فندم على بادرة ذمه؛ فظل يفكر فيما يكشف ~~له عن الحقائق، ويميز به الفائق من المائق، فلم ير إلا أخذهما بالمناضلة، ~~ولزهما في قرن المساجلة، فقال لهما: إن أردتما افتضاح العاطل، واتضاح الحق ~~من الباطل، فتراسلا في النظم وتباريا، وتجاولا في حلبة الإجازة وتجاريا؛ ~~ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة؛ فقالا له بلسان واحد، وجوابا ~~متوارد: قد رضينا بسبرك، فمرنا بأمرك. # فقال: إني مولع من أنواع البلاغة بالتجنيس، وأراه لها كالرئيس؛ فانظما ~~الآن عشرة PageV02P175 # أبيات تلحمانها بوشيه، وترصعانها بحيله، وضمناها شرح حالي مع إلف لي بديع ~~الصفة، ألمى الشفة، مليح التثني، كثير التيه والتجني، مغرى بتناسي العهد، ~~وإطالة الصد، واختلاف الوعد؛ وأنا له كالعبد. # *** # قوله: زعمه، الزعم قول معه اعتقاد، بادرة: سابقة وهي الكلمة الرديئة تبدر ~~من المتكلم. الفائق: الفاضل، ms0576 وفاق الناس، فضلهم وعلاهم بقول أو علم. ~~المائق: الأحمق الضعيف التدبير. المناضلة: المراماة. لزهما: ضمهما وشدهما. ~~فرن: حبل يقرن بين الشيئين. ### || AUTO [المساجلة] # المساجلة: أن يستقي ساقيان فيخرج كل واحد منهما من الماء مثل ما يخرج ~~الآخر، فأيهما نكل فقد غلب، وقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب: ~~[الرمل] # من يساجلني يساجل ماجد ... يملأ الدلو إلى عقد الكرب (¬1) # وأنا الأخضر من يعرفني ... أخضر الجلدة من بيت العرب # ومر الفرزدق بالفضل، وهو يستقي وينشد البيتين، فشمر ثيابه عن نفسه، وقال: ~~أنا أساجلك، ثقة بنسبه، فقيل له: هذا الفضل بن العباس، فرد ثيابه وقال: ما ~~يساجله إلا من عض أير أبيه. ثم صارت المساجلة يقصد بها قصد المفاخرة، وأراد ~~هنا بالمناضلة والمساجلة، أن يقول هذا بيتا، وهذا بيتا حتى يعلم لمن الغلب. ~~وأكثر ما جرت به العادة فيها بأنصاف الأبيات كما شهر في قصة امرئ القيس ~~والتوأم حين قال امرؤ القيس: # [الوافر] # * أحار ترى بريقا هب وهنا* # فقال التوأم: # كنار مجوس تستعر استعارا (¬2) PageV02P176 # ثم مضيا على القطعة بالإنصاف حتى كملت، وهي مشهورة. # قال أبو العيناء: وقف علي غلام يسألني ما أحسبه بلغ الحلم ولا قاربه وخرج ~~غلام لي أسود قد اغتسل، وهو يرعد، وكان خبيثا، فأومأت إلى الأسود فقلت: ~~[الرجز] # كأنه ذئب غضى أزل # فقال الغلام: [الرجز] # باب الندى يضربه والطل # فوصلته بدارهم وانصرف. # واجتاز ابن أبي الخصال من بلده شقورة بآبدة، وهو صبي صغير يطلب الأدب، ~~فأضافه بها القاضي ابن مالك، ثم خرج معه إلى حديقة معروشة، فقطف لهم منها ~~عنقودا أسود، فقال القاضي: [مجزوء الرجز] # انظر إليه في العصا # فقال ابن أبي الخصال: [مجزوء الرجز] # كرأس زنجي عصا # فعلموا أنه سيكون له شأن في البيان. # ومثل ذلك ما حدثني به الشيخ الفقيه أبو الحسين بن زرقون عن أبيه أبي عبد ~~الله أن أبا بكر بن المبجل وأبا بكر بن الملاح الشبليين، كانا متواخيين ~~متصافيين، وكان لهما ابنان قد برعا في الطلب، وحازا قصب السبق في حلبة ~~الأدب، فتهاجى ms0577 الابنان بأقذع هجاء، فركب ابن المبجل في سحر من الأسحار مع ~~ابنه عبد الله فجعل يعتبه على هجاء ابن الملاح، ويقول له: قطعت ما بيني وما ~~بين صفيي أبي بكر بإقذاعك في ابنه، فقال له ابنه: إنه بدأني، والبادئ أظلم، ~~وإنما يجب أن يلحى من بالشر تقدم، فعذره أبوه؛ فبينما هما على ذلك إذ أقبل ~~على واد تنق فيه ضفادع، فقال أبو بكر لابنه أجز: [الوافر] # تنق ضفادع الوادي # فقال ابنه: # بصوت غير معتاد PageV02P177 # فقال الشيخ: # كأن نقيق مقولها # فقال ابنه: # بنو الملاح في النادي # فلما أحست الضفادع بهما صمتت، فقال أبو بكر: # وتصمت مثل صمتهم # فقال ابنه: # إذا اجتمعوا على زاد # فقال أبو بكر: # ولا غوث لملهوف # فقال ابنه: # ولا غيث لمرتاد # والإجازة بالأبيات بكمالها كثيرة مشهورة. # وحكى الماوردي أن الناس تذاكروا حفظ السر بمجلس عبد الله بن طاهر فقال ~~عبد الله: [الطويل] # ومستودعي سرا تضمنت ستره ... فأودعته من مستقر الحشى قبرا # فقال ابنه عبيد الله، وهو صبي: [الطويل] # وما السر في قلبي كثاو بحفرة ... لأني أرى المدفون ينتظر الحشرا # ولكنني أخفيه حتى كأنه ... من الدهر يوما ما أحطت به خبرا # وحكى الفقيه أبو الحسن أن أباه حدثه أن الأديب أبا الطاهر بن أبي ركب، ~~حضر عنده بسبتة بقرية شنان في عقب شعبان لاستقبال رمضان، فأكل مع من حضر ~~ضروبا من الأطعمة والألوان، فقال أبو الطاهر رحمه الله تعالى لأبي عبد الله ~~بن زرقون أجز: # [الطويل] # حمدت لشعبان المبارك شعبة ... تسهل عني الجوع في رمضان # فقال أبو عبد الله رحمه الله تعالى: [الطويل] # كما حمد الصب المتيم زورة ... أطاق لها الهجران طول زمان # فقال أبو الطاهر: [الطويل] # دعوها بشبعانية فلو أنهم ... دعوها بشعبانية لكفاني PageV02P178 # وحدثني أيضا أن أباه شيخنا الفقيه أبا عبد الله المذكور قعد مع صهره أبي ~~الحسن عبد الملك بن عياش الكاتب على بحر المجاز، وهو مضطرب الأمواج، فقال ~~له أبو الحسن: أجز: [الوافر] # وملتطم الغوارب موجته ... بوارح في مناكبها غيوم # فقال أبو عبد الله [الطويل] # تمنع ms0578 لا تعوم به سفين ... ولو حدقت به الزهر النجوم # *** # قوله: «افتضاح العاطل»، أي شهرة الفارغ من قول الشعر، تراسلا: تجاريا، ~~والتراسل في الغناء والنشيد، أن يتجاذب الصوت المغنيان، والترسل في الخيل، ~~أن ترسل فرسين في الطلق. # تباريا: تجاريا، وتجاولا: تصرفا. والحلبة يأتي ذكرها في المقامة، وأراد ~~تجاريا في العشر كما يتجارى خيل الحلبة في الميدان، بسبرك: قياسك وتجربتك ~~لنا. متوارد: # متسابق متتابع. والتجنيس: أن تكون الألفاظ متناسبة والمعاني متباينة. ~~تلحمانها: # تنسجانها. وشيه: رقمه. ترصعانها: تزينانها. وكل ما خرزته أو عقدته فهو مرصع. # إلف: معشوق يألف ويؤنس به. بديع: غريب. ألمى: أسمر، واللمى أن تتعتق حمرة ~~الشفة حتى تضرب إلى السواد. والتثني: الانعطاف. التيه: الإعجاب والاحتقار ~~بغيره، التجني: ادعاء الجناية على عاشقه، وذلك أن المعشوق يحسب كل ما يفعله ~~عاشقه ذنبا عليه وجناية ليتوصل بذلك إلى هجره ثم سمى الصد والإعراض تجنيا. ~~مغرى: مولع. # والتناسي: استعمال النسيان. أراد أنه يعد عاشقه بالزيارة وغيرها فإذا ذكر ~~بها قال: # نسيت. والصد: الإعراض. # *** # قال: فبرز الشيخ مجليا، وتلاه الفتى مصليا؛ وتجاريا بيتا فبيتا على هذا ~~النسق، إلى أن أكمل نظم الأبيات واتسق، وهي: [الطويل] # وأحوى حوى رقي برقة ثغره ... وغادرني إلف السهاد بغدره # تصدى لقتلي بالصدود وإنني ... لفي أسره مذ حاز قلبي بأسره # أصدق منه الزور خوف ازوراره ... وأرضى استماع الهجر خشية هجره # وأستعذب التعذيب منه وكلما ... أجد عذابي جد بي حب بره # تناسى ذمامي والتناسي مذمة ... وأحفظ قلبي وهو حافظ سره # وأعجب ما فيه التباهي بعجبه ... وأكبره عن أن أفوه بكبره # له مني المدح الذي طاب نشره ... ولي منه طي الود من بعد نشره PageV02P179 # ولو كان عدلا ما تجنى وقد جنى ... علي وغيري يجتني رشف ثغره # ولولا تثنيه ثنيت أعنتي ... بادرا إلى من أجتلي نور بدره # وإني على تصريف أمري وأمره ... أرى المر حلوا في انقيادي لأمره # *** # على هذا النسق، أي على هذا التتابع والانضمام، اتسق: انضم واجتمع. ونسقت ~~الشيء بالشيء ضممته إليه، أحوى: أسمر الشفة، والحوة: حمرة تضرب إلى السواد، يقال: # شفة ms0579 حواء حمراء. رقي، أي ملكي، والرق الملك، ورق الرجل رقا: صار عبدا، ~~برقة لفظه: # بحلاوة كلامه. غادرني إلف السهاد: تركني صاحب سهر. بغدره: بقلة وفائه. تصدى: # تعرض. أسره: حبسه. بأسره: بجملته. والزور: الكذب. ازوراره: انقباضه، ~~والهجر: # الفحش. أستعذب: أستطيب. أجد عذابي: جدد عذابي. جد: زاد واجتهد. بره: ~~إكرامه. # يريد متى زادني عذابا وهجرانا زدت فيه حبا وبرا. ذمامي: عهدي. مذمة: عيب. أحفظ: # أغضب. التباهي: التفاخر. أكبره: أعظمه وأراه كبيرا، أفوه: أنطق. نشره: ~~تحرك رائحته. # رشف ثغره: تقبيل أسنانه، ثنيت: عطفت. أعنتي: جمع عنان. أجتلي: أنظر. نور بدره: # حسن وجهه يقول: لولا حسن تثنيه لتركته وملت إلى غيره. ثم قال: وإني على ~~ما يلقاني به من الهجر والجفاء وألقاه به من البر والصفاء. ليرجع عندي المر ~~من أفعاله حلوا في اتباعي لما يحب ويأمر به. وقد أنشدوا في ذلك: [الطويل] # لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرت ببالك # وقال في مثله: [الكامل] # وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا ... ما من يهون عليك ممن يكرم # فهذه غاية الانقياد لمراعاة مراد الحبيب. # وقال الشاعر: [الكامل] # ولقد منحتكم المودة محضة ... وكتمت ما اشتملت عليه ضلوعي # جازيتموني بالوصال قطيعة ... شتان بين صنيعكم وصنيعي # فإذا أتيتك زائرا متشوقا ... قصر الطريق وطال عند رجوعي # وفي معنى قوله: «له مني المدح»، يقول ابن رشيق، وزاد معنى مستظرفا: # أراك اتهمت أخاك الثقه ... وعندك مقت وعندي مقه # وأثني عليك وقد سؤتني ... كما طيب العود من أحرقه # وقال ابن زيدون: [الطويل] # بني جهور أحرقتم بجفائكم ... جناني فما بال المدائح تعبق PageV02P180 # تعدونني كالعنبر الند إنما ... تطيب لكم أنفاسه حين يحرق # وهما وإن تواردا على هذا المعنى، فإنما أخذاه من قول حبيب: [الرجز] # لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود # *** # ونذكر هنا جملة من الشعر الرائق المستظرف الفائق، تنسحب على أوصاف الغلام ~~المذكور، وتتعلق بشعر الحريري من جهة التجنيس، أو من جهة الانقياد للمحبوب ~~وإن جفا وصد. # ونبدأ بذكر حكاية أبي إسحاق الحصري لتعلقها بما انبنت عليه المقامة من ms0580 ~~توارد الخواطر. # وكان أبو إسحاق يختلف إلى بعض مشيخة القيروان، وكان الشيخ كلفا بالمعذرين ~~وهو القائل: [الكامل] # ومعذرين كأن نبت خدودهم ... أقلام مسك تستمد خلوقا # قرنوا البنفسج بالشقيق ونظموا ... تحت الزبرجد لؤلؤا وعقيقا # فهم الذين إذا الخلي رآهم ... وجد الهوى بهم إليه طريقا # وكان يختلف إليه غلام من أعيان أشراف القيروان، وكان به كلفا، فبينما هو ~~عنده والحصري قد أخذ في الحديث إذ أقبل الغلام وهو يقول: [الكامل] # في صورة كملت فخلت بأنها ... بدر السماء لستة وثمان # يعشى العيون ضياؤها فكأنها ... شمس الضحى تعشى بها العينان # فقال الشيخ: يا حصري، ما تقول فيمن هام بهذا القد، وصبا لهذا الخد؟ فقال ~~الحصري: الهيمان والله بهذا غاية الظرف، لا سيما إذا شام كافورة خده ذلك ~~المسك الفتيت، وهجم على صبحه ذلك الليل البهيم، والله ما خلت سواده في ~~بياضه إلا بياض الإيمان في سواد الكفر، أو غيهبا في ضوء الفجر، فقال ~~للحصري: صفه، فقال: من ملك رق القول حتى انقاد له صعابه فذل له جموحه حتى ~~سطع له شهابه، أقعد مني في ذلك، فقال: صفه، فإني معمل في ذلك فكري، فأطرق ~~ساعة، فقال الحصري: [مجزوء الرجز] # أورد قلبي الردى ... لام عذار بدا # أسود كالكفر في ... أبيض مثل الهدى # فقال له الشيخ: أراك اطلعت على ضميري، أو خضت بين جوانحي، فقال له ~~الحصري: ولم ذاك؟ قال: لأني قلت: [مجزوء الرجز] PageV02P181 # حرك قلبي فطار ... صولج لام العذار # أسود كالليل في ... أبيض مثل النهار # فهذه غاية في بابه. # وقال السري: [الوافر] # بلاني الحب فيك بما بلاني ... فشأني أن تفيض غروب شاني # أبيت الليل مرتقبا أناجي ... بصدق الوجد كاذبة الأماني # ويشهد لي على الأرق الثريا ... ويعلم ما أقاسي الفرقدان # ستصرف طاعتي عمن نهاني ... دموع فيك تلحى من لحاني # ولم أجهل نصيحته ولكن ... جنون الحب أحلى في جناني # فيا ولع العواذل خل عني ... ويا كف الغرام خذي عناني # وهذا مما يأخذ بمجامع القلوب، ويحتوي على النوعين من المعنى المطلوب. # وقال السلامي: [البسيط] # ما ضن عنك بموجود ولا ms0581 بخلا ... أعز ما عنده النفس التي بذلا # يحكي المطايا حنينا والهجير جوى ... والمزن دمعا وأطلال الديار بلى # وقال أيضا: [الوافر] # منيت بمن إذا منيت أفضت ... مناي إلى بنفسج عارضيه # وفاضت رحمة لي حين ولى ... مدامع كاتبي وكاتبيه # وله في غلام بدوي: [الخفيف] # تعلقته بدوي للسان ... والوجه والزي ثبت الجنان # أعانق من قده صعدة ... ترى اللحظ منها مكان السنان # أدار اللثام على خده ... فأهدى الشقيق إلى الأقحوان # ومسك ذوائبه سائل ... على آس ديباجه الخسرواني # أحييه بالورد والياسم ... ين فيصبو إلى الشيخ والأيهقان # وله في غلام غزي رام: [الكامل] # قمر من الأتراك تحسب أنه ال ... خود الحصان على أقب حصان # يرمي بلحظيه القلوب وسهمه ... فعجبت كيف تشابه السهمان # بطل حمائله كعارضه وحا ... جبه الأزح كقوسه المرنان # حييته فدنا فأمطر راحتي ... قبلا فليت فمي مكان بناني PageV02P182 # وللشريف الرضي: [الكامل] # يا صاحب القلب الصحيح أما اشتفي ... ألم الهوى من قلبي المصدوع (¬1) # أأسأت بالمشتاق حين ملكته ... وجزيت فرط نزاعه بنزوع # وتركتني ظمآن أرشف غلتي ... وأسفي على ذاك اللمى الممنوع # قلبي وطرفي منك هذا في حمى ... قيظ وهذا في رياض ربيع # كم ليلة جرعته في طولها ... مضض الملام ومؤلم التقريع # تفلي أنامله التراب تعللا ... وأناملي في سني المقروع # أبكي ويبسم والدجى ما بيننا ... حتى أضاء بثغره ودموعي # قمر إذا استعجلته بعتابه ... لبس الغروب فلم يعد لطلوع # لو حيث يستمع السرار وقفتما ... لعجبتما من عزه وخضوعي # أعزز علي إذا امتلأت من الكرى ... أني أبيت بليلة الملسوع # وللوزير ابن المغربي: [الكامل] # دنف بمصر وبالعراق طبيبه ... يضنيه طول بعاده ويذيبه # ما ناله إلا الذي هو أهله ... إذ غاب عن بلد وفيه حبيبه # لزم السهاد تحيرا وتلددا ... وتأسفا إذ أوبقته ذنوبه # زعم الفراق دعا به فأجابه ... ونعم دعاه فلا أراه يجيبه # وله أيضا: [مجزوء الكامل] # ولقد أراه في الغدي ... ر يشقه من جانبيه # والماء مثل السيف وه ... وفرنده في صفحتيه # صبغت بياض النيل حم ... رة وردة في وجنتيه # ولابن الزقاق: [الطويل] # تمنيت من أهوى به وهو قاتلي ... ورب منى للمرء ms0582 فيها مناياه # قسا فرماني عن قسي حواجب ... تنوب لها دأبا عن الرشق عيناه # أذلنا دماء في هواه وأدمعا ... وضن لنا ظلما بظلم ثناياه # فما برح الشوق المبرح ساميا ... لأحوى حوى كل المحاسن مرآه # فمنظره والثغر منه وعرفه ... وقامته والردف منه وخداه PageV02P183 # لشمس الضحى والدر والمسك نفحة ... وغصن النقا والدعص والورد أشباه # وقال أيضا رحمه الله تعالى: [الكامل] # ومهفهف نبت الشقيق بخده ... واهتز أملود النقا في برده # ماء الشبيبة والجمال أرق من ... صقل الحسام المنتضى وفرنده # يحيي الأنام بلمحة من وصله ... من بعد ما وردوا الحمام بصده # إن كنت أهديت الفؤاد له فقل ... أي الجوى لجوانحي لم يهده # وقال أيضا: [المتقارب] # أرق نسيم الصبا عرفه ... وراق قضيب النقا عطفه # ومر بنا يتهادى وقد ... نضا سيف أجفانه طرفه # ومد لمبسمه راحة ... فخلت الأقاح دنا قطفه # أشار لتقبيلها في السلام ... فقال فمي ليتني كفه # ولإدريس بن اليماني: [الطويل] # وذي لعس للأقحوان ثناياه ... وللورد خداه وللآس صدغاه # وللسوسن الريان صفحة خده ... وللظبي عيناه وللمسك رياه # فريد جمال تم لي توأم الهوى ... به ولكل العاشقين فرداه # ولبعض أصحابنا: [الخفيف] # كف عني الملام يا من يلوم ... إن لوم الشجي في الحب لوم # جل همي بأن أهيم حياتي ... صغرت همة امرئ لا يهيم # أبدا أطلب الغرام مجدا ... فكأني إلى الغرام غريم # إن ربما رمت برامة قلبي ... مقلتاه حبي له لا يريم # صح حبي واعتل جسمي فحسبي ... أن كلي إلى هواه سقيم # وكل ما تضمنت هذه الجملة مع قطعة الحريري من التذلل والخضوع إلى المجبوب، ~~فهو حكم الباب، والمجمع عليه عند ذوي الألباب. إلا قوله: «وغيري يجتني رشف ~~ثغره»، فإن أكثر أهل هذا الشأن يأبون أن يكون المحبوب بين عاشقين، وينسبون ~~محبة إلى خساسة الهمة، ويعتدونها على المحبوب من أكبر التهمة، قال امرؤ القيس: # [الكامل] # إني بحبلك واصل حبلي ... وبريش نبلك رائش نبلي (¬1) PageV02P184 # ما لم أجدك على هدى أثر ... يقرو مقصك قائف قبلي # يقول: أنا أديم من مواصلتك ما لم أجد غيري يتبعك طمعا في مواصلتك. وقال ~~أبو ms0583 ذؤيب: [الطويل] # تريدين كيما تجمعيني وخالدا ... وهل يجمع السيفان ويحك في غمد (¬1) # فهذا قد أبى الشركة على التساوي، فكيف الإقامة على الجور الذي ذكر ~~الحريري. # وقد قدمنا في العشرة للمولدين فنا غير هذا، على أن المحبوب إذا كان حسن ~~الخلق حسن القبول زاد في أبهة جماله، كما أن الجفاء في المحبوب والخلق ~~الذميم يطمس نور حسنه وينقص من كماله، وأنشدوا: [الطويل] # أيا حسنا أزرت قبائح فعله ... عليه كما أزرى الكسوف على البدر # وقال عبد الصمد المصري: [المتقارب] # فلو زين الحسن من وجهه ... بهجر الصدود ووصل الوصال # لتم ولكن ما إن أرى ... جميل المحيا جميل الفعال # وقال آخر: [الوافر] # صحا عن حبك القلب المشوق ... فما يصبو إليك ولا يتوق # جفاؤك كان عنك لنا عزاء ... وقد يسلي عن الولد العقوق # فهذه جملة كافة. ### || AUTO [أنواع البلاغة في صناعة الشعر] # ونرجع إلى ذكر أنواع البلاغة في صناعة الشعر التي سماها المحدثون صنعة ~~البديع، والشعراء يتفاضلون في سياقها والاقتدار عليها، وهي في أشعار العرب ~~موجودة، وفي الشعر المولد أكثر، وأنا آتي منها بما للناظر فيه كفاية بعون ~~الله سبحانه وتعالى، ونبدأ منها ب ### ||| AUTO التجنيس # الذي أولع به الحاكم في المقامة. ### ||| AUTO التجنيس # هو اتفاق اللفظ أو أكثره واختلاف الحكم، قال أبو بكر حازم بن حازم: ### ||| AUTO التجنيس # أن تجيء الكلمة تجانس أخرى في بيت شعر أو كلام، وهو من أضيق أنواع ~~البديع، فمنه PageV02P185 # قوله تعالى: وأسلمت مع سليمان [النحل: 44]، وأن أقم وجهك للدين [الروم: # 43] وفي الحديث «عصية عصت الله ورسوله، وغفار غفر الله لها، وأسلم سالمها ~~الله، والظلم ظلمات يوم القيامة». # وقال خالد بن صفوان لرجل من بني عبد الدار: هشمتك هاشم، وأمتك أمية، ~~وخزمتك مخزوم، وأنت من عبد دارها، ومنتهى عارها، فتح لها الأبواب إذا ~~أقبلت، وتغلقها إذا أدبرت. # والتجنيس أنواع، فمنه تجنيس اللفظ وهو ما تقدم، ومنه تجنيس الخط وهو ما ~~يصح تصحيفه، كقوله تعالى: وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا [الكهف: 104]. # وفي حديث سعد بن أبي وقاص: لما أسلمت راغمتني أمي، ms0584 فهي مرة تلقاني ~~بالبشر، ومرة تلقاني بالبسر. # البحتري: من سعادة جدك، وقوفك عند حدك. # وفي رسالة: عاد إلى المسامحة والمحاسنة، بعد المشامخة والمخاشنة، وقال ~~البحتري: [الطويل] # ولم يكن المغتر بالله إذ سرى ... ليعجز والمعتز بالله طالبه (¬1) # وقال البحتري أيضا: [الطويل] # وحالا كريش النسر مهما رأيته ... جناحا لشهم عاد ريشا على سهم # ومنه تجنيس السمع كقوله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ~~[القيامة: # 22] ومن رسالة: لم يكن لأمره مضيعا، ولا لسره مديعا. # البستي: من لم يكن لك نسيبا، فلا ترج منه نصيبا. ومن لم يكن لك صدره ~~بالحاجات فسيحا، فلا تسمع له بها لسانا فصيحا. وقال: [الطويل] # أبوك كريم غير أنك سابق ... مداه فلا ضيم عليك ولا ذم # فلا يعجبن الناس مما أقوله ... وأقضي به فالغيث يقدمه الغيم # وقال المعري رحمه الله تعالى: [البسيط] # أعوذ بالله من قوم إذا سمعوا ... خيرا أسروه أو شرا أذاعوه # وخالد بن سنان ليس ينقصه ... من قدره الكون في حي أضاعوه # ومنه تجنيس المضارعة، فمنه من رسالة: أنابه بين احتفاء واحتفال، وبين ذكر ~~مطر مطرب. وثنا مغر مغرب. PageV02P186 # وقال أبو تمام: [الطويل] # يمدون من أيد عواص عواصم ... تطول بأسياف قواض قواضب (¬1) # وقال المعري: من اتقى الله فهو السالم الساري. # وقال ابن عمار: [الطويل] # إذا ركبوا فانظره أول طاعن ... وإن نزلوا فانظره آخر طاعم # وباب التجنيس فاق الناس فيه حبيب، والناس له تبع، كما انفرد بحسن القطع ~~في آخر قصائده، فلا يكاد الشاعر الماهر يزيد بيتا في آخر قصائده في الغالب. # كما انفرد الحسن بحسن الابتداء فله ابتداءات لا يجاري فيها، كما انفرد ~~ابن المعتز بجودة التشبيه يكاد على كثرته في شعره ألا يسقط له تشبيه واحد، ~~كما انفرد المتنبي بلطف التخلص من التغزل إلى المدح، ومن تجنيس حبيب قوله: ~~[الطويل] # عداك حر الثغور المستضامة عن ... برد الثغور وعن سلسالها الحصب (¬2) # السلسال العذب والحصب: الجاري على الحصباء؛ شبه الريق به، ففي هذا البيت ~~من صنع البديع التجنيس والطباق والتتميم والترديد والتبليغ، وتأتي هذه ~~الأنواع في هذا ms0585 الفصل، وحبيب أكثر الناس استعمالا لصنع البديع، ومن شعره ~~يتعلم، وقال أيضا: # [البسيط] # كم نيل تحت سناها من سنا قمر ... وتحت عارضها من عارض شنب (¬3) # وقال أيضا: [الكامل] # يا من تدمي عينه تلك الدمى ... فيه ويقمر ليلة الإقمار # أخذه البحتري فقال: [البسيط] # جافي المضاجع لا ينفك في لجب ... يكاد يقمر من لألائه القمر (¬4) # وأنشد أبو علي الفارسي في نوادره لأبي الغول الطهوي يصف سحابا: [الخفيف] # وقري كل قرية كان يقرو ... ها قرى لا يجف منه القرى # وفي المقامات من التجنيس كثير، وفي هذا الشرح منه ما يستظرف ويستبدع، ~~فمما يستحسن منه قول السري يمدح سيف الدولة: [الوافر] # أغرتك الشهاب أم النهار ... وراحتك السحاب أم البحار # خلقت منية ومنى فأضحت ... نمور بك البسيطة أو تمار PageV02P187 # تحلي الدين أو تحمى حماه ... فأنت عليه سور أو سوار # سيوفك من شكاة الثغر برء ... ولكن للعدى فيها بوار # وكفاك الغمام الجود يسري ... وفي أحشائه ماء ونار # فيمنى من سجيتها المنايا ... ويسرى من عطيتها اليسار # ومن الشعر الذي جمع إلى التجنيس حسن التقسيم والطباق جواب الصابي أبا ~~أحمد الشيرازي، من شعر يشتكي له نقرسا أصابه وأوله: [المتقارب] # إلى الله أشكو ضنى شفني ... وكم قبله من ضنى قد شفاني # فأجابه الصابي: [المتقارب] # عناني من الهم ما قد عناني ... فأعطيت صرف الليالي عناني # ألفت الدموع وعفت الهجوع ... فعيناي عينان نضاختان # لسقم ألح على سيد ... به قد غفرت ذنوب الزمان # وكيف سطا بهما واستطا ... ل وأرض بساطهما النيران # وهلا تجاوزه قاصدا ... إلى عصبة عصبت بالهوان # إذا ما سعى لطلاب العلا ... فكل أوان هم في توان # أتتني بالأمس أبياته ... تعلل روحي بروح الجنان # كبرد الشباب وبرد الشرا ... ب وطل الأمان ونيل الأماني # وعهد الصبا ونسيم الصبا ... وصفو الزمان ورجع القيان # أجبت عن الشعر مسترسلا ... بطبع شجاع وقلب جبان # ولولا سكوني إلى فضله ... قبضت بناني بقبض اللسان # وقال أبو الفتح البستي: [المتقارب] # إن أسيافنا العضاب الدوامي ... صيرت ملكنا قرين الدوام # باقتسام الأموال من وقت سام ... واقتحام الأموال من وقت حام ### ||| AUTO ms0586 التشبيه # وقد أوردنا في هذا الكتاب منه كل غريب، و ### ||| AUTO التشبيه # ات على ضروب مختلفة، فمنها تشبيه الشيء بالشيء صورة وهيئة، ومنها تشبيهه ~~به معنى، ومنها تشبيهه به لونا، ومنها تشبيهه به صوتا، ومنها تشبيهه به ~~حركة وسرعة، فالأول كقوله: [الطويل] # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي (¬1) PageV02P188 # أجمع أهل العلم بالشعر كأبي عمرو بن العلاء والأصمعي، أن أحسن التشبيه ما ~~يقابل به تشبيهان في بيت واحد، وأن أحدا لم يقل ذلك كبيت امرئ القيس، كأن ~~قلوب الطير. وقال بشار: ما زلت مذ سمعت قوله: كأن قلوب الطير أراود نفسي أن ~~أشبه شيئين بشيئين ولا أستطيع ذلك إلى أن قلت: [الطويل] # كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه # ويا بعد ما بين البيتين على أن بيت بشار غريب، ولا أحفظ للبيتين ثالثا، ~~إلا أن بشارا قد قال أيضا: [البسيط] # من كل مشتهر في كف مشتهر ... كأن غرته والسيف نجمان # وأما تشبيه المعنى فكتشبيه الشجاع بالأسد والجميل بالقمر، وكقوله: ~~[الطويل] # وكالسيف إن لا ينته لان متنه ... وحداه إن خاشنته خشنان # واللون كقول ابن هرمة: [الطويل] # وليل كسربال الغراب ادرعته ... إليك كما أخت اليماني أجدل # والصوت كقول النابغة: [البسيط] # له صريف صريف القعو بالمسد (¬1) # والحركة والسرعة، كقول امرئ القيس: [الطويل] # كجلمود صخر حطه السيل من عل (¬2) # وربما امتزجت هذه المعاني بعضها ببعض، فإذا اتفق في الشيء المشبه معنيان ~~أو ثلاثة معان من هذه الأوصاف قوي التشبيه، وتأكد الصدق فيه، وأصدق ~~التشبيهات ما إذا PageV02P189 # عكس لم ينتقض، بل يكون كل مشبه بصاحبه مثل صاحبه، ويكون صاحبه مشبها به ~~صورة ومعنى، كقول امرئ القيس: [الطويل] # نظرت إليها والنجوم كأنها ... مصابيح رهبان تشب لقفال (¬1) # فتشبيه النجوم بالمصابيح لفرط ضيائها صحيح، وتشبيه المصابيح بالنجوم ~~صحيح، وربما أشبه الشيء صورة، وخالفه معنى. وقد تقدم ذكر ذلك في الثانية، ~~وربما قاربه وداناه وشابهه مجازا لا حقيقة. # وأدوات التشبيه كأن والكاف ومثل، وتسقط الكاف مع المصدر فيشبه بالمصدر، ~~وقد يشبه بقولهم: تخاله وتحسبه، ms0587 فما كان منه صادقا قيل فيه «كأنه» أو كذا، ~~وما قارب الصدق قيل فيه: تراه أو تخاله؛ فإذا حققت هذا الفصل انكشفت لك ~~أسرار التشبيه، وقد تقدم نوع من التشبيه في الثانية، وسيأتي في الأربعين ~~تشبيهات الغريب العقم في حكاية الأصمعي. ### ||| AUTO الاستعارة # هي من العارية لأن الشاعر يعير المعنى ألفاظا غير لفظه الموضوع له، وهي ~~على ثلاثة أوجه: أحدهما يستعيره الشاعر من الألفاظ على سبيل التمثيل وتتميم ~~المعاني، وهذا الضرب يعد في البديع ومحاسن الشعر، وهو كثير في كلامهم، ~~وعليه انبنى كتاب المقامات، وقلما يوجد بيت يخلو منه، وما جاء منه في ~~القرآن سماه بعضهم مجازا وأباه بعضهم، نحو قوله تعالى: واخفض لهما جناح ~~الذل من الرحمة [الإسراء: 24]، واشتعل الرأس شيبا [مريم: 4] وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء» (¬2). # وقال امرؤ القيس: [الطويل] # * وليل كموج البحر أرخى سدوله (¬3) * # وقال علقمة وهو بديع: [البسيط] # * والصبح بالكوكب الدري منحور (¬4) * PageV02P190 # وقال زهير في الحرب: [الطويل] # * ضروس تهر الناس أنيابها عصل (¬1) * # وقال عمرو بن كلثوم: [الطويل] # ألا أبلغ النعمان عني رسالة ... فمجدك حولي ولومك قارح # وقال الحسن: [الكامل] # في مجلس ضحك السرور به ... عن ناجذيه وحلت الخمر # وقال العباس بن الأحنف: [البسيط] # قد سحب الناس أذيال الحديث بنا ... وفرق الناس فينا قولهم فرقا (¬2) # فكاذب قد رمى بالظن غيركم ... وصادق ليس يدري أنه صدقا # الثاني: أن ينتحل الشاعر قولا لغيره فيدخله في شعره، وهذا هو الاجتلاب ~~الذي نفاه جرير عن نفسه بقوله: [الوافر] # ألم تعلم مسرحي القوافي ... فلا عيا بهن ولا اجتلابا (¬3) # الثالث: أنه يستعير الشاعر ألفاظا كان غنيا عنها، والمعنى غير مفتقر ~~إليها، ويسمى الحشو والاستعانة، ويحسن بقدر ما يتحمل من الفوائد ويقبح إذا ~~فرغ منها. ### ||| AUTO الإشارة # قال قدامة: ### ||| AUTO الإشارة # هي اشتمال اللفظ القليل على المعاني الكثيرة باللمحة الدالة، ولم يأت ~~أحد منها بمثل قول زهير: [الوافر] # وإني لو لقيتك فاجتمعنا ... لكان لكل منكرة كفاء (¬4) # وقال امرؤ القيس: [الطويل] # على هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين ms0588 جري غير كز ولا وان (¬5) PageV02P191 # فتأمل ما اشتملت عليه لفظة «أفانين» مما لو عد كان كثيرا، وما اقترن به ~~من جميع أصناف الجودة طوعا من غير طلب ولا مسألة، ثم نفى عنه الكزازة ~~والونى، وهما أكبر عيوب الخيل. # والإشارة من غرائب الشعر وملحه ولا يأتي بها إلا شاعر مبرز، وتسمى اللمحة ~~الدالة، وأصلها الاختصار، وهي أنواع، فمنها الوحي، كقول جاهلي في يزيد بن ~~الصعق: [المتقارب] # تركت الركاب لأربابها ... وألزمت نفسي على ابن الصعق (¬1) # جعلت يدي وشاحا له ... وبعض الفوارس لا تعتنق # فقوله: «جعلت يدي وشاحا له» إشارة بديعية دالة على الاعتناق بغير لفظة. ### ||| AUTO الإيماء # ومنها ### ||| AUTO الإيماء # ، فمن ملحه قول قيس بن ذريح: [الطويل] # أقول إذا نفسي من الوجد أصعدت ... لها زفرة تعتادني هي ماهيا (¬2) # وقول كثير: [الطويل] # تجافيت عني حين لا لي حيلة ... وغادرت ما غادرت بين الجوانح (¬3) # فقوله: «غادرت ما غادرت» إيماء مليح. ### ||| AUTO التلويح # ومنها: ### ||| AUTO التلويح # ، ومن أجوده قول النابغة في طول الليل: [الطويل] # تطاول حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذي يرعى النجوم بآئب (¬4) # فالذي يرعى النجوم هنا الصبح، أقامه مقام الراعي، يغدو فتذهب الإبل ~~والماشية، فتلويحه هذا عجب في الجودة، ومنه قول المجنون: [الطويل] # لقد كنت أعلو حب ليلى فلم يزل ... بي النقض والإبرام حتى علانيا (¬5) # فلوح بالصحة والكتمان، ثم بالسقم والاشتهار تلويحا عجيبا. ### ||| AUTO التعريض # ومنها ### ||| AUTO التعريض # ، كقول عمرو بن معديكرب: [الطويل] PageV02P192 # فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت (¬1) # أي لو أن قومي صدقوا في القتال وطعنوا برماحهم أعداءهم لنطقت بمدحهم، ~~ولكنهم صرفوها عن أعدائهم منهزمين، فكأنها أجرت لساني، أي شقته كما يجر ~~لسان الفصيل، فكأنها أسكتتني. فهذا تعريض ينوب عن التصريح، وأخذه أبو بكر ~~بن دريد فقال: [الخفيف] # يا بني مالك عقلتم لساني ... كيف يجري المقيد المعقول (¬2) # إن سلكتم إلى الفعال سبيلا ... وضحت لي إلى المقال سبيل # ومن التعريض قوله: [الطويل] # بني عمنا لا تذكروا الشعر بعد ما ... دفنتم بصحراء الغمير القوافيا (¬3) # ومنه قول حميد بن ثور وقد تقدم: ms0589 [الطويل] # أرى بصري قد خانني بعد صحة ... وحسبك داء أن تصح وتسلما (¬4) ### ||| AUTO التفخيم # ومنها: ### ||| AUTO التفخيم # ، كقول الغنوي: [الطويل] # أخي ما أخي لا فاحش عند بيته ... ولا ورع عند اللقاء هيوب # ونحو هذا حكاية الأعرابي في نوادر أبي علي حين سئل: أله بنون؟ فقال: نعم، ~~وخالقهم لم تقم عن مثلهم منجبة؛ فلما ذكر أسماءهم قال: جهم وما جهم، غشمشم ~~وما غشمشم، عشرب وما عشرب. # ومن هذا ### ||| AUTO التفخيم # ما يجيء على التهويل والتعظيم نحو قوله تعالى: الحاقة ما الحاقة ~~[الحاقة: 1] والقارعة ما القارعة [القارعة: 1] وهو كثير في كلامالعرب. # ومما جاء في الإشارة على معنى التشبيه قول الأعرابي يصف لبنا ممذوقا: ~~[الرجز] # * جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط (¬5) * PageV02P193 # فأشار إلى تشبيه لونه إذا غلب عليه المذق بلون الذئب كما صرح به الآخر ~~حين قال: [الطويل] # فيشربه مذقا ويسقى عياله ... سحابا كأقراب الثعالب أورقا (¬1) ### ||| AUTO المطابقة # أبو الفرج علي بن الحسين، قلت لأبي الحسن علي بن سليمان الأخفش- وكان ~~أعلم من شاهدته بالشعر: طائفة وهم الأكثرون تزعم أن الطباق ذكر الشيء وضده، ~~فيجمعهما اللفظ لا المعنى، وطائفة تقول: هو اشتراك المعنيين في لفظ واحد، ~~مثل قول زياد الأعجم: [الطويل] # ونبئتهم يستنصرون بكاهل ... وللؤم فيهم كاهل وسنام (¬2) # فكاهل قبيلة وكاهل للعضو، فقال: من ذا الذي يقول هذا؟ قلت: قدامة وغيره، ~~فقال: هذا يا بني هو التجنيس، ومن ادعى أنه طباق فقد ادعى خلافا على الخليل ~~والأصمعي، قلت: أفكانا يعرفان هذا! فقال: سبحان الله، وهل غيرهما في علم ~~الشعر وتمييز خبيثه من طيبه! قلت: فأنشدني أحسن طباق للعرب، فقال: قول عبد ~~الله بن الزبير الأسدي: [الوافر] # فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا (¬3) # وقال أبو الفرج: وأنا أقول إن أحسن بيت قيل فيه: [البسيط] # للسود في السود آثار تركن بها ... لمعا من البيض يثني أعين البيض # يعني أن الليالي بمرورهن تبيض سواد الشعر. # قال أبو حاتم: سألت الأصمعي عن صنعة الشعر، فذكر في بعض قوله ### ||| AUTO المطابقة # ، وقال: أصلها وضع الرجل في موضع ms0590 اليد، فقلت: أنشدني أحسن ما قالت العرب ~~في ذلك فقال: قول زهير [البسيط] PageV02P194 # ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث عن أقرانه صدقا (¬1) # وقيل: المطابقة أن يأتي الشاعر بلفظتين مختلفتين في المعنى واللفظ في بيت ~~واحد أو في كلام، نحو قوله تعالى: ولكم في القصاص حياة [البقرة: 179]. وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار: «إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند ~~الطمع» (¬2). # وقال علي رضي الله عنه: من رضي عن نفسه كثر من يتسخط عليه. # وقال: أعظم الذنوب ما صغر عند صاحبه. # وقال الحسن: كثرة النظر إلى الباطل تذهب بمعروف الحق. # وقال الفرزدق: [الكامل] # لعن الإله بني كليب إنهم ... لا يغدرون ولا يفون لجار (¬3) # يستيقظون إلى نهيق حميرهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار # وقال حبيب: [الطويل] # يرى العلقم المأدوم بالعز أرية ... يمانية والأري بالضيم علقما (¬4) ### ||| AUTO التقسيم # ومنها ### ||| AUTO التقسيم # . قال أبو الحسن علي بن هارون بن علي بن حماد بن إسحاق الموصلي: هو أن ~~يستقصي الشاعر تفصيل ما ابتدأ به فيستوفيه، فلا يغادر قسما يقتضيه إلا ~~أورده، وإلى هذا كان يذهب أهلنا، وأحسن ما قيل في ذلك قول زهير: [البسيط] # يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا (¬5) # وقول عنترة: [الكامل] # إن يلحقوا أكرر وإن يستلحموا ... أشدد وإن يرموا بضنك أنزل (¬6) PageV02P195 # أبو العيناء: أجمع علماء الشعر أن أحسن تقسيم أتى به متقدم قول عمر بن ~~أبي ربيعة: [الطويل] # تهيم إلى نعم فلا الشمل جامع ... ولا الحبل موصول ولا أنت تصبر (¬1) # ولا قرب نعم إن دنت لك نافع ... ولا بعدها يسلي ولا أنت مقصر # المبرد: لم أسمع أحسن من تقسيم لقيس بن ذريح، وهو: # وقد كان فيها للأمانة موضع ... وللكف مرتاد وللعين منظر (¬2) # وقد تقدم في شرح الثانية بيت المتنبي في التقسيم وهو: بدت قمرا ... البيت. # ونسج على منواله الزاهر فقال: [الطويل] # سفرن بدورا وانتقبن أهلة ... ومسن غصونا والتفتن جآذرا # وأطلعن في الأجياد بالدر أنجما ... جعلن لحبات القلوب ضرائرا # وقال الناشي: [الطويل] # رأيت على أكوارنا كل ms0591 ماجد ... يرى كل ما يفنى من المال مغنما # ندوم أسيافا ونعلو قواضبا ... وننقض عقبانا ونطلع أنجما # وقال السلامي: [البسيط] # ما ضن عنك بموجود ولا بخلا ... أعز ما عنده النفس التي بذلا # يحكي المطايا حنينا والهجير جوى ... والمزن دمعا وأطلال الديار بلى # والتقسيم في الشعر كثير. ### ||| AUTO التسهيم # قال علي بن هارون: هذا لقب نحن اخترعناه، وصفة الشعر المسهم أن يسبق ~~المستمع إلى قوافيه قبل أن ينتهي إليها راويه، حتى لو سمع الشطر الأول ~~استخرج الآخر قبل أن يسمعه، وأحسن ما قيل في ذلك قول جندب أخت عمرو ذي ~~الكلب ترثي أخاها: [المتقارب] # فأقسمت يا عمرو لو نبهاك ... إذا نبها منك داء عضالا (¬3) # إذا نبها ليث عريسة ... مفيتا مفيدا نفوسا ومالا # وخرق تجاوزت مجهولة ... بوجناء حرف تشكى الكلالا # فكنت النهار به شمسهم ... وكنت دجى الليل فيه الهلالا PageV02P196 # قال الحاتمي: فانظر إلى ديباجة هذا الكلام، ما أصفاها، وإلى تقسيماته ما ~~أوفاها، وانظر إلى قوله: مفيتا مفيدا، ووصفها إياه بالشمس بالنهار والهلال ~~بالليل، تجد المطيع الممتنع القريب البعيد. ### ||| AUTO التتميم # هو أن يذكر الشاعر معنى فلا يترك شيئا يتم ويتكامل الإحسان معه فيه إلا ~~أتى به، وأحسن ما قيل في ذلك قول طرفة: [الكامل] # فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي (¬1) # فقد تم الإحسان في المعنى الذي ذهب إليه بقوله: «غير مفسدها» ويتلوه قول ~~خليفة بن نافع العنزي: [الطويل] # رجال إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه عادوا بالسيوف القواطع # فالمعنى تم بقوله «ويعطوه»، ولولاه كان ناقصا. # وقال حبيب: [الكامل] # حتى لقد ظن الغواة وباطل ... أنى تجسم في روح السيد (¬2) # فتم الإحسان في المعنى الذي أراد بقوله: «وباطل»، والسيد الحميري له في ~~الشيعية مذهب رديء، والغواة هنا القائلون بالتناسخ. يقول: لإفراط حبهم في ~~أهل البيت، توهم الغواة أن روح السيد تجسم في، وتوهمهم باطل. ### ||| AUTO الترديد # هو تعليق الشاعر لفظة في البيت بمعنى، ثم يرددها فيه بعينها ويعلقها ~~بمعنى آخر، وأكثر ما يستعمله المحدثون، وأجمعوا أن أباحية النميري سبق إلى ~~الإحسان جميع من ms0592 تقدمه وتأخر عنه في قوله: [الطويل] # ألا حي من أجل الحبيب المغانيا ... لبسن البلى مما لبسن اللياليا (¬3) # إذا ما انقضى للمرء يوم وليلة ... تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا # ابتدأ بالمصراع الأول فأحسن الابتداء، وردد في المصراع الثاني فأحسن في PageV02P197 # الترديد، ثم ابتدع في البيت الثاني ما ليس لأحد مثله. # أبو تمام: لا أعلم أحدا أحسن صنعة في الترديد من زهير في قوله: [البسيط] # من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا (¬1) # الحاتمي: وأحسن الخليع الباهلي في الترديد بقوله: [الطويل] # لقد ملأت عيني بحسن محاسن ... ملأن فؤادي لوعة وهموما ### ||| AUTO التجريد # وهو أن يجرد الشاعر موصوفه من صفته، ويسندها لأجنبي في الظاهر، وهو يريد ~~الأول في المعنى، مثل قول الأعشى: [المنسرح] # يا خير من يركب المطي ولا ... يشرب كأسا بكف من بخلا (¬2) # فظاهره أنه لا يشرب كأسا بكف رجل ينسب إلى البخل إنما يشربها بكف كريم، ~~وذلك الكريم هو الممدوح في المعنى، فجرده في الظاهر، وهو يريد بكف بخيل من ~~نفسه. وأبو علي الفارسي اختار لهذه الصنعة اسم ### ||| AUTO التجريد # ، ومنه قول طرفة: [الرمل] # جازت البيد إلى أرحلنا ... آخر الليل بيعفور حذر (¬3) # يعني بيعفور حذر، من نفسها. وقال الأخطل: [الطويل] # ربيع حيا ما يستقل بحمله ... سئوم ولا مستنكش البحر ناضبه # أي ما يستقل بحمله سئوم من نفسه، أي ليس بملول، وقال النابغة. [الكامل] # لم يحرموا حسن الغذاء وأمهم ... طفحت عليك بتائق مذكار (¬4) # ومما يتعلق بنوع من ### ||| AUTO التجريد # قول امرئ القيس: [السريع] # «على لاحب لا يهتدي بمناره» (¬5) PageV02P198 # فظاهره أن المنار الذي يهتدي به إلى الطريق لا يهتدي به. وهو في المعنى ~~قد جرد الطريق من المنار، وإنما أراد: ليس به منار أصلا، فليس ثم اهتداء، ~~فنفي المسبب الذي هو الاهتداء، وأثبت السبب الذي هو المنار في اللفظ، واتكل ~~على قوة دلالة المعنى، وأن مراده نفي سبب الهداية الذي هو المنار فتنتفي ~~الهداية، ومثله قول النابغة: [البسيط] # يحفه جانبا نيق ويتبعه ... مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد (¬1) # أي ليس ms0593 بها رمد فتحتاج إلى كحل. # وقال الراجز: [الرجز] # * ولم يقلب أرضها البيطار (¬2) * # وقال الله عز وجل ولم يكن له ولي من الذل [الإسراء: 111] وهو كثير في ~~الكلام. ### ||| AUTO التتبيع # وهو أن يريد الشاعر معنى فلا يأتي باللفظ الدال عليه، بل بلفظ تابع له، ~~فإذا قال التابع أبان عن المتبوع، وأبدع ما في ذلك قول عمر بن أبي ربيعة: ~~[الطويل] # بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم # ذهب إلى طول العنق، فلم يذكره بلفظ خاص به أتى بمعنى دل به على طوله، وهو ~~قوله: «بعيدة مهوى القرط». ومثله قول الآخر: [الطويل] # نعلق في مثل السواري سيوفنا ... وما بينها والكف مهوى نفانف (¬3) # فأراد نعلق سيوفنا في أعناق مثل السواري في الطول والاعتدال، وما بين ~~العنق PageV02P199 # والكف طول كثير، فكنى عن طول القامة بغير لفظه الخاص به، وأبدع ما في ~~التتبيع قول امرئ القيس: [الطويل] # * نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل (¬1) * # فدل على ترفهها، وأن لها من يكفيها المئونة باللفظ التابع لذلك. ### ||| AUTO التبليغ # وسماه قوم الإيغال، وهو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاما قبل ~~انتهائه إلى القافية، ثم يبلغ القافية بزيادة مفيدة تزيد معنى البيت براعة. # قيل للأصمعي رحمه الله تعالى: من أشعر الناس؟ قال: من يأتي إلى اللفظ ~~الخسيس فيجعله بلفظ حسنا أو ينقضي كلامه قبل القافية فإذا احتاج إليها أفاد ~~بها معنى، مثل قول ذي الرمة: [الطويل] # أظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعا كتبديد الجمان المفصل (¬2) # فتم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فقال: المفصل فزاد شيئا. # ومن ### ||| AUTO التبليغ # قول امرئ القيس: [الطويل] # كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب (¬3) # فقد أتى على التشبيه قبل القافية، وزاد بقوله: «الذي لم يثقب» بلوغا إلى ~~الغاية القصوى في الجودة، وكذلك قوله: [الطويل] # إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... تقول هزيز الريح مرت بأثأب (¬4) # فمرت بأثأب زيادة على التشبيه التام، والأثأب شجر يكون للريح في أغصانه ~~حفيف شديد، فأفادت الزيادة في التشبيه معنى بديعا. وقال زهير: ms0594 [الطويل] # كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم (¬5) PageV02P200 # وسمى أصحاب البديع هذه الزيادة في آخر البيت الإيغال والتبليغ، وفي حشوه ~~المبالغة والتتميم. ### ||| AUTO التصدير # هو أن يبدأ الشاعر بكلمة في البيت ثم يعيدها في عجزه، أو في النصف منه، ~~ثم يرددها في النصف الآخر عنه، فإذا نظم الشعر على هذه الصنعةأمكن استخراج ~~قوافيه قبل أن يطرق أسماع مستمعيه، وأحسن ما فيه قول عامر بن الطفيل: ~~[الطويل] # وكنت سناما في فزارة تامكا ... وفي كل قوم ذروة وسنام (¬1) # التامك: الشديد، وقال الآخر: [الطويل] # سريع إلى ابن العم يلطم وجهه ... وليس إلى داعي الندى بسريع # وقال آخر: [الطويل] # جهول إذا أزرى التحلم بالفتى ... حليم إذا لم يزر بالحسب الجهل # و ### ||| AUTO التصدير # والترديد المتقدم يسميه كثير من البلغاء رد الإعجاز إلى الصدر. ### ||| AUTO الاستثناء # قيل إن أول من بدأ به النابغة، وأحسن كل الإحسان في قوله: [الطويل] # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب (¬2) # وهذا كقول الجعدي: [الطويل] # فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقى من المال باقيا (¬3) # فتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا # ويستحسن قول أبي هفان: [الطويل] # فإن تسألي عنا فنحن حلى العلا ... بني دارم والأرض ذات المناكب PageV02P201 # ولا عيب فينا غير أن سماحنا ... أضر بنا والبأس في كل جانب # فأفنى الردى أعمارنا غير ظالم ... وأفنى الندى أموالنا غير غائب # ويسمى هذا تأكيد المدح بما يشبه الذم. ### ||| AUTO الالتفات # إسحاق الموصلي قال: قال لي الأصمعي رحمه الله تعالى: أتعرف التفات جرير؟ # قلت: لا، فأنشدني: [الوافر] # أتنسى إذ تودعني سليمى ... ببطن بشامة سقي البشام (¬1) # ألا تراه مقبلا على شعره، ثم التفت إلى البشام فدعا له! ### ||| AUTO الاعتراض # ويسمى ### ||| AUTO الالتفات # ، وهو أن يكون الشاعر آخذا في معنى، فيعدل عنه آخذا في غيره قبل أن يتم ~~الأول، ثم يعود إليه فيتمه، فيكون فيما عدل إليه مبالغة في الأول وزيادة في حسنه. # قال ابن المعتز: ### ||| AUTO الالتفات # انصراف ms0595 المتكلم عن الإخبار إلى المخاطبة، وعن المخاطبة إلى الإخبار، ومن ~~أحسن ما في قول ذلك قول النابغة: [الوافر] # ألا زعمت بنو عبس بأني ... - ألا كذبت- كبير السن فان # وقيل: بل قول كثير: [الوافر] # لو أن الباخلين وأنت منهم ... رأوك تعلموا منك العطايا (¬2) # فقوله: «ألا كذبت» وقوله: «وأنت منهم» اعتراض بين أول الكلام وآخره، وفيه ~~زيادة حسنة، ويستحسن قول الآخر: [الوافر] # فإني إن أفتك يفتك مني ... فلا يسبق به علق نفيس # فقوله: «فلا تسبق به» اعتراض لطيف في معناه وموضعه، ويسمى هذا أيضا وما ~~تقدم من قول طرفة الحشو المفيد. # ومنه قول الأخطل: [البسيط] # وأقسم المجد حقا لا يحالفهم ... حتى يحالف بطن الراحة الشعر (¬3) PageV02P202 # فقوله: «حقا» حشو أفاد معنى حسنا، وكذلك قول امرئ القيس: [الطويل] # كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب (¬1) # فحول خبائنا وأرحلنا لو سقط لكان التشبيه تاما والوزن ناقصا، فأورده ~~حشوا، وفيه زيادة بارعة رائعة، وهي الإخبار عن كثرة الصيد والتمدح بأنه ~~مرزوق في صيده، وما أحسن قول ابن المعتز رحمه الله تعالى: [الطويل] # وخيل طواها السير حتى كأنها ... أنابيب سمر من قنا الخط ذبل (¬2) # صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد خفاف وأرجل # فوقع «ظالمين» أحسن موقع لأنه نفى بذلك عنها هجنة البطء، وأخذه من قول ~~أعرابي: [الطويل] # وعود قليل الذنب عاودت ضربه ... إذا هاج شوقي من معاهدها ذكر # وقلت له ذلفاء ويحك سببت ... لك الضرب، فاصبر إن عادتك الصبر # فحسنه ابن المعتز ما شاء. وأما الحشو القبيح، فكقول أوس بن حجر: [الطويل] # وهم لمقل المال أولاد علة ... وإن كان محضا في العمومة مخولا (¬3) # فذكره للمال مع قوله: «مقل» حشو لا فائدة فيه، وكذلك قول الهذلي رحمه لله: # [مجزوء الوافر] # ذكرت أخي فعاودني ... صداع الرأس والوصب (¬4) # فذكر الرأس مع الصداع حشو لا فائدة فيه، وأهجن منه قول الأعشى: [الكامل] # فرميت غفلة قلبه عن شأنه ... فأصبت حبة قلبها وطحالها (¬5) PageV02P203 # فتكريره ذكر القلب لا فائدة فيه، وهجنه بذكر «طحالها». ودون هذا قول ديك ~~الجن: [الكامل] # فتنفست في ms0596 البيت إذ مزجت ... بالماء واستلت سنا الذهب (¬1) # كتنفس الريحان مازجه ... ما ورد جور ناضر الشعب # فذكر الماء مع المزج حشو لا فائدة فيه، وأخذه من قول أبي نواس: [الكامل] # سلبوا قناع الطين عن رمق ... حي الحياة مشارف الحتف (¬2) # فتنفست في البيت إذ مزجت ... كتنفس الريحان في الأنف # فلم يذكر أبو نواس الماء مع المزج، وذكره ديك الجن فقصر عنه، وزاد الحسن ~~عليه بذكر الأنف حسنا. وذكر ديك الجن ماء الورد مع الريحان ولم يذكره ~~الحسن، لأن ذكاء الريحان أكثر ما يكون إذا أصابه بلل، لكنه في ذكره ماء ~~الورد زيادة الورد معنى بلا شك، إلا أنه قد انضاف إليها العيوب المتقدمة. ~~ومع هذا فالحسن قد استوفى المعنى في بيت واحد، وديك الجن في بيتين، وصاحب ~~بيت أبدا عندهم باتفاق أشعر، كقول امرئ القيس: [الطويل] # أراهن لا يحببن من قل ماله ... ولا من رأين الشيب فيه وقوسا (¬3) # فما احتوى عليه هذا البيت، أتى به علقمة في ثلاثة أبيات مشهورة، وإن كان ~~المعنى أبسط وأجل فالفضل لصاحب البيت، والزمان واحد، لأن من قال علقمة سرقه ~~فقد أخطأ، فأما إذا كان السابق مستوفي المعنى في بيت واحد، ويسوقه المتأخر ~~في أبيات فالكلام في هذا، كقول امرئ القيس: [الطويل] # نمش بأعراف الجياد أكفنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مضهب (¬4) # أخذه عبدة بن الطبيب فقال: [البسيط] # لما نزلنا نصبنا ظل أخبية ... وفار باللحم للقوم المراجيل (¬5) PageV02P204 # ورد وأشقر لم ينهئه طابخه ... ما غير الغلي منه فهو مأكول # ثمت قمنا إلى جرد مسومة ... أعرافهن لأيدينا مناديل # وقال عبد الملك يوما لجلسائه، وكان يجتنب غير الأدباء: ما خير المناديل؟ ~~فقال قائل: مناديل مصر كأنها قيض البيض، وقال آخر: مناديل اليمن، كأنها ~~أنوار الربيع، فقال عبد الملك: ما صنعتما شيئا، أفضل المناديل ما قال أخو ~~تميم- يعني عبدة- وأنشد الأبيات، وهي مع جودتها قصرت عن بيت امرئ القيس. ~~وكذلك قول طرفة: [الرمل] # تطرد القر بحر صادق ... وعليك القيظ إن جاء بقر (¬1) # وقال الأعشى: [المتقارب] # وتبرد برد رداء العرو ... س بالصيف رقرقت ms0597 فيه العبيرا (¬2) # وتسخن ليلة لا يستطيع ... نباحا بها الكلب إلا هريرا ### ||| AUTO الاستطراد # البحتري: أنشد أبو تمام لنفسه يهجو عثمان بن إدريس الشامي: [البسيط] # وسابح هطل التعداء هتان ... على الجراء أمين غير خوان (¬3) # أظمى الفصوص ولم تظمأ قوائمه ... فخل عينيك في ظمآن ريان # فلو تراه مشيحا والحصى فلق ... بين السنابك من مثنى ووحدان # أيقنت إن لم تثبت أن حافره ... من صخر تدمر أو من وجه عثمان # ثم قال: ما هذا من الشعر! قلت: لا أدري، فقال: هذا هو ### ||| AUTO الاستطراد # ، فقلت: فما معنى ذلك؟ فقال: يريك وصف الفرس، وهو يريد هجاء عثمان، فأخذه ~~البحتري، فقال في فرس: [الكامل] # يهوي كما تهوي العقاب وقد رأت ... صيدا وينقض انقضاض الأجدل (¬4) # ما إن يعاف قذى ولو أوردته ... يوما خلائق حمدويه الأحول # وكان حمدويه عدوا لممدوحه، فاستطرد به. ويقال: إن البحتري لما عير بسرقة ~~هذا البيت أزاله من شعره. وقال دعبل: [الطويل] PageV02P205 # فلو أنني أصبحت في جود مالك ... وعزته ما نال ذلك مطلبي (¬1) # فتى شقيت أمواله بسماحه ... كما شقيت قيس بأرماح تغلب # فخرج في استطراده من مدح إلى ذم، وهو مقلوب استطراد زهير في قوله: # [البسيط] # إن البخيل ملوم حيث كان ول ... كن الجواد على علاته هرم (¬2) # فخرج من ذم إلى مدح. وقال جرير: [الوافر] # ترى برصا بمجمع أسكتيه ... كعنفقة الفرزدق حين شابا (¬3) # والسابق إلى هذا المعنى والناس له تبع السموأل حيث قال: [الطويل] # وإنا أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول (¬4) # ومما يستحسن، قول بشار: [الطويل] # خليلي من كعب أعينا أخاكما ... على دهره، إن الكريم معين (¬5) # ولا تبخلا بخل ابن قذعة إنه ... مخافة أن يرجى نداه حزين # إذا جئته في حاجة سد بابه ... فلا تلقه إلا وأنت كمين # فقف على هذه الجملة من صناعة البديع، ففيها كفاية بعون الله سبحانه ~~وتعالى. # *** # وأما قوله: فبرز الشيخ مجليا، وتلاه الفتى مصليا، فأصل ذلك في الخيل. ~~ونذكر من ذلك جملة تليق بهذا الموضع، وينتظم المجلي والمصلي في حكاية ~~الرشيد مع المأمون. ### || AUTO [قصة ms0598 فرسي الرشيد والمأمون] # وذلك أن الرشيد أجرى الخيل يوما بالرقة فوقف متلوما حتى طلعت، فإذا في ~~أولها PageV02P206 # فرسان في عنان واحد، فتأملهما، فقال: فرسي والله. ثم تأمل وقال: وفرس ~~ابني عبد الله، فجاء الفرسان أمام الخيل؛ فرسه السابق وفرس المأمون المصلي، ~~فسر بذلك الرشيد سرورا عظيما، قال الأصمعي: فقلت للفضل: يا أبا العباس، هذا ~~من أيامي، فاحتل حتى توصلني، فقال الفضل: يا أمير المؤمنين، إن الأصمعي قد ~~أعد في أمر الفرسين شيئا يريد به سرور أمير المؤمنين، فقال: هات يا أصمعي، ~~فقلت: يا أمير المؤمنين، كنت وابنك اليوم وفرساكما، كما قالت الخنساء- وقد ~~قيل لها: كيف تفضلين أخاك على أبيك؟ # فقالت: [الكامل] # جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر (¬1) # وهما كأنهما وقد برزا ... صقران قد حطا إلى وكر # حتى إذا جد الجراء وقد ... ساوت هناك الغدر بالغدر # وعلا هتاف الناس: أيهما؟ ... قال المجيب هناك: لا أدري # برقت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري # أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر # قيل لأبي عبيد: ليس هذا في مجموع شعرها، فقال: العامة أسقط من أن يجودوا ~~عليها بمثل هذا. فقولها: «ملاءة الحضر» تعني بها غبرة الفرسين التيأثاراها ~~جعلتهما كملحفة يرتديانها ويتجاذبانها، وسيأتي من أخذ منها هذا المعنى ومن ~~سبق إليه في الأربعين. ### || AUTO [مراتب الخيل] # ومراتب الخيل في الحلبة: السابق منها يسمى المجلي ثم المصلي ثم المسلي، ~~ثم التالي ثم المرتاح ثم العاطف ثم الحظي، ثم المؤمل، ثم اللطيم، ثم ~~السكيت. # قال الأصمعي وأبو عبيدة: لم نسمع في سوابق الخيل اسما لشيء منها ممن يوثق ~~بعلمه إلا الثاني واسمه المصلي، قال الأصمعي: هو من الصلا وهو جانب ذنبه، ~~والعاشر واسمه السكيت، وما سواهما فإنما يسمى الثالث والرابع إلى التاسع. # وكان عند المتقي العباسي فتى راوية للخبر والشعر يأنس به، فقال ليلة ~~لجلسائه: # عودوا إلى ذكر الخيل، فقال الفتى: يا أمير المؤمنين، حدثني كلاب بن حمزة ~~العقيلي: # قال: كانت العرب ترسل خيلها أراسيل، عشرة عشرة، والقصب سبعة سبعة، فلا ~~يدخل الحجرة من ms0599 الخيل إلا ثمانية: الأول السابق المجلي لأنه جلى عن وجه ~~صاحبه الكرب. # والثاني المصلي لأنه وضع جحفلته على قطاة المجلي، وهو صلاه، والصلا عجب ~~الذنب. PageV02P207 # والثالث المسلي؛ لأنه كان شريكا في السبق فسلى عن صاحبه بعض همه، والرابع ~~التالي، لأنه تلا المسلي دون غيره، والخامس المرتاح وهو المفتعل من الراحة، ~~لأن في الراحة خمس أصابع، فلما كان الخامس على خامسة الأصابع سمي مرتاحا، ~~والسادس حظي، لأنه نال حظا فحظي به وإن قل، لأن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أعطى السادس نصيبا وهو آخر حظوظ الحلبة، وسمي السابع العاطف لدخوله ~~الحجرة لأنه قد عطف بشيء وإن خس إذ كان قد دخل الحجرة، الثامن المؤمل، على ~~القلب والتفاؤل، كما سمي اللديغ سليما فسمي مؤملا لقربه من ذوات الحظوظ. ~~التاسع اللطيم، لأنه لو رام الحجرة لطم دونها، لأنه أعظم جرما من السابع ~~والثامن. العاشر السكيت، لأن صاحبه يعلوه خشوع وذلة ويسكت خزيا وعيا، ~~وكانوا يجعلون في عنقه حبلا، ويحملون عليه قردا يركضه ليعير بذلك صاحبه. # أبو عبيدة يشدد السكيت، وسمي سكيتا لأنه آخر العدد الذي يقف عليه العاد ~~والسكت الوقوف، وسميت حلبة، لأن العرب تحلب إليها خيولها أي تضمرها. # وأنشد ابن الأنباري أبياتا تجمعها وهي قوله: [الكامل]. # جاء المجلي والمصلي بعده ... ثم المسلي بعده والتالي # والخامس المرتاح ينقص عدوه ... والعاطف الصهال كالرئبال # نسقا وقاد حظيها في صهوة ... ذاك المؤمل غير ذي الأشكال # ثم اللطيم يقودها بجميعها ... قبل السكيت العاشر الذيال ### || AUTO [في وصف الخيل] # ونذكر هنا جملة مقاطيع في أوصاف الخيل يكمل بها الغرض المقصود، قال امرؤ ~~القيس: [الطويل] # إذا ما ركبنا قال ولدان أهلنا ... تعالوا إلى إن يأتنا الصيد نحطب (¬1) # وقال عمارة بن عقيل: [الخفيف] # وأرى الوحش في يميني إذا ما ... كان يوما عنانه بشمالي # وقال حبيب: [الخفيف] # مخلق وجهه على السبق تخ ... ليق عروس الأبناء للعرس (¬2) PageV02P208 # تقتل عشرا من النعام به ... بواحد الشد واحد النفس # وقال أيضا: [السريع] # إن زار ميدانا مضى سابقا ... أو ناديا قام إليه الجلوس (¬1) # نرى رزان ms0600 القوم قد أسمجت ... أعينهم في حسنه وهي شوس # كأنما لاح لهم بارق ... في المحل أو زفت إليهم عروس # سام إذا استعرضته زانه ... أعلى، رطيب وقرار يبيس # كأنما خامره أولق ... أو عارضت هامته الخندريس # عوده الحاسد بخلا به ... ورفرفت خوفا عليه النفوس # وقال البحتري: [الكامل] # وأغر في الزمن البهيم محجل ... قد رحت منه على أغر محجل (¬2) # كالهيكل المبني إلا أنه ... في الحسن جاء كصورة في هيكل # ذنب كما سحب الرداء يذب عن ... عرف، وعرف كالرداء المسبل # تتوهم الجوزاء في أرساغه ... والبدر غرة وجهه المتهلل # وتراه يسطع في الغبار لهيبه ... لونا وشدا كالحريق المشعل # هزج الصهيل كأن في نغماته ... هزات معبد في الثقيل الأول # ملك العيون فإن بدا أعطينه ... نظر المحب إلى الحبيب المقبل # وقال عبد الله بن المعتز: [الكامل] # ولقد وطئت الغيث يحملني ... طرف كلون الصبح حين وقد # يمشي ويعرض في العنان كما ... صدف المعشق ذو الدلال وصد # جماع أطراف الصوار فما ال ... أخرى عليه إذا جرى بأشد # بل المها بدمائهن ولم ... يبتل منه بالحميم جسد # وكأنه موج يذوب إذا ... أطلقته وإذا حسبت جمد # وقال المتنبي: [الطويل] # وعيني إلى أذني أغر كأنه ... من الليل باق بين عينيه كوكب (¬3) # له فضلة عن جسمه في إهابه ... تجيء على صدر رحيب وتذهب PageV02P209 # شققت به الظلماء أدني عنانه ... فيطغى وأرخيه مرارا فيلعب # وأصرع أي الوحوش قفيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب # وما الخيل إلا كالصديق قليلة ... وإن كثرت في عين من لا يجرب # إذا لم تعاين غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب # وقال ابن نباتة يصف فرسا أغر حمله سيف الدولة عليه: [الكامل] # قد جاءنا الطرف الذي أهديته ... هاديه يعقد أرضه بسمائه (¬1) # تختال منه على أغر محجل ... ماء الدياجي قطرة من مائه # وكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتص منه فخاض في أحشائه # لا تعلق الألحاظ في أعطافه ... إلا إذا كفكفت من غلوائه # وقال أيضا: [الوافر] # وأدهم يستمد الليل منه ... وتطلع بين عينيه الثريا # سرى خلف الصباح يطير مشيا ... ويطوي خلفه الأفلاك طيا # فلما خاف ms0601 وشك الفوت منه ... تشبث بالقوائم والمحيا # وقال أبو منصور، يخاطب أبا الفضل الميكالي: [الكامل] # يا مهدي الطرف الجواد كأنما ... قد أنعلوه بالرياح الأربع # لا شيء أسرع منه إلا خاطري ... في شكر نائلك اللطيف الموقع # ولو أنني أنصفت في إكرامه ... لجلال مهديه الكريم الأروع # أقضمته حب القلوب لحبه ... وجعلت مربطه سواد الأدمع # وخلعت ثم قطعت غير مضيق ... برد الشباب لجله والبرقع # وقال القسطلي: [الكامل] # سامي التليل كأن عقد عذاره ... في رأس غصن البانة المياد # يهدي بمثل الفرقدين وناب عن ... رعي السماك بقلبه الوقاد # فكأنما أطأ الأباطح والربا ... بعقاب شاهقة وحية واد # وكأنما من تحت سوطي خارجا ... في الروع شعلة قادح بزناد # ولأبي تمام الأندلسي: [الكامل]. # وأقب تتقد البروق إذا جرى ... من غيظها حسدا بأن لم تلحق PageV02P210 # ملك الرياح قوائما فجرى بها ... فيكاد يأخذ مغربا من مشرق # وقال فيه أيضا: [الطويل] # وتحتي ريح تسبق الريح إن جرت ... وما خلت أن الريح ذات قوائم # وله في المدى سبق إلى كل غاية ... كأن لنا فيه نفوذ عزائم # وهمة نفس نزهتها عن الونى ... فيا عجبا، حتى العلا في البهائم! # وكان للمتوكل ببطليوس فرس أخضر أغر محجل على كفله ست نقط بيض، فبذل كل ~~شاعر في وصفه جهده، فما سبق الغاية إلا البجلي بقوله: [الرمل] # حمل البدر جواد سابح ... تقف الريح لأدنى مهله # وكأن الصبح قد خاض به ... فبدا تحجيله من بلله # لبس الليل قميصا سابغا ... فالثريا نقط في كفله # كل مطلوب وإن طالت به ... رجله من أجله في أجله # والباب لا يدخل تحت الحصر، فلنكتف بهذا القدر. # *** # فلما أنشداها الوالي متراسلين، بهت لذكاءيهما المتعادلين. # وقال: أشهد بالله أنكما فرقدا سماء؛ وكزندين في وعاء، وأن هذا الحدث ~~لينفق مما أتاه الله، ويستغني بوجده عمن سواه. فتب أيها الشيخ من اتهامه، ~~وثب إلى إكرامه. # فقال الشيخ: هيهات أن تراجعه مقتي، أو تعلق به ثقتي وقد بلوت كفرانه ~~للصنيع؛ ومنيت منه بالعقوق الشنيع. فاعترضه الفتى وقال: يا هذا، إن اللجاج ~~شؤم، والحنق لؤم، وتحقيق الظنة إثم، وإعنات البريء ms0602 ظلم. وهبني اقترفت ~~جريرة، أو اجترحت كبيرة؛ أما تذكر ما أنشدتني لنفسك، في إبان أنسك. # *** # قوله: «بهت»، أي تحير. المتعادلين: المتماثلين، وشبههما بالفرقدين ~~لرفعتهما وتوقدهما، وأخذ الحريري هذا التشبيه من البحتري في قوله: [الكامل] # كالفرقدين إذا تأمل ناظر # وتقدم في الثانية، وبالزندين لما فيهما من النار، وفي هذين من الذكاء ~~وجعلهما في وعاء، يريد: متى التمسهما الإنسان وجد فيما وقعت عليه يده ~~حاجته. PageV02P211 # وجده: غناه وما عنده من العلم. ثب: ارجع، هيهات، معناها بعد، مقتي: # محبتي، تعلق به ثقتي، يريد: لا أثق به بعد ما جربته، وبلوت كفرانه ~~للصنيع، أي جربت قلة شكره لفعل الجميل معه منيت: بليت. العقوق: المقاطعة. ~~الشنيع: المشتهر بالقبيح. ### || AUTO [كفران الصنيع] # ونسوق هنا في كفران الصنيع فصلا يليق بهذا الموضع، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «من عباد الله عباد لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ~~ولا ينظر إليهم» قلنا: من أولئك يا رسول الله؟ قال: «المتبرئ من والديه ~~رغبة عنهما، والمتبرئ من ولده، ورجل أنعم الله عليه نعمة فكفرها» (¬1). # وفي التوراة: من صنع معروفا إلى أحمق فهى خطيئة تكتب عليه. # وقال الحجاج لابن الكلبي: أخبرني عن خمسة أشياء أضيعت في الدنيا. قال: ~~نعم أصلح الله الأمير! سراج يوقد في شمس، ومطر جود في أرض سبخة، وامرأة ~~حسناء تزف إلى عنين، وطعام اجتهد صاحبه في صنعته فقدمه إلى سكران أو شبعان، ~~ومعروف تصنعه إلى رجل لا يشكرك عليه. # عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تنفع ~~الصنيعة إلا عند ذي حسب ودين، كما لا تنفع الرياضة إلا في نجيب». # المدائني: خرج فتيان في صيد لهم فأثاروا ضبعة فنفرت ومرت، فاتبعوها، ~~فلجأت إلى بيت رجل، فخرج إليهم بالسيف مسلولا، فقالوا له: يا عبد الله، لم ~~تمنعنا من صيدنا؟ فقال: إنها استجارت بي. فخلوا بينها وبينه، فنظر إليها ~~فإذا هي مهزولة مضرورة، فجعل يسقيها اللبن صبوحا ومقيلا وغبوقا، حتى سمنت ~~وحسنت حالها، فبينما هو ذات يوم متجرد عدت عليه فشقت ms0603 بطنه وشربت دمه، فقال ~~ابن عم له: [الطويل] # ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر # أعد لها لما استجارت بقربه ... مع الأمن ألبان اللقاح الدرائر # فأشبعها حتى إذا ما تمكنت ... فرته بأنياب لها وأظافر # فقل لذوي المعروف، هذا جزاء من ... يوجه معروفا إلى غير شاكر # وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد ~~الله بعبد خيرا جعل صنائعه ومعروفه في أهل الحفاظ، وإذا أراد به سوءا جعلها ~~في أهل المضائع» وقال حسان: [الكامل] PageV02P212 # إن الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى يصاب بها طريق المصنع (¬1) # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدقت»، وأنشد عبد الله بن جعفر هذا ~~البيت فقال: هذا رجل يريد أن يبخل الناس؛ أمطر المعروف مطرا، فإن صدفت ~~موضعه فهو الذي قصدت، وإلا فكنت أحق به. # قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لا يزهدنك في المعروف كفر من كفره، ~~فإنه يشكرك عليه من لم تصنعه إليه. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اصنع المعروف إلى من هو أهله، وإلى ~~من ليس أهله، فإن أصبت أهله فقد أصبت أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله». ~~وقد قال الحريري بعد هذا: [مجزوء الكامل] # واحفظ صنيعك عنده ... شكر الصنيعة أم غمط # أي لا تفسد معروفك بالمن؛ شكره من أنعمت عليه أم كفره. وغمط: ستر. وهو ضد شكر. # قوله اعترضه، أي واجهه وقابله: شؤم: نحس وطيرة، الحنق: الغضب. الظنة: # التهمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث لازمات أمتي: سوء الظن، ~~والحسد والطيرة». قيل: # ما يذهبهن؟ قال: «إذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فاستغفر، وإذا تطيرت ~~فامض» (¬2). # إعنات: مشقة. هبني: احسبني، اقترفت واجترحت، معناهما اكتسبت. جريرة: جناية. # إبان أنسك، أي وقت أنسي بك. [مجزوء الكامل] # سامح أخاك إذا خلط ... منه الإساءة بالغلط # وتجاف عن تعنيفه ... إن زاغ يوما أو قسط # واحفظ صنيعك عنده ... شكر الصنيعة أم غمط # وأطعه إن عاصى وهن ... إن عز وادن إذا شحط # واقن ms0604 الوفاء ولو أخل ... بما اشترطت وما اشترط # واعلم بأنك إن طلب ... ت مهذبا رمت الشطط # من ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسنى فقط # أو ما ترى المحبوب وال ... مكروه لزا في نمط PageV02P213 # كالشوك يبدو في الغصو ... ن مع الجني الملتقط # ولذاذة العمر الطو ... يل يشوبها نغص الشمط # ولو انتقدت بني الزما ... ن وجدت أكثرهم سقط # رضت البلاغة والبرا ... عة والشجاعة والخطط # فوجدت أحسن ما يرى ... سير العلوم معا فقط # تجاف: تباعد. تعنيفه: لومه. زاغ: مال. قسط: جار. # قوله: وهن إن عز، لفظ المثل: إذا عز أخوك فهن، يروى بضم الهاء وكسرها، ~~فالضم من هان يهون، قال ابن أحمر: [الوافر] # ذببت لها الضراء وقلت أبقى ... إذا هز ابن عمك أن تهونا (¬1) # ورواه بالكسر أبو عبيد وثعلب، وقال أبو عبيد: معناه أن مياسرتك صديقك ~~ليست بضيم يركبك، فتدخلك منه حمية. إنما هو حسن خلق وتفضل منك، فإذا عاسرك ~~فياسره، فالضيم الذي ذكر هو الهوان بعينه. قال ابن درستويه: معناه إذا صار ~~أخوك عزيزا قويا عليك فأطعه واخضع له، تسلم من ظلمه. رواية الكسر من هان ~~يهين، ويكون معنى عز تصعب واشتد لا من العزة، ومعناه إذا صعب أخوك فلن له، ~~والمثل لهذيل بن هبيرة؛ وسببه أنه أغار على ضبة فغنم، وأقبل بالمغانم، فقال ~~له أصحابه: اقسمها بيننا، فقال: # أخاف أن يدرككم الطلب، فأبوا، فعندها قال المثل. ونزل فقسمها. # قوله شحط، أي بعد، واقن الوفاة: أي الزمه، وقنيت الحياء بكسر النون أقنيه ~~قنيانا، ألزمته. أخل: نقص. بما اشترطت وما اشترط، أي بما جعلتما بينكما من ~~علامة، ومنه أشراط الساعة أي علاماتها ومنه الشرط لأن لهم علامة يعرفون ~~بها. مهذبا: مخلصا. # والشطط: محاوزة القدر، قال الفضيل بن عياض: من طلب أخا بلا عيب بقي بلا أخ. # قال الحارث المحاسبي: ثلاثة أشياء عزيزة أو معدومة: حسن الوجه مع ~~الصيانة، وحسن الخلق مع الديانة، وحسن الإخاء مع الأمانة. وقال النابغة: ~~[الطويل] # ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث، أي الرجال المهذب! (¬2) PageV02P214 # وقال يزيد بن ms0605 محمد المهلبي: [الطويل] # ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلها ... كفى المرء فضلا أن تعد معايبه (¬1) # قوله: «قط» بمعنى الدهر والأبد، والحسنى: الفعل الحسن. فقط: حسب. لزا: # ربطا النمط: ثوب من الصوف المصبوغ، والنمط الطريق، تقول: الزم هذا النمط، ~~والنمط النوع من العلم والخير، فيريد أن الخير والشر قد نظما في سلك واحد، ~~فإذا أتى يوم يرضي أتى بعده يوم يسخط. # الجني: الطري مما يجنى، فعيل بمعنى مفعول، وأصل مجنى مجنوي فأعل. # والملتقط: من قولك لقطت هذه الفاكهة واحدة واحدة، أي اخترتها وانتخبتها. # أبو أمامة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الناس اليوم كشجرة ~~ذات جنى، ويوشك الناس أن يعودوا كشجرة ذات شوك إن ناقدتهم ناقدوك، وإن ~~تركتهم لم يتركوك، وإن هربت منهم طلبوك»، قيل؛ فكيف المخرج من ذلك؟ قال: ~~«تقرضهم من عرضك ليوم فقرك» (¬2)، وأنشد عمر بن الجعد: [مجزوء الرمل] # طب عن الأمة نفسا ... وارض بالواحدة أنسا # لست بالواجد حسا ... أو ترد اليوم أمسا # ما وجدنا أحدا يس ... وى على الخبرة فلسا # قوله: «نغص» تكدير العيش، ونغص الرجل إذا لم يتم له أمره وتكدر عيشه. ~~يشوبها: # يخالطها. الشمط: اختلاط الشيب بالسواد وانتقدت: فتشت. والسقط: من لا خير فيه. # وللزاهد بن عمران في معنى الأبيات الحريري رحمه الله: [الوافر] # إذا وغد جفاك فلا تلمه ... لأنك إن فعلت أثرت جيفه # وإن يصل الكريم عليك فاصفح ... ستعطفه أصالته الشريفه # ومن يك بين ذاك فأغض عنه ... تنل مجدا ومرتبة منيفه # وسل الضغن إن آنست ضغنا ... ببسط الوجه والحيل اللطيفة # أخذ البيتين الأولين من قول حاتم: [الطويل] # وأغفر عوراء الكريم ادخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرما (¬3) # *** PageV02P215 # قال: فجعل الشيخ ينضنض نضنضة الصل، ويحملق حملقة البازي المطل، ثم قال: ~~والذي زين السماء بالشهب، وأنزل الماء من السحب، ما روغي عن الاصطلاح؛ إلا ~~لتواقي الافتضاح، فإن هذا الفتى اعتاد أن أمونه، وأراعي شئونه، وقد كان ~~الدهر يسح، فلم أكن أشح؛ فأما الآن فالوقت عبوس، وحشو العيش بؤس؛ حتى إن ~~بزتي هذه عارة، وبيتي لا تطور ms0606 به فارة. # قال: فرق لمقالهما قلب الوالي، وأوى لهما من غير الليالي، وصبا إلى ~~اختصاصهما بالإسعاف، وأمر النظارة بالانصراف. # *** # قوله: «ينضنض» يحرك لسانه. الصل: الحية. يحملق: ينظر بحملاقه وهو باطن ~~جفنه، وذلك نظر الغضبان. المطل: المشرف على فريسته، الشهب: النجوم. روغي: # فراري. توقي: خشية. الافتضاح: الشهرة. أمونه: أتكلف لوازمه. أراعي: أحفظ. # شئونه: أموره. يسح: يصب الرزق. الحشو: ما حشي به. بؤس: ضر. بزتي: ثوبي. # عارة، أي عارية. تطوره: تقرب منه؛ يريد أن الفأرة ليس لها فيه ما تأكل، ~~وأخذ هذا المعنى من قول امرأة وقفت على قيس بن سعد بن عبادة، فقالت: أشكو ~~إليك قلة الجرذان، فقال: ما أحسن هذه الكناية! املئوا بيتها خبزا ولحما ~~وسمنا. وقد أعاد هذا المعنى منظوما في الثالثة والثلاثين، فقال: [السريع] # وأملحت ربعي حتى خلت ... من ربعي الممحل جرذانه # وحكى الفنجديهي بسنده إلى أبي محمد الحسن بن إسماعيل الضراب، قال: كنت ~~قاعدا أنسخ في السراج، وبين يدي قدح فيه ماء، وظرف فيه كعك وزبيب ولوز، ~~فجاءت فأرة فأخذت لوزة فمضت، ثم عادت فأخذت أخرى فبددت الماء الذي كان في ~~القدح، فعادت الفأرة فكببت القدح عليها واشتغلت بشغلي ساعة، فإذا فأرة أخرى ~~قد جاءت فشقشقت وبقيت ساعة على ذلك، والفأرة الأخرى تشقشق من داخل القدح، ~~فلم تجد حيلة في خلاصها، فمضت أختها، فأتت بدينار فوضعته ووقفت، ولم أرفع ~~القدح عن الفأرة، فمضت وأتت بدينار آخر، ووقفت ولم أرفع القدح، ففعلت ذلك ~~إلى أن أتت بسبعة دنانير، ووقفت ساعة، ولم أخل عن الفأرة، فمضت وأتت بقرطاس ~~فارغ فعلمت أنها لم يبق عندها شيء فخليت عن الفأرة. PageV02P216 # قال الفنجديهي: رويت هذه الحكاية عن أشخاص وأشياخ ثقات. # وعلى ذكر الفأرة والجرذان كتب أبو حفص الوراق رقعة إلى الصاحب، منها: # وحال عبد مولانا في الحنطة مختلفة، وجرذان دارة عنها منصرفة، فإن رأى أن ~~يخلط عبده بما أخصب عنده فعل إن شاء الله تعالى. فوقع فيها: «أحسنت يا أبا ~~حفص قولا، وسنحسن إليك فعلا، فبشر جرذان دارك بالخصب، وأمنها من الجدب، ms0607 ~~فالحنطة تأتيك في الأسبوع، وليست عن غيرها من النفقة بممنوع. إن شاء الله ~~تعالى». # قوله: «أوى»: أشفق. غير: تغير وهو من تغير الحال، وهو اسم واحد بمنزلة ~~الجمع، والغير مذكر وجمعه أغيار. هذا قول الكسائي. ويجوز أن يكون جمعا، ~~واحدته غيرة وهذا قول ابن عمرو، يقال للدية: غيرة لأنها تغير الفؤاد إلى ~~الرضا به. صبا: مال. # الإسعاف: قضاء الحاجة. النظارة: الناس الناظرون إليه. # *** # قال الراوي: وكنت متشوقا إلى مرأى الشيخ لعلي أعلم علمه، إذا عاينت وسمه، ~~ولم يكن الزحام يسفر عنه. ولا يفرج لي فأدنو منه، فلما تقوضت الصفوف، وأجفل ~~الوقوف، توسمته فإذا هو أبو زيد والفتى فتاه، فعرفت حينئذ مغزاه فيما أتاه، ~~وكدت أنقض عليه، لأستعرف إليه. فزجرني بإيماء طرفه، واستوقفني بإيماء كفه. # *** # متشوقا: متطلعا. وسمه: علامته. يسفر: يكشف، يفرج: يفتح لي فرجة. # تقوضت: تفرقت، وأصلها الهدم. أجفل: أسرع المشي. توسمته: نظرته. مغزاه: ~~مذهبه ومقصده. انقض: انحط وانصب أستعرف إليه: أعرفه بنفسي. زجرني: انتهرني. # إيماض: إشارة بالعين خفية، وكثيرا ما يصرف الحريري في المقامات تنبيه أبي ~~زيد لابن همام على نفسه بخفي الإشارة المغنية عن تصريح العبارة، وهو مذهب ~~للعرب، ونبلاء أهل الأدب، وقد قالوا: رب كناية تغني عن إيضاح، رب لحظ يدل ~~على ضمير. ### || AUTO [في إشارة اللحظ] # وفي إشارة اللحظ يقول الشاعر: [الطويل] # أشارت بطرف العين خيفة أهلها ... إشارة محزون ولم تتكلم (¬1) # فأيقنت أن اللحظ قد قال مرحبا ... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيم # وقال أبو نواس: [مجزوء الكامل] # لهفي على النجل العيون ... النهد القب البطون PageV02P217 # الناطقات عن الضمي ... ر لنا بألسنة الجفون # وقال المهدي بن المنصور: [الطويل] # ومطلع من نفسه ما يسره ... عليه من اللحظ الخفي دليل # إذا هو لم يبد الذي في ضميره ... ففي اللحظ والإيماء منه رسول # وقال تميم بن المعتز: [مجزوء الكامل] # سبحان من خلق الخدو ... د شقائقا تتنسم # وأعارها الألحاظ فه ... ي بلحظها تتكلم # وقال آخر: [البسيط] # العين تبدي الذي في نفس صاحبها ... من المحبة أو بغض إذا كانا # والعين تنطق والأفواه صامتة ... حتى ms0608 ترى من ضمير القلب تبيانا # وقال أعرابي: [الوافر] # وليل لم يقصره رقاد ... وقصر طوله وصل الحبيب # بمجلس لذة لم نقو فيه ... على شكوى ولا عد الذنوب # بخلنا أن نقطعه بلفظ ... فترجمت العيون عن القلوب # وقال الحسن بن بشير: [السريع] # أما ترى لي ناظرا شاهدا ... بالحب، والأعين رسل القلوب # ودون إلحاح جفوني هوى ... يخبر عما في ضمير الكئيب # وأنت لا شك به عالم ... لأن عند اللحظ علم الغيوب # وقال الأحوص: [البسيط] # ودعتهن ولا شيء يراجعني ... إلا البنان وإلا الأعين السجم (¬1) # إذا أردن كلامي عنده عرضت ... من دونه عبرات فارعوى الكلم # مسندات وقد مالت سوالفها ... وما بهن سوى مس الهوى ألم # وقال ماني الموسوس: [الوافر] # بنان يد تشير إلى بنان ... تجاوبتا وما تتكلمان # جرى الإيماء بينهما رسولا ... فأحكم وحيه المتناجيان # فلو أبصرتنا لغضضت طرفا ... عن المتحدثين بلا لسان PageV02P218 # والباب لا يحصى كثرة فلنقتصر على هذه اللمعة. # وقوله: «واستوقفني بإيماء كفه»: أي أمرني بالوقوف، والإيماء: الإشارة. # *** # فلزمت موقفي، وأخرت منصرفي، فقال الوالي: ما مرامك، ولأي سبب مقامك؟ ~~فابتدره الشيخ وقال: إنه أنيسي، وصاحب ملبوسي. فتسمح عند هذا القول ~~بتأنيسي، ورخص في جلوسي، ثم أفاض عليهما خلعتين، ووصلهما بنصاب من العين، ~~واستعهدهما أن يتعاشرا بالمعروف، إلى إظلال اليوم المخوف. فنهضا من ناديه، ~~مشيدين بشكر أياديه، وتبعتهما لأعرف مثواهما، وأتزود من فحواهما. # فلما أجزنا حمى الوالي، وأفضينا إلى الفضاء الخالي، أدركني أحد جلاوزته، ~~مهيبا بي إلى حوزته، فقلت لأبي زيد: ما أظنه استحضرني إلا ليستخبرني، فماذا أقول؟ # وفي أي واد معه أجول؟ فقال: بين له غباوة قلبه، وتلعابي بلبه؛ ليعلم أن ~~ريحه لاقت إعصارا، وجدوله صادف تيارا، فقلت: أخاف أن يتقد غضبه فيلفحك ~~لهبه، أو يستشري طيشه، فيسري إليك بطشه، فقال: إني أرحل الآن إلى الرها، ~~وأنى يلتقي سهيل والسها! . # *** # مرامك: مرادك، مقامك: تلبثك ووقوفك. أنيسي: صاحبي الذي أتأنس به. # فتسمح بتأنيسي، أي أولاني منه المؤانسة، رخص: لين وسهل. أفاض: صب. ~~خلعتين: # كسوتين. والنصاب: عشرون دينارا، والعين: الذهب. استعهدهما: استحلفهما. # يتعاشرا: يتصاحبا. إظلال: قرب ودنو. ms0609 اليوم المخوف: يوم موته. ناديه: مجلسه. # مشيدين: رافعين بشكره أصواتهما. أياديه: نعمه. مثواهما: مسكنهما. ~~فحواهما: معنى كلامهما، ويروى: «نجواهما» أي سرهما. أجزنا: خلفنا، أفضينا: ~~وصلنا. الفضاء: # المتسع من الأرض. جلاوزته: شرطه، واحدهم جلواز والجلاز عقب ملوي على ~~القوس، وجلزت القوس والسوط والسكين: عصبتهما بالعقب، فسموا جلاوزة، لأنهم ~~يعصبون بالسياط الناس عند الضرب، أو لأن السياط لا تفارق أيديهم، والجلز: ~~السد، وهم يربطون الناس ويشدونهم، مهيبا: داعيا. حوزته موضعه الذي يحميه ~~ويحوزه، استحضرني: طلب حضوري، ويستخبرني: يسألني خبره. أجول: أتصرف وأمشي، ~~أي علمني في أي عرض من الحديث آخذ معه، غباوة: جهل، ورجل غبي غير فطن. ~~تلعابي بلبه، أي لعبي بعقله، والتلعاب بنية للمبالغة. يستشري: ينتشر. طيشه: ~~خفته من الغضب. يسري: يسير. بطشه: إيقاعه وتناوله بما يكره. # الرها: بلد من كورة الجزيرة تجاورها الرقة وحران، سميت باسم صاحبها الرها ~~بن PageV02P219 # البلوي بن مالك بن ذعر، وهو أول من نزلها. وقال اليعقوبي: الرها من ديار ~~مضر، وهي مدينة رومية ذات عيون كثيرة منها عجيبة، تجري الأنهار وبها ~~الكنيسة التي للنصارى، وهي إحدى عجائب الدنيا الموصوفة، وكان بالرها رجل ~~ضعيف الحال متجمل بين الناس، فخرج ذات يوم من منزله وعليه جبة له، فلقيه ~~سائل، فسأله شيئا يدفئه، فقال: # والله ما أملك غير جبتي هذه فقال السائل: ألا تحب أن تكون من الذين قال ~~الله تعالى في حقهم: ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [الحشر: 9]، ~~فدفعها إليه. # أنى: كيف. سهيل والسها: كوكبان لا يلتقيان، لأن السها نجم خفي في بنات ~~نعش، وبنات نعش لا تغرب أبدا في بلاد أرمينية وفي سمتها بلاد الشام والمغرب ~~والأندلس، وسهيل لا يرى في شيء من هذه البلاد إلا رؤية لا يعتد بها في أيام ~~قلائل، فلا يلتقي سهيل والسها بوجه، وإنما أخذ هذا من لفظ عمر بن أبي ربيعة ~~حيث قال: [الخفيف] # أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان (¬1) # هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يمان # والثريا هذه بنت علي بن عبد الله بن ms0610 الحارث، وكانت موصوفة بالجمال وكان ~~عمر يشبب بها، فتزوجها سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري فنقلها إلى مصر؛ ~~فضرب لها عمر المثل بالكوكبين، وأبدل الحريري لفظ الثريا بالسها، وأفاد عدم ~~الالتقاء، وسهيل هو كوكب أحمر يخيل إليك لشدة اضطرابه به أنه يستدير، وقال ~~المعري في صفته فأحسن: [الخفيف] # وسهيل كوجنة الحب في اللو ... ن وقلب المحب في الخفقان (¬2) # مستبدا كأنه الفارس المع ... لم يبدو معارض الفرسان # يسرع اللمح في احمرار كما تس ... رع باللمح مقلة الغضبان # ضرجته دما سيوف الأعادي ... فبكت رحمة له الشعريان # قدماه وراءه وهو في العج ... ز كساع ليست له قدمان # قالوا: ولا تقنع عين بعير على سهيل إلا مات من حينه. # وقد أشار المعري إلى هذا في قوله: # لا تحسبن إبلي سهيلا طالعا ... بالشأم فالمرئي شعلة مقبس PageV02P220 # ومتى طلع صرفت الإبل كلها وجوهها عن مطلعه وقابلته بأعجازها: وقال ~~المتنبي: # [الوافر] # وتنكر قتلهم وأنا سهيل ... طلعت بموت أولاد الزناء (¬1) # وفي معنى تخويف ابن همام للسروجي بعقاب الوالي ما حدث أن أبا الحسن ~~العباس بن حيون، دخل عليه في السجن من أعلمه أن إبراهيم بن الأغلب يريد ~~قتله، فلم يجد مفرا، فقال لمعلمه بالخبر، وأحسن في قوله: [الوافر] # تخوفني بمخلوق ضعيف ... يهاب من المنية ما أهاب # له أجل ولي أجل وكل ... سيبلغ حيث بلغه الكتاب # *** # فلما حضرت الوالي وقد خلا مجلسه، وانجلى تعبسه، أخذ يصف أبا زيد وفضله. ~~ويذم الدهر له، ثم قال: نشدتك الله، ألست الذي أعاره الدست؟ فقلت: # لا والذي أحلك في هذا الدست، ما أنا بصاحب ذلك الدست؛ بل أنت الذي تم ~~عليه الدست، فازورت مقلتاه، واحمرت وجنتاه، وقال: والله ما أعجزني قط فضح ~~مريب، لا تكشيف معيب؛ ولكن ما سمعت بأن شيخا دلس، بعد ما تطلس وتقلس، فبهذا ~~تم له أن لبس، أفتدري أين سكع، ذلك اللكع؟ قلت: أشفق منك لتعدي طوره فظعن ~~عن بغداد من فوره. فقال: لا قرب الله له نوى، ولا كلأه أين ثوى؛ فما زاولت ~~أشد من نكره، ولا ms0611 ذقت أمر من مكره، ولولا حزمة أدبه، لأوغلت في طلبه، إلى ~~أن يقع في يدي فأوقع به، وإني لأكره أن تشيع فعلته بمدينة السلام، فافتضح ~~بين الأنام، وتحبط مكانتي عند الإمام؛ وأصير ضحكة بين الخاص والعام، ~~فعاهدني على ألا أفوه بما اعتمد، ما دمت حلا بهذا البلد. # قال الحارث بن همام: فعاهدته معاهدة من لا يتأول، ووفيت له كما وفى ~~السموأل. # *** # قوله: «انجلى»، أي زال وانكشف. نشدتك: حلفتك. الدست الأول هو الثوب، ~~والثاني: المجلس، والثالث هو الأول، والرابع هو الخداع والحيلة، وقدمه في ~~الحادية عشرة حيث قال: متى ما دسته تم. ازورت مقلتاه: اعوجت عيناه وتغير ~~نظرهما. # والوجنتان: ما أحاط بالعين من أسفل. أعجزني: غلبني. فضح مريب: كشف متهم. # تطلس: لبس الطيلسان، وهو من لباس الخواص، وهو كساء خز. لبس: خلط. سكع: PageV02P221 # ذهب اللكع: اللئيم العاجز، قال بعض أهل العلم: كان يقال: خمس خصال، من ~~أقبح شيء فيمن كن فيه: الحدة في السلطان، والكبر في ذي الحسب، والبخل في ~~الغني، والحرص في العالم، والفسق في الشيخ، وثلاث هن أحسن شيء فيمن كن فيه: ~~تؤدة لغير ذل، وجود لغير ثواب، ونصب لغير الدنيا. # أشفق: خاف. تعدى طوره: تجاوز قدره. ظعن: رحل. فوره: حينه. نوى: بعد وسفر. ~~كلأه: حفظه. ثوى: أقام. زاولت: حاولت. نكره: منكره. مكره: خداعه. # أوغلت: أبعدت. أوقع به: أتناوله بالشر والمكروه والضرب. # وقال أبو حازم في معنى دعاء الوالي على السروجي: [مخلع البسيط] # إذا استقلت بك الركاب ... فحيث لا درت السحاب # زالت سراعا، وزلت تجري ... ببينك الظبي والغراب # بحيث لا يرتجى إياب ... وحيث لا يبلغ الكتاب # والذي استعمل الناس في الدعاء على الغائب ألا يرجع قول زهير: [الطويل] # * لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم (¬1) * # وقال آخر: [الوافر] # كما سار الحمار بأم عمرو ... فلا رجعت ولا رجع الحمار # ومثل هذا رقية المرأة إذا سافر زوجها، قالت: نافرك القمر، وظل الشجر، ~~شمال تشمله، ودبور تدبره، ونكباء تنكبه: شبك ولا انتقس، وتعس ولا انتعش. ثم ~~ترمى أثره بحصاة ونواة وروثة وبعرة وتقول: ms0612 حصاة حص أثره، ونواة نأت داره، ~~وروثة راث خبره، وبعرة تبعره، ولو أوغل في طلبه كما ذكر فأدركه لأنشده ~~السروجي: [الطويل] # فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # وقال المعري: [الطويل] # إذا ما أخفت المرء جن مخافة ... وأيقن أن الأرض كفة حابل (¬2) # يرى نفسه في ظل سيفك قائما ... وبينكما بعد المدى المتطاول PageV02P222 # وقال محمد بن هانئ رحمه الله تعالى: [الطويل] # فلا مهجة في الأرض منك منيعة ... ولو قطرت من ريق أرقط شجعم (¬1) # ولو أنها نيطت بمخلب طائر ... ولو أنها باتت على قرن أعصم # وقال أشجع السلمي في الرشيد، حين بعث لإدريس بن عبد الله العلوي من ~~اغتاله بالمغرب: [الكامل] # أتظن يا إدريس أنك مفلت ... كيد الخلافة أو يقيك حذار # إن السيوف إذا انتضاها عزمه ... طالت وتقصر دونه الأعمار # هيهات ألا أن تكون ببلدة ... لا يهتدى فيها إليك نهار # ولأبي العرب الصقلي: [الطويل] # كأن بلاد الله كفك إن يسر ... بها هارب تجمع عليه الأناملا # فأين يفر المرء عنك بجرمه ... إذا كان يطوي في يديك المراحلا # قوله: تشيع، أي تتصل، يقال: شاع الخبر في الناس، أي اتصل بكل واحد، ~~فاستوى علم الناس به، ويقال: سهم شائع ومشاع، إذا كان في جميع الدار فاتصل ~~كل جزء منه بكل جزء منها، وأصله في الناقة، يقال: أوزعت الناقة ببولها ~~إيزاعا، إذا فرقته، فإذا أرسلته متصلا، قيل: أشاعت به. تحبط: تسقط وتبطل ~~مكانتي: منزلتي. ضحكة: # يضحك الناس به وتسكين عينها للمفعول، وتحريكها للفاعل. أفوه: أنطق. ~~اعتمد، أي قصد من الخداع. حلا: مقيما. يتأول: يحتال ليمينه فيحملها في ~~الباطن على غير ما أوقعها في الظاهر عليه، فيريد أنه ثبت له اليمين. # *** ### || AUTO [قصة السموأل] # السموأل، هو ابن عاديا، يضرب به المثل في الوفاء، وقصة وفائه أن امرأ ~~القيس، لما ألح المنذر في طلبه لحق بعمرو بن جابر بن مازن يستجير به، فقال ~~له: يا ابن حجر، إني أراك في خلل من قومك، وأنا أنفس بك، أفلا أدلك على رجل ~~لم أر أحسن جوارا ms0613 منه؟ فدله على السموأل بتيماء، ووصفله حسبه وحصنه، فقال: ~~ومن لي به؟ فقال: # أصحبك من يوصلك إليه، فأصحبه الربيع بن ضبع- وكان الربيع يأتي السموأل ~~ويمدحه فيحمله ويعطيه- فمشوا حتى قدموا على السموأل، فأنشدوه أشعارا فعرف ~~حقهم، وأنزل هندا بنت امرئ القيس في قبة من أدم، وأنزل القوم في مجلس له ~~براح، فكان عنده ما شاء، ثم طلب أن يكتب له للحارث بن أبي شمر الغساني ~~بالشام ليوصله إلى قيصر، PageV02P223 # ففعل، فاستودعه بنته وأدراعه الخمس، وهي الفضفاضة، والصافية، والمحصنة، ~~والحريق، وأم الذيول، وكن لبني آكل المرار، وهم أجداده يتوارثن ملكا عن ملك. # فمضى إلى قيصر، وأقام عنده حتى جهزه بجيوش، ثم بعث له بالحلة المسمومة، ~~فلما لبسها تقطع لحمه، ومات. فلما بلغ خبر موته المنذر قصد تيماء حصن ~~السموأل، فبعث إليه أن يعطيه أدراع امرئ القيس وما ترك عنده من المال، فقال ~~له: إنما أدفع ذلك لابنته ولورثته، فحاصره في الحصن، حتى أخذ ابنا له ~~صغيرا، فقال للسموأل إما أن تعطيني ما ترك امرؤ القيس أو أقتل ابنك وأنت ~~تنظر إليه، فقال له: والله لا وفيت له في حياته، وأغدره بعد وفاته! اذهب، ~~فشأنك يا بني فافعل به ما شئت، فذبحه وهو ينظر إليه، ولم يرض بالغدر، فلما ~~جاء الموسم ذهب بالدروع فدفعها لابنته وورثته، وقال: [الوافر] # وفيت بأدرع الكندي إني ... إذا ما خان أقوام وفيت # وقالوا إنه كنز عظيم ... ولا والله أغدر ما حييت # بنى لي عاديا حصنا حصينا ... وبئرا كلما شئت استقيت # فضرب به المثل في الوفاء. وانظر في الثلاثين ابتداء الحكاية. PageV02P224 ### | AUTO المقامة الرابعة والعشرون النحوية # حكى الحارث بن همام قال: عاشرت بقطيعة الربيع، في إبان الربيع، فتية ~~وجوههم أبلج من أنواره، وأخلاقهم أبهج من أزهاره، وألفاظهم أرق من نسيم ~~أسحاره. # فاجتليت منهم ما يزري على الربيع الزاهر، ويغني عن رنات المزاهر؛ وكنا ~~تقاسمنا على حفظ الوداد، وحظر الاستبداد، وألا يتفرد أحدنا بالتذاذ، ولا ~~يستأثر ولو برذاذ. فأجمعنا في يوم سما دجنه، ونما حسنه، وحكم بالاصطباح ~~مزنه، على أن ms0614 نلتهي بالخروج، إلى بعض المروج؛ لنسرح النواظر، في الرياض ~~النواضر، ونصقل الخواطر، بشيم المواطر؛ فبرزنا ونحن كالشهور عده؛ وكنا ~~كندمانى جذيمة مودة. # *** # عاشرت: صاحبت. # قطيعة الربيع: بلد معروف، والربيع حاجب المنصور ومولاه، وهو [والد] الفضل ~~ابن الربيع بن يونس بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة، وكان أقطعه المنصور ~~بلدا بالعراق فبناه، وبنى الناس معه، حتى صار فيه عمارات كثيرة، وهي محلة ~~قريبة من كوخ بغداد في أعلى غربية بغداد، فنسبت إلى الربيع. # إبان: وقت. فصل الربيع: النوار. أبلج: أحسن لونا وأنعم. أنواره: أزهاره، ~~ونور النبات وأنور صار فيه النور، وأبهج: أحسن لونا، والبهجة: حسن اللون ~~ونسيم السحر ريحه اللينة الباردة، وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«يقول الله تعالى للجنة كل يوم: طيبي لأهلك فتزداد طيبا»، فذلك البرد الذي ~~تجده الناس بسحر ذلك اليوم. # وقال ابن عمار في نسيم السحر على الرياض فأحسن: [الطويل] # ويوم لنا بالسد بين معاطف ... من النهر تنساب انسياب الأراقم # بحيث اتخذنا الروض جارا تزورنا ... هداياه في أيدي الرياح النواسم PageV02P225 # يبلغنا أنفاسه فيردها ... بأعطر أنفاس وأذكى لناسم # تسير علينا ثم عنا كأنها ... حواسد تمشي بيننا بالنمائم # اجتليت: نظرت. يزري: يقصر، وتقول: زريت عليه إذا عبت عليه ما فعل، وأزريت ~~به قصرت. الزاهر: الناعم. رنات: أصوات. المزاهر: عيدان الغناء. تقاسمنا: # تحالفنا. حظر: منع. الاستبداد: الانفراد بالشيء. يستأثر: يختص. رذاذ: أقل ~~المطر، أي اتفقوا ألا ينفرد واحد بشيء دون أصحابه. أجمعنا: عزمنا. سما ~~دجنه: ارتفع سحابه. نما: زاد. الاصطباح: شرب الخمر بالسحر. مزنه: مطره، وفي ~~مثل بكورهم يقول عبد الجبار الصقلي: [السريع] # بادر إلى اللذات واركب لها ... سوابق اللهو ذوات المراح # من قبل أن ترشف شمس الضحى ... ريق الغوادي من ثغور الأقاح # نلتهي: نتسلى ونتفرج. والمروج: المواضع المنخفضة الخصيبة، واحدها مرج، ~~وسمي مرجا، لأن البهائم تمرج فيه أي تسيب. نسرح: نسيب. النواظر: العيون، ~~وبالضاد واعم الأزهار. والخواطر: الأذهان. شيم المواطر: نظر السحاب. برزنا: # خرجنا، وجعل خروجهم في السحر، لأن أول النهار أحمد أوقات الشرب، ms0615 فقال: ~~أول النهار، ألا ترى الدواء يبكر به، والمسافر يدلج لحاجته، لأن العقول أول ~~النهار أزكى، والفطن أصح، وقال العطوي: [الخفيف] # قبح الله أول الناس سن الشرب ... ظهرا ماذا أتى من خسار! # مجلس مونق وكأس وندما ... ن وتأخيرها إلى الإظهار # نكتة في السرور بادية الش ... ين لأهل العقول والأبصار # إن شرب النبيذ سير إلى الله ... وو خير المسير صدر النهار # ما رأينا لنشوة الصبح شكلا ... كنديم مساعد وعقار # وغناء يفت في عضد الحل ... م ويزري على النهى والوقار # وأحاديث في خلال الأغاني ... كانفتاح الرياض غب النهار # وبعضهم يمدح الغبوق، ويذم الصبوح، وابن المعتز ممن يذهب إلى ذلك. ### || AUTO [نديما جذيمة] # قوله: كندمانى جذيمة، أي صاحبيه على الخمر، واسمهما مالك وعقيل، وجذيمة ~~ابن مالك بن تيم الأزدي، وكان ملك أيام الطوائف بشاطئ الفرات وما والى ذلك ~~إلى السواد ستين سنة. # قال ابن الكلبي: جذيمة: أول من ملك قضاعة بالحيرة، وأول من حذا النعال PageV02P226 # وأدلج من الملوك، ورفع له الشمع، وكان من أفضل ملوك العرب رأيا، وأظهرهم ~~حزما، وهو أول من استجمع الملك له بأرض العراق، وغزا بالجيوش، وكان به برص، ~~فكنت العرب عن البرص إعظاما فقالت له: جذيمة الوضاح، وجذيمة الأبرش. # وكان عزا طسما وجديسا في منازلهم، فصادف حسان بن تبع، قد أغار عليهما، ~~فانصرف جذيمة. وصادفت خيول تبع سرية له فقتلوهم، فبلغ الخبر جذيمة فقال: ~~[المديد] # ربما أوفيت في علم ... ترفعن ثوبي شمالات (¬1) # في فتو أنا كالئهم ... من بلايا غزوة ماتوا # ليت شعري ما أماتهم ... نحن أسرينا وهم باتوا # وكان جذيمة قد تنبأ وتكهن، واتخذ صنمين، وسماهما الضيزنين، ومكانهما ~~بالحيرة معروف. # وغزا إيادا بعين أباغ، فبعثوا قوما منهم سرقوا منهم الضيزنين، وأصبحوا ~~بهما في إياد، فأرسلوا إليه: إن صنميك أصبحا عندنا، زهدا فيك ورغبةفينا، ~~فأعطنا عهدا ألا تغزونا، ونردهما إليك. ففعل. # وكان بلغه أن غلاما من لخم يسمى عدي بن نصر مقيم في أخواله من إياد، وله ~~ظرف ولب وأنه لحسن أن ينادم الملك، ويقوم بمجلسه. فاشترط على إياد أن ms0616 ~~يبعثوا مع الصنمين بعدي بن نصر، وكان له جمال وظرف، فدفعوه إليه معهما فضمه ~~إلى نفسه. # وكان ينادمه ويسقيه فتعشقته رقاش أخت جذيمة، فبعثت إليه: إذا سقيت أخي ~~واستنشى، فاخطبني لك، وأشهد عليه، ففعل فلما طرب جذيمة خطبها، فأنعم عليه، ~~وأشهد عليه، فقال له: عرس بأهلك، ففعل، فلما أصبح غدا على جذيمة مضرجا ~~بالطيب، فقال له: # ما هذه الآثار؟ فقال: آثار العرس، قال: وأي عرس؟ قال: عرس رقاش، فأكب ~~جذيمة على الأرض، وفر عدي، وطلبه جذيمة فلم يدركه. وقيل: ظفر به. وقال لرقاش: # [الخفيف] PageV02P227 # حدثيني رقاش لا تكذبيني ... أبحر زنيت أم بهجين # أم بعبد فأنت أهل لعبد ... أم بدون فأنت أهل لدون # فقالت له: [الخفيف] # أنت زوجتني وما كنت أدري ... فأتاني النساء للتزيين # ذاك من شربك المدامة صرفا ... وتماديك في الصبا والمجون # فحبسها في قصرها، فاشتملت على حمل فأتت بغلام، وسمته عمرا، وربته حتى ~~ترعرع، فجملته وعطرته وألبسته كسوة مثله، ثم أزارته خاله فأعجب به، وألقيت ~~عليه محبته، وخرج جذيمة في سنة قد أكمأت، وبسط له في روضة، وعمرو مع غلمة ~~يجتنون الكمأة، فكانوا إذا أصابوا كمأة طيبة أكلوها، وإذا أصابها عمرو، ~~خبأها ثم أقبلوا يتعادون وعمرو يقدمهم، ويقول: [الرجز] # هذا جناي وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه (¬1) # فالتزمه جذيمة، وحل منه بمكان. ثم إن الجن استهوته، فطلب زمانا، وأرسل ~~فيه في الآفاق، فلم يجد له خبرا. ثم إن عمرا أوفى على مالك وعقيل ابني فارج ~~بن مالك بن كعب بن القيس بن حمير بن قضاعة، وقد نزلا منزلا، وهما متوجهان ~~إلى خاله جذيمة، ومعهما قينة، يقال له أم عمر، وهي تغنيهما وتسقيهما، فرأت ~~عمرا وقد تلبد شعره وطالت أظفاره، وساءت حاله، فاحتقرته فرمت إليه بكراع من ~~طعامها، وناولتهما، وأوكأت زقها ولم تناول عمرا شيئا، فقال عمرو: [الوافر] # صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا (¬2) # وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا # فما شرب الشراب كمثل عمرو ... وما نال المكارم فاصبحينا # فإلا تنكري عمرا ms0617 فإني ... أنا ابن عدي حقا فاعرفينا PageV02P228 # وخالي لا أبا لك ذو المعالي ... جذيمة كيف ويحك تنكرينا! # فقالا له: من أنت يا فتى؟ أنا عمرو بن عدي، فضماه إليهما، وغسلا رأسه، ~~وأخذا من شعره. وقلما أظفاره، وألبساه بعض الثياب التي كانت معهما، وقالا: ~~ما كنا نهدي جذيمة أنفس من ابن أخته، ثم وردا به على جذيمة فسر به سرورا ~~شديدا وقال: لهما تمنيا، فسألاه أن يكونا نديميه ما عاش وعاشا، فنادماه ~~أربعين سنة، ما أعادا عليه حديثا، فضرب بهما المثل في تأكيد الألفة، ونال ~~مالك بن نويرة في مالك: [الطويل] # وكنا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا (¬1) # فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا # وتمثلت بهما عائشة رضي الله عنها عند قبر أخيها عبد الرحمن. # وقال أبو خراش الهذلي يرثي أخاه: [الطويل] # تقول أراه بعد عروة لاهيا ... وذلك رزء لو علمت جليل (¬2) # فلا تحسبي أن قد تناسيت عهده ... ولكن صبري يا أميم جميل # ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا ... خليلا صفاء: مالك وعقيل # وغزا جذيمة عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينة السميذع العمليقي من ~~العماليق، ومنهم قوم من حمير. وكان ملك الجزيرة وملك الحضر، وهي مدينة ~~قديمة بين دجلة والفرات، فهزم جذيمة جيوش عمرو وقتله وفرق جموعه، وقال في ~~ذلك شاعرهم: # [البسيط] # كأن عمرو بن برقا لم يكن ملكا ... ولم تكن حوله الرايات تختفق # لاقي جذيمة في شعواء مشعلة ... فيها حراشف بالنيران ترتشق ### || AUTO [الزباء] # فملكت بعده الزباء ابنته واسمها نائلة. # قال ابن الكلبي: ولم يكن في عصر الزباء أجمل منها جمالا، وأكمل منها ~~كمالا، PageV02P229 # وكان لها شعر إذا مشت يتدلى وراءها، وإذا نشرته جللها، فسميت الزباء، ~~لكثرة شعرها، فجمعت خيل أبيها وغزت بالجيوش من حواليها من الملوك، فذللتهم، ~~فضرب بها المثل فقيل: أعز من الزباء، واشتهر عنها علو الهمة، وسمو القدرة، ~~وقوة المنعة، ومضاء العزم، وبذل الأموال. فلما استحكم ملكها أرادت أن تغزو ~~جذيمة لتدرك فيه ثأر أبيها، فنهتها أختها زبيبة عن ذلك ms0618 وقالت: لا طاقة لك ~~به، ولكن ابني أمرك فيه على المكر والحيل. فبعثت إلى جذيمة تخطبه على ~~نفسها، ليتصل ملكه بملكها، فيصيرا بذلك أعز الملوك- وكان بلغه عن جمالها ما ~~أطمعه في الظفر بها- فأخبر أرباب دولته بمخاطبتها إياه، فكلهم أشار عليه أن ~~يتزوجها، إلا قصير بن سعد بن عمرو- وكان لبيبا عاقلا له عزم وحزم، وكان ~~خازنه وعميد دولته- فإنه قال له: هذا رأي فاتر، لأن الزباء قتلت أباها ~~والدم لا ينام، ولك في بنات الملوك الأكفاء متسع، فقال له الملك: إن النفس ~~إلى ماتحب تواقة، وإن كان القدر قد جرى بشيء فلا مفر عنه. # وكتبت إليه الزباء تطلب منه قدومه عليها للنكاح، وقالت له: لولا أن السعي ~~في مثل هذا للرجال أجمل، ولهم ألزم، لسرت إليك. وأهدت مع كتابها من العبيد ~~والسلاح والأموال والذهب هدية سنية؛ فلما وصلت أبهجته، وحسب أن ذلك لفرط ~~رغبتها فيه، فشاور قومه وابن أخته عمرا، فشجعوه على المسير إليها، واستخلف ~~عمرا على ملكه، وسار في خواصه حتى نزلوا بالفرضة، فشاور خواصه وقصيرا في ~~الجملة، فأشاروا عليه بالمسير إلا قصيرا، فإنه قال: أيها الملك كل عزم لا ~~يؤيد بحزم فآخره إلى فساد؛ ولولا أن الأمور تجري على المقدور، لعزمت على ~~الملك ألا يفعل، فقال جذيمة: الرأي مع الجماعة، فقال قصير: أرى القدر سابق ~~الحذر، ولا يطاع لقصير رأي. فلما قرب من ديارها أرسل إليها يعلمها بموضعه، ~~فأظهرت السرور به، وأخرجت له هدايا وأنواعا من الأطعمة والأشربة، فقال ~~لقصير: كيف ترى؟ فقال قصير: من لم ينظر في العواقب لم يأمن المصائب، ~~فاستدرك الأمر قبل فوته، وارجع فإن في يديك بقية تستدرك بها الصواب، وإن ~~كنت لا بد فاعلا فإن القوم إن تلقوك غدا يجيء قوم ويذهب قوم، فالأمر في ~~يديك، وإن تلقوك صفين فإذا توسطتهم وأحدقوا بك، فقد ملكوك، وهذه العصا- وهي ~~فرس لجذيمة تستبق الطير- فسأعرضها لك فاركبها لتسلم عليها، فإنه لا يشق ~~غبارها، فأرسلها مثلا. # فلما كان غد لقوه صفين، فلما توسطهم انقضوا عليه، فقال لقصير: صدقت فما ~~الرأى: ms0619 فقال له: بقة تركت الرأي، وهذه العصا، اركبها، فشغله الأمر عنها ~~فلما رأى قصير الجيوش تسير بجذيمة أعطى العصا عنانها، فهوت به هوي الريح، ~~فتطاول إليه جذيمة ينظره، فقال: ويل له جذيمة؛ فجرت به إلى غروب الشمس. # - قال الأصمعي رحمه الله تعالى: لم تقف حتى جرت ثلاثين ميلا، ثم وقفت PageV02P230 # فبالت، فبني على الموضع برج يسمى برج العصا- وأشرفت الزباء من قصرها تنظر ~~إلى جذيمة، وهو يساق، فقالت: ما أحسنك من عروس يزف إلي! فدخلوا به إليها، ~~وحولها ألف وصيفة، لا تشبه واحدة صاحبتها في خلق ولا زي، وهي بينهن كالقمر ~~حفت به النجوم، فأمرت بالأنطاع فبسطت، وقالت للوصائف: خذن بيد سيدكن وبعل ~~مولاتكن، فأجلسنه على الأنطاع، ففعلن به ذلك، ثم كشفت له عن شعرتها، فرأى ~~شعرها قد طال حتى عقدته من وراء ظهرها، فقالت له: يا جذيمة أشوار ذات عروس؟ ~~قال: بل شوار بظراء تفلة، وأمر غدر قد بلغ المدى، فقالت: والله ما ذاك من ~~عدم المواس، ولكنها شيمة أناس. # ثم أمرت به فسقي بالخمر حتى أخذت فيه، وكانت الملوك لا تضرب أعناقها إلا ~~في الحرب، ثم أمرت أن تقطع رواهشه (¬1)، وقالت: تحفظن بدمه، لأنه إن قطرت ~~من دمه قطرة في غير الطشت طلب بدمه، فجرى دمه في طشت ذهب، فلما ضعفت يداه ~~سقطتا، فقطرت على النطع من دمه قطرات، فقالت: لا تضيعوا دم الملوك، فقال ~~لها «لا يحزنك دم ضيعه أهله»، فذهبت مثلا، فقالت: إن دماء الملوك شفاء من ~~الكلب، وو الله ما وفي دمك ولا شفي قتلك، ثم أمرت به فدفن. # وكان عمرو بن عدي يخرج كل يوم لبعض الحيرة، يستطلع أمر خاله، فنظر يوما ~~إلى فارس قد أقبل، فأشرف عليه قصير، فقال له: ما وراءك؟ فقال له: سعى القدر ~~بالملك إلى حتفه، فاطلب بثأره، فقال عمرو: وأي ثأر يطلب من الزباء، وهي ~~أمنع من عقاب الجو! فقال قصير: والله لا أنام عن طلب دمه ما لاح نجم، فاجدع ~~أنفي واضرب ظهري، ودعني وإياها. فقال عمرو: ما أنت ms0620 لذلك بأهل، وقد علمت ~~نصحك لخالي. # فقال: خل عني إذا، فجدع أنفه ولحق بالزباء، فقالت: ما جاء بك؟ فأشار ~~بظهره وأنفه- فقالت العرب: «لأمر ما جدع قصير أنفه! » فقالت: يا قصير، ~~بيننا دم خطير، فقال: يا ابنة الملوك العظام لا ثأر ولا قود، ولقد أتيت فيه ~~على ما يأتي مثلك في مثله، وقد جئتك مستجيرا بك من عمرو فإنه علم أني أشرت ~~على خاله بالمجيء إليك، فجدع أنفي وأذني، وأوجع ظهري، وحال بيني وبين مالي ~~وولدي، فاستجرت بك لعلمي أني لا أكون مع أحد أثقل عليه منك، فقالت له: أهلا ~~وسهلا- وكان يبلغها من رأيه وحزمه- فاحتصته وأنزلته واصطفته، فلما وثقت به، ~~أخذت تستشيره في أمورها. فقال لها يوما: # إن عمرا يطلبك بخاله، والرأي أن تتخذي نفقا لعلك تحتاجين إليه، فقالت له: ~~إني قد اتخذته تحت سريري، وخرجت به تحت سرير أختي- وكان الفرات يشق بين ~~قصيريهما- فأظهر لها السرور، ثم قال لها: إن لي بالعراق أموالا كثيرة تصلح ~~بالملوك فإن جهزتني بمال للتجارة، توصلت فيهإلى أخذ تلك الذخائر وننقلها ~~إليك، فجهزته. فاحتال حتى PageV02P231 # وصل إلى عمرو، فجهزه بطرف من الجواهر والخز والديباج والأسلحة، فرجع بها، ~~فلما تحققت نصحه، أرسلته إلى العراق ثالث سفرة ليضرب لها بها عدة من ~~السلاح، ويشتري لها خيلا وعبيدا لتجهز جيشا إلى من حواليها من الملوك فمشى ~~فيما أمرته به، وتوصل إلى عمرو، وقال: قد أصبت الفرصة من الزباء، فقال ~~عمرو: قل اسمع، ومر افعل، فأنت طبيب هذه القرحة، فقال: الرجال والمال، ~~فقال: حكمك فيما عندي مسلط، فعمد إلى ألفي رجل من أهل القتال، وجعلهم في ~~غرائر سود، وجعل سلاحهم السيوف والحجف (¬1)، وجعل رءوس الغرائر مربوطة من ~~داخلها، وجعل عمرا في الحملة، وساق الخيل والعبيد، فلما قاربها بعث إليها ~~البشير بسلامة قصير وكل ما جاء به، فسألت عن العير أين نزل؟ فقيل لها: ~~بالغوير- وكانت تنظره من غير طريق الغوير- فقالت: عسى الغوير أبؤسا، وتقدم ~~قصير، فدخل عليها فبشرها، فرقيت سطحا عاليا لتنظر مجيء الإبل، فنظرت ~~قوائمها تسوخ في الأرض لما عليها ms0621 من الأثقال، فقالت: يا قصير: # [الرجز] # ما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا! (¬2) # أم صرفانا باردا شديدا ... أم الرجال جثما قعودا # وكانت قالت لجواريها: إني أرى الموت الأحمر في الغرائر السود، فذهبت مثلا. # فدخلت الجمال المدينة، فجس بواب بمخصرة في يده غرارة على آخر بعير، ~~فأصابت المخصرة خاصرة رجل فضرط فصاح: الشر الشر، فأظهروا علامة كانت بينهم، ~~فحلوا رءوس الجوالق، فخرج منها ألفا دارع بألفي سيف، فصاحوا: يا لثأر الملك ~~المقتول غدرا! وهربت الزباء تطلب النفق إلى تحت الفرات، فسبق عمرو إلى بابه ~~مع قصير، وكانت صورة عمرو مصورة في جانبها، فعند ما رأته عرفته، وكانت جعلت ~~تحت فص خاتمها سم ساعة فمصت الفص، وقالت: بيدي لا بيد عمرو. فسقطت، وعمرو ~~وقصير يضربانها بالسيف، فماتت بين السم والسيف، فاستباحوا بلدها بما فيه، ~~واستولى عمرو على مملكتها. واتخذ عمرو الحيرة دار ملكه، وتوارثها بنوه ~~واحدا واحدا إلى النعمان بن المنذر، وهو الذي أدرك زمن المصطفى صلى الله ~~عليه وسلم وقتله كسرى، وهو آخرهم، PageV02P232 # وكان مقتل والد الزباء عند بعث عيسى عليه السلام. وقال ابن دريد: [الرجز] # وسيف عمرو استعلت به همته ... حتى رمى أبعد شأو المرتمى # فاستنزل الزباء قسرا وهي من ... عقاب لوح الجو أعلى منتهى # *** # إلى حديقة أخذت زخرفها وازينت، وتنوعت أزاهيرها وتلونت، ومعنا الكميت ~~الشموس، والسقاة الشموس والشادي الذي يطرب السامع ويلهيه، ويقري كل سمع ما ~~يشتهيه. فلما اطمأن بنا الجلوس، ودارت علينا الكئوس، وغل علينا ذمر، عليه ~~طمر، فتجهمناه تجهم الغيد الشيب، ووجدنا صفو يومنا قد شيب. # *** ### || AUTO [مما قيل في الرياض والبساتين] # قوله: إلى حديقة أخذت زخرفها وازينت. # نريد أن نصل باب الرياض والبساتين، إذ هي جامعة ألوان لم تدخلها الصنعة، ~~ولم تمازجها الكلفة، مع بديع أزهارها التي سماها الله سبحانه وتعالى زينة، ~~وزخرفا فقال تعالى: حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت [يونس: 24]، وأن ~~نجتني فيه بعض ما قالت العرب، ونقلته الرواة من الشعر المستحسن، والتشبيه ~~المشاكل، فإن جل النفوس مستأنسة به ونازعة إليه، ومرتاحة لذكره، ms0622 ومشتاقة ~~إلى زمانه، ولا تكون الرياض مونقة، والأزهار مشرقة، إلا في اعتدال الزمان، ~~وجدة الأيام، وهي إذا حلت الشمس في برج الحمل، كما قال الحسن: [المنسرح] # أما ترى الشمس حلت الحملا ... وقام وزن الزمان واعتدلا # فاشرب على جدة الزمان وقد ... أصبح وجه الزمان مقتبلا # وغنت الطير بعد عجمتها ... واستوفت الخمر حولها كملا # قال الأصمعي رحمه الله تعالى: سألت أعرابيا عن الغيث، فقال: عصلت الحياض، ~~وأشرقت الرياض، وأخرجت الأرض زخرفها، وأنبتت من كل زوج بهيج. # وقيل لأعرابي: أي شيء رأيت أحسن؟ فقال الأعرابي: ظباء راتعة، في رياض ~~يانعة، والشمس طالعة. # وقيل لآخر: صف لنا الربيع وأوجز، فقال: هو صديق النفس بريحانة، وملك ~~الطرف بريعانه، مع أنه أشكل بالشبيبة، وباعث الشهوة البعيدة. # وقال إبراهيم بن السدي: خرجت أريد نزهة نهر الأبلة مما يلي كاظمة تميم ~~وقصر PageV02P233 # معبد، حتى غورت في مبنى أتخيل الرياض، وأجيل ناظري في مساقط الغيث، حتى ~~دفعت إلى أعرابي عند روضة غناء، عميم نبتها، زاهر نورها، يطيف بها، فقلت: ~~يا أعرابي، أحسن عندك ما ترى؟ فقال: كلا والله، سماء مظلة وأرض مقلة، تضحك ~~هذه عن بكاء هذه، فما شئت من درة بيضاء، وياقوتة حمراء، وزمردة خضراء، قد ~~نظمتها أيدي المزن في نحور الصعيد. # وقال يزيد بن ماهان الأوسي: أتيت أرض السماوة في أنف من الربيع، وقد ~~اكتهل النبت فلما جزت ساحة الحي دفعت إلى جوار كأنهن دمي العاج، يمشين ~~كقضيب البان، وبين أيديهن روضة مشرقة، وهن يطفن بها، ويهبن الولوج فيها. ~~فقلت: ما لكن لا تلجن الروضة، فهي أوطأ لأقدامكن، وأقرب لإثارة أرجها من ~~أنوفكن؟ فقالت إحداهن: أحرام عندك أن يطأ بعضنا خدود بعض؟ قلت: بلى والله، ~~قالت: فوجه الأرض أحق بالتحريم أن يحصد أو يتوسد. # وبعث الحجاج إلى عبد الملك بجاريتين، وكتب إليه: هما عندي بمنزلة روضتين ~~من رياض السماوة، جاد الربيع أوله وآخره عليهما، فاعتم نبتهما، ونور ~~زهرهما، وحسن منظرهما، وقد بعثت إلى أمير المؤمنين بهما مباركا له فيهما. # وقد ذكرت الشعراء الغيث والرياض بألفاظ مستحسنة، ومعان ms0623 مستظرفة، وتمثيل ~~رائع، وتشبيه رائق، يبعث السرور، وينفي لوعة المحزون، ويجلب أريحية الفتوة ~~والشباب، فنذكر هنا من محاسن أشعارها ولطائف مذاهبها في ذلك ما نرجو به أن ~~يفي بالغرض الذي قصده وضمنه الحريري صدر هذه المقامة ونوافقه، ونشرح منزعها ~~الشريف في ذلك ونحققه إن شاء الله تعالى. # أنشد السيرافي رحمه الله تعالى يصف روضة: [البسيط] # نضاخة تملأ العينين بهجتها ... فيحاء حفت بأنواع الرياحين # في ظل آس وجرجير ونرجسة ... وسوسن زان وردا بين نسرين # وكرمة ذات أعناب مذللة ... من كل أقطارها تحت الأفانين # شبهت فيها العناقيد التي بقيت ... أولاد زنجية فطس العرانين # فتارة من يواقيت منضدة ... وكالزبرجد في بعض الأحايين # فعينها غدق وماؤها غبق ... وريحها ريح مسك الهند والصين # فيها زرابي قد بثث ملمعة ... يضحكن عن زهر أنواع البساتين # فعارضه حسن الكوفي، فقال: [البسيط] # كأنها كاعب حسناء أبرزها ... عيد فلم تأل في طيب وتزيين # تبرجت لتروق الناس بهجتها ... فالناس ما بين مبهوت ومفتون PageV02P234 # والأيك مائلة الأغصان زائدة ... قد كسيت زخرفا حمر الأفانين # إذا الرخاء جرت في نورها لفظت ... قراضة من حرير الري والصين # كأنما ألبست أكمامها حللا ... من وشي إسكندر أو من نصيبين # وقال علي بن الجهم: [البسيط] # لم يضحك الروض إلا حين أعجبه ... حسن النبات وصوت الطائر الغرد # بدا فأبدى لنا دنيا محاسنها ... وراحت الراح في أثوابها الجدد # ما قابلت قضب الريحان طلعته ... إلا تبين فيه ذلة الحسد # بين النديمين والخلين مسرعة ... وسيره بيد موصولة بيد # فبادرته يد المشتاق تسنده ... إلى الترائب والأحشاء والكبد # لا عذب الله إلا من يعذبه ... بمسمع بارد أو صاحب نكد # وقال البحتري: [الطويل] # سقى الغيث أكناف الحمى من محلة ... إلى الحقف من رمل اللوى المتفاود (¬1) # ولا زال مخضر من اللون يانع ... عليه بمحمر من النور حاشد # يذكرنا رؤيا الأحبة كلما ... تنفس في جنح من الليل بارد # شقائق يحملن الندى فكأنه ... دموع التصابي في خدود الخرائد # ومن لؤلؤ كالأقحوان منظم ... على نكت مصفرة كالفرائد # وقال أيضا: [الخفيف] # وكأن الحوادث والأقحوان ال ... غض نظمان: لؤلؤ وفريد (¬2) # قطرات ms0624 من السحاب وروض ... نثرت وردها عليه الخدود # وقال أيضا: [الطويل] # وقد نبه النوروز في غسق الدجى ... أوائل ورد كن بالأمس نوما (¬3) # ومن شجر رد الربيع لباسه ... عليه كما نشرت بردا متنممنا # وقال الحسن بن وهب: [الكامل] # طلعت أوائل للربيع فبشرت ... نور الرياض بجدة وشباب # وغدا السحاب يكاد يسحب في الثرى ... أذيال أسحم حالك الجلباب PageV02P235 # يبكي فيضحك نورهن، فيا له ... ضحك تحسر عن بكاء سحاب # وترى السماء إذا أجد ركابها ... فكأنما التحفت جناح غراب # وترى الغصون إذا الرياح تأرجت ... ملتفة كتعانق الأحباب # ولأبي زرعة الدمشقي: [الطويل] # وقد أخذت زهر الرياض حليها ... وألبست الأرض الفضاء الزخارف # لجين وعقيان يروق وجوهر ... تؤلفه أيدي الربيع اللطائف # تهادي التلاع الغور مسكا وعنبرا ... تؤديه أنفاس الرياح العواصف # كأن أباريق المدامة بينها ... من المنظر الأعلى ظباء رواعف # ولبكر بن حماد: [المتقارب] # فسقيا لأيامنا الذاهبات ... لقد فارقتنا بصفو الهوى # وهذا الربيع وريعانه ... يجدد عهدا لها قد مضى # يذكرني الورد حمر الخدود ... ولعس الشفاه إذا ما بدا # وسوسنه صحن خد الفتا ... ة إذا برزت لمحب أتى # ونشر الرياح رياح الحبيب ... تباعد موعده أو دنا # يجود بها الطل وشي النبات ... وينظمه بلآلي الندى # ولمحمد بن يزيد: [البسيط] # وروضة صنف النوار جوهرها ... فيها كما شئت من حسن ومن طيب # كأن ما تجتنيه من زخارفها ... أخلاف مستحسن الأخلاق محبوب # ما انفك للعين فيها أعين ذرف ... تبكي بدمع من الأنواء مسحوب # حتى كأن أفانين النبات بها ... على الميادين ألوان اليعاسيب # كأن غدرانها بالروض محدقة ... تحبير ثوب من الموشي مخضوب # وقال كشاجم: [الوافر] # إلى الروض الذي قد زينته ... شآبيب السحائب بالبكاء # بكين عليه فابتهجت رباه ... تباهى في زخارف نسج ماء # كأن الأقحوان بجانبيه ... عذارى يبتسمن من الحياء # وقال ابن الزقاق: [البسيط] # وحدائق خضر المعاطف ألبست ... من حسن بهجتها ثياب زبرجد (¬1) PageV02P236 # جرت عليه الشمس فضل ردائها ... فيرى زبرجدهن تحت العسجد # وقال أيضا: [المنسرح] # وروضة عاطر بنفسجها ... عطرها وشيها وسندسها (¬1) # لما غذتها السحاب درتها ... من فوق حوذانها ونرجسها # خاف عليه الغمام حادثة ... فسل سيف البرق يحرسها ms0625 # وقال أيضا: [الخفيف] # نثر الورد في الغدير وقد دو ... حه بالهبوب نشر الرياح (¬2) # مثل درع الكمى مزقها الطع ... ن فسالت دماه بجراح # وقال أيضا: [الكامل] # وقزازة زرقاء راق صفاؤها ... قد ضم زهر الجلنار رداؤها (¬3) # فاعجب لراح كأسها من فضة ... ما إن تسيل وقد يسيل إناؤها # ومن ملح الأدباء وما تصرفوا به في الأنوار ما كتب به أبو دلف إلى ابن ~~طاهر يعاتبه: [الطويل] # إخاؤكم كالورد ليس بدائم ... ولا خير فيمن لا يدوم له عهد # وعهدي لكم كالآس حسنا وبهجة ... له ورق خضر إذا فنى الورد # فأجابه ابن طاهر: [الطويل] # وشبهت ودي الورد فيما تذمه ... وهل زهرة إلا وسيدها الورد # إخاؤكم كالآس مر مذاقه ... وليس له في الريح قبل ولا بعد # ولم يأت أحد بأخبث من تشبيه ابن الرومي في ذم الورد: # كأنه سرم بغل حين أبرزه ... بعد الخراء وباقي الروث في وسطه # وقال أبو الشيص: [البسيط] # يا من تجلى بريحان ينادمه ... من بين ورد وخيري ونسرين # وياسمين وعود ما يغيره ... ما كان أحسن ذا لو لم يكن دوني # وقال أبو المعلى الطائي: [الطويل] # كأن عيون النور زين بالندى ... عيون تراسلن الدموع على عذلي PageV02P237 # وقال أيضا: [الطويل] # ترى للندى فيه مجالا كأنما ... نثرن عليه لؤلؤا فتبددا # قوله: حديقة، أي بستان. زخرفها، أي زينتها. تنوعت أزاهيرها: اختلفت أنواع ~~أزهارها. # وهذه الحديقة التي ذكر من حسنها، مثل البستان الذي دخله عروة بن الزبير ~~مع عبد الملك بن مروان- وكان عروة معرضا عن الدنيا- فحين رأى في البستان ~~الوصف الذي ذكر الحريري قال: ما أحسن هذا البستان! فقال له عبد الملك: أنت ~~والله أحسن منه، لأنه يؤتى أكله كل عام وأنت تؤتي أكلك كل يوم، وكان عبد ~~الملك يجب عروة ويعظمه، على ما بين الزبيرية والمروانية من التباغض. # وقال لابن شهاب حين وفد عليه: عند من طلبت؟ قال: عند سعيد بن المسيب ~~وسليمان بن يسار وقبيصة بن ذؤيب، فقال عبد الملك: فأين أنت من عروة بن ~~الزبير! فإنه بحر لا تكدره الدلاء. قال ابن شهاب: فلم ms0626 أبارح عروة بعد حتى مات. # قال ابن وكيع في وصف ما ذكره الحريري: [الطويل] # ألست ترى وشي الربيع تنمنما ... وما صنع الربعي فيه ونظما # وقد حكت الأرض السماء بنورها ... فلم أر في التشبيه أيهما سما # فخضرتها كالجو في حسن لونه ... وأنوارها تحكي لعينيك أنجما # فمن نرجس لما رأى حسن نفسه ... تداخله عجب به فتبسما # وأبدي على الورد الجني تطاولا ... وأظهر غيظ الورد في خده دما # وزهر شقيق نازع الورد فضله ... فزاد عليه الورد فضلا وقدما # فظل لفرط الحزن يلطم خده ... فأظهر فيه اللطم جمرا مضرما # ومن سوسن لما رأى الصبغ دونه ... على كل أنواع الرياض تقسما # تجلبب من زرق اليواقيت حلة ... فأغرب في الملبوس فيها وأحكما # وأنوار منثور يخالف شكلها ... فصار بها شكل الربيع منمنما # جواهر لو قد طال فيها حياتها ... رأيت بها كل الملوك مختما # وقالوا أبو بكر البلوي: [البسيط] # وروضة بات ظل الغيث ينسجها ... حتى إذا التحمت أضحى يدبجها # يبكي عليها بكاء الصب فارقه ... إلف فيضحكها طورا ويبهجها # إذا تنفس فيها ريح سوسنها ... وفاح مثل خزاماها بنفسجها # أقول فيها لساقينا وفي يده ... كأس كشعلة نار إذ يوهجها PageV02P238 # لا تمزجنها بغير الريق منك فإن ... تبخل بذاك فدمعي سوف يمزجها # أقل ما بي من عينيك أن يدي ... إذا دنت نحو قلبي كاد ينضجها # وقال الوزير المهلبي: [الكامل] # الورد بين مضمخ ومضرج ... والزهر بين مكلل ومتوج # طلع النهار فلاح نور شقائق ... وبدت سطور الورد بين بنفسج # والثلج يهبط كالنثار فقم بنا ... نصبحك بابنة كرمة لم تمزج # فكأن يومك في غلالة فضة ... والنبت من ذهب على فيروزج # وقال السري: [الكامل] # وحديقة ينسيك وشي برودها ... حتى تشبهها سبائب عبقري # يجري النسيم خلالها فكأنما ... غمست فضول ردائها في العنبر # طارت قلوب المحل تخفق بينها ... بخفوق رايات السحاب الممطر # طارت عقيقة برقه فكأنما ... صدعت ممسك غيمه بمعصفر # وقال السلامي: [الكامل] # نسب الرياض إلى الغمام شريف ... ومحلها عند النسيم لطيف # أوما ترى طرق البروق توسطت ... أفقا كأن المزن فيه شنوف # واليوم من خجل الشقيق مضرج ... خجل ms0627 ومن مرض النسيم ضعيف # والأرض طرس والرياض سطوره ... والزهر شكل بينها وحروف # فأدر سقيت الري جامك إنه ... يوم على كبد الزمان خفيف # قوله: الكميت، يعني الخمر. الشموس: التي فيها حدة. والشموس: السقاة الذين ~~وجوههم كالشمس، وللسلامي في ذلك: [البسيط] # وظبية من بنات الأنس في يدها ... ووجهها للصبا والحسن خاتام # قد حللت لؤلؤ الأزرار عن درر ... لهن في ثغرها الفضي أتوام # وزارت الأرض منها مقلتان لها ... وحشيتان وعذب الريق بسام # والكأس للسكر التبري صائغة ... والماء للحبب الدري نظام # بتنا نكفكف بالكاسات أدمعنا ... كأننا في حجور الروض أيتام # وهذه أشعار غريبة عجيبة، ولابن سكرة في ذلك: [البسيط] # اشرب ففي اليوم فضل لو علمت به ... بادرت باللهو واستعجلت بالطرب # ورد الخدود وورد الروض قد جمعا ... والغيم مبتسم والشمس في الحجب PageV02P239 # لا تحبس الكأس واشربها مشعشعة ... حتى تموت بها موتا بلا سبب # وقال سيف الدولة وذكر قوس قزح: [الطويل] # وساق صبيح للصبوح دعوته ... فقام وفي أجفانه سنة الغمض # يطوف بكاسات العقار كأنجم ... فمن بين منقض عليها ومنفض # وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفا ... على الجو دكنا والحواشي على الأرض # يطرزها قوس السماء بأصفر ... على أخضر في أحمر تحت مبيض # كأذيال خود أقبلت في غلائل ... مصبغة والبعض أقصر من بعض # وهذه من التشبيهات الملوكية التي لا يحضر السوقة مثلها. وقال ابن الزقاق: # [المنسرح] # وشادن طاف بالكئوس ضحى ... فحثها قد وضحا (¬1) # والروض يبدي لنا شقائقه ... وآسه العنبري قد نفحا # قلنا وأين الأقاح؟ قال لنا ... أودعته ثغر من سقى القدحا # فظل ساقي العقار يحجزه ... عنا فلما تبسم افتضحا # وقال أيضا: [البسيط] # نبهته ونجوم الليل زاهرة ... والفجر منصدع والصبح قد لاحا (¬2) # والليل منهزم ولت عساكره ... والروض مبتسم والزهد قد فاحا # فقام يمسح عينيه براحته ... فخلته في ظلام الليل مصباحا # قوله الشادي: المغني. يلهيه: يشغله ويزيل همه. يقري: يعطي ويهدي. سمع: # أذن. ولبعضهم في غلام مغن- وأجاد: [الوافر] # فديتك يا أتم الناس ظرفا ... وأصلحهم لمتخذ حبيبا # فوجهك نزهة الأبصار حسنا ... وصوتك أمتع الأصوات طيبا # وسائلة تسائل عنك قلنا ... لها في وصفك ms0628 العجب العجيبا # رنا ظبيا وغنى عندليبا ... ولاح شقائقا، ومشى قضيبا # وقال ابن الزقاق: [الطويل] # يذكرني تحنان شدو غنائه ... على الأيك تحنان الحمام المغرد (¬3) # له نغمات أفحمت كل صادح ... وصوت نشيد قد شجا كل منشد PageV02P240 # فدع كل ما حدثت عن صوت معبد ... وطارح نشيدا عن نشيد ابن معبد # قوله: اطمأن، أي استقر وسكن. وغل: دخل، والواغل الداخل على الشراب ولم ~~يدع إليه. ذمر: شجاع، والذمر أيضا: الخبيث ذو الدهاء، وهو مخففمن ذمر، وهو ~~الشجاع، والجمع أذمار، ومنه فلان حامي الذمار، معناه: يحمي ما يلزمه أن ~~يحميه، وسمي ذمارا لأن الإنسان يذمر نفسه، أي يحرضها به، وذمرت الرجل ~~أذمره، إذا حرضته. طمر: خلق. تجهمناه: عبسنا له، والجهامة: العبوس، ويقال: ~~تجهمني فلان بكذا، يتجهمني بمعناه. ### || AUTO [مما قيل في الشيب والشباب] # الغيد: النساء الحسان اللينات الأعناق. الشيب: الشيوخ، الواحد أشيب. شيب: # كدر ونغص، وأول من نطق بهذا المعنى امرؤ القيس بقوله: [الطويل] # أراهن لا يحببن من قل ماله ... ولا من رأين الشيب فيه وقوسا (¬1) # وعلقمة في قوله: [الطويل] # إذا شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له من ودهن نصيب (¬2) # وقال حبيب في هذا المعنى فأحسن: [الخفيف] # لعب الشيب في المفارق بل ج ... د فأبكى تماضرا ولعوبا (¬3) # يا نسيب الثغام ذنبك أبقى ... حسناتي عند الحسان ذنوبا # ولئن عبن ما رأين لقد أن ... كرن مستنكرا وعبن معيبا # لو رأى الله أن للشيب فضلا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا # وقال علي بن الجهم: [الخفيف] # أنكرت ما رأت برأسي وقالت ... أمشيب أم لؤلؤ منظوم # قلت أولاهما برأسي فأنت ... أنة يستثيرها المهموم # حسرت عني القناع ظلوم ... فتولت ودمعها مسجوم # وقال عمرو الوراق: [مجزوء الكامل] # لا تطلبن أثرا بعين ... فالشيب إحدى الميتتين PageV02P241 # أبدى مقابح كل شي ... ن ومحا محاسن كل زين # فإذا رأيت الغانيا ... ت رأين منك غراب بين # ولربما نافسن في ... ك وكن طوعا لليدين # أيام همتك الشبا ... ب وأنت سهل العارضين # الفنجديهي: من أحسن ما سمعت في هذا المعنى قول ابن البياضي، رحمه الله ~~تعالى: [الكامل] ms0629 # عرض المشيب بعارضي فأعرضوا ... وتقوضت خيم الشباب فقوضوا # فكأن في الليل البهيم توسطوا ... حفرا وفي الصبح المنير تقبضوا # ولقد رأيت وما رأيت بمثله ... بينا غراب البين فيه أبيض # وقال حبيب وزاد في الشيب نقاء الخد: [الكامل] # راحت غواني الحي عنك غوانيا ... يلبسن نأيا تارة وصدودا (¬1) # من كل سابغة الشباب إذا بدت ... تركت عميد القريتين عميدا # أزرين بالمرد الغطارف بدنا ... غيدا ألفتهم لدانا جيدا # أحلى الرجال من النساء مواقعا ... من كان أشبههم بهن خدودا # حتى إذا ما الشعر سود وجهه ... عاد المسود بينهن مسودا # هذا من قول الأعشى: [الكامل] # وأرى الغواني لا يواصلن امرأ ... فقد الشباب وقد يصلن الأمردا (¬2) # ولحبيب- وروي لأبي دلف: [الكامل] # نظرت إلي بعين من لم يعدل ... لما تمكن طرفها من مقتلي # لما رأت وضح المشيب بلحيتي ... صدت صدود مفارق متحمل # فجعلت أطلب وصلها بتلطف ... والشيب يغمزها بألا تفعل # وقال محمد بن أمية: [الطويل] # رأين الغواني الشيب لاح بعارضي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر # وكن إذا أبصرنني أو سمعنني ... دنون فرفعن الكوى بالمحاجر PageV02P242 # وللشريف الرضي رحمه الله: [الكامل] # قالوا المشيب فعم صباحا بالنهي ... واعقر مراحك للطروق الزائر (¬1) # لو دام لي ود الكواعب لم أبل ... بطلوع شيب وابيضاض غدائر # لكن شيب الرأس إن يك طالعا ... عندي فوصل البيض أول عابر # إن أعرضت عنه الخدود فطالما ... عطفت له بسوالف ومحاجر # ولقد يكون وما له من عاذل ... واليوم عاد وما له من عاذر # كان السواد سواد عين حبيبه ... فغدا البياض بياض عين الناظر # لو لم يكن في الشيب إلا أنه ... عذر الملول وحجة للهاجر # وقال أيضا: [الوافر] # لجام الشيب ثنى لي جيادي ... ورباني لعذالي وراضا (¬2) # لو عني الخدود من الغواني ... وغمض عني الحدق المراضا # وصار بياضه عندي سوادا ... وكان سواده عندي بياضا # ودخل أبو دلف على المأمون، وقد ترك الخضاب، فغمز جارية عنده أن تعبث به، ~~فقالت: شبت يا أبا دلف، إنا لله وإنا إليه راجعون! فسكت عنها، فقال له ~~المأمون: # أجبها، فأطرق برأسه ثم رفعه، فقال: [البسيط] # تهزأت إذ رأت شيبي فقلت ms0630 لها ... لا تهزئي من يطل عمر به يشب # شيب الرجال لهم زين ومكرمة ... وشيبكن لكن الويل فاكتئبي # فينا لكن- وإن شيب بدا- أرب ... وليس فيكن بعد الشيب من أرب # *** # إلا أنه سلم تسليم أولي الفهم، وجلس يفض لطائف النثر والنظم، ونحن ننزوي ~~من انبساطه، وننبري لطي بساطه، إلى أن غنى شادينا المغرب، ومغردنا المطرب: ~~[الوافر] # إلام سعاد لا تصلين حبلي ... ولا تأوين لي مما ألاقي # صبرت عليك حتى عيل صبري ... وكادت تبلغ الروح التراقي # وها أنا قد عزمت على انتصاف ... أساقي فيه خلي ما يساقي PageV02P243 # فإن وصلا ألذ به فوصل ... وإن صرما فصرم كالطلاق # قال: فاستفهمنا العابث بالمثاني، لم نصب الوصل الأول ورفع الثاني؟ # فأقسم بتربة أبويه، لقد نطق بما اختاره سيبويه. # قوله: «يفض» يكسر. لطائم: أوعية الطيب، وجعلها للكلام مجازا. ننزوي ~~ننقبض. وننبري: نبادر. لطي بساطه: لقطع كلامه. المغرب: الحسن الغناء الآتي ~~بالغريب فيه. والشادي والمغرد واحد وهو المغني. المطرب: الآتي بالطرب وهو ~~الاهتزاز بالسرور، وقد يكون من شدة الحزن، وقال ابن رشيق في مغن: [الخفيف] # غنني يا مجود الخلق عندي: ... «حي بحدا ومن بأكناف نجد» # واسقني ما يصير ذو البخل منها ... حاتما والجبان عمرو بن معدي # في زمان الشباب عاجلني الشي ... ب فهذا أوائل الدن دردي # وقال البجلي في مغنية: [الوافر] # ولاعبة الوشاح بغصن بان ... لها أثر بتقطيع القلوب # إذا استولت طريق العود نقرا ... وغنت في محب أو حبيب # فيمناها يفديها فؤادي ... ويسراها تفديها ذنوبي # قوله: تأوين، أي تشفقين. عيل: غلب، وأنث الروح لأنه ذهب به إلى النفس، ~~قال ابن ظفر: الروح الذي يكون به الحياة، وإذا فارق الجسد كان الموت، ~~والنفس التي بها العقل وهي المقبوضة عند النوم، ولا معنى للإكثار في هذا ~~لأن الشارع ليس له فيه قول يعول عليه، ولا للحواس على إدراكه حول فنهتدي إليه. # التراقي: العظمان المعوجان أعلى الصدر: خلي: صاحبي. صرم: قطيعة، ويستقبح ~~عندهم مجازاة الحبيب على إساءته، كبيت امرئ القيس: [الطويل] # * فسلي ثيابي من ثيابك تنسل (¬1) * # وقول طرفة: [الرمل] # وإذا تلسنني ألسنها ... إنني ms0631 لست بموهون فقر (¬2) PageV02P244 # وقول الأعرابي: [الكامل] # إن كان أهلك يمنعونك رغبة ... عني فأهلي بي أضن وأرغب # والمستحب عندهم قول ابن ربيعة: [الوافر] # ألا يا من أحب بكل نفسي ... ومن هو من جميع الناس حسبي # ومن يظلم فأغفره جميعا ... ومن هو لا يهم بغفر ذنبي # وقال أبو نواس: [الوافر] # جنان تسبني- ذكرت بخير- ... وتزعم أنني رجل خبيث (¬1) # وأن مودتي كذب ومين ... وأني للذي يطوى بثوث # وما صدقت ولا رد عليها ... ولكن الملول هو النكوث # ولي قلب ينازعني إليها ... وشوق بين أضلاعي حثيث # رأت كلفي بها ودوام عهدي ... فملتني كذا كان الحديث # وقال ابن شهيد: [البسيط] # كلفت بالحب حتى لو دنا أجلي ... لما وجدت لطعم الموت من ألم # وعاقني كرمي عمن ولهت به ... ويلي من الحب أو ويلي من الكرم # وأطرب من شعر المقامة لغناء، ما حكي أن القاضي أبا عبد الله محمد بن عيسى ~~من بني يحيى، خرج إلى حضور جنازة، وكان رجل من إخوانه ينزل بقرب مقبرة ~~قريش، فعزم عليه بالميل إليه، فنزل وأحضر له طعاما، وغنت جاريته: [الكامل] # طابت بطيب لثاتك الأقداح ... وزها بحمرة وجهك التفاح # وإذا الربيع تنسمت أرواحه ... نمت بعرف نسيمك الأرواح # وإذا الحنادس ألبست ظلماءها ... فضياء وجهك في الدجى مصباح # فكتبها القاضي طربا بها على ظهر يده، ثم خرج. قال الراوي: فلقد رأيته ~~يكبر على جنازة والأبيات على ظهر يده. # وقال إبراهيم بن المهدي: دخلت يوما على الرشيد وفي رأسه فضلة خمار، وبين ~~يديه المغنون، فقال: يا إبراهيم، بحقي عليك غنني، فأخذت العود فغنيته من ~~أشعار جرير: [الكامل] PageV02P245 # أسرى لخالدة الخيال ولا أرى ... شيئا ألذ من الخيال الطارق (¬1) # إن البلية من تمل حديثه ... فاتبع حديثك من حديث الوامق # أهواك فوق هوى النفس ولم يزل ... مذ بنت قلبي كالجناح الخافق # شوقا إليك ولم تجار مودتي ... ليس المكذب كالحبيب الصادق # وقال ابراهيم الموصلي لابن جامع: لو هذا طلب الغناء كما نطلبه، ما أكلنا ~~معه الخبز، فقال ابن جامع: صدقت. # ومما ينتظم في هذا النمط ويغنى به قول الآخر: [البسيط] # قال ms0632 الوشاة لهند عن تصارمنا ... ولست أنسى هوى هند وتنساني # قد قلت حين بدا لي بخل سيدتي ... وقد تتبع في بثي وأحزاني # هل تعلمين وراء الحب منزلة ... تدني إليك فإن الحب أقصاني # والحريري لم يتعرض بشعره في هذا، لأنه بنى البيت في المسألة، لكن فيما ~~ذكرناه زيادة بيان، وأنه يجب أن يختار المغني، ما يتلقى للغناء من كل جهاته ~~بالاستحسان. # قوله: العابث بالمثاني، أي اللاعب بأوتار عود الغناء. ومما يستحسن في وصف ~~العود قول ابن القاضي: [البسيط] # جاءت بعود تناغيه ويسعدها ... فانظر بدائع ما خصت به الشجر # غنت على عودها الأطيار مفصحة ... غضا فلما ذوى غنى به البشر # فلا يزل عليه أو به طرب ... يهيجه الأعجمان: الطير والوتر # وقال ابن شرف: [الطويل] # سقى الله أرضا أنبتت عودك الذي ... زكت منه أغصان وطابت مغارس # تغنى عليه الطير والعود أخضر ... وغنى عليه الغيد والعود يابس # ومما قيل في ذم مغن: [الكامل] # لو أبصرت عيناك بشرا جالسا ... والعود في يده يبث وساوسا # لرأيت منه فتى تحب بأن ترى ... في الرأس منه مشاورا وطنافسا # فإذا تربع- لا تربع بعدها- ... وبدا يحرك عوده متنافسا # فكأن جرذان المدينة كلها ... في عوده يقرضن خبزا يابسا PageV02P246 # المثاني: أوتار بالعود، معروفة على سائر أوتاره. بتربة أبويه، يريد ~~عظامهما التي تصير ترابا في القبر، ولذلك أقسم بالقبر. ### || AUTO [سيبويه] # وأما سيبويه ففارسي، مولى لبني الحارث بن كعب، واسمه عمرو بن عثمان بن ~~قنبر، وتفسير سيبويه بالفارسية ريح التفاح، وهو لقب له لأنه كان من أطيب ~~الناس رائحة، وأجلهم وجها، وقد أشرنا إلى ذلك في العاشرة. وقيل: معنى «سي» ~~ثلاثون و «بويه» رائحة التفاح، فكأن معناه: الذي ضعف طيب رائحته ثلاثين ~~مرة. وقيل: إن أمه كانت ترقصه بذلك وهو صغير فلزمته. # وولد بالبيضاء، وهي قرية بشيراز من عمل فارس ونشأ بها، وقدم البصرة في ~~أول أيامه ليكتب الحديث، فلزم حلقة حماد بن سلمة فاستملى عليه يوما قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # «ليس من أصحابي إلا من لو شئت لأخذت عنه ليس أبا الدرداء» ms0633 فقال سيبويه: ~~ليس أبو الدرداء، بالرفع، وظنه اسم ليس، فقال حماد: لحنت يا سيبويه، ليس ~~هذا حيث ذهبت، إنما ليس هنا استثناء، فقال سيبويه: سأطلب علما ليس يلحنني ~~فيه أحد، فلزم الخليل، فبلغ في علم النحو الغاية، وضرب به في ذلك المثل وهو ~~أول من بسط طريقته، وشرع شريعته، وكتابه الإمام في النحو، الذي لم يصنع ~~قبله ولا بعده مثله، وغاية لأئمة فهمه. # وأخذه الأخفش عنه. # وقيل ليونس: ألف سيبويه كتابا نحوا من ألف ورقة في علم الخليل، فقال: متى ~~سمع سيبويه هذا كله! فأتي بكتابه، فنظر فيه فقال: يجب أن يكون صدق عن ~~الخليل، كما صدق فيما حكاه عني. # وناظر الأصمعي سيبويه، فغلبه الأصمعي بلسانه فقال يونس: الحق مع سيبويه. # وكانت في لسانه حبسة، وقلمه أبلغ من لسانه. قال أبو زيد: كان سيبويه ~~يختلف إلي وهو غلام له ذؤابتان، وإذا قال في كتابه: حدثني من أثق به، فإنما ~~يعنيني. # قال الأخفش: كان سيبويه إذا وضع شيئا من كتابه عرض علي وهو يرى أني أعلم ~~منه، وكان أعلم مني. # والأخفش هذا هو سعيد بن مسعدة مولى بني مجاشع، يكنى أبا الحسن، وهو الذي ~~أخذ الكتاب عن سيبويه، وهو أكبر من سيبويه، وصحب الخليل. وأما الأخفش ~~الكبير شيخ سيبويه فهو عبد الحميد بن عبد المجيد، يكنى أبا الخطاب وهو ~~الأخفش الكبير، ويونس هو ابن حبيب، يكنى أبا عبد الرحمن مولى بني ضبة، أخذ ~~النحو عن حماد بن سلمة وعن أبي عمرو بن العلاء، وقيل: إنه جاوز المائة في ~~سنه ولما فاق سيبويه في علم النحو أهل عصره، وبرز فيه على نظرائه من أهل ~~دهره، سمع أن الكوفيين ظهروا ببغداد PageV02P247 # عند الرشيد بعلم النحو، وهم الكسائي وأصحابه، فقصدهم ببغداد، وناظرهم ~~بحضرة الرشيد وبحضرة يحيى بن برمك. # وناظره الكسائي، وقيل الفراء بحضرة الكسائي في المسألة الزنبورية ~~المشهورة، وقد ذكرناها في الرابعة والثلاثين، وكان- فيما ذكر- الظهور ~~لسيبويه، وتراضوا بينهم بشهادة الأعراب الحاضرين بباب الخليفة، فقدم ~~الكوفيون بجانبهم عند الخليفة للأعراب من لغتهم أن يجيبوا بموافقة ms0634 قول ~~الكوفيين، فأجابوا بذلك، فخرج سيبويه خجلا وكاد يموت غما، فزعموا أنهم ~~شفعوا للرشيد لئلا يرجع مغلوبا خائبا فأمر له بعشرة آلاف درهم، فانبعث إلى ~~الأهواز ولم يعرج على البصرة. فأقام هناك مدة مديدة إلى أن مات. # وحكي أنه لما انصرف عنهم مغموما لقي الأخفش سعيد بن مسعدة، فأخبره ~~بتألبهم عليه، فدخل الأخفش، فسأل الكسائي عن مائة مسألة فخطأه فيها كلها، ~~فقال له: أنت سعيد بن مسعدة؟ فقال: نعم، فسأله أن يؤدب أولاده فأجابه. وقرأ ~~عليه الكسائي كتاب سيبويه، وأعطاه سبعين دينارا. # ويروى أنه لما بلغ الكسائي موته، قال للرشيد: يا أمير المؤمنين، أد عني ~~ديته، فإني أخاف أن أكون شاركت في موته. # وقيل: إنه مات من ذرب المعدة. # وقيل: إنه لما خرج عنهم سأل من يرغب من الملوك في النحو، فقيل له: طلحة ~~ابن طاهر بخراسان، فقصده، فلما انتهى إلى ساوة مرض ومات. # ولما احتضر وضع رأسه في حجر أخيه، فقطرت دمعة من دموعه على خده، فرفع ~~عينيه إليه، وقال: [الطويل] # أخيين كنا فرق الدهر بيننا ... إلى الأمد الأقصى، ومن يأمن الدهرا! # ثم قال عند موته: [المتقارب] # نؤمل دنيا لنبقى بها ... وتأتي المنية دون الأمل # حثيثا يروي أصول الفسيل ... فعاش الفسيل ومات الرجل # وفيه أنه مات بشيراز وقبر بها سنة ثمانين. وقيل سنة أربع وتسعين ومائة ~~قال أبو سعيد الصولي: رأيت على قبره مكتوبا لسليمان بن يزيد: [الكامل] # ذهب الأحبة بعد طول تزوار ... ونأى المزار فأسلموك وأسرعوا # تركوك أوحش ما تكون بقفرة ... لم يؤنسوك وكربة لم يدفعوا # قضي القضاء وصرت صاحب حفرة ... عنك الأحبة أعرضوا وتصدعوا # *** PageV02P248 # فتشعبت حينئذ آراء الجمع، في تجويز النصب والرفع، فقالت فرقة: رفعهما هو ~~الصواب، وقالت طائفة: لا يجوز فيهما إلا الانتصاب، واستبهم على آخرين ~~الجواب، واستعر بينهم الاصطخاب، وذلك الواغل يبدي ابتسام ذي معرفة، وإن لم ~~يفه ببنت شفة، حتى إذا سكنت الزماجر، وصمت المزجور والزاجر. قال: يا قوم، ~~أنا أنبئكم بتأويله، وأميز صحيح القول من عليله؛ إنه ليجوز رفع الوصلين ~~ونصبهما، والمغايرة في ms0635 الإعراب بينهما، وذلك بحسب اختلاف الإضمار، وتقدير ~~المحذوف في هذا المضمار. قال: ففرط من الجماعة إفراط في مماراته، وانخراط ~~إلى مباراته. # *** # قوله: تشعبت، تفرقت، وشعبت الشيء: فرقته وجمعته، وهو من الأضداد. # ورجل شعاب: يضم ويجمع. آراء: جمع رأي. واستبهم: استغلق. استعر: اتقد. # الاصطخاب: اختلاط الأصوات، وقد صخب صخبا. بنت شفة: كلمة. ### || AUTO [مما ورد في اختلاف النحويين] # ومثل اختلاف هذه الجماعة على المعاني في رفع «وصل» وخفضه، اختلاف أصحاب ~~الواثق على جارية غنت بحضرته: [الكامل] # أظلوم إن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ظلم # وذكر الحريري في الدرة: أن أبا العباس المبرد ذكر أن أبا عثمان المازني ~~قصده بعض أهل الذمة ليقرأ عليه كتاب سيبويه، وبذل له مائة دينار، فامتنع ~~أبو عثمان من قبول بذله، فقلت له: جعلت فداك! أتترك هذه النفقة، مع فاقتك ~~وشدة إضاقتك؟ فقال: إن هذا الكتاب يشتمل على ثلاثمائة كذا وكذا آية من كتاب ~~الله تعالى، ولست أرى أن أمكن منه ذميا، غيرة على كتاب الله وحمية له. # قال: فاتفق أن غنت جارية بحضرة الواثق بقول العرجي: أظلوم ... البيت، ~~فاختلف من بالحضرة في إعراب «رجل» فمنهم من نصبه بأن على أنه اسمها، ومنهم ~~من رفعه على أنه خبرها، والجارية مصرة على أن شيخها أبا عثمان لقنها إياه ~~بالنصب، فأمر الواثق بإحضاره. قال أبو عثمان: فلما مثلت بين يديه قال: ممن ~~الرجل؟ قلت: من بني مازن، قال: من أي الموازن؟ أمازن تميم أم مازن قيس؟ أم ~~مازن أم ربيعة؟ فقلت: من مازن ربيعة، فكلمني بكلام قومي وقال لي: باسمك؟ ~~يريد ما اسمك- وهم يقلبون الميم باء والباء ميما إذا كان في أول الأسماء- ~~فكرهت أن أجيبه على لغة قومي لئلا أواجهه بالمكر، فقلت: بكر يا أمير ~~المؤمنين، ففطن لما PageV02P249 # قصدته وأعجب منه، ثم قال: ما تقول في قول الشاعر: [الكامل] # * أظلوم إن مصابكم رجلا (¬1) * # أترفع «رجلا» أم تنصبه؟ فقلت: بل الوجه النصب، قال: ولم ذلك؟ فقلت: «إن ~~مصابكم رجلا» مصدر بمعنى إصابتكم. فأخذ اليزيدي في معارضتي فقلت: هو بمنزلة ~~قولك: ms0636 إن ضربكم زيدا ظلم، فالرجل مفعول بمصابكم ومنصوب به، الدليل عليه أن ~~الكلام معلق إلا أن تقول «ظلم» فيتم. فاستحسنه الواثق وقال: هل لك من ولد؟ قلت: # نعم، بنية يا أمير المؤمنين، قال: ما قالت لك عند مسيرك؟ قلت: أنشدت قول ~~الأعشى: # [المتقارب] # أيا أبتا لا ترم عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم (¬2) # أرانا إذا أضمرتك البلا ... د نجفى وتقطع منا الرحم # قال: فما قلت لها؟ قال: قلت قول جرير: [الوافر] # ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح (¬3) # قال: أنت على النجاح إن شاء الله تعالى. ثم أمر لي بألف دينار وردني مكرما. # قال أبو العباس: فلما عاد إلى البصرة قال: كيف رأيت يا أبا العباس! رددنا ~~لله تعالى مائة فعوضنا بألف. # قال الحريري: فهذه الحكاية ترغب في اقتباس الأدب ودراسته حيث استعطف ~~المازني الواثق ببيت الأعشى حتى اهتز لإحسان صلته. PageV02P250 # قال: وفي أخبار النحويين أيضا أن المازني سئل بحضرة المتوكل عن قوله تعالى: # وما كانت أمك بغيا [مريم: 28] فقيل له: كيف حذفت الهاء من «بغيا» وفعيل ~~بمعنى فاعل، تلحقه الهاء، نحو فتي وفتية وغني وغني، فقال: إن «بغيا» ليست ~~«فعيلا» إنما هو فعول بمعنى فاعل، لأن الأصل «بغوى» ومن أصول التصريف أنه ~~متى اجتمعت الياء والواو في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء، ~~كشويته شيا، ويوم وأيام، وهذا أصل مطرد لم يشذ منه إلا القليل، فعلى هذه ~~القضية تحذف الهاء وجوبا لأنها بمعنى «باغية»، كما تحذف من «صبور» لأنها ~~بمعنى «صابرة». # قال المازني: حضر يعقوب عند الواثق وقد حاز منزلة العلماء، فقال لي ~~الواثق: # سله عن مسألة، فقلت له: ما وزن «نكتل»؟ فقال: «نفعل»، فقلت له: غلطت، ثم ~~قال لي: فسره. فقلت: أصله «نكتيل»، فقلبت الياء ألفا للفتحة قبلها وسكنت ~~اللام للجزم، لأنه جواب أمر، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فقال الواثق: ~~هذا الجواب لا جوابك يا يعقوب، فلما خرجنا قال لي يعقوب: ما حملك على هذا ~~وبيني وبينك المودة؟ # فقلت: والله ما ظننت أنه يعزب عنك ms0637 مثل هذا! فانظر كيف لم يثبت يعقوب ~~الأوزان على ثبوت قدمه في العلم. # لقي هارون الرشيد الكسائي في بعض طرقه فوقف عليه، وتحفى بسؤاله عن حاله، ~~فقال: أنا بخير يا أمير المؤمنين، ولو لم أجد من ثمرة الأدب إلا ما وهب لله ~~تعالى لي من وقوف أمير المؤمنين علي لكان ذلك كافيا محتسبا. # ودخل أبو يوسف رحمه الله تعالى وهما في مذاكرة وممازحة، فقال: يا أمير ~~المؤمنين، إن هذا الكوفي قد غلب عليك، فقال: يا أبا يوسف إنه ليأتيني ~~بأشياء يشتمل عليها قلبي، وتأخذ بمجامعه، فقال الكسائي: يا أبا يوسف، هل لك ~~في مسألة؟ فقال: # في نحو أو في فقه؟ فقال: بل في فقه، فضحك هارون حتى فحص برجليه، وقال: ~~تلقي على أبي يوسف الفقه؟ فقلت: نعم، ثم قال: يا أبا يوسف، فما تقول في رجل ~~قال لزوجته: أنت طالق إن دخلت الدار؟ قال: إذا دخلت الدار طلقت، قال: أخطأت ~~يا أبا يوسف! فضحك الرشيد ثم قال: فكيف الصواب؟ قال: إذا قال: «أن» وجب ~~الفعل، دخلت بعد أو لم تدخل، وإذا قال «إن» بالكسر لم يجب ولم يقع الطلاق. # دخل الفراء على الرشيد فتكلم فلحن مرات، فقال له جعفر: يا أمير المؤمنين، ~~إنه قد لحن، فقال الرشيد للفراء: أتلحن يا يحيى؟ فقال: إن طبع أهل البدو ~~الإعراب وطباع أهل الحضر اللحن، فإذا حفظت أو كتبت لم ألحن، وإذا رجعت إلى ~~الطبع لحنت، فاستحسن الرشيد كلامه وعلم أنه الحق. # وهذا القدر من المناظرة النحوية كاف. # *** PageV02P251 # قوله: الزماجر، أي الأصوات من الجوف كصوت الأسد، الواحدة زمجرة. # صمت: سكت. المزجور: المنهي، والزاجر: الناهي، وزجرته: انتهرته. أنبئكم ~~بتأويله: # أخبركم بتفسيره. المغايرة: المخالفة، وهي من لفظ «غير». المضمار: الموضع ~~يختبر فيه جري الخيل. فرط: تجاوز الحد. مماراته: مخاصمته. انخراط: اندفاع ~~وانطلاق، وخرط عبده: أطلقه على أذية الناس، والمرأة نكحها، والشجرة نثر ~~ورقها بيده. مباراته: # معارضته. # *** # فقال: أما إذ دعوتم نزال، وتلببتم للنضال؛ فما كلمة هي إن شئتم حرف ~~محبوب، أو اسم لما فيه حرف حلوب؟ ms0638 وأي اسم يتردد بين فرد حازم، وجمع ملازم؟ ~~وأية هاء إذا التحقت أماطت الثقل، وأطلقت المعتقل؟ وأين تدخل السين فتعزل ~~العامل، من غير أن تجامل؟ وما منصوب أبدا علىالظرف، لا يخفضه سوى حرف؟ وأي ~~مضاف أخل من عرى الإضافة بعروة، واختلف حكمه بين مساء وغدوة؟ وما العامل ~~الذي يتصل آخره بأوله، ويعمل معكوسه مثل عمله؟ وأي عامل نائبه أرحب منه ~~وكرا، وأعظم مكرا، وأكثر لله تعالى ذكرا؟ وفي أي موطن تلبس الذكران براقع ~~النسوان، وتبرز ربات الحجال بعمائم الرجال؟ وأين يجب حفظ المراتب، على ~~المضروب والضارب؟ وما اسم لا يعرف إلا باستضافة كلمتين، أو الاقتصار منه ~~على حرفين وفي وصفه الأول التزام، وفي الثاني إلزام؟ # وما وصف إذا أردف بالنون، نقص صاحبه في العيون، وقوم بالدون، وخرج من ~~الزبون، وتعرض للهون؟ # فهذه اثنتا عشرة مسألة، وفق عددكم، وزنة لددكم، ولو زدتم زدنا، وإن عدتم عدنا. # *** # نزال، أي انزلوا للحرب، ولذلك بنيت على الكسر لأنها في معنى فعل الأمر، ~~وهي كلمة تقال في الحرب ولها مقامان: الأول أن ينزلوا من ظهور الإبل إلى ~~ظهور الخيل، والثاني أن ينزلوا من ظهور الخيل إلى الأرض؛ وذلك أشد ما يكون للحرب. # تلببتم: تحزمتم. النضال: المراماة بالسهام. حرف: ناقة. حلوب: لها لبن. حازم: # مشمر، أخذ بالثقة. أماطت: أزالت. المعتقل: المحبوس. تجامل، أي تلقى ~~المعزول بجميل. أخل: نقص. معكوسه: مقلوبه. نائبه: القائم مقامه. أرحب منه ~~وكرا: أوسع PageV02P252 # موضعا. مكرا: تصرفا. الحجال: جمع حجلة، وهي الستر. المراتب: المواضع. # استضافة: إضافة أردف: جعل ردفه، أي خلفه. قوم: قدرت قيمته. الدون: ~~الحقير. # الزبون: الكريم الكثير دفع العطايا، أي أخرج من هذه الصفة. والهون: ~~الهوان. وفق: # موافقة. لددكم: خصامكم. عدتم: رجعتم للخصام. # ومن ملح ابن رشيق في مليح نحوي: [السريع] # إن زارني يوما على خلوة ... أو زرته في موضع خال # كنت له رفعا على الابتدا ... وكان لي نصبا على الحال # وقال الميكالي: [البسيط] # أفدى الغزال الذي في النحو كلمني ... مجادلا فاجتنيت الشهد من شفته # وأورد الحجج المقبول شاهده ... مناظرا ليريني ms0639 فضل معرفته # ثم اتفقنا على رأي رضيت به ... والرفع من صفتي والخفض من صفته # *** # قال المخبر بهذه الحكاية: فورد علينا من أحاجيه التي هالت، لما انهالت، ~~ما حارت له الأفكار وحالت. فلما أعجز العوم في بحره، واستسلمت تمائمنا ~~لسحره، عدلنا عن استثقال الرؤية له، إلى استنزال الرواية عنه، ومن بغي ~~التبرم به، إلا ابتغاء التعلم منه. # فقال: والذي نزل النحو في الكلام، منزلة الملح في الطعام، وحجبه عن بصائر ~~الطغام؛ لا أنلتكم مراما، ولا شفيت لكم غراما، أو تخولني كل يد، ويختصني كل ~~منكم بيد. فلم يبق في الجماعة إلا من أذعن لحكمه، ونبذ إليه خبأة كمه. فلما ~~حصلت تحت وكائه، أضرم شعلة ذكائه، فكشف حينئذ عن أسرار ألغازه، وبدائع ~~إعجازه، ما جلا به صدأ الأذهان، وجلى مطلعه بنور البرهان. # قال الراوي: فهمنا، حين فهمنا، وعجبنا إذ أجبنا، وندمنا على ما ند منا. # وأخذنا نعتذر إليه اعتذار الأكياس، ونعرض عليه ارتضاع الكأس. فقال: مأرب ~~لا حفاوة، ومشرب لم يبق له عندي حلاوة، فأطلنا مراودته، ووالينا معاودته. # *** # أحاجيه: ألغازه: هالت: عظمت في النفوس. انهالت: انصبت، وانهال الرمل: # انصب أعلاه إلى أسفله. الأفكار: الأذهان. حالت: تغيرت. استسلمت: انقادت. PageV02P253 # تمائمنا: معاذاتنا، وهي الأحراز. عدلنا: ملنا. الروبة: الفكرة. استنزال: ~~طلبه بتلطف. # بغي: ظلم. ابتغاء: طلب. التبرم: الاستثقال، وبرم بالأمر برما: ضجر، ~~والبرم: البخيل الذي لا يدخل في الميسر. والبصيرة: اليقين والمعتقد وجمعها ~~بصائر، والطغام: الأوغاد وأرذال الناس. أنلتكم: أعطيتكم. مراما: مرادا. ~~تخولني: تملكني وتعطيني. يختصني: # يفردني. بيد، أي نعمة. أذعن: انقاد وذل. نبذ: رمى. خبأة كمه: ما خبئ فيه. بدائع: # غرائب. إعجازه: ما عجز به. جلا: كشف. صدأ: وسخ. جلى: أوضح. البرهان ~~الحجة. همنا: تحيرنا لحسن ما سمعنا، وهام الرجل: ذهب في غير طريق. فهمنا، ~~من الفهم، أي عرفنا. ند: سبق وخرج، يريد الخصام الذي بدروه به وردوا كلامه، ~~وند أصله شرد البعير. قوله: الأكياس: الحذاق العقلاء. ارتضاع: شرب. مأرب: ~~حاجة، قال يعقوب: قال الأموي: ومن الأمثال: مأرب لا حفاوة، يضرب للرجل إذا ~~كان ms0640 يتملقك، أي إنما بك حاجة إلي لا حفاوة لي. قال ابن سيده: مأرب بيننا، ~~يكون واحدا وهو السابق، ويكون جمع مأربة، من الجمع الذي يفارق واحده ~~بالهاء. حفاوة: تهمم، وقد حفيت بك، أي تهممت واعتنيت. ومشرب لم يبق له عندي ~~حلاوة، قال الشاعر في معناه: [الطويل] # ولم أجتنب شرب المدام لعلة ... ولم ألحق الصهباء ذما ولا عذلا # تنافرني أن صرت ضدا لشكلها ... فليست لنا أهلا، ولست لها أهلا # وقال ابن رشيق: [البسيط] # قرعت سني على ما فاتني ندما ... من الشباب ومن باللهو للشيب # فقد رددت كئوس الراح مترعة ... على السقاة وكانت جل مشروبي # أنزه السمع والعينين في نغم ... ومنظر عابث بالحسن والطيب # من كل لافظة بالدر باسمة ... عنه محلاة نوع منه مثقوب # أيام تصحبني الغزلان آنسة ... هذا على أنني أعدى من الذئب # والسابق لرد الكأس لعلة الكبر أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي في قوله: ~~[الطويل] # وصهباء جرجانية لم يطف بها ... حنيف ولم يسعر بها ساعة قدر (¬1) # ولم يحضر القس المهينم نارها ... طروقا، ولم يشهد على طبخها حبر # أتاني بها يحيى وقد نمت نومة ... وقد غابت الشعرى وقد جنح النسر PageV02P254 # فقلت اغتبقها أو لغيري فاسقها ... فما أنا بعد الشيب ويحك والخمر # تعففت عنها في السين التي خلت ... فكيف التصابي بعد ما كلأ العمر # إذا المرء وفى الأربعين ولم يكن ... له دون ما يأتي حياء ولا ستر # فدعه ولا تنفس عليه الذي ارتأى ... وإن جر أسباب الحياة له الدهر # قال الهيثم بن عدي: كنا نقول بالكوفة: من لم يرو هذه الأبيات فلا مروءة ~~له، أنشدها أبو علي في نوادره. وأنشد أيضا: [المتقارب] # رأيت النبيذ يذل العزيز ... ويكسو التقي النقي اتساخا (¬1) # فهبني عذرت الفتى جاهلا ... فما العذر فيه إذ المرء شاخا # وأنشد أيضا في نوادره لمن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية مروءة جملة ~~أشعار، شهرتها في الكتاب أغنت عن ذكرها، وأين شرف أولئك في جاهليتهم- على ~~أن الخمر مباحة لهم- من مجون جماعة من الإسلاميين- على تحريمها عليهم- مثل ~~الرمادي في قوله: [الطويل] # أفي الخمر ms0641 لامت خلتي مستهامها ... كفرت بكأسي إن أطعت ملامها # لمحمولة في الفلك في جنة المنى ... قد أوصى لنوح غرسها وضمامها # فخادعه إبليس عنها لعلمه ... بها فرأى كتمانها واغتنامها # ففاز بثلثيها ونوح بثلثها ... ولولا مضي عنه لم يك رامها # له حظ أنثى وهو حظ مذكر ... قليل لعيني أن أطيل انسجامها # وإنا لوتران وقد مات جدنا ... عنينا وإنا لا نجيز اقتسامها # أخذ هذا من خبر يروى، أن نوحا عليه الصلاة والسلام لما نزل من السفينة، ~~نازعه إبليس أصل العنب، فاصطلحا أن لنوح الثلث ولإبليس الثلثين. # ولما قيل للحسن: نزعت عن اللهو إلى التوبة، قال: [البسيط] # قالوا نزعت ولما يعلموا وطري ... في وصل أغيد ساجي الطرف مياس # كيف النزوع وقلبي قد تقسمه ... لحظ العيون ولون الراح في الكاس # إذا نزعت إلى رشد تكنفني ... رأيان قد شغلا يسري وإفلاسي # فاليسر في القصف واللذات أخلسها ... والعمر في وصل من أهوى من الناس # لا خير للعيش إلا في المجون مع ... الأكفاء في الورد والخيري والآس # ومسمع يتغنى والكئوس لها ... حث علينا بأخماس وأسداس PageV02P255 # يا موري النار قد أعيت قوادحه ... أقبس إذا شئت من قلبي بمقياس # *** # فشمخ بأنفه صلفا، ونأى بجانبه أنفا، وأنشد: [البسيط] # نهاني الشيب عما فيه أفراحي ... فكيف أجمع بين الراح والراح # وهل يجوز اصطباحي من معتقة ... وقد أنار مشيب الرأس إصباحي # آليت لا خامرتني الخمر ما علقت ... روحي بجسمي وألفاظي بإفصاح # ولا اكتست لي بكاسات السلاف يد ... ولا أجلت قداحي بين أقداح # ولا صرفت إلى صرف مشعشعة ... همي ولا رحت مرتاحا إلى راح # ولا نظمت على مشمولة أبدا ... شملي ولا اخترت ندمانا سوى الصاحي # محا المشيب مراحي حين خط على ... رأسي، فأبغض به من كاتب ماحي # ولاح يلحى على جري العنان إلى ... ملهى فسحقا له من لائح لاحي # ولو لهوت وفودي شائب لخبا ... بين المصابيح من غسان مصباحي # قوم سجاياهم توقير ضيفهم ... والشيب ضيف له التوقير يا صاح # ثم إنه انساب انسباب الأيم، وأجفل إجفال الغيم. فعلمت أنه سراج سروج، ~~وبدر الأدب الذي يجتاب البروج. ms0642 وكان قصارانا التحرق لبعده، والتفرق من بعده. # *** # قوله: «شمخ»، أي تكبر ورفع أنفه. صلفا: قحة وصلابة وجه، وفي فلان صلف، أي ~~قلة انطباع وموافقة إذا أردت منه شيئا تهاون بك، والتصليفان: ناحيتا العنق، ~~كأنه إذا كلمته في شيء أعرض عنك، ولوى عنك صليفه، والصلف مجاوزة قدر الظرف، ~~وفي الشهاب: آفة الظرف الصلف. ناء: نهض، ويروى: نأى، تباعد. أنفا: غضبا، ~~وأنفت من كذا تنزهت عنه وترفعت، وأصله من رفع الأنف، فكأنه رفع أنفه تيها ~~عليهم وتكبرا عن منادمتهم لاحتقارهم له أولا قبل اختباره، ثم تبدلهم آخر ~~بعد اعتباره؛ واعتذر لذلك بالشيب. # ونذكر هنا فصلا أدبيا يأتي على جميع أغراض هذه الأبيات: # قال بعض الظرفاء يذم الخمر: الشراب: أول الخراب، ومفتاح كل باب، يمحق ~~الأموال، ويذهب الجمال، ويهدم المروءة، ويوهن القوة، ويضعالشريف، ويذل ~~العزيز، ويبيح الحرائر، ويفلس التجار، ويهتك الأستار، ويورث الشنار. # وقال بعضهم لابنه: كثرة الشراب تكسد القلب، وتقل الكسب، وتغير اللب، ~~واعلم أن الظمأ الذابح، خير من الري الفاضح. PageV02P256 # وقال يزيد بن محمد المهلبي يذمه: [الطويل] # لعمرك ما يحصى على الناس شرها ... وإن كان فيها لذة ورخاء # مرارا تريك الغي رشدا، وتارة ... تخيل أن المحسنين أساءوا # وأن الصديق الماحض الود مبغض ... وأن مديح المادحين هجاء # وجربت إخوان النبيذ فقلما ... يدوم لإخوان النبيذ إخاء # وقال ابن الرومي: [الطويل] # مودة إخوان النبيذ سلافة ... يبولونها عند انقضاء المجالس # فبينا نراهم أهل ألف وأثرة ... وبينا نراهم بينهم حرب داحس # فأما إذا ناديتهم لملمة ... فناد التصاوير التي في الكنائس # ولهذا كتب الحسن إلى صديق له يستهدي منه مشروبا: [السريع] # لما رأيت الحظ للقاعد ... والناس من واش ومن حاسد # خلوت في بيتي وحدي ولا ... أقل في الأعداد من واحد # فابعث بها تشغلني واكفني ... رؤية هذا العالم الفاسد # وقال أيضا: [السريع] # خلوت بالخمر أناجيها ... أشرب منها وأعاطيها # نادمتها إذ لم أجد صاحبا ... أرضاه أن يشركني فيها # شربتها صرفا على وجهها ... فكنت ساقيها وجانيها # قيل لبعضهم: لم لا تتخذ لك نديما؟ قال: لأنه مأخوذ من الندم. # واختلفوا في ms0643 اختيار استعمال النديم، فمنهم من اختار نديما واحدا، ومنهم ~~من انتهى في الاختيار إلى ستة بالساقي وصاحب البيت، وما زاد على ذلك فمذموم ~~بإجماع منهم. قال: وأنشدوا في ذلك: [الطويل] # وخير الندامى ستة من دوي الحجى ... فخمسة إخوان وآخر يمنع # ويحمد في الإخوان من كان محسنا ... بصوت يغنيه ولا يتمنع # *** # قوله: نهاني الشيب، جعله الناهي عن اللذات، لأنه الداعي إلى الفناء ~~والنذير بالموت، وما يقول بغير هذا إلا متكلف عذر، كقول أعرابي- ويروى ~~لإبراهيم بن المهدي: # لقد جل قدر الشيب أن كان كلما ... بدت شيبة يعري من اللهو مركب PageV02P257 # وقال المعذل: [الخفيف] # لاح شيبي فظلت أمرح فيه ... مرح الطرف في اللجام المحلى # وتولى الشباب فازددت ركضا ... في ميادين باطل إذ تولى # إن من ساءه الزمان بشيب ... لأحق أمره بأن يتسلى # أتراني أسوء نفسي لما ... ساءني الدهر، لا لعمري كلا # وقال البحتري يعتذر منه: [الخفيف] # عيرتني بالشيب وهي رمته ... في عذاري بالصد والاجتناب (¬1) # لا تريه عارا فما هو بالشي ... ب ولكنه جلاء الشباب # وبياض البازي أصدق حسنا ... إن تأملت من سواد الغراب # أخذه ابن رشيق فقال: [الوافر] # وإن لم تعجبني ببياض شعر ... فلا تستغربي بلق الغراب # تعافين المشيب وليس هذا ... ولكن هذه شية الشباب # وقال حبيب يتشكاه: [الخفيف] # أصبحت روضة الشباب هشيما ... وغدت ريحه البليل سموما (¬2) # شعلة في المفارق استودعتني ... في صميم الفؤاد ثكلا صميما # غرة بهمة ألا إنما كن ... ت أغرا أيام كنت بهيما # دقة في الحياة تدعى جلالا ... مثل ما سمي اللديغ سليما # وقال مسلم بن الوليد: [البسيط] # الشيب كره وكره أن يفارقني ... أعجب بشيء على البغضاء مورود # يمضي المشيب فلا يأتي له خلف ... والشيب يذهب مفقودا بمفقود # أخذه سليمان بن وهب حين نظر إلى المرآة، فقال: عيب لا عدمناه. وقال أبو ~~الفتح البستي: [الكامل] # يا شيبتي دومي ولا تترحلي ... وتيقني أني بوصلك مولع # قد كنت أجزع من حلولك مدة ... والآن من خوف ارتحالك أجزع # وزاد أبو الطيب على هذا فقال: وذكر أنه يتمنى الشيب في زمن الشباب: ~~[الطويل] PageV02P258 # منى ms0644 كن لي أن البياض خضاب ... فيخفى بتبييض القرون شباب (¬1) # ليالي عند البيض فوداي فتنة ... وفخر وذاك الفخر عندي عاب # فكيف أذم اليوم ما كنت أشتهي ... وأدعو بما أشكوه حين أجاب # كأن أبا الطيب نسي ما قاله في الشيب في الزمن الذي زعم أنه كان يشتهيه ~~ويتمناه: # [البسيط] # أبعد بعدت بياضا لا بياض له ... لأنت أسود في عيني من الظلم (¬2) # وقال ربعي: [المنسرح] # من كان يبكي الشباب من أسف ... فلست أبكي عليه من أسف # كيف وشرخ الشباب أوقفني ... يوم حسابي مواقف التلف # لا صحبت شرة الشباب ولا ... عدمت ما في المشيب من خلف # وقال ابن رشيق: [مخلع البسيط] # أراك للشيب ذا اكتئاب ... فأين تمضي عن الصواب # إن كنت ترعى الوفاء حقا ... فالشيب أوفى من الشباب # وحقيقة الأمر أنه ما زال الناس يكرهون الشيب ويذمونه، نثرا ونظما. لما ~~فيه من دليل الفناء، والهجنة عند النساء، وقطع اللذات بالرقبة والحياء، ~~ويحبون الشباب ويمدحونه، لما فيه من عذرة الجاهل، وإتيان العاجل، وحسن ~~الشمائل؛ إلا أن لطف الحذاق من الشعراء في تحسين ما كانوا يكرهون، وتقبيح ~~ما كانوا يمدحون رياضة للنفوس، وتوسعا في القول، كما قال أحدهم: [الطويل] # تفاريق شيب في العذار لوامع ... وما حسن ليل ليس فيه نجوم! # وقالوا: في الشيب استحكام الوقار، وتناهي الحلال، وميسم التجربة، فهذه ~~مقاصدهم فقف عليها. # قوله: أفراحي: جمع فرح، الراح: الخمر، والثاني جمع راحة، وهي الكف. # معتقة: خمر قديمة شديدة الحمرة. أنار: بيض. إصباحي: احمرار شعري، والصبح: # حمرة الشعر، وضعه موضع السواد، لأن كليهما من حلية الشباب، وحمله على هذا ~~ما ضمن الشيب من التحسين فيقول مستفهما: هل يجوز شربي في البكور من خمر ~~صافية في حال تغيير الكبر شبابي، وتبديله حلية الشباب بحلية الشيوخ. ~~خامرتني: خالطتني. # إفصاحي: تبييني. السلاف: الخمر. وأجلت: صرفت. قداحي: سهام الميسر. أقداح: PageV02P259 # جمع قدح، وهو الكأس. صرفت: رددت. صرف: خمر. مشعشعة: رقيقة المزيج. # همتي: إرادتي. رحت: مشيت بالعشي. مرتاحا: مهتزا من الطرب، وارتاح: وجد ~~راحة الطلب أو خفة الكرم. نظمت: جمعت. مشمولة: خمر، ms0645 وهي الشمول، سميت بذلك ~~لاشتمالها على عقل صاحبها، وقيل: لأنها تشمل القوم بريحها، أي تعمهم. وقيل: ~~لها عصفة كعصفة الريح الشمال. شملي: مجموع أمري، والندمان: هو النديم. ~~الصاحي: # المفيق من سكره. محا: أزال. مراحي: طربي. خط: كتب. أبغض به، أي ما أبغضه ~~إلي. لاح: ظهر يلحى: يلوم ويغلظ القول. جرى العنان، أي انهماكي في الملاهي. # ملهى: لهو. سحقا: بعدا. لائح: ظاهر في الرأس. لاح: شاتم وعائب، يريد أن ~~شيبه لاح في رأسه فلحاه على اللهو والصبا. فودي: جانب رأسي. شائب: فيه ~~الشيب. خبا: # طفئ وسكن ضوأه. غسان: قبيلة. وأحسن ما سمعت في شيب الفود، وفي وخط المشيب ~~الذي ذكر، قول عبد الرحيم بن هارون: [الوافر] # رأيت الشيب مبتسما بفودي ... ففاضت أدمعي بدم الفؤاد # وعمري كل يوم في انتقاص ... وذاك النقص لقب بازدياد # ولي خط وللأيام خط ... وبينهما مخالفة المداد # فأكتبه سوادا في بياض ... وتكتبه بياضا في سواد # أنشدها الفنجديهي وقال عند إنشادها: ولعبد الحميد أبيات، كأنها روضات جنات. # قوله: سجاياهم، أي طبائعهم. يا صاح، أراد يا صاحب فرخم لكثرة الاستعمال. # ولما جعل غسان من عادتهم توقير الضيف، والشيب ضيف وجب عليه توقيره. ~~ومراعاة مثل هذا العموم قد تقدم له في ذم الزجاج الذي جرت عليه سبيله، وأخذ ~~هذا من قول دعبل: [الوافر] # أحب الشيب لما قيل ضيف ... كحبي للضيوف النازلينا (¬1) # وقال المتنبي في ذم هذا الضيف: [البسيط] # ضيف ألم برأسي غير محتشم ... والسيف أحسن فعلا منه باللمم (¬2) # أبعد بعدت بياضا لا بياض له ... لأنت أسود في عيني من الظلم # وقال محمود الوراق: [الكامل] # للضيف أن يقرى ويعرف حقه ... والشيب ضيف فاقره بخضاب # وافي بأصدق شاهد ولربما ... وافي المشيب بشاهد كذاب PageV02P260 # فافسخ شهادته عليك بخضبة ... تنفي الظنون بها عن المرتاب # فإذا دنا وقت الرحيل فخله ... والشيب يذهب فيه كل ذهاب # وقوله: والشيب ضيف له التوقير، قام وكيع لسفيان فنكر قيامه إليه فقال: ~~أتنكر علي قيامي إليك، وأنت حدثتني عن عمرو بن دينار، عن أنس بن مالك رضي ~~الله عنهم: # قال رسول ms0646 الله صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله عز وجل إجلال ذي ~~الشيبة المسلم». قال: فأخذ سفيان بيده، فأقعده إلى جانبه. # وعن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ~~أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض الله تعالى له من يكرمه عند كبر سنه». # وقال صلى الله عليه وسلم: «أوحى إلي ربي يقول: الشيب على عبدي المؤمن نور ~~من نوري، وأنا أكرم من أن أحرق نوري بناري». # وحدث محمد بن مسلم الخواص الرجل الصالح. قال: رأيت يحيى بن أكثم القاضي ~~في المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني بين يديه، وقال: يا شيخ ~~السوء، لولا شيبتك لأحرقتك بالنار، فأخذني ما يأخذ العبد بين يدي مولاه، ~~فلما أفقت قالها ثانية وثالثة، فلما أفقت قلت: يا رب، ما هكذا حدثت عنك، ~~فقال تعالى: وما حدثت عني؟ قلت: حدثني عبد الرزاق، قال: حدثني معمر بن ~~راشد، عن ابن شهاب الزهري، عن أنس بن مالك، عن نبيك محمد صلى الله عليه ~~وسلم عن جبريل، عنك يا عظيم؛ أنك قلت: ما شاب لي عبد في الإسلام شيبة إلا ~~استحييت منه أن أعذبه بالنار، فقال الله عز وجل: صدق عبد الرزاق وصدق معمر، ~~وصدق الزهري وصدق أنس وصدق نبيي وصدق جبريل، أنا قلت ذلك، انطلقوا به إلى الجنة. # *** ### || AUTO تفسير ما أودع هذه المقامة من النكت العربية والأحاجي النحوية # أما صدر البيت الأخير من الأغنية الذي هو: «فإن وصلا ألذ به»؛ فإنه نظير قولهم: # المرء مجزي بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وهذه المسألة أودعها ~~سيبويه كتابه وجوز في إعرابها أربعة أوجه: # أحدها- وهو أجودها- أن تنصب: «خيرا» الأول وترفع الثاني. وتنصب: «شرا» ~~الأول وترفع الثاني، ويكون تقديره: إن كان عمله خيرا فجزاؤه خير، وإن كان ~~عمله شرا فجزاؤه شر، فتنصب الأول على أنه خبر كان، وترفع الثاني على أنه ~~خبر مبتدأ محذوف. وقد حذفت في هذا الوجه «كان» واسمها لدلالة حرف الشرط ~~الذي هو «إن» على تقديرهما. وحذف ms0647 أيضا المبتدأ لدلالة الفاء التي هي جواب ~~الشرط عليه؛ لأنه كثيرا ما يقع بعدها. PageV02P261 # الوجه الثاني: أن تنصبهما جميعا، ويكون تقدير الكلام: إن كان عمله خيرا ~~فهو يجزى خيرا، وإن كان عمله شرا فهو يجزى شرا؛ فينتصب الأول على أنه خبر ~~«كان» وينتصب الثاني انتصاب المفعول به. # والوجه الثالث: أن ترفعهما جميعا، ويكون تقدير الكلام: إن كان في عمله ~~خير فجزاؤه خير، فيرتفع «خير» الأول على أنه اسم «كان» ويرتفع «خير» الثاني ~~على ما بين في شرح الوجه الأول. # وقد يجوز أن يرتفع «خير» الأول على أنه فاعل «كان» وتجعل «كان» المقدرة ~~هاهنا هي التامة التي تأتي بمعنى حدث ووقع، فلا تحتاج إلى خبر كقوله تعالى: ~~وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة [البقرة: 280]، ويكون التقدير في المسألة: ~~إن كان خير فجزاؤه خير، أي إن حدث خير فجزاؤه خير. # والوجه الرابع: وهو أضعفها أن ترفع الأول على ما تقدم شرحه في الوجه ~~الثالث، وتنصب الثاني على ما بين ذكره في الوجه الثاني، ويكونالتقدير: إن ~~كان في عمله خير فهو يجزى خيرا، وعلى حسب هذا التقدير والمقدرات المحذوفات ~~فيه يجري إعراب البيت الذي غني به. ومما ينتظم في هذا السلك قولهم: المرء ~~مقتول بما قتل به؛ إن سيفا فسيف، وإن خنجرا فخنجر. # وأما الكلمة التي هي حرف محبوب أو اسم لما فيه حرف حلوب، فهي «نعم»، إن ~~أردت بها تصديق الأخبار أو العدة عند السؤال فهي حرف، وإن عنيت بها الإبل ~~فهي اسم. والنعم تذكر وتؤنث وتطلق على الإبل وعلى كل ماشية فيها إبل. وفي ~~الإبل الحرف وهي الناقة الضامرة، سميت حرفا تشبيها لها بحرف السيف. وقيل: ~~إنها الضخمة تشبيها لها بحرف الجبل. # وأما الاسم المتردد بين فرد حازم وجمع ملازم، فهو: سراويل، قال بعضهم: هو ~~واحد وجمعه سراويلات، فعلى هذا القول هو فرد، وكنى عن ضمه الخصر بأنه حازم. # وقال آخرون: بل هو جمع، واحده سروال، مثل: شملال وشماليل، وسربال ~~وسرابيل، فهو على هذا القول جمع. # ومعنى قوله: ملازم، أي ms0648 لا ينصرف؛ وإنما لم ينصرف هذا النوع من الجمع، وهو ~~كل جمع ثالثه ألف وبعدها حرف مشدد، أو حرفان أو ثلاثة أوسطها ساكن لثقله ~~وتفرده دون غيره من الجموع بأن لا نظير له في الأسماء والآحاد، وقد كني في ~~هذه الأحجية عما لا ينصرف بالملازم، كما كني في التي قبلها عما ينصرف ~~باللازم. # *** # وأما الهاء التي إذا التحقت أماطت الثقل، وأطلقت المعتقل، فهي الهاء ~~اللاحقة PageV02P262 # بالجمع المقدم ذكره، كقولك: صيارفة وصياقلة، فينصرف هذا الجمع عند التحاق ~~الهاء به، لأنها قد أصارته إلى أمثال الآحاد، نحو: رفاهية وكراهية فخف بهذا ~~السبب وصرف لهذه العلة. وقد كني في هذه الأحجية عما لا ينصرف بالمعتقل، كما ~~كني في التي قبلها عما لا ينصرف باللازم. # وأما السين التي تعزل العامل من غير أن تجامل، فهي التي تدخل على الفعل ~~المستقبل وتفصل بينه وبين أن، التي كانت قبل دخولها من أدوات النصب، فيرتفع ~~حينئذ الفعل وتنتقل أن عن كونها الناصبة للفعل إلى أن تصير المخففة من ~~الثقيلة، وذلك كقوله تعالى: علم أن سيكون منكم مرضى [المزمل: 20]، وتقديره: ~~علم أنه سيكون. # وأما المنصوب على الظرف الذي لا يخفضه سوى حرف، فهو: «عند» إذ لا يجره ~~غير «من» خاصة، وقول العامة: ذهبت إلى عنده لحن. # وأما المضاف الذي أخل من عرى الإضافة بعروة، واختلف حكمه بين سماء وغدوة، ~~فهو «لدن» ولدن من الأسماء الملازمة للإضافة، وكل ما يأتي بعدها مجرور بها ~~إلا غدوة، فإن العرب نصبتها بلدن لكثرة استعمالهم إياها في الكلام، ثم ~~نونتها أيضا ليتبين بذلك أنها منصوبة، لا أنها من نوع المجرورات التي لا ~~تنصرف، وعند بعض النحويين أن «لدن» بمعنى «عند»، والصحيح أن بينهما فرقا ~~لطيفا، وهو أن «عند» يشتمل معناها على ما هو في ملكك ومكنتك، مما دنا منك ~~وبعد عنك ولدن يختص معناها بما حضرك وقرب منك. # وأما العامل الذي يتصل آخره بأوله، ويعمل معكوسه مثل عمله، فهو: «يا»، ~~ومعكوسها «أي»، وكلتاهما من حروف النداء، وعملهما في الاسم المنادى سيان، ~~وإن كانت ms0649 «يا» أجول في الكلام، وأكثر في الاستعمال. وقد اختار بعضهم أن ~~ينادي بأي، القريب فقط كالهمزة. # وأما العامل الذي نائبه أرحب منه وكرا، وأعظم مكرا، وأكثر لله تعالى ~~ذكرا، فهو باء القسم؛ وهذه الباء هي أصل حروف القسم بدلالة استعمالها مع ~~ظهور فعل القسم في قولك: أقسم بالله، ولدخولها أيضا على المضمر، كقولك: بك ~~لأفعلن؛ وإنما أبدلت الواو منها في القسم لأنهما جميعا من حروف الشفة؛ ثم ~~لتقارب معنييهما؛ لأن الواو تفيد الجمع والباء تفيد الإلصاق، وكلاهما متفق، ~~والمعنيان متقاربان. ثم صارت الواو المبدلة من الباء أدور في الكلام وأعلق ~~بالأقسام؛ ولهذا ألغز بأنها أكثر لله تعالى ذكرا. ثم إن الواو أكثر موطنا ~~من الباء، لأن الباء لا تدخل إلا على الاسم، ولا تعمل غير الجر، والواو ~~تدخل على الاسم والفعل والحرف. وتجر تارة بالقسم وتارة بإضمار رب. وتنتظم ~~أيضا نواصب الفعل وأدوات العطف فلهذا وصفها برحب الوكر وعظم المكر. PageV02P263 # وأما الموطن الذي يلبس فيه الذكران براقع النسوان، وتبرز فيه ربات الحجال ~~بعمائم الرجال، فهو أول مراتب العدد المضاف، وذلك بين الثلاثة إلى العشرة، ~~فإنه يكون مع المذكر بالهاء، ومع المؤنث بحذفها، كقوله تعالى: سخرها عليهم ~~سبع ليال وثمانية أيام [الحاقة: 7] والهاء في غير هذاالموطن من خصائص ~~المؤنث، كقولك: # قائم وقائمة وعالم وعالمة، فقد رأيت كيف انعكس في هذا الموطن حكم المذكر ~~والمؤنث حتى انقلب كل منهما في ضد قالبه، وبرز في بزة صاحبه. # وأما الموضع الذي يجب فيه حفظ المراتب عن المضروب والضارب، فهو حيث يشتبه ~~الفاعل بالمفعول لتعذر ظهور علامة الإعراب فيهما أو في أحدهما، وذلك إذا ~~كانا مقصورين مثل موسى وعيسى، أو من أسماء الإشارة نحو ذاك وهذا. فيجب ~~حينئذ لإزالة اللبس إقرار كل منهما في رتبته، ليعرف الفاعل منهما بتقدمه، ~~والمفعول بتأخره. # وأما الاسم الذي لا يفهم إلا باستضافة كلمتين، أو الاقتصار منه على حرفين ~~فهو «مهما» وفيها قولان: أحدهما: أنها مركبة من «مه» التي هي بمعنى اكفف، ~~ومن «ما» والقول الثاني- وهو الصحيح- أن الأصل فيها «ما» ms0650 فزيدت عليها «ما» ~~أخرى، كما تزاد على «إن» فصار لفظها «ماما»، فثقل عليهم توالي كلمتين بلفظ ~~واحد، فأبدلوا من ألف «ما» الأولى «ها» فصارتا «مهما». ومهما من أدوات ~~الشرط والجزاء، ومتى لفظت بها لم يتم الكلام، ولا عقل المعنى إلا بإيراد ~~كلمتين بعدها، كقولك: مهما تفعل أفعل وتكون حينئذ ملتزما للفعل، وإن اقتصرت ~~منهما على حرفين وهما «مه» التي بمعنى اكفف، فهم المعنى وكنت ملزما من ~~خاطبته أن يكف. # وأما الوصف الذي إذا أردف بالنون نقص صاحبه في العيون، وقوم بالدون، وخرج ~~من الزبون، وتعرض للهون، فهو «ضيف» إذا لحقته النون استحال إلى «ضيفن» وهو ~~الذي يتبع الضيف ويتنزل في النقد منزلة الزيف. PageV02P264 ### | AUTO المقامة الخامسة والعشرون وتعرف بالكرجية # حكى الحارث بن همام قال: شتوت بالكرج لدين أقتضيه، وأرب أقضيه، فبلوت من ~~شتائها الكالح، وصرها النافح، ما عرفني جهد البلاء، وعكف بي على الاصطلاء؛ ~~فلم أكن أزايل وجاري، ولا مستوقد ناري، إلا لضرورة أدفع إليها، أو إقامة ~~جماعة أحافظ عليها، فاضطررت في يوم جوه مزمهر، ودجنه مكفهر إلى أن برزت من ~~كناني، لمهم عناني؛ فإذا شيخ عاري الجلدة، بادي الجردة، وقد اعتم بريطة، ~~واستثفر بفويطة، وحواليه جمع كثيف الحواشي، وهو ينشد ولا يحاشي. # *** # شتوت: أقمت في الشتاء. ### || AUTO [الكرج] # والكرج: مدينة معروفة، وبشدة البرد موصوفة، وهي بين أصبهان وهمذان، وقد ~~تقدم برد همذان في الأولى، ومن همذان إلى نهاوند مرحلتان، ومن الكرج إلى ~~مدينة أصبهان ستون فرسخا. وهي منازل عيسى بن إدريس بن معقل العجلي، ولم تكن ~~في أيام العجم مدينة مشهورة، وإنما كانت في عداد القرى العظام من رساتيق ~~كورة أصبهان، فنزلها العجليون فبنوا بها الحصون والقصور، وجعلها أبو دلف ~~مدينة عظيمة. # وقال أبو دلف: دخلت على الرشيد، فقال لي: يا قاسم، ما خبر أرضك؟ قلت: # خراب يباب، خربها الأكراد والأعراب، فقال قائل: هذا آفة الجبل وهو أفسده، فقلت: # فأنا أصلحه. قال الرشيد: وكيف ذلك؟ قلت: أفسدته وأنت علي وأصلحه وأنت معي. # ففعل ذلك، وعمر الكرج، حتى صار دار ms0651 أجناد، ومحل وفود وقصاد. # وقال علي بن جبلة: زرته في الجبل، فلما حللت بالكرج، أظهر من بري وإكرامي ~~أمرا مفرطا، حتى تأخرت عنه تأخرا كبيرا. فوصل إلي معقل بن عيسى، فقال: يقول ~~الأمير: انقطعت عني، وأحسبك استقللت بري، فلا يغضبنك ذلك، فسأزيد فيه حتى ~~ترضى فقلت: والله ما قطعني عنه إلا إفراطه بالبر. قال: وكتب إليه في ذلك: PageV02P265 # هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة ... وهل يرتجى نيل الزيادة بالكفر # ولكنني لما أتيتك زائرا ... فأفرطت في بري عجزت عن الشكر # فآليت لا آتيك إلا مسلما ... أزورك في الشهرين يوما وفي الشهر # فإن زدتني برا تزايدت جفوة ... ولم تلقني طول الحياة إلى الحشر # فلما وصلت إليه، قال: قاتله الله ما أشعره، وأدق معانيه! فأجابني لوقته، ~~وكان حسن البديهة: [الطويل] # ألا رب ضيف طارق قد بسطته ... وآنسته قبل الضيافة بالبشر # أتاني يرجيني فما حال دونه ... ودون القرى والعرف من نيله سترى # وجدت له فضلا علي بقصده ... إلي وبرا راد فيه على بري # فزودته مالا يقل بقاؤه ... وزودني مدحا يدوم مع الدهر # وبعث إلي بها وبألف دينار مع وصيفة، فقلت حينئذ: [مخلع البسيط] # إنما الدنيا أبو دلف ... بين مبداه ومحتضره # فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره # ملك تندى أنامله ... كانبلاج النور عن مطره # مستهل عن مواهبه ... كابتسام الزهر عن زهره # جبل عزت مناكبه ... أمنت عدنان في ثغره # كل من في الأرض من عرب ... بين باديه ومحتضره # مستعير منه مكرمة ... يكتسبها يوم مفتخره # والبيت الثاني أحفظ المأمون على ابن جبلة حتى سل لسانه من قفاه. # *** # قوله: أقتضيه، أي أجمعه. أرب: حاجة. بلوت: قاسيت. الكالح: الشديد، وكلح ~~كلوحا: أبدى أسنانه عند العبوس، والبرد الشديد يبدي الأسنان عند رعده. صرها: # بردها الشديد. النافح: المتحرك بالريح الباردة. جهد البلاء: مشقة الضر، ~~ويقال: بلغ جهده، أي أقصى قوته، فأراد بجهد البلاء المشقة التي يتمنى ~~الإنسان عندها الموت، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ منه (¬1). # أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: علمني رسول الله صلى الله ms0652 عليه وسلم هذا ~~الدعاء: «اللهم إني أعوذ PageV02P266 # بك من سوء القضاء، وجهد البلاء، ودرك الشقاء، وشماتة الأعداء» (¬1)؛ وروي ~~في «جهد البلاء»، أنه القتل صبرا. # أنس رضي الله تعالى عنه يرفعه قال: قتل الصبر جهد البلاء. # وقال صلى الله عليه وسلم: «جهد البلاء أن تحتاج إلى ما في أيدي الناس ~~فيمنعوك». # مجاهد قال: كنت جالسا عند عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ~~بالكوفة، فأتي برجل أن يضرب عنقه، فقلت: هذا والله جهد البلاء، فقال: والله ~~ما هذا إلا كشرطة حجام بمشراط، ولكن جهد البلاء فقر مدقع بعد غنى موسع. # الأحنف: جهد البلاء خمسة: خادم مذموم، وحطب رطب، وبيت يصف، وخوان ينتظر، ~~وجبار على الباب يدق. # عكف بي على الاصطلاء: ألزمني التسخن بالنار وعكف على الشيء عكوفا: لزمه. # أزايل وجاري: أفارق بيتي، والوجار جحر الضبع. إقامة جماعة، أي حضور ~~الصلاة مع الجماعة، وبردشكير بغرناطة كان أشد على ابن صارة- حيث منعه ~~الصلاة- من برد الكرج على ابن همام حيث يقول ابن صارة: [الطويل] # أحل لنا ترك الصلاة بأرضكم ... وشرب الحميا وهي شيء محرم # فرارا إلى نار الجحيم فإنها ... أرق علينا من شكير وأرحم # لئن كان ربي مدخلي في جهنم ... ففي مثل هذا اليوم طابت جهنم # جوه مزمهر: هواؤه بارد، والزمهرير: البرد. دجنه مكفهر: سحابه متراكم مظلم. # كناني: بيتي: مهم: أمر لا يؤخر. عناني: عرض لي وقصدني. الجردة: الجلدة ~~التي تجرد عنها ثوبها، وفلان حسن الجردة والتجرد، أي حسن العري، وقيل: ~~الجردة الثوب المتجرد البالي. والريطة عند العرب: شيء رقيق، شبه الملحفة، ~~ولذلك سمي به المرأة، ولا معنى لهذه الصفة لأنه قد وصفه بالعري، وإنما أراد ~~هنا شبه الكراز لفظ مغير عن أصله كالفوطة عندنا، ضرب مما يعتم به، وهي ~~مغيرة عن أصلها، وإنما أصل الفوطة ثوب يجلب من الهند غليظ، وتصغيرها فويطة، ~~يلبسه أهل مصر وأهل المشرق كما يلبس أهل المغرب وأهل الأندلس الإحرام ~~والمئزر. واستثفر: بالثوب إذا لواه على فخذيه، ثم أخرجه من بينهما، فشده في ~~حجزته، واستثفر الكلب بذنبه: ms0653 جعله بين فخذيه فتخيل صورة السروجي هنا التي ~~نهاية في القبح على ما يتصف به أبدا، وقد لوى على رأسه قطعة من عمامة ~~بالية، واستثفر بمثلها، فلا تجد له مثلا إلا ما قال أبو دلامة في نفسه: # [الوافر] PageV02P267 # إذا لبس العمامة كان قردا ... وخنزيرا إذا نزع العمامه # وأين هذا من قول ابن رشيق في غلام معتم بعمامة حمراء: [مجزوء الكامل] # يا من يمر ولا تمر به ... القلوب من الحرق # بعمامة من خده ... أو خده منها سرق # فكأنه وكأنها ... قمر أحاط به شفق # شغل الجوارح والجوا ... نح والخواطر والحدق # وقال السلامي في عمامة: [البسيط] # حسناء ضافية، بيضاء صافية ... كأن رونقها في صارم ذكر # يزين أطرافها طرز كما رقمت ... على المجرة طرز الأنجم الزهر # كثيف: خشن منضم بعض حواشيه إلى بعض من الكثرة. يحاشى: يستثنى. # *** # [الرجز] # يا قوم لا ينبئكم عن فقري ... أصدق من عريي أوان القر # فاعتبروا بما بدا من ضري ... باطن حالي وخفي أمري # وحاذروا انقلاب سلم الدهر ... فإنني كنت نبيه القدر # آوي إلى وفر وحد يفري ... تفيد صفري وتبيد سمري # وتشتكي كومي غداة أقري ... فجرد الدهر سيوف الغدر # وشن غارات الرزايا الغبر ... ولم يزل يسحتني ويبري # حتى عفت داري وغاض دري ... وبار سعري في الورى وشعري # وصرت نضو فاقة وعسر ... عاري المطا مجردا من قشري # كأنني المغزل في التعري ... لا دفء لي في الصن والصنبر # غير التضحي واصطلاء الجمر ... فهل خضم ذو رداء غمر # يسترني بمطرف أو طمر ... طلاب وجه الله لا لشكري! # *** # ينبئ: يخبر. أوان القر: وقت البرد. حاذروا: خافوا. سلم: صلح. نبيه القدر: # رفيع المنزلة. آوى: ارجع. وفر: مال كثير. يفري. يقطع. تفيد: تأتي ~~بالفوائد. # صفري: دنانيري. تبيد: تتلف. سمري: رماحي. كومي: إبلي، والكوماء: الناقة ~~العظيمة السنام أقري: أطعم الأضياف، أي تشتكي إبلي من كثرة ما أنحرها ~~للضيفان. PageV02P268 # شن: فرق. الرزايا: المصائب. الغبر: الآتية في الزمان المحل. يسحتني: ~~يستأصل مالي. يبري: يقطع لحمي. عفت: درست. غاض: ذهب وجف. دري: لبن إبلي. # بار: كسد وضاع. سعري: سوقي. نضو: ms0654 هزيل. فاقة: حاجة وفقر. عسر: ضيق حال. # المطا: الظهر. قشري: ثيابي. والدفء: ذهاب البرد، وقد دفئ يدفأ، أي سخن ~~وذهب برده. الصن والصنبر: يومان من أيام العجوز، وهي سبعة: أربعة من آخر ~~فبراير، وثلاثة من أول مارس. وقال الشاعر فجمعها: [الكامل] # كسع الشتاء بسبعة غبر ... بالصن والصنبر والوبر (¬1) # وبآمر وأخيه مؤتمر ... ومعلل وبمطفئ الجمر # التضحي: الجلوس للشمس. خضم: كريم، شبه بالبحر، وهو الخضم. ذو رداء غمر: ~~ذو عطاء كثير. مطرف: ثوب مربع في طرفه علم. # الفراء: قيل مطرف لأنه أطرف، أي جعل في طرفيه العلمان. طمر: ثوب خلق. # ثم قال: يا أرباب الثراء، الرافلين في الفراء؛ من أوتي خيرا فلينفق، ومن ~~استطاع أن يرفق فليرفق؛ فإن الدنيا غدور، والدهر عثور، والمكنة زورة طيف، ~~والفرصة مزنة صيف. وإني والله لطالما تلقيت الشتاء بكافاته، وأعددت الأهب ~~له قبل موافاته، وها أنا اليوم يا سادتي، ساعدي وسادتي، وجلدتي بردتي، ~~وحفنتي جفنتي، فليعتبر العاقل بحالي، وليبادر صرف الليالي؛ فإن السعيد من ~~اتعظ بسواه، واستعد لمسراه. # *** # أرباب الثراء: أصحاب المال. الرافلين: الماشين بخيلاء وتبختر. الفراء: ~~جمع فروة. أوتي: أعطي. خيرا: مالا. يرفق: يعين، وأرفقته: أعطيته ما يرتفق ~~به. غدور: # كثيرة الخداع. عثور: واقع بأهله. المكنة: الغنى. # طيف: ما يرى في النوم. # ابن الأنباري: في طيف الخيال قولان: قيل: أصله طيف فخفف، وقال الأصمعي ~~رحمه الله تعالى: هو مصدر طاف، وبه أخذ السهيلي رحمه الله تعالى، فقال: هو ~~مصدر طاف الخيال يطيف طيفا، ولا يقال: منه طائف على فاعل، لأنه لا حقيقة ~~للخيال، إنما PageV02P269 # هو توهم وتخيل. فإن كان شيء له حقيقة قلت: فيه طائف، نحو قوله تعالى: ~~فطاف عليها طائف من ربك [القلم: 19]، لأن الذي طاف عليها له حقيقة، ويقال: ~~إنه جبريل عليه الصلاة والسلام. وأما قوله تعالى: إذا مسهم طائف من الشيطان ~~تذكروا [الأعراف: 1، 2] فقد قرئ طائف أيضا فطائف لأن له حقيقة، وطيف لأنه ~~غرور الشيطان وأمانيه تشبه بالخيال وما لا حقيقة له، فتحصل من هذا ثلاث ~~مراتب الخيال، ولا حقيقة له فيعبر بالطيف، ms0655 ويقال في وسوسة الشيطان: طائف ~~وطيف، وما عدا هذين فهو باسم الفاعل، ولا يعبر عنه بطيف فقف عليه. الفرصة: ~~ما تهيأ لك وتيسر لك من مطالبتك. مزنة صيف، أي سحابة لا دوام لها، وأراد ~~قول عمران بن حطان: [الطويل] # أرى أشقياء الناس لا يسمونها ... على أنهم فيها غراب وجوع # أراها وإن كانت تحب فإنها ... سحابة صيف عن قريب تقشع # ولما ولي بلال بن أبي بردة البصرة، كان إذا اجتاز في مواليه بخالد بن ~~صفوان يقوله: [الطويل] # * سحابة صيف عن قريب تقشع* # فبلغ قوله بلالا، فقال: والله لا تقشع حتى يصيبك منها شؤبوب، فرده ثم ~~ضربه مائة سوط. # كافات: جمع كاف، وأراد بها آلته وما يستعد له بها وهي الأهب التي أراد. # موافاته: مجيئه وحضوره. ساعدي: ذراعي. بردتي: ثوبي، الحفنة: ما يملأ الكف. # الجفنة: الصحفة، فليتعظ، أي يعتبر ويجعلني عبرة. صرف: تقلب. استعد: أعد. # لمسراه: مثواه. وقال الألبيري في هذا المعنى: [المنسرح] # وذي غنى أوهمته همته ... أن الغنى عنه غير منفصل # فجر أذيال عجبه بطرا ... واحتال للكبرياء في حلل # بزته أيدي الخطوب بزته ... فاعتاض بعد الجديد بالسمل # فلا تثق بالغنى فآفته الفق ... ر وصرف الزمان ذو دول # كفى بنيل الكفاف منه غنى ... فكف به الدهر غير محتفل ### || AUTO [مقامة البديع البخارية] # ومن مقامات البديع: حدثنا عيسى بن هشام قال: أحلني جامع بخارى يوم وقد ~~انتظمت مع رفقة في سلك الثريا. وحين احتفل الجامع بأهله طلع إلينا ذو ~~طمرين، قد أرسل صوانا، واستتلى طفلا عريانا، يضيق بالضر وسعه، ويأخذه القر ~~ويدعه، لا يملك غير القشرة بردة، ولا يكتفي لحماية رعدة، فوقف الرجل وقال: ~~لا ينظر لهذا الطفل إلا من الله طفله، ولا يرق لهذا الضر إلا من لا يأمن ~~مثله. يا أصحاب الجدود المفروزة، PageV02P270 # والأردية المطروزة، والدور المنجدة، والقصور المشيدة. إنكم لن تأمنوا ~~حادثا، ولن تعدموا وارثا، فبادروا الخير ما أمكن، وأحسنوا مع الدهر ما ~~أحسن، فقد والله طعمنا السكباج (¬1)، وركبنا الهملاج (¬2)، ولبسنا الديباج ~~(¬3)، وافترشنا الحشايا بالعشايا، فما راعنا إلا هبوب الدهر ms0656 بغدره، وانقلاب ~~المجن لظهره، فعاد الهملاج قطوفا (¬4)، والديباج صوفا، وهلم جرا إلى ما ~~تشاهدون من حالي وزيي؛ فها نحن نرتضع من الدهر ثدي عقيم، ونركب من الفقر ~~ظهر بهيم، فلا نرنو إلا بعين اليتيم، ولا نمد إلا يد العديم. فهل من كريم ~~يجلو غياهب هذه البئوس، ويفل شبا هذه النحوس. ثم قعد مرتفقا (¬5)، وقال ~~للطفل: أنت وشأنك، فقال: ما عسى أن أقول وهذا الكلام لو لقي الشعر لحلقه، ~~أو الصخر لفلقه، وإن قلبا لم ينضجه ما قلت لنيء، وقد سمعتم يا قوم، ما لم ~~تسمعوا قبل اليوم فليشغل كل منكم بالجود يده، وليذكر غده، واقيا بي ولده، ~~وامنحوني أشكركم، واذكروني أذكركم. وتمامها في العشرين. # *** # فقيل له: قد جلوت علينا أدبك، فاجل لنا نسبك، فقال: تبا لمفتخر، بعظم ~~نخر، إنما الفخر بالتقى، والأدب المنتقى؛ ثم أنشد: [الطويل] # لعمرك ما الإنسان إلا ابن يومه ... على ما تجلى يومه لا ابن أمسه # وما الفخر بالعظم الرميم وإنما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسه # ثم إنه جلس محقوقفا، واجرنثم مقفقفا. وقال: اللهم يا من غمر بنواله، وأمر ~~بسؤاله؛ صل على محمد وآله، وأعني على البرد وأهواله، وأتح لي حرا يؤثر من ~~خصاصة، ويواسي ولو بقصاصة. # *** # قوله: «جلوت»، أظهرت وكشفت. أجل: اكشف وبين عنه. تبا: خسرانا. نخر: # بال. المنتقى: المختار. تجلى: تبدى وظهر. الرميم: البالي. يبغي: يطلب. # وقوله: «تبا لمفتخر، بعظم نخر»، كانت العرب تتفاخر بالأحساب، وتتعاظم ~~بكرم الآباء، فنزل القرآن العظيم بترك ذلك في قوله تعالى: إنما المؤمنون ~~إخوة [الحجرات: 10] وأكرمكم عند الله أتقاكم [الحجرات: 13]. وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «أيها الناس، إنما الناس إخوة وليس ~~لعربي على عجمي فضل إلا PageV02P271 # بالتقوى. أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من ~~تراب، وأكرمكم عند الله أتقاكم» (¬1)، فلذلك قال: إنما الفخر بالتقى. # وقال علي كرم الله وجهه ورضي عنه: [البسيط] # الناس من جهة التمثيل أكفاء ... أبوهم آدم والأم حواء # فإن يكن لهم من قبل ذا نسب ... يفاخرون به ms0657 فالطين والماء # وقال عامر بن الطفيل: [الطويل] # وإني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفي السر منها والصريج المهذب (¬2) # فما سودتني عامر عن ولادة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب # ولكنني أحمي حماها وأتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكب # فهذا مع إمكانه الفخر بالآباء لم يفخر إلا بنفسه. وأخذه عبد الله بن ~~معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فقال: [الكامل] # لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوما على الأحساب نتكل # نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا # وهذا مثل قول الحسن رضي الله تعالى عنه وقد أجزل صلة شاعر، فليم في ذلك ~~فقال: أتراني خفت أن يقول: إني لست ابن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ولا ابن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ولكني خفت أن يقول: لست ~~كمثلهما فيصدق ويحمل عنه، ويبقى مخلدا في الكتاب محفوظا على ألسنة الرواة، ~~فقال الشاعر: أنت والله يا بن رسول الله أعرف بالمدح والذم مني. # قوله: والأدب المنتقى؛ حدث يحيى بن أكثم قال: بينما أنا جالس مع المأمون ~~إذ دخل الدار فتى، أبدع الناس زيا وهيبة ووقارا، وهو لا يلتفت إعجابا ~~بنفسه، فنظر إليه المأمون، فقال: يا يحيى إن هذا الفتى لا يخلو أن يكون ~~هاشميا أو نحويا، ثم بعثا من يتعرف ذلك منه. فعاد الرسول فأخبر أنه نحوي. ~~فقال المأمون: يا يحيى؛ أعلمت إن علم النحو قد بلغ بأهله من عزة النفس وعلو ~~الهمة منزلة بني هاشم في شرفهم! يا يحيى، من قعد به نسبه قام به أدبه. PageV02P272 # قال: وأنشد الشاعر: [المنسرح] # كن ابن من شئت واتخذ أدبا ... يغنيك مأثوره عن النسب # إن الفتى من يقول ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي # مالي عقلي وهمتي حسبي ... ما أنا مولى ولا أنا عربي # إن انتمى منتم إلى أحد ... فإنني منتم إلى أدبي # وتكلم رجل عند عبد الملك بكلام ذهب فيه كل مذهب، فقال له وقد أعجبه: ابن ~~من أنت يا غلام؟ فقال: ابن نفسي ms0658 يا أمير المؤمنين، التي نلت بها هذا المقعد ~~منك، قال: صدقت. أخذه ابن دريد فقال: [الرجز] # كن ابن من شئت وكن مؤدبا ... فإنما المرء بفضل حسه # وليس من تكرمه لغيره ... مثل الذي تكرمه لنفسه # وقالت عائشة رضي الله عنها: كل كرم دونه لؤم، فاللؤم أولى به، وكل لؤم ~~دونه كرم فالكرم أولى به- يعني أن أفعال الإنسان إذا كرمت لم يضره لؤم ~~آبائه، وإذا لؤمت لم ينفعه كرم آبائه. وقال المعري: [السريع] # لو عرف الإنسان مقداره ... لم يفخر المولى على عبده (¬1) # لولا سجاياه وأخلاقه ... لكان كالمعدوم في وجده # ومجده أفعاله لا الذي ... من قبله كان ولا بعده # قوله: ما تجلى يومه، أي على ما ظهر وانكشف يومه من أفعاله المحمودة أو ~~المذمومة. محقوقفا: منحنيا. اجرنثم: انقبض. مقفقفا: مرتعدا، ويقال: قف شعره ~~إذا ارتفع من ذعر أصابه. وقف جلدي من هذا الحديث إذا اقشعر من استشناع ما سمع. # غمر بنواله، أي غطى بعطاياه. وأمر بسؤاله: يريد قوله تعالى: وسئلوا الله ~~من فضله [النساء: 32]. آله: أهله. أهواله: شدائده ومخاوفه. أتح: قدر. يؤثر: ~~يفضل غيره على نفسه. خصاصة: جوع، وهذا منتزع من القرآن. # *** # قال الراوي: فلما جلى عن النفس العصامية، والملح الأصمعية، جعلت ملامح ~~عيني تعجمه، ومرامي لحظي ترجمه، حتى استبنت أنه أبو زيد، وأن تعريه أحبولة ~~صيد. ولمح هو أن عرفاني قد أدركه، ولم يأمن أن يهتكه، فقال: أقسم بالسمر ~~والقمر، والزهر والزهر، إنه لن يسترني إلا من طاب خيمه، وأشرب ماء PageV02P273 # المروءة أديمه. فعقلت ما عناه، وإن لم يدر القوم معناه، وساءني ما يعانيه ~~من الرعدة، واقشعرار الجلدة. فعمدت لفروة هي بالنهار رياشي، وفي الليل ~~فراشي فنضوتها عني، وقلت له: اقبلها مني؛ فما كذب أن افتراها، وعيني تراها. ~~ثم أنشد: [السريع] # لله من ألبسني فروة ... أضحت من الرعدة لي جنه # ألبسنيها واقيا مهجتي ... وقي شر الإنس والجنه # سيكتسي اليوم ثنائي وفي ... غد سيكسى سندس الجنه # *** # والعصامية: منسوبة إلى عاصم بن شهبر بن الحارث الجرمي، حاجب النعمان بن ~~المنذر الذي يقول له النابغة: ms0659 [الوافر] # فإني لا ألام على دخول ... ولكن ما وراءك يا عصام (¬1) # ولم يكن عصام شريفا، ولا نشأ في قومه، ولكن كان من أشد الناس بأسا، ~~وأفصحهم لسانا، وأحزمهم رأيا، وأقربهم إلى النعمان، وقال له رجل يوما: كيف ~~بلغت هذه المنزلة من الملك وأنت دنيء الأصل؟ فقال: [الرجز] # نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكر والإقداما # * وصيرته سيدا هماما (¬2) * # ويقال: كن عصاميا ولا تكن عظاميا، أي افتخر بنفسك لا بآبائك الذين ماتوا ~~وبقيت عظامهم. فكل من ليس له شرف قديم، وشرف بنفسه، يقال له عصامي. # وكانت لرجل عند الحجاج حاجة، فوصف بالجهل والحمق، فأراد أن يختبره، فقال: ~~أعصامي أنت أم عظامي؟ فقال له الرجل: عصامي عظامي، فظن أنه يريد افتخاره ~~بنفسه لفضله وبآبائه لشرفهم، فقال الحجاج: هذا من أفضل الناس، وقضى حاجته ~~ثم جربه بعد ذلك، فوجده أجهل الناس، فقال له: أصدقني وإلا قتلتك، أجبتني ~~بعصامي وعظامي، فقال له الرجل: لم أعلم معناهما، فخشيت أن أقول أحدهما ~~فأخطئ، فقلت في نفسي: أقولهما معا، فإن ضرني أحدهما نفعني الآخر، فقال ~~الحجاج: المعاذير تصير الغبي خطيبا، فذهبت مثلا. PageV02P274 # وسمع المأمون رجلا يفخر بنفسه وهو ناقص، فقال: أنت عظامي لا عصامي. # ولهذا أشار بما تقدم من قوله «تبا لمفتخر، بعظم نخر»، يريد أن عصاما ساد ~~بنفسه لا بآبائه، وكذلك السروجي لم يفخر إلا بنفسه. # الأصمعية: التي حكاها الأصمعي، وقد مر من ملح الأصمعي في هذا الكتاب جملة ~~كافية بحمد الله تعالى. والأصمعي عصامي لأنه من باهلة، وهي أهجن قبيلة في ~~العرب وألأمها، وذكر المبرد في كامله جملة أخبار في أمثالها، قال فيها ~~الشاعر: # [المتقارب] # ولو قيل للكلب يا باهلي ... عوى الكلب من لؤم ذاك النسب # وهو مع ذلك خامل المنشأ، وقد ذكرنا في الأربعين خمول أبيه إلا أنه ساد ~~الناس بنفسه أدبا وعلما ودينا. ومن ملحه أنه قال: بينما أنا في طرق البصرة ~~إذا أنا بكناس يكنس كنيفا، وإذا هو يقول: [الطويل] # فإياك والسكنى بأرض مذلة ... تعد مسيئا فيه إن كنت محسنا # فنفسك أكرمها وإن ms0660 ضاق مسكن ... عليك بها فاطلب لنفسك مسكنا # قال: فوقفت عليه، فقلت: والله ما بقي عليك من الهون شيء إلا وقد أهنتها ~~به، فما الذي نلت من كرامتها؟ قال: والله لكنس ألف كنيف أحسن من القيام على ~~باب مثلك ساعة. # الأصمعي: كان أعرابيان متواخيان بالبادية؛ ثم إن أحدهما استوطن الريف، ~~واختلف إلى باب الحجاج، فولاه أصبهان. فسمع أخوه خبره فضرب إليه، فأقام ~~ببابه حينا لا يصل إليه، ثم أذن له بالدخول، فأخذه الحاجب فمشى به وهو ~~يقول: [الوافر] # فلست مسلما ما دمت حيا ... على زيد بتسليم الأمير # فقال زيد: لا أبالي، فقال الأعرابي: [الوافر] # أتذكر إذ لحافك جلد شاة ... وإذ نعلاك من جلد البعير # فقال: نعم، فقال الأعرابي: [الوافر] # فسبحان الذي أعطاك ملكا ... وعلمك القعود على السرير # تعجمه: تختبره. مرامي لحظي: نظرات عيني وسهام نظري، واحد المرامي مرماة، ~~وهي السهم. # ترجمه: ترميه وتقع عليه. أحبولة: شبكة. يهتكه: يكشفه. السمر: ظل القمر، ~~ثم سمي حديث الليل سمرا به. الزهر: النجوم. خيمه: طبعه. أشرب: سقي. ~~المروءة: # الفعل الجميل. أديمه: وجهه، ويقال: أشرب فلان حب فلان، إذا خالط حبه ~~قلبه. ما PageV02P275 # عناه: ما أراده، يريد أنه لما قال: لن يسترني، إنما أراد لن يستر علي هذه ~~الحيلة التي أريد بها خداع الناس بعد ما عرفها إلا من هو كما وصف. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى عورة أخيه فسترها كان كمن أحيا ~~موءودة من قبرها» (¬1). # ساءني: شق علي. يعانيه: يقاسيه. اقشعرار: انقباض وارتعاد. عمدت: قصدت. # رياشي: لباسي. نضوتها: جردتها. افتراها: اتخذها. جنة: سترا ووقاية. ~~واقيا: صائنا. # مهجتي: نفسي. وقي: كفي. الجنة: الجن. سندس: ثياب خضر. # *** # قال: فلما فتن قلوب الجماعة، بافتنانه في البراعة ألقوا عليه من الفراء ~~المغشاة، والجباب الموشاة، ما آده ثقله، ولم يكد يقله، فانطلق مستبشرا ~~بالفرج، مستسقيا للكرج، وتبعته إلى حيث ارتفعت التقية، وبدت السماء نقية، ~~فقلت له: # لشد ما قرسك البرد. فلا تتعر من بعد، فقال: ويك! ليس من العدل، سرعة ~~العذل، فلا تعجل بلوم هو ظلم، ولا ms0661 تقف ما ليس لك به علم؛ فو الذي نور ~~الشيبة، وطيب تربة طيبة، لو لم أتعر لرحت بالخيبة، وصفر العيبة. # *** # افتنانه: تنوعه. البراعة: الجودة والفصاحة. المغشاة: المغطاة بغيرها من ~~الثياب. # الموشاة: المزينة بالرقم. آده: أثقله. يقله: يرفعه. مستسقيا: داعيا بأن ~~يسقيها الله تعالى. التقية: الخشية. # قوله: بدت السماء نقية، مثل ضرب لخلو الموضع من الناس وظهوره فيه وحده. # ويك، أي عجبا لك. العذل: اللوم. # تقف: تتبع، يقال: قفوت أثره أقفوه قفوا، إذا تتبعته، ومنه: قفا فلان ~~فلانا إذا أتبعه بكلام قبيح، ويقال: قفاه بالتخفيف. # أبو عبيدة رحمه الله تعالى: أصل القفو والتقافي: البهتان يرمي به الرجل ~~صاحبه، واحتج بحديث حبان بن عطية: «من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله ~~تعالى في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج» (¬2). قال الفراء رحمه الله تعالى: ~~القفو: مأخوذ من القيافة، وهو تتبع الأمر، يقال: قاف القائف يقفو قيافة، ~~فهو قائف، بتقديم الفاء على الواو، كما قالوا في جذب: جبذ، وقرئ: ولا تقف ~~[الإسراء: 36] مثل تقل. نور: بيض. PageV02P276 ### || AUTO [طيبة] # طيبة مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، وطيب الله تربتها بأن صيرها موطنا ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم، في حياته ومستقرا له بعد مماته. وذكر شيخنا ابن ~~جبير المدينة فقال: للمدينة المكرمة أربعة أبواب وهي تحت سورين في كل سور ~~باب يقابله آخر: باب الحديد، وباب الشريعة، وباب القبلة، وباب البقيع، وبين ~~سورها الغربي وخندق النبي صلى الله عليه وسلم مقدار غلوة، وبين السور ~~والخندق عين النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه حلق عظيم مستدير، ومنبع العين ~~وسطه، كأنه الحوض المستطيل، وتحت العين سقايتان بينهما جدار لطهر الناس ~~وغسل أثوابهم، والعين للاستقاء والعين تمد السقايتين، وتهبط إليهما على خمس ~~وعشرين درجة، وماؤها يعم أهل الأرض فضلا عن أهل المدينة. وبمقربة من الحوض ~~مما يلي الحوض حجر الزيت، يقال: إن الزيت رشح للنبي صلى الله عليه وسلم من ~~ذلك الحجر. وبالقرب منه بئر بضاعة وبإزائها من الجهة اليسار جبل الشيطان ~~حيث صرخ يوم أحد: قتل نبيكم. ms0662 وعلى شفير الخندق حصن العزاب، وهو خرب. كان ~~عمر رضي الله عنه بناه لعزاب المدينة، وأمامه لجهة الغرب على بعد بئر رومة ~~التي اشتراها عثمان رضي الله عنه بعشرين ألفا. وداخل باب الحديد سقاية يهبط ~~إليها على أدراج، وهي بمقربة من الحرم المكرم، وبقبلي الحرم دار مالك بن ~~أنس رضي الله عنه. ويطيف بالحرم شارع مبلط بالحجر المنحوت، وفي جوفي ~~المدينة جبل أحد على ثلاثة أميال منها، وبقبلية مسجد حمزة، وقبره برحبة ~~بجوفي المسجد، وبإزائه قبور الشهداء، وحوله تربة حمراء أنزل فيها سورة ~~الفتح الشريفة، وشرقي المدينة بقيع الغرقد، وإذا خرجت على باب البقيع تلقي ~~على يسارك قبر صفية عمة النبي صلى الله عليه وسلم وأم الزبير، وأمامها قبة ~~مختصرة البناء على قبر مالك بن أنس. وأمامه قبر السلالة الطاهرة إبراهيم ~~ابن النبي صلى الله عليه وسلم عليه قبة بيضاء وعلى يمينها قبر عبد الرحمن ~~بن عمر، الذي جلده أبوه الحد فمات، وبإزائه قبر عقيل بن أبي طالب وعبد الله ~~بن جعفر، وبإزائه روضة صغيرة فيها ثلاثة من أبنائه صلى الله عليه وسلم، ~~ويليها روضة العباس والحسن رضي الله عنهما، وعليها قبة مرتفعة في الهواء، ~~وقبراهما مرتفعان على الأرض مغشيان بألواح ملتصقة أبدع التصاق، مرصعة ~~بالصفائح الصفر مسكوكة بمسامير على أبدع صفة، وعلى هذا الشكل قبر إبراهيم ~~عليه السلام ابن النبي صلىالله عليه وسلم، وفي آخر البقيع قبر عثمان بن ~~عفان الشهيد، وعليه قبة مختصرة البناء، وبمقربة منه قبر فاطمة بنت أسد أم ~~علي كرم الله وجهه، ومشاهد البقيع أكثر من أن تحصى لأنها مدفن الصحابة رضي ~~الله عنهم. وقبل المدينة على نحو الميلين قباء، وكانت مدينة كبيرة متصلة ~~بالمدينة المكرمة، وبها المسجد الذي أسس على التقوى وهو مربع مستوى الطول ~~والعرض له باب واحد من جهة الغرب، وهو سبع بلاطات في الطول، ومثلها في ~~العرض، وفيه صومعة طويلة بيضاء تظهر على البعد، وفي وسطه مبرك الناقة ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم، عليه حلق قصير شبه الروضة، يتبرك الناس بالصلاة ms0663 ~~فيه وفي صحنه مما يلي القبلة شبه محراب على مسطبة، وهو أول موضع ركع فيه ~~النبي صلى الله عليه وسلم، PageV02P277 # وفي قبلية دار بني النجار، وهي دار أبي أيوب الأنصاري، ويليها دار عائشة ~~رضي الله تعالى عنها، وبإزائها دار عمر ودار فاطمة ودار أبي بكر رضي الله ~~عنهم أجمعين ورضي عنا بهم، وبإزائها بئر أريس حيث تفل فيه النبي صلى الله ~~عليه وسلم فعاد عذبا بعد أن كان أجاجا، وفيه وقع خاتمه من يد عثمان رضي ~~الله عنه، وحديثه مشهور، وفي آخره تل مشرف يعرف بعرفات لأنه كان موقف النبي ~~صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، ومنه زويت له الأرض فأبصر الناس بعرفات. ~~ويدخل من التل على دار الصفة، وبها كان عمار وسلمان وأصحابهما. والطريق من ~~قبل قباء إلى المدينة بين حدائق النخل المتصلة، والنخيل تحدق بالمدينة من ~~جهاتها، وأعظمها جهة القبلة والشرق، وأقلها جهة الغرب. وآثار المدينة وقباء ~~لا تحصى. فلما خص الله تعالى تربة طيبة بصفوة عباده أقسم الحريري بمن طيبها. # صفر العيبة: خلو الوعاء. # *** # ثم نزع إلى الفرار، وتبرقع بالاكفهرار، وقال: أما تعلم أن شنشنتي ~~الانتقال من صيد إلى صيد، والانعطاف من عمرو إلى زيد، وأراك قد عقتني ~~وعققتني، وأفتني أضعاف ما أفدتني، فاعفني عافاك الله من لغوك، واسدد دوني ~~باب جدك ولهوك. فجبذته جبذ التلعابة، وجعجعت به للدعابة، وقلت له: والله لو ~~لم أوارك، وأغط على عوارك، لما وصلت إلى صلة، ولانقلبت أكسى من بصلة، ~~فجازني عن إحساني إليك، وستري لك وعليك، بأن تسمح لي برد الفروة، أو تعرفني ~~كافات الشتوة. فنظر إلي نظر المتعجب، وازمهر ازمهرار المتغضب، ثم قال: أما ~~رد الفروة فأبعد من رد أمس الدابر، والميت الغابر. # *** # نزع: مال وحن. وتبرقع: ستر وجهه. الاكفهرار: العبوس. شنشنتي: طبيعتي. # الانعطاف: الرجوع. عقتني: حبستني. عققتني: قطعتني. أفتني: حرمتني. ~~أفدتني: # أكسبتني فائدة. اعفني: أرحني وعافني. لغوك: باطلك. التلعابة: كثرة اللعب ~~ورجل تلعابة: حسن اللعب مزاح، وفي الحماسة: [الطويل] # هو الظفر الميمون إن عاد واغتدى ... به الركب والتلعابة ms0664 المتحبب (¬1) PageV02P278 # جعجعت: صحت ودعوت به، والجعجعة: رغاء الإبل. الدعابة: المزاح. # أوارك: أسترك. عوارك: عيبك. صلة: عطية. ستري لك، أي ثوبي، وأراد بعليك، ~~سكوتي عنك حين قلت: لن يسترني إلا من طاب خيمه. ازمهر: توقدت عيناه غضبا. # المتغضب: المستعمل الغضب. الدابر: الماضي. والغابر: الذاهب. # *** # وأما كافات الشتوة، فسبحان من طبع على ذهنك، وأوهى وعاء خزنك، حتى أنسيت ~~ما أنشدتك بالدسكرة، لابن سكرة: [البسيط] # جاء الشتاء وعندي من حوائجه ... سبع إذا القطر عن حاجاتنا حبسا # كن وكيس وكانون وكاس طلا ... بعد الكباب وكس ناعم وكسا # ثم قال: لجواب يشفي، خير من جلباب يدفي؛ فاكتف بما وعيت وانكفى. # ففارقته وقد ذهبت فروتي لشقوتي، وحصلت على الرعدة طول شتوتي. # *** # وقوله: سبحان من طبع، معناه تنزيها لك يا ربنا من الولد والصاحب والشريك، ~~أن نزهناك من ذلك، وانتصابه على المصدر، كأنك قلت: سبحت الله تسبيح، فجعلت ~~«سبحان» في موضع التسبيح، ومعنى طبع على قلبك، أي غشاه الصدأ والدنس ~~والوسخ، قال الله تعالى: فطبع على قلوبهم [المنافقون: 3] وقال: كذلك يطبع ~~الله على قلوب الذين لا يعلمون [الروم: 59]، وفي الحديث «نعوذ بالله من طمع ~~يدني إلى طبع» (¬1). وقال الشاعر: [البسيط] # لا تطمعن طمعا يدني إلى طبع ... إن المطامع فقر والغنى ياس # وأنشد يعقوب: [البسيط] # لا خير في طمع يدني إلى طبع ... وغفة من قوام العيش تكفيني (¬2) # والذهن: قوة إدراك العقل. أوهى: أضعف. خزنك: تثقيفك وحرزك. الدسكرة: # هنا قرية معروفة بينها وبين بغداد على طريق خراسان ستة عشرة فرسخا. PageV02P279 ### || AUTO [ابن سكرة] # وابن سكرة من شعراء اليتيمة قال صاحبها: ابن سكرة الهاشمي هو أبو الحسن ~~محمد بن عبد الله بن محمد. شاعر متسع الباع، في أنواع الإبداع، فائق في قول ~~الظرف والملح، أحد الفحول والأفراد، وجال في ميدان المجون والسخف بما أراد. ~~وكان يقال ببغداد: إن زمانا جاد بابن سكرة وابن الحجاج لسخي جدا، وما ~~أشبههما إلا بجرير والفرزدق في عصرهما. ويقال إن ديوان ابن سكرة يربو على ~~خمسين ألف بيت. # ومن شعره في غلام في يده غصن ms0665 نوار: [المنسرح] # غصن بان بدا وفي اليد منه ... غصن فيه لؤلؤ منظوم # فتحيرت بين غصنين في ذا ... قمر طالع وفي ذا نجوم # وله في غلام يعرف بابن برغوث: [الوافر] # بليت ولا أقول بمن لأني ... إذا أنا قلت من هو تعشقوه # حبيب قد نفى عني رقادي ... فإن غمضت أيقظني أبوه # وله في غلام أعرج: [الكامل] # قالوا بليت بأعرج فأجبتهم ... العيب يحدث في غصون البان # ماذا علي إذا استجدت شمائلا ... وروادفا تغني عن الكثبان # إني أحب جلوسه وأريده ... للنوم لا للجري في الميدان # في كل غصن منه حسن كامل ... ما ضرني إن زلت القدمان # وله في غلام سميه: [الوافر] # إذا باسمي دعيت حننت شوقا ... وذكرني به الداعي حبيبي # فليت كما اتفقنا في الأسامي ... وألفتها اتفقنا في القلوب # وله أيضا: [المتقارب] # بنفسي عذار بدا طالعا ... على ناضر الورد ما أملحا # كتمت هواه زمان الصبا ... وبوحت بالحب لما التحى # وقالوا محا الشعر لما بدا ... محاسنه منه واستقبحا # فقلت لهم ما محا حسنه ... ولكن صبري عنه محا # وله في مثله: [الخفيف] # وغزال لولا تميمة شعر ... ذكرته لقلت بعض الجواري # شارب أشرب الصبابة قلبي ... وعذار خلعت فيه عذاري PageV02P280 # وله في مثله أيضا: [الخفيف] # من عذيري من شادن لا يراني ... وهو روحي أهلا لرد السلام # أنا من خده وعينيه والثغ ... ر ومن ريقه البعيد المرام # بين ورد ونرجس ولآل ... أقحوان وبابلي مدام # وله في مثله أيضا: [المنسرح] # في وجه إنسانة كلفت بها ... أربعة ما اجتمعن في أحد # الخد ورد والصدغ غالية ... والريق خمر والثغر من برد # وله في مثله أيضا: [الوافر] # لقد أمسكت من عمر بن يحيى ... بحبل ما أخاف له انبتاتا # حباني في الحياة ورم حالي ... وأوصى بي أبا حسن وماتا # فكنت مجاورا للبحر منه ... فلما مات جاورت الفراتا # وله في وزير المهلبي: [البسيط] # لا عذب الله ميتا كان ينعشني ... فقد لقيت بضري مثل ما لاقى # طواه موت طوى عني مكارمه ... فذقت من بعده بالفقر ما ذاقا # وقال فيه أيضا: [الطويل] # مضى ملك عم البرية جوده ms0666 ... رءوف وإن راع الأسود شفيق # سكرت بنعماه وجود وزيره ... فقالت لي الأيام: سوف تذوق # وقال رحمه الله أيضا: [الوافر] # لقد كان الشباب فكان غضا ... له ثمر وأوراق تظلك # وكان البعض منك فمات فاعلم ... متى ما مات بعضك مات كلك # ويا بعد ما بين حاله وقت قوله: جاء الشتاء ... البيتين. وبين حاله وقت ~~موت المهلبي، وقد أدرك فاقة، فسئل عما أعد للشتوة فقال: [مجزوء الرمل] # قيل ما أعددت للبر ... د فقد جاء بشده # قلت: دراعه عري ... تحتها جبة رعده # *** # قوله: «إذا القطر عن حاجاتنا حبسا»، في معنى ذلك أن الحسن بن وهب تأخر عن ~~ابن الزيات وهو يكتب له، فاستبطأه فكتب الحسن إليه: [الخفيف] # أوجب العذر في تراخي اللقاء ... ما ترى بي من هذه الأنواء PageV02P281 # لست أدري ماذا أقول وأشكو ... من سماء تعوقني عن سماء # غير أني أدعو على تلك بالثك ... ل وأدعو لهذه بالبقاء # فسلام الإله أهديه مني ... لك غضا يا سيد الوزراء # كان لابن عبد ربه فتى يهواه، فأعلمه أني راحل غدا، فلما أصبح عاقه عن ~~السفر تكاثر المطر، فانجلى عن ابن عبد ربه همه، وكتب إليه: [البسيط] # هلا ابتكرت لبين أنت مبتكر ... هيهات يأتي عليك الله والقدر # ما زلت أبكي حذار البين ملتهبا ... حتى رثا لي فيك الريح والمطر # يا برده من حيا مزن على كبد ... نيرانها بغليل الشوق تستعر # آليت ألا أرى شمسا ولا قمرا ... حتى أراك، فأنت الشمس والقمر # وعد ابن رشيق محبوبه الصائغ أن يكون عنده يوم عيد فصلى وارتقبه، فإذا ~~بالسماء قد أرعدت وأبرقت، فكتب إليه: [البسيط] # تجهم العيد وانهلت مدامعه ... وكنت أعهد منه البشر والضحكا # كأنه جاء يطوي الأرض من بعد ... شوقا إليك فلما لم يجدك بكى # وكتب السلامي إلى أصحابه والمطر قد قطعه عنهم: [الوافر] # قطعتكم برغم المجد شهرا ... أشد علي من شهر الصيام # وكيف أزوركم والمزن تبكي ... على داري بأربعة سجام # وكانت منزلا طلق الحميا ... فصارت واديا صعب المرام # تهافت ركع الجدران فيها ... سجودا للرعود بلا إمام # أنادي كلما ارتفعت سحاب ms0667 ... فأبكتنا البوارق بابتسام # حوالينا بذاك ولا علينا ... كفانا الله شرك من غمام # كن، أي بيت. كيس: وعاء الدراهم. كانون: حيث تجعل النار فيه. طلا: خمر. # كباب: لحم يشرح ويشوى، وكببته: فعلت ذلك به، وقيل: الكباب قطع الكرش تلوي ~~عليها المصارين، وأراد بها هاهنا شواء اللحم. والكس: اسم فرج المرأة وليس ~~بعربي، قال الفنجديهي رحمه الله تعالى: سمعت بعض الفضلاء يقول: كتب ابن ~~سكرة في يوم مطر إلى صديق له: [البسيط] # يوم مطير وعندي من خواطره ... سبع إذا القطر عن حاجاتنا حبسا # حروف كافاتها فيها مقومة ... إذا تلاها الفتى ذو اللب أو درسا # لن وكيس وكانون وكأس طلا ... مع الكباب وكس ناعم وكسا # فلو مطرت البحار الدهر لم ترني ... أقول: أحسن هذا اليوم بي وأسا PageV02P282 # وزاد ابن مسعود عليه كافا ثامنة فقال: [الطويل] # وكم ليلة في شهر كانون بتها ... أعانق من حبي بها الدعص والغصنا # سمعت من الكافات فيها ثمانيا ... فما شئت من مرأى أنيق حوى الحسنا # كبابا وكيزانا وكيسا وكاعبا ... كساء وكوبا والكوانين والكسا # كما نقصه الأمير تميم بن المعز السابعة، فقال: [الطويل] # إذا هب سلطان المريسي ضاحكا ... سحيرا وحل الغرب كل نقاب # وزر على الأرض الغمام ثيابه ... فقم والقه في عدة وحراب # بكن وكانون وكأس مدامة ... وكيس وكس وافر وكباب # نقلت أبيات ابن مسعود من شرح شيخنا ابن اللبان، قال: ولما جمعنا في أيام ~~الشتاء ما جمعنا من الكافات، قلت في ضدها من الحر بيتين، جمعت فيهما من ~~الراءات ثمانية وهي: [البسيط] # عندي فديتك راءات ثمانية ... ألقي بها الحر إن وافى وإن بردا # رق وروح وريحان وريق رشا ... ورفرف ورياض ناعم وردا # جلباب: ثوب يلبس على الثياب. اكتف: اقتنع. وعيت: حفظت. انكفى: ارجع إلى ~~موضعك. طول: مدة. والله تعالى أعلم. PageV02P283 ### | AUTO المقامة السادسة والعشرون وتعرف بالرقطاء # حدث الحارث بن همام قال: حللت سوق الأهواز، لابسا حلة الإعواز، فلبثت ~~فيها مدة، أكابد شدة، وأزجي أياما مسودة، إلى أن رأيت تمادي المقام، من ~~عوادي الانتقام، فرمقتها بعين القالي، وفارقتها مفارقة الطلل ms0668 البالي. فظعنت ~~عن وشلها كميش الإزار، ركضا إلى المياه الغزار؛ حتى إذا سرت منها مرحلتين، ~~وبعدت سرى ليلتين، تراءت لي خيمة مضروبة، ونار مشبوبة، فقلت: آتيهما لعلي ~~أنقع صدى، أو أجد على النار هدى. # *** # حللت: نزلت. الأهواز: مدينة واسعة لها سبع كور بين البصرة وفارس، قال ~~الرشاطي: الأهواز: متصلة بالجبل وأصبهان، وقيل: إن الأهواز بلد من سكن ~~قصبته، ضعف عقله ولزمته الحمى. # حلة الإعواز: ثوب الفقر، والحلة إزار ورداء، ولا يقال لثوب واحد: حلة. لبثت: # أقمت. أكابد: أقاسي. أزجي: أسوق. مسودة: شداد مشئومة. تمادي: دوام وطول. # المقام: الإقامة. عوادي: جمع عادية، من العدوان وهو الظلم. والانتقام: ~~العذاب والنكاية. رمقتها: نظرتها. القالي: البغيض. الطلل: ما شخص من آثار ~~الدار. ظعنت: # ارتحلت. وشلها: ماؤها القليل. كميش: مشمر، وانكمش في طلب حاجته: أسرع ~~فيها، والإزار والمئرز: ما يلبس عرضا من السراويل، ولا تعرف العرب ~~السراويل، ووجدها أعرابي فظنها قميصا، فأدخل يديه من على ساقيها، والتمس من ~~أين يخرج رأسه فلم يجد فرمى بها، وقال: هذا قميص الشيطان. # قوله: راكضا، أي جاريا، وهمزة ماء مبدلة من هاء «مياه». الغزار: الكثيرة. ~~سرى ليلتين، أي سرت مقدار ما يسار فيه ليلتين. تراءت: ظهرت. مشبوبة: ~~موقودة. أنقع صدى: أروي عطشا. أجد على النار هدى، أي أجد عليها من يرشدني ~~إلى الطريق. # *** # فلما انتهيت إلى ظل الخيمة، رأيت غلمة روقة، وشارة مرموقة، وشيخا عليه PageV02P284 # بزة سنية، ولديه فاكهة جنية. فحييته ثم تحاميته. فضحك إلي، وأحسن الرد ~~علي، وقال: ألا تجلس إلى من تروق فاكهته، وتشوق مفاكهته! فجلست لاغتنام ~~محاضرته، لا لالتهام ما بحضرته، فحين سفر عن آدابه، وكشر عن أنيابه، عرفت ~~أنه أبو زيد بحسن ملحه، وقبح قلحه. فتعارفنا حينئذ، وحفت بي فرحتان ساعتئذ، ~~ولم أدر بأيهما أنا أضفى فرحا، وأوفى مرحا! أبإسفارة، من دجنة أسفاره، أم ~~بخصب رحاله، بعد إمحاله. # *** # روقة: حسانا، وغلام روقة، إذا أعجبك، وغلمان روقة، الواحد والجمع سواء، ~~وقيل: روقة لفظ مفرد والجمع روق، والهاء للمبالغة. شارة: هيئة حسنة يشار إليها. # مرموقة: محبوبة. بزة ms0669 سنية ثياب حسان، والبزة والبز أفضل الثياب: جنية: ~~طرية كما اجتنيت. حييته: سلمت عليه. تحاميته: تباعدت عنه. تروق: تعجب. ~~تشوق: تشوق وتدعو إلى الطرب. مفاكهته: ممازحته، وفاكهته: حدثته بما يعجب. ~~التهام: ابتلاع. # سفر: كشف وبين أنه من أهل الأدب. كشر عن أنيابه: كشف عن أسنانه عند الضحك. # ملحه: مليح كلامه. قلحه: صفرة أسنانه. تعارفنا: عرفته من أنا وعرفني من ~~هو. حفت: # أحاطت. والمرح: شدة الفرح؛ وأوفى مرحا، أي أكمل طربا ونشاطا. إسفاره: ~~طلوعه وإضاءته. دجنة: سواد وظلام. أسفاره: جمع سفر. رحاله: أوقاره، يصف ~~كثرة ماله، وأنه إذا نزل منزلا أخصب بكثرة أحماله. إمحاله: جدبه. # *** # وتاقت نفسي إلى أن أفض ختم سره، وأبطن داعية يسره، فقلت له: من أين ~~إيابك، وإلى أين انسيابك، وبم امتلأت عيابك؟ فقال: أما المقدمفمن طوس، وأما ~~المقصد فإلى السوس. وأما الجدة التي أصبتها، فمن رسالة اقتضيتها. فسألته أن ~~يفرشني دخلته، ويسرد علي رسالته، فقال: دون مرامك حرب البسوس، أو تصحبني ~~إلى السوس. فصاحبته إليها قهر، وعكفت عليه بها شهرا، وهو يعلني كاسات ~~التعليل، ويجرني أعنة التأميل. # *** # تاقت: اشتاقت. أفض: أكسر. ختم: ربط وشد. أبطن: أعرف باطنه. يسره: # غناه. إيابك: رجوعك. انسيابك: ذهابك. عيابك: أوعية متاعك. # طوس: مدينة منها إلى نيسابور مرحلتان، قال اليعقوبي: مدينة طوس العظمى، PageV02P285 # يقال لها لوبان، وبها قبر الرشيد، وبها توفي الرضا علي بن موسى بن جعفر ~~بن محمد بن علي بن الحسين، وهي من ثغور الجبال المتصلة بخراسان، ومجاورتها ~~أيضا مدينة أصبهان، وهي عظيمة. # وأما السوس، فمدينة بأرض فارس، تعمل بها الثياب السوسية من الخز، قال ~~الرشاطي: السوس من كور الأهواز، والسوس في بلاد الغرب، وذكر الجاحظ أن من ~~طنجة إليها عشرين يوما. # وسوسة من بلاد إفريقية على البحر، تصنع بها ثياب رفاع، والسوس اسم مشترك، ~~والذي قصد الحريري منهما الأولى. # الجدة: الغنى. اقتضبتها: ارتجلتها. يفرشني دخلته: يبسط لي باطن أمره، ~~وأفرشتك حديثي: بسطته لك وبينته. يسرد: يقرأ. مرامك: مطلبك. وتقدمت حرب ~~البسوس في التاسعة عشرة. # عكفت: أقمت. يعلني: يسقيني مرة بعد ms0670 مرة، والتعليل أن يطمعك في قضاء حاجتك ~~فإذا تقاضيته أظهر لك عللا وعوائق لم يمنيك، فمتى ما جئته اعتل لك بعلة ~~مانعة من قضاء حوائجك. # يجرني: يعلقها بي ويجعلني أجرها. أعنة: جمع عنان. التأميل: مصدر أمله، ~~إذا رجاه وحقق له أمله. # *** # حتى إذا حرج صدري، وعيل صبري قلت له: إنه لم يبق لك علة، ولا لي في ~~المقام تعلة، وفي غد أزجر غراب البين، وأرحل عنك بخفي حنين، فقال: # حاش لله أن أخلفك، أو أخالفك؛ وما أرجأت أن أحدثك إلا لألبثك. وإذا كنت ~~قد استربت بعدتي، وأغراك ظن السوء بمباعدتي، فأصخ لقصص سيرتي الممتدة، ~~وأضفها إلى أخبار الفرج بعد الشدة. # فقلت لها: هات فما أطول طيلك، وأهول حيلك. فقال: اعلم أن الدهر العبوس، ~~ألقاني إلى طوس، وأنا يومئذ فقير ووقير، لا بها ولا نقير، فألجأني صفر ~~اليدين، إلى التطوق بالدين، فادنت لسوء الاتفاق، ممن هو عسر الأخلاق، ~~وتوهمت تسني النفاق، فتوسعت في الإنفاق، فما أفقت حتى بهظني دين لزمني حقه، ~~ولازمني مستحقه، فحرت في أمري، وأطلعت غريمي على عسري. # *** PageV02P286 # حرج صدره، إذا ضاق. عيل: غلب، وعالني الأمر يعولني عولا: غلبني. وقرأ ابن ~~مسعود رضي الله عنه: «وإن خفتم عائلة» أي خصلة تعولكم وتغلبكم. تعلة: ما ~~تبديه من العلل في اعتذارك لمن يتقاضاك، وفي غد أزجر غراب البين، أي ~~التفاؤل به لفراقك، وإنما ينسبون الفراق للغراب، لأنهم إذا ارتحلوا عن موضع ~~اجتمعت الغربان فيه يلتقطن ما تركوا من بقايا طعامهم وزبل دوابهم، وإذا ~~أخذوا في هدم البيوت للرحيل وأبصرهم الغراب صاح رغبة فيما يلتقط، فيقولون ~~عند ذلك: نعق غراب البين، فصاروا يتشاءمون به، وزجر الطير يذكر في الثامنة ~~والثلاثين. قال المعري في صدق التفاؤل بالغراب: [الطويل] # نبي من الغربان ليس على شرع ... يخبرنا أن الشعوب على صدع # أصدقه في مرية وقد امترت ... صحابة موسى بعد آياته التسع # كأن بفيه كاهنا أو منجما ... يخبرنا عما لقينا من الفجع # وما كان أفعى أهل نجران مثله ... ولا كان للإنس الفضيلة في السمع # أتى وهو ms0671 طيار الجناح وإن مشى ... أشاح بما أعيا سطيحا من السجع # قوله: أخلفك، أكذب وعدك. أرجأت: أخرت. لألبثك: لأثبطك وأجعلك تقيم معي. ~~استربت: تشككت، وداخلتك الريبة. أغراك: حرضك وألصقك. أصخ: أسمع: # قصص: خير وحديث. سيرتي: عادتي. أضفها: ضمها. وأخبار الفرج بعد الشدة أن ~~ينزل بالإنسان شدة فيشرف منها على الهلاك ثم ينزل الله تعالى تفريجها، ~~فالحديث بها يسمى خبر الفرج بعد الشدة. ### || AUTO قصص في الفرج بعد الشدة # ومنها ما جاء في حديث أنس رضي الله عنه، قال: كان رجل على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم يتجر من بلام الشام إلى المدينة، ولا يصحب القوافل توكلا ~~منه على الله تعالى، فبينا هو جاء من الشام عرض له لص على فرس، فصاح ~~بالتاجر: قف، فوقف التاجر، وقال له: # شأنك بمالي، فقال له اللص: المال مالي، وإنما أريد نفسك، فقال له: أنظرني ~~حتى أصلي، قال: افعل ما بدا لك. فصلى أربع ركعات ورفع رأسه إلى السماء ~~يقول: يا ودود يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا مبدئ يا معيد، يا فعالا لما ~~يريد، أسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك، وأسألك بقدرتك التي قدرت بها ~~على جميع خلقك، وأسألك برحمتك التي وسعت كل شيء، لا إله إلا أنت يا مغيث ~~أغثني، ثلاث مرات. وإذا بفارس بيده حربة، فلما نظره اللص ترك التاجر ومضى ~~نحوه فلما دنا منه طعنه، فأذراه عن فرسه ثم قتله، وقال للتاجر: اعلم أني ~~ملك من السماء الثالثة، لما دعوت الأولى سمعنا لأبواب السماء قعقعة فقلنا: ~~أمر حدث، ثم دعوت الثانية، ففتحت أبواب السماء PageV02P287 # ولها شرر، ثم دعوت الثالثة، فهبط جبريل عليه السلام ينادي: من لهذا ~~المكروب؟ # فدعوت الله أن يوليني قتله. واعلم يا عبد الله أن من دعا بدعائك في كل ~~شدة أغاثه الله، وفرج عنه. ثم جاء التاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فأخبره الخبر، فقال: «لقد لقنك الله أسماءه الحسنى التي إذا دعي بها أجاب، ~~وإذا سئل بها أعطى». # وقال عمرو السرايا: كنت أعبر في ms0672 بلاد الروم وحدي، فبينا أنا نائم إذ ورد ~~علي علج فحركني، ثم قال: يا أعرابي، اختر إما مسايفة، وإما مطاعنة، أو ~~مصارعة! فقلت: # المسايفة والمطاعنة لا معنى لهما، ولكن المصارعة، فلم ينهنهني أن صرعني ~~وقعد على صدري، وقال: أي قتلة تريد أن أقتلك، فذكرت الدعاء ورفعت رأسي إلى ~~السماء، وقلت: أشهد أن كل معبود ما دون عرشك إلى منتهى الأرضين باطل، عز ~~وجهك الكريم؛ فقد ترى ما نزل بي. وأغمي علي، فأفقت والرومي قتيل إلى جانبي، ~~فقمت، وكنت أعلم الناس هذا الدعاء. # ووجه سليمان بن عبد الملك محمد بن يزيد إلى العراق، فأطلق أهل سجون ~~الحجاج وضيق على يزيد بن أبي مسلم كاتبه. فظفر به يزيد لما ولي إفريقية، ~~فجعل محمد يقول: اللهم احفظ لي إطلاق الأسرى، وإعطاء الفقراء، فلما دنا ~~يزيد منه وفي يده عنقود، قال: يا محمد ما زلت أسأل الله أن يظفرني بك. فقال ~~له محمد: وما زلت أستجير الله منك، قال: فو الله ما أجارك ولا أعاذك مني. ~~وو الله لأقتلنك قبل أن آكل هذه الحبة من العنب؛ وو الله لو رأيت ملكا يريد ~~قبض روحك لسبقته إليها. وأقيمت الصلاة فوضع حبة العنب بين يديه، وتقدم فصلى ~~بهم، وكان أهل إفريقية اجتمعوا على قتل يزيد، فلما ركع ضربه رجل بعمود حديد ~~فقتله، وقال لمحمد: اذهب حيث شئت. # وقال حماد الراوية: كنت منقطعا إلى يزيد بن عبد الملك، وكان أخوه هشام ~~يجفوني في أيامه لذلك، فلما مات يزيد، وأفضت الخلافة إلى هشام خفته، فمكثت ~~في بيتي سنة؛ لا أخرج إلا لمن آمن إليه من إخواني سرا. فلما لم أسمع أحدا ~~يذكرني في السنة أمنت فخرجت، وصليت الجمعة في الرصافة، فإذا شرطيان قد وقفا ~~علي، وقالا: يا حماد، أجب الأمير يوسف بن عمر، فقلت في نفسي: من هذا كنت ~~أخاف، ثم قلت للشرطيين: هل لكما أن تدعاني حتى آتي أهلي فأودعهم وداع من لا ~~يرجع إليهم أبدا، ثم أسير معكما إليه؟ فقال: # ما إلى ذلك من سبيل، فاستسلمت ms0673 في أيديهما، وسرت إلى يوسف بن عمر وهو في ~~الإيوان الأحمر، فسلمت عليه فرد علي السلام ورمى إلي كتابا فيه: # بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر. ~~أما بعد فإذا قرأت كتابي هذا فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به من غير ~~تروع ولا تتعتع، وادفع إليه خمسمائة دينار وجملا مهريا يسير عليه اثنتي ~~عشرة ليلة إلى دمشق، فأخذت الدنانير وجعلت رجلي في غرز جمل أعده لي، ووافيت ~~دمشق لاثنتي عشرة ليلة، PageV02P288 # واستأذنت على هشام، فأذن لي، فدخلت عليه فورا في دار مفروشة بالرخام، ~~وبين كل رخامتين قضيب من ذهب، وهو جالس على طنفسة حمراء، وعليه ثياب حمر من ~~الخز، وقد تضمخ بالمسك والعنبر، فسلمت عليه، فرد علي السلام واستدناني ~~فدنوت منه، حتى قبلت رجله، فإذا جاريتان لم أر مثلهما قط، في أذني كل واحدة ~~منهما حلقتان فيهما لؤلؤتان توقدان، فقال: كيف أنت يا حماد وكيف حالك؟ ~~فقلت: بخير يا أمير المؤمنين، قال: أتدري فيم بعثت إليك؟ قلت: لا، قال: في ~~بيت خطر ببالي لم أدر من قائله، قلت: وما هو؟ قال: [الخفيف] # ودعوا بالصبوح يوما فجاءت ... قينة في يمينها إبريق (¬1) # فقلت: هو لعدي بن زيد في قصيدة له، قال: أنشدنيها فأنشدته: [الخفيف] # بكر العاذلون في وضح الصب ... ح يقولون لي: أما تستفيق (¬2) # ويلومون فيك يا ابنة عبد الل ... ه والقلب عندكم موثوق # لست أدري إذ أكثروا العذل فيها ... أعدو يلومني أم صديق! # حتى انتهيت إلى قوله: [الخفيف] # ودعوا بالصبوح يوما ... البيت. # قدمته على سلاف كعين الد ... يك صفى سلافها الراووق # مرة قبل مزجها فإذا ما ... مزجت لذ طعمها من يذوق # وطفا فوقها فقاقيع كاليا ... قوت حمر يزينها التصفيق # ثم كان المزاج ماء سحاب ... لا صرى آجن ولا مطروق # قال: فطرب، ثم قال لي: أحسنت والله يا حماد! ثم قال لإحدى الجاريتين: ~~اسقيه، فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي، ثم قال: أعده فأعدته، عليه، فاستخفه ~~الطرب حتى نزل عن فرشه، ثم قال للأخرى: اسقيه، ms0674 فسقتني شربة فذهب ثلث آخر من ~~عقلي، ثم قال: سل حاجتك، فقلت: إحدى الجاريتين، فقال: هما جميعا لك، ثم قال ~~للأولى اسقيه، فسقتني شربة سقطت منها فلم أفق إلا والجاريتان عند رأسي ~~وعشرة من الخدم مع كل واحد بدرة، فقيل لي يقول: لك أمير المؤمنين: انتفع ~~بهذا في سفرك، فأخذتها والجاريتين وعاودت أهلي. # وذكر أبو محمد هذه الحكاية في الدرة وقال: هذه حكاية تنشر مآثر الأجواد، ~~وترغب المتأدب في الازدياد. وهذه النبذة دالة على أخبار الفرج بعد الشدة ~~فلنقتصر عليها. # *** PageV02P289 # قوله: ما أطول طيلك، أي ما أكثر حيلتك. يقال ذلك للكثير الدهاء والتصرف ~~والطيل: الحبل. أهول: أخوف وأغرب ووقير: إتباع، وفائدة الإتباع المبالغة في ~~معنى الأول، وذلك أنك تقول: فلان فقير فيكون له الشيء اليسير من المال، ~~فإذا قلت: # ووقير، فليس شيء البتة. وقيل: معنى ووقير مثقل بالدين به، والإتباع قصد ~~لأنه فسره بقوله: لا فتيل لي ولا نقير، كأن إنسانا توهم أن له شيئا فذكر ~~ووقيرا لنفسه، زاده بيانا بما بعده، ولأنه ذكر استئناف الدين بعد ذلك. # ويكون الوقير أيضا من الوقر في العظم، وهو الكسر كأنه مكسور العظم، كما ~~أن الفقير أصله المكسور الفقار. والفتيل: الخيط الذي في شق النواة مثل ~~الفتيلة، والنقير الفرض الصغير الذي في ظهرها، وفيه كالنقطة ومنه تنبت ~~النخيل، والقطمير: اللفافة التي عليها، وهي القشرة اللطيفة. # صفر اليدين: فراغهما من المال. التطوق: لبس الطول: أراد أنه لبس من الدين ~~طوقا. ادنت: أخذت الدين، والاتفاق، ضد الاختلاف. عسر: صعب. توهمت: # حسبت. تسنى: تيسر. النفاق، ضد الكساد. توسعت: كثرت. بهظني: غلبني وثقل ~~علي حقه: واجبه. # أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن أبواب الرزق مفتوحة ~~إلى باب العرش فينزل الله تعالى إلى عباده أرزاقهم على قدر نفقاتهم، فمن ~~قلل قلل له، ومن كثر كثر عليه. # مستحقه: صاحبه. فحرت في أمري، أي في هم الدين، وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «علمني جبريل دعاء في الدين، وهو أن يصلي إذا زالت الشمس أربع ms0675 ركعات، ~~يقرأ في كل ركعة بأم الكتاب وآية الكرسي وقل هو الله أحد، فإذا سلم قرأ: ~~«قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من ~~تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير* تولج الليل في النهار ~~وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من ~~تشاء بغير حساب»، ثم يقول: يا فارج الهم يا كاشف الغم، يا مجيب دعوة المضطر ~~يا رحيم الدنيا والآخرة، ارحمني رحمة تغنيني بها عمن سواك واقض ديني؛ فإن ~~الله تعالى يقضي دينه عنه وفيها اسم الله الأعظم». # غريمي: صاحب ديني، سمي غريما لإدامته التقاضي وإلحاحه وملازمته من عليه ~~الدين، ويكون الغريم أيضا المطلوب بالدين، لازم له كما قال الشماخ: ~~[الوافر] # تلوذ ثعالب الشرفين منها ... كما لاذ الغريم من التبيع (¬1) # عسري: فقري. # *** PageV02P290 # فلم يصدق إملاقي، ولا نزع عن إرهاقي، بل جد في التقاضي، ولج في اقتيادي ~~إلى القاضي. وكلما خضعت له في الكلام، واستنزلت منه رفق الكرام، ورغبته في ~~أن ينظر لي بمياسرة، أو ينظرني إلى ميسرة. قال: لا تطمع في الإنظار واحتجان ~~النضار، فو حقك ما ترى مسالك الخلاص، أو تريني سبائك الخلاص. # فلما رأيت احتداد لدده، وألا مناص لي من يده، شاغبته، ثم واثبته، ~~ليرافعني إلى والي الجرائم، لا إلى الحاكم في المظالم، لما كان بلغني من ~~إفضال الوالي وفضله، وتشدد القاضي وبخله. فلما حضرنا باب أمير طوس، آنست ~~ألا بأس ولا بوس. فاستدعيت دواة بيضاء، وأنشأت رسالة رقطاء؛ وهي: # *** # ومثله إملاقي، وأملق: ذهب ماله، مشتق من الملقات وهي الصخور الملس، كأنه ~~افتقر حتى لم يبق له ما يلبس إلا جلده الأملس. نزع: كف. إرهاقي: تكليفي ما ~~لا أطيق، وأرهقته: كلفته مشقة، والرهق: الظلم. جد: عزم واجتهد، التقاضي: ~~طلب المال. لج: عزم وركب رأسه. استنزلت: طلبت. رفق الكرام: لطفهم وحنانهم ~~على الفقير. مياسرة: لين ومساهلة. ينظرني: يؤخر بي والإنظار الإمهال، وفي ~~حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: «من ms0676 أنظر معسرا أظله الله في ظله ~~يوم لا ظل إلا ظله». # ميسرة: غنى. احتجان: اختزان، واحتجنت الشيء: ضممته بالمحجن، وهو عود ~~معقف. النضار: الذهب. مسالك الخلاص. طرق النجاة سبائك: فقر وقطع. الخلاص، ~~بالكسر: الذهب الخالص. احتداد: اشتداد، وقد احتد. لدده: خصامه وإلحاحه. # مناص: مخلص ومفر، وناص عن قرينه نوصا ومناصا، إذا فزع وفر، وما أحسن ما ~~قال العبدي في محمد بن إبراهيم يشكو غريما لازمه: [الرمل] # اقض عني يا بن عم المصطفى ... أنا بالله من الدين وبك # من غريم فاحش قد عرني ... أسود الوجه لعرضي منتهك # أنا والظل وهو ثالثنا ... أينما زلت من الأرض سلك # شاغبته: شاررته، أي أوقعت بيني وبينه الشغاب. واثبته: ضاربته ووثبت إليه، ~~ووثب إلي والي الجرائم: حاكم الجنايات، والحاكم في المظالم: هو القاضي. إفضال: # إنعام فضله: جوده وكرمه. وتشدد: بخل، ورجل شديد ومشداد، أي بخيل، قال ~~الله تعالى: وإنه لحب الخير لشديد [العاديات: 8]، أي لبخيل من أجل حبه ~~الخير وهو المال، أو تشدد شدته على من تعين قبله حق. آنست: علمت وأحسنت ~~بأس: ضر. # وبوس: شدة. بيضاء: ورقة يكتب فيها؛ ولابن الزقاق فيها: [الوافر] PageV02P291 # وواضحة كمثل النصل تجري ... مع الإبصار كالماء القراح (¬1) # ترى حبك المداد بجسم نور ... كمخضر الفرند على الصفاح # كأن سواده في صفحتيها ... بقايا الليل في وجه الصباح # رقطاء: فيها حرف منقوط وآخر غير منقوط، والرقطاء عندهم الدجاجة المبرقشة، ~~وهي المنقطة بسواد وبياض، ومنه قيل للنهر أرقط؛ لأن فيه تنقيطا خلاف لونه، ~~ولو شكر لمعطيه الدواة لأنشد هذه الأبيات، وهي لابن سكرة: [البسيط] # أخ مزجت بروحي روحه وجرى ... منه كجري دمي في الجسم أفديه # أهدى إلي دواة لو كتبت بها ... دهري أياديه لم تنفد أياديه # وهذه الرسالة التي أنشأها أبو محمد أبدع فيها بما أراد، وأغرب بها وأجاد. # وننشد من الشعر النفيس في مدح الرسائل ما يجري لها كالوصف، ويسري بذكرها ~~طيب العرف، فمن ذلك قول أبي تمام: [الوافر] # مداد مثل خافية الغراب ... وقرطاس كرقراق السراب (¬2) # وألفاظ كألفاظ المثاني ... وخط مثل وشم يد الكعاب ms0677 # كتبت ولو قدرت هوى وشوقا ... لكنت إليك سطرا في الكتاب # وله في كتاب جاء من الحسن بن وهب: [الوافر] # لقد جلى كتابك كل بث ... جو وأصاب شاكلة الرمي # وكان أغض في عيني وأندى ... على كبدي من الزهر الجني # وأحسن موقعا مني وعندي ... من البشرى أتت بعد النعي # فكائن فيه من معنى خطير ... وكائن فيه من لفظ بهي # فيا ثلج الفؤاد وكان رضفا ... ويا شبعي برونقه وريي # من أبيات كلها عيون، وفيما ذكرنا دليل على ما تركنا. # وقال أبو نواس في كتاب ورد عليه من صديق: [البسيط] # ووارد ورد إنشاء يؤكده ... صدوره عن سليم الورد والصدر # شدت بتيجانه منه على نزه ... تقسم الحسن بين السمع والبصر # عذوبة صدرت عن منطق ينع ... كالماء يخرج ينبوعا من الحجر # وروضة من رياض الفكر دبجها ... صوب القرائح لا صوب من المطر PageV02P292 # كأنما نشرت أيدي الربيع بها ... بردا من الوشي أو ثوبا من الحبر # ولابن طاهر في ابن ثوابة: [البسيط] # في كل يوم صدور الكتب صادرة ... عن رأيه وندى كفيه عن مثل # عن خط أقلامه خط القضاء على الأع ... داء بالموت بين البيض والأتل # لعابها عسل في الصدر تبعثه ... وربما كان فيه النفع للعلل # كأن أسطارها في بطن مهرقة ... نور يضاحك دمع الواكف الخضل # وقال بعضهم: [الوافر] # كتاب فيه من غرر المعاني ... قلائد لا تنظمها اليدان # إذا نشرت صحائفه تجلت ... بروضتها أزاهير المعاني # ترود العين منها في مراد ... مريع جاده فيض البنان # كأن مجال عين الفكر فيه ... مجال اللحظ في غرر الحسان # وقال آخر: [الطويل] # يدير على القرطاس أسمر مرهفا ... إذا دار لم تلحق به البيض والسمر # كأن المعاني روضة وهو غيثها ... فمهما سقي أغصانها ضحك الزهر # وقال الرمادي: [مجزوء الكامل] # قلم الوزير وكفه ... هذا يصول وذا يطول # أضحى كليث خفية ... ودواته لليث غيل # *** # أخلاق سيدنا تحب، وبعقوته يلب، وقربه تحف، ونأيه تلف، وخلته نسب، وقطيعته ~~نصب، وغربه ذلق، وشهبه تأتلق، وظلفه زان، وقويم نهجه بان، وذهنه قلب وجرب، ~~ونعته شرق وغرب. [الخفيف] # سيد قلب سبوق ms0678 مبر ... فطن مغرب عزوف عيوف # مخلف متلف أغر فريد ... نابه فاضل ذكي أنوف # مفلق إن أبان، طب إذا نا ... ب هياج وجل خطب مخوف # *** # قوله: أخلاق سيدنا تحب، حسن أخلاق الإنسان من كمال سعادته، وكرم فضيلته، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي» ~~مع أن الله عز وجل يقول فيه: وإنك لعلى خلق عظيم [القلم: 4]. PageV02P293 # قوله: وبعقوته يلب، أي بمنزله يقام لحماية الممدوح من يلوذ به وإكرامه ~~له. وقربه تحف، أي من قرب منه أتحفه وهاداه، ومن بعد منه فقد الأمن فهلك. ~~والنأي: البعد، ولما كان القرب سببا للتحف والنأي سببا للتلف، جعل نفس ~~القرب والبعد هما الحياة والموت. خلته: صداقته. نسب، أي هو للصديق بمنزلة ~~النسيب، قيل لبزرجمهر: من أحب إليك: أخوك أم صديقك؟ فقال: لا أحب أخي إلا ~~إذا كان صديقي. وقال أكثم بن صيفي: القرابة تحتاج إلى مودة، والمودة لا ~~تحتاج إلى قرابة. وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: القرابة قد تقطع، ~~والمعروف قد يكفر، وما رأيت كتقارب القلوب، أخذه ابن مناذر فقال: [الخفيف] # قد يقطع الرحم القريب وتك ... فر النعمى ولا كتقارب القلبين # يدني الهوى هذا، ويدني ذا هوى ... فإذا هما نفس ترى نفسين # أخذه أبو تمام فحسنه فقال: [الطويل] # فإن الفتى في كل حال مناسب ... مناسب روحانية من يشاكل (¬1) # ولن تنظم العقد الكعاب لزينة ... كما تنظم الشمل الأشت الشمائل # وقد تقدم حديث: «الأرواح جنود مجندة» (¬2)، ونظم الحسن له. # وقال الشاعر: [الكامل] # لا خير في قربى بغير مودة ... ولرب منتفع بود أباعد # وإذا وجدت من البعيد مودة ... فامدد له كف القبول بساعد # قوله: وقطيعته نصب، أي عداوته هم وتعب، وقد قال أبو تمام: [الطويل] # وإلا فأعلمه بأنك ساخط ... ودعه فإن الخوف لا شك قاتله (¬3) # غربه: أي حده. ذلق، أي حاد. شهبه: نجومه، يعني أخلاقه ومكارمه. تأتلق: # تضيء وظلفه: منعه وكفه، وظلفت نفسي عن الشيء: منعتها منه. زان: يزين، ~~يقول إن قمعه من تجاوز قدره ومنعه من سأل ms0679 ما لا يحب زين بالممنوع، وشرف ~~بالمقموع، فتأديب الملوك لا عار به، وإنما العار أن يهينك كفؤك، ومن لا حكم ~~له عليك. وقال المتنبي: [الطويل] # ومن شرف الإقدام أنك فيهم ... على القتل موموق كأنك شاكد (¬4) PageV02P294 # وإن دما أجريته بك فاخر ... وإن فؤادا رعته لك حامد # وقال حبيب: [الكامل] # خشعوا لصولتك التي هي عندهم ... كالموت يأتي ليس فيه عار (¬1) # وقال آخر: [الطويل] # وإن أمير المؤمنين وعتبه ... لكالدهر لا عار بما فعل الدهر # وإذا تزين بمنعه، فما ظنك بعطائه! على أن اليد القابلة للجدوى، وهي اليد ~~السفلى، لا تنفك عن حشمة أو ذلة، وقد اعتذروا لهذا المعنى، قال أبو تمام: ~~[الطويل] # رأيت رجائي فيك وحدك همة ... ولكنه في سائر الناس مطمع (¬2) # وقال أيضا: [البسيط] # تدعى عطاياه وفرا وهي إن شهرت ... كانت فخارا لمن يعروه مؤتنفا (¬3) # ما زلت منتظرا أعجوبة زمنا ... حتى رأيت نوالا يقتضي شرفا # وقال إبراهيم بن العباس: [الطويل] # إذا طمع يوما عراني منحته ... كتائب يأس كرها وطرادها (¬4) # سوى طمع يدني إليك فإنه ... يبلغ أسباب العلا من أرادها # وقال الخريمي: [الطويل] # عطاؤك زين لامرئ إن أصبته ... بخير وما كل العطاء يزين (¬5) # وليس بعار لامرئ بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال يشين # وقال أبو الطيب: [الوافر] # وفيض نواله شرف وزين ... وفيض نوال بعض الناس ذم # وقال ابن أبي خالد: [الخفيف] # شرف للشريف منك نوال ... رب نيل تعافه الأحرار PageV02P295 # فزاد بقوله: للشريف على من سبق. # قوله: قويم نهجه، أي مستقيم طريقه. بان تبين. قلب: بحث. شرق وغرب: أي مشى ~~بوصفه المادحون شرقا وغربا، وأنشد المتنبي وزاد فيه معنى: [الطويل] # ستحيا بك السمار ما لاح كوكب ... وتحدو بك السفار ما ذر شارق (¬1) # تخلى من الدنيا لينسى فما خلت ... مغاربها من ذكره والمشارق # قلب: درب بالأمور، وفلان حول قلب، إذا كان متصرفا في أموره، نفاعا ~~لأوليائه، ضرارا لأعدائه، كأنه لمعرفته بالأمور قد حول الأمور وقلبها. ~~ومبر، أي غالب لأعدائه. # فطن: ذكي. مغرب: يأتي بالغرائب. عزوف: نزيه النفس بعيد من الريب. عيوف: ~~كاره للدنيا. والمتلف عند ms0680 العرب: الذي يتلف ماله بالجود. والمخلف: الذي ~~يخلف ما أتلف بالإغارة على الأعداء، وأخذ أموالهم، يصفه بالشجاعة والكرم. ~~وقال البحتري: # [الطويل] # بأروع من طي كأن قميصه ... يزر على الشيخين زيد وحاتم (¬2) # سماحا وبأسا كالصواعق والحيا ... إذا اجتمعا في العارض المتراكم # وقال ابن الرومي: [المنسرح] # لم تخلني قط من صنائعك ال ... غر ولا من حروبك الضرس # تصرف الغيث في صواعقه ... وتارة في سجاله البجس # وقال البحتري: [الطويل] # ضحوك إلى الأبطال وهو قريعهم ... وللسيف حد حين يسطو ورونق (¬3) # حياة وموت واحد منتهاهما ... كذلك غمر الماء يروي ويغرق # وقال ديك الجن: [الكامل] # هو عارض زجل فمن شاء الحيا ... أرضى، ومن شاء الصواعق أغضبا (¬4) # وقال أبو مسهر: [البسيط] # تحيا الأنام به في الجدب إن قحطوا ... جودا وتشقى به يوم الوغى الهام # كالمزن يجتمع الحالان فيه معا ... ماء ونار، وإرهام وإضرام # وقال ابن الرومي: [الكامل] # والناس طرا بين مرتقب ... سطواته ومؤمل نفعه PageV02P296 # كالعارض التهبت صواعقه ... وسقي البلاد فلم يدع بقعه # قوله: أغر: مشهور. فريد: ليس له نظير. نابه: رفيع الذكر. ذكي: متوقد ~~الفطنة، ويروى: «زكي»، وهو الطاهر العفيف، وقيل: هو المتزيد في الخير، ~~والزكاء: النماء والزيادة. أنوف: كثير الحمية والغضب لما يستراب منه. مفلق: ~~فصيح، وأفلق: جاء بالفلق، وهي الداهية كأنه جاء من الفصاحة بما لا يطاق. ~~أبان: بين كلامه. طب: حاذق حسن التدبير. ناب هياج: حدث شر واختلاف. جل خطب: ~~عظم أمر. مناظم: جمع منظوم. تأتلف: تجتمع، يريد أن ما ينظم في شرفه من ~~المدائح يأتلف بلا تكلف على الشعراء لكثرة صفات الفضل والسؤدد، كما قال ~~حبيب: [البسيط] # تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل (¬1) # وقال أبو الطيب: [الطويل] # لك الحمد في الدر الذي لي لفظه ... فإنك معطيه وإني ناظم (¬2) # وقال آخر: [الخفيف] # ما لقينا من فضل جود ابن يحيى ... صير الناس كلهم شعراء # *** # مناظم شرفه تأتلف، وشؤبوب حبائه يكف، ونائل يديه فاض، وشح قلبه غاض، وخلف ~~سخائه يحتلب، وذهب عيابه يحترب. من لف لفه فلج وغلب، وتاجر بابه جلب وخلب. ms0681 ~~كف عن هضم بري. وبريء من دنس غوي، وقرن ليانه بعز، ونكب عن مذهب كز. ليس ~~بوثاب عند نهزة شر، بل يعف عفة بر. [الكامل] # فلهذا يحب ويستحق عفافه ... شعفا به فلبابه خلاب # أخلاقه غر ترف وفوقه ... فسوق إذا ناضلته غلاب # سحج يهش وذو تلاف إن هفا ... خل فليس بحقه يرتاب # لا باخل بل باذل خرق إذا ... يعتر، برز لا يليه باب # إن عض أزل فل غرب عضاضه ... بمنابه فانحت منه ناب # *** # شؤبوب حبائه: دفع عطائه، والشؤبوب: دفع المطر. يكف: يقطر ويسقط. نائل: PageV02P297 # عطاء. فاض: سال وخرج على الأرض. غاض: غاب وجف والخلف: حلمة الضرع الذي ~~يحلب منه اللبن، وهو أيضا اسم للضرع. سخائه: جوده. عيابه: جمع عيبة يحترب: ~~يستلب، أي لكثرة جوده كأن ماله يسلبه القاصدون له. من لف لفه، أي من التف ~~به ودخل في جماعته، واللف: لفيف الناس، ولف القوم: اجتمعوا والتف بعضهم ~~ببعض، وأخذ هذا اللفظ من قول الأعشى: [الطويل] # وقد ملأت بكر ومن لف لفها ... نباكا فأحواض الربا فالنواعصا (¬1) # بكر قبيلة، ومن لف لفها، أي من التف بها. فلج، أي ظفر بما أحب. جلب: # ساق، أي التاجر الذي يقصد بابه بما جلب إليه من الفوائد يجازيه على ذلك ~~بالعطاء الكثير، فلكثرة ما أخذ فكأنه قد خدعه، والملك المفضال يوصف أنه ~~يخدع لكثرة هباته، وقيل لعرابة: بم سدت قومك؟ قال: أنخدع لهم في مالي. هضم: ~~نقص، أراد أنه لا يهضم ولا يظلم من لم يذنب إليه. غوي: ضال مفسد. ليانه، أي ~~لين خلقه. بعز. بمنع وبعظم، والعزة في اللغة: الشدة والمنعة، والعزاز: ~~الأرض الصلبة، يريد أن الأمير إذا انبسط لم يهب، وإذا اشتدت سطوته لم يؤلف، ~~فحالة هذا الممدوح بين العزة واللين. # وقال أبو تمام: [الكامل] # المجد شيمته وفيه فكاهة ... سمح ولا جد لمن لم يلعب (¬2) # شرس يتبع ذاك لين خليقة ... لا خير في الصهباء ما لم تقطب # نكب: عدل ومال. مذهب: طريق: كز: بخيل قليل الخير. وثاب: عجول كثير ~~الوثوب. نهزة: فرصة وغنيمة. ويعف: يكف ms0682 نفسه. بر: مطيع لله، أراد أنه عفيف ~~عن المحارم. قوله: شعفا، أي حبا يطلب الغاية، وشعاف القلب: أعلاه. يريد أن ~~عفافه بلغه غاية الحب من القلوب، وفلان مشعوف بفلان، إذا ذهب به حبه كل ~~مذهب. الفراء: هو من الشعف، وهي رءوس الجبال، واحدها شعفة، فكأن معنى شعف ~~بفلان، ارتفع حبه إلى أعلى موضع فيه. # لبابه: خالصه. خلاب: آخذ للنفس غالب عليها. غر: حسان. ترف: تتلألأ وتشرق، ~~والرفيف: بريق اللون. وفوقه: سهمه والفوق: طرف السهم الذي يلي الوتر. # ناضلته: راميته، يقول: سهمه غلاب لمن راماه. سحج: سهل الخلق. يهش: يهتز ~~طربا. تلاف: تدارك. هفا: زل وسقط، والهفوة: الزلة. خل: صاحب. يرتاب: يشك. # خرق: كريم جواد يتخرق في العطاء. يعتر: يقصد. برز: ظاهر غير محتجب. قال PageV02P298 # الفنجديهي: رجل برز، أي عفيف عاقل كريم. لا يليه باب، أي لا يحتجب ببابه ~~دون قصاده. ### || AUTO [مما قيل في الحجاب] # [الكامل] # شاد الملوك قصورهم وتحصنوا ... من كل طالب حاجة أو راغب # غالوا بأبواب الحديد لعزها ... وتنافسوا في قبح وجه الحاجب # فإذا تلطف للدخول عليهم ... راج تلقوه بعذر كاذب # فاطلب إلى ملك الملوك ولا تكن ... بادي الضراعة طالبا من طالب # هي لمحمود الوراق. # وقال أبو مسهر: أتيت أبا جعفر محمد بن عبد الكافي فحجبني، فكتبت إليه: # [البسيط] # إني أتيتك للتسليم أمس فلم ... تأذن عليك لي الأستار والحجب # وقد علمت بأني لم أرد ولا ... والله ما رد إلا الحلم والأدب # فأجابني بهذا القول: [البسيط] # لو كنت كافأت بالحسنى لقلت كما ... قال ابن أوس وفيما قاله أدب # ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إن السماء ترجى حين تحتجب # وقال حبيب: [الطويل] # سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما أرى حتى يلين قليلا # فما خاب من لم يأته متعمدا ... ولا فاز من قد نال منه وصولا # ولا جعلت أرزاقنا بيد امرئ ... حمى بابه من أن ينال دخولا # إذا لم أجد للإذن عندك موضعا ... وجدت إلى ترك المجيء سبيلا # وحجب أبو العتاهية عن بعض الهاشميين، وقال له: تكون لك ms0683 عودة فقال: # [الطويل] # لئن عدت بعد اليوم إني لظالم ... سأصرف نفسي حيث تبغى المكارم # متى يظفر الغادي إليك بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم! # قال المتنبي: [الكامل] # أصبحت تأمر بالحجاب لخلوة ... هيهات لست على الحجاب بقادر (¬1) PageV02P299 # من كان ضوء جبينه ونواله ... لم يحجبا لم يحتجب عن ناظر # فإذا احتجبت فأنت غير محجب ... وإذا بطنت فأنت عين الظاهر # وقال جرير: [الكامل] # قوم إذا حضر الملوك وفودهم ... نتفت شواربهم على الأبواب (¬1) # وقال آخر: [الطويل] # نهيت جميع الناس عن كل خطة ... يدبرها في رأيها ابن هشام # فلما وردنا الباب أيقنت أننا ... على الله والسلطان غير كرام # وقال آخر: [الطويل] # وكل خفيف الشأن يدعى مشمرا ... إذا فتح البواب بابك إصبعا # ونحن الجلوس الماكثون توقرا ... حياء إلى أن يفتح الباب أجمعا # قوله: عض أزل، أي اشتد زمان، والأزل: ضيق العيش من الجدب والقحط، وعض: ~~قبض بأسنانه. فل: كسر. غرب: حد. بمنابه: بكفايته. انحت: انكسر. ناب: # سن، يقول: إن عضت الشدائد الناس وأضرت بهم دفعها وكسر أنيابها بمواهبه ~~وخيره لمن أفقرته. ومن مليح ما قيل في هذا المعنى قول المتنبي: [الكامل] # أظمتني الدنيا فلما جئته ... مستسقيا مطرت علي سحائبا (¬2) # حال متى علم ابن منصور بها ... جاء الزمان إلي منها تائبا # نقل المتنبي اللفظ والمعنى من قول أبي تمام: [الكامل] # كثرت خطايا الدهر في وقد يرى ... لنداك وهو إلي منها تائب (¬3) # وألم به الحصني أيضا في قوله: [الطويل] # وقد تحسن الأيام بعد إساءة ... ويذنب صرف الدهر ثم يتوب # وقال ابن المعتز: [المتقارب] # وعوقني الدهر عن قربه ... زمانا فقد تاب عن ظلمه # وقال ابن الرومي: [الطويل] # أساءت لي الأيام يا بن محمد ... وهن إلي اليوم معتذرات # رأين مطافي حول عفوك عائدا ... فهن لما أبصرنه حذرات PageV02P300 # وقال أبو تمام: [الطويل] # إذا العيس لاقت بي أبا دلف غدا ... تقطع ما بيني وبينه النوائب # وقال أبو نواس: [الطويل] # أخذت بحبل من حبال محمد ... أمنت به من طارق الحدثان # تغطيت من دهري بظل جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني # فلو تسأل الأيام عني ms0684 ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني # وقال أيضا: [الخفيف] # أنا في ذمة الخصيب مقيم ... حيث لا تهتدي صروف الزمان # قد عرفنا من الخصيب خلالا ... آمنتنا طوارق الحدثان # كيف أخشى من الليالي اغتيالا ... ومكاني من الخصيب مكاني # *** # وجدير بمن لب وفطن، وقرب وشطن، أن أذعن لقريع زمن، وجابر زمن، مذ رضع ثدي ~~لبانه، خص بإفاضة تهتانه. نعش وفرج، وضافر فأبهج، ونافر فأزعج، وفاء بحق ~~أبلج، أتعب من سيلي، وقرظ إذ هز وبلي، وتوج صفاته، بحب عفاته. [مجزوء الرجز] # فلا خلا ذا بهجة ... يمتد ظل خصبه # فإنه بر بمن ... آنس ضوء شهبه # زان مزايا ظرفه ... بلبس خوف ربه # *** # قوله: جدير، أي حقيق. لب: كان لبيبا وعاقلا. شطن: بعد. أذعن: ذل وانقاد. # القريع: السيد يدفع ضر الزمن ويقرعه. جابر زمن، أي مغني فقير، والزمن ~~الفقير الذي لازمه الفقر أو المريض الذي لازمه المرض، وبه زمانة، وأصل ذلك ~~من لزمن. لبانه، أي لبن أمه، وقال في الدرة. وقولهم: الرضيع الإنسان ارتضع ~~بلبنه، صوابه بلبانه، لأن اللبن هو المشروب، واللبان، هو مصدر لابنه، أي ~~شاركه في شرب اللبن، هذا معنى كلامهم الذي نحوا إليه ولفظوا به. التهتان: ~~سيلان المطر، وإفاضته: صبه، وأراد في لبن أمه، أرتضع الجود فداوم عليه، ~~كقول المتنبي: [المتقارب] # سموا للمعالي وهم صبية ... وسادوا وقادوا وهم في المهود (¬1) PageV02P301 # وقد غلط المتنبي في هذا، ونسب فيه إلى الكذب والمحال الفاضح، لأن سيادة ~~الأطفال في المهود وقود الجيوش من أمحل المحال، وهذا وإن كان ظاهره كذلك، ~~فقد اتسعت العرب وأهل الأدب في هذا القدر، وأقاموا تخيل النجابة في المولود ~~في مهده مقام وجودها في كبره. ثم إذا وجدوا صفة الكمال في الرجل التام ~~حكموا بكمالها، لأنه رضعها في ثدي أمه، أو غذي بها في بطن أمه، ألا ترى ~~قوله: تعلمت العلم قبل أن يقطع سرك وسررك، وقبل أن يقطع ذاك، كان في بطن ~~أمه، وهذا لم ينكره أحد، ومن شعر الحماسة في الذي رأى المهلب في مهده فقال: ~~[الطويل] # خذوني به إن لم ms0685 يسد سرواتهم ... ويبرع حتى لا يصاب له مثل # وفيها أيضا: [الطويل] # لئن فرحت بي معقل عند شيبتي ... لقد فرحت بي بين أيدي القوابل # وذلك لتخيل النجابة فيه في ذلك الوقت، ألا ترى ما تثبت نساء العرب من ~~بلوغ السيادة لأبنائهن عند ترقيصهن، وانظر إلى ذلك إن شئت في فصل نظمناه في ~~كتابنا الموضوع لاختصار نوادر أبي علي، فقد سقط عن المتنبي والحريري بهذا ~~ما عيب عليهما، وقال سوار بن أبي شراعة: [الرمل] # تعرف السودد في مولودهم ... وتراه سيدا إن أيفعا # نعش: رفع الضعيف بجوده. فرج: أزال همه. ضافر: فاخر. أبهج: أدخل السرور ~~على أحبابه إذا كان له الغلب. نافر: حاكم في النسب. # وكانوا في الجاهلية إذا تنازع الرجلان الشرف تنافرا إلى حكمائهم فيفضلون ~~الأشرف، وسميت منافرة لأنهم كانوا يقولون عند المفاخرة: أينا أعز نفرا. ### || AUTO [منافرة عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة] # وأشهر منافرة في الجاهلية منافرة عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب ~~مع علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر، حين قال له علقمة: الرئاسة ~~لجدي الأحوص، وإنما صارت إلى عمك أبي براء من أجله، وقد أسن عمك وقعد عنها، ~~فأنا أولى بها منك. وإن شئت نافرتك، فقال عامر: قد شئت والله؛ لأنا أكرم ~~منك حسبا، وأثبت نسبا، وأطول قصبا، فقال علقمة: أنافرك وإني لبر وإنك ~~لفاجر، وإني لولود وإنك لعاقر، وإني لعف وإنك لعاهر، وإني لواف وإنك لغادر؛ ~~فقال عامر: أنافرك؛ أنا أسنى منك سنة، وأطول قمة، وأحسن لمة، وأجعد جمة، ~~وأبعد همة. فقال علقمة: أنت جسيم وأنا قضيف (¬1)، وأنت جميل، وأنا قبيح؛ ~~ولكن أنافرك أنا أولى بالخيرات منك. PageV02P302 # فخرجت أم عامر فقالت: نافره أيكما أولى بالخيرات، ففعلوا على أن جعلوا ~~مائة من الإبل يعطاها الحكم الذي ينفر عليه صاحبه، فخرج علقمة ببني خالد بن ~~الأصفر وبني الأحوص ومعهما القباب والجزور والقدور؛ ينحرون في كل منزل ~~يطعمون، وخرج عامر ببني مالك، وقال: إنها المقارعة عن أحسابكم، فاشخصوا: ~~بمثل ما شخص به، وقال لعمه ms0686 أبي براء: أعني، فقال: سبني، فقال لا أسبك وأنت ~~عمي، فقال: وأنا لا أسب الأحوص وهو عمي، ولكن دونك نعلي، فإني ربعت فيها ~~أربعين سنة؛ ولم ينهض معه. # فجعلا منافرتهما إلى أبي سفيان بن حرب بن أمية، ثم إلى أبي جهل بن هشام، ~~فلم يقولا بينهما شيئا، ثم رجعا آخر إلى هرم بن قطبة بن سيار بن عمر ~~الفزاري، فقال: لعمري لأحكمن بينكما، فأعطياني موثقا أطمئن إليه أن ترضيا ~~بحكمي، وتسلما ما قضيت بينكما. ففعلا، فأقاموا عنده أياما فأرسل إلى عامر ~~فأتاه سرا، فقال: قد كنت أحسب أن لك رأيا، وأن فيك خيرا، وما حبستك هذه ~~المدة إلا لتنصرف عن صاحبك؛ أتنافر رجلا لا تفتخر أنت وقومك إلا بآبائه! ~~فما الذي أنت به خير منه؟ فقال عامر: نشدتك الله والرحم، ألا تفضل علي ~~علقمة، فو الله لئن فعلت لا أفلح بعدها، هذه ناصيتي فاجززها واحتكم في ~~مالي، فإن كنت ولا بد فاعلا فسو بيني وبينه، فقال له ما قال لعامر، فقال ~~له: أتفاخر رجلا هو ابن عمك في النسب وأبوه أبوك وهو مع ذلك أعظم منك غناء ~~وأحمد لقاء، وأسمح سماحا! فما الذي أنت به خير منه! فرد عليه علقمة ما رد ~~عامر وانصرف وهو لا يشك أنه ينفر عامرا عليه. فأرسل هرم إلى بنيه وبني ~~أخيه، وقال لهم: # إني قائل غدا بينهما مقالة، فإذا فرغت فليطرد بعضكم عشر جزائر فلينحرها ~~عن علقمة، وليطرد بعضكم مثلها فلينحرها عن عامر، وفرقوا بين الناس لا يكون ~~بينهم جماعة. ثم أصبح هرم فجلس مجلسه وأقبل عامر وعلقمة حتى جلسا، فقال ~~هرم: إنكما يا بني جعفر قد تحاكمتما إلي؛ أنتما كركبتي البعير الآدم الفحل ~~تقعان على الأرض معا، وليس فيكما واحد إلا وفيه ما ليس في صاحبه، وكلاكما ~~سيد كريم. ولم يفضل واحدا منهماعلى صاحبه لئلا يجب بذلك شرا بين الحيين، ~~ونحرت الجزر وفرقت على الناس. # وعاش هرم حتى أدرك خلافة عمر رضي الله عنه، فقال: يا هرم، أي الرجلين كنت ~~مفضلا لو فعلت؟ ms0687 فقال: لو قلت ذلك اليوم عادت جزعة، ولبلغت شعفات هجر، فقال ~~عمر: نعم مستودع السر أنت يا هرم، مثلك فليستودع العشيرة أسرارهم، والحكاية ~~طويلة، وقال فيه الأعشى: [السريع] # حكمتموه فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الباهر (¬1) # لا يقبل الرشوة في حكمه ... ولا يبالي غيرة الخاسر # قوله: فاء، أي رجع. أبلج: بين ظاهر. أتعب من سيلي، يقول إن الأمير الذي PageV02P303 # يأتي بعده في تعب لأنه يروم أن يفعل مثل ما فعل فيعجز عنه، وأعاد هذا ~~المعنى منظما في السابعة والثلاثين حين قال: [السريع] # سماحه أزري بمن قبله ... وعدله أتعب من بعده # أخذه من قول رجل قال لأحد الأمراء، وقد عزل عن عمله: أصبحت والله فاضحا ~~متعبا، أما فاضحا فلكل وال قبلك بحسن سيرتك، وأما متعبا فلكل وال بعدك أن يلحقك. # قرظ: مدح. هز: حرك بالثناء عليه. بلى: جرب. توج صفاته، أي زينها وشرفها، ~~عفاته: قصاده، بهجة: سرور، وكنى بخصبه عن ماله ودعا له بالبركة والكثرة إذا ~~جعله ممتد الظل، بر: مكرم. آنس: أبصر. شهيه: نيرانه الساطعة. واحدها شهاب، ~~وأصل هائه التثقيل فخففت، وكانت العرب، توقد النيران فيقصدها الأضياف ~~بالليل، أراد أنه كثير الإكرام لمن يقصد ناره، وأخذ اللفظ من قوله تعالى: ~~آنس من جانب الطور نارا [القصص: 29] # مزايا: فضائل. ظرفه: حسن هيئته وعذوبة لسانه، وهو مصدر ظرف يظرف ظرفا فهو ~~ظريف، فمن قال: الظريف البليغ، وقصره على اللسان لم يجز له أن يقول: ما ~~أظرف زيد؟ على الاستفهام، ومن جعل الظرف حسن الوجه والهيئة جاز له ذلك، ~~وكذلك من جعل الظرف عاما فيكون معناه: أي شيء فيه من الظرف؟ أوجهه أم هيئته ~~أم ذكاؤه وبلاغته؟ . # بلبس: اختلاط، أراد أنه يخلط الهزل بالجد، والمزاح وخفة الطرب بالانقباض ~~والحشمة، وقد تقدم في صفة التنوخي مثل هذا. والمزايا: جمع مزية وهي التمام ~~والكمال، وأصلها من الزي. # *** # فليهن سيدنا فوزه بمفاخر تأثلت وجلت، وفوقه بصنائع تمت ونمت، ويلائم قرب ~~حضرته، غوث رقه بحظ من حظوته؛ فإنه تليد ندب، وشريد جدب، وجريح نوب أثرت، ~~وناظم قلائد تسيرت، ms0688 إذا جاش لخطبة فلا يوجد قائل، ثم قس ثم باقل. # فإن حبر قلت: حبر نمنمت، وخلت رياضا قد نمت، هذا ثم شربه برض؛ وقوته قرض، ~~وفلقه غسق، وجلبابه خلق، وقد قلق لتوغر غريم غاشم، يستحثه بحق لازم؛ فإن من ~~سيدنا بكفه، بهبات كفه، توشح بمجد فاق، وباء بأجر فكي من وثاق. PageV02P304 # لا خلت سجايا خلقه، ترفد شائم برقه، بمن رب أزلي، حي أبدي. # *** # فوزه: ظفره. تأثلت: تقدمت واتصلت. جلت: عظمت. فوقه: سبقه صنائع: # أفعال جميلة. نمت: اشتهرت. يلائم: يوافق. حضرته: موضعه الذي يحضر فيه، ~~والقرب: جمع قرية، وهي ما يتقرب به من أعمال البر إلى الله تعالى ومن ~~الهدايا إلى الملوك، غوث: إغاثة وكشف ضر. رقه: عبده. حظ: نصيب. حظوته: ~~مكانته ورفعته، تليد ندب؛ تقول: ندبت القوم دعوتهم، يريد أنه عبد الدعوة ~~التي دعاه بها خصمه إلى الوالي، والتليد من العبيد: ما ولد عند غيرك ثم ~~اشتريته صغيرا، فكبر عندك، وجعل نفسه عبدا للدعوة لما تعبد بها، أو يريد ~~بالتليد القديم، فإن التليد والتالد المال القديم، وللندب: الهم، من ندبت ~~الميت ندبا، فيريد أنه قديم هم، ورجل ندب، أي خفيف في قضاء الحوائج ~~لأصحابه، فيريد على هذا بتليد ندب، أي خفيف ومن هذه صفته فقد وجبت حرمته. ~~وشريد جدب: طريد فقر وجوع، والجدب ضد الخصب، نوب: نوازل، أثرت: أبقت به ~~أثرا وأثرها أخذها ماله حتى عاد فقيرا، فمن نظره رأي أثر النوائب عليه، ~~ناظم قلائد: قائل قصائد، ورسائل تسيرت: مشت في الناس والبلاد، جاش لخطبة: # تحرك صدره للكلام بها، يريد أنه إذا أراد قول خطبة ازدحم الكلام في صدره ~~وارتفع، كما يجيش القدر، أي يغلي، ونقدم هذا الكلام. # قس: فصيح العرب، ويأتي ذكره في الأربعين، ثم، معناه هنالك، باقل، تقدم، ~~يريد أن قسا على فصاحته لو حضر مع الموصوف لنظم أو نثر لرجع في عي باقل، ~~والعادة إنما يذكر معه سحبان للزوم الرسالة وقال حبيب وذكر ثلاثة من أصحابه ~~عبد الله ابن طاهر: أول: [الكامل] # حازوا خلائق قد تيقنت العلا ms0689 ... كل التيقن أنهن نجومها (¬1) # ثان: [الكامل] # لو أن باقلا المفهه ينبري ... في مدحها سهلت عليه حزومها # ثالث: # ولو أن سحبانا يسحب ذيله ... في ذمها لم يدر كيف يذيمها # حبر: قال شعرا أو رسالة. وأصل حبر: وشى وزين، حبر: ثياب موشاة. نمنمت: # زينت ورقمت. نمت: تحركت بالروائح العطرة. # وقال الصابي في المهلبي وكأنه يصف هذا الكلام: [الخفيف] PageV02P305 # وإن استنطق الأنامل جاءت ... ببيان كالجوهر المنضود # في سطور كأنما نشرت يمن ... اه منها عصائبا من برود # فقر لم يزل فقيرا إليها ... كل مبدي بلاغة ومعيد # يغتدي البارع المفيد لديها ... لاحقا بالمقصر المستفيد # ببيان شاف ولفظ مصيب ... واختصار كاف ومعنى سديد # وله في مثله أيضا: [الطويل] # وكم من يد بيضاء حازت جمالها ... يد لك لا تسود إلا من النقس # إذا رقشت بيض الصحائف خلتها ... تطرز بالظلماء أردية الشمس # وقال السري رحمه الله تعالى: [الكامل] # شغلتك عن حسن الشآم مدائح ... حسنت فما تنفك تطرب سامعا # زهر إذا صافحن سمع معاند ... خفض الكلام وغض طرفا خاشعا # جاءتك مثل بدائع الوشي الذي ... ما زال في صنعاء يتعب صانعا # أو كالربيع يريك أخضر يانعا ... متوردا شرقا وأصفر فاقعا # وله أيضا في مثله: [البسيط] # سأبعث الحمد موشيا سبائبه ... إلى الأمير صحيحا غير مؤتشب # إن المدائح لا تهدى لناقدها ... إلا وألفاظها أصفى من الذهب # كم رضت بالفكر منها روضة أنفا ... تفتح الزهر فيها عن جنى الأدب # لفظ يروح له الريحان مطرحا ... إذا جعلناه ريحانا على النخب # قوله: شربه، أي حظه من الماء، برض: قليل. قرض: سلف، والقرض ما أخذ ليعوض ~~منه. وفلقه: ضوء صبحه، غسق: ظلام، يريد أن حاله متغيرة. جلبابه: ثوبه. # خلق: بال. توغر: توقد واشتد غضبه، والتوغر: التوقد، الشدة الغيظ، والوغر ~~شدة الحر، غاشم: ظالم جاف. يستحثه: يستعجله، لازم: واجب، من: أنعم وأحسن، ~~بكفه: برده عني، هبات: عطايا. توشح: تحزم وتزين، وتوشح الرجل بثوبه: جعله ~~موضع الوشاح وتحزم، فاق: فضل بهذا المجد كل أحد. باء: رجع، فكي: إنقاذي. # وثاق: شد وربط، سجايا: طبائع، ترفد: تصل وتعين، والرفد: المعونة: ms0690 شائم برقه: # راجي خيره ونازل أمره، ونزل البرق منزلة الجود لأنه يأتي بالمطر والمطر ~~يشبه به الجود: # بمن: بإحسان وإنعام، أزلي: قديم. أبدي باق مع الأبد وهو الدهر. # وإذ قد فرغنا من شرح هذه الرسالة على صعوبتها، فإنا نعتذر إلى من وقف على ~~شرحنا لها من صعوبة هذا المقام، فإن هذه الرسالة وأمثالها إنما يؤتى بها ~~على جهة الملح PageV02P306 # والاقتدار، لا على أنها من نفيس الكلام الفصيح، ألا ترى الحريري كيف ~~اعتذر في مثلها حيث قال: أجل الأبيات العرائس، وإن لم يكن نفائس؛ ولا شك أن ~~الشارح لمثل هذه الرسالة يقارب تعب منشئها في أنه يغوص على تلك الاستعارات ~~البعيدة، فيريد أن يبرز المعنى في غاية البيان، واللفظ في أغلبها موضوع على ~~غاية الإبهام، فوقع التمانع، فلا يصل إلى عبارة متوسطة تتعلق بالمعنى، ولا ~~تبعد من اللفظ إلا بعد جهد، فهذا عذرنا في هذه الرسالة الرقطاء والقهقرية ~~والخيفاء المتقدمتين، وما علمت أحدا شرحها شرحنا ولا بلغ منها مبلغنا، ولله ~~منشئها من عالم بارع! فما اتفق له إنشاؤها إلا بعد التبحر في علوم اللغات ~~حتى كأن أبا حفص بن برد يخاطبه بهذه الأبيات: [البسيط] # أبا العلاء استمع تعريض ذي مقة ... أهدي لك الود محضا غير مقطوب # أنت الذي لم نعاشر مثله رجلا ... في العلم والظرف والآداب والطيب # تحصيل فضلك للحساد معجزة ... وكنه علمك شيء غير محسوب # أما اللغات فما يعقوب يبلغ ما ... وعيت منها ولا أشياخ يعقوب # *** # قال: فلما استشف الأمير لآليها، ولمح السر المودع فيها، أوعز في الحال ~~بقضاء ديني، وفصل بين خصمي وبيني، ثم استخلصني لمكاثرته، واختصني بأثرته، ~~فلبثت بضع سنين أنعم في ضيافته، وأرتع في ريف رأفته؛ حتى إذا غمرتني ~~مواهبه، وأطال ذيلي ذهبه، تلطفت في الارتحال، على ما ترى من حسن الحال. # قال: فقلت له شكرا لمن أتاح لك لقيان السمح الكريم، وأنقذك من ضغطة ~~الغريم، فقال: الحمد لله على سعادة الجد، والخلوص من الخصم الألد، ثم قال: # أيما أحب إليك؟ أن أحذيك من العطاء، أم أتحفك ms0691 بالرسالة الرقطاء، فقلت: # املاء الرسالة أحب إلي، فقال: وهو وحقك أخف علي، فإن نحلة ما يلج في ~~الآذان، أهون من نحلة ما يخرج من الأردان. ثم كأنه أنف واستحيا، فجمع لي ~~بين الرسالة والحذيا، ففزت منه بسهمين، وفصلت عنه بغنمين، وأبت إلى وطني ~~قرير العين، بما حزت من الرسالة والعين. # قوله: استشف، نظر، لآليها: جواهر كلامها، لمح: رأى. المودع: المضمن ~~المجعول، وعنى بالسر ما ذكر من النقط لحرف والترك لآخر، أوعز: تقدم، فصل: # قطع، استخلصني: ضمني وأنقدني منه. لمكاثرته: لزيادة عدده، يريد أن الأمير ~~خلصه من غريمه وضمه إليه، وجعله فيمن حواليه فكثروا به. اختصني بأثرته: ~~أفردني PageV02P307 # بعطيته، وآثرني بها على غيري. لبثت: أقمت، بضع سنين: قال أبو عبيدة رحمه الله: # البضع من واحد إلى أربعة، وقال الأخفش: من واحد إلى عشرة، وقال الفراء: ~~ما دون العشرة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: البضع من الثلاثة إلى عشرة، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر لما نزلت في بضع سنين [الروم: ~~4]: «البضع ما بين السبع والتسع» (¬1)، قال ابن سلام: فلما انقضت سبع سنين ~~ظهرت الروم على فارس، وقال أبو محمد في الدرة: البضع أكثر ما يستعمل فيما ~~بين الثلاث إلى العشر، وأسر ذلك إلى النبيصلى الله عليه وسلم في تفسير قوله ~~تعالى وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين [الروم: 3، 4]، وذلك أن ~~المسلمين كانوا يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل الكتاب والمشركون ~~يميلون إلى أهل فارس، لأنهم أهل أوثان، فلما بشر الله المسلمين بأن الروم ~~سيغلبون سر المسلمون، ثم إن أبا بكر رضي الله عنه أخبر مشركي قريش بما نزل ~~عليهم، فقال له أمية بن خلف: خاطرني على ذلك، فخاطره على خمس قلائص في مدة ~~ثلاث سنين، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن البضع، فقال: ما بين ~~الثلاثة إلى العشرة، فأخبره بخطاره مع ابن خلف. فقال له: ما حملك على تقريب ~~المدة؟ قال: الثقة بالله ورسوله، فقال له: عد إليهم فزدهم في ms0692 الخطر، وازدد ~~في الأجل، فزدهم قلوصين وزادوه سنتين، فظفرت الروم بفارس قبل انقضاء الأجل ~~الثاني تصديقا لتقدير أبي بكر رضي الله عنه. # ويقال البضع بغير هاء للمؤنث مثل خمس وبضعة للمذكر مثل خمسة. # أرتع: آكل وأتنعم، والريف: الخصب، والرأفة: الرفق. غمرتني مواهبه: غطتني ~~عطاياه، وأراد بإطالة ذيله كثرة ماله حتى صار منه فضول، وصار يجر ذيله ~~تبخترا. # تلطفت: تسللت برفق، أتاح: قدر. لقيان: لقاء. الضغطة: التضييق، وضغطه: ضيق ~~عليه، الجد: الحظ والسعد. الألد؛ الشديد الخصومة. أحذيك: أعطيك. أتحفك: # أهديك. وإملاء الرسالة: إلقاؤه عليه ليكتبها. نحلة: عطية، يلج: يدخل، ~~الأردان: # الأكمام. أنف: كبر ذلك عليه واستنكفه، والحذيا: العطية فصلت: زلت، أبت: # رجعت. قرير العين: مسرورا بالفائدة. حزت: جمعت وصار في حوزي، أي في ملكي. # والعين: الذهب الأحمر. PageV02P308 ### | AUTO المقامة السابعة والعشرون وهي الوبرية # حكى الحارث بن همام، قال: ملت في ريق زماني الذي غبر، إلى مجاورة أهل ~~الوبر؛ لآخذ أخذ نفوسهم الأبية، وألسنتهم العربية، فشمرت تشمير من لا يألو ~~جهدا، وجعلت أضرب في الأرض غورا ونجدا؛ إلى أن اقتنيت هجمة من الراغية وثلة ~~من الثاغية، ثم أويت إلى عرب أرداف أقيال، وأبناء أقوال، فأوطنوني أمنع ~~جناب، وفلوا عني حد كل ناب، فما تأوبني عندهم هم، ولا قرع صفاتي سهم. # *** # غبر: تقدم. أهل الوبر: أصحاب البوادي: الذين مالهم الإبل، وكنى بالوبر عنها. # الأبية: العزيزة التي تأبى الذل، يألو جهدا: يقصر في الاجتهاد، أضرب: ~~أمشي في الأرض. وغورا ونجدا: مرتفعا ومنخفضا، اقتنيت: اكتسبت لنفسي لا للبيع. # وشرح الحريري ألفاظا في المقامة فنقتصر فيها على شرحه إلا بقدر ما يزيد ~~الكلام بيانا، مثل قوله: آخذ أخذ نفوسهم، أي أتخلق بأخلاقهم وطباعهم، ويقال ~~لو كنت مثلنا لأخذت بأخذنا، بكسر الهمزة وفتحها، أي بخلائقنا وشكلنا، ~~واستعمل فلان على الشأم وما أخذ أخذه، أي وما والاه وكان حيزه، وقوله: ~~إرداف أقيال؛ يفسر القيل بالملك وبردف الملك، وقيل: القيل بالمشرق كالقائد ~~بالأندلس والردافة في الجاهلية كالوزارة في الإسلام، والردافة: بأن يرتدف ~~مع الملك على مركوبه، وأن يستخلفه في ms0693 موضعه متى غزا، أويت: رجعت واتخذته ~~مأوى، أوطنوني: أنزلوني. جناب: جانب، فلوا: كسروا. # ناب: ضرس. تأوبني: أتاني ليلا، ولا قرع صفاتي سهم، أي لم ينلني ضر. # *** # إلى أن أضللت في ليلة منيرة البدر، لقحة غزيرة الدر؛ فلم أطب نفسا بإلغاء ~~طلبها، وإلقاء حبلها على غاربها؛ فتدثرت فرسا محضارا، واعتقلت لدنا خطارا، ~~وسريت ليلتي جمعاء، أجوب البيداء، وأقتري كل شجراء ومرداء، إلى أن نشر ~~الصبح راياته، وحيعل الداعي إلى صلاته، فنزلت عن متن الركوبة، لأداء PageV02P309 # المكتوبة، ثم حلت في صهوتها، وفررت عن شحوتها، وسرت لا أرى أثرا إلا ~~قفوته، ولا نشزا إلا علوته، ولا واديا إلا جزعته، ولا راكبا إلا استطلعته، ~~وجدي مع ذلك يذهب هدرا، ولا يجد ورده صدرا، إلى أن حانت صكة عمي، ولفح هجير ~~يذهل غيلان عن مي. # *** # أضللت: أتلفت، وضلت الناقة وأضلها ربها، منيرة: مضيئة. اللقحة: الناقة ~~لها لبن. غزيرة الدر: كثيرة اللبن، إلغاء: ترك غاربها: أعلى سنامها، اللدن: ~~الرمح اللين. # الخطار: الطويل المضطرب. واعتقلت الرمح: جعلته ما بين سرجك ورجلك، أجوب ~~البيداء: أقطع القفر. وفسر «حيعل» بأنه قول المؤذن: حي على الصلاة حي على ~~الفلاح، وشاهده: [الطويل] # ألا رب طيف بات منك معانقي ... إلى أن دعا داعي الصلاة فحيعلا (¬1) # وقال آخر: [الوافر] # أقول لها ودمع العين جار ... ألم تحزنك حيعلة المنادي (¬2) # ومعنى حي، هلم وأقبل، والفلاح: الفوز، وأفلح الرجل، إذا فاز وأصاب خيرا، ~~والمفلحون: الفائزون، وقيل: الفلاح البقاء، أي أقبلوا على بيت البقاء في ~~الجنة. والمفلحون: # الباقون، والصلاة: المعلومة، والصلاة: الرحمة كقوله تعالى أولئك عليهم ~~صلوات من ربهم ورحمة [البقرة: 157]، وكقوله عليه الصلاة والسلام: «اللهم صل ~~على آل أبي أوفى» (¬3) والصلاة بمعنى الدعاء كالصلاة على الميت، وكقوله صلى ~~الله عليه وسلم: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليأكل ومن ~~كان صائما فليصل» (¬4) أداء: قضاء. حلت في صهوتها: ركبت ظهرها ووثبت عليها، ~~فررت: كشفت، قفوته: اتبعته. نشزا: مرتفعا، استطلعته: استخرته وسألته. جدي: ~~عزمي واجتهادي، هدرا: باطلا. ورده صدرا، أي سؤاله خبرا والورد إتيان الماء ms0694 ~~والصدر: الرجوع عنه، لفح: تحرك، هجير: حر. يذهل: يشغل. PageV02P310 ### || AUTO [ذو الرمة ومي] # غيلان اسم ذي الرمة، وهو غيلان بن عقبة بن بيهس بن مسعود بن حارثة، عداده ~~في الرباب، والرباب: عدي بن عبد مناة وتيم بن عبد مناة وعكل، وهو عوف بن ~~عبد مناة، وثور بن عبد مناة، وضبة بن أد وهو عمهم، وأد بن طابخة بن الياس ~~بن مضر، وسمي ذا الرمة، لقوله يصف وتدا: [الرجز] # وغير مرضوخ القفا موتود ... أشعث باقي رمة التقليد (¬1) # نعم فأنت اليوم كالمعمود ... من الهوى أو شبه المورود # بمي ذات المبسم المبرود ... والمقلتين وبياض الجيد # وقيل: سمي به لأنه خشي عليه من المس، فأتى به الرجل من الحي فكتب له ~~معاذة علقت في عنقه، وشدت بحبل، وقيل: سمعته بذلك خرقاء التي يذكرها في ~~شعره، وذلك أنه رآها وهي في جوار على سنها فأعجبته وأدام الالتفات إليها ثم ~~قال لها: يا جارية اخرزي لي هذه القربة. فعلمت مراده، فقالت له: إني خرقاء، ~~فولى وفي يده قطعة حبل بال فنادته: يا ذا الرمة إن كنت خرقاء، فجاريتي ~~صناع، فاذهب إليها، فمضى عليه ذو الرمة، وسماها في شعره خرقاء، فمضت عليها. # وهي مي بنت عاصم بن طلبة بن قيس بن عاصم، وتكنى أم ثور، وغلبت عليه حتى ~~عرف بها، فقيل غيلان مي كما قيل كثير عزة. # وأول أمره مع مي- فيما حكى الأصبهاني عن أمة لأم مي- قالت: كنا نازلين ~~بأسافل الدهناء ورهط ذي الرمة مجاورون لنا، فجلست مية تغسل ثيابا لها ~~ولأمها، في بيت رث فيه خروق، وهي فتاة أحسن من رأيته حين بدا ثدياها، فلما ~~فرغت لبست ثيابها وجلست عند أمها، وأقبل ذو الرمة ينشد ضالة، فدخل وجلس ~~ساعة ثم خرج، فقالت مية: إني لأرى أن هذا العذري قد رآني منكشفة واطلع علي ~~من حيث لا أشعر، فإن بني عذرة أخبث قوم في الأرض- فاذهبي فقصي أثره، فقالت: ~~قصصت أثره فوجدته قد تردد أكثر من ثلاثين مرة، كل ذلك يدنو فيطلع عليها، ثم ~~يرجع على عقبه ثم ms0695 يعود فأخبرتها بذلك، ثم لم ينشب أن جاءنا شعره فيها من كل ~~وجه ومكان. # وحدث أيضا بسنده عن عمارة بن ثقيف أن ذا الرمة حدثه أن أول أمره معها أنه ~~خرج مع أخيه وابن عمه في بغاء إبل لهم، فوردوا على ماء، وقد جهدهم العطش، قال: # فأتيت خباء عظيما أستسقي لهما ماء؛ فإذا عجوز جالسة في رواقه، فالتفتت ~~وراءها وقالت: يا مي، اسق الغلام، فدخلت عليها وهي تنسج شقة، فقالت لي: لقد ~~كلفك PageV02P311 # أهلك السفر، على ما أرى من حداثة سنك، ثم قامت تصب في ركوتي ماء وعليها ~~شوذب، فلما انحطت على القربة رأيت مرأى لم أر أحسن منه، فلهوت بالنظر ~~إليها، وهي تصب الماء فيذهب يمينا وشمالا، فقالت العجوز: يا بني ألهتك مي ~~عما بعثك له أهلك، أما ترى الماء يذهب يمينا وشمالا؟ قلت: أما والله ليطولن ~~هيامي بها ثم أتيت بالماء أخي وابن عمي فلففت رأسي، وانتبذت ناحية وقلت: ~~[الرجز] # قد سخرت أخت بني لبيد ... مني ومن سلم ومن وليد (¬1) # رأت غلامي سفر بعيد ... يدرعان الليل ذا السدود # مثل ادراع اليلمق الحديد # وهي أول قصيدة قلت: ثم مكثت أهيم بها في ديارها عشرين سنة. # وأما ابن قتيبة فقال: مكثت مي تسمع شعر ذي الرمة ولا تراه، فجعلت لله أن ~~تنحر بدنه يوم تراه- وكانت من أجمل الناس- فلما رأته دميما أسود صاحت: وا ~~سوأتاه! وا ضيعة بدنتاه! فقال: [الطويل] # على وجه مي مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب الشين لو كان باديا (¬2) # فكشفت عن جسدها، قالت: أشينا ترى لا أم لك! فقال: [الطويل] # ألم تر أن الماء يخبث طعمه ... وإن كان لون الماء أبيض صافيا # فقالت له: قد رأيت ما تحت الثياب، فلم يبق إلا أن أقول لك: هلم فذق ما ~~وراءه، فو الله لا ذقت ذلك أبدا، ثم صلح الأمر بينهما، فعادا لما كانا من حبهما. # وهو شاعر مجيد مكثر وصاف للأطلال والديار والصبر على قطع القفار. أبو ~~الفرج: كان سليمان بن أبي شيخ، رواية لشعر ذي الرمة، فأنشد يوما ms0696 قصيدة له ~~وأعرابي من بني عدي بسمعه فقال: أشهد أنك فقيه تحسن ما تلوته، وكان يحسبه قرآنا. # وكان أهل البادية يعجبهم شعره، وكان جرير والفرزدق يحسدانه، وقال حماد ~~الرواية: ما أخر القوم ذكره إلا لحداثة سنه، وأنهم حسدوه. # وقال أبو المطرف: لم يكن أحد منهم في زمانه أبلغ منه، ولا أحسن جوابا، ~~وكان كلامه أحسن من شعره. # وقال مولى لبني هاشم: رأيته بسوق المريد وقد عارضه رجل فقال: يا أعرابي- ~~يهزأ به- أتشهد بما لم تر! قال: نعم قال: بماذا، قال: إن أباك ناك أمك. PageV02P312 # الأصمعي: ما أعلم أحدا من العشاق شكا أحسن من شكوى ذي الرمة، مع عفة وعقل. # أبو عبيدة: يخبر ذو الرمة فيحسن الخبر، ثم يرد على نفسه فيحسن الرد، ثم ~~يعتذر فيحسن التخلص. مع حسن إنصاف في الحكم وعفاف. # وقال ذو الرمة: من شعري ما ساعدني فيه القول ومنه ما أجهدت نفسي فيه، ~~ومنه ما جننت فيه جنونا، فأما الذي طاوعني فيه القول فقولي: [الطويل] # خليلي عوجا في صدور الرواحل ... بجمهور حزوى فابكيا في المنازل (¬1) # لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي نجي البلابل # وأما ما أجهدت نفسي فيه فقولي: [البسيط] # أأن توسمت من خرقاء منزلة ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم (¬2) # كأنها بعد أحوال مضين لها ... بالأشيمين يمان فيه تسهيم # وأما الذي جنت فيه جنونا فقولي: [البسيط] # ما بال عينك منها الماء ينسكب ... كأنه من كلى مفرية سرب (¬3) # براقة الجيد واللبات واضحة ... كأنها ظبية أفضى بها لبب # زين الثياب وإن أثوابها استلبت ... فوق الحشية يوما زانها السلب # إذا أخو لذة الدنيا تبطنها ... والبيت فوقهما بالستر محتجب # ساقت بطيبة العرنين مارنها ... بالمسك والعنبر الهندي مختضب # لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي اللثات وفي أنيابها شنب # كحلاء في برج، بيضاء في دعج ... كأنها فضة قد زانها ذهب # وهذه القصيدة من المطولات التي نيفت على المائة وربعها، وتصرف فيها ما ~~شاء من أوصاف الأطلال والديار والثور والحمار والكلاب والظبي وغير ذلك. وفي ~~خلال ذلك يأتي بتشبيهات بديعات، وهو أشعر ms0697 الشعراء الإسلاميين في التشبيه. ~~وكان يقول: إذا قلت «كأن» فلم أجد مخرجا فقطع الله لساني. PageV02P313 # واحتذى في ذلك حذوه من المولدين ابن المعتز، وقصده الحريري في هذا الموضع ~~لمعنيين: أحدهما لأنه كان صادقا في حب مية فكان لا يشغله عنها شيء، لا مثل ~~كثير عزة وغيره ممن لا يصدق في حبه، والثاني أنه يكثر في شعره صبره على قطع ~~الهواجر لمية مثل قوله: [الطويل] # وهاجرة من دون مية لم تقل ... قلوصي بها والجندب الجون يرمح (¬1) # إذا جعل الحرباء مما أصابه ... من الحر يلوي رأسه ويرنح # لئن كانت الدنيا علي كما أرى ... تباريح من مي فللموت أروح # ولما شكوت الحب كيما تثيبني ... بودي قالت إنما أنت تمزح # فذكر الحريري أن هذه الهاجرة شغلته عن ذكر مي حتى طلب ظلا يلوذ به. # *** # وكان يوما أطول من ظل القناة، وأحر من دمع المقلات فأيقنت أني إن لم ~~أستكن من الوقدة. واستحم بالرقدة، وأدنفني اللغوب، وعلقت بي شعوب، قعجت إلى ~~سرحة كثيفة الأغصان، وريقة الأفنان، لأغور تحتها إلى المغيربان؛ فو الله ما ~~استروح نفسي، ولا استراح نفسي حتى نظرت إلى سانح، في هيئة سائح؛ وهو ينتجع ~~نجعتي، ويشتد إلى بقعتي، فكرهت انعياجه إلى معاجي؛ فاستعذت بالله من شر كل ~~مفاجئ، ثم ترجيت أن يتصدى منشدا، أو يتبدى مرشدا فلما اقترب من سرحتي، وكاد ~~يحل بساحتي، ألفيته شيخنا السروجي، متشحا بجرابه. # ومضطغنا أهبة تجوابه، فآنسني إذ ورد، وأنساني ما شرد، ثم استوضحته من أين ~~أثره، وكيف عجره وبجره. # *** # أستكن: أستتر وأطلب كنا. الوقدة: شدة الحر، أستجم: أستريح فأتقوى. ~~أدنفني: # أمرضني. اللغوب: التعب. # وذكر طول اليوم القصير وأنشد عليه في الشرح: «ويوم كظل الرمح ... »، وذكر ~~أن اليوم القصير يوصف بإبهام القطاة، ولم ينشده عليه شيئا، وقال جرير: ~~[الطويل] PageV02P314 # ويوم كإبهام القطاة محبب ... إلي صباه غالب لي باطله (¬1) # رزقنا به الصيد الغزير فلم يكن ... كمن نبله محرومة وحبائله # وذلك يوم خيره قبل شره ... تغيب واشيه وأقصر عاذله # قال الأصمعي: قال لي خلف الأحمر: ويحه فما ينفعه حين ms0698 يؤول إلى الشر! قلت: # فكيف يجب أن يقول؟ قال: خيره دون شره، قلت: والله لا أرويه بعدها إلا هكذا. # عجت: ملت. سرحة: شجرة، كثيفة: ملتفتة الأغصان. وريقة: كثيرة الورق. # والأفنان: الأغصان، أو ما تفرع منها. وما أحسن ما نظم في الفرار من الحر ~~إلى الظل المنازي كاتب مروان صاحب ميافارقين حين قال: [الوافر] # وقانا وقدة الرمضاء روض ... سقاه مضاعف الطل العميم # قصدنا دوحه فحنا علينا ... حنو الوالدات على الفطيم # يراعي الشمس أنى قابلتنا ... فيحجبها ويأذن للنسيم # وهذا ما يتعلق بالغرض، وزاد فيه معنى بديعا بقوله: [الوافر] # ويسقينا على ظمأ زلالا ... ألذ من المدام مع الكريم # يروع حصاه حالية الغواني ... فتلمس جانب العقد النظيم # تأمل هذه الصفة تجدها غاية في بابها، وتخيل هذه الجارية كيف نظرت بياض ~~الحصى في الماء، فارتاعت وحسبت عقدها تناثر، فالتمسته بيدها. # وقال السري فأحسن: [الطويل] # أدرها ففقد اللوم إحدى الغنائم ... ولا تخش إثما لست فيها بآثم # ولا عيش إلا في اعتصام بقهوة ... يروح الفتى منها خضيب المعاصم # ولا ظل إلا ظل كرم معرش ... تغنيك من قطريه ورق الحمائم # سماء غصون تحجب الشمس أن ترى ... على الأرض إلا مثل نثر الدراهم # وقال ابن لبال في متنزه بشريش يسمى أجانة: [الطويل] # أيا حبذا إجانة كيفما اغتدت ... زمان ربيع أو زمان عصير # مذانب ماء كاللجين على حصى ... كدر بلا ثقب أغر نثير # ورمل إذا ما ابتل بالماء عطفه ... غنينا به عن عنبر وذرور PageV02P315 # وتين كما قامت على حلماتها ... نهود عذارى الزنج فوق صدور # كأن القباب الخز فيها عرائس ... على سرر مفروشة بحرير # وله أيضا عفا الله تعالى عنه: [الطويل] # كأن جني القوطي في رونق الضحى ... وقد حملته راحة الورقات # نهود عذارى زحزحت عن مقرها ... فقامت على الأطراف والحلمات # قوله: استروح نفسي، أي استنشقت الريح فتنفست فيه من التعب، أي ما سكنت ~~عني أنفاس التعب، واستروحت الشيء، وجدت ريحه، سائح: عابر يسيح في الأرض، أي ~~يمشي في جهاتها، ويقال للمكدي: سائح، لأنه يسيح في طلب الكدية. ينتجع ~~نجعتي، أي يقصد ms0699 قصدي في طلب الراحة. والانتجاع: طلب المرعى. يشتد: يجري. ~~بقعتي: موضعي. # انعياجه: انعطافه. معاجي: مكاني الذي عجت إليه. مفاجئ آت على غفلة. يتصدى: # يتعرض. منشدا: دالا على الشيء، تقول: نشدت الضالة طلبتها، وأنشدتها: دللت ~~عليها طالبها. مرشدا: هاديا للطريق. ساحتي: موضعي الذي أنا فيه. ألفيته: ~~وجدته. متشحا بجرابه، أي جعل جرابه موضع الوشاح. أهبة تجوابه، أي عدة ~~جولانه. ورد: وصل ما شرد: # ما نفر، يعني الضالة. استوضحته: سألته أن يوضح لي أمره. # *** # فأنشد بديها، ولم يقل إيها: [الخفيف] # قل لمستطلع دخيلة أمري ... لك عندي كرامة وعزازه # أنا ما بين جوب أرض فأرض ... وسرى في مفازة فمفازه # زادي الصيد والمطية نعلي ... وجهازي الجراب والعكازه # فإذا ما هبطت مصرا فبيتي ... غرفة الخان والنديم جزازه # ليس لي ما أساء إن فات أو أحز ... ن إن حاول الزمان ابتزازه # غير أني أبيت خلوا من الهم ... ونفسي عن الأسى منحازه # أرقد الليل ملء جفني وقلبي ... بارد من حرارة وحزازة # لا أبالي من أي كأس تفوق ... ت ولا ما حلاوة من مزازه # لا ولا أستجيز أن أجعل الذل ... مجازا إلى تسني إجازه # وإذا مطلب كسا حلة العا ... ر فبعدا لمن يروم نجازه # ومتى اهتز للدناءة نكس ... عاف طبعي طباعه واهتزازه # فالمنايا ولا الدنايا وخير ... من ركوب الخنا ركوب الجنازه # *** PageV02P316 # بديها: مرتجلا من غير فكرة، المستطلع: الذي يحب أن يطلع على الأمر دخيلة ~~أمري: باطنه، عزازة: عزة ورفعة. جوب: قطع. سرى: مشى الليل. مفازة، قال ~~الأصمعي: هي المهلكة سميت بذلك تفاؤلا لسالكها بالفوز، كما سمي اللديغ ~~سليما تفاؤلا بالسلامة، قال ابن الأعرابي: هي مأخوذة منفوز الرجل، إذا هلك، ~~والعرب تسمي النعل مطية مجازا حيث يستعان بها على قطع المفازة، وأنشد أبو ~~علي الفارسي رحمه الله: [الطويل] # رواحلنا ست ونحن ثلاثة ... نجنبهن الماء في كل مشرب # وقال أبو نواس: [الطويل] # إليك أبا العباس يا خير من مشى ... عليها امتطينا الحضرمي الملسنا (¬1) # قلائص لم تعرف حنينا إلى طلا ... ولم تدر ما قرع الفنيق ولا الهنا # وأخذه أبو الطيب فقال: ms0700 [المنسرح] # لا ناقتي تقبل الرديف ولا ... بالسوط يوم الرهان أجهدها (¬2) # شراكها كورها ومشفرها ... زمامها والشسوع مقودها # أشد عصف الرياح يسبقه ... تحتي من خطوها تأيدها # وكان السروجي أكثر عدة من أبي الشمقمق في قوله: [الخفيف] # كلما كنت في جموع فقالوا ... قربوا للرحيل قربت نعلي # أترى أنني من الدهر يوما ... لي فيه مطية غير رجلي # حيثما كنت لا أخلف رحلا ... من رآني فقد رآني ورحلي # ومن أبيات المعاني في نعل: [الطويل] # وسوداء المناسب يمتطيها ... أخو الحاجات ليس له نكير # فيحملها وتحمله وفيها ... منافع حيث يبتدر السفر # على أن السفير ينال منها ... فيرقعها إذا جد المسير # السفير: ورق الشجر، والمسفرة المكنسة. والجهاز: ما يحتاج إليه المسافر من ~~العدة. والعكازة، العصا مصرا: بلدا. الخان: الفندق. والنديم: الصاحب على ~~الشراب، وجزازة، قيل: إنه خليع مشهور عندهم، وهذا لا يبعد. وأخبرني الأستاذ ~~أبو ذر وغيره أنها القراطيس الصغار، يكتب للناس فيها صفة حاله فيستجديهم ~~بها، فيريد أن نديمه إذا دخل بلدة قطع من قرطاس يجزها ورقة كبيرة يكتب فيها ~~بما يجلب مما يؤكل ويشرب، PageV02P317 # والجزازة: ما يسقط من الشيء تجزه، كالقصاصة ما يسقط مما يقص. والنحاتة ~~والقلامة وغير ذلك، فلما كانت القطعة الصغيرة تسقط من الورقة سموها جزازة. ~~ثم اشتهر عندهم ما صغر من القراطيس بهذا الاسم، قال الفنجديهي: جزازة، أي ~~قطعة كاغد عليها شيء مكتوب، والجزازة: ما يقطع من الشيء، قال: وأنشد بعضهم: ~~[الوافر] # وقالوا كيف حالك قالت حالي ... تقضى حاجتي وتفوت حاجي # نديمي هرتي وسمير أنسي ... دفاتيري ومعشوقي سراجي # أساء: أصاب فيه بسوء، وأحزن عليه، حاول: طلب، ابتزازه: تجريده وإزالته. خلو: # فارغ البال. الأسى: الحزن. منحازة: متنحية ومنعزلة ومنقبضة، وانحاز: ~~انعزل. ملء جفني: # أي أرقد هنيئا لقلة همي، فتمتلئ عيني بالنوم، وهو من قول المتنبي: ~~[البسيط] # أنام ملء جفوني عن شواردها (¬1) # والحزازة في القلب: تأثير الهم كأنه يحز فيه، أي يقطع، وقال الشاعر: ~~[الطويل] # إذا كان أولاد الرجال حزازة ... فأنت الحلال الحلو والبارد العذب (¬2) # والحزازة هنا: الولد السوء، ولا شيء أنكى للقلب من همه، ms0701 والحزازة أيضا ~~الحقد والغيظ، وفي قلبي منه حزازة أي حرقة وحزن. تفوقت أي شربت فواقها، وهو ~~أخذه ما فيها شيئا فشيئا، وما بين عبة وعبة فواق؛ وأصله ما بين حلبة من ~~الضرع وحلبة. مزازة: # بين الحموضة والحلاوة. مجازا: طريقا يجاز عليه. تسني: تيسر. إجازة: عطية وصلة. # يروم: يطلب. نجازه: قضاءه وتمامه، ولبعضهم في هذا المعنى: [مخلع البسيط] # أشد من عيلة وجوع ... إغضاء حر على الخضوع # فقنع من الدهر قوت يوم ... وأنت بالمنزل الرفيع # ولا ترد ثروة بمال ... ينال بالذل والخشوع # وارحل إذا أجدبت بلاد ... منها إلى الخصب والربيع # الدناءة: الفعل القبيح. نكس: دنيء، عاف: كره. اهتزازه: طربه وخفته. # ولبعضهم في هذا المعنى: [الوافر] # ويجتنب اللبيب ورود ماء ... إذا كان الكلاب يلغن فيه # كما سقط الذباب على طعام ... فتتركه ونفسك تشتهيه PageV02P318 # وقال أبو محمد المصري يخاطب المعتمد وقد فر منه: [المتقارب] # رحلت وفي قلب جمر الغضى ... وهجري لكم دون شك صواب # كما تهجر النفس حر الطعام ... إذا ما تساقط فيه الذباب # المنايا ولا الدنايا، أي إتيان المنية ولا فعل الدنية، قال أوس بن حارثة: ~~ملك المنية ولا الدنية، في وصية طويلة، والمنية معناها المقدورة المحكوم ~~بها، وهي مفعولة من المنى وهو المقدر والقدر، يقال: مناك الله بما يسرك، ~~وأصلها ممنووة فصرفت مفعولة فعيلة، كمطبوخ وطبيخ، وأدغمت الياء في الياء. ~~الخنا: الفساد. الجنازة: النعش. # *** # ثم رفع إلي طرفه، وقال: لأمر ما جدع قصير أنفه، فأخبرته خبر ناقتي ~~السارحة، وما عانيته في يومي والبارحة، فقال: دع الالتفات، إلى ما فات، ~~والطماح إلى ما طاح، ولا تأس على ما ذهب، ولو أنه واد من ذهب، ولا تستمل من ~~مال عن ريحك، وأضرم نار تباريحك، ولو كان ابن بوحك، أو شقيق روحك، ثم قال: ~~هل لك في أن تقيل، وتتحامى القال والقيل؟ فإن الأبدان أنضاء تعب، والهاجرة ~~ذات لهب، ولن يصقل الخاطر، وينشط الفاتر، كقائلة الهواجر، وخصوصا في شهري ~~ناجر، فقلت: ذاك إليك، وما أريد أن أشق عليك، فافترش الترب واضطجع، وأظهر ~~أن قد هجع، ms0702 وارتفقت على أن أحرس، ولا أنعس، فأخذتني السنة؛ إذ زمت الألسنة، ~~فلم أفق إلا والليل قد تولج، والصبح قد تبلج، ولا السروجي ولا المسرج. # *** # قوله: «لأمر ما جدع قصير أنفه» أي ما جدع قصير أنفه إلا لمعنى، وكذلك أنت ~~ما خرجت في هذا الوقت لشدة حره إلى هذه القفار المخوفة إلا لمعنى، فأخبرني ~~به، فلذلك قال: «فأخبرته خبر ناقتي»، وأيضا فإن أول الكلام يدل عليه، لأنه قال: # فاستوضحته من أين أثره، فأخبره السروجي في الشعر بقصته، فلما أكملها سأل ~~ابن همام عن قصته، فأخبره بالناقة الضائعة. والسارحة: التي سرحت، أي مشت ~~حيث شاءت. # عاينته: شاهدته ورأيته. الالتفات: النظر إلى جهة. والطماح: ارتفاع العين ~~بالنظر وطاح: # ذهب وتلف. لا تأس: لا تحزن. ولا تستمل: تستدع حبه وأن يميل إليك بوده. مال: # انحرف. عن ريحك: عن طريقك وهواك. أضرم: أوقد. تباريحك: أحزانك. تقيل: # تنام في القائلة تتحامى: تتباعد عنها. أنضاء: جمع نضو وهو المهزول، أي قد ~~أهزل التعب أبداننا. الهاجرة: القائلة سميت هاجرة لأنها تهجر البرد، أو ~~لأنها أكثر حرا من PageV02P319 # سائر النهار، يقال: فلان أهجر من فلان، إذا كان أضخم منه. لهب: نار. # وشهري ناجر: يونيه ويوليه، وهما أشد الحر. قال الأزهري: هما حزيران ~~وتموز، النجران: العطشان. ابن سيده: ظن قوم أنهما حزيران وتموز، وهذا غلط، ~~وإنما هما وقت طلوع نجمين من نجوم القيظ. # الليث: كل شهر في صميم الحر فاسمه ناجر، لأن الإبل تنجر فيه، أي تشتد ~~عطشا حتى تيبس جلودها، فلا تكاد تروي من الماء. # هجع: رقد. وارتفقت: توكأت على مرفقي. السنة: النوم القليل. زمت: ربطت ~~ومنعت. فأولج: دخل. تبلج: أضاء وظهر. المسرج: الفرس عليه سرجه. # *** # فبت بليلة نابغية، وأحزان يعقوبية، أساور الوجوم، وأساهر النجوم، أفكر ~~تارة في رجلتي، وأخرى في رجعتي، إلى أن وضح لي عند افترار ثغر الضوء في وجه ~~الجو، راكب يخد في الدو، فألمعت إليه بثوبي، ورجوت أن يعرج إلى صوبي، فلم ~~يعبأ بإلماعي، ولا أوى لالتياعي، بل سار على هينته، وأصماني بسهم إهانته، ~~فأوفضت ms0703 إليه لأستردفه، وأحتمل تغطرفه. فلما أدركته بعد الأين، وأجلت فيه ~~مسرح العين، وجدت ناقتي مطيته، وضالتي لقطته، فما كذبت أن أذريته عن ~~سنامها، وجاذبته طرف زمامها، وقلت له: أنا صاحبها ومضلها، ولي رسلها ~~ونسلها، فلا تكن كأشعب، فتتعب وتتعب. # *** # أساور: أواثب. الوجوم: السكوت على غيظ، والمعنى: أن الغيظ إذا اشتد عليه ~~عالج كظمه ودفعه عن نفسه، فكأنه يواثبه. أساهر: أسامر، والسهر امتناع ~~النوم. الرجلة، بضم الراء: القدرة على المشي، ورجل يرجل رجلا ورجلة، إذا ~~مشى في السفر وحده بلا دابة. وضح: تبين. افترار: انكشاف، وافتر كشف أسنانه ~~عند الضحك. يخد: # يسرع. الدو: الصحراء، والراكب: من يركب البعير. والجو: نواحي السماء. ~~يعرج إلى صوبي: يميل إلى جهتي وقصدي. يعبأ: يبال. إلماعي: إشارتي، وهو مصدر ~~ألمعت إليك، أي أشرت إليك، فإذا بعد عنك الرجل فلم يسمع صوتك جردت ثوبك ~~وأشرت إليه، والإشارة بالثوب هي الإلماع. أوى: أشفق. التياعي: تحرقي ~~وتوجعي. هينته: # سكينته. أصماني: أصاب مقتلي. إهانته: احتقاره. أوفضت: أسرعت. أستردفه: ~~أطلب إليه أن يردفني. تغطرفه: تكبره، والغطريف: السيد العظيم. الابن: ~~الفتور. أجلت: # صرفت. مسرح: موضع تسرحها وجولانها بالنظر. واللقطة: ما يجده الإنسان قد ~~سقط PageV02P320 # لغيره، فيأخذه ويلتقطه. أذريته: رميت به عنها. مضلها، أي الذي ضلت له. رسلها: # لبنها. ### || AUTO [أشعب وبعض نوادره] # أشعب: الطماع، رجل مدني صاحب نوادر وملاه وله صنعة في الغناء، وكان أبخل ~~الناس وأكثرهم طمعا. ويقال في المثل. أطمع من أشعب. ولهذا قال الحريري: فلا ~~تك كأشعب، أي لا تطمع في أخذ الناقة فتكون مثله في طمعه في مال غيره. فتتعب ~~من تعلقت له بشيء، وتتعب، أنت معه في المخاصمة. # ومن حكايات أشعب: قال سالم بن عبد الله بن عمر لأشعب: ما بلغ من طعمك؟ # قال: لم أنظر إلى اثنين يتساران في جنازة إلا قدرت أن الميت أوصى لي بشيء. # وقال له ابن أبي الزناد: ما بلغ من طعمك؟ قال: ما زفت بالمدينة امرأة، ~~إلا كنست بيتي رجاء أن يغلط بها إلي. # وكانت عائشة بنت عثمان كفلته مع ابن ms0704 أبي الزناد، فقال أشعب: تربيت معه في ~~مكان واحد، وكنت أسفل ويعلو حتى بلغنا ما ترون. # وقيل لعائشة: هل آنست من أشعب رشدا؟ فقالت: أسلمته منذ سنة في البز، ~~فسألته بالأمس: أين بلغت في الصناعة؟ فقال: يا أمه، قد تعلمت نصف العمل ~~وبقي نصفه، تعلمت النشر في سنة، وبقي علي تعلم الطي. # وسمعته اليوم يخاطب رجلا وقد ساومه قوس بندق، فقال: بدينار، فقال أشعب: # والله لو كنت إذا رميت عليها طائرا وقع في حجري مشويا مع رغيفين، ما ~~اشتريتها بدينار، فأي رشد يؤنس منه! # ونظر إلى رجل يعمل طبقا، فقال له: أسألك بالله إلا ما زدت في سعته طوقا ~~أو طوقين، فقال له الرجل: ما معنى ذلك؟ فقال: لعله أن يهدى إلي يوما فيه شيء: # وقيل له: أرأيت أطمع منك؟ قال: نعم، خرجت إلى الشأم مع رفيق لي، فتلاحينا ~~عند دير فيه راهب، فقلت له: الكاذب منا، أير الراهب استه، فنزل الراهب من ~~صومعته وقد أنعظ، فقال: أيكما الكاذب؟ ثم قال: دعوا هذا، امرأتي أطمع مني ~~ومن الراهب، فقيل له: وكيف ذلك؟ فقال: إنها قالت: ما يخطر على قلبك شيء ~~يكون بين الشك واليقين إلا وأنا أتيقنه، ودعوا هذا، شاتي أطمع مني ومنها، ~~قيل: وكيف؟ قال صعدت على سطح، فنظرت إلى قوس قزح فظنته حبل قت، فأهوت إليه ~~فسقطت فاندقت عنقها. # وقيل له: هل رأيت أطمع منك؟ قال: كلبة آل فلان، رأت رجلا يمضغ علكا ~~فتبعته فرسخين، تظن أنه يأكل شيئا. # وقيل له: ما بلغ من طمعك؟ قال: أضجرني الصبيان يوما، فأردت أن أشغلهم ~~عني، PageV02P321 # فقلت لهم: إن بموضع كذا عرسا، فامضوا نحوه. فلما ذهبوا ظننت أن ثم عرسا، ~~فتبعتهم. # وقال ابن شرف: [البسيط] # وما بلوغ الأماني في مواعدها ... إلا كأشعب يرجو وعد عرقوب # وقد تخالف مكتوب القضاء به ... فكيف لي بقضاء غير مكتوب # وقال ابن حجاج: [السريع] # فديت من نفسي من كلما ... لقيته والحق لا يغضب # فقلت: يا عرقوب أطمعتني ... فقال: لم نفسك يا أشعب # *** # فأخذ يلذع ويصيء، ويتقح ms0705 ولا يستحيي، وبينما هو ينزو ويلين، ويستأسد ~~ويستكين؛ إذ غشينا أبو زيد لابسا جلد النمر، وهاجما هجوم السيل المنهمر، ~~فخفت والله أن يكون يومه كأمسه، وبدره مثل شمسه، فألحق بالقارظين، وأصير ~~خبرا بعد عين. فلم أر إلا أن أذكرته العهود المنسية، والفعلة الإمسية، ~~وناشدته الله: أوافى للتلافي، أم لما فيه إتلافي؟ فقال معاذ الله أن أجهز ~~على مكلومي، أو أصل حروري بسمومي؛ بل وافيتك لأخبر كنه حالك، وأكون يمينا ~~لشمالك. فسكن عند ذلك جاشي، وانجاب استيحاشي، وأطلعته طلع اللقحة، وتبرقع ~~صاحبي بالقحة. # *** # قوله: يتقح، أي يبدي الوقاحة. ينزو: يقفز. يستأسد: يتشبه بالأسد فيتقوى. # يستكين: يذل، يريد أنه كان مرة يتقوى ومرة يذل. غشينا: جاءنا فجأة. لابسا ~~جلد النمر، أي وقحا شجاعا. هاجما: آتيا على غفلة. المنهمر: الكثير ~~الانصياب، وتقدم أثر خبر بعد عين، الإمسية: المنسوبة إلى أمس- الفنجديهي: ~~رأيت بخط الحريري النسبة إلى أمس إمسي، وهو من شاذ- النسب- ناشدته: حلفته. ~~أوافى: أجاء وأوتى. التلافي: # التدارك قبل فوته. معاذ الله، أي أستجير بالله مما ذكرت. أجهز: أتم عليه. ~~مكلومي: # مجروحي، وفي أخبار علي رضي الله عنه أنه ما أجهز على مكلوم قط. أخبر: أعلم. # كنه: حقيقة جاشي: نفسي، قاله ابن سيده: وقيل: الجأش القلب، وقيل: رباطته ~~وشدته عند الشيء يسمعه، ما يدري ما هو. وقيل: جاشي: روع قلبيو اضطرابه عند الفزع. # واستوحش من الشيء: لم يأنس به. انجاب: انقشع وزال. أطلعته طلعها، أخبرته ~~سرها وعلوت طلع الأكمة، أي مكانا يطلع منه على ما حولها ويشرف عليه والقحة: ~~صلابة الوجه، كأنه جعل منها برقعا على وجهه. # *** PageV02P322 # فنظر إليه نظر ليث العريسة، إلى الفريسة. ثم أشرع قبله الرمح، وأقسم له ~~بمن أنار الصبح، لئن لم ينج منجى الذباب، ويرض من الغنيمة بالإياب، ليوردن ~~سنانه وريده، وليفجعن به وليده ووديده. فنبذ زمام الناقة وحاص، وأفلت وله ~~حصاص، فقال لي أبو زيد: تسلمها وتسنمها، فإنها إحدى الحسنيين، وويل أهون من ويلين. # قال الحارث بن همام: فحرت بين لوم أبي زيد وشكره، وزنة نفعه بضره. # فكأنه نوجي بذات ms0706 صدري، أو تكهن ما خامر سري. فقابلني بوجه طليق، وأنشد ~~بلسان ذليق: [مجزوء الرمل] # يا أخي الحامل ضيمي ... دون إخواني وقومي # إن يكن ساءك أمسي ... فلقد سرك يومي # فاغتفر ذاك لهذا ... واطرح شكري ولومي # ثم قال: أنا تئق؛ وأنت مئق، فكيف نتفق! وولي يفري أديم الأرض، ويركض طرفه ~~أيما ركض، فما عددت أن اقتعدت مطيتي، وعدت لطيتي، حتى وصلت إلى حلتي، بعد ~~اللتيا والتي. # *** # العريسة: مأوى الأسد. والفريسة: الصيد يفترسه، أي يكسر عنقه، وهي أكيلة ~~الأسد. أشرع: صوب. أنار: نور. ينج منجى: يخلص مخلص، وشبه خلوصه بخلوص ~~الذباب، لأنه يقع على الجسد أو الطعام فيتقذر الإنسان بمقره فيشرده، وهو ~~واجد عليه، فينجو الذباب، سالما بعد أذايته. ### || AUTO [مما قيل في الذباب والبعوض شعرا] # وأخذه من قول إبراهيم بن العباس الصولي لمحمد بن الزيات: [المتقارب] # كن كيف شئت وقل ما تشا ... وأبرق يمينا وأرعد شمالا # نجا بك قومك منجى الذباب ... حمته مقاذيره أن ينالا # وأخذه إبراهيم من قول الآخر: [السريع] # أسمعني عبد بني مسمع ... فصنت عنه النفس والعرضا # ولم أجبه لاحتقاري له ... ومن يعض الكلب إن عضا! # ومن قول الآخر: [البسيط] # قوم إذا ما جنى جانيهم أمنوا ... للؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا PageV02P323 # وهو كثير، وإنما اخترع إبراهيم لفظ الذباب. # وعرض- أي بعض الأدباء- على صاحب له بمحضر جماعة شعرا، فجعل يعرض عن محاسن ~~الشعر ويتتبع مواضع النقد حسدا، فقال له صاحب الشعر: أراك كالذباب تعرض عن ~~المواضع السليمة وتتبع قروح الجسد. # وقال ابن الرومي: [المجتث] # تأمل العيب عيب ... ما بالذي قلت ريب # والشعر كالشعر فيه ... مع الشيبة شيب # فليصفح الناس عنه ... فطعنهم فيه عيب # ومنكيات الذباب لابن آدم كثيرة، منها نزوله على الوجه عند النوم، فيلقى ~~منه بلاء، أو في الصلاة فيصير أضر من إبليس للتشاغل، وأما إذا تساقط في ~~الطعام فتنغيصه وتنفيره للطباع أضرار لا تخفى، وقد قدمت آنفا في ذلك من ~~الشعر شيئا، ولذلك تضرب العرب المثل فتقول: أجرأ من ذباب، لأنه ينزل على ~~الأسد والأمير. # ونذكر هنا ما هو أشد ms0707 أذاية منه وهو البعوض، ولولا أن أيامه قلائل لأخلى ~~البلاد، قال ابن رشيق يتشكاه: [الكامل] # يا رب لا أقوى على دفع الأذى ... وبك استعنت على الضعيف الموذي # ما لي بعثت إلي ألف بعوضة ... وبعثت واحدة إلى نمروذ! # وقال ابن شرف: [الكامل] # لك منزل كملت بشارته لنا ... للهو لكن تحت ذاك حديث # غنى الذباب وظل يزمر حوله ... فيه البعوض ويرقص البرغوث # وقال آخر: [مخلع البسيط] # ليل البراغيث والبعوض ... ليل طويل بلا غموض # فذاك ينزو بغير رقص ... وذا يغني بلا عروض # وقوله: ويرضي من الغنيمة بالإياب، منقول من قول امرئ القيس، وقد طوفت ... ~~(¬1) البيت. وهو مشهور. يوردن: يدخلن. وريده: صفحة عنقه، والوريدان: PageV02P324 # العرقان يجري فيهما النفس، وهما في مقدم العنق، وفجعته المصيبة فجعا: ~~أوجعته فهو فجيع ومفجوع، وموت فاجع، والفجيعة: الرزية الموجعة. يفجعن: ~~يحزنن. وليده: # ابنه. وديده: صاحبه. نبذ: رمى. حاص مال إلى الهرب، ويقال: حاص يحيص حيصا، ~~إذا عدل، ومنه ما لنا من محيص [إبراهيم: 21]، أي من ملجأ ومحيد. تسلمها: # خذها. تسنمها: اركب سنامها. إحدى الحسنيين، أي المسرتين، ولو رجع له ~~الفرس لكملتا له، فالناقة إحداهما. بذات صدري: علم بحاجة نفسي وبحقيقة ما ~~أضمرته في صدري. تكهن: علم. خامر: خالط. طليق: مستبشر. ذليق: حديد. ضيمي: ~~ذلي وضري. ساءك: أحزنك. اطرح: اترك، وقد أعاد هذا في السابعة والثلاثين ~~فقال: وهبها لا خطأ ولا إصابة. # وسأل الحطيئة عتيبة النهاس العجلي فرده، فقال له قومه: عرضتنا ونفسك ~~للشر، هذا الحطيئة، وهو هاجينا أخبث هجاء، فقال: ردوه، فردوه، فقال: ~~كتمتننا نفسك ولك عندنا ما يسرك، ثم قال له: من أشعر الناس؟ فقال: الذي ~~يقول: [الطويل] # ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتق الشتم يشتم (¬1) # فقال: له: وهذه من مقدمات أفاعيك. ثم قال لوكيله: اذهب به إلى السوق ~~فابتع له كل ما أحب، فعرض عليه الخز ورقيق الثياب، فعرض هو إلى الأكسية ~~الغلاظ فاشترى له ما أراد، فرجع إلى عتيبة، فقال له اسمع: [الطويل] # سئلت فلم تبخل ولم تعط طائلا ... فسيان لا ذم ms0708 عليك ولا حمد (¬2) # وأنت امرؤ لا الجود منه سجية ... فتعطي وقد يعدي على النائل الوجد # وامتدح أبو تمام إبراهيم بن المهدي، فوجده عليلا، فقبل منه المدحة وأناله ~~ما يصلحه، وقال له: عسى أن أقوم من مرضي فأكافئك، فأقام شهرا ثم كتب له: ~~[المنسرح] # إن حراما قبول مدحتنا ... وترك ما نرتجي من الصفد # كما الدنانير والدراهم في ال ... بيع حرام إلا يدا بيد # فقال لحاجبه: أعطه ثلاثين ألفا، وجئني بدواة، فكتب إليه: [الطويل] # عاجلتنا فأتاك عاجل برنا ... قلا ولو أمهلتنا لم نقلل # فخذ القليل وكن كأنك لم تقل ... ونكون نحن كأننا لم نفعل # وقال الخوارزمي: [الوافر] # ولما أن رأيت ابني وليد ... وبينهما اختلاف في الفعال PageV02P325 # وهبت قبيح ذا لجميل هذا ... وأسلمت العواقب لليالي # إذا اليد أحسنت منها يمين ... تسوغنا لها ذنب الشمال # قوله يفري: أي يقطع. أديم الأرض: وجهها. يركض طرفه: يجري فرسه. أيما، صفة ~~لمصدر محذوف، وفيه معنى التعجب من كثرة جريه، تقديره: يركض ركضا، أي ركض. ~~اقتعدت: ركبت القعود، وتقدمت في الأولى ما عدوت: ما جاوزت، أي ما عملت شيئا ~~قبل القعود على الناقة. حلتي: موضعي الذي هو سكني ونزولي. وحل. # نزل. ### || AUTO تفسير ما أودع هذه المقامة من الألفاظ اللغوية والأمثال العربية # قوله: «ريق زماني ورائقه» يعني أوله، وقد يخفف فيقال «ريق». # وقوله: «آخذ أخذ نفوسهم الأبية»، يعني أقتدي بهم، يقال: أخذه، بكسر ~~الهمزة وفتحها. # والهجمة، نحو المائة من الإبل. # والثلة: القطيع من الغنم. # والراغية: الإبل. والثاغية: الشاء، ومنه قولهم: ما له راغية ولا ثاغية، ~~أي لا ناقة له ولا شاء. # وقوله: «أرداف أقيال»، أي يخلفون الملوك إذا غابوا. # وقوله: «أبناء أقوال»، أي فصحاء، يقال للمنطيق: إنه ابن أقوال. # وقوله: «فتدثرت فرسا محضارا»، التدثر: الوثوب على ظهر الفرس، والمحضار ~~والمحضير: الشديد العدو، مأخوذ من الحضر، وهو العدو. # وقوله: «أقتري كل شجراء مرداء» الاقتراء: تتبع الأرض. والشجراء: ذات ~~الشجر، والمراد الخالية من النبات، ومنه اشتقاق الأمرد، لخلو وجهه من الشعر. # وقوله: «حيعل الداعي إلى صلاته»، يعني قول المؤذن: حي ms0709 على الصلاة حي على ~~الفلاح، والمصدر منه الحيعلة، ومثله من المصادر الهيللة والحمدلة. والحوقلة ~~والبسملة والحسبلة والسبحلة والجعلفة؛ فالهيللة حكاية قول: لا إله إلا ~~الله. والحمدلة: حكاية قول: الحمد لله. والحسبلة حكاية قول: حسبنا الله، ~~والسبحلة حكاية قول: سبحان الله. # والجعلفة حكاية قول: «جعلت فداك». # وقوله: «فنزلت عن متن الركوبة»، يعني المركوبة، يقال: ناقة ركوب وركوبة ~~وحلوب وحلوبة، وقد قرئ: «فمنها ركوبتهم». PageV02P326 # والصهوة: مقعد الفارس. والشحوة: الخطوة. والجزع: قطع الوادي عرضا. # وقوله: «صكة عمي» يعني قائم الظهيرة، وقد اختلف في أصله، فقيل: كان عمي ~~رجلا مغوارا، فغزا أقواما عند قائم الظهيرة، وصكهم صكة شديدة، فصار مثلا ~~لكل من جاء ذلك الوقت، وقيل: المراد به الظبي، لأنه يسدر في الهواجر، ويذهب ~~بصره، فيصطلك، وكذلك الحية، واصطكاك الظبي بما يستقبله كاصطكاك الأعمى، ثم ~~صغر الأعمى تصغير الترخيم، فقيل: عمي؛ كما صغروا أسود وأزهر، فقالوا: سويد وزهير. # وقوله: «وكان يوما أطول من ظل القناة»، يوصف اليوم الطويل بظل القناة، ~~كما يوصف اليوم القصير بإبهام القطاة، والعرب تزعم أن ظل الرمح أطول ظل، ~~ومنه قول شبرمة بن الطفيل: [الطويل] # ويوم كظل الرمح قصر طوله ... دم الزق عنا واصطفاق المزاهر (¬1) # وقوله: «أحر من دمع المقلات» المقلات هي المرأة التي لا يعيش لها ولد، ~~فدمعها أبدا حار لحزنها، لأنه يقال: إن دمعة الحزن حارة ودمعة السرور ~~باردة، ولهذا قيل للمدعو له: أقر الله عينه، مأخوذ من القر وهو البرد، وقيل ~~للمدعو عليه: أسخن الله عينه، مأخوذ من السخنة، وهي الحرارة، وقيل: إن ~~إقرار العين مأخوذ من القرار؛ فكأنه دعا له أن يرزق ما يقر عينه حتى لا ~~تطمح إلى ما لغيره. وكانت الجاهلية تزعم أن: إن المقلات إذا وطئت على قتيل ~~شريف عاش ولدها، ولهذا أشار بشر بن أبي خازم في قوله: [الطويل] # تظل مقاليت النساء يطأنه ... يقلن: ألا يلقى على المرء مئزر (¬2) # وقوله: «علقت بي شعوب» يعني المنية، ولا يدخل هذا الاسم أداة التعريف، ~~مثل دجلة وعرفة. # وقوله: «لأغور تحتها إلى المغيربان»، التقدير: النزول إلى ms0710 القائلة؛ كما ~~أن التعريس: النزول آخر الليل للتهويم أو الاستراحة. # والمغيربان، تصغير المغرب، وكان قياس تصغيره المغيرب، إلا أن العرب ألحقت ~~آخره ألفا ونونا على طريق الشذوذ. # وقوله: «مضطغنا أهبة تجوابه»، الاضطغان: أن يحمل الشيء تحت حضنه، ~~والاضطبان أن يحمله تحت ضبنه، والضبن: ما بين الإبط والكشح، وكلاهما ~~متقارب. PageV02P327 # ويقال: أول مراتب الحمل الإبط ثم الضبن، وهو أسفل الإبط ثم الحضن، وهو ~~عند الجنب. # والتجواب مصدر جاب، وجميع المصادر التي جاءت على «تفعال» هي بفتح التاء ~~إلا قولهم: تبيان وتلقاء لا غير، وزاد بعضهم: تيصال. # وقوله: «عجري وبجري» يريد به جميع أمري الظاهر والباطن، وأصل العجر العقد ~~الناتئة في العصب، والبجر: العقد الناتئة في البطن. # وقوله: «ولم يقل إيها» أي لم يأمرني بالكف، يقال: للمستزاد: إيه. ~~وللمستنكف: # إيها. # وقوله: «لأمر ما جدع قصير أنفه»، قصير هو مولى جذيمة الأبرش، وكان جدع ~~أنفه بيده حين قتلت الزباء مولاه، ثم أتاها وأوهمها أن عمرو بن عدي ابن أخت ~~جذيمة، هو الذي جدع أنفه اتهاما له بأنه غش خاله جذيمة إذ أشار عليه ~~بقصدها، فحظي بهذا القول عندها حتى جهزته مرارا إلى العراق؛ فكان يأتيه ~~بالطرف منه إلى أن استصحب في آخر نوبة الرجال في الصناديق، وتوصل إلى ~~قتلها، والأخذ بثأر مولاه منها. وقصته مشهورة. # وقوله: «ولو كان ابن بوحك» يعني ولد الصلب، إشارة إلى أنه ولد في باحة ~~الدار؛ وهي عرصتها، وجمعها بوح. وقيل: إن البوح من أسماء الذكر. # وقوله: «في شهري ناجر» هما شهرا الحر، وقيل: إنها حزيران وتموز. وأنكر ~~ابن دريد هذا القول، وقال: هما طلوع نجمين. # وقوله: «بت بليلة نابغية» أومأ به إلى قول النابغة: [الطويل] # فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع (¬1) # وقوله: «فألمعت إليه بثوبي» يعني أشرت إليه، يقال منه: ألمع ولمع بمعنى. # وقوله: «يلدع ويصيء»، هذا مثل يضرب لمن يظلم ويشكو، يقال: صاءت العقرب ~~تصيء صيئا وصيئا بفتح الصاد وكسرها؛ إذا صوتت، وكذلك الفرخ، وما أحسن قول ~~ابن الرومي في هذا المعنى: [البسيط] ms0711 # تشكي المحب وتشكو وهي ظالمة ... كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان PageV02P328 # وقوله: «ينزو ويلين»؛ هذا مثل يضرب لمن يتعزز ثم يذل، ويقال: إن أصله أن ~~الجدي ينزو وهو صغير فإذا كبر لان. # وقوله: «لابسا جلد النمر»، هذا مثل يضرب للمتقح الجريء، لأن النمر أجرأ ~~سبع وأقله احتمالا للضيم، ومن هذا اشتقاق قولهم: تنمر، أي صار مثل النمر. # وقوله: «فألحق بالقارظين» الأصل في القارظ الذي يجني القرظ، وهو النبات ~~المدبوغ به؛ والقارظان المشار إليهما أحدهما من عنزة والآخر من النمر بن ~~قاسط، خرجا يجنيان القرظ فلم يرجعا، ولا عرف لهما خبر، فضرب بهما المثل لكل ~~غائب لا يرجى إيابه، وإليهما أشار أبو ذؤيب في قوله: [الطويل] # وحتى يثوب القارظان كلاهما ... وينشر في القتلى كليب لوائل (¬1) # وقوله: «حروري بسمومي»، الحرور: الريح الحارة ليلا، والسموم: الريح ~~الحارة نهارا، وقد يقام أحدهما مقام الآخر مجازا. وقال بعضهم: الحرور يكون ~~ليلا ونهارا، والسموم يختص بالنهار. # وقوله: «ليث عريسة» يعني مأوى السبع، ويقال فيه. عريس وعريسة بإثبات ~~الهاء وحذفها، كما يقال: غاب وغابة وعرين وعرينة. فأما الغيل والخيس فلم ~~يلحقوا بهما الهاء. # وقوله: «أفلت وله حصاص» هذا المثل يضرب لمن نجا من هلكة أشفى عليها بعد ~~ما كاد يهوي فيها. والحصاص: العدو، وقيل إنه الضراط. # وقوله: «ويل أهون من ويلين»، هذا المثل يضرب تسلية لمن ناله بعض المكروه، ~~ومثله قول الراجز: [الطويل] # أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض (¬2) # وقوله: «أنا نئق، وأنت مئق، فكيف نتفق»، هذا المثل يضرب للمتنافيين في ~~الخلق؛ فإن التئق هو الممتلئ غيظا؛ مأخوذ من قولهم: أتأقت الإناء؛ إذا ~~ملأته. والمئق هو الباكي؛ فكأن التئق ينزع إلى الشر لغيظه، والمئق يضيق ~~ذرعا باحتماله، ومثله قول بعضهم: أنا كلف، وأنت صلف، فكيف نأتلف! # وقوله: «لطيتي» يعني لقصدي ووجهتي، وقد يقال فيها: طية، بالتخفيف. PageV02P329 # وقوله: «بعد اللتيا والتي» اللتيا تصغير التي، وهو على غير قياس التصغير ~~المطرد؛ لأن القياس أن يضم أول الاسم إذا صغر، وقد أقر هذا الاسم على فتحته ms0712 ~~الأصلية عند تصغيره، إلا أن العرب عوضته عن ضم أوله، بأن زادت ألفا في ~~آخره، وأجرت أسماء الإشارة عند تصغيرها على حكمه، فقالت في تصغير الذي ~~والتي: اللذيا واللتيا؛ تصغير ذا وذاك. وقد اختلف في معنى قولهم: بعد ~~اللتيا والتي، فقيل: هما من أسماء الداهية. # وقيل: المراد بهما بعض صغير المكروه وكبيره. PageV02P330 ### | AUTO المقامة الثامنة والعشرون وهي السمرقندية # حدث الحارث بن همام قال: استبضعت في بعض أسفاري القند، وقصدت به سمرقند؛ ~~وكنت يومئذ قويم الشطاط، جموم النشاط، أرمي عن قوس المراح، إلى غرض ~~الأفراح، وأستعين بماء الشباب، على ملامح السراب، فوافيتها بكرة عروبة، بعد ~~أن كابدت الصعوبة، فسعيت وما ونيت، إلى أن حصل البيت. فلما نقلت إليه قندي، ~~وملكت قول عندي، عجت إلى الحمام على الأثر، فأمطت عني وعثاء السفر، وأخذت ~~في غسل الجمعة على الأثر. # *** # استبضعت: اتخذت بضاعة. القند. عسل السكر. ### || AUTO [سمرقند] # وسمرقند: بلد عظيم من بلاد خراسان، غزاها ملك من ملوك اليمن اسمه شمر، ~~فملكها وهدمها فسميت شمركند، بمعنى خرابة شمر، ثم عربت فقيل: سمرقند، ~~وأهلها السغد. وفي رواية أنه لما انتهى إلى السغد قاتلهم أياما تحولوا إلى ~~مدينتهم فحاصرهم حولا حتى افتتحها عنوة، فقتل منهم وسبا وهدمها، ثم ثاب له ~~رأي، فأمر ببنائها، فبنيت خيرا مما كانت، ثم أمر بصخرة فبنيت عند بابها، ~~وكتب عليها: هذا بناء ملك العرب لا العجم، شمر الملك الأشم. ووحد في سورها ~~لوح من نحاس فيه كتاب، وهو: «هذا ما أمر ببنائه شمر»، وقد تقدم أن فرغانة ~~من أعمالها التي هي آخر خراسان، وبين سمرقند وبغداد ستة أشهر، وتقدم أن ~~مدينة سمرقند من أحسن بلاد الله تعالى، ولما أشرف قتيبة ابن مسلم عليها، ~~فرأى ما أدهشه لإفراط حسنها. قال: كأنها السماء في الخضرة، وكأن قصورها ~~النجوم والزهرة، وكأن أنهارها المجرة. # *** # قوله: قويم الشطاط، أي معتدل القامة: جموم النشاط، أي كثير القوة والخفة. # والمراح: النشاط. والأفراح: جمع فرح، وماء الشباب: نضارة الفتوة ونعمة الصبا. # ملامح السراب: مواضع يلمح السراب فيها، أي يلمع ms0713 ويظهر، فأراد أنه استعان ~~بقوة فتوته على قطع الصحراء. وافيتها: أتيتها. PageV02P331 ### || AUTO [يوم عروبة] # عروبة، اسم يوم الجمعة، سمي بذلك لحسنه حيث كان موسما، وهو من قولهم: ~~جارية عروب أي حسناء، وكانت العرب تسمي أيام الأسبوع بأسماء يجمعها بيتان ~~وهما: [الوافر] # أؤمل أن أعيش وأن يومي ... بأول أو بأهون أو جبار (¬1) # أو التالي دبار فإن أفته ... فمؤنس أو عروبة أو شيار # وعروبة من الأسماء التي تدخلها الألف واللام مرة وتسقط منها أخرى، قال ~~الشاعر: [الكامل] # * يوم كيوم عروبة المتطاول (¬2) * # وقال آخر: [البسيط] # * يوم العروبة أورادا بأوراد (¬3) * # وحكوا أن سيبويه، كان في حلقة بالبصرة فتذاكروا شيئا من حديث قتادة، فذكر ~~سيبويه حديثا غريبا، وقال: لم يرو هذا إلا سعيد بن أبي العروبة، فقال له ~~بعض الفضلاء: ما هاتان الزيادتان؟ - يعني الألف واللام في العروبة- فقال ~~سيبويه: هكذا ينبغي أن يقال، لأن العروبة هي يوم الجمعة، فمن قال: عروبة ~~فقد أخطأ. قال محمد بن سلام: فذكرت ذلك ليونس بن حبيب، فقال: أصاب: سيبويه ~~لله دره. # وسمي يوم الجمعة لما جاء في حديث سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «لم سمي يوم الجمعة؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: لأن فيه جمع أبوك ~~آدم» (¬4). وقال بعضهم فذكر عروبة: [الكامل] PageV02P332 # في العيد زار، وكان يوم عروبة ... يا فرحتي بثلاثة الأعياد # وكان المتوكل صاحب بطليوس ينتظر وفود أخيه عليه من شنتيرين يوم الجمعة، ~~فأتاه يوم السبت، فلما تلقاه عانقه، وأنشد: [الوافر] # تخيرت اليهود السبت عيدا ... وقلنا في العروبة يوم عيد # فلما أن طلعت السبت فينا ... أطلت لسان محتج اليهود # وقال ابن الرومي: [الطويل] # وحبب يوم السبت عندي أنني ... ينادمني فيه الذي أنا أحببت # ومن عجب الأشياء أني مسلم ... حنيف ولكن خير أيامي السبت # *** # قوله: كابدت، أي قاسيت، سعيت وما ونيت: خرجت وما فترت، ويقال: ونى يني، ~~أي ضعف، والونى الضعف والفتور والإعياء. ملكت قول عندي، يريد أن المسافر في ~~الطريق لا يحسب ماله ملكا له حتى يدخل المدينة، لأنه متعرض للهلاك في ~~الطريق، فإذا ms0714 دخل المدينة وحصل في بيته ملكه فصار «ملكت قول عندي» عبارة عن ~~سلامة ماله وخلاصه من حوادث الأسفار نحو الغرق والنهب والغرق والغضب، أو ~~يكون عبارة عن الحصول في البيت يقول: عندي كذا، أي في بيتي. # عجت، أي ملت على الأثر، أي في الحين، ورجع على الأثر أي أتى مستعجلا، ~~كأنه مشى على أثره في طريقه قبل غيره، فمعنى عجت إلى الحمام على الأثر، أي ~~دخلته على الفور في الحال. وقد ذكرنا بابا أدبيا من الشعر في الحمام في ~~الرابعة، ونذكر هنا فيه فنا آخر من الأدب. ### || AUTO [مما قيل في الحمام] # قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ستفتح ~~عليكم أرض الأعاجم، وتجدون فيها بيوتا يقال لها الحمامات، فلا يدخلها الرجل ~~إلا بإزار، وامنعوا النساء أن يدخلنها إلا مريضة أو نفساء» (¬1). # وروي أن عبيد بن قرط الأسدي، دخل مع صاحبين له بلدا فيها حمام فأحب ~~صاحباه دخوله فيها، فنهاهما عبيد، فأبيا إلا دخوله، فلما دخلاه رأيا فيه ~~رجلا يتنور، أي يستعل النورة فسألاه عنها. فأخبرهما بإذهابها الشعر، ~~فاستعملاها فلم يحسنا فأحرقتهما وأضرت بهما فقال عبيد: [الكامل] PageV02P333 # لعمري قد حذرت قرطا وجاره ... ولا ينفع التحذير من ليس يحذر # نهيتهما عن نورة أحرقتهما ... وحمام سوء ناره تتسعر # فما منهما إلا أتاني موقعا ... به أثر من مسها يتقشر # أحدكما لم تعلما أن جارنا ... أبا الحسل بالبيداء لا يتنور # ولم تعلما حمامنا في بلادنا ... إذا جعل الحرباء في الجدب يحضر # ورد أعرابي البصرة، فنزل على ابن عم له، فلما رأى البصري شعث الأعرابي، ~~أراد أن ينظفه، فقال له يوم جمعة: إن الناس يتطهرون للجمعة، ويتنظفون، ~~ويلبسون أحسن الملابس، فتعال أدخلك الحمام لتتنظف من قشف السفر والبادية، ~~وتتطهر للصلاة، فدخل معه الحمام، فعند ما وطئ الأعرابي فرش أول بيت في ~~الحمام، لم يحسن المشي عليها لشدة ملاستها فزلق، وسقط لوجهه، وصادفت جبهته ~~حرف مدخل البيت، فشجه شجة منكرة فخرج مرعوبا وهو ينشد، ودماؤه تسيل: ~~[الكامل] # وقالوا تطهر ms0715 إنه يوم جمعة ... فأبت من الحمام غير مطهر # تزودت منه شجة فوق حاجبي ... بغير جهاد بئسما كان متجري # يقول لي الأعراب حين رأينني ... به لا بظبي بالصريمة أعفر # وما تعرف الأعراب مشيا بأرضها ... فكيف يبيت ذي رخام ومرمر # وقال ابن سكرة: دخلت حماما، فخرجت وقد سرق مداسي، فعدت إلى داري حافيا ~~وأنا أقول: [الوافر] # إليك أذم حمام ابن موسى ... فإن فاق المنى طيبا وحرا # تكاثرت اللصوص عليه حتى ... ليحفى من يطيف به ويعرى # ولم أفقد به ثوبا ولكن ... دخلت محمدا وخرجت بشرا # يريد بشرا الحافي، وكان من كبار الزهاد، ولزم المشي حافيا فلقب به. # *** # وقوله: أمطت، أي أزلت. وعثاء السفر: شدته ومشقته، وفي الحديث: «اللهم إني ~~أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب»، وأصله من الوعث، وهو الدهس، أي ~~الرمل الدقيق. وقيل: الوعث الرمل تغيب فيه القوائم، وقيل: هو الطريق الخشن الصعب. # بالأثر، أي بالحديث المروي. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «من اغتسل يوم جمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة ~~الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في ~~الثالثة فكأنما قرب كبشا، ومن راح في الرابعة PageV02P334 # فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام ~~حضرت الملائكة يستمعون الذكر». # *** # ثم بادرت في هيئة الخاشع، إلى مسجدها الجامع، لألحق بمن يقرب من الإمام، ~~ويقرب أفصل الأنعام، فحظيت بأن جليت في الحلبة، وتخيرت المركز لاستماع ~~الخطبة، ولم يزل الناس يدخلون في دين الله أفواجا، ويردون فرادى وأزواجا؛ ~~حتى إذا اكتظ الجامع بحفله، وأظل تساوي الشخص وظله، برز الخطيب في أهبته، ~~متهاديا خلف عصبته، فارتقى في منبر الدعوة، إلى أن مثل بالدروة؛ فسلم مشيرا ~~باليمين، ثم جلس حتى ختم نظم التأذين. # *** # الأنعام: هي الإبل والبقر والغنم. وقال في الدرة: فرقت العرب بين النعم ~~والأنعام، فجعلت النعم اسما للإبل خاصة وللماشية التي فيها الإبل، وتذكر ~~وتؤنث، وجعلت الأنعام اسما لأنواع المواشي مثل الإبل والبقر والغنم. ms0716 حظيت: سعدت. # جليت: سبقت. والحلبة: جماعة الخيل، وأراد بها الناس المبادرين للصلاة، ~~وأنه سبقهم. المركز: الموضع تنتظر فيه الصلاة. دين: طاعة. أفواجا: جماعات. يردون: # يأتون الجامع. اكتظ: امتلأ وضاق بأهله. حفله: اجتماع الناس فيه. أظل: دنا قرب. # تساوي الشخص وظله، يريد حديث عمر رضي الله عنه: أن صل الظهر إذا صار ظلك ~~مثلك. برز: خرج. أهبته: عدته للصلاة. متهاديا: متمايلا لوقاره. عصبته: ~~جماعة المؤذنين. ارتقى: طلع. مثل بالذروة: جلس بأعلى المنبر أو ظهر بأعلاه. ~~والماثل: # اللاطئ بالأرض أو القائم المنتصب، وهو من الأضداد، وسمي المنبر منبرا ~~لارتفاعه وعلوه من النبر، وهو ارتفاع الصوت، ونبر الرجل نبرة: تكلم بكلمة ~~فيها علو، وأنشد أبو الحسن بن البراء: [الكامل] # إني لأسمع نبرة من قولها ... فأكاد أن يغشى علي سرورا (¬1) # مشيرا باليمين، مذهب الشافعي رضي الله عنه أن الخطيب إذا جلس على المنبر، ~~أشار إلى الناس بيمينه مسلما من غير كلام. قال ابن عمر رضي الله عنهما: ~~انطلقت مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مسجد قباء، فصلى فيه، فخرج علي ~~صهيب، فقلت: يا صهيب، كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد من يسلم ~~عليه؟ قال: يشير بيده (¬2). PageV02P335 # قوله: جلس، قال الخليل: يقال لمن كان قائما: اقعد، ولمن كان نائما أو ساجدا: # اجلس، وهذا صحيح لأن القعود هو الانتقال من علو إلى سفل، ولهذا يقال لمن ~~أصيب برجله: مقعد، والجلوس هو الانتقال من سفل إلى علو، ورجل جالس: آت ~~نجدا، وهو المكان المرتفع. وذكره الحريري في الدرة. ختم: أكمل. # *** # ثم قام وقال: الحمد لله الممدوح الأسماء، المحمود الآلاء، الواسع العطاء، ~~المدعو لحسم اللأواء، مالك الأمم، ومصور الرمم، وأهل السماح والكرم، ومهلك ~~عاد وإرم، أدرك كل سر علمه، ووسع كل مصر حلمه، وعم كل عالم طوله، وهد كل ~~مارد حوله. أحمده حمد موحد مسلم، وأدعوه دعاء مؤمل مسلم، وهو الله لا إله ~~إلا هو الواحد الأحد، العادل الصمد، لا ولد له ولا والد، ولا ردء معه ولا ~~مساعد، أرسل محمدا للإسلام ممهدا، وللملة ms0717 موطدا، ولأدلة الرسل مؤكدا، ~~وللأسود والأحمر مسددا. # *** # قوله: الآلاء، أي النعم الواسعة الكثيرة. حسم اللأواء: قطع الشدة. الرمم: # العظام البالية. مصورها: منشئ صورها، وأراد قوله تعالى: قل يحييها الذي ~~أنشأها أول مرة [الأنعام: 6]، عاد وإرم: أمتان قديمتان، وقيل: إرم قبيلة من ~~عاد فيها مملكة عاد. وقيل إرم: اسم لقبائل كثيرة، كالعماليق وطسم وجديس ~~هلكوا، وهم من ولد إرم ابن سام بن نوح، ومن لم يصرف إرم جعله اسما للقبيلة. ~~وقال سابق البربري في ذهاب الأمم: [البسيط] # وكيف يأمن ريب الدهر مرتهن ... بعدوة الدهر إن الدهر عداء # ألقى على الجيل من عاد كلاكله ... وقوم هود فهم هام وأصداء # وقال أيضا: [البسيط] # أين الملوك التي عن خطبها غفلت ... حتى سقاها بكأس الموت ساقيها # غرت زمانا بملك لا دوام له ... جهلا كما غر نفسا من يمنيها # وصبحت قوم عاد في ديارهم ... بمقطع يوم عادتهم عواديها # وتبعا وثمود الحجر غادرهم ... ريب المنون رميما في مغانيها # فكيف يبقى على الأحداث غابرنا ... كأننا قد أظلتنا دواهيها # وقال الإلبيري: [الكامل] # أين الملوك وأين ما جمعوا وما ... ذخروه من ذهب المتاع الذاهب PageV02P336 # ومن السوابغ والصوارم والقنا ... ومن الصواهل: بدن وشوازب # كانت سوابقها تحمل منهم ... أقمار أندية وأسد كتائب # كانوا ليوث خفية لكنهم ... سكنوا غياض أسنة وقواضب # قصفتهم ريح الردى ورمتهم ... كف المنون بكل سهم صائب # قوله: مصر، أي مقيم على الذنب. والعالم: كل مخلوق، وأراد به الحيوان. # طوله: فضله هد: أذل وأهلك، وهد البناء: كسره وهدمه. والمارد: العاتي وهو ~~المبالغ في الطغيان والفساد والكثير الشر. حوله: قوته، مؤمل: راج. مسلم: ~~مفوض. الصمد، من أسماء الله تعالى والسيد المطاع، والصمد: الذي لا يولد له، ~~وقيل: الصمد الذي لا جوف له. # وقال ابن الأنباري: أجمع أهل اللغة بلا خلاف على أن الصمد الذي ليس فوقه ~~أحد، الذي يصمد إليه الناس في أمورهم، وأنشد لورقة بن نوفل: [البسيط] # سبحان ذي العرش سبحانا يدوم له ... رب البرية فرد واحد صمد (¬1) # وأنشد: [الطويل] # * بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد (¬2) * # وأنشد: [البسيط] # * ولا رهينة إلا ms0718 سيد صمد* # وأنشد: [البسيط] # * خذها حذيف فأنت السيد الصمد (¬3) * PageV02P337 # قوله: ردء: معين وأردأتك على الأمر: أعنتك. مساعد: موافق لمراده. ممهدا: # باسطا. والملة: الدين. الأحمر، أراد به الأبيض وأراد لكل الناس، وقيل: ~~الأحمر العجم مثل الروم والفرس، لأنهم بيض تعلوهم حمرة، والأسودالعرب، ~~لأنهم لسكناهم الصحارى تغلب السمرة على ألوانهم. # *** # وصل الأرحام، وعلم الأحكام، ووسم الحلال والحرام، ورسم الإحلال والإحرام، ~~كرم الله محله، وكمل الصلاة والسلام له، ورحم آله الكرماء، وأهله الرحماء، ~~ما همر ركام، وهدر حمام، وسرح سوام، وسطا حسام. اعملوا رحمكم الله عمل ~~الصلحاء، واكدحوا لمعادكم كدح الأصحاء، واردعوا أهواءكم ردع الأعداء، ~~وأعدوا للرحلة إعداد السعداء، وادرعوا حلل الورع، وداووا علل الطمع، وسووا ~~أود العمل، وعاصوا وساوس الأمل، وصوروا لأوهامكم حئول الأحوال، وحلول ~~الأهوال، ومساورة الأعلال، ومصارمة المآل والآل. # *** # الأرحام في الأصل: الفروج، ثم يكنى بها عن القرابات للذين بينهم رحم. وسم: # بين، وجعل له علامة، والسمة: العلامة. رسم: كتب وبين وأصل الرسم الأثر، ~~ورسمت الشيء: أثرت به أثرا. الإحلال: الدخول في الحل. الإحرام: الدخول في ~~الحرم، وأراد أنه علم موضع الحل والحرم. آله: أهله. همر ركام: انصب سحاب. ~~هدر: صوت. # وسرح: تفرق في المرعى، سوام إبل راعية. ساط: اهتز ليقطع. اكدحوا: اعملوا، ~~والكدح عمل الإنسان من خير وشر، واكتسابه للدنيا والآخرة. لمعادكم، أي ليوم ~~بعثكم، والمعاد المرجع. الأصحاء: جمع صحيح. اردعوا: كفوا. ادرعوا: البسوا ~~الخوف. أود: اعوجاج. وساوس الأمل: أحاديث الطمع والرجاء. أوهامكم: نفوسكم. # حئول: تغير. حلول: نزول. الأهوال: المخاوف. مساورة: مواثبة. الإعلال: ~~الإصابة بعلة، مصارمة: مقاطعة. الآل: الأهل والقرابة. # *** # وادكروا الحمام وسكرة مصرعه، والرمس وهول مطلعه، واللحد ووحدة مودعه، ~~والملك وروعة سؤاله ومطلعه. والمحوا الدهر ولؤم كره، وسوء محاله PageV02P338 # ومكره. كم طمس معلما، وأمر مطعما، وطحطح عرمرما، ودمر ملكا مكرما. # *** # ادكروا الحمام: اذكروا الموت. الرمس: تراب القبر. هول مطلعه: خوف ما يراه ~~الإنسان فيه. اللحد: الحفيرة في جانب القبر. مودعه: المجعول فيه، كأنه ~~وديعة فيه. # الملك: منكر ونكير، اللذان يفتنان الناس في قبورهم. روعة: تقريع وتخويف. ~~المطلع: # المأتي. ms0719 # قال الجوهري، رحمه الله تعالى: يقال: أين مطلع هذا الأمر؟ أي مأتاه، وهو ~~موضع الاطلاع من إشراف إلى انحدار، وجاء هو المطلع في الحديث، حدث واثلة بن ~~الأسقع وغيره قالوا: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا أيها ~~الناس، اذكروا الموت وهول مطلعه وما تقدمون عليه من أعمالكم، فإنما أنتم ~~عابرو سبيل إلى دار الخلود. ازهدوا في دنيانا قصة غير زائدة، مفرقة غير ~~مجمعة، وارغبوا في دار لا تخرب قصورها ولا يبلى سرورها، ولا يموت ساكنها. ~~أعمار أهل الجنة: أبناء ثلاث وثلاثين سنة، مكحلون يأكلون ويشربون، لا يخرج ~~من أجوافهم شيء إلا يعرقون، عرقهم ذلك ومسك، فلم أر مثل الجنة، نام طالبها، ~~ولم أر مثل النار، نام هاربها». # وقال ابن سكرة: [الطويل] # محمد ما أعددت للترب والبلى ... وللملكين الواقفين على القبر # وأنت مصر لا تراجع توبة ... ولا ترعوي عما يذم من الأمر # سيأتيك يوم لا تحاول دفعه ... فقدم له زادا إلى البعث والحشر # وتقدم الباب موفى حقه في الحادية عشر. ### || AUTO [الأمل والطمع ومما قيل فيه شعرا] # نذكر هنا بعض ما قيل في الأمل والطمع المانعين للناس من أعمال البر قال ~~أبو العتاهية: [الهزج] # تعلقت بآمال ... طوال أي آمال (¬1) # فأقبلت على الدهر ... ملحا أي إقبال # أيا هذا تجهز ل ... فراق الأهل والمال # فلا بد من الموت ... على حال من الحال # وقال أبو تمام: [الطويل] # أتأمل في الدنيا تجد وتعمر ... وأنت غدا فيها تموت وتقبر (¬2) PageV02P339 # تلقح آمالا وترجو نتاجها ... وعمرك مما قد ترجيه أقصر # وهذا صباح اليوم ينعاك ضوأه ... وليلته تنعاك لو كنت تشعر # تحوم على إدراك ما قد كفيته ... وتقبل بالآمال فيها وتدبر # رزقك لا يعدوك إما معجل ... على حاله يوما وإما مؤخر # وقال محمود الوراق: [المنسرح] # علام يسعى الحريص في طل ... ب الرزق بطول الرواح والدلج # يا قارع الباب رب مجتهد ... قد أدمن القرع ثم لم يلج # فاطو على الهم كف مصطبر ... فآخر الهم أول الفرج # وقال عبد الصمد بن المعذل: [المتقارب] # وأعلم أن بنات الرجا ... تحل ms0720 العزيز محل الذليل # وأن ليس مستغنيا بالكث ... ير من ليس مستغنيا بالقليل # قوله: المحوا: انظروا. كره: رجوعه. محاله: شدته ومعاداته وخداعه. طمس: # محا وأذهب. معلما: موضعا مرتفعا، تعلم به الجهة التي هو فيها. طحطح: أهلك ~~وفرق. عرمرما: جيشا كبيرا. دمر: أهلك، والدمار: الهلاك. ### || AUTO [الدهر وما قيل فيه] # ونذكر بعض من ذم الدهر من ملوك الإسلام. # من ذلك أن سليمان بن عبد الملك لبس في يوم الجمعة لباسا شهر به، ودعا ~~بتخت فيه عمائم، وبيده مرآة، فلم يزل يعتم بواحدة بعد أخرى، وأرخى سدولها، ~~وأخذ بيده مخصرة، واعتلى منبره ناظرا في عطفيه، وجمع حشمه، وقال: أنا الملك ~~الشاب، السيد الحبحاب، الكريم الوهاب. فتمثلت له إحدى جواريه، فقال: # كيف ترين أمير المؤمنين؟ فقالت: أراه منى النفس وقرة العين، لولا ما قال ~~الشاعر: [الخفيف] # أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان # أنت خلو من العيوب ومما ... يكره الناس غير أنك فاني # فدمعت عيناه، وخرج على الناس باكيا، فلما فرغ من صلاته رجع ودعا الجارية، ~~وقال لها: ما حملك على ما قلت؟ قالت: والله ما رأيتك ولا دخلت عليك. فأكبر ~~ذلك، ودعا بقية جواريه فصدقنها على ذلك، فراعه ذلك ولم يبق إلا مديدة حتى مات. # الفضل بن الربيع، قال: كنت مع المنصور في السفر الذي مات فيه، فنزلنا بعض ~~المنازل، فدعا بي وهو في قبته إلى حائط، وقال: ألم أنهكم أن تدعواالعامة ~~تدخل هذه PageV02P340 # المنازل: فيكتبون فيها ما لا خير فيه، قلت: وما هو؟ قال: ألا ترى ما على ~~الحائط مكتوبا: [الطويل] # أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت ... سنوك، وأمر الله لا بد نازل # أبا جعفر، هل كاهن أو منجم ... يرد قضاء الله أم أنت جاهل؟ # فقلت: والله ما على الحائط شيء، وإنه لنقي أبيض، قال: والله، قلت: والله. # قال: إنها والله نفسي نعت إلي الرحيل، بادر بي إلى حرم الله وأمنه هاربا ~~من ذنوبي وإسرافي على نفسي، فرحلنا، وثقل حتى بلغ بئر ميمون، فقلت له: قد ~~دخلت الحرم، قال: ms0721 الحمد لله، وقبض من يومه، ولما حضرته الوفاة، قال: هذا هو ~~السلطان، لا سلطان من يموت. # علي بن يقطين، قال: لما كنا مع المهدي بماسبذان، قال لي: أصبحت جائعا ~~فائتني بأرغفة ولحم بارد، فأكل ونام في البهو، فما استيقظ إلا لبكائه، ~~فبادرنا فقال: أما رأيتم ما رأيت، وقف علي رجل لو كان في ألف ما خفي علي، ~~فقال: [الطويل] # كأني بهذا القصر قد باد أهله ... وأوحش منه ربعه ومنازله # وصار عميد الملك من بعد بهجة ... إلى قبره تحثى عليه جنادله # فلم يبق إلا ذكره وحديثه ... ينادى عليه معولات حلائله # فما أتت عليه عشرة أيام حتى توفي. # قال الأصمعي: دخلت على الرشيد يوما، وهو ينظر في كتاب، ودموعه تنحدر على ~~خده، فالتفت وقال: اجلس، أرأيت ما كان مني؟ قلت: نعم، قال: أما إنه لو كان ~~من أمر الدنيا ما رأيت هذا، ثم رمى إلي به، فإذا فيه مكتوب لأبي العتاهية: ~~[الكامل] # يا مؤثر الدنيا بلذتها ... والمستعد لمن يفاخره (¬1) # نل ما بدا لك أن تنال من ال ... دنيا فإن الموت آخره # هل أنت معتبر بمن خربت ... منه غداة قضى عساكره # وبمن خلت منه أسرته ... وبمن خلت منه منابره # أين الملوك وأين غيرهم ... صاروا مصيرا أنت صائره # ثم قال: كأني أخاطب بهذا دون كل الناس، فلم يلبث إلا قليلا حتى مات. # ولما رجع المأمون من غزوته التي افتتح فيها أربعة عشر حصنا نزل على عين ~~تعرف بالعشيرة، ينتظر رجوع رسله من الحصون، فأعجبه برد مائها وصفاؤه، وحسن PageV02P341 # بياضه وكثرة الخضرة والخصب بالموضع، وجلس على خشب بسط له على الماء، وطرح ~~فيه درهم، فقرأ كتابته في قرار الماء لصفائه، ولم يقدر أحد يدخل الماء لشدة ~~برده، فلاحت سمكة نحو الذراع، كأنها سبيكة فضة، فنزل بعض الفراشين فأخذها، ~~فاضطربت في يده وتململت، ووقعت في الماء، فنضح منه على صدر المأمون، ثم ~~أخذها ووضعها بين يديه في منديل، تضطرب، فأمر بأن تقلى الساعة، فأخذته رعدة ~~من ساعته، ولم يقدر يتحرك، فغطي باللحف، وهو يرتعد، ويصيح: البرد، ms0722 فأتي ~~بالسمكة فلم يقدر عليها، وسال على جسمه عرق كالرب لم يعرفه الأطباء، فلما ~~ثقل قال: أخرجوني أنظر إلى عسكري، وأنظر إلى مالي وملكي، وذلك ليلا، فأشرف ~~على الجيش وانتشاره ونيرانه: فقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ~~ملكه، فلما ثقل رنا بطرفه نحو السماء، وقد امتلأت عيناه دموعا، فقال: يا من ~~لا يموت ارحم من يموت، وقضي عليه من ساعته. # وكان كثيرا ما ينشد: [المتقارب] # ومن لم يزل غرضا للمنو ... ن تتركه ذات يوم عميدا # وإن أخطأت مرة نفسه ... فيوشك مخطئها أن يعودا # فبينا يحيد وتخطئنه ... قصدن فأعجلنه أن يحيدا # وذكر أبو المواريث قاضي نصيبين، أنه رأى في المنام ليلة قائلا، يقول: ~~[البسيط] # يا نائم الليل في جثمان يقظان ... ما بال عينيك لا تبكي بتهتان # إن الليالي لم تحسن إلى أحد ... إلا أساءت إليه بعد إحسان # هلا رأيت صروف الدهر ما فعلت ... بالهاشمي وبالفتح بن خاقان # - يعني المتوكل ووزيره الفتح بن خاقان- قال: فأتى البريد بقتلهما في تلك ~~الليلة. # وقال سابق البربري: [البسيط] # ورب أغيد ساجي الطرف معتصب ... بالتاج نيرانه للحرب تستعر # يظل مفترش الديباج محتجبا ... إليه تبنى قباب الملك والحجر # قد غادرته المنايا فهو مستلب ... مجندل ترب الخدين منعفر # *** # همه سك المسامع، وسح المدامع، وإكداء المطامع، وإرداء المسمع والسامع عم ~~حكمه الملوك والرعاع، والمسود والمطاع، والمحسود والحساد، والأساود ~~والآساد، ما مول إلا مال، وعكس الآمال، وما وصل إلا وصال، PageV02P342 # وكلم الأوصال، ولا سر إلا وساء، ولؤم وأساء، ولا أصح إلا ولد الداء، وروع ~~الأوداء. # الله الله، رعاكم الله! إلام مداومة اللهو، وموصلة السهو، وطول الإصرار، ~~وحمل الآصار، واطراح كلام الحكماء، ومعاصاة إله السماء! # *** # همه: مراده. سك المسامع: قطع الآذان، وقد سك أذنه، إذا استأصلها بالقطع، ~~والمقطوع الأذن، يقال له: أسك، وسككت الشيء فاستك، أي سددته فانسد. سح: # صب. إكداء: قطع ومنع. إرداء: إهلاك. الرعاع: سقط الناس. المسود: من ليس ~~بسيد. المطاع: الذي يقول ما أراد فيطاع ولا يعصى، الأساود: الحيات. ~~والآساد: جمع أسد. مول: أعطى مالا. ms0723 مال: انحرف وخرج عن طريقه. عكس: قلب. ~~الآمال: جمع أمل وهو الرجاء، وقال مسلم بن الوليد: [البسيط] # الدهر آخذ ما أعطى مكدر ما ... أصفى ومفسد ما أهوى له بيد # فلا يغرنك من دهر عطيته ... فليس يترك ما أعطى على أحد # وقال أبو تمام: [الطويل] # أقول لنفسي حين مالت بصفوها ... إلى خطرات قد نتجن أمانيا (¬1) # فهبني من الدنيا ظفرت بكل ما ... تمنيت أو أعطيت فوق منائيا # أليس الليالي غاصباتي مهجتي ... كما غصبت قبلي القرون الخواليا # قوله: صال: صاح وهدر. كلم: جرح. الأوصال: المفاصل، وهو موصل عظم عضو في ~~عضو. لؤم: صار لئيما. روع الأوداء: أفزع الأحباب. السهو: # الغلط. الإصرار: الإقامة على الذنب. الآصار: الأثقال، يريد إثقال الذنوب. # اطراح: ترك ورمي. # *** # أما الهرم حصادكم، والمدر مهادكم! أما الحمام مدرككم، والصراط مسلككم. ~~أما الساعة موعدكم، والساهرة موردكم! أما أهوال الطامة لكم مرصدة! أما دار ~~العصاة الحطمة المؤصدة، حارسهم مالك، ورواؤهم حالك، وطعامهم السموم، ~~وهواؤهم السموم. لا مال أسعدهم ولا ولد، ولا عدد حماهم ولا عدد. PageV02P343 # ألا رحم الله امرأ ملك هواه، وأم مسالك هداه، وأحكم طاعة مولاه، وكد وكدح ~~لروح مأواه، وعمل ما دام العمر مطاوعا، والدهر موادعا، والصحة كاملة، ~~والسلامة حاصلة، وإلا دهمه عدم المرام، وحصر الكلام، وإلمام الآلام، وحموم ~~الحمام، وهدوء الحواس، ومراس الأرماس. # *** # مسلككم: طريقكم. الساهرة: وجه الأرض، وقيل الأرض البيضاء. المورد: # موضع الماء الذي يرده الناس والبهائم، ولا غناء لأحد عن قصد الماء، فجعل ~~الساهرة موردا على هذا المعنى. أهوال الطامة: مخاوف القيامة وما فيها من ~~الهول والخوف، وأصابت الناس طامة أي داهية وأمر عظيم، وقد طم الأمر، إذا ~~عظم وجاوز الحد. مؤصدة: معدة ينتظرون بها والحطمة: التي تحطم الناس، أي ~~تكسرهم، يعني جهنم أعاذنا الله منها، وهو اسم علم من أسماء جهنم دخلته ~~اللام إيذانا بالصفة. المؤصدة: المغلقة. رواؤهم: منظرهم الحسن. حالك: أسود. # السموم: جمع سم. والسموم: الريح الحارة. أم: قصد. أحكم: أتقن. كدح: # عمل. روح مأواه: راحة مسكنه. موادعا: متاركا ومصالحا. قال ابن عمر رضي ~~الله عنهما: ms0724 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل يعظه «اغتنم خمسا قبل ~~خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، ~~وحياتك قبل موتك». # دهمه: غشيه وأتاه فجأة، ودهمه يدهمه لغة. المرام: المطلب. حصر: حبس. # إلمام: نزول. الآلام: الأسقام. حموم الحمام: دنو الموت. هدو: سكون. # الحواس: الإدراكات، وهي التي يحس بها الإنسان الأشياء ويدركها وهي خمسة: # العين يدرك بها النظر، والأنف والأذن يدرك بها الشم، والسمع واللسان ~~واليد يدرك بهما الذوق، واللمس، فيريد أن هذه الجوارح تسكن بالموت ولا تتحرك. ### || AUTO [مما قيل في دنو الأجل وعجز الطب حياله] # وننشد هنا أبياتا لها بالموضع بعض تعلق، ونذكر فيها الأطباء الذين لا ~~حيلة لهم في الموت، قال عدي بن زيد: [الخفيف] # أين أهل الديار من قوم نوح ... ثم عاد من بعدهم وثمود (¬1) # بينما هم على الأسرة والأنم ... اط أفضت إلى التراب الخدود # والأطباء بعدهم لحقوهم ... ضل عنهم سعوطهم واللدود PageV02P344 # وصحيح أضحى يعود مريضا ... وهو أدنى للموت ممن يعود # وقال الخليل بن أحمد: [المتقارب] # فكن مستعدا لداعي الفناء ... فإن الذي هو آت قريب # وقبلك داوى المريض الطبيب ... فعاش المريض ومات الطبيب # ولابن الرومي- وفصده بعض الأطباء، فزعم أن الفصد زاد في علته، فقال: # [الكامل] # غلط الطبيب علي غلطة مورد ... عجزت موارده عن الإصدار # والناس يلحون الطبيب وإنما ... غلط الطبيب إصابة المقدار # وقال غيره: [السريع] # قد قلت لما قال لي قائل ... قد صار نعمان إلى رمسه # فأين ما يذكر من طبه ... وحذقه بالماء مع جسه! # هيهات لا يدفع عن غيره ... من كان لا يدفع عن نفسه # ومنه قول الآخر: [الطويل] # أقول لنعمان وقد ساق طبه ... نفوسا نفيسات إلى باطن الأرض # أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض (¬1) # ويحكى أن القاضي ابن منظور بلغه أن أبا العلاء بن زهر مرض فضحك، وقال: # فأين طبه؟ فبلغت أبا العلاء فقال: [الكامل] # قالوا ابن منظور تبسم هازئا ... لما مرضت فقلت يعثر من مشى # قد كان جالينوس يمرض دائما ... فمن الإمام ms0725 المرتضى قبل الرشا # وقال المتنبي: [السريع] # لا بد للإنسان من ضجعة ... لا تقلب الإنسان عن جنبه (¬2) # ينسى بها ما مر من عجبه ... وما أذاق الموت من كربه # نحن بنو الموتى فما بالنا ... نعاف ما لا بد من شربه # تبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمان هي من كسبه PageV02P345 # فهذه الأرواح من جوه ... وهذه الأجساد من تربه # يموت راعي الضأن في جهله ... موتة جالينوس في طبه # أصيب الجرمي في عينيه فقال: [الرمل] # إذا ما مات بعضك فابك بعضا ... فبعض الشيء من بعض قريب # يمنيني الطبيب شفاء عيني ... وما غير الإله لها طبيب # *** # قوله: مراس، أصله معالجة الشيء الشديد، وكل شيء التصق بشيء واحتك به فقد ~~مارسه. ومرست الدواء بالماء: دلكته. والأرماس: القبور، واحدها رمس، فيريد ~~بها ما يلقاه الإنسان في قبره من الدواهي، وتقدمت في الحادية عشر، ويروى: # الأمراس: جمع مرس، وهو حبل من ليف يفتل على ثلاثة. مراسه: جريانه على ~~البكرة، فالبكرة تأكل قوته كل يوم فتقطعه، كما أن الأيام تأكل قوة ابن آدم ~~فتقطعه، فإذا مات أكل بدنه القبر. # *** # واها لها حسرة ألمها مؤكد، وأمدها سرمد، وممارسها مكمد، ما لولهه حاسم، ~~ولا لسدمه راحم؛ ولا مما عراه عاصم، الهمكم الله أحمد الإلهام، ورداكم رداء ~~الإكرام، وأحلكم دار السلام، وأسأله الرحمة لكم ولأهل ملة الإسلام، وهو ~~أسمح الكرام، والمسلم والسلام. # *** # آها: كلمة توجع. حسرة: فجيعة، والهاء في «لها» كناية عن الحسرة أضمرها ~~بشريطة التفسير، أي ما أعظمها من حسرة، آها، أي تأوها. ألمها مؤكد، أي ~~وجعها شديد متتابع. سرمد: دائم. ممارسها: معالجها ومخالطها. مكمد: مهموم محزون. # ولهه: حزنه. حاسم: مزيل قاطع. سدمه: حيرته، عراه: قصده. عاصم: مانع. # ألهمكم: ذكركم ونبهكم. أحلكم: أنزلكم. دار السلام: الجنة، من دخلها سلم ~~من العذاب وبقي في سلامة. ملة: دين. أسمح: أكرم. السلام: الذي هو من أسماء ~~الله سبحانه وتعالى، ومعناه المسلم لعبده أو هو على حذف المضاف، ومعناه ذو ~~السلام، أي صاحب السلام، ويحتمل أن يريد به اللفظةالتي يقطع بها الكلام، ~~كما تقول لمن تقطع كلامه: ms0726 والسلام، أي لا زيادة عندي على هذا، أو أردت: ~~والسلام عليكم. فحذفت اختصارا. # وفي تأويل «السلام عليكم» وجهان: أحدهما أنه اسم الله بمعنى «الله تعالى PageV02P346 # عليكم»، أي على حفظكم، أو بمعنى السلامة عليكم، فالسلام جمع سلامة. # قال ابن الأنباري: السلام في كلام العرب على أربعة أقسام: السلام ~~التسليم، تقول: سلمت سلاما، والسلام الله تعالى، والسلام جمع سلامة، ~~والسلام شجر عظام واحدها سلامة قال الأخطل: [الطويل] # ورابية السكران قفر فما بها ... لهم شبح إلا سلام وحرمل (¬1) # *** # قال الحارث بن همام: فلما رأيت الخطبة نخبة بلا سقط، وعروسا بغير نقط، ~~دعاني الإعجاب بنمطها العجيب، إلى استجلاء وجه الخطيب، فأخذت أتوسمه جدا، ~~وأقلب الطرف فيه مجدا، إلى أن وضح لي بصدق العلامات، أنه شيخنا صاحب ~~المقامات، ولم يكن بد من الصمت، في ذلك الوقت؛ فأمسكت حتى تحلل من الفرض، ~~وحل الانتشار في الأرض، ثم واجهت تلقاءه، وابتدرت لقاءه. # فلما لحظني خف في القيام، وأحفى في الإكرام؛ ثم استصحبني إلى داره، ~~وأودعني خصائص أسراره، وحين انتشر جناح الظلام، وحان ميقات الأنام، أحضر ~~أباريق المدام، معكومة بالفدام فقلت: أتحسوها أمام النوم؛ وأنت إمام القوم! ~~فقال: مه؛ أنا بالنهار خطيب، وبالليل أطيب، فقلت: والله ما أدري: # أأعجب من تسليك عن أناسك، ومسقط راسك، أم من خطابتك مع أدناسك ومدار كاسك. # *** # نخبة: مختارة. سقط: لفظ رديء. استجلاء: نظر. أتوسمه: أنظر سمته، أي ~~علامته التي يعرف بها. جدا: كثيرا. مجدا: مجتهدا. وضح: تبين. ذو المقامات: # صاحب المجالس. البد: الفرار، قال الفراء رحمه الله تعالى: يقال: لا بد ~~اليوم من قضاء حاجتي، أي لا فرار، ويقال: ليس لهذا الأمر بد، أي لا محالة. الصمت: # السكوت والإنصات لاستماع الخطبة فرض عند الشافعي رضي الله عنه لقوله تعالى: # وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا [الأعراف: 241] أي لاستماع الخطبة. # وقال جماعة من المفسرين: إنه إنما نزلت الآية في السكوت لاستماع الخطبة. PageV02P347 # أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قلت ~~لصاحبك والإمام يخطب: أنصت فقد لغوت» ms0727 (¬1). # أبو هريرة وأبو سعيد، أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من ~~خرج إلى الجمعة وعليه الوقار، ثم رجع، ثم أنصت إلى أن جلس الإمام، فلم ~~يتكلم حتى ينزل، ثم صلى الجمعة غفر الله له ما بينه وبين الجمعة التي ~~تليها» (¬2). # تحلل من الفرض: تخلص من الصلاة. الانتشار: انحلال الجموع من الصلاة ~~وانبساطهم على الأرض. ميقاته: وقته. معكومة: مشدودة، وعكمت البعير شددت ~~فمه، والوعاء: شددت رأسه. الفدام: خرقة يشد بها فم الإبريق ليصغي ما فيه. ~~تحسوها: # تشربها. وأنت إمام القوم: توبيخ له على قبح فعله مع الفضل الذي سبق له، ~~والعيب الكبير يصغر في حق أهل الريب، كما أن الصغير يعظم في حق أهل ~~المروءات، وقال المتنبي في المعنى وإن كان من غير الباب: [الطويل] # وما يوجع الحرمان من كف حازم ... كما يوجع الحرمان من كف رازق (¬3) # وقال المخزومي: [البسيط] # والعيب في الجاهل المغمور مغمور ... وعيب ذي الشرف المذكور مذكور # كفوفة الظفر تخفى من حقارتها ... ومثلها في سواد العين مشهور # وقال إبراهيم بن المهدي: [الكامل] # لولا الحياء وأنني مشهور ... والعيب بالرجل الكبير كبير # لحللت منزلة الذي يحتله ... ولكان منزلنا هو المهجور # مه: اسكت، ومعنى قوله: أنا بالنهار خطيب، وبالليل أطيب، مما وقع في كتاب ~~مفتاح السرور والأفراح، حكاية عن بعضهم أنه قال: رأيت قاصا يقص غداة يوم، ~~ثم رأيته بالعشي في حانة والقدح في يده، فقلت: ما هذا؟ فقال: أنا بالغداة ~~قاص، وبالعشي عاص. PageV02P348 # ومن ذلك ما كتب به يحيى بن خالد لابنه الفضل حين بعث فيه أهل خراسان ~~كتابا إلى الرشيد: إنه مستغل بالصيد وإدمان اللذات؛ فرمى به إلى يحيى وقال: ~~يا أبت اكتب إليه بما يردعه، فكتب على ظهر الكتاب: # حفظك الله يا بني، وأمتع بك. فقد انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنت عليه من ~~التشاغل بالصيد وإدمان اللذات، فعاود ما هو أليق بك وأزين لك، فإنه من عاد ~~إلى ما يزينه، وترك ما يشينه، لم يعرفه أهل دهره إلا به. وقد قلت أبياتا ~~فالتزمها، وإن ms0728 جاوزتها عزلتك عن سخط، ولم أكلمك حولا، وكتب إليه: [السريع] # انصب نهارا في طلاب العلا ... واصبر على فقد لقاء الحبيب # حتى إذا الليل أتى مقبلا ... واستترت فيه عيون الرقيب # فباشر الليل بما تشتهي ... فإنما الليل نهار الأريب # كم من فتى تحسبه ناسكا ... قد لقي الليل بأمر عجيب # ألقى عليه الليل أثوابه ... فبات في لهو وعيش خصيب # ولذة الأحمق مشهورة ... يرصدها كل حسود رقيب # فامتثل ما فيها حتى عزل عنها. # وقال الحلواني في ضده: [الكامل] # أنت الذي قسم الزمان لنفسه ... قسمين بين رئاسة ومتاب # أعطى لمرتبة العلاء نهاره ... منها وجنح الليل للمحراب # وقال الفنجديهي في قوله: أنا بالنهار خطيب وبالليل أطيب، معناه أنا صالح ~~المنظر، فاسد المخبر، أنظر في مرآة المراءات، وأسر مساواة المساءات، وأديم ~~المناجاة جلوة، وأقيم المداجاة خلوة، آمر الناس بالرشاد، وأنا أتوسد وسادة ~~الفساد. # وقال ابن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ~~أحسن الصلاة حين يراه الناس، ثم أساءها حين يخلو، فتلك استهانة يستهين بها ربه». # قوله: تسليك عن أناسك، أي اشتغالك عن أهلك وبلدك، وهو مسقط رأسه، أي ~~الموضع الذي سقط فيه رأسه عند ولادته. خطابتك: فصاحتك في خطبتك. إدناسك: # عيبك وتلطيخ عرضك. مدار: دورانه في أيدي الشاربين. # *** # فأشاح بوجهه عني، وقال: اسمع مني: [المنسرح] # لا تبك إلفا نأى ولا دارا ... ودر مع الدهر كيفما دارا # واتخذ الناس كلهم سكنا ... ومثل الأرض كلها دارا PageV02P349 # واصبر على خلق من تعاشره ... وداره فاللبيب من دارى # ولا تضع فرصة السرور فما ... تدري: أيوما تعيش أم دارا # واعلم بأن المنون جائلة ... وقد أدارت على الورى دارا # وأقسمت لا تزال قانصة ... ما كر عصر المحيا وما دارا # فكيف ترجى النجاة من شرك ... لم ينج منه كسرى ولا دارا # *** # أشاح: نحى معرضا، وأشاح في الأمر: صمم عليه. إلفا: صاحبا. نأى: بعد، يقول ~~له جوابا للومة: لا تبك صاحبا بعد عنك، ولا منزلا تغربت عنه، وتقلب مع ~~الدهر كما يتقلب مع أهله. ودر، من الدوران سكنا: أهلا وإلفا ms0729 تسكن إليه. ~~ومثل الأرض كلها دارا، أي بلدا، والدار البلد في قوله تعالى: فأصبحوا في ~~دارهم جاثمين [العنكبوت: # 37] تمتعوا في داركم [هود: 65] داره: لاينه وسايسه. اللبيب: العاقل دارى: # أحسن مخالطة الناس، وأصلها الخداع، تقول العرب: دريت الصيد أدريه دريا، ~~وداريته أداريه مداراة، والدرية بعير يقعد عنده الصائد، يستتر به فيجيء ~~الصيد فيأنس بالبعير، فيرميه من قرب. وكان الحسن يقول: المداراة تستحلب ~~مودة القلوب فتخدعهم في عقولهم. وفي الحديث: «أحب الناس تحببا إلى الله ~~أكثرهم تحببا إلى الناس» وفيه: «إذا أحب الله عبدا حببه إلى الناس». # وقال ابن عبد ربه: [الكامل] # وجه عليه من الحياء مهابة ... ومحبة تجري مع الأنفاس # وإذا أحب الله يوما عبده ... ألقى عليه محبة للناس # كتب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى سعد بن أبي وقاص: إن الله، إذا ~~أحب عبدا حببه إلى الناس، واعتبر منزلتك من الله بمنزلتك من الناس، واعلم ~~أن مالك من الله بمنزلة ما للناس عندك. # وقال بعضهم: أتيت الخليل فوجدته على طنفسة صغيرة، فوسع لي، فكرهت أن أضيق ~~عليه فتأخرت، فأخذ بعضدي، وقدمني إلى نفسه، وقال: لا يضيق سم الخياط ~~بمتحابين ولا تسع الأرض متباغضين، أخذه ابن عبد ربه فقال: [البسيط] # صل من هويت وإن أبدى مباغضة ... فأطيب العيش وصل بين إلفين # واقطع حبائل خدن لا تلائمه ... فقلما تسع الدنيا بغيضين # ولأبي محمد بن أبي الوليد المالقي: [البسيط] PageV02P350 # صير فؤادك للمحبوب منزلة ... سم الخياط مجال للمحبين # ولا تسامح بغيضا في معاشرة ... فقلما تسع الدنيا بغيضين # ولابن الزقاق [الطويل] # ألا ادن وإن ضاق الندى فإنه ... رحيب بود ضمنته الأضالع # يضيق الفضا عن صاحبين تباغضا ... وسم خياط بالحبيبين واسع # وقال التهامي: [المنسرح] # بين المحبين مجلس واسع ... والود حال يقرب الشاسع # والبيت إن ضاق عن ثمانية ... متسع بالوداد للتاسع # فرصة: نهزة وغنيمة. دارا: دهرا وقال السري: [البسيط] # قم فانتصف من صروف الدهر والنوب ... واجمع بكأسك بين اللهو والطرب # واخلع عذارك واشرب قهوة مزجت ... بقهوة الفلج المعسول والشنب # توج بكأسك قبل الحادثات يدي ... فالكأس ms0730 تاج يد المثري من الأدب # جائلة: دائرة ### || AUTO [كسرى] # كسرى، اسم ملك الفرس، وكسرى ملك الموت أنو شروان بن قباذ بن فيروز بن ~~يزدجرد بن بهرام، الملك العادل، ملك العرب والعجم، كان موصوفا بالعدل، ~~معروفا بحسن الرعاية والفضل، وشهرته في كتب الآداب مغنية في ذكره عن ~~الإطناب. قيل: كان مولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لاثنتين وأربعين سنة ~~مضت من ملكه، وملك تسعا وأربعين سنة. # وكسرى أبرويز بن هرمز أنو شروان، كان ملكا شديد البطش، نافذ الرأي، قد ~~بلغ من الظفر ومسالمة الدهر حدا لم يبلغه ملك من الملوك، كان ملكه ثماني ~~وثلاثين سنة. # وفي سنة ثلاثين من ملكه بعث نبينا صلى الله عليه وسلم. # وحدث خالد بن ربوة- وكان رأسا في المجوس، فأسلم- قال: كان كسرى إذا ركب ~~ركب معه رجلان، فيقولان له ساعتئذ: أنت عبد ولست برب، فيشير برأسه أن نعم، ~~فركب يوما، فقالا ذلك له فلم يشر برأسه، فشكواه إلى صاحب الشرطة، فركب ~~ليعاتبه. وكان كسرى قد نام فلما وقع صوت حوافر الدواب في أذنه استيقظ، فدخل ~~عليه صاحب الشرطة، فقال: أيقظتموني، إني رأيت كأنه رقي بي فوق سبع سماوات، ~~فوقفت بين يدي الله تعالى، وإذا رجل بين يديه، عليه إزار ورداء، فقال لي: ~~سلم مفاتيح خزائن الأرض إلى هذا، ألست المأمور بكذا فلم تفعل! وإني أردت أن ~~أقولها فاستردها منه فأيقظتموني. وصاحب الإزار والرداء هو نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم. PageV02P351 # وبعث له رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة بن قيس، وكتب ~~له: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله النبي إلى كسرى عظيم فارس، ~~سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أدعوك بدعاية الله عز وجل فإني رسول ~~الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فأسلم ~~تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك. # فلما قرأ الكتاب شقه، وقال: يكتب إلي بهذا ms0731 وهو عبدي! فبلغ الخبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: «مزقه مزق الله ملكه» أو قال: «اللهم مزقهم ~~كل ممزق» (¬1). # ثم كتب كسرى إلى باذان، وهو على اليمين: أن أبعث إلى هذا الرجل الذي ~~بالحجاز رجلين جلدين يأتياني به. فبعث باذان قهرمانه- وكان كاتبا حاسبا، ~~وهو بابومة، وبعث معه برجل من الفرس، وكتب معهما إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى، وقال لبابومة: ويلك! انظر من ~~الرجل، وكلمه، وائتني بخبره. فخرجا حتى قدما الطائف، فسألا عنه فقالوا: هو ~~بالمدينة، واستبشر أهل الطائف، وقالوا: نصب له كسرى، كفيتم الرجل، فخرجا ~~حتى قدم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه بابومة وقال: # إن شاهنشاه ملك الملوك كسرى كتب إلى باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه ~~بك، وقد بعثني إليك لتنطلق معي، فإن فعلت كتبت فيك إلى ملك الملوك بكتاب ~~ينفعك، ويكف عنك به، وإن أبيت فهو من قد علمت، وهو مهلكك ومهلك قومك، ومخرب بلادك. # فقال لهما: ارجعا حتى تأتياني غدا. # وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر أن الله تعالى قد سلط على كسرى ~~ابنه شيرويه، فقتله في ليلة كذا في شهر كذا، بعد ما مضى من الليل كذا سلط ~~الله عليه ابنه، فقتله. فقالا: هل تدري ما تقول؟ فإنا قد خفنا منك ما هو ~~أيسر من هذا، أفنكتب به عنك ونخبر الملك؟ # قال: نعم، أخبراه ذلك عني وقولا له: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك ~~كسرى، وقولا له: إن أسلمت أعطيتك الناس تحت يدك، وملكتك على قومك من ~~الأبناء. فخرجا من عنده حتى قدما على باذان، فأخبراه الخبر، فقال: والله ما ~~هذا بكلام ملك، وإني لأرى الرجل نبيا، فإن كان ما قال حقا، فهو نبي مرسل، ~~فإن لم يكن فسأرى فيه رأيا. # فلم يلبث أن قدم عليه كتاب شيرويه، وفيه: أما بعد، فإني قد قتلت كسرى ولم ~~أقتله إلا غضبا لفارس، مما كان استحل من قتل أشرافهم؛ فإذا جاءك ms0732 كتابي هذا ~~فخذ لي الطاعة ممن قبلك، وانظر إلى الرجل الذي كتب لك فيه، فلا تهجه حتى ~~يأتيك أمري فيه، فقال باذان: إن هذا الرجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأسلم وأسلمت الأبناء من فارس. PageV02P352 # وكسرى أنوشروان هو الذي بنى سور الأبواب وهو من عجائب الدنيا فلما بناه ~~هادته الملوك وكاتبته. وهو الذي افتتح كثيرا من بلاد الشأم الرومية، ونقل ~~منها الرخام إلى العراق. وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم ولد لاثنتين ~~وعشرين سنة من ملكه، وقيل: إنه ولد في آخر ملكه كما قدمنا. # ثم ولي من بعده ابنه هرمز، وكان مضعفا، غزته الملوك وطمعت فيه، ثم خلعته ~~الفرس، وسملت عينيه. # وعقد الملك لابنه أبرويز في حياته، فبعد حروب شديدة اجتمع لأبرويز أمره، ~~وكان وزيره بزرجمهر أكثر الفرس حكما ومواعظ. # وفي ملكه كانت وقعة ذي قار بين بكر بن وائل، والهرمز صاحب أبرويز، ~~لأربعين سنة لمولد النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل إنها كانت في غزوة بدر- ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصرت». # وكان على مربط أبرويز خمسون ألف دابة وألف فيل، فخرج في أحد أعياده، وقد ~~صفت له الجيوش وأحدقت به مائة ألف فارس دون الرجالة، وصفت له الفيلة، فلما ~~بصرت به سجدت له، فما رفعت رءوسها حتى رفعت خراطيمها بالمحاجن، فأعلم بذلك ~~وقال: وددت أنها فارسية، ولم تكن هندية، انظروا إلى أدبها من بين سائر ~~الدواب. ثم هدم الله تعالى هذا الملك العظيم بالإسلام، قال الألبيري: ~~[الكامل] # فطف البلاد لكي ترى آثار من ... قد كان يعمرها من الأقيال # عصفت بهم ريح الردى فذرتهم ... ذرو الرياح الهوج حقف رمال # فتقطعت أسبابهم وتمزقت ... ولطالما كانوا كنظم لآلي # قيل لأبرويز- وكان حكيما: ما شهوة ساعة؟ قال: الجماع، قيل: فما شهوة يوم؟ # قال: دخول الحمام، قيل: فما شهوة جمعة؟ قال: غسل الثياب، قيل: فما شهوة شهر؟ # قال: تجديد الثياب، قيل فما شهوة سنة؟ قال: تزوج الأبكار قيل: فما شهوة الأبد؟ # قال: أما في ms0733 الدنيا فمشاهدة الإخوان، وأما في الآخرة فنعيم الجنة. # ونظر إلى قذاة في طعام، فدعا الطباخ فقال: ما هذا؟ فقال: حاولته بالليل ~~في وقت لم يكن فيه ماء معين، فأمر بضرب عنقه، فغضب الطباخ؛ وقال: يا بن ~~الأشتوربان- تفسيره يا بن سائس الدواب- فعفا عنه، وقال: إنا معشر الملوك ~~نعاقب في الصغير، ونعفو عن الكبير. ### || AUTO [دارا بن بهمن] # وأما دارا بن بهمن، وهو آخر ملوك الفرس الأول، فإنه كان ضخم الملك، ذا ~~قدرة ومكانة، وهو الذي بنى بأرض الجزيرة مدينة دارابجرد، وكانت جنده ستمائة PageV02P353 # ألف، ولقبه الإسكندر بالجزيرة، فدارت بينهم الحروب أربعين يوما، وخندق ~~دارا على عسكره خمس خنادق، وجعل على كل خندق اثني عشر ألف رجل، وكانت ~~النوبة لا تصيب الرجل إلا يوما في كل خمسة أيام، فوجد الإسكندر من ذلك وجدا ~~شديدا، فبعث إلى دارا: إنا كدنا نتفانى، ورأيت رأيا فيه البقاء لنا ولك، ~~وذلك أن تفرج لي، فأخرق صفك خرقا إلى جانب بلادك وأرجع إلى بلادي، فإنا لا ~~نرى الفرار من الزحف، وهو عار لا يغسل. فأجابه دارا: لا سبيل إلى ذلك. فلما ~~رأى الإسكندر ذلك وضع البرنس، وحسر عن رأسه، وقال: يا معشر الروم، هذا هو ~~العجز والذل عن الانتصار، هل فيكم من يحتال لي في هذا الأمر، وله نصف مال ~~الروم والعجم، ونصف ما في بيوت الأموال؟ فقد أدركتني الحمية. فبلغ الخبر ~~إلى صاحب حرس دارا فقال: أنا أفعل ذلك وآخذ مالا عظيما. فلما التحم القتال ~~حمل على دارا فطعنه بحربة في ظهره، فوقع على الأرض وانهزم عسكر دارا. فجاء ~~الإسكندر ووضع رأس دارا في حجره، ومسح التراب عن وجهه، وقبله وبكى، وقال: ~~الحمد لله الذي لم يجعل قتلك على يدي، ولا على يد أحد من جندي؛ فسل ما بدا ~~لك أقضه، فقال له دارا: من حاجتي عندك ألا تخرب بيوت النيران، وأن تنصفني ~~من قاتلي قبل موتي، فإنه إن بقي عندك سيكفر معروفك، كما كفر معروفي. فقال ~~له الإسكندر: حاجتي عندك أن تزوجني بنتك روشنك، فقال ms0734 دارا: على أن تجعل ~~الملك من بعدك لولدك منها، فأجابه إلى ذلك وزوجه ابنته، وأخذ الإسكندر ~~قاتله وقطعه أربع قطع، واستولى على جميع مملكته. # وملك دارا أربع عشرة سنة، وقيل: ست سنين، وقسم الإسكندر غنائم عسكره في ~~ثلاثين يوما. وشاور الإسكندر معلمه أرسطاطاليس في أن يقتل من بقي من الفرس، ~~فقال له: لا تفعل، ولكن ول على كل جهة شريفا من أهلها فيتنافسون، فلا ~~يجمعهم ملك أبدا، ففعل فهم ملوك الطوائف، حتى انتزع اردشير منهم الملك، ~~وقال: إن كلمة فرقتنا خمسمائة سنة وتسع عشرة سنة- يعني كلمة أرسطاطاليس- ~~لكلمة بالغة. # وملوك الفرس الأول ستة عشر ملكا، وملوك الفرس الثواني اثنان وثلاثون، ~~منهم امرأتان. وملك بعد أردشير سابور، وهو من عظمائهم، ففتح الحصون ومدن ~~المدن، وبنى الإيوان وهو بالجانب الشرقي من المدائن، وهو من عجائب البنيان، ~~وعجائب الفرس كثيرة، وفي هذه النبذة غنية توافق ما شرطنا. # *** # قال: فلما اعتورتنا الكئوس، وطربت النفوس، جرعني اليمين الغموس، على أن ~~أحفظ عليه الناموس. فاتبعت مرامه، ورعيت ذمامه، ونزلته بين الملاء منزلة ~~الفضيل، وسدلت الذيل على مخازي الليل، ولم يزل ذلك دابه ودابي، إلى PageV02P354 # أن تهيأ إيابي. فودعته وهو مصر على التدليس، ومسر حسو الخندريس. # *** # قوله: اعتورتنا، أي قصدتنا ودارت علينا. # الغموس: الشديدة، وهي في الجاهلية التي تغمس صاحبها في العار، وفي ~~الإسلام تغمس صاحبها في الأوزار، والغمس ارتباط الشيء في ماء، أو صبغ حتى ~~اللقمة في الخل. # والغموس قيل إنها اليمين التي يقطع بها الرجل حق غيره فيحلف كاذبا. الليث ~~رحمه الله: هي اليمين التي لا استثناء فيها، وفي الحديث: «اليمين الغموس ~~تدع الديار بلاقع» (¬1)، أي قفرا فارغة من كل رزق. # والناموس: إظهار فعل الخير، وتنامس الرجل إذا ظهر بما لا يعتقد، وأصل ~~النمس الستر، وكل شيء سترت به شيئا فهو ناموس له، وناموس الرجل صاحب سره، ويقال: # لصاحب سر الخير ناموس ولصاحب سر الشر جاسوس. قال أبو عبيدة: هما بمعنى. # غيره: الناموس: صاحب سر الملك، وقد نمس ينمس نمسا، ونامسته منامسة. # مرامه: مطلبه ومراده. رعيت ms0735 ذمامه: حفظت حقه، وما بيني وبينه مما يجب أن يراعى. # الملأ: الجماعة. ### || AUTO [الفضيل بن عياض] # الفضيل: هو ابن عياض التميمي، كنيته أبو علي، وهو ممن شهر بالزهد والخير، ~~وهو من رجال رسالة القشيري، قال صاحبها أبو علي: خراساني من ناحية مرو، ولد ~~بسمرقند، ومات في الحرم سنة سبع وثمانين ومائتين. # وكان شاطرا يقطع الطريق، وسبب توبته أنه عشق جارية فبينما هو ذات يوم ~~يرتقي الجدار إليها، إذ سمع تاليا يتلو: ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع ~~قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق [الحديد: 16]، فقال: يا رب قد آن، فرجع ~~فأوى إلى خربة، فإذا فيها رفقة فقال بعضهم: نرتحل، وقال بعضهم: حتىنصبح، ~~فإن فضيلا في الطريق فيقطع علينا، فأمنهم وسار معهم حتى بلغوا، وجاور الحرم. # قال الفضيل: إذا أحب الله عبدا أكثر همه، وإذا أبغض عبدا وسع عليه دنياه. # وقال: الكامل المروءة من بر والديه، وأصلح ماله، وأنفق ماله وأنفق من ~~فضله، وأكرم إخوانه، وحسن خلقه، ولزم بيته. PageV02P355 # وقال: إذا رأيت الليل مقبلا فرحت، وقلت: أخلو بربي، وإذا أبصرت الصبح ~~استرجعت كراهة أن يجيء من يشغلني. # واطلع عليه بعض إخوانه من كوة ولحيته تقطر دموعا، فقال: يا هؤلاء، ليس ~~هذا زمن حديث إنما هو زمن: احفظ لسانك، وعالج قلبك، واخف مكانك، وخذ ما ~~تعرف، ودع ما تنكر. # وقال: لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت علي لا أحاسب بها لكنت أتقذرها كما ~~يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثيابه. # وقال: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس هو الشرك. # قال أبو علي سليمان الداراني: صحبت الفضيل ثلاثين سنة، ما رأيته ضاحكا ~~ولا متبسما إلا يوم مات ابنه علي، فقلت له في ذلك، فقال: إن الله تعالى إذا ~~أحب امرأ ابتلاه. # وقال: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق حماري. # وأخباره كثيرة، وهذه اللمعة دالة عليها. # قوله: سدلت، أي أرخيت. مخازي: قبائح، وما يخزى عليها فاعلها لو اطلع على ~~فعله. دأبه ودأبي: عادته وعادتي. إيابي: رجوعي. مصر: مقيم. التدليس: ms0736 تلبيس ~~الأمر وكتمان العيب. # ويشبه عذل ابن همام السروجي في شرب الخمر ثم مساعدته إياه بعد لومه وشربه ~~معه، قول ابن أبي ربيعة، وهو أحسن ما قيل في المساعدة: [الوافر] # وخل كنت عين النصح منه ... إذا نظرت ومستمعا سميعا (¬1) # أطاف بغية فنهيت عنها ... وقلت له: أرى أمرا شنيعا # أردت رشاده جهدي فلما ... أبى وعصى أتيناها جميعا # وقال أعرابي: [الطويل] # وكنت إذا علقت حبال قوم ... صحبتهم وشيمتي الوفاء # فأحسن حين يحسن محسنوهم ... وأجتنب الإساءة إن أساءوا # أشاء سوى مشيئتهم فآتي ... مشيئتهم وأترك ما أشاء PageV02P356 ### | AUTO المقامة التاسعة والعشرون وهي الواسطية # حكى الحارث بن همام قال: ألجأني حكم دهر قاسط، إلى أن أنتجع أرض واسط، ~~فقصدتها وأنا لا أعرف بها سكنا، ولا أملك فيها مسكنا. ولما حللتها حلول ~~الحوت بالبيداء، والشعرة البيضاء في اللمة السوداء، قادني الحظ الناقص، ~~والجد الناكص، إلى خان ينزله شذاذ الآفاق، وأخلاط الرفاق، وهو لنظافة ~~مكانه، وظرافة سكانه، يرغب الغريب في إيطانه، وينسيه هوى أوطانه فاستفردت ~~منه بحجرة، ولم أنافس في أجرة، فما كانإلا كلمح طرف، أو خط حرف؛ حتى سمعت ~~جاري بيت بيت، يقول لنزيله في البيت: # *** # ألجأني: اضطرني. قاسط: جائر. أنتجع: أقصد لطلب الرزق. ### || AUTO [واسط] # واسط: بلد معروف بناه الحجاج وسط المسافة التي بين البصرة والكوفة، منها ~~إلى كل واحدة منهما خمسون فرسخا، وسكنه، ومات فيه. # قال اليعقوبي: واسط مدينتان على حافتي دجلة، فالمدينة القديمة التي هي: ~~منازل الدهاقين هي الشرقية من دجلة، وهي مدينة كسكر وابتنى الحجاج مدينة في ~~الجانب الغربي، وجعل بينهما جسرا من السفن، وبنى بها قصره والقبة الخضراء ~~التي يقال لها خضراء واسط والمسجد الجامع، وعليها سور، ونزلتها الولاة بعد ~~الحجاج. وهي بين البصرة والكوفة والأهواز متوسطة، فسميت واسط بذلك. # قال الطبري خرج الحجاج يرتاد منزلا لأهل الشام، فأمعن حتى نزل أطراف ~~كسكر، فبينما هو كذلك؛ إذ هو براهب قد أقبل على أتان له، فعبر دجلة، فلما ~~كان بموضع واسط، تفاجت الأتان فبالت، فنزل الراهب فاحتفر ذلك البول وحمله ~~حتى رمى ms0737 به دجلة، وذلك بعين الحجاج، فقال: علي به، فلما أتاه قال: ما حملك ~~على ما صنعت؟ # فقال: إنا نجد في كتبنا أنه يبنى في هذا الموضع مسجد يعبد الله فيه ما ~~دام أحد في PageV02P357 # الأرض يوحده، فاختط الحجاج مدينة واسط، وبنى المسجد في ذلك الموضع، وذلك ~~سنة ثلاث وثمانين. # *** # قوله. سكنا، أي صاحبا يسكن إليه ويؤنس به، والمسكن: المنزل الذي يسكن ~~فيه. البيداء: الصحراء، أراد أنه غريب ليس له صاحب ولا منزل كالحوت في ~~الصحراء. # واللمة: الجمة من الشعر تلم بالمنكب. قادني: ساقني. الحظ: النصيب. والجد: # السعد. الناكص: الراجع إلى خلفه، يريد أن سعده يمشي إلى جهة خلف، ونكص ~~ينكص: رجع القهقرى. خان: فندق. والشذاذ: الغرباء الذين شذوا عن أوطانهم، أي ~~فروا منها وبعدوا، والشذاذ التفرق، وكلمة شاذة: مفترقة من جنسها، وشذ ~~الرجل: انفرد عن أصحابه. والآفاق: النواحي. أخلاط الرفاق: من لا يتخصص منهم ~~ولا يتعين. # إبطانه: سكناه. هوى أوطانه: حب بلاده. استفردت: سكنتها منفردا. والحجرة: ~~البيت، أنافس: أغال، من قولهم: نفست عليه بالشيء، إذا ضننت به، ولم تحب أن ~~يصير إليه. # لمح الطرف: نظر العين. بيت بيت، أي بيته ملاصق بيتي، وهما اسمان جعلا ~~كاسم واحد، وبنيا على الفتح. نزيله: النازل معه. # *** # قم يا بني، لا قعد جدك، ولا قام ضدك، واستصحب ذا الوجه البدري، واللون ~~الدري، والأصل النقي، والجسم الشقي، الذي قبض ونشر، وسجن وشهر، وسقي وفطم، ~~وأدخل النار بعد ما لطم ثم اركض إلى السوق، ركض المشوق، فقايض به اللاقح ~~الملقح، المفسد المصلح، المكمد المفرح، المعنى المروح، ذا الزفير المحرق، ~~والجنين المشرق، واللفظ المقنع، والنبل الممتع، الذي إذا طرق، رعد وبرق، ~~وباح بالحرق، ونفث في الخرق. # *** # جدك: سعدك. ضدك: عدوك المخالف لك. البدري: الأبيض المستدير كالبدر، يريد ~~الرغيف، شبهه بالبدر في بياضه واستدارته. وقال ابن الرومي: مررت بخباز يبسط ~~الرقاق كأسرع من رجوع الطرف، ما بين أن ترى العجين في يده كالكرة حتى يندحي ~~فيصير كالقمر، إلا مقدار لحظة، فشبهت سرعة انبساطها، بسرعة الدائرة في ~~الماء يقذف ms0738 فيه بالحجر فقلت: [البسيط] # ما أنس لا أنس خبازا مررت به ... يدحو الرقاق كوشك اللمح بالبصر # ما بين رؤيتها في كفه كرة ... وبين رؤيتها قوراء كالقمر PageV02P358 # إلا بمقدار ما تنداح دائرة ... في صفحة الماء يرمى فيه بالحجر # *** ### || AUTO [الغلمان وما قيل فيهم شعرا] # ويتعلق بهذا ما قيل من الشعر فيمن ليس له نباهة من الغلمان: كان ابن وضاح ~~جالسا مع جملة من الأدباء، فمر بهم غلام نظيف يبيع الخبز، فلم يتجه لأحد ~~فيه شيء إلا ابن وضاح، فإنه قال: [المجتث] # خابز الخبز ظريف ... عذبت فيه الحتوف # خامل الأنساب لكن ... هو في الحسن شريف # خصره أهيف شخت ... وكذا الغزلان هيف # من يخاصم مقلتيه ... حكمت فيه السيوف # ونظر إدريس بن اليماني إلى غلام وسيم بالحمام عليه أسمال، فقال: [الطويل] # توشح بالظلماء وهو صباح ... وأمرض بالأجفان وهي صحاح # وظل فؤادي طائرا عن جوانحي ... وليس له إلا الغرام جناح # قضيب صباح في وشاح دجنة ... ألا ليتني تحت الوشاح وشاح # ولا عجب أن أفسدتني جفونه ... فكل فساد في هواه صلاح # وقال الرصافي: [الطويل] # يقولون لي يوما وقد مر ضاربا ... بمعوله ضرب المرجم بالغيب # تعلم صفارا فقلت: استعارها ... غداة رنا من صبغة العاشق الصب # يعود النحاس الأحمر التبر عسجدا ... بكفيه عند السبك والمد والضرب # فحمرته مشتقة من حيائه ... وصفرته مما يخاف من العتب # قوله الدري: الأبيض الذي يشبه الدر في لونه، ويقال: كوكب دري منسوب إلى ~~الدر، مشبها به لصفائه وحسنه، بضم الدال وتشديد الياء، ودري بالضم والهمز، ~~ودريء بكسر الدال مع الياء ومع الهمزة، ودريء بالفتح والهمز، فمن كسر وهمز ~~فهو فعيل، من درأ الكوكب، إذا جرى في أفق السماء، ومن كسر بلا همز فلأجل ~~الياء بعد الراء، ومن ضم وهمز فخطأه الفراء، قال: فعيل ليس في أبنية العرب، ~~وأثبته سيبويه. قال أبو عبيدة: أصله دروى مثيل سبوح، فجعلوا الواو ياء، ~~وجعلوا الضمة قبلها كسرة، ومثله عتو وعتي. # قوله: الأصل النقي، يعني القمح الذي صنع منه كان نقيا من الزبل وغيره. ~~وشقاء جسمه، قد فسر ms0739 في التاسعة عشر، وهو الآن يبين بعض شقائه، فقبض ونشر. ~~وقت العجن، PageV02P359 # أو وقت الخبز، لأنه يقطع قبضة ثم يبسط للخبز. سجن: خزن قمحه في المخازن. وشهر: # أبرز منها للسوق وشهر على الناس، أو يكون سجنه الفرن، وشهرته البيع في ~~السوق، أو عند ما يطاف به على الأسواق: وقال المعري يلغز في القمح: ~~[الطويل] # وسمراء في بيض الحسان شريتها ... بصفر من العين الشبيهة بالشمس # وقد غيبت في الخدر عصرا مصونة ... محجبة عن أعين الجن والإنس # فلما بدت عنه بدت سيمة النوى ... عليها ولم تجزع لحادثة الأمس # فأهلا بأنثى لم ترد يد لامس ... بسوء ولا أبدت نفارا من اللمس # سقي: جعل الماء عليه للعجين. فطم: قطع عنه الماء. لطم: سوي بالكف، ~~وعامتنا تشدد الطاء. اركض: اسرع. المشوق: الكثير الشوق، وشاقك الشيء يشوقك، ~~إذا هاجك. قائض: عاوض، وقايضت الرجل فعلت معه ما يفعل معك. اللاقح في ~~الأصل: الناقة يعلوها الفحل، فتحمل منه ولقحت: حملت، والملقح: الفحل يعلوها ~~عند السفاد، وقد بين أنه يريد حجر الزند، جعل لاقحا لأنه حامل بالنار، ~~وملقحا لأن به تخرج النار من الزند، فكأنه ألقحه بالنار، أي جعلها فيه. ~~والزند أيضا لاقح ملقح، لأن النار لا توجد في واحد منهما على انفراده، ~~والنار تصلح في موضع وتفسد في آخر؛ فلذلك وصفه بهما. والمعنى: المتعب ~~بإحراقه. المروح: المدخل الراحة بإصلاحه، وإن جعله للزند، فمعناه إذا شح، ~~ومروح إذا أورى، ونحوه. المكمد، أيالمحزن. # المفرح: ضده. والزفير. التنفس، وزفرة الحجر هي النار، وهي تحرق كل ما ~~تعلقت به، وهو الجنين، أي المستور في الحجر، فإذا ظهر أشرق وأضاء. واللفظ: ~~صوت الحجر في الزند، فإذا أبدى النار أقنعك واكتفيت به. وهو نيله، أي ~~عطاؤه. والممتع: الكثير وقليل النار كثير، وقد قال الأعرابي: إن السقط يحرق ~~الدوحة، أراد ما يسقط من الزند من النار الضعيفة يحرق الشجر الكثير الملتف. ~~طرق: ضرب. رعد: صوت. برق: # لمعت ناره. باح: أظهر ما يسر فيه. الحرق: التهاب القلب بالهم، فكنى به ~~عما في الحجر من النار. نفث: ms0740 بزق. الخرق: التي تسقط فيها نار الزند؛ وهذه ~~ألفاظ كلها متقاربة، بعضها يفسر بعضا، لأنها من مليح الكلام. # *** # قال: فلما قرت شقشقة الهادر، ولم يبق إلا صدر الصادر، برز فتى يميس، وما ~~معه أنيس، فرأيتها عضلة تلعب بالعقول، وتغري بالدخول في الفضول، فانطلقت في ~~أثر الغلام، لأخبر فحوى الكلام، فلم يزل يسعى سعي العفاريت، ويتفقد نضائد ~~الحوانيت، حتى انتهى عند الرواح، إلى حجارة القداح. فناول بائعها رغيفا، ~~وتناول منه حجرا لطيفا. فعجبت من فطانة المرسل والمرسل، وعلمت أنها PageV02P360 # سروجية وإن لم أسأل، وما كذبت أن بادرت إلى الخان؛ منطلق العنان؛ لأنظر ~~كنه فهمي، وهل قرطس في التكهن سهمي؛ فإذا أنا في الفراسة قارس، وأبو زيد ~~بوصيد الخان جالس. فتهادينا بشرى الالتقاء، وتقارضنا تحية الأصدقاء. # *** # قرت: سكنت. الهادر: الفحل. وشقشقته: ما يخرج من لهاته. وتقدمت في الأولى، ~~ويزعمون أنها لا توجد عند نحر الفحل، وكذلك بيضه لا يوجد، قال: وأنشد بشر ~~بن المعتمر: [السريع] # خصيته تطل من حظمه ... عند حدوث الذبح والنحر # ما إن يرى الراءون من بعدها ... شقشقة مائلة الهدر # وأراد به: سكت المتكلم. صدر الصادر: خروج الخارج من الماء بعد شربه. برز: # خرج. يميس: يتبختر ويتثنى. عضلة: داهية وأمر صعب. تغري: تحرض وتلصق. # فحوى: معنى. يسعي: يجري. العفاريت: شر الشياطين وأدهاها. نضائد: ما جعل ~~شيئا على شيء. الرواح: العشي. القداح: حجر الزند تقدح النار منه. ناول: ~~أعطى. لطيفا: # دقيقا. فطانة: ذكاء. وما كذبت، أي ما خيبت. منطلق العنان: مسيب حيث شاء. كنه: # حقيقة. قرطس: أصاب الغرض مرة بعد أخرى، والقرطاس يجعل غرضا، فإذا توالى ~~ضربه قيل: قرطس. والتكهن: الحديث بما يكون. والفراسة: النظر بالظن. وصيد ~~الخان: فناء الفندق، وقيل بابه، من أوصدت الباب، أغلقته، وقيل: عتبة بابه. ~~تهادينا: # أهديته وأهداني. البشرى: السرور، أي فرح كل واحد منا بصاحبه. فتهادينا ~~البشرى: # تقارضنا: اندفعنا بالسلام، يريد حالة الصديقين إذا التقيا بعد سفر، ~~فيبالغ كل واحد منهما في سلام صاحبه ويتابعه. والتحية: السلام، ومنه ~~التحيات لله، ومنه قوله تعالى: وإذا حييتم بتحية ms0741 فحيوا بأحسن منها [النساء: ~~86]، أي سلم عليكم. وقيل: التحية: # الملك، وكان الملك يحيا بأنعم صباحا، وأبيت اللعن، وقيل: معناه البقاء ~~لله، وقال زهير بن جناب: [الكامل] # من كل ما نال الفتي قد نلته ... إلا التحية من إله قادر # أي البقاء. # ثم قال: ما الذي نابك، حتى زايلت جنابك؟ فقلت: دهر هاض، وجور فاض. فقال: ~~والذي أنزل المطر من الغمام، وأخرج الثمر من الأكمام؛ لقد فسد الزمان، وعم ~~العدوان، وعدم المعوان، والله المستعان؛ فكيف أفلت، وعلى أي وصفيك أجفلت! ~~فقلت: اتخذت الليل قميصا، وأدلجت فيه خميصا. فأطرق PageV02P361 # ينكت في الأرض، ويفكر في ارتياد القرض والفرض. ثم اهتز هزة من أكثبه قنص، ~~أو بدت له فرص، وقال: قد علق بقلبي أن تصاهر من يأسوجراحك، ويريش جناحك، ~~فقلت: وكيف أجمع بين غل وقل، ومن الذي يرغب في ضل ابن ضل! فقال: أنا المشير ~~بك وإليك، والوكيل لك وعليك، مع أن دين القوم جبر الكسير، وفك الأسير، ~~واحترام العشير، واستنصاح المشير؛ إلا أنهم لو خطب إليهم إبراهيم بن أدهم، ~~أو جبلة بن الأيهم؛ لما زوجوه إلا على خمسمائة درهم، اقتداء بما مهر الرسول ~~صلى الله عليه وسلم زوجاته، وعقد به أنكحة بناته؛ على أنك لن تطالب بصداق، ~~ولا تلجأ إلى طلاق. ثم إني سأخطب في موقف عقدك، ومجمع حشدك، خطبة لم تفتق ~~رتق سمع، ولا خطب بمثلها في جمع. # *** # نابك: نزل بك. جنابك: بلدك وناحيتك، والجناب: فناء الدار. هاض: كسر. # فاض: كثر. الغمام: السحاب. والثمر: الثمار. وأكمامها: ما يكون فيها ~~ثمرها، وكل ما وارى شيئا فهو كمام له وكم. عم: شمل. العدوان: الفساد. ~~المعوان: ما يستعان به. # وقال الشاعر: [الكامل] # لله در أبيك أي زمان ... أصبحت فيه وأي أهل زمان # كل يدانيك المحبة جاهلا ... يعطي ويأخذ منك بالميزان # فإذا رأى رجحان حبة خردل ... مالت مودته مع الرجحان # وقال ابن لنكك: [المنسرح] # نحن مع الدهر في أعاجيب ... فنسأل الله صبر أيوب # أقفرت الأرض من محاسنها ... فابك عليها بكاء يعقوب # وصفيك: حاليك من الخير والشر، وهي ms0742 حالة السفر. أجفلت: هربت مسرعا، ~~والإجفال: الهروب، ثم قال: مشيت في ظلام الليل، فصار لي كالقميص. ادلجت: # مشيت في السحر. خميصا: جائعا. أطرق: أمال رأسه ساكنا. ينكت: يخط في الأرض. # ارتياد: طلب. الفرض من العطية؛ ما فرضت على نفسك عطاءه، على ألا تجازى عليه. # والقرض: ما أعطي من غير فرض. # قال الحريري: القرض بالقاف: ما يستعاد عوضه، والفرض بالفاء: ما لا عوض ~~فيه، وأنشد في الدرة لأبي عبد الله النمري يرثي أبا عبد الله الأزدي: ~~[الوافر] # مضى الأزدي والنمري يمضي ... وبعض الشكل مقرون ببعض PageV02P362 # أخي والمجتني ثمرات ودي ... وإن لم يجزني قرضي وبرضي # وكانت بيننا أبدا هنات ... توفر عرضه فيها وعرضي # وما هانت رجال الأزد بعدي ... وإن لم تدن أرضهم من ارضي # الهنات: كناية عن المنكرات، فأراد أنه أمال رأسه إلى الأرض مفكرا، وجعل ~~يخط فيها بيده أو بعود، وهو فعل المهموم الكثير الفكر، كما قال امرؤ القيس: ~~[الطويل] # ظللت ردائي فوق رأسي قاعدا ... أعد الحصى ما تنقضي عبراتي (¬1) # فلم يرد أنه يعدها ليعلم كم فيها، وحاله من البكاء والحيرة تنفي الثبات ~~على العدد، وإنما أراد أنه كان يعبث فيها بيده اشتغالا، وفي قلبه من الهم ~~ما غلب على الصبر، وقد بالغ ذو الرمة في بيان هذا المعنى بقوله: [الطويل] # عشية ما لي همة غير أنني ... بلقط الحصى والخط في الدار مولع (¬2) # أخط وأمحو تارة وأعيده ... بكفي والغربان في الدار وقع # وقال ابن جعيل في ذلك: [الكامل] # لا ينكتون الأرض عند سؤالهم ... لتطلب العلات بالعيدان # بل يبسطون وجوههم فترى لهم ... عند السؤال كأحسن الألوان # وقال الشريف الرضي فأحسن: [الكامل] # تفري أنامله التراب تعللا ... وأناملي في سني المقروع (¬3) # قوله: أكثبه، أي دنا منه. قنص: صيد. فرص: جمع فرصة، وهي كالغنيمة. # يأسو: يطب. يريش: يجعل عليه الريش. الغل: الزوجة هنا. # وقالت عائشة رضي الله عنها: إنما النساء أغلال فلينظر أحدكم غلا يجعل في عنقه. # وتقول العرب للمرأة السيئة الخلق: غل قمل. # وعوتب الكسائي في ترك التزوج فقال: وجدت معاناة العفة أيسر من ms0743 معاناة ~~العيال. # القل: القلة وضل ابن ضل: مجهول لا يعرف، وفلان ضل إذا كان مجهولا متمكنا ~~في الضلال. المشير بك وإليك، يقال: أشار به إذا رفعه وأشار النار وأشار بها ~~وتشورها، أي رفعها، فمعنى أنا المشير بك، أي أرفع قدرك، وأعظم منزلتك، أي ~~أثني عليك بخير PageV02P363 # في غيبتك عند إصهارك، والمشير إليك إذا حضرت، أشرت إليك أن تتزوج فيهم ~~إذا رأيتهم أكفاءك. # والوكيل لك عليهم حتى يزوجوك، والوكيل عليك، لتمتثل ما آمرك به من الزواج ~~فيهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. قيل فيه: الكافي هو، قال الفراء: يكون ~~المعنى: كافينا الله ونعم الكافي، كقولك: رازقنا الله ونعم الرازق. ابن ~~الأنباري وهو أحسن في اللفظ من قولك: كافينا الله ونعم الوكيل. دينهم: ~~عاداتهم. جبر: إصلاح. فك: حل. احترام: # إعزاز وتقريب، وهو افتعال من الحرمة، أي يجعلونه في حرمتهم، العشير: ~~الصاحب. # استنصاح المشير، أي من أشار عليهم بشيء رأوه ناصحا. ### || AUTO [إبراهيم بن أدهم] # إبراهيم بن أدهم، هو من شيوخ الصوفية، وهو من رجال رسالة القشيري، قال ~~صاحبها: فمنهم أبو إسحاق إبراهيم بن أدهم بن منصور بن إسحاق البلخي من كورة ~~بلخ، من أبناء الملوك. # وحدث إبراهيم بن بشار، قال: صحبت إبراهيم بن أدهم بن منصور بن إسحاق ~~البلخي بالشام، فقالت له: يا أبا إسحاق، خبرني عن بدء أمرك كيف كان؟ فقال: ~~كان أبي من ملوك خراسان، وكنت شابا، فركبت يوما على دابة ومعي كلب، وخرجت ~~إلى الصيد فأثرت ثعلبا، فبينا أنا في طلبه، إذ هتف بي هاتف: ألهذا خلقت أم ~~بهذا أمرت؟ # ففزعت ووقفت، ثم عدت فركضت الثانية، ففعل مثل ذلك ثلاث مرات، ثم هتف بي ~~من قربوس السرج: لا والله ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت. قال: فنزلت وصادفت ~~راعيا لأبي، فأخذت منه جبة من صوف، فلبستها وأعطيته الفرس، وما كان معي. ثم ~~دخلت البادية متوجها إلى مكة، فبينا أنا يوما في مسيري إذا برجل يسير، وليس ~~معه إناء ولا زاد، فلما أمسى وصلى المغرب حرك شفتيه بكلام لا أفهمه، وإذا ms0744 ~~أنا بإناء فيه طعام وإناء فيه شراب، فأكلت وشربت، وكنت على ذلك معه أياما، ~~وعلمني اسم الله الأعظم، ثم غاب عني، وبقيت وحدي أنا ذات يوم مستوحش من ~~الوحدة، دعوت الله فإذا أنا بشخص آخذ بحجزتي، فقال لي: سل تعط، فراعني ~~صوته، فقال: لا روعة عليك ولا بأس، أنا أخوك الخضر إن أخي داود علمكاسم ~~الله الأعظم فلا تدع على أحد بينك وبينه شحناء فتهلكه، ولكن ادع الله به أن ~~يقوي ضعفك، ويؤنس وحشتك، وتجدد به في كل يوم نيتك ورغبتك، ثم تركني وانصرف. # وصحبه سفيان الثوري والفضيل بن عياض ودخل الشأم ومات بها. وكان يأكل من ~~عمل يده، مثل الحصاد وحفظ البساتين. # وكان كبير الشأن في الورع، وقال: أطب مطعمك ولا عليك، ألا تقوم بالليل ~~ولا تصوم بالنهار. PageV02P364 # وكان عامة دعائه: اللهم انقلني من ذل معصيتك إلى عز طاعتك. # وقال لرجل في الطواف: اعلم أنك لا تنال درجة الصالحين حتى تجوز ست عقبات، ~~وهي أن تغلق باب النعمة وتفتح باب الشدة، وتغلق باب العز وتفتح باب الذل، ~~وتغلق باب الراحة وتفتح باب الجهد، وتغلق باب النوم وتفتح باب السهر، وتغلق ~~باب الغنى وتفتح باب الفقر، وتغلق باب الأمن وتفتح باب الاستعداد للموت. # وقال محمد بن المبارك الصوري: كنت مع إبراهيم بن أدهم في طريق بيت ~~المقدس، فنزلنا وقت القيلولة تحت شجرة رمان، فصلينا ركعات، فسمعت صوتا من ~~أصل الرمان: يا أبا إسحاق، أكرمنا بأن تأكل منا شيئا، فطأطأ رأسه فقال ذلك ~~ثلاث مرات، ثم قال: يا محمد، كن شفيعا إليه ليتناول منا شيئا، فقلت: يا أبا ~~إسحاق، لقد سمعت، فقام وأخذ رمانتين، فأكل واحدة وناولني الأخرى، فأكلتها ~~وهي حامضة، وكانت قصيرة، فلما رجعنا مررنا بها وهي شجرة عالية ورمانها حلو، ~~وهي تثمر في كل عام مرتين، وسموها رمانة العابدين. # وركب إبراهيم في مركب، فهاجت ريح شديدة، فلف إبراهيم رأسه بعباءة وطرح ~~نفسه مع الناس، فسمعوا صوتا من البحر يقول: لا تخافوا ففيكم إبراهيم بن ~~أدهم، وصاح الناس في المركب: ms0745 أين إبراهيم بن أدهم؟ ثم سكنت الريح، فخرج وما عرفوه. # قال له رجل: من أين كسبك؟ فقال: [الطويل] # نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى، ولا ما نرقع # وأخباره في كتب التصوف كثيرة تطول ### || AUTO [جبلة بن الأيهم] # وأما جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث الأوسط بن ثعلبة بن الحارث الأكبر ~~بن عمرو بن جفنة، وفي نسبه اختلاف. # وهو آخر ملوك غسان، وكان طوله اثني عشر شبرا، فإذا ركب مسح الأرض بقدميه. # ولما أراد أن يسلم كتب إلى عمر ليستأذنه في القدوم عليه، فسر بذلك وكتب إليه: # أن أقدم، فلك ما لنا وعليك ما علينا، فخرج في مائة فارس من عك وجفنة، ~~فلما دنا إلى المدينة ألبسهم ثياب الوشي المنسوجة بالذهب الأحمر والحرير ~~الأصفر، وجلل الخيل بجلال الديباج، وطوقها أطواق الذهب والفضة، ولبس تاجه ~~وفيه قرطا مارية، فلم يبق في المدينة إلا من خرج إليه، وفرح المسلمون ~~بقدومه وإسلامه. # ثم حضر الموسم مع عمر، فبينما هو يطوف بالبيت إذ وطئ على إزاره رجل من ~~فزارة فحله، فالتفت إليه جبلة مغضبا، فلطمه فهشم أنفه، فاستعدى عليه ~~الفزاري عمر، PageV02P365 # فقال: ما دعاك إلى أن لطمت أخاك؟ فقال: إنه وطئ إزاري، ولولا حرمة هذا ~~البيت لأخذت الذي فيه عيناه، فقال له عمر: أما أنت فقد أقررت، فإما أن ~~ترضيه وإما أن أقيده منك، قال: أتقيده مني، وهو رجل سوقة! قال: قد شملك ~~وإياه الإسلام، فما تفضله إلا بالعافية، قال: قد رجوت أن أكون في الإسلام ~~أعز مني في الجاهلية، فقال: هو ذاك، قال: إذا أتنصر. قال: إن تنصرت ضربت ~~عنقك. واجتمع وفد فزارة ووفد جبلة، وكادت تكون فتنة، فقال جبلة: أنظرني إلى ~~غد يا أمير المؤمنين. قال: ذلك إليك. # فلما كان في جنح الليل خرج في أصحابه إلى القسطنطينية فتنصر، وأعظم هرقل ~~قدومه وسر به وأقطع له الأموال والرباع، فلما بعث عمر رضيالله عنه رسوله ~~إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام فأجابه إلى المصالحة، ثم قال للرسول: أرأيت ابن ~~عمك الذي أتانا راغبا ms0746 في ديننا؟ يعني جبلة، قال: لا. قال: القه ثم ائتني ~~وخذ الجواب. فذهب فوجد على باب جبلة من الجمع والحجاب والبهجة مثل ما على ~~باب قيصر. # قال: فتلطفت في الأذن حتى دخلت عليه: فرأيت رجلا أصهب اللحية فأنكرته، ~~فإذا هو قد دعا بسحالة الذهب فذرها على لحيته، حتى عاد أصهب، وهو قاعد على ~~سرير من قوارير. فلما عرفني رفعني معه على السرير، وجعل يسائلني عن ~~المسلمين، فقلت: قد أضعفوا أضعافا على ما تعرف، وسأل عن عمر رضي الله عنه، ~~فقلت: بخير حال، فاغتم بسلامة عمر، فانحدرت عن السرير فقال: لم تأبى ~~الكرامة؟ فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا، قال: نعم صلى ~~الله عليه وسلم، ولكن نق قلبك من الدنس ولا تبال علام قعدت، فطمعت فيه عند ~~صلاته على النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ويحك يا جبلة ألا تسلم! وقد ~~عرفت الإسلام وفضله؟ قال: أبعد ما كان مني! قلت: نعم، قد فعل رجل من فزارة ~~أكثر مما فعلت، ارتد وضرب أوجه المسلمين بالسيف ثم أسلم، وقبل منه وخلفته ~~بالمدينة مسلما. # قال: زدني من هذا، إن كنت تضمن لي أن يزوجني عمر ابنته ويوليني الأمر من ~~بعده، رجعت إلى الإسلام. فضمنت له التزويج، ولم أضمن الخلافة. فأومأ إلى ~~وصيف بين يديه، فذهب مسرعا فإذا موائد الذهب قد نصبت بصحائف الفضة، فقال ~~لي: كل، فقبضت يدي، وقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الأكل في ~~آنية الذهب والفضة، فقال: نعم صلى الله عليه وسلم، ولكن نق قلبك، وكل فيما ~~أحببت. فأكل في الذهب والفضة، وأكلت في الخلنج. ثم جيء بطشت من الذهب، فغسل ~~يديه فيها، وغسلت في الصفر. ثم أومأ إلى خادم عن يمينه، فذهب مسرعا، فسمعت ~~حسا، فإذا خدم معهم كراسي مرصعة بالجواهر، فوضع عشرة عن يمينه وعشرة عن ~~يساره. وإذا عشر جوار في الشعور، عليهن ثياب الوشي، مكسرات في الحلي، فقعدن ~~عن يمينه، وقعد مثلهن عن يساره، وإذا بجارية قد خرجت كالشمس ms0747 حسنا، وعلى ~~رأسها تاج عليه PageV02P366 # طائر، وفي يدها اليمنى جام، وفيه مسك وعنبر فتيت، وفي يدها اليسرى جام ~~فيه الورد، فصفرت للطائر، فوقع في جام ماء الورد، فاضطرب فيه، ثم وقع في ~~جام المسك، فتمرغ فيه، ثم طار فوقع على صليب في تاج جبلة، فرفرف حتى نفض ~~إما في ريشه عليه، وضحك جبلة من شدة السرور ثم قال للجواري اللاتي عن ~~يمينه: بالله أضحكننا فاندفعن يغنين، تخفق عيدانهن يقلن: [الكامل] # لله در عصابة نادمتهم ... يوما يحلق في الزمان الأول (¬1) # يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل # أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل # يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل # بيض الوجوه نقية أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول # فضحك ثم قال: أتدري من قائل هذا؟ قلت: لا، قال: حسان بن ثابت شاعر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # ثم قال للاتي عن يساره: بالله أبكيننا، فاندفعن بعيدانهن يغنين: [الخفيف] # لمن الدار أقفرت بعمان ... بين أعلى اليرموك والصمان (¬2) # ذاك مغنى لآل جفنة في الده ... ر وحق تعاقب الأزمان # قد أراني هناك دهرا مكينا ... عند ذي التاج مجلسي ومكاني # ثكلت أمهم وقد ثكلتهم ... يوم حلوا بحارث الجولان PageV02P367 # ودنا الفصح فالولائد ينظم ... ن سراعا أكلة المرجان # فبكى حتى سالت الدموع على لحيته، ثم قال لي: وهذا لحسان أيضا، ثم أنشأ ~~يقول: [الطويل] # تنصرت الأشراف من أجل لطمة ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر # تكنفني فيها لجاج ونخوة ... وبعت بها العين الصحيحة بالعور # فيا ليت أمي لم تلدني وليتني ... رجعت إلى الأمر الذي قال لي عمر # ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة ... وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر # ويا ليت لي بالشأم أدنى معيشة ... أجالس قومي ذاهب السمع والبصر # ثم سألني عن حسان، أحي هو؟ قلت: نعم. ثم أمر بمال وكسوة ونوق موقورة برا، ~~وقال: أقرئه سلامي، وادفع له هذا إن وجدته حيا، وإن وجدته ميتا، فادفعه إلى ~~أهله، وانحر الجمال على قبره. # قال: فلما ms0748 قدمت على عمر أخبرته الخبر، فقال: هلا ضمنت له الأمر، فإذا ~~أسلم قضى الله علينا بحكمه! ثم بعثت إلى حسان، فأقبل وقد كف بصره، فلما دخل ~~قال: يا أمير المؤمنين إني وجدت ريح آل جفنة، قال: نعم، هذا رجل أقبل من ~~عنده قال: هات يا بن أخي ما بعث به إلي معك؟ قلت: وما علمك؟ قال: إنه كريم ~~من عصبة رجال كرام مدحتهم في الجاهلية، فحلف ألا يلقى أحدا يعرفني إلا أهدى ~~إلي معه شيئا. فدفعته إليه وأخبرته بأمره في الإبل، فقال: وددت أني كنت ~~ميتا فنحرت على قبري، ثم أخذها وانصرف وهو يقول: [الكامل] # إن ابن جفنة من بقية معشر ... لم يغذهم آباؤهم باللوم # لم ينسني بالشام إذ هو ربها ... كلا ولا متنصرا بالروم # يعطي الجزيل، ولا يراه عنده ... إلا كبعض عطية المذموم # وأتيته يوما فقرب مجلسي ... وسقي ورواني من الخرطوم # وذكر أن رسول عمر لما أرسله إلى قيصر، قال: وأمرني أن أضمن لجبلة ما شرط، ~~فلما قدمت القسطنطينية وجدت الناس منصرفين من جنازته، فعلمت أن الشقاء قد ~~غلب عليه. # وحدثت أن صاحب برطونة اليوم من ذريته. وذكر الثعالبي أنه وجد للصابي فصلا ~~من كتاب استظرفه جدا، يذكر صلة وصلت إليه من الصاحب، وهو: وصل أطال الله ~~بقاء سيدنا أبو العباس أحمد بن الحسين، وأبو محمد أحمد بن جعفر بن شعيب ~~حاجين، فعرجا إلي ملمين، وعاجا علي مسلمين، فحين عرفتهما، وقبل أن أرد ~~السلام عليهما مددت اليد إلى ما معهما، كما مدها حسان بن ثابت إلى رسول ~~جبلة بن الأيهم، ثقة مني PageV02P368 # بصلته، وشوقا إلى تكرمته، واعتمادا لإحسانه، وألفا لموارد إنعامه، وتيقنا ~~أن الخطرة مني على باله، مقرونة بالنصيب من ماله، وأن ذكراه، مشفوعة ~~بجدواه. # رجع ما انقطع. فيريد أنه لو خطب لهؤلاء القوم ابن أدهم على زهده وفضله، ~~أو ابن الأيهم على ملوكيته وعزته لسووا بينهما في الصداق اقتداء بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم. ### || AUTO [المغالاة بالصدقات] # وجاء في الترمذي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ms0749 لا تغالوا في صدقات ~~النساء، فإنها لو كانت مكرمة أو تقوى عند الله، لكان أولاهم بها نبيالله ~~صلى الله عليه وسلم، وما أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئا من ~~نسائه، على أكثر من اثنتي عشرة أوقية (¬1). # قال ابن عيينة: والأوقية عند أهل العلم أربعون درهما، واثنتا عشرة أوقية ~~أربعمائة وثمانون درهما. # وفي غير الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تياسروا في الصداق» ~~(¬2) وكانت صدقات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على عظم قدره، وعلو ~~مرتبته اثنتي عشرة أوقية ونشا، والنش عشرون درهما، فذلك خمسمائة درهم. # وروي عن عمر رضي الله عنه: أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ألا لا ~~تغالوا في صدقات النساء، فإنه لا يبلغني عن أحد أنه ساق أكثر من شيء ساقه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو سيق إليه إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال. ~~فعرضت له امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين، كتاب الله أحق أن يتبع أو قولك؟ ~~قال: كتاب الله تعالى. ثم قال: فيم ذلك؟ # قالت: الله تعالى يقول: وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ~~[النساء: 20]، فقال عمر رضي الله عنه: كل أحد أفقه من عمر! ثم رجع إلى ~~المنبر، فقال: إني كنت نهيتكم عن أن تغالوا في صدقات النساء، فليفعل كل رجل ~~منكم في ماله ما أحب (¬3). # فرجع عمر عن اجتهاده إلى ما قامت عليه الحجة فأباحه للناس واستعمله في ~~نفسه، فأصدق أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أربعين ألفا ~~والقنطار ألف دينار ومائتا دينار؛ إلا أن المياسرة في الصداق أحب عند أهل ~~العلم من المغالاة. # ومن الملح في صداق خمسمائة، ما حدث به ابن أبي شيبة قال: كان حجاج جارنا، ~~فسمعته يقول لأبيه: تزوجت أمي على خمسمائة درهم، وبقيت أنا لك ربحا، فقال ~~له أبوه: من سخنة عين هذا الربح أخشى. # *** PageV02P369 # قوله: مهر: يقال: مهر المرأة يمهرها، وأمهرها: عين لها مهرا. لن تطالب ~~بصداق، أي أن القصة ليس لها ms0750 حقيقة. فليس ثم من يطالبك بصداق ولا طلاق. # حشدك: جمعك، وأصله مصدر، ثم استعمل لجماعة الناس. تفتق: تشق. رتق: غلق ~~والسمع: الأذن. # *** # قال الحارث بن همام: فازدهاني بوصف الخطبة المتلوة، دون الخطبة المجلوة؛ ~~حتى قلت له: قد وكلت إليك هذا الخطب؛ فدبره تدبير من طب لمن حب. فنهض ~~مهرولا، ثم عاد متهللا، وقال: أبشر بإعتاب الدهر، واحتلاب الدر؛ فقد وليت ~~العقد، وأكفلت النقد، وكأن قد ثم أخذ في مواعدة أهل الخان، واعداد حلواء ~~الخوان. فلما مد الليل أطنابه، وأغلق كل ذي باب بابه، أذن في الجماعة: # ألا احضروا في هذه الساعة؛ فلم يبق فيهم إلا من لبى صوته، وحضر بيته. ~~فلما اصطفوا لديه، واجتمع الشاهد والمشهود عليه، جعل يرفع الاصطرلاب ويضعه، ~~ويلحظ التقويم ويدعه، إلى أن نعس القوم، وغشي النوم، فقلت له: يا هذا ضع ~~الفاس في الراس وخلص الناس من النعاس. فنظر نظرة في النجوم، ثم انتشط من ~~عقلة الوجوم، وأقسم بالطور، والكتاب المسطور؛ لينكشفن سر هذا الأمر ~~المستور، ولينتشرن ذكره إلى يوم النشور. ثم إنه جثا على ركبته، واسترعى ~~الأسماع لخطبته. # *** # ازدهاني: دعاني إلى الزهو، وهو العجب والكبر، أي أعجبت بوصفها، المتلوة: # المقروءة، الخطبة: الزوجة المخطوبة. المجلوة: التي كشف وجهها لينظر ~~إليها. وكلت: # أسندت إليك، وجعلتك القائم. الخطب: الأمر. # طب: أصلح حال العليل. فيقول: دبر هذا الأمر تدبير الطبيب أمر حبيبه إذا ~~كان عليلا، وطبه أي عناه، وقيل: معنى طب حذق بالشيء وجاد فيه ذهنه، والطب: ~~الحاذق بالأمر، فيكون معناه، دبر أمري تدبير المميز الحاذق أمر حبيبه. # قال ابن الأنباري: قولهم: من حب طب، أي من أحب حذق وفطن واحتال لمن يحب، ~~والطب في اللغة: الحذق والفطنة، ورجل طبيب وطب، إذا كانحاذقا، وسمي الطبيب ~~لفطنته. # ومعنى حب أحب. وقال البصريون: لا يقال: حب يحب، وجاء عنهم: محبوب، PageV02P370 # على فعل لا يتكلم به. الكسائي والفراء: يقال: حببت وأحببت، وحب في المثل ~~يدل على صحته. والبصريون يقولون. حب إتباع لطب. # مهرولا: مسرعا. متهللا: مستبشرا. إعتاب: إرضاء. الدر: اللبن. وليت العقد، ms0751 ~~أي أعطيت النكاح، أي جعلني أبو الزوجة وليا لها. أكفلت النقد، أي جعلت ~~كفيلا على أخذه، والكفيل: الضامن، أو يكون معنى أكفلت: ضمن لي وأعطيت ~~كفيلا. والنقد: # المال الحاضر. وكأن قد، أي وكأن قد أحضر المال وتيسر النكاح. الخوان: ~~المائدة. # أذن: صاح. لبى: أجاب وقال: لبيك. الأصطرلاب: آلة للمنجمين يأخذون بها ~~الأوقات. يلحظ: ينظر. التقويم: التعديل. غشي النوم: غطى العيون وخمرها. ضع ~~الفاس في الرأس، أي اقصد إلى عين الخبر، وهي كلمة تقال عند التوكيد في ~~العزم على الأمر، ومعناه: اقطع ما تريده من الأمر وافعله. # والذي نظر نظرة في النجوم، هو إبراهيم عليه السلام، لأنه تفكر ما الذي ~~يصرفهم عنه إذا كلفوه الخروج معهم، فقال: إني سقيم. انتشط: انحل. والعقلة: ~~ما ينشب فيها الإنسان فتعقله، ويقال: لفلان عقلة يعتقل بها الناس، وذلك إذا ~~صارعهم عقل أرجلهم. والوجوم: # العبوس والحزن الشديد، أراد أنه كان في تقويمه طالع نحس، فكان معبسا ~~حزينا، فلما زالت ساعته ودخلت ساعة طالع سعد، استبشر وزال عبوسه، وإنما عقد ~~هذا النكاح ليلا لأن قصده المكر، ولأنهم كانوا يختارون نكاح آخر النهار على ~~أوله. قال بعض العلماء: ذهبوا في ذلك إلى اتباع السنة في الفأل، فآثر الناس ~~استقبال الليل بعقد النكاح، تيمنا بما فيه من الهدو والاجتماع على صدر ~~النهار، لما فيه من التفرق والانتشار، وذهبوا إلى تأويل القرآن لأن الله ~~سمى الليل في كتابه سكنا [الأنعام: 96]، وجعل النهار نشورا [الفرقان: 47] ~~كما يستحبون النكاح يوم الجمعة للاجتماع، وقال الشاعر: [الوافر] # ويوم الجمعة التنعيم فيه ... وتزويج الرجال من النساء # الطور: جبل موسى عليه السلام الذي آنس من جانبه النار وكلمه الله عنده. ~~سر هذا الأمر، أراد ما أضمره لهم من الخداع، أي أنه سينكشف ويتحدث به إلى ~~يوم القيامة. # جثا: يجثو جثوا: جلس على ركبتيه. استرعى: استدعى. الأسماع: الآذان، ويقال: # أرعني سمعك، أي اسمع مني، وأخل أذنيك لاستماع حديثي. # *** # وقال: الحمد لله الملك المحمود، المالك الودود، مصور كل مولود، ومآل كل ~~مطرود، ساطح المهاد، وموطد الأطواد، ومرسل الأمطار، ms0752 ومسهل الأوطار، عالم ~~الأسرار ومدركها، ومدمر الأملاك ومهلكها، ومكور الدهور ومكررها، ومورد ~~الأمور ومصدرها. عم سماحه وكمل، وهطل ركامه وهمل، وطاوع السؤل PageV02P371 # والأمل. وأوسع المرمل والأرمل. أحمده حمدا ممدودا مداه، وأوحده كما وحده ~~الأواه، وهو الله لا إله للأمم سواه، ولا صادع لما عدله وسواه. أرسل محمدا ~~علما للإسلام، وإماما للحكام، ومسددا للرعاع، ومعطلا أحكام ود وسواع، أعلم ~~وعلم، وحكم وأحكم، وأصل الأصول ومهد، وأكد الوعود وأوعد؛ واصل الله له ~~الإكرام، وأودع روحه دار السلام، ورحم آله وأهله الكرام؛ ما لمع آل، وملع ~~رال، وطلع هلال، وسمع إهلال. # *** # قوله: مآل، أي ملجأ. مطرود: منفي. ساطح: باسط. المهاد: الأرض. موطد ~~الأطواد: مثبت الجبال. والأوطار: الحاجات. مدمر الأملاك: أي مهلك الملوك، ~~والأملاك: جمع ملك. ### || AUTO [التطير من الدنيا والزهد فيها] # وهذا كما قال عدي بن زيد: [الخفيف] # أين كسرى كسرى الملوك أنوشر ... وان أم أين قبله سابور (¬1) # وبنو الأصفر الكرام ملوك الروم ... لم يبق منهم مذكور # وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور # وتفكر رب الخورنق إذ أش ... رف يوما وللهدى تذكير # لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور # ثم بعد القلاع والملك والإم ... رة وارتهم هناك القبور # ثم راحوا كأنهم قصب جف ... فألوت به الصبا والدبور # وقال الأسود بن يعفر: [الكامل] # ولقد علمت لو أن علمي نافعي ... أن السبيل سبيل ذي الأعواد (¬2) # ماذا أؤمل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم وبعد إياد PageV02P372 # جرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنهم كانوا على ميعاد # ولقد غنوا فيها بأكرم غنية ... في ظل ملك ثابت الأوتاد # فإذا النعيم وكل ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلى ونفاد # الأصمعي: أصيب في حفير حول الحيرة تابوت، فيه رجل عليه خفان، وعند رأسه ~~لوح فيه: أنا عبد المسيح بن حيان بن بقيلة. [الوافر] # حلبت الدهر أشطره حياتي ... ونلت من المنى فوق المزيد # وكافحت الأمور وكافحتني ... ولم أخضع لمعضلة كئود # وكدت أنال بالشرف الثريا ... ولكن لا سبيل إلى الخلود # دخل أرطأة بن سهية على عبد ms0753 الملك، فقال: كيف حالك؟ - وكان قد أسن- فقال: ~~ضعف حالي، وقل مالي، وكثر مني ما كنت أحب أن يقل، وقل مني ما كنت أحب أن ~~يكثر، قال: فكيف أنت في شعرك؟ فقال: والله ما أغضب، ولا أطرب، ولا أرهب، ~~وما الشعر إلا من نتائج هذه، على أني القائل: [الوافر] # رأيت المرء تأكله الليالي ... كأكل الأرض ساقطة الحديد # وما تبغي المنية حين تأتي ... على نفس ابن آدم من مزيد # وأعلم أنها عما قليل ... ستوفي نذرها بأبي الوليد # فارتاع عبد الملك، ثم قال: بل توفي نذرها بك، ما لي ولك! قال: يا أمير ~~المؤمنين لا ترع، فما عنيت إلا نفسي، فقال: أما والله لتلمن بي. # وأبو الوليد كنية لعبد الملك ولأرطأة. # *** # والتكوير: إدخال الليل على النهار والنهار على الليل، وكورت الشيء رددته، ~~ولويت بعضه على بعض. هطل وهمل، معناهما صب. الركام: السحاب المتراكم. # السؤل: المطلوب. أوسع: أغنى. المرمل: الذي نفد زاده. الأرمل: الفقير، أو ~~الذي ماتت زوجته، أو التي مات زوجها، يقال لها أرمل وأرملة، ومنع قوم أن ~~يقال للفاقد زوجته: أرمل، وأجازه بعضهم. # مداه: غايته. الأواه: إبراهيم عليه السلام، وهو من التأوه، وهو التوجع ~~والتحزن والنطق بأواه أواه! صادع: مفسد، والصدع: الشق في زجاجة أو حائط. ~~علما، أي إماما يهتدى به. مسددا: مصلحا. والرعاع: السقاط والضعفة من الناس. ~~ود وسواع: صنمان. # حكم: قضى. أحكم: أتقن. أصل: ثبت الأصول. مهد: سوى ووطأ. الوعود: جمع وعد. ~~أوعد: هدد وخوف. واصل: داوم. أودع روحه دار السلام: أدخلهالجنة. آل: PageV02P373 # سراب. ملع: أسرع. رال: فرخ النعام. إهلال: رفع الصوت بالتلبية بمكة. # *** # اعملوا رعاكم الله أصلح الأعمال، واسلكوا مسالك الحلال، واطرحوا الحرام ~~ودعوه، واسمعوا أمر الله وعوه، وصلوا الأرحام وراعوها، وعاصوا الأهواء ~~واردعوها، وصاهروا لحم الصلاح والورع؛ وصارموا رهط اللهو والطمع. # ومصاهركم أطهر الأحرار مولدا، وأسراهم سؤددا، وأحلاهم موردا، وأصحهم ~~موعدا. وها هو أمكم، وحل حرمكم، مملكا عروسكم المكرمة، وماهرا لها كما مهر ~~الرسول أم سلمة، وهو أكرم صهر أودع الأولاد، وملك ما أراد، وما سها مملكه ~~ولا ms0754 وهم؛ ولا وكس ملاحمه ولا وصم، أسأل الله لكم إحماد وصاله ودوام إسعاده، ~~وألهم كلا إصلاح حاله والإعداد لمعاده. وله الحمد السرمد، والمدح لرسوله محمد. # *** # اطرحوا: اتركوا وارموا به. عوه: احفظوه. الأرحام: القرابات، الواحد رحم، ~~والأرحام من النساء الواحد رحم، راعوها: احفظوها وحاموا عليها. الأهواء: ~~دواعي النفس. اردعوها: كفوها. صاهروا: ناكحوا. لحم: قرابات، ولحمة النسب: ~~التحام القرابة وانضمامها. صارموا: قاطعوا. مصاهركم: ختنكم المتزوج إليكم. ~~أسراهم: # أشرفهم وأكثرهم مروءة، وقد سري فهو سري. أمكم: قصدكم. حل: نزل. حرمكم: # بلدكم وموضعكم، الذي هو كالحرم في أمته. مملكا: متزوجا، والإملاك: ~~التزويج الذي تملك به المرأة. # قال ابن هشام: أم سلمة بنت أمية بن المغيرة، تزوج بها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قبل وقعة بدر في سنة اثنتين من التاريخ، واسمها هند بنت أمية زاد ~~الركب بن المغيرة، وفي حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~تزوج أم سلمة على متاع قيمته عشرة دراهم. # سها: أخطأ. مملكه: منكحه الذي أعطاه وليته. وكس: غبن، ووهم في الحساب: ~~غلط فيه، وملاحمه: أي مصاهره. وصم: عيب، والوصم: العيب، وأحمد الرجل ~~احمادا، أي صار أمره إلى الحمد، أراد أنه من أهل الأحساب فلا ينقص من ~~يصاهره. الإعداد للمعاد، أي الاستعداد لليوم الذي يعاد فيه إلى نشأته ~~الأولى. السرمد: # الدائم. والرسول: الذي يتابع أخبار الذي بعثه، أخذا من قولهم: جاءت الإبل ~~أرسالا، أي متتابعة، ويثنى رسولان، ويجمع رسل. ومنهم من يوحده في كل حال، ~~قال الله تعالى: إنا رسول رب العالمين [الأعراف: 104] وحده، لأنه في معنى ~~الرسالة، وأنشد: [الطويل] PageV02P374 # فأبلغ أبا بكر رسولا سريعة ... فما لك يا بن الحضرمي وماليا (¬1) # قال الفراء رحمه الله وحده اكتفاء بالرسول من الرسولين، وأنشد: ~~[المتقارب] # ألكني إليها وخير الرسو ... ل أعلمهم بنواحي الخبر (¬2) # أراد الرسل، فاكتفى بالواحد عن الجمع. # *** ### || AUTO [من خطب النكاح] # وإذ كملت الخطبة فلنسق من خطب النكاح ما يحسن بالوضع. # ومن مشاهير الخطب فيه خطبة أبي طالب في تزويج النبي صلى الله عليه وسلم ~~من ms0755 خديجة رضي الله عنها وهي: # الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وجعل لنا حرما آمنا ~~وبيتا محجوجا، وجعلنا الحكام على الناس. ثم إن محمد بن عبد الله ابن أخي، ~~ممن لا يوازن فتى في قريش إلا رجح به برا، وفضلا، وكرما وعقلا، ومجدا ~~ونبلا، وإن كان في المال قل فإنما المال ظل زائل، وعارية مسترجعة، وله في ~~خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك وما أحببتم من الصداق فعلي. # فهذه الخطبة من أفضل خطب الجاهلية. # وعن يحيى بن أكثم: أراد المأمون أن يزوج ابنته من علي الرضا، فقال: يا ~~يحيى تكلم، فأجللت أن أقول: أنكحت؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت ~~الحاكمالأكبر والإمام الأعظم، وأنت أولى بالكلام، فقال: # الحمد لله الذي تصاغرت الأمور بمشيئته، ولا إله إلا الله إقرارا ~~بربوبيته، وصلى الله على سيدنا محمد عند ذكره وعترته. أما بعد، فإن الله ~~سبحانه قد جعل النكاح دينا، ورضيه حكما، وأنزله وحيا، ليكون سببا للمناسلة ~~وإني قد زوجت ابنة المأمون من علي ابن موسى الرضا، وأمهرتها أربعمائة ~~دينار، اقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتهاء إلى ما درج إليه ~~السلف الصالح، والحمد لله رب العالمين. # وحضر المأمون إملاكا وهو أمير، فسأله من حضر أن يخطب، فقال: الحمد لله، ~~والصلاة على المصطفى رسوله، وخير ما عمل به كتاب الله: وأنكحوا الأيامى ~~منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم [النور: 32]، ولو لم يكن في المناكحة آية ~~منزلة ولا PageV02P375 # سنة متبعة إلا ما جعل الله في ذلك من تأليف البعيد، وبر القريب، لسارع ~~إليه الموفق المصيب، وبادر إليه العاقل اللبيب. # وفلان قد عرفتموه في نسب لم تجهلوه، خطب إليكم فتاتكم فلانة، وقد بذل لها ~~من الصداق كذا، فشفعوا شافعنا، وأنكوا خاطبنا، وقولوا خيرا تحمدوا عليه ~~وتؤجروا فيه. # أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. # وخطب رجل من بني أمية إلى عمر بن عبد العزيز أخته، فأطال، فقال عمر: # الحمد لله ذي الكبرياء، وصلى الله على محمد خاتم الأنبياء، أما بعد فإن ms0756 ~~الرغبة منك دعت إلينا، وإن الرغبة منا فيك أجابت بنا، وقد أحسن بك ظنا من ~~أودعك كريمته، واختارك ولم يختر عليك، وقد زوجناك على كتاب الله تعالى، ~~إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. # وكان الحسن البصري رحمه الله يقول في خطبة النكاح بعد الحمد والثناء. # أما بعد فإن الله تعالى جمع لهذا النكاح الأرحام المنقطعة، والأنساب ~~المفترقة، وجعل ذلك في سنة من دينه، ومنهاج من أمره، وقد خطب فلان إليكم، ~~وعليه وعليكم من الله نعمة، وهو يبذل من الصدق كذا، فاستخيروا الله، وردوا ~~خيرا، يرحمكم الله! # الأصمعي رحمه الله: كانوا يستحسنون من الخاطب أن يطيل ليدل على الرغبة، ~~ومن المخطوب إليه الإنجاز ليدل على الإجابة. # *** # فلما فرغ من خطبته البديعة النظام، العرية من الإعجام، عقد العقد على ~~الخمس المئين، وقال لي: بالرفاء والبنين. ثم أحضر الحلواء التي كان أعدها، ~~وأبدى الآبدة عندها. فأقبلت إقبال الجماعة عليها، وكدت أهوي بيدي إليها، ~~فزجرني عن المؤاكلة، وأنهضني للمناولة؛ فو الله ما كان بأسرع من تصافح ~~الأجفان، حتى خر القوم للأذقان. فلما رأيتهم كأعجاز نخل خاوية، أو كصرعى ~~بنت خابية؛ علمت إنها لإحدى الكبر، وأم العبر؛ فقلت له: يا عدي نفسه، وعبيد ~~فلسه، أعددت للقوم حلوى، أم بلوى؟ فقال: لم أعد خبيص البنج، في صحاف ~~الخلنج. فقلت: أقسم بمن أطلعها زهرا، وهدى بها السارين طرا؛ لقد جئت شيئا ~~نكرا، وأبقيت لك في المخزيات ذكرا! # *** PageV02P376 # قوله: البديعة النظام: أي الغريبة التأليف. العرية من الإعجام، أي ~~العاطلة من النقط. الرفاء: السكون والالتحام، ويدعى للمتزوج، فيقال له ~~بالرفاء والبنين، أي بالاتفاق مع الزوجة ووجود البنين مما يكون منها، وهو ~~من رفأت الثوب، إذا ضممت بعضه إلى بعض، ومن رفوت الرجل إذا سكنته، قال أبو ~~زيد رحمه الله: هو من المرافاة غير مهموز، وهي الموافقة. # تزوج عقيل بن أبي طالب فقيل له: بالرفاء والبنين، فقال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «إذا رفأ أحدكم أخاه فليقل: على الخير والبركة، بارك ~~الله لك وبارك عليك» (¬1). # الآبدة: الداهية، وجاء بآبدة، ms0757 أي بكلمة أو خصلة وحشية منكرة، واشتقاقه من ~~الأوابد، وهي الوحش، وكذلك الآبد، يقال: أبد الشاعر، إذا أتى بالعويص في ~~شعره، فمعنى أبدى الآبدة، أي أظهر الداهية التي يبقى ذكرها على الأبد. ~~زجرني: نهاني. # أنهضني: أقامني وقدمني. المناولة: إعطاء الطعام. تصافح الأجفان: غلقها ~~وفتحها بسرعة، كقولك: طرفة العيون. خروا للأذقان، أي سقطوا على وجوههم، ~~والذقن مجمع اللحيين يعبر به عن الوجه، لأن العرب تسمي الشيء ببعض ما فيه، ~~وإذا خر على وجهه، فأقرب شيء إلى الأرض ذقنه، فخصه بالذكر لهذا، قال الله ~~تعالى: يخرون للأذقان سجدا [الإسراء: 107] أعجاز: أصول. خاوية: فارغة ~~متأكلة، ويقال: خاوية ساقطة بالية. صرعى: قتلى، وأراد به السكارى، وبنت ~~الخابية: هي الخمر، ومعنى الخابية التي تخبأ فيها الأشياء، مأخوذ من خبأت، ~~فبنيت على ترك الهمز، ويقال: خبأت الشيء وخبأته وخبيته، وقرأت الشيء ~~وقريته. إحدى الكبر: واحدة من الكبائر. أم العبر: أي أعظم الدواهي، وما ~~يتعظ به. لم أعد: لم أتجاوز. الخبيص: نوع من الحلواء. البنج: # نبات يسكر منه، وهو لبن الخشخاش البري المعروف بالأفيون. والخلنج: ضرب من ~~الخشب. زهرا: مضيئة، يعني الكواكب. السارين: الماشين بالليل. طرا: جمعا. نكرا: # منكرا. والمخزيات: جمع مخزية، وهي الخصلة الرديئة يختزي صاحبها متى ذكرت ~~له، والخزي الهوان. # *** # ثم حرت فكرة في صيور أمره، وخيفة من عدوى عره، حتى طارت نفسي شعاعا، ~~وأرعدت فرائصي ارتياعا. فلما رأى استطارة فرقي، واستشاطة قلقي، PageV02P377 # قال: ما هذا الفكر المرمض، والروع المومض؟ فإن يكن فكرك في أجلي، من ~~أجلي؛ فأنا الآن أرتع وأطفر، وأقوي هذه البقعة مني وأقفر، وكم مثلها ~~فارقتها وهي تصفر؛ وإن يكن نظرا لنفسك، وحذرا من حبسك، فتناول فضالة ~~الخبيص؛ وطب نفسا عن القميص؛ حتى تأمن المستعدي والمعدي، ويتمهد لك المقام ~~بعدي؛ وإلا فالمفر المفر؛ قبل أن تسحب وتجر: ثم عمد لاستخراج ما في البيوت، ~~من الأكياس والتخوت. وجعل يستخلص خالصة كل مخزون، ونخبة كل مذروع وموزون؛ ~~حتى غادر ما ألغاه فخه، كعظم استخرج مخه. # *** # صيور: آمال ورجوع، أي ما يصير إليه أمره. عدوى ms0758 عره، أي انتقال ضرره، ~~والعر: الجرب، والعدوى انتقال المرض إلى الصحيح، ومعناه عند العرب: إذا كان ~~الجرب بواحدة من الإبل سرى في غيرها، وفي الصحيح قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة، ولا يورد ممرض على مصح». ~~فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال الإبل التي تكون في الرمل، كأنها ~~الظباء فيجيء البعير الأجرب فيدخل فيها فيجربها كلها؟ وقال فمن أعدى الأول. ~~وقال النابغة: [الطويل] # فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب (¬1) # فأراد أنه خاف أن يؤخذ بذنب السروجي. شعاعا: متفرقة في كل جهة، يقال نفس ~~شعاع، أي تفرقت همتها، ورأي شعاع، أي متفرق. والفرائص: جمع فريصة، وهي بضعة ~~عند الكبد ترعد عند الفزع، قال امرؤ القيس: [الطويل] # * وترعد منهن الكلى والفريص* (¬2) # ارتياعا: فزعا. استطاره فرقي: انتشار فزعي. واستشاطة: التهاب واحتراق. # المرمض: المحرق، وهو من لفظ الرمضاء. والروع: الفزع. المومض: الذي يدع ~~صاحبه مبهوتا شاخص البصر من شدته، وأومضت المرأة بعينها إذا برقت. الأجل، PageV02P378 # بالتحريك: التأخير؟ وبتسكينها الجناية يقول: إن تفكرت في تأخيري من الهرب ~~بسبب جنايتي، فالآن أجمع أموالهم وأفر، قال الفنجديهي إن يكن فكرك في أجلي، ~~أي في جنايتي، يقال: أجل الرجل عليهم شرا يأجل ويأجل أجلا أي جناية. وهيجه ~~من أجلي أي من جرائي. أرتع: آكل أموالهم. أطفر: أفر هاربا، وطفر: وثب وسار ~~مسرعا. أقوي. وأقفر: معناهما أخلي موضعي، وأقفر الرجل من أهله: انفرد عنهم ~~وبقي وحده والدار خلت وكذلك أقوت وقويت وأقفرت الأرض من الكلأ، ورأسه من ~~الشعر، وجسده من اللحم، وأقوى وأقفر لا يتعديان. تصفر: تصوت، وهذا عجز بيت ~~لتأبط شرا، وصدره: [الطويل] # * فأبت إلى فهم وما كدت آئبا (¬1) * # تصفر، أي تنفخ ندما على فوتي، والنادم على الشيء يتابع النفخ، يقول: كم ~~مثل هذه الخصلة فارقتها، وهي تصفر تندما على ما فاتها. تناول: خذ. فضالة: # بقية. طب نفسا، عنه، أي لتكن نفسك طيبة على فقده، فإنك إذا أكلت الخبيص، ~~سكرت فجردتك فصرت في جملة ms0759 من أكل ماله فتأمن بذلك. المستعدي: هو الشاكي. ~~والمعدي: هو الحاكم، ويقال: استعديت الحاكم فأعداني، أي استعنته فأعانني. ~~يتمهد: يتوطأ. المفر المفر: أي بادر الفرار، وتسحب، هو تجر. # الأكياس: أوعية الدراهم والدنانير. التخوت: أوعية الثياب. يستخلص: يختار. # خالصة: خيار، وكذلك نخبة. مذروع: مكيل بالذراع، يعني الثياب. موزون: يعني ~~الجواهر وما في معناها مما يباع بالوزن، مثل العطريات وغيرها من شبهها. ~~الفخ: آلة للصيد يحسن أن يكنى به عن المكيدة. # *** # فلما همن ما اصطفاه ورزم، وشمر عن ذراعيه وتحزم؛ أقبل علي إقبال من لبس ~~الصفاقة، وخلع الصداقة، وقال: هل لك في المصاحبة إلى البطيحة، لأزوجك بأخرى ~~مليحة. فأقسمت له بالذي جعله مباركا أينما كان، ولم يجعله ممن خان في خان؛ ~~إنه لا قبل لي بنكاح حرتين، ومعاشرة ضرتين. ثم قلت له PageV02P379 # قول المتطلع بطباعه، الكائل له بصاعه: قد كفتني الأولى فخرا، فاطلب آخر ~~للأخرى. # فتبسم من كلامي، ودلف لالتزامي. فلويت عنه عذاري، وأبديت له ازوراري، ~~فلما بصر بانقباضي، وتجلى له إعراضي أنشد: # *** # همن: شده بالهميان وهو نوع من التكة. اصطفاه: اختاره. رزم: جعله رزمة، ~~والرزمة في كلام العرب: التي فيها ضروب من الثياب وأخلاط يقال: رازم الرجل ~~في أكله، إذا أخلط بعضه ببعض، ورازمت علف الدابة: خلطته، وقد يريد به ما شد ~~على وسطه من المال بهميانه. الصفافة: صلابة الوجه. خلع: أزال. # البطيحة: قرية عامرة بقرب البصرة من جهة واسط، وبينها وبين البصرة وواسط ~~جهة كبيرة، تعرف بالبطاح وتتوسطها البطيحة. # معاشرة ضرتين: مصاحبة زوجين. المتطبع بطباعه: المتخلق بخلقه. الكائل له ~~بصاعه، أي الذي أعطاه من الهزل مثل ما أعطاه. دلف: أسرع. التزامي: معانقتي ~~وضمي له. لوبت: عطفت، أي أعرضت عنه بوجهي. ازوراري: انقباضي. تجلى: ظهر. # إعراضي: تركي إقبالي عليه. [مجزوء الكامل] # *** # يا صارفا عني المود ... ة والزمان له صروف # ومعنفي في فضح من ... جاورت تعنيف العسوف # لا تلحني فيما أتي ... ت فإنني بهم عروف # ولقد نزلت بهم فلم ... أرهم يراعون الضيوف # وبلوتهم فوجدتهم ... لما سبكتهم زيوف # ما فيهم إلا مخي ... ف ms0760 إن تمكن أو مخوف # لا بالصفي ولا الوفي ... ولا الحفي ولا العطوف # فوثبت فيهم وثبة الذئ ... ب الضري على الخروف # وتركتهم صرعى كأنهم ... سقوا كأس الحتوف # وتحكمت فيما اقتنو ... ه يدي وهم رغم الأنوف # *** # صارفا: منحنيا: المودة: المحبة. صروف: دفوع. معنفي: موبخي ولائمي. PageV02P380 # فضح: كشف. والعسوف: الآخذ بجهالة قبل التجربة. تلحني: تلمني. يراعون: # يحفظون حقوقهم. بلوتهم: خبرتهم، ومثله سبكتهم. زيوف: دراهم رديئة، يريد ~~أنهم قوم لا خير فيهم. مخيف: مضر مفزع. إن تمكن: ارتفع وكانت له مكانة. ~~مخوف: لا يقدم عليه خوف ضرره. الصفي الوفي. الصادق الود. الحفي: المكرم ~~لصديقه المعتني به. العطوف: الرحيم. الضري: المعتاد الذي ضري أخذ الخرفان. ~~صرعى: مطرحون على الأرض. والحتوف: جمع حتف وهو الهلاك. اقتنوه: اكتسبوه. ~~رغم: إذلال. # *** # [مجزوء الكامل] # ثم انثنيت بمغنم ... حلو المجاني والقطوف # ولطالما خلفت مك ... لوم الحشا خلفي يطوف # ووترت أرباب الأرا ... ئك والدرانك والسجوف # ولكم بلغت بحيلتي ... ما ليس يبلغ بالسيوف # ووقفت في هول ترا ... ع الأسد فيه من الوقوف # ولكم سفكت وكم فتك ... ت وكم هتكت حمى أنوف # وكم ارتكاض موبق ... لي في الذنوب وكم خفوف # لكنني أعددت حس ... ن الظن بالمولى الرءوف # *** # انثنيت، أي رجعت. المجاني: ما يجنى من الثمار. والقطوف: ما يقتطف منها، ~~وهي جمع قطف وهو العنقود. خلفت: تركت خلفي. مكلوم: مجروح. الحشى: # إسقاط الجوف. وترت: أخذت منهم ثأري وحقي. أرباب الأرائك: أصحاب الأسرة. # والدرائك: البسط. السجوف: جمع سجف، وهو الستر، والأرائك: جمع أريكة، ~~والدرانك واحدها درنوك. الهول: الأمر المفزع. تراع: تفزع، وفيه: متعلقه ~~وقوف، يريد أن الأسد تفزع أن تقف في الهول الذي وقف فيه. سفكت: قتلت. فتكت: عتيت. # هتكت. قطعت. رحمي: ما يحمي ويمنع. أنوف: كثير الأنفة والحمية. ارتكاض: ~~جري واضطراب وتحرك. موبق: مهلك. خفوف: إسراع. الرءوف: الكثير الرفق ~~والرحمة. ### || AUTO [الاعتراف بالذنب والطمع في رحمة الله] # قال ابن رشيق في معنى هذا الخروج بعد تعديد ذنوبه: [البسيط] # إذا أتى الله يوم الحشر في ظلل ... وجيء بالأمم الماضين والرسل # وحاسب الخلق من أحصى بقدرته ms0761 ... أنفاسهم وتوفاهم إلى أجل PageV02P381 # ولم أجد في كتابي غير سيئة ... تسوءني وعسى الإسلام يسلم لي # رجوت رحمة ربي وهي واسعة ... ورحمة الله أرجى لي من العمل # ولابن لنكك: [الوافر] # إذا خفق اللواء علي يوما ... وقد أخذ امرؤ القيس اللواء # رجوت الله لا أرجو سواه ... لعل الله يرحم من أساء # وقال ابن الزقاق: [المجتث] # يا عالم السر مني ... اصفح بفضلك عني # منيت نفسي بعفو ... مولاي منك ومني # وكان ظني جميلا ... فكن إذا عند ظني # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حاكيا عن الله تعالى: «أنا عند ظن ~~عبدي بي فليظن بي ما يشاء» (¬1). # توفي رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مسرفا على نفسه، ~~فلما حضرته الوفاة رفع رأسه فإذا أبواه يبكيان عليه، فقال لهما: ما ~~يبكيكما؟ قالا: نبكي لإسرافك على نفسك، قال: فلا تبكيا، فو الله ما يسرني ~~أن الذي بيد الله من أمري بأيديكما. فأتى جبريل عليه السلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبره أن فتى توفي اليوم، فأشهده فإنه من أهل الجنة، فاستكشف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه عن عمله، فقالا: ما علمنا عنده شيئا من ~~خير إلا أنه قال عند الموت كذا. # قال: من هاهنا أتي حسن الظن بالله من أفضل العمل عنده (¬2). # وعن أنس رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يموتن أحدكم حتى ~~يحسن ظنه بالله تعالى، فإن حسن الظن ثمن الجنة» (¬3). # أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حسن الظن ~~من حسن العبادة» (¬4). PageV02P382 # وكان محمد بن نافع الواعظ صديقا لأبي نواس، قال: فلما بلغني موته أشفقت ~~عليه، فرأيته في النوم، فقلت: أبا نواس، فقال: لات حين كناية! قلت: الحسن، قال: # نعم، قلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر الله لي، قلت: بأي شيء؟ قال: بتوبة ~~تبتها قبل موتي، بأبيات قلتها، قلت: أين هي؟ قال. عند أهلي. فسرت إلى أمه، ~~فلما رأتني أجهشت بالبكاء، فقلت: إني رأيت كذا، فكأنها سكنت، ms0762 وأخرجت إلي ~~كتبا مقطعة، فوجدت بخطه كأنه قريب: [الكامل] # يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم # إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يدعو ويرجو المجرم # أدعوك رب كما أمرت تضرعا ... فإذا رددت يدي، فمن ذا يرحم! # ما لي إليك وسيلة إلا الرجا ... وجميل ظني، ثم إني مسلم # وإنما قال: «لات حين كناية» لأن العرب لا تكني الميت إنما تدعوه باسمه، ~~قال الراجز: [الرجز] # وقام نسوة بجنب حفرتي ... بنات أختي وبنات إخوتي # * يدعون باسمي وتناسوا كنيتي* # وقال آخر: [الطويل] # فقد جعلت تدعى كلاب بن جعفر ... بأسمائها لأبا لكنى لا تجيبها # *** # قال: فلما انتهى إلى هذا البيت لج في الاستعبار، وألظ بالاستغفار، حتى ~~استمال هوى قلبي المنحرف، ورجوت له ما يرجى للمقترف المعترف. ثم إنه غيض ~~دمعه المنهل، وتأبط جرابه وانسل، وقال لابنه: احتمل الباقي، والله الواقي. # قال المخبر بهذه الحكاية: فلما رأيت انسياب الحية والحيية، وانتهاء الداء ~~إلى الكية، علمت أن تريثي بالخان، مجلبة للهوان، فضممت رحيلي، وجمعت للرحلة ~~ذيلي، وبت ليلتي أسري إلى الطيب، وأحتسب الله على الخطيب. # *** # قوله: لج في الاستعبار، أي أكثر في البكاء. ألظ: ألح، وألظ به: دار عليه. # استمال: استعطف وأماله إليه. المنحرف: المائل عنه. المقترف: المكتسب ~~الإثم، ويقال: قرف فلان فلانا، إذا ألصق به عيبا وكسبه ذنبا، واقترف فلان ~~ذنبا، أي اكتسبه وألصقه بنفسه. المقترف: المقر بذنبه. PageV02P383 # أبو هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله عز ~~وجل ملائكة يترحمون على المقرين على أنفسهم بالذنوب». # وروى أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: «ابن آدم ~~إنك إن يبلغ ذنبك عنان السماء، ثم تستغفرني أغفر لك ولا أبالي» (¬1). غيض: ~~جفف وغيب، من غيض الماء إذا انتقص وجف. المنهل: السائل. تأبط: أي جعله تحت ~~إبطه. انسل: خرج مخفيا نفسه متحرزا أن يراه أحد. انسياب: مشي لا يحس به. ~~الحية: يعني الشيخ، وسماه حية لإذايته أهل الخان بالبنج: فجعله كسم الحية ~~فيمن ms0763 ألقته، ويقال أيضا في تصغير الحية حوية، وأصلها الواو لأنها من تحوت ~~أي تلوت، وقيل: هي من الحياة لطول عمرها. # انتهاء الداء إلى الكية: مثل يضرب لانتهاء الداء إلى أقصاه، تقول العرب: ~~آخر الطب الكي، تريد أن المريض يعالج بكل دواء فلا يوافقه فإذا عولج بالكي ~~لم يبق بعده دواء، وإلا فهو الموت، فيريد أنه إن أقام بعدهما انتهى إلى ~~هوان وعذاب. وتريثي: تثبطي، وتريث بالمكان: أطال الجلوس فيه، مجلبة، أي سبب ~~جلبه وسوقه رحيله: يريد متاعه وصغره لفقره وقلة ما عنده، ورحل الإنسان ماله ~~ومتاعه في السفر، أسري: أمشي بالليل. # الطيب: قرية بالعراق بمقبرة واسط بينها وبين البطيحة المتقدمة، وسميت ~~الطيب لطيب هوائها وخصبها. # احتسب: أدعو وأقول: حسيبه الله، ومجازيه على قبيح أفعاله، والاحتساب طلب ~~الأجر، فمعنى أحتسب الله على الخطيب، طلب إلى الله تعالى الثواب بإنكاري ~~على الخطيب، والله تعالى ربي عليه توكلت وإليه أنيب. PageV02P384 ### | AUTO المقامة الثلاثون وهي الصورية # حكى الحارث بن همام، قال: ارتحلت من مدينة المنصور، إلى بلدة صور؛ فلما ~~حصلت بها ذا رفعة وخفض، ومالك رفع وخفض؛ تقت إلى مصر توقان السقيم إلى ~~الأساة، والكريم إلى المواساة؛ فرفضت علائق الاستقامة، ونفضت علائق ~~الإقامة، واعروريت ظهر ابن النعامة، وأجفلت نحوهاإجفال النعامة. فلما ~~دخلتها بعد معاناة الأين، ومداناة الحين، كلف بها كلفت النشوان بالاصطباح، ~~والحيران بتنفس الصباح. # *** ### || AUTO [أبو جعفر المنصور] # قوله: مدينة المنصور، هي بغداد، والمنصور هو أمير المؤمنين أبو جعفر بن ~~محمد ابن علي بن عبد الله بن عباس، استخلف بعد أخيه السفاح، وبويع له يوم ~~الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين ومائة. وهو ابن ~~إحدى وأربعين سنة وعشرة أشهر، وكان حاجا وقت وفاة السفاح، فعقد له البيعة ~~عمه موسى بن علي بن عبد الله بالأنبار، وورد الخبر على المنصور في أربعة ~~عشر يوما. # وقد بشر به النبي صلى الله عليه وسلم، ونظر إلى عمه العباس، فقال: هذا ~~عمي أبو الخلفاء الأربعين أجود قريش كفا، ومن ولده السفاح والمنصور ms0764 ~~والمهدي. # وقال المنصور: رأيت في المنام كأني في المسجد الحرام، فنودي: أين عبد الله؟ # فقمت أنا عبد الله بن يحيى نستبق، حتى وصلنا إلى الدرجة العليا، فجلس هو ~~وأخذ بيدي، فأصعدت، وأدخلت الكعبة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ~~ومعه أبو بكر وعمر وبلال. قال. فأقعدني وأوصاني بأمته، عممني، فكان كورها ~~ثلاثا وعشرين كورا، وقال: # خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة. # وقال المنصور: الخليفة لا يصلحه إلا التقوى، والسلطان لا يصلحه إلا ~~الطاعة، والرعية لا يصلحها إلا العدل، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على ~~العقوبة، وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه. PageV02P385 # وولد المنصور في سنة خمس وتسعين في اليوم الذي مات فيه الحجاج، ومات بمكة ~~ببئر ميمون لست خلون من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة. # *** ### || AUTO [مدينة صور] # صور: مدينة بالشأم، بينها وبين دمشق ثلاثون فرسخا. # وقال شيخنا ابن جبير: مدينة صور يضرب بها المثل في الحصانة، لا تلقي ~~لطالبها بيد طاعة ولا استكانة، قد أعدها الإفرنج مفزعا لحادثة زمانهم، ~~وجعلوها مثابة لأمانهم. # وحصانتها ومناعتها أعجب ما يحدث به، وذلك أنها راجعة إلى بابين، أحدهما ~~في البر والثاني في البحر، والبحر يحيط بها إلا من جهة واحدة، فالبري يفضي ~~إليها بعد ولوج ثلاث أبواب أو أربعة، كلها في ستائر مشيدة محيطة بالباب، ~~والبحري يدخل إليه بين برجين مشيدين إلى مرسى له، ليس في البلاد أعجب منه ~~وصفا، يحيط به سور المدينة من ثلاثة جوانب، ويحدق به من جانب آخر جدار ~~معقود بالجص، والسفن تدخل تحت السور وترسي فيه، ويعترض من البرجين ~~المذكورين سلسلة عظيمة معقودة تمنع عند اعتراضها الداخل والخارج، ولا مجال ~~للمراكب إلا عند إزالتها، وعلى الباب حراس، لا يدخل الداخل ولا يخرج إلا ~~على أعينهم، فشأن هذا المرسى شأن عظيم، وعند الباب البري عين معينة، تنحدر ~~إليها على أدراج، والآبار والجباب بها كثيرة، لا تخلو دار منها، ولا بساتين ~~بها إنما تجلب لها الفواكه من أقطارها التي بالقرب منها. # ولها أعملة متصلة، والجبال ms0765 بالقرب منها معمورة بالضياع، ومنها تجيء ~~الثمرات إليها، وللمسلمين الباقين بها مسجدان. # وأعلمني أحد أشياخنا أنها أخذت من أيديهم سنة ثمان عشرة وخمسمائة بعد ~~محاصرة طويلة، وبها كانت دار الصنعة ومنها تخرج مراكب المسلمين للغزو. # *** # قوله: ذا رفعة، أي عزة ومكانة، خفض: طيب عيش، ومعنى مالك رفع وخفض، أي ~~صاحب أحمال ترفع على الإبل في السفر وتحط عنها للنزول، ويريد أنه ذو قدرة ~~وتمكن يخفض ويرفع من أراد، قوله: تقت، أي اشتقت. ### || AUTO [مصر] # مصر: قال الهمذاني: سميت بمصر بن هرمس بن هروس جد الإسكندر. # وقال أهل اللغة: المصر الحد فسميت مصر لأنها حد بين المشرق والمغرب. ابن ~~دريد كل بلد عظيم مصر، نحو البصرة والكوفة. # طول مصر من الشجرتين اللتين بين أمج والعريش إلى أسوان، وعرضها من برقة PageV02P386 # إلى أيلة، فهى مسيرة أربعين ليلة. وافتتحت كلها في خلافة عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه، على يدي عمرو بن العاص بن وائل السهمي. # ولما افتتحت مصر، أتى أهلها إلى عمرو، فقالوا له: أيها الأمير، إن لنيلنا ~~هذا سنة لا يجري إلا بها، فقال لهم: ما ذاك؟ فقالوا له: إذا كان اثنتا عشرة ~~ليلة تخلو من بئونة من أشهر العجم، عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا ~~أبويها، وحملنا عليها من الحلي والحلل أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في النيل. ~~فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون في الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما قبله. ~~فأقاموا بؤونة وأبيب ومسرى- وهي أسماء ثلاثة أشهر للقبط- لا يجري النيل ~~فيها لا قليلا ولا كثيرا، حتى هموا بالجلاء منها. فلما رأى ذلك عمرو بن ~~العاص كتب بذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فكتب عمر بطاقة، وكتب إلى ~~عمرو: إني بعثت إليك بطاقة فألقها في النيل. فأخذ عمرو البطاقة فإذا فيها: ~~من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أما بعد، فإن كنت إنما تجري من ~~قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار، هو الذي يجريك، فنسأل الله ~~الواحد القهار أن يجريك. فألقى البطاقة ms0766 في النيل قبل يوم الصليب بيوم وقد ~~تهيأ أهل مصر للجلاء، فلما ألقى البطاقة في النيل أصبحوا يوم الصليب. وقد ~~أجراه الله تعالى ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة، فقطع الله تعالى تلك السنة ~~السوء من أهل مصر. # قال ابن جبير: ومدينة مصر كبيرة عامرة، مختلفة الأسواق من المدن التي ~~سارت بأوصافها الرفاق، وهي على شط النيل، وعلى النيل في مقابلتها قرية ~~كبيرة الشأن، كثيرة البنيان، تعرف بالجيزة، وتعترض بينهما جزيرة فيها مساكن ~~حسان وعلالي مشرفة، وهي مجتمع لهو أهل مصر ومنتزههم، وبينها وبين مصر خليج ~~يذهب بطولها نحو الميل، ولا مخرج له. وبالجزيرة جامع يخطب فيه. ### || AUTO [مقياس النيل] # ويتصل بهذا الجامع المقياس الذي يعتبر فيه قدر زيادة فيض النيل كل سنة، ~~وابتداؤه من شهر بئونة، ومعظم انتهائه أغشت وآخرها أول أكتوبر. # والمقياس: عمود رخام سمر في موضع ينحصر فيه الماء عند انتهائه إليه، وهو ~~مفصل على اثنتين وعشرين ذراعا، وكل ذراع مفصلة على أربعة وعشرين قسما ~~أقساما متساوية تعرف بالأصابع، فإذا استوى الماء تسع عشرة ذراعا في الفيض، ~~فهي الغاية عندهم في طيب العام، وربما كان الماء فيها كثيرا لعموم الفيض، ~~والمتوسط ما استوى سبع عشرة ذراعا وهو أحسن مما زاد عليه. # والذي يستحق به السلطان خراجه ست عشرة ذراعا فصاعدا، وعليها تعطى البشارة ~~للذي يراقب الزيادة في كل يوم، ويعلم بها مياومة، وإن قصر عن ست عشرة فلا ~~يجيء PageV02P387 # لذلك السلطان في ذلك العام، ولا خراج إلا ما يعول عليه، وبقرية الجيزة ~~يوم الأحد سوق عظيمة يتحدث بها. ### || AUTO [الأهرام] # وعلى نحو سبعة أميال في الصحراء التي يفضى منها إلى الإسكندرية، الأهرام ~~القديمة، المعجزة البناء الغريبة المنظر، المربعة الشكل، كأنها القباب ~~المضروبة قد قامت في جو السماء، لا سيما الاثنان منها في سعة الواحد منهما ~~من ركنه إلى ركنه ثلاثمائة خطوة، وست وستون خطوة محددة الأطراف في رأي ~~العين، وربما أمكن الصعود إليها على خطر ومشقة، فتلفى أطرافها المحددة ~~كأوسع ما يكون من الرحاب، قد أقيمت من ms0767 الصخور العظام المنحوتة وركبت تركيبا ~~بديع الإلصاق، يكاد يعجز أهل الأرض نقض بنيانها. ### || AUTO [بعض معالم مصر] # وبمصر أيضا المسجد المنسوب إلى عمرو بن العاص، وبها الجبانة المعروفة ~~بالقرافة، وهي من عجائب الدنيا، لما تحتوي عليه من مشاهد الأنبياء، وأهل ~~البيت والصالحين والعلماء وذوي الكرامات من أهل الزهد. # وبها قبر آسية امرأة فرعون، وبها مساجد معمورة بالليل والنهار، يبيت بها ~~الصالحون. # وبها قبر الشافعي محمد بن إدريس الإمام رضي الله عنه، وهو من المشاهد ~~العظيمة احتفالا واتساعا. # والمشهد العظيم الشأن الذي بالقاهرة، حيث رأس سيدنا الحسين بن علي رضي ~~الله عنهما، هو في تابوت من فضة مدفون، قد بني عليه بنيان يقصر الوصف عنه، ~~مجلل بأنواع الديباج، محفوف بأمثال العمد الكبار، شمعا أبيض أكثرها موضوع ~~في أتوار الفضة، وحف أعلاه كله بأمثال التفافيح ذهبا في مصنع شبه الروضة، ~~يبهر الأبصار حسنا وجمالا، وفيه من أنواع الرخام المجزع الغريب الصنعة، ~~البديع، الترصيع، ما لا يتخيله المتخيلون، والمدخل إليها على مسجد على ~~مثالها في التأنق، حيطانه كلها رخام، وأغرب ما فيه حجر موضوع في الجدار ~~الذي يستقبله الداخل، شديد السواد والبصيص يصف الأشخاص كلها كأنه المرآة ~~الهندية، ولتزاحم الناس على القبر انكبابهم عليه وتمسحهم به وبالكسوة التي ~~عليه مرأى هائل. # وأخبار مصر كثيرة فلنقتصر على هذه النبذة. # *** # الأساة: الأطباء، المواساة: أن يجعلك أسوة نفسه في ماله فيقاسمك فيه. ~~رفضت: PageV02P388 # تركت. علائق: أسباب تتعلق به فتحبسه. نفضت: أزلت واطرحت، ونفضت ثوبي من ~~الغبار: أزلته عنه. عوائق: موانع. وهي ما يصرف الإنسان عن وجهه الذي يمر ~~فيه ويريده، اعروريت: ركبته عريا. # ابن النعامة: الطريق، وقيل صدر القدم قال عنترة: [الكامل] # وابن النعامة عند ذلك مركبي (¬1) # وقيل: ابن النعامة الساق، وقيل: عرق في الرجل وقيل الفرس الفارة. أجفلت: # أسرعت. النعامة: واحدة النعام. معاناة: مقاساة. الأين: الفتور من التعب ~~مداناة الحين: # مقاربة الهلاك. كلفت بها، أي أحببتها وولعت بها. النشوان: السكران، يريد ~~أنه فرح فرح السكران، إذا أصبح للشراب، وهو الاصطباح والمهموم بالليل إذا ~~طلع ضوء ms0768 النهار انجلى همه، فجعل بياض الفجر. تنفس أي انتشر في الظلام. # فبينما أنا يوما بها أطوف، وتحتي فرس قطوف؛ إذ رأيت على جرد من الخيل، ~~عصبة كمصابيح الليل؛ فسألت لانتجاع النزهة، عن العصبة والوجهة؛ فقيل: أما ~~القوم فشهود، وأما المقصد فإملاك مشهود؛ فحدتني ميعة النشاط، على أن سرت مع ~~الفراط؛ لأفوز بحلاوة اللقاط، وأحوز حلواء السماط: فأفضينا بعد مكابدة ~~العناء، إلى دار رفيعة البناء، وسيعة الفناء، تشهد لبانيها بالثراء ~~والسناء. # فلما نزلنا عن صهوات الخيول، وقدمنا الأقدام للدخول، رأيت دهليزها مجللا ~~بأطمار مخرقة، ومكللا بمخارف معلقة، وهناك شخص على قطيفة، فوق دكة لطيفة. # *** # قطوف: متقارب الخطو، كأنه يقطف خطوه، أي يقطعه. جرد: ملس، والأجرد: # القصير الشعر. عصبة: جماعة. مصابيح: سرج، ويريد بها النجوم. قوله: الوجهة ~~كالجهة، وهو كل موضع استقبلته وقصدته وتوجهت إليه. إملاك: نكاح، وأملك ~~الرجل إملاكا: تزوج، وأملكه غيره: زوجه. وشهدنا إملاكه، أي عرسه. PageV02P389 # ابن عمر رضي الله عنهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من شهد إملاك ~~امرئ مسلم، فكأنما صام يوما في سبيل الله واليوم بسبعمائة» (¬1) مشهود: أي ~~محضور. حدتني. # ساقتني. ميعة: حدة ونشاط، والميعة أول الشباب، وأول جري الفرس، وميعة كل ~~شيء معظمه. والفراط: السباق المتقدمون، الواحد فارط. اللقاط: ما يلتقط من ~~العرس مما ينثر فيه للحاضرين، نحو الكعك والخبيص، وما ينثر فيه يسمى نثرا، ~~وكان نثار العرب في عرسهم التمر. أحوز: أحصل. السماط: السوق التي جوانبها ~~صفان متقابلان، والسماط أيضا أن يصطف العسكر صفين متقابلين، والسماط في ~~الطعام: أن تلصق مائدة بأخرى، ويجلس الناس عليها صفين متقابلين، والسماط ~~الصف منه، ومنه سمط الجوهر، ومنه الشعر المسمط، وهو الذي أبياته مفصلة على ~~أجزاء متقابلة، وقد نبهنا عليه في الحادية عشرة. مكابدة: مقاساة، وهي من ~~الكبد كأن الكبد يتعب بها. والعناء: التعب. رفيعة البناء، قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبد هوانا أنفق ماله في البناء» (¬2). # قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من بنى بناء في غير ظلم ولا اعتداء، أو ~~غرس غرسا ms0769 في غير ظلم ولا اعتداء؛ فإن أجره جار ما انتفع به أحد من خلق ~~الرحمن» (¬3). # وقال بعض الحكماء: إذا أيسر الرجل ابتلي بثلاثة أشياء: صديقه القديم ~~يجفوه، وامرأته يتزوج عليها، وداره يهدمها ويبنيها. # وعلى قوله: أما القوم فشهود، جاء فيهم حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكرموا الشهود، فإن الله عز وجل ~~يستخرج بهم الحقوق، ويدفع بهم الظلم». # قوله وسيعة، أي واسعة، والفناء: الساحة، وهي ما حول الدار. الثراء: كثرة ~~المال. السناء: الشرف والرفعة. صهوات: ظهور. دهليز: مدخل الدار، الذي تسميه ~~عامتنا الأسطوان، والأسطوان عند العرب: السواري، واحدها أسطوانة: وأنشد أبو ~~موسى الحامض في نوادره وذكر الدهليز فقال: [السريع] # أويت في الدهليز مذ أربع ... ولم أكن آوي الدهاليزا # خبزي من السوق وشعري لكم ... تلك لعمري قسمة ضيزى # مجللا: مغطى. أطمار: ثياب خلقة. مكللا: محلقا. مخارف: قفيف أو نعاليق ~~للغرباء، يجعلون فيها ما يأخذونه من الصدقة، والمخارف عند العرب: جمع مخرف، PageV02P390 # وهي قفيفة تشبه الزنبيل، يخترف فيها الرطب، أي يجتنى فيها. قطيفة: نوع من البسط. # دكة: هي الدكان. # *** # فرابني عنوان الصحيفة، ومرأى هذه البدعة الطريفة، ودعاني التطير بتلك ~~المناحس، إلى أن عمدت لذلك الجالس؛ فعزمت عليه بمصرف الأقدار، ليعرفني من ~~رب هذه الدار، فقال: ليس لها مالك معين، ولا صاحب مبين، إنما هي مصطبة ~~المقيفين والمدروزين، ووليجة المشقشقين والمجلوزين. فقلت في نفسي: # إنا لله على ضلة المسعى، وإمحال المرعى؛ وهممت في الحال بالرجعى، لكني ~~استهجنت العود من فوري، والقهقرة دون غيري، فولجت الدار متجرعا الغصص، كما ~~يلج العصفور القفص، فإذا فيها أرائك منقوشة، وطنافس مفروشة، ونمارق مصفوفة، ~~وسجوف مرصوفة، وقد أقبل المملك يميس في بردته، ويتبهنس بين حفدته، فحين جلس ~~كأنه ابن ماء السماء، نادى مناد من قبل الأحماء: وحرمة ساسان، أستاذ ~~الأستاذين، وقدوة الشحاذين، لا عقد هذا العقد المبجل، في هذا اليوم الأغر ~~المحجل، إلا الذي جال وجاب، وشب في الكدية وشاب. # *** # رابني: شككني وخوفني. عنوان: دليل. الصحيفة: الكتاب، أراد تطيرت بتلك ms0770 ~~المخارف، وأراد أنها دار خيبة وحرمان. وكان ابن همام في هذه القصة طفيليا ~~على ما وصف به نفسه من الرفاهية، وربما يتولع أهل الظرف والأدب بمثل هذا، ~~فقد حكينا عن إبراهيم بن المهدي وإسحاقالموصلي مثل هذا في أخبار الطفيليين ~~على منادمتهما للخلفاء وكثرة أموالهما. # البدعة: الشيء المبدع الذي لم يفعل قبله مثله. والطريفة: الغريبة ~~المستظرفة. # التطير: التشاؤم. المناحس: جمع منحوس وهو الذي لا يفارقه النحس، وأراد به ~~المخارق والأطمار التي قدم. مصرف الأقدار: هو الله تعالى. رب الدار: مالكها ~~أو الناظر في إصلاحها ما ذكره مما لا يفهم له معنى فهو بسطة المكدين. وقيل ~~المقيفون جمع مقيف، وهو الذي يقفو آثار الناس، أي يتبعهم يطلب لهم شيئا، ~~ويدعو لهم. # والمدروزين: المكدين، ودروزة كلمة أعجمية معناها الكدية. والمشقشق: الذي ~~يحاكي أصوات الطيور فتجتمع إليه فيصطادها. والمجلوز والجلواز: الشرطي الذي ~~يتصرف حول السلطان. # قوله: وليجة، أي مدخل، والوليجة: الموضع الذي يلج الإنسان فيه، أي يدخله PageV02P391 # أو كهف يستتر فيه. القهقرة: الرجوع إلى خلف. ضلة: ضلاله. المسعى: المشي ~~بعجلة، أراد أن مشيه كان لغير فائدة. إمحال: يبوسة وجفوف. فوري: حيني من ~~قبل أن أسكن. الغصص: جمع غصة، وهي ما يختنق بها، وتجرعها صعب. أرائك. سرر ~~مزينة. طنافس: بسط. ونمارق: مخاد. سجوف: ستور. مرصوفة: مضمومة ملتصقة، وجعل ~~البيت بهذه الأمتعة الكثيرة لأنه بيت عرس، فهي تستعد له، وإن كان قد رأى في ~~دهليزه مرقعات تدل على فقر، فإن الغرباء في البلاد يعلقون مرقعاتهم في ~~دهليز الفندق، وبيته في غاية الرفاهية، والدار المذكورة، إنما كانت فندقا ~~للفقراء الغرباء والمكدين. # والجالس في دهاليزها: خادم الفندق، وحين سأله عنها أخبره أنها ليس لها رب ~~معين، إنما هي دار المكدين والمحارفين. وقيل لأحد المكدين: أتبيع مرقعتك؟ ~~فقال: هل رأيت صائدا يبيع شبكته! # المملك: العروس. يميس: يتبختر ويتبهنس، مثله في المعنى. حفدته: خدمه ~~وأتباعه. ويقال: حفد العبد يحفد حفدا، إذا خدم. وفي الدعاء: «وإليك نسعى ~~ونحفد»، أي نخدمك ونعمل لك، وقال الشاعر: [الكامل] # حفد الولائد بينهن وأسلمت ... بأكفهن أزمة ms0771 الأجمال (¬1) # أبو عبيدة، يقال: حفد يحفد، وأحفد يحفد، وفسر طاوس قوله تعالى: بنين ~~وحفدة [النحل: 72]، أي خدما، فهو مطابق للغة، وفسره ابن مسعود رضي الله عنه ~~بالأختان، وهو مطابق لما في المقامة، لأن المكدين لا خدم لهم. وقال الفراء ~~رحمه الله: الحفدة: جمع حافد، ككامل وكملة. ### || AUTO [المنذر ابن ماء السماء] # ابن السماء، الجوهري: ماء السماء لقب عامر بن حارثة الأزدي أبو عمرو ~~مزيقياء، الذي خرج من اليمن لما أحس بسيل العرم، وسمي ماء السماء، لأنه كان ~~إذا أجدب قومه ما نهم، أي كفاهم مئونتهم، حتى يأتيهم الخصب، فكأنه خلف من ~~ماء السماء. وقيل لولده: بنو ماء السماء، وهم ملوك الشأم، والعرب تسمي أيضا ~~بني ماء السماء، لأنهم يعيشون بماء السماء، قال الأزهري رحمه الله: السماوة ~~ماء بالبادية، وكان اسم أم المنذر ماء السماء، فسمته العرب ابن ماء السماء. # وهو المنذر بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي، وأمه ماء السماء، وهي امرأة من ~~النمر بن قاسط، سميت بذلك لجمالها. ولما ملك كسرى الذي اسمه قباذ بن فيروز، ~~خرج في أيامه رجل يقال له مزدك، فدعا الناس إلى الزندقة وإباحة الحرم، وألا ~~يمنع أحد PageV02P392 # أخاه ما يريده. فدعا قباذ المنذر ليدخل في هذا المذهب، فأنف، وأبى المنذر ~~هذا الفعل الخسيس، فطرده قباذ من مملكته، ونفاه عن الحيرة. ودعا الحارث بن ~~عمرو بن حجر آكل المرار، فأجابه. وكان الحارث شديد الملك، فشدد له ملكه، ~~وكانت أم أنوشروان بين يدي قباذ يوما، فدخل عليهمزدك، فلما رآها قال لقباذ: ~~ادفعها إلي لأقضي حاجتي منها. قال له قباذ. دونكها، فوثب إليه أنوشروان، ~~فلم يزل يسأله أن يهب له أمه حتى قبل رجليه، فتركها له. فلما هلك قباذ: ~~وتولى أنوشروان، وجلس في مجلسه أقبل المنذر إليه، وأذن للناس، فدخل عليه ~~مزدك، ودخل عليه المنذر، فقال أنوشروان: كنت أتمنى أمنيتين، أرجو أن يكون ~~الله تعالى قد جمعهما لي، فقال مزدك: وما هما أيها الملك؟ # قال: تمنيت أن أملك فاستعمل هذا الرجل الشريف- يعني المنذر- وأن أقتل ~~هؤلاء الزنادقة، ms0772 فقال له مزدك: أو تستطيع أن تقتل الناس كلهم؟ فقال: إنك ~~لها هنا يا بن الزانية! والله ما ذهب نتن ريح جوربك من أنفي، مذ قبلت رجليك ~~إلى يومي هذا، وأمر به، فقتل وصلب. وقتل في ضحوة واحدة من الزنادقة مائة ~~ألف، وصلبهم، وطلب الحارث، فخرج هاربا بجميع ما معه، وأخذ المنذر في طلبهم، ~~فأخذ من بني آكل المرار ثمانية وأربعين رجلا، فضرب رقابهم وألح في طلب امرئ ~~القيس، فلحق بالسموأل. # وتمام القصة في الثالثة والعشرين. # *** # قوله: الأحماء، أي الأختان. ساسان: شيخ المكدين، قال الفنجديهي: ساسان هو ~~أستاذ المكدين ومقدمهم، وواضع طرائقهم ومعلمهم. قال أبو الفتح إسماعيل بن ~~الفضل ابن الإخشيد السراج المكدي في كتابه: حدثنا أبو بكر البطايرني ~~المكدي، حدثنا محمد ابن علي بن أحمد الفقيه المكدي، حدثنا مليك بن صالح ~~المكدي، قال: سمعت طرارة المكدي، قال: قال ساسان: ألا أدلك على شجرة الخلد ~~وملك لا يبلى؟ قلت: بلى، قال: هي الكدية. # وقوله: أستاذ الأستاذين، حدث أحمد بن الحسن، قال: كنت عند أبي الحسن بن ~~أبي الفضل، فدخل رجل فذكر أنه شاعر، فقال: الشعراء ثلاثة: شاعر وشعرور ~~وشعرة، فأما الشاعر فالمفلق، والشعرور المستملح، والشعرة المستثقل لرداءة ~~شعره. والأستاذون ثلاثة: أستاذ في الدين كالعلماء والفضلاء، وأستاذ في ~~الدنيا كالوزراء والعمال والولاة، وأستاذ لا دين عنده يتعلم منه ولا دنيا ~~ينتفع بها، كالحجام، يسمى أستاذا والبناء والملاح، وبنو ساسان: ملوك الفرس. # قدوة: مقدم. الشحاذين: المكدين والشحاذ: الملح في المسألة، وشحذت السيف ~~بالغت في صقالته. المبجل: المعظم، يقال: بجلته تبجيلا، أي عظمته تعظيما، ~~مأخوذ من البجيل والبجال، وهو الرجل الضخم، وفي الحديث: «أصبتم خيرا ~~تجبيلا»، أي كثيرا PageV02P393 # ضخما. الأغر: المشهور لحسنه. المحجل: الأبيض. شب: ترعرع ونشأ. # فأعجب رهط الصهر ما أشاروا إليه، وأذنوا في إحضار المنصوص عليه، فبرز ~~حينئذ شيخ قد أمال الملوان قامته، ونور الفتيان ثغامته، فتباشرت الجماعة ~~بإقباله، وتبادرت إلى استقباله، فلما جلس على زربيته، وسكنت الضوضاء ~~لهيبته، ازدلف إلى مسنده، ومسح سبلته بيده، ثم قال: الحمد لله المبتدئ ~~بالإفضال، ms0773 المبتدع للنوال، المتقرب إليه بالسؤال، المؤمل لتحقيق الآمال، ~~الذي شرع الزكاة في الأموال، وزجر عن نهر السؤال، وندب إلى مواساة المضطر، ~~وأمر بإطعام القانع والمعتر، ووصف عباده المقربين، في كتابه المبين، فقال ~~وهو أصدق القائلين: والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم [الذاريات: 19]. # أحمده على ما رزق من طعمة هنية، وأعوذ به من استماع دعوة بلا نية. # وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلها يجزي المتصدقين ~~والمتصدقات، ويمحق الربا ويربي الصدقات ... # *** # الملوان والفتيان: الليل والنهار. وثغامته: شعرته. نورها: بيضها. ~~والثغام: نبت أبيض، وهو ضرب من البهمى، منابته الجبال، إذا يبس ابيض بياضا شديدا. # أبو حنيفة: تنبت الثغامة خيوطا طوالا دقاقا من أصل واحد، فإذا جفت ابيضت ~~كلها، وإذا أمحل الثغام، كان أشد بياضا، ويشبه به الشيب، قال المرار ~~الفقعسي: # [الكامل] # أعلاقة أم الوليد بعد ما ... أفنان رأسك كالثغام المخلس (¬1) # وقال حسان رضي الله عنه: [الكامل] # إما نرى رأسي تغير لونه ... شمطا فأصبح كالثغام المحول (¬2) PageV02P394 # والثغام: مرعى، وتعلفه الخيل، وقال بشر وذكر الخيل: [الوافر] # فباتت ليلة وأديم يوم ... على البهمى يجز لها الثغاما (¬1) # قوله: زر بيته: طنفسته، والجمع الزرابي، وقيل هي الوسائد، وقيل الثياب ~~الموشاة. والضوضاء: الأصوات. ازدلف: قرب. مسنده: موضع إسناده. سبلته: # لحيته، وقيل شاربه. # وهذه الخطبة التي ذكر، ليس فيها لفظ إلا وهو يتضمن إشارة للكدية. # قوله: المبتدع، أي الفاعل له قبل أن يفعل. النوال: العطاء. المؤمل: ~~المرجو. # شرع: فرض: ونهر السؤال، من قوله تعالى: وأما السائل فلا تنهر [الضحى: ~~10]، وقال ابن عمران: [الكامل] # إن ابن آدم حين يلحف سائل ... ينقد من حنق عليه فينهره # والله إن يقصده عبد ملحف ... بسؤاله يدنيه منه ويشكره # فسل الإله ولذ به لا تنسه ... فالله يذكر عبده إذ يذكره # وقال أيضا: [الرجز] # سؤالنا دعاؤنا للجنه ... لهم علينا بالقبول منه # من سال منهم ويك أعطينه ... ولو بتمرة فواسينه # أو أجمل الرد لا تنهرنه ... وإن يكن يلحف فاعذرنه # * وادع له الله وصبرنه* # قوله: ندب: أي دعا وحرض. المضطر: الشديد الحاجة. القانع: المتذلل ms0774 عند ~~السؤال. والمعتر: المتعرض للمعروف. والمحروم: الذي لا يسأل أحدا شيئا وهو ~~محتاج. طعمة هنية: الكدية، لأن فائدتها تحصل بلا تحمل تكلف ولا مشقة. دعوة ~~بلا نية: قولك للسائل: الله يعطيك ووسع الله عليك ونحوه، وأنشدوا فيهم: ~~[مجزوء الرمل] # ورجال ونساء ... وبنات وبنونا # وإذا يدعى لهم يو ... ما تراهم يغضبونا # وقال آخر: [الطويل] # ألم ترني أبغضت ليلى وذكرها ... كما أبغض المسكين دعوة سائله # لأن السائل لا يطلب من المسئول الدعاء، إنما يطلب ما يشبع الأمعاء. # ومما يستظرف من هذا ما حكى الأصمعي. قال: مر بي أعرابي سائلا، فقلت له: PageV02P395 # كيف حالك؟ قال: أسأل الناس إلحافا فيعطوني كرها، فلا يؤجرون على ما ~~يعطوني، ولا يبارك لي فيما آخذ، والعمر بين ذلك فان، والأجل قريب والأمل بعيد. # سأل أعرابي رجلا يكنى أبا عمرو عند داره، فقال: يرزقك الله، فعاد إليه ~~يوما آخر فقال بمثل ما قال أمس وتنحنح، ففلتت منه ضرطة، فقال الأعرابي: ~~[الرجز] # إن أبا عمرو لمكبوس الوسط ... إذا سألناه تمطى وضرط # * إعطاؤه: يرزقك الله فقط* # قوله: أشهد أن لا إله إلا الله، أي أعلم وأبين، ومنه: شهد الله، أي أعلم ~~وبين أنه لا إله إلا هو، ومنه: شهد الشاهد عند الحاكم، أي بين له ما عنده ~~وأعلمه الخبر. # يمحق: يزيل ويستأصل. الربا: الحرام وأصله الزيادة. ويربي: يزيد ويكثر، أي ~~يضعفها له. # *** # وأشهد أن محمدا عبده الرحيم، ورسوله الكريم، ابتعثه لينسخ الظلمة ~~بالضياء، وينتصف للفقراء من الأغنياء، فرفق صلى الله عليه وسلم بالمسكين، ~~وخفض جناحه للمستكين، وفرض الحقوق في أموال المثرين، وبين ما يجب للمقلين ~~على المكثرين، صلى الله عليه صلاة تحظيه بالزلفة، وعلى أصفيائه أهل الصفة. ~~أما بعد: فإن الله تعالى شرع النكاح لتتعففوا، وسن التناسل لكي تتضاعفوا، ~~فقال سبحانه: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا [الحجرات: 13] وهذا أبو الدراج، ولاج ابن خراج، ذو الوجه ~~الوقاح، والإفك الصراح، والهرير والصياح، والإبرام والإلحاح، يخطب سليطة ~~أهلها، وشريطة بعلها؛ قنبس بنت أبي العنبس، لما بلغه من ms0775 التحافها بإلحافها، ~~وإسرافها في إسفافها، وانكماشها على معاشها، وانتعاشها عند هراشها. وقد بذل ~~من الصداق شلاقا وعكازا، وصقاعا وكرازا، فأنكحوه إنكاح مثله، وصلوا حبلكم ~~بحبله، وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله [الإسراء: 24]. # أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وأسأله أن يكثر في المصاطب ~~نسلكم، ويحرس من المعاطب شملكم. # *** # ينسخ: يزيل. المسكين: الضعيف الذليل. وخفض جناحه: ألان جانبه، فهو مثل ~~للإشفاق والحنان، وأصله أن الطائر إنما يخفض جناحه على فراخه، ويلحفها به ~~شفقة PageV02P396 # عليها، قال الله تعالى: واخفض لهما جناح الذل من الرحمة [الإسراء: 24]. # واستكان: خضع وذل، وهو استفعل من كان، أصله استكون، نقلت حركة الواو إلى ~~الكاف، فانقلبت الفاء لتحركها في الحكم وانفتاح ما قبلها فهي في الأصل ~~كاستقام وبابه، أو يكون افتعل من السكون لأن الخاضع يقلل الكلام، وأصله ~~استكن، فوصلت فتحة الكاف بألف كقوله: [الرجز] # * قلت وقد جرت على الكلكال* (¬1) # أراد الكلكل، وقال تعالى: فما استكانوا لربهم وما يتضرعون [المؤمنين: 76] # وأنشد أبو علي: [البسيط] # * فما استكان لما لاقى ولا خضعا # قوله: المثرين: الأغنياء. الزلفة: القربة، يقرب بها إلى الله تعالى. ~~أصفيائه: # أحبابه. # الصفة: تشبه: القبلة، والصفة كالسقيفة، وكان أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الغرباء يظعنون إليه من الجهات، وليس عندهم شيء، فيسكنون سقائف ~~المسجد، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرض الناس على الصدقة عليهم، ~~وكان يجلس لهم، فيعلمهم القرآن. وخصهم الحريري بالذكر لأن لهم حالة يشبهون ~~بها المكدين؛ من لباس الخلقان، والعيش من صدقات الناس؛ فهم يتأسون بأهل ~~الصفة، ويجعلونهم حجة على من زجرهم. # ومما يحسن أن ينشد في هذا المعنى قول ابن عمران: [البسيط] # السائلون عيال الله والمال لل ... ه فابذله فيهم خاب من لؤما # فجد على ثقة بالله من خلف ... يا ويح من كان للرحمن متهما! # واحذر من الرد إن الله يمقته ... من غير عذر وشؤم الشح قد علما # الشعوب: جمع شعب، وهو أكبر من القبيلة. الدراج، كناه بذلك لكثرة حركته. # ولاج: كثير الولوج على الناس للكدية. خراج: ms0776 كثير الخروج في طلب رزقه، ~~والولاج: # الخراج الذي يحسن الدخول في أموره والخروج منها، ويقال: فلان ولاج خراج، ~~إذا كان متصرفا في أموره نفاعا لأوليائه، ضرارا لأعدائه. والإفك: سوء ~~الكذب. الصراح: # الظاهر البين، يريد أنه إذا وصف حالته في كديته لا يتكلم إلا بالكذب. ~~الهرير: كثرة PageV02P397 # الصياح والشر، وهرير الكلب: صوته دون نباحه من قلة صبره على البرد. ~~والإبرام: # الإثقال والإضجار، يريد أنه يوالي الصياح على من يكديهم ويثقل عليهم ~~بالعتب على ترك الصدفة حتى يفتدوا منه. والإلحاح: المداومة والإكثار من ~~السؤال. # وقدم الحطيئة المدينة في سنة مجدبة، فمشى أشرافها بعضهم لبعض، خوفا من ~~لسانه، وقالوا: قدم علينا هذا الرجل، وهو يأتي الشريف منا، فإن أعطاه جهد ~~نفسه، وإن حرمه هجاه، فجمعوا له بينهم أربعمائة دينار فأتوه، فقالوا: هذه ~~صلة آل فلان، وهذه صلة آل فلان، فأخذها، وظنوا أنهم قد كفوه المسألة، فإذا ~~هو يوم الجمعة قد استقبل وهو يقول: من يحملني على بغلين كفاه الله كية النار. # السليطة: الحديدة اللسان، وقد سلطت فهي سليطة. شريطة: موافقة بعلها، أي ~~زوجها، أي جاءت على شرط زوجها، فهي مثله في خصالها كلها. قنبس: اسمها، وهو ~~من القبس، وهي الشعلة، كأنها لحدتها شعلة نار تحرق ما مرت به. عنبس: من ~~العبوس، ونونه ونون قنبس زائدتان. التحافها: ارتدائها والتوائها فيه. ~~إلحافها: إلحاحها في السؤال. إسفافها: تساقطها على ما تجمع من الناس، ~~والإسفاف: التتبع لمداق الأمور، والإسفاف: الدخول في الأمر الدنيء، وقد ~~أسف: تعرض للأمر الدنيء. # انكماشها: انحفازها واجتهادها. انتعاشها: قيامها وارتفاعها. هراشها: ~~مشارتها لقرابتها، والمهارشة أصلها للكلاب، وهي أن يترافع الكلبان ~~ويتنابحا، ويعض كل واحد صاحبه، فجعل مدافعتها عند الشر لأقرانها ومضارتها ~~كالهراش للكلاب، ولا تكمل عندهم نجابتها، حتى تفوق أقرانها في الشر والسب ~~بالقبائح وضرب الكف على ذلك، وإلا فهي ناقصة. بذل: أعطى. شلاقا: ثوب مرقع، ~~وليس بعربي، وقيل هو شبه المخلاة، وقيل هو خريطة تجعل فيها كسر الخبز. ~~عكازا: عصا تقرع بها الأبواب، وتضرب بها الكلاب. صقاعا: خرقة بالية تجعلها ~~على رأسها. ms0777 كرازا: إناء تعلقه في ذراعها، تجعل فيه الصدقة. وقيل: الكراز ~~إناء لشرب الماء، وتسميه عامتنا الكرازة، فكان صداق هذه المرأة ثوبا مرقعا ~~تلبسه للكدية. وخرقة بالية لرأسها وعصا تقرع بها الأبواب، وإناء إما أن ~~تجعل فيه ما يدق من الصدقة أو تجعل فيه ماء لشربها عند طوافها للكدية، ~~والكراز هو الخرج، والكراز: كبش يحمل عليه الراعي أداته. عيلة: فقرا. ~~شملكم: عددكم. # المعاطب: المهالك. # وخطأ أبو محمد في الدرة من يذهب من الخواص بالعيلة إلى العيال، وقال: ~~إنما العيلة الفقر، بدليل قوله تعالى: وإن خفتم عيلة [التوبة: 28] وتصريف ~~الفعل منه عال يعيل فهو عائل، والجمع عالة، وفي التنزيل العزيز: ووجدك ~~عائلا فأغنى [الضحى: 8]، وفي الحديث: «لأن تدع ورثتك أغنياءخير من أن ~~تتركهم عالة يتكففون الناس». وأما الذين يعالون فيهم عيال، واحدهم عيل كجيد ~~وجياد، وجمع عيال على PageV02P398 # عيائل كركاب وركائب، وأعال فهو معيل: كثر عياله، وعالهم يعولهم. وفي ~~الحديث: # «ابدأ بمن تعول»، ومن كلام العرب: والله لقد علت حتى علت أي صنت عيالي ~~حتى افتقرت. وأما قوله تعالى: ذلك أدنى ألا تعولوا [النساء: 8] فمعناه ألا ~~تجوروا. # وقال بعض العرب لحاكم حكم عليه بما لم يوافقه: والله لقد علت علي في ~~الحكم، أي جرت، ومن فسر في الآية تعولوا أن معناه تكثر عيالكم فقد وهم. # *** ### || AUTO [عهد الصابي في التطفيل] # وإذ فرغنا من تفسير هذه الخطبة الهزلية، وقد قدمنا أن ابن همام في هذه ~~المقامة طفيلي، فنذكر هنا العهد الذي كتب الصابي بأمر معز الدولة لمحمد بن ~~فريعة الطفيلي ببغداد، وقد استخلفه على التطفيل؛ فإن هذا العهد يوافق خطبة ~~المقامة في كثير من أغراضها. # وذلك عهد عهده محمد بن عبد الرحمن إلى الفضل بن النعمان، حين استخلفه على ~~سنته، واستنابه على حياطة رسومه وسنته؛ من التطفيل على أهل مدينة السلام، ~~وما يتصل بها من أرباضها وأكنافها، وما يجري معها من سوادها وبياضها ~~وأطرافها، لما توسمه فيه من قلة الحياء، وشدة اللقاء، وكثرة اللقم، وجودة الهضم. # وأمره أن يتوسم اسم التطفيل ومعناه، ويعرف ms0778 مغزاه ومنحاه ويتصفحه تصفح ~~الباحث عن حظه بمجهوده، غير القائل فيه بتسليمه وتقليده، فإن كثيرا من ~~الناس قد نسب صاحبه للشره والنهم، وحمله على الجشع والقرم، فمنهم من غلط في ~~استدلاله، فأساء في مقاله، ومنهم من شح بماله، فدفع عنه باحتياله، وكلا ~~الفريقين مذموم، وجميعهما مليم ملوم، ولا يتعلقان بعذر واضح، ولا يتعريان ~~من لباس فاضح. وقد عرفت يا أخي بالتطفيل، ولا عار فيه عند ذوي التحصيل، لأن ~~التطفيل مشتق من الطفل، وهو وقت المساء وأوان العشاء، فلما كثر استعمل في ~~صدر النهار وعجزه، وأوله وآخره، كما قيل: # القمران للشمس والقمر، وكما قيل العمران لأبي بكر وعمر. # وأمره أن يعتمد موائد الكبراء والعظماء بعراياه، ويبسط الأمر بسراياه، ~~فإنه يظفر من إرادته بالغنيمة الباردة، ويصل بها إلى الغريبة الشاردة. فيجد ~~بها من ظرائف الألوان، الملذذة للسان، وبدائع الطعوم، السائغة في الحلقوم، ~~ما لا يجده عند غيرهم، ولا يناله إلا لديهم، لحذق صناعتهم وجودة أدواتهم، ~~وخصب ناديهم، وكثرة ذات أيديهم؛ والله يوفر من ذلك حظنا، ويسدد نحوه لحظنا، ~~ويوضح عليه دليلنا، ويسهل إليه سبيلنا. # وأمره أن يجتلب التكرمة ممن يحصل منهم وده، ويستدعي بالتلطف نائله ورفده، ~~وكثيرا ما يتفق ذلك للمداخلين، ويتيسر للمتوصلين. PageV02P399 # وأمره أن يصادق قهارمة الدور ومدبريها، ويرافق وكلاء المطابخ ومديريها، ~~فإنهم يملكون من أصحابهم أزمة مطاعمهم ومشاربهم. # وأمره أن يتعهد أسواق المتسوقين ومواسم المتبايعين؛ فإذا رأى وظيفة قد ~~زيد فيها، أو أطعمة قد احتشد منها، أتبعها إلى القصد بها، وشيعها إلى ~~المنزل الحاوي لها، واستعلم ميقات الدعوة، ومن يحضرها من أهل اليسار ~~والثروة. # وأمره أن يجتنب مجامع العوام المقلين، ومحافل الرعاع المقترين، وألا ينقل ~~إليها قدما، ولا يغفر لمآكلها فما، فإنها عصابة تجتمع على مضض النفوس ~~والأحوال. وقلة الأحلام والأموال، وفي التطفيل عليها إحجاف بها يؤلم وإزراء ~~بمروءة التطفيل يثلم. # وأمره أن يحوز الخوان إذا حصل، والطعام إذا نقل، حتى يعرف بالحدس ~~والتخمين عدد الألوان في الكثرة والقلة، وافتنانها في الطيب واللذة، فيقدر ~~لنفسه أن يشبع مع آخرها، وينتهي ms0779 عند انتهائها، فلا يفوته نصيب من كثيرها ~~وقليلها، ولا يخطئه الحظ من دقيقها وجليلها. ومتى أحس بنقلة الطعام وحجره، ~~أمعن في أوله إمعان الكيس في سعيه، والرشيد في أمره، فإنه إذا فعل ذلك سلم ~~من عواقب الأغمار الذين يكفون طرفا، ويقلون تأدبا، ويظنون أن المائدة ~~تبلغهم إلى آخر حاجتهم، وتنتهي بهم إلى حد غايتهم، فلا يلبثون أن يخجلوا ~~خجلة الوامق الراغب، وينقلبوا بحسرةالراهق الخائب. # وأمره أن يروض نفسه، ويغالط حسه، ويضرب عن كثير مما يلحقه صفحا، ويطوي ~~دونه كشحا، ويستحسن الصمم عن الفحشاء، ويغمض عن اللقمة الخشناء، وإن أتته ~~الوكزة في حلقه، صبر عليها لأجل الوصول إلى حقه، وإن وقعت الصفعة في رأسه، ~~عض عليها بمواقع أضراسه، وإن لقيه لاق بالجفاء، قابله باللطف والصفاء، إذا ~~كان ولج الأبواب، وخالط الأصحاب، وجلس مع الحضور، واختلط بالجمهور، فلا بد ~~أن يلقاه المنكر لأمره، ويمر به المستغرب لوجهه، فإن كان حرا حسنا أمسك ~~وتذمم، وإن كان فظا غليظا همهم وتكلم. وأن يستعمل مع المخاطب له الملاينة، ~~وأن يجتنب عند ذلك المخاشنة ليرد غيظه ويقل حده، ويكف غربه ويأمن سعيه. ~~وأمره أن يتعهد الجوارشات المعدة للعدد، والمقوية للمعد، المشهية للطعام، ~~المسهلة سبيل الانهضام، وأن يكون في اتخاذها كالكاتب الذي يخط أقلامه، ~~والفارس الذي يصقل حسامه. # وأمره إذا غشي أبواب الملوك وأهل السلطان، أن يصانع البواب والحجاب ويخدم ~~القواد والكتاب، فإذا دخل السواد الأعظم، توسط الجمع لا يتأخر ولا يتقدم، ~~بعد أن يجمل ثيابه، ويحسن كلامه وجوابه، فطعام الأمراء تدعى إليه الحفلاء ~~احتفالا، ويتكفل بالوفود على العموم اكتفالا. # فهذا العهد مطابق لأحوال هذه المقامة. PageV02P400 ### || AUTO [من الخطب الهزلية] # ومما يتصل بخطبة المقامة من الخطب الهزلية ما حدثوا: # أن رجلا خطب إلى قوم، وجاء يخطب، فاستفتح خطبة النكاح بحمد الله فأطال، ~~ثم ذكر خلق السموات والأرض واقتصر، ثم ذكر القرون حتى ضجر من حضر، ثم التفت ~~إلى الخاطب فقال: ما اسمك أعزك الله؟ فقال: والله قد نسيت اسمي من طول ~~خطبتك، وهي طالق ثلاثا إن تزوجتها ms0780 بهذه الخطبة. فضحك القوم وعقدوا له في ~~مجلس آخر. # أنكح خالد بن صفوان عبده أمته، فقال له العبد: لو دعوت الناس فخطبت. قال: # ادعهم أنت، فدعاهم، فلما اجتمعوا تكلم خالد، فقال: إن الله أعظم وأجل من ~~أن يذكر في نكاح هذين الكلبين، وأنا أشهدكم أني قد زوجت هذه الزانية من هذا ~~ابن الزانية. # خطب مصعب بن حيان خطبة نكاح، فحصر فقال: لقنوا موتاكم «لا إله إلا الله». # فقالت له الجارية: عجل الله موتك، ألهذا دعوناك! . # خطب ثقيل في تزويج فأطال، فقام واحد من القوم، وقال: إذا فرغ الثقيل، ~~بارك الله لكم، فإن علي شغلا أريد المبادرة فيه. وخطب رجل امرأة، فجعل يخطب ~~وينعظ، فضرب رأس ذكره بيده وقال: مه! إليك يساق الحديث. # *** # فلما فرغ الشيخ من خطبته، وأبرم للختن عقد خطبته، تساقط من النثار ما ~~استغرق حد الإكثار، وأغرى الشحيح بالإيثار. ثم نهض الشيخ يسحب ذلاذله، ~~ويقدم أراذله. # قال الحارث بن همام: فتبعته لأنظر عرجة القوم، وأكمل بهجة اليوم. فعاج ~~بهم إلى سماط زينته طهاته، وتناصفت في الحسن جهاته. فحين ربع كل شخص في ~~ربضته، وطفق يرتع في روضته، انسللت من الصف؛ وفررت من الزحف فحانت من الشيخ ~~لفتة إلي، ونظرة هجم بها طرفه علي، فقال: إلى أين يا برم؟ # هلا عاشرت معاشرة من فيه كرم! فقلت: والذي خلقها طباقا، وطبقها إشراقا لا ~~ذقت لماقا، ولا لست رقاقا، أو تخبرني: أين مدب صباك، ومن أين مهب صباك؟ # فتنفس الصعداء مرارا، وأرسل البكاء مدرارا، حتى إذا استنزف الدمع، استنصت ~~الجمع، وقال لي: أرعني السمع. # *** # قوله: أبرم، أي أحكم وسدد والختن: ولي الزوجة مثل الأب والأخ وابن العم، PageV02P401 # فهم الأختان، وكل شيء من قبل الزوج، فهم الأحماء، واحدهم حما مثل قفا، ~~وحمو مثل أبو، وحمد مهموز، والأصهار تجمعهم. # والخطبة: مراسلة المرأة للزواج. والنثار: ما نثر عليه من الدراهم، وقد ~~نثرت الشيء نثرا إذا رميت به متفرقا، وأصحاب الزوج تدخلهم حمية عند ذلك ~~فينثر كل واحد منهم من الدراهم ما أمكنه، فتجمع ويشترى ms0781 منها أنواع الأطعمة، ~~ولذلك قال: أغرى الشحيح بالإيثار: أي حرضه على أن يتكرم. واستغرق: جاوز. ~~وحدث ابن قتيبة عن أبي عثمان، قال: مررت بمحضر قد اجتمع فيه خلق كثيرون، ~~فسألت بعضهم: ما جمعهم؟ # فقال: هذا سيد الحي تزوج منا فتاة، فتكلم الشيخ فقال: الحمد لله صلى الله ~~عليه وسلم أما بعد؛ فإن الله جعل المناكحة- التي رضيها فعلا، وأنزلها وحيا- ~~سبب المناسلة، وإن فلانا ذكر فلانة، وبذل لها من الصداق كذا، وقد زوجته ~~إياها، وأوصيته بوصية الله فيها، ثم قال: هاتوا نثاركم، فقلبت على رءوسنا ~~غرائر التمر. # قوله: ذلاذله، أي أطراف ثوبه، والذلذل: ما يلي الأرض من أسفل القميص، ~~أراذله: جمع أرذل، وهو الدنيء، والرذل والمرذل والرذيل: الدون. والعرجة: ~~التعريج، ويقال: ما عليه عرجة ولا تعريج، أي إقامة. وبهجة الشيء: حسنه ~~ونضارته. وعاج: # مال. والسماط: كل مستو على نسق، وصف الناس سماط وأراد به المائدة. ~~والطهاة: # الطباخون من الناس. تناصفت: اعتدلت، وأنصف كل جزء منها صاحبه، والتناصف: # اعتدال الحسن. ربع: جلس، يقال: ربعت بالمكان: أقمت به، وربعت الحجر: ~~رفعته باليد، لأنظر شدتي. وربع: وقف وتحبس. ربضته: موضعه الذي يقعد فيه، ~~والربضة: # القطعة الغليظة من الثريد. يرتع: يأكل، وفلان يرتع، أي هو مخصب لا يعدم ~~شيئا يريده. الروضة: موضع العشب، وأراد بها ما بين أيديهم من الطعام. ~~الزحف: الضرب والوثوب إلى الشر، وأراد أنه لما جلس كل انسان أن يأكل خشي هو ~~إن جلس للأكل أن يغرم ويشتهر بأنه طفيلي، فيحتاج أن يتدافع، وأن يتواثب مع ~~صاحب الحانوت في ثمن ما أكل، ففر من ذلك. والزحف: مشي الأعمى. لفتة: نظرة ~~بالتواء، كأنه يلوي عنقه فينظر، ولفت إليه لفتا والتفت: صرف وجهه إليه. ~~وهجم: دخل عليه بغتة. برم: بخيل، وهو الذي لا يدخل مع القوم فيما دخلوا فيه ~~من المغرم. والمعاشرة: ترك المخالفة في الصحبة. طباقا: جمع طبق، أي هي طبق ~~فوق طبق، يعني السماء. وطبقها: ملأها وعمها، يقال: طبق الغيم تطبيقا إذا ~~أصاب بمطره جميع الأرض. إشراقا: نورا وضوءا. # لماقا، الأصمعي رحمه الله: ms0782 هو ما يشرب، فإن أردت نفيه، قلت: ما ذقت ~~لماقا، وأنشد: [الوافر] # كبرق لاح يعجب من رآه ... ولا يشفي الحوائم من لماق (¬1) PageV02P402 # الحوائم: العطاش، وحكى يعقوب أن اللماق يصلح في الأكل والشرب، قال ابن ~~كيسان: هو الشيء اليسير من الطعام والشراب. # لست رقاقا: أكلت خبزا مرققا، واللوس: تتبع بقية الشيء الحلو في فمك. ابن ~~سيده: لاس لوسا: تتبع الحلاوة، فأكلها، وما ذاق لوسا ولا لواسا، أي ذواقا، ~~ولا يلوس كذا، أي لا يتناوله. # أو تخبرني: حتى تخبرني. أين مدب صباك، يريد أين ولدت فدببت صغيرا. مهب ~~صباك: مجيء ريحك، وأراد أين بلدك. الصعداء: التنفس بتوجع وهي من فعل ~~المهموم. استنزف الدمع: استفرغه بالبكاء حتى انقطع، ونزف وأنزفه: أفناه ~~بالبكاء، واستنصت: أمرهم بالسكوت. # *** ### || AUTO [الرمل] # مسقط الرأس سروج ... وبها كنت أموج # بلدة يوجد فيها ... كل شيء ويروج # وردها من سلسبيل ... وصحاريها مروج # وبنوها ومغان ... يهم نجوم وبروج # حبذا نفحة ريا ... ها ومرآها البهيج # وأزاهير رباها ... حين تنجاب الثلوج # من رآها قال مرسى ... جنة الدنيا سروج # ولمن ينزاح عنها ... زفرات ونشيج # مثل ما لاقيت مذ زح ... زحني عنها العلوج # عبرة تهمي وشجو ... كلما قر يهيج # وهموم كل يوم ... خطبها خطب مريج # ومساح في الترجي ... قاصرات الخطو عوج # ليت يومي حم لما ... حم لي منها الخروج # مسقط الرأس، يريد الموضع الذي سقط فيه رأسه عند ما ولد. أموج: أتصرف ~~وأتحرك، والمائج: المضطرب. يروج: يتعجل. وردها: ماؤها. السلسبيل: عين في PageV02P403 # الجنة، والسلسبيل الخمر. والمروج: المواضع الخصبة. مغانيهم: منازلهم. ~~والبروج: # منازل القمر، وأراد أنهم في الحسن والرفعة كالنجوم، وأن دورهم في العلو ~~والاستواء كالبروج. # وسبقه الحلواني القيرواني إلى هذا التشبيه، فقال يتشوق إلى القيروان بعد ~~خرابها: # [الخفيف] # ليت شعري وليت حرف تمن ... ربما علل الفؤاد السقيما # كيف يا قيروان حالك لما ... نثر البين سلكك المنظوما # كنت أم البلاد شرقا وغربا ... فمحا الدهر وشيك المرقوما # نحن أولادها ولكن عققنا ... بعد أن لم نطق بها أن نقيما # دمن كانت البروج وكنا ... أمرا في قبابها ونجوما # وقال السري ms0783 يتشوق إلى الموصل وكان بحلب: [الكامل] # أمحل صبوتنا دعاء مشوق ... يرتاح منك إلى الهوى الموموق # فمتى أزور قباب مشرفة الذرا ... فأدور بين النسر والعيوق # وأرى الصوامع في غوارب أكمها ... مثل الهوادج في غوارب نوق # محمرة الجدران ينتح طيبها ... فكأنها مبنية بخلوق # حمرا تلوح خلالها بيض كما ... فصلت بالكافور بين عقيق # كلف تذكر قبل ناهية النهى ... ظلين: ظل هوى وظل حديق # فتفرقت عبراته في خده ... إذ لا مجير له من التفريق # وقال الثعالبي: ما نظرت إلى الصوامع مذ برزت من نيسابور إلا ذكرت بيته، ~~فأرى الصوامع، واستأنفت العجب من حسن هذا التشبيه وبراعته. # *** # قوله: نفحة رياها، أي حركة رائحتها الطيبة. مرآها البهيج: منظرها الحسن، ~~وأزاهير رباها: أنوار كداها، وهي جمع أزهار، وأزهار جمع زهر، وهو النور. تنجاب: # تزول. # ثم قال: سروج هي الموضع الذي أرست به جنة الدنيا، أي ثبتت فيه فكأنه قال: # جنة الدنيا هي سروج. وسروج هذه بلد بقري وعمارات، وهي من بلاد الجزيرة ~~وكورها المشهورة، والجزيرة انقسمت قسمين: ديار ربيعة وديار مضر، وسروج من ~~كور ديار مضر، وهي ثغرية إذا كان للمسلمين قوة يملكونها، وإذا ضعفوا غلبهم ~~الروم، عليها وهي كثيرة الثلج والبرد. PageV02P404 # قوله: ينزاح: يبعد. النشيج: البكاء. والزفرة: تنفس المهموم. زحزحني: نحاني. # تهمي: تسيل. شجو: حزن. قر: سكن. يهيج: يتحرك. خطبها: أمرها مريج: مختلط. # مساع: مواضع تصرفه، ويكون المسعى مصدرا بمعنى السعي. قاصرات، أي قصيرة، ~~وكذا استعمالها لأن فعلها قصر، واسم فاعلها فعيل مثل ظرف فهو ظريف. الخطو: ~~جمع خطوة. عوج: معوجة. يومي حم، أي يوم موتي قدر، أراد: ليت أني مت ولا أرى ~~خروجي منها. # أنسى رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يتمنين أحدكم الموت ~~لضر نزل به، فإن كان لا بد فاعلا، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا ~~لي: وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي» (¬1). # جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تمنوا الموت ~~فإن هول المطلع شديد، وإن من السعادة أن يطول عمر العبد، ms0784 وأن يرزقه الله ~~الإنابة» (¬2) وفي معنى وصفه سروج وبكائه عليها، قال الحصري الأعمى يتشوق ~~إلى القيروان: [البسيط] # أيا سقى الله أرض القيروان حيا ... كأنه عبراتي المستهلات # فإنما لذة الجنات تربتها ... مسكية وحصاها جوهريات # أرض أريضة، أقطار مباركة ... لله فيها براهين وآيات # وحدثني الفقيه أبو عبد الله بن زرقون في بستانه بطريانة، أيام قراءتي ~~عليه النوادر والكامل، وكان رحمه الله ذاكرا بالطريقة الأدبية، مع تميزه ~~بالطريقة الفقهية، فدارت بيني وبينه في إحدى العشيات أنواع من المذاكرات في ~~فنون أدبيات، فاهتز رحمه الله، وهش، وأظهر السرور بي- وأنا يومئذ غلام ما ~~بقل عذاري- فقال: لقد علمت أن بيني وبينك أخوة، قلت: وكيف ذاك يا سيدي؟ ~~فقال: إني ولدت ببلدك شريش؛ فزدت بالحديث غبطة، واستزدت منه، فقال لي: ومع ~~ذلك فثم قصة مستظرفة: # اعلم أني كنت اجتزت بشريش قافلا من العدوة، مع الفقيه أبي بكر عبد الله ~~بن العربي رحمه الله. فلما صرنا في بطاحها، وبين كرماتها وجنانها، أخذ ~~الفقيه أبو بكر يثني عليها بكل لسان، على كثرة ما رأى من البلدان، ويقول: ~~إن الأشياء التي جمعت فيها لا تكاد تجتمع في بلدة، من كثرة الزرع والضرع ~~والزيت والعصير والملح وغير ذلك، فقلت له: أعلمت أني ولدت بها؟ فقال لي أبو ~~بكر: أتقول أنت الآن: [مجزوء الرمل] # * مسقط الرأس شريش* PageV02P405 # فقلت له مجيزا: [مجزوء الرمل] # * وبها كنت أعيش* # فقال أبو بكر: [مجزوء الرمل] # * بلدة يوجد فيها* # فقلت: [مجزوء الرمل] # * كل شيء ويريش* # فقال أبو بكر: [مجزوء الرمل] # * وردها من سلسبيل* # فقلت: [مجزوء الرمل] # * وصحاريها عريش* # ثم سرنا في طريقنا على قوافي السروجية، فرددناها شريشية، وقطعنا بها ~~الطريق ونحن لا نشعر، فكانت أسر عشية رأيت، بمجالسة مثل هذا الفاضل وسنه قد ~~نيف على الثمانين بسنتين، يحدثني عن ابن عربي وابن عبدون الكاتب ونظرائهم، ~~في رياض كلها نزهة على نهر إشبيلية، وهي أمامنا على بهجتها وجمالها، مادحا ~~لي ولبلدي، ليدخل علي بذلك المسرة، نسأل الله أن يبلغه غاية السرور في دار ~~البقاء. # *** # قال: فلما بين بلده، ووعيت ms0785 ما أنشده. أيقنت أنه علامتنا أبو زيد، وإن كان ~~الهرم قد أوثقه بقيد. فبادرت إلى مصافحته، واغتنمت مؤاكلته من صفحته، وظلت ~~مدة مقامي بمصر أعشو إلى شواظه، وأحشو صدفتي من در الفاظه، إلى أن نعب ~~بيننا غراب البين، ففارقته مفارقة الجفن للعين. # *** # قوله: وعيت، أي حفظت. علامتنا: عالمنا المشهور بالعلم. أوثقه: ربطه وشده، ~~وقد تقدم هذا القبيل من الهرم في أخبار وأشعار حسان، مصافحته: معانقته ووضع ~~كفي على كفه. # ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما ~~امرئ يصافح أخاه ليس في صدر واحد منهما على أخيه إحنة لم تتفرق أيديهما حتى ~~يغفر الله لهما ما مضى من ذنوبهما» (¬1). PageV02P406 # الإحنة: الحقد. # اغتنمت: حسبتها غنيمة. مؤاكلته: الأكل معه. # ابن عمر رضي الله عنهما: طعام السخي دواء، وطعام الشحيح داء. # ظلت، أي دمت، قال تعالى: الذي ظلت عليه عاكفا [طه: 97]، أي دمت عليه ~~مقيما. قال سيبويه رحمه الله: أصله: ظللت. الليث: يقال: ظل نهاره صائما. ~~ولا تقول العرب: ظل إلا لكل عمل بالنهار، كما لا تقول: بات إلا للعمل ~~بالليل. أعشو: # أنظر ببصر ضعيف. شواظه. ناره، والشواظ لهب النار الذي لا دخان فيه. صدفتي: # أذني. نعب: صاح. البين: الفراق، والغراب إذا صاح عندهم تشاءموا به، وقد ~~تقدم ذلك. مفارقة الجفن للعين، أي مسرعا بقدر ما تفتح عينك. PageV02P407 ### | AUTO المقامة الحادية والثلاثون وهي الرملية # حكى الحارث بن همام قال: كنت في عنفوان الشباب، وريعان العيش اللباب، ~~أقلى الاكتنان بالغاب، وأهوى الاندلاق من القراب؛ لعلمي أن السفر، ينفج ~~السفر، وينتج الظفر، ومعاقرة الوطن تعقر الفطن، وتحقر من قطن، فأجلت قداح ~~الاستشارة، واقتدحت زناد الاستخارة، ثم استجشت جأشا أثبت من الحجارة. ~~وأصعدت إلى ساحل الشام للتجارة، فلما خيمت بالرملة، وألقيت بها عصا الرحلة، ~~صادفت بها ركابا تعد للسرى، ورحالا تشد إلى أم القرى. # *** # عنفوان وريعان، معناهما أول. اللباب: الخالص. أقلى: أبغض. الاكتنان: # الاستتار والإقامة في الكن. والغاب: الشجر الملتف، وهو بيت الأسد، وأراد ~~به بلدته، وأنه كان يكره الإقامة ms0786 بها ويحب السفر. أهوى: أحب. الاندلاق: # الخروج بسرعة وسهولة. والقراب: وعاء يجعل فيه السيف، وهو غمده. السفر: # جمع سفرة، وهي التي يجعل فيها الخبز ويضم عليها بحلق، وتستعمل في السفر. ~~ينفج: يكثر، أي تكثر المأكولات في السفر فتنفج به. ينتج: يولد. # الظفر: الفوز بالحاجة. معاقرة الوطن: ملازمة بلد الإنسان. تعقر الفطن: ~~تميت القلوب وتبلد الأذهان. قطن: سكن وأقام، فيريد أن الإقامة في ~~بلدالإنسان تحقر شأنه وتبلد خاطره. ### || AUTO [الوطن ومما قيل فيه شعرا] # قال الشاعر: [الكامل] # أنفق من الصبر الجميل فإنه ... لم يخش فقرا منفق من صبره # والمرء ليس ببالغ في أرضه ... كالصقر ليس بصائد في وكره # وأنشد الفنجديهي: [مجزوء الكامل] PageV02P408 # نقل ركابك في الفلا ... ودع العوالي والقصور # فمحالفو أوطانهم ... أشباه سكان القبور # لولا التغرب ما ارتقى ... در البحور إلى النحور # وقالوا: من لم يصاحب البر والفاجر، ولم يؤدبه الرخاء مرة والشدة أخرى، ~~ولم يخرج من الظل إلى الشمس، فلا ترجه. وتقدم مثل هذا في التاسعة. # وقال أبو العباس الأعمى: [البسيط] # مللت حمص وملتني فلو نطقت ... كما نطقت تلاحينا على قدر # وسولت لي نفسي أن أفارقها ... والماء في المزن أصفى منه في الغدر # أما اشتفت مني الأيام في وطني ... حتى تضايق بي ما عز من وطري # ولا قضت من سواد العين حاجتها ... حتى تكر على ما كان في السفر # وقال البحتري: [الطويل] # وليس اغترابي من سجستان أنني ... عدمت بها الإخوان والدار والأهلا (¬1) # ولكنني مالي بها من مشاكل ... وإن الغريب الفرد من يعدم الشكلا # ولأبي الفتح البستي عفا الله عنه: [الكامل] # ما أنصفت بغداد حين توحشت ... لنزيلها وهي المحل الآنس (¬2) # لم يرع لي حق القرابة بحتر ... فيها ولا حق المروءة فارس # وتعقب عليه المعري في هذا فقال في أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي ~~القاضي: [البسيط] # ذم الوليد ولم أذمم جواركم ... فقال ما أنصفت بغداد حييتا (¬3) # فإن لقيت وليدا والنوى قذف ... يوم القيامة لم أعدمه تبكيتا # أحسنت ما شئت في تأنيس مغترب ... ولو بلغت المدى أحسنت ماشيتا # وقال أبو الفتح البستي: ms0787 [الطويل] # وما غربة الإنسان في شقة النوى ... ولكنها والله في عدم الشكل # وإني غريب بين بست وأهلها ... وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي PageV02P409 # ولأبي بكر بن بقي: [البسيط] # أقمت فيكم على الإقتار والعدم ... لو كنت حرا أبي النفس لم أقم # فلا حديقتكم يجنى لها ثمر ... ولا سماؤكم تنهل بالديم # أنا امرؤ إن نبت بي أرض أندلس ... جئت العراق فقامت لي على قدم # ما العيش بالعلم الإحالة ضعفت ... وحرفة وكلت بالقعدد الهرم # وللفقيه أبي محمد بن حزم: [الطويل] # ولي حول أكناف العراق صبابة ... ولا غرو أن يستوحش الكلف الصب # فإن ينزل الرحمن رحلي بينهم ... فحينئذ يبدو التأسف والكرب # هنالك يدري أن للبعد قصة ... وأن كساد العلم آفته القرب # *** # قوله: أجلت، أي صرفت. قداح: سهام. الاستشارة: مشاورة غيره في رأيه، ~~وإجالة القداح تأتي في الثالثة والأربعين، واستعار هنا لمن يستشيره في أمر ~~السفر قداحا، فإن وافق رأيه فكأنه خرج له على السهم: «افعل» وإن خالفه ~~فكأنه خرج عليه «لا تفعل». # اقتدحت: ضربت. زناد: ما يكون فيه النار. الاستخارة: طلب الخيرة من الله تعالى. # استجشت: حركت. جأشا: نفسا، وهي في سكونها عن السفر كالحجر فلا تتحرك ~~للسفر. أصعدت: طلعت. خيمت: أقمت. # الرملة: بلدة بالشام، سمتها العرب بالرملة لما غلب عليها الرمل، وهي من ~~كور فلسطين، بينها وبين بيت المقدس ثمانية عشر ميلا، وكانت لد مدينة فلسطين ~~القديمة، فلما ولي الخلافة سليمان بن عبد الملك ابتنى مدينة الرملة، وخرب ~~لد، ونقل أهل لد إليها، فصارت الرملة مدينة فلسطين. # ألقيت: تركت. الرحلة: الارتحال، وكني بإلقاء العصا عن الإقامة بعد أن تهيأ. # أم القرى: مكة. وكنا نوينا ترك ذكر مكة لشهرتها، ثم وجدنا شيخنا ابن جبير ~~قد ذكر فيها أشياء قل من يضبطها، فأثبتناها إعلاما لمن أحب استطلاعها، ~~وتبركا بذكر البيت الشريف أعزه الله تعالى. ### || AUTO [مكة المكرمة] # قال شيخنا: مكة بلد قد وضعها الله تعالى بين جبال محدقة بها، وهي في بطن ~~واد، مدينة كبيرة مستطيلة لها ثلاثة أبواب: # باب المعلى يخرج منه إلى الجبانة ms0788 بالموضع الذي يعرف بالحجون عن يسار ~~المار إليها جبل في أعلاه ثنية، عليها علم يشبه البرج منها إلى العمرة، ~~وتعرف الثنية بكداء، PageV02P410 # وهي التي جعلها حسان موعد خيل الإسلام في قوله: [الوافر] # * تثير النقع موعدها كداء (¬1) * # ومنها دخلت مكة يوم الفتح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ادخلوها ~~من حيث قال حسان». # والحجون هو الذي قال فيه الحارث بن مضاض: [الطويل] # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر (¬2) # وعن يسار المار إليها جبل، وفي جبانة الحجون مدفن جماعة من الصحابة دثرت ~~اليوم قبورهم، وفيها بقية علم ظاهر، وهو موضع خشبة عبد الله بن الزبير، كان ~~في موضعه بناء مرتفع، فهدمه أهل الطائف غيرة منهم على ما كان يجدد من لعنة ~~الحجاج صاحبهم وعن يمينك إذا استقبلت الجبانة مسجد في مسيل بين جبلين، وهو ~~الذي بايعت الجن فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى باب الحجون طريق ~~الطائف والعراق، والصعود إلى عرفات، والباب بين الشرق والشمال مائلا إلى الشرق. # الباب الثاني: باب السفلى إلى جهة الجنوب، عليه طريق اليمن، ومنه دخل ~~خالد ابن الوليد، يوم الفتح. # الباب الثالث: باب العمرة يعرف بالباب الزاهر، عليه طريق المدينة والشأم ~~وجدة، وهو غربي، ومنه يخرج إلى التنعيم، وهو على فرسخ من مكة، وهو أقرب ~~ميقات للمعتمرين، وطريقه حسن، فيه الآبار العذبة المسماة بالشبيكة. # وعلى ميل من مكة في طريق التنعيم يلفى مسجد بإزائه حجر كالمصطبة، يعلوه ~~حجر آخر مسند، فيه نقش داثر، يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم قعد عليه ~~مستريحا عند مجيئه من العمرة، يمسح الناس خدودهم به تبركا. وبعده بغلوة على ~~يسار الطريق قبر أبي لهب وامرأته، قد علاهما جبلان عظيمان من الصخر لرجم ~~الناس على قديم الدهر. # وعلى قدر ميل يلفى الزاهر، وهو مبني على جانبي الطريق، يحتوي على دار ~~وبساتين لأحد المكيين، وفيه مكان مستطيل، عليه كيزان الماء، ومراكن مملوءة، ~~وهي القصاري للشرب والطهور، وفيه منفعة كبيرة للمعتمرين. # وعلى جانبي الطريق في الزاهر ms0789 أربعة أجبال: جبلان، من هنا وجبلان من هنا، PageV02P411 # يذكر أنها التي جعل إبراهيم عليه السلام أجزاء الطير عليها، ثم دعاها عند ~~قوله: رب أرني كيف تحي الموتى [البقرة: 26]. # وعند إجازتك بالزاهر تمر بالوادي المعروف بذي طوى، كان ابن عمر رضي الله ~~عنهما يغتسل فيه عند دخوله مكة، وفيه نزل النبي عليه الصلاة والسلام عند ~~دخوله، وفيه مسجد إبراهيم عليه السلام، وفيه آبار نعرف بالشبيكة. ثم تخرج ~~من الوادي إلى أعلام، وهي أحجار موضوعة بين الحل والحرم، كالأبراج ~~المصفوفة، فداخلها إلى جهة مكة حرم، وهي كالأبراج، وآخذة من أعلى جبل، ~~يعترض عن يمين الطريق في [التوجه] # إلى العمرة، وينشق الطريق إلى جبل عن يساره، وهما ميقات المعتمرين، ~~[وفيها مساجد مبنية بالحجارة] وخارجها بنحو غلوتين مسجد عائشة رضي الله عنها. # ومن جبال مكة جبال أبي قبيس، وهو على الحرم في الجهة الشرقية يقابل الحجر ~~الأسود، في أعلاه مسجد عليه سطح يشرف على مكة، ويظهر حسنها وحسن الحرم ~~واتساعه وجمال الكعبة، وهو مستودع الحجر الأسود من الطوفان، حتى أداه إلى ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وفيه قبر آدم عليه السلام، وهو أحد أخشبي ~~مكة، والأخشب الثاني المتصل بقعيقعان في الجهة الغربية، وفيه موقف النبي ~~صلى الله عليه وسلم، عند انشقاق القمر. # ومن جبالها حراء، على مقدار فرسخ، ومشرف على منى، وهو مرتفع في الهواء، ~~كان متعبد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي اهتز تحته، فقال: اسكن حراء، ~~فما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان، لعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله ~~عنهما، وفيه نزلت أول آية من القرآن، وهو آخذ من المغرب إلى الشمال، وعلى ~~طرفه الشمالي جبانة الحجون المتقدمة. # ومن جبالها جبل ثور، وهو في الجهة اليمانية على فرسخ أو أزيد، وفيه الغار ~~الذي أوى إليه النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى مقربة من الغار قبة جبريل، ~~وهي عمود منقطع من الجبال، قد قام شبه الذراع المرتفعة مقدار نصف القامة، ~~وانبسط من أعلى شبه الكف، كأنه قبة مبسوطة، يستظل تحتها نحو العشرين ms0790 رجلا، ~~ومن مكة إلى منى نحو خمسة أميال. # ومنى مدينة عظيمة الآثار واسعة الاختطاط، وقد خربت اليوم إلا منازل يسيرة ~~محدثة للنزول، كان الطريق إليها الميدان اتساعا وانفساحا. وأول ما يلقى ~~المتوجه إليها بقربها مسجد البيعة التي عقدها العباس للنبي صلى الله عليه ~~وسلم على الأنصار، ثم يفضي بها إلى جمرة العقبة، وهي أول منى وعليها مسجد، ~~وبها علم منصوب شبه أعلام الحرم المذكورة، يجعله الرامي عن يمينه مستقبلا ~~مكة، ويرمي بها سبع حصيات يوم النحر أثر طلوع الشمس، ثم ينحر أو يذبح، ~~ويحلق أو يقصر، ومنى كلها منحر، ويحل له كل الأشياء إلا النساء، وبعدها ~~الجمرة الوسطى، وبها أيضا علم، وبين الجمرتين قدر غلوة، وبعدها بمقدار غلوة ~~الجمرة الأولى التي ترمى وقت الزوال ثاني يوم النحر بسبع حصيات، وفي PageV02P412 # الوسطى بسبع، وفي جمرة العقبة بسبع، فتلك إحدى وعشرون حصاة، ويفعل ذلك في ~~ثالث يوم النحر، فتلك اثنتان وأربعون حصاة، وسبع تقدمت يوم النحر فتكمل تسع ~~وأربعون حصاة. # وفي أثر ذلك ينفض الحاج إلى مكة، وعند الجمرة الأولى يلفى مجرى الذبيح ~~عليه السلام، وفي موضع المجرى حجر ملصق بجدار فيه أثر قدم صغيرة، يقال إنها ~~أثر قدمه، عند تحركه لان له الحجر إشفاقا، فيقبله الناس ويلمسونه تبركا به. # ومسجد الخيف آخر منى، وهو متسع الساحة، كأكبر ما يكون من الجوامع، ~~وصومعته في رحبة المسجد، وله في القبلة أربع بلاطات، وهو مسجد مشهور ~~البركة، ومن منى إلى المزدلفة نحو خمسة أميال، والمزدلفة تسمى المشعر ~~الحرام وجمعا فلها ثلاثة أسماء. ووادي محسر حد بين المزدلفة ومنى. ~~والمزدلفة بسيط من الأرض فسيح حولها صهاريج للماء، وفي وسط البسيط حلق في ~~وسطها قبة، في أعلاها مسجد يصعد إليه على أدراج من جهتين، يزدحم الناس عليه ~~للصلاة فيه عند مبيتهم بها، وبين المزدلفة وعرفات أزيد من خمسة أميال. # وعرفات بسيط من الأرض [على] مد البصر، لو حشر الخلائق فيه لوسعهم، تحدق ~~به جبال كثيرة. وفي آخر البسيط جبل الرحمة، وهو موقف الناس، والعلمان قبله، ~~فما ms0791 أمامهما إلى عرفات جبل، وما دونهما حرم. # وجبل الرحمة منقطع عن الجبال، قائم في البسيط، فهو كله حجارة. وكان صعب ~~المرتقى، فأحدثوا فيه من أربع جهاته أدراجا وطيئة يصعد فيها بالدواب ~~الموقرة. وفي أعلاه قبة تنسب لأم سلمة رضي الله عنها، وفي وسطها مسجد يحدق ~~به سطح فسيح الساحة جميل المنظر، يزدحم الناس عليه للصلاة فيه، فيشرف منه ~~على بسيط عرفات، وفي أسفله عن يسار القبلة دار عتيقة البنيان، فيها غرف، ~~لها طيقان تنسب إلى آدم عليه الصلاة والسلام. وعن يسارها مسجد صغير. ~~وبمقربة من العلمين مسجد إبراهيم عليه الصلاة والسلام، بقي منه الجدار ~~القبلي يخطب فيه الخطيب يوم الوقفة، ثم يجمع بين الظهر والعصر، ثم يقف ~~الناس بعد جمعهم الظهر والعصر باكين داعين متضرعين، حتى يغيب قرص الشمس، ثم ~~يدفع الإمام المالكي بالناس بالنفر دفعا ترتج منه الجبال، فيصلون بمزدلفة ~~المغرب والعشاء الآخرة، فيبيتون بها، والدنيا كلها شموع مسرجة، فإذا صلوا ~~الصبح غدوة النحر وقفوا داعين. # ومزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر، فإن فيه تقع الهرولة إلى منى، فإذا ~~بلغوا منى رموا بها جمرة العقبة. # ثم ينفر الناس إلى البيت المكرم إلى طواف الإفاضة، وهو كمال الحج. # وأما البيت المكرم فهو قريب من التربيع، له أربعة أركان: ركن ينظر إلى ~~الشرق PageV02P413 # وفيه الحجر الأسود، ومنه ابتداء الطواف. يبعد الطائف عنه قليلا، والبيت ~~عن يساره، ثم يلفى بعد ذلك في طوافه الركن العراقي، وهو ناظر إلى الشمال. ~~ثم الركن الشامي، وهو ناظر إلى المغرب، ثم الركن اليماني، وهو ناظر إلى ~~الجنوب، ثم يعود إلى ركن الحجر الأسود، وذلك شوط واحد. # وباب البيت في السفح الذي بين ركن الحجر والركن العراقي، وهو قريب من ~~الحجر بعشرة أشبار، وما بين الحجر والباب يسمى الملتزم، وهو موضع استجابة ~~الدعاء، ويرتفع الباب من الأرض أحد عشر شبرا ونصفا، والباب من فضة، مذهب ~~بديع الصنعة، يستوقف الأبصار حسنا، وعضادتاه كذلك، وعلى رأسه لوح ذهب خالص ~~إبريز في سعة نحو شبرين، وله نقارتا فضة، كبيرتان يتعلق ms0792 عليهما قفل الباب، ~~والباب ناظر إلى الشرق، وسعته ثمانية أشبار، وطوله ثلاثة عشر شبرا، وغلظ ~~الحائط الذي ينطوي عليه الباب خمسة أشبار، وداخل البيت مفروش بالرخام ~~المجزع، وحيطانه كلها رخام مجزع، قد قام على ثلاثة أعمدة من الساج، مفرطة ~~الطول، بين كل عمود وعمود أربع خطا، ودائرة البيت كله من نصفه الأعلى مطلي ~~بالفضة المذهبة، يخيل إليك أنها صفيحة ذهب لغلظها بالجوانب الأربع. # وللبيت خمسة مصابيح، وعليها زجاج عراقي بديع النقش، أدرجت في وسط السقف، ~~ومع كل ركن مضوأ، ويلفي الداخل من الباب عن يساره ركن الحجر الأسود وباب ~~الرحمة، هو الذي يصعد عليه إلى السطح. # والمقام حجر مغشي بالفضة، ارتفاعه ثلاثة أشبار، وسعته شبران، أعلاه أوسع ~~من أسفله، وآثار القدمين والأصابع فيه، صب لنا فيه ماء زمزم، فشربناه منه. # ومن الباب إلى الركن العراقي حوض طوله اثنا عشر شبرا وعرضه خمسة أشبار، ~~وارتفاعه شبر، هو علامة موضع المقام، وهو مصب ماءالبيت. # وموضع المقام الذي يصلى فيه ما بين الباب والركن العراقي، وموضع المقام ~~قبة حديد موضوعة إلى جانب قبة زمزم ترفع في أشهر الحج، وتزال قبة الخشب، ~~لأنها أجمل، لازدحام الناس. ومن ركن الحجر إلى الركن العراقي أربعة وخمسون ~~شبرا، ومن الحجر الأسود إلى الأرض ستة أشبار، فالطويل يتطامن لتقبيله، ~~والقصير يتطاول له. # وموضع الطواف مفروش بحجارة مبسوطة كأنها الرخام: سود وحمر وبيض، تتسع عن ~~البيت مقدار تسع خطا، وسائر الحرم مفروش برمل أبيض، وطواف النساء في آخر ~~الحجارة المفروشة. # والحجر ستة أذرع وهو الذي تركته قريش من البيت، وعليه جدار دوره تسع ~~وعشرون خطوة، وهي أربعة وسبعون شبرا من داخل الدويرة، ودور جداره كله مجزع ~~بديع الإلصاق من الرخام، وهو مفروش بالرخام الجزع البديع التفاريع ~~والتقاطيع، فمرآه عجيب. PageV02P414 # والحرم له ثلاثمائة سوار من الرخام، وذرع الحرم في الطول أربعمائة ذراع، ~~وفي العرض ثلاثمائة ذراع، فتكسيره ثمانية وأربعون مرجعا، وله تسع صوامع ~~وتسعة عشر بابا، أكثرها مفتح على الأبواب، منها باب الصفا، وهو مفتح على ~~خمسة أبواب، وهو أكبرها، ms0793 وعليه يخرج إلى السعي بين الصفا والمروة. وللصفا ~~أربع عشرة درجة، وللمروة خمسة، وما بين الصفا والمروة ميل، وهو اليوم سوق ~~جميل، يجمع الفواكه بمكة وحوانيت الباعة يمين وشمال فلا يكاد الساعون ~~يخلصون للسعي لكثرة الزحام. # وقبة بئر زمزم تقابل الحجر الأسود، منها إليه أربع وعشرون خطوة، وداخلها ~~مفروش بالرخام الأبيض وتنور البئر في وسطها من رخام دوره أربعون شبرا، ~~وارتفاعه أربعة أشبار ونصف، وغلظه شبر، وعمقه إحدى عشرة قامة، وعمق الماء ~~سبع، وباب القبة ناظر إلى الشرق. # ثم ذكر في البيت وما يتصل به من البئر من ذلك غرائب من صنع الرخام ~~والنقوش وغير ذلك أشياء لا يسع كتابنا ذكرها، فلنقتصر على هذا القدر. # *** # فعصفت بي ريح الغرام، واهتاج لي شوق إلى البيت الحرام؛ فزممت ناقتي، ~~ونبذت علقي وعلاقتي: [الوافر] # وقلت للائمي أقصر فإني ... سأختار المقام على المقام # وأنفق ما جمعت بأرض جمع ... وأسلو بالحطيم عن الحطام # ثم انتظمت مع رفقة كنجوم الليل، لهم في السير، جرية السيل، وإلى الخير ~~جري الخيل؛ فلم نزل بين إدلاج وتأويب، وإيجاف وتقريب، إلى أن حبتنا أيدي ~~المطايا بالتحفة، في إيصالنا إلى الجحفة؛ فحللناها متأهبين للإحرام، ~~متباشرين بإدراك المرام، فلم يك إلا أن أنخنا بها الركائب، وحططنا الحقائب، ~~حتى طلع علينا من بين الهضاب، شخص ضاحي الإهاب؛ وهو ينادي: يا أهل ذا ~~النادي، هلم إلى ما ينجي يوم التنادي. فانخرط إليه الحجيج وانصلتوا، ~~واحتفوا به وأنصتوا. فلما رأى تأثفهم حوله، واستعظامهم قوله، تسنم إحدى ~~الآكام، ثم تنحنح مستفتحا للكلام، وقال: # *** # قوله: عصفت، تحركت واشتدت. الغرام: الشوق. اهتاج: تحرك. زممت: # شددت زمامها. نبذت: رميت. علقي: ما يتعلق به ويمسكه عن إرادته. علاقتي: ~~ما PageV02P415 # يتعلق بقلبي. أقصر: كف. المقام: مقام إبراهيم عليه السلام. المقام: ~~الإقامة. # وجمع: اسم المزدلفة، سميت بذلك لاجتماع الناس فيها. الحطيم: حجر بمكة. # الحطام: كسب الدنيا. انتظمت: ارتفقت. كنجوم الليل، أي هم أشراف وأهل ~~أحساب. جرية: انصباب. الإدلاج: سير الليل. تأويب: سير النهار. إيجاف: # إسراع. تقريب: جري متقارب. حبتنا: أوصلتنا وأعطتنا. التحفة: ms0794 الهدية. ~~إيصالنا: # توصلنا. # الجحفة ميقات أهل الشأم ومصر والمغرب، وبينها وبين البحر ثمانية أميال. # حللناها: نزلنا فيها. الإحرام: الدخول في الحرم. متباشرين: يبشر بعضنا ~~بعضا. بإدراك المرام: بلوغ الحاجة. أنخنا الركائب: بركنا الإبل بالأرض. ~~حططنا الحقائب. أنزلنا الأحمال عن ظهورها. الهضاب: الكدى، واحدتها هضبة. ~~ضاحي الإهاب: بارز الجلد، أي ثوبه خلق لا يستره. النادي: المنزل. هلم، أي ~~أقبلوا. يوم التنادي، أي يوم البعث لاجتماع الناس فيه، أو لأنه ينادي ~~للحساب. انخرط: اندفع بسرعة. الحجيج: اسم لجماعة الحجاج. انصلتوا: خرجوا ~~إليه مسرعين. احتفوا: # استداروا: وأنصتوا: سكتوا. تأثفهم: اجتماعهم وثبوتهم حتى صاروا له ~~كالأثافي للقدر. استطعامهم قوله: استدعاءهم كلامه. تسنم: ارتفع عليها، وأصل ~~«تسنم» ركب البعير، الآكام: الكدى. # *** # يا معشر الحجاج، الناسلين من الفجاج، أتعقلون ما تواجهون، وإلى من ~~تتوجهون! أم تدرون على من تقدمون، وعلام تقدمون! أتخالون أن الحج هو اختيار ~~الرواحل، وقطع المراحل، واتخاذ المحامل، وإيقار الزوامل! أم تظنون أن النسك ~~هو نضو الأردان، وإنضاء الأبدان، ومفارقة الولدان، والتنائي عن البلدان: # كلا والله، بل هو اجتناب الخطية، قبل اجتلاب المطية، وإخلاص النية، في ~~قصد تلك البنية، وإمحاض الطاعة، عند وجدان الاستطاعة، وإصلاح المعاملات، ~~أمام إعمال اليعملات! # *** # الناسلين: المسرعين. الفجاج: الطرق. وتعقلون: تفهمون. تواجهون: # تستقبلون بوجوهكم، يريد البيت، إلى من تتوجهون: تقصدون. الرواحل: الإبل. # المراحل: المواضع يرحل إليها وينزل فيها. المحامل: آلات من خشب يركب ~~عليها، واحدها محمل، يقال: إن الحجاج أول من أحدثها، ولذلك قال الشاعر: ~~[الرجز] PageV02P416 # أول عبد صنع المحاملا ... أخزاه ربي عاجلا وآجلا (¬1) # قوله: لزوامل: جمع زاملة، وهي البعير وغيره من الدواب يحمل عليها الطعام. # وإيقارها: رفع الأوقار عليها، وهي الأحمال، والوقر: الحمل. النسك: ~~التعبد، نضو الأردان، تجريد المخيط من الثياب. التنائي: التباعد. اجتناب ~~بعد، واجتنبته: بعدت عنه وتركته. الخطية: الذنب؛ يريد أن أول ما يجب على ~~الحجاج أن يقدموا التوبة. والبنية، هي الكعبة. إمحاض: إخلاص. وجدان: إصابة. ~~الاستطاعة: القدرة على الشيء، وهي شرط وجوب الحج. المعاملات: الأفعال التي ~~يتعامل بها الناس بينهم من المبايعات وغيرها، وأراد إصلاح ms0795 فعل العبد بينه ~~وبين ربه. إعمال اليعملات: استعمال الإبل للمشي، واليعملة: الناقة تعمل ~~كثيرا في المشي. # *** # فو الذي شرع المناسك للناسك، وأرشد السالك في الليل الحالك، ما ينقي ~~الاغتسال بالذنوب، من الانغماس في الذنوب، ولا تعدل تعرية الأجسام، بتعبئة ~~الأجرام، ولا تغني لبسة الإحرام، عن المتلبس بالحرام، ولا ينفع الاضطباع ~~بالإزار، مع الاضطلاع بالأوزار، ولا يجدي التقرب بالحلق، مع التقلب في ظلم ~~الخلق، ولا يرحض التنسك في التقصير، درن التمسك بالتقصير، ولا يسعد بعرفة، ~~غير أهل المعرفة، ولا يزكو بالخيف، من يرغب في الحيف، ولا يشهد المقام، إلا ~~من استقام، ولا يحظى بقبول الحجة، من زاغ عن المحجة، فرحم الله امرأ صفا، ~~قبل مسعاه إلى الصفا، وورد شريعة الرضا، قبل شروعه على الأضا، ونزع عن ~~تلبيسه، قبل نزع ملبوسه، وفاض بمعروفه، قبل الإفاضة من تعريفه. ثم رفع ~~عقيرته بصوت أسمع الصم، وكاد يزعزع الجبال الشم. # *** # شرع: فرض. المناسك: مواضع الذبح والنحر، والناسك: الذي يأتي بنسك، وهو ما ~~يذبح أو ينحر في الحرم. أرشد السالك: على الطريق للمشي فيها. الحالك: # الشديد السواد. الذنوب: الدلو. الانغماس: الغطس، يريد أن التطهر لا يزيل ~~الذنوب. # وما أحسن قول الحلواني في غلام وسيم أراد النهوض للحج: [المنسرح] PageV02P417 # يا طالب الحج وهو ذو صغر ... عجلت فاستأنه إلى الكبر # إن كنت تبغي مثوبة فعسى ... تحمل لي قبلة إلى الحجر # وإن رميت الجمار فارم بها ... كل فؤاد عليك لم يطر # فقال دعني وزمزما فعسى ... أغسل عن وجنتي دم البشر # قوله: تعدل، أي تقاوم وتساوي. الأجرام: الأجسام، واحدها جرم. تعبئة ~~الأجرام: تحمل أعباء الذنوب. لبسة: هيئة اللباس. التلبس: التعلق والاختلاط. # الاضطباع: الاشتمال والالتحاف، واضطبع الرجل بثوبه، إذا أدخله تحت عضده ~~الأيمن وألقاه على منكبه الأيسر، والاضطلاع: القيام بها. والأوزار: أثقال ~~الذنوب. يجدي: # ينفع. يرحض: يغسل. التقصير: الأخذ من الشعر. درن: وسخ. التمسك: التعلق. # التقصير: التضييع، وترك الاجتهاد، عرفة: يوم من أيام الحج، سميت بذلك لأن ~~آدم عليه السلام لما أهبط من الجنة، نزل بالهند، وحواء بجدة فالتقيا بعرفة، ~~فسمي ms0796 موضع التقائهما ويوم التقائهما عرفة، وقيل: هي من العرف وهو الصبر، ~~ورجل عارف، أي صابر، فسمي الموضع عرفة لصبر الناس على القيام به للدعاء. ~~وقيل: هي من العرف، وهو الريح الطيبة، لأنها طيبة بنسبتها إلى منى لما بمنى ~~من أقذار الفروث والدماء لأن بمنى ينحر الهدي. يزكو: يكون ناميا، والزكاء: ~~النماء والصلاح. والخيف: موضع بمكة سمي بالخيف، وهو ما ارتفع من الأرض عن ~~موضع السيل، وانحدر عن غلظ الجبل. # والحيف: الظلم. يحظى: يسعد ويظفر. زاغ: مال وخرج. المحجة: الطريق ~~المستقيم. # صفا: خلص قلبه. مسعاه: سعيه وجريه. الصفا: صخرة بمكة. ورد: دخل. شريعة ~~الرضا: طريقة الخير، والشريعة في النهر والغدير: الطريق. يهبط عليه إلى ~~الماء، وبه سميت شريعة الدين لأنه طريق موصل إلى الله تعالى، فورد الشريعة، ~~دخل فيها، ووصل إلى الماء، وشرعت الدواب في الماء: دخلت فيه. الأضا: ~~الغدران. نزع: زال وكف. # تلبيسه: تخليطه، والإفاضة: آخر الطواف. تعريفه: وقوفه بعرفة. عقيرته: ~~كناية عن صوته يزعزع: يحرك. الشم: المرتفعة. # *** # وأنشد: [البسيط] # ما الحج سيرك تأويبا وإدلاجا ... ولا اعتيامك أجمالا وأحداجا # الحج أن تقصد البيت الحرام على ... تجريدك الحج لا تقضي به حاجا # وتمتطي كاهل الإنصاف متخذا ... ردع الهوى هاديا والحق منهاجا # وأن تواسي ما أوتيت مقدرة ... من مد كفا إلى جدواك محتاجا # فهذه إن حوتها حجة كملت ... وإن خلا الحج منها كان إخداجا PageV02P418 # حسب المرائين غبنا أنهم غرسوا ... وما جنوا ولقوا كدا وإزعاجا # وأنهم حرموا حرزا ومحمدة ... وألحموا عرضهم من عاب أو هاجى # أخي فابغ بما تبديه من قرب ... وجه المهيمن ولاجا وخراجا # فليس تخفى على الرحمن خافية ... إن أخلص العبد في الطاعات أوداجي # وبادر الموت بالحسنى تقدمها ... فما ينهنه داعي الموت إن فاجا # واقن التواضع خلقا لا تزايله ... عنك الليالي ولو ألبسنك التاجا # ولا تشم كل خال لاح بارقه ... ولو تراءى هتون السكب ثجاجا # ما كل داع بأهل أن يصاخ له ... كم قد أصم بنعي بعض من ناجى # وما اللبيب سوى من بات مقتنعا ... ببلغة تدرج الأيام إدراجا # فكل كثر ms0797 إلى قل مغبته ... وكل ناز إلى لين وإن هاجا # *** # اعتيامك: اختيارك. أحداجا: جمع حدج، وهو ما يجعل على ظهر البعير، يركب ~~عليه. حاجا: جمع حاجة. تمتطي: تركب. كاهل: مقدم الظهر. ردع: كف ورد، هاديا: ~~دليلا. منهاجا: طريقا. تواسي: تعطي. جدواك: عطيتك. حوتها: جمعتها. # إخداجا: نقصانا. المرائين: المظهرين الخير، وهم على خلافه. وحسب، بمعنى يكفي. # كدا: عجلة وشدة. الإزعاج: ضد السكون والقرار، وأزعجته: لم تدعه يستقر. حرزا: # تحصيل، وأحرزه: جعله تحت حرز. ألحموه: أمكنوه من لحمه. العرض: ما يسب من ~~الرجل أو يمدح. هاجى: شاتم وساب. ### || AUTO [الرياء والمراءون] # ومما قيل في الرياء: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والشرك ~~الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء» (¬1). # وقال صلى الله عليه وسلم: «لا رياء ولا سمعة من يسمع يسمع الله به» (¬2). # وقال صلى الله عليه وسلم: «من أسر سريرة ألبسه الله رداءها؛ إن خيرا ~~فخير، وإن شرا فشر». # وقال: «من أصلح سريرته، أصلح الله علانيته». # وقال الشاعر: [الرمل] PageV02P419 # وإذا أظهرت شيئا حسنا ... فليكن أحسن منه ما تسر # فمسر الخير موسوم به ... ومسر الشر موسوم بشر # وقال يحيى بن أكثم: [الطويل] # يقول لي القاضي معاذ مشاورا ... وولى امرأ فيما يرى من ذوي الفضل # بعيشك ماذا تحسب المرء فاعلا ... فقلت وماذا يفعل الذئب في النحل! # يدق خلاياها ويأكل شهدها ... ويترك للزبال ما كان من فضل # وأنشد الفرزدق: [الوافر] # رئيس السوق محمود السجايا ... يقصر عن مدائحه البليغ # نسميه بيحيى وهو ميت ... كما أن السليم هو اللديغ # يعاف الورد إن ظمئت حشاه ... وفي مال اليتيم له ولوغ # وللأبيض في الفقهاء المرائين: # أهل الرياء لبستم ناموسكم ... كالذئب يدلج في الظلام العاتم # فملكتم الدنيا بمذهب مالك ... وقسمتم الأموال بابن القاسم # وركبتم شهب البغال بأشهب ... وبأصبغ صبغت لكم في العالم # وله في نحوه أيضا: [الكامل] # قل للإمام سنا الأئمة مالك ... نور العيون ونزهة الأسماع # لله درك من همام ماجد ... قد كنت راعينا فنعم الراعي # فمضيت محمود النقيبة طاهرا ... وتركتنا قنصا لشر سباع # أكلوا بك الدنيا وأنت ms0798 بمعزل ... طاوي الحشى متكفت الأضلاع # تشكوك دنيا لم تزل بك برة ... ماذا رفعت بها من الأوضاع! # وفي الإسرائيليات: جاءت عصفورة، فوقفت على فخ، فقالت له: ما لي أراك ~~منحنيا؟ قال: لكثرة صلاتي انحنيت، قالت: فما لي أراك بادية عظامك؟ قال: ~~لكثرة صيامي بدت عظامي، قالت: فما هذا الصوف عليك؟ قال: لزهادتي لبست ~~الصوف، قالت: فما هذه الحبة في يدك؟ قال: قربان إن مر بي مسكين ناولته ~~إياها، قالت: فإني مسكينة، قال: خذيها فقبضت على الحبة، فإذا الفخ في ~~عنقها، فصاحت: قعي قعي. # تفسيره: لا غرني مراء بعدك أبدا. # قال الشاعر: [مخلع البسيط] # نعوذ بالله من أناس ... تشيخوا قبل أن يشيخوا PageV02P420 # تقوسوا وانحنوا رياء ... فاحذرهم إنهم فخوخ # وكان صائد يصيد العصافير في يوم بارد، فكان يذبحها والدموع تسيل، فقال ~~عصفور لصاحبه: لا بأس عليك من الرجل، أما تراه يبكي! فقال له الآخر: لا ~~تنظر دموعه، وانظر ما تصنع يداه. # وراءى بعضهم ثم هتك الله ستره، فقال: [السريع] # بينا أنا في توبتي مقبلا ... قد شبهوني بابن دواد # وقد حملت العلم مستظهرا ... وحدثوا عني بإسناد # إذ خطر الشيطان بي خطرة ... نكست منها في أبي جاد # ابن دواد: عابد بمكة. # صلى رجل مراء فقيل له: ما أحسن صلاتك! قال: ومع ذلك فإني صائم. # وقال طاهر بن الحسين لأبي عبد الله المروزي: كم لك منذ نزلت العراق؟ قال: # منذ عشرين سنة، وأنا أصوم الدهر منذ ثلاثين سنة، قال: يا أبا عبد الله ~~سألناك عن مسألة فأجبتنا عن مسألتين. # وأمر عمر لرجل بكيس، فقال: آخذ الخيط؟ فقال عمر: ضع الكيس. # وكتب رجل عند الحسين كتابا فقال: أتجعلني في حل من تراب الحائط؟ فقال: يا ~~أخي بل ورعك لا يتكسر. # وأخبارهم كثيرة. # *** # قوله: ابغ أي اطلب: القرب: أفعال البر التي تقرب من الله تعالى، واحدها قربة. # ولاجا وخراجا، أي كيف تصرف فيها. داجي: ساتر العداوة ونافق. الحسنى: اسم ~~للفعل الحسن، وتكون الحسنى مؤنثة الأحسن فتلزمها اللام، كالكبرى والأكبر ~~وبابه، وتكون الحسنى كالبشرى والرجعى. # ينهنه يزجر ويكف. فاجى: ms0799 جاء بغتة، ولبعضهم: [المتقارب] # وهل نحن إلا مرامي السهام ... ويحفزها نابل دائب # طرائد تطلبنا النائبات ... ولا بد أن يدرك الطالب # حبائل للدهر مبثوثة ... يرد إلى جذبها الهارب # وقال آخر في معناه: [الوافر] # تحاربنا جنود لا تجارى ... ولا تلقي بآساد الحروب # تفوق أسهما عن ظهر غيب ... وما أغراضها غير القلوب PageV02P421 # فأني باحتراس من جنود ... مؤيدة تمد من الغيوب # وقال ابن جبلة: [الكامل] # وأرى الليالي ما طوت من شرتي ... زادته في عظتي وفي إفهامي # وعلمت أن المرء من سنن الردى ... حيث الرمية من سهام الرامي # قوله: اقن، أي اكتسب والتزم. خلقا: طبيعة. # وقال صلى الله عليه وسلم: «من تواضع لله رفعه الله» (¬1). # وقالت الحكماء: كل ذي نعمة محسود عليها إلا المتواضع. # وقال عبد الملك: أفضل الرجال من تواضع عن رفعة، وعفا عن قدرة، أنصف عن قوة. # وقال رجل لبكر بن عبد الله: علمني التواضع، فقال له: إذا رأيت من وأكبر ~~منك فقل: سبقني إلى الإسلام والعمل الصالح فهو خير مني، وإذا رأيت هو أصغر ~~منك، فقل: سبقته إلى الذنوب فهو خير مني. # وقال أبو العتاهية: [البسيط] # يا من تشرف بالدنيا ولذتها ... ليس التشرف رفع الطين بالطين (¬2) # إذا رأيت شريف القوم كلهم ... فانظر إلى ملك في زي مسكين # وقال أبو الفتح البستي: [البسيط] # من شاء عيشا رغيدا يستفيد به ... في دينه ثم في دنياه إقبالا # فلينظرن إلى من فوقه أدبا ... ولينظرن إلى من دونه مالا # قوله: لا تشم، أي لا تنظر. خال: سحاب. لاح بارقه، ظهر برقه: تراءى: # تظاهر. هتون: كثير الماء. السكب: الصب ثجاجا: صبابا، ثج الماء يثج نجا ~~وثججته أنا. يصاخ: يسمع. أصم: كسب الصمم. والنعي: الخبر بالموت. ناجى: حدث. # اللبيب: العاقل. بلغة: قوت يوم. تدرج تطوي. كثر: كثرة. قل: قلة. مغبته: ~~عاقبته وآخره ناز: مرتفع، ونزا الفحل ينزو نزوا: قفز على الأنثى. لين: ~~فتور. هاج: # اضطرب، ويروى: «وكل ناز إلى لين» وهو الصحيح، أخذه من المثل: فلان ينزو ~~ويلين، يقول: لا ننخدع بما يكون له ظهور في ملبسه وهيئته، فقد ms0800 يخيب ظنك ~~وتقل فائدته، أو يكون مضرا لا نفاعا كما قد ينادي بك، فتظن النداء لمنفعة، ~~فإذا سمعته فاجأك بمصيبة. وأخذ لفظ «كم قد أصم بنعي» من قول أبي تمام: ~~[الطويل]. PageV02P422 # أصم بك الناعي وإن كان أسمعا ... فأصبح مغني الجود بعدك بلقعا (¬1) # والسابق إلى هذا المعنى جزو بن ضرار، أخو الشماخ بقوله: [الطويل] # أتاني فلم أسرر به حين جاءني ... حديث بأعلى القبتين عجيب (¬2) # تصاممته حتى أتاني بقينة ... وأفرغ منه مخطئ ومصيب # وقال المتنبي: [البسيط] # طوى الجزيرة لما جاءني خبر ... فزعت منه بآمالي إلى الكذب (¬3) # حتى إذا لم يدع لي صدقه خبرا ... شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي # أشار بعد ذلك بالبيتين إلى القناعة، وأن كثير الدنيا مصيره إلى قليل، وقد ~~تقدم أمثال هذا. # وقال أبو تمام: [الخفيف] # يا قليل البقاء في هذه الدا ... ر إلى كم يغرك التسويف (¬4) # عجبا لامرئ يذل لذي الما ... ل، ويكفيه كل يوم رغيف # ولابن عمران: [الكامل] # عجبا لنا نبغي الغنى والفقر في ... نيل الغنى لو صحت الألباب # فيما يبلغني المحل كفاية ... والفضل فيه تكاثر وحساب # *** # قال الراوي: فلما ألقح عقم الأفهام، بسحر الكلام، استروحت ريح أبي زيد، ~~وماد بي الارتياح إليه أي ميد، فمكثت حتى استوعب نث حكمته، وانحدر من ~~أكمته. ثم دلفت إليه، لأتصفح صفحات محياه، وأستشف جوهر حلاه؛ فإذا هو ~~الضالة التي أنشدها، وناظم القلائد التي أنشدها، فعانقته عناق اللام للألف، PageV02P423 # ونزلته منزلة البرء عند الدنف. وسألته أن يلازمني فأبى، أو يزاملني فنبا، وقال: # آليت في حجتي هذه ألا أحتقب ولا أعتقب، ولا أكتسب ولا أنتسب، ولا أرتفق ~~ولا أرافق، ولا أوافق من ينافق. # ثم ذهب يهرول، وغادرني أولول. # فلم أزل أقريه نظري، وأود لو يمشي على ناظري، حتى توقل أحد الأطواد، ووقف ~~للحجيج بالمرصاد. # فلما شاهد إيضاع الركبان في الكثبان، وقع بالبنان على البنان. # *** # قوله: فلما أقلح عقم الأفهام، أي جعل العقيم منها حاملا بالعلم والفهم. # استروحت: شممت فوجدت رائحته. ماد: مال. الارتياح: الطرب. مكثت: أقمت. # أستوعب: أستوفي: نث: نشر. أكمته: كديته ms0801 (¬1). دلفت: أسرعت. أتصفح: أنظر. # صفحات محياه: جهات وجهه. أستشف: أبالغ النظر فيها. جوهر حلاه: خلقة صفاته. # أنشدها: أطلبها. القلائد: جمع قلادة، وهي ما يجعل في العنق من سلوك ~~الجوهر وغيرها، ومنه تقليد البدن بمكة، وتقلدت بالسيف: جعلته في عنقي، ~~وقلدتك الأمر: # جعلته في عنقك، وناظم القلائد: جاعلها في خيطها، ويعني بالقلائد ما نثر ~~من وعظه، وأنشده من شعره- وصدق لعمري إن كلامه المنظوم والمنثور أبهى من ~~القلائد في أعناق الخرائد. # وقوله: عناق اللام للألف، أما بخط المغرب فلا معانقة بينهما إلا في ~~الطرفين، وربما وقعت في بعض هذا الخط كالصليب، وفي بعضه لا التقاء بينهما ~~البتة، وإنما يريد صورة لام ألف بالخط الكوفي، وهما بذلك الخط متعانقان ~~متلازمان من الأعلى إلى الأسفل. وأخذ اللفظ من قول بكر بن خارجة: [البسيط] # يا من إذا قرأ الإنجيل ظل له ... قلب الحنيف عن الإسلام منصرفا # رأيت شخصك في نومي يعانقني ... كما تعانق لام الكاتب الألفا ### || AUTO [العناق ومما قيل فيه شعرا] # ونذكر هنا ما يستحسن في العناق، قال البحتري: [الرجز] # تلك نعم لو أنعمت بوصال ... لشكرنا في الوصل إنعام «نعم» (¬2) PageV02P424 # نسيت موقف الجمار وشخصا ... نا كشخص، أرمي الجمار وترمي # وقال أيضا: [المتقارب] # ولم أنس ليلتنا في العنا ... ق لف الصبا بقضيب قضيبا (¬1) # كما مرت الريح في سيرها ... فطورا خفوقا، وطورا هبوبا # وقال ابن المعتز: [السريع] # كأنما عانقت ريحانة ... تنفست في ليلها البارد (¬2) # فلو ترانا في قميص الدجى ... حسبتنا من جسد واحد # وقال علي بن الجهم: [الطويل] # سقى الله ليلا ضمنا بعد هجعة ... وأدنى فؤادا من فؤاد معذب (¬3) # فبتنا جميعا لو تراق زجاجة ... من الماء فيما بيننا لم تسرب # وقال ابن عبدوس الفاسي: سرت يوما إلى ابن الجهم، فأنشدني البيتين في ~~العناق، فاقتدح زندي لإيراد مثله، فقلت: [البسيط] # لا والمنازل من نجد وليلتنا ... بعيد إذ جسدانا بيننا جسد # كم رام فينا الكرى مع لطف مسلكه ... نوما فما انفك لا خد ولا عضد # ما أنصفوني، دعوني فاستجبت لهم ... حتى إذا قربوني منهم بعدوا # أخذ هذا البيت ms0802 من قول الآخر: [البسيط] # أشكو الذين أذاقوني مودتهم ... حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا (¬4) # وقال أبو نواس: [الطويل] # لبسنا رداء الليل والليل راضع ... إلى أن تردى رأسه بمشيب # وبتنا كغصني بانة عصفتهما ... مع الصبح ريحا شمال وجنوب # إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه ... مبادي نصول في عذار خضيب # فيا ليل قد فارقت غير مذمم ... ويا صبح قد أصبحت غير حبيب # قال صالح بن موسى: [السريع] # لي سيد ما مثله سيد ... تصدت الحمى له فاشتكى PageV02P425 # عانقته عند موافاتها ... والأفق بالليل قد احلولكا # فجاءت الحمى لعاداتها ... فلم تجد ما بيننا مسلكا # ولابن الرومي: [الرمل] # طالما التفت إلى الصب ... ح لنا ساق بساق # في نقاب من وداد ... ولئام من عناق # وقال أيضا: [الطويل] # أعناقها والنفس بعد مشوقة ... إليها وهل بعد العناق تدان! # وألثم فاها كي تموت حرارتي ... فيشتد ما ألقى من الهيمان # كأن فؤادي ليس يشفي غليله ... سوى أن يرى الروحان ممتزجان # وقال ابن المعتز: [الكامل] # يا رب فتيان صحبتهم ... لا يرفعون لسلوة قلبا # لو تستطيع قلوبهم نفذت ... أجسامهم فتعانقت حبا # وقال ابن رشيق: [الكامل] # ومهفهف يحميه عن نظر الورى ... غيران سكنى الموت تحت قبابه # فلثمت خدا منه ضرم لوعتي ... وجعلت أطفئ حرها برضابه # وضممته للصدر حتى استوهبت ... مني ثيابي بعض طيب ثيابه # فكأن قلبي من وراء ضلوعه ... طربا يخبر قلبه عما به # وقال ابن لبال: [الكامل] # ما كنت أحسب قبل رؤية وجهه ... أن البدور تدور في الأغصان # غازلته حتى بدا لي ثغره ... فحسبته درا على مرجان # كم ليلة عانقته فكأنما ... عانقت من عطفيه غصن البان # يطغى ويلعب عند عقد سواعدي ... كالمهر يلعب عند ثني عنان # وقال آخر: [البسيط] # مشتاقة طرقت في الليل مشتاقا ... أهلا بمن لم تخن عهدا وميثاقا # يا زائرا زار من قرب على بعد ... آنست مستوحشا لأذقت ما ذاقا # يا ليل عرج على إلفين قد جعلا ... عقد السواعد للأعناق أطواقا # وقال ابن الزقاق: [الطويل] # ومرتجة الأعطاف أما قوامها ... فلدن، وأما ردفها فرداح PageV02P426 # سريت فبات الليل من قصر بها ... يطير وما غير ms0803 السرور جناح # وبت وقد زارت بأنعم ليلة ... يعانقني حتى الصباح صباح # على عاتقي من ساعديها خمائل ... وفي خصرها من ساعدي وشاح # ونظير هذا قول برهون الغرناطي: [البسيط] # لله در ليال ما أحيسنها ... وما أحيسن منها ليلة الأحد # لو كنت حاضرنا فيها وقد غفلت ... عين الرقيب فلم تنظر إلى أحد # أبصرت شمس الضحي في ساعدي قمر ... ريم موسدة في ساعدي أسد # وقال ابن قاضي ميلة: [الكامل] # حيث التقى أسد العرين وظبية ... تحت اللحاف وصارم وسوار # قالت أرى بيني وبينك ثالثا ... ولقد عهدتك للدخيل تغار # أأمنت نشر حديثنا فأجبتها ... هذا الذي تطوى له الأسرار # أخذ هذا من قول امرئ القيس: [الطويل] # تجافى عن المأثور بيني وبينها ... وتدني علي السابري المضلعا (¬1) # يعني بالمأثور السيف. # قوله: الدنف: المريض. يزاملني: يرادفني، والزميل: الرديف نبا. ارتفع ~~وامتنع. # أحتقب: أركب موضع الحقيبة، وهي ما يعلق خلف الراكب، فيريد أنه حلف ألا ~~يكون رديفا، ويريد باحتقب أتخذ حقيبة للزاد، يريد أنه لا يحمل زادا اتكالا ~~على ما عند الله تعالى. أعتقب: أركب عقبة يعني نوبة، وهما يعتقبان ~~ويتعاقبان، إذا ركب أحدهما فجاء الآخر فكان مكانه، والاعتقاب: ركوب واحد ~~ونزول آخر. # ولحاتم في المعنى: [الطويل] # وما أنا بالساعي بفضل زمامها ... لتشرب ماء الحوض قبل الركائب (¬2) # وما أنا بالطاوي حقيبة رحلها ... لأبعثها خفا وأنزل صاحبي # إذا كنت ربا للقلوص فلا تدع ... رفيقك يمشي حلفها غير راكب # أنخها فأردفه فإن حملتكما ... فذاك وإن كان العقاب فعاقب PageV02P427 # أرتفق: أستعين أرافق: أطلب رفيقا. يهرول: يسرع المشي. غادرني: تركني ~~أولول: أصيح: يا ويلي. أقريه: أتبعه. توقل: صعد. الأطواد: الجبال. ~~بالمرصاد: # بمضيق الطريق بحيث يرتصد فيه جميع الناس، والمرصد والمرصاد عند العرب ~~الطريق. # إيضاع: سرعة، وقد أوضع في سيره: أسرع كأنه يهتز ويركض. الكثبان: أكداس الرمل. # رقع: ضرب بالبنان على البنان، أي صفق بيديه، وقد تطلق البنان مرادا بها ~~اليد، قال الله تعالى: واضربوا منهم كل بنان [الأنفال: 12]، أي الأيدي ~~والأرجل. # وأنشد الفنجديهي: [الوافر] # أقاموا الديدبان على يفاع ... وقالوا لا تنم للديدبان # إذا أبصرت ضيفا ms0804 من بعيد ... فوقع بالبنان على البنان # ثراهم خشية الأضياف خرسا ... يقيمون الصلاة بلا أذان # *** # واندفع ينشد: [الخفيف] # ليس من زار راكبا ... مثل ساع على القدم # لا ولا خادم أطا ... ع كعاص من الخدم # كيف يا قوم يستوي ... سعي بان ومن هدم # سيقيم المفرطو ... ن غدا مأتم الندم # ويقول الذي تقر ... ب: طوبى لمن خدم # ويك يا نفس قدمي ... صالحا عند ذي القدم # وازدري زخرف الحي ... اة فوجدانه عدم # واذكري مصرع الحما ... م إذا خطبه صدم # واندبي فعلك القبي ... ح وسحي له بدم # واد بغيه بتوبة ... قبل أن يحلم الأدم # فعسى الله أن يق ... يك السعير الذي احتدم # يوم لا عثرة تقا ... ل ولا ينفع السدم # *** # قوله: ليس من زار راكبا ... البيت. يريد أن ثواب الماشي في الحج أكثر من ~~ثواب الراكب. # وقال ابن عباس لبنيه: اخرجوا من مكة مشاة، فإني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # «إن للحاج الراكب بكل خطوة تخطوها راحلته سبعين حسنة، وللماشي بكل خطوة PageV02P428 # سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، قالوا: يا رسول الله، وما حسنات الحرم؟ قال: # الحسنة منها بمائة ألف». # وقوله: سعى بان ومن هدم، من قول بشار: [الطويل] # متى يبلغ البنيان يوما تمامه ... إذا كنت تبنيه وآخر يهدم # المفرطون: المقصرون. مأتم: مناحة. ويك: تعجب. ازدري: احتقري. زخرف: # زينة. وجدان، مصدر وجدت الشيء. اندبي: أبكي. الحمام: الموت. مصرعه: طرحه ~~للميت بالأرض. خطبة: أمره الشديد. صدم: ضرب، والصدم: ضرب الشيء الصلب ~~بمثله، وأراد أنه أصاب، من قولهم: صدمهم أمر، أي أصابهم. سحي: صبي. يحلم: # يتثقب. الأدم: الجلد، وهو مثل يضرب للشيء يفوت، قال الشاعر: [الوافر] # * كدابغة وقد حلم الأديم (¬1) * # السعير: النار المتقدة. احتدم: التهب واشتد اتقاده. السدم: هم مع ندم. # *** # ثم إنه أغمد عضب لسانه، وانطلق لشأنه، فما زلت في كل مورد نرده، ومعرس ~~نتوسده، أتفقده فأفقده، وأستنجد بمن ينشده فلا يجده، حتى خلت أن الجن ~~اختطفته، أو الأرض اقتطفته، فما كابدت في الغربة، كهذه الكربة، ولا منيت في ~~سفرة، بمثلها من زفرة. # *** # عضب: ms0805 حد، وأراد بإغماده سكوته. لشأنه: لأمره. مورد: موضع الماء. نرده: # نقصده. معرس: موضع النزول بالسحر للاستراحة. نتوسده: ننزل فيه. أتفقده: ~~أطلبه، والتفقد طلب المفقود، قال الله تعالى: وتفقد الطير [النمل: 20]، ~~طلبه بعد ما فقده. # أستنجد: أستعين. ينشده: يطلبه. اختطفته: أخذته، بسرعة. اقتطفته: اقتطعته. كابدت: # قاسيت. الكربة: الهم. منيت: بليت. زفرة: تنفس المهموم. # ولأبي طالب الرقي في غلام محرم: [الطويل] # ومشتمل عطفي عفاف وفتنة ... يرى قتل من يهوى إلى النسك مسلكا PageV02P429 # جنى اللحظ من خديه وردا مكفورا ... ومن عارضيه ياسمينا ممسكا # فيا رائحا منه بأوفر فتنة ... تجهز لعام بعد هذا لعلكا # وقال صالح بن موسى: [السريع] # عشقت صوفيا له شاهد ... يقيم عذري عند عذالي # قد عبد الله بأحواله ... فليته ينظر في حالي PageV02P430 ### | AUTO المقامة الثانية والثلاثون وتعرف بالطيبية # حكى الحارث بن همام، قال: أجمعت حين قضيت مناسك الحج، وأقمت وظائف العج ~~والثج، أن أقصد طيبة، مع رفقة من بني شيبة؛ لأزور قبر المصطفى، وأخرج من ~~قبيل من حج وجفا، فأرجف بأن المسالك شاغرة، وعرب الحرمين متشاجرة، فحرت بين ~~إشفاق يثبطني، وأشواق تنشطني؛ إلى أن ألقي في روعي الاستسلام، وتغليب زيارة ~~قبره عليه السلام فأعتمت القعدة، وأعددت العدة، وسرت والرفقة، لا نلوي على ~~عرجة، ولأنني في تأويب ولا دلجة، حتى وافينا بني حرب، وقد آبوا من حرب، ~~فأزمعنا أن نقضي ظل اليوم، في حلة القوم. # *** # أجمعت: عزمت عليه كأنه جمع نفسه له. ومناسك الحج: متعبداته. وظائف: # لوازم، والوظيفة: النصيب الذي يلزمك عزمه. العج: رفع الصوت بالتلبية، ~~وكانوا في الجاهلية إذا أتموا حجهم يتفاخرون بمآثر آبائهم، فأمروا بالثناء ~~على الله تعالى. والثج: # إراقة الدماء، وعج يعج عجا وعجيجا: رفع صوته، وثججت الدمع، أثجه: أسلته، ~~وهو لازم ومتعد. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال فقال: ~~«العج والثج» (¬1). # طيبة: مدينة النبي صلى الله عليه وسلم. بنو شيبة: حجبة البيت، وشيبة هو ~~عبد المطلب، وسمي بذلك، لأنه نشأ بالمدينة عند أخواله صغيرا، فلما مات أبوه ~~هاشم ذهب إليه المطلب، فأتى به فرآه ms0806 معه أهل مكة فقالوا: ما هو إلا عبد ~~اشتراه، فغلب عليه عبد المطلب. جفا أراد به قول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«من حج البيت ولم يزرني، فقد جفاني، ومن زارني بعد وفاتي فكأنما زارني في ~~حياتي». # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جاءني زائرا لا يهمه إلا زيارتي ~~كان حقا على الله أن PageV02P431 # أكون له شفيعا يوم القيامة» (¬1). وفي رواية: «من زار قبري وجبت له ~~شفاعتي» (¬2). # وأرجف الرجل: خاض في الفتنة والأخبار المسيئة. وشغر الطريق: خلا من حماته ~~والمدينة خلت من حماتها، وبلد شاغر، بعيد من القاضي والسلطان، فلا يمتنع من ~~غارة أحد، والشغر: التفرقة، ومنه: خرجوا شغر بغر، أي تفرقوا، وشغر عن بلده ~~شغرا وشغارا، إذا طرحوه ونفوه، واشتغرت الحرب بينهم: اتسعت وعظمت، وامرأة ~~شاغرة، إذا رفعت رجليها لكل من نكحها، والمعنى أن المسالك شاغرة، أي أن ~~الطرق مضطربة خالية من حماتها. الحرمين: مكة والمدينة. متشاجرة؛ مختلفة. ~~إشفاق: خوف. # يثبطني: يحبسني. تنشطني: تحرضني. روعي: نفسي. الاستسلام: الانقياد لأمر ~~الله تعالى. أعتمت: اخترت. القعدة: الراحلة المتخذة للركوب. تلوي: تعطف. عرجة: # شيء يشغل ليعرج عليه. نني: نفتر، وتأويب ودلجة: مشي النهار والسحر، ~~والدلجة، بضم الدال: الاسم من الإدلاج، وهو سير جميع الليل، والتأويب: سير ~~النهار أجمع، والدلجة؛ بفتح الدال من الإدلاج بوزن الافتعال؛ وهو أن يسير ~~من آخر الليل. يعقوب: # خرجنا بدلجة ودلجة: إذا خرجوا في آخر الليل. وافينا: وصلنا. آبوا: رجعوا. ~~أزمعنا: # عزمنا. نقضي: نتم، أراد عزمنا على أن ننزل ونتم بقية يومنا عندهم، وظل ~~الشيء إنما يبقى ببقائه. والحلة. النزول، والقوم: اسم للجمع، والحلة هيئة ~~الحلول، والحلة مجلس القوم ومجتمعهم، لأنهم يحلونه، والجمع حلال، والحلة ~~جماعة بيوت الناس. # *** # وبينما نحن نتخير المناخ، ونرود الورد النقاخ، إذا رأيناهم يركضون، كأنهم ~~إلى نصب يوفضون، فرابنا انثيالهم، وسألنا ما بالهم؟ فقيل: قد حضر ناديهم ~~فقيه العرب؛ فإهراعهم لهذا السبب؛ فقلت لرفقتي: ألا نشهد مجمع الحي، لنتبين ~~الرشد من الغي! فقالوا: لقد أسمعت إذ دعوت، ونصحت وما ألوت. # *** # المناخ: موضع ms0807 النزول. نرود: نطلب. الورد النقاخ: الماء البارد العذب، ~~وأنشد أبو علي: [الوافر] # تركت النبيذ لأهل النبيذ ... وأصبحت أشرب عذبا نقاخا # سمي نقاخا، لأنه ينقخ الفؤاد ببرده، أي يكسره. يركضون: يجرون مسرعين. # نصب: صنم، كانوا في الجاهلية ينصبونه، ويذبحون عليه لأوثانهم، وجمعه ~~أنصاب، PageV02P432 # والنصب: الشر، قال الله تعالى: بنصب وعذاب [ص: 41]. يوفضون: يسرعون. # إهراعهم: إسراعهم، وأهرع: أسرع فزعا مرتعدا. ويهرعون: يستحثون. ألوت: # قصرت. # ثم نهضنا نتبع الهادي، ونؤم النادي، حتى إذا أظللنا عليه، واستشرفنا ~~الفقيه المنهود إليه، ألفيته أبا زيد ذا الشقر والبقر، والقواقر والفقر، ~~وقد اعتم القفداء، واشتمل الصماء، وقعد القرفصاء، وأعيان الحي به محتفون، ~~وأخلاطهم عليه ملتفون، وهو يقول: سلوني عن المعضلات، واستوضحوا مني ~~المشكلات، فو الذي فطر السماء، وعلم آدم الأسماء، إني لفقيه العرب العرباء، ~~وأعلم من تحت الجرباء. فصمد له فتى فتيق اللسان، جريء الجنان، وقال: إني ~~حاضرت فقهاء الدنيا، حتى انتخلت منهم مائة فتيا، فإن كنت ممن يرغب عن بنات ~~غير، ويرغب منا في مير، فاستمع وأجب، لتقابل بما يجب، فقال: الله أكبر، ~~سيبين المخبر، وينكشف المضمر، فاصدع بما تؤمر. # *** # الهادئ: الدليل. نؤم: نقصد. النادي: مجتمع القوم. أظللنا: قربنا منه ~~ودنونا وأشرفنا عليه. استشرفنا: نظرنا وتأملنا، والاستشراف: أن تضع يدك على ~~حاجبك من الشمس إذا أردت النظر إلى شيء يبعد منك. المنهود: المقصود، ونهدت ~~إليه ونهضت بمعنى، ونهد ينهد نهدا، أي شخص ونهض. وقيل: أكثر ما يستعمل هذا ~~في الحرب، يقال: نهد إلى العدو، إذا نهض ليقاتله. ألفيته: وجدته. ذا الشقر ~~والبقر: صاحب الدواهي، يقال: جاءنا بالشقر والبقر، إذا جاء بالكذب ~~المستفظع، وجاء بالشقارى والبقارى، أي بالكذب. والفواقر: قواصم الظهر، يراد ~~بها الدواهي، والفاقرة: الكاسرة للفقار، وهو عظم الصلب. والفقر في النثر، ~~مثل القوافي في الشعر. القفداء، بالقاف قبل الفاء: أن يلف عمامته على رأسه ~~ولا يرسل منها شيئا. ابن سيده: القفداء: والقفد، إذا لوى عمامته على رأسه، ~~ولم يسدلها، قال الأزهري رحمه الله تعالى: العمة القفداء معروفة، وهي ~~الميلاء، والسنة أن يتعممو يسدل خلف ظهره. ms0808 # ابن عمر رضي الله عنهما. كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا تعمم سدل ~~عمامته بين كتفيه (¬1). # والصماء: أن تجلل نفسك بالثوب غير المخيط، ولا ترفع شيئا من جوانبه، ~~فتكون فيه فرجة تخرج منها اليد، وإنما نهى عن ذلك مخافة أن تصيبه شدة في ~~تلك الحالة، وهو لا يقدر على إخراج يده، فيدفعها فيهلك. PageV02P433 # وقال الفنجديهي: رأيت بخط الحريري: اشتمل الصماء، أي التحف بثوب جلل ~~جسده، وقيل لها صماء لأنها لا منفذ فيها كالصخرة الصماء، التي لا صدع فيها ~~ولا خرق، وهي عند الفقهاء أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من ~~أحد جانبيه فيضعه على منكبيه، فتبدو عورته، فنهي عن ذلك. # وقال الأزهري: هذا أصح الكلام، والفقهاء أعلم بتأويل هذا. والقرفصاء: أن ~~يقعد على إليتيه، وينصب ساقيه، ويلصق فخذيه ببطنه ويحتبي بيديه فيضعهما على ~~ساقيه، قاله أبو عبيد. وقيل: هي جلسة المحتبي، ثم يرفع فخذيه وركبتيه إلى ~~صدره، ويدير يديه على ساقيه، ويشدهما، فإذا فعلت ذلك بالرجل وشددت يديك ~~عليه، فقد قرفصته. # الفنجديهي: رأيت بخط الحريري: معناه أن يحتبي بيديه، قال أبو أمامة: كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يجلس القرفصاء فيضع يده اليمنى على الشمال عند ~~المفصل (¬1). وتقرفص الرجل، إذا جمع يديه وانضم من جرب أو قروح به. # أعيان: أشراف. محتفون: محلقون، والمنزل محفوف بالناس إذا اجتمعوا ~~بحفافيه، أي بجانبيه. والأخلاط: الدون من الناس. والمعضلات: الغامضات من ~~الكلام الصعب. واستوضحوا، أي طلبوا مني إيضاحها، أي بيانها. فطر: خلق، وفطر ~~الله الخلق ابتدأ خلقهم، قال ابن عباس: ما كنت أدري ما فاطر السموات والأرض ~~حتى احتكم إلي أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي ابتدأتها، ~~وقال الله تعالى: إلا الذي فطرني [هود: 51] أي خلقني. ويتفطرن: يتشققن، ~~وانفطرت: تشققت. وعلم آدم الأسماء كلها، أي علمه أسماء كل شيء من ~~المخلوقات. وفقيه العرب، أي عالمهم، وقال تعالى: ليتفقهوا في الدين ~~[التوبة: 22] أي ليكونوا علماء به، وكل عالم بشيء فهو فقيه فيه، ويقال: ~~فقهت عنك، أي فهمت، وفقهت فقها، ms0809 أي صرت فقيها، وهو الحاذق بما يعلمه، وفقهت ~~الرجل: غلبته في الفقه، العرباء: الخالصة، وهذا الادعاء الذي يدعى الآن ~~يسمى انتحال العلم. # وقال بعض الحكماء: لا ينبغي لأحد أن ينتحل العلم. # وقال مقاتل بن سليمان يوما، وقد دخلته أبهة العلم: سلوني عما تحت العرش ~~إلى أسفل الثرى، فقال له رجل: ما نسألك عن شيء من ذلك، إنما نسألك عما معك ~~في الأرض، أخبرني عن كلب أهل الكهف ما كان لونه؟ فأفحمه. # ولما شهرت تآليف ابن قتيبة، ولحظ بعين العالم المتفنن، صعد المنبر، وقد ~~غص المحفل واعتلى، تبريزا على علماء وقته، مع فضل جاه اشتمل به من السلطان، ~~فقال: PageV02P434 # ليسألني من شاء عما شاء، فقام إليه أحد الأغفال، فقال له: ما الفتيل ~~والقطمير؟ فلم يحر جوابا، وأفحمه ونزل خجلا، وانصرف إلى منزله كسلا. فلما ~~نظر اللفظتين وجد نفسه أذكر الناس بهما، وهذا من عقاب العجب. # ورأيت في بعض الأخبار أن ابن قتيبة سئل عن حرف لغة فلم يعلمه وقت السؤال- ~~وكان أبيض مشربا بحمرة- فلما وجد الحرف غلبت الحمرة على وجهه، حتى طفئ أسفا ~~على فوت الحرف وقت الحاجة، ولعله كان ما قدمنا في الحكاية. # وقال قتادة: ما سمعت قط شيئا إلا حفظته، ولا حفظت قط شيئا فنسيته. ثم قال: # يا غلام هات نعلي، فقال: هما في رجليك، ففضحه الله. # وقال قتادة: حفظت ما لم يحفظ أحد قط، ونسيت ما لم ينس أحد قط، حفظت ~~القرآن في سبعة أشهر، وقبضت على لحيتي، وأنا أريد أن أقطع ما تحت يدي، ~~فقطعت ما فوقها. # وكان بشريش رجل من أهل الدين والورع، وحج في أيام أبي حامد وصحبه، ففاتت ~~صلاة الصبح يوما لأحد أصحابه، فلامه على ذلك، فاعتذر له صاحبه فلم يعذره. # ثم قال له على معنى الترغيب: كملت لي اليوم عشرون سنة، ما فاتتني صلاة ~~الصبح في جماعة، فلما كان في اليوم الثاني أدرك الحاج من صلاة الصبح ركعة ~~واحدة، فلما لقيه صاحبه بعد الصلاة قال له: هذا كما رأيت. وإنما ذكرت عملك ~~على معنى ms0810 التبصرة والإرشاد، فلو ذكرته على غير ذلك لفاتتك، وإذا كان موسى ~~كليم الله قد عاتبه الله على الانتحال، حين سئل: أي الناس اليوم أعلم؟ قال: ~~أنا، وابتلي بالسفر حتى لقي الخضر، وجلس إليه راغبا في أن يعلمه، والخضر لا ~~ينبسط له في التعليم، ونقر عصفور في البحر، فقال له الخضر: ما علمي وعلمك ~~في علم الله تعالى، إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر. # وروي عن عبد الملك بن حبيب من طريق وهب بن منبه: أن الله تعالى قال لموسى ~~عليه السلام: أتدري لم كلمتك؟ قال: لا يا رب، قال: إني اطلعت على قلوب ~~العباد فلم أر فيها قلبا أشد تواضعا من قلبك، قال المنجم: [السريع] # لكل شيء في الورى آفة ... وآفة المرء من الكبر # وقال آخر: [الكامل] # الكبر يأس والتواضع رفعة ... والمزح والضحك الكثير سقوط # والحرص فقر والقناعة رفعة ... واليأس من روح الإله قنوط # فينبغي لكل عاقل أن يقول: ما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بقوله: رب زدني علما [طه: 114]، ولا يرى لنفسه حظا، ويشكر الله تعالى على ~~ما أعطاه فهو بالأدب أليق، وبالشرع أوفق. PageV02P435 # ومن سخيف الشعر في الانتحال: [الطويل] # وما عن لي من غامض العلم غامض ... مدى الدهر إلا بت منه على علم # وقال عدي بن الرقاع: [الكامل] # وعلمت حتى ما أشاور عالما ... عن علم واحدة لكي أزدادها (¬1) # وسمعه كثير ينشده الوليد بن عبد الملك، فقال له: كذبت ورب البيت الحرام، ~~فليمتحنك أمير المؤمنين في صغار الأمور دون كبارها، حتى يتبين جهلك، وما ~~كنت قط أحمق منك اليوم حين تظن هذا في نفسك. # وقال أبو موسى المنجم: ما أحد تمنيت أن أراه، فلما رأيته أمرت بصفعه إلا ~~عديا، فقيل له: ولم ذلك؟ قال: لقوله هذا البيت، كنت أعرض عليه أصناف ~~العلوم، فكلما مر عليه بشيء لا يحسنه أمرت بصفعه. # قوله: وأعلم من تحت الجرباء: سميت السماء جرباء، لأن النجوم فيها كالجرب ~~في البدن. # وقال ابن الرومي في غلام يهواه وخرج عليه جدري، ms0811 وأشار إلى جرب السماء: # [الوافر] # وقالوا شأنه الجدري فانظر ... إلى وجه به أثر الكلوم # فقلت: ملاحة نثرت عليه ... وما حسن السماء بلا نجوم! # وقال أبو بكر بن السراج في الفتح بن مسروق البلخي، وقيل: قالهما في ابن ~~ياسر المغني، وكان من أحسن الناس وجها: [السريع] # لي قمر جدر لما استوى ... فزاده حسنا وزادت الهموم # كأنما غنى لشمس الضحى ... فنقطته طربا بالنجوم # وقال آخر: [البسيط] # كأن آثار تجدير بوجنته ... عشر معورة في صحف وراق # *** # وقال ذو الوزارتين أبو الوليد بن زيدون: # قال لي اعتل من هويت حسود ... قلت أنت العليل ويحك، لا هو # ما الذي تنقمون من بثرات ... ضاعفت حسنه وزانت حلاه # وجهه- في الصفاء والرقة- الماء ... ء، فلا غرو أن حباب علاه PageV02P436 # قوله: صمد، أي قصد. فتيق: طليق. جريء الجنان: ماضي القلب قويه. # انتخلت: اخترت. الفتيا: لغة في الفتوى، وهما اسمان يوضعان موضع الإفتاء، تقول: # إفتاء وفتيا وفتوى. # بنات غير، كناية عن الكذب. الفنجديهي. رأيت بخط الحريري: بنات الغير: # الكذب. # الفراء: يقال للرجل، أبو بنات عبر، وهو الباطن بعين مهملة وباء منقوطة، واحدة. # مير: رزق وصلة، وأصله جلب الطعام للأكل. الله أكبر: حكى أهل اللغة أن ~~معناه كبير، وقال الفرزدق: [الكامل] # إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول (¬1) # أي عزيزة طويلة: # قال معن بن أوس: [الطويل] # لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول (¬2) # أي لوجل، وقال النحويون: الكسائي والفراء وهشام معناه: أكبر من كل شيء، ~~فحذفت من لأن أفعل خبر، كقولك: أبوك أفضل وأعقل، أي من غيره، ولو كان اسما ~~لم يحذف منه شيء، ألا ترى أن من قال: أخوك أفضل لم يقل إن أفضل أخوك، فحذفت ~~«من» في الخبر، لأن الخبر يدل على أشياء غير موجودة في اللفظ، نحو أخوك ~~قام، فيدل على المصدر والزمان والمكان والاسم لا يحذف منه شيء يدل عليه. ~~والمخبر، مصدر خبرت خبرة ومخبرا، إذا جربته، فأراد: سيتبين لك بالتجربة ما ~~ادعيته من العلوم، وينكشف لك ما أضمرته منها. اصدع: تكلم ms0812 وأظهر، وصدعت ~~بالحق تكلمت به جهارا، وقوله تعالى: فاصدع بما تؤمر [الحجر: 94] أي أظهر ~~دينك. PageV02P437 # وإنما اعتمد الشيخ أبو محمد الحريري في شرح الألفاظ التي ألغز بها على ~~الوجه المعمى؛ ولنشرح ما سوى ذلك مما اشتملت عليه إن شاء الله تعالى. # *** # قال: ما تقول فيمن توضأ ثم لمس ظهر نعله؟ قال: انتقض وضوءه بفعله (النعل: ~~الزوجة). # قال: فإن توضأ ثم أتكأه البرد؟ قال: يجدد الوضوء من بعد (البرد: النوم). # قال: أيمسح المتوضئ أنثييه؟ قال: قد ندب إليه، ولم يوجب عليه. # (الأنثيان: الأذنان). # قال: أيجوز الوضوء مما يقذفه الثعبان؟ قال: وهل أنظف منه للعربان! ~~(الثعبان: جمع ثعب، وهو مسيل الوادي). # قال: أيستباح ماء الضرير؟ قال: نعم، ويجتنب ماء البصير. (الضرير: حرف ~~الوادي. والبصير: الكلب). # قال: أيحل التطوف في الربيع؟ قال: يكره ذلك للحدث الشنيع. (التطوف: # التغوط. والربيع: النهر الصغير). # *** # قوله: لمس، جر أصابعه عليها. أتكأه: جعله متكئا. يقذفه: يطرحه من بطنه. # والصرير: الأعمى. والبصير: البصر. # والطوف: مصدر طاف حول الشيء إذا دار به. والحدث: الغائط، وجعله شنيعا لأن ~~الإنسان إذا فعله في الماء ظهر على وجه الماء فكانت به شنعة، واستقذر الماء ~~فلم يستعمل، وإن كان مباحا استعماله. # *** # قال: أيجب الغسل على من أمنى؟ قال: لا ولو ثنى. (أمنى: نزل مني، ويقال ~~منه: منى وأمنى وامتنى). # قال: فهل يجب على الجنب غسل فروته؟ قال: أجل وغسل إبرته (الفروة: # جلدة الرأس، والإبرة: عظم المرفق). # قال: أيجب عليه غسل صحيفته؟ قال: نعم كغسل شفته (الصحيفة: أسرة الوجه). PageV02P438 # قال: فإن أخل بغسل فأسه؟ قال: هو كما لو ألغى غسل رأسه (الفأس: # العظم المشرف على نقرة القفا). # قال: أيجوز الغسل في الجراب؟ قال: هو كالغسل في الجباب. (الجراب: # جوف البئر). # قال: فما نقول فيمن تيمم ثم رأى روضا؟ قال: بطل تيممه فليتوضأ (الروض ~~هاهنا: جمع روضة، وهي الصبابة تبقى في الحوض). # *** # أخل: نقص. نقرة: حفرة. الروض: مواضع الغيث. والصبابة: البقية. # *** # قال: أيجوز أن يسجد الرجل في العذرة؟ قال: نعم وليجانب القذرة (العذرة: ~~فناء الدار). # قال: ms0813 فهل له السجود على الخلاف؟ قال: لا، ولا على أحد الأطراف. # (الخلاف: لكم). # قال: فإن سجد على شماله؟ قال: لا بأس بفعاله. (الشمال: جمع شملة). # قال: فهل يجوز السجود على الكراع؟ قال: نعم، دون الذراع (الكراع: ما ~~استطال من الحرة، وهي أرض ذات حجارة سود). # قال: أيصلي على رأس الكلب؟ قال: نعم، كسائر الهضب (رأس الكلب: # ثنية معروفة). # قال: أيجوز للدارس حمل المصاحف؟ قال: لا، ولا حملها في الملاحف. # (الدارس: الحائض). # قال: ما نقول فيمن صلى وعانته بارزة؟ قال: صلاته جائزة. (العانة: # الجماعة من حمر الوحش). # *** # والكراع: الرجل، وكراع كل شيء طرفه. والحرة: أرض فيها حجارة سود. # والهضب: جمع هضبة وهي الصخرة العظيمة، والكدية الصغيرة، وقيل: الهضبة ~~الجبل PageV02P439 # المنبسط على وجه الأرض، وقيل: الجبل الطويل المتسع والجمع هضاب. ثنية: عقبة. # *** # قال: فإن صلى وعليه صوم؟ قال: يعيد ولو صلى مائة يوم. (الصوم: ذرق ~~النعام). # قال: فإن حمل جروا وصلى؟ قال: هو كما لو حمل باقلي. (الجرو: # الصغار من القثاء والرمان). # قال: أتصح صلاة حامل القروة؟ قال: لا، ولو صلى فوق المروة (القروة: # ميلغة الكلب). # قال: فإن قطر على ثوب المصلي نجو؟ قال يمضي في صلاته ولا غرو. # (النجو: السحاب الذي قد هراق ماءه). # قال: أيجوز أن يؤم الرجال مقنع؟ قال: نعم، ويؤمهم مدرع. (المقنع: # لابس المغفر، والمدرع: لابس الدرع). # قال: فإن أمهم من في يده وقف؟ قال: يعيدون ولو أنهم ألف (الوقف: # السوار من العاج أو الذبل، وأراد أنه لا يجوز للرجال الائتمام بالنساء). # الميلغة: ما يشرب فيه الكلب الماء، وهي من ولغ الكلب، إذا تناول الماء ~~بلسانه والقروة: نقير من خشب تشرب منه الكلاب. والقثاء: هو الفقوس. والنجو: ~~هو الحدث لا غرو: لا عجب. والمقنع: لابس القناع، يريد المرأة. والوقف: ما ~~وقف وحبس من الأموال على المساكين والمساجد. والذبل: جلد السلحفاة البرية، ~~ويقال: إنها تعظم، فربما يضع التاجر ليلا عليها حمله يظنها صخرة فترتحل به، ~~ويستعمل من الطبق الذي عليها خلاخل للحشم والعبيد. والعاج عظم الفيل. # *** # قال: فإن أمهم ms0814 من فخذه بادية؟ قال: صلاته وصلاتهم ماضية. (الفخذ: # العشيرة، وبادية، أي يسكنون البدو، واختار بعض أهل اللغة تسكين الخاء من ~~هذه الفخذ، ليحصل الفرق بينها وبين العضو). # قال: فإن أمهم الثور الأجم؟ قال: صل وخلاك ذم. (الثور: السيد. # والأجم: الذي لا رمح معه). PageV02P440 # قال: أيدخل القصر في صلاة الشاهد؟ قال: لا، والغائب الشاهد. (صلاة ~~الشاهد: صلاة المغرب، سميت بذلك لإقامتها عند طلوع النجم، لأن النجم يسمى ~~الشاهد). # قال: أيجوز للمعذور أن يفطر في شهر رمضان؟ قال: ما رخص فيه إلا للصبيان. ~~(المعذور: المختون، وهو أيضا المعذر). # قال: فهل للمعرس أن يأكل فيه؟ قال: نعم بملء فيه. (المعرس: المسافر الذي ~~ينزل في آخر ليله ليستريح ثم يرتحل). # قال: فإن أفطر فيه العراة؟ قال: لا تنكر عليهم الولاة. (العراة: الذين ~~تأخذهم العرواء، وهي الحمى برعدة). # *** # قال: فإن أكل الصائم بعد ما أصبح؟ قال: هو أحوط له وأصلح. (أصبح، أي ~~استصبح بالمصباح). # قال: فإن عمد لأن أكل ليلا؟ قال: ليشمر للقضاء ذيلا. (ذكر ابن دريد أن ~~الليل فرخ الحبارى، وقال غيره: هو ولد الكروان). # قال: فإن أكل قبل أن تتوارى البيضاء؟ قال: يلزمه والله القضاء. (البيضاء ~~من أسماء الشمس). # قال: فإن استثار الصائم الكيد؟ قال: أفطر ومن أحل الصيد. (الكيد: # القيء. واستثاره، أي استدعاه). # قال: أله أن يفطر بإلحاح الطابخ؟ قال: نعم لا بطاهي المطابخ. (الطابخ: # الحمى الصالب). # قال: فإن ضحكت المرأة في صومها؟ قال: بطل صوم يومها. (ضحكت هاهنا، أي ~~حاضت، ومنه قوله تعالى: فضحكت فبشرناها بإسحاق [هود: 71]. # قال: فإن ظهر الجدري على ضرتها؟ قال: تفطر إن آذن بمضرتها. (الضرة: # أصل الإبهام، وأصل الثدي أيضا). # الطاهي: طابخ اللحم. والصالب: الحمى لا ترعد، وإلحاحها: ملازمتها. PageV02P441 # الجدري: قروح صغار تخرج على الصبيان. وضرتها: شريكتها في زوجها. # *** # قال: ما يجب في مالة مصباح؟ قال: حقتان يا صاح. (المصباح: الناقة التي ~~تصبح في المبرك). # قال: فإن ملك عشر خناجر؟ قال: يخرج شاتين ولا يشاجر. (الخناجر: # النوق الغزار الدر، واحدتها خنجر وخنجور). # قال: فإن سمح للساعي بحميمته؟ ms0815 قال: يا بشرى له يوم قيامته. (الساعي: # جابي الصدقة، والحميمة: خيار المال). # قال: أيستحق حملة الأوزار من الزكاة جزا؟ قال: نعم إذا كانوا غزى. # (الأوزار: السلاح. وغزى: جمع غاز). # قال: أيجوز للحاج أن يعتمر؟ قال: لا، ولا أن يختمر. (الاعتمار: لبس ~~العمارة، وهي العمامة، والاختمار: لبس الخمار). # قال: فهل له أن يقتل الشجاع؟ قال: نعم، كما يقتل السباع. (الشجاع: # الحية). # *** # الحقة: التي استحقت أن يركب عليها. والخناجر: نوع من السكاكين الكبار. # ويشاجر: يخالف. والجابي: الجامع للصدقة، ومنه الجباية. # والأوزار: أثقال الذنوب. والغزي: هؤلاء الرماة بالنشاب. ويعتمر: يحج بعمرة. # ويختمر: يستعمل الخبز المختمر. # *** # قال: فإن قتل زمارة في الحرم؟ قال: عليه بدنة من النعم. (الزمارة: ~~النعامة واسم صوتها الزمار). # قال: فإن رمى ساق حر فجدله؟ قال: يخرج شاة بدله. (ساق حر: ذكر القماري). # قال: فإن قتل أم عوف بعد الإحرام؟ قال يتصدق بقبضة من طعام. (أم عوف: ~~الجرادة). PageV02P442 # قال: أيجب على الحاج استصحاب القارب؟ قال: نعم، ليسوقهم إلى المشارب. ~~(القارب: طالب الماء بالليل). # قال: ما تقول في الحرام بعد السبت؟ قال: قد حل في ذلك الوقت. # (الحرام: المحرم، والسبت: حلق الرأس. وحل، من تحليل الحج). # قال: ما تقول في بيع الكميت؟ قال: حرام كبيع الميت. (الكميت: # الخمر). # *** # والزمارة: المرأة تضرب بالمزمار. والبدنة الناقة، سميت بذلك لضخامتها ~~وبدن الرجل ضخم. جدله: قتله وطرحه على الجدالة، وهي الأرض. ومن أبيات اللغز ~~في الجرادة: # وما صفراء تكنى أم عوف ... كأن سويقتيها منجلان # والقارب: السفينة الصغيرة. والكميت: الفرس الأسود العرف والذنب. والكمتة: # حمرة تضرب إلى السواد. # *** # قال: أيجوز بيع الخل بلحم الجمل؟ قال: ولا بلحم الحمل. (الخل ابن المخاض، ~~ولا يحل بيع اللحم بالحيوان، سواء كان من جنسه أو من غير جنسه). # قال: أيحل بيع الهدية؟ قال: لا ولا بيع السبية. (الهدية، بالتشديد: ما ~~يهدى إلى الكعبة، ويقال فيها هدية، بتسكين الدال وتخفيف الياء. والسبية: # الخمر). # قال: ما تقول في بيع العقيقة؟ قال: محظور على الحقيقة. (العقيقة: ما يذبح ~~على المولود في اليوم السابع من ms0816 ولادته). # قال: أيجوز بيع الداعي، على الراعي؟ قال: لا، ولا على الساعي. # (الداعي: بقية اللبن في الضرع، والساعي: جابي الصدقة). # قال: أيباع الصقر بالتمر؟ قال: لا، ومالك الخلق والأمر. (الصقر: # الدبس). PageV02P443 # قال: أيشتري المسلم سلب المسلمات؟ قال: نعم، ويورث عنه إذا مات. # (السلب: لحاء الشجر، وهو أيضا خوض الثمام). # *** # والحمل: الخروف. والعقيقة: خرزة حمراء. محظور: ممنوع. والصقر: من جوارح ~~الطير. الدبس: عسل التمر. خوص: ورق. الثمام: شجر ضعيف ورقه كورق الدوم ~~مزدوجة. # *** # قال: فهل يجوز أن يبتاع الشافع؟ قال: ما لجوازه من دافع (الشافع: الشاة ~~التي يتبعها سخلها). # قال: أيباع الإبريق على بني الأصفر؟ قال: يكره كبيع المغفر. (الإبريق: # السيف الصقيل الكثير الماء. وبنو الأصفر: الروم). # قال: أيجوز أن يبيع الرجل صيفيه؟ قال: لا، ولكن ليبع صفيه. (الصيفي: # الولد على الكبر، والصفي: الناقة الغزيرة الدر). # قال: فإن اشترى عبدا فبان بأمه جراح؟ قال: ما في رده من جناح. (الأم: # مجتمع الدماغ). # قال: أتثبت الشفعة للشريك في الصحراء؟ قال: لا، ولا للشريك في الصفراء. ~~(الصحراء: الأتان التي يمازج بياضها غبرة والصفراء: الناقة). # قال: أيحل أن يحمى ماء البئر والخلا! قال: إن كان في الفلا فلا. (يحمى: # يمنع. والخلا: الكلأ). # *** # الإبريق: آنية الخمر. الصيفي: ما ولد في زمن الصيف. والصفي: الصاحب ~~الخالص. والدر: اللبن. وبان: ظهر. وجناح: إثم. والأتان: الأنثى من الحمير. # *** # قال: ما تقول في ميتة الكافر؟ قال: حل للمقيم والمسافر. (الكافر: البحر، ~~وميتته، السمك الطافي فوق مائه). # قال: أيجوز أن يضحي بالحول؟ قال: هو أجدر بالقبول. (الحول: جمع حائل). PageV02P444 # قال: فهل يضحي بالطالق؟ قال: نعم، ويقرى منها الطارق. (الطالق: الناقة ~~ترسل ترعى حيث شاءت). # قال: فإن ضحى قبل ظهور الغزالة؟ قال: شاة لحم بلا محالة. (الغزالة: # الشمس). قال بعضهم: يقال: طلعت الغزالة. ولا يقال: غربت، وضدها الجونة، ~~تسمى بها عند مغيبها، لأنها تسود حين تغيب، كما قال الشاعر: [الرجز] # * تبادر الجونة أن تغيبا (¬1) * # قال: أيحل التكسب بالطرق؟ قال هو كالقمار بلا فرق. (الطرق: الضرب بالحصى، ~~وهو من أفعال الكهنة). # قال: ms0817 أيسلم القائم على القاعد؟ قال: محظور فيما بين الأباعد. (القاعد: # التي قعدت عن الحيض أو عن الأزواج). # *** # والطافي: المرتفع على وجه الماء. والحول: جمع أحول وحولاء. أجدر: أحق. # والطرق: السير بالليل. محظور: ممنوع. # *** # قال: أينام العاقل تحت الرقيع؟ قال: أحبب به في البقيع. (الرقيع: السماء، ~~وعنى بالبقيع المدينة). # قال: أيمنع الذمي من قتل العجوز؟ قال: معارضته في العجوز لا تجوز. # (العجوز: الخمر. وقتلها: مزجها). # قال: أيجوز أن ينتقل الرجل عن عمارة أبيه؟ قال: ما جوز لخامل ولا نبيه. # (العمارة: القبيلة). # قال: ما تقول في التهود؟ قال: هو مفتاح التزهد. (التهود: التوبة، ومنه ~~قوله تعالى: إنا هدنا إليك [الأعراف: 156]. PageV02P445 # قال: ما تقول في صبر البلية؟ قال: أعظم به من خطية. (الصبر: الحبس. # والبلية: الناقة تحبس عند قبر صاحبها، فلا تسقى ولا تعلف إلى أن تموت، ~~وكانت الجاهلية تزعم أن صاحبها يحشر عليها). # قال: أيحل ضرب السفير؟ قال: نعم، والحمل على المستشير. (السفير: ما تساقط ~~من ورق الشجر. والمستشير: الجمل السمين، وهو أيضا الجمل الذي يعرف اللاقح ~~من الحائل). # *** # والرقيع: الأحمق الذي يتخرق عليه رأيه حتى يحتاج إلى أن يرقع، ثم كثر حتى ~~صار الرقيع الماجن القليل الحياء، فأراد: أيرقد عاقل تحت رقيع؟ فقال: ما ~~أحسن ذلك، إذا كان في البقيع؛ هذا معناه في الظاهر، وما قصد به قد فسره. ~~والبقيع في الأصل: كل موضع فيه أصول أشجار مختلفة. التهود: الدخول في دين ~~اليهودية. عمارة أبيه: ما كان أبوه يعمره من دار يسكنها ومال يعمره السفير: ~~الرسول. المستشير: المسترشد الذي يستشيرك في أموره والحمل عليه إهانته ~~وظلمه. اللاقح: الحامل بالولد، والحائل: # ضدهما. # *** # قال: أيعزر الرجل أباه؟ قال: يفعله البر ولا يأباه. (التعزير: التعظيم ~~والنصرة والتوقير). # قال: ما تقول فيمن أفقر أخاه؟ قال: حبذا ما توخاه. (أفقره: أعاره ناقة ~~يركب فقارها). # قال: فإن أعرى ولده؟ قال: يا حسن ما اعتمده! (أعراه: أعطاه ثمرة نخلة عاما). # قال: فإن أصلى مملوكه النار؟ قال: لا إثم عليه ولا عار. (المملوك: # العجين الذي قد أجيد عجنه حتى ms0818 قوي). # قال: أيجوز للمرأة أن تصرم بعلها؟ قال: ما حظر أحد فعلها. (البعل: # النخل الذي يشرب بعروقه من الأرض). # قال: فهل تؤدب المرأة على الخجل؟ قل: أجل. (الخجل: سوء احتمال PageV02P446 # الغنى، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم للنساء: «إنكن إذا جعتن دقعتن، وإذا ~~شبعتن خجلتن») (¬1). # قال: ما تقول فيمن نحت أثلة أخيه؟ قال: أثم ولو أذن له فيه. (نحت أثلته، ~~إذا اغتابه وقدح في عرضه). # *** # يعزر: يؤدب، والتعزيز: ضرب دون الحد. والبر: المكرم لأبيه. توخاه: # قصده، وكذلك اعتمده. أصلاه: جعله فيها. تصرم: تقطع وتباعد، وأصل الصرم ~~القطع. بعلها زوجها. حظر: منع. الخجل: الاستحياء. وأراد بسوء احتمال الغنى، ~~أن تكون مبذرة لمالها سفيهة، فكأن الغنى لما أتاها لم تحتمله فأفسدته نحت: نجر. # أثلة: شجرة. # *** # قال: أيحجر الحاكم على صاحب الثور؟ قال: نعم، ليأمن غائلة الجور. # (الثور: الجنون). # قال: فهل له أن يضرب على يد اليتيم؟ قال: نعم، إلى أن يستقيم. (يقال: # ضرب على يده، إذا حجر عليه). # قال: فهل يجوز أن يتخذ له ربضا؟ قال: لا، ولو كان له رضا. (الربض: # الزوجة). # قال: فمتى يبيع بدن السفيه؟ قال حين يرى له الحظ فيه. (البدن: الدرع ~~القصيرة). # قال: فهل يجوز أن يبتاع له حشا؟ قال: نعم، إذا لم يكن مغشى. (الحش: # النخل المجتمع). # قال: أيجوز أن يكون الحاكم ظالما؟ قال: نعم، إذا كان عالما. (الظالم: # الذي يشرب اللبن قبل أن يروب ويخرج زبده). # قال: أيستقضى من ليست له بصيرة؟ قال: نعم، إذا حسنت منه السيرة. # (البصيرة: الترس). PageV02P447 # قال: فإن تعرى من العقل؟ قال: ذاك عنوان الفضل. (العقل: ضرب من الوشي). # *** # غائلة: ضرر. الربض: بقاع من الأرض تباع وتشترى. الحش: الكنيف. مغشى: # يغشاه الناس ويدخلونه. البصيرة: اليقين والنظر السديد. السير: العادة. ~~عنوان: دليل وعلامة. # *** # قال: فإن كان له زهو جبار؟ قال: لا إنكار عليه ولا إكبار. (الزهو: البسر ~~المتلون. والجبار: النخل الذي فات اليد وضده القاعد). # قال: أيجوز أن يكون الشاهد مريبا؟ قال: نعم، إذا كان أريبا. (المريب: # الذي يكثر عنده اللبن الرائب). ms0819 # قال: فإن بان أنه لاط؟ قال: هو كما لو خاط. (لاط الحوض، إذا طينه). # قال: فإن عثر على أنه غربل؟ قال: ترد شهادته ولا تقبل. (غربل، أي قتل)، ~~ومنه قول الراجز: [الرجز] # * ترى الملوك حوله مغربله (¬1) * # قال: فإن وضح أنه مائن؟ قال: هو وصف له زائن. (المائن هاهنا: الذي يعول ~~ويكفي المئونة، من مان يمون، لا من مان يمين). # قال: ما يجب على عابد الحق؟ قال: يحلف بإله الخلق. (العابد هاهنا: # الجاحد: والحق: الدين). # قال: ما تقول فيمن فقأ عين بلبل عامدا؟ قال: تفقأ عينه قولا واحدا. # (البلبل: الرجل الخفيف). # قال: فإن جرح قطاة امرأة فماتت؟ قال: النفس بالنفس إذا فاتت. (القطة: ما ~~بين الوركين). # *** PageV02P448 # والزهو: التكبر والإعجاب. الأريب: العاقل. لاط: عمل عمل قوم لوط. وضح: # تبين. مائن: كاذب. القطاة: نوع من الحمام، وفقأ العين: أخرجها والبلبل، طائر. # *** # قال: فإن ألقت الحامل حشيشا من ضربه؟ قال: ليكفر بالأعناق عن ذنبه. # (الحشيش: الجنين الملقى ميتا). # قال: ما يجب على المختفي في الشرع؟ قال: القطع لإقامة الردع. (المختفي: # نباش القبور). # قال: فما يصنع بمن سرق أساود الدار؟ قال: يقطع إن ساوين ربع دينار. # (الأساود: الآلات المستعملة كالإجانة والقدر: الجفنة). # قال: فإن سرق ثمينا من ذهب؟ قال: لا قطع كما لو غصب. (الثمين: # الثمن، كما يقال في النصف: نصيف، وفي السدس سديس). # قال: فإن بان على المرآة السرق؟ قال: لا حرج عليها ولا فرق (السرق: # الحرير الأبيض). # قال: أينعقد نكاح لم يشهده القواري؟ قال: لا والخالق الباري. (القواري: # الشهود لأنهم يقرون أي الأشياء، أو يتبعونها). # قال: ما تقول في عريس باتت بليلة حرة، ثم ردت في حافرتها بسحرة؟ # قال: يجب لها نصف الصداق، ولا تلزمها عدة الطلاق. # (يقال: باتت العروس بليلة حرة، إذا امتنعت على زوجها؛ فإن افتضها قيل: ~~باتت بليلة شيباء. والرد في الحافرة بمعنى الرجوع في الطريق الأول، وكنى به ~~عن طلاقها قبل وردها إلى أهلها). # *** # الحشيش: نبات يابس: الردع: الكف والمنع. الأساود: الحيات. الثمين: الرفيع الثمن. # القواري: طيور خضر، وقد ms0820 بين هو أنه أراد بالقواري الشهود، ويقال: ~~المسلمون قواري الله في الأرض أي شهوده، وقال جرير: [الكامل] # * المسلمون لما أقول قواري (¬1) * PageV02P449 # وباتت العروس بليلة شيباء، إذا غشيها زوجها. # الفنجديهي: رأيت: بخط الحريري رحمه الله تعالى: [الخفيف] # طيبوها ولم أطيب بطيب ... رب منع ألذ من إعطاء # بت في درعها وباتت ضجيعي ... في بصير وليلة شيباء # البصير هنا: قطعة من دم: # وقد أتينا على ما في هذه المسائل من الغريب في الظاهر، وأما ما قصده من ~~المعمى فهو مفسر في الأصل، وقد أحسن أبو محمد في هذه الفتاوى وبلغ منه ~~الاقتدار والاتساع فوق المراد، وإن كان لا يوصف فيها الابتداع، فقد أحسن في ~~الاتباع. ### || AUTO [الملاحن والمعاريض] # والسابق إلى هذا المعنى أبو بكر بن دريد رحمه الله تعالى في كتاب سماه ~~بالملاحن، وهي من اللحن، وهو أن توري بلفظ عن لفظ. # ثم تمم تلك الأغراض وحسنها أحمد بن عبيد الله في كتاب سماه بالمنقذ. # وفائدة حفظ هذه الأغراض أن يخوف الرجل أو يروعه أمير ظالم أو مسلط غاشم، ~~فيتخلص منه بهذه المعاريض. فأما أن يقطع بها حق مسلم فلا سبيل إليها، ~~ومعتمدهم فيها حديث عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن ~~في المعاريض مندوحة عن الكذب» (¬1). # وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «عجيب لمن يحسن المعاريض كيف يكذب، ~~ولمن لاحن الناس كيف لا يعرف جوامع الكلم! » (¬2). # وقول النبي صلى الله عليه وسلم لطلائع المشركين حين لقوه في نفر من ~~أصحابه، فقالوا: ممن أنتم؟ # قالوا: من ماء، فتركوهم، وأراد فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق ~~[الطارق: 6]. # وقوله صلى الله عليه وسلم في مزاحه لإحدى عماته «إن الجنة لا تدخلها ~~عجوز»، فلما جزعت قال لها «إن الله تعالى يخلقهم يود القيامة أبكارا». # وقال لامرأة: «ما فعل زوجك الذي في عينيه بياض»؟ فلما جزعت قال: لها: ~~«أوليس في كل عين بياض»؟ # وقال له رجل: احملني، قال: ما عندي إلا ولد الناقة، فقال: وما أصنع بولد ~~الناقة؟ فقال ms0821 صلى الله عليه وسلم: «وهل الإبل إلا من النوق! ». # فاستجيزت المعاريض على هذا النحو من المزاح أو التخويف. PageV02P450 # ومن ذلك أن بعض العرب أدخل على الواثق، وكان يقول بخلق القرآن ويعاقب من ~~خالفة، فقال له، ما تقول في القرآن، فتصامم عليه، فأعاد السؤال، فقال: من ~~تعني يا أمير المؤمنين؟ فقال: إياك أعني، فقال: مخلوق- يعني نفسه، وتخلص منه. # وقال لآخر من الصالحين: ما تقول في القرآن؟ فأخرج يده، وجعل يعد أصابعه، ~~ويقول: التوراة والإنجيل والقرآن هؤلاء الثلاثة مخلوقة. فعنى أصابعه، وتخلص منه. # وتعذر على رجل لقاء المأمون في ظلامة، فصاح على بابه: أنا أحمد النبي ~~المبعوث. # فأدخل إليه، وأعلم أنه تنبأ فقال له: ما تقول؟ فذكر ظلامته، فقال: له ما ~~تقول فيما حكي عنك؟ فقال: وما هو؟ ذكروا أنك تقول إنك نبي، فقال: معاذ ~~الله، إنما قلت: أنا أحمد النبي المبعوث، أفأنت يا أمير المؤمنين ممن لا ~~يحمده؟ فاستظرفه، وأمر بإنصافه. # وخرج شريح القاضي من عند زياد، وتركه يجود بنفسه، فسأله الناس عن حاله، ~~فقال: تركته يأمر وينهى، فجزعوا لسلامته، فما راعهم إلا صياح النائحات ~~عليه. فسئل شريح عن قوله، فقال: تركته يأمر بالوصية، وينهى عن البكاء. # وسئل ابن شبرمة عن رجل ليستعمل، فقال: إن له شرفا وقدما وبيتا. فنظروا ~~فإذا هو ساقط سفلة، فقيل له في ذلك، فقال: شرفه أذناه، وبيته الذي يأوي ~~إليه وقدمه الذي يمشي عليه. # وقال صاحب المنقذ: # إذا حلفت بالأيمان اللازمة لك، فانو بالأيمان الأيدي، قال تعالى: عن ~~أيمانهم وعن شمائلهم [الأعراف: 17]. فإن قلت: كل امرأة طالق فاعن الطالق من ~~الإبل، وهي التي يطلقها الراعي، والطالق التي يحمل عليها عقالها. # فإن قيل: احلف بظهار امرأتك كظهر أمك، فاعن بالظهر ما يركب من الخيل ~~والبغال والحمير، ولا جناح عليه في ركوب دواب أمه. # فإن قال: احلف بمالك على المسلمين صدقة، فاعن ما لك على المساكين من دين، ~~وليس لك عليهم شيء. # فإن أحلفك بأن كل مملوك لك حر. فالمملوك: الدقيق الملتوت بالماء أو الزيت ~~أو السمن. # فإن ms0822 قال: كل غلام لك حر. فالحر: الحية الذكر، والحر من الرمل الذي ما ~~وطئ، والحر: ذكر الحمام، قال حميد. [الطويل] # * دعت ساق حر ترحة وترنما (¬1) * PageV02P451 # فإن أحلفك بأن كل جارية لك حرة، فالجارية السفينة، والريح والشمس. # فإن قال: احلف وإلا كل أمة لك حرة، فالحرة الأذن، والحرة السحابة الغزيرة المطر. # فإن أحلفك: وإلا فما لك حبس، فحبس بلد معروف، قال ابن حلزة: [الكامل] # * لمن الديار عفون بالحبس (¬1) * # فإن قال: وإلا فهو كافر. فالكافر الليل، أو البحر أو الزراع للبذر، قال ~~الله تعالى: # أعجب الكفار نباته [الحديد: 20]، وأصله الساتر. # وتقول: كل امرأة تزوجتها فقد طلقتها بتاتا. فتزوجت اتخذت زوجا من النبات ~~أي لونا، وقال الله تعالى: وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج [ق: 7]. وقال تعالى: # فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى [طه: 3]، وطلقتها ألبستها الطلق، وهو قبة ~~من جلود والنبات: الزاد. # وتقول: ما تطيبت ولا تمسكت. فتطيبت أتيت الطيب، وهو بلد بين واسط والسوس، ~~أو طيبة مدينة النبي صلى الله عليه وسلم. وتمسكت: لبست مسكا وهو الجلد، أو ~~تفعلت من الامتساك. # وتقول: ما له قبلي درهم ولا دينار. فدرهم قبيلة من ربيعة، لهم خطة في ~~البصرة، ودينار اسم رجل معروف. # وما له قبلي ثوب ولا شقة ولا قميص. الثوب: الرجوع، من ثاب يثوب، والشقة: # البعد. والقميص: غشاء القلب. # وما له قبلي شيء بوجه من الوجوه، ولا بسبب من الأسباب. الشي: مصدر شويت ~~اللحم. والوجوه صور مختلفة من التصاوير. والوجه: المقصد، والجمع وجوه، ~~والأسباب: الحبال. # وما أوصيت إليه، وما أوصى إلي. أوصى دخل في الواصي، وهو بيت متصل بعضه ~~ببعض. PageV02P452 # ولا أعلم له دارا ولا عقارا؛ فدارا: بلد معروف بالجزيرة، قال الشاعر: ~~[مجزوء الرمل] # ولقد قلت لرجلي ... بين حران ودارا # اصبري يا رجل حتى ... يرزق الله حمارا # والعقار: النخل: # ولا أعرف للمرأة بعلا ولا وليا. فالبعل: النخل أو الشجر، يشرب بماء ~~السحاب، والولي: يلي الوسمي. # وتقول: ما اشتريت لفلانة ضرتك قميصا، ولا إزارا ولا رداء، ولا قناعا ولا ~~غلالة، ولا حليتها خاتما ms0823 ولا خلخالا ولا طوقا ولا سوارا؛ ولا قرطتها ولا ~~شنفتها ولا كسوتها، ولا جلست مع قينة ولا مغنية ولا ضاربة بعود ولا بطبل ~~ولا رباب، ولا سمعت زمارة ولا ذقت نبيذا فالقميص غشاء القلب، والرداء السيف ~~أو الدين أو الغطاء، والإزار: # قبل المرأة أو جسم الرجل، قال الشاعر: [الوافر] # * فدى لك من أخي ثقة إزار (¬1) * # والإزار: العفاف، والقناع: جمع قنع، وهو طبق يجعل عليه الفاكهة. وفي ~~الحديث: إن الربيع ابنة معوذ أتت النبي صلى الله عليه وسلم بقناع من رطب ~~وآخر من زغب فأكل منه (¬2)، والزغب: القثاء. والغلالة: مسمار من مسامير ~~الدروع؛ قال: [الطويل] # * فهن وضاء صافيات الغلائل (¬3) * # والغلالة: الجماعة من الناس، والخاتم: شعرات بيض في قوائم الفرس. والسوار ~~مصدر ساورت الرجل. والخلخال: الرمل الجريش. والطوق: المصدر من الطاقة، PageV02P453 # وقرطتها من القرط، وهو العلف الرطب تأكله الدواب، فإذا يبس فهو القت. ~~وشنفتها جعلتها مشنفة أي مبغضة، من شنفت الرجل، إذا أبغضته. وكسوتها: ضربت ~~كساها، وهو جانبها، وجانب كل شيء كساه والجمع أكساه، والقينة: هزمة بين ~~الوركين وعجب الذنب من الفرس، والعود الذي يتبخر به، والزمارة: الفاجرة، ~~ومنه نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كسب الزمارة (¬1)، والزمارة: الغل، ~~وفي خبر الحجاج: أتى سعيد بن جبير وفي عنقه الزمارة، أي ساجور، والطبل: ~~السلة التي يجعل فيها الطعام، والطبل: الخراج. # والمغنية: ناقة تضرب بنابها، والرباب: سحاب متراكب قريب من الأرض. ~~والنبيذ: ما نبذته النعام أو الحمير بأرجلها من الحصى. # وتقول: ما لي مركوب وما بعت عبدا، وقد افتقرت حتى ما في ملكي نفقة يوم ~~مالي، بمعنى ملكي، ومركوب: ضربت ركبته، وثنية بالحجاز. وعبد: جبل من جبال ~~طيئ. وافتقر: اشتد فقاره أو كسر فقار جدي أو حمل، والملك: الحجة. # وتقول: ما أضعت عملك ولا قصرت ولا أهملت ولا فرطت ولا سامحت أحدا، ولا ~~تركت واجبا، ولا ارتفقت بحبه، ولا أبقيت غاية في مناصحتك. أضعت: كثرت ~~ضياعي. وفرطت: بعثت فارطا، وهو طالب الماء، وقصرت: بنيت قصرا. وأهملت: # كثرت هواملي، وهي الإبل السارحة في المرعى ms0824 بلا راع. وسامحت: نظرت أينا أكرم. # والواجب: الساقط، وارتفقت: نمت على مرفقي، والغاية: راية الحمار. # وتقول: ما شتمت له أبي ولا عما ولا عمة، ولا خالا ولا خالة، ولا صحبته، ~~ولا شاهدته ولا راسلته، ولا شاربته، ولا نادمته، ولا رأيته منذ دهر. # أبى: داء يأخذ المعزى، قال: [الطويل] # * أبى لا إخال الضأن منه نواجيا (¬2) * # وعم: قطعة من الناس، وقرية بالشام، والعمة النخلة، قال صلى الله عليه ~~وسلم: «نعمت العمة لكم النخلة» (¬3)، وقيل لها عمة لأنها خلقت من بقية طينة ~~آدم عليه السلام. والخال: # السحاب، والخال من البرود، والخال من الخيلان، والخالة: جمع خال من الكبر. # وصحبته: منعته؛ قال تعالى: ولا هم منا يصحبون [الأنبياء: 43]، أي يمنعون. # وشاهدته: أكلت معه الشهد، وراسلته: شربت معه الرسل، وهو اللبن، وشاربته ~~من PageV02P454 # الشوارب، ونادمته من الندم، ورأيته: ضربت رئته، ودهر: قبيلة من إياد. # وتقول: ما كتبت له حرفا، ولا خططت له بقلم، ولا شتمته ولا هجوته، ولا ~~افتريت عليه، ولا أعرف عليه سوءا. الحرف الناقة المضمرة، والقلم: القدح، ~~قال الله تعالى: إذ يلقون أقلامهم [آل عمران: 44]، يعني قداح الميسر. ~~والشتم: قبح الوجه، وهجوته: أزلت نعمته، وهو الهجى مقصور، وافتريت: لبست ~~الفرو، والسوء: # البرص. # وتقول: رأيته في السوق متوفى مقبورا، وما أخذ دواء ولا معجونا. فالسوق: # أصول الشجر وأعناقها. متوفى دائما. مقبورا: مبخرا بالعود الهندي الذي فيه ~~قبر، أي رخاوة. والدواء والداوية: جلدة اللبن، والمعجون: المضروب على عجانه. # وتقول: هو مجنون مصاب، قد غل مرارا، فما اعتذرت له، ولا تنصلت، لأنه ليس ~~من الأجواد، ولا الشجعان الذين يقدح في أنسابهم. المجنون: المستور. مصاب: # مجدر من صاب يصوب، وغل من الغلة، واعتذر وتنصل؟ اتخذ عذارا ونصلا. # والأجواد: العطاش. والشجعان: الحيات، والأنساب: أسنان المشط. # وتقول: رأيت الجيش بالثغر، والفارس في الفوارس، فما أفضل عليه أحدا من ~~العرب والعجم. الجيش: الغليان، والثغر: شجر له شوك، والفارس: الحسن ~~الفراسة، والفوارس: كثبان رمل، والعرب: فساد المعدة، وعربت معدته. والعجم: النوى. # وما أكلت دابتي شعيرا. الشعير: جمع شعيرة، وهو مسمار من ms0825 الفضة في قائم السيف. # والباب متسع وفيه تأنس لما ذكره أبو محمد. # *** # ومن المعاريض، أن الحجاج لما أخرج ابن القبعثري من سجنه قال له: سمنت يا ~~غضبان، قال: القيد والرتعة (¬1)، والخفض والدعة، ومن يكن ضيف الأمير يسمن، قال: # لأحملنك على الأدهم قال: مثل الأمير يحمل على الأدهم والورد والكميت. ~~قال: إنه حديد، قال: لأن يكون حديدا خير من أن يكون بليدا، قال: اضربوا به ~~الأرض، قال: # منها خلقناكم وفيها نعيدكم [طه: 55] قال: جروة، قال: بسم الله مجراها ~~ومرساها [هود: 41]، قال: احملوه على الأيدي فلما حمل قال: سبحان الذي سخر ~~لنا هذا [الزخرف: 13]، فضحك الحجاج وقال: غلبنا هذا الخبيث، خلوه إلى صفحي ~~عنه، قال: فاصفح عنهم وقل سلام [الزخرف: 89]. # وقال خالد بن الوليد لعبد المسيح بن عمرو الغساني- وهو ابن ثلاثمائة ~~وخمسين PageV02P455 # سنة- من أين أقصى أثرك؟ قال: من صلب أبي، قال: من أين خرجت؟ قال: من بطن ~~أمي، قال: فعلام أنت؟ قال: على الأرض، قال: فقيم أنت؟ قال: في ثيابي، قال: # أتعقل لا عقلت! قال: إي والله وأقيد، قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل ~~واحد، قال: # فما سنك؟ قال: عظم، قال: ما تزيدني مسألتك إلا عيا، قال: ما أجبتك إلا عن ~~مسألتك. # الربيع بن عبد الرحمن، قلت لأعرابي: أتهمز إسرائيل؟ قال: إني إذا لرجل ~~سوء؛ أراد قوله: هماز مشاء بنميم [القلم: 11]، قلت: أتجر فلسطين؟ قال: إني ~~إذا لقوي! . # خلف الأحمر: قلت لأعرابي: ألقي عليك بيتا؟ قال: على نفسك فألقه. # قيل لأعرابي: أتهمز الفأرة؟ قال: الهر يهمزها. # ودخل رجل من محارب قيس على عبد الله بن يزيد الهلالي عامل إرمينية، وقد ~~بات على قرب من غدير فيه ضفادع، فقال عبد الله: ما تركتنا شيوخ محارب ننام ~~في هذه الليلة لشدة أصواتها. فقال المحاربي: أصلح الله الأمير إنها أضلت ~~برقعا، فهي في بغائه. # أراد الهلالي قول الأخطل: [الطويل] # تنق بلا شيء شيوخ محارب ... وما خلتها كانت تريش ولا تبري (¬1) # ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر # وأراد المحاربي قول الآخر: ms0826 [الخفيف] # لكل هلالي من اللؤم برقع ... ولابن هلال برقع وقميص # وهذا النحو من التعريض كثير. # وقال أبو الحسن بن سراج رحمه الله تعالى: [السريع] # يا ضرة الشمس التي أشرقت ... قد أشرقت حجة مشتاقك # لحظك أو خصرك قد ضمنا ... ما ضمنت عهدة ميثاقك # ثأر الهوى يطلبه ثائر ... مصرعه ما بين أحداقك # لا تدخري أنفس صوت فقد ... يرغب في أنفس أعلاقك # رفقا بمن ملكته في الهوى ... فإنه آخر عشاقك # فأنفس أعلاق المرأة معلوم، والظرف كله في قوله: «فإنه آخر عشاقك» يعرض ~~أنها أسنت فلا عاشق لها من بعده. والقينة: التي داعبها ومازحها تفهم ما ~~خوطبت به، لأنها PageV02P456 # تلميذة ولادة بنت المكتفي، وولادة شاعرة بارعة التندير، فمن تندرها قولها ~~في ذي الوزارتين ابن زيدون عاشقها تعرض له بشيء كان يزن به: [السريع] # ما لابن زيدون على فضله ... يغتابني ظلما ولا ذنب لي # يلحظني شزرا إذا جئته ... كأنما جئت لأخصي علي # وعلي صبيه، وكان يمزح معه. # *** # فقال له السائل: لله درك من بحر لا يغضغضه الماتح، وحبر لا يبلغ مدحه ~~المادح؛ ثم أطرق إطراق الحيي، وأرم إرمام العيي فقال له أبو زيد: إيه يا ~~فتى! فإلى متى وإلى متى! فقال: إيه لم يبق في كنانتي مرماة، ولا بعد إشراق ~~صبحك مماراة؛ فبالله أي ابن أرض أنت؟ فما أحسن ما أبنت! فأنشد بلسان ذلق، ~~وصوت صهصلق: [مجزوء الوافر] # أنا في العالم مثله ... ولأهل العلم قبله # غير أني كل يوم ... بين تعريس ورحله # والغريب الدار لو ح ... ل بطوبى لم تطب له # ثم قال: اللهم كما جعلتنا ممن هدي ويهدي، فاجعلهم ممن يهتدي ويهدي. # فساق إليه القوم ذودا مع قينة، وسألوه أين يزورهم الفينة بعد الفينة. ~~فنهض يمنيهم العود، ويزجي الأمة والذود. # *** # قوله: يغضغضه: ينقصه. الماتح: المستقي من أعلى البئر، والمائح، بالياء من ~~قعرها. حبر: عالم. أطرق: أمال رأسه ساكتا. وأرم: سكت. العيي: الذي إن كلمته ~~لم يحسن رد جوابه. إيه: بمعنى زدني من سؤالك. # ابن السري: إذا قلت: «إيه يا رجل»، فإنما تأمره أن يزيدك ms0827 من الحديث ~~المعهود بينكما، كأنك قلت: هات الحديث، وإن قلت إيه: بالتنوين، فكأنك قلت: ~~هات حديثا ما، فإلى متى سكوتك؟ مرماة: سهم يرمي به السبق، وقيل: هو سهم ~~مدور النصل. بعد إشراق صبحك، أي بعد ظهور فضلك. وإشراق ضوء. مماراة: شك. ~~أبنت: بينت. # ذلق: حديد. صهصلق: شديد. مثلة: مغير الخلق، فهي «فعلة» من المثل، ويقال ~~المثلة والمثل بمعنى. # *** PageV02P457 ### || AUTO [قباح الوجوه] # ونذكر على قوله: «أنا في العالم مثلة»، فصلا في ذكر قباح الوجوه من ~~العلماء وغيرهم. # فمنهم الجاحظ، وأراد المتوكل أن يعلم بنيه الثلاثة ولاة عهده، فأدخل ~~عليهم، فارتاعوا من قبح وجهه، فأخرج عنهم بعنف. # وحكى المسعودي: أن الجاحظ قال: ذكرت للمتوكل لتعليم بعض ولده، فلما رآني ~~استبشع منظري، فأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني. # وقال الحمدوني: [الكامل] # لو يمسخ الخنزير مسخا ثانيا ... لرأيته في دون قبح الجاحظ # رجل ينوب عن الجحيم بوجهه ... وهو العدو لكل عين لاحظ # قال الأصمعي رحمه الله: دخلت يوما على جعفر بن يحيى، فقال لي: هل لك يا ~~أصمعي من زوجة؟ قلت: لا، قال: فجارية؟ قلت: للمهنة، قال: فهل لك أن أهب لك ~~جارية نظيفة؟ ، قلت: إني لمحتاج إلى ذلك. فأمر بجارية فأخرجت وهي في غاية ~~الحسن والجمال والهيئة والظرف، فقال لها: قد وهبتك لهذا، وقال لي: خذ هذه، ~~فشكرته، وبكت الجارية، وقالت: يا سيدي، أتدفعني لهذا الشيخ مع ما أرى من ~~سماحتك وقبح منظره! وجزعت جزعا شديدا، فقال لي: يا أصمعي، هل لك أن أعوضك ~~منها ألف دينار؟ فقلت: ما أكره ذلك، فأمر لي بها، ودخلت الجارية، فقال لي: ~~يا أصمعي، أنكرت عليها شيئا، فأردت عقوبتها بك، ثم رحمتها منك، فقلت: أيها ~~الأمير، أفلا أعلمتني قبل ذلك، فإني لم آتك حتى سرحت لحيتي، وأصلحت وجهي ~~وعمتي، فلو عرفت الخبر لسرت على هيئتي وخلقتي، فو الله لو رأتني كذلك ما ~~عاودت شيئا تنكره أبدا. # وما ضر من ذكرنا قبحهم مع العلم الذي زينهم الله به، وكذا ينبغي لمن خلق ~~قبيح الصورة أن يستعمل لها الأخلاق ms0828 الحسان، والأفعال الحسان، لئلا يجمع بين ~~قبيحين. # كان الأويقص المخزومي أقبح الناس خلقة، وما روي مثله في العفاف والزهد. # وكان قاضي مكة، فقال يوما لجلسائه: قالت لي أمي: يا بني إنك خلقت خلقة لا ~~تصلح معها لمجالسة الفتيان في بيوت القيان، فعليك بالدين، فإن الله تعالى ~~يرفع به الخسيسة، ويتم به النقيصة. فنفعني الله بكلامها، فوليت القضاء. # وروي أن أم مالك بن أنس أوصته بمثل هذه الوصية، حين أراد أن يتعلم الغناء ~~في حداثته، فتكره وتعلم العلم، فذهب به حيث بلغ. # وكان عطاء بن أبي رباح أعور أسود أفطس أشل أعرج، ثم عمي. وأمه سوداء PageV02P458 # تسمى بركة، وقيل لأهل مكة بعد موته: كيف كان عطاء بن أبي رباح فيكم؟ ~~قالوا: كان مثل العافية التي لا يعرف فضلها حتى تفقد. # وكان في خلقة أبان بن عثمان كل عيب، وكان يضرب بعيوبه المثل في المدينة. # كان معن بن زائدة أمير اليمن يوما جالسا إذ أتته امرأة من بني سهم، ومعها ~~ابن صغير يتبعها، ويطأ أذيالها، فقالت: أصلح الله الأمير! إن عمي زوجني من ~~ليس بكفء، فقال: من هو؟ فقالت: ابن ذي مناجب؟ فقال: علي به، فدخل أقبح من ~~خلق الله، وأشوههم خلقا، فقال: من هذه منك؟ قال: امرأتي، قال: خل سبيلها، ~~ففعل، فأطرق معن ساعة، ثم رفع رأسه فقال: [الطويل] # لعمري لقد أصبحت غير محبب ... ولا حسن في عينها ذو مناجب # فما لمتها لما تبينت وجهه ... وعينا له خوصاء من تحت حاجب # وأنفا كأنف البكر يقطر ناتئا ... على لحية عضباء منه وشارب # أتيت بها مثل المهاة تسوقها ... فيا حسن مجلوب ويا شر جالب # وكان تزوجها بمكة وقدم بها اليمن. والصبي هو ابن جامع المغني المشهور. # وحكى البحتري في نوادره عن رجل سماه قال: مررت بامرأة من أجمل الناس، ~~معها رجل من أقبحهم، فقلت لها: يا أمة الله، من هذا منك؟ قالت: رجليه، فقلت: # ومن قرنك به؟ قالت: أخيه، فقلت: [الوافر] # جزى الرحمن عنك أخاك شرا ... فقد أخزاك في الدنيا وزادا # فلم أر ms0829 مغزلا قرنت بكلب ... ولا خزا بطانته بجادا # وقال آخر: [الطويل] # ألا رب بيضاء المحاجر طفلة ... تساق إلى وغد من القوم تنبال # يقولون جرتها إليك قرابة ... فويح العذارى من بني العم والخال! # وقال آخر: [مجزوء الرمل] # لابن عبد النور وجه ... صار للقبح ملاذا # قال قرد إذ رآه ... لعنة الله على ذا # وقال في بشار: [الطويل] # تواثب أقمارا وأنت مشوه ... وأقرب خلق الله من شبه القرد # وكان بشار ضخما قبيح الوجه، جاحظ الحدقتين، أقبح الناس عمى ومنظرا فقال ~~فيه حماد عجرد: [مجزوء الوافر] PageV02P459 # ألا من مبلغ عني ال ... ذي والده برد # إذا ما نسب الناس ... فلا قبل ولا بعد # وأعمى يشبه القردا ... إذا ما عمي القرد # فقال: بشار عند ما سمع هذا البيت: ما أخطأ ابن الزانية من حين شبهني بقرد ~~وجعل يبكي ويقول: ما حيلتي! يراني ويشبهني، ولا أراه فأشبهه! وبعده: [مجزوء ~~الوافر] # ولو تلقيه في صلد ... صفا لا نصدع الصلد # هو الكلب إذا ما ما ... ت لم يوجد له فقد # وأنشده رجل قول حماد: [الطويل] # دعيت إلى برد وأنت لغيره ... وهبك لبرد نكت أمك من برد # فقال: هاهنا أحد؟ قال: لا، قال: أحسن والله ابن الزانية، ولقد تهيأ له في ~~بيت واحد علي خمسة معان من الهجو، وهي: «دعيت إلى برد» معنى «وأنت لغيره» ~~معنى ثان، و «هبك لبرد» معنى ثالث، «نكت أمك» شتم واستخفاف مجرد، وهو معنى ~~رابع، ثم ختمها بقوله: «من برد» فأتى بالطامة الكبرى. # وأوجع ما مر عليه من قول حماد: [السريع] # لو طليت جلدته غنبرا ... لأفسدت جلدته العنبرا # أو طليت مسكا ذكيا إذا ... تحول المسك عليه خرا # كان حفص بن أبي بردة أفطس أعفص مقبح الوجه، وكان حماد صديقه، فتناشدوا ~~الشعر يوما، فطعن حفص على مرقش، فقال حماد: [الطويل] # لقد كان في عينيك يا حفص شاغل ... وأنف كثيل العوذ عما تتبع # تتبع لحنا في كلام مرقش ... ووجهك مبني على اللحن أجمع # فأذناك إقواء وأنفك مكفأ ... وعيناك إيطاء، فأنت المرقع # أخذ تشبيه الأنف بالثيل من قول كعب ms0830 في الوليد بن عبد الملك: [المتقارب] # فقدت الوليد وأنفا له ... كثيل البعير أبى أن يبولا # قال أبو زيد: رأيت أعرابيا كأن أنفه كوز من عظمه، فرآنا نضحك، فقال لنا: ~~ما يضحككم! فو الله لقد كنت في قوم يسموني الأفطس. # وقال الشاعر: [المتقارب] # إذا أنت أقبلت في حاجة ... إليه فكلمه من خلفه # فإن أنت واجهته بالكلا ... م لم يسمع الصوت من أنفه PageV02P460 # وقال آخر: [مجزوء الرمل] # إن عيسى أنف أنفه ... أنفه ضعف لضعفه # لو تراه راكبا وال ... أنف قد جال بعطفه # لرأيت الأنف في السر ... ج وعيسى ردف أنفه # وقال الحسن في جعفر بن يحيى: [البسيط] # ذاك الوزير الذي طالت علاوته ... كأنه ناظر في السيف بالطول # وقال أبو علي الخليع: [الكامل] # سابور ويحك ما أخس ... ك بل أخصك بالعيوب! # وجه قبيح في التبسم ... كيف يحسن في القطوب! # كان جحظة البرمكي ناتئ العينين جدا، قبيح الوجه، فقال فيه ابن الرومي: ~~[الكامل] # نبئت جحظة يستعير جحوظه ... من فيل شطرنج ومن سرطان # يا رحمة لمنادميه تحتملوا ... ألم العيون للذة الآذان # وكان طيب الغناء، وحضر مجلسه علي بن بسام، فتفرق القوم المخاد، فقال ~~جحظة: ما لي لا أعطى مخدة؟ فقال له ابن بسام: غن فالمخاد كلها إليك تصير، ~~وقال فيه: [السريع] # يا من هجوناه فغنانا ... أنت وحق الله أهجانا # سيان إن غنى لنا جحظة ... أو مر مجنون فزنانا # وله فيه أيضا: [السريع] # لجحظة المحسن عندي يد ... أشكرها منه إلى المحشر # لما رآني رد برذونه ... وصانني عن وجهه المنكر # كان الحطيئة قبيح المنظر، كثير الشر، فالتمس يوما إنسانا يهجوه فلم يجد، ~~فجعل يقول: [الطويل] # أبت شفتاي اليوم إلا تكلما ... بشر فما أدري لمن أنا قائله # فاطلع في ماء فرأى وجهه، فقال: [الطويل] # أرى لي وجها قبح الله شخصه ... فقبح من وجه وقبح حامله (¬1) PageV02P461 # نظر إلى هذا إسماعيل بن معمر القراطيسي فقال: [السريع] # ويلي على ساكن شط الصراة ... من وجنتيه شمت برق الحياه # ما تنقضي من عجب فكرتي ... من خصلة فرط فيها الولاه # ترك المحبين بلا حاكم ms0831 ... لم يقعدوا للعاشقين القصاه # وقد أتاني خبر ساءني ... مقالها في السر: وا سوأتاه! # أمثل هذا يبتغي وصلنا ... أما يرى ذا وجهه في المرآة! # وقال الأصبهاني: إن القراطيسي سأل العباس بن الأحنف فقال له: يا أبا ~~الفضل، هل قلت في معنى قولي هذا شيئا؟ فقال: قلت: [السريع] # جارية أعجبها حسنها ... ومثلها في الناس لم يخلق # خبرتها أني محب لها ... فأقبلت تضحك من منطقي # والتفتت نحو فتاة لها ... كالرشأ الوسنان في قرطق # قالت لها قولي لهذا الفتى: ... انظر إلى وجهك ثم اعشق # وقال الصقلي في صفة عذول قبيح: [الطويل] # رأى وجه من أهوى عذولي فقال لي ... أجلك عن وجه أراه كريها # فقلت له بل وجه حبي مرآة ... فأنت ترى تمثال وجهك فيها # ولابن القابلة السبتي: [الطويل] # ووجه حبيب رق حسنا أديمه ... يرى الصب فيه وجهه حين ينظر # تعرض لي عند اللقاء به رشا ... تكاد الحميا من محياه تقطر # ولم يتعرض كي أراه وإنما ... أراد يريني أن وجهك أصفر # ولبعض المصريين في غلام يهواه: [الكامل] # يجري النسيم على غلالة خده ... وأرق منه ما يمر عليه # ناولته المرآة ينظر وجهه ... فعكست فتنة ناظريه إليه # وقال الرمادي: [الكامل] # وإذا أراد تنزها في روضة ... أخذ المرآة بكف فتنزها # كان للفضل بن سهل وصيفة ظريفة كثيرة الملح والنوادر، وكانت ساقيته، وكان ~~أبو نواس يولع بها ويمازحها، فقال لها يوما: إني أحبك وتبغضينني فلم ذلك؟ ~~فقالت له: # وجهك والحرام لا يجتمعان، فقال: [الوافر] # مذكرة مؤنثة مهاة ... إذا برزت تشبهها غلاما PageV02P462 # تعاف الماء والعسل المصفى ... وتشرب من فتوتها المداما # تقول للحظها يا سيف أبشر ... ستروي من دم وتشق هاما # وقائلة لها في وجه نصح ... علام قتلت هذا المستهاما؟ # فكان جوابها في حسن مس: ... أأجمع وجه هذا والحراما! # ومن ملح ابن لنكك في أهاجي أبي رياش: [الوافر] # على القبح الفظيع أبو رياش ... يعاشرنا بأخلاق ملاح # يبيح أكفنا أبدا قفاه ... فنصفعه على وجه المزاح # وله فيه أيضا: [الكامل] # قل للوضيع أبا رياش لا تبل ... ته كل تيه بالولاية والعمل # ما ازددت ms0832 حين وليت إلا خسة ... كالسكلب أنجس ما يكون إذا اغتسل # *** # قوله: تعريس، أي نزول آخر الليل. يهدي: الأول يرشد، ويدل على الطريق، ~~ويقال؛ هداه يهديه هدى في الدين، وهداه يهديه هداية في طريق يهدي: يعطي ~~هدية، ويقال: أهداه هدية يهديها إهداء، إذا أعطاها. الذود: ما بين الثلاث ~~إلى العشر من الإبل، ولا تكون إلا إناثا. قينة: جارية مغنية ويقال: القينة ~~الأمة، كانت مغنية أو غير مغنية. الفينة: الساعة والحين، ويقال: إني لآتيه ~~الفينة بعد الفينة، وفينة بعد فينة، يستعمل بالألف واللام وبتركهما، أي ~~أديم الاختلاف إليه الحين بعد الحين والوقت بعد الوقت. يزجي: يسوق السفيه: ~~البطال المشتغل باللهو. # قال الحارث بن همام: فاعترضته، وقلت له: عهدي بك سفيها، فمتى صرت فقيها! ~~فظل هنيهة يجول، ثم أنشأ يقول: [المتقارب] # لبست لكل زمان لبوسا ... ولابست صرفيه: نعمى وبوسا # وعاشرت كل جليس بما ... يلائمه لأروق الجليسا # فعند الرواة أدير الكلام ... وبين السقاة أدير الكئوسا # وطورا بوعظي أسيل الدموع ... وطورا بلهوي أسر النفوسا # وأقري المسامع إما نطقت ... بيانا يقود الحرون الشموسا # وإن شئت أرعف كفي اليراع ... فساقط درا يحلي الطروسا # وكم مشكلات حكين السها ... خفاء فصرن بكشفي شموسا # وكم ملح لي خلبن العقول ... وأسأرن في كل قلب رسيسا PageV02P463 # وعذراء فهت بها فانثنى ... عليها الثناء طليقا حبيسا # *** # هنيهة: سويعة، تصغير هنة، ويقال في تصغيرها. هنية وهنيهة، كما تصغر سنة ~~سنية، وسنيهة. يجول: يتصرف. لبوسا: ثوبا يشاكله، أخذه من قول النابغة: ~~[الرجز] # البس لكل حالة لبوسها ... إما نعيمها وإما بوسها (¬1) # لابست: خالطت. صرفيه: حاليه من الخير والشر. عاشرت: صاحبت يلائمه: # يوافقه. أروق: أعجب، والصرف اسم لحادث الدهر، لأنه يصرف الأشياء عن ~~وجوهها. # طورا: مرة. أقرى المسامع: أعطي الآذان، وأجعل فيها البيان. إما نطقت، أي ~~إن نطقت الحرون: الذي يأبى المشي والانقياد. الشموس: الذي إذا نخس وثب، ~~وقيل: الذي يمنع الركاب. اليراع: الأقلام: أرعفها: أسالها بالمداد. يحلي: ~~يزين. الطروس: # الكتب، سميت بذلك لأنها ممحوة، والمطروس: الممحو. قال رؤبة: [الرجز] # * كما رأيت الطلل المطروسا (¬2) * ### || AUTO [القلم ومما قيل ms0833 فيه] # وعلى ذكر اليراع قال محمد بن عبد الملك بن صالح الهاشمي في قلم: [الطويل] # وأهيف طاوي الكشح أسمر ناطق ... له جولان في بطون المهارق # كأن اللآلي والزبرجد نطقه ... ونور الخزامى في عيون الحدائق # إذا استعجلته الكف أمطر خاله ... بلا صوت إرعاد ولا صوب بارق # وقال ابن عبد ربه: [المنسرح] # بكفه ساحر البيان إذا ... أداره في صحيفة سحرا # مهفهف تزدهي به صحف ... كأنما حليت به دررا # يكاد عنوانها لروعته ... ينبيك عن سرها الذي استترا # وقال التهامي: [الكامل] # يلقى العدا من كتبه بكتائب ... يجررن من زرد الحروف ذيولا PageV02P464 # فترى الصحيفة حلية وجيادها ... أقلامه وسريرهن صهيلا # في كفه قلم أتم من القنا ... طولا وهن أتم منه طولا # وله أيضا: [الخفيف] # وإذا راش بالأنامل منه ... قلما واستمد ساء وسرا # قلم دبر الأقاليم حتى ... قال فيه أهل التناسخ إمرا # يتبع الرمح أمره فابن عشري ... ن ذراعا بالرأي يخدم شبرا # السها: نجم خفي. خلبن: خدعن. أسأرن: أبقين، والسؤر. البقية وفي الحديث: # «إذا أكلتم فأسئروا» (¬1)، وأخذت سائره، معناه بقيته. الرسيس: أول برد ~~الحمى، يريد أن هذه الملح لعذوبتها إذا حلت في القلب أحدثت فيه حركة وهزة، ~~وإذا سمع ذو الذكاء كلاما مستظرفا من نثر أو نظم وجد له دبيبا وقشعريرة، ~~وأخذ «وكم مشكلات»، من قول علي رضي الله عنه: [الوافر] # إذا المشكلات تصدين لي ... كشفت حقائقها بالنظر (¬2) # وإن برقت في مخيل الصوا ... ب عمياء لا يجتليها البصر # مقنعة بغيوب الأمور ... وضعت عليها صحيح الفكر # لسانا كشقشقة الأرحبي ... أو كالحسام اليماني الذكر # وقلبا إذا استنطقته الغيوب ... أمر عليها بواهي الدرر # عذراء: قصيدة بكر، لم يسبق إليها فهت: نطقت. انثنى: رجع. طليقا: منتشرا ~~في الناس. حبيسا: موقوفا عليها لا يتعداها لغيرها. ### || AUTO [مما قيل في الشعر شعرا] # ومدح الشعراء للشعر باب شأوه بعيد، وسنذكر لحبيب- وهو المبرز فيه- ولغيره ~~ما يستحسن ويستجاد، قال حبيب: [الكامل] # جاءتك من نظم اللسان قلادة ... سمطان فيها اللؤلؤ المكنون (¬3) # حذيت حذاء الحضرمية أرهفت ... وأجادها التخصير والتبيين # إنسية وحشية كثرت بها ... حركات أهل الأرض وهي سكون ms0834 # أما المعاني فهي أبكار إذا ... فضت ولكن القوافي عون PageV02P465 # وقال أيضا: [الطويل] # فو الله لا أنفك أهدى قصائدا ... إليك يحملن الثناء البجلا (¬1) # يحاك بها برد عليك مجدد ... وتحسبه درا عليك مفصلا # ألذ من السلوى وأطيب نفحة ... من المسك مفتوتا وأيسر محملا # أخف على سمع وأثقل قيمة ... وأقصر في سمع الجليس وأطولا # وقال البحتري: [الطويل] # تطوع القوافي فيكم فكأنما ... يطير إليكم من علو قصيدها (¬2) # وكم لي من محبوكة الوشي فيكم ... إذا أنشدت قام امرؤ يستعيدها # وقال أيضا: [الطويل] # ألست الموالي فيك نظم قصائد ... هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما (¬3) # ثناء تخال الروض منه منورا ... ضحى وتخال الوشي فيه مسهما # وقال أيضا: [الطويل] # إليك القوافي نازعات قواصدا ... يسير ضاحي وشيها وينمنم (¬4) # ومشرقة في النظم غرا يزيدها ... بهاء وحسنا أنها لك تنظم # ضوامن للحاجات إما شوافعا ... مشفعة، أو حاكمات تحكم # وقال علي بن الجهم: [الطويل] # ولكن إحسان الخليفة جعفر ... دعاني إلى ما قلت فيه من الشعر (¬5) # فسار مسير الشمس في كل بلدة ... وهب هبوب الريح في البر والبحر # ولابن الرومي يهجو: [الكامل] # خذها إليك منيحة سيارة ... في الناس من باد ومن متحضر # تغدو إليك بحاصب وبتارب ... وعلى الرواة بلؤلؤ متخير # وقال السري الموصلي: [الوافر] # أتتك يجول ماء الطبع فيها ... مجال الماء في السيف الصقيل # قواف إن ثنت للمرء عطفا ... ثني الأعطاف في برد جميل PageV02P466 # وقال أيضا: [الكامل] # شرقت بماء الطبع حتى خلتها ... شرقت لرونقها بتبر ذائب # ويقول سامعها إذا ما أنشدت ... أعقود حمد أم عقود كواكب # وقال أيضا: [الكامل] # ألفاظها كالدر في أصدافه ... لا بل تزيد عليه في لألائه # من كل رائعة الجمال كأنما ... جاد الشباب لها برونق مائه # والشعر بحر حزت أنفس دره ... وتنافس الشعراء في حصبائه # وقال أيضا: [الكامل] # لفظ صقلت متونه فكأنه ... في مشرقات النظم در سخاب # وكأنما أجريت في صفحاته ... حر اللجين وخالص الزرياب # أغربت في تحبيره فرواته ... في نزهة منه وفي استغراب # وقطعت منه شبيبة لم تشتغل ... عن حسنة بصبا ولا بتصابي # وإذا ترقرق في الصحيفة ماؤه ... عبق ms0835 النسيم فذاك ماء شبابي # يصغي اللبيب له فيقسم لبه ... بين التعجب منه والإعجاب # جد يطير شراره، وفكاهة ... تستعطف الأحباب للأحباب # قال يحيى بن أكثم لمحمد بن حازم: ما في شعرك شيء غير أنك لا تطيله، فقال: # [الوفر] # أبى لي أن أطيل الشعر قصدي ... إلى المعنى وعلمي بالصواب # فابعثهن أربعة وخمسا ... مثقفة بألفاظ عذاب # خوالد ما حدا ليل نهارا ... وما حسن الصبا بأخي الشباب # وهن إذا وسمت بهن قوما ... كأطواق الحمائم في الرقاب # وهن إذا أقمت مسافرات ... تهاداها الرواة مع الركاب # *** ### || AUTO [المتقارب] # على أنني من زماني خصصت ... بكيد ولا كيد فرعون موسى # يسعر لي كل يوم وغى ... أطا من لظاها وطيسا وطيسا # ويطرقني بالخطوب التي ... يذبن القوى ويشبن الرءوسا # ويدنى إلي البعيد البغيض ... ويبعد عني القريب الأنيسا PageV02P467 # ولولا خساسة أخلاقه ... لما كان حظي منه خسيسا # فقلت له: خفض الأحزان، ولا تلم الزمان، واشكر لمن نقلك عن مذهب إبليس، ~~إلى مذهب ابن إدريس. # *** # قوله: على أنني، أي مع أنني. وقوله: ولا كيد فرعون موسى، أضاف فرعون إلى ~~موسى، لأن الفراعنة كانوا جماعة. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لكل أمة فرعونا، وفرعون هذه الأمة ~~أبو جهل» (¬1). # وفرعون موسى، كان أكبر الفراعنة كيدا وأطولهم عمرا، وأعتاهم على الله، ~~وأسراهم مملكة. # ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال موسى عليه الصلاة والسلام: يا ~~رب، أمهلت فرعون أربعمائة سنة، وهو يقول: أنا ربكم الأعلى، ويكذب بآياتك ~~ويجحد رسلك! فأوحى الله تعالى إنه كان حسن الخلق سهل الحجاب، فأحببت أن ~~أكافئه. # وأما عذابه لبني إسرائيل فقد قدمناه في الخامسة. # ومما يحكى عنه أنه كان يأمر بالقصب فيشق، ويجعل أمثال الشفار، ثم يضيف ~~بعضه إلى بعض، ثم يؤتى بالحبالى من بني إسرائيل فيوقفن عليه، فيحز أقدامهن، ~~حتى إن المرأة لتضع ولدها فيقع بين رجليها، فتظل تطؤه تتقي به حد القصب عن ~~رجليها. # قال وهب بن منبه: بلغني أنه ذبح في طلب موسى تسعين ألف ولد ونسب الثعالبي ~~المفسر فرعون، فقال: هو أبو العباس الوليد ms0836 بن مصعب بن الريان بن أراشه بن ~~ثروان بن عمرو بن قاذم بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام. # قوله: يسعر، أي يهيج. وغى: حرب. لظاها: حرها. وطيسا: شدة، وحمي الوطيس: ~~اشتدت الحرب، وأصله تنور من حديث يطبخ فيه، فشبهت شدة الحرب وحرارتها به. ~~وقيل: هو حفرة يختبز فيها. والوطيس: الوطء الشديد، والبلاء الذي يطس الناس، ~~أي يدقهم ويقتلهم. # يطرقني: يقصدني ليلا. الخطوب: الأمور الشداد. خساسة: حقارة حظي: # نصيبي. # ومما قيل في معنى قوله: ويدني إلي البعيد البغيض .. البيت .. قول الزاهد ~~بن عمران: [البسيط] # إلمام كل ثقيل قد أضر بنا ... نروم نقصهم والشيء يزداد PageV02P468 # ومن يخف علينا لا يلم بنا ... وللثقيل مع الساعات ترداد # ويقرب منه قول الشاعر: [الطويل] # وكيف يود القلب من لا يوده ... بلى قد تريد النفس من لا يريدها # وقال عدي بن الرقاع: [الكامل] # تبلتك أخت بني لؤي إذ رمت ... وأصاب نبلك إذ رميت سواها (¬1) # وأعارها الحدثان منك مودة ... وأعار غيرك ودها وهواها # وهذا من قول الأعشى: [البسيط] # علقتها عرضا وعلقت رجلا ... غيري، وعلق أخرى غيرها الرجل (¬2) # وقال مسلم بن الوليد- وهو صريع الغواني، وكان خاملا فولاه بنو سهل جرجان ~~فشرف- فقال: [البسيط] # أهل الصفاء نأيتم بعد قربكم ... فما انتفعت بعيش بعدكم صافي (¬3) # وقد قصدت ندى من لا يوافقني ... فكان سهمي عنه الطائش الطافي # أردت «عمرا» وشاء الله «خارجة» ... أما كفى الدهر من خلفي وإخلافي! # ولهذا أشار ابن شرف بقوله: [الكامل] # سل عن رضاي عن الزمان فإنه ... كرضا الفرزدق عن بني يربوع # لله حال قد تنقل عهدها ... كخلاف نقل الدهر حال صريع # دارت دراري الخطوب قواصدا ... حتى نظرن إلي من تربيع # وله أيضا يتشكى: [البسيط] # ما لي أجاذب ذي الدنيا مولية ... فكل ثوب عليها قدمن دبر # أتى الزمان على يأس به لبني الدن ... يا كبشرى بمولود على كبر # وقال أيضا: [البسيط] # إني وإن عزني نيل المنى لأرى ... حرص الفتى خلة زيدت على العدم PageV02P469 # تقلدتني الليالي وهي مدبرة ... كأنني صارم في كف منهزم # وقال جحظة: [البسيط] # ضاقت ms0837 علي وجوه الرأي في نفر ... يلقون بالجحد والكفران إحساني # أقلب الطرف تصعيدا ومنحدرا ... فما أقابل إنسانا بإنساني # وقال أيضا: [المتقارب] # لقد مات إخوتي الصالحون ... فما لي صديق وما لي عماد # إذا أقبل الصبح ولى السرور ... وإن أقبل الليل ولى الرقاد # قوله: خفض، أي سكن. # *** ### || AUTO [الإمام الشافعي] # وابن إدريس هو الإمام الشافعي محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع ~~بن السائب بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، يلتقي نسبه مع بني ~~هاشم وبني أمية في عبد مناف. # وقال صلى الله عليه وسلم: «نحن وبنو المطلب كهاتين» - وأشار بإصبعيه ~~السبابة والوسطى مضمومتين. # وحاصرت قريش بني المطلب مع بني هاشم في الشعب. # وكان الشافعي أعلم الناس وأورعهم وأعبدهم، وأجودهم، فإن أردت أن تقف على ~~حفظة ومبلغ علمه، فانظر رحلته. # ووصفه بعض أهل العلم فقال: هو شقيق رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسبه ~~وشريكه في حسبه. # زوج المطلب ابنه هاشما الشفاء بنت هاشم بن عبد مناف أخيه، فولدت له عبد ~~يزيد جد الشافعي رضي الله عنه، فكان يقال لعبد يزيد: المحض لا قذى فيه، ~~فولد الشافعي رضي الله تعالى عنه هاشمان: هاشم بن المطلب وهاشم بن عبد ~~مناف، فالشافعي ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وابن عمته، لأن الشفاء أخت ~~عبد المطلب، فهي عمة النبي صلى الله عليه وسلم. # وأسلم السائب جده يوم بدر، وكان صاحب راية بني هاشم بن عبد مناف أسر وفدى ~~نفسه، فأسلم، فقيل له: لم لم تسلم قبل أن تفتدي؟ فقال: ماكنت أحرم المؤمنين ~~طمعا لهم في. # قال أبو ثور: ما رأيت ولا رأى الراءون مثله. # وقال أحمد بن حنبل: ما صليت صلاة منذ أربعين سنة إلا وأنا أدعو الله ~~للشافعي. PageV02P470 # وقال له ابنه: أي رجل كان الشافعي حتى تدعو له هذا الدعاء؟ فقال: يا بني ~~كان كالشمس للدنيا، أو كالعافية للناس. # وحدث صالح بن أحمد بن حنبل قال: مشى أبي مع بغلة الشافعي في ركابه، فبعث ~~إليه يحيى بن ms0838 معين فقال له: يا أبا عبد الله، أما رضيت إلا أن تمشي مع ~~بغلته! فقال: يا أبا زكرياء، لو مشيت من الجانب الآخر لكان أنفع لك، وما ~~يمس أحد محبرة إلا وللشافعي في عنقه منة. # وقال الشافعي رضي الله عنه: ما شبعت منذ ست عشرة سنة، لأن الشبع يثقل ~~البدن، ويقسي القلب، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة. # وقال: ما حلفت بالله لا صادقا ولا كاذبا. # وقال: ما ناظرت أحدا قط فأحببت أن يخطئ، وما كلمت أحدا إلا أحببت أن يوفق ~~ويسدد ويعان، ويكون عليه من الله رعاية وحفظ وما كلمت أحدا إلا وأنا لا ~~أبالي أن يبين الله الحق على لسانه أو لساني وما أوردت الحجة على أحد، فقبل ~~مني إلا هبته واعتقدت محبته، ولا ثابرني على الحق أحد ودافع الحجة إلا سقط ~~من عيني ورفضته. # وكان يختم القرآن في رمضان ستين مرة كل ذلك في الصلاة. # وقال الكرابيسي: بت معه غير ليلة فكان يصلي نحوا من ثلث الليل، فما رأيته ~~يزيد على خمسين آية، فإذا أكثر فمائة آية. وكان لا يمر بآية فيها رحمة إلا ~~سأل الله لنفسه ولجميع المسلمين، ولا بآية عذاب إلا تعوذ منها وسأل النجاة ~~منها لنفسه ولجميع المسلمين. # وقال عمر بن عبد الله البلوي: جلسنا يوما نتذاكر الزهاد والعباد ~~والعلماء، وما بلغ من زهدهم وفصاحتهم وعلمهم، فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا ~~عمر بن نباتة، وقال: # فيم تتحاورون؟ فأعلمناه، فقال عمر: والله ما رأيت رجلا قط أورع ولا أخشع ~~ولا أصبح ولا أسمح، ولا أعلم ولا أكرم ولا أجمل، ولا أجل ولا أفضل، من محمد ~~بن إدريس الشافعي، خرجت أنا وهو والحارث بن اللبيد إلى الصفا، وكان الحارث ~~صاحب صالح المري، وكان من المتقين الخاشعين، وكان حسن الصوت، فقرأ هذا يوم ~~لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون [النازعات: 35، 36] فرأيت الشافعي رضي ~~الله عنه قد تغير لونه، واقشعر جلده واضطرب اضطرابا شديدا، ثم خر مغشيا على ~~وجهه، فلما أفاق جعل يقول: أعوذ بك ms0839 من مقام الكاذبين، وأعراض الغافلين! ~~اللهم خضعت لك قلوب العارفين، وذلت لك قلوب المشتاقين، اللهم هب لي جودك، ~~وجللني بسترك، واعف عن تقصيري بكرم وجهك. ثم قمنا وتفرقنا. # وقال الربيع بن سليمان، سمعت الشافعي رضي الله عنه، يقول: أتى علي عيد ~~وليس عندي نفقة، فاستسلفت سبعين دينارا لنفقة أهلي، فبينا أنا كذلك إذ ~~أتاني رجل من PageV02P471 # قريش يشتكي إلي الحاجة فأخبرته خبري، وقلت له: خذ ما تحب، فقال لي: ما ~~يقنعني إلا أكثر من هذه الدنانير، فقلت له: فخذها، وبت وما معي دينار ولا ~~درهم، فبينا أنا في منزلي إذ أتاني رسول جعفر بن يحيى البرمكي يقول: أجب ~~الوزير، فأجبته. فقال: ما شأنك في هذه الليلة؟ يهتف بي هاتف كلما دخلت في ~~النوم، يقول: الشافعي الشافعي، فأخبرته بالخبر، فأعطاني خمسمائة دينار، ثم ~~قال: أزيدك فأعطاني خمسمائة أخرى، فلم يزل يزيدني حتى أعطاني ألفي دينار. ~~ومن جوده أن سوطه وقع من يده، فأعطى من ناوله إياه خمسين دينار وورد مكة ~~بعشرة آلاف درهم، فضرب خباءه خارجها، فأتاه الناس، فما برح من موضعه حتى فرقها. # وكان شاعرا مجيدا، قال أبو القاسم بن الأزرق: دخلت عليه، فقلت له: يا أبا ~~عبد الله، أما تنصفنا! لك هذا الفقه تفوز بفوائده، ولنا هذا الشعر، وقد جئت ~~تداخلنا فيه! فإما أفردتنا أو أشركتنا في الفقه، وقد أتيت بأبيات إن أجزتها ~~بمثلها تبت من الشعر، وإن عجزت تب منه، فقال لي: إيه يا هذا، فأنشدته هذا ~~الكلام: [الكامل] # ما همتي إلا مقارعة العدا ... خلق الزمان وهمتي لم تخلق # والناس أعينهم إلى سبب الغنى ... لا ينظرون إلى الحجا والأولق # لكن من رزق الحجا حرم الغنى ... ضدان مفترقان أي تفرق # لو كان بالحيل الغنى لوجدتني ... بنجوم أقطار السماء تعلقي # فقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: ألا قلت كما أقول ارتجالا: [الكامل] # إن الذي رزق اليسار فلم ينل ... حمدا ولا أجرا لغير موفق # فالجد يدني كل أمر شاسع ... والجد يفتح كل باب مغلق # فإن سمعت بأن مجدودا حوى ... عودا فأثمر ms0840 في يديه فحقق # وإذا سمعت بأن محروما أتى ... ماء ليشربه فغاض فصدق # وأحق خلق الله بالهم امرؤ ... ذو همة يبلى بعيش ضيق # ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق # فقلت له: لا قلت شعرا بعدها. # قال المبرد: كان الشافعي رضي الله عنه أشعر الناس وآدب الناس، وأعرفهم ~~بالفقه والقراءات، ولقد أخبرني بعض أصحابي أنه مات ولد لعبد الرحمن بن ~~مهدي، فكتب إليه الشافعي رضي الله عنه: يا أخي، عز نفسك بما تعزي به غيرك، ~~واستقبح من فعلك ما تستقبحه من غيرك. واعلم أن أمض المصائب فقد سرور، ~~وحرمان أجر، فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزر! فتناول حظك يا أخي إذا قرب منك ~~قبل أن تطلبه وقد نأى عنك، ألهمك الله عند المصائب صبرا، وأحرز لنا ولك ~~بالصبر أجرا، وكتب إليه: [البسيط] PageV02P472 # إني أعزيك لا أني على ثقة ... من الحياة ولكن سنة الدين # فما المعزى بباق بعد ميته ... ولا المعزي وإن عاشا إلى حين # وقال أيضا: [البسيط] # علمي معي حيثما يممت ينفعني ... قلبي وعاء له لا بطن صندوق # إن كنت في البيت كان العلم فيه معي ... أو كنت في السوق كان العلم في السوق # وقال أيضا: [الوافر] # ومنزلة السفيه من الفقيه ... كمنزلة الفقيه من السفيه # فهذا زاهد في قرب هذا ... وهذا فيه أزهد منه فيه # إذا غلب الشقاء على سفيه ... تقطع في مخالفة الفقيه # وناظر الشافعي محمد بن الحسن الكوفي بالرقة فقطعه الشافعي، فبلغ ذلك ~~هارون الرشيد، فقال: أما علم محمد بن الحسن إذا ناظر رجلا من قريش، أنه ~~يقطعه؛ سائلا أو مجيبا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «قدموا قريشا ولا ~~تقدموا عليها، وتعلموا منها ولا تعلموها»، فإن علم العالم منها يسع طباق ~~الأرض. وكان الشافعي يعظم محمد بن الحسن لعلمه، واستعار شيئا من كتبه فلم ~~يسعفه بذلك، فكتب إليه الشافعي رضي الله تعالى عنه: [مجزوء الكامل] # قل للذي لم تر عي ... نا من رآه مثله # ومن كأن من رآ ... ه قد رأى من قبله # العلم ينهى ms0841 أهله ... أن يمنعوه أهله # لعله يبذله ... لأهله لعله # فبعث إليه بما سأل. # وقال في الفقيه ابن عبد الحكم وقد اعتل فعاده: [مجزوء الكامل] # مرض الحبيب فعدته ... فمرضت من حذري عليه # شفي الحبيب فعادني ... فشفيت من نظري إليه # وقال أبو سعيد: سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول بيتين وهما: [الطويل] # إني أرى نفسي تتوق إلى مصر ... ومن دونها عرض المهامة والقفر # فو الله ما أدري أللخفض والغنى ... أقاد إليها، أم أقاد إلى القبر! # قال: فو الله ما كان إلا قليل حتى سيق إليهما جميعا. # ورأيته بعد وفاته، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: أجلسني على كرسي من ~~ذهب ونثر علي اللؤلؤ الرطب. PageV02P473 # وقال المزني: دخلت عليه غداة وفاته فقلت له: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال: # أصبحت من الدنيا راحلا، ولإخواني مفارقا، ولكأس المنية شاربا، ولا أدري ~~إلى الجنة تصير نفسي فأهنئها أم إلى النار فأعزيها! ثم أنشأ يقول: [الطويل] # ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت الرجا مني لعفوك سلما # تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما # وكانت وفاته في رجب ليلة الجمعة سنة أربع ومائتين، ودفن في صبيحتها وهو ~~ابن أربع وخمسين سنة، وصلى عليه السري بن الحكم أمير مصر، ودفن بها نحو ~~قبور الشهداء في مقبرة بني عبد الحكم وعند رأسه عمود من الحجر كبير، وفيه ~~مكتوب: «هذا قبر محمد بن إدريس الشافعي أمين الله». # وقال الشافعي: أظلم الظالمين لنفسه من تواضع لمن لا يكرمه، ورغب في مودة ~~من لا ينفعه، وقبل مدح من لا يعرفه. # وقال: من غلبت عليه شدة الشهوة بحب الدنيا لزمته العبودية لأهلها، ومن ~~رضي بالقنع زال عنه الخضوع. # وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: [الطويل] # وأنزلني طول النوى دار غربة ... يجاورني من ليس مثلي يشاكله # أخامقة حتى يقال سجية ... ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله # قال: وسمعته ينشد: [الطويل] # صن النفس واحملها على ما يزينها ... تعش سالما والقول فيك جميل # ولا تولين الناس إلا تجملا ... نبا بك دهر أو ms0842 جفاك خليل # وإن ضاق رزق اليوم فاصبر إلى غد ... عسى نكبات الدهر عنك تزول # ولا خير في ود امرئ متلوم ... إذا الريح مالت مال حيث تميل # وما أكثر الإخوان حين تعدهم ... ولكنهم في النائبات قليل! # قال: وسمع رجلا يشفه على رجل من أهل العلم، فقال لأصحابه: نزهوا أسماعكم ~~عن استماع الخنى، كما تنزهون ألسنتكم عن النطق به، فإن المستمع شريك ~~القائل، وإن السفيه ينظر إلى أخبث شيء في وعائه، فيحرص على أن يفرغه في ~~أوعيتكم. # نظم بعضه هذا المعنى، فقال: [المتقارب] # فسمعك صن عن سماع الخنى ... كصون اللسان عن النطق به # فإنك عند استماع الخنى ... شريك لقائله فانتبه # وكان الحسن البصري رحمه الله، إذا خطب الحجاج، وذكر السلف، يتكلم تشاغلا PageV02P474 # عن خطبته، فقيل له في ذلك، فقال: إن السامع والمتكلم شريكان، ألم تسمع ~~قول الشاعر: [المتقارب] # فجاء به ناطق منهم ... بليغ ومستمع صامت # فكل له حظه أنه ... أعان مع الناطق الساكت # وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: [السريع] # إن كنت لا ترهب ذمي لما ... تعلم من صفحي عن الجاهل # فاخش سكوتي إذ أنا منصت ... فيك لمسموعي خنى القائل # فالسامع القول كمن قاله ... والموكل المأكول كالآكل # وذكر الفنجديهي الشافعي، فقال: هو إمام الأنام، ونظام الإسلام، أحد ~~الأئمة الأربعة الأطواد، الشامخة في الدين الأجواد، رضيع لبان النبوة، أفضل ~~العلماء، وأعلم الفضلاء، وصدر البدور وبدر الصدور، وهادي الدعاة، وداعي ~~الهداة، إكسير العلوم، وإكليل الرسوم. # علم العلماء شظية من علمه، وحلم الحلساء جذوة من حلمه، وعقائد الأصول ~~مقتدحة من زناد كلماته، وقواعد الفروع مقترحة من عداد نغماته، فارس هيجاء ~~المشكلات، ومقوم عوجاء المعضلات، منبع السنن، ومتبع السنن، فاز بغلبات ~~الأقران، وحاز قصبات الرهان، بطهارة الأعراق، ودماثة الأخلاق، وفخامة شرف ~~الأمومة، وكرامة طرفي الأبوة والعمومة، درة الأصداف، من صميم آل عبد مناف، ~~كشف الظلمة عن الأمة، وصرف عنهم المظلمة المدلهمة، بعلم كالبحر اللجي، ورأي ~~كالبدر في الليل الدجي، مذهبه مؤيد بنصوص القرآن، وفصول الفرقان، أسس ~~بنيانه على تقوى من الله ورضوانه، ms0843 فهو بين المذاهب والأديان، كالناظر في ~~الأجفان والسمع في الآذان، والعقل في الإنسان، والعدل للسلطان، أحله الله ~~محل القدس، وأدلى إليه سحاب الأنس .. في كلام أكثر من هذا. # *** # فقال: دع الهتار، ولا تهتك الأستار، وانهض بنا لنضرب إلى مسجد يثرب، فعسى ~~أن نرحض بالمزار، درن الأوزار فقلت: هيهات أن أسير، أو أفقه التفسير، فقال: ~~تالله لقد أوجبت ذمما، وطلبت إذ طلبت أمما. فهاك ما يشفي النفس، وينفي ~~اللبس، قال: فلما أوضح لي المعمى، وكشف عني الغمى، شددنا الأكوار، وسرت ~~وسار. ولم أزل من مسامرته، مدة مسايرته، فيما أنساني طعم المشقة، ووددت معه ~~بعد الشقة، حتى إذا دخلنا مدينة الرسول، وفزنا من الزيارة بالسول، أشأم ~~وأعرقت، وغرب وشرقت. # *** PageV02P475 # قوله: دع الهتار: أي اترك تمزيق العرض، وفلان يهاتر فلانا، أي يسابه ~~بالباطل من القول، والقبيح من اللفظ، وأصل الهتر سقط الكلام والباطل، ~~والمهاترة: القول الذي ينقض بعضه بعضا، وأهتر الرجل فهو مهتر، إذا أولع ~~بالقول في الشيء، واستهتر، فهو مستهتر: ذهب عقله فيه، وانصرفت إليه همته. ~~تهتك: تخرق وتكشف، يريد أنه لما عرض له بنقائصه قال له: دع كشف العيب، فليس ~~هذا موضعه. انهض: تقدم. لنضرب: # لنمشي في الأرض. نرحض: نغسل. المزار: زيارة قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم. درن الأوزار: وسخ الذنوب. هيهات: معناه بعد ذلك عنك. أفقه: أفهم، ~~وذمما: جمع ذمة، وهي العهد. # أمما: شيئا قريبا، والأمم: القصد. هاك: أي خذ. المعمى: المغطى المشكل ~~المعنى، وأراد به شرح المائة الفتيا الملغزة. ويقال لمن يطلب ما يمكن ولم ~~يشتط: طلب أمما قال عبيد الله بن قيس الرقيات: [المنسرح] # كوفية نازح محلتها ... لا أمم دارها ولا صقب (¬1) # الصقب: القرب. الغمى: هي الغمة التي تغطي على الذهن، والمعمى الأمر ~~الملتبس. الأكوار: ما هو للإبل كالبراذع للدواب. الشقة: السفر البعيد. ~~والسول: # المراد، أشأم وأعرقت: قصد الشأم وقصدت العراق. ### || AUTO [فضل زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم] # ونذكر هنا فصلا في زيارة القبر المعظم وتوديع زائره له ووصف الروضة ~~والمسجد وذكر يثرب، وهي مدينة ms0844 النبي صلى الله عليه وسلم ومهاجره، سماها ~~طيبة لما كان اشتقاقها من التثريب. # وكان صلى الله عليه وسلم يغير الأسماء التي تدل على الاستقباح إلى ضدها (¬2). # وقال صلى الله عليه وسلم: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» ابن عمر رضي الله ~~عنهما: يثرب أرض مدينة الرسول في ناحية منها. # وقال شيخنا ابن جبير في روضته صلى الله عليه وسلم: شاهدنا الروضة ~~المكرمة، وقد وقع الأذان بوصول صدر الدين رئيس الشافعية الأصبهاني الذي ورث ~~النباهة والوجاهة في العلم كابرا عن كابر، المعروف برئيس العلماء، توارثه ~~عن أب فأب، وقد غص الحرم بالمنتظرين، وقد أعد له كرسي بإزاء الروضة ~~المقدسة، فصعد وحضر قراؤه أمامه، فابتدءوا بالقراءة بنغمات عجيبة، وتلاحين ~~مطربة بهيجة، وهو يلحظ الروضة المقدسة، ويعلن بالبكاء. ثم أخذ في خطبة من ~~إنشائه سحرية البيان، وسلك في أساليب من الوعظ باللسان، وأنشد PageV02P476 # أبياتا بديعة من قوله، كان يردد منها هذا البيت، ويشير إلى الروضة ~~المعظمة المطهرة [الكامل] # هاتيك روضته تفوح نسيما ... صلوا عليه وسلموا تسليما # وتمادى في وعظه إلى أن أطار النفوس من خشية ورقة، وهو يعتذر من التقصير، ~~لهول ذلك المقام ويقول: عجبا لألكن العجم، كيف ينطق عند أفصح العرب. ~~وتهافتت الأعاجم عليه معلنين بالتوبة، وقد طاشت ألبابهم، ودهشت عقولهم، ~~فيلقون نواصيهم بين يديه، فيستدعي الجلمين، ويجرها ناصية ناصية، وكلما جز ~~ناصية كساها عمامة، فتوضع عليه للحين عمامة أخرى، ثم ختم مجلسه، بأن قال: ~~معشر الحاضرين، قد تكلمت لكم ليلة بحرم الله، وهذه الليلة بحرم رسوله؛ ولا ~~بد للواعظ من كدية، وأنا أسألكم حاجة وإن ضمنتوها إلي أرقت لكم ماء وجهي في ~~ذكرها. فأعلن الناس بالاسعاف وشهيقهم قد علا، فقال: حاجتي أن تكشفوا ~~رءوسكم، وتبسطوا أيديكم، ضارعين لهذا النبي الكريم في أن يرضى عني ويسترضي ~~الله عز وجل لي. ثم أخذ في تعداد ذنوبه، والاعتراف بها، فأطار الناس ~~عمائمهم، وبسطوا أيديهم للنبي صلى الله عليه وسلم، داعين له باكين متضرعين؛ ~~فما رأيت ليلة أكثر دموعا، ولا أعظم خشوعا من تلك الليلة. ms0845 ثم انفض المجلس. # قال ابن جبير رحمه الله: ثم كان في اليوم التالي لهذه الليلة وداعنا ~~للروضة المكرمة، فيا له وداعا، ذهلت له النفوس ارتياعا، حتى طارت شعاعا، ~~وما ظنك بموقف ينادى بالتوديع فيه سيد المرسلين، وخاتم النبيين، ورسول رب ~~العالمين! إنه لموقف تنفطر فيه الأفئدة، وتطيش له الألباب المتئدة، فوا ~~أسفاه وا أسفاه! كل يبوح لديه بأشواقه، ولا يجد بدا من فراقه، فما تستطيع ~~إلى الصبر سبيلا، ولا تسمع في ذلك المقام إلا رنة وعويلا، وكل بلسان الحال ~~ينشد: [مخلع البسيط] # محبتي تقتضي مقامي ... وحالتي تقتضي الرحيلا # بوأنا الله بزيارة هذا النبي الكريم منزل الكرامة، وجعله شفيعا لنا يوم ~~القيامة، وأحلنا بفضله في جواره الكريم دار المقامة. # ثم ذكر الروضة المقدسة مع المسجد العتيق الذي احتوى على الروضة، فقال: # المسجد المبارك مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مستطيل، وتحفه من ~~جهاته الأربع بلاطات مستطيلة، ووسطه كله صحن مفروش بالحصى والرمل، وفي ~~الصحن خمس عشرة نخلة، فالجهة القبلية لها خمس بلاطات مستطيلة من غرب إلى ~~شرق، والجنوبية كذلك، على الصفة المذكورة والشرقية لها ثلاث بلاطات، ~~والغربية لها أربع بلاطات. وطول المسجد مائة خطوة وست وتسعون خطوة، وسعته ~~مائة وست وعشرون خطوة، وعدد سواريه مائتان وتسعون، وهي أعمدة متصلة بالسمك ~~دون قسي تنعطف عليها، فكأنها دعائم PageV02P477 # قوائم، وهي من حجر منحوت قطعا قطعا، ململمة مثقوبة (¬1) توضع أنثى في ~~ذكر، ويفرغ بينهما الرصاص المذاب إلى أن يتصل عمودا قائما، وتكسى بغلالة ~~جير، ويبالغ في سفلها ودلكها، فتظهر كأنها رخام أبيض، وتحف بالبلاط المتصل ~~بالقبلة من البلاطات الخمس مقصورة تكتنفه من غرب إلى شرق، والمحراب فيها، ~~وعلى رأس المحراب حجر مربع أصفر قدر شبر في شبر، ظاهر البريق، يقال: إنه ~~كان مرآة كسرى. وفي أعلى داخل المحراب مسمار مثبت في جداره، فيه شبه حتى ~~صغير لا يعرف من أي شيء هو، ويزعمون أنه كان كأس كسرى. ونصف جدار القبلة ~~الأسفل رخام موضوع أزارا على إزار مختلف الصنعة واللون، مجزع أبدع تجزيع. ~~والنصف ms0846 الأعلى من الجدار مزين كله بفصوص الذهب المعروفة بالفسيفساء، قد نتج ~~الصانع فيه نتائج غريب من الصنعت، تضمنت تصاوير أشجار مختلفة الصفات، مائلة ~~الأغصان بثمرها، والجداران الشرقي والغربي الناظران إلى الصحن مجردان ~~أبيضان مقرفصان، قد زينا برسم يتضمن أنواعا من الأصبغة إلى ما يطول وصفه من ~~الاحتفال في هذا المسجد المبارك. # وفي الجهة الشرقية بيت مصنوع من عود لمبيت بعض سدنته، وسدنته فتيان ~~أحابيش صقالب ظراف الهيئات، نظاف الملابس، والمؤذن الراتب فيه أحد أولاد ~~بلال، وفي جوف الصحن قبة كبيرة تعرف بقبة الزيت، هي مخزن لجميع آلات ~~المسجد. # وله تسعة عشرة بابا لم يبق منها مفتوحا سوى أربعة: اثنان في الغرب، ~~ويعرفان بباب الرحمة، وباب الخشية، واثنان في الشرق: باب جبريل، ويقابله ~~دار عثمان التي استشهد بها، وباب الرجاء. وفي الشرق خمسة مغلقة، وفي الغرب ~~كذلك، وفي الجنوب أربعة وفي القبلة واحد صغير، وله ثلاث صوامع إحداها في ~~الركن الشرقي على هيئة الصوامع، واثنتان في ركني الجهة الجنوبية صغيرتان ~~على هيئة برجين، والروضة المقدسة مع آخر الجهتين، الجهة القبلية مما يلي ~~الشرق، وقد انتظمت من بلاطاته مما يلي الصحن في السعة اثنين ونيفت إلى ~~البلاط والثالث بمقدار أربعة أشبار، ولها خمسة أركان بخمس صفحات، وشكلها ~~شكل عجيب لا يكاد يتأتى تصويره ولا تمثيله، والصفحات الأربع محرفة عن ~~القبلة تحريفا بديعا، لا يتأتى لأحد معه استقبالها في صلاته، لأنه ينحرف عن ~~القبلة، والذي اخترع ذلك في تدبيرها مخافة أن يتخذها الناس مصلى عمر بن عبد ~~العزيز رضي الله عنه وأخذت من الجهة الشرقية سعة بلاطتين، وانتظم داخلها من ~~أعمدة الأبلطة ستة، وسعة الصفحة القبلية منها أربعة وأربعون شبرا، وسعة ~~الصفحة الشرقية ثلاثون شبرا، ومن الركن الشرقي إلى الركن الجنوبي صفحة ~~سعتها خمسة وثلاثون شبرا، ومن الركن الجنوبي إلى الغربي صفحة سعتها تسعة ~~وثلاثون شبرا، ومن الركن الغربي إلى القبلي صفحة سعتها أربعة وعشرون شبرا، ~~وفي هذه الصفحة صندوق PageV02P478 # آبنوس مختم بالصندل، مصفح بالفضة، مكوكب بها طوله خمسة أشبار، وعرضه ~~ثلاثة أشبار، ms0847 وارتفاعه أربعة، وهو قبالة رأس النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فجميع سعة الروضة من جميع جهاتها مائة شبر، واثنان وسبعون شبرا، وهي مؤزرة ~~بالرخام البديع النحت الرائع النعت، وينتهي الإزار منها إلى نحو الثلث أو ~~أقل يسيرا، وعليه من الجدار المكرم ثلث آخر، قد علاه تضميخ المسك والطيب ~~مقدار نصف شبر مسودا متراكبا، متشققا مع طول الأزمنة والأيام، والذي يعلوه ~~من الجدار شبابيك عود متصلة بالسمك الأعلى، لأن أعلى الروضة متصل بسمك ~~المسجد، وإلى حيز إزار الرخام تنتهي الأستار، وهي لازوردية اللون، مختمة ~~بخواتم بيض مثمنة ومربعة، وفي داخل الخواتيم دوائر مستديرة، ونقط بيض تحف ~~بها، فمنظرها منظر بديع الشكل. وفي أعلاها رسم مائل إلى البياض، وفي الصفحة ~~القبلية أمام وجه النبي صلى الله عليه وسلم مسمار فضة، هو قبالة الوجه ~~المكرم، فيقف الناس أمامه للسلام، وإلى قدميه صلى الله عليه وسلم رأس أبي ~~بكر رضي الله عنه، ومما يلي كتفي أبي بكر رأس عمر رضي الله عنهما، فيقف ~~المسلم مستدبر القبلة، ومستقبل الوجه الكريم، فيسلم ثم ينصرف يمينا إلى وجه ~~أبي بكر، ثم إلى وجه عمر رضي الله تعالى عنهما. # وأمام هذه الصفحة المكرمة نحو العشرين قنديلا معلقة من الفضة، وفيها ~~اثنان من ذهب، وفي جوفي الروضة حوض صغير مرخم في قبلته شكل محراب، قيل: إنه ~~بيت فاطمة رضي الله تعالى عنها، ويقال: هو قبرها، وعن يمين الروضة المكرمة ~~المنبر الكريم، ومنه إليها اثنتان وأربعون خطوة، وهو في الحوض المبارك الذي ~~طوله أربع عشرة خطوة، وعرضه ست خطا، وهو مرخم كله وارتفاعه شبر ونصف، ~~وارتفاع المنبر نحو القامة أو أزيد وسعته خمسة أشبار، وطوله خمس خطوات، ~~وأدراجه ثمانية، وبابه على هيئة الشباك مقفل يفتح يوم الجمعة، وطوله أربعة ~~أشبار ونصف شبر. # والمنبر مغشى بعود الآبنوس، ومقعد النبي صلى الله عليه وسلم من أعلاه ~~ظاهر، وقد طبق عليه لوح من الآبنوس غير متصل به، يصونه من القعود عليه، ~~يدخل الناس أيديهم إليه، ويمسحونه. تبركا بلمس ذلك المقعد الكريم، وعلى رأس ms0848 ~~رجل المنبر اليمني، حيث يضع الخطيب يده حلقة فضة مجوفة مستطيلة تشبه حلقة ~~الخياط، لكنها أكبر لاعبة تستدير في موضعها، يزعمون أنها كانت لعبة للحسن ~~والحسين في حال خطبة جدهما، صلوات الله عليهم أجمعين. # وفي الروضة الصغيرة التي بين القبر والمنبر، جاء الأثر أنها روضة من رياض ~~الجنة، وقدرها ثمان خطا، ويتزاحم الناس في هذه الروضة للصلاة، وبإزائها ~~لجهة القبلة عمود، يقال إنه مطبق على بقية الجذع الذي حن للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وقطعة منه في وسط العمود ظاهرة، يقبلها الناس، ويمسحون خدودهم ~~فيها وعلى حافتها في القبلة منها صندوق كبير للشمع والأنوار التي توقد أمام ~~الروضة كل ليلة، ومصلى الإمام في الروضة الصغيرة PageV02P479 # المذكورة إلى جانب الصندوق، وبينها وبين الروضة الكبيرة محمل كبير مدهون ~~عليه مصحف كبير في غشاء مقفل، هو أحد المصاحب الأربعة التي وجه بها عثمان ~~إلى البلاد. # وبإزاء المقصورة لجهة المشرق خزانتان كبيرتان محتويتان على كتب ومصاحف ~~موقوفة على المسجد، ويليها في البلاط الثاني دفة لجهة الشرق، ودفة مطبقة ~~على وجه الأرض إلى سرداب يهبط إليه على أدراج تحت الأرض، يفضي إلى خارج ~~المسجد إلى دار أبي بكر، وهو كان طريق عائشة رضي الله عنهما إليها. وذلك ~~الموضع هو موضع الخوخة المفضية لدار أبي بكر رضي الله عنه التي أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بإبقائها، وبإزاء دار أبي بكر دار عمر وابنه عبد الله ~~بن عمر رضي الله عنهم أجمعين. # وفيما ذكرناه كفاية، والله تعالى أعلم. # تم الجزء الثاني، ويليه الجزء الثالث # وأوله: «المقامة الثالثة والثلاثون، وهي المقامة التفليسية» PageV02P480 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | AUTO المقامة الثالثة والثلاثون وتعرف بالتفليسية # حكى الحارث بن همام، قال: عاهدت الله مذ يفعت، ألا اؤخر الصلاة ما ~~استطعت؛ فكنت مع جوب الفلوات، ولهو الخلوات، أراعي أوقات الصلاة، وأحاذر من ~~مأتم الفوات. وإذا رافقت في رحلة، أو حللت بحلة، مرحبت بصوت الداعي إليها، ~~واقتديت بمن يحافظ عليها. # فاتفق حين دخلت تفليس، أن صليت مع زمرة مفاليس فلما قضينا الصلاة، ~~وأزمعنا ms0849 الانفلات، برز شيخ بادي اللقوة، بالي الكسوة والقوة، فقال: عزمت ~~على من خلق من طينة الحرية، وتفوق در العصبية، إلا ما تكلف لي لبثة، واستمع ~~مني نفثة، ثم له الخيار من بعد، وبيده البذل والرد. فعقد له القوم الحبا، ~~ورسوا أمثال الربا. # يفعت: شببت ولم أبلغ الحلم، وقاربت ذلك. # ابن أبي الخير: يفع الغلام وأيفع، إذا كان ابن سبع سنين، فإذا ناهز الحلم قيل: # مراهق وكوكب، فإذا أدرك قيل: فيه حزور. # غيره: غلام يفعة غض الشباب، وجارية يفعة، والجمع أيفاع وأيفع، فهو يافع ~~على غير قياس. قال ابن سيده رحمه الله: ولم يقل أحد منهم يفع الغلام، ولا ~~موفع، ومثله أبقل الموضع، وأورس، والورس: نبت أصفر. جوب: قطع. الخلوات: حيث ~~يخلو للذاته. أراعي أحفظ. مأثم: إثم. الفوات فوت الوقت. رافقت في رحلة: ~~صاحبت في ارتحال وسفر. حللت: نزلت ببلدة. والحلة: جماعة البيوت، والحلة: ~~القوم الحلول والجمع حلال. مرحبت: قلت مرحبا. الداعي: هو المؤذن. ### || AUTO [فضل الصلاة في وقتها] # وجاء من الأثر في تأخير الصلاة قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليصلي ~~الصلاة وما فاته وقتها، ولما فاته من وقتها أعظم أو أفضل من أهله وماله» ~~(¬1). فهذا وقد أدرك آخر الوقت سيندم على فوات أوله. PageV03P003 # وقال عليه الصلاة والسلام: «الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والثاني ~~عفو الله» (¬1)، فقال أبو بكر رضي الله عنه: رضوان الله أحب إلي منعفوه. ~~وإنما قال ذلك لأن عفو الله لا يتصور إلا عند اكتساب خطيئة. # وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه ذكر الصلاة ~~يوما فقال: «من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة من النار، ومن لم ~~يحافظ عليها كان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف» (¬2). # وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الذي تفوته صلاة العصر؛ فكأنما وتر أهله ~~وماله» (¬3). # وكتب عمر رضي الله عنه إلى عماله: إن أهم أموركم عندي الصلاة، من حفظها ~~وحافظ عليها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. # وجاء ms0850 في القرآن: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف ~~يلقون غيا [مريم: 59]، وفي التفسير: لم يتركوا الصلاة وإنما أضاعوا وقتها. # وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تفريط في النوم، وإنما التفريط في الذي ~~يؤخر الصلاة إلى وقت الأخرى» (¬4). # وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الذين هم عن صلاتهم ساهون، فقال: «هم ~~الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها» (¬5). # ومما يستظرف من هذا الباب أن المنصور قيل له: إن أبا دلامة لا يحضر ~~الصلاة، لأنه معتكف على الخمر، وقد أفسد فتيان العسكر، فلو أمرته بالصلاة ~~معك لأصلحته وغيره. فلما دخل عليه قال: أبو دلامة الماجن! قال: يا أمير ~~المؤمنين، ما أنا والمجون، وقد ساورت باب قبري، فقال: عني من استكانتك ~~وتضرعك وإياك أن تفوتك صلاة الظهر والعصر في مسجدي، فإن فاتتك لأحسنن أدبك، ~~ولأطيلن حبسك. فوقع في شر أمر، فلزم المسجد أياما PageV03P004 # ثم كتب رقعة ودفعها إلى المهدي، فأوصلها إلى أبيه وفيها: [الطويل] # ألم تعلما أن الخليفة لزني ... لمسجده والقصر ما لي وللقصر # أصلي به الأولى جميعا وعصرها ... فويلي من الأولى، وويلي من العصر! # أصليهما بالكره في غير مسجدي ... فما لي في الأولى وفي العصر من أجر # يكلفني من بعد ما شبت توبة ... يحط بها عني الثقيل من الوزر # وو الله ما لي نية في صلاتها ... ولا البر والإحسان والخير من أمري # لقد كان في قومي مساجد جمة ... ولم ينشرح يوما لغشيانها صدري # وما ضره- والله يغفر ذنبه ... لو أن ذنوب العالمين على ظهري! # فقال: صدق دعوه يضل من يشاء، وما يضرني ذلك! والله لا يفلح هذا أبدا، ~~فدعوه يفعل ما يشاء. # وكان الجماز منقطعا إلى أبي جزء الباهلي، فتناسك أبو جزء، فقال للجماز: ~~لا أحب أن تخالطني إلا أن تتنسك فأظهر النسك، ثم كتب إليه: # قد جفاني الأمير كي أتقرى ... فتقريت مكرها لجفائه # والذي أنطوى عليه المعاصي ... علم الله نيتي من سمائه # ما قراة لمكره بقراة ... قد رواه الأمير عن فقهائه # ومن مجون أبي نواس أن الأمير لما نهاه عن ms0851 الخمر وحبسه، فكلمه فيه الفضل ~~بن الربيع، وأخرجه كتب إليه: [الخفيف] # أنت يا ابن الربيع علمتني الخي ... ر وعودتنيه والخير عاده (¬1) # فارعوى باطلي وراجعني الح ... لم فأحدثت رهبة وزهاده # لو تراني ذكرت بي الحسن البص ... ري في حال نسكه أو قتادة # المسابيح في دراعي والمص ... حف في ليتي مكان القلاده # فإذا شئت أن ترى طرفة تع ... جب منها مليحة مستفاده # فادع بي لا عدمت تقويم مثلي ... فتأمل بعينك السجاده # لو رآها بعض المرائين يوما ... لاشتراها يعدها للشهاده # أثر لاح للصلاة بوجهي ... توقن النفس أنه من عباده # وأذن بشار لأصحابه والمائدة بين يديه، فأكل ولم يدعهم لطعامه، ثم دعا ~~بطشت وكشف عن سوأته فبال، ثم حضر الظهر والعصر والعشاء الأولى والآخرة، فلم ~~يصل PageV03P005 # فقالوا له: أنت أستاذنا وقد رأينا منك أشياء أنكرناها عليك. قال. وما هي؟ ~~قالوا: دخلنا والطعام بين يديك فلم تدعنا إليه، قال: إنما أذنت لكم ~~لتأكلوا، ثم ماذا؟ قالوا: دعوت بالطشت ونحن حضور فبلت ونحن نراك؛ فقال: أنا ~~مكفوف وأنتم بصراء وأنتم المأمورون بغض البصر دوني، ثم ماذا؟ قالوا: حضرت ~~الصلاة فلم تصل، فقال: إن الذي يقبلها تفاريق يقبلها جملة. هذا على أنه ~~القائل: [الطويل] # ألم تر أن الدهر يقدح في الصفا ... وأن بقائي إن حييت قليل # خليلك ما قدمت من عمل التقى ... وليس لأيام المنون خليل # فعش خائفا للموت أو غير خائف ... على كل نفس للحمام دليل # وقال الحسن رحمه الله تعالى: [الوافر] # وندمان يرى غبنا عليه ... بأن يمسي وليس له انتشاء # إذا نبهته من نوم سكر ... كفاه مرة منك النداء # إذا ما أدركته الظهر صلى ... فلا ظهر عليه ولا عشاء # يصلي هذه في وقت هذي ... فكل صلاته أبدا قضاء ### || AUTO [مدينة تفليس] # تفليس: مدينة بإرمينية بينها وبين قالي قلا ثلاثون فرسخا، ومن قالي قلا ~~ابتداء الأنهار العظام، أولها الفرات- وقد تقدم- يأخذ من قالي قلا فرسخين، ~~ثم يشق مغربا إلى دبيل إلى ورثان، ثم يصب إلى بحر الخزر، والثاني الكبير ~~يخرج من مدينة قالي قلا، ثم يشق إلى ms0852 مدينة تفليس مشرقا إلى مدينة بردعة ~~وأرضها، ثم يقرب من بحر الخزر، فيلتقي مع الرس ويصيران نهرا واحدا. # ويقال: إن خلف الرس ثلاثمائة مدينة خراب، وهي التي ذكرها الله تعالى، ~~وأصحاب الرس بعث إليها حنظلة بن صفوان فقتلوه، فأهلكوا. وقيل في أصحاب الرس ~~غير ذلك. # وإرمينية مقسومة على ثلاثة أقسام، فالقسم الأول مدينة دبيل، ومدينة قالي ~~قلا، ومدينة خلاط، ومدينة شمشاط، ومدينة السواد، والجزء الثاني مدينة ~~بردعة، ومدينة البيلقان، ومدينة قيلة، ومدينة الباب والأبواب والثالث مدينة ~~خزوان ومدينة تفليس. # والمدينة التي تعرف بمسجد ذي القرءين، وافتتحت إرمينية في خلافة عثمان، ~~وافتتحها سليمان بن ربيعة الباهلي في سنة أربع وعشرين. # عصبة: جماعة. مفاليس: فقراء، وأفلس الرجل: صار صاحب فلوس بعد أن كان صاحب ~~دنانير. أزمعنا الانفلات: عزمنا على الخروج. اللقوة: داء يأخذ في الوجه، ~~والفواق: ما بين الحلبتين. در العصبية: لبن الحمية، وهو مثل. نفثة: كلمة. ~~البذل: PageV03P006 # العطاء. والرد: المنع. الحبا: عقد اليدين على الركبتين. رسوا: ثبتوا ~~الربا: الكدى. # *** # فلما آنس حسن إنصاتهم، ورزانة حصاتهم، قال: يا أولي الأبصار الرامقة، ~~والبصائر الرائقة؛ أما يغني عن الخبر العيان، وينبئ عن النار الدخان؛ شيب ~~لائح؛ ووهن فادح، وداء واضح، والباطن فاضح. # ولقد كنت والله ممن ملك ومال، وولي وآل، ورفد وأنال، ووصل وصال؛ فلم تزل ~~الجوائح تسحت، والنوائب تنحت؛ حتى الوكر قفر، والكف صفر، والشعار ضر، ~~والعيش مر؛ والصبية يتضاغون من الطوى، ويتمنون مصاصة النوى ولم أقم هذا ~~المقام الشائن، وأكشف لكم الدفائن؛ إلا بعد ما شقيت ولقيت، وشبت مما لقيت؛ ~~فليتني لم أكن بقيت. ثم تأوه تأوه الأسيف، وأنشد بصوت ضعيف .... # *** # آنس: أبصر. إنصاتهم: سكوتهم، رزانة حصاتهم: رجاحة عقولهم، والحصاة يكنى ~~بها عن العقل، قال طرفة: [الطويل] # وإن لسان المرء ما لم يكن له ... حصاة على عوراته لدليل (¬1) # الأبصار الرامقة: العيون الناظرة. البصائر: جمع بصيرة وهي المعتقد. ~~الرائقة: # المعجبة. العيان: المعاينة، يقول: معاينتك الشيء تغني عن خبرته. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الخبر ~~كالمعاينة» ms0853 (¬2). # ينبئ: يخبر. لائح: ظاهر. وهن: ضعف. فادح: مثقل بين. فاضح: أي صاحبه في ~~شهرة وفضيحة. ملك: كان ملكا أو ملك الأموال العظام فصار ذا ملك: مال: صار ~~ذا مال. # ولي: صار واليا. آل: ساس، أي صار يسوس الناس، أي يكون عليهم أميرا، قال ~~عمر رضي الله عنه: ألنا وإيل علينا. رفد: وهب الرفد. أنال: أعطي النيل ~~والنوال، يقال: منه نلته وأنلته وصل: أعطى صلة، والرفد والنوال: العطاء. ~~والإيالة: السياسة، آل الأمير رعيته أحسن PageV03P007 # سياستهم، وآل مآله يؤوله: أصلحه. صال: بطش وهدد، وصال الفحل: هدر في قطيعه. # الجوائح: المصائب. تسحت: تستأصل الأموال تنحت: تنجر وتأخذ. النوائب: ~~النوازل. # الوكر: قعر المنزل: صفر: خالية من الدراهم. الشعار: اللباس: يتضاغون: ~~يصيحون، والضغاء صياح الذئب إذا جاع، والضغاء: البكاء بذل وخشوع. الطوى: ~~الجوع. مصاصة: # ما يمص منه. الشائن: العائب صاحبه. شقيت: أدركني الشقاء، لقيت: أصابتني ~~لقوه. تأوه: # توجع، وقال أوه. الأسيف: الحزين [السريع] # *** # أشكو إلى الرحمن سبحانه ... تقلب الدهر وعدوانه # وحادثات قرعت مروتي ... وقوضت مجدي وبنيانه # واهتصرت عودي ويا ويل من ... تهتصر الأحداث أغصانه # وأمحلت ربعي حتى جلت ... من ربعي الممحل جرذانه # وغادرتني حائرا بائرا ... أكابد الفقر وأشجانه # من بعد ما كنت أخا ثروة ... يسحب في النعمة أردانه # يختبط العافون أوراقه ... ويحمد السارون نيرانه # فأصبح اليوم كأن لم يكن ... أعانه الدهر الذي عانه # وازرر من كان له زائرا! ... وعاف عافي العرف عرفانه # فهل فتى يحزنه ما يرى ... من ضر شيخ دهره خانه # فيفرج الهم الذي همه ... ويصلح الشأن الذي شانه # *** # عدوانه: ظلمه. قرعت مروتي: ضربت صخرتي، وأراد بها نفسه. قوضت: نقضت ~~وهدمت. اهتصرت: كسرت وحتتت، وهصر الغصن: تعطفه وانحناؤه، وضرب بالمروة ~~والعود أمثالا وهو يريد جسده وماله. أمحلته: جعلته محلا. جلت: طردت. ~~الممحل: # الذي لا نبات فيه ولا رزق. جرذانه: فئرانه، وقد تقدم فائدة هذا المعنى. ~~بائرا: هالكا. # أكابد: أقاسي. أشجانه: أحزانه. أخا ثروة: صاحب غنى. يسحب. يجر. أردانه: # أذياله. يختبط: يطلب. العافون: الطالبون للرزق، وخبطت الورق: ضربتها ~~بالعصا، فتسقط فتعلفها الإبل، فيضرب بها المثل ms0854 لعطية الكريم، وأنشد زهير: ~~[البسيط] # وليس مانع ذي قربى وذي رحم ... يوما ولا معدما من خابط ورقا (¬1) PageV03P008 # السارون: الماشون بالليل. عانه: أصابه بالعين. ازور: انقبض. عاف: كره: ~~عافى العرف: طالب المعروف. عرفانه: معرفته. همه: أذابه وشانه: عابه. # ومن كلام العرب في هذا الباب، ما حكى الأصمعي رحمه الله: أن الأعراب ~~أصابتهم سنوات كثيرة جدبة، فدخلت طائفة منهم البصرة وبين أيديهم أعرابي ~~يقول: أيها الناس، إخوانكم في الدين، وشركاؤكم في الإسلام، عابر وسبيل ~~وفلال بؤس، وصرعى جدب، تتابعت علينا سنون ثلاث غيرت النعم، وأكلت النعم، ~~فأكلنا ما بقي من جلودها فوق عظامها، فلم نزل نعلل بذلك نفوسنا، ونمني ~~بالغيث قلوبنا، حتى عاد مختارا، وعاد إشراقنا ظلاما، فأقبلنا إليكم يصرعنا ~~الوعر، وينكينا السهل، وهذه آثار مصائبنا لائحة في قسماتنا. فرحم الله ~~متصدقا من كثير، أو مواسيا من قليل، فلقد عظمت الحاجة، وكسف البال، وبلغ ~~المجهود، والله يجزي المتصدقين. # وقف أعرابي على حلقة يونس النحوي، فقال: الحمد لله، وأعوذ به أن أذكر به ~~وأنساه، إنا أناس قد قدمنا هذه المدينة: ثلاثون رجلا، لا ندفن ميتا، ولا ~~نتحول عن منزل، وإن كرهناه، فرحم الله عبدا تصدق على ابن سبيل، ونضو طريق، ~~وفل سنة، فإنه لا قليل من الأجر، ولا غنى عن الله. ولا عمل بعد الموت، يقول ~~الله تعالى: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له* [البقرة: 245] و ~~[الحديد: 11]، إن الله لا يستقرض من عوز، ولكن ليبلو أخبار عباده. # قال الأصمعي رحمه الله: وقف أعرابي علينا، فقال: تتابعت علينا سنون، ~~بتغيير وانتقاص، فما تركت لنا ضيعا (¬1) ولا ريعا (¬2)، ولا نافطة ولا ~~عافطة (¬3)، ولا ثاغية (¬4) ولا راغية (¬5)، فأماتت الضرع وأفنت الزرع، ~~وعندكم من فضل الله نعمة فأعينوا من عطية الله إياكم، وارحموا أبا أيتام، ~~وأنضاء زمان، فلقد خلفت أقواما لا يمرضون مريضهم ولا يكفنون ميتهم، ولا ~~ينتقلون من المنزل وإن كرهوه، ولقد مشيت إليكم حتى انتعلت الدماء، وجعت حتى ~~أكلت النوى المحرقة. # وقفت أعرابية على عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله ms0855 عنه، فقالت: إني ~~أتيت من أرض شاسعة، تهبطني هابطة، وترفعني رافعة، في ملحات من البلايا، ~~برين لحمي، وهضن عظمي، وتركتني والهة، وقد ضاق بي البلد، بعد الأهل والولد، ~~وكثرة العدد، لا قرابة تؤويني، ولا عشيرة تحميني فسألت أحياء العرب: من ~~المرتجى سيبه، المأمون عيبه، الكثير نائله، المكفي سائله، فدللت عليك، وأنا ~~امرأة من هوازن، فقدت الوالد والرافد، فاصنع في أمري واحدة من ثلاث: إما أن ~~تحسن صفدي (¬6)، وإما أن تقيم PageV03P009 # أودي (¬1)، وإما أن تردني إلى بلدي، فقال: بل أجمعهن لك ففعل بها ذلك. # خرج المهدي يطوف بالبيت بعد هدأة من الليل، فسمع أعرابية من جانب المسجد، ~~وهي تقول: قوم متظلمون، نبت عنهم العيون، وفدحتهم الديون، وعضتهم السنون، ~~بادت رجالهم، وذهبت أموالهم، أبناء سبيل، وأنضاء طريق، وصية الله ووصية ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، فهل من آمر بخير كلأه الله في سفره، وخلفه في ~~أهله! فأمر لها بخمسمائة درهم. # ومما جاء في ذم السؤال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأن يأخذ ~~أحدكم حبله فيحتطب فيه أهون من أن يأتي رجلا أعطاه الله من فضله، فيسأله؛ ~~أعطاه أو منعه» (¬2). # وقال صلى الله عليه وسلم: «من فتح على نفسه بابا من السؤال، فتح الله ~~عليه سبعين بابا من الفقر» (¬3). # وقال أكثم بن صيفي: كل سؤال وإن قل أكثر من كل نوال وإن جل. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: المساكين لا يعودون مريضا، ولا يشهدون ~~جنازة، ولا يحضرون جمعة، وإذا اجتمع الناس في أعيادهم ومساجدهم يسألون الله ~~من فضله، اجتمعوا يسألون الناس ما بأيديهم. # سأل سائل بمسجد الكوفة فلم يعط شيئا، فقال: اللهم إنك بحاجتي عالم لا ~~تعلم، أنت الذي لا يعوزك نائل، ولا يلحفك سائل، ولا يبلغ مدحك قائل؛ أسألك ~~صبرا جميلا، وفرجا قريبا، وبصرا بالهدى، وقوة فيما تحب وترضى فتبادروا إليه ~~بالعطية، فقال: لا والله لا أرزؤكم الليلة شيئا، ثم خرج وهو يقول: [الكامل] # ما نال باذل وجهه بسؤاله ... عوضا ولو نال الغنى بسؤال # وإذا النوال مع السؤال وزنته ms0856 ... رجح السؤال، وخف كل نوال # وإذا بليت ببذل وجهك سائلا ... فابذله للمتكرم المفضال # وقال بعض الأدباء: المخذول من كان له إلى اللئام حاجة. # وأنشد الجاحظ في نوادره لأعرابي: [الكامل] # سير النواعج باللميعة في الضحى ... يمشي الذليل بها على بلبال PageV03P010 # خير من الطمع الدنيء ويجلس ... بفناء لا طلق؟ ؟ ؟ # فابثث حوائجك للمليك فإنه ... يغنيك قبل تخشع بسؤال # *** # قال الراوي: فصبت الجماعة إلى إن تستثبته، لتستنجش خبأته، وتستنفض ~~حقيبته، فقالت له: قد عرفنا قدر رتبتك، ورأينا در مزنتك؛ فعرفنا دوحة ~~شعبتك، واحسر اللثام عن نسبتك. فأعرض إعراض من مني بالإعنات، أو بشر ~~بالبنات، وجعل يلعن الضرورات، ويتأفف من تغيض المروءات. ثم أنشد بلفظ صادع، ~~وجرس خادع: [المتقارب] # لعمرك ما كل فرع يدل ... جناه اللذيذ على أصله # فكل ما حلا حين تؤتى به ... ولا تسأل الشهد عن نحله # وميز إذا ما اعتصرت الكروم ... سلافة عصرك من خلة # لتغلي وترخص عن خبرة ... وتشتري كلا شرا مثله # فعار على الفطن اللوذعي ... دخول الغميزة في عقله # *** # قوله: تستثبته: تحقق من هو. تستنجش، تستخرج، والنجش: استخراج الشيء ~~المجهول المستور. وقيل: تنفير الوحش، وهو من الأول، لأن تنفير المطمئن ~~كإظهار الكامن. خبأته: سره الذي أخبرهم بظاهره حيث قال: كيت وكيت. # الحقيبة: وعاء يعلقه الرجل خلف رحله، يجعل فيه ما يعز عليه مما يحتاج أن ~~يتناوله متى شاء، وأراد بها هاهنا موضع سره تستنفض: تنثر ما فيها رتبتك: ~~قدرك ومنزلتك. در مزيتك: ماء سحابك، وأراد ما أبدى لهم من البلاغة. دوحة: شجرة. # شعبتك: فرعك وغصنك. احسر: ازل واكشف. اللثام: ما يجعل على الأنف والفم، ~~يريد عرفنا أصلك، ومن أين أنت. مني: بلي. الإعنات: المشقة، وعنته وأعنته: ~~كلفته ما يشق عليه وبشر بالبنات: أخبر بولادتهن، وقد أخبر الله تعالى أن من ~~بشر بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به. ~~وقد تقدم وأد البنات وهو دسهن في التراب. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم من طريق عقبة بن عامر: «لا تكرهوا البنات ~~فإنهن المؤنسات الغاليات» ms0857 (¬1). وقال عليه الصلاة والسلام «أحبوا البنات، ~~فإني أبو البنات»، وإن الرجل إذا PageV03P011 # ولدت له ابنة هبط إليها ملكان فمسحا على ظهرها، وقالا: ضعيفة خرجت من ~~ضعيف، من أعان عليك لم يزل يصاب إلى يوم القيامة. # قوله: يتأفف، يقول: أف أف، وهو من فعل المهموم الملهوف. تغيض المروءات: ~~ذهاب الأفعال الحسان. صادع: شديد يشق الأذن. جرس: صوت. جناه: # ما يجتنى منه. الشهد: العسل، أي كل العسل، ولا تسل عن النحل التي صنعته، ~~ولا من أين هو، ضربه مثلا لترك سؤالهم عنه، إذ أفادهم. سلافة: خمر لم تعصر. عصرك: # تعصيرك. خبرة: معرفة وتجربة. اللوذعي: الذكي. الغميزة: ضعف التدبير ~~والنظر، لأن الذي لا يحسن التدبير، والنظر إذا سقط غمزه الناس وعابوه. # *** # قال: فازدهى القوم بذكائه، واختلبهم بحسن أدائه مع دائه، حتى جمعوا له ~~خبايا الخبن، وخفايا الثبن، وقالوا له: يا هذا، إنك حمت على ركية بكية، ~~وتعرضت لخلية خلية. فخذ هذه الصبابة، وهبها لا خطأ ولا إصابة. # فنزل قلهم منزلة الكثر، ووصل قبوله بالشكر ثم تولى يجر شقه، وينهب بالخبط طرقه. # قال المخبر بهذه الحكاية: فصور لي أنه محيل لحليته متصنع في مشيته. # فنهضت أنهج منهاجه، وأقفو أدراجه؛ وهو يلحظني شزرا، ويوسعني هجرا؛ حتى ~~إذا خلا الطريق، وأمكن التحقيق، نظر إلي نظر من هش وبش، وما حض بعد ما غش، ~~وقال: إني لإخالك أخا غربة، ورائد صحبة؛ فهل لك في رفيق يرفق بك ويرفق، ~~وينفق عليك وينفق؟ فقلت له: لو أتاني هذا الرفيق لو أتاني التوفيق. فقال ~~لي: قد وجدت فاغتبط، واستكرمت فارتبط. # *** # ازدهى: دعاهم إلى الزهو والإعجاب به. ذكائه: حدة ذهنه. اختلبهم: خدعهم. # الخبن: أطراف الثوب، كالكم وغيره، والثبن: أطراف الرداء وشبهه، والخبنة ~~في الثوب المخيط، وقد خبنته عطفته وكففته بالخياطة، وقيل: الخبن القبض، ~~والخبنة لما يلي من حجزة السراويل والإزار، والجمع خبن، والثبنة ما يلي ~~الظهر من السراويل والإزار. # حمت: حلقت. ركية: بئر. بكية: قليلة الماء. خلية: جبح النحل حيث كان من ~~حجر أو شجر، وقيل الخلية الخشبة المنقورة لها خاصة، ms0858 والخلية في غير هذا ~~السفينة، فشبهت خلية النحل بها خلية: فارغة، الصبابة: الشيء القليل إذا أخذ ~~منه بكثرة. الخبط: أراد به PageV03P012 # أخذ الأموال بالسؤال، يقال: خبطت الشجرة خبطا، نفضت ورقها، أراد أنه كان ~~يجر جانبه المعل، فكل من مر به وسأله رحمه. محيل: مغير. حليته: خلقته ~~وصفاته. # نهضت: تقدمت للمشي. أنهج منهاجه: أمشي في طريقه. أقفو أدراجه: أتبع آثاره. # يلحظني: ينظرني. # شزرا، أي في جهة بمؤخر عينه. قال ابن الأنباري: نظر إلي شزرا، أي نظر ~~إلي، من جانب عينه من شدة العداوة والبغضاء، يقال: شزر يشزر، إذا نظر من ~~جانب عينه من العداوة أو من الفرق. ويوسعني هجرا، أي يكثر تجنبي ومباعدتي. ~~هش: خف واهتز. # بش: حسن اللقاء، ويقال: بش فلان بفلان، إذا سر به وفرح وانبسط إليه؛ ويقال: # تبشبش به بمعنى بش به، والبشاشة والهشاشة الطلاقة والتبسم. ما حض: أخلص ~~وده، غش، ضد أخلص، ويقال: غشه، أي عمل فيما يحبه شيئا قليلا وخلطه بما ~~يسوؤه، أخذ من الغشش، وهو الشراب الكدر. إخالك أحسبك رائد: طالب. يرفق بك: ~~يلاطفك ويكون بك رفيقا. يرفق: يوليك مرافقة، أي يعينك بماله حتى يجد معها ~~الرفق. لو أتاني: لوافقني. اغتبط، أي كن به مغتبطا أي محبا في بقائه، ~~والغبطة: حسن الحال استكرمت فارتبط، أي اتخذت كريما، وجاء هذا اللفظ في ~~حكاية ذكرها أبو علي، وهي أن فتى من العرب جاء إلى أمه، وقد عميت فقال لها: ~~يا أمه، إني اشتريت فرسا، فقالت: صفه لي، قال: إذا استقبل فظبي ناصب، وإذا ~~استدبر فهقل (¬1) هاضب (¬2)، وإذا استعرض فسيد (¬3) قارب (¬4)، موالي ~~المسمعين، طامح الناظرين، مدعلق الطبيين، قالت: # أجدت إن كنت أعربت، قال: إنه مشرف التليل، سبط الخصيل، وهواه الصهيل، قالت: # أكرمت فارتبط. # *** # ثم ضحك مليل، وتمثل لي بشرا سويا؛ فإذا هو شيخنا السروجي، لا قلبة بجسمه، ~~ولا شبهة في وسمه؛ ففرحت بلقيته، وكذب لقوته، وهممت بملامته، على سوء ~~مقامته، فشحا فاه، وأنشد قبل أن ألحاه: [المتقارب] # ظهرت برث كيما يقال ... فقير يزجي الزمان المزجى # وأظهرت للناس أن ms0859 قد فلجت ... فكم نال قلبي به ما ترجى # ولولا الرثاثة لم يرث لي ... ولولا التفالج لم ألق فلجا # ثم قال: إنه لم يبق لي بهذه الأرض مرتع، ولا في أهلها مطمع؛ فإن كنت PageV03P013 # الرفيق، فالطريق الطريق. فسرنا منها متجردين، ورافقته عامين أجردين. وكنت ~~على أن أصحبه ما عشت، فأبى الدهر المشت. # *** # قوله: مليا، أي طويلا. قلبة: علة. قال الكسائي رحمه الله: ما به قلبة، أي ~~شيء يقلقه فينقلب من أجله على فراشه لغمه. وقال الفراء رحمه الله: مابه من ~~وجع يخاف عليه منه، من قولهم: قلب الرجل إذا أصابه وجع في قلبه، فلا يكاد ~~ينقلب منه قال الأصمعي رحمه الله: معناه ما به داء، مأخوذ من القلاب، وهو ~~داء يصيب الإبل في رءوسها فيقلبها إلى فوق. شبهة: التباس وتغير. وسمه: ~~صفاته. اللقية: المرة الواحدة من اللقاء. وقال في الدرة: العرب تقول: لقية ~~ولقاءة ولقاية، إذا أردوا المرة الواحدة، فإن أرادوا المصدر، قالوا: لقيته ~~لقاء ولقى ولقيا، هذا وأنشد: [الطويل] # وإن لقاها في المنام وغيره ... وإن لم تجد بالبذل عندي لرابح (¬1) # وخطأ من يقول: لقيته لقاءة واحدة، وأغفل أن سيبويه قال في كتابه: أتيته ~~إتيانة، ولقيته لقاءة واحدة. # واللقوة: استرخاء اللحى وعوجه. مقامته: مجلسه الذي كدى به شحا فاه: فتحه ~~قال جرير: # وضع الخزير فقيل أين مجاشع ... فشحا جحافله جراف هبلع (¬2) # الخزير، بنقط الخاء ثم زاي: دقيق يلبك بشحم، وجراف الشيء سخونة. ألحاه: # ألزمه. يزجي: يسوق. المزجي: القليل الخير، وهذا كما قال: لبست الخميصة ~~أبغي الخبيصة. فلجت: صبت بفالج. الرثاثة: سوء الحال. التفالج: استعمال ~~الفالج، وهو خدر يصيب الجسد. فلجا: فوزا وظفرا. مرتع: موضع يرعى فيه. ~~منجردين: مسرعين، وانجرد الرجل في سيره، إذا جد في الذهاب. أجردين: تامين ~~كاملين، وسرت يوما وشرا وحولا أجرد، وجريدا أي تاما، قال سويد بن كراع: ~~[الطويل] # وجشمني خوف ابن عفان ردها ... فثقفتها حولا جريدا ومربعا # المشت: المفرق. PageV03P014 ### | AUTO المقامة الرابعة والثلاثون وتعرف بالزبيدية # أخبر الحارث بن همام، قال: لما جبت البيد إلى زبيد، صحبني غلام ms0860 قد كنت ~~ربيته إلى أن بلغ أشده، وثقفته حتى أكمل رشده. # وكان قد أنس بأخلاقي، وخبر مجالب وفاقي؛ فلم يكن يتخطى مرامي، ولا يخطئ ~~في المرامي؛ لا جرم أن قربه التاطت بصفري، وأخلصته لحضري وسفري، فألوى به ~~الدهر المبيد، حين ضمتنا زبيد. # *** # جبت: قطعت. البيد: الصحارى. # زبيد: بلدة باليمن بينها وبين صنعاء أربعون فرسخا، وليس في اليمن بعد ~~صنعاء أكبر منها، ولا أغنى من أهلها، ولا أكثر خيرا، واسعة البساتين، كثيرة ~~المياه والفواكه من الموز وغيره، وهي برية لا ساحلية. # وبلغ أشده: أي بلغ الحلم، وقيل ثلاثين سنة. قال الأزهري رحمه الله تعالى: # الأشد فى كتاب الله تعالى على ثلاث معان: أما قوله تعالى في قصة يوسف ~~عليه السلام ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما [يوسف: 22] فبلوغه مبلغ ~~الرجال، وكذا في اليتيم، حكمه أن يحفظ عليه ماله حتى يبلغ أشده، وبلوغه ~~أشده أن يؤنس الرشد منه مع أن يكون بالغا. # وأما قوله تعالى في قصة موسى عليه الصلاة والسلام ولما بلغ أشده واستوى ~~[القصص: 14] فقرن بلوغ الأشد بالاستواء وهو أن تجتمع قوته، ويكتهل وذلك من ~~ثمان وعشرين إلى ثلاث وثلاثين سنة، وذلك منتهى الشباب. وأما قوله تعالى حتى ~~إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة [الأحقاف: 15] فهي نهاية بلوغ الأشد، وعندها ~~بعث محمد صلى الله عليه وسلم، وقد اجتمعت حكمته وتمام عقله، فبلوغ الأشد ~~محصور البداية محصور النهاية ما بين ذلك. # ثقفته: قومته وحذفته. خبر: أي جرب وعرف. مجالب وفاقي: أي عرف من أين يجلب ~~ما يوافقني. يتخطى: يتجاوز. مرامي: مرادي ومقصدي لاجرم، أي لا محالة PageV03P015 # ولا بد، ثم صارت بمعنى حقا. قربة: ما يتقرب به إلى من المبرة. التاطت: لصقت. # بصفري: بنفسي وقلبي، والصفر دود في البطن، إذا جاع الإنسان عضت شراسيفه، ~~وهي رقيق البطن، قال أعشى باهلة: [البسيط] # * ولا يعض على شرسوفه الصفر (¬1) * # فيريد أن هذا الغلام مهذب يأتي بمحاولاته على الوفاق، ويقرب الطعام من ~~مولاه وقت الحاجة، ومن حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى ms0861 ~~الله عليه وسلم قال: «نعما للمملوك أن يتوفاه الله، بحسن عبادة ربه، وطاعة ~~سيده نعما له» (¬2). # وقال عليه الصلاة والسلام: «إذا نصح العبد لسيده وأحسن عبادة ربه فله ~~أجران» (¬3). # أخلصته: أفردته. ألوى: ذهب به وأهلكه. المبيد: المهلك. وننشد هنا أبياتا ~~لابن الحضرمي في غلام هلك للمتوكل ببطليوس: [الرجز] # غالته أيدي المنايا ... وكن في مقلتيه # وكان يسقي الندامى ... بطرفه ويديه # غصن ذوى وهلال ... جاء الكسوف عليه # ويستحسن لابن همام أن ينشد في وصف هذا الغلام: [الخفيف] # حين تمت آدابه وتردى ... برداء من الشباب جديد # وسقاه ماء الشبيبة فاهت ... ز اهتزاز الغصن الندي الأملود # وسمت نحوه العيون وما كا ... ن عليه لزائد من مزيد # وكأني أدعوه وهو قريب ... حين أدعوه من مكان بعيد # وأنشد بعضهم: [الطويل] # نأى آخر الأيام عنك حبيب ... فللعين سح دائم وغروب # كأن لم يكن كالغصن في ميعة الضحى ... سقاه الندى فاهتز وهو رطيب PageV03P016 # وريحان صدري كان حين أشمه ... ومؤنس قصري كان حين أغيب # وكانت يدي ملآنة ثم أصبحت ... بحمد إلهي وهي منه سليب # *** # فلما شالت نعامته، وسكنت نأمته، بقيت عاما، لا أسيغ طعاما، ولا أريغ ~~غلاما، حتى ألجأتني شوائب الوحدة، ومتاعب القومة والقعدة؛ إلى أن أعتاض عن ~~الدر الخرز، وارتاد من هو سداد من عوز؛ فقصدت من يبيع العبيد، بسوق زبيد، ~~فقلت: أريد غلاما يعجب إذا قلب، ويحمد إذا جرب؛ وليكن ممن خرجه الأكياس، ~~وأخرجه إلى السوق الإفلاس؛ فاهتز كل منهم لمطلبي ووثب، وبذل تحصيله عن كثب. ~~ثم دارت الأهلة دورها، وتقلبت حورها وكورها، وما نجز من وعودهم وعد، ولا سح ~~لها رعد. # فلما رأيت النخاسين، ناسين أو متناسين، علمت أن ليس كل من خلق يفري، وأن ~~لن يحك جلدي مثل ظفري. فرفضت مذهب التفويض، وبرزت إلىالسوق بالصفر والبيض. # *** # شالت نعامته، أي ارتفع نعشه. ويقال في المصلوب: شالت نعامته، أي ارتفعت ~~خشبته، وشالت نعامة القوم، أي ولوا منهزمين، وهو مثل يضرب للانهزام وللهلاك ~~وللتفرق. وأنشد الشاعر: [الكامل] # تلقى خصاصة بيننا أرماحنا ... شالت نعامة أينا لم يفعل # يخاطب أعداءه ms0862 وقد وافقهم، يقول: هلم نلقى في الفرجة التي بيننا أرماحنا، ~~ونضرب بالسيوف، هلك وانهزم من لم يفعل، يدعو عليه وينسب ذلك للنعامة، لأن ~~النعام موصوف بالسخف والرق والشراد. فإذا قالوا: شالت نعامتهم، وخفت ~~نعامتهم، ورق رأيهم، فمعناه إذا تركوا مواضعهم بجلاء أو بموت. ويقال: أحمق ~~من نعامة، لأنها تنشر للطعام، فربما رأت بيضة نعامة أخرى وحدها فتحضنها، ~~وتنسى بيضتها، ثم تجيء الأخرى فترى على بيضتها غيرها، فتمضي لوجهها، وإياها ~~عني ابن هرمة بقوله: [المتقارب] # كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا (¬1) PageV03P017 # قاله الجاحظ: # وأما أبو عبيدة فقال: عنى الحمامة. وقال ابن الأعرابي، بيضة البلد التي ~~سار بها المثل هي بيضة النعامة التي تتركها فلا تهتدى إليها فتفسد فلا ~~يقربها شيء. قال الراعي: # [البسيط] # لو كنت من أحد يهجى هجوتكم ... يا بن الرقاع ولكن لست من أحد (¬1) # تأبى قضاعة أن ترضى لكم نسبا ... وابنا نزار فأنتم بيضة البلد # قوله: نأمته، أي حركته التي تنمو بحياته. وزعموا أن النامة بوزن العامة، ~~عرق اليافوخ. أسيغ طعاما: استسهل بلعه. أريغ غلاما: أطلبه. السداد: اسم ما ~~يسد به الشيء، مثل سداد القارورة وهو صمامها، وسداد الفقر ما يذهبه ويكتفي ~~به من المال، وسداد الثغر ما يذهب خوفه من الخيل والرجال، والسداد بالفتح: ~~الإصابة في المنطق، وقال يعقوب: السداد والسداد بمعنى واحد، وسنعيد ذكره في ~~أخبار العرجي. # والعوز: فقد الشيء فإنه أراد عبدا يسد به فقد غلامه الميت. إذا قلب أي ~~إذا قلبت خلقته وجدت كل جزء منها حسنا. خرجه: حذقه ورباه الأكياس: أهل ~~الفطنة والحذق. # والإفلاس: الفقر. وثب: قفز وعجل إلى المشي. بذل: أعطى، تحصيله: وجوده ~~وحصوله. كثب: قرب يريد أنه أعطى من نفسه القدرة على حصوله في أقرب مدة. ~~دارت الأهلة دورها، أي كملت الستة وكملت الأهلة فيها بالطلوع. كورها ~~وحورها: زيادتها ونقصانها، وقد تقدم الكور والحور. نجز: حضر. سح: أمطر. # النخاسين: الدلالين للعبيد والدواب. ثعلب: أخذ من النخس وهو الدفع، فمعنى ~~النخاسين الذين يشترون العبيد ليدفعوهم إلى غيرهم. ليس كل من خلق يفري، ms0863 ~~مثل، وخلق قدر، يقال: خلق الصانع الجلد، إذا قدر ما يقطع منه، وقيل: الخلق: ~~القطع، والفرى: القطع أيضا، ولكن تقديرا، فمعنى المثل: ليس كل من قطع شيئا ~~قدر ما يقطع به، ويفري أيضا: يحسن القطع على جهة الإصلاح. قال زهير: [مجزوء ~~الكامل] # ولأنت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري (¬2) PageV03P018 # ويقال أيضا: خلق الشيء صنفه، وفراه: أفسده، وأراد ليس كل الناس يحسن شراء ~~العبيد. # قوله: لا يحك جلدى مثل ظفري هو مثل يضرب في ترك الاتكال على الناس، قال ~~الإمام الشافعي رضي الله عنه: [مجزوء الكامل] # ما حك جلدك مثل ظفرك ... فتول أنت جميع أمرك (¬1) # وإذا قصدت لحاجة ... فاقصد لمعترف بقدرك # رفضت: تركت. التفويض: أن يتكل الرجل على غيره ويسلم أمره إليه. الصفر ~~والبيض: الدنانير والدراهم. # *** # فإني لأستعرض الغلمان، وأستعرف الأثمان، إذ عارضني رجل قد اختطم بلثام، ~~وقبض على زند غلام، وقال: [الرجز] # من يشتري مني غلاما صنعا ... في خلقه وخلقه قد برعا # بكل ما نطت به مضطلعا ... يشفيك إن قال وإن قلت وعى # وأن تصبك عثرة يقل لعا ... وإن تسمه السعي في النار سعى # وإن تصاحبه ولو يوما رعى ... وإن تقنعه بظلف قنعا # وهو على الكيس الذي قد جمعا ... ما فاه قط كاذبا ولا ادعى # ولا أجاب مطمعا حين دعا ... ولا استجاز نث سر أو دعا # وطالما أبدع فيما صنعا ... وفاق في النثر وفي النظم معا # والله لو ضنك عيش صدعا ... وصبية أضحوا عراة جوعا # * ما بعته بملك كسرى أجمعا* # قال: فلما تأملت خلقه القويم، وحسنه الصميم، خلته من ولدان جنة النعيم، ~~وقلت: ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم. # *** # استعرض: أطلب أن يعرض علي، وعارضني: قابلني. أستعرف: أطلب معرفته. # اختطم: جعل اللثام على طرف الأنف- وهو الخطم والخرطوم للسباع- واللثام: ~~ما كان PageV03P019 # على الأنف من النقاب. والزند: طرف عظم الساعد المتصل بالكف، فهو قد قبض ~~على أرق موضع في الذراع. الصنع. الحاذق بالصناعة، والمرأة صناع. برع: فضل ~~وفاق غيره. نطت: علقت. مضطلعا: مكتفيا قويا عليه. وعى: ms0864 حفظ. لعا، كلمة تقال ~~للعاثر- يعني: أقال الله عثرتك، وسلمك الله- تسمه السعى: تكلفه المشي. رعى: ~~حفظ الصحبة. الظلف للشاة بمنزلة الحافر للدابة. الكيس الحاذق. فاه: تكلم. # ثم قال: لم يدعه الطمع قط فأجابه. استجاز: استحل. نث: نشر، أبدع: أغرب ~~وأتى بما لم يسبق إليه. ضنك: صدع: كسر، وأنشدوا في هذا المعنى: [الطويل] # وقد تخرج الحاجات يا أم مالك ... علائق من رب بهن ضنين # خلقه القويم: المعتدل القامة. الصميم: الخالص، وهو فعيل، من صم الشيء إذا ~~لم يكن فيه فرجة ولا خلل. خلته: حسبته. ### || AUTO [الغلمان وعشاقهم] # وننشد في هذه المقامة في الغلمان ما له سبب وتعلق بذكر يوسف عليه السلام، ~~أو يكون الغلام مملوكا حتى يوافق غرض المقامة. # كان شفيع غلام المتوكل أحسن الفتيان وأظرفهم، وكان المتوكل يجن به جنونا، ~~فأحب يوما أن ينادم حسين بن الضحاك، وأن يرى ما بقي من شهوته- وكان قد أسن- ~~فأحضره وسقاه حتى سكر، وقال لشفيع: اسقه، فسقاه وحياه بوردة، وكانت على ~~شفيع ثياب موردة. فمد حسين يده إلىذراع شفيع، فقال المتوكل: أتخمش أخص خدمي ~~بحضرتي، فكيف لو خلوت به! ما أحوجك إلى الأدب! وكان قد غمز شفيعا على العبث ~~به، فدعا بدواة فكتب: [الطويل] # وكالوردة الحمراء حيا بوردة ... من الورد يمشي في قراطق كالورد # له عبثات عند كل تحية ... بكفيه تستدعي الحليم إلى الوجد # تمنيت أن أسقى بعينيه شربة ... تذكرني ما قد نسيت من العهد # سقى الله دهرا لم أبت فيه ليلة ... خليا ولكن من حبيب على وعد # ثم دفعها لشفيع فأعطاها المتوكل، فاستملحها وقال: أحسنت والله يا حسين! ~~ولو كان شفيع ممن تجوز هبته لو هبته لك؛ ولكن بحياتي يا شفيع إلا كنت ساقيه ~~بقية يومنا. # وأمر له بمال كثير. # وكان لمعز الدولة غلام تركي، وكان وضيء الوجه، منهمكا في الشراب، ولفرط ~~ميل مولاه إليه جعله رئيس سرية جردها لحرب بني حمدان، وكان المهلبي يستظرفه ~~ويستحسنه، فقال: [مجزوء الكامل] # ظبي يروق الماء في ... وجناته ويروق عوده PageV03P020 # ويكاد من شبه العذا ... رى فيه أن تبدو نهوده ms0865 # ناطوا بمعقد خصره ... سيفا ومنطقة تئوده # جعلوه قائد عسكر ... ضاع الرعيل ومن يقوده # فكانت الدائرة على جيش الغلام، كما أشار إليه، ولو غزاهم بالسلاح الذي ~~أمر به الببغاء غلاما غازيا وهو: [البسيط] # يا غازيا أتت الأحزان غازية ... إلى فؤادي والأحشاء حين غزا # إن بارزتك رماة الروم فارمهم ... بسهم عينيك تقتل كل من برزا # لكان الظافر الغالب # وكان بديع غلام عمير المأموري أحسن خلق الله وجها، وكان الوزير ابن ~~الزيات مفتونا به، فاجتاز عليه راكبا بآلة الحرب، فقال فيه: [السريع] # راح علينا راكبا طرفه ... أغيد مثل الرشأ الآنس # قد لبس القرطق واستمسكت ... كفاه من ذي بدن مائس # وقلد السيف على غنجه ... كأنه في وقعة الداحس # أقول لما أن بدا مقبلا: ... يا ليتني فارس ذا الفارس! # وقال ابن الزقاق: [الكامل] # ومهند عضب براحة أغيد ... في جفنه عضب يقد مفاصلي # يسطو بذاك وذا فيغدو قرنه ... بهما صريع لواحظ ومناصل # ماض كلا السيفين لكن لحظه ... أمضى وإلا فاسألن مقاتلي # وكان لأبي عيسى بن الرشيد غلام اسمه يسر، وكان آية في الجمال، وكان صالح ~~أخوه يتعشقه، فبلغت لأبي عيسى قصة جرت بينهما، فحجبه ومنعه أن يخرج من داره ~~إلا بحافظ، وكاد حسين بن الضحاك يموت فيه عشقا، فقال فيه: [مجزوء الرمل] # ظن من لا كان ظنا ... بحبيبي فحماه # أرصد الباب رقيبي ... ن له فاكتنفاه # فإذا ما اشتاق قربي ... ولقائي منعاه # جعل الله رقيبي ... ه من السوء فداه # وقال فيه: [الخفيف] # إن من لا يرى وليس لا يراني ... نصب عيني ممثل بالأماني # يأبى من ضميره وضميري ... أبدا بالمغيب ينتجيان PageV03P021 # نحن شخصان إن نظرت وروحا ... ن إذا ما اختبرت ممتزجان # فإذا ما هممت بالأمر أو ه ... م بشيء بدأته وبدأني # كان وفقا ما كان منه ومني ... فكأني حكيته وحكاني # خطرات النفوس منا سواء ... وسواء تحرك الأبدان # وجاءه يوما فتحدث معه، فأشار لتقبيله، فقال له بشير: إياك والتعرض لي ~~وانج بنفسك، وكانت فيه عربدة، فقال فيه حسين: [الخفيف] # أيها النفاث في العقد ... أنا مطوي على الكمد # إنما زخرفت ms0866 لي خدعا ... قدحت في الروح والجسد # ما لأنس كان مبتذلا ... منك لي بالأمس لم يعد # يوم تعطيني وتأخذها ... دون ندماني يدا بيد # ذاك يوم كان حاسدنا ... فيه معذورا على الحسد # *** # ثم استنطقته عن اسمه، لا لرغبة في علمه؛ بل لأنظر أين فصاحته من صباحته، ~~وكيف لهجته من بهجته؛ فلم ينطق بحلوة ولا مرة، ولا فاه فوهة ابن أمة ولا ~~حرة. فضربت عنه صفحا، وقلت له: قبحا لعيك وشقحا، فغار في الضحك وأنجد، ثم ~~أنغض رأسه إلي وأنشد: # يا من تلهب غيظه إذ لم أبح ... باسمي له، ما هكذا من ينصف # إن كان لا يرضيك إلا كشفه ... فأصخ له، أنا يوسف أنا يوسف # ولقد كشفت لك الغطاء فإن تكن ... فطنا عرفت وما إخالك تعرف # قال: فسرى عتبي بشعره، واستبى لبي بسحره؛ حتى شدهت عن التحقيق، وأنسيت ~~قصة يوسف الصديق؛ ولم تكن لي هم إلا مساومة مولاه فيه، واستطلاع طلع الثمن ~~لأوفيه. وكنت أحسب أنه سينظر شزرا إلي، ويغلي السيمة علي؛ فما حلق إلي حيث ~~حلقت، ولا اعتلق بما به اعتلقت؛ بل قال: إن الغلام إذا نزر ثمنه، وخفت ~~مؤنه، تبرك به مولاه، والتحف عليه هواه، وإني لأوثر تحبيب هذا الغلام إليك، ~~بأن أخفف ثمنه عليك، فزن مائتي درهم إن شئت، واشكر لي ما حييت. فنقدته ~~المبلغ في الحال، كما ينقد في الرخيص الحلال، ولم يخطر لي ببال، أن كل مرخص غال. # *** PageV03P022 # قوله: استنطقته، أي سألته أن ينطق. صباحته: حسنه. لهجته: لفظه، وأصلها ~~طرف اللسان، فكنى بها عن حلاوته. بهجته: حسنه ونضارته، وأصلها حسن اللون. ~~لم ينطق بحلوة ولا مرة، أي بكلمة جيدة ولا رديئة. فاه: نطق ضربت عنه: أعرضت عنه. # صفحا، أي أوليته صفحة وجهي، وهي جانبه، شقحا، اتباع لقبح، وقيل: هي من ~~شقح البسر، إذا تغيرت خضرته بجمرة أو صفرة، وهو أقبح ما يكون في رأي العين، وقيل: # هو من شقحت العود إذا كسرته، وقال: هو من أشقاح الكلاب، وهي أدبارها، ويقال: # قبحا وشقحا بضم أولهما وفتحه. غار: أتى الغور، ms0867 وهو المنخفض من الأرض أنجد: # أتى نجدا، ومعناه بالغ في الضحك وذهب في جهاته. أنغض رأسه، أي حركه؛ كأنه ~~يهدد ويستخف به. تلتهب: اشتغل أبح: أتكلم. أصخ: استمع. أنا يوسف، أي أنا حر ~~مثل يوسف صلوات الله عليه، إذ باعه إخوته سرى عتبي: أزال لومي استبى لبي: ~~أي تملك عقلي بسحره وحلاوة كلامه شدهت: تحيرت، وهو مقلوب دهشت التحقيق: # التمييز، وهذا كما قال الشاعر: [الطويل] # والله ما فتنت نفسي محاسنه ... إلا وقد سحرت ألفاظه أذني # ما تصدر العين عنه لحظة مللا ... كأنه كل شيء مرتضى حسن # استطلاع طلعة: استخبار خبره، والسؤال عن قدره، لأوفيه: لأعطيه كاملا وافيا. # شزرا: نظر فيه إعراض. السيمة: السوم، وهو السؤال عن الثمن. ما حلق إلي ~~حيث حلقت، أي ما دار إلي حيث درت، أي ما كان عنده شيء مما ظننت به من طلبه ~~سوما غاليا. نزر: قل. مؤنه: لوازمه وما يحتاج إليه. تبرك: رآه مباركا، ~~والبركة: الكثرة والسعة. التحف: انضم هواه: حبه. أوثر: أفضل. # فلما تحققت الصفقة، وحقت الفرقة، هملت عينا الغلام، ولا همول دمع الغمام، ~~ثم أقبل على صاحبه وقال: [الوافر] # لحاك الله هل مثلي يباع ... لكيما تشبع الكرش الجياع # وهل في شرعة الإنصاف أني ... أكلف خطة لا تستطاع # وأن أبلى بروع بعد روع ... ومثلي حين يبلى لا يراع # أما جربتني فخبرت مني ... نصائح لم يمازجها خداع # وكم أرصدتني شركا لصيد ... فعدت وفي حبائلي السباع # ونطت بي المصاعب فاستقادت ... مطاوعة وكان بها امتناع # *** # تحققت الصفقة: تم البيع. هملت: سالت. الغمام: السحاب. لحاه الله: لعنه ~~وأبعده، ولحيت الرجل: لمته، وأصله من لحوت العود ألحوه ولحيته ألحاه، إذا ~~قشرته، وأنشد ابن الأعرابي في نوادره: [الكامل] PageV03P023 # لحوت شماسا كما تلحى العصا ... سبا لو ان السب يدمي لدمي (¬1) # ويقال: لاحاه ملاحاة ولحا، أصلها المبالغة، ثم كثرت حتى جعلت كل ممانعة ~~ومدافعة ملاحاة. الكرش: العيال، وكرش الرجل عياله وصغار ولده، ويقال في ~~المعيل: # عليه كرش منثورة، وإذا أكثرت المرأة أولادها قيل: نثرن كرشها، وقد قدم أن ~~صبيته جوع. الشرعة: ms0868 الطريق. والخطة، مثل القصة: الأمر يقع بين القوم أبلى: أمتحن. # الروع: الفزع، لأنه يصيب الروع وهو القلب. يمازجها: يخالطها. أرصدتني: ~~جعلتني رصدا، والرصد: من يرقبك وأنت لا تعلم فإذا جئته هجم عليك. والشرك: ~~آلة الصيد. # حبائلي: شباكي نطت: علقت. المصاعب: الأمور الشاقة. استقادت: انقادت ~~[الوافر] # وأي كريهة لم أبل فيها ... وغنم لم يكن لي فيه باع # وما أبدت لي الأيام جرما ... فيكشف في مصارمتي القناع # ولم تعثر- بحمد الله- مني ... على عيب يكتم أو يذاع # فأنى ساغ عندك نبذ عهدي ... كما نبذت برايتها الصناع # ولم سمحت قرونك بامتهاني ... وأن أشرى كما يشرى المتاع # وهلا صنت عرضي عنه صوني ... حديثك يوم جد بنا الوداع # وقلت كمن يساوم في هذا ... سكاب فما يعار ولا يباع # فما أنا دون ذاك الطرف لكن ... طباعك فوقها تلك الطباع # على أني سأنشد حين بيعي ... أضاعوني وأي فتى أضاعوا # *** # أبل: أبالغ وأجهد نفسي فيه. غنم: غنيمة جرم: ذنب مصارمتي: مقاطعتي، وكشفت ~~في الأمر القناع، إذا جهدت فيه وبالغت. تعثر: تطلع: يكتم: يستر. يذاع: # يفشي و «بحمد الله» في البيت، وقعت اعتراضا بين العامل والمعمول، كما ~~وقعت في التاسعة والأربعين اعتراضا بين المبتدأ وخبره في قوله: «وأنت- بحمد ~~الله- ولي عهدي» وتعلقها بمحذوف تقديره: ابتدئ بحمد الله، أو أفتتح بحمد ~~الله الذي خلصني من عيب يعثر لي عليه، أو الذي جعلك ولي عهدي، ومنه: سبحان ~~الله وبحمده، معناه أنزه الله وابتدئ بحمده، أو أفتتح بحمده، ودخلت الواو ~~هنا لغير معنى العطف، ألا ترى أنك لو قلت: سبحان الله وحمده، لكان المعنى: ~~أسبحه تسبيحا وأحمده حمدا، هكذا يقتضي ما جاء من المصادر منصوبا في هذا ~~الباب، وفي قولنا: وبحمده لا يكون المعنى ما تقدم في المنصوب، ولكن الباء ~~آذنت بمعنى ابتدأت، أو أبدأ بحمد الله، كأنك قلت: حمدت الله على إلهامه ~~إياي تسبيحه، وتأمل قوله تعالى: يسبحون بحمد ربهم [غافر: 7]. PageV03P024 # قوله ساغ: أي سهل. نبذ: ترك. البراية: ما يتساقط من العود إذا نجر، ومن ~~القلم إذا بري، وكذا يأتي في مثل البرادة والنحاتة ms0869 ونحوها الصناع: الحاذقة ~~بالصنعة، والرجل صنع بغير ألف. قرونك: نفسه. سمحت: جادت أشرى: أباع. عنه، ~~أي عن البيع. # صوني حديثك، أي صيانتي للحديث الذي أحدثت من بيعي وأنا حر يوم جد بنا ~~الوداع، أي في هذه الساعة التي تريد أن تودعني فيها. سكاب: اسم فرس لرجل من ~~العرب من بني تميم، سأله بعض الملوك أن يبيعها منه، فأبى عليه وقال: ~~[الوافر] # أبيت اللعن إن سكاب علق ... كريم لا يعار ولا يباع (¬1) # مفداة مكرمة علينا ... يجاع لها العيال ولا نجاع # الطرف: الفرس الكريم، يقول: لست أنا دون الفرس، لكن طباع مالكه أفضل من ~~طباعك، حيث كان يجيع عياله ويشبعه، ولم يهنه بالبيع كما أهنتني به. ### || AUTO [العرجي] # وعجز البيت الأخير صدر بيت لعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان رضي الله ~~عنهم، وهو العرجي، سمي بذلك لأنه ولد بالعرج من مكة، وقيل: بل كان له بها ~~مال، وكان يكثر الاختلاف إليه، فنسب إليه. يكنى أبا عمرو، وهو شاعر مطبوع ~~بالغزل مجيد ويشبه في غزله ومقصده بعمر بن أبي ربيعة، وكان يهوى جيداء أم ~~إبراهيم بن هشام المخزومي، ولها يقول: [البسيط] # أبصرت وجها لها في جيده تلع ... تحت العقود وفي القرطين تشهير (¬2) # وجه تحير فيه الماء في بشر ... صاف له حين أبدته لنا نور # ولها يقول: [الوافر] # إلى جيداء قد بعثوا رسولا ... ليخبرها فلا صحب الرسول (¬3) # كأن العام ليس بعام حج ... تغيرت المواسم والشكول # ولها يقول: [السريع] # عوجي علينا ربة الهودج ... إنك إن لا تفعلي تحرجي (¬4) PageV03P025 # فالحج إن حجت وماذا منى ... وأهله إن هي لم تحجج! # فما استطاعت غير أن أومأت ... نحوي بعيني شادن أدعج # وقال أيضا: [الكامل] # باتا بأنعم ليلة حتى بدا ... صبح يلوح كالأغر الأشقر (¬1) # فتلازما عند الفراق صبابة ... أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر # فلما شاع نسيبه بها قبض عليه ابنها محمد عند ولايته الحجاز، بسبب طلبة ~~عليه، فضربه بالسياط وألقى الزيت على رأسه، وأوقفه للناس في الشمس، حتى غشي ~~عليه، وسجنه بضع سنين حتى مات في سجنه، فقال ms0870 في السجن: [الوافر] # أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر (¬2) # وخلوني ومعترك المنايا ... وقد شرعت أسنتهم لنحري # كأني لم أكن فيهم وسيطا ... ولم تك نسبتي في آل عمرو # أجرر في المجامع كل يوم ... فيا لله مظلمتي وقسري! # عسى الملك المجيب لمن دعاه ... ينجيني ويعلم كيف شكري # فأجزي بالكرامة أهل ودي ... وأجزي بالعداوة أهل وتري # فلما أفضت الخلافة إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك، قبض على محمد بن ~~هشام وأخيه إبراهيم ودعا لهم بالسياط، فقال له محمد: أسألك بالقرابة! قال: ~~وأي قرابة بيني وبينك؟ قال: فاسألك بصهر عبد الملك! فقال: لم تحفظه، فقال: ~~يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يضرب قرشي إلا في ~~حد، فقال: ففي حد أضربك وقود، قال: # وما ذاك؟ قال: أنت أول من سن ذلك على العرجي وهو ابن عمي وابن أمير ~~المؤمنين عثمان بن عفان، فما رعيت [حق] جده ولا نسبه بهشام من قبل أمه، ~~اضربهما يا غلام، فضربهما ضربا مبرحا، وأثقلا بالحديد ووجه بهما إلى يوسف ~~بن عمر، وأمره بتعذيبهما، فضربهما حتى ماتا. # وغنى إسحاق الموصلي الرشيد قوله: [الوافر] # * أضاعوني وأي فتى أضاعوا* # فسأل عن سبب هذا الشعر، فأخبره بحديث العرجي، قال إسحاق: فرأيته يتغيظ، ~~فلما أخبرته بما فعل بابني هشام، جعل وجهه يسفر وغيظه يسكن، ثم قال: يا ~~إسحاق، لولا ما حدثتني به من فعل الوليد، لما تركت أحدا من أماثل بني مخزوم ~~إلا قتلته بالعرجي. PageV03P026 # ومن جيد شعر العرجي: [الطويل] # فهل أنت آت أهل ليلى فناظر ... لذنب جفوني، أم جفوني تجرما (¬1) # فإن يك من ذنب ففي ذاك حكمهم ... وحسب امرئ في حقه أن يحكما # كمثل شهاب النار في كف قابس ... إذا الريح هبت وهو كاب أضرما # ومن جيده: [الكامل] # أخبرت أنك قلت نقتله ... لا تفعلن، فدتكم نفسي (¬2) # والله لا آتي لكم سخطا ... حتى أغيب في ثرى رمسي # والله لا أنسى تطوفها ... تهتز بين كواعب خمس # كالبدر صورتها إذا انتقبت ... وإذا سفرت فأنت كالشمس # ومنه: [البسيط] # حور ms0871 بعثن رسولا في ملاطفة ... ثبتا إذا أسقط النساءة الوهم (¬3) # فجئت أمشي على هول أجشمه ... تجشم المرء هو لا في الهوى كرم # أمشي كما حركت ريح يمانية ... غصنا من البان رطبا طله الرهم # حتى جلست إزاء البيت مكتتما ... وطالب الحاج تحت الليل يكتتم # فبت أسقى بأكواس أعل بها ... من بارد طاب منه الطعم والنسم # وفي معنى قوله: أمشي كما حركت. البيت يقول ابن دعبل: [السريع] # قالت لقد أعييتنا حجة ... فأت إذا ما هجع السامر # واسقط علينا كسقوط الندى ... ليلة لا ناه ولا آمر # وقال الواثق: [السريع] # قالت إذا الليل دجا فأتنا ... فجئتها حين دجا الليل # خففي وطء الرجل من حارس ... ولو دنا حل به الويل # ومن ظرف العرجي، أنه وعد هوى له أن تزوره في منتزه، فجاءته على أتان ~~ومعها جارية لها، وجاء العرجي على عير ومعه غلام، فواقعها العرجي، ثم خرج ~~فرأى الغلام يواقع الجارية والعير على الأتان، فلما نظر الحال قال: هذا يوم ~~غاب عذاله. # *** PageV03P027 ### || AUTO [التضمين] # ويسمى أخذ الحريري شطر بيت العرجي التضمين، وليس بسرقة. والتضمين يكون في ~~بيت وفي شطر بيت، والشعراء تتولع به كثيرا، وهو من صنعة البديع، فمن الثاني ~~قول الأخطل: [الكامل] # ولقد سما للخرمي فلم تقل ... بعد الونى لكن تضايق مقدمي # ومثله قول الآخر: [الطويل] # وجزت على باب الأمير كأنني ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # ومن تضمين بيت بكماله قول الحسن بن هاني: [البسيط] # إني عجبت وفي الأيام معتبر ... والدهر يأتي بألوان الأعاجيب # من صاحب كان دنياي وآخرتي ... عدا علي جهارا عدوة الذئب # قد كان لي مثل لو كنت أعقله ... من رأى غالب أمر غير مغلوب # لا تمدحن امرأ حتى تجربه ... ولا تذمنه من غير تجريب # فضمن هذا البيت. # قال ابن حجاج: [الكامل] # قد قلت لما أن رجعت موليا ... ومعي مدابير من الكتاب # نحن الذين لهم يقال وكلنا ... فل العصا وطريدة الحجاب # قوم إذا قصدوا الملوك لمطلب ... نتفت شواربهم على الأبواب # وقال ابن رشيق: سألني بعض أصحابي أن أضمن له قول الشاعر: # فإن ms0872 فخرت بآباء لهم شرف ... قلنا صدقت، ولكن بئس ما ولدوا # ولا أزيد على بيت واحد، فقلت: [البسيط] # أصبحت من جملة الأشراف إن ذكروا ... كواحد الآس لا يزكو له عدد # والتضمين كثير. # *** ### || AUTO [قصة النضر بن شميل مع المأمون] # وعلى بيت العرجي: [الوافر] # * أضاعوني وأي فتى أضاعوا* # حديث النضر بن شميل، قال: كنت أدخل على المأمون في سمره فدخلت ذات PageV03P028 # ليلة وعلي أطمار أخلاق، فقال: يا نضر، ما هذا التقشف! تدخل على أمير ~~المؤمنين في هذه الخلقان؟ فقلت: أنا شيخ ضعيف، وحر مرو شديد، فأتبرد بهذه ~~الخلقان، قال: لا، ولكنك قشف، فيحمل منك هذا على التقشف. ثم أجرينا الحديث، ~~فقال: حدثنا هشيم، عن مجاهد، عن الشعبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تزوج الرجل المرأة لدينها ولجمالها ~~وكمالها، كان فيها سداد من عوز» فأورده بفتح السين، قلت: يا أمير المؤمنين، ~~حدثنا عوف بن أبي جميلة الأعرابي، عن الحسن عن علي بن أبي طالب رضوان الله ~~عليهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تزوج الرجل المرأة ~~لدينها ولجمالها وكمالها كان فيها سداد من عوز»، وكان المأمون متكئا فاستوى ~~جالسا، وقال: كيف قلت يا نضر «سداد»؟ قلت: سداد لأن «السداد» هنا لحن، قال: ~~أو تلحنني! قلت: إنما لحن هشيم- وكان لحانة- فتبع أمير المؤمنين لفظه، ~~فقال: فما الفرق بين السداد والسداد؟ قلت: السداد القصد في الدين والسبيل ~~والسداد بالكسر البلغة في الشيء، وكل ما سددت به شيئا فهو سداد، قال: أو ~~نعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم هذا العرجي من ولد عثمان، يقول: [الوافر] # أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر # ثم أطرق مليا، وقال: قبح الله من لا أدب له! ثم تجارينا الحديث، فقال: ~~كيف روايتك للشعر؟ قلت: قد رويت الكثير منه، قال: فأنشدني أحسن ما قالته ~~العرب في الحلم فأنشدته: [الطويل] # إذا كان دوني من بليت بجهله ... أبيت لنفسي أن أقابل بالجهل # وإن كان مثلي في محل من العلا ... هويت إذا ms0873 حلما وصفحا عن المثل # وإن كنت أدنى منه في الفضل والحجا ... رأيت له حق التقدم والفضل # فقال: ما أحسن ما قال! فأنشدني أحسن ما قالته العرب في الحزم فأنشدته: ~~[الطويل] # على كل حال فاجعل الحزم عدة ... لما أنت باغية وعونا على الدهر # فإن نلت أمرا نلته عن عزيمة ... وإن قصرت عنه الحقوق فمن عذر # قال: فما أحسن ما قال! فأنشدني أحسن ما قالته العرب في إصلاح العدو حتى ~~يكون صديقا، فأنشدته: [الطويل] # وذي غيسلة ساءلته فقهرته ... فأوقرته مني بعبء التحمل # ومن لا يدافع سيئات عدوه ... بإحسانه لم يأخذ الطول من عل # ولم أر في الأشياء أسرع مهلكا ... لضغن قديم من وداد معجل PageV03P029 # فقال: ما أحسن ما قال! فأنشدني أحسن ما قالته العرب في السكوت فأنشدته: # [الكامل] # إني ليهجرني الصديق تجنبا ... فأريه أن لهجره أسبابا # وأراه إن عاتبته أغريته ... فيكون تركي للعتاب عتابا # وإذا بليت بجاهل متحكم ... بجد المحال من الأمور صوابا # أوليته مني السكوت وربما ... كان السكوت عن الجواب جوابا # فقال: ما أحسن ما قال! ثم قال: ما مالك يا نضر؟ قلت: أريضة بمرو. الروذ ~~أتصابها وأتمززها، قال: أفلا نفيدك مالا معها؟ قلت: إن رأى ذلك أمير ~~المؤمنين، فإني لذلك لمحتاج. # فأخذ القرطاس وكتب وأنا لا أدري ما يكتب، ثم قال: كيف تأمر إذا أردت أن ~~تترب الكتاب، قلت: يا غلام أترب الكتاب، قال: فهو ماذا؟ قلت: مترب، قال: ~~فمن السحاة، قلت: يا غلام اسح الكتاب، قال: فهو ماذا؟ قلت: مسحى، قال: فمن ~~الطين، قلت: يا غلام طن الكتاب، قال: فهو ماذا؟ قلت: مطين ومطان، فقال: هذه ~~أحسن من الأولى، ثم قال: يا غلام أتريه واسحه وطنه. ثم صلى بنا العشاء، ثم ~~قال لغلامه: امض معه إلى الفضل بن سهل بهذا الكتاب، فلما قرأه قال: بم ~~استأهلت أن يأمر لك أمير المؤمنين بخمسين ألف درهم؟ وما سبب ذلك؟ فأخبرته ~~الحديث على جهته، فقال: # لحنت أمير المؤمنين، فقلت: كلا إنما لحن هشيم- وكان لحانة- فتبع أمير ~~المؤمنين ألفاظه، وقد تتبع ألفاظه الفقهاء ورواة ms0874 الأخبار. فعجل لي ما في ~~الكتاب، وأمر لي من عنده بأربعين ألف درهم، فانصرفت بتسعين ألف درهم بحرف ~~استفاده مني. # وهذا الخبر جاء في أخبار النحويين. وذكره الحريري في درة الغواص بأخصر ~~مما ذكرناه، ثم قال بإثر الخبر: وقد أذكرني هذا المثل أبياتا أنشدنيها أحد ~~أشياخي رحمهم الله لأبي الهيذام: [الرمل] # لي صديق هو عندي عوز ... من سداد لا سداد من عوز # وجهه يذكرني دار البلى ... كلما أقبل نحوي وضمز # وإذا جالسني جرعني ... غصص الموت بكرب وعلز # يصف الود إذا شاهدني ... وإذا غاب وشى بي وهمز # كحمار السوء يبدي مرحا ... فإذا سيق إلى الحمل غمز # ليتني أعطيت منه بدلا ... بنصيبي شر أولاد المعز # قد رضينا بيضة فاسدة ... عوضا منه إذا البيع نجز # *** PageV03P030 ### || AUTO [أبو حنيفة والإسكاف] # وكان لأبي حنيفة رحمه الله جار إسكاف بالكوفة، يعمل نهاره أجمع، فإذا ~~أجنه الليل رجع إلى منزله بالخمر ولحم أو سمك، فيطبخ اللحم أو يشوي السمك، ~~حتى إذا دب الشراب فيه رفع عقيرته ينشد: [الوافر] # أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر # فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت، حتى يغلبه النوم. # وكان أبو حنيفة رحمه الله يصلي الليل كله، ويسمع جلبته وإنشاده، ففقد ~~صوته ليالي، فسأل عنه فقيل له: أخذه العسس منذ ثلاث ليال، وهو محبوس، فصلى ~~الفجر وركب بغلته، ومشى فاستأذن على الأمير، فقال: ائذنوا له، وأقبلوا به ~~راكبا، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط، ففعل به ذلك، فوسع له الأمير مجلسه، ~~وقال له: ما حاجتك؟ # فقال: لي جار إسكاف أخذه العسس منذ ثلاث ليال، فتأمر بتخليته؟ فقال: نعم، ~~وكل من أخذ من تلك الليلة إلى يومنا هذا، ثم أمر بتخليتهم أجمعين. فركب أبو ~~حنيفة وتبعه جاره الإسكاف، فلما أوصله داره، قال له أبو حنيفة: أترانا يا ~~فتى أضعناك؟ قال: لا بل حفظت ورعيت جزاك الله خيرا عنصحبة الجوار ورعاية ~~الحق، ولله علي ألا أشرب الخمر أبدا، فتاب ولم يعد إلى ما كان عليه. ### || AUTO [من أخبار الجواري والغلمان] # ومما يوافق هذا ms0875 الموضع في المقامات من ظرف الحكايات التي تضمنت بيع ~~المماليك عند الضرورات، وما للأجواد من جزيل الهبات، مما ذكروا من أحسن ~~أخبار الغلمان أن جعفر بن يحيى عرض عليه في بعض متوجهاته مملوك من مماليك ~~رجل جفاه السلطان، فقبض ماله، وأمر ببيع مماليكه، فعرض عليه من جملتهم غلام ~~كما طر شاربه، أجمل الناس، يدير بين فكيه لسانا أبين من الصبح قال جعفر: ~~فقلت له: ما اسمك؟ # قال: ماهر، فقلت له: وما صنعتك؟ قال: الأدب والغناء والشعر وما شئت من ~~بعد، فسألته عن ثمنه، فقال: خمسمائة دينار للضرورة، قال: فأديت ثمنه، ~~وسألته أن يسمعني شيئا من غنائه، فأخذ العود وغنى: [الطويل] # حملتم جبال الحب فوقي وإنني ... لأعجز عن حمل القميص وأضعف # ظفرتم بكتمان اللسان فمن لكم ... بكتمان عين دمعها الدهر يذرف! # فأطربني غناؤه، وشجاني فأجزته، ووهبت له وخلعت عليه، وأمرته بمعادلتي. ~~فلما اجتزت منزل مولاه بمقدار ميل، أنشأ يقول: [الطويل] # وما كنت أخشى معبدا أن يبيعني ... بشيء ولو أضحت أنامله صفرا PageV03P031 # أخوهم ومولاهم وحامل سرهم ... ومن قد ثوى فيهم وعاشرهم دهرا # أشوقا ولما تمض لي غير ساعة ... فكيف إذا خب المطي بنا شهرا! # فقلت: يا غلام، أتعرف منزل مولاك من هاهنا؟ فقال: هيهات، وهل تخفي معالم ~~الصب! فقلت: اذهب فأنت حر لوجه الله تعالى، ووهبت له ألف دينار، فقال لي زميلي: # أمثل هذا يعتق؟ فقلت: أو مثله يملك! فولى وهو يقول: [البسيط] # لا يوجد الخبر إلا في معادنه ... والشر حيث طلبت الشر موجود # وحدث ابن عائشة قال: كان لرجل من قيس عيلان جارية، وكان بها معجبا، ولها ~~مكرما فأصابته حاجة وجهد، فقالت له: لو بعتني فإن نلت طائلا عدت به عليك، ~~فعرضها للبيع، فعرضت على عمر بن عبد الله بن معمر المذحجي، فأعجبته ~~فاشتراها بمائة ألف درهم، فلما مضت لتدخل القصر ودعت مولاها وأنشدته: ~~[الطويل] # هنيئا لك المال الذي قد أصبته ... ولم يبق في كفي إلا تفكري # أقول لنفسي وهي في كرب غشية ... أقلي فقد بان الحبيب أو اكثري # إذا لم ms0876 يكن للوصل عندك حيلة ... ولم تجدي بدا من الصبر فاصبري # فأجابها مولاها: [الطويل] # فلولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... لفرقتنا شيء سوى الموت فاعذري # أئوب بحزن من فراقك موجع ... أناجي به قلبا طويل التفكر # عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر # فقال ابن معمر: قد شئت، خذ بيدها فهي لك وثمنها. # *** # قال: فلما وعى الشيخ أبياته، وعقل مناغاته، تنفس الصعداء وبكى حتى أبكى ~~البعداء؛ ثم قال لي: إني أحل هذا الغلام محل ولدي، ولا أميزه عن أفلاذ ~~كبدي؛ ولولا خلو مراحي، وخبو مصباحي؛ لما درج عن عشي، إلى أن يشيع نعشي، ~~وقد رأيت ما نزل به من لوعة البين، والمؤمن هين لين، فهل لك في تسلية قلبه، ~~وتسرية كربه؛ بأن تعاهدني على الإقالة فيه متى استقلت؛ وألا تستثقلني إذا ~~ثقلت؛ ففي الآثار المنتقاة، المروية عن الثقات: من أقال نادما بيعته، أقاله ~~الله عثرته. # قال الحارث بن همام: فوعدته وعدا أبرزه الحياء، وفي القلب أشياء، فاستدني PageV03P032 # حينئذ الغلام إليه، وقبل ما بين عينيه، وأنشد والدمع يرفض من جفنيه: ~~[الرجز] # خفض فدتك النفس ما تلاقي ... من برحاء الوجد والإشفاق # فما تطول مدة الفراق ... ولا تني ركائب التلاقي # * بحسن عون القادر الخلاق* # *** # قوله: عقل مناغاته، أي فهم كلامه، والمناغاة تكليم الطفل بما يهوى ويفرح ~~به، فإذا ردد الصبي كلامك أو حاكاك فقد ناغاك. الصعداء: ارتفاع نفس ~~المهموم. أفلاذ: # قطع يريد أولاده، والفلذة: قطعة من الكبد، ولفرط الإشفاق به والمحبة في ~~الولد، يخاطبه أبواه بقلبي وكبدي. وقالوا: أولادنا أكبادنا، وقال الشاعر: ~~[الرجز] # وإنما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض # مراحي: موضع إبلي ودوابي، وكنى بخلو المراح عن الفقر وذهاب المال. درج: # مشى. لوعة البين: حرقة الفراق. هين لين، هما مع الازدواج مخففتان، فإن ~~أفردتا شددتا. قوله: لما درج عن عشي، يقول: لولا الفقر ما بعته ما دمت حيا. ~~وتسرية كربه: # إزالة همه. المنتقاة: المختارة. المدونة: المكتوبة المجموعة، والحديث ~~معروف من طريق أبي سريرة رضي الله تعالى عنه، عن ms0877 النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «من أقال نادما بيعته أقاله الله عثرته» (¬1)، أي عفا عن زلته ~~أبرزه: أظهره، ويريد بقوله: وفي القلب أشياء: أنه أضمر ألا يقيله أبدا ~~يرفض: يسقط متفرقا. خفض: سكن. برحاء: شدة. الوجد: الحزن الإشفاق: الخوف. ~~تني: تفتر. # *** # ثم قال له: أستودعك من هو نعم المولى. وشمر ذيله وولى. فلبث الغلام في ~~زفير وعويل، ريثما يقطع مدى ميل. فلما استفاق، وكفكف دمعه المهراق، قال: ~~أتدري لم أعولت وعلام عولت؟ فقلت: أظن فراق مولاك، هو الذي أبكاك فقال: إنك ~~لفي واد، وأنا في واد، ولكم بين مريد ومراد، ثم أنشد: [الرجز] # لم أبك والله على إلف نزح ... ولا على فوت نعيم وفرح # وإنما مدمع أجفاني سفح ... على غبي لحظه حين طمح # ورطه حتى تعنى وافتضح ... وضيع المنقوشة البيض الوضح PageV03P033 # ويك أما ناجتك هاتيك الملح ... بأنني حر وبيعي لم يبح # * إذ كان في يوسف معنى قد وضح* # *** # زفير: أنفاس مرتفعة. عويل: بكاء. ريث: قدر. مدى: غاية. والميل: قدر مد ~~البصر من الأرض، ويقال إنه ألف خطوة من خطا البعير، والفرسخ: ثلاثة أميال، ~~والبريد أربعة فراسخ. استفاق: استراح وخف ما يجده. كفكف: رد وأذهب. ~~المهراق: # المصبوب. أعولت: بكيت بصوت عال، وأعول إعوالا: صاح، ورفع صوته، وعولت على ~~كذا اتكلت عليه، وعلى الله معولي اتكالي، وقال الشاعر: [الطويل] # * وليس على ريب الزمان معول (¬1) * # كم بين مريد ومراد، يريد أنهما متقاربان في اللفظ، متباعدان في المعنى، ~~لأن المريد في الشيء المحب فيه، والمراد الشيء المطلوب، وهو المحبوب، فأنت ~~قد تريد الشيء فتمنعه، وغيرك قد يراد له فيأباه ولا يريده، فاللفظان ~~متضادان، فيقول: التبس عليك سر بكائي فظننت أنه علىفراق مولاي. فتفطن الآن ~~أنه على سخف عقلك، كما التبس اللفظان على غير ناقد، فإذا تفطن لهما تباعدا ~~عليه، والمريد عند أهل الإرادة المبتدي، والمراد المنتهى، فالمريد هو الذي ~~نصب للتعب والمقاساة، والمراد الذي لقي الأمر من غير مشقة، فهو مرفوق به ~~مرفه، وقيل: المريد متحمل والمراد: محمول. # الجنيد: المريد تتولاه سياسة ms0878 المعلم، والمراد تتولاه رعاية الحق، لأن ~~المريد يسير، والمراد يطير، فمتى يلحق السائر الطائر! القشيري: كل مريد في ~~الحقيقة مراد، لأنه إذا أراده الحق للخصوصية، وفقه للإرادة، ولكنهم فرقوا ~~بينهما. # قوله: إلف، أي صاحب. نزح: بعد سفح: جرى. غبي: جاهل لحظه: نظره. # طمح: ارتفع. ورطه: أنشبه، والورطة: أهوية تكون في رأس الجبل يشق على من ~~وقع فيها الخروج منها وتورطت الماشية: وقعت في الورطة، قال طفيل: [الطويل] # تهاب طريق الحق تحسب أنه ... وعور وراط وهو بيداء بلقع (¬2) PageV03P034 # وقيل: الورطة: الوحل تقع فيه الغنم، فلا يمكنها التخلص، ثم ضرب مثلا في ~~كل شدة يقع فيها الإنسان، وأورطت فلانا فتورط هو، أي وقع فيما يعسر التخلص منه. # أبو عمرو: الورطة الهلكة، قال الراجز: [الرجز] # إن تأت يوما مثل هذي الخطه ... تلاق من ضرب نمير ورطه (¬1) # قوله: تعنى، أي تعب. افتضح: اشتهر، والوضح: الشديدة البياض النقية، أي ~~ضيع الدراهم المنقوشة البيض، والوضح: البيان والضوء والغرة والفضة والدرهم ~~الصحيح، وقيل: إنه وصف الدراهم بالمصدر، كما قال: امرأة زور وكرم. ويك: ~~عجبا لك. وقوله: هاتيك، يقال للمذكر: ذا، وهو للقريب، وذاك لما هو أبعد، ~~وذلك لأبعد الثلاثة، وللمؤنث ذه وذي وذ، بلا ياء، وتا وتي وهي للقريبة، ~~وتيك للتي هي أبعد منه، وتلك وتالك لأبعدهن، وتدخل ها التنبيه على كل ما ~~ليس فيه لام، لأن اللام موضوعة للبعيد، وها موضوعة للقريب، فلا يجمع ~~بينهما، نحو هذا وهذاك وهاتا، وشاهده: # [الوافر] # * وليست دارنا هاتا بدار (¬2) * # وهذه وهذي وهذ وهاتيك، وشاهده قول ذي الرمة: [الطويل] # قد احتملت مي فهاتيك دارها ... بها السحم تردى والحمام المطوق (¬3) # قوله: لم يبح، أي لم يجعل مباحا. # أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة ~~أنا خصمهم، ومن كنت خصمه خصمته: رجل عاهد ثم غدر، ورجل باع حرا، ورجل ~~استأجر أجيرا فلم يوفه أجره» (¬4). وضح: تبين. # *** PageV03P035 # قال: فتمثلت مقاله في مرآة المداعب، ومعرض الملاعب، فتصلب تصلب المحق، ~~وتبرأ من طينة الرق. فجلنا في مخاصمة، واتصلت بملاكمة، ms0879 وأفضت إلي محاكمة: ~~فلما أوضحنا للقاضي الصورة، وتلونا عليه السورة، قال: ألا إن من أنذر، فقد ~~أعذر، ومن حذر كمن بشر. ومن بصر فما قصر؛ وإن فيما شرحتماه لدليلا على أن ~~هذا الغلام قد نبهك فما ارعويت، ونصح لك فما وعيت. فاستر داء بلهك واكتمه، ~~ولم نفسك ولا تلمه، وحذار من اعتلاقه، والطمع في استرقاقه، فإنه حر الأديم، ~~غير معرض للتقويم. # وقد كان أبوه أحضره أمس، قبيل أفول الشمس، واعترف بأنه فرعه الذي أنشأه، ~~وألا وارث سواه، فقلت للقاضي: أو تعرف أباه، أخزاه الله! فقال: وهل يجهل ~~أبو زيد الذي جرحه جبار، وعند كل قاض له أخبار وإخبار، فتحرقت حينئذ ~~وحولقت، وأفقت ولكن حين فات الوقت، وأيقنت أن لثامه كان شرك مكيدته، وبيت ~~قصيدته. فنكس طرفي ما لقيت، وآليت ألا أعامل ملثما ما بقيت. # *** # تمثلت: تصورت. المداعب: الممازح. والمعرض بفتح الميم: الموضع الذي تعرض ~~فيه الأشياء، والمعرض الثوب تعرض فيه الجارية. تصلب: تقوى، وهو «تفعل» من ~~الصلابة وهي الشدة. والأرض الصلبة: القوية. ولا أعلم أحدا خالف في هذه ~~الرواية إلا ابن ظفر فإنه رواه: «تصلت» بالتاء بنقطتين، وفسره بتجرد وجد، ~~وكل جاد مجاهد مسرع في أمره: فهو متصلت فيه، فذكروا أنه تصحف عليه اللفظ، ~~فشرحه على تصحيفه. المحق: صاحب الحق. الرق: العبودية: وذكر الطينة لأنها ~~أصل الخلق. وتبرأ منها، تباعد. جلنا: تصرفنا. ملاكمة: مدافعة ومضاربة، ~~واللكم: الضرب بجمع الكف. أفضت: اتصلت. أوضحنا: بينا. الصورة: القصة. # تلونا: قرأنا وذكرناها له. أنذر: أعلم. أعذر: أتى بعذر، ويقال: قد أعذر ~~من أنذر، أي قد بلغ أقصى العذر من أنذرك، وعذر الرجل فهو معذر، إذا اعتذر ~~ولم يأت بعذر. ومنه قوله تعالى: وجاء المعذرون من الأعراب [التوبة: 90] ~~ارعويت: # رجعت عن جهلك وانكففت. بلهك، غفلتك وجهلك. حذار، أي احذر أن تتعلق به. ~~استرقاقه: تملكه وتعبده، ومنه قولهم: سوق الرقيق، ومنه سمي العبد رقيقا، ~~لأنهم يرقون لمالكهم ويخضعون له ويذلون: والأديم: الجلد. للتقويم: لمعرفة ~~قيمته. أفول: غروب. أنشأه: أحدثه وولده. جبار: باطل. إخبار: إعلام. وأخبار: # جمع ms0880 خبر، وأخبره: أعلمه. تحرقت: عضضت أسناني حتى صوتت من شدة الغيظ. PageV03P036 # حولقت: قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله. أفقت: انتبهت، وأنشد الفنجديهي في ~~معنى هذا: [السريع] # يفتضح الجاهل لكنه ... من بعد ما غربه الناصح # ويصلح ابن السوء لكنه ... من بعد ما مات الأب الصالح # قوله: وأيقنت أن لثامه كان شرك مكيدته، أي شبكة حيلته. وبيت القصيدة: ~~أحسن بيت فيها، فأراد أن حيلته كانت لثامه، نكس طرفي: أي كسر عيني، وأمال نظري. # *** # ولم أزل أتأوه لخسر صفقتي، وافتضاحي بين رفقتي. فقال لي القاضي، حين رأى ~~امتعاضي، وتبين حرار تماضي: يا هذا، ما ذهب من مالكما وعظك، ولا أجرم إليك ~~من أيقظك. فاتعظ بما نابك، وكاتم أصحابك ما أصابك؛ وتذكر أبدا ما دهمك، ~~لتقي الذكرى دراهمك، وتخلق بتخلق من ابتلي فصبر، وتجلت له العبر فاعتبر. # قال الحارث بن همام: فودعته لا بسا ثوب الخجل والحزن، ساحبا ذيلي الغبن ~~والغبن، ونويت مكاشفة أبي زيد بالهجر، ومصارمته يد الدهر. فجعلت أتنكب عن ~~ذراه، وأتجنب أن أراه؛ إلى أن غشيني في طريق ضيق، فحياني تحية شيق، فما زدت ~~على أن عبست وما نبست، فقال لي: ما بالك شمخت بأنفك على إلفك! فقلت: أنسيت ~~أنك احتلت وختلت، وفعلت فعلتك التي فعلت! فأضرط بي متهازيا، ثم أنشد ~~متلافيا: # *** # أتأوه: أتوجع. رفقتي: أصحابي، امتعاضي: توجعي. ارتماضي: حرقة قلبي من شدة ~~الهم، ولا يكون الممتعض كاظما، فلا بد من ظهور الكرب عليه، وأمر ممعض وما ~~عض، أي ممض كارب. # قوله: ما ذهب من مالك ما وعظك، هو مثل، ومعناه إذا ذهب من مالك شيء حذرك ~~أن يحل بك مثله، فتأديبه إياك عوض من ذهابه، أجرم: أذنب. نابك: نزل بك. # دهمك: غشيك. تجلت: ظهرت. العبر: العلامات المخوفة، واعتبرت بالشيء إذا ~~اتعظت به، الخجل: الحياء. ساحبا: جارا. الغبن: بسكون الباء في البيع، ~~وبفتحها في الرأي، يريد أنه غبن في رأيه وبيعه، قال في الدرة: الغبن بإسكان ~~الباء في المال، وبفتحها في الرأي والعقل. نويت: أضمرت. مصارمته: مقاطعته، ~~وصرمت فلانا: PageV03P037 # قطعت ms0881 ما بيني وبينه من المودة، والصرم: القطع، وقيل لليل: صريم، لانقطاعه ~~عن النهار، وهو في تأويل مصروم أي مقطوع، وكذلك الصريم من الرمل، وهو الذي ~~انقطع من معظمه. # يد الدهر: أي أبد الدهر. # أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل ~~للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام والسابق السابق إلى الجنة» (¬1). ذراه: ~~جهته. غشيني: قصدني وأتاني على غفلة. شيق: شديد الحب، ما نبست: ما تكلمت، ~~شمخت: رفعت أنفك كبرا، وشمخ: # تكبر. ختلت: خدعت، وخاتل في معنى ختل، وأصل المخاتلة المشي للصيد قليلا ~~قليلا خفية لئلا يسمع حسك، ثم جعلت مثلا لكل شيء وري به وستر على صاحبه، ~~متلافيا: # متداركا للألفة. [مجزوء الكامل] # *** # يا من بدا منه صدو ... د موحش وتجهم # وغدا يريش ملاوما ... من دونهن الأسهم # ويقول: هل حر يبا ... ع كما يباع الأدهم # أقصر فما أنا فيه بد ... عا مثل ما تتوهم # قد باعت الأسباط قب ... لي يوسفا وهم هم # هذا وأقسم بالتي ... يسري إليها المتهم # والطائفين بها وهم ... شعث النواصي سهم # ما قمت ذاك الموقف ال ... مخزي وعندي درهم # فاعذر أخاك وكف عن ... ه ملام من لا يفهم # *** # تجهم: عبوس. ملاوما: جمع ملام أو ملاومة، وهي اللوم والعتاب، يريد أن ~~لومه أنفذ من السهام. الأدهم، قيل: أراد به الفرس وقصد لونه للقافية، وقيل: ~~أراد العبد الأسود. بدعا، أي أولا أي ما أنا أول من فعل ذلك. الأسباط: إخوة ~~يوسف عليه السلام. وهم هم: أي وهم أنبياء لم يتغيروا عن مراتبهم، ويقال: هو ~~هو، أي هو كما عهدته لم يتغير. PageV03P038 ### || AUTO [يوسف بن يعقوب عليه السلام] # وقد جرى ذكر يعقوب والأسباط في المقامات في مواضع، وبنى هذه المقامة على ~~ذكر يوسف وجماله وبيع إخوته إياه، ونريد أن نلم بطرف من أخبارهم على شرط ~~الكتاب. # ذكر أهل الأخبار أن يعقوب- وهو إسرائيل عليه السلام- تزوج بنت خاله ليا ~~بنت ليان بن بتويل، فولدت له روبيل وشمعون ولاوي ويهوذا وغيرهم، ثم توفيت ~~وخلف على أختها ms0882 راحيل، فولدت له يوسف وبنيامين، وكان يوسف وأمه قد قسم لهما ~~من الحسن شطره، فكفلت يوسف عمته، وكانت أكبر ولد إسحاق، وكانت عندها منطقة ~~لإسحاق يتوارثونها على قدر أسنانهم. فلما ترعرع يوسف أراد يعقوب أخذه منها، ~~وقال لها: والله لا أقدر على الصبر عنه، فقالت له: والله لا أقدر على صرفه ~~إليك، فلما رأت عزمه على أخذه، حزمت المنطقة تحت ثياب يوسف وهو نائم، ثم ~~ادعت فقدها فطلب فوجدت عنده، وكان من سنتهم أن من سرق شيئا أخذ فيه، فتركه ~~لها حتى ماتت. فلما رجع إلى أبيه شغل به عن سائر بنيه، فحسدوه، فسألوا ~~أباهم إرساله معهم للنزهة، بعد أن ضمنوا حفظه، فأخرجوه إلى البرية، وأخذوا ~~يضربونه، وكلما ضربه واحد استغاث بآخر، فيضربه الآخر. فلما كادوا يقتلونه ~~منعهم يهوذا، وذكرهم بما ضمنوا لأبيه من حفظه، فانطلقوا فأدلوه في الجب، ~~وهو يقول: يا أباه لو تعلم ما يصنع بابنك بنو الآباء! وكان بعض إخوته لأمه، ~~فجعل يتعلق بشفير الجب، فربطوا يديه، وألقوه فيه، فقالوا له: # ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا ينجوك، ثم أرادوا أن يرضخوه بصخرة، ~~فمنعهم يهوذا، وكان يأتيه بالطعام خفية منهم. ثم مرت سيارة فأدلى واردهم ~~دلوه فتعلق به، فلما رآه بشر به السيارة. وقال السدي: إن الذي أخرجه إنما ~~دعا صاحبا له اسمه بشرى، فأتى إخوته الذين أخرجوه وقالوا: إنه عبد لنا، ~~فباعوه منهم بعشرين درهما على أن يخرجوه من أرض الشأم، فشرطوا لإخوته أن ~~يغربوه، ويذهبوا به إلى مصر، فحينئذ رجعوا إلى أبيهم عشاء يبكون. # فهذه قصة بيع الأسباط يوسف على اختصار. # ثم إنه لما بلغ مصر من العزيز، وكان فرعون- وهو الريان بن الوليد- قد ~~ولاه خزائنها، فكان من قصته مع امرأة العزيز ومن حبها فيه ومن دعائها إياه ~~لنفسها، ومن تأبيه من ذلك واستنزالها إياه؛ حتى هم بها، ورؤيته برهان ربه- ~~وهو رؤيته صورة يعقوب يعض على إصبعه، وقيل: إنه رأى في الحائط مكتوبا: «ولا ~~تقربوا الزنا» ومبادرته الباب فارا منها، وقدها قميصه من دبر، ووجوده ~~العزيز ms0883 على باب الدار جالسا مع ابن عم له، وهو الشاهد من أهلها- وقيل: إنه ~~كان صبيا في المهد- واشتهار أمرهما بمصر، حتى تحدثت به نسوة في المدينة، ~~وقلن: امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه، وإحضارها لهن وإعدادها لهن ما ~~يتكئن عليه- PageV03P039 # وقيل: المتكأ الأترج- وأمرها له أن يخرج عليهن، وإعظامهن إياه حتى شغلن ~~به عن أنفسهن، وقطعن أيديهن وقلن: حاش لله ما هذا بشرا، تنزيها له عن أن ~~يأتي- مثله ريبة، فكان من هذا الخبر ما قص الله في القرآن ونطقت به ~~التفاسير والأخبار. # ثم إن امرأة العزيز قالت للعزيز: إن عبدك فضحني في الناس فإما سجنته، ~~وإما برزت للناس أعتذر عن نفسي، فحبسه، فدخل معه رجلان أحدهما خباز الملك ~~والآخر نديمه. وكان لما بلغ الحلم آتاه الله حكما وعلما من العبارة، فكان ~~في السجن يفسر الرؤيا للمسجونين، ويمرض مرضاهم، ويوسع على من ضاق عليه ~~مكانه، فقال أحد الفتيين لصاحبه: هلم نجرب هذا العبد، فسألاه من غير أن ~~يريا شيئا، وقالا له: إنا نراك من المحسنين في معاشرتك أهل السجن، فقال ~~لهما: أما أحدكما فينادم الملك، وأما الآخر فيصلب، فقالا له: ما رأينا ~~شيئا، فقال لهما: قضي الأمر فيكما، ثم قال للذي ظن أنه ناج منهما: اذكرني ~~عند ربك. وأخبره أني محبوس ظلما، فأوحى الله تعالى إليه: إن اتخذت من دوني ~~وكيلا لأطيلن سجنك، فعوقب بالسجن حيث هم بامرأة العزيز، وبإطالته حيث اتكل ~~في أمره على غير ربه. # ثم كان من رؤيا الملك وجهل أهل دولته وتفسير يوسف لها، وقول الملك: ~~ائتوني به وتأبيه الخروج حتى يسأل النسوة عن شأنه وشهادتهن عند الملك ~~بتبرئته واعتراف امرأة العزيز بأنها راودته، وقوله في العزيز: ليعلم أني لم ~~أخنه بالغيب [يوسف: 52]. # ويقال إن جبريل قال له عند ذلك: ولا يوم هممت بما هممت به! فقال: وما ~~أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي [يوسف: 53] الآية. ~~واستخلاص الملك إياه لنفسه، وجعله على خزائن أرضه؛ ما اشتهر قرآنا وتفسيرا. ~~ويقال إن العزيز مات في تلك المدة، وإن ms0884 يوسف تزوجها، وقال لها: أليس هذا ~~خيرا؟ فقالت: لا تلمني، كنت امرأة حسناء في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي ~~النساء، وكنت كما جعلك الله في حسنك، فغلبتني نفسي على ما رأيت. # فيزعمون أنه وجدها عذراء، وأنها ولدت له ابنين. # ثم أجدبت الأرض، فأتاه إخوته منتجعين، فكان من أمره معهم، وإحسانه إليهم ~~في الكيل. وطلبه لهم أن يأتوه بشقيقه بنيامين، ورجوعهم موقرين، ورغبته ~~إياهم في إرساله معهم، وأخذه بسرقة الصواع وتأذيهم بذلك، ورجوعهم إلى أبيهم ~~وتوالى الحزن على يعقوب بفقد ابنيه، وأمره لبنيه أن يرجعوا طالبين ليوسف ~~وأخيه، ودخولهم على يوسف أذلاء صاغرين، وتعريفه إياهم بمكانه، وبعثه ~~بالقميص إلى أبيه، وجمع شملهم بعد طول مدة الفراق ما نص الله تعالى أنه ~~عبرة لأولي الألباب، ولولا أن الأمر في كتب التفسير أشهر من أن يجهل، ~~لفسرناه فصلا فصلا. # *** PageV03P040 # قوله: أقسم بالتي يسري إليها المتهم- يعني مكة- والمتهم الآتي تهامة، ~~وتهامة اسم مكة، وقال: الأصمعي: سمعت العرب تقول: إذا انحدرت من ذات عرق ~~فقد اتهمت، شعث سهم: أي متغيرة ألوانهم وشعورهم. # قوله: اعذر أخاك، قال زيد بن علي: ثلاثة لا يجتمعن إلا في كريم: حسن ~~المحضر، واحتمال زلات الإخوان، وقلة الملالة للصديق. # *** # ثم قال: أما معذرتي فقد لاحت، وأما دراهمك فقد طاحت؛ فإن كان اقشعرارك ~~مني، وازورارك عني، لفرط شفقتك على غبر نفقتك. فلست ممن يلسع مرتين، ويوطئ ~~على جمرتين، وإن كنت طويت كشحك، وأطعت شحك. # لتستنقذ ما علق بأشراكي، فلتبك على عقلك البواكي. # قال الحارث بن همام: فاضطرني بلفظه الغالب، وسحره الغاب، إلى أن عدت له ~~صفيا، وبه خفيا، ونبذت فعلته ظهريا، وإن كانت شيئا فريا. لاحت: ظهرت. طاحت: # هلكت اقشعرارك: انقباضك. والقشعريرة: رعدة وانقباض. ازورارك: انقباضك ~~وميلك، لفرط شفقتك، لكثرة خوفك، غبر نفقتك: أي تخاف على ما بقي من نفقتك ~~وإن أخذها. يوطئ، أي يجعل غيره يطأ الجمر، أي لا أضر مرتين، والكشح: الخصر، ~~وقيل: الجنب. وقيل: هو اسم لما بين الأضلاع، ورأس الورك، وكلها متقاربة، ~~وطوى كشحه على أمر، واستمر عليه، ms0885 وطوى كشحه، مثل يضرب للمجانبة والمكاتمة، ~~قال الشاعر: [الوافر] # طوى كشحا خليلك والجناحا ... لبين منك ثم غدا وراحا (¬1) # والشح: البخل مع الحرص، واضطرني: ألجأني، الخالب: الخادع، صفيا: # صاحبا مخلصا. حفيا: معينا، كريما: مكرما، نبذت: رميت وطرحت ظهريا. أي خلف ~~ظهري، واتخذ ظهريا، أي عدة يستظهر بها، أي يجعلها خلف ظهره حتى متى احتاجها ~~استعملها فريا: عجبا ومنكرا، والفري: الأمر العظيم، والفري الكذب. # ومما جاء في الشعر على أخبار يوسف عليه السلام. # قال ابن الزقاق: [الكامل] # بأبي وغير أبي أغن مهفهف ... مهضوم ما خلف الوشاح خميصه # لبس الفؤاد فمزقته جفونه ... فأتى كيوسف حين قد قميصه PageV03P041 # وقال أيضا: [مجزوء الرجز] # وسافر عن قمر ... مبتسم عن درر # لو لاح للحور وقد ... سل حسام الحور # لقد منه شغفا ... قميصه من دبر # ومن الملح في ذلك قول ابن حجاج في بختيار: [المنسرح] # فديت وجه الأمير من قمر ... يجلو القذى نوره عن البصر # إن زليخا لو أبصرتك لما ... ملت إلى الحشر لذة النظر # بل وحياتي لو كنت يوسفها ... لم تك من تهمة العزيز بري # فإنني عالم بأنك لو ... شممت ريا نسيمها العطر # سبقتها واندلقت تتبعها ... من بين تلك البيوت والحجر # ولم تزل بالكدين تنقرها ... من قبل وقت العشا إلى السحر # طبعك كالماء في سهولته ... لكن أبو الزبر قان من حجر # إن الملوك الشباب ما خلقوا ... إلا صلاب الفياش والكمر # وقال آخر: [البسيط] # قميص يوسف لما قد من دبر ... كانت براءته فيه من كذب # وفي قميصك لما قد من دبر ... مما يدل على الفحشاء والريب # وقال آخر في الحسن بن وهب: [البسيط] # إذا لقيت نبي وهب بمنزلة ... لم تدر أيهما الأنثى من الذكر # مؤدبون على الفحشاء من صغر ... مدربون على النكراء من كبر # قميص أنثاهم ينشق من قبل ... وقميص ذكرانهم تنقد من دبر # محنكون ولم تقطع سرائرهم ... بين الحواضن والدايات بالكمر PageV03P042 ### | AUTO المقامة الخامسة والثلاثون وتعرف بالشيرازية # حكى الحارث بن همام قال: مررت في تطوافي بشيراز، على ناد يستوقف المجتاز، ~~ولو كان على أوفاز؛ فلم أستطع تعديه، ms0886 ولا خطت قدمي في تخطيه؛ فعجت إليه ~~لأسبك سر جوهره؛ وأنظر كيف ثمره من زهره، فإذا أهله أفراد، والعائج إليهم ~~مفاد. وبينما نحن في فكاهة أطرب من الأغاريد، وأطيب من حلب العناقيد، إذ ~~احتف بنا ذو طمرين، قد كاد يناهز العمرين، فحيا بلسان طليق، وأبان إبانه ~~منطيق ثم احتبى حبوة المنتدين، وقال: اللهم اجعلنا من المهتدين. فازدراه ~~القوم لطمريه، ونسوا أن المرء بأصغريه. # *** # التطواف: مصدر طوفت حول الشيء، إذا أكثرت المشي حوله. وقد طفت به وأطفت، ~~وإذا درت وأكثرت ذلك قلت: طوفت. # وشيراز: مدينة فارس العظمى، وهي مدينة جليلة عظيمة، ينزلها الولاة ولها ~~سعة حتى إنه ليس فيها منزل، إلا وفيه لصاحبه بستان فيه جميع الثمار ~~والرياحين والبقول، وكل ما يكون في البساتين. وشرب أهلها من عيون تجري في ~~أنهار تأتي من جبال يسقط عليها الثلج. # قوله: ناد: مجلس. يستوقف: يحبس ويجعله يقف. المجتاز: خاطر الطريق المار عليه. # أو فاز: انحفاز وعجلة، ومنه قولهم: قعد مستوفزا، معناه قعد على وفز من ~~الأرض، والأوفاز: جمع وفز وهو ألا يطمئن في قعود. قال الجوهري رحمه الله تعالى: # تقول نحن على أوفاز، ولا تقول على وفز، ومعناه ألا تلقاه معدا. # الأزهري: الوفزة: الوثبة بعجلة، وقعد مستوفزا، إذا رفع أليتيه ووضع ~~ركبتيه ولم يطمئن. # تعديه: تخطيه وجوازه. وخطت: مشت، عجت: ملت. أسبك. أجرب سر PageV03P043 # جوهره: أراد باطن أهله إذ كانوا في الظاهر ذوي مناظر، فأراد أن يعرف: هل ~~هم أهل علوم وآداب، . حتى يكملوا في الظاهر والباطن، أم أمرهم على خلاف ~~ذلك، وبين ذلك بقوله: كيف ثمره من زهره، فكنى بالزهر عن ظاهرهم، وبالثمر عن ~~سرهم الباطن، وسر كل شيء: باطنه وخالصه، وقال المعري: [البسيط] # فلا يغرنك بشر من سواه بدا ... ولو أنار، فكم نور بلا ثمر (¬1) # قوله: أفراد، أي كبراء لا نظير لهم، فمن مال إليهم استفاد، وأفراد: نجوم ~~الدراري، والعائج: المائل. فكاهة: حديث مطرب. الأغاريد: أصوت الطير، ~~ويطلقون على ما كان فيه حنان ورقة منها اسم التغريد والغناء، إلا الحمام ~~فإنهم يسمون ms0887 أصواتها غناء وتغريدا وبكاء ونياحا، ويأخذونه من حال السامع ~~لها، وقرئ على أبي الحسن بن السراج قول سويد بن الأعلم: [الوافر] # لقد تركت فؤادك مستجنا ... مطوقة على فنن تغنى # يميل بها وتركبه بلحن ... إذا ما عن للمحزون أنا # فقال: إنما تكون أصوات الحمام على ما في نفس المستمع، فإذا سمعها من يطرب ~~سماها غناء، وإذا سمعها من يحزن سماها بكاء. # وقال ابن قاضي ميلة مصدقا لما قاله ابن السراج: [الوافر] # لقد عرض الحمام لنا بسجع ... إذا أصغى له ركب تلاحى # شجا القلب الخلي فقال غنى ... وبرح بالشجي فقال ناحا # وسبقه المعري بقوله: [الوافر] # بأرض للحمامة أن تغنى ... بها ولمن تأسف أن تنوحا (¬2) # وقد قدمنا في شرح الصدر فصلا للحمام، وما أحسن قول البحتري: [البسيط] # حيتك عنا شمال طاف طائفها ... في جنة نفحت روحا وريحانا # غنت سحيرا فناجى الغصن صاحبه ... سرابها، وتداعى الطير إعلانا # ورق تغنى على غصن مهدلة ... تسمو بها وتمس الأرض أحيانا # تخال طائرها نشوان من طرب ... والغصن من هزة عطفيه نشوانا # وهذا ديباجة أبي عبادة. وحلب العناقيد: الخمر. احتف: انتظم. طمرين، أي ~~ثوبين خلقين، يناهز: يقارب. العمرين: ثمانين سنة، وذلك أن الإنسان من ~~الشبيبة إلى PageV03P044 # الأربعين في نماء وزيادة وقوة، ومن الأربعين إلى الثمانين في نقص، ~~فالبالغ الثمانين قد استوفى عمري الزيادة والنقص، وسئل ذو الرمة عن سنه، ~~فقال: بلغت نصف عمر الهرم أربعين سنة، وقيل: العمر ستون سنة، لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين» (¬1). # ومن حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«من أتت عليه ستون سنة فقد أعذر الله إليه» (¬2). فالعمران على هذا مائة ~~وعشرون سنة، والحكماء يزعمون أنه منتهى ما يبلغ عمر ابن آدم، والأظهر من ~~سياق المقامة أنه أراد الأول، لأن من قارب مائة وعشرين سنة لا يلتذ بخمر ~~ولا بغيره وهو يزعم في المقامة أنه يحاول شربها الغناء وغير ذلك. # قوله: أبان: بين. منطيق: فصيح، اجتبى حبوتهم، أي جلس مثل جلوسهم ~~المنتدين: ms0888 أهل المجلس. ازدراه: احتقره. # أصغريه: قلبه ولسانه، وقيل لهما الأصغران لصغر حجمهما من بين الأعضاء ~~لفضلهما وشرفهما على الأعضاء، قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: ~~ولكني مدرب الأصغرين، ولجلبهما القيام والكمال، كأنه قال: المرء يقوم أموره ~~بلسانه وقلبه، ويكمل المرء بهما، قال الأصمعي رحمه الله تعالى: كان ضمرة بن ~~أبي ضمرة قصيرا، وكان يقول: المرء بأصغريه، بقلبه ولسانه. # *** # وأخذوا يتداعون فصل الخطاب، ويعتدون عوده من الاحطاب، وهو لا يفيض بكلمة، ~~ولا يبين عن سمة، إلى أن سبر قرائحهم، وخبر شمائلهم وراجحهم. فحين استخرج ~~دفائنهم، واستنثل كنائنهم، قال: يا قوم لو علمتم أن وراء الفدام، صفو ~~المدام، لما احتقرتم ذا أخلاق، وقلتم ما له من خلاق، ثم فجر من ينابيع ~~الأدب، والنكت النخب، ما جلب به بدائع العجب، واستوجب أن يكتب بذوب الذهب، ~~فلما خلب كل خلب، وقلب إليه كل قلب، تحلحل، ليرحل، وتأهب، ليذهب، فعلقت ~~الجماعة بذيله، وعاقت مسرب سيله، وقالت له: قد أريتنا وسم قدحك، فخبرنا عن ~~قيضك ومحك، فصمت صموت من أفحم، ثم أعول حتى رحم. PageV03P045 # قال الراوي: فلما رأيت شوب أبي زيد وروبه، وأسلوبه المألوف وصوبه، تأملت ~~الشيخ على سهومة محياه، وسهوكة رياه، فإذا هو إياه. # *** # يتداعون: يدعو بعضهم بعضا إلى ذكر الفصاحة، والأشبه أن يكون من الأدعية؛ ~~وهي الأحجية والأغلوطة، كأنهم يتحاجون. وفصل الخطاب، كناية عن الفصاحة، ~~يعتدون: يحسبون، الأحطاب: جمع حطب، ولا يقال للعود حطب حتى يجف ماؤه وييبس، ~~فأراد أنهم حسبوا أبا زيد من جنس الحطب لا نضارة فيه، كأنه لا علم عنده، ~~وقال الشاعر: [الطويل] # إذا العود لم يثمر وإن كان شعبة ... من المثمرات اعتده الناس للحطب # يفيض: يتكلم ويندفع في القول، وفاض لسانه وأفاض، أي أبان. يبين: يبين. # سمة: علامة. سبر: قاس وجرب. قرائحهم: أذهانهم. خبر: جرب، شائلهم: # ناقصهم. راجحهم: وافيهم، والشائل من الدراهم: الناقص الذي يشول به ~~الميزان أي يرتفع، والراجح ضده. وقال في الدرة: الشائل: المرتفع، وأنشد: ~~[السريع] # يا قوم من يعذر في عجرد ... القاتل المرء على ms0889 الدانق # لما رأى ميزانه شائلا ... وجاه بين الأذن والعاتق # استنثل كنائنهم: استخرج ما عندهم، والكنانة: جعبة السهام. الفدام: خرقة ~~تجعل على فم الإبريق ليصفو الخمر بها، أخلاق: ثياب بالية. خلاق: نصيب وافر ~~من الخير. # ينابيع: مخارج الماء من العيون. النكت: المعاني الغامضة، والنكتة: نقطة ~~في شيء تخالف لونه، فإذا كانت في الكلام فهي عيونه، النخب: المختارة، ~~بدائع: غرائب، ذوب الذهب: ما ذاب منه، ولو أنشدهم شعرا يوافق مجلسهم لم يكن ~~إلا أبيات الناشئ: # [البسيط] # كأنهم في صدور الناس أفئدة ... تحس ما أخطروا فيها وما اعتمدوا # يبدون للناس ما تخفي ضمائرهم ... كأنهم وجدوا منها الذي وجدوا # دلوا على باطن الدنيا بظاهرها ... وعلم ما غاب عنهم بالذي شهدوا # مطالع الحق ما من شبهة غسقت ... إلا ومنهم لديها كوكب يقد # أو أبيات ابن شهيد حيث قال: [مخلع البسيط] # وفتية كالنجوم حسنا ... كلهم شاعر نبيل # متقد الجانبين ماض ... كأنه الصارم الصقيل # راموا انصرامي عن المعالي ... والقرب من دونها كليل PageV03P046 # فاشتد في إثرها مسح ... كل كثير به قليل # في مجلس شأنه التصافي ... تطيش في وصفه العقول # قوله: خلب، أي خدع. والخلب: الحجاب الذي بين سواد القلب وسواد البطن. # تحلحل: تحرك، وأصله للبعير إذا حركته للقيام تقول له: حل حل. عاقت: منعت ~~وحبست. مسرب: طريق مسيل الماء، وسرب يسرب سروبا: مضى على وجهه في سفر بعيد، ~~وسرب الماء يسرب سربا ومسربا فهو سرب: سال، والمعنى منعته المشي، وسم قدحك: ~~علامة سهمك، والقدح السهم قبل أن يراش ويركب نصله. وأرويتنا من نضحك، أي ~~أسقيتنا من بللك، والنضح: الرش الخفيف: قيضك ومحك، أي ظاهرك وباطنك، لأن ~~القيض قشرة البيضة العليا وقلبها الأصفر هو المح، بحاء غير منقوطة. # الفنجديهي: عن قيضك ومحك أي عن نسبك وبلدك. صمت: سكت. أفحم: # غلب وقطع عن الكلام. أعول: بكى. وشوب أبي زيد ورويه، أي تخليطه في حيله، ~~والشوب: الخلط، تقول: شبت الماء باللبن، أي خلطتهما والروب: اتخاذ الرائب، ~~والشوب: اللبن الممزوج بالماء هنا، والروب: الخالص. ويقال: ما عنده شوب ولا ~~روب، أي لا ms0890 مرق ولا لبن، وقيل: الشوب، العسل، والروب اللبن: وفلان يشوب ~~ويروب، أي يخلط ويصفي، وأصله يريب، قلبت «يروب» طلبا للازدواج، يضرب مثلا ~~لمن يخلط في القول والعمل والشوب والروب جميعا: الخلط، وراب الرجل روبا: # اختلط عقله ورأيه. أسلوبه: طريقه. المألوف. الملتزم. صوبه: قصده وجانبه ~~وصوابه. # سهومة محياه: تغير وجهه، سهوكة رياه: نتن رائحته من النحر وغيره. وقوله: ~~فإذا هو إياه: استعمل إياه، وهو ضمير ومنصوب في موضع الرفع، وهو غير جائز ~~عند سيبويه، وجوزه الكسائي في مسألة مشهورة جرت بينهما. ### || AUTO [مسألة نحوية] # قال الفنجديهي: سألت شيخنا العلامة إمام النحاة جمال العلماء، أبا محمد ~~عبد الوهاب بن بري بن عبد الجبار المقدسي عن شرحها، فقال أيده الله: سألت ~~شرح الله صدرك، وأعلى في منازل الشرف قدرك، عن المسألة التي جرت بين سيبويه ~~والكسائي، وهي قوله: «كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو ~~«إياها».، وسألت عن وجه النصب في «إياها» عند من أجاز ذلك، فاعلم أن مذهب ~~النحويين البصريين في مثل هذه المسألة أن يكون ما بعد إذا مرفوعا بالابتداء ~~والخبر، فيقال: فإذا هو هي، على حد ما في الكتاب العزيز: فإذا هي بيضاء ~~للناظرين [الأعراف: 108]. وقوله: فإذا هي ثعبان مبين [الشعراء: 32]. فإذا ~~هنا ظرف مكان وليست كالزمانية، وسأفرق بينهما، وتقديرها في نحو: خرجت فإذا ~~زيد قائم: خرجت فبالحضرة زيد قائم، والعامل في إذا، قائم، وإن شئت نصبت ~~قائما على الحال، وجعلت الخبر في إذا، كما تقول: خرجت PageV03P047 # فإذا زيد قائم فالقائم بالرفع على الخبر والنصب على الحال، ومذهب ~~الكوفيين في الحال أن تكون نكرة ومعرفة، ومن هنا منع سيبويه من إياها في ~~المسألة، ، لأن المضمر لا يقع حالا لتعريفه وعدم الاشتقاق فيه، والحال تكون ~~نكرة مشتقة، والكوفيون يجيزون والنصب على معنى: خرجت فإذا زيد قائما. ~~والأقرب عندي أن يريدوا فإذا هو موجود إياها، فحذف الخبر وهو موجود لدلالة ~~الكلام عليه، ومثل هذا عندهم: لئن ضربته ليضربنه السيد الشريف، فينصبون ~~السيد بإضمار، فإذا حملته على هذا تخرج. # وحكي ms0891 عن أبي زيد أنه سمع هذه المسألة من العرب، بنصب «إياها»، فإذا صح ~~أنه سمعها فهذا وجه، ويجوز في قياس قولهم: أن يكون على إسقاط الكاف، وهم ~~يروون في الخبر: «ذكاء الجنين ذكاة أمه» (¬1)، بنصب «ذكاة» يقدرون كذكاة ~~أمه، فتقديرها فإذا هوكها، أي فإذا الزنبور كالعقرب، وهميجيزون إدخال الكاف ~~على الضمير، وسيبويه يمنعه إلا في الشعر كقول العجاج: [الرجز] # وأم أو عال كها أو أقربا (¬2) # وقال رؤبة: [الرجز] # فلا أرى بعلا ولا حلائلا ... كهو ولا كهن إلا حاظلا (¬3) # وأجاز بعض النحويين أن يكون «إياها» كناية عن الجملة، التقدير: فإذا هو ~~لسعته كلسعتها، فكنى عن الجملة بقوله: «إياها» وينصب على الحال، لأنها ~~كناية عن الجملة، وهي نكرة فتصير في حكم النكرة، كما صارت الهاء في: ربه ~~رجلا نكرة في المعنى، لكونها كناية عن نكرة، ولذا دخلت «رب» عليها، وهي لا ~~تدخل إلا على نكرة، فهذا ما PageV03P048 # يقتضيه وجه النصب في «إياها» على ما ذكره الكوفيون، والفرق بين إذا ~~الزمانية والمكانية من أوجه: # أحدها أن الزمانية تقتضي الجملة الفعلية لما فيها من معنى الشرط، ~~والمكانية تقع بعدها الجملة الابتدائية أو المبتدأ وحده. # والثاني: أن الزمانية تقتضي جوابا والمكانية لا تقتضيه. # والثالث: أن الزمانية مضافة إلى الجملة التي بعدها، والمكانية ليست مضافة ~~إلى ما بعدها، بدليل خرجت فإذا زيد فزيد مبتدأ وإذا خبره. # والرابع: أن الزمانية تكون في صدر الكلام، نحو إذا جاء زيد فأكرمه، ~~والمكانية لا يبتدأ بها إلا أن تكون جوابا للشرط، كالفاء في قوله: وإن ~~تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون [الروم: 36]. # والخامس: أن الزمانية تقتضي الاستقبال والمكانية تقتضي معنى الحضور، ~~لأنها للمفاجأة والمفاجأة للحاضر دون المستقبل. # انقضى الكلام عليهما على جهة الاختصار. # *** # فكتمت سره كما يكتم الداء الدخيل، وسترت مكره وإن لم يكن يخيل؛ حتى إذا ~~نزع عن إعواله، وقد عرف عثوري على حاله، رمقني بعين مضحاك، ثم طفق ينشد ~~بلسان متباك. [الرجز] # أستغفر الله وأعنو له ... من فرطات أثقلت ظهريه # يا قوم كم من عاتق عانس ms0892 ... ممدوحة الأوصاف في الأنديه # قتلتها لا أتقي وارثا ... يطلب مني قودا أو ديه # وكل ما استذنبت في قتلها ... أحلت بالذنب على الأقضيه # ولم تزل نفسي في غيها ... وقتلها الأبكار مستشريه # وقوله: الداء الدخيل، وهو الذي لا يتكلم به استقباحا أو لمحله، يخيل: ~~يشتبه ويشكل، وخال يخيل: اشتبه. نزع: كف، إعواله: بكائه. عثوري: اطلاعي. رمقني: # نظر إلي. بعين مضحاك، أي كثير الضحك. متباك: مستعمل للبكاء بتكلف، أعنو: ~~أذل، فرطات: سقطات وزلات. عاتق: شابة قد أدركت ولم يبن بها زوجها، بل هي ~~بكر، ويريد بها الخمر التي لم يفض أحد خاتمها، وعانس: طالت إقامتها في بيت ~~أبيها، الأندية: المجالس. القود: قتل النفس بالنفس. استذنبت: نسبت إلى ~~الذنب: الأقضية: # جمع قضاء، أي كلما قيل لي: فعلت هذا الذنب؟ قلت: إنما هو قضاء الله ~~وقدره، وأخذ هذا المعنى من قول الحسين بن الضحاك: [الوافر] PageV03P049 # واتركي العذل على من قاله ... وانسبي جوري إلى حكم القضا # ولهذا البيت حكاية أدبية، قال الحسين؛ كانت لي نوبة في دار الواثق، فبينا ~~أنا نائم ذات ليلة، إذ جاءني خادم من خدام الحرم، فقال لي: إن أمير ~~المؤمنين يدعوك، فقلت له: وما الخبر؟ قال: إنه كان نائما إلى جنب حظيته ~~فقام وهو يظنها قائمة، فألم بجارية أخرى، وعاد إلى فراشه، فغضبت حظيته ~~وتركته حتى نام، ثم قامت، ودخلت حجرتها فانتبه وهو يظنها عنده، فطلبها فلم ~~يجدها، فقال: من اختلس كريمتي، ويحكم أين هي! فأخبرناه أنها قامت غضبى ومضت ~~إلى حجرتها. فدعا بك، قال: فمضيت مع الرسول ورويت أبياتا في طريقي، فلما ~~جئته خبرني القصة، وقال لي: قل في هذا شيئا، ففكرت هنيهة كأني أقول شعرا، ~~ثم أنشدته الأبيات: [الرمل]. # غضت أن زرت أخرى غضبة ... فلها العتبى علينا والرضا # يا فدتك النفس كانت هفوة ... فاغفريها واصفحي عما مضى # واتركي العذل على من قاله ... وانسبي جوري إلى حكم القضا # فلقد نبهتني من رقدتي ... وعلى قلبي كنيران الغضى # فقال: أحسنت بحياتي، أعدها علي يا حسين، فأعدتها عليه حتى حفظها، وأمر لي ~~بخمسمائة درهم، ms0893 فقام ومضى إلى الجارية فأنشدها الأبيات فتراضيا، فكان بعد ~~إذا رآني تبسم لموقع الأبيات ونجحها عند الجارية، والإحالة على القضاء ~~بالذنب هو مذهب الجبرية فمن فعل منهم ذنبا قال: لا ذنب لي، إنما قدر علي ~~ومذهب القدرية خلافه: قال الشاعر في رده: [الطويل] # إذا أذنبوا قالوا مقادير قدرت ... وما العار إلا ما تجر المقادر # وقوله: غيها، أي فسادها. مستشرية: لاحية مصممة. واستشرى الشيء: انتشر، ~~واستشرى في أمره: لج فيه. ### || AUTO [وأد البنات] # والقتل الذي ذكره للبنات هو الوأد الذي كانت تفعله الجاهلية، قال الله ~~سبحانه وتعالى: وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت [التكوير: 9]. # والموءودة: التي تدفن حية، فتنقل بالتراب، والوأد: القتل. # وورد قيس بن عاصم المنقري على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: ~~بعض الأنصار عن وأده البنات، فقال قيس: ما ولدت لي بنت إلا وأدتها، وما ~~رحمت منهن إلا واحدة ولدتها أمها، وأنا في سفر، فدفعتها إلى أخوالها، وقدمت ~~فسألت عن الحمل، فأخبرت أنها ولدت ميتا. ومضت سنون، حتى ترعرعت، فزارت أمها ~~ذات يوم، فدخلت فرأيتها قد ضفرت شعرها، وجعلت في قرونها شيئا من الخلوق، ~~ونظمت عليها ودعا، وألبستها PageV03P050 # قلادة، وجعلت في عنقها مخنقة، فقلت: من هذه الصبية فقد أعجبني حسنها؟ ~~فبكت ثم قالت: هذه ابنتك، كنت خبرتك أني ولدت ميتا، وهذه التي ولدت، ~~فجعلتها عند خالها، وبلغت لهذا المبلغ. فأمسكت عنها حتى اشتغلت أمها، ثم ~~أخرجتها يوما، فحفرت حفرة فجعلتها فيها، وهي تقول: يا أبت أتغطيني بالتراب! ~~حتى واريتها وانقطع صوتها، فما رحمت واحدة منهن ممن وأدت غيرها، فدمعت عينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: # «إن من لا يرحم لا يرحم» (¬1). # وذكر أن قيسا وأد بيده بضع عشرة ابنة، وكان السبب في وأد البنات أن ~~المشمرج اليشكري أغار على قوم قيس، فسبا نساء فيهن ابنته وابنة أخيه، فدخل ~~قيس إليهم فسألهم أن يهبوهما له، فوجد المشمرج قد اصطفاهما لنفسه، فسأله ~~إياهما، فقال: قد جعلت أمرهما إليهما، فإن اختار تاك فخذهما، فاختارتا ~~المشمرج، فانصرف فوأد ms0894 كل ابنة له خوفا من الفضيحة، فاقتدت به العرب في ذلك. # قال الهيثم: إن الوأد كان مستعملا في قبائل العرب قاطبة، كان يستعمله ~~واحد ويتركه عشرة، فجاء الإسلام، وقد قل إلا في تميم. # وقيل: كان الوأد في تميم وقيس وبكر وهوازن وأسد، لقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» (¬2)، ~~فأجدبوا سبع سنين حتى أكلوا الوبر بالدم، ولهذا جاء تحريم الدم، وهذا خبر ~~بين أن الوأد كان للحاجة لا للأنفة، وبه نزل القرآن، قال الله تعالى: ولا ~~تقتلوا أولادكم خشية إملاق [الإسراء: 31]، وقال: ولا يقتلن أولادهن ~~[الممتحنة: 12]. # ومن ذكر أنه كان أنفة وأنه كان في تميم، ومن جاورهم فيحتج بحديث أبي ~~عبيدة، أن تميما منعت النعمان الإتاوة، فوجه إليهم أخاه الريان، وجل من معه ~~من بكر بن وائل، فاستاق النعم وسبى الذراري. وفي ذلك يقول المشمرج اليشكري: ~~[البسيط] # لما رأوا راية النعمان مقبلة ... قالوا ألا ليت أدنى دارنا عدن # يا ليت أم تميم لم تكن عرفت ... مرا وكانت كمن أودى به الزمن # وقال النعمان في جوابه: [البسيط] # لله بكر غداة الروع لو بهم ... يرمى ذرا حضن زالت بهم حضن PageV03P051 # إذا لا أرى أحدا في الناس يشبههم ... إلا فوارس خامت عنهم اليمن # فوفدت إليه تميم، فأناب إليهم، وأحب البقيا، وقال: [البسيط] # ما كان ضر تميما لو تغمدها ... من فضلنا ما عليه قيس عيلان # فسألوه النساء، فقال: كل امرأة اختارت أباها ردت إليه، وإن اختارت صاحبها ~~تركت عنده فكلهن اخترن آباءهن إلا ابنة قيس بن عاصم، اختارت صاحبها عمرو بن ~~المشرج، فنذر قيس: ألا تولد له ابنة إلا قتلها. فهذا شيء يعتل به من وأد ~~البنات، ويقول، : فعلناه أنفة، وقد كذب بما أنزل الله تعالى في القرآن ~~المجيد. وأين فعل قيس في الوأد وقساوة قلبه من فعل صعصعة بن ناجية بن عقال ~~جد الفرزدق! فإنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ~~إني كنت أعمل عملا في الجاهلية لنفسي، ms0895 أينفعني ذلك اليوم؟ قال: وما عملك؟ ~~قال. أضللت ناقتين عشراوين، فركبت حملا ومضيت في بغائهما: فرفع لي بيت ~~فقصدته، فإذا شيخ جالس بفناء الدار، فسألته عنهما، فقال: هما عندي، وقد ~~أحيا الله تعالى بهما قوما من أهلك مضر، فجلست عنده ليخرجا إلي، فإذا عجوز ~~قد خرجت من كسر البيت، فقال لها: ما وضعت؟ فإن كان ذكرا شاركناه في ~~أموالنا، وإن كان أنثى وأدناها! فقالت: وضعت أنثى، فقلت: أتبيعنيها؟ فقال: ~~وهل تبيع العرب أولادها! قال: فقلت: إنما اشتري حياتها لا رقها، فقال: بكم؟ ~~فقلت: احتكم، قال: الناقتين والجمل، قلت: ذلك لك، على أن يبلغني وإياها ~~الجمل، ففعل فآمنت بك يا رسول الله، وقد صارت لي سنة في العرب، أشتري كل ~~موءودة بناقتين وجمل، فعندي إلى هذه الغاية ثمانون ومائة موءودة، قد ~~أنقذتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينفعك ذلك، لأنك، لم تبغ ~~وجه الله، وإن تعمل في إسلامك عملا صالحا تثب عليه». # وقال الفرزدق يفتخر بفعل جده على جرير: [المتقارب] # ألم تر أنا بنو دارم ... زرارة منا أبو معبد # ومنا الذي منع الوائدات ... وأحيا الوئيد فلم توأد (¬1) # أيطلب مجد بني دارم ... عطية كالجعل الأسود # قرنبي يحك قفا مقرف ... لئيم مآثره قعدد # ومجد بني دارم دونه ... مكان السماكين والفرقد # وعطية هو أبو جرير، ويأتي في الأربعين. # وجاء في الحديث الترغيب في إكرام البنات، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «من ابتلي بشيء من هذه البنات، فأحسن إليهن كن له سترا من النار» ~~(¬2). وفي طريق آخر «من كان له ثلاث بنات، PageV03P052 # وثلاث أخوات أو بنتان، أو اختان، فأحسن صحبتهن والله اتقى فيهن، فله ~~الجنة» (¬1). # ولبعضهم تهنئة بمولودة: اتصل بي خبر المولودة، كرم الله غرتها، وأنبتها ~~نباتا حسنا؛ وقد علمت أنهن أقرب إلى القلوب، وإن الله عز وجل قد بدأ بهن في ~~الترتيب، فقال سبحانه: يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور [الشورى: ~~49]، وما سماه الله تعالى هبة فهو بالشكر أولى، وبحسن التقبل أحرى. # وقال بعض الشعراء: [المتقارب] # أحب ms0896 البنات وحب البنا ... ت فرض على كل نفس كريمه # فإن شعيبا من أجل ابنتي ... ه أخدمه الله موسى كليمه # وفي الحديث: «دفن البنات من المكرمات». # عزى رجل يحيى بن خالد في حرمة له، فقال: أيها الوزير دفن الحرم من النعم، ~~ثم قال: [الوافر] # تمز إذا رزئت فخير درع ... يسر بل للمصائب درع صبر # فلم أر نعمة شملت كريما ... كعورة مسلم سترت بقبر # وقال عمر بن أبي علقمة المري: [الرجز] # إني وإن سيق إلى المهر ... ألف وعبدان وذو عشر # أحب أصهاري إلي القبر # وقال إسحاق بن خلف: [البسيط] # لولا أميمة لم أجزع من العدم ... ولم أجب في الليالي حندس الظلم # تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا ... والموت أكرم نزال على الحرم # وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: [الطويل] # لكل أبي بنت يراعي شئونها ... ثلاثة أصهار إذا ذكر الصهر # فبيت يغطيها وبعل يصونها ... وقبر يواريها وخيرهم القبر # وقال آخر: [الكامل] # لا تيأسن منها فقد زوجتها ... كفؤا وضمنت الصداق مليكا # *** # [الرجز] PageV03P053 # حتى نهاني الشيب لما بدا ... في مفرقي عن تلكم المعصية # فلم أرق مذ شاب فودي دما ... من عاتق يوما ولا مصبيه # وها أنذا الآن على ما يرى ... مني ومن حرفتي المكدية # أرب بكرا طال تعنيسها ... وحجبها حتى عن الأهويه # وهي على التعنيس مخطوبة ... كخطبة الغانية المغنية # وليس يكفيني لتجهيزها ... على الرضا بالدون إلا ميه # واليد لا توكى على درهم ... والأرض قفر والسماء مصحيه # فهل معين لي على نقلها ... مصحوبة بالقينة الملهية # فيغسل، الهم بصابونه ... والقلب من أفكاره المضنية # ويقتني مني الثناء الذي ... تضوع رياه مع الأدعيه # *** # قوله: فودي، أي ناحية رأسي. مصبية: لها صبوة. أو يصبو إليها من رآها، ~~وجعل الخمر مصبية، لأنها تغلب شرابها فتصيرهم سكارى، عقولهم عقول الصبيان، ~~فهي تلعب بهم كما تلعب الأم بصبيانها، حر فتى: صنعتي المكدية: الصعبة، ~~وأكدى الحافر: بلغ كدية، فرفع عن الحفر آيسا من الماء ثم استعير لغير ذلك ~~أرب؛ أصلح، تعنيسها: إقامتها بغير زوج. # قال عمر رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله ms0897 صلى الله عليه وسلم: «مكتوب في ~~التوراة: من بلغت ابنته اثنتي عشرة سنة، فلم يزوجها فأصابت إثما فإثم ذلك ~~عليه» (¬1). # وقال عليه الصلاة والسلام: «من بلغ له ولد النكاح وعنده ما ينكحه به فلم ~~ينكحه، فأصاب إثما فالإثم بينهما» (¬2)، ويعني بها خمرا قديمة حجبها عن ~~الأهوية، لئلا يفسدها الهواء. # قوله: مخطوبة: مطلوبة. الغانية: البارعة الجمال التي غنيت بحسنها عن ~~الزينة، قال الرستمي: أصلها في ذات الزوج التي استغنت بزوجها، ثم قيل في ~~غير ذات الزوج. # قال عمارة: هي الشابة التي تعجب الرجال ويعجبونها، المغنية: التي نشأت في ~~الغنى، وأغنى بمعنى استغنى، والمغنية أيضا: التي تغني زوجها عن غيرها لكمال ~~خصالها. # توكأ: تشد وتربط، والوكاء: الخيط يشد به فم الوعاء. # وراود عبد في الجاهلية ابنة سيده عن نفسها، فأمكنته حتى بلغ أربه منها، ~~ثم PageV03P054 # عمدت إليه فجبته، فقال لها أبوها في ذلك، فقالت: من ورد غير مائه، صدر ~~بمثل حاله، إن العبد لمن نوكه قد ابتذل إناء لم يوكه، فقال أبوها: يا بنيه ~~لا شللا ولا عمى. # وميه: محذوفة اللام، ولا يدري أواو لامها أم ياء، قوله صاحب العين وقال ~~ابن الأعرابي: أمأيت القوم، وأمأيتهم: صاروا بي مائة، ففي مأيت دليل قاطع ~~على أن اللام ياء. # وقال الفراء رحمه الله تعالى وكراع: أصلها مئية، وأنشد: [البسيط] # فقلت والركب قد تخطيه منيته ... أدنى عطيات آبائي مئيات (¬1) # قوله: قفر: غير عامرة. مصحية: زال سحابها، ضربه مثلا للخلو من المال، فلا ~~في أرضه خصب فتعمر من أجله، ولا في سمائه سحاب فيرجى خيرها، وقد تقدم لغيمي مطر. # القينة الملهية: الجارية المغنية. وهي في كلام العرب الأمة، مغنية كانت ~~أو غير مغنية قال زهير: [البسيط] # رد القيان جمال القوم فاحتملوا (¬2) # واشتقاقها من قنت الشيء أقينه قينا؛ إذا لممته، قال الشاعر: [الطويل] # ولي كبد مجروحة قد بدا بها ... صدوع الهوى لو أن قينا يقينها (¬3) # ولهذا سمي الصواغ والحداد قينا، والماشطة قينة. # قوله: فيغسل الهم بصابونه: يعني فينفي همي بالخمر لأنها تنفي الهم والحزن ~~والغم كما يغسل ms0898 الصابون وسخ الثوب، المضنية: الممرضة. يقتني: يكتسب، تضوع PageV03P055 # رياه: تتحرك رائحته، يريد أنه يكتسب منه السامع الدعاء، فيثني عليه ثناء ~~حسنا في الدنيا ويدعو له بالآخرة، ويقال: ضاع المسك يضوع، أي انتشرت ~~رائحته، وقول الشاعر: # [الطويل] # وما هو إلا المسك عند ذوي الحجى ... يضوع وعند الجاهلين يضيع # قال الراوي: فلم يبق في الجماعة إلا من نديت له كفه، وانباع إليه عرفه، ~~فلما نجحت بغيته، وكملت مائته، أخذ يثني عليهم بصالح، ويشمر عن ساق سارح؛ ~~فتبعته لأستعرف ربيبة خدره، ومن قتل في حدثان أمره، فكأن وشك قيامي، مثل له ~~مرامي، فازدلف مني، وقال: أفقه عني: [الخفيف] # قتل مثلي يا صاح مزج المدام ... ليس قتلي بلهذم أو حسام # والتي عنست هي البكر بنت الكر ... م لا البكر بنت الكرام # ولتجهيزها إلى الكأس والطا ... س قيامي الذي ترى ومقامي # فتفهم ما قلته وتحكم ... في التغاضي إن شئت أو في الملام # ثم قال: أنا عربيد، وأنت رعديد، وبيننا بون بعيد، ثم ودعني وانطلق، ~~وزودني نظرة من ذي علق. # *** # نديت: كرمت. انباع: سال، عرفه: معروفة. نجحت: انقضت وتمت، بغيته: # طلبته، طفق: أخذ وجعل، سارح: ذاهب، يريد أنه شمر لليسر، وأضاف ساقا ~~لسارح، وهو يريد: عن ساق رجل سارح، أي ذاهب. ربيبة خدره، أي التي رباها في ~~بيته، وربيبة الرجل بنت امرأته من غيره، وقيل لها ذلك لأنه يربيها فهي ~~«فعيلة» بمعنى مفعولة، فأصلها مربوبة، ويقال: رب فلان فلانا ورباه ورببه ~~وترببه بمعنى واحد، حدثان: أول وشك: سرعة، مرامي: مرادي ومطلبي. ازدلف: ~~قرب، ويقال: قلت الخمر، إذا مزجتها وقد فسره بقوله: مزج المدام. ### || AUTO [مما قيل في الخمرة] # قال الأخطل: [الطويل] # فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها ... وأحبب بها مقتولة حين تقتل (¬1) PageV03P056 # وكان الأخطل خليعا، فأثنى هنا على الممزوجة، وقال في التي لم تمزج: ~~[الوافر] # وكأس مثل عين الديك صرف ... تنسي الشاربين لها العقولا # إذا شرب الفتى منها ثلاثا ... بغير الماء حاول أن يطولا # مشى قرشية لا شك فيها ... وأرخى من مآزره الفضولا # *** # وأصبح عبد الملك يوما في ms0899 غداة باردة، فأنشد هذه الأبيات، ثم قال: كأن ~~الأخطل الآن في حانوت خمار محلل الإزار، مستقبل الشمس، ثم بعث من يطلبه ~~بدمشق، فوجده كما وصف. # وقال له يوما: ألا تسلم فنفرض لك في الفيء ونعطيك عشرة آلاف درهم؟ قال: # فكيف بالخمر؟ قال له عبد الملك: وما تصنع بها، وإن أولها مر وآخرها سكر! ~~قال الأخطل: وفيما بين هاتين منزلة ما يسرني لك بها. # وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه وقد أعطي كأس خمر ممزوجة: [الكامل] # إن التي ناولتني فرددتها ... قتلت- قتلت- فهاتها لم تقتل (¬1) # كلتاهما حلب العصير فعاطني ... بزجاجة أرخاهما للمفصل # فدعا بالقتل على الذي أعطاها له ممزوجة. # وذكر الحريري في الدرة البيتين، وقال في قوله: «أرخاهما» القياس: أشدهما ~~إرخاء للمفصل، لأن أصل هذا الفعل أرخى، فبناؤه ليس مقيسا كما قالوا: ما ~~أحوجه إلى كذا فبنوا من حوج، إن كان قياسه: ما أشد حاجته. # ولهذين البيتين حكاية يحسن أن نعقبهما بروايتها، ونضوع نشرهما بنشر ~~ملحها، وهي ما رواه أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري عن أبيه، قال: حدثنا ~~الحسن بن عبد الرحمن الربعي قال: حدثنا أحمد بن عبد الملك بن السماك السعدي ~~قال: حدثنا أحمد بن ظبيان الحائز، قال: اجتمع قوم على شراب لهم، فغناهم ~~مغنيهم بشعر حسان: «إن التي» البيتين، فقال بعضهم: امرأتي طالق إن لم أسأل ~~الليلة عبيد الله بن الحسن القاضي عن علة هذا الشعر، لم قال: «إن التي»، ~~فوحد، ثم قال: كلتاهما، فثنى؟ فأشفقوا على صاحبهم وتركوا ما كانوا عليه، ~~ومضوا يتخطون القبائل، حتى انتهوا إلى بني شقرة وعبيد الله بن الحسن يصلي، ~~فلما فرغ من صلاته قالوا: قد جئناك في أمر قد دعتنا إليه ضرورة، وشرحوا له ~~خبرهم، وسألوه الجواب، فقال: [الكامل] # * إن التي ناولتني فرددتها* PageV03P057 # غنى بها الممزوجة بالماء، ثم قال: من بعد: كلتاهما حلب العصير، يريد ~~الخمر المحتلبة من العنب، والماء المتحلب من السحاب، المكنى عنها بالمعصرات ~~في قوله تعالى: وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا [النبأ: 14]، قال الشيخ ~~الإمام الأجل الأوحد العالم أبو محمد ms0900 أدام الله سعادته: فهذا ما فسره به ~~عبيد الله بن الحسن. # وقد بقي في الشعر ما يحتاج إلى كشف سره، وتبيان نكته، أما قوله: [الكامل] # إن التي ناولتني فرددتها ... قتلت قتلت ... # فإنه خاطب به الساقي الذي كان ناوله كأسا ممزوجة، لأنه يقال: قتلت الخمر ~~إذا مزجتها، فكأنه أراد أن يعلمه أنه قد فطن لما قد فعله ثم ما اقتنع منه ~~بذلك حتى دعا عليه بالقتل في مقابلة المزج، وقد أحسن كل الإحسان في تجنيس ~~اللفظ ثم إنه عقب الدعاء عليه بأن استعطى منه ما لم تقتل- يعني الصرف- التي ~~لم تمزج. # وقوله: أرخاهما للمفصل، يعني اللسان، وسمي مفصلا بكسر الميم، لأنه به ~~يفصل بين الحق والباطل، وليس فيما اعتمده عبيد الله بن الحسن من الإسماح ~~وخفض الجناح، ما يقذف في نزاهته أو يغض من نبله وبراعته. # ويضارع هذه الحكاية في وطأة القضاة المتقشفين للمستفتين وتلاينهم في ~~مواطن اللين، ما يحكى أن حامد بن العباس، سأل علي بن عيسى في ديوان الوزارة ~~عن داء الخمار، وعن دوائه، فأعرض عن كلامه، وقال: ما أنا وهذا المسألة! ~~فخجل حامد منه، ثم التفت إلى قاضي القضاة أبي عمرو، فسأله عن ذلك فتنحنح ~~القاضي لإصلاح صوته، ثم قال: قال الله تعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا [المائدة: # 41]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «استعينوا على الصناعات بأهلها» ~~(¬1)، والأعشى هو المشهور في الجاهلية بهذه الصناعة، قال: [المتقارب] # وكأس شربت على لذة ... وأخرى تدويت منها بها (¬2) # لكي يعلم الناس أني امرؤ ... أتيت المروءة من بابها # ثم تلاه أبو نواس في الإسلام، فقال: [البسيط] # دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء (¬3) PageV03P058 # فأسفر حينئذ وجه حامد، وقال لعلي بن عيسى: ما ضرك يا بارد أن تجيب ببعض ~~ما أجاب به قاضي القضاة، وقد استظهر في جواب المسألة بقوله سبحانه أولا، ثم ~~بقول الرسول عليه الصلاة والسلام ثانيا، وبين الفتيا وأدى المعنى، وتفصى من ~~العهدة، فكان خجل علي بن عيسى من حامد بهذا الكلام أكثر ms0901 من خجل حامد منه، ~~لما ابتدأه بالمسألة وتبع حسان مسلم بن الوليد، فقال وأحسن: [الطويل] # إذا شئتما أن تسقياني مدامة ... فلا تقتلاها كل ميت محرم (¬1) # خلطنا دما من كرمة بدمائنا ... فأظهر في الألوان منا الدم الدم # وقال أبو نواس في الصرف: [الخفيف] # وكميت أرقها وهج الشم ... س وصيف يفنى بها وشتاء # لم يشنها الطاهي بطبخ ولا غير ... ها عن طبيعة الكرم ماء # وقال فيه أيضا [الطويل] # توارت عن الأبصار من عهد آدم ... حذارا لكون الماء يوما قرينها # فصنها عن الماء القرح واسقني ... فإنك إن لم تسقني مت دونها # وعلى أنه القائل: [الطويل] # ألا دارها بالماء حتى تلينها ... فلن تكرم الصهباء حتى تهينها # وقال أبو نواس لإخوانه في مرض موته: إياكم والخمر صرفا فإنها أحرقت كبدي، ~~قال ابن رشيق: [الكامل] # قدر المدامة فوق قدر الماء ... فارغب بكأسك عن سوى الأكفاء # ما لي ومزج الراح إلا في فمي ... بالريق من فم غادة حسناء # ذاك المزاج وإن تعداني الذي ... في لمزن من ذي رقة وصفاء # أشهى وأبلغ في الفؤاد مسرة ... من غيره وأدب في الأعضاء # لي الصرف إن مزج النديم ولم أكن ... مستأثرا فيها عن النداماء # وقال أيضا: [السريع] # قلت لمن ناولني مرة ... ما بي حب الغيد بل حبها # لا تسقي راحك ممزوجة ... واشرب فما يمكنني شربها # ما راحتي في الراح إن غيرت ... دعها كما جاء بها ربها PageV03P059 # ونصل بهذا النمط، ما قيل في نبيذ الزبيب، قال أبو الأسود الدؤلي: ~~[الطويل] # دع الخمر يشربها الغواة فإنني ... رأيت أخاها مغنيا بمكانها (¬1) # فإن لا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها # يقول: إن لا يكن الزبيب الخمر أو الخمر الزبيب، فإنهما أخوان غذيا بلبن ~~واحد وهي الحبة التي هي أصل العنب والزبيب؛ فأحدهما ينوب مناب الآخر، وأنشد ~~الحامضي: [الطويل] # تركت الحميا لست أختار شربها ... وما حاجتي في أن أسر الأعاديا # ولكن أخرى من نبيذ معتق ... يمنيك إن أكثرت منه الأمانيا # أخو الخمر من عنقودها غير أنهم ... إذا قطعوها جففوه لياليا # وقال المأمون: نقلت هذا ms0902 المعنى بأبيات ملوكية لا تحضر السوقة بمثلها: ~~[الوافر] # صلى الندمان يوم المهر جان ... بكأس من معتقة الدنان # بكأس خمر وإني عتيق ... فإن العبد عبد خمرواني # وجنبني الزبيبين طرا ... فشأن ذوي الزبيب خلاف شأني # فأشربها وأزعمها حراما ... وأرجو عفوا رب ذي استنان # ويشربها ويزعمها حلالا ... وتلك على الشقي خسارتان # سأل رجل شريحا القاضي: هل النبيذ حلال أم حرام؟ فقال: حلال، قال: قليله ~~خير أم كثيره؟ قال: قليلة، قال الرجل: ما رأيت حلالا وقليله خير من كثيره ~~إلا هذا. # وقال قتيبة بن مسلم لقاضي مرو: بلغني أنك شربت النبيذ، قال: نعم أصلحك ~~الله! أشرب منه ما يسلي العقل ويطيب النفس، ويغني عن الماء، ويهضم الطعام، ~~قال: فما أبقيت؟ قال: أبقيت أخبثه وأردأه، الاتكاء على الشمال، ومنادمة ~~الرجال، والاختلاف إلى المبال. # وترك رجل النبيذ فقيل له: لم تركته وهو رسول السرور إلى القلب؟ قال: ~~ولكنه بئس الرسول لم يبعث إلى الجوف فيذهب إلى الرأس. # *** PageV03P060 # قوله لهذم: هو سنان الرمح، بنت الكرم: الخمر، وتجهيزها: حملها، والطاس: # إناء الخمر كالإبريق يصب منه الشراب في الكأس، وجمعه طاسات، وقال الناشي: # وكأنما الطاسات مما حولها ... من نورها يسبحن في ضحضاح # لو بث في غسق الظلام ضياؤها ... طلع المساء بغرة الإصباح ### || AUTO [مما قيل في الغناء] # وقدم في المقامة أنه لا يجهزها إلا مصحوبة بالقينة، أي لا يشربها إلا ~~بالغناء، وقد ذموا الغناء ومدحوه، فأما ذمه، فقال الكندي: الغناء برسام ~~حاد، لأن المرء يسمع فيطرب، فيسمح فيفتقر، فيغتم فيمرض فيموت. # وقال يزيد بن الوليد: إياكم والغناء فإنه يسقط المروءة، وينقص الحياء، ~~ويبدي العورة، ويزيد في الشهوة، وإنه لينوب عن الخمر، ويصنع بالعقل ما يصنع ~~به السكر وأن كان ولا بد فجنبوه النساء، فإن الغناء داعية الزنا. # وأما مدحه فقال ربيعة بن عبد الرحمن: السماع مطربة، وهو من نتيجة العقل، ~~فمن كره السماع، دل بذلك على قلة عقله. # وقال بعض الفلاسفة، وجعلت اللذات خمسا في خمس، فجعل اللمس لليدين والشم ~~للمنخرين، والسمع للأذنين، والذوق للسان، واللون للعينين، وعلى كل ms0903 جارحة ~~تعب من اللذات إلا النغمة، فإنه لا تعب على الأذنين فيها، ولذلك صار الناس ~~كلهم عربيهم وعجميهم، صغيرهم وكبيرهم مشتركين في الإصاخة إلى النغمة ~~الحسنة، والصوت المستمتع، متباينين في غير ذلك، وقد يوجد أكثرها في أكثر ~~الحيوان كالخيل يصفر لها عند الشرب، فتشرب والإبل يحدى لها فتنقاد، قال ~~الشاعر: [الوافر] # فليس الشراب إلا بالملاهي ... وبالحركات في بم وزير # فلا تشرب بلا طرب فإني ... رأيت الخيل تشرب بالصفير # وقال آخر: [الخفيف] # فانظر إلى الإبل التي ... هي- ويك- أغلظ منك طبعا # تصغي إلى صوت الحدا ... ة فتقطع الفلوات قطعا # قوله: التغاضي أي التغافل، عربيد: سيئ الأخلاق عند سكره، وهو الذي يؤذي ~~بيده ولسانه أصحابه، رعديد: جبان فزاع. بون: فضل ومزية من ذي علق، أي من ~~صاحب محبة؛ هو مثل يضرب لمن ينظر بود ومحبة ابن طريف: العلق: الحب، وعلق ~~فلان فلانة، أي أحبها. والله الموفق. PageV03P061 ### | AUTO المقامة السادسة والثلاثون الملطية # أخبر الحارث بن همام قال: أنخت بملطية مطية البين وحقيبتي ملأى من العين؛ ~~فجعلت هجيراي، مذ ألقيت بها عصاي؛ أن أتورد موارد المرح، وأ تصيد شوارد ~~الملح؛ فلم يفتني بها منظر ولا مسمع؛ ولا خلا مني ملعب ولا مرتع؛ حتى إذا ~~لم يبق لي فيها مأرب، ولا في الثواء بها مرغب، عمدت لإنفاق الذهب في ابتياع ~~الأهب، فلما أكملت الأعداد، وتهيأ الظعن فيها أو كاد، وجدت بها تسعة رهط قد ~~سبئوا قهوة، وارتبئوا ربوة، ودماثتهم قيد الألحاظ. وفكاهتهم حلوة الألفاظ، ~~فنحوتهم طلبا لمنادمتهم لا لمدامتهم، وشغفا بممازجتهم لا بزجاجتهم. # *** # أنخت المطية: صيرتها باركة بالأرض. ### || AUTO [ملطية] # ملطية: بلد بالجزيرة ذات أنظار وقرى، بينها وبين الرقة خمسون فرسخا، ~~والرقة: # أم قرى الجزيرة، وذكرها المسعودي في شعره فقال: [الطويل] # ولم يحلبوها من وراء ملطية ... تصدع أجبال بها وأكام # وقيل: ملطية في ثغره الشأم. # قال اليعقوبي: ملطية هي المدينة العظمى، وكانت قديمة فأخربها الروم، ~~فبناها المنصور سنة تسع وثلاثين ومائة، وجعل عليها سورا واحدا، ونقل إليها ~~عدة قبائل من العرب، قال: وهي في مستو من الأرض ms0904 يحيط بها جبال الروم، ~~وماؤها من عيون وأودية من الفرات، وخففها المتنبي ضرورة فقال: [الطويل] # وكرت فدرت في دماء ملطية ... ملطية أم للبنين ثكول (¬1) # قوله: ملطية البين، يريد ناقة السفر، أي أقام بها وترك السفر. الحقيبة: ~~وعاء PageV03P062 # الرحل، والعين: الذهب. هجيراي: عادتي، وألقى بها عصاه، أي أقام بها وترك السفر. # أتورد: أطلب وأدخل، وتوردت الإبل الماء: دخلته قطعة قطعة. والمرح: ~~النشاط. # شوارد: نوافر، وأراد أنه أتبع نفسه جميع اللذات بملطية وشاهدها، مرتع: ~~موضع خصيب كثير الطعام، مأرب: حاجة. الثواء: الإقامة. عمدت: قصدت، ابتياع الأهب: # اشتراء العدد للسفر. الظعن: الارتحال. الرهط. الجماعة من ثلاثة إلى عشرة، ~~سبئوا قهوة: اشتروا. ارتبئوا ربوة: طلعوا كدية، وقال الحسن: [الطويل] # وفتيان صدق قد صرفت مطيهم ... إلى بيت خمار نزلنا به ظهرا # أتينا يهوديا تجمل ظاهرا ... ويضمر في المكنون من سراه الشرا # فجاء بها زيتية ذهبية ... فلم نستطع دون السجود لها صبرا # خرجنا على أن المقام ثلاثة ... فطابت لنا حتى أقمنا بها شهرا # وقال في شراء الخمر بثيابه: [الطويل] # نجوت من اللص المغير بسيفه ... إذا ما رماه بالتجار سبيل # واصلت خمارا علي بخمرة ... فراح بأثوابي ورحت أميل # وقال الأمير تميم بن المعز: [الطويل] # شربنا على نوح المطوقة الورق ... وأردية الروض الملففة البلق # معتقة أفنى الزمان وجودها ... فجاءت كفوت اللحظ أو رقة العشق # كأن السحاب الغر أصبحن أكؤسا ... لنا وكأن الراح فيها سنا البرق # فبتنا نحث الكأس حثا وإننا ... لنشربها بالحث صرفا ونستسقي # إلى أن رأيت النجم وهو مغرب ... وإقبال رايات الصباح من الشرق # كأن سواد الليل والفجر طالع ... بقية لطخ الكحل في الأعين الزرق # وأحسن في هذا المعنى ما شاء، إلا أنه جعل شربنا في الروض على نوح الحمام، ~~ولو عوض من لفظ «النوح» لفظ الغناء أو التغريد لكان أتم للذته، كما قال ابن ~~الرومي: # [الطويل] # وأذكى نسيم الروض ريعان ظله ... وغنى مغني الطير فرجعا # وكانت أهازيج الذباب هناكم ... على شدوات الطير صوتا موقعا # وقال آخر: [الطويل] # وكأس كريق الإلف شعشعها به ... وعيشي من هذا الشراب ms0905 المشعشع # إذا ما شربنا كأسها صب فضلها ... على روضنا للمسمع المتخلع # المسمع: المغني، يعني به الذباب الذي ذكره عنترة في قوله: [الكامل] PageV03P063 # فترى الذباب بها يغني وحده ... هزجا كفعل الشارب المترنم (¬1) # وإنما ذكر الحريري الربوة، لأن النبات فيها أحسن وأسلم من نبات الانخفاض، ~~لأن نبات الانخفاض وخم، قال الله تعالى: كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت ~~أكلها ضعفين [البقرة: 265]، وقال المتنبي: [الطويل] # * نحن نبت الربا وأنت الغمام (¬2) * # قوله: دماثتهم قيد الألحاظ، أي سهولة أخلاقهم تقيد عيون الناظرين إليهم؛ ~~حتى لا ينظروا إلى غيرهم، قال ابن المعتز: [السريع] # منظره قيد عيون الورى ... فليس خلق يتلقاه # نحوتهم: قصدتهم، شغفا: حبا. # *** # فلما انتظمت عاشرهم، وأضحيت معاشرهم، ألفيتهم أبناء علات، وقذائف فلوات؛ ~~إلا أن لحمة الأدب، قد ألفت شملهم ألفة النسب؛ وساوت بينهم في الرتب؛ حتى ~~لاحوا مثل كواكب الجوزاء، وبدوا كالجملة المتناسبة الأجزاء، فأبهجني ~~الاهتداء إليهم وأحمدت الطالع الذي أطلعني عليهم، وطفقت أفيض بقدحي مع ~~قداحهم، وأستشفي برياحهم لأبراحهم، حتى أدتنا شجون المفاوضة، إلى التحاجي ~~بالمقايضة، كقولك إذا عنيت به الكرامات: ما مثل النوم فات؛ فأنشأنا نجلو ~~السها والقمر، ونجني الشوك والثمر. # *** # انتظمت: سرت معهم في نظام واحد، والنظام الجوهر. معاشرهم: مصاحبهم ~~ألفيتهم: وجدتهم، أبناء علات، أي غرباء من بلاد مختلفة، وبنو العلات: الذين ~~أبوهم واحد وأمهاتهم شتى قذائف فلوات، أي قد رمت بهم القفار، والطرق ~~المختلفة واحدتها قذيفة، وهي التي يقذف أي يرمى بها. لحمة، أي قرابة. ألفت ~~شملهم: أي جمعت PageV03P064 # متفرقهم، وجعل للأدب لحمة مجازا، وجعل الأدب يجمعهم كما يجمع بني العلات ~~الأب، والبلاد تفرقهم، كما تفرق بني العلات الأمهات. ### || AUTO [المودة بين الشعراء] # وهذا نحو ما يحكى أن دعبلا ذكر عند علي بن الجهم فكفره ولعنه، وقال: كان ~~يظهر على أبي تمام وهو خير منه، دينا وشعرا، فقال له بعض منحضر: لو أن أبا ~~تمام أخوك ما زدت على مدحك له، فقال: إن لم يكن أخي في النسب، فهو أخي في ~~المودة والأدب، أما سمعت ما خاطبني به وأنشد لأبي ms0906 تمام: [الكامل] # إن كان يجمعنا الإخاء فإننا ... نغدو ونسري في إخاء تالد (¬1) # أو يفترق نسب يؤلف بيننا ... أدب أقمناه مقام الوالد # وكرر أبو تمام هذا المعنى، فأحسن بقوله: [البسيط] # ذو الود مني وذو القربى بمنزلة ... وإخوتي أسوة عندي وخلاني # عصابة جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإن فرقوا في الأرض جيراني # أرواحنا في مكان واحد وعدت ... أجسامنا في عرق أو خراسان # وأنشد إسحاق الموصلي: [الطويل] # يقولون لي هل من أخ أو قرابة ... فقلت لهم إن الشكول أقارب # نسيبي في رأيي وعزمي ومذهبي ... وإن باعدتنا في الولاء المناسب # وليس أخي إلا الصحيح وداده ... ومن هو في وصلي وقربي راغب # وكان لسليمان بن وهب نديم يأنس به، فعربد عليه ليلة فاطرحه وجفاه فوقف له ~~بالطريق، فلما مر به وثب إليه، ثم قال: أيها الوزير، لا تكن في أمري إلا ~~كما قال علي ابن الجهم: [البسيط] # القوم أخدان صدق بينهم نسب ... من المودة لم يعدل به نسب # تراضعوا درة الصهباء بينهم ... فأوجبوا لرضيع الكأس ما يجب # لا يحفظون على السكران زلته ... ولا يريبك من أخلاقهم ريب # فقال: قد رضيت عنك رضا صحيحا، فعد لشأنك. # قوله الرتب: أي المنازل الرفيعة، مثل كواكب الجوزاء، أي في الإضاءة ~~والرفعة، والجملة المتناسبة الأجزاء، أي المتفقة، يعني مقاديرهم في الفضل ~~وغيره متساوية لا تفاضل بينهم، كالجملة التي لا مزية لبعضها على بعض، وأقل ~~جملة حسابية أجزاؤها PageV03P065 # متناسبة لا كسر في بعضها ولها النصف والثلث والربع، والخمس والسدس والسبع ~~والثمن والتسع والعشر هي ألفان وخمسمائة وعشرون، ونصفها ألف ومائتان وستون ~~وثلثها وثلاثمائة ثمانمائة وأربعون، وربعها ستمائة وثلاثون، ألف وخمسها ~~خمسمائة وأربعة، وسدسها أربعمائة وعشرون وسبعها ثلاثمائة وستون، وثمنها ~~ثلاثمائة وخمسة عشر، وتسعها مائتان وثمانون وعشرها مائتان واثنان وخمسون. # قوله: أبهجني، أي أفرحني أحمدت: وجدته محمودا. الطالع: النجم الذي يسعد ~~به صاحبه وينحس على زعمهم. طفقت: أخذت. أفيض بقدحي: أضرب بسهمي، وهذا من ~~فعل الميسر. وأراد أنه يمشي كلامه مع كلامهم ويدخل مداخلهم. أدتنا: ~~أوصلتنا. # شجون المفاوضة. طرق المراجعة في الكلام، والشجون ms0907 في الكلام، تداخله، ~~واختلاط بعضه ببعض، والتفاوض: الاندفاع في الحديث، وفي المثل: الحديث ذو ~~شجون، أي ذو فنون وأصله من الشجر المشجون، وهو الشجر الذي التف بعضه ببعض. ~~التحاجي: # التفاطن. المقايضة: المعاوضة والمقارضة. الكرى: النوم فات، بمعنى مات ~~وأراد أن هذا النوع من الألغاز هو أن يؤتى بلفظ عوضا من لفظ آخر يتوارد معه ~~على معنى واحد، والمماثلة التي بينهما إنما هي موافقة المعنى. نجلو: نكشف. ~~السها: نجم خفي، وقرن السها في خفائه مع القمر في ظهوره، إنما يشير إلى ~~قولهم في المثل: أريها السها وتريني القمر، وأواد أنهم يأتون بلفظة ظاهرة ~~المعنى، وأخرى خفية، فلا يتم لهم شيء. # *** # وبينا نحن ننشر القشيب والرث، وننسل السمين والغث، وغل علينا شيخ قد ذهب ~~حبره وسبره، وبقي خبره وسبره؛ فمثل مثول من يسمعو ينظر، ويلتقط ما تنثر، ~~إلى أن نفضت الأكياس، وحصحص اليأس. # فلما رأى إجبال القرائح، وإكداء الماتح والمائح، جمع أذياله، وولانا ~~قذاله، وقال: ما كل سوداء تمرة، ولا كل صهباء خمرة، فاعتلقنا به اعتلاق ~~الحرباء بالأعواد، وضربنا دون وجهته بالأسداد، وقلنا له: إن داء الشق أن ~~يحاض، وإلا فالقصاص القصاص؛ فلا تطمع أن تجرح وتطرح، وتنهر الفتق وتشرح، ~~فلوى عنانه راجعا، ثم جثم بمكانه راصعا، وقال: أما إذا استثرتموني بالبحث، ~~فلأحكم حكم سليمان في الحرث. # *** # القشيب: الثوب الجديد. الرث: الخلق: ننشل: نخرج النشيل، وهو لحم يطبخ بلا ~~تابل ثم ينشل، أي يخرج بالمنشل، وهو حديدة معقفة، ذهب حبره وسبره: هيئته PageV03P066 # ولونه، قال الفراء: من قولهم: جاءت الإبل حسنة الإجبار والأسبار، قال ~~الأصمعي رحمه الله: هي الجمال والبهاء وآثار النعمة، يقال: فلان حسن الحبر ~~والسبر، إذا كان جميلا حسن الهيئة، وفي الحديث: يخرج من النار رجل قد ذهب ~~حبره وسبره، أي قد ذهب جماله وبهاؤه، وسمي الحبر حبرا لأنه يزين الكتاب، ~~ويحسن القرطاس، وحبرت الشيء زينته، وقيل إنه سمي حبرا لأنه يؤثر في ~~القرطاس، فيكون علامة فيما يقع فيه، ويقال للأثر؛ حبرة وحبار. # والسبر: الأصل واللون والهيئة والمنظر، والسبر ما يدل ms0908 به على لون الدابة ~~وكرمها، ويروي حبره وسبره، بكسر أولهما وفتحه، فإذا كسرا كانا اسمين، وإذا ~~فتحا كانا مصدرين، وحبره علمه، وسبره قياسه، مثل: تمثل قائما. الأكياس: ~~أوعية الدراهم، ونفضت: ألقي ما فيها، وأراد فارغ كلامهم. وحصحص: تبين، ~~اليأس: ضد الرجاء. # إجبال القرائح: انقطاعها عن الكلام. إكداء: صعوبة، وأصل هذا في البئر، ~~فأول ما يرشح من مائها هو القريحة، ثم نقل إلى الطبيعة والذهن، وأجبل ~~الحافر: إذا حال بينه وبين الماء جبل، وأكدى: حال بينه وبينه كدية، والجبل ~~والكدية حجارة وصلابة تعرض في البئر، لا يمكن حفرها معها، ثم يقال: أكدى أي ~~قل خيره وأجبل الشاعر، أي انقطع شعره. وأكدى فلان عطائي، أي قطعه وقلل ~~خيره، ومنه قوله تعالى: وأعطى قليلا وأكدى [النجم: 34]. والماتح: المستسقي ~~على فم البئر، والمائح: النازل إلى قعرها ليملأ الدلاء ويفرق بينهما بنقطتي ~~الحرف الذي قبل آخرهما، فمتى كانتا فوق الحرف، فالمستسقي فوق البئر لكثرة ~~الماء، ومتى كانتا تحته فالمستسقي في قعر البئر ليملأ الدلو بيده، وذلك ~~لقلة الماء، وإذا تكاثرت الدلاء عليه، وكثر صياح الناس عليه من رأس البئر، ~~وكل يرغبه ليملأ دلوه، فيأخذ دلو من لا مال له فيضرب به رجا البئر، أي ~~جانبه ليرتدع الناس عنه، ثم يضرب مثلا للمهان، قال الشاعر: [الوافر] # فلا يرمى بي الرجوان إني ... أقل القوم من يغني مكاني (¬1) # وقالت جارية من العرب تستعطفه: [الرجز] # يا أيها المائح دلوي دونكا ... إني رأيت الناس يحمدونكا (¬2) PageV03P067 # ومن أمثالهم: أبصر من المائح يا ست الماتح. # وأنشد الفنجديهي: [السريع] # يا مائح العين عدمت الردى ... من حوض هذي العين كم تستقي # من شيمة الماء انحدار فلم ... ماء جفوني أبدا يرتقي # قوله: جمع أذياله: شمر ثيابه للقيام. قذاله: قفاه. # ما كل سوداء تمرة، مثل. والسوداء تستعمل للتمرة والفحمة فيقول: ما كل ~~الكلام سهل فتتعاطونه وما كل ما جئتم به بفائق فيدخل في باب المقايضة، وهو ~~مثل يضرب في موضع التهمة. # والصهباء: من أسماء الخمر، والصهبة أن تعلو الحمرة شقرة وأصوله سود. ### || AUTO [مما قيل في ms0909 الحرباء شعرا] # الحرباء: دويبة تستقبل الشمس بوجهها إذا استوت في كبد السماء، وإن لم ~~يتأت لها الفرصة بوجهها تململت وتقلبت، ولم تزل في قلق حتى تميل الشمس، ~~فتستقبلها- أعني قرصها- بوجهها حتى تغرب وهي في طول يومها، لا تأكل شيئا، ~~فإذا جاء الليل ذهبت تبغي ما تأكل، والأنثى منها حرباءة. # وقال أبو عبيدة: الحرباء تستقبل الشمس برأسها أبدا، يقال: إنما تفعل ذلك ~~لتقي جسدها برأسها، وقيل: الحرباء ذكر أم حبين، وفي صدره استرخاء وقرب من ~~الأرض، فإذا حميت الأرض بالشمس خاف على صدره أن تحرقه الأرض للزوقه بها، ~~فيصعد على عود شجرة، فيلتزمه بيديه، ويجعله بينه وبين الشمس، ويضرب به ~~المثل في التشبث بما تعلق به، وذلك أنه إذا تعلق بعود التزمه، وقبض عليه ~~فلا يفارقه، حتى يستوثق من آخر، فيضرب المثل به، فيقال: أحزم من الحرباء. ~~وقال قيس بن الحدادية: [البسيط] # بانت سعاد فأمسى القلب مشتاقا ... وأقلقتها نوى الإزماع إقلاقا # واحتث حاديهم بزلا مخيسة ... كوم الذرا مدد الأعضاد أفياقا (¬1) # أنى أتيح لها حرباء تنضبة ... لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا # والساق: ساق الشجرة، والتنضب: شجر يتعلق بأعواده الحرباء، فيقال حرباء PageV03P068 # تنضبه، كما يقال: ذئب غضى. وقال الأزهري رحمه الله تعالى: الحرباء دويبة ~~على خلقة سام أبرص، ذات أربع قوائم دقيقة الرأس مخططة الظهر، وأكثر الشعراء ~~من ذكر الحرباء وتشبيهها، ومن جيد ذلك قول ذي الرمة: [الطويل] # ودوية جرداء جداء خيمت ... بها هفوات الصيف من كل جانب (¬1) # كأن يدي حربائها متشمسا ... يدا مذنب يستغفر الله تائب # وقال آخر: [الطويل] # وقد جعل الحرباء يصفر لونه ... ويخضر من لفح الهجير غباغبه (¬2) # ويشبح بالكفين حتى كأنه ... أخو فجوة عالي به الجذع صالبه # وقال أيضا: [الطويل] # يظل بها الحرباء للشمس مائلا ... على الجذل إلا أنه لا يكبر (¬3) # إذا حول الظل العشي رأيته ... حنيفا وفي قرن الضحى ينتصر # غدا أكهب الأعلى وراح كأنه ... من الضح واستقباله الشمس أخضر # أخبر أنه يدور مع الشمس في وقت الزوال، حتى تكون الشمس في حذاء القبلة، ~~فكأنه باستقباله لها في ذلك ms0910 الوقت مسلم يصلي لها، وفي الضحى تكون في وجه ~~المشرق، فكأنه نصراني فيستقبلها بصلاته. # قال ابن الرومي: [الكامل] # ما بالها قد حسنت ورقيبها ... أبدا قبيح قبح الرقباء # ما ذاك إلا أنها شمس الضحى ... أبدا يكون رقيبها الحرباء # قوله: وجهته، أي جهته. والسد: الحاجز بين الشيئين. يحاص: يخاط، ويقال: # حاص ثوبه وعين صقره وشقوق رجليه حوصا وحياصة: خاطها، وقيل: الحوص: PageV03P069 # الخياطة بعد رقعة، ولا يكون إلا في جلد، وأنشد يعقوب: [الرجز] # ترى برجليه شقوقا في كلع ... من بارئ حيص ودام منسلع (¬1) # الكلع: الوسخ، ومنسلع: متشقق. القصاص: أخذ الحق في الجنايات. وتنهر: # توسع فترده كالنهر. الفتق: الخرق. وتسرح: تذهب. لوى عنانه: أماله وعطفه. جثم: # برك. راصعا: لاصقا بالأرض والرصع: تباعد ما بين الركبتين، ورصع بالشيء ~~يرصع رصوعا إذا لازمه. استثرتموني: طلبتموني واستخرجتم ما عندي. والبحث: ~~المناقشة في السؤال، وأصله الصيد تقول: استثرت الصيد؛ إذا بحثت عليه حتى ~~تقيمه من مرقده. ### || AUTO [حكم سليمان في صاحب الحرث وصاحب الغنم] # قوله: حكم سليمان في الحرث. كان سليمان عليه السلام، فيما ذكروا أبيض، ~~وضيئا، جسيما كثير الشعر، يلبس من الثياب البياض. فلما بلغ مبلغ الرجال، ~~كان أبوه في أيام ملكه يشاوره في أموره، وكان هذا الحكم- فيما ذكر عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما- أن رجلين دخلا على داود عليه السلام، أحدهما صاحب ~~حرث، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث: يا نبي الله، انفلتت غنم هذا في ~~زرعي ليلا، فرتعت في حرثي، فلم تستبق منه شيئا، فقال له داود: اذهب، فإن ~~الغنم لك، فملكه رقابها بما أكلت من حرثه، فلما خرجا من عنده خطرا على ~~سليمان عليه السلام، فأخبراه بقضاء أبيه، فقال: لو وليت أمركما لقضيت بغير ~~هذا. فأخبر داود عليه السلام، فدعاه وقال له: # كيف كنت تقضي بينهما؟ فقال: أدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيكون له رسلها ~~ونسلها وصوفها، ويبذر صاحبه لصاحب الحرث مثل حرثه، فإذا صار الزرع كهيئته ~~يوم أكل، أخذ غنمه. فقال داود: القضاء ما قضيت به، وحكم بقضاء سليمان ~~عليهما السلام. # وقال ابن ms0911 مسعود وشريح ومقاتل: أراد بالحرث الكرم، وأن الغنم أكلت قضبانه، ~~فأفسدته، فحكم بها داود لصاحب الكرم، ولم يكن بين الغنم والكرم تفاوت، ~~فمروا بسليمان عليه السلام، وهو ابن إحدى عشرة سنة، فقال: يعمل الراعي في ~~إصلاح الكرم حتى يعود كهيئته، ثم يأخذ غنمه. # ومن عجائب حكم سليمان عليه السلام ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: بينا امرأتان معهما ابناهما، إذ جاء ~~الذئب، فذهب بأحدهما، فقالت: هذه إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب ~~بابنك، فاختصما إلى داود عليه السلام، فقضى به للكبرى فمرتا على سليمان، ~~فأخبرتاه، فقال عليه السلام: «ائتياني PageV03P070 # بسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا ويرحمك الله، هو ابنها، فقضى به ~~للصغرى» (¬1) قال أبو هريرة رضي الله عنه: والله إن كنت سمعت بالسكين قبل ~~ذلك، ما كنت أقول إلا المدية. # قوله: الشمائل: الخلائق والطباع. والشمول الذهبية: الخمر الحمراء. # *** ### || AUTO [مما قيل في الخمر شعرا] # وذكر في هذه المقامة أنهم سبئوا قهوة، وذكرها هنا أنها في لونها حمراء، ~~والعرب تتمدح بشرب الخمر السبيئة، وتصفها بالحمرة، كقول الأعشى، وهو في ~~أوصافها في الجاهليين، كالحسن في الإسلاميين، وحبه فيها صده عن الإسلام: ~~[الكامل] # وسبئية مما تعتق بابل ... كدم الذبيح سلبتها جريالها (¬2) # وقوله: [المتقارب] # فقمنا ولما يصح ديكنا ... إلى خمرة عند حدادها (¬3) # فقلت له: هذه هاتها ... بأدماء في حبل مقتادها # فقام فصب لنا قهوة ... تسكننا يعد إرعادها # كميت تكشف عن حمرة ... إذا ضرجت بعد إزبادها # فجال علينا بإبريقه ... مخضب كف بفرصادها # فرحنا تنعمنا نشوة ... تجوز بنا بعد إقصادها # وقال أبو ذؤيب: [الطويل] # ولا الراح راح الشام جاءت سبية ... لها غاية تهدي الكريم عقابها (¬4) PageV03P071 # عقارها كما التبر ليست بخمطة ... ولا خلة يكوي الشروب شهابها # وقال الحسن: [الطويل] # وخمار أنخت عليه ليلا ... قلائص قد تعبن من السفار # فجمجم والكرى في مقلتيه ... كمخمور شكا ألم الخمار # ابن لي كيف سرت إلى حريمي ... وثوب الليل مصبوغ بقار # فقلت له ترفق بي فإني ... رأيت الصبح من خلل الديار ms0912 # فكان جوابه أن قال كلا ... وما صبح سوء صبح العقار # وقام إلى الدنان فسد فاها ... فعاد الليل مسدول الإزار # وقال عبد الصمد: [الطويل] # وخيمة ناظور تحف بروضة ... يحييك منها وردها والبنفسج # وأشمط أعلى وسطها بعد هجعة ... تراه بها من قره يتشنج # دعوت فلبى وهو بالصوت عارف ... وأقبل نحو الباب يزهو ويهرج # فقلت له المصباح إن كنت مسرجا ... فقال: قفوا فالخمر في الكأس تسرج # *** # اعلموا يا ذوي الشمائل الأدبية، والشموع الذهبية، أن وضع الأحجية، ~~لامتحان الألمعية، واستخراج الخبية الخفية، وشرطها أن تكون ذات مماثلة ~~حقيقية، وألفاظ معنوية، ولطيفة أدبية؛ فمتى نافت هذا النمط، ضاهت السقط، ~~ولم تدخل السفط؛ ولم أركم حافظتم على هذه الحدود، ولا مزتم بين المقبول ~~والمردود، فقلنا له: صدقت، وبالحق نطقت؛ فكل لنا من لبابك، وأفض علينا من ~~عبابك؛ فقال: أفعل لئلا يرتاب المبطلون، ويظنوا بي الظنون. # *** # قوله: «لامتحان الألمعية»، أي لاختبار الفطنة. نافت: باعدت. النمط: ~~النوع، يقال: الزم هذا النمط، أي هذا المذهب والفن والطريق. ضاهت: شابهت. السقط: # رديء المتاع وما لا يعبأ به. والسفط: وعاء لجميع الثياب الرفيعة، وسفط ~~العلوم: # الكتب، أي لم تكتب ولم تدون في الكتب. مزتم: فرقتم. لبابك: خالص ما عندك. # أفض: صب. عبابك: بحرك، وعب البحر عبابا هاج واضطرب: يرتاب: يشك. # *** PageV03P072 # ثم قابل ناظورة القوم، وقال: [المجتث] # يا من سما بذكاء ... في الفضل واري الزناد # ماذا يماثل قولي: ... جوع أمد بزاد # ثم ضحك إلى الثاني وأنشد: [المجتث] # يا ذا الذي فاق فضلا ... ولم يدنسه شين # ما مثل قول المحاجي: ... ظهر أصابته عين # ثم لحظ الثالث وأنشأ يقول: [مجزوء الرجز] # يا من نتائج فكره ... مثل النقود الجائزه # ما مثل قولك للذي ... حاجيت: صادف جائزه # ثم أتلع إلى الرابع وقال: [الهزج] # أيا مستنبط الغام ... ض من لغز وإضمار # ألا أكشف لي ما مثل: تناول ألف دينار # ثم رمى إلى الخامس ببصره، وقال: [مجزوء الرجز] # يا أيهذا الألمعي ... أخو الذكاء المنجلي # ما مثل أهمل حلية ... بين هديت وعجل # ناظورة القوم: كبيرهم الذي ينظرون إليه. سما: ms0913 ارتفع. ذكاء: جودة الذهن. # واري: مبدي النار، أي زنده متى ضرب أورى نارا. فاق: فضل غيره. النتائج: ~~ما يولده الفكر من الكلام. النقود: الدراهم. أتلع: مهد عنقه ونصبه، وتلع ~~الرجل يتلع تلعا: # أخرج رأسه من شيء كان فيه. مستنبط: مستخرج. الغامض: الخفي، وغمض غموضا: # دق وأحوج إلى النظر، والألمعي: هو الذكي، أي صاحب الفطنة. # *** # ثم التفت لفت السادس وقال: [مجزوء الكامل] # يا من تقصر عن مدا ... ه خطا مجاريه وتضعف # ما مثل قولك للذي ... أضحى يحاجيك: أكفف أكفف # ثم خلج السابع بحاجبه وقال: [مخلع البسيط] # يا من له فطنة تجلت ... ورتبة في الذكاء جلت # بين فما زلت ذا بيان ... ما مثل قولي: الشقيق أفلت PageV03P073 # ثم استنصت الثامن وأنشد: [مجزوء الكامل] # يا من حدائق فضله ... مطلولة الأزهار غضه # ما مثل قولك للمحاجي ... ذي الحجى: ما اختار فضه # ثم حدج التاسع ببصره، وقال: [مجزوء الكامل] # يا من يشار إليه في ال ... قلب الذكي وفي البراعة # أوضح لنا ما مثل قو ... لك للمحاجي: دس جماعه # قال الراوي: فلما انتهى إلي، هز منكبي، وقال: [مجزوء الكامل] # يا من له النكت التي ... يشجي الخصوم وينكت # أنت المبين فقل لنا ... ما مثل قولي: خالي اسكت # التفت لفت، أي قصد قصده بالنظر، ولفت عنقه إلي، أي لواها ناظرا إلي. مداه: # غايته. خلج: غمز، وقال الراجز: [الرجز] # * قد خلجت بحاجب وعين (¬1) * # تجلت: ظهرت. جلت: عظمت. واستنصت: سكت. حدائق: بساتين مطلولة: # أصابها الطل. غضة: ناعمة. الحجا: العقل. حدج: رمى. البراعة: الفصاحة ~~ووفور العقل. يشجي: يغص، والغصص: الاختناق. ينكت: يقلبهم على رءوسهم، وطعنه ~~فنكته: ألقاه على رأسه، وعند القضاعي يشجي، وينكت، أي يسكت على ذلك. # *** # ثم قال: قد أنهلتكم وأمهلتكم، وإن شئتم أن أعلكم عللتكم. # قال: فألجأنا لهب الغلل، إلى استسقاء العلل؛ فقال: لست كمن يستأثر على ~~نديمه، ولا ممن سمنه في أديمه. ثم كر على الأول وقال: [مخلع البسيط] # يا من إذا أشكل المعمى ... جلته أفكاره الدقيقه # إن قال يوما لك المحاجي: خذ تلك ما مثله حقيقة # ثم ثنى ms0914 جيده إلى الثاني، وقال: [مجزوء الرجز] # يا من بدا بيانه ... عن فضله مبينا PageV03P074 # ماذا مثال قولهم: ... حمار الوحش زينا # ثم أوحى إلى الثالث بلحظه، وقال: [مجزوء الكامل] # يا من غدا في فضله ... وذكائه كالأصمعي # ما مثل قولك للذي ... حاجاك: أنفق تقمع # ثم حملق إلى الرابع وأنشد: # يا من إذا ما عويص ... دجا أنار ظلامه # ماذا يماثل قولي: ... استنش ريح مدامه # ثم أومض إلى الخامس، وقال: # يا من تنزه فهمه ... عن أن يروي أو يشكا # ما مثل قولك للذي ... أضحى يحاجي: غط هلكي # *** # أنهلتكم: أسقيتكم، والنهل: الشرب الأول، والعلل: الشرب الثاني أعلكم: # أسقيكم عللا. لهب الغلل، أي حر العطش. يستأثر، أي يخص نفسه بشيء دون ~~أصحابه. سمنه في أديمه: أي خيره موقوف عليه، والأديم هنا: زق السمن، وأصل ~~المثل: سمنكم هريق في أديمكم، أي خيركم موقوف عليكم؛ قاله أبو عبيدة. وخطأ ~~البكري في تفسير الأديم بالزق، وقال: إنما الأديم هنا طعامكم المأدوم، فعيل ~~بمعنى مفعول، أي خيرهم راجع إليهم، وهو قول الأزهري رحمه الله ولم ينكر ~~الأول، وهو مثل يضرب للبخيل ولمن لا يتعداه خيره، وينفق على نفسه دون غيره. ~~وقمعه يقمعه: ضربه بالمقمعة، أي قهره وكفه، وقمع الشراب وأقمع: مر في الحلق ~~مرا بغير جرع. كر: # عطف: جيده: عنقه. أوحى: أشار. حملق: أحد النظر. عويص: صعب. دجا: اسود. # أنار: جعل فيه النور. تنزه: تباعد. يروي: يفكر، وقد روأت الحديث، إذا ~~دبرته وهيأته. # *** # ثم أقبل إلى السادس، وأنشد: [مجزوء الخفيف] # يا أخا الفطنة التي ... بان فيها كماله # سار بالليل مدة ... أي شيء مثاله # ثم نحا بصره إلى السابع، وقال: [المجتث] # يا من تحلى بفهم ... أقام في الناس سوقه PageV03P075 # لك البيان فبين ... ما مثل: أحبب فروقه # ثم قصد قصد الثامن، وأنشد: [مجزوء الكامل] # يا من تبوأ ذروة ... في المجد فاقت كل ذروه # ما مثل قولك: أعط إب ... ريقا يلوح بغير عروه # ثم ابتسم إلى التاسع، وقال: [مجزوء الكامل] # يا من حوى حسن الدرا ... يه والبيان بغير شك # ما مثل قولك للمحا ... جي ms0915 ذي الذكاء: الثور ملكي # ثم قبض بجمعه على ردني، وقال: [الكامل] # يا من سما بثقوب فطنته ... في المشكلات ونور كوكبه # ماذا مثال صفير جحفلة ... بينه تبيانا ينم به # *** # بان: تبين. تحلى: تزين. تبوأ: نزل. والذروة: أعلى الشيء. ثقوب: # نفوذ. # *** # قال الحارث بن همام: فلما أطربنا بما سمعناه، وطالبنا مكاشفة معناه. قلنا ~~له: لسنا من خيل هذا الميدان، ولا لنا بحل هذه العقد يدان، فإن أبنت مننت، ~~وإن كتمت غممت. فظل يشاور نفسيه، ويقلب قدحيه، حتى هان بذل الماعون عليه. # فأقبل حينئذ على الجماعة وقال: يا أهل البلاغة والبراعة، سأعلمكم ما لم ~~تكونوا تعلمون، ولا ظننتم أنكم تعلمون. فأوكوا عليه الأوعية، وروضوا به ~~الأندية. ثم أخذ في تفسير صقل به الأذهان، واستفرغ معه الأردان، حتى آضت ~~الأفهام أنور من الشمس، والأكمام كأن لم تغن بالأمس. # *** # أبنت: بينت. مننت: أفضلك علينا. نفسيه: أراد أنه يردد رأيه: هل يفعل أو ~~لا يفعل؟ فكأن له نفسين، يردد المشورة عليهما حتى يظهر لهما الرأي الأرجح ~~فيهما فيبني عليه. وقال حويرث العبدي: [الطويل] PageV03P076 # لكل امرئ نفسان نفس كريمة ... ونفس فيعصيها الفتى أو يطيعها # وقد تقدم معنى يقلب قدحيه. الماعون: المعروف، وقال يونس: الماعون في ~~الجاهلية: كل عطية ومنفعة، وفي الإسلام الزكاة والطاعة. وقال ابن عباس: ~~الماعون المعروف كله حتى ذكر القدر والقصعة والفأس. # وحكى الفنجديهي عن ابن عباس: الماعون العارية، وقال الماعون: اسم جامع ~~لمنافع البيت، كالقدر والفأس والماء والملح ونحوها، وقال الأعشى: ~~[المتقارب] # بأجود منه بماعونه ... إذا ما سماؤهم لم تغم (¬1) # والأظهر فيه، أنه من العون، وأصله معوون بوزن «مفعول»، فقدمت الواو التي ~~بعد العين، فصار موعون، ثم قلبت ألفا كما قيل: يا جل. وحكى الغراء عن بعض العرب: # الماعون الماء، فيكون على هذا مفعولا من العين، ويعل كما عل من العون، أو ~~يكون فاعولا، من معن الماء، إذا سال. وهو أيضا قول من اشتقه من قولهم: ممعن ~~هربا، أو من قولهم: عين معين. قال قطرب: ماعون فاعول من المعن، وهو الشيء ~~اليسير، ومنهم من ms0916 قال: أصله معونة، والألف بدل الهاء. # قوله: أوكوا: أي شدوا. روضوا: زينوا، واجعلوها مثل الرياض. الأردان: # الأكمام. آضت: رجعت أذهانهم مضيئة بالفهم وزال عنها الالتباس. تغن ~~بالأمس، يريد أن أكمامهم كانت بالأمس ممتلئة بالدراهم، فتفرغت اليوم إذ ~~وهبوا له ما فيها. # *** # ولما هم بالمفر، سئل: أين المفر؟ فتنفس كما تتنفس الثكول، ثم أنشأ يقول: ~~[مجزوء الرمل] # كل شعب لي شعب ... وبه ربعي رحب # غير أني بسروج ... مستهام القلب صب # هي أرضي البكر والجو ... الذي منه المهب # وإلى روضتها الغنا ... ء دون الروض أصبو # ما حلالي بعدها حل ... وو لا اعذوذب عذب # قال الراوي: فقلت لأصحابي: هذا أبو زيد السروجي، الذي أدنى ملحه PageV03P077 # الأحاجي، وأخذت أصف لهم حسن توشيته. ثم التفت فإذا به قد طمر، وناء بما ~~قمر؛ فعجبنا مما صنع إذ وقع، ولم ندر أين سكع وصقع. # *** # المفر: المهرب. المقر: المنزل والبلد. الثكول: المرأة الثكلى الفاقدة ~~لأحبابها. # شعب، أي طريق، أي كل بلد لي بلد. ربعي رحب، أي منزلي متسع. المستهام: ~~الذي غلب الحب على قلبه فخرج هائما على وجهه لا يدري أين يتوجه، وهام يهيم: ~~ذهب عقله فخرج في غير الطريق، وقيل: الهائم: العليل القلب، الذي يجد في ~~قلبه هياما، وهو وجع يجده البعير، فلا يروى من شرب الماء: قال عروة بن ~~حزام: [الطويل] # بي اليأس أو داء الهيام أصابني ... فإياك عني لا يكن بك ما بيا (¬1) # أو يكون من التهويم، وهو هجوم النوم، وهو في الأوجه الثلاثة اسم مفعول، ~~وكان قياسه مستهيما إلا أنه لما كان كأنه مغلوب على ذلك، جاء على هذا وحذف ~~«به» لدلالة المعنى. والصب: العاشق. البكر: التي ولدت بها. الجو: اسم ~~لنواحي السماء. مهب الريح: موضع هبوبها من الجو، وأراد بلدته التي يجيء ~~منها ويخرج عنها للبلاد. الغناء: # الكثيرة الأشجار، وتقدمت علتها. أصبو: أميل. أدنى: أقل. توشيته: تزيينه كلامه. # مشيئته: إرادته. طمر: وثب، وهو من الأضداد يقال: طمرت الشيء: سترته، وطمر ~~الجرح سفل وعلا أيضا، ومنه قيل للبرغوث طامر، لنزوه وارتفاعه. ناء: نهض. قمر: ms0917 # حازه بالقمار. سكع: مشى مشي المتعسف. صقع: ذهب، وقيل: لم يدر أين ذهب. # والسكع: الذهاب على غير هداية، والصقع: الناحية من الأرض، وما أدري أين ~~صقع، أي أي ناحية قصد من الأرض. # *** ### || AUTO [في تفسير الأحاجي] # إذا أردت أن تعرف المماثلة في هذه الأحاجي فتنظر «جوع أمد بزاد» فتقابله ~~بطوامير، فتقسم هذه اللفظة، فتقابل القسم الأول وهو «طوا» بقولك: «جوع» ~~فتجده مثله في المعنى، وتقابل بالقسم الثاني، وهو «مير» قولك: «أمد بزاد»، ~~فتجده مثله في المعنى، والمير الإمداد بالزاد، ومير الرجل: أعطى نفقة وقوتا ~~لعياله، فهذه المماثلة PageV03P078 # الحقيقية التي قدم، وكذلك تقابل «ظهر أصابته عين» بقولك: «مطاعين»، فتجد ~~المطا الظهر، وعين الرجل: أصيب بالعين، وكذلك صادف جائزة، هي ألفي صلة، ~~وألفي هي: صادق، والجائزة هي الصلة، تصل بها من قصدك. وإن تركت الألفاظ ~~منظومة بغير تقسيم، ينتج منها معنى آخر فيقال لك: ما الطوامير؟ فتقول: ~~الكتب، الواحد طومار، والمطاعين: جمع مطعان، وهو الكثير الطعن، والفاصلة، ~~التي تقع بين شيئين فتفصل هذا من هذا والفاصلة في العروض: توالي أربعة أحرف ~~أو ثلاثة متحركة بعدها ساكن، وهكذا هي المقايضة في هذه المقامة، تصل اللفظة ~~فيكون لها معنى، وتفصلها فيكون لها معنى آخر. # وأنا أفسر معنى المتصلة إذ المنفصلة قد وقع تفسيرها في المقامة قوله: ~~هادية، أي مرشدة، تقول: هدتني الطريق فهي هادية. والغاشية: ما يغشى القلب، ~~أي يغطيه من الهم والسقم، والغاشية أيضا القوم يغشونك، أي يقصدونك ~~ويزورونك، والغاشية: # القيامة، والغاشية: المرأة تغشاك وتزورك، والغاشية غشاء القلب، والغاشية: ~~غشاء السرج. # والمهمة: القفر، والأخطار: جمع خطر، وهو الغرر، والأخطار: المنازل ~~الشريفة. والأبارقة: جمع إبريق، وهو إناء معروف، والأبارقة أيضا: السيوف ~~الصقيلة، واحدها إبريق، والطافية: الجيفة تطفو على وجه الماء أي تطلع عليه. # الفرازين: وزراء الفرس الواحد فرزان، ومنه فرزان الشطرنج، الذي تسميه ~~العامة «فرزا»، لأنه وزير الشاه، والشاه في كلام الفرس الملك. وقمت: معناه كففت. # والمنتقم: الفرح بمصيبة غيره. والرحراح من الأواني: الواسع القصير ~~الحديد، ورحراح: موضع معروف. والصنبور: النخلة الطويلة العنق القليلة ms0918 ~~الحمل، والصنبور أيضا: العفاص الذي يجعله السقاء في فم القربة، ويشد عليه ~~ويفرغ منه الماء، والصنبور أيضا: اللئيم، والصنبور من الناس من ليس له نسل. # والسراحين: الذئاب الواحد سرحان. الأسكوب: المطر الكثير الصب والأسكوب ~~والإسكاب: قطعة خشب فيها قرص تجعل في خرق الزق. والمقلاع: آلة يقلع بها ~~الشيء. والله الموفق. ### || AUTO تفسير الأحاجي المودعة هذه المقامة # أما جوع أمد بزاد، فمثله طوامير، وأما ظهر أصابته عين، فمثله مطاعين، ~~وأما صادف جائزة فمثله الفاصلة، وأما تناول ألف دينار، فمثله هادية، وأما ~~أهمل حلية فمثله الغاشية. # وأما اكفف اكفف، فمثله مهمه، وأما الشقيق أفلت فمثله أخطار. PageV03P079 # وأما ما اختار فضة فمثله أبارقة؛ لأن الرقة من أسماء الفضة، وقد نطق بها ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «الرقة ربع العشر» (¬1). # وأما دس جماعة فمثله طافية، وأما خالي اسكت فمثله خالصة؛ لأنك إذا ناديت ~~مضافا إلى نفسك جاز لك حذف الياء وإثباتها ساكنة ومتحركة؛ وقد حذف هاهنا ~~حرف النداء، كما حذفه في أصل الأحجية، وصه بمعنى اسكت، وأما خذ تلك فمثله هاتيك. # وأما حمار وحش زينا، فمثله فرازين، لأن الفرأ حمار الوحش، ومنه الحديث: # «كل الصيد في جوف الفرا» (¬2). # وأما قوله: أنفق تقمع، فمثله منتقم؛ لأن الأمر من مان يمون من. مضارع ~~وقمت تقم. # وأما استنش ريح مدامه، فمثله رحراح؛ لأن الأمر من استدعاء الرائحة رح. ~~وأما غط هلكى فمثله صنبور؛ لأن البور هم الهلكى، وفي القرآن وكنتم قوما ~~بورا [الفرقان: 18]. # وأما سار بالليل مدة؛ فمثله سراحين. # وأما أحبب فروقة؛ فمثله مقلاع، لأن الأمر من ومق ويمق مق، واللاع: ~~الجبان؛ يقال: فلان هاع لاع؛ إذا كان جبانا جزوعا. # وأما أعط ابريقا يلوح بغير عروة، فمثله أسكوب؛ لأن الأوس الإعطاء والأمر ~~منه أس. والكوب: الإبريق بغير عروة. # وأما الثور ملكي، فمثله اللآلي؛ لأن اللأي على وزن القنا هو ثور الوحش. ~~وأما صفير جحفلة، فمثله مكاشفة؛ لأن المكاء الصفير؛ قال تعالى: وما كان ~~صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية [الأنفال: 35]. والأصل في المكاء المد؛ ~~ولكنه قصره ms0919 في هذه الأحجية، كما حذف همزة الفرا في أحجيته، وكلا الأمرين من ~~قصر الممدود، وحذف همزة المهموز جائز. PageV03P080 ### | AUTO المقامة السابعة والثلاثون وتعرف بالصعدية # حكى الحارث بن همام قال: أصعدت إلى صعدة، وأنا ذو شطاط يحكي الصعدة، ~~واشتداد يبدر بنات صعدة؛ فلما رأيت نضرتها، ورعيت خضرتها، سألت نحارير ~~الرواة، عما تحويه من السراة، ومعادن الخيرات؛ لاتخذه جذوة في الظلمات، ~~ونجدة في الظلامات، فنعت لي قاض بها رحيب الباع، خصيب الرباع، تميمي النسب ~~والطباع؛ فلم أزل أتقرب إليه بالإلمام، وأتنفق عليه بالإجمام؛ حتى صرت صدى ~~صوته، وسلمان بيته. # *** # أصعدت: طلعت وارتفعت، قال يعقوب: الإصعاد إلى نجد واليمن والحجاز، ~~والانحدار إلى العراق والشام وعمان. وقال الأخفش: أصعد في البلاد: سار فيها ~~ومضى، وأصله الذهاب في الصعود وهو الارتفاع، ثم توسعوا في ذلك، وقال الفراء ~~رحمه الله تعالى في ابتداء الأسفار والمخارج، تقول: أصعدنا من مكة إلى ~~بغداد، وأصعدنا من بغداد إلى خراسان، فأما في السلم فتقول: صعدت فيه لا ~~أصعدت. قال يعقوب رحمه الله: صعد الجبل وأصعد في البلاد: انحدر فيها وصعد: ارتقى. # وصعدة: مدينة عظيمة باليمن، بينها وبين صنعاء ستون فرسخا، وتحكم فيها ~~صنعة الجلود، والجلد الصعدي في غاية الجودة، ويضرب المثل بحسن نسائها. # الشطاط: طول القامة. والصعدة: الرمح. اشتداد: جري. يبدر: يسبق. بنات ~~صعدة: حمر الوحش. نضرتها: خصبها ونعمتها، والنضرة: صفاء اللون وبريقه، ~~نحارير: علماء، والنحرير، الماهر والحاذق الذي جرب الأمور وعرفها، وهو اسم ~~يجمع وجوها من المدح، فيفسر النحرير بالعالم والمفلق والحاذق والماهر ~~والعادل. والسراة: السادة، وهو جمع سري، وهو السيد الشريف، وجمع فعيل على ~~فعلة عزيز لا يعرف غير هذا، الجذوة: الجمرة الغليظة العظيمة وجيمها بثلاث ~~حركات، ويجمع ثلاثتها، نحو جذا وجذا وجذا. نجدة: قوة وعونا، الظلامات: # جمع ظلامة، وهو ما يشتكيه المظلوم، رحيب الباع: واسع العطاء، فكنى بالباع ~~عن PageV03P081 # ذلك، والعرب إذا وصفت الرجل بالسخاء، قالوا: هو رحيب الباع، وطويل الباع، ~~وكريم الباع، والباع والبوع بسط اليد بالمعروف، وقد باع يبوع منه، ويقال ~~للبخيل: قصير الباع. خصيب ms0920 الرباع، أي هو كثير المال فجمع له كرمه كثرة ~~ماله، فالناس يجدون في كنفه الخصب وقد يراد بخصيب الرباع نافق سوق الأحكام ~~فالمتعلق به يجد الخصب. # تميمي النسب، أي من بني تميم وشرك الطباع مع النسب، وهو يريد أنه كامل ~~تام في خلقه، فنسب قبيلته لتميم، وطباعه التمام والكمال فغلب أحدهما، وشرك ~~بينهما للقرب، قال ابن شرف: فيما يلم بهذا التشريك، ويحسن أن يمدح قاضي ~~المقامة به لجوده: [البسيط] # جاور عليا ولا تحفل بحادثة ... إذا ادرعت فلا تسأل عن الأسل # اسم حكاه المسمى في الفعال فقد ... حاز العليين من قول ومن عمل # فالماجد السيد الحر الكريم له ... كالنعت والعطف والتوكيد والبدل # زان العلا وسواه شأنها، وكذا ... تميز الشمس في الميزان والحمل # وربما عابه ما يفخرون به ... يشنأ من الخصر ما يهوى من الكفل # سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد ... ملء المسامع، والأفواه والمقل # فإنه أراد بقوله: «حاز العليين» أي حاز عليا بالاسمية، والعلو بالفعلية، ~~وهذا مثل ما تقدم للحريري: [الخفيف] # جاد بالعين حين أعمى هواه ... عينه فانثنى بلا عينين # فقد أوقع التشبيه على شيئين، يتفقان في اللفظ، ويختلفان في المعنى، وقد ~~أنشدنا فيما تقدم لبعض المتأخرين: [البسيط] # فكيف أصبر عنها اليوم إذ جمعت ... طيب الهواءين ممدود ومقصور # فالمقصود هوى النفس، والممدود الهواء الذي بين السماء والأرض، وقد قدمنا ~~في تفسير قول الحريري، وحيا المسجد بالتسليمتين، أن السلام الواحد على من ~~في المسجد عند دخوله، والثاني تحليل الصلاة. # وقوله: هنا تميمي النسب والطباع من هذا القبيل، وأكثره في كلام المولدين، ~~وهو مستعمل في كلام العرب، ولا يبعد أن يكون من هذا قولهم: التقى الثريان، ~~فإنهم يريدون بذلك كثرة المطر، وأنه يبلغ في الأرض إلى التراب الندي، ~~فالثرى الواحد المطر، والثاني التراب الندي، على أنه يحتمل أن يريد بذلك أن ~~التراب اليابس لما بله المطر، حتى لحق بالتراب الندي، صار اليابس منهما ~~يسمى «ثرى» فقيل: التقى الثريان، وقال النابغة: [الوافر] PageV03P082 # وقد أبقت صروف الدهر مني ... كما أبقت من السيف اليماني (¬1) # يصمم ms0921 وهو مأثور جراز ... إذا جمعت بقائمه اليدان # فسره أبو عبيد البكري وغيره: بأنه أراد بذلك الجارحة، والأيد الذي هو ~~القوة، فجمع على الأخف، فهذا من قبيل ما قدمناه، ولا يحضرني الآن غير هذا ~~من كلام العرب. # قوله: الإلمام، أي تخفيف الزيارة. أننفق، أتخرج، والنفاق ضد الكساد. # الإجمام: الزيارة صدى صوته، أي متى دعاه وجده حاضرا مجيبا له، والصدى: ~~صوت الجبل الذي يرد عليك إذا صحت. # وابن همام في هذا المقامة شرطي القاضي. ### || AUTO [سلمان الفارسي] # وسلمان الذي ذكره، هو سلمان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، ~~ويعرف بسلمان الخير، قالت عائشة رضي الله عنها: كان لسلمان رضي الله عنه ~~مجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفرد به في الليل، حتى كاد يغلبنا عليه. # وقال عليه السلام: «أمرني ربي بحب أربعة، وأعلمني أنه يحبهم: علي، وأبو ~~ذر، والمقداد، وسلمان»، رضي الله تعالى عنهم. # وأتى أبو سفيان على سلمان وصهيب وبلال، فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عنق ~~عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أتقولون هذا لشيخ قريش ~~وسيدهم! وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: يا أبا بكر، لعلك ~~أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك، فأتاهم أبو بكر رضي الله عنه ~~فقال: يا إخوتاه، أأغضبتكم؟ فقالوا: لا، ويغفر الله لك. # وكان من أبناء أساورة فارس، وأصله من رامهرمز، وقيل: كان من أصبهان، وكان ~~يطلب دين الله ويتبع من يرجو ذلك عنده، فدان بالنصرانية وغيرها، وقرأ ~~الكتب، وصبر في ذلك على مشقات نالته، وكلها مذكورة في إسلامه في كتب السير. # وقيل: تداوله في ذلك بضعة عشر ربا، حتى أفضى إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فاشتراه من قوم من اليهود. # وأول مشاهده الخندق، وهو الذي أشار بحفره، فقال أبو سفيان وأصحابه: هذه ~~مكيدة ما كانت العرب تكيدها. # وسئل علي عنه فقال: علم العلم الأول، بحر لا ينزف، هو منا أهل البيت، وفي ~~رواية: هو مثل لقمان الحكيم، وكان فاضلا حبرا زاهدا عالما متقشفا. ms0922 PageV03P083 # وتعلم عمل الخوص، فقيل له: لم نعمل هذا وأنت أمير! وقد أجري عليك رزق، ~~فقال: إني أحببت أن آكل من عمل يدي. وكان يتصدق بما يرزق من بيت المال، ~~وكانت له عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها. # وقال صلى الله عليه وسلم: «لو كان الدين في الثريا لناله سلمان». # أبو هريرة رضي الله عنه، كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقرأ سورة الجمعة، فلما قرأ: وآخرين منهم لما يلحقوا بهم [الجمعة: 3]- ~~وفينا سلمان- وضع يده على سلمان، ثم قال: «لو كان الإيمان عند الثريا لنا ~~له رجل من هؤلاء». # وتوفي في آخر خلافة عثمان رضي الله عنه، وما ترك شيئا يورث عنه. وفضائله كثيرة. # وعلى قولهم لأبي بكر: «لا، ويغفر الله لك»، قال أبو محمد في الدرة: وربما ~~أجاب المستخبر بلا النافية، ثم عقبها بالدعاء له، فيستحيل الكلام إلى ~~الدعاء عليه، كما روي أن أبا بكر رضي الله عنه رأى رجلا، بيده ثوب، فقال: ~~أتبيع هذا؟ فقال لا عافاك الله، فقال أبو بكر رضي الله عنه لقد علمتم لو ~~تعلمون! فهلا قلت: لا وعافاك الله! . # قال أبو محمد: والمستحسن ما قال يحيى بن أكتم للمأمون، وقد سأله عن أمر ~~فقال: لا؛ وأيد الله أمر أمير المؤمنين. # وحكي أن الصاحب بن عباد لما سمع هذه الحكاية، قال: والله لهذه الواو أحسن ~~من واوات الأصداغ، في خدود المرد الملاح. # *** # وكنت مع اشتيار شهده، وانتشاق رنده، أشهد مشاجر الخصوم، وأسفر بين ~~المعصوم منهم والموصوم، فبينما القاضي جالس للإسجال، في يوم المحفل ~~والاحتفال؛ إذ دخل شيخ بالي الريا، وبادي الارتعاش؛ فتبصر الحقل تبصر نقاد، ~~ثم زعم أن له خصما غير منقاد؛ فلم يكن إلا كضوء شرارة، أو وحي إشارة؛ حتى ~~أحضر غلام، كأنه ضرغام فقال الشيخ: أيد الله القاضي، وعصمه من التغاضي، إن ~~ابني هذا كالقلم الردي، والسيف الصدي، يجهل أوصاف الإنصاف، ويرضع أخلاف ~~الخلاف، إن أقدمت أحجم، وإذا أعربت أعجم، وإن أذكيت أخمد، ومتى شويت رمد؛ ~~مع أني كفلته مذ دب، إلى ms0923 أن شب، وكنت له الطف من ربي ورب فأكبر القاضي ما ~~شكا إليه، وأطرف به من حواليه، ثم قال: أشهد أن العقوق أحد الثكلين، ولرب ~~عقم أقر للعين. # *** PageV03P084 # قوله: اشتيار؛ أي استخراج عسله، وأراد اجتناء منفعته. انتشاق: شم، يقال: # نشق الريح الطيبة نشقا وانتشق: وتنشق: شمها، الرند: شجر طيب الرائحة، قال ~~ابن دريد رحمه الله: هو الآس، وقال الجوهري رحمه الله: ربما سمي العود ~~رندا، مشاجر الخصوم: مواضع الخصام التي يتشاجر فيها الخصمان؛ أي يمتزج كلام ~~هذا بكلام هذا، من الشجر، واحدها مشجر، وقد يراد بها المصدر، وجمع لاختلاف ~~أنواعه، أسفر: أمشي بينهم بالصلح المعصوم: المحفوظ من الوقوع فيما يحذر، ~~وأصل العصمة في كلامهم المنع، وعصمته من كذا، إذا منعته. والله يعصمك من ~~الناس [المائدة: 67]، أي يمنعك، الموصوم: ذو الوصم، وهو العيب، فأراد أنه ~~يصلح بين أهل الخير والشر. للإسجال: للحكم، وأسجل القاضي على نفسه بالحكم، ~~وسجل، إذا كتب على نفسه، فأراد أنه جلس للحكم في العقود والسجلات، ومحفل ~~القوم: مجتمعهم، والاحتفال: كثرة الناس واجتماعهم، ومعنى احتفل الرجل: جمع، ~~وأراد: يكثر من الشيء الذي قصد، وجمع المحفل محافل، ومنه الشاة المحفلة، ~~وهي التي يحبس لبنها أياما في ضرعها لا تحلب. الرياش: # الثياب. تبصر الحفل: نظر الجمع وشخص فيهم، نقاد: مفتش، كأنه ينقد ببصره ~~الرجال، ويريد أنه نظر من شرط القاضي أهل الحزم والجراءة، فأخبرهم بقصة ~~ابنه، فانطلقوا فأتوا به، ونقاد الدراهم: الذي يمعن النظر فيها والتقليب ~~لها، ليميز جيدها من رديئها، وحي إشارة، يريد إشارة العين، إذا غمزت من ~~تريد أن يفهم إشارتك دون غيره، والوحي: الإيماء الخفي. ضرغام: أسد في عظم ~~خلقته وشدته، التغاضي: التغافل والسكوت عن الظلم، الصدى: الذي علاه الصدأ، ~~وهو وسخ السيف، والأخلاف جمع خلف، وهو ما يجلب منه اللبن ويقبض عليه ~~الحالب، قال ابن دريد: وقيل: الخلف للناقة كالضرع للبقرة: أحجم: تأخر، ~~أعربت: أوضحت، أعجم: أبهم ولبس أذكيت: أوقدت. أخمد: أطفأ، وخمدت النار: ~~أطفئ لهبها، كفلته: ربيته. دب. مشى مشي صغيرة على يديه ورجليه. شب: ms0924 صار ~~شابا ألطف: # أشفق وأرق، رب: أصلح، يريد أنه أصلح أحواله، وأحسن تربيته تحرزا من أن ~~ينسبه القاضي إلى تقصير. أكبر: رآه كبيرا، أطرف: أعجب، وجعلهم يستطرفون خبره. # الثكلين: الفقدين، يريد أن الرجل إذا عقه ولده ولم يبره فكأنه قد فقده. ### || AUTO [عقوق الوالدين] # ومما جاء في العقوق: كان جرير الشاعر أعق الناس بأبيه، وكان بلال ابنه ~~كذلك، فرجع جرير بلالا في الكلام، فقال له بلال: الكاذب بيني وبينك ناك ~~أمه، فأقبلت أمه عليه، وقالت: يا عدو الله، تقول هذا لأبيك! فقال جرير: ~~دعيه، فكأنه سمعه مني وأنا أقولها لأبي. # وممن شهر عنه العقوق بوالديه الحطيئة الشاعر، قال يهجو أباه: [الوافر] PageV03P085 # لحاك الله ثم لحاك حقا ... أبا ولحاك من عم وخال (¬1) # فبئس الشيخ أنت لدى المخازي ... وبئس الشيخ أنت لدى المعالي # جمعت اللؤم لا حياك ربي ... وأبواب السفاهة والضلال # وقد تقدم هجو نفسه وأمه. # وممن هجا أباه وغيره علي بن بسام، وما سلم من هجائه أمير ولا وزير، ولا ~~كبير ولا صغير، ومما قال في أبيه: [الخفيف] # هبك عمرت عمر عشرين نسرا ... أترى أنني أموت وتبقى! # فلئن عشت بعد موتك يوما ... لأشقن جيب مالك شقا # وقال فيه أيضا: [الطويل] # بعثت لأستهديك عيرا ولم أكن ... علمت بأن العير صرلنا صهرا # فوجه به كي نشترك في ركوبه ... فتركبه بطنا وأركبه ظهرا # وقال فيه أيضا: [الرمل] # شدت دارا خلتها مكرمة ... سلط الله عليها الغرقا # وأرانيك صريعا وسطها ... وأرانيها صعيدا زلقا # وقال فيه أيضا: [البسيط] # بنى أبو جعفر دارا فشيدها ... ومثله لخيار الدور بناء # فالجوع داخلها والذل خارجها ... وفي جوانبها بؤس وضراء # ما ينفع الدار من تشييد حائطها ... وليس داخلها خبر ولا ماء # وكذب، كان أبو جعفر محمد بن نصر بن منصور بن بسام في نهاية السودد ~~والمروءة والنظافة، رجل مترف نبيل المركب، مليح الملبس، ظريف العلمان، له ~~همة في تشييد البنيان، وما رثاه ابن الرومي به يدل على كذب ابنه، قال ابن ~~الرومي فيه: # [الكامل] # أودى محمد بن نصر بعد ما ... ضربت به ms0925 في جوده الأمثال # ملك تنافست العلا في عمره ... وتنافست في موته الآجال # من لم يعاين سير نعش محمد ... لم يدر كيف تسير الأجبال # ودخرته للدهر أعلم أنه ... كالحصن فيه لمن يؤول مآل # وتمتعت نفسي بروح رجائه ... زمنا طويلا والتمتع مال PageV03P086 # ورأيته كالشمس إن هي لم تنل ... فالرفق منها والضياء ينال # لهفي لفقدك يا محمد إنه ... فقدت بك النفحات والأنفال # بالله اقسم إن عمرك ما انقضى ... حتى انقضى الإحسان والإجمال # ولابن بسام يعزي أبا القاسم بن وهب في ابن مات له: [مخلع البسيط] # قل لأبي القاسم بن وهب ... أتى بك الدهر للعجائب # مات لك ابن وكان زينا ... وعاش ذو الشين والمعايب # حياة هذا كموت هذا ... فليس تخلو من المصائب # وقد تقدم هجوه في أخيه. # ومن حسن التعطف على الابن العاق، قول إبراهيم الصابي، وكان ابنه يعقه: # [البسيط] # أرضى عن ابني إذا ما عقني حذرا ... عليه أن يغضب الرحمن من غضبي # ولست أدري بم استحققت من ولدي ... إسخان عيني وقد أقررت عين أبي! # *** # قوله: ولرب عقم، العقم ألا تلد المرأة. # فقال الغلام؛ وقد أمعضه هذا الكلام: والذي نصب القضاة للعدل، وملكهم أعنة ~~الفضل والفصل، إنه ما دعا قط إلا أمنت، ولا ادعى إلا آمنت، ولا لبى إلا ~~وأحرمت، ولا أورى إلا وأضرمت؛ بيد أنه كمن يبغي بيض الأنوق، ويطلب الطيران ~~من النوق فقال له القاضي: وبم أعنتك، وامتحن طاعتك؟ قال: إنه مذ صفر من ~~المال، ومني بالإمحال، يسومني أن أتلمظ بالسؤال، وأستمطر سحب النوال؛ ليفيض ~~شربه الذي غاض، وينجبر من حاله ما انهاض، وقد كان حين أخذني بالدرس، وعلمني ~~أدب النفس، أشرب قلبي أن الحرص متعبة، والطمع معتبة، والشره متخمة، ~~والمسألة ملأمة. # *** # أمعضه: أوجعه وأغضبه، وأمعض من ذلك وامتعض: غضب وشق عليه وأوجعه، ادعى: ~~نسب لنفسه ما شاء، وفلان مدع وفعله الدعوى آمنت: صدقت ما ادعاه لبى: من ~~تلبية الحاج إذا صاح: لبيك لبيك. أحرمت: صرت محرما. أورى: أظهر له النار من ~~الزند، أضرمت: أو قدت، بيد: غير الأنوق: ذكر الرخم ولا ms0926 بيض له، فكأنه طلب ~~أمرا لا يكون أبدا، ومثله: طلب الأبلق العقوق، والأبلق الذكر والعقوق من ~~الخيل: التي امتلأ PageV03P087 # بطنها من حملها؛ يقال للأنثى: قد أعقت وهي معق وعقوق؛ فكأنه طلب أمرا لا ~~يكون أبدا، لأنه لا يكون الأبلق عقوقا. # ويقال: إن رجلا سأل معاوية أن يزوجه أمه هندا، فقال: أمرها إليها، وقد ~~أبت أن تتزوج، قال: فولني مكان كذا وكذا، فقال معاوية متمثلا: [الخفيف] # طلب الأبلق العقوق فلما ... لم ينله أراد بيض الأنواق (¬1) # والأنوق: طائر أبيض في شواهق الجبال، فبيضها في حرز لا يطمع فيه فمعناه ~~طلب ما لا يكون، وأما طلب الطيران من النوق فمثل الأول، وهو لا يمكن قوله: ~~أعنتك، أي أتعبك، وكلفك ما يشق عليك، من عنت البعير يعنت عنتا، إذا حدث في ~~رجله كسر بعد الجبر، فلا يمكنه التصرف إلا بمشقة. قال أبو عبيد رحمه الله: ~~عنته: أضر به، والعنت: # الضرر، قال: وأعنته أيضا، أهلكه وقال أحمد بن عبيد: أعنته: شدد عليه، ~~والعنت: # التشديد. # ابن عزيز: عنت: هلاك، وأصله المشقة والصعوبة، ومنه قولهم: أكمة عنوت، إذا ~~كانت صعبة المسالك، وقوله تعالى: لأعنتكم [البقرة: 22]، أي لأهلككم، ويجوز ~~أن يكون المعنى لشدد عليكم وتعبدكم بما يصعب أداؤه عليكم، كما فعل بمن قبلكم. # امتحن: ابتلي، صفر: خلا، مني: بلي. الإمحال: الجدب والفقر، يسومني: ~~يكلفني. # أتلمظ بالسؤال، أي أكثر الكلام به، والتلمظ: تتبع ما بقي في الفم من ~~الطعام باللسان بعد الأكل سحب: جمع سحابة، النوال: العطاء، قال ابن ~~الأنباري رحمه الله: النول والنوال: المنفعة والحظ، ونلت الرجل: إذا نفعته. ~~وأنلته حظا ونالني فلان: نفعني، وقولهم: ما كان نولك أن تفعل كذا؛ أي ما ~~كان لك منفعة في هذا الفعل، ونولك: # منصوب خبر كان وأن نفعل اسم كان أو بالعكس. يفيض: يسيل ويكثر. شربه: ~~ماؤه، وأراد به ماله: غاض: جف، انهاض: انكسر. أشرب: روى وسقى. الحرص: كثرة: # الطمع والطلب للدنيا، والشره: الحرص الكثير. متخمة: مفسدة، والمسألة: ~~سؤال ما في أيدي الناس. ملأمة: لؤم. # *** # ثم أنشدني من فلق فيه، ونحت ms0927 قوافيه: [السريع] # ارض بأدنى العيش واشكر عليه ... شكر من القل كثير لديه # وجانب الحرص الذي لم يزل ... يحط قدر المتراقي إليه # وحام عن عرضك واستبقه ... كما يحامي الليث عن لبدتيه PageV03P088 # واصبر على ما ناب من فاقة ... صبر أولى العزم وأغمض عليه # ولا ترق ماء المحيا ولو ... خولك المسئول ما في يديه # فالحر من إن قذيت عينه ... أخفي قذى جفنيه عن ناظريه # ومن إذا أخلق ديباجه ... لم ير أن يخلق ديباجتيه # *** # فلق: شق من بين شفتيه، نحت: نجر، أراد إنشاء قصائده. والقوافي، من قفوت ~~الشيء، إذا تتبعته، وسميت بذلك الاتباع بعضها بعضا. القل: القلة. المتراقي: ~~المرتفع، لبدتيه. شعر متلبد على كفله وبين كتفيه، ناب: نزل. فاقة: فقر. ~~أغمض، أي استره واغفل عنه، والمحيا: الوجه، خولك: ملكك. الناظر: سواد ~~العين، فيريد أنه إذا وقع في عينيه قذى وهو السقط على شدة إذايته، احتمله ~~الحر الكريم وصبر عليه، وأخفاه من ناظريه: تجلد، أي أخفي أذى بعض العينين ~~عن بعض، وهذا غاية في المبالغة، ديباجه: # ثوبه، والديباج: ثوب رفيع، ديباجتيه: خديه، وقيل ديباجة الخد حسن بشرته، ~~وأخلق الشيء، وأخلقه غيره لازم ومتعد: يقول: إذا افتقرت وبلي ثوبك فلا تبذل ~~وجهك لأحد، ولا تهنه بالسؤال، وهذا من قول حبيب: [البسيط] # ذل السؤال شجا في حلق معترض ... من دونه شرق من خلفه حرض (¬1) # ما ماء كفك إن جادت وإن بخلت ... من ماء وجهي إذا أفنيته عوض # وقال في ابن الزيات: [البسيط] # اعطى ونطفة وجهي في قراراتها ... يصونها الوجنات الغضة القشب (¬2) # ويقول: لم يخلق وجهي سؤال، فوجهي غض جديد، والنطفة: ماء الوجه الذي نهى ~~الحريري عن إراقته حين قال: [السريع] # ولا ترق ماء المحيا ولو ... خولك المسئول ما في يديه ### || AUTO [أبو تمام وعبد الصمد بن المعذل] # قال الصولي: كان حبيب رحمه الله تعالى لا يجيب هاجيا، ترفعا عنه، فانحدر ~~إلى البصرة والأهواز يمدح من بهما، فكتب إليه عبد الصمد بن المعذل: ~~[الخفيف] # أنت بين اثنتين تبرز للناس ... س بكلتيهما بوجه مذال # لست تنفك طالبا لوصال ... من ms0928 حبيب أو طالبا لنوال PageV03P089 # أي ماء لحر وجهك يبقى ... بين ذل الهوى وذل السؤال # فلما قرأ الشعر قال: قد شغل هذا ما يليه، ولا أرب لنا فيه. # وحكى الأصبهاني قال: جمع مجلس أبا تمام وعبد الصمد، وكان عبد الصمد سريح ~~القول، وفي أبي تمام بطء، فأخذ عبد الصمد قرطاسا، وكتب: أنت بين اثنتين، ~~الأبيات، ورمى بها إلى أبي تمام، فأخذه وخلا به طويلا، وجاء وقد كتب فيه: ~~[الكامل] # أفي تنظم قول الزور والفند ... وأنت أنزر من لا شيء في العدد # أشرجت قلبك من بغض على حرق ... كأنها حركات الروح في الجسد # فقال له عبد الصمد: يا ماص بظر أمه، أخبرني عن «لا شيء» في العدد كيف ~~يكون؟ وعن قولك: «أشرجت قلبك»، أعيبة أو خرج، فأشرجه، عليك لعنة الله. # فانقطع أبو تمام انقطاعا ما رئي مثله. # وحكاية الصولي أولى بالصحة من هذه، وليس عبد الصمد من رجال أبي تمام، ولا ~~له من التصرف في أنواع الشعر ما لأبي تمام، وصنع البديع وقف عليه، ولو صحت ~~الحكاية فلا يحكم بالندرة، لكن يحكم بالجملة، واستعمال ديوان حبيب في مجالس ~~العلماء شاهد على فضله، على أن ما جمعنا لعبد الصمد في هذا الكتاب غاية في بابه. # فلنرجع إلى ما قيل في ذل السؤال. ### || AUTO [ذل السؤال] # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سأل وعنده ما يغديه أو يعيشه ~~فإنما يستكثر من جمر جهنم» (¬1). # وقال الحسن بن علي رضي الله عنهما: حسبك من السؤال أنه يضعف لسان ~~المتكلم، ويكسر قلب الشجاع البطل، ويوقف الحر الكريم موقف العبد الذليل، ~~ويذهب بنضرة اللون، ويمحو الحسب، ويحبب الموت، ويمقت الحياة. # الأصمعي رحمه الله: سمعت أعرابيا يقول: المسألة طريق المذلة، تسلب الشريف ~~عزة والحسيب حسبه. # وقال معاوية لعبد الله بن الزبير: أنشدني ثلاثة أبيات غريبة، فقال ~~أنشدكها بثلاثين ألفا تدفعها إلي، فقال: حتى تنشد فأسمع، فأنشده أبيات ~~الأفواه الأودي: [الوافر] # بلوت الناس قرنا بعد قرن ... فلم أر غير ختل أو قتال (¬2) PageV03P090 # ولم أر في الخطوب أشد ضرا ms0929 ... وآذى من معاداة الرجال # وذقت مرارة الأشياء طرا ... فما شيء أمر من السؤال # ثم قال له: أسمعتك وأنت الحكم، فحكم له، وأمر له بثلاثين ألفا. # وينظر إلى ما نسبه ابن المعذل لحبيب من إضافة ذل السؤال، ما أضافه له علي ~~بن الجهم من ذل الاعتذار، وقال يعتذر للمتوكل: [الخفيف] # إن ذل السؤال والاعتذار ... خطة صعبة على الأحرار # ليس من باطل تورها المر ... ء ولكن سوابق الأقدار # فارض للسائل الخضوع وللقا ... رف ذنبا بذلة الاعتذار # إن تجافيت منعما كنت أولى ... من تجافى عن الذنوب الكبار # أو تعاقب فأنت أعرف با ... لله وليس العقاب منك بعار # وقال أيضا: [الطويل] # هي النفس ما حملتها تتحمل ... وللدهر أيام تجور وتعدل # وعاقبة الصبر الجميل جميلة ... وأكمل أخلاق الرجال التفضل # ولا عار أن زالت عن المرء نعمة ... ولكن عارا أن يزول التجمل # وما المال إلا حسرة إن تركته ... وغنم إذا قدمته متعجل # *** # قال: فعبس الشيخ واكفهر، واندرأ على ابنه وهر وقال له: صه يا عقق، يا من ~~هو الشجي والشرق، ويك، أتعلم أمك البضاع، وظئرك الإرضاع! لقد تحككت العقرب ~~بالأفعى، واستنت الفصال حتى القرعى، ثم كأنه ندم على ما فرط من فيه، وحدته ~~المقة على تلافيه، فرنا إليه بعين عاطف، وخفض له جناح ملاطف، وقال له: ويك ~~يا بني، إن من أمر بالقناعة، وزجر عن الضراعة، هم أرباب البضاعة، وأولو ~~المكسبة بالصناعة؛ فأما ذوو الضرورات، فقد استثنى بهم في المحظورات؛ وهبك ~~جهلت هذا التأويل، ولم يبلغك ما قيل، ألست الذي عارض أباه، فيما قال وما حاباه! # قوله: اكفهر، اشتد عبوسه، ووجه مكفهر: منقبض كالح، لا يرى فيه أثر بشر ~~ولا فرح اندرأ: اندفع على ابنه بالشتم، هر: كشر وجهه وعبسه، صه: اسكت، يا ~~عقق: يا كثير العقوق، ويقال: عق أباه يعقه عقوقا، فهو عاق، ويعدل إلى عقق ~~للمبالغة، كعامر وعمر، وعق أباه: لم يعطه وقطع رحمه. ولما قتل حمزة عم ~~النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عن PageV03P091 # عمه، مر به أبو سفيان، فطعنه بالرمح في ms0930 شدقه، وقال: ذق عقق، أي ذق جزاء ~~فعلك يا عقق والعق: القطع والشق. # وقال عليه الصلاة السلام: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، ~~والديوث، ورجلة النساء» (¬1). # قوله: الشجا: الاختناق بالطعام، الشرق بالماء والطعام والشراب، بهما قوام ~~العيش، فإذا عرض فيهما ذلك فقد عرضت مشقة وأذية في موضع الالتذاذ، وكذلك ~~الولد العاق، وهو أذية في موضع راحة، وما أحسن قول القائل: [مخلع البسيط] # قراية السوء داء سوء ... فاحمل أذاهم تعش حميدا # فمن تكن قرحة بفيه ... يصبر على مصه الصديدا # البضاع: النكاح والجماع ظئرك: مرضعتك، تحككت: لصقت بها وحلقت حواليها، ~~استنت: جرب متتابعة في سنن، وهو الطريق والمذهب، ومنه فلان يستن، أي يجري ~~على أي أمر شاء، لا يزجره عنه زاجر. وقيل: استنت، أي سمنت، من قولهم: # سن الراعي إبله؛ إذا أحسن رعيها فأسمنها، فكأنه حسنها وصقلها. القرعى: ~~التي يصيبها القرع في رأسها، والقرعى: جمع قريع، مثل مرضى ومريض، وهذه ~~أمثال تضرب لمن يتشبه بغيره، ولا يقوي قوته. # فرط: سبق حدته: ساقته المقة: المحبة، تلافيه: تداركه بالعطف عليه رنا: نظر: # عاطف: راحم، ملاطف، أي رفيق به، أي حسن كلامه وأنسه وخفض الجناح؛ يكنى به ~~عن لين الجانب ويك: عجبا لك! زجر: نهى الضراعة: التذلل، وضرع ضراعة فهو ~~ضارع، تضرع: تذلل وتخشع، البضاعة: التجارة. المحظورات: الممنوعات، وأراد ~~بالاستثناء ما أحل الله من المحرمات لأهل الضرائر، ويروى: سوغوا في ~~المحظورات، أي رخصوا لهم فيها هبك: أحسبك التأويل: التفسير، ولم يبلغك ما ~~قيل، يعني في إباحة السؤال للمضطر، وهو قول الناس: الضرورات تبيح ~~المحظورات، ويصدقه قوله تعالى: فمن اضطر في مخمصة [المائدة: 3]، وقال عليه ~~الصلاة والسلام: «إنما المسألة كدوح يكدح بها أحدكم وجهه إلا مسألة من ذي ~~سلطان أو في أمر لا بد منه» (¬2)، عارضه: قابله بنقيض ما قاله. حاباه: ~~اختصه بهذه الوصية، أي جعل هذا الشعر وصية لمن سمعه، ويقال: حابى فلان ~~فلانا، إذا مال إليه واتصل به، أخذ من حبي السحاب، وهو السحاب الذي يدنو ~~بعضه من بعض وقيل حباه: خصه بالليل أخذه ms0931 من الحبوة، وهي PageV03P092 # العطية يحبوها الرجل صاحبه، ويخصه بها قال اليزيدي: ثلاثة إن لم تظلمهم ظلموك: # ابنك، وزوجك، وخادمك. [البسيط] # *** # لا تقعدن على ضر ومسغبة ... لكي يقال عزيز النفس مصطبر # وانظر بعينك هل أرض معطلة ... من النبات كأرض حفها الشجر # فعد عما تشير الأغبياء به ... فأي فضل لعود ماله ثمر # وارحل ركابك عن ربع ظمئت به ... إلى الجناب الذي يهمي به المطر # واستنزل الري من در السحاب فإن ... بلت يداك به فليهنك الظفر # وإن رددت فما في الرد منقصة ... عليك، قد رد موسى قبل والخضر # *** # مسغبة: جوع. حفها: حلقها، يريد أن الأرض ذات الخصب تقصد لما فيها من ~~الأرزاق، والأرض المعطلة من النبات- وهي الجدبة- يفر عنها، وكذلك الغني ~~يكرم لماله، والفقير يهجر ويهان. ### || AUTO [فضل المال] # ومما جاء في فضل المال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمجاشعي: «إن ~~كان لك مال فلك حسب، وإن كان لك خلق فلك مروءة، وإن كان لك دين فلك كرم». # وقال حكيم لابنه: يا بني أوصيك، عليك بطلب المال، فلو لم يكن إلا أنه عز ~~في قلبك، وذل في قلب عدوك. # وقال آخر لابنه: يا بني أوصيك باثنتين لن تزال بخير ما تمسكت بهما: درهمك ~~لمعاشك، ودينك لمعادك. # وكان سعد بن عبادة يقول: اللهم ارزقني حمدا ومجدا، فإنه لا مجد إلا ~~بفعال، ولا فعال إلا بمال. # وقالوا: المال آلة للمكارم، وعون على الزمان، ومتألف للإخوان، ومن فقده ~~قلت الرغبة إليه والرهبة منه. # قال سفيان الثوري: المال سلاح المؤمن في هذا الزمان. # وكان لأحيحة بن الجلاح بالزوراء ثلاثمائة ناضح، فدخل بستانا له، فمر ~~بتمرة فلقطها، فليم على ذلك، فقال: تمرة إلى تمرة تمرات، وجمل إلى جمل ذود. ~~ثم أنشد يقول: [البسيط] PageV03P093 # إني مقيم على الزوراء أعمرها ... إن الحبيب إلى الإخوان ذو المال (¬1) # استغن أو مت ولا يغررك ذو نشب ... من ابن عم ومن عم ومن خال # كل النداء إذا ناديت يخذلني ... إلا النداء إذا ناديت يا مالي # وقال عروة بن الورد: [الوافر] # ذريني للغنى أسعى ms0932 فإني ... رأيت الناس شرهم الفقير # وأدناهم وأهونهم عليهم ... وإن أمسى له حسب وخير # يباعده القريب ونزدريه ... حليلته ويقهره الصغير # ويلقى ذو العنى وله جلال ... يكاد فؤاد لاقيه يطير # قليل ذنبه والذنب جم ... ولكن للغنى رب غفور (¬2) # ومن أمثال بغداد: المال المال، وما سواه محال. # قوله: الأغبياء: الجهال، وأراد بهم الذين يأمرون بالبخل. ظمئت: عطشت. # والركاب: الإبل. والجناب: الجانب والناحية. يهمي: يسيل والري: الشبع من ~~الماء، والصوب وقع الماء. والظفر: الفوز بالحاجة، يقول: فارق أرضك واغترب ~~في طلب المال، واسأل الكرماء يعطوك. # وقال الشاعر: [الطويل] # سأعمل نص العيس يوما ليكفني ... غنى المال يوما أو غنى الحدثان (¬3) # فللموت خير من حياة يرى بها ... على المرء بالإقلال وسم هوان # إذا قال لم يسمع لحسن مقاله ... وإن لم يقل قالوا عديم بيان # كأن الغنى في أهله يجعل الفتى ... بغير لسان ناطقا بلسان # وأشار بقوله: «قد رد موسى قبل والخضر، إلى قوله تعالى: حتى إذا أتيا أهل ~~قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما [الكهف: 77]. PageV03P094 # وفي نسب الخضر الختلاف، منهم من جعله من قابيل بن آدم، ومنهم من يجعل ~~بينه وبين سام بن نوح خمسة آباء، ويجعله من ذرية سام، وقال عليه الصلاة ~~والسلام: «إنما سمي خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز خضرة» ~~(¬1). والفروة: الأرض البيضاء، وقصته مع موسى مشهورة. وقيل إن موسى صاحبه ~~غير موسى بن عمران. وقال موسى للخضر حين فارقه: عظني فقال: لا يراك الله ~~حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك، فكما تذهب بأمل صادق فتخيب، قد تذهب بأمل ~~كاذب فتصيب، وتذهب للحقير، وتدرك الجليل. وقد ذهب موسى ليقتبس نارا، فكلمه ~~ربه. وقد تقدم هذا. # قال ابن عبد ربه: مما جبل عليه الحر الكريم، ألا يقنع من شرف الدنيا ~~والآخرة بشيء مما انبسط له من أمر الدنيا، بل يكون أمله فيما هو أسنى درجة ~~وأرفع مرتبة، ولذلك قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وهو عامل بالمدينة ~~لدكين الراجز: إن لي نفسا تواقة، فإذا بلغك أني صرت إلى أشرف ms0933 من منزلتي ~~فأتني. فلما صار خليفة أتاه، فقال: أنا أعلمتك أن لي نفسا تواقة، وأن نفسي ~~تاقت إلى أشرف منازل الدنيا منزلة، فلما بلغتها وجدتها تتوق إلى أشرف منازل ~~الآخرة منزلة. # ومن الشاهد لهذا المعنى أن موسى عليه السلام لما كلمه ربه تكليما سأله، ~~النظر إليه إذ كان ذلك- لو وصل إليه- أشرف من المنزلة التي نالها؛ فالحر ~~الكريم لا يقنع بمنزلة إلا رجاء أشرف منها قال: ومن قولنا في هذا المعنى: ~~[البسيط] # والحر لا يكتفي أبدا من نيل منزلة ... حتى ينال التي من دونها العطب # يسعى به أمل من دونه أجل ... إن كفه رهب يدعو به رغب # لذاك ما سأل موسى ربه: أرني ... أنظر إليك وفي تسآله عجب # يبغي التزيد فيما نال من كرم ... وهو النجي لديه الوحي والكتب # وقال حبيب: [الطويل] # ذريني وأهوال الزمان أقاسها ... فأهواله العظمى تليها رغائبه (¬2) # *** # قال: فلما أن رأى القاضي تنافي قول الفتى وفعله، وتحليه بما ليس من أهله، ~~نظر إليه بعين غضبى، وقال: أتميميا مرة وقيسيا أخرى! أف لمن ينقض ما يقول، ~~ويتلون كما تتلون الغول. فقال الغلام: والذي جعلك مفتاحا للحق، وفتاحا PageV03P095 # بين الخلق؛ لقد أنسيت مذ أسيت، وصدئ ذهني مذ صديت؛ على أنه أين الباب ~~الفتح، والعطاء السرح! وهل بين من يتبرع باللها، وإذا استطعم بقول: ها! # قال له القاضي: مه فمع الخواطئ سهم صائب، وما كل برق حالب. فميز البروق ~~إذا شمت، ولا تشهد إلا بما علمت. # قوله تحليه: تزينه، وقوله: أتميميا مرة وقيسيا أخرى، مثل يضرب لمن يتناقض ~~فيما يقول، تقديره: أتنسب مرة لتميم وتنسب مرة لقيس! وتميمو قيس قبيلتان ~~عظيمتان، وبينهما أبدا مكافحات ومقاتل، وتميم هذا ابن مرة بن آد بن طابخة ~~بن إلياس بن مضر، وقيس بن الياس، قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا الدرداء، إذا فاخرت ففاخر بقريش، ~~وإذا كاثرت فكاثر بتميم، وإذا حاربت فحارب بقيس، إلا أن وجهها كنانة، ~~ولسانها أسد، وفرسانها قيس، ألا إن لله فرسانا ms0934 في سمائه وهم الملائكة، ~~وفرسانا في الأرض وهم قيس، وإن آخر من يقاتل على الإسلام حين لا يبقى إلا ~~ذكره، ومن القرآن إلا رسمه، رجل من قيس». قلت: يا رسول الله، من أي قيس؟ ~~قال: «من سليم». وفي البديعية: [مجزوء الخفيف] # إن حالي مع الزما ... ن كحالي مع النسب # أنا أصحى مع النبي ... ط وأمسي مع العرب # نسبي في يد الزما ... ن إذا سامه انقلب # وقال زفر بن الحارث لعمران بن حطان: أزيديا مرة، وأوزاعيا أخرى! وقال ~~عمران ابن حطان: [البسيط] # فاعذر أخاك ابن زنباع فإن له ... في النائبات خطوبا ذات ألوان # يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن ... وإن لقيت معديا معدناني (¬1) # وقال آخر: [البسيط] # أفي الولائد أولاد لواحدة ... وفي العيادة أولاد لعلات (¬2) # قوله: يتلون، أي يتغير ويتنوع. والغول: ساحرة الجن، وهو يتصور في صور ~~شتى. وأخذه من قول كعب بن زهير: [البسيط] PageV03P096 # فما تدوم على حال تكون بها ... إلا كما تلون في أثوابها الغول (¬1) # وتزعم العرب أنه إذا انفرد رجل في الصحراء ظهرت له في خلقة إنسان، ولا ~~يزال يتبعها حتى يضل الطريق، فتدنو منه، وتتمثل في صور مختلفة فتهلكه روعا. ~~وإذا أرادت أن تضل الناس أوقدت نارا فيبصرها الساري فيقصدها، فتفعل ذلك ~~وتروعه، فإن كان الذي يأتيها شجاعا مقداما تحامل وتبعها، فإذا رأت ذلك لم ~~تضره، وجلس يصطلي بنارها وهي معه. وقال تأبط شرا: [المتقارب] # وأدهم قد جبت جلبابه ... كما اجتابت الكاعب الخيعلا (¬2) # إلى ضوء نار تنورتها ... فبت لها مدبرا مقبلا # فأمسيت والغول لي جارة ... فيا جارنا أنت ما أهولا # فمن يك عن جارتي سائلا ... فإن لها باللوى منزلا # قال أبو عمرو رحمه الله بات تأبط شرا ليلة ذات ظلمة ورعد وبرق بواد يقال له: # رحى بطان، فلقيه الغول- وهو سبع من سباع الجن- فما زال يقاتلها حتى ~~قتلها، فقال: # [الوافر] # ألا من مبلغ فتيان فهم ... بما لاقيت عند رحى بطان # فإني قد رأيت الغول تهوي ... بسهب كالصحيفة صحصحان # فشدت شدة نحوي فأهوى ... لها كفي بمصقول يماني # لها عينان في ms0935 رأس قبيح ... كرأس الهر مشقوق اللسان # وساقا مخدج وشواة كلب ... وثوب من عباء أو شنان # قالوا: وخلفتها خلقة إنسان ورجلاها رجلا حمار، فإذا صاح بها الرجل: رجلي ~~حمار! نهقت نهيقا لا تخطئ السبسب والطريق، وفرت منه. # وانظر في التاسعة والأربعين ذكر القطرب وفيه شيء مستظرف. # قوله: فتاحا، أي حاكما. وافتح بيننا، أي احكم بيننا، والفتاح: الناصر، ~~والفتح: # النصر. والحاكم بنصر المظلوم. أسيت: حزنت صدئ ذهني، أي تغطى بالغفلة، من ~~الصدأ، وهو ما يعلوه من الدرن. وصديت، غير مهموز أصدى صدى، وأراد مذ افتقرت PageV03P097 # علاني الوسخ، وصحبني النسيان. والفتح: الكثير الفتح الواسع الذي لا يغلق ~~في وجه قاصده. السرح. الكثير الذي يسرح صاحبه في أنواع الجود، والسرح: ~~السهل السريع، وناقة سروح: مسرعة في سيرها يتبرع: يتفضل بجوده متطوعا، ~~وتبرع: تطوع. اللها: # العطايا. ها معناها: خذ وتناول. وذكر أبو محمد هذه اللفظة في الدرة فقال: ~~ويقولون لمن يناول شيئا ها، بقصر الألف، فيلحنون فيها، لأن الألف ممدودة ~~كما جاء في الحديث: «الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء» (¬1). ويجوز فيه فتح ~~الهمزة وكسرها مع المد ولا تقصر إلا إذا اتصلت بها كاف الخطاب، فيقال: هاك؛ ~~كما يروى أن عليا رضي الله عنه آب إلى فاطمة رضي الله عنها من بعض مواطن ~~الحرب، وسيفه يقطر دما، فقال: # [الطويل] # * أفاطم هاك السيف غير مذمم (¬2) * # وعند النحويين أن المد فيها بدل من كاف الخطاب، لأن أصل وضعها أن تقترن ~~كاف الخطاب بها. فساقها أبو محمد هنا مقصورة بغير كاف، ووقع فيما زعم أنه لحن. # فإن قيل: لعلها لما وقعت في فقرة موقوف عليها، يحتمل فيها ذلك، فنقول: ~~إنه قد أردفها على فقرة قبلها مقصورة بإجماع، وهي اللها فسواها معها؛ على ~~أن أهل اللغة حكوا في اللفظة أربع لغات: ها مقصورة كما في المقامة، وهاء ~~بالمد مع فتح الهمزة وكسرها. وسمع رجل أبا العتاهية ينشد: [مجزوء الكامل] # فانظر بطرفك حيث شئ ... ت فلن ترى إلا بخيلا # فقال: قد بخلت الناس كلهم، فقال: كذبني أنت بواحد منهم سخي. ms0936 # قوله: مه: اكفف. الخواطئ: السهام تخطئ الغرض، وهذا مثل يضرب لمن يكثر ~~الخطأ ويأتي أحيانا بالصواب. خالب: خادع شمت البرق: نظرت سحابه أين يمطر. # أعظم: جعله عظيما. # *** # فلما تبين للشيخ أن القاضي قد غضب للكرام، وأعظم تبخيل جميع الأنام؛ علم ~~أنه سينصر كلمته، ويظهر أكرومته، فما كذب أن نصب شبكته، وشوى في الحريق ~~سمكته، وأنشأ يقول: [السريع] PageV03P098 # يا أيها القاضي الذي علمه ... وحلمه أرسخ من رضوى # قد ادعى هذا على جهله ... أن ليس في الدنيا أخو جدوى # وما درى أنك من معشر ... عطاؤهم كالمن والسلوى # فجد بما يثنيه مستخزيا ... مما افترى من كذب الدعوى # وأنثني جذلان أثني بما ... أوليت من جدوى ومن عدوى # *** # والحريق: ما تحرقه النار من الحشيش والعيدان، وناره ضعيفة لا تدوم. السمك: # كبش الماء، فلا يستوي إلا على نار قوية فربما شوى سمكته ما دام لهب النار ~~موجودا، فإذا سكن اللهب لم يتمكن من شيها لعدم الجمر في الحريق، فيريد أنه ~~حرض القاضي بالشعر على الكرم، حين اهتز للكرام، وغضب من تبخيلهم فهزه بهذا ~~الشعر ليجود عليه قبل أن يسكن، فربما يبدو له ألا يجود. أرسخ: أثبت رضوى: ~~جبل بالمدينة سهل مشتق من الرضوان، كأن الذي يصعده راض عنه لقلة المشقة في ~~صعوده. أخو جدوى: # صاحب عطية وكرم. المن والسلوى: طعام كان ينزل على بني إسرائيل، وقيل: ~~المن الترنجبين والسلوى. السماني، وهو طائر. يثنيه: يرده. مستخزيا: صاغرا خاضعا. # ويروى «مستخديا»، والخدية: الاستحياء، أو يكون بمعنى مهانا، والخزي: ~~الهوان افترى: كذب واستبعد أنثني جذلان: أرجع فرحا. أوليت: أعطيت. حدوى: ~~إعانة، أي أرجع بالجدوى، وبإعانتك لي عليه حتى يتوب من عقوقه. # *** # قال: فهش القاضي لقوله، وأجزل له من طوله، ثم لفت وجهه إلى الغلام، وقد ~~نصل له أسهم الملام، وقال له: أرأيت بطل زعمك، وخطأ وهمك! فلا تعجل بعدها ~~بذم، ولا تنحت عودا قبل عجم، وإياك وتأبيك، عن مطاوعة أبيك، فإنك إن عدت ~~تعقه، حاق بك مني ما تستحقه، فسقط الفتى في يده، ولاذ بحقو والده، ثم نهض ~~يحفد، ms0937 وتبعه الشيخ ينشد: [السريع] # من ضامه أو ضاره دهره ... فليقصد القاضي في صعده # سماحه أزرى بمن قبله ... وعدله أتعب من بعده # *** # هش: فرح. أجزل: أكثر. طوله: إفضاله وهباته. ولفت: رد نصل: جعل له نصالا، ~~وأنصلها: نزع نصالها، والنصل: حديدة السهم. بطل زعمك، أي بطلان قولك. # وهمك: ظنك. تنحت: تنجر. عجم: اختبار، أي حتى تعلم: هل هو قوي أو ضعيف، PageV03P099 # يقول: لا تعتب أحدا حتى تجربه. قوله: وإياك وتأبيك عن مطاوعة أبيك، أي ~~احذر أن تمتنع عن مطاوعة والدك، فإنك ومالك لأبيك. # جابر رضي الله عنه: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ~~رسول الله، إن أبي أخذ مالي، فقال له: «اذهب، فائتني به»، فأوحي إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يسأل الشيخ عن شيء في نفسه، قاله في شأن ابنه. فلما ~~جاء الشيخ، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بال ابنك يشكوك؟ أتريد أن ~~تأخذ ماله»! فقال: سله يا رسول الله، هل أنفقته إلا على نفسي أو على إحدى ~~عماته أو خالاته! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «دعني من هذا، أخبرني ~~عن شيء قلته في نفسك، ما سمعته أذناك»، فقال: يا رسول الله، ما زال الله ~~يزيدنا بك يقينا، لقد قلت في نفسي شيئا، ما سمعته أذناي، وأنشد يقول: ~~[الطويل] # غذوتك مولودا وعلتك يافعا ... تعل بما أجني عليك وتنهل (¬1) # إذا ليلة ضاقتك بالسقم لم أبت ... لسقمك إلا ساهرا أتململ # كأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني فعيناي تهمل # تخاف الردى نفسي عليك وإنها ... لتعلم أن الموت وقت مؤجل # فلما بلغت السن والغاية التي ... إليها مدى ما كنت فيك أؤمل # جعلت جزائي غلظة وفظاظة ... كأنك أنت المنعم المتفصل # فليتك إذ لم ترع حق أبوتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعل # قال: فحينئذ أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بتلابيب ابنه، وقال: «أنت ~~ومالك لأبيك» (¬2). # قوله: حاق، أي نزل، تقول: حاق به المكروه والشؤم يحيق حيقا، نزلا به. # ابن عرفة: وجبا عليه وألزماه، ms0938 قال الأزهري رحمه الله: الحيق ما يحيط ~~بالإنسان من سوء عمله ومكروه فعله، وقوله تعالى: ولا يحيق المكر السيئ إلا ~~بأهله [فاطر: 43]، أي لا ترجع عاقبة مكرهم إلا عليهم. سقط في يده، يقال ذلك ~~للنادم المتحير، ويقال: سقط في يده وأسقط في يده، إذا ندم على فعله، وتحسر ~~عليه، واليد هنا: الندم، وقوله: سقط الفتى في يده، قال جماعة من أهل اللغة: ~~صوابه: سقط في يده من غير تسمية الفاعل، لأن الفعل مسند إلى المجرور. وقال ~~الأزهري رحمه الله: إنما حسن سقط في يده بضم السين، غير مسمى فاعله الصلة، ~~وهي في يده، ومثله قول امرئ القيس: [الكامل] # * دع عنك نهبا صيح في حجراته (¬3) * PageV03P100 # أي صاح المنهب في نواحيه، وكذلك المراد سقط الندم في يده. وقال أبو ~~القاسم الزجاجي: سقط في أيديهم نظم لم يسمع قبل القرآن، ولا عرفته العرب، ~~فيوجد في أشعارها وخفي على الإسلاميين قال أبو نواس: [الرجز] # * ونشوة سقطت منها في يدي* # وأخطأ في استعمالها، لأن فعلت لا يبنى إلا مما يتعدى، لا يقال: رغبت ولا ~~غضبت، إنما يقال رغب في وغضب علي. لاذ: لجأ وتستر، ولاذ فلان بفلان: تستر ~~به ودار حوله، وبعضهم يقول: ألاذ، والأولى هي الغالبة، واللواذ مصدر لاوذ، ~~ولذا أثبتت الواو، ولو كان مصدر «لاذ، لقلت لياذا، كقمت قياما». # بحقو: بخصر، وجمعه أحقاء وحقاء. وحفد يحفد أسرع. ضامه: أذله. ضاره: # ضره: أزرى: قصر. وتقدم معنى البيت في الرسالة السادسة والعشرين. # *** # قال الراوي: فحرت بين تعريف الشيخ وتنكيره، إلى أن احرورف لمسيره، فناجيت ~~النفس باتباعه، ولو إلى رباعه، لعلي أظهر على أسراره، وأعرف شجرة ناره، ~~فنبذت العلق، وانطلقت حيث انطلق، ولم يزل يخطو وأعتقب، ويبعد وأقترب، إلى ~~أن تراءى الشخصان، وحق التعارف على الخلصان، فأبدى حينئذ الاهتشاش، ورفع ~~الارتعاش، وقال: من كاذب أخاه فلا عاش. فعرفت عند ذلك أنه السروجي بلا ~~محالة، ولا حئولة حالة. فأسرعت إليه لأصافحه، وأستعرف سانحه وبارحه؛ فقال: ~~دونك ابن أخيك البر، وتركني ومر. فلم يعد الفتى أن أن افتر، ms0939 ثم فر كما فر، ~~فعدت وقد استبنت عينهما، ولكن أين هما! # *** # احرورف: مال وانحرف: ناجيت: حدثت. رباعه: دياره. شجرة ناره، يريد أصل ~~جبلته. أعتقب: أمشي خلقه واتبع عقبه. تراءى: ظهر، وخلصان الرجل: صديقه الذي ~~خلصت له مودته. الاهتشاش: الطرب والبشر. الارتعاش: الرعدة، يريد أن داءه ~~كذب لا حقيقة له محاله: حيله حئول: تغير. أصافحه: أعانقه وأسلم عليه. ~~أستعرف سانحه PageV03P101 # وبارحه، أي أطلب منه أن يعرفني بخيره وشره. والسانح من الطير والوحش ما ~~مر على ناحية يمينك، والبارح ما مر على ناحية يسارك وقيل: السانح ما أولاك ~~ميامنه، والبارح؛ ما أولاك مياسره، وأكثر العرب تتبرك بالسانح وتتشاءم ~~بالبارح، وبعضهم يتبرك بالبارح، ويتشاءم بالسانح، والسانح: الذي يمر عليك ~~عن ميامنك إلى مياسرك، فيمكن للطاعن طعنه، وللرامي رميه، فالذي يتيمن به ~~يرى أنه رزق حاصل، والذي يتشاءم به يرى أنه عاطب وهالك، والبارح بالضد، ~~فالأول يرى أنه فائت، وراميه خاسر فيتشاءم به، والثاني يرى أنه سالم غير ~~عاطب، فيتيمن به، والذين يتيمنون بالبارح ويتشاءمون بالسانح أهل نجد، ~~والذين يضادونهم أهل العالية. # قوله: دونك، أي خذه واقصده. البر: والبار: الكثير الإكرام لأبويه. افتر: # ضحك. استبنت: عرفت. عينهما: شخصهما، وجعله آخر المقامة برا له لموافقته ~~له في الحيل، وجرت العادة بأن الأب إذا كان نجيبا، فالابن بالضد ولهذا قال ~~الشاعر: # [المتقارب] # إذا أطلع الدهر حرا نجيبا ... فكن في ابنه سيئ الاعتقاد # فلست ترى من نجيب نجيبا ... وهل تترك النار إلا الرماد! PageV03P102 ### | AUTO المقامة الثامنة والثلاثون وهي المروية # حكى الحارث بن همام قال: حبب إلي مذ سعت قدمي، ونفث قلمي، أن أتخذ الأدب ~~شرعة، والاقتباس منه نجعة؛ فكنت أنقب عن أخباره، وخزنة أسراره؛ فإذا ألفت ~~منهم بغية الملتمس، وجذوة المقتبس، سددت يدي بغرزه، واستنزلت منه زكاة ~~كنزه؛ على أني لم ألق كالسروجي في غزارة السحب، ووضع الهناء مواضع النقب؛ ~~إلا أنه كان أسير من المثل، وأسرع من القمر في النقل، وكنت لهوى ملاقاته، ~~واستحسان مقاماته، أرغب في الاغتراب، وأستعذب السفر الذي هو قطعة من ~~العذاب. # *** # قوله: ms0940 نفث، أي كتب، والنفث ما تلقيه من فيك من البصاق الغليظ، فشبه ما ~~يلقيه القلم من المداد بالنفث، هذا ظاهر اللفظ، وإنما أراد في المعنى ~~بالقلم ذكره، ونفثه منيه، فكنى عن البلوغ بذلك، فهو يريد وقت الحلم، وهو ~~الوقت يقوى فيه على المشي في الأسفار، والتصرف؛ كذا فسره لنا بعض حذاق ~~أشياخنا، وفسره الفنجديهي على ظاهره، فقال: معنى مذ سعت قدمي نفث قلمي، مذ ~~قدرت على المشي والكتابة والنظم والنثر. شرعة: طريقة وشريعة وعادة، ومعناه: ~~أصرف همتي إلى علم اللغة والعربية. قال الشافعي رضي الله عنه: من تعلم ~~القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل مقداره، ومن تعلم اللغة رق طبعه، ~~ومن تعلم الحساب جزل رأيه، ومن كتب الحديث قويت حجته ومن لم يصن نفسه، لم ~~ينفعه عمله. # الاقتباس: الاكتساب وهو افتعال، من القبس. نجعة: طلب المرعى، أي جعلت طلب ~~الأدب لي غذاء ورزقا. أنقب: أبحث. أحباره: علمائه. ألفيت: وجدت. بغية: # حاجة. الملتمس: الطالب للشيء. جذوة: جمرة عظيمة. والمقتبس: الطالب للنار، ~~والغرز: للرجل، كالركاب للسرج، ومعنى شددت بغرزه، أي تمسكت بركابه وبالغت ~~في خدمته، روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«من أخذ بركاب رجل لا يرجوه ولا يخافه غفر له». PageV03P103 # غزارة: كثرة، والسحب: جمع سحابة، كنى بها عن كثرة العلم. الهناء: ~~القطران. # النقب: جمع نقبة وهو أول ما يبدو من الجرب، وهو مثل لمن وضع الشيء في ~~موضعه، أراد أنه ماهر، أي حاذق يعطي كل طالب ما يستحقه ويشفيه من سؤاله، ~~لأن الجهل في القلب بمنزلة الداء، فهذا يوقع بيانه بموضع الجهل، فيبرأ صاحب ~~ذلك من دائه، ووضع الهناء مواضع النقب، عجز بيت لدريد بن الصمة، وكان خرج ~~فرأى الخنساء الشاعرة تهنأ: ذودا لها، ثم نضت ثيابها واغتسلت وهو يراها ولا ~~تراه فقال: [الكامل] # حيوا تماضر واربعوا صحبي ... وقفوا فإن وقوفكم حسبي (¬1) # ما إن رأيت ولا سمعت به ... كاليوم طالي أينق جرب # متبذلا تبدو محاسنه ... يضع الهناء مواضع النقب # وتماضر اسم الخنساء: ms0941 قوله: أسير من المثل، أي أنه لا يستقر ببلد. النقل، ~~يريد انتقاله في المنازل فلا يقيم بمنزلة سوى ليلة، وينتقل في الثانية إلى ~~أخرى، فأراد أن أبا زيد لا يستقر ببلد إلا ما يستقر القمر بمنزله وهي ليلة ~~واحدة، بل هو أسرع من القمر في ذلك، وإنما خص القمر به لأنه أسرع الكواكب ~~ثقلة من برج إلى برج، إذ لا يمكث في البرج إلا يومين أو ثلاثا، والبرج ~~منزلتان وثلث، والشمس تمكث في البرج ثلاثين يوما، وعطارد يمكث فيه سبعة عشر ~~يوما، والمشتري اثني عشر شهرا وزحل ثلاثين شهرا، والمريخ شهرا ونصفا، ~~والزهرة ستة وعشرين يوما، والرأس والذنب ثمانية عشر شهرا، ذلك تقدير العزيز ~~العليم. # قوله: وأستعذب السفر الذي هو قطعة من العذاب: هو حديث صحيح، رواه مالك ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم ~~نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته من وجهته فليعجل الرجوع إلى ~~أهله» (¬2). النهمة. بلوغ الهمة والشهوة والحاجة، ورجل منهوم بكذا مولع به. # *** PageV03P104 # فلما تطوحت إلى مرو، ولا غرو، بشرني بملقاه زجر الطير، والفأل الذي هو ~~بريد الخير؛ فلم أزل أنشده في المحافل، وعند تلقي القوافل. فلا أجد عنه ~~مخبرا، ولا أرى له أثرا ولا عثيرا، حتى بلغ اليأس الطمع وانزوى التأميل ~~وانقطع، فإني لذات يوم بحضرة والي مرو، وكان ممن جمع الفضل والسرو، إذ طلع ~~أبو زيد في خلق مملاق، وخلق ملاق. فحيا الوالي تحية المحتاج، إذا لقي رب ~~التاج، ثم قال له: # اعلم وقيت الذم، وكيفيت الهم؛ أن من عذقت به الأعمال، أعلقت به الآمال، ~~ومن رفعت له الدرجات، رفعت إليه الحاجات. وأن السعيد من إذا قدر، وواتاه ~~القدر، أدى زكاة النعم، كما يؤدي زكاة النعم، والتزم لأهل الحرم، ما يلتزم ~~للأهل والحرم. وقد أصبحت بحمد الله عميد مصرك، وعماد عصرك، تزجى الركائب ~~إلى حرمك، وترجى الرغائب من كرمك، وتنزل المطالب بساحتك، وتستنزل الراحة من ~~راحتك، وكان فضل الله عليك عظيما، وإحسانه لديك عميما. # *** # قوله: تطوحت، ms0942 يقال: تطوح في البلاد: ذهب به هاهنا وهاهنا، فأراد بقوله: # تطوحت: رميت بنفسي إليها. ### || AUTO [مرو] # (¬1) # مرو: بلدة بخراسان، جليلة لها قرى ومحلات، وتسمى أم خراسان، وهي دار ~~خلافة المأمون، ومنها خرج أبو مسلم صاحب الدعوة، ينسب إليها. الثوب مروي ~~والرجل مروزي، وهو شاذ النسب، ومن مرو إلى مرو (¬2) خمس مراحل، وعلى مرو ~~نهر فوهته بالسابيان، وهو جبل عظيم الارتفاع، تسيل منه أنهار تخترق بلاد ~~خراسان، منها وادي خوارزم، مسيرته أربعون يوما، ووادي القندهار مسافته شهر، ~~ونهر سجستان، مسافتهشهر، ونهر مرو، مسافته شهر، ونهر هراة مسافته عشرون ~~يوما، ونهر بلج مسافته اثنا عشر يوما، وبلخ هي متوسطة خراسان، منها إلى ~~فرغانة ثلاثون مرحلة مغربا، وإلى سجستان مما يلي القبله كذلك وإلى كابول ~~وقندهار كذلك، وإلى خوارزم كذلك. وأهل مرو أطبع الناس على البخل ثم أهل ~~خراسان، قال ثمامة: ما رأيت الديك يأكل في بلد PageV03P105 # قط إلا وهو يدعو الدجاجة إلى الحب، ويلفظ الحب إليها، إلا بمرو، فإنني ~~رأيته يأكل وحده، فعلمت أن لؤمهم كثير جدا، وهو فيهم طبع، ورأيت بها طفلا ~~صغيرا، بيده بيضة، فقلت له اعطنيها، فقال لي: ليست تسعها في يدك، فعلت أن ~~المنع طبع مركب فيهم. # لا غرو: لا عجب. زجر الطير. التفاؤل بها، وفسر الشافعي رضي الله عنه قوله ~~النبي صلى الله عليه وسلم «أقروا الطير على مكناتها» (¬1). لأن الرجل كان ~~في الجاهلية، إذا أراد الحاجة أتى الطائر في وكره فنغره، فإن أخذ ذات ~~اليمين مضى لحاجته، وإن أخذ ذات الشمال رجع. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن ذلك وقال: «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل» قيل: وما الفأل؟ قال: ~~«كلمة طيبة» (¬2). ### || AUTO [الزجر والعيافة] # وزجر الطير التيامن بها، والتشاؤم. وكان عند العرب قوة زائدة وإدراك، ~~فينظر الزاجر منهم للطائر، ولما يفعل، فيستقري من ذلك ما يتيامن به ويتشاءم ~~منه، مثل ما يحكى عن أمية بن أبي الصلت أنه كان يشرب مع إخوان له في قصر ~~غيلان بالطائف؛ إذ سقط غراب على شرف القصر، فنعب ms0943 نعبة، فقال له أمية: بفيك ~~الكثكث- وهو التراب، فقال له إخوانه ما يقول؟ قال: يقول: إذا شربت الكأس ~~الذي في يدك مت. ثم نعب نعبة، فقال أمية نحو ذلك، فقالوا له: وما يقول؟ ~~قال: زعم أن علامة ذلك أن يقع على هذه المزبلة تحت القصر، فيستثير عظما، ~~فيشجى به فيموت. فبينما هم يتكلمون، إذ وقع الغراب على هذه المزبلة ليلتقط، ~~فاستثار عظما، فأراد أن يبتلعه، فشجى به فمات، فانكسر أمية، ووقع الكأس من ~~يده، وتغير لونه، فجعلوا يعيرونه عليه، ويقولون: ما أكثر ما سمعنا بمثل ~~هذا، وكان باطلا! فألحوا عليه، حتى شرب الكأس، فمال في شق فأغمي عليه، ثم ~~أفاق، وقال: لا بريء فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، ثم زهقت نفسه. # وحكى المدائني قال: خرج كثير من الحجاز يريد مصر، ليزور عزة، فلما قرب ~~منها رأى غرابا على شجرة ينتف ريشه، فتطير من ذلك، فلقيه رجل من بني لهب فقال: # يا أخا الحجاز، ما لك كاسف اللون؟ فذكر له ما رأى، فقال: إنك تطلب حاجة ~~لا تدركها. فقدم مصر، والناس منصرفون من جنازة عزة فقال: [الطويل] # رأيت غرابا ساقطا فوق بانة ... ينتف أعلى ريشه ويطايره (¬3) PageV03P106 # فقلت ولو أني أشاء زجرته ... بنفسي للهبي فهل أنت زاجره # فقال غراب لاغتراب من النوى ... وفي البان بين من حبيب تجاوره # فما أعيف اللهبي لا در دره ... وأزجره للطير، لا طار طائره # وممن زجر لنفسه بشر ذو الرمة فقال: [الطويل] # رأيت غرابا ساقطا فوق قضبة ... من القضب لم ينبت لها ورق خضر (¬1) # فقلت غراب لاغتراب وقضبة ... لقضب النوى، تلك العيافة والزجر # وممن زجر بخير أبو حية، حين قال: [الطويل] # وقال صحابي هدهد فوق بانة ... هدى وبيان بالنجاح يلوح # وقالوا دم، دامت مواثيق بيننا ... ودام لنا حلو الصفاء صريح # وقالوا حمامات، فحم لقاؤها ... وطلح فزيرت والمطي طلوح # ومن ملح الزجر زجر أبي نواس، وذلك أنه استخفى عنه أصحابه، وكان لا ~~يفارقهم، ووجهوا رسولا إليه، فرمى له ظهر قرطاس من وراء الباب، غير مكتوب، ~~وخرموه بزير، وختموه بقار، وأمروا ms0944 الرسول أن يرمي إليه الكتاب من وراء ~~الباب، فاستعلم موضعهم، وتعرف حالهم، وكتب إليهم: [الوافر] # زجرت كتابكم لما أتاني ... بمر سوانح الطير الجواري # نظرت إليه مخروما بزير ... على ظهر ومختوما بقار # فعفت الظهر أهيف قرطقيا ... يحار الطرف منه باحورار # وكان الزير ذا شدو مصيب ... وقار الختم من قار العقار # فطرت إليكم يا أهل ودي ... بقلب من هواكم مستطار # فكيف ترونني وترون زجري ... ألست من الفلاسفة الكبار! # وما أحسن قول ابن قاضي ميلة وجمع الوصفين: [الطويل] # ولما التقينا محرمين وسيرنا ... بلبيك يطوى والركائب تعسف # فقلت لتربيها أبلغاها بأنني ... بها مستهام قالتا: نتلطف # تفاءلت في أن يطوى طارق الهوى ... بأن عن لي منها البنان المطرف # وأما دماء الهدي فهو تواصل ... يدوم ورأي في الهوى يتألف # وفي عرفات ما يخبر أنني ... بعارفة من نيل وصلك أسعف # وتقبيل ركن البيت إقبال دولة ... لنا وزمان بالمودة يعطف PageV03P107 # وأبلغتها ما قلته فتنهدت ... وقالت أحاديث العيافة زخرف # لئن كنت ترجو في منى الفوز بالمنى ... فبالخيف من أعراضنا نتخوف # وقد أنذر الإحرام أن وصالنا ... حرام وأنا عن مرادك نصرف # فهذا وقذفي بالحصا لك منذر ... بأن النوى لي عن ديارك تقذف # فبادر نفاري ليلة النفر إنه ... سريع وقل من بالعيافة أعرف # *** # قوله: أنشده، أي أطلبه والمحافل: الجموع. والقوافل: الرفاق الرواجع. عثيرا: # غبارا. اليأس: قطع الرجاء. انزوى: انقبض. التأميل: الترجي، وهو مصدر أمل ~~الخير، أي ترجاه. انقمع: انكف. السرو: السيادة. مملاق: فقير. ملاق: متلطف ~~في كلامه. # عذقت: علقت وشددت به، وعذق شاته يعذقها، إذا ربط في صوفها خرقة تخالف لونها. # الدرجات: المنازل الشريفة. # وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«خلقان يحبهما الله، وهما السخاء والسماحة، وخلقان يبغضهما الله، وهما ~~البخل. وسوء الخلق. وإذا أراد الله بعبد خيرا استعمله على قضاء حوائج ~~الناس». # وقال خالد بن صفوان: لا تسأل الحوائج ثلاثة لا تسألها: كذوبا، فيقرب ~~بعيدا ويبعد قريبا، ولا أحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، ولا رجلا له إلى ~~صاحبك حاجة، فإنه يصير ms0945 حاجتك بطانة لحاجته. # واتاه: وافقه وطاوعه. أدى: أعطى. زكاة النعم: الإبل والشاء، أي أعطى ~~الصنائع والمعروف. # الحرم: جمع حرمة، أراد بذلك أهل الصيانة والعفاف. # الفنجديهي: الحرم أقوام محترمون، والحرم الثاني: الأهل والقرابة، ومن ~~يحرم على الإنسان نكاحه أو أتركه لضياعه عميد: سيد. # مصرك: بلدك، والمصر: الحد، ويكتب أهل نجد: اشترى فلان من فلان الدار ~~بمصورها، أي بحدودها. # قطرب: هو مأخوذ من مصرت الناقة أمصرها مصرا، إذا حلبتها، وجعلت ضرعها بين ~~إصبعين، فخرج من اللبن شيء قليل، فيسمى مصرا لأن الناس يجيئون إليه ثم ~~يثبتون، أول فأول وقيل: المصر العلامة. # العماد: ما يقوم عليه الخباء، شبهه في قيامه بالأمور بالعماد. # تزجى: تساق. الركائب: الإبل. حرمك: بلدك وموضعك الذي تحميه. الرغائب: # العطايا ساحتك: فناء دارك. راحتك: كفك. PageV03P108 # ونذكر من الأحاديث ما يوافق هذا الفصل الذي قدمنا تفسيره. # قال النبي صلى الله عليه وسلم «من عظمت نعمة الله عليه عظمت مئونة الناس ~~إليه، فإن لم يقم بتلك المئونة عرض النعمة للزوال: # عمرو بن العاص: والله لرجل ذكرني، ينام على شقة مرة، وعلى الأخرى أخرى، ~~يراني موضعا لحاجته لهو أوجب علي حقا؛ إذا سألها مني أن أقضيها له. # وقف العتابي بباب المأمون، فجاء يحيى بن أكثم، فقال له: إن رأيت أن تعلم ~~أمير المؤمنين بموضعي! قال: لست بحاجب قال: لقد علمت ولكنك ذو فضل وذو ~~الفضل معوان، قال: سلكت بي غير طريقي، قال: إن الله تعالى ألحقك بجاه ونعمة ~~فهما مقيمان عليك بالزيادة إن شكرت، وبالتغير إن كفرت، وأنا اليوم لك خير ~~منك لنفسك، أدعوك إلى ما فيه زيادة نعمتك، وأنت تأبى ذلك، ولكل شيء زكاة، ~~وزكاة الجاه بذله للمستعين. # وأما قوله: تزجى الركائب إلى حرمك، فهو كثير في الشعر، ونذكر منه شيئا ~~يبين حالة القصد لهذا الاسم، وقال الحسن يمدح الأمين: [البسيط] # أقول والعيس تعروري الفلاة بنا ... صعر الأزمة من مثنى ووحدان (¬1) # يا ناق لا تسأمي أو تبلغي ملكا ... تقبيل راحته والركن سيان # محمد خير من يمشي على قدم ... ممن برا الله من ms0946 إنس ومن جان # محمد بين أملاك تفضله ... ولادتان من المنصور ثنتان # تنازع الأحمدان الشبه فاشتبها ... خلقا وخلقا كما قد الشراكان # سيان لا فرق في المعقول بينهما ... معناهما واحد والعدة اثنان # وقال حبيب: [الطويل] # إلى أحمد الممدوح أمت بنا السرى ... نواعب في عرض الفلا ورواسم (¬2) # إلى سالم الأخلاق من كل عائب ... وليس له مال من الجود سالم # جدير بألا يصبح المال عنده ... جديرا بأن يبقى وفي الأرض غارم # وقال آخر: [الطويل] # سأجهد عزمي والمطايا فإنني ... أرى العفو لا يمتاح إلا من الجهد (¬3) # سرين بنا رهوا ووخدا وإنما ... يظل ويمسى النجح في كنف الوخد PageV03P109 # قواصد بالسير الحثيث إلى أبي الم ... غيث فما تنفك ترقل أو تخدي # إلى مشرق الأخلاق للجود ما حوى ... ويحوي وما يخفى من الأمر أو يبدي # فتى لم يزل تقضى به طاعة الندى ... إلى العيشة الغراء والسؤدد الرغد # وقال فيها معتذرا: [الطويل] # أتاني مع الركبان ظن طننته ... لففت له رأسي حياء من المجد # ومن زمن ألبستنيه كأنه ... إذا ذكرت أيامه زمن الورد # أسربل هجر القول من لو هجرته ... إذا لهجاني عنه معروفة عندي # كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي ومتى ما لمته لمته وحدي # وقال أبو الطيب: [الوافر] # فلم تلق ابن إبراهيم عنسي ... وفيها قوت يوم للقراد (¬1) # فلما جئته أعلى محلى ... وأجلسني على السبع الشداد # تهلل قبل تسليمي عليه ... وألقى ماله قبل الوساد # كأن الهام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد # وقد صغت الأسنة من هموم ... فما يخطرن إلا في فؤادي # وقال أبو الهندي: [الوافر] # سألناه الجزيل فما تأنى ... وأعطى فوق منيتنا وزادا # وأحسن ثم أحسن ثم عدنا ... فأحسن ثم عدت له فعادا # مرارا ما قصدت إليه إلا ... تبسم ضاحكا وثنى الوسادا # وقال أبو الطيب: [الوافر] # ولما قلت الإبل امتطينا ... إلى ابن أبي سليمان الخطوبا (¬2) # مطايا لا تذل لمن عليها ... ولا يبغي لها أحد ركوبا # وترتع دون نبت الأرض فينا ... فما فارقتها إلا جديبا # إذا نكبت كنانته استبنا ... بأنصلها لأنصلها ندوبا # يصيب ببعضها أفواق بعض ... فلولا الكسر ms0947 لاتصلت قضيبا # ألست ابن الأولى سعدوا وسادوا ... ولم يلدوا امر إلا نجيبا # ونالوا ما اشتهوا بالحزم هونا ... وصاد الوحش نملهم دبيبا PageV03P110 # وما ربح الرياض لها ولكن ... كساها دفنهم في الترب طيبا # ومن المدح قول السري في أبي الحصين القاضي: [الوافر] # لقد أضحت خلال أبي حصين ... حصونا في الملمات الصعاب # كساني ذيل نائله وآوى ... غرائب منطقي بعد اغترب # فكنت كروضة سقيت سحابا ... فأثنت بالنسيم على السحاب # وقال بديع الزمان وشاعر الأوان: [البسيط] # يا سيد الأمرا فخرا فما ملك ... إلا تمناك مولى واشتهاك أبا # وكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا # والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا # هذه الجملة كافية وكأنها تفسير ما أجمل من ذكر ممدوحه. # *** # ثم إني شيخ ترب بعد الاتراب، وعدم الإعشاب، حين شاب قصدتك من محلة نازحة؛ ~~وحالة رازحة، آمل من بحرك دفعة، ومن جاهك رفعة. والتأميل أفضل وسائل ~~السائل، ونائل النائل؛ فأوجب لي ما يجب عليك، وأحسن كما أحسن الله إليك. ~~وإياك أن تلوي عذارك، عمن ازدارك، وأم دارك، أو تقبض راحك؛ عمن امتاحك، ~~وامتار سماحك؛ فو الله ما مجد من جمد، ولا رشد من حشد؛ بل اللبيب من إذا ~~وجد جاد، وإن بدأ بعائدة عاد؛ والكريم من إذا استوهب الذهب، لم يهب أن يهب. # ثم أمسك يرقب أكل غرسه، ويرصد مطيبة نفسه وأحب الوالي أن يعلم: هل أطفته ~~ثمد، أم لقريحته مدد! فأطرق يروي في استيراء زنده، واستشفاف فرنده، والتبس ~~على أبي زيد سر صمتته، وإرجاء صلته، فتوغر غضبا، وأنشد مقتضبا. # *** # قوله: ترب، افتقر فلم يبق له ما يقعد عليه غير التراب. والاتراب: ~~الاستغناء، وأترب: صار له من المال بكثرة التراب. والإعشاب: إصابة العشب، ~~وأراد به المال. # محلة: منزل يحل فيه. # نازحة: بعيدة. رازحة: كالة من الهزال، ورزح رزحا: كل من العمل. # ابن الأنباري: رزح فلان: ضعف، وذهب ما في يده، وأصله من رزحت إبل فلان PageV03P111 # وكلابه، إذا ضعفت، ولزقت بالأرض، وقيل: هو من ms0948 المرزح، وهو المطمئن من ~~الأرض، فكأن الرازح قد لزمه، وضعف عن الارتقاء إلى العلو. آمل: أرجو. جاهك: # عزك. والوسائل: جمع وسيلة، وهو الشفيع، فجعل تأميله أفضل وسيلة. نائل: ~~عطاء، والنائل: المعطي، ونلت له بالعطاء أنول وأنلت أنيل، ورجل نال ورجلان ~~نالان (¬1)، ورجال أنوال، ونلته أنوله نولا أعطيته، قال الأعشى: [المتقارب] # ينول العشيرة ما عنده ... ويغفر ما قال جهالها (¬2) # تلوي عذارك: تعرض بوجهك. ازدارك، بمعنى زارك، واستعمل قصدك راحك: # جمع راحة، وهي باطن الكف. امتاحك: استسقاك وأراد طلب معروفك، قال الراجز: # [الرجز] # أفلح ساق بيديك امتاحا ... وقر عينا ورجا الفلاحا # قوله: امتار: استجلب منك الرزق. سماحك: جودك. مجد: كرم، وصار ماجدا، أي ~~شريفا، ومجد يمجد، مجدا فهو ماجد، ومجد مجادة فهو مجيد وقيل: المجد تكرم ~~الآباء خاصة، وقيل: الأخذ من الشرف والسؤدد ما يكفي وقيل كرم الفعل. جمد: بخل. # حشد: جمع المال اللبيب: العاقل. وجد: استغنى. جاد: تكرم عاد: فعلها مرة ~~بعد أخرى، وقد تقدم منظوما لم يهب: لم يخف أن يهب: أن يعطي، وهذا كله قصد ~~فيه التجنيس فجاء منه بكل بديع. # قوله: نطفته ثمد، أي قليل. # الأزهري: النطفة تقال للماء القليل والكثير، ورأيت أعرابيا شرب من ركية ~~غزيرة الماء فقال: والله إنها لنطفة باردة، والثمد: الماء القليل الذي لا ~~مدد له. قريحته: ذهنه. # أطرق: أي أمال رأسه للفكرة. في استيراء زنده: في استخراج ناره، وأراد طلب ~~ما عنده من العلم والاستشفاف: الاستقصاء في النظر والتأمل فيما يبصر، ~~واستشف الثوب: جعله طاقا واحدا، أو رفعه في ظل حتى ينظر: أكثيف هو أم رقيق، ~~واستشفه: رأى ما وراءه، والاستشفاف: النظر إلى كل شيء صقيل. الفرند: جوهر ~~السيف، وأراد أن الوالي أعجب بكلامه، فأراد أن يعلم هل كان في حفطه لغيره ~~أو ارتجله لنفسه. صمتته: سكتته. # إرجاء: تأخير. توغر: توقد مقتضبا: مرتجلا: [البسيط] # *** # لا تحقرن أبيت اللعن ذا أدب ... لأن بدا خلق السربال سبروتا # ولا تضع لأخي التأميل حرمته ... أكان ذا لسن أم كان سكيتا PageV03P112 # وانفح بعرفك من وافاك مختبطا ... وانعش بغوثك ms0949 من الفيت منكوتا # فخير مال الفتى مال أشاد له ... ذكرا تناقله الركبان أو صيتا # وما على المشتري حمدا بموهبة ... غبن ولو كان ما أعطاه ياقوتا # لولا المروءة ضاق العذر عن فطن ... إذا اشرأب إلى ما جاوز القوتا # لكنه لابتناء المجد جد ومن ... حب السماح ثنى نحو العلا ليتا # *** # قوله: أبيت اللعن، تحية ملوك الجاهلية، قال ابن الأنباري رحمه الله في ~~تفسيرها قولان: أحدهما أبيت أن تأتي من الأشياء ما تستحق اللعن عليه، ~~فاللعن منصوب، والآخر- وهو أردأ القولين- أن تكون الألف بمعنى «يا»، وبيت ~~من البيوت مضاف إلى اللعن، لأن بعضهم يخفض اللعن، وتقديره: يا بيت اللعن: ~~سمة للملك، نقل من الوجه الأول لكثرة الاستعمال، ألا ترى أنها تعطي معنى ~~النداء في البيت، وتقديره: يا ملك أو يا أمير، ويتضمن معناه الدعاء، أي ~~جعلك الله ممن يكره اللعن؛ ولذا وقع اعتراضا بين اللفظين؛ الأول طالب ~~للثاني، كما قال ابن محلم: [السريع] # إن الثمانين- وبلغتها- ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان (¬1) # سبروتا: فقيرا محتاجا، والسبروت: الفقير الذي لا ثياب له. ذا لسن، أي فصيحا. # سكيتا: عييا كثير السكوت. انفح بعرفك، أي ارم بمعروفك انعش بغوثك، أي ~~ارفع بعطيتك، والغوث الإغاثة، وهي المبادرة بالنصرة لمن جاء يستغيثك. ~~والإنعاش أن ترى رجلا قد أهوى للسقوط فترفعه، أو افتقر فتجبره. منكوتا: ~~ملقى على رأسه، ونكت الرجل فهو منكوت، إذا ضرب فأسقط على رأسه. قوله أشاد: ~~أي رفع. # صيتا: ذكرا حسنا وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أردتم أن تعلموا ما ~~للعبد عند الله فانظروا ما يتبعه من حسن الثناء» (¬2). # وقيل لبعض الحكماء: ما أحمد الأشياء؟ قال: أن يبقى للإنسان أحدوثة حسنة. # أكثم بن صيفي: إنما أنتم خبر، فطيبوا أخباركم، أخذه حبيب فقال: [البسيط] # وما ابن آدم إلا ذكر صالحة ... أو ذكر سيئة يسري بها الكلم # أما سمعت بدهر باد أمته ... جاءت بأخبارها من بعدها أمم PageV03P113 # الأحنف: ما ادخرت الآباء للأبناء، ولا أبقت الموتى للأحياء شيئا أفضل من ~~اصطناع المعروف عند ذوي الأحساب. # وقيل لمعاوية: أي الناس أحب إليك؟ ms0950 قال: من كانت له عندي يد صالحة، قيل: # فإن لم تكن؟ قال: فمن كانت لي عنده يد صالحة. # قال بزرجمهر: إذا أقبلت عليك الدنيا فأنفق منها فإنها لا تفني، إذا أديرت ~~عنك فأنفق منها، فإنها لا تبقى بأخذ هذا المعنى الشاعر فقال: [البسيط] # لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة ... فليس ينقصها التبذير والسرف # فإن تولت فأحرى أن تجود بها ... فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف # وقال آخر: [الطويل] # إذا جادت الدنيا عليك فجدبها ... على الناس طرا قبل أن تتفلت # فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت ... ولا الشح يبقيها إذا هي ولت # وكان سعيد بن العاص يقول على المنبر: من رزقه الله رزقا حسنا، فلينفق منه ~~سرا وجهرا، حتى يكون أسعد الناس به: فإنما يترك ما يترك لأحد رجلين؛ إما ~~لمصلح فلا يقل عنده شيء، وإما لمفسد فلا يبقى له شيء. أخذه الشاعر فقال: ~~[الكامل] # اسعد بمالك في الحياة فإنما ... يبقى خلافك مصلح أو مفسد # فإذا جمعت لمفسد لم تغنه ... وأخو الصلاح قليله يتزيد ### || AUTO [المروءة] # قوله: لولا المروءة، المروءة هي الأفعال الشريفة، التي يجب أن يقال للرجل ~~بها مرء، مثل الرجولة للأفعال التي يستحق الرجل أن يقال له بها رجل. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا دين إلا بمروءة». # وقال عمر رضي الله عنه: المروءة، مروءتان: ظاهرة وباطنة، فالظاهرة الرياش ~~والباطنة العفاف. # قدم وفد على معاوية رضي الله عنه، فقال لهم: ما تعدون المروءة؟ قالوا: ~~العفاف وإصلاح المعيشة، قال: اسمع يا يزيد! # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تجاوزوا لذوي المروءات عثراتهم، فو الله ~~إن أحدهم ليعثر وإن يده بيد الله» (¬1). PageV03P114 # عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: إنا معشر قريش، نعد الحلم والجود سؤددا، ~~ونعد العفاف وإصلاح المال مروءة. # أنوشروان: المروءة ألا تعمل عملا في السر تستحيي منه في العلانية. غيره: # المروءة اسم جامع للمحاسن كلها. # وقالوا: المروءة العفة والحرفة. # قوله: اشرأب: تشوف، والتشوف أن تسمع بالشيء وتتطلع أن تراه، وتمتد أن ~~تنظر إليه، يقول: لولا الأفعال الجميلة كان ms0951 عذر الفطن الحاذق يضيق عليه إذا ~~سئل وقيل له: # قد جاوز مالك قوتك، وفضل عن مئونتك، فلم تجهد في طلب المال، وترغب في ~~الزيادة منه. قال: فالمروءة توسع عليه عذره، فيقول ذو المروة. إنما اكتسبه ~~لأنفقه في البر، وبين هذا بقوله: «ثنى نحو الغنى ليتا» والليت: صفحة العنق ~~فيقول: إنما ثنى عنقه، وأمالها حبا في السماح. # وقد سبقه إلى هذا التهامي بقوله: [الطويل] # ولولا العطايا أنها سنة له ... لما قال للدنيا إذا عثرت: لعا # فإن باشر الدنيا فللجود نالها ... وإن هجر الدنيا فعنها ترفعا # فزاد بقوله: «وإن هجر الدنيا» معنى حسنا. # وقالوا: نعم العون على المروءة المال. # وقال الأحنف بن قيس: [المتقارب] # فلو مد سروي بمال كثير ... لجدت وكنت له باذلا (¬1) # فإن المروءة لا تستطاع ... إذا لم يكن مالها فاضلا # وقال آخر: [البسيط] # لولا شماتة أعداء ذوي حسد ... أو أن أنال بنفع من يرجيني # لما خطبت إلى الدنيا مطالبها ... ولا بذلت لها عرضي ولا ديني # [البسيط] # *** # وما تنشق نشر الشكر ذو كرم ... إلا وأزرى بنشر المسك مفتوتا # والحمد والبخل لم يقض اجتماعهما ... حتى لقد خيل ذا ضبا وذا حوتا # والسمح في الناس محبوب خلائقه ... والجامد الكف ما ينفك ممقوتا PageV03P115 # وللشحيح على أمواله علل ... يوسعنه أبدا ذما وتبكيتا # فجد بما جمعت كفاك من نشب ... حتى يرى مجتدي جدواك مبهوتا # وخذ نصيبك منه قبل رائعة ... من الزمان تريك العود منحوتا # فالدهر أنكد من أن تستمر به ... حال، تكرهت تلك الحال أم شيتا # فقال له الوالي: تالله لقد أحسنت، فأي ولد الرجل أنت؟ فنظر إليه عن عرض، ~~وأنشد وهو مغض: [المنسرح] # لا تسأل المرء من أبوه ورز ... خلا له ثم صله أو فاصرم # فما يشين السلاف حين حلا ... مذاقها كونها ابنة الحصرم # *** # قوله: تنشق، أي شم. نشر: راحة. أزرى: عاب. مفتوتا: مدقوقا، يقول: لشكر ~~المعروف عند أهل الجود أعطر من ريح المسك إذا فت فانتشرت رائحته. # وقال إبراهيم الشيباني: كنت أرى رجلا من وجوه أهل الكوفة، لا يجف لبده، ~~ولا يستريح قلبه في ms0952 طلب حوائج الناس، وإدخال المرافق على الضعيف، فقلت له: ~~أخبرني عن الحال التي هونت عليك هذا التعب في القيام بحوائج الناس، ما هي؟ ~~قال: قد والله سمعت تغريد الأطيار بالأسحار في فروع الأشجار، وسمعت خفوق ~~أوتار العيدان وترجيع أصوات القيان، فما طربت من صوت قط طربي من ثناء حسن، ~~بلسان حسن، على رجل قد أحسن، وما سمعت أحسن من شكر حر لرجل حر، ومن شفاعة ~~محتسب لطالب شاكر، فقلت له: لله أبوك! لقد حشيت كرما، فلذة السمع هنا ~~بمنزلة الشم في البيت. # خيل: حسب، والضب والحوت قد تقدما في الثامنة عشر. # قوله: الجامد الكف: هو البخيل، وهو ضد السمح. ممقوتا: مبغوضا. علل: # أعذار. يوسعنه ذما، أي يكثرن ذمه، التبكيت: الهوان والتوبيخ جد: تكرم. ~~نشب: مال مجتدي جدواك: طالب عطاياك. مبهوتا: متحيرا، يريد أنه يعجب من كثرة ~~ما تعطيه فيتحير وما يدري كيف يشكرك! ### || AUTO [ذم البخل ومدح الكرم] # ومن مدح الكرم وذم البخل قالوا: # لو لم يكن في الكرم إلا أنه من صفات الله عز وجل. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب الجود ومكارم الأخلاق ويذم ~~سفسافها» (¬1). PageV03P116 # وقيل لقوم من العرب: من سيدكم؟ فقالوا: فلان على بخل فيه، فقال عليه ~~الصلاة والسلام: «وأي داء أدوى من البخل» (¬1)! # وقال تعالى: ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون [الحشر: 9]. # وقال المأمون لمحمد بن عباد: أنت متلاف، فقال: منع الجود سوء ظن ~~بالمعبود، يقول الله عز وجل: وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين ~~[سبأ: 39]. # وقال كسرى: عليكم بأهل السخاء والشجاعة؛ فإنهم أهل حسن الظن بالله، ولو ~~أن أهل البخل لم يدخل عليهم من ضر بخلهم ومذمة الناس لهم وإطباق القلوب على ~~بغضهم، إلا سوى ظنهم بربهم في الخلف لكان عظيما، أخذه محمود الوارق فقال: ~~[الطويل] # من ظن بالله خيرا جاد مبتدئا ... والبخل من سوء ظن المرء بالله # وخوف بخيل سخيا الإملاق والفقر، فرد عليه السخي، يقول: الشيطان يعدكم ~~الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا [البقرة: ms0953 268]. # وقال الحسن والحسين لعبد الله بن جعفر: إنك قد أسرفت في بذل المال، فقال: # بأبي أنتما وأمي! إن الله عودني أن يتفضل علي، وعودته أن أتفضل على ~~عبيدة، فأخاف أن أقطع العادة فيقطع عني عادته. # قوله: وخذ نصيبك منه قبل رائعة. الرائعة الشيبة، لأنها تروع الإنسان أي ~~تفزعه، وتعلمه أنها تأتيه بالكبر والهرم. والعود المنحوت، أراد به الجسم ~~اليابس لأن الهرم يذهب نعمة الجسم، وأصل المنحوت المنجور. # وأراد بقوله: خذ نصيبك قوله عليه الصلاة والسلام: «يقول ابن آدم: مالي ~~مالي، وماله من ماله إلا ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فأمضى» (¬2). ### || AUTO [مما قيل في الشيب] # وقال الشاعر في الرائعة: [البسيط] # أهلا برائعة للشيب واحدة ... تفني الشباب وتنهانا عن الغزل # وقال أبو الطيب المتنبي: [الكامل] # راعتك رائعة المشيب بعارضي ... ولو انها الأولى لراع الأسحم (¬3) PageV03P117 # لو كان يمكنني سفرت عن الصبا ... فالشيب من قبل الأوان يكتم # وفي رواية ابن جني: «رائعة البياض»، وقال: هي أول شعرة تطلع من الشيب. ~~وأنشد ابن الأعرابي «أهلا برائعة للشيب» وأنشد غيره «برائعة بيضاء» أي ~~بشعرة تطلع من المشيب بيضاء تروع الناظر، وهذا أصوب من الوجه الآخر، وقال ~~كثير: [الكامل] # كذب العواذل بل أردن خيانتي ... وبدت روائع لمتي وقتوم (¬1) # وقال الألبيري: [الوافر] # بصرت بشيبة وخطت بليلي ... فقلت لها تأهبي للرحيل # ولا يهن القليل عليك منها ... فما للشيب ويحك من قليل # فكم قد أبصرت عيناك مزنا ... أصابك طلها قبل النزول # فلا تحقر بنور الشيب واعلم ... بأن القطر يبعث بالسيول # وقال أبو بكر البلوي: [السريع] # نكبت في شعري وشعري وما ... نفسي في صبري بمنكوبه # إذا دنت بيضاء مكروهة ... مني نأت سوداء محبوبه # وقال كشاجم فأحسن: [الوافر] # نظرت إلى المرأة فروعتني ... طلائع شيبتين لدى المتاب # فأما شيبة ففزعت منها ... إلى المقراض من حب التصابي # وأما شيبة فصفحت عنها ... لنشهد بالبراءة من خضابي # فيا لك من مشيب قد تبدى ... أقمت به الدليل على شبابي # وقال البحتري: [الخفيف] # وأبت تركي الغديات والآ ... صال حتى قضين بالمقراض (¬2) # شعرات أقصهن ويرجع ms0954 ... ن رجوع السهام في الأغراض # وقال ابن المعتز: [الطويل] # ألست ترى شيبا برأسي شاملا ... ونت حيلتي عنه وضاق به ذرعي # كأن المقاريض التي يعتورنه ... مناقير طير تنتقي سنبل الزرع PageV03P118 # وقال رجل من الأزد: [الكامل] # ولقد أقول لشيبة أبصرتها ... في مفرقي فمنحتها إعراضي # عني إليك فلست منتهيا لقد ... عممت منك مفارقي ببياض # هل لي سوى عشرين عاما قد مضت ... مع ستة في إثرهن مواضي # ولقلما أرتاع منك وإنني ... فيما هويت وإن وزعت لماضي # فعليك ما اسطعت الظهور بلمتي ... وعلي أن ألقاك بالمقراض # وقال أبو نواس: [الكامل] # وإذا عددت السن كم هي لم أجد ... للشيب عذرا أن يلم برأسي # وقال أبو دلف: [البسيط] # في كل يوم أرى بيضاء قد طلعت ... كأنما نبتت في ناظر البصر # لئن قرضتك بالمقراض عن بصري ... لما قرضتك عن همي وعن فكري # وقال كشاجم: [الطويل] # أخي قم فعاوني على شيبة بغت ... فإني منها في عذاب وفي حرب # إذا ما مضى المنقاش يأتي بها أتت ... وقد أخذت من دونها جارة الجنب # كحان على السلطان يجزى بذنبه ... تعلق بالجيران من شدة الرعب # ولأبي الفضل الدارمي: [الخفيف] # شيبة نغصت علي شبابي ... فتعمدت نتفها غير وان # قلت ماذا كذا العمر التصابي ... لشبابي أجل عند الحسان # فأجابت جرى من الرسم للسل ... طان أخذ البراء مثل الجاني # فإن ازددت في الجفاء فلا تن ... كر قدومي عليك مع إخواني # وهذا مثل قول الآخر: [الطويل] # وزائرة للشيب لاحت بعارضي ... فبادرتها بالقطف خوفا من الحتف # فقالت على ضعفي استطلت ووحدتي ... رويدك حتى يلحق الجيش من خلفي # فلم يك إلا عن قريب فأقبلت ... وعمت جميع الرأس رغما على أنفي # فوا أسفا لو كان يغني تأسفي ... على زمن ولى ونحن على حرف # وقال الرماني: [الكامل] # وثلاث شيبات طلعن بمفرقي ... فظننت أن نزولهن رحيلي # طلعت ثلاث في طلوع ثلاثة ... واش ووجه مراقب وعذول PageV03P119 # فعزلنني عن صبوتي فلئن ذلك ... ت لقد سمعت بذلة المعزول # وفي معنى قول أبي نواس: «وإذا عددت السن كم هي» قال المعري: # [الخفيف] # عجبت هند من تسرع ms0955 شيبي ... قلت هذا عقبي فطام السرور # عوضتني يد السفاسف من مس ... ك عذارى ريشا من الكافور # كأن لي في انتظار شيبي حساب ... غالطتني فيه صروف الدهور # وقال ابن الملح الشبلي: [الكامل] # طلع المشيب بلمتي فتعجبوا ... من كده وتعجبوا من مهلته # ما شبت من كبر ولكن من يبت ... دنفا ومشتاقا يشب من ليلته # وقال أبو عثمان الخالدي: [المتقارب] # فديتك ما شبت من كبرة ... وهذي سني وهذا الحساب # ولكن هجرت فحل المشيب ... ولو قد وصلت لحل الشباب # وهذا القدر كاف. # *** # قوله: فالدهر أنكد ... البيت يقول: إن كنت غنيا أو فقيرا فتلك حال لا ~~تدوم، كرهت أو رضيتها. # وقوله: أي ولد الرجل أنت، هذا الكلام إنما يقع في باب النفي، قال يعقوب: # تقول العرب: لا أدري أي ولد الرجل هو؟ يعنون بالرجل آدم وولده الناس، ~~فكأنه قال: # ما أدري أي الناس هو. # عرض: جانب. مغض: مغمض عينه، يريد أنه لم يعجبه سؤاله، فلم يقبل عليه ~~بنظره، ولا بإنشاده. ورز، بالراء قبل الزاي، معناه اختبر واطلب قال ابن ~~الأنباري: رزت ما عنده، أي طلبته وأردته، قال الزبيدي: الروز قريب من ~~التحقيق، والروز أن تأخذ الصنجة بيدك، فترفعها لتختبر ثقلها، قال الشاعر: ~~[الوافر] # وإن الله راز حلوم قيس ... فلما ذاق خفتها قلاها # وقال الأعشى: [مجزوء الكامل] # فمشى ولم يخش الأني ... س فرازها وخلا بها # اصرم: اقطع الصحبة. السلاف: الخمر الخالصة. الحصرم: الحامض، لأن عود ~~العنب حامض، ويتولد عنه شيء لذيذ، وتقدم معنى البيتين. PageV03P120 # وأما وجود الأشياء مع أضدادها مثل الحلاوة مع أصله مر فله نظائر، قال حبيب: # [البسيط] # * والنار قد تنتضى من ناضر السلم (¬1) * # وقال المتنبي: [الوافر] # فإن الماء يجري من جماد ... وإن النار تخرج من زناد (¬2) # وقد يجري أيضا خلاف العادة في الأشياء، فقد يتشابه الشيئان من جهة، ~~ويتباعدان من أخرى. # قال المعري: [البسيط] # قد يبعد الشيء من شيء يشابهه ... إن السماء نظير الماء في الزرق (¬3) # قال المتنبي وقد سبقه إليه: [الوافر] # وقد يتقارب الوصفان جدا ... وموصوفا هما متباعدان (¬4) # وما أحسن قول ابن صارة: ms0956 [البسيط] # يا من يعذبني لما تملكني ... ماذا تريد بتعذيبي وإضراري # تروق حسنا وفيك الموت أجمعه ... كالصقل في السيف أو كالنور في النار # وقال ابن عبدون أستاذ بلنسية: [البسيط] # يا من محياه جنات مفتحة ... وهجره لي ذنب غير مغفور # لقد تناقضت في خلق وفي خلق ... تناقض النار بالتدخين والنور # *** # قال: فقربه الوالي لبيانه الفاتن؛ حتى أحله مقعد الخاتن. ثم فرض له من ~~سيوب نيله، ما آذن بطول ذيله، وقصر ليله. فنهض عنه بردن ملآن، وقلب جذلان، ~~وتبعته حاذيا حذوه، وقافيا خطوه، حتى إذا خرج من بابه، وفصل عن غابه، قلت ~~له: هنئت بما أوتيت، ومليت بما أوتيت فأسفر وجهه وتلالا، ووالى شكرا لله ~~تعالى، ثم خطر اختيالا، وأنشد ارتجالا: [الطويل] PageV03P121 # من يكن نال بالحماقة حظا ... أو سما قدره لطيب الأصول # فبفضلي انتفعت لا بفضولي ... وبقولي ارتفعت لا بقيولي # ثم قال: تعسا لمن جدب الأدب، وطوبى لمن جد فيه ودأب، ثم ودعني وذهب، ~~وأودعني اللهب. # *** # قوله: مقعد الخاتن: كناية عن القرب، كما أن مزجر الكلب كناية عن البعد. # سيوب: عطايا، وأصلها الكنوز والمعادن. نيله: ماله الموهوب، وفي كتاب ~~العين: أنلت المعروف ونلته ونولته واسم ما تهب النوال والنيل. آذن: أعلم. ~~طول ذيله: كثرة ماله. # قصر ليله: يريد قلة همه، لأن المهموم لا ينام فيطول ليله، ووصف الليل ~~بالطول والقصر، وله باب مشهور في كتب الأدب تركنا ذكره لشهرته وكثرته، ~~وعلته راجعة لما ذكر من أن ليل السرور قصير، وليل الهم طويل. ### || AUTO [مما قيل في الليل شعرا] # وحدث إسحاق الموصلي قال: دخلت على الرشيد وهو مستلق على قفاه وهو يقول: ~~أحسن والله فتى قريش وظريفها وشاعرها، قلت: فيم ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال ~~في قوله: [البسيط] # لا أسأل الله تغييرا لما فعلت ... نامت وقد أسهرت عيني عيناها # فالليل أطول شيء حين أفقدها ... والليل أقصر شيء حين ألقاها # ثم قال: أفتعرفه؟ قلت بصوت ضعيف: لا، قال: بحقي عليك؟ قلت: نعم هو الوليد ~~بن يزيد، فقال استر ما سمعته مني، وإنه ليستحق أكثر مما ms0957 وصفته به. # ولبعضهم وأجاد: [الكامل] # إن الليالي للأنام مطية ... تطوى وتنشر بينها الأعمار # فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار # وأنشد الفنجديهي للمطرافي: [البسيط] # أخو الهوى يستطيل الليل من سهر ... والليل في طوله جار على قدر # ليل الهوى سنة في الهجر مدته ... لكنه سنة في الوصل من قصر # وأنشد السلامي رحمه الله: [البسيط] # ليلي وليلى سواء في اختلافهما ... قد صيراني جميعا في الهوى مثلا # يجود بالطول ليلي كلما بخلت ... بالطول ليلى وإن جادت به بخلا PageV03P122 # وقال ابن أبي دباكل: [الوافر] # يطول اليوم لا ألقاك فيه ... وحول نلتقي فيه قصير # وتبعه بشار، فقال وأحسن: [البسيط] # لا أظلم الليل ولا أدعي ... أن نجوم الليل ليست تغور # ليلي كما شاءت فإن لم تزر ... طال وإن زارت فليلي قصير # تصرف الليل على حكمها ... فهو على ما صرفته يدور # وزاد ابن العريف الزاهد على هذا المعنى، فقال وأحسن: [الخفيف] # لست أدري أطال ليلي أم لا ... كيف يدري بذاك من يتقلى # لو تفرغت لاستطالة ليلي ... ولرعي النجوم كنت مخلا # إن للعاشقين عن قصر اللي ... ل وعن طوله من الهم شغلا # قوله: ردن، أي كم. جذلان: مسرور. حاذيا حذوه، أي متبعا له جاعلا قدمي ~~موضع قدمه، فيتسع فيه، فيقال: حذوت حذوه، أي فعلت مثل فعله، وأصله في حذو ~~النعل بالنعل، وقد تقدم. # قافيا: متبعا فصل: زال وخرج. غابه: موضعه، والغاب الشجر الملتف يتخذ ~~الأسد فيه بيتا. مليت: أطيل لك ومتعت به، من الملاوة، وهو الحين أوليت: أعطيت. # أسفر: أضاء، ومثله تلألأ، إلا أن معناه أبلغ، وأصل تلألأ: ابيض، فأشبه ~~بياض اللؤلؤ، وصفاءه، يريد أنه انبسط وجهه وحسنت خلقته لما دعا له. والى: ~~كرر. خطر اختيالا: # جر أثوابه إعجابا بنفسه. سما قدره: ارتفعت منزلته. طيب الأصول: شرف ~~الجدود. # الفضول: الحمق والدخول فيما لا يعني. والقيول: من دون الملك، واحدهم قيل، ~~وأراد بهم الأجداد الأشراف، وطابق بين الحماقة والفضول، وبين طيب الأصول ~~والقبول، وسلخه من قول المتنبي: [البسيط] # ما بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبنفسي ارتفعت لا بجدودي ms0958 (¬1) # أشار إلى نسبه من ملوك كندة. # قال: آخر: [الرمل] # أيها الفاخر جهلا بالحسب ... إنما الناس لأم ولأب # إنما الفخر بعقل راجح ... وبأخلاق حسان وأدب # ذاك من قد فاخر الناس به ... فاق من فاخر منهم وغلب PageV03P123 # وقال الحكيم بن قنبر: [البسيط] # لا خير فيمن له أصل بلا أدب ... حتى يكون على ما نابه حدبا # كم من حسيب أخي عي وطمطمة ... فدم لدى القوم معروفا إذا انتسبا # في بيت مكرمة آباؤه نجب ... كانوا الرءوس فأضحى بعدهم ذنبا # وقد تقدمت نظائره. # قوله: تعسا، أي هلاكا. جدب: عاب، وفي الحديث: «جدب ابن الأثير بالسمر بعد ~~العشاء» (¬1) أي عابه، وقال ذو الرمة [الطويل] # إذا نازعتك القول مية أو بدا ... لك الوجه منها أو نضا الدرع سالبه (¬2) # فيا لك من خد أسيل ومنطق ... رخيم ومن خلق تعلل جادبه # قوله: دأب، أي دام عليه. أودعني: ضمنني، وجعله في قلبي اللهب: جمر النار. # ومما يتعلق بما قدمناه من الشعر قول جحظة: [الوافر] # أرى الأعياد تتركني وتمضي ... وأوشك أنها تبقى وأمضي # علامة ذاك شيب قد علاني ... وضعف عند إبرامي ونقضي # وما كذب الذي قد قال قبلي ... إذا ما مر يوم مر بعضي # أرى الأيام قد ختمت كتابي ... وأحسبها ستتبعه بفض # وعلى قوله: «إذا ما مر يوم مر بعضي» قال بعض بني حمدان: [مخلع البسيط] # المرء وقت له تناه ... مقدر طوله وعرضه # فكلما مر منه يوم ... فإنما مر منه بعضه # وجحظة مطبوع الشعر، هو القائل في أبي بكر بن دريد: [البسيط] # فقدت بابن دريد كل فائدة ... لما غدا ثالث الأحجار والترب # وكنت أبكي لفقد الجود مجتهدا ... فصرت أبكي لفقد الجود والأدب # أين هذا من قول الفرزدق يرثي سائسا، أنشده أبو محمد في الدرة: [الطويل] PageV03P124 # ليبك أبا الخنساء بغل وبغلة ... ومخلاة سوء قد أضيع شعيرها # ومجرفة مطروحة ومحسة ... ومقرعة صفراء بال سيورها # أخذه من قول زيد الخيل يرثي عبدا له: [السريع] # أما تعاورتك الرماح فلا ... أبكيك إلا للدلو والمرس (¬1) # وقد قدمنا فصلا في التشاؤم بالأدب في قوله، فقد دهاني شؤمه وأثنى ms0959 عليه ~~هنا بقوله: تعسا لمن جدب الأدب، وطوبى لمن جد فيه وأدب ### || AUTO [مما قيل في الأدب والأديب] # ونذكر هنا فصلا مقنعا في مدحه، حسبما شرطنا من الجري معه على أغراضه. قال ~~العلاء بن أيوب كان يقال: مثل الأديب ذي القريحة، مثل دائرة تدار من ~~داخلها، فهي في كل دارة تدار تتسع وتزداد عظما، ومثل الأديب غير ذي القريحة ~~مثل دائرة تدار من داخلها، فهي عن قليل تبلغ إلى باطنها. # أوصى بعض الحكماء بنيه، فقال لهم: الأدب أكرم الجواهر طبيعة، وأنفسها ~~قيمة، يرفع الأحساب الوضيعة، ويفيد الرغائب الجليلة، ويغني من غيره عشيرة، ~~ويكثر الأنصار من غير رزية، فالبسوه حلة، وتزينوا به حلية، يؤنسكم في ~~الوحشة، ويجمع القلوب المختلفة. # وقال شبيب بن شبة: اطلبوا الأدب فإنه مادة للعقل، دليل على المروءة صاحب ~~في الغربة، مؤنس في الوحشة، حلية في المجلس. # وقال الخليل: من لم يكتسب بالأدب مالا اكتسب به جمالا. # وأنشد الأصمعي رحمه الله: [البسيط] # إن يك للعقل مولود فلست أرى ... ذا العقل مستوحشا من حادث الأدب # إني رأيتهما كالماء مختلطا ... بالترب تظهر عنه زهرة العشب # وقال عبد الملك لبنيه: عليكم بالأدب، فإنكم إذا احتجتم إليه كان لكم ~~مالا، وإن استغنيتم عنه كان لكم جمالا. # ابن المقفع: إذا أكرمك الناس لمال أو لدنيا، فلا يعجبنك، فإن تلك كرامة ~~نزول PageV03P125 # بزوالهما، ولكن ليعجبنك إذا أكرموك لدين أو أدب. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كفاك من علم الدين أن تعرف ما لا يسع ~~جهله، ومن علم الأدب أن تروي الشاهد والمثل. # وقال بزرجمهر: ما ورثت الآباء الأبناء خيرا من الأدب، لأن به يكسبون ~~المال، وبالجهل يتلفونه. # وقال: حسن الخلق خير قرين، والأدب خير ميراث، والتقوى خير زاد. # وقالوا: ثلاث لا غربة معهن. مجانبة الريب، وحسن الأدب، وكف الأذى. وقال ~~بزرجمهر: من كثر أدبه كثر شرفه، وإن كان قبل وضيعا، وبعد صيته، وإن كان ~~خاملا، وساد وإن كان غريبا، وكثرت الحاجة إليه وإن كان فقيرا. # وقال عمر رضي الله عنه: من أفضل ما ms0960 أعطيته العرب الأبيات، يقدمها الرجل ~~بين يدي حاجته، فيستعطف بها الكريم ويستنزل بها اللئيم. # وقالوا: الأدب أدبان. أدب الغريزة، وهو الأصل وأدب الرواية وهو الفرع، ~~ولا يتفرع الشيء إلا عن أصله، ولا ينمو الأصل إلا باتصال المادة. # وقال حبيب فأحسن: [الطويل] # وما السيف إلا زبرة إن تركته ... على الخلقة الأولى لما كان يقطع (¬1) # وقال آخر: [المنسرح] # ما وهب الله لامرئ هبة ... أفضل من عقله ومن أدبه # هما كمال الفتى فإن فقدا ... ففقده للحياة أحسن به # وقالوا: إذا كان الرجل طاهر الأدب، طاهر المنبت، تأدب بأدبه، وصلح بصلاح ~~أهله وولده. # وقال الشاعر: [الطويل] # رأيت صلاح المرء يصلح أهله ... ويعديهم عند الفساد إذا فسد # يعظم في الدنيا لأجل صلاحه ... ويحفظ بعد الموت في الأهل والولد PageV03P126 ### | AUTO المقامة التاسعة والثلاثون وهي العمانية # حدث الحارث بن همام، قال: لهجت مذ اخضر إزاري، وبقل عذاري، بأن أجوب ~~البراري، على ظهور المهاري، أنجد طورا، وأسلك تارة غورا؛ حتى فليت المعالم ~~والمجاهل، وبلوت المنازل والمناهل، وأدميت السنابك والمناسم، وأنضيت ~~السوابق والرواسم فلما مللت الإصحار، وقد سنح لي أرب بصحار، ملت إلى اجتياز ~~التيار، واختيار الفلك السيار، فنقلت إليه أساودي، واستصحبت زادى ومزاودي، ~~ثم ركبت إليه ركوب حاذر ناذر، عاذل لنفسه عاذر فلما شرعنا في القلعة، ~~ورفعنا الشرع للسرعة، سمعنا من شاطئ المرسى، حين دجا الليل وأغسى، هاتفا ~~يقول: يا أهل ذا الفلك القويم، المزجى في البحر العظيم، بتقدير العزيز ~~العليم، هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم! فقلنا: أقبسنا نارك أيها ~~الدليل وأرشدنا كما يرشد الخليل الخليل. # *** # لهجت أي اشتد حبي، وأصله في الفصيل إذا رضع أمه، يقال: لهج بضرع أمه، إذا ~~لزمه ليرضعه، اخضر إزاري، كنى به عن الشباب، وكانت العرب إذا بلغ منها ~~الغلام الحلم وأشعر لبس الإزار ليستر عورته. بقل عذاري: اخضر شاربي، وبدا ~~الشعر في وجهي أخضر مثل البقل. ### || AUTO [مما قيل في العذار] # ونذكر هنا شيئا مما قيل في العذار، قال أبو نواس: [الكامل] # من أين للرشإ الأغن الأحور ... في الخد ms0961 مثل عذاره المتحير # قمر كأن بعارضيه كليهما ... مسكا تساقط فوق ورد أحمر # وقال أيضا: [مخلع البسيط] # قد كان بدر السماء حسنا ... فالناس في حبه سواء PageV03P127 # فزاده ربه عذارا ... تم به الحسن والبهاء # لا تعجبوا، ربنا قدير ... يزيد في الخلق ما يشاء # وقال ابن رشيق: [السريع] # همت عذاراه بتقبيله ... فاستل من عينيه سيفين # فذلك المحمر من خده ... دم جرى بين الفريقين # وقال غيره: [مجزوء الكامل] # قمر كأن قوامه ... من قد غصن مسترق # وكأنما قلم الزمر ... وفي عوارضه مشق # ولأبي الفضل الدارمي: [الرجز] # إذا الذي خط الجمال بوجهه ... خطين هاجا لوعة وبلا بلا # ما صح عندي أن لحظك صارم ... حتى رأيت بعارضيك حمائلا # وقال أيضا: [الرمل] # قلت للملقي على الخد ... ين من ورد خمارا # أسبل الصدغ على خد ... يك من مسك عذارا # أم أعان الليل حتى ... غلب الليل النهارا # قال ميدان جرى الحس ... ن عليه فاستدارا # ركضت فيه عيون ... فأثارته غبارا # قوله: أجوب، أي أقطع البراري: الصحارى. المهاري: إبل كرام أنجد: أطلع، ~~والنجد: المرتفع. والغور: ضده، وقد أنجد وغار. أسلك: أدخل وأمشي. فليت: # قطعت المعالم: المواضع المعلومة، والمجاهل، ضدها. بلوت: جربت. المناهل: # مواضع المياه. السنابك، أطراف الحوافر المناسم: جمع منسم، وهو مقدم خف ~~البعير. # أنضيت: أهزات. السوابق: الخيل الرواسم: الإبل السريعة، ورسمت الناقة فهي ~~راسمة، إذا أثرت في الأرض من شدة وطئها، قال أبو عبيد رحمه الله: إذا ارتفع ~~السير عن العنق قليلا، فهو التزيد، فإذا ارتفع عن ذلك، فهو الذميل، ثم ~~الرسيم. الإصحار: الدخول للصحراء، يريد مللت من سفر البر. سنح: ظهر وعرض. ~~ارب: حاجة. ### || AUTO [صحار] # صحار: سوق عمان، وهي مدينة كبيرة على ساحل البحر، مرساها فرسخ في فرسخ، ~~وبلاد عمان ثلاثون فرسخا، ما ولي البحر سهول ورمال، وما تباعد عنه حزون PageV03P128 # وجبال، وهي مدن، منها مدينة عمان وهي حصينة على الساحل، ومن الجانب الآخر ~~مياه تجري إلى المدينة، وفيها دكاكين التجار مفروشةبالنحاس مكان الآجر، وهي ~~كثيرة النخل والبساتين وضروب الفواكه والحنطة والشعير والأرز وقصب السكر، ~~وفي الأمثال: # من تعذر ms0962 عليه الرزق فعليه بعمان، وفي أحوازها مغاص اللؤلؤ. وعمان من ~~أحواز اليمن سميت بعمان بن سبأ. # الفنجديهي: صحار اسم بلدة بكورة عمان وهي قصبتها مما يلي الجبل. # *** # التيار: البحر. الفلك: السفينة السيار: الكثير المشي، والفلك يكون واحدا ~~وجمعا، ويذكر ويؤنث. # أساودي: أمتاعي، لأنها تسود الأرض بظلها، وهي جمع أسودة، وأسودة جمع ~~سواد، وسواد الأمير ثقله. أبو عبيد: كل شخص سواد، من متاع أو إنسان أو غيره. # الحاذر: الخائف. ناذر: حالف، وأراد به الذي ينذر بخير إن سلمه الله تعالى ~~من هول البحر. عاذل وعاذر، يريد أنه يعذل نفسه عن التغرير بدخول البحر ~~ومقاساة أهواله، ويعذرها لكثرة المتاجر. شرعنا في القلعة: أخذنا في قلع ~~المراسي، ورفع القلع وهي الشرع قوله: أغشى، أي أظلم هاتفا، أي صائحا. ~~القويم: المستقيم. المزجى: المسوق المسير، قال الله تعالى: ربكم الذي يزجي ~~لكم الفلك في البحر [الإسراء: 66] أي يسيرها، وأزجاه: إذا ساقه. أقبسنا: ~~أعطنا أرشدنا: دلنا، قاله الأزهري رحمه الله. # *** # فقال: أتستصحبون ابن سبيل، زاده في زبيل، وظله غير ثقيل، وما يبغي سوى ~~مقيل. فأجمعنا على الجنوح إليه وألا نبخل بالماعون عليه. # فلما استوى على الفلك، قال: أعوذ بمالك الملك، من مسالك الهلك. ثم قال: ~~إنا روينا في الأخبار، المنقولة عن الأحبار، أن الله تعالى ما أخذ على ~~الجهال أن يتعلموا، حتى أخذ على العلماء أن يعلموا، وإن معي لعوذة، عن ~~الأنبياء مأخوذة، وعندي لكم نصيحة، براهينها صحيحة، وما وسعني الكتمان، ولا ~~من خيمي الحرمان فتدبروا القول وتفهموا، واعملوا بما تعلمون وعلموا. # ثم صاح صيحة المباهي، وقال: أتدرون ما هي! هي والله حرز السفر، عند ~~مسيرهم في البحر، والجنة من الغم، إذا جاش موج اليم، وبها استعصم نوح من ~~الطوفان، ونجا ومن معه من الحيوان؛ على ما صدعت به آي القرآن. # ثم قرأ بعد أساطير تلاها، وزخارف جلاها، وقال: اركبوا فيها باسم الله PageV03P129 # مجراها ومرساها. ثم تنفس تنفس المغرمين، أو عباد الله المكرمين. # وقال: أما أنا فقد قمت فيكم مقام المبلغين، ونصحت لكم نصح المبالغين، ~~وسلكت ms0963 بكم محجة الراشدين، فاشهد اللهم وأنت خير الشاهدين. # *** # ابن سبيل: هو المسافر الذي انقطع به، وهو يريد الرجوع إلى بلده، ولا يجد ~~ما يتبلغ به، فله سهم في الصدقات. زبيل: قفه من جلود، وألغز به بعضهم فقال: ~~[الوافر] # وذي أذنين لا يقتات قوتا ... وجوف للحوائج واحتمال # يكلف شغل أهل البيت طرا ... وتحمل فيه أقوات العيال # تسر إليه في الأسواق سرا ... فلا يفشيه إلا في الرحال # ظله غير ثقيل، أي هو خفيف الروح، وقد تقدم معنى استثقال ظله في الثانية ~~والعشرين، ويريد بظله شخصه، كما يسمى الشخص سوادا، لأنه يسود الأرض بظله. # قال زياد بن عبد الله: قيل للشافعي رضي الله عنه: هل تمرض الروح؟ قال: ~~نعم من ظل الثقلاء قال: فمررت به يوما وهو بين ثقيلين، فقلت كيف الروح؟ ~~قال: في النزع. # وقال الهيثم بن عدي: النظر إلى الثقيل حمى الروح. مقيل: موضع جلوس في ~~القائلة. الجنوح: الميل، والماعون اسم للمطر. وأنشد أبو حنيفة رضي الله ~~تعالى عنه: # [الوافر] # يمج صبيره الماعون مجا ... إذا نسم من الهيف اعتراه (¬1) # والماعون الزكاة، قال الراعي: [الكامل] # قوم على الإسلام لما يمنعوا ... ماعونهم ويضيعوا التهليلا (¬2) # مسالك: طرق ابن عباس رضي الله عنهما، قال رسول صلى الله عليه وسلم: «أمان ~~لأمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا: بسم الله الملك، وما قدروا ~~الله حق قدره [الأنعام: # 91]، الآية بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم» [هود: 41]. PageV03P130 # وقوله: إن الله تعالى ما أخذ على الجهال أن يتعلموا حتى أخذ على العلماء ~~أن يعلموا، قيل: معنى أخذ: أوجب، وأراد قوله تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق ~~الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه [آل عمران: 187]. # أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما آتى الله ~~تعالى عالما علما إلا أخذ عليه الميثاق ألا يكتمه» قال الحسن بن عمر: أتيت ~~الزهري بعد أن ترك الحديث، فألقيته على بابه، فقلت: إما أن تحدثني وإما أن ~~أحدثك، قال: حدثني، فقلت: حدثني الحكم ابن عيينة، ms0964 عن يحيى بن الجزار، قال: ~~سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: # ما أخذ الله على الجهال أن يتعلموا حتى أخذ على العلماء أن يعلموا، قال: ~~فحدثني بأربعين حديثا. # قوله: عوذة، أي ما يتعوذ به الإنسان من الحرز وشبهه. براهينها: حججها خيمي: # طبعي. الحرمان: منع الفوائد. المباهي: المفاخر الكثير الإعجاب السفر: ~~المسافرون. # الجنة، الستر. جاش: تحرك وهاج. اليم: البحر. استعصم: امتنع. الطوفان: ~~الماء العام. # صدعت: نطقت آي: جمع آية، وتقدمت الأساطير، هي الأباطيل. زخارف: أشياء ~~مزينة المغرمين: المعذبين، والمغرم المولع بالحب وغيره. الراشدين: الهادين ~~للطريق. # *** # قال الحارث بن همام: فأعجبنا بيانه البادي الطلاوة، وعجت له أصواتنا ~~بالتلاوة، وأنس قلبي من جرسه، معرفة عين شمسه فقلت له: بالذي سخر البحر ~~اللجى؛ ألست السروجي! فقال لي: بلى، وهل يخفى ابن جلا! فأحمدت حينئذ السفر، ~~وسفرت عن نفسي إذ سفر، ولم نزل نسير والبحر رهو، والجو صحو، والعيش صفو، ~~والزمان لهو، وأنا أجد للقيانه، وجد المثري بعقيانه، وأفرح بمناجاته، فرح ~~الغريق بمنجاته، إلى أن عصفت الجنوب، وعسفت الخنوب، ونسي السفر ما كان ~~وجاءكم الموج من كل مكان؛ فملنا لهذا الحدث السائر، إلى إحدى الجزائر؛ ~~لنريح ونستريح، ريثما تواتي الريح. # فتمادى اعتياص المسير؛ حتى نفد الزاد غير اليسير؛ فقال لي أبو زيد: إنه ~~لن يحرز جنى العود بالقعود، فهل لك في استثارة السعود بالصعود! فقلت له: ~~إني لأتبع لك من ظلك، وأطوع من نعلك. # *** # الطلاوة: الحسن والقبول. عجت: ارتفعت. آنس: أحس وأدرك. جرسه: صوته الخفي. ~~عين شمسه: حقيقة نفسه ومعرفته اللجي: وهي معظم الماء. PageV03P131 ### || AUTO [طوفان نوح عليه السلام] # ونذكر هنا بعد ما حدث من طوفان نوح عليه السلام: # ذكر أهل الأخبار أن نوحا عليه السلام أول نبي بعث، وأن قومه كانوا أهل ~~أوثان، يعبدونها من دون الله، فبعث لهم نوح فدعاهم إلى الله، فكانوايبطشون ~~به، ويستخفون به، وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. فلما كثر ~~استخفافهم به، قال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا [نوح: 26]، فأوحى الله ms0965 إليه أن ~~اصنع الفلك فإنهم مغرقون. فأقبل على قطع الخشب وضرب الحديد وتهيئة العود ~~بالفار وغيره، فصنعه من خشب الساج، وجعل طوله ثمانين ذراعا وعرضه خمسين ~~ذراعا، وطوله في السماء ثلاثين ذراعا. وكان قومه في خلال صنعة السفينة ~~يأتونه أفواجا، يستخفون عقله، ويعدون فعله من جنونه، ويقولون له: عملت ~~سفينة في البر، فيقول لهم: سوف تعلمون. فلما اطمأنوا في الفلك فار التنور ~~من الهند، وقال الشعبي رحمه الله من الكوفة. # وفتحت أبواب السماء بماء منهمر، وتفجرت الأرض عيونا، فكان بين إرسال ~~الماء وارتفاعه أربعون يوما، فلما بلغ الماء إليهم أووا إلى الجبال، فكانت ~~الجبال تستقبلهم بالحجارة، وتغرقهم في الماء، فماتوا غرقى، وارتفع الفلك، ~~وجعل يجري في موج كالجبال، ودار الأرض كلها في ستة أشهر وعشر ليال. ويقال: ~~إنهم ركبوها لعشر ليال مضين من رجب، ونزلوا يوم عاشوراء من المحرم، فلذلك ~~صام الناس يوم عاشوراء، وأتت السفينة الحرم فدارت به أسبوعا، ولم يبق شيء ~~الخلائق ولا من الشجر إلا هلك، إلا نوح ومن معه، وإلا عوج بن عنق- فيما ~~يزعم أهل الكتاب- وانتهت آخرا إلى الجودي، وهو جبل بالحصنين من أرض الموصل ~~فنزلت عليه. # *** # قوله: ابن جلا، أي المشهور المعروف، يقال للرجل إذا كان عالي الشرف واضح ~~الأمر لا يخفى مكانه: هو ابن جلا، أي هو الذى الأمور بنفسه، وأوضحها، قال ~~سحيم ابن وثيل: [الوافر] # أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني (¬1) # وكان صاحب غارات، يطلع فيها من ثنية الجبل على قومه؛ قال ثعلب: العمامة ~~تلبس في الحرب وتوضع في السلم؛ قال ابن الأعرابي: يقال للسيد: ابن جلا، قال ~~سيبويه رحمه الله: جلا فعل ماض، كأنه يعني الذي جلا، أي أوضح وكشف. PageV03P132 # قوله: أحمدت، أي وجدته محمودا. سفرت: كشفت وأزلت الهم سفر: عرفنا بنفسه، ~~ويقال: سفرت عن نفسي كما سفر، أي عرفته شخصي كما عرفني هو شخصه ونفسه. وهو: ~~ساكن، ويقال: فعل ذلك رهوا، أي ساكنا من غير تشدد، قال تعالى: # واترك البحر رهوا [الدخان: 24] والرهو عند العرب الساكن، يقال: جاءت ms0966 ~~الريح رهوا، أي ساكنة، ويجوز أن يكون رهوا من نعت موسى عليه السلام، أي ~~أتركه على هينتك، أو يكون من نعت البحر، أي دعه يا موسى ساكنا واقفا ماؤه ~~واعبره. الجو: # ناحية. السماء صحو: نقي من السحاب المثري: الغني. والعقيان: الذهب ينبت نباتا. # عصفت الريح: اشتدت الجنوب: الريح القبلية. عسفت: جاءت من كل جانب، والعسف ~~ركوب الأمر على جهالة. والخبوب، بخاء معجمة، جمع خب، وهي الرواية الصحيحة ~~عن ابن جهور وغيره، وهو هيج البحر واضطراب الماء، وهو الذي صححه الفنجديهي ~~كأن أبا عمرو القسطلي شاهد هذه الحالة من هول البحر فوصفه بقوله: # [الطويل] # إليك شحنا الفلك تهوي كأنها ... وقد ذعرت من مغرب الشمس غربان # على لجج خضر إذا هبت الصبا ... ترامى بنا فيها ثبير وثهلان # مواثل يرعى في ذراها مواثل ... كما عبدت في الجاهلية أوثان # تقاتل موج البحر واليم والدجى ... تموج بنا فيها عيون وآذان # ألا هل إلى الدنيا معاد وهل لنا ... سوى البحر قبر أو سوى الماء أكفان # وقال آخر: [الرمل] # وسماء في الثرى مخضلة ... لازوردية ما فيها صفا # غطت الأرض فلم تترك لنا ... من فضاء الأرض إلا طرفا # فكأن الأرض فيها عائم ... غاب إلا هامة أو كتفا # وكأن الموج فيها عسكر ... لبسوا لأما وغالوا حجفا # خافق راجفة أحشاؤه ... كحشا المهجور يهفو أسفا # قوله: نسي السفر ما كان، أي نسوا ما كان من طيب العيش بصفو الصحو قوله: # الحدث الثائر، أي الأمر الطارئ. لنريح، أي لنريح أنفسنا من تعب الهول ~~والخوف، وأراح الرجل: استراح وأراح غيره، وأراح الريح وأروحها واستروحها: ~~وجدها. ريث: # قدر، والريث اللبث والبطء. تواتي: توافق اعتياص: التواء وتصعب. نفد: فني ~~استثارة: # استخراج، يقول: هل لك فى إدراك الحظ بالخروج من السفينة إلى البرية. # *** # فنهدنا إلى الجزيرة، على ضعف من المريرة؛ لنركض في امتراء الميرة؛ PageV03P133 # وكلانا لا يملك فتيلا ولا يهتدي فيها سبيلا؛ فأقبلنا نجوس خلالها، ونتفيأ ~~ظلالها، حتى أفضينا إلى قصر مشيد، له باب من حديد، ودونه زمرة من عبيد. ~~فناسمناهم لنتخذهم سلما إلى الارتقاء، وأرشية ms0967 للاستقاء؛ فألفينا كلا منهم ~~كئيبا حسيرا؛ حتى خلناه كسيرا أو أسيرا. فقلنا: أيتها الغلمة، ما هذه ~~الغمة؟ قلم يجيبوا النداء، ولا فاهوا ببيضاء ولا سوداء، فلما رأينا نارهم ~~نار الحباحب، وخبرهم كسراب السباسب، قلنا: شاهت الوجوه، وقح اللكع ومن ~~يرجوه فابتدر خادم قد علته كبرة، وعرته عبرة، وقال: يا قوم، لا توسعونا ~~سبا، ولا توجعونا عتبا؛ فإنا لفي حزن شامل وشغل عن الحديث شاغل، فقال له ~~أبو زيد: نفس خناق البث، وانفث إن قدرت على النفث، فإنك ستجد مني عرافا ~~كافيا، ووصافا شافيا. # *** # نهدنا: تقدمنا المريرة: قو النفس. نركض، بفتح أولها، وأصل الركض، تحريك ~~القوائم، ومنه اركض برجلك [ص: 42]، ولهذا قيل للجنين إذا اضطرب في بطن أمه: ~~قد ارتكض، ومن مشكل أبيات المعاني: [الرجز] # قد سبق الحلبة وهو راكض ... فكيف لا يسبق وهو رابض (¬1) # المراد: أن أمه سبقت الجياد وهي حامل به، فأضاف السبق إليه لاتصاله بها، ~~وأراد براكض تحريكه قوائمه في مقره، والركض يستعمل في الخيل وغيرها فيقال: ~~ركض البعير برجله، والطائر بجناحه. # قوله: امتراء، أي استخراج. الميرة: جلب الرزق، ومار الرجل على أهله ميرا: # جلب لهم القوت. # نجوس خلالها؛ نطوف في طرقها، قال الليث وابن سيده: الجوس والجوسان: # التردد في خلال الدور والبيوت، وقال الأصمعي والأزهري وأبو عبيدة: جاسوا ~~الموضع: # وطئوه، وفلان يجوس بني فلان، أي يطؤهم يطلب فيهم وقال الطبري والنقاش ~~والزجاج والثعالبي: فجاسوا خلال الديار [الإسراء: 5]، أي طافوا بين بيوتهم، ~~يقتلونهم ويطلبونهم، ذاهبين وجائين. والخلل: الفرجة بين الشيئين، والجمع ~~خلال. تتفيأ: # نستظل، وتفيأ به: استظل به، وتفيأ: تقلب أفضينا: وصلنا. مشيد: مرتفع ~~البناء، PageV03P134 # والشيد: الجص. زمرة: جماعة ناسمناهم: قربنا منهم، وناسمه: ساره وشامة، ~~وناسمت الرجل: قربت نسمتك من نسمته، وتحدثت معه سرا: أرشية: حبالا. ~~الارتقاء: الصعود. # المسك: الجلد، يريد أنه شديد التوجع، وهذا كما تقول: لقيت فلانا في ثوب ~~نمر، أو في جلد أسد، أي لقيته بادي الشر، قال الشاعر: [الطويل] # فطورا ترانا في مسوك جيادنا ... وطورا ترانا في مسوك الثعالب (¬1) # قال البكري: الخيل توصف بالإقدام ms0968 والثعالب بالروغان، فيريد أنهم مقدمون ~~على أعدائهم يوما، ورائغون عنهم يوما. وقال الأستاذ: أي أسروا فكتفوا بجلود ~~خيلهم المعقورة وفي جلود الثعالب، كناية عن خبث الأسير فاهوا: نطقوا. ~~سوداء: كلمة رديئة نار الحباحب: ما تطاير من الشرر في الهواء بتصادم حجرين ~~أو بضرب حافر في حجر، وتلك نار لا منفعة فيها، وقيل: الحباحب رجل بخيل كان ~~يوقد نارا ضعيفة لئلا يقصد، فإن أحس بإنسان أطفأها لئلا يقتبس أحد من ناره، ~~وقيل: نار الحباحب نار سراجة، ولبخله كان إذا جاء أحد يوقد منه أطفأها، ~~وقال عبد الصمد بن المعذل في أخيه: [مجزوء الخفيف] # ليت لي منك يا أخي ... جارة من محارب # نارها كل شتوة ... مثل نار الحباحب (¬2) # يريد جارة القطامي التي يقول فيها: [الطويل] # إلى حيزبون توقد النار بعد ما ... تلفقت الظلماء من كل جانب # فلما تنازعنا الحديث سألتها ... عن الحي قالت: معشر من محارب # ألا إنما نيران قومي إذا شتوا ... لطارق ليل مثل نار الحباحب # وقيل: الحباحب ذباب يطير بالليل، له شعاع كالسراج. قوله: خبرهم، الخبر ~~بضم الخاء، مصدر خبرت أخبر إذا امتحنت، والسباسب والبسابس: الأرض المستوية، ~~واحدها سبسب وبسبس. شاهت الوجوه: قبحت الوجوه وفي الحديث: «أخذ عليه الصلاة ~~والسلام قبضة من تراب يوم بدر فحثاها في وجوه المشركين، وقال: شاهت PageV03P135 # الوجوه» (¬1)، ويقال شاه وجه الرجل يشوه شوها وشوهة، قبح، ووجه مشوه، أي ~~مقبح، ورجل أشوه وامرأة شوهاء. واللكع اللئيم، وقد لكع لكعا فهو ألكع، ~~ولكيع، إذا لؤم وحمق وامرأة لكاع ولكيعة. قوله: علته كبرة، أي أسن وكبر. ~~وعرته عبرة، أي غشيته دمعة والخادم: الخصي، موصوف بطول العمر وسرعة العبرة، ~~قال الهيثم بن عدي: في الخصي عشر خصال لا تجتمع في غيره: التهمة، والنميمة، ~~والشره، وسرعة الدمعة، وطول العمر، وكبر القدم، والتبري من الصلع، والإجارة ~~في الصغر، والقيادة في الكبر، والاسترخاء في المقعدة وسعة الحجر. لا توسعون ~~سبا، أي لا تكثروا شتمنا عتبا لوما وموجدة، وعتبت عليه أعتب عتبا وعتابا، ~~وأعتبه: أرضاه، والعتبى الرضا، واستعتبته طلبت إليه أن يعتب، وقال ms0969 النابغة: ~~[الطويل] # * وإن تك ذا عتبي فمثلك يعتب (¬2) * # وقال حبيب: [الطويل] # سرت تحمل العتبي إلى العتب والرضا ... إلى السخط والعذر الجميل إلى الحقد (¬3) # الخناق: الحبل يخنق به كالعقال للجمل يعقل به. نفس: روح وحلي عن المخنوق. ~~والبث: الحزن. انفث: تكلم، وأصله ابصق، عرافا: كثير المعرفة، والعراف: ~~العالم بالشيء، وأصله الكاهن. # *** # فقال له: اعلم أن رب هذا القصر هو قطب هذه البقعة، وشاه هذه الرقعة؛ إلا ~~أنه لم يخل من كمد، لخلوه من ولد؛ ولم يزل يستكرم المغارس، ويتخير من ~~المفارش النفائس؛ إلى أن بشر بحمل عقيلة، وآذنت وقلته بفسيلة، فنذرت له ~~النذور، وأحصيت الأيام والشهور. ولما حان النتاج، وصيغ الطوق والتاج، عسر ~~مخاض الوضع، حتى خيف على الأصل والفرع؛ فما فينا من يعرف قرارا، ولا يطعم ~~النوم إلا غرارا. ثم أجهش بالبكاء وأعول، وردد الاسترجاع وطول. فقال له أبو ~~زيد: اسكن يا هذا واستبشر، وأبشر بالفرج وبشر؛ فعندي عزيمة الطلق، التي PageV03P136 # انتشر سمعها في الخلق. فتبادرت الغلمة إلى مولاهم، متباشرين بانكشاف ~~بلواهم، فلم يكن إلا كلا ولا، حتى برز من هلمم بنا إليه فلما دخلنا عليه، ~~ومثلنا بين يديه، قال أبو زيد: ليهنك منالك، إن صدق مقالك، ولم يفل فالك. # *** # قطب هذه البقعة، أي رئيس هذه الأرض، وقطب القوم: سيدهم الذي يلجئون إليه. # وشاه هذه الرقعة: ملك هذه الجزيرة، وأراد بالرقعة سفرة الشطرنج، وشاهها: # ملك جيشها الذي يتصرف في بيوتها كيف شاه، وقد أحسن من قال فيها: [البسيط] # أرض مربعة حمراء من أدم ... ما بين خلين موصوفين بالكرم # تذاكرا الحرب فاحتالا لها شبها ... من غير أن يسعيا فيها لسفك دم # هذا يغير على هذا وذاك على ... هذا يغير وعين الحرب لم تنم # فانظر إلى فطن جاشت بمعرفة ... في عسكرين بلا طبل ولا علم # قوله: كمد، أي حزن. المغارس والمفارش: النساء، كأن النطف تغرس فيهن فيكثر ~~الولد منها النفائس: الكرائم. عقيلة: خيرة، والعقيلة درة البحر، وبه سميت ~~المرأة لكرمها وشرفها، وكل كريمة من النساء والإبل والخيل فهي عقيلة. ~~الرقلة: النخلة الطويلة. ms0970 الفسيلة: نخيلة تكبر في أصل النخل، أراد أن المرأة ~~حملت بولد. نذرت النذور، أي وعدت بفعل خير إن سلم الحمل. أحصيت: عددت، وعلم ~~ما بقي منها. # حان النتاج: قرب وقت الولادة صبغ: صنع. الطوق: الثوب يلبسه المولود بغير ~~جيب، ولما سبق إلى جذيمة ابن أخته عمرو، وكان له طوق يلبسه في الصغر، فقال ~~له: البسه فلم يسعه، فقال: شب عمرو عن الطوق، فذهبت مثلا، قال ابن القبطرنة ~~في الحكم بن حزم، وكلفه ذلك ابن سراج: [الطويل] # رأى صاحبي عمرا فكلف وصفه ... وحملني من ذاك ما ليس في الطوق # فقلت له: عمرو كعمرو فقال لي ... صدقت ولكن شب هذا عن الطوق # عسر: صعب. مخاض: تحرك الولد عند الولادة، وقيل: وجع الولادة القرار: # السكون. الغرار: النوم القليل؛ وهو من غر الطائر فرخه يغره، إذا أطعمه ~~شيئا بعد شيء، وأخذه من قول الشاعر: [الرمل] # لا أذوق النوم إلا غرارا ... مثل حسو الطير ماء الثماد # ولا يطعم النوم، أي لا يذوقه، ويقال: طعمه وتطعمه: ذاقه، وفي المثل: تطعم ~~تطعم، أي ذق تشته. أجهش: أي تهيأ للبكاء، والإجهاش: تغير الوجه عند إرادة ~~البكاء. PageV03P137 # أعول: رفع صوته بالبكاء. الاسترجاع، قد تقدم الطلق: وجع الولادة، سمي ~~طلقا على التفاؤل للمرأة بالانطلاق بالولد. سمعها: ذكرها الجميل. تبادرت: ~~تسابقت. # وجمع غلام غلمة وغلمان. البلوى: البلاء. كلا ولا، أي كاللفظ بها، وهي ~~كناية عن قلة اللبث وسرعة الأمر، ويضرب بلا المثل، فيقال: أخف من لا على ~~اللسان، وأقل من لا في اللفظ، وقال جرير: [الطويل] # يكون نزول القوم فيها كلا ولا ... غشاشا ولا يدنون رجلا إلى رجل (¬1) # غشاشا، أي قليلا. ويقال: لقيه على غشاش، أي على عجلة، وقال الكميت: ~~[الطويل] # كلا وكذا تغميضهم ثم هجتم ... لدى حين أن كانوا إلى النوم أفقرا (¬2) # يقول: كان نومهم في القلة والسرعة، كقول القائل: لا وذا. # وقال الحسن رحمه الله: [الخفيف] # يا عاقد القلب مني ... هلا تذكرت خلا # تركت مني قليلا ... من القليل أقلا # يكاد لا يتجزى ... أقل في اللفظ من لا # وفي أبيات ms0971 البديع: [الطويل] # وأروع أهداه لي الليل والفلا ... وخمس تمس الأرض لكن كلا ولا # جعل قوائم فرسه وهي الخمس تمس الأرض في المشي كلا ولا على اللسان قوله: # برز، أي خرج. هلمم: دعا، وقال لنا هلم مثلنا: وقفنا، ومثل بين يديه: ~~انتصب قائما. # منالك: عطاؤك ولم يفل فالك: لم يخطئ رأيك، وفال رأيه فيولة: ضعف وأخطأ # *** # فاستحضر قلما مبريا، وزبدا بحريا، وزعفرانا قد ديف، في ماء ورد نظيف؛ فما ~~إن رجع النفس، حتى أحضر ما التمس، فسجد أبو زيد وعفر، وسبح واستغفر، وأبعد ~~الحاضرين ونفر ثم أخذ القلم واسحنفر، وكتب على الزبد بالمزعفر: [الخفيف] # أيها الجنين إني نصيح ... لك، والنصح من شروط الدين # أنت مستعصم بكن كنين ... وقرار من السكون مكين PageV03P138 # ما ترى فيه ما يروعك من إل ... ف مداج ولا عدو مبين # فمتى ما برزت منه تحول ... ت إلى منزل الأذى والهون # وتراءى لك الشقاء الذي تل ... قى فتبكي له بدمع هتون # فاستدم عيشك الرغيد وحاذر ... أن تبيع المحقوق بالمظنون # واحترس من مخادع لك يرقي ... ك ليلقيك في العذاب المهين # ولعمري لقد نصحت ولكن ... كم نصيح مشبه بظنين # *** # والزبد: حجر معروف، وهو شديد البياض دقيق الثقب جدا، يوجد عائما على وجه ~~الماء يصرف في الأكحال. وقالت الحكماء: من خصائص الزبد البحري أنه إذا علق ~~على امرأة ماخض سهل عليها الولادة، ويكون في بحر اليمن. ديف: خلط. التمس: # طلب عفر: جعل وجهه على الأرض، والعفر التراب. اسحنفر: جد وشمر للكتابة، ~~ويقال: اسحنفر في الأمر، إذا تحفز فيه. وقالت جارية من العرب. [السريع] # يا أمتا أبصرني راكب ... مسحنفر في مسرب لاحب (¬1) # ما زلت أحثو الترب في وجهه ... عمدا وأحمي حوزة الغائب # فأجابتها أمها: [السريع] # الحصن أولى لو تأبيته ... من حثيك الترب على الراكب (¬2) # مسرب طريق لاحب بين. الغائب: زوجها. الحصن: العفة. تأبيته: تعمدته ~~وقصدته. المزعفر: المداد من الزعفران. الجنين: الولد في بطن أمه. النصح: ضد ~~الغش؛ قال الخطابي: النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح، وقيل: ~~أصلها من نصح الرجل ثوبه، أي ms0972 خاطه، والنصاح: الخيط، شبهوا فعل الناصح ~~بالخيط الذي يلائم الخلل والفتوق، والتوبة النصوح (¬3)، كأنها ترقع ما ~~خرقته المعصية. مستعصم: PageV03P139 # مستمسك ممتنع، واستعصم في ذكر يوسف: امتنع وتأبى. كن: موضع يكن فيه. كنين: # ساتر، والكنين: المستور. والقرار: المكان المطمئن الذي يستقر فيه الماء، ~~وأراد به الرحم. يروعك: يفزعك. إلف: صاحب. مداح: يظهر الحب، ويضمر خلافه، ~~وداجاه: ساتره بالعداوة. برزت: خرجت. الأذى: الضرر. الهون: الهوان. تراءى: # تظاهر. هتون: كثير السيلان. وهتنت السماء: صبت. الرغيد: الواسع. المحقوق: ~~الذي لا يشك فيه. المظنون: المشكوك فيه؛ فهو يشير على الصبي أن يقيم في بطن ~~أمه ولا يخرج للدنيا. ظنين: متهم. # *** # ثم إنه طمس المكتوب على غفلة، وتفل عليه مائة تفلة، وشد الزبد في خرقة ~~حرير، بعد ما ضمخها بعبير، وأمر بتعليقها على فخذ الماخض، وألا تعلق بها يد ~~حائض، فلم يكن إلا كذواق شارب أو فواق حالب، حتى اندلق شخص الولد، لخصيصي ~~الزبد، بقدرة الواحد الصمد. # فامتلأ القصر حبورا، واستطير عميده وعبيده سرورا، وأحاطت الجماعة بأبي ~~زيد تثني عليه، وتقبل يديه، وتتبرك بمساس طمريه؛ حتى خيل إلي أنه القربي ~~أويس، أو الأسدي دبيس. # *** # طمس: غطى، وطمست الدار إذا غطى التراب آثارها ومحاها. والتفل: نفخ يخرج ~~معه بصاق متفرق، وأوله البزق ثم التفل، ثم النفث، ثم النفخ. # ضمخها: لطخها عبير: أخلاط من الطيب الماخض: الحامل. ولا تعلق بها يد ~~حائض، تمويه بأن مكتوبه من القرآن والحائض لا تمسه. الذواق: مس الطعام أو ~~الشراب بلسانك. الفواق: ما بين الحلبتين من الوقت، لأن الناقة تخلب ثم تترك ~~ساعة يرضعها فصيلها لتدر ثم تحلب. اندلق: خرج بسرعة، وكل شيء يدر خارجا ~~بسرعة فقد اندلق، واندلق السيف من غمده إذا سقط من غير أن يسل. خصيصي ~~الزبد، أي خاصيته التي ينفرد بها عن الأحجار، واختصصت بالشيء: انفردت به، ~~وجاءني خصيصي القوم، مقصورا، أي خاصتهم، وخصصته بالشيء خصوصا وخصوصية ~~وخصيصي. # ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما ولد في ~~أهل بيت غلام إلا أصبح ms0973 فيهم عز لم يكن». # وقال صلى الله عليه وسلم: «من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في ~~اليسرى، دفعت عنه أم الصبيان». PageV03P140 # حبورا؛ سرورا، واستطير: داخله السرور. عميده: سيده طمريه: ثوبيه. # وذكر ابن قتيبة بسند متصل بابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: مر عيسى ~~ابن مريم عليه السلام على بقرة قد اعترض ولدها في بطنها، فقالت: يا كلمة ~~الله، ادع الله أن يخلصني، فقال: يا خالق النفس من النفس، ويا مخرج النفس ~~من النفس، ويا مخلص النفس من النفس خلصها، فألقت ما في بطنها، فإذا عسرت ~~على المرأة ولادتها فيكتب على مكيال، ثم تعطاه المرأة. # وذكر الفنجديهي بسند متصل بأبي هريرة رضي الله عنه، قال: بينا عيسى ويحيى ~~عليهما السلام في البرية إذ رأيا وحشية ماخضا، فقال عيسى ليحيى: قل تلك ~~الكلمات: جنة ولدت مريم، مريم ولدت عيسى، الأرض تدعوك يا ولد، اخرج يا ولد، اخرج. # قال حماد بن زيد: فما يكون في الحي امرأة ماخض، فيقال هذا عندها إلا ~~ولدت، حتى الشاة التي يتعسر وضعها، فيقال هذا عندها، فلا تبرح حتى تضع. # يونس بن عبيد الله: اللهم أنت عدتي عند شدتي، وأنت صاحبي عند كربتي، وأنت ~~ولي نعمتي، من قالها عند النفساء إذا عسر عليها ولدها، أو على بهيمة، أذن ~~الله تعالى في خروجه. # وذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إذا عسر على المرأة ولادتها، ~~فليكتب لها بسم الله لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش ~~العظيم، الحمد لله رب العالمين كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ~~ضحاها [النازعات: 46] كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ~~بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون [الأحقاف: 35]. # قال سفيان: يكتب هذا في جام وتسقاه. # وذكر عن أبي الزناد قال: كنت مئناثا، فقيل لي استغفر الله إذا جامعت، ~~ففعلت فوضع لي بضعة عشر ذكرا. # قوله خيل: أي شبه. ### || AUTO [أويس القرني] # وأويس القرني بشر به النبي صلى الله عليه ms0974 وسلم، وهو من التابعين. # وفي صحيح مسلم: إن أهل الكوفة وفدوا على عمر رضي الله عنه، وفيهم رجل ممن ~~كان يسخر بأويس، فقال عمر رضي الله عنه: هل هاهنا أحد من قرن؟ فجاء ذلك ~~الرجل، فقال عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن رجلا يأتيكم من ~~اليمن يقال له أويس، لا يدع باليمن غير أم له، وقد كان فيه بياض، فدعا ~~الله، فأذهبه الله عنه إلا PageV03P141 # موضع الدينار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فليستغفر لكم» (¬1). # وفيه عن أسيد بن جابر، قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا أتاه ~~أمداد أهل اليمن سأل: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس، فقال: أنت ~~أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مراد، ثم من قرن؟ قال: نعم، قال: فكان بك ~~برص فبرئت منه إلا موضع الدرهم؟ قال: نعم، قال: ألك والدة؟ قال: نعم، قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يأتي إليكم أويس بن عامر، مع ~~أمداد أهل اليمن، من مراد ثم من قرن، وكان به بياض فبرئ منه إلا موضع ~~الدرهم، له والدة هو بها بار لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر ~~لك فافعل» (¬2)، فاستغفر لي فاستغفر له، فقال عمر رضي الله عنه أين تريد؟ ~~فقال: الكوفة، قال ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال: أكون في غير الناس أحب ~~إلي. قال: فلما كان في العام القابل حج رجل من أشرافهم، فوافى عمر رضي الله ~~عنه، فسأله عن أويس، فقال: تركته رث البيت، قليل المتاع. قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل ~~اليمن من مراد ثم من قرن، وكان به برص فبرئ منه إلا موضع درهم، له والدة ~~بها بار، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل» فأتى ~~أويسا فقال: استغفر لي، فقال: أنت أحدث عهدا بسفر صالح؟ قال: نعم، قال له: ~~لقيت عمر؟ قال: نعم، فاستغفر له، ms0975 ففطن له الناس، فانطلق على وجهه، قال ~~أسيد: وكسوته بردة، فكان كلما رآه إنسان قال: من أين لأويس هذه البردة! . # وفي كتاب الإحياء: أنه لما ولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: أيها ~~الناس، من كان من أهل العراق فليقم، فقاموا، فقال: اجلسوا إلا من كان ~~منقرن؟ فجلسوا إلا رجلا واحدا، فقال له عمر رضي الله عنه قرني أنت؟ قال: ~~نعم، قال: أتعرف أويسا؟ # قال: نعم، وما تسأل عن ذلك يا أمير المؤمنين؟ والله ما فينا أحمق ولا أجن ~~ولا أحوج منه! فبكى عمر رضي الله، ثم قال: ما قلت، إلا أني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # «يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر». ولما كان عند أهله كالمجنون بنوا له ~~بيتا على باب دارهم، فكان تأتي عليهم السنة لا يرون وجهه، كان يخرج أول ~~الأذان ويأتي بعد العشاء الآخرة، وكان طعامه أن يلقط النوى، فكلما أصاب ~~حشفة خبأها لإفطاره، فإن أصاب ما بقوته باع النوى، وتصدق به، وإلا اشترى ~~منه ما يقوته. وكان لباسه قطع الأكسية من المزابل، يلفق بعضها إلى بعض، ثم ~~يلبسها، وإذا مر بالصبيان رجموه، يظنون أنه مجنون، ولهذا أعظم النبي صلى ~~الله عليه وسلم حرمته، فقال: «إني لأجد نفس الرحمة من قبل اليمن». # إشارة إليه. PageV03P142 ### || AUTO [الأمير دبيس بن صدقة] # وأما دبيس فهو الأمير سيف الدولة بن مزيد الأسدي، وقيل: دبيس بن صدقة بن ~~مزيد، وذكر أبو الحسن علي بن الحسين بن أبي طالب الباخرزي الأمير أبا الأعز ~~دبيس ابن علي فقال: خدمته ببغداد، وعبرت إليه أخت يده الجواد- يعني دجلة- ~~وهي زاخرة الأمداد، فإذا باحة للطارقين مباحة، وراحة في كفها للعفاة راحة، ~~وقباب التفت بها غاب القنا، واشترك مع أسودها الناس في فرائس الغنى. # قال الفنجديهي: سمعت بعض أهل الفضل يقول ببغداد: لما سمع الأمير دبيس، أن ~~الرئيس أبا محمد الحريري ذكره في مقاماته، وأورد فيها بعض صفاته، أنفذ إليه ~~من الخلع السنية، والجوائز الهنية ومزية العطية، ما عجز عنه الوصف، وكل عنه ms0976 ~~الطرف، واقتضاه علو همته، وسمو قدرته. ثم عصى دبيس على الإمام المسترشد ~~بالله أمير المؤمنين أبي منصور الفضل بن المستظهر بالله، وسعى في إراقة ~~دمه، وجمع العساكر وحشد، وقصد بغداد في عسكر عظيم، وعاث في أطرافها، وأفسد ~~في أكنافها، فخرج المسترشد بالله أمير المؤمنين من دار الخلافة، واجتمعت ~~إليه الأجناد، وظهر إليه وحمل عليه، فهزم دبيس وعسكره، وانتهى إلى الحلة ~~المزيدية، فانتهبها، وذلك في المحرم في سنة سبع عشرة وخمسمائة. وانهزم دبيس ~~في خواص من أصحابه وغلمانه خوفا من الخليفة، ومر نحو الشام ثم قتل الأمير ~~دبيس بن صدقة بن مزيد في سنة ثلاثين أو في سنة تسع وعشرين، قتله السلطان ~~مسعود بن محمد بن ملكشاه لأمور أنكرها وأسباب امتعض لها، نسبت إليه. # ثم انثال عليه من جوائز المجازاة، ووصائل الصلات، ما قيض له الغنى، وبيض ~~وجه المنى، ولم يزل ينتابه الدخل، مذ نتج السخل؛ إلى أن أعطي البحر الأمان ~~وتسنى الإتمام إلى عمان؛ فاكتفى أبو زيد بالنحلة، وتأهب للرحلة؛ فلم يسمح ~~الوالي بحركته، بعد تجربة بركته، بل أوعز بضمه إلى حزانته، وأن تطلق يده في ~~خزانته. # قال الحارث بن همام: فلما رأيته قد مال، إلى حيث يكتسب المال، أنحيت عليه ~~بالتعنيف، وهجنت له مفارقة المألف والأليف، فقال: إليك عني، واسمع مني. # *** # قوله: انثال، أي انصب. جوائز: عطايا وصائل: متصلات غير منقطة، والوصائل: # ثياب حمر محططة تصنع باليمن يلبسها النساء، قال الشاعر: [الطويل] # * لها حبك كأنها من وصائل* PageV03P143 # فيض: قدر وساق ينتابه، أي يقصده ويأتيه مرة بعد أخرى. # الدخل: العطايا التي تدخل إليه من قبل الأمير وغيره، ورجل كثير الدخل: ~~إذا كثر دخول الرزق عليه. والسخل: الولد. # ومما يستحسن في التهنئة بمولود قول الحلواني: [البسيط] # نجم تولد من شمس ومن قمر ... وأين من أبواه الشمس والقمر # شمس العفاف ومجد البدر بينهما ... تولد النور إلا أنه بشر # أخذه من قول ابن الرومي: [السريع] # شمس وبدر ولدا كوكبا ... أقسمت بالله لقد أنجها # وجاء الرمادي يهنئ الفقيه ابن العطار بمولود، فقال: [البسيط] # يهنيك ms0977 ما زادت الأيام في عددك ... من فلذة برزت بالسعد من كبدك # كأنما الدهر دهر كان مكتئبا ... من انفرادك حتى زاد في عددك # لا خلفتك الليالي تحت ظل ردى ... حتى ترى ولدا قد شب من ولدك # قوله: «تسنى الإتمام، أي تيسر إتمام المشيء والإقلاع. اكتفى: اقتنع. ~~النحلة العطية. أوعز ووعز، تقدم، يعقوب: لا يقال. وعز بالتخفيف. حزانته: ~~جماعته، وعياله الذين يتحزنون لنكبته ولفقده، ويحزن هو لضيعتهم. أنحيت: ملت ~~عليه وقصدته به. # التعنيف: اللوم والأخذ باللسان. المألف: البلدة وموضع الألفة. الأليف: ~~الصاحب. # إليك عني: تباعد عني: [الكامل] # *** # لا تصبون إلى وطن ... فيه تضام وتمتهن # وارحل عن الدار التي ... تعلي الوهاد على القنن # واهرب إلى كن يقي ... ولو أنه حضنا حضن # واربأ بنفسك أن تقي ... م بحيث يغشاك الدرن # وجب البلاد فأيها ... أرضاك فاختره وطن # ودع التذكر للمعا ... هد والحنين إلى السكن # واعلم بأن الحر في ... أوطانه يلقى الغبن # كالدر في الأصداف يس ... تزرى ويبخس في الثمن # *** # تصبون: تمهلن، وصبوت إليه ملت بالمحبة. تضام: تذل. تمتهن: تحتقر، وقال ~~محمد بن بشر في هذا المعنى: [الوافر] PageV03P144 # إنما أزرى بقدري أنني ... لست من بابة أهل البلد # ليس منهم غير ذي مقلية ... لذوي الألباب أو ذي حسد # يتحامون لقائي مثل ما ... يتحامون لقاء الأسد # مطلعي أثقل في أعينهم ... وعلى أنفسهم من أحد # لو رأوني وسط بحر لم يكن ... أحد يأخذ منهم بيدي # وقال البحتري: [الوافر] # أشرق أم أغرب يا سعيد ... وأنقص من زماعي أم أزيد (¬1) # عدتني عن نصيبين العوادي ... فبختي أبله فيها بليد # وأخلفني الزمان على رجال ... وجوههم وأيديهم حديد # لهم حلل حسن فهن بيض ... وأخلاق سمجن فهن سود # وممن نبا به بلده القاضي أبو محمد عبد الوهاب، خرج من بغداد يريد مصر، ~~فشيعه أكابرها، ومن أصحاب محابرها جملة موفورة، فقال لهم: واللهلو وجدت بين ~~أظهركم رغيفين كل يوم، ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية، والخبز عندهم يومئذ ~~ثلاثمائة رطل بدينار، وقال: [الطويل] # سلام على بغداد مني تحية ... وحق لها مني السلام المضاعف # لعمرك ما فارقتها قاليا ms0978 لها ... وإني بشطي جانبيها لعارف # ولكنها ضاقت علي برحبها ... ولم تكن الأقدار ممن يساعف # فكانت كخل كنت أهوى دنوه ... وتأبى به أخلاقه فيخالف # وقال أيضا: [البسيط] # بغداد دار لأهل المال واسعة ... وللمفاليس دار الضنك والضيق # قد صرت أمشي مهانا في أزقتها ... كأنني مصحف في كف زنديق # قوله: الوهاد والقنن: الانخفاض والارتفاع، والقنة: أعلى الجبل، والوهدة ~~القعدة من الأرض تجري إليها مياه جهاتها. حضنا: جانبا حصينا مانعا. أربأ، ~~أي ارتفع. # يغشاك: يغطيك. الدرن: الوسخ المعاهد: منازل سكناء. الحنين: الشوق. السكن: # الأهل. الأصداف: محال الجوهر. يستزرى: يستحقر. يبخس: ينقص، ومعنى هذه ~~الأبيات يقول: أرحل عن بلد يعلو فيه قدر أصاغر الناس قدر أكابرهم، ولا تقم ~~فيه على الهوان، وارفع قدر نفسك من أن تقيم بموضع توسخك فيه الإهانة، فإن ~~المرء حيث يضع PageV03P145 # نفسه، وطف بالبلاد، واختر وطنا ما أرضاك، فإن الحر يضيع في وطنه، ولا ~~يعرف قدره. # الأصمعي: سمعت بعض العرب يقول: الفقر في الوطن غربة، والغنى في الغربة وطن. # ونظر أبو الحسن إلى برذون يستقي عليه، فقال: المرء حيث يضع نفسه، لو هملج ~~هذا لم يبل بما ترون. # الزبير رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إن العباد ~~عباد الله، والبلاد بلاد الله، فحيثما وجدت خيرا فأقم، وأحمد الله» (¬1). # وقال هلال بن العلاء الرقي: [مجزوء الكامل] # لا تجزعن وإن نأت ... أرض تنال بها المحبة # وطن الغريب يساره ... والفقر في الأوطان غربه # وقال آخر: [مخلع البسيط] # أشد من فاقة الزمان ... مقام حر على الهوان # فاسترزق الله واستغنه ... فإنه خير مستعان # فإن نبا منزل بحر ... فمن مكان إلى مكان # وقال آخر: [البسيط] # من ضاق عنك فأرض الله واسعة ... عن وجه كل مضيق وجه منفرج # خير المذاهب في الحاجات أنجحها ... وأضيق الأمر أدناه من الفرج # *** # ثم قال: حسبك ما استمعت، وحبذا أنت لو اتبعت. فأوضحت له معاذيري، وقلت ~~له: كن عذيري. فعذر واعتذر، وزود حتى لم يذر، ثم شيعني تشييع الأقارب، إلى ~~أن ركبت في القارب فودعته وأنا أشكر الفراق ms0979 وأذمه، وأود لو كان هلك الجنين وأمه. # *** PageV03P146 # حسبك: يكفيك. أوضحت: بينت. معاذيري: أعذاري، والعذيرة: العذر، ويقال: ~~عذيرك من كذا، بمعنى هلم معذرتك منه، وقيل: العذير بمعنى عاذر، فعيل بمعنى ~~فاعل، أي هلم لمن يعذرك منه. # ثعلب: العذير، مصدر بمعنى النكير، ومعنى عذيري منه، أي من يعذرني منه! ~~وعذر: قبل العذر. والله أعلم. PageV03P147 ### | AUTO المقامة الأربعون وهي التبريزية # أخبر الحارث بن همام، قال: أزمعت التبريز من تبريز، حين نبت بالذليل ~~والعزيز، وخلت من المجير والمجيز؛ فبينما أنا في إعداد الأهبة، وارتياد ~~الصحبة، ألفيت بها أبا زيد السروجي ملتفا بكساء، ومحتفا بنساء، فسألته عن ~~خطبه، وإلى أين يسرب مع سربه؛ فأومأ إلى امرأة منهن باهرة السفور؛ ظاهرة ~~النفور، وقال: # تزوجت هذه لتؤنسني في الغربة، وترحض عني قشف العزبة، فلقيت منها عرق ~~القربة، تمطلني بحقي، وتكلفني فوق طوقي، فأنا منها نضو وجى، وحلف شجو وشجى. ~~وها نحن قد تساعينا إلى الحاكم، ليضرب على يد الظالم؛ فإن انتظم بيننا ~~الوفاق، وإلا فالطلاق والانطلاق. # قال: فملت إلى أن أخبر لمن الغلب، وكيف يكون المنقلب! فجعلت شغلي دبر ~~أذني، وصحبتهما وإن كنت لا أغني. # *** # أزمعت: عزمت، والزماع العزم، والتبريز: الخروج إلى البراري، وهي الأرض ~~الفضاء بلا شجر. تبريز: قرية من كور أذربيجان من عمل خراسان، بينهما وبين ~~المراغة عشرون فرسخا. # نبت: قلعت وارتفعت المجير: الذي يجيرك من الناس ويكفيك شرهم، والمجيز: # الواهب الجائزة وهي الصلة ارتياد: طلب محلقا. محلقا. خطبه: أمره يسرب: ~~يذهب، وسربه: جماعة نسائه. أومأ: أشار. باهرة: ظاهرة. والسفور: كشف النقاب ~~عن الوجه. # ترحض: تغسل، ورحض الثوب يرحضه غسله قشف: تغير، ورجل متقشف: لا يتعهد ~~الغسل والنظافة. والقشف: سوء العيش. ومطله حقه، كناية عن جماعه لها، والمطل ~~في الأصل: # والمد، يقال: مطل القين الحديد يمطله مطلا إذا، مده وطوله، فمعنى يمطلني: ~~تطول علي. # والطوق: الطاقة. نضو وجى: هزيل من الجفاء، وأراد به شرها وما يلقاه منها. ~~حلف شجو: # صاحب حزن. والشجا: الاختناق بالعظم وهو شيء صعب: ليضرب على يده: ليكفه ~~ويمنعه*** PageV03P148 # فلما حضرا القاضي؛ ms0980 وكان ممن يرى فضل الإمساك، ويضن بنفاثة السواك، جثا ~~أبو زيد بين يديه، وقال: أيد الله القاضي وأحسن إليه، إن مطيتي هذه أبية ~~القياد، كثيرة الشراد؛ مع أني أطوع لها من بنانها، وأحنى عليها من جنانها. ~~فقال لها القاضي: ويحك! أما علمت أن النشوز يغضب الرب، ويوجب الضرب! فقالت: ~~إنه ممن يدور خلف الدار، ويأخذ الجار بالجار، فقال له القاضي: تبا لك! ~~أتبذر في السباخ، وتستفرخ حيث لا إفراخ! اعزب عني، لا نعم عوفك، ولا أمن ~~خوفك، فقال أبو زيد: إنها ومرسل الرياح، لأكذب من سجاح! # فقالت: بل هو ومن طوق الحمامة، وجنح النعامة، لأكذب من أبي ثمامة، حين ~~مخرق باليمامة! # *** # لا أغني، أي لا أنفع، الإمساك: الشح، يضن: يبخل، والنفاثة: ما تطرحه من ~~فيك من السواك بعد الانتفاع به، وهذا وإن كان في غاية البخل منتزع من قول ~~الشاعر: # [الطويل] # لقد بخلت حتى لو أني سألتها ... قذى العين من ضاحي التراب لضنت # وقال آخر في معناه: [السريع] # يبخل بالماء ولو أنه ... منغمس في وسط النيل # شجا فلا تطمع في خيره ... ولو توسلت بجبريل # وقال آخر: [البسيط] # ما كنت أحسب أن الخبز فاكهة ... حتى نزلت على أوفى بن منصور # يا حابس الروث في أعقاب بغلته ... خوفا على الحب من لقط العصافير # وهذا الباب مستوفى في الرابعة والأربعين: # ومما يستظرف من لفظ السواك، قول بعض الظرفاء: [الخفيف] # قد هجرت السواك من أجل أني ... إن ذكرت السواك قلت سواكا # وأحب الأراك من أجل أني ... إن ذكرت الأراك قلت أراكا # جثا: برك، أيد: قوى مطيتي: زوجتي، أبية: صعبة ممتنعة على قائدها. الشراد: # النفور، أحنى: أعطف وأرحم. جنانها: قلبها. # النشوز: عصيان الزوج ومخالفته، والنشوز أصله الارتفاع. وويح، معناها ~~التوبيخ والتقبيح، وتستعمل أيضا للترحم، وقوله: ويوجب الضرب من قوله تعالى: ~~واللاتي PageV03P149 # تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن [النساء: 34] ~~فنشوزهن: عصيانهن. الأزهري: النشوز: كراهة كل واحد من الزوجين صاحبه، ونشزت ~~تنشز فهي ناشز. # ابن عمر رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ms0981 تسكنوا النساء ~~الغرف فيشرفن، ولا تعلموهن الكتابة، واستعينوا عليهن بالضرب». # ابن عباس رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «علقوا ~~السوط حيث يراه أهل البيت». # ووصى بعض أهله فقال: «أنفق على أهلك من طولك، ولا ترفع عصاك عنهم، وأخفهم ~~في الله»؛ فمعنى لا ترفع عصاك، أي لا تترك تأديبهم في الله تعالى. قوله: # ويأخذ الجار بالجار، العرب تسمي فرج المرأة بالجار، ودبرها جار الجار، ~~وأخذه الحريري من قول أعرابي جاء لامرأته وقد اغتلم واشتدت شهوته، فأنعظ، ~~فلما قرب منها وهجم عليها قالت له: إني حائض، قال لها: فأين الهنة الأخرى؟ ~~ثم حمل عليها وهي تدافعه وتسبه، وهو ماض في شغله ينشدها: [الرجز] # كلا ورب البيت ذي الأستار ... لأهتكن حلق الحتار # * قد يؤخذ الجار بذنب الجار (¬1) * # قال الخليل: الحتار: ما استدار من طوق الجفن، وكذلك حتار الظفر والدبر، ~~ومما يبين هذا المعنى قول الشاعر: [الكامل] # جارك قد يجني عليك وقد ... تعدي الصحاح مبارك الجرب (¬2) # ولرب مأخوذ بذنب قرينه ... ونجا المقارف صاحب الذنب # أتبذر: أتزرع، والبذر الحبوب تزرع: السباخ: الأرض ذات الملح والرشح، وهي ~~لا تنبت شيئا لملوحتها وقلة جفافها، وأراد: أتزرع نطفتك في موضع لا يقبل ~~الولد، تستفرخ: تلتمس عمل الفرخ. اعزب: غب. # طوق الحمامة: جعل لها طوقا، والحمام عند العرب ذوات الأطواق نحو الفواخت ~~والوراشين والقماري، ودخلت الهاء على أنه واحد للجنس لا للتأنيث. PageV03P150 # الليث: تقول العرب: حمامة ذكر، وحمامة أنثى، والجميع الحمام. # الشافعي: كل ما عب وهدر فهو حمام، يدخل فيه القماري والوراشين؛ سواء كانت ~~مطوقة أو غير مطوقة، آلفة أو وحشية، وهذا القول كأنه الأكثر لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يأمر بأخذ الحمام التي تستفرخ في البيوت، وليست ذوات ~~أطواق، وكان يسميها حماما، وكان في منزله حمام أحمر، اسمه وردان، وقد قدمنا ~~فصلا في الحمام في الصدر. # مخرق الرجل: أوهم أنه على حق وصواب، وهو على خلافه. ### || AUTO [قصة مسيلمة الكذاب وسجاح التميمية] # وأورد هنا في شرح تزويج مسيلمة بسجاح ما يبين سخف ms0982 نبوتهما، وإن كان ~~الحريري قد أشار إلى ذلك في هذه المقامة. # كان مسيلمة بن حبيب الحنفي، ثم أحد بني الدبل، قد تسمى بالرحمن في ~~الجاهلية، وكان من المعمرين. # ذكر وثيمة بن موسى أن مسيلمة تسمى بالرحمن قبل أن يولد عبد الله أبو رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ولما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت قريش ~~تقول: إنما يعلم محمدا رجل يقال له الرحمن، فنزلت وهم يكفرون بالرحمن ~~[الرعد: 30] وكانت بنو تميم قد تخاذلت في أمر الردة بعد موت النبي صلى الله ~~عليه وسلم واختلفوا في ذلك اختلافا شديدا، فبينما هم على ذلك إذ فاجأتهم ~~سجاح بنت الحارث مقبلة من الجزيرة، تقود بني ربيعة. فأتاهم أمر كان أعظم ~~مما هم فيه من الاختلاف، وكانت سجاح تميمية وبنو أبيها في تغلب، وادعت ~~النبوة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في الجزيرة، فاجتمعت عليها بنو ~~تميم ورؤساء تغلب، فادعت أنها أنزل عليها. «يا أيها المؤمنون المتقون، لنا ~~نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشا قوم يبغون». فاجتمعت تميم كلها تنصرها، ~~فكان فيهم الأحنف وحارثة بن بدر ووجوه بني تميم، وكان مؤدبها شبيب بن ربعي ~~الرياحي، فقالت: «أعدوا الركاب، واستعدوا للنهاب، ثم اغدوا على الرباب، ~~فليس من دونهم حجاب». فصمدت إليهم، وقتلت فيهم قتلا كثيرا، ثم قالت ~~لأجنادها: اقصدوا اليمامة، فقيل لها إن شوكة أهل اليمامة قوية شديدة وقد ~~غلظ أمر مسيلمة، فقالت: «يا معاشر تميم، اقصدوا اليمامة، فاضربوا فيها كل ~~هامة، وأضرموا نارا ملهامة، حتى تتركوها سوداء كالحمامة»، وإن الله تعالى ~~لم يجعل هذا الأمر في ربيعة- تعني نبوة مسيلمة- وإنما جعلها في مضر، ~~واقصدوا هذا الجمع، فإذا قصدتموه عكرتم على قريش. # فسارت في قومها، وهم عدد لا يحصى، وبلغ مسيلمة الخبر، فضاق به ذرعا، ~~وتحصن في حجر حصن اليمامة، وأحاطت به جيوشها، فأرسل في وجوه قومه، وقال: ما ~~ترون؟ قالوا: نسلم هذا الأمر لها، فإن لم نفعل فهو البوار. فقال لهم ~~بدهائه: PageV03P151 # سننظر. ثم بعث إليها، وقال: إن الله قد أنزل ms0983 عليك وحيا وعلي، فهلمي نجتمع ~~فنتدارس ما أنزل الله، فمن عرف الحق تبعه، واجتمعنا، فأكلنا العرب أكلا ~~بقومي وقومك. # فأنعمت له، فأمر بضرب قبة من أدم، فضربت وأمر بالعود المندلي فبخرت به، ~~وقال؛ أكثروا من الطيب، فإن المرأة إذا شمت رائحته ذكرت الباه. وأتته إلى ~~القبة، وقالت: # هات ما أنزل عليك ربك، فقال: «ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى، أخرج منها ~~نسمة تسعى، ومن بين صفاق وحشى، من بين ذكر وأنثى، وأمات وأحيا، إلى ربكم ~~يكون المنتهى». قالت: وما ذاك؛ قال: «ألم تر أن الله خلقنا أفراجا، وجعل ~~لنا النساء أزواجا، فنولج فيهن قعسا إيلاجا، ونخرجه منهن إذا شئنا إخراجا»، ~~قالت فبأي شيء أمر ربك؟ # قال: [الهزج] # ألا هبي إلى المخدع ... فقد هيي لك المضجع (¬1) # فإن شئت ففي البيت ... وإن شئت ففي المخدع # وإن شئت سلقناك ... وإن شئت على أربع # وإن شئت بثلثيه ... وإن شئت به أجمع # قالت: بل به أجمع. قال: كذلك أوحى إلي. فواقعها فلما قام عنها قالت: إن ~~مثلي لا ينكح هكذا، فيكون وصمة على قومي، ولكني مسلمة لك النبوة، فاخطبني ~~إلى أوليائي يزوجوك، ثم أقود معك تميما. فخرج وخرجت معه، واجتمع الحيان: ~~حنيفة وتميم، فقالت: # سجاح: إنه قرأ علي ما أنزل عليه، فوجدته حقا، فتبعته، ثم خطبها فزوجوه منها. # وقال الأغلب العجلي في ذلك: [الرجز] # قد لقيت سجاح من بعد العمى ... ملوحا في العين مشدود القوى # كأن عرق أيره إذا بدا ... حبل عجوز ضفرت سبعا قوى # ما زال عنها بالحديث والمنى ... والخلق السفساف يردى في الردى # قال: ألا أدخله؟ قالت: بلى ... فشام فيها مثل محراب العصا # تقول لما غاب فيها واستوى ... لمثل هذا كنت أحسيك الحسى # واليمامة بلد الزرقاء وسيأتي ذكرها في الخمسين، فعلى نحو ما ذكرنا من أمر ~~سجاح، ذكرها أكثر أهل الأخبار. # وقال الفنجديهي: سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقيان، من بني يربوع، كنيتها PageV03P152 # أم صادر، ادعت النبوة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في الجزيرة في ~~بني تغلب، فاستجابوا لها، وتبعها ms0984 قوم من تميم، وظهر أمرها حتى هابتها العرب ~~وصالحتها، لتجوز في بلادهم حيث شاءت. فسمعت بمسيلمة في اليمامة، فقالت ~~لقومها «عليكم باليمامة، دفوا إليها دفيف الحمامة، فإنها غزوة صرامة، لا ~~تلحقكم بعدها ملامة». # وبلغ مسيلمة خبرها فهابها، وخاف إن هو شغل بها غلبه ثمامة بن أثال ~~وشرحبيل على حجر اليمامة إذ هما من قبل أبي بكر رضي الله عنه، فأرسل إليها ~~يستأمنها على نفسه، فأمنته فجاءها في أربعين من بني حنيفة، فقال لها: نصف ~~الأرض لي، والنصف الذي كان لقريش صار لك، فقالت: لا يرد النصف إلا من جنف، ~~فاحمل النصف. # فصالحها على أن يحمل إليها نصف غلات اليمامة من تلك السنة، وعلى أن ~~يسلفها ثمن غلات السنة المقبلة. فقبلت منه، وقدم لها مغل تلك السنة، ورجعت ~~إلى الجزيرة، فلم تزل في بني تغلب حتى نقلهم معاوية عام انفراده بالملك إلى ~~الكوفة، فانتقلت معهم، وحسن إسلامها. ### || AUTO [أبو الأسود الدؤلي وامرأته] # وأظن أن الحريري صور تخاصم زوجة أبي زيد معه على تخاصم أبي الأسود الدؤلي ~~مع زوجته عند معاوية. # حدث أهل الأخبار قالوا: كان أبو الأسود كبيرا عند معاوية، وكان معاوية ~~يجالسه ويدنيه، ويسأله فيجيبه فيما يعلم، فبينما هو ذات يوم عند معاوية وقد ~~قدم المدينة إذ دخلت عليه امرأة برزة فقالت: أصلح الله أمير المؤمنين وأمتع ~~به! إن الله جعلك خليفة في البلاد، ورقيبا على العباد، يستسقى بك المطر، ~~ويستنبت بك الشجر، ويؤمن بك الخائف، ويردع بك الجانف. أنت الخليفة المصطفى، ~~والأمير المرتضى؛ فنسأل الله لك النعمة في غير تغيير، والبركة من غير ~~تقتير؛ فقد ألجأني إليك يا أمير المؤمنين أمر ضاق بي عنه المخرج، من أمر ~~كرهت عاره، لما أردت إظهاره، فليكشف عني أمير المؤمنين، ولينصفني من الخصم، ~~وليكن ذلك على يديه، فإني أعوذ بك وبحقويك من العار الوبيل، والأمر الجليل؛ ~~الذي يشتد على الحرائر، ذوات البيوت الأخاير. # فقال لها معاوية: من هذا الذي أشعرك شناره؟ قالت: أمر طلاق جائر، من بعل ~~غادر، لا تأخذه من الله مخافة، ms0985 ولا يجد بأحد رأفة: قال: ومن بعلك؟ قالت: هو ~~أبو الأسود. فالتفت معاوية إليه فقال: أحق ما تقول هذه المرأة؟ فقال: إنها ~~تقول من الحق بعضا، وليس أحد يطيق عليها نقضا. أما ما ذكرت من أمر طلاقها ~~فحق، وسأخبرك عن ذلك بصدق، أنا والله ما طلقتها لريبة ظهرت، ولا من هفوة ~~حضرت؛ ولكن كرهت شمائلها، فقطعت حبائلها. قال: فأي شمائلها كرهت؟ قال: إنك ~~تهيجها علي جواب PageV03P153 # عتيد، ولسان شديد. قال: لا بد من جوابها، قال: هي يا أمير المؤمنين كثيرة ~~الصخب، دائمة الذرب، مهينة للأهل، ومؤذية للبعل؛ إن ذكر خيرا دفنته، وإن ~~ذكر شرا أذاعته، تخبر بالباطل، وتطير مع الهازل، لا تنكل عن عتب، ولا يزال ~~زوجها معها في تعب؛ فقالت: أما والله لولا حضور أمير المؤمنين، ومن حضر من ~~المسلمين، لرددت عليك بوادر كلامك بنوادر تردع كل سهامك. فقال معاوية: عزمت ~~عليك لما أجبته! فقالت: # هو والله يا أمير المؤمنين سئول جهول، ملحاح بخيل، إن قال فشر قائل، وإن ~~سكت فقدم غائل، ليث حين يأمن، ثعلب حين يخاف، شحيح حين يستضاف، إن التمس ~~الجود عنده انقمع، لما يعلم من لؤم آبائه، وقصر رشائه، ضيفه جائع، وجاره ~~ضائع، لا يحمي ذمارا، ولا يضرم نارا، ولا يرعى جوارا، أهون الناس عليه من ~~أكرمه، وأكرمهم عليه من أهانه. # فقال معاوية: ما رأيت أعجب منها. انصرفي رواحا، فلما كان العشي جاءت، ~~فلما رآها أبو الأسود قال: اللهم اكفني شرها، فقالت: كفاك الله شري، وأرجو ~~ألا يعيذك من شر نفسك. قال: ناوليني هذا الصبي حتى أحمله، قالت: ما جعلك ~~الله بأحق من يحمل ابني مني. فوثب فانتزعه منها، فقال معاوية: مهلا يا أبا ~~الأسود. قال: يا أمير المؤمنين حملته قبل أن تحمله ووضعته قبل أن تضعه، ~~وأنا أقوم عليه في أدبه، وانظر في أوده، أمنحه علمي، وألهمه حلمي؛ حتى يكمل ~~عقله، ويستحكم قبله، قالت: كلا أصلحك الله! حمله خفا، وحملته ثقلا، ووضعه ~~شهوة، ووضعته كرها. حجري فناؤه، وبطني وعاؤه، وثديي سقاؤه، أكلؤه إذا نام، ms0986 ~~وأحفظه إذا قام. # فقال معاوية: ما رأيت أعجب من هذه المرأة! فقال أبو الأسود: يا أمير ~~المؤمنين، إنها تقول من الشعر أبياتا فتجيدها، قال: فتكلف أنت لها أبياتا ~~لعلك أن تقهرها بالشعر، فقال أبو الأسود: [الخفيف] # مرحبا بالتي تجور علينا ... ثم أهلا بالحامل المحمول # أغلقت بابها علي وقالت ... إن خير النسا ذوات البعول # شغلت قلبها علي فراغا ... هل سمعتم بفارغ مشغول! # فقالت: [الخفيف] # ليس من قال بالصواب وبالح ... ق كمن حاد عن منار السبيل # كان حجري فناءه حين يضحي ... ثم ثديي سقاؤه بالأصيل # لست أبغي بواحدي يا بن حرب ... بدلا ما رأيته والجليل # فقال معاوية رضي الله عنه: [الخفيف] # ليس من قد غذاه طفلا صغيرا ... وسقاه من ثديه بالجدول PageV03P154 # هي أولى به وأقرب رحما ... من أبيه وفي قضاء الرسول # ثم دفعه معاوية إليها. # *** # فزفر أبو زيد زفير الشواظ، واستشاط استشاطة المغتاظ، وقال لها: ويلك يا ~~درفار يا فجار، يا غصة البعل والجار، أتعمدين في الخلوة لتعذيبي، وتبدين في ~~الحفلة تكذيبي! # وقد علمت أني حين بنيت عليك، ورنوت إليك، ألفيتك أقبح من قردة، وأيبس من ~~قدة، وأخشن من ليفة، وأنتن من جيفة، وأثقل من هيضة، وأقذر من حيضة، وأبرز ~~من قشرة، وأبرد من قرة، وأحمق من رجلة، وأوسع من دجلة؛ فسترت عوارك، ولم ~~أبد عارك. على أنه لو حبتك شيرينبجمالها، وزبيدة بمالها، وبلقيس بعرشها، ~~وبوران بفرشها، والزباء بملكها، ورابعة بنسكها، وخندف بفخرها، والخنساء ~~بشعرها في صخرها، لأنفت أن تكوني قعيدة رحلي، وطروقة فحلي. # *** # قوله: زفر: أي تنفس بغيظ، والزفر والزفير رد النفس في جوفه حتى تنتفخ ~~عروقه قال ابن عرفة: الزفير من الصدر والشهيق من الحلق. الشواظ: النار بغير ~~دخان وزفيره: # صوت اتقاده. استشاط: اشتد غيظه وانتشر في جسده. # يا فجار: ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من قذف ~~امرأته جلد يوم القيامة مائة جلدة بسياط من نار» (¬1). # والغصة: ما يختنق به. والبعل: الزوج، وأراد أنها مؤذية يشقي بها زوجها ~~وجارها، كما يشقى صاحب الغصة. تعمدين: ms0987 تقصدين. الخلوة. الانفراد. والحفلة: # الاجتماع. بنيت عليك، أي تزوجتك، وكانت العرب إذا تزوج الرجل بنى على ~~أهله قبة، فيسمى دخول الزوج بغاء لذلك. رنوت: نظرت ألفيتك: وجدتك. قدة: ~~شراكة تقد من جلد غير مدبوغ. والليفة، واحدة ليف النخل، وهي التي تكون بين ~~الجرائد. هيضة: هي التخمة تؤول إلى القيء والإسهال وقشرة الشيء: ما علا عليه. # ودجلة: نهر العراق، وعليه بغداد والبصرة، وواسط على جرفها، ويجري على وجه ~~الأرض أربعمائة فرسخ. ولم يحمل الحريري مبالغة السعة على هذه؛ وإنما أراد PageV03P155 # دجلة العوراء؛ وهي التي انتشر ماؤها في البطاح، حتى صارت سعتها هنالك ~~ثلاثين فرسخا في مثلها. # وقال ابن سكرة يهجو امرأة بالسعة: [البسيط] # لا تعذليني على ما كان من ملل ... من ذا يراك ولا يصبو إلى الملل # إن كنت أبصرت أشنى منك في بصري ... فلا بلغت الذي أهواه من أملي # البحر أنت، وأ يرى ليس من سمك ... وليس بيني وبين البحر من عمل # قال هشام بن عبد الملك للأبرش الكلبي: زوجني امرأة من كلب، فزوجه، فقال ~~له ذات يوم يهزل معه: تزوجنا إلى كلب، فوجدنا في نسائهم سعة، فقال الأبرش: ~~يا أمير المؤمنين، إن نساء كلب خلقن لرجال كلب. # وسمع رجل من كندة رجلا يقول: وجدنا في نساء كندة سعة، فقال: إن نساء كندة ~~مكاحل فقدت مراودها. # قيل: لامرأة تطلق كثيرا: ما بالك تطلقين أبدا؟ قالت: يريدون الضيق: ضيق ~~الله عليهم. # قوله: فسترت عوارك، ابن عباس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم ~~اطلع على عورة مسلم فأذاعها عليه شماتة وعدوانا إلا كان حقا على الله أن ~~يفضحه عاجلا أو آجلا، ومن سترها عليه كان حقا على الله أن يدخله في ستره ~~وحجابه يوم تبلى السرائر وتخرج المخبآت». حبتك: أي خصتك. # وشيرين هي بنت أبرويز بن هرمز، وكانت آية في الجمال، وغاية في الحسن ~~والكمال، فاقت نساء زمانها صيانة وظرفا، وبهرتهن ملاحة ولطفا، وخلفت في ~~العراق آثارا منها قصر شيرين، ولها قصة منظومة مشهورة بالعجمية. ### || AUTO [امرأة هارون الرشيد] ms0988 # وزبيدة: هي بنت جعفر بن عبد الله بن أبي جعفر المنصور، زوجها هارون ~~الرشيد، وجدها المنصور، وعمها المهدي، وابنها الأمين؛ فكانت الخلافة قد ~~اكتنفها، وليس في بني هاشم عباسية ولدت خليفة إلا هي. ولدت في حياة ~~المنصور، فسميت أمة العزيز. # وكان المنصور يرقصها ويقول: يا زبيدة أنت زبيدة! فغلب ذلك على اسمها، ~~وكانت أموالها لا تحصى، وأنفقت في سبيل الله وفي الحج وفي بناءالمساجد ~~والقناطر ما لم ينفقه أحد قبلها؛ فمن ذلك ما أنفقت في حفرها للعين المعروفة ~~بعين المشاش بالحجاز، فإنها حفرتها، ومهدت الطريق لها في كل رفع وخفض، حتى ~~أجرتها من مسافة اثني عشر ميلا، فأحصى ما أنفقت فيها فوجد ألف ألف وسبعمائة ~~ألف دينار، دون ما كان في وقت الشغل بها في البذل، وما عم أهل الفاقة، ولها ~~في طريق مكة من العراق آثار PageV03P156 # كثيرة في مصانع حفرتها، وبرك أحدثتها، تنزل وفود الحج عليها، فلا تجد ماء ~~إلى فيها، فيشربون ويسقون إبلهم، ويتزودون وهم في الكثرة أعداد لا يحصيهم ~~إلا خالقهم، والكل داعون لزبيدة إلى زماننا هذا. # وأما آثارها الملوكية، فإنها أول من اتخذت الآلات من الذهب والفضة ~~المكللة بالجوهر. وبلغ ثوب وشى اتخذ للباسها خمسين ألف دينار. # وهي أول من اتخذ القباب من الفضة والآبنوس، وكلاليبها من الذهب، ملبسة ~~بالوشي والديباج، وأنواع الحرير الملون، وهي أول من اتخذ الخفاف المرصعة ~~بالجوهر، وشماع العنبر. ولما أفضي الأمر إلى ابنها الأمين رفع منازل الخدم ~~ككوثر وغيره، فلما رأت حبه فيهم اتخذت له الجواري المقدودات الحسان الوجوه، ~~وعممت رءوسهن، وجعلت لهن الطرر والأصداغ والأقفية، وألبستهن الأقبية ~~والقراطق والمناطق، فبالت قدودهن، وبرزت خصورهن، وبعثت بهن إليه، فاستحسنهن ~~وأبرزهن للناس، فسموهن الغلاميات. # وأخبارها كثيرة، وعند ما قتل الأمين دخل عليها بعض خدمها، فقال لها: ما ~~يجلسك وقد قتل أمير المؤمنين؟ فقالت: ويلك وما أصنع؟ قال: تخرجين وتأخذين ~~بدمه، كما خرجت عائشة تطلب بدم عثمان، فقالت: اخسأ لا أم لك! ما للنساء ~~وطلب الدماء! ثم أمرت بثيابها فسودت ودعت بدواة، فكتبت إلى ms0989 المأمون: ~~[الطويل] # أخير إمام قام من خير عنصر ... وأفضل راق فوق أعواد منبر # ووارث علم الأولين وفخرهم ... إلى الملك المأمون من أم جعفر # كتبت وعيني تستهل دموعها ... إليك ابن عمي من جفوني ومحجري # أصبت بأدنى الناس منك قرابة ... ومن زال عن عيني فقل تصبري # أتى طاهر، لا طهر الله طاهرا، ... فما طاهر في فعله بمطهر # فأبرزني مكشوفة الوجه حاسرا ... وأنهب أموالي وحرق أدؤري # يعز على هارون ما قد لقيته ... وما نالني من ناقص الخلق أعور # تذكر أمير المؤمنين قرابتي ... فديتك من ذي قربة متذكر # فإن كان ما أبدى لأمر أمرته ... صبرت لأمر من قدير مقدر # وإن كان ما قد كان منه تعديا ... علي أمير المؤمنين فغير # فلما قرأها المأمون، بكى بكاء شديدا، ثم قال: إني لأقول كما قال علي أمير ~~المؤمنين حين بلغه قتل عثمان رضي الله عنهما: والله ما أمرت، ولا رضيت، ~~اللهم جلل قلب طاهر حزنا. # قال إبراهيم الحربي: رأيتها في المنام، فقلت لها: ما فعل الله بك؟ فقالت: ~~غفر PageV03P157 # لي، فقلت: بما أنفقت في طريق مكة؟ فقالت: أما النفقات فرجعت أجورها إلى ~~أربابها، وغفر لي بنيتي. ### || AUTO [بوران بنت الحسن بن سهل وامرأة بالمأمون] # وأما بوران فهي خديجة بنت الحسن بن الحسن بن سهل، تزوجها المأمون على يد ~~إسحاق الموصلي، وفي هذا التزويج قصة الزبيل وهي طويلة ظريفة، نذكرها على ~~جهة الاختصار، حدث إسحاق الموصلي قال: # بينا أنا ذات يوم عند المأمون، وقد خلا وجهه، وطابت نفسه، فقال: يا ~~إسحاق، هذا يوم خلوة وطيب، فقلت: طيب الله عيش أمير المؤمنين، وأدام سروره ~~وفرحه. فأخذ بيدي، وأدخلني في مجالس غير التي كنا فيها، فأخذنا من لذاتنا ~~وشرابنا حتى غربت الشمس، فقال: قد عزمت على دخلة إلى دار الحرم، فلا ترم ~~حتى آتيك، فنهض وبقيت إلى عامة الليل، وكان المأمون أشغف خلق الله بالنساء، ~~وأشدهم ميلا إليهن، فقلت في نفسي: هو فيلذة وأنا في غير شيء، وتذكرت صبية ~~اشتريتها، وكنت عزمت على افتضاضها فنهضت إلى الباب، فقال الحاجب: أين ms0990 تريد؟ ~~فقلت: الانصراف، قال فإن طلبك، قلت هو من لذة السرور في شغل عن طلبي، فقيل ~~لي: إن غلمانك استبطئوك وانصرفوا. فجيء بدابة، فركبتها ومشيت، فأحسست ~~بالبول، فعمدت إلى زقاق لأبول، فبلت وقمت لأتمسح بالحيطان إذا أنا بشيء ~~معلق من تلك الدور، فنهضت فإذا بزبيل (¬1) كبير بأربع آذان، ملبس ديباجا، ~~فقلت: إن لهذا سببا، وبقيت أتروى في أمره، ثم قلت: # والله لأجلسن فيه كائنا ما كان، فجلست، فلما أحس بي الذين يرقبونه، جذبوه ~~إلى رأس الحائط، فإذا أربع جوار يقلن لي: انزل بالرحب والسعة، فمشت بين يدي ~~جارية بشمعة، حتى نزلت إلى دار نظيفة إلى مجالس مفروشة، لم أر مثلها إلا في ~~دار ملك، فجلست فما شعرت إلا بعد ساعة، حتى أزيلت ستور كانت في ناحية ~~الدار، وإذا وصائف يتماشين، في أيديهن الشمع، وبعضهن بمجامر يحرق فيها ~~العود، وبينهن جارية تتهادى كأنها البدر الطالع، فنهضت قائما، فقالت: مرحبا ~~بك من زائر! وجلست. ثم استطردت إلى سؤالي أبدع استطراد، فقلت: انصرفت من ~~عند بعض إخواني، وغرني الوقت، وحركني البول، فعدلت إلى هذا الزقاق، فوجدت ~~زبيلا معلقا، فحملني النبيذ أن جلست فيه، فإن كان خطأ فالنبيذ أكسبنيه، ~~قالت: لا ضير، أرجو أن تحمد عاقبة أمرك، قالت: # فما صناعتك؟ قلت: بزاز من بغداد، قالت: فهل رويت من الأشعار شيئا؟ قلت: ~~شيئا ضعيفا، قالت: فذاكرنا، قلت: إن للداخل حشمة ولكن تبدءين، قالت: صدقت، ~~فأنشدتني لجماعة من القدماء والمحدثين من أجود أقاويلهم، وأنا مستمع لا ~~أدري مم PageV03P158 # أعجب! أمن حسنها، أم من حسن روايتها وجودة ضبطها للغريب، أم من اقتدارها ~~على النحو ومعرفة أوزان الشعر! ثم قالت: أذهب ما كان عندك من الحصر؟ قلت: ~~إي والله، قالت: فإن رأيت أن تنشدنا، فأنشدتها لجماعة من القدماء ما فيه ~~مقنع، فاستحسنت ذلك ثم قالت: والله ما ظننت أن يوجد في أبناء السوقة هذا! # ثم أمرت بالطعام فأحضر، وقالت: الممالجة أول الرضاع، فدونك. وجعلت تقطع ~~وتضع بين يدي، وفي المجلس من صنوف الرياحين، وغرائب الفواكه ما لا يكون ms0991 إلا ~~عند سلطان، ودعت بالشراب، فشربت قدحا، ثم سكبت لي قدحا، فشربت، ثم قالت: # هذا أوان المذاكرة بالأخبار وأيام الناس، فاندفعت فقلت: بلغني أنه كان ~~كذا، وكان رجل يقال له كذا، حتى أتيت على عدة أخبار حسان، فسرت بذلك، ~~وقالت: كثر تعجبي أن يكون أحد من التجار يحفظ مثل هذا، وإنما هذه أحاديث ~~ملوك، فقلت: كان لي جار ينادم الملوك، فإذا تعطل حضرت معه، فربما حدث بما ~~سمعت، فأخذتها عنه. فقالت: # لعمري لقد أحسنت الحفظ، وما هذا إلا لقريحة جيدة، وأخذنا في المذاكرة إذا ~~سكت ابتدأت هي، وإذا سكتت ابتدأت أنا، حتى قطعنا عامة الليل، وبخور العود ~~يعبق، وأنا في حالة لو توهمها المأمون لطار فرحا. فقالت: إنك من الرجال ~~وضيء الوجه، بارع الأدب، وما بقي عليك إلا شيء واحد. قلت: وما هو؟ فقالت: ~~لو كنت تترنم ببعض الأشعار! فقلت: والله لقديما كلفت به ولم أرزقه، فأعرضت ~~عنه، وفي قلبي منه حزازة، وكنت أحب أن أسمع في مجلسي هذا منه شيئا لتكمل ~~ليلتي، قالت: كأنك عرضت بنا! قلت: والله ما هو تعريض، قد بدأت بالفضل وأنت ~~جديرة باستتمامه. فأحضر عود بأمرها، فغنت بصوت ما سمعت كحسنه، مع حسن ~~أدائه، وجودة الضرب. فقلت: والله لقد أكمل الله فيك خلال الفضل وحباك ~~بالكمال الراجح، والعقل الوافر، والأخلاق الرضية والأفعال السنية. قالت: هل ~~تعرف هذا الصوت ومن غنى فيه؟ قلت: لا والله، قالت الشعر: لفلان، وكان سببه ~~كذا والغناء لإسحاق، قلت: وإسحاق هذا جعلت فداك في هذا الحال! قالت: بخ بخ! ~~إسحاق بارع هذا الشأن، قلت: سبحان الله! لقد أعطى هذا ما لم يعطه أحد، ~~قالت: فكيف لو سمعت هذا الصوت منه! فلم نزل كذلك حتى إذا انشق الفجر أقبلت ~~عجوز كأنها داية، لها، قالت: أي بنية، إن الوقت قد حضر، فنهضت عند قولها، ~~فقالت: مصاحبا، لتستر ما كنا فيه، فإن المجالس بالأمانات، فقلت: جعلت فداك، ~~أفأحتاج إلى وصية في ذلك! وودعتها وجارية بين يدي إلى باب الدار، ففتح لي، ~~وخرجت إلى داري ms0992 فصليت الصبح، ونمت. # فأنبهني رسول المأمون فسرت إليه، فلما رآني، قال: يا إسحاق، تشاغلنا عنك، ~~فما كان حالك؟ قلت: اشتريت صبية وكنت معلق القلب بها، فمضيت لها، وشربت ~~معها ونمت، فقال: يتهيأ مثل هذا، فهل لك فيما كنا فيه أمس! فقلت: وما يمنع ~~من ذلك؟ # فنهضت إلى مجلس أمس؛ فلما كان العشاء قال: لا ترم، فإني أجيئك ونهض، ~~فتأملت PageV03P159 # ما كنت فيه البارحة، فإذا هو شيء لا يصبر عنه إلا جاهل؛ فخرجت. فقال ~~الغلمان: الله الله، فإنه أنكر علينا تخليتك، فوعدتهم أن آتي قبل أن يجيء، ~~وأن خروجي لعذر، وفي الحين أرجع. # فنهضت إلى الزبيل فجلست فيه، فرفع بي إلى موضع البارحة، فإذا هي قد طلعت، ~~فقالت: لقد عاودت، فقلت: ولا أظن إلا أني قد ثقلت، فقالت: مادح نفسه يقرئك ~~السلام، قلت: فهفوة فمني بالفضل. قالت: قد فعلنا، ولا تعد، فأخذنا في مثل ~~الليلة السالفة من المذاكرة والمناشدة وغريب الغناء منها إلى الفجر. # فانصرفت إلى منزلي وصليت ونمت، فأنبهني رسول المأمون، فلما رآني قال: # أبيت إلا مكافأة لنا! فقلت: والله يا أمير المؤمنين ما ذهبت إلى ذلك، ~~ولكن ظننت أن أمير المؤمنين قد تشاغل عني بلذته، وأغفل أمري، وجاء الشيطان، ~~فذكرني أمر تلك الملعونة، فبادرت قال: فما كان منك؟ قلت: قضيت الحاجة منها، ~~قال: فقد انقضى ما كان بقلبك منها، وواحدة بواحدة، والبادي أظلم. قلت: بل ~~أنا أظلم، وإليك المعذرة، قال: لا تثريب عليك، فهل لنا في مثل حالنا أمس؟ ~~قلت: إي والله، فقمنا إلى موضعنا إلى الوقت، فقال: يا إسحاق ما عزمك؟ قلت: ~~لا عذر لي، قال: فعزمت عليك لنجلس حتى أجيء، فإني عازم على الصبوح، وقد ~~نغصت علي منذ يومين، قلت: فالليلة إن شاء الله، فما هو إلا أن غاب وجالت ~~وساوسي، فلما تذكرت ما كنت فيه البارحة هان علي ما يلحقني من سخطه؛ فوثبت ~~مبادرا، فوثب إلي جند الدار، وحبست، فقلت: الله الله! إني معلق البال ببعض ~~ما في منزلي، فقالوا: ما إلى تركك من سبيل، فلم ms0993 أزل أرغب هذا وأقبل يد هذا، ~~ووهبت خاتمي لهذا، وردائي لهذا، وخرجت أعد وحاسرا حتى وافيت الزبيل، فقعدت ~~فيه، فرفعت إلى موضعي، وأقبلت، فقالت: صديقنا! قلت: إي والله، قالت: ~~أجعلتها دار مقام؟ فقلت: جعلت فداك! حتى الضيافة ثلاث، فإن رجعت فأنتم في ~~حل من دمي. قالت: والله لقد أتيت بحجة، ثم جلسنا في مثل تلك الحال، فلما ~~قرب الوقت علمت أن المأمون لا بد أن يسألني، ولا يقنع مني إلا بشرح القصة، ~~فقلت لها: أراك ممن يعجب بالغناء، ولي ابن عم أحسن مني وجها، وأظرف قدا، ~~وأكثر أدبا، وأنا حسنة من حسناته، وهو أعرف خلق الله بغناء إسحاق الموصلي، ~~قالت: طفيلي وتقترح؟ قلت لها: أنت المحكمة، قالت: إن كان ابن عمك على ما ~~تصف فما نكره معرفته، ثم جاء الوقت فنهضت فلم أصل إلى داري إلا ورسل ~~المأمون قد هجموا علي، وحملوني حملا عنيفا، فوجدته على كرسي وهو مغتاظ، ~~فقال: يا إسحاق أخروجا عن الطاعة! قلت: لا والله قال: فما قصتك وما هذا ~~الانحراف؟ فأصدقني، قلت: في خلوة، فأومأ إلى من بين يديه فتنحوا فحدثته ~~الحديث وقلت له: قد وعدتها في أمرك، قال: قد أحسنت، ولولا ذلك لنكلت بك، ~~فقلت: قد سلم الله، فأخذنا في لذتنا في ذلك اليوم، وهو لا يسمع مني غير ~~حديثها، فلم يتم النهار إلا والمأمون معلق القلب، فلما جاء PageV03P160 # الوقت سرنا وأنا أوصيه وأقول: تجنب أن تظهرني بحضرتها، ودعني من نخوة ~~الملك، وكن لي تبعا، وهو يقول: نعم ويلك! وإن قالت: غن كيف أصنع؟ قلت: أنا ~~أدفعها عنك. # ثم سرنا إلى زبيلين فقعدنا فيهما، فرفعنا إلى الموضع، فأقبلت فسلمت، فما ~~تمالك إذ رآها أن بهت في حسنها، وقالت لي: والله ما أنصفت ابن عمك إذ لم ~~ترفع منزلته، وكان قد قعد دوني، فقالت: ارتفع فديتك، أنت جديد، وهذا قد صار ~~من أهل البيت، فنهض إلى صدر البيت، وأقبلت تذاكره وتناشده وتمازحه، وهو ~~يظهر عليها في كل فن. # ثم أحضر النبيذ فشربنا، وهي مقبلة عليه ومسرورة ms0994 به، وهو أكثر، وأخذت ~~العود فغنت صوتا، وقالت: وابن عمك هذا من التجار؟ قلت: نعم، قالت: إنكما ~~لغريبان. فلما شرب المأمون ثلاثة أرطال داخله الفرح والطرب، ثم رأيته ينظر ~~إلي نظر الأسد إلى فريسته، فصاح: يا إسحاق، فنهضت وقلت: لبيك يا أمير ~~المؤمنين! قال: غن هذا الصوت، فلما علمت أنه الخليفة نهضت إلى كلة مضروبة، ~~فدخلتها، فلما فرغت من الصوت، قال: انظر من رب هذه الدار؟ فسألت عجوزا، ~~فقالت: هو الحسن بن سهل، فقال؛ علي به، فغابت العجوز ساعة وإذا الحسن قد ~~حضر، فقال له: ألك ابنة؟ قال: # نعم بوران، قال: فزوجتها! قال: لا والله، قال: فأني أخطبها إليك، قال: هي ~~أمتك، وأمرها إليك، قال: قد تزوجتها على نقد ثلاثين ألفا نحملها إليك صبيحة ~~يومنا، فإذا قبضت المال فاحملها إلينا، قال: نعم، ثم خرجنا. # فقال: يا إسحاق لا يقف على ما وقفت عليه أحد، فسترت الحديث إلى أن مات ~~المأمون: فما اجتمع لأحد ما اجتمع لي في تلك الأربعة الأيام مجالسةالمأمون ~~بالنهار، ومجالسة بوران بالليل، وو الله ما رأيت أحدا من الرجال في ملوكهم ~~مثل المأمون، ولا شاهدت امرأة تقارب بوران فهما وعقلا، وما أظن أحدا وقف من ~~العلوم على ما وقفت عليه. # وفي المسعودي: انحدر المأمون إلى فم الصلح في شعبان سنة تسع ومائتين، ~~وأملك بخديجة بنت الحسن بن سهل، ونثر الحسن في ذلك الإملاك ما لم ينثره قط ~~ملك في جاهلية ولا إسلام، نثر على الهاشميين والقواد والكتاب بنادق مسك، ~~فيها رقاع بأسماء ضياع، وجوار وأسماء ديار ودواب وغير ذلك، فإذا وقعت ~~البندقة بيد الرجل، فتحها فيجدها على قدر سعده، ثم ينثر بعد ذلك الدنانير ~~والدراهم ونوافج المسك على عامة الناس، وأنفق على المأمون وعلى جميع قواده، ~~فلما أراد المأمون الانصراف إلى مدينة السلام قال له: يا أبا محمد، سل ~~حوائجك، قال: نعم يا أمير المؤمنين، أسألك أن تحفظ علي مكاني من قبلك، فأمر ~~المأمون أن يحمل له خراج فارس والأهواز لسنة. # وذكر الحريري في الدرة أن المأمون ms0995 لما بنى على بوران، فرش له حصير منسوج PageV03P161 # بالذهب ما مسه أحد، وعليه در منثور، فوجه الحسن إلى المأمون أن هذا نثار ~~يجب أن يلتقط، فقال المأمون لمن حوله من بنات الخلفاء: شرفن أبا محمد، فمدت ~~كل واحدة منهن يدها، فأخذت درة وبقي باقي الدر يلوح على الحصير المذهب، ~~فقال: قاتل الله أبا نواس، لقد شبه بشيء ما رآه قط، فأحسن، في وصف الخمرة ~~والحباب الذي فوقها فقال! [البسيط] # كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب # فكيف لو رأى هذا معاينة! # ويقال: إن الحسن بن سهل نثر في ذلك العرس على المأمون ألف حبة جوهر، ~~وأشعل بين يديه شمعة عنبر، وزنها مائة رطل، فأمر له المأمون بمائة ألف ألف ~~درهم، وأقطعه مدينة فم الصلح، وهي قريبة من واسط، وكان العرس بها. # وذكر المبرد أن الملاحين الذين تصرفوا في هذا العرس نيفوا على السبعين ~~ألفا، وكانت جراية السلطان عليهم، ولما بنى المأمون على بوران وأراد ~~غشيانها حاضت، فقالت: أتى أمر الله فلا تستعجلوه! فنام في فراش آخر، فلما ~~أصبح دخل عليه أفضل ندمائه يهنئونه ويدعون له فأنشدهم بديها: [المديد] # فارس في الحرب منغمس ... عارف بالطعن في الظلم # رام أن يدمي فريسته ... فاتقته من دم بدم # وأكثر الشعراء في ذلك الإملاك، وأستظرف منها قول ابن أبي حازم الباهلي: # [مجزوء الخفيف] # بارك الله للحسن ... ولبوران في الختن # يا بن هارون قد ظفر ... ت ولكن ببنت من! # فلما وصلت إلى المأمون قال: لا والله ما ندري أخيرا أراد أم شرا. # ويشبه هذا أن رجلا أتى رجلا خياطا بثوب ليقطع له منه قميصا، فقال: والله ~~لأفصلنه لك تفصيلا، لا يدرى أقميص هو أم قباء؟ ففعل ذلك، فقال له صاحب الثوب: # وأنا والله لأدعون لك دعاء لا يدرى ألك هو أم عليك؟ وكان الخياط يسمى ~~بشرا، وكان أعور، فقال: [الرمل] # خاط لي بشر قباء ... ليت عينيه سواء # وأتت المأمون بجهاز لم يسمع بمثله قط كان فيه الفرش منسوجة بالذهب. # وقال إبراهيم بن ms0996 العباس الصولي يهنئ الحسن بمصاهرة المأمون: [البسيط] # هنتك أكرومة جللت نعمتها ... أعلت وليك واجتثت أعاديكا PageV03P162 # ما كان يحبى بها إلا الإمام ولا ... كانت إذا قرنت بالخلق تعدوكا # وماتت بوران في سنة إحدى وسبعين ومائتين، وقد بلغت ثمانين سنة. # وثم بوران أخرى وهي بنت كسرى، وأمها مريم بنت قيصر، ملكت سنة ونصفا، ~~وليست المعنية في المقامة. # *** ### || AUTO [بلقيس وعرشها] # وأما بلقيس فهي ابنة شراحبيل بن أبي سرح بن الحارث بن قيس بن صيفي بن ~~سبأ، وكان سبب مراسلة سليمان إليها أنه فقد الهدهد، وبه يعرف قرب الماء من ~~بعده، فنزل سليمان عليه السلام بمفازة، فدعا بالهدهد فلم يوجد، فقال وهو ~~غاضب ما لي لا أرى الهدهد [النمل: 20] الآيات. وكان الهدهد قد مر بعرش ~~بلقيس وبساتينها، فلما رجع تلقته الطير، فقالوا: توعدك رسول الله بنتف ريشك ~~أو بذبحك، فينقطع نسلك، فقال: # وما استثنى؟ قالوا: بلى، قال: أو ليأتيني بسلطان مبين [النمل: 21]، أي ~~بعذر مبين فأتى سليمان فقال: ما غيبك عني؟ قال: أحطت بما لم تحط به [النمل: ~~22] حتى بلغ فانظر ماذا يرجعون قال سننظر أصدقت [النمل: 28] الآيات فوجهه ~~بالكتاب، فوافقها في قصرها، فسد عليها بالكتاب ضوء طاق، فالتفتت فألقى ~~إليها الكتاب، فأخذته وغطته بثوب، ونادت في قومها فقالت: يا أيها الملأ ~~[النمل: 29] الآيات، فقالوا لها: # نحن أولوا قوة ... [النمل: 33] الآيات. ثم قالت: إن قبل الهدية فهو ملك ~~من ملوك الدنيا وأنا أعز منه، وإن لم يقبلها فهو نبي من عند الله. # فلما رجع بالهدية قال سليمان: أتمدونن بمال إلى وهم صاغرون [النمل: # 37]. فلما رجع إليها رسلها بالخبر، خرجت فزعة في قومها- قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: ومعها ألف قيل، وأهل اليمن يسمون القائد القيل- مع كل قيل عشرة آلاف. # وكان سليمان مهيبا لا يبدؤه أحد بشيء حتى يسأل عنه، فخرج فرأى رهجا قريبا ~~منه، فقال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس، قال: وقد نزلت منا بهذا المكان. ثم قال: ~~أيكم يأتيني بعرشها [النمل: 38] فأتاه به الذي عنده علم الكتاب قبل ما قطع ~~كلامه، وصرف بصره، ms0997 فرآه مستقرا عنده، فقال: هذا من فضل ربي. ثم جاءت بلقيس ~~وقعدت إلى سليمان، فقيل لها: أهكذا عرشك [النمل: 42] فنظرت إليه وقالت: ~~كأنه هو [النمل: 42] ثم قالت: تركته في قصري والجنود محيطة به، فكيف جيء ~~به! وكانت شعراء الساقين، فقالت الجن: إن نكحها سليمان فولدت له غلاما ما ~~ننفك من العبودية أبدا، فهلم نبني له بنيانا، فيرى شعرها فيه فلا يتزوجها، ~~فبنوا له صرحا أخضر من قوارير كأنه الماء، وجعلوا في باطن طرائقه كل شيء من ~~الدواب والسمك وغيره، وألقي لسليمان كرسي في أقصاه، فلما رأى منه ما رأى ~~قعد عليه، ودعا بها، فلما رأت صور PageV03P163 # السمك فيه حسبته لجة، وكشفت عن ساقيها. فأبصر شعرها سليمان، فصرف بصره ~~عنها، وقال إنه صرح ممرد من قوارير، فقالت: رب إني ظلمت نفسي [النمل: 44] ~~الآية. فقال سليمان للجن: ما يذهب الشعر؟ فقالوا: له النورة، فاستنكحها ~~سليمان عليه السلام. # وذكر ابن إسحاق أنها لما أسلمت، قال لها سليمان: اختاري رجلا من قومك ~~أزوجكه، فقالت: ومثلي ينكح، وقد كان لي من الملك والسلطان ما كان! فقال ~~لها: ما ينبغي أن تحرمي ما أحل الله لك، فزوجها ذا تبع ملك همدان، وملكه ~~اليمن، وردها معه، فلم يزل ملك اليمن حتى مات سليمان. وكانت بلقيس من بيت ~~المملكة، قيل: إنها ولدها أربعون ملكا، واختلف في أمها فقيل: إنسية وقيل جنية. # وأما عرشها، وهو سريرها، فقيل: كان طوله ثمانين ذراعا، وعرضه كذلك. وكان ~~عرشها صفائح من ذهب وفضة قد ركبت فيه فصوص الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر ~~والدر واللؤلؤ، وكان له قائمتان من ياقوت وقائمتان من زبرجد، والملك لله ~~وحده، الذي سخر لسليمان هذا الملك العظيم ومن أحضر له هذا العرش العظيم قبل ~~رجع الطرف! # وذكر الحريري في الدرة: أن صواب لفظ «بلقيس» أن تكسر باؤه لأن كل أعجمي ~~يعرب فقياسه أن يلحق بأمثلة كلام العرب، قال: وعلى ذلك بلقيس. # وقرأت في أخبار سيف الدولة أن الخالديين مدحاه، فبعث إليهما وصيفا ~~ووصيفة، مع كل واحد منها بدرة وتخت من ms0998 ثياب مصر والشام، فكتبا إليه: ~~[الكامل] # لم يغد شكرك في الخلائق مطلقا ... إلا ومالك في النوال حبيس # خولتنا شمسا وبدرا أشرقت ... بهما لدينا الظلمة الحنديس # رشأ أتانا وهو حسنا «يوسف» ... وغزالة هي بهجة «بلقيس» # هذا ولم تقنع بذاك وهذه ... حتى بعثت المال وهو نفيس # أتت الوصيفة وهي تحمل بدرة ... وأتى على ظهر الوصيف الكيس # وكسوننا مما أجادت حوكه ... مصر وزادت حسنه تنيس # فغدا لنا من جودك المأكول والم ... شروب والمنكوح والملبوس # فلما قرأها سيف الدولة قال: أحسنا، إلا في لفظ «المنكوح»، إذ ليست مما ~~يخاطب بها الملوك. # وهذا من بديع نقده المليح وشواهد ذكائه الصريح. # وأما الزباء: فقد تقدم ملكها في الرابعة والعشرين. # *** PageV03P164 ### || AUTO [رابعة العدوية] # وأما رابعة فهي بنت إسماعيل العدوية، وكانت قد بلغت من النسك والفضل ~~والزهد منزلة شريفة، وكانت منورة البصيرة، مطهرة السريرة، حظيت بالمكاشفات ~~الربانية، وكان سفيان الثوري يذهب إليها ويسألها عن مسائل دينية، ويعتمد ~~عليها، وخطبها عبد الواحد ابن زيد، فقالت له بعد أن حجبته أياما ثم أذنت ~~له: يا شهوان، أي شيء رأيته في من آية الشهوة! ألا خطبت شهوانية مثلك! # وقال أبو سليمان الداراني: بت ليلة عند رابعة العدوية، فقامت إلى محراب ~~لها، وقمت إلى ناحية من البيت فلم تزل قائمة إلى السحر، فقلت: ما جزاء من ~~قوانا على قيام هذه الليلة؟ قالت: جزاؤه أن نصوم له غدا. # وزارها أصحابها، فذكروا الدنيا وأقبلوا على ذمها، فقالت: اسكتوا عن ذمها، ~~فلولا موضعها من قلوبكم ما أكثرتم من ذكرها! ألا من أحب شيئا أكثر من ذكره. # واحتاجت رابعة إلى شيء فقيل لها: لو بعثت إلى فلان؟ قريب لها فقالت: ~~والله لا أطلب الدنيا ممن يملكها، فكيف ممن لا يملكها! # وحدث جعفر بن سليمان قال: أخذ بيدي سفيان الثوري فقال لي: سربي إلى ~~المؤدبة التي لا أجدني أستريح إذا فارقتها- يعني رابعة- قال: فلما دخلت ~~عليها، رفع سفيان يديه، وقال: اللهم إني أسألك السلامة! فبكت رابعة، فقال ~~لها: ما يبكيك؟ # فقالت: أنت عرضتني للبكاء، فقال لها وكيف ذلك؟ ms0999 فقالت: أما علمت أن ~~السلامة من الدنيا ترك ما فيها، فكيف وأنت متلطخ بها! # وقال سفيان الثوري لرابعة رحمة الله عليهما: ما حقيقة إيمانك؟ قالت: ما ~~عبدته خوف النار، ولا رجاء الجنة، فأكون كالأجير السوء، بل عبدته حبا له ~~وشوقا إليه، وقالت في معنى ذلك: [المتقارب] # أحبك حبتين: حب الهوى ... وحبا لأنك أهل لذاك # فأما الذي هو حب الهوى ... فشغلي بذكرك عمن سواك # وأما الذي أنت أهل له ... فكشفك لي الحجب حتى أراك # فلا الحمد في ذا ولا ذا ليا ... ولكن لك الحمد في ذا وذاك # وقيل لها: كيف حبك لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: شغلني حب ~~الخالق عن حب المخلوقين. # ودخل سفيان عليها وهي قائمة تصلي، فلم تعرج عليه، ودخل جعفر- وكان ~~يخدمها- فقال لسفيان: أي شيء دار بينك وبينها؟ قال: ما كلمتني. فقال لها: ~~يا سبحان الله! الشيخ جاء إليك فما كلمته، فقالت: إن العبد إذا كان مقبلا ~~على الله عز وجل كان PageV03P165 # الله مقبلا عليه، وقد كنت مقبلة على الله عز وجل، ولست أشك في إقباله ~~علي، فأيما أحب إليك أن أكون مقبلة على الله ويكون مقبلا علي، أو أقبل على ~~هذا؟ ثم قالت: الله أكبر. # وقال لها رجل: إني أحبك في الله، فقالت: فلا تعصي الذي أحببتني له ~~وأنشدت: # [الوافر] # أتضمن يا فتى ترك المعاصي ... وأرهنه الكفالة بالخلاص # أطاع الله قوم فاستراحوا ... ولم يتجرعوا غصص المعاصي # *** ### || AUTO [خندف] # وأما خندف، فهي ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وهي امرأة ~~إلياس ابن مضر، ولدت منه عمرا وهو مدركة، وعامرا وهو طابخة، وعميرا وهو ~~قمعة، فندت لهم إبل، فخرجوا في طلبها فأدركها عمرو، فسمي مدركة، واقتنص ~~عامر أرنبا فطبخها، فسمي طابخة، وانقمع عمير في بيته فسمي قمعة، فلما ~~أبطئوا عليها خرجت في إثرهم، فقالت: ما زلت أخندف في إثركم؟ فلقبت خندف، ~~والخندفة بالهرولة، وهي أم عرب الحجاز، وجميع ولد إلياس من خندف، ولخندف ~~ينسبون، وجميع ولد مضر من إلياس وخندف، فمن مدركة كنانة وأسد ابنا ms1000 خزيمة، ~~ومن طابخة ضبة بن طابخة، ومزينة والرباب، وهم عدي وتميم بن مر بن أد بن ~~طابخة، وثور وعكل بن مدركة، وقريش وهو في كنانة. # ومنها سيد ولد آدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى ما في كنانة من ~~الشجعان المشاهير في الجاهلية. # ومن طابخة تميم، وهي أكبر قبيلة في العرب وأشجعها، وهي عدد لا يحصى، وعز ~~لا يدرك. # وقال المنذر بن ماء السماء ذات يوم وعنده وفود قبائل العرب ودعا ببردين فقال: # ليلبس هذين البردين أكرم العرب وأشرفهم حسبا وأعزهم قبيلة، فأحجم الناس، ~~فقام الأحمر بن خلف بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، ~~فلبس أحدهما وارتدى الآخر، فقال له المنذر: ما حجتك فيما ادعيت؟ قال: الشرف ~~من نزار في مضر، ثم في تميم، ثم في سعد، ثم في بهدلة، قال: هذا أنت في ~~أصلك، فكيف أنت في عشيرتك؟ قال: أنا أبو عشرة وعم عشرة وخال عشرة قال: هذا ~~أنت في عشيرتك، فكيف أنت في نفسك؟ فقال: شاهد العين شاهدي، ثم قام فوضع ~~قدمه في الأرض، وقال: من أزالها فله مائة من الإبل، فلم يقم إليه أحد، وفي ~~ذلك يقول الفرزدق: [الطويل] PageV03P166 # فما تم في سعد ولا آل مالك ... غلام إذا ما قيل لم يتبهدل (¬1) # لهم وهب النعمان بردى محرق ... بمجد معد والعديد المحصل # فلخندف هذا الفخر في الجاهلية ثم النبوة، ثم الملك إلى يوم القيامة وفيها ~~يقول الراجز: [الرجز] # * وخندف هامة هذا العالم (¬2) * # *** ### || AUTO [الخنساء] # وأما الخنساء فهي تماضر بنت عمرو بن الشريد، من سراة قبائل سليم بن منصور ~~ابن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان، قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ~~قومها بني سليم، ولسليم في الإسلام سابقة حسنة، حضر منهم مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فتح مكة وحرب حنين ألف رجل. # وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستنشد الخنساء ويعجبه ~~شعرها، فكانت تنشده وهو يقول: هيه يا خنساء! ونظرتها عائشة رضي ms1001 الله عنهما، ~~وعليها صدار من شعر، فقالت: يا خنساء، أتلبسين الصدار وقد نهى عنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: لم أعلم بنهي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكان للصدار سبب، كان زوجي رجلا متلافا فأملق، وأراد أن يسافر، فقلت ~~له: أقم حتى آتي أخي صخرا، فأتيته فشاطرني، ماله فأتلفه زوجي، فعدت إليه ~~فعاد بمثل ذلك، فأتلفه زوجي، فعدت إليه في الثالثة والرابعة، فقالت له ~~زوجته: إن هذا المال متلف، فامنحها شرار مالك، فقال: [الرجز] # والله لا أمنحها شرارها ... وهي حصان وقد كفتني عارها (¬3) # ولو هلكت خرقت خمارها ... واتخذت من شعرها صدارها # فلما هلك اتخذت هذا الصدار. # وقيل لجرير: من أشعر الناس؟ قال: أنا، لولا هذه الفاعلة- يعني الخنساء- ~~قيل له: فبم فضلتك؟ قال بقولها: [البسيط] PageV03P167 # إن الزمان وما تفنى عجائبه ... أبقى لنا ذنبا واستؤصل الراس (¬1) # أبقى لنا كل مجهول وفجعنا ... بالحالين فهم هام وأرماس # إن الجديدين في طول اختلافهما ... لا يفسدان ولكن يفسد الناس # فأجمع علماء الشعر أنه لم تكن قط امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها. # وكان النابغة الذبياني يجلس لشعراء العرب بعكاظ على كرسي، ينشدونه فيفضل ~~من يرى تفضيله، فأنشدته في بعض المواسم فأعجب بشعرها، وقال لها: والله لولا ~~أن هذا الأعمى أنشدني قبلك- يعني الأعشى- لفضلتك على شعراء هذا الموسم. # وكان بشار يقول: لم تقل امرأة شعرا إلا ظهر الضعف فيه، فقيل له: أوكذلك ~~الخنساء؟ فقال: تلك كان لها أربع خصى. # ومن جيد ما رثت به صخرا قولها: [الوافر] # ألا يا صخر إن أبكيت عيني ... لقد أضحكتني دهرا طويلا (¬2) # بكيتك في نساء معولات ... وكنت أحق من أبدى العويلا # دفعت بك الجليل وأنت حي ... فمن ذا يدفع الخطب الجليلا # إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا # ومنه: [الوافر] # يؤرقني التذكر حين أمسي ... ويردعني عن الأحزان نكسي (¬3) # على صخر وأي فتى كصخر ... ليوم كريهة وطعان خلس # ولم أر مثله رزءا لجن ... ولم أر مثله رزءا لإنس # يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأبكيه لكل غروب شمس # ولولا كثرة الباكين حولي ms1002 ... على إخوانهم لقتلت نفسي # وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزى النفس عنه بالتأسي # ومنه أيضا: [السريع] # أبعد ابن عمرو من آل الشري ... د حلت به الأرض أثقالها (¬4) # لعمر أبيه لنعم الفتى ... إذا النفس أعجبها مالها PageV03P168 # فإن تك مرة أودت به ... فقد كان يكثر تقتالها # فخر الشوامخ من فقده ... وزلزلت الأرض زلزالها # ومنه أيضا: [المتقارب] # أعيني جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى (¬1) # ألا تبكيان الجريء الجميل ... ألا تبكيان الفتى السيدا # طويل النجاد رفيع العما ... د ساد عشيرته امردا # ومنه أيضا: [المتقارب] # تعرفني الدهر نهشا وحزا ... وأوجعني الدهر قرعا وغمزا (¬2) # وأفنى رجالي فبادوا معا ... فأصبحت من بينهم مستفزا # كأن لم يكونوا حمى يتقى ... إذ الناس إذ ذاك من عزبزا # وكانوا سراة بني مالك ... وفخر العشيرة مجدا وعزا # جززنا نواصي فرسانها ... وكانوا يظنون ألا تجزا # ومن ظن ممن يلاقي الحرو ... ب ألا يصاب فقد ظن عجزا # ومنه أيضا: [البسيط] # يا صخر وراد ماء قد تبادره ... أهل الموارد وما في ورده عار (¬3) # مشى السبنتي إلى هوجاء معضلة ... له سلاحان أنياب وأظفار # وما عجول على بو تحن له ... لها حنينان إعلان وإسرار # ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار # يوما بأوجع مني حين فارقني ... صخر فللدهر إحلاء وإمرار # وإن صخرا لوالينا وسيدنا ... وإن صخرا إذا نشتو لنحار # وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار # وحدث المفضل قال: كنت جالسا يوما على باب منزلي، أحتاج إلى درهم واحد، ~~وعلي دين عشرة آلاف درهم، إذا جاءني رسول المهدي، فقال: أجب أمير المؤمنين، ~~فقلت في نفسي: وما بعثه إلي! لعل ساعيا سعى بي عنده، ثم دخلت منزلي، ولبست ~~ثيابي، وسرت إليه فلما مثلت بين يديه أومأ إلي بالجلوس، فلما سكن جأشي، قال لي: # يا مفضل، ما أفخر بيت قالته العرب؟ فأرتج علي ساعة، ثم قلت: يا أمير ~~المؤمنين قول الخنساء، فاستوى جالسا وكان متكئا، فقال: أي، [بيت هو؟ ] فقلت ~~قولها: [البسيط] PageV03P169 # وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار ms1003 # فقال: قد قلت له فأبى علي- وأومأ إلي إسحاق بن بزيع- قلت: الصواب مع أمير ~~المؤمنين، ثم قال: يا مفضل، حدثني فحدثته حتى انتصف النهار، قال: أنشدني، ~~فأنشدته قول الحسين بن مطير الأسدي: [الطويل] # وقد تغدر الدنيا فيضحى غنيها ... فقيرا ويثرى بعد بؤس فقيرها (¬1) # وكم قد رأينا من تغير عيشة ... وأخرى صفا بعد كد غديرها # فلا تقرب الأمر الحرام فإنه ... حلاوته تفنى ويبقى مريرها # وكان المهدي رقيقا فبكى، وقال: يا مفضل، كيف حالك؟ فقلت: كيف يكون حال من ~~عليه عشرة آلاف درهم، وليس معه منها درهم واحد، قال: ياإسحاق، أعطه عشرة ~~آلاف درهم قضاء لدينه، وعشرة آلاف درهم يستعين بها على حاله، وعشرة آلاف ~~درهم يصلح بها من شأنه. # ورأى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الخنساء، تطوف بالبيت محلوقة ~~الرأس، تبكي وتلطم خدها، وقد علقت نعل صخر في خمارها، فوعظها فقالت: إني ~~رزئت فارسا لم يرزأ أحد مثله، فقال: إن في الناس من هو أعظم مرزأة منك، وإن ~~الإسلام قد غطى ما كان قبله، وإنه لا يحل لك لطم وجهك ولا كشف رأسك، فكفت ~~عن ذلك وقالت: [الوافر] # هريقي من دموعك واستفيقي ... وصبرا إن أطقت ولن تطيقي (¬2) # وقولي إن خير بني سليم ... وأكرمهم بصحراء العقيق # ألا هل ترجعن لنا الليالي ... وأيام لنا بلوى الشقيق # وإذ فينا معاوية بن عمرو ... على أدماء كالجمل الفنيق # فنبكيه فقد أودى حميدا ... أمين الرأي محمود الصديق # فلا والله لا تسلوك نفسي ... لفاحشة أتيت ولا عقوق # ولكني رأيت الصبر خيرا ... من النعلين والرأس الحليق # وأما أبو العباس المبرد فقال: وقالت الخنساء ترثي أخاها معاوية بن عمرو، ~~وكان أخاها لأبيها وأمها، [وكان صخر أخاها لأبيها] وكان أحبهما إليها. PageV03P170 # واستحق ذلك الأمور: منها أنه كان موصوفا بالحلم مشهورا بالجود، معروفا ~~بالتقدم والشجاعة، محظوظا في العشيرة، ثم أنشد الأبيات المتقدمة. # وكان صخر أجمل رجل في العرب، وكان سبب قتله أنه جمع جمعا، أغار على بني ~~أسد بن خزيمة، فنذروا به والتقوا، واقتتلوا قتالا شديدا، فارفض أصحاب صخر ~~عنه، فطعنه ms1004 ربيعة بن ثور الأسدي، فأدخل جوفه حلقا من الدرع، فاستقل منها ~~وسار إلى أهله فاندمل عليه الجرح، ونتأ منه مثل اليد، فأضناه ذلك حولا، ~~فسمع سائلا يقول لامرأته: كيف صخر اليوم؟ فقالت: لا حي فيرجى، ولا ميت ~~فينعى، ولقد لقينا منه الأمرين- وامرأته بديلة الأسدية وكان سباها من بني ~~أسد، واتخذها لنفسه- فلما سمع قولها علم أنها برمت منه، ورأى تحزن أمه ~~عليه، فقال: [الطويل] # أرى أم صخر لا تجف دموعها ... وملت سليمى مضجعي ومكاني (¬1) # وما كنت أخشى أن أكون جنازة ... عليك، ومن يغتر بالحدثان # أهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان # لعمري قد نبهت من كان نائما ... وأسمعت من كانت له أذنان # فأي امرئ ساوى بأم حليلة ... فلا عاش إلا في شقى وهوان # ثم عزم على قطع ذلك الموضع، فلما قطعه يئس من نفسه، فقال: [الطويل] # أجارتنا إن الخطوب قريب ... على الناس، كل المخطئين تصيب # أجارتنا إنا غريبان هاهنا ... وكل غريب للغريب نسيب # فلما مات دفن في أرض بني سليم بقرب عسيب. # وحضرت الخنساء القادسية مع بنيها وهم أربعة رجال، فقالت لهم من أول الليل: # يا بني إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو؛ ~~إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولافضحت ~~خالكم، ولا هجنت حسبكم، ولا غيرت نسبكم، وقد تعملون ما أعد الله تعالى ~~للمؤمنين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الآخرة خير ~~من الدار الفانية، يقول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ~~ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون [آل عمران: # 200]، فإذا أصبحتم غدا إن شاء الله سالمين فاغدوا لقتال عدوكم مستبصرين، ~~وبالله على PageV03P171 # أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، وجللت نارا على ~~أوراقها، فتيمموا وطيسها وجالدوا رسيسها، تظفروا بالغنم والكرامة في دار ~~الخلد والمقامة، فلما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم فتقدموا واحدا بعد ~~واحد ينشدون أراجيز يذكرون فيها وصية العجوز لهم، حتى قتلوا عن آخرهم، ~~فبلغها الخبر، فقالت: الحمد ms1005 لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني ~~بهم في مستقر الرحمة. # وكان عمر بن الخطاب يعطيها أرزاق بنيها الأربعة، وكان لكل منهم مائتا ~~درهم، حتى قبض رضي الله تعالى عنه. # وقوله: قعيدة رحلي، أي امرأة بيتي، وناقة طروقة: بلغت أن يطرقها الفحل. ~~وأنفت. استنكفت وكرهت. # *** # قال: فتذمرت المرأة وتنمرت، عن ساعدها وشمرت، وقالت له: يا ألأم من مادر، ~~وأشام من قاشر، وأجبن من صافر، وأطيش من طامر؛ أترميني بشنارك، وتفري عرضي ~~بشفارك، وأنت تعلم أنك أحقر من قلامة، وأعيب من بغلة أبي دلامة، وأفضح من ~~حبقة، في حلقة، وأحير من بقة في حقة. # وهبك الحسن في وعظه ولفظه، والشعبي في علمه وحفظه، والخليل في عروضه ~~ونحوه، وجريرا في غزله وهجوه، وقسا في فصاحته وخطابته، وعبد الحميد في ~~بلاغته وكتابته، وأبا عمرو في قراءته وإعرابه، وابن قريب في روايته عن ~~إعرابه؛ أتظنني أرضاك إماما لمحرابي، وحساما لقرابي، لا والله ولا بوابا ~~لبابي، ولا عصا لجرابي. # *** # تذمرت: غضبت، وتذمر الرجل، إذا رأى ما يكرهه فغضب وتهدد، والذمر: اللوم ~~والحض، وذمر قائد الجيش أصحابه يذمرهم، إذا لامهم وأسمعهم ما يكرهون ليجدوا ~~في القتال، تنمرت: تغيرت وتشبهت بالنمر، ولا يوجد النمر إلا مستنكرا غضبان، ~~ونمر الرجل وتنمر: تنكر وتغير. حسرت عن ساعدها: شمرت عن ذراعها. أطيش: أخف ~~والطيش: خفة العقل. # والطامر: البرغوث، يقال له طامر بن طامر، قال الأصمعي: كنت بالبادية ~~فرأيت أعرابيا قد بسط كساءه ليفليه في الشمس، فوقفت أنظر إليه، فجعل يأخذ ~~البراغيث، ويدع القمل، فقلت له: لم تأخذ بعضا وتدع بعضا؟ فقال: أبدأ ~~بالفرسان ثم أعكر على الرجالة. PageV03P172 # سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يسب برغوثا، فقال: «لا تسبه فإنه ~~نبه نبيا من الأنبياء لصلاة الفجر». # أبو الدرداء رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا آذاك ~~البراغيث، فخذ قدحا من الماء، واقرأ عليه سبع مرات، وما لنا ألا نتوكل على ~~الله وقد هدانا سبلنا [إبراهيم: # 12] إلى قوله: المتوكلون، فكفوا شركم وأذاكم عنا، ثم ms1006 ترش الماء حول ~~فراشك، فإنك تبيت الليلة آمنا من شرها». # شنارك: عيبك وعارك: تفري: تقطع، وفرى، يستعمل في القطع على جهة الإصلاح، ~~وقد جاء هنا في الإفساد، ومنه قوله الشاعر: [الطويل] # فرى نائبات الدهر بيني وبينها ... وصرف الليالي مثل ما فري الجلد # ابن سيده: فرى الشيء يفريه فريا وفراه تفرية، كلاهما شقه وأفسده وأفراه ~~أصلحه، والمتقنون من أهل اللغة، يقولون: فرى: شق الإفساد وأفرى للإصلاح ~~وقيل: أفراه أفسده، وفراه: قطعه للإصلاح قال الأصمعي رحمه الله؛ أفرى الجلد ~~مزقه وأفسده، يفريه إفراء، وفرى المزادة يفريها فريا: خرزها، القلامة: ما ~~يقص من الظفر، وبها يتعلق وسخه، فهي مع حقارتها مستقذرة. ### || AUTO [أبو دلامة] # وأما أبو دلامة، فاسمه زند- بالنون- ابن الجون، وهو كوفي أسود، مولى لبني ~~أسد، أدرك آخر أيام بني أمية، ونبغ في أيام بني العباس، ومدح السفاح ~~والمنصور والمهدي، وكان صاحب نوارد وملح، وكان خليعا فاسد الدين، رديء ~~المذهب، وقد تقدم له شيء من ذلك في الصلاة والحج، ونذكر له هاهنا شيئا في ~~الصيام، ونضيف له فنونا من سائر ملحه. # وأما بغلته فكانت جامعة لعيوب الدواب كلها، وكانت أشوه الدواب خلقة في ~~منظر العين وأسوأها خلقا في مخبرها، فكان إذا ركبها تبعه الصبيان يتضاحكون ~~به، وكان يقصد ركوبها في مواكب الخلفاء والكبراء، ليضحكهم بشماسها؛ حتى نظم ~~فيها قصيدته المشهورة وهي: [الوافر] # أبعد الخيل أركبها كراما ... وبعد الفره من من حضر البغال # رزقت بغيلة فيها وكال ... وليته لم يكن غير الوكال # رأيت عيوبها كثرت وغالت ... وإن أكثرت ثم من المقال # ليحصي منطقي وكلام غيري ... عشير خصالها، شر الخصال # فأهون عيبها أني إذا ما ... نزلت وقلت: أمشي لا تبالي # تقوم فما تبت هناك شبرا ... وترمحني وتأخذ في قتالي PageV03P173 # وحين ركبتها آذيت نفسي ... بضرب باليمين وبالشمال # وبالرجلين أركضها جمعا ... فيا لك في الشقاء وفي الكلال # أتاني خائب يستام مني ... عريق في الخسارة والضلال # وقال تبيعها؟ قلت ارتبطها ... بحكمك إن بيعي غير غال # فأقبل ضاحكا نحوي سرورا ... وقال أراك سهلا ذا جمال # هلم إلي يخلو بي ms1007 خداعا ... وما يدري الشقي بمن يخالي # فقلت بأربعين فقال أحسن ... إلي فإن مثلك ذو سجال # فأترك خمسة منها لعلمي ... بما فيه يصير من الخبال # فلما ابتاعها مني وبتت ... له في البيع غير المستقال # أخذت بثوبه وبرئت مما ... أعد عليه من سوء الخلال # برئت إليك من مشش قديم ... ومن جرد ومن بلل المخالي # ومن فتق بها في البطن ضخم ... ومن عقالها ومن انفتال # ومن قطع اللسان ومن بياض ... بعينيها ومن قرض الحبال # ومن عض الغلام ومن خراط ... إذا ما هم صحبك بارتحال # وأقطى من فريخ الذر مشيا ... بها عرن وداء من سلال # وتكسر سراجها أبدا شماسا ... وتقمص للإكاف على اغتيال # ويدبر ظهرها من مس كف ... وتهزم في الجمام وفي الجلال # تظل لركبة منها ووقيذا ... عليك من ورم الطحال # ومثفار تقدم كل سرج ... تصير دفيه على القذال # وتحفى لو تسير على الحشايا ... ولو تمشي على دمث الرمال # إذا استعجلتها عثرت وبالت ... وقامت ساعة عند المبال # وتضرط أربعين إذا وقفنا ... على أهل المجالس للسؤال # فتقطع منطقي وتحول بيني ... وبين حديثهم فيما توالي # وتذعر للدجاجة إذ تراها ... وتنفر للصفير، وللخيال # فأما الاعتلاف فأذن منها ... من الأتبان أمثال الجبال # وأما القت فأت بألف وقر ... بأعظم حمل أحمال الجمال # فلست بعالف منها ثلاثا ... وعندك منه عود للخلال # وإن عطشت فأوردها دجيلا ... وإذا أوردت أو نهري بلال # فذاك لريها سقيت حميما ... وإن مد الفرات فللنهال PageV03P174 # وكانت قارحا أيام كسرى ... وتذكر تبعا عند الفعال # وقد دبرت ونعمان صبي ... وقبل فصاله تلك الليالي # وتذكر إذ نشا بهرام جور ... وعامله على خرج الجوالي # وقد مرت بقرن بعد قرن ... وآخر عهدها لهلاك مالي # فأبدلني بها يا رب طرفا ... يزين جمال مشيته جمالي # وأنشدها المهدي: فقال: لقد أقلت من بلاء عظيم، فقال: والله يا أمير ~~المؤمنين لقد مكثت شهرا أتوقع صاحبها أن يردها، فقال المهدي لصاحب دوابه: ~~خيره بين مركبين في الإصطبل، فقال: إن كان الاختيار إلي فقد وقعت في شر من ~~البغلة، ولكن مره يختر لي، ففعل. # وفي القصيدة ألفاظ من ms1008 الغريب أبينها، فمنها يقال: واكلت الدابة وكالا: ~~أساءت السير. ورمحت ترمح: ضربت برجليها والمشش: داء في قوائمها. والجرد ~~استرخاء العصب، والعقال: أن تنقبض القوائم ولا تنبعث، والخراط: الجماح، ~~والعرن: حكة وشقاق في القوائم، وقد عرن عرنا، وقمص يقمص ويقمص قمصا وقماصا: ~~رفع يديه معا وطرحهما معا، وعجن بيديه، وقطا يقطو: قارب الخطو. # وكان لأبي دلامة برذون أعجف محطم هرم، فدخل على المهدي يوما وبين يديه ~~سلمة الوصيف، فقال: يا أمير المؤمنين، إني جلبت لبابك مهرا ليس لأحد مثله، ~~وأحببت أن أهديه لك، فإن أحببت أن تشرفني بقبوله! فأمر بإدخاله، فخرج وأدخل ~~برذونه، فقال له المهدي: أي شيء هذا ويلك! ألم تزعم أنه مهر، فقال له أبو ~~دلامة: أوليس هذا سلمة الوصيف قائم بين يديك تسميه الوصيف وله ثمانون سنة! ~~فإن كان سلمة وصيفا فهذا مهر، فجعل المهدي يضحك وسلمة يشتمه، فقال له ~~المهدي: ويلك! إن لهذه أخوات، والله ليضحكن بك في المحافل، فقال: والله يا ~~أمير المؤمنين لأفضحنه، فليس في مواليك أحد إلا وقد وصلني غيره، فما شربت ~~الماء له قط فحكم عليه المهدي أن يشتري نفسه بثلاثة آلاف درهم، فقال له ~~سلمة، على ألا تعاود، فقال أبو دلامة: # أفعل، فحملها إليه. # ومما ينتظم بهذا النمط أن محمد بن عبيد الله بن خاقان حمل أبا العيناء ~~على فرس، فكتب إلى أبيه: أعلم الأمير أعزه الله أن أبا محمد أراد أن يبرني ~~فعقني، وأن يركبني فأرجلني، وأمر لي بدابة تقف للنبرة، وتعثر بالبعرة، ~~كالقضيب اليابس عجفاء، وكالمهجور البائس دنفاء، قد أذكر الرواة عروة العذري ~~والمجنون العامري، مباعدا أعلاه لأسفله، حباقه مقرون بسعاله، فلو أمسك ~~لترجيت، ولو أفرد لتعزيت، ولكنه يجمعها في الطريق المعمور، والمجلس ~~المشهور، كأنه خطيب مرشد، أو شاعر منشد، يضحك من فعله النسوان، ويتناعى من ~~أجله الصبيان، فمن صائح يصيح: داوه بالطباشير، ومن قائل PageV03P175 # يقول: نق له الشعير، قد حفظ الأخبار وروى الأشعار، ولحق العلماء في ~~الأمصار، فلو أعين بنطق لروى بحق وصدق، عن جابر الجعفي وعامر الشعبي، ولم ms1009 ~~أوت من أمر الأمير أعزه الله وإنما أتيت من كاتبه الأعور؛ الذي إذا اختار ~~لنفسه أصاب وأكثر، وإذا اختار لغيره أخبث وأنزر، فإن رأى الأمير أن يبدلني ~~ويريحني بمركوب يضحكني كما أضحك مني، يمحو بحسنه وفراهته، ما سطره العيب ~~بقبحه ودناءته، ولست أذكر سرجه ولجامه، لأن الأمير أكرم من أن يسلب ما ~~يهديه، وينقص ما يمضيه. فوجه إليه ببرذون بسرجه ولجامه، ثم اجتمع بابنه ~~محمد عنده، فقال له عبيد الله: شكوت دابة محمد، وقد أخبرني أنه يشتريه الآن ~~منك بمائة دينار، وهذا ثمنه لا يؤخر عنك، فقال: أعز الله الوزير! لو لم ~~أكذب مستزيدا، لم أذهب مستفيدا، وإني وإياه لكما قالت امرأة العزيز: # أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين [يوسف: 51]. # وقال ابن رشيق في بغل: [الرجز] # أوصيك بالبغل شرا ... فإنه ابن الحمار # لا يصلح البغل إلا ... للكد والأسفار # كالعبد إن لم تهنه ... جنى على الأحرار # ما اعتاض بغلا بطرف ... إلا أخو إدبار # وله أيضا فيه: [الطويل] # فأوصيكمو بالبغل شرا فإنه ... من العير في سوء الطباع قريب # وكيف يجيء البغل يوما بحاجة ... تسر وفيه للحمار نصيب! # وله من قصيدة: [الكامل] # أو بغلة سفواء تعرض للفتى ... فتخال تحت السرج أم غزال # سألت إلى الأم النجابة من أب ... وزهت على الأعمام والأخوال # وكأنها قد أفرغت في قالب ... لا أنها خلقت على تمثال # وله من قصيدة أيضا: [المتقارب] # كأني بعض نجوم السماء ... تصعد في الجو ثم انحدر # على رسلة من هبات الملو ... ك سفواء ملمومة كالحجر # تعاون في جدل أعضائها ... بنو أخدر وبنات الأغر # ولمحمد بن يسير الخارجي في بغلة: [الكامل] # نزعت عن الخيل العتاق نجاءها ... منها وعتق سوالف ولبان # ولها من الأعيار عند مسيرها ... قحة وطول صبارة ومران PageV03P176 # رجعنا إلى أخبار أبي دلامة. # يحكى أن المهدي أو المنصور- أنشده ما أعجبه، فكساه طيلسانا وأمر له بمال، ~~وعاهده ألا يشرب الخمر، فحلف له وخرج إلى بني داود بن علي فضحكوا به. وقص ~~عليهم خبره فسقوه حتى أسكروه وأخرجوه، فأعلم المهدي الخبر، فأرسل فيه، وأمر ms1010 ~~الرسول بسجنه وتخريق ساجه، وألا يمكن من قرطاس ولا مداد، ففعل به الرسول ~~ذلك، فانتبه في جوف الليل فنادى جاريته فقال له السجان: طعنة في كبدك فقال ~~له: ويلك! من أنت، وأين أنا؟ فقال له: سل نفسك أين كنت عشاء أمس؟ فاستحلفه ~~من أنت؟ فقال: أنا السجان، بعث بك أمير المؤمنين وأنت سكران، فأمرني أن ~~أحبسك مع الدجاج، فقال: # أحب أن تسرج لي سراجا، وتأتيني بداوة وقرطاس، ولك عندي صلة، فقال له أما ~~السراج فنعم، وأما القرطاس والدواة، فقد أمرت ألا أمكنك منهما. فلما أتاه ~~بالسراج وجد ساجه مخرقا ملطخا بإزبال الدجاج، ورأى نفسه جالسا بينها، فقال ~~له: ادع لي ابني دلامة، فدعاه، فأمره أن يجيد حلاقة رأسه، وأن يأتيه بفحمة، ~~ففعل، فكتب على رأس ابنه: [الوافر] # أمن صهباء صافية المزاج ... كأن شعاعها لهب السراج # تهش لها القلوب وتشتهيها ... إذا برزت ترقرق في الزجاج # أقاد إلى السجون بغير جرم ... كأني بعض عمال الخراج # ولو معهم حبست لكان خير ... ولكني حبست مع الدجاج # أمير المؤمنين فدتك نفسي ... ففيم حبستني وخرقت ساجي # على أني وإن لاقيت شرا ... لخيرك بعد ذاك الشر راجي # ثم قال: يا أمير المؤمنين، هذه أمانة، فإذا قرأتها فمزق الرقعة. ثم أمر ~~دلامة أن يدخل على أمير المؤمنين ويقرئه ما في رأسه، فأتى الباب وصاح: دعوة ~~المظلوم، فعلم أمير المؤمنين بمكانه فأمر بإدخاله، فكشف رأسه، وقال: إن ~~ظلامتي مكتوبة في رأسي، فأدني منه حتى قرأها فاشتد ضحكه، وعجب من حيلته ~~وأمر بإخراجه، وقال: ما كان أحوج هذه الرقعة أن تمزق، ثم وصله بصلة، ونهاه ~~أن يوجد سكران. # وخرج المهدي يتصيد ومعه علي بن سليمان، فسنح له قطيع من الظباء، فأرسلت ~~الكلاب وأجريت الخيل، فرمى المهدي سهما فصرع ظبيا، ورمى علي بن سليمان سهما ~~فصرع كلبا، فقال أبو دلامة: [الرمل] # قد رمى المهدي ظبيا ... شق بالسهم فؤاده # وعلي بن سليما ... ن رمى كلبا فصاده # فهنيئا لهما كل امر ... ئ يأكل زاده PageV03P177 # فضحك المهدي حتى كاد يسقط. # ومن ملحه، أنه دخل ms1011 على المهدي، وعنده وجوه بني هاشم، فقال: أنا أعطى الله ~~عهدا لئن لم تهج واحدا ممن في البيت لأقطعن لسانك، فنظر إلى القوم، فكلما ~~نظر إلى واحد غمزه بأن عليه رضاه، قال: فعلمت أني وقعت، وأنها عزمة من ~~عزماته لا بد منها، فلم أر أدعى إلى السلامة من هجاء نفسي، فقلت: [الوافر] # ألا أبلغ لديك أبا دلامه ... فليس من الكرام ولا كرامه # إذا لبس العمامة كان قردا ... وخنزيرا يكون بلا عمامه # جمعت دمامة وجمعت لؤما ... كذاك اللؤم تتبعه الدمامه # فإن تك قد أصبت نعيم دنيا ... فلا تفرح فقد دنت القيامه # فضحكوا، ولم يبق أحد إلا أجازه. # وخرجت له صبية فأخذها على كتفه، فبالت عليه فرمى بها، وقال: [الوافر] # بللت علي- لا حييت- ثوبي ... فبال عليك شيطان رجيم # فما ولدتك مريم أم عيسى ... ولا رباك لقمان الحكيم # ولكن قد تضمك أم سوء ... إلى لباتها وأب لئيم # ولما خرجت الخيزران إلى الحج تلقاها، فصاح: الله الله في أمري! فسألته عن ~~أمره فقال: إني شيخ كبير، وأجرك في عظيم، تهبين لي جارية تؤنسني وترفق بي، ~~وتريحني من عجوز عندي، قد أكلت رفدي، وأطالت كدي، وقد عزف جلدها جلدي، ~~وتمنيت بعدها، وتشوقت فقدها، فوعدته بها، فلما جاءت من الحج دخل على أم ~~عبيدة حاضنة موسى وهارون، فدفع إليها رقعة، فدفعتها إلى الخيزران وفيها: ~~[مجزوء الرمل] # أبلغي سيدتي إن ... شئت يا أم عبيده # أنها أرشدها الله ... وإن كانت رشيده # وعدتني قبل أن تخر ... ج للحج وليده # إنني شيخ كبير ... ليس في بيتي قعيده # غير عجفاء عجوز ... ساقها مقل القديده # وجهها أقبح من حو ... ت طري في عصيده # ما حياتي- مع أنثى ... مثل عرسي- بحميده # فضحكت واستعادت «حوتا في عصيده» وهي تضحك، ثم قالت لجارية: خذي ما عندك ~~في قصري وأمشي إليه. فلما بلغها الرسول منزله لم يجده، فدفعها إلى امرأته، ~~ودخل دلامة وأمة تبكي، فسألها فأخبرته وقالت: إن أردت بري يوما من الدهر، ~~فاليوم. PageV03P178 # قال لها: قولي ما شئت أفعله، قالت: تدخل إليها، وتعلمها أنك مالكها، ~~فتطؤها فتحرم عليه، ms1012 وإلا شغلته فجفاني وجفاك. ففعل، وجاء أبو دلامةفسألها ~~عنها، فقالت: هي في ذلك البيت، فدخل ومد يده إليها، وذهب ليقبلها، فرأت ~~شيخا محطما قبيح الوجه، فقالت: تنح وإلا لطمتك لطمة دققت بها أنفك. فقال: ~~وبهذا أوصتك سيدتك؟ فقالت: # إنها بعثتني إلى فتى من صفته كذا وكذا، وقد نال حاجته مني آنفا. فعلم أنه ~~دهاء من دلامة وأمه، فخرج ولطمه ولببه. وحلف ألا يفارقه إلا إلى المهدي، ~~فمضى على تلك الحالة حتى دخل إلى المهدي، فقال له: ما بالك ويحك! فقال له: ~~عمل بي هذا ابن الخبيثة ما لم يعمله أحد بأبيه، ولا يرضيني إلا أن تقتله، ~~وأخبره الخبر. فضحك المهدي حتى استلقى، وأبو دلامة يقول: يعجبك فعله، فتضحك ~~منه! فقال: علي بالسيف والنطع، فقال دلامة: اسمع حجتي يا أمير المؤمنين، ~~كما سمعت حجته، فقال: هات، فقال: هذا الشيخ أصفق الناس وجها، وهو ينيك أمي ~~منذ أربعين سنة فما غضبت، ونكت جاريته مرة واحدة فغضب. فضحك المهدي أشد من ~~ضحكه الأول، فقال: دعها له [يا أبا دلامة]، وأنا أعطيك خيرا منها، فقال: ~~على أن تخبأها بين السماء والأرض، وإلا ناكها كما ناك هذه، وحلف لدلامة إن ~~عاد ليقتلنه. # وجاء دلامة لأبيه في محفل، وجلس بين يديه، وقال للجماعة: إن شيخي كما ~~ترون قد كبر سنة، ورق جلده ودق عظمه، وبنا إلى حياته حاجة، وأنا لا أزال ~~أشير عليه بشيء يمسك رمقه، ويبقي قوته؛ فيخالفني. وأرغب إليكم أن تسألوه ~~قضاء حاجة فيها صلاح جسمه، فقالوا: حبا وكرامة، فأخذوا أبا دلامة بألسنتهم، ~~فقال: قولوا له الخبيث فليقل ما يريد، فستعملون أنه لم يأت إلا ببلية. ~~فقال: إنما يقتله كثرة النيك، ولا يدفعه عنه إلا الخصاء، فتعاونوني عليه ~~حتى أخصيه، فضحكوا منه كثيرا، وقالوا لأبيه: قد سمعت فما عندك؟ فقال: قد ~~عرفتكم أنه لم يأت بخير، وقد جعلت أمه حكما بيني وبينه، فقوموا إليها، ~~فدخلوا عليها وقصوا القصة عليها، فأقبلت على الجماعة وقالت: إن ابني أبقاه ~~الله، قد نصح أباه وبره، وأنا إلى بقاء ms1013 أبيه أحوج منه إليه؛ إلا أن هذا ~~الأمر لم تقع فيه تجربة عندنا، ولا جرت به عادة، وهو قد ادعى معرفة ذلك، ~~فليبدأ بنفسه فليخصها، فإذا عوفي ورأينا ذلك قد أبقي عليه أثرا محمودا، ~~استعمله أبوه على علم، فجعل القوم يضحكون ويعجبون من اتفاقهم في الخبث. # وأمره المهدي أن يلزم المسجد في رمضان، وقال له: إن تأخرت فلشرب الخمر، ~~ولئن علمت ذلك لأقتلنك، فشق عليه ذلك، وتشفع إليه بكل إنسان، فلم يشفعه، ~~فأدخل إلى ريطة رقعة، وكان المهدي لا يخالفها- وفيها: [الوافر] # أبلغا ريطة أني ... كنت عبدا لأبيها # فمضى يرحمه الل ... ه وأوصى بي إليها PageV03P179 # جاء شهر الصوم يمشي ... مشية لا أشتهيها # قائدا القلة ليد ... ر كأني أبتغيها # تنطح القبلة شهرا ... جبهتي لا تأتليها # فاطلبي لي فرجا من ... ها وأجري لك فيها # فضحكت، وقالت: يصبر حتى تمضي ليلة القدر، فقال: إذا مضت ليلة القدر فني ~~الشهر. وكتب إليها: [الرمل] # خافي إلهك في نفس قد احتضرت ... قامت قيامتها بين المصلينا # ما ليلة القدر من همي فأطلبها ... إني أخاف المنايا قبل عشرينا # لا بارك الله في خير أؤمله ... في ليلة بعد ما قمنا ثلاثينا # يا ليلة القدر قد كسرت أرجلنا ... يا ليلة القدر حقا ما تمنينا! # فلما قرأتها ضحكت، ودخلت إلى المهدي فشفعها فيه. وأخباره كثيرة. # *** # وعلى قوله: جاء شهر الصوم قال أبو القاسم الثعالبي: أنشدنيه الفقيه أبو ~~الحسن بن زرقون: [الهزج] # أشهر الصوم ما مثلك ... عند الله من شهر # على أنك حرمت ... علينا لذة السكر # وقرع الكأس بالكأس ... ورشف الثغر بالثغر # وإني والذي شر ... ف أوقاتك بالذكر # وما أمسى يصلي في ... ك من شفع ومن وتر # لمسرور بأن تفنى ... على أنك من عمري # وقال ابن المعتز: [المتقارب] # تجلى عشاء هلال الصيام ... بنحس على الكأس والبربط # وكم من فتى راح بين القيا ... ن نشوان ذا فرح مفرط # وكان نشيطا فلما رآ ... ه هم بهم ولم ينشط # فأعرض عنه كما أعرضت ... فتاة عن الجانب الأشمط # وقال ابن رشيق: [الخفيف] # لاح لي حاجب الهلاك عشاء ms1014 ... فتمنيت أنني من سحاب # قلت أهلا وليس أهلا لما قل ... ت ولكن أسمعتها أصحابي PageV03P180 # مظهر حبه وعندي بغض ... لعدو الكئوس والأكواب # الحبقة: الضرطة، والحلقة جماعة الناس، وربما تؤدي فضيحتها أمام القوم إلى ~~أن يموت صاحبها غما، وقد وجد ذلك. # *** ### || AUTO [طرائف متفرقة] # وحبق أعرابي في جماعة فاستحيا، فأشار نحو استه، وقال: إنها خلف نطقت خلفا. # وذكر الحريري أن مطيع بن إياس ويحيى بن زياد وحماد الراوية كانوا يشربون ~~ذات يوم، ومعهم نديم لهم، فبرزت منه فلتة، فخجل وغاب عنهم أياما، فكتب إليه مطيع: # [البسيط] # أمن قلوص غدت لم يؤذها أحد ... إلا تذكرها بالرمل أوطانا # خان العقال لها فانبت إذ نفرت ... وإنما الذنب فيه للذي خانا # أظهرت منك لنا هجرا ومعتبة ... وغبت عنا ثلاثا لست تغشانا # هون عليك فما في الناس ذو إبل ... إلا وأينقه يشردن أحيانا # دخل أبو الفضل بديع الزمان على الصاحب بن عباد، ففرح به، وأجلسه معه على ~~سريرة فحبق البديع حبقة منكرة، ثم أراد أن ينفي عن نفسه التهمة، فقال: يا ~~مولانا هذا صرير التخت، فقال له: بل صفير «التحت»، فخرج البديع خجلا، ~~وانقطع عن الوصول إليه فكتب إليه الصاحب: [البسيط] # قل للصفيري لا تذهب على خجل ... من ضرطة أشبهت نايا على عود # فإنها الريح لا تسطيع تدفعها ... إذ لست أنت سليمان بن داود # تزوج أعرابي امرأة، فلما دخل عليها عابثها، فضرطت، فخرجت غضبي إلى أهلها، ~~وقالت: والله لا أرجع إليه أو يفعل ما فعلت، فقال لها: عودي لأفعل، فعادت، ~~فعابثها فضرطت أخرى، فقال: [السريع] # طالبتني دينا قديما فلم ... أقضيك حتى زدت في قرضك # فلا تلوميني على مطله ... إن كان ذا دأبك لم أقضك # قيل لأعرابي: ما تقول في الضرطة؟ فقال: لا بأس بها، وربما سببت الضرطة ~~وأنا راكع في الصلاة. # قدم أبو علقمة الأزدي على الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي بالبصرة، فقال: # الفضل لجلسائه: إذا جلسنا على المائدة وأبو علقمة معنا فليضرط أحدكم ثم ~~الآخر ثم PageV03P181 # الآخر، وليكن بين كل ضرطتين فرجة، فلما وضعت المائدة فعلوا ms1015 ذلك، فأخذ أبو ~~علقمة المائدة، وقام بها، فقيل له: إلى أين يا أبا علقمة؟ قال: إلى الكنيف، ~~فمن أراد منكم أن يخرأ كان قريبا. # وجلس ثقيل إلى بشار، فضرط بشار ضرطة منكرة، فظن الرجل أنها فلتة، فمشى في ~~حديثه، فضرط بشار ثانية وثالثة، فقال له: ما هذا يا أبا معاذ؟ قال: رأيت أو سمعت؟ # قال: قال: بل سمعت، كل ما سمعت ريح لا تصدق حتى ترى. # *** # قوله: حقه، أي وعاء الطيب، ويقال له: حق والجمع حقاق، وتبدل عامتنا من ~~قافه كافا، والروائح العطرة مضرة بهذه الهوام المنتنة، وقد قال المتنبي: ~~[البسيط] # بذي الغباوة من إنشادها ضرر ... تضر كما تضر رياح الورد بالجعل (¬1) # قوله هبك، أي حسبك. # *** ### || AUTO [الحسن بن أبي الحسن البصري] # وأما الحسن فهو أبو سعيد بن أبي الحسن البصري، وهو من التابعين. ولد ~~بالمدينة لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وأمه ~~اسمها خيرة، وكانت مولاة لأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت ~~تعطيه ثديها إذا اشتغلت أمه، فدر ثديها له باللبن، فأظهر الله تعالى بركة ~~ذلك اللبن عليه. وأبوه مولى لامرأة من الأنصار، وقيل إن أبويه كانا مملوكين ~~لرجل من بني النجار، فتزوج امرأة في بني سلمة من الأنصار، فساقهما إليها من ~~مهرها فأعتقتهما، وكان أحسن الناس لفظا، وأبلغهم وعظا، وكان زاهدا عالما ~~مقدما في العلم والدين على نظرائه من التابعين. # وكان الحجاج له معظما ومتعجبا من فصاحته، ولم ينفك من مجلس وعظ أو تدريس ~~علم، إلى أن مات رحمه الله تعالى. # وقال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت قط أوعظ ولا أفصح من الحسن البصري. # وقال أبو أيوب السختياني: ما سمع أحد كلام الحسن البصري إلا ثقل عليه ~~كلام الرجال. # قال حميد: قال لي الشعبي ونحن بمكة: أحب أن اختلي بالحسن، فقلت: ذلك ~~للحسن، فقال: إذا شاء، فجاء الشعبي، فقلت له: ادخل عليه، فإنه في البيت ~~وحده، PageV03P182 # فقال: أحب أن تدخل معي، فدخلنا فإذا الحسن قبالة القبلة يقول: يا بن ms1016 آدم، ~~لم تكن فكونت، وسألت فأعطيت، وسئلت فمنعت، فبئس ما صنعت! ثم يذهب فيرجع ~~بعيد ذلك حتى أعادها مرارا، فقال لي الشعبي: يا هذا انصرف فإن الشيخ في غير ~~ما نحن فيه. # ولما دخل على الحجاج فقال له: ما تقول في علي وعثمان؟ قال: أقول فيهما ما ~~قال من هو خير مني بين يدي من هو شر منك، قال: ومن ذلك؟ قال: موسى وفرعون ~~حيث قال له فرعون: فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب [طه: 51]. # الشعبي قال: قدمنا على الحجاج في البصرة في جماعة من قراء الشام والعراق ~~في يوم صائف شديد الحر، وهو في آخر ثلاثة أبيات، فدخلنا الأول فإذا فيه ~~الثلج والماء قد أرسل فيه، وفي الثاني أكثر وفي الثالث أكثر، والحجاج قاعد ~~على سريره وعنبسة بن سعيد إلى جانبه فجلسنا على الكراسي، ودخل الحسن آخر من ~~دخل، فقال الحجاج: # مرحبا بأبي سعيد! خلع قميصك، فجعل الحسن يعالج زر القميص فأبطأ به، فطأطأ ~~له الحجاج رأسه تلطفا به حتى حله، وجاءت جارية بدهن فوضعته على رأس الحسن ~~وحده، فقال له الحجاج: يا أبا سعيد، ما لي أراك منهوك الجسم، لعل ذلك من ~~قلة نفقة وسوء ولاية! ألا نأمر لك بنفقة توسع بها على نفسك، وخادم لطيف! ~~فقال: إني من الله تعالى لفي سعة ونعمة وإني منه لفي عافية، ولكن الكبر ~~والحر، فأقبل الحجاج على عنبسة، وقال: لا والله، بل العلم بالله والزهد ~~فيما نحن فيه، فلم يسمعها الحسن، وسمعتها أنا لقربي من عنبسة، وجعل الحجاج ~~يسأله حتى ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه فنال منه ونلنا منه مرضاة له، ~~وفرقا من شره، والحسن عاض على إبهامه، فقال له: ما لي أراك ساكتا؟ فقال: ~~وما عسىأن أقول: فقال: أخبرنا برأيك في أبي تراب، قال: إني سمعت الله عز ~~وجل يقول: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ~~ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ms1017 وما كان الله ~~ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف رحيم [البقرة: 143] فعلي ممن هدى الله، ~~ومن أهل الإيمان وابن عم نبي الله صلى الله عليه وسلم وختنه على بنته، أحب ~~الناس إليه، وصاحب سوابق مباركات سبقت له من الله عز وجل، لن تستطيع أنت ~~ولا أحد من الناس يحظرها عليه، ولا يحول بينه وبينها. فتغير وجه الحجاج ~~وقام مغضبا عن سريره، ودخل بيتا خلفه وخرجنا وأخذت بيد الحسن، فقلت: يا أبا ~~سعيد، أغضبت الأمير، وأوغرت صدره، فقال: إليك عني يا عامر، ألست شيطانا من ~~الشياطين إذ توافقه في رأيه! ألا صدقت إذ سئلت أو سكت فسلمت! فقلت: قلتها ~~والله، وأنا أعلم بما فيها، قال الحسن: فذلك أعظم في الحجة عليك، وأشد في ~~التبعة. ثم خرجت إلى الحسن التحف والطرف، وكانت له المنزلة واستخف بنا ~~وجفانا، فكان أهلا لما أتى إليه، وكنا أهلا لما أتى إلينا، فما رأيت مثل ~~الحسن بين العلماء إلا مثل الفرس العربي فيما بين المقارف، وما شهدنا قط ~~مشهدا إلا برز علينا بفضله، وقال لله، وقلنا موافقة للولاة، وكان يقول: ~~جددوا هذه الأنفس فإنها PageV03P183 # سريعة الدثور، واقدعوها فإنها طامحة وإنكم إن لم تقدعوها تنزع بكم إلى شر غاية. # وقال لمطرف بن عبد الله بن الشخير: عظ أصحابك، فقال له: إني أخاف أن أقول ~~ما لا أفعل، فقال له: يرحمك الله، وأينا يقول ما يفعل! يود الشيطان أنه ظفر ~~بهذه منكم، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر. # ونظر إلى الناس في مصلى البصرة يضحكون ويلعبون في يوم عيد، فقال: إن الله ~~تعالى جعل الصوم مضمارا لعبيده، ليستبقوا إلى طاعته، ولعمري لو كشف الغطاء ~~لشغل محسن بإحسانه، ومسيء بإساءته عن تجديد ثوب أو ترجيل شعر. # ومات في سنة عشرة ومائة وله تسعون وتقدم موت ابن سيرين بمائة يوم، ومات ~~في رجب ليلة الجمعة. # وقال عبد الواحد بن زيد: رأيت ليلة مات الحسن في النوم أبواب السماء ~~كأنها مفتحة، وكأن الملائكة صفوف، فقلت: أن هذا لأمر عظيم، فقال ms1018 لي قائل: ~~ألا إن الحسن البصري قدم على الله وهو عنه راض! . # وسمع بعض أصحابه في منامه ليلة مات كأن مناديا ينادي في السماء: إن الله ~~اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين [آل عمران: 33]، ~~واصطفى الحسن البصري على أهل زمانه ### || AUTO [عامر بن شراحيل الشعبي] # والشعبي، اسمه عامر بن عبد الله بن شراحيل بن عبيد بن ذي كبار الشعبي من ~~شعب همدان، وكنيته أبو عمرو، منسوب إلى شعبان بن عمرو، وهو من حمير، فمن ~~كان منهم باليمن فهو حميري، ويقال: له شعباني، ومن كان بالعراق فهو همداني، ~~ويقال له شعبي. وولد لست سنين من خلافة عمر رضي الله عنه سمع علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه والحسن والحسين وجماعة من الصحابة رضوان الله عليهم ~~أجمعين، وهو كوفي، وبه يضرب المثل في الحفظ، فيقال: أحفظ من الشعبي. # وقال الزهري: العلماء أربعة: سعيد بن المسيب بالمدينة، وعامر الشعبي ~~بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، ومكحول بالشأم. # وقال ابن شبرمة: سمعت الشعبي يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء إلى يومي هذا، ~~ولا حدثني رجل قط بحديث إلا حفظته، ولا أحببت أن يعيده علي. # وقال الشعبي لأصحابه: ما أروى شيئا أقل من الشعر، ولو شئت لأنشدتكم شهرا ~~لا أعيد. # وكان الشعبي فقيها عالما حافظا أديبا، وقال: لولا ما زوجت في الرحم ما ~~قامت لأحد معي قائمة. PageV03P184 # وكتب عبد الملك إلى الحجاج أن ابعث إلي رجلا يصلح للدين والدنيا، أتخذه ~~سميرا وجليسا، فبعث إليه بالشعبي، فلما دخل عليه وجده مغتما، فقال: ما بال ~~أمير المؤمنين؟ قال ذكرت قول زهير: [الطويل] # كأني وقد جاوزت تسعين حجة ... خلعت بها عني عذار لجامي # رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمي وليس برام (¬1) # فلو أنني أرمى بنبل رميتها ... ولكنني أرمى بغير سهامي # على الراحتين تارة وعلى العصا ... أنوء ثلاثا بعدهن قيامي # فقال له الشعبي: ليس كذلك، ولكن كما قال لبيد بن ربيعة: [الطويل] # كأني وقد جاوزت سبعين حجة ... خلعت بها عن منكبي ردائيا (¬2) # فلما ms1019 بلغ سبعا وسبعين، قال: [البسيط] # باتت تشكي إلي الموت مجهشة ... وقد حملتك سبعا بعد سبعينا (¬3) # فإن تراخت ثلاثا تبلغي أملا ... وفي الثلاث وفاء للثمانينا (¬4) # فلما بلغ التسعين، قال: [الكامل] # ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذي الناس كيف لبيد # وغنيت سبتا قبل مجرى داحس ... لو كان للنفس اللجوج خلود # فلما بلغ عشرين ومائة، قال: [الطويل] # أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع (¬5) PageV03P185 # أخبر أخبار القرون التي مضت ... أنوء كأني كلما قمت راكع # فلما بلغ ثلاثين ومائة حضرته الوفاة، فقال: [الطويل] # تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر (¬1) # فقوما فقولا بالذي أنا أهله ... ولا تخمشا خدا ولا تحلقا شعرا # وقولا هو المرء الذي لا صديقة ... أضاع ولا خان الخليل ولا غدر # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # قال الشعبي: فلقد رأيت السرور في وجه عبد الملك طمعا أن يعيشها. # وقال الحريري في الدرة: حدثني أحد شيوخي أن ليلى الأخيلية كانت تتكلم ~~بلغة بهراء، فتكسر حرف المضارعة، فتقول: «أنت تعلم» فاستأذنت يوما على عبد ~~الملك بن مروان وبحضرته الشعبي، فقال: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في الغض ~~منها؟ فقال: افعل، فلما استقر بها المجلس قال لها الشعبي: يا ليلى، ما بال ~~قومك لا يكتنون! فقالت: # ويحك أما نكتني- بكسر النون- فقال: لا والله ولو فعلت لاغتسلت، فخجلت عند ~~ذلك، واستغرق عبد الملك في الضحك. # الأصمعي: وجه عبد الملك الشعبي إلى ملك الروم في بعض الأمور، فاستكبر ~~الشعبي، فقال له: من أهل بيت الملك أنت؟ قال: لا فلما أراد الرجوعإلى عبد ~~الملك حمله رقعة لطيفة، وقال له: إذا بلغت صاحبك جميع ما يحتاج إلى معرفته ~~من ناحيتنا فادفع إليه هذه الرقعة، فلما رجع إلى عبد الملك ذكر له ما احتاج ~~إلى ذكره، ونهض. # فلما خرج ذكر الرقعة، فرجع فقال: يا أمير المؤمنين إنه حملني إليك رقعة ~~أنسيتها، فدفعها إليه ونهض فقرأها عبد الملك، وأمر برده فقال: أعلمت ما في ~~الرقعة؟ قال: ms1020 لا، قال: فيها عجبت من العرب كيف ملكت غير هذا! أفتدري لم كتب ~~إلي بهذا؟ قال: لا، قال: حسدني عليك، فأراد أن يغريني بقتلك، فقال الشعبي: ~~لو رآك يا أمير المؤمنين ما استكبرني. فبلغ ذلك ملك الروم، فذكر عبد الملك ~~وقال: لله أبوه! والله ما أردت إلا ذلك. # وكان الشعبي خرج مع عبد الرحمن بن الأشعث على الحجاج، فلما هزم عبد ~~الرحمن أتي به موثقا مع الأسرى، وكان حكم الحجاج فيهم: من أقر أنه كافر ~~أبقاه، ومن أقر أنه مسلم قتله. قال: فلما جئت باب القصر لقيني يزيد بن مسلم ~~كاتبه، فقال: إنا لله PageV03P186 # يا شعبي، لما بين دفتيك من العلم! وليس بيوم شفاعة، فقلت له: وما المخرج؟ ~~فقال بؤ للأمير بالشرك والنفاق، وبالحرى أن تنجو، فلما دخلت على الحجاج قال ~~لي: وأنت يا شعبي ممن حرج علينا! قلت: أصلح الله الأمير! أحزن بنا المنزل، ~~وأجدب بنا الجناب، واستحلسنا الخوف، وضاق الملك، وخبطتنا فتنة، لم نكن فيها ~~بررة أولياء، ولا فجرة أقوياء، قال: لله أبوك! لقد صدقت والله ما بررتم ~~بخروجكم علينا، ولا قويتم خلوا سبيله. # وكلم ابن هبيرة في قوم حبسهم، فقال: إن كنت حبستهم بباطل، فالحق يطلقهم، ~~وإن كنت حبستهم بحق فالعفو يسعهم. # ودخل عليه رجل من النوكى، وهو جالس مع امرأة، فقال: أيكما الشعبي؟ فقال ~~له: هذا، فقال: ما تقول أصلحك الله في رجل شتمني في أول يوم من رمضان هل ~~يؤجر؟ فقال له الشعبي: أما إن كان قال لك: يا أحمق، فأرجو له الأجر. # وسأله آخر، فقال: ما تقول في رجل أدخل إصبعه في أنفه في الصلاة، فخرج ~~عليها دم، أترى له أن يحتجم؟ فقال: الحمد لله الذي نقلنا من الفقه إلى ~~الحجامة. # وسأله آخر، كيف كانت تسمى امرأة إبليس؟ قال ذلك نكاح لم نشهده. # ودخل الحمام فرأى داود الأودي بلا مئزر، فغمض عينيه، فقال له داود: متى ~~عميت يا أبا عمرو؟ فقال: مذ هتك الله سترك. ومات في سنة أربع ومائة وهو ابن ~~اثنتين وثمانين ms1021 سنة. ### || AUTO [الخليل بن أحمد الفراهيدي] # والخليل رحمه الله هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد البصري الفراهيدي ~~ينسب إلى فراهيد بن مالك بن فهم بن عبد الله بن مالك بن نصر الأزدي ويقال: ~~اليحمدي. # واليحمد بطن من الأزد. # وكان الخليل من أزهد الناس وأعلاهم نفسا، وأشدهم تعففا، ولقد كان الملوك ~~يقصدونه ويتعرفون إليه لينال منهم، فلم يفعل، وكان يعيش من بستان له خلفه ~~عليه والده، وكان يغزو سنة ويحج أخرى، حتى جاءه الموت. # محمد بن حميد، قال: تزوجت إلى جيران الخليل، فنزلت عليهم، فكنت أسمع قرآن ~~الخليل طول الليل، فقالوا لي: ما عرفنا من هذا الرجل إلا ما ترى، وإنه ~~ليغيب عنا في غزو وحج فنتوحش إليه، وقالوا: لا يجوز الصراط بعد الأنبياء ~~والصحابة أدق ذهنا من الخليل. وكانت تلك الفضيلة فيه ببركة اسم أبيه، لأنه ~~أول من تسمى بأحمد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # أبو عاصم: دخلت عليه قبل وفاته بأيام، فقال: والله ما فعلت قط فعلا أخاف ~~على PageV03P187 # نفسي منه وكان لي فضل فكر، صرفته إلى جهة وددت أني كنت صرفته إلى غيرها. ~~وما علمت أني كذبت متعمدا قط، وأرجو أن يغفر الله لي التأول. # واجتمع أدباء من كل أفق، فجعل أهل بلد يرفعون علماءهم، ويقدمونهم حتى جرى ~~ذكر الخليل، فلم يبق أحد إلا قال: الخليل أذكى العرب، وهو مفتاح العلوم ~~ومصرفها. # النضر: ما رأى الراءون مثل الخليل، ولا رأى الخليل مثل نفسه. وكان أشعث ~~الرأس، شاحب اللون، قشف الهيئة، متخرق الثياب، متقلع القدمين، مغمورا في ~~الناس لا يعرف. # محمد بن الفضل: كان بالبصرة رجل يعطي دواء لظلمة البصر، فينتفع به الناس، ~~فمات فأضر ذلك بمن كان يستعمله، فذكر للخليل فقال: أله نسخة؟ فقالوا: لم ~~نجدها، قال: فهل كان له آنية يعمله فيها؟ قالوا: نعم، إناء يجمع فيه ~~أخلاطا، قال: فجيئوني به، فجعل يتشممه، ويخرج نوعا نوعا حتى أخرج خمسة عشر ~~نوعا، ثم سأل عن جمعها ومقاديرها فعرفه من كان يعالج مثله فعمله، وأعطاه ~~الناس، ms1022 فانتفعوا به مثل تلك المنفعة. # ثم وجدت النسخة في كتب الرجل، فإذا فيها ستة عشر خلطا، فلم يغفل إلا عن ~~خلط واحد. # وكتب إليه ملك اليونان كتابا باليونانية، فخلا به شهرا حتى فهمه، فقيل له ~~في ذلك، قال: قلت: لا بد أن يفتتح الكتاب باسم الله تعالى وما أشبهه، فبنيت ~~أول الحروف على ذلك حتى انقاست لي. # النضر بن شميل. جاء رجل من حلقه يونس، فسأل الخليل عن شيء، فأطرق يفكر، ~~فقالوا له: ما هذا مما يحتاج إلى فكر يفكر فيه! فقال لهم: فما الجواب عندكم؟ # قالوا: كذا، قال: فإنه يزيدكم في الجواب كذا، قالوا: يقول كذا، يقول: ~~كذا، فانقطعوا، فقال: ما أجبت بجواب قط إلا وأنا أعرف آخر ما علي فيه. # وكان يخرج من منزله فلم يشعر إلا وهو في الصحراء، ولم يردها لشغله ~~بالفكر. # وقال النضر: سمعت الخليل يقول: الأيام ثلاثة: فمعهود وهو أمس، ومشهود وهو ~~اليوم، وموعود وهو غد. # وقال الخليل: إذا نسخ الكتاب ثلاث نسخ ولم يعارض به تحول بالفارسية. # ورأى مع رجل دفترا وفيه خط دقيق، فقال لصاحبه: أيست يا هذا من طول عمرك! . # وقال: إن لم تعلم الناس ثوبا فعلمهم لتدرس بتعليمهم علمك، ولا تجزع من ~~تفرع السؤال، فإنه ينبهك على علم ما لم تعلم. PageV03P188 # وقال: أكثر من العلم لتفهم، واختر قليلا منه لتحفظ. # وكان يقول: إذا خرجت من منزلي لقيت أحد ثلاثة، إما رجلا أعلم بشيء مني، ~~فذلك يوم فائدة، أو مثلي فذلك يوم مذاكرة، أو دوني فذلك يوم ثواب. # وقال: من الناس من يدري ويدري أنه يدري، فذلك عالم فاتبعوه، ومنهم من لا ~~يدري ولا يدري أنه لا يدري، فذلك جاهل فاحذروه، ومنهم من يدري ولا يدري أنه ~~يدري، فذلك ضال فأرشدوه. # وكان يقول: إذا أردت أن تعلم خطأ معلمك من صوابه فجالس غيره. # وقال: أنا أول من سمى الأوعية ظروفا؛ لأنها جعلت ظرفا للأدب والنظافة. # وقال: أدركت بعض ما أنا فيه باطراح الحشمة بيني وبين المعلمين، ومن رق ~~وجهه في طلب ms1023 العلم رق علمه. # وقال: إذا أخطأ بحضرتك من تعلم أنه يأنف بإرشادك فلا ترد عليه خطأه، فإنك ~~إذا نبهته على خطئه أسرعت إفادته، واكتسبت عداوته. # وقال: اجعل ما تكتب بيت مال، وما في صدرك للنفقة. # وقال: العلوم أقفال والسؤالات مفاتيحها. # وقال: الناس في سجن ما لم يتمازحوا. # وقال: الرجل بلا صديق، كاليمين بلا شمال. # وقيل له: إن استفساد الصديق أهون من استصلاح العدو، فقال: نعم، كما أن ~~تخريق الثوب أهون من نسجه. # وقيل له: ما الجود؟ فقال: بذل المجهود، قيل له: فما الزهد؟ قال: ألا تطلب ~~المفقود، حتى تفقد الموجود. # وقال: الدنيا أمد، والآخرة أبد. # وقال: حسب امرئ من الشر أن يرى في نفسه فسادا لا يصلحه، ومن علم بفساد ~~نفسه علم بصلاحها، وأقبح التحول أن يتحول المرء من ذنب إلى غير توبة ولا ~~إقلاع عنه. # وقال: الدنيا أضداد متجاورة وأشباه متباينة، وأقارب متباعدة، وأباعد ~~متقاربة. # وقال: ثلاثة أشياء أنا أحبها لنفسي ولمن أحب رشده: أحب أن أكون بيني وبين ~~ربي من أفضل عباده، وأكون بيني وبين الخليقة من أوسطهم، وأكون بيني وبين ~~نفسي من شرهم. وقال عبد الله بن داود: لو كتب شيء بالذهب لكتب هذا. # ونظر في فقه لأبي حنيفة، فقيل له: كيف ترى؟ فقال: أرى جدا وطريق جد، ونحن ~~في هزل وطريق هزل. PageV03P189 # وقال عبد الله بن داود: لقد نال الناس بالخليل وعلمه الرغائب، وإنه لبين ~~أخصاص البصرة، يزهد فيما يرغب فيه. # وقال: ثلاث ينسين المصائب: مر الليالي، والمرأة الحسناء، ومحادثة الرجال. # النضر: سمعت الخليل يقول؛ التواني إضاعة، والحزم بضاعة، والإنصاف راحة، ~~واللجاج وقاحة. # وكان له غلام كثير الخلاف عليه، فقال له يوما: قم، فقال: لا أقوم، فقال: اقعد: # فقال: لا أقعد، قال: فأي شيء تصنع؟ قال: لا أصنع شيئا ويشبه هذا قول ~~الشاعر في امرأته: [الطويل] # سكت فقالت لم سكت عن الحق ... وقلت فقالت: ما دعاك إلى النطق # فأومأت هل من حال بين ذا وذا ... فقالت وذا الإيماء أيضا من الحمق # فلم أر لي إذ حلت ms1024 الغرب راحة ... من الشر إلا في الهروب إلى الشرق # فلما أتيت الشرق ألفيتها به ... وقد قعدت لي منه في ضيق الطرق # وإنما أكثرنا من أخباره لأنها آداب، وحكم من اقتدى بها اهتدى، وما تركناه ~~من أخباره أكثر، وذكر النحو والعروض مؤخر إلى الخمسين إن شاء الله تعالى: # ولتقدمه في العلم ضربت الشعراء به المثل، فمن ذلك قول أبي تمام يهجو عياش ~~ابن لهيعة: [الوافر] # ولو نشر الخليل له لعمت ... بلادته على فطن الخليل (¬1) # فما أدري عمائي عن رشادي ... دهاني أم عماك عن الجميل # وقال آخر: [مجزوء الكامل] # يا من يزيد تمقتا ... وتباغضا في كل لحظه # والله لو كنت الخلي ... ل لما روينا عنك لفظه # وأنشد المبرد: [الكامل] # لم تدر ما علم الخليل فتقتدي ... ببيان ذاك ولا حدود المنطق # وقال المعري: [الطويل] # إذا قيل نسك فالخليل ابن آزر ... وإن قيل فهم فالخليل أخو الفهم # ابن مزاحم الشاعر: كان الخليل صديقا لي، فدخلت عليه يوما؛ فقال: أجز ~~[الطويل] # * رأيت غنى الإنسان نفسا زكية* PageV03P190 # فقلت: [الطويل] # * مطهرة من كل رجس وباطل* # فقال: [الطويل] # * ففي عاجل الدنيا مديح ورفعة* # فقلت: [الطويل] # * وخير عظيم عاجل بعد آجل* # فقال: والله جئت بما في نفسي، ثم قال: [الوافر] # كأنك كنت قد خامرت قلبي ... فجئت بما شفيت به الغليلا # رأيت براعة الإيجاز أشفى ... فصار كثير غيرك لي قليلا # وله: [البسيط] # العلم يذكي عقولا حين يصحبها ... وقد يزيدهما طول التجاريب # وذو التأدب في الجهال مغترب ... يرى ويسمع ألوان التعاجيب # وكان صديق سليمان بن حبيب، وأنشده الشعراء، فتشاغل عنهم سليمان، فذكروا ~~ذلك للخليل فكتب إليه: [الكامل] # لا تقبلن الشعر ثم تعقه ... وتنام والشعراء غير نيام # واعلم بأنهم إذا لم ينصفوا ... حكموا لأنفسهم على الحكام # وجناية الجاني عليهم تنقضي ... وكلومهم تبقى على الأيام # *** ### || AUTO [جرير بن عطية الخطفي] # وأما جرير فهو ابن عطية بن الخطفي. شاعر من فحول العرب، واتفقت العلماء ~~على أن أشعر الإسلاميين جرير والفرزدق والأخطل، وأكثرهم على تفضيله عليهما. # وسأذكر لك شيئا من غزله وهجوه، نستدل به على ms1025 منزلة شرفه في الشعر: ورأت ~~أمه وهي حامل به كأنها ولدت حبلا من شعر أسود، فلما سقط جعل ينزو فيقع في ~~عنق هذا فيخنقه حتى فعل ذلك برجال كثيرة، فانتبهت فازعة فأولت الرؤيا، فقيل ~~لها: تلدين غلاما شاعرا ذا أسر وشدة وشكيمة وبلاء على الناس، فلما ولدته ~~سمته جريرا، باسم الحبل الذي رأته، فهاجاه ثمانون شاعرا، فغلبهم. # وقال جرير: ما عشقت ولو عشقت لنسبت نسيبا تسمعه العجوز فتبكي على ما ~~فاتها من شبابها. قالوا: وأرق ما جاء في النسيب قوله: [البسيط] PageV03P191 # إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا (¬1) # يصرعن ذا اللب حتى لا حراك له ... وهن أضعف خلق الله أركانا # أتبعتهم مقلة إنسانها غرق ... هل ما ترى تارك للعين إنسانا! # ومثل هذا أوجب على الحريري أن يذكر جريرا بالغزل، وإلا فقد أخذ عليه في ~~ذكر جرير بالغزل، وإنما الذي اشتهر في زمانه بالغزل مثل عمر بن أبي ربيعة ~~وكثير عزة وجميل وقيس بن ذريح وأمثال هؤلاء، وإنما اشتهر جرير بالمدح ~~والهجو، ولانطباعه قد جاء في شعره من الغزل الرقيق كثير، وإن كان تكلفا إذ ~~لم يعشق. قال الجاحظ: كان الفرزدق مشتهرا بالنساء، ومع ذلك فليس له بيت ~~واحد في النسيب، وكان جرير عفيفا لم يعشق امرأة قط، ومع ذلك فهو أغزل الناس شعرا. # وسئل الفرزدق عنه فتنفس حتى كادت حيازيمه تنشق، ثم قال: قاتلة الله! فما ~~أحسن ناحيته وأشرد قافيته، والله لو تركوه لأبكى الشابة على أحبابها، ~~والعجوز على شبابها، ولسكنهم هزوه فوجدوه عند الهراش نابحا، وعند الجراء ~~قارحا، ولقد قال بيتا، لأن أكون قلته أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، وهو: ~~[الوافر] # إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا # وقال مسعود بن بشر: قلت لابن مناذر: من أشعر الناس؟ قال: من إذا شئت جد، ~~وإذا شئت لعب، وإذا شئت أطمعك لعبه، وإذا رمته بعد عليك، وإذا جد فيما قصد ~~له آيسك من نفسه. قلت: مثل من، قال: مثل جرير إذ يقول حين لعب: ms1026 [الكامل] # إن الذين غدوا بلبك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا (¬2) # غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا! # ثم قال حين جد: [الكامل] # إن الذي حرم المكارم تغلبا ... جعل الخلافة والنبوة فينا (¬3) # مضر أبي وأبو الملوك فهل لكم ... يا خزر تغلب من أب كأبينا # هذا ابن عمي في دمشق خليفة ... لو شئت قادكم إلي قطينا PageV03P192 # فلما بلغ عبد الملك هذا، قال: ما زاد ابن المراغة أن جعلني شرطيا له! أما ~~إنه وقال: «لو شاء ساقكم» لسقتهم إليه كما قال. # ونزل الفرزدق حين قدم على الأحوص فقال: ما تشتهي؟ قال شواء وظلا وغناء، ~~قال: ذلك لك، ومضى به إلى قينة فغنته: [الوافر] # ألا حي الديار بسعد إني ... أحب لحب فاطمة الديارا (¬1) # إذا ما حل أهلك يا سليمى ... بدارة صلصل شحطوا مزارا # أراد الظاعنون ليحرموني ... فهاجوا صدع قلبي فاستطارا # فقال: ما أرق أشعاركم يا أهل الحجاز! قال: أو تدري لمن هذا؟ قال: هو ~~لجرير يهجوك، قال: ويل لابن المراغة! ما كان أحوجه مع عفافه إلى صلابة ~~شعري، وأحوجني مع فسوقي إلى رقة شعره، وفي الفرزدق منها: [الوافر] # وكنت إذا نزلت بدار قوم ... رحلت بخزية وتركت عارا (¬2) # وقال جرير: [الطويل] # لقد طال كتماني أمامة حبها ... فهذا أوان الحب تبدو شواكله (¬3) # وإني وإن لام العواذل مولع ... بحب الغضا من حب من لا يزايله # ولما استقر الحب القت بي العصا ... ومات الهوى لما أصيبت مقاتله # وقلن تزوج لا يكن لك حاجة ... وقلبك لا تشغل وهن شواغله # وقال أيضا: [الكامل] # يا أخت ناجية السلام عليكم ... قبل الرحيل وقبل لوم العذل (¬4) # لو كنت أعلم أن آخر عهدكم ... يوم الفراق فعلت ما لم يفعل PageV03P193 # وقال أيضا: [الوافر] # بنفسي من تجنبه عزيز ... علي ومن زيارته لمام (¬1) # ومن أمسي وأصبح لا أراه ... ويطرقني إذا هجع النيام # أتذكر إذ تودعنا سليمى ... بفرع بشامة سقي البشام # وقال أيضا: [الكامل] # لا تكثرن إذا جعلت تلومني ... لا يذهبن بفعلك الإكثار (¬2) # كان الخليط هم الخليط فزايلوا ... ولقد تبدل بالديار ديار # لا يلبث ms1027 القرناء أن يتفرقوا ... ليل يكر عليهم ونهار # ومن هجوه في الراعي: [الوافر] # فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا (¬3) # وعند ما قال هذا البيت وثب قائما حتى أصاب السقف رأسه، وقال: أخزيته ~~والله وغصصته، وقدمت أخويه عليه، والله لا يفلح بعدها، وكان كما قال، ما ~~أفلح بعدها هو ولا نمير. # وقال في جندل بن الراعي: [الوافر] # أجندل ما تقول بنو نمير ... إذا ما الأير في است أبيك غابا (¬4) # وأنشد القصيدة والفرزدق واقف، فلما بلغ إلى قوله: [الوافر] # * ترى برصا بأجمع إسكتيها* # وضع الفرزدق يده على فيه، وغطى عنفقته فقال: [الوافر] # * كعنفقة الفرزدق حين شابا* # فانصرف الفرزدق وهو يقول: اللهم أخزه، ولقد علمت حين بدأ البيت ألا يقول ~~غيرها، ولكن طمعت ألا تأتيه. # وقال في ابن لجا: [البسيط] PageV03P194 # تعرضت تيم لي عمدا لأشتمها ... كما تعرض لاست الخارئ الحجر (¬1) # يا تيم تيم عدي لا أبا لكم ... لا يلقينكم في سوأة عمر # وقال يذكر أمه: [البسيط] # تقول والعبد مسكين يزحرها ... رفقا فدا لك أتت الناكح الذكر (¬2) # وبينا جرير ينشد في زوجته: [الكامل] # لولا الحياء لعادني استعبار ... ولزرت قبرك والحبيب يزار (¬3) # كانت إذا هجر الضجيع فراشها ... كتم الحديث وعفت الأسرار # لا يلبث القرناء أن يتصدعوا ... ليل يكر عليهم ونهار # إذ طلع الأحوص فقطع إنشاده، ورفع صوته، يقول: [الوافر] # عوى الشعراء بعضهم لبعض ... علي فقد أصابهم انتقام (¬4) # إذا أرسلت صاعقة عليهم ... رأوا أخرى تحرق فاستداموا # فمصطلم المسامع أو خصي ... وآخر عظم هامتيه حطام # ثم عاد. فقيل: لم فعلت هذا؟ قال: إني نهيت الأحوص أن يعين الفرزدق [علي] ~~وإني والله يا بني عمرو بن عوف ما تعوذت من شاعر قط، ولولا حقكم ما تعوذت منه. # الأصمعي: حدثني أبي قال: رأى رجل جريرا في المنام، فقال: ما فعل الله بك؟ # قال: غفر لي، قال: بماذا قال بتكبيرة كبرت الله في الخمر- وهو ماء ~~بالبادية- قال: فما فعل أخوك الفرزدق؟ قال: هيهات أهلكه قذف المحصنات. # قال الأصمعي: لم يدعه في الحياة ولا في الممات، وتوفي سنة أربع ms1028 عشرة ومائة. # *** ### || AUTO [قس بن ساعدة الإيادي] # وأما قس بن ساعدة الإيادي، فيضرب به المثل في الفصاحة والخطابة، فيقال: ~~أبلغ من قس، وهو أسقف نجران، وهو من حكماء العرب، وكان مؤمنا بالله ومبشرا ~~برسوله، وهو أول من خطب متوكئا على عصا، وأول من كتب: من فلان إلى فلان، ~~وفيه يقول الأعشى: [الطويل] PageV03P195 # وأفصح من قس وأجرى من الذي ... بذى العين من خفان أصبح خادرا (¬1) # ولما قدم وفد بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، سألهم عن رجل كان ~~فيهم نازلا، يقال له: # قس بن ساعدة الإيادي، قالوا: هلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«لقد رأيته بعكاظ يخطب على جمل له أورق وهو يقول: أيها الناس اجتمعوا، ~~واسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، ليل موضوع، وسقف ~~مرفوع، ونجوم تغور، وبحر يمور. أما بعد، فإن في السماء لخبرا، وإن في الأرض ~~لعبرا، ما لي أرى الناس يموتون ولا يرجعون، أرضوا بالإقامة فأقاموا، أم ~~تركوا كما هم فناموا أقسم بالله قس قسما حقا، فما حنث ولا أثم، إن لله دينا ~~هو أرضى من ديننا، هذا الذي نحن عليه، ثم قال أبياتا ما أحفظها»، فقال رجل ~~من الأنصار: أنا شاهد يا رسول الله، بأبي أنت وأمي! قال: # فأنشدنا، قال: سمعته يقول: [مجزوء الكامل] # في الذاهبين الأولي ... ن من القرون لنا بصائر (¬2) # لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر # ورأيت قومي نحوها ... تمضي الأصاغر والأكابر # لا يرجع الماضي ولا ... يبقى من الباقين عابر # أيقنت أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر # وقال صاحب الأغاني فيه هو قس بن ساعدة بن عمرو بن عدي بن مالك بن أيدعان ~~ابن النمر بن واثلة بن الطمثان بن عبد مناة بن يقدم بن أفصى بن دعمي بن إياد. # وكان يفد على قيصر زائرا فيكرمه ويعظمه، فقال له قيصر: ما أفضل العلم؟ قال: # معرفة الرجل بنفسه، قال: فما أفضل العقل؟ قال: وقوف المرء عند علمه، قال: ~~فما أفضل الأدب؟ ms1029 قال: استبقاء الرجل ماء وجهه: قال: فما أفضل المروءة؟ قال: ~~قلة رغبة المرء في إخلاف وعده، قال: فما أفضل المال؟ قال: ما قضي به الحق. # ابن عباس رضي الله عنهما: وفد الجارود بن عبد الله في وفد عبد القيس، ~~وكان سيدا في قومه معظما في عشيرته، فآمن وآمن قومه، فسر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بهم، ثم قال: «يا جارود، هل في جماعة عبد القيس من يعرف لنا ~~قسا»؟ قال: كلنا نعرفه يا رسول الله، وأنا كنت من بينهم، أقفو أثره، وأطلع ~~خبره، كان قس سبطا من أسباط العرب، صحيح PageV03P196 # النسب، فصيحا، ذا شيمة حسنة، عمر سبعمائة سنة، يتقفر القفار، ولا تكنه ~~دار، ولا يقره قرار، يتحسى في تقفره بعض الطعام، ويأنس بالوحوش والهوام، ~~يلبس المسوح ويتبع السياح على منهاج المسيح، لا يغير الرهبانية، مقر ~~بالوحدانية، تضرب بحكمته الأمثال وتكشف به الأهوال، وتتبعه الأبدال، أدرك ~~رأس الحواريين سمعان، فهو أول من تأله من العرب وأعبد من تعبد في الحقب، ~~وأيقن بالبعث والحساب، وحذر سوء المنقلب والمآب، ووعظ بذكر الموت، وأمر ~~بالعمل قبل الفوت، الحسن الألفاظ، الخاطب بسوق عكاظ، العارف بشرق وغرب، ~~ويابس ورطب، وأجاج وعذب، كأني أنظر إليه، والعرب بين يديه، يقسم بالرب الذي ~~هو له: ليبلغن الكتاب أجله، وليوفين كل عامل عمله، ثم أنشأ يقول: [الخفيف] # هاج للقلب من هواه ادكار ... وليال خلالهن نهار # ونجوم يحثها قمر اللي ... ل وشمس في كل يوم تدار # ضوأها يطمس العيون وإرعا ... د شديد في الخافقين مثار # وغلام وأشمط ورضيع ... كلهم في التراب يوما يزار # وقصور مشيدة حوت الخي ... ر وأخرى خوت فهن قفار # وكثير مما تقصر عنه ... حدسة الناظر الذي لا يحار # والذي قد ذكرت دل على الله نفوسا لها هدى واعتبار. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «على رسلك يا جارود، فلست أنساه بسوق ~~عكاظ، على جمل له أورق، وهو يتكلم بكلام مونق، ما أظن أحفظه، فهل فيكم يا ~~معشر المهاجرين والأنصار من يحفظ لنا منه شيئا»؟ فوثب أبو بكر قائما، ms1030 وقال: ~~يا رسول الله، أنا أحفظه وكنت حاضرا بعكاظ حين خطب فأطنب، ورهب ورغب، وحذر ~~وأنذر، وقال في خطبته: أيها الناس اسمعوا وعوا، وإذا وعيتم فانتفعوا، إنه ~~من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، مطر ونبات، وأرزاق وأقوات، ~~وآباء وأمهات، وأحياء وأموات، وجمع وشتات، وآيات بعد آيات، إن في السماء ~~لخبرا، وإن في الأرض لعبرا. ليل داج، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات رتاج، ~~وبحار ذات أمواج، ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون! أرضوا بالمقام ~~فأقاموا، أم تركوا هناك فناموا! أقسم قس بالله قسما حقا لا آثما فيه ولا ~~حانثا، إن لله دينا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه، ونبيا قد حان ~~حينه، وأظلكم أو أنه وأدرككم إبانه، فطوبى لمن آمن به فهداه، وويل لمن ~~خالفه وعصاه! ثم قال: تبا لأرباب الغفلة من الأمم الخالية، والقرون ~~الماضية! يا معشر إياد، أين الآباء، والأجداد، وأين المريض والعواد، وأين ~~الفراعنة الشداد؟ أين من بنى وشيد، وزخرف ونجد، وغره المال والولد! أين من ~~بغى وطغى، وجمع فأوعى، وقال: أنا ربكم الأعلى PageV03P197 # ألم يكونوا أكثر منكم أموالا، وأطول منكم آجالا، طحنهم الثرى بكلكله، ~~ومزقهم بتطاوله، فتلك عظامهم بالية، وبيوتهم خاوية، عمرتها الذئاب العاوية ~~كلا بل هو المعبود، ليس بوالد ولا مولود، ثم أنشأ يقول: # في الذاهبين الأولين ... الأبيات المتقدمة. قال: ثم جلس أبو بكر رضي الله ~~عنه، وقام رجل ذو هامة عظيمة، وقامة جسيمة، فقال: يا سيد المرسلين، وصفوة ~~رب العالمين، لقد رأيت من قس عجبا؛ أشرف بي جملي على واد، وشجر من شجر عاد، ~~مورقة مونقة، وقد تهدل أغصانها. قال: فدنوت منه، فإذا بقس في ظل شجرة، بيده ~~قضيب من أراك ينكت به الأرض وهو يترنم، ويقول: [البسيط] # يا ناعي الموت والملحود في جدث ... عليهم من بقايا خزهم خرق # دعهم فإن لهم يوما يطاح بهم ... فهم إذا انتبهوا من نومهم فرق # حتى يعودوا بحال غير حالهم ... خلفا جديدا كما من قبلها خلقوا # منهم عراة ومنهم في ثيابهم ms1031 ... منها الجديد ومنها المنهج الخلق # قال: فدنوت منه، وسلمت عليه، فرد علي السلام، وإذا بعين خرارة، في أرض ~~خوارة، ومسجد بين قبرين، وأسدين عظيمين، يلوذان به، ويتمسحان بأثوابه، ~~فأراد أحدهما أن يسبق إلى الماء، وتبعه الآخر يطلب الماء، فضربه قس ~~بالقضيب، وقال: ارجع ثكلتك أمك! حتى يشرب الذي ورد قبلك. فرجع ثم ورد بعده، ~~فقلت له: ما هذان القبران؟ قال: هذان قبر أخوين لي كانا يعهدان الله معي في ~~هذا المكان، لا يشركان بالله شيئا، فأدركهما الموت فقبرتهما، وها أنا بين ~~قبريهما، حتى ألحق بهما. ثم نظر إلى السماء فتغرغرت عيناه بالدموع، وانكب ~~عليهما، وجعل يقول: [الطويل] # خليلي هبا طالما قد رقدتما ... أجد كما لا تقضيان كراكما # ألم تعلما أني بسمعان مفرد ... وما لي فيها من خليل سواكما # مقيم على قبريكما لست بارحا ... طول الليالي أو يجيب صداكما # أبكيكما طول الحياة وما الذي ... يرد على ذي عولة إن بكاكما # كأنكما والموت أقرب غاية ... بروحي في قبريكما قد أتاكما # أمن طول نوم لا تجيبان داعيا ... كأن الذي يسقي العقار سقاكما # فلو جعلت نفس لنفس وقاية ... لجدت بنفسي أن تكون فداكما # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله قسا، إني لأرجو أن يبعثه ~~الله أمة وحده». # *** PageV03P198 ### || AUTO [عبد الحميد الكاتب] # وأما عبد الحميد، فهو ابن يحيى بن سعيد، كاتب مروان بن محمد، آخر ملوك في ~~أمية، وكتب أيضا للمنصور. وقيل إنه قتل مع مروان. # وكان رأسا في الكتابة، ومقدما في الفصاحة والخطابة، بليغا مرسلا، وقال ~~فيه ابن عبد ربه: كتب عبد الحميد بن يحيى لعبد الملك بن مروان، وكتب ~~لسليمان بن عبد الملك، وليزيد بن عبد الملك، ثم لم يزل كاتبا لخلفاء بني ~~أمية؛ حتى انقضت دولتهم. # وعبد الحميد أول من فتق أكمام البلاغة، وسهل طرقها، وفك رقاب الشعر. # وقال له مروان حين أيقن بزوال ملكه: قد احتجت أن تصير مع عدوي، وتظهر ~~الغدر بي؛ فإن إعجابهم بآدابك يدعوهم إلى حسن الظن بك، فإن استطعت أن ~~تنفعني في حياتي، وإلا ms1032 لم تعجز عن حفظ حرمتي بعد وفاتي. فقال له عبد ~~الحميد: إن الذي أشرت به علي أنفع الأمرين لك، وأقبحهما لي، وما عندي إلا ~~الصبر حتى يفتح الله لي ولك، أو أقتل معك. ثم قال: [الطويل] # أسر وفاء ثم أظهر غدرة ... فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره # وعبد الحميد هو صاحب الرسائل والبلاغات، وهو أول من أطال الرسائل، ~~واستعمل التحميدات في فصول الكتب، واستعملت بعده، وهو القائل: البلاغة ~~تقرير المعنى في الأفهام، من أقرب وجوه الكلام. # ولم يزل الشعراء ومهرة الكتبة يضربون ببلاغته وكتابته الأمثال في كتبهم ~~وأشعارهم في القديم والحديث، كفضل الصاحب وقرنائه، مع طبع سمح ولفظ عذب، ~~وصلة نثر ينظم، فإن شاء قال: أنا الوليد، وإن شاء قال: أنا عبيد، وإن شاء ~~قال: أنا عبد الحميد، وإن شاء قال: أنا سعيد. # وقيل: بدئت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد. # *** ### || AUTO [أبو عمرو بن العلاء] # وأما أبو عمرو فهو ابن العلاء بن عمار بن عبد الله بن الحصين بن الحارث ~~بن جلهم بن خزاعي بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم: واسمه وكنيته واحد في ~~الأشهر. # الفنجديهي: اختلف في اسمه على تسعة عشرة قولا، فقيل: اسمه محمد أو حميد ~~أو حماد أو عثمان أو سفيان أو غير ذلك، وأصحها زبان. # واختلف في مولده. فقيل: ولد سنة خمس وستين بمكة في أيام عبد الملك بن ~~مروان: وقيل: سنة سبعين. PageV03P199 # أبو عبيدة: كان أبو عمرو أسمر طويلا ضرب اليدين، حاد النظر، ما رأيت مثله ~~قبله ولا بعده في فهمه ولا علمه، وكان صاحب غريب ونحو وعلم، وهو أحد الأئمة ~~في القراءة، وعنه أخذ يونس والأصمعي وأبو عبيدة. وفيه يقول الفرزدق: ~~[البسيط] # ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمار (¬1) # وقال ابن مجاهد: كان أبو عمرو مقدما في عصره، عالما بالقراءة ووجوهها، ~~قدوة في العلم باللغة، إمام الناس في العربية. # وكان مع ذلك متمسكا بالآثار، ولا يكاد يخالف في اختياره ما جاء من الأئمة ~~قبله، متواضعا في علمه. ms1033 # وقال أبو عبيدة: كان أبو عمرو أعلم الناس بالقرآن والعربية وأيام العرب ~~وأنسابها وشعرها، وكانت دفاتره ملء بيت، فلما تنسك أحرقها، وجعل على نفسه ~~أن يختم القرآن في كل ثلاث ليال، فلما أسن اختلط بالناس، واحتاجوا إليه ~~فعول على حفظه، فأملى من حفظه كتب الناس ووقع عليه الإجماع. # روى الأصمعي عن أبي عمرو قال: كنت اسمر مع مسلم بن قتيبة الباهلي وكان ~~يعجبه الروي على السين، فأنشدته ليلة ستين قصيدة على السين لستين شاعرا، ~~اسمهم عمرو. # الأصمعي: كان لأبي عمرو كل يوم من غلة داره فلسان: فلس يشتري به كوزا، ~~وفلس يشتري به ريحانا، يشرب في الكوز يومه، ويشم الريحان يومه، فإذا أمسى ~~تصدق بالكوز، وأمر الجارية أن تجفف الريحان وتدقه في الأشنان. # الأصمعي: قال أبو عمرو: كنت في ضيعتي، فاشتد علي الحر، فكنت أدور في سدر ~~فيها نصف النهار، فسمعت قائلا يقول: [الطويل] # وإن امرأ دنياه أكبر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور (¬2) # فقلت: إنسي أم جني؟ فما أجابني، فنقشته في خاتمي، فكان نقش خاتمه. # الأصمعي: كنت واقفا بالمربد، وإذا أنا بأبي عمرو، فلما بصر بي مال إلي، فقال: # ما وقوفك هنا يا أصمعي؟ قلت: إني أحب المربد وأكثر الجلوس فيه، فقال: ~~الزمه، فإنه PageV03P200 # يشد النظر ويجلو البصر، ويجمع بين ربيعة ومضر. ثم أردت الانصراف، فقال: ~~إلى أين يا أصمعي؟ فقلت: إلى صديق لي، فقال: إما لفائدة أو لعائدة أو ~~لمائدة وإلا فلا. ثم قال لي: مالي أراك بلا عمامة؟ قلت: لا عمامة لي، فنزع ~~عمامته عن رأسه فدفعها إلي، فكبر ذلك علي، فقال لي: إن لي بدلها إحدى عشرة ~~عمامة، ثم قال لي: الزم العمامة، فإنها تشد اللامة، وتحفظ الهامة، وتزيد في ~~القامة، ثم استخرج من كمة كيسا فدفعه إلي ثم قال: يا أصمعي، لا زلتم بخير ~~ما دمتم تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، فإذا تركتم ذلك سلط الله عليكم ~~أقواما غلاظا فظاظا، خبرتكم على قدر معرفتكم. # وأما قراءته وإعرابه المذكوران في المقامة، فإن شجاع بن نصر، قال: قلت ms1034 ~~لأبي عمرو: كيف طلبت قراءة القرآن؟ قال: لم أزل أطلب أن أقرأه كما قرأه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما أنزل عليه، فقلت له: وكيف ذلك؟ قال: ~~هرب أبي من الحجاج، وأنا شاب، فقدمنا مكة، فلقيت بها عدة من التابعين ممن ~~قرأ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل مجاهد وسعيد بن جبير ~~وعطاء وغيرهم، فقرأت عليهم القرآن، وأخذت العربية عن العرب الذين سبقونا ~~باللحن، فهذه التي أخذت بها قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشدد يدك بها. # وقال: خرج أبي هاربا من الحجاج إلى اليمن، فإنا لنسير في الصحراء باليمن ~~إذ لحقنا لا حق ينشد: [الخفيف] # ربما تجزع النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال (¬1) # فقال له أبي: ما الخبر؟ فقال: مات الحجاج، فأنا بقوله: «فرجة» بفتح الفاء ~~أشد سرورا مني بموت الحجاج، فقال أبي: اصرف ركبانا إلى البصرة. # الفنجديهي: رأيت في بعض الفوائد أن الحجاج قال لأبي عمرو: ما وجه قراءتك: # إلا من اغترف غرفة [البقرة: 249] بفتح الغين؟ فقال: ابلعي ريقي، فقال: قد ~~أبلعتك الفرات. وقال: قاتل الله ابن أم الحجاج، لئن لم تأتني بالجواب إلى ~~خمسة عشر يوما لأقتلنك شر قتلة، ووكل به موكلين، فخرج أبو عمرو يطوف في ~~أحياء العرب، فلم يجد له حجة إلى يوم وعده، فجره الموكلون به ليرجعوه إلى ~~الحجاج، فسمع راعيا ينشد: # ربما تجزع النفوس ... البيت، فقال له أبو عمرو: كيف تنشد هذا البيت: له ~~فرجة أو فرجة، فقال: فرجة وفرجة، وكذلك كل ما جاء على فعلة، فلنا فيه ثلاث ~~لغات، فقال له أبو عمرو: فما سبب إنشادك هذا البيت في هذا الوقت؟ فقال: إنا ~~كنا خائفين من PageV03P201 # الحجاج، وقد بلغنا نعيه، قال: والله لا أدري بأيهما كنت أشد فرحا، ~~بوجداني الجواب والحجة لقولي واختياري، أم بموت الحجاج! . # سفيان بن عيينة: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فقلت له: ~~يا رسول الله، قد اختلفت علي القراءات، فبقراءة من تأمرني أن أقرأ؟ قال: ~~بقراءة أبي ms1035 عمرو بن العلاء. # وقال أبو العباس بن سريج: من أراد أن يتظرف فعليه بمذهب الشافعي، وقراءة ~~أبي عمرو بن العلاء وشعر ابن المعتز، فقيل له: قد عرفنا مذهب الشافعي ~~وقراءة أبي عمرو ابن العلاء، فأنشدنا من شعر ابن المعتز ما يوجب الظرف ~~فأنشد: [المنسرح] # كنت صباحي قرير عين ... فصرت أمسي صريع بين # بعين نفسي أصبت نفسي ... فالله بيني وبين عيني # وكان يقول: إنما نحن فيمن مضى، كبقل في أصول نخل طوال. # وقال أبو عمرو: ناظرت عمرو بن عبيد في الوعيد، فقال: إن الله تعالى لا ~~يوعدنا بشيء فيخلفه، فقلت له: يا أبا عثمان، ليس لك علم باللغة، إن خلف ~~الوعيد عند العرب ليس بخلف، وأنشد: [الطويل] # وإني وإن أوعدته أو وعدته ... ليكذب إبعادي ويصدق موعدي (¬1) # وقال أبو عمرو: كنت رأسا والحسن حي. وتوفي بالكوفة سنة أربع وخمسين ~~ومائة، وهو ابن ست وثمانين سنة، وعلى قبره مكتوب «هذا أبو عمرو بن العلاء ~~مولى بني حنيفة». # وإنما قيل هذا لأن أمه كانت من بني حنيفة. # أبو عبيدة: دخل أبو عمرو على سليمان بن عبد الملك، فسأله عن شيء فصدقه ~~فيه، فلم يعجبه ما قال، فخرج أبو عمرو وهو يقول: [المتقارب] # أنفت من الذل عند الملوك ... وإن أكرموني وإن قربوا # إذا ما صدقت لهم خفتهم ... ويرضون مني بأن يكذبوا # وقال أبو بكر بن مجاهد: رأيت أبا عمرو في المنام، فقلت: ما فعل الله بك؟ ~~فقال لي: دعني مما فعل الله بي، من أقام ببغداد على السنة والجماعة ومات، ~~نقل من جنة إلى جنة. # *** PageV03P202 ### || AUTO [الأصمعي] # وأما ابن قريب، فهو أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع، وإلى ~~أصمع هذا ينسب. وأصمع فخذ من بني قتيبة بن معن بن أعصر بن سعيد بن قيس بن ~~عيلان، وبنو معن هم بنو باهلة وباهلة، امرأة من همدان تزوجت معنا فنسب ولده إليها. # والأصمع في اللغة الضامر الذي ليس بمنتفخ، ومنه الصومعة لضمرها، وتدقيق ~~رأسها، ومثله قولهم: جاء بثريدة مصمعة؛ إذا رققها وأحد رأسها، ms1036 وسهم متصمع: ~~متلطخ بالدم، فانضمت قذذه. # وكان الأصمعي حافظا عالما عارفا بأشعار العرب وأخبارها، كثير التطوف ~~بالبوادي لاقتباس علومها وتلقي أخبارها، فهو صاحب غرائب الأشعار، وعجائب ~~الأخبار، وقدوة الفضلاء، وقبلة الأدباء، قد استولى على الغايات، في حفظ ~~اللغات، وضبط العلوم الأدبيات، صاحب دين متين، وعقل رصين، وكان خاصا ~~بالرشيد، آخذا لصلاته كثيرا، وقد تقدم في هذا الكتاب من الحكايات المسندة ~~إلى الأصمعي، ما يدل على تبحره وحفظه. # ومن حكاياته عن إعرابه على ما أشار له الحريري هنا: حدث الأصمعي رحمه ~~الله، قال: أعرابي: حسن التدبير مع الكفاف، أكفى من الكثير مع الإسراف. # الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: من كساه الحياء ثوبه، أخفى على الناس عيبه، ~~الأصمعي: قال أعرابي: من اقتصد في الغنى والفقر، فقد استعد لنائبات الدهر. # قال: وقال أعرابي: عداوة الحكيم أقل عليك ضررا من مودة الجاهل منهم. # قال: وقال أعرابي: أعجز الناس من قصر في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيع ~~من ظفر به منهم. # وقال: تزوج أعرابي إلى بعض الحاضرة، فلما كان ليلة دخوله بها، إذا هي ~~أدماء مجدورة، فخرج من البيت وهو ينشد ويقول: [السريع] # زوجتني أدماء مجدورة ... كأنها من خشب البيت # قبيحة الوجه لها منظر ... يفر منه ملك الموت # قال: وجرى بين أعرابي وبين امرأته كلام بالمربد، فشتمته، فقال لها: ~~اسكتي، فو الله ما شعرك بوارد، وما فوك ببارد، ولا ثديك بناهد، ولا بطنك ~~بوالد، ولا الخير فيك بزائد، ولا الشر فيك بواحد، وما أنا لك بحامد، ولا ~~بعد موتك بواجد. # ونذكر بعد ذلك حكايته المشهورة مع الرشيد ووزرائه، ويحتمل طولها لما ~~احتوت عليه من غرائب الآداب، وكان مجلس مذاكرة بين أفراد، فأظهركل رجل منهم ~~أفضل ما يذكر. PageV03P203 # حدث الأصمعي قال: استدعاني الرشيد في بعض الليالي، وقد تصرمت قطعة من ~~الليل، فراعتني رسله، ولم أفتأ أن مثلت بين يديه، وإذا في المجلس يحيى بن ~~خالد وجعفر والفضل، فلما لحظني الرشيد استدناني، فدنوت منه فتبين ما لبسني ~~من الوجل، فقال لي: ليفرخ روعك، فما أردناك إلا لما ms1037 يراد له مثلك، فمكثت ~~هنيهة إلى أن ثابت إلي نفسي بعد أن كادت تطير شعاعا، فقال: إني نازعت هؤلاء ~~القوم في أشعر بيت قالته العرب في التشبيه، ولم يقع إجماعنا على بيت، ~~فأردناك لفصل هذه القضية، واجتناء ثمرة الخطار فيها فقلت: يا أمير ~~المؤمنين، إن التعبين على بيت واحد في نوع واحد- قد وسعت العرب فيه، وجعلته ~~معلما لأفكارها، ومستراحا لخواطرها- لبعيد أن يقع النص عليه، ولكن أحسن ~~الناس تشبيها امرؤ القيس في قوله: [الطويل] # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لذى وكرها العناب والخشف البالي (¬1) # وفي قوله: [الطويل] # كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب (¬2) # وفي قوله: [المتقارب] # ولو عن نثا غيره جاءني ... وجرح اللسان كجرح اليد (¬3) # وفي قوله: [الطويل] # سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال (¬4) # فالتفت إلي يحيى، وقال: هذه واحدة، قد نص على امرئ القيس أنه أبدعهم ~~تشبيها. قال يحيى: هي لك يا أمير المؤمنين، ثم قال لي الرشيد: فما أبدع ~~تشبيهاته عندك؟ قلت: قوله يصف فرسا: [المتقارب] # كأن تشوفه بالضحى ... تشوف أزرق ذي مخلب # إذا قرعته حلال له ... تقول سلبت ولم تسلب # فقال: هذا حسن، وأحسن منه قوله: [الطويل] # فرحنا بكابن الماء يجنب وسطنا ... تصوب فيه العين طورا وترتقي (¬5) PageV03P204 # فقال جعفر: يا أمير المؤمنين، ما هذا التحكم؟ قال الرشيد: وكيف؟ قال: ~~يذكر أمير المؤمنين ما وقع اختياره عليه، ونذكر ما اخترناه، ويكون الحكم ~~واقعا بعد، فقال الرشيد: أمرضت، فاستحسنها- يقال: أمرض الرجل: إذا قارب ~~الصواب- ثم قال الرشيد: بل تبدأ يا يحيى، فقال يحيى: أحسن الناس تشبيها ~~النابغة في قوله: [الكامل] # نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العود (¬1) # وفي قوله: [الطويل] # فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى منك واسع (¬2) # وفي قوله: [البسيط] # من وحش وجرة موشي أكارعه ... طاوي المصير كسيف الصقيل الفرد (¬3) # فقال الأصمعي: أما تشبيهه مرض الطرف فحسن، إلا أنه هجنه بذكره العلة، ~~وتشبيهه المرأة بالعليل. وأحسن منه قول عدي بن الرقاع العاملي: [الكامل] # وكأنها ms1038 بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم (¬4) # وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم # وأما تشبيه الإدراك بالليل، فقد تساوى الليل والنهار فيما يدركانه، وإنما ~~كان سبيله أن يأتي بما ليس له قسيم، حتى يأتي بمعنى ينفرد به، ولو قال ~~قائل: إن قول النمري في هذا أحسن، لوجد مساغا إلى ذلك حيث يقول: [الطويل] # فلو كنت بالعنقاء أو بسنامها ... لخلتك إلا أن تصد تراني # وأما قوله: [البسيط] # * طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد* # فالطرماح أحق بهذا المعنى، لأنه أخذه فجوده وزاد عليه، وإن كان النابغة ~~اخترعه، وقول الطرماح: [الطويل] # يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد (¬5) PageV03P205 # فقد جمع في هذا البيت استعارة لطيفة بقوله: «وتضمره البلاد» وتشبيهه ~~اثنين بقوله: «يبدو وتضمر» «ويسل ويغمد»، وجمع حسن التقسيم وصحة المقابلة. # قال الأصمعي: فاستبشر الرشيد وبرقت أسارير وجهه، حتى خلت برقا يومض منها، ~~وقال ليحيى: فضلتك ورب الكعبة، فانتقع يحيى، فكأن الرماد ذر على وجهه، قال ~~الفضل: لا تعجل يا أمير المؤمنين، حتى أمر ما قلته بسمعه، فقال: قل، قال: # أحسن الناس تشبيها طرفة في قوله: [الطويل] # ووجه كأن الشمس ألقت رداءها ... عليه نقي اللون لم يتخدد (¬1) # وفي قوله: [الطويل] # يشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم الترب المقايل باليد (¬2) # قال: فقلت: هذا حسن وغيره أحسن منه، قد شركه في هذا المعنى جماعة من ~~الشعراء، وبعد فطرفة صاحب واحدة، لا يقطع بقوله مع التجوز، وإنما يعد من ~~أصحاب الواحدة قال: ومن أصحاب الواحدة؟ قلت: الحارث بن حلزة في قوله: ~~[الخفيف] # آذنتنا بينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء (¬3) # والأسعر الجعفي في قوله: [الطويل] # هل دان قلبك من سليمى فأشتفي ... ولقد عنيت بحبها فيما مضى # والأفوه الأودي في قوله: [الرمل] # إن ترى رأسي فيه قذع ... وشواتي خلة فيها دوار (¬4) # وعلقمة في قوله: [الطويل] # * طحا بك قلب في الحسان طروب (¬5) * # وسويد بن أبي كاهل في قوله: [الرمل] PageV03P206 # بسطت رابعة الحبل لنا ... فوصلنا الحبل منها فاتسع # وعمرو بن كلثوم في قوله: [الوافر] ms1039 # ألا هبي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا (¬1) # وعمرو بن معد يكرب في قوله: [الوافر] # أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع (¬2) # فاستخفت الرشيد الأريحية، وقال: ادنه، فإنك جحيش وحدك، وزدت في عيني ~~نبلا، فقال جعفر: [الرجز] # * لبث قليلا يدرك الهيجا حمل (¬3) * # يعرض بأنه قد يجوز أن يدرك ما يحاوله، فقال له الرشيد: فاتتك والله ~~السوابق، وجئت سكينا ذا زوائد أربع، قال: ورأيت الحمية في وجهه، فقال جعفر: ~~على شريطة حلمك. قال: أتراه يسع غيرك ويضيق عنك؟ فقال جعفر: لست أنص على ~~شاعر واحد أنه أحسن الناس في بيت تشبيها، ولكن قول امرئ القيس: [الطويل] # كأن غلامي إذ علا حال متنه ... على ظهر باز في السماء محلق (¬4) # وقول عدي بن الرقاع: [الكامل] # يتعاوران من الغبار ملاءة ... غبراء محكمة هما نسجاها (¬5) # تطوى إذا وردا مكانا جاسيا ... وإذا السنابك أسهلت نشراها # وقول النابغة: [الطويل] # بأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب (¬6) # قال الأصمعي: قلت: هذا حسن كله بارع، وغيره أحسن منه، وإنما يجب أن يقع PageV03P207 # التعيين على ما اخترعه قائله فلم يتعرض له، أو تعرض له شاعر، فوقع دونه، ~~فأما قول امرئ القيس: [الطويل] # * على ظهر باز في السماء محلق* # فمن قول أبي دواد: [الطويل] # إذا شاء راكبه ضمه ... كما ضم بازي السماء الجناح (¬1) # وأما قول عدي: [الكامل] # * يتعاوران من الغبار ملاءة* # فمن قول الخنساء: [الكامل] # جاري أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر (¬2) # وأول من نطق به جاهلي من بني عقيل، قال: [الطويل] # ألا يا ديار الحي بالبردان ... عفت حجج بعدي لهن ثماني (¬3) # فلم يبق منها غير نؤي مهدم ... وغير أثاف كالركي دفان # وآثار هاب أورق اللون سافرت ... به الريح والأمطار كل مكان # قفار مروراة يحار بها القطا ... ويضحي بها الجابان يعتركان # يثيران من نسج الغبار عليهما ... قميصين أسمالا ويرتديان # وشارك عديا أبو النجم، وأورده في أحسن لفظ، قال يصف عيرا وأتانا وما ~~أثاراه من الغبار بعدوهما: [الرجز] # القى بجنب القاع من حيالها ... سرباله وانشام في سربالها # وأما قول ms1040 النابغة: [الطويل] # * بأنك شمس والملوك كواكب* # فقد تقدمه فيه شاعر قديم من شعراء كندة يمدح عمرو بن هند، وهو أحق به من ~~النابغة؛ إذ كان أبا عذرته، فقال: [الطويل] PageV03P208 # كادت تميد الأرض بالناس إذ رأوا ... لعمرو بن هند غضبة وهو عاتب # هو الشمس وافت يوم سعد فأفضلت ... على كل ضوء والملوك كواكب # قال: فكأني والله ألقمت جعفرا حجرا. فاهتز الرشيد فوق سريره، وكاد يطير ~~عجبا وطربا، وقال: والله، لله درك يا أصمعي، اسمع الآن ما كان وقع عليه ~~اختياري، فقال: # ليقل أمير المؤمنين أحسن الله توفيقه، فقال: عينت على ثلاثة أشعار، أقسم ~~بالله إني أملك السبق بأحدها، فقال يحيى: خفض على هينتك، فأبى اللهإلا أن ~~يكون لك الفضل، ثم قال الرشيد: أتعرف يا أصمعي تشبيها أفخر وأعظم في أحقر ~~مشبه وأصغره في أحسن معرض، من قول عنترة الذي لم يسبقه إليه سابق، ولا ~~نازعه منازع، ولا طمع في مجاراته طامع، حين شبه ذباب الروض العازب في قوله: ~~[الكامل] # وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردا كفعل الشارب المترنم (¬1) # هزجا يحك ذراعه بذراعه ... فعل المكب على الزناد الأجذم # ثم قال: يا أصمعي هذا من التشبيهات العقم التي لا تنتج، شبهت بالريح ~~العقيم التي لا تنتج ثمرة، ولا تلقح شجرة، فقلت: كذلك هو يا أمير المؤمنين، ~~وبمجدك آليت ما سمعت قط أحدا يصف شعرا بأحسن من هذه الصفة، ولا استطاع بلوغ ~~هذه الغاية، فقال: مهلا، لا تعجل أتعرف أحسن من قول الحطيئة يصف لغام ~~ناقته، أو تعلم قبله أو بعده شبه تشبيهه حيث يقول: [الطويل] # ترى بين لحييها إذا ما ترغمت ... لغاما كنسج العنكبوت الممدد (¬2) # فقلت: والله ما علمت أحدا تقدمه إلى هذا التشبيه، أو أشار إليه بعده ولا ~~قبله، قال: أتعرف بيتا أبدع وأوقع من تشبيه الشماخ لنعامة سقط ريشها، وبقي ~~أثره في قوله: # [البسيط] # كأنما منثنى أقماع ما مرطت ... من العفاء بليتيها الثآليل (¬3) # فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين، فالتفت إلى يحيى، فقال: أوجب، فقال: # وجب، فقال: أأزيدك؟ فقال: وأي خبر ms1041 لم يزدني منه أمير المؤمنين! قال: وقول ~~النابغة الجعدي: [الطويل] # رمى ضرع ناب فاستهل بطعنة ... كحاشية البرد اليماني المسهم (¬4) PageV03P209 # ثم التفت إلى الفضل، فقال: أوجب؟ قال: وجب، قال: أزيدك، قال ذلك لأمير ~~المؤمنين، قال: قول الأعرابي: [الطويل] # به ضرب أنداد العطايا كأنه ... ملاعب ولدان تحط وتمضغ # ثم التفت إلى جعفر، فقال: أوجب؟ قال: وجب، قال: أزيدك، قال: لأمير ~~المؤمنين علو الرأي، قال: قول عدي بن الرقاع: [الكامل] # تزجي أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها (¬1) # فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا بيت حسد عديا عليه جرير، قال: وكيف ذلك؟ # قلت: زعم أبو عمرو بن العلاء أن جريرا قال: لما ابتدأ عدي ينشد: [الكامل] # * عرف الديار توهما فاعتادها (¬2) * # فقلت في نفسي: ركب والله مركبا صعبا، سيبدع فيه، فما زال يتخلص من حسن ~~إلى حسن، إلى أن قال: [الكامل] # * تزجي أغن كأن إبرة روقه* # فرحمته، وظننت أن مادته تقصر به، فلما قال: [الكامل] # * فلم أصاب من الدواة مدادها* # حالت الرحمة حسدا، فقال: لله أبوك يا أصمعي؟ ثم أطرق ورفع رأسه، وقال: # أتراك تعينني في انحطاطك في هواي؟ فقلت: كلا يا أمير المؤمنين، إنك لتجل ~~عن ذلك، قال: انظر خمسا، قلت: قد نظرت، قال: فالسبق لمن؟ قلت: لأمير ~~المؤمنين، قال: فقد أسهمت لك في العشر والعشر كثير، ثم رمى بطرفه إلى يحيى، ~~وقال: المال الساعة، وأولى لك! فما كان ساعة حتى حضرت البدر بيني وبينه، ~~ورأيت ضوء الصبح قد غلب على ضوء الشمع، فأشار إلى خادم على رأسه، كم هي؟ ~~فقال: ثلاثة آلاف ألف درهم، فقال: دونك احتمل ثلاثين ألفا إلى منزلك، ونهض ~~عن مجلسه، وأمر الخدم، بمعاونتي على حمله، فكانت أسعد ليلة ابتسم فيها ~~الصباح عن أحد بالغنى. # فهذه الحكاية تدلك على تبحره في علوم العربية وسعة حفظه. # *** # تبع ابن الرمادي عنترة في قوله: «وخلا الذباب» بقوله: [الطويل] PageV03P210 # وكأس كريق الإلف شعشعها به ... وعيشي من هذا الشراب المشعشع # إذا ما شربنا كأسنا صب فضلها ... على روضنا للمسمع المتخلع # وقال ابن الرومي: ms1042 [الطويل] # وأذكى نسيم الروض ريعان ظله ... وغني مغني الطير فيه فرجعا # وكانت أهازيج الذباب هنا كم ... على شدوات الطير صوتا موقعا # وكان أبوه قريب بخلافه، كان نذلا خسيسا، وكان عطاء الملك أتى بجماعة من ~~البصرة إلى قريب فوجدوه ملتفا بكساء، نائما للشمس، فوكزه برجله، وصاح به: ~~قم يا قريب ويلك! قال: ألقيت أحدا من أهل العلم قط أو من أهل اللغة أو ~~الفقهاء أو من المحدثين؟ قال: لا والله، قال لمن حضر: اشهدوا على ما سمعتم، ~~لا يقول لكم غدا الأصمعي أو بعد غد: أنشدني والدي أو حدثني؛ ففضحه. # *** # ومن حكاياته عن أبيه قال الأصمعي: حدثني أبي قال: أتي عبد الملك بن مروان ~~برجل مع بعض من خرج عليه، فقال: اضربوا عنقه، فقال: يا أمير المؤمنين، ما ~~هذا جزائي منك، قال: وما جزاؤك؟ قال: والله ما خرجت مع فلان إلا بالتطير ~~لك، وذلك أتى رجل مشئوم، ما كنت مع رجل قط إلا غلب وهزم، وقد بان لك صحة ما ~~ادعيت به، وكنت عليك خيرا لك من مائة ألف معك. فضحك منه وخلى سبيله. # وكان للأصمعي بن ظريف، فقيل له يوما: أين أبوك؟ فقال: في بيته يكذب على ~~الأعراب. # ومرض الأصمعي فعاده أبو ربيعة- وكان يحب أهل الأدب- فقال له: أقرضني خمسة ~~آلاف درهم، ففعل، وقال: أتشتهي غير هذا؟ فقال: نعم، فصا حسنا، وسيفا قاطعا، ~~وبرذونا حسنا وسرجا محلى، فبعث بذلك إليه. # وكان إسحاق الموصلي يعظمه ويقرأ عليه، فدخل الأصمعي يوما على الفضل بن ~~يحيى وإسحاق ينشده في صفة فرس: [الرجز] # كأنه في الجل وهو سام ... مشتمل جاء من الحمام # يسور بين السرج واللجام ... سور القطامي إلى الحمام # فقال الأصمعي: هات بقيتها، فقال له إسحاق: ألم تقل لي: ما بقي منها شيء ~~فقال: ما بقي إلا عيونها. ثم أنشد بعد ذلك ثلاثين بيتا، فغضب إسحاق وعرف ~~الفضل قلة شكره لعارفة، وبخله بما عنده، وأخذ يصف فضل أبي عبيدة ونزاهته، ~~وبذله لما عنده، واشتماله على علوم العرب، فأنفذ إليه الفضل مالا جليلا، ~~واستقدمه من ms1043 البصرة، وسعى بالأصمعي عند الرشيد؛ حتى حط منزلته. وقال إسحاق ~~يهجوه: [الوافر] PageV03P211 # أليس من العجائب أن قردا ... أصيمع باهليا يستطيل # ويزعم أنه قد كان يفتى ... أبا عمرو ويسأله الخليل # إذا ما قال: «قال أبي» عجبنا ... لما يأتي به ولما يقول # وجلله عطاء الملك عارا ... تزول الراسيات ولا يزول # فقل لأبي ربيعة إذ عصاني ... وحاد به عن القصد السبيل # لقد ضاعت برودك فاحتسبها ... وضاع الفص والسيف الصقيل # فأما الخمسة الآلاف فاعلم ... بأنك غبنها لا تستقبل # والأصمعي لا يقدح هذا القدر في جانبه، لأن بعض محاسنه يغطي على كل ~~مساوئه. # وكان منشؤه بالبصرة، وبها توفي سنة تسع عشرة ومائتين وبلغ ثمانيا وثمانين سنة. # قوله: محرابي، وما بعده في معناه، يعني فرجها. والإمام وما بعده، يعني به ~~ذكره. وسمي محراب المسجد محرابا لأنه يباعد من ليس من أهله أن يقربه، إذ هو ~~أرفع ما في المسجد، وفلان حرب لفلان، أي مباعد له. والقراب: وعاء من جلد ~~يجعل فيه السيف مع غمده. والقراب: وعاء الزاد. # *** # فقال لهما القاضي: أراكما شنا وطبقة، وحدأة وبندقة، فاترك أيها الرجل ~~اللدد، واسلك في سيرك الجدد. وأما أنت فكفي عن سبابه، وقري إذا أتى البيت ~~من بابه. # فقالت المرأة: والله ما أسجن عنه لساني، إلا إذا كساني، ولا أرفع له ~~شراعي، دون إشباعي. فحلف أبو زيد بالمحرجات الثلاث، إنه لا يملك سوى أطماره ~~الرثاث. # فنظر القاضي في قصصهما نظر الألمعي، وأفكر فكرة اللوذعي. ثم أقبل عليهما ~~بوجه قد قطبه، ومجن قد قلبه، وقال: ألم يكفكما التسافه في مجلس الحكم، ~~والإقدام على هذا الجرم، حتى تراقيتما في فحش المقاذعة، إلى خبث المخادعة! ~~وايم الله لقد أخطأت استكما الحفرة، ولم يصب سهمكما الثغرة؛ فإن أمير ~~المؤمنين، أعز الله ببقائه الدين، نصبني لأقضي بين الخصماء؛ لا لأقضي دين ~~الغرماء. وو حق نعمته التي أحلتني هذا المحل، وملكتني العقد والحل، لئن لم PageV03P212 # توضحا لي جلية خطبكما، وخبيئة خبكما، لأنددن بكما في الأمصار، ولأجعلنكما ~~عبرة لأولي الأبصار. # *** # واللدد: شدة الخصومة. الجدد: الأرض الصلبة، والمعنى ms1044 في قوله: أسلك في ~~سيرك الجدد، جامعها في الفرج لا غيره، وفي المثل: من سلك الجدد أمن العثار. # قري: اسكني. البيت، كناية عن فرجها. من بابه، يريد ألا يأخذ الجار ~~بالجار. # وقولها: إلا إذا كساني، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اعروا النساء ~~يلزمن الحجال» (¬1). # والشراع: قلع السفينة، وأرادت برفعه كشف ثيابها ورفع رجليها حين يطؤها، ~~وقال أبو نواس في معناه: [المتقارب] # ترفق قليلا قد أوجعتني ... وألحقت قرطي بخلخاليه # والقرط في الأذن، والخلخال في الرجل، فانظر متى يجتمعان. وقال ابن الرومي ~~في ذلك: [البسيط] # يا أحمد بن سعيد لو بصرت بها ... إذا الأكف لساقيها خلاخيل # وقال البحتري: [المنسرح] # لم تخط باب الدهليز خارجة ... إلا وخلخالها مع الشنف (¬2) # وقال ابن الرومي: [الكامل] # لو أن رجلي عرسنا يداها ... ما أخطأتها رحمة تغشاها # قد خلقت مرفوعة رجلاها ... كأنما يستغفران الله # وله أيضا: [الرجز] # شيخ لنا يكنى أبا حفصل ... أقرن مثل الأيل الأثول # تبيت في منزله نسوة ... يلبسن ثوب الليل كالمنزل # يعملن فيه عملا صالحا ... يرفعه الله إلى أسفل # يستغفر الناس بأيديهم ... وهن يستغفرن بالأرجل # قال الأصمعي: قلت لأمة ظريفة: يا جارية هل في يديك عمل؟ قالت: لا، ولكن ~~في رجلي. PageV03P213 # والمحرجات الثلاث: هي الطلاق والعتق والمشي إلى مكة، وقيل: هي الطلاق ~~الثلاث ومحرجات: فيها حرج، أي إثم وضيق. # وحدث أبو حاتم، عن الأصمعي عن عيسى بن عمر، قال: اشتكى رجل امرأته، فقال ~~له شيخ من بني نصر، كان أسن منه: ألا نكشفها بالمحرجات- يعني الطلاق- قال: # قاتلك الله! فما أغرك، وعلي الطلاق ثلاثا. # حدثنا أبو بكر محمد بن أسد الدبلي قال: سمعت أبا فتان الدارع يقول: ~~الطلاق الثلاث البت لازم لي، لقد سمعت أبا عبيدة معمر بن المثنى يقول: ~~الطلاق الثلاث، البت لازم لي، لقد سمعت أبا عمرو بن العلاء، يقول الطلاق ~~الثلاث البت لازم لي، إن كانت العرب قالت أحكم من هذه الأبيات: [الكامل] # كن للمكاره بالعزاء مقنعا ... فلعل يوما لا ترى ما تكره # فلربما استتر الفتى فتنافست ... فيه العيون وإنه لمموه # ولربما خزن ms1045 الكريم لسانه ... حذر الجواب وإنه لمفوه # ولربما ابتسم الكريم من الأذى ... وفؤاده من حره يتأوه # قوله: أطماره الرثاث، أي ثيابه الخلقة. الألمعي: المتوقد الحاضر الذهن. # ابن الأعرابي: الألمعي: الذي إذا لمع له أول الأمر عرف آخره، فيكتفي بظنه ~~دون تعيينه. واللوذعي: الفطن الذكي الظريف الحديد الفؤاد. قطبه: عبسه. مجن: ترس. # وقلبه، كناية عن إبداء الشر بعد الخير، وقد تقدم. التسافه: الإفحاش. ~~والشم. الجرم: # الذنب. المقاذعة: المشاتمة بما فحش. الثغرة: الحفيرة في أصل العنق. خبكما: # خداعكما وغشكما. أنددن: أسمع الناس بما ينالكما عندي من المكروه، وندد ~~به: شتمه وأسمعه القبيح. الأمصار: البلاد. عبرة: موعظة. أولي الأبصار: أهل ~~العقول. # *** # فأطرق أبو زيد إطراق الشجاع، ثم قال له: سماع سماع: [الرجز] # أنا السروجي وهذي عرسي ... وليس كفأ البدر غير الشمس # وما تنافى أنسها وأنسي ... ولا تناءى ديرها عن قسي # ولا عدت سقياي أرض غرسي ... لكنا منذ ليال خمس # نصبح في ثوب الطوى ونمسي ... لا نعرف المضغ ولا التحسي # حتى كأنا لخفوت النفس ... أشباح موتى نشروا من رمس # فحين عز الصبر والتأسي ... وشفنا الضر الأليم المس # قمنا لسعد الجد أو للنحس ... هذا المقام لاجتلاب فلس PageV03P214 # والفقر يلجي الحر حين يرسي ... إلى التجلي في لباس اللبس # فهذه حالي وهذا درسي ... فانظر إلى يومي وسل عن أمسي # وأمر بجبري إن تشا أو حبسي ... ففي يديك صحتي ونكسي # *** # أطرق: أمال رأسه ساكنا. الشجاع: الحية. سماع سماع، أي اسمع مني، كفء ~~البدر: أي نظيره، والكفء: النظير والمثل. دبرها: فرجها. قسي: ذكري. وأصل ~~الدير للنصارى، والقس والقسيس: عالمهم وعابدهم. عدت: جارت وخرجت عن طريقها. # والسقيا: الشرب، وهي هنا مصدر بمعنى السقي. والتحسي: شرب الحسوة، وأراد ~~بالمضغ والتحسي أكل الخبز واللحم، وحسو مرقه. وقيل: المضغ في الرخاء والحسو ~~في الشدة، كاستعمالهم فيها حسو السخينة وغيرها. وعز: قل. التأسي: الاقتداء ~~بالغير، وقد تأسى تأسيا إذا اقتدى بفعل غيره وتصبر، وهذا باب غلبت عليه ~~الخنساء بقولها: # [الوافر] # ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي (¬1) # وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس ms1046 عنه بالتأسي # فزاد عليه ابن العباس الرومي، في المعنى وبينه حتى استحقه حيث قال: ~~[الوافر] # رأيت الدهر يجرح ثم يأسو ... يؤسي أو يعوض أو ينسي # أبت نفسي الهلاع لرزء شيء ... كفى رزءا لنفسي رزء نفسي # أتجزع وحشة لفراق إلف ... وقد وطنتها لحلول رمسي # فذهب في هذه الأبيات كل مذهب، ثم أراد أن يظهر ما عنده من فضل المنة وحسن ~~التصرف، فقال: [الخفيف] # يا شبابي وأين مني شبابي ... آذنتني أيامه بانقضاب # ومعز عن الشباب مؤس ... بمشيب اللذات والأصحاب # قلت لما انتحى يعد أساه ... بمصاب شبابه بمصاب # ليس تأسو كلوم غيري كلومي ... ما به ما به وما بي ما بي # وكرر هذا المعنى فأحسن ما شاء، وذهب فيه مذاهب أخرى، فقال: [الطويل] # خليلي قد عللتماني بالمنى ... وأنعمتما لو أنني أتعلل # أللناس إيثاري وإلا فما الأسى ... وعيشكما إلا ضلال مضلل PageV03P215 # وما راحة المرزوء في رزء غيره ... أيحمل عنه بعض ما يتحمل! # كلا حاملي أو في الرزية مثقل ... وليس معينا مثقل الظهر مثقل # وضرب من الظلم الخفي مكانه ... تعزيك بالمرزوء حين تأمل # ولابن رشيق: [المتقارب] # رأيت التعزي مما يهيج ... على المرء ساكن أوصابه # وما نال ذو أسوة سلوة ... ولكن أتى الحزن من بابه # تفكر في مثل أرزائه ... فذكره ما به ما به # وقال ابن رشيق: أخذته من قول عمر بن أبي ربيعة: [الوافر] # وذو الشوق القديم وإن تعزى ... مشوق حين يلقى العاشقينا # وأخذه عمر من قول متمم بن نويرة: [الطويل] # وقالوا أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى والدكادك # فقلت لهم إن الأسى يبعث البكا ... دعوني فهذا كله قبر مالك # *** # خفوت: ضعف النفس من شدة الجوع، وخفت خفوتا: ضعف وسكن ومات. # والأشباح: الأشخاص، وأصل الشبح الشخص تبصره على بعد، فلا تعرف ما هو، ~~ويقع الشبح على كل شخص مرئي. نشروا: أحيوا. رمس: قبر، والمس: لصوق جارحة ~~بأخرى. الجد: الحظ والنصيب. يرسي: يثبت ويقيم. التجلي: البروز والظهور. # اللبس: التخليط. درسي: ثوبي الخلق الجبر: أن تغني الرجل من فقر، أو تصلح ~~عظمه من كسر، وجبره ms1047 الله: سد مفاقره. والنكس: بضم النون: عود المرض بعد ~~القوة، ونكس نكسا. # *** # فقال له القاضي: ليثب أنسك، ولتطب نفسك، فقد حق لك أن تغفر خطيتك، وتوفر ~~عطيتك. فثارت الزوجة عند ذلك واستطالت، وأشارت إلى الحاضرين وقالت: ~~[السريع] # يا أهل تبريز لكم حاكم ... أوفى على الحكام تبريزا # ما فيه من عيب سوى أنه ... يوم الندى قسمته ضيزى # قصدته والشيخ نبغي جنى ... عود له ما زال مهزوزا # فسرح الشيخ وقد نال من ... جدواه تخصيصا وتمييزا PageV03P216 # وردني أخيب من شائم ... برقا خفا في شهر تموزا # كأنه لم يدر أني التي ... لقنت ذا الشيخ الأراجيزا # وأنني إن شئت غادرته ... أضحوكة في أهل تبريزا # *** # ليثب: أي ليرجع. توفر: تكثر. ثارت: ظهرت، وأفشت سرها. واستطالت: # جرحت بلسانها، وأعلت كلامها. أوفى: أشرف عليهم وزاد. تبريزا: ظهورا وسبقا. # ضيزى: غير مستوية، فيها بخس ونقصان، وقد ضاز الحاكم، إذا جار، وضازه ~~يضيزه ضيزا، إذا نقصه ومنعه حقه. ويحكى أن مزيدا المدني- ويكنى أبا إسحاق- ~~صلى يوما، فلما فرغ من صلاته قالت امرأته: اللهم أشركني في دعائه، فقال ~~مزيد اللهم اصلبني، فقالت امرأته: أما على هذا فلا، فقال يا ضراطة، تلك إذا ~~قسمة ضيزى. # قوله والشيخ: منصوب على المفعول معه. نبغي: نطلب. الندى: الكرم. وجنى ~~العود: ما يجنى من ثمره، وأرادت كرم القاضي. ما زال مهزوزا، أي ما زال ~~القاصدون يهزون عوده فيتساقط عليهم جناه، فمعنى ما زال مهزوزا، أي مطلوب ~~منه العطايا. # جدواه: عطاياه تخصيصا: ترفيعا. تمييزا: تعيينا، وقد تخصص الرجل: تشبه ~~بالخواص، وتعين: تشبه بالأعيان. شائم: ناظر للبرق. خفي: لمع. تموز: يوليه ~~بالسريانية، وهو أشد الشهور حرا. لقنت: فهمت وحفظت. غادرته: تركته. أضحوكة: ~~يضحك به من رآه. # *** # قال: فلما رأى القاضي اجتراء جنانهما، وانصلات لسانهما، علم أنه قد مني ~~منهما بالداء العياء، والداهية الدهياء؛ وأنه متى منح أحد الزوجين، وصرف ~~الآخر صفر اليدين، كان كمن قضى الدين بالدين، أو صلى المغرب ركعتين. فطلسم ~~وطرسم، واخرنطم وبرطم، وهمهم وغمغم، ثم التفت يمنة وشامة وتململ كآبة ~~وندامة، وأخذ يذم القضاء ومتاعبه، ويعدد ms1048 شوائبه ونوائبه، ويفند طالبه ~~وخاطبه. # ثم تنفس كما يتنفس الحريب، وانتحب حتى كاد يفضحه النحيب، وقال: إن هذا ~~لشيء عجيب! أأرشق في موقف بسهمين! أألزم في قضية بمغرمين! أأطيق أن أرضي ~~الخصمين، ومن أين ومن أين! # *** # اجتراء: إقدام وتشجع جنانهما: قلبهما، يريد أنهما لم يهاباه. انصلات ~~لسانهما: # خروجه بالكلام وطاقته بالشر، وانصلت السيف؛ تسلل من غمده وخرج. مني: بلي. PageV03P217 # الداء العياء: الذي يعيي الطبيب. والداهية: كل أمر فظيع لا يطاق. ~~الدهياء: مبالغة وتأكيد لمعنى الداهية، أي الداهية الشديدة. منح: إعطاء. ~~صقر: فارغ. ومن قضى الدين بالدين، فكأنه ما قضاه وأنشدوا: # إذا كنت تقضي الدين بالدين لم يكن ... قضاء ولكن كان غرما على غرم # تململ: توجع وتقلب. كآبة: حزن وهم. شوائب: ما يكره ويختلط به. نوائبه: # نوازله. يفند: يخطئ. الحريب: المحزون المسلوب ماله، وقد حربه، إذا سلبه ~~«فعيل» بمعنى «مفعول». انتحب: بكى. يفضحه: يشهره. أرشق: أرمي، والرشق جملة ~~السهام ترمى مجتمعة، وقال لبيد: [الرمل] # فرميت القوم رشقا صائبا ... ليس بالطيش ولا بالمفتعل (¬1) # وإذا وقعت السهام مجتمعة عند الغرض سميت رشقا، القضية: القضاء والحكومة. # المغرم والغرامة واحد. # *** # ثم عطف إلى حاجبه، المنفذ لمآربه، وقال: ما هذا يوم حكم وقضاء، وفصل ~~وإمضاء؛ هذا يوم الاعتمام، هذا يوم الاغترام، هذا يوم البحران، هذا يوم ~~الخسران، هذا يوم عصيب، هذا يوم نصاب فيه ولا نصيب؛ فأرحني من هذين ~~المهذارين، واقطع لسانهما بدينارين. ثم فرق الأصحاب، وأغلق الباب، وأشع أنه ~~يوم مذموم، وأن القاضي فيه مهموم، لئلا يحضرني خصوم. # قال: فأمن الحاجب على دعائه، وتباكى لبكائه ثم نقد أبا زيد وعرسه ~~المثقالين، وقال: أشهد إنكما لأحيل الثقلين؛ ولكن احترما مجالس الحكام، ~~واجتنبا فيها فحش الكلام؛ فما كل قاض قاضي تبريز، ولا كل وقت تسمع ~~الأراجيز، فقالا له: مثلك من حجب، وشكرك قد وجب، ونهضا وقد حظيا بدينارين، ~~وأصليا قلب القاضي نارين. # *** PageV03P218 # مآربه حوائجه. البحران: كاليوم السابع من المرض، والبحران عند الأطباء: ~~مدافعة عظيمة تقع بين الطبيعة والعلة، وبحر الرجل بحرا، إذا اجتهد في العدو ~~طالبا أو ms1049 مطلوبا، فانقطع وضعف. ورجل بحر: مسلول ذاهب اللحم. عصيب: شديد. ~~المهذارين: # الكثيرين الكلام بلا فائدة. اقطع لسانهما، أي صلهما حتى ينقطع بالدينارين ~~كلامهما، وهذا اللفظ الذي هو قطع اللسان بالصلة قد نطق به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين أعطى المؤلفة قلوبهم من نفل حنين، مائة مائة، وأعطى ~~العباس بن مرداس أباعر، فسخطها وقال: # [المتقارب] # أتجعل نهبي ونهب العبي ... د بين عيينة والأقرع (¬1) # وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع # وما أنا دون امرئ منهما ... ومن يخفض اليوم لم يرفع # فقال صلى الله عليه وسلم: «اقطعوا عني لسانه». فأعطي حتى رضي وقد جاء في ~~النوادر في حكاية ليلى الأخيلية حين قال الحجاج: يا غلام اذهب إلى فلان، ~~فقل له يقطع لسانها، فأمر بإحضار الحجام، فقالت: ثكلتك أمك! إنما أمرك أن ~~تقطع لساني بالصلة، وهي لفظة مستعملة عند من له أمر ونهي. # قوله: أمن، قال: آمين، ومعناه الرغبة في الإجابة. تباكى: استعمل البكاء. # الثقلين: الإنس والجن، والواحد ثقل وثقل كمثل ومثل، وأصله ما يحمل من ~~الشيء الثقيل، فقيل لهما: ثقلان، لأنهما كالثقل على الأرض. والفحش في القول ~~كالفاحشة في الفعل. نهضا: تقدما. شكرك قد وجب: يقال: وجب البيع والحق، ~~معناه وقع، وعنه قوله تعالى: فإذا وجبت جنوبها [الحج: 36] أي وقعت على ~~الأرض وسقطت. # ووجب الحائط: سقط، ووجب قلبه: فزع وخفق. حظيا: سيدا. أصليا: أوقدا وألصقا به. ### || AUTO تفسير ما أودع هذه المقامة من الألفاظ اللغوية والأمثال العربية # قوله: «لقيت منها عرق القربة»، هذا مثل يضرب لمن يلقى شدة من الأمر الذي ~~يزاوله، كما أن حامل القربة يلقى جهدا حتى يعرق. # وقوله: «جعلته دبر أذني»، يعني طرحته، وهو كقوله تعالى: فنبذوه وراء ~~ظهورهم [آل عمران: 187]. PageV03P219 # وقوله: «أكذب من سجاح» يعني التي تنبأت في عهد مسيلمة الكذاب، وسارت إليه ~~لتناظره وتختبره ثم آمنت به، ووهبت نفسها له؛ وهذا الاسم، مبني على الكسر، ~~مثل حذام وقطام، لكونه من الأسماء المعدولة، واشتقاقه من السجاحة، وهي ~~السهولة، ومن قولهم: ملكت فأسجع. # وقولها: «أكذب ms1050 من أبي ثمامة»، هذه كنية مسيلمة الكذاب، وكان تنبأ ~~باليمامة. # ومخرق بها، إلى أن سار إليه خالد بن الوليد رضي الله عنه فقتله. # وقوله: «لا نعم عوفك». العوف: الحال، والعوف أيضا الذكر، ويدعى للباني ~~على أهله فيقال له: «نعم عوفك». # وقوله: «يا دفار يا فجار». هذان الاسمان معدولان من دافرة وفاجرة، ~~والدفر: # النتن؛ وبه سميت الدنيا أم دفر؛ وكل ما سمي بصفة غالبة، ثم عدل بها إلى ~~«فعال»، بني على الكسر عند النداء، كقولك: يا لكاع يا خباث، يا دفار يا ~~فجار، ولا يجوز استعمال ذلك في غير النداء إلا في ضرورة الشعر، كقول ~~الحطيئة: [الوافر] # أطوف ما أطوف ثم آوي ... إلى بيت قعيدته لكاع (¬1) # وأما قوله: «أحمق من رجلة»، فهي ضرب من الحمض تنبت في جاري السيل ~~فيجرفها. # وأما قولها: «الأم من مادر»، فهو رجل من بني هلال بن عامر؛ كان اتخذ حوضا ~~لسقي إبله، فلما رويت سلح فيه، ومدره بسلحه؛ لئلا ينتفع به من بعده. # وأما قولها: «أشأم من قاشر»؛ فإنه فحل كان في قبائل سعد بن زيد بن مناة ~~بن تميم، ما طرق إبلا إلا ماتت. وقيل: المراد به العام المجدب، وسمي قاشرا ~~لقشره ما على وجه الأرض من النبات. # وأما قولها: «أجبن من صافر»، فقد اختلف في تفسيره، فقال بعضهم: عنى به كل ~~ما يصفر من الطير، وخص بالجبن لكثرة ما يتقيه من جوارح الجو ومصايد الأرض. ~~وقيل: إنه طائر بعينه؛ إذا جنه الليل تعلق ببعض الأغصان، ولم يزل يصفر طول ~~ليلته خوفا على نفسه من أن ينام فيؤخذ. وقيل: إنه الذي يصفر بالمرأة لريبة ~~وهو يجبن وقت صغيره مخافة أن يظهر على أمره. وقيل: إن المراد به في المثل ~~المصفور به؛ وهو الذي ينذر بالصفير ليهرب، فعلى هذا القول فاعل هنا بمعنى ~~مفعول، كقوله تعالى: من ماء دافق [الطارق: 6] أي مدفوق وكقولهم: راحلة ~~بمعنى مرحولة، وهو كثير في كلامهم، وقد جاء «مفعول» بمعنى «فاعل»، كقوله PageV03P220 # تعالى: حجابا مستورا [الإسراء: 45]، أي ساترا. وكقوله تعالى: إنه كان ms1051 ~~وعده مأتيا [مريم: 61]. # وأما قوله: «أطيش من طامر»، فالمراد به البرغوث؛ ويسمى طامر بن طامر؛ ~~لكثرة وثوبه. # وأما قوله القاضي: «أراكما شنا وطبقة، وحدأة وبندقة»، فإنه أراد به أن ~~كلا منكما كفء لصاحبه وقاوم له. ولكل من المثلين تفسير مختلف فيه. أما شن ~~وطبقة؛ فإن العلماء مختلفون في معنى قولهم: «وافق شن طبقة»، فقال الأكثرون: ~~إنهما قبيلتان؛ فشن هو ابن أفضى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. ~~وطبقة حي من إياد؛ وكانت طبقة لا تطاق، فأوقعت بها شن، فانقصفت منها. # وقال بعضهم: كان شن رجلا من دهاة العرب، وكان ألزم نفسه ألا يتزوج إلا ~~بامرأة تلائمه، فكان يجوب البلاد في ارتياد طلبته، فصاحبه رجل في بعض ~~أسفاره، فلما أخذ منهما السير، قال له شن: أتحملني أم أحملك؟ فقال له ~~الرجل: يا جاهل وعلى يحمل الراكب الراكب! فأمسك وسارا حتى أتيا على زرع، ~~فقال له شن: أترى هذا الزرع أكل أم لا؟ فقال له: يا جاهل، أما تراه في ~~سنبله! فأمسك إلى أن استقبلتهما جنازة، فقال له شن: أترى صاحبها حيا أم لا؟ ~~فقال: ما رأيت أجهل منك، أتراهم حملوا إلى القبر حيا! ثم إنهما وصلا إلى ~~قرية الرجل، فصار به إلى منزله، وكانت له بنت تسمى طبقة، فأخذ يطرفها بحديث ~~رفيقه، فقالت له: ما نطق إلا بالصواب، ولا أستفهمك إلا عما يستفهم عن مثله ~~ذوو الألباب. أما قوله: أتحملني أم أحملك، فإن أراد: أتحدثني أم أحدثك، حتى ~~نقطع الطريق بالحديث. وأما قوله: أترى هذا الزرع أكل أم لا؟ فإنه أراد: هل ~~استسلف أربابه ثمنه أم لا! وأما استفهامه عن حياة صاحب الجنازة، فإنه أراد ~~به: فخلف عقبا يحيا ذكره به أم لا. فلما خرج إلى الرجل حدثه بتأويل ابنته ~~كلامه، فخطبها إليه، فزوجه إياها، فلما سار بها إلى قومه وخبروا ما فيها من ~~الدهاء والفطنة قالوا: وافق شن طبقة، فسار مثلا. # وحكي عن الأصمعي، سئل عن تفسير هذا المثل فقال: أظن أن الشن وعاء من أدم ms1052 ~~كان قد استشن، فلما اتخذ له غطاء وافقه، ضرب فيه هذا المثل. # وأما حدأة وبندقة؛ فإنه يقال في المثل المضروب لمن يفزع بعدوه أو يبلى ~~بنظيره: # حدأ حدأ أو وراءك بندقة؛ وكان الأصل حدأة بإثبات الهاء، فرخم في النداء ~~وقد اختلف في المراد بهما، فقيل: الحدأة هو الطائر المعروف، وبندقة الرامي. # وقيل: إنهما قبيلتان من سعد العشيرة، فأغارت حدأة- وكانت تنزل بالكوفة- ~~على بندقة، وكانت تنزل باليمن، فنالت منهم، ثم كرت بندقة على حدأة فأنحت عليهم. # وروى بعضهم هذا المثل: حدا حدا، غير مهموز، على مثال عصا وقفا، وزعم أنه ~~اسم القبيلة. PageV03P221 # وأما قوله: «أخطأت استكما الحفرة»؛ فإنه مثل يضرب لمن يخطئ في مقصده ويضع ~~الشيء في غير موضعه. # وأما قوله: «طلسم وطرسم»، فمعنى طلسم كره وجهه، ومعنى طرسم أطرق. # وقوله: «اخرنطم وبرطم» أي غضب وقطب وجهه. # وقيل: معنى اخرنطم غضب مع تكبر. ومعنى برطم غضب مع تعبس. # وأما قوله: «همهم وغمغم» أي لم يبين الكلام. PageV03P222 ### | AUTO المقامة الحادية والأربعون وهي التنيسية # حدث الحارث بن همام قال: أطعت دواعي التصابي، في غلواء شبابي؛ فلم أزل ~~زيرا للغيد، وأذنا للأغاريد؛ إلى أن وافى النذير، وولى العيش النضير؛ فقرمت ~~إلى رشد الانتباه، وندمت على ما فرطت في جنب الله، ثم أخذت في كسح الهنات ~~بالحسنات، وتلافي الهفوات قبل الفوات؛ فملت عن مغاداة الغادات، إلى ملاقاة ~~التقاة، وعن مقاناة القينات، إلى مداناة أهل الديانات، وآليت ألا أصحب إلا ~~من نزع عن الغي، وفاء منشره إلى الطي، وإن ألفيت من هو خليع الرسن، مديد ~~الوسن، أنأيت داري عن داره، وفررت عن عره وعاره. # *** # أطلعت دواعي التصابي، يقال: أطعت كذا، وطعت له، أي انقدت. والمطيع: # المنقاد، والتصابي: التظاهر بالصبا والتشاغل به. ودواعيه: ما يدعوه إليه، ~~وغلواء الشباب: أوله وسرعته، أراد: ملت إلى اللهو واللعب في أول شبابي، ~~فلما أتى الشيب أحببت الرجوع إلى الخير. زيرا: كثير الزيارة. والغيد: جمع ~~غيداء، وهي اللينة العنق والمفاصل من النعمة. أذنا للأغاريد، أي كثير ~~الاستماع للغناء، وفلان أذن، إذا كان يستمع ms1053 من كل قائل، ويقبل منه. وافى: ~~أتى، والنذير: الشيب، لأنه منذر الإنسان بتمام العمر، أي يعلمه. ولى: رجع ~~وزال. النضير: الناعم، يريد زمن الشباب. # ونؤخر ذكر الشيب، فإنه يؤدي إلى تغيير شرح المقامة، ونتكلم هنا على ذهاب ~~الشباب. ### || AUTO [البكاء على ذهاب الشباب] # قال أبو عمرو بن العلاء: ما بكت العرب شيئا ما بكت الشباب، وما بلغت به ~~ما يستحقه. # الأصمعي: من أحسن ألفاظ الشعر المراثي والبكاء على الشباب، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: الدنيا العافية، والشباب الصحة. PageV03P223 # ومن ألفاظ أهل العصر: الشباب باكورة الحياة، وروائح الجنة في الشباب. ~~أطيب العيش أوائله؛ كما أن أطيب الثمار بواكرها. # قال الصولي: قد أكثر في ذكر الشباب القدماء وأهل الإسلام. وأجمع الحذاق ~~بالشعر وتمييز الكلام وألفاظه؛ أنه لم يقل فيه أحسن من قول منصور النمري، ~~ووقع الإجماع عليه، فما ضر تأخره، وهو: [البسيط] # ما تنقضي عبرة مني ولا جزع ... إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع (¬1) # بان الشباب وفاتتني مسرته ... صروف دهر وأيام لها خدع # ما كنت أوفي شبابي كنه غرته ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع # إن كنت لم تطعمي ثكل الشباب ولم ... تشجى بغصته الدنيا ولا تسع # أبكي شبابا سلبناه وكان ولا ... توفي بقيمته الدنيا ولا تسع # ما واجه الشيب من عين وإن رمقت ... إلا لها نبوة عنه ومرتدع # وقال أبو نواس: [الكامل] # كان الشباب مطية الجهل ... ومحسن الضحكات والهزل (¬2) # كان الجمال إذا ارتديت به ... وخرجت أخطر صيت النعل # كان البليغ إذا نطقت به ... وأصاخت الآذان للمملي # كان المشفع في مآربه ... عند الحسان ومدرك التبل # والباعثي والناس قد رقدوا ... حتى أكون خليفة البعل # وقال جحظة: [السريع] # واها لأيام الشبا ... ب وما لبسن من الزخارف # وزوالهن بما عرف ... ت من المناكر والمعارف # أيام ذكرك في دوا ... وين الصبا صدر الصحائف # وقال ابن أبي حارثة: [البسيط] # ولى الشباب فخلي العين تنهمل ... فقد الشباب بفقد الروح متصل # لا تكذبن فما الدنيا بأجمعها ... من الشباب بيوم واحد بدل # وقال آخر: [الكامل] # شيئان لو بكت الدماء عليهما ms1054 ... عيناي حتى تؤذنا بذهاب PageV03P224 # لم أبلغ المعشار من حقيهما: ... فقد الشباب وفرقة الأحباب # أعرابي: [الكامل] # يا طيب أيام الشباب وعصره ... لو يستعار جديده فيعار # ما كان أقصر ليله ونهاره ... وكذاك أيام السرور قصار # وقال ابن عبد ربه: [الكامل] # قالوا شبابك قد مضت أيامه ... بالعيش قلت وقد مضت أيامي # لله أية نعمة كان الصبا ... لو أنها وصلت بطول دوام # حسر الشباب قناعه عن رأسه ... وصحا العواذل بعد طول ملام # فكأن ذاك العيش ظل غمامة ... وكأن ذاك اللهو طول منام # وقال أيضا: [الوافر] # صبائي كيف صرت إلى نفاد ... وبدلت البياض من السواد # فما أبقى الحوادث منك إلا ... كما أبقت من القمر الدآدي # فراقك عرف الأحزان قلبي ... وفرق بين عيني والرقاد # زمان كان فيه الرشد غيا ... وكان الغي فيه من الرشاد # يقبلني بدل من قتول ... ويسعدني بوصل من سعاد # وأجنبه فيعطيني قيادا ... ويجنبني فأعطيه قيادي # قال الفرزدق: [الكامل] # إن الملامة مثل ما بكرت بها ... من تحت ليلتها عليك نوار (¬1) # قالت: وكيف يميل مثلك للصبا ... وعليك من سمة الحليم عذار # والشيب ينهض في الشباب كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار # إن الشباب لرابح مبتاعه ... والشيب ليس لبائعيه تجار # قال إسحاق الموصلي: قال لي المعتصم: لقد فضحك الشيب في عارضيك، فقلت: نعم ~~يا سيدي، وبكيت ثم قلت: [المتقارب] # تولى شبابك إلا قليلا ... وحل المشيب فصبرا جميلا # كفى حزنا بفراق الصبا ... وإن أصبح الشيب منه بديلا PageV03P225 # فلما رأى الغانيات المشي ... ب أغضين دوني طرفا كحيلا # سأندب عهد انقضاء الصبا ... وأبكي الشباب بكاء طويلا # وغنيتها. فبكى المعتصم، وقال: لو قدرت على رد شبابك لفعلت ولو بشطر ملكي؛ ~~فلم يكن لكلامه عندي جواب إلا أن قبلت البساط بين يديه. # وأبكى بيت ورد في فقد الشباب قول أبي الغصن الأسدي: [الوافر] # أتأمل رجعة الدنيا سفاها ... وقد صار الشباب إلى ذهاب # فليت الباكيات بكل أرض ... جمعن لنا فنحن على الشباب # وقال سلامة بن جندل، وهو جاهلي: [البسيط] # أودى الشباب حميدا ذو التعاجيب ... أودى وذلك شأو غير مطلوب (¬1) # ولى حثيثا وهذا الشيب ms1055 يطلبه ... لو كان يدركه ركض اليعاقيب # أودى الشباب الذي مجد عواقبه ... فيه نلذ ولا لذات للشيب # وقال سلامة أيضا: [البسيط] # يا خد أمسى سواد الرأس خالطه ... شيب القذال اختلاط الصفو بالكدر (¬2) # يا خد أمست لبانات الصبا ذهبت ... فلست منها على عين ولا أثر # كان الشباب لحاجات وكن له ... فقد فرغت إلى حاجاتي الأخر # وأنشد أبو العيناء: [الكامل] # ما في يدي من الصبا ... إلا الصبابة والأسف # جاء الشباب فما أقا ... م ولا ألم ولا وقف # كان الشباب كزائر ... مل الزيارة وانصرف # والباب لا يحصى كثرة. # قوله: قرمت لكذا، أي اشتدت شهوتي إليه، وأصله شدة الشهوة إلى اللحم. # والرشد والرشد واحد. فرطت: ضيعت، وفرط في الشيء: قدم فيه التقصير والعجز، ~~وهو من قولهم: فرط الفارط في طلب الماء، أي تقدم القوم إليه. وقرئ: يا ~~حسرتنا PageV03P226 # على ما فرطنا فيها [الأنعام: 31]، بتخفيف الراء، ومثله: يا حسرتى على ما ~~فرطت في جنب الله [الزمر: 56]، ومعنى القراءتين التقصير في جنب الله، أي في ~~حقه، وقيل: في أمر الله، وقيل في طاعته. # ابن الأعرابي: في قرب الله. الفراء: الجنب: القرب، والجنب معظم الشيء ~~وأكثره، ومنه: هذا قليل في جنب مودتك. الزجاج: أي على ما فرطت في الطريق ~~الذي هو طريق الله الذي دعاني إليه. # وكسع الهنات، أي طرد القبائح والقاذورات، والهنات، كناية عن الفواحش ~~والأفعال القبيحة، مأخوذ من الهن، وهو الفرج، وكسعها: دفعها وإزالتها، ~~والكسع أي أن تضرب بيدك على دبر الشيء، وكسعتهم بالسيف، إذا اتبعت أدبارهم، ~~فكأنه أزال القبائح عن نفسه ثم أتبعها بالدفع والضرب؛ حتى نفاها بحسناته، ~~والكسع أيضا: أن تضرب الشيء بصدر قدمك وقد كسعته. الأصمعي: الكسع: سرعة ~~المر، وكسعته بكذا: # جعلته تابعا له. # تلافي: تدارك. الهفوات: السقطات والزلات، وقد هفا الرجل، إذا فعل المنكر ~~وما يكره. الفوات: الموت. مغاداة: مباكرة، وقد غاداه: أتاه بالغدو، ~~والغادات: # النواعم من النساء، الواحدة غادة، والتقاة: الخائفون، الواحد تقي، وقوله ~~تعالى: إلا أن تتقوا منهم تقاة [آل عمران: 28]، يجوز أن يكون الأتقياء، ~~ويجوز أن يكون مصدرا، وهو ms1056 أجود القولين: تقيته، واتقيته تقى وتقية وتقا ~~وتقاء، أي حذرته، والاسم التقوى. مقاناة: مخالطة وملازمة، وهي مفاعلة من ~~القينة، وهي الجارية المغنية، والجمع قينات. مداناة: مقاربة ديانات، هي من ~~الدين، أراد بها الطاعة. آليت: حلفت. نزع: # زال وكف. الغي: الضلال. فاء: رجع. منشره: انتشاره في الصبا واللهو. ألفيت: # وجدت. خليع الرسن: مسيب في المعاصي، لا يكفه عن إتيانها عقل ولا دين، ~~وخلعت رسن الدابة: تركتها ترعى حيث شاءت سائبة، ومثله خالع العذار، وخلع ~~عذاره، أصله في الدابة إذا خلع عذارها فسيبت، فإن انفلت رسنها الذي تمسكها ~~به ففرت، قيل: جرت رسنها، وفلان يجر رسنه، وبابه في الاستعارة أنه مسيب في ~~الشهوات مجاهر بها. مديد الوسن: طويل النوم، أي فارغ البال من ذكر أو صلاة ~~بالليل أو قراءة. أنأيت: أبعدت. # عره: جربه ودائه، يريد أنه حلف ألا يصاحب إلا من كف عن الصبا واللهو ~~والنساء، ومتى وجد أهل اللهو والغزل فر عنهم وتركهم، وقال الإلبيري فأحسن: ~~[مجزوء الكامل] # من حاد عن نهج الهدى ... فأضل قصد سبيله # فتوق خلته فدي ... ن المرء دين خليله # وله أيضا: [الوافر] # ألا خبر بمنتزح النواحي ... أطير إليه مقصوص الجناح PageV03P227 # وأسأله وألطفه عساه ... سيأسو ما بديني من جراح # ويجلو ما دجى من ليل جهلي ... بنور هدى كمنبلج الصباح # فأبصق في محيا أم دفر ... وأهجرها وأدفعها براحي # وأصحو من حمياها وأسلو ... عفافا عن جآذرها الملاح # وأصرف همتي بالكف عنها ... إلى دار السعادة والنجاح # *** # فلما ألقتني الغربة بتنيس، وأحلتني مسجدها الأنيس، رأيت ذا حلقة ملتحمة، ~~ونظارة مزدحمة؛ وهو يقول بجأش مكين، ولسان مبين: مسكين ابن آدم وأي مسكين! ~~ركن من الدنيا إلى غير ركين، واستعصم منها بغير مكين، وذبح من حبها بغير ~~سكين، يكلف بها لغباوته، ويكلب عليها لشقاوته، ويعتد فيها لمفاخرته، ولا ~~يتزود منها لآخرته. # أقسم بمن مرج البحرين، ونور القمرين، ورفع قدر الحجرين: لو عقل ابن آدم، ~~لما نادم، ولو فكر فيما قدم، لبكى الدم، ولو ذكر المكافآت، لاستدرك ما فات. ~~ولو نظر في المآل، لحسن قبح ms1057 الأعمال. # يا عجبا كل العجب، لمن يقتحم ذات اللهب، في اكتناز الذهب، وخزن النشب، ~~لذوي النسب. ثم من البدع العجيب، أن يعظك وخط المشيب، وتؤذن شمسك بالمغيب، ~~ولست ترى أن تنيب، وتهذب المعيب. # *** ### || AUTO [تنيس] # تنيس بلدة كبيرة، وهي جزيرة أحدقت بها بحيرة يتصل بها النيل، فتعذب عند ~~زيادته ستة أشهر، وتملح ستة أشهر، ويتصل بها خليج دمياط، وخليجها ينقسم على ~~شرقيها غربيها، ويلتقيان فى البحيرة، فيسيرون بسفنهم من دمياط إلى تنيس؛ ~~دخولهم لها وخروجهم بريح واحدة محكمة. وأهل تنيس ذوو يسار، وأكثرهم حاكة. ~~وثياب الشروب التي تصنع بها وبدمياط لا يصنع مثلها في الدنيا، وليس في ~~الدنيا طراز كتان يبلغ الثوب منها دون أن يعين بذهب مائة دينار، غير طراز ~~تنيس ودمياط، ويكتفي ثوبها بقصارة يوم واحد في البحيرة فيبيض. قال ~~اليعقوبي: مدينة تنيس يحيط بها البحر الأعظم الملح ولها بحيرة يأتي ماؤها ~~من النيل، وهي مدينة قديمة بها تعمل الثياب الرفيعة الصفاق والعصب والبرود ~~والوشي، وبها مرسى المراكب الواردة من الشام والمغرب. PageV03P228 # قوله: ملتحمة، أي منضمة ملتصقة. ذا حلقة: يريد واعظا قد حلقه الناس ~~والنظارة: الناظرون إليه. جاش: تنفس. مكين: شديد. مبين: مفصح. أي مسكين: # ترحم عليه لكثرة مسكنته وتعجب منه. ركن: سكن ولجأ. ركين شديد: قوي يركن ~~إليه، ورجل ركين، أي وقور بين الركانة، والركين: الثابت. مكين: عزيز له ~~مكانة، أي منزلة رفيعة. ذبح من حبها بغير سكين: إشارة لعذابه فيها ومحنته، ~~لأن السكين تذبح المذبوح من ساعته، ومن يذبح بحجر أو عود أو غير ذلك، فهو ~~في تعذيب. # أبو موسى: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن ~~أحب آخرته أضر بدنياه، فآثر ما يبقى على ما يفنى» (¬1). # وقال سفيان بن عيينة: ويلكم يا علماء السوء، لا تكونوا كالمنخل يخرج منه ~~الدقيق الطيب فيمر ويمسك النخالة، فكذلك أنتم تخرجون الحكمة من أفواهكم، ~~ويبقى الغل في صدوركم، ويحكم! إن الذي يخوض النهر لا بد أن يصيب ثوبه الماء ~~وإن جهد ألا يصيبه، كذلك ms1058 من يحب الدنيا لا ينجو من الخطايا. # يكلف، أي يولع بها ويشتد حبه فيها. غباوته: جهله. يكلب: يشتد حرصه، وكلب ~~على الشيء: ألح في طلبه، وأصله من الكلب وهو السعر في الكلاب. يعتد: # يستعد. مرج: خلط، وقيل: أرسلهما وخلاهما كما تسرح الدابة في مرعاها. ~~والقمرين: # الشمس والقمر، غلب لفظ القمر لخفته بالتذكير وإن كانت الشمس أنور، وهي ~~أصل لنور القمر، ولهذا قال المتنبي: [الوافر] # وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال (¬2) # أراد أن الشمس أنور وأضوأ، فما يضرها تأنيث اسمها، وما ينفع الهلال تذكير ~~اسمه، وهو ناقص عنها، فلخفة لفظ القمر غلب، كما قالوا: العمران لأبي بكر ~~وعمر، وأبو بكر أفضل من عمر باتفاق من أهل السنة، فغلب لفظ عمر لخفنه ~~بإفراده وقلة حروفه. ### || AUTO [القمر ومما قيل منه] # ومما يحسن موقعه مع قوله: ونور القمرين؛ أن أعرابيا أضل الطريق فمات ~~جزعا، وأيقن بالهلاك، فلما طلع القمر اهتدى، ووجد الطريق، فرفع إليه رأسه ~~ليشكره، فقال له: والله ما أدري ما أقول لك، ولا ما أقول فيك! أقول: رفعك ~~الله، فالله قد رفعك، أم أقول: نورك الله، فالله قد نورك، أم أقول: حسنك ~~الله، فالله قد حسنك، ولكن ما بقي إلا الدعاء أن ينسئ الله في أجلك، وأن ~~يجعلني من السوء فداءك. PageV03P229 # وضلت ناقة لأعرابي في ليلة مظلمة، فأكثر في طلبها، فلم يجدها، فلما طلع ~~القمر وانبسط نوره وجدها إلى جانبه ببعض الأودية، وقد كان اجتاز بموضعها ~~مرارا فلم يرها لشدة الظلام، فرفع رأسه إلى القمر، وقال: [البسيط] # ماذا أقول وقولي فيك ذو خطر ... وقد كفيتني التفصيل والجملا # إن قلت لا زلت مرفوعا فأنت كذا ... أو قلت زانك ربي، فهو قد فعلا # ومما قيل في ذمه: عربد بعض المجان على القمر، فقال: والله إنك لتفتت ~~الكتان، وتغير الألوان، وتصفر الأسنان، وتخثر الأبدان، وتسدد الآذان، وتفضح ~~السكران، وتظهر الكتمان وتقلق الصبيان، وتبيض الأرجوان، وتلحس الزعفران، ~~وتهزل الحيتان، وتمحق الأدمغة بالنقصان. # وقال ابن المعتز يذمه: [الكامل] # يا سارق الأنوار من شمس ms1059 الضحى ... يا مثكلي طيب الكرى ومنغصي # أما ضياء الشمس فيك فناقص ... وأرى حرارة نارها لم تنقص # لم يظفر التشبيه فيك بطائل ... متسلخ لونا كلون الأبرص # قوله: الحجرين، أي الذهب والفضة. وقيل الحجر الأسود ومقام إبراهيم عليه ~~السلام. # نادم: صاحب، والنديم الصاحب على الخمر. المكافآت: المجازاة. المآل: ~~المرجع. ذات اللهب: صاحبة النار، يعني جهنم. يقتحم: يترامى فيها، وهذا من ~~قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأخذ بحجزكم عن النار، وأنتم ~~تقتحمون فيها، كما تقتحم الفراش والجنادب» (¬1). # الخزن: الجمع. البدع: الحدث لم يكن ثم كان، وقد ابتدعت الشيء: أحدثته، ~~وسقت الناس إلى فعله. وخط: اختلط، وقد وخط الشيب الشعر، إذا خالطه وفشا فيه. # وتؤذن: تعلم. شمسك بالمغيب: نفسك بالذهاب. تنيب: ترجع وتتوب. تهذب: # تخلصه من العيب. والمعيب: الكثير العيب. يرشد: يهدي ويدل الطريق. ### || AUTO [الدنيا ومما قيل فيها] # ونذكر هنا شيئا مما قيل في الدنيا موافقة للحريري، ثم نعود إلى ذكر الشيب: # ومن خطبة قطري بن الفجاءة في ذم الدنيا: # ألستم في مساكن من كان أطول منكم أعمارا، وأعد عديدا، وأوضح آثارا، وأكثر ~~جنودا، وأعد عتادا، وأطول عمادا؛ تعبدوا للدنيا أي تعبد، وآثروها أي إيثار، ~~وظعنوا PageV03P230 # عنها بالكره والصغار، فهل بلغكم أن الدنيا أسمحت لهم نفسا، وأغنت عنهم ~~بحيلة، بل أرهقتهم بالحوادث، وضعضعتهم بالنوائب، ودهمتهم بالمصائب، أرأيتم ~~مكرها بمن دان لها وآثرها، وأخلد إليها، يقول الله تعالى: من كان يريد ~~الحياة الدنيا وزينتها [هود: # 15]، إلى قوله: وباطل ما كانوا يعملون [هود: 16]. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه: «ألا أريك ~~الدنيا جمعاء بما فيها؟ # قال: قلت: بلى، فأخذ بيدي، وأتى واديا من أودية المدينة، فإذا مزبلة فيها ~~رءوس الناس وعذرات وخرق، فقال: يا أبا هريرة، هذه الرءوس كانت تحرص حرصكم، ~~وتأمل أملكم، ثم هي اليوم عظام، ثم غدا رماد، وهذه العذرات ألوان أطعمتهم ~~اكتسبوها من حيث اكتسبوها فقذفوها في بطونهم، فأصبحت والناس يتحامونها، ~~والريح تصفقها، وهذه عظام دوابهم التي كانوا بها ينتجعون أطراف البلاد، فمن ms1060 ~~كان باكيا على الدنيا فليبك» فما برحنا، حتى اشتد بكاؤنا. # مر أبو عثمان الدباغ، برجل على كنيف، فقال له: إلى هذا انتهت دنيا القوم .. # وقال الشاعر: [الكامل] # ولقد سألت الدار عن أخبارهم ... فتبسمت عجبا ولم تبدي # حتى مررت على الكنيف فقال لي ... أموالهم ونوالهم عندي # ويروى أن عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام مر بجمجمة فضربها برجله، ~~وقال: تكلمي بإذن الله، فقالت: يا روح الله، أنا ملك زمن كذا، فبينما أنا ~~جالس في ملكي، علي تاجي، وحولي حشمي وجنودي على سريري، إذ بدا لي ملك الموت ~~وظهر، فزال عني كل عضو من موضعه، ثم خرجت إليه نفسي. # ولبعض الزهاد: [الكامل] # دنيا تخادعني كأ ... ني لست أعرف حالها # مدت إلي يمينها ... فقطعتها، وشمالها # منع الإله حرامها ... وأنا اجتنبت حلالها # ورأيتها محتاجة ... فوهبت جملتها لها # ولبعضهم: [الوافر] # هب الدنيا تساق إليك عفوا ... أليس مصير ذاك إلى انتقال # وما دنياك إلا مثل فيء ... أظلك ثم آذن بالزوال # أبو العتاهية: [البسيط] # يا من ترفع بالدنيا وزينتها ... ليس الترفع رفع الطين بالطين PageV03P231 # إذا أردت شريف القوم كلهم ... فانظر إلى ملك في زي مسكين # أرى أناسا بأدنى الدين قد قنعوا ... ولا أراهم رضوا في العيش بالدون # فاستغن بالله عن دنيا الملوك كما اس ... تغنى الملوك بدنياهم عن الدين # وقال التهامي: [الكامل] # حكم المنية في البرية جاري ... ما هذه الدنيا بدار قرار (¬1) # بينا يرى الإنسان فيها مخبرا ... حتى يرى خبرا من الأخبار # طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفوا من الأقذار والأكدار # ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار # وقال أبو حاتم: إنما بيني وبين الملوك واحدة؛ أما أمس فلا يجدون لذته، ~~وأنا وإياهم في غد على وجل، وإنما هو اليوم، فما عسى أن يكون اليوم! أخذه ~~أبو العتاهية فقال: [البسيط] # حتى متى نحن في الأيام نحسبها ... وإنما نحن فيها بين يومين (¬2) # يوم تولى ويوم نحن نأمله ... لعله أجلب الأيام للحين # ولحاتم: [الطويل] # هل الدهر إلا اليوم أو أمس أو غد ... كذا الدهر فيما بيننا يتردد ms1061 # ترد علينا ليلة بعد يومها ... فلا عمرنا يبقى ولا الدهر ينفد # وللفقيه الباجي: [المتقارب] # إذا كنت أعلم علما يقينا ... بأن جميع حياتي كساعه # فلم لا أكون ضنينا بها ... وأجعلها في صلاح وطاعة! # وله أيضا: [الطويل] # تبلغ من الدنيا بأيسر زاد ... فإنك عنها راحل لمعاد # وغض عن الدنيا وزخرف أهلها ... جفونك واكحلها بطيب سهاد # وجاهد عن اللذات نفسك جاهدا ... فإن جهاد النفس خير جهاد # وما هي إلا دار لهو وفتنة ... وإن قصارى أهلها لنفاد # وقال آخر: [الوافر] # وما أهل الحياة لنا بأهل ... ولا دار الفناء لنا بدار PageV03P232 # وما أموالنا إلا عوار ... سيأخذها المعير من المعار # ولأبي العتاهية: [الكامل] # قطعت منك حبائل الآمال ... وحططت عن ظهر المطي رحالي # ووجدت برد اليأس بين جوانحي ... فأرحت من حطي ومن ترحالي # فالآن يا دنيا عرفتك فاذهبي ... يا دار كل تنقل وزوال # والآن صار لي الزمان مؤدبا ... فغدا وراح علي بالأمثال # يا أيها البطل الذي هو من غد ... في قبره متفرق الأوصال # حيل ابن آدم في الأمور كثيرة ... والموت يقطع حيلة المحتال # وللقاضي أبي حفص بن عمران: [المديد] # أيها المغتر بالزمن ... في هواه خالع الرسن # حبك الدنيا وزينتها ... فتنة عمتك بالفتن # ظلت والحالات شاهدة ... عاكفا منها على وثن # فاهجرنها إن زينتها ... زينة شانت ولم تزن # خدعتك إنها قبحت ... باطنا في ظاهر حسن # واسل عن حرص وعن طمع ... أملا يردي وعن وعن # ولتقدم ما تسر به ... قبل طول البث والحزن # فكأن أخراك ما برحت ... وكأن دنياك لم تكن # *** # ثم اندفع ينشد، إنشاد من يرشد: [السريع] # يا ويح من أنذره شيبه ... وهو على غي الصبا منكمش # يعشو إلى نار الهوى بعد ما ... أصبح من ضعف القوى يرتعش # ويمتطي اللهو ويعتده ... أوطأ ما يفترش المفترش # لم يهب الشيب الذي ما رأى ... نجومه ذو اللب إلا دهش # ولا انتهى عما ما نهاه النهى ... عنه ولا بالى بعرض خدش # فذاك إن مات فسحقا له ... وإن يعش عد كأن لم يعش # لا خير في محيا امرئ نشره ... كنشر ميت بعد عشر نبش ms1062 # *** PageV03P233 # قوله: يا ويح من أنذره شيبه، ويح كلمة ترحم؛ أنذره: أبلغه وحذره. غي: # ضلال. منكمش: مسرع إليه ملازم له، وقد كمش الرجل وانكمش في أمره: استمر ~~ومضى فيه مسرعا. ### || AUTO ومن قولهم في الشيب # في هذا المعنى ما قال أكثم بن صيفي: الشيب عنوان الموت. # وقال العتابي: الشيب نذير الموت. # وقال النميري: هو عنوان الكبر. # قيس بن عاصم: هو خطام المنية. # محمود الوراق: الشيب إحدى الميتتين. # المعتز بن سليمان: الشيب موت الشعر، وموت الشعر علة لموت البشر. # أعرابي: كنت أنكر السوداء، فيا خير مبدول ويا شر بدل! أخذه حبيب فقال: # [الخفيف] # شاب رأسي وما رأيت مشيب الرأ ... س إلا من فضل شيب الفؤاد (¬1) # وكذاك الرءوس من كل بؤس ... ونعيم طلائع الأجساد # طال إنكاري البياض وإن عم ... رت شيئا أنكرت لون السواد # زارني شخصه بطلعة ضيم ... عمرت مجلسي من العواد # قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: عجل عليك الشيب يا رسول الله، فقال: ~~«شيبتني هود وأخواتها» (¬2). # وقيل لعبد الملك: عجل عليك الشيب يا أمير المؤمنين، فقال شيبني ارتقاء ~~المنابر وتوقع اللحن. # وقيل لشاعر: عجل عليك الشيب فقال: كيف لا، وأنا أعصر قلبي في عمل لا يرجى ~~ثوابه، ولا يؤمن عقابه. # وقال محمود الوراق رحمه الله: [المتقارب] # بكيت لقرب الأجل ... وبعد فوات الأمل # ووافد شيب طرا ... بعقب شباب رحل # شباب كأن لم يكن ... وشبب كأن لم يزل PageV03P234 # وقال حبيب: [الطويل] # غدا الشيب مختطا بفودي خطة ... طريق الردى منها إلى النفس مهيع (¬1) # هو الزور يجفى والمعاشر يجتوى ... وذو الإلف يقلى والجديد يرقع # له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع # ونحن نرجيه على السخط والرضا ... وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع # وقال ابن عبد ربه: [الوافر] # شباب المرء تنفده الليالي ... وإن كانت تصير إلى نفاد # فأسوده يعود إلى بياض ... وأبيضه يعود إلى سواد # أخذ هذا من قول المستوغر بن ربيعة حين دخل على معاوية، وهو ابن ثلاثمائة ~~سنة، فقال: كيف تجدك يا مستوغر؟ قال: أجدني قد لان مني ما كنت ms1063 أحب أن يشتد، ~~وابيض مني ما كنت أحب أن يسود. # وقال ابن عبد ربه: [البسيط] # أطلال لهوك قد أقوت مغانيها ... لم يبق من رسمها إلا أثافيها # هذي المفارق قد قامت شواهدها ... على فنائك والدنيا تزكيها # للموت سفتجة فيها معنونة ... لم يبق للموت إلا أن يسجيها # *** # قوله: يعشو، أي ينظر ببصر ضعيف. يمتطي: يركب. يعتده: يحسبه. المفترش: # المضطجع على الفراش، يريد أنه يركب اللهو فيلتذه ويجده وطيئا. يهب: يخف. اللب: # العقل: دهش: تحير. النهى: جمع نهية، وهي العقل ينهى عن القبيح، وينتهي به ~~إلى حسن الرأي في الأمور، ويقال: نهاه عن ذلك نهاه، أي عقله. # وأنشد أبو طاهر السلفي، قال: أنشدني القاضي أبو محمد بن الحسن بن نصر بن ~~مرهف النهاوندي، قال: أنشدني الأديب المدني لنفسه في نفسه: [الخفيف] # لي على الناس فضل نظم ونثر ... من أباه هجوته وأباه # وإذا ما أتى صفعت قفاه ... وقفا من أعانه وقفاه # رحم الله من أراد محالا ... فنهاه عن المحال نهاه # قوله: خدش، أي ذم وسب، وأصل الخدش الأثر في الجلد، ثم اتسع فيه، فجعل ~~للعرض. سحقا: بعدا، والنشر: الريح؛ طيبة كانت أو خبيثة. نبش: أخرج، وكل ~~مدفون PageV03P235 # أخرجته فقد نبشته. وأخذ هذا البيت من قول ابن المعتز: [الطويل] # تبحثت عن آثاره فكأنما ... نبشت عليه بعد ثالثة الدفن # وله: [الكامل] # أثني عليك بمثل ريحك ميتا ... في عقب يوم تزفك الأعواد # وأخذ هذا وهذا من قول عمر بن عبد العزيز: لو رأيتني بعد ثالثة! وتقدم في ~~الحادية عشرة [السريع] # وحبذا من عرضه طيب ... يروق حسنا مثل برد رقش # فقل لمن قد شاكه ذنبه: ... هلكت يا مسكين أو تنتقش # فأخلص التوبة تطمس بها ... من الخطايا السود ما قد نقش # وعاشر الناس بخلق رضا ... ودار من طاش ومن لم يطش # ورش جناح الحر إن حصه ... زمانه، لا كان من لم يرش # وأنجد الموتور ظلما فإن ... عجزت عن إنجاده فاستجش # وانعش إذا ناداك ذو كبوة ... عساك في الحشر به تنتعش # وهاك كأس النصح فاشرب وجد ... بفضلة الكأس على من ms1064 عطش # *** # يروق: يعجب: برد: ثوب. رقش: رقم وزين، تقول: رقشت يد المرأة بالحناء ~~والحائط بالأصباغ والقرطاس بالمداد، وشبه هذا شاكه ذنبه، يقال: شاكه يشوكه، ~~إذا دخل فيه شوكة، قال الشاعر: [الكامل] # لا تنقشن برجل غيرك شوكة ... فتقي برجلك رجل من قد شاكها (¬1) # فشاكها، أدخل فيها الشوك، وشاكته الشوكة: دخلت فيه، وشكته أنا، إذا أدخلت ~~الشوكة في جسمه، فإن أصابك الشوك قلت: شاكني الشوك يشوكني شوكا. وانتقشت ~~حقي من فلان، إذا استخرجته ولم تترك منه شيئا. # وقال صلى الله عليه وسلم: «وإن شيك فلا انتقش» (¬2)، فشيك أصابه الشوك ~~ومعناه إذا وقع في شر فلا يخلص منه. # تنتقش: تخرج الشوكة وتبحث عليها، وأو بمعنى إلا. والمناقشة: البحث ~~والاستقصاء، ومنه مناقشة الحساب، وبذلك سمي المنقاش، وقال ابن الرومي: ~~[الطويل] PageV03P236 # إذا رمت بالمنقاش نتف أشاهبي ... أتيح لها من بينهن الأباهم # يراوغ منقاشي نجوم مسايحي ... وهن بعيني طالعات نواجم # تطمس: تمحو. ونقش: كتب، والنقش يستعمل في مثل الخشب والحائط والصخر، ~~والنقش: الفتح والتأثير في نفس المنقوش. وقال الإلبيري في معنى هذا البيت: ~~[الكامل] # من ليس يسعى في الخلاص لنفسه ... كانت سعايته عليها، لا لها # إن الذنوب بتوبة تمحى كما ... يمحو سجود السهو غفلة من سها # قوله: عاشر، أي صاحب. دار: عامله بما يحب، وامش على غرضه طاش: خف عقله، ~~ورجل طياش غير مقتصد في قوله، وهو من طاش السهم، إذا لم يصب ووقع على غير ~~قصد، ومثله قول أعرابي لبنيه: عاشروا الناس معاشرة إذا غبتم حنوا إليكم، ~~وإن متم بكوا عليكم؛ وهذا من قول الشاعر: [الطويل] # وأكرم كريما إن أتاك لحاجة ... لفاقته إن العضاة تروح (¬1) # وقال الأضبط بن قريع: [المنسرح] # لا تهين الفقير علك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه (¬2) # رش الجناح: اكسه الريش، والمعنى أصلح حال الحر إذا افتقر. حصه: نتفه. # أنجد: قو وأعن، والموتور: المظلوم الذي قتل له أخ أو ولد أو نسيب. استجش: ~~اجمع جيشا، والمعنى: إذا لم تقدر على إعانة مظلوم، فتوسط لمن يعينه. انعش: ~~ارفع. كبوة: # سقطة وعثرة. تنتعش: ترتفع ms1065 وتقوم من عثرتك. هاك: خذ، والمعنى خذ كأس ~~النصيحة فاشربها فإذا رويت فاسق غيرك. ولا يقال كأس إلا إذا كان فيها شراب. # *** # قال: فلما فرغ من مبكياته، وقضى إنشاد أبياته، نهض صبي قد شدن، وأعرى ~~البدن، وقال: يا ذوي الحصاة، والإنصات إلى الوصاة، قد وعيتم الإنشاد، ~~وفقهتم الإرشاد، فمن نوى منكم أن يقبل، ويصلح المستقبل، فليبن ببري عن ~~نيته، ولا يعدل عني بعطيته؛ فو الذي يعلم الأسرار، ويغفر الإصرار؛ إن سري ~~لكما PageV03P237 # ترون، وإن وجهي ليستوجب الصون؛ فأعينوني رزقتم العون. # قال: فأخذ الشيخ فيما يعطف عليه القلوب؛ ويسني له المطلوب؛ حتى أنبط ~~حفره، واعشوشب قفره. فلما أن ترع الكيس؛ انصلت يميس، ويحمد تنيس، ولم يحل ~~للشيخ المقام، بعد ما انصاع الغلام. فاسترفع الأيدي بالدعاء، ثم نحا نحو ~~الانكفاء. # *** # قوله: قضى، أي أتم. نهض: قام وتقدم. شدن: اشتد وقوي، وأصله في الظبي ~~والصبي، تقول: شدن الظبي، إذا اشتد وترعرع، وكذلك الصبي قال عمر بن أبي ربيعة: # [البسيط] # إذ تستبيك بمصقول عوارضه ... ومقلتي جؤذر لم يعد أن شدنا (¬1) # أراد أنه ترعرع للمشي والرعي. أعرى البدن: تركه عريانا. ذوي الحصاة: أهل ~~العقول: والإنصات: السكوت وحسن الاستماع، والوصاة، بمعنى الوصية كالتقاة ~~بمعنى التقية، وأصلها «وقية» قلبت الواو تاء والياء ألفا، والواو إذا انضمت ~~في أول الكلمة كنت بالخيار، إن شئت تركتها، وإن شئت قلبتها، ولهذا تركت في ~~الوصاة. وقيل الوصاة بفتح الواو في الوصية، وبضمها جمع واص كراع ورعاة، ~~وعيتم: حفظتم. فقهتم: فهمتم الإرشاد: الهداية: أي قد فهمتم ما دللتم عليه ~~من الخير فافعلوا. نوى: قصد وأضمر، وهو من النية، وأراد بالمستقبل، ما ~~يستقبله من أفعاله. فليبن: فليفصح ويبين. ببري: # بإكرامي. عن نيته: عن قصده وصدق باطنه. يعدل: يمل. الإصرار: الإقامة على ~~الذنب، سري لكما ترون، أي هو ظاهر لكم غير مستتر. الصون: الحوطة فيما يعطف ~~عليه القلوب، يريد أنه أخذ في كلام تحن به للصبي قلوب الناس. يسني: يسهل وييسر. # أنبط: أخرج الماء. القفر: ما لا نبات فيه. اعشوشب تغطى بالعشب، يريد أنه ms1066 ~~استغنى بعد الفقر، وضرب بأنبط واعشوشب المثل. ترع: امتلأ، والكيس: وعاء ~~الدراهم انصلت: تسلل وخرج بسهولة. يميس: يتمايل ويتبختر. انصاع: ذهب مسرعا ~~وانفتل راجعا. استرفع: طلب رفعها. نحا نحو الانكفاء، أي قصد قصد الانصراف. # *** # قال الراوي: فارتحت إلى أن أعجمه، وأحل مترجمه، فتبعته وهو يشتد في سمته، ~~ولا يفتق رتق صمته؛ فلما أمن المفاجي، وأمكن التناجي، لفت جيده إلي، PageV03P238 # وسلم تسليم البشاشة علي، ثم قال: أراقك ذكاء ذاك الشويدن؟ فقلت: إي ~~والمؤمن المهيمن؛ قال: إنه فتى السروجي، ومخرج الدر من اللجي. فقلت: إنك ~~لشجرة ثمرته، وشواظ شررته. فصدق كهانتي، واستحسن إبانتي. ثم قال: هل لك في ~~ابتدار البيت؛ لنتنازع كأس الكميت؟ فقلت له: ويحك! أتأمرون الناس بالبر ~~وتنسون أنفسكم [البقرة: 44]، فافتر افترار متضاحك، ومر غير مماحك. # ثم بدا له أن تراجع إلي، وقال: احفظها عني وعلي: [السريع] # اصرف بصرف الراح عنك الأسى ... وروح القلب ولا تكتئب # وقل لمن لامك فيما به ... تدفع عنك الهم: قدك اتأب # قوله: ارتحت، أي اشتهيت وطربت. أعجمه: أخبره. مترجمه: ملتبسه. يشتد: # يجري. سمته: طريقه. يفتق رتق: يشق غلق. صمته: مبهم أمره والفتق: الخرق، ~~والرتق: الإغلاق، وهو ضده، وذلك أن يضم المتخرق بعضه إلى بعض. التناجي: # التحادث. لفت جيده: عطف عنقه. البشاشة: الخفة وإبداء السرور. أراقك؟ : ~~أأعجبك؟ # ذكاء: حذق، والذكاء: توقد الذهن. الشويدن: تصغير شادن، وأراد ابنه. ~~والمؤمن المهيمن، هو الله تعالى، والإيمان: التصديق. وقال أبو بكر بن ~~العربي: البارئ تعالى مؤمن بتصديقه لنفسه بقوله، وذلك حقيقته، قال الله ~~تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو [آل عمران: 18]، أو بتصديقه لرسله ~~بإظهار المعجزة، أو لأوليائه بإظهار الكرامة، وهما مجازان، والمهيمن: ~~الرقيب الحافظ. # الكسائي: المهيمن: الشهيد. أبو عبيدة: الرقيب، وقد هيمن هيمنة. ابن ~~الأنباري: # القائم على خلقه، قال الشاعر: [الطويل] # ألا إن خير الناس بعد نبيهم ... مهيمنه التاليه في العرف والنكر (¬1) # أي القائم على الناس بعده، وأصله «مؤيمن» فأبدلوا من الهمزة هاء كما قالوا: # أرقت وهرقت. وفي مثل مدح هذا الغلام بالذكاء قال الفضل بن جعفر: ms1067 [الطويل] # فإن خلفته السن فالعقل بالغ ... به رتبة الكهل المرشح للمجد # فقد كان يحيى أوتي الحكم قبله ... صبيا وعيسى كلم الناس في المهد # وقال البحتري: [البسيط] # لا تنظرن إلى العباس من صغر ... في السن وانظر إلى المجد الذي شادا (¬2) PageV03P239 # إن النجوم نجوم الجو أحقرها ... في العين أكثرها في الجو إصعادا ### || AUTO [من نوادر الولدان] # ولما ذكر لهذا الصبي من فصاحة اللسان وبراعة البيان ما ذكر، وجب علينا أن ~~نذكر من نوادر الولدان فصلا كافيا يؤنس بما ذكر، لئلا نخل بما شرطناه، فقد ~~تروى للولدان نوادر، ربما عجزت عنها الكهول ذوو البصائر. # حكى الخطابي أنه قدم على عمر بن عبد العزيز وفد فيهم شاب، فتحوس للكلام، ~~فقال عمر: كبروا كبروا، أي ليتكلم الكبراء منكم، فقال: الغلام يا أمير ~~المؤمنين، لو كان [الأمر] بالسن لكان في المسلمين من هو أسن منك. # قال عمر: صدقت! تكلم. # فتحوس: فتهيأ للكلام. # وفي رواية: قدم وفد الحجاز على عمر فقدموا غلاما منهم للكلام، فقال عمر: # مهلا، ليتكلم من هو أسن منك، فقال الغلام: مهلا يا أمير المؤمنين، إنما ~~المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فإذا منح الله العبد لسانا لافظا وقلبا حافظا ~~فقد أجاد له الحلية. # قال: تكلم، قال: نحن وفود الشكر، لا وفود المرزئة، لم تقدمنا إليك رغبة ~~ولا رهبة، لأنا أمنا في زمانك ما خفنا، وأدركنا ما طلبنا. # ودخل محمد بن عبد الملك بن صالح على المأمون حين قبضت ضياعهم وهو غلام ~~صغير، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، محمد بن عبد الملك، سليل نعمتك ~~وابن دولتك، وغصن من أغصان دوحتك؛ أفتأذن لي في الكلام؟ قال: نعم. فحمد ~~الله تعالى وصلى على نبيه، ثم قال: أمتعنا الله بحياطة ديننا ودنيانا، ~~ورعاية أقصانا وأدنانا، ببقائك يا أمير المؤمنين، ونسأله أن يزيد في عمرك ~~من أعمارنا، وفي أثرك من آثارنا، ويقيك الأذى بأسماعنا وأبصارنا، هذا مقام ~~العائذ بظلك، الهارب إلى كنفك وفضلك، الفقير إلى رحمتك وعدلك. ثم سأل ~~حوائجه فقضاها. # وقحطت البادية أيام هشام بن عبد الملك؛ فوفد ms1068 عليه رءوس القبائل فجلس لهم، ~~وفيهم صبي، ابن أربع عشرة سنة، يسمى درواس بن حبيب، في رأسه ذؤابة، وعليه ~~بردة يمانية. فاستصغره هشام وقال لحاجبه: ما يشاء أحد أن يصل إلينا إلا ~~وصل، حتى الصبيان! فقال درواس: يا أمير المؤمنين، إن دخولي لم يخل بك ولا ~~انتقصك، ولكنه شرفني، وإن هؤلاء قدموا لأمر فهابوك دونه، وإن الكلام نشر، ~~والسكوت طي لا يعرف إلا بنشره؛ فأعجبه كلامه، وقال: انشر لا أم لك! فقال: ~~إنا أصابتنا سنون ثلاثة، فسنة أكلت اللحم، وسنة أذابت الشحم، وسنة أنقت ~~العظم (¬1)، وفي أيديكم فضول أموال، PageV03P240 # فإن كانت لله عز وجل ففرقوها على عباده، وإن كانت لهم فلا تحتبسوها عنهم، ~~وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم؛ فإن الله يجزي المتصدقين، ولا يضيع أجر ~~المحسنين؛ وإن الوالي من الرعية كالروح من الجسد، لا حياة له إلا به. # فقال هشام: ما ترك الغلام في واحدة من الثلاث عذرا، وأمر بمائة ألف دينار ~~ففرقت في أهل البادية، وأمر له بمائة ألف درهم: فقال: ارددها في جائزة ~~العرب، فما لي حاجة في خاصة نفسي دون عامة المسلمين. # أحمد بن يحيى: حدثني السدري أن نميرا غزت حنيفة فغنمت، وتبعتهم حنيفة ~~فهزموهم، وردوا غنائمهم، فلقيت غلاما منهم، فقلت: كيف صنع قومك؟ فقال: # تبعوهم والله، وقد أحقبوا كل جمالية خيفانة، فما زالوا يخصفون أخفاف ~~المطي بحوافر الخيل حتى لحقوهم بعد ثالثة. فجعلوا المران أرشية الموت، ~~فاستقوا بها أرواحهم. # وهذا كلام فصيح كثير الاستعارة. أحقبوا: أردفوا بموضع الحقيبة، والجمالية ~~المرأة الجميلة: وخصف: خرز، وتشبيه المران- وهي الأرماح- بالأرشية وهي ~~الحبال حسن. # وجلس خالد القسري يوما للشعراء على الفرات، فأنشدوه وأخذوا الجوائز ~~وانصرفوا، ولم يبق إلا غلام، فقال خالد: يا غلام، أشاعر أنت؟ قال: لا ولكني ~~متعلم، وقد قلت شيئا، قال: هات، فأنشأ يقول: [الطويل] # ألا هل ترى موج الفرات كأنه ... جبال سرور قد أتينك عوما # وما ذاك من عاداته غير أنه ... رأى شيمة من جاره فتعلما # وكان بقي على البساط فضلة مال، فقال له خالد: اطو البساط ms1069 بما عليه، فأخذه ~~الغلام بما عليه. # ورأى بعض الملوك غلاما يسوق حمارا، وهو يعنف عليه، فقال: ارفق يا غلام، ~~فقال: أيها الملك، في الرفق مضرة عليه، قال: وما مضرته؟ قال: يطول طريقه، ~~ويشتد جوعه، وفي العنف عليه إحسان إليه، يخف حمله، ويطول أكله. فأعجب به، ~~وقال: قد أمرت لك بألف درهم، قال: رزق مقدور، وواهب مأجور. قال: وقد أمرت ~~بإثبات اسمك في حشمي، قال: كفيت مئونة، ورزقت بها معونة، قال: لولا صغرك ~~لاستوزرتك، قال: لم يعدم الفضل من رزق العقل، قال: أفتصلح لذلك؟ قال: إنما ~~يكون الحمد أو الذم بعد التجربة، ولا يعرف الإنسان نفسه حتى يبلوها، ~~فاستوزره فوجده ذا رأي صائب. # دخل الفرزدق- وهو غلام يافع- على سعيد بن العاص، وقد أنشد أشعارا ~~والحطيئة حاضر فأنشده: [الوافر] PageV03P241 # ترى الغر الجحاجح من قريش ... إذا ما الأمر في الحدثان عالا (¬1) # قياما ينظرون إلى سعيد ... كأنهم يرون به الهلالا # فقال الحطيئة: هذا والله الشعر، لا ما تعلل به نفسك هذا اليوم، يا غلام ~~أدركت من قبلك، وسبقت من بعدك، وإن طال عمرك لتبرزن، ثم قال له: هل أنجدت ~~أمك يا غلام، قال: لا بل أنجد أبي، فوجده لقنا حاضر الجواب فأعجبه. # وكان للفرزدق نديم يسمى زيادا الأقطع، فأتى بابه، فخرجت له بنية له صغيرة ~~اسمها مكية، فقال لها: ابنة من أنت؟ قالت: ابنة الفرزدق، قال: فما بالك حبشية؟ # قالت: فما بال يدك مقطوعة؟ قال: قطعت في حرب الحرورية، قالت: بل قطعت في ~~اللصوصية، فقال: عليك وعلى أبيك لعنة الله، ثم أخبر الفرزدق بالخبر، فقال: ~~أشهد أنها ابنتي حقا، ثم قال: [الرجز] # سام إذا ما كنت محميه ... بدارمي أمه ضبيه # * صمحمح مثل أبي مكيه (¬2) * # وقرع باب عدي بن الرقاع جماعة من الشعراء، فخرجت إليهم بنية له صغيرة ~~فقالت: ما تريدون من أبي؟ فقالوا: جئنا لنهاجيه، فقالت: [الطويل] # تجمعتم من كل أوب ووجهة ... على واحد لا زلتم قرن واحد (¬3) # فأفحمتهم، ورجعوا بأخزى حالة. # وقال معاوية لعمرو بن سعيد وهو صغير: إلى من أوصى بك أبوك؟ فقال: ms1070 إن أبي ~~أوصى إلي ولم يوص بي. أخذه بعضهم فقال: [المتقارب] # وكنت النجيب لدى ناجلي ... فأوصى إلي ولم يوص بي # قال يحيى بن يزيد: استنشدت غلاما، فأنشدني أرجوزة، فقلت: لمن هذه؟ فقال: # لي. فزجزته فأنشأ يقول: [الرجز] # إني وإن كنت صغير السن ... وكان في العين نبو عني PageV03P242 # فإن شيطاني أمير الجن ... يذهب بي في القول كل فن # الأصمعي رحمه الله: قال وقف علي غلام بحمى ضرية، ما ظننته يجمع بين ~~كلمتين، فقلت: له: ما اسمك؟ قال: حريقيص، فقلت له: ما كفى أهلك أن سموك ~~حرقوصا حتى صغروا اسمك! فقال: إن السقط ليحرق الحرجة، فعجبت من جوابه. # فقلت: أتنشد شيئا من أشعار قومك؟ قال: نعم أنشد لمرارنا: [الكامل] # سكنوا شبيثا والأحص فأصبحت ... نزلت منازلهم بنو ذبيان # وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا ... حتى تقيم الخيل سوق طعان # وإذا فلان مات عن أكرومة ... رفعوا معاوز فقره لفلان # قال: فكادت الأرض تسوخ لحسن إنشاده وجودة الشعر، فحدثت الرشيد الحديث ~~فقال: وددت يا أصمعي لو رأيت هذا الغلام، فكنت أبلغه أعلى المراتب. فهذا ~~الغلام سمي بحقير مصغر، وهو في معناه جليل معظم. # وينظر إلى هذا من باب الضد ما حدث أبو العباس عن الرياشي عن الأصمعي، ~~قال: مر بنا أعرابي، وهو ينشد ابنا له، فقلت له: صفه، فقال: ديمري، فقلنا: ~~لم نره، فلم نلبث أن جاء بجعل على عنقه، فقلنا له: لو سألت عن هذا ~~لأرشدناك، ما زال هذا اليوم بين أيدينا. # الأصمعي: قيل لأبي المخش: أما كان لك ابن؟ فقال: المخش، قيل: وما كان ~~المخش؟ قال: أشدق خرطمانيا، إذا تكلم سال لعابه، كأنما ينظر من فلسين، وكأن ~~ترقوته بوان أو خالفة، وكأن مشاش منكبيه كركرة جمل؛ فقأ الله عيني هاتين إن ~~كنت رأيت أحسن منه قبله أو بعده، وأنشد: [المنسرح] # نعم ضجيع الفتى إذا برد اللي ... ل سحيرا وقرقف الصرد # زينها الله في الفؤاد كما ... زين في عين والد ولد # وقال أبو المخش: كانت لي ابنة تجلس معي على المائدة فتبرز كفا كأنها ~~طلعة، ms1071 في ذراع كأنها جمارة، فلا تقع عينها على أكلة نفيسة إلا خصتني بها، ~~فزوجتها، وصار يجلس معي على المائدة ابن لي، فيبرز كفا كأنها الكرنافة، في ~~ذراع كأنها سباطة، فلا تقع عيني على أكلة نفيسة إلا سبقت يده إليها قبلي. # المخش: الذي ينخش في القوم، يدخل معهم وهم يأكلون، وأراد بمثل الفلسين ~~عور عينيه. وقيل حفرتهما. خرطمانيا: طويل الأنف، وسيلان اللعاب يدل على قوة ~~النفس. البوان: عمود في مقدم البيت، والكرنافة: طرف الكرب العريض المتصل ~~بالنخلة كأنها كتف. # اليزيدي: أول ما ظهر من نجابة المأمون وسداده أني كنت أؤدبه فوجهت إليه ~~يوما PageV03P243 # ليخرج، فأبطأ، فقلت لسعيد الجوهري وهو في حجرة: إن هذا الفتى قد اشتغل ~~بالبطالة، فقال سعيد: قومه بالأدب، فلما خرج ضربته ثلاث درر، فإنه ليبكي ~~إذا بجعفر بن يحيى قد استأذن عليه، فوثب إلى فراشه مسرعا، وهو يمسح عينيه، ~~فجلس ثم قال: ليدخل، فدخل، فقمت من المجلس وخشيت أن يشكوني إلى جعفر، فألقى ~~منه ما أكره، فأقبل عليه بوجه طلق وحادثه وضاحكه، فلما هم بالحركة قال: يا ~~غلام، دابته، ورجعت. # فقال: ما حملك أن قمت عنا! فقلت: خفت أن تشكوني إليه فيوبخني، فقال: إنا ~~لله يا أبا محمد! ما كنت أطلع الرشيد على هذا، فكيف أطلع جعفرا على أني ~~أحتاج إلى أدب! يغفر الله لك. فكنت أهابه بعد ذلك. # وشكي إلى معلم عبد الرحمن بن حسان بصبيان، فضربهم حتى انتهى إلى عبد ~~الرحمن، فهدده فقال: [البسيط] # الله يعلم أني كنت معتزلا ... في دار حسان أصطاد اليعاسيبا # فتركه. وبلغ حسان، فضمه إليه وقال: أنت والله ابني حقا فداك أبي وأمي! . # ودخل عليه يوما يبكي من لسعة زنبور، فقال له: ما يبكيك؟ فقال: لسعني طائر ~~كأنه ملتف في بردى حبرة، فقال: قلت والله يا بني الشعر. # وجاءت سكينة بنت الحسين أمها الرباب وهي تبكي، فقالت: ما لك؟ فقالت: # سربت بي طويرة فلسعتني بأبيرة. # ويروى: مرت بي دبيرة، تصغير دبرة وهي النحلة. # *** # قوله: اللجي: البحر. شواظ: لهب النار. والكهانة: بالكسر: حرفة ms1072 الكاهن، ~~وبالفتح فعل الكاهن، وهو المصدر، والكاهن: المخبر بالغيب. # وافتر: تبسم. متضاحك: مستعمل الضحك. مماحك: لجوج، أي مشى غير غاضب. # احفظها عني، أي حصلها وعها. وعلي، أي اكتمها واسترها، وقامت الواو مقام ~~تكرير الفعل. اصرف: أزل ونح. صرف الراح: خالص الخمر الأسى: الحزن. تكتئب: # تهتم وتحزن. قدك: حسبك. اتأب: ارتجع وكف وقيل: معناه استحي، يقال منه: ~~وأب واتأب، أي خزي واستحيا والإبة والمؤبة: الخزي والحياء والانقباض، ~~وأوأبه واستآبه: # رده بخزي وعار، والتاء فيها مبدلة من واو، فأصل اتأب أوتأب فأبدلت الواو ~~تاء وأدغمت في التاء بعدها، وهي من وأب الحافر يئب وأبا إذا انضم. وحافر ~~وأب، أي خفيف، والتؤبة مأخوذة من أتأب: وقال حبيب: [الكامل] # قدك اتأب أربيت في الغلوا ... كم تعذلون وأنتم شجوى PageV03P244 # فهذا يبين لك موقعها في المقامة. # وعلى قوله تعالى: أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم [البقرة: 44]، قال: # أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مررت برجال ليلة أسري بي، تقرض ~~شفاههم وألسنتهم بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء ~~الخطباء من أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم» (¬1). # أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الذين يأمرون الناس ~~بالبر وينسون أنفسهم يجرون قصبهم في نار جهنم، فيقال لهم: من أنتم؟ ~~فيقولون: نحن الذين كنا نأمر بالبر وننسى أنفسنا» (¬2). # قال أبو العتاهية في منصور بن عمار وكأنه يخاطب واعظ المقامة: [البسيط] # يا واعظ الناس قد أصبحت متهما ... إذ عبت منهم أمورا كنت تأتيها # كالملبس الثوب من عري وعورته ... للناس بادية ما إن يواريها # وأعظم الأمر بعد الشرك تعلمه ... في كل نفس عماها عن مساويها # عرفانها بعيوب الناس تبصرها ... منهم ولا تبصر العيب الذي فيها # ومن لزوميات المعري: [الوافر] # رويدك قد خدعت وأنت كهل ... بصاحب حيلة يعظ النساء (¬3) # يحرم فيكم الصهباء صبحا ... ويشربها على عمد مساء # يقول لكم: غدوت بلا كساء ... وفي لذاتها رهن الكساء # إذا فعل الفتى ما عنه ينهى ... فمن جهتين لا جهة أساء ### || AUTO [الخمريات] # ونذكر هنا من الأبيات ms1073 الخمريات ما يأتي على معنى البيتين اللذين أنشد، ~~قال الحسن: [السريع] # ما مثل هذا اليوم في حسنه ... عطل من لهو ولا ضيعا (¬4) # هل لك أن تغدو على قهوة ... تسرع في المرء إذا أسرعا # ما وجد الناس ولا جربوا ... للهم شيئا مثلها مدفعا PageV03P245 # وله أيضا: [الطويل] # حلبت لأصحابي بها درة الصبا ... بصفراء من ماء الكروم شمول (¬1) # إذ ما أتت دون اللهاة من الفتى ... دعا همه من صدره برحيل # وله: [البسيط] # دع ذا فديتك واشربها معتقة ... صفراء تعبق بين الماء والزبد # من كف مختصر الزنار معتدل ... كغصن بان تثنى غير ذي أود # لو كان لومك نصحا كنت أقبله ... لكن لومك محمول على الحسد # وقال الصابي: [الوافر] # كوكب الإصباح لاحا ... طالعا والديك صاحا # فاسقنيها قهوة تأ ... سو من الهم جراحا # ذات نشر كنسيم الرو ... ض غب القطر فاحا # يا غلامي ما أرى في ... ك ولا فيها جناحا # وله من أبيات يصف فيها مجلس شراب: [المتقارب] # كأن الكئوس بأيدي السقاة ... سيوف لها بالدماء احمرار # كأن تسكابها في الزجاج ... حريق لها من حباب شرار # فلما برزن إلى الهم في ... ه ولي بالسرور عليه اقتدار # جرى الضرب مختلفا بيننا ... فمات وعشت وقد نيل ثار # وقال أبو بكر البلوي: [مجزوء الرمل] # ومدام كست الكأ ... س من النور وشاحا # ظهرت في جنح ليل ... فكأن الفجر لاحا # لم يكن وقت صباح ... فحسبناه صباحا # وقال أبو بكر الخالدي: [الكامل] # ما عذرنا في تركنا الأعنابا ... سقط الندى وصفا الهواء وطابا # فأدم لذاذة عيشنا بمدامة ... زادت على هرم الزمان شبابا # سفرت وغاب حبابها من لحظها ... فعلا محاسنها فصار نقابا # ولا بن المعتز: [الطويل] # ونار قدحناها سراعا بسحرة ... متى ما يرق ماء عليها توقد PageV03P246 # يجول حباب الماء في جنباتها ... كما جال دمع فوق خد مورد # *** # ثم قال: أما أنا فسأنطلق، إلى حيث أصطبح وأغتبق؛ وإذا كنت لا تصحب، ولا ~~تلائم من يطرب؛ فلست لي برفيق، ولا طريقك لي بطريق؛ فخل سبيلي ونكب، ولا ~~تنقر عني ولا تنقب؛ ثم ولى مدبرا ولم يعقب. # قال ms1074 الحارث بن همام: فالتهبت وجد عند انطلاقه، ووددت لو لم ألاقه. # *** # قوله: أصطبح، أشرب صبوحا وهو شرب الغدو. وأغتبق: أشرب غبوقا، وهو شرب ~~العشي، تلائم: توافق. نكب: تنح عن طريقي واجعله لجهة منكبك. تنقر وتنقب: # تبحث وتفتش، وقد نقرت عن الأمر إذا طلبت علم باطنه ونقبت عنه، إذا بحثت ~~عليه بظنك حتى تستخرج سره، وفلان نقاب، أي فطن ذكي يحدث بالغائب، والتنقيب ~~في البلاد: تطلع أحوال أهلها وتجريب أمورهم. ولى: أدبر، وترك طريقه الذي ~~كان يستقبله. يعقب: ينظر. والوجد: الحزن. والتهبت. اشتعلت. وددت: تمنيت. # ومما قيل في ترك الوداع: [الخفيف] # صدني عن حلاوة التشييع ... اجتنابي مرارة التوديع # لا يفي أنس ذا بوحشة هذا ... فرأيت الصواب ترك الجميع PageV03P247 ### | AUTO المقامة الثانية والأربعون وهي النجرانية # حكى الحارث بن همام قال: ترامت بي مرامي النوى، ومساري الهوى؛ إلى أن صرت ~~ابن كل تربة، وأخا كل غربة؛ إلا أني لم أكن أقطع واديا، ولا أشهد ناديا؛ ~~إلا لاقتباس الأدب المسلي عن الأشجان، المغلي قيمة الإنسان؛ حتى عرفت لي ~~هذه الشنشنة، وتناقلتها عني الألسنة، وصارت أعلق بي من الهوى ببني عذرة، ~~والشجاعة بآل صفرة. # *** # ترامت بي: رمتني هذه إلى هذه وهذه إلى هذه. والمرامي: المواضع التي ترميه. # والمساري: مواضع السرى، وهو سير الليل، وهو جمع مرمى ومسرى، ويكون المرمى ~~والمسرى مصدرين. والنوى: الغربة والبعد عن الأهل، أراد أن البلاد والجهات ~~ترميه بلدة إلى بلدة، وجهة إلى جهة، فهو أبدا في الجولان. وابن كل تربة، أي ~~ينسب لكل بلدة لكثرة ما يظهر فيها. ناديا: مجلسا. الاقتباس: الاكتساب. ~~المسلي: المذهب للهم، وتسليت عن الهم: نسيته. والأشجان: الأحزان، وقد تقدم ~~شرح هذه المعاني وتكرر. # الشنشنة: الطبيعية. أعلق: ألصق. ### || AUTO [بنو عذرة] # وبنو عذرة: قبيلة معروفة من قبائل العرب، وهم أولاد عذرة بن سعد بن هذيم ~~بن زيد بن ليث بن سويد بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. # الفنجديهي: عذرة قبيلة من العرب، يستلذون مرارة العشق مثل الضرب، جبلت ~~المحبة في طينتهم، وجنيت المودة من لينتهم، وصار الهوى وصفهم ms1075 الذي لا ينفك، ~~ورهائن قلوبهم من حرارات الشوق لا تفك، استأسرهم العشق أسرا، واستأصلهم ~~الحب قهرا وقسرا؛ فمنهم من يموت من أوام غرامه، ومنهم من يموت بهيام سقامه. # ومن مشاهيرهم جميل بن عبد الله بن معمر العذري صاحب بثينة بنت عبد الله ~~العذرية، وعروة بن حزام صاحب عفراء بنت مالك العذريين. # وقال: سعيد بن عتبة الهمداني: قلت لأعرابي: ممن أنت؟ قال: من قوم إذا ~~عشقوا PageV03P248 # ماتوا، قلت: عذري؟ قال: عذري ورب الكعبة، قلت: ومم ذاك؟ قال: لأن في ~~نسائنا صباحة، وفي فتياننا عفة. # وسئل أعرابي منهم فقيل له: ما حد الحب عندكم؟ فقال: أعين تتلاحظ وألسن ~~تتلافظ، وعدات تتقضى، وإشارات تدل على السخط والرضا. قيل له: فالمباضعة؟ قال: # ذلك طلب الولد، الحب إذا نكح فسد. # سفيان بن زياد: قلت لامرأة من عذرة- ورأيت بها هوى غالبا حتى خفت عليها ~~الموت: ما بال العشق يقتلكم معاشر عذرة من بين أحياء العرب؟ قالت: فينا ~~جمال وتعفف، فالجمال يحملنا على العفاف به، والعفاف يورثنا رقة القلب، ~~والعشق يفني آجالنا وإنا نرى محاجر لا ترونها. # أبو عمر بن العلاء: حدثني رجل من تميم، قال: خرجت في طلب ضالة لي، فبينما ~~أنا أدور في أرض بني عذرة أنشدها، إذا ببيت منعزل عن البيوت، وفي كسره شاب ~~مغمى عليه، وعند رأسه عجوز بها بقية جمال، ساهمة تنظر إليه، فسلمت عليها، ~~فردت السلام، فسألتها عن ضالتي فلم تعلم بها، فقلت: من هذا الفتى؟ فقالت: ~~ابني، فهل لك في أجر لا مئونة فيه؟ فقلت: والله إني أحب الأجر وإن رزئت، ~~فقالت: إن ابني هذا يهوى ابنة عم له، علقها وهما صغيران، فلما كبرت خطبها ~~غيره، فأخذه شبيه الجنون، فخطبها إلى أبيها، فمنعه وزوجها غيره، فنحل جسمه ~~واصفر لونه، وذهب عقله، فلما كان منذ خمس زفت إلى زوجها، فهو كما ترى مغمى ~~عليه، لا يأكل ولا يشرب، فلو نزلت إليه فوعظته! قال: فنزلت إليه فلم أدع ~~موعظة إلا وعظته بها، حتى قلت له: إنهن الغواني صاحبات يوسف، الناقضات ~~العهد، وقد ms1076 قال فيهن كثير: [البسيط] # هل وصل عزة إلا وصل غانية ... في وصل غانية من وصلها خلف (¬1) # قال: فرفع رأسه محمرة عيناه كالمغضب، وهو يقول: لست ككثير، إن كثيرا رجل ~~مائق، وأنا وامق، ولكني كأخي تميم حيث يقول: [الطويل] # ألا لا يضر الحب من كان صابرا ... ولكن ما اجتاب الفؤاد يضير # ألا قاتل الله الهوى كيف قادني ... كما قيد مغلول اليدين أسير # فقلت له: فإنه قد جاء عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أصيب ~~منكم بمصيبة فليذكر مصابه بي» (¬2) فأنشأ يقول: [الوافر] # ألا ما للمليحة لم تعدني ... أبخل بالمليحة أم صدود! # مرضت فعادني أهلي جميعا ... فما لك لم ترى فيمن يعود! PageV03P249 # فقدتك بينهم فبكيت شوقا ... وفقد الإلف يا أملي شديد # وما استبطأت غيرك فاعلميه ... وحولي من ذوي رحمي عديد # ولو كنت المريض لكنت أسعى ... إليك وما يهددني الوعيد # ثم شهق شهقة، وخفت خفته، فداخلني أمر ما داخلني مثله قط، والعجوز تبكي، ~~فلما رأت ما حل بي قالت: يا فتى، لا ترع؛ مات والله ولدي بأجله، واستراح من ~~تباريحه وغصصه، فهل لك في استكمال الصنيعة؟ قلت: قولي. # ما أحببت، قالت: تأتي البيوت فتنعاه إليهم، ليعاونوني على رمسه، فإني ~~وحيدة، فركبت فرسي، وأتيت البيوت، رافعا صوتي بنعيه، فلم ألبث أن خرجت لي ~~جارية، أجمل ما رأيت من النساء، ناشرة شعرها، حديثة عهد بعرس، تقول: بفيك ~~الحجر المصمت! من تنعى؟ قلت: أنعى فلانا، قالت: أو قد مات! قلت: إي والله ~~قد مات. # قالت: فهل سمعت له قولا؟ قلت: اللهم شعرا، قالت: وما هو؟ فأنشدتها ~~أبياته، فاستعبرت وأنشأت تقول: [الوافر] # عداني أن أزورك يا مرادي ... معاشر كلهم واش حسود # أشاعوا ما علمت من الدواهي ... وعابونا وما فيهم رشيد # فأما إذ ثويت اليوم لحدا ... وكل الناس دورهم لحود # فلا طابت لي الدنيا فواقا ... ولا لهم ولا أثرى العديد # ثم شهقت شهقة، فوقعت مغشيا عليها، وخرجت النساء من البيوت فاضطربت ساعة، وماتت. # فو الله ما برحت حتى دفنتهما جميعا. # هشام بن عروة: أذن معاوية ms1077 للناس يوما فكان فيمن دخل عليه فتى من بني ~~عذرة، فقام بين السماطين وأنشأ يقول: [الطويل] # أتيتك لما ضاق في الأرض مسلكي ... وأنكرت مما قد أصبت به عقلي # ففرج كلاك الله عني فإنني ... لقيت الذي لم يلقه أحد قبلي # وخذ لي هداك الله حقي من الذي ... رماني بسهم كان أهونه قتلي # وكنت أرجي عدله إذا أتيته ... فأكثر تردادي مع الحبس والكبل # فطلقتها من جهد ما قد أصابني ... فهل ذا أمير المؤمنين من العدل! # فقال له معاوية: ادن بارك الله عليك، ما خطبك؟ قال: أطال الله بقاء أمير ~~المؤمنين، إني رجل من بني عذرة، . تزوجت ابنة عم لي. وكانت لي صرمة (¬1) من ~~الإبل PageV03P250 # وشويهات، فأنفقت ذلك عليها، فلما أصابتني نائبات الزمان وحادثات الدهر ~~رغب عني أبوها- وكانت جارية منها الحياء والكرم، فكرهت مخالفة أبيها- فأتيت ~~عاملك عبد الرحمن ابن أم الحكم فذكرت ذلك له. وبلغه جمالها، فأعطى أباها ~~عشرة آلاف درهم وتزوجها، وأخذني فحبسني، وضيق علي، فلما أصابني مس الحديد ~~وألم العذاب طلقتها، وقد أتيتك يا أمير المؤمنين، وأنت غياث المحروب، ومعيد ~~المسلوب، فهل من فرج؟ ثم بكى وهو يقول: [مجزوء الرمل] # في القلب مني نار ... والنار فيها شرار # وفي فؤادي جمر ... والجمر فيه احمرار # والجسم مني نحيل ... واللون فيه اصفرار # والعين تبكي بشجو ... فدمعها مدرار # والحب داء عسير ... فيه الطبيب يحار # حملت منه عظيما ... فما عليه اصطبار # فليس ليلي ليلا ... ولا نهاري نهار # فرق معاوية له؛ وكتب إلى ابن أم الحكم كتابا غليظا وفي آخره: [البسيط] # ركبت أمرا عظيما لست أعرفه ... أستغفر الله من جور امرئ زاني # قد كنت تشبه صوفيا له كتب ... من الفرائض أو آيات فرقان # حتى آتاني الفتى العذري منتحبا ... يشكو إلي بحق غير بهتان # أعطي الإله عهودا لا أخيس بها ... أو لا فبرئت من ديني وأيماني # إن أنت راجعتني فيما كتبت به ... لأجعلنك لحما بين عقبان # طلق سعاد وفارقها بمجتمع ... وأشهد على ذاك نصرا وابن ظبيان # فما سمعت كما حدثت من عجب ... ولا فعالك حقا فعل إنسان # فلما ms1078 ورد الكتاب على ابن أم الحكم، تنفس الصعداء، وقال: وددت لو أن أمير ~~المؤمنين خلى بيني وبينها سنة، ثم عرض علي السيف، وجعل يؤامر نفسه في ~~طلاقها فلم يقدر، فلما أزعجه الوفد طلقها ثم قال: يا سعاد اخرجي، فخرجت ~~شكلة غنجة ذات هيئة وجمال، فلما رآها الوفد قالوا: ما تصلح هذه إلا لأمير ~~المؤمنين لا لأعرابي، وكتب الجواب: [البسيط] # لا تحنثن أمير المؤمنين فقد ... أوفي بعهدك في رفق وإحسان # فما ركبت حراما حين أعجبني ... فكيف سميت باسم الخائن الزاني! # فسوف تأتيك شمس لا خفاء بها ... أبهى البرية من أنس ومن جان PageV03P251 # حوراء يقصر عنها الوصف إذ وصفت ... أقول ذلك في سر وإعلان # فلما وردت على معاوية، قال: إن كانت أعطيت حسن النغمة مع هذه الصفة، فهي ~~أكمل البرية، فاستنطقها، فإذا هي أحسن الناس كلاما، وأكملهم شكلا ودلا، ~~فقال: يا أعرابي، هل من سلو عنها بأفضل الرغبة؟ قال: نعم إذا فرقت بين رأسي ~~وجسدي، ثم أنشأ يقول: [البسيط] # لا تجعلني والأمثال تضرب بي ... كالمستجير من الرمضاء بالنار # اردد سعاد على حيران مكتئب ... يمسي ويصبح في هم وتذكار # قد شفه قلق ما مثله قلق ... وأسعر القلب منه أي إسعار # والله والله لا أنسى محبتها ... حتى أغيب في رمس وأحجار # كيف السلو وقد هام الفؤاد بها ... وأصبح القلب عنها غير صبار # فغضب معاوية غضبا شديدا، ثم قال لها: اختاري من شئت، أنا أو ابن أم الحكم ~~أو الأعرابي؛ فأنشأت تقول: [الرجز] # هذا وإن أصبح في أطمار ... أو كان في بعض من اليسار # أكبر عندي من أبي وجاري ... وصاحب الدرهم والدينار # * أخشى إذا غدرت حر النار* # فقال له معاوية: خذها لا بارك الله لك فيها، فأخذها وأنشأ يقول: [الرجز] # خلوا عن الطريق للأعرابي ... ألم ترقوا ويحكم لما بي! # فضحك معاوية وأمر له بعشرة آلاف درهم، وأدخلت لبعض قصوره حتى انقضت عدتها ~~من ابن أم الحكم، ثم دفعها للأعرابي. # وقال بعضهم: كنت سائرا في بلاد عذرة فولجت بعض أوديتهم وإذا شاب حسن ~~الوجه، بيده زمام ms1079 ناقة، عليها هودج مسجف، به جارية، ومن وراء الناقة خمس ~~قلائص، وقد رفع عقيرته ينشد ويقول: [الكامل] # ته كيف شئت وسر على مهل ... كل الجمال عليك يا جمل # علي أنك لا ترى كللا ... ما دام فوقك هذه الكلل # فسلمت عليه، فرد، وسألته وسألني وتناشدنا، واتصل الأنس بيننا، وسرنا غير ~~قليل، فرأى قانصا في أحبولته ظبي، فلما رآه يضطرب في الأحبولة أجهش ~~بالبكاء، وأنشأ يقول: [الطويل] # وذكرني من لا أبوح بحبه ... محاجر ظبي في حبالة قانص # فقلت وجفن العين يجري بعبرة ... ولحظي إلى عينيه لحظة شاخص PageV03P252 # ألا أي هذا القانص الظبي خله ... وخذ عوضا منه جياد قلائصي # خف الله لا تحبسه إن شبيهه ... حياتي قد أرعدت منه فرائصي # فقال القانص: الله إن فعلت؟ قال: الله، فأرسل الظبي، واستاق القلائص. # وحدث رجل من بني عذرة قال: كان فينا فتى ظريف غزل، كثيرا ما يتحدث إلى ~~النساء، فهوي جارية من الحي، فراسلها فأظهرت له جفوة، فوقع مضنى مدنفا وظهر ~~أمره، وتبين دنفه، ولم يزل النساء من أهلها وأهله يكلمنها فيه، حتى أجابت، ~~فسارت إليه عائدة ومسلمة، فلما نظر إليها تحدرت عيناه بالدموع، وأنشأ يقول: ~~[الطويل] # أريتك إن مرت عليك جنازتي ... تروح بها أيد طوال وتسرع # أما تتبعين النعش حتى تسلمي ... على رمس ميت بالحفيرة يودع! # فبكت رحمة، وقالت: والله ما ظننت أن الأمر بلغ بك هذا، فو الله لأساعدنك ~~ولأداومن على وصالك، فهملت عيناه بالدموع، وأنشأ يقول: [الطويل] # دنت وظلال الموت بيني وبينها ... ومنت بوصل حيث لا ينفع الوصل # ثم شهق شهقة فخرجت نفسه، قال: فوقعت عليه تلثمه، ثم رجعت عنه مغشيا ~~عليها، فما مكثت بعده إلا أياما حتى ماتت. # قال حماد الراوية: انصرفت من جنازة لبعض السكاسك، فإذا بصبي من عذرة ~~ظريف، حسن الوجه، صغير السن، موصوف بقول الشعر، فوقفنا فسلمنا، فقام إعظاما ~~لنا، فقلت: أنشدنا شيئا، فكأنه استحيا، فقلت له: لا بد، فأنشدنا: [مجزوء الرمل] # هل من الحب مجير ... من ملاح يعتدونا # قد شكونا بخضوع ... عذل قوم يعذلونا # في جوى نلقاه ms1080 ممن ... لا يبالي ما لقينا # وبكينا بدموع ... أغرقت منا الجفونا # قال حماد: فكدت أرقص طربا وقلت: فداؤك عمك! وجلسنا إليه تعجبا من رقته ~~وجماله وفصاحته، فأنشدنا: [الرمل] # ولقد أرسلت دمعي شاهدا ... ثم صيرت إليها المشتكى # فتولت، ثم قالت شغلي ... كل من شاء تبكي! فبكى # قال حماد: قلت له: فديتك، تحب هذه الجارية؟ قال: يا عم، والحب عيب! إن ~~كان عيبا تركته. ثم قال: يا عم إذا قرأت أو بلغني أحاديث قومي مثل عروة ~~وجميل، أفلا أشتهي أن أكون واحدا منهم! فانصرفنا عنه متعجبين. PageV03P253 ### || AUTO [آل أبي صفرة] # قوله: والشجاعة بآل أبي صفرة، أبو صفرة هو ظالم بن سراقة بن كندي بن عمرو ~~ابن عدي، ويتصل بعمرو مزيقيا، ثم بأزددبا، وأزددبا ما بين عمان والبحرين، ~~وكانوا أسلموا ثم ارتدوا في خلافة أبي بكر، فبعث إليهم أبو بكر عكرمة بن ~~أبي جهل، فقاتلهم وسبى ذراريهم وبعث بهم إلى أبي بكر، وأبو صفرة غلام، ~~فحبسهم أبو بكر، فلما توفي أطلقهم عمر، فنزل أبو صفرة البصرة، فشرف بها. # وروى بعضهم أن أبا صفرة طلب من عمر أن يوليه عملا، فسأله عن اسمه فقال: # ظالم بن سراق، فقال: تظلم أنت ويسرق أبوك! ولم يوله عملا تطيرا باسمه. # والمهلبية تزعم أن أبا صفرة قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه حلة ~~صفراء يسحبها خلفه ذراعين. وله طول ومنظر وفصاحة، فأعجب النبي صلى الله ~~عليه وسلم ما رأى من جماله وخلقه، فقال له: «من أنت؟ » قال: أنا قاطع بن ~~سارق بن ظالم بن عمرو بن شهاب بن مرة بن الهلقام ابن الجلندي بن المستكبر ~~بن الجلندي، الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا، فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «أنت أبو صفرة، ودع عنك ظالما وسارقا»، فقال: أشهد أن لا إله إلا ~~الله وأنك رسوله حقا، إن لي لثمانية عشر ذكرا، ورزقت بآخرهم بنتا سميتها صفرة. # وأما أولاد أبي صفرة، فكانوا كتابا شجعانا أبطالا حماة، منهم أبو سعيد ~~المهلب. # وذكروا أن أبا صفرة وفد على عمر ms1081 رضي الله عنه ومعه عشرة من ولده- والمهلب ~~أصغرهم- فتوسمهم عمر، ثم قال: هذا سيد ولدك المهلب، والمهلب هو صاحب حروب ~~الأزارقة، وولاه عبد الملك خراسان بعد الأزارقة سنة تسع وسبعين، ومات سنة ~~ثلاث وثمانين، واستخلف يزيد ابنه عليها، فأقره عبد الملك عليها سنتين أو ~~ثلاثا. وغزا يزيد جرجان في خلافة سليمان بن عبد الملك سنة سبع وتسعين، في ~~ثلاثين ألف مقاتل، فقاتلهم أشهرا، ثم صالحهم على أن يعطوا خمسمائة ألف درهم ~~كل عام، يؤدونها إليه، ثم غزا سنة ثمان وتسعين طبرستان، فصالحهم على ~~سبعمائة ألف درهم وأربعمائة وقر زعفران وأربعمائة رجل مع كل رجل برنس ~~وطيلسان وخاتم فضة، وسرقة حرير وكسوة، فقبل ذلك وانصرف عنهم. ثم غدر أهل ~~جرجان بمن خلف عليهم من المسلمين فقتلوهم، فلما فرغ من طبرستان سار إليهم، ~~فقاتلهم شهرا، ثم نزلوا على حكمه، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم وصلبهم ~~فرسخين، وقاد منهم اثني عشر ألفا إلى وادي جرجان، فقتلهم وأجري الماء في ~~الوادي على الدم، وعليه أرحاء بدمائهم تطحن، واختبز وأكل، وكان قد حلف على ذلك. # الأصمعي: قبض الحجاج على يزيد، وأخذه بسوء العذاب، فسأله أن يخفف عنه ~~العذاب على أن يعطيه كل يوم مائة ألف درهم، فكان دأبه أنه إذا أداها تركه، ~~وإلا عذبه إلى الليل، فجمع يوما مائة ألف درهم، يشتري بها عذابه، فدخل عليه ~~الأخطل فأنشده: [الطويل] PageV03P254 # أبا خالد بادت خراسان بعدكم ... وقال ذوو الحاجات أين يزيد؟ # فما سقي المروان بعدك قطرة ... ولا اخضر بالمروين بعدك عود # وما لسرير بعد ملكك بهجة ... ولا لجواد بعد جودك جود # فأعطاه المائة الألف. فبلغ ذلك الحجاج، فدعا به، وقال: يا مروزي، أكل هذا ~~الكرم وأنت بهذه الحالة؟ قد وهبت لك عذاب اليوم وما بعده. # ابن عبد الحكم: أخبرنا الشافعي قال: طعن يزيد بن المهلب رجلا من الخوارج، ~~فصرعه فوثب الخارجي بالسيف، وهو يقول: [الطويل] # وإنا لقوم لا نعود خيلنا ... إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا # وننكر يوم الروع ألوان خيلنا ... من الدم حتى نحسب الورد أشقرا # وليس بمعروف ms1082 لنا أن نردها ... صحاحا ولا مستنكر أن تعقرا # قال يزيد: فكرهت أن أقتل مثله، فانصرفت عنه. وقتل يزيد يوم الجمعة لاثنتي ~~عشرة خلت من صفر سنة اثنتين ومائة، وهو ابن سبع وأربعين سنة. # وقيل للمهلب: بم نلت ما نلت؟ قال: بطاعة الحزم، وعصيان الهوى. وقيل لأبي ~~إسحاق الهمداني: لم رويت عن المهلب؟ قال: لأني لم أر أميرا أبين منه تقية ~~ولا أشجع منه، ولا أبعد مما يكره، ولا أقرب مما يحب. # ومر المهلب بقوم فعظموه وسودوه، فقال رجل: ألهذا الأعور تسودون! والله لو ~~خرج إلى السوق ما زادت قيمته على ألفي درهم، فسمعه المهلب، فقال لبعض من معه: # أتعرف الرجل؟ قال: نعم، فلما انتهى إلى مجلسه أرسل إليه بألفي درهم. فقال ~~له: لو زدتنا في القيمة لزدناك في العطية، فخجل الرجل، وعرف منزلته. # وللمهلب وبنيه وإخوته في حروب الأزارقة مشاهد ما شوهدت قط في جاهلية ولا إسلام. # وقتل المهلب وأولاده وإخوته ومن معه من الأزارقة في ليلة واحدة أربعة ~~آلاف وثمانمائة، وانهزم بقيتهم مع قطري، فنفاهم إلى أقاصي البلاد حتى قتل ~~قطري ومن معه. # وسئل المهلب عن ابنيه: أيهما أشجع أيزيد أم حبيب؟ فقال: إن الولد ربما ~~سبق رأي أبيه فيه، وقطري قد مارسهما، فسلوه عنهما. فلما كان من الغد ~~واصطفوا للقتال صاح رجل: يا أبا نعامة، فقال: أفرجوا له، ثم قال: قد سمعت ~~فقل؛ فقال: إنا سألنا الأمير عن ابنيه يزيد وحبيب: أيهما أشجع، فقال: سلوا ~~أبا نعامة، فقال: على الخبير سقطت، أما صاحب الكر والفر والإقدام والإحجام، ~~وصحة التدبير ومبارزة الكمي المدجج فالحرون يزيد، وأما إذا التقت غياطيل ~~الليل، وخفتت الأصوات إلا الغماغم، وقرع الحديد بالحديد فالخيار حبيب. PageV03P255 # - الغيطلة التباس الظلام، وخفتت: سكنت. والغمغمة: أصوات الأبطال في ~~القتال-. # وسأل الحجاج كعب بن معدان الأشقري حين وفد عليه بالفتح، فقال له: أخبرني ~~عن بني المهلب، فقال: المغيرة فارسهم وسيدهم، وكفى بيزيد فارسا وشجاعا، ~~وجوادهم وسخيهم قبيصة، وما يستحي الشجاع أن يفر من مدرك، وعبد الملك سم ~~ناقع، وحبيب موت ms1083 ذعاف، ومحمد ليث غاب. وكفاك بالمفضل نجدة. فقال: كيف كانوا ~~في البأس؟ قال حماة السرح نهارا، فإذا أليلوا ففرسان البيات. قال: فأيهم ~~كان أنجد، قال: كانوا كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفها. # وحين وفد المهلب على الحجاج أجلسه إلى جانبه، وأظهر إكرامه، وقال: يا أهل ~~العراق، أنتم عبيد المهلب، ثم قال له: أنت والله كما قال لقيط الإيادي: ~~[البسيط] # وقلدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا # لا مترفا إن رخا في الأمر ساعده ... ولا إذا عض مكروه به خشعا # ما زال يحلب هذا الدهر أشطره ... يكون متبعا طورا ومتبعا # حتى استمرت على شزر مرارته ... مستحكم الرأي لا قحما ولا ضرعا # فقام رجل وقال: أصلح الله الأمير! والله لكأني أسمع الساعة قطريا يقول ~~للمهلب كما قال لقيط الإيادي ... وأنشد الأبيات، فامتلأ الحجاج سرورا .... # وقال له الحجاج: اذكر لي الذين أبلوا وصف لي بلاءهم، فقدم بنيه، وقال: ~~والله لو تقدمهم أحد في البلاء لقدمته عليهم، ولولا أن أظلمهم لأخرتهم. ~~فقال له الحجاج: # نعم إنهم لسيوف من سيوف الله تعالى في الأرض. # وقال يوما عبد الملك للشعراء: تشبهونني مرة بالأسد الأبخر، والجبل ~~الأوعر، والبحر الأجاج وبالصقر والباز، ألا قلتم كما قال كعب الأشقري في ~~المهلب وبنيه: # [الوافر] # براك الله حين براك بحرا ... وفجر منك أنهارا غزارا # بنوك السابقون إلى المعالي ... إذا ما أعظم الناس الفخارا # كأنهم نجوم حول بدر ... دجوجي تكمل واستدارا # ملوك ينزلون بكل ثغر ... إذا ما الهام يوم الروع طارا # رزان في الأمور ترى عليهم ... من الشيخ الشمائل والنجارا # نجوم يهتدى بهم إذا ما ... أخو الغمرات في الظلماء حارا # وفي ديوان الحماسة: [البسيط] # آل المهلب قوم خولوا شرفا ... ما ناله عربي لا ولا كادا PageV03P256 # لو قيل للمجد حد عنهم وخلهم ... بما احتكمت من الدنيا لما حادا # إن المكارم أرواح يكون لها ... آل المهلب دون الناس أجسادا # ولبعضهم: [الوافر] # إذا كان المهلب من ورائي ... هدا ليلي وقر له فؤادي # ولم أخش الدنية من أناس ... ولو صالوا بقوة قوم عاد # وتوفي ms1084 المهلب بفنجدية بصحراء راغول سنة ثلاث وثمانين؛ فبعد أربعمائة ~~وثلاثين من وفاته، رأى بعض علماء فنج ديه في المنام كأن المهلب يقول: الله، ~~الحقني قبل أن يأخذني روذمرو- وهو نهر عظيم يعبر عليه بالسفن- وانقلني إلى ~~بعض مقابر المسلمين، وأنا مدفون على شاطئ هذا النهر الكبير في الموضع ~~الفلاني، وقد حفر الماء تحت قبري، وقرب أن يأخذني، فلما أصبح الرجل أخذ ~~جماعة من أصحابه معهم المساحي والفئوس فمضوا إلى ذلك الموضع، وحفروا حتى ~~وصلوا إلى قالبه فكشفوا التراب عنه، فكانت عظامه ما بليت بعد، فدفنوه ~~بمقبرة مذونة. # قال الفنجديهي: وهي محلتنا؛ وسمعت معنى هذه الحكاية من والدي رحمه الله. # *** # فلما ألقيت الجران بنجران، واصطفيت بها الخلان والجيران، اتخذت أنديتها ~~معتمري، وموسم فكاهتي وسمري؛ فكنت أتعهدها صباح مساء، وأظهر فيها على ما سر ~~وساء؛ فبينما أنا في ناد محشود، ومحفل مشهود، إذ جثم لدينا هم، عليه هدم؛ ~~فحيا تحية ملق، بلسان ذلق؛ ثم قال: يا بدور المحافل، وبحور النوافل، قد بين ~~الصبح لذي عينين، وناب العيان مناب عدلين، فماذا ترون؟ فيما ترون أتحسنون ~~العون، أم تنأون إذ تدعون! فقالوا: تالله لقد غظت، ورمت أن تنبط فغضت. # *** # قوله: بنجران: بلد من كور نجد مما يلي بلاد اليمن، سميت بنجران بن زيد بن ~~سبأ. اصطفيت: اخترت. الخلان: الأصحاب. تخذت، بمعنى اتخذت. أنديتها: # مجالسها ومجتمع أهلها. معتمري: موضع زيارتي، واعتمرت الموضع: قصدته وزرته. # موسم: عيد. فكاهتي: ممازحتي. سمري: حديثي بالليل. أتعهدها: أتفقدها صباح ~~مساء: اسمان مركبان جعلا كخمسة عشر، وأراد يزورها في الصباح والمساء. ناد ~~محشود: مجلس مجموع الأهل، ومثله المحفل المشهود. جثم: برك. هم: شيخ هرم، قد ~~أذهب الكبر قوته، ولحمه، وتقول: هممت الشحم: أذبته، ومنه قولهم: هذا الأمر ~~لا PageV03P257 # يهمني، بفتح الياء وكسر الهاء، أي لا يذيبني، ومن قال بضم الياء فمعناه ~~لا يقلقني. # هدم: ثوب خلق كأنه هدمه البلى. ملق: متلطف في كلامه. ذلق: حديد. النوافل: # العطايا. بين الصبح لذي عينين، مثل، ويريد أن الليل يتساوى في ظلمته ~~الأعمى والصحيح، فإذا ظهر ضوء ms1085 الصبح أبصر الأشياء من له بصر، وقيل معنى بين ~~الصبح، أي تبين، والعيان: المشاهدة، وعاينته: شاهدته، أي أنتم ممن لا يخفى ~~عليكم حالي، يريد أن المعاينة تغني عن الشهود العدول. فماذا ترون: فما ~~رأيكم؟ وهي من رؤية القلب. # فيما ترون، أي فيما تنظرون وتبصرون، وهو من رؤية البصر. وقال الفنجديهي ~~في شرحه: فما ترون؟ أي فما تظنون فيما ترون؟ أي فيما تبصرون. تنأون: ~~تبعدون. غظت، من الغيظ، أي لقد حركت غيظا. رمت أن تنبط أردت أن تخرج ماء. ~~غضت. غيبته وجففته، والغيض نقيض الفيض، وغاض الماء: ذهب في الأرض. # *** # فناشدهم الله عما ذا صدهم؛ حتى استوجب ردهم؛ فقالوا: كنا نتناضل ~~بالألغاز؛ كما يتناضل يوم البراز؛ فما تمالك أن شعث من المنضول، وألحق هذا ~~الفضل بنمط الفضول. # فلسنته لسن القوم، ووخزوه بأسنة اللوم، وأخذ هو يتنصل من هفوته، ويتندم ~~على فوهته، وهم مضبون على مؤاخذته؛ وملبون داعي منابذته، إلى أن قال لهم: # يا قوم؛ إن الاحتمال من كرم الطبع، فعدوا عن اللذع والقذع، ثم هلم إلى أن ~~نلغز، ونحكم المبرز. # *** # ناشدهم: حلفهم. صدهم: صرفهم وأزالهم. نتناضل: نترامى. البراز: القتال ~~والألغاز: جمع لغز، وهو الكلام المعمى، وألغز، إذا عمى كلامه فلم يفهم ما ~~يقصده، وأصله من اللغز وهو الحجر الملوي. ما تمالك: ما أبطأ ولا ملك نفسه. # شعث: غبر، ويروى «شعب». من المنضول أي نقصه وفرقه، والمنضول: # المرمي، أي قبح فعلهم ومراماتهم. الفنجديهي: شعث الدهر ماله، أي أخذه، ~~والمنضول: المغلوب في النضال، والمعنى فما صبر عن تشعيث هم المغلوب ونصره ~~وتخليصه عما أرتج عليه من اللغز، ويقال: شعث منه، أي عابه وتنقصه، وكأنه ~~عاب المنضول كيف أرتج عليه شيء سهل! وهذا تفسير حسن، إلا أن مساق كلام ~~الحريري أدل على التفسير الأول. # نمط: نوع. لسنه: أخذه بلسانه. لسن القوم: فصحاؤهم. وخزوه: طعنوه. PageV03P258 # يتنصل: يتبرأ ويعتذر. هفوته: سقطته. فوهته: كلمته التي فاه بها، أي نطق. مضبون: # مقيمون ملتزمون، وأضب على الشيء: لازمه. مؤاخذته: إنشاب الشر معه، وتؤاخذ ~~الرجلان: آخذ كل واحد منهما صاحبه ms1086 بضرب أو شتم. ملبون. مجيبون. منابذته: # متاركته ومهاجرته، وقد نبذت الشيء؛ إذا رميته من يدك. الاحتمال: الصبر ~~على الجفاء. # عدوا: انصرفوا وتنحوا. اللذع: إحراق القلب باللوم والعتب. والقذع: السب. نلغز: # نعمي الكلام ونلبسه على السامع. المبرز: الغالب. # *** # فسكن عند ذلك توقدهم، وانحلت عقدهم، ورضوا بما بها شرط عليهم ولهم، ~~واقترحوا أن يكون أولهم، فأمسك ريثما يعقد شسع، أو يشد نسع، ثم قال: اسمعوا ~~وقيتم الطيش، ومليتم العيش، وأنشد ملغزا في مروحة الخيش: # [الطويل] # وجارية في سيرها مشمعلة ... ولكن على إثر المسير قفولها # لها سائق من جنسها يستحثها ... على أنه في الاحتثاث رسيلها # ترى في ألوان القيظ تنطف بالندى ... ويبدو إذا ولى المصيف قحولها # *** # ريث، أي بطء. شسع: شراكة النعل. أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «لن ينقطع شسع أحدكم إلا من ذنب عليه، فليستغفر الله وليرجع فإنها ~~مصيبة عرضت عليه». # والنسع: شراكة مضفورة على هيئة النعال، ويشد بها الرحل وغيره. # وقيتم: كفيتم. الطيش: خفة العقل. مليتم: طول لكم. الخيش. ثياب خشنة من ~~الكتان، وهذه المروحة تستعمل ببلاد العراق تكون شبه الشراع للسفينة، وتعلق ~~من سقف البيت، يشد فيها حبل ويدار بها مشيها، وتبل بالماء وترش بماء الورد، ~~فإذا أراد الرجل في القائلة أو الليل أن ينام جذبها بحبلها، فتذهب بطول ~~البيت وتجيء؛ فيهب على الرجل منها نسيم طيب الريح بارد فيذهب عنه أذى الحر ~~ويستطيب به النوم وهي فوقه ذاهبة وجائية، ولذلك سماها جارية. ومشمعلة: ~~سريعة الذهاب. قفولها: رجوعها. والسائق: # الشريط الذي يسوقها إذا جذبت به. يستحثها: يستعجلها، ومن جنسها، أي هو من ~~كتان مثلها أو من قنب. والاحتثاث: التعجيل. رسيلها، أي مرسلها، ويرسل معها ~~لزاوية البيت ويرجع معها، والرسيل: الفرس يرسل مع آخر في السباق. أوان ~~القيظ: وقت الصيف. تنطف: تقطر، ونطف الماء: سال وقطر، والندى: الرش الضعيف. ~~وقحولها: # يبسها. ولى: أدبر، وإذا ولى الحر لم يحتج إليها، فلا ترش ولا تستعمل فتيبس. # وللسري الموصلي فيها: [الطويل] PageV03P259 # ومبثوثة في كل غرب ومشرق ... لها أمهات بالعراق بواطن ms1087 # يحرك أنفاس الرياح حراكها ... كأن نسيم الروض فيهن كامن # وله أيضا: [الطويل] # وخيش كما انجرت ذيول غلائل ... مصندلة يختال فيها الكواعب # وقد أطلعت فيها الشمال وانثنت ... مقيدة عن جانبيها الجوانب # ومما يكتب على مروحة الكف: [مجزوء الرمل] # أنا في الكف لطيفه ... مسكني قصر الخليفه # أنا لا أصلح إلا ... لظريف أو ظريفه # أو وصيف حسن الق ... د شبيه بالوصيفه # وفيها أيضا: [الرجز] # إنني أجلب الريا ... ح وبي يدفع الخجل # وحجاب إذا الحبيب ... ثنى الرأس للقبل # *** # ثم قال: وهاكم يا أولي الفضل، ومراكز العقل، وأنشد ملغزا في حابول النخل: # [مجزوء الوافر] # ومنتسب إلى أم ... تنشأ أصله منها # يعانقها وقد كانت ... نفته برهة عنها # به يتوصل الجاني ... ولا يلحى ولا ينهى # *** # قوله: هاكم، أي خذوا. مراكز العقل: مواضعه ومحاله، كأن العقل ركز فيهم. # والحابول: حبل يصعد به على النخل يعمل من ليفها، وهو حبل يعقد حلقة، ~~ويدخل فيها الرجل ويدرجه على النخلة شيئا شيئا عند طلوعه حتى يصير بأعلاها، ~~وحبل النخل ليس فيه شيء من الملاسة ولا في النخلة ذلك، فله بها استمساك، ~~ولذلك جعله معانقا لها، لأنه استدار بها، وقيل له: حابول لأنه لا يستعمل ~~إلا للصعود على النخيل، فرقا بينه وبين الحبل المستعمل لكل شيء، ولما كان ~~يصنع من ليف النخل، جعل النخلة أمه. # برهة: زمانا. والجاني: الذي يجني الثمر، ألغز به وأوهم أنه الذي يجني ~~جناية. يلحى: # يلام ويسب. # ثم قال: ودونكم الخفية العلم، المعتكرة الظلم، وأنشد ملغزا في القلم: ~~[الوافر] # ومأموم به عرف الإمام ... كما باهت بصحبته الكرام PageV03P260 # له إذ يرتوي طيشان صاد ... ويسكن حين يعروه الأوام # ويذري حين يستسعى دموعا ... يرقن كما يروق الابتسام # *** # قوله: العلم، أي الرقم في الثوب، فأراد أنها خفية في اللغز، فعلمها الذي ~~تعرف به خفي. والمعتكرة: الشديدة السواد. ومأموم: برأسه آمة، أي شجة، يريد ~~الشق برأسه، والإمام: أمير المؤمنين، وجعله معروفا بالقلم، لأن القلم يبدي ~~أسرار الملك وأخباره في كتبه. وقيل: الإمام الكتاب، من قوله تعالى: يوم ~~ندعوا كل أناس بإمامهم [الإسراء: # 71]، أي ms1088 بكتابهم، وقيل بنبيهم، ولا يمتنع أن يريد بالمأموم المتبع، ~~وإمامه. الذهن الذي يملي عليه، أو يد الكاتب به، وقيل: سماه مأموما، لأنه ~~يؤم القرطاس، أي يقصده ويتبعه والإمام كتاب الله سبحانه وتعالى لأنه يتبع ~~ويؤتم به، ويقتدى بما فيه. باهت: # افتخرت. والكرام: الكتبة لقوله تعالى: بأيدي سفرة* كرام بررة [عبس: 16 - ~~17]. ولا مرتبة أشرف من مرتبتهم بعد الإمرة، ولذلك قال الصابي: [الطويل] # وقد علم السلطان أني لسانه ... وكاتبه الكافي السديد الموفق # أوازره فيما عرا وأمده ... برأي يريه الشمس والليل أغسق # فيمناي يمناه ولفظي لفظه ... وعيني له عين بها الدهر يرمق # طيشان صاد، أي جولان عاطش، وطاش: خف. يعروه: يقصده. والأوام: # العطش، يريد أن القلم إذا ارتوى بالمداد أسرع في الكتابة وإذا جف توقف وأمسك. # يرقن: يعجبن. ونظر المأمون إلى جارية تكتب، فقال: [الطويل] # وزادت لدينا حظوة حين أطرقت ... وفي إصبعيها أسمر اللون أهيف # أصم سميع ساكن متحرك ... ينال جسيمات العلا وهو أعجف # وقال العلوي: [الطويل] # إذا ما التقينا وانتضينا صوارما ... يكاد يصم السامعين صريرها # تساقط في القرطاس منها بدائع ... كمثل اللآلي نظمها ونثيرها # ثم قال: وعليكم بالواضحة الدليل، الفاضحة ما قيل، وأنشد ملغزا في الميل: ~~[الطويل] # وما ناكح أختين جهرا وخفية ... وليس عليه في النكاح سبيل # متى يغش هذي يغش في الحال هذه ... وإن مال بعل لم تجده يميل # يزيدها عند المشيب تعهدا ... وبرا وهذا في البعول قليل # *** PageV03P261 # قوله: الواضحة، أي البينة. الفاضحة، أي المبدية لعيب ما قيل قبلها من اللغز. # والميل: المرود. والأختين: العينين. ليس عليه سبيل، مع أن الجمع بين ~~الأختين. لا يجوز. يغش: يدخل لها. مال: عدل وزال عنها. والبعل: الزوج. ~~تعهدا: تفقدا. برا: # إكراما. يريد أن الأبصار عند الكبر يضعف نظرها فتحتاج إلى الكحل. وقيل: ~~عبر بالمشيب عن مره العين وهو فسادها من ترك الكحل. # *** # ثم قال: وهذه يا أولي الألباب، معيار الآداب، وأنشد ملغزا في الدولاب: ~~[الوافر] # وجاف وهو موصول ... وصول ليس بالجافي # غريق بارز فاعجب ... له من راسب طافي # يسح دموع مهضوم ... ويهضم هضم ms1089 متلاف # وتخشى منه حدته ... ولكن قلبه صافي # *** # أولي الألباب، أي أهل العقول. معيار: مقياس يعبر به، وتقول: عايرت ~~المكاييل، إذا قست بعضها ببعض، وساويت بينها. والدولاب: الناعورة. والجافي: ~~الثقيل، يريد أن الدولاب جاف في نفسه وخلقته، وليس بجاف لسرعة حركته ~~ودورانه. وموصول: # ليس من عود واحد. وصول، يعني للرياض بمائة ولهذه المنفعة صنع. قوله: ليس ~~بالجافي، يعني إذا فارق الماء عاد إليه لا يجفوه، والجفاء يكون في الخلقة ~~والخلق، يقال: رجل جافي الخلقة، أي غليظ، وجافي الخلق إذا كان كزا غليظ ~~العشرة، وجفا الشيء يجفو جفاء: لم يلزم مكانه، وجفا جنبه عن الفراش: لم ~~يطمئن، ويجفوه، ضد يصله، جفوة: مرة واحدة، وجفاء مصدر عام، ورجل وصول: كثير الوصل. # وقال الرصافي في هذا المعنى فأحسن: [مخلع البسيط] # وذي حنين يكاد شوقا ... يختلس الأنفس اختلاسا # إذا غدا للرياض جارا ... قال له المحل: لا مساسا # يبتسم الروض حين يبكي ... بأعين ما رأين باسا # من كل جفن يسل سيفا ... صار له غمده رئاسا # ولأبي الفضل بن الأعلم في قواديس الساقية: [السريع] # ونسك كعبتهم حفرة ... من فارق الحفرة يبكيها # حتى إذا ما أنفدوا دمعهم ... خروا على رءوسهم فيها # وقال أعرابي في ساقية: [الكامل] # باتت تحن وما بها وجدي ... وأحن مشتاقا إلى نجد PageV03P262 # فدموعها تحيا الرياض بها ... ودموع عيني أحرقت خدي # قوله: غريق بارز، يريد أن بعضه يغرق في الماء وبعضه يبرز منه، وهو معنى ~~راسب طافي، لأنك تقول: رسب الشيء في الماء، إذا هبط في قعره وسفل فيه، ~~وطفا، إذا ارتفع على وجه الماء. يسح: يصب. مهضوم ويهضم: ينقص. متلاف: مبذر ~~للمال، يريد كثرة أخذه للماء وإراقته له. حدته: سرعة جريه، لأنه إن نشب ~~بأحد في جريه أهلكه. وقلبه صافي، لأنه ليس من الحيوان فيعتقد شرا إن أحرج. ~~ولابن سعد الخير البلنسي بن دولاب: [البسيط] # لله دولاب يفيض بسلسل ... في روضة قد أينعت أفنانا # قد طارحته بها الحمائم شجوها ... فيجيبها ويراجع الألحانا # وكأنه دنف يدور بمعهد ... يبكي ويسأل فيه عمن بانا # ضاقت مجاري دمعه عن ms1090 جفنه ... فتفتحت أضلاعه أجفانا # ولبعض أصحابنا: [المنسرح] # وقده الحسن في محاسنها ... للعين قيد وللحجا شرك # تبكي فتبدي حنين ذي نسك ... بعد التصابي وما بها نسك # إذا بكت في الرياض من طرب ... بدا بوجه الأزاهر الضحك # كأن ما انهل من مدامعها ... رجوم شهب يقلها فلك # *** # قال: فلما رشق، بالخمس التي نسق، قال: يا قوم تدبروا هذه الخمس، واعقدوا ~~عليها الخمس، ثم رأيكم وضم الذيل، أو الازدياد من هذا الكيل. قال: فاستفزت ~~القوم شهوة الزيادة، على ما أشربوا من البلادة، فقالوا: إن وقوفنا دون حدك، ~~ليفحمنا عن استيراء زندك، واستشفاف فرندك، فإن أتممت عشرا فمن عندك؛ فاهتز ~~اهتزاز من فلج سهمه، وانخزل خصمه. قوله: رشق، أي رمى، مأخوذ من رشق السهام، ~~يقال: رشقت رشقا، أي رميت، والرشق بالكسر: اسم للسهام، وهو اسم للهدف الذي ~~يرمونه. نسق: # تابع واحدا بعد واحد، وكل شيء تبع بعضه بعضا على السواء فهو نسق. ضم الذيل: # التشمير. الفنجديهي: ضم الذيل كناية عن الاكتفاء بهذه الأحاجي الخمس، ~~والسكوت عن طلب الزيادة، يريد بالازدياد من الكيل، أن يزيدهم من حسن ~~الأحاجي. # واستفزتهم: استدعتهم واستخفتهم، الزجاج في قوله تعالى: واستفزز من استطعت ~~منهم بصوتك [الإسراء: 64] أي استدعه لتستخف به إلى إجابتك، واستفزه: # ختله حتى ألقاه في مهلكة. أشربوا: سقوا ودوخلوا وخولطوا، وكل لون خالط ~~لونا آخر فقد أشربه. PageV03P263 # والبلادة: التحير في الأمر، والبليد المتحير: الذي لا يدري أين يتوجه، ~~الأصمعي: # البليد: الذي يضرب بإحدى بلدتيه على الأخرى من الغم عند المصيبة. والبلدة ~~هي الراحة، يقال: تبلد الرجل، إذا تحير وضرب بإحدى يديه على الأخرى، يريد ~~أن البلادة مشت فيهم وأشربتهم. # *** # ثم افتتح النطق بالبسملة، وأنشد ملغزا في المزملة: [الطويل] # ومسرورة مغمومة طول دهرها ... وما تدري ما السرور ولا الغم # تقرب أحيانا لأجل جنينها ... وكم ولد لولاه طلقت الأم # وتبعد أحيانا وما حال عهدها ... وإبعاد من لم يستحل عهده ظلم # إذا قصر الليل استلذ وصالها ... وإن طال فالإعراض عن وصلها نعم # لها ملبس باد أنيق مبطن ... بما يزدرى لكن لما يزدرى ms1091 الحكم # *** # قوله: المزملة، أي الملففة، وقد زملت، إذا لففت، وهي آنية يبرد فيها ~~الماء، شبه الخابية، تستعمل بأرض العراق وتوضع عليها لفائف ثياب خشنة، ~~وتغشى بجلد أو ثوب مزين، حسن لنظر العين، ومن تحته تلك الأغشية الخشنة التي ~~لها السر والحكم في تبريد الماء. ومسرورة، أي محمولة على سرير، وهم يجعلون ~~تحتها مرفعا من عود أو حديد، ترتفع به عن الأرض فهو سريرها، وكذلك رأيت ~~خوابي الماء بسجلماسة، كلها على أسرة عود. وقيل مسرورة: مغمومة مغطاة، ~~وسرير الكمأة: ما غطاها من التراب. والغم: # ضد السرور. جنينها: ولدها، أراد به الماء. وحال: تغير. عهدها: التقاؤها ~~وقربها. # غنم: غنيمة. أنيق: معجب. يزدرى: يحتقر، وأراد بالحكم معنى تبريد الماء، ~~وأراد أن ما بدا منها للناظر فهو غشاء حين يعجب من رآه، وهو قد بطن بلفائف ~~غلاظ مستحقرة، ولها معنى تبريد الماء، وقال السري الموصلي في المزملة: ~~[الطويل] # وحافظة ماء الحياة لفتية ... حياتهم أن تستلذ المشارب # تسربلها أجفى اللباس وإنما ... يليق بها أفوافه والسباسب # على جسد مثل الزبرجد لم يزل ... يشاكله في لونه ويناسب # إذا استودعت حر اللجين سبائكا ... تصوب في أحشائها وهو ذائب # فهذه القطعة وقطعة المقامة تدل على تفسيرنا، وبه كان يفسر شيخنا ابن جهور ~~رحمه الله، حدثنا بذلك شيخنا أبو بكر بن أزهر عنه. وأما الفنجديهي ففسر ~~المزملة بتفسير غير مرضي، وذلك أنه قال: المزملة موضع يغطى؛ ويحشى تبنا، ~~ويوضع في وسط التبن وعاء في القيظ يبقي الماء باردا، ويترك ثقبه في وسط ~~الموضع لدخول الجرة PageV03P264 # فيها، ولهذا قال: «مسرورة» أي مقطوعة السرة، وهو من سر الصبي، إذا قطعت ~~القابلة سرته. # *** # ثم كشر عن أنيابه الصفر، وأنشد ملغزا في الظفر: [الوافر] # ومرهوب الشبا نام ... وما يرعى ولا يشرب # يرى في العشر دون النح ... ر فاسمع وصفه واعجب # كشر: كشف. أنيابه: أضراسه. الصفر، يريد أنه لا يتعهدها بالسواك، فلذلك ~~اصفرت وتلك الصفرة تسمى القلح، وقد قال في السادسة والعشرين: «بحسن ملحه ~~وقبح قلحه». مرهوب: مخوف. الشبا: الحد. نام: زائد، والظفر إذا ترك ms1092 بغير ~~تقليم طال. # وما يرعى، يريد أن نمو الخلق وزيادته إنما هو بما يتغذى به من الأكل ~~والشرب، وهذا يكبر ويزيد من غير غذاء. والعشر في الظاهر: عشر ذي الحجة. ~~والنحر: يوم النحر أي يوم العيد فأراد أن هذا المرهوب الشبا إنما يظهر في ~~العشر خاصة، فإذا جاء يوم العيد وطول السنة بعده لم يظهر، وإنما يعني ~~بالعشر الأصابع. والنحر: العنق، أي أن الأظفار خلقت في الأصابع لا في ~~العنق، أو يريد أن الظفر يرى في الأصابع العشر في عشر النحر من ذي الحجة. # *** # ثم تخازر تخازر العفريت، وأنشد ملغزا في طاقة الكبريت. [الوافر] # وما محقورة تدنى وتقصى ... وما منها إذا فكرت بد # لها رأسان مشتبهان جدا ... وكل منهما لأخيه ضد # تعذب إن هما خضبا وتلغى ... إذا عدما الخضاب ولا تعد # *** # قوله: تخازر، أي نظر بمؤخر عينيه مستقلا لذلك، وهو نظر المحتقر لمن ينظر ~~المنكر عليه. والعفريت: الشيطان المؤذي، وهو الرئيس من الجن، والكبريت، ~~معروف فارسي معرب. وطاقاته: قضبانه التي تجعل شيئا على شيء وهو الوقود الذي ~~يشعل به المصباح. تقصى: تبعد. جدا، أي كثيرا، ويريد بالرأسين طرفي قضيب ~~الوقيد اللذين ينغمسان في الكبريت، وجعلهما ضدين لأن هذا في طرف وهذا في ~~طرف، فقد تباعدا وضد الشيء بعيد عنه، وجعلهما متشبهين؛ لأن شكل الطرفين ~~وهما الرأسان شكل واحد. وخضبا: غمسا في الكبريت. وتلغى: تهجر وتترك، وقال ~~ابن رشيق: [البسيط] # إن كنت تنكر ما منك ابتليت به ... فإن برء سقامي عز مطلبه PageV03P265 # أشر بعود من الكبريت نحو فمي ... وانظر إلى زفراتي كيف تلهبه # *** # ثم تخمط تخمط القرم، وأنشد ملغزا في حلب الكرم: [مجزوء الوافر] # وما شيء إذا فسدا ... تحول غيه رشدا # وإن هو راق أوصافا ... أثار الشر حيث بدا # زكي العرق والده ... ولكن بئس ما ولدا # *** # قوله: تخمط، أي تكبر وتهيأ للقول، وأصل التخمط للقرم، وهو فحل الإبل، ~~وتخمط: تهيأ للهدير وأخذ في الصياح والهجوم على الإبل. وحلب الكرم، أراد ~~الخمر، لأنها تحلب من العنب. والحلب: اللبن المحلوب، يقول: الخمر إذا ms1093 فسدت ~~صارت خلا، فحل استعمالها، فقد صار غيها وهو فسادها رشدا، أي صلاحا، وقال ~~أبو بكر بن القبطرنة في خمر له فسدت فصارت خلا: [الطويل] # أبا حسن إني فجعت بصاحب ... أنيس يسلي الهم عند احتلاله # غدت بنت بسطام بن قيس بدنها ... وأمست كجسم الشنفرى بعد خاله # قوله: «غدت بنت بسطام بن قيس»، أي صهباء، لأن بسطام بن قيس يكنى أبا ~~الصهباء. وقوله: «وأمست كجسم الشنفرى»، أي خلا، لأنه يريد قول الشنفرى: ~~[المديد] # * إن جسمي من بعد خالي خل (¬1) * # أي مختل. # وقال آخر في ذلك: [البسيط] # حسبتها بنت بسطام لها أرج ... ثم افتضضت ختاما من أبي سلمه # عرض بأبي سلمة الخلال. # ومن التعريض المركب على هذا المعنى قول الشاعر: [المتقارب] # شربت مداما تسر التريفا ... فأصبحت تجرع خلا ثقيفا PageV03P266 # وصرت حجازا جديب المحل ... وقد كنت للطالب الخصب ريفا # وقال آخر: [الرمل] # يا عقارا صار خلا ... وملاذا للبعوض # سر فما لي فيك حظ ... كان ذا قبل الحموض # ما أبالي بعد أكل الزب ... د من طرح المخيض # قوله: راق أوصافا، أي حسنت أوصافه وحسنها أن توصف بالرقة والصفاء والحمرة ~~والقدم وقوة الفعل، يقول: فإذا كانت أوصافه معجبة أوقد الشر حيثما حضر فإذا ~~فسدت أوصافه صلح. زكي العرق: كريم الأصل، والزكاء: النماء والزيادة، أي ~~كثير الفضل والخير، وأراد أنها شجرة مباركة يكون منها العنب والزبيب والرب، ~~ولكنها تلد ولد سوء، وهو الخمر، وأخذ هذا المعنى من قول الشاعر: [البسيط] # فإن فخرت بآباء لهم شرف ... قلنا صدقت، ولكن بئس ما ولدوا # أو يريد لذة العنب. # *** # ثم اعتضد عصا التسيار، وأنشد ملغزا في الطيار: [المتقارب] # وذي طيشة شقه مائل ... وما عابه بهما عاقل # يرى أبدا فوق علية ... كما يعتلي الملك العادل # تساوى لديه الحصا والنضار ... وما يستوي الحق والباطل # وأعجب أوصافه إن نظرت ... كما ينظر الكيس الفاضل # تراضى الخصوم به حاكما ... وقد عرفوا أنه مائل # *** # قوله: اعتضد، جعلها تحت عضده. التسيار: السير. والطيار: ميزان معروف ~~عندهم، يرجحه أيسر شيء؛ فلخفته سمي الطيار. وقيل: الطيار. ميزان الدراهم ~~المعروف ms1094 عندهم بالقارسطون. الفنجديهي: الطيار: لسان الميزان. # طيشة خفة. شقه: نصفه وجانبه، فيريد بالظاهر: وذي حمق وخفة أصابه خدر ~~وفالج، فيبس جنبه فمال على الجانب الصحيح، ومع ذلك لا يرى أبدا إلا في مكان ~~مرتفع عاليا كما يفعل الملك، والحجارة والذهب عنده سواء. والنضار: الذهب، ~~ثم قال: وإذا نظرت إليه نظر كيس حاذق رأيت في وصفه عجبا حين كان الناس ~~يتراضون بحكمه مع معرفتهم بأنه ناقص الخلقة، لا يعدل في حكمه إنما هو ميال ~~مع أحد الخصمين. والعلية: اليد التي يمسك عليها الميزان. PageV03P267 ### || AUTO [من الألغاز] # وقال أبو نواس يلغز: [السريع] # واسم عليه جنن للصبا ... وضمه للوصف دوار # فضحت عنه سر كتمانه ... وكان من شأني إظهار # يحذف أول مبتدإ لاسمه ... ثم يكون الوصف إضمار # فذاك عل في لعل وفي ... قولك في حارث: يا حار # فهو بحذف ذا وترخيم ذا ... أح لمن تلذعه النار # الاسم راحة، يحذف أول حرف وآخر حرف، ويبقى أح، وهو من لذعته النار. # وقال آخر: [السريع] # ويلي من الحب وويلاه ... ملك قلبي وتناساه # من ثالث العنبر بعض اسمه ... ورابع العنبر أولاه # وقوله عند سؤالي له: ... ما في اسمه والحافظ الله؟ # الاسم رعبلان. وأنشد ابن إسحاق النحوي: [الكامل] # حلف الحبيب علي لا سميته ... فكنيته وأطعت خوف تغاضبه # ظبي إذا ما زارني حل اسمه ... قلبي وذاك من عجيب عجائبه # ويكون إن رخمته وجزمته ... وقلبته ما تشتهي من صاحبه # ويكون بعد الجزم إن فكرت في ... التصحيف مقلوبا أشد معايبه # الاسم فرجة. وأشد معايبه فرج، وهو ما يشتهي من صاحبه، إذا حذفت الهاء. # وقال ابن شرف: [السريع] # ما آكل يعطى على أكلة ... إعطاء إقلال وإكثار # لقمته قيمتها وحدها ... من غير خلف ألف دينار # هو فرج المرأة. # وله في المرآة: [الرمل] # ما يقول الشيخ في شي ... ء تراه ويراكا # ثم لا تلقاه إلا ... حين لا يلقى سواكا # وله أيضا في الإبرة: [الرجز] # ضئيلة الجسم لها ... فعل متين السبب PageV03P268 # حافرها في رأسها ... وعينها في الذنب # ولغيره في الميزان: [الوافر] # وقاض قد قضى في الأرض ms1095 عدل ... له كف وليس له بنان # رأيت الناس قد قبلوا قضاه ... ولا نطق لديه ولا بيان # وقال العلوي الأصبهاني يلغز في النسر الواقع: [الطويل] # وركب ثلاث كالأثافي تعاوروا ... دجا الليل حتى أومضت سنة الفجر # إذا اجتمعوا سميتهم باسم واحد ... وإن فرقوا لم يعرفوا آخر الدهر # وأنشد الحاتمي في الخفاش وهو طائر الليل: [الطويل] # أرى علماء الناس لا يعرفونني ... وقد ذهبوا للعلم في كل مذهب # بجلدة إنسان وصورة طائر ... وأظفار يربوع وأنياب ثعلب # وأنشد في الطائر وظله: [الوافر] # عجبت لطائر في الحوم طارا ... وكانا واحدا فاثنين صارا # فهذا طائر في الجو يهوي ... وذا مستأنس لزم القرارا # وأنشدوا في مصراع الباب: [الطويل] # عجبت لمحرومين من كل لذة ... يبيتان طول الليل يعتنقان # إذا أمسيا كانا على الناس مرصدا ... وعند طلوع الشمس يفترقان # وأنشدوا: [الطويل] # فما ميت أحيا به الله ميتا ... ليخبر قوما أنذروا ببيان # وعجفاء قد قامت لتنذر قومها ... وأهل قراها رهبة الحدثان # الميت الأول بقرة بني إسرائيل، والميت الثاني الذي ضرب ببعضها والعجفاء ~~نملة سليمان عليه السلام. # والألغاز أكثر من أن يأتي عليها الحصر. # *** # قال: فظلت الأفكار تهيم في أودية الأوهام، وتجول جولان المستهام، إلى أن ~~طال الأمد، وحصحص الكمد. فلما رآهم يزندون ولاسنا، ويقضون النهار بالمنى، ~~قال: يا قوم؛ إلام تنظرون، وحتام تنظرون! ألم يأن لكم استخراج الخبي، أو ~~استسلام الغبي! فقالوا: تالله لقد أعوصت، ونصبت الشرك فقنصت؛ فتحكم كيف ~~شيت، وحز الغنم والصيت، ففرض عن كل معمى فرضا، واستخلصه PageV03P269 # منه نضا. ثم فتح الأقفال، ووسم الأغفال، وحاول الإجفال. فاعتلق مدرة ~~القوم، وقال له: لا لبسة بعد اليوم. فاستنسب قبل الانطلاق؛ وهبها متعة ~~المطلاق، فأطرق إطراق مريب، ثم أنشد والدمع مجيب. # *** # قوله: تهيم أي تتحير والهائم: الذي يركب رأسه ويمشي على غير هداية. ~~الأوهام: # جمع وهم وهو ما تتوهمه وتتصوره في نظر مسألة مشكلة، إما خطأ وإما صوابا، ~~وأراد أن أفكارهم كانت تتحير في نظر ألغازه ولا تهتدي. تجول: تتصرف. ~~المستهام: العاشق الذي ذهب به الحب كل مذهب. حصحص: تبين الكمد: ms1096 الحزن ~~والهم: يزندون ولاسنا: يقدحون الزند، ولا يظهر لهم ضوء، أي تضرب أذهانهم ~~الألغاز، فترجع بلا فهم. ويقضون: يقطعون يومهم بأماني لا محصول لها. ### || AUTO [مما قيل في التمني] # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إياك والمنى فإنها بضائع النوكى، ~~وتثبط عن الآخرة والأولى، وأشرف الغنى ترك المنى. # علي بن عبيدة الزنجاني: الأماني مخايل الجهل. # وقال غيره: الأماني تخدعك وعند الحقائق تدعك. # وفي ضده: أفلاطون: التمني حلم المستيقظ وسلوة المحروم. # غيره: الأمل رفيق مؤنس إن لم يبلغك فقد ألهاك. # قيل لأعرابي: ما أمتع لذات الدنيا؟ قال: ممازحة الحبيب، ومحادثة الصديق، ~~وأماني تقطع بها أيامك. وأنشد الثعالبي: [السريع] # ولا تكن عبد المنى ... رءوس أموال المفاليس # وقال مسلم بن الوليد: [الطويل] # وأكثر أفعال الغواني إساءة ... وأكثر ما تلقى الأماني كواذبا # وأنشد أبو تمام في ضده: [الطويل] # منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا # أماني من ليلى حسانا كأنما ... سقتني بها ليلى على ظمأ بردا # ابن المعتز يصف ساقيا: [البسيط] # فظل يناجينى يقلب طرفه ... بأطيب من نجوى الأماني وألطفا # غيره: # علليني بموعد ... وامطلي ما حييت به PageV03P270 # ودعيني أفوز من ... ك بنجوى تطلبه # فعسى يعثر الزما ... ن بخطي فينتبه # قوله: تنظرون، أي تؤخرون. يأن: يحن ويقرب. الخبي، أي المخبوء المستور، ~~يريد ما خبأ لهم في الشعر من اللغز. استسلام: انقياد. الغبي، أي الجاهل ~~بالشيء. # أعوصت: أتيت بعويص وهو الصعب. الشرك: آلة يصاد بها. قنصت: صدت. الغنم: # الغنيمة والجائزة. الصيت: الذكر الحسن. ينشر في الناس ويشيع. فرض: قسط. # وأوجب: وألزم. والفرض: العطية واستخلصه: جعله خالصا. نضا: حاضرا. فتح ~~الأقفال، أي حل ألفاظ الألغاز وإلباسها وكأنها لتعميتها كأن عليها أقفالا، ~~فحلها بتفسير. # والأغفال: جمع غفل، وهو الشيء المهمل ليس له علامة يعرف بها. وسمها: جعل ~~لها علامة حاول الإجفال، أراد الفرار، وأجفل القوم: انهزموا. ومدرة القوم: ~~لسانهم وفصيحهم المتكلم عنهم، وأصل المدرة المدفاع، وقد درهته، إذا دفعته: ~~لبسة: شبهة، وقد التبس الأمر إذا أشكل، ومتعة الطلاق، أن يهب ms1097 الرجل لامرأته ~~شيئا من ماله إذا طلقها يسليها بذلك عن فراقه لها، وروي عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أنه قال: أكثر المتعة خادم، وأقلها ثلاثون درهما، وقيل: أكثرها ~~خادم وأوسطها ثوب وأقلها ما له ثمن. # وهبها: احسبها، يقول: احسب انتسابك لنا متعة وتسلية لفراقك عنا. أطرق: ~~أمال رأسه وسكت مريب: صاحب ريبة. والدمع مجيب، يريد أن إنشاده دعا دمعه ~~فأجابه وقد قال أبو الطيب: [البسيط] # * أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل (¬1) * # يريد أنه لما وقف على الطلل وهو أثر دار أحبابه هيجه لهم فبكى، فالطلل ~~لما دعاه للتذكر أجابه بدموعه. [المجتث] # *** # سروج مطلع شمسي ... وربع لهوي وأنسي # لكن حرمت نعيمي ... بها ولذة نفسي # واعتضت عنها اغترابا ... أمر يومي وأمسي # ما لي مقر بأرض ... ولا قرار لعنسي # يوما بنجد ويوما ... بالشام أضحي وأمسي PageV03P271 # أزجي الزمان بقوت ... منغص مستخس # ولا أبيت وعندي ... فلس، ومن لي بفلس! # ومن يعش مثل عيشي ... باع الحياة ببخس # ثم إنه اختبن خلاصة النض، وندر ضاربا في الأرض، فناشدناه أن يعود، ~~وأسنينا له الوعود؛ فلا وأبيك ما رجع، ولا الترغيب له نجع. # *** # قوله: مطلع شمسي، يريد أن سروج هي بلده التي نشأ فيها. ربع: منزل. # اعتضت: استبدلت. أمر: جعله مرا. مقر: إقامة. قرار: سكون وإقامة عنسي: ~~ناقتي الوثيقة، نجد: ما ارتفع من الأرض، وأنجد: أتى نجدا. والشأم: أخذ من ~~اليد الشؤمى. # أزجي: أسوق. منغص: مكدر، ويقال: نغص علينا فلان، أي قطع علينا ما كنا نحب ~~الاستكثار منه، وكل من قطع شيئا يحب الازدياد منه فهو منغص. مستخس: مستهجن. # بخس: نقصان. # اختبن: جعله في خبنته، وهو طرف ثوبه، والخبنة كالحجزة للإزار، والخلاصة: # ما خلص له منه وصفا. وندر: سبق، وذهب يضرب في الأرض إذا سار فيها، وأصل ~~ندر، خرج وطار، مثل النواة إذا طارت من تحت المرضخ وشبهها. فناشدناه: ~~حلفناه. # يعود: يرجع. أسنينا: عظمنا وجعلناها سنية أي رفيعة. والوعود: جمع وعد، ~~وهو ما وعدوه به من المال. الترغيب: التطميع، وقد رغبته في الشيء إذا زينته ~~له وطمعته فيه. ms1098 # ونجع: نفع، وقد نجع عليه الطعام، إذا أصلح عليه جسمه. PageV03P272 ### | AUTO المقامة الثالثة والأربعون وهي البكرية # حكى الحارث بن همام قال: هفا بي البين المطوح، والسير المبرح، إلى أرض ~~يضل بها الخريت، وتفرق فيها المصاليت، فوجدت ما يجد الحائر الوحيد، ورأيت ~~ما كنت منه أحيد؛ إلا أني، شجعت قلبي المزءود، ونسأت نضوي المجهود، وسرت ~~سير الضارب بقدحين، المستسلم للحين؛ ولم أزل بين وخد وذميل، وإجازة ميل بعد ~~ميل؛ إلى أن كادت الشمس تجب، والضياء يحتجب فارتعت لإظلال الظلام، واقتحام ~~جيش حام، ولم أدر أأكفت الذيل وأرتبط، أم أغتمد الليل وأختبط! . # *** # هفا، أي طار وخف. المطوح: المبعد المشفي على الهلاك، وقد طوحت الشيء، إذا ~~رميت به وألقيته إلقاء منكرا. المبرح: الشاق المتعب، وقد برح الأمر، إذا ~~عظم واشتد. يضل: يتحير ويتلف. الخريت: الدليل، وقيل: هو من خرت الإبرة كأنه ~~من حسن دلالته يهتدي على مثال خرت الإبرة وهو ثقبها. تفرق: تفزع المصاليت: ~~الشجعان الماضون في الحروب، واحدهم مصلات، قال الفراء: المنصلت: المسرع من ~~كل شيء، وجمعه مصالت ومصاليت. أحيد: أخاف وأميل عنه. المزءود: المفزع، وزئد ~~الرجل: فزع نسأت: ضربت بالمنسأة، وهي العصا. نضوي: بعيري. المجهود: المتعب ~~قدحين: سهمين. ### || AUTO [قداح الميسر] # وكان الرجل في الجاهلية يمسك ثلاثة أقداح، على أحدها مكتوب: «أمرني ربي»، ~~وعلى الثاني «نهاني ربي»، والثالث غفل لا شيء عليه وهو المنيح، فإذا أراد ~~سفرا أو أمرا ضرب بها، فإن خرج له «أمرني ربي» مضى آمنا، وإن خرج له «نهاني ~~ربي» ترك ذلك الأمر وإن خرج له غفل أعاد الضرب. # وقيل: كان يمسك قدحين مكتوب على أحدهما «افعل» وعلى الثاني «لا تفعل»، ~~فإن خرج «أفعل» مضى، وإن خرج «لا تفعل» ترك. PageV03P273 # وقيل: كان لا يمضي حتى يخرج له «افعل» ثلاث مرات، ولا يترك المضي حتى ~~يخرج له «لا تفعل» ثلاث مرات، فإن خرج له مرة «افعل» ومرة «لا تفعل» ولم ~~يخلص له أحدهما، فإن مضى في ذلك الأمر مضى وهو يرجو ويخاف، وهذا هو الذي ~~أراد الحريري لأنه كان ms1099 بين الرجاء والخوف. # ولما قتل حجر أبو امرئ القيس، أخذ امرؤ القيس أزلامه وهي القداح، وأتى ذا ~~الخلصة- وهو صنم لدوس وخثعم وبجيلة- فاستقسم عندها بالأزلام فخرج له القدح ~~الذي يكره، فأخذ الأزلام وكسرها وضرب بها وجه صنمها، وقال: [الرجز] # لو كنت يا ذا الخلص الموتورا (¬1) ... مثلي وكان شيخك المقبورا # لم تنه عن قتل العداة زورا # وحكى الفنجديهي، قال: الضارب بقدحين، يعني به قول الناس: إما الغنم، وإما ~~الغرم، وإما الملك وإما الهلك قال الشاعر: [المتقارب] # ضربت بها البيت ضرب القدا ... ح إما لهذا وإما لذا # والقدح: السهم قبل أن يراش ويركب نصله. # وحكى ابن ظفر أن الأزلام سبعة قداح، مكتوب على أحدها «نعم» وعلى الآخر ~~«لا» وعلى قدح «منكم» وعلى قدح «من غيركم» وعلى قدح «ملصق» وعلى قدح ~~«العقل»، وعلى قدح «فضل العقل». وكانت بيد سادن الأصنام، فيأتيه ذو الحاجة ~~بدراهم، فيسأل الصنم أن يوضح له ما سأل عنه، ثم يضرب بالقداح، فإن أتى سائل ~~عن تزويج أو سفر أو شبه ذلك مما يستشار في مثله ضرب له بالقدحين اللذين ~~عليهما نعم ولا، فإن خرج «نعم» مضى على فعله وإن خرج «لا» ترك ذلك. فإن ~~انتسب رجل إلى قبيلة ضرب له بالأقداح الثلاثة التي فيها «منكم» «من غيركم» ~~«ملصق» فإن خرج «منكم» أضافوا نسبه إلى أنفسهم، وإن خرج «من غيركم» كان ~~حليفا وإن خرج «ملصق» لم يكن له حلف ولا نسب. فإن أتى سائل عن قتيل أو ~~جناية ضرب بالقدحين اللذين عليهما العقل، فإن خرج على قوم «العقل» برئ منه ~~الآخرون، وإن عقلوا ففضل شيء، فإن اختلفوا فيه ضرب بالقدح الذي عليه فضل ~~العقل، فإن خرج عليه أداه. # ومعنى الاستقسام بها الرضا بالقسمة بينهم من الأمر والنهي والبراءة ~~والوجوب. # وسهام الميسر عشرة: ثلاثة يتكثر بها لا أنصباء لها، وسبعة لها أنصباء، ~~فأولها الفذ، وفيه فرضة واحدة وله نصيب واحد، والثاني التوأم وفيه فرضتان ~~وله نصيبان، ثم PageV03P274 # الرقيب وفيه ثلاث فرض، وله ثلاثة أنصباء، ثم الحلس بأربع، والنافس بخمس، ~~والمسبل بست، والمعلى، ms1100 وهو أعلاها بسبع فرض وعلى عدد الفرض هي الأنصباء ~~وقال ابن لبال فجمعها في بيت: [الكامل] # فذ وتوأم والرقيب ونافس ... والحلس ثمت مسبل ثم المعل # واسم الثلاثة التي يتكثر بها: الفسيح والمنيح والوغد؛ فإذا أرادوا الضرب ~~بها طلبوا أول رجل يلقونه، فشدوا عينيه، ويسمونه الحرضة، وأقاموا له الرقيب ~~وضرب، فكلما خرج له قدح دفعه إلى الرقيب، والرقيب هو الأمين على الضرب ~~بالقداح، قال الشاعر: # [المتقارب] # لها خلف أذنابها أزمل ... مكان الرقيب من الياسر # وكان أهل اليسار والجود من الجاهلية عند شدة الزمان، ينحرون الجزور ~~ويقتسمونها ويضربون عليها بالقداح، فمن قمر جعل نصيبه لأهل الميسر، والقمار ~~يكنى عنه بالميسر، وأصل الميسر موضع تنحر به الجزور، والياسر: الجازر، ~~وتقسم الجزور عشرة أجزاء: العضدان في الكتفين جزءان، وهما ابنا ملاط، ~~والعجز والزور جزءان، والكاهل واللحاء عليهما الجنب بنصفين جزءان، والوركان ~~عليهما الذراعان جزءان، والفخذان وعليهما العنق مقسوما جزءان. وبقي جنب، ~~وهم يستثنونه وقد لا يستثنونه، فيرد منه على جزء الكاهل ضلعان وعلى سائرها ~~ضلع ضلع، فإن فضلت قطعة أو عظم سمي الزيم، قال الشاعر: [الطويل] # وكنت كعظم الريم لم يدر جازر ... على أي أدنى مقسم اللحم يجعل (¬1) # وقال الأصمعي في الميسر: إنه شيء كانت الجاهلية تفعله، فليس عندنا منه حقيقة. # قوله: المستسلم للحين، أي المنقاد للهلاك. الوخد: نوع من السير وهو أن ~~ترجم الأرض بقوائمها لسرعة سيرها. والذميل: سير لين. تجب: تسقطللمغيب ارتعت: # فزعت لإظلال: لقرب ودنو. اقتحام: دخول الشيء على غرر وحام، هو ابن نوح ~~وقد تقدم في الحادية والعشرين، وأراد بجيش حام ظلام الليل، لأن حاما أبو ~~السودان، أكفت: أقبضه وأشمره. أرتبط: أربط بعيري أعتمد: أقصد. أختبط: أمشي ~~على غير هداية، وأراد أنه لا يدري ما يفعل، أينزل ويبيت، أم يسير في الليل ~~على غرر. # *** PageV03P275 # وبينما أنا أقلب العزم، وأمتخض الحزم، تراءى لي شبح جمل، مستذر بجبل، ~~فترجيته قعدة مريح، وقصدته قصد مشيح؛ فإذا الظن كهانة، والقعدة عيرانة، ~~والمريح قد ازدمل ببجاده، واكتحل برقاده، فجلست عند رأسه؛ حتى هب من نعاسه؛ ms1101 ~~فلما ازدهر سراجاه، وأحس بمن فاجاه، نفر كما ينفر المريب. وقال: # أخوك أم الذئب! فقلت: بل خابط ليل ضل المسلك، فأضئ لي أقدح لك فقال: # ليسر عنك همك، فرب أخ لك لم تلده أمك. فانسرى عند ذلك إشفاقي، وسرى الوسن ~~إلى آماقي، فقال: عند الصباح يحمد القوم السرى، فهل ترى كما أرى! # *** # العزم والحزم: اجتماع رأي الرجل على ما يريد أن يفعله فلا يتردد فيه. أمتخض: # أحرك وأحلب، وأراد أنه أخذ يحدث نفسه ويدبر رأيه: هل يسري أو يقعد. ~~تراءى، أي ظهر. مستذر: مستعل، والذروة أعلى الشيء، أراد أنه ظهر له شبح ~~جمل، أي شخصه في أعلى جبل. قعدة: بعير يقعد عليه عند الركوب. مريح: مستريح، ~~قد نزل يريح نفسه وبعيره. مشيح: مجد. والقعدة: المركوب. والعيرانة: الناقة ~~الصلبة تشبه بالعير، وهو حمار الوحش. # وازدمل: التف. ببجاده: بكسائه. هب: انتبه. ازدهر: انفتح وأضاء سراجاه: # عيناه. فأجاه: أتاه على غفلة. المريب: الذي أتى ريبة. أخوك أم الذيب، ~~مثل، كأنه خاطب نفسه، فقال: أأخوك هو الذي رأيت أتى لمؤانستك أم ذئب ~~لإذايتك، وتضمن الكلام أن الاستفهام وقع بالذي رآه، فكأنه قال له: يا هذا، ~~أأخ أنت أم صاحب فأركن إليك أم عدو فأحذرك؟ فأجابه بأن قال له: بل خابط ~~ليل، أي ماش فيه على جهالة. ضل المسلك: أخطأ الطريق. أضيء لي: اكشف لي عن ~~حالك. أقدح لك: أكشف لك عن حالي، وهذا أيضا مثل، وفي هذا التباس؛ لأنه إذا ~~أضاء له، أي أعطاه ضوأه أو أظهره له، فأي حاجة له في القدح، وهو الضرب ~~بالزند ليخرج ناره، وإنما معناه أن رجلا كان طلب لآخر ضوءا مثل فتيل يوقده، ~~فتخيل من صاحبه أنه لا يعطيه، فقال له: أضيء لي، أي أعطني ضوءا فليس عليك ~~فيه تكلف فإنك إن أتيتني في مثلها فلم تجد لي ضوءا قدحت لك زندي، وتكلفت لك ~~ذلك، ثم استعمل فيمن يطلعك على أمره فتطلعه من أمرك على ما هو أفيد مما ~~أطلعك عليه، فمعناه أطلعني على ظاهر أمرك أطلعك على ms1102 باطن أمري ويروى: «أكدح ~~لك» قال أبو زيد: إذا طلب الرجل إلى الرجل حاجة فلم يعرف وجهها، قال: أضيء ~~لي أكدح لك، أي بين لي فأكدح لك، أي أسعى لك، وكدح لمعيشته: سعى واكتسب، ~~وأضيء: أسرج. # الفنجديهي: أضيء لي أكدح لك، مثل يضرب في المساواة بالأفعال، والمعنى: PageV03P276 # كن لي أكن لك، واسع لي أسع لك، والمراد به كن لي أكثر مما أكون لك لأن ~~الإضاءة أكثر نفعا من القدح، ويقال: معناه: تول الأمر الهين أتول الأمر ~~الصعب. ليسر: ليزل وليذهب. سرى عرق الشجرة يسري: دب تحت الأرض، وسرى يسري سار. ### || AUTO [قصة المثل: رب أخ لم تلده أمك] # رب أخ لك لم تلده أمك، معناه قد وجدت مني صديقا يقوم لك مقام شقيقك، وأصل ~~المثل أن لقمان بن عاد رأى امرأته قد خلا بها رجل وهي تلاعبه ويلاعبها، ~~ومعها صبي صغير يبكي، وهما قد أقبلا على شأنهما لا يكترثان به، فسألها عن ~~الرجل، فقالت: # هو أخي، فقال رب أخ لك لم تلده أمك، يكذبها في قصدها أي هو أخوك بالمحبة ~~والصداقة لا بالولادة. وقال في الدرة: حكى ابن نصر الكاتب أن أباالعباس بن ~~ياسر دخل عليه، رجل نصراني ومعه فتى من أهل ملته حسن الوجه، فقال له: من ~~هذا الفتى؟ # فقال له: بعض إخواني، فأنشد أبو العباس: [الطويل] # دعتني أخاها أم عمرو ولم أكن ... أخاها ولم أرضع لها بلبان (¬1) # دعتني أخاها بعد ما كان بيننا ... من الأمر مالا يصنع الأخوان # وقالوا في هذا المعنى: رب بعيد أقرب من قريب، وقالوا: القريب من قرب ~~نفعه، وقال أبو تمام: [الكامل] # ولقد سبرت الناس ثم خبرتهم ... وبلوت ما وصفوا من الأسباب # فإذا القرابة لا تقرب قاطعا ... وإذ المودة أقرب الأنساب # وقال ابن ميادة: [الطويل] # وإني لزوار لمن لا يزورني ... إذا لم يكن في وده بمريب # تقرب لي دار الحبيب وإن نأت ... وما دار من أبغضته بقريب # فلا تطلبن القرب والبعد بعدها ... إلى غير نيات وغير قلوب # وقال آخر: [الطويل] # أخو ثقة يسر ببعض ms1103 شأني ... وإن لم تدنه مني قرابه # أحب إلي من ألفي قريب ... بنات قلوبهم لي مسترابه # وقال ابن هرمة: [الكامل] # هش إذا وقف الوفود ببابه ... سهل الحجاب مؤدب الخدام PageV03P277 # فإذا رأيت صديقه وشقيقه ... لم تدر أيهما أخو الأرحام # انسرى: زال وذهب، وسروت الثوب عني إذا جردته. إشفاقي: خوفي. سرى الوسن: ~~أقبل النوم. آماقي: آخر عيني، والموق طرف العين من جهة الأنف. ### || AUTO [قصة المثل: عند الصباح يحمد القوم السري] # قوله: عند الصباح يحمد القوم السري مثل؛ ومعناه إذا سرى القوم بالليل ~~قطعوا أرضا كثيرة والأرض تطوى بالليل لمن يمشيها فإذا أصبحوا حمدوا سيرهم. # وهذا المثل بيت من رجز وقع في شعر الشماخ، وذلك أنه سافر في قوم من بني ~~ثعلبة، فمشوا حتى إذا كانوا قريبا من تيماء، قال الشماخ لابن أخيه: انزل ~~فاحد بنا، فنزل فحدا بهم ثم نزل القوم للحداء واحدا بعد واحد، فوقعت ~~أراجيزهم في ديوان الشماخ، فنسبت إليه، وأول الرجز: [الرجز] # طاف خيال من سليمى فاعترى ... بنجد أو تيماء أو وادي القرى # فمنع النوم ومنى بالمنى # وفي آخره: [الرجز] # عند الصباح يحمد القوم السرى ... وتنجلي عنهم غيابات الكرى (¬1) # قال المفضل الضبي: أول من قال ذلك خالد بن الوليد، لما بعث إليه أبو بكر ~~رضي الله عنه وهو باليمامة أن ينزل إلى العراق، فأراد سلوك المفازة، فقال ~~له رافع الطائي: قد سلكتها في الجاهلية، وهي خمس للإبل الواردة، وما أظنك ~~تقدر عليها إلا أن تحمل من الماء، فاشترى مائة شارف فعطشها ثم سقاها الماء ~~حتى إذا مضى يومان خاف العطش على الناس والخيل، وخشي أن يذهب ما في بطون ~~الإبل، نحرها، واستخرج ما في بطونها. فسقى الناس والخيل ومضى، فلما كان في ~~الليلة الرابعة قال رافع: انظروا، هل ترون سدرا عظيما؟ فإن رأيتموها وإلا ~~فهو الهلاك، فنظر الناس فرأوها فأخبروه فكبر وكبر الناس ثم هجموا على الماء ~~فقال خالد: [الرجز] # لله در رافع أنى اهتدى ... فوز من قراقر أنى سرى # خمسا إذا سار بها الخيس بكى PageV03P278 # ما سارها من ms1104 قبله إنس سرى ... عند الصباح يحمد القوم السرى # ويقال: فوز إذا ركب المفازة. وقراقر: اسم قرية من اليمن. والخيس: الجبان ~~الضعيف، وقيل: الثقيل. قال أبو عبيدة: والخمس أن تشرب الإبل يوم وردها ~~وتصدر يومها فتظل بعد ذلك اليوم من الماء ثلاثة أيام سوى يوم الصدر، وترد ~~اليوم الرابع فذلك الخمس. # *** # فقلت إني لك لأطوع من حذائك، وأوفق من غذائك، فصدع بمحبتي، وبخبخ بصحبتي، ~~ثم احتملنا مجدين، وارتحلنا مدلجين، ولم نزل نعاني السرى، ونعاصي الكرى؛ ~~إلى أن بلغ الليل غايته، ورفع الفجر رايته. # فلما أسفر الفاضح، ولم يبق إلا واضح، توسمت رفيق رحلتي، وسمير ليلتي، ~~فإذا هو أبو زيد مطلب الناشد، ومعلم الراشد، فتهادينا تحية المحبين؛ إذ ~~التقينا بعد البين، ثم تباثثنا الأسرار، وتناثثنا الأخبار، وبعيري ينحط من ~~الكلال، وراحلته تزف زفيف الرال؛ فأعجبني اشتداد أسرها، وامتداد صبرها؛ ~~فأخذت أستشف جوهرها، وأسأله من أين تخيرها. # فقال: إن لهذه الناقة خبرا حلو المذاقة، مليح السياقة. فإن أحببت استماعه ~~فأنخ، وإن لم تشأ فلا تصخ. # *** # قوله: حذائك، أي نعلك. صدع: كشف وأظهر. وبخبخ: قال: بخ بخ، وهي كلمة تقال ~~عند الإعجاب. مجدين: مجتهدين. مدلجين: ماشيين بالليل. نعاني: نقاسي. # الكرى: النوم. رايته، أراد ضوأه. أسفر: أضاء الفاضح: من أسماء الصبح سمي ~~بذلك لأنه يفضح الأشياء، أي لا يظهرها. واضح: بين، يريد أن الصبح كشف ما ~~ستره الليل فاستبان كل شيء. توسمت: نظرت. الفنجديهي: واضح: نجم، والنجم ~~الذي يرى بعد الصبح مضيئا في كثير من الأوقات وهو الزهرة. ابن سيده: ~~الواضح: الكواكب الخمس، إذا اجتمعت مع الكواكب المضيئة من كواكب المنازل. ~~والخنس: الراجعة والمتأخرة والمنقبضة. رحلتي: ارتحالي. والسمير: محادثك ~~بالليل. مطلب الناشد، أي حاجة الطلاب التي تلفت له، فجعل يطلبها. معلم ~~الراشد: دليل الهادي، والمعلم: الجبل يعلم به الطريق. فتهادينا تحية ~~المحبين، أي أهديته سلام محب أهدى لي مثل ذلك. تباثثنا: PageV03P279 # تكاشفنا، أي كشفت له سري وكشف لي سره. تناثثنا: تفاشينا، أي أفشيت له ~~خبري وأفشى لي خبره، والبث أصله التفريق، والنث بالنون: أصله نشر ms1105 الحديث ~~وإفشاؤه الفنجديهي: تناثثنا: تذاكرنا، والنث: الذكر ونثوت الذكر ونثوت ~~الحديث، أنثوه، إذا أذعته وأفشيته. ابن الأعرابي النثاء في الحسن والقبيح ~~من الكلام، وقيل: النث: نشر الحديث الذي كتمه أولى من نشره، وفي معنى هذا ~~اللقاء قال المعري: [الوافر] # ولو لم ألق غيرك في اغترابي ... لكان لقاؤك الحظ الجزيلا (¬1) # ستحمل ناجبات العيس مني ... صديقا عن ودادك لن يحولا # يؤمل فيك إسعاف الليالي ... وينتظر العواقب أن تديلا # ينحط: يزفر ويتنفس من شدة التعب، والنحط: خروج النفس بصوت، وهو صوت يعتري ~~المهموم والمتعوب من صدره بتوجع، وقد نحط ينحط نحطا ونحيطا، والنحيط يعتري ~~الدابة إذا كلت أو زيد في حملها، فتسمع لها زفيرا بصوت، فذلك هو النحيط، ~~وقد نحط القصار إذا ضرب بالثوب على الحجر وتنفس ليكون أروح له. تزف: تسرع. # والزفيف: مشى في سكون متتابع والرأل: فرخ النعامة والجمع الرئال. أسرها: ~~قوتها وشدة خلقها. امتداد: طول. أستشف: أنظر. جوهرها: خلقها وجوهر كل شيء: ~~ما وضعت عليه جبلته. أنخ: حط بعيرك وانزل. تصخ: تستمع. # *** # فأنخت لقوله نضوي، وأهدفت السمع لما يروي، فقال: اعلم أني استعرضتها ~~بحضرموت، وكابدت في تحصيلها الموت، وما زلت أجوب عليها البلدان، وأطس ~~بأخفافها الظران؛ إلى أن وجدتها عبر أسفار، وعدة قرار، لا يلحقها العناء، ~~ولا تراهقها وجناء، ولا تدري ما الهناء. فأرصدتها للخير والشر، وأحللتها ~~محل البر السر، فاتفق أن ندت منذ مدة، وما لي سواها قعدة، فاستشعرت الأسف، ~~واستشرفت التلف، ونسيت كل رزء سلف، ومكثت ثلاثا، لا أستطيع انبعاثا، ولا ~~أطعم النوم إلا جثاثا، ثم أخذت في استقراء المسالك، وتفقد المسارح ~~والمبارك، وأنا لا أستنشي منها ريحا، ولا أستغشي يأسا مريحا؛ وكلما ادكرت ~~مضاءها في السير، وانبراءها لمباراة الطير، لا عني الاذكار، واستهوتني ~~الأفكار. # *** PageV03P280 # نضوي: بعيري المهزول. أهدفت: جعلته غرضا يقع فيه كلامه. والسمع: الأذن. # والهدف: الغرض ترمي عليه، استعرضتها: طلبت أن تعرض علي للبيع. حضرموت: # كورة من كور اليمن فيها مدائن، وتعمل بها النعال الحضرمية وهي غاية في ~~الجودة. # كابدت: قاسيت. أجوب: أقطع أطس: أكسر. والوطس: ms1106 الوطء الشديد المؤثر. # الظران: واحدها ظرر، بظاء منقوطة وراءين، وهي الحجارة العريضة، وقيل ~~المحددة. # عبر أسفار: أي قوية على السفر كأنها تعبر بها المراحل، أي تقطع، وأصله ~~عبرت في النهر إذا جزته من جهة إلى جهة أخرى. فرار، أي قد استعدت للفرار ~~والهرب. العناء: # التعب. تراهقها: تدانيها وتقاربها، وقد أرهقت الرجل، إذا دانيته، وذلك أن ~~يذهب أمامك فتتبعه، فإذا قربت منه قلت: رهقته، فإذا أدركته قلت: أرهقته: ~~ورواية ابن جهور «تواهقها» بالواو، ومعناها تواظب على المشي معها، ~~والمواهقة: المعارضة في السير. # وجناء: ناقة قوية غليظة. والوجين: ما صلب من الأرض، وقيل: الوجناء: ~~العظيمة الوجنات. والهناء: القطران، أي ليس بها داء فتحتاج إليه فهي لا ~~تعرفه. أرصدتها: # أعددتها. البر: الذي يبرك ويكرمك. والسر: ما يسرك: ندت: فرت وشردت. # استشعرت: لبست. الأسف: الحزن. استشرفت التلف: عاينت الهلاك ونظرته، ~~واستشرفت فلانا إذا رفعت رأسك لتنظر إليه ويدك على حاجبك. والرزء: فقد الشيء. # سلف: مضى. مكثت: أقمت. انبعاثا: نهوضا وخروجا إلى السفر. حثاثا: قليلا، ~~والحثاث: أن يصيبك النوم ثم يزول عنك في الحال، ويوصف به فيقال: يوم حثاث، ~~أي قليل. والطعم: الذوق. استقراء: تتبع. والمسالك: الطرق. المسارح: المراعي ~~وحيث تسرح الإبل. والمبارك: مراقد الإبل حول الماء. استنشاء الريح: شمها، ~~مهموز وغير مهموز. استغشى ثوبه: تغطى به اليأس: قطع الرجاء. مريحا: يدخل ~~على صاحبه الراحة. ادكرت: تذكرت. مضاءها: نفادها وإسراعها. انبراءها: ~~نهوضها، وقد انبرى لك فلان إذا عرض لك. مباراة: معارضة لاعني: أحرقني، ~~اللوعة: حرقة القلب من شدة الوجد. استهوتني: هوت بي في كل طريق. الأفكار: ~~تذكر الهموم. # *** # فبينما أنا في حواء، بعض الأحياء، إذ سمعت من شخص متبعد، وصوت متجرد: من ~~ضلت له مطية، حضرمية وطية، جلدها قد وسم، وعرها قد حسم، وزمامها قد ضفر، ~~وظهرها كأن قد كسر ثم جبر، تزين الماشية، وتعين الناشية، وتقطع المسافة ~~النائية، وتظل أبدا لك مدانية، لا يعتورها الونى، ولا يعترضها الوجى، ولا ~~تحوج إلى العصا، ولا تعصي فيمن عصى؟ . # قال أبو زيد: فجذبني الصوت إلى الصائت، وبشرني ms1107 بدرك الفائت فلما PageV03P281 # أفضيت إليه، وسلمت عليه، قلت له: سلم المطية، وتسلم العطية، فقال: وما ~~مطيتك، غفرت خطيتك؟ قلت له: ناقة جثتها كالهضبة، وذروتها كالقبة، وحلبها ~~ملء العلبة، وكنت أعطيت بها عشرين، إذ حللت يبرين، فاستزدت الذي أعطى، ~~ودريت أنه أخطأ. # *** # قوله: حواء: بيوت مجتمعة مائتان أو نحوها. الأحياء: القبائل. متجرد. ماض ~~ظاهر، وقيل ضعيف لبعده. ضلت: تلفت وضاعت. مطية، يعني بها نعلا في المعنى ~~وناقة في اللفظ، وقد تقدمت أشعار اللغز بهما. وطية: لا تحرك الراكب، وهي ~~الذلول، وفراش وطيء: وثير لا يؤذي جنب النائم عليه، وعلى من ضلت له مطية ~~[أن يقول ما] في حديث عتبة بن غزوان عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا ضل ~~أحدكم شيئا وأراد غوثا وهو بأرض ليس بها أحد فليقل: يا عباد الله المسلمين ~~أعينوني، يا عباد الله المسلمين أعينوني، فإن لله عبادا لا نراهم»، وقد جرب ~~ذلك. وسم: خرز، أي جعل الخرز فيها كالعلامة. # عرها: جربها. حسم: استؤصل بالقطع، يريد أن آثار الجرب التي كانت في الجلد ~~الذي صنعت منه هذه النعل قد قطعت وأزيلت. وزمامها: شركها. كسر ثم جبر، يريد ~~أن ظهرها يبس فتكسر، فوصل بجلد آخر فصح. # والماشية: الرجل التي تمشي فيها، وكذلك الناشية، ويقال: نشأ الرجل، إذا ~~نهض لحاجته وتنشأ أيضا. وسهل الناشية لأجل الماشية وأصلها الهمز الفنجديهي: ~~تعين الناشية، أي تعين على السير في ناشئة الليل، قال ابن عرفة: كل ساعة ~~قامها قائم من الليل ناشئة. الأزهري: ناشئة الليل قيام الليل مصدر جاء على ~~«فاعلة» بمعنى النشء كالعافية والخاتمة بمعنى العفو والختم، وقيل: الناشية ~~والنشيئة أن تنام أول الليل ثم تقوم. وقيل: الناشئة أول النهار أول الليل، ~~وأكثر المفسرين على أن ناشئة الليل أوله، عاصم: يهمزه والباقون لا يهمزون. ~~جذبني، ساقني بعنف. الصائت: صاحب الصوت الذي سمع، وقد أصات إذا رفع صوته، ~~درك الفائت: لحوق التالف. أفضيت: وصلت تسلم: خذ. جثتها: جسدها، والجثة: شخص ~~القائم والقاعد والراكب والهضبة: # الصخرة العظيمة، وقيل الجبل المنبسط الأملس. ذروتها: أعلى ظهرها. ms1108 ~~والعلبة: إناء من جلود. يبرين: أرض فيها رمل. # *** # قال: فأعرض عني، حين سمع صفتي، وقال: لست بصاحب لقطتي. # فأخذت بتلابيبه، وأصررت على تكذيبه، وهممت بتمزيق جلابيبه، وهو يقول: يا ~~هذا ما مطيتي بطلبك، فاكفف عني من غربك، وعد عن سبك؛ وإلا فقاضني إلى PageV03P282 # حكم هذا الحي، البريء من الغي، فإن أوجبها لك فتسلم، وإن زواها عنك فلا ~~تتكلم، فلم أر دواء قصتي، ولا مساغ غصتي، إلا أن آتي الحكم، ولو لكم. # فانخرطنا إلى شيخ ركين النصبة، أنيق العصبة، يؤنس منه سكون الطائر، وأن ~~ليس بالجائر، فاندرأت أتظلم وأتألم، وصاحبي مرم لا يترمرم، حتى إذا نثلت ~~كنانتي، وقضيت من القصص لبانتي، أبرز نعلا رزينة الوزن، محذوة لمسلك الحزن، ~~وقال: هذه التي عرفت، وإياها وصفت، فإن كانت هي التي أعطي بها عشرين، وها ~~هو من المبصرين، فقد كذب في دعواه، وكبر ما افتراه؛ اللهم إلا أن يمد ~~قذاله، ويبين مصداق ما قاله. # *** # أعرض: نحى وجهه. واللقطة: ما تجده قد سقط من غيرك فتلتقطه، وعامة أهل ~~اللغة على فتح قافها مثل أبي عبيدة ويعقوب والمفضل وثعلب وابن قتيبة ~~وغيرهم. # وحكى ابن خالويه أن تسكينها لغة تميم، وفتحها لغة أهل الحجاز، فهما ~~لغتان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من التقط لقطة فليشهد ذا عدل ثم لا ~~يكتم ولا يغيب، فإن جاء صاحبها فهو أحق بها، وإلا فهو ما الله يؤتيه من ~~يشاء» (¬1). تلابيبه: أطواق ثوبه، والتلبيب الجيب، وأخذت بتلبيب فلان، إذا ~~جمعت ثوبه الذي حوالي صدره وقبضت على نحره، والجلباب: الملحفة والرداء. ~~أصررت: أقمت. تمزيق جلابيبه: تخريق ثيابه. بطلبك: # بما تطلب. والطلب: اسم ما تطلب. ابن دريد فلانة طلب فلان، إذا كان يطلبها ~~ويهواها. عد: كف واصرف. سبك: شتمك. قاضني: حاكمني الحي: القبيلة. الغي: # الضلال والفساد. زواها: نحاها. # قوله: مساغ غصتي، أي بلع ما أختنق به، وساغ الطعام والشراب في الحلق: سهل ~~نزوله فيه. لكمه، يلكمه: ضربه بجمع كفه. # انخرطنا: سرنا مسرعين. ركين النصبة: وقور الهيئة، وفلان ركين بين ~~الركانة، أي ثقيل المجلس ms1109 ثابت قوي. الأزهري. يقال للرجل إذا كان ~~وقوراساكنا: إنه لركين، وقد ركن ركانة. الجوهري. يقال جبل ركين، أي له ~~أركان عالية، فيحتمل على هذا المعنى أن يكون ركين النصبة، عالي الانتصاب ~~حسن القامة، والنصبة الفعلة من الانتصاب، وأراد بها هيئة انتصابه في جلوسه ~~وحالته. أنيق: معجب. العصبة: هيئة العمامة على رأسه، تقول: عصبت رأسي ~~بالعمامة إذا شددته بها، والعصبة هيئة التعمم، يقول: إن PageV03P283 # هذا الشيخ الحاكم رزين في جلوسه حسن التعمم والهيئة. يؤنس: يبصر. سكون ~~الطائر، كناية عن الوقار والحلم، وإنما ذكر الطائر لأنه لا ينزل إلا على ~~ساكن، وإذا نزل عليه سكن هو، فإذا كان عند الرجل هوج وطيش، قيل: طارت ~~عصافيره، فإذا كان القوم أهل وقار قيل: كأن على رءوسهم الطير. اندرأت: ~~اندفعت. اتظلم: أتشكى الظلم. أتألم: # أتوجع. مرم: ساكت. لا يترمرم: لا يجيب ولا يتحرك، وتكلم فما ترمرم، أي ما ~~أجاب، وأصل ترمرم تحرك. نثلت كنانتي: أخرجت ما فيها من السهام، وأراد أتممت ~~كلامي وقضيت: أتممت. والقصص: ذكر الخبر. لبانتي: حاجتي. أبرز: أظهر رزينة: # ثقيلة. # محذوة، جعل عليها الحذاء؛ وهو الجلد الذي تنعل به. مسالك: طرق. والحزن: # ما غلظ من الأرض. عرفت: صحت بها ليعرفها صاحبها. ما افتراه: ما جاء به من ~~الادعاء والكذب. قذالة: عنقه، والقذال: ما بين نقرة القفا إلى الأذن، وجمعه ~~قذل، يقول: فإن كانت هذه النعل تساوي عشرين- وها هو يبصر أن هذا باطل- فقد ~~صارت دعواه باطلة، اللهم إلا أن يمد عنقه ويأتي ببيان أنها تساوي عشرين، ~~إلى هذا التفسير رأيت أكثر من لقيت يذهب، وهو ضعيف ولا يكون لمد قذا له ~~معنى ولا لما بعده. # والتفسير الحسن الذي فيه جلاء للمعنى ما كان يفسره به شيخي أبو بكر بن ~~أزهر عن ابن جهور، وذلك أنه كان يفسر أعطى بمعنى صفع وضرب، وكذلك كتب عليه ~~في طرة كتابه، أن أعطى بمعنى ضرب، لغة أهل الشرق، وقد حدثت أنا عنهم أن ~~الرجل إذا كلم الآخر بما لا يرضيه ثم انصرف عنه صاح الآخر في أثره: ms1110 أعطه، ~~بمعنى اصفعه، فهي لفظة متعارفة بينهم لهذا المعنى وبيان موقعها هنا أنه لما ~~ادعى السروجي أنه أعطي بناقته عشرين، فوصفها بما يصح معناه في حقها من أنها ~~تساوي عشرين. ثم قال: إن المعرف أبرز نعلا رزينة الوزن، أي ثقيلة في ~~الميزان. محذوة لمسلك الحزن، أي قد جعل عليها حذاء، أي رقع من الجلد طرقت ~~بها ليسلك بها الحزن، أي ليمشي بها في أرض ذات حجارة فلا تؤثر فيها لتلك ~~الأطراف، وبتلك الأطراف صارت ثقيلة في الوزن، فلما أبرز هذه النعل التي ~~وصفتها رفعها بيده إلى الحاكم قائلا له: هذه النعل التي عرفت، وإياها وصفت، ~~فإن كانت هذه التي أعطي بها عشرين، أي صفع بها عشرين. فقلت: الإعطاء للنعل ~~بمعنى يوافقها إذ عد عشرين دينار في ثمنها بعيد، ثم بينه بقوله: وها هو من ~~المبصرين. والضرب الجافي في العنق تدمع له العينان، وإذا أفرط فيه عمي له ~~المصفوع، فيقول المعرف: هذه النعل لو صفع بها إنسان صفعة واحدة لعمي وهذا ~~يقول إنه صفع بها عشرين وهو سالم البصر، فقد كذب في ادعائه أنه صفع بها ~~عشرين، وكبرت فريته، اللهم إلا أن يمد قفاه فيرينا فيها أثر الصفع، وأثره ~~احمراره وتعجيره، فيتبين بذلك الأثر صدق قوله. فهكذا تفسير هذا الموضع ~~ومعناه، وابن جهور الذي شافه الحريري بمشكلات كتابه كان أضبط لها ممن يتحكم ~~فيها بنظره، فيكون تخليص المعنى إن PageV03P284 # المعرف يقول: هذه النعل يدعي هذا أنه أعطي بها عشرين، وأنتم ترونه سالم ~~البصر، ومحال أن يصفع بها إنسان لخشنها وثقلها عشرين صفعة إلا ويعمى، فقد ~~صارت دعواه كاذبة إلا أن يمد لنا عنقه فنرى فيها أثر الصفع والرزء فنصدقه ~~في دعواه. وفي رواية غير ابن جهور «بعد المبصرين» فقال: كذب دعواه وهو داخل ~~في قول المعرف الأول فلا يحتاج إلى ادعائه، ولو جاء هنا بثم مكان الفاء ~~لكان أبين فكان بمعنى قوله، قال: ثم يمشي في كلامه ثم ينسق عليه قال: لكلام ~~ثان، وإنما وضع الفاء موضع ثم لأن جواب الشرط ms1111 الذي هو «فإن كان» مضمن في ~~قوله «وها هو من المبصرين» فإنه يتضمن قوله: # «وها هو من المبصرين» معنى فقد كذب، وليس فيه لفظ الجواب، فجاءت الفاء ~~كأنها جواب لفظي، ووقعت قال: موطئة لقال الأولى، ألا ترى أن في رواية ابن ~~جهور مكان فقال فقد، والكلام بها متصل حسن، قال أبو الرقعمق يصف العمى من ~~الصفع: [مجزوء الرمل] # ولقد بتنا على زمن ... ورءوس القوم تسلب # وكئوس الصفع دائرة ... وبها اللذات والطرب # وكأن الصفع بينهم ... شعل النيران تلهب # والعمى منهم وإن شغلوا ... عنه باللذات مقترب # وله: [مجزوء الكامل] # إن الذين تصافعوا ... بالقرع في زمن القشور # أسفوا علي لأنهم ... حضروا ولم أك في الحضور # لو كنت ثم لقيل هل ... من آخذ بيد الضرير # يا للرجال تصافعوا ... والصفع مفتاح السرور # لا تغفلوه فإنه ... يستل أحقاد الصدور # وقال يصف أثر الصفع في قفاه: [البسيط] # ففي ما شئت من حمق ومن هوس ... قليله لكثير الحمق إكسير # كم رام إدراكه قوم فأعجزهم ... وقد حضرت يرى في الرأس تعجير # والأخدعان فما زالا يرى لهما ... لكثرة المزح توريم وتحمير # ففي هذه الأشعار تتبين لك تلك الأغراض التي قدمنا ذكرها. ### || AUTO [ابن المغازلي] # وتنتظم في سلكها حكاية ابن المغازلي، وكان رجلا يتكلم ببغداد على الطرق PageV03P285 # بأخبار ونوادر منوعة، وكان نهاية في الحذق لا يستطيع من سمعه ألا يضحك ~~قال: وقفت يوما على باب الخاصة أضحك الناس وأتنادر، فحضر خلفي بعض خدام ~~المعتضد، فأخذت في نوادر الخدم، فأعجب بذلك وانصرف، ثم عاد فأخذ بيدي وقال: ~~دخلت فوقفت بين يدي سيدي فتذكرت حكايتك فضحكت، فأنكر علي، وقال: ما لك ~~ويلك! فقلت: على الباب رجل يعرف بابن المغازلي يتكلم بحكايات ونوادر تضحك ~~الثكول، فأمر بإحضارك ولي نصف جائزتك، فطمعت في الجائزة، وقلت: يا سيدي أنا ~~ضعيف وعلي عيلة، فلو أخذت سدسها أو ربعها! فأبى وأدخلني فسلمت فرد السلام، ~~وهو ينظر في كتاب، فنظر في أكثره، وأنا واقف، ثم أطبقه ورفع رأسه إلي، ~~وقال: أنت ابن المغازلي؟ قلت: نعم يا مولاي، قال: بلغني ms1112 أنك تحكي وتضحك ~~بنوادر عجيبة، فقلت: # يا أمير المؤمنين الحاجة تفتق الحيلة، أجمع الناس حكايات أتقرب بها إلى ~~قلوبهم فألتمس برهم، فقال: هات ما عندك، فإن أضحكتني أجزتك بخمسمائة درهم، ~~وإن أنا لم أضحك فما لي عليك؟ فقلت للحين: ما معي إلا قفاي، فاسأل ما ~~أحببت، قال: # أنصفت إن لم تضحكني أصفعك بذلك الجراب عشر صفعات، فقلت في نفسي: ملك لا ~~يصفع إلا بشيء لين خفيف، والتفت فإذا بجراب من أدم معلق في زاوية البيت، فقلت: # ما أخطأ ظني، عسى فيه ربح إن أضحكته ربحت، وأخذت الجائزة، وإلا فعشر ~~صفعات بجراب منفوخ شيء هين، ثم أخذت في النوادر والحكايات والنعاشة ~~والعبارة، فلم أدع حكاية أعرابي، ولا نحوي، ولا مخنث، ولا قاض، ولا نبطي، ~~ولا سندي، ولا زنجي ولا خادم، ولا تركي، ولا شاطر، ولا عيار، ولا نادرة، ~~ولا حكاية إلا وأحضرتها حتى نفد كل ما عندي، وتصدع رأسي، وفترت وبردت، ولم ~~يبق ورائي خادم، ولا غلام إلا وقد ماتوا من الضحك، وهو مقطب لا يتبسم، ~~فقلت: قد نفد ما عندي، وو الله ما رأيت مثلك قط، فقال لي: هيه، ما عندك؟ ~~فقلت: ما بقي لي سوى نادرة واحدة، قال: # هاتها، قلت: وعدتني أن تجعل جائزتي عشر صفعات وأسألك أن تضعفها لي وتضيف ~~إليها عشر صفعات أخرى. فأراد أن يضحك ثم تماسك، قال: نفعل يا غلام خذ بيده ~~ثم مددت قفاي فصفعت بالجراب صفعة، فكأنما سقطت على قفاي قطعة من جبل، وإذا ~~هو مملوء حصا مدورا فصفعتعشرا، فكادت أن تنفصل رقبتي، وطنت أذناي وانقدح ~~الشعاع من عيني، فصحت يا سيدي، نصيحة، فرفع الصفع بعد أن عزم على العشرين، ~~فقال: قل نصيحتك، فقلت: يا سيدي إنه ليس في الديانة أحسن من الأمانة، وأقبح ~~من الخيانة، وقد ضمنت للخادم الذي أدخلني نصف الجائزة على قلها وكثرها، ~~وأمير المؤمنين بفضله وكرمه قد أضعفها وقد استوفيت نصفي، وبقي نصفه. فضحك ~~حتى استلقى، واستفزه ما كان سمع، فتحامل له، فما زال يضرب بيديه الأرض ~~ويفحص برجليه ms1113 ويمسك بمراق بطنه، حتى إذا سكن قال: علي به، فأتي به، وأمر ~~بصفعه، وكان طويلا، فقال: وأيش جنايتي؟ فقلت له: هذه جائزتي وأنت شريكي ~~فيها، وقد استوفيت PageV03P286 # نصيبي منها، وبقي نصيبك، فلما أخذه الصفع وطرق قفاه الوقع، أقبلت ألومه ~~وأقول له: # قلت لك إني ضعيف معيل، وشكوت إليك الحاجة والمسكنة، وأقول لك خذ ربعها أو ~~سدسها، وأنت تقول: لا آخذ إلا نصفها، ولو علمت أن أمير المؤمنين أطال الله ~~بقاءه جائزته الصفع وهبتها لك كلها. فعاد إلى الضحك من عتابي للخادم، فلما ~~استوفى نصيبه أخرج صرة فيها خمسمائة درهم، وقال: هذه كنت أعددتها لك فلم ~~يدعك فضولك حتى أحضرت شريكا لك، فقلت: وأين الأمانة؟ فقسمها بيننا وانصرفت. # *** # فقال الحكم: اللهم غفرا، وجعل يقلب النعل بطنا وظهرا؛ ثم قال: أما هذه ~~النعل فنعلي؛ واما مطيتك ففي رحلي، فانهض لتسلم ناقتك، وافعل الخير بحسب ~~طاقتك، فقمت وقلت: [الرجز] # أقسم بالبيت العتيق ذي الحرم ... والطائفين العاكفين في الحرم # إنك نعم من إليه يحتكم ... وخير قاض في الأعاريب حكم # فاسلم ودم دوم النعام والنعم # فأجاب من غير روية، ولا عقد نية، وقال: [الرجز] # جزيت عن شكرك خيرا يا بن عم ... إذ لست أستوجب شكرا يلتزم # شر الأنام من إذا استقضي ظلم ... ثم من استرعي فلم يرع الحرم # فذان والكلب سواء في القيم # ثم إنه نفذ بين يدي، من سلم الناقة إلي، ولم يمتن علي، فرحت نجيح الأرب، ~~أجر ذيل الطرب، وأقول يا للعجب! # *** # قوله: اللهم غفرا، أي اغفر غفرا، والغفر: الستر والتغطية. انهض: تقدم لتسلم: # لقبض العتيق: القديم. الحرم: جمع حرمة. والعاكفين: المقيمين فيه للعبادة، ~~والعكوف: الإقامة، والحرم حرم مكة. اسلم: دعاء، معناه سلمك الله والنعام: ~~طير معروف. الأعاريب: الأعراب وهم سكان البادية. والنعم: جمع نعمة، والدوم ~~والدوام PageV03P287 # واحد. روية، أي فكرة. عقد نية: أي تدبير. استرعي: جعل راعيا، أي حكما على ~~الناس. يرعى: يحفظ فذان، أي فهذان القيم: جمع قيمة. يمتن: يعتدها منة، ~~وامتن فلان عليك، إذا فعل معك معروفا فمتى أنكر عليك ms1114 شيئا ذكر لك معروفه ~~وجبهك به، وقالت الحكماء: أحي المعروف بإماتة ذكره، وعظمه بالتصغير له. # *** # قال الحارث بن همام: فقلت له تالله لقد أطرفت، وهرفت بما عرفت، فناشدتك ~~الله: هل ألقيت أسحر منك بلاغة، وأحسن للفظ صياغة؟ فقال: اللهم نعم، فاستمع ~~وانعم ... كنت عزمت حين اتهمت، على أن أتخذ ظعينة، لتكون لي معينة؛ فحين ~~تعين الخطب الملب، وكاد الأمر يستتب، أفكرت فكر المتحرز من الوهم، المتأمل ~~كيف مسقط السهم، وبت ليلتي أناجي القلب المعذب، وأقلب العزم المذبذب، إلى ~~أن أجمعت على أن أسحر، وأشاور أول من أبصر. فلما قوضت الظلمة أبوابها، وولت ~~الشهب أذنابها، غدوت غدو المتعرف، وابتكرت ابتكار المتعيف فانبرى لي يافع ~~في وجهه شافع، فتيمنت بمنظره البهيج، واستقدحت رأيه في التزويج فقال: أو ~~تبغيها عوانا، أم بكرا تعاني؟ فقلت: اختر لي ما ترى، فقد ألقيت إليك العرى. # *** # أطرفت: أتيت بطرفة، يريد بأمر عجيب غريب. هرفت بما عرفت، أي تكلمت بشيء ~~غريب، والهرف: الإطناب في المدح، ومن كلام العرب لا تهرف بما لا تعرف. # ناشدتك: حلفتك: صياغة: صنعة وسبك. اتهمت: أتيت تهامة، وهي ما انخفض من ~~أرض العرب ظعينة: زوجة. الخطب: النكاح. وتعين: تحقق. يستتب: يتم. الوهم: # الغلط المتأمل: الناظر المذبذب: المضطرب، الذي لا يعتمد على رأي، أزمعت: # عزمت. أسحر: أخرج في السحر. قوضت: هدمت. والأطناب: حبال الخباء وتقويضها: ~~إزالتها. الشهب: النجوم، وجعل لها أذنابا مجازا، وأراد أن الفجر إذا طلع ~~وانتشر غابت النجوم، فكأنها قد ولت أذنابها وقال التهامي في ذلك: [البسيط] # فظلت أعثر في ثوب الدجى ولها ... والجو روض وزهر الشهب كالزهر # وللمجرة فوق الأرض معترك ... كأنها حبب يعلو على نهر # وللثريا ركود فوق أرحلنا ... كأنها قطعة من فروة النمر # كأن أنجمها والصبح يغمضها ... قسرا عيون غفت من شدة السهر PageV03P288 # المتعرف: المكتسب لأنه يعرف ما جهل. المتعيف: الزاجر، من عاف الشيء إذا ~~كرهه. يافع: فتى شاب وقد أيفع إذا شب. في وجهه شافع، أي هو حسن الوجه يشفع ~~حسن وجهه إذا أذنب أو أخطأ. # *** ### || AUTO [مما قيل ms1115 في الوجه الحسن] # وفي وجهه شافع صدر بيت للحكم بن قنبر. # وقال يحيى بن علي المنجم: كنت يوما بين يدي المعتضد، وهو مقطب، فأقبل بدر ~~مولاه، فلما رآه من بعيد ضحك وقال: يا يحيى من الذي يقول: «في وجهه شافع»؟ # فقلت: يقوله ابن قنبر المازني البصري، فقال لله: دره، فأنشد هذا الشعر، ~~فأنشدته: # [البسيط] # ويلي على من أطار النوم فامتنعا ... وزاد قلبي على أوجاعه وجعا # كأنما الشمس في أعطافه لمعت ... حسنا أو البدر من أزراره طلعا # مستقبل بالذي يهوى وإن كثرت ... منه الذنوب ومعذور بما صنعا # في وجهه شافع يمحو إساءته ... من القلوب وجيه حيثما شفعا # أنس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حسن الوجه مال». # وقال صلى الله عليه وسلم: «اطلبوا الخير عند حسان الوجوه». # وقال الشاعر: [الخفيف] # أنت شرط النبي إذ قال يوما ... اطلبوا الخير من حسان الوجوه # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من آتاه الله وجها حسنا واسما حسنا، ~~وجعله في موضع غير شائن، فهو من صفوة الله من خلقه». # ابن عمر رضي الله عنهما قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة تجلو البصر: ~~النظر إلى الخضرة، والنظر إلى الماء الجاري، والنظر إلى الوجه الحسن»، ~~نظمها الشاعر فقال: [السريع] # ثلاثة يذهبن للمرء الحزن ... الماء والخضرة والوجه الحسن # قوله تيمنت: تبركت. البهيج. الحسن. استقدحت: طلبت، وأصلها، في قدح النار. ~~تبغيها: تطلبها. عوانا: ثيبا. تعاني: تعالج وتراضي. العرا: جمع عروة. # *** # فقال: إلي التبيين، وعليك التعيين، فاسمع أنا أفديك، بعد دفن أعاديك؛ أما ~~البكر فالدرة المخزونة، والبيضة المكنونة، والباكورة الجنية، والسلافة ~~الهنية، PageV03P289 # والروضة الأنف، والطوق الذي ثمن وشرف؛ لم يدنسها لامس، ولا استغشاها ~~لابس، ولا مارسها عابث، ولا وكسها طامث، ولها الوجه الحي، والطرف الخفي، ~~واللسان العي، والقلب النقي. ثم هي الدمية الملاعبة، واللعبة المداعبة، ~~والغزالة المغازلة، والملحة الكاملة، والوشاح الطاهرالقشيب، والضجيع الذي ~~يشب ولا يشيب ... أما الثيب فالمطية المذللة، واللهنة المعجلة. والبغية ~~المسهلة، والطبة المعللة، والفرينة المتحببة، والخليلة المتقربة، والصناع ~~المدبرة، والفطنة المختبرة. ثم إنها عجالة الراكب، وأنشوطة الخاطب، ms1116 وقعده ~~العاجز، ونهزة المبارز، عريكتها لينة، وعقلتها هينة، ودخلتها متبينة، ~~وخدمتها مزينة، وأقسم لقد صدقت في النعتين، وجلوت المهاتين، فبأيتهما هام ~~قلبك، وعلى أيتهما قام ربك؟ . # *** # الدرة: الجوهرة. المخزونة: التي جعلت في الخزانة لرفعتها، يريد أن البكر ~~تحجب وتصان: البيضة المكنونة، أراد بيضة النعام، ويشبه بها النساء لبياضها ~~والصفرة التي تضرب فيها، وقد تقدمت هذه الصفة في العاشرة، وقال امرؤ القيس: ~~[الطويل] # كبكر مقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير المحلل (¬1) # وقال ذو الرمة: [البسيط] # * كأنها فضة قد مسها ذهب (¬2) * # والمكنونة: المصونة، والنعامة تكن بيضتها بريشها، ولا تبديها للشمس ~~والريح لئلا تتغير، وقال الله تعالى: كأنهن بيض مكنون [الصافات: 49]، ~~الباكورة: أول ما يباكر من الثمر. والسلافة: الخمر، والمدخورة: المحجوبة في ~~آنيتها الأنف: التي لم تدخل ولا رعيت. والطوق: ثوب رفيع. ثمن: كثر ثمنه ~~اللامس: الذي يلمس الشيء بيده ويدنسه، وأراد به الذي يلاعبها ويعضها ابن ~~عباس: اللمس والملامسة واللماس، كناية PageV03P290 # عن الجماع، وفلانة لا ترد يد اللامس، أي لا تمنع مجامعتها من أرادها. ~~استغشاها: # جامعها، وغشيان النساء: مجامعتهن. واللابس: الذي لابسها واختلط بها، يريد نكحها. # مارسها: عالجها وعاناها. عابث: مفسد، وأراد من يعبث بها عند الجماع. وكسها: # نقصها، ووضع منها، والوكس: الخسارة في البيع، طامث: ناكح. والطامث: ~~المفتض للبكر. العي: الذي لا يعرف تصرفات الكلام: والدمية صورة الرخام. ~~واللعبة: ما يلعب به، وتقول: لمن اللعبة؟ أي لمن الغلب في لعب الشطرنج ~~وشبهه. علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المرأة لعبة ~~زوجها، فإن استطاع أن يحسن لعبته فليفعل» والمداعبة: # الممازحة والمغازلة: تقول غازلتني المرأة إذا تماجنت عليك في كلامها، ~~وأشارت لك بعينها وغمزتك بحاجبها حتى إذا طمعت فيها صدت عنك. والملحة: ~~الصورة المستملحة كالدمى وكالصورة التي تلعب بها البنات والشطار، وهي ~~اللعبة وجاء بملحة أي بكلمة طيبة مليحة. والوشاح: الحزام. والقشيب: الجديد ~~جعلها كالوشاح عند عناقها وجماعها. والضجيع: المراقد. يشب: يردك شابا. ~~يشيب: يكسبك الشيب. اللهنة: ما يعجل للضيف قبل القرى والطبة: الحاذقة ~~بمصالحها. المعللة: التي ms1117 تعطيك ما تريد منها مرة بعد مرة، وهي بكسر اللام، ~~والمعللة: التي تعلل مرتشفها بالريق، قال امرؤ القيس [الطويل]: # * ولا تمنعينا من جناك المعلل (¬1) * # ابن الأعرابي: المعلل: المعين بالبر بعد البر، ومن نصب اللام فمعناه ~~المطيب مرة بعد مرة، والتعليل سقي بعد سقي. والقرينة: الصاحبة. والحليلة: ~~الزوجة. والصناع: # الحاذقة بالصنعة. وعجالة الراكب: ما يعجل له من الطعام والشراب، مثل ~~التمر والسويق، وما لا يتعب بمعالجته، وكانت العرب لكرمها يمر عليها الرجل، ~~وهو راكب فتعرض عليه النزول للقرى، فيمتنع لأعذار له فيمسك؛ حتى يخرج له من ~~البيوت أيسر ما يوجد، يأكله وهو راكب، فجعل الثيب لسهولتها كالعجالة التي ~~لا يتكلف لها، وقال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: البكر كالبرة تطحنها ~~وتعجنها وتخبزها وتأكلها، والثيب عجالةالراكب تمر وسويق. والأنشوطة: عقدة ~~تحل بسهولة. نهزة: فرصة وغنيمة سهلة. # عريكتها: طبيعتها، ورجل لين العريكة إذا كان سهلا سلس القياد، وأصل ~~العريكة سنام البعير، وكانوا يعمدون للبعير إذا كان فيه شماس وامتناع، ~~فيقطعون في حدبته وهي مرتفعة يصعب الركوب عليها، فإذا قطع فيها سكن البعير ~~ولان، وتوطأ موضع الركوب منه فيقال: قد لانت عريكته وقال الشاعر: [الطويل] PageV03P291 # من اللواتي إذا أودت عريكتها ... يبقى لها بعدها أل ومجلود # قوله: أودت، أي زالت وذهبت، فهذا يدل على ما ذكرنا. عقلتها: حبستها، يريد ~~أن ما يعقلها به صاحبها شيء هين، والعقلة مثل العقدة، ولفلان عقلة يعقل بها ~~الناس فيغلبهم ويصرعهم. دخلتها: باطن أمرها، وفلان عفيف الدخلة وخبيثها، أي ~~الباطنة والسريرة. متبينة: مكتشفة ظاهرة، أي سرها ظاهر. المهاتين: البكر ~~والثيب، والبقرة الوحشية هي المهاة. هام: تحير من شدة الحب. # *** # قال أبو زيد: فرأيته جندلة يتقيها المراجم، وتدمى منها المحاجم؛ إلا أني ~~قلت له: كنت سمعت أن البكر أشد حبا، وأقل خبا، فقال: لعمري قد قيل هذا، ~~ولكن كم قول أذى، ويحك! أما هي المهرة الأبية العنان، والمطية البطية ~~الإذعان، والزندة المتعسرة الاقتداح، والقلعة المستصعبة الافتتاح. ثم إن ~~مئونتها كثيرة، ومعونتها يسيرة، وعشرتها صلفة، ودالتها مكلفة، ويدها خرقاء، ~~وفتنتها صماء، ms1118 وعريكتها خشناء، وليلتها ليلاء، وفي رياضتها عناء، وعلى ~~خمرتها غشاء، وطالما أخزت المنازل، وفركت المغازل، وأحنقت الهازل، وأضرعت ~~الفنيق البازل. ثم إنها التي تقول: أنا ألبس وأجلس، فأطلب من يطلق ويحبس. # فقلت له: فما ترى في الثيب، يا أبا الطيب؟ فقال: ويحك! أترغب في فضالة ~~المآكل، وثمالة المناهل، واللباس المستبذل، والوعاء المستعمل، والذواقة ~~المتطرفة والخراجة المتصرفة، والوقاح المتسلطة، والمحتكرة المتسخطة. ثم ~~كلمتها: كنت وصرت، وطالما بغي علي فنصرت وشتان بين اليوم والأمس، وأين ~~القمر من الشمس! وإن كانت الحنانة البروك، والطماحة الهلوك، فهي الغل ~~القمل، والجرح الذي لا يندمل. # *** # قوله: المراجم، أي الذي ترجمه ويرجمك. خبا: مكرا وخديعة، ورجل خب: # غاش فاجر. الأبية العنان: الممتنعة القياد. الإذعان: الخضوع والذلة ~~الزندة: ما تزند منه النار. المتعسرة الاقتداح: التي يعسر إخراج النار منها ~~القلعة: الحصن والمكان المرتفع. # عشرتها: صحبتها. صلفة: مجاوزة حد الطوق، وأصل الصلف الإعراض عن الشيء ~~كأنه إذا استقبلك أبديت له صليفك، وهو صفحة عنقك، ودالتها: انبساطها، يريد ~~انبساطها إذا أرادت أن تدل عليك تتكلف ذلك. خرقاء: لا تحسن العمل. صماء: ~~شديدة، كأنها لا PageV03P292 # تسمع النهي والعذل. وفتنتها: شرها. خشناء: خشنة صعبة. ليلاء: شديدة ~~السواد طويلة. خمرتها: لبستها الخمار. غشاء: غطاء وستر. فضالة: بقية، وكذلك ~~ثمالة المنهل: موضع الماء. والنهل: الشرب الأول. والذواقة المتطرفة، أي ~~التي تذوق طرف الشيء وتتركه أو تذوق بطرف لسانها ثم تبصقه، وتطرفت الناقة: ~~رعت بأطراف المرعى، فيريد أنها لا تبقى على زوج واحد، إنما هي تذوق كل زوج ~~وتجرب لذة مباشرتهم، وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إني قد طلقت زوجتي ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات» ~~(¬1). الخراجة: الكثيرة الخروج. المتصرفة: الجوالة الوقاح: الصلبة الوجه ~~التي ليس عندها حياء. المتسلطة: المستطيلة اللسان والمحتكرة: التي تسرق رزق ~~زوجها، ثم تحتكره، أي تدخره وترفعه، فإذا احتاج زوجها لشرائه أخذت منه ثمن ~~ما عندها محتكرا. كنت وصرت: تخاطب به زوجها أي كنت في نعمة مع الزوج الأول ~~وأنا معك على ms1119 شقاء بغي علي، أي اجتمع علي بالظلم، والبغي: الظلم. وشتان: بعد. # واليوم وأمس: الزوج الحاضر معها والزوج المفقود، وهو الذي أراد بالقمر ~~والشمس، ويقال: شتان زيد وعمر وترفعهما بشتان، وتفتح نونهاللالتقاء ~~الساكنين تشبيها بالأدوات ويقال: شتان ما زيد وعمرو، فتجعل ما صلة أو ~~تنصبها على التمييز على حد نعم رجلا زيد والتقدير: شتان شبها زيد وعمرو، ~~وبرفعهما بشتان بمعنى بعد شبها زيد وعمرو، ويجوز كسر نون شتان على أنها ~~تثنية شت، وهو التفرق، وجمعه أشتان، ويقال: شتان ما بين زيد وعمرو، فترفع ~~«ما» بشتان على أنها بمعنى الذي، وبين صلتها، ولا يجوز كسر نون شتان لأنها ~~اسم واحد، ومعنى هيهات بعد الحنانة: صاحبة الولد الذي من غير الزوج الذي هي ~~معه، فمتى رأت ولدها حنت لوالده، والبروك: التي تتزوج ولها ولد كبير، ويسمى ~~ولدها الحوبند. والطماحة الهلوك: هي التي فارقها زوجها فتطمح له أبدا ~~وتتهالك في محبته. وقيل: الطماحة التي تطمح إلى كل شهوة، والهلوك الفاجرة. # والغل: الشرك التي يغل بها الأسير أي يربطها في عنقه ويديه. والقمل: الذي ~~كثرت فيه القمل ويضرب بالغل القمل المثل للمرأة السيئة الخلق. لا يندمل: لا يبرأ. # أبو موسى رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث يدعون ~~الله فلا يستجيب لهم: # رجل كانت عنده امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل أعطى ماله سفيها، وقد ~~قال الله تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم [النساء: 5]، ورجل كان له على ~~رجل دين فلم يشهد عليه». # المقدمي: قال بعض الحكماء: أربعة أشياء يمنعن النوم والقرار: المرأة ~~السوء، والولد الجاهل، والعشير المخالف، والعبد اللئيم. قال الأصمعي: قال ~~لي زائدة البندار: # قيل لي بالشأم: هل لك أن ترى العجب؟ فذهبت فإذا سبعة في شق، جد وستة من ~~ولده PageV03P293 # وولد ولده، وإذا الجد السابع أشب من الابن السابع، فسألت عنه فقيل: كان ~~للجد امرأة موافقة وللابن السابع امرأة سليطة. # وقال صلى الله عليه وسلم: «أربعة لا يشبعن من أربعة: عين من نظر، وأرض من ~~مطر، وأنثى من ذكر، ms1120 وعالم من علم». # قال الأصمعي: تزوج رجل من عذرة امرأة من بلي حمقاء، فغاب عنها غيبة ثم ~~قدم عليها، فلما جمعهما المضجع أنشأت تقول: [الرجز] # ما مسني بعدك من إنسي ... غير غلام واحد جعدي # ورجل أحمق من بلي ... ورجلين من بني عدي # وتسعة كانوا مع المطي ... وسبعة كانوا على الطوي # وخمسة وافوا مع العشي ... من بين جدي إلى مكي # * ومن تهامي إلى نجدي* # فقام إليها بالسوط فضربها، فاجتمع لذلك من حوله يلومونه، فقال: والله ~~لولا ما قمت لضربها لعدت علي أهل عرفات ومنى. # وقيل ليحيى المديني: ما الجرح الذي لا يندمل؟ قال: حاجة الكريم إلى ~~اللئيم. # *** # فقلت له: فهل ترى أن أترهب، وأسلك هذا المذهب؟ فانتهرني انتهار المؤدب، ~~عند زلة المتأدب، ثم قال: ويلك! أتقتدي بالرهبان، والحق قد استبان! أف لك ~~ولوهن رأيك، وتبا لك ولأولئك أتراك ما سمعت بأن لا رهبانية في الإسلام، أو ~~ما حدثت بمناكح نبيك عليه أزكى السلام. ثم أما تعلم أن القرينة الصالحة ترب ~~بيتك، وتلبي صوتك وتغض طرفك، وتطيب عرفك، وبها ترى قرة عينك، وريحانة أنفك، ~~وفرحة قلبك، وخلد ذكرك، وتعلة يومك وغدك! فكيف رغبت عن سنة المرسلين، ومتعة ~~المتأهلين، وشرعة المحصنين ومجلبة المال والبنين: والله لقد ساءني فيك، ما ~~سمعت من فيك. ثم أعرض إعراض المغضب، ونزا نزوان العنظب، فقلت له: قاتلك ~~الله! أتنطلق متبخترا، وتدعني متحيرا! فقال أظنك تدعي الحيرة، لتجلد عميرة، ~~وتستغني عن المهيرة. فقلت له: قبح الله ظنك، ولا أشب قرنك. ثم رحت عنه مراح ~~الخزيان، وتبت من مشاورة الصبيان. # *** # قوله: أترهب، أي أترك التزويج، والترهب ترك النساء، انتهرني: زجرني ~~وأخذني PageV03P294 # بلسانه. زلة: سقطة. استبان: ظهر. الأف وسخ الأذنين، والوهن: الضعف ~~والخسران، ولأولئك، إشارة للرهبان. السكن: الزوجة يسكن إليها ترب: تصلح. ~~تلبي: تجيب. # تغض طرفك، أي تحصنك وتمنعك من نظر النساء. عرفك: ريحك الطيب، وقرة العين: ~~ما يتمنى وتقر به العين. # ريحانة: شجرة طيبة الريح، وريحانة من صفة المرأة. قال علي رضي الله عنه ~~في وصيته لابنه محمد ابن الحنفية: ms1121 «لا تملكن المرأة من الأمر ما يتجاوز ~~نفسها فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، وإن ذلك أدوم لحالها وأرضى ~~لبالها» وما أحسن ما قال ابن اللبانة يرثي أخت المرتضى صاحب ميورقة، وماتت ~~بعد أخيها: [الطويل] # أبنت العلا جددت منعي على منعي ... مضى المرتضى أصلا وأتبعته فرعا # جرى الموت جري الريح في منبتيكما ... فأذواك ريحانا وكسره نبعا # تعلة: أي تتعلل وتنتفع بما عندها من القيام بمؤنتك. ومتعة: ما يتمتع به ~~ويتلذذ. # المتأهلين: المتزوجين الذين لهم أهل. شرعة: طريقة، المحصنين: المتزوجين. نزا: # وثب وارتفع. العنظب: ذكر الجراد. ### || AUTO [الزواج والترغيب فيه] # ونذكر هنا فصلا يليق بهذا الموضع. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعطاف بن وداعة الملالي: «يا عطاف ألك ~~امرأة؟ قال: لا قال: # فأنت إذا من إخوان الشياطين، إن كنت من رهبان النصارى فالحق بهم، وإن كنت ~~منا فسنتنا النكاح» (¬1). # أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ركعتان من ~~المتأهل خير من اثنتين وثمانين ركعة من العزب». # وقال صلى الله عليه وسلم: «تزوجوا الولود الودود من النساء فإني مكاثر ~~بكم الأمم» (¬2). # وقال صلى الله عليه وسلم: «النساء ثلاث: صنف كالرحى تحمل وتضع، وصنف ~~كالعر وهو الجرب، وصنف ودود ولود تعين زوجها على إيمانه فهي خير له من ~~الكنز» (¬3). # ابن عمرو رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أتى على ~~أمتي مائة وثلاثون سنة فقد حلت لهم العزبة والترهب في رءوس الجبال». PageV03P295 # وقال صلى الله عليه وسلم: «الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة ~~الصالحة» (¬1). # وقال خالد بن صفوان لرجل: أتزوجت؟ قال: لا، قال: فتزوج، ثم قال بعد ساعة: ~~لا تتزوج، فقال: لم؟ قال: إنك إن تزوجت واحدة فتطهر إن طهرت وتحيض إن حاضت ~~وتغضب إن غضبت، فإن تزوجت باثنتين تقع بين ضرتين، فإن تزوجت ثلاثا تقع بين ~~أثاف، وإن تزوجت بأربع يغلسنك ويهرمنك. قال: أفتحرم ما أحل الله لك؟ قال: # لا، ولكن كوزان وخماران وعباءة وقرصان. # وقال رجل: أردت النكاح فقلت: لأستشيرن أول من ms1122 يطلع علي، فأعمل برأيه، ~~فأول من طلع علي هبنقة القيسي الأحمق وتحته قصبة، فقلت له: إني لأستشيرك في ~~النكاح، فقال: البكر لك والثيب عليك، وذات الولد لا تقربها، واحذر جوادي لا ينفحك. # وقال رجل لولده: يا بني لا تتخذها حنانة ولا أنانة ولا منانة ولا عشبة ~~الدار ولا كية القفا، فالحنانة التي لها ولد من غيره فهي تحن إليه، ~~والأنانة: التي مات زوجها فهي إذا رأت الثاني أنت للأول وقالت: يرحم الله ~~فلانا، والمنانة التي لها مال، فهي تمن به على زوجها متى احتاج إليه، ~~وعشبةالدار: خضراء الدمن، وقد تقدمت، وكية القفا: # التي انصرف ابنها أو زوجها من بين القوم قال رجل قد كان بيني وبين أم هذا ~~أو زوجته شيء. # وسئل أعرابي عن النساء، وكان ذا تجربة لهن فقال: أفضلهن أطولهن إذا قامت، ~~وأكظمهن إذا قعدت وأصدقهن إذا قالت، التي إذا غضبت حلمت وإذا ضحكت تبسمت، ~~وإذا صنعت شيئا جودت، التي تلزم بيتها ولا تعصي زوجها العزيزة في قومها، ~~الذليلة في نفسها، الودود الولود، وكل أمرها محمود. # نظر خالد بن صفوان إلى جماعة في مسجد البصرة فقال: ما هذه الجماعة قالوا: # امرأة تدل على النساء، فأتاها فقال لها: أبغي امرأة، قالت: فصفها، قال: ~~أريدها بكرا كثيب، أو ثيبا كبكر، حلوة من قريب، ضخمة من بعيد، كانت في ~~نعمة، وأصابتها حاجة، ففيها أدب النعمة وذلة الحاجة، إذا اجتمعنا كنا أهل ~~دنيا، وإذا افترقنا كنا أهل آخرة، قالت: قد أصبتها لك، قال: فأين هي؟ قالت: ~~في الرفيق الأعلى من الجنة فاعمل لها. ### || AUTO [خالد بن صفوان والسفاح] # وقال خالد لأبي العباس السفاح- وكانت عنده أم سلمة بنت يعقوب بن سلمة ~~المخزومي، وكان تزوجها قبل الخلافة، وحلف ألا يتزوج عليها، ولا يتسرى-: يا ~~أمير PageV03P296 # المؤمنين، إني تفكرت في أمرك، مع سعة ملكك، وقد ملكتك امرأة واحدة، إن ~~مرضت مرضت لمرضها، وإن غابت غبت، وحرمت نفسك التلذذ بالجواري ومعرفة ~~جلالتهن، فإن منهن الطويلة الغيداء، والفضة البيضاء، والعقيقة الأدماء، ~~والرقيقة السمراء، والبربرية العجزاء، يفتن بمحادثتهن. ms1123 ونأتك عن بنات ~~الأحرار والنظر إليهن، ولو رأت الطويلة البيضاء، والسمراء العيناء، ~~والبيضاء العجزاء، والمولدات من البصريات والكوفيات ذوات الألسن العذبة ~~والقدود المهفهفة، والأوساط المخصرة والأصداغ المزرنقة، والعيون المكحلة، ~~والثدي المحققة، وحسن زينتهن وشكلهن، لرأيت شكلا حسنا، فقال له: # ويحك يا خالد! ما سلك مسامعي والله كلام أحسن مما سمعت منك. فانصرف وبقي ~~أبو العباس متفكرا. فدخلت عليه أم سلمة فرأته، مغموما فقالت له: إني لأنكرك ~~يا أمير المؤمنين، هل أتاك خبر فارتعت له؟ قال: لا، قال: فما قصتك، فزوى ~~وجهه عنها، فلم تزل به حتى أخبرها، قالت: فما قلت لابن الفاعلة؟ قال: سبحان ~~الله! ينصحني وتشتمينه! فخرجت مغضبة، وأرسلت إليه جماعة من العبيد، ~~وبأيديهم مقامع من حديد، وأمرتهم ألا يتركوا من خالد عضوا صحيحا. قال خالد: ~~فانصرفت مسرورا لما رأيت من إعجابه بما ألقيت عليه، ولم أشك أن صلتي ~~ستأتيني. # فإني لقاعد على باب داري، وإذا بالعبيد قد أقبلوا نحوي فلم أشك في ~~الجائزة، فسألوا عني فقلت: أنا خالد، فأهوى أحدهم إلي بهراوة فوثبت إلى ~~منزلي، وعلمت أني أتيت من أم سلمة. وطلبني أبو العباس طلبا شديدا، وأنا ~~مستخف، فهجم علي في الثالث، فقالوا: أجب أمير المؤمنين. فأيقنت بالموت، ~~فدخلت عليه وليس في وجهي دم، فسلمت وجلست، وإذا خلف ظهري ستر خلفه حركة ~~فقال لي: يا خالد أين كنت منذ ثلاثة أيام؟ قلت: عليلا، قال: إنك وصفت لي من ~~أخبار النساء والجواري ما لم يخرق مسامعي قط شيء أحسن منه، فأعده علي، قلت: ~~نعم أعلمتك يا أمير المؤمنين أن العرب اشتقت اسم الضرة من الضر، وإن أحدهم ~~لم يكن عنده أكثر من واحدة إلا كان في جهد قال: ويحك لم يكن هذا في الحديث! قلت: # بلى والله، وأعلمتك أن الثلاث من النساء كأثافي القدر يغلى عليهن. قال ~~أبو العباس: # برئت من قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كنت سمعت هذا منك في ~~حديثك، قلت: # وأخبرتك أن الأربع شؤم مجتمع لصاحبهن، يسقمنه ويهرمنه ويشيبنه قال: والله ~~ما ms1124 سمعت هذا منك قط! قلت: بلى والله يا أمير المؤمنين، قال: ويحك! وتكذبني! ~~قلت: وتريد أن تقتلني! قال: مر في حديثك، قلت: وأخبرتك أن أبكار النساء ~~رجال ولكن لا خصى لهن، قال: وسمعت الضحكمن وراء الستر، قلت: وأخبرتك أن بني ~~مخزوم ريحانة قريش وعندك ريحانة من الرياحين، وأنت تطمح إلى غيرها من ~~الإماء! فقيل لي من وراء الستر: صدقت والله يا عماه وبررت، وبهذا حدثته، ~~ولكنه غير وبدل. فقال لي أبو العباس: ما لك قاتلك الله وأخزاك! وفعل وفعل! ~~فتركته PageV03P297 # وخرجت، فما شعرت إلا برسل أم سلمة، ومعهم عشرة آلاف درهم، وتخت وبرذون ~~وغلام، فقبضتها. # وفي هذا الحديث المليح تعلق بما ذكر الحريري من مدح النساء وذمهن، وخالد ~~بن صفوان لفصاحته أقدر الناس على مدح الشيء وذمه، وقد تقدم في الثالثة هذا الفن. # وقال أبو العباس السفاح لخالد وعنده أخواله الحارثيون: كيف علمك بأخوالي ~~يا خالد؟ قال: يا أمير المؤمنين، هم هامة الشرف وعرنين الكرم، وغرس الجود، ~~وفيهم خصال ليست لغيرهم، إنهم لأصونهم أما، وأحسنهم أمما، وأكرمهم شيما، ~~وأطيبهم طعما، وأوفاهم ذمما، وأبعدهم همما، الجمرة في الحرب، والوقد عند ~~الجدب، وهم الرأس في كل خطب، وغيرهم بمنزلة العجب. فقال: لقد وصفت يا بن ~~صفوان فأحسنت، فزاد أخواله في الفخر، فغضب أبو العباس لأعمامه فقال: افخر ~~يا خالد، فقال: أعلى أخوال أمير المؤمنين؟ قال: فأين أنت من أعمامه! قال: ~~كيف أفاخر قوما هم بين ناسج برد وسائس قرد، ودابغ جلد، دل عليهم هدهد، ~~وغرقتهم فأرة، وملكتهم امرأة! . # ودخل خالد على أبي الجهم العدوي وهو يريد ركوب حمار، فقال خالد: أما علمت ~~أن العير عار، وأن الحمار شنار، منكر الصوت، قبيح الفوت، مترنح في المحل، ~~مرتطم في الوحل، ليس بركوبة فحل، ولا مطية رحل، راكبه مقرف، ومسايره مشرف. # فاستوحش العدوي من ركوبه، فركب فرسا وركب خالد الحمار، فقال: ويحك يا ~~خالد! أتنهى عن شيء وتأتي مثله! قال: أصلحك الله عير من بنات الكداد، أسحم ~~السربال، مدمج الأوصال، محملج القوائم، يحمل الرحلة، ويبلغ ms1125 العقبة، ويمنعني ~~من أن أكون جبارا عنيدا، أو ملكا شديدا، فقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين! ~~ذلك لك، وهذا لي. # فتبسم العدوي. ### || AUTO [مما قيل في وصف النساء] # ثم نرجع إلى جملة مقاطيع من أوصاف النساء تتبين بها أوصافهن، قال العديل ~~بن الفرخ: [الكامل] # لعب النسيم بهن في أظلاله ... حتى لبسن زمان عيش غافل # يأخذن زينتهن أحسن ما يرى ... وإذا عطلن فهن غير عواطل # وإذا أرين خدودهن أرينها ... حدق المهى وأخذن سهم القاتل # ورمينني لا يستترن بجنة ... إلا الصبا وعرفن أين مقاتلي # وقال العباس بن طرخان: [الطويل] # تقسمن قلبا كان مجتمع الشمل ... وفرقنه بين المسالك والسبل PageV03P298 # زرعن الهوى في القلب ثم سقينه ... صبابات ماء الشوق بالأعين النجل # رمين فلما أن أصبن مقاتلي ... تولين وانضمت جراحي على النبل # وقال البحتري: [الكامل] # لما مشين بذي الأراك تشابهت ... أعطاف قضبان به وقدود (¬1) # في يمنتي حبر وروض فالتقى ... وشيان: وشي ربا ووشي برود # وسفرن فامتلأت عيون راقها ... وردان: ورد جنى وورد خدود # ومتى يساعدنا الوصال ودهرنا ... يومان: يوم منى ويوم صدود! # وقال التهامي: [الكامل] # ماتت لفقد الظاعنين ديارهم ... فكأنهم كانوا لها أرواحا # لا عيب فيهم غير شح نسائهم ... ومن السماحة أن يكن شحاحا # طرقته في أترابها فجلت له ... وهنا من الغرر الصباح صباحا # وأنشد الأصمعي: [الطويل] # خزاعية الأطراف مرية الحشى ... نزارية العينين طائية الفم # لها حكم لقمان وصورة يوسف ... ونغمة داود وعفة مريم # وقال الأسعد بن نبيط: [الطويل] # غلامية جاءت وقد جعل الدجى ... لخاتم فيها فص غانية خطا # فقلت: أحاجيها بما في جفونها ... وما بالشفاه اللعس من حسنها المعطى # محبرة العينين من غير سكرة ... متى شربت ألحاظ عينيك إسفنطا # أرى صفرة المسواك من حمرة اللمى ... وشاربك المخضر بالمسك قد خطا # عسى قدح قبلته فإخاله ... على الشفة اللمياء قد جاء منحطا # فتصور في البيتين قبل هذا أحسن مقابلة، وتصور في البيتين من آخر هذه ~~القطعة ثلاث تشبيهات شبهت بشيء واحد يتضمنها جمعيا! . # وقال ابن شرف: [البسيط] # قامت تجر ذيول العصب والحبر ... ضعيفة الخطو والميثاق ms1126 والنظر # تخطو فتولي الحصا من حليها نبذا ... وتخلط العنبر الوردي بالعفر # تلفتت عن طلا وسنان وابتسمت ... عن واضح مثل نور الروضة العطر PageV03P299 # ما لذ للعين نوم بعد ما ذكرت ... ليلا سمرناه بين الضال والسمر # تساقط الطل من فوق النحور به ... تساقط الدر في اللبات والثغر # وقال الرمادي: [البسيط] # شطت نواهم بشمس في هوادجهم ... لولا تلألؤها في ليلهن عشوا # شكت محاسنها عيني وقد عذرت ... لأنها بضمير القلب تنخمش # شعر ووجه تبارى في افتخارهما ... لحسن هذا وذاك الروم والحبش # شككت في سقمي منها، أفي فرشي ... إذا تأملت إلا الطيف والفرش؟ # ولبعض أصحابنا: [الكامل] # سائل سقاة الحي عن نجدية ... ورد الحجيج بها سقاية زمزم # صفراء كالدينار عل تريبها ... بالزعفران وخدها بالعندم # لبست برود السابري فأفضلت ... من ذيلها ولبست جلد الأرقم # يا ليت شعري وهي أنسك ناسك ... لم تستحل دم المحب المسلم! # نبئت أن الظاعنين بها سعوا ... للأجر فانقلبوا بكبر المأثم # سفكوا دماء الرائحين إلى منى ... بجفونها ونجوا بسافكة الدم # وهذا القدر في هذا الموضع كاف، وقد تضمن هذا الديوان مقطعات بديعة في ~~أوصاف النساء. ### || AUTO [ما جاء في الاستمناء] # قوله: لتجلد عميرة، يقال لهذا الفعل الخضخضة والتدليك والاستمناء ~~والاعتمار، واعتمر الرجل: جمع يديه وضمهما لذلك، والإلطاف للنساء مثل ~~الخضخضة للرجال، يقال منه: ألطفت المرأة، وقال القتيبي بيتا ما سمعناه على ~~وجه الدهر [الطويل]: # إذا مررت بواد لا أنيس به ... فاضرب عميرة لا عار ولا حرج # آخر: [الكامل] # بيدي ورجلي لا عدمت كليهما ... أصبحت أغني من يروح ويغتدي # أمشي على هذي وأنكح هذه ... فمطيتي رجلي وجاريتي يدي # آخر: [الرجز] # تسألني عن عتدي وعندي ... فإنني يا ابنة آل مرثد # * راحلتي رجلاي وامرأتي يدي* # وقال أعرابي: [الرجز] # إن تبخلي بالمركب المحلوق ... فإن عندي راحتي وريقي PageV03P300 # ودلكات لسن للتمزيق ... أشهى من التصبيح والتغبيق # وقال الخزامي: [المتقارب] # خطبت إلى ساعدي راحتي ... وما كنت من شر خطابها # وما إن تكلفت من مهرها ... سوى ريقة أتجرى بها # فإن شئت أوتى بها ثيبا ... وبكرا إذا شئت أوتى بها # ونزهت نفسي عن ms1127 الغانيات ... وعن ذكر سلمى وأترابها # وقال الحسن: [الطويل] # إذا أنت أنكحت الكريمة كفؤها ... فأنكح حسيبا راحة لابن ساعدي # وقل بالرفا ما نلت من وصل حرة ... لها ساحة حفت بخمس ولائد # وقال ابن الرقعمق: [مخلع البسيط] # ومن بلائي أبو عمير ... معرض بي إلى المنون # منتصبا ما ينام وقتا ... وليس يهدا من الزنين # من يك ذا زوجة فإني ... لشقوتي زوجتي يميني # عميرة قد جلدت حتى ... خشيت والله تجلدوني # فراقبوا الله في يميني ... وخلصوها وزوجوني # وقال آخر يشتكي غلظ يده: [البسيط] # لو أنها لدنة قضيت من وطري ... لكنه خشن أربى على السفن # أشكو إلى الله نعظا قد منيت به ... وما ألاقي من الإملاق والحزن # آخر: [مجزوء الوافر] # ومغتاب إذا نبحا ... يظن سواه قد جرحا # ومن لم يدر لم يألم ... فعاد عليه ما اجترحا # كناكح كفه ينوي ... فتاة كان قد لمحا # وما نكح الفتى أحدا ... ولكن نفسه نكحا # فنكاح الكف هو جلد العميرة. # قال ابن أبي الأزهر: مررت على برذعة الموسوس، وقد أدخل يده في جيبه، وهو ~~يخضخض، فضربته برجلي، فانكشف، فإذا هو منعظ، فقلت: ما هذا؟ فقال: # أما ترى تلك! وأشار بيده إلى جارية جميلة في علية متطلعة، فقال: إني ~~دعوتها إلى نفسي فلما لم تجبني أجبتها، فقلت: قبحك الله! ووليت عنه. ~~فلميلبث أن لحق بي، PageV03P301 # وقال: قضيت الحاجة على رغم أنفك، ثم أنشدني: [الطويل] # أأنكرت ما عاينت من كف دالك ... وهل ينكر التدليك في قول مالك # لقد أمن الدلاك من أن تنالهم ... حدود الزنا في واضحات المسالك # وإني قد سكنت عزمة عملتي ... بحسن عيون والثدي العواتك # كذب على مالك والشافعي، وعامة العلماء يحرمون الاستمناء، وحجتهم قوله ~~تعالى: والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم ~~غير ملومين [المؤمنون: 5 - 6]. # الفنجديهي: وقد جاء في تحريم الخضخضة حديث مشهور، وسنده إلى أنس بن مالك ~~رضي الله عنه قال: «سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم ولا ~~يجمعهم مع العالمين، ويدخلهم النار مع الداخلين؛ إلا أن يتوبوا، فمن تاب ms1128 ~~تاب الله عليه: الناكح يده، والفاعل والمفعول به، ومدمن الخمر، والضارب ~~أبويه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره». وإنما ~~رويت الرخصة في ذلك عن عمرو بن دينار. # وروي عن ابن عباس أنه سئل عن الخضخضة فقال: نكاح الأمة خير منها وهي خير ~~من الزنا. # الأزهري: أبو عمير ذكر الرجل. # الفنجديهي: سمعت الحافظ أبا العلاء يقول: الخضخضة على مذهب الإمام أحمد ~~ابن حنبل جائزة لمن استولت عليه الشهوة حتى خاف على نفسه إتيان الفواحش. # أبو الفرج محمد بن أبي جعفر الطائي بهمذان، قال: أنشدنا الإمام أبو ~~المظفر المعاوي لنفسه، وكان من أروع الفضلاء وأزهدهم: [الطويل] # خليلي لا بغداد تدنو فتنقضي ... همومي ولا الري البغيضة تبعد # فليس من الأنصاف والعدل أنكم ... تنيكون ربات الحجال ونجلد # وترضون بالحرمان للفيشة التي ... على غضب باتت تقوم وتقعد # فلا تحسبوا جلدي عميرة وصمة ... علي فقد أفتى بها الشيخ أحمد # ولو وسعتها راحتي لاحتملتها ... فما حيلتي إذ ضاق ذرعا بها اليد # وذكر بيتين آخرين. # قال: وأنشدني إمام أهل اللغة أبو المعالي إسماعيل بن الحسن البديع ~~لبعضهم: # [مجزوء الرمل] # إنما همي كسيره ... نشفت ماء قديره PageV03P302 # وخميرة في ذكيره ... بلغتي منها سكيره # وغلام أو فتاة ... قد كفي جلد عميره # من رأى عيشي هذا ... عاش لا يؤثر غيره # قال: وأنشدني البديع أيضا لبعضهم: [مخلع البسيط] # يا سيدي نحن في زمان ... أبدلنا الله منه غيره # فكل ذي خسة وذل ... متع بالطيبات أيره # وكل ذي فطنة وكيس ... يجلد في بيته عميره # *** # قوله: أشب قرنك: يدعى بذلك للصبي أن يكبر وتطول قامته، كما تقول للصبي في ~~ضد ذلك: لا كبرك الله. ويقال: شب الصبي يشب بكسرالشين شبابا بفتح الشين ~~وكسرها، إذا طال ونما جسمه والصبي شاب، وأشب الله قرنه، أي جعله شابا أسود ~~الذؤابة، والقرن الضفيرة، وهي الذؤابة وقيل: القرن جانب الرأس. المراح ~~كالرواح. # الخزيان: المهان والمستحيي، وخزي يخزى خزيا: أهين، وخزاية استحيا، فهو ~~خزيان أي مستحي، وقوم خزايا. # وتبت من مشاورة الصبيان، قال عمر رضي الله عنه: خصلتان من ms1129 علامة الجهل: # مشاورة النساء والصبيان، واستكتام السر النساء والصبيان. # *** # قال الحارث بن همام: فقلت له: أقسم بمن أنبت الأيك، أن الجدل منك وإليك؛ ~~فأغرب في الضحك، وطرب طربة المنهمك، ثم قال: العق العسل، ولا تسل، فأخذت ~~أسهب في مدح الأدب، وأفضل ربه على ذي النشب، وهو ينظر إلي نظر المستجهل، ~~ويغضي عني إغضاء المتمهل. فلما أفرطت في العصبية، للعصبة الأدبية، قال لي: ~~صه، واستمع مني وافقه: [المتقارب] # يقولون إن جمال الفتى ... وزينته أدب راسخ # وما إن يزين سوى المكثرين ... ومن طود سودده شامخ # وأما الفقير فخير له ... من الأدب القرص والكامخ # وأي جمال أن يقال ... أديب يعلم أو ناسخ! # ثم قال: سيضح لك صدق لهجتي، واستنارة حجتي. # *** PageV03P303 # الأيك: شجر. الجدل منك وإليك، أي إنما كان هذا الخصام بينك وبين نفسك، ~~ولم يكن ثم صبي تحاوره، أي أن حديثك مصنوع لا أصل له. ### || AUTO [الأخبار المصنوعة] # ومن مستعمل الأخبار المصنوعة ما يحكى أن حبيب بن أوس، قال: لقينا أعرابي، ~~وقد خرجت في أيام الواثق إلى سر من رأى، فقلت له: ممن؟ قال: من بني عامر، ~~قلت: كيف علمك بعسكر أمير المؤمنين؟ قال: قتل أرضا عالمها، قلت: ما تقول في ~~أمير المؤمنين؟ قال: وثق بالله فكفاه، أشجى العاصية، وقمع العادية، وعدل في ~~الرعية. قلت: فما تقول في أحمد بن أبي دؤاد؟ قال: هضبة لا ثرام، وجبل لا ~~يضام، تشحذ له المدى، وتنصب له الحبائل، حتى إذا قيد وثب وثبة الذئب، وختل ~~ختل الضب. قلت: فحمد بن عبد الملك؟ قال: وسع الداني شره، ووصل البعيد ضره، ~~له في كل يوم صريع، لا يرى فيه أثر ناب، ولا ندب مخلب، قلت: فما تقول في ~~الفضل بن مروان؟ قال: ذلك الرجل نشر بعد ما قبر، فعليه حياة الأحياء، وخفته ~~الموتى. قلت: فابن الخصيب؟ قال: أكل أكلة نهم، وذرق ذرقة بشم، قلت: فأخوه ~~إبراهيم؟ قال: أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون، قلت فأحمد بن ~~إبراهيم؟ # قال: لله دره! أي رجل هو! اتخذ الصبر دثارا، والحق ms1130 شعارا، وإن هون عليه ~~يهم، قلت: فسليمان بن وهب؟ قال: ذلك رجل السلطان، وبهاء الديوان، قلت: ~~فأخوه الحسن؟ قال: عود نضير، غرس في منابت الكرم حتى إذا اهتز لهم حصدوه، قلت: # فإبراهيم بن نجاح؟ قال: ذلك رجل أوثقه كرمه، وأسلمه حسبه، وله دعاء لا ~~يسلمه، ورب لا يخذله، وخليفة لا يظلمه، قلت: فنجاح بن سلمة؟ قال: لله دره ~~أي طالب وتر ومدرك ثأر! يلتهب كأنه شعلة نار، له من الخليفة في الأنام جلسة ~~تزيل نعما، وتحل نقما، قلت: يا أعرابي أين منزلك؟ قال: اللهم غفرا إذا ~~اشتمل الظلام، ألتحف الليل، فحيثما أدركني الرقاد رقدت، ولا أخلق وجهي ~~بمسألتهم؟ أما سمعت هذا الطائي يقول: [البسيط] # وما أبالي وخير القوم أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي # فقلت له: أنا قائل هذا الشعر، قال: أإنك لأنت الطائي! قلت: نعم، قال: لله ~~أبوك، أنت الذي تقول: [البسيط] # ما جود كفك إن جادت وإن بخلت ... من ماء وجهي إذا أخلقته عوض # قلت: نعم، قال: أنت أشعر أهل زمانك. # ونمي خبره إلى ابن أبي داود فأوصله إلى الواثق، فأعطاه ألف دينار، وأخذ ~~له من أهل الدولة ما غني به عقبه بعده. PageV03P304 # وهذا الخبر خرج عن أبي تمام، فإن كان صادقا وما أراده، فقد أحسن الأعرابي ~~الوصف، وإن كان صنعه فقد قصر إذ منزلته أكبر من هذا. # *** # قوله: أغرب، أي أكثر الضحك حتى دمعت عيناه. المنهمك: المبالغ الطرب. # العق العسل ولا تسل، معناه إن طاب لك الكلام فاحفظه ولا تسل عن صدقه ولا ~~باطله، كما إذا وجدت العسل حلوا فلا يلزمك السؤال عن نحله وقد قال فيما ~~مضى: [المتقارب] # * ولا تسأل الشهد عن نحله* # فهذا هو ذلك أسهب: أبالغ وأكثر. ذي النشب: صاحب المال يغضي: يتغافل. # المستجهل: الذي يحسبني جاهلا. الممهل: المؤخر، وقد أمهله أي أخره. صه: ~~معناه اسكت. القرص: الخبز، وتسمى الخبزة قرصة؛ لأن الخابز يقرصها من ~~العجين، أي يقطعها. ### || AUTO [الكامخ] # والكامخ: شيء يصنع من اللبن الحامض، وهو أنواع. # وقد قدم لأعرابي كامخ، ms1131 فقال: ما هذا؟ قالوا: كامخ، فقال: قد علمت فأيكم ~~كمخ به؟ يقال: كمخ البعير إذا أخرج ثلطه رقيقا. # وقدم لأعرابيين كامخ، فذاقه أحدهما، فلم يستطبه، فقال: هذا خرء، وذاقه ~~الآخر فاستطابه، فقال: يوشك أن يكون خرء الأمير! . # وقدم لأعرابي كامخ فلم يستطبه قال: ما هذا؟ قالوا كامخ، قال: ومن أي شيء ~~صنع هذا؟ قالوا: من الحنطة واللبن قال: أبوان كريمان: وما أنجبا. # وقدم لأعرابي كامخ، فلم يستطبه، وأكل منه شيئا وخرج، ودخل المسجد والإمام ~~في الصلاة يقرأ: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير [المائدة: 3]، فقال ~~الأعرابي: والكامخ لا تنسه أصلحك الله! . # وقيل: هو طعام يؤتدم به. # وقيل: هو البقل في الطعام مثل الكبر والزيتون والمريء والعناب إذا غلب ~~طخاء الشحم على المعدة، أخذ الرجل منه شيئا، فانجلى عن معدته، وتنشط للأكل. # وقال أعرابي يصف إبطيه بالنتن: [الرجز] # كأن إبطي وقد طال المدى ... نفحة خرء من كواميخ القرى # الأصمعي: قدم علينا أبو طيبة الأعرابي بعد ما خرج إلى البادية، وتفقه، ~~فقلنا له: # ما قولك في البيض؟ قال: حرام، فقلنا: ولم؟ قال: لقوله تعالى: وعلى الذين ~~هادوا PageV03P305 # حرمنا كل ذي ظفر [الأنعام: 146] والدجاج عندي من ذوي الأظفار. قلنا: فما ~~قولك في الكامخ؟ قال: حرام، قلنا: ولم؟ قال: لقوله تعالى: خلق الإنسان من ~~صلصال كالفخار [الرحمن: 14]، والكامخ يتخذ من الفخار، فأظن بينه وبين الجلد نسبا. # قوله: وافقه، معناه افهم. راسخ: ثابت. المكثرين: الأغنياء طود سودده: ~~ارتفاع سيادته. والطود: الجبل. شامخ، أي ثابت مرتفع وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم «يأتي على الناس زمان من لم يكن معه فيه أصفر وأبيض لم يتمن ~~العيش» - يعني الذهب والفضة. # وقال مهيار الديلمي: [المتقارب] # تشرف بحظ فإن الحظوظ ... حلى كل ذي نسب يفضل # وما الحظ في أدب مفصح ... ومن دونه نسب مجهل # تراضي الفتى رتبة وهو حي ... ث يجعله ماله يجعل # وقال ابن قاضي ميلة: [الكامل] # أسعد بجدك لا تكون أديبا ... أو أن يرى فيك الورى تهذيبا # إن كنت مستويا ففعلك كله ... عوج، وإن أخطأت كنت مصيبا ms1132 # كالنقش ليس يصح معنى ختمه ... حتى يكون بناؤه مقلوبا # قوله: لهجتي، أي منطقي، وقيل: هي جرس الكلام، وقيل: هي طرف اللسان، وفلان ~~فصيح اللهجة، وهي لغته التي جبل عليها فاعتادها ونشأ عليها. استنارة: ظهر نورها. # *** # وسرنا لا نألو جهدا، ولا نستفيق جهدا؛ حتى أدانا السير، إلى قرية عزب ~~عنها الخير، فدخلناها للارتياد، وكلانا منفض من الزاد؛ فما إن بلغنا المحط، ~~والمناخ المختط، أو لقينا غلام لم يبلغ الحنث وعلى عاتقه ضغث. فحياه أبو ~~زيد تحية المسلم، وسأله وقفة المفهم، فقال: وعم تسأل وفقك الله؟ قال: أيباع ~~هاهنا الرطب بالخطب؟ قال: لا والله. قال: ولا البلح بالملح؟ قال: كلا ~~والله، قال. # ولا الثمر بالسمر؟ قال: هيهات والله. قال: ولا العصائد بالقصائد؟ قال: ~~اسكت عافاك الله. قال: ولا الثرائد بالفرائد؟ قال: أين يذهب بك أرشدك الله! ~~قال: ولا الدقيق بالمعنى الدقيق؟ قال: عد عن هذا أصلحك الله! . # *** # نألو: نقصر. جهدا: طاقة واجتهادا. نستفيق جهدا: نستريح من المشقة أدانا: PageV03P306 # أوصلنا. والقرية: في كلامهم: الموضع الذي يجتمع الناس فيه، وقريت الماء ~~في الحوض جمعته فيه. وعزب: بعد للارتياد: لطلب ما يؤكل منفض: فارغ، وأنفض: ~~فني زاده فنفض مزوده من الفتات. المحط: المنزل الذي تحط فيه الأحمال. ~~والمناخ: مثله في المعنى. والمختط: المعلم عليه بخط، وكل موضع أردت حمايته ~~ومنعه خططت عليه بخط، فمن رآه علم أنه محمي فاجتنبه. الحنث: الإثم، أي لم ~~يبلغ حد التكليف، وهو الحلم فيكتب عليه إثم. على عاتقه ضغث، أي على عنقه ~~حزمة حشيش، والعاتق: ما بين المنكب والعنق، والضغث قبضة من أخلاط النبات أو ~~من قضبان مختلفة المفهم: # المخبر المبين. أيباع هاهنا الرطب بالخطب؟ الرطب والبلح نوعان من التمر. ~~والسمر: # السهر بالليل على الحديث. هيهات، أي بعد. # ابن عباس رضي الله عنهما: ما باع الدقيق بر ولا فاجر إلا اصفر لونه وقسا ~~قلبه، ونزعت الرحمة من قلبه. # الفرائد: جواهر الكلام. أين يذهب بك: أين تتلف وتضل! ولذلك دعا له، فقال: # أرشدك الله، أي هداك الطريق. عد: كف واصرف. # *** # واستحلى ms1133 أبو زيد تراجع السؤال والجواب، والتكايل من هذا الجراب. # ولمح الغلام أن الشوط بطين، والشيخ شويطين، فقال له: حسبك يا شيخ قد عرفت ~~فنك، واستبنت أنك، فخذ الجواب صبرة، واكتف به خبرة؛ أما بهذا المكان فلا ~~يشترى الشعر بشعيرة، ولا النثر بنثارة، ولا القصص بقصاصة، ولا الرسالة ~~بغسالة، ولا حكم لقمان بلقمة، ولا أخبار الملاحم بلحمة. وأما جيل هذا ~~الزمان، فما منهم من يميح، إذا صيغ له المديح، ولا من يجيز، إذا أنشد له ~~الأراجيز، ولا من يغيث، إذا أطربه الحديث، ولا من يمير، ولو أنه أمير ~~وعندهم أن مثل الأديب، كالربع الجديب، إن لم تجد الربع ديمة، لم تكن له ~~قيمة، ولا دانته بهيمة. وكذلك الأدب، إن لم يعضده نشب، فدرسه نصب، وخزنه حصب. # ثم انسدر يعدو، وولى يحدو. # *** # لمح: نظر. الشوط: الطلق والجري إلى الغاية: الأخفش الشوط أن تأتي إلى ~~موضع تريده، ثم ترجع وإن رجعت إليه مرة أخرى، فذلك شوط آخر، ومن الحجر إلى ~~الحجر شوط: وجرى الفرس شوطا إذا بلغ مجراه ثم عاد. بطين: متسع، ومعناه: علم ~~أن كلام الشيخ كثير، ورجل بطين: عظيم البطن، وكيس بطين، أي ملآن، وأخذه من ~~قول كعب بن زهير: [المتقارب] PageV03P307 # وزحزحن بين أداني الغضى ... وبين عنيزة شوطا بطينا (¬1) # شويطين، أي دويهية لا تقاوم، وتصغيره بمعنى التعظيم. حسبك: يكفيك. فنك: # نوعك وطريقك. استبنت أنك، أي تحققت أنك داهية: صبرة: أي جملة بغير كيل، ~~وكدس القمح، وما يكال يسمى صبرة. اكتنف: اقتنع خبرة: اختبار النثر: ضد ~~النظم مثل التراسل والخطب. والنثار: ما تناثر من الشيء، أي تفتت، تقول: ~~نثرت الشيء أي رميت به مفترقا، واسم ما يتساقط منه النثارة. والقصص: أخبار ~~المتقدمين. والقصاصة: ما تساقط من الشعر إذا قص. والغسالة: الماء الذي قد ~~غسل به بقية الطعام أو غير ذلك ويروى: «بفضالة»، مكان غسالة، والفضالة من ~~الزرع إذا غربل تبقى في الغربال فتدرس بعد ذلك، ويخرج ما فيها من الزرع. # وأنشد الفنجديهي في هذه المعاني: [الطويل] # عرضت على الخباز نحو المبرد ... وكتبا ms1134 حسانا للخليل بن أحمد # ورؤيا ابن سيرين وخط مهلهل ... وتجويد عمر وبعد فقه محمد # وأنشدته شعر الكميت وجرول ... وغنيته لحن الغريض ومعبد # فما نفعتني دون أن قلت هاكها ... مدورة صفرا تطن على اليد # وقال أخبرني أبو المحاسن بن أبي العلاء بن محمد الأديب، قال: أنشدنيه ~~لنفسه أبو يوسف بن محمد يعقوب الأديب. ### || AUTO [لقمان عليه السلام] # قوله: ولا حكم لقمان بلقمة، في لقمان سبعة أقوال: # قال قتادة: خيره الله بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة، فقذفها عليه ~~جبريل، وهو نائم، فأصبح ينطق بالحكمة، فسئل عن ذلك، فقال: لو أرسل الله إلي ~~النبوة عزمة، لرجوت الفوز بها، ولكنه خيرني فخفت أن أضعف عن النبوة. # وقيل: كان من النوبة قصيرا أفطس الأنف. # وقيل: كان حبشيا. # سعيد بن المسيب: كان أسود من سودان مصر، ذا مشفر، حكمته حكمة الأنبياء. PageV03P308 # وقيل: كان خياطا. # وقيل: كان راعيا؛ فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك، فقال: ألست عبد بني فلان ~~كنت ترعى بالأمس؟ قال: بلى؟ قال: فما بلغ بك ما أرى، قال: وما يعجبك من أمري؟ # قال: وطء الناس بساطك، وغشيهم بابك؟ ورضاهم بقولك؛ قال؛ يا بن أخي، إن ~~صنعت ما أقول لك كنت كذلك، قال: وما تصنع؟ قال غض بصري، وكف لساني، وعفة ~~طمعي، وحفظ فرجي، وقيامي بعهدي، ووفائي بوعدي، وتكرمة ضيفي، وحفظ جاري؛ ~~وترك ما لا يعنيني؛ فذلك الذي صيرني كما ترى. # ويروى أنه قال: قدر الله وأداء الأمانة وصدق الحديث وترك ما لا يعنيني. # أنس رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحكمة تزيد ~~الشريف شرفا، وترفع المملوك حتى يجلس مجالس الملوك، قال الله تعالى: ولقد ~~آتينا لقمان الحكمة» [لقمان: 12]. # وقال الإمام أبو إسحاق أحمد بن محمد إبراهيم الثعالبي المفسر: اتفق ~~العلماء على أن لقمان كان حكيما، ولم يكن نبيا، إلا عكرمة فإنه تفرد ~~بأنهنبي. # ابن عمر رضي الله عنهما: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حقا ~~أقول، لم يكن لقمان نبيا ولكن كان عبدا صمصامة، كثير التفكر، حسن اليقين، ms1135 ~~أحب الله فأحبه، ومن الله عليه الحكمة». # وهب بن منبه: كان لقمان ابن أخت داود عليه السلام، وقيل: ابن خالته، وكان ~~في زمنه، وكان داود يقول له: طوبى لك! أوتيت الحكمة، وصرفت عنك البلوى، ~~وأوتي داود الخلافة وبلي بالبلية، وكان داود يغشاه ويقول: انظروا إلى رجل ~~أوتي الحكمة، ووقي الفتنة. # عبد الوارث: أوتي لقمان الحكمة في قالة قالها، فقيل: وهل لك أن تكون ~~خليفة فتعمل بالحق؟ فقال: إن تختر لي فسمعا وطاعة، وإن تخيرني أختار ~~العافية فقيل: وما عليك أن تكون خليفة فتعمل بالحق؟ قال: فإن أعمل بالحق ~~فبالحري أن أنجو، وإن أخطئ الحق أخطئ طريق الجنة، وإنه من يبع الآخرة ~~بالدنيا يخسرهما جميعا، وأن أعيش حقيرا ذليلا أحب إلي من أن أعيش قويا ~~عزيزا. فشكر الله تعالى مقالته، فغطه في الحكمة غطة فأصبح وهو أحكم الناس. # وقيل: كان عبدا نجارا فقال له سيده: اذبح شاة وائتني بأطيب مضغتين، فأتاه ~~بالقلب واللسان، ثم أمره بمثل ذلك، وأن يخرج أخبث مضغتين، فأخرج القلب ~~واللسان، فقال له: ما هذا؟ فقال: ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث ~~منهما إذا خبثا. PageV03P309 # وأما حكمته فقد ذكر الله تعالى منها في كتابه ما علم، وذكر مالك في موطئه ~~منها كلاما كثيرا، وذكر منها فصلا في كتاب الجامع من الموطأ. # ومن حكمته: يا بني إن الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرة ~~سراعا يذهبون، وإنك قد استدبرت الدنيا منذ كنت، واستقبلت الآخرة، وإن دارا ~~تسير إليها أقرب من دار تخرج منها. يا بني ليس غنى كصحة، ولا نعيم كطيب ~~نفس. يا بني لا تجالس الفجار ولا تماشهم؛ اتق أن ينزل عليهم عذاب من السماء ~~فيصيبك معهم، وجالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله تعالى يحيي القلوب ~~الميتة بالعلم، كما يحيي الأرض بوابل المطر. # أبو إسحاق الثعالبي بإسناد له عن عكرمة. قال: كان لقمان من أهون مماليك ~~سيده عليه، فبعثه مولاه مع عبيد له إلى بستانه يأتونه بشيء من ثمر فجاءوه ~~وما معهم شيء، وقد ms1136 أكلوا الثمر، وأحالوا على لقمان، فقال لقمان لمولاه: ذو ~~الوجهين لا يكون عند الله وجيها، فاسقني، وإياهم ماء حميما ثم أرسلنا لنعدو ~~ففعل فجعلوا يتقيئون تلك الفاكهة ولقمان يتقيأ ماء، فعرف مولاه صدقه ~~وكذبهم. # قال: وأول ما عرف من حكمته أنه كان مع مولاه؛ فدخل مولاه المبرز فأطال ~~فيه الجلوس، فناداه لقمان: إن طول الجلوس مع الحاجة ليوجع منه الكبد، ويورث ~~الباسور، ويصعد الحرارة إلى الرأس، فاجلس هوينى، قال: فخرج وكتب حكمته على ~~باب الحش. # قال: وسكر مولاه يوما فخاطر قوما أن يشرب ماء بحيرة، فلما أفاق عرف ما ~~وقع فيه، فدعا لقمان فقال له: لمثل هذا كنت اختبأتك، فقال لمولاه: أخرج ~~أباريقك ثم اجمعهم؛ فلما اجتمعوا قال: على أي شيء خاطرتموه؟ قالوا: على أن ~~يشرب ماء هذه البحيرة. قال: فإن لها مواد فاحبسوا عنها موادها، قالوا وكيف ~~نستطيع ذلك! قال لقمان: # كيف يستطيع هو أن يشربها ولها مواد! . # وأراد مولاه بيعه. فقال: يا مولاي إن لي عليك حقا فلا تبعني إلا ممن أحب، ~~قال: لك ذلك، فكان الرجل إذا جاء يستامه قال: لأي شيء تريدني؟ فقال أحدهم: # تحفظ علي بابي. قال: اشترني، فلما جنه الليل أغلق الباب، وقام يصلي في ~~الدهليز. # وكان لبنات الرجل أخلاء فجاءوا فضربوا الباب، فقلن: يا لقمان، افتح ~~الباب، فقال: # بأبي أنتن وأمي! ليس لهذا اشتراني أبوكن، فضربنه ضربا كدن أن يأتين منه ~~على نفسه، فلما أصبح لم يخبر أباهن، فلما كانت الليلة الثانية عاودنه بمثل ~~ذلك، فلما أصبح لم يخبر أباهن، فلما كانت الليلة الثالثة عاودنه بمثل ذلك. ~~فلما أصبح لم يخبر أباهن فأقبل بعضهن على بعض فقلن: ما جعل الله هذا العبد ~~الأسود أولى بهذا الخير منا، قال: # فنسكن نسكا لم يكن في بني إسرائيل أفضل منهن. # عبد الله بن دينار، قال: قدم لقمان من سفر، فاستقبله غلام له في الطريق، ~~فقال له PageV03P310 # لقمان: ما فعل أبي؟ قال: مات، قال: الحمد لله ملكت أمري، قال: ما فعلت أمي؟ # قال: ماتت، قال الحمد لله، ms1137 ذهب همي. قال: ما فعلت امرأتي؟ قال: ماتت، قال ~~الحمد لله جدد فراشي، قال: ما فعلت ابنتي؟ قال ماتت، قال: الحمد لله سترت ~~عورتي، قال: # ما فعل ابني؟ قال مات، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، انقطع ظهري! . # وقيل له: ما أقبح وجهك! قال: أتعيب علي هذا النقش أم على النقاش! . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سادة السودان أربعة: لقمان والنجاشي ~~وبلال ومهجع». # وثم لقمان آخر وهو لقمان بن عاد، وهو تذكره العرب في أخبارها، وكان أيضا ~~حكيما، وكانت له أخت محمقة فقالت لامرأته: هذه ليلة طهوري، فهبي لي ليلتك، ~~طمعا في أن تعلق من أخيها ينجيب، ففعلت فولدت لقيم بن لقمان، وفيه يقول ~~النمر بن تولب: [المتقارب] # لقيم بن لقمان من أخته ... فكان ابن أخت له وابنما (¬1) # وقال المسيب يذكره: [الكامل] # أنت الرئيس إذا هم نزلوا ... وتواجهوا كالأسد والنمر # ولأنت أبين حين تنطق من ... لقمان لما عي بالفكر # وقالت بنت عثمان بن وثيمة ترثي أباها: [مجزوء الكامل] # الواهب المائة التلا ... دلنا ويكفينا العظيمه # والدافع الخصم الأل ... د إذا تفوضح في الخصومه # بلسان لقمان بن عا ... د وفصل خطبته الحكيمه # ألجمتهم بعد التجا ... ذب والتدافع في الحكومه # *** # قوله الملاحم: مواضع الحروب التي تلتحم فيها الجموع، وتختلط عند القتال ~~وتسمى أخبار الوقائع والحروب ملاحم. جيلك: أهل عصرك. الأوان: الحين والعصر. # يميح: يعطي معروفا؛ ويحتمل أن يريد يسقيك ماء، والمائح: النازل في قعر ~~البئر، يخرج ماءها، وقد ماح الماء، إذا استقاه. صيغ: صنع. يجيز: يعطي ~~الجائزة. يغيث: # يتكرم ويجود، وهو من الغيث. يمير: يعطي الميرة، والميرة: الطعام المجلوب. # والربع: المنزل. الجديب: الذي لا يمطر، ديمة: مطر دائم. دانته: قاربته. ~~يعضده: PageV03P311 # يقويه. نشب: مال نصب: تعب. حزبه: أهله، والحصب: وهو الحطب الملقى في ~~النار، وكل ما تطعمه النار فهو حصب، وهو من حصبته بالحصباء، أي رميته بها، ~~انسدر: جرى وانصب في جريه، وانسدر البازي، إذا انحط. يعدو: يسرع. يحدو: ~~يتابع الجري، وكل شيء اتبعته فقد حدوته. # *** # فقال لي أبو زيد: أعلمت أن ms1138 الأدب قد بار، وولت أنصاره الأدبار؛ فبؤت له ~~بحسن البصيرة، وسلمت بحكم الضرورة، فقال دعنا الآن من المصاع، وخض في حديث ~~القصاع، واعلم أن الأسجاع، لا تشبع من جاع؛ فما التدبير فيما يمسك الرمق، ~~ويطفئ الحرق؟ فقلت: الأمر إليك، والزمام بيديك، فقال: أرى أن ترهن سيفك، ~~لتشبع جوفك وضيفك، فناولنيه وأقم، لأنقلب إليك بما تلتقم. # فأحسنت به الظن، وقلدته السيف والرهن، فما لبث أن ركب الناقة. ورفض الصدق ~~والصداقة؛ فمكثت مليا أترقبه، ثم نهضت أتعقبه؛ فكنت كمن ضيع اللبن في ~~الصيف، ولم ألقه ولا السيف. # *** # بار: هلك. ومنه بار الطعام؛ إذا كسد، وفي الحديث: «نعوذ بالله من بور ~~الأيم» (¬1)، أي من كسادها، وقال الله تعالى: يرجون تجارة لن تبور [فاطر: ~~29]، أي لن تكسد، وقال تعالى: وكنتم قوما بورا [الفتح: 12] أي هالكين. قال ~~الفراء: البور يكون للمذكر والمؤنث والاثنين والجمع بلفظ واحد، أبو عبيدة ~~رحمه الله: هو جمع بائر كعائذ وعوذ، ويدل على صحة قول الفراء قوله ابن ~~الزبعرى: [الخفيف] # يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور (¬2) # بؤت: رجعت. البصيرة: اليقين والاعتماد الصحيح، المصاع: مراجعة الكلام. # والمصاع فى الأصل: القتال والدفاع وكل ما عانيته بشدة وجد فقد ماصعته، ~~القصاع في الأصل: صحاف الطعام، الأسجاع: الكلام المفقر. الرمق: بقية النفس. ~~والحرق: جمع حرقة، وأراد بطفء الحرق تسكين ألم الجوع، ما لبث: ما أقام ولا ~~استقر. رفض: PageV03P312 # ترك. الصدق: قول الحق، والصداقة: الصحبة، مكثت مليا: أقمت زمانا. أترقبه: ~~أنتظر مجيئه. أتعقبه: أمشي في أثره وأطلبه. ### || AUTO [قصة المثل: ضيع اللبن في الصيف] # وضيع اللبن في الصيف، مثل يضرب لكل من ضيع أمره، ثم تعرض لاستدراكه بعد ~~فوته، قاله عمرو بن عدس التميمي، وكان تزوج دختنوس بنت لقيط بن زرارة- وكان ~~شيخا مسنا ذا مال كثير- فأبغضته بسبب كبره وسألته طلاقها، فطلقها وتزوجها ~~عمير بن معبد بن زرارة- وكان شابا معدما- فبينما هو معها جالس إذ مرت بهما ~~إبل عمرو بن عمرو بن عدس كالليل لكثرتها، فقال لها عمير: ابعثي إلى عمرو ~~يعطيك لبنا ms1139 أو حلوبة، فأرسلت إليه رسولا بذلك، فقال لرسولها قل لها: الصيف ~~ضيعت اللبن، فلما بلغها ذلك ضربت على كتف ابن عمها، وقالت: هذا ومذقه خير، ~~فيريد أنه طلقها في الصيف فضاع لبنها في ذلك الوقت، وقال في الدرة: خص ~~الصيف بالذكر لأنها كانت سألته الطلاق فيه، فكأنها يومئذ ضيعت اللبن. والله ~~أعلم. PageV03P313 ### | AUTO المقامة الرابعة والأربعون وتعرف بالشتوية # حكى الحارث بن همام قال: عشوت في ليلة داجية الظلم، فاحمة اللمم، إلى نار ~~تضرم على علم، وتخبر عن كرم، وكانت ليلة جوها مقرور وجيبها مزرور، ونجمها ~~مغموم، وغيمها مركوم وأنا فيها أصرد من عين الحرباء، والعنز الجرباء، فلم ~~أزل أنص عنسي، وأقول: طوبى لك ولنفسي، إلى أن تبصر الموقد آلي، وتبين ~~إرقالي، فانحدر يعدو الجمزى، وينشد مرتجزا! . # *** # داجية وفاحمة: شديدة السواد. واللمم: جمع لمة، وهي جمة الشعر التي ألمت ~~بالمنكب، أي قاربته. وجعل لليلة لمة مجازا، وهو يريد شدة سوادها، تضرم: توقد. # علم: جبل. جوها: ناحية سمائها. مقرور: بارد. وأراد أن ما يجيء من جوها من ~~الريح والهواء بارد جدا. مزرور: مشدود بالأزرار، وهي أطواق الثياب، وهذا ~~يكون في طوق الصغير يشق في صدر الثوب عوضا عن الجيب، ويترك من الطوق طرفان ~~على ذلك الشق، فإذا لبس الثوب شد الطرفين، فيقال عند ذلك: قد زررت الثوب، ~~يريد أن السحاب قد تكاثف في تلك الليلة، فلا تبصر العين فيها لشدة ظلامها، ~~لأن الثوب إذا شددت أزراره، لم يجد رأس الإنسان من أين يخرج، فلما جعل ~~لليلته ثوبا من الظلام والسحاب جعله مربوطا مشدودا مغموما مستورا، غيمها: ~~سحابها، مركوم، أي متراكب بعضه على بعض، أنص عنسي، أي أجهد ناقتي وأتعبها، ~~والنص رفع السير، وقالت أم سلمة لعائشة رضي الله عنهما: ما كنت قائلة لو أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عارضك ببعض الفلوات ناصة قلوصا من منهل إلى ~~آخر، ومنه نص الحديث إلى فلان، أي رفعه إلىشخص. # وإرقالي: سرعتي. يعدو: يسرع. الجمزى: عدو شديد. [الرجز] # *** # حييت من خابط ليل ساري ... هداه بل ms1140 أهداه ضوء النار # إلى رحيب الباع رحب الدار ... مرحب بالطارق الممتار # ترحاب جعد الكف بالدينار ... ليس بمزور عن الزوار # ولا بمعتام القرى مئخار ... إذا اقشعرت ترب الأقطار PageV03P314 # وضنت الأنواء بالأمطار ... فهو على بؤس الزمان الضاري # جم الرماد مرهف الشفار ... لم يخل في ليل ولا نهار # * من نحر وار واقتداح واري* # *** # قوله: ساري، أي آت بالليل. والخابط: الماشي على غير علم بالطريق. هداه، ~~من الهداية. وأهداه، من الهدية. رحيب الباع: كثير البر. واسع العطاء: واسع البر. # والرحب: المتسع. مرحب؛ يقول: مرحبا بك. والطارق: الآتي بالليل. الممتار: ~~طالب الميرة، وهي الطعام يجلب من بلد إلى بلد. جعد الكف، هو البخيل أي يرحب ~~بالضيف كما يرحب البخيل بالدينار إذا وقع في كفه. # نظر أعرابي إلى درهم في يد رجل، وأدام النظر إليه، فقال له الرجل: لو كان ~~لك ما كنت صانعا؟ قال: كنت أنظر إليه نظرة ثم تكون آخر عهده باليد. # وكان بعض البخلاء إذا وقع الدرهم في يده يخاطبه ويقول له: أنت عقلي وديني ~~وصلاتي وصيامي وجامع شملي وقرة عيني وأنسي، وقوتي وعدتي وعمادي ثم يقول له: # [السريع] # أهلا وسهلا بك من زائر ... كنت إلى وجهك مشتاقا # ثم يقول: يا نور عيني وحبيب قلبي، قد صرت إلى من يصونك، ويعرف قدرك، ~~ويعظم حقك، ويراعي قيمتك، ويشفق عليك، وكيف لا تكون كذلك وأنت تعظم الأقدار ~~وتعمر الديار، وتفتض بك الأبكار، وتسمو على الأشراف، وترفع الذكر، وتعلي ~~القدر وتؤنس من الوحشة، ثم يطرحه في الكيس، ويقول: [الطويل] # بنفسي محجوب عن العين شخصه ... ومن ليس يخلو من لساني ولا قلبي # ومن ذكره حظي من الناس كلهم ... وأول حظي منه في البعد والقرب # مزور: منقبض. معتام: مؤخر مبطئ. والقرى: طعام الضيف، معناه أنه لا يؤخر ~~طعامه، ويقال: أعتم بإبله إذا أخر حلبها، ومنه العتمة لتأخر وقتها. مئخار: ~~كثير التأخر. # اقشعرت: انقبضت من شدة البرد. # ترب: جمع تربة وهي وجه الأرض. والأقطار: البلاد والنواحي. ضنت الأنواء: # بخلت النجوم. وكانوا يستمطرون بها. بؤس: شدة. الضاري: المعتاد، أي الذي ms1141 ~~عادته ألا يكون فيه غير بؤس. جم: كثير، وإذا كثر الرماد كان عن كثرة النار، ~~وكثرة ما يطبخ عليها، مرهف: قاطع. اقتداح: ضرب بالزند. وار: بعير سمين، ~~ووري المخ: اكتنز فهو وار، ووري الزند فهو وار، أي مبد للنار. # *** PageV03P315 # ثم تلقاني بمحيا حيي، وصافحني براحة أريحي، واقتادني إلى بيت عشاره تخور، ~~وأعشاره تفور، وولائده تمور، وموائده تدور، وبأكساره أضياف قد جلبهم جالبي، ~~وقلبوا في قالبي، وهم يجتنون فاكهة الشتاء، ويمرحون مرح ذي الفتاء، فأخذت ~~مأخذهم في الاصطلاء، ووجدت بهم وجد الثمل بالطلاء. # *** # محيا: وجه. صافحني: واجهني وقابلني. براحة: بكف. أريحي: كريم يهتز للكرم. ~~اقتادني: ساقني. ولائده: خدمه. تمور: تسير وتختلف. بالطعام موائده: جمع مائدة. # أبو عبيد: سميت مائدة لأنها ميد بها صاحبها، أي أعطيها وتفضل عليه بها ~~والعرب تقول: مادني فلان يميدني، إذا أحسن إلي، فكأن المائدة تميد من ~~حواليها مما أحضر عليها، قال رؤبة: [الرجز] # * إلى أمير المؤمنين الممتاد (¬1) * # أي المستعطي غيره، سميت مائدة لأنها تميد بها عليها، أي تتحرك، وماد ~~الغصن يميد: مال، قال الله تعالى: وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد ~~[الأنبياء: 31]، الجرمي يقال: مائدة وميدة وأنشد: [الرجز] # وميدة كثيرة الألوان ... تصنع للإخوان والجيران (¬2) # وذكر القولين أبو محمد في درة الغواص وزاد أنه لا يقال لها مائدة إلا أن ~~يحضر عليها طعام، وإلا فهي خوان، واستدل بأن الحواريين لما اقترحوا على ~~عيسى عليه السلام أن ينزل عليهم مائدة، قالوا نريد أن نأكل منها. # قال: وحكى الأصمعي قال: غدوت ذات يوم إلى زيارة صديق لي، فلقيني أبو عمرو ~~بن العلاء فقال لي: إلى أين يا أصمعي؟ فقلت: إلى صديق لي، فقال: إن كان ~~لفائدة أو لعائدة أو لمائدة، وإلا فلا، وهذا باب يتسع كثيرا، وسأسوق جملة ~~تأتي على أكثره. ### || AUTO [الكرم وقرى الضيف] # وهذه الحالة التي وصف من إيقاد النار هي التي كان يفعل حاتم، وكان إذا ~~اشتد PageV03P316 # البرد وكلب الشتاء أمر غلامه، فأوقد نارا في يفاع من الأرض، لينظر إليها ~~من أضل الطريق ليلا فيهتدي إليها، وقال ms1142 في ذلك: [الرجز] # أوقد فإن الليل ليل قر ... والريح يا موقد ريح صر (¬1) # عل يرى نارك من يمر ... إن جلبت ضيفا فأنت حر # ولابن هرمة في هذا أشعار مستحسنة منها: [الكامل] # أغشى الطريق بقبتي ورواقها ... وأحل في قلل الربا وأقيم (¬2) # إن امرأ جعل الطريق لبيته ... طنبا وأنكر حقه للئيم # وقال مهيار: [الكامل] # ضربوا بمدرجة الطريق قبابهم ... يتقارعون على قرى الضيفان # ويكاد موقدها يجود بنفسه ... حب القرى- حطبا على النيران # ولابن هرمة أيضا: [الطويل] # ومستنبح تستكشط الريح ثوبه ... ليسقط عنه وهو بالرمل معصم (¬3) # عوى في سواد الليل بعد اعتساقه ... لينبح كلب أو ليفزع نوم # فجاوبه مستسمع الصوت للقرى ... له عند إتيان الملبين مطعم # يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم # وقال بعض المحدثين: [الكامل] # ويدل ضيفي في الظلام على القرى ... إشراق ناري أو نباح كلابي # حتى إذا واجهنه ولقينه ... حيينه ببصابص الأذناب # وتكاد من عرفان ما عودنه ... من ذاك أن يفصحن بالترحاب # ولابن هرمة في ذلك أيضا: [البسيط] # كيف احتيالي لبسط الضيف من حصر ... عند الطعام فقد ضاقت به حيلي (¬4) # أخاف ترداد قولي: «كل» فأقطعه ... والسكت ينزله مني على البخل # وقال حاتم: [الطويل] # سلي الطارق الممتار يا أم مالك ... إذا ما اعتراني بين قدري ومجزري (¬5) PageV03P317 # أيسفر وجهي إنه أول القرى ... وأبذل معروفي له دون منكري # وقال أيضا: [الطويل] # أما والذي لا يعرف السر غيره ... ويحيي العظام البيض وهي رميم (¬1) # لقد كنت أختار القرى طاوي الحشى ... محافظة من أن يقال لئيم # وإني لأستحيي يميني وبينها ... وبين فمي داجي الظلام بهيم # وقال أيضا: [الطويل] # أكف يدي من أن تنال التماسها ... أكف صحابي حين حاجاتنا معا (¬2) # أبيت هضيم الكشح مضطرم الحشى ... من الجوع أخشى الذم أن أتضلعا # وإني لأستحيي رفيقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا # وإنك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا # وقال أبو زياد الأعرابي: [الوافر] # له نار تشب على يفاع ... إذا النيران ألبست القناعا # فلم يك أكثر الفتيان مالا ... ولكن كان أرحبهم ذراعا ms1143 # وقال آخر: [البسيط] # لعل عارا إذا ضيف تأوبني ... ما كان عندي إذا أعطيت مجهودي # جهد المقل إذا أعطاك نائله ... ومكثر في الغنى سيان في الجود # وقال آخر: [البسيط] # تركت ضأني تود الذئب راعيها ... وأنها لا تراني آخر الأبد # الذئب يطرقها في الدهر واحدة ... وكل يوم تراني مدية بيدي # وقال آخر: [البسيط] # وسع بمدك ماء اللحم تقسمه ... وأكثر الشوب إن لم يكثر اللبن # وسع به وتلفت نحو حاضره ... إن الكريم الذي لم يخله الفطن PageV03P318 # وقال الغنوي: [الطويل] # لحافي لحاف الضيف والبيت بيته ... ولم يلهني عنه غزال مقنع # أحدثه إن الحديث من القرى ... وتكلأ عيني عينه حين يهجع # وقال آخر: [الطويل] # وإنا لمشاءون بين رحالنا ... إلى الضيف منا لاحف ومنيم # فذو الحلم منا جاهل دون ضيفه ... وذو الجهل منا عن أذاه حليم # وقال آخر: [الطويل] # سأقدح من قدري نصيبا لجارتي ... وإن كان ما فيها كفافا على أهلي # إذا أنت لم تشرك رفيقك في الذي ... يكون قليلا لم يشاركه في الفضل # ولبعض أصحابنا: [الطويل] # وسار تحلى أنجم الليل زينة ... ويلبس من ظلمائها ثوب ثاكل # رفعت له ناري فآنس ضوأها ... كما آنس الظمآن برد المناهل # أتانا فحيانا فكان جوابه ... صليل شفار السيف في ساق بازل # وما أنا من سؤاله ممن الفتى ... وتلك سحابا كل أطلس بالي # فداك الذي أودى بما اكتسبت يدي ... وإن عاد وفري عدت غير مواكل ### || AUTO [مما قيل في البخل] # وقال آخر في ضد ما قلناه: [الوافر] # أراني من بني حكم غريبا ... على قتر أزور ولا أزار # أناس يأكلون اللحم دوني ... ويأتيني المعاذر والقتار # القتر والقطر: الجانب. # وقال آخر: [مجزوء الرمل] # مات في عرس سليما ... ن من الجوع جماعه # مات أقوام وقوم ... حملوا فيه القناعه # لم يكن يوجد فيه الخبز ... إلا بشفاعه # آخر: [الطويل] # وما تنسني الأيام لا أنس جوعنا ... بدار بني بدر وطول التلدد # ظللنا كأنا بينهم أهل مأتم ... على ميت مستودع بطن ملحد PageV03P319 # يحدث بعض بعضنا عن مصابه ... ويأمر بعض بعضنا بالتجلد # وفي هذا طرف من قول الآخر: [الطويل] ms1144 # إذا ما عراكم حادث فتحدثوا ... فإن حديث القوم ينسي المصائبا # وأهل الحزن يستعملون الحديث اشتغالا عن المصيبة. # وقال بشار: [البسيط] # أبناء عمرو لفي خفض وفي دعة ... وفي عطاء لعمري غير ممنوع # وضيف عمرو وعمرو ساهران معا ... عمرو لبطنته والضيف للجوع # وآخر: [البسيط] # ما كنت أحسب أن الخبز فاكهة ... حتى نزلت على قوم بميسان # قوم إذا حل ضيف بين أظهرهم ... لم ينزلوه ودلوه على الخان # آخر: # والناس في فطر سوى شهرهم ... ودهر أضيافك شهر الصيام # آخر: # كتبت له صيفا فظن بأنني ... كتبت له ضيفا فقام إلى السيف # فقلت خيرا فظن بأنني ... ذكرت له خبزا فمات من الخوف # وإن ابن هرمة ألأم الناس مع ادعائه في شعره الكرم، قال رجل: أتيناه في ~~جماعة من قريش أحببنا أن يتنزه عندنا، ومشينا بزاد كثير فخرج علينا، وقال: ~~ما جاء بكم؟ قلنا: # شعرك حيث قلت: إن امرأ جعل الطريق لبيته ... ، وقولك أيضا [الكامل] # وإذا تنور راكبا مستنبح ... نبحت فدلته علي كلابي # وعوين يستعجلنه فلقينه ... يضربنه بشراسف الأذناب # وسمعناك تقول: [المنسرح] # كم ناقة قد وجأت منحرها ... بمستهل الشؤبوب أو جمل # لا أمتع العوذ بالفصال ولا ... أبتاع إلا قريبة الأجل # فنظر إلينا وقال: ما على وجه الأرض عصبة أسخف عقولا منكم، أما سمعتم قول ~~الله عز وجل: وأنهم يقولون ما لا يفعلون [الشعراء: 226] في الشعراء، والله ~~أني لأقول ما لا أفعل، وأنتم تريدون أن أفعل ما أقول، والله لا أغضب ربي في ~~رضاكم، فضحكنا منه وأخرجناه معنا يتنزه حتى فني الزاد. # أتى الحطيئة رجل وهو في غنمه، وقال: يا صاحب الغنم، سلام عليك فرفع PageV03P320 # الحطيئة العصا، وقال: إنها عجراء من سلم، فقال الرجل: إني ضيف، فقال: ~~للضيفان أعددتها، فأعاد السلام، فقال: إن شئت قمت بها إليك. # ومر به ابن حمامة وهو جالس بفناء بيته، فقال: السلام عليكم، فقال: قد قلت ~~ما لا ينكر. # وقال: خرجت من أهلي بغير زاد، قال: ما ضمنت لأهلك قراك، قال: أفتأذن لي ~~أن آتي ظل بيتك؟ قال: دونك الجبل يفيء عليك، قال: ms1145 أنا ابن حمامة، قال: ~~انصرف وكن ابن أي طائر شئت. يروى هذا عن أبي الأسود الدؤلي. # ونزل الغضبان بن القبعثري خارج كرمان وهي قرية كثيرة الرمضاء، فضرب قبته، ~~فورد عليه أعرابي، من بكر، فقال: السلام عليك، قال: السلام عليك كثير، وهي ~~كلمة مقولة، قال الأعرابي: ما اسمك؟ قال: آخذ، قال أو تعطي؟ قال: ما أحب أن ~~يكون لي اسمان، قال: ومن أين جئت؟ قال: من الذلول، قال: وأين تريد؟ قال: ~~أرضنا أمشي في مناكبها، قال: ومن عرض اليوم؟ قال آل فرعون على النار، قال: ~~فمن بشر؟ قال: # الصابرون، قال: فمن غلب؟ قال: حزب الله قال: أفتقرض؟ قال: إنما تقرض ~~الفأرة، قال: أفتسمع قال: إنما تسمع القينة، قال: أتنشد؟ قال: إنما تنشد ~~الضالة، قال: # أفتقول؟ قال: إنما يقول الأمير، قال: أفتسجع؟ قال: إنما تسجع الحمامة، ~~قال: أفتنطق: # قال: كتاب الله ينطق، قال: إنك لمنكر، قال: إني لمعروف، قال: ذلك أريد. ~~قال: وما إرادتك؟ قال: الدخول عليك، قال: وراءك أوسع، قال: قد أضرتني ~~الشمس، قال: # الساعة يأتيك الفيء، قال: الرمضاء أحرقت قدمي، قال: بل عليهما تبردا، قال ~~قد أوجعني الحر، قال: ليس لي عليه سلطان، قال: إني لا أريد طعامك ولا ~~شرابك، قال: # أتعرض بهما؟ والله لا تذوقهما عندي، قال: سبحان الله! قال: قبل كونك، ~~قال: ما أرى عندك: قال: هراوة أرزن، أدق بها رأسك. فتركه وانصرف. # الأصمعي: عذلت اعرابية أباها في إتلاف ماله، فقالت: يا أبت، حبس المال ~~أنفع للعيال من بذل الوجه للسؤال، وقد أتلفت التلاد، وبقيت ترقب ما بأيدي ~~العباد، ومن لم يحفظ ما ينفعه يوشك أن يقع فيما يضره، أخذه ابن المعتز ~~فقال: [السريع] # يا رب جود جر فقر امرئ ... فقام للناس مقام الذليل # فاشدد عرا مالك واستبقه ... فالبخل خير من سؤال البخيل # وقال بعض البخلاء: [الكامل] # أعددت للأضياف كلبا ضاريا ... عندي وفضل هراوة من أرزن # ومعاذرا كذبا ووجها باسرا ... وتشكيا عض الزمان الألزن # الألزن: المضيق. PageV03P321 # محمد بن الجهم: وددت أن عشرة من الفقهاء، وعشرة من الشعراء، وعشرة ms1146 من ~~الخطباء، وعشرة من الأدباء، تواطئوا على ذمي حتى ينتشر ذلك عنهم في الآفاق، ~~فلا يمتد إلى أمل آمل، ولا ينبسط نحوي رجاء لراج. # وكان يقول: من وهب في عمله فهو مخدوع، ومن وهب بعد العزل فهو أحمق، ومن ~~وهب في جوائز سلطانه، أو عمل لم يتعب فيه فهو مخذول، ومن وهب من كسبه وما ~~استفاد بحيلته فهو المطبوع على قلبه، المختوم على سمعه وبصره. # وقال: منع الجميع، أرضى للجميع، وهذا كقول الأصمعي! لو قسمت في الناس ألف ~~ألف لكان أكثر للائمى من لو أخذتها منهم، قالوا: ولم يرد البخل؛ ولكن إذا ~~تعذر عليه أن يعم فلا يخص. # وقال آخر: قول «لا» يدفع البلاء وقوله «نعم» يزيل النعم. # دعبل كنا يوما عند سهل بن هارون وأطلنا الحديث حتى أضر به الجوع، فدعا ~~بغدائه، فإذا بصحفة فيها مرق ولحم ديك، قد هرم، لا تحز فيه سكين ولا يؤثر ~~فيه ضرس، فأخذ قطعة من خبز فقلع بها جميع المرق، وفقد الرأس فبقي مطرقا ~~ساعة ثم رفع رأسه إلى الغلام وقال: أين الرأس؟ قال: رميت به. قال: ولم؟ ~~قال: لم أظنك تأكله، قال: ولم ظننت ذلك؟ فو الله إني لأمقت من يرمي برجله ~~فضلا عن رأسه، والرأس رئيس الأعضاء وفيه الحواس الخمس، ومنه يصيح الديك، ~~وفيه عيناه اللتان يضرب بهما المثل في الصفاء، فيقال: شراب مثل عين الديك، ~~ودماغه عجيب لوجع الكلية، فإن كان بلغ من جهلك أنني لا آكله، فإن عندنا من ~~يأكله، انظر أين هو؟ قال: والله لا أدري أين رميت به، قال: لكني والله ~~أدري، رميت به في بطنك. # ولسهل هذا رسالة مدح فيها البخل وفضله على السخاء، ليرى في ذلك بلاغته، ~~وأهداها إلى الحسن بن سهل في وزارته للمأمون فوقع عليها: لقدمدحت ما ذمه ~~الله، وحسنت ما قبح، وما يقوم صلاح لفظك بفساد معناك، وقد جعلنا ثوابك ~~عليها قبول ما فضلت فيها، ونتأدب فيها بأدبك. ولم يعطه شيئا. # وقيل: إن الذي أهدي إليه كتاب ألفه، مدح فيه البخل، وذم ms1147 الجود فوقع عليه ~~بما تقدم، قال دعبل: [البسيط] # صدق أليته إن قال مجتهدا ... لا والرغيف فذاك البر من قسمه # فإن هممت به فافتك بخبزته ... فإن موقعها من لحمه ودمه # قد كان يعجبني لو أن غيرته ... على جرادقة كانت على حرمه # أبو نواس في البؤبؤ الزنديق: [السريع] # لقيت في آل زياد فتى ... يلقب البؤبؤ حلو ظريف PageV03P322 # ينزل للضيف بنياته ... صيانة منه لعرض الرغيف # وإن في النيك لمستمتعا ... عند اعتياض الخبز للمستضيف # آخر: [مجزوء الكامل] # أمات الرغيف لدى الخوا ... ن فمن حمامات الحرم # ما إن يحس ولا يمس ... ولا يذاق ولا يشم # فتراه أخضر يابسا ... بالي النقوش من الهرم # آخر: [الوافر] # أبو نوح دخلت عليه يوما ... فغداني برائحة الطعام # وقدم بيننا لحما سمينا ... أكلناه على طبق الكلام # فلما أن رفعت يدي سقاني ... كئوسا خمرها ريح المدام # فكان كمن سقى الظمآن آلا ... وكنت كمن تغذى في المنام # وقال في أبي نوح أيضا: [مجزوء الرمل] # لأبي نوح رغيف ... أبدا في حجر دايه # فهي تحميه مدى الده ... ر بكم ووقايه # وله كاتب صدق ... خط فيه بعناية # فسيكفيكهم الله ... إلى آخر الآية # آخر: [مجزوء الكامل] # استبق ود أبي المقا ... تل حين تأكل من طعامه # سيان كسر رغيفه ... أو كسر عظم من عظامه # فارفق بكسر رغيفه ... إن كنت ترغب في كلامه # وتراه من خوف النزو ... ل به يروع في منامه # آخر: [الطويل] # خان عهدي عمرو وما خنت عهده ... وجفاني وما تغيرت بعده # ليس لي مذ حييت ذنب إليه ... غير أني يوما تغديت عنده # آخر: [المتقارب] # أبو جعفر رجل عالم ... بما يصلح المعدة الفاسده # تخوف تخمة أضيافه ... فعودهم أكلة واحده PageV03P323 # أبو نواس: [الوافر] # فتى لرغيفه قرط وشنف ... ولؤلؤتان من خرز وشذر # ودون رغيفه قلع الثنايا ... وحرب مثل وقعة يوم بدر # وإن كسر الرغيف بكى عليه ... بكا الخنساء إذ فجعت بصخر # آخر: [الوافر] # رغيف أبى علي حل خوفا ... من الأضياف منزلة السماك # إذا كسروا رغيف أبي علي ... بكى يبكي بكاء فهو باك # آخر: [الخفيف] # إن هذا الفتى يصون رغيفا ms1148 ... ما إليه لناظر من سبيل # هو في قفتين من أدم الطا ... ئف في سلتين في منديل # في جراب في جوف تابوت موسى ... والمفاتيح عند ميكائيل # ابن بسام: [المتقارب] # أتانا بخبز له يابس ... كمثل الدراهم في خلقته # إذا ما تنفست عند الخوان ... تطاير في البيت من خفته # وقال عباس الخياط: [السريع] # رغيفه النجم لمن رامه ... يرى ولا يطمع في لمسه # كأنه في جوف مرآته ... يبد ولا يطمع في جسه # وفلسه الأمس الذي قد مضى ... بل أمسه أوجد من فلسه # آخر: [الوافر] # رغيف في الحجال عليه قفل ... وخزان وأبواب منيعه # رأى في بيته يوما رغيفا ... فقال لضيفه هذا وديعه # اعتل أبو هفان في منزل ابن أبي طاهر فأبطئوا عليه بالغداء فقال: [مجزوء الرمل] # أنا في منزل خل ... مشفق بي ورفيقي # رجل أعمر من منز ... له ظهر الطريق # ليس لي أكل سوى لحم ... مي وشرب غير ريقي # ولجحظة يهجو رجلا: [الكامل] # لا تعذلوني إن هجرت طعامه ... خوفا على نفسي من المأكول PageV03P324 # فمتى أكلت قتلته من بخله ... ومتى قتلت قتلت بالمقتول # وله أيضا يذم بخيلا: [المتقارب] # تبرم إذ جئته للسلام ... وأبدى لي الكره لما دخلت # فقلت له: لا يرعك الدخول ... فو الله ما جئت إلا أكلت # أين هذا من قول إبراهيم بن العباس الصولي: [الطويل] # لنا إبل كوم يضيق بها الفضا ... وتفتر عنها أرضها وسماؤها # فمن دونها أن تستباح دماؤنا ... ومن دوننا أن تستذم دماؤها # حمى وقرى فالموت دون مرامها ... وأهون خطب في الحقوق بناؤها # وقوله: [الخفيف] # لا تلومي فإن همك أن تث ... ري وهمي مكارم الأخلاق # كيف يستطيع حفظ ما جمعت كفا ... ه من ذاق لذة الإنفاق # وقوله: [الكامل] # تلج الضيوف بيوتهم وترى لها ... عن جار بيتهم ازورار مناكب # وتراهم بسيوفهم وشفارهم ... مستشرفين لراغب أو راهب # حامين أو قارين حيث لقيتهم ... نهب العفاة ونهزة للراغب # وجلس هارون بن محمد بن الزيات في مجلس عبد الله بن سليمان، فجعل هارون ~~ينشد من شعر أبيه محاسنه، فقال له ابن برد الخباز: إن كان لأبيك مثل ms1149 قول ~~إبراهيم: # [الرمل] # أسد ضار إذا ما هجته ... وأب بر إذا ما قدرا # يعرف الأبعد إن أثرى ولا ... يعرف الأدنى إذا ما افتقرا # أو مثل قوله: «تلج الضيوف» البيتين فاذكره وفاخر به، وإلا فأقلل من ~~الفخار والتطاول بما لا طائل فيه، فخجل هارون. وإبراهيم هذا أشعر الكتاب ~~بلا خلاف. ### || AUTO [مما قيل في القدور] # وذكر الحريري القدور، وممن وصفها فأحسن الفرزدق حين قال: [الطويل] # وقد علم الجيران أن قدورنا ... ضوامن للأرزاق والريح زفزف (¬1) # تفرغ في شيزي كأن جفانهم ... حياض الملا منها ملاء ونصف PageV03P325 # ترى حولهن المعتفين كأنهم ... على صنم في الجاهلية عكف # وقال أمية بن أبي الصلت: [مجزوء الكامل] # وكأنها بفنائه ... للضيف مترعة زواخر (¬1) # وكأنهن بما شحن ... وما حمين به ضرائر # زبد وقرقرة كقر ... قرة الفحول إذا تخاطر # وقال النابغة في مثله: [الطويل] # له بفناء البيت سوداء فحمة ... تلقم أعضاء الجزور العراعر (¬2) # بقية قدر من قدور تورثت ... لآل جلاح كابرا بعد كابر # يظل الإماء يبتدرن قديحها ... كما ابتدرت سعد مياه قراقر # - قديحها: مرقها لأنه يقدح، أي يؤخذ بالمقدحة، وهي المغرفة- وقال آخر: # [الطويل] # وسوداء لا تكسي الرقاع نبيلة ... لها عند قرات العشيات أزمل # إذا ما قريناه قراها تضمنت ... قرى من عرانا أو تزيد فتفضل # وقال مسكين الدارمي: [الوافر] # كأن قدور قومي كل يوم ... قباب الترك ملبسة الجلال # بأيديهم مغارف من حديد ... أشبهها مقيرة الدوالي # الدالية: الخطارة. # وفي ضد ذلك لأبي نواس: [الطويل] # رأيت قدور الناس تبلى على الصلى ... وقدر الرقاشيين بيضاء كالبدر # يضيق بحيزوم البعوضة صدرها ... ويخرج ما فيها على طرف الظفر PageV03P326 # إذا ما تنادوا للرحيل سعى بها ... أمامهم الحولي من ولد الذر # وقال الفرزدق: [البسيط] # لو أن قدرا بكت من طول ما جهشت ... على الجفوف بكت قدر ابن عمار # ما مسها دسم مذ فض معدنها ... ولا رأت بعد نار القين من نار # وتسمى النار فاكهة الشتاء لما يجتنى من تسخينها: # وقد أحسن ابن قتادة في وصفها حيث قال: [الكامل] # هات التي للأيك أصل ولادها ... ولها جبين الشمس في الأشماس # يتقشع ms1150 الياقوت من لباتها ... بوساوس تشفي من الوسواس # أنس الوحيد وصبح عين المجتلي ... ولباس من أمسى بغير لباس # حمراء ترفل في السواد كأنها ... ضربت بعرق من بني العباس # وقال آخر: [الخفيف] # لابنة الزند في الكوانين جمر ... كالداراري في الليلة الظلماء # خبروني عنها ولا تكذبوني ... ألديها صناعة الكيمياء # سبكت فحمها سبائك تبر ... رصعتها بالفضة البيضاء # كلما ولول النسيم عليها ... رقصت في غلالة حمراء # سفرت عن جبينها فأرتنا ... حاجب الشمس طالعا في العشاء # لو ترانا من حولها قلت شرب ... يتعاطون أكؤس الصهباء # وقال الفقيه الأديب ابن لبال رحمه الله: [السريع] # فحم ذكت في حشاه نار ... فقلت مسك وجلنار # أو خد من قد هويت لما ... أظل من فوقه العذار # وقال البحتري يصف كانونا: [المتقارب] # وذي أربع لا يطيق النهو ... ض ولا يألف السير فيمن سرى (¬1) # تحمله سبجا أسودا ... فيقلبه ذهبا أحمرا # *** # قوله: قلبوا في قالبي، أي هم أمثالي لأن قالب الشيء كل ما يجعل فيه ليجيء ~~مثله وقلبوا: جعلوا في القالب. يمرحون: ينشطون ويطربون. ذوي الفتاء: أهل ~~الفتوة. # والفتاء: الحداثة والشباب، يقال منه: فتؤ يفتأ فتاء، ويقال أيضا: بكر فتي ~~بين الفتاء، PageV03P327 # وفتي من الناس: بين الفتوة، والفتى والفتية: الشاب والشابة. الاصطلاء: ~~التسخن بالنار، الثمل: السكران، والطلاء: الخمر، وأصل الطلاء الرب الثخين ~~الأسود، فسميت الخمر الصافية طلاء بضد صفتها، كما سمي اللديغ سليما، ~~والأسود أبا البيضاء، والذئب أبا جعدة، وجعدة اسم الشاة. # *** # ولما أن سرى الحصر، وانسرى الخصر، أتينا بموائد كالهالات دورا، والروضات ~~نورا، وقد شحن بأطعمة الولائم، وحمين من العائب واللائم، فرفضنا ما قيل في ~~البطنة، ورأينا الإمعان فيها من الفطنة، حتى إذا اكتلنا بصاع الحطم، ~~وأشفينا على خطر التخم، تعاورنا مشوش الغمر، ثم تبوأنا مقاعد السمر، وأخذ ~~كل واحد منا يشول بلسانه، وينشر ما في صوانه، ما عدا شيخا مشتبها فوداه ~~مخلولقا برداه؛ فإنه ربض حجرة، وأوسعنا هجرة، فغاظنا تجنبه، الملتبس موجبه، ~~المعذور فيه مؤنبه، إلا أنا ألنا له القول، وخشينا في المسألة العول، وكلما ~~رمنا أن يفيض كما فضنا، أو يفيض ms1151 فيما أفضنا أعرض إعراض العلية الأرذلين، ~~وتلا إن هذا إلا أساطير الأولين [الأنفال: 31]. ثم كأن الحمية هاجته، ~~والنفس الأبية ناجته، فدلف، وازدلف، وخلع الصلف، وبدل أن يتلافى ما سلف، ثم ~~استرعى سمع السامر. واندفع كالسيل الهامر وقال: # *** # سرى الحصر، أي زال السكوت، والحصر: انقطاع الكلام، وهو العي، وحصر يحصر: ~~عي، والحصر أيضا: ضيق الصدر. انسرى الخصر: ذهب البرد، والخصر: # البارد، وخصر الرجل: إذا آذاه البرد وآلمه في أطرافه. والروضات نورا، أي ~~هي فاعمة بكثرة الطعام وأنواع الألوان. شحن: ملئن. الولائم: الأعراس. حمين: ~~منعن. العائب: # الذي يعيب الطعام. واللائم: الذي يقف على رءوس أضيافه، فيقول: ما أكلتم، ~~استعملوا، زد يا فلان، فيخجل أضيافه لذلك، فلا يتمكنون من الطعام. رفضنا: تركنا. ### || AUTO [البطنة] # البطنة: الامتلاء من الطعام، والذي قيل في البطنة: البطنة تذهب الفطنة، ~~فقال تركنا هذا المعنى وخالفناه، ورأينا أن البطنة وهي امتلاء البطن من ~~الطعام والإمعان فيه، أي المبالغة في الأكل يقوي الفطنة، ويولدها لا أنه ~~يذهبها، والفطنة: الذكاء وحدة الذهن. # معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أحل الله حلالا أبغض إليه ~~من بطن مليء طعاما، فقصروا من الطعام تملئوا من الحكمة». # المقدام بن معد يكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما ملأ ~~آدمي وعاء شرا من PageV03P328 # بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، ~~وثلث لشرابه، وثلث لنفسه». # عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أيها الناس، إياكم والبطنة فإنها مكسلة ~~عن الصلاة، مفسدة للجسد، مورثة للسقم. # وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: إياكم والبطنة فإنها مفسدة للقلب. # الأصمعي قال أعرابي: إذا كنت بطينا فعد نفسك زمنا. # وقال الحارث بن كلدة: أربعة أشياء يهرمن البدن: الغشيان على البطنة، ~~ودخول الحمام على الامتلاء، وأكل القديد، ومجامعة العجوز. # وقال الأصمعي: كنت عند هارون الرشيد فقدمت إليه فالوذجة فقال: يا أصمعي، ~~حدثني بحديث مزرد أخي الشماخ، قلت: إن مزردا كان رجلا جسيما، وكانت أمه ~~تؤثر عيالها بالزاد، ms1152 وكان يحفظه ذلك منها، فذهبت يوما في بعض حقوق أهلها، ~~وخلفته في بيتها فدخل خيمتها فأخذ صاعين من دقيق، وصاعا من عجوة، وصاعا من ~~سمن، فضرب بعضه ببعض وأكله ثم أنشأ يقول: [الطويل] # ولما مضت أمي تزور عيالها ... أغرت على العك الذي كان يمنع # خلطت بصاعي حنطة صاع عجوة ... إلى صاع سمن فوقها يتربع # ودليت أمثال الأثافي كأنها ... رءوس لعاد قطعت لا تجمع # وقلت لبطني أبشر اليوم إنه ... حمى آمن مما يغير ويفزع # فإن مصفورا فهذا داؤه ... وإن كنت غرثانا فذا اليوم تشبع # فاستضحك منه حتى أمسك بطنه، واستلقى على ظهره، ثم قدم يده بمال، وقال: # خذ، فهذا يوم تشبع يا أصمعي: # قوله الحطم، أي الذي يحطم ويكسر، ورجل محطم وحطمة، إذا كان قليل الرحمة ~~للماشية، وفي المثل: شر الرعاء الحطمة، وقال الزاجر: [الرجز] # قد لفها الليل بسواق حطم (¬1) # فمعنى اكتلنا بصاع الحطم، أي أكلنا أكل أكول لا يشفق على نفسه من السقم، PageV03P329 # وأشفينا: أشرفنا. خطر: غرر التخم: جمع تخمة بفتح الخاء، وهو أن يثقل ~~الطعام على المعدة ويتغير. والعامة تسكن الخاء، وقد يجيء ذلك في الشعر قال ~~أعرابي: [مجزوء الوافر] # وإذا المعدة جاشت ... فارمها بالمنجنيق # بثلاث من نبيذ ... ليس بالحلو الرقيق # تهضم التخمة هضما ... حين تجري في العروق # وتعاورنا الشيء: تداولناه، وأخذه بعضنا من بعض، وأزلناه من موضع إلى ~~موضع، وعور العين: زوالها. والغمر: ريح اللحم وزهمه. تبوأنا: أخذنا ونزلنا. السمر: # الحديث يسمر عليه. يشول بلسانه، أي يضرب به في كل كلام، وشال: رفع. ~~والصوان: # وعاء يصان فيه الشيء. فواده: ناحيتا رأسه، والفود: ما بين طرف الجبهة ~~والأذن. # مخلولقا: كثير البلى. برداه: ثوباه. ربض: جلس، وفي المثل: فلان يربض ~~حجرة، ويرتقي وسطا، يضرب مثلا لمن يساعدك ما دمت في خير، فربض حجرة، أي جلس ~~ناحية وبرك. أوسعنا: كثر لنا. الهجرة: المباعدة والمقاطعة، يريد أنه ~~اعتزلهم وجلس ناحية ولم يكلمهم بكلمة. تجنبه: تباعده، يقال: تجنبتك ~~وتجانبتك، أي تباعدت عنك، والجار الجنب: البعيد. وما زاره إلا عن جنابة، أي ~~عن بعد. ms1153 المتلبس موجبه، أي الذي التبس علينا ما أوجبه. مؤنبه: لائمه. ~~العول: الزيادة. رمنا: طلبنا، يفيض كما فضنا: # يتكلم كما تكلمنا والفيض زيادة الماء، ويفيض فيما أفضنا، أي يأخذ معنا في ~~النوع الذي أخذنا فيه. أعرض: لوى وجهه. العلية: الأشراف. الأرذلين: ~~الأدنياء. أساطير: تآليف وكتب. الحمية: عزة النفس. هاجته: حركته. الأبية: ~~العزيزة. ناجته: حدثته. دلف: # مشى إلينا، وازدلف: تقرب. خلع: أزال. الصلف: مجاوزة قدر الظرف حتى يفضي ~~به ذلك إلى أن تأخذ به بابا ما فيخالفك ولا يعبأ بك. يتلاقى: يتدارك. سلف: مضى. # استرعى: دعاهم للاستماع يقال: أرعني سمعك أي اسمع مني، الهامر: الكثير ~~الانصباب. [البسيط] # *** # عندي أعاجيب أرويها بلا كذب ... عن العيان فكنوني أبا العجب # رأيت يا قوم أقواما غذاؤهم ... بول العجوز وما أعني ابنة العنب # - بول العجوز: لبن البقرة، والعجوز أيضا من أسماء الخمر- # ومسنتين من الأعراب قوتهم ... أن يشتووا خرقة تغني من السغب # - الخرقة: القطعة من الجراد- # وقادرين متى ما ساء صنعهم ... أو قصروا فيه قالوا الذنب للحطب PageV03P330 # - القادر: الطابخ في القدر، والقدير: المطبوخ فيها. # وكاتبين وما خطت أناملهم ... حرفا ولا قرءوا ما خط في الكتب # - الكاتبون الخرازون؛ يقال: كتب السقاء والمزادة؛ إذا خرزهما وكتب البغلة ~~أو الناقة، إذا جمع بين شفريها وخاطهما، قال الشاعر: [البسيط] # لا تأمنن فزاريا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار # وتابعين عقابا في مسيرهم ... على تكميهم في البيض واليلب # - العقاب: الراية. كانت راية النبي صلى الله عليه وسلم تسمى العقاب (¬1). # *** # العيان، أي المشاهدة بالعين. مسنتين: أصابتهم السنة، أي اشتد عليهم. ~~يشتووا: # يتخذوا شواء. السغب: الجوع. تكميهم: تسترهم. البيض: ما يجعل في الرءوس في الحرب. # ومنتدين ذوي نبل بدت لهم ... نبيلة فانثنوا منها إلى الهرب # - النبيلة: الجيفة، ومنه تنبل الأمير؛ إذا مات وأروح، يعني نتن. # وعصبة لم تر البيت العتيق وقد ... حجت جثيا بلا شك على الركب # - معنى حجت جثيا، أي غلبت بالحجة مجادلين جاثين على الركب، وجثي: جمع جاث. # ونسوة بعد ما أدلجن من حلب ... صبحن كاظمة من غير ما تعب # - كاظمة في هذا الموضع ms1154 من كظم الغيظ- # ومدلجين سروا من أرض كاظمة ... فأصبحوا حين لاح الصبح في حلب # - في حلب، أي أصبحوا يحلبون اللبن- # ويافعا لم يلامس قط غانية ... شاهدته وله نسل من العقب # - النسل هاهنا: العدو قال تعالى: وهم من كل حدب ينسلون [الأنبياء: 96]. # والعقب: مؤخر القدم. # *** # منتدين: مجتمعين. انثنوا: رجعوا. والنبيلة: الحاذقة في فعلها. عصبة: # جماعة. أدلجن: سرن بالليل، ومثله سروا. لاح: ظهر، يافعا: شابا. يلامس: PageV03P331 # يلاعب، ويمسها بيده. غانية: امرأة جميلة غنيت بحسنها عن الزينة. صبحن ~~كاظمة، أي سقين الصبوح كاظمة غيظها. وصبحه. سقاه صبوحا، وكظم غيظه: # تجرعه، وهو قادر على الإيقاع بعدوه ولم يمضه، وكظم خصمه: أجابه بالمسكت ~~فأفحمه، وأصل الكظم للبعير، وهو أن يردد جرته في حلقه ولا يجترها: وكاظمة: # موضع على سيف البحر، أي على ساحله على مرحلتين من البصرة، وفيه ركايا ~~كثيرة، وماؤها شروب. # *** # وشائبا غير مخف للمشيب بدا ... في البدو وهو فتي السن لم يشب # - الشائب هاهنا: مازج اللبن، والمشيب: اللبن الممزوج، ويقال فيه مشيب ~~ومشوب. [البسيط] # ومرضعا بلبان لم يفه فمه ... رأيته في شجار بين السبب # - الشجار: المحفة ما لم تكن مظللة فإن ظللت فهو الهودج. والسبب هاهنا: # الحبل، ومنه قوله تعالى: فليمدد بسبب إلى السماء [الحج: 15]-[البسيط] # وزارعا ذرة حتى إذا حصدت ... صارت غبيراء يهواها أخو الطرب # - الغبيراء: المسكر المتخذ من الذرة ويسمى أيضا السكركة، وفي الحديث: ~~«إياكم والغبيراء فإنها خمر العالم» (¬1). # وراكبا وهو مغلول على فرس ... قد غل أيضا وما ينفك عن خبب # - المغلول هاهنا العطشان، وغل، أي عطش. [البسيط] # وذا يد طلق يقتاد راحلة ... مستعجلا وهو مأسور أخو كرب # - المأسور: الذي يجد الأسر، وهو احتباس البول. # *** # اللبان: لبن الآدميات. يفه: ينطق، يهواها: يحبها. أخو الطرب: صاحبه ~~المولع به. ينفك: يزول. خبب: نوع من السير. طلق. سارح. كرب: هم. # *** # وجالسا ماشيا تهوي مطيته ... به وما في الذي أوردت من ريب # الجالس: الآتي نجدا، والماشي: الذي كثرت ماشيته، وعليه فسر بعضهم قوله ~~تعالى: أن امشوا [ص: 6]؛ كأنه دعاء عليهم بكثرة الماشية والنماء والبركة. PageV03P332 # وحائكا أجدم الكفين ms1155 ذا خرس ... فإن عجبتم فكم في الخلق من عجب # - الحائك هاهنا: الذي إذا مشى حرك منكبيه وفجج بين ركبتيه. # وذا شطاط كصدر الرمح قامته ... صادفته بمنى يشكو من الحدب # - الحدب: ما ارتفع من الأرض- # ساعيا في مسرات الأنام يرى ... إفراحهم كالظلم والكذب # - إفراحهم: إثقالهم بالدين، ومنه قوله عليه السلام: «لا يترك في الإسلام ~~مفرج» (¬1) أي مثقل من الدين أو يقضى عنه دينه- # ومغرما بمناجاة الرجال له ... وما له في حديث الخلق من أرب # - الخلق هاهنا: الكذب، ومنه قوله تعالى: إن هذا إلا خلق الأولين ~~[الشعراء: 137]- # وذا زمام وفت بالعهد ذمته ... ولا ذمام له في مذهب العرب # - الذمام الثاني: جمع ذمة، وهي البئر القليلة الماء. وعنى بالمذهب ~~المسلك، أي ما له آبار قليلة الماء في البدو. # *** # تهوي: تسقط وتسرع. ريب: شكوك. أجذم: مقطوع. خرس: بكم. شطط: # طول. مغرما: شديد الحب. مناجاة: محادثة. أرب: حاجة. # وذا قوى ما استبانت قط لينته ... ولبنه مستبين غير محتجب # - اللين: نخيل الدفل، ومنه قوله تعالى: ما قطعتم من لينة [الحشر: 5]. # وساجدا فوق فحل غير مكترث ... بما أتى بل يراه أفضل القرب # - الفحل: الحصير المتخذ من فحال النخل. # وعاذرا من ظل يعذره ... مع التلطف والمعذور في صخب # - العاذر: الخائن. والمعذور: المختون. # وبلدة ما بها ماء لمغترف ... والماء يجري عليها جري منسرب # - البلدة: الفرجة بين الحاجبين، وتسمى أيضا البلجة- # وقرية دون أفحوص القطا شحنت ... بديلم عيشهم من خلسة السلب PageV03P333 # - القرية: بيت النمل. والديلم النمل الكثير. وخلسة السلب: لحاء الشجر. # وكوكبا يتوارى عند رؤيته ال ... إنسان حتى يرى في أمنع الحجب # - الكوكب: النكتة البيضاء التي تحدث في العين. والإنسان هاهنا: إنسان العين. # *** # مكترث: منكسر من الهم. القرب: جمع قربة، وهي ما يتقرب به إلى الله تعالى ~~من الأعمال البر. عاذر: قابل العذر. مؤلما: موجعا، التلطف: الرفق واللين. الصخب: # الصياح، وتفسير ظاهر البيت أن تقول: رأيت عاذرا يوجع الذي يعتذر له مع ~~تلطف العاذر للمعتذر وتليينه القول له، والمعتذر في صياح من شدة ضررا ~~لعاذرا له، فتتقابل هذه الأضداد، فإذا فسرت بتفسير الحريري ms1156 صح المعنى. ~~ومنسرب: داخل في السرب وهو الحفير في الأرض قرية: مدينة، وأفحوص القطا: ~~مرقدها وهي تفحصه: برجليها توسعه. # شحنت: ملئت. والديلم: أمة من العجم. خلسة: سرقة. والسلب: المال المسلوب. # يتوارى: يتغطى، وقال الحسن بن هانئ في صفة الكواكب الذي هو النكتة على ~~إنسان العين: [الرمل] # أعور المقلة من غير عوج ... لو عداه عور العين انسمج # تحسب النكتة في ناظره ... درة بيضاء في فص سبج # *** # وروثة قومت مالا له خطر ... ونفس صاحبها بالمال لم تطب # - الروثة: مقدم الأنف- # وصحفة من نضار خالص شريت ... بعد المكاس بقيراط من الذهب # - النضار هاهنا: شجر النبع، ومنه قول بعض التابعين: لا بأس أن يشرب في ~~قدح النضار؛ عنى به هذا. # ومستجيشا بخشخاش ليدفع ما ... أظله من أعاديه فلم يخب # - الخشخاش: الجماعة عليهم دروع وأسلحة- # وطالما مر بي كلب وفي فمه ... ثور، ولكنه ثور بلا ذنب # الثور: القطعة من الأقط، وهو نوع من الجبن. # وكم رأى ناظري فيلا على جمل ... وقد تورك فوق الرحل والقتب # - الفيل: الرجل الفائل الرأي. # وكم لقيت بعرض البيد مشتكيا ... وما اشتكى قط في جد ولا تعب PageV03P334 # - المشتكي: المتخذ شكوة وهي القربة الصغيرة. # *** # قوله: خطر، أي حظ كثير، والخطير: الرفيع القدر، نضار: ذهب أحمر. # المكاس: المماكسة بين المتبايعين، وهو أن يطلب صاحب السلعة من المشتري ~~سوما، فلا يزال المشتري يراجعه وينقص له مما طلب شيئا حتى يتفقا على ما ~~يتراضيان عليه. # والمستجيش: الجامع للجيش. والخشخاش: بنت معروف، وقال ابن وكيع يصفه: # [الوافر] # وخشخاش كأنا منه نفري ... قميص زبرجد عن جسم در # كأقداح من البلور صيغت ... وأغشية من الديباج خضر # أظله: قرب منه، وكأنه أغشاه ظله. القتب: خشب الرحل، والرحل برذعة البعير. # بعرض البيد: بجانب القفار. [البسيط] # وكنت أبصرت كرازا لراعية ... بالدو ينظر من عينين كالشهب # - الكراز: كبش يحمل عليه الراعي أداته. # وكم رأت مقلتي عينين ماؤهما ... يجري من الغرب والعينان في حلب # - الغرب: مجرى الدمع، والعينان: المقلتان. # وصادعا بالقنا من غير أن علقت ... كفاه يوما برمح لا ولم يثب # - القنا: ارتفاع الأنف وتحدب ms1157 وسطه، وصدع به، أي كشفه. # وكم نزلت بأرض لا نخيل بها ... وبعد يوم رأيت البسر في القلب # - البسر: جمع بسرة، وهو الماء الحديث العهد بالمطر، والقلب: جمع قليب- # وكم رأيت بأقطار الفلا طبقا ... يطير في الجو منصبا إلى صبب # - الطبق: القطعة من الجراد. # وكم من مشايخ في الدنيا رأيتهم ... مخلدين، ومن ينجو من العطب # - المخلد: الذي أبطأ شيبه. # وكم بدا لي وحش يشتكي سغبا ... بمنطق ذلق أمضى من القضب # - الوحش: الرجل الجائع. # وكم دعاني مستنج فحادثني ... وما أخل ولا أخللت بالأدب # - المستنجي: الجالس على نجوة، وهر المكان المرتفع. # كراز: إناء. والدو: الصحراء، والغرب: الدلو العظيمة، في حلب: في سيلان PageV03P335 # وجري. البسر: التمر الذي لم يطب. القليب البئر، والجمع القلب. أقطار ~~الفلا: نواحي القفار. والصبب: الانحدار. العطب: الهلاك. السغب: الجوع. ذلق: ~~حاد. أمضى: # أقطع. القضب: السيوف. أخل: نقص. المستنجي: الجالس لقضاء حاجة الإنسان. # *** # وكم أنخت قلوصي تحت جنبذة ... تظل ما شئت من عجم ومن عرب # - الجنبذة: القبة، والعرب: جمع عروب؛ وهي المتحببة إلى زوجها، من قوله ~~تعالى: عربا أترابا [الواقعة: 37]. # وكم نظرت إلى من سر ساعته ... ودمعه مستهل القطر كالسحب # - سر، أي قطع سرره، ويسمى ما يبقى بعد القطع السرة- # وكم رأيت قميصا ضر صاحبه ... حتى انثنى واهي الأعضاء والعصب # - القميص: الدابة الكثيرة القماص، وهو الوثوب والقفز. # وكم إزار لو أن الدهر أتلفه ... لجف لبد حثيث السير مضطرب # - الإزار: المرأة، ومنه قول الشاعر: [الوافر] # * فدى لك من أخي ثقة إزاري (¬1) * # [البسيط] # هذا وكم من أفانين معجبة ... عندي ومن ملح تلهي ومن نخب # فإن فطنتم للحن القول بان لكم ... صدقي ودلكم طلعي على رطبي # وإن شدهتم فإن العار فيه على ... من لا يميز بين العود والخشب # *** # أنخت: أبركت. قلوصي: ناقتي الفتية. تظل: تستر، سر: أدخل عليه السرور، وقد ~~بين هو أنه المقطوع السرة، وقال في الدرة فيما يكنى في المعاريض. المقلول: ~~الذي ضربت قلته، أي أعلاه، والمركوب: الذي ضربت ركبته، والمذكور: الذي قطع ~~ذكره، والمسرور: الذي قطعت سرته، قال: ومن الأحاجي بأبيات المعاني: PageV03P336 # نسرهم ms1158 وإن هم أقبلوا ... وإن أدبروا فهم من سبب # أي نطعنهم إذا أقبلوا في السرة، وإذا أدبروا في السبة وهو الاست، وأنشد أيضا: # [الطويل] # ذكرت أبا عمرو فمات مكانه ... فوا عجبا هل يهلك المرء من ذكر # وزرت عليا بعده فرأيته ... ففارق دنياه ومات على صبر # ذكرته: قطعت ذكره، ورأيته: قطعت رئته. مستهل: سائل. القطر: مصدر قطر. # إذا سقط، ولا يقال استهل حتى يكون مع انصبابه صوت. واهي: ضعيف. العصب: # حبال الجسد. الإزار، وهو المئزر الذي يجعل عوضا من السراويل، حثيث: مسرع ~~أراد به ذكر الإنسان في حال نكاحه المرأة إنه مضطرب سريع السير والدفع ~~فيقول: إن المرأة التي كانت تبل الذكر عند الجماع لو هلكت لبقي جافا وأراد ~~باللبد موضع اللبد وهو الظهر، الفنجديهي يقول: كم منامرأة لو ماتت لترك ~~زوجها كثرة الحركة في طلب المعاش مرضاة لها، وجفوف العرق قد يكون من ~~السكون، والتفسير الأول أبين، وهذا الثاني يحتمل إما وصفه بالسرعة ~~والاضطراب، وهو صفة فرس جعل له لبدا فألغز بذلك، وقال أعرابي ماتت امرأته: ~~[الوافر] # وكنت فريستي وغلاف بضعي ... فأمسى البضع ليس له غلاف # ومن اللغز فيه قول الآخر: [البسيط] # وصاحب معجب في طول صحبته ... ولا ينفع الدهر إلا وهو محموم # تأتيك في نافض الحمي منافعه ... وإن أفاق يرى في وجهه اللوم # وقال الأقيشر: وكان عنينا، فغالط في شعره بالضد: [الكامل] # ولقد عدوت بمشرف يافوخه ... عسر المكرة ماؤه يتدفق # أرن يسيل من النشاط لعابه ... ويكاد جلد إهابه يتمزق # حتى علوت به مشق ثنية ... طورا يفور بها وطورا يغرق # قوله: أفانين، أي ضروب وأنواع، والأفانين: الأساليب وهي أجناس الكلام ~~وطرقه، والأزهري: أفانين: جمع أفنان: جمع فنن، وهو الغصن والخصلة من الشعر، ~~وقيل: الأفنون الفن، وهو ضرب من الشجر، والحبال، والجمع أفانين. ملح: ما ~~يتكلم به من حلو الكلام وألغازه. تلهي: تشغل نخب: مختارة. لحن القول: معناه ~~ومذهبه، واللحن التورية، وهي أن تظهر خلاف ما تضمر. الطلع: أول ما يخرج من ~~الثمر، والرطب: الطيب منه. شدهتم: تحيرتم. # *** PageV03P337 # قال الحارث بن همام: ms1159 فطفقنا نخبط في تقليب قريضه، وتأويل معاريضه وهو ~~يلهو بنا لهو الخلي بالشجي، ويقول: ليس بعشك فادرجي، إلى أن تعسر النتاج، ~~واستحكم الارتتاج؛ فألقينا إليه المقادة، وخطبنا منه الإفادة؛ فوقفنا بين ~~المطمع واليأس، وقال: # الإيناس قبل الإبساس؛ فعلمنا أنه ممن يرغب في الشكم، ويرتشي في الحكم، ~~وساء أبا مثوانا أن نعرض للغرم، أو نخيب بالرغم؛ فأحضر صاحب المنزل ناقة ~~عيدية، وحلة سعيدية، وقال له: خذهما حلالا ولا ترزأ أضيافي زبالا، فقال: ~~أشهد أنها شنشنة أخزمية. وأريحية حاتمية. # *** # طفقنا: أخذنا نخبط: نتكلم بالزائد والناقص. تأويل: تفسير. معاريضه: ما ~~عرض به ولم يتمه. الخلي: الذي لا هم له، والشجي: الحزين وياء الخلي مشددة ~~وياء الشجي مخففة. وقد شددت ياء الشجي في الشعر إتباعا لياء الخلي، وقالوا: ~~إني لآتيه بالغدايا والعشايا، فحملوا الغدايا على العشايا، وحكى ثعلب في ~~غير الفصيح عن الأصمعي تثقيل الياء فيهما، ومن جعل شجي فعل كحذر خفف، ومن ~~جعله فعيل مثل غنى شدد، وفعل بغير ياء أقيس، والتشديد في المثل أحسن ~~للازدواج. تعسر: صعب. النتاج: ما ينتج لهم من المعاني. استحكم: توثق ~~الارتتاج: الانغلاق، وأرتج على القارئ وارتجج، إذا لم يقدر على القراءة ~~كأنه أطبق عليه. ويرتشي: يأخذ الرشوة، وعن ثوبان مولى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش»، فقيل: وما الرائش؟ ~~قال: الذي يمشي بينهما. # ألقينا إليه المقادة: أي انقدنا له، ورزأت الرجل أرزؤه؛ إذا أصبت منه ~~خيرا، وزرأته ماله: نقصته والزبال بالكسر: ما تحمله النملة بفيها، ~~والأريحية: الاهتزاز للجود. # ساء حزن. والرغم: الذلة والهوان. شنشنة: طبيعة حاتمية منسوبة إلى حاتم بن ~~عبد الله بن سعد بن الحشرج أحد بني ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيئ. ### || AUTO [حاتم الطائي] # يكنى أبا سفانة وأبا عدي. فارس شاعر جاهلي، أحد الأجواد الذين يضرب بهم ~~المثل، بل هو أشهر منهم، وهم: كعب بن مامة، وهرم بن سنان، وحاتم، وكان إذا ~~قاتل غلب، وإذا غنم نهب، وإذا سئل وهب، وإذا قامر سبق، وإذا أسر أطلق، ms1160 وإذا ~~أثرى أنفق. ويقال: أنه لا يعرف ميت قرى أضيافه إلا هو، وذلك أن ركبا من ~~العرب نزلوا بموضع قبره، وقد نفد زادهم، وفيهم رجل يكنى أبا خيبري، فجعل ~~يقول: أبا سفانة، أما تقري أضيافك أباسفانة، إن أضيافك جياع، يعيدها، فلما ~~نام ثار من نومه، . وهو يقول: وا راحلتاه! عقرت والله ناقتي، فقال له ~~أصحابه: وكيف؟ قال: رأيت أبا سفانة قد انشق عنه قبره فاستوى قائما ينشدني: ~~[المتقارب] PageV03P338 # أبا خيبري لأنت امرؤ ... ظلوم العشيرة لوامها # وماذا تريد إلى رمة ... بدوية صخب هامها # تبغي أذاها وإسعارها ... ودونك طي وأنعامها # ثم عمد إلى سيفي، فانتضاه من غمده، وعقر ناقتي، وقال: دونكم فما أيقظني ~~إلا رغاؤها؛ وإذا بالناقة ترغو ما تنبعث، فقالوا: قد والله قراك حاتم ~~فنحروها، وأكلوا وتزودوا واقتسموا متاع أبي خيبري، واستمروا لوجهتهم، فلما ~~صاروا في الظهيرة وضح لهم: راكب يجنب بعيرا يؤم سمتهم، حتى التقوا فقال ~~لهم: أفيكم أبو خيبري؟ قالوا نعم، فقال: فإن عدي بن حاتم رأى أباه البارحة، ~~وهو يقول: إن أبا خيبري وأصحابه استقروني، فقريتهم ناقته، فعوضه منها، وزده ~~بكرا يحمل عليه متاعه؛ وهذه الناقة وهذا البكر، فارتحل أبو خيبري الناقة، ~~وتخفف هو وأصحابه من أزوادهم، على البكر، ومضوا بأتم قرى. # وأدرك عدي ابنه النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه، وكان يحدث أصحابه ~~بهذا الحديث بعد إسلامه وقال الشاعر في عدي: [الطويل] # أبوك أبو سفانة الخير لم يزل ... لدن شب حتى مات في الخير راغبا # قرى قبره الأضياف إذ نزلوا به ... ولم يقر قبر قبله الدهر راكبا # وكانت سفانة بنته من أجود نساء العرب، وكان أبوها يعطيها الصرمة من إبله ~~فتهبها وتعطيها الناس، فقال لها أبوها: يا بنية إن الغويين إذا اجتمعا في ~~المال أتلفاه، فإما أن أعطي وتمسكي، وإما أن أمسك وتعطي أنت؛ فإنه لا يبقى ~~على هذا شيء، فقالت: والله لا أمسك أبدا، قال: وأنا لا أمسك أبدا قالت: فلا ~~نتجاور، فقاسمها ماله وتباينا. # وحكي أن أمه كانت من أسخى الناس، وأقراهم للضيف؛ وكانت ms1161 لا تحبس شيئا ~~تملكه، وهي عتبة بنت عفيف بن عمرو بن عبد القيس، فلما رأى إخوتها إتلافها، ~~حجروا عليها ومنعوها مالها؛ حتى إذا ظنوا أنها قد وجدت ألم ذلك أعطوها صرمة ~~من إبلها، فجاءتها امرأة من هوازن تسألها، فقالت: دونك الصرمة، فخذيها، فو ~~الله لقد عضني من الجوع ما لا أمنع بعده سائلا أبدا، ثم أنشأت تقول: ~~[الطويل] # لعمري لقدما عضني الجوع عضة ... فآليت ألا أمنع الدهر جائعا # فقولا لهذا اللائم: اليوم أعفني ... فإن أنت لم تفعل فعض الأصابعا # فإذا عسيتم أن تقولوا لأختكم ... سوى عذلكم أو عدل من كان مانعا # وهل ما ترون اليوم إلا طبيعة ... وكيف بتركي يا بن أم الطبائعا # فقد اكتنفه الجود من أمه وأبيه. # وقالت امرأته النوار: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض واغبر أفق السماء، ~~وضنت PageV03P339 # المراضع عن أولادها فما تبض بقطرة، فأيقنا بالهلاك، فو الله إني لفي ليله ~~صبيرة (¬1) بعيدة الطرفين، إذ تضاغى صبيتنا جوعا: عبد الله وعدي وسفانة، ~~فقام إلى الصبيين وقمت إلى الصبية، فو الله ما سكتوا إلا بعد هدأة من ~~الليل، وأقبل يعللني بالحديث، فعرفت ما يريد، فتناومت، فلما تغورت النجوم ~~إذا شيء قد رفع كسر البيت، فقال: من هذا؟ # فقالت: جاريتك فلانة أتيتك من عند صبية يتعاوون من الجوع عواء الذئاب، ~~فما وجدت معولا إلا عليك أبا عدي فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم، ~~فأقبلت تحمل اثنين، ويمشي إلى جانبها أربعة، كأنها نعامة حولها رئالها، ~~فقام إلى فرسه فوجأ لبتها بمدية، فخرت، ثم كشط الجلد، ودفع المدية إلى ~~المرأة وقال شأنك، فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل، ثم جعل يأتيهم بيتا ~~بيتا، ويقول: هبوا أيها القوم، عليكم بالنار، فاجتمعوا والتف في ثوبه ناحية ~~ينظر إلينا، والله إن ذاق منها مزعة، وإنه لأحوج إليها منا، فأصبحنا وما ~~على الأرض منها إلا عظم وحافر، فأنشأ يقول: [البسيط] # مهلا نوار أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فعلا (¬2) # ولا تقولي لشيء كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت معطي العنس والجملا # يرى البخيل سبيل المال ms1162 واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا # ولم يكن يمسك شيئا ما عدا فرسه وسلاحه، فإنه كان لا يجود به. # وذكر الحريري أن عقيلا تمثل بقول حاتم: [الرجز] # * شنشنة أعرفها من أخزم (¬3) * # وكان عقيل بن علفة المري غيورا فخورا وكانت الخلفاء تصاهره، فخطب إليه ~~عبد الملك ابنته لبعض ولده، فقال: أما إن كان ولا بد، فجنبني هجناء ولدك، ~~وخرج يمتار ومعه ابنه وابنته الجرباء فنزلوا بالشأم بدير سعد فلما ارتحلوا ~~قال عقيل: [الطويل] # قضت وطرا من دير سعد وربما ... على عرض ناطحنه بالجماجم # ثم قال لابنه أجزيا عملس، فقال: [الطويل] # فأصبحن بالموماة يحملن فتية ... نشاوى من الإدلاج ميل العمائم PageV03P340 # ثم قال لابنته الجرباء: أجيزي، فقالت: [الطويل] # كأن الكرى أسقاهم صرخدية ... عقارا تمشت في المطا والقوائم # فقال لها: وما يدريك ما نعت الخمر؟ ثم سل السيف، فاستغاثت بأخيها فاختبل ~~فخذيه بسهم، فبرك ومضوا وتركوه حتى بلغوا المياه الدانية إليهم، فقالوا ~~لأهل المياه: إنا أسقطنا جزورا، فأدركوها فوجدوا عقيلا باركا، وهو يقول ~~الأبيات: [الرجز] # * إن بني ضرجوني بالدم (¬1) * # *** # ثم قابلنا بوجه بشره يشف، ونضرته ترف وقال: يا قوم؛ إن الليل قد اجلوذ، ~~والنعاس قد استحوذ، فافزعوا إلى المراقد، واغتنموا راحة الراقد، لتشربوا ~~نشاطا، وتبعثوا نشاطا، فتعوا ما أفسر، وبتسهل لكم المتعسر، فاستصوب كل ما ~~رآه، وتوسد وسادة كراه. فلما وسنت الأجفان وأغفت الضيفان، وثب إلى الناقة ~~فرحلها ثم ارتحلها، وقال مخاطبا لها: [الرجز] # سروج يا ناق سيري وخدي ... وأدلجي وأوبي وأسئدي # حتى تطأ خفاك مرعاها الندي ... فتنعمي حينئذ وتسعدي # وتأمني أن تتهمي وتنجدي ... إيه فدتك النوق جدي واجهدي # وافري أديم فدفد ففدفد ... واقتنعي بالنشج عند المورد # ولا تحطي دون ذاك المقصد ... فقد حلفت حلفة المجتهد # بحرمة البيت الرفيع العمد ... إنك إن أحللتني في بلدي # * حللت مني بمحل الولد* # *** # قوله: بشره، أي طلاقته. يشف: يتلألأ ويرق حتى يكاد يصف ما وراءه من ~~السرور. نضرته: نعمته ورونقه. ترف: تندى. استحوذ: غلب واستولى، افزعوا: # الجئوا، لتشربوا نشاطا، أي يتمشى النشاط في أجسادكم حتى ترووا به، ms1163 ~~تبعثوا: تنتبهوا. # نشاطا: جمع نشيط ككريم وكرام، ونشط ينشط فهو نشيط، إذا كان طيب النفس للعمل. # تعوا: تحفظوا. المتعسر: الصعب. كراه: نومه. سنت: خالطها الوسن، وهو النوم. # أغفت: نامت. # قوله: خدي، أي أسرعي. تتهمي وتنجدي: تقصدي تهامة ونجدا. إيه، معناه PageV03P341 # زيدي في سيرك، اجهدي: اتعبي. افري: أقطعي، أديم: جلد فدفد: أرض صلبة. ~~وقيل مستوية، وقيل فلاة، وأراد بالأديم وجه الأرض. ونشح ينشح نشحا: شرب ~~قليلا قليلا. # تحطي: تنزلي، العمد، والعمود: ما يقوم عليه الخباء. # وقوله يخاطب ناقته: [الرجز] # إنك إن أحللتني في بلدي ... حللت مني بمحل الولد # قد جاء في كلامهم نظيره وضده، وكلاهما في بابه حسن، قال الشماخ في ضده من ~~مجازاة الناقة على إحسانها بالسوء: [الوافر] # إذ بلغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين (¬1) # وناقضه الآخر فقال: [الوافر] # أقول لناقتي إذ بلغتني ... لقد أصبحت مني باليمين # فلم أجعلك للقربان طعما ... ولا قلت اشرقي بدم الوتين # وتبعه ذو الرمة فقال: [الطويل] # أقول لها إذ شمر الليل واستوت ... بها البيد واستنت عليها الحزاور (¬2) # إذا ابن أبي موسى بلالا بلغته ... فقام بفأس بين رجليك جازر # وتوجيه الحسن في هذا المذهب على شنعة ظاهرة أنه لا يبالي بفقدها، لأن ~~الممدوح يحمله، ويعطيه فهو في غنى عنها، ومن يعيب هذا يقول مجازاة الحسن ~~بالسوء قبيح، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة التي قالت وقد ~~نجت على ناقته: نذرت إن نجاني الله عليها أن أنحرها: «بئس ما جازيتها، ولا ~~نذر لك في مال غيرك» (¬3) والمذهب الأحمد في ذلك قول عبد الله بن رواحة رضي ~~الله عنه حين خرج في جيش مؤتة يخاطب ناقته: # [الوافر] # إذا بلغتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء (¬4) PageV03P342 # فشأنك فانعمي وخلاك ذم ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي # ولهذا تبعه الحريري في شعره. # وقال الحسن: [الكامل] # وإذا المطي بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرجال حرام (¬1) # قربننا من خير من وطئ الثرى ... فلها علينا حرمة وذمام # وقال داود بن أسلم يمدح قثم بن العباس رضي الله عنهما: [السريع] # نجوت ms1164 من حل ومن رحلة ... يا ناق إن بلغتني من قثم (¬2) # إنك إن بلغتنيه غدا ... عاش لنا الخير ومات العدم # *** # قال: فعلمت أنه السروجي الذي إذا باع انباع، وإذا ملأ الصاع انصاع. # ولما انبلج صباح اليوم، وهب النوام من النوم، أعلمتهم أن الشيخ حين ~~أغشاهم السبات، طلقهم البتات، وركب الناقة وفات؛ فأخذهم ما قدم وما حدث، ~~ونسوا ما طاب منه بما خبث؛ ثم انشعبنا في كل مشعب، وذهبنا تحت كل كوكب. # *** # قوله: انباع، أي جرى ومد باعه، ومعناه هرب منه في سيره. يقال: صعت الشيء ~~فانصاع، أي فرقته فتفرق، ومعناه إذا ملأ كيسه من عطاء قوم راح عنهم. انبلج: ~~أضاء، هب: انتبه، أغشاهم: غطاهم. السبات: النوم الخفي كالغاشية: ثعلب: ~~السبات ابتداء النوم في الرأس حتى يبلغ القلب، وسبت الرجل فهو مسبوت: نعس. ~~والبتات: القطع البائن. فات. أي فر فلا يلحق. # وذكر الحريري في درة الغواص: أن قولهم: حدث أمر بضم الدال قياسا على ~~أخذهم ما قدم وما حدث خطأ، وإنما ضمت الدال من حدث حين قرن بقدم للمحافظة ~~على الموازنة، فإذا أفردت لفظة حدث زال موجب الضم، ووجب الرد إلى الأصل. قال: # وأنشدني بعض أدباء خراسان لأبي الفتح البستي: [الرجز] # جزعت من أمر فظيع قد حدث ... أبو تميم وهو شيخ لا حدث # * قد حبس الأصلع في بيت الحدث* # *** PageV03P343 # لم نتعرض في شرح هذه المقامة، لما ثبت في كتاب المقامات من شرح منشيها، ~~بل نعقب ما أهمله، وكان الأولى إثبات ما شرح بنصه؛ إذ هو وفق لغرضه. # قال الشيخ الرئيس أبو محمد القاسم بن علي رحمه الله تعالى: # قد فسرت سر كل لغز تحته، ولم أبعد على من يقرؤه كشفه، وقد بقيت ألفاظ ~~اشتملت عليها هذه المقامة ربما التبس تفسيرها على بعض من تقع إليه فأحببت ~~إيضاحها له ليكفى حيرة الشبهة وكلفة الفكرة، ووصمة البحث والمسألة، وبالله ~~تعالى الاستعانة والقوة. # قوله: «عشوت إلى نار» يعني تنورتها فقصدتها فإن لم تقصدها قلت: عشوت ~~عنها، كقوله تعالى: ومن يعش عن ذكر الرحمن [الزخرف: 36]، أي ms1165 يعرض. # وقوله: «وأنا أصرد من عين الحرباء والعنز الحرباء»، هذان مثلان يضربان ~~لمن يبلغ منه البرد، وذلك لأن الحرباء تدور أبدا مع الشمس وتستقبلها ~~بعينها، ولذلك شبه ابن الرومي الرقيب بالحرباء في قوله: [الكامل] # ما بالها قد حسنت ورقيبها ... أبدا قبيح، قبح الرقباء # ما ذاك إلا أنها شمس الضحا ... أبدا يكون رقيبها الحرباء # والعنز الجرباء لا تدفأ في الشتاء لقلة شعرها، وذكر بعضهم أن العنز ~~الجرباء تصحيف المثل الأول. # وقوله: «من نحر وار» يعني الجمل المكتنز شحما، الكثير مخا. # وقوله: «عشاره تخور وأعشاره تفور» العشار: النوق الحوامل والأعشار: ~~البرمة العظيمة. كأنها شعبت لعظمها، يقال: برمة أعشار وجفنة أكسار وثوب ~~أسمال وبرد أخلاق وحبل أرمام، ووصف الجماعة منها كوصف الواحد. # وقوله: «فاكهة الشتاء» كنى بها عن النار، ومنه قول بعض المحدثين: ~~[الكامل] # النار فاكهة الشتاء فمن يرد ... أكل الفواكه شاتيا فليصطل # إن الفواكه في الشتاء شهية ... والنار للمقرور أفضل مأكل # وقوله: «موائد كالهالات» يعني دارات القمر، ودارة الشمس تسمى الطفاوة. # وقوله: «مشوش الغمر» يعني المنديل، يقال: مش يده بالمنديل، أي مسحها، ~~ومنه قول امرئ القيس: [الطويل] # نمش بأعراف الجياد أكفنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مضهب (¬1) PageV03P344 # وقوله: «مشتبها فوداه أي صارا من الشيب في لون الأشهب، ومنه قول امرئ القيس: # قالت الخنساء لما جئتها ... شاب بعدي رأس هذا واشتهب (¬1) # وقوله: «ربض حجرة» يعني ناحية، ويقال في المثل لمن يشارك في الرخاء ~~ويجانب عند البلاء: يرتع وسطا ويربض حجرة. # وقوله: «فاسترعى سمع السامر» يعني السمار؛ لأن السامر اسم للجمع كالحاضر ~~اسم للحي النازلين على الماء، وكالباقر: اسم لجماعة البقر. # وقال بعض أهل اللغة: هو اسم للبقر مع رعاتها، واشتقاق السامر من السمر، ~~وهو ظل القمر مأخوذ من السمرة فلما كان غالب أحوال السمار أنهم يتحدثون في ~~ظل القمر اشتق لهم اسم منه، وإلى هذا يرجع قولهم: «لا أكلمه القمر والسمر». # وقوله: «ليس بعشك فادرجي» هذا مثل يضرب لمن يتعاطى ما لا ينبغي له، ~~والعش: ما يكون في شجرة، فإذا كان في حائط ms1166 أو كهف جبل فهو وكر. # وقوله: «الإيناس قبل الإبساس» هذا مثل أيضا، ومعناه أنه ينبغي أن يؤنس ~~الإنسان ثم يكلف، وأصله أن حالب الناقة يؤنسها حين يروم حلبها، ثم يبس بها ~~للحلب، والإبساس أن تقول لها: بس بس، لتسكن وتدر وتسمى الناقة التي تدر على ~~الإبساس: # البسوس. # وقوله: «يرغب في الشكم» الشكم ما أعطيته على سبيل المجازاة، فإن أعطيته ~~مبتدئا فهو الشكد. # وقوله: «ساء أبا مثوانا» يعني المضيف الذي أووا إليه وثووا عنده. # وقوله: «ناقة عيدية» قيل إنها منسوبة إلى فحل منجب اسمه عيد، وقيل: هي ~~منسوبة إلى فخذ من مهرة اسمه عيد بن مهرة وكانت مهرة وعيد تتخذان نجائب ~~الإبل، فنسبت إليهما. # وقوله: «حلة سعيدية» هي منسوبة إلى سعيد بن العاص، وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كساه وهو غلام حلة فنسب جنسها إليه. # وقوله: «لا ترزأ أضيافي زبالا» أي لا ترزؤهم شيئا وإن قل، والأصل في ~~الزبال ما تحمله النملة بفيها. # وقوله: «شنشنة أخزمية» أشار به إلى المثل الذي ضربه جد حاتم بن عبد الله ~~بن PageV03P345 # سعد بن الحشرج بن أخزم الطائي، حين نشأ حاتم وتقبل أخلاق خده أخزم في الجود. # فقال: «شنشنة أعرفها من أخزم» وتمثل عقيل بن علفة به حين قال: [الرجز] # إن بني ضرجوني بالدم ... من يلق آساد الرجال يكلم # * شنشنة أعرفها من أخزم (¬1) * # ومن ادعى أن المثل له فقدسها فيه. # وقوله: «اجلوذ» أي أسرع في الذهاب ومثله اخروط. # وقوله: «وثب إلى الناقة فرحلها» يعني شد عليها الرحل، وبه سميت الراحلة ~~لأنها فاعلة بمعنى مفعولة كقوله تعالى: في عيشة راضية [الحاقة: 21]، أي مرضية. # وكقوله تعالى: من ماء دافق [الطارق: 6]، أي مدفوق، والراحلة تقع على ~~الناقة والجمل ودخولها الهاء فيها للمبالغة، مثل داهية وراوية. # وقوله: «ارتحلها» أي ركبها، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد، ~~فركبه الحسن فأبطأ في سجوده، فلما قضى صلاته قال: «إن ابني ارتحلني فكرهت ~~أن أعجله (¬2)». # وقوله: «ورحلها» أي أزعجها وأشخصها وأجد بها في الرحيل، ومنه الخبر: # «تخرج عند ms1167 اقتراب الساعة نار من قعر عدن ترحل الناس» (¬3). # وقوله: «فأدلجي وأوبي وأسئدي». الإدلاج: أن تسير الليل كله والاسم منه ~~الدلجة بفتح الدال والادلاج بالتشديد: أن تسير من آخره والاسم منه الدلجة، ~~بضم الدال. وقيل فتحها وضمها بمعنى واحد. والتأويب: سير النهار وحده، ~~والإسئاد: أن تسير ليلا ونهارا. والنشح: أن تشرب دون الري. # وقوله: «ما قدم وما حدث» يقال ذلك لمن تستولي الهموم عليه وتتلاعب به. # وتضم الدال من «حدث» في هذا الموضوع وحده، ليوافق لفظها لفظ «قدم»؛ فإن ~~أفردت «حدث» عن قدم وجب فتح الدال من «حدث». ومثله قولهم: هنأني ومرأني ~~بحذف الألف من أمرأني إذ ذكر مع «هنأني» فإن أفردته قلت: أمرأني الشيء. # وقوله: «ذهبنا تحت كل كوكب» هذا المثل يضرب لمن تختلف في السفر طرقهم ~~وتتباين سبلهم. PageV03P346 ### | AUTO المقامة الخامسة والأربعون وهي الرملية # حكى الحارث بن همام قال: كنت أخذت عن أولي التجاريب، أن السفر مرآة ~~الأعاجيب، فلم أزل أجوب كل تنوفة، وأقتحم كل مخوفة، حتى اجتلبت كل أطروفة: # فمن أحسن ما لمحته، وأغرب ما استملحته، أن حضرت قاضي الرملة، وكان من ~~أرباب الدولة والصولة، وقد ترافع إليه بال في بال، وذات جمال في أسمال، فهم ~~الشيخ بالكلام، وتبيان المرام؛ فمنعته الفتاة من الإفصاح، وخسأته عن ~~النباح، ثم نضت عنها فضلة الوشاح، وأنشدته بلسان السليطة الوقاح. # *** # أولي التجاريب، أي أصحابها وأهلها. أجوب: أقطع، تنوفة: قفرة. أقتحم: # أدخل. اجتليت: رأيت. أطروفة: عجيبة. لمحته: نظرته. استملحته: وجدته مليحا. # الصولة: الاستطالة. وقد صال إذا استطال وهدد. ترافع، أي تداعى للحكومة، ~~ورفع كل واحد صاحبه. بال: شيخ كبير. في بال: في ثوب خلق. وأسمال، ثياب ~~خلقة، واحدها سمل، وسمل الثوب وأسمل، ويقال أيضا: ثوب أسمال، فيوصف بالجمع، ~~كما يقال: # رمح أقصاد، وبرمة أعشار. تبيان المرام: تبيين مراده. وإظهار حجته. ~~الإفصاح: التبيين. # خسأته: أبعدته وطردته، النباح: الكلام هنا. وخسأ ونبح أصلهما في الكلب، ويقال: # خسأت الكلب خسئا: طردته وأبعدته، وخسأ الكلب بنفسه، أي انخسأ، يتعدى ولا ~~يتعدى، قال تعالى: اخسؤا فيها [المؤمنون: 108] أي ms1168 تباعدوا تباعد سخط. نضت: # جردت. الوشاح: الحزام، وهو المنطقة، الفنجديهي: الوشاح شبه قلادة تنسج من ~~أدم عريضة وترصع بالجواهر وغيرها، السليطة: المستطيلة بلسانها، الوقاح: ~~التي ليس في وجهها حياء، فهي تقول ما شاءت. [السريع] # *** # يا قاضي الرملة يا ذا الذي ... في يده التمرة والجمره # إليك أشكو جور بعلي الذي ... لم يحجج البيت سوى مره # وليته لما قضى نسكه ... وخف ظهرا إذ رمى الجمره # كان على رأي أبي يوسف ... في صلة الحجة بالعمره PageV03P347 # هذا على أنى مذ ضمني ... إليه لم أعص له أمره # فمره إما ألفة حلوة ... ترضي وإما فرقة مره # من قبل أن أخلع ثوب الحيا ... في طاعة الشيخ أبي مره # *** # الرملة: قرية بالشأم، وقسم الشأم خمسة أقسام، فخمس منه فلسطين ومدينته ~~العظمى الرملة، والرملة أربعة آلاف ضيعة، ومن مدن فلسطين إيلياء مدينة بيت ~~المقدس، وبينها وبين الرملة ثمانية عشر ميلا، وقال ابن ظفر: عشرون فرسخا، ~~التمرة والجمرة: الخير والشر، والنفع والضر، ويضرب بهما المثل في هذا ~~المعنى، ومن قضى له بشيء فكأنه قد أعطاه. # والبيت، وغنت به فرجها يحجج: يقصد إليه بالجماع، وقولها سوى مرة، تريد ~~أول مرة وطئها وافترعها ولم يعد لها بعد تلك المرة، وتعني بالنسك افتراعها ~~وما هناك من الدم. # وعنت برمي الجمرة إتيانه لها، وجمع الجمر جمار، وهي الحجارة الصغار عند ~~العرب، وجمر الرجل تجميرا: رمى جمار مكة، قال عمر بن أبي ربيعة: [الطويل] # فلم أر كالتجمير منظر ناظر ... ولا كليالي الحج أفلتن ذا هوى # ومنه الحديث: «وإذا استجمرت فأوتر» (¬1). معناه تمسحت بالحجارة. ### || AUTO [أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم] # أبو يوسف، هو يعقوب بن إبراهيم بن حسين بن سعد بن حبيب الأنصاري. # وأبو يوسف كوفي صاحب أبا حنيفة فغلب عليه؛ حتى قالوا: أبو يوسف أبو ~~حنيفة. أي يسد مسده ويغني عنه، وروي عن أبي حنيفة والمطرف والمغيرة وهشام ~~بن عروة الشيباني. وكان صدوقا من أهل الدين والعلم، وكان قاضي القضاة ~~ببغداد لثلاثة خلفاء: المهدي والهادي والرشيد، وكانت أم جعفر قد استفتته في ~~مسألة، فأفتاها بما ms1169 أوجبه العلم عنده، فوافق بذلك مرادها، فأهدت له حقا من ~~فضة فيه طيب وجام فضة فيه دنانير، فقال له بعض من حضره: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «من أهديت له هدية فجلساؤه شركاؤه فيها»، فقال أبو يوسف ~~تأولت الخبر على ظاهره، والاستحسان قد منع من إمضائه، فإن ذلك إذ كان هدايا ~~الناس التمر واللبن، لا في هذا الوقت، والهدايا ذهب وورق، وذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء. PageV03P348 # قال أبو جعفر الطحاوي: ولد أبو يوسف سنة ثلاث عشرة ومائة. # حماد: رأيت أبا حنيفة يوما وعن يمينه أبو يوسف وعن يساره زفر، وهما ~~يتجادلان في مسألة، فلا يقول أبو يوسف قولا إلا أفسده عليه زفر، ولا يقول ~~زفر قولا إلا أفسده عليه أبو يوسف إلى وقت الظهر، فلما أذن المؤذن رفع أبو ~~حنيفة يده، فضرب بها فخذ زفر، وقال: لا تطمع في رئاسة في بلد فيها أبو ~~يوسف، فقضى لأبي يوسف. # علي بن حرملة التيمي: قال أبو يوسف: كنت أطلب الحديث والفقه، وأنا مقل رث ~~الحال، فجاء أبي يوما وأنا عند أبي حنيفة، فانصرفت معه، فقال: يا بني لا ~~تمدن رجليك مع أبي حنيفة، فإن خير أبي حنيفة مستو، وأنت محتاج إلى المعاش، ~~فقصرت عن كثير من الطلب، وآثرت طاعة والدي فتفقدني أبو حنيفة، وسأل عني، ~~فجعلت أتعهد مجلسه، فلما كان أول يوم أتيته بعد تأخري عنه، قال لي: ما ~~يشغلك عنا؟ قلت: الشغل بالمعاش، وطاعة والدي، فلما انصرف الناس دفع إلي ~~صرة، وقال: استمتع بهذه، وإذا فيها مائة درهم، وقال لي: الزم الجماعة، فإذا ~~نفدت فأعلمني، فلزمت الحلقة، فلما مضت مدة يسيرة دفع إلي مائة أخرى، ثم كان ~~يتعهدني كذلك، وما أعلمته بنفادها قط، وكأنه كان يخبر بنفادها حتى استغنيت ~~وتمولت. # علي بن الجعد: حدثني أبو يوسف، قال: توفي أبي إبراهيم، وخلفني صغيرا في ~~حجر أمي فأسلمتني، إلى قصار أخدمه، فكنت أدع القصار وأمر على حلقة أبي ~~حنيفة فأجلس وأستمع، فتجيء أمي فتأخذ بيدي وتذهب بي إلى القصار، وكان ms1170 أبو ~~حنيفة يعنى بي لما كان يرى من حرصي على التعلم، فلما طال ذلك على أمي وكثر ~~عليها هربي، قالت لأبي حنيفة: ما لهذا الصبي فساد غيرك، هذا صبي يتيم لا ~~شيء له، وإنما أطعمه من مغزلي، وآمل أن يكتسب دانقا يعود به على نفسه، فقال ~~لها أبو حنيفة: مري يا رعناء، ها هو ذا يتعلم أكل الفالوذج بدهن الفستق، ~~فانصرفت عنه وهي تقول: أنت شيخ قد خرفت وذهب عقلك. قال: ثم لزمته ونفعني ~~الله تعالى بالعلم ورفعني حتى تقلدت القضاء، فكنت أجالس الرشيد، وآكل معه ~~على مائدته، فلما كان في بعض الأيام قدم إليه فالوذجة. فقال لي: كل يا ~~يعقوب، فليس في كل يوم يعمل لنا مثلها، فقلت: وما هذه يا أمير المؤمنين؟ ~~فقال: هذه فالوذجة بدهن فستق، فضحكت فقال لي: مم تضحك؟ # فقلت: خيرا، وأبقى الله أمير المؤمنين، فقال: لتخبرني وألح علي، فحدثته ~~بالقصة من أولها إلى آخرها. فعجب من ذلك، وقال: لعمري إن العلم لينفع ويرفع ~~دينا ودنيا، وترحم على أبي حنيفة، وقال: إنه كان ينظر بعين عقله ما لا ~~ينظره غيره بعين رأسه. وأبو يوسف أول من دعي بقاضي القضاة في الإسلام. # إسحاق الموصلي: حدثني بشر بن الوليد، وسألته: من أين جاء؟ فقال: كنت عند ~~أبي يوسف القاضي، وكنت في حديث ظريف. فقلت: حدثني به، فقال: قال لي أبو PageV03P349 # يوسف: كنت البارحة قد أويت إلى فراشي، فإذا داق يدق الباب بشدة، فأخذت ~~علي إزاري، وخرجت، فإذا هو ابن أعين يقول: أجب أمير المؤمنين، فقلت: يا أبا ~~حارثة لي بك حرمة، وهذا وقت كما ترى، ولست آمن أن يكون أمير المؤمنين دعاني ~~لمكروه، فإن أمكنك أن تدع الأمير إلى غد فلعله أن يحدث له رأي! فقال: ما لي ~~إلى ذلك من سبيل، قلت: كيف كان السبب؟ قال: خرج إلي مسرور الخادم، فأمرني ~~أن آتي بك أمير المؤمنين، فقلت: أتأذن لي أن أصب علي ماء وأتحنط فإن كان ~~أمر كنت قد أحكمت شأني، وإن رزق الله العافية فلن ms1171 يضر، فدخلت ففعلت ذلك، ~~وتطيبت ثم خرجنا إلى دار الرشيد ومسرور واقف، فقلت: يا أبا هاشم خدمتي ~~وحرمتي، وهذا وقت ضيق، أفتدري لم طلبني؟ قال: لا، قلت: فمن عنده؟ قال: عيسى ~~بنجعفر وحده، ثم قال: مر فإذا صرت في الصحن فحرك رجليك، فإنه في الرواق ~~ففعلت، فقال: من هذا؟ قلت: # يعقوب، قال: ادخل، فدخلت فسلمت فرد علي السلام، وقال: أظننا روعناك؟ قلت: # إي والله ومن خلفي، قال اجلس، فلما سكن روعى، قال: يا يعقوب هل تدري لم ~~دعوتك؟ قلت: لا، قال: لأشهدك على هذا؛ إن عنده جارية، فسألته أن يهبها أو ~~يبيعها لي فأبى، وو الله لئن لم يفعل لأقتلنه. فالتفت إلى عيسى وقلت: وما ~~بلغ قدر الجارية؟ # أتمنعها أمير المؤمنين وتنزل نفسك هذه المنزلة؟ فقال لي: عجلت القول قبل ~~أن تعرف ما عندي، إن علي يمينا بالطلاق والعتاق وصدقة ما أملك ألا أبيعها ~~لأحد ولا أهبها، فالتفت إلي الرشيد، فقال لي: هل لك في ذلك مخرج؟ فقلت: ~~نعم، قال: وما هو؟ قلت: # يهب لك نصفها ويبيعك نصفها، فيكون لم يبع ولم يهب، قال عيسى: ويجوز ذلك؟ # قلت: نعم، قال: فأشهدك أني قد وهبت له نصفها، وبعت منه نصفها بمائة ألف ~~دينار، وأتي بالجارية، فقال: خذها يا أمير المؤمنين بارك الله لك فيها، ~~قال: يا يعقوب، وبقيت واحدة، قلت: يا أمير المؤمنين، وما هي؟ قال: هي ~~مملوكة ولا بد أن تستبرأ، وو الله إن نفسي لتخرج إن لم أبت معها. فقلت: يا ~~أمير المؤمنين تعتقها وتتزوجها، فإن الحرة لا تستبرأ، قال: فإني قد ~~أعتقتها، فدعا بمسرور وحسن، وخطبت وحمدت الله ثم زوجت على عشرين ألف دينار، ~~ودفع المال إليها، ثم قال: يا يعقوب انصرف، ثم قال: يا مسرور احمل إلى أبي ~~يوسف مائتي ألف درهم وعشرين تختا ثيابا، فحمل معي ذلك، قال بشر: فالتفت إلي ~~يعقوب، فقال: هل رأيت بأسا فيما فعلت؟ قلت: لا قال: فحقك منها العشر ~~فشكرته، وذهبت: لأقوم وإذا بعجوز دخلت، فقالت: يا أبا يوسف، بنتك تقرئك ms1172 ~~السلام، وتقول: والله ما وصلني من أمير المؤمنين في ليلتي هذه إلا المهر ~~الذي قد عرفت، وقد جعلت إليك النصف منه، وخلفت الباقي لما أحتاج إليه، ~~فقال: رديه، فو الله لا قبلته، أخرجتها من الرق وزوجتها من أمير المؤمنين ~~وترضيني بهذا، فلم نزل نتلطف إليه أنا وعمومتي يقبلها فقبلها وأمر لي بألف دينار. # وأما صلة الحج بالعمرة التي ذكر الحريري، فإن أبا يوسف في ذلك مخالف ~~لمالك PageV03P350 # رضي الله عنهما في أن القرآن في الحج أفضل من الإفراد، وهو مذهب علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه وقوله: خف ظهرا، أي حط عن ظهره بعض الذنوب، والذي ~~أرادت أنه لم يأتها ولا جامعها غير مرة واحدة خفف بها ظهره وبعض شهوته ~~وليته فعل ذلك مرتين فورت بظاهر كلامها عن هذا المعنى. # وجاءت امرأة إلى المغيرة بن شعبة بزوجها تستعديه عليه، وتذكر أنه عنين ~~فقال الرجل: [الكامل] # الله يعلم يا مغيرة أنني ... قد دستها دوس الحصان المرسل (¬1) # وأخذتها أخذ المعنف شاته ... عجلان يذبحها لقوم نزل # فقال له المغيرة: إني لأرى ذلك في شمائلك. # وخاصمت الدهناء بنت مسحل أحد بني مالك بن سعد بن زيد مناة العجاج، وكان ~~من بني عمها إلى والي اليمامة، فكان أبوها يعينها على ذلك، فقال له أهل ~~اليمامة: ألا تستحي، تطلب العسب لابنتك! فقال: إني أحب أن يكون لها ولد، ~~فإن أفرطتهم أجرت، وإن بقوا دعوا الله لها، فدخلت على الوالي، فقالت: إني ~~منه بجمع، فقال: # لعلك تغارين الشيخ؟ فقالت: إني لأرخي له بادي، وأقيم صلبي، فقال العجاج: ~~[الرجز] # أظنت الدهنا وظن مسحل ... أن الأمير بالقضاء يعجل (¬2) # عن كسلاتي والحصان يكسل ... عن السفاد وهو طرف هيكل # فقالت هي: [الرجز] # والله لولا خشية الأمير ... وخشية الشرطي والمثير (¬3) # لجلت من شيخ بني الفقير ... كجولان صعبة عسير # فأخذها وضمها إليه يقبلها فقالت: [الرجز] # تا لله لا تخدعني بالضم ... إليك والتقبيل بعد الشم (¬4) PageV03P351 # إلا بهزهاز يسلي همي ... ينزع عني فتجي في كمي # فذهب بها إلى أهلها، فطلقها في تلك الليلة سرا، ms1173 ولو استقبلها العجاج بما ~~وصف ابن الرومي حيث يقول: [الوافر] # ألا يا هند هل لك في ممد ... غليظ تفرحين به متين # يشد به حشاك غلام نيك ... من الفتيان منقطع القرين # فمن يره يبول يقول: أنثى ... بدا من فرجها ثلثا جنين # لرضيته، ولم تحاكمه. # قوله: ألفة: صحبة. أخلع: أزيل. وأبو مرة. كنية إبليس لعنه الله، وكني ~~بذلك لما تقدم أن أبغض الأسماء إلى الله مرة وحرب. تقول: إما يصاحبني صحبة ~~يرضيني فيها بكثرة الجماع، وإلا أزلت عني الحياء وخرجت أزني وأفسق في طاعة ~~إبليس، ولو عالجها بما كان يعالج به رجل زوجته، وكان إذا وقع بينهما شر ~~انحنى عليها بالجماع، فكانت تقول: لعنك الله! كلما وقع بيننا شر جئتني ~~بشفيع لا أقدر على رده! فلو جاءها بهذا الشفيع لما رفعته إلى الوالي. # محمد بن يحيى بن حيان: عاتبت جدتي جدي في قلة الباه، فقال لها: أنا وأنت ~~على قضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قالت: وما قضاء عمر؟ قال: قال: إن ~~الرجل إذا أتى امرأته في كل طهر مرة فقد أدى حقها، قالت: فكل الناس تركوا ~~قضاء عمر، وأقمت أنا وأنت عليه! . # وقال أعرابي كبر وعجز: [الرجز] # عجبت من أيري كيف يصنع ... أدفعه بإصبعي فيرجع # * يقوم بعد الشد ثم يركع* # دخل عيسى بن موسى على جارية له فعجز، فقال: [البسيط] # النفس تطمع والأسباب عاجزة ... والنفس تهلك بين العجز والطمع # خلا ثمامة بن أشرس بجارية له فعجز، فقال: ويحك! ما أوسع حرك! فقالت: ~~[البسيط] # أنت الفداء لمن قد كان يملؤه ... ويشتكي الضيق منه حين يلقاه # وكان عروة بن شييم أوفر الناس أيرا وأشدهم نكاحا، وكان إذا أنعظ يستلقي ~~على قفاه فيأتي الفصيل الجرب فيحتك بأيره يظنه الجذل، وهو عود في العطن ~~ينصب لتحتك به الإبل الجربى. # ويزعمون أنه أصاب أيره جنب عروس زفت إليه، فقالت له: أتهددني بالركبة! ~~وهو القائل: [الطويل] PageV03P352 # ألا ربما أنعظت حتى إخاله ... سينقد للإنعاظ أو يتمزق # فأعمله حتى إذا قلت: قدوني ... أبى وتمطى جامحا يتمطق # وأقبل رجل ms1174 على علي رضي الله عنه فقال: إن لي امرأة كلما غشيتها، تقول: ~~قتلتني قتلتني! فقال: اقتلها وعلي إثمها. # وقع أعشى همدان أسيرا عند الديلم، ثم إن ابنة العلج الذي أسره عشقته، ~~فمكنته ليلة من نفسها، فأصبح وقد واقعها ثمان مرات، فقالت له: يا معشر ~~المسلمين، أهكذا تفعلون بنسائكم! قال: هكذا نفعل كلنا، فقالت: بهذا العمل ~~نصرتم، أفرأيت إن خلصتك تصطفيني؟ فعاهدها، فحلت قيوده بالليل، وأخذت به في ~~طرق تعرفها حتى تخلص، فقال أسير شاعر فيه: [الطويل] # فمن كان يفديه من الأسر ماله ... فهمدان تفديها الغداة أيورها # كان عبد الله بن عمر من أنزه الناس نفسا، وأبعدهم عن المزاح وذكر ~~الفاحشة، فجاءه ابن أبي عتيق يوما، وكان صاحب مزاح وفكاهة، وفي يده رقعة ~~فيها: [الطويل] # ذهب الإله بما تعيش به ... وقمرت مالك أيما قمر # أنفقت مالك غير مكترث ... في كل زانية وفي الخمر # وكانت هجته بهما امرأته عاتكة بنت عبد الرحمن المخزومي، فقال: يا أبا عبد ~~الرحمن، انظر هذه الرقعة وأشر علي برأيك فيها، فلما قرأها عبد الله استرجع ~~فقال: ما ترى فيمن هجاني بهذا الشعر؟ قال: أرى أن تعفو وتصفح، فقال: يا أبا ~~عبد الرحمن، لئن لقيت صاحبه لأنيكنه نيكا جيدا، فأخذ ابن عمر من قوله وأرعد ~~وأزبد، قال: ما لك؟ # غضب الله عليك! فقال: ما هو إلا ما قلت لك، وافترقا، فلما كان بعد أيام ~~لقيه ابن عمر، فأعرض عنه، فصاح: يا أبا عبد الرحمن، إني لقيت صاحب البيتين ~~فنكته والله نيكا شافيا، وأقسم على ذلك، فصعق ابن عمر، فلما رأى ابن أبي ~~عتيق ما حل به دنا منه، وقال له في أذنه: إنها والله امرأتي، فقام ابن عمر ~~وقد سري عنه، وهو يضحك، فقبله بين عينيه، وقال أحسنت، زده من هذا الأدب، ، ~~فلن يهجوك بعدها أبدا. # *** # فقال له القاضي: قد سمعت ما عزتك إليه، وتوعدتك عليه، فجانب ما عرك، ~~وحاذر أن تفرك، وتعرك، فجثا الشيخ على ثفناته، وفجر ينبوع نفثاته، وقال: ~~[الرجز] # اسمع عداك الذم قول امرئ ... يوضح ms1175 فيما رابها عذره # والله ما أعرضت عنها قلى ... ولا هوى قلبي قضى نذره # وإنما الدهر عدا صرفه ... فابتزنا الدرة والذره PageV03P353 # فمنزلي قفر كما جيدها ... عطل من الجزعة والشذره # وكنت من قبل أرى في الهوى ... ودينه رأى بني عذره # فمذنبا الدهر هجرت الدمى ... هجران عف آخذ حذره # وملت عن حرثي لا رغبة ... عنه ولكن أتقي بذره # فلا تلم من هذه حاله ... واعطف عليه واحتمل هذره # قوله: عزتك، أي نسبتك. توعدتك: هددتك. عرك: شانك، وعابك ولطخك بشر وساءك، ~~وعر فلان قومه بشر: لطخهم به. حاذر خف. تفرك: تبغض، وفركت المرأة زوجها: ~~أبغضته. وتعرك: تدلك دلكا شديدا مثل دلك الأديم، وعركت القوم في الحرب ~~قاتلتهم. جثا يجثو جثوا وجثيا: جلس على ركبتيه. الثفنات: ما ولي الأرض من ~~أعضاء البعير وغلظ؛ إذا برك على الركبتين والكركرة، ينبوع: ماؤها النابع. ~~نفثاته: # كلماته. عداك: تجاوزك. يوضح: يبين. رابها: شككها وأدخل عليها الريبة. # أعرضت: صددت. قلى: بغض. هوى: حب. النذر: أن ينذر الإنسان على نفسه شيئا ~~يفعله، وقضى نحبه: استوفى غرضه، عدا: ظلم. صرفه: تصرفه بالإنكاد، ابتزنا: # سلبنا، الدرة: اللؤلؤة، والذرة: اللبن، ومال العرب الإبل، وعشهم من ~~لبنها، فلهذا جنس بالذرة مع الدرة. جيدها: عنقها. عطل: خال الجزعة: خرز ~~يماني، وهي التي فيها بياض وسواد. والشذر: قطع من ذهب، يفصل بها بين ~~الجواهر، وقيل: الجزع: # خرز ملون، والشذر: خرز أخضر، وقيل: الشذرة: القطعة من الذهب تلتقط من ~~المعدن من غير إذابة الحجارة. # بني عذرة. قبيلة يغلب على قلوبهم حب النساء، فكل من أفرط في حبهن قيل له: # عذري، فنسب إليهم. وسئل أعرابي، فقيل له: من أين أنت؟ فقال: من قبيلة إذا ~~أحبوا ماتوا، فسمعته جارية، فقالت: عذري ورب الكعبة. # قوله: نبا، أي ارتفع وزال خيره، الدمى: النساء المشبهات في بياضهن ~~وصفائهن بصور الرخام.، وكان العاشق من العرب إذا غلب عليه العاشق والهجر ~~ذهب إلى الأمصار فاشترى صورة من رخام على صورة محبوبته، فإذا ركب بعيره ~~أجلس الصورة بين يديه يحدثها، ويستريح إليها، فسموا النساء دمى تشبيها بصور ms1176 ~~الرخام. عف: عفيف. # البذر: ما يزرع في الأرض من الحبوب، وحرثه نكاحه، وأراد بالبذر ما يزرعه ~~فيها من النطفة هذره: هذيانه، وكلامه الفارغ. # *** # قال: فالتظت المرأة من مقاله، وانتضت الحجج لجداله وقالت له: ويلك يا ~~مرقعان! يا من هو لا طعام ولا طعان؛ أتضيق بالولد ذرعا، ولكل أكولة مرعى؛ ~~لقد ضل فهمك، وأخطأ سهمك، وسفهت نفسك، وشقيت بك عرسك. PageV03P354 # فقال لها القاضي: أما أنت فلو جادلت الخنساء، لانثنت عنك خرساء، وأما هو ~~فإن كان صدق في زعمه، ودعوى عدمه، فله في هم قبقبه، ما يشغله عن ذبذبه، ~~فأطرقت تنظر ازورارا، ولا ترجع حوارا. حتى قلنا قد راجعها الخفر، أو حاق ~~بها الظفر، فقال لها الشيخ: تعسا لك إن زخرفت، أو كتمت ما عرفت. فقالت: ~~ويحك! وهل بعد المنافرة كتم، أو بقي لنا على سر ختم! وما فينا إلا من صدق، ~~وهتك صونه إذ نطق، فليتنا لاقينا البكم، ولم نلق الحكم، ثم التفعت بوشاحها، ~~وتباكت لافتضاحها، وجعل القاضي يعجب من خطبهما ويعجب، ويلوم لهما الدهر ~~ويؤنب، ثم أحضر من الورق ألفين، وقال: أرضيا بهما الأجوفين، وعاصيا النازع ~~بين الإلفين، فشكراه على حسن السراح، وانطلقا وهما كالماء والراح. # *** # التظت: حقدت والتهبت غيظا، وانتضت: جردت: جداله: خصامه. # مرقعان: كثير الرقاعة، والرقاعة كالحماقة، كأن عقله تخرق فرقع، وضقت ~~بالشيء ذرعا، إذا لم تقدر عليه، ضل: تحير. عرسك: زوجك. جادلت: خاصمت. انثنت: # رجعت. خرساء: بكماء. زعمه: ما ادعاه. قوله: قبقبه، القبقب: البطن، ~~والقبقبة: # الصوت الذي يدور فيه، فسمي به. # والذبذب: الذكر، وأصل الذبذبة الاهتزاز والاضطراب، فسمي الذبذب لحركته، ~~ونظر عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى شاب، فقال: يا شاب إن وقيت شر ثلاث، ~~وقيت شر الشباب: لقلقك، وذبذبك، وقبقبك، الأصمعي: اللقلق: اللسان، والقبقب ~~البطن، والذبذب: الذكر. # قوله: أطرقت، أي سكنت مميلة إلى الأرض رأسها حياء. ازورارا: ميلانا. # والحوار: مراجعة الكلام. الخفر: الحياء. حاق: لحق، والظفر هنا: غلبة ~~حجتها وظفرها به. تعسا: هلاكا، زخرفت هنا: زينت الباطل، المنافرة: ~~المحاكمة. ختم: # ربط، أي قد أظهرنا جميع ms1177 أسرارنا، هتك: خرق. صونه: صيانته. لاقينا البكم، ~~أي أصابنا البكم وخلقنا خرسا، فلم نبد ما أبديناه من القبائح، والبكم: ~~الخرس مع عي. # وقال ثعلب: البكم: أن يولد الإنسان لا ينطق ولا يسمع ولا يبصر، وبكم بكما ~~وبكاما، والحكم: الحاكم. التفعت: التفت. والوشاح: الثوب، وقد توشحت بثوبها، ~~جعلته موضع وشاحها. لافتضاحها: لاشتهارها بالقبائح. خطبهما: أمرهما. يعجب: ~~يجعل غيره يعجب منه، يؤنب: يوبخ ويلوم. الورق: الدراهم. الأجوفين: البطن ~~والفرج. # النازع: الماشي بالشر المفسد، ونزغ الشيطان بينهم ينزغ نزغا، أغوى وأفسد، ~~والإلفين: # الصاحبين، السراح: الانصراف. والراح: الخمر، وهي سريعة الامتزاج مع ~~الماء، فيضرب بهما المثل في امتزاج نفوس المتحابين. PageV03P355 # وقد جاء من ذلك في الشعر ما يستحسن، قال ابن أبي فنن: أحسن ما قيل فيه ~~قول العباس بن الأحنف: [البسيط] # ما أنس ما أنس يمناها معطفة ... على فؤادي ويسراها على راسي (¬1) # وقولها: ليته ثوب على جسدي ... وليتني كنت سربالا لعباس # أو ليته كان لي خمرا وكنت له ... من ماء مزن فكنا الدهر في كاس # قال الحاتمي: وأحسن دعبل كل الإحسان في قوله: [البسيط] # الله يعلم والأيام دائرة ... والمرء ما بين إيحاش وإيناس (¬2) # أني أحبك حبا لو تضمنه ... سلمى سميك دك الشاهق الراسي # حبا تلبس بالأحشاء وامتزجا ... تمازج الماء بالصهباء في الكاس # وقال البحتري فأحسن: [البسيط] # تهتز مثل اهتزاز الغصن حركه ... مرور غيث من الوسمي سحاح (¬3) # إني وجدتك من قلبي بمنزلة ... هي المصافاة بين الماء والراح. # *** # وطفق القاضي بعد مسرحهما، وتنائى شبحهما، يثني على أدبهما. ويقول: هل من ~~عارف بهما؟ فقال له عين أعوانه، وخالصة خلصانه: أما الشيخ فالسروجي المشهود ~~بفضلة، وأما المرأة فقعيدة رحله، وأما تحاكمهما فمكيدة من فعله، وأحبولة من ~~حبائل ختله، فأحفظ القاضي ما سمع، وتلهب كيف خدع، ثم قال للواشي بها: قم ~~فردهما، ثم اقصدهما وصدهما، فنهض ينفض مذرويه، ثم عاد يضرب أصدريه، فقال له ~~القاضي: # أظهرنا على ما نبثت، ولا تخف عنا ما استخبثت، فقال: وما زلت أستقري ~~الطرق، وأستفتح الغلق، إلى أن أدركتهما مصحرين، وقد زما مطي البين، ms1178 ~~فرغبتهما في العلل، وكلفت لهما بنيل الأمل، فأشرب قلب الشيخ أن ييأس، وقال: ~~الفرار بقراب أكيس، وقالت هي: بل العود أحمد، والفروقة يكمد. # *** # قوله: طفق، أي جعل. مسرحهما: انصرافهما. تنائى شبحهما: بعد شخصهما، وعين ~~الأعوان: مقدمهم. والخلصان: الأحباب وخالصة: خيار، فكأنه خيار خيارهم. # قعيدة رحله: زوجته وصاحبة بيته. مكيدة: مكر أحبولة: شبكة. ختله: خداعه. ~~أحفظ: PageV03P356 # أغضب. تلهف: تندم فصاح: يا لهفي! ردهما: اطلبهما. مذرويه: أطراف أليتيه. # والأصدران: عرقان في الصدغين، وقيل: هما المنكبان، وقيل: العطفان، ويقال: ~~أتى فلان ينفض مدرويه، إذا جاء غاضبا يتهدد، ويضرب أصدريه، إذا جاء فارغا ~~بلا حاجة، فإذا قضى حاجته قيل: جاء ثانيا من عنانه، وقال الحسن البصري، ~~ورأى الناس يوم عيد يضحكون، فقال: تلقى أحدهم أبيض بضا يملخ في الباطل ~~ملخا، ينفض مذرويه، ويضرب أصدريه، يقول: ها أنا ذا فاعرفوني، قد عرفناك، ~~مقتك الله، ومقتك الصالحون. يملخ: يلج، وقيل ينثني ويتكسر. استخبثت: أصبته ~~خبيثا، أستقري: أتتبع، الغلق: جمع غلقة. وهي المغالق التي تسد بها الطرق ~~وغيرها، وباب غلق، أي مغلق. # مصحرين: ذاهبين في الصحراء. زما: شدا، والبين: الفراق. والعلل هنا: ~~العطاء. # كفلت: ضمنت، نيل الأمل: درك الحاجة. أشرب: دوخل وألقي في نفسه، والفرار ~~بقراب أكيس، مثل، وقراب الشيء ما يقاربه وأراد الهروب باليسير والقريب أكيس ~~من الرجوع إلى الطمع، ويروى: الفرار بقراب، بكسر القاف، وهو مصدر بمعنى ~~المقاربة، والمثل لجابر بن عمر المازني، وكان سائرا في الطريق ومعه أوفى بن ~~مطر وشهاب بن قيس، فتراءى آثار رجلين معهما فرسان وبعيران وكان قائفا فقال: ~~أرى آثار رجلين شديد كلبهما، عزيز سلبهما، والفرار بقراب أكيس، ثم مضى ~~هاربا، والمعنى: فرارنا ونحن بقرب السلامة خير لنا من أن نتورط في المكروه. ~~والعود أحمد، أي أوفق وأحق أن يوجد محمودا، والعود أحمد مثل، أي الرجوع ~~أحسن، وقال المرقش: [الطويل] # وأحسن فيما كان بيني وبينه ... فإن عاد بالإحسان فالعود أحمد (¬1) # وأنشد أبو الحسن لعمارة: [الطويل] # بني دارم إن يفن عمري فقد مضى ... حياتي لكم مني ثناء مخلد # بدأتم فأحسنتم وأثنيت ms1179 جاهدا ... وإن عدتم أحسنت والعود أحمد # قوله: الفروقة، أي الفزاع الكثير الفرق وهو الخوف، يكمد: يحزن حزنا لا ~~يستطيع إمضاءه. تبين: علم. غرر: خطر. # *** # فلما تبين الشيخ سفه رأيها، وغرر اجترائها، أمسك ذلاذلها ثم أنشأ يقول لها: # [الرجز] # دونك نصحي فاقتفي سبله ... واغنى عن التفصيل بالجمله PageV03P357 # طيري متى نقرت عن نخلة ... وطلقيها بتة بتله # وحاذري العود إليها ولو ... سبلها ناطورها الأبله # فخير ما للص ألا يرى ... ببقعة فيها له عمله # *** # سفه: خفة. والسفيه: الخفيف العقل. اجترائها: جسارتها وجرأتها. ذلاذلها: # أطراف ثوبها، وذلاذل القميص: ما يلي الأرض من أسافله، الواحد ذلذل مثل ~~قمقم وقماقم. دونك: معناه قاربك ما تطلب فتناوله. اقتفي: اتبعي. سبله: ~~طرقه، نقرت: # أكلت ثمرتها بمنقارك، وهو مثل، ونقرت أيضا: بحثت، والتنقير: البحث عن ~~الشيء، يقول: متى ما أخذت من ثمر نخلة بنصيب ففارقها ولا ترجع إليها، وفي ~~حديث أبي سعيد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خلقت النخلة والرمانة والعنب ~~من فضل طينة آدم عليه السلام»، والبتة البتلة: التي لا رجعة فيها، والبت: ~~القطع، سبلها: طرقها وأصله لا بن السبيل، الناطور: حارس النخل خاصة، بطاء ~~غير معجمة، وقيل: هو حافظ الكرم، والجمع النواطير. الأبله: الكثير الغفلة. ~~اللص: السارق. وعملة: سرقة وفعلة قبيحة. # *** # ثم قال لي: لقد عنيت، فيما وليت، فارجع من حيث جئت، وقل لمرسلك إن شئت: ~~[الطويل] # رويدك لا تعقب جميلك بالأذى ... فتضحي وشمل المال والحمد منصدع # ولا تتغضب من تزيد سائل ... فما هو في صوغ اللسان بمبتدع # وإن تك قد ساءتك مني خديعة ... فقبلك شيخ الأشعريين قد خدع # فقال له القاضي: قاتله الله! فما أحسن شجونه، وأملح فنونه! ثم إنه أصحب ~~رائده بردين، وصرة من العين، وقال له: سر سير من لا يرى الالتفات، إلى أن ~~ترى الشيخ والفتاة، قبل يديهما بهذا الحباء، وبين لهما انخداعي للأدباء. # قال الراوي: فلم أر في الاغتراب، كهذا العجاب، ولا سمعت بمثله ممن جال وجاب. # *** # عنيت: تعبت. وليت: كلفت. رويدك: رفقك. أي أولنا منك الرفق والمهل. لا ~~تعقب: لا تتبع. ms1180 الأذى: الضرر، وشمل: جمع. منصدع: متفرق. صوغ اللسان: كذبه ~~وحيله، وفي الحديث «هذه كذبة صاغها الصواغ» (¬1)، أي اختلقها الكذاب. ~~مبتدع: أول PageV03P358 # فاعل. ساءتك: أحزنتك. شيخ الأشعريين، هو أبو موسى الأشعري صاحب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، واسمه عبد الله بن قيس، من ولد الأشعر بن أدد بن زيد ~~بن يشجب بن يعرب بن كهلان بن سبأ، قدم مكة وأسلم بها، ثم هاجر إلى أرض ~~الحبشة، ثم قدم مع جعفر بن أبي طالب إلى المدينة، والذي خدعه هو عمرو بن ~~العاص في قصة التحكيم بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، وهي قصة مشهورة في ~~كتاب العقد وفي كتاب المسعودي وغيرهما من كتب الأدب، وفيهما أشياء مناكير ~~في حق الصحابة رضي الله عنهم، فلذلك أضربنا عن ذكرها. # رائده: طالبه أصحبه: جعله في صحبته. بردين: ثوبين: صرة: خرقة تشد فيها ~~الدراهم. العين: الذهب والفضة سير من لا يرى الالتفات، أي سيرا سريعا لا ~~يلتفت معه إلى مهم. قوله: بل أيديهما، يقال: بللت به أبل إذا ظفرت به، وبلك ~~الله بابن، أي رزقكه، وفي الحديث: «بلوا أرحامكم ولو بالسلام» (¬1)، أي ~~صلوها، وبللت رحمي أبلها بللا وبلالا، إذا نديتها ووصلتها. الحباء: العطاء ~~جال: تصرف وقطع البلاد بالمشي. PageV03P359 ### | AUTO المقامة السادسة والأربعون وهي الحلبية # روى الحارث بن همام قال: نزع بي إلى حلب، شوق غلب، وطلب يا له من طلب! ~~وكنت يومئذ خفيف الحاذ، حديث النفاذ، فأخذت أهبة السير، وخفقت نحوها خفوق ~~الطير؛ ولم أزل مذ حللت ربوعها، وارتبعت ربيعها، أفاني الأيام، فيما يشفي ~~الغرام، ويروى الأوام؛ إلى أن أقصر القلب عن ولوعه، واستطار غراب البين بعد وقوعه. # *** # نزع بي، أي شوقني وحملني. ### || AUTO [مدينة حلب] # حلب: مدينة عظيمة بالشام وقنسرين، خمس من أخماس الشام، ومدينته العظمى ~~حلب وساحلها أنطاكية. وذكرها شيخنا ابن جبير فقال: حلب بلدة قدرها خطير، ~~وذكرها في كل زمان يطير، خطابها من الملوك كثير؛ كانت في القديم ربوة فيما ~~يقال، كان يأوي إليها إبراهيم الخليل عليه السلام بغنمه، فيحلبها هناك ~~ويتصدق ms1181 بلبنها، فسميت حلب، وبها مشهد كريم منسوب إليه، يتبرك الناس بالصلاة ~~فيه، ولها قلعة شهيرة الامتناع، بائنة الارتفاع، معدومة الشبه والنظير في ~~القلاع، تنزهت حصانة أن ترام أو تستطاع، قاعدة كبيرة، ومائدة من الأرض ~~مستديرة، منحوتة الأرجاء، موضوعة على نسبة اعتدال واستواء، فسبحان من أحكم ~~تدبيرها وتقديرها، وأبدع كيف شاء تصويرها وتدويرها، ومن كمال جمالها الزائد ~~على المشترط لحصانة القلع أن الماء بها نابع وقد صنع عليها جفان، والطعام ~~يصير فيها الدهر كله، وليس من شروط الحصانة أهم من هاتين الخلتين، ويطيف ~~بجبلها سوران حصينان، يعترض دونهما خندق بالماء، فلا يكاد البصر يبلغ مدى ~~عمقه، وسورها الأعلى مجلل، كله أبراج منتظمة فيها العلالى المنيعة، وقد ~~تفتحت كلها طبقات، وكل برج منها مسكون، والبلد ضخم جدا، جميل الترتيب، ~~أسواقه متصلة الانتظام، تخرج من سماط صفة إلى سماط أخرى، وقيساريتها ~~وجامعها ومدارسها ما سمع بمثل وصفها في بلد من بلاد الله تعالى؛ كل سوق من ~~أسواقها مسقف بالخشب، يقيد البصر حسنا ويستوقف المستوفز تعجبا. وقيساريتها ~~حديقة بستان نظافة وجمالا، PageV03P360 # مطيفة بجامعها، وأكثر حوانيتها خزائن من الخشب البديع الصنعة، قد اتصل ~~السماط كله خزانة واحدة، وتخللتها شرف حسنة، بديعة النقش وتفتحت كلها ~~حوانيت، فجاءت في أجمل منظر، وكل سماط منها يتصل بباب من أبواب الجامع. # ثم أخذ ابن جبير في وصف الجامع والمدارس والبيمارستان بأنواع من الأوصاف ~~الحسان. # *** # قوله: يا له! معناه التعجب كأنه قال: ما أعجبه من طلب: خفيف الحاذ، أي ~~قليل العيال. وتقدم الحاذ في السادسة. حثيث النفاذ: سريع المضي في أموره، ~~ورجل نافذ ونفوذ ونفاذ: ماض في جميع أموره. أهبة: عدة. خففت: ارتحلت بسرعة. ~~حللت ربوعها: نزلت في بيوتها. ارتبعت ربيعها: التمست خيرها. أفاني: أقاطع، ~~وفني الشيء تم وانقطع. والغرام: عذاب الحب. والأوام: العطش. وأقصر: كف، ~~وأقصرت عن الشيء: تركته، وأنت عليه قادر. ولوعه: مصدر ولع به إذا أحبه ~~ولزمه. استطار، بمعنى انتشر. وقوعه: نزوله، وهم يتشاءمون بالغراب لأنه يؤذن ~~عندهم بالفراق، وذلك أنهم لا يرون الغراب عند منازلهم إلا ms1182 إذا حطوا بيوتهم ~~للرحيل، ينزل يلتمس ما يتركون مما يلقط، ولذلك سموه غراب البين، واشتقوا من ~~اسمه الغريب والغربة. # *** # فأغراني البال الخلو، والمرح الحلو؛ بأن أقصد حمص لأصطاف ببقعتها، وأسبر ~~رقاعة أهل رقعتها؛ فأسرعت إليها إسراع النجم؛ إذا انقض للرجم، فحين خيمت ~~برسومها، ووجدت روح نسيمها، لمح طرفي شيخا قد أقبل هريره، وأدبر غريره، ~~وعند عشرة صبيان، صنوان وغير صنوان، فطاوعت في قصده الحرص؛ لأخبر به أدباء ~~حمص فبش بي حين وافيته، وحيا بأحسن مما حييته، فجلست إليه لأبلو جنى نطقه، ~~وأكتنه كنه حمقه، فما لبث أن أشار بعصيته، إلى كبر أصيبيته، وقال له: أنشد ~~الأبيات العواطل، واحذر أن تماطل، فجثا جثوة ليث، وأنشد من غير ريث. # *** # أغراني: حرضني وسلطني. الخلو: الفارغ. المرح: النشاط وخفة النفس من الطرب. ### || AUTO [مدينة حمص] # حمص مدينة عظيمة، بينها وبين دمشق مائة ميل، وأرض حمص خمس من أخماس ~~الشام، وهي مدينة يقال إن لها سورا وفي وسطها حصنها، ولا تدخلها حية ولا ~~عقرب، وأول من ابتدع الحساب أهلها، لأنهم كانوا تجارا بإشبيلية وأحوازها، ~~نزل أهل PageV03P361 # حمص عند افتتاح الأندلس، فلذلك سميت حمص، وأخذت من قولهم: حمص الجرح يحمص ~~حموصا، وانحمص ينحمص انحماصا. إذا ذهب ورمه. # قال اليعقوبي: مدينة حمص من أوسع مباني الشام، ولها نهر عظيم، منه يشرب ~~أهلها، وافتتحها أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه. وفي حديث عمر رضي الله عنه: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليبعثن الله تعالى من مدينة ~~بالشام يقال لها حمص سبعين ألفا يوم القيامة لا حساب عليهم». # ودخلها شيخنا ابن جبير سنة ثمانين وخمسمائة وقال: هي فسيحة الساحة، ~~مستطيلة المساحة، نزهة لعين مبصرها من النظافة والملاحة، موضوعة في بسيط من ~~الأرض، عريض مداه، لا يتخرقه النسيم بمسراه، ويكاد البصر يقف دون منتهاه، ~~وماؤها يجلب لها من نهرها العاصي، وهو منها بنحو ميل، ومنبعه في مغارة بسفح ~~جبل بمرحلة منها، بموصل يقابل بعلبك، وأهل حمص موصوفون بالنجدة لمجاورتهم ~~العدو، وأسوارها في غاية العتاقة والوثاقة، مرصوص ms1183 بناؤها بالحجارة السود، ~~وأما داخلها فما شئت من بادية شعثاء، خلقة الأرجاء لا إشراق لآفاقها، ولا ~~رونق لأسواقها، وما ظنك ببلد حصن الأكراد منه على أميال يسيرة. وتجد فيها ~~عند اطلاعك عليها بعض شبه من مدينة إشبيلية يقع للحين في نفسك حبها، ولذلك ~~سميت باسمها في القديم، ولهذا نزل إشبيلية بعض أعراب حمص. # وقال الفنجديهي: بأهل حمص يضرب المثل في الحماقة، وكثرة الرقاعة، وتنسب ~~إليهم حكايات مضحكة، حكي عن بعضهم أنه قال: دخلتها وفي فمي درهم لأشتري به ~~بعض ما اشتهيه، فإذا برجل بباب الجامع جالس على كرسي، وعلى رأسه عمامة محنك ~~بها على قلنسوة، وقد لبس فروة مقلوبة بلا سراويل، وقد تقلد بسيف، وفي حجره ~~مصحف يقرأ فيه، وعنده كلب رابض يمسكه بمقوده، فسلمت عليه، فرد السلام، وقلت ~~له: أترى القوم صلوا؟ فقال لي: أو أنت أعمى! أما تراني قاعدا! قلت: من أنت؟ قال: # أنا أبو خالد إمام الجامع، فقلت: ما هذه الحلية؟ قال: ورد رجل زنديق يقرأ ~~السبع الطوال، ويشتم أبا بكر الصناديقي وعمر القواريري وعثمان بن أبي سفيان ~~ومعاوية بن أبي غسان الذي هو من حملة العرش، وزوجه النبي ابنته عائشة في ~~زمن الحجاج بن يوسف، فاستولدها الحسن والحسين، فقلت: ما أعرفك بالمقالة ~~والأنساب! قال: وما خفي عنك أكثر، قلت: أتحفظ القرآن؟ قال: نعم، قلت: فاقرأ ~~شيئا منه، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا ~~بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين ~~أمهلهم رويدا [يوسف: 5]، فصفعته صفعة سقطت عمامته، وبقي التحنك في عنقه، ~~فصاح بالناس: قلنسوتي! وقال: احملوه إلى المحتسب، فأوصلوني إلى رجل حاسر ~~حاف، قد لبس دراعة بلا سراويل، فقال: ما PageV03P362 # صنع هذا؟ قالوا: صفع إمام الجامع، قال: يا مسكين، أهلكت نفسك، قلت: هذا ~~حكم الله فصبرا عليه؟ قال: أيما أحب إليك سمل عينيك، أو قطع يديك، أو تدفع ~~نصف درهم؟ قال: فرفعت يدي وصفعت المحتسب صفعة، ثم أخرجت الدرهم من فمي ~~وقلت: يا سيدي ms1184 خذ نصف درهم لك، ونصف درهم لإمامك. # وقال فيهم بعض الشعراء: [البسيط] # لأنهم أهل حمص لا عقول لهم ... بهائم غير معدودين في الناس # ونزلها في القديم أهل اليمن، ولم يكن فيها من مصر إلا ثلاثة أبيات، وكان ~~لهم إمام من مصر، فغضبوا عليه وعزلوه، فقال فيهم ديك الجن يهجوهم: [الكامل] # سمعوا الصلاة على النبي توالى ... فتفرقوا شيعا وقالوا: لا، لا (¬1) # ثم استمر على الصلاة إمامهم ... فتحزبوا ورمى الرجال رجالا # يا أهل حمص توقعوا من عارها ... خزيا يحل عليكم ووبالا # شاهت وجوهكم وجوها طالما ... رغمت معاطسها وساءت حالا # *** # قوله: أصطاف، أي أسكن في الصيف. وأسبر: وأختبر، والرقاعة تجاوز الحد في ~~الوقاحة وصلابة الوجه. والبقعة: القطعة من الأرض، وكذلك الرقعة. وانقض ~~النجم للرجم، إذا استطار لرجم الشياطين، وأراد أنه أسرع إليها بسرعة الخيل ~~كسرعة النجم المنقض، قال خلف الأحمر: [الكامل] # كالكوكب الدري مبتهلا ... سيرا يفوت الطرف أسرعه # وكأنما جهدت أليته ... ألا تمس الأرض أربعة # وقال ابن الرومي: [البسيط] # خذها تبوعا لمن أولى مسومة ... كأنها كوكب في إثر عفريت (¬2) # وما أحسن قول ابن المعتز في هذا المعنى: # كأنما النجم والعفريت مسترقا ... للسمع ينقض يلقي خلفه لهبه # كفارس حل من عجب عمامته ... فردها كلها من خلفه عذبه # قوله: خيمت أي أقمت، وأصله ضربت خيمة. رسومها: آثارها. روح نسيمها: # لذة ريحها: لمح طرفي: أبصرت عيني. هريره: صياحه، وقد هر الكلب هريرا، إذا ~~نبح PageV03P363 # وحمل على من أنكره، وغريره: شبابه، والغرة: صغر السن، ومعناه أقبل شره ~~وسوء خلقه، وأدبر صباه وحسن خلقه، ولما كانت خليقته في هذه المقامة منبسطة ~~مع صبيانه صار هذا التفسير فيه بعد. وقال بعضهم: أقبل هريره، أقبل هرمه ~~ويبسه، من هر الشوك إذا اشتد يبسه حتى صار كأنياب الهر، وهذا يوافق الغرض، ~~فمعناه أقبل هرمه وكبره وأدبر صباه وصغره، ومثله كالبت الإبل شجر الشوك، ~~إذا رعته كأنها رعت فيه أنياب الكلاب لصعوبته، والغرير أيضا: الضامن، ويكنى ~~به هنا عن الشباب كأنه ضمن لصاحبه طول الحياة المفقود معناها في الهرم. ~~والصنو: الأخ الشقيق، ms1185 وأصل الصنو في النخيل والشجر، وهي التي تجتمع أصولها ~~وتفترق أجسادها، الحرص: الرغبة والطمع. # أخبر: أجرب. بش: استبشر. والبشاشة إظهار السرور وبسط الوجه. وافيته، ~~اتيته. جنى نطقه: ما يجني من كلامه ويحصل منه. أكتنه: أتعرف وأتحقق. كنه ~~قدر وحقيقة، ابن الأنباري: الحمق عند العرب الخمر، ثم أخذ منه الأحمق وهو ~~المتغير العقل. ### || AUTO [المعلمون ونوادرهم] # فمما يحكى من حماقتهم: كان حمزة المعلم متقلنسا فأشد فيه أبو جعفر ~~الحاكم: [البسيط] # أرى على حمزة المقري قلنسوة ... عساكر القمل تجري في حواشيها # إن المعلم لا تخفى حماقته ... ولو تقلنس بالدنيا وما فيها # تقلنس: لبس القلنسوة. # الجاحظ: عقل مائة معلم عقل امرأة، وعقل مائة امرأة عقل حائك، وعقل مائة ~~حائك عقل خصي وعقل مائة خصي عقل صبي، قال الشاعر: [الطويل] # معلم صبيان وصاحب دره ... وليس له عقل بمقدار ذره # الفنجديهي: قال أبو طاهر: عقل امرأتين كاملتين عقل رجل، وعقل أربعة خصيان ~~عقل امرأة، وعقل أربعين حائكا عقل خصي، وعقل أربعين معلما عقل حائك. # الزبير بن عبد الملك الهاشمي قال: مررت ببعض المعلمين ويعرف بكسرى، ~~فرأيته يصلي بالصبيان صلاة العصر، فلم أزل واقفا أفكر فيه، فلما أن ركع ~~أدخل رأسه بين رجليه، لينظر ما يصنع الصبيان خلفه، فرأى صبيا يلعب فقال له ~~وهو راكع: يا بن البقال؛ هو ذا؟ أتدري ما تصنع! . # الجاحظ: مررت بمعلم وقد كتب على لوح صبي: «وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه، ~~يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين ~~أمهلهم رويدا [يوسف 5]، فقلت: ويحك! أتدخل سورة في سورة؟ فقال: PageV03P364 # نعم عافاك الله، إن أبا العاض بظر أمه يدخل أجرة شهر في شهر، وأنا أيضا ~~أدخل آية في آية، فلا أنا آخذ شيئا ولا الصبي يتعلم شيئا. # أبو بكر القبطي: عبرت على معلم وهو يملي على غلام بين يديه: «فريق في ~~الجنة وفريق في السعيد»، فقلت: يا هذا ما قال الله من هذا شيئا إنما هو في ~~السعير، فقال: # أنت تقرأ على حرف أبي عاصم ms1186 بن العلاء الكسائي، وأنا أقرأ على حرف أبي ~~حمزة بن عاصم المدني فقلت: معرفتك بالقراء أعجب إلي؛ وانصرفت وروى بعض ~~الفضلاء قال: # مررت في بعض قرى السواد، وإذا معلم صبيان يقول: ويحكم يا صبيان، تفسون! ~~فصاح به واحد منهم، وقال: إنما فسا أخي، فقال المعلم: أني لأعلم فسوته ~~الخبيثة، ولكن أعلل نفسي بالأباطيل، ثم قال: أني لأعرف فساءكم كما أعرف ~~أصواتكم، وحلف على ذلك ثم أنشد: [الطويل] # معلم صبيان يروح ويغتدي ... على أنفه ألوان ريح فسائهم # وقد أفسدوا منه الدماغ بفسوهم ... ورفعهم أصواتهم في سحائهم # الجاحظ: كان في المدينة رجل معلم صبيان، يفرط في ضربهم، فلاموه على ذلك، ~~فساءني حاله معهم، فاستفتح صبي، وقال: يا معلم، وإن عليك اللعنة إلى يوم ~~الدين ما بعده؟ فقال: بل عليك وعلى والديك لعائن الله تترى. # وجاء آخر فقال: يا معلم، اخرج منها فإنك رجيم، ما بعده؟ قال: ذاك أبوك ~~الكشخان، وجاء آخر، فقال: يا معلم ما لنا في بناتك من حق، ما بعده؟ فقال: ~~لا ولا رأيتهن، فقال: على هذا أضربهم، أتعذرونني؟ قلت: نعم. # العتبي: كان ببغداد معلم يشتم الصبيان فأخذت بيد المشايخ فدخلنا عليه، ~~فقلنا: يا شيخ ما يحل لك أن تشتم هؤلاء الصبيان؟ فقال: أنا مبتلى بهم، ما ~~أشتم إلا من يستحق الشتم، فاحضروا حتى تسمعوا بعض ما أنا فيه، فحضرنا معه، ~~فقرأ عليه صبي: «عليها ملائكة غلاظ شداد يعصون الله ما أمرهم ولا يفعلون ما ~~يؤمرون»، فقال: يا ماص بظر أمه، فليس هؤلاء ملائكة ولا أعراب ولا أكراد ~~شهرزور، قال: فضحكنا والله حتى بال أحدنا في سراويله، فقرأ عليه آخر: «لا ~~تنفقوا إلا من عند رسول الله»، وتردد فقال: من عند أبيك القرنان أولى، فإنه ~~أكثر مالا يا بن الفاعلة. أتلزم النبي صلى الله عليه وسلم نفقة لا تجب عليه؟ # أأعجبك كثير ماله؟ فقال: فكنت بعد ذلك أترك أشغالي، وأجلس عنده أتعجب. # الجاحظ: سرق صبي عثماني مصحفا، فقال له المعلم: ماذا لقيت المصاحف منكم ~~يا آل عثمان! أبوك أحرقها وأنت ms1187 تسرقها! . # قال أفلح التركي: خرجنا مرة إلى حرب لنا، ومعنا معلم كان يقول: أنا أتمنى ~~أن أرى الحرب كيف هي؟ فأخرجناه معنا، فأول سهم جاء وقع في رأسه، فلما ~~انصرفنا دعونا له معالجا فنظر إليه، وقال: إن خرج الزج وفيه شيء من دماغه ~~مات، وإن لم PageV03P365 # يخرج عليه شيء من دماغه لم يكن عليه بأس، فسبق إليه المعلم فقبل رأسه، ~~وقال: بشرك الله بخير، أنزعه فما في رأسي دماغ، فقال الطبيب: كيف ذلك؟ قال ~~لأني معلم كتاب الله تعالى، وما في رءوس المعلمين ذرة من دماغ، ولو كان فيه ~~ذرة من دماغ ما كنت هاهنا. # وقال موسى بن حسان الكاتب: رأيت بالبصرة معلما قد أجلس أولاد الأغنياء ~~للظل وأولاد المساكين للشمس، وهو يقول لأولاد الأغنياء: يا أهل الجنة، ~~ابزقوا على أهل النار- يعني أولاد المساكين- فقلت: يا هذا، ما بال هؤلاء ~~يبخسون؟ فقال: هؤلاء يبخسون الأخطار. # أحمد بن دليل: مررت بمعلم يضرب صبيا، ويقول: والله لأضربنك حتى تقول لي: ~~من حفر البحر؟ فقلت: أعزك الله، والله لا أدري أنا من حفر البحر، فقل لي ~~حتى أتعلم أنا، فقال: حفر البحر كردم أبو آدم عليه السلام. # أبو العنبس: كان في دربنا معلم طويل اللحية، فكنت أجلس إليه كثيرا وأتلهى ~~به، فجئته يوما وبين يديه صبي يقول له: ويلك! الدجلة من حفرها! قال: عيسى ~~ابن مريم، قال: فالجبل من خلقه؟ قال: موسى بن عمران قال: فالبعر، من دوره ~~في است الجمل، قال: شيطان يقال له الحي، قال: أحسنت، فآدم من أبوه قال: بخ ~~بخ، نجوت والله! فقلت: يا سبحان الله أليس آدم أبا البشر. قال: نعم. قلت: ~~فكيف يكون نوح أباه! قال: ويلك أتعرفني بآدم وأنا أبو عبد الله المعلم، يا ~~صبيان كرفسوه فكرفسوني، حتى صيروني مقيدا، فحلفت ألا أقف على معلم أبدا. # الجاحظ: أتت امرأة إلى معلم بابن لها، وكان المعلم طويل للحية، فقالت: إن ~~هذا الصبي عاق لا يطيعني فأحب أن تفزعه، فأخذ المعلم لحيته وألقاها في فمه ~~وحرك رأسه، وصاح صيحة، ms1188 فضرطت المرأة من الفزع، وقالت: إنما قلت لك: فزع ~~الصبي، ليس إياي، فقال: لها: مري يا حمقاء إن العذاب إذا نزل هلك الصالح ~~والطالح. # الأصمعي: مررت بمعلم بالبصرة يضرب صبيا، ثم أقام الصبيان صفا وجعل يدور ~~عليهم، ويقول: اقرءوا، فلما بلغ الصبي المضروب قال لآخر إلى جنبه: قل له: ~~يقرأ فإني لا أكلمه! . ### || AUTO [الأدباء والمؤدبون] # ونذكر هنا في التأديب والأدباء ما يكون من شكل هذا الموضع، ثم نتبع عند ~~ذكر الغلمان الحسان من الأشعار ما يجري كالبيان والتفسير لأحوالهم بعون ~~الله تعالى. # قالت الحكماء: من أدب ولده صغيرا سر به كبيرا، ومن أدب ولده أرغم حاسده. # وقال ابن عباس من لم يجلس في الصغر حيث يكره لم يجلس في الكبر حيث يحب. # وقالوا: أطبع الطين ما كان رطبا، وأغرز العود ما دام لدنا وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: PageV03P366 # «مثل الذي يتعلم في صغره كالنقش على الصخر، والذي يتعلم في كبره كالذي ~~يكتب على الماء». # وسمع الأحنف: التعلم في الصغر كالنقش على الحجر، فقال: الكبير أكبر عقلا، ~~ولكنه أشغل قلبا. # وقال علي رضي الله تعالى عنه: قلب الحدث كالأرض الخالية إذا ألقي فيها ~~شيء قبلته. # وقالوا: نشاط الألباب في عصر الشباب، والسؤدد مع السواد، وشواظ النار قبل ~~الرماد. # وقال الشاعر: [البسيط] # إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ... ولن تلين إذا قومتها الخشب # وقال آخر: [الكامل] # إن الكبير إذا تناهى سنه ... أعيت رياضته على الرواض # فإذا دفعت إلى الصغير فإنما ... تكفيك منه إشارة الإيماض # وقال آخر: [الكامل] # * ومن العناء رياضة الهرم* # وأنشدوا: [البسيط] # * أبعد شيبك هذا تبتغي الأدبا* # وقال الشاعر في تدريج الصبي برفق: [السريع] # سدد مرامي الطفل في شأنه ... بلفظة تشدد بها أزره # واغتنم اللمحة من فهمه ... إن المبادي أبدا نزره # كما تربى النار من شعلة ... والدوحة الغناء من بذره # وهذا ضد ما قال المعري: [البسيط] # لا يستوي ابناك في خلق ولا خلق ... إن الحديدة أم السيف والجلم # فاضرب وليدك وأدلله على رشد ... ولا تقل هو طفل غير محتلم ms1189 # فرب شق برأس جر منفعة ... وقسى على نفع شق الرأس بالقلم # أشار إلى قوله تعالى: يا يحيى خذ الكتاب بقوة [مريم: 12]. # وقال صالح بن عبد القدوس: [السريع] # وإن من أدبته في الصبا ... كالعود يسقى الماء من غرسه PageV03P367 # حتى تراه مورقا ناضرا ... بعد الذي أبصرت من يبسه # والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه # إذا ارعوى عاوده جهله ... كذي الضنى عاد إلى نكسه # ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه # وقال عتبة بن أبي سفيان لمعلم ولده: ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك، ~~فإن عيوبهم معقودة بعيبك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت، ~~علمهم كتاب الله ولا تمهلهم فيه فيتركوه، ولا تتركهم فيه فيهجروه، وروهم من ~~الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفه، ولا تنقلهم من علم إلى آخر حتى يحكموه، فإن ~~ازدحام الكلام في السمع مشغلة في الفهم، وعلمهم سير الحكماء، وأخلاق ~~الأدباء، وهددهم في أدبهم دوني، وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء قبل ~~معرفة الداء، وجنبهم محادثة النساء، واستزدني بزيادتك إياهم ازدك في بري، ~~وإياك أن تتكل على عذر مني، فقد اتكلت على كفاية منك لي. # وأوصى الرشيد مؤدب ولده الأمين، فقال: إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة ~~نفسه، وثمرة قلبه، فصير يدك عليه مبسوطة، وطاعتك عليه واجبة، فكن له بحيث ~~وضعك أمير المؤمنين، أقرئه القرآن، وعرفه الآثار، وروه الأشعار، وعلمه ~~السنن، وبصره مواقع الكلام، وامنعه الضحك إلا في أوقاته، ولا تمرر بك ساعة ~~إلا وأنت مغتنم فيها فائدة تفيدها له من غير أن تخرق به فتميت ذهنه، ولا ~~تمعن في مسامحته، فيستحلي الفراغ ويألفه، وقومه ما استطعت بالقرب ~~والملاينة، فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة، وبالله توفيقكما. # وقال للأصمعي: يا عبد الملك، أنت أعلم منا، ونحن أعقل منك، لا تعلمنا في ~~ملا، ولا تسرع بتذكيرنا في خلا، واتركنا حتى نبتدئك بالسؤال؛ فإذابلغت ~~الجواب حسب الاستحقاق، فلا تزد إلا أن نستدعي ذلك منك. # الماوردي: إذا كان لبعض الملوك رغبة في العلم، فلا تجعل ms1190 ذلك ذريعة ~~للانبساط عليه والإدلال، وكتب شريح إلى معلم ولده: [الكامل] # ترك العلاة لأكلب يسعى بها ... يبغي الهراش مع الغواة الرجس # فإذا هممت بضربه فبدرة ... وإذا بلغت به ثلاثا فاحبس # وإذا أتاك فعضه بملامة ... وعظنه موعظة الأديب الأكيس # واعلم بأنك ما أتيت فنفسه ... مع ما يجرعني أعز الأنفس # اتصل حماد عجرد بالربيع يعلم ولده، فكتب إليه بشار: [مجزوء الخفيف] # يا أبا الفضل لا تنم ... وقع الذئب في الغنم PageV03P368 # إن حماد عجرد ... إن رأى غفلة هجم # بين فخذيه حربة ... في غلاف من الأدم # إن خلا البيت ساعة ... تجمع الميم بالقلم # فطرده الربيع. # واتخذ المهدي قطربا لتأديب بعض ولده، وكان حماد يطمع في ذلك، فلم يتم له ~~لتهتكه وشهرته في الناس بما قال بشار، فلما تمكن قطرب من موضعه، صار حماد ~~كالملغى، فجعل يقوم ويقعد قلقا، ثم دس إلى المهدي رقعة فيها: [البسيط] # قل للإمام جزاك الله صالحة ... لا تجمع الدهر بين السخل والذئب # السخل غر وهم الذئب فرصته ... والذئب يعلم ما في السخل من طيب # فقال المهدي: انظروا لا يكون هذا المؤدب لوطيا، ثم أخرجوه من الدار، فبعث ~~الضجر حمادا حيث حرمه بشار هذه المراتب إلى أن قال فيه: [الطويل] # لقد صار بشار بصيرا بدبره ... وناظره بين الأنام ضرير # له مقلة عمياء واست بصيرة ... إلى الأير من تحت الثياب تشير # على وده أن الحمير تنيكه ... وأن جميع العالمين حمير # وقال فيه: [الهزج] # ألا من مبلغ عنى ال ... ذي والده برد # إذا ما ذكر الناس ... فلا قبل ولا بعد # وأعمى يشبه القرد ... إذا ما عمي القرد # قال فيه: [الطويل] # دعيت إلى برد وأنت لغيره ... وهبك ابن برد نكت أمك من برد # وكان عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدب الوليد لوطيا زنديقا، وكان سعيد بن ~~عبد الرحمن بن حسان بن ثابت جميل الوجه شاعرا، فدخل على عبد الصمد فراوده ~~في نفسه فسبه، وخرج مغضبا، فدخل على هشام بن عبد الملك، وهو يقول: [الرمل] # إنه والله لولا أنت لم ... ينج مني سالما عبد الصمد ms1191 # فقال هشام: ولم؟ قال: [الرمل] # إنه قد رام مني خطة ... لم يرمها قبله مني أحد # قال: وما هي؟ قال: [الرمل] # رام جهلا بي وجهلا بأبي ... يدخل الأفعى إلى غيل الأسد PageV03P369 # فضحك هشام، وقال: لو فعلت به شيئا لم أنكر عليك. # وكان سعيد يومئذ صغيرا في المكتب ومؤدبه عبد الصمد هذا، فلما راوده عن ~~نفسه شكاه إلى هشام وأبدع في الكناية، ورقق هذا المنكر الأكبر بلفظ يقابل ~~به خليفة، وغاية ذوي الحنكة من الخطباء محاكاة براعته واستعارته، وليس ~~ببدع، فهو من بيت ثلاثة شعراء في نسق، وكان هذا الشعر سبب إبعاد عبد الصمد ~~من تأديب أولاد الخلفاء. # قوله: ما لبث، أي ما أقام ولا تأخر. كبر أصيبيته، أي أكبرهم، وكبر ولد ~~الرجل أكبرهم من الذكور، وكبر قومه: أقعدهم في النسب، أي أقربهم إلى الجد ~~الأكبر، ومنه قيل: الولاء للكبر. أصيبية تصغير أصبية. قال الجوهري: الصبي: ~~الغلام، وجمعه صبية وصبيان وهو من الواو، ولما لم يقولوا: أصبية ولا أغلمة ~~استغنوا عنهما بصبية وغلمة، وجاء في الشعر أصيبية. وقال سيبويه: تصغير صبية ~~أصيبية، وتصغير أصبية صبية وكلاهما على غير قياس. # ابن سيده: عندي أن صبية تصغير صبية وأصيبية تصغير أصبية، ليكون كل شيء ~~منهما على بناء مكبره. # العواطل: التي لا نقط فيها. تماطل: تؤخر إنشادها. جثا: برك. ليث: أسد. # ريث: بطء وتأخير. # *** # [السريع] # أعدد لحسادك حد السلاح ... وأورد الآمل ورد السماح # وصارم اللهو ووصل المها ... وأعمل الكوم وسمر الرماح # واسع لإدراك محل سما ... عماده لا لادراع المراح # والله ما السؤدد حسو الطلا ... ولا مراد الحمد رؤد رداح # واها لحر واسع صدره ... وهمه ما سر أهل الصلاح # مورده حلو لسؤاله ... وما له ما سألوه مطاح # ما أسمع الآمل ردا ولا ... ما طله والمطل لؤم صراح # ولا أطاع اللهو لما دعا ... ولا كسا راحا له كأس راح # سوده إصلاحه سره ... وردعه أهواءه والطماح # وحصل المدح له علمه ... ما مهر العور مهور الصحاح # *** # أورد الآمل، أي أعط الراجي. ورد السماح: ماء الكرم. صارم: قاطع. المها: PageV03P370 # جمع ms1192 مهاة وهي البقرة الوحشية، وأراد النساء. الكوم: جمع كوماء، وهي ~~الناقة العظيمة السنام. اسع: اجر مسرعا. محل سما: منزل ارتفع. والعماد: ~~قائمة الخباء وإذا علت علا البيت. ادراع: لبس الدروع. والمراح: الطرب ~~والنشاط، كأنه يقول: لا تشتغل باللهو واشتغل بكسب الشرف. حسو الطلا: شرب ~~الخمر. السودد: الفعل الذي يرجع به فاعله سيدا. مراد، بفتح الميم: مذهب ~~وطريق، وأصله موضع اختلاف الإبل مقبلة ومدبرة وهو المرعى. رود: جارية ناعمة ~~شابة. والرداح: العظيمة العجز، وهو كما قال أبو نواس: [الوافر] # لئن خلق الأنام لحب كأس ... ومزمار وطنبور وعود # فلم يخلق بنو حمدان إلا ... لبأس أو لمجد أو لجود # واها: عجبا. ما: بمعنى الذي. مطاح: هالك بالعطاء. صراح: ظاهر. راحا: # كفا. راح الثاني: خمر. سؤدده: شرفه، وجعله سيدا. سره: باطنه. ردعه: كفه. # أهواءه: شهواته. والطماح: ارتفاع النظر. العور: جمع عوراء وهي الفاقدة ~~إحدى عينيها. مهور: جمع مهر، وهو الصداق، وأعمل علمه فيما بعده من الكلام، ~~وضرب العور والصحاح مثلا للأفعال الجميلة والذميمة، فأراد أن تمييزه بين ~~الأشياء المتضادة وعلمه أن مهر القبيحة العوراء لا يبلغ مهرالمليحة ~~الحسناء، جعل ممدوحا سيدا. ومثل هذا الشعر الذي لم ينقط ما أنشد أبو القاسم ~~الزجاجي لأحمد بن الورد: # علم العدو ملامة اللوام ... ودوام صدك وهو صد حمام # لولاك ما حدر السهاد دموعه ... ولما أطار كراه حر أوام # هل ما أسر وما أؤمل رادع ... هول الهموم وروعة الأحلام # رد السلام وما أراك مسلما ... ورآك أهل هواك سر كلام # كم حاسد لك أو مسر وداده ... ومعلل أهواه طول ملامي # وهي قصيدة نحو الثمانين بيتا وما زال المحدثون يظهرون اقتدارهم في هذا ~~الفن، إلا أنه قلما يقع في ذلك بيت مستحسن، فلذلك تركنا أن نمشي مع أشعار ~~هذه المقامة فيما يماثلها، وقد أكثر الناس القول في ذلك، وفائدته أن يقال: ~~قدر على لزوم ما لا يلزم لا أن يقال: قد أحسن فيما قال، وقد أنشد أبو ~~القاسم أيضا، أبياتا لا تنطبق عليها الشفاه، منها: [الطويل] # أتيناك يا جزل العطية إننا ms1193 ... رأيناك أهلا للعطايا الجزائل # عقيل الندى يا حار عدنا عقيلة ... نعدك انتجاعا للحسان العقائل # *** # فقال له: أحسنت يا بدير، يا رأس الدير، ثم قال لتلوه، المشتبه بصنوه: ادن PageV03P371 # يا نويرة، يا قمر الدويرة، فدنا ولم يتباطا، حتى حل منه مقعد المعاطى، ~~فقال له: # اجل الأبيات العرائس، وإن لم يكن نفائس، فبرى القلم وقط، ثم احتجر اللوح ~~وخط: [الخفيف] # فتنتني فجننتني تجني ... بتجن يفتن غب تجني # شغفتني بجفن ظبي غضيض ... غنج يقتضي تغيض جفني # غشيتني بزينتين فشفت ... ني بزي يشف بين تثني # فتظنيت تجتبي فتجز ... ني بنفث يشفي فخيب ظني # ثبتت في غش جيب بتزيي ... ن خبيث يبغي تشفي ضغن # فزت في تجنبي فثنتني ... بنشيج يشجي بفن فنن # *** # قوله: أحسنت يا بدير: تصغير بدر، صغره لصغر سنه، على أنه قد زعم أنه كبير ~~صبيانه. وفي مثل هذا البدر الذي قد نثر هذه الدرر قال الشاعر: # دران من فمه شفا محدثه ... للنثر والنظم مسموع وملتثم # قد قلت لو قبل الوعظ المبين له ... خف المهيمين فينا إننا نسم # فقال من ضرجت خدي نظرته ... فإن سيف جفوني منه ينتقم # يا رأس الدير: يا عظيم القوم، والدير، موضع القسيسين، أراد به حلقة ~~أصحابه. # تلوه: التابع له، أو الجالس إلى جانبه. صنوه: أخوه الذي على قدر سنه. ~~ادن: اقرب. # نويرة: تصغير نار، شبه في حدته وذكائه بها، أو في حسنه وبهائه. والدويرة: ~~تصغير دارة، وهي حلقتهم التي اجتمعوا فيها، فكأنه قال: يا قمرا في أصحابه. ### || AUTO [الغلمان والكتاب] # ومما قيل في غلام كاتب: سأل الثعالبي أبا الفضل الدارمي أن يصف له غلاما ~~كاتبا حسن الخطين: خطي اليد والوجه، فقال: [السريع] # وكاتب أهديت نفسي له ... فهي من السوء فدى نفسه # سلط خديه على مهجتي ... فاستأصلاها وهي من غرسه # فلست أدري بعد ما حل بي ... بمسكه أتلف أم نفسه # وقال في ذلك: [السريع] # وشادن أسرف في صده ... وزاد في التيه على عبده PageV03P372 # الحسن قد بث على خده ... بنفسجا يربو على ورده # رأيته يكتب في طرسه ... خطا يباري الدر ms1194 في عقده # فخلت ما قد خطه كفه ... للحسن قد خط على خده # ولابن رشيق: [المتقارب] # كتبت ولو أنني أستطيع ... لإجلال قدرك دون البشر # قددت البراعة من أنملي ... وكان المداد سواد البصر # وله أيضا: [الطويل] # عزيز يباري الصبح إشراق خده ... وفي مفرق الظلماء منه نسيب # يزف إليه ضاحكا أقحوانه ... ويهتز في برديه منه قضيب # ولابن المعتز في العذار المشبه بالحروف: [الوافر] # بليت بشادن كالبدر حسنا ... يعذبني بأنواع الدلال # غلالة خده ورد جني ... ونون الصدغ معجمة بخال # وله أيضا: [البسيط] # كأن خط عذار فوق وجنته ... ميدان آس على ورد ونسرين # وخط فوق حباب الدر شاربه ... بنصف صاد ودار الصدغ بالنون # وله أيضا: [الطويل] # له من عيون الوحش عين مريضة ... ومن خضرة البستان خضرة شارب # كأن غلاما حاذقا خطه له ... فجاء كنصف الصاد من خط كاتب # وقال آخر: [البسيط] # تعلم العطف من صدغيه فانعطفا ... وكان عادته ألا يفي فوفى # دب العذار على ميدان صفحته ... حتى إذا هم أن يسعى به وقفا # كأنه كاتب عز المداد به ... أراد يكتب لا ما فابتدى ألفا # وقال أبو القاسم بن المغربي: [الطويل] # ولما احتوى بدر الدجى صحن خده ... تحير حتى ما درى أين يذهب # كأن انعطاف الصدغ لام أمالها ... أديب يجيد الخط أيان يكتب # فهذه الأشعار المستعذبة التي بها تعلق بالغلمان الذين يذكر أنهم كتاب من ~~جهة حسنهم واعتدال قدودهم وتوريد خدودهم، وتطريزها بالعذار أحسن من ذكر شعر ~~لزومي ليس فيه شيء من الأنس للنفس. PageV03P373 # قوله تباطا: أي تأخر وأصله الهمز. المعاطى: الذي تعطيه كأس الخمر ويعطيها ~~لك، وقد عاطيته وعاطاني وقد تعاطى فلان كذا، أي تناوله وأخذه، من قولهم: ~~عطوت أعطو عطوا، أي تناولت. العرائس: جمع عروس، وسماها عرائس لما فيها من ~~التزيين بالنقط، وكانت زينة العروس عند العرب أن تنقط في خديها نقط صغار ~~بالزعفران، فلذلك سمى هذه عرائس لنقطها، وسمى التي قبلها عواطل لعدم نقطها. ~~نفائس: جمع نفيس، وهو الرفيع القدر، يريد أنه لما لزمها ما لم يلزم ضعفت، ~~وقد ذكرنا أن الغرض بمثل ms1195 هذه الأشعار إظهار الاقتدار، وعلى ما ذكر أنها غير ~~نفائس فهي أحسن مما عمل في بابها، وما أحسن ما قال ديك الجن في جاريته: ~~[الكامل] # انظر إلى شمس القصور وبدرها ... وإلى خزاماها ونفحة زهرها (¬1) # لم تبل عينك أبيضا في أسود ... جمع الجمال كوجهها في شعرها # وردية الوجنات يختبر اسمها ... من ريقها من لا يحيط بخبرها # وتمايلت فضحكت من أردافها ... عجبا ولكني بكيت لخصرها # تسقيك كأس مدامة من كفها ... وردية ومدامة من ثغرها # ولابن الزقاق: [الطويل] # تضوعن إشراقا وأشرقن أوجها ... فهن منيرات الصباح بواسم (¬2) # لئن كن زهرا فالجوانح أبرج ... وإن كن زهرا فالقلوب كمائم # قوله: قط: قطع، وقيل: القط القطع عرضا، والقد: القطع طولا. احتجر: جعله ~~في حجره. خط: كتب. فتنتني، أي عذبت قلبي. جننتني: أي صيرتني مجنونا. تجني: # اسم امرأة، والتجني الدلال والتيه. # وللبحتري: [الوافر] # إذا خطرت تأرج جانباها ... كما خطرت على الأرض القبول (¬3) # ويحسن دلها والموت فيه ... وقد يستحسن السيف الصقيل # شغفتني: بلغ حبها شغاف قلبي، والشغاف حجاب القلب. ظبي: غزال. غضيض: # منكسر الطرف فاتر العينين. والغنج: تكسير الكلام وتخنيثه وهو المجانة. يقتضي: # يتضمن. تغيض جفني: سيلان عيني. # ومما قيل في مرض العينين وحسن فيه التشبيه قول البحتري: [الطويل] PageV03P374 # غداة تثنت للوداع وسلمت ... بعينين موصول بجفنيهما السحر (¬1) # توهمتها ألوي بأجفانها الكرى ... كرى النوم، أو مالت بأعطافها الخمر # وقال ذو الرمة: [الطويل] # لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر (¬2) # وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولان بالألباب ما تفعل الخمر # وقد تقدم جملة من هذا. # غشيتني: أتتني على غفلة. شفتني: أنحلت جسمي. والزي: الهيئة الحسنة من ~~اللباس. يشف: يفضل. تثن: اهتزاز وانعطاف. تظنيت: حسبت. تجتبيني: تختارني. # بنفث: بلفظ وكلام. والجيب: القلب. يبغي: يطلب. تشفي ضغني: إزالة عداوتي. # نزت: وثبت. تجنبي: بعدي. ثنتني: ردتني. نشيج: صوت البكاء. يشجي: يحزن. # بفن ففن: بنوع فنوع. # *** # فلما نظر الشيخ إلى ما حبره، وتصفح ما زبره، قال له: بورك فيك من طلا، ~~كما بورك في لا ولا. ثم هتف: اقرب، يا قطرب، ms1196 فاقترب منه فتى يحكي نجم دجية، ~~أو تمثال دمية، فقال له: ارقم الأبيات الأخياف، وتجنب الخلاف، فأخذ القلم، ~~ورقم: [مخلع البسيط] # اسمح فبث السماح زين ... ولا تخب آملا تضيف # ولا تجز رد ذي سؤال ... فنن أم في السؤال خفف # ولا تظن الدهور تبقي ... مال ضنين ولو تقشف # واحلم فجفن الكرام يغضي ... وصدرهم في العطاء نفنف # ولا تخن عهد ذي وداد ... ثبت ولا تبغ ما تزيف # حبره: زينه. زبره: كتبه. طلا: غزال. لا ولا، يعني الزيتون، ومن كلام ~~العامة، بورك فيك كما بورك في الزيت، وأراد بلا ولا قوله تعالى: يوقد من ~~شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية [النور: 35]، فأخذ من الآية لا ولا ~~واكتفى بهما. # الفنجديهي: يحكى أن بعض الناس ظهرت به علة مزمنة شديدة أعيا الأطباء PageV03P375 # علاجها، فلما أيس رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فشكا إليه علته ~~المزمنة، فقال له: عليك بلا ولا، فقص رؤياه على ابن سيرين، فقال له: إن ~~صدقت رؤياك فإنه صلى الله عليه وسلم أمرك بتناول الزيتون، فتناولها الرجل ~~فبرئ من علته، فقال لابن سيرين: من أين قلتها؟ # قال: من قوله تعالى: زيتونة لا شرقية ولا غربية [النور: 35]، المعنى من ~~زيت شجرة مباركة زيتونة لا شرقية، أي ليست تطلع عليها الشمس أول النهار ~~فقط، ولا غربية أي عند الغروب فقط، أي لا يسترها من الشمس في وقب من النهار ~~شيء، فهو أنضر لها وأجود لزيتها، وقال صلى الله عليه وسلم: «كلوا الزيت ~~وادهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة» (¬1). # قوله: هتف: صاح. قطرب: خفيف النوم، والقطرب: دويبة تمشي بالليل. وجنية: # تبرك على الإنسان فيجد لها ثقلا، والعامة تبدل طاءها تاء، والعرب تسميها ~~النئدلان، والكابوس والجاثوم، ويسميها أهل بغداد البحت. دجية: ظلمة. دمية: ~~صورة رخام، وجمعها دجى ودمى وكأن صورة هذا الغلام الذي ذكر الشاعر: ~~[الطويل] # بدا فبدا من وجهه البدر طالعا ... لدى الروض يستعلي قضيبا منعما # وقد أرسلت أيدي العذارى بخده ... عذارا من الكافور والمسك أسحما # وأحسب هاروتا أطاف بطرفه ... يعلمه ms1197 من سحره فتعلما # ألم بنا في دامس الليل فانجلى ... فلما انثنى عنا وودع أظلما # والأبيات للأمير أبي الحسن أحمد بن عضد الدولة. # وقال أبو إسحاق الحصري مؤلف كتاب الزهر: [مجزوء الكامل] # عليل طرف سقيت خمرا ... من مقلتيه فمت سكرا # ترقرقت وجنتاه ماء ... مازج فيه العتيق درا # يحرك الدل منه غصنا ... ويطلع الحسن منه بدرا # قد نم مسك بعارضيه ... خلف للعاشقين عذرا # قوله: الأخياف، أي المختلفة. وقوله: فأخذ القلم ورقم، كأن أبا إسحاق ~~الحصري إياه عنى بهذه الأبيات: [البسيط] # إذا بدا القلم الأعلى براحته ... مطرزا لرداء الفجر بالظلم # رأيت أسود في الأبصار أبيض في ... بصائر لحظها للفهم غير عمي # كروضة خطرت في وشي زهرتها ... وافتر نوارها عن ثغر مبتسم PageV03P376 # وكأن الحسن استعار منه الدواة والقلم حيث قال: [المنسرح] # يا ريم هات الدواة والقلما ... أكتب شوقي إلى الذي ظلما # غضبان قد غرني رضاه ولو ... يسأل فيما غضبت ما علما # لو نظرت عينه إلى حجر ... ولد فيه فتورها سقما # فليس ينفك منه عاشقه ... في جمع عذر لغير ما اجترما # علقت من لو أوى إلى أنفس ال ... ماضين والغابرين ما ندما # قوله: اسمح: جد. بث: نشر. آملا: راجيا. تضيف: طلب منك أن تضيفه. فنن: # أتى بفنون من السؤال. ضنين: بخيل. تقشف: ترك النظافة. يغضي: يتغافل. نفنف. # واسع، والنفنف متسع الأرض. ثبت: صادق الود، ويروى: نث أي نشر. تبغ: تطلب. # تزيف: تنقص، وصار زائفا، وهو الدرهم الرديء. # *** # فقال له: لا شلت يداك، ولا كلت مداك، ثم نادى: يا غشمشم، يا عطر منشم، ~~فلباه غلام كدره غواص، أو جؤذر قناص، فقال له: اكتب الأبيات المتائيم، ولا ~~تكن من المشائيم، فتناول القلم المثقف، وكتب ولم يتوقف: [الخفيف] # زينت زينب بقد يقد ... وتلاه ويلاه نهد يهد # جندها جيدها وظرف وطرف ... ناعس تاعس بحد يحد # قدرها قد زها وتاهت وباهت ... واعتدت واغتدت بخد يخد # فارقتني فأرقتني وشطت ... وسطت ثم نم وجد وجد # فدنت فديت وحنت وحيت ... مغضبا مغضيا يود يود # *** # قوله كلت، أي حفيت. مداك: سكاكينك، جمع مدية. الغشمشم: ms1198 الذي لا يرده شيء ~~عن مراده. ### || AUTO [قصة المثل: دقوا بينهم عطر منشم] # عطر منشم، قيل: كانت منشم جارية عطرت رجالها حين خرجوا للقتال، فقتلوا عن ~~آخرهم، فضرب بها المثل في الشؤم. وقيل: بل الإشارة إلى عطارة، أغار عليها ~~قوم فأخذوا عطرها فتطيبوا فاستغاثت بقومها، فخرجوا في طلبهم، فمن شموا عليه ~~رائحة الطيب قتلوه، ومن أوله على هذا قال: عطر من شم، فجعلوه من كلمتين. ~~وقيل: الكناية عن قرون السنبل الذي يقال إنه سم ساعة. PageV03P377 # وذكر ابن الكلبي أنها امرأة من خزاعة كانت تبيع العطر فتطيب بعطرها قوم ~~وتحالفوا على الموت، فماتوا. # وقال غيره: بل هي صاحبة يسار الكواعب، وكان عبدا أسود مشوه الخلقة راعي ~~إبل، فمتى رأته النساء ضحكن منه، فتوهم أنهن يضحكن من إعجابهن بحسنه، فقال ~~يوما لرفيق له: أنا يسار الكواعب، ما رأتني جارية كاعب إلا وعشقتني، فقال ~~له رفيقه: يا يسار، اشرب لبن العشار، وكل لحم الحوار، وإياك وبنات الأحرار، ~~فأبى وراود مولاته عن نفسها، فقالت له: مكانك حتى آتيك بطيب أشمك إياه، ~~فأتته بموسى، فلما أدنى أنفه ليشم الطيب جدعته. # ويقال إنه لما راودها قالت له: أهكذا تأتيني بذفرك ووسخك! ادن حتى أعطرك، ~~فأدخلت يدها تحته وفيها موسى لطيفة قد أعدتها له، فقبضت على ذكره وخصيته، ~~فاقتطعت الجميع، فخرج فمن رآه على تلك الحالة قال له: ما هذا؟ فيقول: عطر ~~من شم. وقيل: كانت تبيع الحنوط وهو عطر الموتى. وقيل: المنشم: الشر نفسه، وقيل: # المنشم ثمرة سوداء منتنة. وقيل فيها غير ما ذكر. # وذكر الحريري في الدرة أكثر هذه الوجوه، وذكر أن كسر شين منشم أكثر وأشهر ~~ويروى بفتحها. # قوله المتائيم: جمع متئم، وهي التي من عادتها أن تلد توأمين، ولما كانت ~~أبياته لا يوجد فيها إلا الألفاظ المزدوجة، سميت متائيم، وقيل: المتائيم: ~~جمع توأم على غير قياس. المشائيم: جمع مشئام، وهو الكثير الشؤم، وشبه بدرة ~~غواص في بياضه ورقة ديباجه. وجؤذر قناص، هو الظبي الفاتر العينين، والقناص: ~~الصياد، فكأنه يصطاد بعينيه من نظر، وإن ms1199 أضفت جؤذر إلى القناص فمعناه ~~مستقيم، فيصفه بالخوف وكثرة التلفت خشية أن يصاد. وما أحسن ما قال صاحبنا ~~الوزير الحسيب أبو المطرف الزهري في هذا المعنى وكان جالسا في باب داره مع ~~زائر له، فخرجت عليهما من زقاق جارية سافرة الوجه كالشمس الطالعة، فحين ~~نظرتهما على غفلة نفرت خجلة فزعة، فرأى الزائر ما أبهته، فكلفه وصفها، فقال ~~مرتجلا: [البسيط] # يا ظبية نفرت والقلب مسكنها ... خوفا لختلي أو عمدا لتعذيبي # لتأمني فابن عبد الحي ألحقنا ... عدلا يؤلف بين الظبي والذيب # وكأن ابن رشيق وصف هذا الغلام الكاتب حيث قال: [السريع] # وفاتر الأجفان ذي وجنة ... كأنها في الحسن ورد الرياض # قلت له: يا ظبي خذ مهجتي ... داوي بها تلك الجفون المراض # فجاوبت من خده خجلة ... كيف ترى الحمرة فوق البياض PageV03P378 # وقال أيضا: [مجزوء الرمل] # بين أجفانك سحر ... ولأغصانك بدر # جردت عيناك سيفي ... ن لذا أمرك أمر # فعلى خديك من نز ... ف دما العشاق أثر # ومن الكثبان شطر ... لك والأغصان شطر # وسواء قلت در ... ما أرى أو قلت ثغر # وبماذا أصف الخص ... ر وما إن لك خصر # بك شغلي واشتغالي ... ومضى زيد وعمرو # وقال خالد الكاتب: [الكامل] # قد قلت لما أن بدا متبخترا ... والردف يجذب خصره من خلفه # يا من يسلم خصره من ردفه ... سلم فؤاد محبه من طرفه # وله مما يتعلق بالكتابة: [المتقارب] # كتبت إليك بماء الجفون ... وقلبي بماء الهوى مشرب # فكيف تخط وقلبي يمل ... وعيني تمحو الذي أكتب # فليس يتم كتابي إليك ... بشوقي فمن هاهنا أعجب # قوله: زينت زينب بقد يقد، إنما أراد بقد يقد، أي ينقطع لرقة خصره، فعوض ~~منه يقد لقرب ما بين اللفظين ولضرورة الازدواج. وقال البحتري في القدود: ~~[الوافر] # من السمر اللدان إذا اسبكرت ... وصرف الموت في السمر اللدان # شبيهات الرماح قنى جفون ... وكلم في القلوب بلا سنان # فهل من ضربة أو من سنان ... كعين أو كثغر أو بنان # وقال السري: [الكامل] # قامت وخوط البانة ال ... مياس في أثوابها # تسقي بصهباءين من ... ألحاظها وشرابها # ويهزها سكران سكر ms1200 ... شرابها وشبابها # وكأن كأس مدامها ... لما ارتدت بحبابها # توريد وجنتها إذا ... ما لاح تحت نقابها # وقال القاضي أبو حفص بن عمر: [الكامل] # هذا فؤادي أقصدته الأسهم ... من ذا يرى تلك الجفون ويسلم PageV03P379 # يا غرة حكم الجمال لها على ... شمس الضحى وأصاب فيما يحكم # يحكي الجآذر جيدها ولحاظها ... هيهات دون العالم المتعلم # وكأن قامتها ونغمة لفظها ... غصن عليه بلبل يترنم # يضحي الخلي إذا رآها عاشقا ... والعقل توقظه اللحاظ النوم # وما أحسن ما قال أبو الحسن بن القبطرنة: [المتقارب] # ذكرت سليمى وحر الوغى ... كقلبي ساعة ودعتها # وأبصرت بين القنا قدها ... وقد ملن نحوي فعانقتها # قوله: تلاه، أي تبعه. ويلاه: دعا لنفسه بالويل والخسران حين رأى نهدا لا ~~يصبر عنه. ### || AUTO [مما قيل في النهود] # ومما جاء من التشبيهات الحسان في أوصاف النهود قول عمرو بن كلثوم: ~~[الوافر] # وثديا مثل حق العاج رخصا ... مصانا من أكف اللامسينا (¬1) # بشار: [البسيط] # والنهد تحسبه وسنان أو كسلا ... وقد تمايل ميلا غير منكسر # ابن الرومي: [الوافر] # صدور فوقهن حقاق عاج ... ودر زانه حسن اتساق # يقول القائلون إذا رأوه ... أهذا الدر من هذي الحقاق! # وأخذه من قول عبد الله بن السبط: [المتقارب] # كأن الثدي إذا ما بدت ... وزان العقود بهن النحورا # حقاق من العاج مكنونة ... يسعن من الدر شيئا يسيرا # ولإدريس اليماني: [الطويل] # أيا ربة النهد الذي بسنانه ... يحط فتى الهيجاء عن فرس نهد # أحقان من عاج بصدرك أم هما ... رقيبان قد قاما على جنة الخلد PageV03P380 # ومن البدائع الروائع قول الآخر: [المتقارب] # وذات دلال سبت مهجتي ... بمستشرفين على مئزر # كأنهما خوط كافورة ... بأعلاهما نقطتا عنبر # وللقاضي عبد الوهاب، ويروي لغيره: [الكامل] # يا صاحبي قبالتي خمصانة ... مالت فمال الدعص من أعطافها # في الصدر منها للطعان أسنة ... ما أشرعت إلا لجني قطافها # إن تنكرا قتلي بها فتبينا ... تجدا دمي قد جف في أطرافها # علي بن الجهم: [الرمل] # كنت مشتاقا وما يحجزني ... عنك إلا مانع يمنعني # شاخص في الصدر غضبان على ... قبب البطن وطي العكن # يملأ الكف ولا يفضلها ... فإذا أثنيته ms1201 لا ينثني # *** # قوله جيدها: أي عنقها، وكأن حبيبا وصف هذه الجارية وجيدها بقوله: ~~[الكامل] # كالخوط في القد والغزالة في ال ... بهجة وابن الغزال في غيده # وما حكاه ولا نعيم له ... في حسنه بل حكاه في جيده # وإن كان هذا الجيد عاطلا حليناه بقول ابن العباس الأعمى: [الطويل] # ونبئت ذاك الجيد أصبح عاطلا ... خذي أدمعي إن كنت غضبى على الدر # خذي فانظميها أو كليني لنظمها ... حليا على تلك الترائب والنحر # خذي اللؤلؤ الرطب الذي لهجوا به ... محارته جفني ولجته صدري # ولا تخبري حور الجنان فربما ... غصبنكه بين الخديعة والمكر # طرف: عين. ظرف: حلاوة ورشاقة، وجعل الطرف والعنق جندا لها، لأنها لما ~~حسنت معنى هذه الصفات انقاد لها عشاقها أذلاء، فكأنها أغارت على قلوبهم ~~فاستلبتها، وقد قال فيما تقدم: [المتقارب] # * وأحوى حوى رقي لفظه* # فجعله قد ملكه بحلاوته. وقال حبيب: [الكامل] # وحشية ترمي القلوب إذا اغتدت ... وسنى فما تصطاد غير الصيد # فجعلها تصطاد السادات بفتور عينيها، وهذا المعنى لا يحصى كثرة. # وأراد بالناعس الفاتر النظر وينعش من كان له منه نصيب وتمكن. يحد: يمنع ~~من PageV03P381 # رآه من التسلي والتصبر. زها: تكبر. والتيه: ضرب من الزهو، وهو الكبر. باهت: # فاخرت وعظمت. واعتدت: ظلمت. يخد: يقطع، أي أن خدها يقطع في القلوب لا ~~سيما إن كان كما قال من أحسن: [المتقارب] # وبيضاء تحسبها درة ... تضيء الدجى إن بدت أو تكاد # تنمم بالمسك كافورتي ... محيا حوى الحسن طرا وزاد # فقلت: أوصلك هذا البياض ... وبعض صدودك هذا السواد # فقالت: أبي كاتب للملوك ... دنوت إليه بحسن الوداد # فخاف اطلاعي على سره ... فلم يعد أن رشني بالمداد # فوصفها بأن في خديها خيلانا. # قوله: أرقتني، أي منعتني النوم. شطت: بعدت. سطت: بطشت. نم: أفشى السر، أي ~~أفشى ما بي من الحب. وجد: حزن من الحب وهم. جد: اجتهاد. فدنت: # قربت. حنت: أشفقت. مغضيا: متغافلا عما ينال منه. يود: يتمنى. يود: يحب، ~~يقول: لما نم لها وجدي بما أجنه من حبها وأبصرت ما فعل هجرها بيدنت عند ذلك ~~مني شفقة، ms1202 وحيتني بسلامها وأنا في حال غضبان، لما حل بي من الهجر متمنيا أن ~~تجيئني، فلما سلمت علي أزالت غضبي، وأغضيت عما سلف من الفعل القبيح. ### || AUTO [مما قيل في وصف الجواري شعرا] # ونذكر هاهنا من الأشعار الحسان مما يوافق وصف هذه الجارية جملة مستظرفة، ~~قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: [المتقارب] # يزيدني البعد شوقا إليك ... وطول صدودك حرصا عليك # ولو كنت أملك ما تملكين ... من الصبر ما طال شوقي إليك # وقال آخر: [المتقارب] # وما أنس لا أنس ذاك الخضوع ... وفيض الدموع وغمز اليد # وخدي مضاف إلى خدها ... قياما إلى الصبح لم نرقد # وقال أبو مطرف الزهري: [البسيط] # مرت بنا وبدت كالبدر وانفلتت ... كالغصن والتفتت كالشادن الخرق # تسربلت ببرود الحسن والتحفت ... بالغنج واشتملت مرطا من الغسق # وقال السري: [الكامل] # لبست مصندلة الثياب فمن رأى ... قمرا تسربل قبلها أثوابا PageV03P382 # وحكت من الظبي الغرير ثلاثة ... جيدا وطرفا فاترا وإهابا # وله أيضا: [الوافر] # مذهبة الخدود بجلنار ... مفضضة الثغور بأقحوان # سقانا الله من رياك ريا ... وحيانا بأوجهك الحسان # وللقاضي أبي حفص: [الوافر] # هم نظروا لواحظها فهاموا ... وتشرب عقل شاربها المدام # سما طرفي إليها وهو باك ... وتحت الشمس ينسكب الغمام # يخاف الناس مقلتها سواها ... أيذعر قلب حامله الحسام! # وأذكر قدها فأنوح شوقا ... على الأغصان تنتدب الحمام # وأعقب همها في الصدر غما ... إذا غربت ذكاء أتى الظلام # وله أيضا: [الوافر] # أعيذك يا سليمى من سليم ... قتلت فتاهم وهو الكريم # فما لك طالب بترات نفسي ... إذا قتل الغرام فلا غريم # فؤادي سار نحوك عن ضلوع ... بها يا ريم حبك لا يريم # ودادك صح في قلب سليم ... كطرفك صح ناظره السقيم # إذا أعرضت تسود الأماني ... وإن أقبلت تبيض الهموم # *** # فطفق الشيخ يتأمل ما سطره، ويقلب فيه نظره، فلما استحسن خطه، واستصح ~~ضبطه، قال له: لا شل عشرك، ولا استخبث نشرك. ثم أهاب بفتى فتان، يسفر عن ~~أزهار بستان، فقال له: أنشد البيتين المطرفين، المشتبهي الطرفين، اللذين ~~أسكتا كل نافث، وأمنا أن يعززا بثالث، فقال له: اسمع لا ms1203 وقر سمعك، ولا هزم ~~جمعك، وأنشد من غير تلبث، ولا تريث: [السريع] # سم سمة تحسن آثارها ... واشكر لمن أعطى ولو سمسمه # والمكر مهما اسطعت لا تأته ... لتقتني السؤدد والمكرمة # *** # قوله: طفق، أي أخذ. يتأمل: ينظر. سطره: كتبه. استصح: وجده صحيحا، والضبط: ~~الشكل والنقط: لا شل عشرك، دعاء، أي لا يبست أصابعك، ويروى: لا ثل PageV03P383 # عرشك، أي لا هدم عزك، والرواية الأولى هي الصحيحة. استخبث: فسد وصار خبيثا. # نشرك: رائحتك العطرة. أهاب: دعا وصاح. يسفر: يكشف عن وجهه لثامه. عن ~~أزهار بستان: عن بياض الوجه وحمرة الخدين والشفتين وسواد العينين والأشفار ~~وخضرة الشارب والعذار ومحاسن لا تفي بها ناضرات الأنوار، وقد يكون يسفر ~~بمعنى يتبسم عن بياض شقيق وأقحوان واحمرار عقيق ومرجان، وكأن هذا الغلام هو ~~الذي ذكر أبو الرقعمق بقوله: [البسيط] # إذا جرت يده في الطرس كاتبة ... تبلج الطرس عن در ومرجان # وإن تكلم جاءته براعته ... بكل ما شاء من فهم وتبيان # وقال بعضهم يصف غلاما كاتبا: [الكامل] # انظر إلى أثر المداد بطرسه ... كبنفسج الروض المشوب بورده # ما أخطأت نوناته من صدغه ... شيئا ولا ألفاته من قده # وكأنما ألفاته من شعره ... وكأنما قرطاسه من خده # ولعمر بن فتح: [الكامل] # فنوناته من حاجبيه استعارها ... ولا ماته من صدغه المتعاطف # ومن صده المؤذي اسوداد مداده ... ومن وصله المحيي ابيضاض الصحائف # ولأبي إسحاق الحصري في وصف هذا الغلام: [الوافر] # أيا من تمسك الأوصاف عنه ... أعنة وصفنا نظما ونثرا # ومن يدعو القلوب إلى مناها ... بعينيه فلا تأتيه قسرا # ومن يجري اللآلئ في أقاح ... يمازج ظلمه بردا وخمرا # ويعرض في رياض الدل غصنا ... ويطلع في سماء الحسن بدرا # كأن بخده ذهبا صقيلا ... أذاب عليه ياقوتا ودرا # ومنها في وصف الكتاب: [الوافر] # قرأت كتابك الأعلى محلا ... لدي وموقعا شرفا وقدرا # فأحياني وقد غودرت ميتا ... وأنشرني وقد ضمنت قبرا # نقشت بحالك الأنقاش نورا ... جلا لعيوننا نورا وزهرا # فدبج من بسيط الفكر روضا ... أنيقا مشرق الجنبات نضرا # لو استسقى العليل به لأروي ... أو استشفي العليل به لأبرى # هفا ms1204 عطر الجنوب له نسيم ... أقول إذا أناسم منه نشرا PageV03P384 # نثرت لنا على الكافور مسكا ... ولم تنثر على القرطاس حبرا # وله في العذار: [الكامل] # سلبت محاسنه سواد عيوننا ... وقلوبنا وكست أديم عذاره # فبدا طرازا في أسيل مشرق ... ماء الحياة يجول في أسراره # علم الذي استلبت له يد حسنه ... منا فمازج أمنه بحذاره # فله توقف مستريب تائب ... ولنا تلهب عاجز عن ثاره # وقال أبو الفضل الدارمي: [الكامل] # ظبي إذا حرك أصداغه ... لم يلتفت خلق إلى العطر # غنى بشعري منشدا ليتني الل ... فظ الذي ضمنته شعري # فكلما كرر إنشاده ... قبلته فيه ولا يدري # ولمهيار: [الرجز] # مشتبه أعرفه وإنما ... مغالطا قلت لصحبي دار من # وحاملي على السرور حامل ... في كفه وطرفه سيف الفتن # قد كتب الحسن على عارضه ... ما أقبح الهجران بالوجه الحسن # ولأبي إسحاق الطليطلي: [الكامل] # ومعذر رقت له خمر الصبا ... حيث العذار حبابها المترقق # ديباج حسن تاه عقلا ناقصا ... فأتمها علم الشباب المونق # وشكا الجمال مقيله في ورده ... فأظله آس العذار المشفق # عامت بماء الصقل شامة خده ... وحما العذار زويرقا لا يغرق # إن كان يمحو نقشه من خده ... فطلا الغزال بمسكها يتفتق # قوله: المطرفين، أي الغريبين، وقد أطرفته، جئته بطرفة، أي بشيء معجب، ~~نافث: متكلم. يعززا: يقويا ويشددا، وإذا صلب الشيء قيل: تعزز وأصله من ~~العزاز وهي الأرض الصلبة. # وقال في الدرة: ويقولون شفعت الرسولين بثالث فيوهمون فيه، والعرب تقول: # شفعت الرسول بآخر، أي جعلتهما اثنين ليطابق معنى الشفع في كلامهم، وهو ~~اثنان، فأما إذا بلغت ثلاثا فوجهه أن يقال: عززت بثالث، قال تعالى: إذ ~~أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث [يس: 14]، والمعنى في عززته ~~قويته، وأعززته: جعلته عزيزا، فإن واترت الرسل فالأحسن أن تقول قفيت ~~بالرسل، قال تعالى: ثم قفينا على آثارهم برسلنا [الحديد: 27]. PageV03P385 # وما أحسن ما قال ابن شرف في العذار وذكر التعزيز بثالث: [الكامل] # قد كنت في وعد العذار فأنجزا ... وقضى لحسنك بالكمال فأوجزا # وافي لنصر الحسن إلا أنه ... ولى إلى فئة الهوى متحيزا # عطف تعلم منه قلبي عطفه ms1205 ... وجد الفؤاد به السبيل إلى العزا # لم يكف وجهك حسنه وبهاؤه ... حتى اكتسى ثوب الجمال مطرزا # سبحان من أعطاك حسنا ثانيا ... وبثالث من حسن فعلك عزرا # الوقر: الثقل في الأذن. تلبث: طويل إقامة. تريث، إذا احتبس ومكث، ويقال: # تريث بنقطتين وتربث تربثا بواحدة، والمعنى فيهما واحد، سم: علم. سمة: ~~علامة سمسمة: حبة جلجلان. المكر: الخداع، تقتني: تكتسب. السؤدد: الشرف. ~~والمكرمة: # الكرامة. # وممن اشترط أن بيتيه لا يعززان بثالث قبل الحريري أبو دلف حين قال: ~~[البسيط] # أنا أبو دلف المهدي بقافية ... جوابها يهلك الزاهي من الغيظ # من زاد فيها له رحلي وراحلتي ... وخاتمي والمدي فيها إلى القيظ # وذكر الحصري الأعمى المكرمة في تجنيس قوافيه، فسمع قوما يقدحون فيه وفي ~~أبي خلصة فقصده وقال: [مجزوء الرمل] # يا أديبا ملكتني ... في يديه المكرمات # ليت قوما دأبهم ف ... ي وفيك المكر ماتوا # وله: [مجزوء الخفيف] # رب ظبي هويته ... ينتمي للهوازنه # قلت: ما أثقل الهوى ... قال: ما للهوى زنه # وله أيضا: [مجزوء الخفيف] # إن كتمت الهوى فقد ... صار سري علانيه # بسقام أذابني ... وشحوب علانيه # *** # فقال له: أجدت يا زغلول، يا أبا الغلول، ثم نادى: أوضح يا ياسين، ما يشكل ~~من ذوات السين، فنهض ولم يتأن، وأنشد بصوت أغن: [البسيط] # نقس الدواة ورسغ الكف مثبتة ... سيناهما إن هما خطا وإن درسا # وهكذا السين في قسب وباسقة ... والسفح والبخس واقسر واقتبس قبسا PageV03P386 # وفي تقسست بالليل الكلام وفي ... مسيطر وشموس واتخذ جرسا # وفي قريس وبرد قارس فخذ ال ... صواب مني وكن للعلم مقتبسا # فقال له: أحسنت يا نغيش، يا صناجة الجيش، ثم قال: ثب يا عنبسة، وبين ~~الصادات المتلبسة، فوثب وثب شبل مثار، ثم أنشد من غير عثار: # بالصاد يكتب قد قبضت دراهما ... بأناملي وأصخ لتستمع الخبر # وبصقت أبصق والصماخ وصنجة ... والقص وهو الصدر واقتص الأثر # وبخصت مقلته وهذي فرصة ... قد أرعدت منه الفريصة للخور # وقصرت هندا أي حبست وقد دنا ... فصح النصارى وهو عيد منتظر # وقرصته والخمر قارصة إذا ... حذت اللسان وكل هذا مستطر # *** # أجدت: أتيت بجيد، ms1206 الزغلول: الخفيف، وزغلول الرجل: ولده، والغلول: لخيانة ~~في المغنم، وأصله الستر والتغطية، تقول: غل الشيء غلا وغلولا، إذا ستره، ~~وصفه كأنه يغل العقول، أي يمسكها ويخون أصحابها فيها، وقالت علية: # * يا غل ألباب الرجال* # أوضح: بين. يتأنى يتباطأ ويفتر، والتأني: التثبت، وفي الحديث أنه نظر صلى ~~الله عليه وسلم إلى رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، فقال: «آنيت وآذيت» ~~(¬1)، أي أخرت المجيء، ويكون يتأنى من قولهم: فلان ذو أناة من ونى يني، ~~وتكون الهمزة مبدلة عن واو، وهو الأظهر، أغن: فيه غنة، وهو البحح الخفيف، ~~والأغن: الذي يتكلم من قبل خياشيمه، نقس: مداد، رسغ الكف: موصلها من ~~الذراع، والقسب: نوى التمر، باسقة: نخلة طويلة. السفح: أسفل الجبل، البخس: ~~النقص، اقسر: اقهر واغلب. اقتبس قبسا: # اطلب شعلة من نار. وتقسست: تتبعت والشموس: الدابة التي تمنع أن تسرج وأن ~~تركب. جرسا: الذي يضرب به فيصوت. قريس: حوت. قارس: شديد. مقتبسا: طالبا ~~حريصا على كسبه. # قوله: نغيش، أي كثير الحركة، وقيل: نغيش تصغير النغاش من الرجال الحقير ~~الخلقة، الغاية في القصر، فصفة هذا الغلام أنه حقير الخلقة كثير الحركة، ~~وقلما تكون تلك الخلقة إلا ومعها الحركة والحدة. ورواه الفنجديهي «نفيش» ~~بالفاء، أي قصير. PageV03P387 # ثعلب: النفاشون، هم القصار الضعاف الحركة، ومنه الخبر أنه رأى نفاشا فسجد ~~شكرا، قال: والنفش: تحرك الشيء في مكانه، يقال: دار تنتفشصبيانا، والتنفش: ~~دخول الشيء بعضه في بعض، وصناجة الجيش: التي يضرب بها المثل في الحروب، وقيل: # الصناجة الضرابة بالدفوف والطنابير وعود الغناء ونحوه من آلات اللهو، قال ~~الهذلي وهو ساعدة بن جؤية: [الطويل] # وعاودني ديني فبت كأنما ... خلال ضلوع الصدر شرع ممدد (¬1) # بأوب يدي صناجة عند مدمن ... غوي إذا ما ينتشي يتغرد # يصف ما في صدره من الحرق، ودينه: حالته التي تعتاده من الهم، والشرع: ~~الوتر يقول: كأنما في صدري عود، لأوتاره رنة مما أحدث به نفسي من الهموم. ~~وأوب يديها: # رجعهما بضرب الصنج، أي بتحريك يديها حين تمر أوتارها، وينتشي: يسكر. ~~ويتغرد: # يتغنى، وفلان صناجة قومه، أي المقدم ms1207 عليهم في الفضل، وقيل: صناجة الجيش ~~هو البطل المعروف، ويقال: ليلة قمراء صناجة وصياجة، إذا كانت مضيئة، وصنج ~~فلان بفلان إذا صرعه، وكان أعشى قيس يدعى صناجة العرب لفصاحته، وقيل: لرقة ~~شعره، وقيل: الصناجة الغناء، ويريد بالجيش الصبية الذين جيشوا حوله، فنغيش ~~صناجتهم، أي أنبلهم وأحذقهم أو كالصنجة في خلقته وقصره. ثب: اقفز، عنبسة: ~~اسم أسد، والشبل: # ولده مثار: مفزع، وقد أثير: استخرج من مكانه بالبحث عليه. قبصت: أخذت ~~بأطراف أصابعي، والقبصة أقل من القبضة. أصخ: استمع. الصماخ: ثقب الأذن. ~~صنجة، وهي التي يوزن بها، والمقلة، شحمة العين. بخصتها: فقأتها. واستلبتها ~~فرصة: نهزة وغنيمة. # والفريصة: بضعة عند الكتف ترعد عند الفزع. الخور: الضعف. قرصته: عضضته ~~بظفري. حذت اللسان: قرصته بحدتها. مستطر: مكتوب. # *** # فقال له: رعيا لك يا بني، فقد أقررت عيني، ثم استنهض ذا جثة كالبيذق، ~~ونغشة كالسوذق، وأمره أن يقف بالمرصاد، ويسرد ما يجري على السين والصاد، ~~فنهض يسحب برديه، ثم أنشد مشيرا بيديه: [الطويل] # إن شئت بالسين فاكتب ما أبينه ... وإن تشأ فهو بالصادات يكتتب # مغس وفقس ومسطار ومملس ... وسالغ وسراط الحق والسقب # والسامغان وسقر والسوبق ومس ... لاق وعن كل هذا تفصح الكتب PageV03P388 # فقال له: أحسنت يا حبقة، يا عين بقة. ثم نادى: يا دغفل، يا أبا زنفل، ~~فلباه فتى أحسن من بيضة، في روضة: فقال له: ما عقد هجاء الأفعال، التي ~~آخرها حرف اعتلال، فقال اسمع، لا صم صداك، ولا سمعت عداك، ثم أنشد، وما ~~استرشد: [الطويل] # إذا الفعل يوما غم عنك هجاؤه ... فألحق به تاء الخطاب ولا تقف # فإن تر قبل التاء ياء فكتبه ... بياء وإلا فهو يكتب بالألف # ولا تحسب الفعل الثلاثي والذي ... تعداه والمهموز في ذاك يختلف # *** # رعيا: حفظا، أي رعاك الله رعيا. استنهض: أمره بالنهوض. جثة: جسد. وبيذق ~~الشطرنج، معروف؛ يشبه به الخفيف الروح الحاذق. نغشة: حركة. والسوذق، هو ~~السذانق من الطير التي يصطاد بها. بالمرصاد، أي قريب منه حيث ينظره. يسرد: ~~يقرؤها بسرعة. يسحب برديه: يجر ثوبيه. وقال الحسن يصف مثل هذا ms1208 الغلام: ~~[المنسرح] # يا أيها المبطلون معذرتي ... أراكم الله وجه تحقيق # نم بما كنت لا أبوح به ... على لسان بالدمع منطيق # شوقا إلى حسن صورة ظفرت ... من سلسبيل الجنان بالريق # وصيف كأس محدث ملك ... تيه مغن وظرف زنديق # يشوب عزا بذلة فله ... ذل محب وزهو معشوق # أمشي إلى جنبه أزاحمه ... عمدا وما بالطريق من ضيق # ومن مدحها: [المنسرح] # وإن عباسا مثل والده ... ليس إلى غاية بمسبوق # تأنق الحسن حين زانكما ... ففقتما الناس أي تأنيق # فصور الفضل من حجا وندى ... وأنت من حكمة وتوفيق # وله أيضا: [الوافر] # ترى للحسن والحركات فيه ... سواما لا تذاد عن القلوب # فيا من صيغ من حسن وطيب ... جل عن المشاكل والضريب # أصبني منك يا أملي بذنب ... تتيه على الذنوب به ذنوبي # قوله: سراط، أي طريق. والسقر من الجوارح: التي يصطاد بها، السويق: الشعير ~~إذا قلي وطحن، حبقة: ضرطة، عين بقة، يقال: ذلك للصغير. دغفل: اسم رجل كان ~~نسابة، والدغفل، ولد الفيل، والدغفل: الزمن الخصيب، فسمي الصبي بأحدهما. # والزنفل، من أسماء الداهية، والبيضة: بيضة النعام، وجعلها في روضة، يريد ~~أنها مصونة PageV03P389 # منعمة، وتشبيههم للنساء بهذه البيضة مشهور في شعر امرئ القيس وغيره، وقيل ~~للأوسية- وهي امرأة حكيمة من العرب- بحضرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أي ~~منظر أحسن؟ فقالت: قصور بيض في حدائق خضر، فأنشد رضي الله تعالى عنه لعدي ~~بن زيد: # كدمى العاج في المحارب أو ... كالبيض في الروض زهره مستنير # قوله: لا صم صداك، أي لا هلكت، فلا يكون لك صوت. # وقال امرؤ القيس في الدار الخالية: [السريع] # صم صداها وعفا رسمها ... واستعجمت عن منطق السائل (¬1) # والصدى: الصوت الذي يجيبك من الجبل، أو من الموضع الخالي، والصدى: # طائر يخرج من رأس المقتول، فلا يزال يصيح: اسقوني اسقوني، حتى يقتل قاتله ~~على زعمهم، ولا صم صداك، دعاء بطول العمر، لأن الصدى تابع للصوت، فإذا مات ~~الإنسان انقطع صوته، فلا يسمع له صدى، فكأن صداه بعد موته أصم لا يسمع ولا ~~يجيب، ما استرشد، أي ما طلب من يرشده ms1209 ويدله. # *** # فطرب الشيخ لما أداه، ثم عوذه وفداه، ثم قال: هلم يا قعقاع، يا باقعة ~~البقاع. # فأقبل فتى أحسن من نار القرى، في عين ابن السرى، فقال له: اصدع بتمييز ~~الظاء من الضاد، لتصدع به أكباد الأضداد؛ فاهتز لقوله واهتش ثم أنشد بصوت ~~أجش: [الخفيف] # أيها السائلي عن الضاد والظا ... ء لكيلا تضله الألفاظ # إن حفظ الظاءات يغنيك فاسمع ... ها استماع امرئ له استيقاظ # هي ظمياء والمظالم والإظ ... لام والظلم والظبي واللحاظ # والعظا والظليم والظبي والشي ... ظم والظل واللظى والشواظ # والتظني واللفظ والنظم والتق ... ريظ والقيظ والظما واللماظ # والحظا والنظير والظئر والجا ... حظ والناظرون والأيقاظ # والتشظي والظلف والعظم والظن ... بوب والظهر والشظا والشظاظ # والأظافير والمظفر والمح ... ظهور والحافظون والإحفاظ # والحظيرات والمظنة والظن ... ة والكاظمون والمغتاظ # والوظيفات والمواظب والكظ ... ة والانتظار والإلظاظ PageV03P390 # ووظيف وظالع وعظيم ... وظهير والفظ والإغلاظ # ونظيف والظرف والظلف الظا ... هر ثم الفظيع والوعاظ # وعكاظ والظعن والمظ والحن ... ظل والقارظان والأوشاظ # وظراب الظران والشظف البا ... هظ والجعظري والجواظ # والظرابين والحناظب والعن ... ظب ثم الظيان والأرعاظ # والشناظي والدلظ والظأب والظب ... ظاب والعنظوان والجنعاظ # والشناظير والتعاظل والعظ ... لم والبظر بعد والانعاظ # هي هذي سوى النوادر فاحفظها ... لتقفو آثارك الحفاظ # واقض فيما صرفت منها كما تق ... ضيه في أصله كقيظ وقاظوا # *** # أداه: أبلغه، تقول: أديت الأمانة، إذا بلغتها صاحبها، عوذه: قرأ عليه ~~المعوذتين، وفداه: قال: نفسي فداؤك. قعقاع: شديد الصوت، والقعقعة، صوت ~~متتابع، والباقعة: # الداهية. والبقاع: جمع بقعة، قطعة من الأرض، لقرى: طعام الضيف. ابن ~~السرى، هو الطارق بالليل، وقد تقدم ذكر هذه النار عند قوله: [الرجز] # فلم أزل أنص عنسي ... وأقول: طوبى لك ولنفسي # وهم يضربون المثل بها وحدها في الحسن فيقولون: هو أحسن من النار، فكيف ~~إذا كان إنسان مع ظلام الليل في ريح وبرد وجوع، لا يدري أين يتوجه، فرأى ~~نارا قد أوقدت لقري الأضياف، فلا يقدر قدر حسنها إلا من جربها. # وقالت اعرابية: كنت في شبيبتي أحسن من النار. # وأنشد التوزي ملغزا في النار: [الطويل] # وشعثاء غبراء الفروع ms1210 كأنما ... بها توصف الحسناء بل هي أجمل # دعوت بها صحبي بليل كأنهم ... وقد أبصروها يعطشون فأنهلوا # فهذا مثل الذي ذكره الحريري. # وقال الآخر يصف نارا: [الطويل] # ومشبوبة لا يقبس الجار ريها ... ولا طارق الظلماء منها يؤنس # متى ما يزرها زائر يلف دونها ... عقيلة داري من المسك تغرس # وأنشد أبو زيد فيها ملغزا: [الطويل] # وزهراء إن كفنتها فهو عيشها ... وإن لم تكفنها فموت معجل PageV03P391 # وكان الحسن بن وهب أشد الناس عشقا لنبات جارية محمد بن حماد وكانت تغني ~~في مجلسه، وبين يديها كانون فحم، فتأذت بالنار، وأمرت بإبعادها، فقال الحسن ~~مرتجلا: [الكامل] # بأبي كرهت النار لما أوقدت ... فعرفت ما معناك في إبعادها # هي ضرة لك بالتماع ضيائها ... وبحسن صورتها لدى إيقادها # وأرى صنيعك في القلوب صنيعها ... بأراكمها وسيالها وقتادها # شركتك في تلك الجهات بحسنها ... وضيائها وصلاحها وفسادها # وكان مع أصحابه يوما. فقال: لو ساعدنا الزمان لجاءتنا نبات، فما تكلموا ~~بشيء حتى دخلت، فقال: إني وإياك لكما قال علي بن أمية: [الطويل] # وفاجأتني والقلب نحوك شاخص ... وذكراك ما بين اللسان إلى القلب # فيا فرحة جاءت على إثر ترحة ... ويا غفلتي عنها وقد نزلت قربي # ودخلت عليه يوما وهو محموم، فسلمت وقبلت يده، فأراد تقبيل يدها فأرعش ~~وقال: [الطويل] # أقول وقد حاولت تقبيل كفها ... ولي رعدة أهتز منها وأسكن # فديتك إني أشجع الناس كلهم ... لدى الحرب إلا أنني عنك أجبن # قوله: اصدع، أي بين وأظهر. تصدع: تشق، الأضداد: الأعداء. أجش: أبح. # تضله: تضيعه وتتلفه، استيقاظ: انتباه، ظمياء: عطشى. # الأزهري: شفة ظمياء، ليست بوارمة كثيرة الدم ويحمد ظمؤها، ولثة ظمياء، ~~ورجل أظمى، وامرأة ظمياء، وقيل: شفة ظمياء، إذا كانت فيها سمرة وساق ظمياء: # قليلة اللحم. والظلم، بالفتح: ماء الأسنان، وقيل: بريقها وصفاؤها، والجمع ~~ظلوم، واللحاظ: طرف العين الذي يلي الصدغ. العظاء: جمع عظاية، وهي دويبة ~~حمراء إلى الغبرة، ذات قوائم أربع. الظليم: ذكر النعام. الشيظم: الطويل، ~~اللظى: النار والشواظ: # لهبها بغير دخان. التظني: مصدر تظنيت أي حسبت، والأصل تظننت بالنون، ~~فأبدلت ياء. والتقريظ: مدح ms1211 الرجل حيا. والقيظ: فصل الحر. والظمأ: العطش، ~~واللماظ: # الشيء اليسير من الطعام وقد تلمظت، إذا تتبعت بلسانك بقية الطعام بعد ~~الأكل، واسم تلك البقية اللماظة، وقيل: التلمظ هو لعق الشفتين باللسان من ~~عطش أو غيظ. الحظا: # انتفاخ اللحم. النظير: المثل، الظئر: المرضع بالأجرة، الجاحظ: الذي برزت عيناه. # الأيقاظ: ضد النيام، الواحد يقظ بضم القاف وكسرها، قوله التشظي: أن تصير ~~العود فلقا، والشظية: الفلقة منه. والشظى: عظم لاصق بالركبة. وقيل هو تشقق ~~عصب الذراع، والظلف للغنم والبقر بمنزلة الحافر للدواب، وكل حافر مشقوق ~~ظلف، PageV03P392 # الظنبوب: مقدم عظم الساق، والشظاظ: عود الشداد، الذي يشد به المتاع، ~~وقيل: هو عود يدخل في عرا الغرارتين فيحملان به على ظهر البعير. المظفر: ~~المؤيد. المحظور: # الممنوع. الإحفاظ: الإغضاب. الحظيرات: جمع حظيرة، وهي الزرب يعمل منه شبه ~~الدار، تسكنها الغنم والإبل، وقد يكون من حائط، وأصل الحظر المنع، وكل مانع ~~بين شيئين حظير. والمظنة: الموضع ترمي فيه بظنك، وفلان مظنة خير، أي يظن ~~فيه الخير، والظنة: التهمة، الكاظمون: المتجرعون غيظهم، وقد كظم غيظه، ~~تجرعه ورده. # الوظيفات: جمع وظيفة وهي ما يلزمك من المغرم، المواظب: الملازم، وقد ~~واظبت على الشيء، داومت عليه. الكظة: الامتلاء من الطعام، والإلظاظ: ~~اللزوم. الوظيف لكل ذي أربع: ما فوق الرسغ إلى الساق. والظالع: الأعرج. ~~والظهير: القوي الظهر، وهو أيضا المعين، والفظ: الغليظ، والفظاظة: الجفاء ~~والغلظة، والإغلاظ: الجفاء. # والنظيف: النقي الحسن. والظلف المنع والرد، وقد ظلفت أثري ظلفا، إذا مشيت ~~في حزونة الأرض وصلابتها فمنعت أثرك أن يؤثر فيها والفظيع: الكريه المطعم، ~~وقد فظع الشيء اشتدت كراهيته ومرارته. عكاظ: موسم للعرب، الظعن: السفر. ~~الحنظل: شجر مر، والباهظ: الغالب. والبظر: زيادة في فرج المرأة، ورجل أبظر: ~~في شفته العليا نتوء، وامرأة بظراء، والأول راجع إلى هذا المعنى، الانعاظ: ~~قيام الذكر. النوادر: الغرائب والشواذ. تقفو: تتبع. قيظ: شدة الحر، وقاظوا: ~~دخلوا في زمن القيظ. # *** # فقال له الشيخ: أحسنت لأفض فوك، ولأبر من يجفوك، فو الله إنك مع الصبا ~~الغض، لأحفظ من الأرض، وأجمع من يوم العرض، ms1212 ولقد أوردتك ورفقتك زلالي، ~~وثقفتكم تثقيف العوالي، فاذكروني أذكركم، واشكروا لي ولا تكفرون. # قال الحارث بن همام: فعجبت لما أبدى من براعة، معجونة برقاعة، وأظهر من ~~حذاقة، ممزوجة بحماقة؛ ولم يزل بصري يصعد فيه ويصوب، وينقر عنه وينقب، وكنت ~~كمن ينظر في ظلماء، أو يسري في بهماء؛ فلما استراث تنبهي، واستبان تدلهي، ~~حملق إلي وتبسم، وقال: لم يبق من يتوسم، فبهت لفحوى كلامه، ووجدته أبا زيد ~~عند ابتسامه، فأخذت ألومه على تدير بقعة النوكى، وتخير حرفة الحمقى، فكأن ~~وجهه أسف رمادا، أو أشرب سوادا، إلا أنه أنشد وما تمادى: [الوافر] # تخيرت وحمص وهذي الصناعه ... لأرزق حظوة أهل الرقاعه # فما يصطفي الدهر غير الرقيع ... ولا يوطن المال إلا بقاعه # ولا لأخي اللب من دهره ... سوى ما لعير ربيط بقاعه # *** # فض: كسر، يجفوك: يغلظ لك في الكلام، الغض: الطري، يوم العرض: يوم PageV03P393 # القيامة، ولما أشار من أول على أكبرهم، انحط في أسنانهم إلى أصغرهم، فختم ~~به كما بدأ بأكبرهم، فلذلك قال: مع الصبا الغض. ### || AUTO [مما قيل في الغلمان الصغار] # ومما قيل في الصغار من الشعر المستحسن، قال أبو الفضل الدارمي وقد سأله ~~الثعالبي أن يصف له غلاما صغيرا، بديع الحسن ليثبت ذلك في كتابه المترجم ~~بألف غلام، فأنشد: [المجتث] # إني عشقت صغيرا ... قد دب فيه الجمال # وكاد يفشي حديث ال ... فضول فيه الدلال # لو مر في طرق الوص ... ل ما اعتراه الضلال # يريك بدرا منيرا ... في الحسن وهو هلال # قال الحسن: [الخفيف] # حين أوفى على ثلاث وعشر ... يطل عهد أذنه بالشنوف # غنة فيه للصبا تعتليه ... بحة الاحتلام للتشريف # حين رام النساء منه بعين ... وطوى أختها على التخويف # وقال آخر: [البسيط] # لئن يزيد على عشر بواحدة ... وزاد أخرى وشاب الحب بالجزع # وجاوب اللحظ منه لحظ عاشقه ... وجوز الوعد بين اليأس والطمع # قد كان غرا بقتلي ليس يحسنه ... فاليوم يبدع في قتلي على البدع # وقال آخر: [مخلع البسيط] # قالوا أتبكي على صغير ... خصصته بالوداد طفلا # فقلت إن البنان خمس ... أصغر ما بينها يحلى ms1213 # ولابن إدريس اليماني: [مخلع البسيط] # عشقته شادنا صغيرا ... وكنت لا أعشق الصغارا # أعارني سقم ناظريه ... فاشتشرفت نفسه حذارا # يسفر عن وجه مستنير ... يرد جنح الدجى نهارا # لم أر من قبل ذاك نورا ... أضرم فيه الحياء نارا # ولابن شهيد: [الرمل] # راقني من شيمه برق بدا ... أم سنا المحبوب أورى أزندا # هب من نعسته منكسرا ... مسبل الكمين مرخ للردا PageV03P394 # يمسح النعسة من عيني رشا ... صائد في كل يوم أسدا # قلت هب لي يا حبيبي قبلة ... تشف من حبك تبريح الصدى # فانثنى يهتز من منكبه ... قائلا: لا، ثم أعطاني اليدا # قال لي يلعب: صد لي طائرا ... فتراني الدهر أجري بالكدى # وإذا استنجزت يوما وعده ... قال لي يمطل: ذكرني غدا # شربت أعطافه خمر الصبا ... وسقاه الحسن حتى عربدا # ورأى الحسن غلاما في المكتب فأشار إلى تقبيل يده فقبله فقال: [مجزوء ~~الوافر] # ظفرت بقبلة منه ... على عيني معلمه # أشرت بها إلى يده ... فأوصلها إلى فمه # وقال الحلواني: [الوافر] # تعرضت من شفني هجره ... ببدء سلام عليه شفاها # وقلت عساه يرد السلام ... فتبلغ نفسي منه مناها # فجاد علي بتقبيلة ... وقد كان أعرض عني وتاها # وكنت كموسى أتى للضياء ... لقبس نار فناجى إلها # وكتب الحسن لغلام كاتب يستعطفه، فوقع الغلام في كتابه: «تزاد هجرا إلى ~~يوم الحساب» فقال الحسن: [الوافر] # كتبت إلى الحبيب يبيت شعر ... أعاتبه فأغضبه كتابي # أجبني يا ملول على كتابي ... فإن النفس تسكن بالجواب # فوقع في الكتاب: يزاد هجرا ... وإبعادا إلى يوم الحساب # وقال ابن رشيق في محبوبه الصائغ: [الوافر] # وظبي من بني الكتاب يسبي ... قلوب العاشقين بمقلتيه # رفعت إليه أستقضي رضاه ... وأسأله خلاصا من يديه # فوقع: قد رددت فؤاد هذا ... مسامحة فلا يعدى عليه # وناوله يوما تفاحة فقال: [الطويل] # وتفاحة من كف ظبي أخذتها ... جناها من الغصن الذي مثل قده # لها لمس ردفيه وطيب نسيمه ... وطعم ثناياه وحمرة خده # ولابن فرج: [الوافر] # ومن ينظر إلى خديك يحكم ... على ورد الحدائق للخدود PageV03P395 # وما اهتزت غصون الروض إلا ... تمنت حسن قدك في القدود # وقال مسلم بن ms1214 الوليد: [مجزوء الرجز] # تفاحة شامية ... من كف ظبي غزل # ما خلقت مذ خلقت ... تلك لغير القبل # كأنما حمرتها ... حمرة خد خجل # وقال آخر في ضد ما تقدم: [الوافر] # فديتك لا تخف مني سلوا ... إذا ما غير الشعر الصغارا # أدين بدن خل كان خمرا ... وأهوى لحية كانت عذارا # وقال ابن المعتز في مثله: [مجزوء الخفيف] # من معيني على السهر ... وعلى الحب والفكر # ويل ما بي من شادن ... كبر الحب إذ كبر # قوله: زلالي، أي خالص علي، والزلال: الماء العذب الصافي. ثقفتكم: قومتكم ~~العوالي: صدور الرماح. براعة: فصاحة. الحذاقة: المهارة في كل عمل، وهي ~~الحذق، وأصله القطع، كأن الحاذق يقطع الأمور المشكلة بعقله، وحذق الصبي ~~القرآن: قطعه حفظا. الرقاعة: الحماقة، رقع رقاعة فهو رقيع. يصعد: يرفع ~~نظره. يصوب: ينظر في اعتدال واستواء. ينقر: وينقب: يفتش، بهماء: أرض ~~مجهولة. استراث: استبطأ. # تدلهي: تحيري، ودلهه الحب: حيره وأدهشه، حملق: نظر بحملاقه، وهو باطن ~~جفنه، وهو نظر المغضب. يتوسم: يحسن النظر والميز. بهت: فطنت، وفي الحديث ~~«رب ذي طمرين لا يؤبه له»، أي لا يفطن له لذلته، وتأبه فلان: تكبر، وإنه ~~لذو أبهة، أي ذو كبر ونحوه. الفنجديهي: رأيت بخط الحريري: يقال: أبهت له ~~وأبهت ووبهت له بمعنى قال يعقوب، تقول: ما بهت له، وما بهت به وما أو بهت ~~له، وما بهأت له: ما فطنت له، فحوى: معنى. عند ابتسامته، قد تقدم وصفه ~~بالقلح، يريد لما ابتسم ورأى قلحه عرفه. # تدير بقعة النوكى، أي اتخاذه حمص دارا، وجعلهم نوكى لرقاعتهم، والنوك: الحمق. # حرفة: صنعة أسف رمادا، أي تغير فكأنه ذر عليه الرماد. وأسف الجرح الدواء ~~أي حشاه به. ما تمادى، أي ما دام ولا بقي على غضبه، وتمادى في الشيء: لج ~~فيه. حظوة، أي منزلة. يصطفي: يختار. يوطن: يسكن. بقاعه: منازله. وهي جمع ~~بقعة. أخي اللب: # صاحب العقل. عير: حمار. قاعة: انخفاض، أي ليس للإنسان من دهره إلا ما أكله. # *** # ثم قال: أما إن التعليم أشرف صناعة، وأربح بضاعة، وأنجح شفاعة وأفضل ~~براعة، وربه ms1215 ذو إمرة مطاعة، وهيبة مشاعة، ورعية مطواعة، يتسيطر تسيطر أمير، ~~ويرتب PageV03P396 # ترتيب وزير، ويتحكم تحكم قدير، ويتشبه بذي ملك كبير، إلا أنه يخرف في أمد ~~يسير، ويتسم بحمق شهير، ويتقلب بعقل صغير؛ ولا ينبئك مثل خبير فقلت له: ~~تالله إنك لابن الأيام، وعلم الأعلام، والساحر اللاعب بالأفهام، المذلل له ~~سبل الكلام. ثم لم أزل معتكفا بناديه، ومغترفا من سيل واديه، إلى أن غابت ~~الأيام الغر، ونابت الأحداث الغبر، ففارقته ولعيني العبر. # *** # قوله: أنجح، أي أنفع وأسرع لقضاء الحاجة. أمرة مطاعة، العرب تقول: لك علي ~~أمرة مطاعة، بفتح الألف، أي أمرة أطيعك فيها، وحكى الفراء كسرها على ضعف، ~~والفتح أفصح، والأمرة بالفتح: المرة الواحدة من الأمر، وبالكسر الإمارة ~~والولاية، مشاعة: فاشية. يتسيطر: يتسلط يخرف: يهرم. يتسم: يجعل لنفسه سمة، ~~أي علامة الحمق. # ومما قيل في المعلم وتفضيله على الوالد، أنشد الماوردي: [المنسرح] # يا فاخرا للسفاه بالسلف ... وتاركا للعلاء والشرف # آباء أجسادنا هم سبب ... لأن جعلنا عوارض التلف # من علم الناس كان خير أب ... ذاك أبو الروح لا أبو النطف # أخذه من قول الإسكندر، وقيل له: ما بال تعظيمك لمعلمك أشد من تعظيمك ~~لوالدك؟ فقال: إن أبي سبب حياتي الفانية، ومعلمي سبب حياتي الباقية. # ولبعضهم: [الكامل] # إن المعلم والطبيب كلاهما ... لا ينصحان إذا هما لم يكرما # فاصبر لدائك إن جفوت طبيبه ... واصبر لجهلك إن جفوت معلما # جاء في الحديث «يجاء بالمعلم يوم القيامة ووجهه عظم لا لحم عليه». قال عطاء: # الذين يأخذون على القرآن أجرا. ابن الأيام: الخبير بها والبصير بحوادثها، ~~علم الأعلام: # أشهر المشاهير، الأفهام، جمع فهم، أراد اللاعب بالأذهان والعقول. سبل: طرق. # معتكفا بناديه: ملازما لمجلسه. مغترفا من سيل واديه: آخذا من بحر علمه. ~~الغر: البيض الحسان نابت الأحداث الغبر: رجعت النوازل الشداد التي تغبر ~~الأرض من شدة قحطها، لعيني العبر، أي سخنة الدمع لحزنه. واستعبر: بكى. ~~والله تعالى أعلم. PageV03P397 ### | AUTO المقامة السابعة والأربعون وهي الحجرية # حكى الحارث بن همام؛ قال: احتجت إلى الحجامة، وأنا بحجر اليمامة، فأرشدت ~~إلى شيخ ms1216 يحجم بلطافة، ويسفر عن نظافة؛ فبعثت غلامي لإحضاره، وأرصدت نفسي ~~لانتظاره، فأبطأ بعد ما انطلق. حتى خلته قد أبق، أو ركب طبقا عن طبق. ثم ~~عاد عود المخفق، مسعاه، الكل على مولاه، فقلت له: ويلك! أبطء فند. وصلود ~~زند! فزعم أن الشيخ أشغل من ذات النحيين، وفي حرب كحرب حنين، فعفت الممشى ~~إلى حجام، وحرت بين إقدام واحجام: ثم رأيت ألا تعنيف. على من يأتي الكنيف. # *** # قوله: احتجت للحجامة، وأنا بحجر اليمامة. أنس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: «خير ما تداويتم به الحجامة والشونيز والقسط» (¬1). # القسط: عود يجاء به من الهند، يجعل في الدواء والبخور. # وروى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير يوم ~~يحتجم فيه سبعة عشر وتسعة عشر وأحد وعشرون، وما مررت بملإ من الملائكة ليلة ~~أسري بي إلا قالوا: # عليك بالحجامة يا محمد» (¬2). # وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: لقد تبيغ بي الدم يا نافع، ادع لي ~~حجاما، ولا يجعله شيخا كبيرا، ولا صبيا، ثم: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «الحجامة على الريق أمثل، فيها شفاء وبركة، تزيد في العقل ~~والحفظ، وتزيد الحافظ حفظا، فمن احتجم فيوم الخميس والأحد والاثنين ~~والثلاثاء، فإنه يوم رفع الله فيه البلاء» (¬3). # عن أيوب عليه السلام، وأصابه [مرض] يوم الأربعاء: لا يبدأ جذام أو برص ~~إلا في يوم الأربعاء أو ليلته. PageV03P398 # حجر: قصبة. اليمامة. يأتي ذكرها في الخمسين إن شاء الله تعالى، وهي بلدة ~~كبيرة كثيرة النخل، وسكنتها حنيفة، وهي بلدة مسيلمة الكذاب الحنفي، وبها ~~تنبأ وآمن به أهلها، وهي «فعالة» من اليمم، وهو طائر، أو من يممت الشيء إذا ~~تعمدته، من الأمام، بمعنى قدام وأبدلت الهمزة ياء لما دخلتها الهاء، وأقرب ~~المدن منها البصرة. # يسفر: يكشف. نظافة: صقالة وحسن. أرصدت: أعددت أبق: هرب. طبقا عن طبق: ~~حالا عن حال، وأمرا عن أمر. المخفق: الخائب مسعاه: سعيه. الكل على مولاه: ~~الذي لا ينفعه بشيء، ولا يكفيه أمر نفسه، والكل: ms1217 الثقيل الروح. قوله: صلود ~~زند، هو ألا يسمح الزند بالنار. حنين: موضع وقعة مشهورة، كانت بين النبي ~~صلى الله عليه وسلم وبين هوازن، هزمت فيها هوازن، وسبيت أموالهم وعيالهم، ~~وقتل فيها دريد بن الصمة كافرا. # عفت: كرهت. الإقدام: الجرأة والترامي. والإحجام: الرجوع إلى خلف أراد أنه ~~ردد رأيه: هل يأتيه أم لا؟ والتعنيف: العتب. والكنيف: المرحاض. ### || AUTO [من أسماء المرحاض] # ونذكر هنا حكاية ظريفة تجمع أسماءه. رحل رجل من الكوفة إلى ابن عم له من ~~بني هاشم بالمدينة، فأقام حولا عنده، لا يدخل مستراحا، فلما أراد الرجوع ~~إلى الكوفة، قال: ابن عمه لقينتين له: أما رأيتما ظرف ابن عمي، أقام حولا ~~عندنا لم يدخل الخلاء، قالتا: فعلينا أن نصنع له شيئا لا يجد معه بدا من ~~الخلاء، قال: شأنكما، فعمدتا إلى خشب العشر، وطرحتاه في شرابه وهو مستهل؛ ~~فلما حضر وقت شرابهما قربتاه له وسقتا مولاهما: من غيره، فلما أخذ الشراب ~~منهما تناوم مولاهما، ومغص الفتى من بعده، فقال لإحداهما: يا سيدتي، أين ~~الخلاء؟ فقالت لها صاحبتها: ما يقول لك؟ قالت: يسألك أن تغنيه: [الوافر] # عفا من آل فاطمة الجواء ... فمنزل أهلها منها خلاء # فغنته، فقال: أظنهما كوفيتين، فقال للأخرى: يا سيدتي أين الحش؟ فقالت لها ~~صاحبتها: ما يقول لك؟ قالت: يسألك أن تغنيه: # * لقد أوحش الريان فالدير منهما* # فغنته، فقال الفتى: أظنهما عراقيتين، وما فهمتا عني، فقال للأخرى: يا ~~سيدتي، أين المتوضأ؟ فقالت لها صاحبتها: ما يقول لك؟ قالت: يسأل أن تغنيه: ~~[الوافر] # توضأ للصلاة وصل خمسا ... وأذن بالصلاة على النبي # فقال: أظنهما حجازيتين، وما فهمتا عني، فقال لإحداهما: يا سيدتي، أين ~~الكنيف؟ فقالت لها صاحبتها: ما يقول لك؟ قالت: إنه يسألك أن تغنيه: # تكنفني الواشون من كل جانب ... ولو كان واش واحد لكفاني PageV03P399 # فغنته، فقال: أظنهما تهاميين، فقال للأخرى: يا سيدتي أين المستراح؟ فقالت ~~لصاحبتها: ما يقول لك؟ قالت: يسألك أن تغنيه: [الكامل] # ترك الفكاهة والمزاحا ... وقلى الصبابة فاستراحا # فغنته، والمولى يسمع، فلما كربه الأمر أنشأ يقول: [الوافر] ms1218 # تكنفني الملاح وأضجروني ... على ما بي بتكرير الأغاني # فلما ضاق عن ذاك اصطباري ... ذرفت به على وجه الزواني # ثم حل سراويله، وسلح عليهما، فتركهما آية للناظرين. وانتبه مولاهما، فلما ~~رأى ما نزل بهما، قال له: يا أخي ما حملك على هذا؟ قال له: يا بن الزانية، ~~لك جوار يرين المخرج صراطا مستقيما فلا يدللنني عليه، فلم يكن لهن جزاء ~~عندي غير هذا، ثم رحل عنه. # فيقول أبو محمد: لا بأس للإنسان أن يأتي المواضع الخسيسة عند الضرورة، ~~وأصل الكنيف الساتر. # *** # فلما شهدت موسمه، وشاهدت ميسمه، رأيت شيخا هيئته نظيفة، وحركته خفيفة. ~~وعليه من النظارة أطواق، ومن الزحام طباق، وبين يديه فتى كالصمصامة، مستهدف ~~للحجامة، والشيخ يقول له: أراك قد أبرزت رأسك، قبل أن تبرز قرطاسك، ووليتني ~~قذالك، ولم تقل: لي ذلك، ولست ممن يبيع نقدا بدين، ولا يطلب أثرا بعد عين، ~~فإن أنت رضخت بالعين، حجمت في الأخدعين. وإن كنت ترى الشح أولى، وخزن الفلس ~~في النفس أحلى، فاقرأ عبس وتولى [عبس: # 1]، واغرب عني وإلا؛ فقال الفتى: والذي حرم صوغ المين؛ كما حرم صيد ~~الحرمين؛ إني لأفلس من ابن يومين، فثق بسيل تلعتي، وأنظرني إلى سعتي. # *** # موسمه: مجتمعه وسوقه. ميسمه: علامته. النظارة: الناس الناظرون أطواق: أي ~~حلقة خلف حلقة، قد استداروا حوله. والطباق: الذي طوبق، فجعل بعضه على بعض، ~~شبه به ركوب بعض الناس بعضا. ### || AUTO [الصمصامة] # والصمصامة: سيف عمرو بن معد يكرب، وكانت تقطع الحديد كما يقطع الحديد ~~الخشب. وبعث ملك الهند إلى الرشيد بسيوف قلعية، وكلاب سلوقية، وثياب هندية، PageV03P400 # فأمر الأتراك فصفوا بين يديه صفين، قد لبسوا الحديد، ودخل الرشيد فقال ~~لهم: ما جئتم به؟ قالوا: هذه أشرف كسوة بلادنا، فأمر فقطعت جلالا وبراقع ~~لخيله، فكبوا على وجوههم، وتذمموا، ثم قال: ما عندكم؟ قالوا: هذه سيوف ~~قلعية، لا نظير لها؛ فدعا بالصمصامة، فقطعت بها السيوف سيفا سيفا، كما يقطع ~~الفجل من غير أن تنثني لها شفرة. ثم عرض عليهم حد السيف فإذا هو لا فل فيه، ~~ثم قال: ms1219 ما عندكم؟ قالوا: كلاب سلوقية، لا يبقى لها كلب ولا سبع إلا عقرته، ~~فأمر بالأسد فأخرج إليهم، فلما نظروا إليه هالهم، وقالوا: ليس عندنا مثل ~~سبعكم، ثم أرسلوا عليه الأكلب- وكانت ثلاثة- فمزقته، فقال: تمنوا في هذه ~~الأكلب ما شئتم، قالوا: السيف الذي قطع سيوفنا، قال: لا يجوز في ديننا أن ~~نهاديكم بالسلاح فانقلبوا خائبين. # وكانت الصمصامة عند الهادي، فدعا بها يوما وبمكتل مملوء دنانير، وأمر ~~الشعراء أن يقولوا فيه، فبدأهم ابن يامين فقال: [الخفيف] # حاز صمصامة الزبيدي عمرو من بي ... ن جميع الأنام موسى الأمين # سيف عمرو، وكان فيما سمعنا ... خير ما أغمدت عليه الجفون # أو قدت فوقه الصواعق نارا ... ثم شابت به الزعاف القيون # وإذا ما شهرته بهر الشم ... س ضياء فلم تكد تستبين # يستطير الأبصار كالقبس المش ... عل ما تستقر فيه العيون # وكأن الفرند والجوهر الجا ... ري على صفحتيه ماء معين # ما يبالي إذا الضريبة حانت ... أشمال سطت به أم يمين # وكأن المنون نيطت إليه ... فهو من كل جانبيه منون # فقال له: لك السيف والمكتل، ففرق، المكتل على الشعراء، وقال: حرمتهم ~~بسببي، وأخذ من المهدي في السيف خمسين ألف دينار. # وممن أفرط في وصف قطع السيف النمر بن تولب حين قال: [البسيط] # أبقى الحوادث والأيام من نمر ... أسباد سيف كريم أثره بادي # تظل تحفر عنه الأرض مندفنا ... بعد الذراعين والساقين والهادي # ويروى: [البسيط] # * تظل تحفر عنه إن ضربت به* # والأسباد: البقايا، واحدها سبد، وقال أبو الهول: [الطويل] # حسام غداة الروع ماض كأنه ... من الله في قبض النفوس دليل # كأن جنود الذر كسرن فوقه ... قرون جراد بينهن دخول PageV03P401 # كأن على إفرنده موج لجة ... تقاصر في ضحضاحه وتطول # وقال ابن الرومي: [الوافر] # يقول القائلون إذا رأوه ... لأمر ما تغوليت الدروع # والشعر في وصف السيف كثير مشهور فلذلك اقتصرنا على هذه النبذة. # قوله: مستهدف، أي منتصف، والهدف: الغرض، وأراد بالقرطاس قطعة من كاغد ~~توضع فيها الدرهم. الفنجديهي: القرطاس: درهم من نحاس، وفيه شيء من الفضة، ~~يتعاملون به في الشأم. قذالك: مؤخر عنقك ms1220 وهو ما بين نقرة القفا إلى الأذن ~~وجمعه قذل. ذا، إشارة إلى الدرهم نقدا: حاضرا. # أثرا بعد عين، قد تقدم، والعين: نفس الشيء، وقيل: العين المعاينة، فمعناه ~~لا أترك شيئا وأنا أعاينه، وأطلب أثره إذا غاب. وقال الفنجديهي: سمعت بعض ~~الفضلاء بفنجدية، يقول: حكي أن رجلا سرق منه شيء، فخرج يطلب السارق، فلما ~~ظفر به أخذ يضربه ويشد وثاقه، فقال له أحد أهل البلد: خل سبيله، حتى يخرج ~~فإن هنا أثر قدميه، فضحك الرجل منه وقال: لا أطلب أثرا بعد عين، فصار مثلا ~~لمن ترك شيئا حاصلا ثم تبع أثره بعد فوت عينه. # رضخت: أعطيت. والعين: الدراهم والدنانير. الأخدعان: عرقان يقع عليهما ~~المحجمتان، وقيل: هما في صفحتي العنق قد خفيا وبطنا فلخفائهما يخدعان ~~الحاجم. # خزن: إمساك وحبس. اغرب: غب. وإلا، معناه وإلا صفعت عنقك. المين: الكذب. # الحرمين: مكة والمدينة، حرم الله تعالى بمكة وحرم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالمدينة. التلعة: # مجرى الماء من أعلى الوادي أنظرني: أخرني، سعتي: غناي. # *** # فقال له الشيخ: ويحك! إن مثل الوعود، كغرس العود، هو بين أن يدركه العطب، ~~أو يدرك منه الرطب، فما يدريني: أيحصل من عودك جنى، أم أحصل منه على ضنى، ~~ثم ما الثقة بأنك حين تبتعد، ستفي بما تعد! وقد صار الغدر كالتحجيل، في ~~حلية هذا الجيل، فأرحني بالله من التعذيب، وارحل إلى حيث يعوي الذئب. ~~فاستوى الغلام إليه، وقد استولى الخجل عليه، وقال: والله ما يخيس بالعهد، ~~غير الخسيس الوغد، ولا يرد غدير الغدر، إلا الوضيع القدر؛ ولو عرفت من أنا، ~~لما أسمعتني الخنا؛ لكنك جهلت فقلت، وحيث وجب أن تسجد بلت، وما أقبح الغربة ~~والإقلال، وأحسن قول من قال: # *** PageV03P402 # جنى: ما يجنى منه. ضنى: مرض. التحجيل: بياض في قوائم الفرس حلية: صفة ~~وزينة. الجيل: أهل العصر. استوى: اعتدل قائما استولى: غلب عليه الخجل. يخيس: # يغدر، وخاس الشيء تغير. الوغد: الرذل الساقط الخسيس الدنيء. الخنا: الفحش. # [البسيط] # إن الغريب الطويل الذيل ممتهن ... فكيف حال غريب ما له قوت! # لكنه ms1221 ما تشين الحر موجعة ... فالمسك يسحق والكافور مفتوت # وطالما أصلي الياقوت جمر غضى ... ثم انطفى الجمر والياقوت ياقوت # فقال له الشيخ: يا ويلة أبيك، وعولة أهليك! أأنت في موقف فخر يظهر، وحسب ~~يشهر، أم موقف جلد يكشط، وقفا يشرط؛ وهب أن لك البيت، كما ادعيت، أيحصل ~~بذلك، حجم قذالك؛ لا والله ولو أن أباك أناف، على عبد مناف، أو لخالك دان، ~~عبد المدان. # *** # الطويل الذيل: الكثير المال. تشين: تعيب. أصلي: أدخل النار الياقوت: ~~حجارة يتزين بها والنار لا تغيره. # ومما جاء في معنى هذا الشعر: [البسيط] # إن الغريب ذليل حيثما سلكا ... لو أنه ملك كل الورى ملكا # إذا تغنى حمام الأيك في غصن ... حن الغريب إلى أوطانه فبكى # آخر: [الكامل] # وإذا حللت بدار قوم دارهم ... فلهم عليك تعزز الأوطان # فالشمس تشرق في محلة كبشها ... وتكون منحطا مع الميزان # وقال الفقيه الحافظ أبو محمد بن حزم: [البسيط] # لا يشمتن حاسد إن نكبة عرضت ... فالدهر ليس على حال بمترك # فالحر كالتبر يلفى تحت منقعة ... طورا وطورا يرى تاجا على ملك # وقال البحتري في سعيد وقد حبس: [الكامل] # وما هذه الأيام إلا مراحل ... فمن منزل رحب ومن منزل ضنك # وقد هذبتك النائبات وإنما ... صفا الذهب الإبريز قبلك بالسبك # وقال أبو بكر بن دريد: [المنسرح] # لا تحقرن عالما وإن خلقت ... أثوابه في عيون رامقه PageV03P403 # وانظر إليه بعين ذي خطر ... مهذب الرأي في طرائقه # فالمسك إذ ما تراه ممتهنا ... بفهر عطاره وساحقه # سوف تراه بعارضي ملك ... وموضع التاج من مفارقه # وقال ابن شماخ: [الطويل] # نوائب غالتني فأبدت فضائلي ... فكانت وكنت النار والعنبر الورد # وعلى لسان عود الطيب: [المجتث] # إن مست النار جسمي ... أبديت طيب نسيمي # كالدهر إن عض يوما ... أبان فضل كريم # وسخط المتوكل على علي بن الجهم، فنفاه إلى خراسان، وكتب أن يصلب إذا ~~وردها يوما إلى الليل، فلما وصل إلى الشاذياخ حبسه طاهر بن عبد الله، ثم ~~أخرجه فصلبه إلى الليل مجردا فقال: [الكامل] # لم يصلبوا بالشاذياخ عشية الاثني ... ن مسبوقا ولا مجهولا ms1222 # نصبوا بحمد الله ملء عيونهم ... شرفا وملء صدورهم تبجيلا # ما ازداد إلا رفعة وسعادة ... وازدادت الأعداء عنه نكولا # هل كان إلا الليث فارق غيله ... فرأيته في محمل محمولا # ما عابه أن بز عنه لباسه ... كالسيف أفضل ما يرى مسلولا # وقال في الحبس: [الكامل] # قالت حبست فقلت ليس بضائر ... حبسي وأي مهند لا يغمد # أو ما رأيت الليث يألف غيله ... كبرا وأوباش السباع تصيد # فالشمس لولا أنها محجوبة ... عن ناظريك لما أضاء الفرقد # والنار في أحجارها مخبوءة ... لا تصطلى إن لم تثرها الأزند # والحبس إن لم تغشه لدنية ... شنعاء نعم المنزل المتورد # بيت يجدد للكريم كرامة ... ويزار فيه ولا يزور ويحمد # لو لم يكن في الحبس إلا أنه ... لا تستذلك بالحجاب الأعبد # أخذ الأحوص أحد الأمراء بأمر الوليد بن عبد الملك لأنه كان يراود غلمانه، ~~فضربه مائة سوط وصب عليه الزيت، وأوقفه في الشمس، وهو مع ذلك يقول: ~~[الكامل] # ما تعتريني من خطوب ملمة ... إلا تشرفني وترفع شاني (¬1) PageV03P404 # إني على ما قد علمت مجسد ... أنمى على البغضاء والشنآن # فإذا تزول تزول عن متخمط ... تخشى بوادره على الأقران # إني إذا خفي اللئيم وجدتني ... كالشمس لا تخفى بكل مكان # *** # قوله: يا ويلة أبيك. الويلة: الفضيحة. والويل: الحزن. والعولة: البكاء ~~الشديد، وأعول يعول إعوالا، إذا رفع صوته وصاح. أهليك: جمع أهل يكشط: يحلق شعره. # هب، أي احسب. وذكر في الدرة أن خواص العراق يقولون: هب أني فعلت، وهبه ~~فعل، كقول أبي دهبل: [الطويل] # هبوني امرأ منكم أضل بعيره ... له ذمة إن الذمام كبير (¬1) # قال: وهبني، أي عدني واحسبني، فكأن فيه معنى الأمر من وهب انتهى ما قاله ~~في الدرة. # وقال هنا: وهب أن لك ... البيت، وبيت القبيلة: أشرف فخذ فيها أناف: # أشرف. ### || AUTO [عبد مناف بن قصي] # عبد مناف بن قصي، هو بيت قريش وشريفها، وهو جد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، واسمه المغيرة، وكان يقال لعبد مناف: القمر لجماله وبهائه ورفعه ~~منزلته، وسمي عبد مناف لأنه شرف وعلا، وأناف على أشراف العرب، ms1223 وكانت الركاب ~~تضرب إليه من أطراف الأرض يتحفونه تحف الملوك، فيكرمهم، وكان عنده لواء ~~نزار، وقوس إسماعيل، وسقاية الحاج والمفاتيح ولما قسم والده المجد بين ~~أولاده جعل السقاية والرئاسة لعبد مناف، والدار لعبد الدار، والرفادة لعبد ~~العزى، وجانبي الوادي لعبد بن قصي قال الشاعر: [الكامل] # كانت قريش بيضة فتفلقت ... فالمح خالصه لعبد مناف (¬2) # ولما مات قصي رأس ابنه عبد مناف، وجل قدره، فأتته خزاعة وبنو الحارث بن ~~كنانة يسألونه الحلف ليعزوا به، فعقد معهم. PageV03P405 # وأما شرف عقبه فلأن منه بني هاشم، الذين فيهم النبوة والخلافة، ومنه بنو ~~أمية القادة في الجاهلية، وأهل الخلافة في صدر الإسلام، وقد قدمنا في أخبار ~~الشافعي أن عبد مناف، يجتمع بنو هاشم وبنو أمية فيه، فلهؤلاء انتهى شرف مضر. ### || AUTO [بنو عبد المدان] # وأما بنو عبد المدان فأشراف اليمن، وبهم يضرب المثل في الشرف والعزة، وهو ~~عبد المدان بن الديان بن قطن بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن مالك ~~بن كعب ابن الحارث بن كعب بن خالد بن بجيلة بن مذحج وقال لقيط بن زرارة: ~~[الوافر] # شربت الخمر حتى خلت أني ... أبو قابوس أو عبد المدان # أمشي في بني عدس بن زيد ... رخي البال منطلق اللسان # وقال حسان رضي الله عنه: [الوافر] # وقد كنا نقول إذا رأينا ... لذي جسم يعد وذي بيان # كأنك أيها المعطي بيانا ... وجسما من بني عبد المدان # وقالوا لحسان: كنا يا أبا الوليد، ونحن نطول بأجسامنا على العرب نرى ~~لأنفسنا بذلك فضلا، حتى قلت: [البسيط] # دعوا التخاجؤ وامشوا مشية سحجا ... إن الرجال أولو قد وتذكير # لا بأس بالقوم من طول ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير # فتركتنا لا نرى لأجسامنا فضلا. # وحكى الأصمعي: أنه اجتمع يزيد بن عبد المدان وعامر بن الطفيل بسوق عكاظ، ~~وقدم أمية بن الأسكر الكناني ومعه ابنة له، من أجمل أهل زمانها، فخطبها ~~يزيد وعامر، فقالت أم كلاب (امرأة أمية): من هذان الرجلان؟ فعرفها أمية، فقالت: # أعرف بني الديان ولا أعرف عامرا، قال: هل ms1224 سمعت بملاعب الأسنة؟ قالت: نعم، ~~فقال: هذا ابن أخته، فقال يزيد: يا أمية أنا ابن الديان، صاحب الكثيب ورئيس ~~مذحج ومكلم العقاب، ومن كان يصوب أصابعه فتنظف دما، وراحته فتخرج ذهبا، ~~فقال أمية: بخ بخ، فقال عامر: جدي الأجذم، وعميالأصم، وخالي ملاعب الأسنة، ~~وأبي فارس قرزل، فقال أمية: بخ بخ، مرعى ولا كالسعدان، فأرسلها مثلا، فقال ~~يزيد: يا عامر، هل تعلم شاعرا من قومي رحل بمدحة إلى رجل من قومك؟ # قال: لا، قال: فهل تعلم أن شعراء قومك يرحلون بمدائحهم إلى قومي؟ قال: ~~اللهم نعم، فنهض يزيد وهو يقول: [الكامل] # أمي يا ابن الأسكر بن مدلج ... لا تجعلن هوازنا كمذحج PageV03P406 # لا النبع في مغرسه كالعوسج ... ولا الصريح المحض كالممزج # *** # فلا تضرب في حديد بارد، ولا تطلب ما لست له بواجد، وباه إذا باهيت ~~بموجودك؛ لا بجدودك، وبمحصولك، لا بأصولك، وبصفاتك، لا برفاتك، وبأعلاقك، ~~لا بأعراقك؛ ولا تطع الطمع فيذلك، ولا تتبع الهوى فيضلك، ولله القائل ~~لابنه: [الطويل] # بني استقم فالعود تنمي عروقه ... قويما ويغشاه إذ ما التوى التوى # ولا تطع الحرص المذل وكن فتى ... إذا التهبت أحشاؤه بالطوى طوى # وعاص الهوى المردي فكم من محلق ... إلى النجم لما أن أطاع الهوى هوى # وأسعف ذوي القربى فيقبح أن يرى ... على من إلى الحر اللباب انضوى ضوى # وحافظ على من لا يخون إذا نبا ... زمان ومن يرعى إذا ما النوى نوى # وإن تقتدر فاصفح فلا خير في امرئ ... إذا اعتلقت أظفاره بالشوى شوى # وإياك والشكوى فلم تر ذا نهى ... شكا بل أخو الجهل الذي ما ارعوى عوى # قوله: لا تضرب في حديد بارد، هو مثل لمن يحاول الانتفاع بمن ليس عنده ~~نفع، وقال أبو الشمقمق يهجو سعيد بن سلم: [الطويل] # هيهات تضرب في حديد بارد ... إن كنت تطمع في نوال سعيد # تالله لو ملك البحار بأسرها ... وأتاه سلم في زمان مدود # يبغيه منها شربة لطهوره ... لأبى وقال: تيمما بصعيد # وكذب عليه، كان سعيد بن سلم من أجود الناس. قوله: باه، أي فاخر ms1225 موجودك ~~ومحصولك: ما تجده من المال ويحصل لك. رفاتك: عظام أجدادك البالية. الأعلاق: # جمع علق، وهو النفيس الرفيع من الذخائر. أعراقك: أصولك. قوله: ولا تطع ~~الطمع فيذلك، ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من ~~طمع حيث لا طمع، وأعوذ بك من طمع يهدي إلى الطبع» (¬1)، وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «خيار المؤمنين القانع، وشرارهم الطامع». وقال الحسن ~~البصري لبعض ولد علي رضي الله عنهما: ما ملاك الدين؟ قال: # الورع، قال: ما آفته؟ قال: الطمع. قوله: ولا تتبع الهوى فيضلك، ابن عباس ~~رضي الله PageV03P407 # عنهما، قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث مهلكات، شح مطاع، وهوى متبع، وعجب ~~كل ذي رأي برأيه» (¬1). وقال صلى الله عليه وسلم: «إن أخوف ما أخاف على ~~أمتي الهوى وطول الأمل، أما الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي ~~الآخرة» (¬2). وقال بعضهم: أفضل الناس من عصى هواه، وأفضل منه من رفض ~~دنياه. تنمي: تزيد. التوى: اعوج. التوى: الهلاك. # القويم: المعتدل. التهبت: اشتعلت الطوى: الجوع. طوى، أي طوى عليه ضلوعه ~~وستره. وقال أبو فراس: [الكامل] # لا أرتضي ودا إذا هو لم يدم ... عند الجفاء وقلة الإنصاف (¬3) # تعس الحريص وقل ما يأتي به ... عوضا من الإلحاح والإلحاف # إن الغني هو الغني بنفسه ... ولو أنه عاري المناكب حافي # ما كل ما فوق البسيطة كافيا ... فإذا قنعت فكل شيء كافي # ويعاف لي طمع الحريص فتوتي ... ومروءتي وقناعتي وعفافي # شيم عرفت بهن مذ أنا يافع ... ولقد عرفت بمثلها أسلافي # قوله: المردي، أي المهلك المحلق: الطائر يستدير في طيرانه. هوى: سقط. # أسعف: اقض حوائجهم. اللباب: الخالص. انطوى، انقطع إلى جودك وتعلق به. نبا: # ارتفع ولم يوافق. يرعى: يحفظ. النوى: البعد نوى: أراده وقصده، وقد قالوا: ~~خير الإخوان، من أقبل عليك إذا أدبر الزمان. الشوى: القوائم، ويقال لجلدة ~~الرأس: شوى. # وقوله: شوى، أي صنع شواء وأولاها النار. يقول: من اعتذر إليك من الإخوان ~~فاعذره، ولا تكن ممن إذا وقع على ذنب لصاحبه أخذه به، ونزع جلدة رأسه ms1226 ~~فشواها. ### || AUTO [مما جاء في قبول العذر] # وقال صلى الله عليه وسلم: «من لم يقبل من متنصل عذرا، صادقا كان أو ~~كاذبا، لم يرد علي الحوض». # وقالوا: المعترف بالذنب كمن لا ذنب له. # واعتذر رجل إلى إبراهيم بن المهدي، فقال: قد أغناك الله بالعذر عن ~~الاعتذار، وأغنانا بحسن النية عن سوء الظن. # وقال الحسن بن وهب: [السريع] # ما أحسن العفو من القادر ... لا سيما عن غير ذي ناصر PageV03P408 # إن كان لي ذنب ولا ذنب لي ... فما له غيرك من غافر # أعوذ بالود الذي بيننا ... أن تفسد الأول بالآخر # وقالوا: ليس من العدل، سرعة العذل. # وقال آخر: [البسيط] # أقبل معاذير من وافاك معتذرا ... أبر فيما أتى من ذاك أو فجرا # فقد أطاعك من يرضيك ظاهره ... وقد أجلك من يعصيك مستترا # آخر: [الطويل] # وهبني مسيئا كالذي قلت ظالما ... فعفوا جميلا كي يكون لك الفضل # فإن لم أكن للعفو عندك للذي ... أتيت به أهلا فأنت له أهل # الأحنف: رب ملوم لا ذنب له. # آخر: [الطويل] # * لعل له عذرا وأنت تلوم* # آخر: [الطويل] # إذا اعتذر الجاني محا العذر ذنبه ... وكل امرئ لا يقبل العذر مذنب # وقال محمد بن سليم لا بن السماك: بلغني عنك شيء كرهته، فقال: إذا لا ~~أبالي، قال: لم؟ قال: لأنه إن كان حقا غفرته، وإن كان باطلا لم تقبله. # وقالوا في ترك الاعتذار: [الطويل] # إذا كان وجه العذر ليس ببين ... فإن اطراح العذر خيرا من العذر # قوله: الشكوى، أي المشتكي إلى الناس بالضر. نهى: عقل. ارعوى: رجع. # وارعوى عن القبيح: كف عنه وحسن رجوعه ونزوعه عنه من الرعوى، وهي حسن ~~المراجعة والنزوع عن الجهل. # الفراء وابن سيده: عوى الفصيل والكلب، إذا صاح فمد صوته، قال الشاعر: # [الطويل] # بها الذئب محزونا كأن عواءه ... عواء فصيل آخر الليل محثل # المحثل: السيئ الغذاء، وإذا دعا الرجل الناس إلى الفتنة فقد عوى واستعوى، ~~وسمعت عوة القوم، أي أصواتهم وجلبتهم، قاله الأصمعي وأبو زيد: بل أخو الجهل ~~الذي عوى بالشكاية وقت ارعوائه أي رجوعه عنك، ms1227 والمعنى كلما غاب عنك: تشكى، ~~وما مع الفعل مصدرية وظرف الزمان محذوف، أي وقت ارعوائه كقوله تعالى: ما PageV03P409 # دامت السماوات والأرض [هود: 107] أي مدة دوامهما، يريد أن العاقل يحتمل ~~ضر الزمان ولا يشتكي والجاهل الذي متى رجع عن التشكي لم يرجع رجوعا حسنا، ~~بل يعوي بالتشكي عواء الذئب. # *** # فقال الغلام للنظارة: يا للعجيبة، والطرفة الغريبة! أنف في السماء، واست ~~في الماء، ولفظ كالصهباء، وفعل كالحصباء. ثم أقبل على الشيخ بلسان سليط، ~~وغيظ مستشيط، وقال: أف لك من صواغ باللسان، رواغ عن الإحسان: تأمر بالبر، ~~وتعق عقوق الهر، فإن يكن سبب تعنتك، نفاق صنعتك، فرماها الله بالكساد، ~~وإفساد الحساد؛ حتى ترى أفرغ من حجام ساباط، وأضيق رزقا من سم الخياط فقال ~~له الشيخ: بل سلط الله عليك بثر الفم، وتبيغ الدم؛ حتى تلجأ إلى حجام عظيم ~~الاشتطاط، ثقيل الاشتراط، كليل المشراط، كثير المخاط والضراط. # *** # قوله: الطرفة الغريبة، أي التي لم ير مثلها. الصهباء: الخمر. الحصباء: ~~الحجارة. # سليط، أي متسلط. مستشيط: منتشر في الشر ملتهب في الغضب صواغ: كذاب، وصاغ ~~الكذب: صنعه. راغ: مال إليه من حيث لا يعلم، وراغ إلى أهله: رجع في إخفاء. # رواغ: ميال وفرار في خفية. تعق: تقطع وعقوق الهرة، أنها تأكل أولادها. # وحكى الأصمعي في كتاب «أفعل من كذا»، يقال: أعق من ضب، قال: أرادوا ضبة، ~~فكثر الكلام بها فقالوا: ضب، وعقوقها أنها تأكل أولادها، وذلك أن الضبة، ~~إذا باضت حرست بيضتها من كل ما قدرت عليه من ورل وحية وغير ذلك، فإذا خرجت ~~أولادها من بيضتها ظنتها شيئا يريد بيضها، فوثبت عليه تقتله، فلا ينجو منها ~~إلا الشديد. # قال: وهذا موضوع قد وضعته العرب في موضعه، وأتت بعلته، ثم جاءت إلى ما هو ~~في العقوق مثل الضبة، فضربت به المثل على الضد، فقالوا: أبر من هرة، وهي ~~أيضا تأكل أولادها، فحين سئلوا عن الفرق وجهوا أكل الهرة أولادها إلى شدة ~~الحب، فلم يأتوا بحجة مقنعة. وقال الشاعر: # أما ترى الدهر وهذا الورى ... كهرة تأكل أولادها # واختصم ms1228 إلى شريح، في ولد هرة، فقال شريح: ألقه مع هذه، فإن هي قرت ودرت ~~واسبطرت، فهو لها، وإن هي هرت وفرت واقشعرت، فليس لها. اسبطرت: # اضطجعت وهرت كهرت، من هرير الكلب، واقشعر الجلد: قامت شعوره. # قوله: تعنتك: طلب مشقتك، والتعنت: طلب الزلة، وتعنته أدخل عليه الأذى إذا PageV03P410 # سأله عن شيء، أراد به اللبس والمشقة عليه. سم الخياط: ثقب الإبرة. بثر: ~~خراج صغار، ويقال بثر الجرح، إذا خرجت به أورام صغار فيزيد به سيلان الدم ~~عن الأكل وغيره. تبيغ: هيجان وتبيغ دمه: هاج عليه تلجأ: تحوج. الاشتطاط: ~~مجاوزة القدر. # كليل: حاف. # *** # قال: فلما تبين الفتى أنه يشكو إلى غير مصمت، ويراود استفتاح باب مصمت، ~~أضرب عن رجع الكلام، واحتفز للقيام، وعلم الشيخ أنه قد ألام، بما أسمع ~~الغلام، فجنح إلى سلمه، وبذل أن يذعن لحكمه، ولا يبغي أجرا على حجمه، وأبى ~~الغلام إلا المشي بدائه، والهرب من لقائه، وما زالا في حجاج وسباب، ولزاز ~~وجذاب، إلى أن ضج الفتى من الشقاق، وتلا ردنه سورة الانشقاق، فأعول حينئذ ~~لوفارة خسره، وانعطاط عرضه وطمره. وأخذ الشيخ يعتذر من فرطاته، ويغيض من ~~عبراته، وهو لا يصغي إلى اعتذاره، ولا يقصر عن استعباره، إلى أن قال له: ~~فذاك عمك، وعداك ما يغمك، أما تسأم الإعوال، أما تعرف الاحتمال، أما سمعت ~~بمن أقال، وأخذ بقول من قال: [السريع] # أخمد بحلمك ما يذكيه ذو سفه ... من نار غيظك واصفح إن جنى جاني # فالحلم أفضل ما ازدان اللبيب به ... والأخذ بالعفو أحلى ما جنى جاني # *** # يراود: يعالج. مصمت: مغلق. احتفز: تهيأ وتشمر. ألام: أتى بما يلام عليه. # قال الشاعر: # * ومن يخذل أخاه فقد ألاما* # جنح: مال سلمه: صلحه. بذل أن يذعن، أي أعطى الانقياد من نفسه يبغي أجرا: ~~يطلب أجرة، في حجاج وسباب، أي في لحة وشتم. لزاز: ملازمة للخصومة. # وخصم لزاز ملز، أي لا يفارق الخصومة. جذاب: مضاربة وجذب كل واحد منهما ~~بثوب صاحبه. ضج: صاح. وتلا ردنه، أي قرأ كمه، وجعل صوب التخريق كأنه قراءة. ~~أعول: ms1229 بكى. وفارة خسره، أي كمال خسرانه. انعطاط عرضه وطمره، أي تمزيق عرضه ~~بالشتم، وثوبه بالتخريق، والطمر: الثوب الخلق. فرطاته: بوادره، وما سبق من ~~إذايته. يغيض: يذهب وينقص. عبراته: دموعه. يصغي: يستمع، يقصر: # يكف. استعباره: بكائه عداك: تجاوزك. يغمك: يغطي قلبك بالهم. تسأم: تمل. # الإعوال: البكاء الاحتمال: التسامح والصبر على الأذية: أقال: غفر الذنب. ~~أخمد: PageV03P411 # أطفئ وسكن. يذكيه: يوقده. سفه: جهل، اصفح: أظهر كرمك. جنى: أوقع بك ~~جناية. والجاني: فاعلها. الحلم: العقل والصبر على المضرات. ازدان: افتعل من ~~الزين، أي تزين به. اللبيب: العاقل. العفو: غفر الذنب. جنى: قطف الثمر. ~~وهذان البيتان من بدائع مزدوجاته التي نبهنا على أنها من فائق شعره، وسبقه ~~سابق البربري إلى معناهما بقوله: [البسيط] # لا تظهرن لذي جهل معاتبة ... فربما هيجت بالشيء أشياء # فالماء يخمد حر النار يطفئها ... وليس للجهل غير الحلم إطفاء # ترى السفيه له عن كل محلمة ... زيغ، وفيه إلى التسفه إصغاء # وقال أبو فراس: [البسيط] # ما كنت مذ كنت إلا طوع إخواني ... ليست مؤاخذة الأخوان من شاني # يجني الصديق فأستحلي جنايته ... حتى أدل على عفوي وإحساني # ويتبع الذنب ذنبا حين يعرفني ... عمدا فأتبع غفرانا بغفران # يجني علي فأعفو صافحا أبدا ... لا شيء أحسن من حان على جاني # وذكر الحريري هذين البيتين والمقطوعة قبلهما، وجنس فيهما بين لفظ القافية ~~واللفظ قبله. # ومما جاء من ذلك وهو أضبط مما ذكر قول الشاعر: [المجتث] # قدم لنفسك زادا ... وأنت مالك مالك # من قبل أن تتفانى ... ولون حالك حالك # ولست تعلم يوما ... أي المسالك سالك # إما لجنة عدن ... أو في المهالك هالك # وقال آخر: [الرجز] # ما لك من مالك إلا الذي ... قدمت فابذل طائعا مالكا # تقول أعمالي ولو فتشوا ... وجدت أعمالك أعمى لكا # وقالت للمعتمد جارية له: لقد هنا هنا، فقال: [الرجز] # قالت لقد هنا هنا ... مولاي أين جاهنا # قلت لها إلى هنا ... صيرنا إلا هنا # *** # فقال له الغلام: أما إنك لو ظهرت على عيشي المنكدر، لعذرت في PageV03P412 # دمعي المنهمر، ولكن هان على الأملس ما لاقى الدبر. ثم ms1230 كأنه نزع إلى ~~الاستحياء، فأقلع عن البكاء، وفاء إلى الارعواء، وقال للشيخ: قد صرت إلى ما ~~اشتهيت، فارقع ما أوهيت، فقال: هيهات شغلت شعابي جدواي، فشم بارق سواي. # ثم إنه نهض يستقري الصفوف، ويستجدي الوقوف، وينشد في ضمن ما هو يطوف: ~~[الرجز] # أقسم بالبيت الحرام الذي ... تهوي إليه الزمر المحرمة # لو أن عندي قوت يوم لما ... مست يدي المشراط والمحجمة # ولا ارتضت نفسي التي لم تزل ... تسمو إلى المجد بهذي السمه # ولا اشتكي هذا الفتى غلظة ... مني ولا شاكته مني حمة # لكن صروف الدهر غادرنني ... كخابط في الليلة المظلمة # واضطرني الفقر إلى موقف ... من دونه خوض اللظى المضرمة # فهل فتى تدركه رقة ... علي أو تعطفه مرحمه! # *** # قوله: المنكدر، أي المتغير والكدرة ضد الصفاء. المنهمر: السائل أقلع: ~~ارتفع وزال. فاء: رجع. الارعواء: الاستحياء والرجوع الحسن أوهيت: أفسدت. ~~شم: انظر يستقري: يتتبع يستجدي: يطلب الجدا، وهو العطية. في ضمن: في أثناء ~~وفي خلال تهوي: تسرع المشي وتتساقط إليه. الزمر: الجماعات. المحرمة: ~~الداخلة في الحرم. # تسمو: ترتفع المجد: الشرف. السمة: العلامة. غلظة: جفاء شاكته: ضربته حمة: # شوكة العقرب التي تلسع بها، والحمة: السم فسمي ما يخرج عنه السم باسمه صروف: # نوائب. غادرنني: تركنني. خابط: ماش على جهالة. اضطرني: ألجأني. خوض اللظى: # دخول النار. المضرمة: الموقدة. رقة: شفقة. تعطفه: تلينه. مرحمة: رحمة. # *** # قال الحارث بن همام: فكنت أول من أوى لبلواه، ورق لشكواه، فنفحته ~~بدرهمين، وقلت: لا كانا ولو كان ذا مين، فابتهج بباكورة جناه وتفاءل بهما ~~لغناه، ولم تزل الدراهم تنهال عليه، وتنثال لديه؛ حتى آل ذا عيشة خضراء، ~~وحقيبة بجراء، فازدهاه الفرح عند ذلك، وهنأ نفسه بما هنالك، وقال للغلام: ~~هذا ريع PageV03P413 # أنت بذره، وحلب لك شطره؛ فهلم لنقتسم، ولا نحتشم، . فتقاسماه بينهما شق ~~الأبلمة، ونهضا متفقي الكلمة ولما انتظم بينهما عقد الاصطلاح، وهم الشيخ ~~بالرواح، قلت له: قد تبوغ دمي، ونقلت إليك قدمي، فهل لك أن تحجمني، وتكفكف ~~ما دهمني، فصوب طرفه في وصعد، ثم ازدلف إلي وأنشد. # *** # أوى: أشفق. نفحته: ms1231 رميته ونبذته. ذا مين: صاحب كذب ابتهج: فرح. باكورة: # أول ما يطيب من الشجر، فجعل الدرهمين باكورة لأنهما أول ما أخذ تفاءل: ~~جعلهما فألا، أي لما كان أول ما حصل بأيديهما درهمين، استكثرهما فرجا أن ~~تتمشى عطايا الحاضرين على هذا المثال، وقد كررت ذكر الفأل. ### || AUTO [مما قيل في الطيرة والفأل الحسن] # ونذكر هنا منه فصلا على ما أجرينا العادة في غيره. # كان صلى الله عليه وسلم يكره الطيرة ويعجبه الفأل الحسن (¬1). # ولما قدم المدينة نزل على رجل من الأنصار، فصاح الرجل بغلمانه: يا سالم ~~يا يسار، فقال صلى الله عليه وسلم: «سلمت لنا الدار في يسر». # وقيل لرجل من العرب: ما لكم تسمون أبناءكم بأسماء السباع والكلاب، وتسمون ~~مواليكم بأسماء حسان، مثل عطاء ونجاح؟ فقال: لأنا أعددنا أبناءنا لأعدائنا، ~~وموالينا لأنفسنا. # وسأل عمر رضي الله عنه رجلا عن اسمه واسم أبيه، فقال: ظالم بن سراق، قال: # تظلم أنت ويسرق أبوك! . # وجاءه رجل فقال له: ما اسمك؟ قال: جمرة، قال: ابن من؟ قال: ابن شهاب، ~~قال: ممن؟ قال: من الحرقة، قال: وأيا تسكن؟ قال: بحرة النار. قال: بأيها؟ قال: # بذات لظى، قال: أدرك أهلك، فقد احترقوا، فرجع فوجدهم قد احترقوا، فكان ~~كما قال. # الفنجديهي بسنده، حدثني أحمد بن علي، حدثني أبو مسعود، قال: قال لي أبو ~~داود السنجي: ما اسمك؟ قلت: سعد، قال: ابن من؟ قلت: ابن مسعدة، قال: أبو من؟ # قلت: أبو مسعود، قال لي: مسألتك مثل أعرابي لقي آخر، فقال: ما اسمك؟ قال: ~~قيض فقال: ابن من؟ قال: ابن الفرات، قال: أبو من؟ قال: أبو بحر، قال: ليس ~~لنا أن نكلمك إلا في زورق. PageV03P414 # وقال علي بن الجهم: دخلت يوما على المتوكل، وهو جالس في صحن داره، وبيده ~~غصن آس، وهو يتمثل بهذا الشعر [البسيط] # بالشط لي سكن أفديه من سكن ... أهدي من الآس لي غصنين في غصن # فقلت إذ نظما إلفين وانتسقا ... سقيا ورعيا لفأل منكما حسن # فالآس لا شك آس من تشوقنا ... شاف وآس تبقى لي ms1232 على الزمن # بشرتماني بأسباب ستجمعنا ... إن شاء ربي ومهما يقضه يكن # ثم قال لي- وكدت أنشق حسدا: لمن هذا الشعر يا علي؟ فقلت: للحسين بن ~~الضحاك يا سيدي، فقال: هو والله عندي أشعرهم وأحسنهم مذهبا وأظرفهم نمطا، ~~فقلت: وقد زاد غيظي: في هذا النمط يا سيدي؟ قال: وفي غيره، وإن رغم أنفك ~~ومت حسدا، وأردت إنشاده قصيدة، فقلت: إني لا أنتفع بها مع ما جرى، فأخرتها ~~إلى وقت آخر. # قوله: تنهال، أي تنصب متفرقة. آل: رجع. خضراء: ناعمة لكثرة الرزق. حقيبة ~~بجراء، أي وعاء ممتلئ، والأبجر: الذي خرجت سرته ازدهاه: هزه وأعجبه الريع: # الزيادة والفضل والبذر: ما يزرع من الحبوب حلب: لبن شطره: نصفه. نحتشم: ~~نستحي أو نغضب. الأبلمة: الدومة تشق ورقتها فتخرج أبدا معتدلة. تكفكف: تدفع وتكف. # دهمني: أصابني ازدلف: قرب. # *** ### || AUTO [الرجز] # كيف رأيت خدعتي وختلي ... وما جرى بيني وبين سخلي # حتى انثنيت فائزا بالخصل ... أرعى رياض الخصب بعد المحل # بالله يا مهجة قلبي قل لي ... هل أبصرت عيناك قط مثلي # يفتح بالرقية كل قفل ... ويستبي بالسحر كل عقلي # ويعجن الجد بماء الهزل ... إن يكن الإسكندري قبلي # فالطل قد يبدو أمام الوبل ... والفضل للوابل لا للطل # قال: فنبهتني أرجوزته عليه، وأرتني أنه شيخنا المشار إليه، فقرعته على ~~الابتذال، والالتحاق بالأرذال، فأعرض عما سمع، ولم يبل بما قرع، وقال: كل ~~الحذاء يحتذي الحافي الوقع. ثم قاصاني مقاصة المهان، وانطلق هو وابنه كفرسي رهان. # *** PageV03P415 # ختلي: مكري. سخلي: ولدي. الخصل: الغلب في القمار، وفي مسابقة الخيل، وفي ~~مراماة السهام. يستبي: يأخذ ويسبي، وقد تقدم في شرح الصدر التنبيه على هذا ~~الموضع. الطل: أضعف المطر. والوبل: أشده قرعته: أقلقته بكثرة اللوم، وبأخذي ~~له بلساني. الابتذال: امتهان نفسه في الصنعة الهجينة. الأرذال: الأدنياء، ~~فأراد عنفته ولمته أشد اللوم على حرفة الحجامة، فإنها صنعة أرذال الناس ~~وسفلتهم. # ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العرب بعضها لبعض ~~أكفاء، قبيلة لقبيلة، وحي لحي، ورجل لرجل. والموالي أكفاء إلا حائكا أو ~~حجاما». # وقال علي ms1233 بن الحسين: أربعة أعمال كانت في سفل بني إسرائيل، وصارت في سفل ~~العبيد وستكون في سفل الأحرار: الحياكة، والحجامة، والدباغة والكناسة. # رفاعة بن موسى: سمعت الصادق يقول: ست لا ينجبون: الملاح، والمكاري، ~~والحمامي، والحجام، والبيطار، والحائك. # وممن شهر من الأدباء بصنعة هجينة نصر بن محمد الخابزرزي، كانت صنعته خبز ~~خبز الأرز في دكانه بمربد البصرة، فكان ينشد أشعاره على الغزل، والناس ~~يزدحمون عليه، وأحداث البصرة يتنافسون في ميله إليهم. # وكان ابن لنكك على ارتفاع قدره ينتاب دكانه، فحضره يوما وعليه ثياب بيض ~~فاخرة، فتأذى بالدكان من الدخان وسوء أثره على ثيابه، فانصرف وكتب إليه: ### || AUTO [الوافر] # لنصر في فؤادي فرط حب ... ينيف به على كل الصحاب # أتيناه فبخرنا بخورا ... من السعف المدخن بالتهاب # فقمت مبادرا وحسبت نصرا ... يريد بذاك طردي أو ذهابي # وقال: متى أراك أبا حسين؟ ... فقلت له إذا اتسخت ثيابي # فلما قرئت عليه أملى على من قرأها، وكتب على ظاهرها: ### || AUTO [الوافر] # منحت أبا الحسين صميم ودي ... فخاطبني بألفاظ عذاب # أتى وثيابه كالشيب لونا ... فعدن له كريعان الشباب # وبغضي للمشيب أعد عندي ... سوادا لونه لون الخضاب # فإن يكن المعطر فيه فخرا ... فلم يكن الوصي أبا تراب # ومن شعره: [الطويل] # خليلي هل أبصرتما أو سمعتما ... بأحسن من مولى تمشى إلى العبد # أتى زائرا من غير وعد وقال لي: ... أصونك عن تعذيب قلبك بالوعد PageV03P416 # فما زال نجم الكأس بيني وبينه ... يدور بأفلاك السعادة والسعد # وله: [البسيط] # ورد الخدود ورمان النهود وأغ ... صان القدود تصيد السادة الصيدا # من لي إذا ما رأيت الخصر مختصرا ... والردف مرتدفا والقد مقدودا # وكان يحيى السرقسطي أديبا فرجع إلى الجزارين، فأمر الحاجب بن هود أبا ~~الفضل ابن حميد أن يوبخه على ذلك فكتب إليه: [الوافر] # تركت الشعر من عدم الإصابه ... وملت إلى الجزارة والقصابه # فأجابه يحيى: [الوافر] # تعيب علي مألوف القصابه ... ومن لم يدر قدر الشيء عابه # ولو أحكمت منها بعض فن ... لما استبدلت عنها بالحجابه # وإنك لو طلعت علي يوما ... وحولي من بني كلب عصابه ms1234 # لهالك ما رأيت وقلت هذا ... هزبر صير الأوضام غابه # فتكنا في بني العنزي فتكا ... أقر الذعر فيهم والمهابة # ولم نقلع عن الثوري حتى ... مزجنا بالدم القاني لعابه # ومن يعتز منهم بامتناع ... فإن إلى صوارمنا إيابه # ويبرز واحد منا لألف ... فيغلبهم وتلك من الغرابه # وحقك ما تركت الشعر حتى ... رأيت البخل قد أمضى شهابه # وحتى زرت مشتاقا حميمي ... فأبدى لي التجهم والكآبة # وظن زيارتي لطلاب شيء ... فأقصاني وأغلظ لي حجابه # قوله: ولم يبل: أصله يبالي، حذفت ياؤه للجزم، فصار يبال، فلما كثر ~~استعماله صار بمنزلة ما لم يحذف منه شيء فقدروا تكرير الجازم عليه مرة أخرى ~~فحذفت حركة اللام للجزم، فسكنت اللام، وقبلها ألف ساكنة فحذفت الألف ~~لالتقاء الساكنين. # ولأبي علي في هذه المسألة عبارة استوحش منها أكثر العلماء، فمن مخطئ ومن ~~مصوب، وتحقيقها غائب إلا عن أهل التحقيق، وقد أوضحناها في شرحنا لكتاب ~~الإيضاح، والإكثار من مسائل الإعراب في كتب الآداب مما يستبرد ويعاب. # أعرض، أي نحى وجهه لجهة قاصاني: فارقني، وقال الفراء: كل شيء أبنته من ~~شيء فقد قصيته منه، وتقصى الرجل من الرجل: بان عنه، وكل رجل باين شيئا فقد ~~تقصى عنه. الليث رحمه الله: كل شيء لازم خلصته فقد تقصى، وتقصيت من الديون: # خرجت منها. فرسي رهان: هما اللذان يجريان ويجعل معهما جعل، فمن سبق أخذه. PageV03P417 # ومما أستحسن من أبيات اللغز في هذا الباب قولهم في المشارط: [المتقارب] # وخضراء لا من بنات الهديل ... يلفف بالسير منقارها # كأن مشق عيون القطا ... إذا هن هومن آثارها # آخر: [البسيط] # وكان جدي هراش في كتابته ... من أكتب الناس يا هارون بالألف # يعني آثار التشريط تبقى كصور الألفات. # وقال آخر: [مجزوء الرمل] # يا بن من يكتب في الأر ... قاب من غير دواة # لم يكن يكتب فيها ... غير خط الألفات # وقال ابن كناسة يخاطب إبراهيم بن سيابة: [المنسرح] # يا بن الذي عاش غير مضطهد ... يرحمه الله أيما رجل # له رقاب الملوك خاضعة ... من بين حاف منهم ومنتعل # أبوك أو هى النجاد كاهله ... كم ms1235 من كمي أدمى ومن بطل # يأخذ من ماله ومن دمه ... لم يمس من ثأره على وجل # في كفه صارم يقلبه ... يقد أعناق سادة نبل # وأخذ صاحب الشرطة رجلا في ريبة، فقال: أصلحك الله: احفظ في الأبوة، وقال: ~~[الكامل] # أنا الذي لا تنزل الدهر قدره ... وإن نزلت يوما فسوف تعود # ترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره ... فمنهم قيام حولها وقعود # فأمر بتركه، ثم أخبر أن أباه باقلاني، فقال: لو لم نتركه إلا لأدبه وحسن ~~تخلصه من الكذب لكان فعلنا سدادا. # وكان بالمدينة فتى أبوه مغن وأمه نائحة، فأغضبه إنسان، فقال: أتغضبني ~~وأنا ابن الطرب والحرب! . # وقال ابن عباس المصري يذكر غلاما جميلا، والحجام يأخذ من شعره في الحمام: # [مخلع البسيط] # مزين انبرى لظبي ... كأنه البدر في سجوفه # كأن موساه وهو لما ... نضى بها الشعر في وقوفه # كيوان في كفه حسام ... يخلص البدر من كسوفه PageV03P418 # ولبعضهم يمدح حجاما: [البسيط] # إن المزين إنسان صناعته ... تعلو الصنائع إذ ما مثلها صنعت # ألا ترى أنه لا يستراب به ... وآله الموت في صندوقه جمعت # يخلو مع الملك المرهوب جانبه ... فيما إليه ضرورات الأمور دعت # تعلو أنامله في حين خلوته ... مواضعا لو علتها غيرها قطعت # وقال السري في مزين محسن: [المتقارب] # هل الحذق إلا لعبد الكريم ... حوى فضله حادثا عن قديم # إذا لمع البرق في كفه ... أفاض على الرأس ماء النعيم # جهول الحسام ولكنه ... يروح ويغدو بكفي عليم # له راحة سيرها راحة ... تمر على الرأس مر النسيم # نعمنا بخدمته مذ نشا ... فنحن به في نعيم مقيم # وله في طبيب: [السريع] # أوضح نهج الطب في معشر ... ما زال فيهم دارس الرسم # كأنه من لطف أفكاره ... يجول بين الدم واللحم # إن غضبت روح على جسمها ... ألف بين الروح والجسم # وفي ضده لأبي نصر كشاجم: [المجتث] # عيسى الطبيب ترفق ... فأنت طوفان نوح # يأبى علاجك إلا ... فراق جسمي وروحي # شتان ما بين عيسى ... وبين عيسى المسيح # فذاك محيي ممات ... وذا مميت الصحيح # وللخوارزمي: [السريع] # أبو سعيد راحل للكرام ... ومنسف ينسف عمر ms1236 الأنام # لم أره إلا خشيت الردى ... وقلت: يا روحي عليك السلام # يبقى ويفنى الناس من شؤمه ... قوموا انظروا كيف نحاة اللئام # ثم تراه آمنا سالما ... يا ملك الموت إلى كم تنام # وللسري: [الكامل] # هل للعليل سوى ابن قرة شاف ... بعد الإله وهل له من كاف # فكأنه عيسى ابن مريم ناطقا ... يهب الحياة بأيسر الأوصاف PageV03P419 # مثلت له قارورتي فرأى بها ... ما اكتن بين جوانحي وشغافي # يبدو له الدواء الحفي كما بدا ... للعين رضراض الغدير الصافي # وكثرة الكلام وقف على أهل الحجامة، ولذلك صرف الحريري بين الشيخ وابنه ما ~~تقدم في هذه المقامة. وكان الفقيه الأعمش أكثر الناس تبرما إن أعاد أحد ~~عليه سؤالا انتهره، وأخطأ يوما على قوم، فقالت لهم امرأته من وراء الستر: ~~احملوا عنه فو الله ما يمنعه من الحج منذ ثلاثين سنة إلا مخافة أن يظلم ~~كريه أو يشتم رفيقه، وكثر عليه الشعر فقال له تلامذته: لو أخذت من شعرك؟ ~~فقال: لا نجد حجاما يسكت، قالوا له: نأتيك به، ونأخذ عليه أن يسكت حتى ~~يفرغ، قال: افعلوا. فأتي بحجام ووصي ألا يكلمه، فبدأ بحلقه، فلما أمعن سأله ~~في مسألة فنفض ثيابه، وقام بنصف رأسه محلوقا، حتى دخل بيته، فأخرج الحجام، ~~وأتي بغيره، فقال: والله لا أخرج إليه حتى توصوه، وتحلفوه، فحلف ألا يسأله ~~في شيء، وحينئذ خرج إليه. # ومقامة الحجام في البديعية، منها قال عيسى بن هشام: فطلبت حجاما فجاءوا ~~برجل نظيف، ظريف لطيف، فارتحت إليه، وسلمت عليه، فقال لي: السلام عليك، من ~~أي بلد أنت؟ فقلت: من مصر، فقال لي: حياك الله، من أرض النعمة والرفاهة، ~~وبلد السنة والجماعة، ولقد حضرت في رمضان جامعها، وقد اشتعلت المصابيح، ~~وأقيمت التراويح، فما شعرنا إلا بمد النيل، قد أتى على تلك القناديل، ولكن ~~صنع الله لي بخف، كنت لبسته رطبا فلم يحصل طرازه على كمه، وعاد الصبي إلى ~~أمه، بعد أن صليت العتمة، واعتدل الظل، ولكن كيف كان حجك، هل قضيت مناسكه ~~كما وجب، وصاح الصبيان: العجب العجب، فنظرت إلى ms1237 المنارة، وما أهون الحرب ~~عند النظارة ووجدت الهريسة على حالها، فعلمت أن الأمر بقضاء من الله وقدر، ~~وإلى متى هذا الضجر، واليوم وغد، والسبت والأحد، ولم أكثر وأطيل، وما أكثر ~~القال والقيل، وإن أردت أن تعلم المبرد حديد الموسى في النحو فلا تشتغل ~~بقول العامة، فلو كانت الاستطاعة قبل الفعل لحلقت رأسك، فهل ترى يا سيدي أن ~~ابتدئ؟ . # قال عيسى: فبقيت والله متعجبا من هذيانه، وسألت عنه فإذا هو أبو الفتح قد ~~غلب السواد عليه، فتركته وانصرفت فهذه غرارة حجام على الحقيقة. # قال الشيخ الإمام الرئيس أبو محمد القاسم بن علي رضي الله عنه: # قد أودعت هذه المقامة بضعة عشر مثلا من أمثال العرب، وها أنا أفسر منها ~~ما إخاله يلتبس، على من يقتبس. # أما قوله: بطء فعد، فهو مولى عائشة بنت سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، ~~وكانت بعثته بالمدينة ليقتبس لها نارا، فقصد من فوره مصر، وأقام بها سنة، ~~ثم جاءها بعد السنة وهو يشتد ومعه جمر، فتبدد منه فقال: تعست العجلة! . PageV03P420 # وأما ذات النحيين فهي امرأة من تيم الله بن ثعلبة، حضرت سوق عكاظ ومعها ~~نحيا سمن، فاستخلى بها خوات بن جبير الأنصاري ليبتاعهما منها، ففتح أحدهما ~~وذاقه ودفعه إليها، فأخذته بإحدى يديها، ثم فتح الآخر وذاقه ودفعه إليها، ~~فأمسكته بيدها الأخرى ثم غشيها، وهي لا تقدر على الدفع عن نفسها لحفظها فم ~~النحيين وشحها على السمن. فلما قام عنها قالت له: لا هنأك، فضرب بها المثل ~~فيمن شغل، وهي في هذا المثل مفعولة، لأنها شغلت. وأكثر الأفعال التي على ~~أفعل تأتي من فعل الفاعل. # وأما قوله: أنف في السماء واست في الماء، فيضرب هذا المثل لمن يكبر ~~مقالا، ويصغر فعالا. # وأما قوله: أفرغ من حجام ساباط، فذكر أنه كان حجاما ملازما ساباط المدائن ~~يحجم الجندي بدانق نسيئة، وربما مرت عليه برهة لا يقربه فيها أحد فكان يبرز ~~أمه عند تمادي عطلته، فيحجمها لكيلا يقرع بالبطالة، فما زال يحجمها حتى نزف ~~دمها وماتت. # وأما قوله: يشكو ms1238 إلى غير مصمت، فهو مثل يضرب لمن لا يكترث بشأن صاحبه، ~~ولا يعبأ باستمرار شكايته، لأنه لو أشكاه لصمت. وأمسك عن الكلام، ومنه قول ~~الراجز يخاطب جملا له: [الرجز] # إنك لا تشكو إلى مصمت (¬1) ... فاصبر على الحمل الثقيل أو مت # ونحو هذا المثل: هان على الأملس ما لاقى الدبر. # وأما قوله: شغلت شعابي جدواي، فالمراد به أنه ليس يفضل عني ما أصرفه إلى ~~غيري. والشعاب: هي النواحي، واحدها شعب. # وقوله: كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع، معناه أن المجهود يقنع بما يجد، ~~والواقع أن تصيب الحجارة القدم فتوهنها. فأما البعير الموقع فهو الذي يكثر ~~آثار الدبر بظهره. PageV03P421 ### | AUTO المقامة الثامنة والأربعون وتعرف بالحرامية # روى الحارث بن همام عن أبي زيد السروجي قال: ما زلت مذ رحلت عنسي، ~~وارتحلت عن عرسي وغرسي، أحن إلى عيان البصرة، حنين المظلوم إلى النصرة، لما ~~أجمع عليه أرباب الدراية، وأصحاب الرواية؛ من خصائص معالمها، وعلمائها، ~~ومآثر مشاهدها وشهدائها، وأسأل الله أن يوطئني ثراها، لأفوز بمراها، وأن ~~يمطيني قراها، لأفتري قراها. فلما أحلنيها الحظ، وسرح لي فيها اللحظ، رأيت ~~بها ما يملأ العين قرة، ويسلي عن الأوطان كل غريب، فغلست في بعض الأيام، ~~حين نصل خضاب الظلام، وهتف أبو المنذر بالنوام لأخطو في خططها، وأقضي الوطر ~~من توسطها، فأداني الاختراق في مسالكها، والانصلات في سككها، إلى محلة ~~موسومة بالاحترام، منسوبة إلى بني حرام، ذات مساجد مشهودة، وحياض مورودة، ~~ومبان وثيقة، ومغان أنيقة، وخصائص أثيرة، ومزايا كثيرة. # *** # رحلت، أي شددت عليها الرحل، والرحل: سرج الناقة، والعنس: الناقة القوية، ~~شبهت بالعنس وهي الصخرة لصلابتها، قال الليث: إذا تم سن الناقة، واشتدت ~~قوتها وصلبت عظامها وأعضاؤها فهي عنس. عرسي: زوجتي غرسي: أولادي. أحن: اشتاق. # عيان: معاينة ومشاهدة. خصائص: ما يختص به من الفضائل. معالمها: مواضعها ~~المشهورة. والمآثر: الفضائل والمكارم، والمأثرة: الفضيلة يخص بها. مشاهدها: # مواضع اجتماع أهلها يوطئني ثراها: يجعلني أطؤها وأمشي عليها، وأوطأه ~~الشيء: أمكنه من أن يطأه. الثرى: التراب الندي. ومرآها: منظرها. يمطيني ~~قراها: يركبني ظهرها. # اقتري: أتتبع. ms1239 أحلنيها: أنزلنيها. الحظ: السعد. اللحظ: العين قرة: سرور. يسلي: # يشغل. غلست: خرجت في الغلس، وهي ظلمة آخر الليل. نصل: زال. هتف: صاح. # أبو المنذر: كنية الديك، ويكنى أبا سليمان. أبو هريرة: إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة». PageV03P422 # أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم الديكة تصيح ~~فإنها رأت ملكا فاسألوا الله من فضله، وإذا سمعتم نهيق الحمير، فإنها رأت ~~شيطانا فاستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم» (¬1). # قال صلى الله عليه وسلم: «الديك الأبيض صديقي وإنه يحرس دار صاحبه وسبع ~~دور وكأن مستمعه في البيت». # وقال ابن المعتز ويصف ديكا: [المنسرح] # بشر بالصبح طائر هتفا ... هاج من الليل بعد ما انتصفا # مذكر بالصباح صاح بنا ... كخاطب فوق منبر وقفا # صفق إما ارتياحه لسنا الف ... جر وإما على الدجا أسفا # وله: [المنسرح] # وصاح فوق الجدار مشترفا ... كمثل طرف علاه أسوار # ثم غدا يسأل الفرات عن ال ... أرزاق منه ثغر ومنقار # رافع رأسه طورا وخافضه ... كأنما العرف منه منشار # وقال الأسعد بن بليط: [البسيط] # وقام بها ينعى الدجى ذو شقشقة ... يدير الينا بين أجفانه سقطا # إذا صاح أصغى سمعه لأذانه ... وبادر ضربا من قوادمه الإبطا # ومهما اطمأنت نفسه قام صارخا ... على خير ازن نيط من صفره خرطا # كأن أنو شروان أعلاه تاجه ... وناطت عليه كف مارية القرطا # سبى حلة الطاوس حسن لباسه ... ولم يكفه حتى سبى مشية البطا # قوله: أخطو، أي أمشي. خططها: طرقها. الوطر: الحاجة. توسطها: المشي في ~~وسطها. أداني: أوصلني. الاختراق: المشي، واخترقت البلدة، إذا قطعت أرضها ~~بالمشي. والاختراق: المرور والسلوك. والمسالك: الطرق والانصلات: الخروج ~~بسرعة من زقاق إلى آخر، وانصلت السيف: خرج بسرعة. سككها: أزقتها الواحدة ~~سكة، وسميت سكة لاصطفاف الدور فيها، ويقال للطريق المستوية المصطفة من ~~النخل: سكة. # محلة: منزلة. موسومة: معلمة. الاحترام: الامتناع. حياض: جمع حوض. مورودة: # مقصودة للشرب. مغان: منازل. أنيقة: معجبة حسنة. أثيرة: منتشرة لكثرتها ~~مزايا: جمع مزية وهي الفضيلة يختص بها الشيء: [الوافر] PageV03P423 # بها ما ms1240 شئت من دين ودنيا ... وجيران تنافوا في المعاني # فمشغوف بآيات المثاني ... ومفتون برنات المثاني # ومضطلع بتلخيص المعاني ... ومطلع إلى تلخيص عاني # وكم من قارئ فيها وقار ... أضرا بالجفون وبالجفان # وكم من معلم للعلم فيها ... وناد للندى حلو المجاني # ومغنى لا تزال تغن فيه ... أغاريد الغواني والأغاني # فصل إن شئت فيها تصل ... وإما شئت فادن من الدنان # ودونك صحبة الأكياس فيها ... أو الكاسات منطلق العنان # *** # تنافوا: تباعدوا. مشغوف: مولع شديد الحب. المثاني: أم القرآن، وقيل السبع ~~الطوال من أول القرآن. ورنات: أصوات. المثاني: أوتار عود الغناء. مضطلع: ~~قوي التلخيص: تهذيب الشيء وتخليص فوائده، وكأنه مقلوب التخليص. وتخليص عان: # افتكاك أسير. قارئ: عابد مكثر لقراءة القرآن، قار: مطعم للضيف. الجفون: ~~العيون. # الجفان: صحاف الطعام، يريد أن هذا أضر بجفونه بكثرة النظر في الورق قارئا ~~ما فيها وهذا بجفانه لإطعام ما فيها. مغنى: منزل. تغن: تصوت. أغاريد: ~~أصوات. الغواني: # جمع غانية، وهي المرأة الجميلة. الأغاني: جمع أغنية، وهي ما يتغنى به. ~~الدنان: # خوابي الخمر. دونك، أي الزم. الأكياس: أهل الفطنة والتدبير. منطلق ~~العنان: مسيب مسرح. # *** # قال: فبينما أنا أنفض طرقها، وأستشف رونقها؛ إذ لمحت عند دلوك براح، ~~وإظلال الرواح، مسجدا مشتهرا بطرائفه، مزدهرا بطوائفه، وقد أجرى أهله ذكر ~~حروف البدل، وجروا في حلبة الجدل، فعجت نحوهم، لأستمطر نوءهم، لا لأقتبس ~~نحوهم، فلم يك إلا كقبسه العجلان، حتى ارتفعت الأصوات بالأذان، ثم ردف ~~التأذين بروز الإمام، فأغمدت ظبى الكلام، وحلت الحبى للقيام، وشغلنا ~~بالقنوت، عن استمداد القوت، وبالسجود، عن استنزال الجود ولما قضي الفرض، ~~وكاد الجمع ينفض، انبرى من الجماعة، كهل حلو البراعة، له مع السمت الحسن، ~~ذلاقة اللسن، وفصاحة الحسن. وقال: يا جيرتي، الذين اصطفيتهم على أغصان ~~شجرتي، وجعلت خطتهم دار هجرتي، واتخذتهم كرشي وعيبتي، PageV03P424 # وأعددتهم لمحضري وغيبتي، أما تعلمون أن لبوس الصدق أبهى الملابس الفاخرة، ~~وأن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة، وأن الدين إمحاض النصيحة، والإرشاد ~~عنوان العقيدة الصحيحة، وأن المستشار مؤتمن، والمسترشد بالنصح قمن. # *** # انفض طرقها، أي أمشي بها وحدي، ms1241 يقال: جاء فلان ينفض الطريق إذا جاء وحده ~~وقالت الجهنية: [الكامل] # يرد المياه حضيرة ونفيضة ... ورد القطاة إذا اسمأل التبع (¬1) # الحضيرة: الذي يحضر معه غيره، وجمعه الحضائر. والتبع: الظل واسمأل: # نقص، ويقال أيضا: نفض المكان واستنفضه، إذا نظر جميع ما فيه حتى يعرفه. # استشف: استقصى النظر. رونقها: حسنها، لمحت: نظرت. دلوك براح: زوال الشمس، ~~وبراح من أسمائها مبني على الكسر. عبد الله بن مسعود دلوكها: غروبها. أبو ~~عبيدة: دلوك الشمس زوالها وميلها، وهو قول ابن عباس الأزهري هذا القول أصح ~~عندي، وقيل: دلوكها، من زوالها إلى غروبها. # ويدلك هذا الوصف على أن البصرة من نهاية العظم والكبر على جانب عظيم، ~~لأنه زعم أنه خرج في الغلس، وبقي يمشي في أزقتها إلى الظهر. ويقال إنها في ~~آخر الدولة الأموية كسرت فوجد في طولها فرسخان، وفي عرضها فرسخ وخمسة أسداس فرسخ. # قوله: إظلال، أي دنو وقرب. طرائفه: عجائبه وغرائبه. مزدهرا: مضيئا بحلق ~~الفضلاء والعلماء. طوائفه: جماعاته، وحروف الإبدال يجمعها طال يوم أنجدته. # والحلبة: جماعة الخيل في الطلق تجرى ليختبر عتيقها من هجنها الجدل: ~~الخصام. # عجت: ملت. أستمطر نوءهم: أطلب معروفهم، والنوء طلوع نجم من المنازل وسقوط ~~آخر يقابله. أقتبس: آخذ، وقبسة العجلان أخذه القبس، وهو شعلة من نار ~~يقتبسها من معظم النار. ردف: تبع وجاء بعده قال تعالى: ردف لكم [النمل: # 72]، أي جاء بعدكم، وأردفت الرجل جئت بعده ابن الأعرابي: ردفت الرجل ~~وأردفته ولحقته وألحقته بمعنى واحد. القنوت: الطاعة، وهو أيضا طول القيام ~~في PageV03P425 # الصلاة. ابن الأنباري: القنوت أربعة أقسام: الصلاة وطول القيام وإقامة ~~الطاعة والسكوت. استمداد: طلب أن يمدوه بالقوت وهو الاستنزال. ينفض: يتفرق. # انبرى: ظهر وقام بسرعة. كهل: تام الخلق. السمت: الوقار. ذلاقة: حده. اللسن: # حدة اللسان، وتقدم الحسن في الأربعين. اصطفيتهم: اخترتهم. أغصان شجرتي: # بني عمي وقرابتي وأولادي. خطتهم: بلدتهم، والمهاجر عند العرب: المستقبل ~~من البادية إلى الحاضرة. ودار هجرتي: موضع سكناي الذيهاجرت إليه. كرشي: ~~أهلي عيبتي: خاصتي الذين أنفرد بهم. وعيبة الرجل: موضع سره. وكرشه: عياله ~~والعيبة: وعاء ms1242 يجعل فيه المتاع، والكرش مثلها، والكرش الجماعة من الناس، ~~والكرش أيضا لكل مجتر من البهائم بمنزلة المعدة من الإنسان، فساق الكرش ~~والعيبة على جهة المثل وإنهم موضع سره، وقال صلى الله عليه وسلم: «الأنصار ~~كرشي وعيبتي» (¬1)، قيل: # موضع سري، وقيل مدادي لأن ذات الكرش تستمد من كرشها الفضوح والفضيحة: # الشهرة. إمحاض: إخلاص. الإرشاد: الهداية. عنوان العقيدة: دليل البواطن ~~والمعتقدات. والمستشار: الذي تستشيره في رأيك. مؤتمن: قد أمن على الأسرار ~~والنفوس، لا يخون فيها، وقال صلى الله عليه وسلم: «ما ندم من استشار، ولا ~~شقي من استخار» وقال بشار: [الطويل] # إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أو مشورة حازم # ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي رافدات القوادم # وما خير كف أمسك الغل أختها ... وما خير سيف لم يؤيد بقائم # وخل الهوينى للضعيف ولا تكن ... نئوما فإن الدهر ليس بنائم # وحارب إذا لم تعط إلا ظلامة ... شبا الحرب خير من قبول المظالم # وهي قصيدة طويلة، قالها في إبراهيم بن عبد الله، فلما قتل صرفها إلى ~~المنصور في أبي مسلم، وكان بشار يقول: المشاور على إحدى الحسنيين: صواب ~~يفوز بثمرته، وخطأ يشارك في مكروهه وقال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم: وشاورهم في الأمر [آل عمران: 159]، لما في ذلك من الائتلاف، وهو أغنى ~~الناس عن المشورة وقال ابن المعتز: [الوافر] # تجاوز عن إساءة كل دهر ... وصاحب يوم حادثة بصبر # وإن نابتك نائبة فشاور ... فكم حمد المشاور غب أمر # وقسم هم نفسك في نفوس ... ولا تنفردن بطول فكر PageV03P426 # إذا كظ الفرات بماء مد ... أغص به حلاقم كل نهر # قال عيسى بن علي: ما زال المنصور يشاور في أمره، حتى قال فيه ابن هرمة: # [الطويل] # إذا ما أراد الأمر ناجى ضميره ... فناجى ضميرا غير مختلف العقل # ولم يترك الأدنين في كل أمره ... إذا اختلفت بالأضعفين قوى الحبل # وأنشد الجاحظ: [الرمل] # ليت هندا أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما تجد (¬1) # واستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد # ثم قال: ولا أعلم الموصوف ms1243 بالاستبداد إلا مجهلا مذموما، والمثل السائر ~~على الأفواه: [الطويل] # وما العجز إلا أن تشاور عاجزا ... وما العزم إلا أن تهم وتفعلا # وقال سعد بن ناشب: [الطويل] # إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ... ونكب عن ذكر العواقب جانبا (¬2) # ولم يستشر في رأيه غير نفسه ... ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا # وقال ابن رشيق في أدب قوله تعالى: وشاورهم في الأمر [آل عمران: 159]: # [الطويل] # أشاور أقواما لآخذ رأيهم ... فيلوون عني أعينا وخدودا # وليس برأيي حاجة غير أنني ... أؤنسه كي لا يكون وحيدا # ولا أنا ممن يبعث السهم راميا ... إلى غرض حتى يكون سديدا # فلا يتهم عقلي الرجال فإنني ... أعرفهم أني خلقت ودودا # وأنشد الحريري بيتي بشار في درة الغواص على أن قول الخواص مشورة بوزن ~~مفعلة خطأ وإنما هي مشورة بوزن معونة ومثوبة مثل مكرمة من الصحيح، فنقلت ~~حركة الواو إلى ما قبلها فسكنت، واختلف في اشتقاقها فقيل: هو من شرت العسل ~~أشوره إذا جنيته، فكأن المستشير يجني الرأي من المشير، وقيل من شرت الدابة ~~إذا أجريتها مقبلة ومدبرة لتختبرها، والاشتقاقان متقاربان. المسترشد: ~~السائل أن يرشد. # قمن: حقيق. # *** PageV03P427 # وأن أخاك هو الذي عذلك، لا الذي عذرك، وصديقك من صدقك، لا من صدقك، فقال ~~له الحاضرون: أيها الخل الودود، والخدن المودود، ما سر كلامك الملغز، وما ~~شرح خطابك الموجز؟ وما الذي نبغيه منا لينجز، فو الذي حبانا بمحبتك، وجعلنا ~~من صفوة أحبتك، ما نألوك نصحا، ولا ندخر عنك نضحا، فقال: جزيتم خيرا، ~~ووقيتم ضيرا، فإنكم ممن لا يشقى بهم جليس، ولا يصدر عنهم تلبيس، ولا يخيب ~~فيهم مظنون، ولا يطوى دونهم مكنون، وسأبثكم ما حاك في صدري، وأستفتيكم فيما ~~عيل فيه صبري. # *** # عذلك: لامك. صدقك: قال الصدق، كأنه أراد أن الصديق إنما سمي صديقا لصدقه ~~لصاحبه، يريد أن أخاك هو الذي يلومك ويقبح لك سوء فعلك ومن حسن عذرك في ~~ذلك، فليس بصديق ولا أخ، مثل ما حكى الأصمعي، قال: سمعت أعرابيا يقول لأخ ~~له: اعلم أن الناصح لك المشفق عليك، من طالع ms1244 لك ما وراء العواقب برويته ~~ونظره، ومثل لك الأحوال المخوفة، وخلط لك الوعر بالسهل من كلامه ومشورته، ~~ليكون خوفك كفء رجائك، وشكرك إزاء النعمة عليك، وأن الغاش لهواك والحاطب ~~عليك من مد لك في الاغترار، ووطأ لك مهاد الظلم، تابعا لمرضاتك منقادا ~~لهواك، وقال الشاعر فيمن لا يقبل النصح: [المتقارب] # إذا ما هديت امرأ مخطئا ... أضل السبيل إلى قصده # فلم تلفه سامعا قابلا ... فحس له المشي في ضده # الخل: الخليل. الودود: الصاحب الكثير الود: الخدن المودود: الصديق ~~لمحبوب. الملغز: المبهم الخفي الموجز: المختصر. تبغيه: تطلبه لينجز: ليفعل ~~في الحين. حبانا: اختصنا صفوة: خيار. نألوك نصحا: نقصر في نصيحتك ندخر: ~~نرفع ونخبأ نضحا: عطية ندفعها لك، مأخوذ من النضح وهو الشرب القليل دون الري. # والنضح أيضا: الرش بالماء. ووقيتم ضيرا: الضر يصدر: يرجع. تلبيس: التباس ~~وتخليط. لا يخيب فيهم مظنون، أي ما ظن فيهم من النصح والمعاونة موجودة فيهم ~~غير مفقودة. مكنون: مستور يطوى: يحجب ويستتر. أبثكم: أنشر لكم وأظهر. حاك ~~في صدري: أثر فيه واحتك به. عيل: غلب وعالني الشيء عولا: غلبني وثقل علي. # *** # اعلموا أني كنت عند صلود الزند، وصدود الجد، أخلصت مع الله نية العقد، ~~وأعطيته صفقة العهد، على ألا أسبأ مداما، ولا أعاقر ندامى. ولا أحتسي PageV03P428 # قهوة، ولا أكتسي نشوة، فسولت لي النفس المضلة، والشهوة المذلة المزلة، أن ~~نادمت الأبطال، وعاطيت الأوطال، وأضعت الوقار، وارتضعت العقار، وامتطيت مطا ~~الكميت، وتناسيت التوبة تناسي الميت، ثم لم أقنع بها تيكم المرة، في طاعة ~~أبي مرة، حتى عكفت على الخندريس، في يومالخميس، وبت صريع الصهباء، في ~~الليلة الغراء، وها أنا بادي الكآبة، لرفض الإنابة، نامي الندامة، لوصل ~~المدامة، شديد الإشفاق، من نقض الميثاق، معترف بالإسراف، في عب السلاف: ~~[الطويل] # فيا قوم هل كفارة تعرفونها ... تباعد من ذنبي وتدني إلى ربي # *** # قوله: صلود الزند، هو ألا يسمح بالنار صدود الجد: إعراض السعد، يريد ~~الأيام التي كنت فيها فقيرا. والعقد، كانت العرب إذا عاهد الرجل صاحبه عقد ~~أصابعه، ثم صارت المعاهدة باللسان ms1245 تسمى عقدا، وكان أحدهم يربط رسن بعيره ~~بخباء من يستجير به أو يرسل حبله في البئر مع حبله، فيشبكه به، وكان هذا ~~كله عندهم عقدا لا يسلم المستجار به المستجير إلا لما يسلم ولده، وقال ~~حبيب: [البسيط] # بلى لقد سلفت في جاهليتهم ... للحق ليس كحقي حرمة عجب # أن يعلق الدلو بالدلو الغريبة أو ... يلامس الطنب المستحصد الطنب # الصفقة: ضربة يد المشتري على يد البائع. أسبأ: أشتري. مداما: خمرا. أكتسي ~~نشوة: أظهر سكرة. سولت: زينت وحسنت. المضلة: المحيرة. الأبطال: فرسان ~~الخلاعة للسن. الأرطال: وهي أربعة، وقال في ذلك: [مجزوء الوافر] # سألت أخي أبا عيسى ... وجبريل له فضل # فقلت: الخمر تعجبني ... فقال كثيرها قتل # فقلت له فقدر لي ... فقال وقوله فصل # وجدت طبائع الإنسا ... ن أربعة هي الأصل # فأربعة لأربعة ... لكل طبيعة رطل # يذكر هذا الرجل أنه تاب من شرب المسكر، وعاهد الله، ألا يشرب خمرا، ثم ~~ارتد ورجع لخلاعته. # ومثل حالته هذه حالة أبي محمد البصري، كان تاب وحج، فلما قفل راجعا بدا ~~له في شرب الخمر، فقال: [الوافر] PageV03P429 # ألا يا هند قد قضيت حجي ... فهات شرابك العطر العجيبا # فقد ذهبت ذنوبي بالليالي ... فقومي الآن نقترف الذنوبا # خلطنا ماء زمزم في حشانا ... بماء المزن فامتزجا قريبا # وكان أبو القاسم المغربي قد نسك زمانا، ولبس الصوف وترهب وحج، فعشق غلاما ~~تركيا وهام به، وتقلد الوزارة ببغداد وغيرها، وانتهى في الجاه إلى الغاية ~~وتملك الأحرار، واشترى الغلام التركي وقال: [الوافر] # تبدل من مرقعة ونسك ... بأنواع الممسك والشفوف # وعن له غلام ليس يحوي ... هواه ولا رضاه بلبس صوف # فعاد أشد ما كان انتهاكا ... كذاك الدهر مختلف الصروف # وقال أيضا: [المنسرح] # يا أهل مصر قد عاد ناسككم ... بالكرخ بعد التقى إلى الفتك # خمش قلبي مقرطق غنج ... قد بد قلبي به من النسك # رمى فؤادي بسهم مقلته ... وكيف يخطي مولد الترك! # وقال كشاجم: [الطويل] # يقولون تب والكأس في كف شادن ... وصوت المثاني والمثالث عالي # فقلت لهم: لو كنت أزمعت توبة ... وأبصرت هذا كله لبدا لي # وقال ms1246 الحسن: [الكامل] # كيف النزوع عن الصبا والكأس ... قل ذا لنا يا صاحبي بقياس # قالوا كبرت فقلت ما كبرت يدي ... عن أن تسير إلى فمي بالكأس # والراح طيبة وليس تمامها ... إلا بطيب خلائق الجلاس # وكأن شاربها لفرط شعاعها ... بالليل يكرع في سنا مقباس # وإذا نزعت من الغواية فليكن ... لله ذاك النزع لا للناس # قوله: أضعت الوقار، يريد أنه ضيع وقاره في مجلس اللهو، وقد تقدم قوله: # وأصفى السرور إذا ما الوقور ... أماط ستور الحيا واطرح # العقار: الخمر، لأنها عاقرت الدن، أي لازمته، أو لأنها تعقر شاربها بثقل السكر. # امتطيت: ركبت. مطا الكميت: ظهر الخمر، وورى بفرس، أراد أنه اعتكف على ~~شربها، وسميت كميتا لأنها حمراء إلى الكمتة، وأبو مرة كنية إبليس، وقد ~~تقدم، وقال الحسن: [السريع] PageV03P430 # نمت وإبليس إلى الصبح في ... كل الذي يؤثمني خصم # رأيته في الجو مستعليا ... ثم هوى يتبعه نجم # فقال لي لما هوى مرحبا ... بتائب يتبعه وهم # هل لك في غيداء ممكورة ... يرتج منها كفل ضخم! # فقلت: لا، قال: ففي أغيد ... ذي غنة يخرجه اللثم # لست أبا مرة إن لم تعد ... فإن ذا من فعلك الغشم # وقال فيه وذكر أنه قاد له غلاما: [السريع] # دب له إبليس فاقتاده ... والشيخ نفاع على لعنته # عجبت من إبليس في كبره ... وخبث ما أضمر من نيته # تاه على آدم في سجدة ... وصار قوادا لذريته # وقال سليمان بن الأعمى في الوليد، أخو صريع الغواني: [البسيط] # يأبى السجود له من فرط نخوته ... وقد تحول في مسلاخ قواد # وقال ابن رشيق يشكر إبليس: [المنسرح] # رأيت إبليس من مروءته ... لكل ما لا يطاق محتملا # إذا هويت امرأ وأعجزني ... جاء به في الظلام معتقلا # تبذلا منه في حوائجنا ... ولا يزال الكريم مبتذلا # وقال أيضا يلعنه: [المتقارب] # أرى الشيخ إبليس ذا علة ... فلا برئ الشيخ من علته # يقود على الحب مستيقظا ... ويأتيك في الليل في صورته # فيؤتيك ما شاء من نفسه ... ويبلغ ما شاء من لذته # ومن كان ذا حيلة هكذا ... تمثل للمرء في يقظته # فلا تدخروا ms1247 دونه لعنة ... لأن رضا الله في لعنته # قوله: عكفت، أي أقمت ولازمت: الخندريس: الخمر القديمة، وإنما ذكر يوم ~~الخميس لأنه يوم تعرض فيه الأعمال على الله تعالى وإقدام العبد على الذنوب ~~وقت العرض على الله تعالى أكبر خطرا. الصهباء: التي عصرت من عنب أبيض. ~~الأصمعي: # هي التي تضرب إلى البياض، من أبيض عصرت أو من غيره. صريعها: الذي صرعته ~~بالسكر، يريد أنه بات سكران مطروحا وقال أبو العلاء بن زهر في سكارى: ~~[الكامل] # وموسدين على الأكف خدودهم ... قد غالهم شرب الصبوح وغالني PageV03P431 # ما زالت أسقيهم وأشرب فضلهم ... حتى سكرت ونالهم ما نالني # والخمر تعرف كيف تأخذ ثأرها ... إني أملت إناءها فأمالني # الغراء: ليلة الجمعة. رفض الإنابة: طرح التوبة والرجوع. نامي الندامة: ~~كثير الندم. بادي الكآبة: ظاهر الانكسار والحزن وسوء الحال. المدام ~~والمدامة: الخمر، سميت بذلك لأنها أديمت في ظرفها. الإشفاق: الخوف نفض ~~الميثاق: حل العهد الإسراف: الإكثار. عب: حسو، والعب أن يتابع الرجل الجرعة ~~بعد الجرعة بغير تنفس. # السلاف: الخمر العتيقة، والسلاف والسلافة: ما سال منها من غير أن تعصر، ~~وهي أفضل الخمر قال الأعشى: [الطويل] # ببابل لم تعصر فجاءت سلافة ... تخالط قنديدا ومسكا مختما (¬1) # القنديد: الخمر تطبخ ويجعل فيها أفاويه طيب ### || AUTO [من الخمريات] # ونذكر هنا جملة من المقاطيع الخمريات، نجعلها خاتمة ما قيل في الخمر. # عزم الواثق على الصبوح فقال للحسين بن الضحاك: اكتب إلى الفتح بن خاقان ~~تدعوه إلى الصبوح، وكان قد برئ من مرض، فكتب إليه: [البسيط] # لما اصطبحت وعين اللهو ترمقني ... قد لاح لي باكرا في ثوب لذته (¬2) # ناديت «فتحا» وبشرت المدام به ... لما تخلص من مكروه علته # ذب الفتى عن حريم الراح مكرمة ... إذا رآها امرؤ ضدا لخلقته # فاعجل إلينا وعجل بالسرور لنا ... وخالس الدهر في أوقات غفلته # فسار واصطبح معه. # وقال الحسين بن الضحاك: دخلت على الحسن بن سهل، في فصل الخريف وقد جاد ~~الوسمي من المطر برش حسن، واليوم في أحسن منظر وأطيبه، وهو جالس على سرير ~~أبنوس، وعليه قبة فوقها طارفة ms1248 ديباج أصفر، تشرف على بستان، وعلى رأسه غلام ~~كالدينار، فسلمت عليه فرد علي السلام، ونظر إلي كالمستنطق، فقلت: ~~[المتقارب] # ألست ترى ديمة تهطل ... وهذا صباحك مستقبل (¬3) # وهذا المدام وقد راعنا ... بطلعته الشادن الأكحل PageV03P432 # فعاد بنا وبه سكرة ... تهون مكروه ما تسأل # فإني رأيت له طرة ... تخبرني أنه يفعل # وقد أشكل العيش في يومنا ... فيا حبذا عيشنا المشكل # فقال: العيش مشكل، فما ترى؟ قلت: مبادرة القصف، وتقريب الإلف، قال: # على شرط أن تبيت، قلت: لك الوفاء على أن يكون هذا الواقف على رأسك ~~يسقيني، فضحك، وقال: ذلك لك على ما فيه، ثم دعا بالطعام والشراب، ففقدت ~~الغلام ساعة ثم جاء من الحمام، فقلت: [السريع] # جرده الحمام عن درة ... تلوح فيها عكن بضه (¬1) # كأنما الرش على خده ... طل على تفاحة غضه # يا ليته زودني قبلة ... أولا فمن وجنته عضه # فقال الحسن: قد عمل فيك النبيذ، فقلت: [الرجز] # اسقياني وصرفا ... بنت حولين قرقفا (¬2) # واسقيا الأهيف الغري ... ر سقى الله أهيفا # بأبي ما جن السري ... رة يبدي تعطفا # فإذا رمت منه ذا ... ك تأبى وعنفا # فإذا هم للمنا ... م فقوما وخففا # فتغاضب الغلام فذهب، ثم عاد وقال: أقبل على شرابك، ثم ناولني قدحا، ~~والحسن قد خرج، فشربت وأعطاني نقلا، فقلت: اجعل بدله قبلة، فأبى، فقال له ~~فرج غلام الحسن: بحياتي يا بني، أسعفه بما طلب، فضحك ثم دنا مني كأنه ~~يعطيني نقلا وتغافل، فاختلست منه قبلة، فقال: هي حرام، فقلت: [الرمل] # هون الأمر عليه لي فرج ... بتأتيه فسقيا لفرج (¬3) # وبنفسي نفس من قال وقد ... كان ما كان: حرام وحرج # ثم اشتهر الصبح، فخرجت ثم عدت للحسن من غد، فقال: كيف كان مبيتك يا حسين؟ ~~فقلت: [المتقارب] # تألفت طيف غزال الحرم ... فواصلني بعد ما قد صرم (¬4) # فغض الجفون على خجلة ... وأعرض إعراضة المحتشم PageV03P433 # فما زلت أبسطه مازحا ... وأفرط في اللهو حتى ابتسم # وحكمني الريم في نفسه ... بشيء ولكنه مكتتم # فقال: يا فاسق، أظن ما ادعيته في النوم وكان في اليقظة؟ وأصلح الأشياء ~~بنا أن نرحض ms1249 العار عن أنفسنا بهبته لك، فخذه لا بارك الله لك فيه، فأخذته ~~وانصرفت. # وقد تقدم في هذا الكتاب من كلام الحسين ما يفوق به كل شاعر، وهو القائل: # [الطويل] # أجرني فإني قد ظمئت إلى الوعد ... متى ينجز الوعد المؤكد بالعهد! (¬1) # أعيذك من خلف الملوك وقد ترى ... تقطع أنفاسي عليك من الوجد # أيبخل فرد الحسن عني بنائل ... قليل وقد أفردته بهوى فرد! # وهذا منتهى ما أوردته للحسين من العجائب. # دخل علي بن الجهم على عبد الله بن طاهر في غدوة الربيع، وفي السماء غيم ~~رقيق، والمطر يجيء قليلا، ويسكن قليلا، فغاضبته جارية له، فانتقض عزمه فخبر ~~ابن الجهم بذلك، فأراد تنشيطه فدخل عليه فأنشده: [البسيط] # أما ترى اليوم ما أحلى شمائله ... صحو وغيم وإبراق وإرعاد (¬2) # كأنه أنت يا من لا شبيه له ... وصل وهجر وتقريب وإبعاد # فباكر الراح واشربها معتقة ... لم يدخر مثلها كسرى ولا عاد # واشرب على الروض إذ لاحت زخارفه ... زهر ونور وأوراق وأوراد # كأنما يومنا فعل الحبيب بنا ... بذل وبخل وإبعاد وميعاد # وليس يذهب عني كل فعلكم ... غي ورشد وإصلاح وإفساد # فاستحسنها وأمر له بثلاثمائة دينار وحمله وخلع عليه وقال علي أيضا: ~~[البسيط] # الورد يضحك والأوتار تصطخب ... والناي يندب أحيانا وينتحب (¬3) # والراح تعرض في يوم الربيع كما ... تجلى العروس عليها الدر والذهب # وكلما انسكبت في الكأس آونة ... حسبت أن شعاع الشمس ينسكب # وقد مر من كلام ابن الجهم كل بديع، في نظمه رفيع، وآخر شعر قاله وهو أحسن ~~ما قيل في معناه: [المنسرح] PageV03P434 # يا رحمة للغريب في البلد الن ... ازح ماذا بنفسه صنعا (¬1) # فارق أحبابه فما انتفعوا ... بالعيش من بعده ولا انتفعا # يقول في نأيه وغربته: ... عدل من الله كل ما صنعا # وكان هجاء لعلي بن أبي طالب، وسمعه يوما أبو العيناء يطعن على علي فقال له: # أنا أدري لم تطعن على أمير المؤمنين، قال: أتعني قصة بيعة أهلي، قال: لا، ~~أنت أوضع من ذلك ولكن لأنه قتل الفاعل [فعل] قوم لوط وأنت أسفلهما. وقال ~~البحتري فيه: # [الوافر] ms1250 # إذا ما حصلت عليا قريش ... فلا في العير أنت ولا النفير (¬2) # ولو أعطاك ربك ما تمنى ... لزاد الخلق في عظم الأيور # علام هجوت مجتهدا عليا ... بما لفقت من كذب وزور # أما لك في استك الوجعاء شغل ... يكف أذاك عن أهل القبور # وقال ابن القناص كاتب سيف الدولة: [البسيط] # قم فاسقني بين خفق الناي والعود ... ولا تبع طيب موجود بمفقود # كأسا إذا أبصرت في القوم محتشما ... قال السرور له قم غير مطرود # نحن الشهود وخفق الناي خاطبنا ... يزوج ابن سحاب بنت عنقود # وقال المصحفي: [الرجز] # صفراء تطرق في الزجاج فإن سرت ... في الجسم دبت مثل صل اللادغ # خفيت على شرابها فكأنهم ... يجدون ريا في إناء فارغ # إدريس بن اليماني: [الكامل] # ثقلت زجاجات أتتنا فرغا ... حتى إذا ملئت بصرف الراح # خفت فكادت أن تطير بما حوت ... إن الجسوم تخف بالأرواح # ابن المعتز: [الوافر] # وندمان سقين الراح صرفا ... وأفق الليل مرتفع السجوف # صفت وصفت زجاجتها فأضحت ... كمعنى دق في ذهن لطيف # وله، وهو مما يتصل بأبيات الديك المتقدمة: [المنسرح] # فاشرب عقارا كأنها قبس ... قد سبك الدهر تبرها فصفا PageV03P435 # ترى الندامى الإبريق من دمها ... كأنه راعف وما رعفا # ولبعضهم: [الكامل] # ما زال يشربها وتشرب عقله ... خبلا وتؤذن روحة برواح # حتى انثنى متوسدا بيمينه ... سكرا وأسلم روحه للراح # وقال النظام: [البسيط] # ما زلت آخذ روح الزق في لطف ... وأستبيح دما من غير مجروح # حتى انثنيت ولي روحان في جسدي ... والزق مطرح، جسم بلا روح # أخذه أحسن أخذ من بشار حيث قال: [الوافر] # شربنا من فؤاد الزق حتى ... تركنا الزق ليس له فؤاد # وقال ديك الجن: [الطويل] # وقم أنت فاحثث كأسنا غير صاغر ... ولا تسق إلا خمرها وعقارها (¬1) # فقام تكاد الكأس تخضب كفه ... وتحسبه من وجنتيه استعارها # موردة من كف ظبي كأنما ... تناولها من خده فأدارها # ظللنا بأيدينا نتعتع روحها ... فتأخذ من أقدامنا الراح ثارها # وقال حبيب: [الطويل] # وكأس كمعسول الأماني شربتها ... ولكنها أجلت وقد شربت عقلي (¬2) # إذا عوتبت بالماء كان اعتذارها ... لهيبا كوقع النار بالحطب ms1251 الجزل # إذا اليد نالتها بوتر توقرت ... على ضغنها ثم استقادت من الرجل # وقال الحسن: [الطويل] # وصفراء قبل المزج بيضاء بعده ... كأن شعاع الشمس يلقاك دونها # ترعى العين تستعفيك من لمعانها ... وتحمر حتى ما تقل جفونها # كأن يواقيتا رواكد حولها ... وزرق سنانير تدير عيونها # وللخوارزمي: [الطويل] # وصفراء كالدينار بنت ثلاثة ... شمال وأنهار ودهر محرم # مسرة محزون، ورعد معربد ... وكنز مجوسي وفتنة مسلم # يطوف بها ظبي يريد عيوننا ... على عينه، من شرط يحيى بن أكثم PageV03P436 # وقال مسلم بن الوليد: [الكامل] # إبريقنا سلب الغزالة جيدها ... وحكى المدير بمقلتيه غزالا (¬1) # يسقيك من عينيه كأس صبابة ... ويعيدها من كفه جريالا # وقال أبو دلامة: [الطويل] # سقاني أبو بشر من الراح شربة ... لها لذة ما ذقتها بشراب # وما طبخوها غير أن غلامهم ... مشى في نواحي كرمها بشهاب # ولما أنشدها علي بن الخليل صاح: أحرقها العبد أحرقه الله! . # كان ابن لنكك أسرع الناس سكرا، فقال في ذلك: [الوافر] # فديتك لو علمت ببعض ما بي ... لما جرعتني إلا بمسعط # فحسبك أن كرما في جواري ... أمر ببابه فأكاد أسقط # قوله: فيا قوم هل كفارة تعرفونها، إنما غير بيت أعرابي، أنشد أبو العباس ~~أبياته، وهي: [الطويل] # فيا قوم هل كفارة تعرفونها ... تباعد من ذنبي وتدني إلى ربي # شكوت فقالت كل هذا تبرما ... بحبي أراح الله قلبك من حبي # فلما كتمت الحب قالت: لشد ما ... صبرت وما هذا بفعل شجي القلب # وأدنو فتقصيني وأبعد طالبا ... رضاها فتعتد التباعد من ذنبي # فشكواي يؤذيها وصبري يسوؤها ... وتجزع من بعدي وتنفر من قربي # فيا قوم هل من حيلة تعرفونها ... أشيروا بها واستوجبوا الشكر من ربي! # وقال أبو العبر الهاشمي المتحامق: [البسيط] # أبكي إذا غضبت حتى إذا رضيت ... بكيت عند الرضا خوفا من الغضب # فالموت إن غضبت والموت إن رضيت ... إن لم يرحني سلو عشت في تعب # وأبو العبر على تحامقه جيد الشعر، ومن ذلك قوله: [الطويل] # وفي ساعدي ممن تعلقت عضة ... تذكرني ذاك الشنيب المفلجا # وآثار خدش في يدي مليحة ... أقام عليها القلب مني وعرجا ms1252 # أما والذي أمسيت أرجو ثوابه ... لقد حل ما أخشاه وانقطع الرجا # وله: [السريع] PageV03P437 # داء دفين وهوى بادي ... أظلم مجازيك بمرصاد # يا واحد الأمة في حسنه ... أشمت في صدك حسادي # عبدك تحيي موته قبلة ... يجعلها خاتمة الزاد # ولأعرابي في نحو ما أنشده أبو العباس: [الطويل] # سكت فقالت: لم سكت عن الحق ... وفهت فقالت: ما دعاك إلى النطق # فأومأت هل من حالة بين ذا وذا ... فقالت وذا الإيماء أيضا من الحمق # فلم أر لي إذ حلت الغرب مخلصا ... من الشر إلا في المسير إلى الشرق # فلما أتيت الشرق ألفيتها به ... وقد قعدت لي منه في أضيق الطرق # *** # وعلى ما تقدم في وصف الخمر من النظم المستحسن المرغب في شربها، فإنه جاء ~~من التحذير فيها ما يوجب تركها على أهل التخصيص والفضل. # من حديث أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين ليلة فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد ~~الثانية لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد ~~الثالثة لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد ~~الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال» (¬1). # ابن الأعرابي: طينة الخبال عصارة أهل النار في النار. وعن ابن عمر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مدمن الخمر كعابد وثن» (¬2). # قال أبو زيد: فلما حل أنشوطة نفثه، وقضى الوطر من اشتكاء بثه، ناجتني ~~نفسي: يا أبا زيد، هذه نهزة صيد، فشمر عن يد وأيد فانتهضت من مجثمي انتهاض ~~الشهم، وانخرطت من الصف انخراط السهم، وقلت: [مجزوء الخفيف] # أيها الأروع الذي ... فاق مجدا وسؤددا # والذي يبتغي الرشا ... د لينجو به غدا # إن عندي علاج ما ... بت منه مسهدا # فاستمعها عجيبة ... غادرتني ملددا # أنا من ساكني سرو ... ج ذوي الدين والهدى # *** PageV03P438 # قوله: أنشوطة، عقدة سهلة تسميها العامة اللج. نفثه: لفظه. الوطر: الحاجة. بثه: # حزنه. ناجتني: حدثتني. النهزة: الفرصة وما أخذ بلا ms1253 تعب أيد: قوة: انتهضت: # تقدمت. مجثمي: موضع قعودي. الشهم: الشديد النفس. انخرطت: اندفعت بسرعة ~~والانخراط التصميم وركوب الرأس. الأروع: السيد. فاق: زاد على غيره في الفضل. # علاج: معاناة وطب مسهدا: ممتنع النوم. ملددا: ملتفتا يمينا وشمالا من شدة الخوف. # [مجزوء الخفيف] # *** # كنت ذا ثروة بها ... ومطاعا مسودا # مربعي مألف الضيو ... ف ومالي لهم سدى # أشتري الحمد باللها ... وأقي العرض بالجدا # لا أبالي بمنفس ... طاح في البذل والندى # أوقد النار باليفا ... ع إذا النكس أخمدا # ويراني المؤملو ... ن ملاذا ومقصدا # لم يشم بارقي صد ... فانثنى يشتكي الصدى # لا ولا رام قابس ... قدح زندي فأصلدا # طالما ساعد الزما ... ن فأصبحت مسعدا # فقضى الله إن يغير ... ما كان عودا # بوأ الروم أرضنا ... بعد ضغن تولدا # فاستباحوا حريم من ... صادفوه موحدا # وحووا كل ما استسر ... بها لي وما بدا # *** # ثروة: غنى. مسودا: مقدما للسيادة. مربعي: منزلي. مألف: موضع الاجتماع. # سدى: مهمل. اللها: العطايا. اليفاع: ما ارتفع من الأرض. النكس: الدنيء. أخمد: # أطفأ. المؤملون: الراجون. ملاذ: ملجأ، المقصد: الموضع تقصده يشم بارقي: ~~ينظر برقي. صد: عطش. انثنى: رجع. رام: طلب. قابس: طالب النار. قدح زندي: # استخراج ناره. أصلد: وجده صلدا أي شحيحا ساعد: وافق. بوأ، أي أنزل. ضغن: # حقد وعداوة. استباحوا: صيروه مباحا حريم: عيال. موحد: مسلم. حووا: ضموا، ~~استسر: خفي. بدا: ظهر. # تطوحت: تراميت على جهالة وألقيت بنفسي للهلاك. طريدا: منفيا. مشردا مفزعا ~~عند الهرب فارا. [مجزوء الخفيف] PageV03P439 # أجتدي الناس بعد ما ... كنت من قبل مجتدى # وترى بي خصاصة ... أتمنى لها الردى # والبلاء الذي به ... شمل أنسي تبددا # استباء ابنتي التي ... أسروها لتفتدى # فاستبن محنتي وم ... د إلى نصرتي يدا # وأجرني من الزما ... ن فقد جار واعتدى # وأعني على فكا ... ك ابنتي من يدي العدى # فبذا تنمحي المآ ... ثم عمن تمردا # وبه تقبل الإنا ... بة ممن تزهدا # وهو كفارة لمن ... زاغ من بعد ما اهتدى # ولئن قمت منشدا ... فلقد فهت مرشدا # فاقبل النصح والهدا ... ية واشكر لمن هدى # واسمح الآن بالذي ... يتسنى لتحمدا # *** # أجتدي: ms1254 أسأل، خصاصة: فقر، الردى: الهلاك، شمل: مجتمع، تبدد: # تفرق، استباء ابنتي: أخذها أسيرة. استبن: تحقق وتبين. محنتي: بليتي. جار ~~واعتدى: مال وظلم، وفك الرقبة وفكاكها: تخليصها من أسر الرق وكذلك الرهن، ~~وفي الحديث «اعتق النسمة وفك الرقبة» (¬1) قيل أوليسا واحدا؟ قال: لا، عتق ~~النسمة: أن تنفرد في عتقها، وفك الرقبة: أن تعين في عتقها، ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من فدى أسيرا من أيدي العدو، ~~فأنا ذلك الأسير». تنمحي، أي تذهب، تمرد: أكثر الفساد، الإنابة: الرجوع إلى ~~الله تعالى، تزهد: ترك الرغبة في الدنيا زاغ: مال فهت: نطقت، مرشدا: دالا ~~على الخير. اسمح: جد. يتسنى: # يتيسر، الفنجديهي: كان ابن قطري قاضي ناحية المزار، بلد عند البصرة قد ~~تاب من الشرب، ثم نقض التوبة، وعاد يشرب، ثم بعد المعاودة حضر مسجد بني ~~حرام يوما بالبصرة، وتاب ورجع إلى الله تعالى بصدق النية، وسأل عن كفارة ~~ذنبه، وكان في المسجد رجل يزعم أنه من أهل سروج، وله بنت مأسورة في أيدي ~~الكفار، فقال لابن قطري: كفارة ذنبك أن تتصدق علي بشيء أفكها به فأعطاه ~~عشرة دنانير، فلما أخذها منه دخل الحانة. PageV03P440 # ثم إن الحريري أنشأ هذه المقامة الحرامية في ذلك فقيل له: هي أحسن من ~~مقامات البديع، فأنشأ أربعين مقامة، ثم استزادوه فكملها خمسين. # *** # قال أبو زيد: فلما أتممت هذرمتي، وأوهم المسئول صدق كلمتي أغراه القرم ~~إلى الكرم بمواساتي، ورغبه الكلف بحمل الكلف في مقاساتي، فرضخ لي على ~~الحافرة، ونضخ لي بالعدة الوافرة. # فانقلبت إلى وكري، فرحا بنجح مكري، وقد حصلت من صوغ المكيدة، على سوغ ~~الثريدة، ووصلت من حوك القصيدة، إلى لوك العصيدة. # قوله: هذرمتي، أي كثرة كلامي، أوهم: أي خيل له. كلمتي، أي قصيدتي، أغراه، ~~أي حرضه القرم: الشهوة. مواساتي: إعطائي، الكلف: الحب، والكلف: جمع كلفة ~~وهي ما يتكلف من العمل. رضخ: أعطى، على الحافرة، أي عند ما أكملت كلامي، ~~والحافرة: أول الأمر، وقيل إن أصلها في بيع الفرس، ولرفعة الخيل عندهم كان ~~لا ms1255 يفارق البائع حافر فرسه، حتى يأخذ ثمنه، نضخ: رفع، ونضخ الماء فورانه من ~~منبعه، الوافرة: الكثيرة، وكري: بيتي، وأصله للطائر، صوغ المكيدة: صنعة ~~الكيد. سوغ: بلع بسهولة، لوك: مضغ. # قال الحارث بن همام: فقلت له: سبحان من أبدعك، فما أعظم خدعك، وأخبث ~~بدعك! فاستغرب في الضحك، ثم أنشد غير مرتبك: [مجزوء الكامل] # عش بالخداع فأنت في ... دهر بنوه كأسد بيشه # وأدر قناة المكر حت ... ى تستدير رحا المعيشة # وصد النسور فإن تعذ ... رصيدها فاقنع بريشه # واجن الثمار فإن تفت ... ك فرض نفسك بالحشيشه # وأرح فؤادك إن نبا ... دهر من الفكر المطيشة # فتغاير الأحداث يؤ ... ذن باستحالة كل عيشه # *** # أبدعك، أي أوجدك وخلقك. استغرب: أكثر الضحك. مرتبك: مختلط في كلامه، ~~بيشة: موضع كثير الأسد، المكر: الخديعة. نبا: ارتفع، المطيشة: المدهشة للعقل. # تغاير: اختلاف، الأحداث: النوازل يؤذن: يعلم. استحالة: تغير. PageV03P441 ### | AUTO المقامة التاسعة والأربعون وهي الساسانية # حكى الحارث بن همام قال: بلغني أن أبا زيد حين ناهز القبضة، وابتزه قيد ~~الهرم النهضة، أحضر ابنه، بعد ما استجاش ذهنه، وقال له: يا بني إنه قد دنا ~~ارتحالي من الفناء، واكتحالي بمرود الفناء، وأنت بحمد الله ولي عهدي، وكبش ~~الكتيبة الساسانية من بعدي. ومثلك لا تقرع له العصا، ولا ينبه بطرق الحصا؛ ~~ولكن قد ندب إلى الإذكار، وجعل صيقلا للأفكار، وإني أوصيك بما لم يوص به ~~شيث الأنباط، ولا يعقوب الأسباط؛ فاحفظ وصيتي، وجانب معصيتي، واحذ مثالي، ~~وافقه أمثالي، فإنك إن استرشدت بنصحي، واستصبحت بصبحي، أمرع خانك، وارتفع ~~دخانك، وإن تناسيت سورتي، ونبذت مشورتي، قل رماد أثافيك، وزهد أهلك ورهطك فيك. # *** # ناهز: قارب. القبضة، أراد بها ثلاثا وتسعين سنة، لأنك إذا قيل لك: اعقد ~~في يديك ثلاثا وتسعين قبضت أصابعك كلها وشددت عليها الإبهام، والمعنى أنه ~~قارب المائة التي ليس في العيش بعدها منفعة، والشعراء يضمنونها أشعارهم إذا ~~وصفوا البخيل بقبض الكف، قال الخليل بن أحمد: [المتقارب] # وكف عن الخير مقبوضة ... كما قبضت مائة سبعه (¬1) # وقال: [الوافر] # فما تسعون تخفرها ثلاث ... يضم حسابها رجل ms1256 شديد # بكف خرقة جمعت لوجء ... بأنكد من عطائك يا يزيد # وابتزه: سلبه. الهرم: كبر السن. النهضة: القيام إلى ما يريد. # ودخل هشام بن عبد مناف وقد أسن على فتية من قومه فقاموا إليه إجلالا، ~~وأجلسوه في أرفع موضع، فقال: بارك الله فيكم، إن بني مرة كانوا إذا شاخ ~~عندهم الرجل قيدوه وقالوا له: ثب، أحبوه. وقالوا: فيك بقية، وإن لم يثب قالوا: # ليس في هذا منفعة فقتلوه، وقال ابن الرومي: [السريع] PageV03P442 # لو أن عمري مائة هدني ... تذكري أني تنصفتها (¬1) # لهفي على خمسين عاما مضت ... كانت أمامي ثم خلفتها # استجاش: استجمع وحشد. والفناء: ما حول الدار، والفناء بالفتح: الموت. # الكتيبة: الجيش. وكبشها: رئيسها وحاميها، والذي كانت العصا تقرع له عامر ~~بن الظرب العدواني حكيم العرب في الجاهلية، ولما أسن كان يزل في حكمه، ~~وكانت له بنت حكيمة، فأمرها أن تقعد وراء ستر لتنظر حكمه، فإذا أنكرت منه ~~شيئا قرعت له العصا، فمتى سمع صوت قرعها علم أنه زل، فرجع. وقيل قرعت لأكثم ~~بن صيفي، وقيل لسعد ابن مالك الكناني، وقيل لعمرو بن حممة الدوسي. # وخطب صعصعة بن معاوية إلى عامر بن الظرب بنته عمرة، وهي أم عامر بن ~~صعصعة، فقال: يا صعصعة إنك تشتري مني كبدي، فارحم ولدي؛ قبلتك أو رددتك. # والحسيب: الرجل الصالح أبا بعد أب، وقد أنكحتك خشية ألا أجد مثلك، أفر من ~~السر إلى العلانية، يا معشر عدوان أخرجت من بين أظهركم كريمتكم من غير ~~رهبة، أقسم لولا قسمة الحظوظ على الجدود ما ترك الأول للآخر ما يعيش به، ~~وفيه يقول المتلمس: # [الطويل] # لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلا ليعلما (¬2) # وهو أول من جلس على المنبر وتكلم، وفيه يقول الأسود بن يعفر: [الكامل] # ولقد علمت لو أن علمي نافع ... أن السبيل سبيل ذي الأعواد (¬3) # قال الأصمعي: نزلت عدوان ماء، فأحصى عليه سبعون ألف غلام أغرل، سوى من ~~كان مختونا لكثرتهم، ثم وقع بأسهم بينهم، فتفانوا، فقال ذو الإصبع ~~العدواني: # [مجزوء الوافر] # عذير الحي ms1257 من عدوا ... ن كانوا حية الأرض (¬4) PageV03P443 # بغى بعض على بعض ... فلم يبقوا على بعض # ومنهم من يجيز النا ... س بالسنة والفرض # ومنهم حكم يقضي ... فلا ينقض ما يقضي # الحكم: عامر بن الظرب، والذي كان يجيز الناس في الحج منهم رجل كان يسمى ~~أبا سيارة، أجاز الناس على حمار له أسود، من المزدلفة إلى منى أربعين عاما. ~~فقيل في المثل: أصح من عير أبي سيارة، وكانت إجازته أن يقول: اللهم حبب بين ~~نسائنا وبغض بين رعائنا، واجعل المال في سمحائنا. وأوفوا بعهدكم، وأكرموا ~~جاركم واقروا ضيفكم ثم يدفع فيقول: [الرجز] # خلوا الطريق عن أبي سياره ... وعن مواليه بني فزاره # * حتى يجيز سالما حماره (¬1) * # ثم يقف فيقول: أشرق ثبير. كيما نغير، وكانت الإجازة قبلهم في خزاعة، ~~فغلبتهم عليها عدوان. ولا تقرع له العصا مثل، يضرب لمن وافق صاحبه وساواه. # ولما خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها قال عمها: ~~مثل محمد لا تقرع له العصا (¬2)، وأصل ذلك أن الناقة الكريمة إذا أتاها فحل ~~غير كريم منعوه عنها، وقرعوه بالعصا على أنفه. وفي المثل: إن العصا قرعت ~~لذي الحلم. # قوله: ولا ينبه بطرق الحصا، كانت العرب إذا أرادت اختبار الرجل: هل يصلح ~~للسفر والغارة: ترك الرجل صاحبه حتى ينام، فيأخذ حصاة فيرمي بها إلى جانبه، ~~فإن انتبه توثق به. # وخرج أبو كبير الهذلي ومعه تأبط شرا للغارة، فلما جن الليل أووا إلى موضع ~~ليناموا فيه، فتركه أبو كبير حتى نام، فرمى إلى جانبه بحصاة، فساعة مست ~~الأرض وثب ثم عاد إلى نومه، ففعلها ثلاثا فكان ينتبه لوقوعها ويثب ويجول ~~يطلب لها راميا، فلا يجد إلا أبا كبير نائما، فقال له عند الثالثة: والله ~~لئن عدت لأقتلنك، فإنه ليس هنا من يفعل هذا غيرك، فضحك أبو كبير وقال: أردت ~~اختبارك، ثم ذكر القصة في قصيدته التي يقول فيها: [الكامل] PageV03P444 # وإذا رميت له الحصاة رأيته ... ينزو لوقعتها طمور الأخيل (¬1) # يريد أن ابنه كان فوق هذا في ذكاء القلب فهو كأنه منتبه ms1258 أبدا. # وطرق الحصا أيضا من فعل الكهان يأخذ الكاهن حصيات، فيضرب بها الأرض وينظر ~~فيها فيخبر بالمغيبات. # قوله: ندب، أي دعي وحرض. الإذكار: التذكير بما يفعل الأفكار: الأذهان. # شيث هو ولد آدم عليه السلام، وكان أجمل بنيه وأحبهم إليه، وهو وصي أبيه ~~وإليه ترجع الأنساب، وقال صلى الله عليه وسلم: «أربعة من الأنبياء ~~سريانيون: آدم وشيث وإدريس- وهو أخنوخ ونوح، وأنزل الله تعالى على شيث ~~خمسين صحيفة»، وقال بقية بن أرطأة: بلغني أن حواء حملت بشيث الرضا حتى نبتت ~~أسنانه، وكانت تنظر إلى وجهه من صفائه في بطنها، وهو الثالث من ولد آدم، ~~وإنه لما حضرها الطلق أخذها عليه شدة، فانتبذت به، فلما وضعته أخذته ~~الملائكة، فمكث معهم أربعين يوما، فعلموه المهن، ثم ردوه إليها معلما، ~~والمهن جمع مهنة، وهي الخدمة. # الأنباط، قيل سموا أنباطا لاستنباطهم البناء، واستخراجهم المياه، ~~والنسابون يزعمون أنهم ولد يافث بن نوح ولا يصح على هذا أن يوصيهم شيث، لأن ~~بين زمن شيث وزمن يافث آلافا من السنين. الجوهري: النبيط والنبط: قوم كانوا ~~ينزلون بين البصرة والكوفة والجمع أنباط، والرجل نبطي. ابن دريد: النبط. ~~جيل من الناس معروف وهم النبط والأنباط والأسباط: بنو يعقوب عليه السلام، ~~ومنهم تشعبت قبائل بني إسرائيل، والأسباط في ولد يعقوب كالقبائل في ولد ~~إسماعيل. # احذ مثالي، أي امش على طريقي وافعل بفعلي، استرشدت: # استدللت. استصبحت: استضأت، أمرع: أخصب، الخان: الفندق، وهذا مثل لرفاهة ~~العيش. نبذت: طرحت. الأثافي: أحجار القدر. زهد: لم يرغب. # يا بني؛ إني جربت حقائق الأمور، وبلوت تصاريف الدهور؛ فرأيت المرء بنشبه، ~~لا بنسبه. والفحص عن مكسبه، لا عن حسبه، وكنت سمعت أن المعايش: # إمارة، وتجارة، وزراعة، وصناعة، فمارست هذه الأربع، لأنظر أيها أوفق ~~وأنفع، فما أحمدت منها معيشة، ولا استرغدت فيها عيشة، أما فرص الولايات، ~~وخلس الإمارات؛ فكأضغاث أحلام. والفيء المنتسخ بالظلام؛ وناهيك غصة بمرارة ~~الفطام. PageV03P445 # وأما بضائع التجارات، فعرضة للمخاطرات، وطعمة للغارات، وما اشبهها ~~بالطيور الطيارات، وأما اتخاذ الضياع، والتصدي للازدراع، فمنهكة للأعراض، ~~وقيود عائقة عن الارتكاض، وقلما ms1259 خلا ربها عن إذلال، أو رزق روح بال، وأما ~~حرف أولي الصناعات، فغير فاضلة عن الأقوات، ولا نافقة في جميع الأوقات، ~~ومعظمها معصوب بشبيبة الحياة، ولم أر ما هو بارد المغنم، لذيذ المطعم، وافي ~~المكسب، صافي المشرب، إلا الحرفة التي وضع ساسان أساسها، ونوع أجناسها. # *** # بلوت: اختبرت. نشبه: ما له، الفحص: البحث، والأربع التي ذكر نسبها ~~الثعالبي للمأمون قال: قال لي المأمون: الناس أربع طبقات بين إمارة وتجارة، ~~وزراعة، وصناعة، فمن لم يكن منهم كان كلا علينا، مارست: خالطت، أحمدت: ~~صادفتها محمودة، استرغدت: استكثرت، فرص: نهز، والنهزة والفرصة ما يحضرك من ~~الفوائد من غير أن تتعنى في طلبها، فإن فوتها ولم تغتنم أخذها ففاتتك، ~~فربما تتعنى غاية التعني في طلبها، فلا تظفر بها، الجوهري: الفرصة، النوبة ~~والشرب، يقال: وجد فلان فرصة، أي نهزة، وجاءت فرصتك من الشيء، أي نوبتك. ~~خلس: جمع خلسة، وهي كالخطف وشبهه، يريد أن الأمير كأنه اختلس أيامه، أي ~~اختطفها لقصر مدتها، ويقال: الخلسة. فرصة. # وأضغاث الأحلام: أباطيلها التي لا يصح تغويلها لاختلاطها والضغث: كل ما ~~كان مختلطا لا حقيقة له، والحلم: الرؤيا والجمع أحلام. ويقال: هذا رجل ~~ناهيك من رجل! ونهيك من رجل، أي أنه نجدة وعناية ينهاك عن تطلب غيره، ~~فناهيك: كافيك. الغصة: # ما يختنق به، الفطام: قطع الرضاعة عن الصبي، وفي الكلام معنى التعجب كأنه ~~قال: ما أنكد غصة العزل على أهل الولايات، والعزل للولاة كالحيض للنساء. ~~والبضائع: الأموال يتجر فيها عرضة للمخاطرات، أي معرضة للضرر والسلب، وفلان ~~عرضة لكذا، أي نصب، وهو له عرضة، أي يتعرض له دونه، وهذا عرضة لك، أي عدة. ~~وقال النقاش في قوله تعالى: عرضة لأيمانكم [البقرة: 224]، أي علة لها وسببا ~~ومتخذا لذلك، وأصل العرضة: الدابة تتخذ للسفر لقوتها، ثم جعل كل ما صلح ~~لشيء عرضة له حتى قيل: المرأة عرضة للزوج، والطعمة: المأكلة، وهذه الضيعة ~~طعمة لفلان، والطعمة أيضا: وجه المكتسب، فطعمة للغارات، يريد أن قطاع الطرق ~~يسلبون أموال التجار أبدا فأرزاقهم معرضة للتلف، التصدي: التعرض، منهكة: ~~مذلة ms1260 وسبب نهك، وهو الجهد والضعف، ونهكته الحمى وأنهكته، إذا جهدته وأضنته ~~ونقصت لحمه، ونهكه السلطان عقوبة: بالغ في عقوبته، روح بال: راحة قلب. ~~عائقة: حابسة، الارتكاض: الجري والتصرف وهذه مشاهدة من أحوال أهل الحرث ~~وقال صلى الله عليه وسلم حين رأى السكة: «ما دخلت PageV03P446 # قط دار قوم إلا ذلوا». وقال صلى الله عليه وسلم في الإمارة: «ستحرصون على ~~الإمارة ثم تكون حسرة وندامة، فنعمت المرضعة وبئستالفاطمة» (¬1). # والحرفة: الصنعة: فاضلة: زائدة، معصوب: مربوط، والعصب الفتل الشديد، يريد ~~أن الصنعة ينتفع بها ما دام صاحبها شابا قويا فإذا شاخ لم يقدر على ~~الانتفاع بها، قوله: بارد المغنم، أي السهل منه، وهو الذي يؤخذ بغير قتال. # ساسان: شيخ المكدين والغرباء، وهم بنو غبراء، والغبراء: الأرض، وسموا بني ~~غبراء لقطعهم جهات الأرض وجولانهم في البلدان، فكأنهم ليس لهم أصل ينسبون ~~إليه إلا الأرض، وقيل: سموا بذلك للزومهم لغبراء الأرض وهو وجهها وترابها ~~والرقاد فيها فيعيرون بذلك ويتغيرون. # وكان الأحنف العكبري، وهو أبو الحسن عقيل بن العكبري، كان فصيحا شاعرا ~~وذكر الصاحب فيه فصلا وهو: ولو أنشدتك ما أنشدنيه الأحنف العكبري، وهو فرد ~~بني ساسان اليوم في مدينة السلام في الفصاحة وحسن الطريقة في الشعر لامتلأت ~~تعجبا من ظرفه وإعجابا بنظمه، ومن افتخاره قوله: [مجزوء الوافر] # على أني بحمد الله ... في بيت من المجد # وإخواني بنو ساسا ... ن أهل الجد والجد # لهم أرض خراسا ... ن فغسان مع اللد # إذا ما أعوز الطرق ... على الطراق والجند # حذارا من أعاديهم ... من الأعراب والكرد # قطعنا ذلك النهج ... بلا سيف ولا غمد # ومن خاف أعاديه ... بنا في الروع يستعدي # ففي هذا البيت معنى بديع، يريد أن ذوي الثروة وأهل الفضل إذا وقع أحدهم ~~في أيدي العداة وأراد التخلص قال: أنا مكد، فبنى الحريري هذا الموضع من ~~مقامته على شعر الأحنف، وأكثر هذه المقامة مأخوذ من ملحه، ومن هذا الشعر: ~~[الهزج] # وقالوا قد سلا عن ... ك وقد حال عن العهد # ولا والله ما حلت ... ولكن قل ما عندي # ومن شعره: ms1261 [الخفيف] # عشت في ذلة وقلة مال ... واغتراب في معشر أنذال PageV03P447 # بالأماني أقول لا بالمعاني ... فغذائي حلاوة الآمال # لي رزق يقول بالوقف في ال ... رأي ورجل تقول بالاعتزال # وله: [البسيط] # العنكبوت بنت بيتا على وهن ... تأوي إليه وما لي مثله وطن # والخنفساء لها من جنسها سكن ... وليس لي مثلها إلف ولا سكن # وله: [الوافر] # نرى العقيان كالذهب المصفى ... يركب فوق أثفار الدواب # وكيسي منه خلو مثل كفي ... أما هذا من العجب العجاب! # وله: [البسيط] # رأيت في النوم دنيانا مزخرفة ... مثل العروس تراءت في المقاصير # فقلت جودي فقالت لي على عجل ... إذا تخلصت من أيدي الخنازير # *** # وأضرم في الخافقين نارها، وأوضح لبني غبراء منارها، فشهدت وقائعها معلما، ~~واخترت سيماها لي ميسما؛ إذ كانت المتجر الذي لا يبور، والمنهل الذي لا ~~يغور، والمصباح الذي يعشو إليه الجمهور، ويستصبح به العمي والعور. وكان ~~أهلها أعز قبيل، وأسعد جيل، لا يرهقهم مس حيف، ولا يقلقهم سل سيف، ولا ~~يخشون حمة لاسع، ولا يدينون لدان ولا شاسع ولا يرهبون ممن برق ورعد، ولا ~~يحفلون بمن قام وقعد؛ أنديتهم منزهة، وقلوبهم مرفهة، وطعمهم معجلة، ~~وأوقاتهم غر محجلة، أينما سقطوا لقطوا، وحيثما انخرطوا خرطوا، لا يتخذون ~~أوطانا، ولا يتقون سلطانا، ولا يمتازون عما تغدو خماصا وتروح بطانا. # قوله: أضرم. أي أوقد، الخافقين: المشرق والمغرب، أوضح: بين منارها: # سراجها، معلما: مشهورا. سماها: علامتها، يريد أنه اختار علامتهم لنفسه، يبور: # يكسد ويهلك أهله: المنهل: موضع الماء، يغور: يغوص في الأرض، يعشو: ينظر، ~~الجمهور: معظم الشيء، العور: جمع أعور. الجيل: أهل العصر، يرهقهم: يدركهم ~~ويغشاهم حيف: جور وظلم. حمة: سم. لاسع: ضارب. واللسع: الضرب بمؤخره، مثل ~~العقرب، واللدغ لما كان بالفم. ولسعه بلسانه: عابه وآذاه، ورجل لسعة ولساعة ~~ولساع، أي عياب مؤذ، يدينون: يطيعون، دان وشاسع: قريب وبعيد يرهبون: ~~يخافون. # برق ورعد: هدد وخوف، يحفلون: يبالون. من قام وقعد: من غيظه وشره. ~~انخرطوا: PageV03P448 # ركبوا رءوسهم، واندفعوا بشدة، وخرطت الغصن، إذا وضعت يدك عليه ثم تجره ~~عليك، فيسقط ما فيه من ورق ms1262 وثمر. أنديتهم: مجالسهم. مرفهة: الرفاهية: العيش ~~اللين. غر: بيض. محجلة: مشهورة. سقطوا: وقعوا لقطوا: جمعوا الرزق. وأصله ~~للطير، يمتازون: يفترقون. خماصا: جياعا، بطانا: شباعا وهي للطير، وقال عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو أنكم ~~توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا» (¬1). # *** # فقال له ابنه: يا أبت لقد صدقت، فيما نطقت؛ ولكنك رتقت، وما فتقت؛ فبين ~~لي كيف أقتطف، ومن أين تؤكل الكتف، فقال: يا بني إن الارتكاض بابها، ~~والنشاط جلبابها، والفطنة مصباحها، والقحة سلاحها، فكن أجول من قطرب، وأسرى ~~من جندب، وأنشط من ظبي مقمر، وأسلط من ذئب متنمر، واقدح زند جدك بجدك، ~~واقرع باب رعيك بسعيك، وجب كل فج، ولج كل لج، وانتجع كل روض، وألق دلوك في ~~كل حوض، ولا تسأم الطلب، ولا تمل الدأب، فقد كان مكتوبا على عصا شيخنا ~~ساسان: من طلب، جلب، ومن جال، نال. وإياك والكسل، فإنه عنوان النحوس، ولبوس ~~ذوي البوس، ومفتاح المتربة، ولقاح المتعبة، وشيمة العجزة الجهلة، وشنشنة ~~الوكلة التكلة، وما اشتار العسل، من اختار الكسل، ولا ملأ الراحة؛ من ~~استوطأ الراحة. # *** # قوله: رتقت، أي ألحمت وسديت، وهو ضد فتقت، تقول: رتقت الشيء، إذا ضممت ~~بعضه إلى بعض، وفتقته: نقضته، أقتطف: أجني الثمر، وهذا مثل قوله: من أين ~~تؤكل الكتف، قالوا: تؤكل من أسفلها، لأن المرقة تدخل بين عظامها ولحمها، ~~فمن أكلها من أعلاها جرت المرقة عليه، ولفظ المثل على ذكره أبو عبيد: فلان ~~أعلم من حيث تؤكل الكتف، يضرب مثلا لمن جرب الأمور ودرى تصرفها، قال ~~البكري: إن لحم الكتف إذا أكل من أعلاه تناثر، وإذا أكل من قبل الغضروف، لم ~~يتأت لآكله. # والغضروف: اللحم الرخص المتصل بأسفل الكتف المتسع، وقيل: أكل الكتف، إذا ~~أمسك فيها بطرف الغضروف ربما سقطت فتربت، وإذا أمسكها بالطرف الآخر أمن من ذلك. # الفنجديهي: لحم الكتف إذا جذب من الجانب الأسفل انقطع بكليته، وإذا جذب PageV03P449 # من الجانب الأعلى تقطع اللحم ولم ms1263 ينقطع، لأن المرقة تجري بين لحم الكتف ~~والعظم، فإذا أخذته من أعلاه تصببت المرقة عليك بسرعة، وإذا أخذت اللحم من ~~أسفله تقشر من عظمها فلم تنصب المرقة بالسرعة، وهو مثل يضرب للبصير ~~بالأمور، وقال أوس بن حجر: [البسيط] # أم دلكم بعض من يرتاد مشتمتي ... بأي أكلة لحم تؤكل الكتف (¬1) # يقول: أنا أعلم كيف أنا لكم. # وقال آخر: [المنسرح] # إني على ما ترون من كبري ... أعلم من أين تؤكل الكتف (¬2) # قطرب: دويبة تجول الليل كله ولا تنام، ويقال فيه أيضا: أسهر من قطرب، ~~وهذا قول أبي عمرو، وغيره يرويه: أسعى من قطرب، لا أسهر، ويقول: هو دويبة ~~لا تستقر بالنهار ويحتج بقول ابن مسعود: لا أعرفن أحدكم جيفة ليل قطرب ~~نهار، وقطرب اسم رجل مشهور، وهو ابن المستنير صاحب المثلث وكان من أهل ~~العربية فجلس لسيبويه يناظره، فلما رآه سيبويه قد احتد بالسؤال قال: إنك ~~لقطرب ليل، فسمي بذلك، والقطرب أيضا ذكر الغيلان، ابن ظفر ذكر من يعول عليه ~~أنه حيوان يكون بالصعيد من أرض مصر، يظهر للمنفرد من الناس، فربما صده عن ~~نفسه إذا كان شجاعا وإلا لم ينته حتى ينكحه، فإذا أنكحه تدود دبره وهلك، ~~قال: وهم إذا رأوا من ظهر له القطرب قالوا: أمنكوح أم مروع، فإن قال: منكوح ~~يئسوا منه. وإن قال: مروع سكنوه وعالجوه، قال: فقد رأيت أهل مصر وما بين ~~يديها وما خلفها، وتحققت أهل صعيدها والعربان، وهم مستوون في الجهل بهذا ~~الحيوان، ومختلفون الاختلاف الشديد في فعله وصورته، إلا أن أهل مصر أكثر ~~لهجا به. والقطارب أيضا: صغار الكلاب. # قوله: أسري، أي أمشي بالليل، الجندب: ذكر الجراد، وقيل: هي دويبة تشبه ~~الجراد ذات جناحين، فلا تزال ترمح. ولفظ المثل: أسرى من جراد. مقمر: لاعب ~~في القمر، وأنشط: أخف، والظبي يأخذه النشاط في الليلة المقمرة فيلعب، ~~متنمر: متشبه بالنمر وهو سبع مؤذ، جدك: حظك، اقرع: اضرب. رعيك: أكلك. وأراد ~~بباب رعيك الذي يجيئك منه الرزق، ألق دلوك إلى كل حوض: لفظ المثل «ألق دلوك ~~في ms1264 الدلاء»، يضرب في بذل الجهد في اكتساب المال والبحث عليه، وهو كما قال ~~الشاعر: [الوافر] # وليس الرزق عن طلب حثيث ... ولكن ألق دلوك في الدلاء (¬3) PageV03P450 # تجئك بملئها طورا وطورا ... تجئك بحمأة وقليل ماء # قوله: فقد كان مكتوبا على عصا شيخنا ساسان، الفنجديهي قرأت في بعض ~~الفوائد أنه كان مكتوبا على عصا ساسان المكدى: الكسل شؤم، والتمييز مذموم، ~~والحركة بركة والتواني هلكة، وكلب طائف: خير من أسد رابض، ومن لم يغترف: لم ~~يعتلف جال: # تصرف ومشى في البلاد، نال: أدرك حاجته، عنوان: دليل، النحوس: جمع نحس، ~~وهو ضد السعد، وذوي البؤس: أهل الفقر: لقاح المتعبة، أي أصلها وسببها، شيمة: # طبيعة، وكذلك الشنشنة، الوكلة التكلة: هو العاجز الذي يكل أمره لغيره ~~ويتكل عليه فيه. أشتار: حرك واستخرج، الراحة الأولى: الكف، والثانية ضد التعب. # وعليك بالإقدام، ولو على الضرغام، فإن جراءة الجنان، تنطق اللسان، وتطلق ~~العنان، وبها تدرك الحظوة، وتملك الثروة، كما أن الخور صنو الكسل، وسبب ~~الفشل، ومبطأة للعمل، ومخيبة للأمل، ولهذا قيل في المثل: من جسر، أيس، ومن ~~هاب، خاب. ثم ابرز يا بني في بكور أبي زاجر، وجراءة أبي الحارث، وحزامة أبي ~~قرة، وختل أبي جعدة، وحرص أبي عقبة، ونشاط أبي ووثاب، ومكر أبي الحصين، ~~وصبر أبي أيوب، وتلطف أبي غزوان، وتلون أبي براقش، وحيلة قصير، ودهاء عمرو، ~~ولطف الشعبي، واحتمال الأحنف، وفطنة إياس، ومجانة أبي نواس، وطمع أشعب، ~~وعارضة أبي العيناء. # *** # الإقدام: الجراءة، الضرغام: الأسد. والجراءة: الشجاعة. والجنان: القلب. # والحظوة: المنزلة الرفيعة، والثروة: الغنى. صنو: أخ. الفشل: الضعف ~~والحيرة، يريد أن فزع النفس وضعيفها يخيب الأمل والرجاء، وقال معاوية: ~~الهيبة مقرون بها الخيبة. # أبو زاجر: هو الغراب، سمي بذلك، لأن العرب تزجر به وتتشاءم، وتقدم ذلك، ~~ومن وصيته لولده على ألسنتهم، قالوا: قال الغراب لابنه: يا بني إذا رميت ~~فتلوص أي تلو، قال: يا أبت أنا أتلوص قبل أن أرمي، وقال لابنه قد رأى رجلا ~~فوق سهما: يا بني اتئد، حتى تعلم ما يريد الرجل، فقال: يا أبت، الحذر ms1265 قبل ~~إرسال السهم. # وأبو الحارث: الأسد كني بذلك لاحتراثه، أي لاكتسابه بقوته. # وأبو قرة: الحرباء كني بذلك لأن البرد لا يفارقه. فالحرباء تدور لذلك مع ~~الشمس حيثما دارت، وتقدم حزامتها، ومر أنها لا تفارق ساق الشجرة حتى تمسك ~~ساق الأخرى. PageV03P451 # وأبو جعدة: كنية الذئب، وهي كنية بالضد لأن جعدة عندهم الشاة، ولما كان ~~الذئب يقتلها حيث وجدها جعلوه أباها بضد ما يفعل الأب الذي لا يقال له أب ~~إلا لوجود الرحمة عنده على بنيه، ونحوها قولهم للأسود: أبو البيضاء، ~~والختل: المكر. # وأبو عقبة الخنزير، ومن حرصه أنه يمشي بالليل وبالأسحار لطلب ما يأكل، ~~ويستتر بالنهار حرصا على السلامة. # وأبو وثاب: الظبي وكني بذلك لسرعة وثبه. # وأبو الحصين: الثعلب، وهو أكثر الحيوان مكرا، ومن بعض مكره أنه إذا رأى ~~الغلبة تماوت فلا تشك في أنه ميت، فإذا وقع له غير عارف تركه فما يمر يسيرا ~~حتى يقوم فارا أو تحصينه يبصل العنصل من الذئب، لأن الذئب لا يطؤه في زعم ~~قوم، وقالوا: إن الضبع صادت ثعلبا، فقالت: أخيرك يا ثعلب بين خصلتين، فقال: ~~ما هما؟ فقالت: إما أن آكلك وإما أن أكلمك، فقال لها الثعلب، أما تذكرين ~~يوم نكحتك؟ فقالت: متى؟ فانفتح فوها وانفلت الثعلب، فذكروا ذلك مثلا، ~~وقالوا: ضرب عليه خصلتي الثعلب، وقالوا: إن الثعلب اطلع في بئر وهو عاطش ~~وعليها رشاء في طرفيه دلوان، فقعد في الدلو العليا فانحدرت، فشرب، فجاء ~~الضبع فاطلعت في البئر، فأبصرت القمر في الماء منتصفا والثعلب قاعد في قعر ~~البئر فقالت له: ما تصنع هنا؟ فقال لها: إني أكلت نصف هذه الجبنة وبقي ~~نصفها لك فانزلي فكليها، فقالت: وكيف أنزل؟ قال: تقعدين في الدلو فقعدت ~~فيها، فانحدرت وارتفع الثعلب في الدلو الأخرى فلما التقيا في وسط البئر ~~قالت له: ما هذا؟ قال: كذا التجار، نختلف، فضربت بها العرب المثل في ~~المختلفين، وأوصاف مكره كثيرة. # وأبو أيوب: الجمل سمي بذلك لأنه أصبر الدواب على العطش والجوع وقطع ~~الأشهر بالسير المتصل ونقل الأوقار، ومهما كان به ms1266 شيء من قوة تجلد، فإذا ~~وقف علم أنه ليس فيه بقية ينتفع بها. # وأبو غزوان الهر لغزوه الفئران وخشاش الأرض وتلطفه يظهر في محاولاته ~~لتصيد الفأر فإذا قدمت المائدة: قرب منها وأخذ يتلطف في صياحه ويتضرع ويحتك ~~بالمائدة أو بالأكل حتى يعطى. # وأبو براقش: طائر أغبر أوسطه أحمر، إذا انتفض تلون ألوانا. أخذ الحريري ~~هذا الفصل من كلام العلماء، قالوا: ابن آدم هو العالم الكبير الذي جمع الله ~~تعالى العالم كله فيه فكان فيه بسالة الأسد وصبر الجمل وحرص الخنزير وحذر ~~الغراب وروغان الثعلب؛ وضرع السنور، وحكاية القرد وجبن الصقر. # قيل لرجل من كبار العلماء وكان بليدا سريع النسيان في ابتداء تعلمه: بم ~~أدركت العلم مع بلادتك وكلل خاطرك؟ قال: ببكور كبكور الغراب وصبر كصبر ~~الجمل وحرص كحرص الخنزير. PageV03P452 # واخلب بصوغ اللسان، واخدع بسحر البيان، وارتد السوق قبل الجلب وامتر ~~الضرع قبل الحلب، وسائل الركبان قبل المنتجع، ودمث لجنبك قبل المضطجع، ~~واشحذ بصيرتك للعيافة، وأنعم نظرك للقيافة، فإن من صدق توسمه، طال تبسمه، ~~ومن أخطأت فراسته أبطأت فريسته. # وكن يا بني خفيف الكل، قليل الدل، راغبا عن العل، قانعا من الوبل بالطل. # وعظم وقع الحقير؛ واشكر على النقير، ولا تقنط عند الرد. ولا تستبعد رشح ~~الصلد، ولا تيئس من روح الله، إنه لا ييئس من روح الله إلا القومالكافرون. # وإذا خيرت بين ذرة منقودة، ودرة موعودة، فمل إلى النقد وفضل اليوم على ~~الغد، فإن للتأخير آفات وللعزائم بدوات، وللعدات معقبات، وبينها وبين ~~النجاز عقبات وأي عقبات. # *** # قوله: اخلب بصوغ اللسان، أي بعذوبة الكلام، قال ابن كناسة الشاعر: كنت ~~أتكلم بكلام فلو لم يجد سامعه إلا القطن الذي في وجه أمه في القبر، لتغلغل ~~إليه حتى يخرجه ويهديه إلي. وأنا اليوم أتحدث بذلك الحديث بعينه فما أفرغ ~~منه حتى أهيئ له اعتذاري وارتد، أي اطلب. والجلب: ما يجلب إلى السوق للبيع، ~~امتر: امسح، ويفعل ذلك بالضرع لأنه يدر لبنه. المنتجع: موضع العشب، أراد به ~~موضع طلب الرزق، دمث: لين، اشحذ: اجل ms1267 واصقل، وقال في الدرة: ويقولون: شحات ~~بالتاء، وصوابه. # بالذال لأن اشتقاقه من شحذت السيف، إذا بالغت في إحداده فكأن الشحاذ هو ~~الملح في المسألة المبالغ في طلب الصدقة، بصيرتك: ذهنك، العيافة: زجر ~~الطير، أنعم: بالغ، القيافة: الاستدلال على الولد، وذلك أن ينظر خلقته ~~وصفته، فيشبهه بأبيه. توسمه: # نظره، الفراسة: الحكم بحالات الشيء على ما يكون منه في المستقبل. الكل: ~~الثقيل، والدل والدلال بمعنى واحد، العل: الشرب بعد الشرب وراغبا عنه: ~~تاركا له: النقير: # حفرة في ظهر نوى التمر، ومنها تنبت النخلة، تقنط: تيأس، روح الله: رزقه. ~~ولبعضهم في هذا المعنى: [المتقارب] # سيفتح باب إذا سد باب ... نعم وتلين الأمور الصعاب # ويتسع الحال من بعد ما ... تضيق المذاهب فيه الرحاب # مع العسر يسران هون عليك ... فلا اليسر دام ولا الاكتئاب # إذا احتجب الناس من سائل ... فما دون سائل ربي حجاب # آخر: [الطويل] PageV03P453 # عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كل يوم في خليقته أمر # إذا اشتد عسر فارج يسرا فإنه ... قضى الله أن العسر يتبعه يسر # آخر: [الوافر] # فلا تجزع إذا أعسرت يوما ... فقد أيسرت في الزمن الطويل # ولا تيأس فإن اليأس كفر ... لعل الله يغني عن قليل # وإن العسر يتبعه يسار ... وقول الله أصدق كل قيل # ولا تظنن بربك ظن سوء ... فإن الله أولى بالجميل # قوله: ذره، كناية عن الشيء القليل: درة: جوهرة. آفات: جوائح. وللعزائم ~~بدوات، يريد أن الإنسان يعزم على فعل الشيء في وقت ثم يبدو له ألا يفعله. النجز: # تعجيل قضاء الحاجة، وقد قدم مثل هذا المعنى عند قوله: [الطويل] # * وبع آجلا منك بالعاجل* # *** # وعليك بصبر أولي العزم، ورفق ذوي الحزم، وجانب خرق المشتط، وتخلق بالخلق ~~السبط، وقيد الدرهم بالربط، وشب البذل بالضبط، ولا تجعل يدك مغلولة إلى ~~عنقك ولا تبسطها كل البسط، ومتى نبا بك بلد، أو نابك فيه كمد، فبت منه ~~أملك، واسرح عنه جملك، فخير البلاد ما جملك، ولا تستثقلن الرحلة، ولا تكرهن ~~النقلة، فإن أعلام شريعتنا، وأشياخ عشيرتنا، أجمعوا على أن الحركة بركة، ms1268 ~~والطراوة سفتجة، وزروا على من زعم أن الغربة كربة، والنقلة مثلة، وقالوا: ~~هي تعلة من اقتنع بالرذيلة، ورضي بالحشف وسوء الكيلة. وإذا أزمعت على ~~الاغتراب، وأعددت له العصا والجراب، فتخير الرفيق المسعد، من قبل أن تصعد؛ ~~فإن الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق. [مجزوء الكامل] # خذها إليك وصية ... لم يوصها قبلي أحد # غراء حاوية خلا ... صات المعاني والزبد # نقحتها تنقيح من ... محض النصيحة واجتهد # فاعمل بما مثلته ... عمل اللبيب أخي الرشد # حتى يقول الناس ه ... ذا الشبل من ذاك الأسد # *** PageV03P454 # المشتط: المتجاوز القدر في محاولته. والخرق ضد الرتق. السبط: السهل. شب: # أخلط. البذل: العطاء. والضبط: الحبس. قال أبو حاتم الداري: دخلت مع أبي ~~مدينة السلام فرأيت رجلا واقفا على الطريق يلعب بحية ويقول: من يهب لي ~~درهما حتى أبتلع هذه الحية؟ فالتفت إلي أبي وقال: يا بني احفظ دراهمك فمن ~~أجلها تبلع الحيات. # مغلولة: محبوسة، أي لا تكن شحيحا ممسكا ولا كريما متلفا. نابك: نزل بك. كمد: # حزن. بت: اقطع. أملك، أي رجاءك: أسرح عنه، أي أزله وسرحه بالمشي إلى غيره. # الرحلة: الارتحال. النقلة: الانتقال. أعلام شريعتنا: مشايخ طريقتنا. ~~الطراوة: أن يطرأ على بلد لم يره. السفتجة: ما أتاك بغير تكلف ولا مشقة، ~~وهي عند أهل المشرق أن يأخذ الرجل الدراهم والدنانير، فيعطيها صاحبه، ~~ويقول: احملها لي معك لأمن طريقك، ولمنعتك إلى بلد كذا فادفعها إلي، ثم فإن ~~طريقي غير آمن من اللصوص. قال مالك رضي الله تعالى عنه: إن قصد بها المنفعة ~~لم يجز لأنه سلف جر منفعة، فيقول: الطراوة على الناس كالسفتجة، ترغب لك في ~~أخذ الدراهم، وقد يكون منك تمنع عن أخذها. # زروا: عابوا. كربة: هم، وقال: من ذم السفر: الغربة كربة والنقلة مثلة، ~~والغريب كالغرس الذي زايل أصله وفقد شربه، فهو ذاو لا يثمر وذابل لا ينضر. ~~إذا كنت في غير بلدك فلا تنس نصيبك من الذل. تعلة: عذر. الرذيلة: الدون من ~~كل شيء. الحشف: # الرديء من التمر. الكيلة الهيئة، ومعناه أنه اجتمع عليه عيبان: تمر ms1269 فاسد ~~وكيل ناقص. # أزمعت: عزمت. الاغتراب: الجولان والغربة. الجراب: الوعاء للزاد. المسعد: ~~الموافق القليل الخلاف. تصعد: ترتفع وتخرج، الجار قبل الدار، يقول: لا تشتر ~~دارا حتى تعلم من جيرانك، وكفى الجار أن قال صلى الله عليه وسلم في حقه: ~~«ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى خفت أن يورثه» (¬1)، وقال الزاهد ابن ~~عمران: [البسيط] # لتعن بالجار قبل الدار تسكنها ... لا خير في الدار ما لم يحمد الجار # الجار إن غبت عن أهل وعن وطن ... نعم الخليفة هم أهل وأنصار # والجار المساعد أحسن من القرابة. ويروى أن رجلا كان جارا لأبي دلف ~~ببغداد، فأدركته حاجة، وركبه دين فادح حتى احتاج إلى بيع داره، فساوموه ~~فيها، فسمى لهم ألف دينار، فقالوا له: إن دارك تساوي خمسمائة دينار، فقال: ~~أبيع داري بخمسمائة وجوار أبي دلف بخمسمائة، فبلغ أبا دلف الخبر، فأمر ~~بقضاء دينه ووصله، وقال: لا تنتقل من جوارنا، فانظر كيف صار الجوار يباع ~~كما يباع العقار، وقال الشاعر: [الطويل] PageV03P455 # يلومونني إن بعت بالرخص منزلي ... ولم يعلموا جارا هناك ينغص # فقلت لهم كفوا الملام فإنما ... بجيرانها تغلو الديار وترخص # غراء: ظاهرة حسنة. حاوية: جامعة. خلاصات: جمع خلاصة، وهو الذي يتخلص من ~~الشيء ويصفو منه، والزبد: جمع زبدة اللبن. نقحتها: هذبتها. محض: # أخلص. اللبيب: العاقل. أخي الرشد: صاحب الرشد. الشبل: ولد الأسد. # *** # ثم قال: يا بني، قد أوصيت واستقصيت، فإن اقتديت فواها لك، وإن اعتديت ~~فآها منك، والله خليفتي عليك، وأرجو ألا تخلف ظني فيك. فقال له ابنه: يا ~~أبت لا وضع عرشك، ولا رفع نعشك، فلقد قلت سددا، وعلمت رشدا، ونحلت ما لم ~~ينحل والد ولدا، ولئن أمهلت بعدك- لا ذقت فقدك- فلأتأدبن بآدابك الصالحة، ~~ولأقتدين بآثارك الواضحة؛ حتى يقال: ما أشبه الليلة بالبارحة والغادية ~~بالرائحة! فاهتز أبو زيد لجوا به وابتسم، وقال: من أشبه أباه فما ظلم. # قال الحارث بن همام: فأخبرت بأن بني ساسان، حين سمعوا هذي الوصايا ~~الحسان، فضلوها على وصايا لقمان، وحفظوها كما تحفظ أم القرآن؛ حتى أنهم ~~ليرونها إلى الآن، أولى ms1270 ما لقنوه الصبيان، وأنفع لهم من نحلة العقيان. # *** # غراء: ظاهرة حسنة. حاوية: جامعة. خلاصات: جمع خلاصة وهو الذي يصفو منه، ~~والزبد: جمع زبدة اللبن. اقتديت: اتبعت وصيتي. واها: عجبا. اعتديت: # ظلمت. آها: كلمة معناها التوجع. عرشك: سريرك، والمعنى أنه يدعو له ~~بالبقاء. # سددا: صوابا. نحلت: أعطيت. الواضحة: البينة. الغادية: السحابة تأتي ~~بالغدو. # والرائحة بالعشي، قال الفراء النحوي: من أشبه أباه فما ظلم مثل أخذه ~~الناس من قول كعب بن زهير: [الطويل] # أنا ابن الذي لم يخزني في حياته ... قديما ومن يشبه أباه فما ظلم (¬1) # لقنوه: علموه. أولى: أحق. نحلة: عطية. العقيان: الذهب. PageV03P456 ### | AUTO المقامة الخمسون وهي البصرية # حكى الحارث بن همام قال: أشعرت في بعض الأيام هما برح به استعاره، ولاح ~~علي شعاره، وكنت سمعت أن غشيان مجالس الذكر، يسرو غواشي الفكر، فلم أر ~~لإطفاء ما بي من الجمرة، إلا قصد الجامع بالبصرة، وكان إذ ذاك مأهول ~~المساند، مشفوه الموارد، يجتنى من رياضه أزاهير الكلام، ويسمع في أرجائه ~~صرير الأقلام، فانطلقت إليه غير وان، ولا لاو على شان، فلما وطئت حصاه، ~~واستشرفت أقصاه، تراءى لي ذو أطمار بالية، فوق صخرة عالية، وقد عصبت به عصب ~~لا يحصى عديدهم، ولا ينادى وليدهم، فابتدرت قصده، وتوردت ورده، ورجوت أن ~~أجد شفائي عنده، فلم أزل أتنقل في المراكز، وأغضي للاكز والواكز، إلى أن ~~جلست تجاهه، بحيث أمنت اشتباهه، فإذا هو شيخنا السروجي لا ريب فيه، ولا لبس ~~يخفيه، فانسرى بمرآه همي، وارفضت كتيبة غمي. # *** # أشعرت: ألبست. برح: شق واشتد. استعاره: توقده في القلب. لاح: ظهر، يريد ~~أنه لبس الهم كالشعار. والشعار: ثوب يلي الجسد، والشعار علامة القوم في ~~الحرب، فمعناه عبس وجهه من شدة الهم. يسرو: يزيل. غواشي الفكر: ما يغشاه ~~ويدخل عليه من الهم. مأهول: كثير الأهل. المساند: جمع مسند، وهو ما يسند ~~إليه ظهره، أراد مواضع العلماء المتصدرين للإقراء. والموارد: مواضع المياه. ~~مشفوه: كثيرة الشفاه عليه للشرب، وأراد ازدحام الطلبة على الأشياخ لأخذ ~~العلم. أزاهير: أنوار. أرجائه: نواحيه. # صرير: أصوات. وان: ms1271 مقصر. لاو على شان: معرج على أمر. استشرفت أقصاه: # اطلعت بنظري عليه كله. تراءى: ظهر. أطمار: ثياب خلقة. عصبت: أحدقت وحلقت. # عصب: جماعات. لا ينادى وليدهم، هذا مثل يستعمل في الأمر المعجب المبالغ ~~في وصفه المعجب منه، وقد يؤول على تأويلات، وهو يستعمل في الخير والشر. ~~والرخاوة والشدة. ابتدرت قصده، أي عجلت المشي إلى جهته. توردت ورده، أي ~~طلبت منفعته. # والمراكز: مواضع الجلوس، ومركز الرجل: موضعه، وركزت الشيء غرسته. أغضي: PageV03P457 # أغمض على المكروه. اللاكز: الضارب في الصدر. الواكز: الضارب في ناحية ~~الفم، والوكز واللكز بجمع اليد. تجاهه: قبالة وجهه. اشتباهه: التباسه ~~بغيره. يخفيه: يستره. # انسرى: زال وانكشف. ارفضت: تفرقت. كتيبة غمي، أي عسكره. # *** # وحين رآني، وبصر بمكاني، قال: يا أهل البصرة، رعاكم الله ووقاكم، وقوى ~~تقاكم، فما أضوع رياكم، وأفضل مزاياكم، بلدكم أوفى البلاد طهرة، وأزكاها ~~فطرة، وأفسحها رقعة، وأمرعها نجعة وأقومها قبلة، وأوسعها دجلة، وأكثرها ~~نهرا ونخلة، وأحسنها تفصيلا وجملة، دهليز البلد الحرام وقبالة الباب ~~والمقام، وأحد جناحي الدنيا، والمصر المؤسس على التقوى، لم يتدنس ببيوت ~~النيران، ولا طيف فيه بالأوثان، ولا سجد على أديمه لغير الرحمن، ذو المشاهد ~~المشهودة، والمساجد المقصودة، والمعالم المشهورة، والمقابر المزورة، ~~والآثار المحمودة، والخطط المحدودة، به تلتقي الفلك والركاب، والحيتان ~~والضباب، والحادي والملاح، والقانص والفلاح، والناشب والرامح، والسارح ~~والسابح، وله آية المد الفائض، والجزر الغائض. # *** # وقوله: وحين رآني، يريد أن السروجي علم أن ابن همام يعرف مكره الناس في ~~كل بلد، فخشي ألا يسمح له بخداع أهل بلده، فأخذ يمدح البصرة وأهلها ليرضيه بذلك. # رعاكم الله: حفظكم. وقاكم: كفاكم ما يحذر. تقاكم: خوفكم لله. أضوع رياكم: ~~أفوح رائحتكم. مزاياكم: فضائلكم التي خصصتم بها. أوفى: أكمل. أفسحها: ~~أوسعها. # الرقعة: القطعة من الأرض. أمرعها: أخصبها. النجعة: موضع العشب ينتجعه الناس. # دجلة: نهر البصرة. تفصيلا وجملة، يقول: إن جزئت مواضعها وتناظر كل جزء ~~منها مع كل جزء من غيرها كان لها الفضل، فإن قيل: أي البلاد أحسن على ~~الجملة؟ قيل البصرة. الدهليز: أسطوان الدار ومدخله، والمقام: موضع ms1272 قيام ~~إبراهيم عليه السلام عند الكعبة للدعاء. أحد جناحي الدنيا: من قول أبي ~~هريرة: «الدنيا على مثال الطائر، فالبصرة ومصر الجناحان فإذا خربا وقع ~~الأمر». المؤسس على التقوى: الذي بني أساسه في الإسلام. يتدنس: يتوسخ. ~~الأوثان: الأصنام. أديمه: جلده، أراد به أرضه. الخطط: # الدور والأزقة. المختطة: الموسومة ليبني فيها. الفلك: السفن. الركاب: ~~الإبل، يريد أنها بحرية برية. الضباب: جمع ضب. الحادي: سائق الإبل فإذا كان ~~الحادي حسن الصوت بلغت الإبل جهدها في المشي. الملاح: خادم السفينة. ~~القانص: صائد الحوت. # الفلاح: الحراث. الناشب: الرامي النشاب. الرامح: الطاعن بالرمح، أراد ~~الإغزاز لأنهم PageV03P458 # رماة والعرب لأنهم أصحاب رماح. والسارح: راعي الإبل، والسابح: العائم في الماء. # آية: علامة. المد والجزر، أي زيادة البحر ونقصانه وهما الملء والحصر، ~~ونهر البصرة يركض فيه البحر. # *** # وأما أنتم فممن لا يختلف في خصائصهم اثنان، ولا ينكرها ذو شنآن؛ دهماؤكم ~~أطوع رعية لسلطان، وأشكرهم لإحسان، وزاهدكم أورع الخليقة، وأحسنهم طريقة ~~على الحقيقة، وعالمكم علامة كل زمان، والحجة البالغة في كل أوان، ومنكم من ~~استنبط علم النحو ووضعه، والذي ابتدع ميزان الشعر واخترعه، وما من فخر إلا ~~ولكم فيه اليد الطولى، والقدح المعلى، ولا صبت إلا وأنتم أحق به وأولى. ثم ~~إنكم أكثر أهل مصر مؤذنين، وأحسنهم في النسك قوانين، وبكم اقتدي في ~~التعريف، وعرف التسحير في الشهر الشريف، ولكم إذا قرت المضاجع، وهجع ~~الهاجع، تذكار يوقظ النائم، ويؤنس القائم، وما ابتسم ثغر فجر، ولا بزغ نوره ~~في برد ولا حر، إلا ولتأذينكم بالأسحار، دوي كدوي الريح في البحار. وبهذا ~~صدع عنكم النقل، وأخبر النبي عليه السلام من قبل، وبين أن دويكم بالأسحار، ~~كدوي النحل في القفار، فشرفا لكم ببشارة المصطفى وواها لمصركم وإن كان قد ~~عفا، ولم يبق منه إلا شفا. # *** # خصائصهم: ما يختصون به من الفضائل، أراد أن البصرة اجتمعت فيها الأشياء ~~المتنافرة والمتضادة التي لا تجتمع ببلد، فهي أجمع بلاد الله فائدة، قال ~~ابن أبي عيينة في نحوه: [البسيط] # زر وادي القصر نعم القصر والوادي ... لا بد ms1273 من زورة من غير ميعاد # زره فليس له شبه يقاربه ... من منزل حاضر إن شئت أو باد # ترى قراقره والعيس واقفة ... والضب والنون والملاح والحادي ### || AUTO [البصرة] # والبصرة اختطها عتبة بن غزوان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعتبة بدري مهاجري، بناها سنة أربع عشرة من ~~الهجرة فمر بموضع منها فوجد الكذان، وهي الحجارة الرخوة فقال: هذه البصرة، ~~انزلوها بسم الله، فسميت لذلك البصرة، واختطت الكوفة سنة سبع عشرة من ~~الهجرة في المحرم، وكسرت البصرة في PageV03P459 # أيام خالد القسري فوجد طولها فرسخين في مثلهما والكوفة ثلثاها. وأما في ~~أيام المنصور فقسم على من يستوجب العطاء من أهل البصرة ألف ألف درهم، فأصاب ~~كل رأس درهمين. # ولأهل البصرة ثلاثة أشياء ليس لأحد من أهل البلدان أن يدعيها عليهم: ~~النخل والشاء والحمام، أما النخل فهم أعلم خلق الله به وأحذقهم بإصلاحه، ~~وفيها من أصناف النخل ما ليس في بلد من البلدان، وأما الشاء المعبدية فقد ~~وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من عبد القيس، فقال: يا رسول ~~الله إني رجل أحب الشاء، فدفع له فحلا من المعز فقبض بيده على أصل أذنه، ~~حتى استدارت أصابعه، فصار في أذنه كالسمة فسار إلى بلده فأطرقه شاءه، فحملت ~~إلى البحرين، فتناسلت هناك فليس في البحرين شاة كريمة إلا وفي أذنها سمة ~~كالحلقة، فيغالى بها لتلك العلامة حتى تبلغ الشاة منها خمسين دينارا، وتعقد ~~بالبصرة عقودها، وفيها شاة لبني فلان أمها فلانة، وأبوها تيس بني فلان، ~~مقدار حلبها بالغداة والعشي كذا. وحمامهم بلغت في الهداية أن جاءت من أقاصي ~~بلاد الروم ومن مصر إلى البصرة وينتهي ثمن الطائر منها إلى تسعمائة دينار، ~~وتباع بيضتها بعشرين دينارا، وكل ما وصف في المقامة موجود في البصرة، ولما ~~صعد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه منبرها خطب وقال في آخر خطبته: يا ~~أهل البصرة، يا بقايا ثمود ويا جند المرأة، ويا أتباع البهيمة، دعا ~~فاتبعتم، وعقر ms1274 فانهزمتم، أما إني أقول لا رغبة فيكم ولا رهبة منكم، غير أني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أرض يقال لها البصرة، أقوم ~~الأرضين قبلة، قارئها أقرأ الناس، وعابدها أعبد الناس، ومتصدقها أكثر الناس ~~صدقة، وتاجرها أعظم الناس تجارة منها إلى قرية يقال لها الأبلة أربع فراسخ، ~~يستشهد عند مسجدها سبعون ألفا، الشهيد منهم كالشهيد في يوم بدر». فبنى ~~الحريري في مدح البصرة على هذا الحديث، وإنما ختم كتابه بذكر البصرة وأهلها ~~لتقوى مفاخرهم، ومفاخر بلدهم في البلدان فيلهجون بالمقامات ويقدمونها على غيرها. # قوله: شنآن، أي عداوة. دهماؤكم: جماعاتكم، والدهماء معظم الناس وأكثرهم. # والدهم: العدد الكثير. عابدكم: زاهدكم كالحسن البصري ومحمد بن سيرين ~~وغيرهما. # الخليقة، أي أخوف الناس من الله تعالى. علامة: كثير العلم. ### || AUTO [أبو الأسود الدؤلي] # ومستنبط علم النحو هو أبو الأسود الدؤلي، واسمه ظالم بن عمرو بن جندل بن ~~سفيان أحد بني الديل من كنانة، وهو يعد في التابعين والمحدثين والشعراء ~~والبخلاء والنحويين، ويعد في العرج والمفاليج والبخر، شهد مع علي رضي الله ~~عنه صفين، وولى البصرة لابن عباس رضي الله عنهما، وكان من شيعة علي وكانت ~~امرأته عثمانية، وكان أصهاره لا يزالوا أن يردون عليه قوله في علي، فقال ~~فيهم: [الوافر] PageV03P460 # يقول الأرذلون بنو قشير ... طوال الدهر لا تنسى عليا # فقلت لهم وكيف يكون تركي ... من الأعمال ما يعصي عليا # أحب محمدا حبا شديدا ... وعباسا وحمزة والوصيا # بنو عم النبي وأقربوه ... أحب الناس كلهم إليا # فإن يك حبهم رشدا أصبه ... ولست بمخطئ إن كان غيا # ولم يشك أبو الأسود أنه رشد، وعلى هذا تأويل قوله تعالى: وإنا أو إياكم ~~لعلى هدى أو في ضلال مبين [سبأ: 24]. # ومن بخله أنه كان يقول: لا تجاودوا الله فإن الله أجود وأمجد، ولو شاء ~~الله أن يوسع على خلقه حتى لا يكون فيهم محتاج لفعل. وكان يقول لولده: إذا ~~بسط الله لك في الرزق فانبسط، وإن قبضه فانقبض. # ومر برجل وهو يقول: من يعشي هذا الجائع؟ فأدخله وعشاه ms1275 حتى شبع، ثم ذهب ~~السائل ليخرج، فقال له: أين تذهب؟ فقال: لأهلي فقال: لا أدعك تؤذي المسلمين ~~بسؤالك، اطرحوه في الأدهم، فبات عنده مكبولا حتى أصبح. # وكتب إلى رجل يستسلفه فكتب إليه الرجل: المئونة كثيرة، والفائدة قليلة، ~~والمال مكذوب، فراجعه أبو الأسود: إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا، وإن كنت ~~صادقا فجعلك الله كاذبا. # وقال الخليل: كان أبو الأسود ضنينا بما أخذه من علي رضي الله عنه، وذلك ~~أنه سمع لحنا فقال لأبي الأسود: اجعل للناس حروفا، فأشار إلى الرفع والنصب ~~والخفض. # وقال له زياد: قد فسدت ألسنة الناس، لأنه سمع رجلا يقول: سقطت عصاتي، ~~فدافعه أبو الأسود. # وسمع رجلا يقرأ أن الله بريء من المشركين ورسوله [التوبة: 3] فخفص، فقال: ~~ما بعد هذا شيء، فقال له: ابغني كاتبا يفهم، فجيء برجل من عبد القيس، فلم ~~يرضه فهمه، فأتي بآخر من قريش، فقال له: إذا رأيتني قد فتحت في بالحرف ~~فانقط نقطة على أعلاه، وإذا ضممت في فانقط نقطة بين يديه، وإذا كسرت في، ~~فاجعل النقطة تحت الحرف، فإذا أشربت ذلك غنة، فاجعل النقطة نقطتين، فهذا ~~نقط أبي الأسود. # واختلف الناس إليه يتعلمون العربية، وفرع لهم ما أصله فأخذه جماعة كان ~~أبرعهم عنبسة بن معدان المهري يقال له الفيل، فأقبل الناس عليه بعد موت أبي ~~الأسود، فبرع من أصحابه ميمون الأقرن، فرأس في الناس وزاد في الشرح، فبرع ~~من أصحابه عبد الله ابن أبي إسحاق الحضرمي، فبرع في النحو وتكلم في الهمز، ~~وأملى فيه كتابا، وأخذ أبو عمرو بن العلاء عمن أخذ عنه، ثم نجم من أصحاب ~~أبي عمرو عيسى بن عمر، ويونس PageV03P461 # ابن حبيب وأبو الخطاب الأخفش، فألف عيسى كتابين سمى أحدهما الكامل والآخر ~~الجامع، قال المبرد: فأخذ الخليل عن عيسى، فلم يكن قبله ولا بعده مثله، وهو ~~القائل يمدح كتابي عيسى: [الرمل] # بطل النحو الذي جمعتم ... غير ما أحدث عيسى بن عمر # ذاك إكمال وهذا جامع ... وهما للناس شمس وقمر # قال أبو العباس: وقد قرأت أوراقا من أحدهما فكان ms1276 كالإشارة إلى الأصول، ثم ~~أخذ عن الخليل جماعة لم يكن فيهم مثل عمرو بن قنبر سيبويه، ويكنى أبا بشر ~~وأبا الحسن، وهو من موالي بني الحارث بن كعب فألف كتابه الذي سماه قرآن ~~النحو، وعقد أبوابه بلفظه ولفظ الخليل. # وأبو الأسود من سكان البصرة. # ومستنبط: مستخرج، والذي استنبط العروض هو الخليل، وذكره بعض العروضيين ~~فقال: للخليل في العروض حكمة مخترعة، وسابقة مبتدعة، تبين بذلك فضله، وظهر ~~تقدمه لأنه لم يتبع فيما وضعه أثرا موجودا، ولا اقتفى فيه رسما مرسوما، ~~واهتدى إلى ما لم يهتد إليه المتقدمون ولا أوجد مزيدا عليه المتأخرون. ~~ولولا الخليل لم يعلم صحيح الشعر من كسيره، ولا سقيمه من عليله، وفي حصره ~~لجميع أوزان العرب في خمس دوائر أعظم العجب لمن تدبر ما صنع وفهم. # وكان الخليل يحب أن يرى عبد الله بن المقفع، وكان ابن المقفع يحب ذلك، ~~فجمعهما عباد المهلبي، فتحادثا ثلاثة أيام ولياليهن ثم افترقا، فقيل ~~للخليل: كيف رأيت عبد الله؟ فقال: ما رأيت مثله قط وعلمه أكثر من عقله. ~~وقيل لابن المقفع: كيف رأيت الخليل؟ فقال: ما رأيت مثله قط وعقله أكثر من ~~علمه، وصدقا في ذلك، أدى عقل الخليل إلى أن مات وهو أزهد الناس، وجهل بن ~~المقفع أرداه، فكتب كتابا لعبد الله بن علي على المنصور، فقال فيه ما كان ~~مستغنيا أن يقوله، ولا يحتمل الأمراء دون الخلفاء مثله، فقال فيه: ومتى غدر ~~أمير المؤمنين بعمه عبد الله بن علي، فنساؤه طوالق ودوابة حوابس، وعبيده ~~أحرار، والمسلمون في حل من بيعته، فاشتد ذلك على المنصور وكتب إلى أمير ~~البصرة أن اقتل عبد الله بن المقفع فقتله. # وقال ابن المقفع إن أكرمك الناس لمال أو لسلطان فلا يعجبنك ذلك، فإن زوال ~~الكرامة بزوالهما، ولكن ليعجبك إن أكرموك لأدب أو دين. # واتخذ عباد المهلبي أرضا فأراد غرسها، فلامه أصحابه وقالوا: هي سبخة ~~فأشار عليه الخيل بغرسها فغرسها، فجاءت بكل شيء حسن، فحمل إليها الخيل ~~فاستحسنها، وقال: [البسيط] PageV03P462 # ترفعت عن ندى الأعماق وانخفضت ... عن ms1277 المعاطش واستغنت بسقياها # فمال بالخوخ والرمان أسفلها ... واعتم بالنخل والزيتون أعلاها # وصار يغبطه من كان يعذله ... ولائم لامه فيها تمناها # أبا معاوية اشكر فضل واهبها ... وكلما جئتها فاعمر مصلاها # وله: [الكامل] # عش ما بدا لك قصرك الموت ... لا مهرب منه ولا فوت # بينا غنى بيت وبهجته ... زال الغنى وتقوض البيت # وتوفي الخليل سنة سبعين ومائة وهو ابن خمس وسبعين سنة وتقدمت أخباره في ~~الأربعين فلتنظر هناك. # قوله: اخترعه، أي أوجده قبل أن يكون. مصر، أي بلد. وقوانين: طرق مستقيمة. ~~التعريف: حلق الرأس بعد يوم عرفة. قرت المضاجع: نام الناس فيها. هجع: # نام. ثغر: سن وأراد به بياض الصبح. بزغ: صدع وظهر. النقل: الحديث: ~~المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم. واها: عجبا. عفا: درس. شفا: طرف وشيء ~~قليل، وشفا كل شيء حده وطرفه. # *** # ثم إنه خزن لسانه، وخطم بيانه؛ حتى حدج بالأبصار، وقرف بالإقصار، ووسم ~~بالاستقصار، فتنفس تنفس من قيد لقود، أو ضبثت به براثن أسد، ثم قال: # أما أنتم يا أهل البصرة، فما منكم إلا العلم المعروف، ومن له المعرفة ~~والمعروف. # وأما أنا فمن عرفني. # فأنا ذاك، وشر المعارف من آذاك، ومن لم يثبت عرفتي، فسأصدقه صفتي. # أنا الذي أنجد وأتهم، وأيمن وأشأم، وأصحر وأبحر، وأدلج وأسحر، نشأت ~~بسروج، وربيت على السروج. # ثم ولجت المضايق، وفتحت المغالق، وشهدت المعارك وألنت العرائك، واقتدت ~~الشوامس، وأرغمت المعاطس، وأذبت الجوامد، وأمعت الجلامد. # *** # خزن: حبس. خطم: زم، والخطام حبل: يشد على أنف البعير. حدج: نظر إليه ~~بحدة. قرف: اتهم، وقرفته بشر رميته به. الإقصار العجز. قود: قتل نفس بنفس. PageV03P463 # ضبثت: علقت. براثن: أظافير. العلم المشهور بالفضائل، والمعروف الثاني: ~~العطاء. # أنجد وأتهم: أتى نجدا وتهامة. أيمن وأشام: أتى اليمن والشأم. أصحر وأبحر: ~~مشى في الصحراء والبحر. أدلج وأسحر: مشى بالليل والسحر. نشأت: كبرت. ولجت: دخلت. # المعارك: مواضع القتال. العرائك: الطبائع الصعبة. الشوامس: الشوارد التي ~~تأبى الانقياد. ارغمت المعاطس: أذللت الأنوف أمعت الجلامد: أسلت المياه من ~~الجنادل الصم. # *** # سلوا عني المشارق والمغارب، والمناسم والغوارب، والمحافل ms1278 والجحافل، ~~والقبائل والقنابل، واستوضحوني من نقلة الأخبار، ورواة الأسمار، وحداة ~~الركبان، وحذاق الكهان، لتعلموا كم فج سلكت، وحجاب هتكت، ومهلكة اقتحمت، ~~وملحمة ألحمت، وكم ألباب خدعت، وبدع ابتدعت، وفرص اختلست، وأسد افترست؛ وكم ~~محلق غادرته لقى، وكامن استخرجته بالرقى، وحجر شحذته حتى انصدع، واستنبطت ~~زلالهبالخدع، ولكن فرط ما فرط، والغصن رطيب، والفود غربيب، وبرد الشباب ~~قشيب؛ فأما الآن وقد استشن الأديم، وتأود القويم، واستنار الليل البهيم؛ ~~فليس إلا الندم إن نفع، وترقيع الخرق الذي قد اتسع. # *** # المناسم: أخفاف الإبل. الغوارب: مقادم ظهورها. المحافل: الجموع الجحافل: # الجيوش. القنابل: جماعة الخيل واحدها قنبلة. استوضحوني: اطلبوا بيان أمري. # الأسمار: الأحاديث بالليل يسمر عليها. الحداة، خدام الإبل. فج: طريق في الجبل. # سلكت: دخلت. هتكت: خرقت مهلكة: موضع خوف يهلك فيه الناس. اقتحمته: # تراميت فيه. ملحمة: مواضع الحرب الشديدة يلتحم فيها أهل العسكرين ويلتصق ~~بعضهم ببعض. ألحمت، أي أوقدت النار بينهم حتى التصقوا وصاروا لحمة واحدة، ~~وذلك أشد ما يكون الحرب. ألباب: عقول. بدع: جمع بدعة، وهو الشيء المبدع ~~اختلستها: # أخذتها بسرعة واختطفتها. محلق: طائر في الهواء. لقى: مطروحا على الأرض. # وكامن: مستور. شحذته: صقلته. انصدع: انشق، وأراد بالحجر بخيلا لا يرشح ~~بشيء كالحجر، فتحيل عليه حتى أخذ ماله. استنبطت: استخرجت. زلاله: ماءه ~~العذب الصافي، أراد أخذت ماله. فرط ما فرط، أي سبق ما سبق. رطيب: ناعم، وغصنه: # قامته. والفود: ناحية الرأس غربيب: أسود. برد: ثوب. قشيب: جديد. استشن ~~الأديم: PageV03P464 # يبس الجلد، والشن: القربة البالية اليابسة. تأود القويم: اعوج المعتدل. ~~استنار: أضاء وشاب. الليل البهيم: الشعر الأسود. وقال الشاعر في معنى استشن ~~الأديم: [الكامل] # يا من لشيخ قد تخدد لحمة ... أفنى ثلاث عمائم الوانا # سوداء حالكة وسحق مفوف ... وأجد لونا بعد ذاك هجانا # قصر الليالي خطوه فتدانى ... وحنون قائم صلبه فتحانى # والموت يأتي بعد هذا كله ... وكأنما يعني بذاك سوانا # وقال ابن الرومي في استنارة الليل: [الطويل] # فجار على ليل الشباب فضامه ... نهار مشيب سرمد ليس ينفد # وعزاك عن ليل الشباب معاشر ... وقالوا نهار الشيب ms1279 أهدى وأرشد # وكان نهار المرء أهدى لرشده ... ولكن طل الليل أندى وأبرد # وأنشد الزاهد ابن عمران قول الشاعر: [الخفيف] # لم أقل للشباب في كنف الله ... ولا حفظه غداة استقلا # فزاد بعد استقلا: [الخفيف] # لا ولا للمشبب لما بدا لي ... مرحبا بالمشيب أهلا وسهلا # مؤذن بالحمام هذا وذاكم ... سود الصحف بالذنوب وولى # وأحسن ما قيل في ذم خضابه قول ابن الرومي: [الطويل] # رأيت خضاب المرء بعد مشيبه ... حدادا على فقد الشبيبة يلبس # وإلا فما يغري الفتى بخضابه ... أيطمع أن يخفي شباب مدلس # وكيف بأن يخفى المشيب لناظر ... وكل ثلاث صبحه يتنفس # وهبه يوارى شيبه أين ماؤه ... وأين أديم للشبيبة أملس # وقال محمود الوراق: [الرجز] # يا خاضب الشيبة نح فقدها ... فإنما تدرجها في كفن # أما تراها منذ عاينتها ... تزيد في الرأس بنقص البدن # قوله: ليس إلا الندم. ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من ~~أذنب ذنبا أو أخطأ خطيئة فندم كان كفارة لما صنع». # وقال صلى الله عليه وسلم: «الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين ونور السموات ~~والأرض وإن لكم من الله نظرة». # كتب عبد الملك إلى الحجاج يتوعد علي بن الحسين ويكتب إليه بما يقول ففعل، PageV03P465 # فقال: إن لله لوحا محفوظا يلحظه في كل يوم مائة لحظة، ليس منها لحظة إلا ~~يحيي فيها ويميت، ويعز ويذل ويفعل ما يشاء، وإني لأرجو أن يكفيك الله منها ~~بلحظة واحدة، فكتب بها الحجاج إلى عبد الملك. # وكتب ملك الروم إلى عبد الملك: أكلت الجمل الذي ركب عليه أبوك من المدينة ~~لأغزينك جنودا مائة ألف ومائة ألف، فكتب إليه عبد الملك بكلام علي فقال ملك الروم: # ما خرج هذا إلا من كلام النبوة. # *** # وكنت رويت من الأخبار المسندة، والآثار المعتمدة، أن لكم من الله تعالى ~~في كل يوم نظرة، وأن سلاح الناس كلهم الحديد، وسلاحكم الأدعية والتوحيد، ~~فقصدتكم أنضي الرواحل، وأطوي المراحل؛ حتى قمت هذا المقام لديكم، ولا من لي ~~عليكم؛ إذ ما سعيت إلا في حاجتي، ولا تعبت إلا لراحتي، ولست أبغي ms1280 أعطيتكم، ~~بل أستدعي أدعيتكم، ولا أسألكم أموالكم؛ بل أستنزل سؤالكم، فادعوا الله ~~بتوفيقي للمتاب، والإعداد للمآب، فإنه رفيع الدرجات، مجيب الدعوات، وهو ~~الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ثم أنشد: [الرجز] # استغفر الله من ذنوب ... أفرطت فيهن واعتديت # كم خضت بحر الضلال جهلا ... ورحت في الغي واغتديت # وكم أطعت الهوى اغترارا ... واختلت واغتلت وافتريت # وكم خلعت العذار ركضا ... إلى المعاصي وما ونيت # وكم تناهيت في التخطي ... إلى الخطايا وما انتهيت # فليتني كنت قبل هذا ... نسيا ولم أجن ما جنيت # فالموت للمجرمين خير ... من المساعي التي سعيت # يا رب عفوا فأنت أهل ... للعفو عني وإن عصيت # *** # أنضى الرواحل: أهزل الإبل. أطوي المراحل: أقطع الأرض مجتهدا، وأرد ~~المرحلتين والثلاث مرحلة واحدة. من: إحسان. أبغي: أطلب. الأعطية والأدعية: ~~اسم لما يعطى ولما يدعى. استنزل: أطلب بتلطف. سؤالكم: طلبكم التوبة لي من ~~الله تعالى. والمآب: الرجوع. يعفو: يمحو، وعفا الله عنك: درس ذنوبك ومحاها، ~~من عفا المنزل: درس وانمحت آثاره. وقال ابن المعتز: [الخفيف] PageV03P466 # كنت في سفرة البطالة والغ ... ي زمانا فحان مني قدوم # تبت عن كل مأثم فعسى يم ... حى بهذا الحديث ذاك القديم # وله: [البسيط] # الله يعلم ما إثم هممت به ... إلا ونغصه خوفي من النار # وإن نفسي ما همت بمعصية ... إلا وقلبي عليها عائب زاري # آخر: [الطويل] # تطالبني نفسي بما فيه صونها ... فأعضي ويسطو توقها فأطيعها # وو الله ما يخفى علي ضلالها ... ولكنها تأبى فلا أستطيعها # قوله: أفرطت، أي ضيعت. اعتديت: ظلمت نفسي، قال داود الطائي: ما أخرج الله ~~عبدا من ذل المعصية إلى عز الطاعة إلا وأغناه بغير مال، وآنسه بغير أهل، ~~وأعزه بلا عشيرة. خضت: جزت الغي الضلال. اغترار: انخداع. اختلت: تكبرت ~~ومشيت تخيلا، واغتلت: أهلكت، والغيلة: القتل بالخداع، وغالهم: قتلهم غيلة. ~~افتريت: كذبت. # خلعت العذار: أزلت لجام الدين الذي يمسكني، وتسيبت في المعاصي. ركضا: ~~جريا ووثبا ونيت: فترت وقصرت في الجري إليها. تناهيت: أي بلغت النهاية، وهي ~~آخر الشيء: التخطي. الجواز والقطع، وتخطيت الشيء: جزته، والخطايا: ms1281 الذنوب، ~~وهي من الخطأ لأن فاعلها مخطئ بفعلها. والنسي: الشيء المنسي لحقارته لا ~~يخطر ببالك فتنساه. أجن: أكتسب. المساعي: جمع مسعاة، وهي السعي والمشي ~~الكديد، والمساعي أيضا: المواضع التي يسعى فيها، أي يمشى بكد، وقال حبيب: ~~[الطويل] # أخاف إلهي ثم أرجو نواله ... ولكن خوفي غالب لرجائيا # ولولا رجائي واتكالي على الذي ... تكفل لي بالصنع كهلا وناشيا # لما ساغ لي عذب من الماء بارد ... ولا لذ لي نوم ولا زلت باكيا # على أنه قد كان مني جهالة ... ليالي فيها كنت لله عاصيا # أخذه من قول الحسن البصري: ينبغي أن يكون الخوف أغلب من الرجاء فإن ~~الرجاء إذا غلب الخوف فسد القلب. # *** # قال الراوي: فطفقت الجماعة تمده بالدعاء، وهو يقلب وجهه في السماء إلى أن ~~دمعت أجفانه، وبدا رجفانه، فصاح: الله أكبر بانت أمارة الاستجابة، وانجابت ~~غشاوة الاسترابة. فجزيتم يا أهل البصيرة، جزاء من هدى من الحيرة. PageV03P467 # فلم يبق من القوم إلا من سر لسروره؛ ورضخ له بميسوره فقبل عفو برهم، ~~وأقبل يغرق في شكرهم. # ثم انحدر من الصخرة، يؤم شاطئ البصرة، واعتقبته إلى حيث تخالينا، وأمنا ~~التجسس والتحسس علينا، فقلت له: لقد أغربت في هذه النوبة، فما رأيك في ~~التوبة، فقال: أقسم بعلام الخفيات، وغفار الخطيات، إن شأني لعجاب، وإن دعاء ~~قومك لمجاب، فقلت زدني إفصاحا، زادك الله صلاحا فقال: وأبيك لقد قمت فيهم ~~مقام المريب الخادع، ثم انقلبت منهم بقلب المنيب الخاشع، فطوبى لمن صغت ~~قلوبهم إليه وويل لمن بات يدعون عليه. ثم ودعني وانطلق، وأودعني القلق. # قوله: فطفقت، أي أخذت وجعلت. تمده بالدعاء، أي تصل دعاءها بدعائه، وتقول: ~~أمددته بالمال، إذا قويته به، ومددته بالجيش. رجفانه: اهتزازه، ورجف الشيء: # تحرك، والرجفة: اهتزاز الأرض. بانت: ظهرت. انجابت: انكشفت وزالت. غشاوة ~~الاسترابة: غطاء الشك. رضخ: أعطى. ميسوره: ما تيسر له. وعفو برهم: فضل ~~إحسانهم. يهرف: يكثر الكلام ويطنب في الشكر. انحدر: انصب. يؤم: يقصد. # شاطئ: ساحل. اعتقبته: تبعته تخالينا.: صرنا في خلوة من الناس. التجسس: ~~طلب الشيء باليد، وقيل: التجسس: طلب ms1282 الشيء بالكلام. والتحسس: طلبه باليد، ~~ثم قد يقع كل واحد منهما موقع صاحبه. ابن الأنباري: تجسس الرجل وتحسس بمعنى ~~واحد، هذا إجماع أهل اللغة. وفرق بينهما يحيى بن أبي كثير، فقال: التحسس ~~البحث عن عورات الناس والتجسس الاستماع لحديث القوم. ابن الأنباري: ~~الجاسوس: الباحث على أمور الناس. النوبة: الدولة. إيضاحا: بيانا. المريب: ~~صاحب الريبة. المنيب: الراجع إلى الله بتوبته. الخاشع: هو الخاضع. صغت: مالت. # *** # فلم أزل أعاني لأجله الفكر، وأتشوف إلى خبرة ما ذكر وكلما استنشيت خبره ~~من الركبان، وجوابة البلدان، كنت كمن حاور عجماء، أو نادى صخرة صماء، إلى ~~أن لقيت بعد تراخي الأمد، وتراقي الكمد ركبا قافلين من سفر، فقلت: هل من ~~مغربة خبر؟ فقالوا. إن عندنا لخبرا أغرب من العنفاء، وأعجب من نظر الزرقاء. # *** PageV03P468 # أعاني: أقاسي. أتشوف: أتطلع. خبرة: اختبار. استنشيت: استطلعت، وأصل معناه ~~شممت. جوابة: قطاعة. وجوالة أي الذين عادتهم الجولان في البلاد. حاور: # كلم. عجماء: بهيمة، والمحاورة: المراجعة في الكلام. تراخي. طول المدة. الكمد: # مصاحبة الهم والحزن. ركبا: أصحاب الإبل. قافلين: راجعين من سفر. مغربة، ~~أي هل عندكم من حديث غريب. والعنقاء، قال ابن عباس رضي الله عنه: هو طائر ~~فضل به بنو إسرائيل، فانتقل بعد يوشع إلى بلاد قيس عيلان بنجد والحجاز، ~~فآذى الولدان، فشكوا ذلك إلى خالد بن سنان- وكان نبيا بين عيسى ومحمد عليهم ~~الصلاة والسلام- فدعا الله أن يقطع نسلها فبقيت صورتها تصور في البسط، وكان ~~أجمل طائر وأعظمه، ووجهه على هيئة وجوه الناس. وقال أهل الرواية: عنقاء ~~مغرب، إنما هو الأمر العجيب. والعنق: # السرعة، وذكرت عجائب البلدان بمجلس الراضي، فقال قائل: أعجب ما في الدنيا ~~طائر بأرض طبرستان على شاطئ الأنهار شبيه بالباشق، يسمى الكلم، وهو يصيح في ~~فصل الربيع فتجتمع إليه العصافير، وصغار الطير، فتزقه فإذا كان آخر النهار ~~أخذ واحدا مما قرب من الطير فيأكله، فذلك فعله إلى أن ينقضي فصل الربيع، ~~فتجتمع إليه العصافير وصغار الطير فتطرده وتضربه، فيفر منها فلا يسمع له ~~صوت إلى الفصل الربيعي. وهو طائر ms1283 حسن، موشى العينين. # وذكر الجاحظ أنه من عجائب الدنيا، وذلك أنه لا يطأ الأرض بقدميه، بل ~~بإحداهما خوفا على الأرض أن تنخسف من تحته، والثاني دودة تضيء بالليل ~~كالشمع، وتصير بالنهار لها أجنحة خضر، وبالليل لا جناحين لها، غذاؤها ~~التراب، لم تشبع قط منه خوفا أن يفنى التراب فتموت جوعا، والثالث أعجب من ~~الطائر، والدودة من يكري نفسه للقتال، يعني المسترزقة من الجند، فاستحسن ~~الخبر من حضر، فقال الراضي معارضا لما ذكر الجاحظ أن أعجب ما في الدنيا ~~ثلاث: البوم، لا تظهر بالنهار خوفا أن تصيبها العين لحسنها وجمالها، فتظهر ~~بالليل، الثاني الكركي لا يطأ الأرض بقدميه معا بل بإحداهما فإذا وطئها لم ~~يعتمد عليها اعتمادا قويا خوفا من أن تنخسف الأرض بثقله، الثالث الطائر ~~الذي يقعد في مشارق الماء من الأنهار الذي عرف بمالك الحزين، يشبه الكركي ~~لا يشبع من الماء خشية أن يفنى فيموت عطشا، فافترق أهل المجلس والكل ~~متعجبون من الراضي كيف تأتي منه مثل هذه المذاكرة مع من حضره من أهل السن ~~والمعرفة مع صغر سنه. والحكاية بكاملها في كتاب المسعودي. ### || AUTO [زرقاء اليمامة] # وأما الزرقاء فكانت تبصر على مسيرة ثلاث ليال، وكانت من جديس بن عامر بن ~~إرم بن سام بن نوح، وكان مع جديس طسم بن لاوذ بن إرم، وكانت مملكتهم في ~~طسم، وكانوا يسكنون اليمامة، وهما من العرب العاربة فأقاموا برهة، وبلادهم ~~أفضل PageV03P469 # البلاد، حدائق ملتفة، وقصور مصطفة، فكفروا بأنعم الله فأهلكهم، وذلك ~~لأنهم ملكهم عملوق بن طسم، وكان غشوما لا يملك نفسه في هواه، فاختصمت إليه ~~امرأة من جديس اسمها هزيلة مع زوجها في ابن لها، فأمر بالولد فجعل في ~~غلمانه، وأمر بالزوج أن يباع وتعطى المرأة عشر ثمنه، وبالمرأة أن تباع ~~ويعطى الزوج خمس ثمنها، فقالت هزيلة: # [الطويل] # أتينا أخا طسم ليحكم بيننا ... فأبدع حكما في هزيلة ظالما # وهي أبيات، فبلغه قولها، فأمر ألا تتزوج امرأة من جديس حتى تحمل إليه قبل ~~زوجها فيعتذرها، فلقوا منه ذلا طويلا إلى أن تزوجت ms1284 الشموس بنت غفار أخت ~~الأسود ابن غفار، وكان سيد جديس فلما كانت ليلة إهدائها حملت إليه، والقيان ~~معها يقلن: # [الرجز] # ابدأ بعملوق إليه فاركب ... وبادر الصبح بأمر معجب # فما لبكر بعدكم من مذهب # فلما افتضها، خرجت على قومها في دمائها شاقة جيبها من دبر ومن قبل وهي ~~تقول: [الطويل] # أيصلح ما يؤتى على فتياتكم ... وأنتم رجال فيكم عدد الرمل # فإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساء لا تفر من الفحل # فلو أننا كنا رجالا وكنتم ... نساء لكنا لا نقيم على الذل # فأنفت جديس عند ذلك، واجتمعت إلى أخيها الأسود، وأجمعوا على أن يصنعوا ~~لها طعاما، فيدعو عملوقا مع قومه فإذا جاءوا في الخيل والبغال عموهم ~~بالقتل، فقالت الشموس لأخيها: الغدر عار وعاقبته بوار، صبحوا القوم في ~~ديارهم تظفروا أو تموتوا كراما، فقالوا لها: المكر أمكن من نواصيهم، ثم صنع ~~لهم الطعام ودفنوا سيوفهم في الرمل، فلما استكملوا في المدعاة أتوا عليهم ~~أجمعين، وهرب من طسم رياح بن مرة، فأتى حسان بن تبع لينصره، فاستبعدوا ~~أرضهم، وكان قد تبع لرياح كلبة، فضربها في رجلها حتى عرجت، فقال: أبعيدة ~~أرض قطعتها كلبة عرجاء! فتجهز معه بجيش فلما صاروا من جديس على ثلاثة أيام، ~~صعدت الزرقاء على منار كان لها لتنظر الجيش، وكان رياح قد قال لهم: إن ~~الزرقاء تبصر على ثلاث ليال، ولكن ليقطع كل رجل منكم غصنا من شجر، فيحمله ~~لنشبه عليها، فلما رأتهم، قالت: يا قوم أتتكم الشجر أو أتتكم حمير، فلم ~~يصدقوها فقالت: [الرمل] # أقسم بالله دب الشجر ... أو حمير قد أقبلت شيئا تجر # فكذبوها، وقالوا، كل بصرك وضعف، فقالت: أقسم بالله لقد أرى رجلا ينهش PageV03P470 # كتفا، أو يخصف نعلا، فتهاونوا بحديثها، حتى صبحهم حسان فاجتاحهم فأخذت ~~الزرقاء، فشق عيناها فإذا فيها عروق سود من الإثمد، وكانت أول من اكتحل به، ~~وهرب الأسود، فنزل بطيئ، فنسله فيهم، وتسمى زرقاء اليمامة، واسم البلد جو، ~~فلما صلبت على بابها، سميت اليمامة، وقيل اليمامة اسم البلد، واسم الزرقاء ~~عنز، وقيل إن ms1285 حسانا لم يصلبها، ولكن حملها في السبي، وقالت عند ما قرب لها ~~البعير لتركبه، ولم تكن اعتادت ركوبه: [الخفيف] # شر يوميها وأغواه لها ... ركبت عنز بحدج جملا # وقيل إن عنزا هي أخت الزرقاء، وقال الشاعر: [البسيط] # ما نظرت ذات أجفان كنظرتها ... حقا كما صدع الدين الذي صدعا # قالت أرى رجلا في كفه كتف ... أو يخصف النعل لهفي أية صنعا # فكذبوها فوافتها على عجل ... أقيال حمير تزجي الموت والشرعا # فاستنزلوا أهل جو من معاقلهم ... وهدموا شامخ البنيان فاتضعا # *** # فسألتهم إيضاح ما قالوا، وأن يكيلوا لي بما اكتالوا، فحكوا أنهم ألموا ~~بسروح، بعد أن فارقها العلوج، فرأوا أبا زيدها المعروف، قد لبس الصوف، وأم ~~الصفوف وصار بها الزاهد الموصوف، فقلت: أتعنون ذا المقامات. فقالوا: إنه ~~الآن ذو الكرامات، فحفزني إليه النزاع، ورأيتها فرصة لا تضاع، فارتحلت رحلة ~~المعد، وسرت نحوه سير المجد، حتى حللت بمسجده، وقرارة متعبده، فإذا هو قد ~~نبذ صحبة أصحابه، وانتصب في محرابه، وهو ذو عباءة مخلولة، وشملة موصولة؛ ~~فهبته مهابة من ولج على الأسود، وألفيته ممن سيماهم في وجوههم من أثر ~~السجود. ولما فرغ من سبحته، حياني بمسبحته، من غير أن نغم بحديث، ولا ~~استخبر عن قديم ولا حديث، ثم أقبل على أوراده، وتركني أعجب من اجتهاده، ~~وأغبط من يهدي الله من عباده، ولم يزل في قنوت وخشوع، وسجود وركوع، وإخبات ~~وخضوع، إلى أن أكمل إقامة الخمس، وصار اليوم أمس، فحينئذ انكفأ بي إلى ~~بيته، وأسهمني في قرصه وزيته، ثم نهض إلى مصلاه، وتخلى بمناجاة مولاه؛ حتى ~~إذا التمع الفجر، وحق للمجتهد الأجر، عقب تهجده بالتسبيح، ثم اضطجع ضجعة ~~المستريح، وجعل يرجع بصوت فصيح. # *** PageV03P471 # قوله: يكيلوا لي ما اكتالوا، أي يعطوني ما أعطوا من العلم. ألموا: نزلوا، ~~العلوج: الروم، أم: صار إماما. حفزني: عجلني. النزاع: الشوق. فرصة: غنيمة. # المعد: الكامل العدة في السفر. قرارة: الموضع الذي يقر فيه متعبده: موضع ~~عبادته، نبذ: ترك. انتصب: قام ووقف. المحراب عند العرب: سيد المجالس ~~ومقدمها وأشرفها، وقيل للقبلة محراب لأنه أشرف ms1286 موضع في المسجد، وقيل للقصر ~~محراب لأنه سيد المنازل، الأصمعي المحرابعندهم: الغرفة. # أحمد بن عبيد: المحراب: مجلس الملك، سمي بذلك لانفراد الملك به لا يقربه ~~أحد، وسمي محراب المسجد لانفراد الإمام به ويقال فلان: حرب لفلان، إذا كان ~~بينهما مباعدة، عباءة: كساء، مخلولة بالية مشدودة بالخلال والشملة: الكساء ~~يشمل به. # موصولة، يريد أنها خلفه قد تقطعت فوصلت ولج: دخل. ألفيته: وجدته. سيماهم: # علامتهم حياني بمسبحته، أي بسبابته وقد تقدم ذكرها. نغم: تكلم بكلام خفي؛ ~~والأوراد: جمع ورد، وهو النصيب من القرآن يقوم به الإنسان كل ليلة. أغبط: ~~أحسد وأتمنى أن أكون مثله. وسجود وركوع: سجد الرجل إذا انحنى ومال إلى ~~الأرض، من قول العرب: سجدت الدابة وأسجدت، إذا خفضت رأسها لتركيب، ويقال: ~~قنت الرجل، إذا أخذ في التعظيم والدعاء لله تعالى، والقنوت على أربعة ~~أقسام: الطاعة كقوله تعالى: كل له قانتون [البقرة: 166]، والصلاة كقوله ~~تعالى: اقنتي لربك واسجدي [آل عمران: 43]، وطول القيام، كقوله صلى الله ~~عليه وسلم وقد سئل: أي الصلاة أفضل؟ # فقال: «طول القنوت والسكوت» (¬1)، كقول زيد بن أرقم كنا نتكلم في الصلاة ~~يكلم أحدنا الذي يليه حتى نزل وقوموا لله قانتين [البقرة: 238]، فأمسكنا عن ~~الكلام، قال أبو عبيدة: نرى أن القنوت في الصبح سمي قنوتا لأن الإنسان قائم ~~في الدعاء من غير أن يقرأ القرآن، فكأنه في سكوت. إخبات، أي تذلل، انكفأ: ~~انقلب، أسهمني، أي أعطاني سهما، أي نصيبا، تهجده: قيامه للصلاة. [الرجز] # خل ادكار الأربع ... والمعهد المرتبع # والظاعن المودع ... وعد عنه ودع # واندب زمانا سلفا ... سودت فيه الصحفا # ولم تزل معتكفا ... على القبيح الشنع # كم ليلة أودعتها ... مآثما أبدعتها # لشهوة أطعتها ... في مرقد ومضجع PageV03P472 # وكم خطا حثثتها ... في خزية أحدثتها # وتوبة نكثتها ... لملعب ومرتع # وكم تجرأت على ... رب السماوات العلا # ولم تراقبه ولا ... صدقت فيما تدعي # وكم غمضت بره ... وكم أمنت مكره # وكم نبذت أمره ... نبذ الحذا المرقع # ولم ركضت في اللعب ... وفهت عمدا بالكذب # ولم تراع ما يجب ... من عهده المتبع # فالبس شعار الندم ... واسكب شآبيب ms1287 الدم # قبل زوال القدم ... وقبل سوء المصرع # واخضع خضوع المعترف ... ولذ ملاذ المقترف # واعص هواك وانحرف ... عنه انحراف المقلع # إلام تسهو وتني ... ومعظم العمر فني! # فيما يضر المقتني ... ولست بالمرتدع # أما ترى الشيب وخط ... وخط في الرأس خطط # ومن يلح وخط الشمط ... بفوده فقد نعي # *** # ادكار: تذكر. الأربع: المنازل. عد: كف. دع: اترك. اندب: ابك. سلف: # ذهب وتقدم. الصحف: الكتب. المعتكف: المقيم. الشنع: الذي يتحدث يقبحه. # أودعتها: أي ضمنتها وجعلتها فيه. المآثم: الذنوب. أبدعتها: اخترعتها. خطا: # جمع خطوة وهي الباع، حثثتها: عجلتها، خزي: هوان. ونكثتها: نقضتها. مرتع: # أكل رغد. تجرأت: تشجعت وأقدمت. تراقبه: تحارسه وتخشى منه. غمضت: # نقصت. بره: إحسانه. نبذت: تركت، الحذاء: النعل، ركضت: جريت. فهت: # نطقت. تراع: تحفظ. والعهد: الميثاق، شعار: ثوب يلصق بالجسد، اسكب: # صب. شآبيب: دفع المطر، واحدها شؤبوب، فاستعارها للدم كما استعار الدم ~~للدمع. المصرع: موضع السقطة وصرعت: أسقطت، لذ: الجأ. ملاذ: ملجأ. # المقترف: المذنب، انحرف: مال. المقلع: الذي يقلع: عن المعاصي ويفارقها. # تسهو: تخطئ. تني: تفتر. فنى: تم. سكن الياء ضرورة. المقتني: المكتسب. # المرتدع: المنتهي الكاف عن شهواته. وخط: فشا وانتشر، والوخط: مخالطة بياض ~~شيب الرأس بسواده، والوخط في غير هذا الطعن غير النافذ، خط كتب. خطط: PageV03P473 # طرائق. والشمط: اختلاط بياض الشيب بسواد الشعر. بفوده: بجانب رأسه. نعى: # تحدث بموته، وقال الألبيري: [الكامل] # الشيب نبه ذا النهى فتنبها ... ونهى الجهول فلا استفاق ولا انتهى # بل زاد غيا نفسه فتهافتت ... تبغي اللها وكأنها بين اللها # فإلى متى ألهو وأفرح بالمنى ... والشيخ أقبح ما يكون إذا لها # ما حسنه إلا التقى لا أن يرى ... صبا بألحاظ الجآذر والمها # أنى يقاتل وهو مغلول الظبا ... كأبي الجري إذا استقل تأوها # محق الزمان هلاله فكأنما ... أبقى له منه على قدر السها # فغدا حسيرا يشتهي أن يشتهى ... ولكم جرى طلق الجموح كما اشتهى # إن أن أواه وأجهش بالبكا ... لذنوبه ضحك العدو وقهقها # ليست تنهنه العظات ومثله ... في سنه قد آن أن يتنهنها # فقد اللذات وزاد غيا بعدهم ... هلا تيقظ بعدهم ms1288 وتنبها # يا ويحه ما باله لا ينتهي ... عن غيه والعمر منه قد انتهى! # *** # [الرجز] # ويحك يا نفس احرصي ... على ارتياد المخلص # وطاوعي وأخلصي ... واستمعي النصح وعي # واعتبري بمن مضى ... من القرون وانقضى # واخشي مفاجاة القضا ... وحاذري أن تخدعي # وانتهجي سبل الهدى ... وادكري وشك الردى # وأن مثواك غدا ... في قعر لحد بلقع # آها له بيت البلى ... والمنزل القفر الخلا # ومورد السفر الأولى ... واللاحق المتبع # بيت يرى من أودعه ... قد ضمه واستودعه # بعد الفضاء والسعه ... قيد ثلاث أذرع # لا فرق أن يحله ... داهية أو أبله # أو معسر أو من له ... ملك كملك تبع # *** # قوله: ارتياد، أي طلب. المخلص: المنجى، عي: احفظي، وهو أمر للمؤنث من PageV03P474 # وعى يعي، اعتبري: اتعظي. القرون: الأمم السابقة: انقضى: فرغ وتم. والقضاء هنا: # الموت. ومفاجأته: إتيانه على غفلة. حاذري: خافي. انتهجي: اسلكي وامشي في ~~نهج، وهو الطريق البين. سبل الهدى: طرق الرشاد. ادكري: تذكري. وشك الردى: # سرعة الموت. مثواك: موضع إقامتك، لأن المثوى والثواء: الإقامة، والمثوى: # الموضع الذي تقيم فيه، لحد: شق في جانب القبر. بلقع: خال. آها: كلمة توجع. # مورد: موضع الماء. السفر: المسافرون، الأولى: الأولون المتقدمون، والألى: ~~مقلوب الأول. تقول: أولى وأول ككبرى وكبر، وأخرى وأخر، ثم قلبوا الأول ~~فقالوا: الأولى، وتأتي الأولى في كلامهم بمعنى الذين موصولة وهي كثيرة، ~~يريد أن القبر مورد للأولين والآخرين، وسماهم سفرا، لأن الإنسان في الدنيا ~~مسافر لا يقيم؛ إنما يقطع أيامه، وقال التهامي: [الكامل] # العيش نوم والمنية يقظة ... والمرء بينهما خيال ساري (¬1) # فاقضوا مآربكم عجالا إنما ... أعماركم سفر من الأسفار # قيد: قدر. فإن قيل: كيف جعل القبر ثلاثة أذرع، والذراع شبران، والقدر ~~قدره ما بين تسعة أشبار إلى ثمانية؟ فأخبرني الحاج ابن السقاط أن عندهم ~~بالمشرق ذراعا يسمونه المالكي، يذرعون به ثيابهم، وغيرها فيه من ذراع اليد ~~ذراع ونصف. # وقال أبو القاسم الزجاجي: الذراع الهاشمي ذراع وثلث، ففي ثلاثة أذرع ~~بالهاشمي ثمانية ففي ثلاثة أذرع بالهاشمي ثمانية أشبار، وبالمالكي تسعة ~~أشبار، فإحدى الذراعين أراد. # وإنما نقل لفظ ثلاثة أذرع ms1289 من قول عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: «كيف بك إذا أنت مت؟ ~~فانطلق بك قومك، فقاسوا لك ثلاثة أذرع في ذراع وشبر، ثم رجعوا بك فغسلوك ~~وكفنوك وحنطوك ثم حملوك حتى يضعوك فيه، ثم يهيلوا عليك التراب ويدفنوك، ~~فإذا انصرفوا عنك أتاك فتانا القبر منكر ونكير أصواتهما كالرعد القاصف، ~~وأبصارهما كالبرق الخاطف، يجران أشعارهما، ويحثيان التراب بأنيابهما ~~فتلتلاك وترتراك، كيف بك عند ذلك يا عمر؟ » قال عمر: يكون معي مثل عقلي ~~هذا؟ قال: نعم، قال: «فإذن أكفيكهما». # داهية: مجرب للأمور حاذق بها. أبله: عي كثير الغفلة. معسر: فقير. تبع، ~~أراد به تبعا الأكبر، وهو الذي ذكر الله في كتابه. ### || AUTO [تبع الأكبر] # قال صاحب التيجان، اسمه شمو رعش بن ناشر النعم، وسمي أبوه ناشر النعم ~~لأنه PageV03P475 # أحيا ملك حمير بعد أربعين عاما، وهي أيام ملك سليمان وسمي شمغورش تبعا ~~الأكبر، وإن كانت العرب لم تسم قبله تبعا لأن العرب لم يقم لها أحفظ منه، ~~وكان يتجاوز عن مسيئهم ويحسن إلى محسنهم، وكان جميع أهل الأرض شاكرين ~~لأيامه، وكان أعقل من رأوا من الملوك وأعلاهم همة، وأبعدهم غورا، وأشدهم ~~مكرا لمن حارب، وغزا جمع ملوك الآفاق، وقطع بجيوشه الأرض كلها شرقا وغربا، ~~ثم رجع إلى قصر غمدان يريدملك الأرض وذلت له ملوكها وعمر زمانا طويلا، وهو ~~أول من أمر بصنعة الدروع السوابغ، جعل على أهل فارس ألف درع، وعلى الروم ~~ألف درع، وعلى اليمن كذلك، وعلى ممالكه كلها مثل ذلك فكانوا يغدون عليه كل ~~سنة بذلك العدد، ولذلك قال أبو ذؤيب: [الكامل] # وعليه مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع (¬1) # وقال ابن الكلبي: لم يملك الأرض كلها إلا ثلاثة أبرار، وهم سليمان عليه ~~السلام وذو القرنين وتبع، وهو أسعد وأبو كرب. وثلاثة كفار، وهم النمروذ ~~وبختنصر والضحاك. وأبو كرب الذي ذكر هو تبع، وكان ملكا عظيما، فتح البلاد، ~~وملك العباد، وأقبل من اليمن يريد العراق فنزل الحيرة وحفر ms1290 لهم نهرا، وهو ~~نهر الحيرة إلى سوقها، وبعث إليه حسان في جنده ليطوف الأرض، فمضى به حسان ~~في عسكر عظيم جرار، لا يمر بمدينة إلا فتحها ولا ملك إلا قهره. وقيل في ~~تسمية ملوك اليمن تبابعة أنه لكثرة ما يتبع الملك منهم من الجنود، وقيل سمي ~~تبعا لأنه تبع من قبله، ولابن سكرة في معنى بيت المقامة [الكامل] # الجوع يطرد بالرغيف اليابس ... فعلام تكثر حسرتي ووساوسي # والموت أنصف حين عدل قسمة ... بين الخليفة والفقير البائس # *** # وبعده العرض الذي ... يحوي الحيي والبذي # والمبتدي والمحتذي ... ومن رعى ومن رعي # فيا مفاز المتقي ... وربح عبد قد وقي # سوء الحساب الموبق ... وهول يوم الفزع # ويا خسار من بغى ... ومن تعدى وطغى # وشب نيران الوغى ... لمطعم أو مطمع PageV03P476 # يا من عليه المتكل ... قد زاد ما بي من وجل # لما اجترحت من زلل ... في عمري المضيع # فاغفر لعبد مجترم ... وارحم بكاء المنسجم # فأنت أولى من رحم ... وخير مدعو دعي # *** # قوله: وبعد العرض، يريد عرض الناس للحساب. يحوي: يضم. الحيي: # المستحيي. البذي: المتكلم بالفواحش. المحتذي: المتبع: الحاذي حذوه. رعى: # ملك. يريد أن العرض يعم الناس، فيحتوي على العفيف والبذي، وعلى الأغنياء ~~والفقراء والملوك ورعيتهم ولا يتميز فيه أحد ولا يشرف إلا بعمل صالح، قوله: ~~فيا مفاز المتقي، المفاز: الخلاص، وقي: كفي، الموبق: المهلك. هول: خوف. ~~بغى: ظلم. وتعدى: # جاوز الحد في جوره، طغى: جاوز الحد في تكبره. شب: أوقد. الوغى: الحرب. # وجل. خوف. اجترحت: اكتسبت. زلل: خطأ. زفير: نفخ. والشهيق: رد النفس مع ~~البكاء بصوت. ردفه: خلفه. # *** # قال الحارث بن همام: فلم يزل يرددها بصوت رقيق، ويصلها بزفير وشهيق، حتى ~~بكيت لبكاء عينيه، كما كنت من قبل أبكي عليه، ثم برز إلى مسجده، بوضوء ~~تهجده، فانطقت ردفه، وصليت مع من صلى خلفه. ولما انفض من حضر، وتفرقوا شغر ~~بغر، أخذ يهينم بدرسه، ويسبك يومه في قالب أمسه، وفي ضمن ذلك يرن إرنان ~~الرقوب. ويبكي ولا بكاء يعقوب، حتى استبنت أنه التحق بالأفراد، وأشرب قلبه ~~هوى الانفراد، فأخطرت ms1291 بقلبي عزمه الارتحال، وتخيلته والتخلي بتلك الحال، ~~فكأنه تفرس ما نويت أو كوشف بما أخفيت، فزفر زفير الأواه ثم قرأ: فإذا عزمت ~~فتوكل على الله [آل عمران: 159]؛ فأسجلت عند ذلك بصدق المحدثين، وأيقنت أن ~~في الأمة محدثين. ثم دنوت إليه كما يدنو المصافح، وقلت: أوصني أيها العبد ~~الصالح، فقال: اجعل الموت نصب عينك، وهذا فراق بيني وبينك. فودعته وعبراتي، ~~يتحدرن من المآقي، وزفراتي يتصعدن من التراقي وكانت هذه خاتمة التلاقي. # *** # انفض: تفرق. شغر بغر، أي في كل طريق وعلى كل جهة، يهيم: يرد كلامه خفيا PageV03P477 # لا يفهم. يسبك يومه في قالب أمسه: استعارة، أي يفعل في اليوم ما فعل في ~~الأمس، وفي ضمن ذلك، أي في أثنائه، يرن: يصوت. الرقوب: المرأة التي لا يعيش ~~لها ولد. # ولا بكاء يعقوب: يجوز رفع بكاء ونصبه والرفع أكثر، وبكاء يعقوب على يوسف ~~عليهما السلام حتى عمي، وهو قوله تعالى: وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم [يوسف: # 84]، استبنت: تحققت. الأفراد: العباد، يقال: فلان فرد فضله، أي ليس له ~~نظير، والأفراد سبعة من العباد لا تخلو الدنيا منهم حتى إذا مات واحد خلف ~~الله تعالى في موضعه آخر. أشرب: خولط وغلب عليه. هوى الانفراد: حب الوحدة، ~~قال ابن الرومي: [مجزوء الوافر] # إلى الزهاد في الدنيا ... جنان الخلد تشتاق # عبيد من خطاياهم ... إلى الرحمن أباق # حدتهم نحوه الرغب ... ة مع الرهبان فاستاقوا # عليهم حين تلقاهم ... سكينات وإطراق # يضجون إلى الله ... ودمع العين مهراق # مليك الملك هل مما ... تطوقناه إطلاق # ففي أعناقنا طرا ... من الآثام أطواق # وللفقيه أبي العباس بن خليل: [الكامل] # فهموا إشارات الحبيب فهاموا ... وأقام أمرهم الرشاد فقاموا # وتوسلوا بمدامع منهلة ... تحت الدياجي والأنام نيام # وتلوا من الذكر الحكيم جوامعا ... جمعت لها الألباب والأفهام # يا صاح لو أبصرت ليلهم وقد ... صغت القلوب وصفت الأقدام # لرأيت نور هداية قد حفهم ... فسرى السرور وأشرق الإظلام # فهم العبيد الخادمون مليكهم ... نعم العبيد وأفلح الخدام # سلموا من الآفات لما استسلموا ... فعليهم حتى الممات سلام # وقالوا في هوى الانفراد: الوحدة ms1292 خير من القرين السوء، وأنشدوا: [السريع] # أنست بالوحدة علما بها ... فإنها خير من الجمع # ألا ترى الواحد أصلا لما ... يحسب من أصل ومن فرع # أترك من لا أرتجي نفعه ... رجاء رب الضر والنفع # آخر: [الوافر] # أنست بوحدتي حتى لو أني ... أتاني الأنس لاستوحشت منه PageV03P478 # ولم تدع التجارب لي صديقا ... أميل إليه إلا ملت عنه # وقال آخر: [البسيط] # اهرب بنفسك تستأنس بوحدتها ... تلق الرشاد إذا ما كنت منفردا # إن السباع لتهدأ في مرابضها ... والناس ليس بهاد شرهم أبدا # قوله: تفرس، أي علم بفراسته وجودة نظره. نويت: أضمرت في نيتي كوشف: # اطلع عليه. زفر: نفخ. الأواه: الحزين الذي يصيح: آه آه. أسجلت: صدقت. # المحدثين: الذين حدثوه بتوبة السروجي. محدثين، هم المكاشفون من الزهاد ~~الذين يحدثون بالغيوب، كأن المكاشف قد حدث بما يقول. وقيل: المحدثون ~~الصادقون ظنا وفراسة. # وقال صلى الله عليه وسلم: «قد كان فيمن قبلكم، محدثون، فإن يكن من أمتي ~~هذه فهو عمر بن الخطاب» (¬1). وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه المعيا وهو ~~الصادق الظن، ودليله ما ذكره صلى الله عليه وسلم في عمر حديث سارية بن ~~زنيم، وكان عمر رضي الله تعالى عنه قد أرسله في جيش للمسلمين، فألقى الله ~~في روح عمر رضي الله تعالى عنه وهو يخطب الناس بالمدينة إن العدو قد نهز ~~المسلمين واشتد الخطب عليهم، وكانوا بحضرة جبل، فقطع عمر الخطبة وقال: يا ~~سارية الجبل، فأسمع الله تعالى سارية من مسافة شهر نداء عمر، فانحاز ~~بالمسلمين إلى الجبل، فتخلصوا، قوله: المصافح، أي المعانق عند الوداع، نصيب ~~عينك، أي غرضها وقدامها، وأول من قال: اجعل الموت نصب عينك أمية بن أبي ~~الصلت في قوله: [الخفيف] # كل عيش وإن تطاول يوما ... صائر أمره إلى أن يزولا # ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في رءوس الجبال أرعى الوعولا # فاجعل الموت نصب عينك واحذر ... غولة الموت إن للموت غولا # عبراتي: دموعي. يتصعدن: يترفعن. التراقي: العظمان المعوجان أعلى الصدر. # خاتمة التلاقي: آخر لقائه. ### || AUTO [مما قيل في الوداع شعرا] ms1293 # ونذكر هنا جملة من الشعر في ذكر الوداع الذي كان بينهما ونجعلها كالتوديع ~~لما سلف لهما في هذا الكتاب من رياض الآداب فإنها كانت أنس الوحيد. ومسلاة ~~الطريد، فمن ذلك قول بعضهم: [المتقارب] # وداعك مثل وداع الربيع ... وفقدك مثل افتقاد الديم PageV03P479 # عليك سلام فكم من ندى ... فقدناه منك وكم من كرم # وقال آخر: # أقول له يوم ودعته ... وكل بعبرته مبلس # لئن رجعت عنك أجسامنا ... لقد سافرت معك الأنفس # وقال أبو سعيد الهمذاني: أنشدني هلال بن الغلاء حين ودعني: [الكامل] # لأودعنك ثم تدمع مقلتي ... إن الدموع هي الوداع الثاني # وأصوم بعدك عن سواك فأغتدي ... متقلدا صومين في رمضان # في فرقة الأحباب شغل شاغل ... والموت صدقا فرقة الإخوان # (وأنشدني أبو محمد بن حزم) [الوافر] # لئن أصبحت مرتحلا بشخصي ... فقلبي عندكم أبدا مقيم # ولكن للعيان لطيف معنى ... له سأل المعاينة الكليم # وكرر هذا المعنى فقال: [الوافر] # يقول أخي شجاك رحيل جسم ... وروحك ما لها عنه رحيل # فقلت له المعاين مطمئن ... لذا طلب المعاينة الخليل # وقال آخر: [السريع] # بانوا فأضحى الجسم من بعدهم ... ما تبصر العين له فيا # ووا أسفي منه ومن قولهم ... ما ضرك الفقد لنا شيا # بأي وجه أتلقاهم ... إن وجدوني بعدهم حيا # وقال آخر: [مخلع البسيط] # لا كان يوم الفراق يوما ... لم يبق للمقلتين نوما # شتت مني ومنك شملا ... فسر قوما وساء قوما # يا قوم من لي بفقد خل ... يسومني في العذاب سوما # ما لا مني الناس فيه إلا ... بكيت كيما أزاد لوما # وقال صاعد اللغوي: [المنسرح] # قلت له والرقيب يعجله ... مستعجلا للفراق: أين أنا # فمد كفا إلى ترائبه ... وقال: سر آمنا فأنت هنا # *** PageV03P480 # قال الشيخ الرئيس أبو محمد القاسم بن علي، برد الله مضجعه: هذا آخر ~~المقامات التي أنشأتها بالاغتراز، وأمليتها بلسان الاضطرار، وقد ألجئت أن ~~أرصدها للاستعراض، وناديت عليها في سوق الاعتراض، هذا مع معرفتي بأنها من ~~سقط المتاع، ومما يستوجب أن يباع ولا يبتاع، ولو غشيني نور التوفيق، ونظرت ~~لنفسي نظر الشفيق، لسترت عواري الذي لم يزل مستورا، ms1294 ولكن كان ذلك في الكتاب ~~مسطورا، وأنا أستغفر الله تعالى مما أودعتها من أباطيل اللغو، وأضاليل ~~اللهو، وأسترشده إلى ما يعصم من السهو، ويحظي بالعفو إنه هو أهل التقوى ~~وأهل المغفرة، وولي الخيرات في الدنيا والآخرة. # *** # قوله: أنشأتها، أي صنعتها، الاغترار: الجهل والانخداع، أمليتها: ألقيتها ~~لمن يكتبها. واضطر اضطرارا إذا لم يجد بدا من فعله أرصدتها: أعددتها. ~~الاستعراض: أن تعرض على الناس حتى يروها، سقط المتاع: هجينة. يبتاع: يشتري. ~~غشيني: غطاني. # أودعتها: ضمنتها. اللغو: سقط الكلام. الأضاليل: جمع أضلولة، وهي ما يضل ~~به من ركبه، استرشده: أستهديه، يعصم: يمنع. السهو: الخطأ، يحظي: يسعد. العفو: # المغفرة. # وقوله: هو أهل التقوى، عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «يقول ربكم عز وجل: أنا أهل التقوى فلا يشرك بي غيري، وأنا أهل ~~لمن اتقى أن يشرك بي أن أغفر له» (¬1). # *** # انتهى الشرح بحمد الله وتوفيقه وحسن عونه، وكان من توفيق الله تعالى أن ~~أول حرف شرحت من اللغة في هذا الكتاب حمد الله، وآخر حرف ختمت به عفو الله، ~~وما وقع بين حمد الله سبحانه وتعالى، والثناء عليه، وبين عفوه عن عبيده ~~مرجو من جميل صنعه الامتنان بالصفح عن جميع هذره، وملتمس من جلاله تعالى ~~وكرمه جزيل الأجر على ما ضمنته من حكم الآداب وغيره. ### || AUTO [في العفو عن المذنبين] # واذكر فصلا أدبيا في العفو عن المذنبين، أختم به الديوان، فمن وقف عليه، ~~ووجد في نفسه لذته، واستشعر؟ لرجاء وطمع في العفو، فرغبتنا إليه أن يسأل ~~لنا العفو مع نفسه. PageV03P481 # فمن ذلك أنه كان للمأمون خادم لوضوئه، فبينما هو يصب الماء على يديه إذ ~~سقط الإناء، فغضب المأمون فقال له الخادم: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول: # والكاظمين الغيظ، [آل عمران: 134] قال: كظمت غيظي، قال: والعافين عن ~~الناس [آل عمران: 134]، قال عفوت عنك، قال: الله يحب المحسنين [المائدة: # 13]، قال: اذهب فأنت حر. # وأمر عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بعقوبة رجل، فقال له رجاء بن ms1295 حيوة: ~~إن الله تعالى قد فعل ما تحب من الظفر، فافعل ما يحب من العفو، فعفا عنه. # العتبي: وقعت دماء بين حيين من قريش، فأقبل أبو سفيان فما بقي أحد واضع ~~رأسه إلا رفعه، فقال: يا معشر قريش، هل لكم في الحق أو فيما هو أفضل من الحق؟ # قالوا: وهل شيء أفضل من الحق؟ قال: نعم العفو، فتبادر القوم فاصطلحوا. # قال المبارك بن فضالة: كنت جالسا في السماط عند أبي جعفر إذ أمر برجل أن ~~يقتل فقلت: يا أمير المؤمنين، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم ~~القيامة ينادي مناد بين يدي الله عز وجل: من كانت له يد عند الله فليقم، ~~فليتقدم فلا يتقدم إلا من عفا عن مذنب». فأمر بإطلاقه. # وكان رجل شريب جمع قوما من ندمائه ودفع إلى غلام له أربعة دراهم أن يشتري ~~بها من الفواكه للمجلس، فمر الغلام بباب مجلس منصور بن عمار وهو يسأل ~~الفقير شيئا، ويقول: من دفع له أربعة دراهم دعوت له أربع دعوات، فدفع له ~~الغلام الدراهم، فقال له منصور: ما الذي تريد أن أدعو لك؟ قال: أن يعتقني ~~الله من رق العبودية، فدعا له منصور وأمن الناس. قال: والثانية؟ قال: أن ~~يخلف الله علي الدراهم، فدعا له وأمن الناس، قال: # والثالثة يا غلام؟ قال: أن يتوب الله على مولاي، فدعا له وأمن الناس. ~~قال: والرابعة يا غلام؟ قال: أن يغفر الله لي ولمولاي ولك يا منصور ~~وللحاضرين، فدعا منصور وأمن الناس، فرجع الغلام، فقال له مولاه لم أبطأت؟ ~~فقص عليه القصة، قال: وبم دعا؟ قال: # سألت لنفسي العتق، قال: اذهب فأنت حر، قال: والثانية؟ قال: أن يخلف الله ~~علي الدراهم، قال: لك أربعة آلاف درهم، قال: الثالثة؟ قال: أن يتوب الله ~~عليك، قال تبت إلى الله عز وجل، قال والرابعة؟ قال: أن يغفر لي ولك، ~~وللواعظ وللحاضرين، وقال: # هذه الواحدة ليست إلي، فلما بات رأى في المنام كأن قائلا يقول: أنت فعلت ~~ما كان إليك أتراني لا أفعل ما ms1296 كان إلي! قد غفرت لك وللغلام ولمنصور ~~وللحاضرين. # قال يحيى بن معاذ: يكاد رجائي لك مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الإخلاص، ~~لأني أعتمد في الإخلاص على الأعمال، وفي الذنوب أعتمد على عفوك، وقال ~~السلامي: [الوافر] # تبسطنا على الآمال إنا ... رأينا العفو من ثمر الذنوب PageV03P482 # وقال بكر بن سليمان الصواف: دخلنا على مالك بن أنس في العشية التي قبض ~~فيها، فقلت: يا أبا عبد الله، كيف تجدك؟ قال: لا أدري ما أقول لكم، ~~ستعاينون من عفو الله تعالى ما لم يكن في حسابكم. ثم ما خرجنا حتى أغمضنا عينيه. # وفي الحديث: «لو لم تذنبوا لجاء الله بأمة يذنبون فيغفر لهم»، وقال أبو نواس: # [مجزوء الوافر] # يا نواسي توقر ... وتعزى وتصبر # ساءك الدهر بشيء ... ولما سرك أكثر # يا كبير الذنب عفو الله ... من ذنبك أكبر # أكبر الأشياء في أصغ ... ر عفو الله أصغر # ليس للإنسان إلا ... ما قضى الله وقدر # ليس للمخلوق تدبي ... ر بل الخالق دبر # وقال أبو العتاهية: [الوافر] # إلهي لا تعذبني فإني ... مقر بالذي قد كان مني # فما لي حيلة إلا رجائي ... لعفوك إن عفوت وحسن ظني # يظن الناس بي خيرا وإني ... لشر الناس إن لم تعف عني # وكم من زلة في الخطايا ... وأنت علي ذو فضل ومن # وإذا فكرت في ندمي عليها ... عضضت أناملي وقرعت سني # وهذا آخر شعر قاله أبو العتاهية، وآخر شعر ختمت به هذا الشرح، راجيا من ~~ربي صفحه وعفوه، والحمد لله أولا وآخرا كما يجب لجلاله غفرانك. اللهم ~~تباركت وتعاليت. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وصحبه وسلم، ورضي الله تعالى عن أصحاب رسول الله أجمعين وعن التابعين ~~وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. ms1297