######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0001449 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن عيسى بن محمد بن أصبغ، أبو عبد الله بن المناصف الأزدي القرطبي (المتوفى: 620هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 620 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الإنجاد في أبواب الجهاد وتفصيل فرائضه وسننه وذكر جمل من آدابه ولواحق أحكامه #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: بحوث ومسائل #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0001449 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-1449 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/1449 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: (مشهور بن حسن آل سلمان ومحمد بن زكريا أبو غازي) (ضبط نصه وعلق عليه ووثق نصوصه وخرج أحاديثه وآثاره) #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الإمام مالك، مؤسسة الريان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV01P002 # بسم الله الرحمن الرحيم # صلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وسلم تسليما # الحمد لله رب العالمين، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت؛ وإليه أنيب، ~~وحسبنا الله ونعم الوكيل. # ونسأل الله الصلاة على رسول الله وخاتم النبيين، وعلى آله الطيبين ~~الطاهرين، ورضي الله عن الإمام المهدي (1) ، وعن الأئمة الخلفاء الراشدين. # أما بعد: # فإن تقوى الله والتزام أمره هو جماع الخير، وملاك الأمر، وفوز في ~~الدارين، {وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} [فصلت: ~~35] . # ولما آتى الله في ذلك عبده: السيد الأجل، المجاهد في سبيل الله، الحريص ~~(2) في التزام حدود الله أبا عبد الله ابن السيد الأجل أبي حفص ابن الإمام ~~الخليفة أمير المؤمنين -رضي الله عنهم-، أوفر حظ، وهداه من ذلك إلى أرشد ~~سبيل، فاعتصم -في مراقبة حدود الشرع فيما يأتي ويذر (3) - بالعروة التي لا ~~انفصام لها، وكان مما يسره الله له واستعمله فيه ملازمة أجل الأعمال، وأفضل ~~أنواع الطاعات: جهاد عدو الله في عقر دورهم، وحراسة المسلمين في أقصى ~~ثغورهم، تقبل الله قصده وعمله، وأبلغه من مراتب السعادة أمله؛ أجد في ~~العزم، وأحفى في الإرشاد على تقييد مجموع في الجهاد وأبوابه، وتفصيل فرائضه ~~وسننه، وذكر PageV01P003 # جمل من آدابه ولواحق أحكامه، استظهارا على ما يخصه من ذلك فيما وليه ~~وأخلص فيه عمله، وسباقا لإحراز الأجرين والجمع بين الحسنيين. # فانتدبت لذلك موجها قصدي وعملي في سبيل الله، ومشاركا قدر وسعي ولو ~~بالنية والقول في جهاد عدو الله، وأضرع مع ذلك إلى الله ربنا -جل جلاله- في ~~قبول ذلك لوجهه الكريم، وأن يوفر (1) الأجر، ويجزل المثوبة لسيدنا المبارك، ~~فيما دعا من ذلك إليه، ودل برأيه الموفق عليه، فجمع له بكرمه -تعالى- فضيلة # العلم إلى الجهاد، وتوخي القول في الطاعة إلى العمل {ومن أحسن قولا ممن ~~دعا إلى الله وعمل صالحا} [فصلت: 33] . # ومن الله ربنا جلت قدرته نرجوا الإجابة وكمال الزلفى (2) بمنه. # ولما توخيت أن يكون هذا المجموع مبنيا على دلائل الكتاب والسنة، منزها عن ~~شبه التقليد واتباع مذهب بغير دليل، ms001 قدمت في عمد أبوابه، وأصول مسائله، ذكر ~~ما بنيت عليه من الكتاب والسنة وتجرد، وما يكون فيه من ذلك خلاف سوق (3) ~~المشهور من مذاهب العلماء، والإشارة إلى مستند كل فريق من وجوه الأدلة، ~~بأقرب اختصار يمكن، وربما نبهت في مواضع من ذلك على الأرجح عندي، ووجه ~~الترجيح متى أمكن، مالم تدع في كشف وجه الترجيح الضرورة لإطالة، أو لم يظهر ~~عندي للترجيح وجه، فأترك القول فيه، وقد أقتصر تارة في فروع المسائل، فلا ~~أتعرض في بعضها لذكر الخلاف، إما لأن المذكور أظهر دليلا، وتتبع الخلاف فيه ~~يفضي إلى التطويل، وإما لأن خلافا في ذلك لا أقف عليه، وهو مع ذلك حري أن ~~يكون؛ لأن ما لا خلاف فيه: إما لأنه إجماع، أو لأن الخلاف في مثله غير ~~معروف عند أهل العلم، فقد أنبه على أنه كذلك -إن شاء الله-. PageV01P004 # ومهما ذكرت دليلا أو توجيها لقول فهو على ضربين: منه ما وقفت عليه نقلا، ~~ومنه ما استدللت عليه انتزاعا من أصولهم (1) ، وإنما نبهت على هذا رفعا ~~لعمدة الحمل فيه. # وأكثر ما أوردته دليلا في هذا من حديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فهو حجة ثابتة؛ لأني قد خرجته من «الصحيحين» : البخاري ومسلم، أو مما هو ~~صحيح من غيرهما، وإن كان قد يكون في بعضها اختلاف بين أهل الحديث في إثبات ~~القول بصحته؛ لاختلافهم في بعض رجال سنده، إلا أن ما هذه سبيله، مما لم ~~يترق إلى الصحة المتفق عليها عندهم؛ فله مع ذلك درجة في العلو والحجة عن ~~كثير مما يتسامح به بعض أصحاب المذاهب في كتبهم، ثم أرجو أن يكون وقوع هذا ~~النوع الذي اعتذرت منه في هذا المجموع قليلا جدا، وأكثر ما يقع إن وجد في ~~أبواب الرغائب والآداب، مما لا يقع مواقع الفصل في الأحكام من الحلال ~~والحرام، والواجب والمحظور (2) . # ومع هذا؛ فأنا -إن شاء الله- أنسب كل حديث إلى الأصل الذي نقلته منه، ~~كالبخاري، ومسلم، والنسائي، وأبي داود، والترمذي، وغيرهم؛ ليكون ذلك سهلا ~~لمن أراد الوقوف ms002 عليه هنالك، بحول الله وقوته، وسميت هذا المجموع، ملاءمة ~~لقصدي، وملاحظة لما أرجو أن تبلغ به عند الله نيتي: # كتاب «الإنجاد في أبواب الجهاد» . # وقسمت فصوله ومسائله على عشرة أبواب: # الباب الأول: في حد الجهاد ووجوبه، وتفصيل أحكامه: من فرض على الأعيان، ~~وعلى الكفاية، ونفل، وصفة من يجب ذلك عليه، وهل تجب الهجرة؟ PageV01P005 # الباب الثاني: في فضل الجهاد والرباط، والنفقة في سبيل الله، وماجاء في ~~طلب الشهادة وأجر الشهداء. # الباب الثالث: في صحة الجهاد، وما يحق فيه من طاعة الإمام، ومياسرة ~~الرفقاء، وما جاء في آداب الحرب، والدعوة (1) قبل القتال. # الباب الرابع: في وجوب الثبوت والصبر عند اللقاء، وحكم المبارزة، وما ~~يحرم من الإنهزام، وهل يباح الفرار إذا كثر عدد الكفار؟ # الباب الخامس: فيما يجب، وما يجوز أو يحرم من النكاية في العدو، والنيل ~~منهم، ومعرفة أحكام الأسرى والتصرف فيهم. # الباب السادس: في الأمان وحكمه، وما يلزم من الوفاء به، والفرق بينه وبين ~~مواقع الخديعة في الحرب، وهل تجوز المهادنة والصلح؟ # الباب السابع: في الغنائم وأحكامها، ووجه القسم، ومن يستحق الإسهام، وبم ~~يستحق، وسهمان الخيل، وما جاء في تحريم الغلول. # الباب الثامن: في النفل والسلب، وأحكام الفئ والخمس، ووجوه مصارفهما، ~~وتفصيل أحكام الأموال المستولى عليها من الكفار. # الباب التاسع: في حكم ضرب الجزية، وشرط قبولها، وممن يحق أن تقبل من ~~أصناف الكفر، ومقاديرها على الرؤوس، وما يجب لأهلها وعليهم. # الباب العاشر: في المرتدين والمحاربين، وقتال أهل البغي، وتفصيل أحكامهم، ~~وذكر ما يتعلق بجناياتهم، ويلزم من عقوباتهم. # وبالله -تعالى- نستعين، وعليه نتوكل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. # ***** PageV01P006 ### | الباب الأول # في حد الجهاد ووجوبه، وتفصيل أحكامه من فرض على الأعيان # وعلى الكفاية، ونفل، وصفة من يجب ذلك عليه، وهل تجب الهجرة؟ # PageV01P007 # قال الله -ربنا جل جلاله-: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ~~تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم ~~وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار ومساكن طيبة ms003 في جنات عدن ذلك الفوز العظيم. وأخرى تحبونها ~~نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين} [الصف: 10-13] . # وخرج النسائي وأبو داود كلاهما عن أنس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» ، قال النسائي: ~~«بأموالكم وأيديكم وألسنتكم» (1) . # ***** PageV01P009 # فصل: في معنى الجهاد وحده لغة وشرعا # قال الله -تعالى-: {وجاهدوا في الله حق جهاده} [الحج: 78] ، وقال # -تعالى-: {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين} ~~[العنكبوت: 6] ، وقال -تعالى-: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ~~واغلظ عليهم} [التوبة: 73] . # فالجهاد في اللغة، أصله: الجهد (1) ، وهو: المشقة، يقال: جهدت الرجل: ~~بلغت مشقته، وكذلك الجهاد في الله -تعالى-؛ إنما هو بذل الجهد في إذلال ~~النفس وتذليلها في سبل الشرع، والحمل عليها بمخالفة الهوى، ومن الركون إلى ~~الدعة واللذات، واتباع الشهوات (2) . # خرج الترمذي عن فضالة بن عبيد: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: «المجاهد من جاهد نفسه» (3) . PageV01P010 # وخرج النسائي عن سبرة بن أبي فاكه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول:.. # فذكر حديثا طويلا في وسوسة الشيطان للمؤمن، وفيه: «ثم قعد له بطريق ~~الجهاد، فقال: تجاهد. فهو جهد النفس والمال ... » (1) الحديث. # والجهاد في الشرع يقع على ثلاثة أنحاء: جهاد بالقلب، وجهاد باللسان، ~~وجهاد باليد. # والدليل على هذه القسمة، وتسمية كل واحد منها جهادا: ماخرجه مسلم (2) ، ~~عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مامن نبي ~~بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب، يأخذون بسنته، ~~ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون مالايفعلون، ويفعلون ~~مالايؤمرون، فمن PageV01P011 # جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو ~~مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (1) . # فالقول أولا: في معنى جهاد القلب، وذلك راجع إلى مغالبة الهوى، ومدافعة ~~الشيطان، وكراهية ما خالف حدود الشرع، والعقد على إنكار ذلك، حيث لا يستطيع ~~القيام في تغييره بقول ولا فعل، وهذا الضرب واجب على كل مسلم إجماعا، وهو ms004 ~~مما يتناوله قوله -تعالى-: {وجاهدوا في الله حق جهاده} [الحج: 78] ، وقوله ~~-سبحانه-: {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه} [العنكبوت: 6] ، وقال -سبحانه-: ~~{ونهى النفس عن الهوى} [النازعات: 40] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«ومن جاهدهم # بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (2) . # الثاني: جهاد باللسان، وذلك كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر (3) ، ~~وزجر PageV01P012 # أهل الباطل، والإغلاظ عليهم، وما أشبه ذلك، مما يجب إبراء القول فيه. # وهذا الضرب واجب على المكلف بشروط: # منها: أن يكون عالما بطرق الإنكار، ووجه القيام في ذلك، من الترفق تارة، ~~والغلظة أخرى، بحسب المنكر في نفسه، والأحوال التي تعترض، فإن لم يكن كذلك ~~لم يجب، بل قد يحرم عليه القيام؛ لأنه ربما وقع في أشد مما أنكر (1) ، # قال PageV01P013 # الله -تعالى-: {كونوا قوامين بالقسط} [النساء: 135] ، وقال -سبحانه-: {خذ ~~العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199] . # ومنها: أن تكون له قوة في نفسه، وحالة يأمن معها أن يسطاع ذلك، فإن لم ~~يكن كذلك لم يجب عليه، لكنه إن فعل صابرا محتسبا قيامه في ذلك عند الله -عز ~~وجل-: صح، وكان مأجورا. قال الله -عز وجل-: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء ~~مرضات الله} [البقرة: 207] ، وقال -تعالى-: {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر ~~واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} [لقمان: 17] . # وخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر» (1) ، قال فيه: حسن غريب. ~~PageV01P014 # ومنها: أن يرجو في قيامه كف ذلك المنكر وإزالته، فإن أيس من ذلك، فقد ~~قيل: لا يجب عليه -أيضا- إلا تبرعا. # والأظهر عندي في هذا الوجه: أنه يجب عليه القول، وإن كان يائسا من # كف ذلك المنكر؛ لأن الإنكار أخص فريضة، لا يسقطه عدم تأثر المنكر عليه، ~~ألا ترى أن إنكار القلب حيث لا يستطاع الإنكار بالقول واجب باتفاق، وهو لا ~~أثر له في دفع ذلك المنكر! فكذلك يجب القول إذا أمكنه، وإن لم يؤثر، وأيضا ~~ففي إعلان الإنكار تقرير معالم الشرع، فلو ms005 وقع التمالؤ في مثل هذا على ~~الترك حيث لا [يغني الكف] (1) والإقلاع، لأوشك دروسها. قال الله -عز وجل-: ~~{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} [آل ~~عمران: 104] ، فالقول إذا قدر عليه واجب، أثر أو لم يؤثر (2) . PageV01P015 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P016 # خرج مسلم، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم ~~يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (1) . # وعلى هذا الضرب حمل جماعة من العلماء ما أمر الله -تعالى- به نبيه - صلى ~~الله عليه وسلم - من جهاد المنافقين في قوله -تعالى-: {جاهد الكفار ~~والمنافقين} [التوبة: 73] ، فهذا إنما يكون في المنافقين بالقول من الزجر ~~والوعيد والتهديد، وما أشبه ذلك؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يؤمر ~~بقتلهم؛ لما كانوا يظهرونه من الإسلام، قال ابن عباس (2) ، PageV01P017 # وغيره (1) : معناه: «جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان» . # وبسط الكلام في ذلك، وفي الكف عن قتل المنافقين على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقتضي مأخذا واسعا غير ما قصد له في هذا الباب. # الثالث: جهاد باليد، وهو أنواع: # منه ما يرجع إلى إقامة الحدود، ونحوها من التعزيرات، وذلك إنما يجب على ~~الولاة والحكام، ومنه: مايدخل في باب تغيير المناكر، وذلك يجب حيث لا يغني ~~التغيير بالقول، وعلى الشروط التي قدمنا في حق القائم في ذلك، والقيام فيه ~~بحسب الأحوال، وتدريج الانتقال. # ومنه: قتال الكفار، والغزو. ويقتضي أن لفظ الجهاد إذا أطلق، إنما يحمل ~~على هذا النوع بخاصة، وهو الذي نصب له هذا المجموع، فلنأخذ في ذلك على حسب ~~ما يرزقنا الله فيه من الإمداد بالمعونة والتوفيق، لا رب غيره. PageV01P018 # فصل: في ابتداء الأمر بالقتال والتدريج فيه # قال الله -عز وجل-: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ~~ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي ~~الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون} [الأعراف: # 158] ، وقال -تعالى-: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ms006 ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون} [سبأ: 28] ، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى ~~كل أحمر وأسود» الحديث. خرجه مسلم (1) . # فثبت بالبراهين القاطعة والآيات البينة ومن الكتاب والسنة والإجماع ~~القاطع المتواتر: أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الخلق أجمعين؛ إنسهم وجنهم، أحمرهم ~~وأسودهم، عربهم وعجمهم، من كان منهم في عصره، ومن يأتي بعده إلى يوم ~~القيامة، قال الله -تعالى-: {قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا ~~القرآن لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] . # فذكر أهل العلم والنقل، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما بعثه ~~الله -عز وجل -وهو على رأس أربعين سنة-، أقام بمكة يدعو إلى الله -تعالى-، ~~ويبين عن ربه -عز وجل- ما أرسله به من الهدى، ويتلو عليهم القرآن، وينهاهم ~~عن الشرك وعبادة PageV01P019 # الأوثان، والفواحش -التي حرم الله تعالى- مدة طويلة، لم يؤمر في شيء من ~~تلك المدة بقتال؛ بل كان يؤمر بالإعراض عنهم، وبالصفح الجميل، والصبر على ~~أذاهم؛ إمهالا من الله -تعالى-، وإبلاغا في الحجة، وإعذارا في المدة. # قال الله -تعالى-: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} [الحجر: 94] ، ~~وقال -تعالى-: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} [البقرة: 109] ، وقال ~~-سبحانه-: {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم} [الأحقاف: ~~35] . # ولم يزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معلنا بالرسالة والنذارة، ~~صابرا على ما يناله في ذلك من الأذى، ناصحا لهم، محتسبا ما أصابه فيهم، إلى ~~أن آمن بالله وبما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أراد الله ~~-تعالى- به خيرا، وجعل له نورا، وعاند من شاء الله # -تعالى-، وأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك بمكة عشر سنين، ~~وقيل: ثلاث عشر سنة، وفي ذلك يقول أبو قيس صرمة بن أبي أنس بن صرمة؛ من بني ~~النجار (1) : PageV01P020 # ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو ms007 يلقى صديقا مواتيا (1) # ثم لما أراد الله -تعالى- إنفاذ الوعيد فيمن أهلكه من كفار قريش، وعظماء ~~أهل الشرك بمكة: أذن الله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة ~~منها إلى المدينة، فخرج، ولما يؤمر حينئذ بقتال، ثم أذن له في القتال بعد. # خرج النسائي (2) عن ابن عباس قال: لما أخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~من مكة؛ قال أبو # بكر: PageV01P021 # «أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن» ؛ فنزلت: {أذن للذين ~~يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} [الحج: 39] . قال: «فعرفت ~~أنه سيكون قتال» . قال ابن عباس: فهي أول آية نزلت في القتال. # وكذلك روى القاضي إسماعيل في «أحكام القرآن» (1) عن عروة بن الزبير: أنها ~~أول آية نزلت في القتال، وقاله قتادة وغيره (2) . وقد روي عن الربيع بن أنس ~~(3) وغيره أن أول آية نزلت في القتال: {وقاتلوا في سبيل الله الذين ~~يقاتلونكم PageV01P022 # ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة: 190] ، أي: قاتلوا من ~~قاتلكم، وكفوا عمن كف عنكم، لا تعتدوا بقتاله. هذا أحد التأويلات في الآية. # قال إسماعيل: إنما أذن الله -تبارك اسمه- للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في القتال بعد قدومه المدينة، ثم أمر - صلى الله عليه وسلم - بالقتال على ~~أحوال كانت؛ كان يؤمر فيها بالقتال، فمنها -والله # أعلم- هذه الآية وغيرها، يعني: قوله -تعالى-: {وقاتلوا في سبيل الله ~~الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا} [البقرة: 190] ، ثم نسخ ذلك كله، وأمر بقتال ~~المشركين كافة. وإلى ما ذكر القاضي إسماعيل ذهب كثير من أهل العلم في حمل ~~الآيات الواردة في ذلك على أحوال؛ فمنها قوله -تعالى-: {وقاتلوا في سبيل ~~الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا} [البقرة: 190] ، فهذا لم يؤذن فيه في ~~قتال من لم يقاتل، بل قال -تعالى-: {فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا ~~إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا} [النساء: 90] ، وقال -تعالى- ~~فيمن يقاتل: {فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم ~~واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا} [النساء: 91] ~~، وكذلك قوله -تعالى-: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم ms008 فيه ~~فإن قاتلوكم فاقتلوهم} [البقرة: 191] ، فلم يؤمروا أن يبدؤوهم عند المسجد ~~الحرام بقتال، حتى يكونوا هم يقاتلون، وكذلك قوله -تعالى-: {يا أيها الذين ~~آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} [التوبة: 123] ، ففي هذا بعض التوسيع ~~عما تضمنته الآي قبل هذا؛ من أنه لا يقاتل إلا من قاتل، فكان الأمر هنا أعم ~~في الكفار الأدنين، فالآية تتضمن قتالهم على كل حال؛ قاتلوا أو لم يقاتلوا، ~~ثم نسخ الله -تعالى- كل كف ومهادنة بقي في أمر الكفار بعد الإمهال ~~والإعذار، وإيعاب البلاغ والإنذار، فقال -تعالى-: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} ~~[التوبة: 5] ، وقال -تعالى-: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين ~~PageV01P023 # كله لله} [الأنفال: 39] ، وقال -تعالى-: {وقاتلوا المشركين كافة كما ~~يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين} [التوبة: 36] (1) . # فصل: في بيان ما استقر عليه الأمر بالجهاد # اختلف أهل العلم في مقتضى الآيات الواردة بالتشديد والتعميم في الأمر ~~PageV01P024 # بالقتال من قوله -تعالى-: {وقاتلوا المشركين كافة} [التوبة: 36] ، وقوله # -تعالى-: {انفروا خفافا وثقالا} [التوبة: 41] ، و {إلا تنفروا يعذبكم} ~~[التوبة: 39] ، و {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن ~~رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه} [التوبة: 120] ؛ فقيل: كان فرض ~~الجهاد في أول الأمر على جميع المسلمين كافة؛ إلا من عذره الله -تعالى-، ثم ~~نسخ ذلك بالكفاية، قال الله -تعالى-: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا ~~نفر من كل فرقة منهم طائفة} [التوبة: 122] ، روي ذلك عن ابن عباس؛ خرجه عنه ~~أبو داود (1) . PageV01P025 # وروي عن عطاء (1) ، أن الجهاد إنما كان فرضا على الصحابة، قيل: يعني على ~~الأعيان، فلما استقر الشرع صار على الكفاية، وقال الجمهور: بل كذلك كان فرض ~~القتال على الكفاية في أول الإسلام، وحملوا ما وقع في ذلك من التشديد ~~والتعميم على أحوال، وذلك إذا احتيج إلى الجميع، إما لقلة المسلمين، كما ~~كان ذلك في أول الإسلام، أو لما عسى أن يعرض، أو يكون ذلك خاصا بأهل النفير ~~PageV01P026 # الذين يعينهم الإمام في الاستنفار، وإذا لم يكن ms009 شيء من ذلك فهو على أصل ~~الكفاية، ولا نسخ على هذا في شيء من الآيات، بل هو راجع إلى الأحوال، وما ~~يجب في مقاومة الكفار، وهذا الأرجح، والله أعلم؛ لأن النسخ لا يصار إليه ~~إلا بتوقيف أو اضطرار لا يمكن معه الجمع بين الأمرين، ويعلم مع # ذلك المتأخر، فيكون هو الناسخ، وإلا فلا. # وعلى كلا القولين، فلم يختلف في أن فرض الجهاد استقر في الجملة على ~~الكفاية، يحمله من قام به من المسلمين عن سائرهم، هذا هو المشهور المعروف ~~الذي عليه جماعة أهل العلم (1) . PageV01P027 # يحكي القاضي أبو محمد عبد الوهاب (1) أنه لا خلاف بين الأمة في وجوب ~~الجهاد، يعني: على الكفاية. وقد نقل غيره في ذلك قولين شاذين: # أحدهما: أنه فرض عين مرة في العمر على كل مستطيع كالحج. # قال أبو بكر بن المنذر: روينا عن داود بن أبي عاصم أنه قال: الغزو واجب ~~على الناس أجمعين، غزوة كهيئة الحج (2) . # قال ابن المنذر: وقال معمر: كان مكحول يستقبل القبلة، ثم يحلف عشر أيمان: ~~أن الغزو واجب، ثم يقول: إن شئتم زدتكم. PageV01P028 # قال ابن المنذر: وهذا لايصح عن مكحول؛ لأن بين معمر وبين مكحول رجلا. ~~حدثناه إسحاق، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن رجل، عن مكحول: أنه قال ذلك (1) ~~. # والقول الآخر: أن الجهاد نفل. قال النحاس (2) : هو قول ابن عمر، وابن ~~PageV01P029 # شبرمة، وسفيان الثوري (1) . وذكر عن عطاء، أن الجهاد إنما كان فرضا على # الصحابة (2) ، وهذا يحتمل أن يريد فرض عين، فلما استقر الشرع، صار على ~~الكفاية، ويحتمل أن يذهب بذلك إلى قول من زعم أنه الآن نافلة، يعنون: بعد ~~فتح مكة. # ولم يختلفوا أن الإمام إذا استنفر أحدا للغزو، فإنه يجب ذلك عليه، لقوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا ~~استنفرتم فانفروا» . خرجه PageV01P030 # البخاري وغيره (1) . # وكلا القولين محجوج بالكتاب والسنة. # أما من ذهب إلى أن فرض الجهاد إنما كان على الصحابة، فلا مستند له، فإن ~~(2) زعم أن الخطاب بإيجاب القتال والوعيد عليه والتشديد فيه إنما ms010 هو بصيغة ~~المواجهة، واختصاص الحاضرين، كقوله -تعالى-: {انفروا} و {إلا تنفروا ~~يعذبكم} [التوبة: 39] ، و {كتب عليكم القتال} [البقرة: 216] ، وما أشبه ~~ذلك، لم يكن ذلك دليلا؛ لأن عرف الشرع المقطوع عليه في ذلك وأمثاله: أنه ~~لهم ولمن بعدهم، إلا أن يبين أنه شيء اختص به بعض المكلفين دون بعض. قال ~~الله # -تعالى-: {لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] . # وأيضا، فيقال لمدعي ذلك: فيلزم أن كل إيجاب أو حظر ورد في القرآن، # أو في السنة على صيغة مثله أن يكون ذلك مخصوصا بالصحابة، كقوله -تعالى-: ~~{كتب عليكم الصيام} [البقرة: 183] ، و {كتب عليكم القصاص} [البقرة: 178] ، ~~و {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم} [التوبة: 103] ، و {حرمت عليكم أمهاتكم} ~~[النساء: 23] ، ولعل أكثر الشرع على ذلك، وفي هذا ما لا خفاء به. # وأيضا، فالأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دالة على بقاء ذلك ~~إلى يوم القيامة. PageV01P031 # روى مالك في «موطئه» (1) ، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» . فسره العلماء ~~أنه في الغزو، وكذلك جاء في بعض طرقه. # خرج البخاري (2) عن عروة البارقي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«الخيل معقود في نواصيها الخير: الأجر والمغنم إلى يوم القيامة» . # وخرج مسلم (3) ، عن جابر بن سمرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«لن يبرح هذا الدين قائما، تقاتل عليه عصابة من المسلمين، حتى تقوم الساعة» ~~. # وأما من ذهب إلى أنه فرض كالحج على الأعيان، فظاهر الكتاب والسنة يدلان ~~على خلاف ذلك؛ قال الله -تعالى-: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} [التوبة: ~~122] ، وقال -تعالى-: {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين ~~درجة وكلا وعد الله الحسنى} [النساء: 95] . # فهذا بين في سقوط المأثم في القعود عن الغزو إذا قام به بعض المسلمين. # وخرج مالك في «موطئه» (4) عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: # «لولا أن PageV01P032 # أشق على أمتي، لأحببت أن لا أتخلف عن سرية تخرج في سبيل الله، ولكني لا ~~أجد ما أحملهم ms011 عليه، ولا يجدون ما يتحملون عليه فيخرجون، ويشق عليهم أن ~~يتخلفوا بعدي ... » الحديث. # قال أهل العلم: فلو كان فرضا معينا ما تخلف رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، ولا أباح لغيره التخلف عنه. # وأبين من هذا بيانا: ما خرجه البخاري (1) ، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من آمن بالله وبرسوله، وأقام ~~الصلاة، وصام رمضان، كان حقا على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله ~~أو جلس في أرضه التي ولد فيها» ، قالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر الناس؟ ~~قال: «إن في الجنة مئة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين ~~الدرجتين كما بين السماء والأرض؛ فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنه ~~أوسط الجنة، وأعلى الجنة، أرى: وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الدنيا» ~~. # قوله في «الموطأ» : «عن سرية» ، السرية: الجماعة من الخيل نحو أربع مئة، ~~ويحتمل أن يسمى ما دون ذلك سرية. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خير السرايا أربع مئة» (2) ؛ خرجه ~~الترمذي، وأبو دواد. PageV01P033 # فصل # واستقر الفرض في قتال الكفار أنه عام في كل زمان ومكان، سواء في ذلك ~~الحرم، والأشهر الحرم، وغيرها، كل ذلك لا يمنع من قتالهم ابتداء، وإن لم ~~يبدؤوا بذلك، وعلى هذا جمهور العلماء. # وروي عن مجاهد وطاوس (1) : أنه لا يحل لأحد أن يقاتل أحدا في الحرم إلا ~~أن PageV01P034 # يقاتله، فحينئذ يكون له قتاله، واستدل من ذهب إلى ذلك بقول الله -تعالى-: ~~{ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم} ~~[البقرة: 191] ، وزعموا أن الآية محكمة، وحجة الجمهور: قوله -تعالى-: ~~{وقاتلوهم حتى # لا تكون فتنة} أي: شرك {ويكون الدين كله لله} [الأنفال: 39] ، وقوله ~~-تعالى-: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل ~~مرصد} [التوبة: 5] ، ومعلوم أن هذه الآية نزلت بعد آية الأمر بالكف عند ~~المسجد الحرام، فحملوها على أنها ناسخة لها، كما نسخت جميع ما كان من ~~مهادنة قبل ذلك، واستدلوا على صحة ذلك بحديث مالك (1) ، عن ابن شهاب، عن ~~أنس، ms012 أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه ~~المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: يا رسول الله، ابن خطل متعلق بأستار ~~الكعبة! فقال: «اقتلوه» . # وكذلك قتال الكفار في الأشهر الحرم، نسخ الحظر فيه؛ الذي يدل عليه قوله ~~-تعالى-: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} [البقرة: ~~217] ، PageV01P035 # نسخ ذلك كله آية السيف في (براءة) : {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] ، فأبيح القتال في الأشهر الحرم ~~وغيرها، وعلى هذا جماعة أهل العلم، إلا أن عطاء ذهب إلى أن الآية في الحظر ~~محكمة، ولا يجوز عنده قتال في الأشهر الحرم (1) . # والحجة فيما صار إليه الجمهور، أن كل مهادنة كانت، فقد نسختها آية السيف ~~في (براءة) ، وهي آخر ما أنزل في ذلك. قال النحاس (2) : «نقل إلينا أن هذه ~~الآية -يعني: قوله -تعالى-: {يسألونك عن الشهر الحرام} [البقرة: 217]- نزلت ~~في جمادى الآخرة -أو في رجب-، في السنة الثانية من هجرة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى المدينة، وقد قاتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~هوازن بحنين، وثقيفا بالطائف، في شوال، وذي القعدة، وذو القعدة من الأشهر ~~الحرم، وذلك في سنة ثمان من الهجرة» (3) ؛ يريد الاستدلال على أن الكف في ~~الأشهر الحرم منسوخ، والأشهر الحرم هي التي قال الله -عز وجل- فيها: {إن ~~عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض ~~منها أربعة حرم} [التوبة: 36] . PageV01P036 # قال أهل العلم والنقل: هي ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. وفي ذلك ~~أثر مرفوع (1) ، وهو مما لا خلاف فيه (2) ، أنها هذه الأربعة. وأما قوله - # تعالى-: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} [التوبة: 5] ؛ فليس المراد بها هذه ~~الأربعة التي تردد في كل عام، إنما ذلك أربعة أشهر مخصوصة، يقال لها: أشهر ~~السياحة، أولها: يوم الحج الأكبر من سنة تسع من الهجرة، وآخرها: انقضاء عشر ~~من ربيع الآخر سنة PageV01P037 # عشر، قاله مجاهد (1) والسدي (2) وغيرهم (3) ، وقتها الله -تعالى- أجلا، ~~وجعلها مدة يسيح فيها المشركون، ولا يبقى لهم بعدها ms013 عهد، ولامهادنة، إلا ~~السيف، بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك عليا، فقرأ عليهم سورة ~~(براءة) يوم الحج الأكبر (4) . -واختلف PageV01P038 # فيه؛ فقيل: يوم النحر (1) ، وقيل: يوم # عرفة (2) -، ونبذ إليهم عهدهم، قال الله PageV01P039 # -تعالى-: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين. فسيحوا # في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي ~~الكافرين. وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من ~~المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم} [التوبة: 1-2] ، إلى قوله -تعالى-: ~~{فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} الآية [التوبة: ~~5] ، وإنما سميت هذه حرما؛ لأنها كف عنهم فيها، وحرم قتالهم إلى انسلاخها، ~~وكل ذلك منقول مشهور عند أهل العلم. # فصل: في بيان فرض الجهاد، وتفصيل أحكامه على الأعيان # وعلى الكفاية، وما هو من ذلك نفل بحسب الأحوال # قال الله -تبارك وتعالى-: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا ~~شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون} [البقرة: 216] ، وقال -تعالى-: {انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا ~~بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} [التوبة: 41] ، وقال -سبحانه-: {يا أيها ~~الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ~~أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا ~~قليل. إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم} [التوبة: 38-39] ~~. # وخرج مسلم (1) ، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ~~مات ولم يغز، PageV01P040 # ولم يحدث نفسه بغزو؛ مات على شعبة من نفاق» . # وخرج أبو داود (1) ، عن أبي أمامة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«من لم يغز أو # يجهز غازيا أو يخلف غازيا في أهله بخير؛ أصابه الله بقارعة قبل يوم ~~القيامة» . # وخرج -أيضا- عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «جاهدوا ~~المشركين بأموالكم وأنفسكم» (2) . PageV01P041 # فإذا تقرر ذلك، فللقيام بالجهاد من حيث الحاجة والاستغناء؛ ثلاثة أحوال: # حال يكون فيها الجهاد فرضا في الجملة ms014 على الكفاية، وحال يكون فيها فرضا ~~على الأعيان، وحال يكون فيها نفلا. # فأما الحالة الأولى: حيث يكون الجهاد فرضا في الجملة؛ فهي حالة الأصل ~~التي تقدم فرض القتال فيها على الكفاية، وذلك مالم يعرض عارض ينقل الفرض ~~إلى التعيين، فواجب على المسلمين في الجملة غزو الكفار ابتداء، وجهادهم على ~~الإيمان؛ ولتكون كلمة الله هي العليا؛ حتى يقهروهم، ويضطروهم إلى أوكس ~~الأحوال، المرة بعد المرة، قال بعض أهل العلم (1) : وأقله مرة في العام، ~~وهذا عندي صحيح (2) ؛ لأنه قد تقدم أن الجهاد فرض يتكرر على الكفاية، ولم ~~يجعل # الله # -تعالى- لمن أبى على مر الأعصار غاية يتعقبها الكف إلا بأحد أمرين: إما ~~أن يدخلوا في الإسلام، وإما أن يؤدوا الجزية، -على خلاف فيمن تقبل الجزية ~~منهم، نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى-. # قال الله -سبحانه-: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} -أي: شرك-: {ويكون الدين ~~كله لله} [الأنفال: 39] ، وقال -تعالى-: {قاتلوا الذين لا PageV01P042 # يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون ~~دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} ~~[التوبة: 29] . فدل ذلك كله على أنه مهما بقي من الكفار أحد يمكن التوصل ~~إليه، فواجب على المسلمين قتالهم حتى يسلموا، أو يؤدوا الجزية إن كانوا من ~~أهلها. # وإذا تقرر هذا، فلم يبق إلا أن يكون ذلك متواليا متصلا، لا يفتر المسلمون ~~عنه، وفي ذلك إجحاف، قد علم في الشرع التخفيف دونه، أو أن يتكرر ذلك على ~~أوقات يتسع الناس في أثنائها، فلا تجد ذلك أقل من مرة في العام، قال الله # -تعالى- في المنافقين وتقريعهم: {أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو ~~مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون} [التوبة: 126] . فأعلمنا -سبحانه- أن ~~فتون أهل الكفر وإصابتهم في كل عام مرة مقنع في العقاب، ومذكر لأولي ~~الألباب. # وقال كثير من أهل العلم (1) في حد الأداء لوجوب القيام بفرض الجهاد: هو ~~أن يدفع العدو، وتحمى الثغور، ويستظهر على أهل دار الحرب، فإذا قيم بذلك ~~سقط ms015 الفرض، ومن قام به من المسلمين أجزأ، وهذا صحيح ما دام بالمسلمين حاجة ~~إلى ذلك، وإنما يكون القول بإيجاب المرة بعد الخلو والتفرغ من ذلك كله، ~~ومضي السنين، من غير احتياج إلى شيء منه، ومهما احتيج في سد الثغور، وصلاح ~~أحوال المسلمين إلى التعهد بأكثر من ذلك، فهو يجب بحسب ما تدعو إليه الحال، ~~كما علم من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتواتر من موالاته غزو ~~الكفار المرة بعد المرة. # خرج مسلم (2) عن بريدة: غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسع عشرة ~~غزوة، قاتل في PageV01P043 # ثمان منهن. # قال أبو محمد بن حزم (1) : غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه ~~خمسا وعشرين غزوة -ذكرها واحدة واحدة- أولها: ودان، -وهي: الأبواء-، ~~وآخرها: غزوة تبوك، قال: وكانت له - صلى الله عليه وسلم - بعوث (2) كثيرة ~~جدا. # ففي ذلك كله أدل دليل على موالاة غزو الكفار مع الإمكان، وإن لم تدع إلى ~~ذلك ضرورة. # وأما الحالة الثانية: حيث يتعين فرض الجهاد، فهو إذا أظل العدو بلدا، أو ~~جانبا من ثغور المسلمين مقاتلا لهم، فيتعين فرض الجهاد حينئذ على كل واحد ~~ممن هنالك من المسلمين في خاصته، وعلى قدر طاقته، إلى أن تقع الكفاية، ~~PageV01P044 # ويحصل الاستقلال بقتال العدو ودفعه، فإن قصر عدد من هنالك، أو قوتهم عن ~~دفاعهم؛ وجب كذلك على كل من صاقبهم وقرب منهم من المسلمين إعانتهم والنفير ~~إليهم، ثم كذلك أبدا إن غارهم العدو، حتى يعم الفرض جميع المسلمين، أو يقع ~~الاستغناء من دون ذلك بمقاومتهم ودفعهم (1) ، والدليل على صحة ذلك: # قوله -تعالى-: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان} [المائدة: 2] ، وقوله -تعالى-: {ولن يجعل الله للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا} [النساء: 141] ، فمن ترك دفاع كافر عن مؤمن تثاقلا من غير ~~عذر يسقط به عنه القيام، فقد ترك المعاونة على البر والتقوى، وجعل للكافرين ~~سبيلا على المؤمنين، وقد نفى الله -تعالى- ذلك أن يكون من الشرع؛ ففعل ذلك ~~معصية، وتعد لحدود الله -تعالى-. # خرج أبو داود (2) ، عن عمرو بن شعيب، عن ms016 أبيه، عن جده قال: قال رسول ~~PageV01P045 # الله - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم ~~أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم» . # وذلك مما لا يعرف فيه خلاف (1) . PageV01P046 # قوله: «تتكافأ دماؤهم» ، أي: هم في القصاص سواء؛ الشريف والمشروف، والرجل ~~والمرأة. ومعنى: «يسعى بذمتهم أدناهم» : إن كل مسلم أمن حربيا، فأمانه جائز ~~على سائر المسلمين، سواء كان شريفا أو وضيعا، حرا أو عبدا، رجلا أو امرأة. ~~ونحو منه قوله في هذا الحديث: «ويجير عليهم أقصاهم» ، أي: يلزمهم ذلك، وإن ~~بعد، وروي هذا الحرف في غير هذا الحديث: «ويرد عليهم أقصاهم» (1) . قيل: هو ~~في السرية تخرج من العسكر فتغنم، فيكون ذلك لها، وللعسكر الذي خرجت منه، ~~وإن بعدت في المغزى (2) . # ومعنى:: «وهم يد على من سواهم» : أن عليهم التعاون في دفع العدو، إذا نزل ~~على أحد منهم، فواجب عليهم أن يكونوا يدا واحدة في ذلك على الكفار. # ويلحق (3) هذه الحالة في تعيين الجهاد -أيضا- للأمر يعرض: حالة استنقاذ ~~الأسرى إذا حازهم العدو، وكان بالمسلمين قدرة على استنقاذهم بالقتال، قال ~~PageV01P047 # الله -تعالى-: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال ~~والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها} ~~[النساء: 75] ، قيل: يريد قتال أهل مكة لاستنقاذ من فيها من المستضعفين (1) ~~، وكذلك يدل # قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وهم يد على من سواهم» . وقال - صلى الله ~~عليه وسلم -: «فكوا العاني» ؛ خرجه البخاري (2) . ولا خلاف في ذلك أعلمه. ~~قيل: فإن لم تكن لهم قدرة على استنقاذهم بالقتال، وكانت هنالك أموال يفدون ~~بها؟! وجب فداؤهم بالمال، وإن كانت لهم قدرة، وهناك أموال، كانوا بالخيار ~~بين القتال والفداء، واجب عليهم أن يمتثلوا أحد الأمرين (3) . # وأما الحالة الثالثة (4) : فهي ما وراء القيام بالفريضة في الحالتين # المتقدمتين، PageV01P048 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P049 # فمن جاهد بعد ذلك، وقد قيم بفرض الكفاية، وتم الدفاع عن المسلمين؛ فهو له ~~نافلة، وفيه فضل كثير، وأجر عظيم، وهو من أفضل أعمال البر، وأعلى درجات ~~الطاعة، قال الله -تعالى-: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين ms017 غير أولي الضرر ~~والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم ~~وأنفسهم على القاعدين درجة} [النساء: 95] ، ثم قال -تعالى-: {وكلا وعد الله ~~الحسنى} [النساء: 95] ، فمعلوم أن عدة الحسنى لا تكون لمن ترك الفرض {وفضل ~~الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما} [النساء: 95] . # فصل: في صفة من يجب عليه الجهاد ومن لا يجب # اتفق أهل العلم، أن الحر البالغ المطيق للقتال هو من أهل الجهاد الذين ~~يتوجه تكليف ذلك عليهم، بعد وجوبه بحسب الأحوال التي قدمناها، واتفقوا كذلك ~~أن المرأة ومن لم يبلغ، والمريض الذي لا يستطيع القتال، لاجهاد فرضا عليهم، # وكذلك الفقير الذي لا يقدر على زاد، لا خلاف في (1) شيء من ذلك كله. قال ~~الله -تعالى-: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ~~ينفقون حرج} [التوبة: 91] . PageV01P050 # واختلفوا في العبد ومن له أبوان، هل يستأذنهما؟ ومن عليه دين، هل يخرج ~~بغير إذن غرمائه؟ فأما العبد: فالجمهور على أنه ليس من أهل الفرض في ~~الجهاد، وأنه لم يخاطب بذلك إلا الأحرار؛ لأن فعل الجهاد تصاب (1) فيه ~~النفس والمال بالإتلاف، وهو مقصور عن ذلك بالشرع (2) . قال قوم: ولو غزا مع ~~سيده ليخدمه، فلا يقاتل إلا بإذنه، إلا أن يدخل العدو عسكر المسلمين، ~~فليقاتل ويدفع (3) . فمنعوه من القتال ابتداء؛ لأن في ذلك الهلاك غالبا، ~~وهو مال لمالكه محظور في الشرع تصرف فيه بما يعرضه للهلاك من غير إذن سيده، ~~فأما في ضرورة الاقتحام ونحوه، فذلك أمر يتعين فيه القتال على كل مكلف ~~قادر، ولا أعلم الآن من يقول بإيجاب الجهاد عليه -أعني: الذي هو فرض كفاية، ~~كما يكون ذلك على الأحرار- إلا ما تأتي عليه أصول (4) أهل الظاهر، فإنهم ~~يرون الخطاب الوارد في الشرع مورد العموم يتناول الحر والعبد على حد سواء، ~~إلا أن يخصص شيئا من PageV01P051 # ذلك قرآن، أو سنة ثابتة، أو إجماع صحيح، وكذلك أوجبوا عليه الحج بهذا ~~الاعتبار مع الاستطاعة، ورأوا ذلك إذا فعله مجزءا عنه إذا عتق # بعد؛ لأنه كان مخاطبا بذلك في حال ms018 الرق، فإذا فعله سقط عنه الفرض. # وأما من له أبوان؛ فإن كانا يضيعان بخروجه إلى الجهاد، فهو إجماع على أن ~~فرض الجهاد ساقط عنه، ذكره أبو محمد بن حزم في «مراتب الإجماع» (1) . وإن ~~كانا ممن لا يضيع، فذهب الجمهور إلى أن عليه أن يستأذنهما، فإن أذنا له ~~خرج، وإن أبيا عليه لم يجز له أن يخرج، روي ذلك عن مالك، والأوزاعي، وسفيان ~~الثوري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أهل العلم. قال أبو عمر بن عبد ~~البر (2) : «لا خلاف أعلمه أن الرجل لا يجوز له الغزو ووالداه كارهان، أو ~~أحدهما» . # قلت: ذلك إذا لم يتعين الفرض، مثل أن يفجأ العدو (3) ، فيحتاج إليه في ~~الدفع، ونحو ذلك مما يتعين فيه؛ لأنه مالم يتعين، يعصي والديه ويعقهما في ~~غير شيء أوجبه الشرع، فذلك حرام عليه، وأما إذا تعين الفرض، فلايستأذنهما ~~في ترك الفرائض (4) ، قال الله -تعالى-: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن ~~جاهداك PageV01P052 # لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما} [العنكبوت: 8] . # خرج البخاري (1) ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: جاء رجل إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يستأذنه في الجهاد، فقال: «أحي والداك؟» قال: ~~نعم. قال: «ففيهما # فجاهد» . # وخرج النسائي (2) عن معاوية بن جاهمة السلمي، أن جاهمة جاء إلى النبي ~~PageV01P053 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P054 # - صلى الله عليه وسلم - فقال: يارسول الله، أردت أن أغزو، وقد جئت ~~أستشيرك، فقال: «هل لك من أم» ؟ قال: نعم. قال: «فالزمها؛ فإن الجنة عند ~~رجليها» . # وخرج أبو داود (1) ، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبوي يبكيان، ~~قال: «ارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما» . # وفيه (2) عن أبي سعيد الخدري، أن رجلا هاجر إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من اليمن فقال: # «هل لك أحد باليمن» ؟ فقال: أبواي. قال: «أذنا لك» ؟ قال: لا. فقال: ~~PageV01P055 # «ارجع فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرهما» . # وقال الحسن البصري (1) -رحمه الله-: «إذا أذنت له أمه في الجهاد، وعلم أن ms019 ~~هواها أن يجلس؛ فليجلس» . وقيل للأوزاعي (2) فيمن غزا بإذن والديه، واشترطا ~~عليه أن لا يقاتل، فلقوا العدو، فقال: «لا طاعة للوالدين في ترك الفرائض، ~~والجمع، والحج، والقتال» ، وهذا صحيح (3) كما تقدم؛ وذلك أن القتال يتعين ~~عند لقاء العدو، فلم يكن للوالدين ثم طاعة. # واختلفوا في الأبوين إذا كانا مشركين؛ فقيل: لا يغزو إلا بإذنهما؛ لعموم ~~الأمر في ذلك، روي ذلك عن سفيان الثوري (4) . وقال به سحنون (5) وغيره، ~~قيل: إلا أن يكون يعلم أنهما يمنعانه لعداوة الإسلام. وقال الشافعي (6) : ~~له أن يغزو بغير إذنهما إذا كانا مشركين، فخصص الأمر في ذلك بالمسلمين. # قال ابن المنذر (7) : والأجداد آباء، والجدات أمهات، فلايغز المرء إلا ~~بإذنهم. PageV01P056 # وأما المديان فاختلفوا فيه، فروي عن الأوزاعي (1) أنه أرخص في خروجه إلى ~~الجهاد من غير إذن صاحب الحق، وروي عن الشافعي أنه ليس له أن يغزو بحال إلا ~~بإذن أهل الدين، وسواء كان الدين لمسلم أو كافر (2) ، وفرق مالك بين أن يجد ~~قضاء أو لا يجد، واختلفت مع ذلك فيه الروايات عنه (3) ، والأصل في هذا ما ~~خرجه مالك في «الموطأ» (4) عن أبي قتادة، أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ~~PageV01P057 # - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إن قتلت في سبيل الله صابرا ~~محتسبا، مقبلا غير مدبر، يكفر الله عني خطاياي؟ فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «نعم» ، فلما أدبر الرجل، ناداه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - -أو: أمر به فنودي له- فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كيف ~~قلت» ؟ فأعاد عليه قوله، فقال: «نعم، إلا الدين، كذلك قال لي جبريل» . # وخرج مسلم (1) عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «يغفر للشهداء كل ذنب، إلا الدين» . # وقد جاء في أمر الدين تشديد كثير غير هذا؛ فأقول: # إن تعلق المأثم بالدين، إنما يكون حيث التقصير المتلف لذلك الحق، إما ~~بالمطل أو بالجحود، أو ترك أن يوصي به، وإما أن يدان في غير الواجب، وهو ~~ممن لا يقدر على ms020 الأداء، وما أشبه ذلك. # وللمديان عند إرادة الغزو حالان: ملاء أو عدم. # فأما المليء، فإن كان حل دينه، فالظاهر أنه لا يجوز أن يغزو بغير إذن ~~صاحب الحق، فإن كان دينه لم يحل بعد، فهذا له أن يغزو (2) ، وعليه أن يوكل ~~من يقضيه عنه عند حلوله، والدليل على ذلك أن من كان مليئا، وقد حل الحق ~~عليه، PageV01P058 # فهو مأمور كل وقت بالقضاء، ففعله ما يحول بينه وبين ذلك من غير إذن صاحب ~~الحق لا يحل له. # خرج مسلم (1) عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع» . # وأما إذا لم يحل، فلا حق عليه الآن في الأداء (2) ، فلا يتصف بالمطل، ~~فليس عليه أن يستأذنه، لكن عليه باتفاق أن يوصي به، ويوكل على قضائه، فإذا ~~فعل ذلك فقد أدى ما لزمه ساعتئذ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «وإذا ~~أتبع أحدكم على مليء فليتبع» (3) . # وأما إن كان عديما لا يجد قضاء، ولا يرجو كسبا، فهذا روي عن مالك أنه # سئل عنه فلم ير بجهاده بأسا، يعني: وإن لم يستأذن غريمه، وهذا ظاهر؛ لأنه ~~لا منفعة له في منعه، وليس ممن عليه حبس ولا سلطان، بل هو مخلى بإنظار الله ~~-عز وجل- إياه، فلا يجب له عليه شيء، ما دام على حالته تلك. قال بعض ~~المتأخرين: ولعله يرزق في الغزو ما يؤدي به دينه، ففي الغزو خير لهما (4) . ~~PageV01P059 # وقد روي -أيضا- عن مالك ما ظاهره، أنه يجب الاستئذان على من لم يجد وفاء ~~من دينه (1) ، ولا استئذان على من ترك وفاء. # ذكر أبو الوليد بن رشد (2) قال: حكى ابن حبيب في «الواضحة» عن مالك، أنه ~~كان يوسع لمن عليه دين أن يغزو إذا خلف وفاء من دينه، أو: أذن له غرماؤه ~~بالخروج (3) إن لم يدع وفاء من دينه، قال أبو الوليد: وذلك بعيد. # فأقول: يحتمل أن يكون وجهه أنه إذا خلف وفاء، فلم يتعرض لإتلاف حق الغريم ~~بتعرضه للقتل في الجهاد، وإذا لم ms021 يخلف وفاء، وذمته بالحق معمورة، والغزو ~~مظنة الهلاك، ففي ذلك تلف لحق الغريم، فوجب ألا يجوز إلا بإذن صاحب الحق، ~~وهذا ظاهر، وعليه يجيء مذهب الشافعي في منع المديان على الإطلاق من الغزو ~~(4) ، والله أعلم. # والقول في استئذان المديان -كما تقدم فيمن له أبوان-: هو إذا لم يتعين ~~الفرض، فإذا تعين؛ لم يكن لأحد في دفعه اختيار. # ***** PageV01P060 # فصل: في بيان الهجرة، وما يجب من ذلك # قال الله تعالى: {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى ~~يهاجروا} [الأنفال: 72] ، وقال -تعالى-: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي ~~أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله ~~واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 97] . # ذكر أهل العلم أنه لما فرض الله -عز وجل- الجهاد على رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم -، أوجب على من كان تخلف من المسلمين بمكة الخروج منها، وأن ~~يهجروا دار الشرك، ويلحقوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيقال: إن ~~قوما ممن كان بمكة أسلموا، وأقاموا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون ~~معهم يوم بدر، فأصيب بعضهم، فنزلت فيهم {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي ~~أنفسهم} [النساء: 97] ، إلى آخر الآية (1) . PageV01P061 # فكانت الهجرة حينئذ فرضا، يجب على كل من أسلم أن يلحق برسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: مجاهدا، ومؤازرا، ومعينا، إلا من كان له عذر عذره الله ~~-تعالى- به، قال الله # -سبحانه-: {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ~~ولا يهتدون سبيلا. فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا} ~~[النساء: 98] . # ولا خلاف في وجوب الهجرة حينئذ على من كان من المسلمين بمكة، PageV01P062 # وإنما اختلف فيمن أسلم من غير أهل مكة، فقيل: كانت الهجرة لهم نافلة، ~~ومرغبا فيها، ولم تكن واجبة، وقيل: إنما كانت الهجرة واجبة على من أسلم، ~~فأما إذا أسلم كل من في الموضع، فلا هجرة عليهم، واستدل من صار إلى هذا بما ~~كان من تعليم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأمره، ونهيه؛ لوفد ~~عبدالقيس حين أسلموا، ولم ms022 يأمرهم بالهجرة، بل أقرهم بأرضهم (1) . # فالهجرة -على هذا- تقع على أمرين: # أحدهما: ماكان مخصوصا بمؤازرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعاونته، ~~والجهاد معه، حتى # أعلى الله -تعالى- كلمة الإسلام، وأظهر دين نبيه محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ الذي أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره ~~المشركون، فهذا هو الذي وردت فيه الآثار الصحيحة: أنه نسخ بعد فتح مكة، ~~وعلو الإسلام وأهله. # خرج البخاري (2) عن ابن عباس قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~الفتح بمكة: «لاهجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» . ~~فقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استنفرتم فانفروا» بيان أن الهجرة التي ~~نسخت هي ماكان من مهاجرة أرضهم وديارهم في اللحاق بالنبي - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ لإقامة الجهاد معه، فلما علا الدين، وتم وعد الله؛ رفع ذلك عنهم، ~~وأوجب إجابة النفير متى احتيج في أمر الجهاد إلى طائفة تستنفر من المسلمين. ~~PageV01P063 # والثاني: هجرة دار الكفر إذا أسلم هنالك أحد، وكان سائرهم على الكفر (1) ~~. # خرج أبو داود (2) ، عن أبي هند، عن معاوية، قال: سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - PageV01P064 # يقول: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع ~~الشمس من مغربها» . # وخرج -أيضا- (1) عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ~~ما نهى الله عنه» . # فهو فرض واجب على كل من كان في دار الكفر من المسلمين أن يخرج منها، ~~ويهجرها لله -تعالى- ولدين الإسلام، وحكم الفرضية في ذلك باق مستمر إلى يوم ~~القيامة. قال الله -تعالى-: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أولياء} [الممتحنة: 1] ، وقال -تعالى-: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} ~~[المائدة: 51] ، وقال -تعالى-: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم} [الأنعام 68] ، وقال -تعالى-: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم ~~آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره ~~إنكم إذا مثلهم} [النساء: 140] ، وقال -تعالى-: {ولن ms023 يجعل الله للكافرين ~~على المؤمنين سبيلا} [النساء: 141] . # ومعلوم أن في الإقامة معهم موالاة لهم، ومشاهدة لكفرهم واستهزائهم ~~PageV01P065 # وخوضهم في حدود الله وآياته، وإمكانا لسبيلهم عليه؛ بجريان أحكامهم هنالك # وسلطانهم، وكل ذلك حرام بنص القرآن. # وخرج أبو داود (1) عن جرير بن عبد الله قال: بعث رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، ~~قال: فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فأمر لهم بنصف العقل. وقال: ~~«أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين» ، قالوا: يا رسول الله، لم؟! ~~قال: «لا تراءى ناراهما» . # وخرج -أيضا- (2) عن سمرة بن جندب: أما بعد، وقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «من PageV01P066 # جامع المشرك وسكن معه؛ فإنه مثله» . # وبالجملة؛ فلا خلاف في وجوب الخروج من دار الكفر، واللحاق بدار المسلمين ~~(1) . PageV01P067 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P068 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P069 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P070 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P071 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P072 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P073 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P074 # وأما قوله: «لا تراءى ناراهما» ، فسببه قولان؛ ذكرهما أبو عبيد (1) : ~~PageV01P075 # أحدهما: أنه لا يحل لمسلم أن يسكن بلاد المشركين، فيكون منهم بقدر ما يرى ~~كل واحد منهما نار صاحبه، قال: فجعل الرؤية للنار، وإنما الرؤية لصاحبها، ~~ومعناه: أن تدنو هذه من هذه. # والوجه الآخر، يقال: إنه أراد بقوله: «لا تراءى ناراهما» ؛ يريد نار ~~الحرب، قال الله -تعالى-: {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} [المائدة: ~~64] ، فيقول: فناراهما مختلفتان؛ هذه تدعو إلى الله، وهذه تدعو إلى ~~الشيطان، فكيف يتفقان؟ ‍‍!، وكيف يساكن المسلم المشركين في بلادهم، وهذه ~~حال هؤلاء وهؤلاء؟! هذا الوجه الثاني أوقع في معنى الحديث، وما سيق له ~~التعليل بذلك في تحريم المساكنة، والله أعلم. # وأما أمره - صلى الله عليه وسلم - بنصف العقل، فيحتمل أن يكون إنما أهدر ~~النصف الثاني؛ لأنهم أعانوا على أنفسهم، حيث أقاموا بدار الكفر، وعرضوا ~~أنفسهم بذلك للقتل، والله أعلم. # وفي هذا الحديث رد على من زعم أن لا دية لمن أقام من المسلمين بدار ~~الحرب، مع إمكان الخروج، حتى أصابه المسلمون في معرة الاقتحام، وإليه ذهبت ~~المالكية (1) . ***** PageV01P076 ### | الباب الثاني # في فضل الجهاد والرباط والنفقة في سبيل الله، وما جاء في # طلب الشهادة، ms024 وأجر الشهداء # PageV01P077 # قال الله -عز وجل-: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم ~~الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة ~~والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ~~وذلك هو الفوز العظيم} [التوبة: 111] ، وقال -تعالى-: {الذين آمنوا وهاجروا ~~وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم ~~الفائزون} [التوبة: 20] ، وقال -تعالى-: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين ~~غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله ~~المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل ~~الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما} [النساء: 95] . # وخرج البخاري (1) عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد، قال: «لا أجده» ، قال: «هل ~~تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟» ، ~~قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد ليستن في طوله، فتكتب ~~له حسنات. # معنى «يستن» : يعدو، أي: يجول ويسرع في طوله مقبلا ومدبرا. والطول ~~PageV01P079 # والطيل لغتان، ما أطال فيه من الحبل وغيره. قال طرفة (1) : # لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه باليد # وخرج البخاري (2) -أيضا- عن أبي سعيد قال: قيل: يا رسول الله؛ أي الناس ~~أفضل؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مؤمن يجاهد في سبيل الله ~~بنفسه وماله» ، قالوا: ثم من؟ قال: «مؤمن في شعب من الشعاب، يتقي الله، ~~ويدع الناس من شره» . # وخرج -أيضا- (3) عن أنس بن مالك، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«لغدوة في سبيل الله، أو روحة، خير من الدنيا وما فيها» . # وخرج -أيضا- (4) عن أبي عبس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«ما اغبرت قدما PageV01P080 # عبد في سبيل الله فتمسه النار» . # وخرج النسائي والترمذي عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «لا يلج النار رجل بكى من خشية الله، حتى يعود اللبن في الضرع، ولا ~~يجتمع غبار ms025 في سبيل الله ودخان جهنم» (1) ، زاد النسائي (2) : «في منخري ~~مسلم أبدا» ، قال فيه الترمذي: PageV01P081 # حسن صحيح. # وخرج مسلم (1) عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا» . # وخرج مسلم (2) -أيضا- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «تضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمان ~~بي، وتصديق برسلي، فهو علي ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي ~~خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة. والذي نفس محمد بيده! ما من كلم ~~يكلم في سبيل الله، إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم، لونه لون دم، ~~وريحه ريح مسك، والذي نفس محمد بيده! لولا أن يشق على المسلمين؛ ما قعدت ~~خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون ~~سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده! لوددت أني أغزو في ~~سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل» . # في فضل من جهز غازيا أو خلفه بخير # في «الصحيحين» (3) البخاري ومسلم، عن زيد بن خالد، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا ~~في سبيل الله بخير فقد غزا» . # قال ابن عباس في قوله -تعالى-: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم ~~PageV01P082 # إلى التهلكة} [البقرة: 195] ؛ معناه: لا تمسكوا عن الإنفاق في سبيل الله ~~فتهلكوا. وقال -أيضا-: إن لم يجد الرجل شيئا إلا مشقصا (1) فليجهز به في ~~سبيل الله، ولا تقولن: لا أجد شيئا، وقد هلكت (2) . # وأكثر المفسرين على أن قوله -تعالى-: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ~~[البقرة: 195] في ترك النفقة (3) . # في حرمة نساء المجاهدين # خرج مسلم عن بريدة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «حرمة ~~نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، وما من رجل من القاعدين يخلف ~~رجلا من المجاهدين في أهله فيخونه (فيهم) (4) ؛ إلا وقف له يوم القيامة؛ ms026 ~~فيأخذ من عمله ما شاء، فما PageV01P083 # ظنكم؟!» . # قال في النسائي: «نصب له يوم القيامة فيقال: يا فلان، هذا فلان، خذ من # حسناته ما شئت، ثم التفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أصحابه، ~~فقال: ما ظنكم؟! ترون يدع له من حسناته شيئا؟» (1) . # فضل الجهاد على الحج إذا أديت الفريضة # خرج مسلم (2) عن زيد بن أرقم، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزا ~~تسع عشرة غزوة، وحج بعدما هاجر حجة، لم يحج غيرها، حجة الوداع. # وخرج مسلم (3) عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله» ، قال: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل ~~الله» ، قال: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور» . # البخاري (4) عن عائشة قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا ~~PageV01P084 # نجاهد؟ قال: «لكن أفضل الجهاد: حج مبرور» . # معنى ذلك -إن شاء الله- في حق النساء؛ لأنهن ممن لا غناء عندهن، ولا طاقة ~~لهن بالقتال (1) ، مع ما كتب عليهن من الحجاب، وترك التعرض لمواطن # الرجال (2) ، ولهذا المعنى؛ قد يروي هذا الحرف بعض الرواة (3) : «لكن ~~أفضل الجهاد: حج مبرور» ، فجعل (لكن) ضمير النساء، ويدل على ذلك ما خرجه ~~البخاري (4) عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: استأذنت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في الجهاد، فقال: «جهادكن الحج» . PageV01P085 # وخرج -أيضا- (1) عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، سأله نساؤه عن ~~الجهاد، فقال: «نعم الجهاد الحج» . # قلت: فأما الرجل أو الإمام يغزو بالمرأة، أو النساء؛ لما يعرض من ~~المصالح، والرفق بالجرحى في المداواة، والقيام عليهم، وغير ذلك من ضرورات ~~الجيش عند القتال (2) ، فذلك من السنة، إلا أن يكون في الجمع قلة # وخوف أن ينالهن PageV01P086 # العدو، فيجب التوقي والإمساك عن حضورهن (1) . # خرج مسلم (2) عن أنس قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغزو ~~بأم سليم، ونسوة من الأنصار معه إذا غزا؛ فيسقين الماء، ويداوين الجرحى» . # في زيادة الأجر للمجاهدين عند الإخفاق # خرج مسلم، والنسائي، وأبو داود، عن عبد الله بن عمرو: سمعت رسول الله - ~~صلى الله ms027 عليه وسلم - يقول: «ما من غازية تغزو في سبيل الله، فيصيبون ~~غنيمة؛ إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، فإن لم يصيبوا ~~غنيمة؛ تم لهم أجرهم» (3) . PageV01P087 # ظاهر هذا الحديث أن من غزا فغنم نقص أجر جهاده -كما ذهب إلى ذلك قوم (1) ~~-، وليس معنى ذلك كذلك عند أهل العلم والتحقيق، بل أجر الجهاد كامل لكل ~~واحد منهم، بفضل الله -تعالى-، وإنما يفترقون في زيادة الأجر فوق ثواب ~~الجهاد (2) ؛ فأما من غنم، فقد حصل له في الحال من السرور، ونشاط النفس ~~بالظهور، والغنم، ما يدفع عنه آثار الجهد في الغزو، وتخلف المال في النفقة، ~~ونحو ذلك مما تفترق فيه حاله من حال من غزا فلم يصب شيئا، ولا عفى على كده ~~ونفقته خلف، فلهؤلاء زيادة أجر فوق أجر الجهاد، من حيث تضاعف آثار الجهد ~~PageV01P088 # والكرب بفوت المغنم، كما يؤجر من أصيب بجهد في نفسه، أو تلف شيء من ماله، ~~وذلك أن حالهم بالإضافة إلى من غنم حال من أصيب بفوت مثل ذلك (1) . # وقد خرج مسلم (2) في بعض طرقه ما يتنبه به على هذا المعنى؛ قال رسول # الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من غازية -أو: سرية- تغزو فتغنم وتسلم؛ ~~إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم، وما من غازية -أو: سرية- تخفق وتصاب؛ إلا ~~تم أجورهم» . # فعلى نحو هذا تترتب زيادة الأجر لمن لم يغنم، ويتصف من غنم بنقصان الأجر ~~إذا أضيف أجره في ذلك إلى الحظ الذي زيد في ثواب من لم يغنم، والله أعلم. # وقد روي في نحو ذلك حديث آخر؛ ذكره أبو عبيد في «غريب الحديث» (3) له ~~مقطوعا، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيما سرية غزت فأخفقت؛ كان ~~لها أجرها مرتين» ، قال: حدثناه مروان بن معاوية، عن إبراهيم بن أبي حصين، ~~عمن حدثه، يرفع الحديث. فهذا يدلك أنه زيادة أجر فوق الجهاد، لا نقصان منه، ~~وأدل دليل في ذلك وأوضحه: قوله - صلى الله عليه وسلم - -وقد ذكر مافضله ~~الله -تعالى- به، وخصه من كرمه-: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد ms028 قبلي؛ كان كل ~~نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم، ولم ~~تحل لأحد قبلي» ... الحديث؛ PageV01P089 # ثبت في «الصحيحين» ؛ البخاري ومسلم (1) . # فلو كانت الغنيمة تحبط أجر الجهاد أو تنقصه، ما كانت فضيلة، وهذا ظاهر. # قال أبو عبيد (2) : «الإخفاق: أن تغزو فلا تغنم شيئا، وكذلك كل طالب حاجة ~~إذا لم يقضها؛ فقد أخفق إخفاقا، وأصل ذلك في الغنيمة» . # ما جاء في فضل الرباط والحراسة في سبيل الله # قال الله -عز وجل-: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا ~~الله لعلكم تفلحون} [آل عمران: 200] . # قال الحسن وقتادة وغيرهما: معناه: رابطوا في سبيل الله (3) . # وقد قيل غير ذلك (4) . PageV01P090 # والرباط عمل من أعمال الجهاد، مختص بحراسة المسلمين في الثغور، وملازمتها ~~لذلك، وهو من أفضل العبادات، والأجر فيه على قدر الخوف في ذلك الثغر، وحاجة ~~من فيه من المسلمين إلى ذلك. # خرج البخاري (1) ، عن سهل بن سعد الساعدي، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط ~~أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل ~~الله -أو: الغدوة- خير من الدنيا وما عليها» . # وخرج النسائي (2) عن عثمان بن عفان: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقول: «رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل» . # وخرج مسلم (3) ، عن سلمان قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: «رباط يوم PageV01P091 # وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، ~~وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان» . # وخرج أبو داود (1) ، عن فضالة بن عبيد، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «كل الميت يختم على عمله، إلا المرابط؛ فإنه ينمو له عمله إلى ~~يوم القيامة، ويؤمن من فتان القبر» . # وقد روي عن بعض أهل العلم اختلاف في الجهاد والرباط، أيهما أفضل؟ قال ابن ~~وهب: سمعت مالكا يقول: «الغزو على الصواب -يعني: السنة- أحب إلي من الرباط، ~~والرباط ms029 أعجب إلي من الغزو على غير الصواب» (2) . PageV01P092 # وروي عن عبد الله بن عمر، في تفضيل الرباط، أنه قال: «فرض الجهاد لسفك ~~دماء المشركين، والرباط لحقن دماء المسلمين، فحقن دماء المسلمين أحب إلي من ~~سفك دماء المشركين» (1) . # قلت: لعله إنما يعني مثل قول مالك في فساد الغزو، ومحدثات الأمور فيه، ~~حتى لا يحلى منه إلا سفك دماء المشركين مجردا، دون الاهتمام بحدود ذلك، ~~وحقوقه الواجبة في الجهاد، أو إنما يعني حالة يضطر فيها أهل ثغر من ~~المسلمين إلى الحراسة؛ لشدة الخوف عندهم، وتوقع هجوم العدو في اهتبال غفلة، ~~أو إصابة غرة، والله أعلم. # فأما أن يكون ذلك على الإطلاق، فلايستقيم أن يقال: الرباط أفضل من ~~الجهاد؛ لأن الجهاد فرض برأسه، كسائر الأركان، والرباط لايجب إلا لعارض ~~الخوف. # وأيضا، فلا نقول: إن الجهاد فرض لسفك دماء المشركين، حتى إذا قوبل بحقن ~~دماء المسلمين كان الرباط أولى، لكن نقول: فرض الجهاد لأن تكون كلمة الله ~~هي العليا، وتلك خصوصية لا تعادل، ولا يفاضل عليها بحال، وفي كل ذلك ~~-والحمد لله- أجر كبير، وفضل عظيم. # ما جاء في ارتباط الخيل في سبيل الله، وفضل الرمي (2) PageV01P093 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P094 # ترهبون به عدو الله وعدوكم} [الأنفال: 60] . # خرج مسلم (1) ، عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - -وهو على المنبر- يقول: « {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} [الأنفال: ~~60] ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» . # وخرج الترمذي (2) ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الخيل لثلاثة: هي ~~لرجل أجر، وهي لرجل ستر، وعلى رجل وزر؛ فأما الذي له أجر، فالذي يتخذها في ~~سبيل الله، فيعدها له، هي له أجر، لايغيب في بطونها شيء، إلا كتب الله له ~~أجر ... » الحديث. وقال فيه: «حديث حسن صحيح» . # أبو داود (3) ، عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: «إن الله PageV01P095 # يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر في الجنة: صانعه يحتسب في ms030 صنعته الخير، ~~والرامي به، ومنبله، وارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا. ليس ~~من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله، ~~ومن ترك الرمي بعد ما علمه، رغبة عنه، فإنها نعمة تركها» ، -أو قال: ~~«كفرها» -. PageV01P096 # قوله: «ومنبله» ، المنبل: الذي يناول الرامي النبل واحدا بعد واحد، أو ~~يرد عليه النبل المرمي. # وقوله: «ليس من اللهو إلا ثلاث» ، أي: ليس يثبت من اللهو في الشرع إلا ~~ثلاث، يريد: إن ما عدا ذلك من اللهو فهو باطل (1) . ووقع في الترمذي (2) ~~هذان الحرفان # مفسرين؛ قال: «في السهم (3) ، والرامي به، والممد به» ، وقال: «كل ما ~~يلهو به الرجل المسلم باطل، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، ~~فإنهن من الحق» . # ما جاء في فضل الإنفاق في سبيل الله # قال الله -تعالى-: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما ~~أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة: 267] . ~~PageV01P097 # خرج النسائي (1) ، عن خريم بن فاتك الأسدي قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «من # أنفق نفقة في سبيل الله، كتبت بسبع مئة ضعف» . # البخاري (2) ، عن أبي هريرة قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من احتبس ~~فرسا في سبيل الله، إيمانا بالله، وتصديقا بوعده؛ فإن شبعه وريه وروثه ~~وبوله في ميزانه يوم القيامة» . # وفيه (3) عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أنفق ~~زوجين في سبيل الله؛ دعاه خزنة الجنة، كل خزنة باب: أي فل هلم» . قال أبو ~~بكر: يا رسول الله، ذلك الذي لا توى عليه! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «إني لأرجو أن تكون منهم» . # قوله: «أي فل» : نداء مخصوص، كما تقول: أي هذا، يقال: فلان وفل، محذوف ~~-لغتان-، وليس على طريق الترخيم. قال الشاعر (4) : PageV01P098 # في لجة أمسك فلانا عن فل # وقوله: «لا توى عليه» ، أي: لا هلاك عليه (1) ، ورجل تو، مثل: عم (2) . # وفي «الموطأ» (3) ، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «من أنفق زوجين في سبيل ms031 الله؛ نودي في الجنة: يا عبد الله، هذا خير، ~~فمن كان من أهل الصلاة، دعي PageV01P099 # من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل ~~الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان» ، ~~فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما على من يدعى من هذه الأبواب من ضرورة، فهل ~~يدعى أحد من هذه الأبواب كلها؟، قال: «نعم، وأرجو أن تكون منهم» . # النسائي (1) ، عن صعصعة بن معاوية قال: لقيت أبا ذر، قال: قلت: حدثني، ~~PageV01P100 # قال: نعم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من عبد مسلم ينفق ~~من كل مال له زوجين في سبيل الله؛ إلا استبقته حجبة الجنة، كلهم يدعوه إلى ~~ما عنده» ، فقلت: وكيف ذلك؟، قال: «إن كانت إبلا فبعيرين، وإن كانت بقرا ~~فبقرتين» . # وروي نحو هذا التفسير عن الحسن البصري (1) قال: اثنين من جنس واحد، ~~كدرهمين -أو: دينارين- وقد قيل: إنه يدخل في ذلك -أيضا- سائر الطاعات، مثل: ~~أن يصوم ويصلي نفلين، ويغزو مرتين، وماأشبه ذلك. ويحتمل أن يكون قوله: «من ~~كان من أهل الصلاة، من كان من أهل الجهاد» ، إشارة إلى هذا المعنى؛ نسب إلى ~~الأعمال المتكررة منه. وقيل: يحتمل أن يكون ذلك العمل أغلب عليه، وأكثر في ~~عباداته، وهذا يرجع إلى ما قلناه، من أنه: العمل الذي # يكثر تكراره في نوعه، والله أعلم (2) . # وأما قوله في حديث «الموطأ» : «هذا خير» ، فقيل (3) : معناه: هذا خير ~~نلته وأدركته بعملك، هو هنا معد لك، وليس معناه: هذا أفضل. PageV01P101 # قلت: ولا يبعد أن يكون بمعنى: هذا أفضل، يراد: أن ما أعد لك ها هنا خير ~~مما أنفقت في الدنيا، يغبط بفعله، ويعرف قدر نعمة الله -تعالى- وفضله في ~~تضعيف الجزاء له، كما قال -تعالى-: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ~~فيضاعفه له} [البقرة: 245] ، فهم يستبقون إلى تبشيره بذلك، كل خازن بما ~~عنده، والله أعلم. # ما جاء في طلب الشهادة، وأجر الشهداء # في «الموطأ» (1) ، عن أبي هريرة، أن رسول الله ms032 - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «وددت أني أقاتل في سبيل الله، فأقتل، ثم أحيا فأقتل، ثم أحيا فأقتل» ~~. # البخاري (2) ، عن أنس بن مالك، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما ~~أحد يدخل الجنة، يحب أن يرجع إلى الدنيا، وله ما على الأرض من شيء إلا ~~الشهيد؛ يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل عشر مرات؛ لما يرى من الكرامة» . # الترمذي (3) ، عن المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «للشهيد PageV01P102 # عند الله ست خصال؛ يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من ~~عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة ~~منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ~~ويشفع في سبعين من أقاربه» . قال فيه: حسن صحيح غريب. # وفي «الموطأ» (1) ، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - رغب في الجهاد، وذكر الجنة، ورجل من الأنصار يأكل تمرات في ~~يده، فقال: إني لحريص على الدنيا إن جلست حتى أفرغ منهن، فرمى ما في يده، ~~فحمل بسيفه، فقاتل حتى قتل. # أبو داود (2) ، عن معاذ بن جبل، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقول: «من قاتل في PageV01P103 # سبيل الله فواق ناقة، فقد وجبت له الجنة، ومن سأل الله القتل من نفسه ~~صادقا، ثم مات -أو: قتل-، فإن له أجر شهيد» . # الترمذي (1) ، عن معاذ بن جبل، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ~~سأل الله القتل في سبيله صادقا من قلبه، أعطاه الله أجر الشهادة» قال فيه: ~~حسن صحيح. # مسلم (2) ، عن سهل بن حنيف، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» . # وفيه (3) عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من طلب ~~الشهادة صادقا؛ أعطيها، ولو لم تصبه» . # أبو داود (4) ، عن أبي مالك الأشعري قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: ms033 PageV01P104 # «من فصل في سبيل الله فمات -أو: قتل- فهو شهيد، أو: وقصه فرسه -أو: ~~بعيره-، أو: لدغته هامة، أو: مات على فراشه بأي حتف شاء الله، فإنه شهيد، ~~وإن له الجنة» . # قلت: ومصداق ذلك في كتاب الله: قوله -تعالى-: {ومن يخرج من بيته مهاجرا ~~إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله} [النساء: 100] . # ما جاء في الشهداء # قال الله -تعالى-: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء # عند ربهم يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله ... } الآية [آل عمران: ~~169] . # خرج مسلم (1) عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية، قال: ~~أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: «أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة ~~بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ~~ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟، قالوا: أي شيء نشتهي، ونحن نسرح من ~~الجنة حيث شئنا!، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن ~~PageV01P105 # يسألوا، قالوا: يارب! نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا؛ حتى نقتل في سبيلك ~~مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة؛ تركوا» . # الترمذي (1) ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«ما يجد الشهيد من PageV01P106 # مس القتل، إلا كما يجد أحدكم مس القرصة» . قال فيه: حسن صحيح. # وفيه -أيضا- (1) ، عن أبي يزيد الخولاني، أنه سمع فضالة بن عبيد يقول: ~~سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~«الشهداء أربعة؛ PageV01P107 # رجل مؤمن جيد الإيمان، لقي العدو، فصدق الله حتى قتل، فذلك الذي يرفع ~~الناس إليه أعينهم يوم القيامة هكذا» ، ورفع رأسه حتى وقعت قلنسوته، -قال: ~~فما أدري! أقلنسوة عمر، قال، أم قلنسوة النبي - صلى الله عليه وسلم - -؟ ~~قال: «ورجل مؤمن جيد الإيمان لقي العدو، فكأنما ضرب جلده بشوك طلح من ~~الجبن، أتاه سهم غرب فقتله، فهو في الدرجة الثانية، ورجل مؤمن؛ خلط عملا ~~صالحا وآخر سيئا، لقي العدو، فصدق الله ms034 حتى قتل، فذلك في الدرجة الثالثة، ~~ورجل مؤمن أسرف على نفسه، لقي العدو، # فصدق الله حتى قتل، فذلك في الدرجة الرابعة» . قال فيه: «حسن غريب» . # قوله: «سهم غرب» ؛ أي: لا يعرف راميه. قال أبو عبيد (1) : قال الكسائي ~~والأصمعي: إنما هو سهم غرب، بفتح الراء، قال: والمحدثون يحدثونه بتسكين ~~الراء، والفتح أجود، وأكثر في كلام العرب. # وقال ابن هشام في «المغازي» (2) لابن إسحاق: سهم غرب، وسهم غرب، بإضافة ~~وغير إضافة: لا يعرف من أين جاء، ولا من رمى به. # البخاري ومسلم (3) ، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغرق، وصاحب الهدم، والشهيد في ~~سبيل الله» . # «الموطأ» (4) ، عن جابر بن عتيك، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«الشهداء سبعة، PageV01P108 # سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغرق شهيد، وصاحب ذات الجنب # شهيد، والمبطون شهيد، والحرق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة ~~تموت بجمع شهيد» . # قوله: «المطعون» : هو الذي يموت في الطاعون. وفي حديث عن عائشة، قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن فناء أمتي بالطعن والطاعون» ، قالت: ~~الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: «غدة كغدة البعير، تخرج في المراق ~~والآباط، من مات منه مات شهيدا» (1) . PageV01P109 # وقوله: «صاحب ذات الجنب» ، قيل: هو الذي تصيبه الشوصة. وجاء في بعض ~~الآثار (1) : «المجنوب شهيد» ، يريد: صاحب ذات الجنب. # و «المبطون» ؛ قيل: هو المحبون. والحبن: داء يعظم له البطن، وقيل: ~~المبطون: الذي غلب عليه الإسهال حتى قتله، فهو شهيد. # وقوله في المرأة: «تموت بجمع» ، قال أهل اللغة: هو إذا ماتت وفي بطنها ~~ولد، يقال: هي بجمع؛ إذا كانت مثقلة الحمل، وقال بعض أهل العلم: وإذا ماتت ~~من النفاس فهي كذلك شهيد، سواء بقي في بطنها، أو وضعته ثم ماتت عقب ذلك. # وفيه لأهل اللغة معنى آخر: وهو أنه كذلك -أيضا- يقال للبكر التي لم تفتض: ~~هي بجمع، وقاله بعض أهل العلم في معنى الحديث، والمعنى الأول أقرب؛ توجها ~~إلى رتبة الشهادة، وزيادة الأجر على ما فهم من ms035 الشرع، والله # أعلم. # وأما الحرق بالنار، والغرق في الماء، والذي يموت تحت الهدم، فكل ذلك ~~ظاهر، وأرى -والله أعلم- أن هؤلاء لشدة أسباب موتهم؛ كتبهم الله في الشهداء ~~برحمته. PageV01P110 # * مسألة في غسل الشهداء، والصلاة عليهم: # اختلف أهل العلم في غسل من قتل شهيدا في جهاد الكفار، والصلاة عليهم: # فأما الغسل: فذهب جمهور أهل العلم إلى أنهم لا يغسلون إذا ماتوا في ~~المعركة، وممن قال بذلك: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والليث، والأوزاعي، ~~وأحمد، وإسحاق، وداود، وغيرهم (1) ، وخالفهم سعيد بن المسيب، والحسن ~~PageV01P111 # البصري (1) ، وغيرهما (2) ، فقالوا: يغسل الشهداء وغيرهم. PageV01P112 # ودليل ما ذهب إليه الجمهور: ما خرجه أبو داود (1) ، عن ابن عباس قال: # أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتلى أحد؛ أن ينزع عنهم الحديد، ~~والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم، وثيابهم. # وفيه -أيضا- (2) عن جابر قال: رمي رجل بسهم في صدره -أو: في حلقه- ~~PageV01P113 # فمات، فأدرج في ثيابه كما هو، قال: ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وفي البخاري (1) ، في قتلى أحد: ولم يغسلوا؛ نذكره فيما بعد. # ومستند من رأى الغسل: أن ذلك هو الأصل في موتى المسلمين، وحملوا ما وقع ~~في شهداء أحد على الخصوصية بهم، واستدلوا على صحة هذا التأويل بما روي أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لشهداء أحد: «هؤلاء أشهد عليهم» ، ~~ذكره مالك في «موطئه» (2) مقطوعا، وأسنده البخاري (3) وغيره (4) ، فوصله ~~بمعناه، قالوا: هذا يدل على أنهم ليسوا كغيرهم. # وأما الصلاة على الشهداء: فاختلفوا -أيضا- في ذلك بنحو هذا المعنى؛ ~~ولاختلاف الروايات -أيضا- فيه؛ # فذهب مالك، والشافعي، والليث، وأحمد (5) إلى أنه لا يصلى عليهم، ودليلهم: ~~ما خرج البخاري (6) ، عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يجمع بين PageV01P114 # الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: «أيهما أكثر أخذا للقرآن؟» ~~فإذا أشير له إلى أحدهما، قدمه في اللحد، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم ~~القيامة» ، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم. # وخرج أبو داود (1) ، عن أنس، أن شهداء أحد لم يغسلوا، ودفنوا بدمائهم، ~~ولم ms036 يصل عليهم. # وذهب أبو حنيفة وأصحابه (2) ؛ إلى أنه يصلى على الشهيد، ولا تترك الصلاة ~~على مسلم، كان شهيدا أو غير شهيد، وهو قول ابن أبي ليلى، والثوري، والحسن ~~ابن صالح، والأوزاعي، وغيرهم، واستدلوا على ذلك بما وجب في الأصل من الصلاة ~~على من مات من المسلمين، وعارضوا الروايات الواردة في شهداء أحد؛ أنهم لم ~~يصل عليهم بروايات أخر فيها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى على ~~شهداء أحد (3) ، وفي بعضها أنه صلى على حمزة سبعين صلاة (4) . PageV01P115 # والآثار في ذلك مختلفة جدا، وقع من ذلك في كتاب «السنن» للدارقطني روايات ~~اختلفت على أربع صفات: # إحداها: أنه لم يصل على شهداء أحد (1) . # والثانية: أنه صلى على حمزة، ولم يصل على غيره (2) . PageV01P116 # والثالثة: أنه صلى عليهم وعلى حمزة؛ يجاء بهم واحدا واحدا، فيصلي عليه ~~وعلى حمزة، حتى أكمل على حمزة سبعين صلاة (1) ، وكان القتلى يوم أحد سبعين. # الرابعة: أنه كان يجاء بهم تسعة وحمزة عاشرهم، فإذا صلى عليهم دفن ~~التسعة، وترك حمزة، ويجاء بتسعة أخرى، وحمزة عاشرهم كذلك -أيضا- (2) . ~~PageV01P117 # قال ابن عبد البر: أكثر الروايات بالصلاة على قتلى أحد مراسيل (1) . # وخرج مسلم (2) ، عن عقبة بن عامر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~خرج يوما، فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر ... ~~الحديث. # قال في «كتاب الدارقطني» (3) عن عقبة بن عامر: صلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - على قتلى أحد بعد ثمان سنين. # وفي الصلاة على الشهيد قول ثالث؛ قال أبو محمد بن حزم (4) في الشهيد ~~PageV01P118 # المقتول في المعركة بأيدي المشركين: «إن صلي عليه؛ فحسن، وإن لم يصل ~~عليه؛ فحسن» . # وأرى مستند قوله هذا، ما ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ~~بالشهداء من أحد، أن يدفنوا من غير صلاة عليهم (1) ، فدل على أنه ليس بفرض، ~~ثم صلى عليهم بعد مدة صلاته على الميت، وكذلك صلاته على حمزة دون غيره، فدل ~~على أنه ليس بمحظور، فثبت أن الصلاة والترك كل ذلك جائز حسن، وهذا القول ~~يترجح؛ ms037 لأن فيه استعمال ماثبت من هذه الأحاديث، من غير أن يكر أحدهما على ~~الآخر. # وأيضا؛ لما كانت الصلاة على موتى المسلمين مشروعة بيقين، ولم يكن في ترك ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة على قتلى أحد ما يدل على أن الفعل ~~محظور، كان كل ذلك سائغا، والله أعلم (2) . # واتفق العلماء على أن الشهيد إذا لم يمت في المعترك، وحمل حيا، وعاش حتى ~~أكل وشرب، ثم مات، فإنه يغسل، ويصلى عليه، كسائر المسلمين، وكذلك فعل بعمر ~~(3) وعلي (4) -رضي الله عنهما-. PageV01P119 # واختلفوا فيمن قتل مظلوما، كقتيل الفئة الباغية، وقطاع السبل، وما أشبه ~~ذلك (1) ؛ فقال مالك (2) ، والشافعي (3) : هم كسائر الموتى من المسلمين، ~~يغسلون، ويصلى عليهم، وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري: من قتل مظلوما لا ~~يغسل، ولكن يصلى عليه، وعلى كل شهيد (4) ، وهذا كما تقدم من مذهبهم في ~~الشهيد في PageV01P120 # معركة الكفار، أنه لا يغسل، ولكن يصلى عليه. # والدليل على ما ذهب إليه مالك، والشافعي، أن السنة المجتمع عليها في موتى ~~المسلمين، أنهم يغسلون ويصلى عليهم، إلا ما خرج من ذلك بدليل، والذي خرج من ~~ذلك بالآثار الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر قتيل الكفار ~~في المعترك، فبقي ما عداه على الأصل، وهذا ظاهر، وليس لأبي حنيفة ومن قال ~~بقوله مستند في إلحاق قتيل أهل البغي، والظلم، بالشهداء؛ إلا القياس عليهم، ~~وآثار وردت عن بعض من قتل في حرب الخوارج، ونحوه، أوصى بعضهم أن يدفن ~~بدمائه في ثيابه التي قتل فيها، ولا يغسل (1) . PageV01P121 # مسائل من أحكام النفقة في سبيل الله # * مسألة: # من أخرج شيئا في سبيل الله، فإما أن يعين فيقول: يوضع في كذا، يذكر وجها ~~من وجوه البر: صدقة أو عتقا أو جهادا أو حجا، وما أشبه ذلك. وإما أن يطلق؛ ~~فيقول: هذا في سبيل الله، ولا يزيد على ذلك، فإن كان عين، فهو على ما سمى، ~~لا يحتمل ذلك خلافا، ولا يسوغ فيه، وإن أطلق ولم تكن له نية، أو كانت فلم ~~تعلم؛ لأنه مات، أو غاب، وما أشبه ms038 ذلك، فقيل: إن إطلاق هذا القول وعرفه ~~يقتضي الجهاد، فهو يحمل عليه، فيكون مصرفه إلى الغزاة وأهل القتال، وفي # وجوه الحرب، لا يتعدى به ذلك؛ روي هذا عن مالك (1) ، والشافعي (2) ، ~~وغيرهما (3) . # وقد يحتمل أن يقال: إنه سائغ أن يوضع في الأهم فالأهم من وجوه البر، ~~جهادا كان أو غيره؛ لأن ذلك كله في سبيل الله، ويدل على هذا قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «من أنفق زوجين في سبيل الله ... » ثم ذكر الصلاة، ~~والجهاد، والصدقة، والصيام، وقد تقدم هذا الحديث (4) . # قال جماعة من أهل العلم في ذلك: إنه يتناول من جاهد مرتين، أو: صام ~~يومين، أو: صلى نفلين، وما أشبه ذلك، فإطلاق اللفظ «في سبيل الله» لا يختص ~~بواحد من سبل الخير، والله أعلم (5) . PageV01P122 # ومثل ذلك روي عن ابن عمر، وقاله مجاهد (1) . PageV01P123 # * مسألة: # من حمل على فرس في الغزو، فقال: خذ هذا في سبيل الله، فإما أن يقول: هو ~~لك، أو: شأنك به، وما أشبه ذلك، مما ظاهره التمليك، أو يقول: هو حبس، أو: ~~وقف في سبيل الله، أو: لا يزيد على ذكر السبيل شيئا. # فأما الأول حيث يملكه إياه في سبيل الله، فله بيعه عند مالك، وأكثر أهل ~~العلم (1) ، والانتفاع بثمنه إن شاء، يعني: بعد أن يغزو به، أو يستعمله في ~~نوع من الجهاد ولو مرة، والله أعلم. # أو: يكون بيعه لاستغناء به عن ركوبه، فهو يتجهز بثمنه في أسباب الغزو، ~~وقد قيل: ليس له بيعه، وهو في سبيل الله (2) . # وأما الوجه الثاني حيث يقول: هو حبس في سبيل الله، فهو وقف على ذلك، لا ~~يحل بيعه، ولا تملكه، ولا تصريفه في غير ما حبس عليه، مادام فيه منفعة في ~~ذلك، لا خلاف يعلم في هذا الوجه (3) . PageV01P124 # وأما الوجه الثالث حيث يطلق، فلا يزيد على ذكر السبيل؛ فعن مالك: أنه لا ~~ينتفع بشيء من ثمنه في غير سبيل الله، وإذا ركبه في ذلك رده بعد (1) ، وقال ~~الأوزاعي: إن لم يقل المعطي: هو حبس، أو: موقوف، كان للمعطى كسائر ماله (2) ~~. وقال ms039 الليث مثله: يصنع به ما شاء، بعد أن يبلغ به مغزاه (3) ، وكذلك ذهب ~~الشافعي (4) ، وأبو حنيفة (5) إلى أنه ملك للمحمول عليه. # وفي كتاب البخاري (6) : وقال طاوس، ومجاهد: إذا دفع إليك شيء تخرج به في ~~سبيل الله، فاصنع به ما شئت؛ وضعه عند أهلك. # فدليل من منع أن يتملكه، ورأى أن لا يصرف إلا في سبيل الله، أنه الوجه # الذي فيه سوغه مالكه، فوجب أن لا يتملك في غيره، ودليل من رآه ملكا بذلك ~~للمحمول عليه حديث عمر بن الخطاب قال: حملت على فرس عتيق في سبيل الله، ~~وكان الرجل الذي هو عنده قد أضاعه، فأردت أن أشتريه منه، وظننت أنه بائعه ~~برخص، فسألت عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «لا تشتره، وإن ~~أعطاكه PageV01P125 # بدرهم واحد؛ فإن العائد في صدقته، كالكلب يعود في قيئه» (1) . خرجه مالك ~~في «الموطأ» (2) . # فموضع الدليل منه إقراره - صلى الله عليه وسلم - حين لم ينكر عليه بيعه، ~~وإنما أنكر شراء المتصدق لصدقته. # * مسألة الجعائل في الغزو: # خرج أبو داود (3) ، عن أبي أيوب الأنصاري، أنه سمع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: «ستفتح عليكم الأمصار، وستكون جنود مجندة، يقطع عليكم ~~فيها بعوث، فيكره PageV01P126 # الرجل منكم البعث فيها، فيتخلص من قومه، ثم يتصفح القبائل يعرض نفسه ~~عليهم، يقول: من أكفيه بعث كذا؟ من أكفيه بعث كذا؟ ألا وذلك الأجير إلى آخر ~~قطرة من دمه» . # وخرج -أيضا- (1) في باب: الرخصة في الجعل في الغزو، عن عبد الله بن # عمرو، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «للغازي أجره، وللجاعل ~~أجره وأجر الغازي» . # فأقول: الوجه الذي أرخص فيه غير الوجه الذي كره، فإذا كان الانبعاث لله؛ ~~لم يكن بالمعاونة على ذلك والجعل فيه بأس، بل كلاهما مأجور، كما في الحديث، ~~وإذا كان انبعاثه إنما هو لما يعطاه، لا غرض له غير ذلك؛ فهو أجير يسفك دمه ~~على غير وجه الشرع، كما جاء في الحديث الأول. # وفي البخاري (2) : «وقال مجاهد: قلت لابن عمر: أريد الغزو. قال: إني أحب ms040 ~~أن أعينك بطائفة من مالي، قلت: قد أوسع (3) الله علي، قال: إن غناك لك، ~~وإني أحب أن يكون من مالي في هذا الوجه» . # وهذا موضع اختلف فيه أهل العلم؛ فروي عن مالك أنه قال: لا بأس بالجعائل، ~~ولم يزل الناس يتجاعلون بالمدينة عندنا، وذلك لأهل العطاء، ومن له ~~PageV01P127 # ديوان، وكره مالك أن يؤاجر دابته أو فرسه في سبيل الله -عز وجل-، وكره أن ~~يعطيه الوالي الجعل على أن يتقدم إلى الحصن فيقاتل (1) . # قال: ولا يكره لأهل العطاء الجعائل؛ لأن العطاء نفسه مأخوذ على هذا ~~الوجه. # وقال الشافعي (2) : لا يجوز أن يغزو بجعل من رجل يجعله له، وإن غزا به # فعليه أن يرده، ولا بأس أن يأخذ الجعائل من السلطان دون غيره؛ لأنه يغزو ~~بشيء من حقه. # وقال أبو حنيفة (3) : تكره الجعائل ما كان بالمسلمين قوة، وكان في بيت ~~المال ما يفي بذلك، فأما إذا لم تكن بهم قوة ولا مال؛ فلا بأس أن يجهز ~~بعضهم بعضا، يجعل القاعد للناهض. # وكره الثوري والليث الجعل، وقال الأوزاعي: إذا كانت نية الغازي على ~~PageV01P128 # الغزو فلا بأس أن يعان، وقال الكوفيون: لا بأس لمن أحس من نفسه جبنا أن ~~يجهز الغازي، ويجعل له جعلا لغزوته في سبيل الله (1) . # قال ابن عبد البر (2) : «لما كان الغازي يستحق سهما من الغنمية من أجل ~~حضوره (3) القتال، استحال أن يجب له جعل فيما فعله لنفسه، وأدى به ما عليه ~~من فرض الجهاد» . # وفيما قاله نظر؛ لأن غزو الغازي إن كان لإصابة الغنيمة فهو باطل، جعل له، ~~أو لم يجعل؛ لما يأتي بعد من الأدلة على ذلك، وإن كان على سنة الغزو في ~~سبيل الله، فالغنيمة إن كانت هنالك فبالعرض لا تبطل البتة، ولا يستحيل ~~بسببها التعاون على الغزو؛ لأن العمل لله لا للغنيمة. # وأما قوله: «وأدى به ما عليه من فرض الجهاد» ؛ فالمجعول لهم، ضربان: فقير ~~-فهذا لا فرض جهاد عليه؛ لأنه غير مستطيع- وغني؛ فهو إن كان لم يخرج إلا ~~للجعل، عاد القول في فساده إلى المعنى الأول، ms041 من حيث إنه لم يرد وجه الله، ~~لا من حيث الإعانة على ذلك، وإن كان خارجا على كل حال، فليس ما أعطي يكون ~~جعلا على أداء فرضه. # وبالجملة، فالأظهر، والذي عليه الجماعة من أهل العلم، أن ما أعطيه الفقير ~~عونا على الغزو، وتقربا به من غير مسألة، PageV01P129 # وكان ذلك سبب انبعاثه لا لنفس العطاء، لكن لإمكان القدرة، إذ كان بالعدم ~~عاجزا؛ فهو جائز، لا أعلم فيه # خلافا، وكلاهما مأجور -إن شاء الله-، كما قد وقع في الحديث المتقدم: ~~«للغازي أجره، وللجاعل أجره، وأجر الغازي» (1) ، وأما إن كان غنيا فأعطي ~~كذلك من غير مسألة، فمن العلماء من كره له ذلك، وإليه ذهب مالك (2) ، وهو ~~الأولى؛ لأنه قادر على الغزو بماله، فلم يكن له اضطرار في إقامة تلك ~~العبادة إلى ما أعطي مثل ما كان للفقير، ومنهم من قال: لا بأس أن يقبل -وهم ~~الأكثر- (3) ، قالوا: فإن احتاج إليه أنفقه، وإن استغنى عنه فرقه في سبيل ~~الله، ولم يختلفوا أن المسألة في ذلك للغني والفقير مكروهة (4) ؛ قالوا: من ~~كان غنيا فليغز بماله، ومن كان فقيرا فليجلس في بيته، وبالله تعالى ~~التوفيق. # ***** PageV01P130 ### | الباب الثالث # في شرط صحة الجهاد وما يحق فيه من طاعة الإمام، ومياسرة الرفقاء، وما جاء ~~في آداب الحرب، والأمر بالدعوة قبل القتال # فصل: في صحة الجهاد، وما لا يتم العمل إلا به # قال الله -تعالى-: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له ~~الدين. ألا لله الدين الخالص} [الزمر: 2-3] ، وقال -تعالى-: {وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء} [البينة: 5] . # وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنية، وإنما ~~لامرئ (1) ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ~~ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما ~~هاجر إليه» . خرجه مسلم (2) ، وغيره. # قال الترمذي (3) : قال عبد الرحمن بن مهدي: «ينبغي أن نضع هذا الحديث في ~~كل باب» . وإنما يعني بذلك: أنه أصل في صحة كل عبادة، وما يتقرب به ms042 إلى ~~الله -تعالى- من قول وعمل، فمن شرط الجهاد وفرضه وصحة كونه عملا لله، ~~وجهادا في سبيل الله، أن يقصد به وجه الله -تعالى-، وإعلاء كلمته، يجاهد ~~PageV01P133 # الرجل غضبا في الله، وانتصارا لدينه -تعالى-: {ذلك ولو يشاء الله لانتصر # منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض} [محمد: 4] . # خرج البخاري (1) عن أبي موسى قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى ~~مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في ~~سبيل الله» . # النسائي (2) ، عن أبي أمامة الباهلي قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: «أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر، ما له؟ فقال له ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا شيء له» ، فأعادها ثلاث مرات، يقول ~~له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا شيء له» ، ثم قال: «إن الله لا ~~يقبل من العمل؛ إلا ما كان خالصا له، وابتغي به وجهه» . # مسلم (3) ، عن أبي هريرة: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~«إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه: رجل استشهد، فأتي به، فعرفه نعمه ~~فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك ~~قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، فألقي في النار ~~... » الحديث. # أبو داود (4) ، عن معاذ بن جبل، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «الغزو غزوان، PageV01P134 # فأما من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، ~~واجتنب الفساد، فإن نومه ونبهه؛ أجر كله، وأما من غزا فخرا، ورياء، وسمعة، ~~وعصى الإمام، وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع بالكفاف» . # فصل: في طاعة الإمام، والغزو مع كل أمير، برا أو فاجرا # قال الله -تعالى-: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] ، قيل: هم أمراء السرايا، وقيل: أهل الفقه ~~والدين (1) . PageV01P135 # وفي «الموطأ» (1) عن عبادة بن الصامت قال: «بايعنا رسول الله - صلى الله ~~عليه ms043 وسلم - على السمع والطاعة، في العسر؛ واليسر، والمنشط؛ والمكره، وألا ~~ننازع الأمر أهله، وأن نقول -أو: نقوم- بالحق حيث ما كنا، لا نخاف في الله ~~لومة لائم» . # البخاري (2) ، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «السمع ~~والطاعة حق ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية؛ فلا سمع ولا طاعة» . # وفيه (3) ، عن أبي هريرة قال: عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~أطاعني؛ فقد أطاع # الله، ومن عصاني؛ فقد عصى الله، ومن يطع الأمير؛ فقد أطاعني، ومن يعص ~~الأمير؛ فقد عصاني، وإنما الإمام جنة، يقاتل من ورائه، ويتقى به، فإن أمر ~~بتقوى الله وعدل؛ فإن له بذلك أجرا، وإن قال بغيره، فإن عليه منه» . # مسلم (4) ، عن أم الحصين [قالت] : حججت مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حجة PageV01P136 # الوداع، وسمعته يقول: «إن أمر عليكم عبد مجدع، يقودكم بكتاب الله، ~~فاسمعوا له وأطيعوا» . # أبو داود (1) ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«الجهاد واجب عليكم، مع كل أمير، برا كان أو فاجرا» . # في المياسرة والمرافقة في الغزو # قوله -تعالى-: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان} [المائدة: 2] ، [وقوله -تعالى-] : {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان ~~بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9] . # وفي حديث معاذ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «.. فأما من ابتغى ~~وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد؛ فإن ~~نومه ونبهه؛ أجر كله» (2) . # قيل في قوله: «وأنفق الكريمة» ، يعني: النفيس من المال، الذي له قدر يكرم ~~على أهله. وقيل: يعني الحلال الطيب. # مسلم (3) ، عن أبي موسى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن ~~الأشعريين إذا أرملوا PageV01P137 # في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ~~ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم» . # قوله: «أرملوا» . قال في «مختصر العين» (1) : أرمل القوم: فني زادهم. # وخرج أبو داود (2) ، عن جابر بن عبد الله، حدث عن رسول ms044 الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه أراد أن يغزو، قال: «يا معشر المهاجرين والأنصار، إن من ~~إخوانكم قوما ليس لهم مال، ولا عشيرة، فليضم أحدكم إليه الرجلين -أو: ~~الثلاثة-» . فما لأحدنا من ظهر يحمله، إلا عقبة كعقبة -يعني: أحدهم-، قال: ~~فضممت إلي اثنين -أو: ثلاثة- وما لي إلا عقبة، كعقبة أحدهم من جملي. # آداب السفر والجهاد # * ما يحق على الإمام في مراعاة أحوال من معه، ومعاونتهم، والرفق بهم. # قوله -تعالى-: {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم ~~واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب ~~المتوكلين} [آل عمران: 159] . # مسلم (3) ، عن عائشة: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في ~~بيتي هذا: «اللهم من PageV01P138 # ولي من أمر أمتي شيئا؛ فشق عليهم؛ فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا؛ ~~فرفق بهم؛ فارفق به» . # وفيه -أيضا- (1) ، عن أنس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاور حين ~~بلغه إقبال أبي سفيان ... الحديث. # وقال في الترمذي (2) ، عن أبي هريرة: مارأيت أحدا أكثر مشورة لأصحابه ~~PageV01P139 # من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # أبو داود (1) ، عن جابر بن عبد الله قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يتخلف في المسير، فيزجي الضعيف ويردف، ويدعو لهم» . # قوله: «يزجي» أي: يسوق برفق، والإزجاء: دفع الشيء وسوقه. قال الله ~~-تعالى-: {يزجي سحابا} (2) [النور: 43] . # قال مالك (3) : «ينبغي لإمام الجيش ألا يعجل على أصحابه، وأن يكون في ~~وسطهم، ويبعث سراياه؛ لئلا يقطع بالناس، وهو يستحب أن يكون في آخرهم، ويقدم ~~الناس، وقد كان عمر بن الخطاب إذا كان في السفر، كان في آخر الناس، حتى ~~يقدم المعتل بعيره والضعيف» . PageV01P140 # * ما يحق على أمير الجيش من طاعة الله -تعالى- والتحفظ بمن معه، والحزم. # مسلم (1) ، عن بريدة قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمر ~~أميرا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين ~~خيرا. # وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية بين يديه عينا له ms045 من ~~خزاعة، يخبره عن فرس (2) . # وقال يوم الأحزاب: «من يأتيني بخبر القوم؟» قال الزبير: أنا (3) . # وأوصى بعض السلف (4) أمير جيشه، فقال له: «كن كالتاجر الكيس، الذي ~~PageV01P141 # لا يطلب ربحا؛ إلا بعد إحراز رأس ماله» . # وكتب أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- إلى عمرو بن العاص: «أما بعد، ~~فقد جاءني كتابك، يذكر ما جمعت الروم من الجموع، وإن الله -عز وجل- لم ~~ينصرنا مع نبينا - صلى الله عليه وسلم - بكثرة عدد، ولا بكثرة خيل، ولا ~~سلاح، ولقد كنا ببدر، وما معنا إلا فرسان، وإن نحن إلا نتعاقب الإبل، وكنا ~~يوم أحد، وما معنا إلا فرس واحد، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يركبه، ولقد كان الله -عز وجل- يظهرنا، ويعيننا على من خالفنا، فاعلم يا ~~عمرو، أن أطوع الناس لله -عز وجل- أشدهم بغضا للمعصية، ومن خاف الله -عز ~~وجل- ورعه خوفه عن كل ما فيه معصية، فأطع الله -تعالى-، وأمر أصحابك ~~بطاعته؛ فإن المغبون من حرم طاعة الله -تعالى-، واحذر على أصحابك البيات، ~~وإذا نزلت منزلا فاستعمل على أصحابك أهل الجلد والقوة؛ ليكونوا هم الذين ~~يحرسونهم ويحفظونهم، وقدم أمامك الطلائع، حتى يأتوا بالخبر، وشاور أهل ~~الرأي والتجربة، ولا تستبد برأيك دونهم، فإن في ذلك احتقارا للناس، ومغضبة ~~لهم، فقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشاور أصحابه في الحرب، ~~وإياك والاستهانة بأهل الفضل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وقد عرفت وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأنصار عند موته حين ~~قال: «أحسنوا إلى محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» (1) ، فقربهم منك وأدنهم، ~~واستشرهم، وأشركهم في أمرك، PageV01P142 # ولا يغب عني خبرك كل يوم بما فيه إن قدرت على ذلك، وأشبع الناس # في بيوتهم، ولا تشبعهم عندك، وتعاهد أهل الدعارة والأحداث بالعقوبة، من ~~غير تعد عليهم، وليكن تقدمك إليهم فيما تنهى عنه قبل العقوبة، وتبرأ إلى ~~أهل الذمة من معرتهم، واعلم أنك مسؤول عما أنت فيه، فالله الله يا عمرو ~~فيما أوصيك به، جعلنا الله وإياك من رفقاء محمد - صلى الله عليه ms046 وسلم - في ~~دار المقامة، وقد كتبت إلى خالد بن الوليد يمدك بنفسه ومن معه، فله يمن في ~~الحروب، وهو ممن يعرف الله # -تعالى-، فلا تخالفه، وشاوره، والسلام عليك» (1) . # ما يحق من التحفظ بالخيل وتعاهدها، وما يستحب # أو يكره منها # في «الموطأ» (2) ، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - رئي يمسح وجه فرسه بردائه، فسئل عن ذلك؟ فقال: «إني عوتبت ~~الليلة في الخيل» . # النسائي (3) ، عن أنس قال: لم يكن شيء أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بعد النساء من الخيل. # وفيه (4) -أيضا- عن أبي ذر قال: قال رسول الله: «ما من فرس عربي إلا ~~PageV01P143 # يؤذن له عند كل فجر بدعوتين: اللهم خولتني من خولتني من بني آدم، وجعلتني ~~له، فاجعلني أحب أهله وماله إليه- أو: من أحب أهله وماله إليه-» . # أبو داود (1) ، عن أبي وهب الجشمي -وكانت له صحبة- قال: قال رسول الله ~~PageV01P144 # - صلى الله عليه وسلم -: «عليكم بكل كميت أغر محجل، أو: أشقر أغر محجل، ~~أو: أدهم أغر محجل» . # وفيه (1) عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يمن ~~الخيل في شقرها» . # الترمذي (2) ، عن أبي قتادة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «خير ~~الخيل: الأدهم، PageV01P145 # الأقرح، الأرثم، ثم الأقرح، المحجل، طلق اليمين، فإن لم يكن أدهم، فكميت، ~~على هذه الشية» . قال فيه: «حسن غريب صحيح» . # مسلم، وأبو داود، كلاهما عن أبي هريرة، قال: «كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يكره الشكال من الخيل» (1) . # والشكال: أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياض، وفي يده اليسرى، أو: يده ~~اليمنى وبرجله اليسرى. قال أبو داود: «أي: مخالف» . # قال النسائي: الشكال: أن تكون ثلاث قوائم منه محجلة، وواحدة مطلقة، أو: ~~تكون الثلاث مطلقة، والرجل محجلة، وليس يكون الشكال إلا في الرجل، ولا يكون ~~في اليد (2) . # ما يجب من القيام على الدواب والبهائم واعتمالها # قوله -تعالى-: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون. ولكم ~~فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون. وتحمل أثقالكم إلى بلد ms047 لم PageV01P146 # تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم. والخيل والبغال ~~والحمير لتركبوها وزينة} [النحل: 8-11] . # خرج أبو داود (1) عن سهل ابن الحنظلية قال: مر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ببعير قد لحق ظهره ببطنه، فقال: «اتقوا الله في هذه البهائم ~~المعجمة، اركبوها صالحة، وكلوها صالحة» . # وفيه (2) ، عن عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ذات يوم، فأسر إلي حديثا، لا أحدث به أحدا من الناس، وكان أحب ما ~~استتر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحاجته هدفا، أو حائش نخل، قال: ~~فدخل حائطا لرجل من الأنصار، فإذا جمل، فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حن، وذرفت عيناه، فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - فمسح ذفراه، ~~فسكت، فقال: «من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل» ؟! فجاء فتى من الأنصار ~~PageV01P147 # فقال: لي يا رسول الله، قال: «أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك ~~الله إياها؟! فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه» . # قوله: «حائش نخل» . الحائش: جماعة النخل، و «الذفرى من البعير» : مؤخر ~~رسنه، ومعنى «تدئبه» : تكده وتتعبه. # وفيه (1) ، عن أنس بن مالك قال: «كنا إذا نزلنا منزلا، لا نسبح حتى تحل ~~(2) الرحال» . # قوله: «لا نسبح» ، يريد: لا نصلي سبحة الضحى حتى تحط الرحال، وتراح ~~المطي، وكان بعض العلماء يستحب أن لا يتطعم الراكب إذا نزل المنزل، حتى ~~تعلف الدابة (3) . # أبو داود (4) ، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إياي ~~أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن الله إنما سخرها لكم؛ لتبلغكم إلى منزل ~~لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وجعل لكم الأرض، فعليها فاقضوا حاجاتكم» ~~. PageV01P148 # مسلم (1) ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا سافرتم في السنة، ~~فأسرعوا عليها السير، وإذا عرستم بالليل فاجتنبوا الطريق، فإنها مأوى ~~الهوام بالليل» . # قوله: «سافرتم في السنة» : يعني الجدب، وكذلك وقع عند أبي داود (2) : # و «إذا سافرتم في الجدب ms048 فأسرعوا السير» . # ويقال: أصابت الناس سنة، أي: قحط وشدة. قال الله -عز وجل-: {ولقد أخذنا ~~آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات} [الأعراف: 130] . # ما يستحب من الأوقات في السفر والغزو (3) # خرج البخاري (4) ، عن كعب بن مالك، كان يقول: لقلما كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يخرج إذا خرج في سفر إلا يوم الخميس. PageV01P149 # وفيه (1) : وكان يحب أن يخرج يوم الخميس. # أبو داود (2) ، عن صخر الغامدي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«اللهم بارك لأمتي في PageV01P150 # بكورها» . وكان إذا بعث سرية -أو: جيشا- بعثهم من أول النهار، وكان صخر ~~PageV01P151 # رجلا تاجرا، وكان يبعث تجارته من أول النهار؛ فأثرى وكثر ماله. # الترمذي (1) ، عن النعمان بن مقرن قال: «شهدت مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس، وتهب ~~الرياح، وينزل النصر» . قال فيه: «حسن صحيح» . # وفيه (2) ، عن النعمان -أيضا- قال: «غزوت مع النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، فكان إذا طلع الفجر أمسك حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قاتل، فإذا انتصف ~~النهار أمسك PageV01P152 # حتى تزول الشمس، فإذا زالت الشمس قاتل حتى العصر، ثم أمسك حتى يصلي ~~العصر، ثم يقاتل» . قال: «وكان يقال عند ذلك: تهيج رياح النصر، ويدعو ~~المؤمنون لجيوشهم في صلاتهم» . # في آداب نزول العسكر في المنزل # وفي حديث أبي هريرة، من طريق أبي داود (1) : «فإذا أردتم التعريس، ~~فتنكبوا عن الطريق» . # أبو داود (2) ، عن أبي ثعلبة الخشني قال: «كان الناس إذا نزلوا منزلا ~~تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن ~~تفرقكم في هذه الشعاب والأودية، إنما ذلكم من الشيطان» . فلم ينزلوا بعد ~~ذلك منزلا، إلا انضم بعضهم إلى بعض، حتى يقال: لو بسط عليهم ثوب لعمهم» . # وفيه (3) -أيضا-، عن معاذ الجهني قال: غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - غزوة كذا وكذا، فضيق الناس المنازل، وقطعوا الطريق، فبعث نبي الله - ~~صلى الله عليه وسلم - مناديا ينادي PageV01P153 # في الناس: «أن من ضيق منزلا، أو قطع طريقا فلا جهاد له» . # فاجتمع ms049 معنى الحديثين على أن التضام في المنزل، بحيث لا يقطع ذلك حقوق ~~المارة وغيرهم مستحب، والتفرق مكروه، وكذلك التضييق المخل بالحقوق؛ لا يجوز ~~(1) . # في تعبئة الصفوف وآداب القتال # قال الله -تعالى-: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان ~~مرصوص} [الصف: 4] ، وقال -تعالى-: {وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد ~~للقتال} [آل عمران: 121] . # خرج البخاري (2) ، عن حمزة بن أبي أسيد، عن أبيه، قال: قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يوم بدر حين صففنا لقريش وصفوا لنا: «إذا أكثبوكم فعليكم ~~بالنبل» . # وفي كتاب أبي داود مثله (3) ، وزاد: «إذا أكثبوكم -يعني: غشوكم- فارموهم ~~بالنبل، واستبقوا نبلكم» . # الكثب: القرب، يقال: أكثب الشيء والصيد، وأكثبك: قرب منك. PageV01P154 # وخرج أبو داود (1) ، عن قيس بن عباد، قال: «كان أصحاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - # يكرهون الصوت عند القتال» . # وخرج مسلم (2) ، عن أبي هريرة، قال: «كنا مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يوم الفتح، فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير ~~على المجنبة اليسرى، PageV01P155 # وجعل أبا عبيدة على البياذقة. وفي بعض طرقه (1) : على الحسر (2) ... » ~~الحديث. # قال بعض رواته (3) -في غير كتاب مسلم-: البياذقة (4) : هم الحسر، وهم ~~الذين ليس عليهم سلاح. # البخاري (5) ، عن البراء بن عازب، قال: «جعل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- على الرجالة يوم أحد -وكانوا خمسين رجلا- عبد الله بن جبير، فقال: «إن ~~رأيتمونا تخطفنا الطير، PageV01P156 # فلا تبرحوا مكانكم هذا، حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم ~~وأوطأناهم، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، فهزموهم ... » الحديث بطوله. # وكان يقال: لا تهمل التعبئة (1) عند المناوشة؛ فإن فساد التعبئة من أعظم ~~الخلل (2) ، وقيل: لا تجعل النهر وراءك عند الزحف. يعني: لما يتقى من كرة ~~العدو، ومضايقة الزحف، فيكون في ذلك الهلاك، وكذلك كل شيء يتقى منه ما يتقى ~~من كرة عند المضايقة والحاجة إلى التوسع، ومجال التحيز، وما يخشى من ~~النكوص، وشبه ذلك، فالحزم بالإعداد لذلك كله هو الأولى (3) . # في كراهة الاستعانة بالمشركين # قال الله -تعالى-: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم ms050 ~~هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن ~~كنتم مؤمنين} [المائدة: 57] ، وقال -تعالى-: {ولا تتخذوا منهم وليا ولا ~~نصيرا} [النساء: 89] . # وخرج مسلم (4) ، عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت: ~~خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - PageV01P157 # قبل بدر، فلما كان بحرة الوبرة (1) ؛ أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ~~ونجدة، ففرح # أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين رأوه، فلما أدركه، قال لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: جئت لأتبعك وأصيب معك، قال له رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «تؤمن بالله ورسوله؟» قال: لا، قال: «ارجع، فلن ~~أستعين بمشرك» ، قالت: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل، فقال له ~~كما قال أول مرة، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قال أول مرة، ~~قال: لا، قال: «فارجع، فلن أستعين بمشرك» ، قالت: ثم رجع فأدركه بالبيداء، ~~فقال له كما قال أول مرة: «تؤمن بالله ورسوله؟» قال: نعم، فقال له رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «فانطلق» . # وفي الترمذي (2) ، عن الزهري، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أسهم لقوم ~~من اليهود قاتلوا معه. # واختلف أهل العلم في ذلك: فالجمهور على كراهة الاستعانة بهم في شيء من ~~الغزو، وهو الصحيح (3) ؛ لما دل عليه القرآن والسنة الثابتة. وأما ما رواه ~~PageV01P158 # الزهري في كتاب الترمذي؛ فمقطوع، لا يثبت بمثله دليل. # وروي عن مالك أنه أجاز أن يستعان بهم في خدمة أو صنعة (1) . وعن ابن ~~PageV01P159 # حبيب: أن يستعان بهم في هدم الحصون ورمي المنجنيق، وأن يستعان بهم في ~~القتال إذا كانوا ناحية، قال: ولا بأس أن يقوم بمن سالمه من الحربيين على ~~من لم يسالمه (1) . وكل هذا لا مستند له، بل يرده ظاهر القرآن والسنة، كما ~~تقدم (2) . # * مسألة: # اختلف أهل العلم في الأسارى من المسلمين يقاتلون مع العدو عدوا غيرهم، ~~فرخص الأوزاعي في ذلك إذا شرطوا لهم أن يخلوا سبيلهم إذا فتح لهم، فإن لم ~~يشترطوا لهم ذلك، لم يكن لهم أن يقاتلوا إلا ms051 أن يخافوا على دمائهم (3) ، ~~PageV01P160 # وقال أحمد بن حنبل بنحوه (1) ، وكره مالك أن يقاتلوا على مثل هذا، ولا ~~ينبغي لمسلم أن يهريق دمه إلا في حق (2) ، ونحوه قال أصحاب الرأي (3) : لا ~~ينبغي للمسلمين المستأمنين أن يقاتلوا معهم إلا أن يخافوا على أنفسهم من ~~قبل أن حكم أهل الحرب هو الغالب، وكان الشافعي (4) يقول في الأسارى: يشترط ~~لهم أن يخلوا إذا قاتلوا معهم، قد قيل: يقاتلونهم. ولو قال قائل: يكره ~~قتالهم، كان مذهبا. # فأقول: إن الوجه كراهة قتالهم معهم؛ لأن قتال الكفار إنما شرع لإعلاء ~~كلمة الإسلام والدعاء إليه، لا لإعلاء كفر على كفر، بل لا يجوز لمجرد ~~الغلبة والنيل منهم على الإطلاق، ألا ترى أن الدعوة تجب قبل ذلك فيمن لم ~~تبلغه باتفاق، فقتالهم معهم لم يكن لذلك، بل هو عون للكفار على الكفار، ~~وذلك غير مشروع، إلا أن يكون عن أهل ذمة من المسلمين، فيدافع عدوهم عنهم، ~~فذلك من إعلاء حرمة الإسلام، والقيام بحدوده، وأما من أباح ذلك إذا شرطوا ~~لهم أن يخلوا عنهم، فتغليب لأحد المكروهين على الآخر؛ لأن إقامتهم تحت أسر ~~الكفار لا يحل لهم، متى أمكنهم سبيل إلى التخلص، كبذل المال في الفداء ~~ونحوه. # في النهي عن السفر بالمصحف إلى أرض الحرب # قوله -تعالى-: {إنه لقرآن كريم. في كتاب مكنون. لا يمسه إلا المطهرون} ~~[الواقعة: 79] . PageV01P161 # وفي «الموطأ» (1) ، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه قال: «نهى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو» . قال ~~مالك: وإنما ذلك مخافة أن يناله العدو. هكذا وقع هذا الحرف في «موطأ يحيى» ~~من قول مالك، وهو في غيره مرفوع صحيح (2) . # خرج مسلم (3) ، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا تسافروا بالقرآن، فإني لا آمن أن يناله العدو» . # واتفق الفقهاء أنه لا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو في السرايا والعسكر ~~PageV01P162 # الصغير المخوف عليه، واختلفوا في جواز السفر به في العسكر الكبير المأمون ~~عليه، فقال مالك (1) : لا يسافر بالقرآن إلى ms052 أرض العدو، ولم يفرق (2) . # قال ابن المنذر (3) : «منع من ذلك مالك (4) ، وأحمد بن حنبل (5) ، وجاء ~~منع ذلك عن عمر بن الخطاب (6) ، وعمر بن عبد العزيز (7) ، وقال أبو حنيفة ~~(8) : لا بأس بذلك في العسكر العظيم. والصواب في ذلك قول مالك، ومن منع من ~~ذلك على كل حال، فإن نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك؛ وقع ~~مطلقا» . # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإني لا آمن أن يناله العدو» ، فذلك ~~مما يمكن توقعه في PageV01P163 # العسكر الكبير والصغير، وإن كان هو في الصغير أمكن، فلا يقطع على السلامة ~~في الكبير، بل قد يمكن سقوطه وإضاعته حتى يناله العدو، وإن كان عسكر ~~المسلمين غالبا، فالعلة موجودة على كل حال. # في لباس الحرير: هل يباح في الغزو؟ # خرج الترمذي، وغيره (1) عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم» ، ~~قال فيه: «حسن # صحيح» . # وخرج البخاري (2) ، عن أنس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص لعبد ~~الرحمن بن عوف، والزبير، في قميص من حرير؛ من حكة كانت بهما. وفي رواية (3) ~~: فأرخص لهما في الحرير، فرأيته عليهما في غزاة. # واختلف أهل العلم في لباس الحرير في الحرب، فأجازته طائفة ومنعته طائفة؛ ~~فممن أجازه: أنس، يروى عنه أنه لبس الديباج في فزعة فزعها الناس (4) ، ~~PageV01P164 # وقال عطاء: الديباج (1) في الحرب سلاح (2) ، وروي إجازته عن عروة (3) ، ~~ومحمد ابن علي (4) ، والحسن البصري (5) ، وهو قول الشافعي، وأبي يوسف (6) ، ~~وقاله ابن # الماجشون (7) ، ورواه -أيضا- عن مالك. قال ابن الماجشون: وقد أجازه غير ~~واحد من الصحابة والتابعين، قال: وإنما أجيز لما فيه من المباهاة والإرهاب ~~على العدو؛ PageV01P165 # لما يقي عند القتال من النبل وغيره من السلاح (1) . # وممن منع من ذلك: عمر بن الخطاب (2) ، وروي مثله عن ابن محيريز (3) ، ~~وعكرمة (4) ، وابن سيرين (5) ، وهو قول أبي حنيفة (6) ، والمشهور عن مالك ~~(7) . # وأما اتخاذ الراية من الحرير، فلا خلاف في جواز استعمالها؛ لأن ذلك ليس ~~من اللباس في شيء. # فأما دليل من منع لباس ms053 الرجل الحرير على كل حال: فعموم الحديث في تحريم ~~ذلك على الرجال. وحديث الرخصة لأجل الحكة، إما أن يكون مختصا بمن أباح ذلك ~~له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو يكون ذلك محمولا على سبب الرخصة ~~لا PageV01P166 # يتعدى به علة الحكة (1) ، وليس أمر الحرب في شيء من ذلك (2) ، وهذا هو ~~الأرجح. # ومستند من أباحه في الحرب: قياسهم موطن الحرب للضرورة إلى المباهاة ~~والإرهاب، ولأن فيه قوة، ودفعا (3) للسهام ونحوها، كما قال عطاء في ~~الديباج: «إنه في الحرب سلاح» ، فقاسوا هذا على الرخصة في حديث أنس، بعلة ~~أنه يدفع من ضرر الغزو، إما بالإرهاب، وإما بكونه من السلاح مما هو أشد من ~~ضرر الحكة (4) . # ما جاء في الأمر بالدعوة قبل القتال # قال الله -تعالى-: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] ، # وقال -تعالى-: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا. وداعيا إلى الله بإذنه ~~وسراجا منيرا} [الأحزاب: 45-46] . PageV01P167 # خرج البخاري (1) ، عن سهل، قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~خيبر: «لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه ~~الله ورسوله» ، فبات الناس ليلتهم: أيهم يعطى، فغدوا، كلهم يرجوه، فقال: ~~«أين علي؟» ، فقيل: يشتكي عينيه، فبصق في عينيه، ودعا له؛ فبرأ، كأن لم يكن ~~به وجع، فأعطاه، فقال: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: «انفذ على رسلك حتى ~~تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن ~~يهدي الله بك رجلا، خير لك من أن تكون لك حمر النعم» . # وخرج مسلم (2) عن ابن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل ~~القتال، قال: فكتب إلي: إنما كان ذلك في أول الإسلام؛ قد أغار رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - على بني المصطلق وهم غارون، وأنعامهم تسقى على الماء، ~~فقتل مقاتلتهم، وسبى سبيهم، وأصاب يومئذ جويرية بنت الحارث. حدثني هذا ~~الحديث: عبد الله بن عمر -وكان في ذلك الجيش-. # فتضمن ظاهر القرآن، ونص حديث سهل الأمر بالدعاء إلى الإسلام قبل القتال، ~~وجاء في حديث ابن عمر ms054 مباغتتهم، والإغارة عليهم، وهم غارون، فوجب أن يرجع ~~ذلك إلى اختلاف أحوال الكفار، فيمن كان قد علم بأمر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وما يقاتلهم عليه، داعيا إلى الله -تعالى-، وإلى دين الإسلام، أو ~~كان لم يعلم شيئا من ذلك، والدليل على ذلك قوله في الحديث: «إنما كان ذلك ~~في أول الإسلام» ، يعني: دعاءهم قبل القتال، حيث كانوا جاهلين بأمر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، وأحوال الكفار لا PageV01P168 # تخلو من هذين الوجهين، فأما من علم، وتحقق أنه لم تبلغه دعوة الإسلام، ~~ولا علم ماذا يراد منه بالقتال، فلا خلاف (1) يعرف أنه يجب أن يدعى قبل إلى ~~الإسلام، # ويعلم بما يجب في ذلك، فإن امتنعوا قوتلوا حينئذ. # وأما من علم أن الدعوة قد بلغتهم قبل، وعرفوا مايراد منهم، فهذا موضع ~~اختلف فيه أهل العلم، فروي عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر أن يدعوا قبل أن ~~يقاتلوا (2) ، وكذلك روى ابن القاسم عن مالك (3) أن يدعوا، وروي عنه -أيضا- ~~خلاف ذلك (4) . # قال ابن المنذر (5) : «وأباح أكثر أهل العلم قتالهم قبل أن يدعوا، قالوا: ~~قد PageV01P169 # بلغتهم الدعوة، هذا قول الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وربيعة، ويحيى بن ~~سعيد الأنصاري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، ~~والنعمان؛ وأصحابه (1) » . # قال: «واحتج الليث بن سعد، والشافعي بقتل كعب بن الأشرف (2) ، واحتج ~~الشافعي -أيضا- بقتل ابن أبي الحقيق (3) ، واحتج الليث بقتل الذي قتله عبد ~~الله PageV01P170 # ابن أنيس (1) » . # قال ابن المنذر: هو سفيان بن نبيح، وقال غيره: خالد بن نبيح. # قال: وكان الشافعي، وأبو ثور، يقولان: فإن كان قوم لم تبلغهم الدعوة، ولا ~~علم لهم بالإسلام، لم يقاتلوا حتى يدعوا إلى الإسلام. قال ابن المنذر: ~~«وكذلك نقول» . # قلت: وهو الذي يشهد له الجمع بين الأحاديث في ذلك، ويعضده (2) النظر. # قال أبو الحسن اللخمي (3) في دعاء من قد بلغته الدعوة: ذلك على أربعة ~~أوجه: واجبة، ومستحبة، ومباحة، وممنوعة، فأما الجيوش العظام؛ تنزل بمن يرى ~~أنه لا طاقة لهم بقتالهم، ويغلب على الظن؛ أنهم متى دعوا إلى الإسلام، أو ~~إلى الجزية؛ ms055 أجابوا، وقد يجهلون ويظنون أنهم لا يقبل ذلك منهم الآن؛ لما ~~تقدمهم من تأخرهم عن دخولهم في الإسلام، فالدعوة واجبة، وإن كانوا عالمين ~~بقبول ذلك منهم، ولا يغلب على الظن إجابتهم، كانت الدعوة مستحبة، وإن لم ~~ترج إجابتهم؛ كانت مباحة، وإن كان المسلمون قلة، ويخشى أن يكون في ذلك ~~إنذار بالمسلمين، وأخذهم لحذرهم؛ كانت ممنوعة، وهذا تقسيم حسن، ووجوهه ~~ظاهرة، وعلى حسب هذا الاعتبار ذكر في جواز التبييت. # قال: ذلك على ثلاثة أوجه: فمن كان تجب دعوته لا يجوز تبييته، ومن لا تجب ~~وتستحب مع ذلك دعوته؛ كره تبييته، ومن كانت الدعوة مباحة فيهم؛ كان التبييت ~~جائزا، إلا أن يخشى على المسلمين إذا دخلوا ليلا من جهل بالبلد، وخوف ما ~~عسى أن يؤتى عليهم منه، وكل هذا قول صحيح حسن، وقد أباح رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - التبييت فيمن بلغتهم الدعوة. PageV01P171 # خرج مسلم (1) ، عن الصعب بن جثامة قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عن الدار من المشركين يبيتون، فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: «هم منهم» ~~. # وقد بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفرا من الأنصار إلى ابن أبي ~~الحقيق وإلى كعب ابن الأشرف، فهجموا عليهما بالقتل في بيوتهما بخيبر (2) ، ~~وكذلك بعث عبد الله ابن أنيس الجهني من المدينة إلى ابن نبيح الهذلي، ~~فاغتاله بالقتل، وهو بعرنة من جبال عرفات (3) . فدل ذلك كله على جوازه فيمن ~~بلغته الدعوة. PageV01P172 # وإذا توجه القتال فيمن لا تجب دعوتهم، إما لأنهم عالمون بدعوة الإسلام، ~~PageV01P173 # أو لأنهم تقدم إليهم بالدعوة فلم يجيبوا؛ لم يؤذنوا بحرب، بل تستعمل معهم ~~المكيدة، والمكر، والخديعة الجائزة في الحرب، ولا يعلمون بوقت الهجوم ~~عليهم؛ لأنه أنكى لهم وأبلغ في عقوبتهم والنيل منهم، كما فعل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ببني المصطلق على ما في حديث ابن عمر (1) . # وفي كتاب مسلم (2) ، عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«الحرب خدعة» . # وفي البخاري (3) ، عن كعب بن مالك، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قلما يريد ms056 غزوة يغزوها؛ إلا ورى بغيرها. # * مسألة: # صفة الدعوة: أن يعرض عليهم الإقرار لله -تعالى- بالإلهية والوحدانية، إن ~~PageV01P174 # كان كفرهم تعطيلا أو شركا، وبإثبات النبوة والرسالة لمحمد - صلى الله ~~عليه وسلم - على كل أنواع الكفر، من كان منهم يقر لله، أو يشرك، أو يعطل، ~~والإيمان بجميع ما جاء به - صلى الله عليه وسلم -، وإبطال كل ما خالفه، ~~فإذا هم أقروا بذلك، صح إيمانهم، ووجب الكف عنهم، فمن أبى بعد ذلك عن ~~التزام بشيء من فروع الشريعة في حدود الإسلام، فإن كان جحدا؛ فهو ارتداد، ~~يقتل على كل حال، إلا أن يراجع الإسلام، وإن كان مقرا بثبوته ثم لا يفعله؛ ~~فهو فاسق، وأحكام عقوبته تختلف بحسب الفرع الذي يترك. # وأما إن أبوا من قبول الإسلام على ما وصفناه، فمن كان منهم من أهل ~~الكتاب: اليهود، والنصارى، أو المجوس؛ دعوا إلى أداء الجزية بلا خلاف، فإن ~~أجابوا إلى ذلك -على الشروط التي نذكرها إن شاء الله في (باب الجزية) -، ~~قبل منهم، وحرم قتالهم، وكذلك لو كانوا هم الذين سألوا قبول ذلك منهم، وجبت ~~إجابتهم والكف عنهم، فإن لم يجيبوا إلى شيء من ذلك، فقد وجب السيف. # وأما إن كانوا من غير أهل الكتاب: اليهود، والنصارى، والمجوس، ففي قبول ~~الجزية منهم خلاف؛ فمن رأى أنها تؤخذ منهم عرض ذلك -في الدعوة- عليهم، ومن ~~لم يجز قبول ذلك إلا من أهل الكتاب؛ لم يعرضه عليهم، ولم يجبهم # إليه إن سألوه. # والدليل على صحة ذلك كله: ما خرجه مسلم (1) ، عن بريدة، قال: كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمر أميرا على جيش أو سرية، أوصاه في ~~خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: «اغزوا باسم الله، في ~~سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ~~ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال -أو: ~~خلال- فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن ~~أجابوك فاقبل منهم وكف PageV01P175 # عنهم، ثم ادعهم إلى ms057 التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن ~~فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن ~~يتحولوا عنها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله ~~الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن ~~يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا؛ فاسألهم (1) الجزية، فإن هم أجابوك ~~فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا؛ فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل ~~حصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ~~ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمة (2) ~~أصحابكم، أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن، ~~فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن على حكمك، ~~فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أو (3) لا» (4) . # ***** PageV01P176 ### | الباب الرابع # في وجوب الثبوت والصبر عند اللقاء، وحكم المبارزة، وما يحرم # من الانهزام، وهل يباح الفرار إذا كثر عدد الكفار؟ # قال الله -عز وجل-: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا ~~الله كثيرا لعلكم تفلحون. وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ~~ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين} [الأنفال: 45-46] . # قد جمعت هاتان الآيتان من الأمر والنهي، في الوجوب والحظر، وآداب القيام ~~بالحرب؛ ما هو العمدة، ونظام الأركان، وسبب النصر والفوز بالأجر. # أمر -سبحانه- بالثبوت والصبر، وهو مدد الظفر والنصر، وبالإكثار من ذكر ~~الله -تعالى- هنالك؛ حتى لا يغفل في عمله وجهاده عن تعاهد إرادة وجه ربه # -سبحانه-، وفي ذلك درك الفوز، وجماع البركة والخير (1) ، قيل: ويكون ~~الذكر هناك بالنية والقول؛ لأن رفع الصوت في موطن القتال مكروه، قيل: إلا ~~عند الحملة الجامعة، يراد بها استئصال قوة العدو، وقد يكون في ذلك تزيد ~~الإرهاب على العدو، واستجماع لعزائم أهل الحملة. # ثم أمر تعالى بالتزام طاعته، وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وذلك ~~ملاك الأمر في العمل، وقوام الحكمة بطاعة الإمام في مواطن الحرب، ونهى ~~-سبحانه- عن التنازع ms058 والخلاف، وهما سبب الفشل واختلال الأمر لا محالة، كما ~~أعلم سبحانه في الآية، وقال الله -تبارك وتعالى-: {يا أيها الذين آمنوا ~~اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون} [آل عمران: 200] . ~~PageV01P179 # قال الحسن وقتادة وغيرهما: معناه: مصابرة العدو، يعني: في الثبوت، إذا ~~صبر هؤلاء، وصبر هؤلاء، ورابطوا أعداء الله في سبيله (1) . {واتقوا الله} ، ~~أي: لم تؤمروا بالجهاد من غير تقوى. # وفي «الصحيحين» (2) ؛ البخاري ومسلم، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «لا تمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاصبروا» . # وفي «كتاب مسلم» وأبي داود، عن عبد الله بن أبي أوفى، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، قال: «أيها الناس، لا ~~تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا ~~أن الجنة تحت ظلال السيوف» (3) . # فالثبوت في اللقاء، والصبر عند المسايفة فرض مؤكد بالقرآن والسنة ~~والإجماع، إلا شذوذا من الخلاف، لا وجه له، نذكره بعد هذا -إن شاء الله ~~تعالى-. # وفي هذا الحديث: النهي عن تمني لقاء العدو، وذلك مما يشكل في الظاهر؛ أن ~~يقال: كيف ينهى عن ذلك مع كون الجهاد طاعة مأمورا بها، والطاعات يثاب ~~PageV01P180 # على إرادتها وتمنيها؟! فقيل: يحتمل أن يكون النهي عن ذلك لما يتقى وقوعه ~~مع حالة التمني من إضاعة الحزم، وترك الإعداد للعدو، إذ يكون مع التمني ~~استسهال للأمر، وتهاون بالعدو، وترك للحذر، وفي ذلك ضرر كبير، هذا معنى ما ~~ذكره المازري في «المعلم» (1) ، ولا يبعد عندي أن يقال: إنما نهي عن ذلك؛ ~~لأن لقاء العدو شدة ومكروه ينزل به، وهو محل ابتلاء من الله -تعالى- ~~وامتحان للعبد، قال -تعالى-: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ~~ونبلو أخباركم} [محمد: 31] ، وإذا كان كذلك، لم يؤمن أن يكون ثم تقصير أو ~~خذلان ببعض ذنوبه، وعجز عن القيام بواجب حقوقه، فقد يفر ولا يصبر، وفي ذلك ~~شقاؤه، كما قال -تعالى-: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما ~~استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا} [آل عمران: 155] . # ثم هذا ليس ms059 من تمني الطاعات في شيء، إنما هو تمني المكاره، ليكون منه ~~عليها صبر بزعمه، وذلك ما لا ينبغي أن يفعله أحد، هذا مع ما في تمني ذلك من # الاغترار، ومشاكهة (2) أحوال البغي، وذلك مكروه -أيضا- (3) . # روي عن علي -رضي الله عنه- أنه قال لابنه: يا بني، لا تدعون أحدا إلى ~~المبارزة، ومن دعاك إليها فاخرج إليه؛ لأنه باغ، والله -تعالى- قد تضمن نصر ~~من بغي عليه (4) . PageV01P181 # فلمثل هذا المعنى يحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ~~ذلك، ألا ترى إلى قوله: «واسألوا الله العافية» ، أي: لا تتمنوا المكاره، ~~وأنتم لا تعلمون ما يؤول أمركم إليه فيها، ثم أمر - صلى الله عليه وسلم - ~~بالصبر إذا وقع الابتلاء بذلك من الله -تعالى-، فذلك هو المنجاة والفوز في ~~الآخرة والدنيا، فهذا وجه ظاهر حسن، هو عندي أرجح وأولى وأبين في حمل ~~الكلام على هذا المعنى، والله أعلم. # في دواعي الصبر والتفويض، وما يستحب من الشجاعة # ويذم من الجبن # قال الله -تعالى-: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون. قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين} [التوبة: ~~51-52] ، وقال -تعالى-: {أينما تكونوا يدرككم الموت} [النساء: 78] ، وقال ~~-تعالى-: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} ~~[آل عمران: 154] ، وقال -تعالى-: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله ~~كتابا مؤجلا} [آل عمران: 145] . # خرج مسلم (1) ، عن أنس، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن ~~الناس، وكان أجود # الناس، وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناس قبل ~~الصوت، فتلقاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجعا، وقد سبقهم إلى ~~الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عري، في عنقه السيف، وهو يقول: «لم تراعوا، ~~لم تراعوا» . قال: «وجدناه بحرا -أو: إنه لبحر-» . قال: وكان فرسا يبطأ. ~~PageV01P182 # البخاري (1) ، عن أنس، [قال] : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~«اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم، وأعوذ بك من فتنة ~~المحيا ms060 والممات، وأعوذ بك من عذاب القبر» . # أبو داود (2) ، عن أبي هريرة: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: «شر ما في رجل: شح هالع (3) ، وجبن خالع (4) » . # وفي «كتاب مسلم» (5) في حديث عباس عن يوم حنين، قال: ... ، فلما التقى ~~المسلمون والكفار، ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يركض بغلته قبل الكفار ... الحديث. # وفيه (6) في بعض طرق الحديث عن يوم حنين، قال البراء: كنا والله إذا احمر ~~البأس نتقي به، وإن الشجاع منا الذي يحاذى به -يعني: النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - -. PageV01P183 # وروى أبو عبيد (1) ، عن علي -رضي الله عنه- قال: كنا إذا احمر البأس ~~اتقينا PageV01P184 # برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلم يكن أحد منا أقرب إلى العدو منه. # وفي البخاري (1) ، عن جابر بن عبد الله، أنه غزا مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه، فتفرق الناس في العضاه، ~~يستظلون بالشجر، فنزل رسول الله تحت شجرة، فعلق بها سيفه، ثم نام، فاستيقظ، ~~ورجل عنده، وهو لا يشعر به، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن هذا ~~اخترط سيفي، فقال: من يمنعك؟ قلت: الله، فشام السيف، فها هو ذا جالس» . ثم ~~لم يعاقبه. # وفي «الموطأ» (2) عن مالك، عن يحيى بن سعيد، أن عمر بن الخطاب # قال: PageV01P185 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P186 # «كرم المؤمن تقواه، ودينه حسبه، ومروءته خلقه، والجرأة والجبن غرائز ~~يضعها الله حيث يشاء، فالجبان يفر عن أبيه وأمه، والجريء يقاتل عمن لا يؤوب ~~به إلى رحله، والقتل حتف من الحتوف، والشهيد من احتسب نفسه على الله» . # ويروى أنا أبا بكر -رضي الله عنه- قال لخالد حين وجهه إلى قتال أهل ~~الردة: «احرص على الموت توهب لك الحياة» (1) . # وأوصى بعض الأمراء (2) جيوشه فقال لهم: «أشعروا قلوبكم الجرأة على العدو؛ ~~فإنها سبب الظفر، وأكثروا ذكر الضغائن (3) ، فإنها تحض على الإقدام، ~~والزموا الطاعة؛ فإنها حصن المحارب» . # وكان يقال: قوة النفس في الحرب؛ أبلغ من قوة البدن. PageV01P187 # وما أحسن ما قال قطري بن الفجاءة (1) في استدفاع الجبن، واستعمال الصبر ~~والتأسي، يخاطب ms061 نفسه: # أقول لها وقد طارت شعاعا ... من الأبطال ويحك لا تراعي # فإنك لو سألت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لم تطاعي # ما يجوز للرجل من الحمل وحده على جيش العدو، وتأويل # قول الله -تعالى-: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} # خرج أبو دواد (2) ، عن أسلم أبي عمران قال: غزونا المدينة -يريد ~~PageV01P188 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P189 # القسطنطينية- وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقوا ~~ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مه مه، لا إله إلا ~~الله، يلقي بيديه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: إنما أنزلت هذه الآية فينا ~~معشر الأنصار؛ لما نصر الله -عز وجل- نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وأظهر ~~الإسلام، قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله -عز وجل-: ~~{وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] ، ~~فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها، وندع الجهاد. ~~قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية. # وقد اختلف في تأويل الآية؛ ذكر إسماعيل القاضي في «أحكام القرآن» عن حفص، ~~عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء: قال: قلت: أرأيت قول الله -عز وجل-: ~~{ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] ، أهو الرجل يحمل على ~~PageV01P190 # الكتيبة فيها ألف؟ قال: لا، ولكن الرجل يذنب، فيلقي بيده ويقول: لا توبة ~~(1) . # وذكر إسماعيل -أيضا- عن سهل (2) بن عوف قال: قيل لعمر بن الخطاب: إن مدرك ~~بن عوف سرى بنفسه يوم نهاوند! قال: فقلت: يا أمير المؤمنين: ذلك خالي، وناس ~~يزعمون أنه ألقى بيده إلى التهلكة! فقال عمر: كذب أولئك، ولكنه من الذين ~~اشتروا الآخرة بالدنيا (3) . PageV01P191 # وخرج أبو داود (1) عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: PageV01P192 # «عجب # ربنا من رجل غزا في سبيل الله، فانهزم -يعني: أصحابه- فعلم ما عليه، فرجع ~~حتى أهريق دمه، فيقول الله -عز وجل- لملائكته: انظروا إلى عبدي! رجع رغبة ~~فيما عندي، وشفقة مما عندي، حتى أهريق دمه» . # واختلف أهل العلم في حمل الرجل وحده على الجيش والعدد الكثير ms062 من العدو؛ # فأقول: أحوال الذي يحمل وحده ثلاث: PageV01P193 # - حال اضطرار، وذلك حيث يحيط به العدو، فهو يخاف تغلبهم عليه، وأسرهم ~~إياه، فذلك جائز أن يحمل عليهم باتفاق. # - وحال يكون فيها في صف المسلمين ومنعتهم، فيحمل؛ إرادة السمعة والاتصاف ~~بالشجاعة، فهذا حرام باتفاق. # - وحال يكون كذلك مع المسلمين، فيحمل غضبا لله، محتسبا نفسه عند الله، ~~ففي هذا اختلف أهل العلم، فمنهم من كره حمله وحده، ورآه مما نهى الله عنه ~~من الإلقاء باليد إلى التهلكة، ومنهم من أجاز ذلك واستحسنه، إذا كانت به ~~قوة، وفي فعله ذلك منفعة، إما لنكاية (1) العدو أو تجرئة المسلمين؛ حتى ~~يفعلوا مثل ما فعل، أو: إرهاب العدو؛ ليعلموا صلابة المسلمين في الدين (2) ~~. PageV01P194 # وبالجملة، فكل من بذل نفسه لإعزاز الدين، وتوهين أهل الكفر؛ فهو المقام ~~PageV01P195 # الشريف الذي تتوجه إليه مدحة الله -تعالى-، وكريم وعده في قوله -سبحانه-: ~~{إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل ~~الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا} [التوبة: 111] ، وقال -تعالى-: {ومن ~~الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} [البقرة: 207] . # وفي «الموطأ» (1) ذكر الأنصاري: رمى مافي يده من تمرات حين رغب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - في الجهاد، فقال: إني لحريص على الدنيا إن جلست حتى ~~أفرغ منهن، فحمل بسيفه، فقاتل حتى قتل. # ما جاء في المبارزة، وحكمها، وإذن الإمام # روي عن علي وأبي ذر، أن قوله -تعالى-: {هذان خصمان اختصموا في ربهم} ~~[الحج: 19] ، نزلت في الذين تبارزوا يوم بدر؛ حمزة؛ وعلي؛ وعبيدة، مع عتبة ~~بن ربيعة؛ وشيبة بن ربيعة؛ والوليد بن عتبة، وكان أبو ذر يقسم على # ذلك (2) . # خرج أبو داود (3) ، عن علي، قال: تقدم -يعني: عتبة بن ربيعة، وتبعه ابنه ~~PageV01P196 # وأخوه- فنادى: من يبارز؟ فانتدب له شباب من الأنصار، فقال: من أنتم؟ ~~فأخبروه، فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا، فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة بن الحارث» ، ~~فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت إلى شيبة، ms063 واختلفت بين عبيدة (1) والوليد ~~ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا على الوليد فقتلناه، واحتملنا ~~عبيدة. # قال أبو بكر بن المنذر (2) : «أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم، على أن ~~للمرء أن يبارز، ويدعو إلى البراز بإذن الإمام (3) ، غير الحسن البصري، ~~فإنه كان يكره المبارزة ولا يعرفها» . # قال: «واختلفوا في المبارزة بغير إذن الإمام؛ فكرهته طائفة، منهم: # الثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق (4) ، وأباحته طائفة مطلقا، لم يذكروا إذن ~~الإمام ولا غير PageV01P197 # إذنه؛ منهم: مالك، والشافعي (1) ، واختلف في ذلك عن الأوزاعي: فروي عنه ~~الجواز والمنع» (2) . # قلت: وجه ماذهب إليه من كره ذلك إلا بإذن الإمام، هو أن لا يتسارع إلى ~~ذلك الضعيف، ومن يغتر من نفسه، فربما قتل أو هزم، فكان في ذلك تجرئة ~~للمشركين، وتوهين على المسلمين، ووجه من أباح ذلك مطلقا، أنه جهاد في الله، ~~فإذا انبعثت لذلك نية المسلم، خالصة لله -عز وجل-، لم يكن به بأس، قال الله # -تعالى-: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69] ، ولم ينقل ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلك في موطن من المواطن، بل ظواهر ~~الأخبار في مواضع من ذلك تدل على أن بعضهم قد كان يبارز ولا يستأذنه، فلا ~~ينكر ذلك عليه؛ من ذلك: ما روي أن أبا قتادة قال: بارزت رجلا يوم حنين ~~فقتلته، فأعطاني النبي - صلى الله عليه وسلم - سلبه (3) ، ذكره ابن المنذر ~~مسندا (4) ، وهذا الوجه أظهر، والله أعلم. # * مسألة: # اختلف العلماء في إعانة المسلمين الرجل منهم إذا بارز مشركا، فأرخص ~~PageV01P198 # في ذلك قوم؛ منهم: أحمد، وإسحاق (1) ، واحتجوا بإعانة حمزة وعلي لعبيدة ~~في المبارزة يوم بدر (2) ، وأبى ذلك قوم؛ منهم: الأوزاعي (3) ؛ قيل له في ~~رجل بارز علجا فخاف المسلمون على صاحبهم، قال: فلا يعينوه عليه، قيل: وإن ~~لم يكن اشترط ألا يخرج إليه غيره؟ قال: وإن؛ لأن المبارزة لا تكون إلا ~~هكذا، ولكن لو حجزوا بينهما، ثم خلوا سبيل العلج، قال: فإن أعان العدو ~~صاحبهم، فلا بأس أن يعين المسلمون صاحبهم، وفرق الشافعي بين أن ms064 يكون ثم ~~اشتراط ألا يقاتل غير المبارز، وكذلك إن كان ذلك يعرف من أحوال الدعاء إلى ~~المبارزة، فتكون كالأمن بين الفريقين معا سوى المتبارزين، فلم ير في مثل ~~ذلك أن يعينه غيره، وبين ألا يكون ثم اشتراط، ولا أمر يعرف ذلك منه، فلم ير ~~بالإعانة في هذا الوجه بأسا، واحتج بإعانة حمزة وعلي (4) . # واختلف أصحاب مالك في ذلك؛ قال عبد الملك بن حبيب: ولا بأس أن يعضد إذا ~~خيف عليه الغلبة ممن بارزه، ولو بقتل العلج، قال: وقد قيل: لا يعضد؛ لأنه ~~إن عضد لم يوف للمشرك، قال: وليس يعجبنا، قال: ومن الدليل على ذلك، أنهم لو ~~رأوه قد أسر، لحق عليهم إن قدروا على استنقاذه منهم أن يستنقذوه، وذكر ~~معاونة المتبارزين يوم بدر، قال: # فصل # حكى ابن سحنون: قال أصحابنا جميعا؛ سحنون وغيره: لو أن عشرة من المسلمين ~~بارزوا مثلهم من المشركين، فقتل بعض العشرة صاحبه الذي يليه من PageV01P199 # المشركين، فلا بأس أن يعين أصحابه، ولا يجوز أن يعين المبارز، ولا يعضده # من المسلمين من لم يخرج معه، ويبرز في المبارزة (1) . # قلت: وإنما استندوا في ذلك إلى أن مبارزة الجملة للجملة، لها حكم الواحد ~~للواحد، فمن فرغ من شيء رجع مع أصحابه الباقين، وعلى ذلك يخرج عندهم إعانة ~~حمزة وعلي لعبيدة؛ فأمرهم في ذلك بخلاف من لم يتعين للبراز؛ لأنه تخلى، ~~وأعطى من نفسه الأمان. # والأظهر -إن شاء الله تعالى- أن يعان المسلم إذا خشي عليه الهلاك على كل ~~حال، يعينه كل من تمكن له ذلك ممن بارز معه، أو كان في الجيش، وسواء شرط ~~الكافر أن لا يعينه أحد أو لم يشرط، ولا وفاء في معصية، إلا أنه إن قدر في ~~إعانته على تخليصه من القرن إذا ظهر عليه، من غير التعرض لإصابة الكافر؛ لم ~~ينبغ التعدي عليه، وإن لم يمكن ذلك إلا بالحمل عليه، فإنه يبلغ من ذلك إلى ~~حيث يكون فيه خلاص المسلم، ولو أفضى إلى قتل من بارزه؛ قال الله -تعالى-: ~~{وتعاونوا على البر والتقوى ولا ms065 تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة: 2] ~~، وقال -تعالى-: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} [النساء: ~~141] . # وخرج مسلم (2) ، عن ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه» . وفي رواية عن أبي هريرة: «لا ~~يظلمه، ولا يخذله» (3) . PageV01P200 # وفي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «المؤمنون يد على من سواهم» (1) . # وفي حديث أبي سعيد: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من رأى ~~منكم منكرا فليغيره بيده» (2) . ولا منكر أعظم وأكبر من قتل المسلم ظلما. ~~فأما ما لم يخش الهلاك على المسلم المبارز، فلا يعرض لهم بحال، كذلك فعل ~~المسلمون يوم بدر. # فصل: في تحريم الانهزام، وما يجوز من التحيز عند القتال # قال الله -تعالى-: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا ~~تولوهم الأدبار. ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ~~فقد PageV01P201 # باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} [الأنفال: 15-16] . # في هذه الآية لأهل العلم ثلاثة أقوال: # قول: إنها منسوخة؛ نسخها قوله تعالى: {يا أيها النبي حرض المؤمنين على ~~القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين} [الأنفال: 65] إلى تمام ~~الآيتين، فنسخ بالتخفيف عنهم، وأطلق لهم أن يولوا عمن هو أكثر من هذا ~~العدد، وإليه ذهب عطاء بن أبي رباح (1) . PageV01P202 # وقول ثان: إنها مقصورة على أهل بدر خاصة، وإليه ذهب الحسن، وروي مثل ذلك ~~عن أبي سعيد، وأبي نضرة، ونافع، وعكرمة، وغيرهم، وكان الحسن يقول: ليس ~~الفرار من الزحف من الكبائر (1) . PageV01P203 # وقول ثالث: إنها محكمة عامة في خطاب جميع المسلمين؛ أهل بدر وغيرهم، ~~ثابتة الحكم في ذلك إلى يوم القيامة، والفرار من الزحف كبيرة من الكبائر، ~~وإليه ذهب ابن عباس (1) وجماعة من أهل العلم. # وهذا القول أولى الأقوال وأرجحها -إن شاء الله تعالى-. PageV01P204 # أما دعوى النسخ فلا دليل عليه؛ لأن الجمع بين آية النهي عن التولية، وآية ~~ثبوت المئة للمئتين واضح، بل لا تعارض بينهما البتة؛ ms066 لأن آية الثبوت للضعف ~~لم يبح فيها بحال الانهزام والتولية أمام الكفار، وهل تضمنت من دليل الخطاب ~~الترخيص فيما فوق الضعف؟ هذا فيه لأهل العلم خلاف نذكره بعد هذا -إن شاء ~~الله-. # فإذا، حكم الآية في النهي عن التولية باق محكم، وإنما كان يكون النسخ لو ~~رفع حكم النهي عن الفرار البتة، لكن تكون الآية المأمور فيها بالثبوت للضعف # مخصصة عند قوم؛ لعموم النهي عن التولية مطلقا، اللهم إلا أن يقال: إن آية ~~النهي عن التولية كانت عامة في اللفظ والمعنى، فكان الفرض أولا إيجاب ~~الثبوت مطلقا، والنهي عن التولية في لقاء الكثرة والقلة، ثم نسخ عموم ذلك ~~بآية الثبوت للضعف دون ما زاد عليه، فهذا وجه من النسخ صحيح إن سلم فيه ~~أمران: # أحدهما: إن الفرض كذلك كان على العموم في أول الإسلام. # والثاني: إن في آية الثبوت للضعف ما يدل على إباحة التولية عما فوق ~~الضعف، وعلى هذا يجيء مذهب من قال بالنسخ؛ لأنه لا يصح القول به إلا كذلك، ~~وإذا حملت الآية في النهي عن التولية على ظاهرها من الإطلاق والعموم في ~~اللفظ والمعنى، فعنه ينشأ الخلاف الذي أشرنا إليه، فيكون عند قوم ذلك باقيا ~~محكما على كل حال، ولا نسلم ما يدعى في ذلك من نسخ ذلك العموم، أو تخصيصه ~~عند قوم بأنه الثبوت للضعف؛ لأن آية الثبوت للضعف لم يتعرض فيها لشيء من ~~ذلك بنسخ ولا تخصيص، فيكون هذا قولا رابعا في الآية، وعليه يجيء مذهب أهل ~~الظاهر (1) . # وأما قول من ذهب إلى أن الآية في أهل بدر خاصة، وأن حكم ذلك لا يتناول ~~غيرهم، فدعوى من غير دليل؛ لأن الخطاب بذلك عام في جميع المؤمنين، ~~PageV01P205 # وما روي أن سبب نزولها وقعة بدر ليس هو مما يوجب تخصيصها في الحكم بأهل ~~بدر، وقصر ذلك عليهم؛ لأن أكثر أحكام القرآن والسنة إنما جاءت على أسباب، ~~ثم هي بعد عامة، وقد قال الله -تعالى- في غير أهل بدر: {إن الذين تولوا ~~منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ms067 ببعض ما كسبوا} [آل عمران: ~~155] ، فأخبر الله -تعالى- أن التولي معصية، واستزلال من الشيطان، ثم من ~~عليهم سبحانه بالعفو. قال -تعالى-: {ولقد عفا الله عنهم} [آل عمران: 155] ، ~~فهذا هو معنى قوله -تعالى- في المولي: {فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم # وبئس المصير} [الأنفال: 16] ، معناه -والله أعلم-: إن لم يغفر له. قال ~~الله # -عز وجل-: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ~~[النساء: 48، 116] ، فهذا يبين لك أن تحريم التولي ليس مخصوصا به أهل بدر، ~~بل هو في الجميع، والتولي كبيرة من الكبائر في جميع المسلمين إلى يوم ~~القيامة. # خرج مسلم (1) ، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«اجتنبوا السبع الموبقات» ، قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: «الشرك بالله، ~~والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، ~~والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» . # وإلى أن الآية محكمة، عامة الحكم في سائر المسلمين: ذهب مالك (2) ~~PageV01P206 # والشافعي (1) ، وأبو حنيفة (2) ، وأهل الظاهر (3) ، وعامة أهل التحقيق، ~~واختلفوا بعد ذلك في مواضع نذكرها في: (فصل: الثبوت للضعف) ، بعد هذا -إن ~~شاء الله تعالى-. # فصل # ذكر القاضي إسماعيل حديث عبدالله بن عمر؛ وخرجه أبو داود وغيره (4) ، ~~PageV01P207 # قال: كنت في جيش، فلقينا العدو، فحاص الناس حيصة، فكنت فيمن انحاز، ~~فقلنا: لا ندخل المدينة، وننظر في وجوه الناس، وقد بؤنا بغضب من الله، ~~فأقمنا بجنباتها، فقلنا: لو دخلناها فنتثبت منها -وفي رواية: فامترنا منها، ~~وفي كتاب أبي داود: فنثبت فيها (1) - نذهب فلا يرانا أحد، فدخلناها ليلا، ~~فقلنا: لو عرضنا أنفسنا # على نبي الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن كانت لنا توبة تبنا، قال: ~~فقعدنا له في الطريق، فخرج لصلاة الغداة، فقلنا: يارسول الله، نحن ~~الفرارون، قال: «بل أنتم العكارون» ، قال: قلنا: يا رسول الله، نحن ~~الفرارون، قال: «بل أنتم العكارون» -ثلاث مرار- فأخبرناه ما أردنا أن نصنع، ~~قال: «فلا تفعلوا، أنا فئتكم» ، وفي كتاب أبي داود: فأقبل إلينا فقال: «لا، ~~بل أنتم العكارون» ، قال: فدنونا، ms068 فقبلنا يده، فقال: «أنا فئة المسلمين» . # ففي حديث ابن عمر هذا زيادة بيان في عموم حكم آية النهي عن التولي يوم ~~الزحف، إلا إلى فئة، وأن ذلك ليس مخصوصا ببدر، وابن عمر لم يقبله رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - للحرب، إلا بعد يوم بدر. # قوله: «العكارون» هم الكرارون، الراجعون. يقال: عكر واعتكر إذا كر ورجع، ~~فكان رجوعهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلى ما كانوا عليه من بذل ~~أنفسهم في PageV01P208 # الجهاد، وقبول ماجاء به - صلى الله عليه وسلم - هو معنى ذلك، والله أعلم. ~~قاله النحاس (1) . # وقال الترمذي: العكار: الذي يفر إلى إمامه لينصره، ليس يريد به الفرار من ~~الزحف (2) . # واختلف أهل العلم في معنى التولي، وما الفئة التي يتحيز إليها إذا خيف ~~العدو؟ فروي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: «أنا فئة كل مسلم» ~~(3) . وروي عن الشافعي أنه قال (4) : التحرف للقتال: الاستطراد، إلى أن # يمكن المستطرد الكرة في أي حال، ما كان الإمكان، والتحيز إلى فئة: ~~الانضمام PageV01P209 # إليها، أين كانت الفئة ببلاد العدو، أو ببلاد الإسلام، بعد ذلك أو قرب، ~~إنما يأثم بالتولية من لم ينو واحدا من المعنيين. # وقال بعض الشافعية (1) : التحرف للقتال: أن ينتقل من مكان إلى مكان أمكن ~~للقتال، والتحيز إلى فئة: أن ينضم إلى قوم ليعود معهم إلى القتال. # وروي عن مالك (2) أنه كان يقول: ليس العمل عندنا على قول عمر: «أنا فئة ~~من تحيز إلي» ، وهو بالمدينة، وإنما ذلك إلى ولاة الجيش، دون والي الصائفة، ~~فتتحيز السرية أو الخيل إلى الجيش، دون من هو أبعد منه، ومتحيز الصوائف ~~والجيوش إلى من بعدها، وهو أقرب إليها من أهل الإسلام. وقيل: التحيز ~~المأذون فيه: إنما هو الانحياز إلى الجماعة الحاضرين قبال العدو، دون من ~~وراءهم ممن لم يحضر. # وقال أبو محمد بن حزم (3) : «لا يحل للمسلم الفرار أمام المشركين، وإن ~~كثروا، إلا أن ينوي التحيز إلى جماعة من المسلمين، إن رجا إدراك تلك ~~الجماعة، قبل أن يلحقه الكفار، أو ينوي بانحرافه الكر لقتالهم، ms069 وإلا فهو ~~عاص لله -عز وجل- # » . # واختلفوا فيمن نكص على عقبيه من غير أن يولي العدو ظهره، فقيل: إنه لا ~~PageV01P210 # يكون له حكم مولي الدبر. # وقال الشافعي (1) : إذا رجع القوم القهقرى بلا نية لأحد الأمرين، يعني: ~~التحرف أو التحيز، كانوا كالمولين؛ لأنه إنما أريد بالتحريم: الهزيمة عن ~~المشركين. # فصل: في الثبوت للضعف، وهل يباح الفرار إذا زاد على ذلك؟ # قال الله -عز وجل-: {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم ~~عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا ~~بأنهم قوم لايفقهون. الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم ~~مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله ~~مع الصابرين} [الأنفال: 65-66] . # فاتفق أهل العلم (2) ، ومن يعتد برأيهم، على أن الثبوت إذا كان المشركون ~~ضعف المسلمين فأقل: واجب، والفرار عنهم حرام، أو: معصية، وكبيرة من جملة ~~الكبائر (3) . # واختلفوا بعد ذلك في ثلاثة مواضع: # أحدها: إذا زاد المشركون على الضعف، هل يباح الفرار أو لا؟ # والثاني: هل يعتبر الضعف في العدد أو في القوة والجلد؟ # والثالث: هل للجمع الذي يباح له الفرار عند الزيادة على الضعف حد، إذا ~~انتهى إليه كان الفرار محرما بعد على كل حال، وإن زاد عدد المشركين أضعافا، ~~أو لا حد له؟ PageV01P211 # فأما الأول؛ وهو إذا كثر عدد المشركين، فكانوا فوق الضعف، فذهب قوم إلى ~~أن الفرار محرم -أيضا- على كل حال، ولا يحل التولي عنهم إلا لمتحرف لقتال، ~~أو متحيز إلى فئة يستنصر بها من المسلمين، وإليه ذهب أبو محمد بن حزم (1) ، ~~وأظنه قول جماعة أهل الظاهر، ودليلهم على ذلك: عموم آية النهي عن التولي ~~عند الزحف، وإطلاق الوعيد كذلك على من ولى عموما، من أي عدد # كان، ولم يروا آيتي التحريض في الصبر، ووعد الغلب تعرضتا لذلك بنسخ ولا ~~تخصيص، بل هو عندهم باق على عمومه، كما قد أشرنا إليه في الفصل قبل هذا. # وذهب مالك (2) ، والشافعي (3) ، وأبو حنيفة (4) ، وجمهور أهل العلم ms070 إلى ~~أنه لا حرج على من ولى أمام عدد فوق ضعف المسلمين، إذا خشوا الغلبة، وهم في ~~سعة من الفرار، إذا زاد المشركون على الضعف. # ومستند هؤلاء ما دل عليه ظاهر قوله -تعالى-: {إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مائتين} إلى قوله -تعالى-: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ~~فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن ~~الله} [الأنفال: 65-66] ، فحملوا هذا على أنه مخصوص؛ لعموم النهي عن التولي ~~عند الزحف، وبينت عندهم هذه الآيات أن ذلك ليس على الإطلاق في لقاء كل عدو ~~من الكفار، بل هو في حال كون العدد على مبلغ ما ذكر في الآيتين فأقل، فأما ~~ما زاد على ذلك، فظاهر الآية، وما ذكر من التخفيف يدل PageV01P212 # على السعة في التولي عنهم، وهذا مسلك سديد في حمل الآية في تحريم التولي ~~على أنها محكمة غير منسوخة، كما ذهب إليه عطاء، وأنها عامة في خطاب جميع ~~المسلمين، لا مقصورة على أهل بدر، كما ذهب إليه جماعة (1) ، ثم كون الآية ~~بعد مخصصة الإطلاق بالآية الأخرى، في بيان ما أريد بها من مبلغ عدد الكفار ~~الذين يحرم التولي عنهم. قال ابن عباس: «إن فر رجل من رجلين فقد فر، وإن فر ~~من ثلاثة فلم يفر» (2) . قال ابن شبرمة (3) : وكذلك النهي عن المنكر، لا ~~يحل له أن يفر PageV01P213 # من # اثنين إذا كانا على منكر، وله أن يفر من أكثر منهما. # وأما الموضع الثاني الذي اختلفوا فيه من هذا الفصل؛ وهو اعتبار الضعف، هل ~~يرجع إلى العدد أو إلى القوة؟ فقول أكثر أهل العلم أنه في العدد، # واحد لاثنين، فيلزم المسلمين الثبوت لمثلي عددهم من الكفار، وإن كانوا ~~أقوى في السلاح والشدة والجلد، وهو المروي عن مالك (1) ، وغيره من أهل ~~العلم (2) ، PageV01P214 # وهذا هو الصحيح؛ لأن نص القرآن إنما جاء بالعدد. # وقيل: إن ذلك راجع إلى الجلد والقوة، فإذا كان المشركون أشد سلاحا، وأظهر ~~جلدا وقوة، والمسلمون في ضعف من أبدانهم، ودوابهم، وسلاحهم، بالأمر ms071 البين ~~المجاوز لحد المثلين في القوة، فخافوا أن يغلبوهم؛ لم يجب عليهم الثبوت، ~~وكانوا في سعة من التولي عنهم، وإن كان المشركون أقل من مثليهم عددا، وهو ~~قول ابن الماجشون، ورواية عن مالك، وبه قال عبد الملك بن حبيب (1) . # وأما الموضع الثالث؛ وهو: هل لجمع المسلمين الذين يباح لهم الفرار عند ~~زيادة المشركين على مثلهم (2) حد (3) ، إذا انتهى المسلمون إليه، حرم ~~الفرار أبدا، وإن عظم جمع الكفار، أو ذلك مطلق لكل جمع من غير تحديد؟ # فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن ذلك مطلق، وأن كل جمع من المسلمين بالغا ~~من العدة والكثرة ما بلغ، إذا لاقوا أكثر من ضعفهم من الكفار، لهم سعة في ~~أن يولوا إذا خشوا الغلبة، وعليه مذهب الشافعي وأصحابه (4) ، ودليل هؤلاء، ~~أن الله -تعالى- فرض الصبر على المثلين دون ما زاد على ذلك فرضا مطلقا، لا ~~يختص به عدد دون عدد، وذهب قوم إلى أنه لا يباح الفرار عما فوق الضعف من ~~الكفار، إلا لمن لم يبلغ جمعهم من المسلمين اثني عشر ألفا، فإذا بلغ جمع # المسلمين اثني عشر ألفا، فقد انحتم العزم، ولزم الصبر، وحرم حينئذ ~~الفرار، بالغا PageV01P215 # عدد المشركين من الزيادة على الضعف ما بلغ، وهو قول محمد بن الحسن، وسائر ~~أصحاب أبي حنيفة (1) . # ودليل هؤلاء: ما خرجه الترمذي، وأبو داود، كلاهما عن ابن عباس، عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربع مئة، ~~وخير الجيوش أربعة الآف، ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة» (2) . قال فيه ~~الترمذي: «حسن # غريب» . PageV01P216 # ووجه الدليل من هذا الحديث في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ولن يغلب ~~اثنا عشر ألفا من قلة» ، أنه يدل على أن مراعاة العدد فوق ذلك لا أثر له، ~~إما عادة وإما شرعا، وأنه متى غلب هذا العدد، فلم يؤت عليه من وجه القلة، ~~وإنما يكون ذلك من جهة التقصير، إما بالجبن، أو التخاذل، وعدم الصدق، وفساد ~~النية، وتفرق الكلمة، وكل ذلك ملوم صاحبه، فوجب أن لا يعذر، ولا ms072 يعتبر عند ~~الانتهاء إلى هذا PageV01P217 # العدد (1) من مادة العدو على الضعف بحال، والحكمة في هذا ظاهرة في عرف ~~القتال؛ لأن الجموع إذا انتهت إلى هذا القدر؛ لم يكن لمن زاد على ذلك أثر ~~في معالجة القتال؛ لأنهم كلهم لا يتمكنون من الكر والحمل والمجالدة، بل لا ~~يجدون مجالا في الغالب، قال النابغة -يصف عظم الجيش، وتضييق بعضهم على بعض ~~في النفوذ والسير-: # جمعا يظل به الفضاء معضلا ... يدع الإكام كأنهن صحاري (2) # فصار الزائد في محل اللقاء، كأنه لم يكن، إذ لا أثر يوجد منه في المحاولة ~~والمغالبة. # فإن قيل: إنهم وإن لم يتمكنوا كلهم من القتال، فلهم من الغناء أن القتل ~~إذا انتقص شيئا من عدد أصحابهم المقاتلين خلفه غيره، فلا يزالون موفورين، # وينقص عدد الآخرين، فلا يوجد من يسد مكانه في القتال. # قيل: إذا نقصوا عن اثني عشر ألفا بالقتل ونحوه؛ لم يكن لمن بقي حكم ~~الاثني عشر ألفا، وعلى ماذهب إليه من ذلك أصحاب مذهب أبي حنيفة (3) هو ظاهر ~~ما يروى عن مالك، حكي عنه أن سائلا سأله، فقال: أيسعنا التخلف عن قتال من ~~خرج عن أحكام الله -تعالى-، وحكم بغيرها؟ فقال له مالك: إن كان معك اثنا ~~عشر ألفا مثلك؛ لم يسعك التخلف، وإلا فأنت في سعة (4) . PageV01P218 # * مسألة: # إذا شك المسلمون في عدد عدوهم؛ هل زاد على الضعف أو لا؟ حرم التولي ~~-أيضا-، حتى يقع اليقين الذي لا شك فيه أنهم أكثر من مثليهم، والدليل على ~~ذلك: أن الله -تعالى- أوجب الثبوت عند اللقاء، وحرم التولي، ولم يجعل في ~~ذلك رخصة إلا بعد الزيادة على الضعف، فما لم يحقق ذلك فلم ينتقل عن الأصل، ~~ولا وجد شرط الرخصة؛ فكان التولي ممنوعا (1) . # * مسألة: # إذا زاد العدو على الضعف في العدد، إلا أنهم مع ذلك ضعفاء في أبدانهم، ~~ودوابهم، وسلاحهم، ضعفا بينا، أو كانوا ممن لا يعرف الحرب، ولا كبير غناء ~~عندهم، وما أشبه ذلك، مما يعلم في العادة أن المسلمين الذين لقوهم لا يشق ~~عليهم مغالبتهم مع كثرة عددهم، ms073 ولا يضعفون عن مقاومتهم، لما هم عليه من ~~القوة والشوكة والقيام بالحرب، وما أشبه ذلك؛ فالتولي عنهم والفرار أمامهم ~~حرام -أيضا- (2) ، والدليل عليه: أن الله -تعالى- أمر بالثبوت عند اللقاء، ~~وإنما أرخص فيما زاد على الضعف تخفيفا، إذا كان في المسلمين الذين لقوهم ~~ضعف عن مقاومتهم. قال الله -سبحانه-: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ~~ضعفا} [الأنفال: 66] ، فإذا لم يكن فيهم ضعف عن لقاء مثلهم، بل ربما شهدت ~~الحال باستيلاء المسلمين عليهم إذا صدفوهم، فالتولي حرام؛ لأن علة التخفيف ~~هنا لم توجد، مع ما في الفرار عن مثل # هؤلاء من التهاون بالدين، وتجرئة الكفار على المسلمين. PageV01P219 # ولهذا المعنى نقول: إن الفرار أبدا لا يحل، وإن زاد المشركون على الضعف، ~~ما دام المسلمون بهم قوة عليهم، ولهم رجاء في الإحاطة بهم، والامتناع منهم؛ ~~لأن التخفيف إنما جعل لما يكون من الضعف عنهم، ورفعا لتكليف ما يشق من ~~الصبر على مقاومتهم، والله أعلم. # وروي عن مالك أنه قال: «لا يجوز الانحياز إلا عن خوف بين وضعف» (1) . # وأما على مذهب من يعتبر في مراعاة المثلين: القوة والجلد (2) ، فلا يخفى ~~أن الثبوت واجب في مثل هؤلاء، وإن زادوا في العدد على الضعف، والفرار عنهم ~~حرام. # * مسألة: # إذا لقي المسلمون مثلي عددهم من الكفار، دون زائد عليهم، لكن كان لقاؤهم ~~إياهم بأرض العدو، وفي موضع تكاثر جمعهم، وإمداد بعضهم بعضا؛ لتعاقب ~~ديارهم، وتضافر أعدادهم، فهم يخافون استجاشتهم عليهم وإجلابهم؛ فقد قيل: إن ~~لهم في التولية سعة (3) . # وأقول: إنه لا يباح لهم الفرار، ولا سعة لهم في التولي عنهم، إلا أن ~~يتزايد جمعهم، حتى يزيدوا على الضعف، والدليل على ذلك: أن التخفيف والرخصة ~~في التولي إنما أبيح فيما زاد على الضعف، وما لم ينته العدد إلى ذلك؛ فهم ~~مخاطبون بالثبوت والصبر، والله أعلم. # ***** PageV01P220 ### | الباب الخامس # فيما يجب وما يجوز أو يحرم من النكاية في العدو والنيل منهم، # ومعرفة أحكام الأسرى، والتصرف فيهم # قال الله -عز وجل-: {ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا ~~إلا ms074 كتب لهم به عمل صالح} [التوبة: 120] . # وقال الله -تعالى-: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها ~~فبإذن الله وليخزي الفاسقين} [الحشر: 5] . # وقال الله -تعالى-: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا ~~أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء} [محمد: 4] . # وخرج مسلم (1) ، عن عبد الله بن عمر: أغار رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على بني المصطلق، وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل ~~مقاتلتهم، وسبى سبيهم. # وعنه -أيضا- (2) ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرق نخل بني ~~النضير، وقطع، وهي PageV01P223 # البويرة. # قيل: البويرة: اسم المكان الذي قطع وحرق، وفي ذلك يقول حسان: # وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير # فنقول: النكاية في العدو، والنيل منهم على ثلاثة أقسام؛ منها جائز ~~باتفاق، ومنها محظور باتفاق، ومنها مختلف فيه. # فأما الجائز باتفاق (1) ، فقتل مقاتلتهم في الزحف، وسلب أموالهم، ووطء ~~بلادهم، وسبي أبنائهم وذراريهم، والإسار بعد الإثخان، على خلاف في استحياء ~~الأسرى بعد أو قتلهم، والدليل على هذا: ما تقدم من الكتاب والسنة، ولا خلاف ~~فيه. # وأما المحظور باتفاق (2) : فقتل النساء والصبيان، حيث لا يضطر إلى ذلك، ~~إما في البيات أو المدافعة حال القتال، والدليل على هذا: قوله -تعالى-: ~~PageV01P224 # {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا} [البقرة: 190] ، ~~وهؤلاء ليسوا ممن يقاتل، فوجب الكف عنهم، وكان القتل اعتداء فيهم. # وما خرجه البخاري ومسلم، عن ابن عمر قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن قتل النساء والصبيان (1) . ولا خلاف -أيضا- فيه. # وأما المختلف فيه فأشياء؛ منها: قتل الرهبان والعسفاء ونحوهم، ممن ليسوا ~~بصدد القتال، ومنها: قتل المرأة والصبي إذا قاتلا، ومنها: رمي الحصون ~~بالمجانيق والنار، وفيهم النساء والصبيان وأسرى المسلمين، ومنها: القتل ~~بغير السلاح، كالتحريق بالنار وشبهه من ضروب القتل المعذبة، ومنها: تحريق ~~الديار # وتخريبها، وتحريق الزرع والأشجار وقطعها، وقتل البهائم والحيوان. # ونحن -إن شاء الله- نفصل الكلام في ذلك مسألة مسألة، ونشير إلى أدلة ~~المذاهب وسبب ms075 الخلاف، والتنبيه على ما يظهر لنا أنه الأرجح، على حسب ما ~~شرطناه، بحول الله -تعالى-. # فصل # اختلفوا في قتل الرهبان والعسفاء ونحوهم، ممن لايتعرض مثلهم للقتال، فذهب ~~الشافعي (2) -في أصح قوليه- إلى جواز قتل الجميع، وعليه يجيء مذهب ~~PageV01P225 # الظاهر، وقاله أبو محمد بن حزم (1) ، ودليلهم: عموم قوله -تعالى-: ~~{فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لاإله إلا الله» . خرجه مسلم وغيره ~~(2) . وفي حديث بريدة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ... ثم قال: ~~«اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله ... » . الحديث، وقد ~~تقدم بطوله من رواية مسلم (3) . # فلما كانوا سواء في الكفر الذي به حلت دماؤهم، وتناولهم عموم القرآن ~~والسنة بذلك من غيرتفريق؛ وجب استواؤهم في القتل المشروع في أهل الكفر، ~~وهذا ظاهر راجح، ويزيد ذلك وضوحا حديث أبي داود، عن سمرة بن جندب، قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «اقتلوا شيوخ المشركين، واستبقوا شرخهم» ، ~~وخرجه الترمذي عنه، وقال: «واستحيوا شرخهم» (4) . والشرخ: الغلمان الذين لم ~~ينبتوا. PageV01P226 # قال فيه: # حسن صحيح غريب. # فالشيوخ: البالغون (1) . وقد أمر بقتلهم عموما، ولم يستثن أحدا منهم، ولو ~~كان يجب استبقاء صنف منهم؛ لاستثناه حين علمهم حدود ما يجب في ذلك عليهم، ~~كما فعل - صلى الله عليه وسلم - في استثناء الشرخ: وهم الصغار دون البلوغ، ~~وكذلك وقع مفسرا في رواية الترمذي. وشرخ الشباب: أوله. # وذهب مالك (2) إلى أنه لا يقتل الهرم، ولا الأعمى، ولا المعتوه، ولا ~~المقعد، PageV01P227 # ولا أصحاب الصوامع الذين لا يخالطون الناس، يعني: أنه لا أذى عندهم بقتال # ولا مشاركة رأي؛ لانفرادهم، ونحو ذلك، وروي (1) عن أبي حنيفة وأصحابه (2) ~~. وقال الأوزاعي (3) : لا يقتل الحراث، ولا الراهب، ولا الشيخ الكبير، ولا ~~المجنون. # قلت: أما المجنون، فلا ينبغي أن يكون فيه خلاف أنه لا يقتل، لاسيما إن ~~كان كذلك بلغ، فهو غير مكلف باتفاق، ولا ينطلق عليه وصف الكفر، ودليل هؤلاء ~~في تخصيص من خصصوه من هذه الأصناف: ما ينتزع من قوله -تعالى-: {وقاتلوا ms076 في ~~سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا} [البقرة: 190] ، فمن غلب على نظره ~~في صنف من هؤلاء العاجزين عن القتال غالبا كالزمنى والهرمى والمنقطعين من ~~الرهبان، وأهل الخدمة والامتهان، أنهم لا يعتدون فيمن يقاتل؛ جعلهم مخصوصين ~~من القتل، ورأى ذلك ممنوعا بقوله -تعالى-: {ولا تعتدوا} [البقرة: 190] ، ~~أي: لا تقتلوا من ليس من أهل القتال، وقياسا على النساء؛ بعلة العجز عن ~~القتال. # وأيضا، فقد رووا في بعض ذلك آثارا تعترض من جهة الإسناد، وأرجح ما في ~~ذلك: ما خرجه أبو داود (4) ، عن رباح بن ربيع قال: كنا مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في # غزوة، PageV01P228 # فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلا فقال له: «انظر، علام اجتمع ~~هؤلاء؟» ، فجاء فقال: امرأة قتيل، فقال: «ما كانت هذه لتقاتل!» ، قال: وعلى ~~المقدمة: خالد بن الوليد، فبعث رجلا فقال: «قل لخالد: لا تقتلن امرأة ولا ~~عسيفا» . # فهذا الخبر عند من صححه حجة في استثناء العسيف، وأصل لمن سواه من ذوي ~~الأعذار، والعجز عن القتال، إذا كان ممن يقول بالقياس. # والعسيف: الأجير. والجمع: العسفاء، كالأجراء. وذكر مالك في «موطئه» (1) ~~PageV01P229 # عن أبي بكر -رضي الله عنه- أنه قال في وصيته لبعض أمراء جيوشه (1) : «إنك ~~ستجد قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم ~~له، وستجد قوما فحصوا عن أوساط رؤوسهم من الشعر، فاضرب ما فحصوا عنه ~~بالسيف، وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة ولا صبيا # ولا كبيرا هرما ... » إلى آخر القصة (2) ، فمن رأى أن مثل هذا لا يكون من ~~أبي بكر إلا عن PageV01P230 # توقيف جعله دليلا (1) . # فصل # اختلفوا في قتل النساء والصبيان إذا قاتلوا؛ فجمهور العلماء على أنهم إذا ~~قاتلوا قتلوا، منهم: مالك (2) ، والشافعي (3) ، ### | ....................................... # PageV01P231 # وأبو # حنيفة (1) ، والثوري، والليث، والأوزاعي، وأحمد (2) ، وإسحاق وأبو ثور ~~(3) . وقاله أبو محمد بن حزم (4) ، والحجة في ذلك عموم قوله -تعالى-: ~~{وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} [البقرة: 190] ، وهؤلاء قد قاتلوا، ~~وتخصيص نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء والصبيان، بأن ذلك ~~ما داموا على الحال التي هي ms077 غالب جنسيتهم من العجز وعدم أهلية القتال، ~~بدليل ما وقع في حديث رباح بن ربيع، أنه - صلى الله عليه وسلم - قال -وقد ~~وجدت امرأة مقتولة في بعض المغازي-: «ماكانت هذه لتقاتل» (5) . وقد روي في ~~ذلك ما هو أوضح. # أسند ابن المنذر (6) إلى ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر ~~بامرأة مقتولة يوم الخندق، فقال: «من قتل هذه؟» قال رجل: أنا يا رسول الله، ~~قال: «ولم؟» ، قال: PageV01P232 # نازعتني قائم سيفي، قال: فسكت (1) . # وأيضا فقد قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة من بني قريظة لحدث ~~أحدثته، في جملة من قتل من رجالهم. خرجه أبو داود وغيره (2) . PageV01P233 # وقال ابن هشام (1) في كتاب «المغازي» لابن إسحاق: هي التي طرحت الرحى على ~~خلاد بن سويد فقتلته. # قال ابن إسحاق (2) : استشهد يوم بني قريظة من المسلمين، ثم من بني الحارث ~~بن الخزرج: خلاد بن سويد، طرحت عليه رحى فشدخته شدخا شديدا، فزعموا أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن له أجر شهيد» (3) . # ومن طريق النظر: إن من تعرض للقتال، لو ترك ولم يدفع ويقاتل؛ لأفضى إلى ~~الاستكثار من أذى المسلمين وقتلهم، وذلك باطل، لايحل إقراره باتفاق، ولكان ~~يكون في ذلك لو ترك تسليط على المؤمنين، والله -تعالى- يقول: {ولن يجعل ~~الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} [النساء: 141] . وهذا من النظر الصحيح ~~الذي يقر به ويستعمله أهل الظاهر وغيرهم؛ لأنه رد إلى كتاب الله # -تعالى- وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وليس هو من القياس في شيء. # وذكر ابن المنذر (4) قال: حكى أشهب، عن مالك، أنه سئل عن نساء العدو ~~PageV01P234 # وصبيانهم يكونون على الحصون، يرمونهم بالحجارة، ويعينون على المسلمين، ~~أيقتلون؟ فقال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء ~~والصبيان. ونحو ما روى ابن المنذر من قول مالك يقول جماعة من أصحابه (1) . ~~وقال ابن حبيب في النساء والصبيان: إن كان قتالهم بالسيف والرمح ونحوه ~~قتلوا في حال المدافعة، وإن كان بالحجارة ونحوها من فوق الحصن لم يقتلوا ~~(2) . وقاله غيره من أصحاب مالك. # فأقول: ms078 إنه ليس لأحد يذهب إلى أنهم لا يقتلون في حال الدفاع إذا ما ~~قاتلوا حجة، وإن تعلق متعلق بظاهر العموم في النهي عن قتل النساء والصبيان؛ ~~لم يصح له ذلك بعد قيام الدليل على تخصيصه. # ثم اختلف الذين رأوا قتل من قاتل من النساء والصبيان: هل يكون الحكم كذلك ~~فيهم إذا قاتلوا ثم قضي القتال وقد أسروا؟ فقيل: إنه يجوز قتلهم، كالحال في ~~أسرى الرجال، ومستند من ذهب إلى ذلك أنهم قد استوجبوا القتل لقتالهم، ~~وخرجوا من أن يكونوا فيمن وقع النهي عن قتله، فحكمهم بعد في القتل أو الترك ~~كحكم سائر الأسرى، حسبما نذكره بعد بحول الله -تعالى- (3) . وقيل: إنهم لا # يقتلون إلا في المدافعة وحال القتال فقط، ودليل من ذهب إلى ذلك: عموم ~~النهي عن قتلهم، وأن التخصيص إنما يتناول بيقين حال المدافعة، فبقي ماوراء ~~ذلك على عمومه، وهذا أرجح. والله أعلم. # وكلا القولين مروي عن أصحاب مذهب مالك (4) . PageV01P235 # فصل # اختلفوا في رمي حصون العدو بالمنجنيق ونحوه من المهلكات، وفيهم النساء ~~والذرية (1) وأسارى المسلمين؛ فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي ~~وغيرهم إلى جواز ذلك في الجملة على ما نفصله عنهم، وقيل: لا يجوز ذلك. ذكر ~~فضل أن ابن القاسم من أصحاب مالك روى عنه المنع من رميهم بالمجانيق، أو ~~إرسال الماء عليهم ليغرقوا إذا كان معهم النساء والأطفال (2) . # فأما أبو حنيفة، فذهب إلى جواز رميها وتحريقها عليهم بالنار، وإن كان ~~PageV01P236 # فيها الأسارى والأطفال، وكذلك عنده: لو تترسوا بالمسلمين، رموا -أيضا-. ~~قال: ويقصد بذلك من فيها من الكفار، فإن أصابوا في ذلك مسلما فلا دية ولا ~~كفارة (1) . # وقال الشافعي: لا بأس برمي الحصن بالمنجنيق والنار، وكل ما فيه نكاية، ~~وفيه النساء والأطفال، ولم ير رميهم إذا تترسوا بالمسلمين إلا في حال ~~الاضطرار حيث يخافهم المسلمون على أنفسهم إن كفوا عنهم، فحينئذ يقاتلون، ~~ولا يتعمد قتل مسلم. وقد قيل: يكف عنهم على كل حال إذا لم يكن بد من إصابة ~~المسلم، وأي مسلم أصيب ممن لم يقصد الرامي قصده بالرمية ولم ms079 يره، فعليه ~~تحرير رقبة، ولا دية له، وإن كان رآه، وعرف مكانه ورمى، وهو مضطر إلى ~~الرمي، فعليه دية وكفارة، وإن تعمده ولم يكن مضطرا فالقصاص (2) . # وقال الأوزاعي (3) : يرمى الحصن بالمنجنيق والنار، وإن كان فيه أسرى ~~PageV01P237 # المسلمين، فإن أصيب أحد من المسلمين؛ فهو خطأ تكون فيه الكفارة والدية، ~~ورأى أن يكف عنهم، إذا تترسوا بالمسلمين. # وعن مالك إجازة الرمي بالمنجنيق، ومنع التحريق بالنار، إلا أن يكون الحصن ~~ليس فيه إلا المقاتلة فقط، فعنه في ذلك روايتان: الإجازة والمنع، ولا # أعلم له في التترس قولا، وظاهر مذهبه المنع (1) . # فأما دليل جواز رمي الحصون في الجملة، وفيها الذراري: فما خرجه مسلم ~~والبخاري عن الصعب بن جثامة قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~الدار من المشركين يبيتون، فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: «هم منهم» . # زاد البخاري، قال: وسمعته يقول: «لاحمى إلا لله ولرسوله» (2) . وقوله - ~~صلى الله عليه وسلم - PageV01P238 # -وقد قيل له: لو أن خيلا أغارت من الليل، فأصابت من أبناء المشركين- قال: ~~«هم من آبائهم» . خرجه مسلم (1) . # فهذا في نساء المسلمين وأبنائهم ظاهر، فأما الأسرى من المسلمين يكونون ~~معهم في الحصون، فدليل من أجاز ذلك هو من طريق المعنى، وذلك أن قوله في ~~أبناء المشركين: «هم من آبائهم» ليس على معنى أنهم كفار؛ لأنهم لم يبلغوا، ~~فلم يخاطبوا بعد بالإيمان، ولم يجر عليهم التكليف، فلا يصح إطلاق وصف الكفر ~~عليهم، لكن معنى: «هم منهم» : رفع الحرج عن المسلمين في إصابتهم بحكم ~~الاضطرار، ومعرة الاقتحام، أي: لا مأثم يلحق في إصابتهم، فكذلك يجري المعنى ~~في حكم الأسرى من المسلمين إن أصيب منهم أحد في أثناء الاقتحام، ووجه المنع ~~في الجملة على نحو ما روي عن ابن القاسم -أن لا يرموا بالمجانيق إذا كان ~~معهم # النساء والأطفال- عموم النهي عن قتلهم؛ ولأن الحديث في إرخاص ذلك إنما ~~جاء في البيات والغارات، حيث تدعو الضرورة إلى المباغتة، ولا يوقن بالذراري ~~أن يصابوا. # وأما رمي الحصون، وقد علم مافيها من الذرية، والأمر فيهم على الروية وعدم ~~الاضطرار، ms080 فليس مما أبيح من ذلك، وهذا ونحوه هو الذي يتوجه لهذا القول. # والأولى -إن شاء الله- والذي نختاره التفصيل في ذلك، فنقول: # أما إن لم يعلم في الحصن أحد من أسارى المسلمين، فالأظهر جواز رميهم، مع ~~كون النساء والذرية في جملتهم، بدليل الحديث في قوله: «هم منهم» ، إذا لم ~~يقصدوا، وكان إصابتهم لضرورة الاقتحام؛ ولقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~فيهم: «لا حمى إلا لله ولرسوله» ، وأما إن كان في الحصن أحد من أسارى ~~المسلمين، يعلم ذلك، PageV01P239 # فالأظهر توقي استعمال ما لا يؤمن فيه إصابتهم، فإن علم أن ذلك لا يصيب ~~الأسرى، فلا بأس، وذلك لأن حديث الصعب بن جثامة لم يجر فيه ذكر مسلم، إنما ~~هو في نساء المشركين وأبنائهم، فلا يستباح بذلك الاجتراء في أمر المسلمين، ~~وأظهر من هذا والأتم حجة قول الله -تعالى- في تأخير القتال عن أهل مكة عام ~~الحديبية {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم ~~منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين ~~كفروا منهم عذابا أليما} [الفتح: 25] . فهذا نص في وجوب التوقي، فإن قيل: ~~إن ذلك خاص بأهل مكة، فهودعوى؛ لأن الله -تعالى- إنما جعل الحرمة في ذلك ~~للإيمان لا للبلد، وهذا التفصيل والفرق الذي اخترناه إنما نعني به الحكم في ~~قتال الحصون، وحيث لا ضرورة تدعو المسلمين لكسر العدو ومدافعتهم (1) ، وأما ~~عند لقاء جيوش المشركين، وفيهم أسارى من المسلمين، فأرجو -إن شاء الله- أن ~~يكون كل شيء مما ينكى به العدو سائغا، سواء أمن أن يصيب الأسرى من ذلك شيء ~~أو لا، إلا أنهم لا يتعمدون، ويتحفظ عنهم بقدر الوسع، وذلك أن في الكف عن ~~القتال، وترك الدفاع في مثل هؤلاء الذين برزوا للمسلمين هلاكا للناس، ~~وتمكينا لأهل الكفر من الإسلام {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين ~~سبيلا} [النساء: 141] ، وهذا كله ما لم يتترس الكفار بالمسلمين، فإن تترسوا ~~بهم، بحيث لا يمكن قتالهم إلا من وراء قتل مسلم، فالأرجح الذي نختاره الكف ~~جملة، والقتال لا نراه على حال ms081 من غير تفصيل في قتال الحصون أو الجيوش؛ لأن ~~ذلك إن لم تكن ضرورة، فلا خفاء # به، وإن كانت ضرورة بحيث يبقي المسلمون على أنفسهم في الكف عن القتال، ~~فذلك -أيضا- موجود إذا قاتلوا بقتلهم المسلمين الذين تترس بهم العدو، من ~~غير حق وجب عليهم مبيح لدمائهم، وليس لأحد أن يقتل PageV01P240 # مسلما بريئا لينجو بذلك من القتل (1) . # وأما ما وقع الاختلاف فيه من رمي الحصون بالنار، فنذكر وجهه، والأرجح منه ~~-إن شاء الله- في الفصل بعد هذا. # وأما اختلافهم في إيجاب دية من أصيب في ذلك من أسرى المسلمين فسببه: هل ~~يحمل ذلك على الخطأ المحض، فتجب فيه الدية؟ أو لما كان القتال مباحا مأذونا ~~فيه على الأدلة المتقدمة، كانت الإصابة فيمن أصيب مستندة إلى الإذن الشرعي، ~~فلم يكن له حكم الخطأ؟ وهذا ضعيف؛ لأن إصابة المسلم لم يكن فيها إذن بحال، ~~والقول بإثبات الدية أولى، ويبين ذلك حديث جرير بن عبد الله، خرجه أبو داود ~~-وقد تقدم- قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية إلى خثعم، ~~فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، فأمر لهم بنصف العقل، وقال: «أنا بريء من كل مسلم يقيم ~~بين أظهر المشركين» (2) ، فيحتمل -والله أعلم- أن يكون أهدر النصف الثاني؛ ~~لأنهم أعانوا على أنفسهم PageV01P241 # بالإقامة مع المشركين، ألا ترى إلى قوله في الحديث: «أنا بريء من كل مسلم ~~يقيم بين أظهر المشركين» . # فأما الأسرى فلا إعانة منهم على أنفسهم، ففيهم الدية كاملة إن أصيبوا (1) ~~، وبالله التوفيق. PageV01P242 # فصل # اختلفوا في قتل العدو بغير السلاح، كالتحريق بالنار والتغريق، وما أشبه ~~ذلك من ضروب القتل التي فيها تعذيب أو تمثيل، فأما المقدور عليه منهم فلا ~~أعلم في ذلك خلافا (1) ، وأنه لا يجوز تحريق أعيان العدو إذا أمكن قتلهم ~~بغير ذلك، ولم يكونوا هم حرقوا أحدا من المسلمين، والأصل في ذلك حديث ~~البخاري (2) ، عن # أبي هريرة قال: بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعث فقال: «إن ~~وجدتم فلانا وفلانا (3) فأحرقوهما ms082 بالنار» ، ثم قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حين أردنا الخروج: «إني أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا، وإن ~~النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما؛ فاقتلوهما» . # وخرج مسلم (4) ، عن شداد بن أوس قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم ~~فأحسنوا القتلة، وإذا PageV01P243 # ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» . # وفي كتاب أبي داود، عن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «أعف الناس قتلة: أهل الإيمان» (1) . PageV01P244 # وفيه عن سمرة بن جندب، وعن عمران بن حصين -أيضا-، كلاهما قال: كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يحثنا على الصدقة، وينهانا عن المثلة (1) . ~~PageV01P245 # وفي حديث بريدة، من طريق مسلم (1) ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~وصيته لأمراء PageV01P246 # جيوشه: «لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا» . # وأما ما كان في شأن العرنيين (1) ، فقصاص أو منسوخ، على خلاف في ذلك. قال ~~البخاري في كتابه (2) -بعد ذكر قصتهم-: قال أبو قلابة: قتلوا، وسرقوا، ~~وحاربوا الله ورسوله، وسعوا في الأرض فسادا. وفي كتاب مسلم (3) ، عن أنس # قال: إنما سمل النبي - صلى الله عليه وسلم - أعين أولئك؛ لأنهم سملوا ~~أعين الرعاء. # فأما إذا لم يمكن الوصول إلى نيل العدو والاستيلاء عليهم إلا بالتحريق ~~بالنار، كما لو اعتصموا بالحصون والغيران، ومثل أصحاب السفن في البحر، فهذا ~~شيء كرهه جماعة من أهل العلم، وأباحه غيرهم؛ فممن روي عنه جواز ذلك: ~~الشافعي وأبو حنيفة والثوري، وقاله الأوزاعي، وممن روي عنه المنع جملة: ~~مالك -رحمه الله- في إحدى الروايتين عنه، وأباح ذلك في رواية، بشرط أن لا ~~يكون في الحصن إلا المقاتلة، دون النساء والصبيان (4) ، واستخف في قتال ~~السفن في البحر الرمي بالنار، وإن كان فيهم النساء والصبيان، ولم يختلف في ~~جواز ذلك في السفن PageV01P247 # أحد من أصحاب مذهب مالك، وإنما اختلفوا إذا كان في سفينة المشركين أحد من ~~أسارى المسلمين؛ فقال أشهب: يجوز، وقال ابن القاسم: لا يجوز، وهو المروي عن ~~مالك ms083 (1) . وروي عن عمر -رضي الله عنه- كراهة رمي المشركين بالنار (2) . # فوجه جواز القتال (3) بالنار قوله -تعالى-: {واقتلوهم حيث وجدتموهم} ~~[النساء: 89] ، ولم يخص قتلا من قتل، مع قوله -تعالى-: {وأعدوا لهم ما ~~استطعتم من قوة} [الأنفال: 60] ، ووجه المنع: تخصيص السنة ذلك في غير ~~المثلة. # وللآخرين أن يقولوا: يختص النهي عن المثلة بالمقدور عليه؛ ألا ترى أن قطع ~~الأيدي والأرجل وغير ذلك من المثلة، وهو جائز باتفاق في حال المقاتلة، # إذا لم يتمكن منه إلا بذلك، وهذا أظهر، والله أعلم. # ووجه تفريق مالك بين قتال السفن وقتال الحصون؛ إنما هو بحسب الحال ~~والاضطرار، لأن أهل السفن إن لم يعاجلوا بذلك وغيره، فعلوا هم بسفينة ~~المسلمين مثل ذلك، فكان فيه الهلاك، واستيلاء أهل الكفر على المسلمين، ~~بخلاف أهل الحصون؛ لأنهم لايتمكنون إذا انحصروا من المسلمين، فأمرهم في ذلك ~~مختلف (4) . # فصل # واختلفوا في تحريق الديار والشجر المثمر والزرع، وقتل الحيوان، فذهب ~~PageV01P248 # مالك (1) ، وأبو حنيفة (2) وأصحابه، والثوري (3) إلى جواز ذلك كله: تخريب ~~الديار، وقطع الأشجار، وإحراقها، وذبح الماشية والدواب، إذا لم يقدروا على ~~إخراجها، إلا أن بعض أصحاب مالك (4) رأى أن تعقر بالإجهاز عليها، ولا تذبح، ~~قيل: لئلا تتشبه بالذكية، يعني: إن ذبحها للإتلاف ينافي النية للتذكية، وهي ~~شرط في صحتها، فتكون ميتة في الحكم، فربما مر بها أحد من المسلمين وهي ~~مذبوحة، فاستباح أكلها بذلك، وإذا عقرت بغير الذبح كان الأمر بينا أنها ~~ميتة. وقال ابن # حبيب (5) : PageV01P249 # لأن الذبح مثلة، وأظنه يعني فيما لم تجر العادة بذبحه؛ إما لأن استعماله ~~في الأكل قليل كالخيل، أو محرم كالحمير والبغال. # وقال الشافعي (1) : يحرق الشجر المثمر والبيوت، إذا كانت لهم معاقل، وكره ~~إحراق الزرع والكلأ، وقتل الحيوان، وكذلك قال في الدابة تقوم على الرجل: ~~يتركه ولا يعقره؛ لأنه روح يألم بالعذاب، ولا ذنب له. # وأجاز مالك عقر الفرس يقف على صاحبه في دار الحرب، قال: ولا يتركه يتقوى ~~به العدو (2) . # وقال أبو محمد بن حزم (3) : يجوز تحريق أشجار المشركين وزروعهم ~~PageV01P250 # وأطعمتهم التي لا يقدر المسلمون على حملها، وحرق ms084 دورهم وهدمها، ولا يحل ~~عقر شيء من حيوانهم البتة إلا الخنازير. # وذهب قوم إلى منع ذلك كله، روي عن الأوزاعي والليث (1) كراهية إحراق # النخل والشجر المثمر، وتخريب شيء من العامر، وأن تعاقب (2) البهائم، وهو ~~ظاهر ما ذهب إليه الصديق -رضي الله تعالى عنه-، الذي رواه عنه مالك في ~~«موطئه» حين أوصى بعض أمراء جيوشه (3) ، فقال: « ... وإني موصيك بعشر: لا ~~تقتلن امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما، ولا تقطعن شجرا مثمرا، ولا تخربن ~~عامرا، ولا تعقرن شاة ولا بعيرا، إلا لمأكلة، ولا تحرقن نحلا ولا تغرقنه، ~~ولا تغلل ولا تجبن» (4) . PageV01P251 # فذهب بعض من تأول ذلك (1) من قوله، إلى أنه إنما نهى عن تخريب الشام؛ # لأنه علم ضعف العدو، ورجا مصير ذلك عن قرب للمسلمين موفورا (2) ، ونحو ~~ذلك روي عن مالك أنه تأوله (3) . # فأما حجة من أجاز ذلك في الجملة: فعموم قوله -تعالى-: {ولا ينالون من عدو ~~نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح} [التوبة: 120] ، وحديث عبد الله بن عمر، ~~PageV01P252 # أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرق نخل بني النضير، وقطع، وهي ~~البويرة؛ فأنزل الله -عز وجل-: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على ~~أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين} [الحشر: 5] ، خرجه مسلم وغيره (1) . # وخرج أبو داود (2) ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان عهد ~~PageV01P253 # إليه (1) فقال: «أغر على أبنى صباحا وحرق» . # وأما دليل من استثنى عقر الحيوان، فلأنه من باب المثلة والتعذيب، وقد ثبت ~~النهي عن ذلك (2) ، وأيضا فالتصرف المباح في الحيوان ليس فيه القتل لغير ~~مأكلة. # خرج مسلم (3) ، عن أنس قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~تصبر البهائم. PageV01P254 # واحتج الشافعي في ذلك بحديث رواه مسندا عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قتل عصفورا فما فوقها بغير حقها ~~سأله الله عن قتلها» ، قيل: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: «أن يذبحها ~~فيأكلها، ولا يقطع رأسها فيرمي به» (1) . PageV01P255 # فكان الأرجح -إن شاء الله- جواز النكاية في العدو بالتخريب ms085 والتحريق ~~والقطع، وما عسى أن يكون فيه نيل منهم، إلا قتل الحيوان خاصة لغير مأكلة؛ ~~للأدلة الثابتة التي قد ذكرنا، فأما ما كان من ذلك في حال دفاع العدو، ~~فجائز قتل الخيل، إذا لم يقدر على راكبها إلا بذلك؛ للأدلة التي تقدم ~~تقريرها في مثل ذلك؛ PageV01P256 # لضرورة الدفاع، وكذلك قال الشافعي وأهل الظاهر وغيرهم (1) . # قال الشافعي (2) : «ذلك كالمشرك، له أن يرميه بالنبل والنار والمنجنيق، ~~فإذا صار أسيرا في يديه لم يكن له أن يفعل ذلك به، وكان له قتله بالسيف، ~~وكذلك له أن يرمي الصيد فيقتله، فإذا صار في يديه لم يقتله إلا بالذكاة ~~التي هي أخف عليه» . # وأما من منع التخريب والقطع والتحريق وسائر ما ذكر في الباب، فيحتمل # أن يكون مستندهم في ذلك -والله أعلم-: عموم النهي عن الإفساد في الأرض، ~~وإتلاف المال في غير انتفاع أذن به الشرع، ويحملون ما ثبت من التحريق ~~والقطع في بني النضير، ومانزل في ذلك من القرآن على أن ذلك خاص فيهم، وربما ~~تأول بعض المتعسفين في ذلك: أن قطع ما قطع في بني النضير لم يكن على جهة ~~التخريب والتنكيل، وإنما اضطروا إليه؛ لأن ذلك كان مجال (3) المقاتلة، أو ~~نحو هذا، مما صرفوه به إلى الضرورة، وكل ذلك بعيد ضعيف (4) . # فصل: في الأسرى وأحكامهم، وما يجوز من التصرف فيهم # أجمع أهل العلم على جواز النكاية بالأسر في جميع الكفار عاما، في الرجال ~~والنساء والذرية، وعلى اختلاف أحوالهم ممن فيه أهلية القتال، أو به عجز عن ~~ذلك؛ كالمرضى والزمنى وغيرهم، إلا خلافا في الرهبان المنقطعين في الصوامع ~~والديارات، وحيث ينفردون، فلا يكون منهم أذى بتدبير ولا غيره؛ فذهب قوم إلى ~~أنه لا يعرض لهم بأسر، كما لا يعرض لهم بالقتل عندهم، وهو قول مالك، # ورأى مع ذلك أن تترك لهم أموالهم ولا يسلبوها (5) ، ثم اختلفوا بعد فيما ~~يفعل PageV01P257 # بالأسرى من الرجال على أقوال: # فذهب قوم إلى قتلهم ولا بد، وقوم إلى استحيائهم، والمنع من قتلهم، وفرق ~~قوم بين الأسر بعد الإثخان، وهو ms086 استمرار القتل، فأجازوا هناك الأسر للمن ~~والفداء والاسترقاق، وبين الأسر قبل الإثخان؛ فمنعوا هناك الاستحياء، ~~وأوجبوا فيهم القتل، وكذلك فرق بين أسارى أهل الكتاب وأسارى الوثنيين؛ فلم ~~يجيزوا في الوثنيين إلا القتل، وذهب جمهور العلماء إلى أن الإمام مخير في ~~الأسارى بحسب الاجتهاد في مصالح المسلمين، وسبب الخلاف تعارض الآي في ذلك، # وما الناسخ منها من المنسوخ، أو: هل ذلك كله محكم، والجمع بينه ممكن؟ # فأما من ذهب إلى قتل الأسير ولا بد، فدليله قوله -تعالى-: {فإما تثقفنهم ~~في الحرب فشرد بهم من خلفهم} [الأنفال: 57] ، وقوله -تعالى-: {فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] ، ورأوا هذا ناسخا لقوله -تعالى-: ~~{فإما منا بعد وإما فداء} [محمد: 4] ، ولا يجوز عندهم أن يفادى إلا ~~بالمرأة؛ لأنها لا تقتل، وإليه ذهب قتادة (1) ومجاهد (2) والحكم، وروي عن ~~ابن جريج PageV01P258 # والسدي نحوه (1) ، إلا أنهم قالوا: إن آية المن والفداء إنما كانت في أهل ~~الأوثان من العرب، فنسخ ذلك، فلا يجوز فيهم إلا القتل، وفرقوا بينهم وبين ~~أهل الكتاب (2) . # وأما من ذهب إلى استحياء الأسرى، ومنع من قتلهم، ورأوا أن حكمهم المن أو ~~الفداء، فدليلهم قوله -تعالى-: {فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء} ~~[محمد: 4] ، PageV01P259 # ورأوا هذا ناسخا لعموم قوله -تعالى-: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ~~[التوبة: 5] ، وإليه ذهب الضحاك (1) ، وقال نحوه: عطاء (2) # والحسن (3) ، وكذلك روي عن ابن عمر كراهة PageV01P260 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P261 # قتلهم (1) . # وفي اعتقاد النسخ في مثل هذا عندي نظر، قد تقدم التنبيه على مثله، وأيضا ~~فإن سورة (براءة) من آخر ما أنزل في ذلك، فكيف نسخه ما نزل قبله، لكن قد ~~يحتمل أن يريدوا بالنسخ: التخصيص لعمومها، فإن المخصص قد يتقدم، وقد يتأخر، ~~بخلاف النسخ؛ لا يصح تقدم الناسخ بحال، فتحمل الآية عندهم على قتل غير ~~الأسرى، وفي تسمية هذا ناسخا تساهل (2) . PageV01P262 # وأما من ذهب إلى التفريق بين الإسار قبل الإثخان وبعده، فدليلهم: ظاهر ~~الآية في قوله -تعالى-: {فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق} ~~[محمد: 4] ، فلم يؤذن في الإسار إلا بعد الإثخان والقتل، وإليه ذهب سعيد بن ~~جبير (1) . # وأما ms087 الجمهور الذين ذهبوا إلى تخيير الإمام بحسب الاجتهاد في المصالح؛ ~~فإنهم استعملوا جميع الآي الواردة في ذلك، على ما نذكره -إن شاء الله ~~تعالى- لإمكان الجمع بينهما، وإذ لا دليل على أن شيئا من ذلك منسوخ؛ روي ~~هذا القول عن ابن عباس (2) ، وعليه أهل المدينة، وكذلك يجئ مذهب مالك، ~~والشافعي، PageV01P263 # وأبي ثور، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد، وغيرهم (1) ؛ لأنهم كلهم يرون جواز # القتل والمن والفداء للإمام بحسب ما يرى في الأسرى من مصلحة المسلمين. # وقال أبو حنيفة (2) : لا يجوز المن ولا الفداء، كأنه رأى ذلك منسوخا، ~~ووجه PageV01P264 # الجمع في ذلك أن الله -تعالى- يقول: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ~~[التوبة: 5] ، فعموم هذا يقتضي القتل في كل مشرك قبل الإسار وبعده، إلا أن ~~يخصصه دليل، وكذلك قوله -تعالى-: {فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من ~~خلفهم} [الأنفال: 57] ، وقال -تعالى-: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى ~~يثخن في الأرض} [الأنفال: 67] ، فكان استحياء الأسرى قبل الإثخان محظورا، ~~كما دل عليه عموم آية السيف، وكان في ظاهر الخطاب من هذه الآية ترخيص في ~~اتخاذ الأسرى بعد الإثخان، وقال -تعالى-: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب ~~الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء} [محمد: 4] ~~، ففي هذا إباحته بعد الإثخان تصريحا، فكان بيانا لما تقدم، وتخصيصا لعموم ~~ذلك، وليس قوله -تعالى-: {فإما منا بعد وإما فداء} [محمد: 4] على معنى أنه ~~واجب، حتى لا يتصرف في الأسير إلا بذلك، فيكون القتل ممنوعا فيه، لكن هو ~~على معنى التخصيص؛ لعموم الأمر بإيجاب القتل حيثما ثقفوا، فهو إباحة ~~للاستحياء في حال الأسر من غير منع القتل. # ويدل على أنه إباحة لا وجوب: قوله -تعالى-: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى ~~حتى يثخن} [الأنفال: 67] فجعل ذلك له، ولو كان واجبا لقيل: عليه، فإن نوزع ~~في شيء من ذلك على مذهب من لا يراه، عضد هذا التأويل بما ثبت من قتل النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، من جملة أسارى ~~بدر (1) ، PageV01P265 # واستحياء ms088 آخرين (1) ، وقتل بني قريظة (2) ، ومن على أهل خيبر، فلم ~~يقتلهم، افتتحها PageV01P266 # عنوة، فقسم أرضها، ومن على رجالهم، فتركهم عمالا في الأرض والنخل على ~~الشطر (1) ، حتى أخرجهم عمر حين استغنى عنهم (2) . وفدى رسول # الله - صلى الله عليه وسلم - رجلين من المسلمين برجل من المشركين من بني ~~عقيل (3) ، فدل ذلك كله على جواز القتل والمن والفداء، وكل ذلك بيان ما ~~تضمنه القرآن، فيكون على هذا جميع الآي محكما. # أما آية السيف في (براءة) وكل آية في مثل معناها، فتحمل على نسخ الموادعة ~~وإيجاب القتل والقتال حال ممانعة العدو، وأما الآيتان؛ ففي أحكام الأسرى ~~بعد الاستيلاء عليهم بالقتال والط‍لب، ولهذا قال -تعالى- في صدر آية ~~الفداء: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} [محمد: 4] ، يعني: حال ~~PageV01P267 # الممانعة، ويتقرر على هذا: أنه لا يسوغ الأسر إلا بعد الإثخان، كما قال ~~سعيد، ثم يكون الاجتهاد فيهم بعد بالوجوه المذكورة للإمام؛ قال مجاهد (1) : ~~الإثخان: القتل، وقال محمد بن إسحاق صاحب «المغازي» (2) : «حتى يثخن في ~~الأرض: أي: ثخن عدوه حتى ينفيه من الأرض» . وقال أبو عبيدة (3) : معناه: ~~حتى يغلب ويبالغ. وهذا الوجه الذي قررنا الاستدلال عليه هو -إن شاء الله- ~~أرجح الأقوال؛ # لأن اعتقاد النسخ لا يحسن إلا حيث يقوم عليه الدليل بالتوقيف ونحوه، أو ~~حيث لا يمكن الجمع البتة، ويعلم المتأخر مع ذلك، فيكون هو الناسخ، وإلا فهو ~~ظن، والله -تعالى- يقول: {وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} [النجم: 28] ، ~~فإذا تقرر ذلك فالأسرى يجوز فيهم للإمام القتل والمن والفداء، وكذلك ~~الاسترقاق، هذا ما لم يختلف فيه الصائرون إلى هذا المذهب: مالك، والشافعي، ~~وأبو ثور، وأحمد، وأبو عبيد، وغيرهم، ومنع أبو حنيفة المن والفداء، وخير ~~بين الاسترقاق والقتل (4) . # فأما ضرب الجزية؛ ففي شروط ذلك والقول به عاما في الكفار أو خاصا خلاف، ~~نذكره -إن شاء الله- في (الباب التاسع) ، حيث أفردناه للجزية وأحكامها، ~~ونتعرض في هذا الموضع للتنبيه على أحكام سائر الوجوه غير الجزية، وذكر ~~مسائل مما يتعلق بذلك -إن شاء الله تعالى-. PageV01P268 # فصل # يكون نظر الإمام في الأسرى بحسب الاجتهاد ms089 والمصلحة لأهل الإسلام، فمن ~~خشيت شجاعته منهم وإقدامه، أو رأيه وتدبيره، وما أشبه ذلك (1) من الوجوه ~~التي تعود بتقوية بأس العدو على المسلمين في بقائه؛ كان الأولى قتله، إلا ~~أن يعرض هناك ما يمنع، وتكون مراعاته أهم، مثل أن يكون في بلاد الكفر أسير ~~من المسلمين، لا يستطاع إخراجه إلا بالمفاداة بهذا، وما أشبه ذلك من وجوه ~~النظر في الحال، وذلك غير منحصر، بل هو بحسب ما يرى الحاضر والمجتهد، ومن ~~لم يكن من الأسرى على هذه الصفة، وكان في المفاداة به مصلحة وتقوية ~~للمسلمين بالمال، وما أشبه ذلك مما لا ينحصر -أيضا- من وجوه النظر، فالأولى ~~المفاداة، ومن يرجى إسلامه بعد، أو الانتفاع به في استمالة أهل الكفر أو ~~كسر شوكتهم، وما في معنى ذلك إذا رد وأنعم عليه، فالأولى المن، ومن كان ~~صانعا أو عسيفا ينتفع بمثله في الخدمة، ولم يعرض فيه وجه من الوجوه ~~المتقدمة؛ استرق هؤلاء، أو ضربت عليهم الجزية، إن كانوا من أهلها، على حسب ~~ما يظهر من ذلك (2) . # وبالجملة، فالنظر في هذه الوجوه لمصالح المسلمين بحسب الحال أوسع من هذا، ~~وإنما نبهنا على أنموذج من طريق النظر، لا أن ذلك واجب بعينه، إلا أنه لا ~~ينبغي أن يميل إلى واحد من هذه الوجوه إلا لمصلحة في حق المسلمين، يغلب على ~~نظره واجتهاده أنها أولى، فأما القتل، فما دام الإمام مرتئيا لم يعزم على ~~واحدة PageV01P269 # مما سواه؛ ساغ له القتل، ولو بعد مدة؛ قال بعض الفقهاء: لو عرضهم للبيع ~~ليختبر أثمانهم، ويناظر بها وجه المصلحة في إحرازها للمسلمين، أو قتلهم، ~~وما أشبه هذا؛ كان له من ذلك ما رآه بعد، فإذا أنفذ نظره في واحدة من ذلك ~~غير القتل أو أسقط عنه القتل، وبقي مرتئيا فيما عداه من الوجوه؛ لم يكن له ~~الرجوع إلى القتل؛ لأنه حكم وقع يتضمن التأمين (1) ، والله أعلم. # مسائل من مفاداة الأسرى # * مسألة: # اتفق الذين رأوا الإمام مخيرا في الأسرى على جواز مفاداة رجال الكفار ~~ونسائهم بالمسلمين يكونون أسرى في دار الحرب، ms090 واختلفوا في جواز بيع الرجال ~~منهم بالمال؛ فمنعه قوم وأجازه آخرون، وكلا القولين مما قالت به طائفة من ~~المالكية (2) ، وقال الشافعي (3) وأبو ثور (4) : لا بأس ببيع السبي؛ الرجال ~~والنساء # من أهل الحرب منهم، وكره أبو حنيفة أن يباع الرجال والنساء منهم فيتقووا ~~بهم، PageV01P270 # وهذا منه جري على أصله في منع المن والمفاداة كما تقدم من مذهبه (1) ، ~~وأجاز ذلك مالك من أهل الذمة في الرجال والنساء، وقال أحمد وإسحاق: ~~لايباعون، صغارا كانوا أو كبارا من اليهود والنصارى (2) . قال الأوزاعي (3) ~~: وكان المسلمون لا يرون بأسا ببيع السبي منهم، وكانوا يكرهون بيع الرجال، ~~إلا أن يفادى بهم أسارى من المسلمين. # فوجه الجواز في الجميع: عموم قوله -تعالى-: {فإما منا بعد وإما فداء} ~~[محمد: 4] ، وذلك يشمل الفداء بالأسرى والمال، وما ثبت أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قبل فدية المال من أسارى بدر (4) ، ومما ورد في المفاداة ~~بالنساء؛ ماخرجه مسلم (5) من حديث سلمة بن الأكوع في المرأة من السبي، وكان ~~نفلها، فاستوهبها منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبعث بها إلى أهل ~~مكة ففدى بها ناسا من المسلمين كانوا أسروا بمكة. # ومما ورد في بيعهن من المشركين بالمال، ماخرجه مالك في «موطئه» (6) عن ~~أبي سعيد الخدري قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة ~~بني المصطلق، فأصبنا PageV01P271 # سبيا من سبي العرب، فاشتهينا النساء، واشتدت علينا العزبة، وأحببنا ~~الفداء، فأردنا أن نعزل، فقلنا: نعزل، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بين أظهرنا قبل أن نسأله؟، فسألناه عن ذلك فقال: «ما عليكم أن لا تفعلوا، ~~ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة» . # ووجه ما ذهب إليه من منع في الجميع -كما يقول أبو حنيفة- (1) هو ما زعم # من أن في ردهم إليهم تقوية للعدو، وكأنه يرى الفداء منسوخا، وقد تقدم ~~الرد على هذا المذهب (2) . # ووجه من منع فداء الرجال بالمال خاصة، حمل مدلول الفداء في الآية على ~~المفاداة بالمسلمين؛ لأن ذلك مما لا يختلف في أنه يتناوله اللفظ؛ فأما فدية ms091 ~~المال فلا دليل على أنه مراد في اللفظ؛ لأن ظاهر الفداء والمفاداة في اللغة ~~للمعنى الأول من حيث هو مصدر فاعل، وهو يكون غالبا فعل اثنين يتساويان فيه ~~على حد، فظاهر مدلول الفداء يقتضي أن يوجد في كل جانب أسير يفدى ويفدى به، ~~كالقتال والسباب ونحو ذلك، وحملوا ما وقع من فدية المال في أسارى بدر على ~~وجوه من التعليل، من ذلك قول بعضهم: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~علم بإعلام الله -تعالى- إياه أنه سيظهر عليهم بعد، فكان في قبول الفدية ~~مصلحة للمسلمين وتعجيل نفع، وتقوية على عدوهم، ثم كأنهم بعد في حكم ~~المأسورين بما وعد من الظهور عليهم، وفي هذا التأويل إبعاد، والقول بجواز ~~ذلك أرجح، إلا أن يعرض في شخص ما أو حال أو وقت أمر، يكون في فعل ذلك معه ~~ضرر للمسلمين؛ إما لأن الشخص المفدى ذو دهاء ومكر وانتهاض بالحرب، أو لأن ~~في عدد الأسرى المرجوعين إليهم من الكثرة ما يتقى في ذلك الوقت من عائدته ~~على المسلمين، وما أشبه ذلك، فيمنع بحسب العارض، لا أنه محظور في الأصل، ~~والله أعلم. PageV01P272 # * مسألة: # واختلفوا في جواز الفداء بأبناء الكفار الذين لم يبلغوا بعد، فقيل: ذلك ~~باطل، ولا يجوز ردهم إليهم بحال، وقيل: إن كان ذلك بأسارى المسلمين جاز، ~~وإلا فلا، وقيل: يجوز ذلك بالأسارى وبالمال، وسبب الخلاف في أصل هذه ~~المسألة هو: هل أبناء الكفار محمولون على الكفر أو على الإيمان؟ وهي مسألة ~~هائلة، عظم فيها القول، وكثر الخلاف، واتسع النظر بين العلماء، وجملة الأمر ~~الذي عليه مدار ذلك: تأويل قوله -تعالى-: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا ~~يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل ~~وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون} [الأعراف: 172] . وقوله ~~-تعالى-: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها} [الروم: ~~30] ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما من ms092 مولود إلا يولد على ~~الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهمية جمعاء، ~~هل تحسون فيها من جدعاء؟!» . خرجه مسلم (1) عن # أبي هريرة، وفيه (2) في بعض طرقه: «ما من مولود يولد إلا على هذه الملة، ~~حتى يبين عنه لسانه» ، وفيه (3) في بعض طرقه: فقال رجل: يا رسول الله! ~~أرأيت لو مات قبل ذلك؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» ، ونحو هذا قال ~~في أطفال المؤمنين، فظواهر هذا كله، أنه ما لم يبلغ؛ فيدين بدين أبويه، أو ~~يكفر ابتداء من نفسه، إن لم PageV01P273 # يكن أبواه كافرين فهو على حكم الإيمان، وهو في الجنة (1) إن مات كأطفال ~~المؤمنين، وإلى ذلك ذهب جماعة من أهل العلم (2) ، فهذا وجه، وثبت أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال في أبناء المشركين يصابون في البيات ~~والغارة: «هم من آبائهم» (3) ، فحكم لهم في ذلك بحكم الكفر، فذهب إلى حملهم ~~على أحكام الكفر # جماعة (4) -أيضا-، وتأولوا ظواهر ما تقدم، وقال أهل المذهب الأول: معنى ~~قوله: «هم من PageV01P274 # آبائهم» : إنما يراد به نفي الحرج والإثم في إصابتهم على وجه الضرورة من ~~غير قصد. # ثم اختلف القائلون بأنهم محمولون على الكفر: هل ذلك على الإطلاق في أحكام ~~الدنيا والآخرة حتى يستوجبوا التخليد في النار؟ أو هو خاص بأحكام الدنيا؟ ~~كرفع المأثم فيهم عن أهل البيات، والدية عن قاتلهم خطأ، كجواز استرقاقهم ~~بالأسر من دار الحرب، وترك الصلاة على من مات منهم، وثبوت التوارث بينهم ~~وبين سائر الكفار إذا كانوا أحرارا، وما أشبه ذلك من أحكام الدنيا؟ # وأما أحكام الآخرة؛ فإلى الله؛ فهو أعلم بما كانوا عاملين، مصيرا إلى ما ~~وقع من ذلك في الحديث؛ فتلك ثلاثة مذاهب. # وبالجملة؛ الخوض في تفصيل النظر في المسألة، ومواقع الخلاف، وبسط وجوه ~~الأدلة والاعتراض عليها، والتفريع عنها، فذلك له غرض كبير ليس هذا موضع ~~استقصائه، وكأن الظاهر عند ترجيح الأدلة، والأولى في حمل بعضها على بعض ~~بالبناء على قواعد الشرع المعلومة في اختصاص وجوب التكليف بالبالغ، ورفع ~~الإثم، والاتصاف بالمعصية عن غير ms093 البالغ، يشهد لمن ذهب إلى أنهم على أحكام ~~المؤمنين (1) ، وأنهم في الجنة إذا ماتوا قبل البلوغ بكل حال -إن شاء ~~الله-. PageV01P275 # وأما أحكام الدنيا على هذا المذهب، فما خصهم الشرع به من حكم فهو كما خص، ~~وما لا، فهم فيه على سائر أحكام المؤمنين، وعند ذلك يتضح لك، ولا يخفى ~~عليك، أن جواز فدائهم أو المفاداة بهم لا تصح بحال، وعلى هذا فحكمهم أن ~~يجبروا على الإسلام، إذا كانوا في أيدي المسلمين، فمن أبى منهم عوقب وأدب ~~ما دام صغيرا، فإذا بلغ ولم يجب إلى ذلك، فحكمه حكم المرتد، يستتاب، فإن ~~تاب وإلا قتل. # وأما من أجاز فيهم المفاداة بالأسرى وبالمال على كل حال، فإنهم غلبوا ~~الظواهر الدالة على إلحاقهم بالكفار، وحملوهم على أحكام الكفر؛ إما مطلقا # -كما تقدم-، وإما مقيدا بأحكام الدنيا عموما، إلا ما خص الشرع من ذلك، ~~وهو النهي عن قتلهم. # وأما من فرق فيهم بين الفدية والمفاداة، فكأنه أشكل عليه الأمر فيهم؛ لما ~~وقع من تعارض الأدلة عنده، ولظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - -وقد سئل ~~عمن مات منهم قبل البلوغ- فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (1) ، فاستخف ~~ذلك في المعاوضة بالمسلم الذي هو على يقين من الحكم بإيمانه، ومنعه في ~~المال، وكأن هذا أخف من إباحة ذلك على الإطلاق، وكل هذا الخلاف إنما هو ما ~~لم يسلم أبوا الطفل المسبي، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فأبواه يهودانه ~~وينصرانه ويمجسانه» (2) ، فأما إن أسلما فهو إجماع أن للطفل حرمة الإسلام، ~~وجميع أحكامه، فإن أسلم أحدهما دون الآخر PageV01P276 # ففيه خلاف (1) ، وكذلك إن لم يسلما وسبي الطفل مفردا عنهما فيه خلاف، ~~وكذلك إن سبوا جميعا ففرقت بينهم الأملاك فيه خلاف، ولا يعدو شيء من ذلك ~~المرد إلى # الأصول التي قدمنا؛ فمن أقوال أهل العلم في هذا الباب قول الشافعي (2) في ~~الصبيان من السبي إذا كانوا مع آبائهم، فلا بأس ببيعهم من أهل الحرب منهم، ~~ومن كان منهم ليس معه واحد من أبويه فلا يباعون منهم، ولا يفادى بهم؛ لأن ~~حكمهم ms094 حكم آبائهم ما كانوا معهم، فإذا تحولوا إلينا ولا والد مع أحد منهم؛ ~~فحكمه حكم مالكه، فمذهب الشافعي أن حكم الطفل منهم حكم أبويه إن كانا معه، ~~أو كان معه أحدهما، فإن لم يكن معه واحد منهما (3) ، وصار في ملك المسلمين؛ ~~فحكمه حكم المسلمين، وهو قول أبي حنيفة (4) ، وقاله أحمد بن حنبل (5) ، ~~وكلهم يقول: إن من أسلم من أبويه؛ فالولد مسلم بإسلامه، أبا كان أو أما، ~~وذكر ابن الماجشون عن أصحابه من أهل المدينة أنهم كانوا يذهبون إلى أن ~~الطفل من السبي إذا كان معه PageV01P277 # أبوه حمل على دين الأب، فيكون مسلما إن أسلم أبوه، وعلى حكم الكفر إن ثبت ~~على كفره، ولا يعتد فيهم بدين الأم على حال؛ لأنهم إلى الأب ينتسبون، وبه ~~يعرفون (1) . قال ابن الماجشون: هذا ما لم يفرق بينهم السباء، فإذا فرق ~~بينهم وبين # آبائهم بالقسم أو البيع (2) ؛ فأحكامهم حينئذ أحكام المسلمين في القصاص ~~والقود والصلاة عليهم والموارثة وغير ذلك (3) . وقال أحمد بن حنبل (4) في ~~الغلام النصراني إذا أسلم أحد أبويه: هو مع المسلم منهما، سواء كان أما أو ~~أبا، حكمه حكم المسلم منهما، وقال في الصغير إذا لم يكن معه أبواه: لا ~~ينبغي أن يفادى به، وهو عنده على حكم المسلمين، ولم ير بذلك بأسا إذا كانا ~~معه؛ لأنه على دينهما كما تقدم من قول الشافعي، وقال الأوزاعي (5) : إذا ~~كان في ملك المسلمين، فحكمه حكم أهل الإسلام؛ لأن الملك أولى به من النسب، ~~واختاره أبو عبيد (6) ، PageV01P278 # وقال: الإسلام يعلو ولا يعلى. وبه قال أبو محمد بن حزم (1) ، قال: «ولا ~~يحل أن يرد صغير سبي من أرض الحرب إليهم، لا بفداء، ولا بغير فداء؛ لأنه قد ~~لزمه حكم الإسلام بملك المسلمين له، فهو وأولاد المسلمين سواء لا فرق، قال: ~~وهو قول المزني» . وعن مالك وأصحابه في هذا الباب اختلاف واضطراب، فالمشهور ~~من مذهب مالك، أن أبناء الكفار على دين آبائهم (2) ، كانوا معهم أو لم ~~يكونوا، ولا يصلى على من مات منهم حتى يعقل الإسلام فيسلم، ويعبر ms095 عنه ~~لسانه، فإن اختلف # دين أبويه حمل عنده على دين أبيه دون أمه، وعلى هذا ما روى ابن نافع عن ~~مالك (3) في الصبي من السبي إذا أسلم، قال: لا يفدى به المسلم، وعن مالك # -أيضا- أنه قال: إذا سبي أطفالهم وليس معهم أب ولا أم، فلهم حكم ~~المسلمين، ويصلى عليهم إن ماتوا، وأجاز مع ذلك أن يفادى بهم المسلم، وهذا ~~اضطراب، وكأنه لما أشكل الأمر عنده حمله على الإسلام، ما لم يعترض حق مسلم ~~مقطوع له بحكم الإسلام، فغلب هناك حرمته في المعاوضة به، وروي عن عبد الله ~~بن عبد الحكم، قال: لا يباع الصغير مع أمه من نصراني، وهذا منه تغليب لحمله ~~على الإسلام، قال ابن المواز (4) : أما إذا ملكه مسلم، فأستحسن ذلك من غير ~~أن ألزمه إياه، وأما ما كان بيد الذمي فلا بأس بذلك، ما لم يكن للصغير أب ~~قد أسلم وعرف ذلك، وهذا يدل من قوله على الشك: في ماذا يحمل عليه أمره؟ حيث ~~قال: أستحسن ذلك ولا ألزمه. وعن مطرف وابن الماجشون وأصبغ (5) قالوا: لا ~~بأس أن PageV01P279 # يفادى الضعفاء والنساء والصبيان، ما كان الجيش بأرض الحرب، أو بفور خروجه ~~إلى بلاد الإسلام، فأما بعد تفرقهم في بلاد الإسلام وقرارهم بها، طال مكثهم ~~أو لم يطل، فلا يفادون إلا بالأسارى من المسلمين، قالوا: ولا يفادى الصغار ~~منهم بمال إذا لم يكن معهم آباؤهم، ويفادون بالمسلمين، وفي هذا من الاضطراب ~~نحو ما تقدم من قول مالك في مثله. # وأما تفريقهم في الفداء بالمال بين أن يكون ذلك بقرب الخروج إلى بلاد ~~المسلمين، أو بعد تفرقهم فيها وقرارهم وإن لم يطل، فلا وجه له. وعن أشهب ~~(1) قال: «لا بأس أن يفادى بصغار الروم الذين لم يثغروا، كانوا ذوي آباء ~~وأمهات أو لا، ولا يجبروا على الإسلام، كان لهم والدان أو لا» . وهذا جري ~~إلى تغليب أحكام الكفر عليهم، وهو وفاق ماقدمنا من مشهور مذهب مالك، إلا أن ~~تقييد أشهب بالذين لم يثغروا لا أثر له، إلا أن يريد: أن ms096 يعقلوا الإسلام ~~فيتلفظوا به، فيكون لهم حكمه، والله أعلم. # قال ابن المواز (2) في قول أشهب في إباحة فداء الصغار: «إنما يفادى بهم ~~المسلمون، وأما بغير المسلمين فأكره ذلك» . وهذا مثل ما تقدم له هو قول من ~~أشكل عليه أمرهم، فكره فداءهم بالمال، ورأى ذلك في المعاوضة بالمسلم ~~المقطوع عليه خفيفا، وهو نحو مما ذهب إليه مالك فيما تقدم من بعض أقواله، # وأجاز ابن القاسم (3) أن يباع من الروم من سبي منهم من النساء والأولاد ~~بعد أن صاروا بأيدي المسلمين ببلد العدو، وبعد أن بلغوا المصيصة (4) ؛ ~~يعني: بعض PageV01P280 # ثغور المسلمين المجاورة هناك لبلاد العدو. قال: وإني لأتقيه في الصغار؛ ~~لأنهم على دين من اشتراهم. # قوله هذا في غاية من الاضطراب؛ أجاز بيعهم من العدو، وفيه تغليب حكم ~~الكفر عليهم، ثم شك؛ حيث قال: وإني لأتقيه في الصغار، ثم قطع على الحكم لهم ~~بالإسلام؛ حيث قال: لأنهم على دين من اشتراهم، فجعل حكمهم في الدين حكم ~~المسلمين الذين صاروا بأيديهم، فهكذا تجدهم أبدا يضطربون في هذه المسألة؛ ~~لما يظهر من تعارض أصولها التي نبهنا عليها، وتجاذبها الفروع، إذا لم يعول ~~على أصل بعينه، والنظر -كما قدمناه- يشهد أن لأطفال السبي حكم الإسلام في ~~كل شيء على الإطلاق، إلا ما خصه الشرع بيقين؛ وذلك إنما هو إباحة ~~الاسترقاق، لا غير، وبالله التوفيق. # * مسألة: # إن كان بأيدي المسلمين علوج استرقوهم، وكان في دار الحرب أسرى من ~~المسلمين، فأبى أهل الحرب أن يخلوا عنهم إلا بأولئك العلوج؛ قال سحنون (1) ~~: «لا بأس أن يجبر الإمام ساداتهم على البيع، ويعطيهم الثمن، ويفدي بهم ~~المسلمين» ، وهذا صحيح، إلا أن ظاهر قوله: لا بأس، يشعر أن له سعة في أن لا ~~PageV01P281 # يفعل، بل ذلك واجب على الإمام إن هو عجز عن استنقاذهم بالقتال؛ لأن ~~افتداء المسلمين واجب بالكتاب والسنة والإجماع، قال الله -تعالى-: {وإن ~~يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب} -يعني: # افتداء الأسارى هو مما كتبه الله تعالى- {وتكفرون ببعض} [البقرة: 85] ~~يعني: قتالهم وإخراجهم. # وفي البخاري (1) ، عن ms097 أبي موسى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «فكوا العاني # -يعني: الأسير- وأطعموا الجائع، وعودوا المريض» . والإجماع على وجوب فك ~~الأسير؛ ذكره أبو محمد بن حزم (2) . وسئل مالك: أواجب على المسلمين افتداء ~~من أسر منهم؟ قال: نعم؛ أليس واجبا عليهم أن يقاتلوا حتى يستنقذوهم؟ فقيل: ~~بلى. قال: فكيف لا يفتدونهم بأموالهم! قيل: أراد مالك قول الله -تعالى-: ~~{وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ~~الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها} [النساء: 75] ، نزل ~~في قتال أهل مكة لاستنقاذ من فيها من المستضعفين. قال مالك: وإن لم يقدروا ~~على فدائهم إلا بكل ما يملكون، فذلك عليهم (3) . # ولم يختلف العلماء في وجوب استنقاذهم؛ إما بالقتال، وإما بالفداء، وإنما ~~اختلفوا على من تكون فديتهم؛ قال ابن المنذر: روينا عن عمر بن الخطاب أنه ~~قال: واعلموا أن كل أسير من أسارى المسلمين، فإن فكاكه من بيت مال المسلمين ~~(4) . PageV01P282 # فظاهر قول عمر، أن ذلك لا يلزم الأسير، وإن كان له مال، وهو ظاهر # قول مالك: فكيف لا يفتدونهم بأموالهم؟! يريد: إذا لم يكن في بيت المال ~~شيء، ودليل هذا المذهب: ظاهر قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فكوا ~~العاني» ، فالأمر بذلك لسائر المسلمين غير الأسير، فلم يتوجه عليه من ذلك ~~شيء، كان له مال أو لم يكن. # قيل: فإن ضيع ذلك الإمام والمسلمون، فعلى الأسير إن كان ذا مال أن يفدي ~~نفسه؛ لأن إقامته تحت الكفار مع إمكان التخلص عليه حرام. وقد قيل: إنه إذا ~~كان له مال، فإنما تجب فديته عليه نفسه، لا يجب ذلك على غيره إلا بعدمه. ~~قال اللخمي (1) : أرى أن يبدأ بمال الأسير، فإن لم يكن، فبيت المال، فإن لم ~~يكن، أو كان ولا يتوصل إليه، فمن الزكوات، يعني: على أحد القولين عند ~~المالكية: هل يدخل افتكاك الأسرى في الرقاب أو لا؟ قال: فإن لم يكن، فعلى ~~جميع المسلمين على قدر الأموال، إذا كان ما يفدى به لا يستغرق أموالهم، وإن ~~كان يستغرقها ms098 افتدوه بجميعها. # فأقول: إذا ثبت وجوب القتال على المسلمين لاستنقاذ الأسير، فلهم حالتان: ~~حالة عجز عن مقاومة العدو في استنقاذه بالقتال، وحالة قدرة على ذلك. # فأما حالة العجز فهو مما يحتمل الخلاف المتقدم: أن تكون الفدية بكل حال ~~على سائر المسلمين غير الأسير؛ للأدلة التي قدمنا، وأن يكون ذلك مرتبا ~~PageV01P283 # على نحو ما ذكر اللخمي في الابتداء به إن كان ذا مال؛ لما عسى أن يخصص به ~~وجوب الفدية على المسلمين فيمن لا مال له من الأسرى. # وأما حالة القدرة على استنقاذه بالقتال، فيتركون ذلك تخيرا للفداء، فها ~~هنا كان ينبغي أن لا توضع الفدية في مال الأسير بحال؛ لأنه فرض واجب على ~~غيره من المسلمين، فلم يكن لهم أن يسقطوه عن أنفسهم ببذل مال الأسير، لكن ~~لهم الخيرة في القتال، أو بذل المال من عند أنفسهم، أو من بيت المال الذي ~~أعد لمصالح الإسلام. # قال ابن المنذر (1) : «أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل ~~إذا اشترى أسيرا من أسارى المسلمين من العدو بأمره بمال معلوم، ودفع المال ~~بأمره، أن له أن يرجع بذلك عليه» . واختلفوا إن اشتراه بغير أمره؛ فقال ~~مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وغيرهم: يأخذ منه ما اشتراه به (2) ، # وقال الشافعي والثوري: لا شيء على الأسير من ذلك إذا كان بغير أمره (3) . ~~PageV01P284 # قال ابن المنذر (1) : وبه نقول؛ لأنه متطوع بالشراء، وقال: وفيه قول ~~ثالث: أن الأسير إذا كان موسرا، دفع ذلك إلى المشتري، وإن كان معسرا ففي ~~بيت مال المسلمين، فإن لم يفعل ذلك السلطان، كان دينا عليه؛ قاله الليث (2) ~~. # واختلف أهل العلم إذا لم يقبل أهل الحرب في فدية الأسير إلا الخيل ~~والسلاح، أو الخمر والخنازير، ونحو ذلك مما هو محظور، فأجازه قوم ومنع (3) ~~قوم (4) ، وكان ينبغي أن يقال: إن إجازة ذلك أو منعه راجع إلى اختلاف ~~الحال، فإن كان ذلك مع قدرة المسلمين على استنقاذهم بالقتال، فلا ينبغي ~~الإجابة إليه؛ لأنه محرم لم تدع إليه ضرورة، إنما يفعل للرفاهية عن القتال، ~~وإن ms099 كان ليس للمسلمين بهم طاقة، جاز؛ لقوله -تعالى-: {وقد فصل لكم ما حرم ~~عليكم إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119] . # ***** PageV01P285 # مسائل من الاسترقاق والوطء بملك اليمين # * مسألة: # اتفق أهل العلم فيما ملكه المسلمون من سبايا الكفار فأسلمن، أن وطء من ~~أسلم منهن ولم يكن لها زوج، أو كان فقتل، حلال لسيدها بملك اليمين، من أي ~~أصناف الكفر كانت؛ كتابية أو وثنية إذا هي أسلمت واستبرئت، واختلفوا إذا هي ~~بقيت على دينها ولم تسلم؛ فمنعت طائفة وطأها عموما، وأباحته طائفة عموما، ~~وفرقت طائفة -وهم الجمهور- بين أهل الكتاب من اليهود والنصارى وبين ~~الوثنيات، وسبب الخلاف تعارض الأدلة في ظواهر الآي، فعموم قوله -تعالى-: ~~{ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] ، يتضمن المنع من الجميع عند ~~من جعل لفظ «الإشراك» عاما في أصناف الكفر، وهو موضع خلاف بين أهل العلم، ~~وأما لفظة «النكاح» فعام في الوطء بأصل اللغة، يتناول ملك اليمين والزوجات، ~~أعني: أنه موضوع على الجماع، وإنما يستعمل في العقد اتساعا (1) ، فهذا ~~مذهب، وعموم قوله -تعالى-: {والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ~~ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 5-6] ، يتضمن إباحة كل ~~مملوكة لمالكها، مسلمة كانت أو كافرة، كتابية أو غير كتابية، فهذا مذهب ~~ثان. وأما الذين فرقوا بين الكتابيات وغيرهن، فإنهم حملوا قوله -تعالى-: ~~{ولا تنكحوا المشركات} [البقرة: 221] على أنه فيما سوى الكتابيات، بدليل ~~النص على إباحة تزوج الكتابيات في قوله -تعالى-: {والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] ، وبدليل وجود التفريق من الشرع في هذه ~~الصفة، -أعني: الشرك بين أهل الكتاب وغيرهم- في مواضع من القرآن، قال الله ~~-تعالى-: {ما PageV01P286 # يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين} [البقرة: 105] ، وقال ~~-تعالى-: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا} [آل ~~عمران: 186] ، وقال -تعالى-: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ~~... } [البينة: 1] ، ومثل ذلك في القرآن كثير، فمن خصص في الآية المشركات ~~بمن عدا أهل الكتاب؛ أخرجهن بذلك من عموم ما أبيح بملك اليمين، وبقي سائرهن ~~على ms100 الإباحة، وهذا المذهب أظهر، والله أعلم، وبه قال مالك (1) والشافعي (2) ~~وأبو # حنيفة (3) وجمهور العلماء (4) ، وبسط النظر في ذلك بالاعتراض على الأدلة، ~~والاحتجاج في ذلك مفصلا، والفرق بين التزويج والتمليك في هذا الباب يطول، ~~وإنما الخاص بذكر ذلك كتاب النكاح، وليس هذا موضعا له، إنما نبهنا منه على ~~ما يمس كتاب الجهاد من وجوه التصرف في الأسرى، وبالله تعالى التوفيق. # * مسألة: # اختلف أهل العلم في الكتابية إذا سبيت وهي تحت زوج: هل ذلك مما يفسخ ~~نكاحها، ويحل لمالكها وطؤها بعد استبرائها، أو لا ينفسخ بذلك، وتكون عنده ~~على حكم ذات الزوج، فلا يحل له وطؤها؟ فذهب جمهور العلماء، منهم مالك ~~والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم إلى أن السبي مؤثر في إزالة عصمتها، وإباحة ~~وطئها لمالكها؛ على ما نفصله عنهم (5) ، ودليلهم قول الله -تعالى- في ~~PageV01P287 # تعيين ما حرم من النساء {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} ~~[النساء: 24] ، قالوا: المحصنات هنا ذوات الأزواج؛ حرم الله نكاحهن، إلا ما ~~ملكت أيمانكم، أي: ما سبيتموه منهن، فهن لكم حلال بملك اليمين، وفي تأويل ~~الآية خلاف وأقوال غير هذا، ويتأيد هذا التأويل بما خرجه مسلم (1) ، عن أبي ~~سعيد الخدري، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين بعث جيشا إلى ~~أوطاس، فلقوا عدوا فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسا ~~من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحرجوا من غشيانهن من أجل ~~أزواجهن من المشركين، فأنزل الله -عز وجل- في ذلك: {والمحصنات من النساء ~~إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] ، أي: فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن، # وتظاهر على هذا القول تفسير كثير من أهل العلم واختيارهم. # وروى إسماعيل القاضي عن محمد بن علي ابن الحنفية مثله في سبي أوطاس، وروي ~~القول بذلك عن ابن عباس (2) ، وابن مسعود (3) ، وقاله إبراهيم (4) ، ~~والشعبي (5) ، والحسن (6) ، وجماعة غيرهم (7) . PageV01P288 # وذهب قوم إلى المنع من ذلك، ولم يروا السباء مزيلا لعصمة الزوجية، وحملوا ~~الآية على تأويل غير هذا، وقال أبو محمد بن حزم (1) ببقاء الزوجية، والمنع ~~من استباحتها، إلا أن تسلم، فالإسلام ms101 يفسخ نكاحها، ليس السباء، وخصص الآية ~~بهذا المعنى. # والأرجح ما ذهب إليه الجمهور؛ لما جاء من الأثر في سبب نزول الآية، وذلك ~~يرفع الإشكال فيما تحتمله من وجوه التأويل. # ثم اختلف الذين أباحوهن: هل السباء مطلقا يفسخ نكاحها، أو ذلك بشرط أن ~~تسبى المرأة وحدها، ويبقى زوجها في دار الحرب؟ وأما إن سبيا معا، فنكاحهما ~~ثابت، وإصابة السيد لا تحل؟ فقال بالإباحة مطلقا: الشافعي (2) ، وقال ~~بالشرط: أبو حنيفة (3) ، ولأصحاب مالك في ذلك اختلاف، والأرجح -إن شاء ~~الله- # ما ذهب إليه الشافعي، وممن (4) قال بمثله من المالكية، منهم: ابن القاسم، ~~وأشهب، وابن حبيب، وغيرهم (5) ؛ لأن التفرقة في ذلك بين سبائها مفردة، ومع ~~زوجها، لا يوجد عليه دليل مرضي. # ***** PageV01P289 ### | الباب السادس # في الأمان وحكمه، وما يلزم من الوفاء به، والفرق بينه وبين مواقع الخديعة ~~في الحرب، وهل تجوز المهادنة والصلح؟ # قال الله -عز وجل-: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام ~~الله ثم أبلغه مأمنه} [التوبة: 6] ، وقال -تعالى-: {وأوفوا بعهد الله إذا ~~عاهدتم} [النحل: 91] ، وقال -تعالى-: {لا تخونوا الله والرسول وتخونوا ~~أماناتكم وأنتم تعلمون} [الأنفال: 27] ، وقال: {وإما تخافن من قوم خيانة ~~فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين} [الأنفال: 58] . # وخرج مسلم (1) عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لكل غادر لواء يوم القيامة، يرفع له بقدر غدرته، ألا ولا غادر أعظم غدرا ~~من أمير عامة» . # البخاري (2) ، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين ~~عاما» . # أبو داود (3) ، عن أبي بكرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من قتل معاهدا في PageV01P293 # غير كنهه، حرم الله عليه الجنة» . # وفيه (1) عن عمرو بن عبسة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: «من كان PageV01P294 # بينه وبين قوم عهد، فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ ~~إليهم على سواء» . وخرجه الترمذي كذلك، وقال فيه: حسن صحيح. ms102 # قوله: «ينبذ إليهم على سواء» ؛ أي: يعلمهم أنه يريد أن يغزوهم، وإن الصلح ~~الذي كان بينهم قد ارتفع، فيكون الفريقان في ذلك على السواء. # وقوله في حديث أبي بكرة: «من قتل معاهدا من غير كنهه» ؛ معناه: في غير ~~وجهه ووقته. وفي معنى آخر: كنه الشيء: غايته. # وأجمع المسلمون على وجوب الوفاء بعقد الأمان، وتحريم الخيانة فيه، ثم ~~اختلفوا فيما يشترط في صفة من يصح منه عقد الأمان، فنذكر ذلك أولا، ثم نذكر ~~صفة التأمين، وما به يقع من قول أو عمل، ثم ما يجوز من الخديعة في الحرب، ~~والفرق بينه وبين ما يكون له حكم الأمان، ثم انقسام عقود الأمان في الخصوص ~~والعموم، وما لكل واحد منهما من الأحكام -إن شاء الله تعالى-، وبه التوفيق. ~~PageV01P295 # فصل: في صفة من يصح منه عقد الأمان # اتفق أهل العلم على أن الحر البالغ العاقل إذا أمن؛ صح تأمينه (1) ، ~~واختلفوا في العبد والمرأة والصبي؛ إذا كان يعقل الأمان. # فأما المرأة؛ فجمهور أهل العلم على أن أمان المرأة الحرة جائز كالرجل، ~~وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأصحابهم، والثوري، والأوزاعي، وأبي ~~ثور، وابن حنبل، وإسحاق، وداود، وغيرهم (2) . # وذهبت طائفة إلى أن أمان المرأة موقوف على إجازة الإمام، روي عن خالد ابن ~~الوليد، وعمرو بن العاص ما يدل على ذلك (3) ، وبه قال من أصحاب مالك: ~~PageV01P296 # عبد الملك بن الماجشون، وسحنون (1) . # فالحجة للجمهور: عموم ما تقدم من آي القرآن في الأمر بالوفاء والنهي ~~PageV01P297 # عن الخيانة مطلقا، وما خرجه البخاري (1) عن علي قال: ما كتبنا عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - إلا القرآن، وما في هذه الصحيفة، قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «المدينة حرام، ما بين عائر إلى ثور (2) ، فمن أحدث ~~حدثا، أو آوى محدثا؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس # أجمعين، لايقبل منه عدل ولا صرف، وذمة المسلمين واحدة؛ يسعى بها أدناهم، ~~فمن أخفر مسلما، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل منه ~~صرف ولا عدل، ومن والى قوما بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة ms103 ~~والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل» . # فالمرأة داخلة في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ذمة المسلمين واحدة، ~~يسعى بها أدناهم» . # وحديث أم هانىء؛ خرجه مالك في «موطئه» ، والبخاري، وغيرهما (3) ، وخرجه ~~أبو داود (4) مختصرا، عن ابن عباس قال: حدثتني أم هانىء بنت أبي طالب، أنها ~~أجارت رجلا من المشركين يوم الفتح، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فذكرت ذلك له، قال: «قد أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت» . # وخرج -أيضا- (5) عن عائشة قالت: «إن كانت المرأة لتجير على المؤمنين ~~PageV01P298 # فيجوز» . وهذا نص في ذلك. # وخرج الترمذي (1) عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«إن المرأة لتأخذ للقوم» ، يعني: تجير على المسلمين. قال فيه: حسن غريب. # ومستند من منع تأمين المرأة يحتمل أن يكون لأنها ليست من أهل القتال، فلم ~~يكن لها تصرف في الأمان، وتأويلهم في حديث أم هانىء، قالوا: لو كان تأمينها ~~جائزا على كل حال دون إذن الإمام؛ ما أراد علي قتل من أمنته، وهو قد حرم ~~بتأمينها دمه. قالوا: ولو كان كذلك؛ لقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في الجواب عن ذلك قولا مستقلا يعم أمان النساء، وإنما جاوبها على الخصوص في ~~ذلك، إنما قال: «قد أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت» ، فهو دليل على أن أمان ~~المرأة موقوف على إجازة الإمام أو رده، وذلك من تأويلهم واستدلالهم ضعيف، ~~لا يقدم بمثله على رد الأخبار الثابتة. وأيضا، فيقال في الرد على ما أولوه ~~من حديث أم هانىء: # أما علي -رضي الله عنه-، فيحمل على أنه لم يكن بعد علم الحكم في ذلك حتى ~~علمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الذي بعثه الله مبينا ومعلما للناس ~~أجمعين. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: «قد أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت» ، ~~ولم يقل قولا يعم أمان جميع النساء، فهذا لا يلزم؛ لأن في غير هذا الحديث ~~ما يدل عليه، وأما هنا PageV01P299 # فيحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قصد تأنيسها بما لها في ms104 ~~تخصيص الخطاب بذلك من اللطف بعد الطاريء عليها من الاستحقار لتأمينها، وكان ~~- صلى الله عليه وسلم - بالمؤمنين رؤوفا رحيما، والقاطع في هذا قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم» (1) ، وغير ذلك ~~من الآثار الثابتة في الباب. # فصل # وأما العبد، فذهب مالك، والشافعي، وأصحابهما، والثوري، والأوزاعي، ~~والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود؛ إلى جواز تأمينه كالحر (2) ، وقال # أبو PageV01P300 # حنيفة: أمانه غير جائز، إلا أن يكون العبد فيمن يقاتل، وهو قول أبي يوسف، ~~وخالفهما محمد بن الحسن، فقال بقول الجماعة (1) ، ويحكى مثل قول أبي حنيفة ~~PageV01P301 # عن سحنون من أصحاب مالك (1) . # فالحجة فيما ذهب إليه الجمهور من جواز تأمين العبد: عموم آي القرآن في ~~إيجاب الوفاء، وتحريم الخيانة، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ذمة ~~المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما؛ فعليه لعنة الله» ، ~~فالعبد المسلم داخل في ذلك من غير إشكال، ووجه المنع عند من لم يجزه؛ قال ~~الباجي (2) : إنه محجور عليه، فلم يجز تأمينه، كالطفل، والذي لا يعقل، ~~وتمامه أن يقال: فإذا أذن له فقاتل ارتفع المانع؛ فجاز، وهذا كله ضعيف جدا. # فصل # وأما الصبي، فلا وجه للقول بجواز تأمينه، وإن عقل الأمان؛ لأنه غير مخاطب ~~بأفعاله، وأقواله غير معتبرة (3) . PageV01P302 # وقد روي عن ابن القاسم جواز تأمينه إذا عقل الأمان، وعن سحنون قال: إن ~~أجازه الإمام في المقاتلة جاز تأمينه (1) ، وكل ذلك بعيد لا أصل له، ولو ~~جاز مثل PageV01P303 # هذا لجاز أمان المجنون، لكن الأولى في تأمين الصبي إن نزل عليه الحربي ~~يظنه عاملا عند المسلمين أن ينظر فيه الإمام، فإن رأى إجازته وإلا رده إلى ~~مأمنه، وكذلك كل تأمين وقع فيه غلط على المسلمين، أو فساد في العقد، أو كان ~~ممن لا يجوز تأمينه، فإذا فسخ ذلك، رد الحربي إلى مأمنه، ولا يغتال؛ للعلة ~~التي نذكرها بعد -إن شاء الله-، في صفة التأمين، ووجوب الوفاء به. # فصل # الذمي يكون مع المسلمين، فيجير مشركا؛ فذلك باطل لا حكم له، لأن التأمين ~~الذي يلزم المسلمين الوفاء به؛ ms105 هو: ما عقدوه، أو عقده واحد منهم؛ يدل على ~~ذلك ظواهر الكتاب والسنة، ومن جهة النظر أنه كافر، غير مأمون في الدين، ولا ~~ناصح لجماعة المسلمين، فلم يلزمهم تأمينه، كالحربي. وأما قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما؛ فعليه ~~لعنة الله» ، فهو # كالنص أن ذلك لا مدخل فيه لكافر، وأيضا فهو مما لا خلاف فيه، إلا شيء وقع ~~لقوم لما خشوا بعض الأمر، فتحرجوا منه. حكى ابن المنذر: قال إسماعيل بن ~~عياش: سمعت أشياخنا يقولون: لا جوار للصبي، والمعاهد، فإن أجاروا فالإمام ~~مخير، فإن أحب أمضى جوارهم، وإن أحب رده، فإن أمضاه فهو ماض، وإن لم يمضه، ~~يعني: رده إلى مأمنه. # قال ابن المنذر: وقد روينا عن الأوزاعي أنه قال: إن كان غزا مع المسلمين، ~~فإن شاء الإمام أجاره، وإن شاء رده إلى مأمنه (1) . وفي كتب المالكية (2) ، ~~عن ابن PageV01P304 # القاسم، في الحربي ينزل على أمان الذمي، يقول: ظننت أنه مسلم، فقال مرة: ~~لا سبيل إليه، وأمره إلى الإمام، إن أحب أتم له عهده، وإلا رده إلى مأمنه، ~~وقال مرة: لا أمان له، وهو فيء للمسلمين، علم أنه ذمي أو لم يعلم، ولم ~~يعذره هو ولا غيره من أصحاب مالك إذا علم أنه ذمي، وقال: ظننت أن له جوارا ~~لموضع ذمتكم، قالوا: لا أمان له، وقد صار فيئا (1) ، ورأى اللخمي ذلك ~~مشكلا، فقال: يرد إلى مأمنه -أيضا-. # * مسألة: # اختلفوا فيما به يثبت تأمين من زعم من المسلمين أنه أمن مشركا؛ فقال ~~الأوزاعي (2) : إذا قال رجل من المسلمين: إني قد أمنتهم؛ جاز أمانه عليهم، ~~فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ويعقد عليهم أدناهم» ، ولم ~~يقل: إن جاء على ذلك ببينة؛ وإلا؛ فلا أمان له؛ لأنه أخبر عن نفسه. # وإليه ذهب من أصحاب مالك: ابن القاسم وغيره (3) . # وقال أبو حنيفة (4) : إذا صاروا في الغنمية وقال رجل: قد كنت أمنتهم قبل ~~أن # يؤخذوا، لم يصدق على ذلك، كأنه يريد: من حيث تعلق حق أهل الغنيمة ms106 بهم، ~~فلم يكن اعترافه عاملا عليهم، ومتلفا ما وجب لهم، وإليه ذهب سحنون، وقال ~~الشافعي (5) : يقبل قوله فيهم قبل أن يصيروا في أيدي المسلمين، فإن صاروا ~~في PageV01P305 # أيدي المسلمين؛ لم تقبل شهادة الرجل على فعل نفسه، ولكن إن قام شاهدان ~~على أن أحدا من المسلمين أمنهم قبل أن يصيروا أسرى؛ فهم آمنون أحرار، قال: ~~وإذا أبطلنا شهادة الذي أمنهم، فحقه منهم باطل، لا يكون له أن يملكه، وقد ~~زعم أن لا ملك له عليه (1) . # فصل: في صفة التأمين وما به يقع من قول أو عمل # قوله -تعالى-: {إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء} [آل ~~عمران: 5] ، وقال -سبحانه-: {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. والله ~~يقضي بالحق} [غافر: 19-20] . # وعن أبي وائل قال: كتب إلي عمر بن الخطاب فقال: «وإذا لقي الرجل الرجل ~~فقال: مترس؛ فقد أمنه، وإذا قال: لا تخف؛ فقد أمنه، وإذا قال: لا تدهل، فقد ~~أمنه، إن الله يعلم الألسنة» (2) . PageV01P306 # قيل: معنى مترس -بالفارسية-: لا تخف، وكذلك: لا تدهل -بالقبطية- بمعنى: ~~لا تخف. # وروى ابن المنذر (1) مسندا إلى عمر بن الخطاب أنه قال: «والله لو أن ~~أحدكم أشار بأصبعه إلى السماء إلى مشرك، فنزل إليه على ذلك، فقتله؛ لقتلته ~~به» . # وروى عبد الملك بن حبيب: حدثني الأوسي وعلي بن معبد، عن إسماعيل ابن ~~عياش، عن الأحوص بن حكيم، أن عمر بن الخطاب كتب: «أما بعد؛ فإن أشار رجل ~~إلى عدوه بيده إلى السماء، فقال: والله لئن نزلت لأقتلنك، فنزل على ذلك فلا ~~يقتله، فإنما نزل حين أشار بيده إلى السماء، وذلك عهده» (2) . PageV01P307 # وقال مالك والشافعي وغيرهما: الإشارة بالأمان أمان. # قال ابن المنذر (1) في الإشارة التي تفهم الأمان: إنما تقوم مقام الكلام، ~~استدلالا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أشار إلى الذين كانوا خلفه ~~في الصلاة بالقعود فقعدوا. # وقال عن الشافعي (2) (3) في الذي يشير: «إذا قال: لم أؤمنهم بها، فالقول # قوله، وإن مات قبل أن يقول شيئا، فليسوا بآمنين إلا أن يحدث (4) لهم ~~الوالي ms107 أمانا، وعلى الوالي إذا مات قبل أن يبين، أو قال -وهو حي-: لم ~~أؤمنهم، أن يردهم إلى مأمنهم وينبذ إليهم» . # وقال الأوزاعي: إذا قال له: قف، أو قم، أو ألق سلاحك، ونحو هذا بلسانه، ~~أو بالعربية، فلا قتل عليه، ويباع، إلا أن يدعي أمانا، ويقول: إنما رجعت أو ~~وقفت لندائك، فهو آمن، وقال في رجل قال لعلج، وهو في حصنه: اخرج، فخرج، ~~قال: لا يعرض له، وقال: أجر كل شيء يرى العلج أنه أمان فهو أمان، ونحوه ~~يقول إسحاق. وأصحاب الرأي يقولون: من قال لحربي: أنت آمن، أو: لا بأس عليك، ~~أو قال له -بالفارسية-: مترس، أو: قد أمنت، فهو آمن في ذلك كله (5) . ~~PageV01P308 # فإذا تقرر من مستند الشرع وأقوال العلماء في ملاحظة ثبوت الأمان: مراعاة ~~ما دل عليه من قول أو إشارة أو استشعار؛ فأقول: كل لفظ على أي لغة كان، ~~واصطلاح حدث، أو كتابة بأي خط في مثل ذلك، مما اصطلح عليه، أو إشارة ورمز ~~ونحو ذلك مما يتفاهم بمثله، يشعر به المسلم الحربي أمانا، أو يستشعر منه ~~الحربي الأمان، سواء أراده المسلم أو لا، فهو أمان في الحال، مما وافق ما ~~قصده المسلم من ذلك، ولم يكن فيه وجه من وجوه الفساد، ويجب إمضاؤه والوفاء ~~به إلى غايته، وما لم يكن مراده منه التأمين، إلا أن الحربي نزل على ذلك ~~مستشعرا فيه أمانا، وجب فيه رد الحربي إلى مأمنه، ثم يعود الأمر معه على ~~أوله، ولا يحل اغتياله على هذا الوجه بحال، والدليل على صحة هذا الحد: أن ~~ما كان من # الأقوال المتعارفة في ذلك، فلزومه مما لا إشكال فيه، وكذلك على كل لغة؛ ~~لأن ذلك لا يلزم في اللسان العربي لخاصية أنه عربي، لكن من حيث هو وضع في ~~التخاطب لإفهام الأمان، فكذلك سائر الألسنة (1) . # وأما الكتابة، وما يجري مجراها من الإشارة ونحوها، فكل ذلك من باب ~~الإصطلاح والإفهام، لا فرق بينه وبين الكلام، والحكم في ذلك للمعنى ~~والإفهام، لا لمجرد اللفظ، وفيما ثبت من كتب ms108 رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى ملوك الكفر يدعوهم إلى الإسلام، وإشارته -كما تقدم- لأصحابه في ~~غير ما موضع، وإشارة التي رضخها اليهودي بالحجارة، فأشارت إليه - صلى الله ~~عليه وسلم - برأسها، وقد سألها عن قاتلها: أن لا، حتى سألها الثالثة، ~~فقالت: نعم؛ وأشارت برأسها؛ فقتله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين ~~حجرين. PageV01P309 # خرجه مسلم (1) . # كل ذلك دليل واضح وحجة بينة في إمضاء الشرع العمل على مفهوم ذلك كله، ~~وأما لزوم ذلك، وإن لم يرد المسلم به الأمان إذا ظنه الحربي أمانا؛ فلأنه ~~فعل ما يوهم الأمان، فكان سببا لاطمئنان الحربي إليه، فثبت له بذلك حرمة ~~الأمان، فأما أن يمضي له ما ظن من ذلك، أو يرد إلى مأمنه، ولا يهجم -بعد ~~ظنه الأمان واطمئنانه إلى ذلك- على قتله أو أسره، قال الله -تعالى-: {وإما ~~تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء} [الأنفال: 58] ، فأمر الله ~~-تعالى- أن يعلموا برفض ما كانوا يعتقدونه من صحة عهدهم وثبوت أمانهم، ولم ~~يبح اغتيالهم حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم، وأخذ حذرهم، فكان ذلك أصلا في ~~كل مستشعر من أهل الكفر أمانا من المسلمين؛ اطمأن إليه، أو نزل عليه. # وأيضا؛ فالذي يشير بما يشعر الأمان، أو يفعل ما يستقرأ منه الأمان، وهو ~~لا يريده، فله حالتان: # * إما أن يكون لاهيا غير قاصد لإشعار التأمين، فهو وإن لم يلزم به ~~التأمين مطلقا، فلم يخل عن شبهة، فهو سبب انبعاث الاطمئنان إليه، فعهدة ذلك ~~على المسلم حيث سببه، لا على الحربي، فوجب أن يزال ذلك بالرد إلى مأمنه. # * وإما أن يكون فعل ذلك ذاكرا وهو لا يريد تأمينه حقيقة، وإنما يريد أن ~~يوهمه حتى يتمكن منه، فهذا هو عين الخيانة والغدر المحرم باتفاق، ولذلك ~~توعد في مثله عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بما توعد (2) ، ولا خلاف يعلم ~~بين المسلمين في تحريم ذلك، ونحن نبين -إن شاء الله- وجه الفرق بين ~~PageV01P310 # الخديعة الجائزة في الحرب، وما يشكل من الأمان الذي لا تجوز الخديعة ~~بمثله، ثم نعقب ذلك بذكر مسائل ms109 عن الفقهاء في عوارض الأمان، يرجع عقدها ~~وملاكها إلى الحد الذي ذكرناه بحول الله -تعالى-. # فصل: في بيان ما يجوز من الخديعة في الحرب، والفرق # بينه وبين ما يكون له حكم الأمان # خرج مسلم (1) ، عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«الحرب خدعة» . # أبو داود (2) ، عن كعب بن مالك، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~إذا أراد غزوة ورى غيرها، وكان يقول: «الحرب خدعة» . # البخاري (3) ، عن كعب بن مالك قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها، حتى كانت تبوك، فغزاها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا، واستقبل غزو ~~عدد كثير؛ فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، وأخبرهم بوجهه الذي ~~يريد. # فالخديعة والمكر في الحرب بطريق الإدارة والتدبير، من العمل المشهور، ~~والسنة الثابتة، لكن ربما التبس على بعض من رأينا أحوال يظنها من باب ~~الخديعة الجائزة في الحرب، وهي قد تكون مما يتضمن الأمان الذي لا يسوغ أن ~~يخفر، PageV01P311 # فرأينا أن ننبه على فرق بينهما. # فنقول: إنه لما ثبت وجوب الوفاء، وحظر الغدر، وتقرر في حد الأمان الأوصاف ~~المقيدة في (فصل التأمين) قبل هذا، وثبت مع ذلك من قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في # إباحة الخديعة في الحرب، وفعله في ذلك ما ذكرناه؛ انقدح وتبين أن الخديعة ~~المباحة: هي كل ما يرجع إلى إجادة النظر في تدبير غوامض الحرب، وإدارة ~~الرأي فيه بما يوهم العدو الإعراض عنه، أو الغفلة دونه، وما أشبه ذلك من ~~التقدم بكل ما يقع به توهين العدو، أو تلتمس فيه غرته، وإصابة الفرصة منه ~~على وجه لا يوهم الأمان، ولا يتضمن الإشعار بالأنس إليه على حال، فيدخل في ~~ذلك التورية والتبييت وتشتيت بينهم، ونصب الكمين، والاستطراد حال القتال؛ ~~لانتهاز فرصة الكر، وما أشبه ذلك، مما يرجع الأمر فيه إلى ما حررناه، وليس ~~من ذلك أن يظهر لهم أنه منهم، أو على دينهم، أو جاء لنصيحتهم، فإذا ms110 وجد ~~غفلة نال منهم، هذا داخل في باب الأمان؛ لأن العدو يستشعر منه الموادعة ~~والموالفة، فيسكن إليه، فالإيهام عليه بمثل ذلك لا يجوز، وهو خيانة -كما ~~تقدم-. # ونكتة الفرق أن اطمئنانه في هذا وأمثاله -مما قلنا: إنه يكون من باب ~~الأمان-؛ إنما سبيله استشعار المسالمة والموالفة، فهو يستنيم إلى ما يعتقده ~~فيه من الوفاء في ذلك؛ ثقة به، وبما أظهر إليه مما يدل عليه، فلم يؤت هذا ~~من تقلبه، بل من ختر الآخر فيما أظهر من الموالفة (1) ، وارتكب من الخيانة، ~~وفي أبواب المكر والخديعة إنما كان اطمئنانه لغفلة من نفسه، أو جهل في ~~استشعار الغفلة، والتقصير من الآخر، وما أشبه ذلك، مما ترجع العهدة فيه على ~~سوء نظره، من غير خيانة تلحق الآخر في أمره، وهذا بين، والحمد لله. # ولتمثل مسألة تكون بظاهرها من باب الأمان تارة، ومن المكيدة الجائز فعلها ~~تارة، ولا فارق إلا اختلاف عوارض اطمئنان العدو على القانون الذي ~~PageV01P312 # رسمناه؛ وذلك: لو أن رجلا من المسلمين أبصر حربيا في جهة ما من بلاد ~~العدو أو غيرها، فتظاهر المسلم بإلقاء السلاح، وأقبل على جهة الحرب، مظهرا ~~له أنه رآه، فقصده مستسلما أو مستنيما إليه، ونحو هذا، فاطمأن الآخر إلى ~~ذلك، حتى أصاب المسلم غرته، فهذا لا تجوز به الخديعة، وهو أمان، ولو أنه ~~عندما رآه فعل -أيضا- من إظهار الاستنامة، ووضع السلاح، والإقبال إلى جهة ~~ذلك الحربي، مثل ما فعل في الأولى، إلا أنه فقط يظهر أنه غافل عن الحربي، ~~ومعرض عن رؤيته بحيث لا يستشعر الحربي أنه رآه فقصده مسالما، لكن يوهم أنه ~~ما شعر بمكانه، وإن فعله ذلك فعل المستريح من حالة حمل السلاح، إذا أمن في ~~موضع، ونحو ذلك، حتى اطمأن الحربي لما توهم من غفلة عنه، لا لموادعة استشعر ~~(1) منه لكان هذا جائزا، وهو تورية ومكيدة لا تتعلق بها خيانة، ولا للأمان ~~حرمة، والله أعلم. # فصل # فإن اعترض معترض على هذا الأصل بقتل كعب بن الأشرف، وظاهره جواز قتل من ~~اطمأن إليه، بعد إظهار المسالمة ms111 والموالفة؛ كما خرج مسلم (2) ، عن جابر ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من لكعب بن الأشرف؛ فإنه قد ~~آذى الله ورسوله؟» . قال محمد بن مسلمة: يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟ قال: ~~«نعم» . قال: ائذن لي فلأقل، قال: «قل» ، فأتاه، فقال له، وذكر ما بينهم، ~~وقال: إن هذا الرجل قد أراد صدقة، ولقد عنانا، فلما سمعه قال: وأيضا والله ~~لتملنه، قال: إنا قد اتبعناه الآن، ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير ~~أمره ... الحديث. إلى قوله: فاستمكن من رأسه، ثم قال: دونكم، قال: فقتلوه. # فلأهل العلم في ذلك أقوال؛ منها: PageV01P313 # أن قتل كعب بن الأشرف قد كان وجب -لما آذى الله ورسوله- وجوب الحدود التي ~~لا تندفع بالتأمين، بل يجب إقامتها بكل سبيل، ولهذا نبه عليه بقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «فإنه قد آذى الله ورسوله» ، ويقال: كان كعب -لعنه الله- ~~ممن لهج بسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهجائه، وفاعل ذلك يقتل على ~~كل حال، سواء كان يظهر الإسلام ويدعيه، أو كان كافرا مستأمنا، لا يعصمه شيء ~~من ذلك عن القتل، إلا أن يبادر فيسلم إن كان كافرا (1) ، ويروى نحو هذا أو ~~بعضه عن الطبري، وقيل: إنه نقض # عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهجاه وسبه، وكان عاهد أن لا يعين عليه ~~أحدا، فجاءه مع أهل الحرب معينا عليه، فوجب أن يغتال كالحكم فيمن نقض ~~وقاتل، وإليه ذهب المازري (2) ، PageV01P314 # وقال: وقد أشكل قتله على هذه الصفة على بعضهم، ولم يعرف هذا الوجه. ~~ويحتمل عندي أن يقال: إنه مع ذلك أمر خاص، وحكم من الله -تعالى- عدل، أذن ~~فيه -تعالى- لرسوله - صلى الله عليه وسلم -، فهو خاص لا يتعدى إلى غيره، ~~ومما يدل على هذا المذهب، ما وقع في الحديث من قوله: ائذن لي فلأقل، قال: ~~«قل» ، فأتاه، فقال: إن هذا الرجل قد أراد صدقة، وقد عنانا، ... إلى آخر ~~قوله. # وهذا قول له ظاهر الكفر (1) ، ولا يحل لمسلم التلفظ به، ولا الخديعة في ~~الحرب مثله، إلا أن يأذن الله ms112 لأحد بعينه، في شيء بعينه، كما أذن لهذا على ~~لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فيكون خاصا، ليس مما يتعدى بحال. # وروى ابن إسحاق في كتاب «المغازي» (2) من قول علي بن أبي طالب # -رضي الله عنه- في قصيدة يذكر فيها إجلاء بني النضير، وقتل كعب بن ~~الأشرف؛ ما يدل على أن قتله كان بوحي مخصوص، وذلك قوله: # ألستم تخافون أدنى العذاب ... وما آمن الله كالأخوف # وإن تصرعوا تحت أسيافه ... كمصرع كعب بن الأشرف # غداة رأى الله طغيانه ... وأعرض كالجمل الأجنف # فأنزل جبريل في قتله ... بوحي إلى عبده ملطف # فدس الرسول رسولا له (3) ... بأبيض ذي هبة مرهف # وقد زعم ابن المنذر (4) أن الذي يجوز أن يقتل غرة، هو: من لا أمان بينه ~~PageV01P315 # وبين صاحبه القاتل ولا عهد، وهذا صحيح. ورأى أن قتل كعب بن الأشرف من ~~ذلك، وفي هذا نظر، والله أعلم. # وها نحن الآن ذاكرون من المسائل المنقولة عن مالك وغيره في (باب: متشابه ~~الأمان، ومراعاة ما يتوقى منه عند الإشكال) ما يتبين بها وبأضرابها معتمدهم ~~في البناء على ما أصلناه. # * مسائل من مشكلات الأمان: # اختلف أصحاب مذهب مالك في الأسير من المسلمين في دار الحرب يكون مخلى: هل ~~يجوز له أن يعدو على ما يستطيع فيهم، من مال ونفس، ويهرب؟ قال ابن القاسم ~~(1) : الذي كنا نحفظه من قول من نرضى -وأنا أشك أن يكون مالكا-، أنه إن كان ~~أرسل على أمان، لم يحل له أن يهرب، ولا أن يأخذ من أموالهم شيئا، وإن ~~أرسلوه على غير أمان، بمنزلة ما يملكون من الرقيق قوة عليه لا يخافونه؛ ~~فليقتل وليأخذ ما شاء. فهذا التفريق من مالك -رحمه الله- لا يعدو القانون ~~المتقدم، وهو مراعاة اطمئنانهم: هل هو تعويل على ائتمانه والثقة به، فلا ~~يجوز له مع ذلك فعل شيء مما ينافي ذلك؛ لأنه يكون خيانة، أو إنما وثقوا ~~بقوتهم عليه وضبطهم، فيكون حينئذ: لا حرج عليه فيما فعل من ذلك كله؟ # وعنه في المسألة قول ثان؛ روى مطرف وابن الماجشون (2) عن مالك: أن ms113 له أن ~~يهرب بنفسه، وإن أطلقوه على وجه الائتمان له والطمأنينة إليه، ما لم يأخذوا ~~على ذلك عهده. # وجه هذه الرواية: أنه رأى اطمئنانهم إليه، وائتمانهم عاملا في أن لا ~~يخونهم في شيء من دم أو مال، ولم ير ذلك عاملا في الفرار بنفسه؛ لأنه واجب ~~عليه، لا PageV01P316 # يحل له الإقامة مع الكفار، مع إمكان الفرار، وفيها قول ثان للمخزومي (1) ~~وابن الماجشون: أن له أن يهرب ويأخذ من أموالهم ما قدر عليه، ويقتل إن قدر، ~~وإن ائتمنوه ووثقوا به واستحلفوه، فهو في فسحة من ذلك كله، ولا حنث عليه في ~~يمينه؛ لأن أصل أمره الإكراه، فهذا القول منصوص فيه على توجيهه: وهو # مراعاة الإكراه؛ لأن الأسير مغلوب، لا يملك من أمره شيئا، فهو مكره لم ~~يعط ذلك عن اختياره، والمكره في سعة مما أكره عليه، فذلك هو العلة عندهم في ~~استباحة ما رأوه مباحا له. فأما قولهم في إباحة الهروب له فظاهر؛ لأنه واجب ~~عليه أن لا يقيم معهم، ولا وفاء بمعصية، وأما إباحة ما وراء ذلك من ~~أموالهم، ودمائهم، بعد أن أخذوا عهده، واستحلفوه: فباطل، والوفاء عليه: ~~واجب؛ لأنه لا ضرورة إلى ذلك، ولا حجة في أنه كالمكره على إعطاء العهد (2) ~~. # خرج مسلم (3) عن حذيفة بن اليمان قال: ما منعني أن أشهد بدرا إلا أني ~~خرجت أنا وأبي حسيل (4) ، قال: فأخذنا كفار قريش، فقالوا: إنكم تريدون ~~محمدا؟ فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عهد الله ~~وميثاقه: لننصرفن إلى المدينة، ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فأخبرناه الخبر، فقال: «انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين بالله ~~عليهم» . فهذا نص في لزوم الوفاء بالعهد في مثل ذلك، وإن لم يكن مختارا. # قال الشافعي (5) : «إذا أمنوه؛ فأمانهم إياه: أمان لهم منه، وليس له أن ~~يغتالهم، PageV01P317 # ولا يخونهم، فأما الهرب بنفسه: فله الهرب، وإن أدرك ليؤخذ، فله أن يدفع ~~عن نفسه، وإن قتل الذي أدركه؛ لأن طلبه ليؤخذ إحداث من الطالب غير الأمان، ~~فيقتله إن شاء، ويأخذ ms114 ماله، ما لم يرجع عن طلبه» . وهذا أرجح الأقوال في ~~ذلك، للأدلة التي قدمنا، والله أعلم. # وقول أحمد بن حنبل في لزوم حكم الأمان في ذلك ووجوب الوفاء به كقول ~~الشافعي (1) . # وقال أبو حنيفة (2) : «إن قتل منهم، أو أخذ مالا أو رقيقا فخرج بهم إلى ~~دار # الإسلام، ثم إن أهل الحرب استأمنوا، أو صاروا ذمة» ، قال: «ما كنت أرد ~~عليهم» . وكذلك قال في الرجل يدخل دار الحرب بأمان، فيغدر بهم ويقتل، ويأخذ ~~من أموالهم. # وسئل في رجل مسلم اشترى منه شيئا مما أتى به من ذلك، فقال: ذلك جائز. ~~وعند الشافعي، وابن حنبل: يرد ذلك كله عليهم، وقاله الأوزاعي، وهو الصحيح ~~كما تقدم في مثله. # * مسألة: # اختلف أصحاب مذهب مالك في الحربي يأتي بغير أمان، فيعثر عليه في ~~PageV01P318 # أرض الإسلام أو قبل أن يصل إليها، فيقول: جنحت إلى الإسلام، أو جئت أطلب ~~الفداء أو التجارة، فقيل: لا يقبل قولهم بعد أن يؤخذوا؛ إذ لم يظهروه قبل ~~ذلك، ويكونون فيئا للمسلمين، وهو قول أشهب، وقيل: يقبل قولهم، أو يردون إلى ~~مأمنهم، إلا أن يتبين كذبهم، وهو قول ابن القاسم، وقيل بالفرق بين أن ~~يكونوا من أهل بلد عودوا الاختلاف، لما ادعوه من الفداء أو التجارة أو ~~الاستئمان، فهؤلاء يقبل قولهم، أو يردون إلى مأمنهم، وإلا يكن ذلك: فهم فيء ~~للمسلمين؛ قاله ابن حبيب، وعزاه إلى مالك (1) ، ولم يختلفوا أنهم إن كانوا ~~أظهروا ما ادعوا من ذلك قبل أن يؤخذوا، وقبل أن يصلوا إلى بلاد الإسلام؛ ~~أنهم لا سبيل إليهم، ويقبل منهم ما ادعوا، ويردون إلى مأمنهم، ففي كل هذه ~~الأقوال مراعاة إعمال حكم الأمان فيما قصد إليه الحربي من الاطمئنان إلى ~~المسلمين في عادتهم بالتأمين في مثل ذلك، وإن لم يكونوا تقدموا إليه في ~~خاصته بأمان معين؛ لأنهم كلهم رأوا ذلك لو علم صدقه فيما ادعاه نافعا له، ~~وإنما سبب اختلافهم في هذه الأحوال كلها هو: هل يحملون على التصديق في ~~دعواهم، -وقد عثر عليهم- أم لا؟ # أما من تبين صدقه: فإنه ms115 يحمل على حكم الأمان، ومن تبين كذبه: كان على حكم ~~الأسرى، ومن أشكل أمره: كان فيه الخلاف، وطلبت له شواهد الحال. # ولذلك قال مالك في «موطئه» (2) : «فيمن وجد من العدو على ساحل البحر # بأرض المسلمين، فزعموا أنهم تجار، وأن البحر لفظهم، ولا يعرف المسلمون ~~تصديق ذلك، إلا أن مراكبهم تكسرت، أو عطشوا، فنزلوا بغير إذن المسلمين: أرى ~~ذلك إلى الإمام (3) ، يرى فيهم رأيه، ولا أرى لمن أخذهم فيهم خمسا» . ~~PageV01P319 # فجعل مالك النظر في ذلك والاجتهاد بحسب ما يظهر في أمرهم وحالهم إلى ~~الإمام، فإن ظهر له ما يدل على صدقهم: قبل منهم، وردهم إلى مأمنهم، وكل ذلك ~~مراعاة لما نزلوا عليه، باعتقاد الاطمئنان إلى المسلمين فيما جرت عليه ~~عادتهم في الوفاء بمثله، وإن لم يكن من المسلمين في ذلك إلى هؤلاء قول ولا ~~فعل، وكل ذلك بين، وبالله التوفيق (1) . # فصل: في تقسيم عقود الأمان، والفرق في الأحكام # بين الخاص منه والعام # عقود الأمان ثلاثة: # عقد ذمة؛ وهو ما ضربت فيه الجزية، وهذا النوع قد أفردنا له ولأحكامه ~~وشروطه: (الباب التاسع) من هذا الكتاب، فهناك بسط القول فيه -إن شاء الله-. # والثاني: عقد مهادنة؛ وهو ما عوهد فيه على المسالمة وترك الحرب، وعقد ~~عقدا عاما في جماعة بلد أو إقليم أو مملكة، لا يقصد آحادهم بالتعيين، بل هو ~~كل عقد يتضمن الموادعة العامة على البلاد، والنفوس، والأموال، وكافة ~~الأحوال، وفي هذا النوع خلاف بين أهل العلم: هل يجوز مطلقا، أو لضرورة؟ وما ~~الضرورة التي تجوز المهادنة معها؟ وله موضع مفرد نذكره -إن شاء الله- في ~~الفصل بعد هذا. وإنما نتعرض هنا للفرق بين أحكامه، وأحكام العقد الثالث، ~~وهو: # ما عقد للواحد أو لعدد خاص على أنفسهم، إذا قدموا علينا، أو احتيج إلى ~~نزولهم للتكلم معهم، وما أشبه ذلك، وهذا النوع الثالث هو الذي يتناوله ~~بخاصة عرف الأمان إذا أطلق، وعليه بني الباب، وفيه جميع ما تقدم من ~~الأحكام. # فأما المهادنة العامة، فحكم الأمان فيها مستمر في الجميع إلى مدته ~~المضروبة له، ولا ms116 يتبعض ذلك، فيكون لمن رضي من آحاد تلك المملكة أن ينحوا ~~PageV01P320 # أنفسهم، ويردوا ما ثبت من ذلك الأمان لهم، أو يتراضوا على أن يبيع بعضهم ~~بعضا، أو يرهنه، كل ذلك وما أشبهه مما ينافي عقد ذلك الأمان، لا يباح ولا ~~يعمل به فيمن رضي ذلك منهم لنفسه، أو لم يرض، إلا أن يتمالأ جميعهم وملكهم ~~على # رد العهد، فهذا له وجهه، وإنما وجب ذلك لعموم قوله -تعالى-: {أوفوا ~~بالعقود} [المائدة: 1] ، و {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} [النحل: 91] . # ولما كان عقد المهادنة معهم على العموم في مصلحتهم، وإقرار مملكتهم ~~وبلادهم، وانتظام حالهم، وكان أمر ذلك يختل إذا أجيب الآحاد إلى رفع ذلك ~~فيما رضوا به لأنفسهم؛ لم يجز في حكم الوفاء أن ينقض ذلك عليهم، ولم يكن ~~رضى الآحاد عاملا في ذلك على جماعتهم. # وأما الأمان الخاص، وهو الذي يرجع الأمر فيه إلى تأمين أشخاص على ~~أعيانهم، لا يتعلق في ذلك حق لغيرهم، ولا لبعضهم من بعض، ففي هذا النوع عن ~~مالك وأصحابه: أن من تراضوا منهم على بيع نسائهم، وأبنائهم؛ فلا بأس به (1) ~~، وعلى ذلك يكون من رضي منهم أن يرد ما جعل له من الأمان، ويبيح نفسه للرق؛ ~~فهو مما لا بأس به -إن شاء الله-. # وقال ابن حبيب في العلج يكون في منعة، ومن أمره في فسحة فيستأسر: فذلك له ~~أمان، لا يقتل ولا يسترق، وإذا استأسر وقد رهقته: فلا أمان له (2) . # قال فضل في قوله: «فذلك له أمان، لا يقتل ولا يسترق» ، قال: إلا إن اشترط ~~عليه -عندما أمن- الاسترقاق، ورضي به فيسترق، قال: وهو قول سحنون (3) . # قلت: وإنما جاز ذلك في هذا النوع الخاص؛ لأن الأمان الذي اعتصم به هو ~~بيده، فله أن يحله وينبذه، فإذا نبذ العهد، ولم يكن يتعلق به حق لغيره كما ~~PageV01P321 # كان ذلك في عقد المهادنة والأمان العام: زال حكم الأمان عنه، فكان رضاه ~~بعد بإرقاق نفسه لا مانع منه. # نعم؛ لو لم يرض بإسلام نفسه بعد نبذ الأمان، أمكن أن يقال: يجب ms117 رده إلى ~~مأمنه؛ تتميما في الوفاء بعهده، وكذلك لو أراد بعضهم بيع بعض أو ارتهانه، ~~ورضي بذلك المبيع والمرتهن لجاز ذلك فيمن هو مالك أمره، فإن لم يرض بذلك لم ~~يجز، ولا يجوز شيء من ذلك بحال في المهادنة والأمان العام، فإن كان المبيع ~~والمرتهن غير بالغ ممن لا يملك أمره، وهو ممن دخل تحت ذلك الأمان: فلا يجوز ~~لأحد ممن معه فيه إسلامه في بيع أو ارتهان، وما أشبه ذلك، مما ينافي عقد ~~الأمان، إلا أن يكون الذي فعل ذلك به أبوه، فقد قال مالك: إن ذلك جائز، ~~ونحو ذلك يروى عن الثوري، ومنع من ذلك بعض أهل العلم، والأولى في النظر ~~منعه، لأن الصغير بعد أن ثبت له التأمين لا يرتفع حكمه إلا بإذن شرعي، وذلك ~~إما برده إلى # مأمنه، وإما بإسقاطه هو ونبذه، أن لو كان ممن يملك أمر نفسه، فأما أن ~~يكون ذلك بيد غيره يسقطه عنه، فلا دليل عليه، وإنما أراهم أجازوا عليه ذلك ~~من الأب؛ لأنهم حملوا الأمر فيه -والله أعلم- على حكم الصغير في حجر أبيه، ~~حيث يكون نظره له نافذا عليه، وهذا هنا لا يستقيم؛ لأن نظر الأب المأذون ~~فيه لا يتعدى مصلحة المال، أو ما هو شبيه المال من مصالح الأعيان، كعقد ~~النكاح، ونحو ذلك عند من يراه، بل لو قضى في المال بغير السداد، وما لا ~~مصلحة فيه البتة: فسخ، ولم يمض ذلك على الصغير. وأما قضاؤه على ذاته، ~~وعينه، وإتلافه عليه أحكام الحرية بالإرقاق؛ فذلك لا يوجد له أصل بحال، وقد ~~روي عن ابن القاسم قول يدل على أن قضاء الأب على ابنه الصغير بمثل ذلك لا ~~يمضي. # ولنورد الآن من المسائل المنقولة عن المالكية، ومن أمكن من غيرهم، في ~~افتراق حكمي الأمان: خاصا وعاما، على حسب ما ذكرناه، ما يكون فيه تبين ~~بالوقوف عليه -إن شاء الله تعالى-. # PageV01P322 # مسائل منقولة في افتراق أحكام الأمان # سئل أشهب عن علج دخل بأمان ليفدي امرأته، ففداها بفداء رهن فيه ابنا له ~~كان ms118 معه حتى يأتي بالفداء، فذهب فلم يأت، ما سبيل ذلك الابن؟ فقال: يستأنى ~~به، فإن جاء وإلا بيع عليه رقيقا، واستوفى ماله، فإن فضل فضل: حبسه لصاحبه ~~حتى يأتي (1) . # قلت: هذا من الأمان الخاص، فلذلك أجاز فيه رهن من رضي بذلك، وبيعه في ذلك ~~الحق، هذا إن كان الابن المرهون كبيرا رضي بذلك، وإن كان صغيرا فعلى ما ~~ذكرناه من أنهم يرون قضاء أبيه عليه في مثل ذلك ماضيا. # وروي عن ابن القاسم أنه قال: «لو أن روميا أهدى إلي ابنته لم يكن به بأس ~~أن أطأها، أو غير ابنته، ولو سبى رومي جارية ممن بيننا وبينه هدنة، مثل ~~النوبة وما أشبههم، لم ينبغ أن أشتريها ولا أطأها» (2) . فهذا منه تشديد ~~وتفرقة ظاهرة بين أحكام أهل الهدنة في ذلك وغيرهم، ممن له أمان خاص، ألا ~~تراه لم يستبح شيئا منهم، وإن كان الذي سباهم غير الذي بينه وبينهم ~~الهدنة؟!. # وروي عن مالك أنه سئل، فقيل: إن قوما من أهل الحرب يقدمون علينا بأبنائهم ~~ونسائهم، أفنبتاعهم منهم؟ فقال مالك: أبينكم وبينهم هدنة؟، قالوا: لا، قال: ~~فلا بأس بذلك. قال مالك: ولو كانت بينكم وبينهم هدنة لم يجز لكم شراؤهم؛ ~~لأن # لصغارهم من العهد مثل ما لكبارهم. قال مالك: وسواء كانت الهدنة بينكم ~~وبينهم السنة والسنتين أو إلى غير مدة، إلا أن يكون يوم هادنوا قد اشترطوا ~~ذلك، فيجوز ذلك (3) . ففرق مالك -رحمه الله- بين الهدنة -وهو الأمان العام- ~~وبين من جاء مستأمنا من أهل الحرب في بيع ما يبيعون منهم، فأجازه في ~~PageV01P323 # الخاص، ومنعه في العام، وقال فيه: «إلا أن يكونوا يوم هادنوا قد اشترطوا ~~ذلك» ، فأجازه إذا وقع العقد عليه؛ لأن العهد لم يتناولهم إلا على ذلك، فلم ~~يكن فيه إخلال بشيء ثبت لهم في عقد الأمان. وقد روى ابن القاسم عن مالك في ~~«المدونة» (1) ما يخالف بعض ما في هذه الرواية، فقال: إذا كان الأصل في ~~الهدنة مثل السنة والسنتين فجائز أن يشتروا منهم أولادهم ونساءهم. # فأقول: قد لا يخالف شيء ms119 من ذلك القانون الذي أشرنا إليه، أما الرواية ~~الأولى، فراعى في ذلك ما ينافي معنى العقد في الهدنة الواقعة مطلقا، من غير ~~التفات إلى تأثير طول مدة الهدنة أو قصرها. أما الرواية الأخرى، فكأنه رأى ~~فيها قصر المدة في الهدنة دليلا على رفض الاستنامة إليها، وترك الاعتداد ~~بالموادعة العارضة فيها، فلم يتضمن مراعاة حفظ المصالح على الإطلاق في ~~الحال والمآل، وتوقي ما يقدح في عواقب الأحوال، فكان للمدة القريبة في ذلك ~~حكم الخصوص. هذا وجه هذه الرواية عندي، والرواية الأولى في التسوية؛ فتسوية ~~المدة البعيدة والقريبة في ذلك أرجح، والله أعلم. # وقال الأوزاعي (2) في مصالحة الإمام أهل الحرب: «لا بأس أن يصالحهم على ~~عدد سبي يؤدونهم إلى المسلمين، قيل له: فإن كانت تلك الرؤوس والسبي من ~~أبنائهم وأحرارهم يبعث بهم ملكهم إليهم؟، قال: لا بأس به، ولا يضره، من ~~أحرارهم كان ذلك أو من غيرهم، إذا كان ذلك الصلح ليس بصلح ذمة وخراج، يقاتل ~~من ورائهم، وتجري عليهم أحكام المسلمين، فلا بأس بذلك» . # وقال أحمد في أهل الذمة يصالحون أهل الإسلام على ألف رأس كل سنة، ~~PageV01P324 # فكان يسبي بعضهم بعضا ويؤدونه، قال: لا بأس به، يجيء به من حيث شاء، ~~وكذلك قال إسحاق (1) . # وقال أبو حنيفة (2) : «لا خير في الصلح على أن يؤدوا ذلك من أبنائهم، ولا ~~ينبغي للمسلمين أن يقبلوا من ذراريهم أحدا؛ لأن الصلح وقع عليهم وعلى ~~ذراريهم» . # قال ابن حبيب: إن كان شرط أهل الحرب في عقد الصلح على الجزية أن يبيعوا ~~في جزيتهم ما شاؤوا من أبنائهم، أو من قهروه من كبارهم: فذلك جائز إذا عقده ~~عليهم رؤساؤهم وبطارقتهم في أصل الصلح، وإن لم يكن ذلك شرطا في أصل الصلح: ~~لم يجز، وكان العهد لجميعهم واحدا، قال: وهكذا سمعت مطرفا وابن الماجشون ~~يقولان، وقاله غيرهما من أصحاب مالك (3) . # فصل: في المهادنة والصلح، وهل يجوز ذلك أو يمنع؟ # قال الله -تعالى-: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله} [الأنفال: ~~61] ، وقال -تعالى-: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم ms120 وأنتم الأعلون} [محمد: ~~35] . # فاختلف أهل العلم في حكم الآيتين: هل نسخت إحداهما الأخرى؟ وما الناسخ ~~منهما والمنسوخ إن كان كذلك؟ أو: هل هما محكمتان؟ وعلى أي وجه مع ذلك ~~تحملان؟ وعن هذا نشأ الخلاف في جواز المهادنة ومنعها، على ما سنذكره -إن ~~شاء الله تعالى-. # فروي عن ابن عباس، أن آية الجنوح للسلم منسوخة بقوله -تعالى-: {فلا ~~PageV01P325 # تهنوا وتدعوا إلى السلم} [محمد: 35] ، وكذلك قال عكرمة، وقتادة، وغيرهما ~~أنها منسوخة، لكن زعموا أن الناسخ لها: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ~~[التوبة: 5] ، فعلى هذا لا تجوز المهادنة بحال، وقيل: بل المنسوخ الأخرى، ~~والناسخ قوله -تعالى-: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} (1) [الأنفال: 61] ، ~~وعلى هذا تجوز المهادنة بكل حال، وقيل: إن آية الجنوح للسلم نزلت في قوم ~~بأعيانهم خاصة (2) ، وآية المنع هي عامة، وقيل: إن الآيتين نزلتا في وقتين ~~مختلفي الحال، # معناه: إنهما محكمتان في حالين مختلفين؛ فإذا كان للمسلمين الظهور ~~والاعتلاء، حرم السلم والإجابة إليه، وإن كانوا على حال توق وتخوف ساغ لهم ~~ذلك (3) . # وقيل: إن معنى: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم} [محمد: 35] ، أي: لا تكونوا ~~أول الطائفتين ضرعت للأخرى، وهي رواية عن قتادة -أيضا- (4) ، وعلى هذا ~~القول ينتظم معنى الآيتين على حكم واحد؛ لأنه أبيح في الأولى الجنوح للسلم ~~إن جنحوا، وابتدؤوا بطلب ذلك، وإنما منع في الثانية أن يدعوهم إليه ~~المسلمون PageV01P326 # ابتداء (1) ، فهما في الحكم غير مختلفين، وثبت أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عقد الصلح بينه وبين المشركين يوم الحديبية، وكتب لهم بذلك ~~كتابا، كتبه علي بن أبي طالب # -رضي الله عنه-، خرجه مسلم وغيره (2) ، فكان ذلك حجة لمن أجاز الهدنة ~~للعدو. # وقد اختلف في المعنى الذي له صالح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل ~~مكة عام الحديبية. # فقالت طائفة: كان ذلك على جهة النظر للمسلمين من وجوه؛ منها: كثرة عدد ~~المشركين، وإصفاقهم على منعهم من الدخول عليهم، ومنها: طلب التفرغ لقتال ~~غيرهم، ومنها: الأمن لمن أراد الدخول في الإسلام، وليتقوى على حربهم فيما ~~يستقبل، وقالت طائفة: بل صالحهم وهو ms121 غير عاجز عنهم، لكن طمعا في أن # يسلموا، أو يسلم بعضهم، وممن روي عنه القول بالمهادنة للعدو: مالك، ~~والشافعي، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وغيرهم (3) . PageV01P327 # واختلفوا في القدر المبيح لذلك؛ فروي عن الأوزاعي (1) : أن المهادنة تجوز ~~إذا كان ذلك نظرا للمسلمين، وإبقاء عليهم، وقال أصحاب الرأي (2) : إذا كان ~~ذلك خيرا للمسلمين، وكانوا يخشون إن لم يوادعوهم أن لا يقووا عليهم؛ جاز، ~~فإن وادعوهم على ذلك، ثم رأى المسلمون أن بهم قوة فعليهم أن ينبذوا إليهم، ~~ثم يقاتلوهم. وقال الشافعي (3) : إذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين أو ~~طائفة منهم؛ جاز لهم الكف عنهم ومهادنتهم، وعند الشافعي: لو زال ضعف ~~المسلمين، لم يجز أن ينبذوا إليهم إلى كمال المدة، وكذلك عنده (4) : إذا ~~خاف منهم خيانة، لم يجز له أن ينبذ إليهم، إلا أن تقوم دلالة على ذلك من ~~خبر أو عيان، وإذا لم يكن إلا مجرد الظن؛ فليتم عهدهم إلى مدتهم (5) . ~~PageV01P328 # واختلفوا -أيضا- في المهادنة: هل يجوز عقدها لغير مدة؟ فقيل: يجوز، وهو ~~ظاهر مذهب مالك (1) ، وقيل: لا تجوز المهادنة إلا إلى مدة (2) ؛ لأن عقد ~~ذلك إلى غير مدة يوجب الكف عنهم على الدوام، وذلك لا يجوز؛ لأن قتالهم متى ~~قدر عليه فهو يجب، حتى يسلموا، أو يؤدوا الجزية إن كانوا من أهلها، وهو قول ~~الشافعي (3) . # ثم اختلف في المدة، فقيل: ذلك راجع إلى ما تدعو الضرورة إليه في مصالح ~~أهل الإسلام من غير حد، وقيل: بل لأكثرها حد لا يتعدى، وذلك أقصى ما روي في ~~المدة التي صالح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليها المشركين من قريش ~~عام الحديبية. واختلف في قدرها، فقيل: أربعة أعوام (4) ، وقيل: عشرة أعوام، ~~وهو المنقول في السير وأكثر الآثار (5) . PageV01P329 # خرج أبو داود (1) في مدة صلح الحديبية، عن المسور بن مخرمة، ومروان # بن الحكم، أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين. وهو قول الشافعي (2) . ~~PageV01P330 # واستدل من رأى أن الزيادة على ذلك ممنوعة، بأن الله -تعالى- فرض قتال ~~الكفار، فوجب القيام بذلك، فلما هادن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~مشركي ms122 أهل مكة، كانت تلك المدة مع العذر الموجود أقصى ما يجوز في ذلك (1) . # وفرق الشافعي في السبب الموجب للهدنة، فرأى أن ما كان سبب الموادعة فيه ~~تألف المشركين، رجاء أن يسلموا، أو يعطوا الجزية، ونحو ذلك من أنواع ~~المصلحة التي من غير ضعف بالمسلمين عنهم، فأقصى مدة ذلك أربعة أشهر، لا ~~تزيد عليها، على أصح القولين عندهم (2) ، وفي القول الثاني: يجوز فيما دون ~~السنة. # فدليل الأول: ما جعله الله أجلا للمشركين في سورة (براءة) لمثل ذلك، وذلك ~~قوله -سبحانه-: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} [التوبة: 2] ، ووجه الثاني، ~~قالوا: لأن السنة مدة الجزية، فلا يسامح فيها إلا بمال، وأما إن كان سبب ~~المهادنة عنده الضعف بالمسلمين، والعجز عن مقاومة عدوهم، فيجوز ما بينه ~~وبين عشرة أعوام؛ للدليل الذي تقدم ذكره في مدة صلح أهل مكة (3) . # فصل # الصلح على المهادنة، والموادعة، يقع على ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون مهادنة من الفريقين دون ذكر المال، فذلك جائز في موضع ~~العذر وطلب المصالح للمسلمين؛ لأن مهادنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~مشركي مكة عام الحديبية كانت كذلك من غير مال. # والثاني: أن تكون على مال يؤديه الكفار، وذلك -أيضا- جائز؛ لأن أخذ المال ~~منهم على ذلك صغار لهم، وليس هو من سبيل الجزية في شيء؛ لأن حكم الجزية أن ~~يكونوا بحيث يستولي عليهم نظر المسلمين وسلطانهم، ويستوجبون هم PageV01P331 # مع ذلك ذمة المسلمين، حتى يقاتلوا عنهم عدوهم، والجزية مما يجب دعاؤهم ~~إليها إن كانوا من أهلها، وإجابتهم إن كانوا هم الداعي إليها على كل حال، ~~وليس كذلك في المهادنة؛ لأن المهادنة لا تجوز إلا من ضرورة -كما تقدم-. # والوجه الثالث (1) : أن يكون على مال يؤديه المسلمون، ففي جواز ذلك خلاف؛ ~~روي عن الأوزاعي (2) أنه قال: «لا يصلح ذلك إلا عن ضرورة وشغل من المسلمين ~~عن حربهم، من قتال عدوهم، أو فتنة شملت المسلمين، فإذا كان ذلك؛ فلا بأس» . ~~وروي نحو ذلك عن سعيد بن عبد العزيز، وقال: فعله معاوية أيام صفين، وعبد ~~الملك بن مروان؛ لشغله ms123 بقتال ابن الزبير (3) . # وقال الشافعي (4) : «لا خير في أن يعطيهم المسلمون شيئا بحال على أن ~~PageV01P332 # يكفوا عنهم؛ لأن القتل للمسلمين شهادة، والإسلام أعز من أن يعطى مشرك على ~~أن يكف عنه، قال: إلا أن يخاف المسلمون أن يصطلموا؛ لكثرة العدو، وقلتهم، ~~أو خلة فيهم، فلا بأس أن يعطوا في تلك الحال شيئا ليتخلصوا منهم؛ لأنه من ~~معاني الضرورات، يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها، أو يؤسر مسلم، فلا يخلى ~~إلا بفدية، فلا بأس؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدى رجلين من ~~المسلمين أسرهما العدو، برجل (1) من المشركين» . # والأرجح ما ذكره الشافعي، أن ذلك لا يجوز لكل عذر، من مضرة تتقى، أو ~~مصلحة ترتجى، فإن في إعطاء المال لأهل الكفر على أن يكفوا صغارا على أهل ~~الإسلام، وذلك لا يجوز أن يستجلب بمثله مصلحة، أو يستدفع به ما لا يستأصل ~~من المضرة، فإذا انتهى الأمر إلى خوف الاستئصال والاصطلام، بإحاطة العدو ~~وقوته، وتحقق العجز عن مقاومته، جاز في هذه الحال؛ لأنه أيسر المكروهين، ~~والله أعلم. # وقد ظن من ذهب إلى جواز إعطاء المسلمين المال في مصالحة العدو لضرورة ~~تعرض في ذلك -وإن لم ينته الضعف بالمسلمين غايته- أن له دليلا على ذلك، في ~~حديث خرجه أبو عبيد في كتابه «الأموال» (2) . قال: حدثنا عبد الله بن ~~PageV01P333 # صالح، عن الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، قال: كانت وقعة ~~الأحزاب بعد أحد بسنتين، وذلك يوم حفر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~الخندق، ورئيس الكفار يومئذ: أبو سفيان بن حرب، فحاصروا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بضع عشرة ليلة، فخلص إلى المسلمين الكرب، فقال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - -كما أخبرني سعيد بن المسيب-: «اللهم إني أنشدك ~~عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد» ، وحتى أرسل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - رسولا إلى عيينة بن حصن -وهو يومئذ رئيس الكفار من غطفان، وهو مع ~~أبي سفيان-، فعرض عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلث ms124 ثمر نخل ~~المدينة، على أن يخذل الأحزاب، وينصرف بمن معه من غطفان، فقال عيينة: بل ~~أعطني شطر ثمرها، ثم أفعل ذلك، فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~سعد بن معاذ -وهو سيد الأوس-، وإلى سعد بن عبادة -وهو سيد الخزرج-، فقال: ~~«إن عيينة سألني نصف ثمر نخلكم على أن ينصرف بمن معه من غطفان، ويخذل بين ~~الأحزاب، وإني أعطيته الثلث، فأبى إلا النصف، فما تريان (1) ؟!» . فقالا: ~~يا رسول الله، إن كنت أمرت بشيء فافعله، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لو أمرت بشيء لم أستأمركما فيه، ولكن هذا رأي أعرضه عليكما» ، ~~قالا: فإنا لا نرى أن نعطيهم إلا السيف، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «فنعم» . # فزعموا أن موضع الدليل منه ما كان من صغو رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- إلى مصالحة عيينة على جزء من الثمر، ولا حجة في شيء من ذلك؛ لأن الحديث ~~لو لم يكن في رفعه متكلم؛ لكان مع ذلك لا دليل لهم منه؛ لوجوه: PageV01P334 # منها: أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يفعل ذلك، ولا قال: إنه أمر به، ~~وإنما وقع ذلك على سبيل الإرتياء والنظر، الذي استقر آخره على أن لا يفعل، ~~فهو إلى الاستدلال على المنع أقرب؛ ثم إنه لم تكن إرادة البذل في هذا لمجرد ~~الهدنة، بل كان فيه من المحاولة الحربية ما يعود بإضعاف العدو وخزيهم، ~~وتشتيت جماعتهم، والتخذيل بينهم، وتلك من مكائد الحرب، فأمر البذل فيها ~~يضاهي الجعل والإجارة على الشيء يفعل، والله أعلم. # ***** # PageV01P335 # مسائل من أحكام المستأمن # * مسألة: # اختلفوا في المستأمن يريد الإقامة بدار الإسلام: # فقال الأوزاعي (1) : لا يترك، إلا أن يسلم، أو يؤدي الجزية، أو بإذن ~~الإمام. # وقال أحمد: إذا أمنه الإمام؛ فهو على أمانه حتى يرده إلى مأمنه (2) . # وقال الشافعي (3) : إن كان من أهل الكتاب، قيل له: إن أردت المقام فأد ~~الجزية، وإن لم ترد فارجع إلى مأمنك، فإن استنظر، فأحب إلي ألا ينظر إلا ~~أربعة أشهر؛ لأن الله -تعالى- جعل للمشركين أن يسيحوا ms125 في الأرض أربعة أشهر، ~~وأكثر ذلك أن لا يبلغ به الحول؛ لأن الجزية في حول، فلا يقيم في دار ~~الإسلام مقام من يؤدي الجزية ثم لا يؤديها، وإن كان من أهل الأوثان، فلا ~~تؤخذ منه الجزية، ولا ينظر إلا كإنظار هذا، وهو دون الحول. # * مسألة: # اختلفوا في الحربي المستأمن، يقدم بأسرى مسلمين أحرار أو عبيد؛ فقيل: ~~يحال بينه وبينهم، ويخلى سبيل الأحرار، ويرد العبيد على ساداتهم، ولا يعطى ~~المستأمن عوضا عن ذلك شيئا، وعلى هذا ينبغي أن يكون تأمينهم، والعهد معهم، ~~فإن عقد على غير هذا، فالعقد فاسد، وانتزاعهم على كل حال واجب، ولا ~~PageV01P336 # وفاء في معصية؛ وهو قول أهل الظاهر (1) . # وقيل: لا يعترض في شيء من ذلك على حال، ويكون له الرجوع بهم إن شاء؛ وهو ~~قول ابن القاسم (2) . # وقيل: ينتزعون منه، ويعطى في كل مسلم أوفر قيمة، قاله عبد الملك بن ~~الماجشون، ورواه عن مالك، وكذلك قال ابن حبيب (3) ، قال: ويباع عليه عبيده ~~إذا أسلموا، وكذلك يفعل بالذمي، ثم لا يكون ذلك نقضا للعهد. # وفرق بعضهم فقال: يجبر على بيع المسلمات، ولا يجبر في الذكران، وهي رواية ~~عن ابن القاسم، وقاله ابن القصار (4) . # والأرجح -إن شاء الله-: ما ذهب إليه ابن الماجشون، ورواه عن مالك، وقاله ~~ابن حبيب؛ لأن الوفاء لهم بالأمان واجب في النفس والمال، ما لم يعترض ~~PageV01P337 # ذلك معصية لله -عز وجل-، فترك المسلم في أيديهم مع التمكن من إرساله ~~معصية، واغتيالهم فيه (1) من غير عوض خيانة، ولما كان لنا فيما أوجبه الله # -تعالى- من فك الأسارى طريقان: واحدة من جهة المحاربة والقهر، وأخرى من ~~جهة بذل المال والفداء، ولم يكن هؤلاء من أهل الحرب: تعين إرساله؛ وبذل ~~قيمته، قياما بالفرضين: إنقاذ المسلم، والوفاء في العوض، والله أعلم. # ***** PageV01P338 ### | الباب السابع # في الغنائم وأحكامها، ووجه القسم، ومن يستحق الإسهام، # وبم يستحق، وسهمان الخيل، وما جاء في الغلول # قال الله -عز وجل-: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: ~~41] ، وقال -تعالى-: {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا} [الأنفال: ms126 69] ، وقال ~~-تعالى-: {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه} [الفتح: 20] . # وخرج مسلم (1) ، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة؛ ~~وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي ~~الأرض طيبة طهورا ومسجدا، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت ~~بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة» . # البخاري (2) ، عن عروة البارقي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«الخيل معقود في PageV01P341 # نواصيها الخير: الأجر والمغنم، إلى يوم القيامة» . # ولا خلاف بين الأمة في استباحة أموال الكفار بالاغتنام، وصحة تملك ~~المسلمين ما حازوه منها على وجه الغزو والجهاد. # والأموال التي يحوزها المسلمون على الكفار على ثلاثة أحكام: # منها: ما يجب فيه الخمس الذي سمى الله -تعالى-، ويكون سائر ذلك لأهل ~~الجيش الذين حازوه، وهذه هي الغنائم باختصاص. # ومنها: ما يكون لمن حازه وحده، من غير خمس في ذلك يلزمه. # ومنها: ما لا يتعين فيه حق لأحد بعينه، وإنما يكون جميعه لمصالح المسلمين ~~عموما، وهذا هو الفيء الذي قال الله -تعالى- فيه: {ما أفاء الله على رسوله ~~من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} ~~[الحشر: 7] إلى آخر الآيات. # والذي يختص به هذا الباب: ذكر الغنائم وقسمها، ونذكر النوعين الآخرين عقب ~~ذلك في (الباب الثامن) بعد هذا، عند ذكر الأنفال والأخماس -إن شاء الله ~~تعالى-؛ فأما: # الغنائم # وهي التي يستحق فيها الخمس، ويكون سائرها للغانمين، فيختلف في حدها: # فعند المالكية أنه: كل مال حازه المسلمون على المشركين بالقصد إليه، على ~~سبيل المعالجة (1) : بقتال، أو احتيال، فيدخل في ذلك السرقة والتلصص (2) ، ~~ويخرج منه ما جلا عنه الكفار، أو قدر عليه بغير علاج. PageV01P342 # وهي عند الشافعية (1) : كل مال حازته الفئة المجاهدة على سبيل # الغلبة، دون ما يختلس ويسرق؛ فإنه خاص بملك المختلس، وكذلك اللقطة ~~لواجدها، دون ما ينجلي عنه الكفار بغير قتال، فإنه فيء. # فالخلاف بينهم فيما ms127 أخذ سرقة واختلاسا: هل يكون له حكم الغنمية أو لا؟ ~~واتفقوا فيما حيز على وجه المغالبة أنه غنيمة يخمس ويقسم، وفيما جلا عنه ~~الكفار بغير قتال أنه فيء. # وسنورد في أثناء المسائل من أقوال أهل العلم ما فرقوا فيه بين ما يجب فيه ~~الخمس عندهم، وما يكون لمن أخذه، أو يكون فيئا لجماعة المسلمين، ما يتبين ~~به تفصيل ما ذكرناه في حصر ما ذهبوا إليه -بحول الله تعالى-. # والقول الجامع لأحكام الغنائم التي يجب تخميسها، وقسم سائرها على ~~الغانمين يرجع إلى أربعة فصول: # * بيان ما يستحق قسمه من أصناف المال، مما لا يستحق. # * وبيان من يستحق الإسهام من أصناف الناس، ممن لا يستحق. # * وبيان ما يستحق به الإسهام من الأفعال. # * وبيان وجوه القسم على الفرسان والرجل. # ونحن -إن شاء الله- نذكر ذلك فصلا فصلا بمعونة الله وحوله # -تعالى-. PageV01P343 # فصل: في بيان ما يستحق قسمه من أصناف المال # مما لا يستحق # قال الله -عز وجل-: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: ~~41] . # فكان عموم الآية يقتضي تخميس كل شيء استولي عليه من الكفار، وقسم سائره ~~في الغانمين؛ إلا أن يخص شيئا من ذلك دليل فيوقف عنده. # والمستولى عليه صنفان: رقاب الكفار، وأموالهم. # فأما صنف الرقاب فنوعان: أسرى -وهم الرجال-، وسبي -وهم النساء والذرية-. # فأما الأسرى؛ فقد تقدم القول فيهم، وتلخيصه: أن لأهل العلم في ذلك ثلاثة ~~مذاهب؛ قول: إنهم يقتلون ولا بد. وقول: إنهم يستحيون: للمن أو الفداء. ~~وقول: إن الإمام مخير فيهم على خمسة أحكام: القتل، والمن، والفداء، ~~والاسترقاق، وضرب الجزية. # وأما السبي من النساء والصبيان، فإنهم بنفس الاستيلاء عليهم يرقون بما ~~أحكمته السنة من ذلك، فيصير حكمهم إلى حكم سائر أموال الغنائم في وجوب ~~القسم والتخميس، من غير اختيار يكون في ذلك للإمام؛ لأن التخيير الذي ثبت ~~للإمام بالأدلة المنتزعة على ذلك من القرآن والسنة إنما هو خاص بأسرى ~~الرجال، لكن يكون لمن صار إليه شيء من السبي إما بالقسم أو بالشراء أو غير ~~ذلك من وجوه التملك، ms128 أن يفدي بهم أو يفادي، ويمن بالعتق، ويتصرف في ذلك بما ~~أباح له الشرع منه، وكذلك لو استطاب الإمام عنهم نفوس الغانمين. وكل من ~~يتوجه له فيهم حق، كان له أن يفعل فيهم من ذلك ما شاء على وجه النظر ~~والمصلحة، إلا خلافا في الأطفال: هل يباح ردهم إلى الكفار؟ وقد مضى الكلام # PageV01P344 # في ذلك مستوفى في (الباب الخامس) ، في (فصل: أحكام الأسرى) . # ومما جاء في المن على السبي -النساء والذرية- ما رواه أبو # عبيد في كتاب «الأموال» (1) قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن ~~سعد، قال: حدثني عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، ~~وعروة بن الزبير، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رد ستة الآف من سبي ~~هوازن -من النساء والصبيان والرجال- إلى هوازن حين أسلموا ... الحديث؛ وفيه ~~قال: وزعم عروة، أن مروان ابن الحكم، والمسور بن مخرمة أخبراه، أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يرد ~~إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «معي من ~~ترون، وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي؛ وإما ~~المال، وقد كنت استأنيت بهم» . قال: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قد انتظرهم بضع عشرة ليلة، حين قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا: نختار ~~سبينا. # فإذا تقرر ذلك، فيجيء على مذهب من رأى تخيير الإمام في الأسرى، منهم: ~~مالك، وغيره، وهو الذي تقدم ترجيحه بالأدلة: أنه متى حكم الإمام ~~باسترقاقهم، توجهت عليهم أحكام الغنائم في القسم والتخميس، هذا لا إشكال ~~فيه، ومهما قتل الإمام من رأى قتله من الرجال، خرج من جملة الغنيمة، وكان ~~له حكم الاستثناء والتخصيص في عموم الآية في القسم والتخميس بما تقرر وثبت ~~من الأدلة المتقدمة: أن الإمام مخير في ذلك. PageV01P345 # واختلف في الوجوه الثلاثة: من المن، والمفاداة به، والإقرار على ضرب ~~الجزية؛ إذا ms129 رأى الإمام واحدا منها: # فقيل: يكون ذلك كالقتل، يخرجه من جملة الغنيمة. # وقيل: بل يصير له بالاستحياء حكم الغنيمة الواجب قسمها، فإذا فعل ذلك ~~الإمام احتسب به من الخمس، بخلاف القتل، وكلا القولين لأصحاب مذهب مالك. # وسبب الخلاف فيما ذكره بعضهم هو: هل الغنيمة مملوكة بنفس # الأخذ، أو حتى تقسم؟ (1) وقد كان يجب أن لا يختلفوا أن ذلك كله واحد في ~~خروجه من جملة الغنيمة، سواء قيل: إن الغنمية تملك بالأخذ أو بالقسمة، ~~ويكون له حكم الاستثناء، كقولهم في القتل ولا فرق؛ لقيام الأدلة على أن ذلك ~~مخير فيه الإمام، وليس هناك ما يقتضي أن يحسب ذلك من الخمس، بل الخمس مستحق ~~-أيضا- في أصناف سماهم الله -عز وجل-، كاستحقاق الغانمين للأربعة الأخماس، ~~فكيف يحمل ذلك عليهم خاصة دون مستحقي الأربعة الأخماس، وجميعهم شركاء؟! # ومن الدليل على خروج ذلك من جملة الغنمية، ما خرجه البخاري (2) ، عن محمد ~~بن جبير، عن أبيه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في أسارى بدر: «لو ~~كان المطعم بن PageV01P346 # عدي حيا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى؛ لتركتهم له» . فهذا سبيل المن عليهم ~~من الجملة، وكذلك بوب عليه البخاري: (باب المن على الأسرى من غير أن ~~يخمسوا) . # وأما الصنف الثاني، وهو الأموال المستولى عليها، فنوعان: عقار، وأصناف ~~المال غير العقار. # فأما العقار، فاختلف أهل العلم في الأرضين المغنومة عنوة: هل ذلك مما ~~يخمس ويقسم على الجيش كسائر أصناف المال، أو حكم الأرضين حكم الفيء، لا حق ~~فيها للجيش يخصهم، وإنما تكون وقفا على مصالح المسلمين؟ ففي ذلك ثلاثة ~~أقوال: # قول: إنها تقسم كسائر الأموال، وإليه ذهب الشافعي، وأبو ثور، وغيرهم (1) ~~، وروي ذلك عن الزبير بن العوام (2) ، ودليلهم عموم # قوله -تعالى-: {واعلموا أنما PageV01P347 # غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] ، فدخل في ذلك الأرض وغيرها، ~~وما ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم خيبر على الغانمين (1) ، وهذه ~~أدلة ظاهرة قوية. # وقول ثان: إن الأرض لا تقسم، بل تكون وقفا في مصالح المسلمين، على حكم ~~الفيء، لا ms130 يستأثر أحد بملك أعيانها، بل هي لكل من حضر ذلك، ومن لم يحضره، ~~ومن يجيء بعد من المسلمين إلى يوم القيامة، وهو قول مالك PageV01P348 # وأصحابه (1) . # واستدلوا في ذلك بفعل عمر في أرض سواد العراق، وذكروا احتجاجه على ذلك ~~بالآية من سورة الحشر، قوله -تعالى-: {ما أفاء الله على رسوله من أهل ~~القرى} الآية كلها، إلى قوله: {للفقراء المهاجرين} [الحشر: 7] ، وإلى قوله: ~~{والذين جاءوا من بعدهم} إلى آخر الآيات، [الحشر: 10] ، وقول عمر: ما أحد ~~إلا وله في هذا المال! حتى الراعي بعدن (2) . PageV01P349 # قالوا: وكان فعل عمر في توقيف الأرض بمحضر الصحابة، من غير نكير (1) ، ~~فدل ذلك على أن معنى قوله -عز وجل-: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله ~~خمسه} [الأنفال: 41] : فيما عدا الأرضين، وأن الأرض لا تدخل في عموم ذلك، ~~واستدلوا بأشياء من هذا الباب، ليس فيها بيان جلي. # وقول ثالث: إن الإمام مخير بين أن يقسمها في المغانم، كما فعل رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - بخيبر، أو يقفها لمصالح المسلمين، كما فعل عمر بأرض ~~السواد، وهو قول سفيان الثوري، وأبي عبيد، وأكثر الكوفيين (2) ، وكأنهم ~~رأوا الآيتين -آية الغنيمة من سورة الأنفال، وآية الفيء من سورة الحشر- ~~واردتين مورد التخيير في حكم الأرض بخاصة، قال بعضهم: فقسم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - خيبر اتباعا لآية الغنيمة، ووقف عمر أرض السواد اتباعا ~~لآية الفيء، وهذا أيضا مما لا دليل عليه يوضح دعوى التخيير فيه، والأرجح ما ~~ذهب إليه الشافعي، والله # أعلم (3) . PageV01P350 # وقد قيل عن عمر: إنه لم يفعل في أرض السواد ما فعل، حتى استطاب على ذلك ~~نفوس أهل الجيش، قاله الشافعي (1) ، قال: وكذلك الآن إذا غنموا أرضا فخمست، ~~ثم استطاب الإمام نفوس أهل الجيش عن أربعة الأخماس، فتركوا ذلك بطيب ~~نفوسهم، فالإمام يقفها لمصالح المسلمين، كما فعل عمر، فهذا حكم الأرض، ~~والاختلاف فيها. # فصل # وأما أصناف المال غير العقار، وهي: الذهب، والفضة، والعروض: من الأثاث، ~~والحيوان، والأطعمة، وغير ذلك، من سائر الأعيان التي أباح الشرع تملكها، ~~فهي على وجهين: ms131 أسلاب، وغير أسلاب، فأما الأسلاب: # فمن رآها تختص ملكا للقاتل، كما ذهب إليه الشافعي وأهل الظاهر وجماعة من ~~أهل العلم PageV01P351 # سواهم (1) ، فهي عندهم مخصصة -أيضا- من الآية، لا تدخل في القسم؛ للأدلة ~~التي نذكر في ذلك، إذا ذكرنا حكم السلب والخلاف فيه في (الباب الثامن) بعد ~~هذا عند ذكر الأنفال -إن شاء الله تعالى-، ومن لم ير ذلك لم يحتج إلى هذا ~~التفصيل، وكان حكم الجميع عنده واحدا في المقاسم (2) . # وأما غير الأسلاب فضربان: # * ما تقدم عليه ملك للكفار، وهو جميع ما حازوه، ووضعوا اليد عليه، من ~~PageV01P352 # ضروب الأموال. # * والثاني: ما كان على حكم الأصل قبل أن يحوزوه بالتملك، نحو ما يقذف به ~~في البحر من العنبر وغيره، وما يوجد من الجواهر # والأحجار في أرضهم، والخشب والصيد ونحو ذلك. # فأما الضرب الأول -وهو ما تقدم عليه ملك الكفار- فنوعان: طعام، وما يكون ~~له حكم الطعام: من العلوفة، والأنعام تذبح، وما أشبه ذلك مما تدعو الجيش ~~حاجة في الغالب إليه. # والنوع الثاني: سائر الأموال مما عدا ذلك. وهذا النوع لا يحتاج إلى بيان، ~~فهو مما يستحق قسمه باتفاق، ويحرم أخذ شيء منه قبل القسم، بلا خلاف (1) . # وأما نوع الطعام، فالتبسط فيه بالأكل، والارتفاق للغني والفقير من الغزاة ~~جائز، وذلك بشرطين: # أحدهما: الاقتصار بذلك على دار الحرب. # والثاني: أخذ قدر الحاجة هناك دون ما زاد. # خرج البخاري (2) ، عن ابن عمر قال: «كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب، ~~فنأكله ولا نرفعه» . # مسلم (3) ، عن عبد الله بن مغفل، قال: أصبت جرابا من شحم يوم خيبر، ~~PageV01P353 # قال: فالتزمته، فقلت: لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا، قال: فالتفت، فإذا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متبسما. # أبو داود (1) ، عن محمد بن أبي مجالد، عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: ~~قلت: هل كنتم تخمسون -يعني: الطعام- في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-؟ فقال: أصبنا طعاما يوم خيبر، فكان الرجل يجيء ويأخذ منه مقدار ما # يكفيه، ثم ينصرف. # قال ابن عبد البر (2) : «أجمع جمهور علماء المسلمين على ms132 إباحة أكل الطعام ~~إذا كان للحربيين، ما دام المسلمون في أرض الحرب، يأخذون منه قدر حاجتهم» . # وجملة قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والليث ابن ~~سعد: أنه لا بأس أن يؤكل الطعام والعلف في دار الحرب بغير إذن الإمام، ~~وكذلك ذبح الأنعام للأكل. وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور. # وكان ابن شهاب لا يرى ذلك إلا بإذن الإمام (3) . # قال ابن عبد البر: «لا أعلم أحدا قاله غيره» (4) . PageV01P354 # فأما أن يخرج أحد من ذلك شيئا إلى أرض الإسلام، فجمهور العلماء كرهوا ~~ذلك، إذا كان لذلك الطعام قيمة، أو كانت للناس فيه هناك رغبة، وحكموا له ~~بحكم الغنمية، فمن أخرج شيئا من ذلك رده إلى المقاسم إن أمكنه، وإلا باعه ~~وتصدق بثمنه. # وخالف في ذلك الأوزاعي، فجعل ما أخرجه من ذلك إلى دار الإسلام، # فهو له -أيضا- (1) . # قلت: وإنما يكون أخذ الناس لما أخذوا من ذلك على الوجه المعروف، فإن كان ~~انتهابا فهو حرام. وقد كفأ النبي - صلى الله عليه وسلم - قدور ناس كانوا ~~معه في سفر، فأصابوا غنما، وقد اشتدت حاجتهم وجهدهم، فانتهبوها، ثم جعل ~~يرمل اللحم بالتراب، ثم قال: «إن النهبة ليست بأحل من الميتة، أو: إن ~~الميتة ليست بأحل من النهبة» . ذكره أبو داود (2) . PageV01P355 # وخرج الترمذي (1) عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~انتهب؛ فليس منا» . قال فيه: حسن صحيح. # وأما الضرب الثاني، وهو ما ألقي في أرض الكفار على حكم الأصل # قبل أن يحوزوه، أو يضعوا عليه يد التملك؛ فهذا الضرب: من رآه لواجده، ~~وأنه ليس على حكم الغنائم؛ لأنه لم يكن ملكا للكفار قبل، فهو ظاهر، ولا ~~يحتاج إلى تفصيل، ونحو ذلك هو المروي عن الشافعي (2) . # وأما بعض المالكية فقسموا ذلك على نوعين: PageV01P356 # منه ما يكون له في جنسه بال: كالجوهر، والياقوت، والعنبر. قال أبو الوليد ~~الباجي (1) : «فهذا قياسه على مذهب أصحابنا، أنه فيء كله كالنساء والصبيان» ~~. # يعني بالفيء: الغنيمة، وأنه يقسم على حكم الغنائم بعد التخميس، ولا يكون ~~لواجده فيه ms133 حق يختص به، إلا ما أوجبه القسم. # والنوع الثاني: ما لا خطر له في جنسه، كطيور الصيد: البازي، والصقر، ونحو ~~ذلك، وكذلك الخشب تنحت منه السهام، والقتب، والسرج، وكالحجر من الرخامة، ~~والمسن (2) ، وشبه ذلك؛ فالذي عليه أكثر المالكية: أن ما كان له من ذلك ~~قيمة بأرض العدو لخفة حمله والاغتباط به، فهو في المغانم، ويحكى نحو ذلك عن ~~مالك، وما لا كبير قيمة له، فلم ير به بأسا (3) . # روي عن مالك في أخذ العصا والدواء من الشجر، قال: لا أرى بأسا، وفي ~~الرخام والمسن؛ شك، قال: لأنه لم ينل ذلك الموضع إلا بجماعة الجيش؛ فلا ~~أحبه؛ وسهل في السرج يصنعه من ذلك والنشاب، وقال في صيد الطير من أرض ~~العدو: إذا باعه، أدى ثمنه إلى صاحب المقاسم. وأباح القاسم (4) وسالم في ~~صيد الطير والحيتان: أن يبيعه # ويأكل ثمنه (5) . PageV01P357 # وقاله الأوزاعي (1) في الحطب والحشيش: إن أخذه فباعه فله ثمنه، ولا خمس ~~فيه. وقال فيما لم يحرزوه في بيوتهم؛ نحو: الشجر، والأقلام، والأحجار، ~~والمسن، والأدوية: إن لم يكن لشيء منها ثمن؛ أخذه من شاء، فإن عالجه فصار ~~له ثمن؛ فهو له ليس عليه فيه شيء، وقاله مكحول (2) . # وقال أحمد بن حنبل (3) : «ما أصاب ببلاد الروم مما ليس له هناك قيمة، فلا ~~بأس بأخذه» . # قال الشافعي (4) : «ما كان مباحا ليس ملكه لآدمي، أو صيد من بر أو بحر، ~~فأخذه مباح، يدخل في ذلك القوس يقطعها الرجل من الصحراء، أو الجبل، والقدح ~~ينحته، وما شاء من الخشب، وما شاء من الحجارة، للبرام (5) وغيرها، فكل ما ~~أصيب من هذا؛ فهو لمن أخذه» . # وقال أصحاب الرأي (6) : «كل شيء أصابه المسلمون في دار الحرب له ثمن مما ~~في عسكر أهل الحرب، أو مما في الصحارى والغيطان والغياض، فهو في الغنيمة، ~~لا يحل لرجل كتمه، من قبل أنه # لم يقدر على أخذه إلا بالجند، ولا على PageV01P358 # مبلغه حيث بلغ؛ إلا بجماعة أصحابه» . # قلت: فقد عاد الخلاف فيما يوجد بأرض العدو مما لايملكه أحد منهم منحصرا ~~في ثلاثة أقوال: ms134 # إباحة ذلك مطلقا، على ما ذهب إليه الشافعي، ومنع ذلك مطلقا، إلا أن يجعل ~~في الغنائم، على ما ذهب إليه أصحاب الرأي، والتفرقة بين ما له من ذلك ثمن، ~~وما لا ثمن له، فيباح ما لا خطر له، ويمنع ما له خطر، وإليه ذهب: مالك، ~~وأحمد بن حنبل، وغيرهم ممن تقدم ذكره. # فأما مستند من منع مطلقا، فقد أفصحوا بذلك، حيث رأوا أن شيئا من ذلك لم ~~يقدر عليه إلا بالجيش، فهم شركاؤه، وأما مستند من أباح ذلك مطلقا، فإنه لما ~~لم يضف إلى ملك مالك؛ استحقه واجده، كما يكون ذلك في أرض الإسلام، وأوضح من ~~هذا أنه مال: لم يجر (1) عليه ملك الكفار، فلم يتناوله حكم الاغتنام، وهذا ~~راجح. # وأما التفرقة بين ما له ثمن من ذلك، وما لا ثمن له؛ فاستحسان. # * مسألة: # اختلف فيما عجز الجيش عن حمله من المغانم؛ فطرحه الإمام، أو أراد إحراقه، ~~فأخذه رجل من الجيش. # فروي عن مالك في مثل ذلك أنه لمن أخذه دون الجيش، ولا خمس فيه، ونحوه قال ~~الأوزاعي. وقال أشهب: لا يكون لمن أخذه، وهو فيه كرجل من الجيش (2) . ~~PageV01P359 # قال ابن المنذر (1) : «كان الليث بن سعد يقول: «من ترك دابة قامت # عليه بمضيعة؛ لا تأكل ولا تشرب، فهي لمن أخذها، إلا أن يكون تركها وهو ~~يريد أن يرجع إليها، فيرجع مكانه فهي له» . # وقال الحسن بن صالح -في الرجل يأكل التمرة ويرمي بالنوى-: «إن النوى لمن ~~أخذه، وكذلك كل شيء سوى النوى خلى عنه وتركه وأباحه للناس من دابة، أو غير ~~ذلك، فإن أخذه إنسان، فليس لرب المال أن يرجع فيه» . # وقاله الشعبي -فيمن قامت عليه دابته فتركها-: «هي لمن أحياها» ، قيل: عمن ~~هذا يا أبا عمرو؟ فقال: «إن شئت عددت لك كذا وكذا من أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -» (2) . PageV01P360 # وقال مالك -في القوم في البحر يلقون بعض متاعهم خشية الغرق فيأخذه غيرهم، ~~أو الدابة تقوم على الرجل فيتركها بالفلاة، فيأخذها بعض من مر بها فيصلحها، ~~ثم يأتي ms135 صاحبها فيريد أخذها-: «إن ذلك # يرد إلى صاحبه، فإن كان أنفق عليه شيئا أخذ منه» (1) . # ففرق مالك بين هذا وبين ما يلقيه صاحب المقاسم. # وفي مذهب الشافعي: يأخذه صاحبه، ولا شيء للذي أنفق عليه؛ لأنه متطوع لم ~~يؤمر بذلك (2) . # وقال الليث: ليس لمن ترك ذلك من أهل المركب، ولا صاحب الدابة شيء؛ لأنهم ~~طرحوه على وجه الإياس منه (3) . # وفرق أحمد بن حنبل، فقال في الدابة: هي لمن أحياها، وفي المتاع يلقيه ~~الرجل فيأخذه آخر: يعطى كراءه، ويرد على صاحبه» (4) . # قلت: وجه ما ذهب إليه مالك، في أن جميع ذلك لصاحبه: هو أن ملكه على ذلك ~~ثابت بالشرع، فلا يذهب إلا بمزيل شرعي، وليس تركه ذلك لغير مالك سوغه ~~PageV01P361 # إياه بمزيل عنه ملكه بحال، فمن أخذه بعد، فإنما أخذه على ملك الأول، فوجب ~~أن يرد عليه. ووجه تفريق مالك بين ما تركه الرجل من ماله وبين ما طرحه ~~الإمام من المغانم عجزا عن حمله، حيث رأى ذلك لمن أخذه: أن ملك الجيش لما ~~غنموه لم يتقرر تقرر الأملاك المتعينة بأيدي أربابها، فلم يلزم فيها مثل ~~ذلك. # ووجه ما ذهب إليه الليث، والشعبي، وحكى مثله عن بعض الصحابة في إباحة ذلك ~~لمن أخذه وأصلحه، أن مالكه حين تركه يائسا منه فقد أباحه لكل من أخذه، فإذا ~~حازه إنسان، فقد خرج عن ملك صاحبه بإباحته إياه، وقبض الثاني له. # وأما تفرقة من فرق بين الدابة والمتاع، فهو غير خارج عن هذا # الأصل، إلا أنه غلب في تارك الدابة حين يئس منها، أن ذلك لايكون إلا ~~تخليا عنها وإباحة لمن شاء أخذها؛ لأن بقاءها دون قيم عليها لا يكون معه ~~حياتها، بخلاف المتاع وشبهه، قد يبقى المدة حتى يرجع إليه صاحبه، فلم يكن ~~في تخليته إياه دليل على يأسه منه، وإباحته لمن أخذه. # وأما اختلاف مالك والشافعي في النفقة: هل يرجع بها على صاحب الدابة ~~والسلعة، أو لا؟ فكلاهما ينتزع من قوله -تعالى-: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل} [البقرة: 188] ، فمن رأى أنه لا رجوع ms136 له بما أنفق، قال: لأنه أنفق ~~ماله متطوعا، فلم يكن له الرجوع على غيره، وهو لم يأمره، ولا التزمه له؛ ~~لأنه أكل مال بالباطل، ومن رأى له الرجوع بما أنفق قال: لأن إنفاقه لم يكن ~~تطوعا محضا، لكن بشرط أن يتم له الملك، فلما لم يتم له ذلك، وحصل للآخر ~~انتفاع بما أنفق، كان لازما له الغرم، وإلا فهو أكل مال بالباطل. # * مسألة: # إذا غلب الكفار على شيء من أموال المسلمين، ثم غنمه المسلمون في جملة ~~أموال الكفار، ففي ذلك خلاف بين أهل العلم يرجع إلى ثلاثة أقوال: # قول: إنه ملك لصاحبه كما كان، يأخذه متى وجده، قبل القسم وبعده، # PageV01P362 # تداولته الأملاك، أو لم تتداوله؛ كالحال في المغصوب بين المسلمين ولا ~~فرق، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وأهل الظاهر (1) . # ودليلهم: قول الله -تعالى-: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة: ~~188] ، وغير ذلك من الأدلة التي بها يستحق المغصوبات، ويسترجع كل مال أخذ ~~من مالكه على غير وجه الشرع، ولا فرق بين أخذ الكفار له كذلك أو المسلمين، ~~وأخص من هذا بالمسألة ما احتج به الشافعي في قصة العضباء. # خرج مسلم (2) ، عن عمران بن حصين قال: أسرت امرأة من الأنصار، وأصيبت ~~العضباء، فكانت المرأة في الوثاق، وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم، ~~فانفلتت ذات ليلة من الوثاق، فأتت الإبل، فجعلت إذا دنت من البعير رغا ~~PageV01P363 # فتتركه، حتى تنتهي إلى العضباء، فلم ترغ -قال: وهي ناقة منوقة- (1) فقعدت ~~في عجزها، ثم زجرتها، فانطلقت، ونذروا بها فطلبوها، فأعجزتهم، قال: ونذرت ~~لله: إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة رآها الناس، فقالوا: ~~العضباء: ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: إنها نذرت إن ~~نجاها الله عليها لتنحرنها، فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكروا ~~ذلك له، فقال: «سبحان الله! بئس ما جزتها! نذرت لله إن نجاها الله عليها ~~لتنحرنها؟!، لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك» . # قال: فهذا دليل على أن أهل الحرب لا يملكون علينا بالغلبة، ولا بغيرها، ~~ولو ms137 ملكوها لكانت المرأة قد ملكتها كسائر أموالهم، وكان يصح نذرها. # وفي البخاري (2) ، عن ابن عمر قال: ذهب فرس له، فأخذه العدو، فظهر عليهم ~~المسلمون، فرد عليه في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبق عبد ~~له، فلحق بالروم، فظهر عليه المسلمون، فرده عليه خالد بن الوليد بعد النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -. # وقول ثان: إن ما حازه العدو من ذلك فقد ملكوه، فإذا استولى عليه ~~PageV01P364 # المسلمون؛ كان غنيمة لمن استولى عليه، كسائر أموالهم، ولا حق في ذلك ~~لصاحبه بحال؛ قاله الزهري (1) ، وروي مثله عن علي (2) . # وقول ثالث: يفرق فيه بين إدراك صاحبه إياه قبل القسم أو بعده؛ قال مالك، ~~والليث، وأحمد بن حنبل: يرد ذلك إلى صاحبه قبل # القسم بغير ثمن، ويخير بعد القسم فيه بالغنيمة (3) . وكذلك قال # أبو حنيفة (4) فيما صار إلى الكفار PageV01P365 # بغلبة، وفرق بينه وبين ما صار إليهم بغير غلبة: كالعبد يأبق إليهم، ونحو ~~ذلك، فقال في هذا كقول الشافعي: هو لصاحبه قبل القسم وبعده بغير شيء. # والأظهر قول الشافعي فيما حازوه: أن جميعه لمالكه على الإطلاق، يؤيده ~~الكتاب والسنة والنظر (1) . PageV01P366 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P367 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P368 # * مسألة: # إذا غلب الكفار على الحرة المسلمة؛ فولدت لهم الأولاد، ثم ظهر عليهم ~~المسلمون، ففي ولدها الذين أخذوا معها خلاف: # قيل: هم على حكمها: أحرار مسلمون، كبارا كانوا أو صغارا، ويجبرون على ~~الإسلام، ومن أبى منهم الإسلام كان كالمرتد، يقتل إن كان كبيرا، وينتظر به ~~البلوغ إن كان صغيرا، يروى ذلك عن مالك (1) ، وهو مذهب الظاهري، وعليه يجيء ~~مذهب الشافعي (2) . # وروي عن أشهب: أن جميع أولادها من كبير وصغير فيء، وكذلك حملها منهم، ~~فأجراهم على حكم الأب (3) . # وقول ثالث: إن الصغير بمنزلتها، والكبير فيء، يروى ذلك عن ابن القاسم (4) ~~. # والأرجح ما ذهب إليه مالك، ومن قال بمثله؛ لأن الأصل الفطرة على الإسلام، ~~وإنما ينتقل حكم الولد عن ذلك حتى يجوز سباؤه واسترقاقه إذا كان بين ~~كافرين؛ بما أحكمته السنة من ذلك، فأما أن يكون أحدهما مسلما فلا يكون له ~~في ذلك إلا حكم الإسلام؛ {وكلمة ms138 الله هي العليا} [التوبة: 40] ، {ولن ~~PageV01P369 # يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} [النساء: 141] . وهذا الاستدلال ~~على طريقة أهل الظاهر، وهو صحيح. # فإذا كانت المرأة التي غلب عليها الكفار ذمية ردت إلى ذمتها، وكان ولدها ~~فيئا؛ لأنه بين كافرين، هذا هو الأظهر، وهو قول مالك (1) ، وفيه -أيضا- ~~اختلاف. # فإن كانت أمة، فهي وبنوها لسيدها، لأنه استحقاق، هذا هو الأرجح، وقاله ~~ابن القاسم (2) ، وفيه -أيضا- خلاف (3) . # فصل: في صفة من يستحق الإسهام من الغانمين # قال الله -تعالى-: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: ~~41] . فلما أضاف -تعالى- الأموال المقدور عليها في الجهاد إلى الغانمين، ثم ~~عين من ذلك الخمس خاصة في مصرفه، وأقر سائره على إضافته، كان كالنص في أن ~~ما بقي بعد ذلك لهم، وإن لم يعين بالقول؛ لأن ذلك هو نمط الكلام، كقوله # -تعالى-: {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث} [النساء: 11] ، ~~فأضاف الوراثة إلى الأبوين، ثم عين من ذلك حظ الأم، فكان ذلك نصا في أن ~~الباقي للأب، وإن لم يعرض له بالتعيين. # وأجمع أهل العلم على أن من كان: حرا، ذكرا، بالغا، عاقلا، مسلما، صحيحا؛ ~~فإنه يستحق أن يسهم له في المغنم إذا شهد مع الناس، ولم يكن تاجرا، ولا ~~أجيرا (4) . PageV01P370 # واختلفوا في: العبد، والمرأة، والصبي، والذمي، والمجنون، والمريض، ~~والتاجر، والأجير، على ما نذكره. # فأما العبد ففيه ثلاثة أقوال: # قول: إنه لا حظ له في الغنمية من سهم ولا غيره، روي ذلك # عن مالك، قال: «لا أعلم العبد يعطى من الغنيمة شيئا» (1) ، وكذلك يروى عن ~~عمر بن الخطاب، وابن عباس، أنهما قالا: «لا يسهم للعبد، وليس له في الغنمية ~~نصيب» (2) . # وقول ثان: إنه يسهم له كالحر؛ روي عن الحكم بن عتيبة، والحسن، وابن ~~سيرين، وإبراهيم النخعي، وعمرو بن شعيب: أن العبد إذا حضر القتال أسهم له، ~~وإليه ذهب أهل الظاهر (3) . PageV01P371 # وقول ثالث: إنه لا يسهم للعبد ولكن يرضخ (1) له، وإليه ذهب الجمهور؛ روي ~~ذلك عن الشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابهما، # والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق (2) . # فمستند من لم ير له ms139 حقا في الغنيمة من سهم، ولا من غيره: حمل الخطاب ~~بالجهاد وما يتعلق بذلك من الغنائم وسائر الأحكام: على أن ذلك مختص ~~بالأحرار، لا مدخل في شيء منه للعبيد، فلم يستحقوا معهم في ذلك شيئا. # ودليل من أسهم لهم كالأحرار: حمل الخطاب في ذلك كله عاما في PageV01P372 # الأحرار والعبيد؛ لأن خطاب الشرع بالأمر والنهي والإثبات والنفي وسائر ~~أسباب التكليف لا يخص حرا من عبد، ولا ذكرا من أنثى، إلا ما خرج من ذلك ~~بدليل؛ فالمرأة ممن خرج -بدليل السنة الصحيحة والإجماع- من الخطاب بالجهاد، ~~وبقي العبد؛ فكل ما أضيف من الأحكام للمجاهدين، وأثبت لهم من الغنائم، دخل ~~فيها العبد إذا حضر الجهاد. # وحجة من لم يسهم للعبد، ورأى أن يرضخ له: ما خرجه مسلم (1) فيما كتب به ~~ابن عباس إلى نجدة بن عامر الخارجي، فقال: «وسألت عن المرأة والعبد، هل كان ~~لهما سهم معلوم إذا حضروا البأس؟! وإنهم لم يكن لهم سهم معلوم، إلا أن ~~يحذيا من غنائم القوم» . # وفي الترمذي (2) ، عن عمير مولى آبي اللحم قال: شهدت خيبر مع ساداتي، ~~PageV01P373 # فكلموا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكلموه أني مملوك، فأمر بي ~~فقلدت السيف، فإذا أنا أجره، فأمر لي بشيء من خرثي المتاع، وعرضت عليه رقية ~~كنت أرقي بها المجانين، فأمرني بطرح بعضها وحبس بعضها. قال فيه: حسن صحيح. # قوله: الخرثي: هو أردأ المتاع وأهونه. # فصل # وأما المرأة ففي حكمها -أيضا- ثلاثة أقوال: # قول: إنه لا شيء لها من الغنيمة بإسهام ولا رضخ. قال ابن وهب: سألت مالكا ~~عن النساء: هل يحذين من الغنائم في الغزو؟ قال: ما علمت ذلك (1) . # ومستند هذا القول مثل ما ذكرنا في منع العبد من الغنمية: أنه صنف لا مدخل ~~له في الخطاب بالغزو، فلم يكن له في الغنيمة حظ. # وقول ثان: أن يسهم للنساء، قاله الأوزاعي، وزعم أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أسهم للنساء بخيبر، قال الأوزاعي: «وأخذ بذلك المسلمون عندنا» ~~(2) . وبذلك قال ابن PageV01P374 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P375 # حبيب من أصحاب مالك؛ إلا أنه شرط أن ms140 تقاتل # كقتال الرجال (1) . # وقول ثالث: إنه لا يسهم للمرأة، ويرضخ لها، وإليه ذهب الجمهور، روي ذلك ~~عن الشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، والليث، وقاله أهل الظاهر (2) . # والدليل على ما ذهبوا إليه: ما خرجه مسلم (3) ، عن ابن عباس، # أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يغزو بهن، فيداوين الجرحى، ~~ويحذين من الغنيمة، وأما بسهم فلم يضرب لهن. # فصل # وأما الصبي؛ فذهب الجمهور إلى أنه لا يسهم إلا لبالغ، روي ذلك عن ~~الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل (4) ، وهو مذهب أهل الظاهر، ويرضخ له ~~PageV01P376 # عندهم إذا قاتل، قاله أبو محمد بن حزم (1) . ودليل ذلك: أنه غير مخاطب ~~باتفاق، فلم يكن من أهل الجهاد الذين وجبت لهم الغنائم. # وحديث ابن عمر، خرجه مسلم (2) عنه، قال: عرضني رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يوم أحد في القتال، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني، وعرضني يوم ~~الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني. # وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أن هذا حد ما بين الصغير # والكبير، روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز (3) ، وكتب به إلى عماله، وهو قول ~~الشافعي وغيره (4) . وقال مالك في المراهق: «إذا أطاق القتال؛ يسهم له» (5) ~~. وكذلك قال الأوزاعي: PageV01P377 # يسهم لغير البالغ؛ إذا حضر # القتال (1) . # فصل # وأما الذمي، فلا يصح أن يسهم له؛ لأن الإسلام شرط في استحقاق الغنيمة عند ~~الجميع إلا من شذ. # ذكر الترمذي أن بعض أهل العلم رأى أن يسهم للذمي إذا شهد القتال مع ~~المسلمين، وروى حديثا عن الزهري: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أسهم ~~لقوم من اليهود قاتلوا معه (2) . PageV01P378 # وذكر أبو بكر بن المنذر، أنه قول الزهري، والأوزاعي، وقاله إسحاق بن ~~راهويه، وكره أن يستعان بهم أولا، فإن وقع ذلك أسهم لهم (1) . # وكذلك وقع في مسائل لبعض المالكية: أنه يسهم للذمي إذا أذن # له الإمام في الغزو معه (2) . وكل ذلك لا يستقيم، ولا يثبت له دليل. ~~PageV01P379 # أما حديث الترمذي فمنقطع لا يثبت بمثله العمل، بل لو صح لما أمكن أن تترك ~~له ظواهر ms141 القرآن، وصحيح السنة، وسديد النظر المبني على القواعد المحكمة في ~~الشرع، وكان يكون ذلك محمولا على الخصوص في نازلة؛ لأنه حكاية فعل لا ~~يتعدى. والدليل على صحة ذلك: أن الله -تعالى- يقول: {واعلموا أنما غنمتم من ~~شيء فأن لله خمسه ... } الآية [الأنفال: 41] ، وهذا إضافة للغنيمة إلى ~~المؤمنين بيقين، فلم يكن لغيرهم فيها حق. وقال -تعالى-: {فكلوا مما غنمتم ~~حلالا طيبا} [الأنفال: 69] ، ولا مدخل هنا للكافر بحال، وقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «أحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي» (1) . فهذا نص في ~~خصوصية ذلك # بهذه الأمة، والحمد لله. # ولما جعل الله ذلك مما فضل به نبيه - صلى الله عليه وسلم - وخصه به ~~وأمته، استحال أن PageV01P380 # يشاركهم فيه غيرهم ممن لا يلفظ بالإسلام. # فصل # وأما المجنون، فإن كان مطبقا، لم يسهم له، وهو كالصبي في عدم التكليف، بل ~~هو في هذا الباب أسوأ حالا منه؛ لأنه لا يتأتى منه فعل الجهاد، كما قد ~~يتأتى بعض ذلك من الصبي إذا اشتد، وكان مراهقا، والإسهام إنما يستحقه ~~المسهم له بفعل الجهاد: من قتال، أو لزوم ساقة، أو انتصاب في كمين، أو ~~حراسة أحوال المقاتلين، وما أشبه ذلك، فإذا لم تكن فيه أهلية ذلك فعلا ولا ~~قصدا، فأنى يستحق حظا، فإن كان عنده من العقل ما يمكنه به القتال، فقيل: ~~إنه يسهم له، وذلك ظاهر إن كان عقله مما ينزل عليه التكليف، مثل أن يكون ~~أخرق، أو أهوج -وهما أول مراتب ضعف العقل وعدم التثبت والرفق-، ونحو ذلك ~~مما لا يسقط عنه الأحكام، وأما إن كان بحيث لا يكلف مثله، وهو مع ذلك يمكن ~~أن يفاد لبعض كفاية المقاتلين، فيغنى فيه؛ فالإسهام له # إنما يكون نحوا من الإسهام للمراهق إذا أطاق القتال فقاتل مع الجيش، فمن ~~رأى الإسهام لذلك، أمكن أن يراه لهذا، والظاهر أن لا سهم لهما، لما تقدم، ~~والله أعلم (1) . # فصل # وأما المريض، فإن كان زمنا لا يستطيع شيئا في الحال، ولا يرجى في المآل، ~~ولا ينتفع منه في عمل الجهاد بأمر، فالمروي ms142 عن أصحاب مالك: أنه لا يسهم له، ~~وذلك كالمفلوج اليائس (2) . PageV01P381 # واختلفوا في: الأعمى، والمقعد، وأقطع اليدين؛ لاختلافهما: هل يتمكن لهم ~~نوع من أنواع القتال: كإدارة الرأي إن كانوا من أهل المعرفة والدهاء في ~~الحرب، وقتال المقعد راكبا، والأعمى يناول النبل، ونحو ذلك، ويكثرون ~~السواد؟ فمن رأى لمثل ذلك أثرا في استحقاق الغنيمة أسهم له، ومن لم يره؛ ~~منع (1) . # وأما من كان به مرض يرجى زواله، فله ثلاثة أحوال: إما أن يخرج مريضا، ~~وإما أن يمرض بعد الإدراب، وقبل حضور القتال، وإما أن يمرض بعد القتال. # فأما الذي يخرج مريضا، فعند المالكية فيه خلاف: هل يسهم له، أو لا يسهم ~~له؟ قال اللخمي: أرى أن لا شيء له، إلا أن يقتدى برأيه، فرب رأي أنفع من ~~قتال (2) . # وكذلك اختلف فيه إذا مرض بعد الإدراب: وهو أن يفارق أرض الإسلام، ويدخل ~~في بلاد الكفر وحوزتهم، والقول في هذا، أنه يسهم له: أكثر عندهم وأقرب. # ولم يختلفوا أن من مرض بعد القتال يسهم له، وإن كان مرضه قبل حوز ~~الغنيمة، وهذا صحيح؛ لما نذكره بعد في (فصل: الأفعال التي يستحق بها ~~PageV01P382 # الإسهام) ، ذكرا يأتي على توجيه ما مضى في هذا الضرب من الأقوال، وما ~~يتبين به في ذلك وجه الصواب إن شاء الله تعالى- (1) . # فصل # وأما التاجر والأجير يكونان في الجيش، فاختلف أهل العلم فيهما على ثلاثة ~~أقوال: # قيل: يسهم لهما إذا شهدا مع الناس القتال، قاتلا، أو لم يقاتلا (2) . # وقيل: لا (3) يسهم لهما، قاتلا، أو لم يقاتلا (4) . # وقيل: إن قاتلا، أسهم لهما، وإلا؛ فلا (5) . PageV01P383 # وقد روي عن مالك في الأجير هذه الأقوال الثلاثة (1) . ولم يختلف عنه أنه ~~إن لم يقاتل ولم يشهد، فلا شيء له، وقول مالك في إحدى الروايات عنه: لا ~~يسهم للأجير والتاجر إلا أن يقاتلا (2) ، هو قول أبي حنيفة وأصحابه (3) . # ومن قول مالك: إنه يسهم لكل من قاتل إذا كان حرا (4) ، وهو قول أحمد بن ~~حنبل (5) ، PageV01P384 # وقال الحسن بن حي: يسهم للأجير (1) . # وروي مثل ذلك عن الحسن، وابن سيرين؛ في ms143 التاجر والأجير: أن يسهم لهما إذا ~~حضرا القتال، قاتلا، أو لم يقاتلا (2) . # وقال الشافعي: «لو كان لرجل أجير يريد الجهاد معه، فقد قيل: يسهم له، ~~وقيل: لا يسهم له، إلا أن يكون قتال فيقاتل، وكذلك التجار إن قاتلوا، قيل: ~~يسهم لهم، وقيل: لا يسهم لهم» (3) . # قال ابن عبد البر (4) : «جمهور العلماء يرون: أن يسهم للتجار إذا حضروا ~~القتال. وقال الأوزاعي، وإسحاق: لا يسهم للعبد ولا للأجير المستأجر على ~~خدمة القوم» . # قال ابن عبد البر (5) : «من جعل الأجير كالعبد لم يسهم له، حضر القتال أو ~~لم يحضر، وجعل ما أخذه من الأجرة مانعا له من الإسهام» . # قال: ومن حجته ما رواه عبد الرزاق (6) ، من حديث عبد الرحمن بن عوف، ~~PageV01P385 # أنه قال لرجل من فقراء المهاجرين: اخرج معي إلى الغزو، فوعده بذلك، ثم إن ~~هذا امتنع عن الخروج حتى أرضاه بثلاثة دنانير، فلما هزموا العدو، وأصابوا ~~المغنم، ذكر أمره لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «هذه الثلاثة ~~الدنانير حظه ونصيبه من غزوته؛ في أمر دنياه وآخرته» . والحديث اختصرته ~~هنا. # قال القاضي عبد الوهاب (1) : «لا يسهم للأجراء والصناع المتشاغلين ~~بأكسابهم (2) ؛ لقوله -تعالى-: {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل ~~PageV01P386 # الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله} [المزمل: 20] ، ففرق بين حكميهما (1) ~~. قال: فأما إن قاتلوا فلهم سهمهم؛ لأنهم ممن خوطب بالجهاد، فإذا قاتلوا ~~أسهم لهم كغيرهم» . # هذا قول صحيح، واستدلال ظاهر، وهو الأرجح، والله أعلم. # * مسألة: # إذا حاز أحد الأصناف الذين لا يسهم لهم: كالعبيد، وأهل الذمة غنيمة، فإما ~~أن يكونوا تولوا ذلك بانفرادهم، لم يخالطهم غيرهم من أحرار المسلمين الذين ~~يسهم لهم، وإما أن يكون معهم من يسهم لهم؛ فإن كانوا بانفرادهم، دفع ذلك ~~إليهم، ولا خمس فيما صار من ذلك لأهل الذمة (2) . # وقال سفيان الثوري في المشركين يخرجون بغير إذن الإمام؛ فيصيبون غنيمة: ~~حالهم في ذلك كحال المسلمين، يعني: إن ذلك يخمس، ويكون الباقي لهم (3) . ~~PageV01P387 # واختلف أصحاب مالك في العبيد: هل يخمس ما يصير إليهم، أو لا؟ فقال ابن ~~القاسم: يخمس، وقال ms144 سحنون: لا يخمس (1) ، قال: إنما ورد الخطاب بالخمس فيمن ~~خوطب بالجهاد، وأما إن خالطهم غيرهم ممن يسهم لهم، فذلك له حالان: # إحداهما: أن يكون من يسهم له فيهم قليلا تبعا، ليس مثلهم، كأن يقدر على ~~ذلك لو انفردوا، فهذا قال فيه سحنون وغيره: تقسم الغنيمة في جميعهم، يعني: ~~ويخمس ما صار من ذلك لأهل الخطاب بالجهاد (2) . # والحال الثانية: أن يكون الذين يسهم لهم هم المعظم، ويكون من لا يسهم لهم ~~تبعا، كالجيوش يكون فيها العبيد وغيرهم، فقد مضى الكلام في حكم ذلك، وأنه ~~لا يسهم لهم، على ما ذهب إليه الجمهور: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، ~~وغيرهم، والغنيمة لأهل الجيش دونهم (3) . PageV01P388 # وقال ابن حبيب: إن كان أذن الإمام لقوم من أهل الذمة في غزو العدو معه: ~~أسهم بينهم وبين المسلمين (1) . # قلت: هذا لا يصلح؛ من وجهين: أحدهما: إذنه للذمي في الغزو معه، والثاني: ~~الإسهام لهم مع المسلمين، وقد تقدم القول في منع ذلك كله، وقيام الأدلة ~~عليه. # قال أبو الوليد الباجي (2) : أما ما أخذ على وجه السرقة والتلصص، فحكم ~~أهل السهم وغيرهم فيه سواء، يأخذ كل واحد منهم حصته، بخلاف ما أخذ على وجه ~~المدافعة والمغالبة، فذلك لأهل الإسهام دون من شركهم. ومثل هذه التفرقة بين ~~حال الغزو والتلصص مروي عن ابن القاسم (3) ، وذلك جنوح إلى أن حكم ما يسرق ~~ويتلصص عليه غير حكم الغنائم، وأنه # يختص به من أخذه، كما يقوله الشافعية وغيرهم، وكان يلزم على ذلك أن لا ~~يكون فيه خمس، وهو كله عند المالكية يخمس؛ إن كان أهل السرقة والتلصص الذين ~~حازوه ممن يسهم لهم، لم يختلفوا في ذلك، وفي أنه لا يخمس إن كانوا من أهل ~~الذمة، والخلاف عندهم إن كانوا عبيدا -كما تقدم-. قال اللخمي في الصبي ~~والمرأة: «يلزم على قول سحنون أنه لا يخمس ما حصل لهم في ذلك -أيضا-؛ لأنه ~~رأى التخميس إنما خوطب به من خوطب بالجهاد» . # فصل: في بيان ما يستحق به الإسهام من العمل # قال الله -تعالى-: {فكلوا مما غنمتم} [الأنفال: ms145 69] . فكان الأصل في ~~استحقاق الغنيمة، ما به تحاز وتغنم، وهو: القتال، إلا أن القتال يكون من ~~لواحقه PageV01P389 # وضروراته أعمال يتقسمها (1) الجيش، كلها ترجع إلى إنجادهم، وإعانتهم، ~~وتدبير أحوالهم، وتفرغهم للإقبال على القتال؛ فمن ذلك الوقوف في الساقة (2) ~~ردءا لهم، ومن ذلك الخروج في الكمين؛ لانتهاز الفرصة، والدفع في موضع ~~الحاجة، ومن ذلك التقدم في السرايا والمسالح (3) أمامهم وخلفهم، ومن ذلك ~~حراستهم في رحالهم وأحوالهم، والنظر فيما يصلحهم من العلوفة وغيرها، مما ~~فيه معونتهم على ما هم بصدده، فكان جميع هؤلاء شركاء في المغنم؛ لأنه بذلك ~~تم أمرهم. # قال القاضي عبد الوهاب (4) : «من شهد القتال فله سهمه، قاتل أو لم يقاتل؛ ~~لأنه قد حضر سبب الغنمية وهو القتال؛ ولأنه ليس كل الجيش يقاتل؛ لأن ذلك ~~خلاف مصلحة الحرب؛ لأنه يحتاج إلى أن يكون # بعضهم في الردء، وبعضهم يحفظون السواد، وبعضهم في العلوفة، على حسب ما ~~يحتاج إليه في الحرب. # فلو قلنا: إنهم يقاتلون كلهم لم يستمر؛ لما بيناه، ولو قلنا: إنه لا ~~يستحق إلا من قاتل، لكان كل الجيش يقاتل، فيبطل التدبير. قال: وقيل في قوله ~~-تعالى-: {وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا} [آل عمران: 167] ~~، أي: كثروا» . # قلت: فإذا تقرر ذلك، فمن خرج في الجيش برسم الجهاد، فكان من فريق من ~~ذكرنا للتعاون على الحرب، فلا خلاف أعلمه في أنه يسهم له، إذا كان في نفسه ~~على الصفات التي قدمنا، حسبما مضى في بعضها من الخلاف، فإن صده عن ~~PageV01P390 # فعل شيء مما ذكرنا صاد، مثل أن يمرض أو يموت (1) أو يضل في طريقه عن ~~الوصول ويبدع به، وما أشبه ذلك من الأعذار التي لا يكون له فيها اختيار، ~~ففي ذلك خلاف، نذكر منه -إن شاء الله- ما تمكن (2) . # وأما من خرج في الجيش لعمل يخصه؛ من تجارة أو إجارة، وغير ذلك مما لا ~~يكون سبب شخوصه فيه الغزو، لكن طلب كسب، كما كان يفعل في غير سفر الغزو، ~~فلا شيء لواحد من هؤلاء -كما تقدم- إلا أن يحضروا القتال مباشرة ms146 مع ~~المقاتلين أو شهودا فيه، وإن لم يقاتلوا، ففيه من الخلاف: هل يسهم لهم أو ~~لا؟ ما تقدم ذكره في فصل التجار والأجراء. # فأما اختلافهم فيمن خرج غازيا، فاعترضه عن تمام ما نوى من ذلك عارض لا ~~اختيار له فيه، فنذكر -كما قلنا- مما نقل عنهم في ذلك ما فيه غنية، ثم ننبه ~~على ما يظهر لنا أنه سبب الخلاف، ونشير إلى توجيه كل مذهب، وإلى ما نرى أنه ~~الأرجح -بحول الله تعالى-. # فمن ذلك ما روي عن مالك، والشافعي، والليث بن سعد، والثوري، قالوا: كل من ~~حضر القتال، مريضا (3) أو صحيحا، فلم # يقاتل: فله سهم المقاتل (4) . # وفي «المدونة» (5) عن مالك، فيمن خرج غازيا، فلم يزل مريضا حتى شهدوا ~~القتال، وحازوا الغنيمة: أنه له سهمه، وكذلك لو شهد القتال بفرس رهيص (6) ، ~~PageV01P391 # فله سهمه -يعني: سهم الفرس-. # قال ابن حبيب: بخلاف الحطيم والكسير (1) . # وقال مالك: ما كل من حضر يقاتل، ولا كل فرس يقاتل عليه. وروى عنه أشهب ~~وابن نافع، أنه: لا يسهم له (2) . # وفي «المدونة» (3) عن ابن القاسم فيمن ضل بأرض العدو، فغنموا بعده، فله ~~سهمه. وكذلك روي عن مالك في الذين [يغزون في البحر، فيرد الريح] (4) بعضهم ~~إلى بلاد الإسلام، أن لهم سهمانهم، وكذلك قال في المراكب إذا وافت أرض ~~الروم ثم انكسرت، أو مرض أهلها، فرجعوا إلى الشام، ثم غنم الذين مضوا، ~~فللآخرين سهمانهم إذا رجعوا خوفا على أنفسهم (5) . # وكان ابن الماجشون يثبت السهمان لمن مات، أو قتل، أو أسر، أو ضل، أو فل، ~~أو غاب، بعد أن أوجف ودخل المخافة، وجاوز الأمن. وبه قال عبد الملك ابن ~~حبيب (6) . # يريد بالإيجاف: الفصل عن بلاد المسلمين، والدخول في بلاد العدو وحيث ~~يخاف؛ فهذا كله قول بإثبات سهمان من صده أمر غالب، إذا كان خروجه بنية ~~الغزو. PageV01P392 # وفيه قول ثان: أن لا شيء لهم. # روى ابن نافع عن مالك في كتاب ابن سحنون فيمن ضل عن الجيش حتى غنموا: ~~أنهم لا سهم لهم (1) . # وعن سحنون فيمن ردته الريح، أو رجع لمرض: ms147 أنه لا سهم له (2) . # قال اللخمي: هذا أحسن. قال: ولا أرى أن يستحق السهمان إلا بشهود القتال، ~~فمن لم يشهد لمرض أو موت، أو لأنه ضل، أو ردته الريح، أو غير ذلك، فلا شيء ~~له. # وعن مالك فيمن دخل أرض العدو غازيا، فمات قبل لقاء العدو، ثم غنموا بعد ~~فلا سهم له، ولو مات بعد القتال، ثم غنموا بعد موته، فله سهمه، قاتل أو لم ~~يقاتل، إذا كان في حين القتال حيا (3) . # وقال الشافعي، وأبو ثور: إذا حضر القتال، ومات بعد أن تحاز الغنيمة، ضرب ~~له سهمه، يعطاه ورثته من بعده، وإن مات قبل القتال؛ فلا شيء له عندهما (4) ~~. وقال PageV01P393 # الأوزاعي: «إن مات أو قتل بعد ما يدرب فاصلا (1) # في سبيل الله، أسهم له» (2) . # قال عبد الملك بن حبيب: «اجتمع أصحاب مالك على أن من مات قبل مشاهدة ~~القتال، فلا حظ له في الغنيمة وإن مات بعد الإيجاف؛ إلا ابن الماجشون، فإني ~~سمعته يقول: من مات بعد الإيجاف: فحظه قائم، يورث عنه، ويقضى به دينه» (3) ~~. # وحده: الإدراب، وهو: أن يفارق أرض الإسلام، ويدخل أرض الشرك، ويزايل ~~الأمن، ويدخل في المخافة؛ لأنه صار في جملة من اعتد به في الدخول لذلك، وما ~~لعله بسبب ذلك؛ نيل الفتح الذي كان بعد. # ومن مذهب ابن الماجشون أنه يقسم له في كل ما غنم الجيش إلى حين قفولهم، ~~وإن لم يحضر شيئا من ذلك، وكان موته قبل لقاء العدو، إذا مات بعد الإدراب ~~(4) . PageV01P394 # قال سحنون: إذا شهد أول القتال، أو كانوا قد ناشبوا القتال وهو حي، ثم ~~مات بعد المناشبة؛ فحقه فيه ثابت، وكل قتال ابتدؤوه في حصن ثان، أو مغار ~~أحدثوه بعد موته، فلا حق للميت فيه (1) . # قال عبد الملك بن حبيب: وسمعت أصحاب مالك يقولون فيمن أسر في القتال: فله ~~سهمه فيما غنم قبل القتال وبعده، بمنزلة من مات أو قتل، ومن أسر قبل القتال ~~فلا سهم له فيما غنم بعده، إلا أن تكون # الغنيمة في فورة ذلك وبحضرته، ومن أسر بعد ms148 القتال فله سهمه فيما غنم قبله ~~وبعده، يقسم له ولفرسه: أصيب معه، أو عقر تحته، أو خلفه عند أصحابه، ~~ومشاهدة القرية، أو الحصن، أو العسكر بمنزلة القتال، وإن لم يكن قتال. # وقال محمد بن المواز: لو بعث الإمام قوما من الجيش قبل أن يصل إلى بلد ~~العدو في أمر من مصلحة الجيش، من حشد وإقامة سوق، أو غير ذلك، فاشتغلوا في ~~ذلك حتى غنم الجيش؛ فلهم معهم سهمهم (2) . # وروى ابن وهب، وابن نافع مثل ذلك عن مالك. وفي رواية أخرى عن مالك: لا ~~شيء لهم (3) . # ومنشأ الخلاف عندي في جميع ذلك، والذي إليه ترجع المسائل على تبددها هو: ~~هل يوجد دليل على أن للقصد والنية أثرا إذا أخذ في الشروع، ثم قطعه عن تمام ~~العمل في ذلك أمر غالب لا اختيار له فيه؟ فهل هناك دليل # أنه يستحق بذلك صاحبه ما يستحقه بالعمل، أو لا؟ فمن توجه عنده: أن ذلك ~~يقوم مقام العمل شرعا وإن لم يكمله، بما ثبت أن له في ذلك مثل أجر العامل، ~~قال الله -تعالى-: {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه ~~PageV01P395 # الموت فقد وقع أجره على الله} [النساء: 100] . # وخرج أبو داود (1) عن أبي مالك الأشعري: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - # يقول: PageV01P396 # «من فصل في سبيل الله، فمات، أو قتل؛ فهو شهيد» . # فمن سلك هذا المسلك، وبخاصة في باب الإسهام من الغنيمة، فإن ذلك يستحقه ~~من قاتل من الجيش ومن لم يقاتل، والكثير الغناء، ومن لا كبير غناء عنده، ~~والقوي والضعيف على حد سواء، وفهم بذلك من الشرع سقوط المشاحة في هذا ~~الباب؛ رأى أن هذه الأعذار # المانعة عن الإتمام بعد وجود العزم والشروع لا تحبط حظهم من السهمان، ومن ~~لم ير ذلك فحجته أن العمل لا يعادل بمجرد النية على الإطلاق، وهو وإن جعل ~~الشرع النية حكما، فقد جعل لوجود العمل مزية وفضلا؛ كما ثبت في الفرق بين ~~مقدار ما يكتب لمن هم بحسنة فلم يعملها، وما كتب لمن هم ms149 بذلك فعمل (1) ؛ ~~ولقوله - صلى الله عليه وسلم - للمهاجرين -وقد اجتهدوا في إدراك ما فاتهم ~~به الأنصار من أجر الصدقة، حين لم يجدوا مالا فيتصدقوا كما يتصدقون-: «ذلك ~~PageV01P397 # فضل الله يؤتيه من يشاء» (1) . فكان للعمل مزية وحظ لا يدرك بمجرد النية. # وأيضا: فإن الله -تعالى- أضاف الغنيمة إلى من غنمها، وملكها لهم بذلك دون ~~من سواهم، فكان الحق في ذلك لمن عمل فغنم، دون من اعترض فلم يتصف بذلك، ~~فنقول -والله تعالى الموفق بمنه-: # الخارجون في الجيش على أربعة أحوال: # - رجل نوى الغزو، وعمل في مشاهد الحرب، إما في أضعفها رتبة كملازمة ~~الجيش، وتكثير السواد، وإما فوق ذلك إلى أعلاها رتبة: وهو مباشرة القتال، ~~فهذا لا خلاف ولا إشكال أنه يسهم له؛ للأدلة التي # قدمنا، ويدخل في ذلك المريض إذا حضر القتال، وإن لم يقاتل. # - ورجل لم ينو الغزو، ولا عمل في شيء من مشاهده، كالتاجر والأجير يشتغلان ~~بالكسب والاحتراف فقط، فهذا لا خلاف ولا إشكال أنه لا حق له. # - ورجل لم ينو في خروجه غزوا، فلما حضر القتال قاتل، أو شهد من مواطن ~~الحرب المخصوصة، بعمل من أعمال الجهاد على حسب ما فصلنا ما يكون له فيه عمل ~~مع المجاهدين، فالظاهر أن لهذا سهمه، وإن كان في ذلك خلاف تقدم ذكره في ~~(فصل: التاجر والأجير) ؛ لأنه لما حضر القتال فعمل فيه؛ PageV01P398 # حصل منه ساعتئذ النية والعمل، وذلك هو حقيقة الجهاد، ودخل بذلك في جملة ~~من تنسب الغنيمة إليهم، فكان الوجه أن يسهم له. # - ورجل نوى الغزو فانقطع به قبل مشاهد القتال، فهذا الذي جرى فيه ذكر ~~الخلاف في هذا الفصل، والذي يترجح -إن شاء الله- ألا يكون له في الغنيمة حق ~~إن (1) لم يحضر من مشاهد الحرب شيئا، ويدخل في ذلك المريض الذي لا يستطيع ~~شيئا من الحضور والتكثير فما فوق ذلك، فإن شهد هؤلاء شيئا من ذلك، # -وإن قل زمانه- فلهم سهمهم، أعني: فيما غنم عن ذلك الموطن، أو كان لذلك ~~الموطن في أسباب اغتنامه أثر؛ وذلك أن الذي أثبته الشرع للنيات ms150 من الحظ، ~~وإدراك بعضها رتبة العمل، إنما جاء النص به فيما يرجع إلى ثواب الله ~~-تعالى- وجزيل ما عنده. # وأما أحكام الدنيا وما يستحق فيها بالعمل، فلم يرد الشرع في شيء من ذلك ~~بأن للناوي فيه مثل ما للعامل، بل لعله مما يستحيل (2) التكليف به؛ لأن ~~الاطلاع على النية لا يعلمه إلا الله -عز وجل-. # ولما جعل الله -تعالى- الغنائم لمن غنمها دون من سواهم من المسلمين، وكان ~~هذا لم يغنم، ولم يشارك في شيء من أسباب الاغتنام؛ بطل أن يكون له معهم ~~فيما ملكهم الله من ذلك شيء، ونيته على الله الذي وسع كل مخلوق فضلا، والله ~~أعلم. # وأما من فرق من الفقهاء بين الإدراب وما قبله، فأوجب لمن دخل مع الجيش ~~أرض العدو، وحيث تبتدئ الشدة والمخافة أن يسهم له، وإن صده عن التمام أمر ~~غالب، ولم يوجب ذلك لمن اعترض قبله، فسببه: أن الإدراب عنده نوع من مشاهد ~~الحرب التي ينتفع الناس فيها بعضهم ببعض في القوة على التقدم، فإن الجمع ~~هناك إنما يحملهم على الدخول: الاعتداد بمن معهم، فيكون ذلك PageV01P399 # سبب الجرأة على الإقدام، الذي هو سبب الغنيمة، فرأى من ذهب إلى ذلك أن ~~لدخوله معهم حظا في الإعانة، وتسبيبا للمغنم، فهذا وجه من فرق، وعلى هذا ~~المسلك والقانون الذي ذكرناه تدور جملة المسائل المبددة -في هذا الفصل- ~~عنهم، وترجع أسباب الخلاف في ذلك عندهم، والله أعلم. # * مسألة: # إذا لحق بالجيش مدد، أو أفلت من دار الحرب أسير، فاتصل بهم؛ فلهم ثلاثة ~~أحوال: # أحدها: أن يدركوا الوقعة من قبل انقضاء الحرب، فهؤلاء يسهم لهم؛ لما تقدم ~~من الأدلة. # والثاني: أن يكون بعد انقضاء الحرب وحوز الغنيمة، فلا حق لهؤلاء، لما ~~تقدم -أيضا- من الأدلة. # والثالث: أن يكون بعد انقضاء الحرب، وقبل حوز الغنيمة. # فمن اعتبر انفصال القتال، لم يسهم لهم، وهو الأرجح، ومن اعتبر حضورهم في ~~الغنيمة قبل ملك الغانمين، ورأى في مشاهدة حوز الغنيمة ما يوجب الاشتراك، ~~أسهم لهم، وكلا القولين للشافعية (1) . PageV01P400 # وذهب أبو حنيفة إلى أن كل مدد ms151 ونحوهم أدرك الجيش في دار الحرب قبل ~~الخروج، فإن لهم معهم سهمانهم، سواء أدركوا حوز الغنيمة، أو لم يدركوا شيئا ~~بحال (1) . PageV01P401 # * مسألة: # ما غنمت السرية الخارجة من جملة الجيش، فهم والجيش فيه سواء في القسم. # خرج أبو داود (1) ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «المؤمنون تكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ~~ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم، يرد مشدهم على مضعفهم، ومتسريهم ~~على قاعدهم» . # المشد: من كانت دوابه أشداء. والمضعف: من كانت دوابه ضعافا. والمتسري: ~~الخارج في السرية. # وخرج أبو داود (2) -أيضا-، عن ابن عمر قال: «بعثنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في جيش قبل نجد، وانبعثت سرية من الجيش، فكان سهمان الجيش اثني ~~عشر بعيرا، اثني PageV01P402 # عشر بعيرا، ونفل أهل السرية بعيرا بعيرا، فكانت سهمانهم ثلاثة عشر، ثلاثة ~~عشر» . # قال ابن عبد البر (1) : «لم يختلف العلماء أن السرية إذا خرجت من العسكر ~~فغنمت: أن أهل العسكر شركاؤهم فيما غنموا» . # قال ابن المنذر (2) : «قول مالك، والشافعي، والثوري، والأوزاعي، والليث، ~~وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي: أن ما أصابت السرية دون الجيش، أو ~~أصابه الجيش دون السرية؛ هم كلهم في ذلك شركاء؛ # لأن كل فريق ردء لصاحبه (3) ، وقال الحسن البصري غير ذلك؛ قال: إذا خرجت ~~السرية بإذن الأمير، فما أصابوا من شيء خمسه الإمام، وما بقي فهو لتلك ~~السرية، وإذا خرجوا بغير إذنه خمسه الإمام، وكان ما بقي بين الجيش كلهم» ~~(4) . # * مسألة: # ومما يلحق في الحكم بالسرية والجيش: الجماعة تخرج من الحصن ونحوه إلى عدو ~~أتاهم أو مر بهم، فيغنمون منهم؛ قال اللخمي: إن كانوا لم يقدروا على ~~PageV01P403 # ذلك إلا لمكان جملة المسلمين بالموضع، ولولا ذلك ما قدروا عليهم ~~بانفرادهم، فالغنيمة لجميعهم كالسرية مع الجيش، وإن كان مثلهم لا يحتاجون ~~في أمرهم والإقدام عليهم إلى تقوية من في الحصن، كان ذلك لهم خاصة بعد ~~الخمس. # وروى ابن حبيب مسندا إلى الأوزاعي، أنه سئل عن العدو ينزلون قرية أو ~~مدينة ms152 للمسلمين، فيخرج إليهم بعضهم فيصيبون منهم، فقال: «إذا كان القوم ~~الذين لقوا العدو منهم، لو استغاثوا بأهل القرية أغاثوهم لقربهم منهم، فهم ~~شركاء جميعا فيما أصابوا بعد الخمس، ونرى أن ينفل الخارجون دون أهل القرية، ~~وإن كانوا بموضع لا ينالهم غوثهم، فهو للخارجين منهم دونهم» . # قال ابن حبيب: وقال لي من لقيت من أصحاب مالك مثله. قال: ويسهم لخيلهم ~~التي معهم في المدينة إذا كانوا قريبا، بحيث ينالهم غوثهم، وكانوا ارتبطوها ~~في سبيل الله، ويقبل في ذلك قول # أهلها الذين ارتبطوها (1) . # ***** PageV01P404 # فصل: في بيان وجوه القسم وسهمان الخيل # والنظر من هذا الفصل في ثلاثة أشياء: موضع القسم، وكيفية القسم، ومقادير ~~القسم. # فأما موضع قسم الغنائم، فاختلف: هل يكون في دار الحرب أو الإسلام؟ فذهب ~~مالك (1) ، والشافعي (2) ، والأوزاعي (3) ، وأصحابهم: إلى أن الغنائم ~~يقسمها الإمام على العسكر في دار الحرب إن شاء. قال مالك (4) : وهم أولى ~~برخصها هنالك. # وذهب أبو حنيفة إلى أن لا تقسم الغنائم في دار الحرب (5) . وقال أبو ~~PageV01P405 # يوسف: «أحب إلي أن لا تقسم الغنائم في دار الحرب، إلا أن لا يجد حمولة، ~~فيقسمها هنالك» (1) . # وحجة ما ذهب إليه مالك، والشافعي، ومن قال بقولهما: ما ثبت أن رسول # الله - صلى الله عليه وسلم - قسم غنائم حنين بالجعرانة (2) ، وكانت يومئذ ~~من دار الحرب، كذلك استدل ابن عبد البر (3) . # قال أبو بكر بن المنذر (4) في الاستدلال هنا: «وذلك للثابت عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، أنه قسم يوم خيبر: للفرس سهمين؛ ولصاحبه سهما» . ~~وجعل ابن المنذر حديث قسم غنائم حنين بالجعرانة دليلا على أن للإمام أن ~~يؤخر القسم إن شاء حتى يرجع إلى بلد الإسلام، ولأنه بالخيار في ذلك، على ~~حسب ما يرجوه من المصلحة، ويراه من الاجتهاد، ويتمكن له من التفرغ. # وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة، فلا أعلم ما وجه ما ذهب إليه، إلا أن يريد ~~أنهم ماداموا في دار الحرب، فلم يستقر لهم ملك الغنيمة بعد؛ لإمكان كرة ~~العدو ونحو ذلك، فكان الأمر على مثل حال المدافعة، ولهذا ms153 كان من مذهبه أن ~~من لحق الجيش من مدد ونحوهم، بعد انقضاء القتال، وحرز الغنيمة، وقبل الخروج ~~من دار الحرب؛ فإنه يسهم له مع الجيش، وهم في ذلك شركاء، ما لم يكن ~~PageV01P406 # لحاقهم بهم بعد أن خرجوا من دار الحرب (1) ، فلا يكون لهم حينئذ شيء. # وإذا قيل بالقسم في دار الحرب فذلك إنما يكون حيث يأمن الجيش، ولا يمنع ~~منه خوف عدو، ولا عدم فوت للمقام على القسم إن احتيج فيه إلى إقامة. # فصل # وأما كيفية القسم: فللمالكية في ذلك ثلاثة أقوال (2) : # قيل: تقسم أعيان الغنائم، ولا تباع، فإن كانت أجناسا مختلفة، قوم كل شيء ~~منها على حدته، ثم عدلت بالقيمة. # وقيل: تباع، وتقسم الأثمان. # وقيل (3) : ذلك مصروف إلى نظر الإمام، فما رأى من ذلك أنه أفضل لأهل ~~الجيش؛ فعله. # فوجه قسم الأعيان من غير بيع: أنه كذلك روي في قسم الغنائم في مغازي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، وعلى ذلك جرى فعل الصحابة. # روى مالك عن يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: «كان الناس في ~~الغزو إذا اقتسموا غنائمهم يعدلون البعير بعشرة شياه» (4) . PageV01P407 # قال ابن القاسم (1) : «ليس على هذا العمل، لكن تقسم الإبل على حدة، ~~والغنم على حدة بالقيمة، وكذلك سائر العروض، يقسم كل جنس على حدته بالقيمة، ~~ولا يقسم شيء منها بالسهم، ولا يجعل جزء من جنس بجزء من غيره، ذلك مكروه؛ ~~لأنه لا يدري أين يقع سهمه» ، فرأى ذلك من باب الغرر. # وخرج الترمذي (2) عن أبي سعيد الخدري قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن PageV01P408 # شراء المغانم حتى تقسم. قال فيه: حديث غريب. # ولا يوجد هذا الحديث من طريق قوي، وفي سنده عند الترمذي شهر بن حوشب. # ووجه من ذهب إلى بيع الغنائم، وقسم أثمانها، هو فيما أرى -والله أعلم- ~~فرار من تعذر العدل في قسم الأعيان؛ لاختلافها، وما يتقى من عدم التعادل ~~فيها. # ووجه من ذهب إلى أن ذلك للإمام، يرى فيه الأفضل للجيش: ملاحظته هاتين ~~الطريقتين، فوكل أمر ذلك إلى ms154 الإمام، فإن رأى الإمام قسم الأعيان ممكنا ~~التعادل فيه، وغير متخوف الغرر؛ لإمكان ذلك في الغنيمة الحاضرة: قسم ~~الأعيان، وإن خشي ذلك في قسم الأعيان، لاختلافها وتشتت أموال الغنيمة، ~~باعها وقسم الأثمان، وهذا نظر سديد، والله أعلم. # فصل # وأما مقادير القسم على الفرسان والرجل، ففي ذلك لأهل العلم قولان: # أما الجمهور، فذهبوا إلى أنه يقسم للفارس ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان ~~لفرسه، وهو قول مالك، والشافعي، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأحمد، ~~وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وداود، وقاله صاحبا أبي حنيفة: أبو يوسف، ~~ومحمد (1) ، PageV01P409 # وروي كذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين (1) . # وذهب أبو حنيفة إلى أن الفارس له سهمان: سهم له، وسهم لفرسه (2) ، ~~PageV01P410 # وروي مثل ذلك عن علي، وأبي موسى (1) . # والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور: ما خرجه مسلم (2) عن ابن # عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسم للفرس سهمين، وللرجل سهما. # وخرجه أبو داود (3) بأوضح لفظا من هذا؛ قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: ~~حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهما له، وسهمين ~~لفرسه. # وفي البخاري (4) ، عن ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل ~~للفرس سهمين، PageV01P411 # ولصاحبه سهما. # وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة فربما استندوا (1) إلى أثر جاء في ذلك (2) ، # وشدوا مذهبهم بوجه من النظر، أضربنا عن الخوض فيه؛ لصحة الأدلة في المذهب ~~الأول، وأنها لا تعارض بالرأي (3) . # واختلف أهل العلم بعد ذلك في موضعين: وهما: هل يسهم لأكثر من فرس واحد؟ ~~وهل يستوي حظ العراب والهجن؟. # فأما اختلافهم في الفارس يحضر الغزو ومعه عدة أفراس، ففي ذلك ثلاثة ~~أقوال: # قول: إنه لا يسهم منها إلا لفرس واحد، وإليه ذهب: مالك، والشافعي، ~~PageV01P412 # وأبو حنيفة، وأهل الظاهر، وغيرهم (1) . # وقول ثان: إنه يسهم لفرسين، ولا يسهم لما زاد عليهما؛ قاله: الثوري، ~~والأوزاعي، والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، واختاره محمد بن الجهم المالكي، ~~وإليه ذهب ابن وهب ms155 (2) . PageV01P413 # وقول ثالث شاذ: أن يسهم لكل فرس مما دخل به سهمان؛ روي ذلك عن سليمان بن ~~موسى (1) . # فأقول: قسم الغنيمة إنما هو على ما ملكه الله -تعالى- الغانمين، وإنما ~~ملكهم ذلك على حد السواء، حيث أضافه إلى جملتهم من غير تفصيل، فوجب أن يكون ~~القسم على التسوية؛ إلا حيث خصص من الدليل الشرعي، وقد ثبت بالسنة والإجماع ~~أن يسهم لفرس واحد (2) ، فكان إخراج أكثر من ذلك من جملة PageV01P414 # الغنيمة التي ملكها الله -تعالى- الغانمين: لا يباح، إذ لا دليل عليه، ~~والله أعلم. # وأما اختلافهم في البراذين والهجن (1) : هل يسهم لها كما يسهم للعراب ~~PageV01P415 # -وهي عتاق الخيل-، أو لا؟ ففي ذلك ثلاثة أقوال: # قول: إنها كلها في ذلك سواء، وهو قول مالك، والثوري، وأبي حنيفة، ~~والشافعي (1) ، واحتج مالك لذلك، قال: «لأن الله -تبارك وتعالى- قال في ~~كتابه: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة} [النحل: 8] ، وقال ~~-تعالى-: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله ~~وعدوكم} [الأنفال: 60] » ، قال: «فأنا أرى البراذين والهجن من الخيل إذا ~~أجازها # الوالي» (2) . # قال بعض الفقهاء: لا ينبغي للإمام أن يجيز ما لا منفعة فيه منها، ولا ~~يصلح للقتال. PageV01P416 # وقال الشافعي (1) : «ينبغي للإمام أن يتعاهد الخيل، فلا يدخل إلا شديدا، ~~ولا يدخل حطيما، ولا قحما ضعيفا، ولا ضرعا ولا أعجف رازحا، فإن غفل، وشهد ~~رجل على واحد من هذه؛ فقد قيل: لا يسهم له؛ لأنه ليس لها غناء الخيل، ولو ~~قال قائل: يسهم للفرس كما يسهم للرجل ولم يقاتل، كانت شبهة» . # قوله: حطيما، نحو: الكسير. والقحم: الكسير. والضرع: الصغير الضعيف. ~~والأعجف: الهزيل. والرازح: الذي لا يستطيع النهوض إعياء وضعفا. # وقول ثان في البراذين والهجن: أنها على النصف من حظ العراب، روي ذلك عن ~~الحسن البصري (2) ، وقاله أحمد بن حنبل (3) . PageV01P417 # وقيل: لا يسهم لها أصلا. وروي عن الأوزاعي قال: لم يكن أحد من علمائنا ~~يسهمون لبرذون (1) . # قال مكحول: «أول من أسهم للبراذين خالد بن الوليد يوم دمشق؛ أسهم لها نصف ~~سهمان الخيل؛ لما رأى من جرأتها وقوتها، وكان ms156 يعطي البرذون سهما والفرس ~~سهمين» (2) . # وقيل: إن أول من فعل ذلك رجل من همدان يقال له: المنيذر الوادعي؛ خرج على ~~خيل في طلب العدو، فلحقت العتاق، وتقطعت البراذين، فأسهم للعراب سهمين، ~~وللبراذين سهما، ثم كتب بذلك إلى عمر فأعجبه ذلك؛ فجرت سنة للخيل والبراذين ~~(3) . PageV01P418 # وقال في ذلك شاعر من همدان: # ومنا الذي قد سن في الخيل سنة ... وكانت سواء قبل ذلك سهامها (1) # المعرب من الخيل: الذي خلصت عربيته، وكلا أبويه عربي، وكذلك العتيق: وهو ~~الرائع الحسن. والبرذون: هو الذي أبواه عجميان. والمقرف: الذي PageV01P419 # أمه عربية وأبوه عجمي. والهجين: الذي أبوه عربي وأمه عجمية. # ولم يختلف المسلمون أن راكب البغل والحمار كالراجل، لا يسهم لواحد منهم ~~إلا سهم واحد، ولا اعتبار بما ركب، وكذلك اتفقوا أنه لا يسهم لراكب الجمل ~~ثلاثة أسهم، واختلفوا: هل يسهم له سهمان أو سهم واحد؟ ذكره أبو محمد بن ~~حزم، في # «مراتب الإجماع» (1) ، وقال في كتاب «المحلى» (2) : قال أحمد: لراكب ~~البعير سهمان. PageV01P420 # * مسائل في الإسهام للخيل: # قال مالك: إذا كان المسلمون في سفن، فلقوا العدو فغنموا، أنه يضرب للخيل ~~التي معهم في السفن. وهو قول الشافعي، والأوزاعي، وأبي ثور (1) . # وقال بعض الفقهاء: القياس أن لا يقسم للخيل في مثل هذا؛ لأنها لم تستعد ~~للبحر، ولم تبلغ الموضع الذي يصح القتال بها فيه. # ويحتمل أن يكون وجه ترجيح القول الأول: أنها استصحبت في البحر للغزو بها؛ ~~إذا انتهوا إلى موضع يمكنهم النزول، وليس من شرط الإسهام للخيل أن يكون ثم ~~قتال عليها، لكن إعدادها لذلك، وإحضارها لموضع الحاجة إليها في المغازي هو ~~المعتمد، وكما أنهم في البر لو قاتلوا حصنا لا يتمكن أصحاب الخيل من قتاله، ~~فاقتحمه الرجالة، فهو يقسم لجميعهم، ويكون للفارس سهمه، وسهم فرسه (2) ، ~~فأما إن لم تكن في السفن معدة للغزو بها إذا نزلوا، وكان غزوهم إنما هو في ~~المراكب لا ينزلون إلى البر، ولا يطلبون عدو البر، فهم لا يحتاجون إليها ~~بحال، فها هنا يصلح أن يقال: لا يسهم لها. PageV01P421 # * مسألة: # واختلف أهل ms157 العلم في الإسهام للفرس يموت بعد الإدراب وقبل حضور القتال، ~~فقال الشافعي (1) : لا يسهم لصاحبه سهم الفرس، إلا إذا حضر به القتال، ~~وقاله: أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وهو قول مالك، وقاله من أصحابه: ابن القاسم ~~(2) . وقال أشهب، وعبد الملك بن الماجشون: بالإدراب يستحق الفرس الإسهام ~~وإن مات -يعني: قبل حضور القتال-، وإليه ذهب ابن حبيب؛ قال: ومن حطم فرسه، ~~أو كسر بعد الإيجاف أسهم له، بمنزلة موت الفرس بعد الإيجاف، وأما إن أوجف ~~عليه وهو حطيم أو كسير لا يقاتل على مثله، فلا يسهم له، إذا # لم يزل كذلك حتى كان الفتح؛ لأن ذلك بطلان، وليس مرضا يرجى برؤه، وأما ~~الرهيص: فمريض يرجى برؤه، مثل المريض من الرجال، قال: وكذلك قال مالك: يسهم ~~للرهيص من الخيل، وإن لم يزل رهيصا، من حين دخل إلى أن خرج، بمنزلة المريض ~~من الرجال، وقاله: ابن الماجشون، وأشهب، وأصبغ (3) . PageV01P422 # قال اللخمي: وقد روي عن مالك أنه لا يسهم للمريض من الخيل، قال: وعلى هذا ~~لا يسهم للرهيص. قال: وهو أحسن أن لا يسهم للمريض من الخيل. قال: وبه أخذ ~~محمد بن عبد الحكم، وقال: بخلاف الرجل العليل؛ لأن فيه المشورة والرأي (1) ~~. # قال ابن المنذر (2) : وقال إسحاق في رجل جاوز الدرب وباع فرسه من راجل: ~~أن سهم الفرس لمن اشترى الفرس، وهو قول الأوزاعي. # وقال الأوزاعي في رجل دخل دار الحرب بفرسه، ثم باعه من رجل دخل دار الحرب ~~راجلا، وقد غنم المسلمون غنائم قبل شرائه وبعده: أنه يسهم للفرس (3) مما ~~غنموا قبل الشراء للبائع، وما غنموا بعد الشراء فسهمه للمشتري، فما اشتبه ~~من ذلك قسم بينهما، وبه قال: أحمد، وإسحاق. # قال ابن المنذر (4) : وعلى هذا مذهب الشافعي، إلا فيما اشتبه، فمذهب ~~الشافعي: أن يوقف الذي أشكل من ذلك بينهما حتى يصطلحا. # وقال أبو حنيفة (5) : إذا دخل أرض العدو غازيا راجلا، ثم ابتاع فرسا ~~فقاتل عليه، وأحرزت الغنيمة، وهو فارس: أنه لا يضرب له إلا بسهم # راجل (6) . # قال سحنون: ومن حضر القتال على فرس فلم ms158 يفتح لهم في يومهم، فباعه، ~~PageV01P423 # فقاتل عليه مبتاعه اليوم الثاني، فلم يكن فتح، فباعه الثاني، فقاتل عليه ~~الثالث يوما ثالثا، ففتح لهم: أن سهم الفرس لبائعه الأول؛ لأنه قتال واحد، ~~كما لو مات بعد أول يوم، وقاتل عليه أحد ورثته في اليومين، أو لم يقاتل، أن ~~سهمه لورثته (1) . # فنقول: إن مرجع الخلاف في الفرس يموت أو يمرض بعد الإدراب به، وقبل حضور ~~القتال عائد إلى الأصل الذي نبهنا عليه في سبب اختلافهم في الغازي نفسه ~~يموت بعد الإدراب، أو يمرض، أو يعترضه عائق دون الإتمام، والظاهر هنا أن لا ~~حق لصاحب الفرس في سهمان الخيل، إلا بعد أن يشهد به القتال حيا صحيحا، أو ~~مريضا مرضا لا يقطع الانتفاع به في بعض مشاهد الحرب، على ما فصلناه قبل ~~هذا، وكما رجحنا هناك في حكم الغازي نفسه يعترض عن الإتمام: أن لا شيء له ~~في الغنيمة، إن لم يحضر من مشاهد الحرب شيئا. # فأما من باع فرسه بعد الإدراب، وقبل شهود القتال، فقد كان يجب أن لا يخفى ~~على كل قول: أنه لاحق لبائعه في سهمان الخيل؛ لأنه لم يكن مغلوبا في خروجه ~~عن يده، كما يكون ذلك في موت الفرس، أو مرضه، عند من رأى أن يسهم لصاحبه، ~~إذا كان قد أدرب به، وإنما هذا بمثابة ما لو رجع الغازي مختارا عن تمام ~~غزوه بعد الإدراب، وقبل القتال، فإنه لا حق له في الغنيمة باتفاق، فإن خالف ~~هنا أحد فأوجب له سهم فارس؛ فليس له على ذلك دليل، ولا نظر يستقيم، بل هو ~~خطأ محض، وهو ظاهر ما ذهب إليه أبو حنيفة، حيث قال فيمن دخل أرض العدو ~~غازيا راجلا، ثم ابتاع فرسا فقاتل عليه، فغنموا وهو فارس: أنه لا يضرب له ~~إلا بسهم راجل، فراعى حالة دخوله أرض العدو دون ما انتقلت حاله إليه بعد، ~~وكذلك يجيء على مذهبه هذا أن يكون له سهم الفارس إذا دخل بفرسه، ثم باعه ~~قبل شهود القتال، وكل ذلك غير سديد. # أما بائع ms159 فرسه قبل شهود القتال به، فقد بينا وجه سقوط حظه؛ لأنه لم ~~PageV01P424 # يحصل منه في الجهاد فعل الفارس، ولا الإعداد له، لاختياره الرجلة ببيع ~~فرسه قبل. قال الله -تعالى-: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ~~ترهبون به عدو الله وعدوكم} [الأنفال: 60] ، فهذا لم يحصل منه في ذلك ~~إعداد، ولا للعدو إرهاب، فلم يكن من فوارس الجهاد. # وأما من دخل راجلا، ثم اشترى فرسا، فقاتل عليه حتى غنموا، فهو داخل تحت ~~أمره -تعالى- بإعداد الخيل وإرهاب العدو بها في الغزو، فقد حصل منه في ~~الجهاد عمل الفارس، في الوقت الذي يحتاج إليه فيه باتفاق، فكان له سهم ~~الفارس بالكتاب والسنة والنظر الصحيح، خلافا لنظر أبي حنيفة. # وأما قول سحنون فيمن حضر القتال على فرس يوما ثم باعه من آخر فقاتل عليه، ~~ثم باعه من ثالث فقاتل عليه يوما ثالثا، فكان الفتح؛ أن سهم الفرس للبائع ~~الأول: فغير متوجه؛ لأن البائع الأول باعه قبل حضور القتال المسبب لإحراز ~~الغنيمة، فلم يكن من فرسان الغنيمة، بخلاف من مات فرسه بعد شهود شيء من ~~مشاهد القتال؛ لأنه مجتهد معد، عمل في أصحاب الخيل بحسب وسعه، ثم هو مغلوب ~~في هلاكه، لم يكن منه نكول ولا إسقاط، لما تصدى للعمل فيه، والبائع مختار ~~راجع عن عمل الفارس قبل الإتمام، وكذلك يكون الحكم في البائع الثاني، وإنما ~~يستحق سهم الفرس من هو مالكه، والمقاتل عليه إلى حين إحراز الغنيمة، وهذا ~~ظاهر إن لم يكن في شيء من ذلك -القتال الذي حضره بالفرس بائعه- أثر يعرف في ~~تسبيب الاغتنام، مثل أن يكون ذلك القتال من نحو الترامي والمطاردة، ثم ~~يتحاجزون على غير نكاية تؤثر في العدو وتكسر منه، فأما إن كان لكل مشهد من ~~مشاهد تلك الأيام أثر في ذلك الفتح والاغتنام يعرف، كما لو كان ينكى فيها ~~العدو، وينتهك منه شيء بعد شيء، حتى حصل الاستيلاء بذلك عليه في اليوم ~~الثالث أو بعده؛ فهذا يشبه أن يقال فيه: إن سهم الفرس يقسم بينهم ثلاثتهم؛ ~~لأن ms160 كل واحد منهم قاتل عليه بملك صحيح قتالا مؤثرا في إحراز # PageV01P425 # الغنيمة، فثبت له بذلك حق، ولما بطل أن يكون للفرس الواحد سهمان ثلاثة من ~~الخيل؛ قسم بينهم سهمه الذي يجب في ذلك؛ لاشتراكهم في العمل به على حد ~~سواء، من الملك له، والإرهاب به على العدو، والنيل منه. # ولو قال قائل: إنه لا يكون لواحد من البائعين في ذلك حق، وإنما سهم الفرس ~~على كل حال للمشتري الأخير، الذي كان الفتح والاغتنام وهو في يده، معدودا ~~به في فوارس الغنيمة؛ لكان عندي هو الوجه (1) ؛ لأنه لما بطل أن يسهم ~~للثلاثة سهمان الخيل على فرس واحد، كان سهم الفرس لفارسه، المتصف بملكه ~~وعمله حال الاستيلاء، وحين إصابة الغنيمة إلى الغانمين، واستحقاقهم ملكها ~~على حسب أحوالهم من فارس وراجل؛ لأن من باع فرسه قبل ذلك، فقد رجع عن نية ~~الفارس، واختار الرجلة، وأسقط حظه من حق الخيل. وقياس # سحنون هذه المسألة على من حضر القتال فارسا ثم مات: باطل؛ لأن ذلك مغلوب ~~غير مختار، ولا راجع عن نية ما ابتدأ به العمل، وكذلك لو مات الفرس تحته ~~على حسب ما بيناه، فأمرهما مختلف، والله أعلم. # * مسألة: # قال سحنون في الفرس المحبس سهمه للغازي عليه: وكذلك من أكرى فرسا أو ~~استعاره، فله سهم فارس (2) . # وقال ابن القاسم (3) في فرس انفلت من ربه بأرض العدو، فأخذه آخر فقاتل ~~حتى غنموا، أو: لما شد القوم على دوابهم للقتال؛ عدا على فرس آخر، فقاتل ~~عليه، فغنموا: أن سهم الفرس في ذلك كله لربه. PageV01P426 # قال سحنون في المتعدي (1) : سهم الفرس له، وعليه لربه أجر مثله، إلا أن ~~يأخذه بعد إنشاب القتال، فيكون سهم الفرس لربه، وكلا القولين للشافعية (2) ~~في استحقاق سهم الفرس المغصوب. # قال سحنون: ومن صرع رجلا من العدو عن فرسه، وركبه وقاتل عليه، فلا سهم ~~للفرس فيما غنموا في قتالهم هذا، ويسهم له فيما حضر عليه بعد ذلك من ~~السرايا وغيرها (3) . # فأقول: قول سحنون في الفرس الحبيس والمكري والمستعار: أن سهمه للغازي ~~عليه ظاهر؛ ms161 لأنه تصرف في قتال العدو تصرف الفارس بوجه صحيح على وفق الشرع، ~~فوجب له سهمه؛ لعموم القرآن وظاهر السنة، وقوله في المتعدي: أن سهم الفرس ~~له، وعليه لربه أجر مثله غير سديد، والأرجح ما ذهب إليه ابن القاسم؛ لأن ~~المتعدي عمل بالفرس على غير وجه الشرع، فلم يستحق له شيئا؛ لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «وليس لعرق ظالم حق» (4) . خرجه أبو داود والترمذي. وقال # فيه: حسن غريب. PageV01P427 # قال أبو الوليد الطيالسي: العرق الظالم: الغاصب. ذكره الترمذي (1) . # وإذا لم يجب ذلك له، فيحتمل أن يقال: لا يسهم لذلك الفرس؛ لأن المقاتل ~~عليه لا يستحقه، ومالكه لم يشهد القتال عليه، بناء على أحد القولين: أن لا ~~سهم للفرس حتى يشهد به القتال، ويحتمل أن يقال: يسهم له؛ لأن القتال عليه ~~قد وجد، فوجب الإسهام، وبطل أن يكون في ذلك حق للمتعدي، فاستحقه مالكه الذي ~~أدخله وأعده لذلك، وملك منافعه المتعدى فيها، كما ذهب إليه ابن القاسم. # وأما ما ذهب إليه سحنون فيمن صرع رجلا من العدو عن فرسه، ثم قاتل عليه: ~~أنه لا سهم للفرس فيما غنموا في ذلك القتال، فيفتقر إلى تفصيل، فإن قيل: إن ~~السلب لا يختص به القاتل كما يقوله مالك وجميع أصحابه، فيتوجه أن يكون ~~الجواب فيه كذلك؛ لأنه قاتل على فرس لجماعة الجيش؛ فلم يستحق له حقا دونهم، ~~ويلزم على هذا أن لا يفرق فيه بين قتالهم ذلك وما بعده. وإن قيل: إن السلب ~~للقاتل، ملكا يختص به -كما يقول الشافعي وغيره- فهو بقتله فارسه استحق ~~الفرس، فإذا قاتل عليه وقد ملكه، وكان القتال على أوله، لم يظهر للفتح أثر، ~~ولا لإحراز (2) الغنمية سبب؛ فالقول بالإسهام له متوجه، والله أعلم، وبه ~~التوفيق. PageV01P428 # مسائل من أحكام الغنائم تفترق فيها أحوال الاستيلاء # * مسألة: # اختلفوا في الحربي يسلم في دار الحرب وله بها مال، ثم يظهر المسلمون على ~~تلك الدار؛ فقال أبو حنيفة (1) : يترك له ما كان في يديه من ماله، ورقيقه، ~~ومتاعه، وولد صغار، وأما ما كان من أرض، أو ms162 دار؛ فهو فيء، وامرأته فيء؛ إذا ~~كانت كافرة، وإن كانت حبلى فما في بطنها كذلك فيء. # وقال الشافعي (2) : إن جميع ماله من دار، وأرض، وغير ذلك، فهو كله له، ~~ولا يجوز أن يكون مال مسلم مغنوما بحال، وولده الصغار عنده أحرار مسلمون، ~~لأنهم تبع له، فأما زوجته وولده الكبار، فحكمهم حكم أنفسهم، يجري عليهم ما ~~يجري على أهل الحرب من القتل والسباء، وإن سبيت امرأته حاملا منه (3) ، ~~فليس PageV01P429 # إلى إرقاق ذي بطنها سبيل، من قبل أنه إذا خرج فهو مسلم بإسلام أبيه، ولا ~~يجوز السباء على مسلم، وعلى ذلك أهل الظاهر (1) . # فأما الحربي المستأمن يسلم في دار الإسلام، وله في دار الحرب مال وعقار، ~~فيغنمه المسلمون بعد إسلامه، فقال مالك، والليث، وأبو حنيفة (2) : كل # ذلك فيء، وكذلك أولاده الذين بدار الحرب، صغارا كانوا أو كبارا، وكذلك ~~امرأته وما في بطنها، إن كانت حاملا. # ولم يفرق مالك بين إسلامه في دار الكفر ودار الإسلام، وفرق أبو حنيفة (3) ~~. وقال الشافعي: كل ذلك سواء، لا سبيل عليه في شيء من ماله، ولا صغار ولده، ~~كما قال فيمن أسلم في دار الحرب، ولم يفرق، والحجة له في ذلك كالحجة في ~~الأول، وهو الأرجح، والله أعلم (4) . PageV01P430 # * مسألة: # اختلفوا في الحربي المستأمن يخلف ودائع وديونا في دار الإسلام، ويلحق ~~بدار الحرب، فيغزوها المسلمون، فيقتل فيمن أصيب، فقال الشافعي (1) : دينه ~~وودائعه، وما كان له من مال: مغنوم عنه. # وقال الأوزاعي (2) : يوضع ماله كله في بيت مال المسلمين. # وقال أصحاب الرأي (3) : ما أودع كان فيئا للمسلمين، وأما الديون فتبطل # عن الذي هي عليه، ولا تكون فيئا، وكذلك ما كان عليه من دين لمسلم، قد بطل ~~ما عليه من الدين إذا قتل أو أسر. # قال ابن المنذر (4) : إذا مات المستأمن في أرض الإسلام، وخلف مالا قدم ~~به، أو أصابه في دار الإسلام، وخلف ورثة في دار الحرب، فإن كل من أحفظ عنه ~~يقول: إن ماله يرد إلى ورثته، غير الأوزاعي؛ فإن الأخبار جاءت عنه في ذلك ~~مختلفة. PageV01P431 # فأقول: المستأمن ms163 يموت ويخلف مالا في أرض الإسلام، له ثلاثة أحوال: # - فإن مات من غير أن يصيبه جيش المسلمين في دار الحرب، فسواء كان موته في ~~دار الإسلام، أو دار الحرب -إن لم يكن توجهه إليها نقضا-، حكم ماله حكم ~~الأمان، فهو يرد إلى ورثته من أهل دينه، قال الله -تعالى-: {لا تخونوا الله ~~والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون} [الأنفال: 27] . # - وإن كان أصابه جيش المسلمين لما رجع إلى دار الحرب، فكانت إصابتهم إياه ~~في حومة القتال قبل أن يأسروه، فهذا بطل أن يكون لماله حكم الأمان بعد أن ~~قتل في حضوره مع أهل الحرب قتال المسلمين، فهو يحتمل أن يقال: ماله غنيمة ~~للجيش كسائر ما ظهروا عليه؛ لأنه بغزوهم وإيجافهم انتقل من الأمانة إلى ~~المغنم، ويحتمل أن يقال: هو فيء في بيت المال، لا يختص به الجيش، كما قال ~~الأوزاعي. # وقاله ابن حبيب -وعزاه إلى ابن القاسم من أصحاب مالك-؛ لأنه مال كافر ~~استحقه المسلمون بعد استقراره بدار الإسلام من غير إيجاف (1) . # وقد قيل: يرد المال إلى ورثته، بمنزلة ما لو مات عفوا بأرضه، وهو قول ابن ~~القاسم المشهور عنه، قال: لأنه ائتمن عليه، ثم لم يملك المسلمون رقبة مالكه ~~بعد ذلك. # - وأما إن كان المسلمون أسروه فيمن أسر، ثم قتل بعد، فالأظهر أن ماله ~~مغنوم للجيش؛ لأنه بعد الإسار له حكم الرق لذلك الجيش، فماله قد ملكوه بذلك ~~على حسب اشتراكهم، فهو يخمس، ثم يقسم على الغانمين، والله أعلم. وهو قول ~~ابن القاسم، وقاله عبد الملك بن حبيب، وحكاه عن ابن الماجشون، وأصبغ (2) . ~~PageV01P432 # وكذلك لو استحيي بعد الإسار، فبيع أو قسم، فماله غنمية لذلك الجيش؛ # لأنهم ملكوا رقبة مالكه (1) ، وليس لمشتريه حق في ماله، كالسنة فيمن باع ~~عبدا وله مال. وقال الشافعي (2) : ماله فيء لجماعة المسلمين. # * مسألة: # إذا لحق عبد الحربي بدار الإسلام؛ فأسلم، أو جاء مسلما: كان حرا، لا حق ~~لسيده فيه، وكذلك لو أسلم سيده بعد: لم يكن له إليه سبيل؛ لأنه بإسلامه ~~ولحوقه بدار الإسلام سقط ملكه عنه؛ ms164 لقوله -تعالى-: {ولن يجعل الله للكافرين ~~على المؤمنين سبيلا} (3) [النساء: 141] . # وخرج أبو داود (4) عن علي بن أبي طالب قال: خرج PageV01P433 # عبدان (1) إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - -يعني: يوم الحديبية قبل ~~الصلح-، فكتب إليه مواليهم، فقالوا: يا محمد، والله ما خرجوا إليك رغبة في ~~دينك، وإنما خرجوا هربوا (2) من الرق، فقال ناس: صدقوا يا رسول الله، ردهم ~~إليهم، فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: «ما أراكم تنتهون يا ~~معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا» ، وأبى أن يردهم، ~~وقال: «هم عتقاء الله» . # واختلف أصحاب مذهب مالك فيه إذا أسلم، وبقي في دار الحرب حتى أسلم سيده، ~~أو قدم به مستأمنا وإن لم يسلم، أو دخل جيش المسلمين فغنموه فيما أصابوا من ~~المشركين، فقيل: إنه في ذلك كله على حكم الرق، وهو لسيده في إسلامه ~~واستئمانه، وللجيش في اغتنامه، وإليه ذهب ابن حبيب (3) . # وقيل: هو حر من إسلامه في يد الكافر الحربي، وإسلامه في دار الحرب ~~PageV01P434 # يزيل ملك سيده عنه، خرج أو أقام، ويكون حكمه في يد الحربي بعد إسلامه حكم ~~الأسير، فإن اشتراه أحد منه بعد إسلامه كان كالحر يفدى، وهو قول أشهب، إلا ~~أنه يزعم أن سيده إذا أسلم بعد ذلك وهو في يديه، كان له ملكا، وهو ناقص (1) ~~. وفرق ابن القاسم فقال (2) : إن بقي حتى أسلم عليه سيده، أو قدم به ~~مستأمنا، فملكه باق عليه، وإن غنمه عليه المسلمون: سقط ملكه، وكان حرا، لا ~~حق لذلك الجيش فيه، كما لو أسلم ثم لحق بدار الإسلام. # والأرجح القول بحريته بإسلامه (3) مطلقا؛ لأن الإسلام الذي رفع عنه ملك ~~الحربي إذا خرج إلى دار الإسلام، هو الذي يرفع ملكه على كل حال، {ولن يجعل ~~الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} [النساء: 141] ، ولذلك قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فيهم: «هم عتقاء الله» ، وذلك بالإسلام، لا بالخروج، وهو ~~قول أبي محمد بن حزم (4) . # * مسألة: # إذا أسلم عبد الحربي، ثم فر إلى أرض الإسلام بمال، فعند المالكية: ms165 يكون ~~المال له ولا يخمس، سواء كان في يديه من تجارة لسيده، أو كان من خراج # العبد، أو كان سرقة، لا خمس في ذلك؛ لأنه مما لم يوجف عليه، وإن كان في ~~يديه أمانة، فقد استحب له أن يرده إلى سيده من غير أن يعرض له فيه إن ~~أمسكه، وكذلك إن فر إلى أرض الإسلام وهو كافر، ثم أسلم، فإن بقي على كفره ~~وأراد المقام، وتضرب عليه الجزية، كان له ذلك، ولم يرد إلى سيده، وإن أسلم ~~بعد الجزية كان حرا، وسقطت عنه الجزية، ذكره كله اللخمي ذكرا مطلقا، ولم ~~PageV01P435 # يتعرض إلى ذكر خلاف عنهم في ذلك (1) . قال أبو الوليد بن رشد (2) : إذا ~~تقدم خروج العبد قبل سيده فهو حر بنفس خروجه، مسلما كان أو كافرا؛ على مذهب ~~مالك، وجميع أصحابه، وقال أشهب: لا سبيل لسيده عليه إن قدم بعد ذلك، فأسلم ~~(3) أو لم يسلم، سواء أسلم العبد أو بقي كافرا. # فأقول: أما قولهم ذلك فيمن كان أسلم من العبيد فظاهر، ودليله ما تقدم في ~~المسألة قبل هذه، وأما فيمن بقي على كفره؛ فكأنهم ذهبوا به إلى حكم ما ~~استولي عليه من الكفار، وكأن العبد استولى على نفسه وغنمها، فكان بذلك حرا، ~~وعلى ذلك يكون له ما خرج به من مال وغيره، ونحو هذا رأيت لبعضهم في توجيه ~~ذلك. # وقال أبو حنيفة: لا يكون حرا بخروجه؛ إلا إذا خرج مسلما، وأما إذا خرج ~~كافرا فهو غنيمة جميع المسلمين، وقال صاحباه: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن: هو ~~ملك لمن سبق إليه، قالا مرة: لغير خمس يجب فيه، وقالا مرة: بعد إخراج الخمس ~~منه لأهله (4) . # * مسألة: # قال ابن القاسم (5) في عبد أبق إلى دار الحرب، ثم خرج [بعبيد] (6) ~~استألفهم إلى دار الإسلام: إن أولئك الرقيق له أو لسيده إن أراد أخذهم منه، ~~ولا PageV01P436 # خمس فيهم، وكذلك لو استألفهم حر فخرج بهم كانوا له، ولا خمس فيهم. # قيل: معنى ذلك: أن يكون استألفهم ليكونوا له عبيدا، قال: وإن قال أولئك # الرقيق: إنما خرجنا ms166 معه على أننا أحرار، وأنكر ذلك الخارج بهم، فالقول ~~قولهم، وعلى الإمام أن يفي لهم بعهد العبد، أو يردهم إلى مأمنهم، فإن خرجوا ~~بلا عهد فأمرهم إلى الوالي، ولا يقبل قول العبد، يعني: في استرقاقهم، إلا ~~أن يعلم أنه أخرجهم كرها، أو يكونوا في حوزه في وثاق، فهم عبيد له. # قيل: فإن ادعوا أنه أوثقهم في دار الإسلام؟! قال: إن استدل على صدقهم ~~بسبب ظاهر، فالقول قولهم، وإن لم يعرفوا عند خروجهم إلا في وثاق؛ فهم له ~~عبيد. # قيل: فالعبد يخرج متلصصا إلى أرض العدو فيغنم، قال: يخمس، ويكون فضل ذلك ~~له. # ففرق ابن القاسم بين خروج العبد إلى دار الحرب إباقا (1) ، وكذلك الأسير ~~ونحوه لو كان ثمة، ثم يخرج بشيء من دار الحرب، فلم ير فيه خمسا، بل جميعه ~~عنده لمن خرج به، وبين خروج العبد أو الحر إلى دار الحرب تلصصا، وتحيلا ~~بالسرقة والاستيلاف ونحو ذلك. فهذا عنده فيه الخمس، وسائره للذي خرج به؛ ~~لأنه رأى خروجه إلى دار الحرب على قصد النيل منهم بذلك والتعمد له إيجافا، ~~فكان له حكم الغنيمة في التخميس، وهو قول جميع أصحاب مالك، إلا اختلافا ~~فيما أصاب العبد، وكذلك كل من ليس من أهل الجهاد، كالمرأة والصبي، فقيل: ~~إنه لا يخمس شيئ (2) مما أصابوه، كان مقصودا بالخروج إليه والإيجاف عليه، ~~أو لا. وقيل: إنه يخمس ما أوجف من ذلك عليه. ولا أعرفهم اختلفوا في الذمي ~~أنه لا يخمس ما أصاب على أي وجه كان. PageV01P437 # * مسألة: # قال ابن القاسم في الأسارى من المسلمين يصيبهم العدو في البحر، ~~فيوثقونهم، ويوجهون بهم إلا بلادهم، فيثب عليهم الأسارى فيقتلون بعضهم، ~~ويأسرون بعضهم، ويصيبون متاعهم ومركبهم: إن ذلك إن كان فعله الأسارى وهم ~~يسار بهم قبل أن يصلوا إلى أرضهم، ففي ذلك الخمس، قال: وأراهم بعد في ~~حربهم. قال: وإن كانوا قد وصلوا بهم إلى بلادهم، ثم خلصوا إلى ذلك منهم، ~~فأرى ما أصابوا لهم، ولا خمس عليهم (1) فيه، وإنما يستحكم أسرهم إذا صاروا # بهم إلى موضع ms167 يأمنون فيه لحوق مراكب المسلمين بهم. قال: ولو أمنوا قبل ~~الوصول إلى أرضهم، لكان لهم بالوصول إلى موضع الأمن حكم الوصول إلى أرضهم. # قلت: هذا بناء على أصلهم في أن لا خمس فيما أصيب على غير القتال، أو تعمد ~~الخروج لإصابته من تلصص ونحوه، لكن قد كان يجب في هذه المسألة على هذا ~~الأصل الخمس في ذلك كله، سواء أمن العدو في طريقهم من الاتباع، أو لم ~~يأمنوا، وصلوا إلى أرضهم، أو لم يصلوا، ما دام الجمعان من المسلمين والعدو ~~يجمعهم بعد المناشبة بالقتال حضور واحد، وإذا لم ينفصل أمر اجتماعهم ذلك، ~~فهم في حومة المعالجة، وبسبيل ما نشب بينهم من ذلك القتال، وإنما إسار ~~العدو لهم، ووثوب المسلمين بعد عليهم، كما لو هزمهم العدو، ثم كر عليهم ~~المسلمون. وكما قالوا في وجوب الخمس إذا وثب الأسارى عليهم بعد أن أوثقوهم، ~~وقبل أن يلحقوا إلى حيث يأمنون أنهم بعد في حربهم، كذلك يلزم ما دام ~~الجمعان على حضور واحد، ولا أثر للأمن، ولا نعلم أحدا يجعل أمن العدو سببا ~~لسقوط الخمس فيما أصيب منهم، أما إن كانوا عند وصولهم بهم إلى أرضهم تفرقوا ~~بالأسرى، وانفصل نظام الجمعين بعد ذلك اللقاء الذي كان على حكم القتال؛ ~~فيمكن أن يقال: ما فعلوا من ذلك بعد فهو غير مستند إلى إنشاب ذلك القتال، ~~وله PageV01P438 # حكم نفسه، فلا خمس فيما أصيب فيه. فإن كان ذلك هو الذي أراد ابن القاسم ~~بقوله: إن كانوا قد وصلوا بهم إلى بلادهم، فله وجه، وأما ما فسره أبو ~~الوليد بن رشد (1) وذهب إليه من ذلك فبعيد، والله أعلم. # ما جاء في تحريم الغلول وعقوبة الغال # قال الله -تعالى-: {وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم ~~القيامة} [آل عمران: 161] . # وخرج الترمذي (2) عن عمر بن الخطاب قال: قيل: يا رسول الله: إن فلانا قد ~~استشهد، قال: «كلا! قد رأيته في النار بعباءة قد غلها» . قال: «قم يا عمر، ~~فناد: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون» . ثلاثا. ms168 قال فيه: حسن صحيح. # وذكر مالك في «موطئه» (3) عن ابن عباس أنه قال: «ما ظهر الغلول # في قوم قط؛ إلا ألقي في قلوبهم الرعب، ولا فشا الزنى في قوم قط؛ إلا كثر ~~فيهم الموت، ولا نقص قوم المكيال والميزان؛ إلا قطع عنهم الرزق، ولا حكم ~~قوم بغير الحق؛ إلا فشا فيهم الدم، ولا ختر (4) قوم بالعهد؛ إلا سلط عليهم ~~العدو» . # قال ابن عبد البر (5) : «مثل هذا لا يقوله إلا توقيفا؛ لأن مثله لا يدرك ~~بالرأي» . PageV01P439 # ثم كأنه تناقض، فبعد أسطر يسيرة، ذكر فيها ذلك في روايات يزيد بعضها على ~~بعض، قال (1) : «حديث مالك أتم، وكلها تقضي العقول بها والمشاهدة بصحتها» . # فالغلول إحدى الكبائر، ومن أعظم القبائح، قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إن الغلول عار، ونار، وشنار على أهله يوم القيامة» . خرجه مالك في ~~«الموطأ» (2) . PageV01P440 # قوله: «الشنار» ، قال في «مختصر العين» : هو العيب والعار (1) . # واتفق أهل العلم على أن من أخذ من أهل العسكر أو السرية من المسلمين ~~-أسيرا كان أو غيره- شيئا له ثمن أو بال، مما كان يملكه أهل الحرب -قل أو ~~كثر مما عدا الطعام- فانفرد بملكه ولم يلقه في الغنائم، فإنه قد غل (2) . ~~وإنما اختلفوا في الطعام، وفيما لم يتملكه أهل الحرب قبل ذلك: كالحصى، ~~والصيد، وخشب البرية، ونحو ذلك مما تقدم القول فيه. وكذلك اختلفوا في الشيء ~~اليسير مما لا ثمن له ولا بال: كالخيط، والخرقة يرقع بها، ونحو ذلك، وفي ~~الاستمتاع ببعض ما هنالك في دار الحرب عند الضرورة إليه والحاجة، من غير أن ~~يتملكه، فأرخص في ذلك بعضهم. سئل الحسن البصري عن رجل عريان، أو: من لا ~~سلاح معه: أيلبس الثوب ويستمتع بالسلاح؟ قال: نعم، فإذا حضر القسم؛ فليحضره ~~(3) . # وقال سفيان: «لا بأس أن يستعينوا بالسلاح إذا احتاجوا إليه في أرض العدو، ~~وبغير إذن الإمام» . وهو قول جمهور العلماء إذا كانت الضرورة في معمعة ~~الحرب، واحتيج إلى ما استولي عليه من سلاح العدو فهو جائز، روي ذلك عن ~~مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن ms169 حنبل، وغيرهم؛ ذكره ابن المنذر (4) . ~~قال: PageV01P441 # «والجواب في الفرس يقاتل عليه في حال الحرب؛ كالجواب في السلاح» # -يعني: لضرورة مقاومة العدو في التحام الحرب- فأما استعمال شيء من ذلك # على غير هذا الوجه إلا تكثرا، أو اغتنام الانتفاع به، فلا يباح ذلك. # خرج أبو داود (1) ، عن رويفع بن ثابت الأنصاري، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: # «من PageV01P442 # كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يركب دابة من فيء المسلمين، حتى إذا ~~أعجفها ردها فيه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يلبس ثوبا من فيء ~~المسلمين، حتى إذا أخلقه رده فيه» . # وروي عن ابن القاسم -صاحب مالك- أنه وسع فيما لا ثمن له، مثل: الخرقة ~~يرقع بها، والخيط يخيط به، والمسلة والإبرة، قال: له أن ينتفع به، وقاله ~~أصبغ. وروي عن مالك في الذي يرد الكبة من الخيط، ومثله مما ثمنه دانق ~~وشبهه: أخاف له أن يرائي بذلك، وليس يضيق على الناس. وروى أشهب عن مالك: ما ~~كان قيمته ثمن درهم: فله أن يحبسه ولا يبيعه (1) . # فأقول: التمسك من ذلك بشيء -وإن قل- خطر؛ فإن فيما خرجه مالك في «موطئه» ~~، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام في الناس -يعني: منصرفه من حنين- ~~فقال: «أدوا PageV01P443 # الخائط والمخيط، فإن الغلول عار، ونار، وشنار على أهله يوم القيامة» (1) ~~. # فهذا نص في الخائط والمخيط -وهو الخيط والإبرة- أمر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بأدائه، وجعل له حكم الغلول المتوعد عليه بالنار، فلا ينبغي أن ~~يتسامح مع هذا أحد في مثل ذلك، وإنما حمل من ذكرناه على الترخيص فيما خف من ~~ذلك: حملهم ما وقع في الحديث من ذكر الخائط والمخيط على أن المراد به ضرب ~~المثل، والمبالغة والتحذير، وإنما المقصود ما فوقه، لكن هذا التأويل مع ~~كونه دعوى، وخروجا عن الظاهر بغير دليل، فقد يبطله قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - -وقد جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~-: «شراك -أو: شراكان- من نار» ؛ خرجه مالك في «الموطأ» (2) . # قوله في الحديث: «شراك، أو: شراكان» ms170 ؛ هو شك من المحدث. # وأجمع العلماء على أن الغال يجب عليه أن يرد ما غل إلى صاحب المقاسم إن ~~وجد إلى ذلك سبيلا، وأنه إذا فعل ذلك، فهو توبة له (3) . # واختلفوا: إذا افترق أهل العسكر ولم يوصل إليهم؛ فذهب أكثر أهل العلم إلى ~~أنه يرفع إلى الإمام خمسه، ويتصدق بالباقي، فإن خاف الإمام على نفسه، ~~PageV01P444 # تصدق به كله، وبه قال مالك (1) ، والأوزاعي، والثوري، والليث، وغيرهم، ~~وروي معناه عن ابن عباس، وابن مسعود، ومعاوية بن أبي سفيان (2) ، وذهب # الشافعي إلى PageV01P445 # إنكار ذلك، وقال: «لا أعرف لقول من قال: يتصدق به؛ وجها؛ إن كان مالا له، ~~PageV01P446 # فليس عليه أن يتصدق به، وإن كان مالا لغيره، فليس له الصدقة بمال غيره» ~~(1) . # فصل # واختلفوا في عقوبة الغال، فروي عن مكحول، والحسن (2) : أنه يحرق متاعه ~~كله، وقاله الأوزاعي (3) ، وإليه ذهب: أحمد، وإسحاق (4) . قال الحسن: # يحرق جيمع رحله، إلا أن يكون مصحفا، أو حيوانا. وقال الأوزاعي: إلا ~~سلاحه، وثيابه التي عليه، وسرجه، ولا تنتزع منه دابته، ويحرق سائر متاعه ~~كله، إلا الشيء الذي PageV01P447 # غل، فإنه لا يحرق (1) . وقال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم، ~~والليث (2) ، وداود: لا يحرق رحل الغال، ولا يعاقب إلا بالتعزير على حسب ~~اجتهاد الأمير. قال الشافعي وداود: إن كان عالما بالنهي عوقب (3) . # فدليل من ذهب إلى التحريق عليه: ما خرجه أبو داود (4) ، من طريق # صالح بن PageV01P448 # محمد بن زائدة، عن سالم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، قال: «إذا وجدتم الرجل قد غل، فاحرقوا متاعه، واضربوه» . # وخرج -أيضا- (1) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وأبا بكر، وعمر، حرقوا متاع الغال وضربوه. # وأما الآخرون، فلم يثبت عندهم شيء من ذلك. # أما حديث صالح بن محمد بن زائدة؛ فضعفوا صالحا؛ قال البخاري (2) : # «هو PageV01P449 # منكر الحديث، تركه سليمان بن حرب» . وقال أحمد بن حنبل (1) : «ما أرى ~~بحديثه بأسا» . # وأما حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فقد ضعف عمرا كثير من أهل ~~العلم، ms171 وبخاصة ما رواه من صحيفة أبيه عن جده، فإن الإنكار عليه في ذلك أشد، ~~وقد احتج بعضهم بحديثه (2) . # وتمسك هؤلاء الذين لم يثبت عندهم أمر التحريق بالأصل المقطوع عليه في ~~تحريم مال المسلم وعصمته، المتضافر على ذلك: القرآن، والسنة، والإجماع. ~~وعارض بعضهم أحاديث التحريق بالآثار التي وردت عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في التشديد على الغال يعثر عليه، فلم ينقل في شيء منها أنه حرق ~~رحله، ولا أمر بذلك، كالذي غل الشملة (3) ، والذي غل الخرز (4) ، قالوا: ~~ولو حرقه لنقل. PageV01P450 # وهذا فيه نظر، إلا أن من لم يثبت عنده ما روي في ذلك، فهو على بصيرة مما ~~ذهب إليه بالحظر المقطوع عليه في أموال المسلمين وأحوالهم، وهو أرجح، والله ~~أعلم (1) . # ***** PageV01P451 ### | الباب الثامن # في النفل والسلب، وأحكام الفيء والخمس، ووجوه مصارفهما، # وتفصيل أحكام الأموال المستولى عليها من الكفار # قال الله -عز وجل-: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} ~~[الأنفال: 1] ، وقال -تعالى-: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الأنفال: 41] ، وقال # -تعالى-: {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ~~ركاب} [الحشر: 6] ، وقال -تعالى-: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ~~فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الحشر: 7] . # فاختلف أهل العلم في تأويل هذه الآي وأحكامها، وما عسى أن يكون فيها من ~~نسخ أو حمل بعضها على بعض اختلافا كثيرا، نشير منه -إن شاء الله- إلى ما هو ~~الأظهر في حمل الخطاب عليه، والأرجح في شهادة الأدلة له، مما يكون فيه ~~غنية، ثم نعقب ذلك بالكلام على كل فصل من فصول هذا الباب وأحكامه، وما ~~للعلماء في ذلك من المذاهب بحول الله. # ولنبين أولا معنى (النفل) و (الفيء) على القول الأظهر الأكثر، وإن كان ~~لهم فيه اختلاف يتعرف عند تفصيل اختلافهم في معاني الآي وأحكامها، وبالله ~~تعالى نستعين. # فأما النفل (1) : فهو ما ينفله الإمام الجيش، أو # بعضهم، إن رأى لذلك وجها، PageV01P455 # أي: يزيدهم إياه فوق سهامهم ms172 التي أوجب لهم القسم من الغنيمة، بحسب اجتهاد ~~الإمام لمصلحة تكون للمسلمين. # واختلف: هل تكون تلك الزيادة من أصل الغنيمة قبل أن تخمس، أو من سائرها ~~بعد إخراج الخمس وقبل القسم، أو: إنما يكون ذلك من الخمس، وتبقى أربعة ~~الأخماس موفورة للجيش؟ # وكذلك اختلف في السلب -وهو ما يوجد على المقتول أو معه (1) -: هل حكمه ~~حكم الغنيمة؟ وأمره راجع إلى الإمام، فينفله القاتل إن رأى لذلك وجها، كما ~~يفعل في النفل من غيره، ويمنعه -أيضا- إن رأى على حسب ما يؤديه إليه ~~اجتهاده في مصالح المسلمين، أو: هو شيء يختص به القاتل حكما من الله # -تعالى-، فلا يدخل من حكم الغنيمة في شيء؟ # وأما الفيء: فهو ما أفاءه الله -تعالى- على المسلمين، أي: رجعه إليهم من ~~أموال الكفار عفوا، من غير قتال ولا معالجة، بإيجاف خيل ولا ركاب (2) . # وحكم هذا: أن لا يقسم في الجيش كما تقسم الغنائم؛ لأنهم لم يستحقوه بشيء ~~من العمل، وإنما يكون في مصالح المسلمين عموما. # واختلف: هل يخرج منه الخمس لمن سمى الله -تعالى-، أو هو كله في مصالح ~~المسلمين؟ # وكذلك اختلف في حكم مصارف الخمس، على ما سنوضح في جميع ذلك -إن شاء الله ~~تعالى-. # القول في تأويل الآي وأحكامها # اختلف أهل العلم في معنى قوله -تعالى-: {يسألونك عن الأنفال قل ~~PageV01P456 # الأنفال لله والرسول} [الأنفال: 1] ، فقال أكثرهم: هي منسوخة بقوله -عز ~~وجل-: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله # خمسه ... } الآية [الأنفال: 41] . وقائل هذا القول يجعل الأنفال في الآية ~~هي الغنائم نفسها، وإنما أخذ النفل من النافلة؛ وهي الزيادة، قالوا: ~~والغنائم أنفال؛ لأن الله -تعالى- نفلها أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~أي: زادهم ذلك وخصهم به دون الأمم بفضله. # قال - صلى الله عليه وسلم -: « ... وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي» ~~(1) . # وروى أهل اللغة: أن النفل: المغنم. والجمع: أنفال (2) . قالوا: فكانت آية ~~الأنفال من أول ما نزل بالمدينة، ولم يكن أمر بتخميس الغنائم وقسمها، بل ~~كان الأمر في الغنائم كلها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ms173 -، فنسخ الله ~~ذلك بآية الخمس {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] ، ~~فاستقر أمر الغنائم على التخميس، وقسم سائرها في الغانمين على السهمان ~~المعلومة. وروي في سبب نزول الآية ما يدل على هذا المذهب. PageV01P457 # خرج إسماعيل القاضي في «أحكام القرآن» عن عبادة بن الصامت أنه قال: أنا ~~أعلم الناس بالنفل؛ كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر ثلاثة ~~أثلاث، ثلث بإزاء العدو، وثلث يحرس النبي - صلى الله عليه وسلم -، وثلث في ~~العسكر يأخذون ما في العسكر، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفل كل ~~امرئ ما أصاب، فقال الذين بإزاء العدو: إنا كنا بإزاء العدو، وخشينا كرة ~~العدو عليكم، وقد رأينا أن نأخذ مثل ما أخذتم، وقال الذين حرسوا النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: قد رأينا أن نأخذ مثل ما أخذتم، ولكن خشينا كرة ~~العدو عليكم، # فتنازعوا في ذلك؛ فأنزل الله -تعالى-: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال ~~لله والرسول ... } الآية [الأنفال: 1] ، وكان فيه تقوى، وصلاح ذات بين، ~~وطاعة الله، وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وفي رواية عنه قال: فينا ~~معشر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزلت حين اختلفنا، وساءت فيه ~~أخلاقنا، فانتزعه الله -تبارك وتعالى- من بين أيدينا، فجعله إلى رسوله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فقسمه بالسواء، فكان في ذلك طاعة الله، وطاعة رسوله ~~- صلى الله عليه وسلم -، وصلاح ذات البين (1) . PageV01P458 # وممن روي عنه القول بنسخ الآية على ما وصف: ابن عباس، ومجاهد، ~~PageV01P459 # وعكرمة، والضحاك، والشعبي، والسدي (1) ، وعليه يجيء مذهب أكثر الفقهاء؛ ~~لأن جمهورهم يقولون: لا يجوز للإمام أن ينفل أحدا من الغنمية شيئا إلا من ~~سهم النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الأربعة الأخماس قد صارت لمن شهد ~~الحرب من الجيش. # وفي الآية قول ثان: أنها محكمة وليست بمنسوخة، ذهب من رأى ذلك إلى أن ~~الأنفال شيء يزاده بعض الجيش على سهمه، وأن للإمام أن ينفل من شاء من ~~الغنيمة إذا كان في ذلك مصلحة، وربما كان من حجة من ذهب ms174 إلى هذا، إلى أن ~~التنفيل في اللغة: الزيادة. # قالوا: فهذا هو الذي يسمى نفلا على الحقيقة؛ لأنها زيادات يزادها الرجل ~~فوق سهمه من الغنيمة، وممن روي عنه هذ القول -أيضا-: ابن عباس؛ سئل عن ~~الأنفال فقال: «الفرس من النفل، والسلب من النفل» (2) ، وإليه ذهب محمد بن ~~جبير (3) . ويتأيد هذا القول بحديث مالك عن نافع، عن عبد الله بن ~~PageV01P460 # عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث سرية فيها عبد الله بن عمر ~~قبل نجد، فغنموا إبلا كثيرة، فكان سهمانهم اثني عشر بعيرا -أو: أحد عشر ~~بعيرا-، ونفلوا بعيرا بعيرا (1) . # فوجه الدليل منه أنه ذكر فيه التنفيل زيادة على القسم، فكان النفل شيئا ~~زائدا على السهم من جملة الغنمية. # وخرج مسلم (2) عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة، سوى قسم عامة الجيش. # وفيه قول ثالث: أن الأنفال هو الخمس خاصة؛ كان المهاجرون # سألوا لمن هو؟ فأنزل الله -عز وجل- في ذلك: {يسألونك عن الأنفال} ~~[الأنفال: 1] ، روي هذا القول عن مجاهد -أيضا- (3) . PageV01P461 # والآية على هذا محكمة ومتفقة المعنى مع قوله -تعالى-: {واعلموا أنما ~~غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] ، لكن في دعوى تسمية الخمس نفلا؛ ~~نظر، # والله أعلم. # فصل # وأما قوله -تعالى-: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ~~... } الآية [الحشر: 7] ، فكذلك اختلف أهل العلم فيها؛ فمنهم من ذهب إلى أن ~~الآية منسوخة بقوله -تعالى-: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ... ~~} الآية [الأنفال: 41] ، وزعم أن الفيء ها هنا هو الغنيمة -أيضا-، وأنه كان ~~الأمر في صدر الإسلام: أن تقسم الغنائم على هذه الأصناف المسماة في الآية، ~~ولا يكون لمن قاتل عليها شيء منها، إلا أن يكون من أحد هذه الأصناف، ثم نسخ ~~الله -تعالى- ذلك بآية الخمس، فقصر هؤلاء الأصناف عليه، وقسم سائر الغنيمة ~~في الجيش، روي هذا القول عن قتادة (1) ، وغيره، وهو بعيد PageV01P462 # من حيث ادعاء حكم ونسخه، من غير دليل على ذلك، ms175 وإلا فمعروف في اللغة أن ~~يقال للغنيمة: فيء. # وقال قوم: بل الفيء والغنيمة شيئان مختلفان، ولكل واحد حكم يختص به، ~~والآية على ذلك محكمة. والغنيمة: ما أخذ على وجه الحرب والمغالبة، وهو الذي ~~أنزل الله -تعالى- في حكمه: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} ~~[الأنفال: 41] ، فهو يكون خمسه في الأصناف التي سمى الله -تعالى-، وأربعة ~~أخماسه للجيش الذين قاتلوا عليه. # وأما الفيء: فهو ما صولح عليه أهل الحرب، ولم يؤخذ عنوة (1) ، فهذا يكون ~~مصرف جميعه في الأصناف التي سمى الله -تعالى- في هذه الآية من سورة الحشر، ~~ولا يخمس، وهو قول سفيان # الثوري (2) ، وكذلك قال جمهور الفقهاء: إن الفيء غير الغنيمة، إلا أنهم ~~لم يقصروا الفيء على هؤلاء الأصناف، بل رأوه عاما في جميع مصالح المسلمين، ~~وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأهل الظاهر، وغيرهم ~~(3) ؛ إلا أن الشافعي رأى أن يخمس الفيء كما PageV01P463 # تخمس الغنيمة، فيكون الخمس في الأصناف المذكورين في هذه الآية؛ كأنه رأى ~~ذلك عائدا على خمس الفيء خاصة، لما بينت السنة أن أربعة أخماسه في مصالح ~~المسلمين عامة (1) . # وقول الجمهور حيث فرقوا بين الفيء والغنيمة في الآيتين، ولم يروا بينهما ~~تعارضا ولا نسخا، بل كلتاهما محكمتان؛ هو الأظهر الأشهر. # وأما حمل آية الفيء على معنى أنها الغنيمة؛ كان الحكم فيها أن يقسم على ~~الأصناف المسمين فيها، ثم نسخت؛ فأمر لا دليل عليه، ولا اضطرار إليه. # وأيضا؛ فإن الآية في الغنائم من سورة الأنفال نزلت إثر بدر، وذلك قبل أمر ~~القرى التي أنزل الله -تعالى- فيها: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} ~~[الحشر: 7] . # وقد ذهب قوم إلى أن هذه الآية مبينة لحكم الآية التي # قبلها: {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} ~~[الحشر: 6] ، وأبى ذلك أكثر أهل العلم، ورأوا أن الآية الأولى من سورة ~~الحشر خاصة في حكم أموال بني النضير حين جلوا عن بلادهم بغير حرب، وفيهم ~~نزلت سورة الحشر (2) : {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب ms176 من ديارهم ~~لأول الحشر} [الحشر: 2] ، فجعل الله -عز وجل- أموالهم للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، فلم يستأثر بها، بل أخذ منها قدر ما يكفيه PageV01P464 # وأهله، وفرقها في المهاجرين - صلى الله عليه وسلم -؛ هذا قول جمهور ~~العلماء، وهو مروي عن عمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم. # وفي «الصحيحين» : البخاري ومسلم، عن عمر قال: «كانت أموال بني النضير مما ~~أفاء الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم -، مما لم يوجف عليه المسلمون ~~بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة، فكان ينفق على ~~أهله نفقة سنة، وما بقي جعله في الكراع والسلاح، عدة في سبيل الله -عز ~~وجل-» (1) . # قالوا: وأما آية الفيء الثانية، فنزلت في قرى من قرى العرب، علم الله- ~~تعالى- حكم الفيء منهم، فحكمها مخالف للآية التي قبلها في بني النضير؛ تلك ~~خاصة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2) . # فصل: في النفل والسلب وأحكامهما # * القول في النفل * # النفل في المغانم: الزيادة على السهم، وهو جائز فعله، وقضاء الإمام به ~~إذا رآه مصلحة في الجيش وللمسلمين، وليس ذلك بواجب عليه أن يفعله، ولا حق ~~لأحد في ذلك، إلا أن يجعله الإمام، أو أمير الجيش، وهو يكون على ثلاثة ~~أوجه: # أحدها: أن يخص الإمام بعض الجيش؛ لغناء كان منه، أو مكروه تحمله ~~PageV01P465 # دون (1) الجيش، فيزيده شيئا ينفله إياه. # والثاني: أن يبعث سرية من جملة الجيش، فيخصها بشيء يزيدها إياه مما غنمت ~~دون العسكر. # والثالث: أن يحرض الإمام الجيش على القتال قبل لقاء العدو؛ فينفلهم، أو ~~من شاء منهم مما يرجوه من الغنيمة شيئا قبل القسم؛ تحريضا لهم على ~~الاجتهاد، وكره مالك هذا الوجه؛ خشية أن يكون قتالهم للدنيا (2) ، وأجازه ~~جماعة من أهل العلم (3) . PageV01P466 # واختلف أهل العلم في أحكام النفل في ثلاثة مواضع: # أحدها: فيم يفرض النفل. والثاني: مقدار ما يفرض منه. والثالث: الوقت الذي ~~يجوز أن يفرض فيه. # فأما اختلافهم في الموضع الأول -وهو فيم يفرض- ففي ذلك ثلاثة أقوال: # قول: إنه لا يكون النفل إلا من الخمس، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي ~~حنيفة، وأصحابهم (1) ، وقاله ms177 سعيد بن المسيب (2) ، # ومستند هؤلاء: أن أربعة أخماس PageV01P467 # الغنيمة يعين مستحقوها -وهم الغانمون-، فلم يجز إخراج شيء من ذلك عنهم، ~~والخمس مصروف إلى اجتهاد الإمام في التعيين، فكان ذلك منه. # وقول ثان: إنه لا يكون في الخمس نفل، وإنما يكون في أربعة الأخماس بعد ~~إخراج الخمس، ثم يقسم ما بقي على الجيش، وهو قول أحمد بن حنبل، PageV01P468 # وإسحاق، وقاله أبو محمد بن حزم (1) ، وإليه ذهب جماعة # فقهاء الشام، منهم: رجاء بن حيوة، ومكحول، والقاسم بن عبد الرحمن، ~~وسليمان بن موسى، والأوزاعي، وغيرهم (2) . # ودليلهم: ما خرجه أبو داود (3) ، عن حبيب بن مسلمة، أن رسول # الله - صلى الله عليه وسلم - PageV01P469 # كان ينفل الربع بعد الخمس، والثلث بعد الخمس إذا قفل. # وخرج مسلم (1) ، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة، سوى قسم عامة الجيش، ~~والخمس في ذلك واجب كله. # وقول ثالث: إن الأمير مخير، فإن شاء نفل من رأس الغنيمة قبل الخمس، وإن ~~شاء بعد الخمس، وهو قول النخعي (2) . ويروى عن أبي ثور: أن النفل قبل الخمس ~~(3) . PageV01P470 # ثم اختلف أصحاب القول الأول الذين رأوا أن النفل لا يكون إلا من الخمس، ~~فقال منهم جماعة: لا يكون إلا في خمس الخمس، وهو سهم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وهو قول الشافعي (1) ، وروي كذلك عن سعيد بن المسيب (2) . ومستندهم ~~أن خمس الخمس -وهو سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - - هو الذي # يرجع النظر فيه إلى الإمام، وأما سائره فمعين في الأصناف الموصوفين في ~~الآية، كما عين سائر الغنيمة للجيش. وقال مالك وأصحابه (3) : بل جميع الخمس ~~يرجع النظر فيه إلى الإمام- على ما سنذكره بعد هذا في مصرف الفيء والخمس. # وأما اختلافهم في الموضع الثاني -وهومقدار ما يفرض في النفل-، ففي ذلك ~~أقوال: # قول: إن ذلك راجع إلى اجتهاد الإمام، ولا حد له؛ قاله الشافعي (4) ، ~~PageV01P471 # ومذهبه أن ذلك لا يكون إلا في خمس الخمس -كما تقدم-، إلا أن يكون تحريضا ~~يتقدم به قبل ms178 الغنيمة لمن يفعل فعلا يفضي إلى الظفر بالعدو، كالتجسس، ~~والدلالة على الطريق، والتقدم بالدخول إلى دار الحرب أو الرجوع إليها بعد ~~انفصال الجيش عنها، فله # عندهم أن ينفل بجزء من جملة الغنيمة المرجوة في ذلك؛ لحديث حبيب بن مسلمة ~~المتقدم؛ ولأن الجيش لم يتعلق لهم بها حق، إلا على هذا الوصف، وهو في ~~مصالحهم، كالإجارة والجعل. # وقول: إنه لا يزاد في النفل على الثلث -وهو قول جمهور العلماء- (1) ، ~~ودليل هذا القول حديث حبيب بن مسلمة -المتقدم-، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كان ينفل الربع بعد الخمس، والثلث بعد الخمس إذا قفل. فكان ذلك ~~أقصى ما روي في التنفيل. # وقول: إنه لا يبلغ بالنفل سهم راجل إلا أن يكون التنفيل لسرية، أو أحد ~~ممن ساق غنيمة إلى الجيش، فللأمير أن ينفل من أتى بالغنيمة ربع ما ساق بعد ~~PageV01P472 # الخمس في الدخول إلى أرض الحرب، وثلث ما ساق بعد الخمس في الخروج منها، ~~لا زائد على ذلك. وإليه ذهب أهل الظاهر (1) ، ودليلهم حديث حبيب بن مسلمة ~~-المتقدم- في تنفيل الربع والثلث لمن ساق غنيمة إلى الجيش، وإن ما عدا ذلك ~~لم يثبت في شيء منه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفل أحدا ما يبلغ ~~سهم راجل. # وقول: إن للإمام أن ينفل السرية جميع ما غنمت من غير تخميس، روي ذلك عن ~~مكحول، وعطاء، وإبراهيم (2) . وعامة الفقهاء # على خلافه. وروي عن PageV01P473 # الثوري أنه قال في أمير أغار فقال: من أخذ شيئا فهو له: هو كما قال (1) . ~~وليس لشيء من ذلك دليل يعتد به. # وأظهر الأدلة رجوحا ما ذهب إليه أهل الظاهر (2) ، والله أعلم. # وأما اختلافهم في الموضع الثالث -وهو الوقت الذي يكون فيه فرض التنفيل- ~~ففي ذلك قولان: # أحدهما: إن ذلك لا يكون إلا بعد إحراز الغنيمة، لا قبل ذلك، وإليه ذهب ~~مالك (3) ، وكره أن ينفل قبل ذلك يحرضهم؛ خشية أن # يكون قتالهم لغير الله، وعنده: أن السلب من النفل، قال: ولم يقل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل قتيلا ms179 فله سلبه» (4) ، إلا بعد أن ~~برد القتال. وبنحو ما ذهب إليه مالك؛ يقول أبو حنيفة (5) . PageV01P474 # والقول الثاني: إن له أن ينفل قبل إحراز الغنيمة وبعده على ما يرى من ~~الاجتهاد، وما فيه المصلحة، وهو قول الشافعي (1) . قال: وقد روي أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نفل في البدأة والرجعة. وقال الثوري (2) : لا ~~بأس أن يقول الإمام: من جاء برأس فله كذا، ومن جاء بأسير فله كذا، يضريهم. # القول في السلب # في «الصحيحين» : البخاري ومسلم (3) ، عن أبي قتادة، عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه» . وذكره مالك ~~وغيره (4) . # وخرج -أيضا- أبو داود (5) ، عن عوف بن مالك الأشجعي، وخالد بن الوليد، ~~PageV01P475 # أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في السلب للقاتل، ولم يخمس ~~السلب. # واختلف أهل العلم من هذا الفصل في ثلاثة مواضع: # في حكم السلب لمن يكون، وفي حد السلب، وعلى ماذا يقع، وفي صفة القتيل ~~المسلوب. # فأما حكم السلب، فلأهل العلم في ذلك ثلاثة أقوال: # قول: إنه ملك للقاتل، يختص به، حكما من الله -عز وجل-، لا يحتاج في ذلك ~~إلى تقدم قول أمير ولا غيره، فهو يحاز له من جملة الغنيمة، من غير خمس يجب ~~فيه، وإليه ذهب الشافعي، # وأحمد بن حنبل، وأهل الظاهر، وقاله محمد بن جرير الطبري، وغيره (1) . ~~PageV01P476 # وقول ثان: إنه كذلك للقاتل -أيضا-، إلا أن للإمام أن يخمسه إذا استكثره، ~~ويكون للقاتل أربعة أخماسه، روي ذلك عن عمر بن الخطاب (1) ، وهو قول ~~PageV01P477 # إسحاق (1) . # وقول ثالث: إن السلب وسائر الغنيمة واحد في الحكم، لا يختص القاتل بذلك، ~~إلا أن ينفله إياه الإمام إن رأى لذلك وجها كسائر الأنفال، ولا فرق، وإليه ~~ذهب مالك، وأبو حنيفة، والثوري، وغيرهم (2) . PageV01P478 # وسبب الاختلاف: تعارض ظاهر آية الغنائم في وجوه القسم على جماعة ~~الغانمين، وظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل قتيلا له عليه بينة، ~~فله سلبه» (1) . # فمن حمل ذلك من قوله - صلى الله عليه وسلم - على أنه إنزال شرع، وحكم ms180 عام ~~في المسلمين، وكان من مذهبه تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد؛ جعل الآية ~~مخصصة في غير السلب، وكان عنده: السلب جميعا للقاتل. # ومن حمل ذلك من قوله - صلى الله عليه وسلم - على وجه التنفيل منه في ذلك ~~الجيش، وما يرجع إلى حكم الاجتهاد من الإمام بحسب الأحوال، كان السلب وغيره ~~سواء عنده في حكم الغنيمة، واستحقاق القسم على جماعة الغانمين، إلا أن يرى ~~الإمام تنفيله للقاتل على حسب ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~ذلك الجيش (2) . # وأما من رأى تخميس السلب إذا كثر؛ فلا أعرف فيه دليلا، إلا ما يخرج مخرج ~~الاستحسان. فإن قيل: دليله عموم آية الخمس (3) ؛ لزم عليه أن يكون ذلك يجري ~~في القليل كما يجري في الكثير، والله أعلم. # وأما حد السلب، وعلى ماذا يقع، إذا قيل بوجوب ذلك للقاتل؟ فلأهل العلم ~~PageV01P479 # في ذلك اختلاف، سببه: مفهوم إطلاق لفظ السلب في الحديث: # هل يختص ذلك بما كان على المقتول ومعه مما يستعد من آلات القتال، وما لا ~~بد منه في اللباس، والمعتاد في الحرب، دون ما سواه، مما عسى أن يكون معه من ~~غير ذلك؟ أو يعم جميع ما اشتملت عليه حال القتيل من ذلك، ومن غيره من أنواع ~~الحلي والجواهر والذهب والفضة، وما شأنه الزينة ونحوها، وإن لم يكن من ~~معتاد الحرب؟ # روي عن مكحول أنه قال: للمبارز القاتل سلب المقتول: فرسه بسرجه، ولجامه، ~~وسيفه، ومنطقته، ودرعه، وبيضته، وساعداه، وساقاه، ورايته (1) ، بما في ذلك ~~كله: من ذهب وفضة، أو جوهر، وما كان عليه من طوقه، وسواريه إن كانا عليه، ~~بما فيهما من جوهر (2) . # وقال الأوزاعي نحو ذلك، إلا أنه قال: ولا يكون له الهميان (3) فيه المال؛ ~~قال: ليس مما يتزين به للحرب (4) . # ولم ير مالك أن يكون من السلب ذهب ولا فضة؛ لأنه ليس من آلات المقاتل ~~المعهودة (5) . PageV01P480 # وقال الشافعي (1) : «السلب الذي يكون للقاتل: كل ثوب على المقتول، وكل ~~سلاح عليه، ومنطقته وفرسه إن كان راكبه أو ممسكه، فإن كان مع غيره، أو ms181 ~~منفلتا منه فليس له، وإنما سلبه ما أخذ من يديه، أو ما على بدنه، أو تحت ~~بدنه، فإن كان في سلبه سوار ذهب، أو خاتم، أو تاج، أو منطقة فيها نفقة، فلو ~~ذهب ذاهب إلى أن هذا من سلبه كان مذهبا، ولو قال قائل: ليس هذا من عدة ~~الحرب كان وجها» . # قلت: قد أشار الشافعي -رحمه الله- إلى هذا السبب الذي نبهنا عليه. # وأما صفة القتيل المسلوب: فمن ذلك: أن يكون رجلا كافرا حربيا مخلى غير ~~مأسور، لا أعرف أن موجبي السلب للقاتل اختلفوا أن مثل هذا يستحق قاتله ~~سلبه، واختلفوا في حال القتل، وفي قتل المرأة والغلام. # فقال الشافعي (2) : «إنما يكون السلب لمن قتل والحرب قائمة، والمشرك ~~مقبل» ، وقال أحمد بن حنبل: «إنما ذلك للقاتل في المبارزة (3) ، لا يكون في ~~PageV01P481 # الهزيمة» (1) ، وقال الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز: «السلب للقاتل، ما ~~لم تشتد (2) الصفوف بعضها ببعض، فإذا كان # كذلك، فلا سلب لأحد» (3) . ونحو ذلك يروى عن نافع مولى ابن عمر؛ كان ~~يقول: إذا قتل رجل من المسلمين رجلا من الكفار؛ فإن له سلبه، إلا أن يكون ~~في معمعة القتال، أو في زحف، فإنه لا يدري أحد قتل أحدا (4) . # قوله: معمعة القتال: يريد التحامه واختلاطه. والمعمعة: أصوات الشجعان في ~~الحرب. والمعمعة -أيضا-: صوت الحريق. قال امرؤ القيس -يصف فرسا وعدوها-: # سبوحا جموحا وإحضارها ... كمعمعة السعف الموقد (5) PageV01P482 # وقالت طائفة من أهل الحديث: يجب للقاتل سلب كل قتيل قتله من الكفار، في ~~الحرب وغير الحرب، مقبلا أو مدبرا، على كل وجه، لا يخص (1) من ذلك شيئا، ~~وبه يقول أبو ثور، وداود، وأبو # بكر بن المنذر، وغيرهم (2) . # وحجة هؤلاء ظاهر الخبر (3) في تمليكه سلب القتيل عموما. وحديث سلمة ابن ~~الأكوع (4) في ذلك يزيده وضوحا. قال ابن المنذر (5) : «هو خبر، ليس لمتأول ~~معه تأويل؛ وذلك أن سلمة بن الأكوع قتل القتيل، وهو مول هارب» ، قال غيره: ~~وفي غير مبارزة ولا قتال. # خرج مسلم (6) ، عن سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم ms182 - هوازن، فبينا نحن نتضحى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~إذ جاء رجل على جمل أحمر، فأناخه، ثم انتزع طلقا من حقبه، فقيد به الجمل، ~~ثم تقدم يتغدى مع القوم، وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظهر، وبعضنا ~~مشاة، إذ خرج يشتد، فأتى جمله فأطلق قيده، ثم أناخه، وقعد عليه، فأثاره، ~~فاشتد به الجمل، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء. PageV01P483 # قال سلمة: وخرجت أشتد، فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك ~~الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع ركبتيه في الأرض ~~اخترطت سيفي، فضربت رأس الرجل، فندر، ثم جئت بالجمل أقوده، عليه رحله ~~وسلاحه، فاستقبلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس معه، فقال: «من ~~قتل الرجل؟» قالوا: ابن الأكوع، قال: «له سلبه أجمع» . # قال ابن المنذر (1) : «فهو حجة على من قال: إن السلب لا يكون إلا لمن قتل ~~مشركا مقبلا، وعلى من قال: والحرب قائمة؛ لأن سلمة قتل صاحبه مدبرا، والحرب ~~ليست بقائمة» . قال: «ولم أر عند الشافعي حديث سلمة، ولو علمه لقال به فيما ~~ظهر لنا في مذهبه» . # قوله في الحديث: «نتضحى» (2) : هو من وقت الضحى -بالمد- عند ارتفاع ~~النهار. وإنما يريد أنهم كانوا يتغدون في ذلك الوقت. # وقوله: «انتزع طلقا من حقبه» ؛ فالطلق: القيد من الجلد، والحقب: حبل يشد ~~على حقو البعير. # وقوله: «ضرب رأس الرجل فندر» ، يريد: سقط. # قال عنترة (3) : # والهام تندر بالصعيد كأنما ... تلقى السيوف بها رؤوس الحنظل # وقال أبو محمد بن حزم (4) : «للقاتل سلب المشرك الذي قتل كيفما قتله، ~~PageV01P484 # صبرا، أو في القتال» . يعني: مقبلا أو مدبرا، وكيفما كان. ودليله: عموم ~~الخبر في إيجاب السلب للقاتل من غير تفصيل، وما دل عليه في إيضاح ذلك ~~وتقريره خبر سلمة المذكور آنفا. # وقال الثوري في العلج يحمل عليه الرجل فيستأسر له، ثم يقتله: «له سلبه ~~إذا كان قد بارزه» (1) . وأظنه يعني: إذا قال الإمام في ذلك الجيش: من قتل ~~قتيلا فله سلبه؛ لأن مذهب الثوري: ألا (2) يستحق القاتل السلب، إلا أن ms183 ~~ينفله # الإمام، كما يقول مالك، وأبو حنيفة (3) . # وقال الأوزاعي (4) في الذي يستأسر فيقتله: «ليس له سلبه إذا لم يكن حرد ~~إليه بسلاح» . قيل له: فرجل حمل على فارس فقتله فإذا هو امرأة؟ قال: «فإن ~~كانت حردت له بسلاح، فإن له سلبها، والغلام كذلك: إذا قاتل فقتل كان سلبه ~~لمن قتله» . # قوله: حرد إليه، يعني: إذا جد، وقصد قصده (5) . وأنشدوا (6) : ~~PageV01P485 # أقبل سيل جاء من عند الله ... يحرد حرد الجنة المغله # قال ابن عبد البر (1) : «إجماع (2) العلماء على أن لا سلب لمن قتل طفلا، ~~أو شيخا هرما، أو أجهز على جريح مثخن، أو ذفف على من قطع في الحرب من ~~أعضائه، ما لا يقدر معه على الدفع عن نفسه» . # قلت: لعل ذلك إنما هو فيمن لم يقاتل من هؤلاء الأصناف، وهو على حالته ~~تلك، فأما إذا كان يقاتل حتى قتل، فقد روي عن # الأوزاعي وغيره في الصبي والمرأة والمصبور ما ذكرناه، ومنه (3) هذا ~~الحديث: «من قتل قتيلا فله سلبه» (4) ، يتضمن بعمومه من حيث اللغة هؤلاء ~~الأصناف كلهم، قاتلوا، أو لم يقاتلوا. # وللنظر في تخصيصه علىمذاهب أهل العلم طريقان: الشرع والمفهوم. # فأما من جهة الشرع: فهو مخصص بمن أبيح قتله من الكفار، فلا يدخل في ذلك ~~الذمي والمعاهد، ولا المرأة، ولا الغلام إذا لم يقاتلا، هذا بلا خلاف، ~~وكذلك العسفاء (5) ، ونحوهم على مذهب من رأى النهي فيهم -أيضا-، فأما إذا ~~قاتل الغلام والمرأة، أو غيرهم؛ ممن يلحقه بهم ملحق في النهي عن القتل؛ فقد ~~استبيح قتله بالشرع، وخرج أن يكون ممن استثني من العموم، فوجب أن يكون ~~الحكم في السلب لقاتلهم؛ هذه طريقة ظاهرة. # وأما التخصيص من جهة المفهوم: فهو أن يدعى أن الذي فهم في تسويغ القاتل ~~سلب المقتول وتخصيصه به دون الجيش: إنما هو لمكان الغناء والجرأة في قتله، ~~PageV01P486 # فهنالك لا يدخل فيه هؤلاء الأصناف الذين ذكر ابن عبد البر؛ لضعفهم؛ وقلة ~~المؤنة في قتلهم، فلا يكون السلب لقاتلهم على هذا الوجه عند من رآه، والله ~~أعلم. # * مسألة: # اعترض من لم ms184 ير السلب يجب للقاتل حكما مشروعا وملكا مختصا، بأن قالوا: لو ~~كان ذلك كذلك للقاتل؛ لكانت الأسلاب في الغنائم -إذا لم يعرف قاتلوا أهلها- ~~موقفة كاللقطة، ولم يكن فيها حق للغانمين في القسم، وهذا لا يلزم؛ لوجهين: # أحدهما: ما ذكره أبو محمد بن حزم (1) ، قال: «إن كل مال لا يعرف صاحبه؛ ~~فهو في مصالح المسلمين، وكل سلب لا (2) تقوم # لقاتله بينة؛ فهو في جملة الغنيمة، بحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-» . # قلت: والوجه الثاني: إن مستحق السلب وإن لم يعرف بعينه، فهو من جملة ~~الجيش بيقين، فلو وقف ذلك، أو صرف في مصالح المسلمين غيرهم، لكان قد صرف حق ~~القاتل إلى غيره بيقين، مع إمكان التوصل إليه، وليس وجه القضاء في ذلك إلا ~~قسمه في سائر الجيش؛ لأنه منحصر فيهم، وغير متميز عنهم، كالشيء يكون في ~~أيدي المتداعين من غير بينة (3) ، ولا يخلوا هذا الوجه من اعتراض عليه، ~~والأول أصح؛ ولأنه -أيضا- إجماع. PageV01P487 # فصل: في حكم الفيء، والخمس، ووجوه مصرفهما # والنظر في هذا الفصل في شيئين: # الأول: في تفصيل أحكام الأموال المستولى عليها من الكفار؛ ما يكون من ذلك ~~فيه الخمس، أو يكون جميعه فيئا، أو يكون بجملته لمن استولى عليه من غير خمس ~~يلزم فيه، بحسب اختلاف أحوال الاستيلاء على ذلك. # والثاني: في وجوه مصارف الفيء والخمس، والاختلاف في ذلك. # * النظر الأول: في تفصيل أحكام الأموال بحسب أحوال الاستيلاء. # وأحوال الاستيلاء على أموال الكفار ثلاثة: إما أن يكون بمغالبة وقهر، ~~وإما بحيلة وتستر، وإما عفوا لم يتقدم في تحصيله بشيء من ذلك. # * فأما ما كان بطريقة المغالبة، فلا خلاف فيه أن له حكم الغنائم في إيجاب ~~الخمس من جملته، وقسم سائره على الذين حاولوه وغلبوا عليه، إلا في أشياء ~~مخصوصة من جملة ذلك، تقدم التنبيه عليها، # وذلك كالنفل والسلب فيمن تبدل (1) ذلك لا يخمس، وكالطعام يحتاج إليه ~~الجيش في دار الحرب، والأرض تقر وقفا على غير قسم -على مذهب من رأى ذلك- ~~ونحو هذا مما مضى الكلام عليه، وذكر الخلاف فيه ms185 مفصلا. # ** وأما ما استولي عليه بحيلة وتستر: كالسرقة من دار الحرب، والتلصص، ~~ونحو ذلك، فلأهل العلم في ذلك قولان (2) : # أحدهما: أن ذلك كله خاص ملك المستولي عليه، وليس من أحكام الغنائم في ~~شيء، ونحو ذلك يروى عن أبي حنيفة -في الواحد أو الجماعة يدخلون دار الحرب ~~بغير إذن الإمام ويغنمون-: أنه لا يخمس ما أصابوا، وهو لهم كله، وقال: ~~PageV01P488 # لا خمس إلا فيما أصابته جماعة. قال أبو يوسف: تسعة فأكثر. # والقول الآخر: فيما سرق، واختلس، ونحوه: أنه معدود في جملة الغنائم، ~~فيكون فيه الخمس، وسائره لمن استولى عليه إن كان وحده، وله ولسائر الجيش، ~~أو السرية إن كان دخوله في جيش أو سرية، كالحكم فيما قوتل عليه. # وفرق قوم بين أن يكون دخوله إلى أرض الحرب برسم السرقة والتلصص، ونحوه من ~~قصد النيل فيه، فهذا الذي يخمس، وما لم يدخل لأجله، ثم عرض له: إن أصاب ~~فيهم شيئا فجميعه له، ولا يخمس. # *** وأما ما كان عفوا لم يتقدم فيه بشيء من العلاج: كالشيء يجلو عنه ~~الكفار، ومال الصلح، والجزية، وتعشير تجار أهل الحرب، والذمة، وما يتركه ~~الكافر إذا مات، ولا وارث له؛ فهذا هو الفيء الذي لا يختص به أحد معين، ~~وإنما يكون جميعه في مصالح المسلمين. # واختلف مع ذلك: هل يكون في الفيء خمس أو لا؟ هذه قاعدة جملية، ونعقب ذلك ~~-إن شاء الله تعالى- بأقوال منقولة في ذلك عن أهل العلم، تقع لهذه الجملة ~~موقع التفسير، ونشير إلى مسائل تختلف في أي قسم من هذه الأقسام الثلاثة ~~تلحق. # فمن ذلك ما روي عن أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه: أن الغنيمة: ما غلب ~~عليه بالسيف. والفيء: ما صولحوا عليه. والجزية: جزية الرؤوس، وخراج الأرضين ~~(1) . # وعن الثوري (2) : «الغنيمة والفيء مختلفان: فالغنيمة ما أخذ قسرا، ففيه ~~PageV01P489 # الخمس، يضعه الإمام حيث أمره الله، والباقي للغانمين، والفيء: ما وقع من ~~صلح بين الإمام والكفار، في أعناقهم، وأرضهم، وزرعهم، وفيما صولحوا عليه ~~مما لم يؤخذ عنوة، فذلك إلى الإمام يضعه حيث أمره الله -تعالى-» ms186 . كأنه ذهب ~~في الفيء إلى أنه مقصور على الأصناف الذين سمى الله -تعالى- في سورة الحشر، ~~كما تقدم من مذهبه في تفسيرالآية. # وقال الشافعي (1) : «أصل قسم ما يقوم به الولاة من جمل المال؛ ثلاثة ~~وجوه: # أحدها: ما جعله الله طهورا لأهل دينه. قال -تعالى-: {خذ من أموالهم صدقة ~~تطهرهم} [التوبة: 103] . # والوجه الثاني: الفيء، وهو مقسوم في كتاب الله -تعالى-، في سورة (2) ~~الحشر. قال الله -عز وجل-: {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه ~~من خيل ولا ركاب} [الحشر: 6] ، فهذان المالان اللذان خولهما الله من جعلهما ~~له من أهل دينه، والغنيمة والفيء يجتمعان في أن فيهما معا الخمس من جميعهما ~~لمن سماه الله -تعالى- في الآيتين سواء، مجتمعين غير مفترقين، ثم يتفرق ~~الحكم في الأربعة الأخماس، بما بين الله -تعالى- على لسان رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - وفعله؛ فإنه قسم أربعة أخماس الغنيمة، والغنيمة: هي # الموجف عليها بالخيل والركاب لمن حضر من غني وفقير. والفيء: وهو ما لم ~~يوجف عليه بخيل ولا ركاب. # فكانت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قرى عربية (3) ، التي ~~أفاءها الله -تعالى- عليه: أن أربعة أخماسها لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، خاصة دون المسلمين، يضعه رسول الله PageV01P490 # - صلى الله عليه وسلم - حيث أراه الله» . # قال (1) : «والجزية من الفيء، وسبيلها سبيل ما أخذ من مال مشرك أن يخمس، ~~وكذلك كل ما أخذ من مشرك بغير إيجاف، مثل ما أخذ منه إذا اختلف في بلاد ~~المسلمين، ومثل ما أخذ منه إذا مات ولا وارث له، وغير ذلك مما أخذ من ماله» ~~(2) ، حكى جميع ذلك عنه أبو بكر بن المنذر (3) . # قلت: فالشافعي أوجب أن يخرج من الفيء الخمس، كما يكون ذلك في الغنيمة، ~~ويكون مصرفه ومصرف خمس الغنيمة واحدا، يجتمعان في ذلك، ويفترقان في مصرف ~~أربعة الأخماس، وإنما استند الشافعي في ذلك إلى أن آية مصرف الخمس توافقها ~~بظاهرها (4) آية الفيء؛ قال الله -تعالى-: {ما أفاء الله على رسوله من أهل ~~القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن ms187 السبيل} [الحشر: ~~7] ، كما قال -تعالى- في مصرف الخمس في هؤلاء الأصناف بأعيانهم، فكأن ~~الشافعي رأى في الفيء خمسا هو الذي يصرف في هؤلاء، وأما سائره فالسنة قررت ~~في مصرفه غير ذلك. # فقد تحصل في حكم الفيء ثلاثة مذاهب: # قول الشافعي هذا في إيجاب الخمس فيه، وصرف سائره في مصالح المسلمين عامة. # وظاهر قول الثوري: أن جميع الفيء مصروف في هؤلاء الأصناف خاصة. # وقول سائر أهل العلم -وهو المشهور المعلوم-: أن لا خمس في الفيء، ~~PageV01P491 # وأن جميعه في مصالح المسلمين كافة. # وقد خولف الشافعي في إثبات الخمس (1) في الفيء؛ قال ابن المنذر (2) : ~~«ووافق بعض أصحابنا الشافعي في عامة ما حكيناه عنه، وخالفه في إيجاب الخمس ~~من الفيء، قال: ولعمري! لا يحفظ عن أحد قبل الشافعي أنه أوجب في الفيء ~~خمسا، كخمس الغنيمة» . # قلت: وأما المحفوظ على مذهب مالك وأصحابه في هذا الباب، فتحصيله يرجع إلى ~~ثلاثة أقسام: # فالأول: ما لم يوجف عليه، وذلك نحو ما كان من الجزية على الرؤوس، وخراج ~~الأرضين، ومال الصلح، وعشور أهل الذمة وأهل الحرب إذا اختلفوا في تجارة، ~~وما جلا عنه أهل الحرب خوفا من المسلمين قبل خروج جيش إليهم، فذلك كله حكمه ~~عندهم حكم الفيء، لا خمس فيه، ولا حق معينا لأحد. # واختلفوا إن جلا الكفار عن شيء بعد نزول الجيش عليهم، فقال بعضهم: هو ~~كالأول على حكم الفيء؛ لأنه أخذ بغير قتال، وقال بعضهم: بل هو للجيش على ~~حكم الغنائم؛ لأنهم أوجفوا عليه. # والإيجاف: قيل: هو المعروف في اللغة: وجف الفرس والناقة وجيفا، وأوجفهما ~~راكبهما إيجافا، وهو سرعة السير والاجتهاد فيه (3) ، فيكون معنى قوله ~~-تعالى-: {فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} [الحشر: 6] ، أي: ما قصدتم ~~نحوه، وحثثتم إليه الخيل والركاب، وهي الإبل -يعني: عند الغزو-، فإذا لم ~~يغزوا فلم يوجفوا عليها. وقال قتادة في قوله -تعالى-: {فما أوجفتم عليه من ~~خيل ولا ركاب} [الحشر: 6] : «ما قطعتم إليها ودايا، ولا سيرتم إليها دابة ~~ولا PageV01P492 # بعيرا، إنما كانت حوائط لبني النضير، أطعمها الله رسوله - صلى الله ms188 عليه ~~وسلم -» (1) . # والثاني عندهم: ما أوجف عليه، وتلك هي الغنائم، وحكمها: أن تخمس، ثم تقسم ~~على الغانمين. والسرقة والتلصص عندهم إذا هو خرج برسم ذلك، فما أوجف عليه، ~~فحكمه -أيضا- عندهم حكم الغنائم؛ يخرج خمسها، ويقسم سائر ذلك لمن أخذه. # واختلفوا في العبد، والمرأة، والصبي؛ يسرقون، أو يتلصصون، أو ينفردون ~~بمغالبة بعض الحربيين وأخذ غنيمتهم: هل يخمس ما أصابوا من ذلك، أو يكون لهم ~~ذلك كله من غير تخميس؟ وقد ذكرناه فيما تقدم (2) . # والركاز عندهم في إيجاب الخمس فيه إذا كان عينا، لاحق بأحكام الغنائم، ~~ويكون سائره لأهل الجيش إن كانوا، أو لمن وجده، إن لم يكن هنالك جيش. # واختلفوا في الركاز إذا كان متاعا أو جوهرا: هل يخمس أو لا (3) ؟ # والثالث عندهم: ما تناول أخذه رجل أو قوم بأعيانهم من دار الحرب، من غير ~~إيجاف يكون لأجله، مثل الرجل يدخل تاجرا، أو يكون عندهم أسيرا فيهرب ~~بالمال، أو العبد يأبق إليهم، ثم يهرب من عندهم بمال أو عبيد وقد استألفهم، ~~أو يهرب عبد لهم بمال، فذلك كله لمن أخذه، ولا خمس في شيء من ذلك عندهم، ~~سواء كان متاعا أو عينا (4) . # فأقول: قولهم ذلك في الرجل يدخل تاجرا، ثم يهرب بالمال فيه نظر، من حيث ~~إنه لا يجوز له عندهم، ولا في النظر الصحيح -حسبما قدمنا من الأدلة على ~~ذلك- أن يخونهم في شيء (5) ؛ لأنه على حكم الأمان، فكان الواجب في مثل ذلك ~~PageV01P493 # إن فعله أن يرد على أهل الحرب ما أتى به من ذلك كله، وإنما يجيز له هذا # أبو حنيفة، كما تقدم من ذكر مذهبه، ووجه الرد عليه. # قالوا: فإن كان الأسير قد خرج إلى بلاد الحرب في الجهاد أو تلصصا عليهم، ~~وما أشبه ذلك من طلب النيل فيهم فأسر هناك، # ثم هرب بشيء، فإنه يخمس؛ لأنه قد أوجف في أول دخوله، قاله محمد بن المواز ~~(1) ، فالخروج برسم الجهاد، أو التلصص، والسرقة، وقصد النيل منهم، يعد ~~إيجافا عندهم، فيكون فيه خمس ما أصيب منهم، ولا يكون كذلك إذا لم ms189 يقصد من ~~أول الأمر إليه. # وفي كتاب ابن المواز عن مالك: «إن طرح العدو شيئا خوفا من الغرق، أو ~~انكسرت مراكبهم، فوجد إنسان متاعا أو ثيابا، ولا أحد معه من الحربيين، ولا ~~هو بقرب قراهم؛ كان لمن أخذه، ولا خمس فيه. كأنه يريد: لأنه لقطة، لم يوجف ~~عليه» . # قال: «إلا أن يكون ذهبا أو فضة فيخمس، كأنه شبهه بالركاز» . قال: «وإن ~~كانت الأمتعة ألقيت -أو: العين- بقرب قراهم ففيه الخمس، إلا أن يكون يسيرا» ~~. هذا لا أعلم لتفريقه فيه وجها؛ إلا الاستحسان. # قال: «وإن كان معه الحربيون، كان سبيله سبيل الحربيين، أمر ذلك كله إلى ~~الوالي» (2) . # قال ابن عبد البر (3) في قول مالك: «من وجد من العدو على ساحل البحر بأرض ~~المسلمين: أرى ذلك إلى الإمام، ولا أرى لمن أخذهم فيهم خمسا» ؛ قال (4) : ~~«لأنه لم يوجف عليهم بخيل ولا ركاب» . # قال: «وقد قيل: إنهم لمن أخذهم، وقدر عليهم، وصاروا بيده، وفيهم ~~PageV01P494 # الخمس، قياسا على الركاز؛ لأنه يخمس بالسنة، أجري مجرى الغنيمة، وإن لم ~~يوجف عليه» . قال: «وإن لم يصيروا بيد أحد حتى ارتفع أمرهم إلى الإمام، فلا ~~خمس فيهم بإجماع، وهم في بيت مال المسلمين مع سائر الفيء» . # قول ابن عبد البر: «لا خمس فيهم بإجماع» : لعله أراد اتفاق أقوال ~~المالكية، وإلا: فالشافعي -كما تقدم من مذهبه- يوجب الخمس في الفيء كله. # * النظر الثاني: في وجوه مصارف الفيء والخمس. # وللعلماء في مصرف الفيء والخمس، وهل هما في ذلك واحد، أو أمرهما مفترق؟ ~~اختلاف. # قال مالك (1) : «الفيء والخمس سواء، يجعلان في بيت المال، # ويعطي الإمام أقارب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحسب اجتهاده» ، ~~ولا يعطون من # الزكاة؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تحل الصدقة لآل ~~محمد» (2) ، وهم # بنو PageV01P495 # هاشم (1) . PageV01P496 # قال (1) : «وفي الخمس والفيء، هو حلال للأغنياء، ويوقف منه في بيت المال، ~~بخلاف الزكاة» . # قال ابن المواز: «وقد قال الله -تعالى- في قسمة الفيء: {ما أفاء الله على ~~رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل} [الحشر: ms190 7] ، وقال في آية الخمس: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن ~~لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الأنفال: ~~41] ، فالآيتان متفقتان» . # وقال عبد الملك بن حبيب: «المال الذي آسى الله فيه بين الأغنياء ~~والفقراء: مال الفيء، وما ضارع الفيء من ذلك أخماس الغنائم، # وجزية أهل العنوة وأهل الصلح، وخراج الأرض، وما صولح عليه أهل الشرك في ~~الهدنة، وما أخذ من تجار أهل الحرب إذا خرجوا لتجاراتهم إلى دار الإسلام، ~~وما أخذ من أهل ذمتنا إذا تجروا من بلد، وخمس الركاز حيثما وجد، ويبدأ ~~عندهم -في تفريق ذلك- بالفقراء والمساكين واليتامى وابن السبيل، ثم يساوي ~~بين الناس فيما بقي: شريفهم ووضيعهم، ومنه يرزق والي المسلمين وقاضيهم، ~~ويعطى غارمهم، وتسد ثغورهم، وتبنى مساجدهم وقناطرهم، ويفك أسيرهم، وما كان ~~من كافة المصالح التي لا توضع فيها الصدقات، فهذا أعم في المصرف من ~~الصدقات؛ لأنه يجري في الأغنياء والفقراء، وفيما يكون منه مصرف الصدقة، وما ~~لا يكون. هذا قول مالك وأصحابه، ومن ذهب مذهبهم: أن الخمس والفيء مصرفهما ~~واحد» (2) . # واحتج بعضهم على ذلك بما اتفقت عليه آية الفيء وآية الخمس، وأن أمرهما في ~~ذلك واحد، وفي هذا الاستدلال نظر؛ لأنه كان يلزم عليه بهذا المسلك أن يقتصر ~~PageV01P497 # بالفيء والخمس على الأصناف المذكورين في الآيتين المذكورتين، ولا يكون في ~~ذلك حق لمن سواهم، وهم لا يرون ذلك، بل يجيزون أن يعطى غير الأصناف، ويترك ~~الأصناف في الآيتين، أو يترك بعضهم بحسب المصلحة عندهم، فقد ادعوا ~~مساواتهما في الحكم بظاهر الآيتين، ثم نكفوا بهما كليهما عن ذلك الحكم ~~والمصرف المعين إلى مصرف غيره، يدعون المساواة فيه استدلالا بما تركوه، إلا ~~أنهم زعموا أن محمل تعيين الأصناف بالذكر في ذلك إنما هو على التأكيد في ~~أمرهم، لا أنه مقصور عليهم حتى لا يجري ذلك إلا فيهم، وربما كان من قول من ~~احتج لذلك: أن ذكر قول الله -تعالى-: {يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من ~~خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل} [البقرة: 215] ، ~~فكان للمنفق بإجماع أن ms191 يضع نفقته في غير هؤلاء الأصناف إن رأى ذلك. # وذهب الشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهما، والأوزاعي، وأبو ثور، وإسحاق، ~~وداود، والنسائي، وعامة أهل الحديث والفقه، إلى التفريق # بين مصرف الفيء والخمس، فقالوا: الخمس موضوع فيما عينه الله -تعالى- فيه ~~من الأصناف المسمين في آية الخمس من سورة الأنفال، لا يتعدى به إلى غيرهم ~~(1) ، ولهم مع ذلك في توجيه قسمه عليهم بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - خلاف نذكره في قسم الخمس بعد هذا -إن شاء الله تعالى-. # وأما الفيء: فهو الذي يرجع النظر في مصرفه إلى الإمام بحسب المصلحة ~~والاجتهاد، والدليل على ذلك: أن آية الخمس في الأنفال عينت مصرف الخمس في ~~الأصناف، وآية الفيء في الحشر هي عامة في وجوه المصالح. قال الله # -تعالى-: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول} إلى قوله: ~~{للفقراء المهاجرين} ثم إلى قوله: {والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم} ~~ثم إلى قوله: {والذين جاءوا من بعدهم} [الحشر: 7-10] ، كل ذلك عند ~~PageV01P498 # بعض أهل العلم معطوف بعضه على بعض في مصرف الفيء. # وأيضا، فالذي يرفع الإشكال هو ما بينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في قسم الفيء من التعميم. # وأيضا، فلا خلاف بينهم في الفيء: أنه يتعدى هؤلاء الأصناف إلى غيرهم، ~~وإنما الخلاف في الخمس. # والأرجح: ما ذهب إليه الجمهور (1) من قصر الخمس فيما سماه الله -تعالى-، ~~فإنه لا دليل مرضي على دعوى غير ذلك، وقد ذكرنا مذهب الشافعي الذي انفرد به ~~في تخميس الفيء، وأن مصرف خمس الفيء وخمس الغنيمة واحد؛ إنما يفترق ذلك ~~عنده في أربعة أخماس الفيء. قال أبو بكر بن المنذر (2) : «يعطى من مال ~~الفيء أعطية المقاتلين، وأرزاق الذرية، وما يجري على الولاة، والحكام، ~~وعلماء المسلمين، وقرائهم، وما ينفق في النوائب التي تنوب المسلمين، كإصلاح ~~الطرق، والجسور، والحصون، والقناطر، وغير ذلك» . # فصل # خرج مسلم (3) عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من ~~ترك مالا فللورثة، ومن ترك كلا فإلينا» . وفيه (4) في رواية: «أنا ms192 أولى ~~الناس بالمؤمنين في كتاب الله، فأيكم ما ترك دينا أو ضيعة فأنا وليه، وأيكم ~~ما ترك مالا فليؤثر بماله عصبته من كان» . # وخرج أبو داود (5) ؛ عن عوف بن مالك، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كان إذا أتاه PageV01P499 # الفيء قسمه في يومه، فأعطى الآهل حظين، وأعطى الأعزب حظا. # وروى أبو عبيد في كتاب «الأموال» (1) ، وذكره ابن المنذر -أيضا- # ، عن عمر ابن الخطاب، في قسمة الفيء أنه قال: «إني باد بأزواج النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، ثم المهاجرين الأولين، ثم بالأنصار: الذين تبوؤا ~~الدار والإيمان من قبلهم. ثم قال: فمن أسرع إلى الهجرة أسرع به العطاء، ومن ~~أبطأ عن الهجرة أبطأ عنه العطاء، فلا يلومن PageV01P500 # رجل إلا مناخ راحلته» . # ورويا (1) عنه -أيضا-؛ أنه أول من دون الدواوين في فرض الأعطية؛ فرض لأهل ~~بدر من المهاجرين والأنصار ستة آلاف ستة آلاف، وفرض لنساء النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، ففضلهن على الناس أجمعين، وفضل عليهن عائشة؛ فرض لها اثني عشر ~~ألفا، ولسائرهن عشرة آلاف، غير جويرية وصفية، فرض لهما ستة آلاف ستة آلاف ~~(2) ، وللمهاجرات الأول ألفا ألفا. # قوله: «ففضلهن على الناس أجمعين» من غير كتابي أبي عبيد وابن المنذر. # ورويا (3) عنه-أيضا-؛ أنه لما دون الدواوين قال: بمن ترون أن أبدأ؟ فقيل ~~PageV01P501 # له: ابدأ بالأقرب فالأقرب بك، قال: بل أبدأ بالأقرب فالأقرب برسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. # قال ابن المنذر (1) : «وبهذا قال الشافعي» . وقال الشافعي (2) : «ينبغي ~~للإمام أن يحصي جميع من في البلدان من المقاتلة: وهم من قد احتلم واستكمل ~~(3) خمس عشرة سنة من الرجال، ويحصي الذرية: وهم من دون المحتلم، ودون ~~البالغ خمس عشرة، والنساء: صغيرتهن وكبيرتهن، ويعرف قدر نفقاتهم، وما ~~يحتاجون إليه في مؤناتهم بقدر معاش مثلهم في بلدانهم، ثم يعطي المقاتلة في ~~كل عام عطاءهم، والذرية والنساء ما يكفيهم لسنتهم في كسوتهم ونفقاتهم طعاما ~~أو قيمته دراهم أو دنانير، ويعطي المنفوس شيئا، ثم يزاد كلما كبر على قدر ~~مؤنته، وهذا مستو أنهم يعطون الكفاية، ويختلف في مبلغ العطاء باختلاف ms193 أسعار ~~البلدان وحال الناس فيها، فإن المؤنة في بعض البلدان أثقل منها في بعض» . # قال (4) : «وإن فضل من المال فضل بعدما وصفت من إعطاء العطاء، وضعه ~~الإمام في إصلاح الحصون، والازدياد في الكراع (5) ، وكل ما قوى به ~~المسلمين، PageV01P502 # فإن استغنى المسلمون، وكملت كل مصلحة لهم، فرق ما يبقى منه بينهم كله، ~~على قدر ما يستحقون في ذلك المال، وإن ضاق الفيء عن مبلغ العطاء فرقه ~~بينهم، بالغا ما بلغ، لم يحبس عنهم منه شيئا، ويعطى من الفيء رزق الحكام، ~~وولاة الأحداث، والصلات بأهل الفيء، وكل من قام بأمر الفيء من وال، وكاتب، ~~وجندي، ممن لا غنى لأهل الفيء عنه رزق مثله» . # ذكره كله عن الشافعي: ابن المنذر. # واختلف اجتهاد الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم-: أبي بكر، وعمر، وعثمان، ~~وعلي، في قسم الفيء: فيما يرجع إلى التسوية في العطاء أو التفضيل؛ فأما أبو ~~بكر فسوى في ذلك بين الشريف والمشروف، ومن كانت له سابقة، أو لم تكن، ورأى ~~أن ثوابهم على الله، وأن الدنيا بلاغ، وعلى ذلك جرى علي -رضي الله تعالى ~~عنه- من التسوية في العطاء (1) . PageV01P503 # وأما عمر؛ ففضل أهل السابقة والغناء عن الإسلام (1) ، وأوجب لهم بذلك ~~رتبة، وعلى ذلك جرى عثمان في التفضيل بعده. # الاختلاف في قسم الأخماس # تقدم من قول مالك، ومن ذهب مذهبه: أن الأمر في مصرف الخمس راجع إلى نظر ~~الإمام واجتهاده (2) ، وأن تعيين الأصناف المبين # في آية الخمس PageV01P504 # بالذكر إنما هو لتأكد أمرهم في الجملة، والكلام ها هنا هو على القول الذي ~~ذهب إليه الجمهور من قصر الخمس على من سماهم الله -تعالى- في الآية حسبما ~~دل عليه القرآن. # ولأهل العلم في قسم الخمس على مقتضى الآية أربعة أقوال: # قول: إنه يقسم على ستة أسهم: لله -تعالى- سهم، ولرسوله - صلى الله عليه ~~وسلم - سهم، ولذي القربى سهم، ولليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل ~~سهم. ويكون السهم الذي سمي لله -تعالى- قبل مردودا على عباد الله: أهل ~~الحاجة منهم. وقيل: يصرف في عمارة الكعبة، حكي ذلك عن طاوس، وغيره (1) ، ~~قاله ms194 القاضي PageV01P505 # عبد الوهاب في # «المعونة» (1) . فقسم هؤلاء على ظاهر ما عدد في الآية، وجعلوا لذكر (2) ~~الله -تعالى- في ذلك حظا في القسم. # وقول ثان: إنه يقسم على خمسة أسهم: لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~خمس، ثم لسائر الأصناف خمس خمس، وهو مذهب الشافعي، والثوري، وأحمد بن شعيب ~~النسائي، وأهل الظاهر، وغيرهم (3) . وحملوا قوله -تعالى-: # {فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] ، PageV01P506 # على استفتاح الكلام بذكر الله -عز وجل- تفخيما وتشريعا؛ لأن الدنيا ~~والآخرة، وكل شيء كان أو يكون فهو لله -تعالى-؛ قال ذلك غير واحد (1) ، وهو ~~مروي عن الحسن بن محمد بن الحنفية (2) ، وكذلك قال عطاء، والشعبي: خمس ~~الله، وخمس رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ واحد (3) . # قال النسائي (4) : «قوله -جل ثناؤه-: {لله} ؛ ابتداء كلام، لأن الأشياء ~~كلها PageV01P507 # لله، ولعله إنما استفتح الكلام في الفيء والخمس بذكر نفسه -تعالى-؛ ~~لأنهما أشرف الكسب، ولم ينسب الصدقة إلى نفسه؛ لأنها أوساخ الناس» . # وقول ثالث: إنه يقسم بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على أربعة ~~أسهم: لذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وممن قاله: الطبري ~~(1) ، وقال: يرد سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على من سمي معه في الآية ~~قياسا على ما أجمعوا عليه فيمن عدم من أهل سهمان # الصدقات. # قال غيره: كما أن صنفا من سائر الأصناف الذين معه في الخمس إذا فقدوا رد ~~سهمه على الآخرين، فكذلك في سهمه - صلى الله عليه وسلم -. # وقول رابع: إنه يقسم على ثلاثة أسهم: لليتامى، والمساكين، وابن السبيل، ~~وأسقط هؤلاء سهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وسهم ذي القربى؛ بموت النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، وإليه ذهب أبو حنيفة، وأصحابه (2) ، وخالفه أكثر ~~الفقهاء في سقوط سهم ذي القربى، ولا يكاد PageV01P508 # يوجد لهذا القول مستند يرضى. # والأرجح ما ذهب إليه الشافعي، ومن سلك مسلكه في القسم على خمسة أسهم، ~~والله أعلم. # ثم يعود النظر بعد هذا في سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته، ~~وكذلك في سهم ذي القربى بعده، فنرسم في ذلك فصلين -إن شاء الله تعالى-. # القول ms195 في سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - # اتفق أهل العلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مما خصه الله ~~-تعالى- به: خمس الخمس من المغنم، وكذلك الصفي، كان له -أيضا- زيادة مع ذلك ~~من جملة المغنم. # فأما خمس الخمس: ففي كتاب الله -تعالى- (1) ، وأما الصفي: ففيه آثار ~~صحيحة، منها: # ما خرجه أبو داود (2) ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: ~~PageV01P509 # «كانت صفية من الصفي» . # وقال أهل العلم: «الصفي» : هو كل شيء يصطفيه من رأسة الغنيمة: فرس، أو ~~جارية، أو عبد، أو سيف، أو ما شاء، على حسب حال الغنيمة. # فأما الصفي فاتفق العلماء على أنه ليس لأحد بعد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وشذ أبو ثور فقال: هو باق، يجري مجرى سهم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من الخمس (1) . # وأما سهمه - صلى الله عليه وسلم - من الخمس، فاختلف في حكمه بعده اختلافا ~~كثيرا، يتحصل إلى أربعة أقوال: # قول: إنه يرد على أهل الجيش الغانمين، فيقسم عليهم أربعة أخماس الغنيمة، ~~وخمس الخمس، وتكون أربعة أخماس الخمس للأربعة الأصناف الباقية من أهل ~~الخمس، كما كان لهم في الأصل (2) . # وقول ثان: إنه يرد على من سمي في الخمس، فيقسم جميع الخمس على أربعة ~~أسهم، قاله الطبري، وقد مضى توجيه هذا القول، وعليه يجيء قول أبي ~~PageV01P510 # حنيفة في رده على الأصناف الباقين في الخمس، إلا أنه زاد مع ذلك سهم ذي ~~القربى، فرده كذلك على من بقي، ورأى أنه انقطع بموت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فقسم على ثلاثة كما تقدم من مذهبه (1) . # وقول ثالث: إن الإمام يضعه في مصالح الإسلام وأهله، من سد الثغور، وإعداد ~~الكراع والسلاح، ويعطي منه من فيه للمسلمين منفعة، وينفل منه في الحرب وغير ~~الحرب، على ما يرى من المصلحة، وهو قول الشافعي، وإليه ذهب أحمد بن حنبل ~~(2) ، PageV01P511 # ونحوه عن # قتادة (1) . # وقول رابع: إن ذلك للخليفة بعده، يقوم في ذلك مقامه، ويصرفه فيما كان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يصرفه فيه (2) ؛ وربما يستند من ذهب # هذا المذهب إلى حديث ms196 مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. # خرج أبو داود (3) ، عن أبي الطفيل، قال: جاءت فاطمة إلى أبي بكر # تطلب PageV01P512 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P513 # ميراثها من النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: فقال أبو بكر: سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الله -عز وجل- إذا أطعم نبيا طعمة، ~~فهي للذي يقوم بعده» . قال ابن عبد البر (1) : «إنه ضعيف، لا حجة فيه» . # الاختلاف في سهم ذي القربى # وكذلك اختلف العلماء في سهم ذي القربى بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~اختلافا كثيرا، يتحصل إلى أربعة أقوال: # قول: إنه باق لقرابة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعده، وهو قول مالك، ~~والشافعي، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وأبي ثور، وأهل الظاهر، وغيرهم، وهو ~~الصحيح (2) ؛ لأن PageV01P514 # القرآن يقتضي الإسهام لهم مطلقا، فهو يجب لهم بذلك # في حياته، وبعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -. # قال ابن عبد البر (1) : الحجة لهم: حديث ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن ~~جبير بن مطعم، قال: قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهم ذي القربى ~~لبني هاشم، وبني المطلب من الخمس، وقال: «إنما بنو هاشم، وبنو المطلب؛ شيء ~~واحد» (2) . قال ابن عبد البر: «ليس في هذا الباب حديث مسند غيره» . # ثم اختلف هؤلاء في تعيين القرابة: # فذهب الشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وأهل الظاهر، وغيرهم، إلى أنهم بنو هاشم ~~بن عبد مناف، وبنو المطلب بن عبد مناف (3) ، # ودليلهم الحديث المتقدم، PageV01P515 # خرجه البخاري بالسند المذكور إلى جبير بن مطعم، قال: مشيت أنا وعثمان بن ~~عفان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلنا: يا رسول الله: أعطيت بني ~~المطلب، وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة؟! فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إنما بنو المطلب، وبنو هاشم؛ شيء واحد» . وفيه عن جبير: ولم ~~يقسم النبي - صلى الله عليه وسلم - لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل. # قال ابن إسحاق: عبد شمس، وهاشم، والمطلب؛ إخوة لأم، وأمهم عاتكة بنت مرة، ~~وكان نوفل أخاهم لأبيهم، كذلك ذكره البخاري (1) . # وقال سائر الفقهاء: مالك، والثوري، والأوزاعي: هو خاص ببني ms197 هاشم (2) ، ~~PageV01P516 # وروي ذلك عن ابن عباس، ومحمد ابن الحنفية: قال ابن عباس: وقد # خالفنا في ذلك قومنا -يعني: قريشا- (1) ، وإلى ذلك ذهب عمر بن عبد العزيز ~~(2) : أنهم بنو هاشم خاصة. # وقد قيل: إن قريشا كلها قربى، روي ذلك عن أصبغ بن الفرج (3) . ~~PageV01P517 # وقول ثان: سهم ذي القربى، هو بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - لقرابة ~~الإمام، روي ذلك عن الحسن البصري، وقتادة (1) ، ولا مستند لهذا القول إلا ~~ما # لعله أن يتوهم في قوله -تعالى-: {ولذي القربى} [الأنفال: 41] ، أن ذلك ~~يجري في كل من له الأمر على المسلمين، لا يختص بقرابة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، وذلك بعيد. # وذكر ابن عبد البر (2) في هذا الموضع الحديث المتقدم: أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «إذا أطعم الله نبيا طعمة، فهي للذي يقوم من بعده» ~~(3) . قال: «إنهم استدلوا به على ذلك» ، وضعف الحديث، وهو مع ذلك لو لم يكن ~~كذلك، فليس فيه من معنى ما ذهبوا إليه من القرابة شيء. بلى! إنما كان يدل ~~إذا كان صحيحا على مذهب من رأى سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - للإمام ~~بعده، وأما (4) في هذا؛ فبعيد. # وقول ثالث: إن سهم ذي القربى، وسهم النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ كلاهما ~~يجعل في الخيل، والسلاح، والعدة في سبيل الله، ذهبت إلى ذلك طائفة، وزعموا ~~أنه كذلك كان الأمر فيهما في خلافة أبي بكر، وعمر، لما اختلفوا فيهما بعد ~~موت النبي - صلى الله عليه وسلم -، اجتمع رأيهم على ذلك (5) . # وقول رابع -وهو ما قد ذكر من مذهب أبي حنيفة-: أن يرد سهم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، PageV01P518 # وسهم ذي القربى على الأصناف الثلاثة الباقين، فيقسم الخمس على ثلاثة، وهو ~~بعيد لا دليل عليه (1) . PageV01P519 # * مسألة: # اختلف المثبتون لسهم ذي القربى في قسمه فيهم على الذكر والأنثى؛ فقال ~~الشافعي (1) : يعطى الرجل سهمين، والمرأة سهما، # وخالفه في التفضيل بين الذكر والأنثى أصحابه: أبو ثور، والمزني، وغيرهما ~~(2) ، فقالوا: الذكر والأنثى في ذلك PageV01P520 # سواء؛ لأنهم أعطوا باسم # القرابة، فهو يدخل في ذلك الأب ms198 مع ابنه والجد، فليس ذلك من باب المواريث ~~في شيء. # وكذلك اختلفوا في إعطاء الغني منهم، فكان الشافعي يقول: لا يفضل مقتر على ~~غني؛ لأنهم أعطوا باسم القرابة، وبه قال أبو ثور، وغيره (1) . وروي عن ~~PageV01P521 # مكحول أنه قال: الخمس بمنزلة الفيء، يعطى منه الفقير والغني (1) . وقال ~~بعض أصحاب الشافعي (2) : لا # حظ فيه لغني. PageV01P522 # وقول الشافعي هنا أظهر، فإن الله -تعالى- لم يخص بذلك فقيرا من غني، إنما ~~خص القرابة، وقول من خالف الشافعي في التفضيل بين الذكر والأنثى أظهر؛ لأنه ~~لم يأت فيه نص، وليس ميراثا، والله أعلم. # ***** PageV01P523 ### | الباب التاسع # في الجزية، وشرط قبولها، وممن يحق أن تقبل من أصناف الكفر، ومقاديرها، ~~وما لأهلها وعليهم # قال الله -عز وجل-: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] ، وقال -تعالى: {فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} [التوبة: 5] . # فأمر الله -تعالى- بقتال المشركين وقتلهم بكل سبيل، وحصرهم والتضييق ~~عليهم، ولم يجعل لذلك غاية إلا أن يسلموا، وجعل في أهل الكتاب حدا آخر إن ~~كانوا لم يسلموا: وهو إعطاء الجزية. # وفي كتاب مسلم (1) عن بريدة قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا أمر أميرا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من ~~المسليمن خيرا، ثم قال: «اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر ~~بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولاتغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقلتوا وليدا، وإذا ~~لقيت عدوك من المشركين فادعهم، إلى ثلاث خصال -أو: خلال-، فأيتهن ما أجابوك ~~فاقبل منهم، وكف عنهم ... » الحديث. فذكر فيه: الإسلام، ثم الهجرة، ثم قال: ~~«فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم ~~أبوا، # فاستعن بالله وقاتهلم ... » PageV01P527 # إلى آخر الحديث، وقد تقدم بكماله في باب: (الدعوة قبل القتال) . # فثبت أن الواجب على ذلك ms199 في قتال الكفار أن من بذل منهم الجزية -إما عموما ~~في أصناف الكفر، أو خصوصا في أهل الكتاب، على الخلاف بين أهل العلم الذي ~~نذكره إن شاء الله تعالى- فإنه يحرم بذلك قتالهم، ويجب الكف عنهم والقبول ~~منهم؛ بما ثبت من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ولأنها إحدى ~~الغايتين اللتين ورد في القرآن الانتهاء إليهما (1) . # والنظر في هذا الباب يتعلق بأربعة أشياء: # الأول: من تقبل منهم الجزية؟ وهل ذلك عام في أصناف الكفر من أهل الكتاب ~~وعبدة الأوثان، ومن لا يدين بشيء أصلا، أو هو خاص بأهل الكتاب؟. # الثاني: في المقدار المأخوذ منهم في ذلك، وعلى من يفرض فيهم. # الثالث: في حكم من أسلم منهم بعد الجزية أو مات. # الرابع: في شروط الجزية، وحقوقها الواجبة لهم وعليهم. # فصل: في معرفة من تقبل منهم الجزية من أصناف الكفار # اختلف العلماء فيمن تقبل الجزية منهم على ثلاثة أقوال: # قول: إنها تقبل من جميع الكفار، سواء في ذلك أهل الكتاب وغيرهم من عبدة ~~الأوثان، وكل جاحد مكذب بالربوبية، لا يدين بشيء أصلا، وسواء في ذلك العرب ~~والعجم، وكل من دان بغير الإسلام من كافة الأمم، وإليه ذهب مالك وجمهور ~~أصحابه، والأوزاعي وغيرهم (2) . PageV01P528 # قال ابن الجهم (1) : إلا ما أجمع عليه من كفار قريش، فلا يجوز أن يجري ~~عليهم ذل ولا صغار، وهو إما الإسلام أو السيف، ولا يرخص لهم في المقام على ~~كفرهم بأداء الجزية. # وقال غيره في توجيه ذلك: إن قريشا أسلمت كلها يوم الفتح، فإذا وجد كافر ~~منهم كان مرتدا، والمرتد لا تؤخذ منه الجزية؛ لأنه لا يقر على كفره. # وقول ثان: إن الجزية لا تقبل إلا من اليهود والنصارى، عربا كانوا أو ~~عجما، والمجوس كذلك -أيضا- فقط، وإليه ذهب الشافعي، وأبو ثور، وأحمد، ~~وداود، وجماعة من أهل العلم سواهم (2) ، وبنحوه يقول # عبد الله بن وهب من أصحاب PageV01P529 # مالك (1) ، وروي مثله عن ابن حبيب. # وقول ثالث: إن الجزية تقبل من كل كافر من العجم، ولا تقبل من # العرب، إلا من كتابي، وهو ms200 قول أبي حنيفة وأصحابه (2) ، وحكي ذلك عن أبي ~~PageV01P530 # عبيد (1) ، ومثله عن بعض أصحاب مذهب مالك (2) . # فأما حجة من قصر ذلك على اليهود والنصارى والمجوس: فالكتاب والسنة. # أما الكتاب: فإنه لم يؤذن في آية الجزية إلا في أهل الكتاب فقط، وهم ~~اليهود والنصارى باتفاق. والمجوس، قيل: إنهم أهل كتاب (3) ، PageV01P531 # وقيل: ليسوا أهل كتاب (1) ، وكلا المذهبين ينتزع الدلالة على ما صار إليه ~~من حديث عبد الرحمن بن عوف في المجوس، قال: أشهد لسمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» ، خرجه مالك في «الموطأ» ~~(2) . PageV01P532 # فقال الذين نفوا: لو كانوا أهل كتاب لصرح بكتابهم، ولم يقل: سنوا بهم سنة ~~أهل الكتاب. # وقال الذين أثبتوا: بل أمره - صلى الله عليه وسلم - في المجوس خاصة دون ~~سائر أهل الكفر أن يحملوا على سنة أهل الكتاب دليل ظاهر أنهم أهل كتاب، ~~ولما لم يكن أمرهم في ذلك مستفيضا كاستفاضة أمر اليهود والنصارى أنهم أهل ~~كتاب، عرفه بالإضافة إليهم. # وبالجملة، فعلى كلا القولين لم يختلف فيهم أحد من أهل العلم: أنهم ممن ~~تقبل منهم الجزية (1) كاليهود والنصارى، إما بالسنة إن لم يكونوا أهل كتاب، ~~أو PageV01P533 # بالقرآن والسنة إن كانوا أهل كتاب، ووردت في ذلك آثار: أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أخذ الجزية من مجوس هجر (1) ، ومن مجوس البحرين (2) ، ~~وفعله الخلفاء الأربعة بعده (3) . PageV01P534 # وخرج الترمذي (1) ، عن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أخذ الجزية من مجوس هجر. قال فيه: حسن صحيح. # وفي «الموطأ» (2) عن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أخذ الجزية من مجوس البحرين. # وإنما اختلف أهل العلم في أكل ذبائح المجوس وتزوج بناتهم؛ فمن قال: إنهم ~~ليسوا أهل كتاب، وإنما قبلت الجزية منهم بالإذن المعين في ذلك، على أن غير ~~الجزية باق على التحريم، لم يتناوله الإذن بحال، فمنع من مناكحهم وأكل ~~ذبائحهم. # ومن قال: إنهم أهل كتاب حقيقة، لزمه -لا محالة- القول بجواز ذلك، وبه قال ~~أهل الظاهر ms201 (3) ، وروي نحوه عن سعيد بن المسيب، # أنه لم ير بذبائح المجوس PageV01P535 # بأسا (1) ، وأبى الشافعي وجمهور أهل العلم (2) ، ممن صار إلى أنهم أهل ~~كتاب، أو PageV01P536 # لم يصر من ذلك، # ورأوا أن إباحة ذبائح أهل الكتاب ونكاح نسائهم خاصة في اليهود والنصارى. # وأما مستند من عم أصناف الكفر في قبول الجزية، فمن طريق الإلحاق بجامع ~~الكفر؛ قالوا: وإذا كان في الجزية صغار لهم، وإذلال موجبه الكفر، مع كونهم ~~أهل كتاب، وهم أرجى في القرب إلى الحق، فسائر أهل الكفر بذلك أولى، إلا أن ~~هذا المعنى قد يعكس عليهم. فيقال: إنما استحيوا وقبلت منهم الجزية إبقاء ~~عليهم لموضع احترامهم بالكتاب، وبكونهم على بقايا شرع تقدم، كما أجيز نكاح ~~نسائهم وأكل ذبائحهم؛ بخاصة حرمة الكتاب، وذلك لا يشركهم فيه أهل الكفر من ~~غيرهم (1) ، فوجب أن لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف بنص القرآن، وهذا ~~على مذهب القياس أسد وأوضح، والقول بقصر الجزية على من عين في ذلك أرجح. # وأما ما ذهب إليه من فرق في الجزية بين العرب والعجم، فأجاز في كفار ~~العجم مطلقا، ولم يجز في كفار العرب، إلا أن يكونوا على دين أهل الكتاب: ~~فشيء لا أعرف له مستندا، إلا شيئا ذكره ابن عبد البر من طريق عبد الرزاق ~~قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صالح عبدة ~~الأوثان على الجزية، إلا من PageV01P537 # كان منهم من العرب (1) . # قال ابن عبد البر (2) : هذا يدل على أن مذهب ابن شهاب أن العرب لا تؤخذ ~~منهم الجزية، إلا أن يدينوا بدين أهل الكتاب. قال (3) : «وما أعلم أحدا روى ~~هذا الخبر المرسل عن ابن شهاب إلا معمرا» . # قلت: فأما إن ذهب ذاهب إلى تعليل منع إجابتهم إلى الجزية إذا كانوا من ~~غير أهل الكتاب، مع كون سائر الكفار غيرهم يجاب إلى ذلك على أي دين من ~~الكفر كان، بأن ذلك منع منه العرب إكراما لهم (4) ، ودفعا للصغار عنهم، كما ~~ذهب إلى ذلك بعض المعللين، فهو ينكسر عليهم بقبول الجزية منهم إذا ms202 كانوا من ~~أهل الكتاب. # وقد اختلف العلماء في حكم من كان من العرب على دين أهل الكتاب، فلهم في ~~نصارى بني تغلب ثلاثة أقوال: # قول (5) : إنه لا يعتد بما دانوا به، وحكمهم حكم عبدة الأوثان من العرب، ~~فلا تقبل منهم الجزية، إنما هو الإسلام أو السيف، وكأن وجه هذا المذهب هو ~~حمل الآية في تعيين أهل الكتاب بقبول الجزية، على أن المراد به أهل الكتاب ~~الذين أنزل ذلك عليهم، أو توارثوه عن آبائهم من اليهود والنصارى، لا من دخل ~~PageV01P538 # في ذلك من غيرهم بعد. # وقول ثان (1) : إنهم كسائر أهل الكتاب في قبول الجزية وسائر # الأحكام، وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز (2) ، وجماعة من أهل العلم؛ قالوا: ~~إن الجزية تؤخذ منهم (ومن أحد ما) (3) تؤخذ من سائر أهل الكتاب في الشروط ~~والصغار وسائر الأحكام، ووجه ذلك حمل الآية على عمومها فيمن دان بدين أهل ~~الكتاب، وقال الله -تعالى-: {لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم ~~أولياء بعض ومن PageV01P539 # يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51] ، فيستوي في ذلك العرب وغيرهم. # قال الشافعي (1) : إنما الجزية على الأديان، لا على الأنساب، قال: فكل من ~~دان دين أهل الكتاب، أي كتاب كان، ممن دان بذلك آباؤه، أو دان بنفسه، ولم ~~يدن آباؤه، وخالف دين الأوثان، قبل نزول الفرقان، فهو خارج من أهل الأوثان: ~~تقبل منه الجزية، عربيا كان أو عجميا، وأما من دخل عليه الإسلام، وهو لا ~~يدين بدين أهل الكتاب: لم يقبل منه إلا الإسلام أو السيف، عربيا كان أو ~~عجميا، ولا يقر # على ما أحدثه من دين أهل الكتاب بعد نزول الفرقان. # وأما مالك وجميع أصحابه (2) ، فكذلك يرون أخذ الجزية من نصارى العرب على ~~ما تؤخذ من غيرهم، لا من حيث إنهم أهل كتاب فقط، بل ومن حيث هم كفار ~~-أيضا-، وذلك أصل مذهبهم في تساوي أصناف الكفر في باب الجزية -كما تقدم- ~~(3) . # وقول ثالث: إنه يؤخذ منهم بدل الجزية ضعف ما يؤخذ من المسلمين في الصدقات ~~في كل نوع من المال الذي تجب فيه الزكاة؛ ms203 ما يلزم المسلم فيه العشر، فعليهم ~~عشران، وفي نصف العشر عليهم عشر، وفي ربع العشر عليهم نصف العشر، وكذلك في ~~كل شيء، حتى في الركاز عليهم خمسان. وممن ذهب إلى PageV01P540 # هذا: الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد بن حنبل، وغيرهم (1) ، وجاء مثل ذلك عن ~~عمر ابن # الخطاب (2) ، ومثل هذا لا يدرك بالاجتهاد والنظر، فإن لم يكن في # ذلك PageV01P541 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P542 # توقيف -وهو ما لا يوجد- فالمصير إليه شاق. وقد ذكر بعض أهل العلم (1) أن ~~PageV01P543 # عمر -رضي الله عنه- إنما صالح نصارى بني تغلب على ذلك لما خوف من أمرهم، ~~وقيل له: لا تقو عدوك عليك بهم. وكأن نصارى بني تغلب كرهوا اسم الجزية، ولم ~~يجيبوا إلى ذلك، إلا أن يعطوا نحو عطاء الصدقات، فضاعف ذلك عليهم فقبلوه. # وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه أبى على نصارى بني تغلب إلا الجزية، وقال: ~~لا والله إلا الجزية، وإلا فقد آذنتكم بحرب (1) . # ولم يختلفوا: أن حكم ما يؤخذ منهم على ذلك بمثابة حكم الجزية، لا حكم ~~الصدقة، ويوضع في مال الفيء. # فصل: في مقدار الجزية، وعلى من تفرض # اختلف أهل العلم في مقدار ما يقبل في الجزية، والمشهور في ذلك ثلاثة ~~أقوال: # قول: رواه مالك في «موطئه» (2) عن عمر بن الخطاب، أنه ضرب # الجزية على PageV01P544 # أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهما، مع ذلك أرزاق ~~المسلمين وضيافة ثلاثة أيام، وبه أخذ مالك، قال: ولا يزاد على ذلك ولا ينقص ~~منه، وعلى ذلك جميع أصحابه، في أنه لا يزاد عليه، وسواء عندهم في ذلك الغني ~~والفقير، إلا أن يكون من الفقر بحيث لا يقدر على شيء، فلا يكلف ما لا يطيق ~~(1) . # وقول ثان: قال الشافعي، وأبو ثور (2) ، وغيرهما (3) : إن مقدار الجزية ~~دينار على كل رأس من الأحرار البالغين، سواء في ذلك الغني والفقير، واحتج ~~الشافعي بحديث معاذ. # خرج أبوداود (4) ، عن أبي وائل، عن معاذ، وعن مسروق -أيضا-، عن # معاذ، PageV01P545 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P546 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P547 # أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما وجهه إلى اليمن، أمره أن يأخذ ~~من كل حالم -يعني: ms204 محتلم- دينارا، أو عدله من المعافر -ثياب تكون باليمن-. # قال الشافعي (1) : وهو - صلى الله عليه وسلم - المبين لنا عن الله ~~-تعالى-، يريد: أن في ذلك بيان ما أريد بالجزية التي ذكر الله -تعالى- أن ~~يعطوا، فيكف عنهم. # قال الشافعي (2) : وإن صولحوا على أكثر من ذلك جاز، إذا طابت نفوسهم، ~~قال: وإن صولحوا على ضيافة ثلاثة أيام جاز، إذا كانت الضيافة معلومة في ~~الخبز والشعير والتبن (3) والإدام. # وذكر ما على الوسط من ذلك، وما على الموسر، وذكر موضع النزول والكن من ~~البرد والحر. # وقول ثالث، قال به أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل وغيرهم (4) : إن ~~PageV01P548 # الجزية اثنا عشر درهما، وأربعة وعشرون درهما، وثمانية وأربعون # درهما، يريدون: بحسب الأحوال (1) . فالفقير تفرض عليه اثنا عشر درهما، ~~والوسط يضاعف ذلك عليه، والغني يضاعف عليه ما ضوعف على الوسط (2) ، # وقد روي PageV01P549 # مثل ذلك عن عمر بن الخطاب: أنه فعله بأهل السواد (1) . قال سفيان ~~PageV01P550 # الثوري (1) : «ذكرت عن عمر ضرائب مختلفة على أهل الذمة الذين أخذوا عنوة» ~~. قال الثوري: «وذلك إلى الوالي، يزيد عليهم بقدر يسرهم، ويضع عنهم بقدر ~~حاجتهم، فأما من لم يؤخذ عنوة، حتى صولحوا صلحا، # فلا يزاد عليهم شيء على ما صولحوا عليه، فالجزية عليهم على ما صولحوا ~~عليه، من قليل أو كثير، في أرضهم وأعناقهم» (2) يعني -إن شاء الله-: إذا ~~كان أقل ما بذله أهل الصلح، مما يبلغ القدر الذي يقبل مثله في الجزية، وهذا ~~هو فائدة الخلاف في حد أقل الجزية الذي إذا بذلوه قبل، ووجب الكف عنهم، كما ~~أن فائدة الخلاف في حد الأكثر مراعاة ترك الإجحاف. # وجملة الأمر: أن أهل الذمة في ضرب الجزية عليهم صنفان: أهل صلح وأهل ~~عنوة. # فأهل الصلح: هم الذين يبذلون الجزية قبل القدرة عليهم؛ ليحقنوا بذلك ~~دماءهم، ويحرزوا أموالهم، فهؤلاء يقرون على ما صولحوا عليه من قليل أو ~~كثير، ولا يزاد عليهم شيء، إذا كان ما بذلوه يبلغ مبلغ القدر الذي يقبل في ~~الجزية، فإن كان أقل مما يقبل في ذلك -على الخلاف المتقدم في حده- لم يجز ms205 ~~قبوله منهم، وإذا بذلوا الحد الذي يقبل فصاعدا، وجب القبول والكف عنهم، ~~وأقروا على أرضهم وأموالهم، يتوارثونها في الموت، ويحرزونها بالإسلام، لا ~~حق للمسلمين PageV01P551 # معهم في شيء من ذلك إلا الجزية المضروبة، ومن شرط ذلك أن يكونوا بحيث ~~تجري عليهم أحكام المسلمين وسلطانهم، وتؤخذ منهم الجزية وهم صاغرون. # وأما أهل العنوة -وهم الذين غلبهم المسلمون، واستولوا على رقابهم ~~وبلادهم- فهؤلاء حكمهم حكم الأسرى، وحكم أراضيهم حكم غنائم المسلمين، فإذا ~~أقرهم الإمام على الجزية وجب لهم حكمها، وكان الخلاف المتقدم في حد أقل ما ~~يضرب عليهم وأكثره، وتفريق من فرق بين الغني والفقير، ومراعاة ما يحملون ~~دون إجحاف. # واختلف أصحاب مذهب مالك: هل يكونون بذلك أحرارا؛ لأن استحياءهم لضرب ~~الجزية من باب المن عليهم، أو هم على أحكام العبيد للمسلمين؟ (1) . # وأما أرضهم: فلا حق لهم فيها باتفاق، وهي ملك للمسلمين: إما للجيش الذين ~~غلبوا عليهم، تقسم فيهم كسائر المغانم، وإما فيء موقوفة لمصالح المسلمين، ~~على حسب ما مضى # من القول، وذكر الخلاف في ذلك، فإن أقرها الإمام في أيديهم على الخراج ~~-على مذهب من رآها فيئا-، كان لها حكم ذلك. فهذا فرق ما بين الصلح والعنوة. # وقد مضى ذكر الخلاف فيما يؤخذ من نصارى العرب. # والأرجح أنهم في الجزية وسائر الأحكام من أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم سواء ~~مع أهل الكتاب، والله أعلم. # واتفق الجمهور على أن الجزية لا تفرض على النساء والصبيان، ولا على ~~العبيد، إلا على الرجال الأحرار البالغين، روي ذلك عن مالك، وأبي حنيفة، ~~والشافعي، وأبي ثور، وغيرهم (2) . PageV01P552 # قال أبو بكر بن المنذر (1) : لا أحفظ عن غيرهم خلاف قولهم. # وقال أبو محمد بن حزم (2) : الرجال والنساء، والأحرار والعبيد، في كل ذلك ~~سواء. واستدل على ما ذهب إليه من ذلك بعموم قول الله -تعالى-: {قاتلوا ~~الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} إلى قوله: {من الذين أوتوا الكتاب ~~حتى يعطوا الجزية} [التوبة: 29] ، وفي الاستدلال بذلك على إدخال النساء في ~~هذا العموم نظر؛ لأن الصيغة موضوعة للمذكر، وإنما يدخل النساء في صيغ ms206 الجمع ~~المذكر PageV01P553 # بحكم التبعية وتغليب التذكير، فهو يفتقر إلى ما يدل عليه، بل لو سلم أن ~~الصيغة بأصل الوضع عامة في المذكر والمؤنث، لكان خروج نساء الكفار من القتل ~~والقتال معلوما من الشرع، فعموم الآية هنا لا يتناول النساء على كل حال (1) ~~. وأما العبيد: فالعموم صالح فيهم (2) . # واختلفوا في العبد من أهل الكتاب يعتق؛ فقال الشافعي وأبو ثور وأصحاب ~~الرأي (3) : تؤخذ منه الجزية. قال الشافعي: وسواء أعتقه مسلم أو # كافر، وقال PageV01P554 # الشعبي (1) : لا جزية عليه، ذمته ذمة مواليه. # وأما مالك، فاختلفت الروايات عنه في ذلك؛ ففي رواية: لا جزية عليه. وفي ~~رواية: عليه الجزية. وفي رواية: التفريق بين أن يعتقه مسلم أو كافر (2) . # واختلفوا في فرض الجزية على الفقير المحتاج الذي لايقدرعلى شيء؛ فمذهب ~~مالك (3) وجماعة من العلماء أنها توضع عنه، أو يخفف عليه إن كان ممن يقدر ~~على بعض الشيء، ولا يكلف ما لا يطيق، وبه (4) قال أصحاب الرأي (5) . وقال ~~الشافعي: تكون دينا عليه، ولا تسقط عنه (6) . PageV01P555 # وكذلك اختلفوا في الشيخ الفاني: هل تؤخذ منه الجزية أو لا (1) ؟ # وفي PageV01P556 # المجنون إذا كان يفيق مرة ويجن أخرى (1) . # وأما المجنون المطبق الذي لا يفيق، فلا ينبغي أن يكون فيه خلاف: أن ذلك ~~لا يلزمه؛ لأنه غير مكلف، ولا يتصف بدين يتمسك به في الكفر ولا غيره (2) . # وقد مضى التنبيه على مثل هذا في (الباب الخامس) عند ذكر استباحة أصناف ~~الكفار تنكيلا وقتلا. # فصل: في حكم من أسلم من أهل الجزية أو مات # خرج الترمذي (3) ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «لا تصلح # قبلتان PageV01P557 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P558 # في أرض واحدة، وليس على مسلم جزية» . # وأجمع أهل العلم أنه لا جزية على مسلم، وأن من أسلم من أهل الذمة فلا ~~جزية عليه لما يستقبل (1) ، واختلفوا فيه إذا أسلم في بعض الحول أو بعد ~~تمامه، وكذلك إن مات. # فقيل: إنه إذا أسلم أو مات، فقد سقط عنه كل ما كان لزمه من الجزية لما ~~مضى في حول أو أحوال، وهو قول مالك ms207 وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأبي ~~عبيد (2) . PageV01P559 # قال أبو عبيد (1) : لا يجوز أن يطالب مسلم بجزية. وقال مالك: يقول الله ~~-تعالى-: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38] ما ~~قد مضى قبل الإسلام، من دم أو مال أو شيء (2) . # وقيل: إنه يؤخذ منه كل ما كان ترتب عليه، وتقدم من حول أو أحوال لم ~~يؤدها، وهو قول الشافعي، وأبي ثور (3) . # قال الشافعي: ليس للإمام تركه؛ لأنه حق لجماعة المسلمين عليه. يعني: أنه ~~صار دينا لهم في ذمته، وهذا أرجح؛ لأن قول الله -تعالى-: {إن ينتهوا يغفر ~~لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38] راجع إلى ما كان من كفرهم وآثامهم، وما كانوا ~~PageV01P560 # يستحقون من عقاب الله -تعالى- على ذلك، فهو لا يتناول الديون وحقوق المال ~~التي التزموها على وجه يجيزه الشرع، فإن هذا ثابت، وليس مما يغفر؛ لأنه على ~~حد الشرع، وإنما يهدر عنهم ما استباحوه بحال الكفر في أنواع المحرمات من دم ~~أو مال، وغير ذلك من الحدود التي لا يجيزها الشرع، فذلك هو الذي يبطل عنهم ~~حكمه بإسلامهم، فلا يؤاخذون به، عفوا من الله ومغفرة. # وأما قول أبي عبيد: «لا يطالب مسلم بجزية» فصحيح؛ بمعنى أنه لا يكلف ~~الجزية بعد إسلامه، كما كان يكلفها في كفره، وأما ما كان استقر عليه من ذلك ~~في حال الكفر، فمطالب به كسائر الديون، ولا فرق في هذا فيمن أسلم (1) . # فأما من مات وعليه حول أو أحوال، فقد كان ينبغي أن يكون ذلك في تركته على ~~كل قول، ومهما توجه الخلاف فيمن أسلم، وعليه حول أو أحوال، فلا يصلح ذلك ~~فيمن مات؛ لأن أمرهما في الكفر والإسلام مختلف (2) ، والأدلة التي اعترض ~~بها فيمن أسلم لا تثبت فيمن مات وهو كافر، فلا وجه للقول بسقوط ذلك عمن مات ~~بعد أن عمرت ذمته. وقد زعم من قال بسقوطه عن الميت: أن ذلك ليس بدين عليه، ~~وهذه مكابرة، لأن كل حق في المال وجب بوجه شرعي متعلق بالذمة، لا في عين ~~معينة؛ فهو ms208 دين، يعرف ذلك لغة وشرعا، والذمي إذا كمل حوله على حد ما شرط له ~~من الوفاء بذمته، فقد وجبت عليه ضريبة ذلك الحول بإجماع، فذلك -ما ~~PageV01P561 # لم يعط- دين عليه بلا شك، اللهم إلا أن يعني قائل ذلك: أن الجزية إلزام ~~مال يؤخذ على وجه الصغار والعقوبة بالكفر، فكان من شرطه بقاء الملزم، كما ~~كان من شرطه البقاء على الكفر. # وأما من مات قبل أن يتم حوله، فسبب الخلاف فيه: هل الجزية موضوعة لتمام ~~الحول كالزكاة مثلا، فهي لا تجب إلا بتمامه، فإذا مات قبل أن يستكمل الحول ~~فلم تجب الجزية (1) ، أو هي كالخراج والكراء مقسطة على أوقات العام: لكل ~~جزء ما يقابله، فيلزمه بحسب ذلك في تركته؟ وبهذا الاعتبار يتوجه اختلاف ~~القولين في ذلك عند الشافعي (2) ، وكذلك فيمن أسلم في بعض الحول: أنه يؤخذ ~~منه ما مضى من الحول بحسابه، أو لا يؤخذ منه؟ في ذلك قولان. # [فصل: في حكم الأرض إذا أسلم عليها أهل الذمة] (3) # وأما حكم الأرضين، إذا أسلم عليها أهل الذمة: فذلك يختلف في حق أهل الصلح ~~وأهل العنوة، كما أشرنا إليه في الفصل قبل هذا. # وفي «الموطأ» (4) عن مالك، أنه سئل عن إمام قبل الجزية من قوم، فكانوا ~~يعطونها: أرأيت من أسلم منهم، أتكون له أرضه، أو تكون للمسلمين، ويكون لهم ~~PageV01P562 # ماله؟ فقال مالك: «ذلك يختلف؛ أما أهل الصلح: فمن أسلم منهم فهو أحق ~~بأرضه وماله، وأما أهل العنوة الذين أخذوا عنوة: فمن أسلم منهم، فإن أرضه ~~وماله للمسلمين؛ لأن أهل العنوة قد غلبوا على بلادهم، وصارت فيئا للمسلمين، ~~وأما أهل الصلح: فإنهم قوم قد منعوا أموالهم وأنفسهم حتى صالحوا عليها، ~~فليس عليهم إلا ما صالحوا عليه» . # قال ابن عبد البر (1) : على هذا جمهور العلماء. # وقال ابن حبيب (2) في أهل الصلح: إن كانت جزيتهم مفرفة على الجماجم، ~~فالحكم فيهم على ذلك على من أسلم منهم أو مات: إحراز أرضه بالإسلام، وورثت ~~عنه في الموت، وسقط ما كان عليه من الجزية، وإن كانت مصالحتهم على جزية ~~واحدة ms209 مجملة، فالأرض تبقى أبدا موقوفة للجزية لا تورث، ولا يحوزها ~~بالإسلام، ولا يحط عن جماعتهم بموت من مات منهم، أو إسلامه شيء من جملة تلك ~~الجزية، ولا يؤخذ من أسلم بشيء منها، ويؤخذ بذلك أهل دينه، وتكون أرضه وقفا ~~على ذلك. # والأظهر ما ذهب إليه الجمهور، وشهد له الدليل، كما بينه مالك -رحمه ~~الله-. # فصل: في شروط الجزية، وما يجب على أهل الذمة ولهم # قال الله -تعالى-: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 39] . # فكان أول ما يجب أن يكون الكفار الذين قبلت منهم الجزية في بلد، أو موضع ~~يحيط بهم سلطان المسلمين، وتجري عليهم أحكامهم؛ ليكون إقرارهم على الجزية ~~وأداؤهم لها كما فرض الله -تعالى-؛ لأنه لا يتمكن منهم في ذلك إلا أن يحاط ~~بهم. PageV01P563 # فأما مصالحة من صولح من العدو على مال يؤدونه، وإقرارهم هناك على حال ~~مملكتهم ومنعتهم؛ فليس هذا من باب الجزية في شيء، وهي مهادنة، ولا تجوز إلا ~~لضرورة كما قدمنا في ذلك. # والجزية مشروعة، مأمور بقبولها، والكف عنهم إذا بذلوها على شروطها، ~~فأمرها مختلف في الوجوب والحظر. # قال عبد الملك بن حبيب (1) : إذا نزل جيش المسلمين على حصن، فحاصروه ~~الأيام، فدعا أهله إلى المصالحة على مال يدفعونه ويرحل عنهم، فلا يجوز ~~قبوله إن رجا المسلمون افتتاحه، وليمضوا على محاصرتهم، وإن يئسوا من ~~افتتاحه، بما عسى أن يتسن ذلك لهم، فلهم أن يقبلوا ذلك، ولهم أن يحاصروا إن ~~كانت بهم قوة على ذلك، قال: وإن دعوا إلى الجزية، فإن كانوا بالموضع الذي ~~يكون عليهم فيه سلطان الإسلام، ويتولاهم من المسلمين وال تتأدى إليه ~~جزيتهم، ويخالطهم المسلمون، وتكون قوتهم منبسطة، كما هي على المعاهدين وأهل ~~الذمة؛ لقربهم من دار الإسلام، فلازم لوالي الجيش أن يقبل ذلك منهم، وإن لم ~~يكونوا عنده بهذه (2) الصفة، وكانوا في بعد من دار الإسلام، وبحيث # إن شاؤوا بعد قفول الجيش عنهم منعوا جزيتهم، وعادوا حربا؛ فلا يقبل ذلك ~~منهم، حتى ينتقلوا من دارهم تلك إلى دار الإسلام، فإن أجابوا إلى ms210 ذلك وإلا ~~فالسيف. # قال: وهكذا سمعت مطرفا، وابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وأصبغ يقولون. # قال عبد الملك: وهذا تفسير قول مالك؛ قد قال مالك محملا كل قوم من العدو ~~دعوا إلى الجزية حين أحيط بهم، فإنهم إن كانوا بموضع يقدر عليهم المسلمون ~~إن نزعوا، قبل ذلك منهم، وأقروا في بلادهم، وإن كانوا بموضع إن PageV01P564 # نزعوا لا يقدر عليهم إلا بمؤنة، فإنه لا يقبل منهم ما دعوا إليه، إلا على ~~الارتحال مع المسلمين، وتخلية بلادهم. # ومن الشروط على أهل الجزية: أخذهم السنة (1) بالمنع والكف عن تناول شريعة ~~المسلمين وملتهم، وتوقي ما يقدح في شيء من أمور دينهم بشيء من المعابة ~~والطعن والاستخفاف، وذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - بغير ما يحق له، ولو ~~لم يقروا بصحة ذلك، ومنعهم (2) من الدعاء لدينهم، والإعلان بمعالم شرعهم في ~~أمصار المسلمين: من ضرب النواقيس، وبناء الكنائس، ومجتمع الصلوات، وإظهار ~~الصليب ونحو ذلك. # ومن ذلك: منعهم من الإفصاح والإعلان بشركهم، وما ينحلون لله من الصاحبة ~~والولد، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. # ومن ذلك: منعهم من إظهار ما يستبيحونه من شرب الخمور، ومواقعة الفجور، ~~وغير ذلك، مما لا يحل للمسلمين -مع الاطلاع عليه- إقراره. # ومن ذلك: أن تجري عليهم أحكام المسلمين متى دعاهم إلى ذلك خصم، أو متى ~~ظهر منهم ظلم. # هذه كلها شروط واجبة لا ينبغي إسقاطها، ولا ترك العمل بشيء منها، ولا تحل ~~إجابة الكفار إلى أن يشترطوا إسقاط ذلك عنهم أو # شيء منه، ولا يجب الوفاء لهم به إن التزمه لهم من يعقد على المسلمين، ممن ~~لعله يجهل ذلك. والدليل على صحة هذه الجملة: قول الله -عز وجل-: {وقد نزل ~~عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا ~~معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم} [النساء: 140] ، وقوله ~~-تعالى-: {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا} [التوبة: ~~40] ، وقوله -تعالى-: {كونوا قوامين لله شهداء بالقسط} [المائدة: 8] ، ~~وقوله -تعالى-: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى PageV01P565 # الخير ويأمرون بالمعروف ms211 وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} [آل عمران: ~~104] ، وقوله -تعالى-: {وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ~~واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} [المائدة: 49] . وفي حديث ابن ~~عباس المتقدم: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تصلح قبلتان في ~~أرض واحدة» (1) ، فهو يتضمن منعهم من إظهار دينهم بحضرة المسلمين، وفي ~~أمصارهم. # وأيضا: فقد أوجب الله -تعالى- قتل الكفار وقتالهم؛ لإعلاء كلمة الله، ~~وحتى يدخلوا في الإسلام، فإنما (2) استثنى -تعالى- في الجزية الكف عن ~~قتالهم على الإسلام، فهم بأداء الجزية يكف عنهم في ذلك خاصة {وهم صاغرون} ~~[التوبة: 39] ، كما قال -تعالى-. # وأما أن يباح لهم الاعتلاء بإظهار كفرهم وباطلهم، والتبسط بما ينافي كتاب ~~الله -تعالى- ودينه الحق، فذلك لم يستثنه الله -تعالى- لهم قط (3) . {ولن ~~يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} [النساء: 141] ، وقال -تعالى-: ~~{وقاتلوهم حتى لا تكون # فتنة ويكون الدين كله لله} [الأنفال: 39] . # وقال قوم من أهل العلم (4) في قوله -تعالى-: { ... وهم صاغرون} [التوبة: ~~29] : أن يجرى عليهم حكم الإسلام، وأن لا يظهروا شيئا من كفرهم، ولا مما ~~يحرم في دين الإسلام (5) . PageV01P566 # وفي كتاب عمر -رضي الله عنه- الذي كتبه له عبد الرحمن بن غنم، حين صالح ~~نصارى الشام، وشرط عليهم فيه: أن لا يحدثوا في مدينتهم، ولا ما حولها ديرا، ~~ولا كنيسة، ولا صومعة راهب، ولا يجددوا ما خرب منها، ولا يعلموا أولادهم ~~القرآن، ولا يظهروا شركا، ولا يمنعوا ذوي قراباتهم من الإسلام إن أرادوه، ~~وأن لا يظهروا صليبا، ولا شيئا من كتبهم في شيء من طرق المسلمين، ولا ~~يضربوا بالناقوس إلا ضربا خفيا، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في ~~شيء من حضرة المسلمين، ولا يبيعوا الخمور، في أشياء غير هذه، مما شرط عليهم ~~في كتابه ذلك، وقال في آخرها: فإن خالفوا شيئا مما شرطوه؛ فلا ذمة لهم، وقد ~~حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق (1) . PageV01P567 # قال عبد الملك بن حبيب (1) : قال لي مطرف وابن الماجشون وأصبغ: إذا كان ~~أهل ذمة منقطعين عن دار الإسلام وحريمه، ms212 ولم يكن المسلمون معهم في موضعهم ~~ذلك، فلهم إحداث الكنائس، ورم كنائسهم القديمة، والزيادة فيها، اشترطوا ذلك ~~أو لم يشترطوه، ولا يمنعوا من إدخال الخمر إليهم، ولا من كسب الخنازير ~~عندهم، وإن كانوا في بلد المسلمين، أو في حريمه وعمله، أو في قرية من ~~قراهم، قد سكنها المسلمون معهم؛ منعوا من ذلك كله، فإن زعموا أنهم لا ~~يريدون بيع الخمر من مسلم؛ لم يكن لهم إدخالها، لا سرا ولا جهرا، ولا أن ~~يحملوها من قرية إلى قرية، وما ظهر للإمام من خمرهم، فعليه أن يهريقها، ~~ويضرب حاملها، كان منهم أو من غيرهم، وإن خرج منهم سكران في جماعة ~~المسلمين؛ كان عليه أن يضربه على ذلك، وكذلك إن أظهروا الخنازير في مواضع ~~المسلمين؛ فعلى الإمام أن يأمرهم بعقرها، ويضرب مظهرها، # ويغيب جيفها عنهم إذا عقرها، وكذلك يمنعون من إظهار صليبهم في أعيادهم، ~~أو في استسقائهم في جماعة المسلمين، فإن أظهروا؛ فعلى الإمام أن يأمر ~~بكسرها، ويضربهم على إظهارها، قالوا: ولو اشترطوا في صلحهم رم كنائسهم ~~القديمة، وفي لهم به، ومنعوا من الزيادة فيها، كانت ظاهرة أو باطنة. قالوا: ~~ولا ينبغي لإمام المسلمين أن يشترط لهم إحداث الكنائس، فإن جهل ففعل؛ منعوا ~~من إحداثها، ولا عهد لأحد في معصية الله -عز وجل-. # قال ابن الماجشون (2) : إنما لهم بالشرط الرم فقط. قال: وأما أهل العنوة ~~فلا تترك لهم -عندما تضرب عليهم الجزية- كنيسة قائمة إلا هدمت، ولا يتركوا ~~أن يحدثوا كنيسة، وإن كانوا معتزلين عن جماعة الإسلام؛ لأنهم كعبيد ~~المسلمين، ولا شرط لهم يوفى به، وإنما صار لهم عهد حرمت به دماؤهم حين أخذت ~~منهم الجزية. PageV01P568 # وقال الشافعي (1) : «ينبغي للإمام أن يحدد بينه وبين أهل الذمة جميع ما ~~يعطيهم ويأخذ منهم، فيسمي الجزية، وأن يؤدوها على ما وصفت -يعني: من ~~الصغار- وعلى أن يجرى عليهم حكم الإسلام إذا طالبهم به طالب، أو أظهروا ~~ظلما لأحد، وعلى أن لا يذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بما هو ~~أهله، ولا يطعنوا في دين الإسلام، ولا ms213 يعيبوا من حكمه شيئا، فإن فعلوا؛ فلا ~~ذمة لهم، ويأخذ عليهم أن لا يسمعوا المسلمين شركهم، وقولهم في عزير وعيسى، ~~فإن وجدهم فعلوا بعد التقدم في عزير وعيسى إليهم، عاقبهم على ذلك عقوبة لا ~~تبلغ حدا، وأن لا يكرهوا أحدا على دينهم، إذا لم يرده من أبنائهم ولا ~~رقيقهم ولا غيرهم، وعلى أن لا يحدثوا في مصر من أمصار المسلمين كنيسة، ولا ~~مجتمعا لصلاتهم، ولا ضرب ناقوس، ولا حمل خمر، ولا إدخال خنزير، ولا يعذبوا ~~بهيمة، ولا يقتلوها صبرا -يعني: إلا ما كان ذبحا مما يوافق الشرع-، وأن لا ~~يدخلوا مسجدا، ولا يبايعوا مسلما بيعا يحرم في الإسلام، ولا يسقوا مسلما ~~خمرا، ولا يطعموه محرما: من لحم خنزير ولا غيره، ولا # يظهروا الصليب، ولا الجماعات في أمصار المسلمين» . قال: «وإن كانوا في ~~قرية يملكونها منفردين، لم يمنعهم إحداث كنيسة، ولا يعرض لهم في خنازيرهم ~~وخمرهم وأعيادهم وجماعتهم» . # قلت: وأما ما يشترط بعد ذلك عليهم من تغيير الزي والملبس، والهيئة في ~~المركب، والمنع من التشبه بالمسلمين في مثل ذلك، فقد يكون هذا من المستحب ~~غير الواجب؛ لأن ذلك كله ليس فيه قدح في الدين، ولا تنقص على المسلمين، لكن ~~في أخذهم بذلك زيادة الإعظام، والحرمة لأهل الإسلام. # فمما روي من هذا النوع عن عمر -رضي الله عنه-، أنه كان في شروط كتابه في ~~صلح نصارى الشام، وكتب به إلى أمراء الأجناد، يأمرهم أن يختموا في ~~PageV01P569 # رقاب أهل الجزية بالرصاص، ويصلحوا مناطقهم، ويجزوا نواصيهم، ويركبوا على ~~الأكف عرضا، ولا يدعوهم يتشبهوا بالمسلمين في ركوبهم (1) . # قال أبو عبيد (2) في قوله: «مناطقهم» ، يعني: الزنانير. # قلت: وإنما يريد: أن يظهروها، ويشدوا أوساطهم بها؛ ليتبين الذمي من غيره. ~~وكذلك وقع مفسرا في الكتاب الذي كتبه عبد الرحمن بن غنم: وأن يشدوا ~~الزنانير على أوساطهم (3) . # وأما قوله: «ويركبوا على الأكف عرضا» ، والأكف جمع إكاف، ويقال: وكاف ~~-أيضا-: وهو الأداة التي يركب عليها غير السرج (4) . # ومعنى قوله: «عرضا» : هو أن يرد وجهه في ركوبه إلى جانب الدابة، ولا ms214 ~~PageV01P570 # يستقبلها في جلوسه عليها، فتكون رجلاه كلاهما في شق، والله أعلم. # وقد روي عن جماعة من أهل العلم (1) نحو ما روي عن عمر -رضي الله تعالى ~~عنه-، في أخذهم بما يتميزون به عن المسلمين في الهيئات والأحوال (2) . ~~PageV01P571 # مسألة # اختلف أهل العلم في الجزية كيف تجبى؟ لقوله تعالى: { ... عن يد وهم ~~صاغرون} [التوبة: 29] ، فروي عن ابن عباس أنه قال: يمشون بها ملببين (1) ، ~~وقال قتادة: عن يد: عن قهر، وعنه # -أيضا-: يعطونها نقدا، يقول: عن ظهر يد، PageV01P572 # ليس بنسيئة (1) . وقال أبو عبيدة (2) : كل من انطاع لمن قد قهره، فأعطاه ~~عن غير طيب نفس؛ فقد أعطاه عن يد. # وقال الشافعي (3) : سمعت عددا من أهل العلم يقولون: الصغار: # أن يجرى عليهم حكم الإسلام. وروي عن سعيد بن المسيب أنه كان يعجبه أن ~~يتعب أهل PageV01P573 # الجزية إذا أخذت منهم (1) ، قال أبو عبيد (2) : «لم يرد سعيد فيما نرى ~~بالإتعاب تعذيبهم، ولا تحميلهم فوق طاقتهم، ولكنه أراد أن لا يعاملوا عند ~~طلبها منهم بالإكرام لهم، ولكن بالاستخفاف بهم» ، قال: «وأحسبه تأول قول ~~الله -تعالى-: { ... حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] » . # واتفق أهل العلم على أنه لا ينبغي إرهاقهم وجهدهم، وأن الرفق بهم -إذا ~~وفوا بشروط الجزية- أولى. قال الله -تعالى-: {إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان} [النحل: 90] . # وخرج مسلم (3) ، عن عائشة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن ~~الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي ~~على [ما] سواه» . # وخرج أبو داود (4) عن عائشة: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«يا عائشة، ارفقي! فإن الرفق لم يكن قط في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء قط ~~إلا شانه» . # وفي البخاري ومسلم (5) ، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جده، أن ~~PageV01P574 # النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن، فقال: ~~«يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا» . # مسألة # بوب الترمذي (باب: ما يحل من أموال أهل الذمة) ، وأسند إلى عقبة بن ms215 عامر ~~قال: قلت: يا رسول الله، إنا نمر بقوم، فلا هم مضيفوننا، ولا هم يؤدون ما ~~لنا عليهم من الحق، ولا نأخذ منهم؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إن أبوا إلا أن تأخذوا كرها فخذوا» (1) . قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن. # قال: «وإنما معنى هذا الحديث: أنهم كانوا يخرجون في الغزو، فيمرون بقوم، ~~ولا يجدون من الطعام ما يشترون بالثمن، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إن أبوا أن يبيعوا، إلا أن تأخذوا كرها فخذوا» . قال: «وهكذا روي في بعض ~~الحديث مفسرا (2) ، وروي عن عمر بن الخطاب، أنه كان يأمر نحو هذا» (3) . ~~PageV01P575 # وفي كتاب «الأموال» (1) لأبي عبيد، مسندا إلى صعصعة، قال: سألت ابن عباس ~~فقلت: إنا نسير في أرض أهل الذمة، فنصيب منهم؟ قال: بغير ثمن؟ قلت: نعم، ~~بغير ثمن، قال: فما تقولون؟ قال: قلت: حلال لا بأس به، فقال: أنتم تقولون ~~كما قال أهل الكتاب: {ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب ~~وهم يعلمون} !! [آل عمران: 75] . # ففي قول ابن عباس هذا بيان أنه لم يرد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يأخذوه بغير ثمن، لكن إذا منعوهم البيع، وبالناس حاجة إليه، أخذوا ذلك كرها ~~بقيمته، والله أعلم. # فصل # والواجب لأهل الذمة إذا التزموا ما وجب عليهم من ذلك: الوفاء بالأمان، ~~والحماية ممن أرادهم بعدوان، ولهم بذلك على المسلمين عهد الله وذمته؛ لا ~~تحل دماؤهم، ولا أموالهم، ولا أبشارهم، ولابغي عليهم في وجه من الوجوه، ما ~~لم يحدثوا حدثا، ويحملون في مالهم، وعليهم من الحقوق على القسط والعدل الذي ~~كتبه الله -تعالى- على المسلمين. قال الله -تعالى-: {وأوفوا بعهد الله إذا ~~عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا} ~~[النحل: 91] ، وقال -تعالى-: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ~~وإذا حكمتم بين الناس أن PageV01P576 # تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا # بصيرا} [النساء: 58] ، وقال -تعالى-: {وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} ~~[الحجرات: 9] ، وقال # -تعالى-: {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} [الجن: ms216 15] . # القاسط: الجائر. وقد قسط يقسط: إذا جار. والمقسط: العادل. وقد أقسط، ~~يقسط: إذا عدل. # وأسند أبو بكر بن المنذر (1) إلى عمر بن الخطاب أنه قال (2) في وصيته عند ~~موته: «أوصي الخليفة من بعدي بكذا وكذا، وأوصيه بذمة الله -عز وجل-، وذمة ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم - خيرا: أن يقاتل من ورائهم، وأن لا يكلفوا فوق ~~طاقتهم» . # وذكره البخاري (3) بنحو ذلك، وزاد: أن يوفى لهم بعهدهم. # وخرج أبو داود (4) عن صفوان بن سليم، أخبر عن عدة من # أبناء أصحاب PageV01P577 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، عن آبائهم -دنية- (1) ، عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «ألا من ظلم معاهدا، أو انتقصه، أو كلفه فوق ~~طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس؛ فأنا حجيجه يوم القيامة» . # مسألة # إذا أحدث أهل الذمة حدثا يخالف شيئا مما أخذ عليهم في عهدهم من كافة ما ~~ذكرنا، أنهم يؤخذون به، ويشترط عليهم في العقد؛ فذلك على ضربين: # منه ما يعد نقضا لعهدهم، ومنه ما يستوجبون به عقوبة دون نقض العهد. فالذي ~~ينتقض به عهدهم على وجهين: # منه ما يستباحون به في النفوس والأموال، من غير تقدم في ذلك إليهم، إلا ~~مواثبة واغتيالا، وذلك مثل أن يبتدئوا بقتال، هذا ما لا خلاف فيه، ومنه ما ~~فيه خلاف: هل يغتالون؟ أو ينبذ إليهم عهدهم، ويلحقون بمأمنهم، ثم يحاربون؟ ~~وذلك بعد (2) أن يمنعوا الجزية، أو يتمردوا عن الأحكام، ويمتنعوا من ~~الإجابة إليها، لا خلاف في هذه الثلاثة: أن لكل واحد منها حكم النقض؛ لأنها ~~تنافي عقد الذمة، فلا يصح مع واحد منها. PageV01P578 # واختلف إن ذكروا الله -عز وجل- أو كتابه، أو رسوله، أو دينه بما لا ~~ينبغي؛ فقيل: حكم ذلك في انتقاض العهد به حكم الثلاثة المتقدمة؛ لأنه طعن ~~في الدين، وقيل: حكمه حكم ما فيه ضرر على المسلمين، كما لو زنى بمسلمة، أو ~~أصابها باسم نكاح، أو فتن مسلما عن دينه، أو قطع عليه الطريق، أو دل على ~~عورات # المسلمين، أو آوى عينا لأهل الحرب، أو قتل مسلما؛ ms217 هذه سبعة في كلها خلاف: ~~هل ينتقض به العهد أو لا ينتقض؟ فقيل فيمن زنى بمسلمة، أو دل على عورات ~~المسلمين، أو فتن مسلما عن دينه ودعاه إلى كفره: أن كل واحد من هذه الثلاثة ~~انتقاض عهد؛ لأنه إضرار بالمسلمين، وقيل: لا يعد انتقاضا؛ لأنه لا ينافي ~~عقد الذمة، ولا يتضمن طعنا في الدين، وهو من الحدث الذي يعاقبون عليه. # وفرق قوم بين أن يكون شرط عليهم في العقد الانتقاض بفعل هذا ونحوه، أو أن ~~لا يكون اشترط وقوعه نقضا، فلا يلزم، ويعاقب فاعله. وفرق بعضهم في الزنى ~~بين أن يغتصب المسلمة، فيعد ذلك نقضا، أو يكون طوعا منها، فيضرب ضربا ~~موجعا. # وروي عن عمر بن الخطاب، أن نصرانيا نخس بغلا عليه امرأة مسلمة، فوقعت، ~~فانكشفت عورتها، فكتب: أن يصلب في ذلك الموضع، وقال: إنما عاهدناهم على ~~إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون (1) . وإنما فعل ذلك عمر؛ لأن الذمي كان ~~PageV01P579 # تعمد إيقاعها والتكشف عليها؛ روي ذلك مفسرا في بعض القصة. وكذلك قال قوم ~~في قطع الطريق، وفي القتل الموجب # مثله للقصاص بين المسلمين: أن كل ذلك يعد نقضا من فاعله. وقال قوم (1) : ~~لا يعد نقضا، وإنما فيه إجراء حكم المسلمين عليه في حد الحرابة والقتل. # وقال الأوزاعي (2) فيمن آوى عيون أهل الحرب، أو خبر بعورة المسلمين: ذلك ~~نقض، فإن شاء الوالي قتله، وإن شاء صلبه. ونحوه يروى عن بعض المالكية (3) ، ~~ولم يره الشافعي وأبو حنيفة (4) نقضا، وقال الشافعي (5) : يعزر ويحبس ~~عقوبة. PageV01P580 # وكل ما ذكرنا مما فيه الخلاف، هل يعد نقضا أو لا؟ فالخلاف فيه إذا عد ~~نقضا: هل يغتال، أو يرد إلى مأمنه؟ # والأرجح -إن شاء الله- في كل ما كان فيه طعن في الدين، وكان مما لا ~~يدينون به في ملتهم؛ أن يعد ذلك نقضا يستباح فاعله، قال الله تعالى: {وإن ~~نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا ~~أيمان لهم لعلهم ينتهون} [التوبة: 12] . # فأما إن كان مما يدينون باعتقاده، كقولهم في المسيح # وعزير ونحو ms218 ذلك، فلم يجر مجرى قصد الطعن؛ فلا يدخل في ذلك، والله أعلم. # وكذلك الأرجح فيمن فعل ما يعد نقضا أن يغتال، ولا يجب رده إلى مأمنه؛ ~~لأنه بعد نقضه العهد لم تبق له حرمة فيه، ولا شبهة حرمة يتعلق بها أمان، ~~بخلاف من يتوقع منه خيانة وهو لم يفعل بعد، فذلك هو الذي ينبذ إليه، ويرد ~~إلى مأمنه، أوما كان في معناه، وكذلك فعل عمر حين أمر بصلب العلج الذي تعمد ~~كشف المرأة المسلمة، وروي مثله عن أبي عبيدة بن الجراح، أنه قتل نصرانيا ~~استكره مسلمة على الزنى، ولم يرده إلى مأمنه (1) . وروي عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في صلح أهل خيبر على أموالهم، وأن لا يكتموا منها شيئا: ~~أن الربيع وكنانة ابني أبي الحقيق (2) كتماه بعض ذلك، قال ابن عباس: ~~فقدمهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فضرب أعناقهما، قال: ~~PageV01P581 # ثم بعث إلى ذريتهما، وأتي بصفية، ذكره ابن المنذر (1) . # ورواه أبو عبيد في كتابه «الأموال» (2) ، عن علي بن معبد، عن # أبي المليح، PageV01P582 # عن ميمون بن مهران، قال: حاصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل ~~خيبر، ما بين عشرين ليلة إلى ثلاثين ليلة، وإن أهل الحصن أخذوا الأمان على ~~أنفسهم، وعلى ذراريهم، وعلى أن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل شيء ~~في الحصن، قال: وكان في الحصن أهل بيت، فيهم شدة على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وفحش، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا بني الحقيق ~~(1) ، قد عرفتم (2) عداوتكم لله ولرسوله، ثم لم يمنعني ذلك من أن أعطيكم ما ~~أعطيت أصحابكم، وقد أعطيتموني أنكم إن كتمتم شيئا، حلت لنا دماؤكم. ما فعلت ~~آنيتكم: فلان وفلان؟» . قالوا: # استهلكناها في حربنا. قال: فأمر أصحابه، فأتوا المكان الذي فيه الآنية، ~~فاستثاروها. قال: ثم ضربت أعناقهم. # فهذا كله ليس في شيء منه الرد إلى المأمن، فلا يجب ذلك، والله سبحانه ~~أعلم. # وأما الضرب الثاني: وهو ما لا يعد من أفعال أهل الذمة نقضا، وإنما ~~يستوجبون به التعزير ms219 والعقوبة، فمثل: إظهار الخمر والناقوس، والإعلان ~~بمعتقدهم في المسيح، وغير ذلك مما لا يباح لهم، وليس من أقسام الضرب الأول، ~~التي هي منحصرة في ثلاثة معان: ما يرجع إلى منافاة العقد، والطعن في الدين، ~~والإضرار بالمسلمين. # وزعمت الشافعية: أن هذا الضرب الثاني لا يعد نقضا، وسواء شرط عليهم ~~الانتقاض بفعله أو لم يشترط، قالوا: وإنما يحمل اشتراط النقض بمثل هذا على ~~PageV01P583 # الإرهاب والتخويف، فلا يجب في ذلك على كل حال إلا التعزير (1) . # فأقول: أما إذا لم يشترط عليهم الانتقاض به فهو ظاهر، وأما إن كان اشترط ~~عليهم في عهدهم أنهم إن أظهروا شيئا من ذلك؛ فلا ذمة لهم، وقد عادوا بذلك ~~حربا، فالوجه: أن ذلك على ما شرط، وهو ظاهر ما في كتاب عمر -رضي الله تعالى ~~عنه- في عقده الذمة لنصارى الشام؛ لأنه قال في آخره، بعد أن ذكر فيه هذه ~~الشروط المعدودة في الضرب الثاني وغيرها: «فإن خالفوا شيئا مما شرطوه، فلا ~~ذمة لهم، وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق» (2) . # ومما يدل على صحة هذا المذهب: ما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~من قتل ابني أبي الحقيق، وسبي ذريتهما، حين شرط عليهما استباحة ذلك منهما ~~إن كتماه (3) . # وأيضا؛ فإن العهد الذي به حرم ذلك منهم، لم يتناول إلا ما وافق صفته ~~وشرطه، فإذا خالفوا شيئا من ذلك، وقد كان اشترط عليهم # أن لا عهد لهم إذا خالفوا شيئا من ذلك؛ فلم يبق لهم عهد كالحربي، والله ~~أعلم. # مسألة # إذا نبذ أهل الذمة العهد إلى المسلمين، فإنهم لا يغتالون، ويلحقون ~~بالمأمن عند الشافعي قولا واحدا (4) ، فإن خرجوا من غير أن يعلموا بذلك، ~~وهربوا إلى بلاد الحرب، فقد قيل: إن كان ذلك من ظلم أو جور ركبهم مما يعرف ~~عذرهم فيه لم يعد ذلك نقضا، ولم يستباحوا في نفس ولا مال، وهو إما أن يخلى ~~سبيلهم، أو يعادوا إلى PageV01P584 # ذمتهم، ويزال الظلم عنهم، وكذلك لو أشكل أمرهم، ولم يعرف صدقهم من كذبهم ~~إذا ادعوا ذلك؛ ms220 فلا يستباحوا، حتى يتبين أنهم نقضوا أشرا، على غير شيء من ~~تحت إمام عادل. # روي ذلك عن ابن القاسم وأصبغ (1) . قال أبو الوليد بن رشد (2) : وذلك ~~صحيح على مذهب مالك وأصحابه، وقال غيره (3) : بل لا عذر لهم إذا خرجوا إلى ~~بلاد الحرب ونقضوا، وإن كان ذلك من جور أو غيره؛ لأنهم لم يعاهدوا على مثل ~~ذلك، كأنه يعني: أن عليهم أن يرفعوا أمرهم إلى الإمام إن رجوا عنده زوال ~~ذلك، أو ليأذن لهم في التحول. قال اللخمي: لأنهم رضوا بطرح ما عقد لهم، ~~وإسقاط حقهم فيه. # مسألة # إذا نقض أهل الذمة العهد وقاتلوا، فظفر بهم المسلمون، ففي استباحة نسائهم ~~وذراريهم بالسبي خلاف، فعن مالك وجميع أصحابه: أن أهل # الذمة قد صاروا بذلك حربا: يسبون ويقتلون، إذا لم يكن عذر من ظلامة أو ~~جور، وخالفهم أشهب؛ فمنع السباء، قال: لا يعود الحر إلى الرق أبدا، قال أبو ~~الوليد بن رشد في «شرح مسائل العتبية» (4) : «ما اتفق عليه مالك وأصحابه ~~أصح في النظر؛ لأن الحرية لم تثبت لهم بعتاقة من رق متقدم، فلا ينتقض، إنما ~~تركوا على حالهم من الحرية التي كانوا عليها آمنين؛ بما بذلوه من الجزية ~~على شرطها ما بذلوها، فإذا منعوا الجزية، لم يصح لهم العوض، وكان للمسلمين ~~الرجوع فيه، وذلك -أيضا- كالصلح بين المسلمين وأهل الحرب على شروط، فإذا لم ~~يفوا بها، انتقض PageV01P585 # الصلح» . وذكر احتجاج ابن الماجشون لذلك بما فعل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في سبي قريظة وغيرهم، فزعم أن لا حجة في ذلك؛ لأن الذي كان بين ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وبني قريظة وغيرهم من اليهود، إنما كان ~~مهادنة وهم في بلادهم، لم يكونوا كأهل الذمة الذين غلبوا، فأقروا تحت ملكة ~~المسلمين على أداء الجزية (1) . # فأقول: أما ما احتج به أبو الوليد على أشهب في أول كلامه فصحيح، وأما رده ~~على ابن الماجشون فيما احتج به ابن الماجشون من سبي قريظة، فغير مستقيم، بل ~~هوحجة بينة كما ذكر ابن الماجشون وغيره. # خرج مسلم (2) عن ابن ms221 عمر، أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فأجلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني النضير، ~~وأقر قريظة، ومن عليهم، حتى حاربته قريظة بعد ذلك، فقتل رجالهم، وقسم ~~نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين. # وإذا ثبت أن أهل الذمة الذين ضربت عليهم الجزية لم يكونوا عبيدا أعتقوا، ~~كما أقر به أبو الوليد (3) ، وجعله حجته في الرد على # أشهب؛ فأي فرق بينهم وبين كل من له عهد سواهم في (باب: النقض، وما يستحقه ~~الناقض للعهد من العقوبة والقتل والسبي) ، وهم سواء في أصل الكفر ونكث ~~العهد؟! ثم هو -أيضا- قد سوى بينهم في كلامه في (باب: النقض) وقاسهم على ~~أهل الصلح، حيث قال (4) : «وذلك # -أيضا- كالصلح بين المسلمين وأهل الحرب على شروط، فإذا لم يفوا بها، ~~انتقض PageV01P586 # الصلح» . فكيف يفرق بينهما في الحكم بعد أن ساوى في المعنى وهو النكث؟! ~~هذا ما لا خفاء باستوائهما فيه؛ لأنه بالنكث يعود الجميع حربا، وإنما ~~يختلفون في حكم الجزية من الأداء المحدود على الشروط المشروعة، كما أن ~~المهادنة -أيضا- قد تختلف الشروط فيها -أيضا-، وأصل العهد واحد، وإنما ~~الكلام في حكم النقض الذي هو واحد في جميع ذلك؛ فسبي قريظة في هذا الباب ~~أصل، كما ذهب إليه ابن الماجشون (1) وغيره (2) . # وكان أحمد بن حنبل يقول في ذراري أهل العهد إذا نقضوا: كل من ولد بعد ~~النقض يسبون، ومن كان قبل ذلك لا يسبون (3) . وهذه التفرقة منه وإن أدى ~~إليها نظر يستشعر صوابه، فالقاضي عليه: ما ثبت من فعل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وسبيه جميع ذرية الناقضين، ممن تقدم منهم على النقض أو # تأخر، وكان الذي يظهر من معنى ذلك -والله أعلم-: أن السبي من النساء ~~والذرية لما لم يكن حكمهم القتل، صاروا في باب عقد الأمان تبعا للرجال ~~كالمال، فإذا استحق دماء رجالهم فقتلوا، سقط الوجه الذي كان وجبت به الحرمة ~~لهم، فاستبيح ما كان تحت أيدي رجالهم من أهل ومال. وقال ابن القاسم في أهل ~~الذمة إذا نقضوا وحاربوا: ms222 إن من علم منهم أنه مغلوب على أمره، وأنه لم يعن، ~~مثل الضعيف والشيخ الكبير PageV01P587 # الزمن، فلا أرى أن يستباحوا بقتل ولا استرقاق، وأما الذرية -يعني ذرية ~~الناقضين منهم- فيسترقون (1) . # ففرق ابن القاسم بين الذرية، وإن كانوا لا يوجد منهم قتال، ولا إعانة في ~~نقض، وبين من علم أنه مغلوب من الرجال، إنما أرى (2) ذلك -والله أعلم- لأن ~~الذرية تبع في الحكم لرجالهم الذين نقضوا كما تقدم، وليس كذلك من له حكم ~~نفسه من الرجال، فإن أحدا لا يؤخذ بجريرة أحد، وكذلك يجب أن يكون الحكم في ~~ذراري هؤلاء المستضعفين من رجالهم، الذين علم أنهم لم يكن منهم في ذلك ~~النقض عمل ولا رضى، فلا يباح سبي ذراريهم؛ لأنهم تبع في الحكم لهم، وإنما ~~تكلم ابن القاسم على ذراري الناقضين دونهم، وقال غيره من أصحاب مالك، منهم ~~ابن الماجشون (3) وغيره (4) : «إن نقض كبارهم يعد نقضا عليهم، كما أن صلحهم ~~صلح عليهم» ، فلم يفرقوا بين المستضعفين وغيرهم، وحملوهم في ذلك محمل ~~الذرية. قال أبو الوليد بن رشد (5) : لا ينبغي أن يختلف فيهم إذا علم أنهم ~~مغلوبون ومكرهون غير راضين؛ لقوله -تعالى-: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ~~[الأنعام: 164، الإسراء: 15، فاطر: 18، الزمر: 7] ، ويحمل الخلاف على من # جهل أمره، وادعى الإكراه. # وقال الأوزاعي (6) : أهل العهد لا تؤخذ العامة منهم بنقض الخاصة، وقاله ~~PageV01P588 # أبو عبيد (1) ، وجماعة من أهل العلم (2) ، قال أبوعبيد: «إلا أن يكون ذلك ~~بممالأة منهم، ورضى بما صنعت الخاصة؛ فهناك تحل دماؤهم» . وقال سفيان بن ~~عيينة (3) : «الذي انتهى إلينا من العلم أن من نقض شيئا مما عوهدوا عليه، ~~ثم أجمع القوم على نقضه، فلا ذمة لهم» . وذكر أهل مكة ونقضهم، وقال: «لا ~~نعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاهد قوما فنقضوا العهد إلا استحل ~~قتلهم، غير أهل مكة: فإنه من عليهم، وإنما كان نقضهم الذي استحل به غزوهم: ~~أن قاتلت حلفاؤهم من بني بكر، حلفاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~خزاعة، فنصر أهل مكة بني بكر علىحلفائه؛ فاستحل بذلك غزوهم» (4) . ~~PageV01P589 # فإذا تقرر ms223 ذلك، فالناقضون على ثلاثة أحوال: إما أن يعلم تمالؤهم ورضاهم ~~به، فهؤلاء يستباح جميعهم بلا خلاف، وإما أن يعلم من نقض بعينه، وأن من ~~سواه -أو قوما بأعيانهم- لم يعاون، ولم يرض بفعل من نقض؛ فلا ينبغي أن ~~يستباح من لم يرض منهم بحال. قال الله -تعالى-: {كل امرىء بما كسب رهين} ~~[الطور: 21] . وقال -تعالى-: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} [الأنعام: 164] ، ~~وقال -تعالى-: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164، الإسراء: 15، فاطر: ~~18، الزمر: 7] . # والثالث: أن يشكل الأمر: فلا يعرف من نقض منهم ممن لم ينقض، فهذا موضع ~~النظر ومحل الخلاف، والله أعلم. # مسألة # اختلف أهل العلم في الواجب في حكم من قتل ذميا ظلما، # فذهب أبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى وعثمان البتي إلى أن # المسلم يقتل بالذمي (1) ، وهو قول الشعبي وإبراهيم النخعي (2) . وذهب ~~PageV01P590 # الأوزاعي (1) ، ومالك (2) ، والشافعي (3) ، والليث، والثوري، وأحمد (4) ، ~~وإسحاق، PageV01P591 # وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود (1) ، وغيرهم (2) ، إلى # أنه لا يقتل مؤمن بكافر، إلا أن مالكا والليث قالا (3) : إن قتله قتل ~~غيلة قتل به، وقتل الغيلة عندهم: أن يقتله على ماله، لا يقتله لنائرة (4) ، ~~ولا عداوة؛ كأنهم رأوا فعله ذلك كفعل المحارب، فرأوا قتله واجبا كحد ~~الحرابة، ولهذا لم ير مالك (5) لولي دم من قتل غيلة أن يعفو عنه، وجعل قتله ~~لازما على كل حال. # والصحيح ما ذهب إليه الجمهور: أن لا يقتل المؤمن بالكافر؛ لأن دماء ~~PageV01P592 # المسلمين معصومة بيقين، فلا يقدم عليها إلا بيقين، ولم يأذن الله -تعالى- ~~في القود من المسلم إلا بمسلم، قال -تعالى-: {كتب عليكم القصاص في القتلى} ~~إلى قوله - # تعالى-: {فمن عفي له من أخيه شيء} [البقرة: 178] ، فإثبات الأخوة بين ~~القاتل والمقتول، أو القاتل والولي -على الخلاف في تأويل عود ذلك- دليل لا ~~يشكل أن كليهما من المسلمين، وكذلك ذكر القصاص ظاهر في ذلك؛ لأنه يقتضي ~~المساواة في الدين، فالقود من المسلم لا يستباح بغير المسلم، وقد جاء ذلك # -أيضا- نصا. # خرج أبو داود (1) عن عمرو بن شعيب؛ عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه ms224 وسلم -: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير ~~عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم، ويرد مشدهم على مضعفهم، ومتسريهم على ~~قاعدهم، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» . # وفي كتاب البخاري (2) ، عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي: هل عندكم شيء من ~~الوحي إلا ما في كتاب الله -عز وجل-؟ قال: لا، والذي فلق الحبة، وبرأ ~~النسمة، ما أعلمه، إلا فهم يعطيه الله -عز وجل- رجلا في القرآن، وما في هذه ~~الصحيفة (3) . قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا ~~يقتل مسلم بكافر. PageV01P593 # فهذا نص في ذلك. ولأبي حنيفة وأصحابه في ذلك تأويلات ليس هذا موضع النظر ~~فيها، وربما تعلقوا فيما ذهبوا إليه برواية لا تثبت، وأقيسة فاسدة (1) . # قال ابن المنذر: لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خبر يعارض ما ~~ثبت من قوله: «لا يقتل مؤمن بكافر» . وكان مما احتج به الشافعي عليه من ~~طريق النظر: أنه لا خلاف في أن المسلم لا يقتل بالحربي المستأمن، فكذلك ~~الذمي؛ لأنهما في تحريم القتل سواء. وأما قول مالك في أنه يقتل المسلم إذا ~~قتله غيلة؛ فيأتي (2) عليه عموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~يقتل مؤمن بكافر» . # فالأرجح: أنه لا يقتل؛ للأدلة المتقدمة؛ ولأنه لم يأت في ذلك تخصيص غيلة ~~ولا غيرها، وليس حمله على حكم المحارب بشيء؛ لأن المحارب له شروط لا يستحق ~~اسم الحرابة إلا بوجودها، وهذا لم يوجد ذلك منه، فلم يكن له حكم المحارب، ~~وقد كان يلزم من جعل له حكم المحارب -وكان من مذهبه التخيير في عقوبات ~~المحارب- أن يجيز ذلك منه، وهو ما لا يقول به. # فإن قيل: لا يكون التخيير في محارب قتل في حرابته؛ لأنه يقتل باتفاق؛ ~~فسقط ما عداه! قيل: الساقط بانحتام القتل شيئان: القطع والنفي، فيبقى ~~التخيير بين القتل والصلب، وذلك يلزمهم لا محالة (3) . PageV01P594 # وإذا تقرر أن المسلم لا يقتل بالذمي، فلا خلاف في أن فعله ذلك كبيرة من ~~الكبائر. # خرج البخاري (1) ، عن عبد الله بن ms225 عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين ~~عاما» . # وأوجب العلماء الذين لم يروا قتل المسلم بالذمي على قاتله المسلم ديته، ~~واختلف في ديته؛ فقال قوم: دية الكافر المعاهد إذا وجبت كدية المسلم سواء، ~~وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه (2) ، وقاله الشعبي والنخعي وسفيان (3) ، ~~وسواء كان PageV01P595 # عندهم يهوديا، أو نصرانيا، أو مجوسيا (1) . وقال مالك (2) وأحمد بن حنبل ~~(3) ، في # اليهودي والنصراني: ديته نصف دية المسلم. وقال الشافعي وأبو ثور وإسحاق ~~(4) : ديته ثلث دية المسلم. # واتفق مالك والشافعي وأحمد وإسحاق على أن دية المجوسي ثمان مئة ~~PageV01P596 # درهم (1) . واحتج الزهري على أن دية المعاهد كدية المسلم بقوله -تعالى-: # { ... وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير ~~رقبة مؤمنة} [النساء: 92] (2) . # قال الكوفيون: فذكره بعد ذكر دية المؤمن يجعلهما سواء في الدية والكفارة، ~~واستدلوا على أنه يراد به من كان له عهد من الكفار: أنه لو أريد به المؤمن، ~~لوصفه الله -تعالى- بذلك، كما قال -سبحانه-: { ... فإن كان من قوم عدو لكم ~~وهو مؤمن ... } [النساء: 92] (3) . # وخرج الترمذي (4) ، عن ابن عباس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ودى العامريين بدية المسلمين، وكان لهما عهد من رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. قال فيه: حديث غريب. # ومستند من رأى أن دية الكافر على النصف من دية المسلم: ما خرجه الترمذي ~~(5) -أيضا- من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - PageV01P597 # قال: «دية عقل الكافر نصف دية (1) عقل المؤمن» (2) . # ***** PageV01P598 ### | الباب العاشر # في المرتدين، والمحاربين، وقتال أهل البغي، وتفصيل # أحكامهم، وذكر ما يتعلق بجناياتهم، ويلزم من عقوباتهم # قال الله -تبارك وتعالى- في الحد المنتهى إليه من قتل الكفار وقتالهم: { ~~... فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور ~~رحيم} [التوبة: 5] ، وقال -تعالى-: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم ~~رحيما} [النساء: 29] ، وقال -تعالى-: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ~~خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له ms226 عذابا عظيما} [النساء: 93] . # وخرج مسلم (1) ، عن عبد الله بن عمر: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول ~~الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوه؛ عصموا مني دماؤهم ~~وأموالهم، وحسابهم على الله -عز وجل-» . # وخرج -أيضا- (2) عن أبي بكرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«إن # الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ... » الحديث. وفيه ~~قال: «فإن دماءكم PageV01P601 # وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم ~~هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، فلا ترجعوا بعدي كفارا -أو: ضلالا- ~~يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب» . # فالكتاب والسنة والإجماع على عصمة دم المسلم وتحريمه، لا خلاف في ذلك بين ~~الأمة، إلا أن يأذن الشرع في شيء من ذلك؛ لحق أوجبه؛ فيكون ذلك مستثنى من ~~عموم ما تقدم. وقد جاء من تخصيص ذلك في الكتاب والسنة ما أوجب المصير إليه، ~~والاقتصار عليه. # قال الله -تعالى-: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} [الأنعام: ~~151، الإسراء: 33] . # وخرج مسلم (1) في حديث جابر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « ... ~~فإذا قالوا: لا إله إلا الله؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» . ففي ~~قوله -تعالى-: {إلا بالحق} ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إلا بحقها» ~~بيان أن هناك أشياء تبيح ذلك منه، إذا هو ارتكبها بعد الإيمان، وإن كان لفظ ~~الحق ها هنا مجملا؛ فقد جاء مفسرا: منه في القرآن، ومنه في السنة الصحيحة. ~~قال الله -تعالى-: {كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة: 178] . وبين ~~-تعالى- وجه الحكمة، وموقع النعمة في ذلك بقوله -عز وجل-: {ولكم في القصاص ~~حياة} [البقرة: 179] ، وقال -تعالى-: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ~~ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا} [المائدة: 33] . # وتواتر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إيجاب قتل الزاني المحصن، ~~رجما بالحجارة (2) ، والأمر بقتل من رجع عن الإسلام (3) ؛ فكان ذلك كله ~~مبينا # للحق الذي استثناه الله PageV01P602 # -عز وجل-. # وخرج ms227 مسلم (1) ، عن عبد الله، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«والذي لا إله غيره! لا يحل دم رجل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني ~~رسول الله، إلا ثلاثة نفر: التارك للإسلام، المفارق للجماعة، والثيب ~~الزاني، والنفس بالنفس» . ورواه -أيضا- عن عائشة (1) ، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، بمثله. # فكان ظاهر هذا الحديث حصر الحق المستثنى في الثلاث، فتعلق بذلك قوم، ~~وألحق آخرون بهذه ما أوجبه نص آخر ودليل بين، واحتمل أن يكون تعيين هذه ~~الثلاث بالحصر؛ لأنها أمهات، وقواعد في الشرع بينات في حفظ الدين والدماء ~~والأنساب، وقد تقرر في الشرع تقرر التواتر بيان حكمها، وتمييز أنواعها، فلم ~~يكن إقدام الحاكم في تنفيذ الحكم فيها يفتقر إلى نظر وكشف واستفسار، فكأنه ~~قال: الحل البين الذي لا يخفى عليكم، ولا يشكل على نظركم، ونحو هذا مما يقع ~~فيه الفرق بين هذه الثلاث وغيرها، وإلا فقد رويت آثار صحاح بإيجاب القتل في ~~أحداث غير هذه؛ من ذلك: ما خرجه مسلم (2) عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إذا بويع لخليفتين؛ فاقتلوا الآخر منهما» . وخرج ~~-أيضا- (3) عن عرفجة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أراد أن يفرق ~~أمر هذه الأمة وهي جميع؛ فاضربوه بالسيف، كائنا من كان» . # وقاتل أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- مانعي الزكاة بمحضر الصحابة ~~وموافقتهم (4) ، فكان كالإجماع. PageV01P603 # فدل ذلك كله على أنه تفسير للحق الذي استثناه الله -تعالى- # في كتابه، وعلى لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وحيث ما وجد دليل ~~من الشرع، وجب الانتهاء إليه، ما لم يدل دليل آخر على نسخه وتخصيصه، وما ~~أشبه ذلك من الوجوه التي يجب المصير إليها. وعند تصفح هذه الأحداث الأخر، ~~التي جاء وجوب القتل فيها # -أيضا-؛ يتبين لك الفرق في الوضوح، والتمييز للناظر بينها وبين الثلاث ~~التي أفردت عنها في الحديث الذي ظاهره الحصر؛ وذلك: أن قتل الذي بويع له ~~ثانيا يفتقر إلى نظر وتأمل: هل كان قصد بذلك الخلاف على الأول، أو لم يكن ~~علم ms228 ببيعة الأول، أو كان هو أحق من الأول، أو كان بينهما من المسافة في ~~الأرض وبعد البلاد ما لا يدركه نظر الأول، أو لم يعثر عليه حتى مات الأول؟ # وكذلك من خرج على الناس، وأمرهم جميع، يحتمل أن يكون متأولا، فيجب أن ~~يبين له، أو يكون مظلوما، فيجب أن ترفع ظلامته، وما كان من نحو هذا، وكذلك ~~ما وقع من النظر والاجتهاد في مانعي الزكاة، وكذلك فيمن ترك الصلاة، فكل ~~واحد من هذه يفتقر في تمييز نوعه الذي يجب القتل به، من غيره الذي لا يجب ~~فيه إلى حالات واجتهادات يغمض معها درك الثقة باستحلال القتل، فبذلك فارقت ~~معنى الثلاث الأول، فكان حصر الحلية فيها مشعرا بوجوب النظر والتثبت فيما ~~عداها مما أحله الشارع -أيضا-؛ لافتراق وجوه التمييز في الاستحلال، والله ~~أعلم. # ولما كان هذا الباب مختصا بقتال المرتدين، والمحاربين، وأهل البغي، وكلهم ~~إما مسلم في الحال، أو قد تقدم له اعتصام بالإسلام، وجب تقديم هذا الأصل، ~~وتمهيد هذه القاعدة، ثم نعود إلى تفصيل القول في ذلك، بحسب ما وضع له هذا ~~الباب، وهو يشتمل على ثلاثة أصناف: المرتدين، والمحاربين، وأهل البغي. ~~فلنقسم القول فيه على ثلاثة فصول: PageV01P604 # الفصل الأول: في أحكام المرتدين # قال الله -عز وجل-: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت ~~أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: ~~217] . # ففيه دليل على وجوب قتلهم، ورفع احترام ما كان أوجبه الإيمان لهم. وثبت ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من بدل دينه فاقتلوه» (1) . # خرج البخاري، عن عكرمة، أن عليا حرق قوما، فبلغ ابن عباس، فقال: لو كنت ~~أنا، لم أحرقهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تعذبوا بعذاب ~~الله» ، ولقتلتهم، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من بدل دينه ~~فاقتلوه» (2) . # وخرجه الترمذي (3) ، وقال فيه: إن عليا حرق قوما ارتدوا عن الإسلام ... ~~بمثله (4) . وزاد في آخره: فبلغ ذلك عليا، فقال: صدق ابن عباس. # وهو إجماع المسلمين: أن الرجل ms229 البالغ العاقل، إذا كان ممن اتصف بالإيمان، ~~ثم ارتد مختارا، غير مكره، فاستتيب فلم يتب، واستؤني به فلم يقلع؛ أنه مباح ~~الدم (5) . PageV01P605 # واخلتفوا من ذلك في ثلاثة مواضع: # أحدها: هل يستتاب المرتد قبل القتل، أو يقتل بنفس الردة؟ # والثاني: هل حكم المرأة في القتل بالردة حكم الرجل أو لا؟ # والثالث: في لواحق أحكامه: في ميراثه، وأولاده، وجناياته حال ارتداده. # فصل # فأما اختلافهم في استتابة المرتد، فلأهل العلم في ذلك قولان مشهوران: # قول: إنه يستتاب؛ فإن تاب وإلا قتل، روي ذلك عن عمر (1) ، PageV01P606 # وعثمان (1) ، وعلي (2) -رضي الله عنهم-، وبه قال عطاء والنخعي (3) ، # وإليه ذهب مالك (4) ، PageV01P607 # والشافعي (1) ، وأصحاب الرأي (2) ، والثوري (3) ، # والأوزاعي (4) ، وأحمد (5) ، وإسحاق، وغيرهم (6) . PageV01P608 # وقول: إنه يقتل بنفس الردة، ولا يستتاب، روي ذلك عن طاوس، وعبيد بن عمير، ~~وقاله عبد العزيز بن أبي سلمة (1) ، وقال أبو محمد بن حزم (2) : تضرب عنقه، ~~سواء رجع إلى الإسلام أو لم يرجع، سواء أعلن بالردة أو أسر بها وجحدها، متى ~~قامت عليه بذلك بينة عدل، إلا أنه إن رجع إلى الإسلام؛ غسل وكفن وصلى ~~PageV01P609 # عليه المسلمون. # وفيه قول ثالث يعزى إلى عطاء -أيضا-: أنه إن كان مسلما ممن ولد في ~~الإسلام ثم ارتد؛ قتل ولم يستتب، وإن كان مشركا، ثم أسلم، ثم ارتد، استتيب ~~(1) . # فدليل من رأى استتابته، ولم ير قتله بمجرد الردة: قوله -تعالى-: {وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] مع ما دل عليه مفهوم الخبر، وأن ~~القتل إنما وجب بحال، فإذا تاب وراجع الإسلام؛ ارتفع حكم القتل، كالكافر ~~الأصلي، وقول الله -تعالى-: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} ~~[الأنفال: 38] ، وهو يعم # كل كافر كان منه إيمان قبل ذلك، أو لم يكن. # ودليل من أوجب القتل بنفس الارتداد: ظاهر الخبر في تعليق حكم القتل على ~~وجود الردة، فإذا وجب القتل؛ لم يندفع إلا بحكم الشرع وتوقيفه في ذلك. # خرج مسلم (2) ، عن أبي موسى، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكر ~~حديثا طويلا في كراهية طلب العمل، وقول النبي - صلى ms230 الله عليه وسلم -: «لا ~~نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى -أو يا عبد الله بن ~~قيس-، فبعثه إلى (3) اليمن، ثم أتبعه معاذ ابن جبل، فلما قدم عليه، قال: ~~إنزل، وألقى له وسادة، وإذا رجل عنده موثوق (4) ، PageV01P610 # قال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهوديا فأسلم، ثم رجع إلى دينه (1) دين السوء ~~فتهود، قال: لا أجلس حتى يقتل! قضاء الله ورسوله -ثلاث مرات-» ، فأمر به ~~فقتل. # فكان ظاهر قوله: «حتى يقتل، قضاء الله ورسوله» ، وقول أبي موسى له: «نعم» ~~، ثم أمر به فقتل، ولم يعرض لاستتابته، أنه كذلك قضى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وفيه الرد على من فرق بين المرتد الذي كان كافرا ثم أسلم، والمرتد الذي ~~ولد على الإسلام (2) . وكأن القول بالاستتابة أرجح؛ لعموم قوله -تعالى-: ~~{قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38] ، ولم # يفرق بين كافر وكافر، وقوله -تعالى- في المنافقين: {إلا الذين تابوا ~~وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت ~~الله المؤمنين أجرا عظيما. ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} [النساء: ~~146-147] . والمنافقون: ممن آمن ثم كفر. # وأما حديث أبي موسى فليس بذلك الظهور فيما يدعى من سقوط الاستتابة (3) . # ثم اختلف القائلون بالاستتابة في مدة التربص به، فقيل يستتاب مرة، # فإن تاب وإلا قتل مكانه، وإليه ذهب الشافعي والمزني (4) ، وقاله أبو بكر ~~بن PageV01P611 # المنذر (1) ، وغيره (2) ، وقيل: يستتاب ثلاثة أيام (3) ، فإن تاب وإلا ~~قتل بعدها، روي ذلك عن عمر (4) ، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق (5) ، ~~واستحسنه # مالك (6) وأصحاب الرأي (7) ، وقيل: يتربص به شهرا، روي ذلك عن علي (8) ، ~~وقد قيل: إنه PageV01P612 # يستتاب أبدا، روي ذلك عن النخعي (1) ، وليس # لشيء من ذلك دليل يوجد، إلا أن من تربص به، ومن مد في أجل التربص فبحسب ~~الإعذار إليه، والاجتهاد في أمره، وما يرجوه من معاودته الإسلام. # وأما من زعم أنه يستتاب أبدا؛ فخطأ ظاهر؛ لأن فيه إبطال حكم الخبر ~~الثابت، والأرجح أن يقتل مكانه إن لم يتب؛ لأن ms231 الخبر لا يقتضي التربص بظاهر ~~ولا مفهوم، والاستتابة نفسها إنما انتزعت من دليل آخر، فإذا استتيب مرة؛ ~~فإن التربص فوق ذلك لا دليل عليه، فلم يلزم (2) . # فصل # وأما اختلافهم في المرأة ترتد، ففي ذلك ثلاثة أقوال: # قول: إنها كالرجل في ذلك، إن راجعت الإسلام وإلا قتلت، # وإليه ذهب الجمهور: مالك (3) ، ### | ............................................. # PageV01P613 # والشافعي (1) ، والليث، والأوزاعي (2) ، وأحمد (3) ، وإسحاق. # ومذهب أهل الظاهر أنها تقتل من غير استتابة، كالرجل عندهم (4) . # وقول: إنها تجبر على الإسلام ولا تقتل، وإليه ذهب أبو حنيفة (5) . ~~PageV01P614 # وروي -أيضا- عن ابن عباس: تجبر. وفي رواية: أنها تحبس ولا تقتل، ذكر ذلك ~~الدارقطني مسندا إليه من طرق (1) . PageV01P615 # وقول: إنها تسترق ولا تقتل. يروى ذلك عن علي (1) ، وبه قال قتادة والحسن ~~البصري (2) . # فدليل الجمهور في وجوب قتلها كالرجل: عموم الخبر في قتل من بدل دينه، وهو ~~لفظ يعم الرجل والمرأة. ومستند أبي حنيفة في أنها تجبر على الإسلام ولا ~~تقتل: حمله على ما وقع النهي عنه من قتل نساء أهل الحرب بعلة الكفر، وهذا ~~بعينه هو مستند القول الآخر في استرقاقها؛ لأن نساء أهل الحرب اللائي نهي ~~عن قتلهن، أبيح استرقاقهن بعلة الكفر، فمن ساوى بينهن (3) من غير فرق؛ قال ~~بالاسترقاق، ومن رأى لموقع الإسلام المتقدم أثرا في تعلق الأحكام بمنع ~~معاودة الكفر؛ قال: تجبر على الإسلام، ولا تقتل، ولا تسترق. # والأرجح أن لا فرق في شيء من ذلك بينها وبين الرجل، وأنها تقتل كما يقتل؛ ~~لعموم الخبر، واستوائهما في الكفر بالردة. # وأما النهي عن قتل النساء فشيء خاص في نساء أهل الحرب، إذا لم يكن ~~PageV01P616 # منهن حدث يوجب قتلهن: من قتال، أو قتل أحد من المسلمين، وغير ذلك مما ~~أثبته الشرع. # فأما إن تعدين في مثل ذلك؛ فلا يمتنع القتل. # خرج أبو داود (1) عن عائشة قالت: لم يقتل من نسائهم -يعني # بني قريظة- إلا امرأة، إنها لعندي تحدث، تضحك ظهرا وبطنا، ورسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقتل رجالهم بالسوق، إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟ ~~قالت: أنا، قلت: وما شأنك؟ قالت: حدث أحدثته. ms232 قالت: فانطلق بها فضربت ~~عنقها. # فليس النهي عن قتل النساء يراد به العموم والإطلاق؛ ألا ترى إلى قتل ~~المرأة قودا بالنفس؛ وحدا في الزنا؟ وكذلك الردة، والله أعلم. # فصل # وأما اختلافهم في ميراث المرتد إذا قتل أو مات على ردته، ففي ذلك قولان ~~PageV01P617 # مشهوران: # ذهبت طائفة إلى أنه يرثه ورثته من المسلمين، روي عن علي (1) ، والحسن ~~البصري (2) ، PageV01P618 # والشعبي (1) ، وهو قول أبي حنيفة (2) ، والليث # وإسحاق (3) . # وذهبت طائفة إلى أنه لا حق لورثته في ميراثه، وإنما ماله # فيء لجماعة المسلمين، وهو قول مالك (4) ، والشافعي (5) ، PageV01P619 # وأبي ثور (1) ، وغيرهم (2) ، وهو الأرجح، لما خرجه مسلم (3) عن أسامة بن ~~زيد، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يرث المسلم الكافر» . وهذا ~~نص في ذلك. # وفي المسألة قول ثالث: قال أبو محمد بن حزم (4) : كل ما ظفر به من مال ~~المرتد، فسواء رجع إلى الإسلام أو لم يرجع؛ هو لجماعة المسلمين، وأما ما لم ~~يظفر به من ماله قبل قتله؛ فهو باق على ملكه: إن رجع إلى الإسلام؛ ورثه ~~ورثته من المسلمين، وإن لم يرجع؛ ورثه ورثته من الكفار، إن كان له ورثة ~~كفار، فإن لم يكونوا (5) له؛ فهو لجماعة المسلمين. # مسألة # واختلفوا في حكم ولد المرتد، فقال الشافعي (6) : ولد المرتد على # حكم PageV01P620 # الإسلام، فإن بلغوا فأبوا من الإسلام؛ قتلوا بعد أن يستتابوا، ولا تسبى ~~للمرتد ذرية، وقال الأوزاعي (1) : «إن كان تزوج في دار الحرب، وولد له، ثم ~~راجع الإسلام؛ ألحقت به ذريته، ووضعت امرأته في المقاسم، [وإن أبى أن يسلم؛ ~~وضعت امرأته وولدها في المقاسم] » . وقال أبوحنيفة (2) : «إن ارتد رجل ~~وامرأته عن الإسلام معا؛ فهما على النكاح، فإن لحقا بدار الحرب، فحملت في ~~دار الحرب فولدت، ثم ظهر على ولدها؛ فهو فيء (3) ، ويجبر على الإسلام إذا ~~سبي صغيرا، وإن ولد لولدهما ولد، ثم ظهر على ولد الولد؛ كان فيئا، ولم يجبر ~~على PageV01P621 # الإسلام، إنما يجبر على الإسلام المرتدون وأبناؤهم (1) لأصلابهم، وأما ~~ولد ولدهم الذين ولدوا في دار الحرب، فهم فيء لا يجبرون على الإسلام» . # قال ms233 أبو محمد بن حزم (2) : «كل من نالته ولادة مسلم أو مسلمة، # بأي وجه كان، لم يقبل منه إلا الإسلام أو السيف، وإن بعد إلى ألف أم، أو ~~ألف أب وأكثر، وسواء بان المرتدون بدارهم أو لم يبينوا، دافعوا عن أنفسهم ~~أو لم يدافعوا؛ لحقوا بأرض الحرب أو لم يلحقوا؛ حكمهم في كل شيء كما ذكرنا» ~~. يعني ما تقدم من قوله في وجوب القتل وأحكام الوراثة وغير ذلك. قال: «إلا ~~أنهم إن دافعوا، غنمت أموالهم وقسمت، كأموال أهل الحرب ولا فرق، والمرأة ~~المرتدة في كل ما ذكرنا من قتل وغيره كالرجل، والعبد والأمة كذلك فلم يجز ~~سباؤهم، ولا استحياؤهم، إلا أن يكونوا أصاغر فيستحيون حتى يبلغوا؛ فإن ~~أسلموا؛ وإلا قتلوا» . # والأرجح ما توافق عليه قوله وقول الشافعي، ونحوه من مذهب مالك في إجبار ~~ولد المرتد على الإسلام (3) ، فإن كانوا أصاغر فبلغوا فأبوا دين الإسلام ~~قتلوا، ولا تسبى للمرتد ذرية، وقد تقدم من القول في وجه الدليل على صحة ~~PageV01P622 # الأصل الذي يشتمل على هذا وأمثاله في (فصل: المفاداة بأبنائه المشركين) ، ~~من (الباب الخامس) ما فيه غنية لمن تأمله. # قال أبو الوليد بن رشد (1) في ارتداد أهل بلد أو حصن: «الذي ذهب إليه ~~جمهور العلماء وأئمة السلف: أن يقتالوا؛ فيقتل رجالهم، ولا تسبى ذراريهم، ~~وأما أموالهم فهي فيء للمسلمين. قال: وقال أصبغ: # تسبى ذراريهم ونساؤهم، وتقسم أموالهم، ويقتل كبارهم على حكم الناقضين من ~~أهل الذمة؛ لأنهم جماعة، وإنما يكون الارتداد في الواحد وشبهه، وهو الذي ~~خالفت فيه سيرة عمر بن الخطاب سيرة أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنهما- ~~في الذين ارتدوا من العرب بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ سار ~~فيهم أبو بكر سيرة الناقضين، فقتل الكبار، وسبى النساء والصغار، وجرت فيهم ~~المقاسم وفي أموالهم، فلما ولي عمر بعده نقض ذلك، وسار فيهم سيرة المرتدين: ~~رد نساءهم وصبيانهم إلى عشائرهم وإلى الحرية، وأخرجهم من الرق والسباء، ~~وحملهم محمل ذرية المرتدين: أنهم على الإسلام، إلا من أباه منهم بعد بلوغه، ~~وما أباه ms234 (2) أحد منهم على عمر، ولا قبل ذلك، بل أقر كلهم بالإسلام ساعة ~~سبوا» . # قلت: فذهب أصبغ في سباء ذرية المرتدين إذا كانوا جماعة مذهبا شاذا؛ حيث ~~فرق بين حكم الجماعة والآحاد من غير دليل، كما ذهب أشهب في أهل الذمة إذا ~~نقضوا مذهبا شاذا: أن لا يسبوا، وكلا القولين غير سديد، وقد تقدم الرد على ~~أشهب. # مسألة # واختلفوا في حكم ما أصاب المرتد حال ارتداده من دم ومال، فقيل: حالهم في ~~ذلك كله، والحكم عليهم بما أصابوه كحال المسلمين، لا يختلف في PageV01P623 # العقل والقود والضمان، وإليه ذهب الشافعي (1) ، قال: وسواء قبل يقهرون ~~(2) وبعدما قهروا، فتابوا أو لم يتوبوا، لا يختلف ذلك. # وقيل: إنهم إذا حاربوا أو نابذوا المسلمين، لم يؤخذوا بشيء من ذلك، وهم ~~فيه كالمشركين، روي ذلك في قول عن الشافعي -أيضا- (3) . وحكى أبو الوليد بن ~~رشد (4) : أنه لا اختلاف -يعني: بين # المالكية- في أن المرتد إذا لحق بدار الشرك فتنصر، وأصاب الدماء ~~والأموال، ثم أخذ فأسلم؛ أنه يهدر عنه جميع ما أصاب (5) ، كالحربي إذا أسلم ~~سواء، وهذا إذا صح ارتداده بكونه على بصيرة منه في الكفر، وأنه لم يفعل ذلك ~~مجونا وفسقا. قال: «ولو ارتد وأصاب الدماء في بلد الإسلام، ثم أسلم» ؛ فذكر ~~ما ظاهره: أن لا خلاف بين المالكية في أن الارتداد لا يسقط عن المرتد شيئا ~~من حقوق الناس، في الدماء والأموال والجراح. # واختلف في حقوق الله -تعالى- من الزنى، والسرقة، وحد الحرابة؛ فعن ابن ~~القاسم: أن ذلك يهدر عنه، وحكى ابن حبيب عن أصبغ، واختاره (6) هو: أن ~~PageV01P624 # الردة لا تسقط شيئا من ذلك؛ لأنه يتهم أن (1) يرتد في الظاهر؛ ليسقط ذلك ~~عن نفسه، وقال أبو حنيفة (2) : ما جنى في # ردته؛ فهو عليه في ماله (3) . # فصل: في الزنديق (4) PageV01P625 # يقتل (1) على كل حال؟ فقالت طائفة: يكف عنه إذا أظهر الإسلام؛ لأن ما ~~أظهره من ذلك عصمة لدمه، وإليه ذهب الشافعي (2) ، وقالت طائفة: # يقتل أبدا # ولا يستتاب، ولا يقبل منه ما أظهره من الإسلام، وهو قول مالك (3) ، ~~والليث، PageV01P626 # وأحمد (1) ، وإسحاق (2) ، وكذلك ms235 أهل الظاهر (3) : يرون قتله من حيث أصلهم ~~في المرتد: أنه لا تعتبر مراجعته الإسلام في إسقاط ما ثبت عليه من القتل، ~~وليس هذا هو مسلك مالك ومن ذكر معه في قتل الزنديق من غير استتابة؛ لأنهم ~~يرون استتابة المرتد دون الزنديق، وإنما فرقوا # بينهما في ذلك من حيث أن الزنديق ليس على دين يعتقده، فيرى التزامه ~~وإظهاره عبادة، حتى لا يسمح بالرجوع عنه إلا بعد أن ينتقل عن ذلك الاعتقاد، ~~ويعتقد ما يظهره من الإسلام، وإنما الزنديق جاحد مبطل لا يعتقد شيئا دينا، ~~فتظاهره بالإسلام خداع ودفاع، وليس مبنيا على صحة اعتقاد، هذا وجه ما ذهبوا ~~إليه. # قال مالك في «الموطأ» (4) : «معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~-فيما نرى والله أعلم-: PageV01P627 # «من غير دينه فاضربوا عنقه» (1) : أنه من خرج من الإسلام إلى غيره: مثل ~~الزنادقة وأشباههم، فأولئك إذا ظهر عليهم قتلوا ولم يستأنوا؛ لأنه لا تعرف ~~توبتهم، وأنهم كانوا يسرون الكفر، ويعلنون الإسلام، فلا أرى أن يستتاب ~~هؤلاء، ولا يقبل منهم قولهم. وأما من خرج من الإسلام إلى غيره، وأظهر ذلك ~~فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل» . # ودليل ما ذهب إليه الشافعي: ما خرجه مسلم (2) ، عن جابر قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا ~~الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، ~~وحسابهم على الله» . ثم قرأ: {إنما أنت مذكر. لست عليهم بمصيطر} [الغاشية: ~~22] . # وخرج -أيضا- (3) ، عن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلا فقال: لا إله إلا # الله، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: «أقال: لا إله إلا الله وقتلته» ؟! قال: [قلت] (4) : يا رسول الله، ~~إنما قالها خوفا من السلاح! قال: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم ~~لا» ؟! فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ. # واحتج الشافعي بقوله -تعالى- في المنافقين: {اتخذوا أيمانهم ms236 جنة} ~~[المجادلة: 16، المنافقون: 2] . قال (5) : «فهذا يدل على أن إظهار الإيمان ~~جنة من PageV01P628 # القتل» . وهذه كلها أدلة واضحة، وحجج قوية فيما ذهب إليه الشافعي، والله ~~أعلم (1) . # فصل: فيمن سب النبي - صلى الله عليه وسلم - # الذي عليه الجماعة من أهل العلم: أن من سب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وجب قتله، # وممن قال بذلك: مالك (2) ، والشافعي (3) ، والليث بن سعد (4) ، ~~PageV01P629 # وأحمد (1) ، وإسحاق (2) ، وأهل الظاهر. # قال أبو محمد بن حزم (3) : كل من سب الله -عز وجل-، أو ملكا من الملائكة، ~~أو نبيا من الأنبياء، وهو يدري أنه ملك أو نبي، أو سب القرآن، أو سورة منه، ~~أو آية، أو شيئا من شرائع الإسلام، أو استهزأ بشيء مما ذكرنا، أو استخف به، ~~فإن كان مسلما قتل على الردة على ما قدمنا -يعني في أنه لا تقبل # توبته، وفي غير ذلك من أحكام ماله ووراثته وسائر أحواله-. قال: وإن كان ~~ذميا قتل، وأخذ ماله، إلا أن يبادر فيسلم؛ فلا شيء عليه، وماله الذي لم ~~يؤخذ بعد له، وأما الذي أخذ فلجماعة المسلمين. PageV01P630 # وحكي عن أبي حنيفة (1) أنه قال: لا يقتل من سب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من أهل الذمة، ما هم عليه من الشرك أعظم. # والدليل على وجوب قتل من سب النبي - صلى الله عليه وسلم - (2) : أنه بذلك ~~منتقص له، مستهين بحرمته، وفي ذلك تكذيب بما ورد في القرآن، وثبت بالتواتر ~~والإجماع من علو قدره - صلى الله عليه وسلم -، وكرمه (3) ، وما فضله الله ~~-تعالى- به، وكذلك القول في جميع الأنبياء -عليهم السلام- وملائكةالله ~~الكرام، وفي القرآن، وشرائع الإسلام كما ذكر أبو محمد؛ لأن كل ذلك مما جاء ~~بالشرع المتواتر: أن الله -تعالى- اصطفاه PageV01P631 # واختاره # وفضله، فمن وصف شيئا من ذلك بعد بغير ما وصفه الله -عز وجل- مما ينافيه ~~ويضاده؛ فقد كذب بما أعلم به الله من ذلك في كتابه وتواتر عن رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وعلم من دين الأمة ضرورة، وذلك هو نفس الكفر وصريحه، ~~وهذا مأخذ في الاستدلال على هذا المعنى، وإن لم أقف عليه نصا ms237 على هذا ~~المسلك لأحد، فهو نظر صحيح لا يعترض، بل إن لم يكن هذا هو المستند، فلا ~~يوجد على القتل دليل يرضى. # ومما يزيد -عندي- هذا المأخذ -الذي أنا من صحته على يقين- وضوحا في ذلك: ~~قول الله -عز وجل-: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا ~~والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا} [الأحزاب: 57] ، فجعل -تعالى- اللعنة ~~والوعيد لمن آذى نبيه - صلى الله عليه وسلم - مأخذة، مع اللعنة والوعيد لمن ~~آذى الله سبحانه وتنزه، إذا هو وصفه بغير صفته، أو نسب إليه ما لا ينبغي في ~~جلاله وعظمته وربوبيته، تعالى الله عما يقول المبطلون علوا كبيرا، وهو ~~الكفر الصريح لا محالة. # فلما سوى الله -تعالى- في ذلك مؤذيه بمؤذي رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وفرق بينه وبين غيره من كافة المسلمين؛ فقال -تعالى- في الآية بعده: ~~{والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا ~~وإثما مبينا} [الأحزاب: 58] ، وشتان بين هذا الوعيد والأول؛ كان ذلك أدل ~~دليل على أن سب النبي - صلى الله عليه وسلم - وتنقصه وغير ذلك، مما يفضي ~~إلى الاستهزاء والأذى: كفر بما أنزل الله -عز وجل-، وهذا كله دليل صحيح ~~واضح، والحمد لله. # وإذا تقرر هذا؛ فكان يجب أنه متى تاب فاعل ذلك، وراجع الحق: أقيل، على ~~مذهب من يرى قبول توبة المرتد، وهم أكثر أهل العلم، إلا أني لا أعلم قالوا ~~ذلك فيمن كان مسلما قبل: إنما هو القتل بكل حال؟ فلعل ذلك محمول عندهم محمل ~~إقامة الحدود: إذا وجبت أقيمت، ولا تغني التوبة في دفعها شيئا، لكنه يلزمهم ~~مثل ذلك في القضاء بقتل المرتد على كل حال، كما ذهب إليه أهل الظاهر وغيرهم ~~ممن يقول به، ولذلك لم يلزمهم هنا هذا الاعتراض ولا الانتقاض. # PageV01P632 # قال أبو بكر بن المنذر (1) : ومما يحتج به في هذا الباب -يعني قتل من سب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - -: قصة كعب بن الأشرف، وأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله؟» فانتدب له ~~جماعة بإذن ms238 النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقتلوه (2) . # الفصل الثاني: في أحكام المحاربين # قال الله - عز وجل-: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في ~~الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا ~~من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم. إلا الذين تابوا ~~من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم} [المائدة: 33- 34] . # واختلف أهل العلم في المحارب المراد بالآية وأحكامه في ثلاثة مواضع: # الأول: هل المراد بالآية الكفار أو المسلمون؟ # والثاني: في وضع العقوبات المحدودة في الآية عليه: هل ذلك على التخيير أو ~~على الترتيب؟ # والثالث: في حكم توبته، وما الذي يهدر عنه إذا جاء تائبا من جناياته؟ # فصل # فأما اختلافهم في المحارب المراد بالآية، ففي ذلك أقوال: PageV01P633 # قالت طائفة: لا يطلق على المسلم أنه محارب الله ورسوله، إنما ذلك في ~~الكفار المعاندين لدين الله -عز وجل-، وأما المسلم الذي يخرج متلصصا، فلا ~~يسمى بذلك. روي هذا القول عن ابن عباس (1) ، ويعزى كذلك إلى الحسن البصري ~~وعطاء وغيرهم (2) . # واحتج بعض من ذهب إلى هذا بخبر العرنيين (3) ، بما وقع في بعض طرقه: ~~PageV01P634 # «أنهم كفروا بعد إسلامهم» ، وفيهم نزلت الآية. # وقال أكثر الفقهاء (1) : إن كل من خرج من المسلمين فسوقا، فشهر السلاح، ~~وحارب المسلمين وأخافهم؛ فيصح عليه أنه حارب الله ورسوله، أي: أهل دين ~~الله؛ فيكون حكمه ما ذكر الله في الآية. # خرج مسلم (2) ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من حمل علينا ~~السلاح فليس منا» . # وبه قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأبو ثور، وأحمد، وأهل الظاهر، ~~وغيرهم (3) . # واحتج المستدل على صحة هذا المذهب، ردا علىمن زعم أن الآية في المشركين ~~بأشياء راجحة، منها: # إجماع العلماء على أن المشرك إذا فعل هذه الأشياء، ثم أسلم قبل أن يتوب ~~منها؛ أنه لا يقام عليه شيء من حدودها؛ لقول الله -تعالى-: {قل للذين ~~PageV01P635 # كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38] . # وأيضا؛ فلو كانت في المشركين؛ لوجب أن يقام ذلك على ms239 كل من قدر عليه منهم ~~قبل أن يتوب، فكان يكون ذلك حكم الأسرى، وهو مما لم يقله أحد بإجماع (1) . # فصل # وأما اختلافهم في وضع العقوبات التي ذكر الله -تعالى- في المحارب: هل ذلك ~~على التخيير أو هو مرتب على قدر جناياته؟. # فالذي ذهب إليه مالك (2) ، وأبو ثور (3) ، وقاله أبو محمد بن حزم (4) : ~~أن الأمر في ذلك إلى الإمام، يجتهد فيه، وينظر على حسب الحال والمصلحة، ~~وموقع الكف والنكال، وروي التخيير كذلك عن ابن عباس (5) ، وقاله سعيد بن ~~PageV01P636 # المسيب (1) ، وعمر بن عبد العزيز (2) ، # ومجاهد (3) ، والضحاك (4) . # وذهب الشافعي (5) ، وأبو حنيفة (6) ، والأوزاعي (7) ، وسفيان # الثوري، وأبو PageV01P637 # يوسف، وأحمد بن حنبل (1) : إلى أن العقوبات مرتبة على مقادير الجنايات، ~~بحسب ما عرف من الشرع في جزاء أمثالها، وليس في شيء من ذلك للإمام اختيار، ~~وروي -أيضا- هذا القول الثاني عن ابن عباس (2) ، إلا أنهم اختلفوا في ترتيب ~~ذلك اختلافا، نشير منه إلى أشهره -إن شاء الله تعالى-. # فأما مستند من ذهب إلى أن الإمام مخير (3) في عقوبات المحاربين بحسب ~~PageV01P638 # المصلحة (1) ، فذلك ظاهر الآية؛ لأن عرف اللغة في سياق # (أو) على مثل ذلك: أن يكون بمعنى التخيير، كآية كفارة اليمين، وآية فدية ~~الأذى، لا اختلاف في ذلك أنه تخيير، فكذلك ها هنا، ولله -تعالى- أن يعاقب ~~من شاء كيف شاء. # ومستند من ذهب إلى وضع العقوبات مرتبة على الجنايات بحسب ما عهد من ~~إجرائها في الشرع: ما تقرر ووجب من حفظ الدماء والأبشار إجماعا؛ فلم يكن ~~التصرف في واحد منها إلا بيقين. ولما شرع في عقوبات المحارب أشياء تختلف، ~~وكانت جناياته كذلك تختلف؛ كان الوجه: وضع كل عقوبة منها على ما يقابلها ~~مما تقرر في مثله، أو جنسه بنص الشرع؛ لأن التخيير هنا ليس نصا مقطوعا ~~عليه، ولا ظاهرا -أيضا-؛ ألا ترى أن (أو) قد تقع في اللغة هذا الموقع، ثم ~~لا يراد بها التخيير، وتكون للتفصيل (2) : ترد كل قسم إلى ما يليق به مما ~~عرف قبل ذلك أو معه، بنص أو قرينة، وذلك مثل قول القائل: حد الزاني: جلد ms240 أو ~~رجم، لا يراد بها التخيير في عقوبة كل زان، بل معناه تفصيل العقوبة ~~وتنويعها، بحسب أنواع الزناة، فالزاني البكر يجلد، والثيب يرجم، فليست (أو) ~~في نحو هذا من التخيير في شيء. # ومن ذلك قول جعفر بن علية الحارثي: # ألهفى بقرى سحبل حين أجلبت ... علينا الولايا والعدو المباسل PageV01P639 # فقالوا: لنا ثنتان لا بد منهما ... صدور رماح أشرعت أو سلاسل (1) # لم يرد أنا نتخير في ذلك واحدة، وإنما أراد أن كلتيهما مفعول، يتنوع بحسب ~~ما يكون منكم، فمن قاتل، أصابته رماحنا، ومن ألقى بيده، أسرناه في السلاسل. ~~فيكون على هذا معنى الآية: إن لكل حالة نوعا من هذه العقوبات على ترتيب ~~أوضاعها بالشرع. # وبالجملة؛ فلكل مذهب مستند قوي، إلا أن الأولى أن لا يقدم على دم مسلم ~~إلا بيقين، والخطأ في استحيائه أقرب من الخطأ في قتله، والله أعلم. # واتفق القائلون بترتيب العقوبات على أنه لا يقتل المحارب إلا إن قتل، ~~وأنه إن قتل يقتل على كل حال، وليس لولي دم المقتول مدخل في العقوبات؛ لأن ~~قتله واقع موقع الحد في الحرابة. # ثم اختلفوا في أشياء؛ فقال قوم: إذا شهر السلاح وقتل؛ قتل، فإن أخذ المال ~~ولم يقتل؛ قطع من خلاف، وإن قتل وأخذ المال؛ قتل وصلب، روي ذلك عن قتادة ~~وعطاء الخراساني (2) ، وإليه ذهب الأوزاعي (3) ، إلا أنه قال في الذي يقتل ~~PageV01P640 # ويأخذ المال: يصلب أولا ثم يقتل مصلوبا. وروي عن بعضهم: فيمن قتل وأخذ ~~المال: أنه يقطع من خلاف، ثم يصلب، فجمع عليه عقوبتين. # وقال أبو حنيفة (1) : «إذا قتل قتل، وإذا أخذ المال ولم # يقتل، قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا أخذ المال وقتل؛ فالسلطان مخير فيه: ~~إن شاء قطع يده ورجله وقتله، وإن شاء لم يقطع يده ورجله، وقتله وصلبه» . # وهذا أبعد من الأول؛ لأنه جعل الخيرة إلى الإمام بغير دليل، وهو لا يرى ~~الآية على التخيير، وجمع عليه عقوبتين. # وقال الشافعي (2) : «إذا أخذ المال؛ قطعت يده اليمنى وحسمت، ثم قطعت رجله ~~اليسرى وحسمت في مكان واحد وخلي، وإذا ms241 قتل؛ قتل ودفع إلى أوليائه يدفنونه، ~~وإذا أخذ المال وقتل؛ قتل وصلب. وروي عنه أنه يصلب ثلاثة أيام» . قال (3) : ~~«وإن حضر وكثر وهيب، وكان ردءا للعدو؛ عزر وحبس» . # قال أبو محمد بن حزم (4) فيما ذهب إليه، من أن العقوبات في ذلك على ~~التخيير، كما ذهب إليه مالك (5) ومن ذكر معه: «الإمام مخير # فيه، إن شاء ضرب PageV01P641 # عنقه، وأمر بغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، وجائز للإمام أن يصلي ~~عليه، وإن شاء قطع يده ورجله من خلاف: اليمنى من جهة، إما من يد، وإما من ~~رجل، واليسرى من جهة كذلك، ثم يكويه؛ ليرقأ الدم، ويطلقه، ولا يحل له أن ~~يسجنه، ولا أن يضربه، وإن شاء صلبه حيا، وتركه حتى يموت، ويجف وييبس، فإذا ~~يبس جلده، وسال ودكه؛ أمر بإنزاله، وغسله، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه. ~~وللإمام أن يصلي عليه، ولا يحل أن ينحر برمح، ولا أن يرمى بنبل ولا حجارة، ~~ولا أن تضرب عنقه ثم يصلبه، ولا أن تقطع له يد ورجل، ثم يقتل أو يصلب، ولا ~~أن يضرب. PageV01P642 # وإن شاء نفاه. وصفة نفيه أنه كلما حصل في بلد نفي عنه أبدا، هكذا حتى ~~يموت، وسواء قتل وأخذ المال، أو لم يفعل شيئا من ذلك، يعني: إذا كان قد ~~أخاف الطريق، وحارب أهله على أموالهم؛ فهو عنده محارب، سواء كان في المصر ~~أو خارج المصر، ليلا أو نهارا» . هكذا نص قوله. # وكان مما اختلفوا فيه من هذا الفصل: صفة النفي الذي ذكره الله -تعالى-، ~~فقال الكوفيون (1) : لما قال الله -عز وجل-: {أو ينفوا # من الأرض} [المائدة: 33] علم أنهم لا بد لهم أن يستقروا في الأرض؛ لم يكن ~~شيء أولى بهم من الحبس؛ لأنه إذا حبس فقد نفي من الأرض، من موضع استقراره. ~~وقال مالك (2) : «ينفى من البلد الذي أحدث فيه هذا إلى غيره، ثم يحبس فيه» ~~، حملا على قولهم في نفي الزاني. وقال الزهري (3) : نفيه: أن يطلب فلا يقدر ~~عليه، كلما سمع به في أرض طلب. وعلى نحو ذلك يجيء ما روي عن ms242 الشافعي: أن ~~نفيهم: أن يطلبوا حتى يؤخذوا، فتقام عليهم الحدود (4) . PageV01P643 # فصل # وأما اختلافهم في المحارب يجيء تائبا من قبل أن يقدر عليه: ما الذي يهدر ~~(1) عنه بالتوبة؟ فقال قتادة والزهري في قوله -تعالى-: {إلا الذين تابوا من ~~قبل أن تقدروا عليهم} [المائدة: 34] : ذلك لأهل الشرك (2) . # فظاهر هذا القول أن المحارب المسلم لا يهدر عنه شيء من جناياته، والله ~~أعلم. وقال أكثر أهل العلم: إنه (3) يتناول المحارب المسلم، فإذا تاب قبل ~~أن يقدر عليه، وكان جنى في حرابته جنايات، سقط عنه ما كان من حد لله، وأخذ ~~بحقوق الآدميين، فاقتص منه في النفس والجراح، وضمن ما استهلك من الأموال، ~~وأخذ ما وجد من PageV01P644 # ذلك عنده، وهذا مذهب مالك (1) ، والشافعي (2) ، وأبي ثور (3) ، وأصحاب ~~الرأي (4) . # وقال أبو محمد بن حزم (5) : إن تاب المحارب قبل أن يقدر عليه، سقط عنه كل ~~ما ذكرنا -يعني: حد الحرابة-، المختص القيام فيها إلى السلطان. قال: ولا ~~شيء عليه إلا ضمان ما أتلف من مال، والخيار لولي المقتول إن كان قتل أحدا، ~~والقصاص في الأعضاء إلى المجني عليه. # ونقل عن بعض السلف أنهم ذهبوا إلىأن كل ذلك يهدر عنه، إلا مالا قد وجد ~~بعينه، فهو مردود، وقد يعزى إلى مالك بعض ذلك في رواية عنه. # فأقول: لما كان حكم الله -عز وجل- فيمن أصاب حدا من حدود الله أو حقا لذي ~~حق؛ أن يقام ذلك عليه، ولا يسقط شيء من ذلك إلا بيقين، وكان المحارب استحق ~~على حرابته العقوبة التي سمى الله -تعالى- في قوله: {إنما PageV01P645 # جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} إلى قوله: {ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم ~~في الآخرة عذاب عظيم} [المائدة: 33] ؛ وجب أن يكون الاستثناء في قوله ~~-تعالى-: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} [المائدة: 34] عائدا ~~على ما سمي من عقوبات الحرابة التي لم يجر إلا ذكرها، واستحال أن يرجع ذلك ~~على ما لم يجر في الخطاب، لا بصيغة ولا بمفهوم؛ فكان كل جناية جناها ~~المحارب سوى نفس الحرابة باقيا على ما ثبت لها من ms243 أحكام الشرع، فوجب بيقين ~~أن يقام على المحارب بعد توبته كل حد لله أصابه في حرابته، أو قبلها: من ~~زنى، وسرقة، وشرب، وغير ذلك، وكذلك حقوق الناس في الأموال، والأبدان، ~~والأعراض ولا بد، إلا أن يسقط شيئا من ذلك عنه أحد ممن وجب له ذلك، ولا ~~يندفع عنه بالتوبة إلا حد الحرابة فقط -والله الموفق-. # مسألة # اختلفوا فيمن شهر السلاح، وقطع الطريق في مصر من الأمصار، أو قرية من ~~القرى، فقتل وأخذ المال: # فقال قوم: لا تكون المحاربة في المصر، إنما تكون خارجا من # المصر، قاله أبو حنيفة (1) ، والثوري، وإسحاق (2) . # وقال قوم: حكم ذلك في الصحراء والطرق والمنازل والأمصار واحد، فحدودهم ~~واحدة، قاله الشافعي (3) ، ### | .............................................. # PageV01P646 # وأبو ثور (1) ، وغيرهم (2) . قال أبو محمد بن حزم (3) : سواء ذلك في ~~المصر وخارج المصر، ليلا أو نهارا، كل ذلك إذا أخاف الطريق، وحارب أهله على ~~أموالهم؛ فهو المحارب. # واختلف في ذلك عن مالك، فمرة أثبت له حكم المحاربة، ومرة نفى (4) ، ~~والأرجح الإثبات (5) إذا كان منه من المحاربة والفساد الذي ذكره الله ~~-تعالى- ما يكون من فاعل ذلك في الطرق والبراري وغيرها؛ لأن الآية عامة، لا ~~تخص موضعا دون موضع، ولا وقتا دون وقت. # قال بعض أهل العلم: وربما كان ذلك في المصر أعظم جرما (6) . PageV01P647 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P648 # فصل: في دفاع الرجل عن نفسه وماله # خرج مسلم (1) عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «من قتل دون ماله فهو شهيد» . # وخرج (2) عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه ~~مالك» ، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله» ، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: ~~«فأنت شهيد» ، قال: أرأيت (3) إن قتلته؟ قال: «هو في النار» . # والمحفوظ عن جماعة أهل العلم (4) : أن للرجل أن يقاتل عن نفسه # وماله وأهله إذا أريد ظلما، وممن قال بذلك: مالك (5) ، والشافعي (6) ، ~~PageV01P649 # وأبو حنيفة (1) ، وأحمد (2) ، وإسحاق (3) ، وعوام أهل العلم (4) . # قال أبو بكر بن المنذر (5) : «إلا السلطان، ms244 فإن جماعة أهل الحديث ~~كالمجتمعين (6) : على أن من لم يمكنه أن يمنع نفسه وماله إلا بالخروج على ~~السلطان ومحاربته: أنه لا يحاربه، ولا يخرج عليه؛ للأخبار الدالة على ذلك ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، التي فيها الأمر بالصبر على ما يكون ~~منهم من الجور والظلم، PageV01P650 # وترك قتالهم والخروج عليهم، ما أقاموا الصلاة» (1) . # خرج مسلم (2) ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من رأى من أميره شيئا يكرهه؛ فليصبر، فإنه من يفارق الجماعة شبرا فمات؛ ~~فميتته جاهلية» . # وخرج -أيضا- (3) عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ~~ولكن من رضي وتابع» ، قالوا: يا رسول الله: أفلا نقاتلهم؟! قال: «لا! ما ~~صلوا» . (أي: من كره بقلبه، وأنكر بقلبه) ، كذا في كتاب مسلم متصلا ~~بالحديث. # وخرج -أيضا- (4) عن عوف بن مالك الأشجعي: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: «خيار أئمتكم: الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون ~~عليكم، وشرار أئمتكم: الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم» قال: ~~قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك؟! قال: «لا! ما أقاموا فيكم ~~الصلاة، ألا من ولي عليه وال؛ فرآه يأتي شيئا من معصية الله؛ فليكره ما ~~يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدا من طاعة» . PageV01P651 # الفصل الثالث: في حكم قتال أهل البغي # قال الله -عز وجل-: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن ~~بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت ~~فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب # المقسطين} [الحجرات: 9] . # خرج مسلم (1) ، عن أنس بن مالك قال: قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~لو أتيت عبد الله بن # أبي؟ قال: فانطلق (2) إليه، وركب حمارا، وانطلق المسلمون، وهي أرض سبخة ~~(3) ، فلما أتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إليك عني، فوالله لقد ~~آذاني نتن حمارك. قال: فقال رجل من الأنصار: والله! لحمار رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أطيب ms245 ريحا منك. قال: فغضب لعبد الله رجل من قومه، فغضب ~~لكل واحد منهما أصحابه. قال: فكان بينهم ضرب بالجريد وبالأيدي وبالنعال، ~~فبلغنا أنها أنزلت فيهم: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} ~~[الحجرات: 9] . # قال ابن المنذر (4) : فأمر الله سبحانه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~والمؤمنين، إذا اقتتل طائفتان من المؤمنين: أن يدعوهم إلى حكم الله، وينصف ~~بعضهم من بعض، فمن أبى منهم فهو باغ، وحق على الإمام والمؤمنين أن ~~يجاهدوهم؛ حتى يفيئوا إلى أمر الله. # وخرج مسلم (5) عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، واستخلف PageV01P652 # أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف ~~تقاتل الناس، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني ~~ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله» ؟! فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من ~~فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا كانوا ~~يؤدونه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - # لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله ~~قد شرح صدر أبي بكر للقتال؛ فعرفت أنه الحق. # قال ابن المنذر (1) : «يقال: إن أبا بكر قاتل الذين منعوا الصدقة، وقاتل ~~قوما كفروا بعد إسلامهم، ولم يختلف الناس أن قتال الكفار يجب، ولا يجوز أن ~~يظن بعمر بن الخطاب أنه شك في قتال أهل الكفر، وإنما وقف عن قتال من منع ~~الزكاة، إلى أن شرح الله صدره للذي شرح صدر أبي بكر له. وقال الشافعي (2) : ~~أهل الردة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضربان: ضرب منهم كفروا بعد ~~إسلامهم، وقوم تمسكوا بالإسلام ومنعوا الصدقات» (3) . # فقوم ارتدوا بالكفر، وقوم قيل لهم ذلك بمنع الحق، قال (4) : «ومن رجع عن ~~شيء جاز أن يقال: ارتد عن كذا» ، يعني: فلذلك جاز أن يطلق عليهم اسم الردة، ~~وإن كان منهم مسلمون. قال ابن ms246 المنذر (5) : «فقاتل أبو بكر الصديق -رضي ~~الله عنه- جميع هؤلاء، ولم يعلم أحد في الوقت الذي رأى عمر مثل ما رأى أبو ~~بكر # -رضي الله عنهما- من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امتنع من ~~قتالهم، ولا رأى خلافه، فكان هذا -مع دلائل سنن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - - كالإجماع من المهاجرين والأنصار PageV01P653 # على أن ذلك بحق وجب عليه القيام به» . # فإذا ثبت ذلك، فمعنى قول أهل العلم: إنه يجب على من اعتزل جماعة المسلمين ~~وإمامهم، ومنعوه حقا من الحقوق الواجبة عليهم، وأداء الطاعة فيما افترضه ~~الله له قبلهم، من غير علة يحق على الإمام رفعها عنهم، ثم دعاهم مع ذلك ~~الإمام إلى الإنابة والإقلاع فلم يقبلوا منه، فواجب عليه حربهم وقتالهم، ~~وحق عليهم وعلى المسلمين القيام في ذلك معه، والنصرة على الحق؛ لقيام ~~الأدلة على ذلك، وقال الله -تعالى-: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا ~~تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة: 2] . # وفي حديث عبد الله بن مسعود، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « ... ~~إنها تخلف من بعدهم خلوف: يقولون ما لايفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن # جاهدهم بيده فهو مؤمن ... » الحديث، وقد تقدم بكماله، خرجه مسلم (1) . # وكان من خاص ما ورد في هذا الباب: الآثار الثابتة في أمر الخوارج، ووجوب ~~قتالهم وقتلهم. # خرج مسلم (2) ، عن علي -رضي الله عنه-: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: «سيخرج في آخر الزمان قوم: أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، ~~يقولون من خير قول البرية، يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من ~~الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم ~~أجرا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة» . # وخرج -أيضا- (3) ، عن أبي سعيد، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر ~~قوما يكونون في أمته، يخرجون في فرقة من الناس، سيماهم التحالق، قال: «هم ~~شر الخلق -أو: من شر PageV01P654 # الخلق-، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق» . # وفي الباب عن أبي ذر (1) ، وجابر (2) ، وسهل بن حنيف (3) ، # وغيرهم. # والنظر في هذا الفصل يتعلق بثلاثة أشياء: # الأول: ms247 في تقسيم أهل البغي وأحوالهم، ومتى يجب التعاون على قتالهم أو ~~يحرم؛ لاختلاط الفتن؟ # الثاني: معرفة الحد الواجب في قتالهم، ومتى يجب الكف عنهم؟ # الثالث: معرفة الحكم في جناياتهم، وما يستولى عليه من أموالهم. ~~PageV01P655 # النظر الأول: في تقسيم أهل البغي وأحوالهم # المخالفون على الجماعة ضربان: # * ضرب امتنعوا عن أداء الحقوق، ونزعوا أيديهم من الطاعة؛ فسقا، ومجونا، ~~واجتراء على حدود الله، من غير أن ينصبوا إماما، ولا يعتقدوا طاعة، فهؤلاء ~~أهل كبيرة، ومنكر ظاهر يجب تغييره، (فإن لم) (1) تنفع في ذلك موعظتهم ~~وتذكيرهم بالله -تعالى-، وتخويفهم من عقابه، ولم يمكن حملهم على منهج الشرع ~~إلا بقتالهم، ولم يكن قتالهم يؤول إلى فتنة يتقى فيها من تفاقم الأمر، ~~والانجرار إلى ما هو أفجر وأنكر من الأول؛ فواجب مقاتلتهم على ذلك؛ حتى ~~يفيئوا إلى أمر الله: يرجعوا إلى الحق، وأداء ما لزمهم، وينزعوا عن باطلهم. ~~والدليل على ذلك ما تقدم من الكتاب والسنة والإجماع. # أما الكتاب: فقوله -تعالى-: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} ~~[الحجرات: 9] ، وأما السنة: فقوله - صلى الله عليه وسلم -: « ... فمن ~~جاهدهم بيده فهو مؤمن» (2) ، وأما الإجماع: ففي # قتال (3) مانعي الزكاة (4) . # ** والضرب الثاني: من خالف على إمام المسلمين، فعقدوا البيعة لآخر، ~~يزعمون أنه أحق، وهذا الضرب له حالتان: # فالواحدة: أن تكون الإمامة قد صحت وانعقدت بتمام البيعة لرجل عدل، مستوف ~~شروط الإمامة، فيخرج عليه بعض من بايعه. PageV01P656 # والأخرى: أن يفترق الناس فرقتين، فيعقد كل فريق الإمامة لرجل منهم، ويدعو ~~كل إلى حزبه. # فأما الحالة الأولى، حيث يخرج على الإمام العدل بعض من بايعه (1) ، يدعي ~~أنه أحق بالأمر منه، أو يزعم أنه أنكر على الإمام أمرا من الباطل والجور، ~~وما أشبه ذلك من ضروب التأويل التي يدعيها أمثال هؤلاء، أو يكون طالب دنيا ~~فقط، أو متعصبا لباطل، وما أشبه ذلك، فيجب في أهل التأويل على الإمام ~~العادل أن ينظر فيما ذكروا أنهم أنكروا عليه، فإن صح ما زعموه من ظلم ~~وباطل، أو جور، وغير ذلك من شيء أنكروه، مما لعله ms248 غفل عنه، أو غلط فيه، ~~ونحو ذلك من وجوه الإمكان التي لا تستحيل على البشر، فها هنا يتعين عليه ~~الرجوع إلى صواب ما أوجبه الشرع من الحق. قال الله -تعالى-: {يا داود إنا ~~جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل ~~الله} [ص: 26] . فإذا رجع عن ذلك، ووجب عليهم العود فلم يفعلوا، أو كان ما ~~نسبوه إليه، أو أولوه عليه باطلا، أو كانوا إنما يطلبون المال، أو تعصبا، ~~أو غير ذلك من أنواع الباطل، ثم وعظهم فلم يتعظوا، وخوفهم فلم ينزجروا؛ ~~فواجب عند ذلك قتالهم، وعلى الناس المعونة لإمامهم العدل على هؤلاء، حتى # يراجعوا الحق (2) . # فقال الشافعي (3) : إذا كان لأهل البغي جماعة تكثر، واعتقدوا ونصبوا ~~إماما، وأظهروا حكما، وامتنعوا من حكم الإمام العادل، فهذه هي الفئة ~~الباغية، فينبغي إذا فعلوا هذا أن يسألهم: ما نقموا؟ فإن ذكروا مظلمة بينة ~~ردت، وإن لم يذكروها، قيل لهم: عودوا. فإن فعلوا قبل منهم، وإن لم يجيبوا ~~قوتلوا بعد أن يدعوا. # خرج مسلم (4) ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: PageV01P657 # « ... ومن بايع إماما، فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، ~~فإذا جاء آخر فنازعه؛ فاضربوا عنق الآخر» . # وخرج -أيضا- (1) ، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما» . # وخرج -أيضا- (2) ، عن عرفجة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: «إنها ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع؛ ~~فاضربوه بالسيف، كائنا من كان» . # وخرج -أيضا- (3) ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، ثم مات؛ مات ميتة جاهلية، ومن قتل ~~تحت راية عمية، يغضب للعصبة (4) ، ويقاتل للعصبة؛ فليس من أمتي، ومن خرج من ~~أمتي على أمتي، يضرب برها وفاجرها، لا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي ~~عهدها؛ فليس مني» . # قوله: «تحت راية عمية» ، أي: فتنة وجهالة، كأنه مأخوذ من ms249 العمى، قال في ~~«مختصر العين» (5) : العمية والعمية: الضلالة، يقال: قتل فلان عميا، وهي ~~فعيلة وفعلى: من العمى. # فصل # وأما الحالة الثانية: حيث يفترق الناس على إمامين، ويكثر العدد في كل ~~فريق PageV01P658 # من الجهتين، ويشكل الأمر، ويجل الخطب، فذلك حين قيح الفتن؛ فالواجب عند ~~ذلك الكف، والتوقف عن كل فريق، وطلب السلامة لدينه، بالاعتزال والفرار عن ~~الفتنة، والاستسلام لأمر الله -عز وجل- (1) ، كما صح في مثل ذلك عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه أمر وأوصى، وكما فعل السلف الصالح، وفي ~~مثل ذلك وشبهه يكون موقع قوله -تعالى-: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ~~لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم ... } [المائدة: 105] . # خرج مسلم (2) عن أبي بكرة: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~«إذا تواجه المسلمان بسيفيهما؛ فالقاتل والمقتول في النار» ، قال: فقلت -أو ~~قيل-: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه قد أراد قتل ~~صاحبه» . # وخرج -أيضا- (3) ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: # «ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، ~~والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد فيها ملجأ فليعذ ~~به» . # وخرج -أيضا- (4) ، عن أبي بكرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتن، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي ~~فيها خير من الساعي إليها، ألا، فإذا نزلت أو وقعت، فمن كان له إبل فليلحق ~~بإبله، ومن كانت له غنم PageV01P659 # فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه» . قال: فقال رجل: يا رسول ~~الله، أرأيت من لم تكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: «يعمد إلى سيفه، فيدق ~~على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاء، اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ ~~(1) » قال: فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد ~~الصفين، أو إحدى الفئتين، فضربني رجل بسيفه، أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال: ~~«يبوء بإثمه وإثمك، ويكون من ms250 أصحاب النار» . # وخرج (2) عن حذيفة بن اليمان قال: كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر؛ مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول ~~الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير ~~شر؟ قال: «نعم» ، فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: «نعم، وفيه دخن» ! ~~قال: قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي، تعرف ~~منهم وتنكر» ، فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم، دعاة على أبواب ~~جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها» ، فقلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: ~~«نعم، قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا» ، قلت: يا رسول الله، فما ترى إن ~~أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» ، فقلت: فإن لم تكن لهم # جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة، ~~حتى يدركك الموت، وأنت على ذلك» . # وخرج -أيضا- (3) ، عن أبي سعيد قال: قال رجل: أي الناس أفضل يا ~~PageV01P660 # رسول الله؟ قال: «مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله» ، قال: ثم من؟ ~~قال: «رجل معتزل في شعب من الشعاب، يعبد ربه، ويدع الناس من شره» . # وروى أبو بكر بن المنذر (1) مسندا إلى أيوب بن عبد الله اللخمي قال: كنت ~~عند عبد الله بن عمر، وهو يخلط لبعيره علفا، فجاءه نفر، فقالوا: ما تأمرنا ~~يا أبا عبد الرحمن؟ هذا ابن الزبير، وابن مروان، ونجدة، كل واحد منهم يدعو ~~إلى نفسه! فقال رجل منهم: يقول الله {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون ~~الدين كله لله} [الأنفال: 39] ، فقال ابن عمر: قد قاتلت أنا وأصحابي حتى ~~كان الدين كله لله، وذهب الشرك، ولكنك وأصحابك تقاتلون حتى تكون فتنة، ~~ويكون الدين لغير الله! فقال رجل: لو فعل الناس مثل ما فعلت؛ ما قام لله ~~دين! فقال ابن عمر: لو فعل الناس مثل ما فعلت؛ ما أغلقت أمك عليها بابها، ~~ولا اتكأت في بيتك مضطجعا! # وأسند إلى ابن عباس، أن سائلا سأله، ms251 قال: إني بايعت ابن الزبير على أن ~~أقاتل أهل الشام! قال: فقال: لا تقاتل أهل القبلة، ولكن ابتع بغلا أو ~~بغلين، أو غلاما أو غلامين، ثم انطلق نحو المشرق، فإنك إن قتلت على ما أنت ~~عليه؛ قتلت PageV01P661 # إن شاء الله شهيدا. # وأسند -أيضا- إلى عبد الملك بن عمير، قال: رأيت أبا موسى أيام الفتنة ~~يخرج من داره، فيصلي مع الإمام، فإذا قال الإمام: السلام عليكم ورحمة الله، ~~السلام عليكم ورحمة الله؛ وثب، فدخل داره، ورأيت عليه عمامة سوداء، وبرنسا ~~أسود (1) . # وعن طلحة بن عبيد الله، كان يقول: «أقل العيب على المرء أن يجلس في داره» ~~(2) . # وعن أبي الدرداء قال: «نعم صومعة المرء المسلم بيته، يكف سمعه وبصره ~~ودينه وعرضه، وإياكم والجلوس في الأسواق، فإنها تلهي وتلغي» (3) . ~~PageV01P662 # وعن أبي ذر الغفاري قال: «الوحدة خير من جليس السوء، والجليس الصالح خير ~~من الوحدة، وإملاء الخير خير من السكوت، والسكوت خير من إملاء الشر» (1) . ~~PageV01P663 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ~~PageV01P664 # النظر الثاني: في معرفة حد قتال أهل البغي # الفرقة الباغية على الوجوه المتقدمة، إذا لم ترجع بوعظ ولا استصلاح إلى ~~الإمام العادل، ولم يرج إقلاعهم، فإنهم يقاتلون على ذلك، ما داموا على ~~حالهم من الامتناع والخلاف، حتى يفيئوا إلى أمر الله. # واختلف أهل العلم في قتلهم إذا أدبروا منهزمين، أو أخذوا مأسورين، أو ~~أثبتوا مثخنين، فقال الشافعي (1) : «لا يقتل منهم المدبر ولا الأسير ولا ~~الجريح PageV01P665 # بحال» ، وهو المروي عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، أنه قال يوم ~~الجمل: «لا تقتلوا مدبرا، ولا تذففوا على جريح، ولا تقتلوا أحدا صبرا، ولا ~~توطأ أم # ولد، ولا النساء على عدتهن، والميراث على كتاب الله» (1) . # وروي -أيضا- أنه قال في يوم الجمل: «لا يذفف على جريح، ولا يهتك ستر، ولا ~~يفتح باب، ومن أغلق بابه فهو آمن، ولا يتبع مدبر» (2) . وقد روي نحو ذلك عن ~~عمار بن ياسر (3) . # وقال أصحاب الرأي في الخوارج: إذا هزموا ولهم فئة يلجؤون إليها، فينبغي ~~لأهل الجماعة أن يقتلوا مدبرهم، وأن يجهزوا على جريحهم، وأن يقتلوا من ~~أسروا ms252 منهم، فإن انهزموا، ولم تكن لهم فئة يلجؤون إليها؛ لم يقتل مدبرهم، ~~PageV01P666 # ولم يجهز على جريحهم، ولم يقتل أسراهم، ولكن يعاقبون، ويضرب من أخذ منهم ~~ضربا وجيعا، ويحبسون حتى يقلعوا عما هم عليه، ويحدثوا توبة (1) . وإليه ذهب ~~الأوزاعي في قتل من له فئة (2) . # وقال أبو محمد بن حزم (3) : «ومن انهزم منهم، فإن كانت هزيمته إلى حصن، ~~أو إلى جماعة منهم، أو ليبتعدوا عن الطلب، ويبقوا على رأيهم؛ أتبعوا ولا ~~بد، وإن كانت هزيمتهم افتراقا، وتركا لما هم عليه؛ لم يجز أن يتبعوا، ولا ~~يجهز على جريح من أحد هذه # الطوائف، ولا يقتل منهم أسير، فمن قتله فعليه القود» . فلم يفرق أبو محمد ~~في الجريح والأسير بين أن تكون له فئة أو لا تكون، لا يحل قتلهم بحال. # وروي عن ابن عباس -وقد سئل عن أناس من الخوارج قاتلوا فانهزموا: أنقتلهم؟ ~~قال: «اقتلهم ما كانت لهم فئة يرجعون إليها، فإذا لم تكن لهم فئة؛ فلا ~~تقتلوا مقبلا ولا مدبرا» (4) . لعله إنما يعني مقبلا في غير قتال، لا على ~~أن يكون مقبلا في القتال، فإن كل مقاتل على باطل؛ فلا ينبغي تركه، ولا يجب ~~الكف عنه، والله أعلم. # والأظهر ما قاله الشافعي (5) في وجوب الكف عن المدبر والجريح المثخن ~~PageV01P667 # والأسير، وهو ظاهر فعل علي -رضي الله عنه-، ولم يفرق بين أن تكون لهم فئة ~~أو لا، واحتج الشافعي لذلك قال (1) : «يقول الله -عز وجل- في الفئة ~~الباغية: { ... حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل} ~~[الحجرات: 9] ، ولم يستثن الله -تعالى-، فسواء كانت للذي فاء فئة، أو لم ~~تكن، فمتى فاء -والفيئة: الرجوع-؛ لم يحل دمه» . # قال أبو بكر بن المنذر (2) : «وقد روينا في هذا الباب حديثا مرفوعا، في ~~إسناده مقال، ولو كان صحيحا كانت فيه حجة لمن قال هذا القول» ، وذكر ~~بإسناده، عن كوثر بن حكيم، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال لرجل: «هل تدري كيف حكم الله فيمن بغى من هذه # الأمة؟ قال: لا ms253 يجهز على جريحها، ولا يطلب هاربها، ولا يقتل أسيرها» (3) ~~. PageV01P668 # قال: «وقد تكلم في كوثر؛ كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عنه، وقال محمد ~~بن إسماعيل: كوثر عن نافع: منكر الحديث» . # النظر الثالث: في معرفة أحكام جناياتهم، وما أصابوه # وأصيب منهم # أهل البغي -كما تقدم- ضربان: متأول وطالب دنيا بالفسوق، فأما الفساق فلا ~~يختلف أنهم متبعون بكل ما جنوا وأصابوا من دم، ومال، وحق لذي حق، وكذلك في ~~الحدود إن أصابوا من النساء حراما، وغير ذلك؛ لأن هؤلاء أصابوا ما أصابوه ~~وهم عالمون بالتحريم، متعمدون لارتكاب المعاصي، غير متأولين، ولا معتقدين ~~لصواب ذلك من دينهم، فوجب أن يقاد منهم بمن قتلوا عمدا، ويقتص لمن جرحوا، ~~وتقام عليهم حدود الله فيما ثبت من ذلك منهم، ويغرمون جميع ما استهلكوا من ~~مال، ويرجع جميع ما يوجد في أيديهم # لإنسان. # قال الله -تعالى-: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} [المائدة: 8] ، وقال ~~-تعالى-: {تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم ~~الظالمون} [البقرة: 229] ، وقال -تعالى-: {ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الفاسقون} [المائدة: 47] . # وليس في هذا النوع خلاف أعلمه، وكذلك ما استولي عليه من أموالهم وأحوالهم ~~(1) هي لهم، وعلى ملكهم، لا يحل لأهل العدل الذين قاتلوهم ولا غيرهم أن ~~يتمسكوا من ذلك بشيء، بل يرد كل حق إلى مستحقه، وتستوفى منهم الحقوق ~~PageV01P669 # التي وجبت عليهم؛ لأنه لم يكن منهم فيما فعلوا قول ولا عمل يخرجهم عن ~~الإسلام، ولا يوجب استحلال أموالهم ولا أحوالهم (1) إلا بحقها، قال الله ~~-تعالى-: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة: 188] . # وخرج مسلم (2) ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: « ... كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه» . # وأما ما اختلف أهل العلم في أهل البغي الذين يخرجون متأولين: كالخوارج ~~وأضرابهم؛ ممن عرضت لهم شبهة في النظر، فاعتقد (3) تكفير من خالف مذهبهم، ~~واستباحوا بذلك الدماء والأموال والفروج بالسباء في المسلمين؛ فقالت طائفة: ~~ما أصاب هؤلاء أو أصيب منهم، من دم وجراحة فهو هدر، روي ms254 ذلك عن سعيد بن ~~المسيب (4) ، وقال ابن القاسم: # بلغني عن مالك أنه قال: الدماء موضوعة عنهم، وأما الأموال: فرأيي إن ~~وجدوا شيئا بعينه أخذوه، قال: ولم يتبعوا بشيء، يعني: مما استهلكوه؛ لأنهم ~~إنما استهلكوها على التأويل (5) . PageV01P670 # وقال الشافعي (1) : «ما أصاب أهل البغي في حال الامتناع على وجهين: # أحدهما: ما أصابوه من دم ومال [وفرج] (2) على التأويل، ثم ظهر عليهم بعد؛ ~~لم يقم عليهم منه شيء، إلا أن يوجد مال بعينه فيؤخذ» . # والوجه الثاني: ما أصابوه على غير وجه التأويل من حد لله أو للناس، ثم ~~ظهر عليهم؛ رأيت أن يقام عليهم، كما يقام على غيرهم، ممن هرب من حد، أو ~~أصابه وهو في بلاد لا والي # لها، ثم جاءها وال» . # وقال أهل الرأي (3) نحوا مما قال الشافعي في الدم والمال يصيبه أهل البغي ~~PageV01P671 # بالتأويل، قالوا: وكذلك لا يؤخذ (1) للخوارج ما أصاب أهل الجماعة منهم، ~~من دم أو جراح، إلا أن يوجد مال بعينه فيرد عليهم. # فأقول: يحتمل -إن شاء الله- أن يقال: ما أصابه أهل البغي من أموال أهل ~~العدل بالتأويل، فهو على وجهين: # * منه تأويل يشكل مثله، وتكون له شبهة يخفى الخطأ فيه، ومأخذ لا يبعد أن ~~يؤدى إليه سابق من النظر عند قوم، وإن كان ذلك خطأ عند أهل التحقيق، فما ~~كانت هذه سبيله؛ أمكن أن يقال: إنهم لا يتبعون فيما استهلكوه على ذلك بشيء، ~~وعليه أكثر العلماء، وقد قيل -أيضا-: إنهم يضمنون. # ** وما كان مما لا يشكل، والخطأ فيه ظاهر، وهو لايجري على طريقة أخذ ~~العلماء ونظرهم وتأويلهم بوجه من الوجوه وإن بعد، بل يكون وقوعهم فيه بجهل، ~~وخروج عن طرق العلم بكل حال، وتأويلهم باطل باتفاق؛ فسبيل ما كان هكذا: أن ~~يتبعوا به؛ لأنه -بلا شك- أكل مال بالباطل، وقد حرم الله ذلك، وأمر بالقيام ~~بالقسط، وقال -تعالى- في الفئة الباغية: {فإن فاءت فأصلحوا # بينهما بالعدل وأقسطوا} [الحجرات: 9] ، فمن الإصلاح بالعدل: أن ترد ~~الحقوق والظلامات إلى مستحقها، ويعدى المظلوم على الظالم، هذا هو العدل ~~والإقساط كما أمر الله -تعالى-، ms255 والكلام إنما هو فيما استهلكوه من الأموال، ~~وأما ما وجد؛ فالاتفاق على أنه مردود لصاحبه، وهذا كله تفصيل في الأموال، ~~وأما في الدماء والجراحات؛ فالأظهر أن لا قود في شيء من ذلك على حال، إذا ~~كان إصابتهم ذلك بتأويل، سواء في ذلك ما كان لهم فيه شبهة، أو كان من الخطأ ~~المتفق عليه. # والفرق بين الأموال فيما فصلته وحقوق الأبدان: أن القصاص لا يثبت إلا ~~PageV01P672 # بتعمد التعدي والظلم، وغرم المال المتلف ثابت على كل حال من قصد الغصب، ~~أو ظن الاستباحة والحلية، أو غير ذلك من الأحوال؛ بل يجب ذلك مع الأحوال ~~التي لا يقع عليها التكليف، كالناسي والطفل: جعل الشرع ذلك كله أسبابا ~~للتعبد (1) بالغرم، فلم يتوقف إغرام المتلفات من الأموال على قصد التعدي ~~فقط. # وأما أمر القود والقصاص: فمن باب العقوبة والعذاب؛ فلم يثبت إلا على من ~~تعمد ظلما، لكن قد ينبغي أن يقال: فإذا سقط القود من مثل ذلك؛ لكونه لم ~~يتعمد العدوان؛ فكان يجب أن يعقبه العقل والأرش إذا كان التأويل باتفاق، ~~كالحال في جنايات الخطأ، فيكون ذلك فرق ما بين التأويلين في الدماء، كما ~~كان الغرم فرق ما بين التأويلين في الأموال؛ فهو قول صحيح، ووجه ظاهر ~~مستقيم، وهو الأرجح عندي، والله أعلم. # ونحوه يقول أبو محمد بن حزم (2) ، قال في أهل البغي: إن خرجت طائفة، إما ~~بتأويل خطأ: كالخوارج ومن سلك تلك الطريق، وإما بلا تأويل، لكن طلب رئاسة، ~~أو تعصبا لإنسان بعينه، أو لأهل بيت بعينه، لا لإنكار منكر؛ فإن هاتين ~~الطائفتين هي الطائفة الباغية، ففرض على أهل العدل قتالهم، إما حتى يفيئوا ~~إلى الله، ويتركوا طلبهم للرياسة (3) ، وتأويلهم الفاسد، فإذا تركوا ذلك؛ ~~فلا شيء عليهم إلا القود في المتعصبة وطالبة الدنيا فيمن قتلوا، أو # الدية، يعني: إذا قبل ذلك منهم أولياء المقتول. # قال: وأما المتأولة: فالدية فقط، ولا قود في ذلك، وكلهم يضمنون ما أتلفوا ~~من الأموال. # وعند الشافعية قولان: أحدهما ما تقدم من قول الشافعي وتفصيله. ~~PageV01P673 # والثاني: أنه يجب على أهل ms256 البغي الضمان على كل حال فيما أتلفوا؛ لأنه ~~بعدوان (1) . # ولهم في تأويل هذا القول وجهان: # أحدهما: أنه يراد به الضمان في القصاص وسائر الأحكام. # والثاني: أن ذلك في غير القصاص، وأما القصاص فلا يجب قولا واحدا؛ لأنه ~~يسقط بالشبهة، وقد كان لأهل البغي شبهة في القتل بتأويلهم، فهذا القول نحو ~~مما ذكرناه. # فصل # واختلف أهل العلم فيما وجد بعينه من أموال أهل البغي في أيدي فريق العدل؛ ~~فقال الشافعي (2) : «يجب رده على صاحبه؛ لأنه مال مسلم، قال: ولا يستمتع من ~~أموالهم بدابة تركب، ولا متاع، ولا سلاح يقاتل به في حربهم، وإن كانت ~~قائمة، ولا بعد تقضيها، ولا غير ذلك من أموالهم، وذلك أن الأموال في القتال ~~إنما تحل من أهل الشرك الذين يتحولون إذا قدر عليهم؛ فأما من أسلم، فلا ~~يؤخذ ماله» . وروي نحو ذلك عن علي (3) -رضي الله عنه-. # وذهبت طائفة (4) في الخوارج إلى أنهم تغنم أموالهم، وحملوهم # محمل PageV01P674 # أهل الكفر، واستدل من ذهب إلى ذلك بما تضمنته ظواهر الآثار في شأنهم، ~~وأنهم: «لا يجاوز إيمانهم حناجرهم» ، وأنهم: «يمرقون من الدين كما يمرق ~~السهم من الرمية» (1) ، وأنهم: «شر الخليقة» (2) ، إلى غير ذلك مما ورد ~~فيهم، مما ظاهره التكفير (3) ، وفرقوا بينهم وبين غيرهم من أهل البغي. ~~PageV01P675 # وذهب قوم إلى التفريق بين أن يظفر بعسكرهم، ولهم فئة يلجؤون إليها أو لا ~~تكون لهم فئة؛ فمن تاب منهم، رد إليه ما عرف أنه له من مال وسلاح وكراع، ~~دون من كانت له فئة وأصر على أمره، وأظنه قول أصحاب الرأي (1) ، قال أبو ~~محمد PageV01P676 # ابن حزم (1) : ولا يحل أخذ شيء من أموالهم، وهي مضمونة على من أخذها إلا ~~ما عقر في حال القتال من فرس، أو كسر من سلاح، فلا ضمان فيه؛ وكذلك لا شيء ~~فيمن قتل منهم في القتال. وهذا نحو قول الشافعي في ذلك، وقد احتج له ~~الشافعي حسبما ذكرنا عنه، وهو الصحيح: أن لا يستباح منهم مال بحال، إلا ما ~~استهلك في حومة القتال لضرورة دفاعهم، والنظر # في استصلاحهم ms257 المأمور به شرعا، لأن الله -تعالى- يقول: {ولا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة: 188] ، وهؤلاء إنما أبيح قتالهم لاستصلاح ~~فاسدهم، وردعهم عن الإقبال على باطلهم، حتى يفيئوا إلى أمر الله، فلم يؤذن ~~في أموالهم؛ ولا في سبائهم بالوجه الذي أذن به في الكفار، بل كل ذلك منهم ~~معصوم بحرمة الإسلام، إلا المقدار الذي شرع من قتالهم فقط، وليس كل من وجب ~~قتله أو قتاله يستباح لذلك ماله، وفيما نبه عليه الشافعي -رحمه الله- من ~~ذلك مقنع، والحمد لله. قال الله ربنا -جل جلاله-: {فبشر عباد. الذين ~~يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو ~~الألباب} [الزمر: 17-18] . # باب: من الدعاء والذكر المروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما # يختم به هذا المجموع بحول الله -تعالى- # مسلم (2) ، عن زيد بن أرقم، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يقول: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرم وعذاب ~~القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، ~~اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن ~~دعوة لا يستجاب لها» . PageV01P677 # ما يقال إذا خرج من بيته، أو شرع في سفره # الترمذي (1) ، عن أم سلمة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج ~~من بيته قال: «بسم الله، توكلت على الله، اللهم إني (2) أعوذ بك من أن نزل، ~~أو نضل، أو نظلم، أو نظلم، أو نجهل، أو يجهل علينا» . # أبو داود (3) ، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا سافر قال: «اللهم PageV01P678 # أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء ~~السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال، اللهم # اطو لنا الأرض، وهون علينا السفر» . # وفيه (1) ، عن ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ~~استوى على بعيره خارجا إلى سفر، كبر ثلاثا، ثم قال: {سبحان الذي سخر لنا ~~هذا، وما كنا له ms258 مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون} [الزخرف: 13] ، اللهم إني ~~أسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا ~~سفرنا هذا، اللهم اطو لنا البعد، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في ~~الأهل والمال» ، وإذا رجع قالهن، وزاد فيه: «آيبون، تائبون، عابدون، لربنا ~~حامدون» . # ما يقال إذا ودع مسافرا أو جيشا # أبو داود (2) ، عن عبد الله الخطمي قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- إذا أراد أن # يستودع PageV01P679 # الجيش قال: «أستودع الله دينكم، وأمانتكم، وخواتم أعمالكم» . # ما يقال إذا صعد في سفره أو صوب # أبو داود (1) ، من حديث ابن عمر: ... وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وجيوشه إذا علوا الثنايا؛ كبروا، وإذا هبطوا؛ سبحوا، فوضعت الصلاة على ذلك. # البخاري (2) ، عن أبي موسى الأشعري: قال: كنا مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فكنا إذا أشرفنا على واد؛ هللنا وكبرنا، وارتفعت أصواتنا، ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يا أيها الناس! اربعوا على أنفسكم، ~~فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنه معكم، إنه سميع قريب» . # مسلم (3) ، عن أبي موسى، أنهم كانوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، وهم يصعدون في ثنية، قال: فجعل رجل كلما علا ثنية؛ نادى: لا إله إلا ~~الله، والله أكبر، قال: فقال PageV01P680 # نبي الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنكم لا تنادون أصم، ولا غائبا» ، ~~قال: فقال: «يا أبا موسى -أو: يا عبدالله بن قيس- ألا أدلك على كلمة # من كنز الجنة» ؟ قلت: ما هي يا رسول الله؟ قال: «لا حول ولا قوة إلا ~~بالله» . # ما يقال في السفر إذا أقبل الليل، أو نزل منزلا # أبو داود (1) ، عن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - # إذا سافر، فأقبل PageV01P681 # الليل قال: «يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك، وشر ما فيك، وشر ~~ما خلق فيك، ومن شر ما يدب عليك، وأعوذ بالله من أسد وأسود، ومن الحية ~~والعقرب، ومن ساكن البلد، ومن والد وما ولد» . # مسلم (1) ، عن خولة بنت حكيم ms259 قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقول: «من نزل منزلا، ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق؛ لم ~~يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك» . # ما يقال في الانتصار بالله إذا غزا، وعند خوف العدو # أبو داود (2) ، عن أنس قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا غزا ~~قال: «اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أحول، وبك أصول، وبك أقاتل» . # وأسند ابن المنذر (3) إلى أبي موسى، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كان إذا # خاف قوما PageV01P682 # قال: «اللهم إني أجعلك في نحورهم، وأعوذ بك من شرورهم» . # مسلم (1) ، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على الأحزاب فقال: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، هازم الأحزاب، ~~اللهم اهزمهم وزلزلهم» . وفي بعض طرقه (2) : «اللهم منزل الكتاب، ومجري ~~السحاب، وهازم الأحزاب؛ اهزمهم، وانصرنا عليهم» . # ما يقال إذا رأى قرية يريد دخولها، أو بلدا # أسند ابن المنذر (3) إلى صهيب؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ~~ير قرية # قط يريد PageV01P683 # دخولها، إلا قال حين يراها: «اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب ~~الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين؛ ~~أسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها، وشر ~~أهلها، وشر ما فيها» . # ما يقال إذا قفل من غزو أو سفر # مسلم (1) ، عن عبد الله بن عمر: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا قفل من الجيوش أو السرايا أو الحج أو العمرة، إذا أوفى على ثنية، أو ~~فدفد؛ كبر ثلاثا، ثم قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله ~~الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، # صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» . PageV01P684 # البخاري (1) ، عن أنس بن مالك قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - مقفله من عسفان.. الحديث، وفيه: فلما أشرفنا على المدينة قال: ~~«آيبون، تائبون، عابدون، لربنا ms260 حامدون» . فلم يزل يقول ذلك حتى دخل ~~المدينة، صلى الله عليه وسلم تسليما. # تم كتاب (الإنجاد) ، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد ~~وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما. # وهذه النسخة المباركة أمر بنسخها سيدنا ومولانا: الخليفة الإمام، الواثق ~~بالله -تعالى-، المعتمد عليه، أمير المؤمنين أبو العلى، ابن سيدنا ومولانا، ~~الأمير المجاهد في سبيل الله: أبي عبد الله، ابن سيدنا ومولانا المجاهد في ~~سبيل الله: أبي حفص، ابن سيدنا ومولانا الخليفة الإمام أمير المؤمنين، أدام ~~الله -تعالى- أيامهم، وشكر اعتناءهم بالعلم واهتمامهم، وجعل ... (2) إليهم، ~~في وقت تتكامل سعوده، وتتتابع بالمسرة وفوده بمنه. # وكان كمالها في عشر جمادى الأولى سنة ... . # نقلت هذه النسخة المباركة من الأصل العتيق الذي ... هو أصل المؤلف الذي ~~بخطه ... وذلك على يد عبد الله (وهنا اسم الناسخ داخل شكل عدلي غير واضح) ~~(3) . # انتهت بحمد الله وتوفيقه. # ***** PageV01P685 ms261