######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0021731 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 620 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الكافي في فقه الإمام أحمد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: فقه حنبلي #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0021731 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-21731 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/21731 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1414 هـ - 1994 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | خطبة الكتاب # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين # قال الشيخ العالم العلامة الأوحد، الصدر الكامل شيخ الإسلام قدوة الأنام، ~~موفق الدين أبو عبد الله أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي - رحمه الله -: # الحمد لله الواحد القهار العزيز الغفار، عالم خفيات الأسرار، غافر ~~الخطيئات والأوزار، الذي امتنع عن تمثيل الأفكار وارتفع عن الوصف بالحد ~~والمقدار، وأحاط # PageV01P013 # علمه بما في لجج البحار، وله ما سكن في الليل والنهار، أنعم علينا بالنعم ~~الغزار، ومن علينا بالنبي المختار، محمد سيد الأبرار، المبعوث من أطهر بيت ~~في مضر بن نزار، - صلى الله عليه وعلى آله - الأطهار، وصحابته المصطفين ~~الأخيار، صلاة تجوز حد الإكثار، دائمة بدوام الليل والنهار. # هذا كتاب استخرت الله تعالى في تأليفه على مذهب إمام الأئمة، ورباني ~~الأمة أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني - رضي الله عنه - في ~~الفقه، توسطت فيه بين الإطالة والاختصار، وأومأت إلى أدلة مسائله مع ~~الاقتصار، وعزيت أحاديثه إلى كتب أئمة الأمصار؛ ليكون الكتاب كافيا في فنه ~~عما سواه، مقنعا لقارئه بما حواه، وافيا بالغرض من غير تطويل، جامعا بين ~~بيان الحكم والدليل، وبالله أستعين، وعليه أعتمد، وإياه أسأل أن يعصمنا من ~~الزلل، ويوفقنا لصالح القول والنية والعمل، ويجعل سعينا مقربا إليه، ونافعا ~~لديه، وينفعنا والمسلمين بما جمعنا، ويبارك لنا فيما صنعنا، وهو حسبنا ونعم ~~الوكيل. # PageV01P014 ### | كتاب الطهارة ### | باب حكم الماء الطاهر # [كتاب] الطهارة باب حكم الماء الطاهر يجوز التطهر من الحدث والنجاسة بكل ~~ماء نزل من السماء: من # PageV01P015 # المطر، وذوب الثلج والبرد؛ لقول الله تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء ~~ليطهركم به} [الأنفال: 11] # PageV01P016 # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم طهرني بالماء والثلج والبرد» ~~متفق عليه. وبكل ماء نبع من الأرض، من العيون، والبحار، والآبار، لما # PageV01P017 # روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: «سأل رجل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، ~~أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هو الطهور ms0001 ~~ماؤه الحل ميتته» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. # PageV01P018 # و «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ من بئر بضاعة» رواه النسائي. # فصل: # فإن سخن بالشمس، أو بطاهر، لم تكره الطهارة به؛ لأنها صفة خلق عليها ~~الماء، فأشبه ما لو برده، وإن سخن بنجاسة يحتمل وصولها إليه، ولم # PageV01P019 # يتحقق فهو طاهر؛ لأن الأصل طهارته، فلا تزول بالشك، ويكره استعماله ~~لاحتمال النجاسة. وذكر أبو الخطاب رواية أخرى: أنه لا يكره؛ لأن الأصل عدم ~~الكراهة. وإن كانت النجاسة لا تصل إليه غالبا، ففيه وجهان: # أحدهما: يكره؛ لأنه يحتمل النجاسة، فكره كالتي قبلها. # والثاني: لا يكره؛ لأن احتمال النجاسة بعيد، فأشبه غير المسخن. # وإن خالط الماء طاهر لم يغيره، لم يمنع الطهارة به؛ # PageV01P020 # لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اغتسل هو وزوجته من قصعة فيها أثر ~~العجين» رواه النسائي وابن ماجه والأثرم [و] لأن الماء باق على إطلاقه. # فإن كان معه ماء يكفيه لطهارته فزاده مائعا لم يغيره، ثم [تطهر] به، صح ~~لما ذكرنا. # وإن كان الماء لا يكفيه لطهارته، فكذلك؛ لأنه المائع استهلك في الماء ~~كالتي قبلها. # وفيه وجه آخر: لا تجوز الطهارة به؛ لأنه أكملها بغير الماء، فأشبه ما لو ~~غسل به بعض أعضائه. # PageV01P021 # وإن غير الطاهر صفة الماء لم يخل من أوجه أربعة: # أحدها: ما يوافق الماء في الطهورية، كالتراب، وما أصله الماء كالملح ~~المنعقد من الماء، فلا يمنع الطهارة به؛ لأنه يوافق الماء في صفته، أشبه ~~الثلج. # والثاني: ما لا يختلط بالماء كالدهن والكافور والعود، فلا يمنع؛ لأنه ~~تغير عن مجاورة، فأشبه ما لو تغير الماء بجيفة بقربه. # الثالث: ما لا يمكن التحرز منه، كالطحلب وسائر ما ينبت في الماء، وما ~~يجري عليه الماء من الكبريت والقار وغيرهما، وورق الشجر على السواقي ~~والبرك، وما تلقيه الرياح والسيول في الماء من الحشيش والتبن ونحوهما، فلا ~~يمنع؛ لأنه لا يمكن صون الماء عنه. # الرابع: ما سوى هذه الأنواع، كالزعفران والأشنان والملح المعدني، وما لا ~~ينجس بالموت كالخنافس والزنابير، وما عفي عنه ms0002 لمشقة التحرز إذا ألقي في ~~الماء قصدا، فهذا إن غلب على أجزاء الماء مثل أن جعله صبغا، أو حبرا، أو ~~طبخ فيه، سلبه الطهورية # PageV01P022 # [بغير] خلاف؛ لأنه زال اسم الماء، فأشبه الخل. # وإن غير إحدى صفاته طعمه أو لونه أو ريحه، ولم يطبخ فيه، فأكثر الروايات ~~عن أحمد أنه لا يمنع؛ لقول الله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} [النساء: ~~43] ، ولأنه خالطه طاهر لم يسلبه اسمه، ولا رقته، ولا جريانه، أشبه سائر ~~الأنواع. وعنه: لا تجوز الطهارة به؛ لأنه سلب إطلاق اسم الماء، أشبه ماء ~~الباقلاء المغلي، وهذا اختيار الخرقي، وأكثر الأصحاب. # فصل: # فإن استعمل في رفع الحدث، فهو طاهر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«صب على جابر من وضوئه» رواه البخاري. ولأنه لم يصبه نجاسة فكان طاهرا، ~~كالذي تبرد به. # PageV01P023 # وهل تزول طهوريته؟ # فيه روايتان: # أشهرهما: زوالها؛ لأنه زال عنه إطلاق اسم الماء أشبه المتغير بالزعفران. # والثانية: لا تزول؛ لأنه استعمال لم يغير الماء، أشبه التبرد به. # وإن استعمل في طهارة مستحبة، كالتجديد وغسل الجمعة، والغسلة الثانية ~~والثالثة، فهو باق على إطلاقه؛ لأنه لم يرفع حدثا، ولم يزل نجسا. # وعنه: أنه غير مطهر؛ لأنه مستعمل في طهارة شرعية، أشبه المستعمل في رفع ~~الحدث. # PageV01P024 # فصل: # وإن استعمل في غسل نجاسة، فانفصل متغيرا بها، أو قبل زوالها، فهو نجس؛ ~~لأنه متغير بنجاسة، أو ملاق لنجاسة لم يطهرها، فكان نجسا، كما لو وردت ~~عليه. # وما انفصل من الغسلة التي طهرت المحل غير متغير، فهو طاهر إن كان المحل ~~أرضا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أمر أن يصب على بول الأعرابي ذنوب ~~من ماء» متفق عليه. # فلو كان المنفصل نجسا لكان تكثيرا للنجاسة. # وإن كان غير الأرض، ففيه وجهان: # أظهرهما: طهارته كالمنفصل عن الأرض، ولأن البلل الباقي في المحل طاهر، ~~والمنفصل بعض المتصل، فكان حكمه حكمه. # والثاني: هو نجس؛ لأنه ماء يسير لاقى نجاسة فتنجس بها، كما لو وردت عليه. # فإن قلنا بطهارته، فهل يكون مطهرا؟ على وجهين بناء على الروايتين في ms0003 ~~المستعمل # PageV01P025 # في رفع الحدث، وقد مضى توجيههما. # فصل: # وإذا انغمس المحدث في ماء يسير ينوي به رفع الحدث، صار مستعملا؛ لأنه ~~استعمل في رفع الحدث، ولم يرتفع حدثه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه وهو جنب» رواه مسلم. ~~والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، # PageV01P026 # ولأنه بأول جزء انفصل منه صار مستعملا، فلم يرتفع الحدث عن سائره. # PageV01P027 # فصل: # وما سوى الماء من المائعات كالخل والمرق والنبيذ، وماء الورد، والمعتصر ~~من الشجر، لا يرفع حدثا، ولا يزيل نجسا؛ لقوله تعالى: {فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا} [النساء: 43] فأوجب التيمم على من لم يجد ماء، «وقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لأسماء في دم الحيض يصيب الثوب: تحتيه ثم تقرصيه ثم ~~تنضحيه بالماء ثم تصلي فيه» متفق عليه. فدل على أنه لا يجوز بغيره. والله ~~أعلم. ### | باب الماء النجس # إذا وقع في الماء نجاسة فغيرته، نجس بغير خلاف؛ لأن تغيره لظهور أجزاء ~~النجاسة فيه. # وإن لم تغيره لم يخل من حالين: # أحدهما: أن يكون قلتين فصاعدا، فهو طاهر لما روى ابن عمر رضي الله # PageV01P028 # عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، «سئل عن الماء وما ينوبه من ~~الدواب والسباع، فقال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» رواه الأئمة. ~~وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وفي لفظ: «لم ينجسه شيء» وروى أبو سعيد - رضي ~~الله عنه - قال: «قيل: يا رسول # PageV01P029 # الله، أتتوضأ من بئر بضاعة وهي: بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب ~~والنتن؟ فقال: الماء طهور لا ينجسه شيء» . قال أحمد: حديث بئر بضاعة صحيح. # قال أبو داود: قدرت بئر بضاعة بردائي فوجدتها ستة أذرع، ولأن الماء ~~الكثير لا يمكن حفظه في الأوعية، فعفي عنه كالذي لا يمكن نزحه. # الثاني: ما دون القلتين، ففيه روايتان: # أظهرهما: نجاسته؛ لأن قوله: «إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء» يدل على ~~أن ما لم يبلغهما ينجس، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا ولغ ~~الكلب في إناء أحدكم، فليغسله ms0004 سبع مرات» متفق عليه. فدل على نجاسته من غير ~~تغيير، ولأن الماء اليسير يمكن حفظه [في الأوعية] فلم يعف عنه، وجعلت ~~القلتان حدا بين القليل والكثير. # والثانية: هو طاهر؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الماء طهور لا ~~ينجسه شيء» . وروى أبو # PageV01P030 # أمامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الماء طهور لا ينجسه إلا ما ~~غلب على لونه أو طعمه أو ريحه» رواه ابن ماجه. ولأنه لم يتغير بالنجاسة ~~أشبه الكثير. # فصل: # وفي قدر القلتين روايتان: # إحداهما: [أنهما] أربعمائة رطل بالعراقي؛ لأنه روي عن ابن جريج ويحيى بن ~~عقيل: أن القلة تأخذ قربتين، وقرب الحجاز كبار تسع كل قربة مائة رطل فصارت ~~القلتان بهذه المقدمات أربعمائة رطل. # والثانية: هما خمسمائة رطل؛ لأنه يروى عن ابن جريج أنه قال: رأيت قلال ~~هجر، فرأيت القلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئا. فالاحتياط أن يجعل ~~الشيء نصفا فيكونان خمس قرب. # وهل ذلك تحديد أو تقريب؟ # PageV01P031 # فيه وجهان: # أظهرهما: أنه تقريب، فلو نقص رطل أو رطلان لم يؤثر؛ لأن القربة إنما جعلت ~~مائة رطل تقريبا، والشيء إنما جعل نصفا احتياطا، والغالب أنه يستعمل فيما ~~دون النصف، وهذا لا تحديد فيه. # والثاني: أنه تحديد، فلو نقص شيئا يسيرا تنجس بالنجاسة؛ لأنا جعلنا ذلك ~~احتياطا، وما وجب الاحتياط به صار فرضا، كغسل جزء من الرأس مع الوجه. # فصل: # وجميع النجاسات في هذا سواء إلا بول الآدميين، وعذرتهم المائعة، فإن أكثر ~~الروايات عن أحمد أنها تنجس الماء الكثير؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه» متفق عليه. ~~إلا أن يبلغ حدا # PageV01P032 # لا يمكن نزحه، كالغدران والمصانع بطريق مكة، فذلك الذي لا ينجسه شيء؛ لأن ~~«نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن البول في الماء الدائم» ينصرف إلى ما ~~كان في أرضه على عهده من آبار المدينة ونحوها. # وعنه أنه كسائر النجاسات لعموم الأحاديث التي ذكرناها، ولأن البول كغيره ~~من النجاسات في سائر الأحكام، فكذلك في ms0005 تنجيس الماء، وحديث البول لا بد من ~~تخصيصه، فنخصه بخبر القلتين. # فصل: # وإذا وقعت النجاسة في ماء فغيرت بعضه فالمتغير نجس، وما لم يتغير إن بلغ ~~قلتين فهو طاهر لعموم الأخبار فيه، ولأنه ماء كثير لم يتغير بالنجاسة، فكان ~~طاهرا كما لو لم يتغير فيه شيء. وإن نقص عنهما فهو نجس؛ لأنه ماء يسير لاقى ~~ماء نجسا فنجس به. فإذا كان بين الغديرين ساقية فيها ماء يتصل بهما فهما ~~ماء واحد. # PageV01P033 # فصل: # فأما الماء الجاري إذا تغير بعض جريانه بالنجاسة، فالجرية المتغيرة نجسة، ~~وما أمامها طاهر؛ لأنها لم تصل إليه، وما وراءها طاهر؛ لأنه لم يصل إليها. ~~وإن لم يتغير منه شيء، احتمل أنه لا ينجس؛ لأنه ماء كثير يتصل بعضه ببعض ~~فيدخل في عموم الأخبار السابقة أولا، فلم ينجس كالراكد. ولو كان ماء ~~الساقية راكدا لم ينجس إلا بالتغير، فالجاري أولى لأنه أحسن حالا. # وجعل أصحابنا المتأخرون كل جرية كالماء المنفرد، فإذا كانت النجاسة في ~~جرية تبلغ قلتين، فهي طاهرة ما لم تتغير. وإن كان دون القلتين فهي نجسة، ~~وإن كانت النجاسة واقفة، فكل جرية تمر عليها إن بلغت قلتين، فهي طاهرة وإلا ~~فهي نجسة. وإن اجتمعت الجريات، فكان في الماء قلتان طاهرتان، متصلة لاحقة، ~~أو سابقة، فالمجتمع كله طاهر، إلا أن يتغير بالنجاسة؛ لأن القلتين تدفعان ~~النجاسة عن نفسهما ويطهرهما ما اجتمع معهما، وإن لم يكن فالجميع نجس، ~~والجرية ما يحيط بالنجاسة من فوقها وتحتها ويمينها وشمالها وما قرب منها مع ~~ما يحاذي ذلك فيما بين طرفي النهر. # PageV01P034 # فصل: # وهو ثلاثة أقسام: # ما دون القلتين: فتطهيره بالمكاثرة بقلتين طاهرتين، إما أن ينبع فيه، أو ~~يصب عليه، وسواء كان متغيرا فزال تغيره أو غير متغير فبقي بحاله. # الثاني: قدر القلتين، فتطهيره بالمكاثرة المذكورة، أو بزوال تغيره بمكثه. # الثالث: الزائد عن القلتين، فتطهيره بهذين الأمرين، أو بنزح يزيل تغيره ~~ويبقى بعده قلتان، ولا يعتبر صب الماء دفعة واحدة؛ لأن ذلك يشق، لكن يصبه ~~على حسب ما أمكنه من المتابعة، إما ms0006 أن يجريه من ساقية، أو يصبه دلوا فدلوا. ~~وإن كوثر بماء دون القلتين، أو طرح فيه تراب، أو غير الماء، لم يطهره؛ لأن ~~ذلك لا يدفع النجاسة عن نفسه، فلم يطهره الماء، كما لو طرح فيه مسك، ويتخرج ~~أن يطهره؛ لأنه تغير الماء، فأشبه ما لو زال بنفسه، ولأن علة التنجيس في ~~الماء الكثير التغير، فإذا زالت زال حكمها، كما لو زال تغير المتغير ~~بالطاهرات. # PageV01P035 # فأما ما دون القلتين، فلا يطهر بزوال التغير؛ لأن العلة فيه المخالطة لا ~~التغير. # فصل: # فإن اجتمع نجس إلى نجس، فالجميع نجس وإن كثر؛ لأن اجتماع النجس إلى النجس ~~لا يتولد بينهما طاهر، كالمتولد بين الكلب والخنزير، ويتخرج أن يطهر إذا ~~زال التغير، وبلغ القلتين، لما ذكرناه، وإن اجتمع مستعمل إلى مثله، فهو باق ~~على المنع، فإن اجتمع إلى طهور يبلغ قلتين، فالكل طهور؛ لأن القلتين تزيل ~~حكم النجاسة، فالاستعمال أولى، فإن اجتمع مستعمل إلى طهور دون القلتين، ~~وكان المستعمل يسيرا، عفي عنه؛ لأنه لو كان مائعا غير الماء، عفي عنه، ~~فالمستعمل أولى وإن كثر؛ بحيث لو كان مائعا غلب على أجزاء الماء، منع كغيره ~~من الطاهرات. ### | باب الشك في الماء # إذا شك في نجاسته لم يمنع الطهارة به، سواء وجده متغيرا أو غير متغير؛ ~~لأن الأصل الطهارة، والتغير يحتمل أن يكون من مكثه، أو بما لا يمنع، فلا ~~يزول بالشك. # وإن تيقن نجاسته، ثم شك في طهارته، فهو نجس؛ لأن الأصل نجاسته. # PageV01P036 # وإن علم وقوع النجاسة فيه، ثم وجده متغيرا تغيرا يجوز أن يكون منها، فهو ~~نجس؛ لأن الظاهر تغيره بها. # وإن أخبره ثقة بنجاسة الماء، لم يقبل حين يعين سببها لاحتمال اعتقاده ~~نجاسته بما لا ينجسه، كموت ذبابة فيه، وإن عين سببها، لزمه القبول، رجلا ~~كان أو امرأة، بصيرا أو أعمى؛ لأنه خبر ديني، فلزمه قبوله كرواية الحديث، ~~ولأن للأعمى طريقا إلى العلم بالحس والخبر، ولا يقبل خبر كافر، ولا صبي ولا ~~مجنون ولا فاسق؛ لأن روايتهم غير مقبولة. # وإن أخبره أن كلبا ms0007 ولغ في هذا الإناء دون هذا وقال آخر: إنما ولغ في هذا ~~الإناء دون ذاك حكم بنجاستهما؛ لأنه يمكن صدقهما، لكونهما في وقتين. أو ~~كانا كلبين. وإن عينا كلبا ووقتا لا يمكن شربه فيه منهما، تعارضا وسقط ~~قولهما؛ لأنه لا يمكن صدقهما، ولم يترجح أحدهما. # PageV01P037 ### | فصل في اشتباه الماء النجس بالطاهر # فصل: # وإن اشتبه الماء النجس بالطاهر، تيمم، ولم يجز له استعمال أحدهما، سواء ~~كثر عدد الطاهر أو لم يكثر. وحكي عن أبي علي النجاد أنه إذا كثر عدد ~~الطاهر، فله أن يتحرى ويتوضأ بالطاهر عنده؛ لأن احتمال إصابة الطاهر أكثر، ~~والأول المذهب؛ لأنه اشتبه المباح بالمحظور فيما لا تبيحه الضرورة، فلم يجز ~~التحري كما لو كان النجس بولا، أو كثر عدد النجس أو اشتبهت أخته بأجنبيات، ~~ولأنه لو توضأ بأحدهما ثم تغير اجتهاده في الوضوء الثاني، فتوضأ بالأول، ~~لتوضأ بماء يعتقد نجاسته، وإن توضأ بالثاني من غير غسل أثر الأول، تنجس ~~يقينا، وإن غسل أثر الأول، نقض اجتهاده باجتهاده، وفيه حرج ينتفي بقوله ~~سبحانه: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] فتركهما أولا أولى. # وهل يشترط لصحة التيمم إراقتهما أو خلطهما؟ فيه روايتان: # إحداهما: يشترط ليتحقق عدم الطاهر. # والثانية: لا يشترط؛ لأن الوصول إلى الطاهر متعذر، واستعماله ممنوع منه، ~~فلم يشترط عدمه كماء الغير. # PageV01P038 # وإن اشتبه مطلق بمستعمل، توضأ من كل إناء وضوءا لتحصل له الطهارة بيقين، ~~وصلى صلاة واحدة. وإن اشتبهت الثياب الطاهرة بالنجسة، وأمكنه الصلاة في عدد ~~النجس، وزيادة صلاة، لزمه ذلك؛ لأنه أمكنه تأدية فرضه يقينا من غير مشقة، ~~فلزمه كما لو اشتبه المطلق بالمستعمل، وإن كثر عدد النجس، فذكر ابن عقيل ~~أنه يصلي في أحدها بالتحري؛ لأن اعتبار اليقين يشق، فاكتفي بالظاهر، كما لو ~~اشتبهت القبلة. ### | أقسام الحيوان # فصل: # وهو ثلاثة أقسام: # PageV01P039 # طاهر، وهو ثلاثة أنواع: # أحدها: الآدمي متطهرا كان، أو محدثا، لما روى أبو هريرة، قال: «لقيني ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا جنب فانخنست منه، فاغتسلت، ثم جئت، ~~فقال: أين كنت يا ms0008 أبا هريرة؟ قلت: يا رسول الله ‍‍‍! كنت جنبا، فكرهت أن ~~أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال: سبحان الله! إن المؤمن ليس بنجس» متفق ~~عليه. وعن عائشة: «أنها كانت تشرب من الإناء، وهي حائض فيأخذه النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فيضع فاه على موضع فيها فيشرب» رواه مسلم. # النوع الثاني: ما يؤكل لحمه، فهو طاهر بلا خلاف. # الثالث: ما لا يمكن التحرز منه، وهو السنور، وما دونها في الخلقة، لما ~~روت كبشة بنت كعب بن مالك، قالت: «دخل علي أبو قتادة، فسكبت له وضوءا، ~~فجاءت هرة، فأصغى لها الإناء حتى شربت، فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ~~ابنة أخي؟! قلت: نعم، قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إنها ~~ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات» رواه الترمذي، وقال: حديث ~~حسن صحيح. دل بمنطوقه على طهارة الهرة، وبتعليله على طهارة ما دونها، لكونه ~~مما يطوف علينا، ولا يمكن التحرز عنه، كالفأرة ونحوها، فهذا سؤره وعرقه ~~وغيرهما طاهر. # القسم الثاني: نجس، وهو: الكلب والخنزير، وما تولد منهما فسؤره نجس، ~~وجميع أجزائه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا ولغ الكلب في ~~إناء أحدكم فاغسلوه سبعا» # PageV01P040 # متفق عليه. ولولا نجاسته ما وجب غسله، والخنزير شر منه؛ لأنه منصوص على ~~تحريمه، ولا يباح إنقاذه بحال. وكذلك ما تولد من النجاسات كدود الكنيف ~~وصراصره؛ لأنه متولد من نجاسة، فكان نجسا، كولد الكلب. # القسم الثالث: مختلف فيه، وهو ثلاثة أنواع كذلك: # أحدها: سائر سباع البهائم والطير، وفيهما روايتان: # إحداهما: أنها نجسة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «سئل عن الماء وما ~~ينوبه من السباع فقال: إذا كان الماء قلتين، لم ينجسه شيء» فمفهومه: أنه ~~ينجس إذا لم يبلغهما، ولأنه حيوان حرم لخبثه يمكن التحرز عنه، فكان نجسا ~~كالكلب. # والثانية: أنها طاهرة لما روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - «سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة، تردها السباع والكلاب ~~والحمر، وعن الطهارة بها، فقال: لها ما أخذت في أفواهها، ms0009 ولنا ما غبر طهور» ~~رواه ابن ماجه. # ومر عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص بحوض، فقال عمرو: يا صاحب الحوض! ترد ~~على حوضك السباع؟ فقال عمر: يا صاحب الحوض! لا تخبرنا، فإنا نرد عليها، ~~وترد علينا. رواه مالك في الموطأ. # النوع الثاني: الحمار الأهلي والبغل، ففيهما روايتان: # PageV01P041 # إحداهما: نجاستهما، «لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحمر يوم ~~خيبر: إنها رجس» متفق عليه، ولما ذكرنا في السباع. # والثانية: أنها طاهرة؛ لأنه قال: إذا لم يجد غير سؤرهما، تيمم معه، ولو ~~شك في نجاسته، لم يبح استعماله، ووجهها ما روى جابر أن رسول - صلى الله ~~عليه وسلم - «سئل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم، وبما أفضلت السباع ~~كلها» رواه الشافعي في مسنده. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يركب ~~الحمار والبغال، وكان الصحابة يقتنونها ويصحبونها في أسفارهم، فلو كانت ~~نجسة، لبين لهم نجاستها، ولأنه لا يمكن التحرز عنها لمقتنيها، فأشبهت الهر ~~ويحكم بطهارته، ويجوز بيعها، فأشبهت مأكول اللحم. # النوع الثالث: الجلالة وهي: التي أكثر علفها النجاسة، ففيها روايتان: # إحداهما: نجاستها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن ركوب ~~الجلالة وألبانها» ، رواه أبو داود. ولأنها تنجست بالنجاسة، والريق لا ~~يطهر. # والثانية: أنها طاهرة؛ لأن الضبع والهر يأكلان النجاسة، وهما طاهران. # وحكم أجزاء الحيوان من جلده وشعره وريشه حكم سؤره؛ لأنه من أجزائه، فأشبه ~~فمه، فإذا وقع في الماء ثم خرج حيا، فحكم ذلك حكم سؤره. # قال أحمد في فأرة سقطت في ماء، ثم خرجت حية: لا بأس به. # PageV01P042 # فصل: # إذا أكلت الهرة نجاسة، ثم شربت من ماء بعد غيبتها، لم ينجس؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «إنها ليست بنجس» مع علمه بأكلها النجاسات. وإن ~~شربت قبل الغيبة، فقال أبو الحسن الآمدي: ظاهر قول أصحابنا: طهارته؛ للخبر. ~~ولأننا حكمنا بطهارتها بعد الغيبة، واحتمال طهارتها بها شك لا يزيل يقين ~~النجاسة. # وقال القاضي: ينجس؛ لأن أثر النجاسة في فمها، بخلاف ما بعد الغيبة، فإنه ~~يحتمل أن تشرب من ماء يطهر ms0010 فاها، فلا ينجس ما تيقنا طهارته بالشك. ### | فصل في أقسام الحيوان الطاهر # فصل: # والحيوان الطاهر على أربعة أضرب: # أحدها: ما تباح ميتته، كالسمك ونحوه، والجراد وشبهه فميتته طاهرة؛ لقول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «والحل ميتته» . # والثاني: ما ليست له نفس سائلة، كالذباب والعقارب والخنافس، فهو طاهر حيا ~~وميتا، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وقع الذباب في إناء ~~أحدكم، فامقلوه، فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء» رواه البخاري ~~بمعناه فأمر بمقله؛ ليكون شفاء # PageV01P043 # لنا إذا أكلنا، ولأنه لا نفس له سائلة، أشبه دود الخل إذا مات فيه. # والثالث: الآدمي، ففيه روايتان: # أظهرهما: أنه طاهر بعد الموت، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن ~~المؤمن ليس بنجس» ولأنه لو كان نجس العين، لم يشرع غسله، كسائر النجاسات. # والثانية: هو نجس، قال أحمد في صبي مات في بئر: تنزح، وذلك لأنه حيوان له ~~نفس سائلة أشبه الشاة. # والرابع: ما عدا ما ذكرنا، مما له نفس سائلة لا تباح ميتته، فميتته نجسة، ~~لقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] وقوله [تعالى] : {إلا أن ~~يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس} [الأنعام: 145] . ### | باب الآنية # وهي ضربان: # مباح من غير كراهة: وهو إناء طاهر من غير جنس الأثمان، ثمينا كان أو # PageV01P044 # غير ثمين، كالياقوت والبلور والعقيق والخزف والخشب والجلود والصفر؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - اغتسل من جفنة، وتوضأ من تور من صفر، وتور من ~~حجارة، ومن قربة وإداوة. # والثاني: محرم، وهو آنية الذهب والفضة، لما روى حذيفة أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا من ~~صحافهما، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة» ، وقال: «الذي يشرب في آنية ~~الذهب والفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» متفق عليهما. فتوعد عليه ~~بالنار، فدل على تحريمه، ولأن فيه سرفا وخيلاء، وكسر قلوب الفقراء، ولا ~~يحصل هذا في [ثمين] الجواهر؛ لأنه لا يعرفها إلا خواص الناس، ويحرم ~~اتخاذها، لأن ما ms0011 حرم استعماله، حرم اتخاذه [على] هيئة الاستعمال، كالطنبور، ~~ويستوي في ذلك الرجال والنساء، لعموم الخبر. وإنما أبيح للنساء التحلي ~~للحاجة إلى الزينة للأزواج، فما عداه تجب التسوية فيه بين الجميع، وما ضبب ~~بالفضة أبيح إذا كان يسيرا، لما روى أنس «أن # PageV01P045 # قدح الرسول - صلى الله عليه وسلم - انكسر، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من ~~فضة.» رواه البخاري. # ولا يباح الكثير؛ لأن فيه سرفا، فأشبه الإناء الكامل، واشترط أبو الخطاب ~~أن يكون لحاجة؛ لأن الرخصة وردت في شعب القدح، وهو لحاجة. ومعنى الحاجة أن ~~تدعو الحاجة إلى ما فعله به، وإن كان غيره يقوم مقامه. وقال القاضي: يباح ~~من غير حاجة لأنه يسير، إلا أن أحمد كره الحلقة؛ لأنها تستعمل، وتكره ~~مباشرة الفضة بالاستعمال، فأما الذهب، فلا يباح إلا في الضرورة، كأنف ~~الذهب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رخص لعرفجة بن سعد لما قطع أنفه ~~يوم الكلاب واتخذ أنفا من ورق فأنتن عليه، فأمره أن يتخذ أنفا من الذهب» . ~~قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ويباح ربط أسنانه بالذهب إذا خشي سقوطها؛ ~~لأنه في معنى أنف الذهب. وذكر أبو بكر في " التنبيه " أنه يباح يسير الذهب. ~~وقال أبو الخطاب: ولا بأس بقبيعة السيف بالذهب؛ لأن سيف عمر كان فيه سبائك ~~من ذهب. ذكره الإمام أحمد. وعن مزيدة العصري قال: «دخل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة» . رواه الترمذي، وقال: هو ~~حديث غريب. ### | التطهر من آنية الذهب والفضة # فصل: # فإن تطهر من آنية الذهب والفضة، ففيه وجهان: # أحدهما: تصح طهارته، وهذا قول الخرقي؛ لأن الوضوء جريان الماء على العضو ~~وليس بمعصية، وإنما المعصية استعمال الإناء. # والثاني: لا تصح، اختاره أبو بكر؛ لأنه استعمال للمعصية في العبادة، أشبه # PageV01P046 # الصلاة في الدار المغصوبة. ### | فصل في استعمال آنية أهل الكتاب # فصل: # وهم ضربان: # أحدهما: من لا يستحل الميتة كاليهود، فأوانيهم طاهرة [مباحة الاستعمال] ؛ ~~«لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أضافه يهودي بخبز وإهالة سنخة فأجابه» ، ~~رواه أحمد في المسند ms0012 وتوضأ عمر - رضي الله عنه - من جرة نصرانية. # والثاني: من يستحل الميتات والنجاسات، كعبد الأوثان والمجوس، وبعض ~~النصارى، فلما لم يستعملوه من آنيتهم، فهو طاهر، وما استعملوه فهو نجس، لما ~~روى أبو ثعلبة الخشني [- رضي الله عنه -] قال: «قلت: يا رسول الله، إنا ~~بأرض قوم أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ قال: لا تأكلوا فيها، إلا أن لا ~~تجدوا غيرها، فاغسلوها، ثم # PageV01P047 # كلوا فيها» متفق عليه. وما شك في استعماله فهو طاهر، وذكر أبو الخطاب أن ~~أواني الكفار كلها طاهرة. # وفي كراهية استعمالها روايتان: # إحداهما: تكره، لهذا الحديث. # والثانية: لا تكره؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكل فيها. ### | فصل في حكم ثياب الكفار # فأما ثياب الكفار، فما لم يلبسوه، أو علا من ثيابهم كالعمامة والطيلسان، ~~فهو طاهر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كانوا يلبسون ثيابا من ~~نسج الكفار. وما لاقى عوراتهم، فقال أحمد: أحب إلي أن يعيد إذا صلى فيها، ~~فيحتمل وجوب الإعادة، وهو قول القاضي؛ لأنهم يتعبدون بالنجاسة، ويحتمل أن ~~لا تجب، وهو قول أبي الخطاب؛ لأن الأصل الطهارة، فلا تزول بالشك. ### | فصل في حكم طهارة الميتة # فصل: # وجلود الميتة نجسة، ولا تطهر بالدباغ في ظاهر المذهب؛ لقول الله تعالى: ~~{حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] والجلد جزء منها. وروى أحمد عن يحيى بن ~~سعيد عن شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم قال: «قرئ ~~علينا كتاب رسول الله في أرض جهينة، وأنا غلام شاب: أن لا تنتفعوا من ~~الميتة بإهاب ولا عصب» . # PageV01P048 # قال أحمد: ما أصلح إسناده، [تعجب منه] . ولأنه جزء من الميتة، نجس ~~بالموت، فلم يطهر كاللحم. وعنه: يطهر منها جلد ما كان طاهرا حال الحياة، ~~لما روى ابن عباس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وجد شاة ميتة أعطيتها ~~مولاة لميمونة من الصدقة، فقال: ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به؟ ~~قالوا: إنها ميتة، فقال: إنما حرم أكلها» متفق عليه. # ولا يطهر جلد ما كان نجسا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ms0013 - «نهى عن ~~جلود السباع وعن مياثر النمور» رواه الأثرم. ولأن أثر الدبغ في إزالة نجاسة ~~حادثة بالموت، فيعود الجلد إلى ما كان عليه قبل الموت، كجلد الخنزير. # وهل يعتبر في طهارة الجلد المدبوغ أن يغسل بعد دبغه؟ على وجهين: # أحدهما: لا يعتبر، لما روى ابن عباس [- رضي الله عنه -] عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، أنه قال: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» متفق عليه. # والثاني: يعتبر؛ لأن الجلد محل النجس، فلا يطهر بغير الماء، كالثوب. # فصل: # وعظم الميتة وقرنها وظفرها وحافرها نجس لا يطهر بحال؛ لأنه جزء من # PageV01P049 # الميتة فيدخل في عموم قول الله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] ~~والدليل على أنه منها قول الله تعالى: {قال من يحيي العظام وهي رميم} [يس: ~~78] {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة} [يس: 79] . ولأن دليل الحياة الإحساس ~~والألم، والضرس يألم ويحس بالضرس، برد الماء وحرارته، وما فيه حياة يحله ~~الموت، فينجس به كاللحم. # فصل: # وصوفها ووبرها وشعرها وريشها طاهر لأنه لا روح له، فلا يحله الموت؛ لأن ~~الحيوان لا يألم بأخذه، ولا يحس، ولأنه لو كانت فيه حياة لنجس بفصله من ~~الحيوان في حياته، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما أبين من حي فهو ~~ميت» رواه أبو داود بمعناه. # فصل: # وحكم شعر الحيوان وريشه حكمه في الطهارة والنجاسة، متصلا كان أو منفصلا ~~في حياة الحيوان أو موته، فشعر الآدمي طاهر؛ «لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ناول أبا طلحة شعره فقسمه بين الناس» . رواه الترمذي، وقال: حديث ~~حسن واتفق على معناه. ولولا طهارته لما فعل، ولأنه شعر حيوان طاهر، فأشبه ~~شعر الغنم. # PageV01P050 # فصل: # ولبن الميتة نجس؛ لأنه مائع في وعاء نجس، وإنفحتها نجسة لذلك، وعنه: أنها ~~طاهرة؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - أكلوا من جبن المجوس، وهو يصنع ~~بالإنفحة، وذبائحهم ميتة. فأما البيضة: فإن صلب قشرها، لم تنجس، كما لو ~~وقعت في شيء نجس، وإن لم يصلب، فهي كاللبن. # وقال ابن عقيل: لا تنجس إذا كان عليها جلدة تمنع وصول النجاسة إلى ms0014 ~~داخلها. # PageV01P051 # فصل: # وكل ذبح لا يفيد إباحة اللحم لا يفيد طهارة المذبوح، كذبح المجوسي، ~~ومتروك التسمية، وذبح المحرم للصيد، وذبح الحيوان غير المأكول؛ لأنه ذبح ~~غير مشروع، فلم يطهر كذبح المرتد. ### | باب السواك وغيره # السواك سنة مؤكدة، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لولا أن أشق ~~على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» متفق عليه. وعنه - عليه السلام -، ~~أنه قال: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب» رواه الإمام أحمد في المسند، ~~ويتأكد استحبابه في أوقات ثلاثة: عند الصلاة؛ لما ذكرنا، وإذا قام من ~~النوم؛ لما روى حذيفة - رضي الله عنه - قال: «كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك» ، متفق عليه. ولأن النائم ~~ينطبق فمه ويتغير. والثالث: عند تغير الفم بمأكول أو خلو معدته، ولأن ~~السواك شرع لتنظيف الفم، وإزالة رائحته. ويستحب في سائر الأوقات؛ لما روى ~~شريح بن هانئ، قال: «سألت عائشة - رضي الله عنها - بأي شيء كان يبدأ # PageV01P052 # النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك» . رواه مسلم. # قال ابن عقيل: لا يختلف المذهب أنه لا يستحب السواك للصائم بعد الزوال؛ ~~لأنه يزيل خلوف فم الصائم، وخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، ~~ولأنه أثر عبادة مستطاب شرعا، فلم يستحب إزالته، كدم الشهداء. وهل يكره؟ ~~على روايتين: # إحداهما: يكره لذلك. # والثانية: لا يكره؛ لأن عامر بن ربيعة قال: «رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، ما لا أحصي يتسوك وهو صائم» . قال الترمذي: هذا حديث حسن، ~~ويستاك بعود لين ينقي الفم، ولا يجرحه ولا يتفتت فيه، وكان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يستاك بعود أراك، ولا يستاك بعود رمان؛ لأنه يضر بلحم ~~الفم، ولا عود ريحان؛ لأنه يروى أنه يحرك عرق الجذام، فإن استاك بأصبعه أو ~~خرقة، لم يصب السنة؛ لأنها لم ترد به، ولا يسمى سواكا، [قال ابن عبد القوي ~~على القول المجود] : ويحتمل أن يصيب؛ # PageV01P053 # لأنه يحصل من الإنقاء بقدره. # فصل: # ومن السنة تقليم الأظفار، وقص ms0015 الشارب، ونتف الإبط وحلق العانة، لما روى ~~أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط» ~~متفق عليه. # فصل: # ويجب الختان؛ لأنه من ملة إبراهيم، فإنه روي «أن إبراهيم - عليه السلام ~~-، ختن نفسه» متفق عليه. وقد قال الله تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة ~~إبراهيم} [النحل: 123] ولأنه يجوز كشف العورة من أجله، ولولا أنه واجب ما ~~جاز النظر إليها لفعل مندوب. # PageV01P054 # فإن كان كبيرا وخاف على نفسه من الختان، سقط وجوبه. ### | باب فرائض الوضوء وسننه # أول فرائضه: النية: وهي شرط لطهارة الأحدث كلها، الغسل، والوضوء، ~~والتيمم؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما ~~لكل امرئ ما نوى» متفق عليه. ولأنها عبادة محضة، فلم تصح من غير نية، ~~كالصلاة. # ومحل النية: القلب؛ لأنها عبارة عن القصد، ويقال: نواك بخير، أي: قصدك ~~به. ومحل القصد القلب، ولا يعتبر أن يقول بلسانه شيئا، فإن لفظ بما نواه ~~كان آكد. وموضع وجوبها عند المضمضة؛ لأنها أول واجباته، ويستحب تقديمها على ~~غسل اليدين والتسمية، لتشمل مفروض الوضوء ومسنونه. ويستحب استدامة ذكرها في ~~سائر وضوئه، فإن عزبت في أثنائها جاز؛ لأن النية في أول العبادة تشمل جميع ~~أجزائها كالصيام، وإن تقدمت النية الطهارة بزمن يسير، وعزبت عنه في # PageV01P055 # أولها، جاز؛ لأنها عبادة، فلم يشترط اقتران النية بأولها كالصيام. # وصفتها: أن ينوي رفع الحدث، أي: إزالة المانع من الصلاة أو الطهارة، لأمر ~~لا يستباح إلا بها، كالصلاة والطواف ومس المصحف، وإن نوى الجنب بغسله قراءة ~~القرآن صح؛ لأنه يتضمن رفع الحدث، وإن نوى بطهارته ما لا تشرع له الطهارة، ~~كلبس ثوبه ودخول بيته والأكل، لم يرتفع حدثه؛ لأنه ليس بمشروع، أشبه ~~التبرد، وإن نوى ما يستحب له الطهارة، كقراءة القرآن، وتجديد الوضوء وغسل ~~الجمعة والجلوس في المسجد والنوم، فكذلك في إحدى الروايتين؛ لأنه لا يفتقر ~~إلى رفع الحدث أشبه لبس الثوب، والأخرى: يرتفع حدثه؛ لأنه يشرع له فعل هذا، ms0016 ~~وهو غير محدث، وقد نوى ذلك، فينبغي أن تحصل له، ولأنها طهارة صحيحة، فرفعت ~~الحدث، كما لو نوى رفعه. وإن نوى رفع الحدث والتبرد، صحت طهارته؛ لأنه أتى ~~بما يجزئه، وضم إليه ما لا ينافيه، فأشبه ما لو نوى بالصلاة العبادة ~~والإدمان على السهر، فإن نوى طهارة مطلقة، لم يصح؛ لأن منها ما لا يرفع ~~الحدث، وهو الطهارة من النجاسة. وإن نوى رفع حدث بعينه، فهل يرتفع غيره؟ ~~على وجهين: قال أبو بكر: لا يرتفع؛ لأنه لم ينوه، أشبه إذا لم ينو شيئا. ~~وقال القاضي: يرتفع؛ لأن الأحداث تتداخل، فإن ارتفع بعضها ارتفع جميعها، ~~وإن نوى صلاة واحدة نفلا # PageV01P056 # أو فرضا لا يصلي غيرها، ارتفع حدثه، ويصلي ما شاء؛ لأن الحدث إذا ارتفع ~~لم يعد إلا لسبب جديد، ونيته للصلاة تضمنت رفع الحدث، وإن نوى نية صحيحة ثم ~~غير نيته، فنوى التبرد في غسل بعض الأعضاء، لم يصح ما غسله للتبرد، فإن ~~أعاد غسل العضو بنية الطهارة، صح، ما لم يطل الفصل. # فصل: # ثم يقول: بسم الله. وفيها روايتان: # إحداهما: أنها واجبة في طهارات [الأحداث] كلها، اختارها أبو بكر، لما روى ~~أبو سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «لا وضوء لمن لم يذكر ~~اسم الله عليه» . قال أحمد: حديث أبي سعيد أحسن شيء في الباب. # والثانية: أنها سنة اختارها الخرقي. قال الخلال: الذي استقرت الروايات ~~عنه: أنه لا بأس به إذا ترك التسمية؛ لأنها عبادة، فلا تجب فيها التسمية ~~كغيرها، وضعف أحمد الحديث فيها، وقال: ليس يثبت في هذا حديث، واختلف من ~~أوجبها في سقوطها بالسهو، فمنهم من قال: لا تسقط كسائر واجبات الطهارة ~~ومنهم من أسقطها؛ لأن الطهارة عبادة تشتمل على مفروض ومسنون، فكان من ~~فروضها ما يسقطه السهو، كالصلاة والحج، فإن ذكرها في أثناء وضوئه، سمى حيث # PageV01P057 # ذكر. # ومحل التسمية اللسان؛ لأنها ذكر، وموضعها بعد النية، ليكون مسميا على ~~جميع الوضوء. # فصل: # في غسل الكفين: ثم يغسل كفيه ثلاثا؛ «لأن عثمان وعبد الله بن زيد ms0017 - رضي ~~الله عنهما -، وصفا وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالا: فأفرغ ~~على يديه من إنائه، فغسلهما ثلاث مرات» . متفق عليهما، ولأن اليدين آلة نقل ~~الماء إلى الأعضاء ففي غسلهما احتياط لجميع الوضوء، ثم إن كان لم يقم من ~~نوم الليل، فغسلهما مستحب؛ لما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء ~~ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده» متفق عليه. ولم يذكر البخاري "ثلاثا". ~~فتخصيصه هذه الحالة بالأمر، دليل على عدم الوجوب في غيرها. # وإن قام في نوم الليل ففيه روايتان: # إحداهما: أنه واجب، اختارها أبو بكر لظاهر الأمر، فإن غمسهما قبل # PageV01P058 # غسلهما، صار الماء مستعملا؛ لأن النهي عن غمسهما يدل على أنه يفيد منعا، ~~وإن غسلهما دون الثلاث، ثم غمسهما، فكذلك؛ لأن النهي باق، وغمس بعض يده ~~كغمس جميعها، ويفتقر غسلهما إلى النية؛ لأنه غسل وجب تعبدا، أشبه الوضوء. # والرواية الثانية: ليس بواجب، اختارها الخرقي؛ لأن اليد عضو لا حدث عليه ~~ولا نجاسة، فأشبهت سائر الأعضاء، وتعليل الحديث يدل على أنه أريد به ~~الاستحباب؛ لأنه علل بوهم النجاسة، ولا يزال اليقين بالشك، فإن غمسهما في ~~الماء فهو باق على إطلاقه. # فصل: # ثم يتمضمض ويستنشق؛ لأن كل من وصف وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، ذكر أنه مضمض واستنشق، وهما واجبان في الطهارتين؛ لقول الله تعالى: ~~{فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] ، وهما داخلان في حد الوجه، ظاهران، يفطر ~~الصائم بوصول القيء إليهما، ولا يفطر بوضع الطعام فيهما، ولا يحد بوضع ~~الخمر فيهما، ولا يحصل الرضاع بوصول اللبن إليهما، ويجب غسلهما من النجاسة، ~~فيدخلان في عموم الآية. # وعنه: الاستنشاق وحده واجب؛ لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه -[أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال] : «إذا توضأ أحدكم، فليجعل في أنفه، ثم ~~لينتثر» متفق عليه. وعنه: أنهما واجبان في الكبرى دون الصغرى؛ لأنها طهارة ~~تعم جميع البدن ويجب فيها غسل ما تحت الشعور، وتحت الخفين. # PageV01P059 # ويستحب المبالغة ms0018 فيهما، إلا أن يكون صائما؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائما» حديث ~~صحيح. وصفة المبالغة اجتذاب الماء بالنفس إلى أقصى الأنف، ولا يجعله سعوطا، ~~وفي المضمضة، إدارة الماء في أقاصي الفم، ولا يجعله وجورا، وهو مخير بين أن ~~يمضمض ويستنشق ثلاثا من غرفة أو من ثلاث غرفات؛ لأن في حديث عبد الله بن ~~زيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، «مضمض واستنشق من كف واحدة، ففعل ذلك ~~ثلاثا» ، وفي لفظ: «أدخل يده في الإناء، فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثا بثلاث ~~غرفات» ، متفق عليهما. وإن شاء فصل بينهما؛ لأن جد طلحة بن مصرف قال: «رأيت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، يفصل بين المضمضة والاستنشاق» . رواه أبو ~~داود. ولا يجب الترتيب بينهما وبين الوجه؛ لأنهما منه، لكن تستحب البداءة ~~بهما اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # فصل: # ثم يغسل وجهه، وذلك فرض بالإجماع، لقوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} ~~[المائدة: 6] # PageV01P060 # وحده من منابت شعر الرأس المعتاد إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولا، ~~ومن الأذن إلى الأذن عرضا، ولا اعتبار بالأصلع الذي ينحسر شعره عن ناصيته، ~~ولا الأفرع الذي ينزل شعره على جبهته. # فإن كان في الوجه شعر كثيف يستر البشرة، لم يجب غسل ما تحته؛ لأنه باطن ~~أشبه [باطن] أقصى الأنف، ويستحب تخليله؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~خلل لحيته. وروى أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، «كان إذا توضأ، أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه، فخلل به لحيته، وقال: ~~هكذا أمرني ربي، عز وجل» رواه أبو داود. # وإن كان يصف البشرة، وجب غسل الشعر والبشرة. # وإن كان بعضه خفيفا، وبعضه كثيفا، وجب غسل ظاهر الكثيف، وبشرة الخفيف ~~معه. وسواء في هذا شعر اللحية والحاجبين، والشارب والعنفقة؛ لأنها شعور ~~معتادة في الوجه، أشبهت اللحية. # PageV01P061 # وفي المسترسل من اللحية عن حد الوجه روايتان: # إحداهما: لا يجب غسله؛ لأنه شعر نازل عن محل الفرض، أشبه الذؤابة في ms0019 ~~الرأس. # والثاني: يجب؛ لأنه نابت في بشرة الوجه، أشبه الحاجب. ويدخل في حد الوجه ~~العذار، [وهو: الشعر الذي على العظم الناتئ سمت صماخ الأذن إلى الصدغ. # والعارض: الذي تحت العذار] . والذقن: وهو مجتمع اللحيين، ويخرج منه ~~النزعتان، وهما: ما ينحسر عنهما الشعر في فودي الرأس؛ لأنهما من الرأس، ~~لدخولهما فيه. والصدغ: وهو الذي عليه الشعر في حق الغلام، محاذ لطرف الأذن ~~الأعلى؛ لأنه شعر متصل بالرأس ابتداء، فكان من الرأس كسائره، وقد مسحه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - مع رأسه في حديث الربيع. # ويستحب أن يزيد في ماء الوجه؛ لأن فيه غضونا وشعورا، ودواخل وخوارج، ~~ويمسح مآقيه، ويتعاهد المفصل وهو البياض الذي بين اللحية والأذن، فيغسله. # ولا يجب غسل داخل العينين. ولا يستحب؛ لأنه لا يؤمن الضرر من # PageV01P062 # غسلهما. # فصل: # ثم يغسل يديه إلى المرفقين، وهو فرض بالإجماع، لقول الله تعالى: {وأيديكم ~~إلى المرافق} [المائدة: 6] . ويجب غسل المرفقين؛ لأن جابرا - رضي الله عنه ~~- قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ أمر الماء على مرفقيه» ~~، رواه الدارقطني، وفيه: " دار الماء " وهذا يصلح بيانا؛ لأن " إلى " تكون ~~بمعنى " مع " كقوله تعالى: {من أنصاري إلى الله} [آل عمران: 52] [أي: مع ~~الله] ، {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} [النساء: 2] . # ويجب غسل أظفاره، وإن طالت، والأصبع الزائدة، والسلعة؛ لأن ذلك من يده، ~~وإن كانت له يد زائدة أصلها في محل الفرض، وجب غسلها؛ لأنها نابتة في محل ~~الفرض، أشبهت الأصبع، وإن نبتت في العضد أو المنكب، لم يجب غسلها وإن حاذت ~~محل الفرض؛ لأنها في غير محل الفرض، فهي كالقصيرة. وإن كانت له يدان ~~متساويتان على منكب واحد، وجب غسلهما؛ لأن إحداهما ليست أولى من الأخرى. # وإن تقلعت جلدة من الذراع، فتدلت من العضد، لم يجب غسلها؛ لأنها صارت من ~~العضد، وإن تقلعت من العضد، فتدلت من الذراع، وجب غسلها؛ لأنها متدلية من ~~محل الفرض. وإن تقلعت من إحداهما، فالتحم رأسها بالأخرى، وجب غسل ما حاذى ~~محل الفرض منها؛ لأنها كالجلد الذي عليهما، فإن ms0020 كانت متجافية في وسطها، غسل ~~ما تحتها من محل الفرض. وإن كان أقطع فعليه غسل ما بقي من محل الفرض، فإن ~~لم يبق منه شيء، سقط الغسل، ويستحب أن يمس محل القطع بالماء، لئلا يخلو ~~العضو من طهارة. # PageV01P063 # وتستحب البداءة بغسل اليمنى من يديه ورجليه؛ «لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، كان يحب التيمن في ترجله وتنعله وطهوره، وفي شأنه كله» . متفق ~~عليه. فإن بدأ باليسرى جاز؛ لأنهما كعضو واحد، بدليل قوله سبحانه: ~~{وأيديكم} [النساء: 43] {وأرجلكم} [المائدة: 6] فجمع بينهما. # فصل: # ثم يمسح رأسه، وهو فرض بغير خلاف، لقول الله تعالى: {وامسحوا برءوسكم} ~~[المائدة: 6] وهو ما ينبت عليه الشعر المعتاد في الصبي مع النزعتين. ويجب ~~استيعابه بالمسح؛ لقوله تعالى: {وامسحوا برءوسكم} [المائدة: 6] والباء ~~للإلصاق، فكأنه قال: امسحوا رؤوسكم، وصار كقوله سبحانه: {فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه} [المائدة: 6] قال ابن برهان: من زعم أن الباء للتبعيض، فقد ~~جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه. وظاهر قول الإمام أحمد: المرأة يجزئها مسح ~~مقدم الرأس؛ لأن عائشة كانت تمسح مقدم رأسها، وعنه في الرجل: أنه يجزئه مسح ~~بعضه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مسح # PageV01P064 # بناصيته وعمامته» . رواه مسلم. # وكيفما مسح الرأس أجزأ، بيد واحدة، أو بيدين، إلا أن المستحب أن يمر يديه ~~من مقدم رأسه إلى قفاه، ثم يعيدهما إلى الموضع الذي بدأ منه، لأن عبد الله ~~بن زيد - رضي الله عنهما - قال في صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~«ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة» ، متفق عليه. ولا يستحب ~~تكرار المسح، لأن أكثر من وصف وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، ذكر أنه ~~مسح مرة واحدة، ولأنه ممسوح في طهارة، أشبه التيمم. وعنه: يستحب تكراره، ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، «توضأ ثلاثا ثلاثا. وقال: " هذا وضوئي ~~ووضوء المرسلين قبلي» رواه ابن ماجه. ولأنه أصل في الطهارة، أشبه الغسل. # PageV01P065 # والأذنان في الرأس يمسحان معه، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«الأذنان من الرأس» رواه أبو داود. وروت الربيع بنت معوذ ms0021 أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «مسح برأسه، وصدغيه، وأذنيه، مسحة واحدة» . رواه الترمذي، ~~وقال حديث [حسن] صحيح. ويستحب إفرادهما بماء جديد لأنهما كالعضو المنفرد، ~~وإنما هما من الرأس على وجه التبع، ولا يجزئ مسحهما عنه لذلك، وظاهر كلام ~~أحمد أنه لا يجب مسحهما لذلك، ويستحب أن يدخل سبابتيه في صماخي أذنيه، ~~ويجعل إبهاميه لظاهرهما، ولا يجب مسح ما نزل عن الرأس من الشعر، ولا يجزئ ~~مسحه عن الرأس سواء رده فعقده فوق رأسه أو لم يرده، لأن الرأس ما ترأس ~~وعلا، ولو أدخل يده تحت الشعر، فمسح البشرة دون الظاهر لم يجزه، لأن الحكم ~~تعلق بالشعر فلم يجزه مسح غيره، ولو مسح رأسه ثم حلقه، أو غسل عضوا ثم قطع ~~جزعا منه أو جلده، لم يؤثر في طهارته، لأنه ليس ببدل عما تحته، فلم يلزمه ~~بظهوره طهارة، فإن أحدث بعد ذلك غسل ما ظهر لأنه صار ظاهرا، فتعلق الحكم ~~به، ولو حصل في بعض أعضائه شق أو ثقب، لزمه غسله لأنه صار ظاهرا. # فصل: # ثم يغسل رجليه إلى الكعبين، وهو فرض لقوله تعالى: {وأرجلكم إلى الكعبين} ~~[المائدة: 6] # PageV01P066 # ويدخل الكعبين في الغسل لما ذكرنا في المرفقين، ولا يجزئ مسح الرجلين، ~~لما روى عمر «أن رجلا ترك موضع ظفر في قدمه اليمنى فأبصره النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، فقال: " ارجع فأحسن وضوءك " فرجع ثم صلى» رواه مسلم. وإن كان ~~الرجل أقطع اليدين فقدر على أن يستأجر من يوضئه بأجرة مثله، لزمه كما يلزمه ~~شراء الماء. ولا يعفى عن شيء من طهارة الحدث، وإن كان يسيرا لما ذكرنا من ~~حديث عمر. # ويستحب أن يخلل أصابعه، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «إذا ~~توضأت فخلل بين أصابع يديك ورجليك» رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن. # فصل: # ويجب ترتيب الوضوء على ما ذكرنا في ظاهر المذهب، وحكي عنه أنه ليس بواجب، ~~لأن الله سبحانه وتعالى عطف الأعضاء المغسولة بالواو، ولا ترتيب فيها. # ولنا أن في الآية قرينة تدل على الترتيب، لأنه أدخل الممسوح ms0022 بين ~~المغسولات، وقطع النظير عن نظيره، ولا يفعل الفصحاء هذا إلا لفائدة، ولا ~~نعلم هنا فائدة سوى الترتيب، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينقل ~~عنه الوضوء إلا مرتبا، وهو يفسر كلام الله سبحانه بقوله مرة وبفعله مرة ~~أخرى. فإن نكس وضوءه فختم بوجهه لم يصح إلا غسل وجهه، وإن غسل وجهه ويديه، ~~ثم غسل رجليه ثم مسح برأسه، صح وضوءه إلا غسل رجليه، فيغسلهما ويتم وضوءه. # PageV01P067 # فصل: # ويوالي بين غسل الأعضاء، وفي وجوب الموالاة روايتان: # إحداهما: يجب، لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم -، رأى رجلا يصلي وفي ~~رجله لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة» . رواه ~~أبو داود. ولو لم تجب الموالاة لأجزأه غسلها، ولأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، والى بين الغسل. # والثانية: لا تجب، لأن المأمور به الغسل، وقد أتى به، وقد روي عن ابن عمر ~~- رضي الله عنهما - أنه توضأ وترك مسح خفيه حتى دخل المسجد، فدعي لجنازة، ~~فمسح عليهما وصلى عليها. والتفريق المختلف فيه: أن يؤخر غسل عضو حتى يمضي ~~زمن ينشف فيه الذي قبله في الزمان المعتدل فإن أخر غسل عضو لأمر في الطهارة ~~من إزالة الوسخ، أو عرك عضو لم يقدح في طهارته. # فصل: # والوضوء مرة مرة يجزئ، والثلاث أفضل، لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~توضأ مرة مرة، وقال: " هذا وضوء من لم يتوضأه لم يقبل الله له صلاة "، ثم ~~توضأ مرتين، ثم قال: " هذا وضوء من توضأه أعطاه الله كفلين من الأجر "، ثم ~~توضأ ثلاثا ثلاثا،، ثم قال: " هذا وضوئي ووضوء المرسلين من قبلي» أخرجه ابن ~~ماجه. وإن غسل بعض أعضائه أكثر من بعض فلا بأس، فقد «حكى عبد الله بن زيد ~~وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فغسل يديه مرتين، ثم مضمض واستنثر ~~ثلاثا [وغسل وجهه ثلاثا] ثم غسل يديه مرتين إلى # PageV01P068 # المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب ~~بهما إلى قفاه، ثم ردهما ثم رجع إلى المكان ms0023 الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه» ، ~~متفق عليه. ولا يزيد على ثلاث لأن «أعرابيا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- عن الوضوء، فأراه ثلاثا ثلاثا ثم قال: " هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد ~~أساء وظلم» رواه أبو داود، ويكره الإسراف في الماء لأن «النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - مر على سعد وهو يتوضأ فقال: " لا تسرف " قال: يا رسول الله: في ~~الماء إسراف؟ قال: " نعم وإن كنت على نهر جار» رواه ابن ماجه. # فصل: # ويستحب إسباغ الوضوء، ومجاوزة قدر الواجب بالغسل، لأن «أبا هريرة - رضي ~~الله عنه - توضأ فغسل يديه حتى أشرع في العضد، ورجله حتى أشرع في الساق، ثم ~~قال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ، وقال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ ~~الوضوء فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله» متفق عليه. # فصل: # ولا بأس بالمعاونة على الوضوء والغسل بتقريب الماء، وحمله وصبه لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - كان يحمل له الماء، ويصب عليه. قال أنس - رضي الله ~~عنه -: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، ينطلق لحاجته فآتيه أنا وغلام ~~من الأنصار بإداوة من ماء يستنجي به» ، وعن المغيرة # PageV01P069 # بن شعبة - رضي الله عنه - قال: «كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فمشى حتى توارى عني في سواد الليل، ثم جاء فصببت عليه من الإداوة، فغسل ~~وجهه وذكر بقية الوضوء» ، متفق عليهما. وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ~~«كنا نعد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة آنية من الليل مخمرة، ~~إناء لطهره، وإنا لسواكه، وإنا لشرابه» ، أخرجه ابن ماجه. # فصل: # وفي تنشيف بلل الغسل والوضوء روايتان: # إحداهما: يكره، لأن «ميمونة - رضي الله عنها - وصفت غسل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، قالت: فأتيته بالمنديل فلم يردها، وجعل ينفض الماء بيده» ، ~~متفق عليه. # والأخرى: لا بأس به، لأنه إزالة الماء عن بدنه، أشبه نفضه بيديه. # فصل: # ويستحب أن يقول بعد فراغه من الوضوء: أشهد أن لا إله ms0024 إلا الله وحده لا ~~شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله لما روى عمر - رضي الله عنه - عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «من توضأ فأحسن وضوئه ثم قال: أشهد ~~أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد # PageV01P070 # أن محمدا عبده ورسوله فتح الله له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها ~~شاء» رواه مسلم. # فصل: # والمفروض من ذلك بغير خلاف خمسة: النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح ~~الرأس، وغسل الرجلين. # وخمسة فيها روايتان: الترتيب، والموالاة، والمضمضة والاستنشاق، والتسمية. # والسنن سبعة: غسل الكفين والمبالغة في المضمضة والاستنشاق، وتخليل ~~اللحية، وأخذ ماء جديد للأذنين، وتخليل الأصابع، والبداءة باليمنى والدفعة ~~الثانية والثالثة. ### | باب المسح على الخفين # وهو جائز بغير خلاف لما روى جرير - رضي الله عنه - قال: «رأيت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - بال، ثم توضأ، ومسح على خفيه» ، متفق عليه. قال ~~إبراهيم: فكان يعجبهم هذا، لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة، ولأن ~~الحاجة تدعو إلى لبسه، وتلحق المشقة بنزعه، فجاز المسح عليه كالجبائر ويختص ~~جوازه بالوضوء دون الغسل، لما روى صفوان بن عسال - رضي الله عنه - قال: ~~«كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا إذا كنا مسافرين، أو سفر أن ~~لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم» ~~. أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ولأن الغسل يقل فلا # PageV01P071 # تدعو الحاجة إلى المسح على الخف فيه بخلاف الوضوء، ولجواز المسح عليه ~~شروط أربعة: # أحدها: أن يكون ساترا لمحل الفرض من القدم كله، فإن ظهر منه شيء لم يجز ~~المسح، لأن حكم ما استتر المسح، وحكم ما ظهر الغسل، ولا سبيل إلى الجمع ~~بينهما، فغلب الغسل، كما لو ظهرت إحدى الرجلين، فإن تخرقت البطانة دون ~~الظهارة، أو الظهارة دون البطانة جاز المسح، لأن القدم مستور به، وإن كان ~~فيه شق مستطيل ينضم لا يظهر منه القدم، جاز المسح [عليه] لذلك، وإن كان ~~الخف رقيقا يصف لم يجز المسح عليه، لأنه غير ms0025 ساتر، وإن كان ذي شرج في موضع ~~القدم، وكان مشدودا لا يظهر شيء من القدم إذا مشى جاز المسح عليه، لأنه ~~كالمخيط. # فصل: # الثاني: أن يمكن متابعة المشي فيه، فإن كان يسقط من القدم لسعته، أو ثقله ~~لم يجز المسح عليه، لأن الذي تدعو الحاجة إليه هو الذي يمكن متابعة المشي ~~فيه، وسواء في ذلك الجلود والخرق والجوارب لما روى المغيرة - رضي الله عنه ~~- «أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: مسح على الجوربين والنعلين» . أخرجه ~~أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. قال الإمام أحمد: يذكر المسح على ~~الجوربين عن سبعة أو ثمانية من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~ولأنه ملبوس ساتر للقدم يمكن متابعة المشي فيه، أشبه الخف. فإن شد على ~~رجليه لفائف، لم يجز المسح عليها، لأنها لا تثبت # PageV01P072 # بنفسها إنما تثبت بشدها. # فصل: # الثالث: أن يكون مباحا فلا يجوز المسح على المغصوب والحرير، لأن لبسه ~~معصية، فلا تستباح به الرخصة، كسفر المعصية. # فصل: # الرابع: أن تلبسهما على طهارة كاملة، لما روى المغيرة - رضي الله عنه - ~~قال: «كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، في سفر فأهويت لأنزع خفيه، ~~قال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما» متفق عليه. فإن تيمم، ثم ~~لبس الخف، لم يجز المسح عليه، لأن طهارته لا ترفع الحدث. وإن لبست ~~المستحاضة، ومن به سلس البول خفا على طهارتهما فلهما المسح، نص عليه، لأن ~~طهارتهما كاملة في حقهما فإن عوفيا لم يجز المسح؛ لأنها صارت ناقصة في ~~حقهما، فأشبهت التيمم. # وإن غسل إحدى رجليه، فأدخلها الخف، ثم غسل الأخرى فأدخلها، لم يجز المسح، ~~لأنه لبس الأول قبل كمال الطهارة. # وعنه: يجوز لأنه أحدث بعد كمال الطهارة واللبس، فأشبه ما لو نزع الأول، ~~ثم لبسه بعد أن غسل الأخرى. # وإن تطهر ولبس خفيه، فأحدث قبل بلوغ الرجل قدم الخف، لم يجز المسح، # PageV01P073 # لأن الرجل حصلت في مقرها وهو محدث فأشبه من بدأ اللبس محدثا، وإن لبس خفا ~~على طهارة، ثم لبس فوقه آخر، أو ms0026 جرموقا قبل أن يحدث جاز المسح على الفوقاني ~~سواء كان التحتاني صحيحا أو مخرقا، لأنه خف صحيح يمكن متابعة المشي فيه ~~لبسه على طهارة كاملة، أشبه المنفرد، وإن لبس الثاني بعد الحدث، لم يجز ~~المسح عليه لأنه لبسه على غير طهارة، وإن مسح الأول، ثم لبس الثاني، لم يجز ~~المسح عليه، لأن المسح لم يزل الحدث عن الرجل فلم تكمل الطهارة. # وإن كان التحتاني صحيحا، والفوقاني مخرقا، فالمنصوص جواز المسح لأن القدم ~~مستور بخف صحيح. وقال بعض أصحابنا: لا يجوز، لأن الحكم تعلق بالفوقاني، ~~فاعتبرت صحته كالمنفرد. وإن لبس المخرق فوق لفافة، لم يجز المسح عليه، لأن ~~القدم لم يستتر بخف صحيح، وإن لبس مخرقا فوق مخرق فاستتر القدم بهما احتمل ~~أن لا يجوز المسح لذلك، واحتمل أن يجوز، لأن القدم استتر بهما فصارا كالخف ~~الواحد. ### | فصل في مدة المسح على الخفين # فصل: # ويتوقت المسح بيوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، لما روى ~~عوف بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمر ~~بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة ~~للمقيم» . قال الإمام أحمد: هذا أجود حديث في المسح على الخفين لأنه في ~~غزوة تبوك، آخر غزاة غزاها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو آخر فعله. # PageV01P074 # وسفر المعصية كالحضر، لأن ما زاد يستفاد بالسفر، وهو معصية فلم يجز أن ~~يستفاد به الرخصة. # ويعتبر ابتداء المدة من حين الحدث بعد اللبس في إحدى الروايتين، لأنهما ~~عبادة مؤقتة فاعتبر أول وقتها من حين جواز فعلها، كالصلاة. والأخرى من حين ~~المسح، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أمر بالمسح ثلاثة أيام، فاقتضى ~~أن تكون الثلاثة كلها يمسح فيها. # وإن أحدث في الحضر، ثم سافر قبل المسح، أتم مسح مسافر، لأنه بدأ العبادة ~~في السفر. # وإن مسح في الحضر، ثم سافر، أو مسح في السفر ثم أقام، أتم مسح مقيم، ~~لأنها عبادة يختلف حكمها بالحضر والسفر، فإذا وجد أحد طرفيها في الحضر غلب ~~حكم ms0027 كالصلاة، وإن مسح المسافر أكثر من يوم وليلة، ثم أقام، انقضت مدته في ~~الحال. وإن شك هل بدأ المسح في الحضر، أو في السفر بنى على مسح الحضر، لأن ~~الأصل الغسل والمسح رخصة، فإذا شككنا في شرطها رجعنا إلى الأصل. وإن لبس ~~وأحدث، وصلى الظهر ثم شك هل مسح قبل الظهر أو بعدها، وقلنا: ابتداء المدة ~~من حين المسح بنى الأمر في المسح على أنه قبل الظهر، وفي الصلاة على أنه ~~مسح بعدها، لأن الأصل بقاء الصلاة، في ذمته، ووجوب غسل الرجل فرددنا كل ~~واحد منهما إلى أصله. # فصل: # والسنة أن يمسح أعلى الخف دون أسفله وعقبه، فيضع يديه مفرجتي الأصابع على # PageV01P075 # أصابع قدميه، ثم يجرهما إلى ساقيه، لما روى المغيرة - رضي الله عنه - ~~قال: «رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يمسح على الخفين على ظاهرهما» ، ~~حديث حسن صحيح. وعن علي - رضي الله عنه - قال: «لو كان الدين بالرأي لكان ~~أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يمسح على ظاهر خفيه» . رواه أبو داود. # فإن اقتصر على مسح الأكثر من أعلاه أجزأه، وإن اقتصر على مسح أسفله لم ~~يجزه لأنه ليس محلا للمسح أشبه الساق. ### | فصل في نواقض المسح على الخفين # فصل: # إذا انقضت مدة المسح، أو خلع خفيه، أو أحدهما بعد المسح، بطلت طهارته في ~~أشهر الروايتين، ولزمه خلعهما، لأن المسح أقيم مقام الغسل، فإذا زال بطلت ~~الطهارة في القدمين، فتبطل في جميعها لكونها لا تتبعض. # والثانية، يجزئه غسل قدميه، لأنه زال بدل غسلهما فأجزأه المبدل كالمتيمم ~~يجد الماء. وإن أخرج قدمه إلى ساق الخف، بطل المسح، لأن استباحة المسح ~~تعلقت باستقرارهما، فبطلت بزواله كاللبس. # وإن مسح على الخف الفوقاني، ثم نزعه، بطل مسحه، ولزمه نزع التحتاني، لأنه ~~زال الممسوح عليه، فأشبه المنفرد. ### | فصل في المسح على العمامة # فصل: # في المسح على العمامة: ويجوز المسح على العمامة لما روى المغيرة - رضي ~~الله عنه - قال: «توضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومسح على ms0028 الخفين ~~والعمامة» . حديث [حسن] # PageV01P076 # صحيح. وعن عمرو بن أمية - رضي الله عنه - قال: «رأيت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مسح على عمامته وخفيه» . رواهما البخاري. وروى الخلال ~~بإسناده عن عمر - رضي الله عنه - قال: من لم يطهره المسح على العمامة فلا ~~طهره الله. ولأن الرأس عضو سقط فرضه في التيمم، فجاز المسح على حائله ~~كالقدمين. ويشترط أن تكون ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه، لأنه ~~جرت العادة بكشفه في العمائم، فعفي عنه بخلاف بعض القدم، ويشترط أن تكون ~~لها ذؤابة أو تكون تحت الحنك، لأن ما لا ذؤابة لها ولا حنك تشبه عمائم أهل ~~الذمة، وقد نهي عن التشبه بهم، فلم تستبح بها الرخصة، كالخف المغصوب، فإن ~~كانت ذات حنك جاز المسح عليها، وإن لم يكن لها ذؤابة، لأنها تفارق عمائم ~~أهل الذمة. # وإن أرخى لها ذؤابة، ولم يتحنك، ففيه وجهان: # أحدهما: يجوز المسح عليها لذلك. # والثاني: لا يجوز، لأنه يروى «أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أمر ~~بالتلحي ونهى عن الاقتعاط» ، قال أبو عبيد: الاقتعاط أن لا يكون تحت الحنك ~~منها شيء. # فصل: # وحكمها في التوقيت، واشتراط تقديم الطهارة، وبطلان الطهارة بخلعها، # PageV01P077 # كحكم الخف لأنها أحد الممسوحين على سبيل البدل، وفيما يجزئه مسحه منها؟ ~~روايتان: # إحداهما: مسح أكثرها لما ذكرنا. # والثاني: يلزمه استيعابها، لأنها بدل من جنس المبدل، فاعتبر كونه مثله، ~~كما لو عجز عن قراءة الفاتحة، وقدر على قراءة غيرها اعتبر أن يكون بقدرها، ~~ولو عجز عن القراءة فأبدلها بالتسبيح لم يعتبر كونه بقدرها. وإن خلع ~~العمامة بعد مسحها. وقلنا لا يبطل الخلع الطهارة. لزمه مسح رأسه، وغسل ~~قدميه، ليأتي بالترتيب. # وإن قلنا بوجوب استيعاب مسح الرأس، فظهرت ناصيته، ففيه وجهان: # أحدهما: يلزمه مسحها معه، لأن المغيرة - رضي الله عنه - روى أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين» . ولأنه ~~جزء من الرأس ظاهر، فلزم مسحه، كما لو ظهر سائر رأسه. # والثاني: لا يلزمه، لأن الفرض تعلق بالعمامة، فلم يجب مسح ms0029 غيرها، كما لو ~~ظهرت أذناه. # وإن انتقض من العمامة كور، ففيه روايتان: # إحداهما: يبطل المسح لزوال الممسوح عليه. # والأخرى: لا يبطل، لأن العمامة باقية، أشبه كشط الخف مع بقاء البطانة. # PageV01P078 # فصل: # ولا يجوز المسح على الكلوتة ولا وقاية المرأة لأنها لا تستر جميع الرأس، ~~ولا يشق نزعها، فأما القلانس المبطنات، كدنيات القضاة والنوميات، وخمار ~~المرأة، ففيها روايتان: # إحداهما: يجوز المسح عليها؛ لأن أنسا - رضي الله عنه - مسح على قلنسوته. ~~وعن عمر - رضي الله عنه -: إن شاء حسر عن رأسه، وإن شاء مسح على قلنسوته ~~وعمامته. وكانت أم سلمة تمسح على الخمار. وقال الخلال: قد روي المسح على ~~القلنسوة من رجلين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأسانيد ~~صحاح، واختاره لأنه ملبوس للرأس معتاد أشبه العمامة. # والثاني: لا يجوز؛ لأنه لا يشق نزع القلنسوة، ولا يشق على المرأة المسح ~~من تحت خمارها، فأشبه الكلوتة والوقاية. ### | فصل في المسح على الجبيرة # فصل: # ويجوز المسح على الجبائر الموضوعة على الكسر، لأنه يروى عن علي - رضي ~~الله عنه - أنه قال: «انكسرت إحدى زندي فأمرني رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن أمسح عليها» . رواه ابن ماجه، ولأنه ملبوس يشق نزعه، فجاز المسح ~~عليه كالخف، ولا إعادة على الماسح لما ذكرنا. # PageV01P079 # ويشترط أن لا يتجاوز بالشد موضع الحاجة لأن المسح عليها إنما جاز ~~للضرورة، فوجب أن يتقيد الجواز بموضع الضرورة. # وتفارق الجبيرة الخف في ثلاثة أشياء: # أحدها: أنه يجب مسح جميعها، لأنه مسح للضرورة أشبه التيمم، ولأن ~~استيعابها بالمسح لا يضر بخلاف الخف. # الثاني: أن مسحها لا يتوقف، لأنه جاز لأجل الضرورة فيبقى ببقائه. # الثالث: أنه يجوز في الطهارة الكبرى، لأنه مسح أجيز للضرورة أشبه التيمم. # وفي تقدم الطهارة روايتان: # إحداهما: يشترط لأنه حائل منفصل يمسح عليه، أشبه الخف، فإن لبسها على غير ~~طهارة، أو تجاوز بشدها موضع الحاجة، وخاف الضرر بنزعها تيمم لها، كالجريح ~~العاجز عن غسل جرحه. # والثانية: لا يشترط، لأنه مسح أجيز للضرورة، فلم يشترط تقدم الطهارة له ~~كالتيمم. # فصل: ms0030 ولا فرق بين الجبيرة على كسر، أو جرح يخاف الضرر بغسله؛ لأنه موضع ~~يحتاج إلى الشد عليه، فأشبه الكسر، ولو وضع على الجرح دواء، وخاف الضرر # PageV01P080 # بنزعه، مسح عليه، نص عليه. وقد روى الأثرم بإسناده عن ابن عمر أنه خرجت ~~بإبهامه قرحة، فألقمها مرارة، فكان يتوضأ عليها. ### | باب نواقض الطهارة الصغرى # وهي ثمانية: الخارج من السبيلين، وهو نوعان: # معتاد فينقض بلا خلاف، لقول الله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط} ~~[المائدة: 6] ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ولكن من غائط وبول ~~ونوم» وقوله: «فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» وقال في المذي: «يغسل ~~ذكره ويتوضأ» متفق عليه. # النوع الثاني: نادر كالحصى والدود والشعر والدم، فينقض أيضا؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، قال للمستحاضة: «تتوضأ عند كل صلاة» رواه أبو داود، ~~ودمها غير معتاد، ولأنه خارج من السبيل، أشبه المعتاد، ولا فرق بين القليل ~~والكثير. # فصل: # الثاني: خروج النجاسة من سائر البدن، وهو نوعان: # PageV01P081 # غائط وبول فينقض قليله وكثيره، لدخوله في النصوص المذكورة. # الثاني: دم وقيح وصديد وغيره، فينقض كثيره، لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، قال لفاطمة بنت أبي حبيش: «إنه دم عرق فتوضئي لكل صلاة» رواه ~~الترمذي، فعلل بكونه دم عرق، وهذا كذلك، ولأنها نجاسة خارجة من البدن، ~~أشبهت الخارج من السبيل. ولا ينقض يسيره لقول ابن عباس في الدم: إذا كان ~~فاحشا فعليه الإعادة، قال الإمام أحمد: عدة من الصحابة تكلموا فيه، ابن عمر ~~عصر بثرة فخرج دم، فصلى ولم يتوضأ، وابن أبي أوفى عصر دملا، وذكر غيرهما، ~~ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعا. # وظاهر مذهب أحمد أنه لا حد للكثير إلا ما فحش، لقول ابن عباس. # وقال ابن عقيل: إنما يعتبر الفاحش في نفوس أوساط الناس، لا المتبذلين، ~~ولا الموسوسين، كما رجعنا في يسير اللقطة الذي لا يجب تعريفه إلى ما لا ~~تتبعه نفوس الأوساط. # وعن أحمد: أن الكثير شبر في شبر. # وعنه: قدر الكف فاحش. # وعنه: قدر عشر أصابع كثير، ms0031 وما يرفعه بأصابعه الخمس يسير. # PageV01P082 # قال الخلال: والذي استقر عليه قوله: إن الفاحش ما يستفحشه كل إنسان في ~~نفسه. # فصل: # الثالث: زوال العقل، وهو نوعان: # أحدهما: النوم فينقض، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ولكن من غائط ~~وبول ونوم» . وعنه - عليه السلام - أنه قال: «العين وكاء السه فمن نام ~~فليتوضأ» رواه أبو داود. ولأن النوم مظنة الحدث، فقام مقامه كسائر المظان. ~~ولا يخلو من أربع أحوال: # أحدها: أن يكون مضجعا أو متكئا أو معتمدا على شيء، فينقض الوضوء قليله ~~وكثيره، لما رويناه. # والثاني: أن يكون جالسا غير معتمد على شيء فلا ينقض قليله، لما روى أنس ~~«أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا ينتظرون العشاء فينامون ~~قعودا ثم يصلون، ولا يتوضؤون» رواه مسلم بمعناه. ولأن النوم إنما نقض، لأنه ~~مظنة لخروج الريح من غير علمه، ولا يحصل ذلك ههنا، لأنه يشق التحرز منه ~~لكثرة وجوده من منتظري الصلاة، فعفي عنه، وإن كثر واستثقل، نقض، لأنه لا ~~يعلم بالخارج مع استثقاله ويمكن التحرز منه. # الحال الثالث: القائم، ففيه روايتان: # إحداهما: إلحاقه بحالة الجلوس، لأنه في معناه. # PageV01P083 # والثانية: ينقض يسيره، لأنه لا يتحفظ حفاظ الجالس. # الرابع: الراكع والساجد، وفيه روايتان: # أولاهما: أنه كالمضطجع لأنه ينفرج محل الحدث، فلا يتحفظ، فأشبه المضطجع. # والثانية: أنه كالجالس، لأنه على حال من أحوال الصلاة، أشبه الجالس. # والمرجع في اليسير والكثير إلى العرف، ما عد كثيرا فهو كثير، وما لا فلا، ~~لأنه لا حد له في الشرع فيرجع فيه إلى العرف، كالقبض والإحراز، وإن تغير عن ~~هيئته انتقض وضوءه لأنه دليل على كثرته استثقال فيه. # النوع الثاني: زوال العقل بجنون أو إغماء أو سكر ينقض الوضوء، لأنه لما ~~نص على نقضه بالنوم نبه على نقضه بهذه الأشياء، لأنها أبلغ في إزالة العقل، ~~ولا فرق بين الجالس وغيره، والقليل والكثير، لأن صاحب هذه الأمور لا يحس ~~بحال، بخلاف النائم فإنه إذا نبه انتبه، وإن خرج منه شيء قبل استثقاله في ~~نومه أحس به. # PageV01P084 # فصل: # الرابع: أكل ms0032 لحم الجزور فينقض الوضوء، لما روى جابر بن سمرة «أن رجلا سأل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: " إن شئت ~~توضأ، وإن شئت فلا تتوضأ " قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: " نعم توضأ من ~~لحوم الإبل» رواه مسلم. قال أبو عبد الله: فيه حديثان صحيحان عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، حديث البراء بن عازب، وجابر بن سمرة. ولا فرق بين ~~قليله وكثيره، ونيئه ومطبوخه، لعموم الحديث. # وعنه في من أكل وصلى ولم يتوضأ: إن كان يعلم أمر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، بالوضوء منه، فعليه الإعادة، وإن كان جاهلا فلا إعادة عليه. # PageV01P085 # وفي اللبن روايتان: # إحداهما: لا ينقض؛ لأنه ليس بلحم. # والثانية: ينقض، لما روى أسيد بن حضير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «توضؤوا من لحوم الإبل وألبانها» رواه أحمد في المسند. # وفي الكبد والطحال، وما لا يسمى لحما وجهان: # أحدهما: لا ينقض؛ لأنه ليس بلحم. # والثاني: ينقض، لأنه من جملته، فأشبه اللحم، وقد نص الله على تحريم لحم ~~الخنزير فدخل فيه سائر أجزائه. # ولا ينقض الوضوء مأكول غير لحم الإبل، ولا ما غيرت الناس لقول رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - في لحم الغنم: «وإن شئت فلا توضأ» ويروى أن آخر ~~الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ترك الوضوء مما غيرت النار» ~~. رواه أبو داود. # PageV01P086 # فصل: # والخامس: لمس الذكر فيه ثلاث روايات: # إحداهن: لا ينقض [الوضوء] ، لما روى قيس بن طلق [عن أبيه] «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، سئل عن الرجل يمس ذكره، وهو في الصلاة. قال: " هل هو ~~إلا بضعة منك» رواه أبو داود. ولأنه جزء من جسده، أشبه يده. # والثانية: ينقض وهي أصح، لما روت بسرة بنت صفوان أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «من مس ذكره فليتوضأ» . قال أحمد - رضي الله عنه -: هو ~~حديث صحيح. وروى أبو هريرة نحوه، وهو متأخر عن حديث طلق، لأن في حديث طلق ~~أنه قدم، وهم يؤسسون المسجد، ms0033 وأبو هريرة قدم حين فتحت خيبر فيكون ناسخا له. # والثالثة: إن قصد إلي مسه نقض، ولا ينقض من غير قصد، لأنه لمس فلم ينقض ~~بغير قصد كلمس النساء. # وفي لمس حلقة الدبر، ومس المرأة فرجها روايتان: # إحداهما: لا ينقض لأن تخصيص الذكر بالنقض دليل على عدمه من غيره. # PageV01P087 # والثانية: ينقض، لأن أبا أيوب وأم حبيبة قالا: سمعنا النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: «من مس فرجه فليتوضأ» قال أحمد: حديث أم حبيبة صحيح. ~~وهذا عام؛ ولأنه سبيل فأشبه الذكر. # وحكم لمسه فرج غيره حكم لمس فرج نفسه صغيرا كان أو كبيرا، لأن نصه على ~~نقض الوضوء بمس ذكر نفسه، ولم يهتك به حرمة وهذا تنبيه على نقضه بمسه من ~~غيره. # وفي مس الذكر المقطوع وجهان: # أحدهما: لا ينقض كمس يد المرأة المقطوعة. # والآخر: ينقض، لأنه مس ذكر. وإن انسد المخرج وانفتح غيره لم ينقض مسه، ~~لأنه ليس بفرج. ولا ينقض مس فرج البهيمة، لأنه لا حرمة لها، ولا مس ذكر ~~الخنثى المشكل، ولا قبله، لأنه لا يتحقق كونه فرجا. وإن مسهما معا نقض لأن ~~أحدهما فرج. وإن مس رجل ذكره لشهوة نقض، لأنه إن كان ذكرا فقد مس ذكره، وإن ~~كانت امرأة فقد مسها لشهوة. وإن مست امرأة قبله لشهوة فكذلك # PageV01P088 # لما ذكرنا. واللمس الذي ينقض هو اللمس بيده إلى الكوع، ولا فرق بين ظهر ~~الكف وبطنه، لأن أبا هريرة روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا ~~أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينهما شيء فليتوضأ» من " المسند "، ورواه ~~الدارقطني بمعناه. واليد المطلقة تتناول اليد إلى الكوع لما نذكره في ~~التيمم. # ولا ينقض غير الفرج كالعانة والأنثيين وغيرهما، لأن تخصيص الفرج به دليل ~~على عدمه فيما سواه. # فصل: # السادس: لمس النساء وهو أن تمس بشرته بشرة أنثى، وفيه ثلاث روايات: # إحداهن: ينقض بكل حال، لقوله تعالى: {أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا} [النساء: 43] # الثانية: لا ينقض لما روي: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل عائشة ~~ثم ms0034 صلى ولم يتوضأ» . رواه أبو داود، وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ~~«فقدت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فجعلت أطلبه فوقعت يدي على قدميه، ~~وهما منصوبتان، وهو ساجد» . رواه النسائي ومسلم. ولو بطل وضوءه لفسدت ~~صلاته. # PageV01P089 # والثالثة: هي ظاهر المذهب أنه ينقض إذا كان لشهوة، ولا ينقض لغيرها جمعا ~~بين الآية والأخبار، ولأن اللمس ليس بحدث، إنما هو داع إلى الحدث، فاعتبرت ~~فيه الحالة التي تدعو فيها إلى الحدث كالنوم. # ولا فرق بين الصغيرة والكبيرة، وذوات المحارم وغيرهن، لعموم الأدلة فيه. # وإن لمست امرأة رجلا ففيه روايتان: # إحداهما: أنها كالرجل، لأنها ملامسة توجب طهارة فاستوى فيها الرجل ~~والمرأة كالجماع. # والثانية: لا ينقض وضوءها، لأن النص لم يرد فيها، ولا يصح قياسها على ~~المنصوص، لأن اللمس منه أدعى إلى الخروج. # وهل ينقض وضوء الملموس؟ فيه روايتان. # وإن لمس سن امرأة أو شعرها أو ظفرها لم ينقض وضوءه. لأنه لا يقع عليها # PageV01P090 # الطلاق بإيقاعه عليه، وإن لمس عضوا مقطوعا، لم ينقض وضوءه، لأنه لا يقع ~~عليه اسم امرأة، وإن مس غلاما أو بهيمة أو مست امرأة امرأة، لم ينقض ~~الوضوء، لأنه ليس محلا لشهوة الآخر شرعا. # فصل: # السابع: الردة عن الإسلام، وهو أن ينطق بكلمة الكفر، أو يعتقدها، أو يشك ~~شكا يخرجه عن الإسلام، فينتقض وضوءه لقول الله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن ~~عملك} [الزمر: 65] ولأن الردة حدث لقول ابن عباس: الحدث حدثان وأشدهما حدث ~~اللسان. فيدخل في عموم قوله - عليه السلام -: «لا يقبل الله صلاة من أحدث ~~حتى يتوضأ» متفق عليه. ولأنها طهارة من حدث، فأبطلتها الردة كالتيمم. # فصل: # الثامن: غسل الميت. عده أصحابنا من نواقض الوضوء، لأن ابن عمر وابن عباس ~~كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء. وقال أبو هريرة: أقل ما فيه الوضوء، لأنه ~~مظنة لمس الفرج فأقيم مقامه كالنوم مع الحدث. ولا فرق بين الميت المسلم، ~~والكافر، والصغير والكبير في ذلك، لعموم الأمر والمعنى. # PageV01P091 # وكلام أحمد يدل على أنه مستحب غير واجب، فإنه قال: أحب إلي أن يتوضأ. ~~وعلل نفي ms0035 وجوب الغسل من غسل الميت بكون الحديث موقوفا على أبي هريرة ~~والوضوء كذلك، ولأنه ليس بمنصوص عليه، ولا هو في معنى المنصوص، والأصل عدم ~~وجوبه، فيبقى عليه، وما عدا هذا لا ينقض بحال. # فصل: # ومن تيقن الطهارة وشك هل أحدث أم لا فهو على طهارته، لما روي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه هل ~~خرج شيء أو لم يخرج؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» رواه ~~مسلم والبخاري، ولأن اليقين لا يزال بالشك. # وإن تيقن الحدث، شك في الطهارة، فهو محدث لذلك. # وإن تيقنهما، وشك في السابق منهما نظر في حاله قبلهما فإن كان متطهرا فهو ~~محدث الآن لأنه تيقن زوال تلك الطهارة، بحدث وشك هل زال أم لا، فلم يزل ~~يقين الحدث بشك الطهارة، وإن كان قبلهما محدثا، فهو الآن متطهر لما ذكرنا ~~في التي قبلها. # فصل: # ولا تشترط الطهارتان معا إلا لثلاثة أشياء: # الصلاة: لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاة من أحدث ~~حتى يتوضأ» . # والطواف: لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الطواف بالبيت صلاة إلا أن ~~الله أباح فيه الكلام» رواه # PageV01P092 # الشافعي في مسنده. # ومس المصحف: لقول الله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79] . ~~وفي كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم: «لا تمس القرآن إلا ~~وأنت طاهر» رواه الأثرم. ولا بأس بحمله في كمه أو بعلاقته، وتصفحه بعود، ~~لأنه ليس بمس له، ولذلك لو فعله بامرأة لم ينتقض وضوءه. # وإن مس المحدث كتاب فقه، أو رسالة فيها آي من القرآن جاز لأنه لا يسمى ~~مصحفا، والقصد منه غير القرآن، ولذلك «كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى قيصر في رسالته: {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} ~~[آل عمران: 64] الآية» متفق عليه. وكذلك إن مس ثوبا مطرزا بآية من القرآن. # وإن مس درهما مكتوبا عليه آية فكذلك في أحد الوجهين لما ذكرنا. # والثاني: لا يجوز ms0036 لأنه معظم ما فيه من القرآن. # وفي مس الصبيان ألواحهم، وحملها على غير طهارة وجهان: # أحدهما: لا يجوز؛ لأنهم محدثون، فأشبهوا البالغين. # PageV01P093 # والثاني: يجوز؛ لأن حاجتهم ماسة إلى ذلك ولا تتحفظ طهارتهم، فأشبه ~~الدرهم. # ومن كان طاهرا وبعض أعضائه نجس فمس المصحف بالعضو الطاهر جاز، لأن حكم ~~النجاسة لا يتعدى محلها بخلاف الحدث. # فصل: # ويستحب تجديد الطهارة، لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتوضأ لكل ~~صلاة» طلبا للفضل. رواه البخاري. # " «وصلى يوم الفتح الصلوات الخمس بوضوء واحد» ليبين الجواز. رواه مسلم. ### | باب آداب التخلي # يستحب لمن أراد قضاء الحاجة أن يقول: بسم الله. لما روى علي - رضي الله ~~عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ستر ما بين الجن وعورات ~~بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن # PageV01P094 # يقول: بسم الله» رواه ابن ماجه والترمذي. ويقول: «اللهم إني أعوذ بك من ~~الخبث والخبائث» لما روى أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، كان إذا دخل ~~الخلاء قال ذلك. متفق عليه. # فإذا خرج قال: «غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني» " لما ~~روت عائشة قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج من الخلاء ~~قال: " غفرانك» حديث حسن. وعن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ~~خرج من الخلاء قال: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني» رواه ابن ~~ماجه، ويقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج، لأن اليسرى للأذى ~~واليمنى لما سواه، ويضع ما فيه ذكر الله أو قرآن # PageV01P095 # صيانة له، فإذا كان ذلك دراهم، فقال أحمد - رضي الله عنه -: أرجو أن لا ~~يكون به بأس. قال: والخاتم فيه اسم الله يجعله في بطن كفه، ويدخل الخلاء. # فصل: # وإن كان في الفضاء أبعد لما روى جابر قال: «كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد» . # ويستتر عن العيون، لما روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~أنه قال: «من أتى الغائط فليستتر فإن لم ms0037 يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل ~~فليستدبره» . # ويرتاد لبوله مكانا رخوا لئلا يترشش عليه. ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من ~~الأرض لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنه كان إذا أراد حاجة لا ~~يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض» أخرج هذه الأحاديث الثلاثة أبو داود. # ويبول قاعدا لأنه أستر له، وأبعد من أن يترشش عليه. # فصل: # ولا يجوز استقبال القبلة في الفضاء بغائط ولا بول، لما روى أبو أيوب قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا ~~القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا ". قال أبو ~~أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها، ~~ونستغفر الله» ، متفق عليه. # PageV01P096 # وفي استدبارها روايتان: # إحداهما: لا يجوز، لهذا الحديث. # والأخرى: يجوز، لما روى ابن عمر قال: «رقيت يوما على بيت حفصة فرأيت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - جالسا على حاجته، مستقبل الشام، مستدبر ~~الكعبة.» متفق عليه. # وفي استدبارها في البنيان روايتان: # إحداهما: لا يجوز لعموم النهي. # والثانية: يجوز، لما روى عراك بن مالك عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ~~«ذكر عند النبي - صلى الله عليه وسلم - أن قوما يكرهون استقبال القبلة ~~بفروجهم، فقال: " أو قد فعلوها؟ ‍‍! ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ استقبلوا ~~بمقعدتي القبلة» رواه الإمام أحمد وابن ماجه. قال أحمد: أحسن حديث يروى في ~~الرخصة حديث عراك، وإن كان مرسلا فإن مخرجه حسن. سماه مرسلا، لأن عراكا لم ~~يسمع من عائشة. وعن مروان الأصفر أنه قال: «أناخ ابن عمر بعيره مستقبل ~~القبلة، ثم جلس يبول إليه فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن هذا؟ ~~قال: بلى إنما نهي عن هذا في الفضاء أما إذا كان بينك وبين القبلة شيء ~~يسترك فلا بأس» . رواه أبو داود. # ويكره أن يستقبل الشمس والقمر تكريما لهما، وأن يستقبل الريح لئلا ترد # PageV01P097 # البول عليه. # فصل: # ويكره أن يبول في شق أو ثقب، لما روى عبد الله بن سرجس أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «نهى أن ms0038 يبال في الجحر» رواه أبو داود. ولأنه لا يأمن أن ~~يكون مسكنا للجن، أو يكون فيه دابة تلسعه، ويكره البول في طريق أو ظل ينتفع ~~به، أو مورد ماء، لما روى معاذ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل» رواه أبو ~~داود، ويكره البول في موضع تسقط فيه الثمرة لئلا تتنجس به، والبول في ~~المغتسل، لما روى عبد الله بن مغفل قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يبول الرجل في مغتسله» رواه ابن ماجه. قال أحمد - رضي الله عنه ~~-: إن صب عليه الماء فجرى في البالوعة فذهب فلا بأس. # فصل: # يكره أن يتكلم على البول أو يسلم، أو يذكر الله تعالى بلسانه «لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - سلم عليه رجل، وهو يبول، فلم يرد عليه حتى توضأ ثم ~~قال: " كرهت أن أذكر الله إلا على طهر» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. ~~ويكره الإطالة أكثر من # PageV01P098 # الحاجة، لأنه يقال: إن ذلك يدمي الكبد، ويأخذ منه الباسور. ويتوكأ في ~~جلوسه على الرجل اليسرى، لما روى سراقة بن مالك قال: «علمنا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا أتينا الخلاء أن نتوكأ على اليسرى، وننصب ~~اليمنى.» رواه الطبراني في معجمه، ولأنه أسهل لخروج الخارج، ويتنحنح ليخرج ~~ما تم، ثم يسلت من أصل ذكره فيما بين المخرجين، ثم ينتره برفق ثلاثا فإذا ~~أراد الاستنجاء تحول من موضعه لئلا يرش على نفسه. # فصل: # والاستنجاء واجب من كل خارج من السبيل معتادا كان أو نادرا، لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال في المذي: «يغسل ذكره ويتوضأ» وقال: «إذا ذهب ~~أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه» رواه أبو داود ~~عن ابن أبي أوفى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والنسائي وأحمد ~~والدارقطني وقال: إسناده حسن صحيح. ولأن المعتاد نجاسة لا مشقة في إزالتها ~~فلم تصح الصلاة معها كالكثير، والنادر لا يخلو من رطوبة تصحبه غالبا، ولا ~~يجب ms0039 من الريح، لأنها ليست نجسة، ولا يصحبها نجاسة، وقد روي: «من استنجى من ~~الريح فليس منا» رواه الطبراني في المعجم الصغير. # فصل: # وإن تعدت النجاسة المخرج بما لم تجر العادة به، كالصفحتين ومعظم الحشفة ~~لم يجزئه إلا الماء، لأن ذلك نادر، فلم يجز فيه المسح، كيده وإن لم يتجاوز ~~قدر العادة جاز بالماء والحجر، نادرا كان أو معتادا، لحديث ابن أبي أوفى، ~~ولأن النادر # PageV01P099 # خارج يوجب الاستنجاء أشبه المعتاد. والأفضل الجمع بين الماء والحجر يبدأ ~~بالحجر، لأن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «مرن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة ~~الماء من أثر الغائط والبول، فإني أستحييهم، فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، كان يفعله» . حديث صحيح. ولأنه أبلغ في الإنقاء وأنظف. ولأن الحجر ~~يزيل عين النجاسة، فلا تباشرها يده، فإن اقتصر على أحدهما جاز، والماء ~~أفضل، لأن أنسا قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج لحاجة أجيء ~~أنا وغلام معنا إداوة من ماء، يعني: يستنجي به» متفق عليه. ولأنه يزيل عين ~~النجاسة وأثرها، ويطهر المحل. # وإن اقتصر على الحجر أجزأ بشرطين: # أحدهما: الإنقاء وهو أن لا يبقى إلا أثر لا يزيله إلا الماء بحيث يخرج ~~الآخر نقيا. # والثاني: استيفاء ثلاثة أحجار، لقول سلمان - رضي الله عنه -: «لقد نهانا ~~- يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نستنجي باليمين، وأن نستنجي بأقل ~~من ثلاثة أحجار، وأن نستنجي برجيع أو عظم» . رواه مسلم. وإن كان الحجر ~~كبيرا فمسح بجوانبه ثلاث مسحات أجزأه. ذكره الخرقي، لأن المقصود عدد ~~المسحات دون عدد الأحجار بدليل أنا لم نقتصر على الأحجار بل عديناه إلى ما ~~في معناه من الخشب والخرق. # وقال أبو بكر لا يجزئه اتباعا للفظ الحديث، وقال: لا يجزئه الاستجمار # PageV01P100 # بغير الأحجار، لأن الأمر ورد بها على الخصوص، ولا يصح، لأن في سياقه «وأن ~~نستنجي برجيع أو عظم» فيدل على أنه أراد الحجر، وما في معناه، ولولا ذلك لم ~~يخص هذين بالنهي، وروى طاوس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: ~~«فليستطب بثلاثة أحجار، أو ms0040 ثلاثة أعواد، أو ثلاثة حثيات من تراب» رواه ~~الدارقطني. ولأنه نص على الأحجار لمعنى معقول، فيتعداه الحكم كنصه على ~~الغضب في منع القضاء. # فصل: # ويجوز الاستجمار بكل جامد طاهر منق، غير مطعوم، لا حرمة له، ولا متصل ~~بحيوان، فيدخل فيه الحجر، وما قام مقامه من الخشب والخرق والتراب، ويخرج ~~منه المائع، لأنه يتنجس بإصابة النجاسة، فيزيد المحل تنجسا، ويخرج منه ~~النجس، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ألقى الروثة، وقال: «إنها ركس» ~~رواه البخاري. ولأنه يكسب المحل نجاسة. فإن استجمر به، والمحل رطب، لم يجزه ~~الاستجمار بعده، لأن المحل صار نجسا بنجاسة واردة عليه، فلزم غسله، كما لو ~~تنجس بذلك في حال طهارته، ويخرج ما لا ينقي كالزجاج والفحم الرخو لأن ~~الإنقاء شرط، ولا يحصل به، ويخرج المطعومات والروث والرمة، وإن كانا ظاهرين ~~لما روى ابن مسعود أن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) قال: «لا تستنجوا ~~بالروث، ولا بالعظام فإنه زاد إخوانكم من الجن» رواه مسلم. علل # PageV01P101 # النهي بكونه زادا للجن فزادنا أولى. ويخرج ما له حرمة كالورق المكتوب، ~~لأن له حرمة، أشبه المطعوم، ويخرج منه ما يتصل بحيوان، كيده، وذنب بهيمة ~~وصوفها المتصل بها، لأنه ذو حرمة، فأشبه سائر أعضاءها. وإن استجمر بما نهي ~~عنه لم يصح، لأن الاستجمار رخصة فلا تستباح بالمحرم كسائر الرخص. # فصل: # ولا يستجمر بيمينه، ولا يستعين بها فيه، لحديث سلمان وروى أبو قتادة أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ~~ولا يتمسح من الخلاء بيمينه» متفق عليه. فيأخذ ذكره بيساره، ويمسح به الحجر ~~أو الأرض، فإن # PageV01P102 # كان الحجر صغيرا أمسكه بعقبيه، أو بإبهامي قدميه، فمسح عليه، فإن لم ~~يمكنه، أخذ الحجر بيمينه، والذكر بيساره، فمسحه على الحجر. # ولا يكره الاستعانة باليمنى في الماء، لأن الحاجة داعية إليه، فإذا ~~استجمر بيمينه أجزأه، لأن الاستجمار بالحجر لا باليد، فلم يقع النهي على ما ~~يستنجى به. # فصل: # وكيف حصل الإنقاء في الاستجمار أجزأه إلا أن المستحب أن يمر حجرا من ms0041 مقدم ~~صفحته اليمنى إلى مؤخرها، ثم يمره على صفحته اليسرى حتى يرجع به إلى الموضع ~~الذي بدأ منه، ثم يمر الثاني من مقدم صفحته اليسرى كذلك، ثم يمر الثالث على ~~المسربة والصفحتين، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «أو ~~لا يجد أحدكم حجرين للصفحتين، وحجرا للمسربة» رواه الدارقطني، وقال إسناد ~~حسن. ويبدأ بالقبل لينظفه لئلا تتنجس يده به عند الاستجمار في الدبر، ~~والمرأة مخيرة في البداءة بأيهما شاءت لعدم ذلك فيها. # فصل: # فإن توضأ قبل الاستنجاء ففيه روايتان: # إحداهما: لا يجزئه، لأنها طهارة يبطلها الحدث، فاشترط تقديم الاستنجاء ~~عليها كالتيمم. # والثانية: يصح لأنها نجاسة فلم يشترط تقديم إزالتها كالتي على ساقه، فعلى ~~هذه الرواية إن قدم التيمم على الاستجمار ففيه وجهان: # أحدهما: يصح قياسا على الوضوء. # PageV01P103 # والثاني: لا يصح لأنه لا يرفع الحدث، وإنما تستباح به الصلاة، فلا تباح ~~مع قيام المانع. وإن تيمم وعلى بدنه نجاسة في غير الفرج، ففيه وجهان: # أحدهما: لا يصح قياسا على نجاسة الفرج. # والثاني: يصح لأنها نجاسة لم توجب التيمم فلم تمنع صحته كالتي على ثوبه. ### | باب ما يوجب الغسل # والموجب له في حق الرجل ثلاثة أشياء: # الأول: إنزال المني، وهو الماء الدافق تشتد الشهوة عند خروجه، ويفتر ~~البدن بعده. وماء الرجل أبيض ثخين، وماء المرأة أصفر رقيق، قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إن ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر» رواه ~~مسلم. فيجب الغسل بخروجه في # PageV01P104 # النوم واليقظة، «لأن أم سليم قالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من ~~الحق هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله (- صلى الله عليه ~~وسلم -) : " نعم إذا رأت الماء» متفق عليه. فإن خرج لمرض من غير شهوة لم ~~يوجب، لأن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) وصف المني الموجب بأنه غليظ ~~أبيض، ولا يخرج في المرض إلا رقيقا. فإن احتلم فلم ير بللا فلا غسل عليه، ~~لحديث أم سليم. وإن رأى منيا ولم يذكر احتلاما فعليه الغسل، ms0042 لما روت عائشة ~~قالت: «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يجد البلل، ولا يذكر ~~احتلاما، فقال: " يغتسل» ". «وسئل عن الرجل يرى أنه قد احتلم، ولا يجد ~~البلل، فقال: " لا غسل عليه» رواه أبو داود. فإن وجد منيا في ثوب ينام فيه ~~هو وغيره، فلا غسل عليه، لأن الأصل عدم وجوبه، فلا يجب بالشك. # وإن لم يكن ينام فيه غيره، وهو ممن يمكن أن يحتلم كابن اثني عشر سنة ~~فعليه الغسل، # PageV01P105 # وإعادة الصلاة من أحدث نومة نامها، لأن عمر - رضي الله عنه - رأى في ثوبه ~~منيا بعد أن صلى، فاغتسل وأعاد الصلاة. # فصل: # والمذي: ماء رقيق يخرج بعد الشهوة متسببا لا يحس بخروجه، فلا غسل فيه، ~~ويجب منه الوضوء، لما روى سهل بن حنيف - رضي الله عنه - قال: «كنت ألقى من ~~المذي شدة وعناء، فكنت أكثر منه الاغتسال، فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وسألته عنه، فقال: " يجزيك من ذلك الوضوء» ، حديث صحيح. وهل ~~يوجب غسل الذكر والأنثيين؟ على روايتين: # إحداهما: لا يوجب، لحديث سهل. # والثانية: يوجب لما روى علي - رضي الله عنه - قال: «كنت رجلا مذاء، ~~فاستحييت أن أسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمكان ابنته، فأمرت ~~المقداد فسأله، فقال: " يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ» رواه أبو داود. # والودي: ماء أبيض يخرج عقيب البول، فليس فيه إلا الوضوء، لأن الشرع لم ~~يرد فيه بزيادة عليه. # فإن خرج منه شيء ولم يدر، أمنى هو أو غيره؟ في يقظة فلا غسل فيه، لأن ~~المني الموجب للغسل يخرج دفقا بشهوة، فلا يشتبه بغيره، وإن كان في نوم، ~~وكان نومه عقيب شهوة بملاعبة أهله، أو تذكر فهو مذي، لأن ذلك سبب المذي، ~~والظاهر أنه # PageV01P106 # مذي، وإن لم يكن كذلك اغتسل، لحديث عائشة في الذي يجد البلل، ولأن خروج ~~المني في النوم معتاد، وغيره نادر، فحمل الأمر على المعتاد. # فصل: # وإن أحس بانتقال المني من ظهره، فأمسك ذكره فلم يخرج، ففيه روايتان: # إحداهما: لا غسل عليه، لقول النبي - صلى الله ms0043 عليه وسلم -: «إذا رأت ~~الماء» . # والثانية: يجب، لأنه خرج من مقره، أشبه ما لو ظهر. # فإن اغتسل فخرج بعد ذلك، وجب الغسل على الرواية الأولى، لأن الواجب متعلق ~~بخروجه، ولم يجب على الثانية، لأنه تعلق بانتقاله، وقد اغتسل له. # وعنه: إن خرج قبل البول، وجب الغسل، لأنا نعلم أنه المني المنتقل، فإن ~~خرج بعده لم يجب لأنه يحتمل أنه غيره، وهو خارج لغير شهوة، وفي فضلة المني ~~الخارجة بعد الغسل الروايات الثلاث. # فصل: # والثاني: التقاء الختانين، وهو تغيب الحشفة في الفرج يوجب الغسل وإن عري ~~عن الإنزال، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا جلس بين شعبها الأربع # PageV01P107 # ومس الختان الختان فقد وجب الغسل» رواه مسلم. وختان الرجل: الجلدة التي ~~تبقى بعد الختان، وختان المرأة، جلدة كعرف الديك في أعلى الفرج يقطع منها ~~في الختان، فإذا غابت الحشفة في الفرج تحاذى ختاناهما فيقال: التقيا وإن لم ~~يتماسا. # ويجب الغسل في الإيلاج في كل فرج، قبل أو دبر، من آدمي، أو بهيمة، حي أو ~~ميت، لأنه فرج أشبه قبل المرأة. # PageV01P108 # فإن أولج من قبل الخنثى المشكل، فلا غسل عليهما لأنه لا يتيقن كونه فرجا ~~فلا يجب الغسل بالشك. # فصل: # والثالث: إسلام الكافر وفيه روايتان: # إحداهما: يوجب الغسل، اختارها الخرقي لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أمر ثمامة بن أثال، وقيس بن عاصم أن يغتسلا حين أسلما، ولأن الكافر لا يسلم ~~من حدث لا يرتفع حكمه باغتساله، فقامت مظنة ذلك مقامه، ولا يلزمه أن يغتسل ~~للجنابة، لأن الحكم تعلق بالمظنة، فسقط حكم المظنة كالمشقة في السفر. # والثانية: لا غسل عليه اختارها أبو بكر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال لمعاذ: «إنك تأتي قوما أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا ~~الله، فإن هم أطاعوك لذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات» متفق ~~عليه. ولم يأمرهم بالغسل، ولو كان أول الفروض لأمر به، ولأنه أسلم العدد ~~الكثير، والجم الغفير، فلو أمروا بالغسل لنقل نقلا متواترا. # PageV01P109 # فإن أجنب في ms0044 حال كفره احتمل أن لا يجب الغسل عليه لما ذكرناه، واحتمل أن ~~يجب، وهو قول أبي بكر، لأن حكم الحدث باق. # فصل: # فأما المرأة فيجب من حقها الأغسال المذكورة، وتزيد بالغسل من الحيض، ~~والنفاس، ونذكره في بابه. # ولا يجب الغسل بالولادة العارية عن دم، لأن الإيجاب من الشرع، ولم يوجب ~~لها، ولا هي في معنى المنصوص عليه. # وعنه يجب بها، لأنها لا تكاد تعرى من نفاس موجب، فكانت مظنة له، فأقيمت ~~مقامه كاتقاء الختانين مع الإنزال. # فصل: # ولا يجب الغسل بغير ذلك، من غسل ميت، أو إفاقة مجنون، أو مغمى عليه، لما ~~ذكرناه. ### | فصل فيما يحرم على الجنب # فصل: # ومن لزمه الغسل حرم عليه ما حرم على المحدث، ويحرم عليه قراءة آية # PageV01P110 # فصاعدا، لقول علي - رضي الله عنه -: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه. أو ~~قال: يحجزه عن قراءة القرآن شيء ليس الجنابة» . رواه أبو داود. وفي بعض آية ~~روايتان: # إحداهما: يحرم قراءته، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«لا تقرأ الحائض والجنب شيئا من القرآن» رواه أبو داود. # والأخرى: يجوز، لأن الجنب لا يمنع من قول: بسم الله، والحمد لله، وذلك ~~بعض آية. # فصل: # ويحرم عليه اللبث في المسجد لقول الله تعالى: {ولا جنبا إلا عابري سبيل ~~حتى تغتسلوا} [النساء: 43] ، يعني مواضع الصلاة. وقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا أحل المسجد لحائض، ولا جنب» رواه أبو داود. ولا يحرم ~~العبور في المسجد، لقوله تعالى: {إلا عابري سبيل} [النساء: 43] # PageV01P111 # ، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة: «ناوليني الخمرة من ~~المسجد " قالت: إني حائض، قال: " إن حيضتك ليست في يدك» . # قال بعض أصحابنا: إذا توضأ الجنب حل له اللبث في المسجد، لأن الصحابة - ~~رضي الله عنهم - كان أحدهم إذا أراد أن يتحدث في المسجد وهو جنب، توضأ ثم ~~دخل فجلس فيه، ولأن الوضوء يخفف بعض حدثه فيزول بعض ما منعه. # PageV01P112 # فصل: # ويستحب للجنب ms0045 إذا أراد أن ينام أن يتوضأ وضوءه للصلاة، لما روى ابن عمر ~~«أن عمر قال: يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: " نعم، إذا توضأ ~~أحدكم فليرقد» متفق عليه. ويستحب له الوضوء إذا أراد أن يأكل أو يعود ~~للجماع، ويغسل فرجه، فأما الحائض فلا يستحب لها شيء من ذلك، لأن الوضوء لا ~~يؤثر في حدثها، ولا يصح منها. ### | باب صفة الغسل من الجنابة # باب الغسل من الجنابة وهي على ضربين: كامل، ومجزئ. # الضرب الأول: الكامل، يأتي فيه بتسعة أشياء: النية، وهو أن ينوي الغسل ~~للجنابة، أو استباحة ما لا يستباح إلا بالغسل، كقراءة القرآن، واللبث في ~~المسجد ثم يسمي، ثم يغسل يديه ثلاثا قبل إدخالهما الإناء. ثم يغسل ما به من ~~أذى، ويغسل فرجه وما يليه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يحثي على رأسه ثلاث ~~حثيات يروي بها أصول شعره، ويخلله بيده، ثم يفيض الماء على سائر جسده، ثم ~~يدلك بدنه بيده، وإن توضأ إلا غسل رجليه، ثم غسل قدميه آخرا، فحسن. قال ~~أحمد - رضي الله عنه -: الغسل من الجنابة على حديث عائشة، يعني قولها: «كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ ~~وضوءه للصلاة، ثم يخلل شعره بيديه، حتى إذا ظن أنه # PageV01P113 # قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده» . # وقالت ميمونة: «وضع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضوء الجنابة، ~~فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثا، ثم تمضمض، واستنشق، وغسل وجهه، ~~وذراعيه، ثم أفاض على رأسه، ثم غسل جسده، فأتيته بالمنديل فلم يردها، وجعل ~~ينفض الماء بيده» . متفق عليهما. # الضرب الثاني: المجزئ، وهو أن ينوي، ويعم بدنه وشعره بالغسل، والتسمية ~~ههنا كالتسمية في الوضوء فيما ذكرنا، ويجب إيصال الماء إلى البشرة التي تحت ~~الشعر وإن كان كثيفا، لحديث عائشة، ولا يجب نقضه إن كان مضفورا؛ لما روت أم ~~سلمة قالت: «قلت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل ~~الجنابة؟ قال: " لا، إنما يكفيك ms0046 أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين ~~عليك الماء فتطهرين» رواه مسلم، ولا ترتيب الغسل، لأن الله تعالى قال: {وإن ~~كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6] ولم يقدم بعض البدن على بعض لكن يستحب ~~البداءة بما ذكرناه، والبداءة بغسل الشق الأيمن، لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يحب التيامن في طهوره، ولا موالاة فيه، لأنه طهارة لا ترتيب ~~فيها فلم يكن فيها موالاة كغسل النجاسة. # فصل: # فأما غسل الحيض، فهو كغسل الجنابة سواء إلا أنه يستحب لها أن تأخذ شيئا # PageV01P114 # من المسك أو طيب أو غيره، فتتبع به أثر الدم، ليزيل [زفورته] لما روت ~~عائشة - رضي الله عنها -: «أن امرأة جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - تسأله عن الغسل من الحيض، فقال: " خذي فرصة من مسك، فتطهري بها " ~~فقالت: كيف أتطهر # PageV01P115 # بها؟ فقالت عائشة: قلت: تتبعي بها أثر الدم» . رواه مسلم. فإن لم تجد ~~مسكا فغيره من الطيب، فإن لم تجد فالماء كاف. # وهل عليها نقض شعرها للغسل منه؟ فيه روايتان: # إحداهما: لا يجب، لأنه غسل واجب أشبه الجنابة. # والثانية: يجب، ليتيقن وصول الماء إلى ما تحته، وإنما عفي عنه في ~~الجنابة، لأنه يتكرر فيشق النقض فيه، بخلاف الحيض. # فصل: # والأفضل تقديم الوضوء على الغسل، للخبر الوارد، فإن اقتصر على الغسل ~~ونواهما أجزأه عنهما لقول الله تعالى: [ {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: ~~6] ولم يأمر بالوضوء معه] ، ولأنهما عبادتان من جنس: صغرى وكبرى، فدخلت ~~الصغرى في الكبرى في # PageV01P116 # الأفعال دون النية، كالحج، والعمرة. # وعنه: لا يجزئه عن الحدث الأصغر حتى يتوضأ، لأنهما نوعان يجبان بسببين، ~~فلم يدخل إحداهما في الآخر، كالحدود. وإن نوى إحداهما دون الأخرى، فليس له ~~غيرها، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «وإنما لكل امرئ ما نوى» . # فصل: # ويجوز للرجل والمرأة أن يغتسلا، ويتوضآ من إناء واحد، لأن «النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يغتسل هو وزوجته من إناء واحد، يغرفان منه جميعا» ، ~~متفق عليه. وقال ابن عمر: «كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمن رسول ms0047 الله - ~~صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد» ، رواه أبو داود، ويجوز للمرأة التطهر ~~بفضل طهور الرجل وفضل طهور المرأة، وللرجل التطهر بفضل طهور الرجل وفضل ~~طهور المرأة ما لم تخل به. # فإن خلت به، ففيه وجهان: # إحداهما: يجوز أيضا، لما روت ميمونة - رضي الله عنها - قالت: «أجنبت ~~فاغتسلت من جفنة، ففضلت فيها فضلة، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ليغتسل منه، فقلت: إني # PageV01P117 # اغتسلت منه فقال: " إن الماء ليس عليه جنابة» رواه أبو داود، ولأنه ماء ~~لم ينجس، ولم يزل عن إطلاقه، فأشبه فضله الرجل. # والثانية: لا يجوز للرجل التطهر به، لما روى الحكم بن عمرو قال: «نهى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة» ، حديث ~~حسن. قال أحمد - رحمه الله -: جماعة من الصحابة كرهوه ذكر منهم ابن عمر ~~وعبد الله بن سرجس، وخص ما خلت به، لقول عبد الله بن سرجس: توضأ أنت ههنا، ~~وهي ههنا، فأما إذا خلت به فلا تقربنه. # ومعنى الخلوة: أن لا يشاهدها إنسان تخرج بحضوره عن الخلوة في النكاح. # وذكر القاضي أنها لا تخرج عن الخلوة ما لم يشاهدها رجل. # وإنما تؤثر خلوتها في الماء اليسير، لأن النجاسة لا تؤثر في الكثير، فهذا ~~أولى. # ولا يخرج الماء الذي خلت به المرأة عن إطلاقه. بل يجوز للنساء التطهر به ~~من الحدث والنجاسة، # PageV01P118 # وللرجل إزالة النجاسة به، لأن منع الرجل من الوضوء به تعبد، فوجب قصره ~~على مورده. # وذكر القاضي أنه لا يزيل النجاسة، لأن ما لا يرفع الحدث لا يزيل النجس، ~~كالخل. # وهذا لا يمكن القول بموجبه، فإن هذا يرفع حدث المرأة بخلاف الخل. ### | باب التيمم # التيمم طهارة بالتراب يقوم مقام الطهارة بالماء عند العجز عن استعماله، ~~لعدم، أو مرض، لقول الله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو ~~على سفر} [المائدة: 6] إلى قوله: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: 6] وروى عمار قال: «أجنبت فلم أجد ~~الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة ms0048 ثم أتيت النبي (- صلى الله عليه ~~وسلم -) ، فذكرت ذلك له فقال: " إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا " ثم ضرب ~~بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه , ووجهه» . ~~متفق عليه. والسنة في التيمم أن يضرب بيديه على الأرض ضربة # PageV01P119 # واحدة، ثم يمسح بهما وجهه، ويديه إلى الكوعين، للخبر، ولأن الله تعالى ~~أمر بمسح اليدين. واليد عند الإطلاق في الشرع تتناول اليد إلى الكوع، بدليل ~~قوله تعالى {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] . وإن مسح ~~يديه إلى المرفقين، فلا بأس، لأنه قد روي عن النبي (- صلى الله عليه وسلم ~~-) وسواء فعل ذلك بضربتين أو أكثر. ويستحب تفريق أصابعه عند الضرب ليدخل ~~الغبار فيما بينهما، وإن كان التراب ناعما فوضع اليدين عليه وضعا أجزأه، ~~ويمسح جميع ما يجب غسله من الوجه، مما لا يشق، مثل باطن الفم، والأنف، وما ~~تحت الشعور الخفيفة، لقوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم} [المائدة: 6] وكيفما ~~مسح بعد أن يستوعب الوجه والكفين إلى الكوعين، جاز لأن المستحب في الضربة ~~الواحدة أن يمسح وجهه بباطن أصابع يديه، وظاهر كفيه بباطن راحتيه، وإن مسح ~~بضربتين، مسح بأولاهما وجهه، وبالثانية يديه، فإن مسح إلى المرفقين، وضع ~~بطون أصابع اليسرى على ظهور أصابع اليمنى، ثم يمرهما إلى مرفقيه، ثم يدير ~~بطن كفه إلى بطن الذراع، ويمر عليه، ويرفع إبهامه، فإن بلغ الكوع أمر إبهام ~~يده اليسرى على إبهام يده اليمنى ثم مسح بيده اليمنى يده اليسرى كذلك، ثم ~~مسح إحدى الراحتين بالأخرى، ويخلل بين أصابعه، وإن يممه غير جاز، كما يجوز ~~أن يوضئه. # وإن أثارت الريح عليه ترابا، فمسح وجهه بما على يديه جاز، وإن مسح وجهه ~~بما عليه لم يجز، لأن الله تعالى أمر بقصد الصعيد والمسح به، ويحتمل أن ~~يجزئه إذا صمد للريح، لأنه بمنزلة مسح غيره له. # PageV01P120 ### | فصل في فرائض التيمم # فصل: # وفرائض التيمم: النية، لما ذكرنا في الوضوء، ومسح الوجه والكفين، للأمر ~~به، وترتيب اليدين على الوجه قياسا على الوضوء، وفي التسمية والموالاة ~~روايتان، كالوضوء. # فأما النية، فهو ms0049 أن ينوي استباحة ما لا يباح إلا به، فإن نوى صلاة مكتوبة ~~أبيح له سائر الأشياء لأنه تابع لها، فيدخل في نية المتبوع، وإن نوى نفلا ~~أو صلاة مطلقة، لم يبح له الفرض، لأن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما تستباح ~~به الصلاة، فلا يستبيح به الفرض حتى ينويه، وله قراءة القرآن لأن النافلة ~~تتضمن القرآن، وليس له الجنازة المتعينة، لأنها فرض ولو كانت نفلا فله ~~فعلها. # وإن نوى قراءة القرآن لم يكن له التنفل لأنه أعلى. # فإن نوى رفع الحدث لم يجزئه. لأن التيمم لا يرفع الحدث. # وعنه: ما يدل على أنه يرفع الحدث، فيكون حكمه حكم الوضوء في نيته. # ولا بد له من تعيين ما يتيمم له من الحدث الموجب للغسل، أو الوضوء أو ~~النجاسة، فإن تيمم للحدث ونسي الجنابة، أو الجنابة ونسي الحدث، لم يجزئه، ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وإنما لكل امرئ ما نوى» ولأن ذلك لا ~~يجزئ في الماء وهو الأصل، ففي البدل أولى. ### | فصل فيما يباح بالتيمم # فصل: # ويجوز التيمم عن جميع الأحداث لظاهر الآية، وحديث عمار وروى عمران بن ~~حصين «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا معتزلا لم يصل مع ~~القوم، فقال: " يا فلان، ما # PageV01P121 # منعك أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء عندي، قال: عليك ~~بالصعيد فإنك يكفيك» متفق عليه. # ويجوز التيمم للنجاسة على البدن، لأنها طهارة مشترطة للصلاة، فناب فيها ~~التيمم، كطهارة الحدث. # واختار أبو الخطاب أنه يلزمه الإعادة إذا تيمم لها عند عدم الماء. # وقيل في وجوب الإعادة روايتان: # إحداهما: لا يجب، لقوله - عليه السلام -: «التراب كافيك ما لم تجد الماء» ~~وقياسا على التيمم الحدث. # والأخرى: تجب الإعادة، لأنه صلى بالنجاسة، فلزمته الإعادة، كما لو تيمم. # ولا يجوز التيمم عن النجاسة في غير البدن، لأنها طهارة في البدن فلا تؤثر ~~في غيره كالوضوء. ### | فصل في شرائط التيمم # فصل: # ولجواز التيمم ثلاث شروط: # PageV01P122 # أحدها: العجز عن استعمال الماء، وهو نوعان: # أحدهما: عدم الماء، لقول الله تعالى: ms0050 {فلم تجدوا ماء} [النساء: 43] . ~~ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد ~~الماء عشر سنين، فإن وجدت الماء فأمسه جلدك» رواه أبو داود. # النوع الثاني: الخوف على نفسه باستعمال الماء، لمرض أو قرح يخاف باستعمال ~~الماء تلفا أو زيادة مرض أو تباطؤ البرء أو شيئا فاحشا في جسمه، لقول الله ~~تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر} [النساء: 43] ، وقوله تعالى: {ما يريد ~~الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} [المائدة: 6] وإن وجد ماء ~~يحتاج إلى شربه للعطش، أو شرب رفيقه أو بهائمه، أو بينه وبينه سبع أو عدو ~~يخافه على نفسه أو ماله، أو خاف على ماله إن تركه وذهب إلى الماء، فله ~~التيمم لأنه خائف الضرر باستعماله، فهو كالمريض. وإن خاف لشدة البرد تيمم ~~وصلى، لما روى عمرو بن العاص قال: «احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات ~~السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت وصليت بأصحابي الصبح، فذكروا ~~ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: " يا عمرو أصليت بأصحابك وأنت ~~جنب؟ " فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، ثم قلت سمعت الله يقول: {ولا ~~تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} [النساء: 29] فضحك النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ولم يقل شيئا» . رواه أبو داود. # ولأنه خائف على نفس، أشبه المريض، ولا إعادة عليه إن كان مسافرا، لما ~~ذكرنا. # وإن كان حاضرا ففيه روايتان: # PageV01P123 # إحداهما: لا يلزمه الإعادة لذلك. # والثانية: يلزمه، لأنه ليس بمريض، ولا مسافر، فلا يدخل في عموم الآية، ~~ولأن الحضر مظنة إمكان إسخان الماء، فالعجز عنه عذر غير متصل. # وإن قدر على إسخان الماء، لزمه كما يلزمه شراء الماء، ومن كان واجدا ~~للماء فخاف فوت الوقت لتشاغله بتحصيله، أو استسقائه لم يبح له التيمم، لأن ~~الله تعالى قال: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} [النساء: 43] وهذا واجد. # وإن خاف فوات الجنازة فليس له التيمم لذلك. # وعنه: يجوز، لأنه لا يمكن استدراكها. # فصل: # والثاني: طلب الماء شرط في الرواية المشهورة، لقوله تعالى: {فلم تجدوا ~~ماء ms0051 فتيمموا} [النساء: 43] ، ولا يقال: لم يجد إلا لمن طلب، ولأنه بدل، فلم ~~يجز العدول إليه قبل طلب المبدل، كالصيام في الظهار. # وعنه: ليس بشرط، لأنه ليس بواجب قبل الطلب، فيدخل في الآية. # وصفة الطلب أن ينظر يمينه، وشماله، وأمامه، ووراءه، وإن كان قريبا من ~~حائل، من ربوة، أو حائط، علاه فنظر حوله. وإن رأى خضرة أو نحوها استبرأها. # PageV01P124 # وإن كان معه رفيق، سأله الماء فإن بذله له لزمه قبوله. لأن المنة لا تكثر ~~في قبوله. # وإن وجد ماء يباع بثمن المثل أو بزيادة غير مجحفة بماله، وهو واجد للثمن، ~~غير محتاج إليه، لزمه شراؤه، كما يلزمه شراء الرقبة في الكفارة. # فإن لم يبذله له صاحبه، لم يكن له أخذه قهرا، وإن استغنى عنه صاحبه، لأن ~~له بدلا، وإن علم بماء قريب، لزمه قصده ما لم يخف على نفسه أو ماله أو فوت ~~الوقت أو الرفقة وإن تيمم ثم رأى ركبا، أو خضرة، أو شيئا يدل على الماء، أو ~~سرابا ظنه ماء قبل الصلاة، لزمه الطلب؛ لأنه وجد دليل الماء، وبطل تيممه، ~~لأنه وجب عليه الطلب، فبطل تيممه، كما لو رأى ماء. وإن رأى الركب ونحوه في ~~الصلاة، لم تبطل؛ لأنه شرع فيها بطهارة متيقنة، فلا يبطلها بالشك. # فصل: # الثالث: دخول الوقت شرط، لأنه قبل الوقت مستغن عن التيمم، فلم يصح تيممه، ~~كما لو تيمم وهو واجد للماء، وإن كان التيمم لنافلة، لم يجز في وقت النهي ~~عن فعلها، لأنه قبل وقتها، وإن تيمم لفائتة أو نافلة قبل وقت الصلاة، ثم ~~دخل الوقت بطل تيممه، وإن تيمم لمكتوبة في وقتها، فله أن يصليها وما شاء من ~~النوافل قبلها وبعدها، ويقضي فوائت، ويجمع بين الصلاتين، لأنها طهارة أباحت ~~فرضا، فأباحت سائر ما ذكرناه، كالوضوء. # PageV01P125 # ومتى خرج الوقت بطل التيمم في ظاهر المذهب، لأنها طهارة عذر وضرورة، ~~فتقدرت بالوقت كطهارة المستحاضة. # وعنه: يصلي بالتيمم حتى يحدث، قياسا على طهارة الماء. # فصل: # والأفضل تأخير التيمم إلى آخر الوقت إن رجا وجود الماء، لقول علي ms0052 - رضي ~~الله عنه - في الجنب: يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت، ولأن الطهارة بالماء ~~فريضة. وأول الوقت فضيلة، وانتظار الفريضة أولى. وإن يئس من الماء، استحب ~~تقديمه لئلا يترك فضيلة متيقنة لأمر غير مرجو. # ومتى تيمم وصلى صحت صلاته، ولا إعادة عليه، وإن وجد الماء في الوقت، لما ~~روى عطاء بن يسار، قال: «خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء، ~~فتيمما صعيدا طيبا، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الوضوء ~~والصلاة، ولم يعد الآخر، ثم أتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرا ذلك ~~له، فقال للذي لم يعد: " أجزأتك صلاتك " وقال للذي أعاد: " لك الأجر مرتين» ~~رواه أبو داود. وقال: قد روي عن أبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~والصحيح أنه مرسل، ولأنه أدى فريضة بطهارة، فأشبه ما لو أداها بطهارة ~~الماء. # PageV01P126 # فإن علم أن في رحله ماء نسيه، فعليه الإعادة، لأنها طهارة واجبة، فلم ~~تسقط بالنسيان، كما لو نسي عضوا لم يغسله، وإن ضل عن رحله، أو ضل عنه غلامه ~~الذي معه الماء، فلا إعادة عليه، لأنه غير مفرط، وإن وجد بقربه بئرا أو ~~غديرا علامته ظاهرة، أعاد لأنه مفرط في الطلب، وإن كانت أعلامه خفية لم يعد ~~لعدم تفريطه. # فصل: # وإن وجد ماء لا يكفيه لزمه استعماله، وتيمم للباقي إن كان جنبا، لقول ~~الله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} [النساء: 43] وهذا واجد، وقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» رواه ~~البخاري. وقال: «إذا وجدت الماء فأمسه جلدك» ولأنه مسح أبيح للضرورة، فلم ~~يبح في غير موضعها كمسح الجبيرة. # وإن كان محدثا ففيه وجهان: # أحدهما: يلزمه استعماله لذلك. # والآخر: لا يلزمه، لأن الموالاة شرط يفوت بترك غسل الباقي، فبطلت طهارته، ~~بخلاف غسل الجنابة. # وإن كان بعض بدنه صحيحا، وبعضه جريحا، غسل الصحيح، وتيمم للجريح جنبا كان ~~أو محدثا، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي أصابته الشجة: «إنما كان ~~يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه ms0053 خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر ~~جسده» رواه أبو داود، لأن العجز ههنا ببعض البدن، وفي الإعواز العجز ببعض ~~الأصل، فاختلفا، كما أن الحر إذا عجز عن بعض الرقبة في الكفارة، فله العدول ~~إلى الصوم، ولو كان بعضه حرا فملك بنصفه الحر مالا، لزمه التكفير بالمال، ~~ولم تكن كالتي قبلها. # PageV01P127 ### | فصل في مبطلات التيمم # فصل: # ويبطل التيمم بجميع مبطلات الطهارة التي تيمم عنها، لأنه بدل عنها. فإن ~~تيمم لجنابة، ثم أحدث منع ما يمنعه المحدث من الصلاة والطواف، ومس المصحف، ~~لأن التيمم ناب عن الغسل، فأشبه المغتسل إذا أحدث، ويزيد التيمم بمبطلين: # أحدهما: القدرة على استعمال الماء سواء وجدت في الصلاة أو قبلها أو ~~بعدها، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن ~~لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك» دل بمفهومه على أنه ~~ليس بطهور عند وجود الماء، وبمنطوقه على وجوب استعماله عند وجوده، ولأنه ~~قدر على استعمال الماء، فأشبه الخارج من الصلاة. # فعلى هذا إن وجده في الصلاة خرج، وتوضأ، واغتسل إن كان جنبا، واستقبل ~~الصلاة، كما لو أحدث في أثنائها. # وعنه: إذا وجده في الصلاة لم تبطل، لأنه شرع في المقصود، فأشبه المكفر ~~يقدر على الإعتاق بعد شروعه في الصيام، إلا أن المروذي روي عنه أنه قال: ~~كنت أقول: إنه يمضي ثم تدبرت فإذا أكثر الأحاديث أنه يخرج. وهذا يدل على ~~رجوعه عن هذه الرواية. # والثاني: خروج الوقت يبطلها لما ذكرناه، فإن خرج وهو في الصلاة بطل، كما ~~لو أحدث. # ومن تيمم وهو لابس خفا أو عمامة، يجوز المسح عليهما، ثم خلع أحدهما، فقد ~~ذكر أصحابنا أنه يبطل تيممه، لأنه من مبطلات الوضوء، ولا يقوى ذلك عندي، ~~لأنها طهارة لم يمسح عليهما، فلم تبطل بخلعهما، كالملبوس على غير طهارة ~~بخلاف الوضوء. # PageV01P128 # فصل # ويجوز التيمم في السفر الطويل والقصير، وهو ما بين قريتين قريبتين؛ لقوله ~~تعالى: {أو على سفر} [النساء: 43] ولأن الماء يعدم في القصير غالبا، أشبه ~~الطويل، ويجوز في الحضر للمرض ms0054 للآية، ولأنه عذر غالب يتصل، أشبه السفر. # وإن عدم الماء في الحضر لحبس، تيمم ولا إعادة عليه؛ لأنه في عدم الماء، ~~وعجزه عن طلبه كالمسافر، وأبلغ منه فألحق به، وإن عدمه لغير ذلك، وكان ~~يرجوه قريبا، تشاغل بطلبه ولم يتيمم، وإن كان ذلك يتمادى، تيمم وصلى وأعاد؛ ~~لأنه عذر نادر غير متصل، ويحتمل أن لا يعيد؛ لأنه في معنى عادم الماء في ~~السفر، فألحق به. # وإن كان مع المسافر ماء، فأراقه قبل الوقت، أو مر بماء قبل الوقت، فتركه، ~~ثم عدم الماء في الوقت تيمم وصلى ولا إعادة عليه؛ لأنه لم يخاطب باستعماله. # وإن كان ذلك في الوقت، ففيه وجهان: أحدهما: تلزمه الإعادة؛ لأنه مفرط. # والثاني: لا تلزمه؛ لأنه عادم للماء أشبه ما قبل الوقت. ### | فصل فيما يجوز التيمم به # فصل # ولا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر له غبار يعلق باليد؛ لقوله تعالى: ~~{فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: 6] وما لا ~~غبار له لا يمسح شيء منه. # وقال ابن عباس: الصعيد تراب الحرث، والطيب: هو الطاهر، وروي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أعطيت ما لم يعط نبي من أنبياء الله تعالى ~~قبلي جعل لي التراب طهورا» رواه الشافعي في " مسنده " ولو كان غيره طهورا ~~ذكره فيما من الله به عليه. # وعنه: يجوز التيمم بالرمل والسبخة، لما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: # PageV01P129 # «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» رواه البخاري ومسلم، وقال ابن أبي موسى: إن ~~لم يجد غيرهما، تيمم بهما، وإن دق الخزف أو الحجارة، وتيمم به لم يجزئه؛ ~~لأنه ليس بتراب. # PageV01P130 # وإن خالط التراب جص، أو دقيق، أو زرنيخ، فحكمه حكم الماء إذا خالطته ~~الطاهرات، وإن خالط ما لم يعلق باليد، كالرمل والحصى، لم يمنع التيمم به؛ ~~لأنه لا يمنع وصول الغبار إلى اليد، وإن ضرب بيده على صخرة عليها غبار، أو ~~حائط، أو لبد، فعلا يديه غبار، أبيح التيمم به؛ لأن المقصود التراب الذي ~~يمسح به وجهه ويديه، وقد روى ms0055 ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «ضرب ~~بيديه على الحائط، ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه» رواه أبو ~~داود. # ولا بأس أن يتيمم الجماعة من موضع واحد، كما يتوضئون من حوض واحد، وإن ~~تناثر من التراب عن العضو بعد استعماله شيء: احتمل أن يمنع من استعماله مرة ~~ثانية؛ لأنه كالماء المستعمل، واحتمل أن يجوز؛ لأنه لم يرفع حدثا ولم يزل ~~نجسا، بخلاف الماء. ### | فصل في حكم فاقد الطهورين # فصل # فإن عدم الماء والتراب ووجد طينا، لم يستعمله، وصلى على حسب حاله # PageV01P131 # ولم يترك الصلاة؛ لأن الطهارة شرط، فتعذرها لا يبيح ترك الصلاة، كالسترة، ~~والقبلة، وفي الإعادة روايتان: إحداهما: لا تلزمه؛ لأن الطهارة شرط، فأشبهت ~~السترة والقبلة. # والثانية: تلزمه؛ لأنه عذر نادر غير متصل، أشبه نسيان الطهارة. # فصل # إذا اجتمع جنب، وميت، وحائض، معهم ماء لأحدهم لا يفضل عنه، فهو أحق به، ~~ولا يجوز أن يؤثر به؛ لأنه واجد للماء، فلم يجزئه التيمم، فإن آثر به ~~وتيمم، لم يصح تيممه مع وجوده لذلك، وإن استعمله الآخر، فحكم المؤثر به حكم ~~من أراق الماء، وإن كان الماء لهم، فهم فيه سواء، وإن وجدوه، فهو للأحياء ~~دون الميت؛ لأنه لا وجدان له، وإن كان لغيرهم فأراد أن يجود به، فالميت ~~أولى به؛ لأن غسله خاتمة طهارته، وصاحباه يرجعان إلى الماء ويغتسلان. # PageV01P132 # وإن فضل عنه ما يكفي أحدهما، فالحائض أحق به؛ لأن حدثها آكد، وتستبيح ~~بغسلها ما يستبيحه الجنب وزيادة الوطء، وإن اجتمع على رجل حدث ونجاسة، فغسل ~~النجاسة أولى؛ لأن طهارة الحدث لها بدل مجمع عليه، بخلاف النجاسة. # وإن اجتمع محدث وجنب، فلم يجدا إلا ما يكفي المحدث، فهو أحق به؛ لأنه ~~يرفع جميع حدثه، وإن كان يكفي الجنب وحده، فهو أحق به، لما ذكرنا في ~~الحائض، وإن كان يفضل عن كل واحد منهما فضلة لا تكفي صاحبه، ففيه ثلاثة ~~أوجه: أحدها: يقدم الجنب لما ذكرنا. # والثاني: المحدث؛ لأن فضلته يلزم الجنب [استعمالها] فلا تضيع، بخلاف فضلة ~~الجنب. ms0056 # والثالث: التسوية: لأنه تقابل الترجيحان فتساويا، فتدفع إلى من شاء ~~منهما، أو يقرع بينهما والله أعلم. ### | باب الحيض # وهو دم ترخيه الرحم يخرج من المرأة في أوقات معتادة يتعلق به ثلاثة عشر ~~حكما: # PageV01P133 # أحدها: تحريم فعل الصلاة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أقبلت ~~الحيضة فدعي الصلاة» متفق عليه. # والثاني: سقوط فرضها؛ لقول عائشة - رضي الله عنها -: «كنا نحيض على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء ~~الصلاة» ، متفق عليه. # والثالث: تحريم الصيام، ولا يسقط وجوبه، لحديث عائشة، وقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «أليس إحداكن إذا حاضت لم تصم ولم تصل؟ " # PageV01P134 # قلن: بلى» ، رواه البخاري. # والرابع: تحريم الطواف؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة إذ ~~حاضت: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» متفق عليه. # والخامس: تحريم قراءة القرآن؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن» رواه الترمذي. # والسادس: تحريم مس المصحف؛ لقوله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون} ~~[الواقعة: 79] ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم: «لا تمس ~~القرآن إلا وأنت طاهر» رواه الأثرم. # والسابع: تحريم اللبث في المسجد، لما ذكرناه من قبل. # والثامن: تحريم الطلاق، لما نذكره في النكاح. # والتاسع: تحريم الوطء في الفرج؛ لقوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض ~~ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة: 222] . # ولا يحرم الاستمتاع بها في غير الفرج؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «اصنعوا كل شيء غير # PageV01P135 # النكاح» رواه مسلم. # وقالت عائشة: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرني فأتزر ~~فيباشرني، وأنا حائض» ، متفق عليه، ولأنه وطء حرم للأذى، فاختص بمحله، ~~كالوطء في الدبر. # والعاشر: منع صحة الطهارة؛ لأنه حدث يوجب الطهارة فاستمراره يمنع صحتها ~~كالبول. # والحادي عشر: وجوب الغسل؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «دعي ~~الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي» متفق عليه. # الثاني عشر: وجوب الاعتداد به، لما نذكره في العدد. # الثالث عشر: حصول ms0057 البلوغ به لما نذكره في موضعه. # فإذا انقطع دمها ولم تغتسل زالت أربعة أحكام: سقوط فرض الصلاة؛ لأن سقوطه ~~بالحيض قد زال، ومنع صحة الطهارة لذلك، وتحريم الصيام؛ لأن وجوب الغسل لا ~~يمنع # PageV01P136 # فعله، كالجنابة، وتحريم الطلاق؛ لأن تحريمه لتطويل العدة، وقد زال هذا ~~المعنى. # وسائر المحرمات باقية؛ لأنها تثبت في حق المحدث الحدث الأكبر، وحدثها ~~باق، وتحريم الوطء باق؛ لأن الله تعالى قال: {ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا ~~تطهرن فأتوهن} [البقرة: 222] قال مجاهد: حتى يغتسلن. # فإن لم تجد الماء تيممت، وحل وطؤها؛ لأنه قائم مقام الغسل، فحل به ما يحل ~~بالغسل، وإن تيممت للصلاة حل وطؤها؛ لأن ما أباح الصلاة أباح ما دونها. # وإن وطئ الحائض قبل طهرها؛ فعليه كفارة [دينار أو] نصف دينار، لما روى ~~ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «في الذي يأتي امرأته وهي حائض، ~~قال: " يتصدق بدينار أو بنصف دينار» ، قال أبو داود: كذا الرواية الصحيحة. # وعن أحمد: لا كفارة فيه؛ لأنه وطء حرم للأذى، فلم تجب به كفارة كالوطء في ~~الدبر، والحديث توقف أحمد عنه للشك في عدالة راويه. # وإن وطئها بعد انقطاع دمها، فلا كفارة عليه؛ لأن حكمه أخف ولم يرد الشرع ~~بالكفارة فيه. # فصل # وأقل سن تحيض له المرأة تسع سنين، فإن رأت قبل ذلك دما فليس # PageV01P137 # بحيض، ولا يتعلق به أحكامه؛ لأنه لم يثبت في الوجود لامرأة حيض قبل ذلك، ~~وقد روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: إذا بلغت الجارية تسع سنين ~~فهي امرأة. # وأقل الحيض يوم وليلة. # وعنه: يوم؛ لأن الشرع علق على الحيض أحكاما ولم يبين قدره، فعلم أنه رده ~~إلى العادة، كالقبض والحرز، وقد وجد حيض معتاد يوما، ولم يوجد أقل منه. # قال عطاء: رأيت من تحيض يوما، وتحيض خمسة عشر. # قال أبو عبد الله الزبيري: كان في نسائنا من تحيض يوما، وتحيض خمسة عشر ~~يوما. # [وأكثره خمسة عشر يوما] لما ذكرنا، وعنه سبعة عشرة يوما. # وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوما لما ms0058 روي عن علي - رضي الله عنه - ~~أنه سئل عن امرأة ادعت انقضاء عدتها في شهر، فقال لشريح: قل فيها، فقال: إن ~~جاءت ببطانة من أهلها يشهدن أنها حاضت في شهر ثلاث مرات تترك # PageV01P138 # الصلاة فيها، وإلا فهي كاذبة، فقال علي - رضي الله عنه -: قالون " يعني ~~جيد، وهذا اتفاق منهما على إمكان ثلاث حيضات في شهر، ولا يمكن إلا بما ~~ذكرنا من أقل الحيض، وأقل الطهر. # وعنه: أقله خمسة عشر؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تمكث إحداكن ~~شطر عمرها لا تصلي» وليس لأكثره حد، وغالب الحيض ست أو سبع؛ لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لحمنة بنت جحش: «تحيضي - في علم الله - ستة أيام أو ~~سبعة، ثم اغتسلي وصلي أربعة وعشرين يوما، أو ثلاثة وعشرين كما تحيض النساء، ~~وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن» حديث حسن، وغالب الطهر أربعة وعشرون أو ~~ثلاثة وعشرون، لهذا الحديث. # وإذا بلغت المرأة ستين عاما يئست من المحيض؛ لأنه لم يوجد لمثلها حيض ~~معتاد، فإن رأت دما فهو دم فاسد، وإن رأته بعد الخمسين، ففيه روايتان: # PageV01P139 # إحداهما: هو دم فاسد أيضا؛ لأن عائشة - رضي الله عنها - قالت: إذا بلغت ~~المرأة خمسين سنة خرجت من حد الحيض. # والثانية: إن تكرر بها الدم فهو حيض، وهذا أصح؛ لأنه قد وجد ذلك، وعنه: ~~أن نساء العجم ييأسن في خمسين، ونساء العرب إلى ستين؛ لأنهن أقوى جبلة. # وقال الخرقي: إذا رأت الدم، ولها خمسون سنة، فلا تدع الصلاة، ولا الصوم، ~~وتقضي الصوم احتياطا، وإن رأته بعد الستين، فقد زال الإشكال، فتصوم وتصلي، ~~ولا تقضي. # والحامل لا تحيض، فإن رأت دما، فهو دم فاسد؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «في سبايا أوطاس: " لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ ~~بحيضة» يعني تستعلم براءتها من الحمل بالحيضة، فدل على أنها لا تجتمع معه. # PageV01P140 # فصل # والمبتدأ بها الدم في سن تحيض لمثله تترك الصلاة والصوم؛ لأن دم الحيض ~~جبلة وعادة، ودم الفساد عارض لمرض ونحوه، والأصل عدمه، فإن انقطع لدون ms0059 يوم ~~وليلة، فهو دم فساد، وإن بلغ ذلك جلست يوما وليلة، فإن انقطع دمها لذلك ~~اغتسلت وصلت، وكان ذلك حيضها. # وإن زاد عليه، ففيه أربع روايات: أشهرهن: أنها تغتسل عقيب اليوم والليلة، ~~وتصلي؛ لأن العبادة واجبة بيقين، وما زاد على أقل الحيض مشكوك فيه، فلا ~~تسقطها بالشك، فإن انقطع دمها، ولم يعبر أكثر الحيض، اغتسلت غسلا ثانيا، ثم ~~تفعل ذلك في شهر آخر، وعنه: تفعله في شهرين آخرين. # فإن كان في الأشهر كلها مدة واحدة، علمت أن ذلك حيضها، فانتقلت إليه، ~~وعملت عليه، وأعادت ما صامت الفرض فيه؛ لأننا تبينا أنها صامته في حيضها. # PageV01P141 # والثانية: تجلس ما تراه من الدم إلى أكثر الحيض؛ لأنه دم يصلح حيضا، ~~فتجلسه كاليوم والليلة. # والثالثة: تجلس ستا أو سبعا؛ لأن الغالب من النساء هكذا يحضن، ثم تغتسل ~~وتصلي. # والرابعة: تجلس عادة نسائها؛ لأن الغالب أنها تشبههن في جميع ذلك، فإذا ~~انقطع الدم لأكثر الحيض فما دون وتكرر، صار عادة، فانتقلت إليه، وأعادت ما ~~صامته من الفرض فيه. # وإن عبر دمها أكثر الحيض، علمنا استحاضتها فنظر في دمها، فإن كان متميزا ~~بعضه أسود ثخين منتن، وبعضه رقيق أحمر، وكان الأسود لا يزيد على أكثر ~~الحيض، ولا ينقص عن أقله، فهذه مدة حيضها زمن الدم الأسود، فتجلسه، فإذا ~~خلفته اغتسلت وصلت، لما روي أن فاطمة بنت أبي حبيش «قالت: يا رسول الله، ~~إني أستحاض، فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: " لا إنما ذلك عرق، ليس بالحيض، ~~فإذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت، فاغسلي عنك الدم، وصلي» متفق ~~عليه. # يعني بإقباله: سواده ونتنه، وبإدباره: رقته وحمرته، وفي لفظ، قال: «إذا ~~كان دم الحيض، فإنه أسود، يعرف فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الأحمر فتوضئي ~~إنما هو عرق» رواه النسائي , وقال ابن عباس: ما رأت الدم البحراني، فإنها ~~تدع الصلاة، إنها والله لن ترى الدم بعد أيام محيضها إلا كغسالة ماء اللحم، ~~ولأنه خارج من الفرج يوجب الغسل، فرجع إلى صفته عند الاشتباه، كالمني ~~والمذي، وإن لم تكن مميزة ms0060 # PageV01P142 # جلست من كل شهر ستة أيام، أو سبعة، لما روي أن حمنة بنت جحش «قالت: يا ~~رسول الله، إني أستحاض حيضة شديدة، منكرة، قد منعتني الصوم والصلاة، فقال ~~لها: " تحيضي ستة أيام، أو سبعة أيام، في علم الله، ثم اغتسلي، حتى إذا ~~رأيت أنك قد طهرت واستنقأت، فصلي ثلاثا وعشرين ليلة أو أربعا وعشرين ليلة ~~وأيامها، وصومي فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء ~~وكما يطهرن» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. # وذكر أبو الخطاب في المبتدأة هذه الروايات الأربع، وحكي عن ابن عقيل في ~~المبتدأة المميزة أنها تجلس بالتمييز في أول مرة، لما ذكرنا من الأخبار؛ ~~ولأن التمييز يجري مجرى العادة، والمعتادة تجلس عدة أيام عادتها، كذلك ~~المميزة. # فصل # وإن استقرت لها عادة، فما رأت من الدم فيها، فهو حيض سواء كان كدرة أو ~~صفرة أو غيرهما، لما روى مالك عن علقمة عن أمه: أن النساء كن يرسلن ~~بالدرجة، فيها الشيء من الصفرة، إلى عائشة فتقول: لا تصلين حتى ترين القصة ~~البيضاء. # قال مالك وأحمد: هو ماء أبيض يتبع الحيضة، ولأنه دم في زمن العادة أشبه ~~الأسود، فإن تغيرت العادة، لم تخل من ثلاثة أقسام: أحدها: أن ترى الطهر قبل ~~تمامها، فإنها تغتسل وتصلي؛ لأن ابن عباس قال: لا يحل لها ما رأت الطهر ~~ساعة إلا أن تغتسل، ولأنها طاهر فتلزمها الصلاة، كسائر الطاهرات. # PageV01P143 # وإن عاودها الدم في عادتها، ففيه روايتان: إحداهما: تتحيض فيه، وهي ~~الأولى؛ لأنه دم صادف العادة، فكان حيضا كالأول. # والثانية: لا تجلسه حتى يتكرر؛ لأنه جاء بعد طهر، فلم يكن حيضا بغير ~~تكرار، كالخارج عن العادة، وإن عاودها بعد العادة، وعبر أكثر الحيض، فهو ~~استحاضة، وإن لم يعبر ذلك وتكرر، فهو حيض، وإلا فلا؛ لأنه لم يصادف عادة، ~~فلا يكون حيضا بغير تكرار. # القسم الثاني: أن ترى الدم في غير عادتها، قبلها أو بعدها مع بقاء ~~عادتها، أو طهرها فيها، أو في بعضها، فالمذهب أنها لا تجلس ما خرج عن ~~العادة حتى ms0061 يتكرر، وفي قدره روايتان: إحداهما: ثلاثا؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «دعي الصلاة أيام أقرائك» وأقل ذلك ثلاثا. # والثانية: مرتان؛ لأن العادة مأخوذة من المعاودة، وذلك يحصل بمرتين، فعلى ~~هذا تصوم وتصلي فيما خرج عن العادة مرتين أو ثلاثا، فإذا تكرر، انتقلت ~~إليه، وصار عادة، وأعادت ما صامته من الفرض فيه؛ لأنا تبينا أنها صامته في ~~حيضها. # قال الشيخ - رحمه الله -: ويقوى عندي أنها تجلس متى رأت دما يمكن أن يكون ~~حيضا، وافق العادة أو خالفها؛ لأن عائشة - رضي الله عنها - قالت: لا تعجلن ~~حتى ترين القصة البيضاء، ولم تقيده بالعادة وظاهر الأخبار تدل على أن ~~النساء كن يعددن ما يرينه من الدم حيضا من غير افتقاد عادة، ولم ينقل عنهن ~~ذكر العادة، ولا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P144 # بيان لها ولا الاستفصال عنها إلا في التي قالت: إني أستحاض فلا أطهر، ~~وشبهها من المستحاضات، أما في امرأة يأتي دمها في وقت يمكن أن يكون حيضا، ~~ثم يطهر فلا، والظاهر أنهن جرين على العرف في اعتقاد ذلك حيضا، ولم يأت من ~~الشرع تغيير، ولذلك أجلسنا المبتدأة من غير تقدم عادة، ورجعنا في أكثر ~~أحكام الحيض إلى العرف، والعرف أن الحيضة تتقدم وتتأخر وتزيد وتنقص، وفي ~~اعتبار العادة على هذا الوجه، إخلال ببعض المنتقلات عن الحيض بالكلية، مع ~~رؤيتها للدم في وقت الحيض على صفته، وهذا لا سبيل إليه. # فصل # القسم الثالث: أن ينضم إلى العادة ما يزيدان بمجموعهما على أكثر الحيض، ~~فلا تخلو من حالين: أحدهما: أن تكون ذاكرة لعادتها، فإن كانت غير مميزة، ~~جلست قدر عادتها، واغتسلت بعدها وصلت وصامت؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لفاطمة بنت أبي حبيش: «دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ~~ثم اغتسلي وصلي» متفق عليه، وإن كانت مميزة ففيها روايتان: # إحداهما: تعمل بالعادة، لهذا الحديث، والأخرى: تعمل بالتمييز، وهو اختيار ~~الخرقي، لما تقدم من أدلته. # الحال الثاني: أن تكون ناسية لعادتها: فإن كانت مميزة، عملت بتمييزها؛ ~~لأنه دليل لا ms0062 معارض له، فوجب العمل به كالمبتدأة. # PageV01P145 # وإن لم تكن مميزة فهي على ثلاثة أضرب: إحداهن: المتحيرة وهي الناسية ~~لوقتها وعددها، فهذه تتحيض في كل شهر ستة أيام أو سبعة، على حديث حمنة بنت ~~جحش، ولأنه غالب عادات النساء، فالظاهر، أنه حيضها، وعنه: أنها ترد إلى ~~عادة نسائها، كما تقدم، وقيل: فيها الروايات الأربع. # ويجعل حيضها من أول كل شهر في أحد الوجهين؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «تحيضي في علم الله ستة أيام، أو سبعة أيام، من كل شهر، ثم اغتسلي، ~~وصلي ثلاثة وعشرين يوما» فجعل حيضها من أوله، والصلاة في بقيته. # والآخر: تجلسه بالاجتهاد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ردها إلى ~~الاجتهاد في العدد بين الست والسبع، فكذلك في الوقت. # PageV01P146 # وإن علمت أن حيضها في وقت من الشهر كالنصف الأول ولم تعلم موضعه منه، ولا ~~عدده فكذلك، إلا أن اجتهادها يختص بذلك الوقت دون غيره. # الضرب الثاني: أن تعلم عددها وتنسى وقتها، نحو أن تعلم أن حيضها خمس ولا ~~تعلم لها وقتا، فهذه تجلس قدر أيامها من أول كل شهر في أحد الوجهين، وفي ~~الآخر تجلسه بالتحري. # وإن علمته في وقت من الشهر، مثل أن علمت أن حيضها في العشر الأول من ~~الشهر أو العشر الأوسط، جلست قدر أيامها من ذلك الوقت دون غيره. # الضرب الثالث: ذكرت وقتها ونسيت عددها، مثل أن تعلم أن اليوم العاشر من ~~حيضها، ولا تدري قدره، فحكمها في قدر ما تجلسه حكم المتحيرة، واليوم العاشر ~~حيض بيقين، فإن علمته أول حيضها، جلست بقية أيامها بعده، وإن علمته آخر ~~حيضها، جلست الباقي قبله. # وإن لم تعلم أوله ولا آخره جلست مما يلي أول الشهر في أحد الوجهين، وفي ~~الآخر تجلس بالتحري. # فصل # ومتى ذكرت الناسية عادتها، رجعت إليها؛ لأنها تركتها للعجز عنها، فإذا ~~زال العجز، وجب العمل بها لزوال العارض، فإن كانت مخالفة لما عملت قضت ما ~~صامت من الفرض في مدة العادة، وما تركت من الصلاة والصيام فيما خرج عنها؛ ~~لأننا تبينا ms0063 أنها تركتها وهي طاهرة. # PageV01P147 # فصل # ولا تصير المرأة معتادة حتى تعلم حيضها وطهرها وشهرها، ويتكرر. # وشهرها: هو المدة التي يجتمع لها فيه حيض وطهر، وأقل ذلك أربعة عشر يوما، ~~يوم للحيض وثلاثة عشر للطهر، وغالبه الشهر المعروف، لحديث حمنة، ولأنه غالب ~~عادات النساء، وأكثره، لا حد له [لأن أكثر الحيض لا يتعداه] وتثبت العادة ~~بالتمييز، كما تثبت بانقطاع الدم، فلو رأت المبتدأة خمسة أيام دما أسود، ثم ~~احمر وعبر أكثر الحيض، وتكرر ذلك ثلاثا، ثم رأت في الرابع دما مبهما، كان ~~حيضها أيام الدم الأسود؛ لأنه صار عادة لها. # فصل # والعادة على ضربين: متفقة ومختلفة. # فالمتفقة: مثل من تحيض خمسة من كل شهر، والمختلفة مثل من تحيض في شهر ~~ثلاثة، وفي الثاني أربعة، وفي الثالث خمسة، ثم يعود إلى الثلاثة، ثم إلى ~~أربعة على هذا الترتيب، أو في شهر ثلاثة، وفي الثاني خمسة، وفي الثالث ~~أربعة، ثم تعود إلى الثلاثة، فكل ما أمكن ضبطه من ذلك، فهو عادة مستقرة، ~~وما لم يمكن ضبطه نظرت إلى القدر الذي تكرر منه، فجعلته عادة، كأنها رأت في ~~شهر ثلاثة، وفي شهر أربعة، وفي شهر خمسة، فالثلاثة حيض، لتكررها ثلاثا. # فإذا رأت في الرابع ستة، فالأربعة حيض: لتكررها ثلاثا، فإذا رأت في ~~الخامس سبعة، فالخمسة حيض، وعلى هذا ما تكرر، فهو حيض، وما لا فلا. # فصل # في التلفيق: إذا رأت يوما دما، ويوم طهرا، فإنها تغتسل، وتصلي في زمن ~~الطهر، لقول ابن عباس - رضي الله عنه -: لا يحل لها إذا رأت الطهر ساعة إلا ~~أن تغتسل، ثم إن انقطع الدم لخمسة عشر فما دون، فجميعه حيض، تغتسل عقيب كل ~~يوم وتصلي في الطهر، وإن عبر الخمسة عشر، فهي مستحاضة ترد إلى عادتها، فإن ~~كانت عادتها، سبعة متوالية، جلست ما وافقها من الدم، فيكون حيضها منه ثلاثة ~~أيام، أو أربعة، وإن كانت ناسية، فأجلسناها سبعة فكذلك، وإن أجلسناها أقل ~~الحيض، جلست # PageV01P148 # يوما وليلة لا غير، وإن كانت مميزة، ترى يوما دما أسود، ثم ترى نقاء ms0064 ثم ~~ترى أسود إلى عشرة أيام، ثم ترى دما أحمر وعبر، ردت إلى التمييز، فيكون ~~حيضها زمن الدم الأسود دون غيره، ولا فرق بين أن ترى الدم زمنا يمكن يكون ~~أن يكون حيضا كيوم وليلة، أو دون ذلك، كنصف يوم، ونصف ليلة، فإن كان النقاء ~~أقل من ساعة، فالظاهر أنه ليس بطهر؛ لأن الدم يجري تارة، وينقطع أخرى، وقد ~~قالت عائشة - رضي الله عنها -: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء. # فصل # وإذا رأت ثلاثة أيام دما، ثم طهرت اثني عشر يوما، ثم رأته ثلاثة دما، ~~فالأول حيض؛ لأنها رأته في زمان إمكانه، والثاني استحاضة؛ لأنه لا يمكن أن ~~يكون ابتداء حيض، لكونه لم يتقدمه أقل الطهر، ولا من الحيض الأول؛ لأنه ~~يخرج عن الخمسة عشر. # والحيضة الواحدة لا يكون بين طرفيها أكثر من خمسة عشر يوما. فإن كان بين ~~الدمين ثلاثة عشر يوما فأكثر وتكرر، فهما حيضتان؛ لأنه أمكن جعل كل واحد ~~منهما حيضة منفردة، لفصل أقل الطهر بينهما، وإن أمكن جعلهما حيضة واحدة بأن ~~لا يكون بين طرفيهما أكثر من خمسة عشر يوما مثل أن ترى يومين دما وتطهر ~~عشرة، وترى ثلاثة دما وتكرر، فهما حيضة واحدة؛ لأنه لم يخرج زمنهما عن مدة ~~أكثر الحيض. وعلى هذا يعتبر ما ألقي من المسائل في التلفيق. # فصل # في المستحاضة وهي: # التي ترى دما ليس بحيض ولا نفاس. وحكمها حكم الطاهرات في وجوب العبادات ~~وفعلها؛ لأنها نجاسة غير معتادة، أشبه سلس البول، فإن اختلط حيضها ~~باستحاضتها، فعليها الغسل عند انقطاع الحيض، لحديث فاطمة، ومتى أرادت ~~الصلاة؛ غسلت فرجها، وما أصابها من الدم، حتى إذا استنقأت عصبت فرجها، ~~واستوثقت بالشد، والتلجم، ثم توضأت وصلت، لما روي أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «قال لحمنة بنت جحش حين شكت إليه كثرة الدم: " أنعت لك الكرسف " ~~يعني القطن، تحشي به المكان. قالت: إنه أشد من ذلك، فقال: " تلجمي» . # PageV01P149 # وعن أم سلمة «أن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فاستفتت ms0065 لها أم سلمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ~~"لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر، قبل أن يصيبها الذي ~~أصابها، فلتترك الصلاة، قدر ذلك من الشهر فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم ~~لتستثفر بثوب، ثم لتصل» رواه أبو داود، فإن خرج الدم بعد الوضوء لتفريط في ~~الشد، أعادت الوضوء؛ لأنه حدث أمكن التحرز عنه. # وإن خرج لغير تفريط، فلا شيء عليها لما روت «عائشة - رضي الله عنها - ~~قالت: اعتكفت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأة من أزواجه، فكانت ~~ترى الدم، والصفرة والطست تحتها، وهي تصلي» رواه البخاري. # ولأنه لا يمكن التحرز منه فسقط، وتصلي بطهارتها ما شاءت من الفرائض ~~والنوافل قبل الفريضة وبعدها، حتى يخرج الوقت فتبطل بها طهارتها، وتستأنف ~~الطهارة لصلاة أخرى، لما روي في حديث «فاطمة أن النبي (- صلى الله عليه ~~وسلم -) قال لها: "اغتسلي ثم توضئي لكل صلاة وصلي» قال الترمذي: هذا حديث ~~صحيح، ولأنها طهارة عذر وضرورة، فتقيدت بالوقت كالتيمم، وإن توضأت قبل ~~الوقت، بطل وضوءها بدخوله، كما في التيمم، وإن انقطع دمها بعد الوضوء، ~~وكانت عادتها انقطاعه وقتا لا يتسع للصلاة لم يؤثر انقطاعه؛ لأنه لا يمكن ~~الصلاة فيه، وإن لم تكن به عادة أو كانت عادتها انقطاعه مدة طويلة، لزمها ~~استئناف الوضوء، وإن كانت في الصلاة، بطلت؛ لأن العفو عن الدم، لضرورة ~~جريانه فيزول بزواله، وحكم من به سلس البول أو المذي أو الريح أو الجرح ~~الذي لا يرقأ دمه حكمها في ذلك إلا أن ما # PageV01P150 # لا يمكن عصبه يصلي بحاله، فقد صلى عمر - رضي الله عنه - وجرحه يثعب دما. # فصل # قال أصحابنا: ولا توطأ مستحاضة لغير ضرورة؛ لأنه أذى في الفرج، أشبه دم ~~الحيض، فإن الله تعالى قال: {هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} [البقرة: ~~222] فعلله بكونه أذى، وإن خاف على نفسه العنت، أبيح الوطء؛ لأنه يتطاول، ~~فيشق التحرز منه، وحكمه أخف، لعدم ثبوت أحكام الحيض فيه، وحكى أبو الخطاب ~~فيه عن أحمد - رضي الله عنه - روايتان: إحداهما: ms0066 كما ذكرنا. # والثانية: يحل مطلقا لعموم النص في حل الزوجات، وامتناع قياس المستحاضة ~~على الحائض، لمخالفتها لها في أكثر أحكامها، ولأن وطء الحائض ربما يتعدى ~~ضرره إلى الولد، فإنه قد قيل: إنه يكون مجذوما بخلاف دم المستحاضة. # فصل # ويستحب لها الغسل لكل صلاة؛ لأن عائشة - رضي الله عنها - روت: «أن أم ~~حبيبة استحيضت، فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمرها أن تغتسل لكل ~~صلاة.» [رواه أبو داود] ، وإن جمعت بين الصلاتين بغسل واحد، فهو حسن، لما ~~روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لحمنة: «فإن قويت أن تؤخري الظهر ~~وتعجلي العصر، ثم تغتسلين حتى تطهرين، وتصلين الظهر والعصر جميعا، ثم ~~تؤخرين المغرب، وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين، وتغتسلين ~~مع الصبح، كذلك فافعلي إن قويت على # PageV01P151 # ذلك هو أعجب الأمرين إلي» وهو حديث صحيح، وإن توضأت لوقت كل صلاة أجزأها ~~لما ذكرنا سابقا. ### | باب النفاس # وهو خروج الدم، بسبب الولادة، وحكمه حكم الحيض فيما يحرم ويجب ويسقط به؛ ~~لأنه دم حيض مجتمع، احتبس لأجل الحمل، فإن خرج قبل الولادة بيومين، أو ~~ثلاثة، فهو نفاس؛ لأن سبب خروجه الولادة، وإن خرج قبل ذلك، فهو دم فساد؛ ~~لأنه ليس بنفاس، لبعده من الولادة، ولا حيض؛ لأن الحامل لا تحيض. # وأكثر النفاس أربعون يوما لما روت أم سلمة قالت: «كانت النفساء على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تقعد بعد نفاسها أربعين يوما أو أربعين ~~ليلة» رواه أبو داود. # وليس لأقله حد فأي وقت رأت الطهر فهي طاهر تغتسل وتصلي، ويستحب لزوجها ~~الإمساك عن وطئها حتى تتم الأربعين، فإن عاودها الدم في مدة النفاس، فهو ~~نفاس؛ لأنه في مدته أشبه الأول، وعنه: أنه مشكوك فيه، تصوم وتصلي وتقضي ~~الصوم احتياطا؛ لأن الصوم واجب بيقين، فلا يجوز تركه لعارض مشكوك فيه، ويجب ~~قضاؤه لأنه ثابت بيقين فلا يسقط بفعل مشكوك فيه، ويفارق الحيض المشكوك فيه، ~~لكثرته وتكرره ومشقة إيجاب القضاء فيه، وما زاد على الأربعين، فليس بنفاس، ~~وحكمها فيه حكم غير ms0067 النفساء، إذا رأت الدم وصادف عادة الحيض فهو حيض، وإلا ~~فلا. # PageV01P152 # فصل # وإذا ولدت توأمين، فالنفاس من الأول؛ لأنه دم خرج عقيب الولادة، فكان ~~نفاسا، كما لو كان منفردا، وآخره منه، فإذا أكملت أربعين من ولادة الأول ~~انقضت مدتها؛ لأنه نفاس واحد، لحمل واحد، فلم تزد العادة منه على أربعين. # وعنه: أنه من الأول، ثم تستأنفه في الثاني؛ لأن كل واحد منهما سبب للمدة، ~~فإذا اجتمعا اعتبر أولها من الأول، وآخرها من الثاني، كالوطء في إيجاب ~~العدة. ### | باب أحكام النجاسات # بول الآدمي نجس؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الذي يعذب في ~~قبره: «إنه كان لا يستتر # PageV01P153 # من بوله» متفق عليه، والغائط مثله. # والودي: ماء أبيض يخرج عقيب البول، حكمه حكم البول لأنه في معناه. # والمذي نجس؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي - رضي الله عنه - في ~~المذي: «اغسل ذكرك» ولأنه خارج من الذكر لا يخلق منه الولد، أشبه البول، ~~وعنه: أنه كالمني: لأنه خارج بسبب الشهوة، أشبه المني. # وبول ما لا يؤكل لحمه، ورجيعه نجس؛ لأنه بول حيوان غير مأكول، أشبه بول ~~الآدمي إلا بول ما لا نفس له سائلة، فإن ميتته طاهرة فأشبه الجراد. # وبول ما يؤكل لحمه ورجيعه طاهر، وعنه أنه كالدم؛ لأنه رجيع، والمذهب ~~الأول؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «صلوا في مرابض الغنم» حديث ~~صحيح، وكان يصلي فيها قبل بناء # PageV01P154 # مسجده، وقال للعرنيين: «انطلقوا إلى إبل الصدقة فاشربوا من ألبانها ~~وأبوالها» متفق عليه. # ومني الآدمي طاهر؛ لأن عائشة قالت: «كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فيصلي فيه» ، متفق عليه، ولأنه بدء خلق آدمي، فكان ~~طاهرا كالطين، وعنه: أنه نجس، يجزئ فرك يابسه، ويعفى عن يسيره لما روي عن ~~عائشة - رضي الله عنها -، «أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -» هذا حديث صحيح؛ لأنه خارج من مخرج البول أشبه المذي. # PageV01P155 # وفي رطوبة فرج المرأة روايتان: إحداهما: أنها نجس؛ لأنها بلل من ms0068 الفرج، ~~لا يخلق منه الولد، أشبه المذي. # والثانية: أنها طاهرة؛ لأن عائشة كانت تفرك المني من ثوب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وهو من جماع؛ لأن الأنبياء لا يحتلمون، وهو يصيب رطوبة ~~الفرج. # والقيء نجس؛ لأنه طعام استحال في الجوف إلى الفساد، أشبه الغائط. # وفي كل حيوان غير الآدمي ومنيه، في حكم بوله في الطهارة والنجاسة؛ لأنه ~~في معناه. # PageV01P156 # والنخامة طاهرة، سواء خرجت من رأس، أو صدر؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «إذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه، فإن لم يجد، ~~فليقل هكذا ووصف القاسم، وتفل في ثوبه ومسح بعضه على بعض» رواه مسلم. # وذكر أبو الخطاب: أن البلغم نجس، قياسا على القيء، والأول أصح، والبصاق ~~والمخاط والعرق، وسائر رطوبات بدن الآدمي طاهرة؛ لأنه من جسم طاهر، وكذلك ~~هذه الفضلات، من كل حيوان طاهر. # فصل # والدم نجس؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأسماء في الدم: «اغسليه ~~بالماء» متفق عليه، ولأنه نجس لعينه، بنص القرآن، أشبه الميتة، إلا دم ~~السمك، فإنه طاهر؛ لأن ميتته طاهرة مباحة. # وفي دم ما لا نفس له سائلة، كالذباب والبق والبراغيث والقمل، روايتان: ~~إحداهما: نجاسته؛ لأنه دم أشبه المسفوح. # والثانية: طهارته؛ لأنه دم حيوان، لا ينجس بالموت، أشبه دم السمك، وإنما ~~حرم الدم المسفوح. # PageV01P157 # والعلقة نجسة؛ لأنها دم خارج من الفرج، أشبه الحيض، وعنه: إنها طاهرة؛ ~~لأنها بدء خلق آدمي، أشبهت المني. # والقيح نجس؛ لأنه دم استحال إلى نتن وفساد، والصديد مثله، إلا أن أحمد ~~قال: هما أخف حكما من الدم، لوقوع الخلاف في نجاستهما، وعدم النص فيهما. # وما بقي من الدم في اللحم معفو عنه، ولو علت حمرة الدم في القدر، لم يكن ~~نجسا؛ لأنه لا يمكن التحرز منه. # فصل # والخمر نجس؛ لقول الله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان فاجتنبوه} [المائدة: 90] ولأنه يحرم تناوله من غير ضرر، ~~فكان نجسا كالدم، والنبيذ مثله؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كل ~~مسكر خمر، وكل ms0069 خمر حرام» رواه مسلم، ولأنه شراب فيه شدة مطربة، أشبه الخمر، ~~فإن انقلبت الخمرة خلا بنفسها طهرت؛ لأن نجاستها لشدتها المسكرة، وقد # PageV01P158 # زال ذلك، من غير نجاسة خلفتها فوجب أن تطهر، كالماء الذي تنجس بالتغير ~~[إذا زال تغيره] . # وإن خللت لم تطهر لما روي: «أن أبا طلحة، سأل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: عن أيتام ورثوا خمرا فقال: أهرقها، قال: أفلا أخللها؟ قال: لا» ، ~~رواه أحمد في مسنده والترمذي، ولو جاز التخليل، لم ينه عنه، ويتخرج أن تطهر ~~لزوال علة التحريم، كما لو تخللت، ولا يطهر غيرها من النجاسات بالاستحالة، ~~فلو أحرقت فصارت رمادا أو تركت في ملاحة، فصارت ملحا لم تطهر؛ لأن نجاستها ~~لعينها بخلاف الخمر، فإن نجاستها لمعنى زال بالانقلاب. # ودخان النجاسة وبخارها نجس، فإن اجتمع منه شيء، أو لاقى جسما صقيلا، فصار ~~ماء، فهو نجس. # وما أصاب الإنسان من دخان النجاسة، وغبارها، فلم يجتمع منه شيء، ولا ظهرت ~~صفته فهو معفو عنه، لعدم إمكان التحرز منه. # فصل # ولا يختلف المذهب، في نجاسة الكلب والخنزير، وما تولد منهما، إذا # PageV01P159 # أصابت غير الأرض أنه يجب غسلها سبعا إحداهن بالتراب، سواء كان من ولوغه ~~أو غيره، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا ولغ الكلب ~~في إناء أحدكم فليغسله سبعا إحداهن بالتراب» متفق عليه، ولمسلم: «أولاهن ~~بالتراب» . # PageV01P160 # وعنه: «يغسله سبعا، وواحدة بالتراب» ، لما روي أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «إذا ولغ الكلب في الإناء، فاغسلوه سبعا وعفروه الثامنة ~~بالتراب» رواه مسلم والأولى أصح؛ لأنه يحتمل أنه عد التراب ثامنة، لكونه مع ~~الماء، من غير جنسه، والأولى جعل التراب، في الأولى للخبر، وليكون الماء ~~بعده، فينظفه، وحيث جعله جاز، لقوله في اللفظ الآخر: «وعفروه الثامنة ~~بالتراب» فيدل على أن عين الغسلة غير مرادة. # وإن جعل مكان التراب جامدا آخر كالأشنان، ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجزئه؛ ~~لأن نصه على التراب تنبيه على ما هو أبلغ منه في التنظيف. # والثاني: لا يجزئه؛ لأنه تطهير ورد الشرع ms0070 فيه بالتراب، فلم يقم غيره ~~مقامه كالتيمم. # PageV01P161 # والثالث: يجزئه إن عدم التراب، أو كان مفسدا للمغسول للحاجة، وإلا فلا. # وإن جعل مكانه غسلة ثامنة، لم يجزه؛ لأنه أمر بالتراب معونة للماء، في ~~قلع النجاسة، أو للتعبد، ولا يحصل بالماء وحده، وقد ذكر فيه الأوجه ~~الثلاثة، وإن ولغ في الإناء كلاب، أو وقعت فيه نجاسة أخرى، لم تغير حكمه؛ ~~لأن الغسل لا يزداد بتكرار النجاسة، كما لو ولغ الكلب فيه مرات. # وإن أصاب الثوب من ماء الغسلات، ففيه وجهان: أحدهما: يغسل سبعا إحداهن ~~بالتراب؛ لأنها نجاسة كلب. # والثاني: حكمه حكم المحل الذي انفصل عنه في الغسل بالتراب وفي عدد ~~الغسلات؛ لأن المنفصل كالبلل الباقي، وهو يطهر بباقي العدد كذلك هذا. # فصل # والنجاسات كلها على الأرض، يطهرها أن يغمرها الماء، فيذهب عينها ولونها؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صبوا على بول الأعرابي ذنوبا من ماء» ~~متفق عليه، ولو كانت أرض البئر نجسة فنبع عليها الماء طهرها. # PageV01P162 # ولا تطهر الأرض النجسة بشمس، ولا ريح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~أمر بغسل بول الأعرابي، ولأنه محل نجس، أشبه الثوب. # وإن طبخ اللبن المخلوط بالزبل النجس، لم يطهر، لكن ما يظهر منه يحترق ~~فيذهب عينه، ويبقى أثره، فإذا غسل طهر ظاهره، وبقي باطنه نجسا لو حمله مصل، ~~لم تصح صلاته، وإن ظهر من باطنه شيء فهو نجس. # فصل # إذا أصاب أسفل الخف، أو الحذاء نجاسة، ففيه ثلاث روايات: إحداهن: يجزئ ~~دلكه بالأرض، لما روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه، فطهورهما التراب» وفي لفظ: «إذا وطئ بنعله» ، ~~رواه أبو داود؛ لأنه محل تتكرر فيه النجاسة، فأجزأ فيه المسح، كمحل ~~الاستنجاء. # والثانية: يجب غسله؛ لأنه ملبوس فلم يجز فيه المسح كظاهره. # والثالثة: يجب غسله من البول والعذرة لفحشهما، ويجزئ دلكه من غيرهما، فإن ~~قلنا: يجزئ المسح، ففيه وجهان: أحدهما: يطهر اختاره ابن حامد، للخبر. # PageV01P163 # والثاني: لا يطهر؛ لأنه محل نجس فلم يطهره المسح كغيره، وفي ms0071 محل ~~الاستنجاء بعد الاستجمار وجهان أيضا: أحدهما: يطهر، قال أحمد - رضي الله ~~عنه - في المستجمر: يعرق في سراويله: لا بأس به، «وقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في الروث والرمة: لا يطهران» دليل على أن غيرهما يطهر. # والثاني: لا يطهر، لما ذكرنا من القياس. # فصل # ويجزئ في بول الغلام الذي لم يطعم الطعام النضح، وهو أن يغمره بالماء، ~~وإن لم يزل عنه لما «روت أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير، لم يأكل ~~الطعام، إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأجلسه في حجره، فبال على ~~ثوبه # PageV01P164 # فدعا بماء فنضحه ولم يغسله» متفق عليه. # ولا يجزئ في بول الجارية إلا الغسل، لما روى علي - رضي الله عنه - قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بول الغلام ينضح، وبول الجارية ~~يغسل» رواه أحمد في # PageV01P165 # " المسند " فإن أكلا الطعام وتغذيا به غسل بولهما؛ لأن الرخصة وردت فيمن ~~لم يطعم، فبقي من عداه على الأصل. # وفي المذي روايتان: إحداهما: يجزئ نضحه، لما «روى سهل بن حنيف، قال: كنت ~~ألقى من المذي شدة وعناء، فقلت: يا رسول الله، فكيف بما أصاب ثوبي منه؟ ~~قال: يكفيك أن تأخذ كفا من ماء، فتنضح به حيث ترى أنه أصاب منه» ، قال ~~الترمذي: هذا حديث صحيح. # PageV01P166 # والثانية: يجب غسله؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بغسل الذكر ~~منه، ولأنه نجاسة من كبير، أشبه البول. # فصل # وما عدا المذكور من النجاسات، في سائر المحال، فيه روايتان: إحداهما: ~~يجزئ مكاثرتها بالماء حتى تذهب عين النجاسة ولونها من غير عدد، قياسا على ~~نجاسة الأرض، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأسماء في الدم: ~~«اغسليه بالماء» ولم يذكر عددا، «وروى ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: كان ~~غسل الثوب من النجاسة سبع مرات، فلم يزل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يسأل، حتى جعل الغسل من البول مرة» رواه أبو داود. # والثانية: يجب فيها العدد، وفي قدره روايتان: إحداهما: سبع؛ لأنها نجاسة ~~في غير الأرض، فأشبهت نجاسة الكلب، ms0072 وفي اشتراط التراب وجهان. # PageV01P167 # والثانية: ثلاث؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استيقظ أحدكم ~~من نومه، فلا يغمس يده في الإناء، حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت ~~يده» أمر بالثلاث، وعلل بوهم النجاسة، ولا يرفع وهمها إلا ما يرفع حقيقتها. # فإن قلنا بالعدد، لم يحتسب برفع الثوب من الماء غسلة، حتى يعصره، وعصر كل ~~شيء بحسبه، فإن كان بساطا ثقيلا أو زليا فعصره بتقليبه ودقه، حتى يذهب أكثر ~~ما فيه من الماء. # فصل # وإذا غسل النجاسة، فلم يذهب لونها أو ريحها لمشقة إزالته، عفي عنه، لما ~~«روي # PageV01P168 # أن خولة بنت يسار قالت: يا رسول الله، أرأيت لو بقي أثره، تعني: الدم، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الماء يكفيك، ولا يضرك أثره» رواه ~~أبو داود بمعناه. # فصل # ويعفى عن يسير الدم في غير المائعات؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، فإن ~~الغالب أن الإنسان، لا يخلو من حبة وبثرة، فألحق نادره بغالبه، وقد روي عن ~~جماعة من الصحابة الصلاة مع الدم، ولم يعرف لهم مخالف، وحد اليسير ما لا ~~ينقض مثله الوضوء، وقد ذكر في موضعه. # والقيح والصديد كالدم لأنه مستحيل منه، وفي المني إذا حكمنا بنجاسته ~~روايتان: إحداهما: أنه كالدم؛ لأنه مستحيل منه. # والثانية: لا يعفى عنه؛ لأنه يمكن التحرز منه. # PageV01P169 # وفي المذي، وريق البغل والحمار وعرقهما، وسباع البهائم وجوارح الطير وبول ~~الخفاش، روايتان: إحداهما: يعفى عن يسيره، لمشقة التحرز منه، فإن المذي ~~يكثر من الشباب، ولا يكاد يسلم مقتني هذه الحيوانات من بللها، فعفي عن ~~يسيرها كالدم. # والثانية: لا يعفى عنها، لعدم ورود الشرع فيها. # وفي النبيذ روايتان: إحداهما: يعفى عن يسيره، لوقوع الخلاف فيه. # والثانية: لا يعفى عنه؛ لأن التحرز عنه ممكن. # وما عدا هذا من النجاسة، لا يعفى عن شيء منه، ما أدركه الطرف منها، وما ~~لم يدركه؛ لأنها نجاسة، لا يشق التحرز منها، فلم يعف عنها كالكثير. # PageV01P170 ### | كتاب الصلاة # الصلوات المكتوبات خمس، لما «روى طلحة بن عبيد الله، أن أعرابيا قال: يا ms0073 ~~رسول الله، ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ قال: خمس صلوات في اليوم والليلة ~~قال: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع # PageV01P171 # شيئا» متفق عليه، ولا تجب إلا على مسلم عاقل بالغ، فأما الكافر، فلا تجب ~~عليه، أصليا # PageV01P172 # كان أو مرتدا. # وخرج أبو إسحاق بن شاقلا رواية أخرى: أنها تجب على المرتد، ويؤمر ~~بقضائها؛ لأنه اعتقد وجوبها، وأمكنه التسبب إلى أدائها، فأشبه المسلم. # والمذهب الأول؛ لقول الله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما ~~قد سلف} [الأنفال: 38] ، # PageV01P173 # ولأنه قد أسلم كثير في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبعده، فلم ~~يؤمروا بقضاء، ولأن في إيجاب القضاء تنفيرا له عن الإسلام، فعفي عنه. # ولا تجب على مجنون؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رفع القلم ~~عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى ~~يستيقظ» حديث حسن، ولأن # PageV01P174 # مدته تتطاول، فيشق إيجاب القضاء عليه، فعفي عنه. # ولا تجب على الصبي حتى يبلغ، للحديث، ولأن الطفل لا يعقل، والمدة التي ~~يكمل فيها عقله وبنيته تخفى وتختلف، فنصب الشرع عليه علامة ظاهرة، وهي ~~البلوغ لكنه يؤمر بها لسبع، ويضرب عليها لعشر، ليتمرن ويعتادها فلا يتركها ~~عند بلوغه، وتصح صلاته، ويستحب له فعلها، لما ذكرنا. # وعنه: أنها تجب عليه إذا بلغ عشرا، لكونه يعاقب على تركها، والواجب ما ~~عوقب على تركه. # والأول المذهب، فإن بلغ في أثنائها أو بعدها في الوقت، لزمته إعادتها؛ ~~لأنه صلاها نفلا، فلم تجزه عما أدرك وقته من الفرض، كما لو نواها نفلا. # وإن بلغ الصبي، أو أفاق المجنون، أو أسلم الكافر، أو طهرت الحائض قبل # PageV01P175 # غروب الشمس، لزمته الظهر والعصر، وإن كان ذلك قبل طلوع الفجر، لزمته ~~المغرب والعشاء؛ لأن ذلك يروى عن عبد الرحمن بن عوف، وابن عباس - رضي الله ~~عنهما -، ولأن وقتهما وقت لكل واحدة منهما حال العذر، فأشبه ما [لو] أدرك ~~جزءا من وقت الأولى. # وإن بلغ في وقت الفجر لم يلزمه غيرها؛ لأن وقتها مختص بها. # وتجب ms0074 الصلاة على المغمى عليه لمرض، أو شرب دواء، وعلى السكران؛ لأن عمارا ~~أغمي عليه فقضى ما فاته، ولأن مدته لا تتطاول، ولا تثبت # PageV01P176 # الولاية عليه، فوجبت عليه كالنائم. # فصل # ومن وجبت عليه الصلاة لم يجز له تأخيرها عن وقتها إذا كان ذاكرا لها، ~~قادرا على فعلها إلا المتشاغل بتحقيق شرطها، ومن أراد الجمع لعذر، فإن جحد ~~وجوبها كفر؛ لأنه كذب الله تعالى في خبره. # وإن تركها متهاونا بها معتقدا وجوبها وجب قتله؛ لقول الله تعالى: ~~{فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] إلى قوله: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فخلوا سبيلهم} [التوبة: 5] فدل على أنهم إذا لم يقيموا الصلاة ~~يقتلون، ولأن الصحابة - رضي الله عنهم - أجمعوا على قتال مانعي الزكاة ~~والصلاة آكد منها. # ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثة أيام، ويضيق عليه، ويدعى إلى فعل كل صلاة في ~~وقتها، ويقال له: إن صليت وإلا قتلناك؛ لأنه قتل لترك واجب فيتقدمه ~~الاستتابة، كقتل المرتد، فإن تاب، وإلا قتل بالسيف، وهل يقتل حدا أو لكفره؟ ~~. # PageV01P177 # فيه روايتان: إحداهما: لكفره، وهو كالمتمرد في أحكامه، لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» رواه مسلم، ~~ولأنها من دعائم الإسلام لا تدخلها نيابة بنفس، ولا مال، فيكفر تاركها ~~كالشهادتين. # والثانية: يقتل حدا كالزاني المحصن، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة من لم يحافظ عليهن لم ~~يكن له عند الله عهد إن # PageV01P178 # شاء عذبه وإن شاء غفر له» من المسند، ولو كفر لم يدخله في المشيئة. # ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة» ~~، «ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله» متفق عليهما، ولأنها فعل واجب ~~في الإسلام، فلم يكفر تاركها المعتقد لوجوبها كالحج. # PageV01P179 ### | باب أوقات الصلوات # الأولى هي الظهر، لما روى أبو برزة الأسلمي قال: «كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض # PageV01P183 # الشمس، يعني: تزول» في حديث طويل، متفق عليه، ms0075 وأول وقتها إذا زالت الشمس، ~~وآخره إذا كان ظل كل شيء مثله بعد القدر الذي زالت الشمس عليه، لما روى ~~[ابن عباس] أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمني جبريل عند البيت ~~مرتين، فصلى بي الظهر في المرة الأولى حين زالت الشمس، والفيء مثل الشراك، ~~ثم صلى بي في المرة الأخيرة حين صار ظل كل شيء مثله، وقال: الوقت ما بين ~~هذين» في حديث طويل، قال الترمذي: هو حديث حسن. # ويعرف زوال الشمس بطول الظل بعد # PageV01P184 # تناهي قصره، والأفضل تعجيلها، لحديث أبي برزة إلا في شدة الحر فإنه ~~يستحب، الإبراد بها، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أبردوا [بالظهر] # PageV01P185 # في شدة الحر، فإن شدة الحر من فيح جهنم» متفق عليه. # PageV01P186 # فصل # ثم العصر، وهي الوسطى لما روى علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ~~ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا» متفق عليه، وأول وقتها إذا صار ظل كل شيء ~~مثله، وآخره إذا صار ظل كل شيء مثليه، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في حديث جبريل: «وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم صلى بي المرة ~~الآخرة حين صار ظل كل شيء مثليه» # PageV01P187 # وعنه: أن آخره ما لم تصفر الشمس، لما روى عبد الله بن عمر أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «وقت العصر ما لم تصفر الشمس» رواه مسلم، ثم ~~يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الجواز إلى غروب الشمس. # ومن أدرك منها جزءا قبل الغروب، فقد أدركها، لما روى أبو هريرة عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أدرك سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب ~~الشمس فليتم صلاته» متفق عليه، وتعجيلها أفضل بكل حال، لقول أبي برزة في ~~حديثه: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P188 # يصلي العصر، ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية» ، متفق ~~عليه. # فصل # ثم المغرب وهي الوتر وأول وقتها، إذا ms0076 غابت الشمس، وآخره إذا غاب الشفق ~~الأحمر، لما روى بريدة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالا فأقام ~~المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى المغرب في اليوم الثاني حين غاب الشفق، ثم ~~قال: وقت وصلاتكم بين ما رأيتم» رواه مسلم، وفي حديث عبد الله بن عمرو أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «وقت المغرب ما لم يغب الشفق» ويكره ~~تأخيرها عن وقتها؛ لأن جبريل - عليه السلام - صلاها بالنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في # PageV01P189 # اليومين في أول وقتها، وقال جابر: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يصلي المغرب إذا وجبت الشمس» ، متفق عليه. # فصل # ثم العشاء وأول وقتها إذا غاب الشفق الأحمر، وآخره ثلث الليل، لما روى ~~بريدة: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العشاء في اليوم الأول حين ~~غاب الشفق، وصلاها في اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل» ، وحديث ابن عباس في ~~صلاة جبريل مثله، وعن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«الشفق الحمرة، فإذا غاب الشفق، وجبت الصلاة» رواه الدارقطني. # PageV01P190 # وعنه: آخره نصف الليل، لما روى عبد الله بن عمرو: أن النبي (- صلى الله ~~عليه وسلم -) قال: «وقت العشاء إلى نصف الليل» رواه مسلم وأبو داود، ~~والأفضل تأخيرها لقول أبي برزة: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستحب ~~أن يؤخر العشاء» متفق عليه. # ويستحب أن يراعى حال المأمومين، لقول جابر: «كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يصلي العشاء أحيانا يقدمها وأحيانا يؤخرها إذا رآهم اجتمعوا عجل، ~~وإذا رآهم أبطؤوا، أخر» # PageV01P191 # متفق عليه، ثم يذهب وقت الاختيار، ويبقى وقت الجواز إلى طلوع الفجر ~~الثاني، على ما ذكرنا في وقت العصر. # فصل # ثم الفجر، وأول وقتها إذا طلع الفجر الثاني بغير خلاف، وهو البياض الذي ~~يبدو من قبل المشرق معترضا لا ظلمة بعده، وآخره إذا طلعت الشمس، لما روى ~~بريدة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه أمر بلالا فأقام الفجر حين طلع ~~الفجر، فلما كان اليوم الثاني صلى الفجر، فأسفر بها، ثم قال: ms0077 وقت صلاتكم ما ~~بين ما رأيتم» ، وفي حديث ابن عباس في حديث جبريل مثله. # والأفضل تعجيلها، لما روت عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يصلي الفجر، فيشهد # PageV01P192 # معه نساء من المؤمنات، ثم ينصرفن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس» . # PageV01P193 # متفق عليه. # وعنه: يراعي حال المأمومين، فإن أسفروا فالإسفار أفضل، لما ذكرنا في ~~العشاء. # فصل: # وتجب الصلاة بأول الوقت، لأن الأمر بها يتعلق بأول وقتها، والأمر يقتضي ~~الوجوب، ولأنه سبب الوجوب، فتثبت عقبيه، كسائر الأسباب، ويستقر الوجوب ~~بذلك. # فلو جن بعد دخول جزء من وقت الصلاة، أو حاضت المرأة، لزمها القضاء، لأنه ~~إدراك جزء تجب بها الصلاة، فاستقرت به، كآخر الوقت. # وهل تجب العصر بإدراك جزء من وقت الظهر؟ فيه وجهان: # أحدهما: تجب، لأنه أدرك جزءا من وقت إحدى صلاتي الجمع، فلزمته الأخرى، ~~كإدراك جزء من وقت العصر. # PageV01P194 # والثاني: لا تجب، لأنه لم يدرك شيئا من وقتها، ولا وقت تبعها، فأشبه من ~~لم يدرك شيئا بخلاف العصر، فإنها تفعل تبعا للظهر، فمدرك وقتها مدرك لجزء ~~من وقت تبع الظهر، وهكذا القول في المغرب والعشاء. # ومن أدرك ركعة من الصلاة قبل خروج الوقت، فهو مدرك لها لما روى أبو هريرة ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك ~~الصلاة» وفي لفظ: «إذا أدرك أحدكم سجدة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فليتم ~~صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح، فليتم صلاته» متفق عليه. # وفي مدرك أقل من ركعة وجهان: # أحدهما: يكون مدركا لها لأنه إدراك جزء من الصلاة، فاستوى فيه الركعة وما ~~دونها، كإدراك الجماعة. # والثاني: لا يكون مدركا لها، لتخصيصه الإدراك بركعة، وقياسا على إدراك ~~الجمعة. # فصل: # ويجوز تأخير الصلاة إلى آخر وقتها، لأن «جبريل - عليه السلام - صلى ~~بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في # PageV01P195 # اليوم الثاني في آخر الوقت» . # فإن أخرها عن وقتها، لزمه قضاؤها على الفور، لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «من نام عن صلاة أو نسيها ms0078 فليصلها إذا ذكرها» متفق عليه. فإن فاتته ~~صلوات، لزمه قضاؤهن مرتبات، لأنها صلوات مؤقتات، فوجب الترتيب فيها، ~~كالمجموعتين. # فإن خشي فوات الحاضرة، قدمها لئلا تصير فائتة، ولأن فعل الحاضرة آكد، ~~بدليل أنه يقتل بتركها، بخلاف الفائتة. # وعنه: لا يسقط الترتيب، لما ذكرنا من القياس. # وإن نسي الفائتة حتى صلى الحاضرة سقط الترتيب، وقضى الفائتة وحدها، لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان» رواه ~~النسائي. وإن ذكرها في الحاضرة، والوقت ضيق، فكذلك. # وإن كان متسعا وهو مأموم، أتمها وقضى الفائتة، وأعاد الحاضرة، لما روى # PageV01P196 # ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من نسي صلاة فلم ~~يذكرها إلا وهو مع الإمام، فليصل مع الإمام، فإذا فرغ من صلاته، فليعد التي ~~نسي ثم ليعد الصلاة التي صلاها مع الإمام» رواه أبو حفص العكبري وأبو يعلى ~~الموصلي. وروي موقوفا على ابن عمر. # وفي المنفرد روايتان: # إحداهما: أنه كذلك. # والأخرى: يقطعها. # وعنه في الإمام: أنه ينصرف، ويستأنف المأمومون، قال أبو بكر: لم ينقلها ~~غير حرب. # PageV01P197 # وإن كثرت الفوائت، قضاها متتابعة ما لم تشغله عن معيشته، أو تضعفه في ~~بدنه حتى يخشى فوات الحاضرة، فليصلها، ثم يعود إلى القضاء. # وعنه: إذا كثرت الفوائت فلم يمكنه فعلها قبل فوات الحاضرة، فله فعل ~~الحاضرة في أول وقتها، لعدم الفائدة في التأخير، مع لزوم الإخلال في ~~الترتيب. # فصل: # ومن نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها، لزمه خمس صلوات، ينوي في كل واحدة ~~أنها المكتوبة، ليحصل له تأدية فرضه بيقين. # وإن نسي ظهرا وعصرا من يومين لا يدري أيتهما الأولى، لزمه ثلاث صلوات ~~ظهرا، ثم عصرا، ثم ظهرا، [أو] عصرا، ثم ظهرا ثم عصرا، ليحصل له ترتيبها ~~بيقين. # فصل: # ومن شك في دخول الوقت، لم يصل حتى يتيقن، أو يغلب على ظنه ذلك، بدليل. # PageV01P198 # فإن أخبره ثقة عن علم، عمل به، وإن أخبره عن اجتهاد لم يقلده، واجتهد حتى ~~يغلب على ظنه دخوله، فإن صلى فبان أنه وافق الوقت أو بعده، أجزأه، ms0079 لأنه صلى ~~بعد الوجوب. # وإن وافق قبله، لم يجزه، لأنه صلى قبل الوجوب. ### | باب الأذان # الأذان مشروع للصلوات الخمس دون غيرها، وهو من فروض الكفاية؛ لأنه من ~~شعائر الإسلام الظاهرة، فلم يجز تعطيله، كالجهاد، فإن اتفق أهل بلد على ~~تركه، قوتلوا عليه، وإن أذن واحد في المصر أسقط الفرض عن أهله، ولا يجزئ ~~الأذان قبل الوقت، لأنه لا يحصل المقصود منه، إلا الفجر، فإنه يجزئ الأذان ~~لها بعد نصف الليل؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن بلالا يؤذن ~~بليل؛ فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» # PageV01P199 # متفق عليه. ولأنه وقت النوم فيحتاج إلى التأذين قبل الوقت، لينتبه النائم ~~ويتأهب للصلاة، بخلاف سائر الصلوات. # ولا يؤذن قبل الوقت، إلا من يتخذه عادة لئلا يغر الناس. ويكون معه من ~~يؤذن في الوقت، كفعل بلال وابن أم مكتوم. # ولا يجوز تقديم الإقامة على الوقت، لأنها تراد لافتتاح الصلاة ولا تفتتح ~~قبل الوقت. # فصل: # ويذهب أبو عبد الله - رضي الله عنه - إلى أذان بلال الذي أريه عبد الله ~~بن زيد، كما روي عنه أنه قال: «لما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالناقوس ليضرب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا، ~~فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى ~~الصلاة، فال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت: بلى، فقال: تقول: الله ~~أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا ~~إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على ~~الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله # PageV01P200 # أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، قال: ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: ~~تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد ~~أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت ~~الصلاة، ms0080 الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. فلما أصبحت أتيت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فأخبرته بما رأيت، فقال: إنها رؤيا حق إن شاء الله، ~~فقم مع بلال فألق ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى طوتا منك» رواه أبو داود. ~~فهذه صفة الأذان والإقامة المستحب، لأن بلالا كان يؤذن به حضرا وسفرا مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أن مات. # وإن رجع في الأذان، أو ثنى الإقامة، فلا بأس لأنه من الاختلاف المباح. # PageV01P201 # ويستحب أن يقول في أذان الصبح بعد حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم، ~~مرتين، لما روى أبو محذورة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: «إن ~~كان في أذان الصبح، قلت: الصلاة خير من النوم، مرتين» رواه النسائي. ويكره ~~التثويب في غيره، لما روى بلال قال: «أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أن أثوب في الفجر، ونهاني أن أثوب في العشاء» . رواه ابن ماجه. # ودخل ابن عمر مسجدا يصلي فيه، فسمع رجلا يثوب في أذان الظهر، فخرج وقال: ~~أخرجتني البدعة. # PageV01P202 # فصل: # ويسن الأذان للفائتة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فاتته الصبح ~~فقال: «يا بلال قم فأذن ثم صلى ركعتين، ثم أقام، ثم صلى الغداة» . متفق ~~عليه. # وإن كثرت الفوائت، أذن وأقام للأولى، ثم أقام للتي بعدها، لما روى ابن # PageV01P205 # مسعود أن «المشركين شغلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أربع ~~صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله، ثم أمر بلالا، فأذن ثم أقام فصلى ~~الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء» ، ~~رواه الأثرم. # وإن جمع بين الصلاتين، فكذلك، لما روى جابر أن «النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - صلى الظهر والعصر بعرفة بأذان وإقامتين» . رواه مسلم. # وإن ترك الأذان للفائتة، أو المجموعتين في وقت الآخرة منهما، فلا بأس، ~~لما روي أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى المغرب والعشاء بإقامة لكل ~~صلاة من غير أذان» ، متفق عليه. # فصل: # ولا يصح الأذان إلا ms0081 من مسلم عاقل، ولا يصح من كافر ولا طفل ولا مجنون، ~~لأنهم من غير أهل العبادات. ولا يشرع الأذان للنساء، ولا الإقامة، ولا يصح ~~منهن، لأنه يشرع فيه رفع الصوت، ولسن من أهل ذلك، ولا لخنثى مشكل، لأنه لا ~~يعلم كونه رجلا. # وفي أذان الفاسق والصبي العاقل وجهان: # أحدهما: يصح، لأنه مشروع لصلاتهما، وهما من أهل العبادات. # PageV01P206 # والثاني: لا يصح لأنه إعلام بالوقت، ولا يقبل فيه خبرهما. وفي الأذان ~~الملحن وجهان: # أحدهما: يصح، لأنه أتى به مرتبا فصح كغيره. # والثاني: لا يصح، لما روى ابن عباس، قال: «كان لرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - مؤذن يطرب، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن الأذان سهل سمح ~~فإن كان أذانك سهلا سمحا وإلا فلا تؤذن» رواه الدارقطني. # وفي أذان الجنب وجهان: # أحدهما: يصح؛ لأنه أحد الحدثين، فلم يمنع صحته، كالحدث الأصغر. # والثاني: لا يصح؛ لأنه ذكر مشروع للصلاة يتقدمها، أشبه الخطبة. # فصل: # ويستحب للمؤذن أن يكون أمينا لأنه مؤتمن على الأوقات. صيتا، لأن «النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال لعبد الله بن زيد: ألقه على بلال فإنه أندى صوتا ~~منك» رواه أبو داود. ولأنه أبلغ في الإعلام المقصود بالأذان. وأن يكون ~~عالما بالأوقات، ليتمكن من الأذان في أوائلها. وأن يكون بصيرا، لأن الأعمى ~~لا يعلم، إلا أن يكون # PageV01P207 # معه بصير يؤذن قبله، كبلال مع ابن أم مكتوم، فإن تشاح اثنان في الأذان، ~~قدم أكملهما في هذه الخصال، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم بلالا ~~على عبد الله بن زيد، لكونه أندى صوتا، وقسنا عليه باقي الخصال. فإن استويا ~~في ذلك، أقرع بينهما لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو يعلم ~~الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه # PageV01P208 # لاستهموا» متفق عليه. وتشاح الناس في الأذان يوم القادسية، فأقرع بينهم ~~سعد. # وعنه: يقدم من يرضاه الجيران، لأن الأذان لإعلامهم، فكان لرضاهم أثر في ~~التقديم. # ولا بأس أن يؤذن اثنان أحدهما بعد الآخر، لأن النبي - صلى الله ms0082 عليه وسلم ~~- «كان يؤذن له بلال وابن أم مكتوم، إذا نزل هذا طلع هذا» . ولا يسن أكثر ~~من هذا إلا أن تدعو إليه حاجة فيجوز، لأن عثمان - رضي الله عنه - اتخذ ~~أربعة مؤذنين. # فصل: # يستحب أن يؤذن قائما، «لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لبلال: قم ~~فأذن» ولأنه أبلغ في الإسماع، فإن أذن قاعدا أو راكبا في السفر جاز، لأن ~~الصلاة آكد منه، وهي تجوز كذلك. وأن يؤذن على موضع عال، لأنه أبلغ في ~~الإعلام. وروي أن «بلالا كان يؤذن على سطح امرأة، ويرفع صوته» ، لما روى ~~أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «قال للمؤذن: يغفر له مدى ~~صوته، ويشهد له كل رطب ويابس» رواه أبو داود. ولا يجهد نفسه فوق طاقته؛ ~~لئلا ينقطع صوته، ويؤذي نفسه. وإن أذن لفائتة أو لنفسه في مصر، لم يجهر ~~لأنه لا يدعو أحدا وربما غر الناس. وإن كان في الصحراء جهر في الوقت، فإن ~~أبا # PageV01P209 # سعيد قال: «إذا كنت في غنمك أو باديتك، فأذنت بالصلاة فارفع صوتك ~~بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا أنس ولا شيء، إلا شهد له يوم ~~القيامة سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» ، # PageV01P210 # رواه البخاري، ويستحب أن يؤذن متوضئا، لأن أبا هريرة قال: «لا يؤذن إلا ~~متوضئ» ، وروي مرفوعا، أخرجه الترمذي. ويستحب أن يؤذن مستقبل القبلة، ~~ويلتفت يمينا إذا قال: حي على الصلاة، ويسارا إذا قال: حي على الفلاح، ولا ~~يزيل قدميه، ويجعل إصبعيه في أذنيه، لما روى أبو جحيفة قال: «أتيت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، وهو في قبة حمراء من أدم، وأذن بلال، فجعلت أتتبع ~~فاه ههنا وههنا، يقول يمينا وشمالا: حي على الصلاة، حي على الفلاح» . متفق ~~عليه. وفي لفظ: «ولم يستدر وأصبعاه في أذنيه» ، رواه الترمذي. # ويستحب أن يترسل في الأذان ويحدر الإقامة، لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «يا بلال إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر» رواه أبو داود. ~~ولأن الأذان إعلام الغائبين والترسل فيه ms0083 أبلغ في الإسماع، والإقامة إعلام ~~الحاضرين، فلم يحتج إلى الترسل # PageV01P211 # فيه، ويكره التمطيط والتلحين لما تقدم. # فصل: # ولا يصح الأذان إلا مرتبا متواليا، لأنه لا يعلم أنه أذان بدونهما، فإن ~~سكت فيه سكوتا طويلا أعاد. ولا يصح أن يبني على أذان غيره، لأنه عبادة ~~بدنية، فلم يبن فعله على فعل غيره، كالصلاة، فإن أغمي عليه، ثم أفاق قريبا ~~بنى، وإن طال الفصل ابتدأ لتحصيل الموالاة. وإن ارتد في أثنائه بطل أذانه ~~لقول الله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر: 65] . ويكره الكلام فيه، ~~فإن تكلم بكلام طويل ابتدأ، لإخلاله بالموالاة، وإن كان يسيرا بنى، لأن ذلك ~~لا يبطل الخطبة، وهي آكد منه، إلا أن يكون كلاما محرما، ففيه وجهان: # أحدهما: لا يبطل، لأنه لا يخل بالمقصود. # والثاني: يبطل، لأنه فعل محرما فيه. # PageV01P212 # فصل: # ويستحب أن يؤذن في أول الوقت ليعلم الناس بوقت الصلاة فيتهيؤوا لها، وقد ~~روي أن «بلالا كان يؤذن في أول الوقت، وربما أخر الإقامة شيئا» . رواه ابن ~~ماجه. # ويؤخر الإقامة. لما روى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال: ~~«اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، ~~والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته» رواه أبو داود. ولأن الإقامة لافتتاح الصلاة ~~فينبغي أن تتأخر قدرا يتهيؤون فيه للصلاة. فإن كان للمغرب جلس جلسة خفيفة، ~~لما روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «جلوس المؤذن بين ~~الأذان والإقامة في المغرب سنة» رواه تمام في الفوائد. # ويستحب أن يقيم في موضع أذانه إلا أن يشق عليه، لكونه قد أذن في مكان ~~بعيد، «لقول بلال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: لا تسبقني بآمين» . لأنه ~~لو أقام في موضع صلاته لم يخف سبقه بذلك. # ويستحب لمن أذن أن يقيم لما «روى زياد بن الحارث الصدائي أنه أذن فجاء ~~بلال ليقيم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن أخا صداء أذن ومن أذن ~~فهو يقيم» من المسند. وإن أقام غيره جاز لما روى أبو داود ms0084 في حديث الأذان ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألقه على بلال فألقاه عليه فأذن ~~بلال، فقال عبد الله: أنا رأيته، وأنا كنت أريده قال: فأقم أنت» . # فصل: # ولا يجوز أخذ الأجرة عليه، لما روي عن عثمان بن أبي العاص أنه قال: «إن ~~آخر ما عهد إلي النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن اتخذ مؤذنا لا يأخذ على ~~الأذان أجرا» . قال الترمذي: # PageV01P213 # هذا حديث حسن. ولأنه قربة لفاعله، أشبه الإمامة، وإن لم يوجد من يتطوع به ~~رزق الإمام من بيت المال من يقوم به، لأن الحاجة داعية إليه، فجاز أخذ ~~الرزق عليه، كالجهاد. وإن وجد متطوعا به لم يرزق # لأن المال للمصلحة فلا يعطى في غير مصلحة. # فصل: # ويستحب لمن سمع المؤذن أن يقول مثل ما يقول، لما روى أبو سعيد أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول» ~~متفق عليه. # PageV01P214 # ويقول عند الحيعلة: لا حول ولا قوة إلا بالله، لما روى عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا قال ~~المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: ~~أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن ~~محمدا رسول الله، فقال: أشهد أن محمدا رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، ~~فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا ~~قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر، الله أكبر، قال: الله # PageV01P215 # أكبر، الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله، خالصا ~~من قلبه، دخل الجنة» رواه مسلم. قال الأثرم: هذا من الأحاديث الجياد. # فإن سمع الأذان في الصلاة لم يقل مثل قوله، لأن في الصلاة شغلا، فإذا فرغ ~~قال ذلك. # وإن كان في قراءة قطعها، وقال ذلك، لأن القراءة لا تفوت وهذا يفوت. وعن ~~جابر أن النبي - صلى الله ms0085 عليه وسلم - قال: «من قال حين يسمع النداء: # PageV01P216 # اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، ~~وابعثه المقام المحمود # PageV01P217 # الذي وعدته، حلت له الشفاعة يوم القيامة» أخرجه البخاري. وروى [سعد] أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قال حين يسمع النداء: وأنا أشهد أن ~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا ~~وبمحمد رسولا، غفر له ذنبه» رواه # PageV01P218 # مسلم. ويستحب الدعاء بين الأذان والإقامة، لما روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد» حديث حسن. ### | باب شرائط الصلاة # وهي ستة: # PageV01P219 # الطهارة من الحدث، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله ~~صلاة بغير طهور» رواه مسلم. # والثاني: الطهارة من النجس، «لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأسماء ~~في دم الحيض: حتيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه، وصلي فيه» فدل على أنها ممنوعة ~~من الصلاة فيه قبل غسله، # PageV01P220 # فمتى كانت عليه في بدنه أو ثيابه نجاسة مقدور على إزالتها غير معفو عنها، ~~لم تصح صلاته. # وإن جبر عظمه بعظم نجس، فجبر، لم يلزمه قلعه إذا خاف الضرر وأجزأته ~~صلاته، لأن ذلك يبيح ترك التطهر من الحدث، وهو آكد. # ويحتمل أن يلزمه قلعه إذا لم يخف التلف، لأنه لا يخاف التلف، أشبه إذا لم ~~يخف الضرر. # وإن أكل نجاسة، لم يلزمه فيها، لأنها حصلت في معدته، فصارت كالمستحيل في ~~المعدة. # وإن عجز عن إزالة النجاسة عن بدنه، أو خلع الثوب النجس، لكونه مربوطا، أو ~~نحو ذلك، صلى ولا إعادة عليه، لأنه شرط عجز عنه فسقط، كالسترة. # وإن لم يجد إلا ثوبا نجسا صلى فيه، لأن ستر العورة آكد لوجوبه في الصلاة ~~وغيرها، وتعلق حق الآدمي به في ستر عورته، وصيانة نفسه. # والمنصوص أن يعيد، لأنه ترك شرطا مقدورا عليه. # ويتخرج أن لا يعيد، كما لو عجز عن خلعه، أو صلى في موضع نجس، لا يمكنه ~~الخروج منه. وإن خفي عليه موضع النجاسة لم يزل حكمها حتى ms0086 يغسل ما يتيقن به ~~أن التطهر قد لحقها، لأنه تيقن النجاسة، فلا يزول إلا بيقين غسلها. # فإن صلى على منديل طرفه نجس على الطاهر منه صحت صلاته، فإن كان المنديل ~~عليه، أو متعلقا به، بحيث ينجر معه إذا مشى، لم تصح صلاته، لأنه حامل لها ~~وإن كان في يده حبل مشدود في شيء نجس ينجر معه إذا مشى، لم تصح صلاته، لأنه ~~كالحامل لها، وإن كان لا ينجر معه كالفيل والسفينة النجسة، لم تبطل صلاته، ~~لأنه غير حامل لها، فأشبه ما لو كان مشدودا في دار فيها حش. # PageV01P221 # وإن حمل في الصلاة حيوانا طاهرا لم تبطل صلاته، لأن «النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - صلى حاملا أمامة بنت زينب ابنته» . متفق عليه. ولأن ما في ~~الحيوان من النجاسة في معدته، فأشبه ما في جوف المصلي. # ولو حمل قارورة فيها نجاسة، لم تصح صلاته، لأنه حامل لنجاسة في غير ~~معدتها، أشبه ما لو حملها في كمه. # فصل: # ويشترط طهارة موضع صلاته، لأنه يحتاج إليه في الصلاة، أشبه الثوب فإن كان ~~بدنه أو ثوبه يقع على موضع نجس، لم تصح صلاته. وإن لاصقها على حائط، أو ثوب ~~إنسان، فذكر ابن عقيل أن صلاته صحيحة، لأنه ليس بموضع لصلاته، ولا محمولا ~~فيها. # وإن سقطت عليه نجاسة يابسة فزالت، أو أزالها بسرعة، لم تبطل صلاته، لأنه ~~زمن يسير، فعفي عنه، كاليسير في القدر وإن كانت النجاسة محاذية لبدنه في ~~سجوده، لا تصيب بدنه، ولا ثوبه، صحت صلاته. # وإن بسط على الأرض النجسة ثوبا أو طينها، صحت صلاته عليها مع الكراهة، ~~لأنه ليس بحامل للنجاسة، ولا مباشر لها. # وقيل: لا تصح لأن اعتماده على الأرض النجسة. # وإن خفيت النجاسة في موضع معين، حكمه حكم الثوب. وإن خفيت في صحراء صلى ~~حيث شاء، لأنه لا يمكنه حفظها من النجاسة، ولا غسل جميعها. # فإن حبس في مكان نجس صلى ولا إعادة عليه، لأنه صلى على حسب حاله، أشبه ~~المربوط إلى غير القبلة فإن كانت رطبة يخاف تعديها إليه ms0087 أومأ بالسجود، وإن ~~لم يخف سجد بالأرض. # فصل: # إذا رأى عليه نجاسة بعد الصلاة، وجوز حدوثها بعدها، لم تلزمه الإعادة لأن ~~الأصل عدمها في الصلاة. # PageV01P222 # وإن علم أنها كانت عليه في الصلاة، ففيه روايتان: # إحداهما: يعيد، لأنها طهارة واجبة، فلم تسقط بالجهل، كالوضوء وقياسا على ~~سائر الشرائط. # والثانية: لا يلزمه، لما روى أبو سعيد أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~خلع نعليه في الصلاة، فخلع الناس نعالهم، فقال: ما لكم خلعتم؟ فقالوا: ~~رأيناك خلعت نعليك، فخلعنا نعالنا، فقال: أتاني جبريل - عليه السلام -، ~~فأخبرني أن فيهما قذرا» رواه أبو داود. ولو بطلت لاستأنفها، فعلى هذا إن ~~علم بها في الصلاة، فأمكنه إزالتها بغير عمل طويل، فعل كما فعل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، وإن علم بها قبل الصلاة ثم نسيها، فقال القاضي: يعيد، ~~لأنه فرط في تركها. وقال أبو الخطاب: فيها روايتان، كالتي قبلها، لأن ما ~~عذر فيه بالجهل عذر فيه بالنسيان، كواجبات الصلاة. # فصل: # ولا تصح الصلاة في خمسة مواضع: # المقبرة، حديثة كانت أو قديمة، والحمام داخله وخارجه، لما روى أبو سعيد ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة ~~والحمام» رواه أبو داود. وروى أبو مرثد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها» رواه مسلم. # PageV01P223 # وأعطان الإبل، وهي التي تقيم فيها وتأوي إليها، لما روى جابر بن سمرة أن ~~رجلا قال: «يا رسول الله أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم، قال: أنصلي في ~~مبارك الإبل؟ قال: لا.» رواه مسلم. ولأن هذه المواضع مظنة للنجاسة فأقيمت ~~مقامها. # والحش، لأن النهي عن هذه المواضع تنبيه على النهي عنه، ولأن احتمال ~~النجاسة فيه أكثر وأغلب. # والموضع المغصوب، لأن قيامه وقعوده ولبثه فيه محرم، منهي عنه، فلم يقع ~~عبادة، كالصلاة في زمن الحيض. # وعنه: أن الصلاة في هذه المواضع تصح مع التحريم، لأن النهي لمعنى في غير ~~الصلاة، أشبه المصلي وفي يده خاتم من ذهب، وعنه: إن علم النهي لم تصح ~~صلاته، ms0088 لارتكابه للنهي، وإن لم يعلم صحت. وضم بعض أصحابنا إلى هذه المواضع ~~أربعة أخر، المجزرة، وهي موضع الذبح، والمزبلة، وقارعة الطريق، وظهر البيت ~~الحرام، فجعل فيها الروايات الثلاث، لما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «سبعة مواطن لا تجوز فيها ~~الصلاة، المجزرة والمزبلة، والمقبرة ومعاطن الإبل، والحمام وقارعة الطريق، ~~وفوق بيت الله العتيق» رواه ابن ماجه. وفيه ضعف، ولأن قارعة الطريق ~~والمجزرة والمزبلة مظان للنجاسة، أشبهت # PageV01P224 # الحش والحمام، وفي الكعبة يكون مستدبرا لبعض القبلة. وإن صلى النافلة في ~~الكعبة، أو على ظهرها وبين يديه شيء منها، صحت صلاته، لأن «النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - صلى في البيت ركعتين» . متفق عليه. # والصلاة إلى هذه المواضع صحيحة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فحيثما أدركتك الصلاة فصل» متفق عليه. إلا ~~المقبرة فإن ابن حامد قال: لا تصح الصلاة إليها، لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا تصلوا إليها» وإن صلى في مسجد بني في المقبرة، فحكمه ~~حكمها. وإن حدثت المقبرة حوله صحت الصلاة فيه، لأنه ليس بمقبرة. # وفي أسطحة هذه المواضع وجهان: # أحدهما: أن حكمها حكمها، لأنها تابعة لها. # PageV01P225 # والثاني: تصح، لأنه ليس بمظنة للنجاسة، ولا يتناوله النهي. ### | باب ستر العورة # وهو الشرط الثالث للصلاة، لما روت عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» رواه أبو ~~داود. وعورة الرجل ما بين سرته وركبتيه لما روى أبو أيوب الأنصاري قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أسفل السرة وفوق الركبتين من العورة» ~~رواه أبو بكر بإسناده. وعن جرهد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«غط فخذك فإن الفخذ من العورة» رواه أحمد - رضي الله عنه - في المسند، ~~وليست السرة والركبة من العورة، لما ذكرنا. # وعنه: أنها الفرجان، لما روى أنس أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~خيبر حسر الإزار عن فخذه حتى إني لأنظر ms0089 إلى بياض فخذ النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -» . رواه البخاري. وعورة الحر والعبد سواء، لعموم الأحاديث. # فصل: # والمرأة كلها عورة إلا الوجه، وفي الكفين روايتان: لقول الله تعالى: # PageV01P226 # {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور: 31] # قال ابن عباس: وجهها وكفيها، ولأنه يحرم ستر الوجه في الإحرام، وستر ~~الكفين بالقفازين، ولو كانا عورة، لم يحرم سترهما. # والثانية: أن الكفين عورة لأن المشقة لا تلحق في سترهما فأشبها سائر ~~بدنها، وما عدا هذا عورة؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل ~~الله صلاة حائض إلا بخمار» وعن أم سلمة قالت: «يا رسول الله تصلي المرأة في ~~درع وخمار وليس عليها إزار؟ فقال: نعم إذا كان سابغا يغطي ظهور قدميها» ~~رواه أبو داود. # فصل: # وما يظهر غالبا من الأمة، كالرأس واليدين إلى المرفقين والرجلين إلى ~~الركبتين، ليس بعورة، لأن عمر - رضي الله عنه - نهى الأمة عن التقنع ~~والتشبه بالحرائر، قال القاضي في الجامع: وما عدا ذلك عورة، لأنه لا يظهر ~~غالبا، أشبه ما تحت السرة. # وقال ابن حامد: عورتها كعورة الرجل، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا زوج أحدكم أمته عبده أو أجيره ~~فلا ينظر إلى شيء من عورته، فإن ما تحت السرة إلى الركبة عورة يريد عورة ~~الأمة» ، رواه الدارقطني. ولأنه من لم يكن رأسه عورة لم يكن صدره عورة، ~~كالرجل والمدبرة والمعلق عتقها بصفة كالقن، لأنهما مثلها في البيع وغيره. ~~وأم الولد والمعتق بعضها كذلك، لأن الرق باق فيهما إلا أنه يستحب لهما ~~التستر، لما فيهما من شبه الأحرار. # وعنه: أنها كالحرة لذلك. # وعورة الخنثى المشكل كعورة الرجل، لأن الأصل عدم وجوب الستر، فلا نوجبه ~~بالشك، وإن قلنا: العورة الفرجان، لزمه ستر قبله وذكره، لأن أحدهما واجب ~~الستر، ولا يتيقن ستره إلا بسترهما. # فصل: # وإن انكشف من العورة شيء يسير عفي عنه، لأن اليسير يشق التحرز منه. وإن ~~كثر بطلت الصلاة به، لأن التحرز منه ممكن، وإن ms0090 أطارت الريح ثوبه عن عورته، ~~فأعاده بسرعة، لم تبطل صلاته، لأنه يسير فأشبه اليسير في العورة. # PageV01P227 # فصل: # ويجب ستر العورة بما يستر لون البشرة من الثياب أو الجلود أو غيرها، فإن ~~وصف لون البشرة، لم يعتد به. لأنه ليس بساتر. ويجب أن يجعل على عاتقه شيئا ~~من اللباس في الصلاة المفروضة، لما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «لا يصلي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء» متفق عليه. ~~فإن ترك عليه شيئا من اللباس أجزأه وإن لم يسترها؛ استدلالا بمفهوم الحديث. ~~وقال القاضي: ستر المنكبين واجب في الفرض، وقيل: يجزئه وضع خيط، وظاهر ~~الحديث يدل على ما ذكرناه. # فصل: # ويستحب للرجل أن يصلي في قميص ورداء أو إزار وسراويل، لما روى ابن عمر ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو قال: قال عمر: «إذا كان ~~لأحدكم ثوبان فليصل فيهما» . رواه أبو داود. فإن اقتصر على ثوب واحد أجزأه؛ ~~لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في ثوب واحد» . متفق عليه. والقميص ~~أولى من الرداء، لأنه أعم في الستر، فإن كان واسع الجيب ترى منه عورته، لم ~~يجزئه، لما روى سلمة بن الأكوع قال: قلت: «يا رسول الله إنا نصيد أفنصلي في ~~القميص الواحد؟ قال: نعم وازرره ولو بشوكة» حديث حسن. فإن كان ذا لحية تسد ~~جيبه فلا ترى عورته جاز. وإن صلى في رداء، وكان واسعا، التحف به. وإن كان # PageV01P228 # ضيقا خالف بين طرفيه على منكبيه، كالقصار، لما روى عمر بن أبي سلمة قال: ~~«رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في ثوب واحد، قد ألقى طرفيه ~~على عاتقيه» . متفق عليه. وإن لم يجد ما يستر عورته أو منكبيه، ستر عورته، ~~لما روى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا كان الثوب واسعا، ~~فالتحف به، وإن كان ضيقا فاتزر به» رواه البخاري. # ويستحب للمرأة أن تصلي في درع وخمار وجلباب تلتحف به، لما روي عن عمر - ~~رضي الله ms0091 عنه - أنه قال: تصلي المرأة في ثلاثة أثواب: درع وخمار وإزار. وإن ~~صلت في درع وخمار يستر جميع بدنها أجزأ، لما روينا من حديث أم سلمة وقد روي ~~عن أم سلمة وميمونة أنهما كانا يصليان في درع وخمار، ليس عليهما أزار. رواه ~~مالك. # فصل: # فإن عدم السترة، وأمكنه الاستتار بحشيش بربطه عليه، أو ورق، لزمه، لأنه ~~ساتر للبشرة، أشبه الثياب. وإن وجد طينا لم يلزمه أن يطين عورته، لأنه ~~يلوثه ولا يغيب الخلقة. وإن وجد بارية تؤذي جسمه، ويدخل القصب فيه، لم ~~يلزمه لبسها، لما فيه من الضرر. وإن وجد ماء لم يلزمه النزول فيه، وإن كان ~~كدر، لأنه ليس يستره، ويمنعه التمكن من الصلاة. # فصل: # فإن لم يجد إلا ما يستر بعض العورة ستر الفرجين، لأنهما أغلظ، وإن لم يكف ~~إلا أحدها ستر الدبر في أحد الوجهين لأنه أفحش، وفي الآخر القبل، لأنه به ~~يستقبل القبلة، والدبر يستتر بالأليتين، وأيهما ستر أجزأه. # فصل: # فإن عدم بكل حال صلى عريانا جالسا يومئ بالسجود، لأنه يحصل به ستر أغلظ ~~العورة , وهو آكد لما ذكرناه، وعنه يصلي قائما ويركع ويسجد لأن المحافظة ~~على ثلاثة أركان أولى من المحافظة على بعض شرط. يصلي العراة جماعة صفا ~~واحدا لئلا يرى # PageV01P229 # بعضهم عورات بعض، ويقوم إمامهم في وسطهم ليكون أستر له، فإن لم يسعهم صف ~~واحد صلوا صفين وغضوا أبصارهم، فإن كان فيهم نساء صلى كل نوع لأنفسهم، فإن ~~ضاق المكان صلى الرجال واستدبرهم النساء ثم صلى النساء واستدبرهن الرجال. # فصل: # وإن وجد السترة بعد الصلاة لم يعد لأنه شرط للصلاة عجز عنه، أشبه القبلة، ~~وإن وجدها في أثناء الصلاة قريبة، ستر وبنى، لأنه عمل قليل، وإن كانت بعيدة ~~بطلت صلاته لأنه يفتقر إلى عمل كثير. وإن عتقت الأمة في الصلاة وهي مكشوفة ~~الرأس فكذلك، فإن لم تعلم حتى صلت أعادت، كما لو بدت عورتها ولم تعلم بها. # فصل: # إذا كان معهم ثوب لأحدهم لزمته الصلاة فيه، فإن آثر غيره وصلى عريانا لم ~~تصح لأنه ms0092 قادر على السترة، فإذا صلى استحب أن يعيره لرفقته، فإن لم يفعل لم ~~يغصب لأن صلاتهم تصح بدونه. وإن أعاره لواحد لزمه قبوله وصار بمنزلته لأن ~~المنة لا تلحق به، ولو وهبه له لم يلزمه قبوله، لأن فيه منة، فإن أعاره ~~لجميعهم صلى فيه واحد بعد واحد إلا أن يخاف ضيق الوقت، فيصلي فيه واحد ~~والباقون عراة. ويستحب أن يعيره لمن يصلح لإمامتهم حتى يؤمهم، ويقوم بين ~~أيديهم فإن أعاره لغيره، جاز. # قال القاضي: ويصلي وحده، لأنه قادر على شرط الصلاة، فلم يجز أن يأتم ~~بالعاجز عنه، كالمعافى يأتم بمن به سلس البول. # فصل: # ويحرم لبس الثوب المغصوب، لأنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه، ~~فإن لم يجد غيره، صلى وتركه، ويحرم على الرجال استعمال ثياب الحرير، في ~~لبسها وافتراشها، وكذلك المنسوج بالذهب، والمموه به، لما روى أبو موسى أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «حرم لباس الحرير والذهب على ذكور ~~أمتي، وأحل لإناثهم» . قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وإن صلى في ذلك، ففيه ~~روايتان. مضى توجيههما في المواضع المنهي عنها. # PageV01P230 # وإن صلى في عمامة محرمة، أو خاتم ذهب، صحت صلاته، لأن النهي لا يعود إلى ~~شرط الصلاة. # ولا بأس في صلاة المرأة في الحرير والذهب، لحله لها. ولا بأس بلبس الرجل ~~الخز، لأن الصحابة - رضي الله عنهم - لبسوه. ومن لم يجد إلا ثوب حرير، صلى ~~فيه، ولا يعيد، لأنه مباح له في تلك الحال، ويباح علم الحرير في الثوب إذا ~~كان أربع أصابع فما دون لما روى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، قال: «نهى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الحرير إلا موضع إصبعين، أو ثلاث أو أربع» ~~. حديث صحيح. # وقال أبو بكر: يباح وإن كان مذهبا، وكذلك الرقاع، ولبنة الجيب، وسجف ~~الفراء، وما نسج من الحرير وغيره، جاز لبسه إذا قل الحرير عن النصف، لما ~~روي عن ابن عباس أنه قال: «إنما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الثوب ~~المصمت، ms0093 أما العلم وسدى الثوب، فليس به بأس» . رواه أبو داود. وإن زاد على ~~النصف حرم لأن الحكم للأغلب، وإن استويا ففيه وجهان: # أحدهما: إباحته للخبر. # والثاني: تحريمه، لعموم خبر التحريم. # ويباح لبس الحرير للقمل والحكة، لأن أنسا روى أن «عبد الرحمن بن عوف، ~~والزبير بن العوام شكوا القمل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فرخص لهما ~~في قميص الحرير» . متفق عليه. # وعنه: لا يباح، لعموم التحريم، واحتمال اختصاصهم بذلك. وهل يباح لبسه في ~~الحرب، فيه روايتان: # إحداهما: لا يجوز لعموم الخبر. # والثانية: يجوز، لأن المنع منه للخيلاء، وهي غير مذمومة في الحرب، وكان ~~لعروة يلمق من ديباج، بطانته من سندس، يلبسه في الحرب. # PageV01P231 # وليس لولي الصبي أن يلبسه الحرير، لأنه ذكر فيدخل في عموم الخبر. # وعنه: يباح، لأن الصبي غير مكلف، فأشبه ما لو ألبسه الدابة. # فصل: # ويكره للرجل لبس المزعفر والمعصفر. لما روي أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «نهى أن يتزعفر الرجل» . متفق عليه. وعن علي - رضي الله عنه - قال: ~~«نهاني النبي - صلى الله عليه وسلم - عن لباس المعصفر» . رواه مسلم. ولا ~~بأس بذلك للنساء. فأما ما عليه صور الحيوان فقال أبو الخطاب: يحرم لبسه، ~~لأن أبا طلحة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تدخل ~~الملائكة بيتا فيه كلب، ولا صورة» . وقال ابن عقيل: يكره وليس بمحرم، لأن ~~في سياق الحديث: «إلا رقم في ثوب» متفق عليه. # فصل: # ويكره اشتمال الصماء، لما روى أبو سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه «نهى عن اشتمال # PageV01P232 # الصماء» . رواه البخاري. ومعنى الصماء: أن يجعل الرداء تحت كتفه الأيمن، ~~ويرد طرفيه على الأيسر، فيبقى منكبه الأيمن مكشوفا. # وعنه: إنما نهي عنه إذا لم يكن عليه إزار فيبدو فرجه، أما إذا كان عليه ~~إزار فتلك لبسة المحرم، لا بأس بها. # ويكره إسبال القميص والإزار والسراويل اختيالا، لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه» متفق عليه. # ويكره تغطية الفم في الصلاة، ms0094 لما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «نهى عن السدل في الصلاة، وأن يغطي الرجل فاه» . رواه أبو داود. # ويكره شد الوسط بما يشبه شد الزنار، لما فيه من التشبه بالنصارى، فأما ~~شده بغير ذلك، فلا بأس به. ويكره لف الكم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ولا أكف شعرا ولا ثوبا» متفق عليه. ### | باب استقبال القبلة # وهو الشرط الرابع للصلاة، لقول الله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام ~~وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} [البقرة: 144] . والناس في القبلة على ~~ضربين: # منهم من يلزمه إصابة العين، وهو المعاين للكعبة. # أو من بمكة أو قريبا منها من وراء حائل، فمتى علم أنه مستقبل الكعبة عمل ~~بعلمه، وإن لم يعلم كالأعمى، والغريب بمكة، أجزأه الخبر عن يقين، أو مشاهدة ~~أنه مصل إلى عين الكعبة. # PageV01P233 # الثاني: من فرضه إصابة جهة الكعبة، وهو البعيد عنها فلا يلزمه إصابة ~~العين، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» . ~~قال الترمذي: هذا حديث صحيح. ولأن الإجماع انعقد على صحة صلاة الاثنين ~~المتباعدين، يستقبلان قبلة واحدة، ولا يمكن أن يصيب العين إلا أحدهما، وهذا ~~ينقسم ثلاثة أقسام: # أحدها: الحاضر في قرية أو من يجد من يخبره عن يقين، ففرضه التوجه إلى ~~محاريبهم أو الرجوع إلى خبرهم، لأن هذا بمنزلة النص، فلا يجوز الرجوع إلى ~~الاجتهاد معه، كالحاكم إذا وجد النص. # الثاني: من عدم ذلك، وهو عارف بأدلة القبلة، ففرضه الاجتهاد، لأن له ~~طريقا إلى معرفتها بالاجتهاد، فلزمه ذلك، كالعالم في الحادثة. # الثالث: من عجز عن ذلك، لعدم بصره أو بصيرته، أو لرمد أو حبس، ففرضه ~~تقليد المجتهد، لأنه عجز عن معرفة الصواب باجتهاده، فلزمه التقليد، كالعامي ~~في الأحكام، وإن أمكنه تعرف الأدلة، والاستدلال بها قبل خروج الوقت، لزمه ~~ذلك، لأنه قدر على التوجه باجتهاد نفسه، فلم يجز له تقليد غيره كالعالم، ~~فإن اختلف مجتهدان قلد العامي أوثقهما عنده، فإن قلد الآخر احتمل أن يجوز، ms0095 ~~لأنه دليل مع عدم غيره، فكذلك مع وجوده، واحتمل أن لا يجوز، لأنه عمل بما ~~يغلب على ظنه خطؤه، فأشبه المجتهد إذا خالف جهة ظنه، فإن استويا عنده، قلد ~~من شاء منهما كالعامي في الأحكام. # فصل: # ومن ترك فرضه في الاستقبال وصلى، لم تصح صلاته، وإن أصاب؛ لأنه تارك ~~لفرضه، فأشبه ما لو أخطأ، وإن أتى بفرضه فبان أنه أخطأ، وكان في الحضر، ~~أعاد، لأن ذلك لا يكون إلا لتفريط، وإن كان مسافرا لم يعده، لأنه أتى بما ~~أمر من غير تفريط، فلم تلزمه إعادة، كما لو أصاب. وإن بان له الخطأ في ~~الصلاة، استقبل جهة القبلة، وبنى على صلاته، لأن «أهل قباء بلغهم تحويل ~~القبلة، وهم في الصلاة، فاستداروا إليها، وأتموا صلاتهم» . متفق عليه. وإن ~~اختلف اجتهاد رجلين، لم يجز لأحدهما # PageV01P234 # الائتمام بصاحبه، لأنه يعتقد خطأه، وإن اتفق اجتهادهما فصليا جميعا، فبان ~~الخطأ لأحدهما، استدار وحده، ونوى كل واحد منهما مفارقة صاحبه، فإن كان ~~معهما مقلد تبع الذي قلده منهما، فدار بدورانه، وأقام بإقامته، وإن قلدهما ~~جميعا لم يدر إلا بدورانهما لأنه دخل في الصلاة بظاهر، فلا يزول إلا بمثله. ~~وإن تغير اجتهاده في الصلاة رجع إليه كما لو بان له الخطأ، نص عليه لأنه ~~مجتهد أداه اجتهاده إلى جهة، فلم يجز له تركها. وقال ابن أبي موسى: لا يرجع ~~ويبني على الأول كيلا ينقض اجتهاده باجتهاده، والأول أولى. وإن شك في ~~الصلاة مضى على ما هو عليه لأنه دخل فيها بظاهر فلا يزول عنه بالشك. وإن ~~تبين له الخطأ، ولم يعلم جهة القبلة، فسدت صلاته، لأنه لا يمكن إتمامها إلى ~~جهة يعلم الخطأ فيها، ولا التوجه إلى جهة أخرى بغير دليل، وإن صلى ~~بالاجتهاد، ثم أراد صلاة أخرى لزمه الاجتهاد لها، كالحاكم إذا اجتهد في ~~حادثة، ثم حدثت مرة أخرى. # فصل: # فإن خفيت الأدلة على المجتهد بغيم أو غيره، صلى على حسب حاله، ولا إعادة ~~عليه، لما روى عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: «كنا ms0096 مع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في سفر في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل ~~رجل حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فنزل قوله ~~تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] » رواه ابن ماجة ~~والترمذي. ولأنه أتى بما أمر به فأشبه المجتهد مع ظهور الأدلة. وإن لم يجد ~~المقلد من يقلده صلى، وفي الإعادة روايتان: # إحداهما: لا يعيد، لما ذكرنا. # والثاني: يعيد، لأنه صلى بغير دليل. # وقال ابن حامد: إن أخطأ أعاد وإلا ففيها وجهان. # ويجوز للأعمى الاستدلال باللمس، فإذا لمس المحراب جاز له استقباله لأنه ~~يحصل بذلك العلم، فأشبه البصير، فإن شرع في الصلاة بخبر غيره، فأبصر في ~~أثنائها وهو ممن فرضه الخبر، بنى على صلاته، لأن فرضه لم يتغير، وإن كان ~~فرضه الاجتهاد فشاهد ما يدل على القبلة من شمس أو محراب أو نحوه، أتم ~~صلاته، وإن لم يشاهد # PageV01P235 # شيئا وكان قلد مجتهدا فسدت صلاته لأن فرضه الاجتهاد، فلا تجوز صلاته ~~باجتهاد غيره. # فصل: # ولا يقبل خبر كافر ولا فاسق ولا صبي ولا مجنون، لما تقدم، ويقبل خبر من ~~سواهم من الرجال والنساء والعبيد والأحرار، لأنه خبر من أخبار الديانة ~~فأشبه الرواية، وإن رأى محاريب لا يعلم أهي للمسلمين أم لغيرهم؟ لم يلتفت ~~إليها لأنه لا دلالة له فيها. # فصل: # والمجتهد في القبلة العالم بأدلتها وإن كان عاميا، ومن لا يعرفها، فهو ~~مقلد وإن كان فقيها، فإن من علم دليل شيء كان مجتهدا فيه، وأوثق أدلتها ~~النجوم، لقوله تعالى: {وبالنجم هم يهتدون} [النحل: 16] ، وآكدها القطب، وهو ~~نجم خفي حوله أنجم دائرة كفراشة الرحى إحدى طرفيها الفرقدان. وفي طرفها ~~الآخر الجدي، وبين ذلك أنجم صغار ثلاثة من فوق وثلاثة من أسفل، تدور هذه ~~الفراشة حول القطب دوران الرحى حول قطبها في كل يوم وليلة دورة، وحول ~~الفراشة بنات نعش مما يلي الفرقدين، وهي سبعة أنجم متفرقة مضيئة، والقطب في ~~وسط الفراشة لا يبرح مكانه، إذا جعله إنسان وراء ظهره في الشام، كان ~~مستقبلا ms0097 للكعبة، وإن استدبر الفرقدين أو الجدي كان مستقبلا للجهة، وكذلك ~~بنات نعش، إلا أن انحرافه يكون أكثر، والشمس والقمر ومنازلهما، وهي ثمانية ~~وعشرون منزلا تطلع كلها من المشرق، وتغرب من المغرب، يكون في طلوعها على ~~ميسرة المصلي، وفي غروبها عن يمينه. # ويستدل من الرياح بأربع تهب من زوايا السماء، الدبور تهب مما بين المغرب ~~والقبلة، مستقبلة شطر وجه المصلي الأيمن، والصبا مقابلتها تهب من ظهره إلى ~~كتفه اليسرى مارة إلى مهب الدبور، والجنوب تهب مما بين المشرق والقبلة مارة ~~إلى الزاوية المقابلة لها، والشمال تهب من مقابلتها مارة إلى مهب الجنوب. # فصل: # ويسقط الاستقبال في ثلاثة مواضع: # PageV01P236 # أحدها: عند العجز لكونه مربوطا إلى غير القبلة، يصلي على حسب حاله، لأنه ~~فرض عجز عنه أشبه القيام. # والثاني: في شدة الخوف مثل حال التحام الحرب، والهرب المباح من عدو أو ~~سيل أو سبع لا يمكنه التخلص منه إلا بالهرب، فيجوز له ترك القبلة، ويصلي ~~حيث أمكنه راجلا وراكبا، لقول الله تعالى: {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا} ~~[البقرة: 239] . قال ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «مستقبلي القبلة وغير مستقبليها» رواه البخاري. # ولأنه عاجز عن الاستقبال، فأشبه المربوط، فإن كان طالبا للعدو يخاف فوته، ~~ففيه روايتان: # إحداهما: يجوز له صلاة الخائف كالمطلوب، لأن عبد الله بن أنيس قال: ~~«بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى سفيان بن خالد الهذلي لأقتله، ~~فانطلقت أمشي فحضرت العصر، وأنا أصلي أومئ إيماء نحوه» . رواه أبو داود، ~~وظاهره أنه أخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم ينكره. وقال ~~الأوزاعي: قال شرحبيل بن حسنة: لا تصلوا الصبح إلا على ظهر، فنزل الأشتر ~~فصلى على الأرض، فمر به شرحبيل، فقال: مخالف خالف الله به، فخرج الأشتر في ~~الفتنة. ولأنها إحدى حالتي الخوف، فأشبهت حالة المطلوب. # والثانية: لا يجوز، لأنه آمن. # الثالث: النافلة في السفر، فإن كان راكبا، فله الصلاة على دابته، لما روى ~~ابن عمر أن «رسول - صلى الله عليه وسلم - كان يسبح على ظهر ms0098 راحلته حيث كان ~~وجهه، يومئ برأسه، وكان يوتر على بعيره» . متفق عليه. وكان يصلي على حماره، ~~ولا فرق بين السفر الطويل والقصير، لأن ذلك تخفيف في التطوع كيلا يؤدي إلى ~~قطعه وتقليله، فيستوي فيه الطويل والقصير، فإن أمكنه الاستقبال والركوع ~~والسجود، كالذي في العمارية، لزمه ذلك، لأنه كراكب السفينة، ويحتمل أن لا ~~يلزمه، لأن الرخصة العامة يستوي فيها ذو الحاجة وغيره. وإن شق عليه، صلى ~~حيث كان وجهه يومئ بالركوع والسجود، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، وإن شق ~~عليه استقبال القبلة في تكبيرة الإحرام كراكب # PageV01P237 # الجمل المقطور لا يمكنه إدارته، لم يلزمه. وإن كان سهلا ففيه وجهان: # أحدهما: يلزمه ذلك، اختاره الخرقي، لأنه أمكنه الاستقبال في ابتداء ~~الصلاة، فلزمه كالماشي. # والثاني: لا يلزمه، اختاره أبو بكر، لأنه جزء من الصلاة، فأشبه سائرها، ~~فإن عدلت به البهيمة عن جهة مقصده إلى جهة القبلة، جاز لأنها الأصل، وإن ~~عدلت إلى غيرها، وهو عالم بذلك مختار له، بطلت صلاته، لأنه ترك قبلته لغير ~~عذر. وإن ظنها طريقه أو غلبته الدابة، لم تبطل. # فأما الماشي ففيه روايتان: # إحداهما: له الصلاة حيث توجه لأنها إحدى حالتي سير المسافر، فأشبه ~~الراكب، لكنه يلزمه الركوع والسجود على الأرض، مستقبلا لإمكان ذلك. # والثانية: لا يجوز، وهو ظاهر قول الخرقي، لأن الرخصة وردت في الراكب، ~~والماشي يخالفه، لأنه يأتي في الصلاة يمشي وذلك عمل كثير، فإن دخل المسافر ~~في طريقه بلدا جاز أن يصلي فيه، وإن كان في البلد الذي يقصده، أتم صلاته ~~ولم يبتدئ فيه صلاة. ### | باب اشتراط دخول الوقت لصحة الصلاة # باب في الشرط الخامس: وهو الوقت وقد ذكرنا أوقات المكتوبات، ولا تصح ~~الصلاة قبل وقتها بغير خلاف، فإن أحرم بها فبان أنه لم يدخل وقتها، انقلبت ~~نفلا، لأنه لما بطلت نية الفريضة، بقيت نية الصلاة. ووقت سنة كل صلاة ~~مكتوبة متقدمة عليها من دخول وقتها إلى فعلها، ووقت التي بعدها من فعلها ~~إلى آخر وقتها، فأما النوافل المطلقة، فجميع الزمان وقت لها إلا خمسة ~~أوقات، بعد ms0099 الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد طلوعها حتى ترتفع قيد رمح، وعند ~~قيامها حتى تنزل، وبعد العصر حتى تتضيف الشمس للغروب، وإذا تضيفت حتى تغرب، ~~فلا يجوز التطوع في هذه الأوقات بصلاة لا سبب لها، لقول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح ~~حتى تطلع الشمس» متفق عليه. وروى عقبة بن عامر قال: «ثلاث ساعات، كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ينهانا أن نصلي # PageV01P238 # فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين ~~يقوم قائم الظهيرة حتى تزول، وحين تضيف الشمس للغروب» . رواه مسلم. والنهي ~~عما بعد العصر يتعلق بالفعل، فلو لم يصل فله التنفل، وإن صلى غيره، لأن لفظ ~~العصر بإطلاقه ينصرف إلى الصلاة. وعن أحمد - رضي الله عنه - فيما بعد الصبح ~~مثل ذلك، لأنها إحدى الصلاتين، فكان النهي متعلقا بفعلها، كالعصر. والمشهور ~~في المذهب أنه متعلق بالوقت، لما روى ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليبلغ الشاهد الغائب أن لا تصلوا بعد ~~الفجر إلا سجدتين» . رواه أبو داود. وسواء في هذا مكة، ويوم الجمعة ~~وغيرهما، لعموم النهي في الجميع. # فصل: # ويجوز قضاء المكتوبات في كل وقت، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» متفق عليه. وقوله - عليه السلام ~~-: «من أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته» ويجوز في ~~وقتين منهما، وهما بعد الفجر، وبعد العصر، الصلاة على الجنازة، لأنهما ~~وقتان طويلان، فالانتظار فيهما يضر بالميت، وركعتا الطواف بعده، لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت، ~~وصلى في أي ساعة شاء من ليل أو نهار» رواه الشافعي والأثرم. وإعادة الجماعة ~~لما روى يزيد بن الأسود أنه قال: «صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- صلاة الفجر، فلما قضى صلاته إذا هو برجلين لم يصليا معه، فقال: ms0100 ما منعكما ~~أن تصليا معنا؟ قالا: يا رسول الله قد صلينا في رحالنا، قال: لا تفعلا، إذا ~~صليتما في رحلكما ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم فإنها لكم نافلة» رواه ~~الأثرم. # فأما فعل هذه الصلوات الثلاث في الأوقات الثلاثة الباقية، ففيها روايتان: # إحداهما: يجوز لعموم الأدلة المجوزة، ولأنها صلاة جازت في بعض أوقات # PageV01P239 # النهي، فجازت في جميعها، كالقضاء. # والثانية: لا يجوز، لقول عقبة في حديثه: «كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا» . # وذكر الصلاة مع الدفن ظاهر في الصلاة على الميت، ولأن النهي في هذه ~~الأوقات آكد لتخصيصهن بالنهي في أحاديث، ولأنها أوقات خفيفة، لا يخاف على ~~الميت فيها، ولا يشق تأخير الركوع للطواف فيها بخلاف غيرها. # فصل: # ومتى أعاد المغرب شفعها برابعة نص عليه، لأنها نافلة، ولا يشرع التنفل ~~بوتر في غير الوتر، ومتى أقيمت الصلاة في وقت نهي، وهو خارج من المسجد، لم ~~يستحب له الدخول، فإن دخل صلى معهم، لما روي عن ابن عمر أنه خرج من دار عبد ~~الله بن خالد حتى إذا نظر إلى باب المسجد إذا الناس في الصلاة فلم يزل ~~واقفا حتى صلى الناس، وقال: إني قد صليت في البيت. # فصل: # فأما سائر الصلوات ذوات الأسباب، كتحية المسجد، وصلاة الكسوف، وسجود ~~التلاوة، وقضاء السنن، ففيها روايتان: # إحداهما: المنع لعموم النهي، ولأنها نافلة، فأشبهت ما لا سبب له. # والثانية: يجوز فعلها، لما روت أم سلمة، قالت: «دخل علي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ذات يوم بعد العصر، فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول الله صليت ~~صلاة لم أكن أراك تصليها، فقال: إني كنت أصلي ركعتين بعد الظهر، وإنما قدم ~~وفد بني تميم، فشغلوني عنهما، فهما هاتان الركعتان» رواه مسلم. وعن قيس بن ~~عمر قال: «رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا يصلي بعد الصبح ~~ركعتين، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أصلاة الصبح مرتين؟ فقال ~~له الرجل: إني لم أكن صليت ركعتين قبلها، فصليتهما ms0101 الآن، فسكت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -» . # PageV01P240 # رواه أبو داود. ولأنها صلاة ذات سبب، فأشبهت ركعتي الطواف، والمنصوص عن ~~أحمد - رضي الله عنه - في الوتر أنه يفعله قبل الفجر، لقول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: إن «الله زادكم صلاة فصلوها ما بين العشاء إلى صلاة ~~الصبح» رواه الأثرم. وقال في ركعتي الفجر: إن صلاهما بعد الفجر أجزأه. قال ~~أحمد - رحمه الله -: وأما أنا فأختار تأخيرهما إلى الضحى، لما روى الترمذي ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من لم يصل ركعتي ~~الفجر فليصلهما بعدما تطلع الشمس» . ### | باب النية في الصلاة # باب النية # وهي الشرط السادس، فلا تصح الصلاة إلا بها بغير خلاف، لقول رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات» ولأنها عبادة محضة، فلم تصح ~~بغير نية، كالصوم. ومحل النية: القلب، فإذا نوى بقلبه أجزأه، وإن لم يلفظ ~~بلسانه. وإن نوى صلاة فسبق لسانه إلى غيرها، لم تفسد صلاته. # والأفضل النية مع تكبيرة الإحرام، لأنها أول الصلاة لتكون النية مقارنة ~~للعبادة، ويستحب استصحاب ذكرها في سائر الصلوات، لأنها أبلغ في الإخلاص، ~~وإن تقدمت النية التكبير بزمن يسير، جاز ما لم يفسخها، لأن أولها من ~~أجزائها، فكفى استصحاب النية فيها كسائر أجزائها. وإن كانت فرضا لزمه أن ~~ينوي الصلاة بعينها، ظهرا أو عصرا لتتميز عن غيرها. قال ابن حامد: ويلزمه ~~أن ينوي فرضا، لتتميز عن ظهر الصبي، والمعادة. وقال غيره: لا يلزمه لأن ظهر ~~هذا لا يكون إلا فرضا، وينوي الأداء في الحاضرة والقضاء في الفائتة، وفي ~~وجوب ذلك وجهان: # أولاهما: أنه لا يجب لأنه لا يختلف المذهب في من صلى في الغيم بالاجتهاد، ~~فبان بعد الوقت أن صلاته صحيحة، وقد نواها أداء، فإن كانت سنة معينة كالوتر ~~ونحوه، لزم تعيينها أيضا، وإن كانت نافلة مطلقة أجزأته نية الصلاة. ومتى شك ~~في أثناء الصلاة هل نواها أم لا؟ لزمه استئنافها، لأن الأصل عدمها، فإن ذكر ~~أنه نوى قبل أن يحدث شيئا من أفعال ms0102 الصلاة أجزأه. وإن فعل شيئا قبل ذكره ~~بطلت صلاته، لأنه فعله شاكا في صلاته. وإن نوى الخروج من الصلاة بطلت؛ لأن ~~النية شرط في جميع الصلاة وقد قطعها. وإن تردد في قطعها فعلى وجهين: # PageV01P241 # أحدهما: تبطل لما ذكرنا. # والثاني: لا تبطل، لأنه دخل فيها بنية متيقنة، فلا يخرج منها بالشك. # وإذا نوى في صلاة الظهر ثم قلبها عصرا فسدتا جميعا، لأنه قطع نية الظهر ~~ولم تصح العصر، لأنه ما نواها عند الإحرام. وإن قلبها نفلا لعذر، مثل أن ~~يحرم بها منفردا، فتحضر جماعة فيجعلها نفلا ليصلي فرضه في الجماعة، صح لأن ~~نية النفل تتضمنها نية الفرض. وإن فعل ذلك لغير غرض كره، وصح قلبها لما ~~ذكرنا، ويحتمل أن لا يصح لما ذكرنا في الظهر والعصر. ### | باب صفة الصلاة # وأركانها خمسة عشر: # القيام وهو واجب في الفرض، لقول الله تعالى: {وقوموا لله قانتين} ~~[البقرة: 238] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمران بن حصين: «صل ~~قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» رواه البخاري. # فإن كبر للإحرام قاعدا، أو في حال نهوضه إلى القيام، لم يعتد به، لأنه ~~أتى به في غير محله. # ويستحب القيام للمكتوبة عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة، لأنه دعاء إلى ~~القيام، فاستحب المبادرة إليه. # ويستحب للإمام تسوية الصفوف، لما روى أنس بن مالك قال: «إن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كان إذا قام إلى الصلاة أخذ بيمينه - يعني عودا في ~~المحراب - ثم فقال التفت وقال: اعتدلوا سووا صفوفكم، ثم أخذ بيساره، وقال: ~~اعتدلوا سووا صفوفكم» رواه أبو داود. # فصل: # ثم يكبر للإحرام، وهو الركن الثاني، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال للمسيء في صلاته: «إذا # PageV01P242 # قمت إلى الصلاة فكبر» وقال: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، ~~وتحليلها التسليم» رواه أبو داود. وقال: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع ~~الوضوء مواضعه، ثم يستقبل القبلة، ويقول: الله أكبر» ولا يجزئه غيره من ~~الذكر، ولا قول: الله أكبر، ولا التكبير بغير العربية، لما ذكرنا، فإن ms0103 لم ~~يحسن العربية، لزمه التعلم. فإن خشي خروج الوقت، ففيه وجهان: # أحدهما: يكبر بلغته، لأنه عجز عن اللفظ، فلزمه الإتيان بمعناه، كلفظة ~~النكاح. # والثاني: لا يكبر بغير العربية، لأنه ذكر تنعقد به الصلاة، فلم يجز ~~التعبير عنه بغير العربية، كالقراءة، فعلى هذا يكون حكمه حكم الأخرس، فإن ~~عجز عن بعض اللفظ، أو عن بعض الحروف، أتى بما يمكنه، وإن كان أخرس، فعليه ~~تحريك لسانه، لأن ذلك كان يلزمه مع النطق، فإذا عجز عن أحدهما بقي الآخر. ~~ذكره القاضي. ويقوى عندي أن لا يلزمه تحريك لسانه، لأن ذلك إنما وجب على ~~الناطق ضرورة القراءة، وإذا سقطت سقط ما هو من ضرورتها، كالجاهل الذي لا ~~يحسن شيئا من الذكر، ولأن تحريك لسانه بغير القراءة عبث مجرد، فلا يرد ~~الشرع به، ويبين التكبير، ولا يمططه، فإن مططه تمطيطا يغير المعنى، مثل أن ~~يمد الهمزة في اسم الله تعالى، فيجعله استفهاما، أو يمد أكبار، فيزيد ألفا ~~فيصير جمع كبير. وهو الطبل، لم تجزه، ويجهر بالتكبير إن كان إماما بقدر ما ~~يسمع من خلفه، وإن لم يكن إماما بقدر ما يسمع نفسه كالقراءة. # فصل: # ويستحب أن يرفع يده، ممدودة الأصابع، مضموما بعضها إلى بعض حتى يحاذي ~~بهما منكبيه، أو فروع أذنيه لما روى ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من ~~الركوع رفعهما كذلك، ولا يفعل ذلك في السجود» . متفق عليه. ويكون ابتداء ~~الرفع مع ابتداء التكبير، وانتهاؤه مع انتهائه، لأن الرفع للتكبير، فيكون ~~معه فإن سبق رفعه التكبير، أثبتهما حتى يكبر، ولا يحطهما في حال التكبير. ~~وإن لم يرفع حتى فرغ التكبير، لم يرفع لأنه سنة فات # PageV01P243 # محلها. وإن ذكر في الثانية، رفع لأن محله باق، وإن عجز عن الرفع إلى حذو ~~المنكبين، رفع قدر ما يمكنه، وإن عجز عن رفع إحدى اليدين رفع الأخرى، لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» . # فصل: # فإذا ms0104 فرغ استحب وضع يمينه على شماله، لما روى هلب، قال، «كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه» . قال الترمذي: هذا حديث ~~حسن. ويجعلهما تحت السرة، لما روي عن علي أنه قال: «السنة وضع الكف على ~~الكف في الصلاة تحت السرة» . رواه أبو داود. وعنه: فوق السرة. وعنه: أنه ~~مخير. ويستحب جعل نظره إلى موضع سجوده، لأنه أخشع للمصلي، وأكف لنظره. # فصل: # ويستحب أن يستفتح. قال أحمد: أما أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر - يعني ما ~~رواه الأسود - أنه صلى خلف عمر، فسمعه كبر، فقال: «سبحانك اللهم وبحمدك، ~~وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك» . رواه مسلم. ولو أن رجلا استفتح ~~ببعض ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الاستفتاح كان حسنا، أو ~~قال: جائزا. وإنما اختاره أحمد، لأن عائشة وأبا سعيد، قالا: كان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - إذا استفتح الصلاة، قال ذلك. وعمل به عمر بمحضر من ~~الصحابة، فكان أولى من غيره، وصوب الاستفتاح بغيره مثل ما روى أبو هريرة ~~قال: «قلت: يا رسول الله أرأيت إسكاتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ ~~قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، ~~اللهم نقني من خطاياي، كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من ~~خطاياي # PageV01P244 # بالثلج والماء والبرد» متفق عليه. قال أحمد: ولا يجهر الإمام بالاستفتاح، ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجهر به. # فصل: # ثم يستعيذ بالله، فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لقوله تعالى: ~~{فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [النحل: 98] . قال ابن ~~المنذر: وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «كان يقول قبل القراءة: ~~أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» . # فصل: # ثم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ولا يجهر بها، لما روى أنس بن مالك قال: ~~«صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع ~~أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم» . رواه البخاري ومسلم. وفيها ~~روايتان: # إحداهما: ms0105 أنها آية من الفاتحة، اختارها أبو عبد الله بن بطة، وأبو حفص، ~~لما روت أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «قرأ في الصلاة. بسم الله ~~الرحمن الرحيم، وعدها آية، والحمد لله رب العالمين آيتين» ، ولأن الصحابة ~~أثبتوها في المصاحف فيما جمعوا من القرآن، فدل على أنها منها. # والثانية: ليست منها، لما روى أبو هريرة قال: «سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا ~~قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، فإذا قال: ~~الرحمن الرحيم، قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: مالك يوم الدين، قال ~~مجدني عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك # PageV01P245 # نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: اهدنا الصراط ~~المستقيم، صراط الذين ... إلى آخرها، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» رواه ~~مسلم. ولو كانت بسم الله الرحمن الرحيم منها لبدأ بها، ولم يتحقق التنصيف، ~~ولأن مواضع الآي كالآي في أنها لا تثبت إلا بالتواتر، ولا تواتر فيما نحن ~~فيه، ومن نسي الاستفتاح حتى شرع في الاستعاذة أو نسي الاستعاذة حتى شرع في ~~البسملة، أو البسملة حتى شرع في الفاتحة على الرواية التي تقول: ليست من ~~الفاتحة، لم يرجع إليها لأنها سنة فات محلها. # فصل: # ثم يقرأ الفاتحة، وهو الركن الثالث في حق الإمام المنفرد، لما روى عبادة ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة ~~الكتاب» متفق عليه. # ولا تجب على المأموم لقول الله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا} [الأعراف: 204] . وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «ما لي أنازع القرآن قال: فانتهى الناس أن يقرأوا فيما جهر فيه النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -» . رواه مالك في الموطأ. ولأنها لو وجبت عليه لم ~~تسقط عن المسبوق، كسائر الأركان لكن إن سمع قراءة الإمام أنصت له، ويقرأ في ~~سكاته وإسراره، لأن مفهوم قوله: فانتهى الناس أن يقرؤوا فيما ms0106 جهر فيه، أنهم ~~يقرأون في غيره. # وتجب قراءة الفاتحة في كل ركعة، لما روى أبو قتادة أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «كان يقرأ في الأخيرتين بأم الكتاب» . متفق عليه. وروي أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - علم المسيء في صلاته، فقال: «اقرأ بفاتحة ~~الكتاب وما تيسر، ثم قال: اصنع في كل ركعة مثل ذلك» ولأنه ركن لا تفتتح به ~~الصلاة فتكرر في كل ركعة، كالركوع. وعنه: لا تجب إلا في الأوليين، لأنها لو ~~وجبت في غيرهما لسن الجهر بها في بعض الصلوات كالأوليين. # ويجب أن يقرأ الفاتحة مرتبة متوالية، فإن قطع قراءتها بذكر كثير، أو سكوت # PageV01P246 # طويل عامدا، أعادها وإن فعل ذلك ناسيا، أو كان الذكر أو السكوت يسيرا، ~~أتمها لأن الموالاة لا تفوت بذاك. وإن نوى قطعها، لم تنقطع، لأن القراءة ~~باللسان فلم تنقطع بالنية بخلاف نية الصلاة. # ويأتي فيها بإحدى عشرة تشديدة، فإن أخل بحرف منها أو شدة، لم تصح، لأنه ~~لم يقرأها كلها، والشدة أقيمت مقام حرف، وإن خفف الشدة صح، لأنه كالنطق به ~~مع العجلة. # فصل: # فإذا فرغ منها، قال: آمين، يجهر بها فيما يجهر فيه بالقراءة، لما روى ~~وائل بن حجر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان إذا قال: ولا الضالين ~~قال: آمين، ورفع بها صوته» . رواه أبو داود. ويؤمن المأمومون مع تأمينه، ~~لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا قال الإمام {ولا الضالين} ~~[الفاتحة: 7] ، فقولوا: آمين» ، وفي لفظ: «إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من ~~وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له» متفق عليه. ويجهرون بها لما روى عطاء ~~أن ابن الزبير كان يؤمن ويؤمنون حتى إن للمسجد للجة. رواه الشافعي في ~~مسنده. فإن نسيه الإمام جهر به المأموم، ليذكره فإن لم يذكره حتى شرع في ~~القراءة لم يأت به، لأنه سنة فات محلها. # وفي آمين لغتان: قصر الألف ومدها مع التخفيف، فإن شدد الميم لم يجزئه ~~لأنه يغير معناها. # فصل: # فإن لم يحسن الفاتحة، لزمه تعلمها، فإن ضاق الوقت عن ذلك، قرأ ms0107 سبع آيات ~~من غيرها. وهل يجب أن يكون في عدد حروفها؟ على وجهين: # PageV01P247 # أحدهما: [يجب] لأن الثواب مقدر بالحروف، فاعتبرت كالآي. # والآخر: لا يعتبر، لأنه من فاته صوم يوم طويل لم يعتبر كون القضاء في يوم ~~طويل مثله، فإن لم يحسن سبعا كرر ما يحسن بقدرها، فإن لم يحسن إلا آية من ~~الفاتحة وشيئا من غيرها، ففيه وجهان: # أحدهما: يكرر آية الفاتحة، لأنها أقرب إليها. # والثاني: يقرأ تمام السبع من غيرها، لأنه لو لم يحسن شيئا من الفاتحة، ~~قرأ من غيرها فما عجز عنه منها وجب أن يأتي ببدله من غيرها، فإن لم يحسن ~~الفاتحة بالعربية، لم يجز أن يترجم عنها بلسان آخر، لأن الله تعالى جعل ~~القرآن عربيا، ويلزمه أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ~~والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لما روى عبد الله بن أبي أوفى قال: ~~«جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إني لا أستطيع أن آخذ ~~شيئا من القرآن، فعلمني ما يجزئني، فقال: قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا ~~إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله» رواه أبو داود. ~~ولأنه ركن من الصلاة، فقام غيره مقامه عند العجز عنه، كالقيام، فإن لم يحسن ~~إلا بعض ذلك، كرره بقدره، فإن لم يحسن شيئا وقف بقدر القراءة. # فصل: # ويستحب للإمام أن يسكت بعد الفاتحة سكتة، يقرأ فيها من خلفه، لما روى ~~سمرة: أنه حفظ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سكتتين، سكتة إذا كبر، ~~وسكتة إذا فرغ من قراءة: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: 7] ~~رواه أبو داود. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: للإمام سكتتان، فاغتنموا ~~فيهما القراءة بفاتحة الكتاب، إذا افتتح الصلاة، وإذا قال: {ولا الضالين} ~~[الفاتحة: 7] . # فصل: # ويسن أن يقرأ بعد الفاتحة سورة تكون في الصبح من طوال المفصل، وفي # PageV01P248 # المغرب من قصاره، وفي سائرهن من أوساطه، لما روى جابر بن سمرة أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «كان يقرأ ms0108 في الفجر ب "ق» رواه مسلم. # وعنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان يقرأ في الظهر والعصر ب ~~{والسماء والطارق} [الطارق: 1] و {والسماء ذات البروج} [البروج: 1] ونحوهما ~~من السور» . رواه أبو داود. # وعنه قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دحضت الشمس، صلى ~~الظهر، ويقرأ بنحو: {والليل إذا يغشى} [الليل: 1] والعصر كذلك، والصلوات ~~كلها إلا الصبح، فإنه كان يطيلها» . رواه أبو داود. وما قرأ به بعد أم كتاب ~~في ذلك كله أجزأه. # ويستحب له أن يطيل الركعة الأولى من كل صلاة، لما روى أبو قتادة أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - «كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر، بفاتحة ~~الكتاب وسورتين، يطول في الأولى، ويقصر في الثانية، ويسمع الآية أحيانا، ~~وكان يقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب، وكان يقرأ في العصر في ~~الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب، وسورتين، يطول في الأولى، ويقصر في ~~الثانية، وكان يطول في الركعة الأولى من الصبح، ويقصر في الثانية» . متفق ~~عليه. وفي رواية: «فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى، ولا ~~يزيد على أم الكتاب في الأخيرتين من الرباعية، ولا الثالثة من المغرب» ، ~~لهذا الحديث. # فصل: # ويسن للإمام الجهر بالقراءة في الصبح، والأوليين من المغرب والعشاء، ~~والإسرار فيما وراء ذلك، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك. ~~ولا يسن الجهر لغير الإمام، لأنه لا يقصد إسماع غيره، وإن جهر المنفرد فلا ~~بأس، لأنه لا ينازع غيره، وكذلك القائم لقضاء ما فاته من الجماعة. وإن ~~فاتته الصلاة ليلا فقضاها نهارا، لم يجهر، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «إن صلاة النهار عجماء» فإن فاتته صلاة نهار فقصاها ليلا لم يجهر، لأنها ~~صلاة نهار، وإن فاتته ليلا، فقضاها ليلا في جماعة جهر. # وإذا فرغ من القراءة استحب له أن يسكت سكتة قبل الركوع، لأن في حديث سمرة ~~في بعض رواياته: «وإذا فرغ من القراءة سكت» . # PageV01P249 # فصل: # ثم يركع وهو الركن الرابع، لقول الله تعالى: {اركعوا واسجدوا} [الحج: 77] ~~ويكبر للركوع، لما روى ms0109 أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «كان ~~إذا قام إلى الصلاة كبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يكبر حين يسجد، ثم ~~يكبر حين يرفع رأسه، يفعل ذلك في صلاته كلها» ، رواه البخاري. وفي هذه ~~التكبيرات روايتان: # إحداهما: أنها واجبة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعلها، وقد ~~قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» متفق عليه. ولأن الهوي إلى الركوع فعل، فلم ~~يخل من ذكر واجب، كالقيام. # والثانية: لا يجب، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلمها المسيء في ~~صلاته، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. ويستحب أن يرفع يديه مع ~~التكبير لحديث ابن عمر، وقدر الإجزاء: الانحناء حتى يمكنه مس ركبتيه بيديه، ~~لأنه لا يسمى راكعا بدونه. # ويجب أن يطمئن راكعا وهو الركن الخامس، لقول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - للمسيء في صلاته: «ثم اركع حتى تطمئن راكعا» متفق عليه. ويستحب أن ~~يضع يديه على ركبتيه، قابضا لهما، ويسوي ظهره، ولا يرفع رأسه، ولا يخفضه، ~~ويجافي يديه على جنبيه، لما روى أبو حميد أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «كان إذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره» ، وفي لفظ: «ركع ثم ~~اعتدل، فلم يصوب رأسه ولم يقنع» . وفي رواية: «ووضع يديه على ركبتيه كأنه ~~قابض عليهما، ووتر يديه، فنحاهما عن جنبيه» . حديث صحيح. # فصل: # ثم يقول: سبحان ربي العظيم، وفيه روايتان: # إحداهما: يجب، لما روى عقبة بن عامر أنه «لما نزل: {فسبح باسم ربك ~~العظيم} [الواقعة: 74] قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: اجعلوها في ~~ركوعكم فلما نزل: {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] قال: اجعلوها في سجودكم ~~رواه» أبو داود. ولأنه فعل في الصلاة، فلم يخل من ذكر واجب، كالقيام. # والثانية: ليس بواجب، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلمه المسيء ~~في صلاته، وأدنى الكمال ثلاث، لما روى ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «إذا ركع أحدكم فليقل: سبحان ربي # PageV01P250 # العظيم ثلاثا، وذلك أدناه، وإذا سجد ms0110 فليقل: سبحان ربي الأعلى ثلاثا، وذلك ~~أدناه» رواه الأثرم والترمذي. وإن اقتصر على واحدة أجزأه، لأنه ذكر مكرر، ~~فأجزأت الواحدة، كسائر الأذكار. # فصل: # ثم يرفع رأسه قائلا: سمع الله لمن حمده، حتى يعتدل قائما، وهذا الرفع ~~والاعتدال الركن السادس والسابع، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للمسيء ~~في صلاته: «ثم ارفع حتى تعتدل قائما» وفي حديث أبي حميد «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: سمع الله لمن حمده ورفع يديه، واعتدل حتى رجع كل ~~عظم في موضعه معتدلا» . وفي وجوب التسميع روايتان، لما ذكرنا في التكبير، ~~ولا يشرع للمأموم، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا قال: ~~الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد» ويقول في اعتداله: ربنا ~~ولك الحمد. وفي وجوبه روايتان. لما ذكرنا. قال الأثرم: وسمعت أبا عبد الله ~~يثبت أمر الواو. وقال: قد روى فيه الزهري ثلاثة أحاديث عن أنس، وعن سعيد عن ~~أبي هريرة، وعن سالم عن أبيه. وإن قال: ربنا لك الحمد، جاز، نص عليه، لأنه ~~قد صحت به السنة. # ويستوي في ذلك كل مصل، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله، وأمر به ~~المأمومين. ويستحب أن يقول: ملء السماء وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء ~~بعد، لما روى أبو سعيد، وابن أبي أوفى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«كان إذا رفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد ملء السماء وملء ~~الأرض وملء ما شئت من شيء بعد» متفق عليه. ولا يستحب للمأموم الزيادة على ~~«ربنا ولك الحمد» نص عليه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فقولوا: ~~ربنا ولك الحمد» ولم يأمره بغيره. وعنه: ما يدل على استحباب قول: «ملء ~~السماء» وهو اختيار أبي الخطاب لأنه ذكر مشروع للإمام، فشرع للمأموم ~~كالتكبير. وموضع ربنا ولك الحمد، من حق الإمام المنفرد بعد اعتداله، ~~وللمأموم حال رفعه، لأن قوله: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ~~ربنا ولك الحمد» يقتضي تعقيب قول الإمام قول المأموم، وهي ms0111 حال رفعه. # PageV01P251 # فصل: # في السجود: ثم يخر ساجدا ويطمئن في سجوده، وهما الركن الثامن والتاسع، ~~لقول الله تعالى: {اسجدوا} [البقرة: 34] ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- للأعرابي: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا» وينحط إلى السجود مكبرا لحديث أبي ~~هريرة، ولا يرفع يديه، لحديث ابن عمر. ويكون أول ما يقع منه على الأرض ~~ركبتاه، ثم يداه، ثم جبهته وأنفه، لما روى وائل بن حجر قال: «كان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه ~~قبل ركبتيه» رواه أبو داود. والسجود على هذه الأعضاء واجب، لما روى ابن ~~عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمرت أن أسجد على سبع أعظم، ~~الجبهة، وأشار بيده إلى أنفه، واليدين والركبتين، وأطراف القدمين» متفق ~~عليه. # وفي الأنف روايتان: # إحداهما: لا يجب السجود عليه، لأنه ليس من السبعة المذكورة. # والثانية: تجب، لإشارة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أنفه عند بيان ~~أعضاء السجود. ولا يجب مباشرة المصلي بشيء من هذه الأعضاء إلا الجبهة، فإن ~~فيها روايتين: # إحداهما: يجب، لما روي عن خباب قال: «شكونا إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا، فلم يشكنا» . رواه مسلم. # والثانية: لا يجب، وهو ظاهر المذهب، لما روى أنس قال: «كنا نصلي مع النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود» ~~. رواه البخاري ومسلم. ولأنها من أعضاء السجود، فجاز السجود على حائلها ~~كالقدمين. ويستحب أن يجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ~~ساقيه، لما روى أبو حميد «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جافى عضديه عن ~~إبطيه» . «ووصف البراء سجود النبي - صلى الله عليه وسلم -، فوضع يديه ~~واعتمد على ركبتيه ورفع عجيزته وقال: هكذا كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يسجد» . رواه أبو # PageV01P252 # داود. ويستحب أن يضم أصابع يديه بعضها إلى بعض، ويضعها على الأرض حذو ~~منكبيه، ويرفع مرفقيه، ويكون على أطراف أصابع قدميه، ويثنيها نحو القبلة، ms0112 ~~لما روى أبو حميد «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وضع كفيه حذو منكبيه» . ~~وفي لفظ: «سجد غير مفترش، ولا قابضهما، واستقبل بأطراف رجليه القبلة» . وفي ~~رواية: «فسجد فانتصب على كفيه وركبتيه، وصدور قدميه، وهو ساجد» . وقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا سجد أحدكم فليعتدل ولا يفترش افتراش ~~الكلب» ، صحيح متفق على معناه. ويقول: سبحان ربي الأعلى، وحكمه حكم تسبيح ~~الركوع في عدده ووجوبه لما مضى. فإذا أراد السجود فهوى على وجهه، فوقعت ~~جبهته على الأرض، أجزأه لأنه قد نواه. وإن انقلب على جنبه، ثم انقلب فمست ~~جبهته الأرض ناويا السجود، أجزأه، وإن لم ينو لم يجزئه، ويأتي بالسجود ~~بعده. # فصل: ثم يرفع رأسه مكبرا، ويعتدل جالسا، وهما الركن العاشر والحادي عشر، ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي: «ثم ارفع حتى تطمئن جالسا» ~~ويجلس مفترشا، يفرش رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب اليمنى، لقول أبي حميد ~~في وصف صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ثم ثنى رجله اليسرى، وقعد ~~عليها، ثم اعتدل حتى رجع كل عظم في موضعه» . وقالت عائشة - رضي الله عنها ~~-: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفرش رجله اليسرى، وينصب اليمنى، ~~وينهى عن عقبة الشيطان» . رواه مسلم. ويسن أن يثني أصابع اليمنى نحو ~~القبلة، لما روى النسائي عن ابن عمر أنه قال: «من سنة الصلاة أن ينصب القدم ~~اليمنى، واستقباله # PageV01P253 # بأصابعها القبلة» . ويكره الإقعاء وهو أن يفترش قدميه، ويجلس على عقبيه، ~~بهذا فسره أحمد، لحديث أبي حميد وعائشة. وعن أحمد أنه قال: لا أفعله، ولا ~~أعيب في فعله، العبادلة كانوا يفعلونه، وقال ابن عباس: «هو سنة نبيك - صلى ~~الله عليه وسلم -» . رواه مسلم. ويقول: رب اغفر لي، لما روى حذيفة «أنه صلى ~~مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي رب ~~اغفر لي» رواه النسائي. والقول في وجوبه وعدده، كالقول في تسبيح الركوع. ~~وإن قال ما روى ابن عباس: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول بين ~~السجدتين: اللهم اغفر لي ms0113 وارحمني، واهدني، وعافني وارزقني فلا بأس» . رواه ~~أبو داود. # فصل: # ثم يسجد السجدة الثانية كالأولى سواء، وفيها ركنان، ثم يرفع رأسه مكبرا ~~لحديث أبي هريرة. وهل يجلس للاستراحة فيه؟ فيه روايتان: # إحداهما: يجلس، اختارها الخلال، لما روى مالك بن الحويرث أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «كان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض» . متفق ~~عليه. وصفة جلوسه مثل جلسة الفصل، لما روى أبو حميد في صفة صلاة رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «ثم ثنى رجله وقعد واعتدل حتى رجع كل عظم في ~~موضعه، ثم نهض» . حديث صحيح. وقال الخلال: روى عن أحمد من لا أحصيه كثرة ~~أنه يجلس على إليته. وقال الآمدي: يجلس على قدميه، ولا يلصق إليته بالأرض. # والرواية الثانية: لا يجلس بل ينهض على صدور قدميه معتمدا على ركبتيه، ~~لما روى أبو هريرة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينهض على صدور ~~قدميه» . وفي حديث وائل بن حجر: «وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» . وفي لفظ: ~~«فإذا نهض، نهض على ركبتيه، واعتمد # PageV01P254 # على فخذيه» . رواه أبو داود. ولا يعتمد بيده على الأرض، لما ذكرنا، إلا ~~أن يشق ذلك عليه، لضعف أو كبر. ولا يكبر لقيامه من جلس الاستراحة لأنه قد ~~كبر لرفعه من السجود. # فصل: # ثم يصلي الركعة الثانية كالأولى، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~للأعرابي: «ثم اصنع ذلك في صلاتك كلها» إلا في النية والاستفتاح، لأنه يراد ~~لافتتاح الصلاة، وفي الاستعاذة روايتان: # إحداهما: يستعيذ، لقول الله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من ~~الشيطان الرجيم} [النحل: 98] فيقتضي أن يستعيذ عند كل قراءة. # والثانية: لا يستعيذ لما روى أبو هريرة قال: «كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا نهض من الركعة الثانية، استفتح القراءة بالحمد لله رب ~~العالمين، ولم يسكت» . رواه مسلم. # ولأن الصلاة جملة واحدة، فإذا أتى بالاستعاذة من أولها، كفى كالاستفتاح، ~~فإن نسيها في أول الصلاة، أتى بها في الثانية، والاستفتاح خلاف ذلك، نص ~~عليه. # فصل: # ثم يجلس مفترشا، ms0114 لقول أبي حميد في صفة صلاة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، «فإذا جلس في الركعتين، جلس على اليسرى ونصب الأخرى» ، وفي لفظ: ~~«فافترش رجله اليسرى، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته» . صحيح. ويستحب أن يضع ~~يده اليسرى على فخذه اليسرى مبسوطة مضمومة الأصابع مستقبلا بأطرافها ~~القبلة، أو يلقمها ركبته، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، يعقد الوسطى مع ~~الإبهام عقد ثلاث وخمسين، ويشير بالسبابة عند ذكر الله تعالى، ويقبض الخنصر ~~والبنصر، لما روى ابن عمر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وضع يده اليمنى ~~على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثا وخمسين، وأشار بالسبابة» . رواه مسلم. # PageV01P255 # وعنه: يبسط الخنصر والبنصر، لما روى ابن الزبير قال: «كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا قعد يدعو وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده ~~اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بإصبعه السبابة يدعو، ووضع إبهامه على إصبعه ~~الوسطى يدعو» ، وفي لفظ: «وألقم كفه اليسرى ركبته» ، رواه مسلم. وفي لفظ: ~~«وكان يشير بإصبعه إذا دعا، ولا يحركها» ، رواه أبو داود. # فصل: # ثم يتشهد لما روى ابن مسعود قال: «علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- التشهد، كفي بين كفيه، كما يعلمني السورة من القرآن: التحيات لله، ~~والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله» . متفق عليه. قال الترمذي هذا أصح حديث روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في التشهد، فاختاره أحمد لذلك، فإن تشهد بغيره مما صح عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كتشهد ابن عباس وغيره جاز، نص عليه. ومقتضى ~~هذا أنه متى أخل بلفظة ساقطة في بعض التشهدات، فلا بأس، فإذا فرغ منه، ~~وكانت الصلاة أكثر من ركعتين، لم يزد عليه، لما روى ابن مسعود أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «كان يجلس في الركعتين الأوليين كأنه على الرضف.» ~~رواه أبو داود. لشدة تخفيفه، ثم نهض مبكرا كنهوضه من السجود، ويصلي الثالثة ~~والرابعة كالأوليين إلا ms0115 في الجهرية، ولا يزيد على فاتحة الكتاب لما قدمناه. # فصل: # فإذا فرغ جلس فتشهد، وهما الركن الثاني والثالث عشر، لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أمر به # PageV01P256 # وعلمه ابن مسعود، ثم قال: «فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك» رواه أبو داود. # وعن ابن مسعود قال: «كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله ~~قبل عباده، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا تقولوا: السلام على ~~الله، ولكن قولوا: التحيات لله» فدل هذا على أنه فرض، ويجلس متوركا يفرش ~~رجله اليسرى، وينصب اليمنى، ويخرجهما عن يمينه؛ لقول أبي حميد في وصفه: ~~«فإذا جلس في الركعتين جلس على اليسرى، ونصب اليمنى، فإذا كانت السجدة التي ~~فيها التسليم أخر رجله اليسرى، وجلس متوركا على شقه الأيسر، وقعد على ~~مقعدته» . رواه البخاري. # وقال الخرقي: يجعل باطن رجله اليسرى تحت فخذه اليمنى، ويجعل إليته على ~~الأرض؛ لأن في بعض لفظ حديث أبي حميد: «جلس على إليتيه، وجعل باطن قدمه ~~اليسرى عند مأبض اليمنى، ونصب قدمه اليمنى» . # وقال ابن الزبير: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قعد في ~~الصلاة جعل قدمه اليسرى تحت فخذه وساقه» ، رواهما أبو داود: وأيهما فعل ~~جاز، ولا يتورك إلا في صلاة فيها تشهدان في الأخير منهما؛ لأنه جعل للفرق، ~~ولا حاجة إليه مع عدم الاشتباه. # فصل: # ثم يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفيها روايتان: # إحداهما: ليست واجبة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد: ~~«فإذا فعلت فقد تمت صلاتك» . # والثانية: أنها واجبة، قال أبو زرعة الدمشقي، عن أحمد قال: كنت أتهيب ~~ذلك، ثم تبينت، فإذا الصلاة واجبة، ووجهها ما روى كعب بن عجرة قال: إن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج علينا فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا كيف ~~نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، ~~كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، ~~كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد ms0116 # PageV01P257 # مجيد» متفق عليه، قال بعض أصحابنا: وتجب الصلاة على هذه الصفة، لأمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بها، والأولى أن يكون هذا الأفضل، وكيفما أتى ~~بالصلاة أجزأه؛ لأنها رويت بألفاظ مختلفة، فوجب أن يجزئ منها ما اجتمعت ~~عليه الأحاديث. # فصل: # ويستحب أن يتعوذ من أربع؛ لما روى أبو هريرة قال: كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يدعو: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ~~ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» متفق عليه، ولمسلم: «إذا ~~تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع» وذكره، وما دعا به مما ورد في القرآن ~~والأخبار فلا بأس إلا أن يكون إماما، فلا يستحب له التطويل، كيلا يشق على ~~المأمومين إلا أن يؤثروا ذلك، وقد روي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ~~أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، ~~قال: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر ~~لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» متفق عليه. # فصل: # ولا يجوز أن يدعو فيها بالملاذ وشهوات الدنيا، وما يشبه كلام الآدميين، ~~مثل: اللهم ارزقني زوجة حسناء، وطعاما طيبا؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح ~~والتكبير وقراءة القرآن» رواه مسلم، ولأن هذا يتخاطب بمثله الآدميون أشبه ~~تشميت العاطس، ورد السلام. # فصل: # ثم يسلم، والسلام هو الركن الرابع عشر؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «مفتاح الصلاة # PageV01P258 # الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» رواه أبو داود، والترمذي، ~~ولأنه أحد طرفي الصلاة، فكان فيه نطق واجب كالأول، ويسلم تسليمتين، فيقول: ~~السلام عليكم ورحمة الله، ويلتفت عن يمينه وعن يساره كذلك، لما «روى ابن ~~مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم عن يمينه، السلام عليكم ~~ورحمة الله، وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله، وفي لفظ: رأيت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يسلم حتى يرى بياض خده ms0117 عن يمينه وعن يساره» ، رواه ~~مسلم. # ويكون التفاته في الثانية أوفى، قال ابن عقيل يبتدئ بقوله: السلام عليكم ~~إلى القبلة، ثم يلتفت قائلا: ورحمة الله عن يمينه ويساره؛ «لقول عائشة كان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يسلم تلقاء وجهه» ، معناه ابتداء السلام، ~~ويستحب أن يجهر بالأولى أكثر من الثانية، نص عليه، واختاره الخلال، وحمل ~~أحمد «حديث عائشة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم تسليمة واحدة» ~~، على أنه كان يجهر بواحدة، ويستحب أن لا يمد السلام؛ لأن أبا هريرة قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «حذف السلام سنة» رواه الترمذي، ~~وقال: حديث صحيح. قال ابن المبارك: معناه لا يمده مدا. قال أحمد: معناه لا ~~يطول به صوته. # فصل: # والواجب تسليمة واحدة، والثانية سنة؛ لأن عائشة وسهل بن سعد وسلمة بن ~~الأكوع رووا أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى فسلم مرة واحدة» ، ولأنه ~~إجماع حكاه ابن المنذر، وعنه أن الثانية واجبة؛ لأن جابرا قال: قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على ~~أخيه من على يمينه وشماله» رواه مسلم، ولأنها عبادة لها تحللان، فكان ~~الثاني واجبا كالحج. # فصل: # فإن اقتصر على قول: السلام عليكم، فقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه ~~يجزئه، # PageV01P259 # نص عليه في صلاة الجنازة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«تحليلها التسليم» وهو حاصل بدون الرحمة، وعن علي - رضي الله عنه - أنه كان ~~يسلم عن يمينه وعن يساره السلام عليكم، السلام عليكم. وقال ابن عقيل: ~~الصحيح أنه لا يجزئ؛ لأن من وصف سلام النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~الصحابة، قال فيه: " ورحمة الله " ولأنه سلام ورد فيه ذكر الرحمة، فلم ~~يجزئه بدونها، كالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد، ويأتي ~~بالسلام مرتبا فإن نكسه، فقال: عليكم السلام، أو نكس التشهد لم تصح. # وذكر القاضي وجها من صحته؛ لأن المقصود يحصل، وهو بعيد؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال مرتبا، وعلمهم إياه ms0118 مرتبا، ولأنه ذكر يؤتى به في أحد ~~طرفي الصلاة، فاعتبر ترتيبه كالتكبير. # فصل: # وينوي بسلامه الخروج من الصلاة، فإن لم ينو لم تبطل صلاته، نص عليه؛ لأن ~~نية الصلاة قد شملت جميعها، والسلام من جملتها، ولأنها عبادة فلم تجب النية ~~للخروج منها كسائر العبادات، وقال ابن حامد: تبطل صلاته؛ لأنه أحد طرفي ~~الصلاة، فوجبت فيه النية كالآخر، وإن نوى بالسلام على الحفظة وعلى المصلين ~~معه فلا بأس، نص عليه؛ لحديث جابر الذي قدمناه، وفي لفظ: «أمرنا النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أن نرد على الإمام، وأن يسلم بعضنا على بعض» رواه أبو ~~داود. # فصل: # ويستحب ذكر الله تعالى بعد انصرافه من الصلاة ودعائه واستغفاره، قال ~~المغيرة: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - «يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو ~~على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا ~~الجد منك الجد» متفق عليه. # وقال ثوبان: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا انصرف من صلاته ~~استغفر الله ثلاثا، وقال: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا ~~الجلال والإكرام» رواه مسلم. «وقال ابن عباس: # PageV01P260 # إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -. وقال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا ~~سمعته» متفق عليه. # فصل: # ويكره للإمام إطالة الجلوس في مكانه مستقبل القبلة؛ لأن عائشة قالت: «كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: ~~اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» رواه ابن ~~ماجه. فإن أحب قام، وإن شاء انحرف عن قبلته، لما روى سمرة قال: «كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى أقبل علينا بوجهه» ، رواه مسلم. # وينصرف حيث شاء، عن يمين أو شمال؛ لقول ابن مسعود: «لا يجعل أحدكم ~~للشيطان حظا من صلاته، يرى ms0119 أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أكثر ما ينصرف عن يساره» . متفق عليه. # فإن كان مع الإمام رجال ونساء، فالمستحب أن تثب النساء، ويثبت هو ~~والرجال، بقدر ما ينصرف النساء؛ لقول أم سلمة: «إن النساء في عهد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، كن إذا سلمن من المكتوبة قمن، وثبت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قام الرجال، قال الزهري: فنرى أن ذلك لكي ينفذ من ~~ينصرف من النساء» ، رواه البخاري. ولأن الإخلال بذلك يفضي إلى اختلاط ~~الرجال بالنساء، ولا يثب المأمومون قبل انصراف الإمام، لئلا يذكر سهوا ~~فيسجد، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إني إمامكم فلا تبادروني ~~بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف» رواه # PageV01P261 # مسلم. # فإن انحرف عن قبلته أو خالف السنة في إطالة الجلوس مستقبل القبلة، فلا ~~بأس أن يقوم المأموم ويدعه. # فصل: # ويكره للإمام التطوع في موضع صلاة مكتوبة، نص عليه، وقال: كذا قال علي بن ~~أبي طالب - رضي الله عنه - وللمأموم أن يتطوع في موضع صلاته، فعله ابن عمر ~~- رضي الله عنه -، وروى المغيرة بن شعبة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «لا يتطوع الإمام في مقامه الذي يصلي به الناس» رواه أبو داود. فإن ~~دعت إليه ضرورة، لضيق المسجد انحرف قليلا عن مصلاه، ثم صلى. # فصل: # وترتيب الصلاة على ما ذكرنا، وهو الركن الخامس عشر، فصارت أركان الصلاة ~~خمسة عشر، لا يسامح بها في عمد ولا سهو. # وواجباتها المختلف فيها: تسعة؛ التكبير سوى تكبيرة الإحرام، التسبيح في ~~الركوع والسجود مرة مرة، وقول: سمع الله لمن حمده، وقول: ربنا ولك الحمد، ~~وقول: رب اغفر لي، بين السجدتين مرة، والتشهد الأول، والجلوس له، والصلاة ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم -، والتسليمة الثانية: وقد ذكرنا في وجوب ~~جميعها روايتين. # وما عدا ذلك فسنن، تتنوع ثلاثة أنواع: # PageV01P262 # سنن الأقوال، وهي اثنتا عشرة: ms0120 الاستفتاح، والاستعاذة، وقراءة بسم الله ~~الرحمن الرحيم، وقول آمين، وقراءة السورة بعد الفاتحة، والجهر والإخفات في ~~موضعهما، وما زاد على التسبيحة الواحدة في الركوع والسجود، وعلى المرة في ~~سؤال المغفرة، وقول ملء السماء بعد التحميد، والدعاء، والتعوذ في التشهد ~~الأخير، وقنوت الوتر. # النوع الثاني: سنن الأفعال، وهي اثنتان وعشرون: رفع اليدين عند الإحرام، ~~الركوع والرفع منه، ووضع اليمنى على اليسرى، وجعلهما فوق السرة، والنظر إلى ~~موضع سجوده، ووضع اليدين على الركبتين في الركوع، ومد الظهر والتسوية بين ~~رأسه وظهره، والتجافي فيه، والبداءة بوضع الركبتين قبل اليدين في السجود، ~~ورفع اليدين قبل الركبتين في النهوض، والتجافي فيه، وفتح أصابع رجليه فيه، ~~وفي الجلوس، ووضع يديه حذو منكبيه مضمومة، مستقبلا بها القبلة، والتورك في ~~التشهد الأخير، والافتراش في الأول، وفي سائر الجلوس، ووضع اليد اليمنى على ~~الفخذ اليمنى مقبوضة محلقة، والإشارة بالسبابة، ووضع اليسرى على الفخذ ~~اليسرى مبسوطة، والالتفات عن يمينه وشماله في التسليم، والسجود على أنفه، ~~وجلسة الاستراحة على إحدى الروايتين فيهما. # والنوع الثالث: ما يتعلق بالقلب: وهو الخشوع، ونية الخروج في سلامه. # فصل: # ولا يسن القنوت في صلاة فرض؛ لأن أبا مالك الأشجعي، قال: قلت لأبي: «يا ~~أبت، إنك قد صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبي بكر، وعمر، ~~وعثمان، وعلي، هاهنا في الكوفة نحوا من خمس سنين، أكانوا يقنتون؟ قال: أي ~~بني، محدث» ، قال الترمذي: هذا حديث حسن. وعن أنس: «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قنت شهرا يدعو على حي من أحياء العرب، ثم تركه» . رواه مسلم، ~~فإن نزل بالمسلمين نازلة فللإمام القنوت في صلاة الصبح بعد الركوع، اقتداء ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لما روى أبو هريرة «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كان لا يقنت في صلاة الفجر إلا إذا دعا لقوم أو دعا على ~~قوم» ، رواه سعيد في سننه، وليس ذلك لآحاد المسلمين، ويقول في قنوته نحوا ~~من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقول عمر رضي # PageV01P263 # الله عنه وكان ms0121 عمر يقول في القنوت: " اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، ~~والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك ~~وعدوهم، اللهم العن كفرة أهل الكتاب، الذين يكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك، ~~اللهم خالف بين كلمتهم، وزلزل أقدامهم وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم ~~المجرمين، بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك " رواه أبو داود. ### | باب صلاة التطوع # وهي من أفضل تطوع البدن؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«واعلموا أن من خير أعمالكم الصلاة» رواه ابن ماجه، ولأن فرضها آكد الفروض، ~~فتطوعها آكد التطوع. # وهي تنقسم أربعة أقسام: # القسم الأول: السنن الرواتب، وهي ثلاثة أنواع: # النوع الأول: الرواتب مع الفرائض، وآكدها عشر ركعات، وذكرها ابن عمر، ~~قال: «حفظت من النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، ~~وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، ~~وركعتين قبل الصبح، كانت ساعة لا يدخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فيها أحد حدثتني حفصة، أنه كان إذا أذن المؤذن، وطلع الفجر، صلى ركعتين» ، ~~متفق عليه. # وآكدها ركعتا الفجر؛ قالت عائشة: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يكن على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على ركعتي الفجر» ، وقال: «ركعتا ~~الفجر أحب إلي من الدنيا وما فيها» رواهما مسلم، وقال: «صلوهما ولو طردتكم ~~الخيل» رواه أبو داود، ويستحب له تخفيفها، لقول عائشة: «كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، يصلي ركعتي الفجر فيخفف، حتى إني لأقول هل قرأ فيهما ~~بفاتحة الكتاب؟» متفق عليه. # ويقرأ فيهما وفي ركعتي المغرب: {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] ، و ~~{قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ، قال أبو هريرة: إن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قرأ في ركعتي الفجر: {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] و {قل هو ~~الله أحد} [الإخلاص: 1] رواه مسلم. وعن ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «كان يقرأ في الركعتين بعد المغرب {قل يا أيها الكافرون} ~~[الكافرون: 1] و {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] » رواه ابن ms0122 ماجه. # ويستحب ركوعهن في البيت؛ لحديث ابن عمر، ولما روى رافع بن خديج قال: ~~«أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بني عبد الأشهل فصلى المغرب في ~~مسجدنا، ثم قال: اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم» رواه ابن ماجه. قال ~~أحمد: ليس # PageV01P264 # هاهنا شيء آكد من الركعتين بعد المغرب، يعني فعلها في البيت. # ويستحب المحافظة على أربع قبل الظهر، وأربع بعدها، لما روت أم حبيبة ~~قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من حافظ على أربع قبل ~~الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار» وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. # وعلى أربع قبل العصر، لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا» رواه أبو داود. # وعلى ست بعد المغرب، لما روي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «من صلى بعد المغرب ستا لم يتكلم بينهن بسوء، عدلن له ~~عبادة ثنتي عشرة سنة» رواه الترمذي. # وعلى أربع بعد العشاء؛ لقول عائشة - رضي الله عنها -: «ما صلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - العشاء قط إلا صلى أربع ركعات، أو ست ركعات» ، رواه ~~أبو داود. # فصل: # في الوتر: # النوع الثاني: الوتر. وهو سنة مؤكدة، لمداومة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- في حضره وسفره، وروى أبو أيوب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«الوتر حق، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ~~ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل» رواه أبو داود. وحكي عن أبي بكر أنه واجب ~~لذلك، والصحيح أنه ليس بواجب؛ لأنه يصلى على الراحلة من غير ضرورة، ولا ~~يجوز ذلك في واجب. # والكلام فيه في ثلاثة أشياء: وقته، وعدده، وقنوته. # أما وقته: فمن صلاة العشاء إلى صلاة الصبح، لما روى أبو بصرة أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله زادكم صلاة، فصلوها ما بين صلاة العشاء ~~إلى صلاة الصبح، الوتر» رواه الإمام أحمد. وقال النبي - صلى ms0123 الله عليه وسلم ~~-: «فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة» متفق عليه. # والأفضل فعله سحرا؛ لقول عائشة: «من كل الليل قد أوتر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، فانتهى وتره إلى السحر» . متفق عليه، فمن كان له تهجد ~~جعل الوتر بعده، ومن خشي أن لا يقوم أوتر قبل أن ينام؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر من أوله، ومن ~~طمع أن يقوم من آخره، فليوتر من آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، ~~وذلك أفضل» رواه مسلم. # PageV01P265 # فمن أوتر قبل النوم، ثم قام للتهجد لم ينقض وتره، وصلى شفعا حتى يصبح؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا وتران في ليلة» وهذا حديث حسن. ومن ~~أحب تأخير الوتر، فصلى مع الإمام التراويح والوتر، قام إذا سلم الإمام، فضم ~~إلى الوتر ركعة أخرى؛ لتكون شفعا، ومن فاته الوتر حتى يصبح صلاه قبل الفجر، ~~لما ذكرنا متقدما. # وأما عدده، فأقله ركعة لحديث أبي أيوب، وأكثره إحدى عشرة يسلم من كل ~~ركعتين، ويوتر بواحدة لما روت عائشة قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يصلي ما بين صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ~~ركعتين، ويوتر بواحدة» . متفق عليه. وأدنى الكمال: ثلاث بتسليمتين، لما روى ~~ابن عمر أن «رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوتر، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: افصل بين الواحدة والثنتين بالتسليم» ~~رواه الأثرم. # فإن أوتر خلف الإمام تابعه فيما يفعله، لئلا يخالفه، قال أحمد: يعجبني أن ~~يسلم في الركعتين، وإن أوتر بثلاث لم يضيق عليه عندي. # ويستحب أن يقرأ في الأولى ب {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] ، وفي ~~الثانية: {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] ، وفي الثالثة: {قل هو الله ~~أحد} [الإخلاص: 1] لما روى أبي بن كعب قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يوتر ب {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] ، و {قل يا أيها الكافرون} ~~[الكافرون: 1] ، و {قل هو الله أحد} [الإخلاص: ms0124 1] » رواه أبو داود. # وإن أوتر بخمس سردهن، فلم يجلس إلا في آخرهن؛ لأن عائشة قالت: «كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر في ذلك ~~بخمس، لا يجلس إلا في آخرهن» . متفق عليه. وإن أوتر بتسع لم يجلس إلا بعد ~~الثامنة، ولم يسلم، ثم جلس بعد التاسعة، فتشهد وسلم، وكذلك يفعل في السبع، ~~لما «روى سعد بن هشام قال: قلت لعائشة: أنبئيني عن وتر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. فقالت: كنا نعد كل سواكه وطهوره، فيبعثه الله ما شاء أن ~~يبعثه، فيتسوك ويصلي تسع ركعات، ولا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ~~ويحمد ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيحمد ~~الله ويذكره ويدعوه، ثم يسلم تسليما يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو ~~قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأخذه اللحم أوتر بسبع، وصنع في الركعتين صنيعه في الأول» رواه ~~مسلم، وأبو داود. وفي حديثه: «أوتر بسبع ركعات لم يجلس فيهن إلا في السادسة ~~والسابعة، ولم يسلم إلا في السابعة» . # وأما القنوت فيه؛ فمسنون في جميع السنة، وعنه: لا يقنت إلا في النصف ~~الأخير من رمضان؛ لأن أبيا كان يفعل ذلك حين يصلي التراويح، وعن أحمد ما ~~يدل على رجوعه قال في رواية المروذي: قد كنت أذهب إلى أنه في النصف الأخير ~~من رمضان، # PageV01P266 # ثم إني قنت، هو دعاء وخير، ولأن ما شرع في الوتر في رمضان شرع من غيره ~~كعدده، ويقنت بعد الركوع، لما روى أبو هريرة، وأنس أن «النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قنت بعد الركوع» ، رواه مسلم. # ويقول في قنوته: ما «روى الحسن بن علي قال: علمني رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كلمات أقولهن في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن ~~عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ~~ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ms0125 ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا ~~وتعاليت» رواه الترمذي، وقال: لا نعرف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~القنوت شيئا أحسن من هذا، وعن علي - رضي الله عنه - قال: «كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول في آخر الوتر: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، ~~وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» ~~رواه الطيالسي. # وعن عمر - رضي الله عنه - أنه قنت فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم ~~إنا نستعينك، ونستهديك، ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير ~~كله، ونشكرك ولا نكفرك، بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ~~ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ~~ملحق، اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك، وهاتان سورتان من ~~مصحف أبي. وقال ابن قتيبة: نحفد: نبادر، وأصل الحفد: مداركة الخطو، ~~والإسراع. والجد بكسر الجيم أي: الحق لا اللعب، وملحق بكسر الحاء لاحق، وإن ~~فتحها جاز. # وإذا قنت الإمام أمن من خلفه، فإن لم يسمع قنوت الإمام، دعا هو، نص عليه. # ويرفع يديه في القنوت إلى صدره؛ لأن ابن مسعود فعله، وإذا فرغ أمر يديه ~~على وجهه، وعنه: لا يفعل، والأولى أولى؛ لأن السائب بن يزيد قال: «إن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دعا رفع يديه، ومسح وجهه بيديه» . ~~رواه أبو داود. # فصل: # النوع الثالث: صلاة الضحى، وهي مستحبة، لما روى أبو هريرة قال: «أوصاني ~~خليلي بثلاث: صيام ثلاث أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن ~~أنام» ، متفق عليه. # وأقلها ركعتان لحديث أبي هريرة، وأكثرها ثمان ركعات، لما «روت أم هانئ: ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل بيتها يوم فتح مكة، وصلى ثمان ركعات، ~~فلم أر قط صلاة أخف منها، غير أنه يتم الركوع والسجود» ، متفق عليه. # PageV01P267 # ووقتها إذا علت الشمس، واشتد حرها؛ لقوله - عليه السلام -: «صلاة ~~الأوابين حين ترمض الفصال» رواه مسلم. قال أبو الخطاب: يستحب المداومة ms0126 ~~عليها؛ لحديث أبي هريرة، ولقوله - عليه السلام -: «من حافظ على شفعة الضحى ~~غفرت ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر» أخرجه الترمذي، ولأن أحب العمل إلى ~~الله أدومه، وقال غيره: لا يستحب ذلك؛ لقول عائشة: «ما رأيت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يصلي الضحى قط.» متفق عليه، ولأن فيه تشبيها ~~بالفرائض. # فصل: # والقسم الثاني: ما سن له الجماعة، منها التراويح، وهو قيام رمضان، وهي ~~سنة مؤكدة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من صام رمضان، وقامه ~~إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه» متفق عليه، وقام النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بأصحابه ثلاث ليال، ثم تركها خشية أن تفرض، فكان الناس ~~يصلون لأنفسهم، حتى خرج عمر - رضي الله عنه - عليهم وهم أوزاع يصلون، ~~فجمعهم على أبي بن كعب. قال السائب بن يزيد: لما جمع عمر الناس على أبي بن ~~كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة؛ فالسنة أن يصلي بهم عشرين ركعة في الجماعة ~~لذلك، ويوتر الإمام بهم بثلاث ركعات، لما روى مالك عن يزيد بن رومان قال: ~~كان الناس يقومون في عهد عمر - رضي الله عنه - بثلاث وعشرين ركعة، قال ~~أحمد: يعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف، حسب له قيام ليلة» قال: ~~ويقرأ بالقوم في شهر رمضان ما يخف على الناس، ولا يشق عليهم، قال القاضي: ~~لا تستحب الزيادة على ختمة، لئلا يشق عليهم، ولا النقصان منها، ليسمعهم ~~جميع القرآن، إلا أن يتفق جماعة يؤثرون الإطالة، فلا بأس بها، وسميت هذه ~~تراويح؛ لأنهم كانوا يجلسون بين كل أربعة يستريحون. # وكره أحمد التطوع بينها، وقال: فيه عن ثلاثة من أصحاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كراهية، عبادة، وأبو الدرداء وعقبة بن عامر. # ولا يكره التعقيب، وهو أن يصلوا بعد التراويح نافلة في جماعة؛ لأن أنسا ~~قال: ما يرجعون إلا لخير يرجونه، أو لشر يحذرونه، وعنه: أنه يكره، إلا أنه ~~قول قديم. قال أبو ms0127 بكر: إن أخروا الصلاة إلى نصف الليل أو آخره لم يكره ~~رواية واحدة، قال أحمد: فإذا أنت فرغت من قراءة: {قل أعوذ برب الناس} ~~[الناس: 1] ، فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع، وادع وأطل القيام، رأيت أهل ~~مكة وسفيان بن عيينة يفعلونه، واختلف أصحابنا في قيام ليلة الشك، فقامها ~~القاضي؛ لأن القيام تبع للصيام، ومنعها أبو حفص العكبري؛ لأن الأصل بقاء ~~شعبان، ترك ذلك في الصيام احتياطا، ففيما عداه يبقى على الأصل. # PageV01P268 # فصل: # القسم الثالث: التطوع المطلق، وهو مشروع في الليل والنهار، وتطوع الليل ~~أفضل؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل الصلاة بعد المفروضة ~~صلاة الليل» وهو حديث حسن. والنصف الأخير أفضل، «قال عمرو بن عبسة: قلت: يا ~~رسول الله، أي الليل أسمع؟ قال: جوف الليل الأخير» رواه أبو داود. وقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أحب الصلاة إلى الله، صلاة داود، كان ينام ~~نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه» متفق عليه. # ويستحب للمتهجد أن يفتتح صلاته بركعتين خفيفتين؛ لقول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين» ~~رواه مسلم. # ويستحب أن يكون له ركعات معلومة، يقرأ فيها حزبه من القرآن؛ لأن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أحب العمل إلى الله الذي يدوم عليه ~~صاحبه وإن قل» متفق عليه. # وقالت عائشة: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ما بين أن يفرغ ~~من صلاة العشاء الآخرة إلى الفجر إحدى عشرة ركعة» . رواه مسلم. # وهو مخير إن شاء خافت، وإن شاء جهر، قالت عائشة: «كل ذلك كان يفعل النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، ربما أسر وربما جهر» حديث صحيح، إلا أنه إن كان ~~يسمع ما ينفعه، أو يكون أنشط له وأطيب لقلبه، فالجهر أفضل، وإن كان يؤذي ~~أحدا، أو يخلط عليه القراءة، فالسر أولى، فإن أبا سعيد قال: «اعتكف رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف ~~الستر، وقال: ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذين ms0128 بعضكم بعضا، ولا يرفع بعضكم ~~على بعض في القراءة» رواه أبو داود. # فصل: # ويستحب أن يختم القرآن في كل سبع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~لعبد الله بن عمرو: «اقرأ القرآن في كل سبع» متفق عليه. # ويحزبه أحزابا، لما روى أوس بن حذيفة قال: «قلنا لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: لقد أبطأت علينا الليلة، قال: إنه طرأ علي حزبي، فكرهت أن ~~أجيء حتى أتمه. قال أوس: فسألت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف ~~يحزبون القرآن؟ قال: قالوا: ثلاث وخمس وسبع وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، ~~وحزب المفصل وحده» . رواه أبو داود. # PageV01P269 # فصل: # وصلاة الليل مثنى مثنى، لا يزيد على ركعتين؛ لما «روى ابن عمر أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: صلاة الليل مثنى مثنى قيل لابن عمر: ما مثنى ~~مثنى؟ قال: تسلم من كل ركعتين» . متفق عليه. # وإن تطوع في النهار بأربع فلا بأس؛ لأن تخصيص الليل بالتثنية دليل على ~~إباحة الزيادة عليها في النهار. # والأفضل التثنية؛ لأنه أبعد من السهو. # فصل: # والتطوع في البيت أفضل؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عليكم ~~بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» . رواه مسلم، ~~ولأنه من عمل السر، ويجوز منفردا وفي جماعة؛ لأن أكثر تطوع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان منفردا، وقد أم ابن عباس في التطوع مرة، وحذيفة مرة، ~~وأنسا واليتيم مرة، فدل على جواز الجميع. # فصل: # ويجوز التطوع جالسا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «صلاة الرجل ~~قاعدا نصف الصلاة» رواه مسلم، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك؛ لأنه يستحب تطويله ~~وتكثيره، فسومح في ترك القيام تكثيرا له، ويستحب أن يكون في حال القيام ~~متربعا، ليخالف حالة الجلوس، ويثني رجليه حال السجود؛ لأن حال الركوع كحال ~~القيام، وقال الخرقي: يثنيها في الركوع أيضا لأن ذلك يروى عن أنس، وإن صلى ~~على غير هذه الهيئة جاز، وإذا بلغ الركوع فإن شاء قام، ثم ركع لما روت ~~عائشة قالت: «لم ms0129 أر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي صلاة الليل ~~قاعدا حتى أسن، فكان يقرأ قاعدا حتى إذا أراد أن يركع، قام فقرأ نحوا من ~~ثلاثين آية، أو أربعين آية، ثم ركع» . متفق عليه. # وإن شاء ركع من قعود، لما روت عائشة: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كان يصلي ليلا طويلا قائما، وليلا طويلا قاعدا، وكان إذا قرأ وهو قائم، ~~ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد» . رواه مسلم. # فصل: # القسم الرابع: صلوات لها أسباب، منها تحية المسجد، لما روى أبو قتادة ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ~~ركعتين قبل أن يجلس» متفق عليه. # PageV01P270 # ومنها صلاة الاستخارة، قال جابر: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا ~~هم أحدكم في الأمر؛ فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني ~~أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا ~~أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ~~خير لي في ديني ومعاشي ومعادي وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - ~~فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي، في ~~ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني، ~~واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به» أخرجه البخاري. # فصل: # وسجود التلاوة سنة للقارئ والمستمع؛ لأن ابن عمر قال: «كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقرأ علينا السورة من غير الصلاة، فيسجد ونسجد معه، ~~حتى لا يجد أحدنا مكانا لوضع جبهته» متفق عليه. ولا يسن للسامع عن غير قصد؛ ~~لأن عثمان - رضي الله عنه - مر بقاص، فقرأ سجدة ليسجد عثمان معه، فلم يسجد، ~~وقال: إنما السجدة على من استمع. # ويشترط كون التالي يصلح إماما للمستمع، لما روي «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه ms0130 وسلم - أتى إلى نفر من أصحابه، فقرأ رجل منهم سجدة، ثم نظر إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنك ~~كنت إمامنا، ولو سجدت لسجدنا» رواه الشافعي. # ويسجد القارئ لسجود الأمي والقادر على القيام بالعاجز عنه؛ لأن ذلك ليس ~~بواجب فيه، ولا يقوم الركوع مقام السجود؛ لأنه سجود مشروع فأشبه سجود ~~الصلاة، وإن كانت السجدة آخر السورة سجد ثم قام فقرأ شيئا ثم ركع، وإن أحب ~~قام، ثم ركع من غير قراءة، وإن شاء ركع في آخر السورة؛ لأن السجود يؤتى به ~~عقيب الركوع. # فصل: # [في أن سجود التلاوة غير واجب] : # وسجود التلاوة غير واجب؛ لأن زيد بن ثابت قال: «قرأت على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - النجم، # PageV01P271 # فلم يسجد منا أحد» متفق عليه. وقال عمر: يا أيها الناس، إنما نمر ~~بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يكتبها الله ~~علينا. # وله أن يومئ بالسجود على الراحلة، كصلاة السفر، ويشترط له ما يشترط ~~للنافلة، ويكبر للسجود تكبيرة واحدة في الصلاة وفي غيرها؛ لأن ابن عمر قال: ~~«كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ علينا القرآن، فإذا مر ~~بالسجدة، كبر وسجد، وسجدنا معه» ، ويرفع يديه في غير الصلاة؛ لأنها تكبيرة ~~افتتاح، وإن كان في صلاة، ففيها روايتان، ويكبر للرفع منه؛ لأنه رفع من ~~سجود أشبه سجود الصلاة، ويسلم إذا رفع تسليمة واحدة؛ لأنها صلاة ذات إحرام، ~~فأشبهت صلاة الجنازة. # وعنه: لا سلام له؛ لأنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا ~~يفتقر إلى تشهد، ولا يسجد فيه لسهو؛ لأنه لا ركوع فيه أشبه صلاة الجنازة، ~~ولا يفتقر إلى قيام؛ لأنه لا قراءة فيه، ويقول فيه ما يقول في سجود الصلاة، ~~فإن قال ما روت عائشة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان يقول في سجود ~~القرآن: سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته» فحسن، ~~وهذا حديث صحيح. فإن قال غيره مما ورد في ms0131 الأخبار فحسن. # فصل: # وسجدات القرآن، أربع عشرة سجدة: في (الحج) منها اثنتان، وثلاث في المفصل، ~~وعنه: أنها خمس عشرة سجدة، منها سجدة (ص) ؛ لما «روى عمرو بن العاص أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أقرأه خمس عشرة سجدة؛ منها ثلاث في المفصل، ~~وسجدتان في الحج» رواه أبو داود. والصحيح أن سجدة - صلى الله عليه وسلم - ~~ليست من عزائم السجود؛ لما روى ابن عباس أنه قال: ليست (ص) من عزائم السجود ~~رواه أبو داود. # ومواضع السجدات ثابتة بالإجماع، إلا سجدات المفصل، والثانية من الحج، وقد ~~ثبت ذلك بحديث عمرو. «وروى عقبة بن عامر أنه قال: يا رسول الله، أفي الحج ~~سجدتان؟ قال: نعم، ومن لم يسجدهما لا يقرأهما» رواه أبو داود. وأول السجدات ~~آخر الأعراف، وفي الرعد عند قوله: {بالغدو والآصال} [الرعد: 15] ، وفي ~~النحل عند: {ويفعلون ما يؤمرون} [النحل: 50] ، وفي سبحان عند {يزيدهم إلا} ~~[الإسراء: 41] ، وفي مريم عند: {خروا سجدا وبكيا} [مريم: 58] ، وفي الحج: ~~الأولى عند: {يفعل ما يشاء} [الحج: 18] # PageV01P272 # والثانية عند: {لعلكم تفلحون} [الحج: 77] وفي الفرقان عند: {وزادهم ~~نفورا} [الفرقان: 60] ، وفي النمل عند: {العرش العظيم} [النمل: 26] ، وفي ~~{الم - تنزيل} [السجدة: 1 - 2] عند: {وهم لا يستكبرون} [السجدة: 15] وفي حم ~~السجدة عند: {وهم لا يسأمون} [فصلت: 38] وفي آخر النجم، وفي: {إذا السماء ~~انشقت} [الانشقاق: 1] عند: {لا يسجدون} [الانشقاق: 21] ، وآخر اقرأ، ويكره ~~اختصار السجود، وهو أن يجمع آيات السجدات فيقرأها في ركعة، وقيل: أن يحذف ~~آيات السجدات في قراءته، وكلاهما مكروه؛ لأنه محدث، وفيه إخلال بالترتيب. # فصل: # وسجود الشكر مستحب عند تجدد النعم، لما روى أبو بكرة قال: «كان النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا جاءه شيء يسر به خر ساجدا» ، وصفته وشروطه كصفة ~~سجود التلاوة وشروطها، ولا يسجد للشكر في الصلاة؛ لأن سببه ليس منها، فإن ~~فعل بطلت، كما لو سجد في الصلاة لسهو صلاة أخرى. ### | باب سجود السهو # وإنما يشرع لجبر خلل الصلاة، وهو ثلاثة أقسام: زيادة، ونقص، وشك. # والزيادة ضربان: زيادة أقوال، تتنوع ثلاثة أنواع: # أحدها: أن يأتي بذكر ms0132 مشروع في غير محله، كالقراءة في الركوع والسجود ~~والجلوس، والتشهد في القيام، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~التشهد الأول، ونحوه فهذا لا يبطل الصلاة بحال؛ لأنه ذكر مشروع في الصلاة، ~~ولا يجب له سجود؛ لأن عمده غير مبطل، وهل يسن السجود لسهوه؟ فيه روايتان: # إحداهما: يسن؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا نسي أحدكم فليسجد ~~سجدتين» . # والثانية: لا يسن؛ لأن عمده غير مبطل، فأشبه العمل اليسير. # PageV01P273 # الثاني: أن يسلم في الصلاة قبل إتمامها، فإن كان عمدا بطلت صلاته؛ لأنه ~~تكلم فيها، وإن كان سهوا، وطال الفصل، بطلت أيضا، لتعذر بناء الباقي عليها، ~~وإن ذكر قريبا أتم صلاته، وسجد بعد السلام. # فإن كان قد قام، فعليه أن يجلس لينهض عن جلوس؛ لأن القيام واجب للصلاة، ~~ولم يأت به قاصدا لها، والأصل فيه، ما روى أبو هريرة قال: «صلى بنا النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشي، فصلى ركعتين ثم سلم، فقام إلى خشبة ~~معروضة في المسجد، فوضع يده عليها كأنه غضبان، شبك بين أصابعه، ووضع يده ~~اليمنى على ظهر كفه اليسرى، وخرج السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت ~~الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهاباه أن يكلماه، وفي # PageV01P274 # القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين، فقال له: يا رسول الله، ~~أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنس ولم تقصر، فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ ~~قالوا: نعم. قال: فتقدم فصلى ما ترك من صلاته، ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل ~~سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع ~~رأسه فكبر» متفق عليه. # وإن انتقض وضوؤه أو دخل في صلاة أخرى، أو تكلم من غير شأن الصلاة، كقوله: ~~اسقني ماء فسدت صلاته، وإن تكلم مثل كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وذي ~~اليدين، ففيه ثلاث روايات: # إحداهن: لا تفسد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر وذا ~~اليدين تكلموا ثم أتموا صلاتهم. # والثانية: لا تفسد صلاة ms0133 الإمام؛ لأن له أسوة بالنبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، وتفسد صلاة المأموم؛ لأنه # PageV01P275 # لا يمكنه التأسي بأبي بكر وعمر؛ لأنهما تكلما مجيبين للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، وإجابته واجبة، ولا بذي اليدين؛ لأنه تكلم سائلا عن قصر ~~الصلاة في زمن يمكن ذلك فيه، فعذر، بخلاف غيره، واختارها الخرقي. # والثالثة: تفسد صلاتهم؛ لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن ~~صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس» اختارها أبو بكر، والأول أولى. # النوع الثالث: أن يتكلم من صلب الصلاة، فإن كان عمدا أبطل الصلاة إجماعا ~~لما رويناه، ولما روى زيد بن أرقم، قال: «كنا نتكلم في الصلاة؛ يكلم الرجل ~~صاحبه، حتى نزلت: {وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] فأمرنا بالسكوت، ~~ونهينا عن الكلام» متفق عليه. وإن تكلم ناسيا، أو جاهلا بتحريمه ففيه ~~روايتان: # إحداهما: يبطلها، لما روينا، ولأنه من غير جنس الصلاة، فأشبه العمل ~~الكثير. # والثانية: لا يفسدها، لما «روى معاوية بن الحكم السلمي، قال: بينما أنا ~~أصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك ~~الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه! ما شأنكم تنظرون إلي؟! ~~فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم لكي أسكت، فلما صلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما ~~منه، فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، ثم قال: إن هذه الصلاة لا ~~يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» ~~رواه مسلم. فلم يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإعادة لجهله، ~~والناسي في معناه. # PageV01P276 # وإن غلب بكاء، فنشج بما انتظم حروفا لم تفسد صلاته، نص عليه؛ لأن عمر - ~~رضي الله عنه - كان يسمع نشيجه من وراء الصفوف، وإن غلط في القراءة وأتى ~~بكلمة من غيره لم تفسد صلاته؛ لأنه لا يمكنه التحرز منه. # وإن نام فتكلم احتمل وجهين: # أحدهما: لا تفسد صلاته؛ لأنه عن غلبة، أشبه ما تقدم. # والثاني: أنه ككلام الناسي، وإن شمت عطاسا، أفسد صلاته ms0134 لحديث معاوية، ~~وكذلك إن رد سلاما، أو سلم على إنسان؛ لأنه من كلام الآدميين، فأشبه تشميت ~~العاطس، وإن قهقه بطلت صلاته؛ لأن جابرا روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «القهقهة تنقض الصلاة، ولا تنقض الوضوء» رواه الدارقطني. # والكلام المبطل ما انتظم حرفين فصاعدا؛ لأنه أقل ما ينتظم منه الكلام، ~~وقد «روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نفخ في الصلاة، وتنحنح فيها» ~~، وهو محمول على أنه لم يأت بحرفين، أو لم يأت بحرفين مختلفين. # فصل: # الثاني: زيادة الأفعال، وهي ثلاثة أنواع: # أحدهما: زيادة من جنس الصلاة، كركعة أو ركوع أو سجود، فمتى كان عمدا ~~أبطلها، وإن كان سهوا سجد له؛ لما «روى ابن مسعود، قال: صلى بنا رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - خمسا، فلما انفتل من الصلاة توشوش القوم بينهم، ~~فقال: ما شأنكم؟ قالوا: يا رسول الله، هل زيد في الصلاة شيء؟ قال: لا ~~قالوا: إنك صليت خمسا، فانفتل وسجد سجدتين، ثم سلم، ثم قال: إنما أنا بشر ~~مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين، وفي لفظ: فإذا زاد ~~الرجل أو نقص فليسجد سجدتين» رواه مسلم. # ومتى قام الرجل إلى ركعة زائدة، فلم يذكر حتى سلم، سجد للحال، وإن ذكر ~~قبل السلام سجد ثم سلم، وإن ذكر في الركعة، جلس على أي حال كان، فإن كان ~~قيامه قبل التشهد تشهد ثم سجد ثم سلم، وإن كان بعده سجد ثم سلم، وإن كان ~~تشهد ولم يصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى عليه، ثم سجد وسلم. # PageV01P277 # فصل: # وإذا سها الإمام فزاد أو نقص فعلى المأمومين تنبيهه؛ لما «روى ابن مسعود ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى فزاد أو نقص، ثم قال: إنما أنا بشر، ~~أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني» ، «وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: إذا نابكم أمر فليسبح الرجال، وليصفح النساء» ، ~~وفي لفظ: «التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء» متفق عليه. # وإذ سبح به اثنان، لزمه الرجوع ms0135 إليهما؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~رجع إلى قول أبي بكر وعمر، وأمر بتذكيره ليرجع، فإن لم يرجع بطلت صلاته؛ ~~لأنه ترك الواجب عمدا، وليس لهم اتباعه لبطلان صلاته، فإن اتبعوه بطلت ~~صلاتهم، إلا أن يكونوا جاهلين، فلا تبطل؛ لأن أصحاب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - تابعوه في الخامسة، وإن فارقوه وسلموا صحت صلاتهم، وذكر القاضي ~~رواية أخرى: أنهم يتابعونه استحبابا، ورواية ثالثة: أنهم ينتظرونه، اختارها ~~ابن حامد، وإن كان الإمام على يقين من صواب نفسه لم يرجع؛ لأن قولهما: إنما ~~يفيد الظن، واليقين أولى. # وإن سبح به واحد لم يرجع نص عليه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يرجع بقول ذي اليدين وحده، وإن سبح به من يعلم فسقه لم يرجع؛ لأن خبره غير ~~مقبول، وإن افترق المأمومون طائفتين سقط قولهم؛ لتعارضه عنده، وإن نسي ~~التشهد الأول، فسبحوا به، بعد انتصابه قائما، لم يرجع، ويتابعونه في ~~القيام، لما «روى زياد بن علاقة قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، فلما صلى ~~ركعتين، قام ولم يجلس، فسبح به من خلفه، فأشار إليهم قوموا، فلما فرغ من ~~صلاته سلم، وسجد سجدتين وسلم، وقال: هكذا صنع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -» رواه الإمام أحمد. # وإن رجع بعد شروعه في القراءة لم يتابعوه؛ لأنه خطأ، فإن سبحوا به قبل ~~قيامه لزمه الرجوع، فإن لم يرجع تشهدوا لأنفسهم وتابعوه؛ لأنه ترك واجبا ~~تعين عليهم، فلم يجز لهم اتباعه في تركه، وإن ذكر التشهد قبل انتصابه فرجع ~~إليه بعد قيام المأمومين وشروعهم في القراءة لزمهم الرجوع؛ لأنه رجع إلى ~~واجب، فلزمهم متابعته، ولا عبرة بما فعلوه قبله. # النوع الثاني: زيادة من غير جنس الصلاة، كالمشي والحك، والتروح، فإن كثر ~~متواليا أبطل الصلاة إجماعا، وإن قل لم يبطلها، لما «روى أبو قتادة أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى وهو حامل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع ~~إذا قام حملها، وإذا سجد وضعها» متفق عليه. # وروي عنه أنه فتح الباب لعائشة وهو في الصلاة، ms0136 ولا فرق بين العمد والسهو ~~فيه؛ لأنه من غير جنس الصلاة، ولا يشرع له سجود لذلك، واليسير: ما شابه فعل # PageV01P278 # النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رويناه، ومثل تقدمه وتأخره في صلاة ~~الكسوف، والكثير: ما زاد على ذلك مما عد كثيرا في العرف؛ فيبطل الصلاة، إلا ~~أن يفعله متفرقا. # النوع الثالث: الأكل والشرب، متى أتى بهما في الفريضة عمدا بطلت؛ لأنهما ~~ينافيان الصلاة، والنافلة كالفريضة. # وعنه: لا يبطلها اليسير، والأولى أولى؛ لأن ما أبطل الفريضة أبطل ~~النافلة، كالعمل الكثير، وإن فعلها سهوا وكثر ذلك بطلت الصلاة؛ لأنه عمل ~~كثير، وإن قل فكذلك؛ لأنه من غير جنس الصلاة، فسوى بين عمده وسهوه كالمشي. # وعنه: لا يبطل؛ لأنه سوى بين قليله وكثيره في العمد، فعفي عنه في السهو ~~كالسلام، فعلى هذا يسجد له؛ لأنه تبطل الصلاة بعمده، وعفي عن سهوه، فيسجد ~~له كجنس الصلاة. # ومن ترك في فيه ما يذوب كالسكر، وابتلع ما يذوب منه، فهو أكل، وإن بقي في ~~فمه أو بين أسنانه يسير من بقايا الطعام يجري به الريق فابتلعه، لم تبطل ~~صلاته؛ لأنه لا يمكنه التحرز منه، وإن ترك في فيه لقمة، لم يبلعها لم تبطل ~~صلاته؛ لأنه عمل يسير، ويكره؛ لأنه يشغل عن خشوعها وقراءتها، فإن لاكها فهو ~~كالعمل، وإن كثر أبطل، وإلا فلا. # فصل: # القسم الثاني: النقص، وهو ثلاثة أنواع: # أحدها: ترك ركن، كركوع أو سجود، فإن كان عمدا أبطل الصلاة، وإن كان سهوا ~~فله أربعة أحوال: # أحدها: لم يذكره حتى سلم، وطال الفصل، فتفسد صلاته، لتعذر البناء مع طول ~~الفصل. # الثاني: ذكره قريبا من التسليم، فإنه يأتي بركعة كاملة؛ لأن الركعة التي ~~ترك الركن منها، بطلت بتركه، والشروع في غيرها، فصارت كالمتروكة. # الثالث: ذكر المتروك قبل شروعه في قراءة الركعة الأخرى، فإنه يعود فيأتي ~~بما تركه، ثم يبني على صلاته، فإن سجد سجدة، ثم قام قبل جلسة الفصل فذكر، ~~جلس للفصل، ثم سجد ثم قام، وإن ترك السجود وحده، سجد ولم يجلس؛ لأنه لم ~~يتركه، ولو ms0137 جلس للاستراحة لم يجزئه عن جلسة الفصل؛ لأنه نوى بجلوسه النفل، ~~فلم يجزئه # PageV01P279 # عن الفرض، كمن سجد للتلاوة لم يجزئه عن سجود الصلاة، ويسجد للسهو، فإن لم ~~يعد إلى فعل ما تركه، فسدت صلاته؛ لأنه ترك الواجب عمدا، إلا أن يكون ~~جاهلا. # الحال الرابع: ذكر بعد شروعه في قراءة الفاتحة في ركعة أخرى، فتبطل ~~الركعة التي ترك ركنها وحدها، ويجعل الأخرى مكانها، ويتم صلاته، ويسجد قبل ~~السلام. # وإن ترك ركنين مع ركعتين، أتى بركعتين مكانها. # وإن ترك أربع سجدات من أربع ركعات، وذكر وهو في التشهد سجد سجدة، تصح له ~~الركعة الرابعة، ويأتي بثلاث ركعات، ويسجد للسهو، وعنه: أن صلاته تبطل؛ ~~لأنه يفضي إلى عمل كثير غير معتد به. # وإن ذكر وهو في التشهد أنه ترك سجدة من الرابعة، سجد في الحال، ثم تشهد ~~وسجد للسهو، فإن لم يعلم من أي الركعات تركها، جعلها من ركعة قبلها، ليلزمه ~~ركعة، وإن ذكر في الركعة أنه ترك ركنا لم يعلم أركوع هو أم سجود؟ جعله ~~ركوعا، ليأتي به، ثم بما بعده كيلا يخرج من الصلاة على شك. # النوع الثاني: ترك واجبا غير ركن عمدا، كالتكبير غير تكبيرة الإحرام، ~~وتسبيح الركوع والسجود؛ بطلت صلاته إن قلنا بوجوبه، وإن تركه سهوا سجد ~~للسهو قبل السلام؛ لما «روى عبد الله بن مالك ابن بحينة قال: صلى بنا النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - الظهر، فقام في الركعتين، فلم يجلس، فقام الناس ~~معه، فلما قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه، كبر فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم ~~سلم» متفق عليه. فثبت هذا بالخبر، وقسنا عليه سائر الواجبات، وإن ذكر ~~التشهد قبل انتصابه قائما، رجع فأتى به، وإن ذكر بعد شروعه في القراءة، لم ~~يرجع لذلك؛ لأنه تلبس بركن مقصود، فلم يرجع إلى واجب، وإن ذكره بعد قيامه، ~~وقبل شروعه في القراءة لم يرجع أيضا لذلك، لما «روى المغيرة بن شعبة، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إذا قام أحدكم في الركعتين فلم ~~يستتم قائما جلس، فإن ms0138 استتم قائما لم يجلس وسجد سجدتي السهو» رواه أبو ~~داود. # وقال أصحابنا: وإن رجع في هذه الحال لم تفسد صلاته، ولا يرجع إلى غيره من ~~الواجبات؛ لأنه لو رجع إلى الركوع لأجل تسبيحة لزاد ركوعا في صلاته، وأتى ~~بالتسبيح في ركوع غير مشروع. # PageV01P280 # النوع الثالث: ترك سنة، فلا تبطل الصلاة بتركها عمدا ولا سهوا، ولا سجود ~~عليه؛ لأنه شرع للجبر، فإن لم يكن الأصل واجبا فجبره أولى، ثم إن كان ~~المتروك من سنن الأفعال لم يشرع له السجود؛ لأنه يمكن التحرز منه، وإن كان ~~من سنن الأقوال ففيه روايتان: # أحدهما: لا يسن له السجود كسنن الأفعال. # والثانية: يسن؛ لقوله - عليه السلام -: «إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين» . # فصل: # القسم الثالث: الشك، وفيه ثلاث مسائل: # إحداهن: شك في عدد الركعات، ففيه ثلاثة روايات: # إحداهن: يبني على غالب ظنه، ويتم صلاته، ويسجد بعد السلام؛ لما روى ابن ~~مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا شك أحدكم في صلاته ~~فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين متفق عليه، وللبخاري: " بعد ~~التسليم» . # الثانية: يبني على اليقين، لما روى أبو سعيد قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثا أو أربعا؟ ~~فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان ~~صلى خمسا شفعن له صلاته، وإن كان صلى أربعا كانتا ترغيما للشيطان» رواه ~~مسلم. # والرواية الثالثة: يبني الإمام على غالب ظنه، والمنفرد على اليقين؛ لأن ~~للإمام من يذكره إن غلط، فلا يخرج منها على شك، والمنفرد يبني على اليقين؛ ~~لأنه لا يأمن الخطأ، وليس له من يذكره، فلزمه البناء على اليقين، كيلا يخرج ~~من الصلاة شاكا فيها، وهذا ظاهر المذهب. # المسألة الثانية: شك في ركن من الصلاة، فحكمه حكم تاركه؛ لأن الأصل عدمه. # PageV01P281 # المسألة الثالثة: شك فيما يوجب سجود السهو، من زيادة أو ترك واجب، ففيه ~~وجهان: # أحدهما: لا سجود عليه؛ لأن الأصل عدم وجوبه، فلا يجب بالشك. ms0139 # والثاني: إن شك في زيادة لم يسجد؛ لأن الأصل عدمها، وإن شك في ترك واجب ~~لزمه السجود؛ لأن الأصل عدمه، وإنما يؤثر الشك إذا وجد في الصلاة، فإن شك ~~بعد سلامها لم يلتفت إليه؛ لأن الظاهر الإتيان بها على الوجه المشروع؛ لأن ~~ذلك يكثر فيشق الرجوع إليه فسقط، وهكذا الشك في سائر العبادات بعد فراغه ~~منها. # فصل: # وسجود السهو لما يبطل عمده الصلاة واجب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فعله وأمر به، ولأنه شرع لجبر واجب، فكان واجبا كجبرانات الحج، وجميعه ~~قبل السلام؛ لأنه من تمامها وشأنها، فكان قبل سلامها كسجود صلبها، إلا في ~~ثلاثة مواضع: # أحدها: إذا سلم من نقصان في صلاته سجد بعد السلام؛ لحديث ذي اليدين. # الثاني: إذا بنى على غالب ظنه سجد بعد السلام لحديث ابن مسعود. # الثالث: إذا نسي السجود قبل السلام سجده بعده؛ لأنه فاته الواجب فقضاه، ~~وعن أحمد: أن جميعه قبل السلام، إلا أن ينساه قبل أن يسلم. # وعنه: ما كان من زيادة فهو بعد السلام؛ لحديث ذي اليدين، وما كان من ~~نقصان أو شك كان قبله؛ لحديث ابن بحينة وأبي سعيد، فمن سجد قبل السلام جعله ~~بعد فراغه من التشهد؛ لحديث ابن بحينة: فيكبر للسجود والرفع منه، ويسجد ~~سجدتين كسجدتي صلب الصلاة، ويسلم عقيبها، وإن سجد بعد السلام كبر للسجود ~~والرفع منه؛ لحديث ذي اليدين، ويتشهد ويسلم، لما «روى عمران بن حصين: أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد وسلم» ~~وهذا حديث حسن، ولأنه سجود يسلم له، فكان معه تشهد كسجود صلب الصلاة، فإن ~~نسي السجود فذكره قبل طول الفصل سجد وإن تكلم. # وقال الخرقي: يسجد ما لم يخرج من المسجد، وإن تكلم؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - سجد بعد السلام والكلام رواه مسلم. # وإن نسيه حتى طال الفصل، أو خرج من المسجد، على قول الخرقي، سقط؛ وعنه: ~~يعيد الصلاة. # PageV01P282 # وقال أبو الخطاب: إن ترك المشروع قبل السلام عامدا بطلت صلاته؛ لأنه ترك ~~واجبا ms0140 فيها عمدا، وإن ترك المشروع بعد السلام عمدا أو سهوا لم تبطل صلاته؛ ~~لأنه ترك واجبا ليس منها، فلم تبطل بتركه كجبرانات الحج. # فصل: # فإن سها سهوين محل سجودهما واحد، كفاه أحدهما؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين» ، ولأن السجود إنما أخر ليجمع ~~السهو كله، ولولا ذلك فعله عقيب السهو؛ لأنه سببه، وإن كان أحدهما قبل ~~السلام والآخر بعده ففيه وجهان: # أحدهما: يجزئه سجود واحد لذلك، ويسجد قبل السلام؛ لأنه أسبق وآكد، ولم ~~يسبقه ما يقوم مقامه فلزمه الإتيان بخلاف الثاني. # والثاني: يأتي بهما في محلهما؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لكل ~~سهو سجدتان» رواه أبو داود. # فصل: # وليس على المأموم سجود لسهوه، فإن سها إمامه فعليه السجود معه، لما روى ~~ابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس على من خلف الإمام ~~سهو، فإن سها إمامه فعليه وعلى من خلفه» رواه الدارقطني، ولأن المأموم تابع ~~لإمامه، فلزمه متابعته في السجود وفي تركه. # ويسجد المسبوق مع إمامه في سهوه الذي لم يدركه، فإن كان السجود بعد ~~السلام لم يقم المسبوق حتى يسجد معه. # وعنه: لا سجود عليه هاهنا، والأول المذهب، فإن قام ولم يعلم، فسجد الإمام ~~رجع فسجد معه إن لم يكن استتم قائما، وإن استتم قائما مضى، ثم سجد في آخر ~~صلاته قبل سلامه؛ لأنه قام عن واجب، فأشبه تارك التشهد الأول، وإن سجد مع ~~الإمام ففيه روايتان: # إحداهما: يعيد السجود؛ لأن محله آخر الصلاة، وإن سجد مع إمامه تبعا، فلم ~~يسقط المشروع في محله كالتشهد. # PageV01P283 # والثانية: لا يسجد؛ لأنه قد سجد وانجبرت صلاته، وإن لم يسجد مع إمامه سجد ~~وجها واحدا. # وإن ترك الإمام السجود، فهل يسجد المأموم؟ فيه روايتان: # إحداهما: يسجد لأن صلاته نقصت بسهو إمامه، ولم يجبرها فلزمه جبرها. # والثانية: لا يسجد؛ لأنه إنما يسجد تبعا، فإن لم يوجد المتبوع لم يجب ~~التبع. # فصل: # والنافلة كالفريضة في السجود؛ لعموم الأخبار، ولأنها في معناها، ولا يسجد ~~لسهو في سجود ms0141 السهو؛ لأنه يفضي إلى التسلسل، ولا في صلاة جنازة؛ لأنه لا ~~سجود في صلبها، ففي جبرها أولى، ولا يسجد لفعل عمد؛ لأن السجود سجود للسهو، ~~ولأن العمد إن كان لمحرم أفسد الصلاة، وإن كان في غيره فلا عذر عليه، ~~والسجود إنما شرع في محل العذر. # فصل: # ومن أحدث عمدا بطلت صلاته؛ لأنه أخل بشرطها عمدا، وإن سبقه الحدث أو طرأ ~~عليه ما يفسد طهارته، كظهور قدمي الماسح، وانقضاء مدة المسح، ومن به سلس ~~لبول؛ بطلت صلاته. # وعنه فيمن سبقه الحدث: يتوضأ ويبني، وهذه الصور في معناها، والمذهب ~~الأول؛ لأن الصلاة لا تصح من محدث في عمد ولا سهو، وله أن يستخلف من يتم ~~بهم الصلاة. # وعنه: ليس له ذلك؛ لأن صلاته باطلة، والمذهب الأول؛ لأن عمر - رضي الله ~~عنه - حين طعن أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فأتم بهم الصلاة، فلم ~~ينكره أحد فكان إجماعا، وإن لم يستخلف، فاستخلف الجماعة لأنفسهم، أو صلوا ~~وحدانا جاز. # قال أصحابنا: وله استخلاف من لم يكن معه في الصلاة؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - دخل في صلاة أبي بكر، ولم يكن معه، فأخذ من حيث انتهى إليه أبو ~~بكر، فإن كان مسبوقا ببعض الصلاة، فتمت صلاة المأمومين قبله، وجلسوا ~~يتشهدون، وقام هو فأتم صلاته، ثم أدركهم فسلم بهم، ولا يسلمون قبله؛ لأن ~~الإمام ينتظر المأمومين في صلاة الخوف، فالمأمومون أولى بانتظاره. # PageV01P284 ### | باب ما يكره في الصلاة # يكره الالتفات لغير حاجة؛ لأن «عائشة - رضي الله عنها - قالت: سألت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن التفات الرجل وهو في الصلاة، فقال: هو ~~اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة الرجل» حديث صحيح، ولا تبطل الصلاة به، ما ~~لم يستدر بجملته، أو يستدبر القبلة. # ولا يكره للحاجة؛ لأن «سهل ابن الحنظلية قال: جعل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يصلي وهو يلتفت إلى الشعب، قال: وكان بعث أنس بن أبي مرثد ~~طليعة» رواه أبو داود. # «وقال ابن عباس: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلتفت ms0142 يمينا ~~وشمالا، ولا يلوي عنقه خلف ظهره» رواه النسائي. ويكره رفع البصر لما روى ~~البخاري أن أنسا قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما بال أقوام ~~يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم - فاشتد قوله في ذلك حتى قال: - ~~لينتهن عن ذلك، أو لتخطفن أبصارهم» ويكره أن يصلي ويده على خاصرته؛ لما ~~«روى أبو هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يصلي الرجل ~~متخصرا» متفق عليه. ويكره أن يكف شعره، أو ثيابه، أو يشمر كميه؛ لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، ولا أكف شعرا ولا ~~ثوبا» متفق عليه. ويكره أن يصلي معقوصا أو مكتوفا؛ لما «روي: أن ابن عباس ~~رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص فحله، وقال: إني سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: إنما مثل هذا، مثل الذي يصلي وهو مكتوف» رواه ~~الأثرم. # ويكره أن يشبك أصابعه؛ لما روي: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى ~~رجلا قد شبك أصابعه، في الصلاة ففرج بين أصابعه» رواه ابن ماجه. ويكره ~~فرقعة الأصابع؛ لما روي عن علي بن أبي طالب: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «لا تقعقع أصابعك، وأنت في الصلاة» رواه ابن # PageV01P285 # ماجه. # ويكره التروح؛ لأنه من العبث، ويكره أن يعتمد على يده في الجلوس؛ لما روى ~~ابن عمر قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجلس الرجل وهو ~~يعتمد على يديه» رواه أبو داود. ويكره مسح الحصى؛ لما روى أبو ذر قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا قام أحدكم في الصلاة فإن الرحمة ~~تواجهه، فلا يمسح الحصى» من المسند. ويكره أن يكثر الرجل مسح جبهته؛ لقول ~~ابن مسعود: إن من الجفاء أن يكثر الرجل مسح جبهته قبل أن يفرغ من الصلاة. ~~ويكره النظر إلى ما يلهيه؛ لما «روت عائشة قالت: صلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في خميصة لها أعلام، فقال: شغلتني أعلام هذه، اذهبوا بها إلى ms0143 ~~أبي جهم بن حذيفة، وائتوني بأنبجانيته» متفق عليه. # ويكره أن يصلي وبين يديه ما يلهيه؛ «لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لعائشة: أميطي عنا قرامك هذا، فإنه ما تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي» رواه ~~البخاري. ويكره كثرة التميل؛ لقول عطاء: إني لأحب أن يقل فيه التحريك. وأن ~~يعتدل قائما على قدميه إلا أن يكون إنسانا كبيرا لا يستطيع ذلك، فأما ~~التطوع فإنه يطول على الإنسان، فلا بد من التوكي على هذا مرة، وعلى هذا ~~مرة، وكان ابن عمر - رضي الله عنه - لا يفرج بين قدميه ولا يمس إحداهما ~~الأخرى، ولكن بين ذلك، ويكره تغميض العين، نص عليه أحمد - رضي الله عنه - ~~وقال: هو من فعل اليهود، ويكره العبث كله، وما يذهب بخشوع الصلاة، ولا تبطل ~~الصلاة بشيء من هذا إلا ما كان عملا كثيرا. # فصل: # ولا بأس بعد الآي والتسبيح؛ لأنه روي عن طاوس، والحسن، وابن سيرين، ولا ~~بأس بقتل الحية والعقرب؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتل ~~الأسودين في الصلاة، الحية والعقرب» ، وإن قتل القملة فلا بأس، فإن عمر - ~~رضي الله عنه - كان يقتل القمل في الصلاة رواه سعيد. # قال القاضي: والتغافل عنها أولى، ولا بأس بالعمل اليسير للحاجة لما ~~قدمنا. # فصل: # فإن تثاءب في الصلاة استحب له أن يكظم، فإن لم يقدر وضع يده على فيه؛ ~~لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا تثاءب أحدكم فليكظم ما ~~استطاع» ، وفي رواية: «فليضع يده على فيه، فإن الشيطان يدخل» وهذا حديث حسن ~~صحيح. وإن بدره البصاق بصق عن # PageV01P286 # يساره، أو تحت قدمه، فإن كان في المسجد بصق في ثوبه، وحك بعضه ببعض؛ لما ~~«روى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى نخامة في قبلة ~~المسجد، فأقبل على الناس، فقال: ما بال أحدكم يقوم مستقبل القبلة، فيتنخع ~~أمامه، أيحب أن يستقبل فيتنخع في وجهه، وإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره ~~أو تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا ووصف القاسم: فتفل في ثوبه ومسح ms0144 بعضه ~~على بعض» ، وإن سلم على المصلي، رد بالإشارة؛ لما «روى جابر قال: أدركت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي، فسلمت عليه فأشار إلي، فلما فرغ ~~دعاني، وقال: إنك سلمت علي آنفا وأنا أصلي» متفق عليه. ### | باب صلاة الجماعة # باب الجماعة الجماعة واجبة على الرجال، لكل صلاة مكتوبة؛ لما روى أبو ~~هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «والذي نفسي بيده، لقد ~~هممت أن آمر بحطب فيحتطب، ثم آمر بالصلاة، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم ~~أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» متفق عليه. ~~وليست شرطا للصحة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تفضل صلاة الجماعة ~~على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة» متفق عليه. وتنعقد باثنين؛ لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «الاثنان فما فوقهما جماعة» رواه ابن ماجه. فإن أم ~~الرجل عبده أو زوجته كانا جماعة لذلك، وإن أم صبيا في النفل جاز؛ لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أم ابن عباس في التهجد، وإن أمه في فرض، فقال أحمد ~~- رضي الله عنه -: لا يكون مسقطا له؛ لأنه ليس من أهله، وعنه: يصح كما لو ~~أم رجلا متنفلا. # فصل: # ويجوز فعلها في البيت والصحراء؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«أينما أدركتك الصلاة فصل، فإنه مسجد» متفق عليه. وعنه أن حضور المسجد ~~واجب؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة لجار المسجد إلا في ~~المسجد» وفعلها فيما كثر الجمع أفضل؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته ~~مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله تعالى» من المسند. وإن كان في ~~جواره مسجد، تختل الجماعة فيه بغيبته عنه، ففعلها فيه أفضل، وإن لم تختل ~~بذلك، وثم مسجد آخر فالعتيق أفضل؛ لأن الطاعة فيه أسبق، وإن كانا سواء، فهل ~~الأفضل قصد الأبعد أو الأقرب على روايتين، وإن كان البلد ثغرا فالأفضل ~~اجتماع الناس في مسجد واحد؛ لأنه أعلى ms0145 للكلمة، وأوقع للهيبة، وبيت المرأة ~~خير لها، فإن أرادت المسجد لم تمنع منه، ولا تتطيب له؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير # PageV01P287 # لهن» رواه أحمد. وفي رواية: «ليخرجن تفلات» يعني غير متطيبات، ولا بأس أن ~~تصلي المرأة بالنساء؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لأم ورقة أن ~~تؤم أهل دارها» رواه أبو داود. # فصل: # ويعذر في ترك الجماعة والجمعة بثمانية أشياء: # المرض: لما روى ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر، قالوا: يا رسول ~~الله، وما العذر؟ قال: خوف أو مرض» رواه أبو داود. # والخوف: لهذا الحديث، وسواء خاف على نفسه من سلطان، أو لص، أو سبع، أو ~~غريم يلزمه، ولا شيء معه يعطيه، أو على ماله من تلف أو ضياع أو سرقة، أو ~~يكون له دين على غريم يخاف سفره، أو وديعة عنده إن تشاغل بالجماعة مضى ~~وتركه، أو يخاف شرود دابته، أو احتراق خبزه أو طبخه، أو ناطور بستان يخاف ~~سرقة شيء منه، أو مسافر يخاف فوت رفقته، أو يكون له مريض يخاف ضياعه، أو ~~صغير أو حرمة يخاف عليها. # والثالث، والرابع: المطر والوحل: لما «روي عن ابن عباس أنه قال لمؤذنه في ~~يوم مطير: إذا قلت: أشهد أن محمدا رسول الله، فلا تقل حي على الصلاة، وقل: ~~صلوا في بيوتكم، فعل ذلك من هو خير مني، إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن ~~أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض» متفق عليه. # والخامس: الريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة، وهذا يختص بالجماعة؛ ~~لما روى ابن عمر: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر مناديا ~~فيؤذن، ثم يقول على إثر ذلك: ألا صلوا في الرحال في الليلة الباردة أو ~~المطيرة في السفر» متفق عليه. # السادس: أن يحضر الطعام ونفسه تتوق إليه. # السابع: أن يدافع الأخبثين أو أحدهما؛ لما روت عائشة قالت: سمعت رسول ~~الله ms0146 - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يصلي أحدكم بحضرة الطعام، ولا وهو ~~يدافع الأخبثين» رواه البخاري ومسلم. # الثامن: أن يكون له قريب يخاف موته ولا يحضره، لما روى ابن عمر رضي الله # PageV01P288 # عنهما: استصرخ علي سعيد بن زيد، وقد تجهز للجمعة، فذهب إليه وتركها. # فأما الأعمى فلا يعذر إذا أمكنه الحضور؛ لما روى أبو هريرة قال: «أتى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل أعمى فقال: يا رسول الله، ليس لي قائد ~~يقودني إلى المسجد، فسأله أن يرخص له، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: أتسمع ~~النداء بالصلاة، قال: نعم، قال: فأجب» رواه مسلم. # فصل: # ومن شرط صحة الجماعة أن ينوي الإمام والمأموم حالهما، فإن نوى أحدهما دون ~~صاحبه لم تصح؛ لأن الجماعة إنما انعقدت بالنية، فيعتبر وجودها منهما، وإن ~~نوى كل واحد منهما أنه إمام صاحبه لم يصح؛ لأنه لا مأموم له، وإن نوى كل ~~واحد منهما أنه مأموم لم يصح؛ لأنه لا إمام له، وإن نوى أن يأتم بأحد ~~الإمامين لا بعينه لم يصح؛ لأنه لا يمكنه اتباعه، وإن نوى الائتمام بهما لم ~~يصح لذلك، وإن نوى الائتمام بالمأموم أو المنفرد لم يصح؛ لأنه ليس بإمام. # فصل: # فإن أحرم على صفة، ثم انتقل عنها، ففيه ست مسائل: # إحداهن: أحرم منفردا، ثم جاء إنسان فأحرم معه، فنوى إمامته، فيجوز في ~~النفل؛ لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - قام يصلي في التهجد، فجاء ابن ~~عباس فأحرم معه، فصلى به النبي - صلى الله عليه وسلم -» متفق عليه. # وإن كان في فرض وكان يرجو مجيء من يصلي معه، جاز أيضا، نص عليه؛ لأن ~~«النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم بالصلاة وحده، فجاء جابر وجبار فصلى ~~بهما» رواه أبو داود. وإن لم يكن كذلك؛ فعن أحمد لا يجزئه؛ لأنه لم ينو ~~الإمامة في ابتداء الصلاة، وعنه ما يدل على الإجزاء؛ لأنه يصح في النفل ~~والفرض في معناه. # الثانية: أحرم منفردا فحضرت جماعة، فأحب أن يصلي معهم، فقال أحمد - رضي ~~الله عنه -: أحب إلي أن ms0147 يقطع الصلاة، ويدخل مع الإمام، فإن لم يفعل ودخل ~~معهم ففيه روايتان: # إحداهما: لا يجزئه؛ لأنه لم ينو الائتمام في ابتداء الصلاة. # والثانية: يجزئه لأنه لما جاز أن يجعل نفسه إماما، جاز أن يجعلها مأموما. # الثالثة: أحرم مأموما، ثم نوى الانفراد لعذر جاز، نحو أن يطول الإمام، أو ~~تفسد # PageV01P289 # صلاته لعذر من سبق حدث أو نحوه؛ لما «روى جابر قال: صلى معاذ بقومه، فقرأ ~~بسورة البقرة فتأخر رجل، وصلى وحده، فقيل له: نافقت يا فلان، فأتى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فذكر له ذلك، فقال: أفتان أنت يا معاذ؟ مرتين» متفق ~~عليه. # فإن نوى الانفراد لغير عذر فسدت صلاته؛ لأنه ترك متابعة إمامه لغير عذر، ~~فأشبه ما لو تركها بغير نية المفارقة، وفيه وجه أنه يصح، بناء على المنفرد ~~إذا نوى الإمامة. # الرابعة: أحرم مأموما ثم صار إماما لعذر، مثل أن سبق إمامه الحدث ~~فيستخلفه فإنه يصح. # وعنه: لا يصح، وإن أدرك نفسان بعض الصلاة مع الإمام، فلما سلم ائتم ~~أحدهما بصاحبه في بقيتها؟ ففيه وجهان، فإن كان لغير عذر لم تصح. # الخامسة: أحرم إماما ثم صار منفردا لعذر، مثل أن يسبق الإمام الحدث أو ~~تفسد صلاته لعذر، فينوي الإمام المنفرد فيصح، وإن كان لغير عذر لم يصح. # السادسة: أحرم إماما ثم صار مأموما لعذر، مثل أن يؤم غير إمام الحي، ~~فيزول عذر الإمام، فيتقدم في أثناء الصلاة، ويبني على صلاة الأول، ويصير ~~الأول مأموما ففيه وجهان: # أحدهما: يصح؛ لما روى سهل بن سعد قال: «ذهب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة فصلى أبو بكر، فجاء ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في ~~الصف، فاستأخر أبو بكر حتى استوى في الصف وتقدم النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، فصلى ثم انصرف» متفق عليه. # والثانية: لا يصح؛ لأنه لا حاجة إلى ذلك، وفعل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يحتمل أن يكون خاصا له؛ لأن أحدا لا يساويه. ms0148 # فصل: # وإذا أقيمت الصلاة لم يشتغل عنها بغيرها؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» رواه مسلم. وإن أقيمت ~~وهو في نافلة خففها وأتمها، إلا أن يخاف فوات الجماعة فيقطعها؛ لأن الفريضة ~~أهم، وعنه يتمها لقول الله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33] . # PageV01P290 # وإن أقيمت قبل مجيئه لم يسع إليها؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ائتوها ~~وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا وروي: فاقضوا» متفق ~~عليه. ولا بأس أن يسرع شيئا إذا خاف فوات الركعة؛ لأنه جاء عن أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم كانوا يعجلون شيئا إذا خافوا الفوات، فإن ~~أدركه راكعا كبر للإحرام وهو قائم، ثم كبر أخرى للركوع، فإن كبر واحدة ~~أجزأه، نص عليه، واحتج أنه فعل زيد بن ثابت، وابن عمر - رضي الله عنهما -، ~~وإن أدرك قدر ما يجزئ في الركوع مع الإمام أدرك الركعة، فإن لم يدرك ذلك لم ~~يكن مدركا لها، لما روى أبو هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«إذا أدركتم الإمام في السجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئا، ومن أدرك الركوع ~~فقد أدرك الركعة» رواه أبو داود. وإن أدركه في سجود أو جلوس كبر الإحرام، ~~وانحط من غير تكبير؛ لأنه لم يدرك محل التكبير في السجود. # فصل: # وإذا أحس بداخل في القيام أو الركوع استحب له انتظاره، ما لم يشق على ~~المأمومين؛ لما «روى ابن أبي أوفى: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر، حتى لا يسمع وقع قدم» ، ولأنه انتظار ~~ليدرك المأموم على وجه لا يشق، فلم يكره، كالانتظار في صلاة الخوف، إلا أن ~~يكون الجمع كثيرا فأنه لا يستحب؛ لأنه يتعذر أن يكون فيهم من يشق عليه، ~~ولأنه يفوت حق جماعة كثيرة لأجل واحد، ومن كبر قبل سلام الإمام، فقد أدرك ~~فضيلة الجماعة ويبني عليها. # فصل: # وما يدركه المأموم ms0149 مع الإمام آخر صلاته لا يستفتح فيه، وما يقضيه أولها ~~يستفتح إذا قام إليه ويستعيد؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وما ~~فاتكم فاقضوا» والمقضي هو الفائت. # وعنه: إن ما يدركه أولها ما يقضيه آخرها؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«وما فاتكم فأتموا» والأول المشهور؛ لأنه يقرأ فيما يقضيه بالسورة بعد ~~الفاتحة، فكان أول صلاته كما لو بدأ به، فإن لم يدرك إلا ركعة من المغرب، ~~أو الرباعية ففي موضع تشهده روايتان: # إحداهما: يأتي بركعتين متواليتين ثم يتشهد؛ لأن المقضي أول صلاته، وهذا ~~صفة أول الصلاة، ولأنهما ركعتان يقرأ فيهما بالسورة، فكانتا متواليتين كغير ~~المسبوق. # PageV01P291 # والثانية: يأتي بركعة ثم يجلس؛ لأنه يروى عن ابن مسعود، وسعيد بن المسيب، ~~ومسروق: فإذا جلس مع الإمام في تشهده الأخير كرر التشهد الأول، فإذا قضى ما ~~عليه تشهد، وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم سلم. # فصل: # وإن فاتته الجماعة استحب أن يصلي في جماعة أخرى، فإن لم يجد إلا من قد ~~صلى استحب لبعضهم أن يصلي معه، لما «روى أبو سعيد: أن رجلا جاء وقد صلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: من يتصدق على هذا فيصلي معه؟» وهذا ~~حديث حسن؛ ولقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة الجماعة تفضل على ~~صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» ويجوز ذلك في جميع المساجد، إلا أن أحمد - رضي ~~الله عنه - كرهه في المسجد الحرام ومسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم -. # فصل: # ويتبع المأموم الإمام، فيجعل أفعاله بعد أفعاله؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع ~~فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد ~~فاسجدوا» متفق عليه. والفاء للتعقيب، وقال في حديث أبي موسى: «فإن الإمام ~~يركع قبلكم ويرفع قبلكم» رواه مسلم. «وقال البراء بن عازب: كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا قال: سمع الله لمن حمده لم يحن أحد منا ظهره، حتى ~~يقع ساجدا، ثم نقع سجودا ms0150 بعده» متفق عليه. # فإن كبر للإحرام مع إمامه أو قبله لم يصح؛ لأنه ائتم بمن لم تنعقد صلاته، ~~وإن فعل سائر الأفعال معه كره لمخالفة السنة، ولم تفسد صلاته؛ لأنه اجتمع ~~معه في الركن، وإن ركع أو رفع قبله عمدا أتم؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام» والنهي يقتضي ~~التحريم. # وروى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أما يخشى الذي ~~يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار» متفق عليه. وظاهر كلام ~~أحمد - رضي الله عنه - أن صلاته تبطل لهذا الحديث. قال: لو كان له صلاة ~~لرجي له الثواب، ولم يخش عليه العقاب. # وقال القاضي: تصح صلاته؛ لأنه اجتمع معه في الركن، أشبه ما لو وافقه، وإن ~~فعله جاهلا أو ناسيا فلا بأس. وعليه أن يعود ليأتي بذلك معه، فإن لم يفعل ~~صحت # PageV01P292 # صلاته؛ لأنه سبق يسير لا يمكن التحرز منه، فإن ركع ورفع قبل أن يركع ~~إمامه، وسجد قبل رفعه عمدا عالما بتحريمه بطلت صلاته؛ لأنه لم يأتم بإمامه ~~في معظم الركعة، وإن كان جاهلا أو ناسيا لم تبطل صلاته للعذر، ولم يعتد ~~بتلك الركعة لما ذكرنا، فإن ركع قبله فلما ركع رفع، ففي بطلان الصلاة لعمد ~~ذلك والاعتداد بالركعة مع جهله ونسيانه وجهان. فإن ركع الإمام، ورفع قبل ~~ركوع المأموم عمدا، بطلت صلاته، لتركه المتابعة، وإن كان لنوم أو غفلة ونحو ~~ذلك لم تبطل؛ لأنه سبق يسير، ويركع ثم يدركه، فإن سبقه بأكثر من ذلك لعذر ~~ففيه وجهان: # أحدهما: يفعله ويلحق، كالمزحوم في الجمعة. # والثاني: تبطل الركعة؛ لأنها مفارقة كثيرة. ### | باب صفة الأئمة # الكلام فيها في ثلاثة أمور: # أحدها: صحة الإمامة: والناس فيها على خمسة أقسام: # أحدها: من تصح إمامته بكل حال، وهو الرجل المسلم العدل القائم بأركان ~~الصلاة وشرائطها، فتصح إمامته وإن كان عبدا؛ لأن أبا ذر، وابن مسعود، ~~وحذيفة، وناسا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدموا أبا سعيد ~~مملوكا لأبي ms0151 أسيد فصلى بهم، ولأنه من أهل الأذان لهم، فأشبه الحر، وتصح ~~إمامة الأعمى؛ لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستخلف ابن أم مكتوم ~~يؤم الناس وهو أعمى» رواه أبو داود. # ولأن الأعمى فقد حاسة فأشبه فقد الشم، وتصح إمامة الأصم لذلك، فإن كان ~~أصم أعمى فقال بعض أصحابنا: لا تصح إمامته؛ لأنه قد يسهو فلا يمكن تنبيهه، ~~والأولى صحتها؛ لأنه لا يخل بشيء من واجبات الصلاة، والسهو عارض لا يبطل ~~الصلاة احتمال وجوده كالجهل بحكم السجود، وتصح إمامة ولد الزنا، والجندي، ~~والخصي، والأعرابي، إذا سلموا في دينهم؛ لدخولهم في عموم قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «يؤم القوم أقرؤهم» وتصح إمامة المتيمم بالمتوضئ؛ «لأن ~~عمرو بن العاص صلى بأصحابه متيمما، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فضحك، ولم ينكر عليه» ؛ لأن طهارته صحيحة أشبه الماسح. # فصل: # القسم الثاني: من لا تصح إمامته؛ وهم نوعان: # أحدهما: من لا تصح صلاته لنفسه كالكافر والمجنون، ومن أخل بشرط أو واجب # PageV01P293 # لغير عذر، فلا تصح إمامته بحال؛ لأنه لا صلاة له في نفسه أشبه اللاعب إلا ~~في المحدث والنجس إذ لم يعلم هو والمأموم حتى فرغوا من الصلاة أعاد وحده؛ ~~لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه صلى بالناس الصبح، ثم خرج إلى الجرف، ~~فأهراق الماء فوجد في ثوبه احتلاما، فأعاد ولم يعد الناس. وروى الأثرم نحو ~~هذا عن عثمان وعلي وابن عمر، ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعا، ولأن هذا مما ~~يخفى، فكان المأموم معذورا في الاقتداء به، والنجاسة كالحدث؛ لأنها مما ~~تخفى ولا يعفى عن سائر الشروط؛ لأنها ليست في مظنة الخفاء، فإن علم الإمام ~~والمأموم ذلك في أثناء الصلاة لزمهم الاستئناف، وحكي عنه في المأموم أنه ~~يبني على ما مضى لو سبق الإمام الحدث والمذهب الأول؛ لأن ما مضى بني على ~~غير طهارة بخلاف من سبقه الحدث، وإن علم بعض المأمومين دون بعض، فالمنصوص ~~أنهم يعيدون جميعا لعدم المشقة فيه، ويحتمل أن تختص الإعادة بمن علم؛ لأنه ~~اختص بالعلم ms0152 المبطل، فاختص البطلان كما لو أحدث. # النوع الثاني: الفاسق إما بالأفعال أو ببدعة لا تكفره؛ ففي إمامته ~~روايتان: # إحداهما: تصح «لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر: كيف أنت إذا ~~كانت عليك أمراء، يميتون الصلاة عن وقتها. قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: صل ~~الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصل، فإنها لك نافلة» من المسند. وكان ابن ~~عمر يصلي وراء الحجاج، والحسن والحسين يصليان وراء مروان. # والثانية: لا يصح؛ لأن جابرا قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: «لا تؤمن امرأة رجلا، ولا فاجر مؤمنا إلا أن يقهره بسلطان، أو يخاف ~~سوطه أو سيفه» رواه ابن ماجه. # ولأنه لا يؤمن على شرائط الصلاة، ويحتمل أن تصح الجمعة والعيد دون ~~غيرهما؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بهما خلف كل بر وفاجر؛ لأنها ~~لا تختص بإمام واحد، فالمنع منها خلف الفاسق يفضي إلى تفويتها، فسومح فيها ~~دون سائر الصلوات. # فصل: # القسم الثالث: من تصح إمامته بمثله، ولا تصح بغيره، وهم ثلاثة أنواع: # إحداها: المرأة يجوز أن تؤم النساء لما تقدم، ولا يجوز أن تؤم رجلا، ولا ~~خنثى مشكلا، في فرض ولا صلاة نفل؛ لقوله - عليه السلام -: «لا تؤمن امرأة ~~رجلا» ولأنها لا تؤذن للرجال، فلم يجز لها أن تؤمهم كالمجنون. # والثاني: الأمي وهو: من لا يحسن الفاتحة، أو يخل بترتيلها أو حرف منها، ~~أو يبدله بغيره كالألثغ الذي يجعل الراء غينا، ومن يلحن لحنا يحيل المعنى ~~مثل أن يضم # PageV01P294 # تاء {أنعمت} [الفاتحة: 7] أو يكسر كاف {إياك} [الفاتحة: 5] ، أو يخل ~~بشدة، فإن الشدة قامت مقام حرف، بدليل أن شدة راء الرحيم قامت مقام اللام، ~~لكن إذا خففها أجزأته، فهؤلاء إن لم يقدروا على إصلاح قراءتهم أميون تصح ~~صلاتهم بمثلهم، ولا تصح بقارئ؛ لأنه عجز عن ركن الصلاة فأشبه العاجز عن ~~السجود، فإن أم أميين وقارئا صحت صلاة الأميين وفسدت صلاة القارئ. # وفي معنى هذا النوع من يخل بشرط أو ركن كالأخرس والعاجز عن الركوع ~~والسجود، والقيام والقعود، والمستحاضة ومن ms0153 به سلس البول وأشباههم تصح ~~صلاتهم في أنفسهم، وبمن حاله كحالهم، ولا تصح بغيرهم؛ لأنهم أخلوا بفرض ~~الصلاة، فأشبه المضجع يؤم القائم، إلا في موضع واحد وهو العاجز عن القيام ~~يؤم القادر عليه بشرطين: # أحدهما: أن يكون إمام الحي. # والثاني: أن يرجى زوال مرضه، ويصلون خلفه جلوسا؛ لأن النبي «- صلى الله ~~عليه وسلم - صلى بهم جالسا، فصلى وراءه قوم قياما، فأشار إليهم أن اجلسوا، ~~ثم قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، وإذا صلى جالسا فصلوا ~~جلوسا أجمعون» متفق عليه. فإن صلوا قياما ففيه وجهان: # أحدهما: لا يصح للنهي عنه. # والثاني: يصح لأن القيام هو الأصل، وقد أتوا به، فإن ابتدأ بهم قائما، ثم ~~اعتل فجلس أتموا قياما؛ «لأن عائشة قالت: لما ثقل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فلما دخل أبو بكر في الصلاة ~~خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء رسول الله حتى جلس عن يسار أبي بكر، ~~فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس جالسا، وأبو بكر قائما ~~يقتدي برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر» ~~متفق عليه. # فأتموا قياما لابتدائهم إياها قياما، فأما غير إمام الحي، فلا يصح أن يؤم ~~قادرا على القيام، وهو جالس لعدم الحاجة إلى تقديمه مع عجزه، وإن لم يرج ~~برؤه لم تجز إمامته؛ لأنه لا يجوز استبقاؤه إماما دائما مع عجزه، واحتمل ~~هذا في القيام دون سائر الأركان لخفته؛ بدليل سقوطه في النفل دونها، فإن ~~كان أقطع اليدين فقال أبو بكر: لا تصح إمامته لإخلاله بالسجود على عضوين من ~~أعضاء السجود، فأشبه العاجز عن السجود على جبهته، وفي معناه: اقطع اليد ~~الواحدة. # وقال القاضي: تصح إمامته؛ لأنه لا يخل بركن الصلاة بخلاف تارك السجود على ~~الجبهة. # النوع الثالث: الصبي تصح إمامته بمثله؛ لأنه بمنزلته، ولا تصح إمامته ~~ببالغ في فرض، نص عليه؛ لأن ذلك روي عن ابن مسعود، وابن عباس، ولأنه ليس من ~~أهل # PageV01P295 # الكمال، فلا يؤم ms0154 الرجال كالمرأة، وهل يؤمهم في النفل على روايتين. # إحداهما: لا تصح لذلك. # والثانية: تصح لأن صلاته نافلة، فيؤم من هو في مثل حاله، ويخرج أن تصح ~~إمامته لهم في الفرض بناء على إمامة المتنفل للمفترض، «ولأن عمر بن سلمة ~~الجرمي كان يؤم قومه وهو غلام في عصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» ~~أخرجه البخاري. # فصل: # القسم الرابع: من تصح إمامته ممن دونه ولا تصح بمثله ولا أعلى منه، وهو ~~الخنثى المشكل، تصح إمامته بالنساء؛ لأن أدنى أحواله أن يكون امرأة، ولا ~~تصح برجل؛ لأنه يحتمل أن يكون امرأة، ولا خنثى مشكل؛ لأنه يحتمل كون ~~المأموم رجلا. # فصل: # القسم الخامس: المتنفل يصح أن يؤم متنفلا، وهل يصح أن يؤم مفترضا؟ فيه ~~روايتان: # إحداهما: لا يصح؛ لأن صلاة المأموم لا يتأدى بنية الإمام، فأشبه الجمعة ~~خلف من يصلي الظهر. # والثانية: يصح، وهي أولى؛ «لأن جابرا روى أن معاذا كان يصلي مع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة» متفق عليه. ~~«وصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في الخوف بطائفة ركعتين، ثم سلم، ثم ~~صلى بالأخرى ركعتين ثم سلم» رواه أبو داود. وهو في الثانية متنفل، ويؤم ~~مفترضين، ولأنهما صلاتان اتفقتا في الأفعال، فأشبه المتنفل يأتم بمفترض، ~~وإن صلى الظهر خلف من يصلي العصر، أو صلى العشاء خلف من يصلي التراويح ففيه ~~روايتان، وجههما ما تقدم، فإن كانت إحدى الصلاتين تخالف الأخرى، كصلاة ~~الكسوف والجمعة، خلف من يصلي غيرهما، أو غيرهما خلف من يصليهما لم يصح. # رواية واحدة؛ لأنه يفضي إلى المخالفة في الأفعال، فيدخل في قوله - عليه ~~السلام -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عنه» وإن صلى من يؤدي ~~صلاة خلف من يقضيها، أو من يقضيها خلف من يؤديها صحت، رواية واحدة، ذكره ~~الخلال؛ لأن الصلاة واحدة، وإنما اختلف الوقت، وخرج بعض أصحابنا فيها ~~روايتين كالتي قبلها. # PageV01P296 # فصل: # الأمر الثاني في أولى الناس بالإمامة، وأتم ما روي فيه حديث أبي مسعود ~~البدري: أن النبي ms0155 - صلى الله عليه وسلم - قال: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب ~~الله تعالى، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة ~~سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا، أو قال: سلما، ~~ولا يؤمن الرجل في بيته، ولا في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه» ~~رواه مسلم. # فأولى الناس بالإمامة السلطان، للحديث وهو الخليفة أو الوالي من قبله أو ~~نائبهما، فإن لم يكن سلطان، فصاحب البيت أحق للخبر. وقال أبو سعيد مولى أبو ~~أسيد: تزوجت وأنا مملوك، فدعوت ناسا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، فيهم أبو ذر، وابن مسعود، وحذيفة، فحضرت الصلاة، فتقدم أبو ذر ~~فقالوا له: وراءك، فالتفت إلى أصحابه فقال: أكذلك؟ قالوا: نعم فقدموني، ~~رواه صالح، بإسناده في مسائله. # فإن أذن صاحب البيت لرجل فهو بمنزلته، وإن اجتمع السلطان وصاحب البيت ~~فالسلطان أولى؛ لأن ولايته على البيت وصاحبه، وإن اجتمع السلطان وخليفته ~~فالسلطان أولى؛ لأن ولايته أعم، وإن اجتمع العبد وسيده في بيت العبد فالسيد ~~أولى؛ لأنه مالك للعبد وبيته، وإن اجتمع المؤجر والمستأجر في الدار، ~~فالمستأجر أولى لأنه أحق بالمنفعة، وإمام المسجد الراتب فيه بمنزلة صاحب ~~البيت، لا يجوز لأحد أن يؤم فيه، بغير إذنه لذلك، ويجوز في غيبته؛ لأن أبا ~~بكر صلى حين غاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، «وفعل ذلك عبد الرحمن بن ~~عوف مرة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أحسنتم» رواه مسلم. فإن لم ~~يكن ذو مزية من هؤلاء، فأولاهم أقرؤهم لكتاب الله للخبر، ولقول رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة ~~أقرؤهم» رواه مسلم. # ويرجع في القراءة بجودتها وكثرة القرآن، فإن كان أحدهم أجود والآخر أكثر ~~قرآنا، فالأجود أولى؛ لأنه أعظم أجرا؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من قرأ القرآن فأعربه، فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه، فله ~~بكل حرف حسنة» حديث حسن صحيح. # وقال أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما -: إعراب القرآن أحب ms0156 إلينا من حفظ ~~بعض حروفه، فإن اجتمع قارئ لا يعرف أحكام الصلاة وفقيه أمي، فالقارئ أولى ~~للخبر، ولأنه لا تصح صلاته خلف الأمي، وإن كان الفقيه يقرأ ما يجزئ في ~~الصلاة فكذلك الخبر. # وقال ابن عقيل: الفقيه أولى؛ لأنه تميز بما لا يستغنى عنه في الصلاة، فإن ~~استويا في القراءة فأولاهما أفقههما للخبر، ولأن الفقيه يحتاج إليه في ~~الصلاة، فأشبه القراءة، # PageV01P297 # وإن استويا في ذلك فأولاهما أقدمهما هجرة، وهو المهاجر من دار الكفر إلى ~~دار الإسلام، فإن استويا في ذلك فأكبرهما سنا للخبر، ولأن «النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال لمالك بن الحويرث: إذا حضرت الصلاة فليؤذن إحداكما، ~~وليؤمكما أكبركما» حديث صحيح. ولأنه أقرب إلى الخشوع وإجابة الدعاء، ويرجح ~~بتقدم الإسلام؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أقدمهم سلما» لأنه إذا رجح ~~بتقدم السن فبالإسلام أولى، فإن استويا في ذلك قدم أشرفهما نسبا، وأفضلهما ~~في أنفسهما، وأعلاهما قدرا؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «قدموا ~~قريشا ولا تقدموها» هذا ظاهر كلام أحمد. وقال الخرقي: إذا استويا في الفقه ~~فقدم أكبرهما سنا، فإن استويا فأقدمهما هجرة، وقال ابن حامد يقدم الشرف بعد ~~الفقه ثم الهجرة، ثم السن، فإن استووا قدم أتقاهم وأورعهم؛ لقول الله ~~تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13] ولأنه أقربهم إلى ~~الإجابة. # فإن استووا قدم أعمرهم للمسجد، وأتمهم مراعاة له، ويقدم الحر على العبد؛ ~~لأنه من أهل المناصب، والحاضر يقدم على المسافر؛ لأنه إذا أم حصل جميع ~~الصلاة في جماعة، بخلاف المسافر. # والحضري على البدوي؛ لأنه أجدر بمعرفة حدود الله تعالى، وأحرى بإصابة ~~الحق. # والبصير على الأعمى؛ لأنه أقدر على توقي النجاسات، واستقبال القبلة بعلم ~~نفسه. # وقال القاضي: هما سواء؛ لأن الضرير لا يرى ما يلهيه ويشغله، فذلك يقابل ~~البصر فيستويان، والأولى لإمام الحي إذا عجز عن القيام أن يستنيب، لئلا ~~يلزمهم ترك ركن، فإن استووا أقرع بينهم؛ لأن سعدا أقرع بين أهل القادسية في ~~الأذان، ولا يرجح بحسن الوجه؛ لأنه لا مدخل له في الإمامة. # فصل: # الثالث: أنه ms0157 يكره إمامة اللحان؛ لأنه نقص يذهب ببعض من الثواب، وإمامة من ~~لا يفصح ببعض الحروف، كالضاد والقاف، وإمامة التمتام، وهو من يكرر التاء ~~والفأفاء، فالذي يكرر الفاء؛ لأنهما يزيدان في الحروف، وتصح الصلاة خلفهما؛ ~~لأنهما يأتيان بالحروف على الكمال، فإن كان يجعل الضاد ظاء في الفاتحة، ~~فقياس المذهب أنه كالأمي؛ لأنه يبدل حرفا بغيره، ويحيل المعنى، فإنه يقال: ~~ظل يفعل كذا، إذا فعله نهارا. # PageV01P298 # ويكره أن يؤم قوما أكثرهم له كارهون؛ لما روى أبو أمامة قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق ~~حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون» وهذا ~~الحديث حسن. # فإن كانوا يكرهونه لسنته أو دينه فلا يكره، قال منصور: قيل لنا: إنما عنى ~~بهذا أئمة الظلم، فأما من أقام بالسنة، فإنما الإثم على من كرهه. # ويكره أن يؤم نساء أجانب لا رجل معهن، ويكره أن يتقدم المفضول من هو أولى ~~منه؛ لأنه جاء في الحديث: «إذا أم الرجل القوم وفيهم من هو خير منه لم ~~يزالوا في سفال» احتج به أحمد - رضي الله عنه -. ### | باب موقف الإمام والمأموم في الصلاة # باب موقف الصلاة إذا كان المأموم واحدا، وقف عن يمين الإمام، فإن كبر عن ~~يساره أداره الإمام عن يمينه، فإن جاء آخر كبر وتأخر فصفا خلفه، ولا يتقدم ~~الإمام إلا إن كان الموضع ضيقا، فإن كبر الثاني عن يساره أخرهما الإمام ~~بيديه؛ لما «روى جابر قال: سرت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة، ~~فقام يصلي فتوضأت، ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فأخذ بيدي، فأدارني حتى أقامني عن يمينه، فجاء جبار بن صخر حتى قام عن ~~يساره، فأخذنا بيديه جميعا حتى أقامنا خلفه» من المسند. وإن صليا عن يمينه، ~~أو أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره جاز؛ لما روي: «أن ابن مسعود صلى بين ~~علقمة والأسود، وقال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل» ms0158 ~~رواه أبو داود. ولأن الوسط موقف لإمام العراة وإمامة النساء. # فإن كان معهم امرأة قامت خلفهم؛ لما «روى أنس قال: قام رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وصففت أنا واليتيم وراءه والمرأة خلفنا، فصلى بنا ركعتين» ~~متفق عليه. فإن اجتمع رجال وصبيان وخناثى ونساء، تقدم الرجال ثم الصبيان ثم ~~الخناثى ثم النساء؛ لما «روى أبو مالك الأشعري أنه قال: ألا أحدثكم بصلاة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: أقام الصلاة، فصف الرجال، ثم صف خلفهم ~~الغلمان، ثم صلى بهم، ثم قال: هكذا قال عبد الأعلى، لا أحسبه إلا قال: صلاة ~~أمتي» رواه أبو داود. # فإن لم يكن مع الرجال إلا امرأة، وقفت خلفه، فإن كان معه صبي وقف عن ~~يمينه، لما «روى ابن عباس قال: بت عند خالتي ميمونة، فقام النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يصلي من الليل، فقمت فوقفت عن يساره، فأخذ بذؤابتي فأدارني عن ~~يمينه» متفق عليه. # فإن كان معه رجل وصبي في فرض وقف بينهما، كما في حديث ابن مسعود، # PageV01P299 # وجعل الرجل عن يمينه، أو جعلهما عن يمينه، وإن كان في نافلة وقفا خلفه ~~على ما في حديث أنس. # فصل: # فإن وقف المأموم قدام الإمام لم تصح صلاتهم؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به» . # وإن وقف الواحد خلف الصف، أو خلف الإمام أو عن يساره لم تصح صلاته؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أدار ابن عباس وجابرا لما وقفا عن يساره، ~~«وروى وابصة بن معبد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يصلي خلف ~~الصف وحده، فأمره أن يعيد» رواه أبو داود. «وعن علي بن شيبان قال: صلى بهم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، فانصرف ورجل فرد خلف الصف، فوقف النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - حتى انصرف الرجل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~استقبل صلاتك، فلا صلاة لفرد خلف الصف» رواه الأثرم. قال أحمد - رضي الله ~~عنه - فيه وفي حديث وابصة: هذا حديث حسن. # ولأنه خالف الموقف فلم تصح ms0159 صلاته، كما لو وقف قدام الإمام، فإن صلى ركعة ~~واحدة لم تصح صلاته، وإن جاء آخر فوقف معه أو دخل في الصف قبل رفع الإمام ~~من الركوع صحت صلاته؛ لأنه أدرك في الصف ما يدرك به الركعة، وإن كان ذلك ~~بعد رفع الإمام ففيه ثلاث روايات: # إحداهن: يصح؛ لأنه لم يصل ركعة واحدة، أشبه ما لو أدرك الركوع. # والثانية: لا يصح؛ لأنه لم يدرك في الصف ما يدرك به الركعة، أشبه من صلى ~~ركعة. # والثالثة: إن كان جاهلا لم يعد، وإن كان عالما أعاد؛ لما روى البخاري «أن ~~أبا بكرة انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو راكع فركع قبل أن ~~يصله، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: زادك الله حرصا ولا ~~تعد» فلم يأمره بالإعادة لجهله، ونهاه عن العود، والنهي يقضي الفساد، فإن ~~ذلك لغير عذر، ولا خشي الفوات، فحكمه حكم من خاف الفوات؛ لأن الموقف لا ~~يختلف لخيفة الفوات وعدمه، ويحتمل أن لا يصح؛ لأن الرخصة وردت في حق ~~المعذور، فلا يلحق به غيره. # فصل: # ومن وقف معه كافر أو امرأة أو خنثى مشكل أو من صلاته فاسدة، فحكمه حكم # PageV01P300 # الفذ؛ لأنهم من غير أهل الوقوف معه، وإن وقف معه فاسق أو أمي أو متنفل ~~كانوا معه صفا: لأنهم من أهل الوقوف معه، وإن وقف الصبي معه في النفل كانا ~~صفا لحديث أنس، وإن كان في فرض احتمل أن يكون معه صفا؛ لأنه كالمتنفل، ~~واحتمل أن لا يصح؛ لأنه ليس من أهل الإمامة له فيه أشبه المرأة. # وإن وقف معه محدث أو نجس يعلمان بذلك فهو كالفذ، وإن لم يعلما بذلك صحت ~~صلاته؛ لأنه لو كان إماما له صحت صلاته. # وإن وقفت المرأة في صف الرجال كره، ولم تبطل صلاتها ولا صلاة من يليها، ~~وقال أبو بكر: تبطل صلاة من يليها؛ لأنه خالف الموقف، والأول أولى؛ لأنها ~~هي التي خالفت بوقوفها مع الرجال، فلم تبطل صلاتها، فصلاته أولى. # فإن وقف اثنان خلف الصف، فخرج أحدهما ms0160 لعذر دخل الآخر في الصف، أو وقف عن ~~يمين الإمام أو نبه من يخرج فيقف معه، فإن لم يمكنه نوى مفارقته، وأتم ~~منفردا؛ لأنه عذر أشبه ما لو سبق إمامه الحدث. # فإن دخل المسبوق فوجد فرجة قام فيها، فإن لم يمكنه قام عن يمين الإمام، ~~فإن لم يمكنه نبه رجلا يتأخر معه، فإن لم يفعل لم يكرهه ويصلي وحده، أو ~~ينتظر جماعة أخرى. # فصل: # السنة للمرأة إذا أمت نساء، أن تقوم وسطهن؛ لأن ذلك يروى عن عائشة وأم ~~سلمة - رضي الله عنهما -، وإن كانت معهما امرأة وقفت عن يمينها، وإن وقفت ~~خلفها جاز؛ لأن المرأة يجوز وقوفها وحدها؛ بدليل حديث أنس. # فصل: # والسنة أن يقف الإمام حذاء وسط الصف؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «وسطوا الإمام وسدوا الخلل» رواه أبو داود. وأن يتموا الصف الأول؛ لما ~~روى أنس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أتموا الصف الأول، فما ~~كان من نقص، فليكن في الصف الآخر» رواه أبو داود. # وخير صفوف الرجال أولها، وخير صفوف النساء آخرها؛ لقول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء ~~آخرها، وشرها أولها» رواه مسلم. قال أحمد: ويلي الإمام الشيوخ وأهل القرآن، ~~ويؤخر الصبيان والغلمان؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليلني ~~منكم أولو الأحلام والنهى» رواه مسلم. # PageV01P301 # فصل: # والسنة أن لا يكون الإمام أعلى من المأمومين، لما «روي أن عمار بن ياسر ~~كان بالمدائن، فأقيمت الصلاة، فتقدم عمار فقام على دكان والناس أسفل منه، ~~فتقدم حذيفة فأخذ بيده، واتبعه عمار حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ من صلاته، ~~قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: إذا أم ~~الرجل القوم فلا يقومن في مكان أرفع من مقامهم وقال عمار: فلذلك اتبعتك حين ~~أخذت على يدي» رواه أبو داود. فإن فعل فقال ابن حامد: تبطل صلاته لارتكابه ~~النهي، وقال القاضي: لا تبطل؛ لأن عمارا بنى على صلاته، وعن أحمد ms0161 - رضي ~~الله عنه -: لا بأس بهذا؛ لما «روى سهل قال: رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قام على المنبر، فكبر وكبر الناس وراءه وهو على المنبر، ثم ركع ~~ثم رفع، فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته، ~~ثم قال: أيها الناس، إنما فعلت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي» متفق عليه. ~~ولا بأس بالعلو اليسير؛ لأنه لا يحتاج فيه إلى رفع البصر المنهي عنه فيه، ~~بخلاف الكثير، ولا بأس أن يكون المأموم أعلى من الإمام لذلك، ويصح أن يأتم ~~به من في أعلى المسجد وغيره، إذا اتصلت الصفوف. # فصل: # يجوز أن يأتم بالإمام من في المسجد، وإن تباعد؛ لأن المسجد كله موضع ~~للجماعة، فإن كان بينهما حائل يمنع المشاهدة، وسماع التكبير لم يصح ~~الائتمام به، لتعذر اتباعه، وإن منع المشاهدة دون السماع؛ ففيه وجهان: # أصحها صحة الصلاة؛ لأن أحمد قال في المنبر: إذا قطع الصف لم يضر، ولأنهم ~~في موضع الجماعة، ويمكنهم الاقتداء به لسماع التكبير، فأشبه المشاهد. # والثاني: لا يصح؛ لأن عائشة قالت لنساء كن يصلين في حجرتها: لا تصلين ~~بصلاة الإمام، فإنكن دونه في حجاب، والحجاب موجود هاهنا، فإن كان المأموم ~~في غير المسجد، وبينهما حائل يمنع رؤية الإمام، أو من وراءه لم تصح الصلاة؛ ~~لحديث عائشة، وقال ابن حامد: يمنع في الفرض، وفي النافلة روايتان. # وعن أحمد في رجل يصلي خارج المسجد يوم الجمعة، وأبوابه مغلقة أرجو أن لا ~~يكون به بأس، ويشترط اتصال الصفوف، وهو أن لا يكون بينهما بعد كثير لم تجر ~~العادة بمثله، واشترط أصحابنا أن لا يكون بينهما نهر تجري فيه السفن، ولا ~~طريق، والصحيح أن هذا لا يمنع؛ لأنه لا يمنع المتابعة، إلا أن يكون عريضا ~~يمنع الاتصال. # PageV01P302 # فصل: # ويستحب أن يصلي إلى سترة ويدنو منها؛ لما روى أبو سعيد قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن منها» ~~رواه الأثرم. «قال سهل: كان بين النبي - صلى الله ms0162 عليه وسلم - وبين القبلة ~~ممر الشاة» رواه البخاري ومسلم. # وقدر السترة مثل آخرة الرحل، وقد قدر الذراع أو عظم الذراع؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل، ~~ولا يبال ما مر وراء ذلك» رواه مسلم. # ويجوز أن يستتر بعصا أو حيوان؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~تركز له الحربة، فيصلي إليها، ويعرض البعير فيصلي إليه، وقال نافع: كان ابن ~~عمر إذا لم يجد سبيلا إلى سارية، قال: ولني ظهرك، فإن لم يجد سترة خط خطا؛ ~~لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا صلى ~~أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا ~~فليخط خطا، ثم لا يضره ما مر أمامه» رواه أبو داود. قال أحمد - رضي الله ~~عنه -: الخط عرضا مثل الهلال، وقد قالوا طولا، وقالوا عرضا. # قال الشيخ: وأنا أختار هذا، فإن لم يمكنه نصب العصا ولا الخط، عرضها بين ~~يديه؛ لأنها تقوم مقام الخط، ولا يصمد للسترة، لكن ينحرف عنها يسيرا؛ «لقول ~~المقداد: ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي إلى عود ولا عمود ~~ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن، ولا يصمد له صمدا» رواه أبو داود. # وسترة الإمام سترة لمن خلفه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ~~بأصحابه إلى سترة، ولم يأمرهم أن يستتروا بشيء. # PageV01P303 # فصل: # وإذا مر من وراء سترته بشيء، فلا بأس، للحديث، فإن أراد المرور دونها ~~رده، فإن لح دفعه، إلا أن يغلبه أن يحوجه إلى عمل كثير، لما روى أبو سعيد ~~قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا كان أحدكم يصلي إلى ~~شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى ~~فليقاتله، فإنما هو الشيطان» متفق عليه. فإن مر بين يديه لم يرده من حيث ~~جاء؛ لأنه مرور ثان، وإن صلى إلى غير سترة فمر من بين يديه ms0163 شيء فحكمه حكم ~~ما مر بينه وبين السترة للحديث، ويتقيد ذلك بالقريب منه، الذي لو مشى إليه ~~فدفعه لم تفسد صلاته؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بدفع المار، ~~فتقيد به، بدلالة الإجماع بما لا يفسد الصلاة، فكذلك هذا. ### | فصل في حكم المرور بين يدي المصلي # فصل: # ويحرم المرور بين يدي المصلي؛ لما روى أبو جهيم الأنصاري قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه ~~لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه» متفق عليه. ولا يقطعها شيء ~~إلا الكلب الأسود البهيم، الذي لا لون فيه سوى السواد، لما «روى أبو ذر ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا قام أحدكم يصلي، فإنه ~~يستره مثل آخر الرحل، فإن لم يكن بين يديه، مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع ~~صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود قلت: يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود، ~~من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كما سألتني فقال: الكلب الأسود شيطان» رواه مسلم. # PageV01P304 # وعن أحمد: أن مرور المرأة والحمار يقطع الصلاة للحديث، والمشهور الأول؛ ~~«لأن عائشة - رضي الله عنها - قالت: عدلتمونا بالكلب والحمار، لقد كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي صلاته في الليل كلها، وأنا معترضة بينه ~~وبين القبلة» متفق عليه. «وقال: الفضل بن عباس: أتانا النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ونحن في بادية فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا ~~وكلبة يعبثان بين يديه، فما بالى ذلك» رواه أبو داود. فإن كان الكلب واقفا ~~بين يديه ففيه وجهان: # أحدهما: حكمه حكم المار؛ لأنه حصل بين يديه أشبه المار. # والثاني: لا تفسد صلاته؛ لأن حكم الواقف يخالف حكم المار؛ بدليل أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - كان يصلي إلى البعير، ويصلي وعائشة في قبلته، ولا ~~يرى ذلك كالمرور، ومن غصب سترة فاستتر بها، فهل يمنع ما مر وراءها، فيه ~~وجهان ms0164 بناء على الصلاة في الثوب المغصوب. # فصل: # ولا حاجة في مكة إلى سترة، ولا يضره ما مر بين يديه؛ «لأن المطلب قال: ~~رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي حيال الحجر والناس يمرون بين ~~يديه» رواه الخلال. وكان ابن الزبير - رضي الله عنه - يصلي والطواف بينه ~~وبين القبلة تمر المرأة بين يديه فينتظرها حتى تمر، ثم يضع جبهته في موضع ~~قدمها. # PageV01P305 ### | باب قصر الصلاة # ولا يجوز قصر الصبح والمغرب بالإجماع؛ لأن قصر الصبح يجحف بها لقلتها، ~~وقصر المغرب يخرجها عن كونها وترا، ويجوز قصر الرباعية فيصليها ركعتين ~~بشروط ستة: # أحدها: أن تكون في سفر طويل قدره أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخا، ثمانية ~~وأربعون ميلا بالهاشمي، وذلك نحو من يومين قاصدين؛ لما روي عن ابن عباس - ~~رضي الله عنه - أنه قال: يا أهل مكة، لا تقصروا في أدنى من أربعة برد، ما ~~بين عسفان إلى مكة، وكان ابن عباس - رضي الله عنهما - وابن عمر لا يقصران ~~في أقل من أربعة برد، ولأنها مسافة تجمع مشقة السفر من الحل والشدة، فجاز ~~القصر فيها كمسيرة ثلاثة أيام. # وسواء كان في بر أو بحر؛ لأن الاعتبار بالفراسخ، وإن شك في قدر السفر لم ~~يبح القصر؛ لأن الأصل الإتمام، فلا يزول بالشك والاعتبار بالنية دون حقيقة ~~السفر، فلو نوى سفرا طويلا، فقصر ثم بدأ له فأقام أو رجع، كانت صلاته ~~صحيحة، ولو خرج طالبا لآبق أو منتجعا غيثا، متى وجده رجع أو أقام لم يقصر، ~~ولو سافر شهرا. # ولو خرج مكرها كالأسير يقصد به بلدا بعينه فله القصر؛ لأنه تابع لمن يقصد ~~مسافة القصر، فإذا وصل حصنهم أتم حينئذ، نص عليه، وإن كان للبلد طريقان ~~طويلة وقصيرة، فسلك البعيدة ليقصر فله ذلك؛ لأنه سفر يقصر في مثله، فجاز له ~~القصر، كما لو لم يكن له طريق سواه. # فصل: # والثاني: أن يكون السفر مباحا، فإن سافر لمعصية كالآبق، وقطع الطريق ~~والتجارة في خمر لم يقصر، ولم يترخص بشيء من رخص السفر؛ لأنه لا يجوز ms0165 تعليق ~~الرخص بالمعاصي، لما فيه من الإعانة عليها والدعاية إليها، ولا يرد الشرع ~~بذلك. # فصل: # والثالث: شروعه بالسفر بخروجه من بيوت قريته؛ لأن الله تعالى قال: {وإذا ~~ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} [النساء: 101] ، ولا ~~يكون ضاربا # PageV01P306 # في الأرض حتى يخرج، فله القصر بين حيطان البساتين؛ لأنها ليست من حيطان ~~البلد، ولا تبنى للسكنى. # وإن خرب بعض البلد فصار فضاء فهو كالصحراء، وإن كانت حيطانه قائمة، فقال ~~القاضي: لا يقصر حتى يفارقها؛ لأنه يمكن السكنى فيها، وقال الآمدي: له ~~القصر بينهما؛ لأنها غير معتمدة للسكنى، فهي كالبساتين. # فصل: # الرابع: أن ينوي القصر مع نية الإحرام، وقال أبو بكر: لا يحتاج إلى ~~النية؛ لأن من خير في العبادة قبل الدخول فيها خير بعد الدخول فيها ~~كالصيام، ولنا أن الأصل الإتمام، فإطلاق النية ينصرف إليه، كما لو نوى ~~الصلاة مطلقا انصرف إلى الانفراد الذي هو الأصل، فإن شك نية القصر لزمه ~~الإتمام؛ لأنه الأصل، فلو نوى الإتمام في ابتداء الصلاة، أو في أثنائها، أو ~~ما يلزمه الإتمام كالإقامة، أو قلب نيته إلى سفر قريب أو معصية؛ لزمه إتمام ~~الصلاة، ولزم من خلفه متابعته؛ لأن نية الأربع أو ما قد يوجبها قد وجد، ~~فلزمته الأربع كما لو نوى في الابتداء، ومن قصر معتقدا تحريم القصر فصلاته ~~فاسدة؛ لأنه فعل ما يعتقد تحريمه. # فصل: # الخامس: ألا تكون الصلاة وجبت في الحضر، فلو ترك صلاة حضر فقضاها في ~~السفر لم يجز له قصرها؛ لأنه تعين فعلها أربعا، فلم يجز النقصان فيها، كما ~~لو نوى أربع ركعات، ولأن القضاء معتبر بالأداء، والأداء أربع، ومن سافر بعد ~~دخول وقت صلاة، لم يقصرها لذلك، وحكي عنه أن له قصرها؛ لأنها صلاة مؤداة في ~~السفر، فأشبه ما لو دخل وقتها فيه. # ولو أحرم بها في سفينة في الحضر، فخرجت به في أثناء الصلاة، أو أحرم بها ~~في # PageV01P307 # السفر، فدخلت البلد في أثناء الصلاة، لم يقصر؛ لأنها عبادة تختلف بالسفر ~~والحضر، ووجد أحد طرفيها في الحضر، ms0166 فغلب حكمه كالمسح. # وإن نسي صلاة سفر، فذكرها في الحضر، أتمها لذلك، وإن ذكرها في السفر أو ~~في سفر آخر قصرها؛ لأن وجوبها وفعلها وجدا في السفر، فكان له قصرها كما لو ~~أداها، ويتخرج أن يلزمه إتمامها إذا ذكرها في سفر آخر؛ لأن الوجوب كان ~~ثابتا في ذمته في الحضر. # فصل: # السادس: أن لا يأتم بمقيم، فإن ائتم بمقيم لزمه الإتمام، سواء ائتم به في ~~الصلاة كلها أو جزء منها؛ لأن «ابن عباس سئل: ما بال المسافر يصلي ركعتين ~~حال الانفراد وأربعا إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة» رواه الإمام أحمد. ~~وهذا ينصرف إلى سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأنها صلاة مردودة من ~~أربع، فلا يصليها خلف من يصلي الأربع كالجمعة، ولو أدرك المسافر من الجمعة ~~أقل من ركعة لزمه إتمامها أربعا، لائتمامه بالمقيم، ومن ائتم بالمقيم ففسدت ~~صلاته، لم يجز له قصرها بعد ذلك؛ لأنها تعينت عليه تامة لائتمامه بمقيم. # ومن أحرم مع من يظنه مقيما أو يشك فيه، لزمه الإتمام، وإن قصر إمامه ~~اعتبارا بالنية، وإن غلب على ظنه أنه مسافر لدليل، فله أن ينوي القصر، ~~ويتبع إمامه، فيقصر بقصره، ويتم بإتمامه، وإن أحدث إمامه قبل علمه بحاله، ~~فله القصر؛ لأن الظاهر أنه مسافر. # وإن أم المسافر مقيما لزم المقيم الإتمام، ويستحب للإمام أن يقول لهم: ~~أتموا فإنا قوم سفر، لما «روى عمران بن حصين قال: شهدت الفتح مع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فكان لا يصلي إلا ركعتين، ثم يقول لأهل البلد: صلوا ~~أربعا فإنا سفر» رواه أبو داود. # PageV01P308 # وإن أتم الإمام بهم صحت الصلاة. # وعنه: تفسد صلاة المقيمين؛ لأنهم ائتموا بمتنفل في الركعتين الأخيرتين، ~~والأول المذهب؛ لأن الإتمام يلزمه بنيته. # وإن نسي المسافر فقام إلى ثالثة فله أن يجلس، ولا يلزمه الإتمام؛ لأن ~~الموجب للإتمام نيته، أو ائتمامه بمقيم ولم يوجد، فإن جلس سجد للسهو، وله ~~أن يتم. # فإن لم يعلم المأمومون هل سها أو نوى الإتمام؟ لزمته متابعته؛ لأن حكم ~~وجوب المتابعة ثابت، ms0167 فلا يزول بالشك، فإذا اتبعوه فصلاتهم صحيحة لما ~~ذكرناه، وإن علموا أن قيامه لسهو فلهم مفارقته، فإن تابعوه، فقال القاضي: ~~تفسد صلاتهم؛ لأنهم زادوا في الصلاة عمدا، والصحيح أنها لا تفسد؛ لأنها ~~زيادة لا تفسد بها صلاة الإمام عمدا، فلا تفسد بها صلاة المأموم، كزيادات ~~الأقوال، وإذا صلى بهم الأربع سهوا سجد للسهو، وليس بواجب عليه؛ لأنها ~~زيادة لا يبطل عمدها، فلا يجب لها السجود كقراءة السورة في الثالثة. # فصل: # وللمسافر أن يقصر، وله أن يتم؛ لقول الله تعالى: {فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة} [النساء: 101] فمفهومه أن القصر رخصة يجوز تركها، «وعن ~~عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في عمرة رمضان، فأفطر وصمت، وقصر وأتممت، فقلت: يا رسول الله، بأبي ~~أنت وأمي، أفطرت وصمت، وقصرت وأتممت، فقال: أحسنت» رواه أبو داود الطيالسي. # ولأنه تخفيف أبيح للسفر، فجاز تركه كالمسح ثلاثا، والقصر أفضل؛ لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وأصحابه داوموا عليه، وعابوا من تركه. «قال عبد ~~الرحمن بن يزيد: صلى عثمان أربعا، فقال عبد الله: صليت مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ثم تفرقت بكم ~~الطرق، ولوددت أن حظي من أربع، ركعتان متقبلتان» متفق عليه. وأتى ابن عباس ~~رجل فقال: إني # PageV01P309 # كنت مع صاحب لي في السفر، فكنت أتم وصاحبي يقصر، فقال: بل أنت الذي كنت ~~تقصر وصاحبك يتم. # فصل: # وإذا نوى المسافر الإقامة في بلد أكثر من إحدى وعشرين صلاة أتم، وإن نوى ~~دونها قصر، وعنه: إن نوى الإقامة أربعة أيام أتم؛ لأن الثلاث حد القلة ~~بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء ~~نسكه ثلاثا» رواه أبو داود. فإذا أقام أربعا فقد زاد على حد القلة، فيتم، ~~والأول المذهب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام بمكة فصلى بها إحدى ~~وعشرين صلاة يقصر فيها، وذلك أنه قدم لصبح رابعة، فأقام إلى يوم التروية، ~~فصلى الصبح ms0168 ثم خرج، فمن أقام مثل إقامته قصر، ومن زاد أتم، ذكره الإمام ~~أحمد، «قال أنس: أقمنا بمكة عشرا نقصر الصلاة» ، ومعناه ما ذكرناه؛ لأنه ~~حسب خروجه إلى منى وعرفة وما بعده من العشرة، وفي هذا الحديث دليل على أن ~~من قصد بلدا ينوي الرجوع عنه قريبا فله القصر فيه؛ لكون النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قصر بمكة وهي مقصده، وفيه دليل على أن من قصد رستاقا، يتنقل ~~فيه لا ينوي إقامة في موضع واحد فله القصر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قصر بمكة ومنى وعرفة عشرا، ومن كان بمكة مقيما فخرج إلى عرفة عازما على ~~أنه إذا رجع إلى مكة لا يقيم بها، فله القصر من حين خروجه، ولو خرج ~~المسافر، فذكر حاجة في بلده قصر في رجوعه إليها، فإذا وصل البلد، فإن كان ~~له به أهل أو مال أتم، وإلا قصر فيه أيضا. # ومتى مر المسافر ببلده له به أهل أو ماشية أتم؛ لأن ذلك يروى عن عثمان ~~وابن عباس - رضي الله عنهما -. # فصل: # ومن لم يجمع على إقامة إحدى وعشرين صلاة قصر، وإن أقام دهرا، مثل من يقيم ~~لحاجة يرجو إنجازها، أو جهاد أو حبس سلطان أو عدو أو مرض، سواء غلب # PageV01P310 # على ظنه كثرة ذلك أو قلته؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام في ~~بعض أسفاره تسع عشرة يقصر الصلاة» رواه البخاري. «وأقام بتبوك عشرين يوما ~~يقصر» رواه الإمام أحمد - رضي الله عنه -. وأقام ابن عمر بأذربيجان ستة ~~أشهر يصلي ركعتين، وقد حال الثلج بينه وبين الدخول، وإن قال: إن لقيت فلانا ~~أقمت، وإلا لم أقم، لم يبطل حكم سفره؛ لأنه لم يعزم على الإقامة. # فصل: # والملاح الذي أهله معه في السفينة، وحاجة بيته ولا بيت له غيرها، وليس له ~~نية المقام ببلد لا يقصر، نص عليه؛ لأنه غير ظاعن عن بلده ومنزله، فأشبه ~~المقيم ببلد، قال القاضي: والمكاري، والفيج مثل في ذلك، والأولى إباحة ~~القصر لهما، لدخولهما في النصوص المبيحة، وامتناع قياسها على الملاح؛ ms0169 لأنه ~~لا يمكنهما استصحاب الأهل، ومصالح المنزل في السفر، وزيادة المشقة عليه في ~~سفره بحمل أهله معه بخلاف الملاح. ### | باب الجمع بين الصلاتين # وأسباب الجمع ثلاثة: # أحدها: السفر المبيح للقصر؛ لما «روى أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- كان إذا عجل به السير يؤخر الظهر إلى وقت العصر، فيجمع بينها ويؤخر ~~المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق» متفق عليه. وهذا لفظ ~~مسلم، وخص الخرقي الجمع بهذه الحالة، إذا ارتحل قبل دخول الوقت الأولى ~~أخرها حتى يجمعها مع الثانية، في وقت الثانية، وروى نحوه عن أحمد - رضي ~~الله عنه -. # والمذهب جواز الجمع لمن جاز له القصر في نزوله وسيره، وله الخيرة بين ~~تقديم الثانية، فيصليها مع الأولى، وبين تأخير الأولى إلى الثانية، لما ~~«روى معاذ: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ارتحل قبل زيغ الشمس ~~أخر # PageV01P311 # الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس ~~صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار، وإذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى ~~يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء، فصلاها مع المغرب» . ~~قال الترمذي: هذا حديث حسن. # وروى ابن عباس نحوه، وروى أنس نحوه، أخرجه البخاري. ولأنها رخصة من رخص ~~السفر، فلم يعتبر فيها وجود السير كسائر رخصه، فإن جمع بينهما في وقت ~~الأولى اعتبر ثلاثة شروط: أن ينوي الجمع عند الإحرام بالأولى؛ لأنها نية ~~تفتقر إليها، فاعتبرت عند الإحرام كنية القصر، وفيه وجه آخر أنه يجزئه، أن ~~ينوي قبل الفراغ من الأولى؛ لأنه موضع الجمع بين الصلاتين، فإذا لم تتأخر ~~النية عنه جاز، وقال أبو بكر: لا يحتاج الجمع إلى نية؛ كقوله في القصر، وقد ~~مضى الكلام معه. # الشرط الثاني: أن لا يفرق بينهما إلا تفريقا يسيرا؛ لأن معنى الجمع ~~المتابعة والمقرنة، ولا يحصل ذلك مع الفرق الطويل، والمرجع في طول الفرق ~~وقصره إلى العرف، فإن احتاج إلى وضوء خفيف لم تبطل، وإن صلى بينهما سنة ~~الصلاة فعلى روايتين. # PageV01P312 # الشرط الثالث: وجود العذر ms0170 حال افتتاح الأولى، والفراغ منها، وافتتاح ~~الثانية؛ لأن افتتاح الأولى موضع النية، وبافتتاح الثانية يحصل الجمع، ~~فاعتبر العذر فيها، فإن انقطع العذر في غير هذه المواضع لم يؤثر، وإن جمع ~~في وقت الثانية اعتبر أن ينوي التأخير للجمع في وقت الأولى، إلى أن يبقى ~~منه قدر فعلها، واستمرار العذر إلى وقت الثانية، ولا يعتبر وجوده في وقت ~~الثانية؛ لأنها صارت في غير وقتها، وقد جوز له التأخير ولا يعتبر المواصلة ~~بينهما في أصح الوجهين؛ لأن الثانية مفعولة في وقتها، فهي أداء على كل حال، ~~والأولى معها كصلاة فائتة. # فصل: # والسبب الثاني: المطر يبيح الجمع بين المغرب والعشاء؛ «لأن أبا سلمة قال: ~~من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء» ، وكان ابن عمر ~~يجمع إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء، ولا يجمع بين الظهر والعصر ~~للمطر، قال أحمد: ما سمعت بذلك، وهذا اختيار أبي بكر، وذكر بعض أصحابنا ~~وجها في جوازه قياسا على الليل، ولا يصح لأن المشقة في المطر إنما تعظم في ~~الليل لظلمته، فلا يقاس عليه غيره. # والمطر المبيح للجمع هو الذي يبل الثياب، وتلحق المشقة بالخروج فيه ~~والثلج مثله في هذا، فأما الطل والمطر الذي لا يبل الثياب، فلا يبيح الجمع؛ ~~لعدم المشقة فيه، وهل يجوز الجمع لمن يصلي منفردا، أو لمقيم في المسجد، أو ~~من طريقه إليه في ظلال؟ على وجهين: # أحدهما: لا يجوز لعدم المشقة. # والثاني: يجوز؛ لأن العذر العام لا يعتبر فيه حقيقة المشقة كالسفر. # والوحل بمجرده مبيح للجمع؛ لأنه يساوي المطر في مشقته وإسقاطه للجمعة ~~والجماعة، فهو كالمطر، وفيه وجه آخر أنه لا يبيح، لاختلافهما في المشقة، ~~وفي الريح الشديدة في الليلة المظلمة وجهان. # فصل: # والسبب الثالث: المرض يبيح الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء إذا ~~لحقه بتركه مشقة وضعف؛ لأن «ابن عباس قال: جمع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر» ~~متفق عليه. وقد أجمعنا على # PageV01P313 # أن الجمع لا يجوز ms0171 لغير عذر، ولم يبق إلا المرض، ولأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أمر سهلة بنت سهيل، وحمنة بنت جحش بالجمع بين الصلاتين لأجل ~~الاستحاضة، وهو نوع مرض، ثم هو مخير بين التقديم والتأخير، أي ذلك كان أسهل ~~عليه فعله؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقدم إذا ارتحل بعد دخول ~~الوقت، ويؤخر إذا ارتحل قبله طلبا للأسهل، فكذلك المريض، وإن كان الجمع ~~عنده واحدا فالأفضل التأخير، فأما الجمع في المطر، فلا تحصل فائدة الجمع ~~فيه إلا بتقديم العشاء إلى المغرب، فيكون ذلك الأولى، والله أعلم. ### | باب صلاة المريض # إذا عجز عن الصلاة قائما صلى قاعدا؛ «لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لعمران بن حصين: صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» ~~رواه البخاري. وصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قاعدا بأصحابه وهو شاك. # وصفة جلوسه على ما ذكرنا في صلاة التطوع. # فإن عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، يقرب ~~وجهه من الأرض في السجود قدر طاقته. # فإن سجد على وسادة بين يديه جاز؛ لأن أم سلمة سجدت على وسادة لرمد بها، ~~ولا يجعلها أرفع من مكان يمكنه حط وجهه إليه. # وإن أمكنته الصلاة قائما وحده ولم تمكنه من الإمام إلا بالقعود في بعضها ~~فهو مخير فيها؛ لأنه يفعل في كل واحدة منهما واجبا ويترك واجبا، وإن أمكنه ~~القيام وعجز عن الركوع والسجود صلى قائما، فأومأ بالركوع، ثم جلس فأومأ ~~بالسجود؛ لأن سقوط فرض لا يسقط فرضا غيره. # وإن تقوس ظهره فصار كالراكع رفع حال القيام قدر طاقته، ثم انحنى في ~~الركوع قليلا آخر، وإن كان بعينه رمد فقال ثقات من العلماء بالطب: إن صليت ~~مستلقيا أمكن مداواتك جاز ذلك؛ لأن أم سلمة تركت السجود لرمد بها، ولأنه ~~يخاف من الضرر، أشبه المرض. # PageV01P314 # فصل: # وإن عجز عن القعود صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة بوجهه؛ لحديث ~~عمران، وإن صلى على جنبه الأيسر جاز للخبر، ولأنه يستقبل القبلة به، وإن ~~صلى مستلقيا ms0172 على ظهره بحيث إذا قعد كان وجهه إليها جاز؛ لأنه نوع استقبال، ~~ويحتمل أن لا يجوز لمخالفته الأمر، وتركه الاستقبال بوجهه وجملته. # فإن عجز عن الصلاة على جنبه صلى على ظهره، ويومئ بالركوع والسجود برأسه، ~~فإن عجز فبطرفيه، ولا تسقط الصلاة عنه ما دام عقله ثابتا. # فصل: # وإن قدر على القيام والقعود في أثناء الصلاة انتقل إليه، وأتم صلاته. وإن ~~ابتدأها قائما أو قاعدا فعجز عن ذلك في أثنائها أتم صلاته على ما أمكنه؛ ~~لأنه يجوز أن يؤدي جميعها قائما حال القدرة، وقاعدا حال العجز، فجاز أن ~~يفعل بعضها قائما مع القدرة، وبعضها قاعدا مع العجز. # فصل: # ومن كان في ماء أو طين لا يمكنه السجود إلا بالتلوث والبلل فله الصلاة ~~بالإيماء، والصلاة على دابته؛ لأن أنس بن مالك صلى المكتوبة في يوم مطير ~~على دابته، «وروى يعلى بن أمية، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه انتهى ~~إلى مضيق ومعه أصحابه، والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم، فصلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه على ظهور دوابهم يومئون ويجعلون ~~السجود أخفض من الركوع» رواه الأثرم، والترمذي. فإن كان البلل يسيرا لا أذى ~~فيه لزمه السجود؛ لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - انصرف من صلاته وعلى ~~جبهته وأنفه أثر الماء والطين» متفق عليه. # وهل تجوز الصلاة على الدابة لأجل مرض؟ فيه روايتان: # إحداهما: تجوز، اختارها أبو بكر؛ لأن مشقة النزول في المرض أكثر من ~~المشقة بالمطر. # PageV01P315 # والثانية: لا تجوز؛ لأن ابن عمر كان ينزل مرضاه، ولأن الصلاة على الأرض ~~أسكن له وأمكن، بخلاف صاحب الطين. # فإن خاف المريض بالنزول ضررا غير محتمل كالانقطاع عن الرفقة ونحوه فله ~~الصلاة عليها، رواية واحدة؛ لأنه خائف على نفسه، فأشبه الخائف من عدو. ### | باب صلاة الخوف # تجوز صلاة الخوف في كل قتال مباح، كقتال الكفارة والبغاة والمحاربين، ولا ~~تجوز في محرم لأنها رخصة، فلا تستباح بالمحرم كالقصر. # والخوف على ضربين: شديد وغيره، فغير الشديد، يجوز أن يصلي بهم على الصفة ~~التي صلاها ms0173 رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال أحمد - رضي الله عنه -: ~~الأحاديث التي جاءت في صلاة الخوف كلها أحاديث جياد صحاح، وهي تختلف، ~~فأقول: إن ذلك كله جائز لمن فعله، إلا أن حديث سهل بن أبي خيثمة أنكى في ~~العذر فأنا أختاره، وقال ستة أو سبعة: يروى فيها كلها جائز، فتذكر الوجوه ~~التي بلغنا. # فالوجه الأول: منها ما «روى صالح بن خوات، عن من صلى مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يوم ذات الرقاع صلاة الخوف، أن طائفة صلت معه، وطائفة وجاه ~~فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائما فأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه ~~العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت ~~جالسا، وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم» متفق عليه. فهذا حديث سهل الذي اختاره ~~أحمد. # ويشترط أن يكون في المسلمين كثرة يمكن تفريقهم طائفتين؛ كل طائفة ثلاثة ~~فأكثر. # ويقرأ الإمام في حال الانتظار، ويطيل حتى يدركوه؛ لأن الصلاة ليست محلا ~~للسكوت، وتكون الطائفة الأولى في حكم الائتمام قبل مفارقته إن سها لحقهم ~~حكم سهوه، وسجدوا له، وإن سهوا لم يلحقهم حكم سهوهم؛ لأنهم مأمومون، فإذا ~~فارقوه صاروا منفردين لا يلحقهم سهوه، وإن سهوا سجدوا؛ لأنهم منفردون، فأما ~~الطائفة الثانية، فلحقها سهو إمامها في جميع الصلاة، ما أدركوه معه وما لم ~~يدركوه كالمسبوق، ولا يلحقهم حكم سهوهم في شيء من صلاتهم؛ لأنهم إن فارقوه ~~فهم مؤتمون به حكما؛ لأنهم يسلمون بسلامه، فإذا قضوا ما عليهم فسجد إمامهم ~~سجدوا معه، فإن # PageV01P316 # سجد قبل إتمامه سجدوا معه؛ لأنه إمامهم فلزمهم متابعته، ولا يعيدون ~~السجود بعد فراغهم من التشهد؛ لأنهم لم ينفردوا عن الإمام، فلا يلزمهم من ~~السجود أكثر مما يلزمه، بخلاف المسبوق. # فصل: # الوجه الثاني: أن يقسمهم طائفتين، يصلي بكل طائفة صلاة كاملة، كما «روى ~~أبو بكرة قال: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خوف الظهر، فصف ~~بعضهم خلفه، وبعضهم بإزاء العدو، فصلى ركعتين ثم سلم، فانطلق الذين صلوا ~~معه، فوقفوا موقف أصحابهم، ثم ms0174 جاء أولئك فصلوا خلفه، فصلى بهم ركعتين ثم ~~سلم، فكان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعا، ولأصحابه ركعتين ~~ركعتين» رواه أبو داود. # فصل: # الوجه الثالث: أن يصلي بهم كالتي قبلها، إلا أنه لا يسلم إلا في آخر ~~الأربع، كما «روى جابر قال: أقبلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~حتى إذ كنا بذات الرقاع، فنودي بالصلاة، فصلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بطائفة ركعتين، ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكانت لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أربع ركعات، وللقوم ركعتان» رواه البخاري. # فصل: # الوجه الرابع: ما «روى عبد الله بن عمر قال: صلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - صلاة الخوف في بعض أيامه، فقامت طائفة معه، وطائفة بإزاء ~~العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ذهبوا، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة، ثم ~~قضت الطائفتان ركعة ركعة» متفق عليه. فهذا الوجه جوز أحمد - رضي الله عنه - ~~الصلاة به، واختار حديث سهل؛ لأنه أشبه بظاهر الكتاب وأحوط للصلاة، وأنكى ~~في العدو، وأما الكتاب فقول الله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} ~~[النساء: 102] الآية، وقوله: {ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك} ~~[النساء: 102] # PageV01P317 # ظاهره أن جميع صلاتها معه، وأن الطائفة الأولى قد صلت جميع صلاتها، ولا ~~يتحقق هذا في هذا الوجه، وأما الاحتياط للحرب، فإن كل طائفة تنصرف بعد ~~الفراغ من صلاتها، وتتمكن من الضرب والكلام والتحريض وغيره، وفي هذا الوجه ~~تنصرف كل طائفة، وهي في حكم الصلاة لا تتمكن من ذلك، ولا يخلو من أن تمشي ~~أو تركب، وذلك عمل كثير يفسدها. # فصل: # الوجه الخامس: إذا كان العدو في جهة القبلة، بحيث لا يخفى بعضهم على ~~المسلمين ولم يخافوا كمينا، صلى بهم كما «روى جابر قال: شهدت مع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف، فصففنا خلفه صفين، والعدو بيننا وبين ~~القبلة، فكبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكبرنا جميعا، ثم ركع ~~وركعنا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي ms0175 ~~يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- السجود، وقام الصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم ~~الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف ~~الذي يليه كان مؤخرا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحور العدو، ~~فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - السجود، وقام الصف الذي يليه، انحدر ~~الصف المؤخر بالسجود فسجد، ثم سلم النبي - صلى الله عليه وسلم - وسلمنا ~~جميعا» أخرجه مسلم. # فهذه الأوجه الخمسة جائزة لمن فعلها، ولا نعرف وجها سادسا غير ما «روى ~~ابن عباس، قال: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بذي قرد صلاة الخوف، ~~والمشركون بينه وبين القبلة، فصف صفا خلفه وصفا موازي العدو، فصلى بهم ~~ركعة، ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، ورجع هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، فصلى بهم ~~ركعة، ثم سلم عليهم، فكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتان، ولهم ~~ركعة ركعة» رواه الأثرم. فكلام أحمد - رضي الله عنه - يقتضي كون هذا من ~~الوجوه الجائزة، إلا أن أصحابه قالوا: لا تأثير للخوف في عدد الركعات، فيدل ~~على أن هذا ليس بمذهب له. # PageV01P318 # فصل: # فإن صلى المغرب على حديث سهل، صلى بالطائفة الأولى ركعتين، وتتم لأنفسها ~~ركعة، تقرأ فيها بالحمد لله، وبالثانية ركعة، وتتم لأنفسها ركعتين تقرأ ~~فيها بالحمد لله وسورة، وتفارقه الأولى حين يقوم إلى الثالثة في أحد ~~الوجهين؛ لأن الانتظار في القيام أولى لكثرة ثواب القيام، واستحباب تقصير ~~التشهد، وفي الآخر تفارقه حين يفرغ من تشهده الأول، فتقوم ويثبت هو جالسا ~~لتدرك الثانية جميع الركعة الثالثة، ويطيل التشهد حتى تجيء الطائفة الثانية ~~فينهض، ثم تكبر الطائفة وتدخل معه، فإذا جلس للتشهد الآخر نهضت لقضاء ما ~~فاتها، ولم تتشهد معه؛ لأنه ليس بموضع تشهدها، ويحتمل أن تتشهد معه إذا ~~قلنا: إنها تقضي ركعتين متواليتين؛ لئلا يفضي إلى وقوع جميع الصلاة بتشهد ~~واحد. ms0176 # فصل: # ويجوز صلاة الخوف للمقيمين؛ لعموم قوله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم ~~الصلاة} [النساء: 102] الآية. ولأنها حالة خوف، فأشبهت حالة السفر، ويصلي ~~بكل طائفة ركعتين، وتتم الطائفة الأولى بالحمد لله في كل ركعة، والطائفة ~~الأخرى بالحمد لله وسورة، وفي موضع مفارقة الطائفة الأولى له وجهان، على ما ~~ذكرنا في المغرب، وإن صلى بطائفة ثلاث ركعات وبالأخرى ركعة، أو صلى المغرب ~~بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين، جاز لأنه لم يزد على انتظارين ورد الشرع ~~بهما. # وإن فرقهم أربع فرق، وصلى بكل طائفة ركعة أو ثلاث فرق في المغرب صحت صلاة ~~الأولى والثانية؛ لأنهما فارقتاه لعذر، وبطلت صلاة الإمام لزيادته انتظارا ~~لم يرد الشرع بمثله، وصلاة الثالثة والرابعة لاقتدائهما بمن صلاته باطلة، ~~وقال ابن حامد: إن لم يعلما ببطلان صلاته صحت صلاتهما للعذر، فأشبه من صلى ~~وراء محدث يجهل هو والإمام حدثه. # فصل: # إذا صلى صلاة الخوف من غير خوف لم تصح؛ لأنها لا تنفك من مفارق إمامه، أو ~~تارك متابعته، أو قاصر مع إتمام إمامته، أو قائم للقضاء قبل سلامه، وكل ذلك ~~مبطل إلا مع العذر، إلا أن يصلي بكل طائفة صلاة تامة على حديث أبي بكرة. # PageV01P319 # فصل: # قال أصحابنا: لا يجب حمل السلاح في صلاة الخوف؛ لأنه لو وجب لكان شرطا ~~كالسترة، ويستحب أن يحمل ما يدفع به عن نفسه كالسيف والسكين، ويكره ما ~~يثقله كالجوشن، وما يمنع إكمال السجود كالمغفر، وما يؤذي به غيره كالرمح ~~متوسطا، فإن كان في حاشية لم يكره، ولا يجوز حمل نجس ولا ما يخل بركن ~~الصلاة، إلا أن يخاف وقوع السهام والحجارة ونحوها به، فيجوز للضرورة، ~~ويحتمل وجوب حمل السلاح للأمر به بقوله تعالى: {وليأخذوا أسلحتهم} [النساء: ~~102] ، وقوله تعالى: {ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى ~~أن تضعوا أسلحتكم} [النساء: 102] فيدل على الجناح عند عدم ذلك. # فصل: # الضرب الثاني: الخوف الشديد، مثل التحام الحرب والقتال، ومصيرهم إلى ~~المطاردة، فلهم أن يصلوا كيفما أمكنهم رجالا وركبانا، يومون بالركوع ~~والسجود على ms0177 قدر الطاقة، ويتقدمون ويتأخرون ويضربون ويطعنون، ولا يؤخرون ~~الصلاة عن وقتها، وصلاتهم صحيحة، وإن هرب هربا مباحا من عدو أو سيل أو سبع ~~أو نار لا يمكنه التخلص إلا بالهرب، أو كان أسيرا يخاف الكفار إن صلى أو ~~مختفيا في موضع يخاف أن يظهر عليه صلى كيفما أمكنه، قائما أو قاعدا أو ~~مستلقيا إلى القبلة وغيرها بالإيماء في السفر والحضر، فإن أمن في صلاته ~~أتمها صلاة أمن، وإن ابتدأها آمنا فعرض له الخوف أتمها صلاة خائف؛ لأنه ~~يبني على صلاة صحيحة، فجاز كبناء صلاة المرض على صلاة الصحة. # وإن رأى سوادا فظنه عدوا، فصلى صلاة الخوف، ثم بان أنه غير عدو، أو بينه ~~وبينه ما يمنع العبور أعاد؛ لأنه لم يوجد المبيح فأشبه من ظن أنه متطهر، ~~فصلى ثم علم بحدثه، قال أصحابنا: ويجوز أن يصلوا في شدة الخوف جماعة رجالا ~~وركبانا، ويعفى عن تقدمهم الإمام لأجل الحاجة، كما عفي عن العمل الكثير ~~وترك الاستقبال. ### | باب صلاة الجمعة # وهي واجبة بالإجماع، وروى ابن ماجه عن جابر قال: خطبنا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: «واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة في مقامي ~~هذا، في يومي هذا، في شهري هذا، # PageV01P320 # في عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها في حياتي أو بعدي، وله إمام عادل ~~أو جائر استخفافا بها أو جحودا لها، فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له في ~~أمره» . # ولا تجب إلا على من اجتمعت فيه شرائط ثمانية: الإسلام، والبلوغ، والعقل؛ ~~لأنها من شرائط التكاليف بالفروع، والذكورية، والحرية، والاستيطان، لما روى ~~طارق بن شهاب قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الجمعة حق واجب ~~على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو مسافر، أو مريض» ~~رواه أبو داود. ولأن المرأة ليست من أهل الجماعات، وكان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بعرفات يوم جمعة فلم يصل جمعة. # وفي العبد رواية أخرى أنها تجب عليه؛ لأنها فرض عين من الصلوات فوجبت ~~عليه كالظهر، ms0178 والأولى أولى للخبر؛ ولأن العبد مملوك المنفعة محبوس على ~~سيده، أشبه المحبوس بدين. # السابع: انتفاء الأعذار المسقطة للجماعة. # الثامن: أن يكون مقيما بمكان الجمعة أو قريبا منه، وتجب الجمعة على أهل ~~المصر قريبهم وبعيدهم؛ لأن البلد كالشيء الواحد، وتجب على من بينه وبين ~~الجامع فرسخ من غيرهم، ولا تجب على غيرهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «الجمعة على من سمع النداء» رواه أبو داود. ولم يمكن اعتبار السماع ~~بنفسه فاعتبر بمظنته، والموضع الذي يسمع منه النداء في الغالب، إذا كان ~~المؤذن صيتا بموضع عال، والرياح ساكنة، والأصوات هادئة، والعوارض منتفية، ~~فرسخ فاعتبرناه به. # فصل: # وهذه الشروط تنقسم أربعة أقسام: # أحدها: شرط للصحة والانعقاد، وهو: الإسلام والعقل، فلا تصح من كافر ولا ~~مجنون، ولا تنعقد بهما؛ لأنهما ليسا من أهل العبادات. # الثاني: شرط للوجوب والانعقاد وهي: الحرية، والذكورية، والبلوغ، ~~والاستيطان، فلا تنعقد الجمعة بمن عدمت فيه، ولا يصح إمامتهم فيها؛ لأنهم ~~من غير أهل الوجوب، فلم تنعقد بهم كالنساء، وتصح منهم وتجزئهم عند الظهر، ~~وحضورها لغير النساء أفضل؛ لأن سقوطها عنهم رخصة، فإذا تكلفوا فعلها ~~أجزأتهم، كالمريض يتكلف الصلاة قائما. # PageV01P321 # الثالث: شرط الوجوب السعي فقط، وهو: انتفاء الأعذار، فلو تكلف المريض ~~الحضور وجبت عليه، وانعقدت به؛ لأن سقوطها كان لدفع المشقة، فإذا حضرت زالت ~~المشقة، فوجبت عليه، وانعقدت به كالصحيح. # الرابع: شرط الانعقاد حسب وهو: الإقامة بمكان الجمعة، فلو كان أهل القرية ~~يسمعون النداء من المصر لزمهم حضورها، ولم تنعقد بهم، ولو خرج أهل المصر أو ~~بعضهم إلى القرية لم تنعقد بهم الجمعة؛ لأنهم غير مستوطنين بها، والظاهر ~~أنها تصح إمامتهم فيها؛ لأنهم من أهل الوجوب. # فصل: # والأفضل لمن لم تجب عليه الجمعة أن لا يصلي الظهر قبل صلاة الإمام؛ لأنه ~~ربما زال عذره فلزمته الجمعة، فإن صلى، فقال أبو بكر: لا تصح صلاته لذلك، ~~والصحيح أنها تصح؛ لأنه صلى فرضه، فلا يبطل بالاحتمال، كالمتيمم، فإن زال ~~عذره فقياس المذهب أنه لا تلزمه الجمعة؛ لأنه أدى فرض الوقت، فأشبه ms0179 المعضوب ~~إذا حج عن نفسه ثم برئ، وإن لم يزل العذر فحضروها كانت لهم نفلا؛ «لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر: فصلها معهم تكن لك نافلة» ولأن ~~الأولى أسقطت الفرض، فأما من تجب عليه الجمعة إذا صلى الظهر قبل صلاة ~~الإمام لم تصح؛ لأنه ما خوطب بالظهر، فإن فاتته الجمعة أعادها ظهرا؛ لأنه ~~خوطب بها حينئذ. # وإن اتفق أهل بلد على ترك الجمعة، وصلوا ظهرا لم تصح لذلك، فإذا خرج وقت ~~الجمعة لزمهم الجمعة لزمهم إعادة الظهر، ولا يكره لمن فاتته الجمعة أو لم ~~يكن من أهل فرضها أن يصلي الظهر في جماعة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» ... # PageV01P322 # متفق عليه. فإن خاف التهمة استحب إخفاؤها ليدفعها عن نفسه. # PageV01P323 # فصل: # ويشترط لصحة الجمعة أربعة شروط: # أحدها: الوقت، فلا تصح قبل وقتها ولا بعده بالإجماع، وآخر وقتها آخر وقت ~~الظهر بغير خلاف، فأما أوله فذكر القاضي أنها تجوز في وقت العيد؛ لأن أحمد ~~- رضي الله عنه - قال في رواية عبد الله: يجوز أن يصلي الجمعة قبل الزوال، ~~يذهب إلى أنها كصلاة العيد، لحديث وكيع، عن جعفر بن برقان، عن ثابت بن ~~حجاج، عن عبد الله بن سيلان، قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر، فكانت صلاته ~~وخطبته قبل انتصاف النهار، وشهدتها مع عمر بن الخطاب، فكانت صلاته وخطبته ~~إلى أن أقول: قد انتصف النهار، ثم صليتها مع عثمان بن عفان - رضوان الله ~~عليهم أجمعين -، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: قد زال النهار، فما رأيت ~~أحدا عاب ذلك ولا أنكره. وهذا نقل للإجماع. وعن جابر قال: «كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يصلي الجمعة فنذهب إلى جمالنا فنزيحها حين تزول ~~الشمس.» رواه مسلم؛ ولأنها صلاة عيد فأشبهت صلاة العيدين. # وقال الخرقي: تجوز في الساعة السادسة، وفي نسخة الخامسة، فمفهومه أنه لا ~~يجوز قبل ذلك؛ لأن ما رويناه تختص به. والأفضل فعلها عند زوال الشمس صيفا ~~وشتاء، لا يقدمها إلى موضوع الخلاف، ms0180 ولا يؤخرها. فيشق على الناس؛ لما روى ~~سلمة بن الأكوع قال: «كنا نجمع مع النبي (- صلى الله عليه وسلم -) إذا زالت ~~الشمس، ثم نرجع نتتبع الفيء» ، متفق عليه. فإن خرج الوقت وهم فيها، فقال ~~أحمد: من أدرك التشهد أتمها جمعة، فظاهره أنه يعتبر الوقت في جميعها إلا ~~السلام؛ لأن الوقت شرط، فيعتبر في جميعها كالوضوء، وقال الخرقي: إن دخل وقت ~~العصر وقد صلوا ركعة أجزأتهم جمعة؛ لأنه شرط يختص بالجمعة، فلم يعتبر في ~~الركعة الثانية كالجماعة في حق المسبوق، وإن أدرك أقل من ذلك فهل يتمها ~~ظهرا أو يستأنف؟ على وجهين بناء على المسبوق، بأكثر من ركعة، وقال القاضي: ~~متى تلبس بها في وقتها أتمها جمعة، قياسا على سائر الصلوات، فإن شرع فيها ~~ثم شك في خروج الوقت أتمها جمعة؛ لأن الأصل بقاؤه، وإن ضاق الوقت عما يجري ~~في الجمعة لم يكن لهم فعلها. # PageV01P324 # فصل: # الشرط الثاني: أن يكون في قرية مبنية بما جرت العادة ببناء القرى به، من ~~حجر أو طين أو لبن أو قصب، مجتمعة البناء بما جرت به العادة في القرية ~~الواحدة، يسكنها أربعون من أهل الجمعة سكنى إقامة، لا يظعنون عنها صيفا ولا ~~شتاء، فأما أهل الخيام وبيوت الشعر فلا جمعة لهم؛ لأن ذلك لا ينصب ~~للاستيطان، ولذلك كانت قبائل العرب حول المدينة، ولم يأمرهم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بجمعة، وإن كانت قرية يسكن فيها بعض السنة دون بعضهم، أو ~~متفرقة تفريقا لم تجر به العادة، لم تصح فيها الجمعة، فإن اجتمعت هذه ~~الشروط في القرية، وجبت الجمعة على أهلها، وصحت بها؛ لأن كعبا قال: أسعد بن ~~زرارة أول من جمع بنا في هزم النبيت، من حرة بني بياضة، في نقيع يقال له: ~~نقيع الخضمات. رواه أبو داود. # قال الخطابي: حرة بني بياضة على ميل من المدينة، ولأن هذا بناء استوطنه ~~أربعون من أهل الجمعة، فوجبت عليهم كأهل مصر، وتجوز إقامة أهل الجمعة فيما ~~قارب البنيان من الصحراء، لحديث أسعد بن زرارة. فإن خربت القرية، ms0181 فلازموها ~~عازمين على إصلاحها ومرمتها فحكمها باق، وإن عزموا على النقلة عنها زال ~~الاستيطان. # فصل: # الشرط الثالث: اجتماع أربعين ممن تنعقد بهم الجمعة. # وعنه: تنعقد بثلاثة؛ لأنهم جمع تنعقد بهم الجماعة، وعنه بخمسين، والمذهب ~~الأول؛ لأن جابرا قال: مضت السنة أن في كل أربعين فما فوقها جمعة. فينصرف ~~إلى سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن انفضوا فلم يبق معه إلا أقل من ~~أربعين لم يتمها جمعة؛ لأنه شرط، فاعتبر في جميع الصلاة كالطهارة، وهل ~~يستأنف ظهرا أو يبني على صلاته؟ على وجهين، بناء على المسبوق، وقياس ~~المذهب، أنهم إن انفضوا بعد صلاة ركعة أتمها جمعة؛ لأنها شرط تختص الجمعة ~~فلم يعتبر الركوع في أكثر من ركعة كالجماعة فيها. # فصل: # ولا يختلف المذهب أن المسبوق إذا أدرك مع الإمام الركوع في الثانية أنه ~~يتمها جمعة، فإن أدرك أقل من ذلك لم يتمها جمعة، لما روى أبو هريرة عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام ~~فقد أدرك الصلاة» متفق عليه. وفي لفظ: «فليضف إليها أخرى» فأما من أدرك أقل ~~من ذلك فقال الخرقي: يبني على ظهر إذا كان # PageV01P325 # قد دخل بنية الظهر. فظاهر هذا أنه إن نوى جمعة لزمه الاستئناف؛ لأنهما ~~صلاتان لا تتأدى إحداهما بنية أخرى، فلم يجز بناؤها عليها، كالظهر والعصر. ~~وقال أبو إسحاق بن شاقلا: ينوي جمعة؛ لئلا يخالف بنيته نية إمامه، ثم يبني ~~عليها ظهرا لأنهما فرض وقت واحد، ردت إحداهما من أربع إلى ركعتين فجاز أن ~~يبني عليها الأربع، كالتامة مع المقصورة. # فصل: # من أحرم مع الإمام ثم زوحم عن السجود فأمكنه السجود على ظهر إنسان أو ~~قدمه لزمه. لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: إذا اشتد الزحام ~~فليسجد على ظهر أخيه أو قدمه. رواه الطيالسي. ولأنه يأتي بما يمكنه حال ~~العجز فوجب وصح، كالمريض يومئ، فإن لم يمكنه ذلك انتظر زوال الزحام، ثم ~~يسجد ويتبع الإمام؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه ms0182 بذلك في ~~صلاة عسفان للعذر، والعذر ههنا قائم، وكذلك إن تعذر عليه السجود لعذر من ~~مرض أو نوم أو سهو. فإن خاف فوات الركوع مع إمامه لزمه متابعته وترك السجود ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإن ركع فاركعوا» ولأنه مأموم خاف ~~فوات الركعة فلزمه متابعة إمامه، كالمسبوق فيركع مع إمامه، وتبطل الأولى. ~~وتصير الثانية أولاه. فإن سجد وترك متابعة إمامه بطلت صلاته، إن علم تحريم ~~ذلك؛ لأنه ترك الواجب عمدا، وإن لم يكن يعلم تحريمه، لم تبطل صلاته، ولم ~~يعتد بسجوده؛ لأنه أتى به في موضع الركوع جهلا فهو كالساهي. # وقال أبو الخطاب: يعتد بسجوده ويتم ركعته الأولى، فإن أدرك الركوع أيضا ~~صحت له الركعتان وإن فاته الركوع، فاتته الثانية وحدها فيقضيها بعد سلام ~~إمامه، وتصح جمعته، قال: ويسجد للسهو، وقال القاضي: هو كمن لم يسجد، فإن ~~أدرك الركوع صحت الثانية وحدها، وإن فاته الركوع وأدرك معه السجدتين سجدهما ~~للركعة الأولى، وصحت له ركعة، ويقضي ركعة، وتمت جمعته لإدراكه ركعة، وإن ~~فاتته السجدتان أو إحداهما قضى ذلك بعد سلام إمامه، فتصح له ركعة، وكذا لو ~~ترك سجدتي الأولى، خوفا من فوات ركوع الثانية فركع معه، وزوحم عن سجدتي ~~الثانية فأمكنه السجود في التشهد سجد، وإن لم يمكنه سجد بعد سلام الإمام ~~وصحت له ركعة ومثلها: لو كان مسبوقا بالأولى وزوحم عن سجود الثانية، وهل ~~يكون مدركا للجمعة في كل موضع لم يتم له ركعة إلا بعد سلام إمامه؟ على ~~روايتين: # إحداهما: يكون مدركا لها؛ لأنه قد يحرم بالصلاة مع الإمام، أشبه ما لو ~~ركع وسجد معه. # PageV01P326 # والثانية: لا جمعة له؛ لأنه لم يدرك مع إمامه ركعة، فأشبه المسبوق بركوع ~~الثانية، وعلى هذه الرواية هل يستأنف أو يتمها ظهرا على وجهين. # وإن أحرم مع الإمام فزوحم، وأخرج من الصف فصلى فذا، لم تصح صلاته، وإن ~~صلى ركعة وأخرج من الثانية، فأتمها وحده ففيه روايتان: # إحداهما: يتمها جمعة؛ لأنه أدرك مع إمامه ركعة، فأشبه المسبوق. # والثانية: يعيد لأنه فذ في ركعة ms0183 كاملة. فإن أدرك مع الإمام ركعة، وقام ~~ليقضي، فذكر أنه لم يسجد إلا سجدة واحدة، أو شك في إحدى السجدتين، لزمه أن ~~يرجع إن لم يكن شرع في قراءة الثانية، فيأتي بما ترك، ثم يقضي ركعة أخرى، ~~ويتمها جمعة. نص عليه، وإن ذكر بعد شروعه في قراءة الثانية بطلت الأولى، ~~وصارت الثانية أولاه، ويتمها جمعة على المنصوص، وفيه وجه آخر أنه لا تحصل ~~له الجمعة؛ لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة كاملة، وهكذا لو قضى الثانية ثم ~~علم أنه نسي سجدة لا يدري من أيهما تركها، أو شك في ذلك، فإنه يجعلها من ~~الأولى، وتصير الثانية أولاه، فأما إن شك في إدراك الركوع مع الإمام، لم ~~يعتد له بالركعة التي مع الإمام، وتصير ظهرا قولا واحدا. # فصل: # الشرط الرابع: أن يتقدمها خطبتان؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يخطب خطبتين يقعد بينهما» . متفق عليه. وقد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ~~. وقالت عائشة - رضي الله عنها -: إنما أقرت الجمعة ركعتين من أجل الخطبة. ~~ومن شرط صحتها حضور العدد المشروط للصلاة؛ لأنه ذكر الاشتراط للصلاة واشترط ~~له العدد، كتكبيرة الإحرام، فإن انفضوا وعادوا لم يطل الفصل صلى الجمعة؛ ~~لأنه تفريق يسير، فلم يمنع، كالتفريق بين المجموعتين، ويشترط لهما الوقت ~~لذلك، ويشترط الموالاة في الخطبتين، فإن فرق بين الخطبتين أو بين أجزاء ~~الخطبة الواحدة أو بينهما وبين الصلاة، فأطال بطلت، فإن كان يسيرا بنى؛ ~~لأنهما مع الصلاة كالمجموعتين، ويحتمل أن الموالاة ليست شرطا؛ لأنه ذكر ~~يتقدم الصلاة فلا يشترط الموالاة بينهما، كالأذان والإقامة ولا يشترط لهما ~~الطهارة، نص عليه لذلك، ولأنها لو اشترطت لاشترط الاستقبال كالصلاة. وعنه: ~~أنها شرط؛ لأنه ذكر شرط في الجمعة فأشبه تكبيرة الإحرام. ويشترط أن ~~يتولاهما من يتولى الصلاة لذلك، لكن يجوز الاستخلاف في بعض الصلاة للعذر؛ ~~لأنه إذا جاز الاستخلاف في بعض الصلاة للعذر ففي الصلاة بكمالها أولى، ~~وعنه: ما يدل على جواز الاستخلاف لغير عذر، قال في الإمام يخطب يوم الجمعة، ~~ويصلي الأمير بالناس: لا بأس ms0184 إذا حضر # PageV01P327 # الأمير الخطبة؛ لأنه لا يشترط اتصالها بها، فلم يشترط أن يتولاهما واحد، ~~كصلاتين، وهل يشترط أن يكون الخليفة ممن حضر الخطبة؟ فيه روايتان: # إحداهما: لا يشترط؛ لأنه لا يشترط في صحة جمعته حضور الخطبة إذا كان ~~مأموما، فكذلك إذا كان إماما. # والثانية: يشترط لأنه إمام، فاشترط حضوره للخطبة، كما لو لم يستخلف. # فصل # وفروض الخطبة أربعة أشياء: # حمد الله تعالى؛ لأن جابرا قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يخطب الناس، يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: من يهده الله فلا ~~مضل له ومن يضلل فلا هادي له» . # والثاني: الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن كل عبادة ~~افتقرت إلى ذكر الله تعالى، افتقرت إلى ذكر رسوله، كالأذان. # الثالث: الموعظة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعظ، وهو القصد ~~من الخطبة فلا يجوز الإخلال بها. # الرابع: قراءة آية؛ لأن جابر بن سمرة قال: «كانت صلاة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قصدا، وخطبته قصدا، يقرأ آيات من القرآن، ويذكر الناس» . ~~رواه أبو داود والترمذي. ولأن الخطبة فرض في الجمعة، فوجبت فيها القراءة ~~كالصلاة، وعن أحمد [- رضي الله عنه -] ما يدل على أنه لا يشترط قراءة آية، ~~فإنه قال: القراءة في الخطبة على المنبر. ليس فيه شيء مؤقت ما شاء قرأ، ~~وتشترط هذه الأربعة في الخطبتين؛ لأن ما وجب في إحداهما وجب في الأخرى ~~كسائر الفروض. # فصل: # وسننها ثلاث عشرة: # أن يخطب على منبر أو موضع عال؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يخطب على منبره؛ ولأنه أبلغ في الإعلام. # الثاني: أن يسلم عقيب صعوده إذا أقبل عليهم؛ لأن جابرا قال: «كان النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا صعد المنبر سلم عليهم» رواه ابن ماجه. # PageV01P328 # الثالث: أن يجلس إذا سلم عليهم؛ لأن ابن عمر قال: «كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس ~~فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب» ، رواه أبو داود. ms0185 # الرابع: أن يخطب قائما؛ لأن جابر بن سمرة قال: «إن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يخطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، فمن حدثك أنه كان ~~يخطب جالسا، فقد كذب» ، رواه مسلم وأبو داود. # وليس ذلك بشرط؛ لأن المقصود يحصل بدونه. # الخامس: أن يجلس بينهما لما رويناه، وليس بواجب؛ لأنها جلسة للاستراحة، ~~وليس فيها ذكر مشروع، فأشبهت الأولى. # السادس: أن يعتمد على سيف أو قوس أو عصا، لما روى الحكم بن حزن قال: ~~«وفدت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشهدنا معه الجمعة، فقام ~~متوكئا على سيف، أو قوس، أو عصا، فحمد الله وأثنى عليه بكلمات خفيفات طيبات ~~مباركات» ، رواه أبو داود، ولأن ذلك أمكن له، فإن لم يكن معه شيء أمسك ~~شماله بيمينه، أو أرسلهما عند جنبيه وسكنهما. # السابع: أن يقصد بلقاء وجهه؛ لأن في التفاته إلى أحد جانبيه إعراضا عمن ~~في الجانب الآخر. # الثامن: أن يرفع صوته؛ لأن جابرا قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه منذر جيش، يقول ~~صبحكم ومساكم، ويقول: أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي ~~محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» رواه مسلم، ولأنه أبلغ في ~~الإسماع. # التاسع: أن يكون في خطبته مترسلا معربا، مبينا من غير عجلة ولا تمطيط؛ ~~لأنه أبلغ وأحسن. # العاشر: تقصير الخطبة، لما روى عمار قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: # «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة وقصروا ~~الخطبة» . رواه مسلم. # الحادي عشر: ترتيبها، يبدأ بالحمد لله، ثم بالصلاة على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، ثم يعظ؛ لأنه أحسن والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يبدأ بالحمد لله، وقال: «كل كلام ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر» . # PageV01P329 # الثاني عشر: أن يدعو للمسلمين؛ لأن الدعاء لهم مسنون، في غير الخطبة ~~ففيها أولى وإن دعا للسلطان فحسن لأن صلاحه نفع للمسلمين، فالدعاء له ms0186 دعاء ~~لهم. # الثالث عشر: أن يؤذن لها إذا جلس الإمام على المنبر؛ لأن الله تعالى قال: ~~{إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة} [الجمعة: 9] ، يعني الأذان، قال السائب: ~~«كان النداء يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر، على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان، وكثر الناس زاد ~~النداء الثالث» رواه البخاري. وهذا النداء الأوسط هو الذي يتعلق به وجوب ~~السعي، وتحريم البيع؛ لأنه الذي كان مشروعا حين نزول الآية، فتعلقت الأحكام ~~به. ويسن الأذان الأول في أول الوقت؛ لأن عثمان سنه، وعملت به الأمة بعده، ~~وهو مشروع للإعلام بالوقت، والثاني للإعلام بالخطبة، والإقامة للإعلام ~~بقيام الصلاة. # فصل: # ولا يشترط للجمعة إذن الإمام؛ لأن عليا - رضي الله عنه - صلى بالناس، ~~وعثمان - رضي الله عنه - محصور، ولأنها من فرائض الأعيان، فلم يعتبر لها ~~إذن الإمام، كالظهر. قال أحمد: وقعت الفتنة بالشام تسع سنين، فكانوا يجمعون ~~لكن إن أمكن استئذانه فهو أكمل وأفضل، وعنه أنه شرط؛ لأنه لا يقيمها في كل ~~عصر إلا الأئمة. # فصل: # وتصلى خلف كل بر وفاجر، لحديث جابر، ولأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، ~~وتختص بإمام واحد، فتركها خلف الفاجر يفضي إلى الإخلال بها، فلم يجز ذلك ~~كالجهاد، ولهذا أبيح فعلها في الطرق، ومواضع الغصب، صيانة لها عن الفوات. # فصل: # [و] إذا فرغ من الخطبة نزل، فأقيمت الصلاة فصلى بهم ركعتين، يقرأ في كل ~~ركعة بالحمد لله وسورة معها، ويجهر بالقراءة للإجماع ونقل الخلف عن السلف. ~~ومهما قرأ به بعد أم الكتاب فيها أجزأه، إلا أن المستحب أن يقرأ فيها ~~بالجمعة والمنافقين، أو بسبح، والغاشية، لما روى أبو هريرة قال: «سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بسورة الجمعة والمنافقين، في الجمعة» . ~~وعن النعمان بن بشير قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في ~~العيدين والجمعة ب {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] و {هل أتاك حديث ~~الغاشية} [الغاشية: 1] » رواهما مسلم. # PageV01P330 # فصل: # ومتى أمكن الغنى بجمعة واحدة في المصر لم يجز أكثر ms0187 منها؛ لأن النبي صلى ~~الله عليه وسيلم وخلفاءه لم يقيموا إلا جمعة واحدة، وإن احتيج إلى أكثر ~~منها جاز؛ لأنها تفعل في الأمصار العظيمة في جوامع من غير نكير، فصار ~~إجماعا، ولأنها صلاة عيد جاز فعلها في موضعين مع الحاجة كغيرها، وإن استغنى ~~بجمعتين لم تجز الثالثة. فإن صليت في موضعين من غير حاجة، وإحداهما جمعة ~~الإمام فهي الصحيحة، ويحتمل أن السابقة هي الصحيحة؛ لأنه لم يتقدمها ما ~~يفسدها، وبعد صحتها لا يفسدها ما بعدها، والأول أولى؛ لأن في تصحيح غير ~~جمعة الإمام افتئاتا عليه، وتبطيلا لجمعته، ومتى أراد أربعون نفسا إفساد ~~صلاة الإمام، والناس أمكنهم ذلك، فإن لم يكن لأحدهما مزية فالسابقة هي ~~الصحيحة لما ذكرناه، وتفسد الثانية. وإن وقعتا معا: فهما باطلتان؛ لأنه لا ~~يمكن تصحيحهما، ولا تعيين إحداهما بالصحة فبطلتا، كما لو جمع بين أختين. ~~وعليهم إقامة جمعة ثالثة؛ لأنه مصر لم تصل فيه جمعة صحيحة، وإن علم سبق ~~إحداهما وجهلت، فعلى الجميع الظهر؛ لأن كل واحد لم يتيقن براءة ذمته من ~~الصلاة، وليس لهم إقامة الجمعة لأن المصر قد صليت فيه جمعة صحيحة وإن جهل ~~الحال، فسدتا. وهل لهم إقامة الجمعة؟ على وجهين: # أحدهما: لا يقيمونها للشك في شرط إقامتها. # والثاني: لهم ذلك؛ لأننا لم نعلم المانع من صحتها والأصل عدمه. وذكر ~~القاضي وجها من إقامتها مع العلم بسبق إحداهما؛ لأنه لما تعذر تصحيح ~~إحداهما بعينها صارت كالمعدومة. ولو أحرم بالجمعة فعلم أنها قد أقيمت في ~~مكان آخر لم يكن له إتمامها. # وهل يبني عليها ظهرا أم يستأنفها؟ على وجهين: # أصحهما استئنافها؛ لأن ما مضى منها لم يكن جائزا له فعله، ويعتبر السبق ~~بالإحرام؛ لأنه متى أحرم بإحداهما حرم الإحرام بالأخرى للغنى عنها. # فصل: # ولا يجوز لمن تجب عليه الجمعة السفر بعد دخول وقتها؛ لأنه يتركها بعد ~~وجوبها عليه، فلم يجز، كما لو تركها لتجارة إلا أن يخاف فوت الرفقة، فأما ~~قبل الوقت فيجوز للجهاد، لما روى ابن عباس قال: «بعث رسول الله - صلى الله ~~عليه ms0188 وسلم - عبد الله بن رواحة في سرية، فوافق ذلك يوم الجمعة، فقدم أصحابه ~~وقال: أتخلف فأصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ألحقهم. قال: فلما ~~صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رآه فقال: ما منعك أن تغدو مع ~~أصحابك؟ فقال: أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: لو أنفقت ما في الأرض ما # PageV01P331 # أدركت فضل غدوتهم» من " المسند " وهل يجوز لغير الجهاد؟ فيه روايتان: # إحداهما: يجوز؛ لأن عمر - رضي الله عنه - قال: الجمعة لا تحبس عن سفر، ~~ولأنها لم تجب، فأشبه السفر من الليل. # والثانية: لا يجوز لما روى الدارقطني في الإفراد عن ابن عمر أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «من سافر من دار إقامة يوم الجمعة دعت عليه ~~الملائكة ألا يصحب في سفره» . # فصل: # ويجب السعي بالنداء الثاني لما ذكرنا، إلا لمن منزله في بعد، فعليه أن ~~يسعى في الوقت الذي يكون به مدركا للجمعة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو ~~واجب ويستحب التبكير بالسعي، لما روى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب ~~بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما # PageV01P332 # قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أملح، ومن راح في ~~الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب ~~بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» متفق عليه. وقال ~~علقمة: خرجت # PageV01P333 # مع عبد الله يوم الجمعة، فوجد ثلاثة قد سبقوه فقال: رابع أربعة وما رابع ~~أربعة ببعيد. ثم قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن ~~الناس يجلسون يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعة» رواه ابن ماجه. ~~ويستحب أن يأتيها ماشيا ليكون أعظم للأجر، وعليه سكينة ووقار، لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا تأتوا الصلاة وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم ~~السكينة والوقار» ، متفق عليه. ويقارب بين خطاه لتكثر حسناته. # فصل: # ويستحب ms0189 أن يغتسل ويتطيب، ويتنظف بقطع الشعر، وقص الظفر، وإزالة الرائحة، ~~لما روى أبو سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يغتسل رجل يوم ~~الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، ويمس من طيب بيته، ثم ~~يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا ~~غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» رواه البخاري. وعنه: أن الغسل واجب، ~~لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «غسل يوم الجمعة واجب ~~على كل محتلم، وسواك وأن يمس طيبا» رواه مسلم. والأول المذهب؛ لأن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن ~~اغتسل الغسل أفضل» قال الترمذي: هذا حديث حسن، والخبر الأول أريد به تأكيد ~~الاستحباب، ولذلك ذكر فيه السواك والطيب وليسا واجبين. # ووقت الغسل بعد الفجر لقوله: «يوم الجمعة» والأفضل فعله عند الرواح؛ لأنه ~~أبلغ في المقصود. ولا يصح إلا بنيته؛ لأنه عبادة، فإن اغتسل للجمعة ~~والجنابة أجزأه، وإن اغتسل للجنابة وحدها احتمل أن يجزئه، لقوله - عليه ~~السلام -: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة» ، ولأن المقصود التنظيف وهو ~~حاصل، واحتمل أن لا يجزئه لقوله - عليه السلام -: «وليس للمرء من عمله إلا ~~ما نواه» . # فصل: # وإذا أتى المسجد كره له أن يتخطى الناس، لقوله - عليه السلام -: «ولم ~~يفرق بين اثنين» إلا أن يكون إماما ولا يجد طريقا فلا بأس بالتخطي؛ لأنه ~~موضع حاجة. ومن لم يجد موضعا إلا فرجة، لا يصل إليها بتخطي الرجل والرجلين، ~~فلا بأس. فإن # PageV01P334 # تركوا أول المسجد فارغا وجلسوا دونه، فلا بأس بتخطيهم؛ لأنهم ضيعوا حق ~~نفوسهم. وإن ازدحم الناس في المسجد وداخله اتساع فلم يجد الداخل لنفسه ~~موضعا، فعلم أنهم إذا قاموا تقدموا، وإن لم يرج ذلك فله تخطيهم؛ لأنه موضع ~~حاجة. # وليس لأحد أن يقيم غيره ويجلس مكانه، لما روى ابن عمر أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «لا يقيم الرجل الرجل من مقعده ويجلس فيه» متفق ms0190 ~~عليه. وإن قام له رجل من مكانه وأجلسه فيه جاز؛ لأن الحق له، لكن إن كان ~~المتنفل ينتقل إلى موضع أبعد من موضعه كره لما فيه من الإيثار بالقربة. # ولو قدم رجل غلامه فجلس في موضع فإذا جاء قام الغلام وجلس مكانه فلا بأس ~~به. كان ابن سيرين يفعله. وإن فرش له مصلى لم يكن لغيره الجلوس عليه. وهل ~~لغيره رفعه والجلوس في موضعه؟ فيه وجهان: # وإن قام الجالس من موضعه لحاجة ثم عاد إليه فهو أحق به، لما روى أبو ~~هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا قام أحدكم من مجلسه ~~ثم رجع إليه فهو أحق به» رواه مسلم. وإن نعس فأمكنه التحول إلى مكان لا ~~يتخطاه فيه أحد استحب له ذلك، لما روى ابن عمر قال: سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: «إذا نعس أحدكم يوم الجمعة في مجلسه فليتحول إلى ~~غيره» من المسند. وهو حديث صحيح. # فصل: # ويستحب الدنو من الإمام لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من غسل ~~يوم الجمعة واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، واستمع ~~ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها» رواه ابن ماجه ~~والنسائي. وإن حضر قبل الخطبة اشتغل بالتنفل، أو ذكر الله، وقراءة القرآن، ~~ويكثر من الدعاء لعله يوافق ساعة الإجابة، ويكثر من الصلاة على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ويقرأ سورة الكهف؛ لأنه يروى عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وقي ~~الفتنة» . # فصل: # فإذا جلس الإمام على المنبر انقطع التنفل، فإذا أخذ من الخطبة حرم ~~الكلام، # PageV01P335 # لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب أنصت ~~فقد لغوت» متفق عليه. # وروى ثعلبة بن مالك أنهم كانوا يتحدثون يوم الجمعة وعمر جالس على المنبر، ~~فإذا سكت المؤذن، قام عمر ولم يتكلم أحد حتى يقضي الخطبتين، فإذا قامت ~~الصلاة ونزل عمر تكلموا. وعنه: لا يحرم ms0191 الكلام، لما روى أنس قال: «بينما ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة، إذ قام رجل فقال: يا رسول ~~الله، هلك الكراع هلك الشاء، فادع الله أن يسقينا» . وذكر الحديث. متفق ~~عليه. والأول أولى، وهذا يحتمل أنه من تكليم الخطيب دون غيره لأنه لا يشتغل ~~بتكليمه عن سماع خطبته. والبعيد والقريب سواء في ذلك. وقد روي عن عثمان - ~~رضي الله عنه - أنه قال: إن للمنصت الذي لا يسمع من الخطبة مثل للسامع، إلا ~~أن للبعيد أن يذكر الله ويقرأ القرآن سرا، وليس الجهر، ولا المذاكرة في # PageV01P336 # الفقه، «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الحلق يوم الجمعة ~~والإمام يخطب» . وروى أبو داود والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة» ، ~~ومن يسمع متكلما لم ينهه بالقول: للخبر، ولكن يشير إليه، ويضع إصبعه على ~~فيه، وإن وجب الكلام مثل تحذير ضرير شيئا مخوفا فعليه الكلام؛ لأنه لحق ~~آدمي، فكان مقدما على غيره، ومن سأله الإمام عن شيء فعليه إجابته؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل الداخل: أصليت فأجابه، وسأل عمر عثمان ~~فأجابه، وفي رد السلام، وتشميت العاطس، روايتان: # إحداهما: يفعل لأنه لحق آدمي، فأشبه تحذير الضرير. # والأخرى: لا يفعله لأن المسلم سلم في غير موضعه، والتشميت سنة لا يترك ~~لها الإنصات الواجب، ولا يتصدق على سائل والإمام يخطب، وإذا لم يسمع ~~الخطبة، فلا بأس أن يشرب الماء. # فصل: # ولا يحرم الكلام على الخاطب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يتكلم، وعمر سأل عثمان أية ساعة هذه؟ فإذا وصل الخطيب إلى الدعاء ففيه ~~وجهان: # أحدهما: يباح الكلام؛ لأنه فرغ من الخطبة. # والثاني: لا يباح؛ لأنه قاطع للخطبة أشبه التطويل في الموعظة. # فصل: # ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يركع ركعتين، يوجز فيهما، لما روى جابر ~~قال: «دخل رجل والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب قال: صليت يا فلان قال: ~~لا، قال: فصل ركعتين» ms0192 . متفق عليه. زاد مسلم ثم قال: «إذا جاء أحدكم يوم ~~الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما» . # فصل: # ويسن أن يصلي بعد الجمعة أربعا لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل بعدها أربعا» ~~رواه مسلم، وإن شاء صلى ركعتين، لما روى ابن عمر: «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يصلي بعد الجمعة ركعتين» ، متفق عليه، وإن شاء صلي ستا لأن ~~ابن عمر روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله، ويستحب أن # PageV01P337 # يفصل بين الجمعة والركوع بكلام، أو رجوع إلى منزله، لما روى السائب بن ~~يزيد قال: قال لي معاوية: «إذا صليت صلاة الجمعة فلا تصليها بصلاة حتى ~~تتكلم، أو تخرج، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا بذلك» ، ~~رواه مسلم. # فصل: # ويستحب أن يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: {الم - تنزيل} [السجدة: 1 - 2] ~~و {هل أتى على الإنسان} [الإنسان: 1] «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: {الم - تنزيل الكتاب} [السجدة: 1 - 2] ~~و {هل أتى على الإنسان حين من الدهر} [الإنسان: 1] » رواه مسلم. قال أحمد: ~~ولا أحب أن يداوم عليها، لئلا يظن الناس أنها مفضلة بسجدة. # فصل: # فإذا اتفق عيد في يوم جمعة فصلوا العيد لم تلزمهم الجمعة، ويصلون ظهرا ~~لما روى زيد بن أرقم قال: «شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عيدين ~~اجتمعا في يوم، فصلى العيد ثم رخص في الجمعة، فقال: من شاء أن يجمع فليجمع» ~~. وعن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اجتمع في ~~يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون إن شاء الله» رواهما ~~أبو داود. # وتجب الجمعة على الإمام لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنا مجمعون» ~~ولأن تركه لها منع لمن يريدها من الناس. # وعنه: لا تجب؛ لأن ابن الزبير لم يصلها وكان إماما، ولأن الجمعة إذا سقطت ~~عن المأمومين سقطت عن الإمام، ms0193 كحالة السفر، فإن عجل الجمعة في وقت العيد ~~أجزأته عن العيد والظهر، في ظاهر كلامه لما روى عطاء قال: اجتمع يوم جمعة ~~ويوم فطر على عهد ابن الزبير، فقال: عيدان قد اجتمعا في يوم واحد، فجمعهما ~~وصلاهما ركعتين، فلم يزد عليهما حتى صلى العصر، وبلغ فعله ابن عباس فقال: ~~أصاب السنة. ### | باب صلاة العيدين # وهي فرض على الكفاية؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء بعده ~~كانوا يداومون عليها، ولأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، فكانت فرضا ~~كالجهاد، ولا تجب على الأعيان؛ لأن # PageV01P338 # النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر للأعرابي خمس صلوات فقال: هل علي ~~غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع» متفق عليه. # فإن اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الإمام، لتركهم شعائر الإسلام ~~الظاهرة، فأشبه تركهم الأذان. ويشترط لوجوبها ما يشترط للجمعة؛ لأنها صلاة ~~عيد، فأشبهت الجمعة، ولا يشترط لصحتها الاستيطان، ولا العدد؛ لأن أنسا كان ~~إذا لم يشهد العيد مع الإمام جمع أهله ومواليه، ثم قام عبد الله بن أبي ~~عتبة مولاه فصلى بهم ركعتين يكبر فيهما ولأنهما من حق من انتفت فيه شروط ~~الوجوب تطوع، فلم يشترط لها ذلك كسائر التطوع، وقال القاضي: كلام أحمد - ~~رضي الله عنه - يقتضي أن في اشتراط الاستيطان والعدد وإذن الإمام روايتين. # فصل: # ووقتها من حين ترتفع الشمس وتزول وقت النهي إلى الزوال، فإن لم يعلم بها ~~إلا بعد الزوال خرج من الغد فصلى بهم، لما روى أبو عمير بن أنس عن عمومة له ~~من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أن ركبا جاؤوا إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا ~~فإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم» ، رواه أبو داود. ويسن تقديم الأضحى ~~وتأخير الفطر، لما روى عمرو بن حزم «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يقدم الأضحى ويؤخر الفطر» ، ولأن السنة إخراج الفطرة قبل الصلاة، ففي تأخير ~~الصلاة توسيع لوقتها، ولا تجوز التضحية إلا بعد الصلاة، ففي تعجيلها مبادرة ~~إلى الأضحية. # فصل: # ويسن ms0194 أن يأكل في الفطر قبل الصلاة، ويمسك في الأضحى حتى يصلي لما روى ~~بريدة قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر، ~~ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي» ، رواه الترمذي، ويفطر على تمرات وتر، لما ~~روى أنس قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يغدو يوم الفطر حتى ~~يأكل تمرات» . رواه البخاري وفي لفظ: «ويأكلهن وترا» . # فصل: # والسنة أن يصليها في المصلى؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء ~~بعده كانوا يفعلونها فيه، ويستحب أن يستخلف على ضعفة الناس من يصلي بهم في ~~الجامع لأن عليا - رضي الله عنه - استخلف أبا مسعود البدري، يصلي بضعفة ~~الناس في المسجد، وهل يصلي المستخلف ركعتين أو أربعا، على روايتين بناء على ~~اختلاف الروايات في فعل أبي مسعود وقد روي أنه صلى بهم ركعتين وروي أنه صلى ~~بهم أربعا، وإن كان عذر من # PageV01P339 # مطر أو نحوه صلى في المسجد، لما روى أبو هريرة قال: «أصابنا مطر في يوم ~~عيد، فصلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد» . رواه أبو ~~داود. # فصل: # ويسن الاغتسال للعيد، والطيب والتنظيف والسواك، وأن يلبس أحسن ثيابه، لما ~~روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في جمعة من الجمع: «إن هذا يوم ~~جعله الله عيدا للمسلمين فاغتسلوا ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه، ~~وعليكم بالسواك» فعلل ذلك بأنه يوم عيد، ولأن هذا اليوم يشرع فيه الاجتماع ~~للصلاة، فأشبه الجمعة، وقد روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتم، ~~ويلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة» رواه ابن عبد البر. إلا أن المعتكف ~~يستحب له الخروج في ثياب اعتكافه، ليبقى عليه أثر العبادة. # فصل: # ويستحب أن يبكر إليها المأموم، ماشيا مظهرا للتكبير؛ لأن عليا - رضي الله ~~عنه - قال: من السنة أن يأتي العيد ماشيا. رواه الترمذي وقال، حديث حسن ~~ولأنه أعظم للأجر، ويتأخر الإمام إلى وقت الصلاة؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يفعله، ولأن الإمام ينتظر ms0195 ولا ينتظر، وإذا غدا من طريق رجع ~~من غيره؛ لأن جابرا قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان يوم ~~عيد خالف الطريق.» رواه البخاري. # فصل: # قال ابن حامد: ويستحب خروج النساء، لما روت أم عطية قالت: «أمرنا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن نخرجهن في الفطر والأضحى، العواتق والحيض ~~وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن المصلى، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين» . ~~متفق عليه. قال القاضي: وظاهر كلام أحمد أن ذلك جائز غير مستحب، ولا يلبسن ~~ثوب شهرة، ولا يتطيبن لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وليخرجن تفلات» ~~. # فصل: # وليس لها أذان ولا إقامة لما روى عطاء قال: أخبرني جابر «أن لا أذان ~~للصلاة يوم الفطر ولا إقامة ولا نداء، ولا شيء لا نداء يومئذ ولا إقامة» ، ~~متفق عليه. وقال جابر بن سمرة: «صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~العيد غير مرة ولا مرتين بلا أذان ولا إقامة» . رواه مسلم. # فصل: # وصلاة العيد ركعتان، يقرأ في كل ركعة منهما بالحمد لله وسورة، ويجهر ~~بالقراءة # PageV01P340 # بلا خلاف، قال عمر - رضي الله عنه -: «صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ~~ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم -. وقد خاب من ~~افترى» . رواه الإمام أحمد في " المسند ". ويسن أن يقرأ فيهما بسبح و {هل ~~أتاك حديث الغاشية} [الغاشية: 1] لحديث النعمان بن بشير. ومهما قرأ أجزأه، ~~ويكبر في الأولى سبع تكبيرات منها تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمسا سوى ~~تكبيرة القيام، لما روت عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«التكبير في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمس تكبيرات ~~سوى تكبيرتي الركوع» رواه أبو داود. # واعتددنا بتكبيرة الإحرام لأنها في حال القيام، ولم نعتد بتكبيرة القيام ~~لأنها قبله. # ويسن أن يرفع يديه في كل تكبيرة، لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه ~~كان يرفع يديه مع كل تكبيرة في الجنازة وفي العيد. رواه الأثرم. ويحمد ~~الله، ويثني عليه، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم ms0196 - بين كل ~~تكبيرتين، وإن أحب قال: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله ~~بكرة وأصيلا، وصلى الله على محمد النبي الأمي وآله وسلم تسليما؛ لأنه يجمع ~~بين ما ذكرناه. # وموضع التكبير بين الاستفتاح، وقبل الاستعاذة والقراءة في الركعتين. ~~وعنه: أنه قبل الاستفتاح أيضا اختارها الخلال وصاحبه، والأول أولى؛ لأن ~~الاستفتاح لافتتاح الصلاة، فيكون في أولها، والاستعاذة للقراءة فتكون في ~~أولها. وعنه: أنه يوالي بين القراءتين، يجعلها في الأولى بعد التكبير، وفي ~~الثانية قبله، لما روى علقمة أن عبد الله بن مسعود وأبا موسى وحذيفة خرج ~~عليهم الوليد بن عقبة قبل العيد يوما فقال لهم: إن هذا العيد قد دنا فكيف ~~التكبير فيه؟ فقال عبد الله: تبدأ وتكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة، وتحمد ~~ربك، وتصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم تدعو وتكبر، إلى أن قال: ~~وتركع، ثم تقوم فتقرأ وتحمد ربك،. وذكر الحديث. قال أبو موسى وحذيفة صدق. ~~ووجه الأولى أنه تكبير في إحدى ركعتي العيد فكان قبل القراءة كالأولى. # فصل: # وتكبيرات العيد الزوائد والذكر بينها سنة لا يؤثر تركها عمدا، وإن والى ~~بين التكبير كان جائزا، وإن نسي التكبير حتى شرع في القراءة، لم يعد إليه ~~لأنه سنة فلا يعود إليها بعد شروعه في القراءة كالاستفتاح. # فصل: # فإذا سلم خطب خطبتين كخطبتي الجمعة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فعل ذلك. ويفارق خطبتي الجمعة في أربعة أشياء: # PageV01P341 # أحدها: أن محلها بعد الصلاة، لما روى ابن عمر «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة» . متفق عليه. # الثاني: أنه يسن أن يستفتح الأولى بتسع تكبيرات متواليات، والثانية بسبع، ~~ويكثر التكبير في أضعاف الخطبة، لما روى سعد مؤذن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكبر بين أضعاف الخطبة، يكثر ~~التكبير بن خطبتي العيدين» . # الثالث: أن يحثهم في الفطر على إخراج الفطر، ويبين لهم ما يخرجونه ووقته ~~وجنسه، وفي الأضحى يرغبهم في الأضحية، ويبين لهم ما يجزئ ms0197 فيها، ووقت ذبحها، ~~ويحثهم على الإطعام منها؛ لأنه وقت هذا النسك فيشرع تبيينه. # الربع: أنهما سنة لا يجب استماعهما ولا الإنصات لهما، لما روى عبد الله ~~بن السائب قال: «شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العيد، فلما قضى ~~الصلاة قال: إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب ~~فليذهب» رواه أبو داود. ويستحب أن يجلس عقيب صعوده ليستريح، وقيل: لا يجلس؛ ~~لأن الجلوس في الجمعة لموضع الأذان ولا أذان ههنا. # فصل: # ولا يتنفل قبل الصلاة وبعدها في موضع الصلاة لا في المسجد ولا في المصلى، ~~إماما كان أو مأموما، لما روى ابن عباس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها» . متفق عليه. ولا بأس ~~أن يصلي بعد رجوعه، لما روى أبو سعيد قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لا يصلي قبل العيد شيئا، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين» . رواه ابن ~~ماجه. # فصل: # ومن سبق بالتكبير أو بعضه لم يقضه لأنه سنة فات محلها. # وقال ابن عقيل: يأتي به؛ لأن محله القيام وقد أدركه، وإن أدركه في الركوع ~~تتبعه ولم يقض التكبير وجها واحدا، وإن أدركه في التشهد قام إذا سلم الإمام ~~فقضى ركعتين يكبر فيهما، وإن أدركه في الخطبة استمع ثم قضى الصلاة إن أحب. ~~وفي صفة القضاء ثلاث روايات: # إحداهن: يقضيها على صفتها، لحديث أنس ولأنه قضى صلاة فكان على صفتها ~~كغيرها. # PageV01P342 # الثانية: يصليها أربعا بسلام واحد إن أحب، أو بسلامين، لما روى الأثرم عن ~~عبد الله بن مسعود قال: من فاته العيد فليصل أربعا، ولأنها صلاة عيد فإذا ~~فاتت صليت أربعا كالجمعة. # الثالثة: هو مخير بين ركعتين وأربع؛ لأنه تطوع نهار فكانت الخيرة إليه ~~فيه كالضحى. # فصل: # ويشرع التكبير في العيدين، لقول الله تعالى: {ولتكملوا العدة ولتكبروا ~~الله على ما هداكم} [البقرة: 185] . وعن علي - رضي الله عنه - أنه كان يكبر ~~حتى يسمع أهل الطريق. # قال القاضي: والتكبير في الفطر مطلق ms0198 غير مقيد على ظاهر كلامه. يعني لا ~~يختص بأدبار الصلوات. # وقال أبو الخطاب: يكبر من غروب الشمس إلى خروج الإمام إلى الصلاة. وهل ~~يكبر بعد صلاة العيد على روايتين. # فصل: # فأما التكبير في الأضحى فهو على ضربين: مطلق ومقيد. فأما المطلق فالتكبير ~~في جميع الأوقات، من أول العشر إلى آخر أيام التشريق. وأما المقيد فهو ~~التكبير في أدبار الصلوات، من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام ~~التشريق. قيل لأحمد: بأي حديث تذهب إلى أن التكبير في صلاة الفجر يوم عرفة ~~إلى العصر من آخر أيام التشريق؟ قال: بالإجماع عن عمر وعلي وابن عباس وابن ~~مسعود - رضي الله عنهم -. وقد روي عن جابر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- صلى الصبح يوم عرفة، ثم أقبل علينا فقال: الله أكبر ومد التكبير إلى آخر ~~أيام التشريق» . وصفة التكبير المشروع: (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا ~~الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد) ؛ لأن هذا يروى عن علي وابن مسعود ~~- رضي الله عنهما -. قال أبو عبد الله: اختياري تكبير ابن مسعود. وذكر مثل ~~هذا، ولأن في حديث جابر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر تكبيرتين» ، ~~ولأنه تكبير خارج الصلاة فكان شفعا كتكبير الأذان. # فصل: # وموضعه عقيب أدبار الصلوات المفروضات، ولا يشرع عقيب النوافل لأنه لا ~~أذان # PageV01P343 # لها فلم يكبر بعدها كصلاة الجنازة. وإن سبق الرجل ببعض الفريضة كبر إذا ~~سلم. وإن صلاها كلها وحده ففيه روايتان: # إحداهما: يكبر لأنه ذكر مشروع للمسبوق فأشبه التسليمة الثانية. # والثانية: لا يكبر؛ لأن ابن عمر كان لا يكبر إذا صلى وحده. وقال ابن ~~مسعود: إنما التكبير على من صلى في الجماعة، ولأنه مخصوص بوقت فخص بالجماعة ~~كالخطبة. والمسافر كالمقيم في التكبير، والمرأة كالرجل. قال البخاري: ~~النساء كن يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز مع الرجال في ~~المسجد، ويخفضن أصواتهن حتى لا يسمعهن الرجال. وعن أحمد - رضي الله عنه -: ~~أنها لا تكبر. ومن فاتته صلاة في أيام التكبير فقضاها فيها ms0199 كبر، وإن قضاها ~~بعدها لم يكبر؛ لأن التكبير مقيد بالوقت. # فصل: # ويكبر مستقبل القبلة، فإن أحدث قبل التكبير لم يكبر؛ لأن الحدث يقطع ~~الصلاة. وإن نسي التكبير استقبل القبلة وكبر، ما لم يخرج من المسجد. ويستحب ~~الاجتهاد في العمل الصالح في أيام العشر، لما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «ما العمل الصالح في أيام أفضل منه من العشر، قالوا: ولا ~~الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج يخاطر ~~بنفسه وماله فلم يرجع بشيء» أخرجه البخاري. ### | باب صلاة الكسوف # وهي سنة مؤكدة عند كسوف الشمس أو القمر، لما روى أبو مسعود قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الشمس والقمر آتيان من آيات الله تعالى ~~يخوف الله بهما عباده وإنهما لا ينكسفان لموت أحد من الناس، فإذا رأيتم ~~منها شيئا فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم» وعن عائشة قالت: «خسفت الشمس على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبعث مناديا فنادى: الصلاة جامعة، ~~وخرج إلى المسجد، فصف الناس وراءه، وصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات» ~~، متفق عليهما. وتجوز جماعة وفرادى لإطلاق الأمر بهما في # PageV01P344 # حديث أبي مسعود، والجماعة أفضل لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لها في ~~جماعة، وينادي لها: الصلاة جامعة للحديث. وتفعل في لمسجد للخبر، ولأن وقتها ~~ضيقا فلو خرجوا إلى المصلى خيف فواتها. # فصل: # وصفتها أن يكبر للإحرام ويستفتح، ثم يقرأ الفاتحة وسورة البقرة أو نحوها، ~~ثم يركع ويسبح نحوا من مائة آية ثم يرفع فيسمع ويحمد ويقرأ الفاتحة وآل ~~عمران أو نحوها، ثم يركع فيسبح نحوا من سبعين آية، ثم يرفع فيسمع ويحمد، ثم ~~يسجد سجدتين يسبح فيهما نحوا من الركوع، ثم يقوم إلى الثانية، فيقرأ ~~الفاتحة وسورة النساء، ثم يركع ويسبح نحوا من خمسين آية ثم يرفع فيسمع ~~ويحمد ويقرأ الفاتحة وسورة المائدة، ثم يركع فيسبح نحوا من أربعين آية، ثم ~~يرفع فيسمع ويحمد ثم يسجد نحوا من ركوعه، ويتشهد ويسلم؛ وليس ms0200 هذا التقدير ~~في القراءة والتسبيح منقولا عن أحمد - رضي الله عنه -، ولا هو متعين. وما ~~قرأ به بعد أم الكتاب فيها أجزأه، لكن يستحب ذلك ليقارب فعل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فيما روت عائشة قالت: قال: «خسفت الشمس في حياة رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، فخرج إلى المسجد فقام وكبر، وصف الناس وراءه فقرأ ~~رسول الله قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعا طويلا، ثم رفع رأسه فقال: سمع ~~الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم قام فقرأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة ~~الأولى ثم كبر فركع ركوعا هو أدنى من الركوع الأول، ثم قال: سمع الله لمن ~~حمده ربنا ولك الحمد، ثم سجد، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك حتى استكمل ~~أربع ركعات وأربع سجدات، فانجلت الشمس.» متفق عليه. # وفي رواية أخرى: «فرأيت أنه قرأ في الأولى بسورة البقرة، وفي الثانية ~~سورة آل عمران» ، ويجهر بالقراءة ليلا كان أو نهارا؛ لأن عائشة روت «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - جهر في صلاة الخسوف» [رواه أبو داود] . ~~ولأنها صلاة شرع لها الجمع الكثير فسن لها الجهر كالعيد، وإن صلى في كل ~~ركعة ثلاث ركوعات على نحو ما ذكرنا جاز؛ لأن [عائشة روت] ، «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - صلى ست ركعات وأربع سجدات» . رواه مسلم. # PageV01P345 # وإن جعل في كل ركعة أربع ركوعات جاز أيضا؛ لأنه يروى عن علي وابن عباس عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، والمختار الأول؛ لأنه أصح وأشهر. # فصل: # ووقتها من حين الكسوف إلى حين التجلي، فإن فاتت لم تقض لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «صلوا حتى يكشف الله ما بكم» وإن تجلت وهو في الصلاة ~~أتمها وخففها، وإن سلم قبل انجلائها لم يصل أخرى واشتغل بالذكر والدعاء، ~~وإن استترت بغيم صلى؛ لأن الأصل بقاء الكسوف، وإن غابت كاسفة فهو ~~كانجلائها؛ لأنه ذهب وقت الانتفاع بنورها. وإن طلعت الشمس والقمر خاسف ~~فكذلك لما ذكرنا، وإن غاب ليلا وهو كاسف لم يصل كالشمس ms0201 إذا غابت. وقال ~~القاضي: يصلي لأن وقت سلطانه باق. # فصل: # قال القاضي: لم يذكر لها أحمد خطبة، ولا رأيته لأحد من أصحابنا، وذلك لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرنا بالصلاة دون الخطبة. # فصل: # إذا اجتمع الكسوف والجنازة بدئ بالجنازة؛ لأنه يخاف عليها وإن اجتمع مع ~~المكتوبة في آخر وقتها بدئ بها؛ لأنها آكد. وإن كان في أول وقتها بدئ بصلاة ~~الكسوف؛ لأنه يخشى فواتها. وإن اجتمع هو والوتر وخيف فواتهما بدئ بالكسوف ~~لأنه آكد. # فصل: # ولا يصلى لغير الكسوف من الآيات؛ لأنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، ولا عن أحد من خلفائه. إلا أن أحمد - رضي الله عنه - قال: يصلي ~~للزلزلة الدائمة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علل الكسوف بأنه آية ~~يخوف الله بها عباده، والزلزلة أشد تخويفا، فأما الرجفة فلا تبقى مدة تتسع ~~لصلاة. ### | باب صلاة الاستسقاء # وهي سنة عند الحاجة إليها. لما روى عبد الله بن زيد قال: «خرج النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - # PageV01P346 # يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو، وحول رداءه وصلى ركعتين جهر فيهما ~~بالقراءة» . متفق عليه. وصفتها في موضعها وأحكامها صفة صلاة العيد. وهل ~~يكبر فيهما تكبير العيدين؟ # على روايتين: # إحداهما: لا يكبر لأن عبد الله بن زيد لم يذكره. # والثاني: يكبر؛ لأن ابن عباس روى «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ~~ركعتين كما يصلي في العيدين» ، حديث صحيح. وعن جعفر بن محمد عن أبيه «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر كانوا يصلون صلاة الاستسقاء ~~يكبرون فيها سبعا، وخمسا» . رواه الشافعي في " مسنده ". ولا وقت لها معين، ~~إلا أن الأولى فعلها في وقت صلاة العيد، لشبهها بها. وذكر ابن عبد البر أن ~~الخروج إليها عند زوال الشمس عند جماعة العلماء. # فصل: # وفي إذن الإمام روايتان، بناء على صلاة العيد: # إحداهما: هو شرط لها. قال أبو بكر: فإن خرجوا بغير إذن الإمام صلوا ودعوا ~~بغير خطبة. # والثانية: يصلون ويخطب بهم أحدهم، والأولى للإمام إذا أراد الاستسقاء أن ~~يعظ ms0202 الناس، ويأمرهم بتقوى الله، والخروج عن المظالم، والتوبة من المعاصي ~~وتحليل بعضهم بعضا، والصيام والصدقة، وترك التشاحن؛ لأن المعاصي سبب القحط، ~~والتقوى سبب البركات، قال الله تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا ~~لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا ~~يكسبون} [الأعراف: 96] . ويعد الناس يوما يخرجون فيه، ويأمرهم أن يخرجوا ~~على الصفة التي خرج عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال ابن عباس: ~~«خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للاستسقاء متبذلا، متواضعا متخشعا، ~~متضرعا حتى أتى المصلى، فلم يخطب كخطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء، ~~والتضرع والتكبير، وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد» . هذا حديث صحيح. ~~ويسن التنظيف وإزالة الرائحة لئلا يؤذي الناس بها، ولا يلبس زينة ولا ~~يتطيب؛ لأن هذا يوم استكانة وخضوع. # فصل: # ويخرج الشيوخ والصبيان، ومن له ذكر جميل ودين وصلاح؛ لأنه أسرع للإجابة. # PageV01P347 # ويستحب أن يستسقي الإمام بمن ظهر صلاحه؛ لأن عمر - رضي الله عنه - استسقى ~~بالعباس عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واستسقى معاوية والضحاك ~~بيزيد بن الأسود الجرشي، وروي أن معاوية أمر يزيد بن الأسود فصعد المنبر، ~~فقعد عند رجليه، فقال معاوية: اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا، اللهم ~~إنا نستشفع إليك بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد ارفع يديك إلى الله، فرفع ~~يديه ورفع الناس أيديهم، فما كان بأوشك من أن ثارت سحابة في الغرب، كأنها ~~ترس، وهب لها ريح، فسقوا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم. ولا يستحب ~~إخراج البهائم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخرجها، ولا إخراج ~~الكفار؛ لأنهم أعداء الله فلا يتوسل بهم. فإن خرجوا لم يمنعوا لأنهم يطلبون ~~رزقهم، ويفردون عن المسلمين بحيث إن أصابهم عذاب لم يصب غيرهم. # فصل: # واختلفت الرواية في الخطبة فروي: أنه لا يخطب وإنما يدعو، لقول ابن عباس: ~~«لم يخطب خطبتكم هذه» ، وروي أنه يخطب قبل الصلاة، لقول عبد الله بن زيد: ~~«فتوجه إلى القبلة يدعو، وحول رداءه ثم صلى» . # وعنه: أنه ms0203 مخير في الخطبة قبل الصلاة وبعدها؛ لأن الجميع مروي. # وعنه: يخطب بعد الصلاة؛ لأن أبا هريرة قال: «صلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ثم خطبنا» . وهذا صريح. ولأنها مشبهة بصلاة العيد، وخطبتها بعد ~~الصلاة. فإذا صعد المنبر جلس، ثم قام فخطب خطبة واحدة، يفتتحها بالتكبير ~~لأنه لم ينقل أحد من الرواة خطبتين، ويكثر فيها الاستغفار، وقراءة الآيات ~~التي فيها الأمر بالاستغفار مثل: {استغفروا ربكم إنه كان غفارا} [نوح: 10] ~~{يرسل السماء عليكم مدرارا} [نوح: 11] ، {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} ~~[هود: 3] . ويكثر الدعاء والتضرع ويدعو بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. وقد روى ابن قتيبة بإسناده عن أنس: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~خرج إلى الاستسقاء، فتقدم فصلى ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، فلما قضى صلاته ~~استقبل القوم بوجهه، وقلب رداءه ورفع يديه، وكبر تكبيرة قبل أن يستسقي، ثم ~~قال: اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا غيثا مغيثا، وحيا ربيعا، وجدا طبقا، ~~غدقا مغدقا، مونقا، هنيئا مريئا مريعا، مربعا، مرتعا، سابلا، مسبلا مجللا، ~~دائما، درورا، نافعا، غير ضار عاجلا غير رائث، اللهم تحيي به البلاد وتغيث ~~به العباد، وتجعله بلاغا للحاضر منا والباد، اللهم أنزل في أرضنا زينتها، ~~وأنزل في أرضنا سكنها، اللهم أنزل علينا من # PageV01P348 # السماء ماء طهورا، فأحي به بلدة ميتا، واسقه مما خلقت لنا أنعاما وأناسي ~~كثيرا» . فالحيا الذي يحيى به الأرض. # والجدا: المطر العام. # والطبق: الذي يطبق الأرض. # والغدق: الكثير. # والمونق: المعجب. # والمريع: ذو المراعة والخصب. # والمربع: المقيم، من قولك: ربعت بالمكان إذا أقمت فيه. # والمرتع: من قولك: رتعت الإبل إذا رعت. # والسابل: المطر. # والمسبل: الماطر. # والسكن: القوة لأن الأرض تسكن به. # وعن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا استسقى قال: «اللهم ~~اسقنا غيثا مغيثا، هنيئا، مريئا، غدقا، مجللا، طبقا، عاما، سحا، دائما، ~~اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد من ~~اللأواء والضنك والجهد ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر ~~لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، ms0204 وأنزل علينا من بركاتك، اللهم ارفع عنا ~~الجهد والجوع والعري، واكشف عنا من العذاب ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا ~~نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا» . ويستقبل القبلة في ~~أثناء الخطبة، ويحول رداءه، يجعل اليمين يسارا واليسار يمينا كما فعل النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - تفاؤلا أن يحول الله تعالى الجدب خصبا، ولا يجعل ~~أعلاه أسفله؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعله، ويدعو الله في ~~استقباله فيقول: اللهم إنك أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما ~~أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا. لأن عبد الله بن زيد روى: «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - خرج إلى المصلى يستسقي، فاستقبل القبلة ودعا، وحول رداءه ~~وجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن» . # ويرفع يديه؛ لأن أنسا قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يرفع ~~يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء، كان يرفع يديه حتى يرى بياض ~~إبطيه» . متفق عليه. فإن سقوا قبل الصلاة # PageV01P349 # صلوا وشكروا الله تعالى، وسألوه المزيد من فضله، وإن صلوا ولم يسقوا ~~عادوا في اليوم الثاني والثالث لأن الله يحب الملحين في الدعاء. # فصل: # والاستسقاء على ثلاثة أضرب: # أحدها: مثل ما وصفنا. # والثاني: أن يستسقي الإمام يوم الجمعة على المنبر كما روى أنس: «أن رجلا ~~دخل يوم الجمعة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب فاستقبل رسول الله ~~قائما ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وتقطعت السبل، فادع الله ~~يغيثنا. فرفع رسول الله يديه فقال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا» ~~، وذكر الحديث، متفق عليه. # الثالث: أن يدعو عقيب الصلوات، ويستحب أن يقف في أول المطر، ويخرج ثيابه ~~ليصيبها لما روى أنس في حديثه «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينزل عن ~~منبره حتى رأينا المطر يتحادر من لحيته» . [رواه البخاري] . # فصل: # فإن كثر المطر بحيث يضرهم، أو كثرت مياه العيون حتى خيف منها، استحب أن ~~يدعو الله تعالى حتى يخففه؛ لأن في حديث أنس قال: «فمطرنا من الجمعة إلى ~~الجمعة، ms0205 فجاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ~~تهدمت البيوت، وقطعت السبل وهلكت المواشي فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: اللهم على ظهور الجبال والآكام، وبطون الأودية ومنابت الشجر ~~فانجابت عن المدينة انجياب الثوب» . متفق عليه. وفي حديث آخر: «اللهم ~~حوالينا ولا علينا ويقول: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: ~~286] » . # PageV01P350 ### | كتاب الجنائز # يستحب الإكثار من ذكر الموت، والاستعداد له، فإذا مرض استحب عيادته، لما ~~روى البراء قال: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باتباع الجنازة، ~~وعيادة المريض» . متفق عليه. فإذا دخل عليه سأله عن حاله، ورقاه ببعض رقى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويحثه على التوبة، ويرغبه في الوصية، ويذكر ~~له ما روى ابن عمر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يوصي فيه، إلا ووصيته مكتوبة ~~عنده» # PageV01P351 # متفق عليه. # فصل: # ويستحب أن يلي المريض أرفق أهله به، وأعلمهم بسياسته، وأتقاهم لربه. وإذا ~~رآه منزولا به تعاهد بل حلقه فيقطر فيه ماء أو شرابا، ويندي شفتيه بقطنة، ~~ويلقنه قول: لا إله إلا الله مرة، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» رواه مسلم. ويكون ذلك في لطف ومداراة، ولا ~~يكرر عليه فيضجره، إلا أن يتكلم بشيء فيعيد تلقينه، لتكون آخر كلامه، لقول ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل ~~الجنة» رواه أبو داود. ويقرأ عنده سورة " يس " ليخفف عنه، لما روى معقل بن ~~يسار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «اقرؤوا يس على موتاكم» ~~رواه أبو داود. ويوجهه إلى القبلة، كتوجيهه إلى الصلاة؛ لأن حذيفة - رضي ~~الله عنه - قال: وجهوني، ولأن خير المجالس ما استقبل القبلة. # فصل: # فإذا مات أغمض عينيه، لما روى شداد بن أوس قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر، فإن البصر يتبع الروح» من ms0206 " ~~المسند ". ولأنه إذا لم تغمض عيناه بقيتا مفتوحتين فيقبح منظره، ويشد لحيته ~~بعصابة عريضة، يجمع لحييه ثم يشدها على رأسه، لئلا ينفتح فوه فيقبح منظره ~~ويدخل فيه ماء الغسل. ويقول الذي يغمضه: بسم الله وعلى ملة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ويلين مفاصله؛ لأنه أسهل في الغسل، ولئلا تبقى جافة فلا ~~يمكن تكفينه، ويخلع ثيابه لئلا يحمي جسمه فيسرع إليه التغير والفساد، ويجعل ~~على سرير أو لوح حتى لا تصيبه نداوة الأرض فتغيره، ويترك على بطنه حديدة ~~لئلا ينتفخ بطنه، وإن لم يكن فطين مبلول. ويسجى بثوب؛ «لأن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - سجي ببرد حبرة» ، متفق عليه. ويسارع في تجهيزه؛ لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «إني لأرى طلحة قد حدث فيه الموت فآذنوني به ~~وعجلوا فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني # PageV01P352 # أهله» رواه أبو داود. وإن شك في موته انتظر به حتى يتيقن موته، بانخساف ~~صدغيه، وميل أنفه وانفصال كفيه، واسترخاء رجليه، ولا بأس بالانتظار بها قدر ~~ما يجتمع لها جماعة، ما لم يخف عليه، أو يشق على الناس. ويسارع في قضاء ~~دينه، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «نفس المؤمن معلقة ~~بدينه حتى يقضى عنه» وهذا حديث حسن. فإن تعذر تعجيله استحب أن يتكفل به ~~عنه، لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بجنازة فسأل: هل عليه ~~دين؟ قالوا: نعم، ديناران فلم يصل عليه. فقال أبو قتادة: هما علي يا رسول ~~الله فصلى عليه» . رواه النسائي. وتستحب المسارعة في تفريق وصيته ليتعجل ~~ثوابها بجريانها على الموصى له. ### | باب غسل الميت # وهو فرض على الكفاية؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الذي ~~وقصته ناقة: «اغسلوه بماء وسدر» متفق عليه. وأولى الناس بغسله من أوصي إليه ~~بذلك لأن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت ~~عميس فقدمت بذلك. وأوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين ففعل، ولأنه حق للميت ~~فقدم وصيه ms0207 فيه على غيره كتفريق ثلثه. فإن لم يكن له وصي فأولاهم بغسل الرجل ~~أبوه، ثم جده، ثم ابنه وإن نزل، ثم الأقرب فالأقرب من عصباته، ثم الرجال من ~~ذوي الأرحام، ثم الأجانب لأنهم أولى الناس بالصلاة عليه. وأولاهم بغسل ~~المرأة أمها، ثم جدتها، ثم ابنتها ثم الأقرب فالأقرب، ثم الأجنبيات. # ويجوز للمرأة غسل زوجها بلا خلاف، لحديث أبي بكر. ولقول عائشة: لو ~~استقبلنا ما أمرنا ما استدبرنا ما غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إلا نساؤه. رواه أبو داود. وفي غسل الرجل امرأته روايتان: # أشهرهما: يباح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة: «لو مت ~~قبلي لغسلتك وكفنتك» رواه ابن ماجه. وغسل علي فاطمة - رضي الله عنهما -، ~~فلم ينكره منكر، فكان إجماعا، ولأنها أحد الزوجين فأبيح للآخر غسله كالزوج. # والأخرى: لا يباح؛ لأنهما فرقة أباحت أختها وأربعا سواها، فحرمت اللمس، ~~والنظر كالطلاق. وأم الولد كالزوجة في هذا؛ لأنها محل استمتاعه، فإن طلق ~~الرجل # PageV01P353 # زوجته فماتت في العدة، وكان الطلاق بائنا، فهي كالأجنبية محرمة عليه، وإن ~~كانت رجعية، وقلنا: إن الرجعية مباحة له فله غسلها وإلا فلا. # فصل: # ولا يصح غسل الكافر لمسلم؛ لأن الغسل عبادة محضة فلا تصح من كافر ~~كالصلاة، ولا يجوز للمسلم أن يغسل كافرا وإن كان قريبه، ولا يتولى دفنه، ~~إلا أن يخاف ضياعه فيواريه. قال أبو حفص العكبري: يجوز ذلك، وحكاه قولا ~~لأحمد - رضي الله عنه - لما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: «قلت ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن عمك الشيخ الضال قد مات. قال: اذهب ~~فواره» رواه أبو داود والنسائي. ولنا أنه لا يصلي عليه فلم يكن له غسله ~~كالأجنبي، والخبر يدل على مواراته وله ذلك: لأنه يتغير بتركه ويتضرر ~~ببقائه. قال أحمد - رضي الله عنه - في مسلم مات والده النصراني -: فليركب ~~دابته وليسر أمام الجنازة، وإذا أراد أن يدفن رجع، مثل قول عمر - رضي الله ~~عنه -. # ولا يجوز لرجل غسل امرأة غير من ذكرنا، ولا لامرأة غسل رجل سوى ms0208 زوجها ~~وسيدها؛ لأن أحدهما محرم على صاحبه في الحياة، فلم يجز له غسله كحال ~~الحياة. فإن مات رجل بين نساء، أو امرأة بين رجال، أو خنثى مشكل فإنه ييمم، ~~في أصح الروايتين، لما روى واثلة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «إذا ماتت المرأة مع الرجال ليس بينها وبينهم محرم تيمم كما ييمم الرجل» ~~أخرجه تمام في " فوائده ". # وعنه: في الرجل تموت أخته فلم يجد نساء، يغسلها، وعليها ثياب ويصب عليها ~~الماء صبا، والأول أولى؛ لأن الغسل من غير مس لا يحصل به التنظيف ولا إزالة ~~النجاسة، بل ربما كثرت، فكان التيمم أولى كما لو وجد ماء لا يطهر النجاسة. ~~ويجوز للمرأة غسل صبي لم يبلغ سبع سنين نص عليه؛ لأن عورته ليست عورة، ~~وتوقف عن غسل الرجل الجارية، قال الخلال: القياس التسوية بين الغلام ~~والجارية، لولا أن التابعين فرقوا بينهما، وسوى أبو الخطاب بينهما في ~~الجواز، جريا على موجب القياس. # فصل: # وينبغي أن يكون الغاسل أمينا، لما روي عن ابن عمر أنه قال: لا يغسل ~~موتاكم إلا المأمونون. ولأن غير الأمين لا يؤمن أن لا يستوفي الغسل، ويذيع ~~ما يرى من قبيح، وعليه ستر ما يرى من قبيح؛ لأنه يروى عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «من غسل ميتا ثم لم يفش عليه خرج من ذنوبه كيوم ولدته ~~أمه» رواه ابن ماجه بمعناه. وإن رأى أمارات الخير استحب إظهارها، ليترحم ~~عليه، ويرغب في مثل طريقته. وإن كان مغموصا عليه في # PageV01P354 # السنة والدين، مشهورا بذلك، فلا بأس بإظهار الشر عنه، لتحذر طريقته، ~~ويستحب ستر الميت عن العيون، ولا يحضره إلا من يعين في أمره؛ لأنه ربما كان ~~فيه عيب يستره في حياته، وربما بدت عورته فشاهدها. # فصل: # ويجرد الميت عند تغسيله، ويستر ما بين سرته وركبتيه، وروى ذلك الأثرم ~~عنه، واختاره الخرقي وأبو الخطاب؛ لأن ذلك أمكن في تغسيله، وأبلغ في ~~تطهيره، وأشبه بغسل الحي، وأصون له عن أن يتنجس بالثوب إذا خلع عنه، ولأن ~~أصحاب ms0209 النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يفعلون ذلك. بدليل أنهم قالوا: ~~لا ندري أنجرد النبي - صلى الله عليه وسلم - كما نجرد موتانا؟ رواه أبو ~~داود. والظاهر أن النبي أمرهم به وأقرهم عليه. # وروى المروذي، وعنه: أن الأفضل غسله في قميص رقيق ينزل الماء فيه، ويدخل ~~الغاسل يده في كم القميص فيمرها على بدنه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- غسل في قميصه. ولأنه أستر للميت. ويستحب أن يوضع على سرير غسله، متوجها، ~~منحدرا نحو رجليه، لينصب ماء الغسل منه، ولا يستنقع تحته فيفسده، ويستحب أن ~~يتخذ الغاسل ثلاثة آنية، إناء كبير فيه ماء، بعيدا عن الميت، وإناء وسطا، ~~وإناء يغترف به من الوسط، ويصب على الميت، فإن فسد الماء الذي في الوسط كان ~~الآخر سليما؟ ويكون بقربه مجمر فيه بخور لتخفى رائحة ما يخرج منه. # فصل: # والفرض فيه ثلاثة أشياء: النية. لأنها طهارة تعبدية، أشبهت غسل الجنابة. ~~وتعميم البدن بالغسل؛ لأنه غسل فوجب فيه ذلك، كغسل الجنابة وتطهيره من ~~النجاسة. وفي التسمية وجهان بناء على غسل الجنابة. ويسن فيه ثمانية أشياء: # أحدها: أن يبدأ فيحني الميت حنيا لا يبلغ به الجلوس، ويمر يده على بطنه ~~فيعصره عصرا دقيقا ليخرج ما في جوفه من فضلة لئلا يخرج بعد الغسل، أو بعد ~~التكفين فيفسده، ويصب عليه الماء وقت العصر صبا كثيرا، ليذهب بما يخرج، فلا ~~تظهر رائحته. # والثاني: أن يلف على يده خرقة فينجيه بها ولا يحل له مس عورته؛ لأن ~~رؤيتها محرمة فلمسها أولى، ويستحب أن لا يمس سائر بدنه إلا بخرقة، وينبغي ~~أن يتخذ الغاسل خرقتين خشنتين، ينجيه بإحداهما ثم يلقيها، ويلف الأخرى على ~~يده فيمسح بها سائر البدن، لما روي أن عليا - رضي الله عنه - غسل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وبيده خرقة يمسح بها ما تحت القميص. # PageV01P355 # الثالث: أن يبدأ بعد إنجائه فيوضئه، لما روت أم عطية أنها قالت: «لما ~~غسلنا ابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ابدأن بميامنها ومواضع ~~الوضوء منها» متفق عليه. ولأن الحي ms0210 يتوضأ إذا أراد الغسل فكذلك الميت، ولا ~~يدخل فاه ولا أنفه ماء؛ لأنه لا يمكنه إخراجه، فربما دخل بطنه ثم خرج فأفسد ~~وضوءه، لكن يلف على يده خرقة مبلولة، ويدخلها بين شفتيه فيمسح أسنانه ~~وأنفه، ويتتبع ما تحت أظافره - إن لم يكن قلمها - بعود لين كالصفصاف، ~~فيزيله ويغسله، كما يفعل الحي في وضوئه وغسله. # الرابع: أن يغسله بسدر مع الماء، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«اغسلوه بماء وسدر» وقال للنساء اللاتي غسلن ابنته: «اغسلنها ثلاثا أو خمسا ~~أو سبعا إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من ~~كافور» متفق عليه. وظاهر كلام أحمد أن السدر يجعل في جميع الغسلات لظاهر ~~الخبر، وذكره الخرقي. # وقال القاضي وأبو الخطاب: يغسل الأولى بماء وسدر، ثم يغسل الثانية بماء ~~لا سدر فيه، كيلا يسلب طهوريته، ولا يجعل فيه سدر صحيح. ولا فائدة في ترك ~~يسير لا يؤثر فإن أعوز السدر جعل مكانه ما يقوم مقامه كالخطمي والصابون ~~ونحوه مما ينقي. # الخامس: أن يضرب السدر، ثم يبدأ فيغسل برغوته رأسه ولحيته؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يبدأ بعد الوضوء بالصب على رأسه في الجنابة. # السادس: أن يبدأ بشقه الأيمن، لقوله - عليه السلام -: «ابدأن بميامنها» ~~فيغسل يده اليمنى، وصفحة عنقه، وشق صدره، وجنبه، وفخذه، وساقه، وقدمه، ثم ~~يقلبه على جنبه الأيسر ويغسل شق ظهره الأيمن وما يليه، ثم يقلبه على جنبه ~~الأيمن ويغسل شقه الأيسر كذلك. # السابع: أن يغسله وترا للخبر، فيغسله ثلاثا فإن لم ينق بثلاث زاد إلى ~~خمس، أو إلى سبع لا يزيد عليها؛ لأنه آخر ما انتهى إليه أمر النبي، ويمر في ~~كل مرة يده، ولا يوضئه إلا في المرة الأولى، إلا أن يخرج منه شيء فيعيد ~~وضوءه؛ لأنه بمنزلة الحدث من المغتسل في الجنابة، ولو غسله ثلاثا ثم خرج ~~منه شيء غسله إلى خمس، فإن خرج بعد ذلك غسله إلى سبع، فإن خرج بعد ذلك لم ~~يعد إلى الغسل، ويسد مخرج النجاسة بالقطن، فإن ms0211 لم يستمسك فبالطين الحر، ~~ويغسل موضع النجاسة، ويوضأ لأن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالغسل ~~انتهى إلى سبع. واختار أبو الخطاب أنه لا يعاد إلى الغسل لخروج الحدث؛ لأن ~~الجنب إذا أحدث بعد غسله لم يعده، ويوضأ وضوءه للصلاة. # الثامن: أن يجعل في الغسلة الأخيرة كافورا ليشده ويبرده ويطيبه؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بذلك ويستحب أن يضفر شعر المرأة ثلاثة ~~قرون، ويسدل من ورائها، لما روت أم # PageV01P356 # عطية قالت: «ضفرنا شعرها ثلاثة قرون، وألقيناه من خلفها، تعني: ابنة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -» . متفق عليه. # فصل: # وكره أحمد - رضي الله عنه - تسريح الميت؛ لأن عائشة - رضي الله عنها - ~~قالت: علام تنصون ميتكم؟ يعني: لا تسرحوا رأسه بالمشط. ولأنه يقطع شعره ~~وينتفه. والماء البارد في الغسل أفضل من الحار؛ لأن البارد يشده، والحار ~~يرخيه، إلا من حاجة إليه لوسخ يقلع به، أو شدة برد يتأذى به الغاسل ولا ~~يستعمل الأشنان، إلا لحاجة إليه للاستعانة على إزالة الوسخ. # فصل: # ويستحب تقليم أظافر الميت، وقص شاربه؛ لأن ذلك سنة في حياته، ويترك ذلك ~~معه في أكفانه؛ لأنه من أجزائه، وكل ما سقط من الميت جعل معه في أكفانه، ~~ليجمع بين أجزائه، وفي أخذ عانته، وجهان: # أحدهما: يستحب إزالتها بنورة أو حلق؛ لأن سعد بن أبي وقاص جز عانة ميت، ~~ولأنه من الفطرة، فأشبه تقليم الأظفار. # والثاني: لا يستحب؛ لأن فيه لمس العورة، وربما احتاج إلى نظرها، وذلك ~~محرم فلا يفعل لأجل مندوب. # فصل: # والسقط إذا أتى عليه أربعة أشهر غسل وصلي عليه، لما روى المغيرة بن شعبة ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «والسقط يصلى عليه» رواه أبو داود، ~~ولأنه ميت مسلم أشبه المستهل، ودليل أنه ميت: ما روى ابن مسعود عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه فيكون نطفة ~~أربعين يوما، ثم علقة مثل ذلك، ثم مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكا ~~فينفخ فيه الروح» متفق عليه. ms0212 ومن كان فيه روح ثم خرجت فهو ميت، ويستحب ~~تسميته، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «سموا أسقاطكم فإنهم أسلافكم» ~~. فإن لم يعلم أذكر هو أم أنثى سمي اسما يصلح لهما كسعادة وسلامة، ومن له ~~دون أربع أشهر لا يغسل، ولا يصلى عليه لعدم ما ذكرناه فيه. # فصل: # والشهيد إذا مات في المعركة لم يغسل رواية واحدة. وفي الصلاة عليه ~~روايتان: # PageV01P357 # إحداهما: يصلى عليه، اختارها الخلال لما روى عقبة «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف» . متفق ~~عليه. # والثانية: لا يصلى عليه، وهي أصح، لما روى جابر «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أمر بدفن شهداء أحد في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم» . ~~رواه البخاري. وحديث عقبة مخصوص بشهداء أحد، بدليل أنه صلى عليهم بعد ثمان ~~سنين، والخيرة في تكفين الشهداء إلى الولي، إن أحب زمله في ثيابه ونزع ما ~~عليه من جلد أو سلاح. لما روى ابن عباس «أن رسول - صلى الله عليه وسلم - ~~أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد، وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم» . رواه ~~أبو داود. وإن أحب نزع ثيابه وكفنه بغيرها؛ «لأن صفية أرسلت إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ثوبين ليكفن حمزة فيهما، فكفنه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في أحدهما، وكفن في الآخر رجلا آخر» . قال يعقوب بن شيبة: هو ~~صالح الإسناد، وإن حمل وبه رمق، أو أكل أو طالت حياته، غسل وصلي عليه؛ لأن ~~سعد بن معاذ غسله النبي - صلى الله عليه وسلم - فصلى عليه وكان شهيدا، وإن ~~قتل وهو جنب غسل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم أحد: «ما بال ~~حنظلة بن الراهب؟ إني رأيت الملائكة تغسله قالوا: إنه سمع الهائعة، فخرج ~~ولم يغتسل» . رواه الطيالسي. وإن سقط من دابته، أو تردى من شاهق، أو وجد ~~ميتا لا أثر به، غسل وصلي عليه؛ لأنه ليس بقتيل الكفار، والذي لا أثر به ~~يحتمل أنه مات حتف أنفه، فلا ms0213 يسقط الغسل الواجب بالشك. # ومن عاد عليه سلاحه فقتله فهو كقتيل الكفار؛ لأن عامر بن الأكوع عاد عليه ~~سيفه فقتله فلم يفرد عن الشهداء بحكم. # وقال القاضي: يغسل ويصلى عليه؛ لأنه ليس بقتيل الكفار، ومن قتل من أهل ~~العدل في المعترك فحكمه حكم قتيل المشركين. # وأما أهل البغي فقال الخرقي، يغسلون ويصلى عليهم؛ لأنهم ليس لهم حكم ~~الشهداء. # وأما المقتول ظلما كقتيل اللصوص، والمقتول دون ماله ففيه روايتان: # إحداهما: يغسل ويصلى عليه؛ لأن ابن الزبير غسل وصلي عليه؛ لأنه ليس بشهيد ~~المعترك أشبه المبطون. # PageV01P358 # والثانية: لا يغسل؛ لأنه قتيل شهيد أشبه شهيد المعترك. # فصل: # ومن تعذر غسله لعدم الماء أو خيف تقطعه به، كالمجزوم والمحترق، يمم لأنها ~~طهارة على البدن، فيدخلها التيمم عند العجز عن استعمال الماء كالجنابة، وإن ~~تعذر غسل بعضه يمم، لما لم يصبه الماء، وإن أمكن صب الماء عليه، وخيف من ~~عركه، صب عليه الماء صبا ولا يعرك. # ومن مات في بئر ذات نفس أخرج، فإن لم يمكن إلا بمثله، وكانت البئر يحتاج ~~إليها أخرج أيضا؛ لأن رعاية حقوق الأحياء أولى من حفظه عن المثلة، وإن لم ~~يحتج إليها طمت عليه فكانت قبره. # فصل: # ويستحب لمن غسل ميتا أن يغتسل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«من غسل ميتا فليغتسل» رواه الطيالسي وأبو داود. ولا يجب ذلك لأن الميت ~~طاهر، والخبر محمول على الاستحباب والصحيح فيه أنه موقوف على أبي هريرة، ~~وكذلك قال أحمد: فإذا فرغ من غسله نشفه بثوبه، كيلا يبل أكفانه. ### | باب الكفن # يجب كفن الميت في ماله، مقدما على الدين والوصية. والإرث، لقول رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - في الذي وقصته ناقته: «كفنوه في ثوبيه» متفق عليه. ~~ولأن كسوة المفلس الحي تقدم على دينه، فكذلك كفنه فإن لم يكن له مال فعلى ~~من تلزمه كسوته في حياته، فإن لم يكن ففي بيت المال، وليس على الرجل كفن ~~زوجته؛ لأنها صارت أجنبية لا يحل الاستمتاع منها، فلم يجب عليه كسوتها. # فصل: # وأقل ما ms0214 يجزئ في الكفن ثوب يستر جميعه. # وقال القاضي: لا يجزئ أقل من ثلاثة؛ لأنه لو أجزأ واحد لم يجز أكثر منه؛ ~~لأنه يكون إسرافا ولا يصح؛ لأن العورة المغلظة يسترها ثوب واحد، فالميت ~~أولى، وما ذكره لا يلزم، فإنه يجوز التكفين بالحسن وإن أجزأ دونه. ويستحب ~~تحسين الكفن لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا ولي أحدكم أخاه ~~فليحسن كفنه» رواه مسلم. ويكون جديدا أو غسيلا إلا أن يوصي الميت بتكفينه ~~في خلق فتمتثل وصيته؛ لأن أبا بكر - رضي الله عنه - # PageV01P359 # قال: كفنوني في ثوبي هذين، فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت، والأفضل ~~تكفينه في ثلاث لفائف بيض، لقول عائشة - رضي الله عنها -: «كفن رسول الله ~~صلى الله عليه وسيلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة» . ~~متفق عليه. ولأن حالة الإحرام أكمل أحوال الحي، وهو لا يلبس المخيط فيها، ~~فكذلك حال موته. # والمستحب أن يؤخذ أحسن اللفائف وأوسعها، فيبسط على بساط ليكون الظاهر ~~للناس أحسنها؛ لأن هذه عادة الحي، ثم تبسط الثانية فوقها، ثم الثالثة ~~فوقهما، ويذر الحنوط والكافور فيما بينهن، ثم يحمل الميت فيوضع عليهن ~~مستلقيا، ليكون أمكن لإدراجه فيها، ويجعل ما عند رأسه أكثر مما عند رجليه، ~~ويجعل بقية الحنوط والكافور في قطن، ويجعل من بين أليتيه برفق، ويكثر ذلك ~~ليرد شيئا إن خرج حين تحريكه، ويشد فوقه خرقة مشقوقة الطرف، كالتبان تأخذ ~~أليتيه ومثانته، ويجعل الباقي على منافذ وجهه ومواضع سجوده، ويجعل الطيب ~~والذريرة في مغابنه ومواضع سجوده، تشريفا لهذه الأعضاء التي خصت بالسجود، ~~ويطيب رأسه ولحيته؛ لأن الحي يتطيب هكذا. وإن طيب جميع بدنه كان حسنا، ولا ~~يترك على أعلى اللفافة العليا ولا النعش شيء من الحنوط؛ لأن الصديق - رضي ~~الله عنه - قال: لا تجعلوا على أكفاني حنوطا. ثم يثني طرف اللفافة العليا ~~على شقه الأيمن، ثم يرد طرفها الآخر على شقه الأيسر فوق الطرف الآخر ليمسكه ~~إذا أقامه على شقه الأيمن، ثم يفعل بالثانية والثالثة كذلك، ثم يجمع ذلك ms0215 ~~جمع طرف العمامة فيرده على وجهه ورجليه، إلا أن يخاف انتشارها فيعقدها، ~~وإذا وضع في القبر حلها. ولا يخرق الكفن؛ لأن تخريقه يفسده. ولا يجب الطيب؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر به، ولأنه لا يجب على الحي، ~~فكذلك على الميت. ولا يزاد الكفن على ثلاثة أثواب لأنه إسراف لم يرد الشرع ~~به. # فصل: # وإن كفن في قميص ومئزر ولفافة جاز؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ألبس عبد الله بن أبي قميصه كفنه فيه» متفق على معناه. ويجعل المئزر مما ~~يلي جلده، ولا يزر عليه القميص، فإن تشاح الورثة في الكفن، جعل ثلاث لفائف ~~على حسب ما كان يلبس في حياته، وإن قال أحدهم: يكفن من ماله، وقال الآخر: ~~من مال السبيل، كفن من ماله لئلا يتعير بذلك. ويستحب تجمير الكفن ثلاثا؛ ~~لأن جابرا روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا جمرتم الميت ~~فجمروه ثلاثا» . # فصل: # وتكفن المرأة في خمسة أثواب، مئزر تؤزر به، وقميص تلبسه بعده، ثم تخمر # PageV01P360 # بمقنعة، ثم تلف بلفافتين، لما روى أبو داود عن ليلى بنت قانف الثقفية ~~قالت: «كنت فيمن غسل أم كلثوم ابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ~~وفاتها، فكان أول ما أعطانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحقي، ثم ~~الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر» . ولأن ~~المرأة تزيد في حياتها على الرجل في الستر لزيادة عورتها على عورته، فكذلك ~~في موتها، وتلبس المخيط في إحرامها فتلبسه في مماتها. # فصل: # فإن لم يجد إلا ثوبا لا يستر جميعه، غطي رأسه، وترك على رجليه حشيش، لما ~~روى خباب «أن مصعب بن عمير، قتل يوم أحد ولم يكن له إلا نمرة، إذا غطي ~~رأسه، بدت رجلاه، وإذا غطي رجلاه بدا رأسه، فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجليه الإذخر» متفق عليه. فإن كان أضيق ~~من ذلك ستر به عورته، وغطي سائره بحشيش أو ورق، فإن كثر الموتى ms0216 وقلت ~~الأكفان كفن الاثنان والثلاثة في الكفن الواحد، لما روى أنس قال: «كثرت ~~القتلى وقلت الأكفان يوم أحد، فكفن الرجل والرجلان والثلاثة في الثوب ~~الواحد، ثم يدفنوا في قبر واحد» . وهو حديث حسن. # فصل: # فإن خرج منه شيء يسير وهو في أكفانه، لم يعد إلى الغسل وحمل؛ لأن في ~~إعادته مشقة، ولا يؤمن مثله ثانيا وثالثا. وإن ظهر منه كثير فالظاهر عنه ~~أنه يحمل أيضا لمشقة إعادته. # وعنه: أنه يعاد غسله، ويطهر كفنه؛ لأنه يؤمن مثله في الثاني للتحفظ ~~بالتلجم والشد. # فصل: # وإذا مات المحرم، لم يقرب طيبا، ولا يخمر رأسه؛ لأن حكم إحرامه باق فيجنب ~~ما يتجنبه المحرمون، لما روى ابن عباس قال: «بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع ~~عن راحلته فمات فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اغسلوه بماء وسدر، ~~وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ~~ملبيا» متفق عليه. # وعنه: لا يغطى وجهه ولا رجلاه، والظاهر عنه، جواز تغطيتهما؛ لأنه لم ~~يذكرهما في حديث ابن عباس، ولأن الحي لا يمنع من تغطيتهما، فالميت أولى، ~~ولا يلبس قميصا إن كان رجلا؛ لأنه ممنوع من لبس المخيط، وإن كان امرأة جاز ~~ذلك؛ لأنها لا # PageV01P361 # تمنع من لبس المخيط، وجاز تخمير رأسها لأنها لا تمنع ذلك في حياتها. وإن ~~ماتت معتدة بطل حكم عدتها، وفعل بها ما يفعل بغيرها؛ لأن اجتناب الطيب في ~~الحياة إنما كان لئلا يدعو إلى نكاحها، وقد أمن ذلك بموتها. ### | باب الصلاة على الميت # وهي فرض على الكفاية؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «صلوا على ~~من قال لا إله إلا الله» ويكفي واحد لأنها صلاة ليس من شرطها الجماعة، فلم ~~يشترط لها العدد كالظهر، ويجوز في المسجد لأن عائشة قالت: «ما صلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد» . رواه ~~مسلم. وصلي على أبي بكر وعمر في المسجد. وتجوز في المقبرة؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - صلى على قبر في المقبرة، ms0217 ويجوز فعلها فرادى؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - صلى عليه فرادى، والسنة فعلها في جماعة؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يصليها بأصحابه، ويستحب أن يصف ثلاثة صفوف لما ~~روى مالك بن هبيرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من مسلم يموت ~~فيصلى عليه ثلاث صفوف من المسلمين إلا أوجب» وهذا حديث حسن. وإن اجتمع نساء ~~فصلين عليه جماعة، أو فرادى فلا بأس؛ لأن عائشة - رضي الله عنها - صلت على ~~سعد بن أبي وقاص. # فصل: # وأولى الناس بالصلاة عليه من أوصى إليه بذلك، لإجماع الصحابة على الوصية ~~بها فإن أبا بكر أوصى أن يصلي عليه عمر، وعمر أوصى أن يصلي عليه صهيب، وابن ~~مسعود أوصى بذلك الزبير، وأبو بكرة أوصى به أبا برزة، وأم سلمة أوصت به ~~سعيد بن زيد، وعائشة أوصت إلى أبي هريرة، وأوصى أبو سريحة إلى زيد بن أرقم، ~~فجاء عمرو بن حريث وهو أمير الكوفة ليتقدم، فقال ابنه: أيها الأمير إن أبي ~~أوصى أن يصلي عليه زيد بن أرقم فقدم زيدا. ولأنها حق للميت، فقدم وصيه بها ~~كتفريق ثلثه. ثم الأمير، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن ~~الرجل الرجل في سلطانه» # وقال أبو حازم: شهدت حسينا - عليه السلام - حين مات الحسن وهو يدفع في ~~قفا # PageV01P362 # سعيد بن العاص ويقول: تقدم، لولا السنة ما قدمتك. وسعيد أمير المدينة؛ ~~لأنها إمامة في صلاة فأشبه سائر الصلوات. ثم الأب وإن علا ثم الابن وإن ~~سفل، ثم أقرب العصبة، ثم الرجال من ذوي أرحامه، ثم الأجانب. وفي تقديم ~~الزوج على العصبة روايتان: # أشهرهما: تقديم العصبة؛ لأن عمر - رضي الله عنه - قال لقرابة امرأته: ~~أنتم أحق بها، ولأن النكاح يزول بالموت والقرابة باقية. # والثانية: الزوج أحق بها؛ لأن أبا بكرة صلى على امرأته دون إخوتها، ولأنه ~~أحق منهم بغسلها فإن استووا فأولاهم أولاهم بالإمامة في المكتوبات، للخبر ~~فيه، والحر أولى من العبد القريب، لعدم ولايته، فإن استووا وتشاحوا أقرع ~~بينهم. # فصل: # ومن شرطها الطهارة والاستقبال ms0218 والنية؛ لأنها من الصلوات فأشبهت سائرهن، ~~والسنة أن يقوم الإمام حذاء رأس الرجل ووسط المرأة، لما روي «أن أنسا صلى ~~على رجل، فقام عند رأسه، ثم صلى على امرأة فقام حيال وسط السرير، فقال له ~~العلاء بن زياد: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام على ~~المرأة مقامك منها، ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم» . وهذا حديث حسن. # ويجوز أن يصلي على جماعة دفعة واحدة، ويقدم إلى الإمام أفضلهم، ويسوى بين ~~رؤوسهم، فإن اجتمع رجال وصبيان وخناثى ونساء. قدم الرجال وإن كانوا عبيدا، ~~ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء، لما روى عمار مولى الحارث بن نوفل قال: ~~«شهدت جنازة صبي وامرأة فقدم الصبي مما يلي القوم، ووضعت المرأة وراءه فصلي ~~عليهما، وفي القوم أبو سعيد الخدري وابن عباس وأبو قتادة وأبو هريرة، ~~فسألتهم، فقالوا: السنة.» رواه أبو داود. ولأنهم هكذا يصفون في صلاتهم، ~~وقال الخرقي: يقدم النساء على الصبيان لحاجتهن إلى الشفاعة، ويسوى بين ~~رؤوسهم؛ لأن ابن عمر كان يسوي بين رؤوسهم، وعن أحمد ما يدل أنه يجعل صدر ~~الرجل حذاء وسط المرأة، واختاره أبو الخطاب ليقف كل واحد منهما موقفه. # فصل: # وأركان صلاة الجنازة ستة: # أحدها: القيام: لأنها صلاة مكتوبة فوجب القيام فيها كالظهر. # PageV01P363 # الثاني: أربع تكبيرات؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر على ~~النجاشي أربعا» . متفق عليه. # الثالث: أن يقرأ في التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب، لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن» «وصلى ابن عباس على ~~جنازة فقرأ بأم القرآن، وقال: إنه من السنة، أو من تمام السنة» ، حديث ~~صحيح، رواه البخاري. ولأنها صلاة يجب فيها القيام فوجبت فيها القراءة ~~كالظهر. # والرابع: أن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - في الثانية، لما روى ~~أبو أمامة بن سهل عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن «السنة ~~في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة ~~الأولى، ويقرأ في نفسه، ثم يصلي على ms0219 النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويخلص ~~الدعاء للجنازة ولا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم سرا في نفسه» . رواه الشافعي ~~في " مسنده ". وليس في الصلاة عليه شيء مؤقت، وإن صلى كما يصلى عليه في ~~التشهد فحسن. # الخامس: أن يدعو للميت في الثالثة لذلك، ولقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء» رواه أبو داود. ولأنه ~~المقصود فلا يجوز الإخلال به، وما دعا به أجزأه. # السادس: التسليم لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تحليلها التسليم» . # فصل: # وسننها سبع: # أولها: رفع اليدين مع كل تكبيرة؛ لأن عمر كان يرفع يديه في تكبير الجنازة ~~والعيد، ولأنها تكبيرة لا يتصل طرفها بسجود ولا قعود، فسن فيها الرفع ~~كتكبيرة الإحرام. # والثاني: الاستعاذة قبل القراءة، لقول الله تعالى: {فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [النحل: 98] . الثالث: الإسرار بالقراءة؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسر بها. # الرابع: أن يدعو لنفسه ولوالديه وللمسلمين بدعاء النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. وهو ما روى أبو إبراهيم الأشهلي عن أبيه قال: «كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا صلى على الجنازة قال: اللهم # PageV01P364 # اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا» ~~حديث صحيح. # وعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه. وزاد: «اللهم من ~~أحييته منا فأحييه على الإسلام ومن توفيته فتوفه على الإيمان، اللهم لا ~~تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده» وفي آخر: «اللهم أنت ربها وأنت خلقتها وأنت ~~هديتها للإسلام وأنت قبضتها وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئناك شفعاء فاغفر ~~له» رواه أبو داود. وعن عوف بن مالك قال: «صلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- على جنازة فحفظت من دعائه: الله اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم ~~نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت ~~الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله ~~وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار حتى ~~تمنيت أن ms0220 أكون أنا ذلك الميت» . رواه مسلم. وإن كان طفلا جعل مكان ~~الاستغفار له: «اللهم اجعله لوالديه ذخرا وفرطا وسلفا وأجرا، اللهم ثقل به ~~موازينهما، وأعظم به أجورهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة ~~إبراهيم، وقه برحمتك عذاب الجحيم» وإن لم يعلم شرا من العبد قال: «اللهم لا ~~نعلم إلا خيرا» # الخامس: أن يقف بعد الرابعة قليلا، وهل يسن فيها ذكر على روايتين. # السادس: أن يضع يمينه على شماله، لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- صلى على جنازة فوضع يمينه على شماله» . # السابع: الالتفات على يمينه في التسليمة. # فصل: # ولا يسن الاستفتاح؛ لأن مبناها على التخفيف، ولا قراءة شيء بعد الفاتحة ~~لذلك. # وعنه: يسن الاستفتاح ولا يسن تسليمه ثانية؛ لأن عطاء بن السائب روى «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم على الجنازة تسليمة واحدة» . رواه ~~الجوزجاني ولأنه إجماع. قال أحمد: التسليم على الجنازة تسليمة واحدة عن ستة ~~من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس فيه اختلاف إلا عن إبراهيم. ~~ولا تسن الزيادة على أربع تكبيرات؛ لأنها المشهورة عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. وجمع عمر الناس على أربع تكبيرات، وقال: هو أطول الصلاة. فإن ~~كبر خمسا جاز وتبعه المأموم؛ لأن «زيد بن أرقم كبر على جنازة خمسا وقال: ~~كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكبرها» . رواه مسلم. # PageV01P365 # وعنه لا يتابع فيها، اختاره ابن عقيل لأنها زيادة غير مسنونة. وإن كبر ~~ستا أو سبعا ففيه روايتان: # إحداهما: يجوز ويتابعه المأموم فيها؛ لأنه يروى عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه كبر سبعا وكبر على أبو قتادة سبعا. # والثانية: لا يجوز، ولا يتبعه المأموم فيها؛ لأن المشهور عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وأصحابه خلافها، لكن لا يسلم قبله وينتظره حتى يسلم معه؛ ~~لأنها زيادة قول مختلف فيه؛ لأنه لا يجز له مفارقة إمامه إذا اشتغل به، ~~كالقنوت في الصبح، وإن زاد على سبع لم يتابعه، ولم يسلم قبله قال أحمد: ~~وينبغي أن يسبح به. # فصل: # وإن كبر ms0221 على جنازة فجيء بأخرى كبر الثانية عليهما، ثم إن جيء بثالثة كبر ~~الثالثة عليهن، ثم إن جيء برابعة كبر الرابعة عليهن، ثم يتمم سبع تكبيرات ~~ليحصل للرابعة أربع تكبيرات، فإن جيء بأخرى لم يكبر عليها لئلا يفضي إلى ~~زيادة التكبير على سبع، أو نقصان الخامسة من أربع، وكلاهما غير جائز. وإن ~~أراد أهل الأولى رفعها قبل سلام الإمام لم يجز؛ لأن السلام ركن لم يأت به. ~~ويقرأ في التكبيرة الرابعة الفاتحة. وفي الخامسة يصلي على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، ويدعو لهم في السادسة لتكمل الأركان لجميع الجنائز. # فصل: # ومن سبق ببعض الصلاة فأدرك الإمام بين تكبيرتين دخل معه، كما يدخل في ~~سائر الصلوات. # وعنه: أنه ينتظر تكبير الإمام فيكبر معه؛ لأن كل تكبيرة كركعة فلا يشتغل ~~بقضائها فإذا سلم الإمام قضى ما فاته، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«وما فاتكم فاقضوا» . قال الخرقي: يقضيه متتابعا. فإن سلم ولم يقضه فلا ~~بأس؛ لأن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: لا يقضي، ولأنها تكبيرات متوالية ~~حال القيام فلم يجب قضاء ما فات منها، كتكبيرات العيد. # وقال القاضي وأبو الخطاب: يقضيه على صفته، إلا أن ترفع الجنازة فيقضيه ~~متواليا لعدم من يدعى له، فإن سلم ولم يقضه فحكى أبو الخطاب عنه رواية أنها ~~لا تصح قياسا على سائر الصلوات. # فصل: # وإذا صلي عليه بودر إلى دفنه ولم ينتظر حضور أحد إلا الولي، فإنه ينتظر ~~ما لم # PageV01P366 # يخش عليه التغيير فإن حضر من لم يصل عليه صلى عليه جماعة وفرادى. قال ~~أحمد - رضي الله عنه -: ولا بأس بذلك، قد فعله عدة من أصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ومن صلى مرة لم يستحب له إعادتها؛ لأنها نافلة، وصلاة ~~الجنازة لا يتنفل بها، ومن فاتته الصلاة عليه حتى دفن صلى على قبره، لما ~~روى ابن عباس «أنه مر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - على قبر منبوذ فأمهم ~~وصلوا خلفه» . متفق عليه. ولا يصلى على القبر بعد شهر إلا بقليل؛ لأن أكثر ~~ما ms0222 نقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه صلى على أم سعد بن عبادة ~~بعدما دفنت بشهر» . رواه الترمذي. ولأنه لا يعلم بقاؤه أكثر من شهر فتقيد ~~به. # فصل: # وتجوز الصلاة على الغائب. # وعنه: لا تجوز؛ لأن حضوره شرط، بدليل ما لو كانا في بلد واحد، والأول ~~المذهب، لما روى أبو هريرة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نعى النجاشي ~~اليوم الذي مات فيه، فصف بهم في المصلى وكبر بهم أربعا» . متفق عليه. فإن ~~كان الميت من أحد جانبي البلد لم يصل عليه في الجانب الآخر؛ لأنه يمكن ~~حضوره، فأشبه ما لو كانا من جانب واحد، وقال ابن حامد: يجوز قياسا على ~~البعيد، وتتوقت الصلاة على الغائب بشهر؛ لأنه لا يعلم بقاؤه أكثر منه، أشبه ~~من في القبر. # فصل: # ويصلى على كل مسلم لما تقدم، إلا شهيد المعترك، وإن لم يوجد إلا بعض ~~الميت غسل وصلي عليه. # وعنه: لا يصلى عليه كما لا يصلى على يد الحي إذا قطعت، والمذهب الأول؛ ~~لأن عمر - رضي الله عنه - صلى على عظام بالشام، وصلى أبو عبيدة على رؤوس. ~~ولا يصلي الإمام على الغال ولا قاتل نفسه، لما روى جابر بن سمرة قال: «أتي ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه» . رواه ~~مسلم. وعن زيد بن خالد قال: «توفي رجل من جهينة يوم خيبر، فذكر لرسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال: صلوا على صاحبكم، إن صاحبكم غل من الغنيمة» ~~احتج به أحمد. ويصلى على سائر الناس، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«صلوا على صاحبكم» . # قال الخلال: الإمام ههنا أمير المؤمنين وحده، وعن أحمد - رضي الله عنه - ~~أن إمام كل قرية واليهم. وأنكر هذا الخلال وخطأ ناقله. # PageV01P367 # فصل: # ولا تجوز الصلاة على كافر، لقول الله تعالى: {ولا تصل على أحد منهم مات ~~أبدا ولا تقم على قبره} [التوبة: 84] ، وقال الله تعالى: {ما كان للنبي ~~والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} [التوبة: 113] . ~~ومن حكمنا بكفره من ms0223 أهل البدع لم يصل عليه، قال أحمد: لا أشهد الجهمي ولا ~~الرافضي، ويشهدهما من أحب. ### | باب حمل الجنازة والدفن # وهما فرض على الكفاية؛ لأن في تركها هتكا لحرمتها، وأذى للناس بها، وأولى ~~الناس بذلك أولاهم بغسله، وأولى الناس بإدخال المرأة قبرها محارمها الأقرب ~~فالأقرب. وفي تقديم الزوج عليهم وجهان. بناء على ما مر في الصلاة، فإن لم ~~يكن فالمشايخ من أهل الدين. # وعنه: النساء بعد المحارم، اختاره الخرقي، والأول أولى؛ «لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أمر أبا طلحة فنزل على قبر ابنته دون النساء» . رواه ~~البخاري. «ورأى النبي - صلى الله عليه وسلم - نساء في جنازة فقال: أتدلين ~~فيمن يدلي؟ قلن: لا، قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات» أخرجه ابن ماجه. ~~ولأن الدفن يحتاج إلى قوة وبطش، ويحضره الرجال فتولي المرأة له، تعريض لها ~~للهتك. # والتربيع في حمل الجنازة مسنون، لما روي عن ابن مسعود أنه قال: إذا اتبع ~~أحدكم جنازة فليأخذ بجوانب السرير الأربع، ثم ليتطوع بعد أو ليذر، فإنه من ~~السنة. رواه سعيد بن منصور. وصفته أنه يبدأ فيضع قائمة السرير اليسرى على ~~كتفه اليمنى من عند رأس الميت، ثم من عند رجليه، ثم يضع قائمة السرير ~~اليمنى على كتفه اليسرى من كتفه اليمنى من عند رأسه، ثم من عند رجليه. # وعنه: أن يدور فيأخذ بعد ياسرة المؤخرة، يامنة المؤخرة، ثم المقدمة وإن ~~حمل بين العمودين فحسن. روي عن سعد بن مالك وأبي هريرة وابن عمر وابن ~~الزبير أنهم حملوا بين عمودي السرير. والسنة الإسراع في المشي بها، لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أسرعوا بالجنازة، فإن تكن صالحة فخير ~~تقدمونها إليه، وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» متفق عليه. ولا يفرط ~~بالإسراع فيمخضها ويؤذي متبعها. # PageV01P368 # فصل: # واتباع الجنازة سنة، وهو على ثلاثة أضرب: # أحدها: أن يصلي وينصرف. # والثاني: أن يتبعها إلى القبر ثم يقف حتى تدفن، لما روى أبو هريرة أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من شهد جنازة حتى يصلي عليها فله ~~قيراط، ms0224 ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل ~~الجبلين العظيمين» متفق عليه. # الثالث: أن يقف بعد الدفن يستغفر له، ويسأل الله له التثبيت. كما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «كان إذا دفن ميتا وقف وقال: استغفروا له ~~واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل» [رواه أبو داود] . والمشي أمامها ~~أفضل، لما روى ابن عمر قال: «رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر ~~وعمر - رضي الله عنهما - يمشون أمام الجنازة.» رواه أبو داود. ولأنهم شفعاء ~~لها، والشافع يتقدم المشفوع. وحيث مشى قريبا منها فحسن. وإن كان راكبا ~~فالسنة أن يكون خلفها، لما روى المغيرة بن شعبة عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها» حديث صحيح. ~~ويكره الركوب لمشيعها إلا من حاجة؛ لأنه يروى أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ما ركب في جنازة ولا عيد، ولا بأس بالركوب في الانصراف لما روى جابر ~~بن سمرة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اتبع جنازة ابن الدحداح ماشيا، ~~ورجع على فرس» حديث حسن، رواه الترمذي ورواه مسلم. # فصل: # وإذا سبقها فجلس لم يقم عند مجيئها، وإن مرت به جنازة لم يستحب له ~~القيام. # وعنه: يستحب لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا رأى أحدكم الجنازة ~~فليقم حين يراها حتى تخلفه» رواه مسلم. والأول أولى، لقول علي - رضي الله ~~عنه -: «قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قعد» ، ورواه مسلم. وهذا ~~ناسخ للأول، فأما من مع الجنازة فيكره أن يجلس حتى توضع عن الأعناق، لما ~~روى أبو سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من تبع جنازة ~~فلا يجلس # PageV01P369 # حتى توضع» رواه البخاري ومسلم. وفي لفظ: «حتى توضع في الأرض» رواه أبو ~~داود. # ويكره اتباع النساء الجنائز لما روت أم عطية قالت: «نهينا عن اتباع ~~الجنائز» . متفق عليه. ويكره أن تتبع بنار أو صوت، لما روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تتبع الجنازة ms0225 بصوت ولا نار» رواه أبو داود. # فصل: # ويجوز الدفن في البيت؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر ~~دفنوا في بيت. والدفن في الصحراء أفضل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يدفن أصحابه بالبقيع وإنما دفن في البيت كراهة أن يتخذ قبره مسجدا ~~ولولا ذلك لأبرز قبره، كذلك قالت عائشة - رضي الله عنها -. متفق عليه. ~~ويدفن الشهيد في مصرعه؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بشهداء أحد ~~أن يردوا إلى مصارعهم» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال: ~~صحيح وكان بعضهم قد حمل إلى المدينة. # وحمل الميت إلى غير بلده لغير حاجة مكروه؛ لأنه أذى للأحياء والميت لغير ~~فائدة. # وإن تنازع وارثان في الدفن في مقبرة المسلمين أو البيت دفن في المقبرة ~~لأن له في البيت حقا فلا يجوز إسقاطه، ويستحب الدفن في المقبرة التي فيها ~~الصالحون لينتفع بمجاورتهم. وجمع الأقارب في الدفن حسن، لتسهل زيارتهم ~~والترحم عليهم، وقد روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك عند رأس ~~عثمان بن مظعون صخرة وقال: أعلم قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي» رواه ~~أبو داود. # وإن تشاح اثنان في مقبرة مسبلة قدم السابق، لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به» . وإن استويا في السبق ~~أقرع بينهما. ولا يدفن ميت في موضع فيه ميت حتى يبلى الأول، ويرجع فيه إلى ~~أهل الخبرة بتلك الأرض. # فصل: # ويستحب تعميق القبر وتوسيعه وتحسينه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «احفروا وأوسعوا # PageV01P370 # وأعمقوا» رواه أبو داود، قال أحمد يعمق إلى الصدر؛ لأن الحسن وابن سيرين ~~كانا يستحبان ذلك، ولأن في تعميقه أكثر من ذلك مشقة، وقال أبو الخطاب: يعمق ~~قدر قامة وبسطة والسنة أن يلحد له، لقول سعد بن مالك: «ألحدوا لي لحدا، ~~وانصبوا علي اللبن نصبا، كما صنع برسول الله - صلى الله عليه وسلم -» . ~~رواه مسلم. # قال أحمد - رضي الله عنه -: ولا أحب الشق، لقول النبي - صلى الله ms0226 عليه ~~وسلم -: «اللحد لنا والشق لغيرنا» رواه أبو داود. ومعنى الشق أنه إذا وصل ~~إلى الأرض شق في وسطه شقا نازلا، فإن كانت الأرض رخوة لا يثبت فيها اللحد ~~شق فيها للحاجة. # فصل: # ولا يدفن في القبر اثنان؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدفن كل ~~ميت في قبره، فإن دعت الحاجة إليه جاز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«لما كثر القتلى يوم أحد، كان يجمع بين الرجلين في القبر الواحد، ويسأل ~~أيهم أكثر أخذا للقرآن؟ فيقدمه في اللحد» . حديث صحيح. ويقدم أفضلهم إلى ~~القبلة للخبر، ويجعل بين كل اثنين حاجزا من تراب، ليصير كل واحد منفردا ~~كأنه في قبر منفرد، وإن دفن رجل وصبي وامرأة في قبر واحد جعل الرجل في ~~القبلة، والصبي خلفه، والمرأة خلفهما، وقال الخرقي: تقدم المرأة على الصبي، ~~وقال أحمد: وإن حفروا شبه النهر رأس هذا عند رجل هذا جاز، ويجعل بينهما ~~حاجز لا يلصق أحدهما بصاحبه، فإن مات له أقارب بدأ بمن يخاف تغيره، فإن ~~استووا بدأ بأقربهم إليه على ترتيب النفقات، فإن استووا قدم أسنهم وأفضلهم. # فصل: # ولا توقيت في عدد من يدخل القبر، إنما هو بحسب الحاجة إليه، نص عليه. # ويسل الميت من قبل رأسه، وهو أن يجعل رأسه عند رجلي القبر، ثم يسل سلا؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سل من قبل رأسه، وإن كان الأسهل غير ذلك ~~فعل الأسهل ويقول الذي يدخله، بسم الله، وعلى ملة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، لما روى ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقوله ~~إذا أدخل الميت القبر من " المسند "، ويضعه في اللحد على جانبه الأيمن، ~~مستقبل القبلة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا نام أحدكم فليتوسد ~~يمينه» ويتوسد رأسه بلبنة أو نحوها كالحي إذا نام ويجعل خلفه تراب يسنده ~~لئلا يستلقي على قفاه، وإن وطأ تحته بقطيفة فلا بأس؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ترك تحته قطيفة كان يفترشها، وينصب عليه اللبن نصبا لحديث ms0227 سعد، ~~وإن جعل عليه: طن قصب جاز، لما روى عمرو بن شرحبيل أنه قال: إني رأيت ~~المهاجرين يستحبون ذلك. # PageV01P371 # ويكره الدفن في التابوت، وأن يدخل القبر آجرا أو خشبا أو شيئا مسته ~~النار؛ لأن إبراهيم قال: كانوا يستحبون اللبن ويكرهون الخشب والآجر، ولأنه ~~آلة بناء المترفين، وسائر ما مسته النار يكره للتفاؤل بها. # فصل: # ولا يخمر قبر الرجل، لما روي عن علي - رضي الله عنه -، أنه مر بقوم وقد ~~دفنوا ميتا وبسطوا على قبره الثوب، فجذبه وقال: إنما يصنع هذا بالنساء، ~~ويستحب ذلك للنساء للخبر ولئلا ينكشف منها شيء فيراه الحاضرون. # فصل: # ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر، لما روى الساجي أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - رفع قبره عن الأرض قدر شبر، ولأنه يعلم أنه قبر فيتوقى، ويترحم ~~عليه، ولا يزاد عليه من غير ترابه، لقول عقبة بن عامر: لا تجعلوا على القبر ~~من التراب أكثر مما خرج منه. رواه أحمد. ويستحب أن يرش عليه الماء ليتلبد. ~~وروى أبو رافع «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سل سعدا ورش على قبره ~~الماء» . رواه ابن ماجه. وتسنيمه أفضل من تسطيحه. لما روى البخاري عن سفيان ~~التمار: أنه رأى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - مسنما، ولأن السطح يشبه ~~أبنية أهل الدنيا. ولا بأس بتعليمه بصخرة ونحوها لما ذكرنا من حديث عثمان ~~بن مظعون، ولأنه يعرف قبره فيكثر الترحم عليه. # فصل: # ويكره البناء على القبر، وتجصيصه والكتابة عليه، لقول جابر: «نهى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يقعد عليه» ~~. رواه مسلم. زاد الترمذي: «وأن يكتب عليها» . وقال: حديث صحيح، ولأنه من ~~زينة الدنيا فلا حاجة بالميت إليه، ولا يجوز أن يبنى عليه مسجد، لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ~~يحذر مثل ما صنعوا. متفق عليه. ويكره الجلوس عليه، والاتكاء إليه، ~~والاستناد إليه، لحديث جابر. ويكره المشي عليه، لما روى عقبة بن عامر قال: ~~قال النبي - صلى ms0228 الله عليه وسلم -: «لأن أطأ على جمرة أو سيف أحب إلي من أن ~~أطأ على قبر مسلم ولا أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق» . رواه ~~ابن ماجه. فإن لم يكن طريق إلى قبر من يزوره إلا بالوطء جاز لأنه موضع ~~حاجة. # PageV01P372 # فصل: # ولا يجوز الدفن في الساعات المذكورة في حديث عقبة عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ~~ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب» . رواه ~~مسلم. ويجوز الدفن في سائر الأوقات ليلا ونهارا؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - دفن ليلا، ودفن ذا البجادين ليلا. والدفن في النهار أولى؛ لأنه روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه زجر عن الدفن ليلا. رواه مسلم. ولأن ~~النهار أمكن وأسهل على مشيعيها، وأكثر لمتبعيها. # فصل: # وإذا ماتت ذمية حامل من مسلم لم تدفن في مقبرة المسلمين لكفرها، ولا تدفن ~~في مقبرة الكفار لأن ولدها مسلم، وتدفن مفردة، ظهرها إلى القبلة لأن وجه ~~الجنين إلى ظهرها. وإن ماتت امرأة حامل، وولدها يتحرك، ورجيت حياته، سطت ~~عليه القوابل فأخرجنه، ولا يشق بطنها؛ لأن فيه هتكا لحرمة متيقنة، لإبقاء ~~حياة موهومة بعيدة، فإن لم يخرج تركت حتى يموت، ثم تدفن، ويحتمل أن يشق ~~بطنها إن غلب على الظن أنه يحيا لأن حفظ حرمة الحي أولى. وإن بلع الميت ~~جوهرة لغيره شق بطنه. وأخذت؛ لأن فيه تخليصا له من مأثمها، وردا لها إلى ~~مالكها، ويحتمل أن يغرم قيمتها من تركته، ولا يتعرض له صيانة عن المثلة به، ~~فإن لم يكن له تركة تعين شقه، فإن كانت الجوهرة له ففيه وجهان: # أحدهما: يشق بطنه لأنها للوارث فهي كجوهرة الأجنبي. # والثاني: لا يشق؛ لأنه استهلكها في حياته فلم يتعلق بها حق الوارث. وإن ~~بلع مالا يسيرا لم يشق بطنه، ويغرم القيمة من تركته. وإن وقع في القبر ما ms0229 ~~له قيمة نبش وأخذ؛ لأنه يمكن رده إلى صاحبه بغير ضرورة فوجب. وإن دفن الميت ~~بغير غسل، أو إلى غير القبلة نبش، وغسل ووجه؛ لأن هذا مقدور على فعله فوجب، ~~إلا أن يخاف عليه الفساد فلا ينبش؛ لأنه تعذر فسقط كما يسقط وضوء الحي ~~لتعذره. وإن دفن قبل الصلاة عليه احتمل أن يكون حكمه كذلك؛ لأنه واجب فهو ~~كغسله، واحتمل أن يصلى على القبر ولا تهتك حرمته لأنه عذر. # فصل: # سئل أحمد - رضي الله عنه - عن تلقين الميت في قبره فقال: ما رأيت أحدا ~~يفعله، # PageV01P373 # إلا أهل الشام. قال: وكان أبو مغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن ~~أشياخهم أنهم كانوا يفعلون. وقال القاضي وأبو الخطاب: يستحب ذلك، ورويا فيه ~~حديث عن أبي أمامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا مات أحدكم ~~فسويتم عليه التراب فليقم أحد عند رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة ~~فإنه يسمع ولا يجيب، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، الثانية، فيستوي قاعدا، ~~ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله، ولكن لا تسمعونه ~~فيقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد - صلى الله عليه ~~وسلم - نبيا، وبالقرآن إماما، فإن منكرا ونكير يتأخر كل واحد منهما، فيقول: ~~انطلق فما يقعدنا عند هذا وقد لقن حجته ويكون عند الله حجيجه دونهما فقال ~~الرجل: يا رسول الله، فإن لم يعرف اسم أمه؟ قال: فلينسبه إلى حواء» رواه ~~الطبراني في " معجمه " بمعناه. ### | باب التعزية والبكاء على الميت # التعزية سنة لما روى ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ~~عزى مصابا فله مثل أجره» وهو حديث غريب. وتجوز التعزية قبل الدفن وبعده ~~لعموم الخبر. ويكره الجلوس لها؛ لأنه محدث، ويقول في تعزية المسلم بالمسلم: ~~أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، ورحم ميتك، وفي تعزيته بكافر: أعظم الله ~~أجرك، وأحسن عزاءك، وتوقف أحمد ms0230 - رضي الله عنه - عن تعزية أهل الذمة، وهي ~~تخرج على عيادتهم، وفيها روايتان: # إحداهما: يعودهم؛ لأنه روي «أن غلاما من اليهود كان يخدم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - يعوده فقعد عند رأسه، ~~فقال له: أسلم فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه فقال له، أطع أبا القاسم، فأسلم، ~~فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من ~~النار» رواه البخاري. # والثانية: لا يجوز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تبدؤوهم ~~بالسلام» فإن قلنا: نعزيهم فإن تعزيتهم عن مسلم: أحسن الله عزاءك، وغفر ~~لميتك، وعن كافر: أخلف الله عليك، ولا نقص عددك. # فصل: # والبكاء غير مكروه إذا لم يكن معه ندب ولا نياحة، لما روي «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - دخل على سعد بن عبادة، فوجده في غاشية، فبكى وبكى ~~أصحابه وقال: ألا تسمعون أن الله # PageV01P374 # لا يعذب بدمع العين، ولا يحزن القلب، ولكن يعذب بهذا، وأشار إلى لسانه أو ~~يرحم» متفق عليه. ولا يجوز لطم الخدود، وشق الجيوب، والدعاء بدعوى ~~الجاهلية، لما روى ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس ~~منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية» # وعن أبي مسعود «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - برئ من الصالقة والحالقة ~~والشاقة» متفق عليهما. ويكره الندب والنوح. ونقل حرب عن أحمد كلاما يحتمل ~~إباحتهما، واختاره الخلال وصاحبه؛ لأن واثلة وأبا وائل كانا يستمعا النوح ~~ويبكيان وظاهر الأخبار التحريم. # قال أحمد في قوله تعالى: {ولا يعصينك في معروف} [الممتحنة: 12] . هو ~~النوح، فسماه معصية. وقالت أم عطية: «أخذ علينا النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- في البيعة أن لا ننوح» . متفق عليه. # وينبغي للمصاب أن يستعين بالله تعالى وبالصبر والصلاة، ويسترجع، ولا يقول ~~إلا خيرا، لقول الله تعالى: {استعينوا بالصبر والصلاة} [البقرة: 153] ~~الآيات. وقالت أم سلمة: «سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ما ~~من عبد مسلم تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم ms0231 آجرني في ~~مصيبتي، وأخلف لي خيرا منها، إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خير منها. ~~قالت: فلما توفي أبو سلمة قلتها. فأخلف الله لي خيرا منه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -» . رواه مسلم. وقال: لما مات أبو سلمة: «لا تدعوا على ~~أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون» . رواه مسلم. # PageV01P375 # فصل: # ويستحب لأقرباء الميت وجيرانه إصلاح طعام لأهله؛ لأن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لما جاء نعي جعفر قال: «اصنعوا لآل جعفر طعاما فإنهم قد ~~أتاهم أمر شغلهم» رواه أبو داود. # فأما صنيع أهل الميت الطعام للناس فمكروه؛ لأن فيه زيادة على مصيبتهم، ~~وشغلا لهم إلى شغلهم. # فصل: # ويستحب للرجال زيارة القبور؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كنت ~~نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها إنها تذكركم الموت» رواه مسلم. وإن مر بها ~~أو زارها قال ما روى مسلم قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار ~~من المؤمنين والمسلمين، وإن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم ~~العافية» . وفي حديث آخر: «يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين» وفي حديث ~~آخر: «اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم» ، وإن زاد: «اللهم اغفر لنا ~~ولهم» كان حسنا. # فأما النساء ففي كراهية زيارة القبور لهن روايتان: # إحداهما: لا يكره، لعموم ما رويناه؛ ولأن عائشة - رضي الله عنها - زارت ~~قبر أخيها عبد الرحمن. # والثانية: يكره؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لعن الله زوارات ~~القبور» وهذا حديث صحيح، فلما زال التحريم بالنسخ، بقيت الكراهية؛ ولأن ~~المرأة قليلة الصبر، فلا يؤمن تهيج حزنها برؤية قبور الأحبة، فيحملها على ~~فعل ما لا يحل لها فعله، بخلاف الرجل. # فصل: # ويستحب لمن دخل المقابر خلع نعليه، لما روى بشير بن الخصاصية قال: «بينما ~~أنا أماشي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ حانت منه نظرة، فإذا رجل ~~يمشي بالقبور عليه نعلان فقال: يا صاحب السبتيتين ويحك ألق سبتيتيك فنظر ms0232 ~~الرجل، فلما عرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلعهما فرمى بهما» ، ~~رواه أبو داود. فإن خاف الشوك إن خلع نعليه فلا بأس بلبسهما # PageV01P376 # للحاجة، ولا يدخل في هذا الخفاف؛ لأن نزعها يشق، وفي التمشكات ونحوها ~~وجهان: # أحدهما: هي كالنعل لسهولة خلعها. # والثاني: لا يستحب؛ لأن خلع النعلين تعبد فيقصر عليهما. # فصل: # وإن دعا إنسان لميت، أو تصدق عنه، أو قضى عنه دينا واجبا عليه، نفعه ذلك ~~بلا خلاف؛ لأن الله تعالى قال: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر ~~لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} [الحشر: 10] . «وقال سعد بن عبادة ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم -، أينفع أمي إذا تصدقت عنها؟ قال: نعم» متفق ~~عليه. وإن فعل عبادة بدنية كالقراءة والصلاة والصوم، وجعل ثوابها للميت ~~نفعه أيضا؛ لأنه إحدى العبادات فأشبهت الواجبات، ولأن المسلمين يجتمعون في ~~كل مصر، ويقرؤون ويهدون لموتاهم، ولم ينكره منكر، فكان إجماعا. # PageV01P377 ### | كتاب الزكاة # وهي أحد أركان الإسلام لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بني الإسلام ~~على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقامة الصلاة، ~~وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت» متفق عليه. وتجب على الفور، فلا يجوز ~~تأخيرها مع القدرة على أدائها؛ لأنها حق يصرف إلى آدمي توجهت المطالبة به، ~~فلم يجز تأخيرها، كالوديعة، ومن جحد وجوبها لجهله، ومثله يجهل ذلك، كحديث ~~العهد بالإسلام، عرف ذلك ولم يحكم بكفره؛ لأنه معذور. وإن كان ممن لا يجهل ~~مثله ذلك كفر، وحكمه حكم المرتد؛ لأن وجوب الزكاة معلوم ضرورة، فمن أنكرها ~~كذب الله ورسوله، وإن منعها معتقدا وجوبها أخذها الإمام منه وعزره، فإن قدر ~~عليه دون ماله استتابه ثلاثا، فإن تاب وأخرج، وإلا قتل، وأخذت من تركته، ~~وإن لم يمكن أخذها إلا بالقتال قاتله الإمام؛ لأن أبا بكر الصديق - رضي ~~الله عنه - قال: لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لقاتلتهم عليها. رواه البخاري. وتابعه الصحابة على ذلك، فكان ~~إجماعا. # وإن كتم ماله حتى لا تؤخذ زكاته، أخذت ms0233 منه وعزر، وفي جميع ذلك يأخذها ~~الإمام من غير زيادة، بدليل أن العرب منعت الزكاة، فلم ينقل أنه أخذ منهم ~~زيادة عليها. # وقال أبو بكر: يأخذ معها شطر ماله، بدليل ما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن ~~جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول: «في كل سائمة في كل ~~أربعين بنت لبون، من أعطاها مؤتجرا فله أجرها، ومن أبى فإنا آخذوها وشطر ~~ماله، عزمة من عزمات ربنا» رواه أبو # PageV01P378 # داود. وقال أحمد - رضي الله عنه -: هو عندي صالح. # وهل يكفر من قاتل الإمام على الزكاة؟ فيها روايتان: # إحداهما: يكفر؛ لقول الله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فإخوانكم في الدين} [التوبة: 11] دل هذا على أنه لا يكون أخانا في الدين ~~إلا بأدائها، ولأن الصديق - رضي الله عنه - قال لمانعي الزكاة: لا حتى ~~تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. # والثانية: لا يكفر؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - امتنعوا من قتالهم ~~ابتداء، فيدل على أنهم لم يعتقدوا كفرهم، ثم اتفقوا على القتال وبقي الكفر ~~على الأصل. # فصل: # ولا تجب إلا بشروط أربعة: الإسلام، فلا تجب على كافر أصلي ولا مرتد؛ ~~لأنها من فروع الإسلام، فلا تجب على كافر كالصيام. # فصل: # والشرط الثاني: الحرية فلا تجب على عبد، فإن ملكه سيده مالا، وقلنا: لا ~~يملك، فزكاته على سيده؛ لأنه مالكه، وإن قلنا: يملك، فلا زكاة في المال؛ ~~لأن سيده لا يملكه، وملك العبد ضعيف لا يحتمل المواساة، بدليل أنه لا يعتق ~~عليه أقاربه إذا ملكهم، ولا تجب عليه نفقة قريبه، والزكاة إنما تجب بطريق ~~المواساة، فلا تجب على مكاتب لأنه عبد، وملكه غير تام لما ذكرنا، فإن عتق ~~وبقي في يده نصابا استقبل به حولا، وإن عجز استقبل سيده بماله حولا؛ لأنه ~~يملكه حينئذ، وما قبض من نجوم مكاتبه استقبل به حولا لذلك، وإن ملك المعتق ~~بعضه بجزئه الحر نصابا لزمته زكاته؛ لأنه يملك ذلك ملكا تاما فأشبه الحر. # فصل: # والشرط الثالث: تمام الملك، فلا تجب ms0234 الزكاة في الدين على المكاتب لنقصان ~~الملك فيه، فإن له أن يعجز نفسه ويمتنع عن أدائه، ولا في السائمة الموقوفة؛ ~~لأن الملك لا يثبت فيها في وجه، في وجه يثبت ناقصا لا يتمكن من التصرف فيها ~~بأنواع التصرفات. # PageV01P379 # وروى مهنا عن أحمد: فيمن وقف أرضا أو غنما في السبيل لا زكاة عليه ولا ~~عشر، هذا في السبيل. # إنما يكون ذلك إذا جعله في قرابته، وهذا يدل على إيجاب الزكاة فيه إذا ~~كان لمعين؛ لعموم قوله - عليه السلام -: «في كل أربعين شاة شاة» . # ولا تجب في حصة المضارب من الربح قبل القسمة؛ لأنه لا يملكها على رواية، ~~وعلى روية يملكها ملكا ناقصا غير مستقر؛ لأنها وقاية لرأس المال، ولا يختص ~~المضارب بنمائها. # واختار أبو الخطاب أنها جائزة في حول الزكاة لثبوت الملك فيها، وفي ~~المغصوب والضال. والدين على من لا يمكن استيفاؤه منه لإعسار أو جحد أو مطل ~~روايتان: # إحداهما: لا زكاة فيه؛ لأنه خارج عن يده وتصرفه، أشبه دين الكتابة، ولأنه ~~غير تام أشبه الحلي. # والثانية: فيه الزكاة؛ لأن الملك فيه مستقر، ويملك المطالبة به فوجبت ~~الزكاة فيه كالدين على مليء، ولا خلاف في وجوب الزكاة في الدين الممكن ~~استيفاؤه. ولا يلزمه الإخراج حتى يقبضه، فيؤدي لما مضى؛ لأن الزكاة مواساة ~~وليس في المواساة إخراج زكاة مال لم يقبضه. وظاهر كلام أحمد - رضي الله عنه ~~- أنه لا فرق بين الحال والمؤجل؛ لأن المؤجل مملوك له تصح الحوالة به، ~~والبراءة منه. # ولو أجر داره سنين بأجرة ملكها من حين العقد، وجرت في حول الزكاة، وحكمها ~~حكم الدين، وحكم الصداق على الزوج حكم الدين على الموسر والمعسر؛ لأنه دين، ~~وسواء في هذا قبل الدخول أو بعده؛ لأنها مالكة له. # فأما إن أسر رب المال وحيل بينه وبين ماله، أو نسي المودع لمن أودع ماله، ~~فعليه فيه الزكاة؛ لأن تصرفه في ماله نافذ، ولهذا لو باع الأسير ماله أو ~~وهبه صح. وإذا حصل الضال في يد ملتقط فهو في حول التعريف على ما ms0235 ذكرناه، ~~وفيما بعده يملكه الملتقط، فزكاته عليه دون ربه، ويحتمل أن لا تلزمه زكاته، ~~ذكره ابن عقيل؛ لأن ملكه غير مستقر؛ إذ لمالكه انتزاعه منه عند مجيئه، ~~والأول أصح؛ لأن الزكاة تجب في الصداق قبل الدخول، وفي المال الموهوب للابن ~~مع جواز الاسترجاع. # فإن أبرأت المرأة زوجها من صداقها عليه، أو أبرأ الغريم غريمه من دينه ~~ففيه روايتان: # إحداهما: على المبرئ زكاة ما مضى؛ لأنه تصرف فيه، أشبه ما لو أحال به أو ~~قبضه. # PageV01P380 # والثانية: زكاته على المدين؛ لأنه ملك ما ملك عليه قبل قبضه منه، فكأنه ~~لم يزل ملكه عنه. # ويحتمل أن لا تجب الزكاة على واحد منهما؛ لأن المبرئ لم يقبض شيئا، ولا ~~تجب الزكاة على رب الدين قبل قبضه، والمدين لم يملك شيئا؛ لأن من أسقط عنه ~~شيئا لم يملكه بذلك، فأما ما سقط من الصداق قبل قبضه بطلاق الزوج فلا زكاة ~~فيه؛ لأنها لم تقبضه، ولم يسقط بتصرفها فيه، بخلاف التي قبلها، وإن سقط ~~لفسخها النكاح احتمل أن يكون كذلك؛ لأنها لم تتصرف فيه، واحتمل أن يكون ~~كالموهوب؛ لأن سقوطه بسبب من جهتها. # فصل: # الشرط الرابع: الغنى، بدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن ~~جبل: «أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» متفق عليه؛ ~~ولأن الزكاة تجب مواساة للفقراء، فوجب أن يعتبر الغنى، ليتمكن من المواساة، ~~والغنى المعتبر: ملك نصاب خال عن دين، فلا يجب على من لا يملك نصابا، لما ~~روى أبو سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس فيما دون خمسة ~~أوسق صدقة ولا فيما دون خمسة ذود صدقة ولا فيما دون خمسة أواق صدقة» متفق ~~عليه. ومن ملك نصابا، وعليه دين يستغرقه أو ينقصه فلا زكاة فيه، إن كان من ~~الأموال الباطنة وهي الناض وعروض التجارة رواية واحدة؛ لأن عثمان بن عفان - ~~رضي الله عنه - قال بمحضر من الصحابة: هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين ~~فليؤده حتى تخرجوا زكاة أموالكم. رواه أبو عبيد في ms0236 الأموال ولم ينكر، فكان ~~إجماعا؛ ولأنه لا يستغني به، ولا تجب الصدقة إلا عن ظهر غنى، وإن كان من ~~الأموال الظاهرة وهي المواشي والزروع والثمار ففيه ثلاث روايات: # إحداهن: لا تجب فيها الزكاة لذلك. # والثانية: فيها الزكاة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث ~~سعاته، فيأخذون الزكاة من رؤوس الأموال الظاهرة، من غير سؤال عن دين صاحبه، ~~بخلاف الباطن. # الثالثة: أن ما استدانه على زرعه لمؤنته حسبه، وما استدان لأهله لم ~~يحسبه؛ لأنه ليس من مؤونة الزرع فلا يحسبه على الفقراء. فإن كان له مالان ~~من جنسين، وعليه دين يقابل أحدهما؛ جعله في مقابلة ما يقضي منه، وإن كانا ~~من جنس، جعله في مقابلة ما الحظ للمساكين في جعله في مقابلته تحصيلا لحظهم. # فصل: # وتجب الزكاة على مال الصبي والمجنون. لما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «ابتغوا # PageV01P381 # في أموال اليتامى كيلا تأكلها الزكاة» . أخرجه الترمذي وفي إسناده مقال، ~~وروي موقوفا على عمر - رضي الله عنه -، ولأن الزكاة تجب مواساة، وهما من ~~أهلها، ولهذا تجب عليهما نفقة القريب، ويعتق عليهما ذو الرحم، وتخرج عنهما ~~زكاة الفطر والعشر، فأشبها البالغ العاقل. # فصل: # ولا يعتبر في وجوبها إمكان الأداء؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» . يدل بمفهومه على وجوبها فيه عند تمام ~~الحول؛ ولأنه لو أتلف النصاب بعد الحول ضمنها، ولو لم تجب لم يلزمه ضمانها ~~كقبل الحول، فإن تلف النصاب بعد الحول لم تسقط الزكاة، سواء فرط أو لم ~~يفرط؛ لأنه مال وجب في الذمة، فلم يسقط بتلف النصاب كالدين، وروى عنه ~~التميمي وابن المنذر أنه إن تلف قبل التمكن سقطت الزكاة؛ لأنها عبادة تتعلق ~~بالمال، فتسقط بتلفه قبل إمكان الأداء كالحج؛ ولأنه حق تعلق بالعين فسقط ~~بتلفها من غير تفريط كالوديعة والجاني، فإن تلف بعض النصاب قبل التمكن سقط ~~من الزكاة بقدره، وإن تلف الزائد عن النصاب لم يسقط شيء؛ لأنها تتعلق ~~بالنصاب دون العفو. ولا تسقط الزكاة بموت ms0237 من وجبت عليه؛ لأنه حق واجب تصح ~~الوصية به فلم يسقط بالموت كدين الآدمي. # فصل: # وفي محل الزكاة روايتان: # إحداهما: أنها تجب في الذمة؛ لأنه يجوز إخراجها من غير النصاب، ولا يمنع ~~التصرف فيه فأشبهت الدين. # والثانية: يتعلق بالعين، لقول الله تعالى: {والذين في أموالهم حق معلوم} ~~[المعارج: 24] {للسائل والمحروم} [المعارج: 25] # PageV01P382 # وفي للظرفية. فإن ملك نصابا مضت عليه أحوال لم تؤد زكاته، وقلنا: هي في ~~الذمة، لزمته الزكاة لما مضى من الأحوال؛ لأن النصاب لم ينقص، وإن قلنا: ~~تتعلق بالعين لم يلزمه إلا زكاة واحدة؛ لأن الزكاة الأولى تعلقت بقدر الفرض ~~فينقص النصاب في الحول الثاني، وهذا ظاهر المذهب، نقله الجماعة عن أحمد. ~~فإن كان المال زائدا عن نصاب نقص منه كل حول بقدر الفرض، ووجبت الزكاة فيما ~~بقي، فإن ملك خمسا من الإبل لزمه لكل حول شاة؛ لأن الفرض يجب من غيرها فلا ~~يمكن تعلقه بعينها. وإن ملك خمسا وعشرين من الإبل فعليه للحول الأول ابنة ~~مخاض، وفيما بعد ذلك لكل حول أربع شياه. # فصل: # وتجب الزكاة في خمسة أنواع: # أحدها: المواشي. ولها ثلاثة شروط: # أحدها: أن تكون من بهيمة الأنعام؛ لأن الخبر ورد فيها وغيرها لا يساويها ~~في كثرة نمائها ونفعها ودرها ونسلها واحتملت المواساة منها دون غيرها، ولا ~~زكاة في الخيل والبغال والحمير والرقيق؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» متفق عليه. ولأنه لا يطلب درها، ~~ولا تقتنى في الغالب إلا للزينة، والاستعمال، لا للنماء ولا زكاة في الوحوش ~~لذلك، وعنه في بقر الوحش الزكاة، لدخولها في اسم البقر، والأول أولى؛ لأنها ~~لا تدخل في إطلاق اسم البقر، ولا تجوز التضحية بها، ولا تقتنى لنماء ولا ~~در، فأشبهت الظباء. # وما تولد بين الوحشي والأهلي فقال أصحابنا: فيه الزكاة تغليبا للإيجاب، ~~والأولى أن لا تجب؛ لأنها لا تقتنى للنماء والدر، أشبهت الوحشية، ولأنها لا ~~تدخل في إطلاق اسم البقر والغنم. # فصل: # الشرط الثاني: الحول؛ لأن ابن عمر - رضي الله عنهما ms0238 - روى أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» رواه الترمذي ~~وابن ماجه وأبو داود؛ ولأن الزكاة إنما تجب في مال نام فيعتبر له حول يكمل ~~النماء فيه، وتحصل الفائدة منه، فيواسي من نمائه. فإن هلك النصاب، أو واحدة ~~منه في الحول، أو باعها، انقطع، ثم إن نتجت له أخرى مكانها، أو رجع إليه ~~باع، استأنف الحول، سواء ردت إليه ببيع أو إقالة أو # PageV01P383 # باعها بالخيار فردت به؛ لأن الملك يزول بالبيع، والرد تجديد ملك، وإن قصد ~~بشيء من ذلك الفرار من الزكاة لم تسقط؛ لأنه قصد إسقاط نصيب من انعقد سبب ~~استحقاقه فلم يسقط، كالطلاق في مرض الموت. وإن نتجت واحدة ثم هلكت واحدة لم ~~ينقطع الحول؛ لأنه لم ينقص. وإن خرج بعضها ثم هلكت أخرى قبل خروج بقيتها ~~انقطع الحول؛ لأنها لا يثبت لها حكم الوجود في الزكاة حتى يخرج جميعها. وإن ~~أبدل نصابا بجنسه لم ينقطع الحول؛ لأنه لم يزل في ملكه نصاب من الجنس جاز ~~في حول الزكاة، فأشبه ما لو نتج النصاب نصابا، ثم ماتت الأمهات. وإن باع ~~عينا بورق انبنى على ضم أحدهما إلى الآخر. فإن قلنا: يضم لم ينقطع الحول؛ ~~لأنهما كالجنس الواحد، وإن قلنا: لا يضم انقطع الحول لأنهما جنسان. وما نتج ~~من النصاب فحوله حول النصاب، لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: ~~اعتد عليهم بالسلخة يروح بها الراعي على يديه؛ ولأنه من نماء النصاب فلم ~~يفرد عنه بحول، كربح التجارة. وإن ماتت الأمهات فتم الحول على السخال وهي ~~نصاب وجبت فيها الزكاة؛ لأنها جملة جارية في الحول لم تنقص عن النصاب، أشبه ~~ما لو بقي من الأمهات نصاب. وإن ملك دون النصاب، وكمل بالسخال احتسب الحول ~~من حين كمال النصاب. # وعنه: يستحب من حين ملك الأمهات، والأول المذهب؛ لأن النصاب هو السبب ~~فاعتبر مضي الحول على جميعه. وأما المستفاد بإرث أو عقد فله حكم نفسه؛ لأن ~~مال ملكه أصلا فيعتبر له ms0239 الحول شرطا، كالمستفاد من غير الجنس. ولا يبني ~~الوارث حوله على حول الموروث؛ لأنه ملك جديد، فإن كان عنده ثلاثون من ~~البقر، فاستفاد عشرة في أثناء الحول، فعليه من الثلاثين إذا تم حولها تبيع، ~~لكمال حولها. فإذا تم حول العشرة فيها ربع مسنة؛ لأنه تم نصاب المسنة، ولم ~~يمكن إيجابها لانفراد الثلاثين بحكمها، فوجبت في العشرة بقسطها منها. # وإن ملك أربعين من الغنم في المحرم، وأربعين في صفر وأربعين في ربيع فتم ~~حول الأولى فعليه شاة؛ لأنها نصاب كامل مضى عليه حول، لم يثبت له حكم ~~الخلطة في جميعه، فوجب فيه شاة، كما لو لم يملك غيرها، فإن تم حول الثاني ~~ففيه وجهان: # أحدهما: لا شيء فيه، ولا في الثالث؛ لأنه لو ملكه مع الأول لم يجب فيه ~~شيء، فكذلك إذا ملكه بعده؛ لأنه يحصل وقص بين نصابين. # والثاني: فيه الزكاة؛ لأنه نصاب منفرد بحول، فوجبت زكاته كالأول. وفي ~~قدرها وجهان: # PageV01P384 # أحدهما: شاة لذلك. # والثاني: نصف شاة؛ لأنه لم ينفك عن خلطة في جميع الحول. وفي الثالث ثلث ~~شاة؛ لأنه لم ينفك عن خلطة لثمانين، فكان عليه بالقسط وهو ثلث شاة. # وإن ملك عشرين من الإبل في المحرم، وخمسا في صفر، وخمسا في ربيع، فعليه ~~في العشرين عند دخولها أربع شياه، وفي الخمس الأولى عند حولها خمس بنات ~~مخاض، وفي الخمس الثانية ثلاثة أوجه: # أحدها: لا شيء فيها. # والثاني: عليه سدس بنت مخاض. # والثالث: عليه شاة. # فصل: # الشرط الثالث: السوم، وهو أن تكون راعية، ولا زكاة في المعلوفة، لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «في الإبل السائمة في كل أربعين بنت لبون ~~وفي سائمة الغنم في كل أربعين شاة» فيدل على نفي الزكاة عن غير السائمة؛ ~~ولأن المعلوفة لا تقتنى للنماء، فلم يجب فيها شيء، كثياب البذلة. ويعتبر ~~السوم في معظم الحول؛ لأنها لا تخلو من علف في بعضه، فاعتباره في الحول كله ~~يمنع الوجوب بالكلية، فاعتبر في معظمه. وإن كان غصبها غاصب فعلفها معظم ~~الحول فلا زكاة فيها، لعدم ms0240 السوم المشترط. وإن غصب معلوفة فأسامها ففيه ~~وجهان: # أحدهما: لا زكاة فيها لأن مالكها لم يسمها فلم يلزمه زكاتها كما لو ~~علفها. # والثاني: تجب زكاتها؛ لأن الشرط تحقق، فأشبه ما لو كمل النصاب في يد ~~الغاصب. ### | باب زكاة الإبل # وهي مقدرة بما قدره به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فروى البخاري ~~بإسناده، عن أنس أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - كتب له حين وجهه إلى ~~البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - على المسلمين، والتي أمر الله بها رسول # PageV01P385 # الله - صلى الله عليه وسلم -، فمن سألها من المسلمين على وجهها فليعطها، ~~ومن سأل فوقها فلا يعطه. # في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم في كل خمس شاة؛ فإذا بلغت ~~خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض؛ فإن لم يكن بنت مخاض فابن ~~لبون ذكر، فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، ~~فإذا بلغت ستا وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل، إلى ستين فإذا بلغت إحدى ~~وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها ~~ابنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان، طروقتا ~~الفحل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين ~~حقة ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليست فيها صدقة، إلا أن يشاء ربها. ~~فإذا بلغت خمسا من الإبل ففيها شاة أوجب دون خمس وعشرين غنما لأنه لا يمكن ~~المواساة من جنس المال؛ لأن واحدة منها كثير، وإخراج جزء تشقيص يضر بالمالك ~~والفقير، والإسقاط غير ممكن فعدل إلى إيجاب الشياه جمعا بين الحقوق، وصارت ~~الشياه أصلا لو أخرج مكانها إبلا لم يجزئه لأنه عدل عن المنصوص عنه إلى غير ~~جنسه فلم يجزئه، كما لو أخرجها عن الشياه الواجبة في الغنم. ولا يجزئ إلا ~~الجذع من الضأن والثني من المعز؛ لأنها الشاة التي تعلق بها حكم الشرع، في ms0241 ~~سائر موارده المطلقة، ويعتبر كونها في صفة الإبل، ففي السمان الكرام شاة ~~سمينة كريمة، وفي اللئام والهزال لئيمة هزيلة؛ لأنها سببها فإن كانت مراضا ~~لم يجز إخراج مريضة؛ لأن المخرج من غير جنسها، ويخرج شاة صحيحة على قدر ~~المال، ينقص من قيمتها على قدر نقيصة الإبل، ولا يعتبر كونها من جنس غنمه، ~~ولا غنم البلد؛ لأنها ليست سببا لوجوبها، فلم يعتبر كونها من جنسها، ~~كالأضحية، ولا يجزئ فيها الذكر كالمخرجة عن الغنم، ويحتمل أن يجزئ؛ لأنها ~~شاة مطلقة، فيدخل فيها الذكر كالأضحية، فإن عدم الغنم لزمه شراء شاة، وقال ~~أبو بكر: يجزئه عشرة دراهم؛ لأنها بدل الشاة للجبران ولا يصح؛ لأن هذا ~~إخراج قيمة فلم يجز، كما في الشاة المخرجة عن الغنم، وليست الدراهم في ~~الجبران بدلا، بدليل إجزائها مع وجود الشاة. # فصل: # فإذا بلغت خمسا وعشرين أمكنت المواساة من جنسها، فوجبت فيها بنت مخاض، ~~وهي التي لها سنة ودخلت في الثانية، سميت بذلك لأن أمها ماخض أي: حامل ~~بغيرها، قد حان ولادتها، فإن عدمها أخرج ابن لبون ذكرا، وهو الذي له سنتان ~~ودخل في الثالثة، سمي بذلك لأن أمه لبون أي ذات لبن، وصار نقص الذكورية ~~مجبورا بزيادة # PageV01P386 # السن. فإن عدمه أيضا لزمه شراء بنت مخاض؛ لأنهما استويا في العدم، فأشبه ~~ما لو استويا في الوجود، ولأن تجويز ابن لبون للرفق به، إغناء له عن كلفة ~~الشراء، ولم يحصل الإغناء عنها ههنا، فرجع إلى الأصل. ومن لم يجد إلا بنت ~~مخاض معيبة فهو كالعادم؛ لأنه لا يمكن إخراجها، وإن وجدها أعلى من صفة ~~الواجب أجزأته، فإن أخرج ابن لبون لم يجزئه لأن ذلك مشروط بعدم ابنة مخاض ~~مجزئة، وإن اشترى بنت مخاض على صفة الواجب جاز، ولا يجبر نقص الذكورية ~~بزيادة السن في غير هذا الموضع. وقال القاضي: يجوز أن يخرج عن بنت لبون ~~حقا، وعن الحقة جذعا مع عدمهما؛ لأنه أعلى وأفضل، فيثبت الحجم فيه ~~بالتنبيه، ولا يصح لأنه لا نص فيهما، وقياسهما على ابن اللبون ممتنع؛ لأن ms0242 ~~زيادة سنة يمتنع بها من صغار السباع، ويرعى الشجر بنفسه، ويرد الماء ولا ~~يوجد هذا في غيره. # فصل: # فإذا بلغت ستا وثلاثين ففيها بنت لبون، وفي ست وأربعين حقة وهي التي لها ~~ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، سميت بذلك لأنها استحقت أن يطرقها الفحل ~~وتركب، ولهذا قال في الحديث: «طروقة الفحل» . # وفي إحدى وستين جذعة، وهي التي ألقت سنا ولها أربع سنين ودخلت الخامسة، ~~وهي أعلى سن يؤخذ في الزكاة، وفي ست وسبعين ابنتا لبون. # وفي إحدى وتسعين حقتان إلى عشرين ومائة، وإذا زادت واحدة ففيها ثلاث بنات ~~لبون. # وعنه: لا يعتبر الفرض حتى تبلغ ثلاثين ومائة، فيكون فيها حقة وبنتا لبون، ~~والصحيح الأول؛ لأن في حديث الصدقات الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وكان عند آل عمر بن الخطاب «فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ~~ثلاث بنات لبون» وهذا نص، وهو حديث حسن. ولو ملك زادت جزءا من بعير لم ~~يتغير الفرض به لذلك، ولأن سائر الفروض لا تتغير بزيادة جزء، ثم في كل ~~أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، للحديث الصحيح. # فصل: # فإذا بلغت مائتين، اتفق الفرضان، أربع حقاق أو خمس بنات لبون، أيهما أخرج # PageV01P387 # أجزأه، فإن كان الآخر أفضل منه، والمنصوص عنه في أربع حقاق، وهذا محمول ~~على أن ذلك فيها بصفة التخيير؛ لأن في كتاب الصدقات الذي عند آل عمر - رضي ~~الله عنه -، فإذا كان مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون، أي السنين ~~وجدت عنده أخذت منه، ولأنه اتفق الفرضان في الزكاة فكانت الخيرة لرب المال ~~كالخيرة في الجبران، وإن كان المال ليتيم لم يخرج عنه إلا أدنى السنين، ~~لتحريم التبرع بمال اليتيم، فإن أراد إخراج الفرض من السنين، على وجه يحتاج ~~إلى التشقيص، كزكاة لمائتين لم يجز، وإن لم يحتج إليه كزكاة ثلاثمائة يخرج ~~عنها حقتين وخمس بنات لبون جاز، وإن وجدت إحدى الفريضتين دون الأخرى، أو ~~كانت الأخرى ناقصة، تعين إخراج الكاملة؛ لأن الجبران بدل، لا يصار إليه مع ms0243 ~~وجود الفرض الأصلي، وإن احتاجت كل فريضة إلى جبران أخرج ما شاء منها، فإذا ~~كانت عنده ثلاث حقاق وأربع بنات لبون فله إخراج الحقاق وبنت لبون مع ~~الجبران أو بنات اللبون وحقة، ويأخذ الجبران، وإن أعطى حقة وثلاث بنات لبون ~~مع الجبران لم يجزئه؛ لأنه يعدل عن الفرض مع وجوده إلى الجبران، ويحتمل ~~الجواز، فإن كان الفرضان معدومين، أو معيبين فله العدول إلى غيرها مع ~~الجبران، فيعطي أربع جذعات، ويأخذ ثماني شياه، أو يخرج خمس بنات مخاض وعشر ~~شياه، وإن اختار أن ينتقل من الحقاق إلى بنات المخاض مع الجبران، أو من ~~بنات اللبون إلى الجذعات مع الجبران، لم يجز؛ لأن الحقاق وبنات اللبون ~~منصوص عليهن فلا تصعد إلى الحقاق بجبران، ولا ينزل لبنات اللبون بجبران. # فصل: # ومن وجبت عليه فريضة فعدمها فله أن يخرج فريضة أعلى منها بسنة، ويؤخذ ~~شاتين، أو عشرين درهما، أو فريضة أدنى منها بسنة، ومعها شاتان أو عشرون ~~درهما، لما روى أنس في كتاب الصدقات الذي كتبه أبو بكر - رضي الله عنه - ~~قال: من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة وعنده حقة، فإنها ~~تقبل منه، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده ~~صدقة الحقة، وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه ~~المصدق شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده إلا ~~بنت لبون، فإنها تقبل منه بنت لبون، ويعطى شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت ~~صدقته بنت لبون، وعنده حقة، فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين ~~درهما، فأما من وجبت عليه جذعة، فأعطى مكانها ثنية بغير جبران جاز، وإن طلب ~~جبرانا لم يعط؛ لأن زيادة سن الثنية غير معتبر في الزكاة، وإن عدم بنت ~~المخاض لم يقبل منه فصيل بجبران ولا غيره؛ لأنه ليس بفرض ولا أعلى منه، ~~والخيرة في النزول والصعود، والشياه والدراهم إلى رب المال؛ # PageV01P388 # للخبر، فإن أراد أعطى شاة وعشرة دراهم، أو أخذ ذلك جاز ذكره ms0244 القاضي؛ لأن ~~الشاة مقام عشرة دراهم، وقد كانت الخيرة إليه فيهما مع غيرهما، فكانت ~~الخيرة إليه فيهما مفردين ويحتمل المنع؛ لأن الشارع جعل له الخيرة في ~~شيئين، وتجويز هذا يجعل له الخيرة في ثلاثة أشياء، وإن كان النصاب مريضا لم ~~يجز له الصعود إلى الفرض الأعلى بجبران؛ لأن الشاتين جعلتا جبرانا، لما بين ~~صحيحين، فيكون أكثر مما بين المريضين، وإن أراد النزول ويدفع الجبران جاز؛ ~~لأنه متطوع بالزيادة، ومن وجب عليه فرض فلم يجد إلا أعلى منه بسنتين، فقال ~~القاضي: يجوز أن يصعد إلى الأعلى، ويأخذ أربع شياه أو أربعين درهما، أو ~~ينزل إلى الأنزل، ويخرج معه أربع شياه أو أربعين درهما لأن الشارع جوز له ~~الانتقال إلى الذي يليه، وجوز الانتقال من العدول إلى ما يليه [إذا كان هو ~~الفرض، وهنا لو كان موجودا فإذا عدم جاز العدول إلى ما يليه] ، وقال أبو ~~الخطاب: لا يجوز؛ لأن النص إنما ورد بالانتقال إلى ما يليه فأما إن وجد سنا ~~يليه لم يجز له الانتقال إلى الأبعد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~أقام الأقرب مقام الفرض، ولو وجد الفرض لم ينتقل عنه، فكذلك إذا وجد الأقرب ~~لم ينتقل عنه، وإن أراد أن يخرج مكان الأربع شياه شاتين وعشرين درهما جاز؛ ~~لأنهما جبران فيهما كالكفارتين، ولا مدخل للجبران في غير الإبل لأن النص ~~فيها ورد وليس غيرها في معناها. ### | باب صدقة البقر # روى الإمام أحمد - رضي الله عنه - عن يحيى بن الحكم، أن معاذا قال: ~~«بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصدق أهل اليمن، فأمرني أن آخذ من ~~البقر من كل ثلاثين تبيعا، ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن ~~السبعين مسنة وتبيعا، ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاث أتباع، ومن ~~المائة مسنة وتبيعين، ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعا، ومن العشرين ومائة ~~ثلاث مسنات أو أربعة أتباع، وأمرني أن لا آخذ فيما بين ذلك شيئا إلا أن ~~تبلغ مسنة أو جذعا.» فأول نصابها ثلاثون وفيها تبيع أو تبيعة، وهو ms0245 الذي له ~~سنة ودخل في الثانية. وفي الأربعين مسنة، وهي التي لها سنتان ودخلت في ~~الثالثة. ويتفق الفرضان في مائة وعشرين، فيخرج رب المال أيهما شاء للخبر، ~~ولما ذكرنا في الإبل. # فصل: # ولا يؤخذ في الصدقة إلا الأنثى، لورود النص بها. وفضلها بدرها ونسلها، ~~إلا # PageV01P389 # الأتبعة في البقر حيث وجبت، وابن لبون مكان بنت مخاض، إذا عدمت، فإن كانت ~~ماشيته كلها ذكورا جاز إخراج الذكر في الغنم وجها واحدا لأن الزكاة وجبت ~~مواساة، والمواساة إنما تكون بجنس المال. ويجوز إخراجه في البقر في أصح ~~الوجهين لذلك. وفي الإبل وجهان: # إحداهما: يجوز لذلك. # والآخر: لا يجوز، لإفضائه إلى إخراج ابن لبون عن خمس وعشرين وست وثلاثين، ~~وفيه تسوية بين النصابين. فعلى هذا يخرج أنثى ناقصة بقدر قيمة الذكر، وعلى ~~الوجه الأول يخرج ابن لبون عن النصابين، ويكون التعديل بالقيمة. ويحتمل أن ~~يخرج بن مخاض عن خمس وعشرين فيقوم الذكر مقام الأنثى التي في سنه، كسائر ~~النصب [ويحتمل أن لا يخرج الذكر فعلى هذا يخرج أنثى ناقصة بقدر قيمة الذكر ~~وعلى الوجه الأول يخرج ابن لبون عن نصابين ويكون التعديل بالقيمة] . # فصل: # والجواميس نوع من البقر، والبخاتي نوع من الإبل، والضأن والمعز جنس واحد. ~~فإذا كان النصاب نوعين، أو كان فيه سمان ومهازيل، وكرام ولئام؛ أخرج الفرض ~~من أيهما شاء على قدر المالين. فإذا كان نصفين، وقيمة الفرض من أحدهما ~~عشرة، ومن الآخر عشرين أخذه من أيهما شاء قيمته خمسة عشر، إلا أن يرضى رب ~~المال بإخراج الأجود. ### | باب صدقة الغنم # وأول نصابها أربعون: وفيها شاة، إلى مائة وعشرين. فإذا زادت واحدة، ففيها ~~شاتان إلى مائتين، فإن زادت واحدة ففيها ثلاث شياه. ثم في كل مائة شاة شاة، ~~لما روى أنس في كتاب الصدقات: «وفي سائمة الغنم إذا كانت أربعين إلى عشرين ~~ومائة شاة؛ فإذا زادت على عشرين ومائة ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين ~~إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه: فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، ~~فإذا كانت سائمة الرجل ms0246 ناقصة عن أربعين شاة شاة واحدة فليس فيها صدقة، إلا ~~أن يشاء ربها» . # وعن أحمد: أن في ثلاثمائة وواحدة أربع شياه، ثم في كل مائة شاة شاة. ~~اختارها # PageV01P390 # أبو بكر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الثلاثمائة غاية، فيجب ~~تغير الفرض بالزيادة عليها، والأول أصح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~جعل حكمها إذا زادت على الثلاثمائة، في كل مائة شاة. فإيجاب أربع فيما دون ~~الأربعمائة يخالف الخبر، وإنما جعل الثلاثمائة حدا لاستقرار الفرض. # فصل: # ولا يجزئ من الغنم إلا الجذع من الضأن، وهو الذي له ستة أشهر، والثني في ~~المعز، وهو الذي له سنة لما روى سعر بن ديسم قال: «أتاني رجلان على بعير ~~فقالا: إنا رسولا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتؤدي صدقة غنمك. قلت: ~~فأي شيء تأخذان؟ قالا: عناقا جذعة أو ثنية» . رواه أبو داود. لأن هذا السن ~~هو المجزئ في الأضحية دون غيره، كذلك في الزكاة، فإن كان في ماشيته كبار ~~وصغار لم يجب فيها إلا المنصوص، ويؤخذ الفرض بقدر قيمة المالين، ولذلك قال ~~عمر - رضي الله عنه -: اعتد عليهم بالسخلة، يروح بها الراعي على يديه، ولا ~~تأخذها منهم. فإن كانت كلها صغارا جاز إخراج الصغير؛ لقول الصديق - رضي ~~الله عنه -: لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، لقاتلتهم عليها. ولا تؤدى العناق إلا عن صغار؛ ولأن الزكاة تجب ~~مواساة، فيجب أن تكون من جنس المال. # وقال أبو بكر: لا تجزئ إلا كبيرة، للخبر. فإن كانت ماشيته الصغار إبلا أو ~~بقرا ففيها وجهان: # أحدهما: تجزئه الصغيرة، لما ذكرناه في الغنم، وتكون الصغيرة الواجبة في ~~ست وأربعين زائدة على الواجبة في ست وثلاثين بقدر تفاوت ما بين الحقة وبنت ~~اللبون، وهكذا في سائر النصب تعدل بالقيمة. # والثاني: لا يجزئ إلا كبيرة؛ لأن الفرض يتغير بنهاية السن، فيؤدي إخراج ~~الصغيرة إلى التسوية بين النصابين. فعلى هذا يخرج كبيرة ناقصة القيمة بقدر ~~نقص الصغار عن الكبار. وعنه أيضا: لا ينعقد عليها الحول ms0247 حتى تبلغ سنا يجزئ ~~في الزكاة، لئلا يلزم هذا المحذور. # فصل: # لا يجزئ في الصدقة هرمة، ولا معيبة، ولا تيس، لقول الله تعالى: {ولا ~~تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة: 267] . وروى أنس في كتاب الصدقات: «لا ~~يخرج في # PageV01P391 # الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس» . وروى أبو داود عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد ~~الله وحده وأنه لا إله إلا هو، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدة عليه ~~كل عام، ولم يعط الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة، لكن من ~~وسط أموالكم فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره» . الشرط: رذالة ~~المال، والدرنة: الجرباء، فإن كان بعض النصاب مريضا، وبعضه صحيحا لم يأخذ ~~إلا صحيحة على قدر المالين، وإن كان كله مريضا أخذت مريضة منه. وقال أبو ~~بكر: لا يؤخذ إلا صحيحة بقيمة المريضة، والقول في هذا كالقول في الصغار. # فصل: # ولا يؤخذ في الصدقة الربى، وهي التي تربي ولدها، ولا الماخض، وهي الحامل، ~~ولا التي طرقها الفحل؛ لأن الغالب أنها حامل، ولا الأكولة وهي السمينة، ولا ~~فحل الماشية المعد لضرابها، ولا حزرات المال، وهو خياره تحزره العين لحسنه، ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: «إياك وكرائم أموالهم» متفق ~~عليه. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله لم يسألكم خيره» وقال عمر - ~~رضي الله عنه - لساعيه: لا تأخذ الربى ولا الماخض ولا الأكولة ولا فحل ~~الغنم. قال الزهري: إذا جاء المصدق قسم الشاء: أثلاثا، ثلثا خيارا، وثلثا ~~شرارا، وثلثا وسطا، ويأخذ المصدق من الوسط. فإن تبرع المالك بدفع شيء من ~~هذا، أو أخرج عن الواجب أعلى منه من جنسه جاز؛ لأن المنع من أخذه، لحقه ~~فجاز برضاه، كما لو دفع فرضين مكان فرض. فإذا دفع حقة عن بنت لبون، أو ~~تبيعين مكان الجذعة جاز لذلك، ولأن التبيعين يجزئان عن الأربعين مع غيرها ~~فلأن يجزئان عنها مفردة أولى. وقد روى أبو داود عن أبي بن كعب ms0248 «أن رجلا قدم ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا نبي الله أتاني رسولك ليأخذ مني ~~صدقة مالي، فزعم أن ما علي فيه بنت مخاض، فعرضت عليه ناقة فتية سمينة، فقال ~~له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ذاك الذي وجب عليك فإن تطوعت بخير ~~آجرك الله فيه وقبلناه منك فقال: ها هي ذه يا رسول الله، فأمر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بقبضها، ودعا له بالبركة» . # فصل: # ولا تجزئ القيمة في شيء من الزكاة. وعنه: يجزئ لأن المقصود غنى الفقير ~~بقدر المال. والأول المذهب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر هذه ~~الأعيان المنصوص عليها بيانا لما فرضه تعالى، فإخراج غيرها ترك للمفروض. ~~وقوله: فإن لم تكن بنت مخاض، فابن # PageV01P392 # لبون ذكر، يمنع إخراج ابن اللبون مع وجود ابنة المخاض، ويدل على أنه أراد ~~العين دون المالية، فإن خمسا وعشرون لا تخلوا عن مالية ابنة المخاض، وإخراج ~~القيمة يخالف ذلك، ويفضي إلى إخراج الفريضة مكان الأخرى من غير جبران، وهو ~~خلاف النص، واتباع السنة أولى. وقد روي عن معاذ أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لما بعثه إلى اليمن قال: «خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، ~~والبعير من الإبل، والبقرة من البقر» رواه أبو داود. ### | باب حكم الخلطة # وهي ضربان: # خلطة أعيان: بأن يملكا مالا مشاعا يرثانه أو يشتريانه أو غير ذلك. # وخلطة أوصاف: وهو أن يكون مال كل واحد منهما متميزا فخلطاه، ولم يتميزا ~~في أوصاف نذكرها، وكلاهما يؤثر في جعل مالهما كمال الواحد في شيئين: # أحدهما: أن الواجب فيهما كالواجب في مال واحد؛ فإن بلغا معا نصابا ففيهما ~~الزكاة، وإن زادا على النصاب لم يتغير الفرض حتى يبلغا فريضة ثانية. فلو ~~كان لكل واحد منهما عشرون كان عليهما شاة، وإن كان لكل واحد منهما ستون، لم ~~يجب أكثر من شاة، وإن كان لهما مال غير مختلط، تبع المختلط في الحكم فلو ~~كان لكل واحد منهما ستون، فاختلط في أربعين لم يلزمهما إلا شاة في ms0249 مالهما ~~كله؛ لأن مال الواحد يضم بعضه إلى بعض في الملك، فتضم الأربعين المنفردة ~~إلى العشرين المختلطة، فيلزم انضمامها إلى العشرين التي لخليطه، فيصير ~~الجميع كمال واحد، ولو كان لرجل ستون، كل عشرين منها مختلطة بعشرين لآخر، ~~فالواجب شاة واحدة، نصفها على صاحب الستين، ونصفها على الخلطاء، على كل ~~واحد سدس شاة، لما ذكرناه، فإن كان لأحدهم شاة مفردة، لزمهم شاتان. # والثاني: أن الساعي أخذ الفرض من مال أيهما شاء، سواء دعت إليه حاجة لكون ~~الفرض واحدا أو لم تدع إليه حاجة، بأن يجد فرض كل واحد منهما في ماله؛ لأن ~~مالهما صار كالمال الواحد في الإيجاب، فكذلك في الإخراج، ولذلك قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» ~~رواه البخاري. يعني: إذا أخذ الفرض من مال أحدهما. والأصل في الخلطة ما روى ~~أنس في حديث الصدقات: «ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة ~~وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» . ولأن المالين صارا ~~كالمال الواحد في المؤن، فكذلك في الزكاة. # PageV01P393 # فصل: # ويعتبر في الخلطة شروط خمس: # أحدها: أن تكون في السائمة ولا تؤثر الخلطة في غيرها. # وعنه: تؤثر فيها خلطة الأعيان لعموم الخبر، ولأنه مال تجب فيه الزكاة ~~فأثرت الخلطة فيه كالسائمة، ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«والخليطان ما اجتمعا على الحوض والراعي والفحل» رواه الدارقطني وهذا تفسير ~~للخلطة المعتبرة شرعا، فيجب تقديمه، ولأن الخلطة في السائمة أثرت في الضرر ~~لتأثيرها في النفع، وفي غيرها لا تؤثر في النفع لعدم الوقص فيها، وقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يجمع بين متفرق خشية الصدقة» دليل على ~~اختصاص ذلك بالسائمة التي تقل الصدقة بجمعها لأجل أوقاصها، بخلاف غيرها. # الثاني: أن يكون الخليطان من أهل الزكاة، فإن كان أحدهما مكاتبا أو ذميا ~~فلا أثر لخلطته؛ لأنه لا زكاة في ماله، فلم يكمل النصاب به. # الشرط الثالث: أن يختلطا في نصاب، فإن اختلطا فيما دونه، مثل أن يختلطا ~~في ثلاثين ms0250 شاة لم تؤثر الخلطة، سواء كان لهما مال سواه أو لم يكن؛ لأن ~~المجتمع دون النصاب فلم تجب الزكاة فيه. # الشرط الرابع: أن يختلطا في ستة أشياء لا يتميز أحدهما عن صاحبه فيها ~~وهي: المسرح، والمشرب، والمحلب، والمراح، والراعي، والفحل لما روى ~~الدارقطني بإسناده عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: «لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة والخليطان ~~ما اجتمعا في الحوض والفحل والراعي» نص على هذه الثلاثة، فنبه على سائرها، ~~ولأنه إذا تميز كل مال بشيء مما ذكرناه لم يصيرا كالمال الواحد في المؤن ~~ولا يشترط حلب المالين في إناء واحد؛ لأن ذلك ليس بمرفق بل ضرر، لاحتياجهما ~~إلى قسمته. # الشرط الخامس: أن يختلطا في جميع الحول، فإن ثبت لهما حكم الانفراد في ~~بعضه زكيا زكاة المنفردين فيه؛ لأن الخلطة، معنى يتعلق به إيجاب الزكاة ~~فاعتبرت في جميع الحول كالنصاب، فإن كان مال كل واحد منهما منفردا فخلطاه، ~~زكياه في الحول الأول زكاة الانفراد، وفيما بعد زكاة الخلطة، فإن اتفق ~~حولاهما مثل أن يملك كل واحد منهما أربعين في أول المحرم، وخلطاها في صفر، ~~فإذا تم حولهما الأول أخرجا شاتين، فإذا تم الثاني فعليهما شاة واحدة. وإن ~~اختلف حولاهما، فملك أحدهما أربعين في المحرم، والآخر أربعين في صفر، ~~فخلطاها في ربيع، أخرجا شاتين للحول الأول، فإذا # PageV01P394 # تم حول الأول والثاني فعليه نصف شاة، فإن أخرجا من غير النصاب فعلى ~~الثاني عند تمام حوله نصف شاة، وإن أخرجها من النصاب فعلى الثاني من الشاة ~~بقدر ماله من جميع المالين، فإذا كان ماله أربعين، ومال صاحب أربعون إلا ~~نصف شاة، فعليه أربعون جزءا من تسع وسبعين جزءا ونصف من شاة، وإن ثبت ~~لأحدهما حكم الانفراد دون صاحبه: نحو أن يملكا نصابين فخلطاهما، ثم باع ~~أحدهما ماله أجنبيا، فعلى الأول شاة عند تمام حوله؛ لأنه ثبت له حكم ~~الانفراد، فإذا تم حول الثاني فعليه زكاة الخلطة؛ لأنه لم يزل مخلطا في ms0251 ~~جميع الحول. # فصل: # فإن كان بينهما نصابان مختلطان، فباع أحدهما غنمه بغنم صاحبه وأبقياه على ~~الخلطة، لم ينقطع حولهما ولم تزل خلطتهما، وكذلك إن باع البعض بالبعض من ~~غير إفراد، قل المبيع أو كثر، فأما إن أفرداها، ثم تبايعا ثم خلطاها، وطال ~~زمان الإفراد بطل حكم الخلطة، وإن لم يطل ففيه وجهان: # أحدهما: لا ينقطع حكم الخلطة لأن هذا زمن يسير فعفي عنه. # والثاني: يبطل حكم الخلطة؛ لأنه قد وجد الانفراد في بعض الحول فيجب ~~تغليبه، كالكثير وإن أفردا بعض النصاب وتبايعاه، وكان الباقي على الخلطة ~~نصابا، لم تنقطع الخلطة؛ لأنها باقية في نصاب، وإن بقي أقل من نصاب فحكمه ~~حكم إفراد جميع المال. # وذكر القاضي: أن حكم الخلطة، ينقطع في جميع هذه المسائل ولا يصح؛ لأن ~~الخلطة لم تزل في جميع الحول، والبيع لا يقطع حكم الحول في الزكاة فكذلك في ~~الخلطة، ولو كان لكل واحد أربعون، مخالطة لمال آخر، فتبايعاها مختلطة، لم ~~يبطل حكم الخلطة، وإن اشترى بالمخالطة، مفردة، أو بالمفردة مختلطة، انقطعت ~~الخلطة، وزكى زكاة المنفرد؛ لأن زكاة المشتري تجب ببنائه على حول المبيع، ~~وقد ثبت لأحدهما حكم الانفراد في بعض الحول فيجب تغليبه. # فصل: # [إذا كان لرجل نصاب، فباع نصفه مشاعا في الحول] ، فقال أبو بكر: ينقطع ~~حول الجميع؛ لأنه قد انقطع في النصف المبيع، فكأنه لم يجر في حول الزكاة ~~أصلا، فلزم انقطاعه في الباقي. # PageV01P395 # وقال ابن حامد: لا ينقطع الحول فيما لم يبع؛ لأنه لم يزل مخالطا لمال جار ~~في حول الزكاة، وحدوث الخلطة لا يمنع ابتداء الحول، فلا يمنع استدامته، ~~وهكذا لو كان النصاب لرجلين، فباع أحدهما نصيبه أجنبيا فعلى هذا إذا تم حول ~~ما لم يبع ففيه حصته من الزكاة، فإن أخرجت منه نقص النصاب، فلم يلزم ~~المشتري زكاة، وإن أخرجت من غيره، وقلنا الزكاة تتعلق بالعين، فلا شيء على ~~المشتري أيضا لأن تعلق الزكاة بالعين يمنع وجوب الزكاة. # وقال القاضي: لا يمنع، فعلى قوله: على المشتري زكاة حصته إذا تم حوله، ms0252 ~~وإن قلنا تتعلق بالذمة لم يمنع وجوب الزكاة على المشتري؛ لأن النصاب لم ~~ينقص، فأما إن أفرد بعض النصاب وباعه، ثم خلطه المشتري بمال البائع، فقال ~~ابن حامد: ينقطع حولهما، لثبوت حكم الانفراد لهما. وقال القاضي: يحتمل أن ~~لا ينقطع حكم حول البائع؛ لأن هذا زمن يسير. # ولو كان لرجلين نصاب خلطة، فاشترى أحدهما نصيب صاحبه، أو ورثه، أو اتهبه ~~في أثناء الحول فهذه عكس المسألة الأولى صورة ومثلها معنى؛ لأنه في الأولى ~~كان خليط نفسه ثم صار خليط أجنبي، وههنا كان خليط أجنبي فصار خليط نفسه، ~~والحكم فيها كالحكم في الأولى، لاشتراكهما في المعنى. # ولو استأجر أجيرا يرعى غنمه بشاة منها، فحال الحول ولم يفردها فهما ~~خليطان، ولو أفردها فنقص النصاب فلا زكاة فيها، لنقصانها، وإن استأجره بشاة ~~موصوفة صح وجرت مجرى الدين في منعها من الزكاة على ما مضى من الخلاف فيه. # فصل: # وذكر القاضي شرطا سادسا وهو نية الخلطة؛ لأنه معنى يتغير به الفرض فافتقر ~~إلى النية، كالسوم، والصحيح أنه لا يشترط؛ لأن النية لا تؤثر في الخلطة فلا ~~تؤثر في حكمها؛ لأن المقصود بها الارتفاق بخفة المؤونة، وذلك يحصل في عدم ~~النية. # فصل: # إذا أخذ الساعي الفرض من مال أحدهما رجع على خليطه بقدر حصته من المال، ~~لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «وما كان من خليطين، فإنهما ~~يتراجعان بينهما بالسوية» فإذا كان لأحدهما الثلث فأخذ الفرض من ماله، رجع ~~على خليطه بقيمة ثلثيه، وإن أخذه من صاحبه، رجع صاحبه عليه بقيمة ثلثه، فإن ~~اختلفا في القيمة فالقول قول المرجوع عليه، إذا عدمت البينة؛ لأنه غارم ~~فالقول كالغاصب، وإن أخذ الساعي أكثر من الواجب بغير # PageV01P396 # تأويل، فأخذ مكان الشاة اثنتين، لم يرجع على صاحبه إلا بقدر الواجب؛ لأن ~~الزيادة ظلم، فلا يرجع بها على غير ظالمه، وإن أخذه بتأويل فأخذ صحيحة ~~كبيرة عن مراض صغار رجع على صاحبه؛ لأن ذلك إلى اجتهاد الإمام، فإذا أداه ~~اجتهاده إلى أخذه وجب دفعه إليه، وكان بمنزلة الواجب، وإن ms0253 أخذ القيمة رجع ~~بالحصة منها لأنه مجتهد فيه. # فصل: # فإن كانت سائمة الرجل في بلدين لا يقصر بينهما الصلاة فهي كالمجتمعة وإن ~~كان بينهما مسافة القصر فكذلك اختاره أبو الخطاب؛ لأنه مال واحد يضم إلى ~~بعض، كغير السائمة، وكما لو تقارب البلدان، والمشهور عن أحمد: أن لكل مال ~~حكم نفسه، لظاهر قوله - عليه السلام -: «لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين ~~متفرق خشية الصدقة» ، ولا يختلف المذهب في سائر الأموال أنه يضم مال الواحد ~~بعضه إلى بعض، تقاربت البلدان أو تباعدت، لعدم تأثير الخلطة فيها. ### | باب زكاة الزرع والثمار # وهي واجبة: بقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما ~~كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: 267] . وقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر، وما سقي بالنضح ~~نصف العشر» أخرجه البخاري، وبالإجماع. ولا تجب إلا بخمسة شروط: # أحدها: أن يكون حبا أو ثمرا، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~زكاة في حب أو ثمر حتى تبلغ خمسة أوسق» رواه مسلم. وهذا يدل على وجوب ~~الزكاة في الحب والثمر وانتفائها عن غيرهما. # الشرط الثاني: أن يكون مكيلا، لتقديره بالأوسق، وهي مكاييل، فيدل ذلك على ~~اعتبارها. # الشرط الثالث: أن يكون مما يدخر؛ لأن جميع ما اتفق على زكاته مدخر، ولأن ~~غير المدخر لا تكمل ماليته لعدم التمكن من الانتفاع به في المال. فتجب ~~الزكاة في جميع الحبوب المكيلة، المقتات منها، والقطاني، والأبازير والبزور ~~والقرطم، وحب القطن، ونحوها، وفي التمر، والزبيب، واللوز، والفستق، ~~والعناب، لاجتماع هذه # PageV01P397 # الأوصاف الثلاثة، [وقال ابن حامد: لا زكاة في الأبازير والبزور ونحوها] ، ~~ولا تجب في الخضر كالقثاء، والبطيخ، والباذنجان، لعدم هذه الأوصاف فيها، ~~وقد روى موسى بن طلحة أن معاذا لم يأخذ من الخضر صدقة: ولا تجب في سائر ~~الفواكه كالجوز، والتفاح، والإجاص، والكمثرى، والتين، لعدم الكيل فيها، ~~وعدم الادخار في بعضها، وقد روى الأثرم بإسناده أن عامل عمر - رضي الله عنه ~~- كتب إليه في كروم فيها ms0254 من الفرسك ما هو أكثر غلة من الكرم أضعافا مضاعفة، ~~فكتب إليه عمر: ليس عليها عشر هي من العضاه. والفرسك: الخوخ، ولا زكاة في ~~الزيتون؛ لأنه لا يدخر، وعنه: فيه الزكاة لقول الله تعالى: {والزيتون ~~والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده} ~~[الأنعام: 141] . # وقيل: لم يرد بهذه الآية الزكاة؛ لأنها مكية نزلت قبل وجوب الزكاة، ولهذا ~~لم تجب الزكاة في الرمان. ولا زكاة في تين، ولا ورق، ولا زهر؛ لأنه ليس بحب ~~ولا ثمر ولا مكيل. # وعنه في القطن والزعفران: زكاة لكثرته، وفي الورس والعصفر وجهان. بناء ~~على الزعفران. # وقال أبو الخطاب: تجب الزكاة في الصعتر، والأشنان؛ لأنه مكيل مدخر والأول ~~أولى؛ لأنه ليس بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص. # فصل: # الشرط الرابع: أن ينبت بإنبات الآدمي في أرضه، فأما النابت بنفسه، كبزر ~~قطونا والبطم وحب الأشنان والثمام، فلا زكاة فيه. ذكره ابن حامد؛ لأنه إنما ~~يملك بحيازته. والزكاة إنما تجب ببدو الصلاح، ولم يكن ملكا له حينئذ، فلم ~~تجب زكاته، كما لو اتهبه. وقال [القاضي] : فيه الزكاة، لاجتماع الأوصاف ~~الأول فيه. وما يلتقطه اللقاطون من السنبل لا زكاة فيه. نص عليه أحمد - رضي ~~الله عنه - وقال: هو بمنزلة المباحات ليس فيه صدقة. وما يأخذه الإنسان أجرة ~~لحصاده، أو يوهب له لا زكاة عليه # PageV01P398 # فيه، لما ذكرنا. ومن استأجر أرضا، أو استعارها فالزكاة عليه فيما زرع؛ ~~لأن الزرع ونفع الأرض له دون المالك. ومن زرع في أرض موقوفة عليه، فعليه ~~العشر؛ لأن الزرع طلق غير موقوف. فإن كان الوقف للمساكين فلا عشر فيه؛ لأنه ~~ليس لواحد معين إنما يملك المسكين ما يعطاه منه، فلم يلزمه عشره، كما لو ~~أخذ عشر الزرع غيره. # فصل: [في نصاب الزروع] الشرط الخامس: أن يبلغ نصابا قدر خمسة أوسق، لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس فيها دون خمسة أوسق صدقة» متفق عليه. ~~والوسق: ستون صاعا لما روى أبو سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «الوسق ms0255 ستون صاعا» رواه أبو داود. والصاع خمس أرطال وثلث، والمجموع ~~ثلاثمائة صاع، وهي ألف وستمائة رطل بالعراقي، والرطل مائة وثمانية وعشرون ~~درهما وأربعة أسباع، وهو بالرطل الدمشقي المقدر بستمائة درهم، ثلاثمائة رطل ~~واحد وأربعون رطلا وستة أسباع رطل. والأوساق مكيلة، وإنما نقل إلى الوزن ~~ليحفظ وينقل. قال أحمد: وزنته، يعني الصاع، فوجدته خمسة أرطال وثلثا حنطة، ~~وهذا يدل على أن قدره ذلك من الحبوب الثقيلة. فإن كان ما وجبت فيه الزكاة ~~موزونا كالقطن والزعفران اعتبر بالوزن؛ لأنه موزون ذكره القاضي. وحكي عنه ~~أنه قال: إذا بلغت قيمته قيمة خمسة أوسق من أدنى ما تخرجه الأرض ففيه ~~الزكاة، فإن كان الحب [قيمته قيمة خمسة أوسق] مما يدخر في قشره كالأرز، ~~فإنه علم أنه يخرج عن النصف، فنصابه عشرة أوسق مع قشره، وإن لم يعلم ذلك، ~~أو شك في بلوغ النصاب، خير بين أن يستنظر ويخرج عشره قبل قشره وبين قشره ~~واعتباره بنفسه. والعلس: نوع من الحنطة، يزعم أهله أنه إذا خرج من قشره لا ~~يبقى بقاء الحنطة، ويزعمون أنه يخرج عن النصف، فنصابه عشرة أوسق مع قشره، ~~ويعتبر أنه يبلغ النصاب من الحب مصفى، ومن الثمار يابسا. # وعنه: يعتبر النصاب في الثمرة رطبا ثم يخرج منه قدر عشر رطبه ثمرا، ولا ~~يصح؛ لأنه إيجاب لزيادة على العشر، والنص يرد ذلك. # فصل: # وتضم أنواع الجنس بعضها إلى بعض ليكمل النصاب، كما ذكرنا في الماشية، ~~فيضم العلس إلى الحنطة، والسلت إلى الشعير؛ لأنهما نوعا جنس واحد، ويضم زرع # PageV01P399 # العام الواحد بعضه إلى بعض، سواء اتفق وقت إطلاعه وإدراكه أو اختلف، ~~فيقدم بعضه على بعض ويضم الصيفي إلى الربيعي. ولو حصدت الذرة ثم نبتت مرة ~~أخرى يضم أحدهما إلى الآخر لأنه زرع عام واحد فضم بعضه إلى بعض كالمتقارب. ~~ويضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض لذلك. فإن كان له نخل يحمل حملين في ~~العام، ضم أحدهما إلى الآخر كالزرع. وقال القاضي في موضع: لا يضم الحمل ~~الثاني إلى شيء. والأول أولى. # فصل: # ولا ms0256 يضم جنس إلى غيره؛ لأنهما جنسان مختلفان، فلم يضم أحدهما إلى الآخر ~~كالماشية. # وعنه: تضم كل الحبوب بعضها إلى بعض، اختارها أبو بكر لأنها تتفق في قدر ~~النصاب، والمخرج، والمنبت، والحصاد، أشبهت أنواع الجنس. # وعنه: تضم الحنطة إلى الشعير، والقطنيات بعضها إلى بعض، اختاره الخرقي ~~والقاضي؛ لأنها تتقارب في المنفعة فأشبهت نوعي الجنس. وهذا ينتقض بالتمر ~~والزبيب، لا يضم أحدهما إلى الآخر مع ما ذكروه. # فصل: # وقدر الزكاة: العشر فيما سقي بغير كلفة، كماء السماء والعيون والأنهار، ~~ونصف العشر فيما سقي بكلفة كالدوالي والنواضح ونحوها للحديث الذي في أول ~~الباب، ولأن للكلفة تأثيرا في تقليل النماء، فيؤثر على الزكاة كالعلف في ~~الماشية، فإن سقي نصف السنة بكلفة، ونصفها بما لا كلفة فيه، ففيه ثلاث ~~أرباع العشر، وإن سقي بأحدهما أكثر من الآخر اعتبر بالأكثر؛ لأن اعتبار ~~السقي في عدد مراته، وقدر ما يشرب في كل مرة يشق ويتعذر، فاعتبر بالأكثر، ~~كالسوم. وقال ابن حامد: يجب بالقسط لأن ما وجب فيه بالقسط عند التماثل، ~~ويجب عند التفاضل كزكاة الفطر عن العبد المشترك. وإن جهل المقدار غلبنا ~~إيجاب العشر، نص عليه لأنه الأصل. وإن اختلف الساعي ورب المال في قدر شربه، ~~فالقول قول رب المال من غير يمين؛ لأن الناس لا يستحلفون على صدقاتهم، فإن ~~كان له حائطان، فسقى أحدهما بمؤنة، والآخر بغير مؤنة، ضم أحدهما إلى الآخر ~~في كمال النصاب، وأخذ من كل واحدة فرضه، ويجب فيما زاد على النصاب بحسابه، ~~قل أو كثر؛ لأنه يتجزأ فوجب فيه بحسابه كالأثمان. # PageV01P400 # فصل: # وإذا بدا الصلاح في الثمار واشتد الحب وجبت الزكاة؛ لأنه حينئذ يقصد ~~للأكل والاقتيات به، فأشبه اليابس، وقيل: لا يقصد لذلك، فهو كالرطبة. فإن ~~تلف قبل ذلك، أو أتلفه فلا شيء فيه؛ لأنه تلف قبل الوجوب، فأشبه ما لو أتلف ~~السائمة قبل الحول، إلا أن يقصد بإتلافها الفرار من زكاتها فتجب عليه لما ~~ذكرنا، وإن تلف بعد وجوبها، وقبل حفظها في بيدرها وجرينها بغير تفريط، فلا ~~ضمان عليه، سواء خرصت ms0257 أو لم تخرص؛ لأنها في حكم ما لم تثبت اليد عليه. ولو ~~تلف بجائحة رجع بها المشتري على البائع. وإن أتلفها أو فرط فيها ضمن نصيب ~~الفقراء بالخرص، أو بمثل نصيبهم. وإن أتلفها أجنبي ضمن نصيب الفقراء ~~بالقيمة؛ لأن رب المال عليه تخفيف هذا بخلاف الأجنبي. والقول في تلفها ~~وقدرها والتفريط فيها، قول رب المال؛ لأنه خالص حق الله تعالى، فلا يستحلف ~~فيه كالحد، وإن تلف بعد جعلها في الجرين فحكمها حكم تلف السائمة بعد الحول. # فصل: # ويستحب الإمام أن يبعث من يخرص الثمار حين بدو الصلاح، لما روت عائشة - ~~رضي الله عنها - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث عبد الله بن ~~رواحة إلى يهود فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه» . رواه أبو ~~داود. وعن عتاب بن أسيد قال: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~نخرص العنب كما نخرص النخل. فيؤخذ زكاته زبيبا كما تؤخذ زكاة النخل تمرا» . ~~رواه أبو داود. ويجزئ خارص واحد لحديث عائشة، ولأنه يفعل ما يؤديه إليه ~~اجتهاده، فجاز أن يكون واحدا كالحاكم. # ويعتبر أن يكون مسلما أمينا غير متهم ذا خبرة، فإن كانت الثمرة أنواعا ~~خرص كل نوع على حدته؛ لأن الأنواع تختلف، منها ما يكثر رطبه ويقل يابسه، ~~ومنها خلاف ذلك، فإن كانت نوعا واحدا خير بين خرص كل شجرة منفردة، وبين خرص ~~الجميع دفعة واحدة، ثم يعرف المالك قدر الزكاة، ويخيره بين حفظها إلى ~~الجذاذ، وبين التصرف فيها وضمان حق الفقراء فإن اختار حفظها فعليه زكاة ما ~~يؤخذون منها قل أو كثر؛ لأن الفقراء شركاؤه، فليس عليه أكثر من حقهم منها، ~~وإن اختار التصرف ضمن حصة الفقراء بالخرص، فإن ادعى غلط الساعي في الخرص، ~~دعوى محتملة، فالقول قوله بغير يمين، وإن ادعى غلطا كثيرا لا يحتمل مثله لم ~~يلتفت إليه لأنه يعلم كذبه، فإن اختار التصرف فلم يتصرف، أو تلفت فهو كما ~~لو لم يخير؛ لأن الزكاة أمانة فلا تصير مضمونة في الشرط كالوديعة. # PageV01P401 # فصل: # ويخرص ms0258 الرطب والعنب، لحديث عتاب، ولأن الحاجة داعية إلى أكلهما رطبين، ~~وخرصهما ممكن لظهور ثمرتهما، واجتماعها في أفنانها وعناقيدها، ولم يسمع ~~بالخرص من غيرهما، ولا هو في معناهما؛ لأن الزيتون ونحوه حبه متفرق في شجره ~~مستتر بورقه. # فصل: # وعلى الخارص أن يترك في الخرص الثلث أو الربع توسعة على رب المال، لحاجته ~~إلى الأكل منها والإطعام، ولأنها قد يتساقط منها وينتابها الطير والمارة، ~~وقد روى سهل بن أبي حثمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا خرصتم ~~فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا أو تجدوا الثلث فدعوا الربع» رواه أبو ~~داود. وعن مكحول قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث ~~الخراص قال: خففوا عن الناس فإن في المال العرية والواطئة والأكلة» رواه ~~أبو عبيد. فالعرية: النخلات يهب رب المال ثمرتها لإنسان، والواطئة: ~~السابلة، والأكلة: أرباب الأموال ومن تعلق بهم. فإن لم يترك الخارص شيئا ~~فلهم الأكل بقدر ذلك، ولا يحتسب عليهم، وإن لم يخرص عليهم، فأخرج رب المال ~~خارصا فخرص، وترك قدر ذلك، جاز. ولهم أكل الفريك من الزرع ونحوه، مما جرت ~~العادة بمثله، ولا يحتسب عليهم. # فصل: # وإذا احتيج إلى قطع الثمرة قبل كمالها، لخوف العطش أو غيره، أو لتحسين ~~بقية الثمرة جاز قطعها؛ لأن العشر وجب مواساة، فلا يكلف منه ما يهلك أصل ~~المال، ولأن حفظ الأصل أحظ للفقراء من حفظ [الثمرة، لتكرر حقهم فيها كما هو ~~أحظ للمالك. فإن كفى التجفيف لم يجز قطعها] ، فإن لم يكف جاز قطعها كلها، ~~وإن كانت الثمرة عنبا، لا يجيء منه زبيب، أو زبيبه رديء كالخمري، أو رطب لا ~~يجيء منه تمر جاز كالبربنا قطعه. # قال أبو بكر: وعليه قدر الزكاة في جميع ذلك يابسا، وذكر أن أحمد نص عليه. # وقال القاضي: لا يلزمه ذلك لأن الفقراء شركاؤه فلم يلزمه مواساتهم بغير ~~جنس ماله. ويتخير الساعي بين مقاسمة رب المال الثمرة قبل الجذاذ بالخرص، ~~ويأخذ نصيبهم # PageV01P402 # شجرات منفردة، وبين مقاسمة الثمرة بعد جذها بالكيل، ويقسم الثمرة في ~~الفقراء، ms0259 وبين بيعها للمالك أو لغيره قبل الجذاذ وبعده، ويقسم ثمنها في ~~الفقراء، فإن أتلفها رب المال فعليه قيمتها؛ لأنه لا يلزمه تجفيفها، فأشبه ~~الأجنبي. # فصل: # وما عدا ذلك لا يجوز إخراج الواجب من ثمرته إلا يابسا، ومن الحبوب إلا ~~مصفى؛ لأنه وقت الكمال وحالة الادخار، فإن كان نوعا واحدا أخرج عشره منه، ~~جيدا كان أو رديئا؛ لأن الفقراء بمنزلة الشركاء فيه. وإن كان أنواعا أخرج ~~من كل نوع حصته كذلك، ولا يجوز إخراج الرديء عن الجيد، ولا يلزم إخراج ~~الجيد عن الرديء، لما ذكرنا، ولا مشقة في هذا؛ لأنه لا يحتاج إلى تشقيص. # وقال أبو الخطاب: إن شق ذلك لكثرة الأنواع واختلافها، أخذ من الوسط، وإن ~~أخرج رب المال الجيد عن الرديء جاز، وله ثواب الفضل لما ذكرنا في السائمة. # فصل: # فأما الزيتون فإن لم يكن ذا زيت أخرج عشر حبه، وإن كان ذا زيت فأخرج من ~~حبه جاز كسائر الحبوب، وإن أخرج زيتا كان أفضل لأنه يكفي الفقراء مؤنته، ~~ويخرجه في حال الكمال والادخار. # فصل: # ويجوز لرب المال بيعه بعد وجوب زكاته؛ لأن الزكاة إذا كانت في ذمته لم ~~يمنع التصرف في ماله كالدين، وإن تعلقت بالمال، لكنه تعلق ثبت بغير ~~اختياره، فلم يمنع التصرف فيه كأرش الجناية، فإن باعه فزكاته عليه دون ~~المشتري ويلزمه إخراجها كما تلزمه لو لم يبعه. # فصل: # ويجتمع العشر والخراج في كل أرض فتحت عنوة، الخراج في رقبتها والعشر في ~~غلتها؛ لأن الخراج مؤنة الأرض فهو كالأجرة في الإجارة، ولأنهما حقان يحيان ~~لمستحقين، فيجتمعان كالكفارة، والقيمة في الصيد المملوك على المحرم. # وقال الخرقي: يؤدي الخراج ثم يزكي ما بقي؛ لأن الخراج دين من مؤنة الأرض، ~~فأشبه ما استدانه لينفقه على زرعه. وقد ذكرنا فيما استدانه رواية أخرى: أنه ~~لا يحتسب به فكذلك يخرج ههنا. # PageV01P403 # فصل: # ويجوز لأهل الذمة شراء الأرض العشرية، ولا عشر عليهم في الخارج منها؛ ~~لأنهم من غير أهل الزكاة، فأشبه ما لو اشتروا سائمة. ويكره بيعها لهم لئلا ~~يفضي إلى إسقاط ms0260 الزكاة. # وعنه: يمنعون شراءها لذلك، اختاره الخلال وصاحبه، فعلى هذا إن اشتروها، ~~ضوعف العشر عليهم، كما لو اتجروا إلى غير بلدانهم ضوعف عليهم ما يؤخذ من ~~المسلمين. # فصل: # وفي العسل العشر، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يؤخذ في زمانه من قرب العسل، من كل عشر قرب قربة ~~من أوسطها» . رواه أبو عبيد. وعن ابن عمر قال: قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «في العسل في كل عشر قرب قربة» رواه أبو داود والترمذي. وقال ~~الترمذي: في إسناده مقال، ولا يصح في هذا الباب عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كبير شيء. ومقتضى هذا أن يكون نصابه عشر قرب، والقربة مائة رطل. ~~كذلك ذكره العلماء في تقرير القرب التي قدروا بها في القلتين. وقال ~~أصحابنا: نصابه عشر أفراق؛ لأن الزهري قال: في عشرة أفراق فرق، ثم اختلفوا، ~~فقال ابن حامد والقاضي في المجرد: الفرق ستون رطلا، وحكي عن القاضي أنه ~~قال: الفرق ستة وثلاثون رطلا، والمشهور عند أهل العربية الفرق الذي هو ~~ثلاثة آصع، هو ستة عشر رطلا. ### | باب زكاة الذهب # والفضة وهي واجبة لقول الله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} [التوبة: 34] ، ولما نذكره من ~~النصوص، ولأنهما معدان للنماء، فأشبها السائمة، ولا زكاة إلا في نصاب، ~~ونصاب الورق مائتا درهم، ونصاب الذهب، عشرون مثقالا؛ لما روى عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس في أقل من ~~عشرين مثقالا من الذهب، ولا أقل من مائتي درهم صدقة» رواه أبو عبيد. ~~والاعتبار بدراهم الإسلام، التي وزن كل عشر منها سبعة مثاقيل بغير خلاف فإن ~~نقص النصاب كثيرا فلا زكاة فيه للحديث، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«ليس فيما دون خمسة أواق صدقة» . والأوقية أربعون درهما، وإن كان يسيرا ~~كالحبة والحبتين فظاهر كلام الخرقي لا # PageV01P404 # زكاة فيه للخبر؛ وقال غيره من أصحابنا: فيه الزكاة؛ لأن ms0261 هذا لا يضبط، فهو ~~كنقص الحول ساعة أو ساعتين. ولا يضم الذهب إلى الفضة في إكمال النصاب؛ ~~لأنهما جنسان. اختارها أبو بكر، وفرق بينها وبين الحبوب لاختلاف نصابهما ~~واتفاق نصاب الحبوب. وعن أحمد - رضي الله عنه -: أنه يضم؛ لأن مقاصدها ~~متفقة، فهما كنوعي الجنس، ويضم أحدهما إلى الآخر بالأجزاء فيحسب كل واحد من ~~نصابه، ثم يضم إلى صاحبه؛ لأن الزكاة تتعلق بأعيانها فلا تعتبر قيمتها ~~كسائر الأموال. # وعنه: تضم بالقيمة إن كان ذلك أحظ للفقراء فيقوم الأعلى منهما بالآخر، ~~فإذا ملك مائة درهم وتسعة دنانير، قيمتها مائة درهم، وجبت زكاتها، مراعاة ~~للفقراء، ويجب في الزائد على النصاب بحسابه؛ لأنه يتجزأ من غير ضرر فأشبه ~~الحبوب. # فصل: # والواجب فيها ربع العشر. لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «في الرقة ~~ربع العشر» رواه البخاري. والرقة: الدراهم المضروبة، فيجب في المائتين خمسة ~~دراهم وفي العشرين مثقال، نصف مثقال ويخرج عن كل واحد من الرديء والجيد، ~~وعن كل نوع من جنسه، إلا أن يشق ذلك لكثرة الأنواع واختلافها فيؤخذ من ~~الوسط لما ذكرنا في الماشية، وإن أخرج الجيد عن الرديء كان أفضل، فإن أخرج ~~رديئا عن جيد زاد بقدر ما بينهما من الفضل؛ لأنه لا ربا بين العبد وسيده. # وقال القاضي: هذا في المكسرة عن الصحيحة، أما المبهرجة فلا يجزئه، بل ~~يلزمه إخراج جيده، ولا يرجع فيما أخرج لله تعالى، وفي إخراج أحد النقدين عن ~~الآخر روايتان. بناء على ضم أحدهما إلى الآخر. ومن ملك مغشوشا منهما فلا ~~زكاة فيه حتى يبلغ قدر الذهب والفضة نصابا، فإن شك في بلوغه، خير بين سبكه ~~ليعرف، وبين أن يستظهر ويخرج، ليسقط الفرض بيقين. # فصل: # ولا زكاة في الجواهر واللآلئ؛ لأنها معدة للاستعمال، فأشبهت ثياب البذلة، ~~وعوامل الماشية، وأما الفلوس فهي كعروض التجارة تجب فيها زكاة القيمة. # فصل: # ومن ملك مصوغا من الذهب أو الفضة محرما كالأواني، وما يتخذه الرجل لنفسه ~~من الطوق ونحوه، وخاتم الذهب وحلية المصحف والدواة والمحبرة والمقلمة ~~والسرج # PageV01P405 # واللجام وتازير المسجد، ففي الزكاة؛ ms0262 لأن هذا فعل محرم فلم يخرج به عن ~~أصله. فإن كان مباحا كحلية النساء المعتادة من الذهب والفضة، وخاتم الرجل ~~من الفضة، وحلية سيفه وحمائله ومنطقته، وجوشنه وخوذته وخفه ورانه من الفضة ~~وكان معدا للتجارة، أو نفقة أو كراء بيت؛ ففيه الزكاة؛ لأنه معد للنماء، ~~فهو كالمضروب، وإن أعد للبس والعارية، فلا زكاة فيه، لما روى جابر عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس في الحلي زكاة» ولأنه مصروف عن جهة ~~النماء إلى استعمال مباح فلم تجب فيه زكاته كثياب البذلة. وحكى ابن أبي ~~موسى عنه أن فيه الزكاة، لعموم الأخبار. # فصل: # ولا فرق بين كثير الحلي وقليله لعدم ورود الشرع بتحديده. وقال ابن حامد: ~~إن بلغ حلي المرأة ألف مثقال فهو محرم وفيه الزكاة؛ لأن جابرا قال: إن ذلك ~~لكثير. ولأنه سرف لم تجز العادة به، فأشبه ما لو اتخذت حلي الرجال. # فصل: # فإن انكسر الحلي كسرا لا يمنع اللبس فهو كالصحيح، إلا أن ينوي ترك لبسه، ~~وإن كان كسرا يمنع الاستعمال، ففيه الزكاة لأنه صار كالنقرة. ولو نوى بحلي ~~اللبس التجار والكرى انعقد عليه حول الزكاة من حين نوى؛ لأن الوجوب الأصل ~~فانصرف إليه بمجرد النية، كما لو نوى بمال التجارة القنية. # فصل: # ويعتبر النصاب في المصوغ بالوزن لعموم الخبر، فإن كانت قيمته أكثر من ~~وزنه لصناعة محرمة فلا عبرة بزيادة القيمة؛ لأنها معدومة شرعا، وإن كانت ~~مباحة كحلي التجارة فعليه قدر ربع عشره في زنته وقيمته؛ لأن زيادة القيمة ~~ها هنا بغير محرم، فأشبه زيادة قيمته لنفاسة جوهره، فإن أخرج ربع عشره ~~مشاعا جاز، وإن دفع قدر ربع عشره وزاد في الوزن بحيث يستويان في القيمة ~~جاز؛ لأن الربا لا يجري ها هنا، وإن أراد كسره، ودفع ربع عشره مكسورا لم ~~يجز؛ لأنه ينقص قيمته، وإن كان في الحلي جواهر ولآلئ وكان للتجارة قوم ~~جميعه، وإن كان لغيرها فلا زكاة فيها؛ لأنها لا زكاة فيها منفردة فكذلك مع ~~غيرها. ### | باب زكاة المعدن # وهو ما استخرج ms0263 من الأرض مما خلق فيها من غير جنسها كالذهب والفضة # PageV01P406 # والحديد والنحاس والزبرجد والبلور والعقيق والكحل والمغرة وأشباهها، ~~والقار والنفط والكبريت ونحوه، فتجب فيه الزكاة، لقول الله تعالى: {ومما ~~أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: 267] . وروى الجوزجاني بإسناده عن بلال بن ~~الحارث المزني: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ من معادن القبلية ~~الصدقة» . وقدرها ربع العشر؛ لأنها زكاة في الأثمان، فأشبهت زكاة سائر ~~الأثمان، أو تتعلق بالقيمة أشبهت زكاة التجارة، ولا يعتبر لها حول؛ لأنه ~~يراد لتكامل النماء، وبالوجود يصل إلى النماء فلم يعتبر له حول كالعشر. ~~ويشترط له النصاب وهو مائتا درهم من الورق، أو عشرون مثقالا من الذهب، أو ~~ما قيمته ذلك من غيرهما، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس فيما دون خمس ~~أواق صدقة» ولأنها زكاة تتعلق بالأثمان أو بالقيمة فاعتبر لها النصاب ~~كالأثمان أو العروض. ويعتبر إخراج النصاب متواليا، فإن ترك العمل ليلا أو ~~نهارا للراحة، أو لإصلاح الأداة، أو لمرض أو إباق عبد فهو كالمتصل؛ لأن ذلك ~~العادة. وإن خرج بين النيلين تراب لا شيء فيه فاشتغل به فهو مستديم للعمل، ~~وإن تركه ترك إهمال فلكل دفعة حكم نفسها. قال القاضي: ويعتبر النصاب في كل ~~جنس منفردا، والأولى ضم الأجناس إلى المعدن الواحد في تكميل النصاب؛ لأنها ~~تتعلق بالقيمة فيضم، وإن اختلفت الأنواع، كالعروض. ولا يحتسب بما أنفق على ~~المعدن في إخراجه وتصفيته؛ لأنه كمؤن الحصاد والزراعة. ولا تجب على من ليس ~~من أهل الزكاة؛ لأنه زكاة. ويمنع الدين وجوبه، كما يمنع في الأثمان. وتجب ~~في الزائد على النصاب بحسابه؛ لأنه مما يتجزأ، ويخرج زكاته من قيمته كما ~~يخرج من قيمة العروض. # فصل: # فأما الخارج من البحر كاللؤلؤ والمرجان والعنبر ففيه روايتان: # إحداهما: لا شيء فيه؛ لأن ابن عباس قال: لا شيء في العنبر إنما هو شيء ~~ألقاه البحر، ولأنه قد كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وخلفائه فلم يسبق فيه سنة. # والثانية: فيه زكاة؛ لأنه معدن أشبه معدن البر. ولا ms0264 شيء في السمك؛ لأنه ~~صيد فهو كصيد البر. # وعنه: فيه الزكاة قياسا على العنبر. # فصل: # ويجوز بيع تراب معادن الأثمان بغير جنسه، ولا يجوز بجنسه لإفضائه إلى ~~الربا، # PageV01P407 # وزكاته على البائع؛ لأن رجلا باع معدنا، ثم أتى عليا - رضي الله عنه - ~~فأخبره، فأخذ زكاته منه. ولأنه باع ما وجبت عليه زكاته فكانت عليه، كبائع ~~الحب بعد صلاحه. وتتعلق الزكاة بالمعدن بظهوره، كتعلقها بالثمرة بصلاحها، ~~ولا يخرج منه إلا بعد السبك والتصفية كالحب والثمر. ### | باب حكم الركاز # وهو مال الكفار المدفون في الأرض، وفيه الخمس، لما روى أبو هريرة عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: «وفي الركاز الخمس» متفق عليه. ~~ولأنه مال كافر مظهور عليه بالإسلام فوجب فيه الخمس كالغنيمة، ويجب الخمس ~~في قليله وكثيره من أي نوع كان من غير حول لذلك. ويجب على كل واجد له من ~~أهل الزكاة وغيرهم لذلك. ومصرفه مصرف الفيء لذلك، ولأنه روي عن عمر - رضي ~~الله عنه - أنه رد بعض خمس الركاز على واجده، ولا يجوز ذلك في الزكاة. # وعنه: أنه زكاة مصرفه مصرفها، اختارها الخرقي. لأن عليا - رضي الله عنه - ~~أمر واجد الركاز أن يتصدق به على المساكين، ولأنه حق تعلق بمستفاد من الأرض ~~فأشبه صدقة المعدن والعشر. وفي جواز رده على واجده وجهان لما ذكرنا من ~~الروايتين، ويجوز لواجده أن يفرق الخمس بنفسه، نص عليه واحتج بحديث علي، ~~ولأنه أوصل الحق إلى مستحقه فبرئ منه، كما لو فرق الزكاة. # فصل: # والركاز: ما دفنه الجاهلية، ويعتبر ذلك برؤية علاماتهم عليه، كأسماء ~~ملوكهم وصورهم وصلبهم؛ لأن الأصل أنه لهم، فأما ما عليه علامات المسلمين ~~كأسمائهم أو قرآن ونحوه فهو لقطة؛ لأنه ملك مسلم لم يعلم زواله عنه، وكذلك ~~إن كان على بعضه علامة الإسلام وعلى بعضه علامة الكفار؛ لأن الظاهر أنه صار ~~لمسلم فدفنه، وما لا علامة عليه فهو لقطة تغليبا لحكم الإسلام. # فصل: # ولا يخلو الركاز من أربعة أحوال: # أحدها: أن يجده في موات فهو لواجده. # الثاني: وجده في ملك ms0265 آدمي معصوم، ففيه روايتان: # PageV01P408 # إحداهما: يملكه واجده؛ لأنه لا يملك بملك الأرض إذ ليس هو من أجزائها، ~~وإنما هو مودع فيها، فجرى مجرى الصيد والكلأ، يملكه من ظفر به كالمباحات ~~كلها، وإن ادعاه صاحب الأرض فهو له مع يمينه، لثبوت يده على محله. # والثانية: هو لصاحب الأرض إن اعترف به، وإن لم يعترف به، فهو لأول مالك؛ ~~لأنه في ملكه، فكان له كحيطانه، فإن كان الملك موروثا فهو للورثة، إلا أن ~~يعترفوا أنه لم يكن لمورثهم فيكون لمن قبله، فإن اعترف به [بعضهم دون بعض ~~فللمعترف به نصيبه وباقيه لمن قبله] . # الثالث: وجده في ملك انتقل إليه فهو له بالظهور عليه، وإن قلنا: لا يملك ~~به فهو للمالك قبله إن اعترف به، وإلا فهو لأول مالك. # الرابع: وجده في أرض الحرب وقدر عليه بنفسه فهو له؛ لأن مالك الأرض لا ~~حرمة له فأشبه الموات وإن لم يقدر عليه إلا بجماعة المسلمين فهو غنيمة؛ لأن ~~قوتهم أوصلته إليه وإن وجد في ملك انتقل إليه ما عليه علامة الإسلام، ~~فادعاه من انتقل عنه ففيه روايتان: # إحداهما: يدفع إليه من غير تعريف ولا صفة؛ لأنه كان تحت يده فالظاهر أنه ~~ملكه، كما لو لم ينتقل عنه. # والثانية: لا يدفع إليه إلا بصفة؛ لأن الظاهر أنه لو كان له لعرفه. وإن ~~اكترى دارا فظهر فيها دفين، فادعى كل واحد من المالك والمكتري أنه دفنه ~~ففيه وجهان: # أحدهما: القول قول المالك؛ لأن الدفين تابع للأرض. # والثاني: القول قول المكتري؛ لأنه مودع في الأرض وليس منها، فكان القول ~~قول من يده عليه كالقماش. # فصل: # وإذا استأجر أجيرا ليحفر له طالبا لكنز فوجد كنزا فهو للمستأجر؛ لأنه ~~استأجره لذلك، فأشبه ما لو استأجره ليحتش له، وإن استأجره لغير ذلك فوجد ~~كنزا فهو للأجير؛ لأنه غير مقصود بالإجارة. فكان للظاهر عليه كما لو ~~استأجره ليحتمل له فوجد صيدا. ### | باب زكاة التجارة # وهي واجبة، روى سمرة بن جندب قال: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أمرنا أن نخرج ms0266 # PageV01P409 # الصدقة مما نعده للبيع» . رواه أبو داود. ولأنه مال نام فتعلقت به الزكاة ~~كالسائمة، ولا تجب إلا بشروط أربعة: # أحدهما: نية التجارة، لقوله: مما نعده للبيع، ولأن العروض مخلوقة في ~~الأصل للاستعمال فلا تصير للتجارة إلا بنيتها، كما أن ما خلق للتجارة وهي ~~الأثمان لا تصير للقنية إلا بنيتها. ويعتبر وجودها في جميع الحول؛ لأنها ~~شرط أمكن اعتباره في جميع الحول فاعتبر فيه كالنصاب. # الثاني: أن يملك العروض بفعله كالشراء ونحوه بنية التجارة. # وعنه: تصير للتجارة بمجرد النية، اختاره أبو بكر، وابن عقيل للخبر، ولأنه ~~يصير للقنية بمجرد النية، فلأن يصير للتجارة بذلك أولى. وظاهر المذهب ~~الأول؛ لأن ما لا تتعلق به الزكاة من أصله لا يصير لها بمجرد النية، ~~كالمعلوفة إذا نوى بها الإسامة، وفارق نية القنية؛ لأنها الأصل فكفى فيها ~~مجرد النية كالإقامة مع السفر، فعلى هذا إن لم ينو عند التملك ونوى بعده لم ~~تجب الزكاة فيه؛ لأنه نية مجردة، ولو نوى بتملكه أنه للتجارة، ثم نواه ~~للقنية صار للقنية؛ لأنها الأصل، وإن نوى بعد للتجارة لم يصر لها حتى ~~يبيعه. # الشرط الثالث: أن يبلغ قيمته نصابا من أقل الثمنين قيمة، فإذا بلغ أحدهما ~~نصابا دون الآخر قومه به، ولا يعتبر ما اشتراه به؛ لأن تقويمه لحظ الفقراء ~~فيعتبر ما لهم الحظ فيه، ولو كان أثمانا قومه كالسلع؛ لأنه وجد فيه معنيان ~~يقتضيان الإيجاب فيعتبر ما يتعلق به الإيجاب كالسوم والتجارة، فإن بلغ ~~نصابا من كل واحد منهما قومه بما هو أحظ للفقراء، فإن استويا قومه بما شاء ~~منهما. # الشرط الرابع: الحول لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا زكاة في مال حتى ~~يحول عليه الحول» ويعتبر وجوب النصاب في جميع الحول؛ لأن ما اعتبر له الحول ~~والنصاب اعتبر وجوده في جميعه كالأثمان. # ولو اشترى للتجارة عرضا لا يبلغ نصابا، ثم بلغه، انعقد الحول عليه من حين ~~صار نصابا. وإن ملك نصابا فنقص انقطع الحول، فإن عاد فنما فبلغ النصاب ~~استأنف الحول على ما ذكرنا في السائمة والأثمان. ms0267 # وإن ملك نصابا في أوقات فلكل نصاب حول، ولا يضم نصاب إلى نصاب؛ لأن ~~المستفاد يعتبر له حول أصله على ما أسلفناه، وإن لم يكمل الأول إلا بالثاني ~~فحولهما منذ ملك الثاني، وإن لم يكمل إلا بالثالث فحول الجميع من حين كمل ~~النصاب. # PageV01P410 # فصل: # ولا يشترط أن يملك العرض بعوض. ذكره ابن عقيل وأبو الخطاب، وقال القاضي: ~~يشترط أن يملكه بعوض كالبيع والخلع والنكاح، فإن ملكه بهبة أو احتشاش أو ~~غنيمة لم يصر للتجارة؛ لأنه ملك بغير عوض أشبه الموروث. ولنا: أنه ملكه ~~بفعله أشبه المملوك بالبيع، وفارق الإرث؛ لأنه بغير فعله فجرى مجرى ~~الاستدامة. # فصل: # وإذا اشترى نصابا للتجارة بآخر لم ينقطع الحول؛ لأن الزكاة تتعلق ~~بالقيمة، والقيمة فيها واحدة انتقلت من سلعة إلى سلعة، فهي كدراهم نقلت من ~~بيت إلى بيت، وإن اشتراه بأثمان لم ينقطع الحول؛ لأن القيمة في الأثمان ~~كانت ظاهرة فاستترت في السلعة، وكذلك لو باع نصاب التجارة بنصاب الأثمان لم ~~ينقطع الحول لذلك، وإن اشترى نصابا للتجارة بعرض للقنية، أو بما دون نصاب ~~من الأثمان أو عرض التجارة، انعقد الحول من حين الشراء؛ لأن ما اشترى به لم ~~يجر في حول الزكاة فلم يبن عليه، ولو اشترى نصابا للتجارة بنصاب سائمة، أو ~~سائمة بنصاب تجارة، انقطع الحول؛ لأنهما مختلفان، فإن كان نصاب التجارة ~~سائمة فاشترى به نصاب سائمة للقنية لم ينقطع الحول. لأن السوم سبب للزكاة ~~إنما قدم عليه زكاة التجارة لقوته، فإذا زال المعارض ثبت حكم السوم لظهوره. # فصل: # وإذا ملك للتجارة سائمة فحال الحول، والسوم ونية التجارة موجودان فبلغ ~~المال نصاب أحدهما دون الآخر كخمس من الإبل لا تبلغ قيمتها مائتي درهم، أو ~~أربع تبلغ ذلك، وجب زكاة ما وجد نصابه، لوجود سببها خاليا عن معارض لها، ~~وإن وجد نصابهما كخمس قيمتها مائتا درهم، وجبت زكاة التجارة وحدها؛ لأنها ~~أحظ للفقراء لزيادتها بزيادة القيمة من غير وقص. وسواء تم حولهما جميعا، أو ~~تقدم أحدهما صاحبه لذلك. وإن اشترى أرضا أو نخلا للتجارة ms0268 فأثمرت النخل ~~وزرعت الأرض فكذلك في أحد الوجهين، وفي الآخر يزكي الثمرة والزرع زكاة ~~العشر، ثم يقوم النخل والأرض فيزكيهما؛ لأن ذلك أحظ للفقراء لكثرة الواجب ~~وزيادة نفعه. # فصل: # وتقوم السلعة عند الحول بما فيها من نماء وربح؛ لأن الربح من نمائها فكان ~~حولها كسخال السائمة، وما نما بعد الحول ضم إليه في الحول الثاني؛ لأنه ~~إنما وجد فيه، # PageV01P411 # ويكمل نصاب التجارة بالأثمان؛ لأن زكاة التجارة تتعلق بالقيمة فهما جنس ~~واحد وتخرج الزكاة من قيمة العروض لا من أعيانها؛ لأن زكاتها تتعلق بالقيمة ~~لا بالأعيان، وما اعتبر النصاب فيه وجبت الزكاة منه كسائر الأموال. وقدر ~~زكاته ربع العشر؛ لأنها تتعلق بالقيمة فأشبهت زكاة الأثمان، وفيما زاد على ~~النصاب بحسابه لذلك، ويخرج عنها ما شاء من عين أو ورق لأنهما جميعا قيمة. # فصل: # وإذا تم الحول على مال المضاربة فعلى رب المال زكاة رأس المال وحصته من ~~الربح؛ لأن حول الربح حول الأصل، وله إخراجها من المال؛ لأنها من مؤنته ~~وواجبة لسببه، ويحسبها من نصيبه؛ لأنها واجبة عليه فتجب عليه كدينه، ويحتمل ~~أن تحسب من الربح؛ لأنها من مؤنة المال فأشبهت أجرة الكيال. وفي زكاة حصة ~~المضارب وجهان. فمن أوجبها لم يجوز إخراجها من المال؛ لأن الربح وقاية رأس ~~المال فليس عليه إخراجها من غيره حتى يقبض، فيؤدي لما مضى كالدين، ويحتمل ~~جواز إخراجها منه؛ لأنهما دخلا على حكم الإسلام، ومن حكمه وجوب الزكاة ~~وإخراجها من المال. # فصل: # وإذا أذن كل واحد من الشريكين للآخر في إخراج زكاته فأخرجاها معا، ضمن كل ~~واحد منهما نصيب صاحبه؛ لأنه انعزال عن الوكالة بشروع موكله في الإخراج، ~~وإن أخرجها أحدهما قبل الآخر، ضمن الثاني نصيب الأول، علم بإخراجه أو لم ~~يعلم؛ لأن الوكالة زالت بزوال ما وكل فيه، فأشبه ما لو وكله في بيع ثوب ثم ~~باعه الموكل، ويحتمل أن لا يضمن إذا لم يعلم؛ لأن المالك غيره. # فصل: # ومن اشترى شقصا للتجارة بمائتي درهم، فحال الحول وقيمته أربعمائة فعليه ~~زكاة أربعمائة، ويأخذه الشفيع ms0269 بمائتين؛ لأن الشفيع يأخذه في الحال بالثمن ~~الأول، وزكاته على المشتري؛ لأنها زكاة ماله، ولو وجد به عيبا رده بالثمن ~~الأول وزكاته على المشتري. ### | باب صدقة الفطر # وهي واجبة على كل مسلم، لما روى ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: «فرض # PageV01P412 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر من رمضان على الذكر ~~والأنثى، والحر والمملوك من المسلمين، صاعا من تمر أو صاعا من شعير)) ، ~~فعدل الناس به نصف صاع من بر على الصغير والكبير، وأمر أن تؤدى قبل خروج ~~الناس إلى الصلاة» . متفق عليه. # وتجب على المكاتب عن نفسه للخبر، ولأنه مسلم تلزمه نفقته فلزمته فطرته ~~كالحر، ولا تجب على كافر، ولا على أحد بسببه، فلو كان للمسلم عبد كافر أو ~~زوجة كافرة لم تجب فطرتهما، لقوله: «من المسلمين» ، ولأنها زكاة، فلم تلزم ~~الكافر كزكاة المال، وتجب على الصغير للخبر والمعنى، ويخرج من حيث يخرج ~~نفقته؛ لأنها تابعة لها. ولا تجب على جنين، كما لا تجب على أجنة السائمة، ~~ويستحب إخراجها عنه؛ لأن عثمان - رضي الله عنه - كان يخرج عن الجنين، وإن ~~ملك الكافر عبدا مسلما، لم تجب فطرته؛ لأن العبد لا مال له والسيد كافر. # وعنه: على السيد فطرته؛ لأنه من أهل الطهرة فلزم سيده فطرته كما لو كان ~~مسلما. # فصل: # ولا تجب إلا بشرطين: # أحدهما: أن يفضل عن نفقته ونفقة عياله يوم العيد وليلته صاع؛ لأن النفقة ~~أهم فتجب البداءة بها لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «ابدأ بنفسك» رواه ~~مسلم. وفي لفظ: «وابدأ بمن تعول» رواه الترمذي. فإن فضل صاع واحد أخرجه عن ~~نفسه، فإن فضل آخر، بدأ بمن تلزمه البداءة بنفقته، على ما نذكره في بابه إن ~~شاء الله لأنها تابعة للنفقة، فإن فضل بعض صاع ففيه روايتان: # إحداهما: يلزمه إخراجه، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أمرتكم بأمر ~~فأتوا منه ما استطعتم» متفق عليه. ولأنه لو ملك بعض العبد لزمته فطرته، ~~فكذلك إذا ملك بعض المؤدى لزمه أداؤه. # والثانية: لا يلزمه؛ لأنه عدم ما ms0270 يؤدي به الفرض فلم يلزمه، كمن عليه ~~الكفارة إذا # PageV01P413 # لم يملك إلا بعض الرقبة. فإن فضل صاع وعليه دين يطالب به، قدم قضاؤه؛ ~~لأنه حق آدمي مضيق وهو أسبق، فكان أولى، فإن لم يطالب به فعليه الفطرة؛ ~~لأنه حق توجهت المطالبة به فقدم على ما لا يطالب به، ولا يمنع الدين وجوبها ~~لتأكدها بوجوبها على الفقير من غير حول. # فصل: # الشرط الثاني: دخول وقت الوجوب، وهو غروب الشمس من ليلة الفطر، لقول ابن ~~عمر: «فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر من رمضان» . وذلك ~~يكون بغروب الشمس، فمن أسلم أو تزوج أو ولد له ولد أو ملك عبدا أو أيسر بعد ~~الغروب، لم تلزمه فطرتهم، وإن غربت وهم عنده ثم ماتوا فعليه فطرتهم؛ لأنها ~~تجب في الذمة فلم تسقط بالموت ككفارة الظهار. # فصل: # والأفضل إخراجها يوم العيد قبل الصلاة للخبر، ولأن المقصود إغناء الفقراء ~~يوم العيد عن الطلب، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اغنوهم عن الطلب ~~في هذا اليوم» رواه سعيد بن منصور. وفي إخراجها قبل الصلاة إغناء لهم في ~~اليوم كله، فإذا قدمها قبل ذلك بيومين جاز؛ لأن ابن عمر كان يؤديها قبل ذلك ~~باليوم واليومين، ولأن الظاهر أنها تبقى أو بعضها فيحصل الغنى بها فيه، وإن ~~عجلها لأكثر من ذلك لم يجز؛ لأن الظاهر أنه ينفقها فلا يحصل بها الغنى ~~المقصود يوم العيد، وإن أخرها [عن الصلاة ترك الاختيار لمخالفته الأمر، ~~وأجزأت لحصول الغنى بها في اليوم، وإن أخرها] عن اليوم أثم لتأخيره الحق ~~الواجب عن وقته ولزمه القضاء؛ لأنه حق مال وجب فلا يسقط بفوات وقته كالدين. # فصل: # ولا يشترط لوجوبها الغنى بنصاب ولا غيره، لما روى أبو داود بإسناده عن ~~ثعلبة بن أبي صعير عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أدوا ~~صدقة الفطر صاعا من بر أو قمح عن كل اثنين صغير أو كبير، حر أو مملوك، غني ~~أو فقير، أما غنيكم فيزكيه الله، وأما فقيركم فيرد الله عليه ms0271 أكثر مما ~~أعطى» ، ولأنه حق مالي لا يزيد بزيادة المال فلم يشترط في وجوبه النصاب ~~كالكفارة. # PageV01P414 # فصل: # ومن لزمته فطرة نفسه لزمته فطرة من تلزمه مؤنته من المسلمين، لما روى ابن ~~عمر قال: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصدقة الفطر عن الصغير ~~والكبير، والحر والعبد. ممن تمونون» . فيجب على الرجل فطرة زوجته وعبده ~~وزوجة عبده؛ لأن نفقتهم عليه، فإن كان له عبد آبق فعليه فطرته؛ لأنها تجب ~~بحق الملك والملك لم يزله الإباق. قال أحمد: ولا يعطي عنه، إلا أن يعلم ~~مكانه، وذلك لأنه يحتمل أنه قد مات أو ارتد فلم تجب الفطرة مع الشك، فإن ~~علم حياته بعد ذلك لزمه الإخراج لما مضى، وإن كانت له زوجة ناشز لم تلزمه ~~فطرتها؛ لأنه لا تلزمه نفقتها. وقال أبو الخطاب: تلزمه قطرتها كما يلزم ~~السيد فطرة الآبق. وإن كان لزوجته خادم تلزمه نفقته لزمته فطرته. وإن كان ~~العبد لسادة فعليهم فطرته؛ لأن عليهم نفقته، وعلى كل واحد من فطرته بقدر ما ~~يلزمه من نفقته؛ لأنها تابعة لها فتقدرت بقدرها. # وعنه: على كل سيد فطرة كاملة؛ لأنها طهرت فوجب تكميلها ككفارة القتل. ومن ~~نصفه حر ففطرته عليه وعلى سيده لما ذكرناه، ومن نفقتها على اثنين من ~~أقاربه، أو الأمة التي نفقتها على سيدها: وزوجها، فطرته عليهما كذلك. ومن ~~تكفل بمؤنة شخص فمانه شهر رمضان فالمنصوص عن أحمد أن عليه فطرته لدخوله في ~~عموم قوله: «ممن تمونون» . # واختار أبو الخطاب: أنه لا تلزمه فطرته كما لا تلزمه نفقته، وحمل الخبر ~~على من تلزمه المؤنة بدليل وجوبها على الآبق، ومن ملكه عند الغروب ولم ~~يمنهما، وسقوطها عمن مات أو أعتق قبل الغروب وقد مانه. # فصل: # على الموسرة التي زوجها معسر فطرة نفسها؛ لأنه كالمعدوم. وإن كانت أمة ~~ففطرتها على سيدها لذلك، ويحتمل أن لا تجب فطرتهما؛ لأن من تجب عليه النفقة ~~معسر فسقطت، كما لو كانت الزوجة والسيد معسرين، ومن لزمت فطرته غيره ~~فأخرجها عن نفسه بغير إذنه ففيه وجهان: # أحدهما: يجزئه ms0272 لأدائه ما عليه. # والثاني: لا يجزئه؛ لأنها تجب على غيره فلا يجزئ إخراجها بغير إذن من ~~وجبت عليه، كزكاة المال. # فصل: # والواجب في الفطرة صاع من كل مخرج، لحديث ابن عمر - رضي الله عنهما -، ~~ولما # PageV01P415 # روى أبو سعيد قال: «كنا نعطيها في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - صاعا ~~من طعام أو صاعا من شعير، أو صاعا من أقط، أو صاعا من زبيب، فلما جاء ~~معاوية وجاءت السمراء قال: إن مدا من هذا يعدل مدين. قال أبو سعيد: فلا ~~أزال أخرجه كما كنت أخرجه» . متفق عليه. # ومن قدر على هذه الأصناف الأربعة لم يجزه غيرها؛ لأنها المنصوص عليها ~~فأيها أخرج أجزأه، سواء كانت قوته أو لم تكن لظاهر الخبر. ويجزئ الدقيق ~~والسويق من الحنطة والشعير لقول أبي سعيد، «لم نخرج على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إلا صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من زبيب أو ~~صاعا من دقيق، ثم شك فيه سفيان بعد، فقال: دقيق أو سلت» . رواه النسائي. ~~ولأنه أجزاء بحب يكال أو يدخر، فأشبه الحب. ويجزئ إخراج صاع من أجناس إذا ~~لم يعدل عن المنصوص؛ لأن كل واحد منها يجزئ منفردا فأجزأ بعض من هذا وبعض ~~من هذا، كما لو كان العبد لجماعة، وقال أبو بكر يتوجه قول آخر أنه يعطي ما ~~قام مقام هذه الخمسة لظاهر قوله: صاعا من طعام. قال: والأول أقيس. وفي ~~الأقط روايتان: # إحداهما: يجزئ إخراجه مع وجود غيره؛ لأنه في الخبر. # والثانية: لا يجزئ إلا عند عدم الأصناف. قال الخرقي: إن أعطى أهل البادية ~~الأقط أجزأ إذا كان قوتهم، وذلك لأنه لا يجزئ في الكفارة ولا تجب الزكاة ~~فيه، فإن عدم الخمسة أخرج ما قام مقامها من كل مقتات من الحب والتمر، وقال ~~ابن حامد: يخرجون من قوتهم أي شيء كان، كالذرة والدخن ولحوم الحيتان ~~والأنعام. # فصل: # والأفضل عن أبي عبد الله - رضي الله عنه - إخراج التمر. لما روى مجاهد ~~قال: قلت لابن عمر: إن الله قد ms0273 أوسع والبر أفضل من التمر. قال: إن أصحابي ~~قد سلكوا طريقا وأنا أحب أن أسلكه، فآثر الاقتداء بهم على غيره. وكذلك ~~أحمد. ثم بعد التمر البر؛ لأنه أكثر نفعا وأجود. # فصل: # ولا يجزئ الخبز لأنه خارج من الكيل والادخار، ولا حب معيب ولا مسوس، ولا ~~قديم تغير طعمه، لقول الله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة: ~~267] . ولا تجزئ القيمة؛ لأنه عدول عن المنصوص. # PageV01P416 # فصل: # والصاع خمس أرطال وثلث بالعراقي، وهو بالرطل الذي وزنه ستمائة درهم رطل ~~وأوقية وثلثا أوقية إلى ثلثي درهم. # قال أحمد: الصاع: خمسة أرطال وثلث حنطة، فإن أعطى خمسة أرطال وثلثا تمرا ~~فقد أوفى، وقيل له: إن الصيحاني ثقيل، فقال: لا أدري. وهذا يدل على أنه ~~ينبغي أن يحتاط في الثقيل بزيادة شيء على خمسة أرطال وثلث ليسقط الفرض ~~بيقين. ومصرفها مصرف زكاة المال؛ لأنها زكاة. ويجوز إعطاء الواحد ما يلزم ~~الجماعة، كما يجوز دفع زكاة مالهم إليه، وإعطاء الجماعة ما يلزم الواحد كما ~~يجوز تفرقة ماله عليهم. ### | باب إخراج الزكاة والنية فيه # لا يجوز إخراج الزكاة إلا بنية، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إنما الأعمال بالنيات» ولأنها عبادة محضة فافتقرت إلى النية كالصلاة، ~~ويجوز تقديمها على الدفع بالزمن اليسير كما في سائر العبادات، ولأنه يجوز ~~التوكل فيها بنية غير مفارقة لأداء الوكيل. ويجب أن ينوي الزكاة أو الصدقة ~~الواجبة، أو صدقة المال، أو الفطر، فإن نوى صدقة مطلقة لم تجزه؛ لأن الصدقة ~~تكون نفلا فلا ينصرف إلى الفرض إلا بتعيين، ولو تصدق بجميع ماله تطوعا لم ~~يجزه؛ لأنه لم ينو الفرض. ولا يجب تعيين المال المزكى عنه، فإن كان له ~~نصابان، فأخرج الفرض عن أحدهما بعينه أجزأه؛ لأن التعيين لا يضر، وإن أطلق ~~عن أحدهما أجزأه؛ لأنه لو أطلق لكان عن أحدهما فلا يضر التقييد به. وإن نوى ~~أنه لو كان الغائب سالما فهو زكاته وإلا فهو عن الحاضر، صح، وكان على ما ~~نواه. وإن نوى أنه زكاة أو تطوع لم يصح؛ لأنه لم ms0274 يخلص النية للفرض، وإن نوى ~~أنه زكاة مالي وإن لم يكن سالما فهو تطوع صح؛ لأنه هكذا يقع فلا يضر ~~التقييد به، ولو نوى إن كان أبي قد مات فصار ماله لي فهذا زكاته لم يصح؛ ~~لأنه لم يبن على أصل. ولو نوى عن ماله الغائب فبان تالفا لم يكن له صرفه ~~إلى الحاضر؛ لأنه عينه للغائب، فأشبه ما لو أعتق عبدا عن كفارة لم يملك ~~صرفه إلى أخرى. # فصل: # وإذا كان في إخراج الزكاة، ونوى عند الدفع إلى الوكيل ونوى الوكيل عند ~~الأداء، جاز. وإن نوى الوكيل ولم ينو الموكل لم يجزه؛ لأنها فرض عليه فلم ~~يجزه من غير نية، وإن نوى الموكل عند الدفع إلى الوكيل ولم ينو الوكيل عند ~~الدفع. # فقال أبو الخطاب: يجزئ؛ لأن الذي عليه الفرض قد نوى، ويحتمل أنه إن نوى # PageV01P417 # بعد الأداء من الدفع لم يجزه؛ لأن الدفع حصل من غير نية قريبة ولا ~~مقارنة، وإن دفعها إلى الإمام برئ منها بكل حال؛ لأن يد الإمام كيد ~~الفقراء. وإن أخذها الإمام قهرا أجزأت من غير نية رب المال؛ لأنها تؤخذ من ~~الممتنع فلو لم تجزئ ما أخذت. هذا ظاهر كلام الخرقي ويحتمل أن لا تجزئه ~~فيما بينه وبين الله تعالى إلا بنيتها؛ لأنها عبادة محضة فلم تجز بغير نية، ~~كالمصلي كرها، وهذا اختيار أبي الخطاب وابن عقيل، وقال القاضي: تجزئ نية ~~الإمام في الكره والطوع؛ لأن أخذ الإمام كالقسم بين الشركاء، والأول أولى. # فصل: # ولا يجوز تعجيل الزكاة قبل كمال النصاب؛ لأنه سببها فلم يجز تقديمها عليه ~~كالتكفير قبل الحلف، ويجوز تعجيلها بعده، لما روي عن علي - رضي الله عنه -: ~~«أن العباس سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرخص له في أن يعجل ~~الصدقة قبل أن تحل فرخص له» . رواه أبو داود. ولأنه حق مال أجل للرفق فجاز ~~تعجيله قبل أجله، كالدين ودية الخطأ. # وفي تعجيلها لأكثر من عام روايتان: # إحداهما: يجوز لأنه عجلها بعد سببها. # والثانية: لا يجوز؛ لأنه عجلها ms0275 قبل انعقاد حولها، فأشبه ما لو عجلها قبل ~~انعقاد وقت نصابها، فإن ملك نصابا فعجل زكاة نصابين عنه وعما يستفيده في ~~الحول الآخر أجزأه عن النصاب دون الزيادة؛ لأنه عجل زكاة الزيادة قبل ~~وجودها، ولو ملك خمسا من الإبل فعجل شاتين عنها وعن نتاجها، فحال الحول وقد ~~نتجت خمسا فكذلك، لما ذكرنا، وإن ملك أربعين شاة فعجل عنها شاة، ثم ماتت ~~الأمهات وبقيت سخالها، أجزأت عنها؛ لأنها لا تجزئ عنها وعن أمهاتها لو كانت ~~باقية فعنها وحدها أولى، بخلاف التي قبلها، ولو ملك عرضا قيمته ألف، فعجل ~~زكاة ألفين، فحال الحول وقيمته ألفان أجزأه عن ألف واحد لما ذكرنا. # فصل: # وإذا عجل الزكاة فلم تتغير الحال وقعت موقعها، وإن ملك نصابا فعجل زكاته ~~وحال الحول وهو ناقص مقدار ما عجلها أجزأت عنه. وإن ملك مائة وعشرين، فعجل ~~شاة ثم نتجت أخرى قبل كمال الحول؛ لزمه شاة ثانية؛ لأن المعجل كالباقي على ~~ما ملكه في إجزائه عن الزكاة عند الحول، وكذلك في إيجاب الزكاة، وإن تغيرت ~~الحال قبل الحول بموت الآخذ أو غناه أو ردته فإن الزكاة تجزئ عن ربها وليس ~~له ارتجاعها، # PageV01P418 # لأنه أداها إلى مستحقها فبرئ منها، كما لو تلفت عند أخذها أو استغنى بها، ~~أما إن تغيرت حال رب المال بموته أو ردته، أو تلف النصاب أو بعضه، أو بيعه ~~أو حالهما معا. # فقال أبو بكر والقاضي: الحكم كذلك لأنه دفعها إلى مستحقها فلم يملك ~~الرجوع بها، كما لو لم يعلمه. # وقال ابن حامد: إن لم يعلمه رب المال أنها زكاة معجلة لم يكن له الرجوع ~~عليه؛ لأن الظاهر أنها عطية تلزم بالقبض، فلم يكن له الرجوع بها، وإن كان ~~الدافع الساعي أو رب المال، لكنه أعلم الآخذ أنها زكاة معجلة، رجع عليه؛ ~~لأنه دفعها عن ما يستحقه القابض في الثاني، فإذا طرأ ما يمنع الاستحقاق وجب ~~رده، كالأجرة إذا انهدمت الدار قبل السكنى، ثم إن وجدها بعينها أو زائدة ~~زيادة متصلة رجع بها؛ لأن هذه الزيادة تتبع ms0276 في الفسوخ فتبعت ههنا، وإن زادت ~~زيادة منفصلة فهي للفقير؛ لأنها انفصلت في ملكه، وإن نقصت لزم الفقير نقصها ~~لأنه ملكها بقبضها فكان نقصها عليه كالمعيب، وإن تلفت فعليه قيمتها يوم ~~قبضها؛ لأن ما زاد بعد ذلك أو نقص إنما هو في ملك الفقير، فإن قال المالك: ~~أعلمته الحال فأنكر الفقير فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه منكر. # فصل: # ولو عجلها إلى غني فافتقر عند وجوبها لم يجزه؛ لأنه لم يعطها لمستحقها ~~وإن عجلها فدفعها إلى مستحقها ثم مات المالك فحبسها الوارث عن زكاته، لم ~~يجزه؛ لأنها عجلت قبل ملكه، فأشبه ما عجلها هو، وإن تسلف الإمام الزكاة ~~فهلكت في يده، لم يضمنها، وكانت من ضمان الفقراء، سواء سأله رب المال أو ~~الفقراء أو لم يسأله الجميع؛ لأن يده كأيديهم وله ولاية عليهم، بدليل أن له ~~أخذ الزكاة بغير إذنهم، فإذا تلفت من غير تفريط لم يضمن كولي اليتيم. # فصل: # وظاهر كلام القاضي أنه لا يجوز تعجيل العشر؛ لأنه يجب بسبب واحد وهو بدو ~~الصلاح في الثمرة والحب، فتعجيله تقديما له على سببه، وقال أبو الخطاب: ~~يجوز تعجيله إذا ظهرت الثمرة وطلع الزرع، ولا يجوز قبله؛ لأن وجود ذلك كملك ~~النصاب، وبدو الصلاح كتمام الحول. وأما المعدن والركاز فلا يجوز تقديم ~~صدقتهما قولا واحدا؛ لأن سبب وجوبها يلازم وجوبها ولا يجوز تقديمها قبل ~~سببها. # PageV01P419 ### | باب قسم الصدقات # يجوز لرب المال تفريق زكاته بنفسه؛ لأن عثمان - رضي الله عنه - قال: هذا ~~شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليقضه ثم يزكي بقية ماله. وأمر علي - رضي ~~الله عنه - واجد الركاز أن يتصدق بخمسه. وله دفعها إلى الإمام عدلا كان أو ~~غيره، لما روى سهيل بن أبي صالح قال: أتيت سعد بن أبي وقاص فقلت: عندي مال ~~وأريد إخراج زكاته، وهؤلاء القوم على ما ترى. فقال: ادفعها إليهم. فأتيت ~~ابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد - رضي الله عنهم -، فقالوا مثل ذلك، ولأنه ~~نائب عن مستحقها فجاز الدفع إليه كولي اليتيم. قال أحمد: أعجب إلي ms0277 أن ~~يخرجها، وذلك لأنه على ثقة من نفسه، ولا يأمن من السلطان أن يصرفها في غير ~~مصارفها. # وعنه: ما يدل على أنه يستحب دفع زكاة الأموال الظاهرة إلى السلطان دون ~~الباطنة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفاءه - رضي الله عنهم - ~~كانوا يبعثون سعاتهم لقبض زكاة الأموال الظاهرة دون الباطنة. وقال ابن أبي ~~موسى وأبو الخطاب: دفعها إلى الإمام العادل أفضل؛ لأنه أعلم بالمصارف، ~~والدفع إليه أبعد من التهمة، ويبرأ بها ظاهرا وباطنا، ودفعها إلى أهلها، ~~يحتمل أن يصادف غير مستحقها فلا يبرأ بها باطنا. # فصل: # ويجب على الإمام أن يبعث السعاة لقبض الصدقات؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - والخلفاء - رضي الله عنهم - كانوا يفعلونه، ولأن في الناس من لا ~~يؤدي صدقته أو لا يعلم ما عليه، ففي إهمال ذلك ترك للزكاة. ومن شرط الساعي ~~أن يكون بالغا عاقلا أمينا؛ لأن الصبي والمجنون لا قبض لهما، والخائن يذهب ~~بمال الزكاة، ولا يشترط كونه فقيرا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ~~بعث عمر وعمله وكان غنيا، ولأن ما يعطيه أجرة، فأشبه أجرة حملها، ولا كونه ~~حرا؛ لأن المقصود يحصل منه من غير ضرر، فأشبه الحر، ولا فقيها إذا كتب له ~~ما يأخذ وحد له، أو بعث معه من يعلمه ذلك. لأنه استئجار على استيفاء حق فلم ~~يشترط له الفقه كاستيفاء الدين # قال أبو الخطاب: في إسلامه روايتان: # إحداهما: لا يشترط ذلك، ولأنه قد يعرف منه الأمانة بالتجربة، بدليل قوله ~~تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} [آل عمران: 75] . # PageV01P420 # والأخرى: هو شرط؛ لأن الكفر ينافي الأمانة. وقد قال عمر - رضي الله عنه ~~-: لا تأتمنوهم وقد خونهم الله تعالى. قال أصحابنا: وجوز أن يكون من ذوي ~~القربى؛ لأن ما يأخذه أجرة فلم يمنع منها كأجرة الحمل، وظاهر الخبر يمنع ~~ذلك، فإن «الفضل بن عباس وعبد المطلب بن ربيعة سألا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقالا: يا رسول الله، لو بعثتنا على هذه الصدقة فنصيب منها ما ~~يصيب ms0278 الناس، ونؤدي إليك ما يؤدي الناس. فأبى أن يبعثهما، وقال: إن هذه ~~الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس» رواه مسلم. # فصل: # وإذا كان الساعي يبعث لأخذ العشر بعث في وقت إخراجه، وإن بعث لقبض غيره، ~~بعث في أول محرم؛ لأنه أول السنة. ويستحب أن يعد الماشية على أهلها على ~~الماء أو في أفنيتهم، لما روى عبد الله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «تؤخذ صدقات الناس على مياههم وأفنيتهم» ، وإن أخبره صاحب ~~المال بعدده قبل منه، وإن قال: لم يكمل الحول أو فرقت زكاته ونحو هذا مما ~~يمنع الأخذ منه، قبل منه ولم يحلفه؛ لأن الزكاة عبادة وحق لله تعالى، فلا ~~يحلف عليهما كالصلاة والحد. وإن أعطاه صدقته، استحب أن يدعو له، لقول الله ~~تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن ~~لهم} [التوبة: 103] . وروى عبد الله بن أبي أوفى قال: «كان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان فأتاه ~~أبي بصدقة فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى» متفق عليه. ولا يجب الدعاء لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر سعاته بذلك. ويستحب أن يقول: آجرك ~~الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورا. ويستحب للمعطي أن ~~يقول: اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما. وإن وجد الساعي مالا لم يكمل ~~حوله، فسلفه ربه زكاته أخذها، وإن أبى لم يجبره؛ لأنه ليس بواجب عليه، فإما ~~أن يوكل من يقبضها منه عند حولها، وإما أن يؤخرها إلى الحول الثاني. # PageV01P421 # فصل: # ويؤمر الساعي بتفريق الصدقة في بلدها، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لمعاذ: «أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» . ولا ~~يجوز نقلها عنهم إلى بلد تقصر فيه الصلاة لذلك، ولأن نقلها عنهم يفضي إلى ~~ضياع فقرائهم، فإن نقلها رب المال ففيه روايتان: # إحداهما: لا يجزئه؛ لأنه حق واجب لأصناف بلد، فلم يجزئ إعطاؤه لغيرهم ~~كالوصية ms0279 لأصناف بلد. # والأخرى: يجزئه؛ لأنهم من أهل الصدقات، فإن استغنى عنها أهل بلدها جاز ~~نقلها، لما روي أن معاذا بعث إلى عمر صدقة من اليمن، فأنكر عمر ذلك وقال: ~~لم أبعثك جابيا ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس وترد في ~~فقرائهم. فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحدا يأخذه مني. رواه أبو ~~عبيد في كتاب الأموال. فإن كان مال الرجل غائبا عنه زكاه في بلد المال، فإن ~~كان متفرقا زكى كل مال حيث هو، فإن كان نصابا من السائمة ففيه وجهان: # أحدهما: يلزمه في كل بلد من الرفض بقدر ما فيه من المال، لئلا تنقل زكاته ~~إلى غير بلده. # والثاني: يجزئه الإخراج في بعضها، لئلا يفضي إلى تشقيص زكاة الحيوان. وإن ~~كان ماله تجارة يسافر به. قال أحمد - رضي الله عنه -: يزكيه في الموضع الذي ~~أكثر مقامه فيه. # وعنه: يعطي بعضه في هذا البلد وبعضه في هذا. وقال القاضي: يخرج زكاته حيث ~~حال حوله؛ لأن المنع من هذا يفضي إلى تأخير الزكاة. وإن كان ماله في بادية، ~~فرق زكاته في أقرب البلاد إليها. # فصل: # إذا احتاج الساعي إلى نقل الصدقة استحب أن يسم الماشية؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يسمها، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك لتمييزها عن غنم ~~الجزية والضوال، ولترد إلى مواضعها إذا شردت، ويسم الإبل والبقر في أصول ~~أفخاذها؛ لأنه موضع صلب يقل ألم الوسم فيه، وهو قليل الشعر فتظهر السمة ~~ويسم الغنم في آذانها، فيكتب عليها: لله أو زكاة. وإن وقف من الماشية في ~~الطريق شيء، أو خاف هلاكه جاز بيعه؛ لأنه موضع ضرورة، وإن باع لغير ذلك ~~فقال القاضي: البيع باطل وعليه الضمان؛ لأنه متصرف # PageV01P422 # بالإذن ولم يؤذن له في ذلك، ويحتمل الجواز؛ لأن قيس بن أبي حازم روى «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء فسأل عنها، ~~فقال المصدق: إني ارتجعتها بإبل فسكت» . رواه سعيد بن منصور. ومعنى ~~الارتجاع أن يبيعها ويشتري بثمنها ms0280 غيرها. ### | باب ذكر الأصناف الذين تدفع الزكاة لهم # وهم ثمانية ذكرهم الله تعالى في قوله: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين ~~والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن ~~السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم} [التوبة: 60] . # فلا يجوز صرفها إلى غيرهم من بناء مساجد أو إصلاح طريق أو كفن ميت؛ لأن ~~الله تعالى خصهم بها بقوله: إنما وهي للحصر تثبت المذكور وتنفي ما عداه. ~~ولا يجب تعميمهم بها. # وعنه: يجب تعميمهم والتسوية بينهم. وأن يدفع من كل صنف إلى ثلاثة فصاعدا؛ ~~لأنه أقل الجمع، إلا العامل، فإن ما يأخذه أجرة فجاز أن يكون واحدا، وإن ~~تولى الرجل إخراجها بنفسه سقط العامل. وهذا اختيار أبي بكر؛ لأن الله تعالى ~~جعلها لهم بلام التمليك، وشرك بينهم بواو التشريك، فكانت بينهم على السواء ~~كأهل الخمس، والأول: المذهب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «قال لمعاذ: ~~أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» أمر بردها في صنف ~~واحد. «وقال لقبيصة لما سأله في حمالة: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك ~~بها» وهو صنف واحد. وأمر بني بياضة بإعطاء صدقاتهم سلمة بن صخر وهو واحد، ~~فتبين بهذا أن مراد الآية بيان مواضع الصرف دون التعميم؛ ولذلك لا يجب ~~تعميم كل صنف، ولا التعميم بصدقة واحد إذا أخذها الساعي، بخلاف الخمس. # فصل: # إذا تولى الإمام القسمة بدأ بالساعي فأعطاه عمالته؛ لأنه يأخذ عوضا فكان ~~حقه آكد ممن يأخذ مواساة. وللإمام أن يعين أجرة الساعي قبل بعثه، وله أن ~~يبعثه من غير شرط؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث عمر - رضي الله ~~عنه - ساعيا ولم يجعل له أجرة فلما جاء أعطاه، فإن عين له أجرة دفعها إليه، ~~وإلا دفع إليه أجرة مثله. ويدفع منها أجرة الحاسب والكاتب # PageV01P423 # والعداد والسائق والراعي والحافظ والحمال والكيال ونحو ذلك؛ لأنه من ~~مؤنتها فقدم على غيره. # فصل: # والفقراء والمساكين صنفان، وكلاهما يأخذ لحاجته إلى مؤنة نفسه، والفقراء ~~أشد حاجة؛ لأن الله تعالى بدأ بهم والعرب إنما ms0281 تبدأ بالأهم فالأهم، ولأن ~~الله تعالى قال: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} [الكهف: 79] ~~. فأخبر أن لهم سفينة يعملون بها، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~استعاذ من الفقر وقال: «اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة ~~المساكين» رواه الترمذي. فدل على أن الفقراء أشد، فالفقير من ليس له ما يقع ~~موقعا من كفايته من مكسب ولا غيره، والمسكين الذي له ذلك، فيعطى كل واحد ~~منهما ما تتم به كفايته. وإذا ادعى الفقر من لم يعرف بغنى قبل قوله بغير ~~يمين؛ لأن الأصل عدم المال، وإن ادعاه من عرف غناه لم يقبل إلا ببينة، لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل ~~أصابته فاقة حتى يشهد له ثلاث من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة ~~فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش» رواه مسلم. وإن ~~رآه جلدا وذكر أنه لا كسب له أعطاه من غير يمين، لما روى عبيد الله بن عدي ~~بن الخيار: «أن رجلين أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقسم ~~الصدقة فسألاه شيئا، فصعد بصره فيهما وصوبه، وقال لهما: إن شئتما أعطيتكما ~~ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب» رواه أبو داود. # وإن ادعى أن له عيالا: فقال القاضي وأبو الخطاب: يقلد في ذلك كما قلد في ~~حاجة نفسه. # وقال ابن عقيل: لا يقبل إلا ببينة؛ لأن الأصل عدم العيال، فلا تتعذر ~~إقامة البينة عليهم، وإن كان لرجل دار يسكنها، أو دابة يحتاج إلى ركوبها، ~~أو خادم يحتاج إلى خدمته، أو بضاعة يتجر بها، أو ضيعة يستغلها، أو سائمة ~~يقتنيها، ولا يقوم بكفايته فله أخذ ما تتم به الكفاية ولا يلزمه بيع شيء من ~~ذلك قل أو كثر. # فصل: # الصنف الرابع: المؤلفة وهم السادة المطاعون في عشائرهم، وهم ضربان: كفار ~~ومسلمون، فالكفار من يرجى إسلامهم أو يخاف شرهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أعطى صفوان بن أمية يوم حنين ms0282 قبل إسلامه ترغيبا له في الإسلام. # PageV01P424 # والمسلمون أربعة أضرب: # منهم من له شرف، يرجى بإعطائه إسلام نظيره، فإن أبا بكر الصديق - رضي ~~الله عنه - أعطى عدي بن حاتم ثلاثين فريضة من الصدقة، وأعطى الزبرقان بن ~~بدر، مع ثباتهما وحسن نياتهما. # الثاني: ضرب نيتهم ضعيفة في الإسلام، فيعطون لتقوى نيتهم فيه، فإن أنسا ~~قال «حين أفاء الله على رسوله أموال هوزان طفق رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل وقال: إني أعطي رجالا حدثاء عهد ~~بكفر أتالفهم» متفق عليه. # الثالث: قوم إذا أعطوا قاتلوا ودفعوا عن المسلمين. # الرابع: قوم إذا أعطوا جبوا الزكاة، ممن لا يعطيها إلا أن يخاف فكل هؤلاء ~~يجوز الدفع إليهم من الزكاة لأنهم داخلون في اسم المؤلفة. وقد سمى الله ~~تعالى لهم سهما. # وروى حنبل عن أحمد - رضي الله عنه - أن حكمهم انقطع؛ لأن عمر وعثمان - ~~رضي الله عنهما - لم يعطياهم شيئا. والمذهب الأول. فإن سهمهم ثبت بكتاب ~~الله تعالى وسنة رسوله ولا يثبت النسخ بالاحتمال وترك عمر وعثمان عطيتهم، ~~وإنما كان لغناهم عنهم. والمؤلفة إنما يعطون للحاجة إليهم، فإن استغني عنهم ~~فلا شيء لهم. # فصل: # الخامس: الرقاب. وهم المكاتبون، يعطون ما يؤدونه في كتابتهم، ولا يقبل ~~قوله: إنه مكاتب إلا ببينة لأن الأصل عدمها، فإن صدقه المولى ففيه وجهان: # أحدهما: يقبل؛ لأن السيد يقر على نفسه. # والثاني: لا يقبل؛ لأنه متهم في أن يواطئه ليأخذ الزكاة بسببه. وللسيد ~~دفع زكاته إلى مكاتبه؛ لأنه معه في باب المعاملة كالأجنبي، ويجوز أن يردها ~~المكاتب إليه؛ لأنه يأخذها وفاء عن دينه، فأشبه الغريم. ولا يزاد المكاتب ~~على ما يوفي كتابته، ويجوز أن يدفع إليه قبل حلول النجم لئلا يحل وهو معسر ~~فتنفسخ كتابته. وهل يجوز الإعتاق من الزكاة فيه روايتان: # إحداهما: يجوز؛ لأنه من الرقاب فيدخل في الآية فعلى هذا يجوز أن يعين في ~~ثمنها، وأن يشتريها كلها من زكاته ويعتقها، ولا يجوز أن يشتري ذا رحمه ~~المحرم عليه، فإن فعل عتق عليه ms0283 ولم تسقط الزكاة؛ لأن عتقه حصل بسبب غير ~~الإعتاق من الزكاة، ويجوز أن يفتك منها أسيرا مسلما؛ لأنه فك رقبته من ~~الأسر. # PageV01P425 # والرواية الثانية: لا يجوز الإعتاق منها لأن الآية تقضي الدفع إلى ~~الرقاب، لقوله: {وفي سبيل الله} [التوبة: 60] ، يريد الدفع إلى المجاهدين ~~والعبد لا يدفع إليه. # فصل: # السادس: الغارمون، وهم ضربان: ضرب غرم لإصلاح ذات البين، وهو من يحمل دية ~~أو مالا لتسكين فتنة، وإصلاح بين طائفتين، فيدفع إليه من الصدقة ما يؤدي ~~حمالته، وإن كان غنيا، لما روى قبيصة بن مخارق قال: «تحملت حمالة فأتيت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسأله فيها فقال: أقم يا قبيصة حتى ~~تأتينا الصدقة فنأمر لك بها. ثم قال: يا قبيصة إن الصدقة لا تحل إلا لثلاث، ~~رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك» رواه مسلم، ولأنه يأخذ ~~لمصلحة المسلمين، فجاز له الأخذ مع الغنى كالغازي. # الضرب الثاني: من غرم لمصلحة نفسه في مباح، فيعطى من الصدقة ما يقضي ~~غرمه، ولا يعطي مع الغنى لأنه يأخذ لحاجة نفسه فلم يدفع إليه مع الغنى ~~كالفقير. وإن غرم في معصية، لم يدفع إليه قبل التوبة؛ لأنه لا يؤمن أن ~~يستعين بها في المعصية، وفي إعطائه بعد التوبة وجهان: # أحدهما: يعطى؛ لأنه يأخذ لتفريغ ذمته، لا لمعصية فجاز، كإعطائه لفقره. # والثاني: لا يعطى؛ لأنه لا يؤمن عوده إلى المعصية، ولا يقبل قوله: إنه ~~غارم إلا ببينة فإن صدقه الغريم فعلى وجهين. ويجوز للرجل دفع زكاته إلى ~~غريمه وأخذها منه لما ذكرنا في المكاتب. # فصل: # السابع: في سبيل الله وهم الغزاة الذين لا حق لهم في الديوان إذا نشطوا ~~غزوا، ويعطون قدر ما يحتاجون إليه لغزوهم، من نفقة طريقهم وإقامتهم، وثمن ~~السلاح والخيل إن كانوا فرسانا، وما يعطون السايس وحمولتهم إن كانوا رجالا ~~مع الغنى؛ لأنهم يأخذون لمصلحة المسلمين. ولا يعطى الراتب في الديوان؛ لأنه ~~يأخذ قدر كفايته من الفيء. وفي الحج روايتان: # إحداهما: هو من سبيل الله فيعطى من الصدقة ما يحج ms0284 به حجة الإسلام، أو ~~يعينه فيها مع الفقر، لما روي «أن رجلا جعل ناقة له في سبيل الله فأرادت ~~امرأته الحج فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: اركبيها فإن الحج في ~~سبيل الله» رواه أبو داود. # PageV01P426 # والثانية: لا يجوز ذلك؛ لأن سبيل الله إذا أطلق إنما يتناول الغزو، ولأنه ~~لا مصلحة للمسلمين في حج الفقير، ولا حاجة به إلى إيجاب الحج عليه، فلم ~~يدفع إليه كحج النفل. # فصل: # الثامن: ابن السبيل. وهو المسافر المنقطع به وله اليسار في بلده، فيعطى ~~من الصدقة ما يبلغه، فأما المنشئ للسفر من بلده فليس بابن سبيل؛ لأن السبيل ~~الطريق، وابنها الملازم لها الكائن فيها، والقاطن في بلده ليس بمسافر، ولا ~~له حكم المسافر. فإن كان هذا فقيرا أعطي لفقره، وإلا فلا. ومن كان سفره ~~لمعصية فهل يدفع إليه بعد التوبة ما يرجع به؟ على وجهين، كما ذكرنا فيمن ~~غرم لمعصية. # فصل: # ولا يدفع إلى واحد منهم أكثر مما يدفع به حاجته، فلا يزاد الفقير ~~والمسكين على ما يغنيهما، ولا العامل على أجرته، ولا المؤلفة على ما يحصل ~~به التأليف، ولا الغارم والمكاتب على ما يقضي دينهما، ولا الغازي على ما ~~يحتاج إليه لغزوه، ولا ابن السبيل على ما يوصله بلده؛ لأن الدفع لحاجة، ~~فوجب أن يتقيد بها، وإن اجتمع في واحد سببان كالغارم الفقير دفع إليه بهما؛ ~~لأن كل واحد منهما سبب للأخذ، فوجب أن يثبت حكمه حيث وجد. # فصل: # وأربعة يأخذون أخذا مستقرا لا يرجع عليهم بشيء الفقراء والمساكين ~~والعاملون والمؤلفة، وأربعة يأخذون أخذا مراعى، الرقاب والغارمون والغزاة ~~وابن السبيل، إن صرفوه فيما أخذوا له، وإلا استرجع منهم. وإن فضل مع ~~المكاتب شيء بعد أداء كتابته أو مع الغارم بعد قضاء غرمه، أو مع الغازي بعد ~~غزوه، أو مع ابن السبيل بعد وصوله إلى بلده استرجع منهم وإن استغنوا عن ~~الجميع ردوه، وإن عجز المكاتب رجع على سيده بما أخذ لأن الدفع إليهم لمعنى ~~لم يوجد. # وقال الخرقي: إذا عجز المكاتب ورد ms0285 في الرق، وقد كان تصدق عليه بشيء فهو ~~لسيده. وأربعة يأخذون مع الغنى؛ الغازي والعامل والغرم للإصلاح والمؤلفة؛ ~~لأنهم يأخذون لحاجتنا إليهم. والحاجة توجد مع الغنى، وسائرهم لا يعطون إلا ~~مع الفقر؛ لأنهم يأخذون لحاجتهم، فاعتبر ذلك فيهم، إلا أن ابن السبيل تعتبر ~~حاجته في مكانه، وإن كان له مال في بلده؛ لأنه غير مقدور عليه، فهو ~~كالمعدوم. ولا يستحب إعلام # PageV01P427 # الآخذ أنها زكاة إذا كان ظاهره الاستحقاق؛ لأن فيه كسر قلبه. قال أحمد: ~~ولم يبلغه بها، يعني: لا يعلمه. فإن شك في استحقاقه أعلمه كما أعلم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - الرجلين الجلدين. ### | باب من لا يجوز دفع الزكاة إليه # وهم ستة أصناف: الكافر، لا يجوز الدفع إليه لغير التأليف، لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» ، ولأنها مواساة ~~تجب على المسلم فلا تجب للكافر كالنفقة. # الثاني: المملوك؛ لأن ما يعطاه يكون لسيده، ولأن نفقته على سيده فهو غني ~~بغناه. # الثالث: بنو هاشم لا يعطون منها إلا لغزو أو حمالة؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «إنما الصدقة أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد وآل محمد» ~~وسواء أعطوا حقهم من الخمس أو منعوه لعموم الخبر، ولأن منعهم لشرفهم، ~~وشرفهم باق، فينبغي المنع. # الرابع: مواليهم: وهم معتقوهم، فحكمهم حكمهم، لما روى أبو رافع، «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة فقال لأبي ~~رافع: اصحبني كيما تصب منها، فانطلق إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فسأله فقال: إنا لا تحل لنا الصدقة وإن مولى القوم منهم» وهذا حديث صحيح، ~~ولأنهم ممن يرثهم بني هاشم بالتعصيب، فحرمت عليهم الصدقة كبني هاشم. # وفي بني المطلب روايتان: # إحداهما: تحل لهم؛ لأن المنع اختص بآل محمد وهم بنو هاشم فلا يلحق بهم ~~غيرهم. # والثاني: يحرم عليه، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما بنو هاشم ~~وبنو المطلب شيء واحد وشبك أصابعه» أخرجه البخاري [والحديث بتمامه أخرجه ~~الشافعي في مسنده] . ولأنهم يستحقون من ms0286 خمس الخمس فأشبهوا بني هاشم. # الخامس: الغني، لا تحل له الزكاة سوى من ذكرنا لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا حظ فيها # PageV01P428 # لغني ولا لقوي مكتسب» ، وقوله: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» ~~وهذا حديث حسن. وفي ضابطه روايتان: إحداهما: أنه الكفاية على الدوام، إما ~~بصناعة أو مكسب أو أجرة أو نحوه. اختارها أبو الخطاب وابن شهاب، لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - في حديث قبيصة: «فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من ~~عيش أو سدادا من عيش» مد إباحة المسألة إلى حصول الكفاية، ولأن الغنى ضد ~~الحاجة وهي تذهب بالكفاية، وتوجد مع عدمها. # والثانية: أنه الكفاية أو ملك خمسين درهما أو قيمتها من الذهب، لما روى ~~ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من سأل وله ما ~~يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خموشا أو خدوشا أو كدوحا في وجهه، فقيل: يا ~~رسول الله ما الغنى؟ قال: خمسون درهما أو قيمتها من الذهب» . قال الترمذي: ~~هذا حديث حسن. فعلى هذه الرواية: إن كان له عيال فله أن يأخذ لكل واحد من ~~عياله خمسين، نص عليه. ولو ملك عروضا تكثر قيمتها لا تقوم بكفايته؛ جاز ~~الأخذ رواية واحدة، وإذا كان للمرأة زوج غني فهي غنية؛ لأن كفايتها واجبة ~~عليه وجوبا متأكدا، فأما من تجب نفقته على نفسه فله الأخذ من الزكاة؛ لأن ~~استحقاقه للنفقة مشروط بفقره، فيلزم من وجوبها له وجود الفقر، بخلاف نفقة ~~الزوجة، ولأن وجوبها بطريق الصلة والمواساة بخلاف غيرها. # السادس: من تلزمه مؤنته: كزوجته ووالديه وإن علوا، وأولاده وإن سفلوا، ~~الوارث منهم وغيره، ولا يجوز الدفع إليهم؛ لأن في دفعها إليهم إغناء لهم عن ~~نفسه، فكأنه صرفها إلى نفسه، وفيمن يرثه غير عمودي نسبه روايتان: # إحداهما: لا يدفع إليه؛ لأن الله تعالى أوجب نفقته عليه بقوله: {وعلى ~~الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] . # والثانية: يجوز لأنه ممن تقبل شهادته له، فجاز الدفع إليه، كالأجانب فإن ~~كان محجوبا عن ميراثه، أو من ذوي الأرحام جاز ms0287 الدفع إليه، وإن كان شخصان ~~يرث أحدهما صاحبه دون الآخر كالعمة مع ابن أخيها فللموروث دفع زكاته إلى ~~الوارث؛ لأنه لا يرثه، وفي دفع الوارث زكاته إلى موروثه الروايتان. وهل ~~للمرأة، دفع زكاتها إلى زوجها؟ على روايتين: # إحدهما: يجوز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لزينب امرأة ابن ~~مسعود: «زوجك وولدك أحق # PageV01P429 # من تصدقت به عليهم» رواه البخاري، ولأنه لا تلزمها نفقته فلم تحرم عليه ~~زكاتها كالأجنبي. # والثانية: لا يجوز؛ لأنها تنتفع بدفعها إليه، لوجوب نفقتها عليه، وتبسطها ~~في ماله عادة فلم يجز دفعها إليه كالولد. # فصل: # ويجوز لكل واحد من هؤلاء الأخذ من صدقة التطوع؛ لأن محمد بن علي كان يشرب ~~من سقايات بين مكة والمدينة، وقال: إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة. ويجوز ~~لفقراء ذوي القربى الأخذ من وصايا الفقراء والنذور؛ لأنها صدقة تطوع بها، ~~وفي أخذهم من الكفارة وجهان. # وعنه: منعهم من صدقة التطوع، لعموم الخبر. والأول أظهر، فإن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «كل معروف صدقة» حديث صحيح. ويجوز اصطناع المعروف ~~إليهم. وروى أبو سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تحل ~~الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو ~~لرجل ابتاعها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى ~~المسكين إلى الغني» رواه أبو داود. ولو أهدى المسكين مما تصدق به عليه إلى ~~الهاشمي حل له؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكل مما تصدق به على أم ~~عطية نسيبة وقال: إنها قد بلغت محلها» . متفق عليه. # فصل: # وإذا دفع رب المال الصدقة إلى غني يظنه فقيرا ففيه روايتان: # إحداهما: لا يجزئه؛ لأنه دفعها إلى غير مستحقها، فأشبه دفع الدين إلى غير ~~صاحبه. # والثانية: يجزئه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اكتفى بالظاهر لقوله ~~للرجلين: «إن شئتما أعطيتكما منها ولا حظ فيها لغني» ، وهذا يدل على أنه ~~يجزئ، ولأن الغنى يخفى فاعتبار حقيقته يشق، ولهذا قال الله تعالى: {يحسبهم ~~الجاهل أغنياء من ms0288 التعفف} [البقرة: 273] . وإن بان كافرا أو عبدا أو ~~هاشميا، لم تجزئه رواية واحدة؛ لأن حال هؤلاء لا تخفى فلم يعذر الدافع ~~إليهم، بخلاف الغني. # PageV01P430 # فصل: # وإذا تولى الرجل إخراج زكاته استحب أن يبدأ بأقاربه الذين يجوز الدفع ~~إليهم، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صدقتك على ذي القربى صدقة ~~وصلة» رواه الترمذي والنسائي. ويخص ذوي الحاجة؛ لأنهم أحق، ومن مات وعليه ~~زكاة ودين لا تتسع تركته لهما، قسمت بينهما بحصصهما؛ لأنهما تساويا في ~~الوجوب فتساويا في القضاء. ### | باب صدقة التطوع # وهي مستحبة، لقول الله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه ~~له أضعافا كثيرة} [البقرة: 245] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا ~~الطيب، فإن الله تعالى يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم ~~فلوه حتى تكون مثل الجبل» متفق عليه. وصدقة السر أفضل لقول الله تعالى: {إن ~~تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم ~~من سيئاتكم والله بما تعملون خبير} [البقرة: 271] ، وجاء عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «أن صلة الرحم تزيد في العمر وصدقة السر تطفئ غضب الرب» ~~رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. والأفضل الصدقة على ذي الرحم للخبر، ~~ولقول الله تعالى: {أو إطعام في يوم ذي مسغبة} [البلد: 14] {يتيما ذا ~~مقربة} [البلد: 15] ، والصدقة في أوقات الحاجة أكثر ثوابا للآية، وكذلك على ~~من اشتدت حاجته، لقول الله تعالى: {أو مسكينا ذا متربة} [البلد: 16] ~~والصدقة في الأوقات الشريفة كرمضان، وفي الأماكن الشريفة تضاعف كما يضاعف ~~غيرها من الحسنات، والنفقة في سبيل الله تضاعف سبعمائة ضعف، لقول الله ~~تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ~~في كل سنبلة مائة حبة} [البقرة: 261] . # PageV01P431 # فصل: # ومن عليه دين، لا يجوز أن يتصدق صدقة تمنع قضاءها؛ لأنه واجب فلم يجز ~~تركه، ولا يجوز تقديمها على نفقة العيال؛ لأنها واجبة، وقد قال النبي - صلى ms0289 ~~الله عليه وسلم -: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت» رواه أبو داود. وروى ~~أبو هريرة قال: «أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصدقة، فقام رجل فقال: ~~يا رسول الله عندي دينار فقال: تصدق على نفسك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به ~~على ولدك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على زوجك، قال: عندي آخر، قال: تصدق ~~به على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أبصر» رواه أبو داود. فإن وافقه ~~عياله على الإيثار فهو أفضل، لقول الله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان ~~بهم خصاصة} [الحشر: 9] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل الصدقة ~~جهد من مقل إلى فقير في السر» رواه أبو داود [ولم يذكر (إلى فقير في السر) ~~] ، ومن أراد الصدقة بكل ماله، وكان يعلم من نفسه حسن التوكل وقوة اليقين ~~والصبر عن المسألة، أو كان له مكسب يقوم به فذلك أفضل له وأولى به؛ لأن أبا ~~بكر الصديق - رضي الله عنه - تصدق بكل ماله، فروي عن عمر - رضي الله عنه - ~~أنه قال: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نتصدق، فوافق مالا ~~عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما فجئت بنصف مالي، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: أبقيت لهم مثله. فأتى ~~أبو بكر بكل ما عنده، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما أبقيت ~~لأهلك؟ فقال: الله ورسوله، فقلت لا أسابقك إلى شي أبدا» ، وإن لم يثق من ~~نفسه بهذا كره له، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يأتي ~~أحدكم بما يملك فيقول: هذه صدقة ثم يقعد يستكف الناس، خير الصدقة ما كان عن ~~ظهر غنى» رواهما أبو داود. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لسعد: «إنك ~~أن تدع أهلك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» متفق عليه. ويكره ~~لمن لا صبر له على الإضاقة أن ينقص نفسه عن الكفاية التامة. # PageV01P432 ### | كتاب الصيام # صيام رمضان أحد أركان الإسلام وفروضه، لقول الله ms0290 تعالى {يا أيها الذين ~~آمنوا كتب عليكم الصيام} [البقرة: 183] الآيات، وعن أبي هريرة قال: «بينا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما بارزا للناس إذ أتاه رجل فقال: يا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما الإسلام؟ قال أن تعبد الله ولا تشرك ~~به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان» متفق ~~عليه. # ولا يجب إلا بشروط أربعة: الإسلام، فلا يجب على كافر أصلي ولا مرتد، ~~والعقل، فلا يجب على مجنون، والبلوغ، فلا يجب على صبي لما ذكرنا في الصلاة، ~~وقال بعض أصحابنا: يجب على من أطاقه، لما روى عبد الرحمن بن أبي لبيبة قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام ~~وجب عليه صيام شهر رمضان» ، ولأنه يعاقب على تركه، وهذا هو حقيقة الواجب ~~والأول المذهب، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رفع القلم عن ثلاثة عن ~~الصبي حتى يبلغ» رواه أبو داود ولأنه عبادة بدنية، فلم يلزم الصبي كالحج، ~~وحديثهم مرسل، ثم يحمل على تأكيد الندب. كقوله: «غسل الجمعة واجب على كل ~~محتلم» لكن يؤمر بالصوم إذا أطاقه ويضرب عليه ليعتاده كالصلاة، فإن أسلم ~~كافر أو أفاق مجنون أو بلغ صبي في أثناء الشهر؛ لزمهم صيام ما يستقبلونه؛ ~~لأنهم صاروا من أهل الخطاب فيدخلون في الخطاب به ولا يلزمهم قضاء ما مضى؛ ~~لأنه مضى قبل تكليفهم فلم يلزمهم قضاؤه كالرمضان الماضي، وإن وجد ذلك منهم ~~في أثناء نهار؛ لزمهم إمساك بقيته وقضاؤه. # PageV01P433 # وعنه: لا يلزمهم ذلك؛ لأنه نهار أبيح له فطر أوله ظاهرا وباطنا فلم ~~يلزمهم إمساكه، كما لو استمر العذر، ولأنهم لم يدركوا من وقت العبادة ما ~~يمكنهم التلبس بها فيه، فأشبه ما لو زالت أعذارهم ليلا، وظاهر المذهب ~~الأول؛ لأنهم أدركوا جزءا من وقت العبادة فلزمهم قضاؤها كما لو أدركوا جزءا ~~من وقت الصلاة، ويلزمهم الإمساك لحرمة رمضان كما لو قامت البينة بالرؤية في ~~أثناء النهار، وإن بلغ الصبي وهو صائم، لزمه إتمام صومه رواية واحدة؛ لأنه ~~صار ms0291 من أهل الوجوب فلزمه الإتمام. كما لو شرع في صيام تطوع ثم نذر إتمامه. ~~وقال القاضي: ولا يلزمه قضاؤه لذلك. # وقال أبو الخطاب: يلزمه القضاء كما لو بلغ في أثناء الصيام. # فصل: # الشرط الرابع: الإطاقة، فلا يجب على الشيخ الذي يجهده الصيام، ولا المريض ~~المأيوس من برئه لقول الله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: ~~286] . وعليه أن يطعم لكل يوم مسكينا لقول الله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه ~~فدية طعام مسكين} [البقرة: 184] . قال ابن عباس: كانت رخصة للشيخ الكبير ~~والمرأة الكبيرة وهما لا يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم ~~مسكينا، والحامل والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا. رواه أبو ~~داود. فإن لم يكن له فدية فلا شيء عليه، للآية الأولى. # فصل: # ومن لزمه الصوم لم يبح له تأخيره إلا أربعة: # أحدها: الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما فلهما الفطر، وعليهما ~~القضاء وإطعام مسكين لكل يوم لما ذكرنا من الآية، وإن أفطرتا خوفا على ~~أنفسهما فعليهما القضاء حسب كالمريض. # الثاني: الحائض والنفساء لهما الفطر، ولا يصح منهما الصيام لما ذكرنا في ~~باب الحيض، والنفاس كالحيض فنقيسه عليه، ومتى وجد ذلك في جزء من اليوم ~~أفسده، وإن انقطع دمها ليلا فنوت الصوم، ثم اغتسلت في النهار؛ صح صومها؛ ~~«لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصبح جنبا من جماع ثم يغتسل ويتم ~~صومه» . متفق عليه، وهذه في معناه. # الثالث: المريض له الفطر وعليه القضاء لقول الله تعالى: # PageV01P434 # {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] . ~~والمبيح للفطر: ما خيف من الصوم زيادته أو إبطاء برئه، فأما ما لا أثر ~~للصوم فيه كوجع الضرس والإصبع ونحوه فلا يبيح الفطر؛ لأنه لا ضرر عليه في ~~الصوم، ومن أصبح صائما فمرض في النهار فله الفطر؛ لأن الضرر موجود، والصحيح ~~إذا خاف على نفسه لشدة عطش أو جوع، أو شبق يخاف أن تنشق أنثياه ونحو ذلك، ~~فله الفطر ويقضي؛ لأنه خائف على نفسه، أشبه المريض، ومن فاته الصوم ms0292 لإغماء ~~فعليه القضاء؛ لأنه لا يزيل التكليف، ويجوز على الأنبياء - عليهم السلام - ~~ولا تثبت الولاية على صاحبه، فهو كالمريض؛ ومن أغمي عليه جميع النهار لم ~~يصح صومه؛ لأن الصوم الإمساك ولا ينسب ذلك إليه، وإن أفاق في جزء من النهار ~~صح صومه، لوجود الإمساك فيه، وإن نام جميع النهار صح صومه؛ لأن النائم في ~~حكم المنتبه، لكونه ينتبه إذا نبه، ويجد الألم في حال نومه. # الرابع: السفر الطويل المباح يبيح الفطر، للآية، ولا يباح الفطر لغيره ~~لما ذكرنا في القصر، ولا يفطر حتى يترك البيوت وراء ظهره لما ذكرنا في ~~القصر، وللمسافر أن يصوم ويفطر، لما روى حمزة بن عمر الأسلمي أنه قال للنبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «أصوم في السفر؟ قال: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر» ~~متفق عليه. والفطر أفضل: لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس من البر ~~الصوم في السفر» متفق عليه. ولأنه من رخص السفر المتفق عليها، فكان أفضل ~~كالقصر. # ولو تحمل المريض والحامل والمرضع الصوم، كره لهم وأجزأهم؛ لأنهم أتوا ~~بالأصل فأجزأهم كما لو تحمل المريض الصلاة قائما. ومن سافر في أثناء النهار ~~أبيح له الفطر، لما روي عن أبي بصرة الغفاري، أنه ركب في سفينة من الفسطاط ~~في شهر رمضان فدفع، ثم قرب غداه فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفر. ثم قال: ~~اقترب قيل: ألست ترى البيوت؟ قال: أترغب عن سنة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؟ فأكل. رواه أبو داود. ولأنه مبيح للفطر فأباحه في أثناء النهار ~~كالمرض. # وعنه: لا يباح؛ لأنها عبادة لا تختلف بالسفر والحضر، فإذا اجتمعا فيها ~~غلب حكم الحضر كالصلاة، وإن نوى الصوم في سفره فله الفطر لذلك، ولما روى ~~جابر «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج عام الفتح فصام حتى بلغ ~~كراع الغميم وصام الناس معه. فقيل: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإن الناس ~~ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون، فأفطر ~~بعضهم وصام بعضهم، فبلغه أن ناسا صاموا ms0293 فقال: # PageV01P435 # أولئك العصاة» رواه مسلم، وله أن يفطر بما شاء. # وعنه: لا يفطر بالجماع، فإن أفطر به ففي الكفارة روايتان: # أصحهما: لا تجب؛ لأن الصوم لا يجب المضي فيه، فأشبه التطوع، وإذا قدم ~~المسافر وبرئ المريض وهما صائمان لم يبح لهما الفطر؛ لأنه زال عذرهما قبل ~~الترخص أشبه القصر، فإن زال عذرهما أو عذر الحائض والنفساء وهم مفطرون ففي ~~الإمساك روايتان، على ما ذكرنا في الصبي ونحوه. ومن أبيح له الفطر لم يكن ~~له أن يصوم غير رمضان، فإن نوى ذلك لم يصح؛ لأنه لم ينو رمضان ولا يصح ~~الزمان لسواه. # فصل: # ولا يجب صوم رمضان إلا بأحد ثلاثة أشياء: كمال شعبان ثلاثين يوما؛ لأنه ~~تيقن به دخول رمضان، ورؤية الهلال، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» متفق عليه. ويقبل فيه شهادة الواحد وعنه: لا ~~يقبل فيه إلا شهادة اثنين، لما روى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين ~~فإن شهد شاهدان ذوا عدل فصوموا وأفطروا» رواه النسائي. وقال أبو بكر: إن ~~كان الرأي في جماعة لم يقبل إلا شهادة اثنين؛ لأنهم يعاينون ما عاينه، وإن ~~كان في سفر فقدم، قبل قوله وحده، وظاهر المذهب: الأول. اختاره الخرقي وغيره ~~لما روى ابن عمر قال: «تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أني رأيته فصام وأمر الناس بالصيام» . رواه أبو داود. ولأنه ~~خبر فيما طريقه المشاهدة يدخل به في الفريضة فقبل من واحد، كوقت الصلاة، ~~والعبد كالحر؛ لأنه ذكر من أهل الرواية والفتيا، فأشبه الحر. وفي المرأة ~~وجهان: # أحدهما: يقبل قولها؛ لأنه خبر ديني فقبل خبرها به كالرواية. # والثاني: لا يقبل؛ لأن طريقه الشهادة ولهذا لا يقبل فيه شاهد الفرع مع ~~إمكان شاهد الأصل، ويطلع عليه الرجال فلم يقبل بالمرأة المنفردة، كالشهادة ~~بهلال شوال. # الثالث: أن يحول ms0294 دون مطلع الهلال ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قتر، ~~وفيه ثلاث روايات: # PageV01P436 # إحداهن: يجب الصيام، لما روى ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له» . متفق عليه. ~~يعني: ضيقوا له العدة من قوله: {ومن قدر عليه رزقه} [الطلاق: 7] أي ضيق ~~عليه، وتضييق العدة له أن يحسب شعبان تسعة وعشرين يوما، وكان ابن عمر - رضي ~~الله عنه - إذا حال دون مطلعه غيم أو قتر أصبح صائما، وهو راوي الحديث ~~وعمله به تفسير له. # والثانية: لا يصوم، لقوله في الحديث الآخر: «فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين ~~يوما» حديث صحيح. وقال عمار: «من صام اليوم الذي يشك فيه الناس فقد عصى أبا ~~القاسم - صلى الله عليه وسلم -» ، حديث صحيح. ولأنه شك في أول الشهر، فأشبه ~~حال الصحو. # الثالثة: الناس تبع للإمام إن صام صاموا وإن أفطر أفطروا، ولقوله - عليه ~~السلام -: «صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون» رواه ~~أبو داود. # فصل: # وإذا رأى الهلال أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم؛ لأنه ثبت ذلك اليوم من ~~رمضان، وصومه واجب بالنص والإجماع، ومن رأى الهلال فردت شهادته لزمه الصوم، ~~لقوله - عليه السلام -: «صوموا لرؤيته» فإن أفطر يومئذ بجماع فعليه القضاء ~~والكفارة؛ لأنه أفطر يوما من رمضان بجماع تام فلزمته كفارة، كما لو قبلت ~~شهادته. # ولا يجوز الفطر إلا بشهادة عدلين، لحديث عبد الرحمن بن زيد، ولأنها شهادة ~~على هلال لا يدخل بها في العبادة، فلم يقبل فيه الواحد كسائر الشهور، ولا ~~تقبل فيها شهادة رجل وامرأتين لذلك، ولا يفطر إذا رآه وحده لما روي أن ~~رجلين قدما المدينة وقد رأيا الهلال، وقد أصبح الناس صياما فأتيا عمر فذكرا ~~ذلك له، فقال لأحدهما: أصائم أنت؟ قال: بل مفطر. قال: ما حملك على هذا؟ ~~قال: لم أكن لأصوم وقد رأيت الهلال. وقال الآخر: أنا صائم. قال: ما حملك ~~على هذا؟ قال: لم أكن لأفطر والناس صيام. فقال للذي أفطر: لولا مكان هذا ~~لأوجعت رأسك، ms0295 رواه سعيد. ولأنه محكوم به من رمضان، أشبه الذي قبله، فإذا ~~صام الناس بشهادة اثنين ثلاثين يوما فلم يروا الهلال أفطروا، لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين ثم أفطروا» حديث حسن. ~~وإن صاموا لأجل الغيم فلم يروا الهلال لم يفطروا؛ لأنهم إنما صاموا احتياطا ~~للصوم، فيجب الصوم في آخره احتياطا. # PageV01P437 # وإن صاموا بشهادة واحد فلم يروا الهلال ففيه وجهان: # أحدهما: لا يفطرون، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وإن شهد اثنان فصوموا ~~وأفطروا» ولأنه فطر يستند إلى شهادة واحد فلم يجز، كما لو شهد بهلال شوال. # والثاني: يفطرون؛ لأن الصوم ثبت فوجب الفطر باستكمال العدة تبعا وقد ثبت ~~تبعا ما لا يثبت أصلا بدليل أن النسب لا يثبت بشهادة النساء أصلا، ويثبت ~~بها الولادة ثم يثبت النسب للفراش على وجه التبع للولادة. # فصل: # ومن كان أسيرا، أو في موضع لا يمكنه معرفة الشهور بالخبر فاشتبهت عليه ~~الشهور فإنه يصوم شهرا بالاجتهاد؛ لأنه اشتبه عليه وقت العبادة فوجب العمل ~~بالتحري، كمن اشتبه عليه وقت الصلاة، فإن لم ينكشف الحال فصومه صحيح؛ لأنه ~~أدى فرضه باجتهاده، أشبه المصلي يوم الغيم، وإن انكشف الحال فبان أنه وافق ~~الشهر أجزأه؛ لأنه أصاب في اجتهاده، وإن وافق بعده أجزأه؛ لأنه وقع قضاء ~~لما وجب عليه فصح، كما لو علم، وإن بان قبله لم يجزئه لأنه صام قبل الخطاب، ~~أشبه المصلي قبل الوقت، وإن صام بغير اجتهاد، أو غلب على ظنه أن الشهر لم ~~يدخل فصام لم يجزئه وإن وافق؛ لأنه صام مع الشك فأشبه المصلي شاكا في أول ~~الوقت. # فصل: # ووقت الصوم من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، لقول الله تعالى: ~~{وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر ~~المستطير في الأفق» حديث حسن. وعن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: ms0296 «إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس أفطر ~~الصائم» متفق عليه، ويجوز الأكل والشرب إلى الفجر للآية والخبر. # وإن جامع قبل الفجر ثم أصبح جنبا صح صومه؛ لأن الله تعالى لما أذن في ~~المباشرة إلى الفجر ثم أمر بالصوم دل على أنه يصوم جنبا. وقد روت عائشة وأم ~~سلمة - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصبح جنبا ~~من جماع غير احتلام، ثم يغتسل ويصوم» . متفق عليه. وإن أصبح وفي فيه طعام ~~أو شراب فلفظه لم يفسد صومه وإن طلع الفجر وهو مجامع فاستدام فعليه القضاء # PageV01P438 # والكفارة؛ لأن استدامة الجماع جماع، وإن نزع فكذلك في اختيار ابن حامد ~~والقاضي؛ لأن النزع جماع كالإيلاج. # وقال أبو حفص: لا قضاء عليه ولا كفارة؛ لأنه تارك للجماع، وما علق على ~~فعل شيء لا يتعلق على تركه. وإن أكل شاكا في طلوع الفجر صح صومه؛ لأن الأصل ~~بقاء الليل، وإن أكل شاكا في غروب الشمس بطل صومه؛ لأن الأصل بقاء النهار. ### | باب النية في الصوم # لا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصيام الواجب إلا بنية من الليل لكل يوم، ~~لما روت حفصة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من لم يبيت الصيام ~~من الليل فلا صيام له» رواه أبو داود، ولأنه صوم مفروض فاعتبرت فيه النية، ~~من الليل لكل يوم كالقضاء ونحوه، وعنه: تجزئه النية في أول رمضان لجميعه؛ ~~لأنه عبادة واحدة، والأول: المذهب؛ لأن كل يوم عبادة منفردة لا يتصل ~~بالآخر، ولا يفسد أحدهما الآخر فأشبه أيام القضاء، وفي أي وقت من الليل نوى ~~أجزأه للخبر. ولأن الليل محل النوم فتخصيص النية بجزء منه يفوت الصوم، ومن ~~أكل وشرب بعد النية، لم تبطل نيته لأن إباحة الأكل والشرب إلى الفجر دليل ~~على أن نيته لم تفسد به. # فصل: # ويجب تعيين النية لكل صوم يوم واجب، وهو أن يعتقد أنه صائم غدا من رمضان، ~~أو من كفارته أو من نذره. وعنه: لا يجب تعيين ms0297 النية لرمضان؛ لأنه يراد ~~للتمييز، وزمن رمضان متعين له لا يحتمل سواه، والأولى أصح؛ لأنه صوم واجب ~~فافتقر إلى التعيين كالقضاء، فلو نوى ليلة الشك إن كان غدا من رمضان فهو ~~فرض وإلا فهو نفل، أو نوى نفلا أو أطلق النية، صح عند من لم يوجب التعيين؛ ~~لأنه نوى الصوم ونيته كافية، ولا يصح عند من أوجبه؛ لأنه لم يجزم به والنية ~~عزم جازم. وإن نوى إن كان غدا من رمضان فأنا صائم وإلا فلا، لم يصح على ~~الروايتين؛ لأنه شك في النية لأصل الصوم، ولا يفتقر مع التعيين إلى نية ~~الفرض؛ لأنه لا يكون رمضان إلا فرضا، وقال ابن حامد: يحتاج إلى ذلك لأن ~~رمضان للصبي نفل، ومن نوى الخروج من صوم الفرض أبطله؛ لأن النية شرط في ~~جميعه، فإذا قطعها في أثنائه خلا ذلك الجزء عن النية ففسد الكل لفوات ~~الشرط. # فصل: # ويصح صوم التطوع بنية من النهار، لما روت عائشة - رضي الله عنها - قالت: ~~«دخل # PageV01P439 # علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم فقال: هل عندكم شيء؟ قلنا: ~~لا. قال: إني إذا صائم» رواه مسلم، ولأن في تجويز ذلك تكثيرا للصيام؛ لأنه ~~قد تعرض له النية من النهار فجاز، كما سومح في ترك القيام والاستقبال في ~~النافلة لذلك، وفي أي وقت نوى من النهار أجزأه في ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه ~~نوى في النهار، أشبه ما قبل الزوال. # واختار القاضي أنه يجزئ بنية بعد الزوال؛ لأن النية لم تصحب العبادة في ~~معظمها، أشبه ما لو نوى مع الغروب. # قال أحمد: من نوى التطوع من النهار كتب له بقية يومه، وإذا أجمع من الليل ~~كان له يومه. فظاهر هذا أنه إنما يحكم له بالصيام من وقت نيته لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى» . # وقال أبو الخطاب: يحكم له بالصوم الشرعي المثاب عليه من أول النهار؛ لأن ~~صوم بعضه لا يصح. ### | باب ما يفسد الصوم وما يوجب الكفارة # يحرم على الصائم الأكل ms0298 والشرب للآية والخبر، فإن أكل أو شرب مختارا ذاكرا ~~لصومه أبطله؛ لأنه فعل ما ينافي الصوم لغير عذر، سواء كان غذاء أو غير غذاء ~~كالحصاة والنواة لأنه أكل. وإن استعط أفسد صومه، لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما» رواه ~~أبو داود وهذا يدل على أنه يفسد الصوم إذا بالغ فيه بحيث يدخل إلى خياشيمه. ~~وإن أوصل إلى جوفه شيئا من أي موضع كان، أو إلى دماغه مثل أن احتقن أو داوى ~~جائفة بما يصل جوفه، أو طعن نفسه أو طعنه غيره بإذنه بما يصل جوفه، أو قطر ~~في أذنيه فوصل إلى دماغه، أو داوى مأمومة بما يصل إليه؛ أفطر؛ لأنه إذا بطل ~~بالسعوط دل على أنه يبطل بكل واصل من أي موضع كان، ولأن الدماغ أحد الجوفين ~~فأبطل الصوم ما يصل إليه كالآخر. وإن اكتحل فوصل الكحل إلى حلقه أفطر؛ لأن ~~العين منفذ، لذلك يجد المكتحل مرارة الكحل في حلقه، ويخرج أجزاؤه في ~~نخاعته، وإن شك في وصوله لكونه يسيرا كالميل ونحوه ولم يجد طعمه لم يفطر، ~~نص عليه، وإن زرق في إحليله شيئا أو أدخل ميلا لم يبطل صومه؛ لأن ما يصل ~~المثانة، لا يصل إلى الجوف ولا منفذ بينهما، إنما يخرج البول رشحا فهو ~~بمنزلة ما لو ترك في فيه شيئا، وإن ابتلع ما بين أسنانه أفطر؛ لأنه واصل من ~~خارج يمكن التحرز عنه فأشبه اللقمة. # PageV01P440 # فصل: # وما لا يمكن التحرز منه كابتلاع ريقه، وغربلة الدقيق، وغبار الطريق ~~والذبابة تدخل في حلقه، لا يفطره؛ لأن التحرز منه لا يدخل تحت الوسع، ولا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها، وإن جمع ريقه ثم ابتلعه لم يفطر؛ لأنه يصل من ~~معدته، أشبه ما لو لم يجمعه. # وفيه وجه آخر: أنه يفطره، لإمكان التحرز منه. وإن ابتلع النخامة ففيها ~~روايتان: # إحداهما: يفطر لأنها من غير الفم، أشبه القيء. # والثانية: لا يفطر لأنها لا تصل من خارج وهي معتادة في الفم، أشبه الريق. ms0299 ~~ومن أخرج ريقه من فمه ثم ابتلعه، أو بلع ريق غيره أفطر؛ لأنه بلعه من غير ~~فمه، أشبه ما لو بلع ماء، ومن أخرج درهما من فمه ثم أدخله وبلع ريقه لم ~~يفطر؛ لأنه لا يتحقق ابتلاع البلل الذي كان عليه، ولذلك لا يفطر بابتلاع ~~ريقه بعد المضمضة والتسوك بالعود الرطب، ولا بإخراج لسانه ثم إعادته. ولو ~~سال فمه دما أو خرج إليه قلس أو قيء فازدرده أفطر؛ لأن الفم في حكم الظاهر، ~~وإن أخرجه ثم ابتلع ريقه ومعه شيء من المنجس أفطر وإلا فلا. # فصل: # ومن استقاء عمدا أفطر، ومن ذرعه فلا شيء عليه لما روى أبو هريرة أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقى عمدا ~~فليقض» حديث حسن. وإن حجم أو احتجم أفطر، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد عشر ~~نفسا، وقال أحمد: حديث ثوبان وشداد بن أوس صحيحان. # فصل: # وتحرم عليه المباشرة للآية، فإن باشر فيما دون الفرج، أو قبل أو لمس ~~فأنزل فسد صومه، فإن لم ينزل لم يفسد، لما روي عن عمر - رضي الله عنه - ~~قال: «قلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمرا عظيما قبلت وأنا صائم قال: أرأيت ~~لو تمضمضت من الماء وأنت صائم قلت: لا بأس قال: فمه؟» رواه أبو داود. شبه ~~القبلة بالمضمضة لأنها من مقدمات الشهوة، والمضمضة إذا لم يكن معها نزول ~~الماء لم يفطر كذلك القبلة، ولو احتلم لم يفسد صومه؛ لأنه يخرج عن غير ~~اختياره. # وإن جامع ليلا فأنزل نهارا لم يفطر؛ لأن مجرد الإنزال لا يفطر كالاحتلام، ~~وإن # PageV01P441 # كرر النظر فأنزل أفسد صومه؛ لأنه إنزال عن فعل في الصوم أمكن التحرز عنه، ~~أشبه الإنزال باللمس، وإن صرف بصره فأنزل لم يفطر لأنه لا يمكن التحرز عنه ~~وإن أنزل بالفكر لم يفطر لذلك، وإن استمنى بيده فأنزل أفطر؛ لأنه إنزال عن ~~مباشرة أشبه القبلة، وسواء في هذا كله المني والمذي؛ ms0300 لأنه خارج تخلله ~~الشهوة انضم إلى المباشرة به فأفطر به كالمني، إلا في تكرار النظر لا يفطر، ~~إلا بإنزال المني في ظاهر كلامه؛ لأنه ليس بمباشرة. # فصل: # وما فعل من هذا ناسيا لم يفطره، لما روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «إذا أكل أحدكم أو شرب ناسيا فليتم صومه فإنما أطعمه ~~الله وسقاه» متفق # PageV01P442 # عليه، وفي لفظ: «فلا يفطر فإنما هو رزق رزقه الله تعالى» فنص على الأكل ~~والشرب، وقسنا عليه سائر ما ذكرناه، وإن فعله مكرها لم يفطر، لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء» فنقيس عليه ما عداه، وإن ~~فعله وهو نائم لم يفطر؛ لأنه أبلغ في العذر من الناسي، وإن فعله جاهلا ~~بتحريمه أفطر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أفطر الحاجم ~~والمحجوم» في حق رجلين رآهما يفعلان ذلك مع جهلهما بالتحريم، ولأنه نوع جهل ~~فلم يعذر به، كالجهل بالوقت، وذكر أبو الخطاب أنه لا يفطر؛ لأن الجهل عذر ~~يمنع [التأثيم] فيمنع الفطر كالنسيان، وإن تمضمض أو استنشق فدخل الماء حلقه ~~لم يفطر؛ لأنه واصل بغير اختياره ولا تعديه فأشبه الذباب الداخل حلقه وإن ~~بالغ فيهما فوصل الماء ففيه وجهان: # أحدهما: لا يفطر؛ لأنه بغير اختياره. # والثاني: يفطر لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه لقيط بن صبرة، ~~حفظا للصوم، فدل على أنه يفطره؛ لأنه تولد بسبب منهي عنه، فأشبه الإنزال عن ~~مباشرة، وإن زاد على الثلاث فيهما فوصل الماء فعلى الوجهين. وإن أكل يظن أن ~~الشمس قد غابت ولم تغب، أو أن الفجر لم يطلع وقد طلع، أفطر، لما روي عن ~~حنظلة. قال: كنا بالمدينة في رمضان وفي السماء سحاب، فظننا أن الشمس قد ~~غابت فأفطر بعض الناس، ثم طلعت الشمس، فقال عمر: من أفطر فليقض يوما مكانه ~~رواه سعيد بن منصور. ولأنه أكل ذاكرا مختارا فأفطر، كما لو أكل يظن أن ~~اليوم من شعبان فبان من رمضان. # PageV01P443 # فصل: # وعلى من أفطر القضاء لقوله - صلى ms0301 الله عليه وسلم -: «من استقاء فليقض» ~~ولأن القضاء يجب مع العذر فمع عدمه أولى، وعليه إمساك سائر يومه لأنه أمر ~~به في جميع النهار فمخالفته في بعضه لا تبيح المخالف في الباقي. ولو قامت ~~البينة بالرؤية بعد فطره فعليه القضاء والإمساك لذلك. ولا تجب الكفارة بغير ~~الجماع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر بها المحتجم ولا ~~المستقيء، ولأن الإيجاب في الشرع ولم يرد بها إلا في الجماع، وليس غيره في ~~معناه؛ لأنه أغلظ، ولهذا يجب به الحد في ملك الغير، والكفارة العظمى في ~~الحج، ويفسده دون سائر محظوراته، ويتعلق به اثنا عشر حكما. # فصل: # ومن جامع في الفرج فأنزل أو لم ينزل فعليه القضاء والكفارة، لما روى أبو ~~هريرة «أن رجلا جاء فقال: يا رسول الله وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال له # PageV01P444 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا قال: فهل ~~تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ ~~قال: لا، قال: فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فبينا نحن على ذلك أتي ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بعذق فيه تمر فقال: أين السائل خذ هذا فتصدق ~~به فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد ~~الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- حتى بدت أنيابه فقال: أطعمه أهلك» متفق عليه. وسواء في هذا وطء الزوجة ~~والأجنبية، # PageV01P445 # والحية والميتة، والآدمية والبهيمة، والقبل والدبر؛ لأنه وطء في فرج موجب ~~للغسل أشبه وطء الزوجة، ولأنه إذا وجب التفكير بالوطء في المحل المملوك ~~ففيما عداه أولى، ويحتمل أن لا تجب الكفارة بوطء البهيمة لأنه محل لا يجب ~~الحد بالوطء فيه أشبه غير الفرج، وفي الجماع دون الفرج إذا أنزل روايتان: # إحداهما: تجب به الكفارة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستفصل ~~السائل عن الوقاع. # والثانية: لا تجب؛ لأنه مباشرة لا يفطر بغير إنزال فأشبه القبلة، ولا يصح ms0302 ~~قياسه على الوطء في الفرج، لما بينهما من الفرق، وإنما لم يستفصله النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لأنه فهم منه الوقاع في الفرج، بدليل ترك الاستفصال ~~عن الإنزال. وتجب الكفارة على الناسي والمكره؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يستفصل السائل عن حاله، وعن أحمد - رضي الله عنه -: كل أمر غلب ~~عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا غيره. فيدخل فيه الإكراه والنسيان، لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا ~~عليه» رواه النسائي. وقياسا على سائر المفطرات. # وقال ابن عقيل: إن كان الإكراه إلجاء. مثل أن استدخلت ذكره وهو نائم أو ~~مغلوب على نفسه. فلا كفارة عليه؛ لأنه لا فعل له. وفي فساد صومه احتمالان، ~~وإن كان بالوعيد ونحوه فعليه القضاء؛ لأن الانتشار من فعله ولا كفارة عليه ~~لعذره. # فصل: # وفي وجوب الكفارة على المرأة روايتان: # إحداهما: تجب؛ لأنها إحدى المتواطئين فلزمتها الكفارة كالرجل. # والثانية: لا تلزمها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر امرأة ~~المواقع بكفارة، ولأنه حق مال يتعلق بالوطء من بين جنسه فاختص بالرجل ~~كالمهر. فإن كانت ناسية أو مكرهة فلا كفارة عليها رواية واحدة؛ لأنها تعذر ~~بالعذر في الوطء ولذلك لا تحد إذا أكرهت على الزنا بخلاف الرجل، والحكم في ~~فساد صومها كالحكم في الرجل المعذور، ولا تجب الكفارة بالوطء في غير رمضان، ~~لعدم حرمة الزمان. # PageV01P446 # فصل: # ومن لزمه الإمساك في رمضان فعليه الكفارة بالوطء وإن كان مفطرا لأنه وطء ~~يحرم بحرمة رمضان فوجبت به الكفارة كوطء الصيام ومن جامع وهو صحيح مقيم ثم ~~مرض أو جن أو سافر؛ لم تسقط الكفارة عنه؛ لأنه أفسد صوما واجبا في رمضان ~~بجماع تام فوجبت الكفارة وجوبا مستمرا، كما لو لم يطرأ عذر. وإن وطئ ثم وطئ ~~قبل التكفير في يوم واحد فعليه كفارة واحدة بلا خلاف؛ لأنها عبادة تكرر ~~الوطء فيها قبل التكفير فلم تجب أكثر من كفارة كالحج، وإن كان ذلك في يومين ~~ففيه وجهان: # أحدهما: تجزئه كفارة واحدة لأنه ms0303 جزاء عن جناية تكرر سببها قبل استيفائها ~~فتداخلا كالحدود وكالتي قبلها. # والثاني: تلزمه كفارتان اختاره القاضي؛ لأنه أفسد صوم يومين بجماع فوجبت ~~كفارتان كما لو كانا في رمضانين، فإن كفر عن الأول فعليه للثاني كفارة وجها ~~واحدا؛ لأنه تكرر السبب بعد استيفاء حكم الأول فوجب أن يثبت للثاني حكمه ~~كسائر الكفارات. # فصل: # والكفارة عتق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فمن لم يستطع فإطعام ~~ستين مسكينا للخبر. # وعنه: أنها على التخيير بين الثلاثة، لما روي عن أبي هريرة «أن رجلا أفطر ~~في رمضان، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكفر بعتق رقبة، أو ~~صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا» . رواه مسلم ومالك في " الموطأ ~~". و" أو " للتخيير، والأول المذهب؛ لأن الحديث الأول أصح وهو متضمن ~~للزيادة، وإن عجز عن الأصناف كلها سقطت؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أمر الذي أخبره بحاجته إليها بأكلها، ويحتمل أن لا تسقط؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - دفع إليه المكتل وأمره بالتكفير بعد إخباره بعجزه، والأول ~~أولى؛ لأن الإسقاط آخر الأمرين فيجب تقديمه. ### | باب قضاء رمضان # باب القضاء يجوز تفريق قضاء رمضان، لقول الله تعالى: {فعدة من أيام أخر} ~~[البقرة: 184] ، وهذا مطلق يتناول المتفرق، وروى الأثرم بإسناده عن محمد بن ~~المنكدر أنه قال: بلغني «أن # PageV01P447 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن تقطيع قضاء رمضان، فقال: لو كان ~~على أحدكم دين فقضاه من الدرهم والدرهمين حتى يقضي ما عليه من الدين هل كان ~~ذلك قاضيا دينه؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: فالله أحق بالعفو والتجاوز ~~منكم» رواه الدارقطني بنحوه والمتتابع أحسن؛ لأنه أشبه بالأداء وأبعد من ~~الخلاف، ويجوز له تأخيره ما لم يأت رمضان آخر؛ لأن عائشة - رضي الله عنها - ~~قالت: لقد كان يكون علي الصيام من رمضان فما أقضيه حتى يجيء شعبان. متفق ~~عليه، ولا يجوز تأخيره أكثر من ذلك لغير عذر؛ لأنه لو جاز لأخرته عائشة، ~~ولأن تأخيره غير مؤقت، إلحاقا لها بالمندوبات، فإن أخره ms0304 لعذر فلا شيء عليه؛ ~~لأن فطر رمضان يباح للعذر فغيره أولى، وسواء مات أو لم يمت؛ لأنه لم يفرط ~~في الصوم فلم يلزمه شيء، كما لو مات في رمضان، وإن أمكنه القضاء فلم يقض ~~حتى جاء رمضان آخر قضى وأطعم عن كل يوم مسكينا؛ لأن ذلك يروى عن ابن عمر ~~وابن عباس وأبي هريرة - رضي الله عنهم -، ولأن تأخير القضاء عن وقته إذا لم ~~يوجب قضاء أوجب كفارة، كالشيخ الهرم وإن فرط فيه حتى مات قبل رمضان آخر، ~~أطعم عنه عن كل يوم مسكين؛ لأن ذلك يروى عن ابن عمر - رضي الله عنهما -. ~~وإن مات المفرط بعد أن أدركه رمضان آخر فكفارة واحدة عن كل يوم يجزئه، نص ~~عليه؛ لأن الكفارة الواحدة أزالت تفريطه فصار كالميت من غير تفريط. وقال ~~أبو الخطاب: عليه لكل يوم فقيران لأن كل واحد يقتضي كفارة، فإذا اجتمعا وجب ~~بهما كفارتان، كالتفريط في يومين. ويجوز لمن عليه قضاء رمضان التطوع ~~بالصوم؛ لأنها عبادة تتعلق بوقت موسع فجاز التطوع بها في وقتها قبل فعلها ~~كالصلاة، وعنه: لا يجوز؛ لأنها عبادة يدخل في جبرانها المال فلم يجز التطوع ~~بها قبل فرضها كالحج، والأول أصح؛ لأن الحج يجب على الفور، بخلاف الصيام، ~~ولا يكره قضاؤه في عشر ذي الحجة؛ لأن عمر كان يستحب القضاء فيها، ولأنها ~~أيام عبادة لا يكره القضاء فيها كعشر المحرم، وعنه: يكره؛ لأن عليا - رضي ~~الله عنه - كرهه، ولأن العبادة فيها أحب الأعمال إلى الله تعالى فاستحب ~~توفيرها على التطوع. ### | باب ما يستحب وما يكره للصائم # باب ما يستحب وما يكره ينبغي للصائم أن يحرس صومه عن الكذب والغيبة ~~والشتم والمعاصي، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا ~~كان يوم صوم أحدكم قلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ ~~صائم» متفق عليه، ويستحب للصائم السحور، لما روى أنس أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال «تسحروا فإن في السحور بركة» متفق عليه ويستحب تأخير ~~السحور ms0305 وتعجيل الفطر، لما روى أبو ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «لا تزال أمتي بخير ما أخروا # PageV01P448 # السحور وعجلوا الفطور» من المسند. ويستحب أن يفطر على رطب، فإن لم يجد ~~فعلى تمرات، فإن لم يجد فعلى ماء، لما روى أنس قال: «كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن ~~لم يكن حسا حسوات من ماء» ، وهذا حديث حسن، ولا بأس بالسواك؛ لأن عامر بن ~~ربيعة قال: «رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لا أحصي يتسوك وهو صائم» ~~، وهذا حديث حسن. وهل يكره بالعود الرطب، على روايتين: # إحداهما: لا يكره؛ لأنه يروى عن عمر وعلي وابن عمر - رضي الله عنهم -. # والأخرى: يكره؛ لأنه لا يأمن أن يتحلل منه أجزاء تفطره. # فصل: # وتكره القبلة لمن تحرك شهوته؛ لأنه لا يأمن إفضاءها إلى فساد صومه ومن لا ~~تحرك شهوته فيه روايتان: # إحداهما: يكره؛ لأنه لا يأمن من حدوث شهوة. # والأخرى: لا يكره، «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقبل وهو صائم» ~~متفق عليه لما كان أملك لإربه، وقد روي عن أبي هريرة «أن رجلا سأل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عن المباشرة للصائم فرخص له، فأتاه آخر وسأله فنهاه، ~~فإذا الذي رخص له شيخ. والذي نهاه شاب» . رواه أبو داود، والحكم في اللمس ~~وتكرار النظر كالحكم في القبلة؛ لأنهما في معناها. ويكره أن يذوق الطعام، ~~فإن فعل فلم يصل إلى حلقه شيء لم يضره، وإن وصل شيء فطره، ويكره مضغ العلك ~~القوي الذي لا يتحلل منه شيء، فأما ما يتحلل منه أجزاء يجد طعمها في حلقه ~~فلا يحل مضغه، إلا أن لا يبلع ريقه، فإن بلعه فوجد طعمه في حلقه فطره، وإن ~~وجد طعم ما لا يتحلل منه شيء في حلقه ففيه وجهان: # أحدهما: يفطره كالكحل. # والثاني: لا يفطره؛ لأن مجرد الطعم لا يفطر، كمن لطخ باطن قدميه بالحنظل ~~فوجد مرارته في حلقه لم يفطره، ويكره الغوص ms0306 في الماء لئلا يدخل مسامعه، فإن ~~دخل فهو كالداخل من المبالغة في الاستنشاق؛ لأنه حصل بفعل مكروه، فأما ~~الغسل فلا بأس به؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصبح جنبا ثم ~~يغتسل. # PageV01P449 # فصل: # ويكره الوصال وهو أن يصوم يومين لا يفطر بينهما، لما روى أنس أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تواصلوا قالوا: إنك تواصل. قال: إني لست ~~كأحد منكم إني أطعم وأسقى» متفق عليه. فإن أخر فطره إلى السحر جاز، لما روى ~~أبو سعيد أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تواصلوا ~~فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر» أخرجه البخاري. ### | باب صوم التطوع # وهو مستحب، لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن الله تعالى: «كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به، ~~الصيام جنة، والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح ~~المسك، للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه» . ~~متفق عليه، وأفضله ما روى عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أحب الصيام إلى الله صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما» ~~متفق عليه. # ويستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، لما روى أبو هريرة قال: «أوصاني خليلي ~~- صلى الله عليه وسلم - بثلاث؛ صيام ثلاث أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، ~~وأن أوتر قبل أن أنام» ، متفق عليه. ويستحب أن يجعلها أيام البيض، لما روى ~~أبو ذر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا أبا ذر إذا صمت من ~~الشهر ثلاثة أيام فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة» وهذا حديث حسن، ~~ويستحب صوم الاثنين والخميس، لما روى أسامة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- كان يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس فسئل عن ذلك فقال: إن أعمال الناس تعرض ~~يوم الاثنين والخميس» . رواه أبو داود. ويستحب الصيام في المحرم، لما روى ~~أبو هريرة قال: قال رسول ms0307 الله - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل الصيام بعد ~~شهر رمضان شهر الله المحرم» رواه مسلم، وهذا حديث حسن. ويستحب صيام عشر ذي ~~الحجة، لما روى ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما ~~من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام قالوا يا رسول الله ~~ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ولا ~~الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» وهذا ~~حديث حسن صحيح. وصوم يوم عرفة كفارة سنتين وهو التاسع من ذي الحجة، وصوم ~~عاشوراء كفارة سنة، وهو العاشر من المحرم، لما روى أبو قتادة عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة ~~التي قبله والسنة التي بعده» وقال في صيام يوم عاشوراء: «إني أحتسب على ~~الله أن يكفر السنة التي بعده» رواه مسلم. # ولا يستحب لمن # PageV01P450 # بعرفة أن يصوم؛ ليتقوى على الدعاء؛ لما روى ابن عمر قال: «حججت مع النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فلم يصمه، ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ~~ومع عثمان فلم يصمه، فأنا لا أصومه ولا آمر به، ولا أنهى عنه» ، حديث حسن، ~~ومن صام شهر رمضان وأتبعه بست من شوال - وإن فرقها - فكأنما صام الدهر؛ لما ~~روى أبو أيوب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من صام شهر ~~رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله» رواه مسلم. # فصل: # ويكره إفراد الجمعة بالصيام. لما روى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوما قبله أو ~~يوما بعده» متفق عليه. وإفراد يوم السبت بالصوم؛ لما روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» ~~وهذا حديث حسن صحيح. فإن صامهما معا لم يكره لحديث أبي هريرة، ويكره إفراد ~~أعياد الكفار بالصيام لما فيه ms0308 من تعظيمها، والتشبه بأهلها، ويكره صوم ~~الدهر؛ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل له: فكيف بمن صام ~~الدهر؟ قال: «لا صام ولا أفطر» حديث حسن؛ ولأنه يشبه التبتل المنهي عنه. ~~ويكره إفراد رجب بالصوم؛ لما فيه من تشبهه برمضان، وقد روي عن خرشة قال: ~~رأيت عمر يضرب أكف الناس حتى يضعوها في الطعام. يعني في رجب. ويقول: إنما ~~هو شهر كانت الجاهلية تعظمه، ثم يقول: صوموا منه، وأفطروا، وروى سعيد بن ~~منصور أوله بمعناه، ولم يقل فيه: " صوموا منه وأفطروا ". وقال أصحابنا: ~~يكره صوم يوم الشك وهو اليوم الذي يشك فيه هل هو من شعبان أو من رمضان إذا ~~كان صحوا، ويحتمل أنه محرم؛ لقول عمار: «من صام اليوم الذي يشك فيه الناس ~~فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم -» - رواه أبو داود والترمذي ~~نحوه، وصححه والمعصية حرام. # وكذلك استقبال رمضان باليوم واليومين؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصيام يوم أو يومين إلا أن يكون رجلا كان يصوم ~~صياما فليصمه» متفق عليه. وما وافق هذا كله عادة فلا بأس بصومه لهذا ~~الحديث، وقد دل هذا الحديث بمفهومه على جواز التقدم بأكثر من يومين. وقد ~~روي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا كان النصف ~~من شعبان فأمسكوا عن الصيام حتى يكون رمضان» وهذا حديث صحيح، فيحمل الأول ~~على الجواز، وهذا على نفي الفضيلة جمعا بينهما. # فصل: # ويحرم صوم العيدين عن فرض أو تطوع، فإن صامهما فقد عصى ولم يجزآه عن فرض؛ ~~لما روى أبو عبيد مولى ابن أزهر قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب فقال: ~~«هذان يومان نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صيامهما، يوم فطركم ~~من صيامكم، واليوم الآخر # PageV01P451 # تأكلون من نسككم.» متفق عليه، ولا يجوز صيام أيام التشريق؛ لما روى نبيشة ~~الهذلي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أيام التشريق أيام أكل ~~وشرب وذكر الله عز وجل» رواه مسلم. ms0309 وفي صيامهما للفرض روايتان: # إحداهما: يحرم لهذا الحديث. # والثانية: يجوز لما روي عن ابن عمر وعائشة أنهما قالا: «لم يرخص في أيام ~~التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي» رواه البخاري. وقسنا على صوم المتعة ~~صوم كل فرض لأنه في معناه. # فصل: # ومن دخل في صيام تطوع فله الخروج منه، ولا قضاء عليه، وعنه: عليه القضاء؛ ~~لأنه عبادة فلزمت بالشروع كالحج. # والأول: المذهب؛ لما روت عائشة قالت: «قلت: يا رسول الله، أهديت لنا هدية ~~أو جاءنا زور، وقد خبأت لك شيئا: قال ما هو؟ قلت: حيس، قال: هاتيه، فجئته ~~به فأكل ثم قال: قد كنت أصبحت صائما» رواه مسلم؛ ولأن كل صوم لو أتمه كان ~~تطوعا؛ لا يلزمه إتمامه، وإن خرج منه لم يلزمه قضاؤه، كما لو اعتقده من ~~رمضان فبان من شعبان، وإن كان الصوم مكروها، فالفطر منه مستحب؛ لما روي عن ~~جويرية بنت الحارث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها يوم الجمعة ~~وهي صائمة فقال: «أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: أتريدين أن تصومي غدا؟ قالت: ~~لا، قال: فأفطري» متفق عليه، وسائر التطوعات من الصلاة، والاعتكاف وغيرهما ~~كالصوم، إلا الحج والعمرة. # وعنه: أن الصلاة أشد فلا يقطعها، ومال إليها أبو إسحاق والجوزجاني؛ لأن ~~الصلاة ذات إحلال وإحرام، فأشبهت الحج، والأول المذهب؛ لأن ما جاز ترك ~~جميعه جاز ترك بعضه كالصدقة والحج والعمرة يخالفان غيرهما؛ لأنه يمضي في ~~فاسدهما فلا يصح القياس عليهما، ومن دخل في واجب كقضاء، أو نذر غير معين، ~~أو كفارة؛ لم يجز له الخروج منه؛ لأنه تعين بدخوله فيه، فصار كالمتعين، فإن ~~خرج منه لزمه أكثر مما كان عليه. # فصل: # ويستحب تحري ليلة القدر؛ لقول الله تعالى: {ليلة القدر خير من ألف شهر} ~~[القدر: 3] ، وهي في رمضان؛ لأن الله تعالى أخبر أنه أنزل فيها القرآن، ~~وأنه أنزله في # PageV01P452 # شهر رمضان، فيدل على أنها في رمضان. وأرجاه الوتر في ليالي العشر ~~الأواخر؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من كان متحريها فليتحرها ~~في ms0310 السبع الأواخر» وفي لفظ: «فاطلبوها في العشر الأواخر في الوتر منها» ~~متفق عليه. وقال أبي بن كعب: إنها ليلة سبع وعشرين، «أخبرنا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنها ليلة صبيحتها تطلع الشمس ليس لها شعاع. فعددنا ~~وحفظنا» . هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم إلى قوله ((شعاع)) ، فهذا أصح ~~علاماتها، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنها ليلة بلجة سمحة ~~لا حارة ولا باردة، تطلع الشمس صبيحتها بيضاء لا شعاع لها» ، من " المسند ~~"، وروى أبو سعيد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «قد أريت ~~هذه الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد في صبيحتها في ماء وطين، قال أبو ~~سعيد: فأمطرت تلك الليلة، وكان المسجد على عريش فوكف المسجد، فأبصرت عيناي ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف علينا وعلى جبهته وأنفه أثر الماء ~~والطين من صبح إحدى وعشرين.» متفق عليه، والحديثان يدلان على أنها تتنقل في ~~ليالي الوتر من العشر؛ لأن كل واحد منهما يدل على وجود علامتها في ليلة، ~~فينبغي أن يجتهد في ليالي الوتر من العشر كله، ويكثر من الدعاء لعله ~~يوافقها، ويدعو بما روي «عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله إن وافقتها فبم ~~أدعو؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» رواه الترمذي وقال: ~~حديث صحيح. # PageV01P453 ### | كتاب الاعتكاف # وهو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى فيه، وهو مستحب؛ لما روت عائشة - رضي ~~الله عنها - قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتكف العشر ~~الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده.» متفق ~~عليه، وليس بواجب؛ لأن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعلوه، ولا ~~أمروا به إلا من أراده، ويجب بالنذر؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من نذر أن يطيع الله فليطعه» رواه البخاري. # فصل: # ويصح من الرجال والنساء، وليس للمرأة أن تعتكف بغير إذن زوجها لأنه يملك ~~استمتاعها فلا تملك تفويته بغير إذنه، وليس للعبد الاعتكاف بغير إذن سيده؛ ~~لأنه يملك نفعه، فإن ms0311 أذن لهما، صح منهما؛ لأن أزواج رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كن يعتكفن بإذنه، وإن شرعا فيه تطوعا فلهما إخراجهما منه، وإن ~~كان بإذنهما؛ لأنه لا يلزم بالشروع فيه، وإن كان منذورا مأذونا فيه؛ لم يجز ~~إخراجهما منه سواء كان معينا أو مطلقا؛ لأنه يتعين بالشروع، ويجب إتمامه ~~فلم يجز التحليل منه كالصوم، وإن كان النذر والدخول فيه بغير إذن، فلهما ~~منعهما من ابتدائه، وإخراجهما منه بعد الشروع فيه؛ لأنه نذر يتضمن تفويت ~~منافع مملوكة لغيرهما فأشبه نذر عارية عبد غيره. # فصل: # والمكاتب كالحر في الاعتكاف؛ لأنه لا حق للسيد في نفعه، ومن نصفه حر إن ~~لم يكن بينهما مهايأة، فهو كالقن؛ لتعلق حق سيده بنفعه في زمن اعتكافه، وإن ~~كان بينهما مهايأة فهو في زمن سيده كالقن، وفي زمن نفسه كالحر لعدم حق ~~السيد فيه. # فصل: # ولا يصح إلا بنية؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال ~~بالنيات» ؛ ولأنه عبادة محضة فأشبه الصوم، وإن كان فرضا لزمه نية الفرضية؛ ~~ليميزه عن التطوع كصوم الفرض. وإن نوى الخروج منه ففيه وجهان: # PageV01P454 # أحدهما: يبطل كما لو قطع نية الصوم. # والثاني: لا يبطل لأنه قربة تتعلق بمكان فلا يخرج منها بنية الخروج ~~كالحج. # فصل: # ويصح بغير صوم، وعنه: لا يصح إلا به؛ لما روى ابن عمر «أن عمر - رضي الله ~~عنهما - جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: اعتكف وصم» رواه أبو داود. # والمذهب الأول؛ لما روي عن عمر أنه قال: «يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف ~~ليلة في المسجد الحرام، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أوف بنذرك» ~~متفق عليه. ولو كان الصوم شرطا لم يصح في الليل منفردا؛ ولأن كل عبادة صح ~~بعضها بغير صوم صح جميعها بغيره كالحج، والأفضل الصوم؛ ليجمع بين العبادتين ~~ويخرج من الخلاف، فعلى هذه الرواية يصح اعتكاف ليلة وبعض يوم، وعلى الأخرى ~~لا يصح أقل من زمن يصح فيه الصوم. وإن نذر أن يعتكف بصوم؛ لزمه؛ ms0312 لأنه صفة ~~مقصودة في الاعتكاف فلزم بالنذر كالتتابع. # فصل: # ولا يصح من رجل ولا امرأة إلا في المسجد؛ لقول الله تعالى: {وأنتم عاكفون ~~في المساجد} [البقرة: 187] ولا يصح من الرجل إلا في مسجد تقام فيه الجماعة؛ ~~لأنها واجبة عليه فلا يجوز تركها، ولا كثرة الخروج الذي يمكن التحرز منه؛ ~~والأفضل أن يعتكف في الجامع؛ لأن ثواب الجماعة فيه أكثر، ويصح من المرأة في ~~جميع المساجد لعدم وجوب الجماعة عيها. # ومن نذر الاعتكاف في مسجد بعينه، جاز الاعتكاف في غيره؛ لأن الله تعالى ~~لم يعين لأداء الفرض موضعا، فلم يتعين بالنذر إلا المساجد التي قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ~~ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى.» متفق عليه. فإنها تتعين بالنذر، فإن نذر ~~الاعتكاف في المسجد الحرام لم يجزئه الاعتكاف في غيره؛ لأنه أفضلها، وإن ~~نذره في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - جاز أن يعتكف في المسجد الحرام ~~لفضله عليه، ولم يجز في المسجد الأقصى؛ لأنه مفضول، وإن نذر الاعتكاف في # PageV01P455 # المسجد الأقصى جاز له الاعتكاف فيهما؛ لأنهما أفضل منه، بدليل قول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه ~~إلا المسجد الحرام» رواه مسلم. # وفي " المسند " عن رجال من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن رجلا ~~قال يوم الفتح: يا نبي الله، إني نذرت لأصلين في بيت المقدس، فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: والذي بعث محمدا بالحق لو صليت هاهنا لقضى عنك ذلك ~~كل صلاة في بيت المقدس» . # فصل: # فإن عين بنذره زمنا، تعين ولزمه أن يعتكف فيه؛ لأن الله تعالى عين لعباده ~~زمنا فتعين بالنذر، فإن نذر اعتكاف العشر الأواخر لزمه دخول معتكفه قبل ~~غروب الشمس ليلة إحدى وعشرين، ويخرج منه بعد غروب شمس الشهر؛ لأن ذلك هو ~~العشر، تاما كان الشهر أو ناقصا. # وعنه: أنه يدخل معتكفه إذا صلى الصبح؛ لما روت عائشة «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يصلي ms0313 الصبح، ثم يدخل معتكفه» ، متفق عليه. وإن نذر ~~عشر ليالي من الشهر فخرج الشهر ناقصا لزمه قضاء ليلة عن العاشرة؛ لأنه صرح ~~بذلك، وإن نذر اعتكاف شهر بعينه لزمه دخول معتكفه قبل غروب الشمس من أوله، ~~ويخرج منه بعد غروبها من آخره، تاما كان الشهر أو ناقصا؛ لأنه ذلك هو ~~الشهر. وإن نذر اعتكاف شهر مطلق خير بين اعتكاف ما بين هلالين وبين اعتكاف ~~ثلاثين يوما بالعدد؛ لأن شهر العدد ثلاثون يوما. ويلزمه التتابع؛ لأن الشهر ~~بإطلاقه ينصرف إلى المتتابع فلزمه كما لو نذر يوما. وفيه وجه آخر لا يلزمه ~~التتابع؛ لأنه معنى يصح فيه التفريق فلم يجب التتابع فيه بمطلق النذر، كما ~~لو نذر اعتكاف ثلاثين يوما، ويدخل في نذره الليل والنهار؛ لأن الشهر عبارة ~~عنهما، وإن نذر اعتكاف ثلاثين يوما لم يلزمه التتابع؛ لأن الأيام المطلقة ~~توجد بدون التتابع، والنذر يقتضي ما يتناوله لفظه. # وقال القاضي: يلزمه التتابع لما ذكرنا في الشهر، فعلى قوله تدخل الليالي ~~في نذره، وعلى الأول لا تدخل الليالي إلا أن ينويها أو يشترطها بلفظه؛ لأن ~~اليوم اسم لبياض النهار، والتثنية والجمع تكرار للواحد، فإن شرط التتابع ~~لزمه ودخل في نذره الليالي التي فيه خلل الأيام، وكذلك إذا نذر الليالي ~~متتابعة دخل في نذره الأيام التي في خللها؛ لأن ذلك يدخل في خلل نذره ~~المتتابع فلزمه كأيام العشر، وإن نذر اعتكاف يوم؛ لزمه دخول معتكفه قبل ~~طلوع الفجر، ويخرج منه بعد مغيب الشمس ليستوفي اليوم يقينا، ولا يجوز تفريق ~~ذلك في ساعات؛ لأن اليوم اسم للكامل المتتابع، فإن قال: لله # PageV01P456 # تعالى علي أن أعتكف أيام هذا الشهر أو لياليه أو شهرا بالليل أو بالنهار؛ ~~لزمه ما نذر ولم يدخل فيه ما سواه؛ لأنه إنما يلزمه بلفظه، فيجب ما يتناوله ~~اللفظ. وإن نذر اعتكافا معينا متتابعا ففاته؛ لزمه قضاؤه متتابعا؛ لأن ~~التتابع صفة فيه فلم يجز الإخلال بها في القضاء. # وإن لم يقل: متتابعا ففيه وجهان: # أحدهما: يلزمه التتابع؛ لأن الأداء متتابع فأشبه ما لو ms0314 تلفظ بالتتابع. # والثاني: لا يلزمه لأن التتابع في الأداء حصل ضرورة التعيين لا من نذره، ~~فلم يجب في القضاء كقضاء رمضان، فإن لم يكن التتابع واجبا في الأداء لم يجب ~~القضاء بطريق الأولى. # فصل: # ولا يجوز الخروج من المسجد إلا لما لا بد له منه؛ لما روت عائشة قالت: ~~«كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله، ~~وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان.» متفق عليه. ولا خلاف في جواز ~~الخروج لحاجة الإنسان، وإن احتاج إلى مأكول أو مشروب وليس له من يأتيه به، ~~فله الخروج إليه؛ لأنه مما لا بد له منه، وإن حضرت الجمعة وهو في غير ~~موضعها فله الخروج إليها؛ لأنها واجبة بأصل الشرع فلم يجز تركها بالاعتكاف، ~~كالوضوء، وإن دعي إلى إقامة شهادة تعينت عليه أو صلاة جنازة تعينت عليه أو ~~دفنها أو حملها، فعليه الخروج لذلك؛ لأن وجوبه آكد لكونه حق آدمي، ولا يبطل ~~اعتكافه بشيء من هذا ما لم يطل الزمان؛ لأنه خروج يسير مباح لم يبطل به ~~الاعتكاف كحاجة الإنسان. # فصل: # وإذا خرج لذلك فليس عليه العجلة في مشيه أكثر من عادته؛ لأن ذلك يشق ~~عليه، ويجوز أن يسأل على المريض أو غيره في طريقه ولا يعرج إليه ولا يقف؛ ~~لما «روت عائشة - رضي الله عنها - قالت: إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض ~~فيه فما أسأل عنه إلا وأنا مارة.» متفق عليه. ولأنه بالوقوف يترك اعتكافه ~~وبالسؤال لا يتركه، وإن احتاج إلى قضاء الحاجة وثم سقاية أقرب من منزله، ~~وأمكنه التنظيف فيها، وهو ممن لا يحتشم من دخولها، ولا نقص عليه فيه؛ لم ~~يكن له المضي إلى منزله؛ لأنه خروج لغير حاجة، وإن كان له منزلان فليس له ~~قصد الأبعد لذلك، فإن خشي ضررا أو نقصا في مروءته، أو انتظارا طويلا، فله ~~قصد منزله، وإن بعد، فإن بذل له صديق أو غيره الوضوء في منزله لم يلزمه؛ ~~لأنه يحتشم ويشق عليه. # PageV01P457 # فصل: # ولا يخرج لعيادة مريض، ولا حضور ms0315 جنازة لم تتعين عليه. # وعنه: أنه يشهد الجنازة ويعود المريض ولا يجلس، ويقضي الحاجة ويعود إلى ~~معتكفه لأن ذاك يروى عن علي - رضي الله عنه -، والأولى أولى؛ لقول عائشة - ~~رضي الله عنها -: «السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ~~ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه» ، رواه أبو ~~داود. ولكن إن كان متطوعا فله ترك اعتكافه لفعل ذلك، ثم يعود إلى الاعتكاف، ~~وإن كان واجبا لم يجز له تركه لما ليس بواجب، وإن شرط فعل ذلك في نذره فله ~~فعله، وكذلك إن شرط العشاء في أهله، جاز؛ لأنه يجب بعقده فكان الشرط فيه ~~إليه كالوقوف، وإن شرط أنه متى مرض أو عرض له عارض خرج، جاز شرطه لذلك، وإن ~~شرط الوطء في اعتكافه أو الفرجة أو النزهة أو البيع للتجارة أو التكسب ~~بالصناعة في المسجد؛ لم يصح شرطه؛ لأن هذا ينافي الاعتكاف فلم يصح شرطه ~~كتركه الإقامة في المسجد. # فصل: # وإن خرج لما له منه بد، بطل اعتكافه. فإن كان ناسيا، فقال القاضي: لا ~~يبطل لأنه فعل المنهي عنه في العبادة ناسيا فلم يبطلها كالأكل في الصوم، ~~وقال ابن عقيل: يبطلها؛ لأنه ترك الاعتكاف فاستوى عمده وسهوه كترك النية، ~~وحكم المكره حكم الناسي؛ لأنه في معناه في العفو بالخبر الوارد فيهما، وإن ~~أخرج بعض جسده، جاز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان يخرج رأسه من ~~المسجد وهو معتكف إلى عائشة فتغسله.» متفق عليه. وله صعود سطح المسجد لأنه ~~منه، ولهذا منع الجنب من اللبث فيه. وفي رحبة المسجد ما يدل على روايتين، ~~وجمع القاضي بينهما بحملهما على حالين فقال: إن كان عليها حائط وباب، فهي ~~كالمسجد؛ لأنها معه تابعة له، وإن لم تكن محوطة لم يثبت لها حكمه، وإن خرج ~~إلى منارة خارجة من المسجد بطل اعتكافه؛ لأنها ليست منه، قال أبو الخطاب: ~~ويحتمل أن لا يبطل؛ لأن منارة المسجد كالمتصلة به. # فصل: # وإذا دعت الحاجة إلى ترك الاعتكاف لأمر ms0316 لا بد منه كحيض المرأة أو نفاسها، ~~أو وجوب الاعتداد عليها في منزلها، أو لمرض يتعذر معه الاعتكاف إلا بمشقة ~~شديدة، أو لوقوع فتنة يخاف منها على نفسه أو ماله أو منزله، أو لعموم ~~النفير والاحتياج إلى خروجه، فله ترك الاعتكاف لأن هذا يسقط به الواجب بأصل ~~الشرع، وهو الجمعة # PageV01P458 # والجماعة، فغيره أولى. وإذا زال العذر والاعتكاف تطوع. فإن شاء رجع إليه ~~وإن شاء لم يرجع؛ لأنه لا يلزم بالشروع. وإن كان منذورا لم يخل من ثلاثة ~~أحوال: # أحدها: أن يكون نذر أياما معلومة مطلقة فعليه إتمام باقيها حسب؛ لأنه ~~يأتي بالمنذور على وجهه. # الثاني: نذر أياما متتابعة غير معينة فهو مخير بين البناء والقضاء وكفارة ~~يمين، وبين أن يبتدئها ولا كفارة عليه. # الثالث: نذر مدة معينة فعليه قضاء ما ترك وكفارة يمين لتركه فعل المنذور ~~في وقته، إلا في الحيض والنفاس فإنه لا كفارة في الخروج له؛ لأنه خروج لعذر ~~معتاد فأشبه الخروج لحاجة الإنسان. # وذكر القاضي: أن كل خروج لواجب كالشهادة المتعينة والنفير العام وقضاء ~~العدة، فلا كفارة فيه؛ لأنه خروج واجب أشبه الخروج للحيض. وذكر أبو الخطاب ~~رواية تدل على أن كل من ترك المنذور لعذر لا كفارة عليه، قياسا على خروج ~~الحائض من الاعتكاف. # فصل: # ويحرم على المعتكف الوطء لقول الله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في ~~المساجد} [البقرة: 187] ، فإن وطئ فسد اعتكافه؛ لأن الوطء إذا حرم في ~~العبادة أفسدها كالصوم والحج، والعامد والساهي سواء؛ لأن الجماع في العبادة ~~يستوي عمده وسهوه، بدليل الحج والصوم ولا كفارة عليه، نص عليه. # وعنه: عليه الكفارة؛ لأنها عبادة يفسدها الوطء فوجب به الكفارة كالحج. # والأول: المذهب؛ لأنها عبادة لا تجب بأصل الشرع، ولا تلزم بالشروع فلا ~~يجب بإفسادها كفارة، كصوم غير رمضان، وهذا ينقض القياس الأول. # واختلف موجبو الكفارة فيها: # فقال القاضي: هي ككفارة الوطء في رمضان قياسا لها عليها. # وعن أبي بكر: هي كفارة يمين؛ لأنها كفارة نذر فكانت كفارة يمين كسائر # PageV01P459 # كفاراته. وأما المباشرة فيما دون الفرج ms0317 فإن كانت لغير شهوة فهي مباحة؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدني رأسه إلى عائشة فترجله وهو ~~معتكف، وإن كانت لشهوة فهي محرمة؛ لقول عائشة: «السنة للمعتكف أن لا يمس ~~امرأة ولا يباشرها.» رواه أبو داود. # فإن فعل فأنزل أفسد اعتكافه وإلا فلا، كقولنا في الصوم. وإن شرب مسكرا أو ~~ارتد فسد اعتكافه؛ لأنه خرج بذلك عن أن يكون من أهل المسجد فصار كالخارج ~~منه، وكل موضع فسد اعتكافه التطوع فلا قضاء عليه ولا غيره لأنه لا يلزم ~~بالشروع فهو كصوم النفل، وإن كان نذرا متتابعا بطل ما مضى منه واستأنف؛ لأن ~~التتابع وصف في الاعتكاف أمكن أن يأتي به فلزمه، كعدة الأيام. وإن كان نذره ~~مدة معينة ففيه وجهان: # أحدهما: يبطل ما مضى ويستأنف؛ لأنه اعتكاف متتابع فأشبه المقيد بالتتابع ~~لفظا. # والثاني: لا يبطل الماضي ويستأنف؛ لأن التتابع حصل ضرورة التعيين، ~~والتعيين مصرح به في النذر، فالمحافظة على المصرح به أولى. فعلى هذا يقضي ~~ما أفسده ويتم كما لو أفسد لعذر، وعليه كفارة في الوجهين جميعا. # فصل: # وليس للمعتكف بيع ولا شراء إلا لما لا بد منه كالطعام ونحوه، ولا يتكسب ~~بالصنعة؛ لأن الاعتكاف لزوم طاعة الله وعبادته في المسجد، والتجارة فيه ~~تنافيه، فإن «النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن البيع والشراء في ~~المسجد.» وهو حديث حسن، فإن خرج ترك اعتكافه. ولا يخيط في المسجد ولا يعمل ~~صنعة، سواء كان محتاجا إلى ذلك أو لم يكن؛ لأن المسجد لم يبن لذلك، قال ~~أحمد - رضي الله عنه - في المعتكف يخيط: لا ينبغي له أن يعتكف إذا كان يريد ~~أن يعمل. وإن فعل شيئا من ذلك في المسجد لم يفسد اعتكافه لأنه لا ينافيه. # فصل: # وليس له أن يبول في المسجد في إناء؛ لأن هذا يقبح ويفحش فوجب صيانة ~~المسجد عنه، كما لو أراد أن يبول في أرضه ثم يغسله، وإن أراد الفصد أو ~~الحجامة، أو القيء فيه فهو كذلك؛ لأنه إراقة النجاسة فهو كالبول، وإن دعت ~~إلى ms0318 ذلك ضرورة، خرج من المسجد ففعله، كما يخرج لحاجة الإنسان، وإن استغنى ~~عنه فليس له فعله وللمستحاضة الاعتكاف وتحترز بما يمنع تلويث المسجد؛ لما ~~روت عائشة - رضي الله عنها - قالت: «اعتكفت مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في المسجد امرأة من نسائه فكانت ترى الحمرة والصفرة وربما وضعت ~~الطست تحتها وهي تصلي» . أخرجه البخاري. ولأن هذا لا يمنع الصلاة فلم يمنع ~~الاعتكاف، بخلاف ما قبله. # PageV01P460 # فصل: # ويجوز للمعتكف الأكل في المسجد، ويضع سفرة أو غيرها يسقط عليها ما يقع ~~منه كيلا يتلوث المسجد، ويغسل يده في طست ليفرغ خارج المسجد، ولا يجوز له ~~الخروج لغسل يديه؛ لأنه خروج لما له منه بد، وله أن يتنظف ويرجل شعره ~~ويغسله؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله وهو معتكف، وله أن ~~يتطيب ويلبس رفيع الثياب؛ لأن هذه عبادة لا تحرم اللباس، فلا تحرم ذلك ~~كالصوم، وله أن يتزوج ويشهد النكاح لذلك، وله أن يحدث غيره ويأمر بحاجته؛ ~~لما «روت صفية - رضي الله عنها -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~معتكفا فأتيته أزوره ليلا، فحدثته ثم قمت لأنقلب فقام معي ليقلبني.» متفق ~~عليه. # فصل: # ويستحب له التشاغل بالصلاة والذكر وتلاوة القرآن، واجتناب ما لا يعنيه من ~~الأقوال والأفعال، فإن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، ويجتنب الجدال ~~والمراء والسباب والفحش والإكثار من الكلام، فإن ذلك مكروه في غير ~~الاعتكاف، ففي الاعتكاف الذي هو استشعار بطاعة الله تعالى ولزوم عبادته ~~وبيته، أولى، ولا يبطل الاعتكاف بشيء من ذلك لأنه لما لم يبطل بمباح ~~الكلام؛ لم يبطل بمحرمه كالصوم. # فصل: # فأما التزام الصمت فليس من شريعة الإسلام لما روى قيس بن مسلم قال: دخل ~~أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - على امرأة من أحمس، فرآها لا تتكلم، فقال: ~~ما لها لا تتكلم؟ فقالوا: حجت مصمتة، فقال لها: تكلمي فإن هذا لا يحل، هذا ~~من عمل الجاهلية، فتكلمت. رواه البخاري. وعن علي - رضي الله عنه - عن رسول ~~الله - صلى الله ms0319 عليه وسلم - أنه قال: «لا صمات يوم إلى الليل» رواه أبو ~~داود. فإن نذر ذلك فهو كنذر المعاصي على ما سيأتي. # قال ابن عقيل: ولا يجوز جعل القرآن بدلا من الكلام؛ لأنه استعمال له في ~~غير ما هو له، فهو كتوسد المصحف، وقد جاء: لا يناظر بكتاب الله. أي: لا ~~يتكلم به عند الشيء تراه، كأن ترى رجلا جاء في وقته فتقول: وجئت على قدر يا ~~موسى. وذكر أبو عبيد نحو هذا. # PageV01P461 # فصل: # وأما قراءة القرآن وتدريس العلم ومناظرة الفقهاء ومذاكرتهم وكتابة العلم ~~فحكي فيه روايتان: # إحداهما: يستحب، اختارها أبو الخطاب؛ لأن ذلك أفضل العبادات لتعدي نفعه، ~~ويمكن فعله في المسجد فكان مستحبا له كالصلاة. # والثانية: لا يستحب وهو ظاهر المذهب؛ لأن الاعتكاف عبادة شرط لها المسجد، ~~فلم يستحب ذلك فيها كالطواف والصلاة. وعلى هذه الرواية فعله لهذه الأمور ~~أفضل من اعتكافه الشاغل عنها. قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: إن رجلا ~~يقرئ في المسجد يريد أن يعتكف لعله أن يختم في كل يوم؟ فقال: إذا فعل هذا ~~كان لنفسه، وإذا قعد في المسجد كان له ولغيره، يقرئ أحب إلي. # فصل: # ومن اعتكف العشر الأخير من رمضان استحب أن يبيت ليلة الفطر في معتكفه، ثم ~~يخرج من المصلى في ثياب اعتكافه؛ لأن أبا قلابة وأبا بكر بن عبد الرحمن ~~وأبا مجلز والمطلب بن حنطب وإبراهيم النخعي كانوا يستحبون ذلك، ولأنها ليلة ~~تتلو العشر ورد الشرع بالترغيب في قيامها والعبادة فيها، فأشبهت ليالي ~~العشر، والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV01P462 ### | كتاب الحج # الحج من أركان الإسلام وفروضه؛ لقول الله تعالى: {ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] ولما روينا فيما مضى، وروى ~~مسلم عن أبي هريرة قال: «خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا ~~أيها الناس إن الله فرض عليكم الحج فحجوا فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ ~~فسكت. حتى قالها ثلاثا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو قلت نعم ~~لوجبت ولما استطعتم ثم ms0320 قال: ذروني ما تركتكم» وتجب العمرة على من يجب عليه ~~الحج؛ لقول الله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] . ولما ~~روى الضبي بن معبد قال: أتيت عمر فقلت: إني أسلمت يا أمير المؤمنين، وإني ~~وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي فأهللت بهما. فقال: هديت لسنة نبيك. رواه ~~النسائي. # ويجب ذلك في العمر مرة؛ لحديث أبي هريرة، ولا يجوز لأحد دخول مكة بغير ~~إحرام؛ لما روي عن ابن عباس قال: لا يدخل مكة إلا محرم، إلا الحطابين. إلا ~~أن يكون دخوله لقتال مباح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «دخل مكة يوم ~~الفتح وعلى رأسه المغفر.» متفق عليه. ودخل أصحابه غير محرمين. أو من يتكرر ~~دخوله كالحطاب والحشاش والصياد، فلهم الدخول بغير إحرام؛ لحديث ابن عباس ~~فإنه استثنى الحطابين، وقسنا عليهم من هو # PageV01P463 # في معناهم. ولأن في إيجاب الإحرام عليهم حرجا فينتفي بقول الله تعالى: ~~{وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] . # فإن دخل من يجب عليه الإحرام بغير إحرام فلا قضاء عليه لأنه لو وجب قضاؤه ~~للزمه للدخول للقضاء قضاء فلا يتناهى، فسقط لذلك. # فصل: # ولا يجب الحج والعمرة إلا بشروط خمسة: الإسلام والبلوغ والعقل لما تقدم، ~~والحرية، والاستطاعة لقول الله تعالى: {من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: ~~97] فيدل هذا على أنه لا يجب على غير مستطيع، والعبد غير مستطيع لأنه لا ~~مال له، ومنافعه مستحقة، فهذا أعظم عذرا من الفقير. # وهذه الشروط تنقسم ثلاثة أقسام: قسم يشترط للصحة وهو: الإسلام والعقل، ~~فلا يصح من كافر ولا مجنون لما ذكرنا في الصوم. # وقسم يشترط للإجزاء، وهو البلوغ والحرية؛ لما روى ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أيما صبي حج ثم بلغ ~~فعليه حجة أخرى وأيما عبد حج، ثم عتق فعليه حجة أخرى» . رواه الشافعي ~~والطيالسي في مسنديهما. ولأنه فعل العبادة وهو من غير أهل الوجوب فلم يجزئه ~~إذا صار من أهل الوجوب، كالصبي يصلي ثم يبلغ في الوقت، وإن وجد البلوغ أو ~~العتق ms0321 في الوقوف بعرفه أو قبله، أجزأهما عن حجة الإسلام، لأنهما أتيا ~~بالنسك حال الكمال فأجزأهما، كما لو وجد ذلك قبل الإحرام. وإن وجد بعد ~~الوقوف في وقته فرجعا فوقفا في الوقت أجزأهما أيضا لذلك، وإن فاتهما ذلك لم ~~يجزئهما لفوات ركن الحج قبل الكمال. # الثالث: شرط الوجوب حسب، وهو الاستطاعة، فلو تكلف العاجز الحج أجزأه ووقع ~~موقعه؛ لأنه إنما سقط عنه رفقا به فإذا تحمله أجزأه كما لو تحمل المريض ~~الصلاة قائما؛ لكن إن كان في الحج كلا على الناس لمسألته إياهم وتثقيله ~~عليهم، كره له؛ لأنه يضر بالناس بالتزام ما لا يلزمه، وإن لم يكن كلا على ~~أحد؛ لقوته على المشي # PageV01P464 # والتكسب بصناعة أو معاونة من ينفق عليه، فهو مستحب له لقول الله تعالى: ~~{يأتوك رجالا وعلى كل ضامر} [الحج: 27] ولأنه التزام للطاعة من غير مضرة ~~لأحد فاستحب كقيام الليل. # فصل: # والاستطاعة في حق البعيد: القدرة والزاد والراحلة؛ لما روى ابن عمر قال: ~~«جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله ما يوجب ~~الحج؟ قال: الزاد والراحلة» . قال الترمذي: هذا حديث حسن، ولأنها عبادة ~~تتعلق بقطع مسافة بعيدة فاشترط لوجوبها الزاد والراحلة كالجهاد. # والزاد: هو ما يحتاج إليه من مأكول ومشروب وكسوة في ذهابه ورجوعه. # فإن وجد ذلك لذهابه دون رجوعه لم يلزمه الحج؛ لأن عليه في غربته ضررا ~~ومشقة وغيبة عن أهله ومعاشه. # وإن وجد ما يكفيه لذهابه ورجوعه بثمن مثله في الغلاء والرخص، أو بزيادة ~~لا تجحف بماله لزمه، وتعتبر القدرة على الماء وعلف البهائم في منازل الطريق ~~على ما جرت به العادة، ولا يكلف حمل ذلك من بلده لما فيه من المشقة التي لا ~~يمكن تحملها، ويعتبر قدرته على أوعية الزاد والماء؛ لأنه لا يستغنى عنها. ~~ويشترط وجدان راحلة تصلح لمثله بشراء أو كراء، وما يحتاج إليه من آلتها ~~الصالحة لمثله في محمل أو زاملة أو قتب على ما جرت به عادة مثله، وما لا ~~يتخوف الوقوع منه، ويكون ذلك فاضلا عما ms0322 يحتاج إليه لقضاء دين حال ومؤجل، ~~ونفقة عياله إلى أن يعود، وما يحتاجون إليه من مسكن وخدم؛ لأن هذا واجب ~~عليه يتعلق به حق آدمي، فكان أولى بالتقديم كنفقة نفسه. # وإن احتاج إلى النكاح لخوف العنت، قدم؛ لأنه واجب لدفع الضرر عن نفسه ~~فأشبه النفقة، وإن لم يخف وجب الحج؛ لأنه تطوع فلا يسقط به الحج الواجب، ~~ومن له عقار يحتاج إليه للسكنى أو إلى أجرته لنفقته أو نفقة عياله أو بضاعة ~~يختل ربحها المحتاج إليه لذلك، أو آلات لصناعته المحتاج إليها، أو كتب من ~~العلم يحتاج إليها؛ لم يلزمه صرفه في الحج؛ لأنه لا يستغنى عنه، أشبه ~~النفقة، ومن كان من ذلك فاضلا عن حاجته كمن له بكتاب نسختان أو له دار ~~فاضلة أو مسكن واسع يكفيه بعضه، فعليه # PageV01P465 # صرف ذلك في الحج، ومن لم يكن له مال فبذل له ولده أو غيره مالا يحج به؛ ~~لم يلزمه قبوله، وإن بذل له أن يحج عنه أو يحمله؛ لم يلزمه قبوله؛ لأن عليه ~~فيه منة ومشقة فلم يلزمه قبوله كما لو كان الباذل أجنبيا. # فصل: # فأما المكي ومن بينه وبين مكة دون مسافة القصر فلا يشترط في حقه راحلة، ~~ومتى قدر على الحج ماشيا لزمه؛ لأنه يمكنه ذلك من غير مشقة شديدة، وإن عجز ~~عن المشي وأمكنه الحبو لم يلزمه؛ لأن مشقته في المسافة القريبة أكثر من ~~السير في المسافة البعيدة. # فصل: # واختلفت الرواية في ثلاثة أشياء. وهي إمكان المسير، وهو أن تكمل الشرائط ~~فيه، وفي الوقت سعة يتمكن من السير لأدائه. وتخلية الطريق وهو أن لا يكون ~~في الطريق مانع من خوف ولا غيره. والمحرم للمرأة، فروي أنها من شرائط ~~الوجوب لا يجب الحج بدونها؛ لأنه لا يستطاع فعله بدونها، فكانت شرطا للوجوب ~~كالزاد والراحلة. # وعنه: أنها شروط للزوم الأداء دون الوجوب؛ لأنها أعذار تمنع نفس الأداء ~~فقط، فلم تمنع الوجوب كالمرض، وإذا قلنا: هي من شرائط الوجوب فمات قبل ~~تحققها، فلا شيء عليه كالفقير، وإن قلنا: هي من ms0323 شرائط لزوم السعي فاجتمعت ~~فيه الشرائط الخمس، حج عنه كالمريض. وإمكان السير معتبر بما جرت به العادة، ~~فلو أمكنه السير بأن يحمل على نفسه ما لم تجر به عادة لم يلزمه؛ لأن فيه ~~مشقة وتعزيرا. # وتخلية الطريق عبارة عن عدم الموانع فيها، بعيدة كانت أو قريبة، برا أو ~~بحرا الغالب السلامة فيه، فإن لم يكن الغالب السلامة لم يلزمه، كالبر إذا ~~كان فيه مانع، فإن كان الطريق آمنا لكنه يحتاج إلى خفارة كثيرة لم يلزمه ~~الأداء؛ لأنه كالزيادة على ثمن المثل في شراء الزاد، فإن كانت يسيرة؟. # فقال ابن حامد: يلزمه لأنها غرامة ممكنة، يقف الحج على بذلها فلزمته كثمن ~~الزاد. # وقال القاضي: لا يلزمه؛ لأنها رشوة في الواجب فلم تلزمه، كسائر الواجبات. # فصل: # فأما السلامة وكونه على حال يمكنه الثبوت على الراحلة فهو شرط للزوم ~~الأداء # PageV01P466 # خاصة، فإن عدم ذلك لمرض لا يرجى برؤه، أو كبر، أقام من يحج عنه ويعتمر؛ ~~لما روى أبو رزين أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «يا رسول ~~الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن، قال: حج عن ~~أبيك واعتمر» وهو حديث حسن، فإن برئ بعد أن حج عنه فلا حج عليه؛ لأنه أتى ~~بما أمر به، فخرج عن عهدته كما لو لم يبرأ. وإن كان مرضه يرجى زواله لم يجز ~~أن يستنيب؛ لأنه يرجو القدرة فلم تكن له الاستنابة، كالصحيح الفقير، فإن ~~استناب ثم مات؛ لم يجزئه ووجب الحج عنه؛ لأنه حج عنه وهو غير مأيوس منه فلم ~~يجزئه الحج، كما لو برئ، وهل يجوز لمن يمكنه الحج بنفسه أن يستنيب في حجة ~~التطوع؟ فيه روايتان: # إحداهما: يجوز؛ لأنها حجة لا يلزمه أداؤها فجاز له الاستنابة فيها ~~كالمغصوب. # والثانية: لا يجوز؛ لأنها عبادة لا تجوز الاستنابة في فرضها فلم تجز في ~~نفلها كالصلاة. # فصل: # ومن كملت الشرائط في حقه؛ لزمه الحج على الفور ولم يجز له تأخيره؛ لما ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ms0324 قال: «من أراد الحج فليتعجل فإنه ~~قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة» رواه ابن ماجه. وعن علي - رضي ~~الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ملك زادا ~~وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا» ~~رواه الترمذي، ولأنه أحد أركان الإسلام فلم يجز تأخيره إلى غير وقته ~~كالصيام. # فصل: # وحج الصبي صحيح؛ لما روى ابن عباس قال: «رفعت امرأة صبيا فقالت: يا رسول ~~الله ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر» رواه مسلم. والكلام فيه في أربع أمور: # أحدها: في إحرامه، إن كان مميزا أحرم بإذن وليه، ولا يصح من غير إذنه؛ ~~لأنه عقد يؤدي إلى لزوم مال فلم ينعقد منه بنفسه كالبيع. وإن كان غير مميز ~~أحرم عنه وليه الذي يلي ماله، ومعنى إحرامه عنه: عقده الإحرام له فيصير ~~الصبي بذلك محرما دون # PageV01P467 # الولي، كما يعقد له النكاح، فلذلك صح أن يحرم عنه الولي، محلا كان أو ~~محرما ممن حج عن نفسه وممن لم يحج، فإن أحرمت عنه أمه، صح في ظاهر كلام ~~أحمد؛ لأنه قال: يحرم عنه أبواه، وهو ظاهر حديث ابن عباس. # وقال القاضي: لا يصح لعدم ولايتها على ماله، وفي سائر عصباته وجهان، بناء ~~على القول في الأم، فأما الأجنبي فلا يصح إحرامه عنه وجها واحدا. # الثاني: أن ما قدر الصبي على فعله كالوقوف بعرفة ومزدلفة فعليه فعله، وما ~~لا يمكنه فعله كالرمي فعله الولي عنه؛ لما روى جابر - رضي الله عنه - قال: ~~«كنا إذا حججنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - لبينا مع الصبيان ورمينا ~~عنهم» رواه ابن ماجه، وإن أمكنه المشي في الطواف وإلا طيف به محمولا، فقد ~~روى الأثرم عن أبي إسحق أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - طاف بابن ~~الزبير في خرقة. ولا يرمي عن الصبي إلا من أسقط فرض الرمي عن نفسه. # الثالث: أن ما فعله من محظورات الإحرام، إن كان مما يفرق بين عمده وسهوه، ~~فلا فدية فيه؛ لأن ms0325 عمد الصبي خطأ، وإن كان مما يستوي عمده وسهوه كجزاء ~~الصيد ونحوه ففيه فدية، وفي محلها روايتان: # إحداهما: تجب في مال الصبي؛ لأنه واجب بجنايته فلزمت كجنايته على آدمي. # والثانية: تجب على وليه لأنه أدخله في ذلك وغرر بماله. وإن وطئ الصبي ~~أفسد حجه. ووجبت البدنة ويمضي في فاسده، وعليه القضاء إذا بلغ، وهل يجزئه ~~القضاء عن حجة الإسلام ينظر فإن كانت الفاسدة؛ لو صلحت أجزأت، وهو أن يبلغ ~~في وقوفها، أجزأ القضاء أيضا وإلا فلا. # الرابع: أن ما يلزمه من النفقة بقدر نفقة الحضر فهو في ماله؛ لأن الوالي ~~لم يكلفه ذلك، وما زاد ففي محله روايتان، كالفدية سواء. # فصل: # وفي حج العبد وهو صحيح؛ لأنه من أهل العبادات فصح حجه كالحر، وإلا ~~فالكلام فيه في أمور أربعة: # أحدها: أنه إن أحرم، صح إحرامه، بإذن سيده وبغير إذنه؛ لأنها عبادة بدنية ~~فصحت منه بغير إذن سيده كالصلاة، فإن أحرم بإذن سيده لم يجز تحليله؛ لأنها ~~عبادة تلزمه بالشروع فلم يملك تحليله إذا شرع بإذنه كقضاء رمضان، وإن أحرم ~~بغير إذنه، # PageV01P468 # فقال أبو بكر: لا يملك تحليله لذلك، وقال ابن حامد: له تحليله، وهو أصح؛ ~~لأن حق السيد فيه ثابت لازم فلم يملك العبد إبطاله بما لا يلزمه، ~~كالاعتكاف، فإن أذن له ثم رجع قبل إحرامه فهو كمن لم يأذن، فإن لم يعلم ~~العبد برجوعه حتى أحرم ففيه وجهان، بناء على الوكيل هو ينعزل بالعزل قبل ~~علمه به؟ على روايتين. # الثاني: إذا نذر العبد الحج انعقد نذره؛ لأنه تكليف فانعقد نذره كالحر، ~~فإن كان بإذن سيده لم يملك منعه من الوفاء به؛ لأنه أذن في التزامه، وإن ~~كان بغير إذنه فله منعه، ذكره ابن حامد. # وقال القاضي: لا يجوز لأن تجويز ذلك يفضي إلى تمكينه من التسبب إلى إبطال ~~حق سيده، فمتى عتق فعليه الوفاء به، ولا يفعله إلا بعد حجة الإسلام. # الثالث: أن ما جنى العبد مما يوجب الفدية فعليه فديته بالصيام فقط؛ لأنه ~~كالمعسر وأدنى منه، فإن ملكه ms0326 السيد هديا وأذن له في الفدية به وقلنا: إنه ~~يملك، فعليه الفدية به وإلا ففرضه الصيام، وإن تمتع أو قرن بإذن سيده فهدي ~~التمتع والقران عليه؛ لأن النسك له، فكانت الفدية عليه، كالزوجة إذا فعلته ~~بإذن زوجها. # وقال القاضي: هو على سيده؛ لأنه بإذنه. # الرابع: أن العبد إذا وطئ أفسد حجه وعليه المضي في فاسده ويصوم مكان ~~البدنة، ثم إن كان الإحرام مأذونا فيه لم يكن لسيده تحليله منه، وإن لم يكن ~~مأذونا فيه فله تحليله؛ لأن هذا الإحرام هو الذي كان صحيحا، فحكمه في ذلك ~~حكمه. # فصل: # في حج المرأة ثلاثة أمور: # أحدها: أنه لا يحل لها السفر بغير محرم؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، # PageV01P469 # أن تسافر مسيرة يوم، إلا ومعها ذو محرم» متفق عليه. والمحرم زوجها، أو من ~~تحرم عليه على التأبيد بنسب، أو سبب مباح، كابنها وأخيها من نسب أو رضاع ~~وربيبها ورابها، فأما عبدها فليس بمحرم لها؛ لأنها تحل له إذا عتق، وليس ~~بمأمون عليها، ومن حرمت عليه بسبب محرم كالزنا أو وطء الشبهة فليس بمحرم؛ ~~لأن تحريم ذلك بسبب غير مشروع، فأشبه التحريم باللعان، ونفقة المحرم عليها؛ ~~لأنه من سبيلها، فكان عليها نفقته كالراحلة، ولا يلزمه الخروج معها إلا أن ~~يشاء؛ لأنه تكلف شديد فلم يلزمه لأجل غيره كالحج عن الغير، وإن مات المحرم ~~في الطريق، مضت إذا كانت قد تباعدت، وإن كانت قريبة رجعت. وإن حجت امرأة ~~بغير محرم أساءت، وأجزأها حجها، كما لو تكلف رجل مسألة الناس والحج. # الثاني: أنه ليس للرجل منع زوجته من حج الفرض؛ لأنه واجب بأصل الشرع ~~فأشبه صوم رمضان، ويستحب لها استئذانه جمعا بين الحقين، وله منعها من حج ~~التطوع؛ لأن حقه ثابت في استمتاعها فلم تملك إبطاله بما لا يلزمها كالعبد، ~~فإن أحرمت به فحكمها حكم العبد على ما فصل فيه. # الثالث: أنه ليس لها الخروج للحج في عدة الوفاة؛ لأنها واجبة في ms0327 المنزل، ~~تفوت، فقدمت على الحج الذي لا يفوت. وإن مات زوجها في الطريق بعد تباعدها، ~~مضت في سفرها؛ لأنه لا بد من سفرها، فالسفر الذي يحصل به الحج أولى، وإن ~~كانت قريبة رجعت لتقضي العدة في منزلها. # PageV01P470 # فصل: # ومن وجب الحج عليه فمات قبل فعله، وجب الحج عنه؛ لما روى ابن عباس - رضي ~~الله عنهما - «أن امرأة سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أبيها، مات ~~ولم يحج، قال: حجي عن» أبيك رواه النسائي، ولأنه حق مستقر تدخله النيابة ~~فلم يسقط بالموت، كالدين، ويحج عنه من رأس ماله؛ لأنه واجب فكان من رأس ~~المال كالدين. # فصل: # ويستناب عنه، وعن المعضوب من حيث وجب عليهما، إما من بلدهما، أو من ~~الموضع الذي أيسرا منه، ولا يجزئ الحج عنهما من الميقات؛ لأن الحج واجب ~~عليه من بلده، فوجب أن تكون النيابة عنه منه؛ لأن النائب يقوم مقامه فيما ~~وجب عليه، فيؤدي من حيث وجب. # وإن خرج للحج فمات في الطريق، استنيب عنه من حيث انتهى إليه؛ لأنه أسقط ~~عنه ما ساره. # وإن مات بعد فعل بعض المناسك، فعل عنه ما بقي لأن ما جاز أن ينوب عنه في ~~جميعه جاز في بعضه كالزكاة، وسواء كان إحرامه لنفسه أو عن غيره، فإن لم ~~يخلف الميت تركة تفي بالحج عنه من بلده، حج عنه من حيث تبلغ، نص عليه أحمد ~~في الوصية بالحج؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أمرتكم بأمر ~~فأتوا منه ما استطعتم» ولأنه قدر على أداء الواجب على القصور فلزمه، كمن ~~قدر على الصلاة قاعدا. # وذكر القاضي أنه لا يحج عنه؛ لأنه لا يمكن أداء الحج على الكمال، والأول ~~أولى. # فصل: # فإن اجتمع على الميت مع الحج دين آدمي، احتمل تقديم الدين؛ لتأكده بحاجة ~~الآدمي إليه، وغنى الله عن حقه، واحتمل أن يتحاصا؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لما سئل عن الحج عمن عليه حج قال: «أرأيت لو كان على أخيك دين ~~أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فاقض فالله ms0328 أحق بالوفاء» رواه النسائي. فعلى ~~هذا يؤخذ ما يخص الحج فيصنع به ما صنع بتركة من لم يخلف ما يفي بالحجة ~~الواجبة. # فصل: # ويستناب عن الميت وإن لم يأذن؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمر ~~بالحج عنه ولا إذن له، علم أن الإذن غير معتبر، ولا يجوز النيابة عن الحي ~~إلا بإذنه؛ لأنه من أهل الإذن فلم تجز النيابة عنه بغير إذنه كأداء الزكاة، ~~وتجوز النيابة عنهما في حج التطوع؛ لأن ما جاز # PageV01P471 # فرضه جاز نفله كالصدقة، فأما القادر على الحج بنفسه، فلا تجوز له ~~الاستنابة في الفرض؛ لأنه عليه في بدنه، فلا ينتقل عنه إلا في موضع الرخصة ~~للحاجة المعلومة وبقي فيما عداه. # فصل: # ولا يجوز أن ينوب في الحج من لم يسقط فرضه عن نفسه؛ لما روى ابن عباس «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: من شبرمة؟ قال: قريب لي، قال: هل حججت قط؟ ~~قال: لا، قال: فاجعل هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة» . رواه أبو داود. ولا ~~يجوز أن يعتمر عن غيره من لم يعتمر عن نفسه قياسا على الحج، ولا يجوز أن ~~يتنفل بهما من لم يسقط فرضهما، ولا أن يؤدي النذر فيهما وعليه فرضهما؛ لأن ~~التنفل والنذر أضعف من حج الإسلام، فلم يجز تقديمهما عليه كالحج عن غيره، ~~فإن أحرم عن غيره أو نذره أو نفله قبل فرضه، انقلب إحرامه لنفسه عن فرضه. # وعنه: يقع عن غيره ونذره ونفله؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إنما لامرئ ما نوى» والأول المذهب؛ لحديث ابن عباس في الحج عن غيره، ووجود ~~معناه في النذر والنفل. ولو أمر المعضوب من يحج عنه طوعا أو نفلا أو نذرا ~~وعليه حجة الإسلام انصرف إليها؛ لأن فعل نائبه كفعله، وهكذا إن حج عن الميت ~~نذرا أو نفلا قبل حجة الإسلام، وإن استنيب عنهما من يحج النذر والفرض في ~~عام واحد صح؛ لأنه لم يتقدم ms0329 النذر على حجة الإسلام، وأي النائبين أحرم أولا ~~وقع عن حجة الإسلام لتحريم تقديم النذر عليها، وإن استنابه اثنان فأحرم ~~عنهما لم يقع على واحد منهما ووقع عن نفسه؛ لأنه يتعذر وقوعه عنهما، وليس ~~أحدهما أولى به من الآخر. # وإن أحرم عن أحدهما لا بعينه احتمل ذلك أيضا لذلك واحتمل صحته؛ لأن ~~الإحرام يصح مبهما، فصح عن المجهول، وله صرفه إلى من شاء منهما، فإن لم ~~يصرفه حتى طاف شوطا لم يجز عن واحد منهما؛ لأن هذا الفعل لا يلحقه فسخ، ~~وليس أحدهما أولى به من الآخر، وإن أحرم عن أحدهما وعن نفسه، انصرف إلى ~~نفسه لأنه لما تعذر وقوعه عنهما كان هو أولى به. # PageV01P472 ### | باب مواقيت الحج # باب المواقيت وللحج ميقاتان: # ميقات مكان، وميقات زمان، فأما ميقات المكان فالمنصوص عليه خمسة. لما روى ~~ابن عباس قال: «وقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل المدينة ذا ~~الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن، ولأهل اليمن يلملم. قال: فهن ~~لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان ~~دونهن فمهله من أهله، وكذلك أهل مكة يهلون منها» متفق عليه. وعن عائشة أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقت لأهل العراق ذات عرق. رواه أبو داود. ~~فهذه المواقيت لكل من مر عليها من أهلها ومن غيرهم للخبر. ومن منزله بين ~~الميقات ومكة، فميقاته: منزله؛ للخبر، وميقات من بمكة منها، وسواء في ذلك ~~أهلها أو غيرهم للخبر، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر المتمتعين من ~~أصحابه فأحرموا منها، وعنه فيمن اعتمر في أشهر الحج من أهل مكة: أهل من ~~الميقات. فإن لم يفعل فعليه دم. وذكر القاضي فيمن دخل مكة محرما عن غيره ~~بحج، أو عمرة، ثم أراد أن يحج عن نفسه، أو دخل مكة محرما لنفسه ثم أراد أن ~~يحرم عن غيره بحج أو عمرة، أنه يلزمه الإحرام من الميقات، فإن لم يفعل ~~فعليه دم؛ لأنه جاز الميقات مريدا للنسك لنفسه وأحرم دونه فلزمه ms0330 دم، كما لو ~~تجاوزه غير محرم، ولنا الخبر. وإن كل ميقات لمن أتى عليه فكذلك مكة، ولأن ~~هذا حصل بمكة حلالا على وجه مباح، فكان له الإحرام منها بلا دم، كما لو كان ~~الإحرامان لشخص، واحد ومن أي موضع في مكة أحرم جاز؛ لأنها كلها موضع للنسك، ~~وإن أحرم خارجا منها من الحرم جاز أيضا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال لأصحابه في حجة الوداع: «إذا أردتم أن تنطلقوا إلى منى فأهلوا من ~~البطحاء» وهي خارج من مكة، ولأن ما اعتبر فيه الحرم استوت البلدة فيه ~~وغيرها كالبحر. وميقات العمرة للمكي ومن في الحرم، من الحل؛ لما «روت عائشة ~~- رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أخاها عبد الرحمن ~~فأعمرها من التنعيم.» متفق عليه. وكانت بمكة يومئذ. ومن أي الحل أحرم جاز. ~~لأن المقصود بالإحرام منه الجمع بين الحل والحرم في النسك؛ لأن أفعال ~~العمرة كلها في الحرم، إلا الإحرام، بخلاف الحج فإنه يفتقر إلى الحل للوقوف ~~بعرفة، فيحصل الجمع بين الحل والحرم. # فصل: # ومن جاوز الميقات مريدا لموضع قبل مكة، ثم بدا له الإحرام، أحرم من ~~موضعه، # PageV01P473 # كما أن من دخل مكة يحرم منها، وإن مر به كافر أو عبد أو صبي، فأسلم ~~الكافر، وأعتق العبد، وبلغ الصبي دونه، أحرموا من موضعهم ولا دم عليهم؛ ~~لأنهم أحرموا من الموضع الذي وجب عليهم الإحرام فيه، فأشبهوا المكي ~~والمتجاوز غير مريد لمكة. # وعنه في الكافر يسلم: يخرج إلى الميقات، فإن خشي الفوات أحرم من موضعه ~~وعليه دم، والصبي والعبد في معناه؛ لأنهم تجاوزوا الميقات غير محرمين، قال ~~أبو بكر: وبالأول أقول، وهو أصح لما ذكرناه، ومن لم يكن طريقه على ميقات، ~~فإذا حاذى أقرب المواقيت إليه أحرم؛ لما روى ابن عمر قال؛ «لما فتح هذان ~~المصران أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حد لأهل نجد قرنا، وهو جور عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنا شق علينا، ~~قال: فانظروا وخذوها من ms0331 طريقكم، فحد لهم ذات عرق.» رواه البخاري. ولأن هذا ~~مما يدخله الاجتهاد والتقدير، فإذا اشتبه على الإنسان صار إلى اجتهاده فيه ~~كالقبلة، فإن لم يعلم حذو الميقات احتاط فأحرم قبله؛ لأن تقديم الإحرام ~~عليه جائز وتأخيره حرام. # فصل: # والأفضل أن لا يحرم قبل الميقات؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه أحرموا من ذي الحليفة، فإن أحرم قبله، جاز؛ لأن الصبي بن معبد أحرم ~~قبل الميقات قارنا فذكر ذلك لعمر فقال: هديت لسنة نبيك. ومن بلغ الميقات ~~مريدا للنسك؛ لم يجز له تجاوزه بغير إحرام؛ لما تقدم من حديث ابن عباس، فإن ~~تجاوزه غير محرم؛ لزمه الرجوع ليحرم منه؛ لأن من قدر على فعل الواجب لزمه، ~~فإن رجع فأحرم منه فلا دم عليه؛ لأنه أدى الواجب فأشبه من لم يتجاوزه، فإن ~~لم يمكنه الرجوع لخوف أو خشية الفوات فأحرم من موضعه، أو أحرم من موضعه ~~لغير عذر، فعليه دم لأنه ترك الواجب من مناسك الحج، فإن رجع بعد ذلك إلى ~~الميقات لم يسقط الدم؛ لأنه استقر عليه بإحرام من دونه، فأشبه من لم يرجع، ~~فإن أحرم المكي بالحج من الحل الذي يلي عرفة، فهو كالمحرم من دون الميقات، ~~وإن أحرم من الحل الذي يلي الجانب الآخر، ثم سلك الحرم فهو كالمحرم قبل ~~الميقات، وإن أحرم بالعمرة من الحرم انعقد إحرامه كالذي يحرم بعد ميقاته، ~~ثم إن خرج قبل الطواف إلى الحل وعاد، ففعل أفعاله تمت عمرته، وعليه دم، وإن ~~لم يخرج وفعل أفعالها ففيه وجهان: # أحدهما: يجزئه، ويجبرها بدم، كالذي يحرم من دون ميقاته. # والثاني: لا يجزئه؛ لأنه نسك فكان من شرطه الجمع بين الحل والحرم كالحج، ~~فعلى هذا لا يعتد بأفعاله، وهو باق على إحرامه حتى يخرج إلى الحل ثم يأتي ~~بها. # PageV01P474 # فصل: # وميقات الزمان: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة؛ لقول الله تعالى: ~~{الحج أشهر معلومات} [البقرة: 197] معناه: وقت الحج؛ لأن الحج أفعال وليس ~~بأشهر فلم يكن بد من التقدير. وعن ابن مسعود وجابر وابن الزبير أنهم ms0332 قالوا: ~~أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، والاختيار أن لا يحرم بالحج ~~قبل أشهره؛ لأنه تقديم للعبادة على وقتها فكره، كتقديمها على ميقات المكان، ~~فإن فعل انعقد إحرامه؛ لأنه أحد الميقاتين فانعقد الإحرام بالحج قبله ~~كالآخر، فأما العمرة فلا ميقات لها في الزمان، ويجوز الإحرام بها في جميع ~~السنة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «عمرة في رمضان تعدل حجة.» # PageV01P475 # متفق عليه. «واعتمر في ذي القعدة وفي ذي الحجة مع حجته» ، رواه أنس، وهو ~~حديث صحيح. ### | باب الإحرام # يستحب الغسل للإحرام؛ لما «روى زيد بن ثابت أنه رأى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - تجرد لإهلاله واغتسل.» حديث حسن. وعن جابر قال: «أتينا ذا ~~الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي» رواه مسلم. ~~فإن لم يجد ماء لم يتيمم؛ لأنه غسل مسنون يراد للتنظيف فلا يسن التيمم عند ~~العجز عنه كغسل الجمعة. وقال القاضي: يستحب له التيمم قياسا على غسل ~~الجنابة، ويستحب له التنظيف بإزالة الشعر والشعث وقطع الرائحة وتقليم ~~الأظفار؛ لأن الغسل شرع لذلك، ثم يتجرد من المخيط في إزار ورداء أبيضين ~~نظيفين جديدين أو غسيلين؛ لما روى ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين» ، ويستحب أن يتطيب في ~~بدنه؛ لما «روت عائشة - رضي الله عنها - قالت: كنت أطيب، رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت» ، وقالت: ~~«كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ~~محرم.» متفق عليهما، ولا يتطيب في ثوبه، فإن فعل فله استدامته حتى ينزعه، ~~فمتى نزعه ثم لبسه فعليه الفدية؛ لأن الإحرام يمنع ابتداء الطيب دون ~~استدامته. ولو نقل الطيب عن بدنه من موضع إلى موضع آخر فعليه الفدية، وإن ~~سال بالحر وغيره إلى موضع آخر، فلا فدية عليه؛ لأنه ليس من ms0333 جهته. # فصل: # ويستحب أن يحرم عقيب صلاة إما مكتوبة أو نافلة، وروى الأثرم قال: سألت ~~أبا # PageV01P476 # عبد الله: أيما أحب إليك الإحرام في دبر الصلاة أو إذا استوت به ناقته؟ ~~فقال: كل قد جاء، في دبر الصلاة، وإذا علا البيداء، وإذا استوت به ناقته، ~~فوسع فيه كله. # والمشهور الأول؛ لما روى سعيد بن جبير قال: ذكرت لابن عباس إهلال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أوجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~حين فرغ من صلاته ثم خرج، فلما ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~راحلته واستوت به قائمة أهل، فأدرك ذلك منه قوم فقالوا: أهل حين استوت به ~~راحلته، وذلك أنهم لم يدركوا إلا ذلك، ثم سار حتى علا البيداء فأهل، فأدرك ~~ذلك منه قوم فقالوا: أهل حين علا البيداء» رواه أبو داود، وهذا فيه فضل ~~بيان وزيادة علم، فيتعين الأخذ به، وتقديمه على ما خالفه. # فصل: # وينوي الإحرام بقلبه، ولا ينعقد من غير نية؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات» ولأنها عبادة محضة فافتقرت إلى النية ~~كالصلاة، فإن لبى من غير نية لم يصر محرما، وإن نوى الإحرام من غير تلبية، ~~انعقد إحرامه؛ لأنه عبادة لا يجب النطق في آخرها فلم يجب في أولها كالصوم، ~~فإن نوى إحراما فسبق لسانه إلى غيره، انعقد إحرامه بما نواه، دون ما نطق ~~به؛ لأن النية هي الإحرام، فاعتبرت دون النطق. # فصل: # ويستحب أن ينطق بما أحرم به ويعينه، ويشترط فيه: أن محلي حيث يحبسني، ~~فيقول: اللهم إني أريد النسك الفلاني فيسره لي وتقبله مني، فإن حبسني حابس ~~فمحلي حيث يحبسني؛ لما روت عائشة - رضي الله عنها - قالت: «خرجنا مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ~~ومنا من أهل بحج» . وعنها قالت: «دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - على ~~ضباعة بنت الزبير فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية فقال: حجي ~~واشترطي أن محلي حيث حبستني» ms0334 متفق عليهما. ويفيد هذا الشرط شيئين: # أحدهما: أنه متى عاقه عائق من مرض أو غيره فله التحلل. # والثاني: أنه إذا حل لذلك فلا شيء عليه من دم ولا غيره، وغير هذا اللفظ ~~مما يؤدي معناه يجري مجراه، قال ابن مسعود: اللهم إني أريد العمرة إن تيسرت ~~لي وإلا فلا حرج علي. لأن المقصود المعنى، وإنما اعتبر اللفظ لتأديته له. # فصل: # ويجوز الإحرام بنسك مطلق وله صرفه إلى أيها شاء، وإن أحرم بمثل ما أحرم ~~به # PageV01P477 # فلان، صح؛ لما روى أبو موسى قال: «قدمت على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وهو منيخ بالبطحاء فقال لي: بم أهللت؟ قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال ~~رسول الله. قال: أحسنت، فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا، والمروة، ثم أمرني أن ~~أحل» متفق عليه، ثم إن تبين له ما أحرم به فلان فإحرامه مثله، وإن تبين أن ~~فلانا لم يحرم فله صرفه إلى ما شاء كالمطلق؛ لأنه عقد الإحرام، وعلق عين ~~النسك على إحرام فلان، فلما لم يحرم فلان، بطل التعيين وبقي المطلق. # وإن علم أن فلانا أحرم ولم يعلم بما أحرم، أو شك هل أحرم أم لا، فهو ~~كالناسي لإحرامه، وللناسي لما أحرم به صرفه إلى أي نسك شاء لأنه إن صادف ما ~~أحرم به، فقد أصاب، وإن صرفه إلى عمرة، وكان إحرامه بغيرها، فإن فسخه إليها ~~جائز مع العلم فمع الجهل أولى، فإن صرفه إلى قران وكان إحرامه بعمرة، فقد ~~أدخل عليها الحج وهو جائز، وإن كان مفردا فقد أدخل العمرة على الحج وهو لغو ~~لا يفيد، ولا يقدح في حجه، كما لو فعله مع العلم. # وإن صرفه إلى الإفراد وكان معتمرا، فقد أدخل الحج على العمرة فصار قارنا، ~~ولا تبطل العمرة بترك نيتها، فإن كان قارنا فهو على حاله لذلك. # والنصوص عن أحمد - رضي الله عنه - أنه يجعل المنسي عمرة. # قال القاضي: هذا على سبيل الاستحباب؛ لأن ذلك مستحب مع العلم فمع عدمه ~~أولى، فعلى هذا إن صرفه إلى عمرة، فهو متمتع حكمه حكم ms0335 من فسخ الحج إلى ~~العمرة، وإن صرفه إلى القران لم يجزئه عن العمرة إذ من المحتمل أن يكون ~~مفردا فلم يصح إدخال العمرة على حجة، ولا يلزمه دم القران؛ لأنه شاك فيما ~~يوجبه، ويصح له الحج هاهنا، وفيما إذا صرفه إلى الإفراد، فإن كان شكه بعد ~~الطواف لم يكن له صرفه إلا إلى العمرة؛ لأن إدخال الحج على العمرة بعد ~~الطواف غير جائز، فإن صرفه إلى إفراد أو قران، تحلل بأفعال الحج ولم تجزئه ~~عن واحد من النسكين؛ لأنه شاك في صحته ولا دم عليه للشك فيما يوجبه، إلا أن ~~يكون معه هدي فيجزئه عن الحج؛ لأن إدخال الحج على العمرة في حقه جائز بعد ~~الطواف. # فصل: # وإن أحرم بحجتين أو عمرتين، انعقد إحرامه بإحداهما، ولا يلزمه للأخرى ~~قضاء ولا غيره؛ لأنهما عبادتان لا يلزم المضي فيهما، فلم يصح الإحرام بهما ~~كالصلاتين، ولو أفسد نسكه ثم أحرم بغيره من جنسه؛ لم يلزمه للثاني شيء ولم ~~يصح لذلك. # PageV01P478 # فصل: # وهو مخير إن شاء أحرم متمتعا، أو مفردا قارنا؛ لحديث عائشة. والتمتع: هو ~~الإحرام بعمرة من الميقات، فإن فرغ منها أحرم بالحج من مكة في عامه، ~~والإفراد: الإحرام بالحج مفردا، والقران: الإحرام بهما معا أو يحرم بالعمرة ~~ثم يدخل عليها الإحرام بالحج قبل الطواف؛ لما روت عائشة قالت: «أهللنا ~~بعمرة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من كان معه هدي فليهل بالحج ~~مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا» متفق عليه. فإن أحرم بحج ثم أدخل ~~عليه عمرة؛ لم يصح ولم يصر قارنا لأنه لم يرد بذلك أثر ولا هو في معنى ما ~~جاء به الأثر؛ لأن إحرامه بها لا يزيده عملا على ما لزمه بإحرام الحج، ولا ~~بغير ترتيبه بخلاف إدخال الحج على العمرة. ومن طاف للعمرة ثم أحرم بالحج ~~معها؛ لم يصح لأنه قد أتى بمقصودها وشرع في التحلل منها، إلا أن يكون معه ~~هدي فله ذلك؛ لأن من ساق هديا لا يجوز له التحلل حتى ينحر ms0336 هديه لقول الله ~~تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] ، فلا يتحلل ~~بطواف، ويتعين عليه إدخال الحج على العمرة، ويصير قارنا بخلاف غيره. # فصل: # وأفضل الأنساك التمتع؛ لما «روى جابر أنه حج مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وقد أهلوا بالحج مفردا فقال لهم: حلوا من إحرامكم بطواف بالبيت ومن ~~الصفا والمروة، وقصروا وأقيموا حلالا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج ~~واجعلوا التي قدمتم بها متعة، فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ ~~قال: افعلوا ما أمرتكم، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثلما أمرتكم به، ولكن ~~لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله قال: ففعلوا» . متفق عليه. وعنه: إن ~~ساق الهدي فالقران أفضل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحل إذا كان ~~معه الهدي. وقد روى أنس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرن بين الحج ~~والعمرة» . متفق عليه. والأول أصح؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو ~~استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولحللت» فيدل هذا على فضيلة ~~المتعة، وقد روى عمر وعلي وسعد وابن عمر وحفصة وعائشة وعمران بن حصين - ~~رضوان الله عليهم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان متمتعا، وإنما ~~منعه الحل سوق الهدي، ومعنى حديث أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أدخل الحج على العمرة حين امتنع عليه الحل منها. ثم بعد التمتع الإفراد؛ ~~لأنه يأتي بنسكين كاملين، والقارن يقتصر على عمل الحج، ثم القران بعدهما. # PageV01P479 # فصل: # ويستحب للقارن والمفرد إذا لم يكن معهما هدي أن يفسخا نيتهما بالحج، ~~وينويا عمرة مفردة، ويحلا من إحرامهما بطواف وسعي وتقصير ليصيرا متمتعين؛ ~~لحديث جابر. # ويروى عن إبراهيم الحربي أنه قال: قال سلمة بن شبيب لأحمد بن حنبل: يا ~~أبا عبد الله كل شيء منك حسن جميل إلا خلة واحدة، تقول بفسخ الحج! فقال ~~أحمد: وقد كنت أرى أن لك عقلا، عندي ثمانية عشر حديثا صحاحا جيادا كلها في ~~فسخ الحج، أتركها لقولك؟ فأما من ساق الهدي فليس له ذلك؛ ms0337 للحديث، ولقول ~~الله تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] . # فصل: # ويجب على المتمتع دم لقول الله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما ~~استيسر من الهدي} [البقرة: 196] والدم الواجب شاة أو سبع بدنة؛ للآية. قال ~~أبو حمزة: سألت ابن عباس عن المتعة فأمرني بها، وسألته عن الدم فقال: فيها ~~جزور أو بقرة أو شاة أو شرك في دم. متفق عليه، ولا يجب الدم إلا بشروط ~~خمسة. # أحدها: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام؛ لقول الله تعالى: {ذلك لمن لم ~~يكن أهله حاضري المسجد الحرام} [البقرة: 196] ، وحاضرو المسجد: أهل الحرم، ~~ومن بينه وبينه مسافة القصر؛ لأن الحاضر القريب، والقريب: دون مسافة القصر. # الثاني: أن يعتمر في أشهر الحج لأن المعتمر في غير أشهره لم يجمع بين ~~النسكين، فلم يجب عليه دم كالمفرد، ولو أحرم بالعمرة من غير أشهر الحج، وحل ~~منها في أشهره؛ لم يكن متمتعا لأن الإحرام نسك لا تتم العمرة إلا به، ولأنه ~~أتى به من غير أشهر الحج فلم يصر متمتعا كالطواف. # الثالث: أن يحج من عامه، فإن أخر الحج إلى عام آخر؛ لم يكن متمتعا لأن ~~التمتع بالعمرة إلى الحج يقتضي الموالاة بينهما، ولم يوال، فأشبه المعتمر ~~في غير أشهر الحج. # الرابع: أن لا يسافر بينهما سفر يقصر فيه؛ لما روي عن عمر - رضي الله عنه ~~- قال: إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع، فإن خرج ثم رجع فليس ~~بمتمتع، # PageV01P480 # ولأنه إذا سافر لزمه الإحرام من الميقات، أو من حيث انتهى إليه، فلا ~~يترفه بأحد السفرين، فأشبه المفرد. # الخامس: أن يحل من عمرته، فإن أدخل عليها الحج لم يجب دم المتعة؛ لما روت ~~عائشة - رضي الله عنها - قالت: «أهللنا بعمرة فقدمنا مكة وأنا حائض؛ لم أطف ~~بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة. قالت: ففعلت، ~~فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع ms0338 عبد الرحمن بن ~~أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت معه، فقال: هذه مكان عمرتك فقضى الله حجها ~~وعمرتها ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صوم ولا صدقة» . متفق عليه. ولأنه ~~يصير قارنا، أشبه ما لو أحرم بهما، وذكر القاضي أنه يشترط أن ينوي في ~~ابتداء العمرة أو أثناءها أنه متمتع؛ لأنه جمع بين عبادتين، فافتقر إلى ~~النية كالجمع بين الصلاتين، وظاهر الآية يدل على عدم اشتراط هذا؛ لأنه يوجد ~~التمتع بدونه والترفه بترك أحد السفرين فلزمه دم كما لو نوى. # فصل: # وفي وقت وجوبه روايتان: # إحداهما: إذا أحرم بالحج لقول الله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ~~فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] وبإحرام الحج يفعل ذلك فيجب الدم. # والثانية: إذا وقف بعرفة؛ لأن الحج لا يحصل إلا به، وهو معرض للفوات قبله ~~فلا يحصل التمتع، فأما وقت ذبحه فقال أحمد: إن قدم مكة قبل العشر ومعه هدي ~~نحره عن عمرته؛ لئلا يضيع أو يموت أو يسرق، فإن قدم في العشر لم ينحره حتى ~~ينحره بمنى؛ لأن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قدموا في العشر فلم ~~ينحروا حتى نحروا بمنى، فجوز النحر قبل إحرامه بالحج؛ لأنه حق مال يتعلق ~~بشيئين فجاز تقديمه على أحد سببيه كالزكاة. # فصل: # فإن لم يجد الهدي فعليه صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع؛ لقول الله ~~تعالى: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} [البقرة: ~~196] وتعتبر القدرة # PageV01P481 # في موضعه لأنه موقت له بدل، فاعتبرت قدرته في وقته كالوضوء، ووقت صيام ~~الثلاثة قبل يوم النحر لقول الله تعالى: {في الحج} [البقرة: 196] . والأفضل ~~أن يكون آخرها يوم عرفة؛ ليحصل صومها أو بعضه بعد إحرام. وإن قدمه على ذلك ~~بعد إحرام العمرة، جاز؛ لأنه وقت جاز فيه نحر الهدي فجاز فيه الصيام كبعد ~~إحرام الحج، ومعنى قوله: {في الحج} [البقرة: 196] أي في وقته. ولا يجوز ~~تقديم النحر ولا الصوم قبل إحرام العمرة؛ لأنه تقديم له على سببه، فأشبه ~~تقديم الزكاة على النصاب، ms0339 ويصوم السبعة إذا رجع إلى أهله للآية، ولما روى ~~ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «فمن لم يجد فليصم ثلاثة ~~أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله» متفق عليه. فإن صامها بعد حجه بمكة ~~أو في طريقه جاز؛ لأنه صوم واجب جاز تأخيره في حق من يصح منه الصوم فجاز ~~تقديمه، كرمضان في حق المسافر، ولا يجب التتابع في شيء من صوم المتعة؛ لأن ~~الأمر فيه مطلق فلم يجب التتابع فيه كقضاء رمضان، فإن لم يصم الثلاث قبل ~~أيام النحر صام أيام منى في إحدى الروايتين لقول ابن عمر وعائشة: لم يرخص ~~في صوم أيام التشريق إلا للمتمتع إذا لم يجد الهدي. # والثانية: لا يصومها؛ لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صوم أيام ~~التشريق، ويصوم بعد ذلك عشرة أيام. وهل يلزمه لتأخيره دم؟ فيه روايتان: # إحداهما: يلزمه؛ لأنه أخر الواجب من المناسك عن وقته فلزمه دم كتأخير ~~الجمار. # والثانية: لا يلزمه دم؛ لأنه صوم واجب يجب القضاء بفواته، فلم يجب عليه ~~بفواته كفارة كصوم رمضان. # وقال القاضي: إن أخره لغير عذر لتفريطه؛ لزمه، وإن أخره لعذر لم يلزمه ~~وإن أخر الهدي الواجب لعذر من ضياع نفقة ونحوها فليس عليه إلا قضاؤه كسائر ~~الهدي الواجب، وإن أخره لغير عذر ففيه روايتان: # إحداهما: لا يلزمه إلا قضاؤه لذلك. # والثانية: عليه هدي آخر؛ لما روي عن ابن عباس أنه قال: من تمتع فلم يهد ~~إلى قابل يهدي هديين. ولأنه من نسك موقت فوجب بتأخيره دم كالرمي. # فصل: # ومن دخل في الصوم ثم قدر على الهدي؛ لم يلزمه الانتقال إليه؛ لأنه صوم ~~شرع # PageV01P482 # فيه لعدم الهدي فلم يلزمه الانتقال عنه كصوم السبعة، وله الانتقال عنه ~~كصوم السبعة، وله الانتقال إليه؛ لأنه الأصل وهو أكمل. وإن وجب عليه الصوم ~~فلم يشرع فيه حتى قدر على الهدي ففيه روايتان: # إحداهما: لا يلزمه الهدي؛ لأن الصوم استقر عليه، أشبه الشارع فيه. # والثانية: يلزمه لأنه وجد المبدل قبل شروعه في البدل أشبه الواجد ms0340 له حال ~~الوجوب. # فصل: # ويجب على القارن دم؛ لأنه يروى عن ابن مسعود وابن عمر - رضي الله عنهما ~~-، ولأن القران نوع تمتع فيدخل في عموم الآية، ولأنه ترفه بترك أحد السفرين ~~فلزمه دم كالمتمتع، ويشترط أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام، وحكمه حكم ~~دم المتعة فيما ذكرناه. # فصل: # وإذا حاضت المتمتعة قبل الطواف للعمرة فخشيت فوات الحج، أو خشي ذلك ~~غيرها، أحرم بالحج مع العمرة وصار قارنا لحديث عائشة، ولأنه يجوز إدخال ~~الحج على العمرة لغير عذر فمع خشية الفوات أولى. # فصل: # وتجزئ عمرة القارن وعمرة المفرد من أدنى الحل عن عمرة الإسلام، وعنه: لا ~~تجزيان؛ «لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة لما أعمرها أخوها: هذه ~~مكان عمرتك» والصحيح: الأول؛ لقول الصبي بن معبد لعمر إني وجدت الحج ~~والعمرة مكتوبين علي فأهللت بهما، يعني أهللت بالمكتوبتين. فقال عمر: هديت ~~لسنة نبيك، ولأنها عمرة صحيحة فكانت مجزئة كعمرة المتمتع والمكي، ولأن الحج ~~مع تأكيده يجزئ الإحرام به من مكة، فالعمرة من أدنى الحل أولى، وأما حديث ~~عائشة فهو حجة على إجزاء إحدى العمرتين المختلف فيهما، ولا حجة فيه على عدم ~~الإجزاء في الأخرى؛ لأنه إنما أعمرها من التنعيم تطييبا لقلبها لما سألته ~~ذلك، ولم يبدأها به. # فصل: # ويسن للمحرم التلبية؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لبى ورفع صوته ~~وأمر برفع الصوت بها، وصفتها: لبيك اللهم لبيك؛ لبيك لا شريك لك لبيك، إن ~~الحمد والنعمة لك والملك؛ لا شريك لك؛ لما روى ابن عمر أن هذه تلبية رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. متفق عليه. وتجوز الزيادة عليها لأن عمر زاد: ~~لبيك ذا النعماء والفضل الحسن؛ لبيك مرهوبا ومرغوبا # PageV01P483 # إليك؛ لبيك، وزاد ابنه: لبيك وسعديك، والخير بيديك لبيك، والرغباء إليك ~~والعمل. وزاد أنس لبيك حقا حقا تعبدا ورقا، وسمعهم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فلم ينكر، ولا تستحب الزيادة لاقتصار النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عنها. قال جابر: «وأهل الناس بهذا الذي يهلون، ولزم رسول الله - صلى الله ~~عليه ms0341 وسلم - تلبيته» ، رواه مسلم. ويستحب أن يصلي على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بعدها؛ لأنه موضع شرع فيه ذكر الله تعالى فشرع فيه ذكر رسوله ~~كالأذان، ثم يسأل الله الجنة ويستعيذ من النار، ويستحب ذكر إحرامه في ~~تلبيته لقول أنس: «سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لبيك عمرة ~~وحجا» متفق عليه، وقول ابن عباس: «قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه وهم يلبون بالحج» ، قال أحمد: إذا لبى القارن بهما بدأ بالعمرة؛ ~~لحديث أنس. وقال أبو الخطاب لا يستحب ذكر الإحرام فيها. # فصل: # ويستحب البداءة بالتلبية إذا ركب راحلته؛ لقول ابن عباس، «أوجب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - الإحرام حين فرغ من صلاته، فلما ركب راحلته واستوت ~~به قائمة أهل، أي لبى» ، ويستحب رفع الصوت بها لما روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم ~~بالإهلال» حديث صحيح، ولا يجهد نفسه بذلك لئلا ينقطع صوته فتنقطع تلبيته، ~~ولا ترفع المرأة صوتها إلا بقدر ما تسمع رفيقتها؛ لأنه يخاف الافتتان بها، ~~ويستحب الإكثار منها؛ لأنها ذكر، ولأنه يروى عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «ما من مسلم يضحى لله يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت ~~بذنوبه، فعاد كما ولدته أمه» رواه ابن ماجة، ويتأكد استحبابها في ثمانية ~~مواضع: إذا علا نشزا أو هبط واديا، أو تلبس بمحظور ناسيا، وفي دبر الصلوات ~~المكتوبات وإذا التقت الرفاق وفي إقبال الليل والنهار وبالأسحار؛ لأن ~~النخعي قال: كانوا يستحبون التلبية دبر الصلوات المكتوبة، وإذا هبط واديا ~~وإذا علا نشزا، وإذا لقي راكبا، وإذا استوت به راحلته، ولأن في هذه المواضع ~~ترتفع الأصوات، ويكثر الضجيج، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل ~~الحج: العج والثج» وهو حديث غريب. والعج: رفع الصوت، والثج: إسالة الدماء. ~~وحكم # PageV01P484 # التلبية دبر الصلاة حكم التكبير في أيام عيد النحر، وتجزئ التلبية مرة ~~واحدة؛ لعدم الأثر في تكرارها، ولا بأس بالزيادة؛ لأنها زيادة ذكر، ms0342 وتستحب ~~التلبية في المسجد الحرام ومنى وسائر مساجد الحرم وبقاعه؛ لأنها مواضع ~~النسك، ولا يستحب إظهارها في مساجد الحل وأمصاره؛ لما روي عن ابن عباس أنه ~~سمع رجلا يلبي بالمدينة، فقال: إن هذا لمجنون إنما التلبية إذا برزت. ### | باب محظورات الإحرام # وهي تسعة، أحدها: الجماع؛ لقول الله تعالى: {فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ~~ولا فسوق ولا جدال في الحج} [البقرة: 197] ، وقال ابن عباس الرفث: الجماع. ~~وتحرم المباشرة فيما دون الفرج لشهوة؛ لأنه محرم للوطء فحرم المباشرة لشهوة ~~كالصيام، ويحرم عليه النظر لشهوة؛ لأنه نوع استمتاع فأشبه المباشرة. # فصل: # الثاني: عقد النكاح؛ لا يجوز للمحرم أن يعقده لنفسه ولا لغيره، ولا يجوز ~~عقده لمحرم، ولا على محرمة؛ لما روى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب» ، ~~رواه مسلم. ولأن الإحرام يحرم الطيب فحرم النكاح كالعدة، وإن فعل فالنكاح ~~باطل؛ لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، ولا # PageV01P485 # بأس بالرجعة؛ لأنها إمساك للزوجة، بدليل قول الله تعالى: {فأمسكوهن ~~بمعروف} [البقرة: 231] . # PageV01P486 # ولأنها تجوز بغير ولي ولا شهود، ولا إذنها، فلم تحرم كإمساكها بترك ~~الطلاق. # وعنه: لا يحل لأنه عقد وضع لإباحة البضع، أشبه النكاح. ويجوز أن يشهد في ~~النكاح لأن العقد الإيجاب والقبول، وليس للشاهد فيهما شيء. وتكره الخطبة ~~للمحرم وخطبة المحرمة؛ للخبر، ولا يجب بالتزويج فدية؛ لأنه عقد فسد للإحرام ~~فأشبه شراء الصيد. # فصل: # الثالث: قطع الشعر؛ لقول الله تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي ~~محله} [البقرة: 196] . نص على حلق الرأس، وقسنا عليه سائر شعر البدن؛ لأنه ~~يتنظف ويترفه به، فأشبه حلق الرأس، وقص الشعر وقطعه ونتفه كحلقه، ولا يحرم ~~عليه حلق شعر الحلال؛ لأنه لا يترفه بذلك. وإن خرج في عينه شعر أو استرسل ~~شعر حاجبيه فغطى عينيه، فله إزالته ولا فدية عليه؛ لأن الشعر آذاه فكان له ~~دفع أذاه من غير فدية كالصيد، وإن كان الأذى من غير الشعر، كالقمل فيه، ~~والقروح برأسه، أو صداع، أو ms0343 شدة الحر عليه لكثرة شعره فله إزالته، وعليه ~~الفدية؛ لما نذكره، ولأنه فعل المحرم لدفع ضرر غيره، فلزمته الفدية، كما لو ~~قتل الصيد لمجاعة، بخلاف من آذاه الشعر. # فصل: # الرابع: تقليم الأظافر، يحرم لأنه جزء ينمى، ويترفه بإزالته، أشبه الشعر، ~~وإن # PageV01P487 # انكسر ظفره فله إزالته ولا فدية عليه كالشعر المؤذي، وإن قص أكثر مما ~~انكسر فعليه فديته، وإن احتاج إلى مداواة قرحة لا يمكنه مداواتها إلا بقص ~~ظفره فعل، وعليه الفدية، كحالق الرأس دفعا لأذى قمله. # فصل: # الخامس: لبس المخيط، يحرم عليه لبس كل ما عمل للبدن على قدره أو على قدر ~~عضو منه، كالقميص والبرنس والسراويل والخف؛ لما روى ابن عمر - رضي الله عنه ~~- «أن رجلا قال: يا رسول الله ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا ~~البرانس ولا الخفاف، إلا أحدا لا يجد نعلين فيلبس الخفين، وليقطعهما أسفل ~~من الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئا مسه زعفران أو ورس» متفق عليه، وسواء ~~في هذا ما كان من خرق أو جلد، مخيط بالإبر أو ملصق بعضه ببعض؛ لأنه في معنى ~~المخيط، والتبان والران كالسراويل؛ لأنه في معناه وإن شق الإزار، وجعله ~~ذيلين شدهما على ساقيه؛ لم يجز؛ لأنه كالسراويل، وتجب الفدية باللبس؛ لأنه ~~محرم في الإحرام فتعلقت به الفردية كالحلق، ولا يجوز له عقد ردائه عليه؛ ~~لأن ابن عمر قال: لا تعقد عليك شيئا، ولأنه يصير بالعقد كالمخيط، ولا يجوز ~~له أن يزره عليه، ولا يخله بشوكة ولا غيرها، ولا يغرز طرفيه في إزاره؛ لأنه ~~في معنى عقده، وله أن يعقد إزاره؛ لأنه يحتاج إليه لستر العورة، ولذلك جاز ~~للمرأة لبس المخيط في إحرامها لكونها عورة، وله أن يشد وسطه بعمامة أو حبل، ~~ولا يعقده، ولكن يدخل بعضه في بعض، وله أن يلبس الهميان الذي فيه نفقته، ~~ويدخل السيور بعضها في بعض، فإن لم يثبت عقده؛ لقول عائشة - رضي الله عنها ~~-: أوثق عليه نفقتك، ولأن هذا ms0344 مما تدعو الحاجة إلى عقده فجاز كالإزار، فأما ~~المنطقة وما لا نفقة فيه، فلا يجوز عقده لعدم الحاجة إليه، فإن احتاج إلى ~~عقد المنطقة؛ لوجع ظهره، فعل وفدى، نص عليه؛ لأن هذا نادر، فأشبه حلق الشعر ~~لوجع الرأس. # فأما القباء ونحوه فقال الخرقي: يطرحه على كتفيه، ولا يدخل يديه في كميه؛ ~~لأنه لا يحيط ببدنه، أشبه الاتشاح بالقميص. # وقال القاضي: عليه الفدية؛ لأنه لبس المخيط على العادة في لبسه، فلزمه ~~الفدية، كما لو أدخل يديه في كميه. ومن لم يجد إزارا، فله لبس السراويل ولا ~~فدية عليه؛ لما روى ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ~~لم يجد إزارا فليلبس السراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين» متفق عليه. ~~ومن عدم الرداء لم يبح له لبس القميص؛ لأنه يمكنه أن يرتدي به على صفته، ~~ولا يمكن أن يتأزر بالسراويل، ومتى وجد الإزار لزمه # PageV01P488 # خلع السراويل للخبر. ويحرم على المحرم لبس الخفين للخبر، فإن لم يجد ~~نعلين؛ لبس خفين، ولا يقطعهما، ولا فداء عليه؛ لحديث ابن عباس، وعنه: لا ~~يلبسهما حتى يقطعهما أسفل من الكعبين، فإن فعل افتدى؛ لأن في حديث ابن عمر ~~زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، وإن لبس خفا مقطوعا مع وجود النعل، فعليه ~~الفدية للخبر، وليس له لبس الجمجم، واللالكة في ظاهر كلام أحمد؛ لأنه في ~~معنى الخف المقطوع، فإن لم يجد النعلين، فله لبس ذلك من غير فداء كالخفين. # قال أحمد: لا يلبس نعلا لها قيد، وهو السير المعترض على الزمام، ويقطع ~~العقب يعني الشراك. # قال القاضي: إذا كانا عريضين يستران القدم فلا فدية فيه؛ لأن حكمهما أخف ~~من حكم الخف، وقد أباح لبسه عند عدم النعل من غير قطع، فها هنا أولى. # ومن وجد نعلا لا يمكنه لبسها لبس الخف، وافتدى، نص عليه؛ لأن إسقاط ~~الفدية مشروط بعدم النعل، والقياس أنه لا فدية عليه؛ لأن العجز كالعدم في ~~الانتقال إلى البدل، وقد قام مقامه هاهنا في الجواز، فكذلك في سقوط الفدية. ~~فأما ms0345 المحرمة، فلها لبس المخيط كله، إلا النقاب والقفازين والبرقع وشبهه؛ ~~لما روى ابن عمر أنه «سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى النساء في ~~إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس ~~بعد ما أحبت من ألوان الثياب، من معصفر، أو خز، أو حلي، أو سراويل، أو قميص ~~أو خف» . رواه أحمد بإسناده. # وروى البخاري منه: «لا تتنقب المرأة، ولا تلبس القفازين» . ولأن إحرام ~~المرأة في وجهها فحرم عليها تغطيته. وإن احتاجت إلى سترة، سدلت على وجهها ~~من فوق رأسها ما يستره؛ لما روت عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: «كان ~~الرجال يمرون بنا ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محرمات، فإذا ~~حاذونا، سدلت إحدانا جلبابها على رأسها، فإذا جاوزونا كشفناه» . رواه أبو ~~داود. # قال القاضي: ويكون ما تسدله متجافيا، ولا يصيب البشرة، قال الشيخ - رحمه ~~الله -: ولم أجد هذا عن أحمد، ولا في الحديث، والظاهر أنه غير معتبر. # PageV01P489 # فصل: # السادس: تغطية الرأس؛ لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن لبس العمائم، ~~ولقوله في الذي مات محرما «لا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» ~~ويحرم تغطية بعضه؛ لأن النهي تناول جميعه، ولا يجوز أن يعصبه بعصابة ولا ~~سير، ولا يجعل عليه شيئا يلصق به، سواء كان فيه دواء، أو لا دواء فيه، ولا ~~يطينه بطين ولا حناء، ولا دواء يستره؛ لأنه نوع تغطية، وفيه الفداء لما ~~ذكرنا في اللباس. فإن حمل عليه طبقا، أو وضع يده عليه، فلا بأس؛ لأنه لا ~~يقصد به الستر، ولو ترك فيه طيبا قبل إحرامه؛ لم يمنع من استدامته؛ لقول ~~عائشة: «كأني أنظر إلى وبيص الطيب في رأس رسول الله وهو محرم» ، ولا يمنع ~~من تلبيده بصمغ، وعسل؛ ليتلبد ويجتمع الشعر، فإن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «إني لبدت رأسي» وهو محرم. متفق عليه، ولا يمنع من تغطية وجهه؛ ~~لأن عثمان وسعدا وعبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت أجازوه، وعنه: يمنع منه؛ ~~لأنه في بعض ms0346 لفظ حديث ابن عباس في الميت المحرم، «ولا تخمروا وجهه ولا ~~رأسه» متفق عليه وفي تظليل المحمل روايتان: # إحداهما: ليس له أن يتظلل به؛ لأن ابن عمر قال: اضح لمن أحرمت له، أي: ~~ابرز للشمس، ولأنه ستر رأسه بما يقصد به الترفه، أشبه تغطيته، وتلزمه ~~الفدية؛ لما ذكرنا. # والثانية: له أن يتظلل؛ لأنه ليس بمباشر للرأس، أشبه الخيمة، وله أن ~~يتظلل بثوب على عود؛ لما روت أم الحصين قالت: «حججت مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالا وأحدهما آخذ بخطام ناقة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - والآخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى ~~جمرة العقبة» . رواه مسلم. ولا بأس بالتظلل بالخيمة والسقف والشجرة وأشباه ~~ذلك؛ لأنه لا يلازمه، أشبه ظل الجبال والحيطان. # فصل: # السابع: الطيب، يحرم عليه استعماله في بدنه وثيابه؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في الميت المحرم «ولا تقربوه طيبا» وقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران» وتجب به الفدية لما ~~ذكرنا في اللباس، ويحرم عليه المبخر بالطيب والمصبوغ به، قياسا على ~~المزعفر، ولا يجوز أن يأكل طيبا، ولا يكتحل به، ولا يستعط به، ولا يحتقن ~~به؛ لأنه استعمال للطيب، وإن كان في الطعام طيب يظهر ريحه؛ لم يجز أكله ~~لأنه يأكل طيبا، وإن لم يظهر له ريح جاز أكله، وإن ظهر لونه، وإن ظهر طعمه ~~فظاهر كلام أحمد المنع منه؛ لأن الطعم لا يكاد ينفك عن الرائحة، وإن # PageV01P490 # لبس ثوبا كان مطيبا فانقطع ريحه، وكان بحيث إذا رش فيه ماء فاح ريحه، ~~فعليه الفدية لأنه مطيب، وإلا فلا، وإن فرش فوق المطيب ثوب صفيق يمنع ~~الرائحة والمباشرة، فلا فدية عليه بالنوم عليه، وإن كان الحائل بينهما ثياب ~~بدنه، فعليه الفدية؛ لأنه يمنع من استعمال الطيب في ثيابه، كما يمنع منه في ~~بدنه. والطيب كل ما يتطيب به، أو يتخذ منه طيب، كالمسك والكافور والعنبر ~~والزعفران والورس والورد والبنفسج، والأدهان المطيبة بشيء من ذلك، ms0347 كدهن ~~الورد والبنفسج والخيري والزنبق ونحوها. # وفي الريحان الفارسي روايتان: # إحداهما: ليس بطيب؛ لأن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال في المحرم: ~~يدخل البستان ويشم الريحان، ولأنه إذا يبس ذهبت رائحته أشبه بنت البرية. # والثانية: هو طيب؛ لأنه يتخذ للطيب، أشبه الورد في سائر النبات الطيب ~~الرائحة الذي لا يتخذ منه طيب كالمرزنجوش والنرجس والبرم، وجهان قياسا على ~~الريحان، وقال أبو الخطاب: في الورد والخيري والبنفسج والياسمين روايتان، ~~كالريحان، والصحيح أنه طيب؛ لأنه يتخذ منه طيب، فهو كالزعفران، فأما نبت ~~البرية، كالشيح والقيصوم والإذخر والخزامى والفواكه كالأترج والتفاح ~~والسفرجل والحناء، فليس بطيب؛ لأنه لا يقصد للطيب ولا يتخذ منه طيب، فأشبه ~~العصفر، وقد ثبت أن العصفر ليس بطيب؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«ولتلبس ما شاءت من ألوان الثياب من معصفر» وكان أزواج رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يحرمن في المعصفرات، وإن مس المحرم طيبا يعلق بيده، فعليه ~~الفدية؛ لأنه طيب يده، وإن مس ما لا يعلق بيده، كقطع الكافور والعنبر فلا ~~فدية؛ لأنه لم يتطيب، وإن شمه فعليه الفدية؛ لأنه يستعمل هكذا، وإن شم ~~العود فلا فدية عليه؛ لأنه لا يستعمل هكذا ولا تقصد رائحته، وإن تعمد لشم ~~الطيب، مثل أن دخل الكعبة، وهي تجمر، أو حمل مسكا ليشم رائحته، أو جلس عند ~~العطار لذلك، فعليه الفدية؛ لأنه شمه قاصدا له، مبتدئا به في الإحرام، ~~فأشبه ما لو باشره، وإن لم يقصد ذلك، كالجالس عند العطار لحاجة أخرى، أو ~~دخل الكعبة ليتبرك بها أو حمل الطيب من غير مس للتجارة، فلا يمنع منه؛ لأنه ~~لا يمكن التحرز منه فعفي عنه. # فصل: # الثامن: الصيد، حرام صيده وقتله وأذاه لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 95] # PageV01P491 # وقوله: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} [المائدة: 96] . فإن أخذه لم ~~يملكه؛ لأن ما حرم لحق غيره؛ لم يملكه بالأخذ من غير إذنه، كمال غيره، ~~وعليه إرساله من موضع يمتنع فيه، فإن تلف من يده ضمنه ms0348 كمال الآدمي، وإن كان ~~الصيد لآدمي، فعليه رده إليه؛ لأنه غصبه منه، ويحرم عليه تنفيره؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة: «لا ينفر صيدها» متفق عليه. وهذا في ~~معناه، فإن نفره، فصار إلى شيء هلك به، ضمنه؛ لخبر عمر - رضي الله عنه -، ~~ولأنه هلك بسبب من جهته، فأشبه من نصب له شركا فهلك به. ويحرم عليه الإعانة ~~على قتله، بدلالة، بقول أو إشارة، أو إعارة آلة؛ لما «روى أبو قتادة أنه ~~كان مع أصحاب له، محرمين وهو لم يحرم، فأبصرو حمارا وحشيا، وأنا مشغول أخصف ~~نعلي، فلم يؤذنوني به، وأحبوا لو أني أبصرته، فركبت ونسيت السوط والرمح، ~~فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح، قالوا: والله لا نعينك عليه» . وهذا يدل ~~على اعتقادهم تحريم الإعانة عليه، ولما سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟ قالوا: لا، قال: ~~فكلوا ما بقي من لحمها» متفق عليه. ولأن ما حرم قتله حرمت الإعانة عليه، ~~كالآدمي، فإن فعل فقتله حلال فالجزاء على المحرم؛ لأن ذلك يروى عن علي وابن ~~عباس - رضي الله عنهما -، ولأن فعله سبب إتلافه، فتعلق به الضمان كتنفيره، ~~وإن قتله محرم آخر، فالجزاء بينهما، وإن كان المدلول رأى الصيد قبل ~~الدلالة، فلا شيء فيها؛ لأنها لم تكن سببا لإتلافه، وإن ضحك المحرم عند ~~رؤية الصيد ففطن الحلال، فلا شيء فيه؛ لأن في حديث أبي قتادة: «فبينا أنا ~~مع أصحابي فضحك بعضهم، فنظرت فإذا حمار وحش» . # وفي رواية: «إذ أبصرت بأصحابي يتراؤون شيئا فنظرت فإذا حمار وحش» ، ويحرم ~~عليه الأكل مما أشار عليه أو أعان عليه، أو كان له أثر في ذبحه، مثل أن ~~يعيره سكينا؛ لحديث أبي قتادة، ويحرم عليه أكل ما صاده، أو صيد لأجله؛ لما ~~روى جابر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «صيد البر لكم ~~حلال، ما لم تصيدوه أو يصاد لكم» قال الترمذي: هذا أحسن حديث في الباب. ~~ويباح أكل ما عدا ذلك للحديثين، ms0349 فإن أكل مما منع من أكله مما لزمه ضمانه ~~كالذي صاده، أو دل عليه؛ لم يضمنه بالأكل لأنه قد ضمنه بالقتل، فلم يضمنه ~~بالأكل كشاة غيره، وكذلك إن وجب على غيره ضمانة، وإن لم يكن ضمن بالقتل، ~~كالذي صاده حلال من أجله، ضمنه بالأكل بمثله لحما؛ لأنه إتلاف جزء للصيد، ~~حرمه الإحرام، فتعلق به الضمان، كإتلاف أجزاء الحي، وإن ذبح المحرم الصيد، ~~حرم على كل أحد؛ لأنه منع من الذبح لحق الله، فلم يبح ذبحه كالمجوسي، وما ~~حرم عليه لدلالة، أو إعارة آلة، أو صيد من أجله؛ لم يحرم على الحلال؛ لأن ~~لا فعل منه فيه. # PageV01P492 # فصل: # ويحرم عليه شراء الصيد واتهابه؛ لما روى ابن عباس، «أن الصعب بن جثامة، ~~أهدى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حمارا وحشيا، فرده عليه، فلما رأى ~~ما في وجهه قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» متفق عليه، ولأنه سبب يتملك ~~به الصيد، فلم يملكه به المحرم، كالاصطياد، ومتى ملك الصيد بجهة محرمة، حتى ~~حل؛ لم يبح له، وعليه إرساله، فإن تلف أو أتلفه فعليه فداؤه؛ لأنه تلف بسبب ~~كان في إحرامه فضمنه كما لو جرحه فمات بعد حله، وإن ذبحه بعد التحلل لم يبح ~~عند القاضي؛ لأنه صيد لزمه ضمانه، فلم يبح ذبحه، كحلال الإحرام. # وقال أبو الخطاب: يباح؛ لأنه ذبحه في حال حله، فأبيح كغيره، وإن أحرم وفي ~~ملكه صيد؛ لم يزل ملكه عنه؛ لأنه ملك فلا يزول بالإحرام، كملك البضع، وله ~~بيعه وهبته، وإن كان في يده المشاهدة أو قفص أو حبل معه، فعليه إرساله، فإن ~~لم يفعل فأرسله إنسان، فلا ضمان عليه؛ لأنه ترك فعل الواجب، فإن ترك حتى ~~تحلل، فحكمه حكم ما صاده، قال في الشرح: فملكه باق عليه، وإن مات من يرثه ~~وله صيد، ورثه؛ لأن الملك بالإرث يثبت حكما، بغير اختياره، ويثبت للصبي ~~والمجنون، فأشبه استدامة الملك، ويحتمل أن لا يملكه؛ لأنه ابتداء ملك فأشبه ~~الشراء. # فصل: # والصيد المحرم: ما جمع صفات ثلاث: # أحدها: أن ms0350 يكون من صيد البر؛ لأن صيد البحر حلال؛ لقوله تعالى: {أحل لكم ~~صيد البحر وطعامه} [المائدة: 96] وصيد البحر ما يفرخ فيه ويأوي إليه، فأما ~~طير الماء فهو من صيد البر المحرم لأنه يتعيش في البحر ولا يعيش فيه، وفي ~~الجراد الجزاء لأن ذلك يروى عن عمر - رضي الله عنه -، ولأنه لا يعيش إلا في ~~البر فهو كسائر الطير، وعنه: لا جزاء فيه؛ لأنه يروى عن ابن عباس - رضي ~~الله عنهما - أنه من صيد البحر، ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~طريق ضعيف. # الثاني: أن يكون وحشيا، فأما الأهلي كبهيمة الأنعام، والدجاج، فليس ~~بمحرم؛ لأنه ليس بصيد، ولذلك يذبح الهدايا والأضاحي، والاعتبار في ذلك ~~بالأصل لا بالحال، فلو تأنس الوحشي كحمار الوحش والغزال والحمام لم يحل ~~وفيه الجزاء، ولو توحش الإنسي لم يحرم. # PageV01P493 # الثالث: أن يكون مباحا، فلا يحرم قتل غيره بالإحرام ولا جزاء فيه؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خمس من الدواب ليس على المحرم جناح في ~~قتلهن: الحدأة والغراب والعقرب والفأرة والكلب العقور» متفق عليه. فثبت ~~إباحة هذه الخمس بالنص، وقسنا عليهن ما في معناهن مما فيه أذى، فأما غير ~~المأكول مما لا أذى فيه، فيكره قتله ولا جزاء فيه؛ لأن الصيد ما كان ~~مأكولا، إلا أن ما تولد بين مأكول وغيره، كالسمع وهو ولد الضبع من الذئب، ~~والعسبار: ولد الذئبة من الضبع، يحرم قتله وفيه الجزاء تغليبا لحرمة القتل، ~~كما غلبت فيه حرمة الأكل. والمتولد بين أهلي ووحشي يحرم قتله وفيه الجزاء ~~تغليبا للتحريم، وفي الثعلب الجزاء، مع الخلاف في أكله، تغليبا للتحريم، ~~وفي القمل روايتان: # إحداهما: لا شيء فيه لتحريم أكله وأذاه فهو كالبراغيث. # والثانية: فيه الجزاء لأنه يترفه بإزالته، وأي شيء تصدق به كان خيرا منه. ~~قال القاضي: وإنما الروايتان في ما ألقاه من شعره، أما ما ألقاه من ظاهر ~~بدنه أو ثوبه، فلا شيء فيه رواية واحدة لشبهه بالبراغيث. # فصل: # وما حرم من الصيد، حرم كسر بيضه؛ لما روي عن النبي - صلى ms0351 الله عليه وسلم ~~- أنه «قال في بيض النعام، يصيبه المحرم: يضمنه» رواه الدارقطني. ولأنه ~~خارج من الصيد يصير منه مثله فهو كالفرخ، وإن كسر بيضا لم يحل أكله، ولا ~~يحرم على حلال؛ لأنه لا يحتاج إلى زكاة. وقال القاضي: يحرم على كل أحد ~~قياسا على الصيد، وإن كسر بيضا مذرا فلا شيء عليه؛ لأنه ليس بحيوان ولا ~~يخلق منه حيوان فهو كالأحجار، قال أصحابنا: إلا بيض النعام فإن لقشره قيمة، ~~والأول أولى. وإن نقل بيض صيد فجعله تحت آخر فحضنه وأفرخ، فلا شيء عليه، ~~وكذلك إن كسره فخرج منه فراخ فعاشت، وإن لم تعش الفراخ أو لم تحضنه، أو ترك ~~مع بيضه شيئا نفر من الصيد فلم يحضنه، ضمنه؛ لأنه أتلفه، وإن باض في طريقه ~~أو على فراشه، فنقله فلم يحضنه الصيد حتى تلف ففيه وجهان: # أحدهما: يضمنه؛ لأنه أتلفه لمصلحته فأشبه ما لو قتله للمجاعة. # والثاني: لا شيء عليه؛ لأنه ألجأه إلى إتلافه فأشبه ما لو صال عليه صيد ~~فدفعه فقتله، وإن افترش الجراد في طريقه فقتله بالمشي عليه ففي الجزاء ~~وجهان كذلك. # فصل: # وإن احتاج المحرم إلى لبس المخيط، أو تغطية رأسه، أو الطيب لمرض، أو شدة # PageV01P494 # حر، فعله، وعليه الفدية، قياسا على الحلق، وإن اضطر إلى الصيد فله أكله ~~وعليه جزاؤه؛ لأنه أتلفه لمصلحته فأشبه ما ذكرناه، وإن صال عليه صيد فقتله ~~دفعا عن نفسه فلا جزاء فيه؛ لأنه حيوان قتله لدفع شره فلم يضمنه كالآدمي. # وقال أبو بكر: عليه الجزاء لأنه قتله لمصلحة نفسه، فأشبه ما لو قتله ~~لأكله والأول أصح. وإن خلص صيدا من سبع أو شبكة ليرسله فتلف ففيه وجهان: # أحدهما: يضمنه؛ لأنه تلف بفعله فيضمنه كالمخطئ. # والثاني: لا يضمنه؛ لأنه تلف بفعل مباح لمصلحته فلم يضمنه، كالآدمي يتلف ~~بمداواة وليه. # فصل: # يكره للمحرم حك شعره بأظفاره كيلا ينقطع، فإن انقطع به شعره لزمته فديته، ~~ويكره الكحل بالإثمد غير المطيب؛ لأنه زينة، والحاج أشعث أغبر، وهو في حق ~~المرأة أشد كراهة؛ لأنها محل الزينة ms0352 ولا فدية فيه؛ لأن وجوبها من الشارع، ~~ولم يرد بها ههنا، ويكره لبس الخلخال، والتزين بالحلي لذلك، وهو مباح لحديث ~~ابن عمر، ويكره أن ينظر في المرآة لإصلاح شيء لأنه نوع تزين، ويكره أن يدهن ~~بدهن غير مطيب لذلك، وعن أحمد - رضي الله عنه - في جوازه روايتان، إلا أنه ~~يحتمل أن تختص الروايتان بدهن الشعر؛ لأنه يذيل الشعث، ويسكن الشعر، ~~ويزينه، ويباح التدهن في غيره؛ لأن للمحرم أكل الدهن فكان له أن يدهن به. ~~وقد روى ابن عمر - رضي الله عنه - أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - ادهن ~~بدهن غير مقتت» ، أي: غير مطيب، يعني وهو محرم [والأولى أصح] . إلا أنه من ~~رواية فرقد وهو ضعيف. ولا فدية فيه بحال لما ذكرنا، وينبغي أن ينزه إحرامه ~~عن الكذب والشتم والكلام القبيح والمراء لقول الله: {فمن فرض فيهن الحج فلا ~~رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} [البقرة: 197] قال ابن عباس: الفسوق: ~~المنابزة بالألقاب، وتقول لأخيك: يا فاسق يا ظالم، والجدال: أن تماري صاحبك ~~حتى تغضبه. وروى أبو هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «من حج ~~فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» متفق عليه. # ويستحب له قلة الكلام إلا فيما ينفع؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من حسن إسلام المرء # PageV01P495 # تركه ما لا يعنيه» ففي حال الإحرام والتلبس بطاعة الله تعالى والاستشعار ~~بعبادته أولى. # فصل: # ولا بأس أن يغتسل المحرم بالماء والسدر والخطمي ولا فدية عليه. وعنه: ~~عليه الفدية، والأول أصح؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الميت ~~المحرم: «اغسلوه بماء وسدر» . وقال عبد الله بن حنين: «امترى ابن عباس ~~والمسور بن مخرمة في غسل المحرم رأسه، فأرسلوني إلى أبي أيوب الأنصاري، ~~أسأله كيف رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغسل رأسه وهو محرم؟ قال: ~~فصب على رأسه مقبلا ومدبرا وقال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يفعل» . متفق عليه. ويجوز أن يحتجم ولا يقطع شعرا؛ لما روى ابن عباس ms0353 «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو محرم.» متفق عليه. # ويجوز أن يفتصد، كما يجوز أن يحتجم، ويتقلد بالسيف عند الضرورة؛ لأن ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخلوا في عمرة القضية، متقلدين ~~سيوفهم، ولا بأس بالتجارة والتكسب والصناعة؛ لقول الله تعالى: {ليس عليكم ~~جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} [البقرة: 198] . قال ابن عباس: كان ذو المجاز ~~وعكاظ متجرا للناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك، حتى ~~نزلت: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} [البقرة: 198] في مواسم ~~الحج. رواه البخاري. # فصل: # ومن جامع، أفسد حجه وعليه بدنة، سواء كان عالما أو جاهلا، عامدا أو ~~ناسيا؛ لأنه في معنى يتعلق به قضاء الحج، فاستوى عمده وسهوه، كالفوات. وإن ~~حلق أو قلم ناسيا أو جاهلا، فعليه الفدية؛ لأنه إتلاف، فاستوى عمده وسهوه، ~~كإتلاف مال الآدمي. ويتخرج أن لا فدية عليه، قياسا على اللبس، وإن قتل ~~الصيد مخطئا، فعليه جزاؤه؛ لأنه ضمان مال، فأشبه ضمان مال الآدمي. # وعنه: لا جزاء عليه؛ لقول الله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ~~ما قتل من النعم} [المائدة: 95] . # PageV01P496 # مفهومه أن لا شيء في الخطأ، وإن تطيب ولبس ناسيا أو جاهلا، فلا فدية ~~عليه؛ لما روى يعلى بن أمية: «أن رجلا أتى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وعليه جبة، وعليه أثر خلوق، فقال: يا رسول الله كيف تأمرني أن أصنع في ~~عمرتي؟ قال: اخلع عنك هذه الجبة، واغسل عنك أثر الخلوق، واصنع في عمرتك كما ~~تصنع في حجتك» متفق عليه. . ولم يأمره بفدية لجهله، وقسنا عليه الناسي؛ ~~لأنه في معناه، وعنه: عليه الفدية؛ لأنه فعل حرمه الإحرام، فاستوى عمده ~~وسهوه كالحلق، والأول: المذهب. والحلق إتلاف لا يمكن تلافيه، ومتى ذكر ~~الناسي أو علم الجاهل، فعليه إزالة ذلك، فإن استدامه فعليه الفدية؛ لأنه ~~تطيب ولبس من غير عذر فأشبه المبتدئ به. وحكم المكره حكم الناسي؛ لأنه أبلغ ~~منه في العذر. # وإن مس طيبا يظنه يابسا فبان رطبا، ففيه وجهان: # أحدهما: ms0354 عليه الفدية؛ لأنه قصد مس الطيب. # والثاني: لا فدية عليه؛ لأنه جهل تحريمه، فأشبه من جهل تحريم الطيب. ومن ~~طيب أو حلق رأسه، بإذنه فالفدية عليه؛ لأن ذلك ينسب إليه، وإن حلق رأسه ~~مكرها أو نائما، فالفدية على الحالق؛ لأنه أمانة عنده فالفدية على من أتلفه ~~بغير إذنه، كالوديعة. وإن حلق وهو ساكت لم ينكر، فالفدية عليه، كما لو أتلف ~~الوديعة وهو يقدر على حفظها فلم يفعل، وإن كشط من جلده قطعة عليها شعر، أو ~~قطع إصبعا عليها ظفر، فلا فدية عليه؛ لأنه زال تبعا لغيره، فلم يضمنه، كما ~~لو قطع أشفار عيني إنسان، فإنه لا يضمن أهدابها. ### | باب الفدية في الحج # باب الفدية # من حلق رأسه وهو محرم، فعليه ذبح شاة، أو إطعام ثلاثة آصع لستة مساكين؛ ~~لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام؛ لقول الله تعالى: {فمن كان منكم ~~مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196] وروى ~~كعب بن عجرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لعلك تؤذيك ~~هوام رأسك؟ قال: نعم يا رسول الله. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~احلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين؛ لكل مسكين نصف صاع تمر، أو ~~نسك شاة» متفق عليه، وسواء حلق لعذر أو غيره. وعنه: فيمن # PageV01P497 # حلق لغير عذر، عليه الدم، من غير تخيير؛ لأن الله تعالى خير بشرط العذر ~~فإن عدم الشرط، زال التخيير، والأول أولى؛ لأن الحكم ثبت من غير عذر ~~المعذور تبعا له، والتبع لا يخالف أصله، وإنما الشرط لإباحة الحلق؛ لا ~~التخيير، وفي حلق أربع شعرات ما في حلق الرأس كله؛ لأنها كثير، فتعلقت بها ~~الفدية كالكل، وفي الثلاث روايتان: # إحداهما: هي كالكل، قال القاضي: هو المذهب لأنه يقع عليها، اسم الجمع ~~المطلق، فهي كالأربع. # والثانية: لا يجب فيها ذلك، وهي اختيار الخرقي. لأن الثلاث آخر القلة، ~~وآخر الشيء منه. # وفيما دون ذلك ثلاث روايات: # إحداهن: في كل شعرة مد من ms0355 طعام؛ لأن الله تعالى عدل الحيوان بالطعام ~~هاهنا وفي الصيد، وأقل ما يجب منه مد من طعام فوجب. # والثانية: قبضة من طعام؛ لأنه لا تقدير له في الشرع، فيجب المصير إلى ~~الأقل؛ لأنه اليقين. # والثالثة: درهم؛ لأن إيجاب جزء من الحيوان يشق، فصرنا إلى قيمته وأقل ذلك ~~درهم، وإزالة الشعر بالقطع والنتف والنورة وغيرها كحلقه؛ لأنها في معناه، ~~والأظفار كالشعر في الفدية؛ لأنها في معناها، وفي بعض الشعرة أو الظفر ما ~~في جميعه، كما أن في القصيرة مثل ما في الطويلة، وإن حلق شعر رأسه وبدنه، ~~فعليه فدية واحدة؛ لأنه جنس واحد فأجزأته فدية واحدة، كما لو لبس عمامة ~~وقميصا، وهذا اختيار أبي الخطاب. # وحكي رواية أخرى: أن عليه فديتين، اختاره القاضي؛ لأن حلق الرأس يتعلق به ~~نسك، دون شعر البدن فيخالفه في الفدية، ومن أبيح له الحلق، فهو مخير في ~~الفدية قبله وبعده كما يتخير في كفارة اليمين، قبل الحنث وبعده. # فصل: # ومن لبس أو غطى رأسه أو تطيب، فعليه الفدية، مثل حلق رأسه؛ لأنه في ~~معناه، فقسناه عليها، وإذا لبس عمامة وقميصا وسراويل وخفين، فعليه فدية ~~واحدة؛ لأنه جنس واحد فأشبه ما لو طيب رأسه وبدنه، وإن لبس وتطيب وحلق ~~وقلم، فعليه لكل جنس فدية؛ لأنها أجناس مختلفة، فلم تتداخل كفاراتها ~~بالأيمان والحدود، وعنه: إن فعل # PageV01P498 # ذلك دفعة واحدة، ففديته واحدة؛ لأن الكل محظور فأشبه اللبس في رأسه ~~وبدنه. وإن كرر محظورا واحدا فلبس ثم لبس، أو تطيب ثم تطيب، أو حلق ثم حلق، ~~ففدية واحدة، ما لم يكفر عن الأول قبل فعل الثاني. # وعنه: إن فعله لأسباب، مثل من لبس أول النهار للبرد، ووسطه للحر، وآخره ~~للمرض ففديات؛ لأن أسبابه مختلفة، فأشبه الأجناس المختلفة، والأول أولى؛ ~~لأن الحكم يتعلق بالمحظور لا بسببه، فأشبه الحالف بالله ثلاثة أيمان، على ~~شيء واحد؛ لأسباب مختلفة، وقليل اللبس والطيب وكثيره سواء، وحكم كفارة ~~الوطء في التداخل مثل ما ذكرنا؛ لأنها ليست ضمانا. # فأما جزاء الصيد، فلا تداخل فيه، وكلما قتل صيدا ms0356 حكم عليه. # وعنه: أنه يتداخل، كسائر الكفارات. # وعنه: لا يجب الجزاء، إلا في المرة الأولى؛ لقول الله تعالى: {ومن عاد ~~فينتقم الله منه} [المائدة: 95] ولم يذكر جزاء، والأول المذهب؛ لقول الله ~~تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة: 95] . وهذا يقتضي كل قاتل، ~~ومثل الصيدين، أكثر من مثل واحد، ولأنه ضمان مال يختلف باختلافه فوجب في كل ~~مرة، كضمان مال الآدمي. # قال أحمد: روي عن عمر وغيره أنهم حكموا في الخطأ، وفيمن قتل ولم يسألوه، ~~هل كان قتل قبل هذا أم لا؟ . # فصل: # وإذا وطئ المحرم، في الفرج، في الحج، قبل التحلل الأول، فعليه بدنة؛ لأن ~~ذلك يروى عن ابن عباس - رضي الله عنه -، وسواء كان الفرج قبلا أو دبرا، من ~~آدمي أو من بهيمة؛ لأنه وطء في فرج، أشبه وطء الآدمية، وإن وطئت المحرمة ~~مطاوعة، فعليها بدنة؛ لأنها أفسدت حجها بالجماع فوجبت عليها البدنة كالرجل، ~~وإن وطئ الرجل محرمة مطاوعة، فعلى كل واحد منهما بدنة لأن ابن عباس قال ~~للمجامع: اهد ناقة، ولتهد ناقة، ولأنه إفساد حج شخصين فأوجبت بدنتين كالوطء ~~من رجلين. # وعنه: يجزئهما هدي واحد؛ لأنه جماع واحد، فأشبه ما لو أكرهها، فإن وطئها ~~نائمة، أو مكرهة، ففيها روايتان: # PageV01P499 # إحداهما: أن الواجب هدي واحد عليه دونها؛ لأنها معذورة؛ لم يلزمها كفارة، ~~كالمكرهة على الوطء في الصيام. # والثانية: يجب هديان؛ لأنه إفساد حج اثنين، فعلى هذا يحتمل الرجل عنها؛ ~~لأن الإفساد وجد منه، فكان موجبه عليه، كما تجب عليه نفقة قضائها، ويحتمل ~~أن تكون عليها؛ لأنها وجبت لفساد حجها، وإن وطئ في العمرة، أو وطئ في الحج ~~بعد التحلل الأول، فعليه شاة؛ لأنه فعل محظور لم يفسد حجا، فلم يوجب بدنة، ~~كالقبلة. # ومتى وطئ المحرم دون الفرج، أو قبل أو لمس لشهوة، فلم ينزل، فعليه شاة ~~لأنه فعل محرم بالإحرام؛ لم يفسد الحج، فوجبت به الشاة كالحلق، وإن أنزل ~~فعليه بدنة؛ لأنه استمتاع، بالمباشرة أوجب الغسل، فأوجب البدنة كالوطء في ~~الفرج، وإن نظر فلم ينزل، فلا شيء عليه. ms0357 وإن نظر فصرف بصره فأنزل، فعليه ~~شاة، وإن كرر النظر حتى أنزل ففيه روايتان: # إحداهما: شاة، يروى ذلك عن ابن عباس، ولأنه ليس بمباشرة، فلم يوجب ~~البدنة، كما لو صرف بصره. # والثانية: فيه بدنة، اختارها الخرقي لأنه إنزال باستمتاع، فأوجب البدنة ~~كالمباشرة، وإن فكر فأنزل، فلا شيء عليه؛ لما ذكرنا في الصوم، وإن أمذى في ~~هذه المواضع، فهو كمن لم ينزل؛ لأنه خارج؛ لا يوجب الغسل أشبه البول. # فصل: # ومن لزمته بدنة، أجزأته بقرة؛ لأن جابرا قال: وهل هي إلا من البدن، ~~ولأنها تقوم في الأضاحي والهدايا مقامها، فكذا هاهنا، ويجزئه سبع من الغنم ~~لذلك، وإن لم يجد هديا، فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، ولأن ~~ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو، قالوا للواطئين: اهديا هديا، فإن لم ~~تجدا فصوما، ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم، وهم الأصل في ثبوت حكم ~~الوطء، وإليهم المرجع فيه، فكذا في بدله، وقال أصحابنا: تقوم البدنة فيشتري ~~بقيمتها طعاما يتصدق به، فإن لم يجد صام عن كل مد يوما قياسا على البدنة ~~الواجبة في فدية النعامة. ### | باب جزاء الصيد # يجب الجزاء في الصيد لقول الله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ~~ما قتل من النعم} [المائدة: 95] الآية. وهو ضربان: # PageV01P500 # ما له مثل من النعم: وهي بهيمة الأنعام، فيجب فيه مثله للآية، وهو نوعان، ~~ما قضت الصحابة فيه، فيجب فيه ما قضت؛ لأنه حكم مجتهد فيه، واجتهادهم أحق ~~أن يتبع. # فمن ذلك الضبع، قضى فيها عمر وابن عباس بكبش، وقد روي «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قضى فيها بذلك» . رواه أبو داود وغيره، وقال الترمذي: هذا ~~حديث حسن صحيح. # والنعامة، قضى فيها عثمان وعلي وزيد وابن عباس ومعاوية ببدنة. # وحمار الوحش، وفيه روايتان: # إحداهما: فيه بقرة؛ لأن عمر قضى فيه بها. # والثانية: فيه بدنة؛ لأن أبا عبيدة وابن عباس قضيا فيه بها، وقضاء عمر ~~أولى. لأنه أقرب إلى ما قضي به، وعن ابن مسعود أنه قضى في ms0358 بقرة الوحش، ~~ببقرة. # وقال ابن عباس: في الإبل، بقرة. وقال ابن عمر: في الأروى، بقرة. # وقضى عمر في الظبي، بشاة، وفي اليربوع بجفرة وهي التي لها أربعة أشهر في ~~المعز. # وفي الأرنب بعناق، وهي أصغر من الجفرة. وفي الضب بجدي. # والضرب الثاني: ما لم تقض فيه الصحابة، فيرجع فيه إلى قول عدلين من أهل ~~الخبرة؛ لقول الله تعالى: {يحكم به ذوا عدل منكم} [المائدة: 95] ويجوز أن ~~يكون القاتل أحدهما؛ لدخوله في العموم، ولما روى طارق بن شهاب قال: خرجنا ~~حجاجا، فأوطأ منا رجل - يقال له إربد - ضبا، ففزر ظهره، فقدمنا على عمر ~~فسأله إربد، فقال له: احكم فيه يا إربد. قال: أنت خير مني يا أمير المؤمنين ~~وأعلم، فقال عمر: إنما أمرتك أن تحكم، ولم آمرك أن تزكيني، فقال إربد: أرى ~~فيه جديا، قد جمع الماء والشجر، فقال عمر: فذلك فيه. رواه سعيد بن منصور، ~~ولأنه واجب لحق الله فجاز أن يكون من وجب عليه أمينا فيه كالزكاة. # وفي كبير الصيد كبير مثله، وفي الصغير صغير مثله، وفي كل واحد من الصحيح ~~والمعيب مثله، وإن فدى الذكر بالأنثى، جاز؛ لأنها أفضل، وإن فدى الأنثى ~~بالذكر، ففيه وجهان: # PageV01P501 # أحدهما: لا يجزئ لذلك. # والآخر: يجزئ؛ لأن لحمه أوفر وهو المقصود، وإن فدى أعور من عين، بأعور من ~~أخرى، جاز لأن المقصود منهما واحد، وإن فدى معيبا بمعيب من جنس آخر؛ لم ~~يجز؛ لأنهما مختلفان. # وإن أتلف صيدا ماخضا، ففيه قيمة مثله ماخض، قال القاضي؛ لأن قيمته أكثر ~~من مثله. # وقال أبو الخطاب: فيه مثله ماخض للآية. وإن جنى على ماخض، فأتلف جنينها، ~~ففيه ما نقصها، كما لو جرحها، وإن جرح حيا ثم مات ضمنه بمثله. # فصل: # الضرب الثاني: ما لا مثل له: وهو الطير وشبهه من صغار الصيد، ففيه قيمته، ~~إلا الحمام، فإن فيه شاة؛ لأن عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن عباس قضوا في ~~حمام الحرم بشاة، والحمام: كل ما عب الماء وهدر، كالحمام المعروف، واليمام ~~والجوازل والقماري، والرقاطي، والدباسي، والقطا؛ لأن ms0359 هذا كله حمام، وقال ~~الكسائي: كل مطوق حمام، فعلى قوله يكون الحجل حماما، وعلى الأول ليس بحمام، ~~وما كان أصغر من الحمام، ففيه قيمته؛ لأن لا مثل له، وما كان أكبر منه، ~~ففيه وجهان: # أحدهما: فيه قيمته لأن القياس يقتضيها في جميع الطير، تركناه في الحمام؛ ~~لقضاء الصحابة، ففيما عداه يبقى على القياس. # والثاني: فيه شاة؛ لأن إيجابها في الحمام تنبيه على إيجابها فيما هو أكبر ~~منه. وقد روي عن ابن عباس وجابر، أنهما قالا في الحجلة والقطا والحبارى: ~~شاة شاة. وإن نتف ريش طائر ففيه ما نقص، فإن عاد فنبت، ففي ضمانه وجهان، ~~كغصن الشجرة إذا نبت، وفي بيض الصيد قيمته. # فصل: # ومن وجب عليه جزاء صيد، فهو مخير بين إخراج المثل، أو يقوم المثل، ويشتري ~~بقيمته طعاما، ويتصدق به، أو يصوم عن كل مد يوما؛ لقول الله تعالى: {فجزاء ~~مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام ~~مساكين أو عدل ذلك صياما} [المائدة: 95] و [أو] للتخيير، وعنه: أنها على ~~الترتيب، فيجب # PageV01P502 # المثل، فإن لم يجد [أطعم فإن لم يجد] صام، ككفارة القتل. وعنه: لا طعام ~~في الجزاء، وإنما ذكره ليعدل به الصيام، والمذهب الأول؛ لأنه ظاهر النص فلا ~~تعويل على ما خالفه. # فصل: # وإن اشترك جماعة في قتل صيد، فعليهم جزاء واحد. # وعنه: على كل واحد جزاء؛ لأنها كفارة قتل، أشبهت كفارة قتل الآدمي. # وعنه: إن كفروا بالمال فجزاء واحد، وإن كفروا بالصيام فكفارات، والأولى ~~أولى؛ لأن ذلك يروى عن عمر وابنه وابن عباس - رضي الله عنهم -، ولأنه بدل ~~متلف يتجزأ، فيقسم بدله بين المشتركين، كالديات وقيم المتلفات، وإن اشترك ~~حلال وحرام، فلا شيء على الحلال. وهل يكمل الجزاء على الحرام، أو يكون ~~حكمه، حكم المشارك لحرام؟ فيه وجهان: # وإن جرح صيدا، ضمنه، وفي ضمانه وجهان: # أحدهما: يضمنه بمثله؛ لأن ما وجب ضمان جملته بمثله، وجب في بعضه مثله، ~~كالمكيلات. # والآخر تجب قيمة قدره، من مثله؛ لأن الجزء يشق إخراجه، ms0360 فصرنا إلى قيمته. # وإن جرح صيدا فأزال امتناعه، فقتله حلال، أو سبع، فعلى المحرم جزاء ~~جميعه؛ لأنه سبب تلفه، وإن قتله محرم آخر، فعلى الأول ما نقصه، والباقي على ~~الثاني. وإن برئ وزال نقصه فلا شيء فيه، كالآدمي، وإن نقص فعليه نقصه، وإن ~~برئ غير ممتنع، فعليه جزاء جميعه؛ لأنه عطله، فصار كالتالف، وإن غاب ولم ~~يعلم خبره، فعليه نقصه؛ لأنه المتيقن. # فصل: # والقارن والمفرد والمعتمر سواء في جزاء الصيد، وسائر الكفارات؛ لأنهم ~~سواء في الإحرام، فوجب استواؤهم في ذلك. # فصل: # وصيد الحرم حرام على الحلال والحرام؛ لما روى ابن عباس أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - # PageV01P503 # قال: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة ~~الله إلى يوم القيامة؛ لا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها ولا ينفر صيدها، ~~فقال العباس: إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم. فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: إلا الإذخر» متفق # PageV01P504 # عليه. وحكمه في الجزاء حكم صيد الإحرام؛ لأنه مثله في التحريم فكان مثله ~~في الجزاء، والسمك في التحريم كصيد البر؛ لعموم قوله: «لا ينفر صيدها» ولأن ~~حرمته بمحله، وهما في المحل سواء، وعنه: لا يحرم؛ لأنه لا يحرمه الإحرام، ~~فلم يحرمه الحرم كالسباع. وسائر الحيوانات حكمها في الحرم حكمها في ~~الإحرام، فما حرمه الإحرام من الصيد حرمه الحرم، وما أبيح فيه من الأهلي ~~وغير المأكول؛ لم يحرمه الحرم، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم» رواه مسلم. إلا أن القمل لا يحرمه الحرم، ~~رواية واحدة. ويجب الجزاء على كل قاتل في الحرام، مسلما كان أو كافرا، ~~صغيرا أو كبيرا؛ لأن حرمته لمحله، وهو ثابت بالنسبة إلى كل قاتل، ولو قتل ~~محرم صيدا حرميا؛ لزمه جزاء واحد؛ لأن المقتول واحد، فكان جزاؤه واحدا كما ~~لو قتله حلال. # فصل: # ومن ملك صيدا في الحل، فأدخله الحرم؛ لزمه رفع يده عنه وإرساله، فإن تلف ~~في يده أو أتلفه، ضمنه، وإن ذبحه، صار ميتة؛ لأن الحرم سبب لتحريم ms0361 الصيد، ~~فحرم استدامة إمساكه، كالإحرام. وإن أمسكه في الحرم، فأخرجه إلى الحل؛ لزمه ~~إرساله كالمحرم إذا مسك الصيد حتى حل. # وإن رمى من الحرم صيدا في الحل، أو أرسل كلبه عليه، أو قتل صيدا على غصن ~~في الحل، أصله في الحرم، فلا ضمان فيه؛ لأنه صيد حل، قاتله حلال فلم يضمن، ~~كما لو كان قاتله في الحل، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ينفر ~~صيدها» يدل بمنطوقه على تحريمه في المسألة الأولى، وبمفهومه على حله في ~~الثانية. وإن رمى من الحل صيدا في الحرم، أو أرسل كلبه عليه فقتله، أو قتل ~~صيدا على غصن في الحرم، أصله في الحل، ضمنه؛ لأنه صيد حرمي معصوم بمحله. ~~وعن أحمد فيهما جميعا روايتان. # PageV01P505 # فإن كانا جميعا في الحل، فدخل السهم أو الكلب الحرم، ثم خرج، فقتل صيدا ~~في الحل؛ لم يضمن بحال؛ لأن الصيد والصائد جميعا في الحل. # وإن رمى صيدا في الحل، فدخل السهم الحرم، فقتل فيه صيدا، ضمنه لأن العمد ~~والخطأ واحد في الضمان. وإن أرسل كلبه على صيد في الحل، فدخل فقتله في ~~الحرم، أو قتل غيره، ففيه روايتان: # إحداهما: لا يضمن؛ لأن للكلب اختيارا، وقد دخل باختياره، فلم يضمن ~~جنايته، بخلاف السهم. # والثانية: إن كان الصيد قريبا من الحرم، ضمنه؛ لتفريطه بتعرضه للاصطياد ~~في الحرم وإن كان بعيدا؛ لم يضمن؛ لعدم تفريطه، ولا يؤكل لأنه صيد حرمي. # وقال أبو بكر: عليه الضمان بكل حال. وإن جرحه في الحل، فدخل الحرم فمات ~~فيه؛ لم يضمنه، وحل أكله لأنه ذبحه في الحل. وإن وقف صيد في الحرم والحل، ~~فقتله ضمنه، تغليبا للتحريم. # وإن أمسك طائرا في الحل، فهلك فراخه في الحرم، ضمن الفراخ وحدها؛ لأنه ~~أتلفها في الحرم. # وإن أمسك الطائر في الحرم، فهلك الفراخ في الحل، ضمن الطائر وحكم الفراخ، ~~حكم ما لو رمى من الحرم صيدا في الحل؛ لأن صيد الحل، هلك بسبب كان منه في ~~الحرم. # وإن نفر صيدا حرميا، فهلك في نفوره بسبع أو غيره، في ms0362 حل أو حرم ضمنه؛ ~~لأنه هلك بتنفيره المنهي عنه، وإن سكن من نفوره، ثم هلك؛ لم يضمنه لأن ~~هلاكه بغير سببه. وقد روي عن عمر - رضي الله عنه -: أنه دخل دار الندوة، ~~فعلق رداءه، فوقع عليه حمام، فخاف أن يبول عليه، فأطاره، فانتهزته حية ~~فقال: أنا أطرت، فسأل من معه، فحكم عليه عثمان ونافع بن عبد الحارث بشاة. # فصل: # ويحرم قلع شجر الحرم، وحشيشه كله؛ لحديث ابن عباس، «إلا الإذخر» . وما ~~زرعه الإنسان؛ لأنه كالحيوان الأهلي، وإن غرس شجرة، فقال أبو الخطاب: له ~~قلعها لأنه أنبتها الآدميون، فأشبه الزرع. وإن أخذه من الحرم، فغرسه؛ لم ~~يبح قلعه؛ لأنه حرمي، ويحتمل كلام الخرقي تحريم قلع الشجر كله؛ لقوله - ~~عليه السلام -: «لا يعضد # PageV01P506 # شجرها» وذكر القاضي وأبو الخطاب: أنه يباح قطع الشوك والعوسج؛ لأنه ~~بمنزلة السباع من الحيوان، والحديث صريح في أنه لا يعضد شوكها، واتباعه ~~أولى. # ولا بأس بقطع ما يبس؛ لأنه بمنزلة الميت، وأخذ ما تناثر أو يبس من الورق، ~~أو تكسر من الشجر والعيدان بغير فعل الآدمي لذلك، وما قطعه الآدمي لم يبح ~~له ولا لغيره الانتفاع به لظاهر كلام أحمد؛ لأنه قطع محرم؛ لحرمة الحرم، ~~فأشبه ذبح الصيد. ولا يجوز أخذ ورق الشجر الأخضر؛ لأن في بعض الألفاظ: «ولا ~~يخبط شجرها» ولأنه يضر بالشجر، أشبه نتف ريش الطير. # فصل: # ويجب الجزاء في ذلك، فيجب في الشجرة الكبيرة، بقرة، وفي الصغيرة شاة؛ لما ~~روي عن ابن عباس أنه قال: في الدوحة بقرة، وفي الجزلة شاة، والدوحة: ~~الكبيرة، والجزلة: الصغيرة. وإن قطع غصنا، ضمنه بما نقص، كأغصان الحيوان، ~~فإن خلف مكانه، فهل يسقط الضمان؟ على وجهين: # أحدهما: لا يضمنه، كشعر الآدمي وسنه. # والثاني: يضمنه؛ لأنه أتلفه. # وإن قلع شجرة؛ لزمه ردها إلى موضعها، كمن صاد صيدا لزمه إرساله، فإن ~~أعادها فيبست، ضمنها؛ لأنه أتلفها، وإن نبتت كما كانت؛ لم يضمنها، كالصيد ~~إذا أرسله، وإن نقصت، ضمن نقصها، كالصيد سواء. # فصل: # ويحرم قطع حشيش الحرم؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ms0363 -: «لا يختلي ~~خلاها» ويضمنه بقيمته، كما يضمن صغار الصيد بقيمته، وإن استخلف فهل يسقط ~~الضمان؟ على وجهين. # وفي إباحة رعيه وجهان: # أحدهما: يباح؛ لأن الحاجة تدعو إليه فأشبه قطع الإذخر. # والثاني: يحرم؛ لأنه تسبب في إتلافه، فهو كإرسال الكلب على الصيد، وتباح ~~الكمأة لأنه لا أصل لها، فأشبهت الثمرة. # فصل: # ويكره إخراج تراب الحرم وحصاه؛ لما روي عن ابن عمر وابن عباس أنهما # PageV01P507 # كرهاه. ولا يكره إخراج ماء زمزم؛ لأنه يستخلف، ويعد للإتلاف، فأشبه ~~الثمرة. # فصل: # ويحرم صيد مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - وشجرها؛ لما روى أنس أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أشرف على المدينة فقال: «اللهم إني أحرم ما ~~بين جبليها، مثل ما حرم إبراهيم مكة» وفي لفظ: «ولا يقطع شجرها» متفق عليه. # ولا جزاء في صيدها وشجرها؛ لأنه موضع يجوز دخوله بغير إحرام، فأشبه صيد ~~وج، ولأن الإيجاب من الشارع، ولم يرد به، وعنه: فيه الجزاء، وهو سلب القاتل ~~لأخذه؛ لما روي «أن سعدا ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبدا يقطع شجرا أو ~~يخبطه فسلبه، فلما رجع سعد، جاء أهل العبد، فكلموه أن يرد عليهم، فقال: ~~معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبى أن ~~يرد عليهم» . رواه مسلم. وفي لفظ. قال: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- حرم هذا الحرم» وقال: «من وجد أحدا يصيد منه فليسلبه» رواه أبو داود. # وحد حرمها: ما بين لابتيها، بريد في بريد، وقال أحمد: كذا فسر أنس بن ~~مالك، وقد روى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما بين ~~لابتيها حرام» متفق عليه. # فصل: # ويفارق حرم مكة، في أن من أدخل إليها صيدا من خارج، فله إمساكه وذبحه؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: «يا أبا عمير ما فعل النغير» # PageV01P508 # متفق عليه. وهو طائر كان يلعب به، فلم ينكر عليهم إمساكه. # ويجوز أن يأخذ من شجرها ما تدعو الحاجة إليه للمساند والوسائد والرحل، ~~ومن حشيشها ما تدعو ms0364 الحاجة إليه للعلف؛ لما روى جابر «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لما حرم المدينة قالوا: يا رسول الله إنا أصحاب عمل وأصحاب ~~نضح، وإنا لا نستطيع أرضا غير أرضنا، فرخص لنا. فقال: القائمتان والوسادة ~~والعارضة والمسند، فأما غير ذلك فلا يعضد ولا يخبط منها شيء» رواه الإمام ~~أحمد، فأما صيد وج وشجره، وهو واد من أودية الطائف، فحلال؛ لأن الأصل الحل. ~~وقد روي فيه حديث، ضعفه أحمد، وذكره الخلال في كتاب العلل. # فصل: # وما وجب من الهدي والإطعام جزاء للصيد؛ لزمه إيصاله إلى مساكين الحرم؛ ~~لقول الله تعالى: {هديا بالغ الكعبة} [المائدة: 95] . وكذلك دم التمتع ~~والقران؛ لأنه نسك، فأشبه الهدي. ودم فدية الأذى، يختص بالمكان الذي وجب ~~سببه فيه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر كعب بن عجرة بالذبح ~~والإطعام بالحديبية، ولم يأمر بإيصاله إلى الحرم، ونحر علي - رضي الله عنه ~~- حين حلق رأس الحسين بالسقبا. وفي معناه ما وجب بلبس أو طيب أو نحوه، وقال ~~القاضي: ما وجب بفعل محظور، فيه روايتان: # إحداهما: محله، حيث وجد سببه، كفدية الأذى والإحصار. # والثانية: محله الحرم؛ لقول الله تعالى: {ثم محلها إلى البيت العتيق} ~~[الحج: 33] وقال ابن عقيل: إن فعل المحظور لعذر يبيحه، فحمل هديه موضع ~~فعله، وإن فعل لغير عذر، فمحله الحرم. وأما هدي المحصر، فمحل نحره محل ~~حصره؛ لما روى ابن عمر «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج معتمرا، ~~فحالت كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية» ، روى ~~البخاري نحوه، وبين الحديبية والحرم ثلاثة أميال، ولأنه جاز التحلل في غير ~~موضعه للحصر، فيجوز النحر في غير موضع النحر، وعن أحمد: لا يجوز نحره إلا ~~في الحرم. لقول الله تعالى: {هديا بالغ الكعبة} [المائدة: 95] فعلى هذا ~~يبعثه إلى الحرم، ويواطئ من يبعثه على اليوم الذي ينحره فيه، فيحل حينئذ. ~~وأما الصيام كله # PageV01P509 # فيجزئه بكل مكان؛ لأنه لا نفع فيه لأهل المكان، فلا يختص بالمكان، ~~كرمضان. # فصل: # وما وجب لمساكين الحرم؛ لم يجز ذبحه إلا ms0365 في الحرم، وفي أي موضع منه ذبح ~~جاز؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كل منى منحر، وكل فجاج مكة منحر ~~وطريق» رواه ابن ماجة. مفهومه أنه لا يجوز النحر في غيره مما ليس في معناه. ~~إذا نحر ففرقه على المساكين، فإن أطلقها لهم يقتطعونها، جاز «لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - نحر بدنات خمسا، ثم قال: من شاء فليقتطع» رواه أبو ~~داود. ومساكين الحرم من حله من أهله وغيرهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أطلقها لمن حضره. ### | باب دخول مكة وصفة العمرة # ويستحب لمن أراد دخول مكة أن يغتسل، ويدخلها من أعلاها من ثنية كداء، ~~ويخرج من أسفلها؛ لما روي «عن ابن عمر أنه كان يغتسل، ثم يدخل مكة، ويذكر ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله» ، وقال: «دخل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مكة من ثنية العليا التي بالبطحاء، وخرج من الثنية ~~السفلى» ، متفق عليهما، ويستحب أن يدخل المسجد من باب بني شيبة؛ لقول جابر: ~~«إن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة ارتفاع الضحى، فأناخ راحلته عند ~~باب بني شيبة، ودخل المسجد.» رواه مسلم. # ويستحب أن يدعو عند رؤيته البيت، ويرفع يديه؛ لما روى ابن جريح «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رأى البيت رفع يديه، وقال: اللهم زد ~~هذا البيت تشريفا وتعظيما ومهابة وبرا، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه واعتمر ~~تشريفا وتعظيما وبرا» رواه الشافعي في مسنده، وعن سعيد بن المسيب: أنه كان ~~حين ينظر إلى البيت يقول: ((اللهم أنت السلام ومنك السلام، حينا ربنا ~~بالسلام)) . ذكر الأثرم هذا الدعاء وزاد: الحمد لله رب العالمين كثيرا كما ~~هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، الحمد لله الذي بلغني بيته، ~~ورآني لذلك أهلا، الحمد لله على كل حال، اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك ~~الحرام، وقد جئتك لذلك، اللهم تقبل مني، واعف عني، وأصلح لي شأني كله؛ لا ~~إله إلا أنت، وما زاد من الدعاء فحسن. # PageV01P510 # فصل: # ويبدأ بالطواف؛ ms0366 لما روت عائشة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قدم ~~مكة، توضأ ثم طاف بالبيت» ، متفق عليه، ولأن الطواف تحية المسجد، فاستحبت ~~البداءة به، كالركعتين في غيره من المساجد، وينوي المتمتع به طواف العمرة، ~~وينوي المفرد والقارن الطواف للقدوم. # ويسن الاضطباع فيه، وهو أن يجعل وسط الرداء تحت منكبه الأيمن، ويتركه ~~مكشوفا، ويرد طرفيه على منكبه الأيسر؛ لما روى ابن عباس «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت، وجعلوا ~~أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى» رواه أبو داود. # ويطوف سبعا، يبتدئ بالحجر الأسود فيستلمه؛ لقول جابر: «حتى أتينا البيت ~~معه، استلم الركن، فرمل ثلاثا، ومشى أربعا» ، ومعنى استلامه: مسحه بيده، ~~ويستحب تقبيله؛ لما روى أسلم قال: «رأيت عمر بن الخطاب قبل الحجر، وقال: ~~إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قبلك ما قبلتك.» متفق عليه، فإن لم يمكنه تقبيله، استلمه، وقبل ~~يده؛ لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استلمه وقبل يده» ، رواه ~~مسلم، فإن استلمه بشيء في يده قبله؛ لما روى ابن عباس قال: «رأيت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يطوف في البيت، ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل ~~المحجن» . رواه مسلم. وإن لم يمكنه أشار بيده إليه؛ لما روى ابن عباس، «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف على بعير كلما أتى الركن أشار إليه، ~~وكبر.» # ويستحب أن يقول عنده ما روى عبد الله بن السائب: «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال عند استلامه: بسم الله والله أكبر إيمانا بك، وتصديقا ~~بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعا لسنة نبيك محمد، - صلى الله عليه وسلم -» . ~~ويحاذي الحجر بجميع بدنه؛ ليستوعب جميع البيت بالطواف، ثم يأخذ في الطواف ~~على يمين نفسه، ويجعل البيت على يساره، ويطوف سبعا يرمل في الثلاث الأول ~~منها، وهو إسراع المشي مع مقاربة الخطى، ولا يثب وثبا، ويمشي أربعا لحديث ~~جابر، وروى ابن عمر قال: «كان رسول الله ms0367 - صلى الله عليه وسلم - إذا طاف ~~بالبيت الطواف الأول خب ثلاثا، ومشى أربعا.» متفق عليه. ولا يرمل في غير ~~هذا الطواف لذلك. فإن ترك الرمل في الثلاث لم يقضه في الأربع؛ لأنه سنة فات ~~محلها، فلم يقضه في غيره كالجهر في الأوليين، ولا يقضى في الأخريين. # ولو فاته الرمل والاضطباع في هذا الطواف؛ لم يقضه فيما بعده، كمن فاته ~~الجهر في الصبح لم يقضه في الظهر، ويكون الحجر داخلا في طوافه؛ لأن الحجر ~~في البيت، # PageV01P511 # ولا يطوف على جدار الحجر، ولا شاذروان الكعبة؛ لأنه من البيت، فيجب أن ~~يطوف به. # ولا يستلم الركن العراقي ولا الشامي؛ لما روى ابن عمر: «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني، وما تركت ~~استلامهما منذ رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستلمهما في شدة ولا ~~رخاء» ، رواه مسلم، وقال: «ما أرى النبي - صلى الله عليه وسلم - استلم ~~الركنين اللذين يليان الحجر، إلا لأن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم - ~~عليه السلام -.» متفق عليه، ولا طاف الناس من وراء الحجر إلا لذلك، كلما ~~حاذى الحجر كبر. ويقول بين الركنين: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~حسنة وقنا عذاب النار} [البقرة: 201] لما روى عبد الله بن السائب: أنه «سمع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك ما بين ركن بني جمح والركن ~~الأسود.» رواه أبو داود. ويقول في بقية الطواف: «اللهم اجعله حجا مبرورا ~~وسعيا مشكورا، وذنبا مغفورا رب اغفر وارحم، واعف عما تعلم، وأنت الأعز ~~الأكرم» ، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدعو بما أحب، ويستحب ~~أن يدنو من البيت؛ لأنه المقصود. # فإن كان يمكنه الرمل بعيدا، ولا يمكنه قريبا، فالبعيد أولى؛ لأنه يأتي ~~بالسنة المهمة. # ولا بأس بقراءة القرآن في الطواف؛ لأنه صلاة، والصلاة محل القرآن. # ويجوز الشرب في الطواف؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرب في ~~الطواف» . رواه ابن المنذر. # ويستحب أن يدع الحديث كله، إلا ذكر الله أو قراءة القرآن، ms0368 أو دعاء أو ~~أمرا بمعروف، أو نهيا عن منكر؛ لما روى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «الطواف في البيت صلاة، إلا أن الله أباحكم فيه الكلام، فمن ~~تكلم فلا يتكلم إلا بخير» رواه الترمذي. # فصل: # فإذا فرغ من الطواف، صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم، يقرأ فيهما ب {قل يا ~~أيها الكافرون} [الكافرون: 1] وسورة الإخلاص. لما روى جابر «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - طاف في البيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين، قرأ فيهما: ~~{قل يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] و {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] » ~~رواه مسلم. وإن صلاهما في غير هذا الموضع، أو قرأ غير ذلك أجزأه. # فصل: # ويشترط لصحة الطواف تسعة أشياء: # PageV01P512 # الطهارة من الحدث والنجس، وستر العورة؛ لحديث ابن عباس، وقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا يطوف بالبيت عريان» . متفق عليه؛ ولأنها عبادة تتعلق ~~بالبدن، فاشترط فيها ذلك، كالصلاة. # وعنه، فيمن طاف للزيارة ناسيا لطهارته حتى رجع، فحجه ماض، ولا شيء عليه، ~~وهذا يدل على أنها تسقط بالنسيان. وعنه، فيمن طاف للزيارة غير متطهر: أعاد ~~ما كان بمكة، فإن رجع، جبره بدم، وهذا يدل على أن الطهارة ليست شرطا، إنما ~~هي واجب، يجبره الدم، فكذلك يخرج في طهارة النجس والستارة؛ لأنها عبادة لا ~~يشترط فيها الاستقبال، فلم يشترط فيها ذلك كالسعي والوقوف. # الرابع: النية؛ لأنها عبادة محضة، فأشبهت الصلاة. # الخامس: الطواف لجميع البيت، فإن سلك الحجر، أو طاف على جدار الحجر، أو ~~على شاذروان الكعبة؛ لم يجزئه؛ لأن الله تعالى قال: {وليطوفوا بالبيت ~~العتيق} [الحج: 29] . وهذا يقتضي الطواف لجميعه، والحجر منه؛ لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «الحجر من البيت» متفق عليه. # السادس: الطواف سبعا، فإن ترك منها شيئا وإن قل؛ لم يجزئه؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - طاف سبعا، فيكون تفسيرا لمجمل قوله تعالى: {وليطوفوا ~~بالبيت العتيق} [الحج: 29] فيكون ذلك هو الطواف المأمور به، وقد قال - عليه ~~السلام -: «خذوا عني مناسككم» . # السابع: أن يحاذي الحجر في ابتداء طوافه، بجميع بدنه، فإن ms0369 لم يفعل لم ~~يعتد بذلك الشوط، واعتد له بما بعده. # ويأتي بشوط مكانه، ويحتمل أن لا يجب هذا؛ لأنه لما لم يجب محاذاة جميع ~~الحجر؛ لم تجب المحاذاة بجميع البدن. # الثامن: الترتيب، وهو أن يطوف على يمينه، فإن نكسه؛ لم يجزئه لما ذكرنا ~~في السادس؛ ولأنها عبادة تتعلق بالبدن، فكان الترتيب فيها شرطا كالصلاة. # التاسع: الموالاة شرط لذلك، إلا أنه إذا أقيمت الصلاة، أو حضرت جنازة، ~~فإنه يصلي، ثم يبني؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أقيمت الصلاة ~~فلا صلاة إلا المكتوبة» رواه مسلم. # PageV01P513 # وعنه: إذا أعيا في الطواف، فلا بأس أن يستريح، وقال: إذا كان له عذر، ~~بنى، وإن قطعه من غير عذر، أو لحاجة، استقبل الطواف. # وعنه: فيمن سبقه الحدث، روايتان: # إحداهما: يستأنف قياسا على الصلاة. # والثانية: يتوضأ. ويبني إذا لم يطل الفصل، فيخرج في الموالاة روايتان: # إحداهما: هي شرط كالترتيب. # والثانية: ليست شرطا حال العذر؛ لأن الحسن غشي عليه، فحمل، فلما أفاق ~~أتمه. # فصل: # وسننه: استلام الركن، وتقبيله، أو ما قام مقامه، من الإشارة والدعاء، ~~والذكر في مواضعه، والاضطباع، والرمل، والمشي في مواضعه؛ لأن ذلك هيئة في ~~الطواف، فلم تجب كالجهر والإخفات في الصلاة. وركعتا الطواف ليست واجبة؛ ~~«لأن الأعرابي؛ لما سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الفرائض، ذكر ~~الصلوات الخمس، قال: فهل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع» متفق عليه. # ولأنها صلاة لم يشرع لها جماعة، فلم تجب، كسائر النوافل، ولكنها سنة ~~مؤكدة، وإن صلى المكتوبة بعد طوافه، أجزأته عنهما، فإن جمع بين الأسابيع، ~~وصلى لكل أسبوع ركعتين، جاز؛ لأن عائشة والمسور بن مخرمة فعلا ذلك، ولا تجب ~~الموالاة بينهما لما ذكرنا، وأن يطوف ماشيا، وإن طاف راكبا أجزأه؛ «لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف على بعيره، وأمر أم سلمة فطافت راكبة من ~~وراء الناس» . حديث أم سلمة متفق عليه، ويجوز أن يحمله إنسان فيطوف به؛ ~~لأنه في معنى الراكب، وإن طاف راكبا أو محمولا لغير عذر، ففيه روايتان: # إحداهما: يجزئه؛ لأن ms0370 الله تعالى أمر بالطواف مطلقا، وهذا قد طاف، ولأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف راكبا وهو صحيح. # والثانية: لا يجزئه لأنها عبادة تتعلق بالبدن، فلم يجز فعلها راكبا لغير ~~عذر، كالصلاة، فأما النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن ابن عباس قال: «إن ~~الناس كثروا عليه، يقولون: هذا محمد هذا محمد، حتى خرج العواتق من البيوت، ~~وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يضرب الناس بين يديه فلما كثروا ~~عليه ركب» ، رواه مسلم. # PageV01P514 # فصل: # والمرأة كالرجل، إلا أنها إذا قدمت مكة نهارا، استحب لها تأخير الطواف ~~إلى الليل؛ لأنه أستر لها، إلا أن تخاف الحيض، فتبادر الطواف؛ لئلا يفوتها ~~التمتع، ولا يستحب لها مزاحمة الرجال لاستلام الحجر، بل تشير بيدها إليه، ~~قال عطاء: كانت عائشة تطوف حجزة من الرجال لا تخالطهم، فقالت امرأة: انطلقي ~~نستلم يا أم المؤمنين. قالت: انطلقي عنك، وأبت، وليس في حقها رمل، ولا ~~اضطباع؛ لأنه يستحب لها التستر، ولأن الرمل شرع في الأصل لإظهار الجلد ~~والقوة، ولا يقصد ذلك في المرأة، ولذلك لا يسن الرمل في حق المكي، ومن جرى ~~مجراهم. وقال ابن عباس وابن عمر: ليس على أهل مكة رمل. وكان ابن عمر - رضي ~~الله عنه -، إذا أحرم في مكة لم يرمل. # فصل: # إذا فرغ من الركعتين، سعى بين الصفا والمروة، ويستحب أن يستلم الحجر ثم ~~يخرج إلى الصفا من بابه، فيرقى عليه حتى يرى البيت فيستقبله ويدعوه؛ لأن ~~جابرا قال في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ثم رجع إلى الركن ~~فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا، قرأ {إن الصفا ~~والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] نبدأ بما بدأ الله تعالى به. فبدأ في ~~الصفا، فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبله، فوحد الله وكبره وقال: لا إله ~~إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا ~~إله إلا الله وحده، أنجز وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ثم دعا بين ~~ذلك، ms0371 وقال مثل هذا ثلاث مرات» . # قال أحمد: ويدعو بدعاء ابن عمر، ذكر نحوا من هذا. وزاد: لا إله إلا الله، ~~ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، اللهم اعصمني بدينك ~~وطواعيتك وطواعية رسولك، اللهم جنبني حدودك، اللهم اجعلني ممن يحبك، ويحب ~~ملائكتك وأنبياءك ورسلك وعبادك الصالحين، اللهم حببني إليك، وإلى ملائكتك، ~~وإلى رسلك، وإلى عبادك الصالحين. اللهم يسرني لليسرى، وجنبني العسرى، واغفر ~~لي في الآخرة والأولى. واجعلني من أئمة المتقين، واجعلني من ورثة جنة ~~النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين، اللهم إنك قلت {ادعوني أستجب لكم} ~~[غافر: 60] وإنك لا تخلف الميعاد، # PageV01P515 # اللهم إذ هديتني للإسلام فلا تنزعني منه، ولا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا ~~على الإسلام، اللهم لا تقدمني لعذاب، ولا تؤخرني لسوء الفتن، رواه سعيد بن ~~منصور. وما دعا به فحسن، ثم ينزل ويمشي حتى يكون بينه وبين الميل الأخضر ~~المعلق بفناء المسجد نحوا من ستة أذرع، فيسعى سعيا شديدا، حتى يحاذي ~~الميلين الأخضرين اللذين بفناء المسجد وحذاء دار العباس، ثم يمشي حتى يصعد ~~المروى، فيرقى عليها، ويقول كما قال على الصفا، ثم ينزل فيمشي في موضع ~~مشيه، ويسعى في موضع سعيه، حتى يكمل ذلك سبعا، يحتسب بالذهاب سعية، ~~وبالرجوع أخرى، يفتتح بالصفا ويختم بالمروة؛ لأن جابرا قال: «ثم نزل، يعني ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه رمل في بطن ~~الوادي، حتى إذا صعدنا مشى، حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على ~~الصفا، فلما كان آخر طوافه على المروة» . . . وذكر الحديث. رواه مسلم. ~~ويدعو فيما بينهما، ويذكر الله تعالى. # قال أبو عبد الله: كان ابن مسعود إذا سعى بين الصفا والمروة قال: رب اغفر ~~وارحم واعف عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم. قال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله» وهو ~~حديث حسن صحيح. # فصل: # والواجب من هذا ثلاثة أشياء، استيفاء السبع، فإن ترك منها شيئا وإن قل، ~~لم يجزئه، وإن ms0372 لم يرق على الصفا والمروة، وجب استيعاب ما بينهما، بأن يلصق ~~عقبيه بأسفل الصفا، ثم يلصق أصابع رجليه بالمروة، ليأتي بالواجب كله، ~~والبداءة بالصفا، لخبر جابر، فإن بدأ بالمروة لم يعتد له بذلك الشوط، واعتد ~~له بما بعده. وترتيب السعي على الطواف، فلو سعى قبله لم يجزئه؛ «لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - إنما سعى بعد طوافه، وقال: خذوا عني مناسككم» ولو ~~طاف وسعى، ثم علم أن طوافه غير صحيح لعدم الطهارة، أو غيرها: لم يعتد له ~~بسعيه، لفوات الترتيب. # فصل: # ويسن الطهارة والستارة. # وعنه: أنهما واجبتان؛ لأنه أحد الطوافين، أشبه الطواف في البيت، والأول ~~المذهب؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة حين حاضت: «اقضي ما يقضي ~~الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت» أخرجه مسلم والبخاري. ونحوه قالت عائشة: ~~إذا طافت المرأة في البيت، فصلت ركعتين، ثم حاضت، فلتطف بالصفا والمروة؛ ~~ولأنها عبادة لا تتعلق بالبيت، فلم يشترط لها ذلك # PageV01P516 # كالوقوف، ويسن أن يرقى على الصفا والمروة، ويرمل بين العلمين، ويمشي ما ~~سوى ذلك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله، ولا يجب لما روي عن ابن ~~عمر أنه قال: «أنا أمشي، فقد رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يمشي، وأنا ~~شيخ كبير» . رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. ويسن الموالاة بينه؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - والى بينه، ولا يجب؛ لأنه نسك لا يتعلق ~~بالبيت، فلم يشترط له الموالاة كالرمي. وقد روي أن سودة بنت عبد الله بن ~~عمر سعت، فقضت طوافها في ثلاثة أيام، ويسن أن يمشي، فإن ركب جاز؛ لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - سعى راكبا، ولما ذكرنا في الموالاة، والمرأة ~~كالرجل، إلا أنها لا ترقى على الصفا والمروة، ولا ترمل في طواف ولا سعي، ~~لما ذكرنا في الرمل في الطواف. وليس على أهل مكة رمل لذلك. نص عليه. # فصل: # فإذا فرغ من السعي، فإن كان متمتعا، لا هدي معه قصر من شعره، وحل من ~~عمرته، فما روى ابن عمر قال: «تمتع الناس مع ms0373 رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بالعمرة إلى الحج، فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة ~~قال للناس: من كان معه هدي، فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجته، ومن ~~لم يكن معه هدي فليطف بالبيت، وبين الصفا والمروة وليقصر وليحلل» متفق ~~عليه، وإنما جعل التقصير هاهنا ليكون الحلق للحج، فأما من ساق الهدي فليس ~~له التحلل للحديثين وعنه: أنه يقصر من شعره خاصة، ولا يلمس شاربه ولا ~~أظفاره، لما روى معاوية قال: «قصرت من رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- بمشقص عند المروة» . حديث صحيح رواه مسلم. # وعنه: إن قدم في العشر، لم يحل لذلك، وإن قدم قبل العشر نحر وتحلل ~~كالمعتمر غير المتمتع. ومن لبد فهو كمن أهدى، لما روت حفصة أنها قالت: «يا ~~رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحلل أنت من عمرتك؟ فقال: إني ~~لبدت رأسي، وقلدت هديا، فلا أحل حتى أنحر» متفق عليه. فأما المعتمر الذي لا ~~يريد التمتع، فإنه يحل، وإن كان في أشهر الحج؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - اعتمر من ذي القعدة، فحل ونحر هديه. # فصل: # والسعي ركن لا يتم الحج إلا به؛ لقول عائشة - رضي الله عنها -: «طاف رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بين الصفا والمروة، فطاف المسلمون، فكانت سنة، ~~ولعمري ما أتم الله حج من لم يطف بينهما» . رواه مسلم. وعن حبيبة بنت أبي ~~تجراة قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P517 # يقول: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي» رواه أبو داود. # وعنه: أنه سنة لا شيء على تاركه. لقول الله تعالى: {فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما} [البقرة: 158] . مفهومه أنه مباح. وفي مصحف أبي وابن مسعود ~~((فلا جناح عليه إلا أن يطوف بهما)) وهذا لا ينحط على رتبة الخبر، قال ~~القاضي: الصحيح أنه واجب يجبره الدم، وليس بركن جميعا بين الدليلين، وتوسطا ~~بين الأمرين. # فصل: # ولا يسن السعي بين الصفا والمروة إلا مرة في الحج، ومرة في ms0374 العمرة، فمن ~~سعى مع طواف القدوم، لم يعده مع طواف الزيارة. ومن لم يسع مع طواف القدوم، ~~أتى به بعد طواف الزيارة. فأما الطواف بالبيت، فيستحب الإكثار منه، والتطوع ~~به؛ لأنه يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من طاف بالبيت ~~وصلى ركعتين فهو كعتق رقبة» رواه ابن ماجه. # فصل: # ويستحب أن يشرب من ماء زمزم لما أحب، ويتضلع منه؛ لأنه يروى عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ماء زمزم لما شرب له» رواه الدارقطني. ~~ويقول عند الشرب: بسم الله اللهم اجعله لنا علما نافعا، ورزقا واسعا، وريا ~~وشبعا، وشفاء من كل داء، واغسل به قلبي واملأه من خشيتك. ### | باب صفة الحج # يستحب لمن بمكة الخروج يوم التروية - # وهو الثامن من ذي الحجة - قبل صلاة الظهر؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - خرج يومئذ، فصلى الظهر بمنى، فمن كان حراما، خرج على حاله، ومن كان ~~حلالا من المتمتعين والمكيين، أحرم بالحج، وفعل فعله عند الإحرام من ~~الميقات، ومن أحرم من الحرم جاز؛ لأن جابرا قال: «أمرنا النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لما حللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى فأهللنا من الأبطح» . # والمستحب أن يطوف بالبيت سبعا، ويصلي ركعتين، ثم يستلم الركن وينطلق منه ~~مهلا بالحج؛ لأن عطاء كان يفعل ذلك، ويفعل في إقامته بمنى ورواحه منها، ~~ووقوفه، مثل ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال جابر: «ركب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، فصلى بمنى الظهر والعصر # PageV01P518 # والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر ~~فضربت له بنمرة، فسار حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها ~~حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم ~~أذن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم لم يصل بينهما شيئا، ~~ثم ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته ~~القصواء إلى الصخرات وجعل حبل ms0375 المشاة بين يديه، فاستقبل القبلة، فلم يزل ~~واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا، حتى غاب القرص، ودفع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -؛ فهذا أولى ما فعل اقتداء برسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -» . # ويستحب أن يخطب الإمام خطبة، يعلم الناس مناسكهم وفعلهم في وقوفهم، ~~ودفعهم في أول ما تزول الشمس، ويقصر الخطبة؛ لأن سالم بن عبد الله قال ~~للحجاج يوم عرفة: إن كنت تريد أن تصيب السنة فقصر الخطبة، وعجل الصلاة، قال ~~ابن عمر: صدق. رواه البخاري. ويأمر بالأذان، فينزل فيصلي بهم الظهر والعصر ~~يجمع بينهما بأذان وإقامتين للخبر. ومن لم يصل مع الإمام، جمع في رحله؛ ~~لأنهما صلاتا جمع، فشرع جمعهما في حق المنفرد كصلاتي المزدلفة، ثم يصير إلى ~~موقف عرفة، وأين وقف منها جاز؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عرفة ~~كلها موقف» رواه أبو داود. وهي من الجبل المشرف على عرفة إلى الجبال ~~المقابلة له، إلى ما يلي حوائط بني عامر، إلى بطن عرنة؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «كل عرفة موقف، وارفعوا عن بطن عرنة» رواه ابن ماجه. # والأفضل الوقوف في موقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن يقف ~~راكبا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف راكبا؛ ولأنه أمكن له من ~~الدعاء، وقيل: الراجل أفضل؛ لأنه أروح لراحلته، ويحتمل أن يكونا سواء. # فصل: # ويجتهد في الذكر والدعاء؛ لأنه يوم رغبة ترجى فيه الإجابة، فإن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من يوم أكثر من يعتق الله فيه عبيدا من ~~النار من يوم عرفة، فإنه ليدنو عز وجل فيباهي بهم الملائكة. فيقول: ما أراد ~~هؤلاء» رواه مسلم والنسائي وابن ماجه ويدعو بما روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «أكثر دعاء الأنبياء قبلي، ودعائي عشية عرفة، لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، ~~بيده الخير وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل لي في قلبي نورا، وفي ms0376 سمعي ~~نورا، ويسر لي أمري» ويدعو بدعاء ابن عمر - رضي الله عنهما - الذي ذكرناه. ~~ويختار من الدعاء ما أمكنه. # فصل: # ووقت الوقوف من طلوع فجر يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر، لما روى عروة # PageV01P519 # بن مضرس بن أوس بن لام قال: «أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسول الله إني جئت من جبلي طيئ، ~~أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا ووقفت عليه، فهل لي ~~من حج؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من شهد صلاتنا هذه، ووقف ~~معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجته وقضى ~~تفثه» هذا حديث صحيح. # وقال أبو حفص العكبري: أول وقته زوال الشمس؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وقف بعده، والأول أولى للخبر، ولأن ما قبل الزوال من يوم عرفة، فكان ~~وقتا للوقوف بها، كالذي بعده، ووقوف النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يستوعب الوقت، بدليل ما بعد الغروب، ومن حصل بعرفة في وقت الوقوف قائما، أو ~~قاعدا أو مجتازا أو نائما، أو غير عالم أنه بعرفة، فقد أدرك الحج للخبر، ~~ومن كان مغمى عليه، أو مجنونا لم يحتسب له به؛ لأنه ليس من أهل العبادات، ~~بخلاف النائم لما ذكرنا في الصيام. ومن فاته ذلك. فقد فاته الحج. # قال ابن عقيل: والسكران كالمغمى عليه؛ لأنه ليس من أهل العبادات. # ولا يشترط للوقوف طهارة، ولا سترة ولا استقبال؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال لعائشة إذ حاضت: «افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي ~~بالبيت» وأمرها فوقفت. قال أحمد - رضي الله عنه -: يستحب أن يشهد المناسك ~~كلها على وضوء؛ لأنه أكمل وأفضل، ويجب أن يقف حتى تغرب الشمس؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وقف كذلك، فإن دفع قبل الغروب ثم عاد فلا دم عليه؛ ~~لأنه جمع بين الليل والنهار، فإن لم يعد، فعليه دم؛ لأنه ترك نسكا واجبا، ~~ولا يبطل حجه، لحديث ms0377 عروة بن مضرس. ومن وافى عرفة ليلا أجزأه ذلك، ولا دم ~~عليه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة ~~الفجر ليلة جمع فقد تم حجه» رواه أبو داود. ويستحب أن لا يدفع قبل الإمام. ~~قال أحمد: وما يعجبني أن يدفع إلا مع الإمام؛ لأن أصحاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يدفعوا قبله. # فصل: # ثم يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة، ويسير، وعليه السكينة، وإذا وجد فرجة، ~~أسرع؛ لقول جابر: «وأردف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسامة وسار وهو ~~يقول: أيها الناس السكينة، السكينة حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب ~~والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما» وقال أسامة: «كان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يسير العنق، فإذا وجد فرجة، نص» # PageV01P520 # يعني: أسرع. متفق عليه ويكون في الطريق يلبي، ويذكر الله تعالى، لما روى ~~الفضل: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة» ~~. متفق عليه. فإن وصل مزدلفة، أناخ راحلته ثم صلى المغرب والعشاء قبل حط ~~الرحال، يجمع بينهما، لخبر جابر، وروى أسامة «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أقام فصلى المغرب، ثم أناخ الناس في منازلهم، ولم يحلوا حتى أقام ~~العشاء الآخرة، فصلوا ثم حلوا» رواه مسلم. وإن صلى المغرب في طريق مزدلفة، ~~ترك السنة وأجزأه؛ لأن الجمع رخصة فجاز تركها كسائر الرخص، ثم يبيت لمزدلفة ~~حتى يطلع الفجر، ثم يصلي الفجر في أول وقتها، ثم يأتي المشعر الحرام فيقف ~~عليه، ويستقبل القبلة ويدعو، ويكون من دعائه: اللهم كما وقفتنا فيه، ~~وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا ~~بقولك، وقولك الحق، {فإذا أفضتم من عرفات} [البقرة: 198] . ثم يقف حتى يسفر ~~جدا، ثم يدفع قبل طلوع الشمس إلى منى، فإذا أتى بطن محسر، أسرع، حتى ~~يجاوزه، ثم يسير حتى يأتي جمرة العقبة، فيرميها؛ لقول جابر في حديثه: «ثم ~~اضطجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى طلع الفجر، فصلى الصبح حين ~~تبين له الصبح بأذان ms0378 وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، ~~فاستقبل القبلة، فدعا الله وكبره. وهلله ووحده، ولم يزل واقفا حتى أسفر ~~جدا، فدفع قبل طلوع الشمس، حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلا ثم سلك الطريق ~~الوسطى، حتى أتى الجمرة، يعني جمرة العقبة فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل ~~حصاة منها مثل حصى الخذف» وأين وقف من مزدلفة جاز؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «مزدلفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن محسر» وحدها ما بين مأزمي ~~وعرفة وقرن محسر، ويستحب أخذ حصى الجمار منها، ليكون مستعدا بالحصى، لا ~~يشتغل بجمعه في منى عن تعجيل الرمي، ومن حيث أخذه جاز، وعدده سبعون حصاة، ~~ويستحب أن يكون مثل حصى الخذف، ويلقطهن لقطا، لما روى ابن عباس قال: «قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غداة العقبة القط لي حصا فلقطت له سبع ~~حصيات هن حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفيه، ويقول: أمثال هؤلاء، فارموا ثم ~~قال: أيها الناس، إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في ~~الدين» رواه ابن ماجه. # والمبيت بمزدلفة واجب، يجب بتركه دم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وقف به، وسماه موقفا، وليس بركن؛ لقوله - عليه السلام -: «الحج عرفة» . # ويجوز الدفع بعد نصف الليل، لما روت عائشة قالت: «أرسل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - # PageV01P521 # بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم أفاضت» . رواه أبو داود. ~~ولا بأس بتقديم الضعفة ليلا لهذا الحديث. ولما روى ابن عباس قال: «كنت فيمن ~~قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - في ضعفة أهله من مزدلفة إلى منى» . متفق ~~عليه ولا يجوز الدفع قبل منتصف الليل، فمن خرج قبل ذلك ثم عاد إليها في ~~ليله فلا دم عليه ومن لم يعد فعليه دم. فإن وافاها بعد نصف الليل فلا دم ~~عليه، كما قلنا في عرفة سواء. # فصل: # فإذا وصل منى بدأ برمي جمرة العقبة؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - بدأ ~~بها، ولأنها تحية منى، فلم يقدم عليها شيء كالطواف في ms0379 المسجد، والمستحب ~~رميها بعد طلوع الشمس. لما روى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» من " المسند ". # وأول وقته بعد نصف الليل، لحديث عائشة، ويستحب لمن كان راكبا أن يأتيها ~~راكبا، لما روى جابر قال: «رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يرمي على ~~راحلته يوم النحر، ويقول: لتأخذوا عني مناسككم» . رواه مسلم. ويستحب أن ~~يستبطن الوادي ويستقبل القبلة، ويرمي على حاجبه الأيمن، لما روى عبد الرحمن ~~بن يزيد قال: «لما أتى عبد الله جمرة العقبة، استبطن الوادي، واستقبل ~~القبلة، وجعل يرمي الجمرة على حاجبه الأيمن، ثم رمى بسبع حصيات ثم قال: ~~والله الذي لا إله غيره، من هاهنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة» . متفق ~~عليه، وإن رماها من فوقها جاز، لما روي عن عمر أنه جاء والزحام عند الجمرة ~~فصعد فرماها من فوقها، ويقطع التلبية عند البداءة بالرمي؛ لقول الفضل: «إن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة» ، ولأن ~~التلبية للإحرام، وبالرمي يشرع في التحلل منه، فلا يبقى للتلبية معنى. ~~ويكبر مع كل حصاة، لحديث جابر، وعن ابن عمر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- استبطن الوادي ورمى بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة: الله أكبر الله أكبر، ~~اللهم اجعله حجا مبرورا، وذنبا مغفورا، وسعيا مشكورا» ، رواه حنبل في " ~~مناسكه "، ويرفع يده في الرمي حتى يرى بياض إبطيه، ولا يجزئه غير الحجر في ~~الرمي من المدر والخذف، ولا بحجر قد رمي به؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - رمى بالحصى، وأمر بلقطه من غير المرمى ولأن ما تقبل من الحصى رفع، ~~والباقي مردود فلا يرمى به، وإن رمى بحجر كبير أجزأه؛ لأنه حجر، وعنه: لا ~~يجزئه؛ لأنه منهي عنه. # ولا يجزئه وضع الحصى في المرمى بغير رمي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- رمى. # فإن رمى السبع دفعة واحدة لم يجزئه إلا عن واحدة؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - رمى سبع رميات. # PageV01P522 # ولو رمى فوقعت ms0380 الحصاة في غير المرمى واستقرت، لم تجزئه، وإن طارت فوقعت ~~في المرمى أجزأته؛ لأنها حصلت فيه برميه، وإن وقعت على ثوب إنسان أو محمله، ~~ثم طارت إلى المرمى أجزأته، وإن رماها الإنسان عن ثوبه، أو وقعت بحركة ~~المحمل، لم تجزئه؛ لأنها لم تصل برميه، وإن رماها من مكان عال فتدحرجت إلى ~~المرمى، أجزأته لأنها حصلت فيه بفعله، وإن وقعت في غير المرمى، فأطارت أخرى ~~إلى المرمى، لم تجزئه؛ لأن التي رماها لم تصل. # وإذا فرغ من الرمي انصرف، ولم يقف؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يقف عندها، فإن أخر الرمي إلى المساء، رمى ولا شيء عليه، لما روى ابن عباس ~~قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأل بمنى قال رجل: رميت بعدما ~~أمسيت. فقال: لا حرج» رواه البخاري، فإن لم يرم حتى جاء الليل لم يرم، ~~وأخره إلى غد بعد الزوال؛ لأن ابن عمر قال ذلك. # فصل: # ثم ينصرف فيذبح هديا إن كان معه، وإن كان واجبا عليه، ولا هدي معه، ~~اشتراه فذبحه؛ لقول جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنه رمى من بطن ~~الوادي، ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده» ، ويسن أن ينحر ~~بيده، لهذا الحديث، ويجوز أن يستنيب فيه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أعطى عليا فنحر ما غبر. وحد منى ما بين العقبة وبطن محسر، فحيث نحر منها أو ~~من الحرم أجزأه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كل منى منحر، وكل ~~فجاج مكة منحر وطريق» . # فصل: # ثم يحلق رأسه، ويستحب أن يكبر عند حلقه؛ لأنه نسك، ويستقبل القبلة، ويبدأ ~~بشقه الأيمن لما روى أنس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا بالحلاق، ~~فأخذ بشق رأسه الأيمن، فحلقه ثم الأيسر» . رواه أبو داود. ويجوز أن يقصر من ~~شعره، إلا أن أحمد قال: من لبد رأسه أو عقص أو ظفر، فليحلق؛ لأن عمر وابنه ~~أمرا من لبد رأسه أن يحلق. ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ms0381 ~~لبد فليحلق» فأما غير هؤلاء فيجزئهم التقصير بالإجماع، والحلق أفضل؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حلق وقال: «اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: يا ~~رسول الله والمقصرين؟ قال: اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: يا رسول الله ~~والمقصرين؟ قال في الرابعة: والمقصرين» . # والمرأة تقصر، ولا تحلق؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس على ~~النساء حلق، إنما على النساء تقصير» رواه أبو داود. ولأن الحلق في حقها ~~مثله، فلم يكن مشروعا. # PageV01P523 # ومن لا شعر له فلا شيء عليه؛ لأنها عبادة تتعلق بمحل فسقطت بذهابه، كغسل ~~اليد في الوضوء، ويستحب أن يمر الموسى على رأسه لأن ابن عمر قال ذلك. # فصل: # وفي الحلاق والتقصير روايتان: # إحداهما: ليس بنسك، إنما هو استباحة محظور؛ لأنه محرم فلم يكن نسكا، ~~كالطيب، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أبا موسى أن يتحلل بطواف ~~وسعي، ولم يذكر تقصيرا. # والثانية: هو نسك، وهو أصح لقول الله تعالى: {لتدخلن المسجد الحرام إن ~~شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين} [الفتح: 27] . ولأن النبي - عليه ~~السلام - أمر به بقوله: «فليقصر وليحلل» ودعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين ~~مرة. والتفاضل إنما هو في النسك، وقال - عليه السلام - «إنما على النساء ~~التقصير» فإن قلنا: هو استباحة محظور، فله الخير بين فعله وتركه، والأخذ من ~~بعضه دون بعض، ويحصل التحلل الأول برمي الجمرة قبله، فيحل له كل محرم ~~بالإحرام إلا النساء، وما يتعلق بهن من الوطء والعقد والمباشرة، لما روت أم ~~سلمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم النحر: «إن هذا يوم رخص ~~لكم، إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا - يعني من كل شيء - إلا النساء» رواه ~~أبو داود. # وعنه: يحل له كل شيء إلا الوطء في الفرج. وإن قلنا، هو نسك فعليه الحلق، ~~أو التقصير من جميع رأسه؛ لقول الله تعالى: {محلقين رءوسكم ومقصرين} ~~[الفتح: 27] . # وحلق النبي - صلى الله عليه وسلم - جميع رأسه. # وعنه: يجزئه بعضه كالمسح، ويقصر قدر الأنملة؛ لأن ابن عمر قال ذلك، وإن ~~أخذ أقل من ذلك جاز؛ لأن الأمر ms0382 به مطلق، ولا يحصل التحلل الأول إلا به مع ~~الرمي؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وليقصر وليحلل» . # والأولى حصول التحلل بالرمي وحده، لحديث أم سلمة، عن ابن عباس مثله. وإن ~~أخر الحلاق إلى آخر أيام النحر جاز؛ لأن تأخير النحر جائز، وهو مقدم على ~~الحلق فالحلق أولى، وإن أخره عن ذلك ففيه روايتان: # إحداهما: عليه دم؛ لأنه ترك النسك في وقته، فأشبه تأخير الرمي. # PageV01P524 # والثانية: لا شيء عليه سوى فعله؛ لأن الله تعالى بين أول وقته بقوله ~~تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] . ولم يبين ~~آخره؛ لأنه لو أخر الطواف لم يلزمه إلا فعله، فالحلق أولى، ويستحب لمن حلق ~~أن يأخذ من شاربه وأظفاره؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حلق رأسه، ~~قلم أظفاره، ولا بأس أن يتطيب؛ لقول عائشة: «طيبت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لحرمه حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت» . متفق ~~عليه. # فصل: # ويسن أن يخطب الإمام يوم النحر بمنى خطبة، يعلمهم فيها الإفاضة والرمي ~~والمبيت بمنى، وسائر مناسكهم، لما روى ابن عمر قال: «خطبنا النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يوم النحر فقال في خطبته: إن هذا يوم الحج الأكبر» رواه ~~البخاري. ولأنه يوم فيه وفيما بعده مناسك، يحتاج إلى العمل بها، فشرعت فيه ~~الخطبة، كيوم عرفة. # فصل: # ثم يفيض إلى مكة، فيطوف بالبيت طوافا ينوي به الزيارة، ويسمى طواف ~~الزيارة، وطواف الإفاضة، وهو ركن الحج لا يتم إلا به؛ لقول الله تعالى: ~~{وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] . وروت عائشة: «أن صفية حاضت. فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أحابستنا هي؟ قالوا: يا رسول الله إنها ~~قد أفاضت. قال: فلتنفر إذا» متفق عليه. فدل على أنه لا بد من فعله. # وأول وقته بعد نصف الليل من ليلة النحر، لحديث أم سلمة، والأفضل فعله يوم ~~النحر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رمى الجمرة أفاض إلى البيت، ~~في حديث جابر. وإن أخره جاز؛ لأنه يأتي به بعد دخول ms0383 وقته، فإذا فرغ منه، حل ~~له كل شيء؛ لقول ابن عمر: «أفاض بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه» ، يعني: ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. وعن عائشة: مثله. متفق عليهما. # وإن أفاض قبل الرمي حل التحلل الأول ووقف الثاني على الرمي، فإن فات وقته ~~قبل رميه سقط وحل التحلل الثاني بسقوطه، وهذا في حق من سعى مع طواف القدوم، ~~أما من لم يسع فعليه أن يسعى بعد طواف الزيارة، ويقف التحلل على السعي. # قال أصحابنا: يحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة، الرمي والحلق والطواف، # PageV01P525 # ويحصل التحلل الثاني بالثالث، إن قلنا: الحلق نسك، وإن قلنا: ليس بنسك، ~~حصل التحلل الأول بواحد من اثنين، وهما الرمي والطواف، وحصل التحلل الثاني ~~بالثالث. # فصل: # قال أحمد - رضي الله عنه -: في المتمتع إذا دخل مكة لطواف الزيارة: يبدأ ~~قبله بطواف القدوم، ويسعى بعده، ثم يطوف للزيارة بعدهما. وهكذا القارن ~~والمفرد، إذا لم يكونا دخلا مكة قبل يوم النحر، ولا طافا للقدوم، فإذا دخلا ~~للإفاضة، بدآ بطواف القدوم، وسعيا بعده، ثم طافا للزيارة،؛ لأن طواف القدوم ~~مشروع، فلا يسقط بتعيين طواف الزيارة إلا أنه قال في المرأة إذا دخلت ~~متمتعة فحاضت فخشيت فوات الحج: أهلت الحج، وكانت قارنة، ولم يكن عليها قضاء ~~طواف القدوم. # واحتج أحمد - رضي الله عنه - بقول عائشة - رضي الله عنها -: «فطاف الذين ~~أهلوا بالعمرة بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن ~~رجعوا من منى لحجهم» ، متفق عليه، قال الشيخ: لم يتبين لي من هذا الحديث ~~إلا أن طواف القدوم في حقهم غير مشروع، لكونهم لم يطوفوا بعد الرجوع من منى ~~إلا طوافا واحدا، ولو شرع طواف القدوم لطافوا طوافين، ولأن عائشة لم تطف ~~للقدوم حين أدخلت الحج على العمرة، ولم تكن طافت له قبل ذلك؛ لأن طواف ~~القدوم تحية المسجد، فسقط بتعيين الفرض، كتحية المسجد في حق من دخل وقد ~~أقيمت المفروضة. # فصل: # يوم الحج الأكبر يوم النحر، لما تقدم من حديث ابن عمر، سمي بذلك لكثرة ~~أفعال ms0384 الحج فيه، فإنه يفعل فيه ستة أشياء: الوقوف في المشعر الحرام، ثم ~~الإفاضة إلى منى، ثم الرمي، ثم النحر، ثم الحلق، ثم طواف الزيارة. والسنة: ~~ترتيبها هكذا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رتبها في حديث جابر وغيره، ~~فإن فعل شيئا قبل شيء، جاهلا أو ناسيا فلا شيء عليه، لما روى ابن عباس «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل له يوم النحر، في النحر والحلق والرمي ~~والتقديم والتأخير. قال: لا حرج» متفق عليه. فإن فعل ذلك عالما ذاكرا، ففيه ~~روايتان: # إحداهما: لا شيء عليه للخبر. # والثانية: عليه دم؛ لأن الله تعالى قال: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ ~~الهدي محله} [البقرة: 196] . ولأن الحلق كان محرما قبل التحلل الأول، ولا ~~يحصل إلا بالرمي. # PageV01P526 # فصل: # ثم يرجع إلى منى من يومه، فيمكث بها ليالي أيام التشريق، لما روت عائشة ~~قالت: «أفاض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من آخر يومه حين صلى الظهر، ~~ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق» . # وهل المبيت بها واجب أم لا؟ فيه روايتان: # إحداهما: ليس بواجب؛ لقول ابن عباس: إذا رميت الجمرة فبت حيث شئت، ولأنه ~~مبيت بمنى، فلم يجب كليلة عرفة. # والثانية: هو واجب؛ لأن ابن عمر روى «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- رخص للعباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته» . متفق ~~عليه. فيدل على أنه لا رخصة لغيره. # فعلى هذا، إن تركه، فقال أحمد: يطعم شيئا تمرا أو نحوه، وخففه، وهذا يدل ~~على أنه أي شيء تصدق به أجزأه. # وعنه في ليلة مد، وفي ليلتين مدان. # وعنه: في ليلة درهم، وفي ليلتين درهمان، لما ذكرنا في الشعر. # وعنه: في ليلة نصف درهم، فأما الليلة الثالثة، فلا شيء في تركها؛ لأنها ~~لا تجب إلا على من أدركه الليل بها. # فإن تركها في هذه الحال مع الليلتين الأوليتين، فعليه في الثلاث دم، في ~~إحدى الروايتين. # فصل: # ثم يرمي الجمرات الثلاث في أيام التشريق بعد الزوال، كل جمرة في ms0385 كل يوم ~~بسبع حصيات، يبتدئ بالجمرة الأولى، وهي أبعدها من مكة، وتلي مسجد الخيف، ~~فيجعلها عن يساره، ويستقبل القبلة ويرميها، كما وصفنا جمرة العقبة. ثم ~~يتقدم عنها إلى موضع لا يصيبه الحصى، فيقف وقوفا طويلا، يدعو الله رافعا ~~يديه، ثم يتقدم إلى الوسطى، فيجعلها عن يمينه ويرميها كذلك ويفعل من الوقوف ~~والدعاء فعله في الأولى، ثم يرمي جمرة العقبة بسبع على صفة رميه يوم النحر، ~~ولا يقف عندها، لما روت عائشة، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجع ~~إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرات إذا زالت الشمس، كل جمرة ~~بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، يقف عند الأولى والثانية، # PageV01P527 # فيطيل المقام ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها» . رواه أبو داود. ولا ~~يجزئه الرمي إلا بعد الزوال، مرتبا للخبر. فإن نكسه فبدأ بالثالثة، ثم ~~بالثانية، ثم بالأولى لم يعتد له إلا بالأولى. وإن ترك الوقوف والدعاء، فلا ~~شيء عليه؛ لأنه دعاء مشروع، فلم يجب كما في سائر المشاعر. # فصل: # ولا ينقص من سبع. والمشهور عن أحمد أن استيفاءها غير واجب. # وقال: من رمى بست حصيات لا بأس، وخمس حسن، وأقل من خمس لا يرمي أحد وأحب ~~إلي سبع، لما روى سعد قال: «رجعنا من الحجة مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بعضنا يقول: رميت بست، وبعضنا يقول: رميت بسبع، فلم يعب في ذلك ~~بعضنا على بعض» . رواه الأثرم. وعنه: أن استيفاء السبع شرط؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - رمى بسبع، وقال: «خذوا عني مناسككم» فعلى هذه الرواية ~~إن أخل بحصاة من الأولى، لم يصح رمي الثانية، فإن لم يعلم من أي الجمار ~~تركها حسبها من الأولى ليسقط الفرض بيقين، فإن ترك الرمي كله حتى مضت أيام ~~التشريق فعليه دم؛ لأنه ترك نسكا واجبا. # وإن ترك حصاة أو اثنتين، فعلى الرواية الأولى لا شيء عليه، وعلى الثانية ~~يخرج فيها مثل ما ذكرنا في ليالي منى. # وعنه: من رمى بست ناسيا لا شيء عليه. فإن تعمده تصدق ms0386 بشيء، وإن أخر رمي ~~يوم إلى آخر أو أخر الرمي كله إلى اليوم الثالث، ترك السنة، ولا شيء عليه، ~~لكنه يقدم بالنية رمي الأول، ثم الثاني ثم الثالث؛ لأن أيام التشريق كلها ~~وقت للرمي، فجاز تأخيره إلى آخر وقته، كتأخير الوقوف بعرفة إلى الليل. ~~وإنما وجب الترتيب بالنية؛ لأنها عبادات يجب الترتيب فيها، مع فعلها في ~~أيامها، فوجب مع فعلها مجموعة، كالصلوات. # فصل: # ويجوز لرعاة الإبل، وأهل سقاية الحاج ترك المبيت بمنى ليالي منى، وترك ~~رمي اليوم الأول، إلى الثاني، أو الثالث، إن أحبوا أن يرموا الجميع في وقت ~~واحد، والرمي في الليل، فيرمون رمي كل يوم في الليلة المستقبلة، لحديث ابن ~~عمر في الرخصة للعباس. وقال عاصم بن عدي: «رخص رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لرعاة الإبل أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين، بعد يوم ~~النحر، يرمونه في أحدهما» . حديث صحيح. ولأنهم يشتغلون بالرعاية، واستقاء ~~الماء، فرخص لهم ذلك. وكل ذي عذر من مرض، أو # PageV01P528 # خوف على نفسه أو ماله، كالرعاة في هذا؛ لأنهم في معناهم، لكن إذا غربت ~~الشمس عليهم بمنى لزم الرعاة البيتوتة دون أهل السقاية؛ لأن الرعاة رعيهم ~~في النهار، فلا حاجة لهم في الخروج ليلا فهم كالمريض تسقط عنه الجمعة، وإن ~~حضرها وجبت عليه، وأهل السقاية يستقون بالليل، فلا يلزمهم المبيت. # فصل: # ومن عجز عن الرمي جاز أن يستنيب من يرمي عنه؛ لأن جابرا قال: لبينا عن ~~الصبيان، ورمينا عنهم، والأفضل أن يضع كل حصاة في يد النائب ويكبر النائب، ~~فإن رمى عنه، ثم برئ لم يلزمه إعادته؛ لأن الواجب سقط بفعل النائب، وإن ~~أغمي على إنسان، فرمى عنه إنسان، فإن كان أذن له جاز، وإلا فلا. # فصل: # ويسن أن يخطب الإمام يوم النفر، وهو أوسط أيام التشريق، ويعلم الناس حكم ~~التعجيل، والتأخير، وتوديعهم، لما روي عن رجلين من بني بكر، قالا: «رأينا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب بين أوسط أيام التشريق، ونحن عند ~~راحلته» ، أخرجه أبو داود. ولأن بالناس ms0387 حاجة إلى أن يعلمهم ذلك، فشرعت ~~الخطبة فيه، كيوم عرفة. # فصل: # وإذا كان رمي اليوم الثاني، وأحب أن ينفر، نفر قبل غروب الشمس، وسقط عنه ~~المبيت تلك الليلة، والرمي بعدها، وإن غربت وهو في منى، لزمته البيتوتة، ~~والرمي من الغد بعد الزوال؛ لقول الله تعالى: {فمن تعجل في يومين فلا إثم ~~عليه ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] . وقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر ~~فلا إثم عليه» رواه الترمذي. واليوم: اسم لبياض النهار. وإن رحل، وخرج ثم ~~عاد إليها لحاجة، فلم يلزمه المبيت، ولا الرمي؛ لأن الرخصة قد حصلت له ~~بالتعجيل. قال بعض أصحابنا: يستحب لمن نفر أن ينزل المحصب، ثم يدخل مكة، ~~لما روى نافع قال: «كان ابن عمر يصلي بها الظهر، والعصر والمغرب، والعشاء، ~~ثم يهجع هجعة، ويذكر ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» . متفق ~~عليه. وقال ابن عباس وعائشة: «ليس نزول الأبطح بسنة، إنما نزله رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ليكون أسمح لخروجه» . متفق عليه. وهذا لفظ عائشة - ~~رضي الله عنها -. # PageV01P529 # فصل: # ومن أراد المقام بمكة فلا توديع عليه؛ لأن الوداع للمفارق. ومن أراد ~~الخروج لم يجز له ذلك يودع البيت بطواف، لما روى ابن عباس قال: «أمر الناس ~~أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض» . متفق عليه. ويجعل ~~الوداع في آخر أمره، ليكون آخر عهده بالبيت، فإن ودع ثم اشتغل بتجارة أو ~~إقامة لزمته إعادته للخبر. # وإن صلى في طريقه، أو اشترى لنفسه شيئا، لم يعده؛ لأن هذا لا يخرجه عن ~~كونه وداعا، وإن خرج ولم يودع، لزمه الرجوع ما كان قريبا يمكنه الرجوع، فإن ~~لم يفعل، أو لم يمكنه الرجوع فعليه دم، فإن رجع بعد بلوغه مسافة القصر لم ~~يسقط عنه الدم؛ لأن طوافه لخروجه الثاني، وقد استقر عليه دم الأول. والمرأة ~~كالرجل، إلا إذا كانت حائضا، أو نفساء، خرجت ولا وداع عليها، ولا فدية ~~للخبر، ms0388 إلا أن يستحب لها أن تقف على باب المسجد فتدعو بدعاء المودع، وإن ~~نفرت فطهرت قبل مفارقة البنيان لزمها التوديع؛ لأنها في البلد، وإن لم تطهر ~~حتى فارقته فلا رجوع عليها؛ لأنه لم يوجد في حقها ما يوجبه في البلد. # فصل: # ويستحب للمودع أن يقف في الملتزم بين الركن والباب، كما روي «عن عبد الله ~~بن عمر أنه قام بين الركن والباب، فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا، ~~وبسطها بسطا وقال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله» . ~~رواه أبو داود. ويدعو فيقول: اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك، حملتني ~~على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بيتك، وأعنتني على ~~أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا، وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن ~~بيتك داري، فهذا أوان انصرافي إن أذنت لي، غير مستبدل بك، ولا ببيتك، ولا ~~راغبا عنك، ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، ~~والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين ~~خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير. وما زاد على ذلك من الدعاء ~~فحسن، ثم يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -. # فصل: # ومن ترك طواف الزيارة، فطافه عند الخروج، أجزأ عن طواف الوداع، لأنه يحصل ~~به المقصود منه فأجزأ عنه، كإجزاء طواف العمرة عن طواف القدوم، وصلاة الفرض ~~عن تحية المسجد. وإن نوى بطوافه الوداع لم يجزئه عن طواف الزيارة لقوله - ~~عليه السلام -: # PageV01P530 # «وإنما لامرئ ما نوى» وحكمه حكم من ترك طواف الزيارة، يبقى على إحرامه ~~أبدا حتى يرجع فيطوف للزيارة، إلا أن إحرامه عن النساء فحسب؛ لأنه قد حل له ~~بالتحلل الأول كل شيء إلا النساء. # فصل: # وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد، وإن قتل صيدا فجزاؤه واحد. # وعنه: عليه طوافان وسعيان؛ لقول الله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} ~~[البقرة: 196] وتمامهما بأفعالهما. ولنا قول عائشة: «وأما الذين كانوا ~~جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا ms0389 لهما طوافا واحدا» . متفق عليه. وقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - لعائشة لما قرنت: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك» رواه ~~مسلم. ولأنهما عبادتان من جنس، اجتمعتا فدخلت أفعال الصغرى في الكبرى ~~كالطهارتين. # فصل: # أركان الحج: الوقوف بعرفة، وطواف الزيارة، وفي الإحرام والسعي روايتان. # وواجباته: الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الليل، والمبيت بمزدلفة ~~إلى نصف الليل، والرمي، وطواف الوداع، وفي الحلق والمبيت بمنى روايتان. # وسننه: الاغتسال، وطواف القدوم، والرمل، والاضطباع فيه، واستلام الركنين، ~~وتقبيل الحجر، والإسراع، والمشي في مواضعهما، والخطب، والأذكار، والدعاء، ~~والصعود إلى الصفا والمروة. # وأركان العمرة: الطواف، وفي الإحرام والسعي روايتان. # وواجبها: الحلق في إحدى الروايتين. # وسننها: الغسل، والدعاء، والذكر، والسنن التي في الطواف والسعي، فمن ترك ~~ركنا فلم يتم نسكه إلا به، ومن ترك واجبا فعليه دم، ومن ترك سنة فلا شيء ~~عليه. # فصل: # فإذا رجع قال: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يقوله إذا قفل. متفق عليه. # PageV01P531 # ويستحب زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وصاحبيه - رضي الله ~~عنهما -، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من زارني أو زار ~~قبري كنت له شفيعا أو شهيدا» رواه أبو داود والطيالسي. ويصلي في مسجد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة في ~~مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام» وقوله ~~- عليه السلام -: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ~~ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» متفق عليه. ### | باب ما يفسد الحج وحكم الفوات والإحصار # ومن وطئ في الفرج، فأنزل أو لم ينزل في إحرام الحج قبل التحلل الأول، فقد ~~فسد حجه، وعليه المضي في فاسده، لما روي عن ابن عمر أن رجلا سأله، فقال: ~~إني واقعت امرأتي، ونحن محرمان، فقال: أفسدت حجك انطلق أنت وأهلك مع الناس ~~فاقضوا ما يقضون، واحلق إذا حلقوا، فإذا كان العام المقبل فاحجج أنت ~~وامرأتك، واهديا هديا، فإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيام ms0390 في الحج، وسبعة إذا ~~رجعتم. وقال ابن عباس وعبد الله بن عمر مثل ذلك رواه سعيد بن منصور، وروي ~~أيضا عن عمر - رضي الله عنه -، ولا مخالف لهم، فكان إجماعا، ولأنه لا يمكنه ~~التحلل من الإحرام إلا بأفعاله، وعليه القضاء على الفور للخبر، ولأنه حج ~~واجب بالشرع، فكان واجبا على الفور، كحجة الإسلام. ويجب عليهما الإحرام ~~للقضاء من حيث أحرما أولا أو من قدره، إن سلكا طريقا غيرها؛ لأنه قضاء ~~لعبادة، فكان على وفقها، كقضاء الصلاة، ويفسد حج المرأة للخبر، ولأنها أحد ~~المتجامعين، فأشبهت الرجل، وعليها القضاء ونفقة القضاء عليها إن كانت ~~مطاوعة كالرجل، وإن كانت مكرهة فعلى الزوج؛ لأنه ألزمها ذلك. فكان موجبه ~~عليه ولا فرق بين العمد والسهو والعلم والجهل للخبر، ولأنه معنى يوجب ~~القضاء، فاستوى فيه ذلك كالفوائت. ولا فرق بين الوطء في القبل والدبر من ~~آدمي أو بهيمة؛ لأنه وطء في فرج أشبه وطء فرج الآدمية. # فصل: # ويتفرقان في القضاء؛ لأن ابن عباس قال: ويتفرقان من حيث يحرمان حتى يقضيا ~~حجهما وفيه وجهان: # PageV01P532 # أحدهما: أنه واجب لأن ابن عباس ذكره حكما للمجامع، فكان واجبا كالقضاء. # والثاني: لا يجب؛ لأنه حج فلم يجب فيه مفارقة الزوجة كغير القضاء ولأن ~~مقصود الفراق التحرز من إصابتها، وهذا وهم لا يقتضي الوجوب، ومعنى التفرق: ~~اجتناب الركوب معها على بعير واحد، والجلوس معها في خباء، ولكن يكون قريبا ~~منها، يراعي حالها؛ لأنه محرمها. # فصل: # ومن وطئ دون الفرج أو قبل أو لمس فلم ينزل، لم يفسد حجه، وإن أنزل ففيه ~~روايتان: # إحداهما: يفسد حجه؛ لأنه إنزال عن مباشرة أشبه الوطء في الفرج، والأخرى: ~~لا يفسد وهي أصح؛ لأنه فعل لا يجب الحد بجنسه، ولا المهر، ولا يتعلق به حكم ~~بدون الإنزال، أشبه النظر، ولا يفسد النسك بغير ما ذكرنا من المحرمات كلها ~~بغير خلاف. # فصل: # ومن وطئ بعد التحلل الأول، وقبل الثاني، لم يفسد حجه؛ لأنها عبادة لها ~~تحللان، فوجود المفسد بعد أولهما لا يفسدها، كالصلاة، ولكنه يخرج إلى الحل، ~~فيحرم ms0391 ليطوف للزيارة بإحرام صحيح. وإن وطئ المعتمر في عمرته، أفسدها، وعليه ~~إتمامها وقضاؤها كالحج. ويتعلق بالماضي في الفاسد من الأحكام، وتحريم ~~المحرمات، ووجوب الفدية فيها مثل ما يتعلق بالصحيح، سواء لأنه باق على ~~الإحرام فتعلق به ذلك كالصحيح. # فصل: # ومن لم يقف بعرفة حتى طلع الفجر يوم النحر، فقد فاته الحج، لما روى جابر ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ~~ليلة جمع» رواه الأثرم، وعليه أن يتحلل بأفعال العمرة، وهي طواف وسعي ~~وتقصير؛ لأن ذلك يروى عن عمر وابنه وزيد بن ثابت وابن عباس - رضي الله عنهم ~~-، قال عمر لأبي أيوب حين فاته الحج: اصنع ما يصنع المعتمر، ثم قد حللت. ~~وقال ابن أبي موسى: يمضي في حج فاسد، يعني: أنه يلزمه المبيت والرمي، ~~والصحيح الأول؛ لقول الصحابة، ولأن المبيت تبع للوقوف فيسقط بسقوطه، ويجب ~~عليه القضاء على الفور. # PageV01P533 # وعنه لا قضاء عليه إن كانت نفلا، وإن كانت فرضا فعلها بالوجوب السابق، ~~قياسا على سائر العبادات، والمذهب الأول؛ لأنه قول الصحابة والمسلمين، ولم ~~يعرف لهم مخالف في عصرهم، ولأن الحج يلزم بالشروع، فيلزم قضاؤه كالمنذور، ~~بخلاف غيره. # ويجزئه القضاء عن الحجة الواجبة بغير خلاف؛ لأن الحجة لو تمت لأجزأت عن ~~الواجب فكذلك قضاؤها؛ لأنه يقوم مقام الأداء، ويجب على ما فاته الحج هدي. # وعنه: لا هدي عليه؛ لأنه لو لزمه هدي لزم المحصر هديان، للفوات والإحصار، ~~والصحيح الأول؛ لأنه قول الصحابة المسلمين، ولأنه حل في إحرامه قبل إتمامه ~~فلزمه هدي، كالمحصر، ويخرجه في سنة القضاء، لما روى سليمان بن يسار: أن ~~هبار بن الأسود حج من الشام، فقدم يوم النحر فقال له عمر: انطلق إلى البيت، ~~فطف به سبعا، وإن كان معك هدي فانحرها، ثم إن كان عام قادم فاحجج، وإن وجدت ~~سعة فاهد، وإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعت إن شاء الله ~~تعالى. رواه الأثرم. فعلى هذا العمل؛ لأنه قول منتشر لم يعرف له مخالف، ms0392 فإن ~~عدم الهدي، صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع. # وقال الخرقي: يصوم عن كل مد من قيمة الشاة يوما: لأنه أقرب إلى معادلة ~~الهدي كبدل جزاء الصيد، وقول عمر - رضي الله عنه - أولى. # فصل: # إذا أخطأ الناس العدد، فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم ذلك؛ لأنه لا يؤمن ~~مثل ذلك في القضاء فيشق، وإن وقع لنفر منهم، لم يجزئهم؛ لأنه لتفريطهم، وقد ~~روي أن عمر قال لهبار: ما حبسك؟ قال: كنت أحسب أن اليوم يوم عرفة. فلم يعذر ~~بذلك. # فصل: # وإذا حصر المحرم عدو من المسلمين، فمنعه المضي، فالأفضل التحلل، وترك ~~قتاله؛ لأنه أسهل من قتال المسلمين، وإن كان مشركا لم يجب قتاله إلا أن ~~يبدأ به؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقاتل الذين أحصروه، وإن غلب ~~على ظن المحرم الظفر، استحب القتال، ليجمع بين الجهاد والحج، وإن غلب على ~~ظنه خلاف ذلك، استحب الانصراف، صيانة للمسلمين عن التغرير، ثم إن وجد طريقا ~~آمنا، لم يجز له التحلل قرب أو بعد؛ لأنه قادر على أداء نسكه، فأشبه من لم ~~يحصر، فإن كان لا يصل إلا بعد الفوات، مضى وتحلل بعمرة، وفي القضاء ~~روايتان: # PageV01P534 # إحداهما: يجب؛ لأنه فاته الحج، أشبه من أخطأ الطريق. # والثانية: لا قضاء عليه؛ لأنه تحلل بسبب الحصر، أشبه من تحلل قبل الفوات ~~وإن لم يجد طريقا آمنا فله التحلل؛ لقول الله تعالى: {فإن أحصرتم فما ~~استيسر من الهدي} [البقرة: 196] . ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حصره ~~العدو بالحديبية فتحلل، ولأنه لو لزمه البقاء على الإحرام لحرج؛ لأنه قد ~~يبقى الحصر سنين. وله أن يتحلل وقت الحصر، سواء كان معتمرا أو مفردا أو ~~قارنا. # وعنه: في المحرم بالحج لا يحل إلا يوم النحر، ليتحقق الفوات؛ لأنه لا ~~ييأس من زوال الحصر. وكذلك من ساق هديا لا يتحلل إلا يوم النحر؛ لأنه ليس ~~له النحر قبل وقته. والصحيح الأول للآية والخبر، فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ساق هديا فنحره وحل قبل يوم النحر، ولأن ms0393 الحج أحد الأنساك، فأشبه ~~العمرة، ولو وقف الحل على يقين الفوات، لم يجر الحل في العمرة؛ لأنها لا ~~تفوت. # فصل: # فإن كان معه هدي، لم يحل حتى ينحره؛ لقول الله تعالى: {فما استيسر من ~~الهدي} [البقرة: 196] وله ذبحه حين أحصر. # وعنه: إن قدر على الحرم، أو على إرساله إليه، لزمه ذلك ويواطئ رجلا على ~~اليوم الذي يذبحه فيه، فيحل حينئذ؛ لأنه قادر على الذبح في الحرم، فأشبه ~~المحصر في الحرم، والأول أصح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر هديه ~~في الحديبية. وهي من الحل باتفاق أهل السير ولذلك قال الله تعالى: {والهدي ~~معكوفا أن يبلغ محله} [الفتح: 25] . ولأنه موضع حله، فكان موضع ذبحه ~~كالحرم، ويجب أن ينوي بذبحه التحلل به؛ لأن الهدي يكون لغيره فلزمته النية، ~~ليميز بينهما، ثم يحلق، لما روى ابن عمر «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - خرج معتمرا فحالت كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه، وحلق رأسه ~~بالحديبية» . وهل يجب الحلاق أو التقصير أو لا؟ مبني على الروايتين فيه، هل ~~هو نسك أو لا؟ فإن قلنا: هو نسك حصل الحل به، وبالهدي وبالنية، وإن قلنا: ~~ليس بنسك حصل الحل بهما دونه. # فصل: # وإن لم يجد هديا، صام عشرة أيام، ثم حل؛ لأنه دم واجب للإحرام، فكان له ~~بدل ينتقل إليه، كدم التمتع. ولا يحل إلا بعد الصيام، كما لا يحل إلا بعد ~~الهدي، فإن # PageV01P535 # نوى التحلل قبله، لم يحل فكان على إحرامه حتى يذبح أو يصوم؛ لأنه أقيم ~~هاهنا مقام أفعال الحج. # فصل: # وليس عليه قضاء. # وعنه: يجب عليه القضاء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى عمرة ~~الحديبية، وسميت الثانية عمرة القضية. ولأنه حل من إحرامه قبل إتمامه، ~~فلزمه القضاء كمن فاته الحج. # ووجه الأولى: أنه تطوع جاز التحلل منه، مع صلاح الوقت له، فلم يجب قضاؤه، ~~كما لو دخل في الصوم يعتقده واجبا، فلم يكن. فأما الخبر، فإن الذين صدوا ~~كانوا ألفا وأربعمائة، والذين اعتمروا معه في القضاء كانوا نفرا يسيرا، ms0394 ولم ~~يأمر الباقين بالقضاء، والقضية: الصلح الذي جرى بينهم، وهو غير القضاء، ~~ويفارق الفوات، فإنه بتفريطه. # فصل: # فإن لم يحل المحصر حتى زال الحصر، لم يجز له التحلل؛ لأنه زال العذر، وإن ~~زال العذر بعد الفوات، تحلل بعمرة، وعليه هدي للفوات لا للحصر؛ لأنه لم يحل ~~به، وإن فاته الحج مع بقاء الحصر، فله الحل به؛ لأنه إذا حل به قبل الفوات ~~فمعه أولى، وعليه الهدي للحل، ويحتمل أن يلزمه هدي آخر للفوات. وإن حل ~~بالإحصار، ثم زال، وأمكنه الحج من عامه، لزمه ذلك، وإن قلنا بوجوب القضاء، ~~أو كانت الحجة واجبة؛ لأن الحج على الفور وإلا فلا. # ومن كان إحرامه فاسدا، فله التحلل بالإحصار؛ لأنه إذا حل من الصحيح فمن ~~الفاسد أولى، فإن زال الحصر بعد الحل، وأمكنه الحج من عامه، فله القضاء ~~فيه، ولا يتصور القضاء للحج في العام الذي أفسده فيه، إلا في هذا الموضع. # فصل: # ومن صد عن عرفة، وتمكن من البيت، فله أن يتحلل بعمرة؛ لأن له ذلك من غير ~~حصر، فمعه أولى. وعنه: لا يجوز له التحلل، بل يقيم على إحرامه حتى يفوته ~~الحج، ثم يحل بعمرة؛ لأنه إنما جاز له التحلل بعمرة في موضع يمكنه الحج من ~~عامه ليصير متمتعا [وهذا ممنوع من الحج فلا يمكنه أن يصير متمتعا] . # PageV01P536 # فصل: # والحصر الخاص: مثل أن يحبسه سلطان، أو غريم ظلما، أو بحق لا يقدر على ~~إيفائه. والعبد إذا منعه سيده، والزوجة يمنعها زوجها، كالعام في جواز ~~التحلل، لعموم الآية [وتحقق المعنى فيه، فأما من أحصره مرض أو عدم نفقة ~~ففيه روايتان: # إحداهما: له التحلل لعموم الآية] . ولأنه يروى عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «من كسر أو عرج، فقد حل وعليه حجة أخرى» رواه النسائي. ~~ولأنه محصر فأشبه من حصره العدو. # والثانية: ليس له التحلل؛ لأن ابن عباس وابن عمر قالا: لا حصر إلا حصر ~~العدو. ولأنه لا يستفيد بالحل الانتقال من حاله، والتخلص من الأذى به، ~~بخلاف حصر العدو. ### | باب الهدي ms0395 # يستحب لمن أتى مكة أن يهدي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أهدى في ~~حجته مائة بدنة» [رواه البخاري ولم يقل في حجته] ويستحب استسمانها ~~واستحسانها؛ لقول الله تعالى: {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى ~~القلوب} [الحج: 32] . قال ابن عباس: هو الاستسمان، والاستحسان، والاستعظام، ~~أفضل الهدي والأضاحي الإبل، ثم البقر، ثم الغنم؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ~~ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، ~~فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن ~~راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة» متفق عليه. # ويجوز للمتطوع أن يهدي ما أحب من كبير الحيوان وصغيره، وغير الحيوان، ~~استدلالا بهذا الحديث، إذ ذكر فيه الدجاجة والبيضة، والأفضل: بهيمة ~~الأنعام؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهدى منها. فإن كانت إبلا سن ~~إشعارها، بأن تشق صفحة سنامها اليمنى حتى # PageV01P537 # يسيل الدم، ويقلدها نعلا، أو نحوها، لما روى ابن عباس: «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - صلى بذي الحليفة، ثم دعا ببدنة، فأشعرها في صفحة سنامها ~~اليمنى، وسلت الدم عنها بيده» ، رواه مسلم، ولأنها ربما اختلطت بغيرها، أو ~~ضلت فتعرف بذلك فترد، وإن كانت غنما قلدت آذان القرب والعرى؛ لقول عائشة: ~~«كنت أفتل القلائد للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فيقلد الغنم. ويقيم في ~~أهله حلالا» [أخرجه البخاري ومسلم ونحوه] ولا يشعرها لضعفها، ولأنه يستتر ~~موضع الإشعار. بشعرها وصوفها. # فصل: # ولا يجب الهدي بسوقه مع نيته، كما لا تجب الصدقة بالمال، بخروجه به لذلك، ~~ويبقى على ملكه وتصرفه، ونمائه له حتى ينحره، وإن قلده وأشعره وجب بذلك، ~~كما لو بنى مسجدا وأذن بالصلاة فيه. وإن نذره، أو قال: هذا هدي لله وجب؛ ~~لأنه لفظ يقتضي الإيجاب، فأشبه لفظ الوقف، وله ركوبه عند الحاجة من غير ~~إضرار به؛ لأن أبا هريرة روى «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى ~~رجلا يسوق بدنة، ms0396 فقال: اركبها فقال: يا رسول الله، إنها بدنة. فقال: اركبها ~~ويلك في الثانية أو في الثالثة» ، متفق عليه. وفي حديث آخر قال: «اركبها ~~بالمعروف إذا ألجئت إليها، حتى تجد ظهرا» رواه أبو داود، فإن نقصها الركوب، ~~ضمنها؛ لأنه تعلق حق غيره بها، وإن ولدت، فولدها بمنزلتها يذبحه معها، لما ~~روي أن عليا - رضي الله عنه - رأى رجلا يسوق بقرة معها ولدها، فقال: لا ~~تشرب من لبنها، إلا ما فضل عن ولدها، فإذا كان يوم النحر فانحرها وولدها ~~ولأنه معنى تصير به لله تعالى، فاستتبع الولد، كالعتق، وله أن يشرب من ~~لبنها ما فضل عن ولدها لحديث علي، ولقول الله تعالى: {لكم فيها منافع إلى ~~أجل مسمى} [الحج: 33] . ولا يجوز أكثر من ذلك للخبر. ولأن اللبن غذاء ~~الولد، فلا يجوز منعه منه. كما لا يجوز منع الأم علفها، فإن لم يمكنه ~~المشي، حمله على ظهرها؛ لأن ابن عمر كان يحمل ولد البدنة عليها، فإن لم ~~يمكنه حمله ولا سوقه، صنع به كما يصنع بالهدي الذي يخشى عطبه، وإن كان ~~عليها صوف في جزه صلاح لها، جزه وتصدق به؛ لأنها تسمن بذلك، فتنفع ~~المساكين، وإن لم يكن في جزه صلاح لم يجز أخذه؛ لأنه جزء منها وينفع ~~الفقراء عند ذبحها، وإن أحصر نحره حيث أحصر؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نحر هديه بالحديبية، وإن تلف من غير تفريط لم يضمنه؛ لأنه أمانة ~~عنده، فلم يضمنه من غير تفريط كالوديعة، فإن تعيب ذبحه وأجزأه؛ لأنه لا ~~يضمن جميعه، فبعضه أولى. # PageV01P538 # فصل: # وإن عجز عن المشي أو عطب دون محله، نحره موضعه وصبغ نعله الذي في عنقه في ~~دمه، فضرب بها صفحته ليعرفه الفقراء، وخلى بينه وبينهم، ولم يأكل منه هو، ~~ولا أحد من رفقته. لما روى ذؤيب أبو قبيصة: «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يبعث معه بالبدن، ثم يقول: إن عطب منها شيئا فخشيت عليها موتا ~~فأنجزها ثم اغمس نعلها في دمها ثم اضرب به صفحتها، ولا تطعمها أنت ms0397 ولا أحد ~~من أهل رفقتك رواه» مسلم، ولأنه متهم في التفريط فيها ليأكلها، أو يطعمها ~~رفقته فمنعوا من أكلها لذلك. فإن لم يذبحها عند خوفه عليها حتى تلفت ضمنها؛ ~~لأنه فرط فيها، فلزمه ضمانها كالوديعة، إذا رأى من يسرقها فلم يمنعه. # وإن أتلفها ضمنها؛ لأنه أتلف مالا يتعلق به حق غيره، فضمنه، كالغاصب، ~~ويلزمه أكثر الأمرين من قيمتها، أو هدي مثلها؛ لأنه لزمته الإراقة ~~والتفرقة، وقد فوتهما فلزمه ضمانهما، كما لو أتلف شيئين، وإن كانت قيمتها ~~وفق مثلها، أو أقل، لزمه مثلها، وإن كانت أكثر، اشترى بالفضل هديا آخر، فإن ~~لم يسع اشترى به لحما وتصدق به؛ لأنه أقرب إلى المفوت، ويحتمل أن يتصدق ~~بالقيمة، وإن أكل مما منع من أكله، ضمنه بمثله لحما لما ذكرنا. وإن أتلفها ~~غيره فعليه قيمتها؛ لأنه لا تلزمه الإراقة، فلزمته قيمتها كغيرها، ويشتري ~~بالقيمة مثلها، فإن زادت فالحكم على ما ذكرنا فيما إذا أتلفها صاحبها. # وإن اشترى هديا فوجده معيبا فله الأرش، ويحتمل أن يكون للمساكين؛ لأنه ~~بدل عن الجزء الفائت من حيوان جعله لله تعالى، فكان للمساكين، كعوض ما أتلف ~~منه بعد الشراء، ويكون حكمه حكم الفاضل عن المثل، ويحتمل أن يكون له؛ لأن ~~النذر إنما صادف المعيب بدون الجزء الفائت، فلم يدخل في نذره، فلا يستحق ~~عليه بدله. # فصل: # ولا يزول ملكه عن الهدي والأضحية بإيجابهما، نص عليه. وله إبدالهما بخير ~~منهما. # وقال أبو الخطاب: يزول ملكه، وليس له بيعه، ولا إبداله؛ لأنه جعله لله ~~تعالى، فأشبه المعتق والموقوف. # ووجه الأول: أن النذور محمولة على أصولها في الفرض، وفي الفرض لا يزول ~~ملكه، وهو الزكاة. وله إخراج البدل، فكذلك في النذور، وأما بيعها بدونها، ~~فلا يجوز؛ # PageV01P539 # لأن فيه تفويت حق الفقراء من الجزء الزائد فلم يجز، كما لو أخرج من ~~الزكاة أدنى من الواجب. ولا يجوز إبدالها بمثلها؛ لأنه تفويت لعينها من غير ~~فائدة تحصل. # فصل: # ومن وجب في ذمته هدي فعينه في حيوان تعين؛ لأنه ما وجب به معين جاز أن ms0398 ~~يتعين به ما في الذمة، كالبيع، ويصير للفقراء، فإن هلك بتفريط، أو غيره رجع ~~الواجب إلى ما في الذمة، كما لو كان له عليه دين، فباعه به طعاما، فهلك قبل ~~تسليمه، فإن تعيب أو عطب فنحره، لم يجزئه لذلك، وهل يعود المعين إلى صاحبه؟ ~~فيه روايتان: # إحداهما: يعود، ذكره الخرقي. فقال: صنع به ما شاء؛ لأنه إنما عينه عما في ~~ذمته، فإن لم يقع عنه عاد إلى صاحبه، كمن أخرج زكاته فبان أنها غير واجبة ~~عليه. # والأخرى: لا يعود؛ لأنه صارت للمساكين بنذره، فلم تعد إليه، كالذي عينه ~~ابتداء، وهل تعود إلى ذمته، مثل المعين، أو مثل الواجب في الذمة؟ ينظر، فإن ~~تلف بغير تفريط لم يلزمه أكثر مما في الذمة؛ لأن الزائد إنما تعلق بالعين، ~~فسقط بتلفها، وإن تلف بتفريط، لزمه أكثر الأمرين؛ لأنه تعلق بالمعين حق ~~الله تعالى. فإن أتلفه فعليه مثل ما فوته. وإن ولد هذا المتعين تبعه ولده، ~~لما ذكرنا في المعين ابتداء، فإن تعيبت الأم فبطل تعيينها، ففي ولدها ~~وجهان: # أحدهما: يبطل تبعا كما ثبت تبعا. # والثاني: لا يبطل؛ لأن بطلانه في الأم لمعنى اختص بها بعد استقرار الحكم ~~في ولدها، فلم يبطل فيه، كما لو ولدت في يد المشتري ثم ردها لعيبها. # فصل: # وإذا ذبح هديه، أو أضحيته إنسان بغير أمره في وقته أجزأ عنه؛ لأنه لا ~~يحتاج إلى قصده، فإذا فعله إنسان بغير إذنه وقع الموقع، ولا ضمان على ~~الذابح؛ لأنه حيوان تعين إراقة دمه على الفور حقا لله تعالى، فلم يضمنه ~~كالمرتد. # فصل: # ويجوز الأكل من هدي التمتع والقران؛ لأن أزواج النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كن متمتعات إلا عائشة، فإنها كانت قارنة لإدخالها الحج على عمرتها، ~~وقالت: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحر عن آل محمد في حجة الوداع ~~بقرة واحدة، قالت: فدخل علينا بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ فقيل: # PageV01P540 # ذبح النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أزواجه» . رواه مسلم. ولأنه دم نسك ~~فجاز الأكل منه كالأضحية، ولا يجوز ms0399 الأكل من واجب سواها؛ لأنه كفارة فلم ~~يجز الأكل منه، ككفارة اليمين، وعنه: له الأكل من الجميع، إلا المنذور، ~~وجزاء الصيد، ولا يجوز الأكل من الهدي المنذور في الذمة؛ لأنه نذر إيصاله ~~إلى مستحقيه، فلم يجز أن يأكل منه، كما لو نذر لهم طعاما، وما ساقه تطوعا ~~استحب الأكل منه، سواء عينه أو لم يعينه. لقول الله تعالى: {فكلوا منها ~~وأطعموا القانع والمعتر} [الحج: 36] . وأقل أحوال الأمر الاستحباب. وقال ~~جابر: «أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من كل بدنة ببضعة. فجعلت في قدر، ~~فأكل منها وحسا من مرقها» . ولأنه دم نسك فأشبه الأضحية. قال ابن عقيل: ~~حكمه في الأكل، والتفريق حكمها. وقال جابر: «كنا لا نأكل من بدننا فوق ~~ثلاث، فرخص لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: كلوا وتزودوا فأكلنا ~~وتزودنا» ، رواه البخاري ومسلم ونحوه. والمستحب الاقتصار على اليسير في ~~الأكل، لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في بدنه. وإن أطعمها كلها فحسن، ~~فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر خمس بدنات، ثم قال: «من شاء اقتطع» ~~رواه أبو داود. وظاهر هذا أنه لم يأكل منها شيئا، ويجوز للمهدي تفريق اللحم ~~بنفسه، ويجوز إطلاقه للفقراء، استدلالا بهذا الحديث. # فصل: # إذا نذر هديا مطلقا فأقل ما يجزئه شاة، أو سبع بدنة أو بقرة. لأن المطلق ~~يحمل على أصله في الشرع، ولا يجزئ إلا ما يجزئ في الأضحية. ويمنع فيه من ~~العيب ما يمنع فيها. وإن عينه بنذره ابتداء أجزأه ما عينه كبيرا أو صغيرا ~~أو حيوانا أو غيره؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فكأنما قرب دجاجة، ~~وكأنما قرب بيضة» وإذا أطلق بالنسبة إلى مكانه، وجب إيصاله إلى فقراء ~~الحرم. لأن ذلك المعهود في الهدي. وإن عين الذبح بمكان غيره في نذره لزمه ~~ذلك، ما لم يكن فيه معصية، لما روي «أن رجلا قال: يا رسول الله، إني نذرت ~~أن أنحر ببوانة. قال: هل بها صنم قال: لا. قال: أوف بنذرك» رواه أبو داود. # فصل: # ومن وجب عليه دم أجزأه ms0400 ذبح شاة، أو سبع بدنة أو بقرة. لقول ابن عباس: في ~~هدي المتعة شاة، أو شرك في دم، فإن ذبح بدنة احتمل أن يكون جميعها واجبا، ~~كما لو اختار التكفير بأعلى الكفارات، واحتمل أن يكون سبعها واجبا وباقيها ~~تطوعا؛ لأن سبعها يجزئه فأشبه ما لو ذبح شياه. # PageV01P541 # ومن وجب عليه بدنة بنذر، أو قتل نعامة، أو وطء أجزأه بسبع من الغنم؛ ~~لأنها معدولة بسبع، والشياه أطيب لحما. وقد روي عن ابن عباس: «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أتاه رجل فقال: إن علي بدنة، وأنا موسر لها، ولا ~~أجدها، فأشتريها. فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبتاع سبع شياه ~~فيذبحهن» . رواه ابن ماجه. # وقال ابن عقيل: إنما يجزئ ذلك مع عدم البدنة؛ لأنها بدل، فيشترط فيه عدم ~~المبدل، والأول أولى لما ذكرناه وإن وجبت عليه بدنة فذبح بقرة أجزأته، لما ~~روى جابر قال: «كنا ننحر البدنة عن سبعة. فقيل له والبقرة؟ فقال: وهل هي ~~إلا من البدن» ! رواه مسلم. وقال ابن عقيل: إن نذر بدنة، لزمه ما نواه، فإن ~~لم ينو شيئا، ففيه روايتان: # إحداهما: هو مخير على ما ذكرناه. # والثانية: إن لم يجد بدنة أجزأته بقرة. # فإن لم يجد فسبعا من الغنم. # وعنه: عشر؛ لأنه بدل، فلا يجزئ مع وجود الأصل. فأما من وجب عليه سبع من ~~الغنم، فإنه يجزئه بدنة، أو بقرة؛ لأنها تجزئ عن سبع في حق سبعة، ففي حق ~~واحد أولى. ### | باب الأضحية # وهي سنة مؤكدة، لما روى أنس قال: «ضحى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما» . ~~متفق عليه. قال أبو زيد: الأملح: الأبيض الذي فيه سواد، وقال ابن الأعرابي: ~~هو الأبيض النقي. والتضحية أفضل من الصدقة بقيمتهما؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - آثرها على الصدقة. وليست واجبة؛ لأنه روي عن أبي بكر وعمر - ~~رضي الله عنهما - أنهما كانا لا يضحيان عن أهلهما مخافة أن يرى ذلك واجبا. ~~وروت أم سلمة عن رسول الله ms0401 قال: «إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن # PageV01P542 # يضحي فلا يأخذ من شعره، ولا من أظافره شيئا حتى يضحي» . رواه مسلم. وقال ~~القاضي: هذا نهي كراهية، لا تحريم بدليل قول عائشة: «كنت أفتل قلائد هدي ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم يقلدها بيده، ثم يبعث بها، ولا يحرم ~~عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي» . متفق عليه. ويمكن حمل الحديث على ~~ظاهره في التحريم، ولا تعارض بين الحديثين؛ لأن أحدهما في الأضحية والآخر ~~في الهدي المرسل. ولو تعارضا لكان حديث أم سلمة خاصا في الشعر والظفر، فيجب ~~تقديمه. فإن فعل، استغفر الله تعالى ولا فدية عليه. # فصل: # ولا يجزئ إلا بهيمة الأنعام؛ لقول الله تعالى: {ليذكروا اسم الله على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام} [الحج: 34] . ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن، والثني ~~من غيره؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تذبحوا إلا مسنة، فإن ~~عسر عليكم، فاذبحوا الجذع من الضأن» رواه مسلم. والثنية من البقر هي ~~المسنة. ومن الإبل ما كمل لها خمس سنين. قاله الأصمعي. ويستحب استحسانها، ~~وأفضلها البياض؛ لأنه صفة أضحية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثم ما ~~كان أحسن لونا. # فصل: # وتجزئ البدنة عن سبعة، وكذلك البقرة لقول جابر: «كنا نتمتع مع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - نذبح البقرة عن سبعة، نشترك فيها» . رواه مسلم. ~~ويجوز أن يشتركوا فيها، سواء أراد جميعهم القربة، أو بعضهم القربة والباقون ~~اللحم لأن كل سبع مقام شاة، ويجوز أن يقسموا أنصباءهم لأن القسمة إفراز حق ~~والحاجة داعية إليه. # فصل: # ويستحب أن ينحر الهدي والأضحية بيده، لحديث أنس. ويجوز أن يستنيب فيه، ~~لما ذكرنا في الهدي، ويجوز أن يستنيب كتابيا؛ لأنه من أهل الذكاة. ولا ~~يستحب أن يذبحها إلا مسلم؛ لأنها قربة، فالأفضل أن لا يليها كافر بالله. # وعنه: لا يجوز أن يليها كافر لذلك. ويستحب لمن استناب أن يحضرها، لما # PageV01P543 # روى أبو سعيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمة: «أحضري ~~أضحيتك، يغفر لك ms0402 بأول قطرة تقطر من دمها» ويقول عند الذبح: بسم الله والله ~~أكبر. لحديث أنس، وإن قال: اللهم هذا منك ولك، اللهم تقبل مني أو من فلان ~~فحسن، لما روى جابر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال على أضحيته: ~~«اللهم هذا منك، ولك عن محمد وأمته، بسم الله والله أكبر» ثم ذبح وفي رواية ~~قال: «بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد وأمة محمد ثم ضحى» . رواه ~~مسلم، وليس عليه أن يقول عن فلان؛ لأن النية تجزئ. # فصل: # وأول وقت الذبح في حق أهل المصر إذا صلى الإمام وخطب يوم النحر، لما روى ~~البراء قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من صلى صلاتنا، ونسك ~~نسكنا فقد أصاب النسك، ومن ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى» متفق عليه. ~~وفي حق غير أهل المصر قدر الصلاة والخطبة؛ لأنه تعذر في حقهم اعتبار حقيقة ~~الصلاة، فاعتبر قدرها. وقال الخرقي: المعتبر قدر الصلاة والخطبة في حق ~~الجميع؛ لأنها عبادة يتعلق آخرها بالوقت، فتعلق أولها بالوقت، كالصوم، فمن ~~ذبح قبل ذلك لم يجزئه، وعليه بدلها إن كانت واجبة، لحديث البراء. وآخر ~~وقتها آخر اليومين الأولين من أيام التشريق؛ «لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث» . متفق عليه. قال الخرقي: لا ~~يجوز الذبح ليلا؛ لقول الله تعالى: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ~~ما رزقهم من بهيمة الأنعام} [الحج: 28] . وقال غيره من أصحابنا: يجوز ليلا ~~لأنه زمن يصح فيه الرمي، فصح فيه الذبح كالنهار، وقال بعضهم: فيه روايتان. ~~فإن فات وقت الذبح، ذبح الواجب قضاء؛ لأنه قد وجب ذبحه، فلم يسقط بفوات ~~وقته. وإن كان تطوعا فقد فاتته سنة الأضحية. # فصل: # ولا يجزئ في الأضحية معيبة عيبا ينقص لحمها، لما روى البراء قال: قام ~~فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «أربع لا تجوز في الأضاحي: ~~العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، ~~والعجفاء التي لا تنقى» رواه أبو داود، يعني: التي ms0403 لا مخ فيها، والعوراء ~~البين عورها: التي انخسفت عينها، وذهبت، فنص على هذه الأربعة الناقصة ~~اللحم، وقسنا عليها ما في معناها. # PageV01P544 # ولا تجزئ العضباء، لما روى علي - رضي الله عنه - قال: «نهى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أن يضحى بأعضب الأذن، أو القرن» . قال سعيد بن ~~المسيب: العضب النصف فأكثر من ذلك. رواه النسائي. يعني التي ذهب أكثر من ~~نصف أذنها، أو قرنها، وتجزئ الجماء التي لم يخلق لها قرن، والصمعاء: وهي ~~الصغيرة الأذن والبتراء: التي لا ذنب لها، والشرقاء: التي شقت أذنها، ~~والخرقاء: التي انشقت أذنها؛ لأن ذلك لا ينقص لحمها، ولا يمكن التحرز منه، ~~وغيرها أفضل منها؛ لقول علي - رضي الله عنه -: «أمرنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن نستشرف العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا ~~خرقاء، ولا شرقاء» . قال أبو إسحاق السبيعي: المقابلة: قطع طرف الأذن، ~~والمدابرة: القطع من مؤخرة الأذن، والخرقاء: تشق الأذن للمسة، والشرقاء: ~~تشق أذنها السمة. رواه أبو داود. وهذا نهي تنزيه لما ذكرنا. # وقال ابن حامد: لا تجزئ الجماء، ويجزئ الخصي؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ضحى بكبشين موجوءين، ولأنه يذهب عضو غير مستطاب، يطيب اللحم بذهابه. # فصل: # ويستحب أن يأكل الثلث من الأضحية، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث، لما روى ~~ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأضحية قال: «ويطعم أهل بيته ~~الثلث، ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السؤال بالثلث» قال الحافظ ~~أبو موسى: هذا حديث حسن. ولقول ابن عمر: الضحايا والهدايا: ثلث لك وثلث ~~لأهلك، وثلث للمساكين. وإن أطعمها كلها أو أكثرها فحسن، وإن أكلها كلها إلا ~~أوقية تصدق بها جاز، وإن أكلها كلها، ضمن القدر الذي تجب الصدقة به؛ لقول ~~الله تعالى: {وأطعموا القانع والمعتر} [الحج: 36] . والأمر يقتضي الوجوب. ~~وإن نذر الأضحية، فله الأكل منها؛ لأن النذر محمول على المعهود قبله، ~~والمعهود من الأضحية الشرعية ذبحها، ولأكل منها، ولا يغير النذر من صفة ~~المنذور إلا الإيجاب. # قال القاضي: ومن أصحابنا من منع ms0404 الأكل منها، قياسا على الهدي المنذور. # فصل: # ولا يجوز بيع شيء من الهدي، والأضحية، ولا إعطاء الجازر بأجرته شيئا ~~منها، لما روي عن علي - رضي الله عنه - قال: «أمرني رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، أن أقوم بدنه، وأن أقسم # PageV01P545 # جلودها وجلالها، وأن لا أعطي الجازر منها شيئا، وقال: نحن نعطيه من ~~عندنا» متفق عليه. ويجوز أن ينتفع بجلدها، ويصنع منه النعال، والخفاف ~~والفراء والأسقية، ويدخر منها، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم» ~~رواه مسلم. ولأن الجلد جزء من الأضحية، فجاز الانتفاع به كاللحم. # فصل: # وإذا أوجب الأضحية بعينها، فالحكم فيها كالحكم في الهدي المعين، في ~~ركوبها، وولدها، ولبنها، وصوفها، وتلفها، وإتلافها، ونقصانها، وذبحها على ~~ما ذكرنا؛ لأن الأضاحي والهدايا معناهما واحد. وإيجابها قوله: هذه أضحيتي، ~~أو هذه لله، ونحوه من القول. ولا يحصل ذلك بالشراء مع النية؛ لأنه إزالة ~~ملك على وجه القربة، فلم تؤثر فيها النية المفارقة للشراء، كالوقف والعتق، ~~فإن أوجبها ناقصة نقص يمنع الإجزاء، فعليه ذبحها؛ لأن إيجابها كنذر ذبحها، ~~فيلزمه الوفاء به، ولا يكون أضحية؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«أربع لا تجزئ في الأضاحي» ولكنه يتصدق بلحمها، ويثاب عليه، كمن أعتق عبدا ~~عن كفارة به عيب يمنع الإجزاء، ولا يلزمه البدل، إلا أن تكون الأضحية ~~واجبة؛ لأنها تطوع، وإن زال عيبها قبل ذبحها أجزأت عن الأضحية؛ لأن القربة ~~تتعين فيها بالذبح وهي سليمة حينئذ، وإن اشتراها معيبة فأوجبها، ثم علم ~~عيبها، خرج جواز ردها على جواز إبدالها، وقد ذكرناه وله أخذ أرشها، وحكمه ~~حكم أرش الهدي المعيب. ### | باب العقيقة # وهي الذبيحة عن المولود، وهي سنة، لما روى سمرة أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمى ويحلق ~~رأسه» رواه أبو داود. وليست واجبة، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «من ولد له مولود، فأحب أن ms0405 ينسك عنه فليفعل» رواه مالك في ~~الموطأ. والسنة أن يذبح عن الغلام شاتان متساويتان، وعن الجارية شاة، لما ~~روت أم كرز الكعبية قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «عن ~~الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة» رواه أبو داود. ويستحب ذبحها يوم ~~السابع، ويجزئ فيها من بهيمة الأنعام ما يجزئ في الأضحية، ويمنع فيها من ~~العيب ما يمنع فيها، وسبيلها في الأكل والهدية والصدقة سبيلها، إلا أنه ~~يستحب تفصيلها أعضاء، ولا # PageV01P546 # يكسر لها عظم؛ لأنها أول ذبيحة ذبحت عن المولود، فاستحب أن لا تكسر ~~عظامها، تفاؤلا بسلامة أعضائه. قالت عائشة - رضي الله عنها -: «السنة شاتان ~~مكافئتان عن الغلام، وعن الجارية شاة» . وكان عطاء يقول: تطبخ جدولا ولا ~~يكسر عظمها، ويأكل ويطعم ويتصدق، وذلك يوم السابع، فإن ذبحها قبل السابع ~~جاز؛ لأنه فعلها بعد سببها، فجاز كتقديم الكفارة قبل الحنث، وإن أخرها عنه، ~~ذبحها في الرابع عشر، فإن فات، ففي إحدى وعشرين، لما روى بريدة عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «في العقيقة تذبح لسبع، ولأربع عشر، ولإحدى ~~وعشرين» أخرجه الحسين بن يحيى بن عياش القطان. فإن أخرها عنه، ذبحها بعده؛ ~~لأنه قد تحقق سببها. # فصل: # ويستحب حلق رأس الصبي يوم السابع، وتسميته، لحديث سمرة. وإن سماه قبل ذلك ~~جاز، لما روى أنس أنه «أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأخ له حين ولد، ~~فحنكه بتمرة، وسماه عبد الله» . متفق عليه. وسمى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ولده إبراهيم ليلة ولد. متفق عليه. ويستحب تحسين اسمه، لما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم ~~وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم» رواه أبو داود. وقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن» حديث صحيح رواه مسلم ~~ويكره لطخ رأس الصبي بالدم؛ لأنه تنجيس له، وهو من عمل أهل الجاهلية. قال ~~بريدة كنا نلطخ رأس الصبي بدم العقيقة، فلما جاء الإسلام كنا نلطخه ~~بالزعفران. ### | باب الذبائح # لا يحل شيء ms0406 من الحيوان المقدور عليه بغير ذكاة؛ لقول الله تعالى: {حرمت ~~عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة ~~والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم} [المائدة: 3] . إلا السمك ~~وما شبهه مما لا يعيش إلا في الماء، فإنه يباح بغير ذكاة، وإن طفا؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» ~~والجراد؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أحل لنا ميتتان ودمان، السمك ~~والجراد والكبد والطحال» ولأن ذكاتهما في العادة لا تمكن، فسقط اعتبارها، ~~وما يعيش من البحري في البر لا يحل إلا بالذكاة؛ لأنه مقدور على ذبحه إلا ~~السرطان فإنه لا ذكاة له، فأشبه الجراد [وقال القاضي: لا يباح بغير ذكاة] . ~~وعن أحمد - رضي الله عنه -: أن الجراد لا # PageV01P547 # يباح إلا أن يموت بسبب، كتغريقه وطبخه، والأول المذهب. ولو وجد سمكة في ~~بطن أخرى، أو في حوصلة طائر أو جراد أو حبا، أو وجد الحب في روث بعير حل؛ ~~لأنه في محل طاهر، ولا ذكاة له، فأشبه ما مات في الماء، وعنه: ما أكل مرة ~~لا يؤكل ثانية؛ لأنه رجيع، فيكون مستخبثا. ولو صاد الوثني حوتا حل، وعنه: ~~لا يحل، والأول أصح لأنه لا ذكاة له، فأشبه ما لو أخذه ميتا. # فصل: # وللذكاة أربعة شروط: # أهلية المذكي، بأن يكون مسلما أو كتابيا أو عاقلا؛ لقول الله تعالى: {إلا ~~ما ذكيتم} [المائدة: 3] وقول سبحانه: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} ~~[المائدة: 5] . يعني: ذبائحهم. ولا تحل ذكاة وثني ولا مجوسي، ولا مرتد، وإن ~~تدين بدين أهل الكتاب؛ لأنه لم يثبت له حكم أهل الكتاب، ومفهوم الآية تحريم ~~ذبائح من سواهم، وفي نصارى بني تغلب روايتان: # أصحهما: حل ذبائحهم، لعموم الآية. # والثانية: تحريمها؛ لأن ذلك يروى عن علي - رضي الله عنه -. قال أصحابنا: ~~ولا تحل ذبيحة من أحد أبويه وثني أو مجوسي؛ لأنه اجتمع فيه ما يقضي الحظر ~~والإباحة، فغلب الحظر. وإن ذبح اليهودي ما حرم عليهم، وهو كل ذي ظفر. # قال قتادة: ms0407 هو الإبل والنعام والبط، وما ليس بمشقوق الأصابع، أو ذبح بقرة ~~أو شاة، لم يحرم علينا منه شيء في ظاهر كلام أحمد - رضي الله عنه -، ~~واختيار ابن حامد؛ لأنه من أهل الذكاة ذبح ما يحل لنا فأشبه المسلم. # واختار أبو الحسن التميمي أنه يحرم علينا ما يحرم عليه من الشحم، وذي ~~الظفر؛ لأنه لم يبح لذابحه، فلم يبح لغيره كالدم، ويعتبر العقل، فلا تحل ~~ذكاة مجنون، ولا سكران ولا طفل غير عاقل؛ لأنه أمر يعتبر له العقل والدين، ~~فاعتبر له العقل كالغسل، وكذلك لو رمى هدفا فذبح صيدا، لم يحل. ويصح من ~~العدل والفاسق، والذكر والأنثى، والصبي العاقل والأعمى، لما روى كعب بن ~~مالك «أن جارية له كانت ترعى غنما بسلع، فأصيب منها شاة، فأدركتها فذكتها ~~بحجر، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بأكلها» . رواه البخاري. وقال ~~ابن عباس: من ذبح من ذكر وأنثى وصغير وكبير، وذكر اسم الله عليه فكل. # PageV01P548 # فصل: # الشرط الثاني: الآلة وهو أن يذبح بمحدد، أي شيء كان من حديد أو حجر أو ~~خشب أو قصب إلا السن والظفر، فإنه لا يباح الذبح بهما، لما روى رافع بن ~~خديج قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله ~~عليه فكلوا، ليس السن والظفر، وسأخبركم عن ذلك، أما السن فعظم، وأما الظفر ~~فمدى الحبشة» متفق عليه. فإن ذبح بعظم غير السن، أبيح في ظاهر كلامه، ~~لدخوله في عموم اللفظ. وعنه: لا يباح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~علل تحريم الذبح بالسن، لكونه عظما. ويستحب تحديد الآلة، لما روى شداد بن ~~أوس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله كتب الإحسان على كل ~~شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم ~~شفرته، وليرح ذبيحته» رواه مسلم. # فصل: # الشرط الثالث: أن يسمي الله؛ لقول الله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر ~~اسم الله عليه} [الأنعام: 121] . وحديث رافع، فإن تركها عمدا لم تحل ~~ذبيحته، وإن تركها سهوا حلت لما روى ms0408 راشد بن سعد قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «ذبيحة المسلم حلال، وإن لم يسم الله تعالى إذا لم ~~يتعمد» أخرجه سعيد. # وعنه: لا تسقط التسمية في عمد، ولا سهو للآية والخبر، وعنه: لا تجب في ~~الحالين، لما روي عن عائشة - رضي الله عنها - «أن قوما قالوا: يا رسول الله ~~إن قوما من الأعراب يأتونا باللحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: ~~سموا أنتم وكلوا» رواه البخاري، والمذهب الأول. # وإن شك في تسمية الذابح حل لحديث عائشة، ولأن حال المسلم تحمل على الصحة، ~~كالذبح في المحل. # والتسمية: قول بسم الله، وإن كان بغير العربية، وموضعها عند الذبح، يجوز ~~تقديمها عليه بالزمن اليسير. وإن سمى على شاة وذبح أخرى لم تبح؛ لأنه لم ~~يذكر اسم الله عليها. وإن سمى على قطيع وذبح منه شاة لم تبح، وإن سمى على ~~شاة، ثم ألقى السكين وأخذ أخرى، أو تحدث ثم ذبحها حلت؛ لأنه سمى عليها. ~~وتقوم إشارة الأخرس مقام تسميته، كسائر ما يعتبر فيه النطق. # PageV01P549 # فصل: # الشرط الرابع: المحل، وهو الحلق واللبة، لما روي عن عمر - رضي الله عنه ~~-، أنه نادى: «النحر في اللبة والحلق لمن قدر» . أخرجه سعيد. وروي مرفوعا ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ويشترط قطع الحلقوم، وهما مجرى الطعام والنفس. # وعنه: يشترط فري الودجين، أو أحدهما، وهما عرقان محيطان بالحلقوم، لما ~~روى أبو هريرة قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شريطة ~~الشيطان» وهي التي تذبح فيقطع الجلد، ولا تفرى الأوداج، ثم تترك حتى تموت. ~~رواه أبو داود. # والأول أولى؛ لأنه قطع لا تبقى الحياة معه في محل الذبح، وإن قطع الأوداج ~~وحدها، فينبغي أن تحل استدلالا بالحديث والمعنى، والأولى قطع الجميع؛ لأنه ~~أوحى وأبلغ من سيلان الدم وتنظيف اللحم منه. # فصل: # والسنة نحر الإبل قائمة، معقولة يدها اليسرى؛ لقول الله تعالى: {فاذكروا ~~اسم الله عليها صواف} [الحج: 36] ومر ابن عمر «على رجل قد أناخ بدنته ~~لينحرها، فقال: ابعثها قياما مقيدة. سنة ms0409 محمد - صلى الله عليه وسلم -» . ~~متفق عليه. ثم يجؤها بالحربة في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر؛ لقول ~~الله تعالى: {فصل لربك وانحر} [الكوثر: 2] ونحر النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- بدنة. ويذبح سائر الحيوان؛ لقول الله تعالى: {إن الله يأمركم أن تذبحوا ~~بقرة} [البقرة: 67] . وذبح النبي - صلى الله عليه وسلم - الكبشين اللذين ~~ضحى بهما. فإن ذبح ما ينحر، أو نحر ما يذبح جاز؛ لأنه لم يتجاوز محل الذبح، ~~ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه ~~فكل» ويستحب توجيه الذبيحة إلى القبلة؛ لأن ابن عمر - رضي الله عنه - كان ~~يستحب ذلك، ولأنها أولى الجهات بالاستقبال. # فصل: # فإن ذبحها من قفاها، فأتت السكين على موضع ذبحها وفيها حياة مستقرة حلت؛ ~~لأنها ماتت بالذبح، وكذلك ما جرح من غير مذبحه. والمنخنقة والموقوذة ~~والمتردية والنطيحة، وما أكل السبع والمريضة ما أدرك ذكاتها، وفيها حياة ~~مستقرة حلت؛ لقول الله # PageV01P550 # تعالى: {إلا ما ذكيتم} [المائدة: 3] . ولحديث جارية كعب: «إذا أصيبت منها ~~شاة، فأدركتها فذكتها بحجر، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأكلها» وما ~~لم يبق فيه إلا مثل حركة المذبوح لا يباح؛ لأنه صار في حكم الميت، وكذلك لو ~~ذبحها بعد ذبح الوثني لها لم تبح. # فصل: # ويكره أن يبين الرأس بالذبح، وقطع عضو مما ذكى، أو سلخه حتى تزهق نفسه؛ ~~لأن عمر - رضي الله عنه - قال: لا تعجلوا الأنفس حتى تزهق ولا يحرم ~~المقطوع؛ لأن إبانته حصلت بعد ذبحها وحلها. ولو ذبحها، فسقطت في ماء، أو ~~تردت ترديا يقتلها مثله، فقال أكثر أصحابنا: لا تحرم لما ذكرنا. # وقال الخرقي: تحرم، وهو المنصوص عليه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال لعدي بن حاتم: «فإن وقعت في الماء فلا تأكل» ولأن ذلك يعين على زهوق ~~نفسها، فيحصل بسبب مبيح ومحرم. # فصل: # وإذا ذبح حاملا، فخرج جنينها ميتا، أو فيه حركة كحركة المذبوح أبيح، لما ~~روى أبو سعيد قال: «قيل يا رسول الله: إن أحدنا ينحر الناقة، ويذبح البقرة ~~والشاة. ms0410 فيجد في بطنها الجنين، أيأكله أم يلقيه؟ قال: كلوه إن شئتم، فإن ~~ذكاته ذكاة أمه» رواه أبو داود، ولأنه متصل بها يتغذى بغذائها فكانت ذكاتها ~~ذكاة له، كسائر أجزائها. ويستحب أن يذبحه ليخرج دمه الذي في بطنه، نص عليه. ~~وإن خرج وفيه حياة مستقرة لم يبح إلا بالذكاة؛ لأنه مستقل بحياته، فأشبه ما ~~ولدته قبل ذبحها. # فصل: # وإذا ند بعيره أو غيره، فلم يقدر عليه، صار حكمه حكم الصيد، لما روى رافع ~~بن خديج قال: «كنا مع النبي في غزاة، فأصاب القوم غنما وإبلا، فند بعير من ~~الإبل، فرماه رجل بسهم، فحبسه الله به، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم منها فاصنعوا به ~~هكذا» متفق عليه. ولأنه تعذر ذكاته في الحلق، فأشبه الصيد. ولو تردى في ~~بئر، فلم يقدر على ذبحه، فجرحه في أي موضع قدر عليه من جسده، أبيح لما ~~ذكرناه إلا أن يكون رأسه في الماء، أو في شيء يموت به غير الذبح، فلا يباح ~~لأننا لا نعلم أن الذبح قتله. # PageV01P551 ### | باب الصيد # وهو مباح لقول الله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2] . وقوله ~~تعالى: {أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم ~~الله فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة: 4] . قال ابن عباس: هي الكلاب ~~المعلمة والبازي، وكل ما تعلم الصيد. # فصل: # من صاد صيدا فذكاه حل بكل حال، لحديث أبي ثعلبة. وإن أدرك ميتا حل بشروط ~~سبعة. # أحدها: أهلية الصائد على ما ذكرنا في الذكاة؛ لأن الاصطياد كالذكاة، ~~وقائم مقامها. # الثاني: التسمية عند إرسال الجارح أو السهم لما ذكرنا في الذكاة، ولا ~~يعفى عنهما في عمد ولا سهو؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أرسلت ~~كلبك وسميت فكل، وإن وجدت معه غيره فلا تأكل، فإنك إنما سميت على كلبك، ولم ~~تسم على الآخر» متفق عليه. # وعنه: يعفى عنها في السهو، لما ذكرنا في الذكاة. # وعنه: يعفى عن السهو في إرسال السهم؛ لأنه آلته فهو كسكينة، ولا ms0411 يعفى عنه ~~في إرسال الكلب، للحديث، والأول المذهب. # الشرط الثالث: إرسال الجارح؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ~~أرسلت كلبك، وسميت فكل» ولأن إرسالها أقيم مقام الذبح، فاعتبر وجوده، فإن ~~استرسل الكلب بنفسه، لم يبح صيده فإن سمى صاحبه وزجره، فزاد في عدوه حل ~~صيده؛ لأنه أثر فيه، فصار كإرساله، وإن لم يزد في عدوه لم يبح؛ لأنه لم ~~يؤثر. # الشرط الرابع: أن يكون الجارح معلما؛ لقول الله تعالى: {وما علمتم من ~~الجوارح} [المائدة: 4] . ولما روى أبو ثعلبة الخشني أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «ما صدت بكلبك المعلم، وذكرت اسم الله فكل، وما صدت ~~بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل» متفق عليه. # PageV01P552 # ويعتبر في تعليمه إن كان سبعا ثلاثة أشياء: أن يسترسل إذا أرسل، وأن ~~ينزجر إذا زجر، ولا يأكل إذا أمسك. # وهل يعتبر تكرار ذلك منه، فيه وجهان: # أحدهما: يعتبر ثلاثا، ذكره القاضي؛ لأن ترك الأكل في المرة الواحدة يحتمل ~~أنه لشبع أو عارض، فيعتبر تكراره، ليعلم أنه لتعلمه. # والثاني: لا يعتبر، ذكره أبو جعفر الشريف، وأبو الخطاب؛ لأنه تعلم صنعة، ~~فلم يعتبر تكراره كسائر الصنائع، وأما الطائر كالبازي والصقر، فيعتبر أن ~~يسترسل إذا أرسله، ويجيبه إذا دعاه، ولا يعتبر ترك الأكل؛ لأن تعليمه ~~بأكله، وكل حيوان يقبل التعليم يحل صيده، لعموم الآية إلا الكلب الأسود ~~البهيم، فإنه لا يحل اقتناؤه ولا صيده؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أمر بقتله، وقال: «إنه شيطان» وما وجب قتله حرم اقتناؤه وتعليمه، فوجب أن ~~لا يحل صيده. # الشرط الخامس: أن يرسله على صيد، فإن أرسله على غير شيء، أو على إنسان، ~~أو حجر أو بهيمة، فأصاب صيدا لم يحل؛ لأنه لم يرسله على صيد، فأشبه ما ~~استرسل بنفسه، ويحتمل أن يحل كما لو أرسله على صيد، فصاد غيره، وإن أرسله ~~على صيد فأصاب غيره، أو قتل جماعة حلت للخبر، ولأنه أرسله على صيد فحل ما ~~صاده، كما لو أرسله على كبار فتفرقت عن صغار فصادها. ولو ms0412 سمع حسا أو رأى ~~سوادا، فظنه صيدا، فأرسل عليه كلبه أو سهمه فأصاب صيدا حل؛ لأنه قصد الصيد، ~~وإن لم يظنه صيدا لم يبح صيده؛ لأن صحة قصده تبنى على ظنه، سواء كان الذي ~~رآه صيدا، أو لم يكن. # الشرط السادس: أن يجرح الصيد، فإن قتله بخنقه، أو صدمته لم يحل لأنه قتله ~~بغير جرح، أشبه ما لو رمى بالبندق والحجر. # وقال ابن حامد: يباح لعموم قوله تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم} ~~[المائدة: 4] وعموم الخبر. # الشرط السابع: أن يختص السباع، وهو ترك الأكل من الصيد، وفيه روايتان: # إحداهما: هو شرط، فمتى أكل الجارح من الصيد لم يحل، لما روى عدي بن حاتم ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «فإذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم ~~الله عليه فكل ما أمسك عليك، وإن قتل إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل ~~فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه» متفق عليه. # PageV01P553 # والثانية: لا يحرم، لما روى أبو ثعلبة قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه فكل وإن أكل» ~~رواه أبو داود. والأولى أولى؛ لأن حديثنا أصح، ولا يحرم المتقدم من صيوده؛ ~~لأنها وجدت مع اجتماع شروط التعلم فيه، فلا تحريم بالاحتمال، وإن شرب من دم ~~الحيوان، لم يحرم رواية واحدة؛ لأنه لم يأكل، ولأن الدم لا ينفع الصائد، ~~فلا يخرج بشربه عن أن يكون ممسكا على صائده. # فصل: # وما أصاب فم الكلب، وجب غسله سبعا إحداهن بالتراب، كغيره من المحال ~~ويحتمل أن لا يجب؛ لقوله تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة: 4] ولم ~~يأمر بالغسل، ولأنه يشق إيجاب غسله فسقط. # فصل: # ويباح الصيد بغير الحيوان؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي ~~ثعلبة: «ما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل» ولأن أبا قتادة شد على حمار ~~وحشي فقتله، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما هي طعمة أطعمكموها ~~الله» متفق عليهما. فما كان محددا كالسهم والسيف، حل ما قتل به إذا ms0413 اجتمعت ~~الشروط، كالمعلم من الجوارح، وما لم يكن محددا كالشباك، والأشراك والعصي ~~والحجارة والبندق، فما أدرك ذكاته حل، وما لم يدرك ذكاته لم يحل، كغير ~~المعلم؛ لأنه لم يقتل بجروحه، فيكون قتيله منخنقة أو موقوذة. ولو قتل ~~المحدد الصيد بعرضه أو ثقله لم يبح لذلك، ولما روى عدي قال: «سئل رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - عن صيد المعراض، فقال: ما خزق فكل، وما قتل بعرضه ~~فهو وقيذ فلا تأكل» متفق عليه. ولو نصب المناجل لصيد وسمى، فجرحت الصيد ~~وقتلته أبيح لأنها آلة محددة فأشبهت السهم، ولو وقع السهم على الأرض ثم وثب ~~فقتل الصيد، أو أعانته الريح، ولولاها ما وصل حل لحديث أبي ثعلبة. # فصل: # إذا اجتمع في الصيد مبيح ومحرم، مثل أن يقتله بمثقل ومحدد، أو بسهم ~~مسموم، أو بسهم مسلم، وبسهم مجوسي، أو سهم غير مسمى عليه، أو كلب مسلم وكلب ~~مجوسي، أو غير مسمى عليه، أو غير معلم، أو اشتركا في إرسال الجارحة عليه، ~~أو وجد مع كلبه كلبا لا يعرف مرسله، أو لا يعرف حاله، أو وجد مع سهمه سهما ~~كذلك لم يبح الصيد؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أرسلت كلبك ~~وسميت فكل وإن وجدت معه غيره فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك ولم تسم على ~~الآخر» ولأن # PageV01P554 # الأصل الحظر، فإذا شككنا في المبيح رد إلى أصله. وإن علم أن كلبه أو سهمه ~~القاتل دون الآخر، مثل أن يجرح في المقتل، والآخر في غيره، أو يكون الآخر ~~رد عليه الصيد أبيح لعدم الاشتباه، وكذلك إن علم أن شريك كلبه أو سهمه مما ~~يباح صيده حل لذلك. ولو خرج الصيد، فوقع في ماء، أو تردى ترديا يقتله لم ~~يبح لذلك. وقد روى عدي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا رميت ~~الصيد، فوجدته بعد يوم أو يومين، ليس به إلا أثر سهمك فكل، وإن وجدته غريقا ~~في الماء فلا تأكل» متفق عليه. # فصل: # ولو صاد المسلم بكلب المجوسي حل، وعنه: لا يحل؛ ms0414 لقول الله تعالى: {وما ~~علمتم من الجوارح} [المائدة: 4] . والأول المذهب؛ لأن هذا آلة فأشبه ما لو ~~صاد بقوسه وسهمه. ولو صاد المجوسي بكلب مسلم لم يبح، كما لو صاد بقوسه. # فصل: # وإن رمى صيدا، أو أرسل كلبه عليه، فغاب عنه، ثم وجده ميتا وسهمه فيه، أو ~~وجده مع كلبه ولا أثر به، يحتمل أن يقتله غيره حل، لحديث عدي، وعنه: إن غاب ~~نهارا حل، وإن غاب ليلا لم يحل. # وعنه: إن غاب يسيرا أكله، وإن غاب كثيرا لم يأكله؛ لأنه يروى عن ابن عباس ~~- رضي الله عنهما -، والأول أولى للخبر، ولأنه قد وجد سبب إباحته يقينا، ~~والمعارض مشكوك فيه، فلا يزول عن اليقين بالشك. وإن شك في سهمه، أو من قتل ~~به، أو وجد به أثر يحتمل أنه قتله، أو وجد غريقا لم يبح للخبر، ولأنه شك في ~~حله فوجب رده إلى أصله. # فصل: # إذا أدرك الصيد، وفيه حياة غير مستقرة، فتركه حتى مات حل لأن عقره قد ~~ذبحه، وكذلك إن لم يبق من الزمان ما يتمكن من ذبحه فيه، وإن وجد فيه حياة ~~مستقرة في زمن يمكن ذبحه فيه، فلم يذبحه حتى مات لم يحل لأنه صار مقدورا ~~على ذبحه، فلم يبح بغيره، كغير الصيد، فإن لم يكن معه ما يذكيه به، ففيه ~~روايتان: # إحداهما: لا يباح لذلك. # والثانية: يرسل عليه صائده حتى يقتله فيحل، اختارها الخرقي. لأنه صيد ~~قتله صائده قبل إمكان ذبحه، فأشبه الذي قتله قبل إدراكه. # PageV01P555 # فصل: # إذا ضرب صيدا فأبان منه عضوا، وبقيت فيه حياة مستقرة، فالعضو حرام لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما أبين من حي فهو ميت» رواه أبو داود. وإن ~~قطعه نصفين أو قطع رأسه، حل جميعه؛ لأنه مات بضربته، وإن قطع منه عضوا وبقي ~~في سائره حياة غير مستقرة حل جميعه؛ لأنها ذكاة لبعضه فكانت ذكاة لجميعه، ~~كما لو أبان رأسه. وقد استحسن أبو عبد الله - رضي الله عنه - قول الحسن: لا ~~بأس بالطريدة، قال أبو عبد الله: الطريدة: الغزال، ms0415 يمر بالعسكر فيضربه ~~القوم بأسيافهم، فيأخذ كل واحد منهم قطعة. قال الحسن: ما زال الناس يفعلون ~~ذلك في مغازيهم، وعن أبي عبد الله - رضي الله عنه -: أنه لا يؤكل منه ما ~~أبين في حياته، يؤكل سائره، للخبر. وإن بقي معلقا بجلده حل رواية واحدة؛ ~~لأنه متصل بجملته، أشبه سائر أعضائه. # فصل: # وإذا أثبت الصيد برميته أو شبكته أو غيرهما من آلات الصيد ملكه، فإن ~~انفلت من الشبكة زال ملكه عنه؛ لأنه لم يستقر، فزال بانفلاته، فإن أخذ ~~الشبكة معه، فصاده آخر رد الشبكة على صاحبها، وملك الصيد إلا أن يكون غير ~~ممتنع بها، فيكون لصاحبها؛ لأنها التي أمسكته. ومن أمسك صيدا، واستقرت يده ~~عليه ثم انفلت لم يزل ملكه عنه لأن اليد استقرت عليه، فلم تزل عنه بانفلاته ~~كبهيمة، فإن أرسله، وقال: قد أعتقتك، لم يزل ملكه عنه؛ لأنه ليس بمحل ~~للعتق. # فصل: # وإن أثبت الصيد بسهمه، فرماه آخر فقتله حرم؛ لأنه صار مقدورا عليه، فلم ~~يبح بغير الذبح، وعلى الثاني قيمته مجروحا لصاحبه؛ لأنه أتلفه عليه إلا أن ~~يكون سهم الثاني ذبحه فيحل؛ لأنه ذكاه، فإن ادعى كل واحد منهما أنه الأول ~~حلف كل واحد منهما، وبرئ من الضمان؛ لأن الأصل براءة ذمته، وإن اتفقا على ~~السابق، وأنكر الثاني كون الأول أثبته، فالقول قوله؛ لأن الأصل بقاء ~~امتناعه، ويحرم على الأول اعترافه بتحريمه، ويحل للثاني. وإن رمياه فوجداه ~~مثبتا، لم يعلما من أثبته منهما، فهو بينهما، وإن وجداه ميتا، ولم يعلما هل ~~أثبته الأول أم لا؟ حل؛ لأن الأصل بقاء امتناعه والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | باب ما يحل وما يحرم من الحيوان # باب ما يحل ويحرم الحيوان ثلاثة أقسام: أهلي، فيباح منه بهيمة الأنعام؛ ~~لقول الله تعالى: # PageV01P556 # {أحلت لكم بهيمة الأنعام} [المائدة: 1] والخيل كلها، لما روى جابر قال: ~~«نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في ~~لحوم الخيل» . وقالت أسماء: «نحرنا فرسا على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، فأكلناه، ونحن بالمدينة» . متفق ms0416 عليهما، والدجاج لما روى أبو موسى، ~~قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأكل لحم الدجاج» . متفق ~~عليه. والإوز والبط؛ لأنها طيبات، فتدخل في قوله تعالى: {أحل لكم الطيبات} ~~[المائدة: 4] وتحرم الحمر، لحديث جابر. والبغال؛ لأنها متولدة منها، ~~والمتولد بين الوحشي والأهلي كذلك، وما تولد بين حلال وحرام، كالسمع ~~والعسبار كذلك. وتحرم الكلاب والسنانير؛ لأنها من السباع، وتأكل الخبائث. # فصل: # القسم الثاني: الوحشي، فيباح منه الحمر، لحديث أبي قتادة. والأرانب، لما ~~روى أنس «أنه أخذ أرنبا، فذبحها أبو طلحة، وبعث بوركها إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقبله» . متفق عليه. والضباع لما روى جابر قال: «سألت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الضبع، فقال: هو صيد ويجعل فيه كبش إذ ~~صادفه المحرم» . رواه أبو داود والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح. # والضباب، لما روى ابن عباس قال: «أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بضب، ~~فرفع يده فقلت أحرام هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي، ~~فأجدني أعافه فاحتزه خالد فأكله، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر ~~إليه» متفق عليه. # ويباح البقر والظباء والنعام والأوبار واليرابيع؛ لأنها مستطابة، قضت ~~الصحابة فيها بالجزاء على المحرم، وتباح الزرافة، نص عليه؛ لأنها من ~~الطيبات المستحسنات. # وعنه في اليربوع: أنه محرم؛ لأنه يشبه الفأرة، وفي الثعلب روايتان: # إحداهما: يحرم؛ لأنه من السباع. # والثانية: يحل؛ لأنه يفدى من الإحرام، وفي سنور البر روايتان لذلك. # ويباح من الطير الحمام وأنواعه، والعصافير والقنابر والحجل والقطا، ~~والحبارى والكركي، والكروان، وغراب الزرع، والزاغ وأشباهها مما يلتقط الحب، ~~أو يفدى من الإحرام، وقد روى سفينة قال: «أكلت مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لحم حبارى» . رواه أبو داود. # وفي الهدهد والصرد روايتان: # إحداهما: يباح؛ لأنها تشبه المباح. # والثانية: يحرم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن قتل الهدهد ~~والصرد» رواه أبو داود وابن ماجه. وكل طير لا يصيد بمخلبه، ولا يأكل الجيف، ~~ولا يستخبث، فهو حلال. # PageV01P557 # فصل: # يحرم الخنزير، لنص الله تعالى على ms0417 تحريمه، وكل ذي ناب من السباع، كالكلب ~~والأسد والفهد، والنمر والذئب، وابن آوى والنمس، وابن عرس، والفيل والقرد، ~~لما روى أبو ثعلبة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كل ذي ناب من ~~السباع» . متفق عليه. وتحريم سباع الطير، كالعقاب والبازي والصقر والشاهين، ~~والحدأة والبومة، لما روى ابن عباس - رضي الله عنه - قال: «نهى رسول الله ~~عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير» رواه مسلم وأبو داود. # ويحرم ما يأكل الجيف، كالنسر والرخم، وغراب البين، والأبقع والعقعق؛ ~~لأنها مستخبثة لأكلها الخبائث، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خمس ~~فواسق يقتلن في الحل والحرم» ذكر منها الحدأة والغراب. وما أبيح قتله، لم ~~يبح أكله. # وتحرم الخبائث كلها، كالفأر والجراذين والأوزاغ والعظا والورل، والقنفذ ~~والحرباء والصراصير والجعلان والخنافس والحيات والعقارب والدود والوطواط ~~والخفاش والزنابير واليعاسيب والذباب والبق والبراغيث والقمل وأشباهها؛ ~~لقول الله تعالى: {ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] وقد روى أبو هريرة ~~«أن القنفذ ذكر عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: هو خبيثة من ~~الخبائث» رواه أبو داود. وما لم يذكره يرد إلى أقرب الأشياء شبها به، فيلحق ~~به بالإباحة والتحريم؛ لأن القياس حجة، وما لم يكن شبيها بشيء منها فهو ~~حلال؛ لقول الله تعالى: {خلق لكم ما في الأرض جميعا} [البقرة: 29] . خرج من ~~عمومها ما قام الدليل على تحريمه، والباقي يبقى على الأصل. # فصل: # القسم الثالث: حيوان البحر يباح جميعه؛ لقول الله تعالى: {أحل لكم صيد ~~البحر وطعامه} [المائدة: 96] إلا الضفدع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~نهى عن قتلها، ولأنها مستخبثة. وكره أحمد - رضي الله عنه - التمساح؛ لأنه ~~ذو ناب، فيحتمل أنه محرم؛ لأنه سبع ويحتمل أنه مباح للآية. وقال ابن حامد: ~~يحرم الكوسج؛ لأنه ذو ناب، وقال أبو علي النجاد: لا يؤكل من البحري ما يحرم ~~نظيره في البر، ككلب الماء وخنزيره وإنسانه، والأول أولى. وقد قال أحمد - ~~رضي الله عنه - في كلب الماء: يذبحه، وركب الحسن بن علي على سرج عليه ms0418 جلد ~~كلب ماء. # PageV01P558 # فصل: # وكره أحمد لحوم الجلالة وألبانها. # قال القاضي: هي أكثر علفها النجاسة، فإن كان أكثره الطاهر فليست جلالة، ~~قال: ولحمها ولبنها حرام. وفي بيضها روايتان. # وقال ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى إن أكلها غير محرم، لعموم قوله ~~تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} [المائدة: 1] . والأولى ظاهر المذهب، لما ~~روى ابن عمر قال: «نهى رسول الله الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكل ~~الجلالة وألبانها» . رواه أبو داود. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ~~«نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الإبل الجلالة أن يؤكل لحمها، ~~ولا يشرب لبنها، ولا يحمل عليها إلا الأدم، ولا يركبها الناس حتى تعلف ~~أربعين ليلة» . رواه الخلال ويزول تحريمها، وكراهتها بحبسها عن أكل ~~النجاسات ويحبس البعير أربعين ليلة للخبر والبقرة في معناه، ويحبس الطائر ~~ثلاثا لأن ابن عمر - رضي الله عنه - كان إذا أراد أكلها حبسها ثلاثا. # وعن أحمد: أن الجميع يحبس ثلاثا لخبر ابن عمر. # فصل: # وما سقي من الزروع والثمار بالنجاسات أو سمد بها نجس، كالجلالة؛ لأنه ~~يتغذى بالنجاسات، وتترقى فيه أجزاؤها، فأشبه الجلالة، ويطهر بسقيها ~~بالطهارات، كالجلالة إذا أكلت الطهارات. # فصل: # وتحرم الميتة والدم للآية، وتحرم النجاسات كلها؛ لأنها من الخبائث، وتحرم ~~السموم المضرة، كما يحرم عليه إتلاف شيء من جسده. # فصل: # فإن اضطر إلى شيء مما حرم عليه، أبيح تناوله؛ لقول الله تعالى: {إلا ما ~~اضطررتم إليه} [الأنعام: 119] وفي قدر ما يباح روايتان: # PageV01P559 # إحداهما: قدر ما يسد رمقه، اختارها الخرقي؛ لأنه يخرج بأكله عن كونه ~~مضطرا، فتزول الإباحة بزواله. # والثانية: له الشبع؛ لأنه طعام جاز له سد الرمق منه، فجاز له الشبع، ~~كالحلال. # وهل يجب عليه أكل ما يسد رمقه، فيه وجهان: # أحدهما: يجب لقول الله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] . # والثاني: لا يجب؛ لأنه تجنب ما حرم عليه. وقد روي عن عبد الله بن حذافة ~~صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ملك الروم حبسه، ومعه لحم خنزير ~~مشوي، وماء ممزوج بخمر ms0419 ثلاثة أيام، فأبى أن يأكله، وقال: لقد أحله الله لي، ~~ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام، ومن اضطر إلى طعام من ليس به مثل ضرورته ~~لزمه بذله له؛ لأن في منعه منه إعانة على قتله، وإن بذله بثمن مثله لمن ~~يقدر على ثمنه لزمه أخذه، ولم تحل له الميتة؛ لأنه غير مضطر، وإن امتنع من ~~بذله إلا بأكثر من ثمن مثله فاشتراه به لم يلزمه إلا ثمن مثله؛ لأنه اضطر ~~إلى بذل الزيادة بغير حق، فلم يلزمه كالمكره، وإن منعه منه بالكلية فله ~~قتاله عليه؛ لأنه صار أحق به من مالكه وإن وجد المضطر ميتة، وطعاما لغائب، ~~فطابت نفسه بأكل الميتة فهي أولى؛ لأن إباحتها ثبتت بالنص، فكانت أولى مما ~~ثبت بالاجتهاد، وإن لم تطب نفسه بأكلها أكل طعام الغير؛ لأنه مضطر إليه. # وإن وجد المحرم ميتة وصيدا فكذلك؛ لأن المحرم إذا ذبح الصيد صار ميتة، ~~ولزمه الجزاء، فيجتمع فيه تحريمان، ومن لم يجد إلا آدميا معصوما لم يبح له ~~قتله؛ لأنه لا يحل وقاية نفسه بأخيه، ولا يحل له قطع شيء من نفسه ليأكله؛ ~~لأنه يتلفه يقينا ليحصل ما هو موهوم. وإن وجد آدميا مباح الدم، فله قتله ~~وأكله؛ لأن إتلافه مباح، وإن وجد ميتا معصوما، فالأولى إباحته، لدخوله في ~~عموم الآية؛ ولأن فيه حفظ الحي، فأشبه غير المعصوم، اختار هذا أبو الخطاب. # وقال غيره من أصحابنا: لا يباح؛ لأن كسر عظم الميت ككسر عظم الحي، وإن ~~وجد المضطر خمرا لم يبح شربها؛ لأنها لا تدفع جوعا ولا عطشا، ولا فيها ~~شفاء، لما روت أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله لم ~~يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» وإن وجد ماء ممزوجا بخمر يدفع العطش فله الشرب ~~منه؛ لأنه يدفع به الهلاك. # وإن غص بلقمة، ولم يجد مائعا يدفعها به، وخاف الهلاك فله دفعه بها لأنه ~~يحصل بها. # PageV01P560 # فصل: # ومن مر بثمرة لا حائط لها، ولا ناطر، ففيه ثلاث روايات: # إحداهن: أنه يأكل ولا يحمل، لما ms0420 روي عن أبي زينب، قال: سافرت مع أنس بن ~~مالك، وعبد الرحمن بن سمرة، وأبي برزة، فكانوا يمرون بالثمار، فيأكلون في ~~أفواههم. وقال عمر: يأكل ولا يتخذ خبنة. # والثانية: يباح ما سقط، ولا يرمي بحجر ولا يضرب، لما روى رافع أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ترم وكل ما وقع» حديث صحيح. # والثالثة: له الأكل إن كان جائعا، ولا يأكل إن لم يكن جائعا، لما روى ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه سئل عن ~~الثمر المعلق، فقال: ما أصاب منه ذي الحاجة، غير متخذ خبنة، فلا شيء عليه، ~~ومن خرج منه بشيء فعليه غرامة مثليه، والعقوبة» هذا حديث حسن وفي الزرع ~~روايتان: # إحداهما: هو كالثمرة؛ لأن العادة جارية بأكل الفريك والباقلاء ونحوهما. # والثانية: لا يباح؛ لأن الفاكهة خلقت للأكل رطبة والنفوس إليها أميل ~~بخلاف الزرع، وما كان محوطا أو له ناطر، فليس له الدخول بحال؛ لقول ابن ~~عباس: إذا كان عليها حائط، فهو حريم، فلا تأكل، وإن لم يكن حائط فلا بأس. # وفي لبن الماشية روايتان: # إحداهما: هو كالثمرة، لما روى الحسن عن سمرة أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «إذا أتى أحدكم على ماشية فيها صاحبها، فليستأذنه فإن أذن، ~~فليحتلب وليشرب وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثا، فإن لم يجب، فليحتلب وليشرب، ~~ولا يحمل» حديث صحيح. # والثانية: لا يحل له الحلب؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه» متفق عليه. # PageV01P561 ### | كتاب البيع # بسم الله الرحمن الرحيم # كتاب البيع البيع حلال، لقول الله تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة: ~~275] . وهو نوعان. # أحدهما: الإيجاب والقبول، فيقول البائع: بعتك أو ملكتك أو لفظا بمعناهما، ~~ثم يقول المشتري: ابتعت أو قبلت أو نحوهما، فإن تقدم القبول الإيجاب بلفظ ~~الماضي، فقال: ابتعت هذا منك بكذا، فقال: بعتك صح، لأن المعنى حاصل، فأشبه ~~التعبير بلفظ آخر، وإن تقدم بلفظ الطلب، فقال: بعني، فقال: بعتك صح، لأنه ~~تقدم ms0421 القبول، أشبه لفظ الماضي. # وعنه: لا يصح، لأنه لو تأخر عن الإيجاب لم يصح، فلم يصح متقدما، كلفظ ~~الاستفهام. وإن أتى بلفظ الاستفهام، فقال: أبعتني ثوبك؟ فقال: بعتك، لم يصح ~~متقدما، ولا متأخرا، لأنه ليس بقبول ولا استدعاء. # الثاني: المعاطاة مثل أن يقول: أعطني بهذا خبزا، فيعطيه ما يرضيه، أو ~~يقول: خذ هذا الثوب بدينار، فيأخذه فيصح، لأن الشرع ورد بالبيع، وعلق عليه ~~أحكاما، ولم يعين له لفظا، فعلم أنه ردهم إلى ما تعارفوه بينهم بيعا، ~~والناس في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك. وحكي عن القاضي: أنه يصح في الأشياء ~~اليسيرة دون الكثيرة، لأن العرف إنما جرى به في اليسير، والحكم في الهبة ~~والهدية والصدقة، كالحكم في البيع، وذلك لاستواء الجميع في المعنى. # فصل # ويشترط له الرضى، لقول الله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} ~~[النساء: 29] # PageV02P003 # إلا فيما يجب، فإن أكره على بيع غير واجب، لم يصح لعدم الرضى المشترط، ~~وإن أكره على بيع واجب صح، لأنه قول حمل عليه بحق، فصح كإسلام المرتد. ولا ~~يصح من غير عاقل، كالطفل والمجنون والسكران، والنائم والمبرسم، لأنه قول ~~يعتبر له الرضى، فلم يصح من غير عاقل كالإقرار. ### | باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز # كل عين مملوكة يباح نفعها واقتناؤها من غير ضرورة يجوز بيعها، كالمأكول ~~والمشروب، والملبوس والمركوب، والعقار والعبيد والإماء، لقوله تعالى {وأحل ~~الله البيع} [البقرة: 275] . وقد «اشترى النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~جابر بعيرا» ، «ومن أعرابي فرسا» . «ووكل عروة بن الجعد في شراء شاة» ، ~~وباع مدبرا وحلسا وقدحا، وأقر أصحابه على بيع هذه الأعيان وشرائها. # ويجوز بيع دود القز وبزره، لأنه منتفع به، وبيع النحل في كوارته ومنفردا ~~عنها إذا رئي وعلم قدره، وبيع الطير الذي يقصد صوته كالهزار والبلبل ~~والببغة، لأنه يشتمل على منفعة مباحة، أشبه الأنعام. ويجوز بيع الهر وسباع ~~البهائم، والطير التي تصلح للصيد، كالفهد والبازي ونحوهما غير الكلب في ~~إحدى الروايتين، وهي اختيار الخرقي والأخرى: لا يجوز وقال أبو بكر وابن أبي ~~موسى: ms0422 لا يجوز بيعها لنجاستها، فأشبهت الكلب والأول أصح، لأنه حيوان أبيح ~~نفعه واقتناؤه من غير وعيد في جنسه، فجاز بيعه، كالحمار وبهذا يبطل ما ~~ذكراه ويجوز بيع الجحش الصغير، والفهد الصغير، وفرخ البازي، لأنه يصير إلى ~~حال ينفع، فأشبه طفل العبيد. وما ينفع من بيض الطير لمصيره فرخا فهو كفرخه، ~~لأن مآله إلى النفع. # وقال القاضي: لا يجوز بيعه، لعدم نفعه في الحال. قال أحمد: أكره بيع ~~القرد، قال ابن عقيل: هذا محمول على بيعه للإطافة به واللعب وأما بيعه لحفظ ~~المتاع فيجوز، لأنه منتفع به. وقال أحمد: أكره بيع لبن الآدميات، فيحتمل ~~التحريم، لأنه مائع خارج من آدمية، أشبه العرق ويحتمل كراهية التنزيه، لأنه ~~طاهر منتفع به، أشبه لبن الشاة. # فصل: # ويجوز بيع العبد المرتد، لأنه مملوك منتفع به، وخشية هلاكه لا يمنع بيعه ~~كالمريض، فإن علم المشتري حاله، فلا شيء له، لأنه رضي بعيبه، وإن لم يعلم ~~فله # PageV02P004 # الرد أو الأرش، قتل أو أسلم كالمعيب. ويصح بيع العبد الجاني عمدا أو خطأ ~~على النفس أو ما دونها، لأنه حق تعلق برقبته غير متحتم، فأشبه القتل ~~بالردة، فإن كانت الجناية موجبة للقصاص فهي كالردة، وإن كانت موجه للمال ~~فهو على السيد، لأنه رضي بالتزام ما عليه، فإن كان معسرا فللمجني عليه رقبة ~~العبد، إن شاء فسخ العقد ورجع به، وإن شاء رجع على البائع بالأرش. وإن كان ~~قاتلا في المحاربة، فكذلك في قول بعض أصحابنا، لأنه ينتفع به إلى قتله ~~ويعتقه، فيجر ولاء ولده، فصح بيعه كالزمن وحكمه حكم المرتد. # وقال القاضي: لا يصح بيعه، لأنه متحتم القتل، فلا منفعة فيه، فأشبه ~~الميت. # فصل: # وفي بيع رباع مكة وإجارتها روايتان: # إحداهما: يجوز لأن عمر - رضي الله عنه - اشترى من صفوان بن أمية دارا ~~بأربعة آلاف، واشترى معاوية من حكيم بن حزام دارين بمكة، ولأنها أرض حية لم ~~ترد عليها صدقة محرمة، فجاز بيعها كغيرها. # والثانية: لا يجوز، لأنها فتحت عنوة، ولم تقسم بين الغانمين، فصارت وقفا ~~على المسلمين، فحرم ms0423 بيعها كسواد العراق. # والدليل على فتحها عنوة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله حبس ~~عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنما أحلت لي ساعة من نهار» . ~~متفق عليه. وقالت أم هانئ: «يا رسول الله إني أجرت حموين لي، فزعم ابن أم ~~هانئ علي أنه قاتلهما، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: قد أجرنا من ~~أجرت» حديث صحيح وقتل ابن خطل ومقيس بن صبابة، ولو فتحت صلحا لم يجز قتل ~~أهلها. # فصل: # ولا يجوز بيع الشام، وسواد العراق ونحوهما مما فتح عنوة، لأن عمر - رضي ~~الله عنه - وقفه على المسلمين، وأقره في يد أربابه بالخراج الذي ضربه يكون ~~أجرة له في كل عام، ولم يقدر مدتها لعموم المصلحة فيها، وقد اشتهر ذلك في ~~قصص نقلت عنه. # PageV02P005 # وعن أحمد: أنه كره بيعها، لأنه يأخذ ثمن الوقف، وأجاز شراءها، لأنه ~~كالاستنقاذ لها، فجاز كشراء الأسير، وتجوز إجارتها لأنها مستأجرة في يد ~~أربابها، وإجارة المستأجر جائزة، فأما المساكن في المدائن فيجوز بيعها، لأن ~~الصحابة - رضي الله عنهم - اقتطعوا الخطط في الكوفة والبصرة في زمن عمر - ~~رضي الله عنه -، وبنوها مساكن، وتبايعوها من غير نكير فكان إجماعا. # فصل: # قال أحمد: لا أعلم في بيع المصحف رخصة، ورخص في شرائه وقال: هو أهون، ~~وذلك لأن ابن عمر وابن عباس وأبا موسى كرهوا بيعه، ولأنه يشتمل على كلام ~~الله تعالى، فيجب صيانته عن الابتذال، والشراء أسهل، لأنه استنقاذ له فلم ~~يكره كشراء الأسير. وقال أبو الخطاب: يجوز بيعها مع الكراهة، وفي شرائها ~~وإبدالها روايتان، فإن بيعت لكافر لم يصح رواية واحدة، لأن «النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نهى على المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله ~~أيديهم» حديث صحيح متفق عليه فلم يجز تمليكهم إياه، وتمكينهم منه، ولأنه ~~يمنع من استدامة ملكه، فمنع ابتداء، كنكاح المسلمة. # فصل: # ولا يجوز بيع الخمر والميتة، والخنزير والأصنام. لما روى جابر قال: سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «إن الله ورسوله حرم بيع الخمرة ~~والميتة، ms0424 والخنزير والأصنام» متفق عليه. # ولا يجوز بيع ما لا نفع فيه، كالحشرات، وسباع البهائم، والطير التي لا ~~يصاد بها، وما لا يؤكل من الطير، ولا بيضه، لأنه لا نفع فيها، فأشبهت ~~الخنزير. ولا يجوز بيع الحر لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «قال ~~الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ذكر منهم رجلا باع حرا، فأكل ~~ثمنه» . رواه البخاري. ولا يجوز بيع ما ليس بمملوك، كالمباحات قبل حيازتها، ~~لأنها غير مملوكة أشبهت الحر. ولا يجوز بيع الدم، ولا السرجين النجس، لأنه ~~مجمع على تحريمه، ونجاسته، أشبه الميتة. ولا يجوز بيع شحم الميتة، لأنه ~~منها. وفي حديث جابر قيل: «يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة؟ فإنه تدهن بها ~~الجلود، وتطلى بها السفن، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو # PageV02P006 # حرام» . متفق عليه وما نجس من الأدهان كالزيت، فظاهر المذهب تحريم بيعها ~~قياسا على شحم الميتة، ولقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إن الله ~~إذا حرم شيئا حرم ثمنه» رواه أبو داود وعنه: يباع لكافر، ويعلم بحاله، لأنه ~~يعتقد حله. وفي جواز الاستصباح بها روايتان: # إحداهما: لا يجوز لأنه دهن نجس، أشبه شحم الميتة. # والثانية: يجوز، لأنه أمكن الانتفاع بها من غير ضرر، أشبه الانتفاع ~~بالجلد اليابس. قال أبو الخطاب: ويتخرج على جواز الاستصباح بها جواز بيعها. ~~قال القاضي: ولا تطهر بالغسل، لأنه لا يتأتى فيها العصر، ويتخرج أنها تطهر ~~بصبها في ماء كثير، ثم تترك حتى تطفو فتؤخذ، والعصر: إنما يعتبر فيما يتأتى ~~العصر فيه، بدليل الخشب والأحجار، اختاره أبو الخطاب، فأما غير الأدهان، ~~كالخل، واللبن، فلا تطهر وجها واحدا. # فصل: # ولا يجوز بيع الكلب، وإن كان معلما، لما روى أبو مسعود الأنصاري، «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب» ، وقال «ثمن الكلب ~~خبيث» متفق عليهما. ولا غرم على قاتله، لأنه لا قيمة له، وقد أساء من قتل ~~كلبا يباح اقتناؤه، ولا يباح اقتناء كلب، إلا لصيد، أو حفظ ماشية، أو حرث، ~~لما روى أبو هريرة ms0425 عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «من اتخذ كلبا ~~إلا كلب ماشية، أو صيد، أو زرع نقص من أجره كل يوم قيراط» متفق عليه. ويجوز ~~تربية الجرو الصغير لذلك، لأنه قصد به ما يباح، فيأخذ حكمه، كالجحش الصغير، ~~ولأنه لو لم يقتن غير المعلم، لم يمكن تعليمه، وتعذر اقتناء المعلم وفيه ~~وجه آخر، أنه لا يجوز اقتناؤه، لأنه ليس من الثلاثة، فإن اقتنى كلب الصيد، ~~من لا يصيد به جاز للحديث. وفيه وجه آخر أنه لا يجوز، لأن اقتناءه لغير ~~حاجة أشبه من اقتناه للماشية، ولا ماشية له. # فصل: # ولا يجوز بيع معدوم، لما روى أبو هريرة: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- نهى عن بيع الغرر» # PageV02P007 # رواه مسلم. # وبيع المعدوم بيع غرر، ولأن تحريم بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، تنبيه على ~~تحريم بيعها قبل وجودها، فلا يجوز بيع الثمرة قبل خلقها، ولا بيع الماء ~~العد الذي له مادة، كماء العيون والآبار، لأنه بيع لما يتجدد، وهو في الحال ~~معدوم. # فصل: # ولا يجوز بيع ما لا يقدر على تسليمه، كالطير في الهواء، والسمك في الماء، ~~والعبد الآبق، والجمل الشارد، والفرس العائر، والمغصوب في يد الغاصب، لحديث ~~أبي هريرة. وقال ابن مسعود: لا تشتروا السمك في الماء، فإنه غرر. ولأن ~~القصد بالبيع تمليك التصرف، ولا يمكن ذلك فيما لا يقدر على تسليمه، فإن باع ~~طيرا له في برج مغلق الباب، أو سمكا له في بركة معدة للصيد وكان معروفا ~~بالرؤية مقدورا على تناوله بلا تعب جاز بيعه، لعدم الغرر فيه. وإن اختل بعض ~~ذلك لم يجز. وإن باع الآبق لقادر عليه، أو المغصوب لغاصبه، أو لقادر على ~~أخذه منه جاز لذلك وإلا فلا. # فصل: # ولا يجوز بيع ما تجهل صفته، كالحمل في البطن، واللبن في الضرع والبيض في ~~الدجاج، والنوى في التمر، لحديث أبي هريرة: وروى ابن عمر «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نهى عن بيع المجر» والمجر: شراء ما في الأرحام. وعن أبي ~~هريرة: «أن النبي - صلى ms0426 الله عليه وسلم - نهى عن بيع المضامين والملاقيح» ~~قال أبو عبيدة: الملاقيح: ما في البطون، وهي الأجنة، والمضامين: ما في ~~أصلاب الفحول. وما سواه يقاس عليه. وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~نهى أن يباع صوف على ظهر، أو لبن في ضرع» رواه ابن ماجة. # وعنه: في بيع الصوف على الظهر روايتان: # إحداهما: لا يجوز للخبر، ولأنه متصل بالحيوان فلم يجز إفراده بالبيع، ~~كأعضائه. # والثانية: يجوز بشرط جزه في الحال، لأنه معلوم ممكن تسليمه، فجاز بيعه ~~كالزرع في الأرض. # PageV02P008 # فصل: # ولا يجوز بيع الأعيان من غير رؤية أو صفة يحصل بها معرفة المبيع في ظاهر ~~المذهب، لحديث أبي هريرة، ولأنه مجهول عند العاقد، فلم يصح بيعه، كالنوى في ~~التمر، فعلى هذا يشترط رؤية ما هو مقصود بالبيع، كداخل الثوب، وشعر ~~الجارية. وعنه: يجوز لأنه عقد معاوضة، فأشبه النكاح، فعلى هذا هل يثبت له ~~خيار الرؤية؟ فيه روايتان: # إحداهما: لا خيار له لأنه عقد معاوضة صح من الغيبة، فأشبه النكاح. # والثانية: يثبت له الخيار عند الرؤية في الفسخ والإمضاء، لأنه يروى عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «من اشترى ما لم يره فهو بالخيار إذا ~~رآه» ويكون خياره على الفور، للحديث، وقيل: يتقيد بالمجلس، لأنه خيار ثابت ~~بمقتضى العقد، فتقيد بالمجلس، كخيار المجلس، فإن اختار إمضاء العقد قبل ~~الرؤية لم يلزم، لأنه تعلق بالرؤية، ولأنه يؤدي إلى إلزام العقد في مجهول ~~الصفة. وإن اختار الفسخ انفسخ، لأن الفسخ يصح في مجهول الصفة، ويعتبر لصحة ~~العقد الرؤية من المتعاقدين جميعا، لأن الرضا معتبر منهما، فتعتبر الرؤية ~~التي هي مظنة له منهما جميعا. # فصل: # فإن رأيا المبيع، ثم عقدا بعد ذلك بزمن لا تتغير العين فيه صح في صحيح ~~المذهب. # وعنه: لا يصح، لأن ما كان شرطا يعتبر وجوده حال العقد كالشاهدة في ~~النكاح. # ولنا أنه معلوم عندهما، أشبه ما لو شاهداه حال العقد، أو اشترى منه دارا ~~كبيرة، وهو في طرفها، والشرط العلم، وهو مقارن للعقد، ثم إن وجد ms0427 المبيع لم ~~يتغير لزم، وإن وجده ناقصا فله الخيار لأن ذلك كالعيب، وإن اختلفا في ~~التغيير فالقول قول المشتري، لأن الثمن يلزمه، فلا يلزمه إلا ما اعترف به. ~~وإن عقدا بعد الرؤية بزمن يفسد فيه ظاهرا، لم يصح لأنه غير معلوم. وإن ~~احتمل الأمرين، ولم يظهر التغير فالعقد صحيح، لأنه الأصل سلامته. # فصل: # ويصح البيع بالصفة في صحيح المذهب إذا ذكر أوصاف السلم، لأنه لما عدمت ~~المشاهدة للمبيع وجب استقصاء صفاته كالسلم، وإذا وجد على الصفة لزم العقد، ~~وإن وجده على خلافها فله الفسخ، فإن اختلفا في التغير فالقول قول المشتري ~~لما ذكرناه. # PageV02P009 # وعنه: لا يصح البيع بالصفة، لأنه لا يمكن استقصاؤها. # والمذهب الأول، لأنه مبيع معلوم بالصفة، فصح بيعه كالمسلم فيه. وبيع ~~الأعمى، وشراؤه بالصفة كبيع البصير بها، فإن عدمت الصفة، وأمكنه معرفة ~~المبيع بذوق أو شم صح بيعه وإلا لم يصح، لأنه مجهول في حقه. # فصل: # ولا يجوز بيع عبد من عبيد ولا شاة من قطيع، ولا ثوب من أثواب ولا أحد ~~هذين العبدين، لأنه غرر، فيدخل في الخبر، ولأنه يختلف فيفضي إلى التنازع ~~ويجوز بيع قفيز من صبرة، ورطل زيت من دن أو ركوة، لأن أجزاءه لا تختلف، فلا ~~يفضي إلى التنازع، فإن باع جريبا من ضيعة يعلمان جربانها صح، وكان المبيع ~~مشاعا منها، وإن كانت عشرة أجربة فالمبيع عشرها، وإن لم يعلما جربانها لم ~~يصح، لأنه لا يعلم قدره منها، فيكون مجهولا. # فصل: # وما لا تختلف أجزاؤه، كصبر الطعام، وزق الزيت، يكتفى برؤية بعضه، لأنها ~~تزيل الجهالة، لتساوي أجزائه، ولأنه تتعذر رؤية جميعه فاكتفي ببعضه كأساسات ~~الحيطان، وما تشق رؤيته، كالذي مأكوله في جوفه يكتفى برؤية ظاهره لذلك ~~وكذلك أساسات الحيطان وطي الآبار وشبهها ويجوز بيع الباقلا والجوز واللوز ~~في قشريه والحب في سنبله، لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع ~~الحب حتى يشتد» رواه أبو داود. فمفهومه جواز بيع المشتد، ولأنه مستور بما ~~خلق فيه فجاز بيعه، كالذي مأكوله في جوفه، ولأن قشره ms0428 الأعلى من مصلحته، ~~لأنه يحفظ رطوبته، وادخار الحب في سنبله أبقى له، فجاز بيعه فيه، كالسلت ~~والأرز، وما لا تشق رؤية جميعه ويشترط رؤية جميعه على ما أسلفناه. # فصل: # إذا قال: بعتك هذه الصبرة صح، وإن لم يعلم قدرها، لأن ابن عمر قال: «كنا ~~نبتاع الطعام من الركبان جزافا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» ~~. متفق عليه. ولأن غرر ذلك منتف بالمشاهدة فاكتفي بها. وإن باعه نصفها أو ~~ثلثها أو جزءا منها مشاعا صح لأن من عرف شيئا عرف جزأه. وإن قال: بعتكها كل ~~قفيز بدرهم صح، لأن المبيع معلوم بالمشاهدة، والثمن معلوم لإشارته إلى من ~~يعلم مبلغه بجهة، لا تتعلق بالمتعاقدين، وهو # PageV02P010 # كيل الصبرة فجاز كما لو باعه مرابحة لكل عشرة درهم. ولو قال: بعتك بعض ~~هذه الصبرة لم يصح، لأنه البعض مجهول. ولو قال: بعتك منها كل قفيز بدرهم لم ~~يصح، لأنه باعه بعضها، ولو قال: بعتكها على أن أزيدك قفيزا لم يصح، لأن ~~الزائد مجهول، فإن قال: على أن أزيدك قفيزا من هذه الأخرى صح لأن معناه ~~بعتكها وقفيزا من هذه، وإن قال على أن أزيدك من هذه أو أنقصك قفيزا لم يصح، ~~لأنه لا يدري أيزيده أم ينقصه، وإن قال: بعتكها كل قفيز بدرهم على أن أزيدك ~~قفيزا من هذه الأخرى، وهما يعلمان قدر قفزانها صح لأنهما إذا علماها عشرة، ~~فمعناه: بعتك كل قفيز، وعشرا بدرهم، وإن لم يعلما قدرها لم يصح لجهالة ~~الثمن، لأنه يصير قفيزا وشيئا لا يعلمان قدره بدرهم، لجهلهما بكمية ~~قفزانها، وكذلك إن قال: على أن أنقصك قفيزا. وإن جعلا للقفيز الزائد ثمنا ~~مفردا صح في الحالين. # فصل: # ويكتفى بالرؤية فيما لا تتساوى أجزاؤه، كالأرض والثوب، والقطيع من الغنم، ~~لما ذكرنا في الصبرة، وفيه نحو من مسائلها. ولو قال: بعتك من الدار من ~~هاهنا إلى هاهنا جاز، لأنه معلوم. وإن قال: عشرة أذرع ابتداؤها من هاهنا لم ~~يصح، لأنه لا يدري إلى أين ينتهي. ولو قال: بعتك نصف داري مما ms0429 يلي دارك لم ~~تصح، نص عليه لذلك. وإن قال: بعتك من هذا الثوب من أوله إلى هاهنا صح، لأنه ~~معلوم. وقال القاضي: إن كان ينقصه القطع لم يصح لعجزه عن التسليم إلا بضرر، ~~والأول أصح، لأن التسليم ممكن، والضرر لا يمنع الصحة إذا التزمه، كما لو ~~باعه نصفا مشاعا، أو نصف حيوان. # فصل: # ويشترط لصحة المبيع معرفة الثمن، لأنه أحد العوضين، فيشترط العلم به، ~~كالمبيع ورأس مال السلم. وإن باعه بثمن مطلق في موضع فيه نقد معين انصرف ~~إليه، وإن لم يكن فيه نقد معين لم يصح لجهالته. وإن باعه سلعة برقمها أو ~~بما باع به فلان، وهما لا يعلمان ذلك، أو أحدهما، أو بما ينقطع به السعر لم ~~يصح، لأنه مجهول. وإن قال: بعتك بألف درهم ذهبا وفضة لم يصح، لأنه لم يبين ~~القدر من كل واحد منهما. وإن باعه بعشرة نقدا أو بخمس عشرة نسيئة، أو بعشرة ~~صحاحا، أو بعشرين مكسرة لم يصح، لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ~~بيعتين في بيعة» حديث صحيح. # PageV02P011 # وهو هذا. ولأنه لم يعقد على ثمن بعينه، أشبه إذا قال: بعتك أحد هذين ~~العبدين. ويتخرج أنه يصح بناء على قوله في الإجارة، وقيل: معنى " بيعتين في ~~بيعة " أن يقول: بعتك هذا بمائة على أن تبيعني دارك بألف، أو على أن تصرفها ~~لي بذهب. وأيا ما كان فهو غير صحيح. وإن باع بثمن معين تعين، لأنه عوض، ~~فتعين بالتعيين، كالمبيع فعلى هذا إن وجده مغصوبا بطل العقد، وإن وجده ~~معيبا فرده انفسخ العقد لرد المعقود عليه، فأشبه رد المبيع. وعن أحمد: أن ~~الثمن لا يتعين إلا بالقبض، فتنعكس هذه الأحكام. وإن باعه بثمن في الذمة لم ~~يتعين، فإذا قبضه فوجده مغصوبا لم يبطل العقد، وإن رده لم ينفسخ، لأن الثمن ~~في الذمة. # فصل: # ولا يجوز بيع الملامسة والمنابذة، لما روى أبو سعيد الخدري «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيعتين: الملامسة والمنابذة» . والمنابذة: أن ~~يقول: إذا نبذت إلي هذا الثوب ms0430 فقد وجب البيع. والملامسة: أن يمسه بيده ولا ~~ينشره. متفق عليه. ولأنه إذا علق البيع على نبذ الثوب ولمسه، فقد علقه على ~~شرط، وهو غير جائز. وإذا باعه قبل نشره فقد باعه مجهولا، فيكون غررا ولا ~~يجوز بيع الحصاة، لما روى أبو هريرة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى ~~عن بيع الحصاة» . رواه مسلم. وهو أن يقول: ارم هذه الحصاة فعلى أي ثوب ~~وقعت، فهو لك بكذا. وقيل: هو أن يقول: بعتك من هذه الضيعة بقدر ما تبلغ هذه ~~الحصاة إذا رميتها بكذا. وكلاهما غير صحيح، لأنه غرر، ولا يجوز بيع حبل ~~الحبلة، لما روى ابن عمر قال: «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ~~حبل الحبلة» متفق عليه. قال أبو عبيدة: هو بيع ما يلد حمل الناقة. # وقيل: هو بيع السلعة بثمن إلى أن يلد حمل الناقة، وكلاهما لا يجوز، لأنه ~~على التفسير الأول: بيع معدوم مجهول، وعلى الثاني: بيع بثمن إلى أجل مجهول. ~~ولا يجوز تعليق البيع على شرط مستقبل كمجيء المطر، وقدوم زيد، وطلوع الشمس، ~~لأنه غرر، ولأنه عقد معاوضة فلم يجز تعليقه على شرط مستقبل، كالنكاح. # فصل: # ولا يجوز بيع العنب والعصير لمن يتخذه خمرا، ولا السلاح لأهل الحرب، أو # PageV02P012 # لمن يقاتل به في الفتنة، ولا الأقداح لمن يشرب فيها الخمر، لأنه معونة ~~على المعصية فلم يجز، كإجارة داره لبيع الخمر. ولا يجوز بيع العبد المسلم ~~لكافر، لأنه يمنع من استدامة ملكه عليه فلم يصح عقده عليه، كالنكاح فإن ~~أسلم في يده، أو يد موروثه، ثم انتقل إليه بالإرث أجبر على إزالة ملكه عنه، ~~لأن في تركه في ملكه صغارا، فإن باعه، أو وهبه لمسلم أو أعتقه جاز. وإن ~~كاتبه ففيه وجهان: # أحدهما: يجوز، لأنه يصير كالخارج عن ملكه في التصرفات. # والثاني: لا يجوز، لأنه لا يزيل الملك فلم يقبل، كالتزويج. # وإن ابتاع الكافر مسلما، يعتق عليه بالشراء، ففيه روايتان: # إحداهما: لا يصح، لأنه عقد يملك به المسلم. # والثانية: يجوز لأن ملكه يزول حال ms0431 ثبوته، فلا يحصل به صغار، وإن حصل فقد ~~حصل له من الكمال بالحرية، فوق ما لحقه برق لحظة. وإن قال الكافر لمسلم: ~~أعتق عبدك عني وعلي ثمنه ففيه وجهان، بناء على ما ذكرناه، لأنه بقدر بيعه ~~للكافر، وتوكيل البائع في عتقه. # فصل: # ولا يجوز أن يفرق في البيع بين ذوي رحم محرم قبل البلوغ، لما روى أبو ~~أيوب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من فرق بين والدة وولدها ~~فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» حديث حسن. # وعن علي - رضي الله عنه - قال: «وهب لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~غلامين أخوين، فبعت أحدهما، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما فعل ~~غلامك؟ فأخبرته، فقال: رده رده» رواه الترمذي. وقال حديث حسن. فإن فرق ~~بينهما فالبيع باطل، رضيت الأم ذلك أم كرهته، نص عليه، لأنه فيه إسقاطا لحق ~~الولد. وهل يجوز التفريق بينهما بعد البلوغ؟ فيه روايتان: # إحداهما: لا يجوز لعموم الخبر. # والثانية: يجوز لأن «سلمة بن الأكوع أتى أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - ~~بامرأة وابنتها في غزوة فنفله أبو بكر ابنتها، ثم استوهبها النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - من سلمة فوهبها له» . رواه مسلم. وهذا تفريق. ولأن «النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أهديت له أختان مارية وسيرين، فأمسك مارية ووهب ~~أختها لحسان بن ثابت» . # PageV02P013 # فصل: # ولا يجوز أن يبيع عينا لا يملكها ليمضي ويشتريها ويسلمها، لما روى حكيم ~~بن حزام أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الرجل يأتيني يلتمس من ~~البيع ما ليس عندي، فأمضي إلى السوق فأشتريه ثم أبيعه منه، فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: لا تبع ما ليس عندك» حديث صحيح. ولأنه بيع ما لا ~~يقدر على تسليمه أشبه بيع الطير في الهواء فإن باع مال غيره بغير إذنه، ~~ففيه روايتان: # إحداهما: لا يصح لذلك. # والثانية: يصح، ويقف على إجازة المالك، فإن أجازه جاز، وإن أبطله بطل، ~~لما «روى عروة بن الجعد البارقي أن النبي - صلى الله عليه ms0432 وسلم - أعطاه ~~دينارا ليشتري به شاة، فاشترى به شاتين، ثم باع إحداهما بدينار في الطريق، ~~قال: فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بالدينار وبالشاة فأخبرته، فقال: ~~بارك الله لك في صفقة يمينك» رواه الإمام أحمد والأثرم - رضي الله عنهما -. ~~ولأنه عقد له مجيز حال وقوعه فوقف على إجازته كالوصية. وإن اشترى بعين مال ~~غيره شيئا بغير إذنه فهو كبيعه، فإن اشترى له شيئا بغير إذنه بثمن في ذمته، ~~ثم نقد ثمنه من مال الغير صح الشراء لأنه تصرف في ذمته لا في مال غيره، ~~ويقف على إجازة المشتري له، لأنه قصد الشراء له، فإن أجازه لزمه وإن لم ~~يجزه لزم من اشتراه، لأنه لا يلزمه ما لم يأذن فيه، والبيع صحيح فيلزم ~~المشتري، فإن باع مال غيره، وهو حاضر، فلم ينكر ذلك فهو كبيعه في غيبته، ~~فإن السكوت ليس بإذن، فإنه محتمل كغير الإذن، فلا يتعين كونه إذنا والله ~~أعلم. ### | باب بيع النجش والتلقي وبيع الحاضر لباد وبيعه على بيع غيره والعينة # وهي بيوع محرمه، لما روى أبو هريرة أن رسول - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر ~~لباد» متفق عليه. ومعنى النجش: أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها ليغتر ~~به المشتري، ويقتدي به فهو حرام، لأنه خداع، والشراء صحيح. وعنه: أنه باطل، ~~لأن النهي يقتضي الفساد، والأولى أصح لأن النهي عاد إلى غير العقد، فلم ~~يؤثر فيه، وللمشتري الخيار إن غبن غبنا يخرج عن العادة، سواء كان بمواطأة ~~من البائع، أو لم يكن، لأنه غبن للتغرير # PageV02P014 # بالعاقد، فأثبت الخيار، كتلقي الركبان، ولو قال البائع: أعطيت بهذه ~~السلعة كذا كاذبا، فاشتراها المشتري لذلك فالبيع صحيح، وله الخيار لما ~~ذكرناه. # فصل: # وتلقي الركبان: أن يخرج الرجل من المصر يتلقى الجلب قبل دخوله، فيشتريه، ~~فيحرم للخبر، ولأنه يخدعهم ويغبنهم، فأشبه النجش، والشراء صحيح. وعنه: أنه ~~باطل للنهي، والمذهب الأول، لما روى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله ms0433 ~~عليه وسلم - قال: «لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه، فإذا أتى السوق ~~فهو بالخيار» رواه مسلم. # والخيار لا يكون إلا في عقد صحيح، ولأن النهي لضرب من الخديعة، أمكن ~~استدراكها بالخيار، فأشبه بيع المصراة وللبائع الخيار إن غبن غبنا يخرج عن ~~العادة، فإن لم يغبن فلا خيار له. ويحتمل أن له الخيار للخبر، والأول ~~المذهب، لأنه إنما يثبت لدفع الضرر عن البائع، ولا ضرر مع عدم الغبن، ~~والحديث يحمل على هذا، وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - له الخيار إذا ~~هبط السوق يفهم منه الإشارة إلى معرفته بالغبن، فإن خرج لحاجة غير قصد ~~التلقي، فقال القاضي: لا يجوز له الشراء لوجود معنى النهي، ويحتمل الجواز، ~~لعدم دخوله في الخبر. والبيع للركبان كالشراء منهم، لأن النهي عن تلقيهم ~~لدفع الغبن، والشراء والبيع فيه واحد. # فصل: # وبيع الحاضر للبادي: هو أن يخرج الحاضر إلى جلاب السلع، فيقول أنا أبيع ~~لك، فهو حرام للخبر، ولأن فيه تضييقا على المسلمين، إذ لو ترك الجالب يبيع ~~متاعه باعه برخص، فإذا تولاه الحاضر لم يبعه برخص، وقد أشار النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى ذلك بقوله: «لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله ~~بعضهم من بعض» . # وعنه: لا بأس به، وحمل الخبر على أنه اختص بأول الإسلام، لما كان عليهم ~~من الضيق، والمذهب الأول للخبر والمعنى. قال أصحابنا: إنما يحرم بشروط ~~خمسة: أحدها أن يكون الحاضر قد قصد البادي، ليتولى ذلك، والثاني: أن يكون ~~البادي جاهلا بالسعر، لأنه إذا كان عالما به، فهو كالحاضر. # والثالث: أن يكون جلب السلعة لبيعها، فإن جلبها ليدخرها، فلا ضرر على ~~الناس # PageV02P015 # في بيع الحاضر له، ذكر الخرقي هذه الثلاثة. # وذكر القاضي شرطين آخرين: أن يقصد بيعها بسعر يومها، ويتضرر الناس بتأخير ~~بيعه، فإذا اجتمعت هذه الشروط، فالبيع باطل للنهي عنه. وعنه: أنه صحيح، لأن ~~النهي عنه لمعنى في غيره، فأما شراء الحاضر للبادي فصحيح، لأنه لا ضيق على ~~الناس فيه، وإذا شرع ما يدفع به الضرر عن أهل ms0434 المصر لا يلزم شرع ما يتضرر ~~به أهل البدو، فإن الخلق في نظر الشارع على السواء. # فصل: # وأما البيع على بيع أخيه، فهو أن يقول لمن اشترى شيئا في مدة الخيار: أنا ~~أبيعك مثله بدون هذا الثمن، أو أجود منه بهذا الثمن، فيفسخ العقد، ويشتري ~~سلعته، فيحرم للخبر، ولأن فيه إفسادا أو إنجاشا. وإن فسخ البيع، واشترى ~~سلعته فالشراء باطل للنهي عنه، وشراؤه على شراء أخيه، كبيعه على بيعه ~~ويحتمل أن البيع صحيح، لأن النهي لمعنى في غير العقد. # فصل: # فأما سومه على سوم أخيه فننظر فيه، فإن كان البائع أنعم للمشتري البيع ~~بثمن معلوم، حرم على غيره سومه، لما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «لا يسم الرجل على سوم أخيه» رواه مسلم. وإن لم ينعم له ~~جاز سومها، لما روى أنس «أن رجلا شكا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الشدة والجهد، فقال له: ما بقي لك شيء، قال: بلى قدح وحلس، فأتاه بهما ~~فقال: من يبتاعهما؟ فقال رجل: أنا أبتاعهما بدرهم، فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: من يزيد على درهم؟ فأعطاه رجل درهمين، فباعهما منه» . قال ~~الترمذي: هذا حديث حسن. ولأن «فاطمة بنت قيس ذكرت للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أن معاوية وأبا جهم خطباها، فأمرها أن تنكح أسامة» . متفق عليه. فإن ~~ظهرت منه أمارة الرضى منى غير تصريح به، فقال القاضي: لا تحرم المساومة ~~لخبر فاطمة، ويحتمل أن تحرم لعموم النهي، وليس في خبر فاطمة أمارة على ~~الرضى. # فصل: # فأما بيع العينة فهو أن يبيع سلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها منه بأقل من ~~الثمن حالا، فلا يجوز لما روى سعيد، عن غندر، عن شعبة، عن أبي إسحاق عن ~~امرأته العالية بنت أيفع بن شرحبيل قالت: دخلت على عائشة أنا وأم ولد زيد ~~بن أرقم، فقالت # PageV02P016 # أم ولد زيد: إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم ~~اشتريته منه بستمائة درهم، فقالت لها: بئس ما شريت وبئسما اشتريت ms0435 أبلغي زيد ~~بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن ~~يتوب. ولا تقول مثل هذا إلا توقيفا سمعته من النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ولأن ذلك ذريعة إلى الربا، لأنه أدخل السلعة، ليستبيح بيع ألف بخمسمائة ~~والذرائع معتبرة. فإن اشتراها بسلعة، جاز لأنه لا ربا بين الأثمان والعروض ~~إن اشتراها بنقد غير الذي باعها به، فقال أصحابنا: يجوز لأن التفاضل بينهما ~~جائز، ويحتمل التحريم، لأن النساء بينهما محرم، وإن اشتراها من غير المشتري ~~أو اشتراها أبو البائع أو ابنه جاز. وإن نقصت السلعة لتغير صفتها جاز ~~لبائعها شراؤها بأقل من الثمن، لأن نقص الثمن لنقصان السلعة. وإن نقصت ~~لتغير السوق، أو زادت لم يجز شراؤها بأقل لما ذكرناه. # فصل: # فإن باعها بثمن حال نقده، ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة لم يجز نص عليه، ~~لأنها في معنى التي قبلها سواء. # فصل: # وإن باع طعاما إلى أجل بثمن، فلما حل الأجل أخذ منه بالثمن طعاما لم يجز، ~~لأنه ذريعة إلى بيع طعام بطعام نسيئة، فهو في معنى ما تقدم. وكل شيئين حرم ~~النساء فيهما لم يجز أخذ أحدهما عن الآخر قبل قبض ثمنه، وقياس قول أصحابنا ~~في مسألة العينة، أنه يجوز هاهنا أخذ ما يجوز التفاضل بينه وبين الطعام ~~المبيع. # فصل: # ومن اشترى مكيلا أو موزونا لم يجز له بيعه حتى يقبضه في ظاهر كلام أحمد - ~~رضي الله عنه - والخرقي، وما عداهما يجوز بيعه قبل القبض، لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه» . وقال ابن عمر: ~~«رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يبيعوه حتى يؤوه إلى رحالهم» . متفق عليهما. وهذا لا يخلو ~~من كونه مكيلا أو موزونا، والحديث يدل بصريحه على منع بيعه قبل قبضه، ~~وبمفهومه على حل بيع ما عداه. وعن أحمد: أن المنع من البيع قبل القبض يخص ~~المطعوم، لاختصاص الحديث به، وما ليس بمطعوم من المكيلات والموزونات ms0436 يجوز ~~بيعه قبل # PageV02P017 # القبض. وعنه: أن المنع يختص ما ليس بمتعين، كقفيز من صبرة، ورطل زيت من ~~دن. وما بيع صبرة، أو جزافا جاز بيعه قبل قبضه، وهو قول القاضي وأصحابه، ~~لأنه يتعلق به حق توفية بخلاف غيره. وعنه: أن كل مبيع لا يجوز بيعه قبل ~~قبضه. لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «نهى أن تباع السلع حيث ~~تبتاع حتى يحوزها التجار» رواه أبو داود. # وقال ابن عباس: أحسب كل شيء بمنزلة الطعام. ولأنه لم يتم ملكه عليه أشبه ~~المكيل، والمذهب الأول. وما بيع بصفة أو برؤية متقدمة فهو كالمكيل، لأنه لا ~~يتعلق به حق توفية، فأشبه المكيل والموزون، وما حرم بيعه قبل قبضه لم يجز ~~بيعه لبائعه، لعموم النهي، ولا الشركة فيه، لأنه بيع لبعضه، ولا التولية، ~~لأنه بيع بمثل الثمن الأول. فأما الثمن في الذمة، فيجوز بيعه لمن هو في ~~ذمته لما روى ابن عمر قال: «كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم فنأخذ بدل ~~الدراهم الدنانير، ونبيع بالدنانير فنأخذ بدلها الدراهم، فسألنا النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: لا بأس إذا افترقتما وليس بينكما شيء» ~~رواه أبو داود، ولا يجوز بيعه لغير من هو في ذمته، لأنه معجوز عن تسليمه، ~~فأشبه بيع المغصوب لغير غاصبه، وما كان من الدين مستقرا كالقرض فهو كالثمن، ~~وما كان غير مستقرا كالمسلم فيه لم يجز بيعه بحال، لا لصاحبه ولا لغيره، ~~لقوله - عليه السلام -: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» رواه أبو ~~داود. # فصل: # وكل عقد ينفسخ بتلف عوضه قبل قبضه كالإجارة، والصلح حكمه حكم البيع فيما ~~ذكرناه، وما لا ينفسخ كالخلع، والعتق على مال والصلح عن دم العمد جاز ~~التصرف في عوضه قبل قبضه، طعاما كان أو غيره، وكذلك أرش الجناية، وقيمة ~~المتلف، والمملوك بإرث أو وصية أو غنيمة إذا تعين ملكه فيه، لأنه لا يتوهم ~~غرر الفسخ بهلاك المعقود عليه جاز بيعه كالوديعة، والصداق كذلك. قاله ~~القاضي لأنه لا ينفسخ العقد بتلفه، فهو كعوض ms0437 الخلع. وقال الشريف وأبو ~~الخطاب: هو كالمبيع، لأنه يخشى رجوعه بانفساخ النكاح بالردة فأشبه المبيع. # فصل: # وقبض كل شيء بحسبه، المكيل المبيع مكايلة قبضه كيله، لما روى أبو هريرة ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من اشترى طعاما فلا يبعه حتى ~~يكتاله» رواه مسلم. وإن بيع جزافا فقبضه نقله لما روى ابن عمر قال: «كنا ~~نشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا # PageV02P018 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نبيعه حتى ننقله من مكانه» . رواه ~~مسلم. وقبض الذهب والفضة والجوهر باليد، وسائر ما ينقل قبضه نقله. وقبض ~~الحيوان أخذه بزمامه، أو تمشيته من مكانه، وما لا ينقل قبضه التخلية بين ~~مشتريه وبينه، لا حائل دونه، لأن القبض مطلق في الشرع، فيجب الرجوع فيه إلى ~~العرف، كالإحياء والإحراز، والعادة ما ذكرناه، وعنه: أن القبض في جميع ~~الأشياء بالتخلية. مع التميز، لأنه قبض فيما لا ينقل فكان قبضا في غيره. # فصل: # وما يعتبر له القبض إذا تلف قبل قبضه إذا انفسخ العقد، وهو من مال ~~البائع، لأنه تلف قبل تمام ملك المشتري عليه، فأشبه ما تلف قبل تمام البيع. ~~وإن أتلفه المشتري استقر عليه الثمن، لأنه تلف بتصرفه، فاستقر الثمن عليه ~~كما لو قبضه. وإن أتلفه أجنبي لم ينفسخ العقد، لأن له بدلا يرجع إليه، فلم ~~ينفسخ العقد، كما لو تعيب. ويخير المشتري بين الفسخ والرجوع على البائع ~~بالثمن، لأنه تلف بغير فعل المشتري، أشبه ما لو تلف بفعل الله تعالى، وبين ~~إتمام العقد والرجوع ببدله، لأن الملك له، وإن أتلفه البائع احتمل أن يبطل ~~العقد، لأنه يضمنه إذا تلف في يده بالثمن، فكذلك إذا أتلفه. وقال أصحابنا: ~~الحكم فيه حكم ما لو أتلفه أجنبي، وإن تعيب قبل قبضه، فهو كما لو تعيب قبل ~~بيعه، لأنه من ضمان البائع. # فصل: # وإذا باع شاة بشعير، فأكلته قبل قبضه ولم تكن يد بائعها عليها انفسخ ~~البيع، لأن الثمن هلك قبل القبض بغير فعل آدمي، فإن كانت يده عليها، فهو ~~كإتلافه له، وإن باعها ms0438 مشتريها ثم هلك الشعير قبل قبضه انفسخ العقد الأول، ~~ولم يبطل الثاني، لأن ذلك كان قبل فسخ العقد، وعلى بائعها الثاني قيمتها، ~~لأنه تعذر عليه ردها، وهكذا إن كان بدله شقصا فأخذه الشفيع انفسخ البيع ~~الأول، وعلى المشتري رد قيمة الشقص، ويأخذ من الشفيع قيمة الطعام، لأنه ~~الذي اشترى به الشقص. # فصل: # وما لا يحتاج إلى قبض إذا تلف، فهو من مال المشتري. لما روى حمزة بن عبد ~~الله بن عمر عن أبيه. قال: «مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيا مجموعا، فهو ~~من مال المشتري» . ذكره البخاري. وهذا ينصرف إلى سنة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إلا أن يمنعه البائع قبضه فيضمنه، لأنه تلف تحت يد عادية، أشبه ما ~~لو تلف تحت يد الغاصب، وسواء حبسه على قبض الثمن أو غيره إلا أن يكون قد ~~اشترط عليه الرهن في البيع. # PageV02P019 ### | باب تفريق الصفقة # إذا باع ما يجوز بيعه، وما لا يجوز بيعه صفقة واحدة، كعبد وحر، وخل وخمر، ~~وعبده وعبد غيره، أو دار له ولغيره ففيه روايتان: # إحداهما: تفرق الصفقة، فتجوز فيما يجوز بيعه بقسطه من الثمن، ويبطل فيما ~~لا يجوز، لأن كل واحد منهما، له حكم منفرد، فإذا اجتمعا بقيا على حكمهما، ~~كما لو باع شقصا وسيفا. # والثانية: يبطل فيهما، لأنه عقد واحد جمع حلالا وحراما فبطل، كالجمع بين ~~الأختين، ويحتمل أن يصح فيما يجوز فيما ينقسم الثمن فيه على الأجزاء، كدار ~~له ولغيره ونحوها، والقفيزين المتساويين، لأن الثمن فيما يجوز بيعه معلوم، ~~ويبطل العقد فيما عدا هذا كالعبدين، لأن ثمن ما يجوز بيعه مجهول، لكون ~~الثمن ينقسم عليهما بالقيمة، وقسط الحلال منهما مجهول لو صرح به، فقال: ~~بعتك هذا العبد بقسطه من الثمن لم يصح، فكذا هاهنا. فإن قلنا يصح، وعلم ~~المشتري الحال فلا خيار له، لأنه دخل على بصيرة ولا خيار للبائع بحال، وإن ~~لم يعلم المشتري الحال فله الخيار، لأن عليه ضررا في تفريق الصفقة، وإن ~~اشترى معلوما ومجهولا بطل العقد فيهما، لأن ما يخص ms0439 المعلوم من الثمن مجهول. ~~ولو باع قفيزين من الحلال بثمن واحد، فتلف أحدهما قبل قبضه لم ينفسخ العقد ~~في الباقي منهما، سواء كانا من جنس واحد أو جنسين، لأن حدوث الجهل بثمن ~~الباقي منهما لا يوجب جهالة المبيع حال العقد. قال القاضي: ويثبت للمشتري ~~خيار الفسخ، لتفريق الصفقة عليه فأشبه ما قبلها. # فصل # فإن جمع بين عقدين مختلفي الحكم، كبيع وإجارة، أو صرف بعوض واحد صح ~~فيهما، لأن اختلاف حكم العقدين لا يمنع الصحة، كما لو جمع بين ما فيه شفعة، ~~وما لا شفعة فيه، وفيه وجه آخر لا يصح، لأن حكمهما مختلف، وليس أحدهما أولى ~~من الآخر فبطل فيهما، فإن البيع فيه خيار. ولا يشترط التقابض فيه في ~~المجلس، ولا ينفسخ العقد بتلف المبيع والصرف، ويشترط له التقابض، وينفسخ ~~العقد بتلف العين في الإجارة، وإن جمع بين نكاح وبيع بعوض واحد، فقال: ~~زوجتك ابنتي، وبعتك داري بمائة صح في النكاح، لأنه لا يفسد بفساد العوض، ~~وفي البيع وجهان. وإن جمع بين بيع وكتابة، فقال لعبده: بعتك عبدي هذا، ~~وكاتبتك بمائة بطل البيع وجها واحدا، لأنه باع عبده لعبده فلم يصح، كبيعه ~~إياه من غير كتابة، وهل تبطل الكتابة؟ يخرج على الروايتين في تفريق الصفقة. # PageV02P020 # فصل # ولو باع رجلان عبدا لهما بثمن واحد صح لأن حصة كل واحد منهما من الثمن ~~معلومة. ولو كان لكل واحد منهما قفيز، وكانا من جنس واحد فباعاهما صفقة ~~واحدة صح لذلك. وإن كان المبيع مما لا ينقسم الثمن عليه، مثل إن كان لكل ~~واحد منهما عبد فباعاهما صفقة واحدة، أو وكلا رجلا فباعهما أو وكل أحدهما ~~الآخر فباعهما بثمن واحد لم يصح، لأن كل واحد منهما مبيع بحصته من الثمن ~~فلم يصح، كما لو صرح به، ويحتمل أن يصح بناء على تفريق الصفقة، أو كما لو ~~كاتب عبدين كتابة واحدة بعوض واحد. ### | باب الثنيا في البيع # باب الثنيا إذا باع حائطا واستثنى شجرة بعينها، أو قطيعا واستثنى شاة ~~بعينها صح لأن النبي - صلى الله ms0440 عليه وسلم - «نهى عن الثنيا، إلا أن تعلم» ~~. قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وهذه معلومة، وإن استثنى شجرة أو شاة ~~يختارها لم يصح للخبر. وإن استثنى آصعا معلومة أو باع نخلة، واستثنى أرطالا ~~معلومة، فعنه: أنه يصح للخبر. والمذهب أنه لا يصح، لأن المبيع إنما علم ~~بالمشاهدة، والاستثناء يغير حكم المشاهدة، فإنه لا يدري كم يبقى في حكم ~~المشاهدة، ولو باعه الصبرة إلا قفيزا لم يصح لذلك. وإن باعه قفيزا من هذه ~~الصبرة إلا مكوكا صح، لأن القفيز معلوم، والمكوك منه معلوم. وإن باعه دارا ~~إلا ذراعا، وهما يعلمان ذرعانها جاز، وكان مشاعا منها، وإلا لم يجز، كما لو ~~باعه ذراعا منها، وإن باعه سمسما إلا كسبه، أو قطنا إلا حبه، أو شاة إلا ~~شحمها، أو فخذها لم يصح، لأنه مجهول فيدخل في الخبر. وإن استثنى حملها، ~~فعنه أن يصح، لأن ابن عمر أعتق جارية، واستثنى ما في بطنها. # وعنه: لا يصح، وهو أصح للخبر. فإن باع جارية حاملا بحر، وقلنا: يصح ~~استثناء الحمل صح هاهنا، وإن قلنا: لا يصح ثم، ففيه وجهان: # أحدهما: لا يصح، لأنه استثناه في الحقيقة. # والثاني: يصح، لأنه قد يقع مستثنى بالشرع ما لا يصح استثناؤه بالشرط، ~~بدليل بيع الأمة المزوجة. # وإن باع حيوانا مأكولا واستثنى رأسه وجلده وسواقطه صح. نص عليه، لأنها ~~ثنيا معلومة وقد روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين هاجر إلى ~~المدينة مر براع فذهب أبو بكر وعامر بن فهيرة، فاشتريا منه شاة، وشرطا له ~~سلبها» . فإن امتنع المشتري من ذبحها لم يجبر # PageV02P021 # وعليه قيمة ذلك لما روي عن علي - رضي الله عنه -: أنه قضى في رجل اشترى ~~ناقة، وشرط ثنياها فقال: اذهبوا معه إلى السوق، فإن بلغت أقصى ثمنها، ~~فأعطوه حساب ثنياها من ثمنها. وعن الشعبي قال: قضى زيد بن ثابت، وأصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بقرة باعها رجل، واشترط رأسها ~~بالشروى. يعني أن يعطيه رأسا مثل رأس. # فصل: # ومن باع شيئا، واستثنى منفعته مدة معلومة، ms0441 كجمل اشترط ركوبه إلى موضع ~~معين، ودارا استثنى سكناها شهرا، وعبدا استثنى خدمته سنة صح لما روى جابر: ~~أنه «باع النبي - صلى الله عليه وسلم - جملا واشترط ظهره إلى المدينة» . ~~متفق عليه. ولأنها ثنيا معلومة، فتدخل في خبر أبي هريرة، فإن عرض المشتري ~~على البائع عوضها لم يلزمه قبوله، لأن حقه تعلق بعينها، فأشبه ما لو ~~استأجرها، وإن أراد البائع إجارتها تلك المدة، فقال ابن عقيل: يصح في قياس ~~المذهب، لأنه استحق نفعها فملك إجارتها كالمستأجر. وإن أتلف المشتري العين، ~~فعليه قيمة المنفعة، لتفويته حق غيره. وإن تلف بغير تفريط، فكلام أحمد - ~~رضي الله عنه - يقتضي ذلك بعمومه، ويحتمل أن لا يضمن، لأن البائع لم يملك ~~المنفعة من جهة المشتري، فلم يلزمه عوضها له، كما لو تلفت النخلة المبيعة ~~مؤبرة بثمرتها والحائط الذي استثني منه شجرة، ويحمل كلام أحمد على من فرط. ~~وإن باع المشتري العين صح وتكون المنفعة مستثناة في يد المشتري، فإن لم ~~يعلم به فله الخيار، لأنه عيب، فهو كالتزويج في الأمة، ومن باع أمة واستثنى ~~وطأها لم يصح، لأنه لا يحل إلا في تزويج، أو في ملك يمين، ومن استثنى مدة ~~غير معلومة لم يصح للخبر. ### | باب الشروط في البيع # وهي على أربعة أضرب: # أحدها: ما هو من مقتضى البيع، كالتسليم والرد بالعيب فهذا لا أثر له، ~~لأنه بيان وتأكيد لمقتضى العقد. # الثاني: ما هو من مصلحته، كالخيار والأجل والرهن والضمين، فهذا شرط صحيح ~~لازم، ورد الشرع به نذكره في مواضعه. # الثالث: شرط ينافي مقتضى العقد وهو نوعان: # أحدهما: ما لم يبن على التغليب والسراية، كشرط أن لا يملك، ولا يتصرف، ~~ولا يسلم أو لا يعتق، أو إن أعتق فالولاء له أو متى نفق المبيع وإلا رده، ~~أو إن # PageV02P022 # خسر فيه، فعلى البائع فهذا شرط باطل، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لعائشة لما أرادت شراء بريرة، فاشترط أهلها ولاءها: «اشتريها فأعتقيها، ~~فإنما الولاء لمن أعتق ثم قال: من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو ms0442 باطل، ~~وإن كان مائة شرط» متفق عليه. # وهل يفسد البيع به؟ فيه روايتان: # إحداهما: لا يفسد، لحديث بريرة. # والثانية: يفسد، لأنه إذا فسد الشرط وجب رد ما في مقابلته من الثمن، وذلك ~~مجهول فيصير الثمن مجهولا. # النوع الثاني: أن يشتريه بشرط أن يعتقه ففيه روايتان: # إحداهما: الشرط فاسد، لأنه ينافي مقتضى البيع، فأشبه ما قبله. # والثانية: يصح لأن عائشة اشترت بريرة لتعتقها، فأجازه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، فعلى هذا إن امتنع المشتري من العتق أجبر عليه في أحد ~~الوجهين، لأنه عتق مستحق عليه، فأجبر عليه كما لو نذر عتقه. # والثاني: لا يجبر عليه لأن الشرط لا يوجب فعل المشروط، كما لو شرط رهنا ~~أو ضمينا لم يجبر، ولكن يثبت للبائع خيار الفسخ كمشترط الرهن، فإن مات ~~العبد رجع البائع على المشتري بما نقصه شرط العتق، وإن كان المبيع أمة ~~فأحبلها أعتقها وأجزأه لأن الرق باق فيها. # الرابع: ما لا ينافي مقتضى العقد، ولا هو من مصلحته، وهو نوعان: # أحدهما: أن يشرط عقدا آخر، مثل أن يبيعه بشرط أن يبيعه عينا أخرى أو ~~يؤجره أو يسلفه، أو يشتري منه، أو يستسلف، فهذا شرط فاسد يفسد العقد به، ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في ~~بيع» . قال الترمذي: هذا حديث صحيح. ونهى عن بيعتين في بيعة وهذا منه. # الثاني: أن يشترط المشتري منفعة البائع في المبيع، فيصح إذا كانت معلومة، ~~مثل أن يشتري ثوبا، ويشترط على بائعه خياطه قميصا، أو فلعة ويشترط حذوها ~~نعلا، أو حطبا ويشترط حمله، لأن محمد بن مسلمة اشترى من نبطي جرزة حطب وشرط ~~عليه حملها، واشتهر ذلك فلم ينكر، ولأنه بيع، وإجارة فصح، كما لو باعه عبده ~~وأجره داره في عقد واحد. وقال الخرقي: إن شرط مشتري الرطبة جزها على بائعها ~~بطل # PageV02P023 # العقد، فيحتمل أن يخص قوله بهذه الصورة وشبهها لإفضائه إلى التنازع، فإن ~~البائع يريد قطعها من أعلاها، لتبقى له منها بقية، والمشتري يريد، ~~الاستقصاء عليها، ويحتمل أن ms0443 يعدى حكمها إلى كل عقد شرط فيه منفعة البائع، ~~لأنه شرط عقدا في عقد، فأشبه ما قبله. وقال القاضي: لم أجد بما قال الخرقي ~~رواية في المذهب، والمذهب جوازه. فإن شرط شرطين، مثل أن اشترط خياطة الثوب ~~وقصارته، وفي الحطب حمله وتكسيره، أو اشترط منفعة البائع، واشترط البائع ~~منفعة المبيع مدة معلومة فسد العقد، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا شرطان في بيع» وإن شرط منفعة معلومة لم يصح لإفضائه إلى التنازع. # فصل: # فإن شرط في البيع أنه إن باعه فهو أحق به بالثمن، ففيه روايتان: # إحداهما: لا يصح، لأنه شرطان في بيع، لأنه شرط أن يبعه إياه، وأن يعطيه ~~إياه بالثمن ولأنه شرط ينافي مقتضى العقد، لأنه شرط أن لا يبيعه لغيره. # والثانية: يصح، لأنه يروى عن ابن مسعود أنه اشترى أمة بهذا الشرط. وإن ~~قلنا بفساده فهل يفسد [به] البيع؟ فيه روايتان. # فصل: # وكل موضع فسد العقد لم يحصل به ملك وإن قبض، لأنه مقبوض بعقد فاسد، فأشبه ~~ما لو كان الثمن ميتة، ولا ينفذ تصرف المشتري فيه، وعليه رده بنمائه ~~المنفصل والمتصل، وأجرة مثله مدة مقامه في يديه، ويضمنه إن تلف أو نقص بما ~~يضمن به المغصوب، لأنه ملك غيره حصل في يده بغير إذن الشرع، أشبه المغصوب، ~~ولا حد عليه إن وطئ للشبهة، وعليه مهر مثلها، وأرش بكارتها إن كانت بكرا، ~~والولد حر، لأنه من وطء شبهة، ويلحق نسبة به لذلك، ولا تصير به الجارية أم ~~ولد، لأنها ولدت في غير ملك. وإن حكمنا بفساد الشرط وحده، فقال القاضي: ~~يرجع المشتري بما نقص، لأنه إنما سمح به، لأجل الشرط، فإذا لم يحصل رجع بما ~~سمح به. # فصل: # ولا يحل البيع بعد النداء للجمعة قبل الصلاة لمن تجب عليه الجمعة، لقول ~~الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا ~~إلى ذكر الله وذروا البيع} [الجمعة: 9] . فإن باع لم يصح للنهي ويجوز ذلك ~~لمن لا تجب عليه الجمعة، لأن الخطاب بالسعي لم ms0444 يتناوله، فكذلك النهي ~~والنداء الذي تعلق به السعي والنهي هو # PageV02P024 # الثاني الذي يكون عند صعود الإمام المنبر، لأنه الذي كان على عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فتعلق الحكم به، وإنما زاد الأول عثمان - رضي ~~الله عنه -. وفي النكاح والإجارة وجهان: # أحدهما: حكمهما حكم البيع، لأنهما عقدا معاوضة. # والثاني: يصحان، لأنهما غير منصوص عليهما وليسا في معنى المنصوص عليه، ~~لأنهما لا يكثران، فلا تؤدي إباحتهما إلى ترك الجمعة بخلاف البيع. # فصل: # ولا يحل التسعير، لما روى أنس قال: «غلا السعر على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسول الله قد غلا السعر فسعر لنا، فقال: إن ~~الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق إني لأرجو أن ألقى الله، وليس أحد ~~يطلبني بمظلمة» قال الترمذي: هذا حديث صحيح. # ولأنه ظلم للبائع بإجباره على البيع سلعته سلعته بغير حق، أو منعه من ~~بيعها بما يتفق عليه المتعاقدان، وهو من أسباب الغلاء، لأنه يقطع الجلب، ~~ويمنع الناس من البيع فيرتفع السعر. # فصل: # والاحتكار محرم، لما روى سعيد بن المسيب، عن معمر بن عبد الله أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من احتكر فهو خاطئ» رواه مسلم وأبو ~~داود. # والاحتكار المحرم: ما جمع أربعة أوصاف، أن يشتري قوتا يضيق به على الناس ~~في بلد فيه ضيق، فأما الجالب فليس بمحتكر، لقول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون» ولأنه لا ضرر على الناس على جلبه. ~~ومن استغل من أرضه شيئا فهو كالجالب. ولا يمنع من احتكار الزيت، وما ليس ~~بقوت، لأن سعيد بن المسيب راوي الحديث كان يحتكر الزيت ومن اشترى في حال ~~الرخص على وجه لا يضيق على أحد، فليس بمحتكر، لأنه لا ضرر فيه، بل ربما كان ~~نفعا. # فصل: # وبيع التلجئة: وهو أن يخاف الرجل ظالما يأخذ ماله، فيواطئ رجلا يظهر بيعه # PageV02P025 # إياه ليحتمي بذلك، ولا يردان بيعا حقيقيا فلا يصح لأنهما ما قصداه فهو ~~كبيع المكره. ### | باب الخيار في البيع # وهو على ضربين: ms0445 # أحدهما: خيار المجلس، فلكل واحد من المتبايعين الخيار في فسخ البيع ما لم ~~يتفرقا بأبدانهما، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «البيعان في الخيار ~~ما لم يتفرقا» متفق عليه. والتفرق: أن يمشي أحدهما عن صاحبه بحيث إذا كلمه ~~الكلام المعتاد في المجلس لا يسمعه، لأن ابن عمر كان إذا بايع رجلا، فأراد ~~أن لا يقيله مشى هنيهة، ثم رجع وهو راوي الحديث، وأعلم بمعناه، ولأن الشرع ~~ورد بالتفرق مطلقا فوجب أن يحتمل على التفرق المعهود، وهو يحصل بما ذكرناه. ~~فإن لم يتفرقا بل بني بينهما حاجز، أو أرخي بينهما ستر أو نحوه أو ناما أو ~~قاما عن مجلسهما فمشيا معا، فهما على خيارهما، لأنهما لم يتفرقا. وإن فر ~~أحدهما من صاحبه بطل خيارهما، لأن ابن عمر كان يفارق صاحبه بغير أمره، ولأن ~~الرضى في الفرقة غير معتبر، كما لا يعتبر الرضى في الفسخ، وإن أكرها على ~~التفريق ففيه وجهان: # أحدهما: يبطل الخيار، لأنه لا يعتبر الرضى من أحد الجانبين، فكذلك منهما. # والثاني: لا يبطل لأنه معنى يلزم به البيع فلا يلزم به مع الإكراه ~~كالتخاير، فعلى هذا يكون الخيار لهما في المجلس الذي زال عنهما الإكراه فيه ~~حتى يفارقاه، فإن أكره أحدهما بطل خيار الآخر، كما لو هرب منه، وللمكره ~~الخيار في أحد الوجهين. # فصل: # فإن تبايعا على أن لا خيار بينهما، أو قالا: بعد البيع اخترنا إمضاء ~~العقد، أو أجزنا العقد، ففيه روايتان: # إحداهما: هما على خيارهما، لعموم الخبر. # والثانية: لا خيار لهما، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يخير أحدهما صاحبه، فإن خير أحدهما ~~صاحبه، فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع» . # PageV02P026 # وفي لفظ: «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن يكون البيع كان على ~~خيار، فإن كان البيع عن خيار فقد وجب البيع» متفق عليهما وفي لفظ «أو يقول ~~أحدهما لصاحبه اختر» . رواه البخاري. وهذه زيادة يجب قبولها، فإن قال ~~أحدهما لصاحبه: اختر فسكت، فخيار الساكت بحاله، لأنه لم ms0446 يوجد منه ما يبطله، ~~وفي خيار القائل وجهان: # أحدهما: يبطل للخبر، ولأنه جعل الخيار لغيره، فلم يبقى له شيء. # والثاني: لا يبطل كما لو قال لزوجته: اختاري فسكتت لم يبطل خياره في ~~الطلاق. # فصل: # ويثبت خيار المجلس في كل بيع للخبر، ولأنه شرع للنظر في الحظ، وهذا يوجد ~~في كل بيع. وعنه: لا يثبت في الصرف والسلم، وما يشرط فيه القبض في المجلس، ~~لأنه لا يثبت فيه خيار الشرط. # فصل: # الضرب الثاني: خيار الشرط، نحو أن يشترط الخيار في البيع مدة معلومة، ~~فيجوز بالإجماع، ويثبت فيما يتفقان عليه من المدة المعلومة، وإن زادت على ~~ثلاث، لأنه حق يعتمد الشرط، فجاز ذلك فيه كالأجل، ويجوز شرطه لأحدهما دون ~~صاحبه، ولأحدهما أكثر من صاحبه، لأنه ثبت بشرطهما فكان على حسبه. ولو اشترى ~~شيئين صفقة واحدة، وشرط الخيار في أحدهما بعينه صح وإن شرطه في غير معين ~~منهما، أو لأحد المتبايعين غير معين لم يصح لأنه مجهول، فأشبه بيع أحد ~~العبدين. وإن شرط الخيار الأجنبي صح، وكان مشترطا لنفسه موكلا لغيره فيه، ~~لأنه أمكن تصحيحه على هذا الوجه فتعين. ولمشترط الخيار الفسخ بغير رضى ~~الأجنبي، وللأجنبي الفسخ إلا أن يعزله المشترط، ولو شرط الخيار للعبد ~~المبيع صح لأنه كالأجنبي. وقال القاضي: إن جعل الأجنبي وكيلا فيه صح. وإن ~~أطلق الخيار لفلان، أو قال: هو لفلان دوني لم يصح، لأن الخيار جعل لتحصيل ~~الحظ للمتعاقدين بنظرهما، فلا يكون لمن لا حظ له. وإن كان العاقد وكيلا، ~~فشرط الخيار للمالك صح، لأن الحظ له. وإن جعله للأجنبي لم يصح، لأنه ليس له ~~توكيل غيره، وإن شرط لنفسه صح، لأن له النظر في تحصيل الحظ. وإن قال: بعتك ~~على أن أستأمر فلانا في مدة معلومة صح، وله الفسخ قبل استئماره، لأن ذلك ~~كناية عن الخيار، وإن لم يجعل له مدة معلومة، فهو كالخيار المجهول. # PageV02P027 # فصل: # وإذا شرط الخيار إلى طلوع الشمس أو غروبها، أو إلى الغد، أو إلى الليل ~~صح، لأنه وقت معلوم، ولا يدخل الغد، ms0447 ولا الليل في مدة الخيار، لأن إلى ~~للغاية وموضوعها لفراغ الشيء وانتهائه. وإن شرطاه ثلاثا، أو ساعات معلومة ~~فابتدأ مدته من حين العقد، لأنها مدة ملحقة بالعقد، فكان بدؤها منه كالأجل، ~~ولأن جعله من حين التفريق يفضي إلى جهالته، لأنه لا يدرى متى يفترقان، ~~ويحتمل أن يكون بدء مدته من حين التفريق، لأن الخيار ثابت في المجلس حكما ~~فلا حاجة إلى إثباته بالشرط، فعلى هذا إن جعلا بدأه من العقد صح، لأن ~~بدايته ونهايته معلومان. ويحتمل أن لا يصح، لأن ثبوت الخيار بالمجلس يمنع ~~ثبوته بغيره، وعلى الوجه الأول لو جعلا بدأه من التفريق لم يصح لجهالته. # فصل: # فإن شرطا خيارا مجهولا لم يصح، لأنها مدة ملحقة بالعقد، فلم تصح مجهولة ~~كالتأجيل، وهل يفسد العقد به؟ على روايتين. وعنه: أنه يصح مجهولا لقوله - ~~عليه السلام -: «المسلمون على شروطهم» رواه الترمذي: وقال حديث حسن صحيح. ~~فعلى هذا إن كان الخيار مطلقا مثل أن يقول: لك الخيار متى شئت، أو إلى ~~الأبد، فهما على خيارهما أبدا أو يقطعاه، وإن قال: إلى أن يقدم زيد، أو ~~ينزل المطر ثبت الخيار إلى زمن اشتراطه، أو يقطعاه قبله. وإن شرطاه إلى ~~الحصاد أو الجذاذ، ففيه روايتان: # إحداهما: هو مجهول، لأن زمن ذلك يختلف، فيكون كقدوم زيد. # والثانية: يصح لأن مدة الحصاد تتقارب في العادة في البلد الواحد، فعفي عن ~~الاختلاف فيه. وإن شرطه إلى العطاء يريد وقت العطاء صح لأنه معلوم، وإن ~~أراد نفس العطاء فهو مجهول، لأنه يتقدم ويتأخر، وإن شرط الخيار شهرا يوما ~~يثبت ويوما لا ففيه وجهان: # أحدهما: يثبت في اليوم لأول، لأنه معلوم يلي العقد، ويبطل فيما بعده، ~~لأنه إذا لزم لم يعد إلى الجواز، ويحتمل أن يبطل الشرط كله، لأنه شرط واحد، ~~فإذا فسد في البعض فسد في الكل. # PageV02P028 # فصل: # ولمن له الخيار الفسخ من غير حضور صاحبه ولا رضاه، لأنه عقد جعل إلى ~~اختياره، فجاز مع غيبة صاحبه وسخطه، كالطلاق. ومتى انقضت مدته قبل الفسخ ~~لزم العقد على كل ms0448 حال، لأنها مدة ملحقة بالعقد، فبطلت بانتهائها كالأجل، ~~ويبطل الخيار بالتخاير، كما يبطل خيار المجلس به، ولو ألحقا بالعقد خيارا ~~بعد لزومه لم يلحقه، لأنه عقد لازم، فلم يصر جائزا بقولهما كالنكاح، وإن ~~فعلا ذلك في مدة الخيار جاز، لأنه جائز فجاز إبقاؤه على جوازه. # فصل: # وينتقل الملك إلى المشتري في بيع الخيار بنفس العقد. # وعنه: لا ينتقل إلا بعد انقضائه، لأنه عقد قاصر لا يفيد التصرف، فلم ينقل ~~الملك، كالهبة قبل القبض، والأول ظاهر المذهب، لأن البيع سبب لنقل الملك، ~~فنقل عقيبه كالمطلق، ولأنه تمليك، فأشبه المطلق. وليس منع التصرف لقصور ~~السبب، بل لتعلق حق البائع بالمبيع، وما يحصل من غلة المبيع في مدة الخيار، ~~ونمائه المنفصل، فهو للمشتري سواء فسخا العقد أو أمضياه لأنه نماء ملكه ~~الداخل في ضمانه، ولأنه من ضمانه فيدخل في قوله - عليه السلام -: «الخراج ~~بالضمان» وعلى الرواية الأخرى هو للبائع، والحكم في ضمانه كالحكم في ضمان ~~المبيع المطلق. # فصل: # وليس لواحد من المتبايعين التصرف في المبيع في مدة الخيار، لأنه ليس بملك ~~للبائع، فيتصرف فيه، ولا انقطعت عنه علاقته، فيتصرف فيه المشتري، فإن تصرفا ~~بغير العتق، لم ينفذ تصرفهما لذلك. وعنه في تصرف المشتري: أنه موقوف، إن ~~فسخ البائع بطل، وإن لم يفسخ صح لعدم المبطل له، ذكرها ابن أبي موسى. وإن ~~كان الخيار للمشتري وحده صح لذلك، وإن أعتق المشتري العبد عتق، لأنه عتق من ~~مالك تام الملك، جائز التصرف، فنفذ كما بعد المدة، فإن قلنا: الملك للبائع ~~نفذ عتقه، ولا ينفذ عتق من لا ملك له، لأنه عتق من غير مالك، فأشبه ~~الأجنبي. وفي الوقف وجهان: # أحدهما: هو كالعتق، لأنه تصرف يبطل الشفعة، والصحيح: أنه لا ينفذ، لأنه ~~لا يبنى على التغليب، ولا يسري إلى ملك الغير، أشبه البيع. # فصل: # فإن وطئ المشتري الجارية، فلا حد عليه ولا مهر، وإن ولدت منه فالولد حر، # PageV02P029 # ولا تلزمه قيمته، وتصير أم ولد، لأنه وطئ مملوكته. وإن وطئ البائع فعليه ~~المهر لأنه وطئ في غير ms0449 ملك. وإن علم التحريم فولده رقيق، لا يلحقه نسبه كما ~~لو وطئ بعد المدة. وإن جهل التحريم فلا حد عليه، وولده أحرار، وعليه قيمتهم ~~يوم الولادة، لأنه يعتقد أنه يحبلها في ملكه، فأشبه المغرور من أمة، ولا ~~تصير أم ولد بحال. قال بعض أصحابنا: وعليه الحد إن علم التحريم، وأن البيع ~~لا ينفسخ به، وذكر أن أحمد نص عليه، لأن وطأه لم يصادف ملكا، ولا شبهة ملك. ~~والصحيح أنه لا حد عليه، لأن أهل العلم اختلفوا في ملكه لها، وحل وطئها، ~~وهذه شبهة يدرأ الحد بها. ولأن ملكه يحصل بوطئه، فيحصل تمام وطئه في ملكه، ~~فلا يجب الحد به. وإن قلنا بالرواية الأخرى انعكست هذه الأحكام. # فصل: # وطء البائع فسخ للبيع، لأنه دليل على الاسترجاع، فأشبه من أسلم على أكثر ~~من أربع، فوطئ إحداهن كان اختيارا لها. ووطء المشتري رضى بالمبيع، وإبطال ~~لخياره لذلك، وسائر التصرفات المختصة بالملك، كالعتق والكتابة والبيع ~~والوقف، والهبة، والمباشرة، واللمس لشهوة، وركوب الدابة لسفر أو حاجة، ~~والحمل عليها، وشرب لبنها، وسكنى الدار وحصاد الزرع ونحوه إن وجد من ~~المشتري بطل خياره، لأنه يبطل بالتصريح بالرضى فبطل بدلالته كخيار المعتقة، ~~يبطل بتمكينها زوجها من وطئها. وإن تصرف البائع بذلك، ففيه وجهان: # أحدهما: هو فسخ للبيع لذلك. والآخر لا يكون فسخا، لأن الملك انتقل عنه، ~~فلم يكن تصرفه استرجاعا، كمن وجد ماله عند مفلس فتصرف فيه. وقال أبو ~~الخطاب: هل يكون تصرف البائع فسخا للبيع، وتصرف المشتري رضى بالبيع، وفسخا ~~لخياره؟ على وجهين. وأما ركوب المشتري الدابة لينظر سيرها، وطحنه على الرحى ~~ليختبرها، فلا يبطل الخيار، لأن الاختيار هو المقصود بالخيار. وإن استخدم ~~العبد ليختبره لم يبطل خياره لذلك، وإن استخدمه لغير ذلك ففيه روايتان: # إحداهما: يبطل خياره، لأنه تصرف منه، أشبه الركوب للدابة. # والثانية: لا يبطل، لأنه لا يختص الملك، أشبه النظر. وإن قبلت الجارية ~~المشتري لشهوة لم يبطل خياره، لأنها قبلة لأحد المتابعين، فلم يبطل خياره، ~~كقبلتها للبائع، ولأنا لو أبطلنا خياره بهذا أبطلناه من ms0450 غير رضاه بالمبيع، ~~ولا دلالة عليه. ويحتمل أن يبطل خياره إذا لم يمنعها، لأن إقراره عليه رضى ~~به. # PageV02P030 # فصل: # وإن أعتق المشتري الجارية، أو استولدها، أو أتلفت المبيع، أو تلف في يده ~~لم يبطل خيار البائع، لأنه لم يوجد منه رضى بإبطاله. وله أن يفسخ ويرجع ~~ببدل المبيع، وهو مثله إن كان مثليا وإلا قيمته يوم أتلفه. وعنه: أن خياره ~~يبطل بذلك، اختارها الخرقي، لأنه خيار فسخ، فبطل بتلف المبيع، كخيار الرد ~~بالعيب. # فصل: # وإن مات أحد المتبايعين بطل خياره، ولم يثبت لورثته، لأنه حق فسخ لا يجوز ~~الاعتياض عنه، فلم يورث، كخيار الرجوع في الهبة. ويتخرج أن يورث قياسا على ~~الأجل في الثمن. وإن جن أو أغمي عليه، قام وليه مقامه، لأنه قد تعذر منه ~~الاختيار مع بقاء ملكه. وإن خرس ولم يفهم إشارته، فهو كالمجنون وإن فهمت ~~إشارته قام مقام لفظه. وإن مات في خيار المجلس بطل خياره، وفي خيار صاحبه ~~وجهان: # أحدهما: يبطل لأن الموت أعظم الفرق. # والثاني: لا يبطل، لأن الفرقة بالأبدان لم تحصل. ### | باب الربا # الربا محرم، لقول الله تعالى: {وحرم الربا} [البقرة: 275] . وما بعدها من ~~الآيات، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لعن الله آكل ~~الربا، وموكله وشاهديه وكاتبه» متفق عليه. وهو على ضربين: ربا الفضل، وربا ~~النسيئة، والأعيان على الربا فيها ستة مذكورة في حديث عبادة بن الصامت عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الذهب بالذهب مثلا بمثل، والفضة ~~بالفضة مثلا بمثل، والتمر بالتمر مثلا بمثل، والبر بالبر مثلا بمثل، ~~والشعير بالشعير مثلا بمثل، والملح بالملح مثلا بمثل، من زاد أو ازداد فقد ~~أربى، بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم ~~يدا بيد، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يدا بيد» رواه مسلم. # PageV02P031 # واختلفت الرواية في علة الربا ثلاث روايات. فأشهرهن: أن علته في الذهب ~~والفضة الوزن والجنس، وفي غيرهما الكيل والجنس، لما روي عن عمار أنه قال: ~~العبد خير من العبدين، والثوب خير ms0451 من الثوبين، فما كان يدا بيد فلا بأس به، ~~إنما الربا في النساء إلا ما كيل أو وزن. ولأنه لو كانت العلة الطعم لجرى ~~الربا في الماء، لأنه مطعوم، قال الله تعالى: {ومن لم يطعمه فإنه مني} ~~[البقرة: 249] فعلى هذا يحرم التفاضل في كل مكيل، أو موزون من جنس، سواء ~~كان مطعوما كالقطنيات، أو غير مطعوم كالأشنان والحديد. ويجري الربا فيما ~~كان جنسه مكيلا أو موزونا، وإن تعذر الكيل فيه أو الوزن، إما لقلته، ~~كالتمرة والقبضة وإما دون الأرزة من الذهب والفضة، وإما لعظمه كالزبرة ~~العظيمة، وإما للعادة كلحم الطير، لأنه من جنس فيه الربا، فجرى فيه الربا ~~كالزبرة العظيمة. وما نسج من القطن والكتان لا ربا فيه نص عليه، لحديث عمار ~~وما عمل من الحديد ونحوه ما كان يقصد وزنه جرى فيه الربا، لأنه تقصد زنته، ~~فجرى فيه الربا، كلحم الطير، وما لا تقصد زنته لا يجري فيه الربا كالثياب. ~~والرواية الثانية: العلة في الذهب والفضة: الثمينة غالبا، وفيها عداهما ~~كونه مطعوم جنس، لما روى معمر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «نهى عن بيع الطعام إلا مثلا بمثل» . رواه مسلم. ولأنه لو كان الوزن علة ~~فلم يجز إسلام النقد في الموزنات، لأن اجتماع المالين في أحد وصفي علة ربا ~~الفضل يمنع النساء، بدليل إسلام المكيل في المكيل، فعلى هذه الرواية يحرم ~~التفاضل في كل مطعوم بيع بجنسه من الأقوات، والأدام والفواكه والأدوية ~~والأدهان المطيبة وغيرها. وإن لم يكن مكيلا ولا موزونا، كالبطيخ والرمان ~~والبيض ونحوها. والرواية الثالثة: العلة كونه مطعوم جنس مكيلا أو موزونا، ~~لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الطعام إلا مثلا بمثل» . ~~والمماثلة المعتبرة هي المماثلة في الكيل والوزن، فدل على أنه لا يحرم إلا ~~في مطعوم يكال أو يوزن، ولا يحرم فيما لا يطعم كالأشنان والحديد، ولا فيما ~~لا يكال كالبطيخ والرمان. # فصل: # وما يجري فيه الربا اعتبرت المماثلة فيه في المكيل كيلا، وفي الموزون ~~وزنا، لقول النبي - صلى ms0452 الله عليه وسلم - «الذهب بالذهب وزنا بوزن، والفضة ~~بالفضة وزنا بوزن، والبر بالبر كيلا بكيل، والشعير بالشعير كيلا بكيل» رواه ~~الأثرم. ولا يجوز بيع مكيل بجنسه وزنا، ولا موزون كيلا للخبر، ولأنه لا ~~يلزم من تساويهما في أحد المعيارين التساوي في الآخر، لتفاوتهما في الثقل ~~والخفة، ولا يجوز بيع بعضه ببعض جزافا من الطرفين، ولا من # PageV02P032 # أحدهما، لما روى جابر قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ~~الصبرة لا يعلم مكيلها بالكيل المسمى من التمر» رواه مسلم. ولأن المماثلة ~~لا تعلم بدون الكيل من الطرفين، فوجب ذلك. وما لا يكال ولا يوزن يعتبر ~~التماثل فيه بالوزن، لأنه أحصر، ومنه ما لا يتأتى كيله. # فصل: # والمرجع في الكيل والوزن إلى عادة أهل الحجاز، لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل مكة» وما لا ~~عرف له بالحجاز يعتبر بأشبه الأشياء به بالحجاز في أحد الوجهين، لأن ~~الحوادث ترد إلى أقرب الأشياء شبها بها وهو القياس. والثاني ترد إلى عرفه ~~في موضعه، لأن ما لا حد له في الشرع يرد إلى العرف، كالقبض والحرز. # فصل: # والجيد والرديء، والتبر والمضروب، والصحيح والمكسور سواء في جواز البيع ~~متماثلا وتحريمه متفاضلا، للخبر وفي بعض ألفاظه «الذهب بالذهب تبرها ~~وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها» رواه أبو داود. وفي لفظ «جيدها ~~ورديئها سواء» . # فصل: # ولا يحرم التفاضل إلا في الجنس الواحد، للخبر والإجماع، وكل شيئين اتفقا ~~في الاسم الخاص من أصل الخلقة فهما جنس، كأنواع التمر وأنواع البر. وإن ~~اختلفا في الاسم من أصل الخلقة فهما جنسان، كالستة المذكورة في الخبر، لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حرم الزيادة فيها إذا بيع منها شيء بما ~~يوافقه في الاسم، وأباحها إذا بيع بما يخالفه في الاسم، فدل على أن ما ~~اتفقا في الاسم جنس، وما اختلفا فيه جنسان. وعنه: أن البر والشعير جنس، لأن ~~معمر بن عبد الله قال لغلامه فيهما لا تأخذن إلا مثلا بمثل، «فإن النبي - ~~صلى الله ms0453 عليه وسلم - نهى عن بيع الطعام إلا مثلا بمثل» رواه مسلم. والمذهب ~~الأول، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الأعيان الستة «فإذا ~~اختلفت هذه الأصناف الستة فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد» رواه مسلم. ~~وقال «لا بأس ببيع البر بالشعير، والشعير أكثرهما يدا # PageV02P033 # بيد» . رواه أبو داود وحديث معمر لا بد فيه من إضمار الجنس الواحد. # فصل: # والمتخذ من أموال الربا معتبر بأصله فما أصله جنس واحد فهو جنس واحد، وإن ~~اختلفت أسماؤه. وما أصله أجناس فهو أجناس، وإن اتفقت أسماؤه، فدقيق الحنطة ~~والشعير جنسان، ودهن اللوز والجوز جنسان، وزيت الزيتون والبطم جنسان، وكذلك ~~خل العنب وخل التمر. وعنه: أنهما جنسان، والأول أصح، لأنهما فرعا أصلين ~~مختلفين، فكانا جنسين كالأدقة، وفي اللحم ثلاث روايات: # إحداهن: أنه كله جنس واحد، لأنه اشترك في الاسم الواحد حال حدوث الربا ~~فيه، وكان جنسا واحدا كالتمر. # والثانية: أنه أربعة أجناس لحم الأنعام، ولحم الوحش، ولحم الطير، ولحم ~~دواب الماء، لأنها تختلف منفعتها والقصد إلى أكلها، فكانت أجناسا. # والثالثة: أنها أجناس، فكانت أجناسا، كالتمر الهندي والبرني، وبهذا ينتقض ~~دليل الرواية الأولى، والثانية لا أصل لها، فعلى هذه الرواية لحم بهيمة ~~الأنعام كلها ثلاثة أجناس، ولحم بقر الوحش والأهلية جنسان، وكل ما انفرد ~~باسم وصفة فهو جنس. وقال ابن أبي موسى: لا خلاف عن أحمد أن لحم الطير ~~والسمك جنسان، وفي الألبان من القول نحو مما في اللحم، لأنها من الحيوانات ~~يتفق اسمها فأشبهت اللحم. # فصل: # واللحم والشحم والكبد والطحال والرئة والكلية والقلب والكرش أجناس، لأنها ~~مختلفة في الاسم والخلقة. قال بعض أصحابنا: الشحم والألية جنسان لذلك، ~~وقالوا: اللحم الأحمر والأبيض الذي على الظهر والجنبين جنس، لاتفاقهما في ~~الدسم المقصد ويحتمل أن يكون الشحم الذي يذوب بالنار كله جنسا واحدا ~~لاتفاقهما في اللون والصفة والذوب بالنار. وقد قال الله تعالى: {ومن البقر ~~والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما} [الأنعام: 146] . ~~فاستثناه من الشحم. # فصل: # ولا يجوز بيع ما فيه ربا بعضه ببعض، ms0454 ومعهما أو مع أحدهما، من غير جنسه، # PageV02P034 # كمد بر ودرهم بمد ودرهم، أو بمدين أو درهمين. وعنه، ما يدل على الجواز ~~إذا كان مع كل واحد منهما من غير جنسه، أو كان المفرد أكثر ليكون الزائد في ~~مقابلة غير الجنس، والأول المذهب، لما روى فضالة بن عبيد قال: «أتي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها بتسعة دنانير، ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا حتى تميز بينهما» . رواه أبو داود. # ولأن الصفقة إذا جمعت شيئين مختلفي القيمة انقسم الثمن عليهما على قدر ~~قيمتهما بدليل ما لو اشترى شقصا وسيفا، فإن الشفيع يأخذ الشقص بقسطه من ~~الثمن. وإذا قسم الثمن على القيمة أدى إلى الربا، لأنه إذا باع مدا، قيمته ~~درهمان ودرهما بمدين، فقيمتهما ثلاثة، حصل في مقابلة الجيد مد وثلث. فأما ~~إذا باع نوعين مختلفي القيمة من جنس بنوع واحد من ذلك الجنس، كدرهم صحيح، ~~ودرهم قراضة بصحيحين، فقال القاضي: الحكم فيها كالتي قبلها لذلك، وقال أبو ~~بكر: يجوز، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «الفضة بالفضة مثلا بمثل» ~~ولأن الجودة ساقطة فيما قوبل بجنسه لما تقدم. وعن أحمد - رضي الله عنه -: ~~منع ذلك في النقد وتجويزه في غيره، لأنه لا يمكن التحرز من اختلاط النوعين. # فصل: # ولا يجوز بيع خالصه بمشروبه، كحنطة فيها شعير، أو زوان بخالصة، أو غير ~~خالصة، أو لبن مشوب بخالص أو مشوب أو عسل في شمعه بمثله إلا أن يكون الخلط ~~يسيرا لا وقع له، كيسير التراب والزوان، ودقيق التراب الذي لا يظهر في ~~الكيل، لأنه لا يخل بالتماثل، ولا يمكن التحرز منه. # فصل: # وما اشتمل على جنسين بأصل الخلقة، كالتمر فيه النوى، فلا بأس ببيع بعضه ~~ببعض، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أباح بيع التمر بالتمر، وقد علم أن ~~في كل واحد نوى. ولو نزع النوى، ثم ترك مع التمر صار كمسألة مد عجوة لزوال ~~التبعية، لو نزع من أحدهما نواه، ثم باعه بتمر فيه نواه فكذلك. وإن ms0455 باع ~~النوى بمثله، والمنزوع بمثله جاز لأنه جنس متماثل. وإن باع المنزوع وحده ~~بالنوى جاز فيه التفاضل، لأنهما جنسان. وإن باع النوى بتمر فيه نواه ففيه ~~روايتان: # إحداهما: لا يجوز، لأنه في مسألة مد عجوة. # والثانية: يجوز، لأن ما فيه الربا غير مقصود في أحد الجانبين، فلم يمنع ~~كبيع دار مموه سقفها بذهب، بذهب. وكذلك يخرج في بيع شاة لبون بلبن، أو ذات ~~صوف بصوف، أو لبون بمثلها، فإن كانت محلوبة اللبن جاز وجها واحدا، لأن ~~الباقي لا أثر له، فهو كالتمويه في السقف، ويجوز بيع شاة ذات صوف بمثلها ~~وجها واحدا، لأن ذلك لو حرم لحرم بيع الغنم بالغنم. قال أبو بكر: يجوز بيع ~~نخلة مثمرة بمثلها وبتمر، # PageV02P035 # لأن التمر عليها غير مقصود، ومنعه القاضي لكون الثمرة معلومة، يجوز ~~إفرادها بالبيع بخلاف اللبن، ومنع القاضي بيع اللحم بجنسه إلا منزوع العظام ~~لأن العظم من غير جنس اللحم، فأشبه الشمع في العسل ويحتمل الجواز، لأن ~~العظم من أصل الخلقة، فأشبه النوى في التمر بخلاف الشمع. # فصل: # وما فيه خلط غير مقصود لمصلحته، كالماء في خل التمر والزبيب ودبس التمر، ~~والملح في الخبز. والشيرج في الخبيص ونحوه لا يمنع بيعه بمثله، لأنه ~~لمصلحته، فأشبه رطوبة تمر الرطب. ولا يجوز بيعه بخالص كخل الزبيب بخل العنب ~~والخبز الرطب باليابس كما لا يجوز بيع الرطب بالتمر. # فصل: # ولا يجوز بيع نيئه بمطبوخه، لأن النار تذهب برطوبته، وتعقد أجزاءه، فتمنع ~~تساويهما. ويجوز بيع مطبوخه بمثله إذا لم يظهر عمل النار في أحدهما أكثر من ~~الآخر، لتساويهما في الحال على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقصان في ثاني ~~الحال، كالخبز بالخبز، والشواء والسكر والعسل المصفى بالنار بمثله. # فصل: # ولا يجوز بيع حبه بدقيقه، وعنه: الجواز إذا تساويا وزنا، لأن الدقيق ~~أجزاء الحب، فجاز بيعه به، كما قبل الطحن، والمذهب الأول، لأن البر ودقيقه ~~مكيلان ولا بيع ما أصله الكيل بشيء من جنسه وزنا، ولا يمكن التساوي في ~~الكيل، لأن الطحن فرق أجزاء الدقيق ونشرها، ويجوز بيع ms0456 كل واحد من الدقيق ~~والسويق بمثله إذا تساويا في الكيل والنعومة، ولما ذكرنا في المطبوخ بمثله، ~~ولا يجوز إذا تفاوتا في النعومة، لأنه يمنع تساويهما في الكيل إلا على ~~قولنا: يجوز بيع الحب بدقيقه وزنا. # فصل: # ولا يجوز بيع أصله بعصيره كالزيتون بزيته، والسمسم بالشيرج، والعنب ~~بعصيره، لأنه لا يتحقق التماثل بين العصير، وما في أصله منه. ويجوز بيع ~~العصير بالعصير لما ذكرنا في المطبوخ. ولا يجوز بيع اللحم بحيوان من جنسه ~~لما روى سعيد بن المسيب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيع اللحم ~~بالحيوان» . رواه مالك في " الموطأ " ولأنه جنس فيه الربا بيع بأصله الذي ~~فيه منه، فلم يجز كالزيتون بالزيت. وإن باع اللحم بحيوان لا يؤكل جاز لعدم ~~ما ذكر، وإن باعه بحيوان مأكول غير أصله، وقلنا: هما جنس واحد لم يجز وإلا ~~جاز. # PageV02P036 # فصل: # ويجوز بيع اللبن باللبن، حليبين كانا أو رائبا وحليبا، لأن الرائب لبن ~~خالص، إنما فيه حموضة. ولا يجوز بيع لبن بما استخرج منه من زبد وسمن ومخيض، ~~ولا زبد بسمن، لأنه مستخرج منه، أشبه الزيتون بالزيت. وعنه: يجوز بيع الزبد ~~باللبن إذا كان أكثر من الزبد الذي في اللبن، والسمن مثله، وهكذا كمسألة مد ~~عجوة، والظاهر تحريمه. ولا بيع لبن مائع بجامد، لأنهما يتفاضلان ويجوز بيع ~~السمن والزبد والمخيض واللباء والجبن، والمصل بمثله إذا تساويا في الرطوبة ~~والنشافة، ولم ينفرد أحدهما بمس النار له. ويجوز بيع السمن بالمخيض ~~متفاضلا، لأنه ليس في أحدهما شيء من الآخر. وبيع الزبد بالمخيض نص عليه. ~~لأن اللبن في الزبد يسير غير مقصود، أشبه الملح في الشيرج. ولا يجوز بيع ~~شيء من هذه الأنواع بنوع لم ينزع زبده، كالجبن والمصل، لما ذكرنا في بيعه ~~باللبن. # فصل: # ولا يجوز بيع رطبه بيابسه، «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع ~~الرطب بالتمر» . متفق عليه. وعن سعد بن أبي وقاص أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: «أينقص الرطب إذا يبس؟ ms0457 فقالوا نعم، ~~فنهاه عن ذلك» أخرجه أبو داود. فنهى وعلل بأنه ينقص عن يابسه، فدل على أن ~~كل رطب يحرم بيعه بيابسه. ويجوز بيع رطبه برطبه، لأن مفهوم نهيه عن بيع ~~الرطب بالتمر إباحة بيعه بمثله، ولأنهما تساويا في الحال على وجه لا يتفرد ~~أحدهما بالنقصان، فجاز بيعه به، كاللبن باللبن، وذكر الخرقي أن اللحم لا ~~يباع باللحم إلا إذا تناهى جفافه فدل على أن كل رطب لا يجوز بيعه بمثله، ~~اختارها أبو حفص لأنهما لم يتساويا حال الكمال. والمذهب والجواز: وقال ~~القاضي: لم أجد بما قال الخرقي رواية عن أحمد - رضي الله عنه -. # فصل: # ويجوز بيع العرايا، وهو: بيع الرطب على رؤوس النخل خرصا بالتمر على وجه ~~الأرض. لما روى أبو هريرة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص العرية في ~~خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق» متفق عليه. وإنما يجوز بشروط خمسة. # أحدها: أن يكون دون خمسة أوسق. وعنه يجوز في الخمسة، لأن الرخصة ثبتت # PageV02P037 # في العرية، ثم نهى عما زاد على الخمسة، وشك الراوي في الخمسة، فردت إلى ~~أصل الرخصة. والمذهب الأول، لأن الأصل تحريم بيع الرطب بالتمر فيما دون ~~الخمسة بالخبر، والخمسة مشكوك فيها، فترد إلى الأصل. # الثاني: أن يكون مشتريها محتاجا إلى أكلها رطبا. لما روى محمود بن لبيد ~~قال: «قلت لزيد بن ثابت: ما عراياكم هذه؟ فسمى رجالا محتاجين من الأنصار ~~شكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الرطب يأتي، ولا نقد بأيديهم ~~يبتاعون به رطبا يأكلونه، وعندهم فضول من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا ~~[العرية] برخصها من التمر [يأكلونه] رطبا» . متفق عليه. # والرخصة الثابتة لحاجة لا تثبت مع عدمها فإن تركها حتى تتمر بطل البيع ~~لعدم الحاجة. # الثالث: أن لا يكون له نقد يشتري به للخبر. # الرابع: أن يشتريها بخرصها للخبر، ولأن «رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلا» متفق عليه. # ولا بد أن يكون التمر معلوما بالكيل للخبر، وفي معنى الخرص روايتان: # إحداهما: أن ms0458 ينتظر كم يجيء منها تمرا، فيبيعها بمثله، لأنه يخرص في ~~الزكاة كذلك. # والثانية: يبيعها بمثل ما فيها من الرطب، لأن الأصل اعتبار المماثلة في ~~الحال بالكيل، فإذا خولف الدليل في أحدهما، وأمكن أن لا يخالف في الآخر ~~وجب. ولا يجوز بيعها برطب ولا تمر على نخل خرصا. # الخامس: أن يتقابضا قبل تفرقهما، لأن البيع تمر بتمر، فاعتبرت فيه أحكامه ~~إلا ما استثناه الشرع، والقبض فيما على النخل بالتخلية، وفي التمر ~~باكتياله، فإن كان حاضرا في مجلس البيع اكتاله، وإن كان غائبا مشيا إلى ~~التمر فتسلما. وإن قبضه أو لا، ثم مشيا إلى النخلة، فتسلمها جاز. واشترط ~~الخرقي كون النخلة موهوبة لبائعها، لأن العرية اسم لذلك. # PageV02P038 # واشترط أبو بكر والقاضي حاجة البائع إلى بيعها، وحديث زيد بن ثابت يرد ~~ذلك مع أن اشتراطه يبطل الرخصة، إذ لا تتفق الحاجتان مع سائر الشروط، فتذهب ~~الرخصة، فعلى قولنا يجوز لرجلين شراء عريتين من واحد وعلى قولهما لا يجوز ~~إلا أن ينقصا بمجموعهما عن خمسة أوسق، ولا يجوز لوحد شراء عريتين فيهما ~~جميعا خمسة أوسق، لأنه في معنى شرائهما في عقد واحد. # فصل: # قال ابن حامد: لا يجوز بيع العرايا في غير ثمرة النخل، لما روي «أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - نهى عن المزابنة بيع الثمر بالتمر إلا أصحاب ~~العرايا، فإنه قد أذن لهم، وعن بيع العنب بالزبيب، وعن كل ثمر بخرصه» . ~~وهذا حديث حسن، ولأن غير التمر لا يساويه في كثرة اقتياته، وسهولة خرصه، ~~فلا يقاس عليه غيره. وقال القاضي: يجوز في جميع الثمار، لأن حاجة الناس إلى ~~رطبها كحاجتهم إلى الرطب. ويحتمل الجواز في التمر والعنب خاصة، لتساويهما ~~في وجوب الزكاة فيهما، وورود الشرع بخرصهما وكونهما مقتاتين دون غيرهما. # فصل: # في ربا النسيئة كل مالين اتفقا في علة ربا الفضل، كالمكلين والموزونين أو ~~المطعومين على الرواية الأخرى لا يجوز بيع أحدهما بالآخر نساء، ولا التفرق ~~قبل القبض، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اختلفت هذه الأصناف ~~فبيعوا كيف شئتم يدا ms0459 بيد» وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «الذهب بالورق ربا، إلا هاء وهاء، والبر ~~بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء» متفق عليه. # وما اختلفت علتهما، كالمكيل والموزون إذا لم يتفقا في الطعم جاز التفرق ~~فيهما قبل القبض رواية واحدة، وفي النساء فيهما روايتان. وما لم يوجد فيه ~~علة ربا الفضل، كالثياب والحيوان، ففيه روايات أربع. # إحداهن: يجوز النساء فيهما، لما روي عن عبد الله بن عمرو قال: «أمرني ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أستسلف إبلا، فكنت آخذ البعير بالبعيرين ~~إلى مجيء المصدق» . من " المسند ". # والثانية: لا يجوز، لما روى سمرة قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة» . قال الترمذي: هذا حديث صحيح. # والثالثة: يحرم النساء في الجنس الواحد، لهذا الخبر، ويباح في الجنسين ~~عملا بمفهومه. # PageV02P039 # والرابعة: يباح مع التساوي، ويحرم مع التفاضل في الجنس الواحد، لما روى ~~جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الحيوان اثنان بواحد لا يصلح ~~نساء، ولا بأس به يدا بيد» قال الترمذي: هذا حديث حسن. # وعن ابن عمر أن رجلا قال: «يا رسول الله. أرأيت الرجل يبيع الفرس ~~بالأفراس، والنجيبة بالإبل؟ فقال: لا بأس به إذا كان يدا بيد» رواه أحمد في ~~" المسند " ولا خلاف في جواز الشراء بالأثمان نساء من سائر الأموال موزونا ~~أو غيره، لأنها رؤوس الأموال، فالحاجة داعية إلى الشراء بها نساء وناجزا. # فصل: # فإن تفرقا قبل القبض، فيما يشترط القبض فيه بطل العقد، فإن تفرقا قبل قبض ~~بعضه بطل في غير المقبوض، وفي المقبوض وجهان بناء على تفريق الصفقة. وما ~~وجب التماثل فيه إذا بيع عينا بعين، فوجد في أحدهما عيبا من غير جنسه بطل ~~البيع، لأنه يفوت التماثل المشترط، وإن كان البيع في الذمة جاز إبداله قبل ~~التفرق. وهل يجوز بعد التفرق؟ فيه روايتان: # إحداهما: يجوز إذا أخذ البدل في مجلس الرد، لأن قبض بدله يقوم مقامه. # والثانية: ms0460 يبطل العقد برده، لأنهما تفرقا قبل العوض، وإن كان عيبه لمعنى ~~لا ينقص ذاته، كالسواد في الفضة، والخشونة فيها فالعقد صحيح، وليس له أخذ ~~الأرش، لأنه يخل بالتماثل، وله الخيار بين فسخ العقد، أو الإمساك، وليس له ~~البدل إن كان البيع عينا بعين. وإن كان البيع في الذمة فحكمه حكم القسم ~~الذي قبله، فأما ما لا يجب التماثل فيه فله أخذ أرشه، لأن التفاضل فيه ~~جائزة، وحكمه فيما سوى ذلك حكم ما قبله. ### | باب بيع الأصول # من باع نخلا مؤبرا فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع، فتكون له، وإن ~~لم تؤبر، فهي للمشتري إلا أن يشترطها البائع فتكون له، لما روى ابن عمر أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من باع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها ~~للبائع إلا أن يشترطها المبتاع» متفق عليه. فجعل المؤبرة للبائع، فدل على ~~أن غير المؤبرة للمبتاع، ولأنها قبل التأبير نماء كامن لظهوره غاية، فتبع ~~الأصل قبل ظهوره ولم يتبعه بعده كالحمل، وطلع الفحال كغيره، ويحتمل أنه ~~للبائع قبل تشققه لأنه يوجد كذلك والطلع ظاهر، فهو كالتين. والصحيح: الأول ~~للخبر، لأن المقصود فيما داخل الطلع للتلقيح ولم يظهر فيتبع الأصل، كطلع # PageV02P040 # الإناث. فإن أبر بعض الحائط دون بعض، فما أبر للبائع، وما لم يؤبر ~~للمشتري في ظاهر كلام أحمد وقول أبي بكر للخبر، وقال ابن حامد: الكل ~~للبائع: لأن اشتراكهما في الثمرة يؤدي إلى الضرر، واختلاف الأيدي، فجعلنا ~~ما لم يظهر تبعا للظاهر، كأساسيات الحيطان تتبع الظاهر منها، ولم يجعل ~~الظاهر تبعا للباطن، كما لا تتبع الحيطان الأساس في منع البيع للجهالة. وإن ~~كان المبيع حائطين لم يتبع أحدهما صاحبه، لأنه لا يفضي إلى سوء المشاركة، ~~لانفراد أحدهما عن الآخر، وإن أبر نوع من الحائط لم يتبع النوع الآخر في ~~قول القاضي، لأن النوعين يختلفان في التأبير. وقال أبو الخطاب: يتبعه لئلا ~~يفضي إلى سوء المشاركة في الجنس الواحد، وإن أبر بعض ما في الحائط، فأفرد ~~بالبيع ما لم يؤبر فهو للمشتري، لأنه لم ms0461 يؤبر منه شيء، وإن أبر بعض الحائط ~~فباعه ثم أطلع الباقي في يد المشتري، فالطلع له، لأنه حادث في مكة فكان له، ~~كما لو لم يؤبر منه شيء. # فصل: # وكل عقد ناقل للأصل، كجعله صداقا، وعوض خلع، أو أجرة أو هبة، كالبيع فيما ~~ذكرنا، لأنه عقد يزيل الملك عن الأصل، فأزاله عن الثمرة قبل الظهور كالبيع. # فصل: # وسائر الشجر على ستة أضرب: # أحدهما: ما يقصد زهره كالورد، والقطن الذي يبقى أعواما، فهو كالنخل إن ~~تفتحت أكمامه، وتشقق جوزه فهو للبائع، وإلا فهو للمشتري، كالطلع سواء. # الضرب الثاني: ما له ثمرة بارزة كالعنب والتين، فما كان منه ظاهرا فهو ~~للبائع، لأنها ثمرة ظاهرة، فهي كالطلع المؤبر، وما ظهر بعد العقد فهو ~~للمشتري، لأنه حدث في ملكه. # الثالث: ما له قشر لا يزال إلا عند الأكل، كالرمان والموز، فهو للبائع إن ~~كان ظهر، لأن قشره من مصلحته، فهو كأجزاء الثمرة. # الرابع: ما له قشران، كالجوز واللوز، فهو للبائع بنفس الظهور لأن قشره لا ~~يزايله في الغالب إلا بعد جذاذه، فهو كالرمان، وقال بعض أصحابنا: إن تشقق ~~قشره الأعلى فهو للبائع، وإلا فهو للمشتري، لأنه لا يدخر في قشره الأعلى ~~بخلاف الرمان. الخامس: ما يظهر ثمره في نوره، ثم يتناثر نوره فيظهر كالتفاح ~~والمشمش، فما تناثر نوره فهو للبائع، وما لم يتناثر فهو للمشتري، لأنه لا ~~يظهر إلا بعد تناثر نوره، # PageV02P041 # فكان كتأبير النخل، ويحتمل أنه للبائع بظهور نوره، لأن استتار الثمرة ~~بالنور، كاستتار ثمرة النخل بعد التأبير بالقشر الأبيض. # السادس: ما يقصد ورقه كالتوت، فيحتمل أنه للمشتري بكل حالة قياسا على ~~سائر الورق، ويحتمل أنه إن تفتح فهو للبائع، وإلا فهو للمشتري، لأنه هاهنا ~~كالثمر. # فصل: # وإذا اشترى شجرا عليه ثمرة للبائع، لم يكلف نقلها إلا أوان جذاذها، لأن ~~نقل المبيع على حسب العادة، ولهذا لو اشترى متاعا ليلا لم يكلف نقله حتى ~~يصبح، ولو باع متاعا كثيرا في دار، لم يكلف تفريغها إلا على العادة، ولم ~~يلزمه جمع دواب البلد لنقله ms0462 دفعة واحدة، فإذا بلغ الجذاذ كلف نقله، وإن كان ~~بقاؤه أنفع له، لأنه أمكن نقله عادة، وإن أصاب الشجر عطش خيف هلاكه ببقائه ~~عليه، ففيه وجهان: # أحدهما: لا يلزم قطعه، لأنهما دخلا في العقد على ترك الثمرة إلى أوان ~~الجذاذ. # والثاني: يلزم قطعه، لأن المشتري رضي بذلك إذا لم يضر به، وهذا فيه ضرر ~~كثير. وإن أراد أحدهما سقي ما له لمصلحته، فله ذلك، وإن أضر بصاحبه، لأنه ~~رضي بالضرر لعلمه أنه لا بد من السقي، وإن سقى لغير مصلحة لم يمكن منه، ~~لأنه سفه. # فصل # وإن باع أرضا بحقوقها دخل ما فيها من غراس وبناء في البيع، وإن لم يقل ~~بحقوقها ففيه وجهان: # أحدهما: يدخل أيضا لأنه متصل بها للبقاء فهو كأجزائها. # والثاني: لا يدخل، لأن الأرض اسم للعرصة دون ما فيها. وإن قال: بعتك هذا ~~البستان دخل الجميع في البيع، لأن البستان اسم للأرض ذات الشجر. # وإن باع الأرض وفيها زرع لا يحصد إلا مرة، كالحنطة والشعير والجزر والفجل ~~لم يدخل في البيع، لأنه نماء ظاهر لفصله غاية فلم يدخل في بيع الأرض كالطلع ~~المؤبر وسواء كان نابتا أو بذرا لأن البذر مودع في الأرض فلم يدخل في ~~بيعها، كالركاز، ويكون الزرع مبقى إلى حين الحصاد، كما أن الثمرة تبقى إلى ~~حين الجذاذ، فإن أراد البائع قطعه قبل وقته لينتفع بالأرض لم يكن له ذلك، ~~لأن منفعة الأرض إنما حصلت مستثناة عن مقتضى العقد، ضرورة إبقاء الزرع، ~~فتقدرت ببقائه، كما لو باع دارا فيها متاع لا ينقل في العادة إلا في شهر، ~~فيكلف نقله في يوم، لينتفع بها في بقيته. والحصاد على البائع، وعليه إزالة ~~ما يبقى من عروقه المضرة بالأرض، وتسوية حفره، # PageV02P042 # لأنه حصل بفعله لاستصلاح ملكه، فأشبه من باع دارا فيها حجر للبائع، فقلعه ~~وتحفرت الأرض، وإن اشترطها المشتري في البيع كانت له، كالثمرة المؤبرة، ولا ~~تضر جهالته، لأنه دخل في البيع تبعا للأرض، فأشبه الثمرة بعد تأبيرها. وإن ~~لم يعلم المشتري بالبذر فله الخيار، لأنه ms0463 عيب في حقه لما يفوت عليه من نفع ~~الأرض، فإن قال البائع: أنا أحوله على وجه لا يضر وفعل سقط الخيار، لزوال ~~العيب، وإن اشترى نخلا إذا طلع مؤبر لم يعلم تأبيره، فله الخيار أيضا. وإن ~~بذل البائع قطعه لم يسقط الخيار، لأن الضرر لا يزول بقطعه، لأنه يفوت عليها ~~[ثمرتها] عاما. # فصل # وإن كان في الأرض ما له أصل يجز، مرة بعد أخرى، فالجزة الظاهرة عند البيع ~~للبائع، والأصول للمشتري، سواء كان مما يبقى عاما كالهندبا، أو أكثر ~~كالرطبة، لأن أصوله تركت للبقاء، فهي كالشجرة. وما ظهر منه وجرت العادة ~~بأخذه، فهو كالثمرة المؤبرة وعلى البائع قطعه في الحال لأنه لا حد له ينتهي ~~إليه، ولأنه يطول والزيادة للمشتري، وما تتكرر ثمرته مع بقاء أصله كالقثاء، ~~والباذنجان، والبطيخ، أو يقصد زهره كالبنفسج ونحوه فكذلك: الأصول للمشتري، ~~وثمرته الظاهرة وزهره للبائع، لأنه تؤخذ ثمرته مع بقاء أصله، فهو كالبقول. # فصل # وإن كان في الأرض حجارة مدفونة، أو ركاز لم يدخل في البيع، لأنه ليس من ~~أجزائها، إنما هو مودع فيها للنقل عنها، فهو كالقماش. فإن كانت الأحجار من ~~نفس الأرض، أو أساسات الحيطان، أو كان فيها معدن باطن، كمعدن الذهب والفضة ~~دخل في البيع، لأنه من أجزائها، أو متروك للبقاء فيها فهو كالبناء. # فصل # وإن باعه دارا دخل فيها ما اتصل بها، كالرفوف المسمرة، والخوابي المدفونة ~~فيها للانتفاع بها، والحجر السفلاني من الرحى المنصوب، والأبواب المنصوبة ~~وفي الحجر الفوقاني والمفتاح وجهان: # أحدهما: يدخل، لأنه من مصلحة ما هو داخل في البيع، فهو كالباب. # والثاني: لا يدخل، لأنه ينفرد عنه، فهو كالدلو، وما هو منفصل عنها مما ~~ليس من مصلحتها، كالدلو والحبل والبكرة والقفل لم يدخل في البيع، لأنه ~~منفصل عنها غير مختص بمصلحتها، أشبه الفرش التي فيها. # PageV02P043 # وإن باعه قرية لم تدخل مزارعها في البيع إلا بذكرها، لأن القرية اسم ~~للأبنية دون المزارع. ### | باب بيع الثمار # لا يجوز بيع الثمار والزرع قبل بدو الصلاح من غير شرط القطع. لما روى ms0464 ابن ~~عمر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها» ~~متفق عليه. وفي لفظ: «نهى عن بيع الثمار حتى تزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض ~~ويأمن العاهة» رواه مسلم. ولأن في بيعه عزرا من غير حاجة فلم يجز كما لو ~~شرط التبقية، فإن باعها بشرط القطع جاز، لأنه يأخذها قبل تلفها، فيأمن ~~الغرر. وإن باعها لمالك الأصل ففيه وجهان: # أحدهما: يصح لأنها تحصل لمالك الأصل فجاز، كما لو باعهما معا. # والثاني: لا يصح، لأنه أفردها بالعقد أشبه ما لو باعها لغيره، وإنما يصح ~~إذا باعهما لأنها تدخل تبعا كالحمل مع أمه. وإذا بدا الصلاح جاز بيعها بشرط ~~القطع مطلقا وبشرط التبقية للخبر، ولأنه أمن العاهة، فجاز بيعه كسائر ~~الأموال. # فصل: # وبدو الصلاح في ثمرة النخل أن يحمر، أو يصفر، وفي العنب أن يسود أو ~~يتموه، وفي الحب أن يشتد أو يبيض، وفي سائر الثمار أن يبدو فيه النضج، أو ~~يطيب أكله، لما روي «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن بيع ~~الثمرة حتى تطيب» . متفق عليه. ونهى عن بيع الثمرة حتى تزهو، قيل: وما ~~تزهو؟ قال: تحمار، أو تصفار. «ونهى عن بيع الحب حتى يشتد، وعن بيع العنب ~~حتى يسود» . رواه الترمذي. # وإذا بدا الصلاح في نوع جاز بيع ما في البستان منه وعنه: لا يباع إلا ما ~~بدا صلاحه للخبر. والأول أظهر، لأن ذلك يؤدي إلى الضرر والمشقة وسوء ~~المشاركة، وفي سائر الجنس وجهان. مضى توجيههما في التأبير. ولا يختلف ~~المذهب أن بدو الصلاح في بعض الشجرة صلاح لجميعها، وأن بدو صلاح جنس ليس ~~بصلاح لجنس آخر، لأنه لا يفضي إلى سوء المشاركة، وإن بدا صلاح ثمرة بستان ~~لم يكن صلاحا لثمرة غيره، وعنه: يكون صلاحا فيما قاربه، لأنهما يتقاربان في ~~الإدراك، والمذهب: الأول، لأنه لا يفضي إلى سوء المشاركة وإن بدا الصلاح في ~~ثمرة بستان، فأفرد بالبيع ما لم يبد صلاحه لم يجز، لأنه لم يبد صلاح شيء من ~~المبيع، أشبه ms0465 البستان الآخر وفيه وجه آخر: أنه يجوز، لأنه يجوز بيعه مع ~~غيره، فجاز منفردا كالذي بدا صلاحه. # PageV02P044 # فصل: # وإذا ابتاع ثمرا أو زرعا بعد صلاحه لم يكلف قطعه قبل أوان الحصاد ~~والجذاذ، لأن ذلك العادة في نقله فحمل البيع عليه، لما ذكرنا في الثمرة ~~المؤبر، وإن احتاجت إلى سقي لزم البائع سقيها، لأن عليه تسليمها في أوان ~~حصادها ولا يحصل إلا بالسقي فلزمه، بخلاف ثمرة البائع المؤبرة على أصول ~~المشتري لا يلزمه سقيها لأنه لا يلزمه تسليمها وإن تلفت بجائحة من السماء، ~~فهي من ضمان البائع لما روى جابر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ~~بوضع الجوائح» . وفي لفظ قال: «إن بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة، فلا يحل ~~لك أن تأخذ منه شيئا بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟» رواهما مسلم. ولأنها تؤخذ ~~حالا فحالا فكانت من ضمان البائع، كالمنافع في الإجارة. والجائحة: ما لا ~~صنع لآدمي فيها. فإن أتلفها آدمي، فللمشتري الخيار بين الفسخ والرجوع ~~بالثمن، وبين الإمساك ومطالبة المتلف بالقيمة، وظاهر المذهب أنه لا فرق بين ~~القليل والكثير، إلا أن يكون التالف يسيرا جرت العادة بتلف مثله. قال أحمد: ~~لا أقول في عشر تمرات، ولا عشرين تمرة، ولا أدري ما الثلث وذلك لأن الشرع ~~أمر بوضع الجوائح، ولم يجعل له حدا فوجب رده إلى ما يتعارفه الناس جائحة. ~~وعنه: أن ما دون الثلث من ضمان المشتري، لأن الثمرة لا بد من تلف شيء منها ~~فلا بد من حد فاصل. والثلث يصلح ضابطا، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«والثلث كثير» ، وإن بلغت الثمرة أو الزرع أوان الحصاد فلم ينقل حتى هلك، ~~فهو من ضمان المشتري، لأنه لزمه النقل فكان التفريط منه فاختص الضمان به. ~~وإن اختلفا في التلف أو في قدره فالقول قول البائع، لأنه غارم، ولأن الأصل ~~السلامة. ولو اشترى الثمرة من الشجرة، أو الزرع مع الأرض زال الضمان عن ~~البائع بمجرد العقد، لأنه حصل التسليم الكامل بتسليم الأصل، فأشبه بيع ~~الدار. # فصل: # وإذا اشترى ms0466 ثمرة شجرة فحدثت ثمرة أخرى، فاختلطتا ولم تتميزا، أو حنطة ~~فانثالت عليها أخرى لم يبطل البيع، لأن المبيع باق انضاف إليه غيره فأشبه ~~ما لو اشتبه العبد المبيع بغيره، ويشتركان كل واحدة بقدر ماله إن علم قدره، ~~وإلا وقف حتى يصطلحا، ويحتمل أن يبطل العقد لتعذر تسليم المستحق، فأشبه تلف ~~المبيع. ولو باع # PageV02P045 # الأصل وعليه ثمرة له، فحدثت للمشتري ثمرة اختلطت بها لم يبطل العقد، لأن ~~المبيع هو الشجرة. ولم يختلط بغيره، ويشتركان في الثمرة كما بينا. ولو باع ~~ثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع، وتركها حتى بدا صلاحها، أو جزة من الرطبة ~~فطالت حيلة فالعقد باطل من أصله. نص عليه لأن الحيل لا تجوز في الدين، وإن ~~لم تكن حيلة، ففيه روايتان: # إحداهما: يبطل العقد، لأن البقية معنى حرم اشتراطه لحق الله تعالى، فأبطل ~~العقد حقيقته، كالنسيئة في الربويات. # والثانية: لا يبطل، لأنها زيادة في عين المبيع فلم يبطل بها البيع، كسمن ~~العبد. قال القاضي: والزيادة للمشتري لذلك. وعن أحمد: أنهما يشتركان في ~~الزيادة على كلتا الروايتين، لحصولها في ملك المشتري، بسبب الأصل الذي ~~للبائع. وعنه: يتصدقان بها، قال القاضي: هذا على سبيل الاستحباب، لاشتباه ~~الأمر فيها فينظر كم قيمتها قبل بدو صلاحها وبعده؟ فيشتركان فيها أو ~~يتصدقان بها، وإن جهلت القيمة وقف الأمر حتى يصطلحا. # فصل: # وإذا كانت شجرة تحمل حملين، فباع أحدهما عالما أنه يحدث الآخر فيختلط ~~بالأول فالبيع باطل، لأنه باع ما لا يقدر على تسليمه، لأن العادة فيه ~~الترك، فيختلط بالآخر ويتعذر التسليم. # فصل: # ولا يجوز بيع الرطبة ونحوها مما يثبت أصله في الأرض، ويؤخذ ما يظهر منه ~~بالقطع دفعة بعد أخرى، إلا أن يبيع الظاهر بشرط القطع في الحال، لأن ما في ~~الأرض مغيب، وما يحدث منه معدوم، فلم يجز بيعه، كالذي يحدث من الثمرة. وإذا ~~باع القثاء والباذنجان ونحوها لقطة لقطة جاز، ويكون للمشتري جميع اللقطة، ~~وما حدث للبائع. # قال القاضي: ويجوز بيع أصولها، صغارا كانت أو كبارا، مثمرة أو غير مثمرة، ~~لأنه ms0467 أصل تكرر منه الثمر فأشبه الشجر يكون حكمه حكم الشجر في أن ما كان من ~~ثمرته ظاهرا عند البيع، فهو للبائع، وما لم يظهر فهو للمشتري. ولا يجوز بيع ~~الفجل والجزر نحوهما في الأرض، لأن المقصود منها مغيب فأشبه بيع النوى في ~~التمر. # PageV02P046 ### | باب بيع المصراة # لا يحل بيع المصراة، فإن باعها فالبيع صحيح، فإن كانت من بهيمة الأنعام ~~ولم يعلم المشتري ثم علم، فهو مخير بين إمساكها وردها، لما روى أبو هريرة ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تصروا الإبل والغنم، فمن ~~ابتاع فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاعا من ~~تمر» . متفق عليه. ولأن هذا تدليس بما يختلف الثمن به، فأثبت الخيار كتسويد ~~الشعر. قال أبو الخطاب: متى علم التصرية فله الخيار، لأنه علم سبب الرد ~~فملكه، كما لو علم العيب. وقال القاضي: لا يثبت له الرد إلا عند انقضاء ~~ثلاثة أيام، لأن اللبن قد يختلف لاختلاف المكان، وتغير العلف فإذا مضت ~~الثلاثة بانت التصرية، ويثبت الخيار على الفور. وقال ابن أبي موسى: إذا علم ~~التصرية فله الخيار إلى تمام ثلاثة أيام من حين البيع، لما روى أبو هريرة: ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من اشترى مصراة فهو فيها ~~بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر» . ~~رواه مسلم. # فصل # ويلزمه مع ردها صاعا من تمر بدلا عن اللبن الموجود حال العقد للخبر. ~~ويكون جيدا غير معيب، لأنه واجب بإطلاق الشرع، فأشبه الواجب في الفطرة، وإن ~~ردها قبل حلبها لم يلزمه شيء، لأنه بدل اللبن، ولم يأخذه، وإن ردها بعد ~~حلبها، ولبنها موجود غير متغير ففيه وجهان: # أحدهما: يرده ولا شيء عليه، لأنه بحاله لا عيب فيه. # والثاني: عليه صاع تمر، ولا يلزم البائع قبول اللبن، لأنه يسرع إليه ~~التغير، وكونه الضرع أحفظ له، فإن تغير اللبن فعليه الثمن، ولا يلزم البائع ~~قبول اللبن لتغيره. # وقال القاضي: يلزمه قبوله لأن ms0468 النقص فيه حصل باستعلام المبيع. فإن لم ~~يقدر على التمر، فقيمته في الموضع الذي وقع عليه العقد، لأنه بمنزلة عين ~~أتلفها، ولو رضي بالتصرية وأصاب عينا سواها فله ردها، لأن رضاه بعيب لا ~~يمنع الرد بما سواه وعليه مع الرد صاع تمر، لأنه عوض للبن التصرية، فيكون ~~عوضا له مطلقا ويحتمل أن لا يلزمه هاهنا إلا مثل اللبن، لبن الأصل وجوب ~~ضمان اللبن بمثله خولف فيما إذا رد المصراة من أجل التصرية للخبر، ففيما ~~إذا ردها لعيب آخر يبقى على الأصل كما لو كانت غير مصراة وفيها لبن. وإن ~~اشترى شاة غير مصراة، فحدث لها لبن فاحتلبه، ثم # PageV02P047 # ردها بعيب، فلا شيء عليه، لأن اللبن حدث في ملكه، وإن كان فيها لبن يسير ~~لا يخلو الضرع من مثله، فلا شيء فيه، لأن مثل هذا لا عبرة به. وإن كان ~~كثيرا فعليه مثله، لأن الأصل ضمان اللبن بمثله، فلا يبطل بمخالفته في لبن ~~التصرية، وإن كان باقيا انبنى على رد لبن التصرية، لما ذكرنا، فإن قلنا: لا ~~يرده فبقاؤه كتلفه. وهل له رد المبيع؟ يخرج على الروايتين فيمن اشترى ثوبا ~~فقطعه، ثم علم عيبه. # فصل # فإن كانت المصراة أمة، أو أتانا، ففيه وجهان: # أحدهما: لا رد له، لأن لبنها لا عوض له، ولا يقصد قصد لبن الأنعام. # والثاني: له الرد، لأن الثمن يختلف بذلك، لأن لبن الأمة يحسن ثدييها، ~~ويرغب فيها ظئرا، ولبن الأتان يراد لولدها، فإن حلبها فلا شيء عليه للبنها، ~~لأنه لا قيمة له. # فصل # وكل تدليس بما يختلف به الثمن يثبت خيار الرد قياسا على التصرية، كتجعيد ~~شعر الجارية، وتسويده وتحمير وجهها، وجمع الماء على الرحى وقت عرضها وعلى ~~المشتري. فإن حصل ذلك بغير قصد، كاجتماع اللبن في الضرع بغير تصرية واحمرار ~~وجه الجارية لخجل، أو تعب فهو كالتدليس، لأن الخيار ثبت لدفع الضرر عن ~~المشتري، فلم يختلف بالقصد وعدمه، كالعيب. وإن رضي المشتري بالمدلس، فلا ~~أرش له، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خير بين إمساك المصراة ms0469 بغير شيء، ~~وردها مع التمر. # فصل # وإن دلس بما لا يختلف به الثمن، كتبييض الشعر، وتسبيطه، فلا خيار ~~للمشتري، لأنه لا ضرر في ذلك. وإن علف شاة فظنها المشتري حاملا، أو سود ~~أنامل العبد ليظنه كاتبا، أو حدادا، أو كانت الشاة عظيمة الضرع خلقة، فظنها ~~كثيرة اللبن فلا خيار له، لأن ذلك لا ينحصر فيما ظنه المشتري، فإن سواد ~~الأنامل قد يكون لولع، أو خدمة كاتب، أو حداد، أو شروعه في ذلك، وانتفاخ ~~البطن قد يكون للأكل، فظن المشتري غير ذلك طمع لا يثبت له خيارا. ### | باب الرد بالعيب # من علم بسلعته عيبا لم يحل له بيعها حتى يبينه، لقول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا فيه ~~عيب إلا بينه له» رواه ابن ماجة. فإن باع ولم يبين فالبيع صحيح، لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - صحح بيع المصراة مع نهيه عنه. وحكي # PageV02P048 # عن أبي بكر: أن البيع باطل لظاهر النهي، ومن اشترى معيبا أو مصراة أو ~~مدلسا يعلم حاله، فلا خيار له، لأنه بذل الثمن فيه راضيا به عوضا، فأشبه ما ~~لا عيب فيه. وإن لم يعلم فله الخيار بين رده وأخذ الثمن، لأنه بذل الثمن ~~ليسلم له مبيع سليم ولم يسلم له، فثبت له الرجوع بالثمن، كما في المصراة - ~~وبين إمساكه المعيب وأخذ أرشه، لأن الجزء الفائت بالعيب يقابله جزء من ~~الثمن. فإذا لم يسلم له كان له ما يقابله. كما لو تلف في يده. ومعنى الأرش: ~~أن ينظر بين قيمته سليما ومعيبا فيؤخذ قدره من الثمن. فإذا نقصه العيب عشر ~~قيمته فأرشه عشر ثمنه لأن ذلك هو المقابل للجزء الفائت. # فصل # فإن نما المبيع المعيب نماء متصلا كالسمن والكبر، والتعلم والحمل والثمرة ~~قبل الظهور، وأراد الرد، رده بزيادته، لأنها لا تنفرد عن الأصل في الملك ~~فلم يجز رده دونها. وإن كانت منفصلة، كالكسب واللبن وما يوهب له، والولد ~~المنفصل، والثمرة الظاهرة رد الأصل وأمسك النماء. وعنه: ليس ms0470 له رده دون ~~نمائه، والأول المذهب لما روت عائشة: «أن رجلا ابتاع غلاما فاستغله ما شاء ~~الله ثم وجد به عيبا فرده. فقال يا رسول الله: إنه استغل غلامي، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: الخراج بالضمان» رواه أبو داود. إلا أن الولد ~~إن كان لآدمية لم يملك ردها دونه، لأن فيه تفريقا بينهما، وذكر الشريف: أن ~~له ردها، لأنه موضع حاجة، أشبه من ولدت حرا فباعها دونه، والأول أولى، لأن ~~الجمع ممكن بأخذ الأرش أو ردهما معا. فإن كان المبيع حاملا فولدت عند ~~المشتري، ثم ردها رد الولد معها، لأنه من جملة المبيع، والولادة نماء متصل. # فصل # وإن تعيب المبيع عند المشتري ففيه روايتان: # إحداهما: له أرش العيب وليس له رده، لأن في رده ضررا، فلا يزال الضرر ~~بالضرر. # والثانية: يرده، وأرش العيب الحادث عنده، ويأخذ الثمن، لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أمر برد المصراة بعد أخذ لبنها، ورد عوضه، ولأن جواز الرد ~~كان ثابتا، فلا يزول إلا بدليل، ولا نص في منع الرد، ولا قياس فيبقى بحاله. ~~فإن دلس البائع العيب فتعيب عند المشتري، أو تلف بفعله أو غيره، فالمنصوص ~~أنه يرجع بالثمن ولا شيء عليه، لأنه مغرور، والقياس يقتضي التسوية بين ~~المدلس وغيره، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب على مشتري المصراة ~~عوض لبنها مع التدليس، وجعل الخراج بالضمان، ولم يفرق بين مدلس وغيره. # PageV02P049 # وعن أحمد: في المبيع إذا كان صانعا، أو كاتبا فنسي عند المشتري يرده ~~بالعيب، ولا شيء معه. وهذا يحتمل أن يكون فيمن دلس العيب دون غيره، لأن ~~الصناعة والكتابة متقومة تضمن في الغصب. وعلله القاضي: أنه ليس بنقص في ~~العين، ويمكن تذكره فيعود. # فصل # وما تعيب قبل قبضه، وهو مما يدخل في ضمان المشتري، فهو كالعيب الحادث في ~~يده. وإن كان مما ضمانه على البائع، فهو كالعيب القديم، لأن من ضمن جملة ~~المبيع ضمن أجزاءه. # فصل # وإن وطئ المشتري الأمة ففيه روايتان: # إحداهما: ليس له ردها وله الأرش، لأن الوطء ms0471 يجري مجرى الجناية، لا يخلو ~~من عقر أو عقوبة. # والثانية: له ردها إن كانت ثيبا ولا شيء معها، لأنها معنى لا ينقص عينها، ~~ولا قيمتها، ولا يتضمن الرضاء بالعيب، فأشبه الاستخدام. وإن كانت بكرا فهو ~~كتعيبها عنده، فإن ردها رد أرش نقصها كما لو عابت عنده. # فصل # فإن لم يعلم بالعيب حتى هلك المبيع بقتل أو غيره أو أعتقه أو وقفه، أو ~~أبق أو باعه، أو وهبه فله الأرش، لأنه تعذر عليه الرد. وإن فعل ذلك مع علمه ~~بالعيب فلا أرش له، لرضاه به معيبا. ذكره القاضي. وقال أبو الخطاب في ~~المبيع والهبة: رواية أخرى: له الأرش، ولم يعتبر علمه، وهو قياس المذهب، ~~لأننا جوزنا له إمساكه بالأرش، وتصرفه فيه كإمساكه. وإن باعه قبل العلم، ثم ~~رجع إليه ببيع أو غيره فله رده أو أرشه، لأن ذلك امتنع عليه، لخروجه من ~~ملكه، وبرجوعه إليه عاد الإمكان. # فصل # وإن باع بعضه أو وهبه فله أرش الباقي، فأما أرش ما باع فينبني على ما ~~قلنا في بيع الجميع وفي جواز رد الباقي بحصته من الثمن روايتان: # إحداهما: يجوز. ذكره الخرقي، لأن رده ممكن. # والأخرى: لا يجوز. لأن فيه تبعيض الصفقة على البائع فلم يجز. كما لو كان ~~المبيع عينين ينقصهما التفريق. ولو اشترى شيئين فوجد بأحدهما عيبا، فله ~~ردهما معا أو # PageV02P050 # إمساكهما، وأخذ الأرش، فإن أراد رد المعيب وحده ففيه الروايتان، إلا أن ~~يكونا مما ينقصهما التفريق، كمصراعي باب، وزوجي خف، أو ممن لا يحل التفريق ~~بينهما، كالأخوين فليس له إلا ردهما أو إمساكهما مع الأرش، لأن في رد ~~أحدهما تفريقا محرما، أو إضرارا بالبائع، لنقصان قيمة المردود بالتفريق. ~~وإن تلف أحد المبيعين ووجد بالآخر عيبا، فعلى الروايتين. وإن اختلفا في ~~قيمة التالف فالقول قول المشتري، لأنه كالغارم، فهو كالمستعير والغاصب، وإن ~~كانا معيبين باقيين، فأراد رد أحدهما وحده، فهي كالتي قبلها. وقال القاضي: ~~ليس له رد أحدهما، لأنه أمكنه ردهما معا. ولو كان المبيع عينا واحدة فأراد ~~رد بعضها، لم يملك ms0472 ذلك وجها واحدا، لأن فيه تشقيص المبيع على البائع، ~~وإلحاقا لضرر الشركة به. # فصل # وإن اشترى اثنان شيئا فوجداه معيبا فرضيه أحدهما، ففيها روايتان: # إحداهما: للآخر رده نصيبه، لأنه جميع ما ملكه بالعقد فملك رده بذلك، كما ~~لو انفرد. # والأخرى: ليس له رد، لأن المبيع خرج عن ملك البائع كاملا فلم يملك ~~المشتري رده مشقصا. كما لو اشترى العين كلها ثم رد بعضها. ولو ورث اثنان ~~خيار عيب في سلعة، فرضي أحدهما سقط رد الآخر، لأن العقد عليها واحد، بخلاف ~~شراء الاثنين، فإنه عقدان. وإن اشترى واحد من اثنين شيئا، فوجده معيبا، فله ~~رد نصيب أحدهما عليه منفردا، لأنه يرد عليه جميع ما باعه. # فصل # ومن اشترى معيبا فزال عيبه قبل رده، مثل أن يشتري أمة مزوجة فطلقها ~~الزوج، فلا خيار له، نص عليه أحمد، لأن الضرر زال. ولو اشترى مصراة فصار ~~لبنها عادة، فلا خيار له. وإن قال البائع: أنا أزيل العيب، مثل أن يشتري ~~أرضا فيها حجارة تضرها، فقال البائع: أنا أقلعها في مدة لا [أجرة] لها، أو ~~اشترى أرضا فيها بذر للبائع، فقال: أنا أحوله سقط الرد، لأن الضرر يزول من ~~غير ضرر. # فصل # ذكر القاضي ما يدل على أن في خيار العيب روايتين: # إحداهما: هو على التراخي، لأنه خيار لدفع الضرر المتحقق، فكان على ~~التراخي، كخيار القصاص. فعلى هذا هو على خيار ما لم يوجد منه ما يدل على ~~الرضى من التصرف على ما ذكرنا في باب الخيار. # PageV02P051 # والثانية: هو على الفور، لأنه خيار ثبت بالشرع لدفع الضرر عن المال فأشبه ~~خيار الشفعة. ولو حلب لبنها الحادث أو ركبها ليردها أو ليختبرها لم يكن ~~رضى، لأنه حق له إلى أن يرد، فلم يمنع منه. # فصل # وله الرد من غير رضى صاحبه ولا حضوره، لأنه رفع عقد جعل إليه فلم يعتبر ~~ذلك فيه، كالطلاق. ويجوز من غير حكم حاكم، لأنه مجمع عليه، فلم يحتج إلى ~~حاكم، كفسخ المعتقة للنكاح. # فصل # والعيوب هي النقائص المعدودة عيبا، فما خفي ms0473 منها رجع إلى أهل الخبرة به. ~~فمن العيوب في الخلقة المرض، والجنون والجذام والبرص والعمى والعور، والعرج ~~والعفل والقرع، والصمم والخرس، والأصبع الزائدة والناقصة، والحول والخوص ~~والسبل، وهو زيادة في الأجفان والبخر والخصا والتخنيث، وكونه خنثى والحمق ~~البات، والتزوج في الرقيق. فأما عدم الختان فليس بعيب في الصغير، لأنه لم ~~يفت وقته، ولا في الكبير المجلوب، لأن ذلك عادتهم، وهو عيب في الكبير ~~المولود في الإسلام، لأن عادتهم الختان والكبير يخاف عليه، فأما العيوب ~~المنسوبة إلى فعله كالسرقة والإباق والبول في الفراش، فإن كانت من مميز ~~جاوز العشر فهي عيب، لأنه يذهب بمال سيده أو يفسد فراشه، وليس عيبا في ~~الصغير، لأنه لا يكون لضعف بنيته أو عقله والزنا عيب. لأنه يوجب الحدود ~~وكذلك شرب المسكر، والحمل عيب في الأمة، لأنه يخاف منه عليها، وليس بعيب في ~~غيرها، لعدم ذلك. والثيوبة وكون الأمة لا تحيض ليس بعيب، لأن الإطلاق لا ~~يقتضي وجود ذلك ولا عدمه، وكذلك كونها محرمة على المشتري بنسب أو رضاع أو ~~إحرام أو عدة، لأن ما يختص بالمشتري لا ينقص ثمنها، وسائر ذلك يزول عن قرب. ~~ومعرفة الغناء والحجامة ليس بعيب، لأن النقص فعل ذلك لا العلم به. والكفر ~~وكونه ولد زنا ليس بعيب، لأن الأصل في الرقيق الكفر، ولا يقصد فيهم النسب، ~~وكون الجارية لا تحسن الطبخ والخبز ليس بعيب، لأن هذه صناعة، والجهل به ~~كالجهل بسائر الصنائع. # PageV02P052 # فصل # وإن شرط في المبيع صفة مقصودة، مثل أن شرط الأمة بكرا أو جعدة أو العبد ~~كاتبا أو ذا صناعة أو فحلا، أو خصيا أو مسلما، أو الدابة هملاجة، أو الفهد ~~صيودا، أو الشاة لبونا، فبان خلاف ذلك فله الرد، لأنه لم يسلم له ما بذل ~~الثمن فيه، فملك الرد، كما لو وجده معيبا. وإن شرط الأمة سبطة أو جاهلة، ~~فبانت جعدة أو عالمة فلا خيار له، لأنها زيادة، وإن شرطها ثيبا فبانت بكرا ~~فكذلك، ويحتمل أن له الخيار، لأنه قد يشترط الثيوبة لعجزه عن البكر، وإن ~~شرطها ms0474 كافرة فبانت مسلمة، ففيه وجهان: # أحدهما: لا خيار له، لأنها زيادة. # والثاني: له الخيار، لأنه يتعلق به غرض صحيح، وهو صلاحها للمسلم والكافر، ~~وإن شرطها حاملا صح. # وقال القاضي: قياس المذهب أنه لا يصح، لأن الحمل لا حكم له، والصحيح ~~الأول، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «حكم في الدية بأربعين خلفة في ~~بطونها أولادها» . ولأن الحمل يثبت الرد في المعيبة، ويوجب النفقة ~~للمبتوتة، ويمنع كون الدم فيه حيضا، والطلاق فيه بدعة، ويجوز الفطر في ~~رمضان للخوف عليه، ويمنع إقامة الحد والقصاص. وإن شرط في الطير أنه مصوت، ~~أو في الديك أنه يصيح في وقت من الليل صح، لأن ذلك عادة له، فجرى مجرى ~~الصيد في الفهد، وقال بعض أصحابنا: لا يصح، لأنه يجوز أن يوجد وأن لا يوجد. ~~وإن شرط أن يجيء من مسافة ذكرها صح، لأن ذلك عادة، وفيه قصد صحيح لتبليغ ~~الأخبار، فهو كالصيد في الفهد. # وقال القاضي: لا يصح، لأنه تعذيب للحيوان. وإن شرط الغناء في الأمة، وفي ~~الكبش أنه مناطح، وفي الديك أنه مقاتل لم يصح لأنه منهي عنه، فهو كالزنا في ~~الأمة. # فصل # وإذا اشترى ما مأكوله في جوفه فوجده معيبا فله الرد. وعنه: لا شيء له، ~~لأنه لا تدليس من البائع، ولا يمكنه معرفة باطنه، والأول: أصح، لأن عقد ~~البيع اقتضى السلامة، فإذا بان معيبا ملك رده كالعبد. وإن كان مما لا قيمة ~~له، كبيض الدجاج، والجوز الخرب، والرمان الفاسد رجع بالثمن كله، لأن هذا ~~ليس بمال فبيعه فاسد، كالحشرات. وإن كان الفساد في بعضه رجع بقسطه. وإن كان ~~مما لمكسوره قيمة، كجوز الهند وبيض النعام، فقال الخرقي: يرجع بالثمن وعليه ~~أرش الكسر، كما لو كان المبيع ثوبا فقطعه، واختار القاضي: أنه إن كان الكسر ~~لا يزيد على ما يحصل به استعلام # PageV02P053 # المبيع، رده ولا شيء عليه، لأن ذلك حصل ضرورة استعلام المبيع، والبائع ~~سلطه عليه فلم يمنع الرد، كحلب لبن المصراة، وإن زاد على ذلك خرج فيه ~~روايتان، كسائر المعيب الذي يعيب ms0475 عنده. # فصل # وإن اشترى ثوبا لا ينقصه نشره فنشره فله رده بالعيب، وإن كان ذلك ينقصه ~~فهو كجوز الهند. وإن صبغ الثوب ثم وجده معيبا فله الأرش لا غير. وعنه: يرده ~~ويكون شريكا للبائع بقيمة الصبغ. وعنه: يرده ويأخذ زيادته بالصبغ. والأول: ~~المذهب، لأن إجبار البائع على بذل ثمن الصبغ إجبار على المعاوضة، فلم يجز ~~لقول الله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] [النساء: ~~29] . # فصل # وإذا اشترط البائع البراءة من كل عيب لم يبرأ لأن البراءة مرفق في البيع ~~لا يثبت إلا بالشرط، فلم يثبت مع الجهالة كالأجل، وعنه: يبرأ، إلا أن يكون ~~البائع علم بالعيب فكتمه، لما روي أن ابن عمر باع عبدا من زيد بن ثابت بشرط ~~البراءة بثمانمائة درهم، فأصاب به عيبا، فأراد رده على ابن عمر، فلم يقبله، ~~فترافعا إلى عثمان، فقال عثمان لابن عمر: أتحلف أنك لم تعلم بهذا العيب، ~~فقال: لا، فرده عليه. وهذه القصة اشتهرت فلم تنكر، فكانت إجماعا، ويتخرج أن ~~يبرأ مطلقا بناء على قوله في صحة البراءة من المجهول، ولأنه إسقاط حق من ~~مجهول لا تسليم فيه، فصح كالعتاق. وإن قلنا بفساد الشرط فالبيع صحيح، لأن ~~ابن عمر باع بشرط البراءة، فأجمعوا على صحته، ويتخرج فساده بناء على الشروط ~~الفاسدة. ### | باب بيع المرابحة والمواضعة والتولية والإقالة # بيع المرابحة: أن يخبر برأس ماله ثم يبيع به ويربح، فيقول: رأس مالي فيه ~~مائة، بعتكه بها وربح عشرة، فهذا جائز غير مكروه، لأن الثمن معلوم. وإن ~~قال: بعتك بها وربح درهم في كل عشرة، أو قال ده يازده، أو ده دواز ده، فهو ~~صحيح أيضا جائز غير مكروه لأن الثمن معلوم. فهي كالتي قبلها، لكن كرهه ~~أحمد، لأن ابن عمر وابن عباس كرهاه، لأنه بيع الأعاجم ولأن الثمن قد لا ~~يعلم في الحال. # فصل: # ولا يخبر إلا بما يلزم من الثمن، وما يزاد فيه في مدة الخيار يخبر به، ~~لأنه من الثمن. وما حط عنه في الخيار نقصه لذلك. وما كان ms0476 بعد لزوم العقد لا ~~يخبر به، لأنه # PageV02P054 # تبرع من أحد المتعاقدين لا يلزمه، فلم يخبر به كما لو وهبه شيئا. وإن تمت ~~العين ولم يزد على رأس المال، فإن كان النماء منفصلا لم تنقص به العين، فله ~~أخذه ويخبر برأس المال، لأنه في مقابلة العين دون نمائها. وعنه: أنه يبين ~~ذلك، لأنه أبعد من اللبس. وإن عمل في العين عملا من قصارة، أو خياطة أو ~~حمل، أخبر بالحال على وجهه، سواء عمله بنفسه أو بالأجرة، قال أحمد: يبين ما ~~اشتراه به وما لزمه. فإن ضم ذلك إلى رأس المال وأخبر أنه اشترى به لم يجز، ~~لأنه كذب، وإن قال: تحصل علي بكذا لم يجز فيما عمله بنفسه، لأنه كذب. وجاز ~~فيما استأجر عليه في أحد الوجهين، لأنه صادق، والآخر: لا يجوز، وهو ظاهر ~~كلام أحمد، لأن فيه تلبيسا فلعل المشتري لو علم الحال لم يرغب فيه، لكون ~~ذلك العمل مما لا حاجة به إليه، فأشبه ما أنفق عليه في مؤنته وكسوته، فإنه ~~لا يجوز الإخبار به، وجها واحدا وكذلك كري مخزنه وحافظه، إلا أن يخبر ~~بالحال على وجهه، فإن ذلك لا يزيد في ثمنه. # فصل: # فإن نقص المبيع لمرض، أو تلف جزء، أو تعيب أو وجد به عيبا، أو جني عليه ~~فأخذ أرشه، أخبر بالحال على وجهه. وقال أبو الخطاب: يحط الأرش من الثمن، ~~ويخبر بما بقي، فيقول: تقوم علي بكذا. والأول أولى، لأنه أبعد من اللبس ~~والفرق بين الأرش والكسب أن الأرش عوض ثمن، فهو كثمن جزء بيع منه، والكسب ~~لم ينقص به المبيع. ولو جنى العبد ففداه المشتري لم يرد ذلك في رأس المال، ~~لأنه ليس من الثمن ولا زاد به المبيع. وإن نقص المبيع لتغير الأسعار فقال ~~أصحابنا: لا يلزمه الخبر به، لأنه صادق بدونه. والأولى: أنه يلزمه، لأن ~~المشتري لو علم ذلك لم يرضى به، فجرى مجرى نقصه بعيب. وإن حط بعض رأس ~~المال، وأخبر بالباقي لم يجز، لأنه كذب وتغرير بالمشتري. # فصل: # فإن اشترى اثنان ms0477 شيئا وتقاسماه، فقال أحمد: لا يبيع أحدهما مرابحة، إلا ~~أن يقول: اشتريناه جماعة ثم تقاسمناه. وإن اشترى شيئين بثمن واحد، ثم أراد ~~بيع أحدهما، أو اشترى شجرة مثمرة، فأخذ ثمرتها، أو شاة فأخذ صوفها، أو ~~لبنها الذي كان فيها، ثم أراد بيع الأصل مرابحة أخبر بالحال على وجهه، ولا ~~يجوز بيعه بحصته من الثمن، لأن قسمة الثمن طريقه الظن، واحتمال الخطأ فيه ~~كثير، ومبنى المرابحة على الأمانة فلم يجز هذا فيه. فإن كان المبيع مما ~~ينقسم الثمن عليه بالأجزاء، كالمكيل والموزون من جنس جاز بيعه بحصته من ~~الثمن، لأنه ينقسم على أجزائه، وجزؤه معلوم يقينا. وإن أسلم في ثوبين صفقة ~~واحدة ثمنا واحدا، فأخذهما على الصفة، # PageV02P055 # فالقياس جواز بيع أحدهما بحصته من الثمن، لأن الثمن منقسم عليهما نصفين، ~~وما زاد على الصفة في أحدهما لم يقابله شيء من الثمن، فجرى مجرى النماء ~~الحادث بعد الشراء. # فصل: # فإن اشتراه من أبيه، أو ممن لا تقبل شهادته له لم يجز بيعه مرابحة حتى ~~يبين أمره، لأنه متهم في حقهم أنه يحابيهم، وإن اشتراه من غلام دكانه أو ~~غيره حيلة لم يجز بيعه مرابحة، وإن لم يكن حيلة جاز، لأنه لا تهمة في حقه. # فصل: # وإن اشترى شيئا ثم باعه بربح، ثم اشتراه، فأعجب أحمد - رضي الله عنه - أن ~~يخبر بالحال على وجهه، أو يطرح الربح من الثمن الثاني، ويخبر بما بقي، لأن ~~هذا مذهب ابن سيرين، ولأن الربح أحد نوعي النماء، فيخبر به في المرابحة ~~كالولد والثمرة، ولعل هذا من أحمد على سبيل الاستحباب، لأنه أبلغ في ~~البيان. ويجوز الإخبار بالثمن الثاني وحده، لأنه الثمن الذي حصل به هذا ~~الملك، فجاز الخبر به وحده كما لو خسر فيها. # فصل: # فإن بان للمشتري أن البائع أخبر بأكثر من رأس المال فالبيع صحيح لأنه زاد ~~في الثمن فلم يمنع صحته كالتصرية، ويرجع عليه بالزيادة وحظها بالربح، لأنه ~~باع برأس ماله وما قرره من الربح. فإذا بان رأس المال كان معيبا به وبقدره ~~من الربح. ms0478 وإن اختار المشتري رد المبيع، وظاهر كلام الخرقي أنه لا خيار له، ~~لأنه رضي المبيع بثمن حصل له بدونه، فلم يكن له خيار، كما لو اشترى معيبا ~~فبان صحيحا، فأما البائع فلا خيار له، لأنه باع برأس ماله وقدره من الربح، ~~وحصل به ما عقد به، وفي سائر ما يلزمه الإخبار بالحال على وجهه، فلم يفعل ~~يخير المشتري بين أخذه بما اشترى به وبين الفسخ، لأنه ليس للمبيع ثمن غير ~~ما عقد به، وإن اشتراه بثمن مؤجل فلم يتبين، فعنه أنه مخير بين الفسخ، ~~وأخذه بالثمن حالا لأن البائع لم يرض بذمة المشتري، فلا يلزمه الرضى بها، ~~وعنه: يخير بين الفسخ وأخذه بالثمن مؤجلا، لأنه الثمن الذي اشترى به ~~البائع، والتأجيل صفة له فأشبه المخبر بزيادة في القدر، وإن علم ذلك بعد ~~تلف المبيع، حبس المال بقدر الأجل. # فصل: # وإن أخبر بالثمن ثم قال غلطت والثمن أكثر، ففيه ثلاث روايات: # PageV02P056 # إحداهن: لا يقبل قوله إلا ببينة، لأنه مقر على نفسه فلم يقبل قوله في ~~الغلط إلا ببينة، كالمضارب يقر بربح. # والثانية: إن كان معروفا بالصدق قبل قوله وإلا فلا، لأنه لما دخل معه في ~~المرابحة فقد ائتمنه، والقول قول الأمين مع يمينه. # والثالثة: لا يقبل قوله، وإن أقام بينة ما لم يصدقه المشتري لإقراره ~~ابتدأ بكذب بينته، فأشبه ما لو أقر بدين. فإن قلنا بقبول بينته، فقال ~~المشتري: أحلفوه أنه وقت البيع لم يعلم أن ثمنها أكثر، فعلى البائع اليمين، ~~فإن نكل أو أقر لم يكن له غير ما وقع عليه العقد، لأنه عقد بهذا الثمن ~~عالما، فلم يكن له غيره، كالمشتري إذا علم العيب حال الشراء، وإن حلف خير ~~المشتري بين فسخ العقد، لأنه لم يرضه بأكثر مما بذله وبين قبوله مع إعطائه ~~ما غلط به حظه من الربح، لأن البائع إنما باعها بهذا الثمن ظنا أنه رأس ~~المال، فعليه ضرر بالنقصان منه. فإذا أخذها المشتري بذلك فلا خيار للبائع، ~~لأنه قد زال عنه الضرر بالتزام المشتري ما غلط ms0479 به، وإن اختار الفسخ فقال ~~البائع: أنا أسقط الزيادة عنك سقط الفسخ، لأنه قد بذلها له بالثمن الذي وقع ~~عليه العقد وتراضيا به. # فصل: # وبيع التولية: هو البيع بمثل الثمن الذي اشترى به، وحكمه حكم المرابحة ~~فيما ذكرنا، ويصح بلفظ البيع، ولفظ التولية، لأنه مؤد لمعناه. قال أحمد: ~~ولا بأس ببيع الرقم، وهو الثمن الذي يكتب على الثوب، ولا بد من علمه حال ~~العقد، ليكون معلوما. فإن لم يعلم فالبيع باطل، لأن الثمن مجهول. وقال: ~~المساومة عندي أسهل من المرابحة، لأن بيع المرابحة يعتبر به أمانة واسترسال ~~من المشتري، ويحتاج إلى تحري الصدق واجتناب الريبة. وقال في رجلين اشتريا ~~ثوبا بعشرين، ثم اشترى أحدهما من صاحبه باثنين وعشرين: فإنه يخير في ~~المرابحة بإحدى وعشرين، لأنه اشترى نصفه بعشرة، ونصفه بأحد عشر. # فصل: # وبيع المواضعة: أن يخبر برأس المال، ثم يبيع به ووضعه كذا، أو يقول: ~~ووضيعة درهم من كل عشرة. وحكمه حكم المرابحة في تفصيله، فإذا قال: رأس مالي ~~فيه مائة بعتك بها ووضيعة درهم من كل عشرة، فالثمن تسعون. لأن المحطوط ~~العشر، وعشر المائة عشرة، وإن قال بوضيعة درهم لكل عشرة، كان الحط من كل ~~أحد عشرة درهما، درهما، والباقي تسعون وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءا من ~~درهم، لأنه إذا # PageV02P057 # قال: لكل عشرة درهم، كان الدرهم من غيرها، فيكون من كل أحد عشرة درهما ~~درهم، وإذا قال: من كل عشرة كان الحط منها فيكون عشرها. # فصل: # وإذا اشترى نصف عبد بعشرة، واشترى آخر نصفه بعشرين، ثم باعاه بثمن واحد ~~مساومة، فالثمن بينهما نصفان، لأنه عوض عنه فيكون بينهما على حسب ملكيهما ~~فيه. وإن باعاه مرابحة، فكذلك في إحدى الروايتين لذلك. والأخرى: هو بينهما ~~على قدر رؤوس أموالهما، لأن بيع المرابحة يقتضي كون الثمن في مقابلة كل ~~واحد منهما، وقيل: المذهب رواية واحدة أنه بينهما نصفان. والقول الآخر وجه ~~خرجه أبو بكر. # فصل: # وإقالة النادم في البيع مستحبة، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال «من ms0480 أقال نادما بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة» أخرجه أبو ~~داود. وهي فسخ في أصح الروايتين. وعنه: أنها بيع، لأنها نقل الملك بعوض على ~~وجه التراضي فكانت بيعا، كالأول، والأولى أولى، لأن الإقالة في السلم تجوز ~~إجماعا. # وبيع السلم لا يجوز قبل قبضه، ولأن الإقالة الرفع والإزالة، ومنه: أقاله ~~الله عثرته. وذلك هو الفسخ، ولأنها تتقدر بالثمن الأول، وتحصل بلفظ لا ~~ينعقد به البيع فكانت فسخا كالرد بالعيب. فعلى هذا تجوز في المبيع قبل ~~قبضه، ولا تجب بها شفعة، وتتقدر بالثمن الأول، ومن حلف لا يبيع، فأقال لا ~~يحنث، وعلى الأخرى تنعكس هذه الأحكام، إلا بمثل الثمن، فإنه على وجهين ~~أصحهما أن تتقدر به، لأنها خصت بمثل الثمن كالتولية، فإن قال بأكثر منه لم ~~يصح وكان الملك باقيا للمشتري، لأنهما تفاضلا فيما يعتبر فيه التماثل، فلم ~~يصح كبيع درهم بدرهمين. ### | باب اختلاف المتبايعين # إذا اختلفا في قدر الثمن والسلعة قائمة تحالفا. لما روى ابن مسعود عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا اختلف البيعان وليس بينهما ~~بينة والبيع قائم بعينه، فالقول ما قال البائع، أو يترادان البيع» رواه ابن ~~ماجة. وفي لفظ «تحالفا» وكان البائع يدعي عقدا بثمن # PageV02P058 # كثير ينكره المشتري، والمشتري يدعي عقدا ينكره البائع، والقول قول المنكر ~~مع يمينه. ويبدأ بيمين البائع، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل القول ~~ما قال البائع، وكان جنبته أقوى، لأنهما إذا تحالفا رجع المبيع إليه، فكانت ~~البداية به أولى. كصاحب اليد. ويجب الجمع في اليمين بين النفي والإثبات، ~~لأنه يدعي عقدا وينكر آخر فيحلف عليهما، ويقدم النفي فيقول: والله ما بعته ~~بكذا، ولقد بعته بكذا، لأن الأصل في اليمين أنها للنفي، ويكفيه يمين واحدة، ~~لأنه أقرب إلى فصل القضاء فإن نكل أحدهما لزمه ما قال صاحبه، وإن رضي ~~أحدهما بما قال الآخر فلا يمين. وإن حلفا ثم رضي أحدهما بما قال الآخر أجبر ~~على القبول، لأنه قد وصل إليه ما ادعاه، وإن لم يرضيا فلكل واحد منهما ~~الفسخ، ms0481 ويحتمل أن الفسخ للحاكم، لأن العقد صحيح، وإنما يفسخ لتعذر إمضائه ~~في الحكم فأشبه نكاح المرأة إذا زوجها الوليان. والأول: المذهب، لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «أو يترادان البيع» فجعله إليهما. وفي سياقه أن ~~ابن مسعود رواه للأشعث بن قيس. وقد اختلف في ثمن مبيع، فقال الأشعث: فإني ~~أرى أن أرد البيع. ولأنه فسخ لاستدراك الظلامة، أشبه رد المعيب. # فصل # وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد - رضي الله عنه - أن الفسخ ينفذ ظاهرا ~~وباطنا، لأنه فسخ لاستدراك الظلامة، فأشبه رد المعيب. واختار أبو الخطاب أن ~~المشتري إن كان ظالما، ففسخ البائع ينفذ ظاهرا وباطنا، لعجزه عن استيفاء ~~حقه فملك الفسخ، كما لو أفلس المشتري. وإن كان البائع ظالما لم ينفذ فسخه ~~باطنا، لأنه يمكنه إمضاء العقد فلم ينفذ فسخه، ولم يملك التصرف في المبيع، ~~لأنه غاصب. # فصل # وإن اختلفا بعد تلف المبيع ففيه روايتان: # إحداهما: يحالفان ويفسخان البيع، لأن المعنى الذي شرع له التحالف حال ~~قيام السلعة موجود حال تلفها فيشرع، ويجب رد قيمة السلعة، فإن اختلفا في ~~قيمتها وجب قيمة مثلها، موصوفا بصفاتها، وإن زادت على ما ادعاه البائع، لأن ~~الثمن سقط ووجبت القيمة. فإن اختلفا في الصفة فالقول قول المشتري مع يمينه، ~~لأنه غارم. # والثانية: القول قول المشتري مع يمينه، اختارها أبو بكر، لقوله في ~~الحديث: «فالبيع قائم بعينه» . فمفهومه أن لا يشرع التحالف مع تلفها، ~~ولأنهما اتفقا على انتقال المبيع إلى المشتري بثمن، واختلفا في الزائد الذي ~~يدعيه البائع وينكره المشتري، والقول قول المنكر، وإنما ترك هذا مع قيام ~~السلعة لإمكان التراد، ولا يمكن رد السلعة # PageV02P059 # بعد تلفها، وإن تقايلا المبيع، أو رد بعيب، ثم اختلفا في الثمن، فقال ~~البائع: هو قليل، وقال المشتري: هو كثير، فالقول قول البائع، لأن البيع قد ~~انفسخ والبائع منكر لما يدعيه المشتري لا غير. وإن مات المتبايعان، ~~فورثتهما بمنزلتهما، لأنها يمين في المال، فقام الوارث فيها مقام الموروث، ~~كاليمين في الدعوى. وإن كان المبيع بين وكيلين تحالفا لأنهما عاقدان، ~~فتحالفا كالمالكين. ms0482 # فصل # وإن اختلفا في قدر المبيع، فقال: بعتك هذا العبد بألف، فقال: بل هو ~~والجارية، فالقول قول البائع نص عليه، لأنه ينكر بيع الجارية فاختصت اليمين ~~به. كما لو اختلفا في أصل العقد. وإن قال: بعتك هذا العبد، فقال: بل بعتني ~~هذا الثوب، حلف كل واحد منهما على ما أنكره خاصة، ثم إن كان العبد في يد ~~البائع فليس للمشتري أخذه، لأنه لا يدعيه، وإن كان في يد المشتري فليس ~~للبائع أخذه لذلك، إلا أن يتعذر عليه ثمنه فيفسخ البيع ويأخذه، والثوب يقر ~~في يد البائع، ويرد إليه إن كان عند المشتري. وإن قامت بينة بالعقدين ثبتا. ~~وإن قامت بينة أحدهما ثبت، ويحلف المنكر للآخر ويبطل حكمه. # فصل # وإن اختلفا في صفة الثمن رجع إلى نقد البلد، نص عليه، فإن كان فيه نقود ~~رجع إلى أوسطها، وعلى من القول قوله اليمين، لأن الظاهر صدقه، فكان القول ~~قوله، كالمنكر، وقال القاضي: يتحالفان. # فصل # وإن اختلفا في أجل، أو شرط، أو رهن، أو ضمين ونحوه، ففيه روايتان: # إحداهما: القول قول من ينكره مع يمينه، لأنه منكر فأشبه منكر العقد من ~~أصله. # والثانية: يتحالفان لأنهما اختلفا في صفة العقد، فأشبه ما لو اختلفا في ~~قدر الثمن، وإن اختلفا فيما يفسد العقد فالقول قول من ينفيه، لأن ظاهر حال ~~المسلم تعاطي الصحيح. وإن قال أحدهما: كنت مكرها، أو مجنونا فالقول قول ~~الآخر، لأن الأصل معه، وإن قال: كنت صغيرا فكذلك، نص عليه، لأنهما اختلفا ~~فيما يفسد العقد، فقدم قول من يدعي صحته، ويحتمل أن القول قول مدعي الصغر، ~~لأنه الأصل، وإن قال عبد: بعتك بغير إذن سيدي، فأنكره المشتري، فالقول قول ~~المشتري، لأن الأصل الصحة، وإن أنكره السيد فالقول قوله، لأن الأصل معه، ~~ولا دليل على خلافه. وإن قال أحد المتصارفين: تفرقنا قبل القبض، أو ادعى ~~فسخ العقد، وأنكره الآخر، فالقول # PageV02P060 # قول مدعي الصحة، لأن الأصل معه. وإن اختلفا في عيب يحدث مثله، فادعى كل ~~واحد منهما أنه حدث عند صاحبه، ففيه روايتان: # إحداهما: ms0483 القول قول البائع، لأن الأصل عدم العيب. # والثاني: القول قول المشتري، لأن الأصل عدم القبض للجزء الفائت، وعدم ~~استحقاق ما يقابله من الثمن. وإن رد بعيب، فقال البائع: ليس هذا المبيع ~~فالقول قوله، لأن الأصل سلامة المبيع وبقاء العقد. وإن قبض المسلم فيه أو ~~المبيع بالكيل، ثم قال: غلطت علي في الكيل، ففيه وجهان: # أحدهما: القول قول البائع، لأن الأصل السلامة من الغلط. # والثاني: القول قول المشتري، لأن الأصل عدم القبض لما أنكر قبضه، وإن كان ~~قبضه جزافا، فالقول قوله في قدره، وجها واحدا. # فصل # وإن باعه بثمن معين، وقال: كل واحد منهما لا أسلم ما بعته حتى أقبض عوضه، ~~جعل بينهما عدل يقبض منهما، ويسلم إليهما معا، لأنهما سواء في تعلق حقوقهما ~~بالعين، وإن كان البيع بثمن في الذمة أجبر البائع على تسليم المبيع أولا، ~~لتعلق حق المشتري بعينه، فقدم على ما تعلق بالذمة، كأرش الجناية مع الدين، ~~ثم يجبر المشتري على تسليم الثمن. فإن كان معسرا أو ماله غائب في مسافة ~~القصر، فللبائع فسخ المشتري على تسليم الثمن. فإن كان معسرا أو ماله غائب ~~في مسافة القصر، فللبائع فسخ البيع، لأن عليه ضررا في تأخير الثمن، فجاز له ~~الرجوع إلى عين ماله، كما لو أفلس المشتري. وإن كان الثمن حاضرا أجبر على ~~دفعه في الحال، وإن كان في داره أو دكانه حجر عليه في المبيع، وفي سائر ~~ماله حتى يسلمه، لئلا يتصرف في المبيع، فيضر بالبائع. وإن كان غائبا دون ~~مسافة القصر ففيه وجهان: # أحدهما: جاز له الفسخ، لأنه تعذر الثمن للإعسار أشبه الفلس. # والثاني: لا يفسخ، ولكن يحجر على المشتري، لأنه في حكم الحاضر، أشبه الذي ~~في البلد. والصحيح عندي أنه لا يجب عليه تسليم المبيع ما لم يحضر الثمن ~~ويمكن أخذه لأن في تسليمه بدون ذلك ضررا وخطرا بفوات الثمن عليه يلزمه ~~تسليم عوضه قياسا على العوض الآخر. # PageV02P061 ### | كتاب السلم # السلم: أن يسلم عينا حاضرة في عوض موصوف في الذمة إلى أجل، وهو نوع من ~~البيع ms0484 ينعقد بلفظ البيع والسلف، وتعتبره في شروط البيع، ويزيد بشروط ستة: # أحدهما: أن يكون مما ينضبط بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها ظاهرا، ~~لأنه بيع بالصفة فيشترط إمكان ضبطها، فيصح السلم في المكيل والموزون ~~والمزروع لما روى ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قدم ~~المدينة، وهم يسلفون الثمار السنتين والثلاث، فقال: «من أسلف فليسلف في كيل ~~معلوم، أو وزن معلوم إلى أجل معلوم» متفق عليه. وقال عبد الله بن أبي أوفى ~~وعبد الرحمن بن أبزى: «كنا نصيب المغانم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فكان يأتينا أنباط من أنباط الشام، فنسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب ~~فقيل: أكان لهم زرع أم لم يكن؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك» . رواه البخاري. ~~فثبت جواز السلم في ذلك بالخبر، وقسنا عليه ما يضبط بالصفة، لأنه في معناه، ~~ويصح في الخبر واللبأ والشواء، لأن عمل النار فيه معتاد ممكن ضبطه بالنشافة ~~والرطوبة فصح السلف فيه، كالمجفف بالشمس وقال القاضي: لا يصح الشواء واللحم ~~المطبوخ، لأن عمل النار فيه فيختلف فلا ينضبط. # فصل: # ولا يصح فيما لا ينضبط، كالجوهر واللؤلؤ والزبرجد والياقوت والعقيق ~~ونحوها، لأنها تختلف اختلافا متباينا بالكبر والصغر، وحسن التدوير، وزيادة ~~ضوئها، ولا يمكن # PageV02P062 # تقديرها ببيض العصفور ونحوه، لأنها تختلف. وفي الحوامل من الحيوان، ~~والشاة اللبون، والأواني المختلفة الرؤوس والأوساط وجهان: # أحدهما: لا يصح أن يسلم فيه، لأن الصفة لا تأتي عليه، والولد واللبن ~~مجهول. # والثاني: يصح، لأن الحمل واللبن لا حكم لهما مع الأم بدليل البيع، ~~والأواني يمكن ضبطها بسعة رأسها وأسفلها، وعلو حائطها فهي كالأواني ~~المربعة، وما فيه خلط من غيره ينقسم أربعة أقسام: # أحدها: ما خلطه لمصلحته، وهو غير مقصود في نفسه، كالإنفحة في الجبن، ~~والملح في الخبز والشيرج، والماء في خل التمر فيصح السلم فيه لأنه يسير ~~للمصلحة. # الثاني: أخلاط متميزة مقصودة كثوب منسوج من شيئين فيصح السلم فيه لأن ~~ضبطه ممكن، وفي معناه النبل والنشاب. # وقال القاضي: لا يصح السلم فيهما، لأن فيه أخلاطا ms0485 ويختلف طرفاه ووسطه، ~~فأشبه القسي، والأول أصح، لأن أخلاطه متميزة ممكن ضبطها، والاختلاف فيه ~~يسير معلوم بالعادة، فهو كالثياب من جنسين بخلاف القسي. # الثالث: المغشوش كاللبن المشوب، والحنطة فيها الزوان فلا يصح السلم فيه، ~~لأن غشه يمنع العلم المقصود فيه، فيكون فيه غرر. # الرابع: أخلاط مقصودة غير متميزة، كالغالية والند والمعاجين فلا يصح ~~السلم فيه، لأن الصفة لا تأتي عليه، وفي معناه القسي المشتملة على الخشب ~~والقرن والقصب والغزل والتوز فلا يصح السلم فيها للعجز عن مقادير ذلك، ~~وتميز ما فيه منها، وفيه وجه آخر أنه يصح السلم فيها كالثياب. ### | فصل في السلم في الحيوان # فصل: # وفي الحيوان روايتان: # أظهرهما: صحة السلم فيه، لأن أبا رافع قال: «استسلف النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من رجل بكرا» رواه مسلم. ولأنه يثبت في الذمة صداقا، فصح السلم ~~فيه كالثياب. # والثانية: لا يصح، لأنه يختلف اختلافا متباينا مع ذكر أوصافه الظاهرة، ~~فربما تساوى العبدان في الصفات المعتبرة، وأحدهما يساوي أمثال صاحبه. وإن ~~استقصى صفاته كلها تعذر تسليمه. وفي المعدود من الجوز والبيض، والبطيخ ~~والرمان والبقل ونحوه روايتان: # PageV02P063 # إحداهما: لا يصح لذلك. # والثانية: يصح لأن التفاوت يسير، ويمكن ضبطه بعضه بالصغر والكبر، وبعضه ~~بالوزن. وفي الرؤوس والأطراف والجلود من الخلاف مثل ما ذكرنا فيما قبله. # فصل: # الشرط الثاني: معرفة قدره بالكيل إن كان مكيلا، وبالوزن إن كان موزونا، ~~وبالذرع إن كان مذروعا، لحديث ابن عباس، لأنه عوض غير مشاهد، يثبت في ~~الذمة، فاشترط معرفة قدره كالثمن. ويجب أن يكون ما يقدر به معلوما عند ~~العامة، فإن قدره بإناء، أو صنجة بعينها غير معلومة لم يصح، لأنه قد يهلك، ~~فيجهل قدره، وهذا غرر لا يحتاج العقد إليه. وإن أسلم في المكيل وزنا، وفي ~~الموزون كيلا، فعنه: لا يصح، لأنه مبيع اشترط معرفة قدره، فلم يجز بغير ما ~~هو مقدر كالربويات. وعنه: ما يدل على الجواز، لأنه يخرجه عن الجهالة وهو ~~الغرض، ولا بد من تقدير المذروع بالذرع، فأما المعدود فيقدر بالعدد، وقيل ~~بالوزن، لأنه يتباين، ms0486 والأولى أولى، لأنه يقدر به عنده العامة، والتفاوت ~~يسير، ويضبط بالصغر والكبر، ولهذا لا تقع القيمة بين الجوزتين والبيضتين. ~~فإن كان يتفاوت كثيرا، كالرمان والبطيخ والسفرجل والبقول قدره بالوزن، لأنه ~~أضبط لكثرة تفاوته وتباينه، ولا يمكن ضبطه بالكيل، لتجافيه في المكيال، ولا ~~بالحزم، لأنه يختلف، ويمكن حزم الكبير والصغير، فتعين بالوزن لتقديره. # فصل: # الشرط الثالث: أن يجعلا له أجلا معلوما، فإن أسلم حالا لم يصح، لحديث ابن ~~عباس، ولأن السلم إنما جاز رخصته للمرافق، ولا يحصل المرفق إلا بالأجل، فلا ~~يصح بدونه، كالكتابة، فإن كان بلفظ البيع صح حالا، قال القاضي: ويجوز ~~التفرق قبل قبض رأس المال، لأنه بيع، ويحتمل أن لا يجوز لأنه بيع دين بدين. ~~ويشترط في الأجل ثلاث أمور: # أحدها: كونه معلوما، لقوله تعالى {إلى أجل مسمى} [البقرة: 282] وللخبر. ~~فإن جعله إلى المحرم أو يوم منه، أو عيد الفطر ونحوها، جاز لقول الله تعالى ~~{يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس} [البقرة: 189] وإن قدره بغير ذلك ~~مما يعرفه الناس، ككانون وعيد للكفار يعرفه المسلمون، جاز لأنه معلوم لا ~~يختلف. وقال ابن أبي موسى: لا يصح، # PageV02P064 # ؛ لأنه لا يعرفه كثير من الناس. وإن كان مما لا يعرفه المسلمون، ~~كالشعانين وعيد الفطر، لم يصح، وجها واحدا؛ لأن المسلمين لا يعرفونه، ولا ~~يجوز تقليد أهل الذمة، فبقي مجهولا. وإن جعلا الأجل إلى مدة معلومة كشهر ~~معين تعلق بأولها. ولو قال: محله في رمضان، فكذلك؛ لأنه لو قال لزوجته: أنت ~~طالق في رمضان، طلقت في أوله، ولو احتمل غير الأول لم يقع الطلاق بالشك. ~~وإن جعله اسما يتناول شيئين كربيع، تعلق بأولها كما لو علقه بشهر، وإن قال: ~~ثلاثة أشهر، انصرف إلى الهلالية؛ لأنها الشهور في لسان الشرع، فإن كان ~~أثناء شهر، كمل بالعدد ثلاثين، والباقي بالأهلة. # الأمر الثاني: أن يكون مما لا يختلف، فإن جعله إلى الحصاد والجذاذ ~~والموسم، لم يصح؛ لأن ابن عباس قال: لا تتبايعوا إلى الحصاد والدياس، ولا ~~تتبايعوا إلا إلى شهر معلوم. ولأن ذلك يختلف ويقرب ms0487 ويبعد، فلم يجز جعله ~~أجلا، كقدوم زيد. وعنه: أنه قال: أرجو أن لا يكون به بأس؛ لأن ابن عمر كان ~~يبتاع إلى العطاء، ولأنه لا يتفاوت تفاوتا كثيرا، فإن أسلم إلى العطاء يريد ~~به وقته، وكان معلوما، جاز، وإن أراد نفس العطاء، لم يصح؛ لأنه يختلف. # الأمر الثالث: أن تكون مدة لها وقع في الثمن، كالشهر ونصفه ونحوه فأما ~~اليوم ونحوه، فلا يصح التأجيل به؛ لأن الأجل إنما اعتبر ليتحقق المرفق ولا ~~يتحقق إلا بمدة طويلة. فإن أسلم في جنس إلى أجلين أو آجال، مثل أن يسلم في ~~خبز أو لحم، يأخذ كل يوم أرطالا معلومة، جاز؛ لأن كل بيع جاز إلى أجل جاز ~~إلى آجال، كبيوع الأعيان. ويجوز أن يسلم في جنسين إلى أجل واحد كما ذكرنا. # فصل # الشرط الرابع: أن يكون المسلم فيه عام الوجود في محله، مأمون الانقطاع ~~فيه؛ لأن القدرة على التسليم شرط ولا تتحقق إلا بذلك، فلو أسلم في العنب ~~إلى شباط، لم يصح؛ لأنه لا يوجد فيه إلا نادرا. ولا يصح السلم في ثمرة ~~بستان بعينه، ولا قرية صغيرة، لما روي «أن زيد بن سعنة أسلف النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ثمانين دينارا في تمر مكيل مسمى من تمر حائط بني فلان، ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أما من حائط بني فلان فلا، ولكن كيل ~~مسمى إلى أجل مسمى» رواه ابن ماجه. ولأنه لا يؤمن تلفه، فلم يصح، كما لو ~~قدره بمكيال معين، ولا يصح السلم في عين لذلك، ولأن الأعيان لا تثبت في ~~الذمة. # PageV02P065 # فصل # الشرط الخامس: أن يضبط بصفاته التي يختلف الثمن بها ظاهرا، فيذكر الجنس ~~والنوع، والجودة والرداءة، والكبر والصغر، والطول والقصر والعرض والسمك، ~~والنعومة والخشونة، واللين والصلابة، والرقة والصفاقة، والذكورية ~~والأنوثية، والسن والبكارة، والثيوبة واللون والبلد، والرطوبة واليبوسة، ~~ونحو ذلك مما يقبل هذه الصفات، ويختلف بها، ويرجع فيما لا يعلم منها تفسير ~~أهل الخبرة، فإن شرط الأجود منها، لم يصح؛ لأنه يتعذر عليه الوصول إليه، ~~فإن وصل إليه كان ms0488 نادرا. وإن شرط الأردأ ففيه وجهان: # أحدهما: لا يصح لذلك. # والثاني: يصح؛ لأنه يمكنه تسليم السلم، أو خير منه من جنسه، فيلزم المسلم ~~قبوله. وإن أسلم في جارية وابنتها، لم يصح؛ لأنه يتعذر وجودهما على ما وصف، ~~وإن استقصى صفات السلم بحيث يتعذر وجوده، لم يصح؛ لأنه يعجز تسليمه. # فصل # الشرط السادس: أن يقبض رأس مال السلم في مجلس العقد قبل تفرقهما؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم» والإسلاف: ~~التقديم، ولأنه إنما سمي سلما وسلفا، لما فيه من تقديم رأس المال، فإذا ~~تأخر لم يكن سلما، فلم يصح، ولأنه يصير بيع دين بدين، فإن تفرقا قبل قبضه، ~~بطل. وإن تفرقا قبل قبض بعضه. بطل فيما لم يقبض، وفي المقبوض وجهان، بناء ~~على تفريق الصفقة، ويجوز أن يكون في الذمة، ثم يعينه في المجلس ويسلمه. # ويجب أن يكون معلوما، كالثمن في البيع، فإن كان معينا، فظاهر كلام الخرقي ~~أنه يكتفي برؤيته؛ لأنه عوض معين، أشبه ثمن المبيع. # وقال القاضي: لا بد من وصفه، لقول أحمد: ويصف الثمن، ولأنه عقد لا يمكن ~~إتمامه، وتسليم المعقود عليه في الحال، ولا يؤمن انفساخه، فوجب معرفة رأس ~~المال بالصفات، ليرد بدله، كالقرض في الشركة، فعلى هذا لا يجوز أن يكون رأس ~~المال إلا ما يجوز أن يكون مسلما فيه؛ لأنه يعتبر ضبط صفاته، فأشبه المسلم ~~فيه. ### | ما يجوز فيه السلم وما لا يجوز # فصل # وكل مالين جاز النساء بينهما، جاز إسلام أحدهما في الآخر، وما لا فلا، ~~فعلى قولنا يجوز النساء في العروض، يصح إسلام عرض في عرض وفي ثمن، فإن أسلم # PageV02P066 # عرضا في آخر بصفته، فجاءه به عند المحل، ففيه وجهان: # أحدهما: يلزمه قبوله؛ لأنه أتاه بالمسلم فيه على صفته، فلزمه قبوله ~~كغيره. # والثاني: لا يلزمه قبوله؛ لأنه يفضي إلى كون الثمن هو المثمن. وإن أسلم ~~صغيرا في كبير، فحل السلم، وقد صار الصغير على صفته الكبير، فعلى الوجهين. # فصل # ولا يشترط وجود المسلم فيه قبل المحل، لا ms0489 حين العقد ولا بعده؛ لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة، وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، ~~فلم ينههم عنه، وفي الثمار ما ينقطع في أثناء السنة، فلو حرم لبينه، ولأنه ~~يثبت في الذمة ويوجد عند المحل، فصح السلم فيه، كالموجود في جميع المدة. # فصل # ولا يشترط ذكر مكان الإيفاء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر ~~في حديث ابن عباس، ولا في حديث زيد بن سعنة، ولأنه عقد معاوضة، أشبه البيع. ~~ويكون الإيفاء في مكان العقد، كالبيع، فإن كان السلم في موضع لا يمكن ~~الوفاء فيه، كالبرية، تعين ذكر مكان الإيفاء، ولأنه لا بد من مكان، ولا ~~قرينة تعين، فوجب تعيينه بالقول. وإن كان في موضع يمكن الوفاء فيه، فشرطه ~~كان تأكيدا، وإن شرطا مكانا سواه، ففيه روايتان: # إحداهما: لا يصح؛ لأنه ينافي مقتضى العقد. # والثانية: يصح؛ لأنه عقد بيع، فصح شرط مكان الإيفاء فيه كالبيع، وبهذا ~~ينتقض دليل الأولى. # فصل # ويجب تسليم السلم عند المحل على أقل ما وصف به، سليما من العيوب والغش، ~~فإن كان في البر قليل من تراب، أو دقيق تبن لا يأخذ حظا من الكيل، وجب ~~قبوله؛ لأنه دون حقه. وإن أحضره بصفته، وجب قبوله، وإن تضمن ضررا؛ لأنه ~~حقه، فوجب قبوله كالوديعة، فإن امتنع دفعه إلى الحاكم، وبرئ لذلك، فإن كان ~~أجود من حقه في الصفة، لزم قبوله؛ لأنه زاده خيرا، وإن طلب عن الزيادة عوضا ~~لم يجز؛ لأنها صفة، ولا يجوز إفراد الصفات بالبيع. وإن جاءه بأردأ من حقه، ~~لم يجب قبوله، وجاز أخذه، وإن أعطاه عوضا عن الجودة الفائتة، لم يجز لذلك، ~~ولأنه بيع جزء من السلم قبل قبضه. وإن أعطاه غير المسلم فيه، لم يجز أخذه؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى # PageV02P067 # غيره» رواه أبو داود. ولأنه بيع للسلم قبل قبضه، فلم يجز كما لو أخذ عنه ~~ثمنا، وقال ابن أبي موسى فيه رواية أخرى فيمن أسلم في بر، فرضي ms0490 مكنه شعيرا ~~مثل كيله: جاز، ولعل هذا بناء على رواية كون البر والشعير جنسا، والصحيح ~~غيرها. وإن أعطاه غير نوع السلم، جاز قبوله، ولا يلزم. # وقال القاضي: يلزم قبوله إذا لم يكن أدنى من النوع الذي شرطه؛ لأنه من ~~جنسه، فأشبه الزائد في الصفة من نوع واحد، والأول أصح؛ لأنه لم يأت ~~بالشروط، فلم يلزم قبوله كالأدنى بخلاف الزائد في الصفة، فإنه أحضر المشروط ~~مع زيادة، ولأن أحد النوعين يصلح لما لا يصلح له الآخر بخلاف الصفة. # فصل # فإن أحضره قبل محله، أو في مكان الوفاء، فاتفقا على أخذه، جاز. إن أعطاه ~~عوضا عن ذلك أو نقصه من السلم، لم يجز؛ لأنه بيع الأجل والحمل. وإن عرضه ~~عليه، فأبى أخذه لغرض صحيح، مثل أن تلزمه مؤنة لحفظه أو حمله أو عليه مشقة، ~~أو يخاف تلفه، أو أخذه منه، لم يلزمه أخذه. وإن أباه لغير غرض صحيح، لزمه؛ ~~لأنه زاد خيرا، فإن امتنع رفع الأمر إلى الحاكم، ليأخذه، لما روي أن أنسا ~~كاتب عبدا له على مال، فجاءه به قبل الأجل، فأبى أن يأخذه، فأتى عمر - رضي ~~الله عنه -، فأخذه منه، وقال: اذهب فقد عتقت. ولأنه زاده خيرا. # فصل # وإذا قبضه بما قدره به من كيل أو غيره، برئ صاحبه. وإن قبضه جزافا، قدره، ~~فأخذ قدر حقه، ورد الفضل، أو طالب بتمام حقه، إن كان ناقصا. وهل له التصرف ~~في قدر حقه قبل تقديره؟ على وجهين: # أحدهما: له ذلك؛ لأنه قدر حقه وقد أخذه، ودخل في ضمانه. # والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه لم يقبضه القبض المعتبر. وإن اختلفا في القبض، ~~فالقول قول المسلم؛ لأنه منكر. وإن اختلفا في حلول الأجل، فالقول قول ~~المسلم إليه؛ لأنه منكر. # PageV02P068 # فصل # وإن تعذر تسليم السلم عند المحل، فللمسلم الخيار بين أن يصبر إلى أن ~~يوجد، وبين فسخ العقد، والرجوع برأس ماله، إن كان موجودا، أو مثله، إن كان ~~مثليا، أو قيمته إن لم يكن مثليا، وقيل: ينفسخ العقد بالتعذر؛ لأن المسلم ~~في ثمرة هذا العام ms0491 وقد هلكت، فانفسخ العقد، كما لو اشترى قفيزا من صبرة، ~~فهلكت. والأول أصح؛ لأن السلم في الذمة لا في عين، وإنما لزمه الدفع من ~~ثمرة هذا العام، لتمكنه من دفع الواجب منها، فإن تعذر البعض، فله الخيرة ~~بين الصبر بالباقي، وبين الفسخ في الجميع. وله أخذ الموجود، والفسخ في ~~الباقي في أصح الوجهين؛ لأنه فسخ في بعض المعقود عليه أشبه البيع، وفي ~~الآخر: لا يجوز؛ لأن السلم يقل فيه الثمن لأجل التأجيل، فإذا فسخ في البعض، ~~بقي البعض بالباقي من الثمن، وبمنفعة الجزء الذي فسخ فيه، فلم يجز، كما لو ~~شرطه في ابتداء العقد. وتجوز الإقالة في السلم كله إجماعا وتجوز في بعضه؛ ~~لأن الإقالة معروف، جاز في الكل، فجاز في البعض كالإبراء. # وعنه: لا يجوز، لما ذكرنا في الفسخ، والأول أصح؛ لأن باقي الثمن يستحق ~~باقي العوض. وإذا فسخ العقد، رجع بالثمن، أو ببدله إن كان معدوما. وليس له ~~صرفه في عقد آخر قبل قبضه، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أسلم في ~~شيء، فلا يصرفه إلى غيره» . # وقال القاضي: يجوز أخذ العوض عنه؛ لأنه عوض مستقر في الذمة، فأشبه القرض. ~~فعلى هذا يصير حكمه حكم القرض على ما سيأتي. # فصل # ولا يجوز بيع السلم قبل قبضه، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن ~~بيع الطعام قبل قبضه، وعن بيع ما لم يضمن» . رواه الترمذي وقال: حديث حسن ~~صحيح، ولفظه: لا يحل، ولأنه مبيع لم يدخل في ضمانه، فلم يجز بيعه، كالطعام ~~قبل قبضه. ولا يجوز التولية فيه، ولا الشركة، لما ذكرنا في الطعام، ولا ~~الحوالة به؛ لأنها إنما تجوز بدين مستقر، والسلم بعوض الفسخ. ولا تجوز ~~الحوالة على من عليه سلم؛ لأنها معاوضة بالسلم قبل قبضه. ولا يجوز بيع ~~السلم من بائعه قبل قبضه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أسلم في ~~شيء، فلا يصرفه إلى غيره» ولأنه بيع للمسلم فيه، فلم يجز كبيعه من غيره. # فصل # وإذا قبضه فوجده معيبا، فله رده وطلب حقه؛ ms0492 لأن العقد يقتضي السلامة وقد ~~أخذ المعيب عما في الذمة، فإذا رده، رجع إلى ما في الذمة. وإن حدث فيه عيب ~~عنده، فهو كما لو حدث العيب في المبيع بعد قبضه على ما مضى. # PageV02P069 ### | باب القرض # ويسمى سلفا، وأجمع المسلمون على جوازه واستحبابه للمقرض. وروى ابن مسعود ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين ~~إلا كان كصدقة مرة» رواه ابن ماجه. ويصح بلفظ القرض، وبكل لفظ يؤدي معناه. ~~نحو أن يقول: ملكتك هذا على أن ترد بدله، فإن لم يذكر البدل، فهو هبة. وإذا ~~اختلفا، فالقول قول المملك؛ لأن الظاهر معه؛ لأن التمليك بغير عوض هبة، ~~ويثبت الملك في القرض بالقبض؛ لأنه عقد يقف التصرف فيه على القبض فوقف ~~الملك عليه، كالهبة. ولا خيار فيه؛ لأن المقرض دخل على بصيرة أن الحظ ~~لغيره، فهو كالواهب. ويصح شرط الرهن فيه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«رهن درعه على شعير أخذه لأهله» متفق عليه. # وإن شرط فيه الأجل، لم يتأجل، ووقع حالا؛ لأن التأجيل في الحال عدة ~~وتبرع، فلا يلزم، كتأجيل العارية. ولو أقرضه تفاريق، ثم طالبه به جملة، لزم ~~المقترض ذلك لما قلناه. فإذا أراد المقرض الرجوع في عين ماله، وبذل المقترض ~~مثله، فالقول قول المقترض؛ لأن الملك قد زال عن العين بعوض. فأشبه البيع ~~اللازم. وإن أراد المقترض رد عين المال، لزم المقرض قبوله؛ لأنه بصفة حقه، ~~فلزمه قبوله. كما لو دفع إليه المثل. ### | فصل فيما يصح قرضه # فصل # ويصح قرض كل ما يصح السلم فيه؛ لأنه يملك بالبيع، ويضبط بالصفة، فصح قرضه ~~كالمكيل، إلا بني آدم، فإن أحمد - رضي الله عنه - كره قرضهم، فيحتمل ~~التحريم. اختاره القاضي؛ لأنه لم ينقل، ولا هو من المرافق، ولأنه يفضي إلى ~~أن يقترض جارية يطؤها، ثم يردها، ويحتمل الجواز؛ لأن السلم فيه صحيح، فصح ~~قرضهم كالبهائم. فأما ما لا يصح السلم فيه، كالجواهر، ففيه وجهان: # أحدهما: لا يجوز. ذكره أبو خطاب؛ لأن القرض يقتضي رد ms0493 المثل وهذا لا مثل ~~له. # والثاني: يجوز، قاله القاضي؛ لأن ما لا مثل له تجب قيمته. والجواهر ~~كغيرها في القيمة. # PageV02P070 # ولا يجوز القرض إلا في معلوم القدر، فإن أقرضه فضة لا يعلم وزنها، أو ~~مكيلا لا يعلم كيله، لم يجز؛ لأن القرض يقتضي رد المثل، وإذا لم يعلم، لم ~~يتمكن من القضاء. # فصل # ويجب رد المثل في المثليات؛ لأنه يجب مثله في الإتلاف، ففي القرض أولى. ~~فإن أعوز المثل، فعليه قيمته حين أعوز؛ لأنها حينئذ ثبت في الذمة. وفي غير ~~المثلي وجهان: # أحدهما: يرد القيمة؛ لأن ما أوجب المثل في المثلي أوجب القيمة في غيره، ~~كالإتلاف. # والثاني: يرد المثل؛ لما روى أبو رافع «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~استسلف من رجل بكرا، فقدمت عليه إبل للصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل ~~بكره، فرجع إليه أبو رافع، فقال: يا رسول الله لم أجد فيها إلا خيارا ~~رباعيا، فقال: أعطه إياه، فإن من خير الناس أحسنهم قضاء» رواه مسلم. ولأن ~~ما يثبت في الذمة في السلم ثبت في القرض كالمثلي، بخلاف الإتلاف، فإنه ~~عدوان، فأوجب القيمة؛ لأنه أحصر. والقرض ثبت للرفق، فهو أسهل. فعلى هذا ~~يعتبر مثله في الصفات تقريبا، فإن قلنا: يرد القيمة اعتبرت حين القرض؛ ~~لأنها حينئذ تجب. # فصل # ويجوز قرض الخبز، ورد مثله عددا بغير وزن في الشيء اليسير. وعنه: لا يجوز ~~إلا بالوزن، قياسا على الموزونات. ووجه الأول ما روت «عائشة قالت: قلت: يا ~~رسول الله، إن الجيران يقترضون الخبز والخمير، ويردون زيادة ونقصانا. فقال: ~~لا بأس، إنما ذلك من مرافق الناس» وعن «معاذ: أنه سئل عن اقتراض الخبز ~~والخمير فقال: سبحان الله! إنما هذا من مكارم الأخلاق، فخذ الكبير وأعط ~~الصغير، وخذ الصغير وأعط الكبير، خيركم أحسنكم قضاء، سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول ذلك» . رواهما أبو بكر في الشافي. # PageV02P071 # فصل # فإن أقرضه فلوسا، أو مكسرة، فحرمها السلطان وتركت المعاملة بها، فعليه ~~قيمتها يوم أخذها، نص عليه؛ لأنه منع إنفاقها، فأشبه تلف أجزائها. ms0494 فإن لم ~~تترك المعاملة بها، لكن رخصت، فليس له إلا مثلها؛ لأنها لم تتلف، إنما تغير ~~سعرها، فأشبهت الحنطة إذا رخصت. # فصل # ولا يجوز أن يشترط في القرض شرطا يجر به نفعا، مثل أن يشترط رد أجود منه ~~أو أكثر، أو أن يبيعه، أو أن يشتري منه، أو يؤجره، أو يستأجر منه، أو يهدي ~~له، أو يعمل له عملا ونحوه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيع ~~وسلف» . رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وعن أبي بن كعب وابن مسعود ~~وابن عباس - رضي الله عنهم - أنهم نهوا عن قرض جر منفعة؛ ولأنه عقد إرفاق، ~~وشرط ذلك يخرجه عن موضوعه. وإن شرط أن يوفيه في بلد آخر، أو يكتب له به ~~سفتجة إلى بلد في حمله إليه نفع، لم يجز لذلك، فإن لم يكن لحمله مؤنة، ~~فعنه: الجواز؛ لأن هذا ليس بزيادة قدر ولا صفة، فلم يفسد به القرض، كشرط ~~الأجل. وعنه: في السفتجة مطلقا روايتان؛ لأنها مصلحة لهما جميعا. وإن شرط ~~رد دون ما أخذ، لم يجز لأنه ينافي مقتضاه، وهو رد المثل، فأشبه شرط ~~الزيادة. ويحتمل أن لا يبطله؛ لأن نفع المقترض لا يمنع منه؛ لأن القرض إنما ~~شرع رفقا به، فأشبه شرط الأجل، بخلاف الزيادة. وكل موضوع بطل الشرط فيه، ~~ففي القرض وجهان: # أحدهما: يبطل؛ لأنه قد روي «كل قرض جر منفعة، فهو ربا» . # والثاني: لا يبطل؛ لأن القصد إرفاق المقترض. فإذا بطل الشرط، بقي الإرفاق ~~بحاله. # فصل # وإن وفى خيرا منه في القدر، أو الصفة من غير شرط، ولا مواطأة، جاز؛ لحديث ~~أبي رافع. وإن كتب له به سفتجة، أو قضاه في بلد آخر، أو أهدى إليه هدية بعد ~~الوفاء، فلا بأس لذلك. وقال ابن أبي موسى: إن زاده مرة، لم يجز أن يأخذ في ~~المرة الثانية زيادة، قولا واحدا. ولا يكره قرض المعروف، لحسن القضاء. وذكر ~~القاضي وجها في كراهته؛ لأنه يطمع في حسن عادته. والأول أصح؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان ms0495 معروفا بحسن القضاء، فلم يكن قرضه مكروها، ولأن ~~خير الناس أحسنهم قضاء، ففي كراهة قرضه تضييق على خير الناس، وذوي ~~المروءات. # PageV02P072 # فصل # وإن أهدى له قبل الوفاء من غير عادة، أو استأجر منه بأكثر من الأجرة، أو ~~أجره شيئا بأقل، أو استعمله عملا، فهو خبيث إلا أن يحسبه من دينه، كما روى ~~الأثرم: أن رجلا كان له على سماك عشرون درهما، فجعل يهدي إليه السمك ~~ويقومه، حتى بلغ ثلاثة عشر درهما، فسأل ابن عباس فقال: أعطه سبعة دراهم. ~~وروى ابن ماجه عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ~~أقرض أحدكم قرضا فأهدى إليه، أو حمله على الدابة، فلا يركبها ولا يقبله، ~~إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك» فإن كان بينهما عادة بذلك قبل القرض ~~أو كافأه، فلا بأس؛ لهذا الحديث. # فصل # وإن أفلس غريمه، فأقرضه ليوفيه كل شهر شيئا منه، جاز؛ لأنه إنما انتفع ~~باستيفاء ما يستحق استيفاؤه. ولو كان له طعام عليه، فأقرضه ما يشتريه به ~~ويوفيه، جاز لذلك. ولو أراد تنفيذ نفقة إلى عياله، فأقرضها رجلا ليوفيها ~~لهم، فلا بأس؛ لأنه مصلحة لهما، لا ضرر فيه، ولا يرد الشرع بتحريم ذلك. # قال القاضي: # ويجوز قرض مال اليتيم للمصلحة # ، مثل أن يقرضه في بلد ليوفيه في بلد آخر، ليربح خطر الطريق. وفي معنى ~~هذا: قرض الرجل فلاحه حبا يزرعه في أرضه، أو ثمنا يشتري به بقرا وغيرها؛ ~~لأنه مصلحة لهما. وقال ابن أبي موسى: هذا خبيث. # فصل # وإذا قال المقرض: إذا مت، فأنت في حل، فهي وصية صحيحة. وإن قال: إن مت، ~~فأنت في حل، لم يصح؛ لأنه إبراء علق على شرط. وإن قال: اقترض لي مائة ولك ~~عشرة، صح؛ لأنها جعالة على ما بذله من جاهه. وإن قال: تكفل عني بمائة ولك ~~عشرة، لم يجز؛ لأنه يلزمه أداء ما كفل به، فيصير له على المكفول، فيصير ~~بمنزلة من أقرضه مائة، فيصير قرضا جر نفعا. ولو أقرضه تسعين عددا بمائة ~~عددا، وزنهما واحد، ms0496 وكانت لا تتفق برؤوسها، فلا بأس به؛ لأنه لا تفاوت ~~بينهما في قيمة ولا وزن، وإن كانت تتفق في موضع برؤوسها، لم يجز؛ لأنها ~~زيادة. # PageV02P073 # فصل # وإن أقرضه نصف دينار، فأتاه بدينار صحيح، وقال: خذ نصفه وفاء، ونصفه ~~وديعة، أو سلما، جاز. وإن امتنع من أخذه، لم يلزمه؛ لأن عليه ضررا في ~~الشركة. والسلم عقد يعتبر فيه الرضى، ولو أقرضه نصفا قراضة على أن يوفيه ~~نصفا صحيحا، لم يجز؛ لأنه شرط زيادة، والله أعلم. ### | باب الرهن # وهو المال يجعل وثيقة بالدين المستوفى منه إن تعذر وفاؤه من المدين ويجوز ~~في السفر؛ لقول الله تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان ~~مقبوضة} [البقرة: 283] وفي الحضر؛ لما روت عائشة [- رضي الله عنها -] : «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اشترى من يهودي طعاما ورهنه درعه» متفق ~~عليه؛ ولأنه وثيقة جازت في السفر، فتجوز في الحضر كالضمان والشهادة. # فصل # ويجوز الرهن بعوض القرض؛ للآية. وبثمن المبيع؛ للخبر. وكل دين يمكن ~~استيفاؤه منه؛ كالأجرة، والمهر، وعوض الخلع، ومال الصلح، وأرش الجناية ~~والعيب، وبدل المتلف. قياسا على الثمن، وعوض القرض وفي دين السلم روايتان: # إحداهما: يصح الرهن به للآية والمعنى. # والأخرى: لا يجوز؛ لأنه لا يأمن هلاك الرهن بعدوان، فيصير مستوفيا حقه من ~~غير المسلم فيه. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أسلم في شيء، ~~فلا يصرفه إلى غيره» . ### | الرهن بمال الكتابة # فصل # ولا يجوز الرهن بمال الكتابة؛ لأنه غير لازم. فإن للعبد تعجيز نفسه، ولا ~~يمكن استيفاؤه من الرهن، لأنه لو عجز، صار هو والرهن لسيده. ولا يجوز بما ~~يحمل العاقلة من الدية قبل الحول؛ لأنه لم يجب، ولا يعلم أن مآله إلى ~~الوجوب، فإنه يحتمل حدوث ما يمنع وجوبه. ويجوز الرهن به بعد الحول؛ لأنه ~~دين مستقر. ولا يجوز بالجعل في الجعالة قبل العمل؛ لعدم الوجوب، ويجوز ~~بعده. # وقال القاضي: يحتمل جواز الرهن به قبل العمل؛ لأن مآله إلى الوجوب. ولا ~~يصح # PageV02P074 # الرهن بما ليس بثابت في الذمة، كالثمن ms0497 المتعين، والأجرة المتعينة، ~~والمنافع المعينة. نحو أن يقول: أجرتك داري هذه شهرا؛ لأن العين لا يمكن ~~استيفاؤها من الرهن، ويبطل العقد بتلفها. وقياس هذا أنه لا يصح الرهن ~~بالأعيان المضمونة، كالمغصوب والعارية والمقبوض على وجه السوم؛ لتعذر ~~استيفاء العين من الرهن. وإن جعله بقيمتها كان رهنا بما لم يجب. ولا يعلم ~~أن مآله إلى الوجوب. # وقال القاضي: قياس المذهب صحة الرهن بها؛ لصحة الكفالة بها. # فصل # ويصح الرهن بالحق بعد ثبوته. لقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ~~تداينتم بدين} [البقرة: 282] إلى قوله: {فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] . ومع ~~ثبوته وهو أن يشترط الرهن في عقد البيع أو القرض؛ لأن الحاجة داعية إليه. ~~فإنه لو لم يشترطه، لم يلزم الغريم الرهن. وإن رهن قبل الحق، لم يصح في ~~ظاهر المذهب. اختاره أبو بكر والقاضي؛ لأنه تابع للدين، فلا يجوز قبله ~~كالشهادة. واختار أبو الخطاب: صحته. فإذا دفع إليه رهنا على عشرة دراهم ~~يقرضه إياه، ثم أقرضه، لزم الرهن؛ لأنه وثيقة بحق، فجاز عقدها قبله ~~كالضمان. # فصل # ولا يلزم الرهن من جهة المرتهن؛ لأن العقد لحظه وحده، فكان له فسخه ~~كالمضمون له. ويلزمه من جهة الراهن؛ لأن الحظ لغيره فلزمه من جهته، كالضمان ~~في حق الضامن، ولأنه وثيقة فأشبه الضمان. ولا يلزم إلا بالقبض؛ لقول الله ~~تعالى: {فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] . ولأنه عقد إرفاق، فافتقر إلى القبض ~~كالقرض. وعنه في غير المكيل والموزون: أنه يلزم بمجرد العقد، قياسا على ~~البيع. والأول: المذهب؛ لأن البيع معاوضة، وهذا إرفاق، فهو أشبه بالقرض. ~~وإذا كان الرهن في يد الراهن، لم يجز قبضه إلا بإذنه؛ لأنه له قبل القبض، ~~فلا يملك المرتهن إسقاط حقه بغير إذنه، كالموهوب. وإن كان في يد المرتهن، ~~فظاهر كلامه لزومه، بمجرد العقد؛ لأن يده ثابتة عليه، وإنما يعتبر الحكم ~~فقط، فلم يحتج إلى قبض، كما لو منع الوديعة صارت مضمونة. وقال القاضي ~~وأصحابه: لا يلزمه حتى تمضي مدة يتأتى قبضه فيها، ولو كان غائبا، لا يصير ~~مقبوضا حتى يوافيه هو أو وكيله، ms0498 ثم تمضي مدة يمكن قبضه فيها؛ لأن # PageV02P075 # العقد يفتقر إلى القبض، ولا يحصل القبض إلا بفعله، أو إمكانه، ثم هل ~~يفتقر إلى إذن الراهن في القبض، على وجهين: # أحدهما: لا يفتقر إليه؛ لأن إقراره عليه كإذنه فيه. # والثاني: يفتقر؛ لأنه قبض يلزم به عقد غير لازم، فافتقر إلى الإذن كما لو ~~لم يكن في يده. # فصل # وإذا أذن في القبض، ثم رجع عنه قبل القبض، أو قبل مضي مدة يتأتى القبض ~~فيها، لما في يده، فهو كمن لم يأذن؛ لأن الإذن قد زال. وإن أذن فيه ثم جن ~~أو أغمي عليه، زال الإذن؛ لخروجه عن كونه من أهله. ويقوم ولي المجنون ~~مقامه، إن رأى الحظ في القبض، أذن فيه، وإلا فلا. وإن تصرف الراهن في الرهن ~~قبل قبضه، بعتق أو هبة أو بيع أو جعله مهرا، بطل الرهن؛ لأن هذه التصرفات ~~تمنع الرهن، فانفسخ بها. وإن رهنه، بطل الأول؛ لأن المقصود منه ينافي ~~الأول. وإن دبره، أو أجره أو زوج الأمة، لم يبطل الرهن؛ لأن هذه التصرفات ~~لا تمنع البيع، فلا تمنع صحة الرهن. وإن كاتب العبد وقلنا: يصح رهن المكاتب ~~لم يبطل بكتابته؛ لأنه لا ينافيها. وإن قلنا: لا يصح رهنه، بطل بها ~~لتنافيها. # فصل # وإن مات أحد المتراهنين، لم يبطل الرهن؛ لأنه عقد لا يبطله الجنون، أو ~~مآله إلى اللزوم، فلم يبطله الموت كبيع الخيار. ويقوم وارث الميت مقامه في ~~الإقباض والقبض، فإن لم يكن على الراهن دين سوى دين الرهن، فلوارثه إقباضه. ~~وإن كان عليه دين سواه، فليس له إقباضه؛ لأنه لا يملك تخصيص بعض الغرماء ~~برهن. وعنه: له إقباضه؛ لأن المرتهن لم يرض بمجرد الذمة، بخلاف غيره. ~~والأول أولى؛ لأن حقوق الغرماء تعلقت بالتركة قبل لزوم حقه، فلم يجز تخصيصه ~~بغير رضاهم، كما لو أفلس الراهن، فإن أذن الغرماء في إقباضه، جاز؛ لأن الحق ~~لهم، فإذا قبضه، لزم، سواء مات قبل الإذن في القبض أو بعده. # فصل # وإن حجر على الراهن قبل القبض، لم يملك إقباضه ms0499 فإن كان الحجر لسفه، قام ~~وليه مقامه كما لو جن، وإن كان لفلس، لم يجز لأحد إقباضه إلا بإذن الغرماء؛ ~~لأن فيه تخصيص المرتهن بثمنه دونهم. # PageV02P076 # فصل # ومتى امتنع الراهن من إقباضه، وقلنا: إن القبض ليس بشرط في لزومه أجبره ~~الحاكم. وإن قلنا: هو شرط، لم يجبره، وبقي الدين بغير رهن. وهكذا إن انفسخ ~~الرهن قبل القبض، إلا أن يكون مشروطا في بيع، فيكون للبائع الخيار بين فسخ ~~البيع وإمضائه؛ لأنه لم يسلم له ما شرط، فأشبه ما لو شرط صفة في المبيع ~~فبان بخلافها. وإن قبض الرهن، فوجد معيبا، فله الخيار؛ لأنه لم يسلم له ما ~~شرطه. فإن رضيه معيبا، فلا أرش له؛ لأن الرهن إنما لزم فيما قبض دون الجزء ~~الفائت. وإن حدث العيب، أو تلف الرهن في يد المرتهن، فلا خيار له؛ لأن ~~الراهن وفى له بما شرط، فإن تعب عنده، ثم أصاب به عيبا قديما، فله رده، ~~وفسخ البيع؛ لأن العيب الحادث عنده لا يجب ضمانه على المرتهن وخرجه القاضي ~~على الروايتين في البيع. وإن علم بالعيب بعد تلفه، لم يملك فسخ البيع؛ لأنه ~~قد تعذر عليه رد الرهن، لهلاكه. # فصل # ولا ينفك شيء من الرهن حتى يقضي جميع ديونه؛ لأنه وثيقة به، فكان وثيقة ~~بكل جزء منه كالضمان. فإن رهن شيئا من رجلين، أو رهن رجلان رجلا شيئا، فبرئ ~~أحدهما، أو برئ الراهن من دين أحدهما، انفك نصف الراهن؛ لأن الصفقة التي في ~~أحد طرفيها عقدان فلا يقف انفكاك أحدهما على فكاك الآخر، كما لو فرق بين ~~العقدين. وإن أراد الراهن مقاسمة المرتهن في الأولى، أو أراد الراهنان ~~القسمة في الثانية ولا ضرر فيها، كالحبوب والأدهان، أجبر الممتنع عليها، ~~وإن كان فيها ضرر، لم يجبر عليها، كغير الرهن، ويبقى الرهن مشاعا. # فصل # واستدامة القبض كابتدائه في الخلاف في اشتراطه للآية، ولأنها إحدى حالتي ~~الرهن، فأشبهت الابتداء، فإن قلنا باشتراطه، فأخرجه المرتهن عن يده ~~باختياره إلى الراهن، زال لزومه، وبقي كالذي لم يقبض، مثل أن أجره ms0500 إياه، أو ~~أودعه، أو أعاره أو غير ذلك. فإن رده الراهن إليه، عاد اللزوم بحكم العقد ~~السابق؛ لأنه أقبضه باختياره، فلزم به كالأول. وإن أزيلت يد المرتهن ~~بعدوان، كغضب ونحوه، فالرهن بحاله؛ لأن يده ثابتة حكما، فكأنها لم تزل. # فصل # والرهن أمانة في يد المرتهن، إن تلفت بغير تعد منه، لم يضمنه، ولم يسقط ~~شيء من دينه؛ لما روى الأثرم عن سعيد بن المسيب قال: «قضى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن الرهن لا # PageV02P077 # يغلق، والرهن ممن رهنه» . ولأنه وثيقة بدين ليس بعوض عنه، فلم يسقط ~~بهلاكه كالضامن. وإن كان الرهن فاسدا، لم يضمنه؛ لأن ما لا يضمن بالعقد ~~الصحيح، لا يضمن بالعقد الفاسد. وإن وقت الرهن، فتلف بعد الوقت، ضمنه؛ لأنه ~~مقبوض بغير عقد. وإن رهنه مغصوبا، لم يعلم به المرتهن، فهل للمالك تضمين ~~المرتهن؟ فيه وجهان: # أحدهما: لا يضمنه؛ لأنه دخل على أنه أمين. # والثاني: يضمنه؛ لأنه قبضه من يد ضامنه، فإذا ضمنه رجع على الراهن في أحد ~~الوجهين؛ لأنه غره. والثاني: لا يرجع؛ لأن التلف حصل في يده فاستقر الضمان ~~عليه، وإن ضمن الراهن، فهل يرجع على المرتهن؟ على وجهين إن قلنا: يرجع ~~المرتهن، لم يرجع الراهن، وإن قلنا: لا يرجع ثم رجع هاهنا وإن انفك الرهن ~~بقضاء أو إبراء، بقي الرهن أمانة؛ لأن قبضه حصل بإذن مالكه، لا لتخصيص ~~القابض بنفعه فأشبه الوديعة. # فصل # إذا حل الدين فوفاه الراهن، انفك الرهن. وإن لم يوفه وكان قد أذن في بيع ~~الرهن، بيع واستوفي الدين من ثمنه. وما بقي فله. وإن لم يأذن، طولب ~~بالإيفاء أو ببيعه، فإن أبى أو كان غائبا، فعل الحاكم ما يراه من إجباره ~~على البيع، أو القضاء، أو بيع الرهن بنفسه، أو بأمينه، والله أعلم. ### | باب ما يصح رهنه وما لا يصح # يصح رهن كل عين يصح بيعها؛ لأن مقصود الرهن الاستيثاق بالدين باستيفائه ~~من ثمنه عند تعذر استيفائه من الراهن، وهذا يحصل مما يجوز بيعه. ويصح رهن ~~المتاع؛ لأنه يجوز بيعه، ms0501 فجاز رهنه كالمفرز، ثم إن اتفقا على جعله في يد ~~المرتهن، أو يد عدل وديعة للمالك، أو بأجرة، جاز. وإن اختلفا، جعله الحاكم ~~في يد عدل وديعة لهما، أو يؤجره لهما محبوسا قدر الرهن للمرتهن، وإن رهن ~~نصيبه من جزء من المشاع وكان مما لا ينقسم، جاز. وإن جازت قسمته، احتمل ~~جواز رهنه؛ لأنه يصح بيعه، واحتمل أن لا يصح؛ لاحتمال أن يقتسماه، فيحصل ~~المرهون في حصة الشريك. ويصح رهن العبد المرتد والجاني؛ لأنه يجوز بيعهما. ~~وفي رهن القاتل في المحاربة وجهان، بناء على بيعه. ويصح رهن المدبر في ظاهر ~~المذهب، لظهوره في بيعه. ويصح رهن من علق عتقه بصفة توجد بعد حلول الدين، ~~لإمكان استيفائه من ثمنه. وإن كانت الصفة توجد قبل حلول الدين، لم يجز ~~رهنه؛ لأنه لا يمكن استيفاؤه من ثمنه. وإن كانت # PageV02P078 # تحتمل الأمرين، احتمل أن يصح رهنه؛ لأن الأصل بقاء العقد، والعتق قبله ~~مشكوك فيه، فهو كالمدبر واحتمل أن لا يصح رهنه؛ لأنه يحتمل العتق قبل حلول ~~الحق، وهذا غرر لا حاجة إليه. فإن مات سيد المدبر وهو يخرج من الثلث، أو ~~وجدت الصفة، عتق، وبطل الرهن. ولا يصح رهن المكاتب؛ لتعذر استدامة قبضه. ~~ويتخرج أن يصح إن قلنا: استدامة القبض غير مشترطة، وأنه يصح بيعه، ويكون ما ~~يؤديه من نجوم كتابته، رهنا معه. وإن عتق، بقي ما أداه رهنا، كالقن إذا مات ~~بعد الكسب، وجميع هذه المعاني عيوب، لها حكم غيرها من العيوب. # فصل # ويصح رهن ما يسرع إليه الفساد؛ لأنه مما يجوز بيعه، وإيفاء الدين من ~~ثمنه، فأشبه الثياب، فإن كان الدين يحل قبل فساده، بيع وقضي من ثمنه. وإن ~~كان يفسد قبل الحلول، وكان مما يمكن إصلاحه بالتجفيف، كالعنب، جفف. ومؤنة ~~تجفيفه على الراهن؛ لأنه من مؤنة حفظه، فأشبه نفقة الحيوان. وإن كان مما لا ~~يجفف، فشرطا بيعه، وجعل ثمنه رهنا، فعلا ذلك. وإن لم يشرطاه، ففيه وجهان: # أحدهما: يصح الرهن ويباع كما لو شرطاه؛ لأن الحال يقتضي ذلك لكون المالك ~~لا ms0502 يعرض ملكه للتلف، فحمل مطلق العقد عليه، كما يحمل على تجفيف العنب. # والثاني: لا يصح؛ لأن البيع إزالة ملكه قبل حلول الحق، فلم يجبر عليه ~~كغيره. وإن شرط أن لا يباع، فسد وجها واحدا؛ لأنه إن وفى بشرطه، لم يمكن ~~إيفاء الدين من ثمنه، وإن رهنه عصيرا، صح لذلك، فإن تخمر خرج من الرهن؛ ~~لأنه لا قيمة له. فإن عاد خلا، عاد رهنا لأن العقد كان صحيحا، فلما طرأ ~~عليه معنى أخرجه عن حكمه، ثم زال المعنى، عاد الحكم كما لو ارتد أحد ~~الزوجين، ثم عاد في العدة عادت الزوجية. وإن كان استحالته قبل القبض، لم ~~يعد رهنا؛ لأنه ضعيف، فأشبه الردة قبل الدخول. # فصل # ويصح رهن الثمرة قبل بدو صلاحها، والزرع الأخضر مطلقا وبشرط التبقية؛ لأن ~~الغرر يقل فيه، لاختصاصه بالوثيقة مع بقاء الدين بحاله، بخلاف البيع، قال ~~القاضي: ويصح رهن المبيع المكيل والموزون قبل قبضه؛ لأن قبضه مستحق ~~للمشتري، فيمكنه قبضه، ثم يقبضه. وإنما منع من بيعه، لئلا يربح فيما لم ~~يضمنه وهو منهي عنه. وإن رهن ثمرة إلى محل تحدث فيه أخرى لا تتميز، فالرهن ~~باطل؛ لأنه مجهول حين حلول # PageV02P079 # الحق، فلا يمكن إمضاء الرهن على مقتضاه. وإن رهنها بدين حال، أو شرط ~~قطعها عند خوف اختلاطها، جاز؛ لأنه لا غرر فيه، فإن لم يقطعها حتى اختلطت، ~~لم يبطل الرهن؛ لأنه وقع صحيحا، لكن إن سمح الراهن ببيع الجميع، أو اتفقا ~~على قدر منه، جاز. وإن اختلفا وتشاحا، فالقول قول الراهن مع يمينه؛ لأنه ~~منكر. # فصل # ويصح رهن الجارية دون ولدها؛ لأن الرهن لا يزيل الملك، فلا يحصل التفريق ~~فيه. فإن احتيج إلى بيعها، بيع ولدها معها؛ لأن التفريق بينهما محرم، ~~والجمع بينهما في البيع جائز، فتعين. وللمرتهن من الثمن بقدر قيمة الجارية ~~منه، وكونها ذات ولد عيب؛ لأنه ينقص من ثمنها. # فصل # ولا يصح رهن ما لا يجوز بيعه، غير ما ذكرنا، كالوقف وأم الولد، والكلب ~~ونحوها؛ لأنه لا يمكن إيفاء الدين منه وهو المقصود. ولا ms0503 يصح رهن ما لا يقدر ~~على تسليمه. ولا المجهول الذي لا يجوز بيعه؛ لأن الصفات مقصودة في الرهن ~~لإيفاء الدين، كما تقصد في البيع للوفاء بالثمن. ولا رهن مال غيره بغير ~~إذنه، ويتخرج جوازه ويقف على إجازة مالكه، كبيعه. فإن رهن عينا يظنها لغيره ~~وكانت ملكه، ففيه وجهان: # أحدهما: يصح؛ لأنه صادف ملكه. # والثاني: لا يصح؛ لأنه عقده معتقدا فساده. ولا يصح رهن الرهون من غير إذن ~~المرتهن؛ لأنه لا يملك بيعه في الدين الثاني، فإن رهنه عند المرتهن بدين ~~آخر، مثل أن رهنه عبدا على ألف، ثم استدان منه دينا آخر، وجعل العبد رهنا ~~بهما، لم يصح؛ لأنه رهن مستحق بدين، فلم يجز رهنه بغيره كما لو رهنه عند ~~غير المرتهن. # فصل # ولا يصح رهن ما لا يجوز بيعه من أرض الشام والعراق ونحوهما مما فتح عنوة ~~في ظاهر المذهب؛ لأنها وقف. وما فيها من بناء من ترابها، فحكمه حكمها. وما ~~جدد فيها من غراس وبناء من غراس وبناء من غير ترابها، إن أفرده بالرهن، ~~ففيه روايتان: # إحداهما: لا يصح؛ لأنه تابع لما لا يجوز رهنه، فهو كأساسات الحيطان. # والثانية: يجوز؛ لأنه مملوك غير موقوف، وإن رهنه مع الأرض، بطل في الأرض، ~~والغراس والبناء وجهان بناء على تفريق الصفقة. # PageV02P080 # فصل # وفي رهن المصحف، روايتان، كبيعه. وإن رهنه أو رهن كتب الحديث، أو عبدا ~~مسلما لكافر، لم يصح؛ لأنه لا يصح بيعه له، ويحتمل أن يصح إذا شرطا كونه في ~~يد مسلم، ويبيعه الحاكم إذا امتنع مالكه؛ لأن الرهن لا ينقل الملك إلى ~~الكافر، بخلاف البيع، ولا يجوز رهن المنافع؛ لأنها تهلك إلى حلول الحق. ولو ~~رهنه أجرة داره شهرا، لم يصح؛ لأنه مجهول. ولو رهن المكاتب من يعتق عليه، ~~لم يصح؛ لأنه لا يملك بيعه. ### | باب ما يدخل في الرهن وما يملكه الراهن وما يلزمه # باب ما يدخل في الرهن وما لا يدخل وما يملكه الراهن، وما لا يملكه وما ~~يلزمه وما لا يلزمه جميع نماء الرهن المنفصل يدخل ms0504 في الرهن ويباع معه؛ لأنه ~~عقد وارد على الأصل، فثبت حكمه في نمائه كالبيع، أو نماء حادث من غير ~~الرهن، أشبه المتصل. ولو ارتهن أرضا، فنبت فيها شجر، دخل في الرهن؛ لأنه من ~~نمائها، سواء نبت بنفسه أو بفعل الراهن. ويدخل فيه الصوف واللبن الموجودان، ~~والحادثان، لدخولهما في البيع. وإن رهنه أرضا ذات شجر، أو شجرا مثمرا، ~~فحكمه في ذلك حكم البيع. وإن رهنه دارا فخربت، فأنقاضها رهن؛ لأنها من ~~أجزائها. وإن رهنه شجرا، لم تدخل أرضه في الرهن؛ لأنها أصل فلا تدخل تبعا. # فصل # ولا يملك الراهن التصرف في الرهن، باستخدام ولا سكنى، ولا إجارة ولا ~~إعارة، ولا غيرها بغير رضى المرتهن، ولا يملك المرتهن ذلك بغير رضى الراهن. ~~فإن لم يتفقا على التصرف، كانت منافعه معطلة تهلك تحت يد المرتهن حتى يفك؛ ~~لأن الرهن عين محبوسة على استيفاء حق، فأشبهت المبيع المحبوس على ثمنه. وإن ~~اتفقا على إجارته أو إعارته، جاز في قول الخرقي وأبي الخطاب؛ لأن يد ~~المستأجر والمستعير نائبة عن يد المرتهن في الحفظ، فجاز، كما لو جعلاه في ~~يد عدل. ولا فائدة في تعطيل المنافع؛ لأنه تضييع مال نهى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عنه. وقال أبو بكر: لا يجوز إجارته. فإن فعلا بطل الرهن؛ لأن ~~الرهن يقتضي الحبس عند المرتهن أو نائبه. فمتى وجد عقد يقتضي زوال الحبس، ~~بطل الرهن. وقال ابن أبي موسى: إن أجره المرتهن، أو أعاره بإذن الراهن، ~~جاز. وإن فعل ذلك الراهن بإذن المرتهن، فكذلك في أحد الوجهين. وفي الآخر ~~يخرج من الرهن؛ لأن المستأجر قائم مقام الراهن، فصار كما لو سكنه الراهن. # فصل # ولا يمنع الراهن من إصلاح الرهن، كمداواته بما لا يضر، وفصده وحجمه عند # PageV02P081 # حاجته إليه، وودج الدابة وتبزيغها، وإطراق الإناث عند حاجتها؛ لأنه إصلاح ~~لماله من غير ضرر، فلم يمنع منه كالعلف. وإن أراد قطع شيء من بدنه، لخبيثة ~~فيه، وقال أهل الخبرة: الأحوط قطعها، فله فعله. وإن ساووا الخوف في قطعها، ~~وتركها، فامتنع أحدهما من ms0505 قطعها، فله ذلك؛ لأن فيه خطرا بحقه. وللراهن ~~مداواة الماشية من الجرب بما لا ضرر فيه، كالقطران بالزيت اليسير، وإن خيف ~~ضرره كالكثير لم يملكه. وليس له قطع الأصبع الزائدة والسلعة؛ لأنه يخاف منه ~~الضرر، وتركها لا يضر، وليس له الختان إن كان لا يبرأ منه قبل محل الحق؛ ~~لأنه ينقص ثمنه، وإن كان يبرأ قبله والزمان معتدل، لم يمنع منه؛ لأنه يزيد ~~به الثمن، ولا يضر المرتهن. وليس للمرتهن فعل شيء من ذلك بغير رضى الراهن. # فصل # ولا يملك الراهن بيع الرهن، ولا هبته، ولا جعله مهرا، ولا أجرة ولا كتابة ~~العبد، ولا وقفه؛ لأنه تصرف يبطل به حق المرتهن من الوثيقة، فلم يصح من ~~الراهن بنفسه، كالفسخ. وفي الوقف وجه آخر: أنه يصح؛ لأنه يلزم لحق الله ~~تعالى، أشبه العتق. والأول: الصحيح؛ لأنه تصرف لا يسري إلى ملك الغير، فلم ~~يصح كالهبة. # ولا يصح تزويج الرقيق. وقال القاضي: له تزويج الأمة. ويمنع الزوج وطأها، ~~والأول: أصح؛ لأنه ينقص ثمنها فلم يصح، كتزويج العبد. # فصل # ولا يجوز له عتق الرهن؛ لأن فيه إضرارا بالمرتهن، وإسقاط حقه اللازم، فإن ~~فعل، نفذ عتقه، نص عليه؛ لأنه محبوس، لاستيفاء حق فنفذ فيه عتق المالك، ~~كالمحبوس على ثمنه. وعنه: لا ينفذ عتق المعسر؛ لأنه عتق في ملكه، يبطل به ~~حق غيره، فاختلف فيه الموسر والمعسر، كالعتق في العبد المشترك. فإن أعتق ~~الموسر، فعليه قيمته تجعل مكانه رهنا؛ لأنه أبطل حق الوثيقة بغير إذن ~~المرتهن، فلزمته قيمته، كما لو قتله. وإن أعتق المعسر، فالقيمة في ذمته، إن ~~أيسر قبل حلول الحق، أخذت منه رهنا، وإن أيسر بعد حلول الحق، طولب به خاصة؛ ~~لأن ذمته تبرأ به من الحقين معا وتعتبر القيمة حين الإعتاق؛ لأنه حال ~~الإتلاف. # فصل # وليس للراهن وطء الجارية. وإن كانت لا تحبل؛ لأن من حرم وطؤها يستوي فيه ~~من تحبل، ومن لا تحبل، كالمستبرأة. فإن وطئ فلا حد عليه لأنها ملكه. فإن ~~نقصها لكونها بكرا أو أفضاها، فعليه ما نقصها، إن ms0506 شاء جعله رهنا، وإن شاء ~~جعله قصاصا من # PageV02P082 # الحق. وإذا لم تحمل منه، فهي رهن بحالها، كما لو استخدمها. وإن ولدت منه، ~~فولده حر، وصارت أم ولد له؛ لأنه أحبلها بحر في ملكه. وتخرج من الرهن، ~~موسرا كان، أو معسرا رواية واحدة؛ لأن الإحبال أقوى من العتق، ولذلك ينفذ ~~إحبال المجنون، دون عتقه. وعليه قيمتها يوم إحبالها؛ لأنه وقت إتلافها. وإن ~~تلفت بسبب الحمل، فعليه قيمتها؛ لأنها تلفت بسبب كان منه. # فصل # وكل ما منع الراهن منه، لحق المرتهن، إذا أذن فيه، جاز له فعله؛ لأن ~~المنع لحقه، فجاز بإذنه، فإن رجع عن الإذن قبل الفعل، سقط حكم الإذن. فإن ~~لم يعلم بالرجوع حتى فعل، فهل يسقط الإذن؟ فيه وجهان؛ بناء على عزل الوكيل ~~بغير علمه. فإن تصرف بإذنه فيما ينافي الرهن من البيع والعتق ونحوهما، صح ~~تصرفه وبطل الرهن؛ لأنه لا يجتمع مع ما ينافيه، إلا البيع، فله ثلاثة ~~أحوال: # أحدها: أن يبيعه بعد حلول الحق فيتعلق حق المرتهن بالثمن، ويجب قضاء ~~الدين منه إلا أن يقضيه غيره؛ لأن مقتضى الرهن بيعه، واستيفاء الحق من ~~ثمنه. # الثاني: أن يبيعه قبل حلول الحق بإذن مطلق، فيبطل الرهن ويسقط حق المرتهن ~~من الوثيقة؛ لأنه تصرف في عين الرهن تصرفا لا يستحقه المرتهن، فأبطله ~~كالعتق. # والثالث: أن يشترط جعل الثمن رهنا، ويجعل دينه من ثمنه، فيصح البيع ~~والشرط؛ لأنه لو شرط ذلك بعد حلول الحق، جاز، فكذلك قبله. وإن أذن له في ~~الوطء والتزويج، جاز؛ لأنه منع منه لحقه، فجاز بإذنه، فإن فعل لم يبطل ~~الرهن؛ لأنه لا ينافيه. فإن أفضى إلى الحمل أو التلف، فلا شيء على الراهن؛ ~~لأنه مأذون في سببه، وإن أذن له في ضربها، فتلفت به، فلا ضمان عليه؛ لأنه ~~تولد من المأذون فيه، كتولد الحمل من الوطء. # فصل # ويلزم الراهن مؤنة الرهن كلها، من نفقة وكسوة وعلف، وحرز وحافظ وسقي، ~~وتسوية وجذاذ وتجفيف. لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«الرهن لمن رهنه له ms0507 غنمه وعليه غرمه» وهذا من غرمه. ولأنه ملكه فكانت نفقته ~~عليه، كالذي في يده. فإن # PageV02P083 # احتاج إلى دواء، أو فتح عرق، لم يلزمه؛ لأن الشفاء بيد الله تعالى، وقد ~~يحيا بدونه، بخلاف النفقة، ولا يجبر على إطراق الماشية؛ لأنه ليس مما يحتاج ~~إليه لبقائها، وليس عليه ما يتضمن زيادة الرهن. فإن احتاجت إلى راع لزمه؛ ~~لأنه لا قوام لها بدونه. فإن أراد السفر بها ليرعاها ولها في مكانها مرعى ~~تتماسك به، فللمرتهن منعه؛ لأن فيه إخراجها عن يده ونظره، وإن أجدب مكانها، ~~فللراهن السفر بها لأنه موضع حاجة. فإن اتفقا على السفر بها، واختلفا في ~~مكانها، قدمنا قول من يطلب الأصلح، فإن استويا، قدم قول المرتهن؛ لأنه أحق ~~باليد. # فصل # وليس للمرتهن أن ينتفع من الرهن بشيء بغير إذن الراهن، لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «الرهن من راهنه، له غنمه وعليه غرمه» ومنافعه من غنمه، ~~ولأن المنافع ملك للراهن، فلم يجز أخذها بغير إذنه، كغير الرهن، إلا ما كان ~~مركوبا أو محلوبا ففيه روايتان: # إحداهما: هو كغيره لما ذكرناه. # والثانية: للمرتهن الإنفاق عليه، ويركب ويحلب بقدر نفقته، متحريا للعدل ~~في ذلك، سواء تعذر الإنفاق من المالك أو لم يتعذر. لما روى أبو هريرة قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الرهن يركب بنفقته، ولبن الدر يشرب ~~بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة» رواه البخاري. وفي ~~لفظ: «فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يشرب، وعلى الذي يشرب نفقته، ويركب» . ~~فإن أنفق متبرعا، فلا شيء له. رواية واحدة. وليس له استخدام العبد بقدر ~~نفقته. وعنه: له ذلك إذا امتنع مالكه من الإنفاق عليه، كالمركوب والمحلوب. ~~قال أبو بكر: خالف حنبل الجماعة. والعمل على أنه لا ينتفع من الرهن بشيء؛ ~~لأن القياس يقتضي ذلك، خولف في المركوب والمحلوب للأثر، ففي غيره يبقى على ~~القياس. # فصل # وإن أنفق المرتهن على الرهن متبرعا، لم يرجع، وإن أنفق بإذن الراهن بنية ~~الرجوع، رجع بما أنفق؛ لأنه نائب عنه، فأشبه الوكيل، وإن أنفق ms0508 بغير إذنه، ~~معتقدا للرجوع نظرنا، فإن كان مما لا يلزم الراهن، كعمارة الدار، لم يرجع ~~بشيء؛ لأنه تبرع بما لا يلزمه، فلم يرجع به كغير المرتهن، وإن كان مما ~~يلزمه، كنفقة الحيوان، وكفن العبد، فهل يرجع به؟ على روايتين، بناء على من ~~قضى دينه بغير إذنه. # فصل # فإذا أذن الراهن للمرتهن في الانتفاع به بغير عوض، والرهن في قرض، لم ~~يجز؛ # PageV02P084 # لأنه يصير قرضا منفعة، وإن كان في غير قرض، جاز لعدم لذلك. وإن أذن له في ~~الانتفاع بعوض، مثل أن أجره إياه، فإن حاباه في الأجرة، فهو كالانتفاع بغير ~~عوض، وإن لم يحابه فيها، جاز في القرض وغيره، لكونه ما انتفع بالقرض، إنما ~~انتفع بالإجارة. وقال القاضي: ومتى استأجره المرتهن أو استعاره، خرج من ~~الرهن في مدتهما؛ لأنه طرأ عليه عقد أوجب استحقاقه في الإجارة برضاهما، ~~فإذا انقضى العقد عاد الرهن بحكم العقد السابق، والصحيح أنه لا يخرج بذلك ~~عن الرهن؛ لأن القبض مستدام فلا تنافي بين العقدين، لكنه في العارية، يصير ~~مضمونا، لكون العارية مضمونة. # فصل # وإن انتفع به بغير إذن الراهن، فعليه أجرة ذلك في ذمته. فإن كان الدين من ~~جنسها تقاصت هي وقدرها من الدين وتساقطا، وإن تلف الرهن ضمنه؛ لأنه تعدى ~~فيه فضمنه كالوديعة. ### | باب جناية الرهن والجناية عليه # إذا جنى الرهن على أجنبي، تعلق حق المجني عليه برقبته، وقدم على المرتهن؛ ~~لأنه يقدم على المالك، فأولى أن يقدم على المرتهن. فإن سقط حق المجني عليه ~~بعفو أو فداء، بقي حق المرتهن؛ لأنه لم يبطل دائما، وإنما قدم حق المجني ~~عليه لقوته؛ فإذا زال، ظهر حق المرتهن، وإن كان الحق قصاصا في النفس، اقتص ~~منه، وبطل الرهن، وإن كان في الطرف، اقتص له وبقي الرهن في باقيه. وإن كان ~~مالا أو قصاصا، فعفي عنه إلى مال فأمكن إيفاء حقه، ببيع بعضه، بيع منه بقدر ~~ما يقضي به حقه، وباقيه رهن. وإن لم يمكن إلا ببيع جميعه، بيع، فإن استغرق ~~ثمنه، بطل الرهن، وإن فضل منه ms0509 شيء، تعلق به حق المرتهن. وإن كان أرش ~~الجناية عليه أكثر من ثمنه، فطلب المجني عليه تسليمه للبيع، وأراد الراهن ~~فداءه، فله ذلك؛ لأن حق المجني عليه في قيمته لا في عينه، ويفديه بأقل ~~الأمرين من قيمته، أو أرش جنايته في أحد الوجهين؛ لأن ما يدفعه عوض عنه، ~~فلم يلزمه أكثر من قيمته، وفي الآخر يلزمه أرش الجناية كلها أو تسليمه؛ ~~لأنه ربما رغب فيه راغب فاشتراه بأكثر من قيمته، وفي الآخر يلزمه أرش ~~الجناية كلها أو تسليمه؛ لأنه ربما رغب فيه راغب فاشتراه بأكثر من قيمته ~~فينتفع به المجني عليه. وإن أبى الراهن فداءه، فللمرتهن فداؤه بمثل ما ~~يفديه به الراهن، وحكمه في الرجوع بذلك حكم ما يقضي به دينه، فإن شرط جعله ~~رهنا بالفداء مع الدين الأول، لم يصح؛ لأنه رهن فلم يجز رهنه بدين سواه، ~~وأجازه القاضي؛ لأن المجني عليه يملك إبطال الرهن بالبيع، فصار كالجائز قبل ~~القبض. والزيادة في دين الرهن قبل لزومه جائزة. ولأن الحق متعلق به، وإنما ~~ينتقل من الجناية إلى الرهن. بخلاف غيره. # PageV02P085 # فصل # فإن جنى على سيده جناية لا توجب قصاصا، فهي هدر؛ لأنه مال لسيده فلا يثبت ~~له في ماله، كما لو لم يكن رهنا. وإن كانت موجبة للقود فيما دون النفس، ~~فعفي على مال، سقطت مطلقا لذلك. وإن أحب القصاص، فله ذلك؛ لأن القصاص يجب ~~للزجر، والحاجة تدعو إلى زجره عن سيده. وإن كانت على النفس، فللورثة ~~القصاص. وليس لهم العفو على مال في أحد الوجهين، لما ذكرنا في السيد، ~~ولأنهم يقومون مقام الموروث، ولم يكن له العفو على مال، فكذلك وارثه، ~~والثاني: لهم ذلك؛ لأن الجناية حصلت في ملك غيرهم فأشبه الجناية على أجنبي. # فصل # فإن جنى على موروث سيده، ولم ينتقل الحق إلى سيده، فهي جناية على أجنبي، ~~وإن انتقل إليه، وكانت الجناية موجبة للقصاص في طرف، فمات المجني عليه، ~~فللسيد القصاص والعفو على مال؛ لأن المجني عليه ملك ذلك فملكه وارثه. وإن ~~كانت على النفس فكذلك في ms0510 أحد الوجهين. والثاني: ليس له العفو على مال، كما ~~لو كانت الجناية على نفسه. وأصلهما: هل يثبت للموروث ثم ينتقل إلى الوارث، ~~أم للوارث ابتداء؟ فيه روايتان. فإن قلنا: يثبت للموروث ابتداء، فليس له ~~العفو على مال كالجناية على طرف نفسه، وإن قلنا: يثبت للموروث فله العفو ~~على مال؛ لأن الحق ينتقل إليه على الصفة التي كان لموروثه، لكون الاستدامة ~~أقوى من الابتداء. وإن كانت الجناية موجبة للمال، أو كان الموروث قد عفي ~~على مال، ثبت ذلك للسيد. لذلك فيقدم به على المرتهن. # فصل # وإن جنى على عبد لسيده غير مرهون، فحكمه حكم الجناية على طرف سيده. وإن ~~كان مرهونا عند مرتهن القاتل بحق واحد، والجناية موجبة للمال، أو عفا السيد ~~على مال، ذهب هدرا. كما لو مات حتف أنفه. وإن كان رهنا بحق آخر، تعلق دين ~~المقتول برقبة القاتل. إن كانت قيمة المقتول أكثر من قيمة القاتل، أو ~~مساوية لها. وإن كانت أقل تعلق برقبة القاتل بقدر قيمة المقتول، فأي ~~الدينين حل أولا، بيع فيه، فيستوفى من ثمنه، وباقيه رهن بالآخر، وإن كان ~~المقتول رهنا عند غير مرتهن القاتل، وكانت الجناية موجبة للقصاص، فللسيد ~~الخيرة بين القصاص والعفو على مال؛ لأنه يتعلق به حق غيره، ويثبت المال في ~~رقبة العبد. فإن كان لا يستغرق قيمته، بيع منه بقدر أرش الجناية ويكون رهنا ~~عند مرتهن المجني عليه، وباقيه رهن بدينه. وإن لم يمكن بيع بعضه، بيع كله، ~~وقسم ثمنه بينهما على حسب ذلك، وإن كانت الجناية تستغرق قيمته، فالثاني أحق ~~به. وهل يباع، أو ينقل فيجعل رهنا عنده؟ فيه وجهان: # PageV02P086 # أحدهما: لا يباع لعدم الفائدة في بيعه. # والثاني: يباع؛ لأنه ربما زاد فيه مزايد فاشتراه بأكثر من قيمته، فكل ~~موضع قلنا: للسيد القصاص أو لوارثه، فاقتص، فقال بعض أصحابنا: عليه قيمته، ~~تجعل مكانه، لأنه أتلف الرهن باختياره، ويحتمل أن لا يجب عليه شيء؛ لأنه ~~اقتص بإذن الشارع، فلم يلزمه شيء، كالأجنبي. # فصل # وجنايته بإذن سيده كجنايته بغير إذنه، إلا أن ms0511 يكون صبيا، أو أعجميا لا ~~يعلم تحريم الجناية، فيكون السيد هو الجاني يتعلق به القصاص والدية، ~~كالمباشر لها، ولا يباع العبد فيها، وقيل: يباع إذا كان معسرا؛ لأنه باشر ~~الجناية والأول أصح؛ لأن العبد آلة، ولو تعلقت به الجناية، بيع فيها وإن ~~كان سيده موسرا. # فصل # وإن جنى على الرهن، فالخصم الراهن؛ لأنه مالكه ومالك بدله، فإن كانت ~~الجناية موجبة للقصاص، فله أن يقتص، أو يعفو، فإن اقتص، ففيه وجهان: # أحدهما: عليه قيمته تجعل مكانه؛ لأنه أتلف مالا استحق بسبب إتلاف [الرهن] ~~فغرم قيمته، كما لو كانت الجناية موجبة للمال. # والثاني: لا شيء عليه؛ لأنه لم يجب بالجناية مال، ولا استحق بحال، وليس ~~على الراهن السعي للمرتهن في اكتساب مال، وإن عفا على مال، أو كانت الجناية ~~موجبة للمال، كان رهنا مكانه. فإن عفا الراهن عن المال، لم يصح عفوه؛ لأنه ~~محل تعلق به حق المرتهن، فلم يصح عفو الراهن عنه. كما لو قبضه المرتهن، ~~وقال أبو الخطاب: يصح وتؤخذ منه قيمته وتكون رهنا؛ لأنه أتلفه بعفوه. وقال ~~القاضي: تؤخذ قيمته من الجاني، فتجعل مكانه، فإذا زال الرهن، ردت إلى ~~الجاني، كما لو أقر على عبده المرهون بالجناية، وإن عفا الراهن عن الجناية ~~الموجبة للقصاص إلى غير مال، انبنى على موجب العمد. فإن قلنا: أحد شيئين، ~~فهو كالعفو عن المال، وإن قلنا: القصاص، فهو كالاقتصاص، فيه وجهان. # فصل # إذا أقر الراهن أن العبد كان جنى قبل رهنه، فكذبه المرتهن، وولي الجناية، ~~لم يسمع قوله، وإن صدقه ولي الجناية وحده، قبل إقراره على نفسه دون ~~المرتهن، فيلزمه أرش الجناية؛ لأنه حال بين المجني عليه، وبين رقبة الجاني ~~بفعله، فأشبه ما لو قتله، # PageV02P087 # فإن كان معسرا، فمتى انفك الرهن، كان المجني عليه أحق برقبته، وعلى ~~المرتهن اليمين أنه لا يعلم ذلك، فإن نكل، قضي عليه. وفيه وجه آخر، أنه ~~يقبل إقرار الراهن؛ لأنه غير متهم؛ لأنه يقر بما يخرج الرهن من ملكه، وعليه ~~اليمين؛ لأنه يبطل بإقراره حق المرتهن فيه، وإن أقر ms0512 أنه كان أعتقه، عتق؛ ~~لأنه يملك عتقه، فملك الإقرار به، فيخرج العبد من الرهن، ويؤخذ من الراهن ~~قيمته، تجعل مكانه، ولا يقبل قوله في تقديم عتقه؛ لأنه يسقط به حق المرتهن ~~من عوضه. # فصل # وإن أقر رجل بالجناية على الرهن، فكذبه الراهن والمرتهن، فلا شيء لهما. ~~وإن صدقه الراهن وحده فله الأرش، ولا حق للمرتهن فيه لإقراره بذلك. وإن ~~صدقه المرتهن وحده، أخذ الأرش فجعل رهنا عنده، فإذا خرج من الرهن، رجع إلى ~~الجاني، ولا حق للراهن فيه. والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | باب الشروط في الرهن # يصح شرط جعل الرهن في يد عدل، فيقوم قبضه مقام قبض المرتهن؛ لأنه قبض في ~~عقد، فجاز التوكيل فيه، كقبض الموهوب، وما دام العدل حاله، فليس لأحدهما، ~~ولا للحاكم نقله عن يده؛ لأنهما رضياه ابتداء، وإن اتفقا على نقله، جاز؛ ~~لأن الحق لهما لا يعدوهما. وإن تغيرت حاله بفسق، أو ضعف عن الحفظ، أو عداوة ~~لهما، أو لأحدهما، فمن طلب نقله منهما فله ذلك؛ لأنه متهم في حقه، ففي ~~بقائه في يده ضرر، ثم إن اتفقا على من يضعانه عنده، جاز، وإن اختلفا، وضعه ~~الحاكم في يد عدل، وإن اختلفا في تغير حاله، بعث الحاكم وعمل بما يظهر له، ~~وإن مات العدل، لم يكن لوارثه إمساكه إلا بتراضيهما؛ لأنهما ما ائتمناه، ~~وإن رده العدل عليهما، لزمهما قبوله؛ لأنه متطوع بحفظه، فلم يلزمه المقام ~~عليه، فإن امتنعا أجبرهما الحاكم، فإن تغيبا، أو كانا غائبين، نصب الحاكم ~~أمينا يقبضه لهما؛ لأن للحاكم ولاية على الغائب الممتنع من الحق، وإن دفعه ~~الحاكم إلى أمين من غير امتناعهما، ولا غيبتهما، ضمن الحاكم والأمين معا؛ ~~لأنه لا ولاية له على غير الممتنع والغائب، فإن امتنعا، أو غابا، فلم يجد ~~الحاكم ضمن؛ لأنه يقوم مقامهما. وكذلك لو أودعه من غير امتناعهما، ولا ~~غيبتهما، ضمن هو والقابض معا. وإن امتنع أحدهما، ولم يجد حاكما، لم يكن له ~~دفعه إلى الآخر، فإن فعل ضمن؛ لأنه يمسكه لنفسه. والعدل يمسكه لهما، فإن ~~رده ms0513 إلى يده، زال الضمان. # PageV02P088 # فصل # وإن شرط جعله في يد اثنين، صح الشرط، ولم يكن لأحدهما الانفراد بحفظه؛ ~~لأن المتراهنين لم يرضيا إلا بحفظهما معا، فلم يجز لأحدهما الانفراد به، ~~كالوصيين، فإن سلمه أحدهما إلى صاحبه، ضمن نصفه؛ لأنه القدر الذي تعدى فيه، ~~فإن مات أحدهما أو تغير حاله، أقيم مقامه عدل. # فصل # وكل من جاز توكيله، جاز جعل الرهن على يديه، مسلما كان أو كافرا، عدلا أو ~~فاسقا، ذكرا أو أنثى؛ لأنه جاز توكيله في غير الرهن، فجاز فيه، كالعدل. ولا ~~يجوز أن يكون صبيا أو مجنونا؛ لأنه غير جائز التصرف، فإن فعلا، كان قبضه له ~~وعدمه واحدا. وإن كان عبدا، فله حفظه بإذن سيده، ولا يجوز بغير إذنه؛ لأن ~~منافعه لسيده، فلا يجوز تضييعها في الحفظ من غير إذنه، وإن كان مكاتبا وكان ~~بغير جعل، لم يجز؛ لأنه ليس له التبرع، وإن كان بجعل جاز؛ لأن له الكسب ~~بغير إذن سيده، فإن لم يشرط جعله في يد أحد، فهو في يد المرتهن؛ لأنه ~~المستوجب للعقد، فكان القبض له كالمتهب، فإن قبضه ثم تغيرت حاله في الثقة، ~~أو الحفظ، أو حدث بينهما عداوة، فللراهن دفعه إلى الحاكم، ليزيل يده، ويجعل ~~في يد عدل؛ لأنه لم يرض بحفظه في هذه الحال. وإن اختلفا في تغير حاله، بحث ~~الحاكم، وعمل بما بان له، وإن مات المرتهن، نقل عن الوارث إلى عدل؛ لأن ~~الراهن لم يرض بحفظه. # فصل # إذا شرط أن يبيعه المرتهن، أو العدل عند حلول الحق، صح شرطه؛ لأن ما صح ~~توكيل غيرهما فيه، صح توكيلهما فيه، كبيع عين أخرى. فإن عزلهما الراهن، صح ~~عزله؛ لأن الوكالة عقد جائز، فلم يلزم المقام عليهما، كما لو وكل غيرهما، ~~أو وكلهما في بيع غيره، ولو مات المرتهن، لم يكن لوارثه البيع؛ لأنه لم ~~يؤذن له، ويتخرج أنه لا يملك عزلهما؛ لأنه يفتح باب الحيلة، فإن عزل ~~المرتهن العدل عن البيع، لم يملكه إلا في الحال الذي يملكه الراهن؛ لأنه ~~وكيله خاصة، وإن ms0514 أذنا له في بيع الرهن، فتلف بجناية قيمته مكانه، فقال ~~القاضي: قياس المذهب أن له بيعها؛ لأنه يجوز له بيع نمائه تبعا، فبيع قيمته ~~أولى، والصحيح أنه لا يملك بيعها؛ لأنه لم يؤذن له فيه، ولا هي تبع لما أذن ~~فيه، بخلاف النماء. # فصل # وإن أذنا له في البيع بنقد، لم يكن له خلافهما؛ لأنه وكيلهما، وإن أطلقا ~~أو # PageV02P089 # اختلفا، باع بنقد البلد؛ لأن الحظ فيه، فإن كان فيه نقود، باع بأغلبها، ~~فإن تساوت، باع بما يرى الحظ فيه؛ لأن الغرض تحصيل الحظ، فإن تساوت، باع ~~بجنس الدين؛ لأنه يمكن القضاء منه، فإن لم يكن فيها جنس الدين، عين له ~~الحاكم ما يبيع به. وحكمه حكم الوكيل في وجوب الاحتياط في الثمن على ما ~~سنذكره، فإذا باع وقبض الثمن، فتلف في يده من غير تعد، فلا ضمان عليه؛ لأنه ~~أمين وهو من ضمان الراهن؛ لأنه ملكه. فإن أنكر الراهن تلفه، فالقول قول ~~العدل مع يمينه؛ لأنه أمين فهو كالمودع. فإن قال: ما قبضته من المشتري، ~~فالقول قول العدل لذلك، ويحتمل أن لا يقبل قوله؛ لأن هذا إبراء للمشتري. ~~وإن خرج الرهن مستحقا، فالعهدة على الراهن دون العدل؛ لأنه وكيل، وإن استحق ~~بعد تلف الثمن في يد العدل، رجع المشتري على الراهن دون العدل؛ لأنه قبض ~~منه على أنه أمين في قبضه، وتسليمه إلى المرتهن، وإن كان الثمن باقيا في يد ~~العدل، أو المرتهن، رجع المشتري فيه؛ لأنه عين ماله قبض بغير حق، وإن وجد ~~المشتري بالمبيع عيبا فرده بعد قبض المرتهن ثمنه، لم يرجع عليه؛ لأنه قبضه ~~بحق ولا على العدل؛ لأنه أمين، ويرجع على الراهن، إلا أن يكون العدل لم ~~يعلم المشتري أنه وكيل، فيكون رجوعه عليه، ثم يرجع هو على الراهن، فإن تلف ~~المبيع في يد المشتري، ثم بان مستحقا، فلمالكه تضمين من شاء من الراهن ~~والعدل والمرتهن؛ لأن كل واحد منهم قبض ماله بغير حق، ويستقر الضمان على ~~المشتري؛ لأن التلف حصل في يده، ويرجع على الراهن ms0515 بالثمن الذي أخذ منه، ~~وإذا باع العدل الرهن بيعا فاسدا، وجب رده، فإن تعذر رده، فللمرتهن تضمين ~~من شاء من العدل والمشتري أقل الأمرين، من قيمة الرهن، أو قدر الدين؛ لأنه ~~يقبض ذلك مستوفيا لحقه، لا رهنا، فلم يكن له أكثر من دينه، وما بقي للراهن ~~يرجع به على من شاء منهما، وإن وفى الراهن المرتهن، رجع بقيمته على من شاء ~~منهما، ويستقر الضمان على المشتري، لحصول التلف في يده. # فصل # وإذا ادعى العدل دفع الثمن إلى المرتهن، فأنكره، ففيه وجهان: # أحدهما: القول قول العدل؛ لأنه أمين. فإذا حلف برئ ويرجع المرتهن على ~~الراهن. # والثاني: القول قول المرتهن؛ لأنه منكر. والعدل إنما هو أمينه في الحفظ، ~~لا في دفع الثمن إليه. فإذا حلف، رجع على من شاء منهما، فإذا رجع على ~~العدل، لم يرجع العدل على الراهن؛ لأنه يقر ببراءة ذمته منه، ويدعي أن ~~المرتهن ظلمه وغصبه. وإن # PageV02P090 # رجع على الراهن، رجع الراهن على العدل، لتفريطه في القضاء بغير بينة، إلا ~~أن يكون قضاؤه بحضرة الراهن، أو ببينة فماتت، أو غابت فلا يرجع عليه، لعدم ~~تفريطه، وعنه: لا يرجع على العدل بحال؛ لأنه أمين، ولو غصب المرتهن الرهن ~~من العدل ثم رده إليه، زال الضمان؛ لأنه رده إلى وكيل الراهن في إمساكه، ~~فأشبه ما لو أذن له في دفعه إليه. ولو كان الرهن في يده، فتعدى فيه، ثم زال ~~التعدي، لم يزل الضمان؛ لأن استئمانه زال بذلك، فلم يعد بفعله. # فصل # وإذا رهن أمة رجلا، وشرط جعلها في يد امرأة، أو ذي رحم لها، أو ذي زوجة ~~أو أمة، جاز؛ لأنه لا يفضي إلى الخلوة بها. وإن لم يكن كذلك، فسد الرهن، ~~لإفضائه إلى خلوة الأجنبي بها، ولو اقترض ذمي من مسلم مالا، ثم رهنه خمرا، ~~لم يصح؛ لأنها ليست مالا، وإن باعها الذمي أو وكيله، وأتاه بثمنها، فله ~~أخذه، فإن امتنع، لزمه، وقيل له: إما أن تقبض، أو أن تبرئ؛ لأن أهل الذمة ~~إذا تقابضوا في العقود الفاسدة، جرى ms0516 مجرى الصحيح. # فصل # فإن شرط ما ينافي مقتضى الرهن، نحو أن يشترط أن لا يسلمه، أو لا يباع عند ~~الحلول، أو لا يستوفى الدين من ثمنه، أو شرط أن يبيعه بما شاء، أو لا يبيعه ~~إلا بما يرضيه، فسد الشرط؛ لأن المقصود مع الوفاء به مفقود. وإن شرط أنه ~~متى حل الحق، ولم توفني، فالرهن لي بالدين، أو بثمن سماه، فسد؛ لما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يغلق الرهن» رواه الأثرم. ~~ومعناه: استحقاق المرتهن له لعجز الراهن عن فكاكه، ولأنه علق البيع على شرط ~~مستقبل، فلم يصح، كما لو علقه على قدوم زيد. وإن قال: أرهنك على أن تزيدني ~~في الأجل، لم يصح؛ لأن الدين الحال لا يتأجل، وإذا لم يثبت الأجل فسد ~~الرهن؛ لأنه في مقابلته. وإن شرط أن ينتفع المرتهن بالرهن في دين القرض، لم ~~يجز، وإن كان بدين مستقر في مقابلة تأخيره عن أجله، لم يجز؛ لأنه بيع ~~للأجل، وإن كان في بيع، فعن أحمد جوازه إذا جعل المنفعة معلومة، كخدمة شهر ~~ونحوه، فيكون بيعا وإجارة. وإن لم تكن معلومة، بطل الشرط للجهالة، وبطل ~~البيع لجهالة ثمنه، وما عدا هذا، فهو إباحة لا يلزم الوفاء به، وإن قال: ~~رهنتك ثوبي هذا يوما، ويوما لا أوقته، فالرهن فاسد؛ لأن ينافي مقتضاه، وكل ~~شرط يسقط به دين الرهن يفسده، وما لا يؤثر في ضرر أحدهما كاشتراط جعل الأمة ~~في يد أجنبي عزب، لا يفسده. وفي سائر الشروط الفاسدة وجهان: # PageV02P091 # أحدهما: يفسد بها الرهن. # والآخر: لا يفسد بناء على الشروط الفاسدة في البيع، ويحتمل أن ما ينقص ~~المرتهن، يبطله وجها واحدا، وفي سائرها وجهان: # أحدهما: يبطل الرهن؛ لأنه شرط فاسد، فأبطله كالأول. # والثاني: لا يبطله؛ لأنه زائد، فإذا بطل، بقي العقد بأحكامه. ### | باب اختلاف المتراهنين # إذا قال: رهنتني كذا فأنكر، أو اختلفا في قدر الدين، أو قدر الرهن، فقال: ~~رهنتني هذين، قال: بل هذا وحده، أو قال: رهنتني هذا بجميع الدين قال: بل ~~نصفه، أو ms0517 قال: رهنتنيه بالحال، قال: بل بالمؤجل، فالقول قول الراهن؛ لأنه ~~منكر. والأصل عدم ما أنكره، ولأن القول قوله في أصل العقد، فكذلك في صفته، ~~فإن قال: رهنتني عبدك هذا. قال: بل ثوبي هذا؛ لم يثبت الرهن في الثوب؛ لرد ~~المرتهن له، وحلف الراهن على العبد، وخرج بيمينه. وإن قال: أرسلت وكيلك ~~فرهن عبدك على ألفين قبضها مني، فقال: ما أذنت له في رهنه إلا بألف، سئل ~~الرسول، فإن صدق الراهن، حلف على أنه ما رهنه إلا بألف، ولا قبض غيرها، ولا ~~يمين على الراهن؛ لأن الدعوى على غيره. وإن صدق المرتهن، حلف الراهن، وعلى ~~الرسول ألف؛ لأنه أقر بقبضها، ويبقى العبد رهنا على ألف واحدة. ومن توجهت ~~عليه اليمين فنكل، فهو كالمقر سواء. # فصل # فإن قال: رهنتني عبدك هذا بألف، فقال: بل بعتكه بها، أو قال: بعتنيه ~~بألف، فقال: بل رهنتكه بها، حلف كل واحد منهما على نفي ما ادعى عليه، فسقط، ~~ويأخذ السيد عبده، وتبقى الألف بغير رهن. # فصل # وإن قال الراهن: قبضت الرهن بغير إذني فقال: بل بإذنك، فالقول قول ~~الراهن؛ لأنه منكر. وإن قال: أذنت لك، ثم رجعت قبل القبض، فأنكر المرتهن، ~~فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم الرجوع، وإن كان الرهن في يد الراهن، فقال ~~المرتهن: قبضته ثم غصبتنيه، فأنكر الراهن، فالقول قوله؛ لأن الأصل معه. وإن ~~أقر بتقبيضه، ثم قال: أحلفوه لي أنه قبض بحق، ففيه وجهان: # أحدهما: يحلف؛ لأن ما ادعاه محتمل. # PageV02P092 # والثاني: لا يحلف؛ لأنه مكذب لنفسه. وإن رهنه عصيرا، ثم وجد خمرا، فقال ~~المرتهن: إنما أقبضني خمرا، فلي فسخ البيع. وقال الراهن: بل كان عصيرا، ~~فقال أحمد - رضي الله عنه -: فالقول قول الراهن؛ لأنه يدعي سلامة العقد، ~~وصحة القبض، فظاهر حال المسلم استعمال الصحيح، فكان القول قول من يدعيه، ~~كما لو اختلفا في شرط يفسد المبيع. ويحتمل أن القول قول المرتهن بناء على ~~اختلاف المتبايعين في حدوث العيب. ولو كان الرهن حيوانا فمات، واختلفا في ~~حياته وقت الرهن، أو القبض، فحكمه حكم العصير. ms0518 وإن أنكر المرتهن قبضه، ~~فالقول قوله؛ لأن الأصل معه. وإن وجده معيبا واختلفا في حدوثه، ففيه وجهان ~~مبنيان على الروايتين في البيع. # فصل # إذا كان لرجل على آخر ألف برهن، وألف بغير رهن، فقضاه ألفا وقال: قضيت ~~دين الرهن، فقال: هي عن الألف الآخر، فالقول قول الراهن، سواء اختلفا في ~~لفظه أو نيته؛ لأنها تنتقل منه، فكان القول قوله في صفة النقل، وهو أعلم ~~بنيته. ولو دفعها بغير لفظ ولا نية، فله صرفها إلى أيهما شاء، كما لو دفع ~~زكاة أحد الألفين، فإن أبرأه المرتهن من أحدهما، فالقول قول المرتهن لذلك. ~~وإن أطلق، فله صرفها إلى أيهما شاء. ذكره أبو بكر. # فصل # وإن كان عليه ألفان لرجلين، فادعى كل واحد منهما أنه رهنه عبده بدينه ~~فأنكرهما، حلف لهما. وإن صدق أحدهما، أو قال: هو السابق، سلمه إليه وحلف ~~للآخر. وإن نكل والعبد في يد أحدهما، فعليه للآخر قيمته تجعل رهنا؛ لأنه ~~فوته على الثاني بإقراره للأول، أو بتسليمه إليه. وقال القاضي: هل يرجح ~~صاحب اليد أو المقر له؟ يحتمل وجهين. فإن قال: لا أعلم المرتهن منهما، أو ~~السابق، حلف على ذلك، والقول قول من هو في يده منهما مع يمينه. وإن كان في ~~أيديهما، أو يد غيرهما، فالحكم في ذلك كالحكم فيما إذا ادعيا ملكه. # فصل # فإن ادعى على رجلين أنهما رهناه عبدهما بدينه فأنكراه، فالقول قولهما. ~~وإن شهد كل واحد منهما على الآخر، قبلت شهادته؛ لأنه لا يجلب بهذه الشهادة ~~نفعا، ولا يدفع بها ضررا. وإن أقر أحدهما وحده، لزم في نصيبه، وتسمع شهادته ~~على صاحبه لما ذكرناه. # PageV02P093 # فصل # وإن ادعى المرتهن هلاك الرهن بغير تفريط، فالقول قوله؛ لأنه أمين فأشبه ~~المودع. وإن ادعى الرد، ففيه وجهان: # أحدهما: يقبل قوله لذلك. # والثاني: لا يقبل؛ لأنه قبضه لنفسه، فلم يقبل قوله في الرد كالمستأجر. ~~وإن أعتق الراهن الجارية، أو وطئها، فادعى أنه بإذن المرتهن فأنكره، فالقول ~~قول المرتهن؛ لأن الأصل معه، فإن نكل، قضى عليه. وإن صدقه فأتت بولد، فأنكر ms0519 ~~المرتهن مدة الحمل، فالقول قوله؛ لأن الأصل عدمها، وإن وطئها المرتهن بإذن ~~الراهن، وادعى الجهالة، وكان مثله يجهل ذلك، فلا حد عليه؛ لأن الحد يدرأ ~~بالشبهات. ولا مهر؛ لأنه حق للسيد فسقط بإذنه، والولد حر يلحق نسبه؛ لأنه ~~من وطء شبهة، ولا تصير أم ولد؛ لأنه لا ملك له فيها. وإن لم تكن له شبهة، ~~فعليه الحد والمهر وولده رقيق. # PageV02P094 ### | كتاب التفليس # ومن لزمه دين مؤجل، لم يجز مطالبته به؛ لأنه لا يلزمه أداؤه قبل أجله، ~~ولا يجوز الحجر عليه به؛ لأنه لا يستحق المطالبة به، فلم يملك منعه من ماله ~~بسببه، فإن أراد سفرا يحل دينه قبل قدومه منه، فلغريمه منعه، إلا برهن أو ~~ضمين مليء؛ لأنه ليس له تأخير الحق عن محله، وفي السفر تأخيره. وإن لم يكن ~~كذلك، ففيه روايتان: # إحداهما: له منعه؛ لأن قدومه عند المحل غير متيقن ولا ظاهر، فملك منعه ~~منه كالأول. # والثانية: ليس له منعه؛ لأنه لا يملك المطالبة به في الحال، ولا يعلم أن ~~السفر مانع منها عند الحلول، فأشبه السفر القصير. وإن كان الدين حالا، ~~والغريم معسرا، لم تجز مطالبته، لقول الله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة ~~إلى ميسرة} [البقرة: 280] ولا يملك حبسه ولا ملازمته؛ لأنه دين لا يملك ~~المطالبة به، فلم يملك به ذلك، كالمؤجل. فإن كان ذا صنعة، ففيه روايتان: # إحداهما: يجبر على إجارة نفسه؛ لما «روي أن رجلا دخل المدينة، وذكر أن ~~وراءه مالا، فداينه الناس، ولم يكن وراءه مال، فسماه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - سرقا، وباعه بخمسة أبعر» ، وروى الدارقطني نحوه وفيه أربعة أبعرة. ~~والحر لا يباع، فعلم أنه باع منافعه، ولأن الإجارة عقد معاوضة، فجاز أن ~~يجبر عليه، كبيع ماله، وإجارة أم ولده. # والثانية: لا يجبر؛ لما روى أبو سعيد: «أن رجلا أصيب في ثمار ابتاعها ~~فكثر دينه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: تصدقوا عليه فتصدقوا عليه، ~~فلم يبلغ وفاء دينه، فقال النبي # PageV02P095 # - صلى الله عليه وسلم - خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ms0520 ذلك» رواه مسلم. ~~ولأنه نوع تكسب، فلم يجبر عليه كالتجارة. # فصل # وإن كان موسرا، فلغريمه مطالبته، وعليه قضاؤه؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «مطل الغني ظلم» متفق عليه. فإن أبى، فله حبسه، لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لي الواجد يحل عقوبته وعرضه» من المسند. فإن لم ~~يقضه، باع الحاكم ماله وقضى دينه، لما روي أن عمر - رضي الله عنه - قال: إن ~~أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته أن يقال: سابق الحاج، فادان معرضا، فمن ~~كان له عليه مال فليحضر، فإنا بائعو ماله وقاسموه بين غرمائه رواه مالك في ~~الموطأ بنحوه، فإن غيب ماله، حبسه وعزره حتى يظهره. ولا يجوز الحجر عليه مع ~~إمكان الوفاء، لعدم الحاجة إليه. وإن تعذر الوفاء، وخيف من تصرفه في ماله، ~~حجر عليه إذا طلبه الغرماء، لئلا يدخل الضرر عليهم. # فصل # فإن ادعى الإعسار من لم يعرف له مال، فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل ~~عدمه. وإن عرف له مال، أو كان الحق لزمه في مقابلة مال، كثمن مبيع، أو قرض، ~~لم يقبل قوله إلا ببينة؛ لأن الأصل بقاء المال، ويحبس حتى يقيم البينة. فإن ~~قال: غريمي يعلم إعساري، فعلى غريمه اليمين أنه لا يعلم ذلك. وإن أقام ~~البينة على تلف المال، فعليه اليمين معها أنه معسر؛ لأنه صار بهذه البينة ~~كمن لم يعرف له مال. وإن شهدت بإعساره، فادعى غريمه أن له مالا باطنا، لم ~~يلزمه يمين؛ لأنه أقام البينة على ما ادعى، وتسمع البينة على التلف. وإن لم ~~يكن ذا خبرة باطنة؛ لأنه أمر يعرف بالمشاهدة ولا تسمع على الإعسار إلا من ~~أهل الخبرة بحاله؛ لأنه من الأمور الباطنة. فإن كان في يده مال فأقر به ~~لغيره، سئل المقر له، فإن كذبه، بيع في الدين، وإن صدقه، سلم إليه. فإن قال ~~الغريم: أحلفوه أنه صادق لم يستحلف؛ لأنه لو رجع عن الإقرار، لم يقبل منه. ~~وإن طلب يمين المقر له؛ لأنه لو رجع قبل رجوعه. # فصل # فإن كان ماله لا يفي بدينه، ms0521 فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه، لزمته ~~إجابتهم؛ لما روى «كعب بن مالك: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجر ~~على معاذ، وباع ماله» رواه سعيد بن منصور بنحوه عن عبد الرحمن بن كعب بن ~~مالك، ولأن فيه دفعا للضرر عن الغرماء، فلزم ذلك كقضائهم. ويستحب الإشهاد ~~على الحجر، ليعلم الناس حاله، فلا يعاملوه إلا على بصيرة، ويتعلق بالحجر ~~عليه أربعة أحكام: # PageV02P096 # أحدها: منع تصرفه في ماله، فلا يصح بيعه ولا هبته، ولا وقفه، ولا غير ~~ذلك؛ لأنه حجر ثبت بالحاكم، فمنع تصرفه، كالحجر للسفه. وفي العتق روايتان: # إحداهما: لا يصح لذلك، ولأن حق الغرماء تعلق بماله، فمنع صحة عتقه، كما ~~لو كان مريضا. # والثانية: يصح؛ لأنه عتق من مالك رشيد صحيح، أشبه عتق الراهن. وإن أقر ~~بدين، أو عين في يده، كالقصار والحائك يقر بثوب، لم يقبل إقراره لذلك، ~~ويلزم في حقه، يتبع به بعد فك الحجر عنه، وإن توجهت عليه يمين فنكل عنها، ~~فهو كإقراره. وإن تصرف في ذمته بشراء، أو اقتراض أو ضمان، أو كفالة، صح؛ ~~لأنه أهل للتصرف، والحجر إنما تعلق بماله دون ذمته. ولا يشارك أصحاب هذه ~~الديون الغرماء؛ لأن من علم منهم بفلسه فقد رضي بذلك، ومن لم يعلم، فهو ~~مفرط. ويبيعونه بعد فك الحجر عنه كالمقر له، وهل للبائع والمقرض الرجوع في ~~أعيان أموالهما إن وجداها؟ على وجهين: # أحدهما: لهما ذلك، للخبر، ولأنه باعه في وقت الفسخ، فلم يسقط حقه منه، ~~كما لو تزوجت المرأة معسرا بنفقتها. # والثاني: لا فسخ لهما؛ لأنهما دخلا على بصيرة بخراب الذمة، أشبها من ~~اشترى معيبا يعلم عيبه. # وإن جنى المفلس جناية توجب مالا، لزمه وشارك صاحبه الغرماء؛ لأنه حق ثبت ~~بغير رضى مستحقه، فوجب قضاؤه من المال كجناية عبده وإن ثبت عليه حق بسبب ~~قبل الفلس ببينة، شارك صاحبه الغرماء؛ لأنه غريم قديم، فهو كغيره. # فصل # الحكم الثاني: أنه يتعلق حقوق الغرماء بعين ماله، فليس لبعضهم الاختصاص ~~بشيء منه سوى ما سنذكره. ولو قضى المفلس أو الحاكم ms0522 بعضهم وحده، لم يصح. ~~لأنهم شركاؤه فلم يجز اختصاصه دونهم. ولو جنى عليه جناية أوجبت مالا، أو ~~ورث مالا تعلقت حقوقهم به. وإن أوجبت قصاصا لم يملكوا إجباره على العفو إلى ~~مال؛ لأن فيه ضررا بتفويت القصاص الواجب لحكمة الإحياء، ولا يجبر على قبول ~~هبة، ولا صدقة، ولا قرض عرض عليه، ولا المرأة على التزوج؛ لأنه فيه ضررا ~~بلحوق المنة، أو التزوج من غير رغبة. ولو باع بشرط الخيار، لم يجبر على ما ~~فيه الحظ من رد، أو إمضاء؛ لأن الفلس يمنعه إحداث العقود، لا إمضاؤها وليس ~~للغرماء الخيار؛ لأن الخيار لم يشرط لهم. وإن وهب هبة بشرط الثواب، لزم ~~قبوله؛ لأنه عوض عن مال، فلزم # PageV02P097 # قبوله، كثمن المبيع. ولا يملك إسقاط ثمن مبيع ولا أجرة، ولا أخذه رديئا، ~~ولا قبض المسلم فيه صفته، إلا بإذن الغرماء، لما ذكرناه. وإن ادعى مالا له ~~به شاهد، حلف وثبت المال، وتعلقت حقوقهم به، وإن نكل لم يكن للغرماء أن ~~يحلفوا؛ لأن دعواهم لهذا المال غير مسموعة، فلا يثبت بأيمانهم، كالأجانب، ~~ولأنهم لو حلفوا لحلفوا على إثبات مال لغيرهم، وكذلك الحكم في غرماء الميت، ~~إذا لم يحلف الوارث، لم يحلفوا لما ذكرنا. # فصل # والحكم الثالث: أن للحاكم بيع ماله، وقضاء دينه. ويستحب أن يحضره عند ~~البيع؛ لأنه أعرف بثمن ماله، وجيده ورديئه، فيتكلم عليه، وهو أطيب لقلبه، ~~ويحضر الغرماء؛ لأنه أبعد من التهمة، ربما رغب بعضهم بشراء شيء، فزاد في ~~ثمنه، أو وجد عين ماله فأخذها، فإن لم يفعل جاز؛ لأن ذلك موكول إليه، ويقيم ~~مناديا ينادي على المتاع. فإن عين المفلس والغرماء مناديا ثقة، أمضاه ~~الحاكم. وإن لم يكن ثقة رده؛ لأن للحاكم نظرا، فإنه ربما ظهر غريم آخر. وإن ~~اختلفوا في المنادي، قدم الحاكم أوثقهما وأعرفهما، فإن تطوع بالنداء ثقة، ~~لم يستأجر؛ لأن فيه بذل الأجرة من غير حاجة، وإن عدم، بذلك الأجرة من مال ~~المفلس؛ لأن البيع حق عليه، ويقدم على الغرماء بها؛ لأنه لو لم يعط، لم ~~يناد. وكذلك ms0523 أجرة من يحفظ المتاع والثمن، ويحمله ويباع كل شيء في سوقه؛ لأن ~~أهل السوق أعرف بقيمة المتاع وأرغب، وطلابه فيه أكثر. فإن باعه في غيره ~~بثمن مثله، جاز؛ لأنه ربما أداه اجتهاده إلى ذلك لمصلحة فيه، ويبدأ ببيع ما ~~يسرع إليه الفساد؛ لأن في تأخيره هلاكه، ثم بالحيوان؛ لأنه يحتاج إلى ~~العلف، ويخشى عليه التلف، ثم بالأثاث؛ لأنه يخشى تلفه، وتناله اليد، ثم ~~بالعقار؛ لأنه أبعد تلفا، وتأخيره أكثر لطالبيه، فيزداد ثمنه. ومن وجد من ~~الغرماء عين ماله، فهو أحق بها. ومن اكترى من المفلس دارا، أو ظهرا بعينه ~~قبل الحجر عليه، فهو أحق به؛ لأنه استحق عينه قبل إفلاسه، فأشبه ما لو ~~اشترى منه عبدا. وإن اكترى منه ظهرا في الذمة، فهو أسوة الغرماء؛ لأن دينه ~~في الذمة أشبه سائر الغرماء، وإن كان في المتاع رهن أو جان، قدم الراهن ~~والمجني عليه بثمنه؛ لأن المرتهن لم يرض بمجرد الذمة، بخلاف سائر الغرماء، ~~وحق المجني عليه يقدم على حق المرتهن، فعلى غيره أولى. وإن فضل منه فضل، ~~رده على التركة، وإن لم يف بحقهما، فلا شيء للمجني عليه؛ لأنه لا حق له في ~~غير الجاني، ويضرب المرتهن مع الغرماء بباقي دينه؛ لأن حقه متعلق بالذمة مع ~~تعلقه بالعين، وإن بيع له متاع، فهلك ثمنه، أو استحق المبيع، رجع المشتري ~~بثمنه. وهل يقدم على الغرماء؟ فيه وجهان: # PageV02P098 # أحدهما: يقدم؛ لأن في تقديمه مصلحة، فإنه لو لم يقدم، تجنب الناس شراء ~~ماله خوفا من الاستحقاق، فيقل ثمنه، فقدم به، كأجرة المنادي. # والثاني: لا يقدم؛ لأنه حق لزمه بغير رضى صاحبه، أشبه أرش جنايته، ثم ~~يقسم ما اجتمع من ماله بين الغرماء على قدر ديونهم. فإن ظهر غريم بعد ~~القسمة، نقضت وشاركهم؛ لأنه غريم، لو كان حاضرا لشاركهم، فإذا ظهر بعد ذلك، ~~قاسمهم كما لو ظهر للميت غريم بعد قسم ماله. وإن أكرى داره عاما، وقبض ~~أجرتها فقسمت، ثم انهدمت الدار، رجع المكتري على المفلس بأجرة ما بقي ~~وشاركهم فيما اقتسموه؛ لأنه دين ms0524 وجب بسبب قبل الحجر، فشارك به الغرماء كما ~~لو انهدمت قبل القسمة. # فصل # الحكم الرابع: أن من وجد عين ماله عنده، فهو أحق به؛ لما روى أبو هريرة ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من وجد متاعه بعينه عند إنسان قد ~~أفلس، فهو أحق به» متفق عليه. وله الخيار بين أخذه أو تركه، وله أسوة ~~الغرماء، سواء كانت السلعة مساوية لثمنها، أو أقل أو أكثر؛ لأن الإعسار ثبت ~~للفسخ فلا يوجبه كالعيب، ولا يفتقر إلى حاكم؛ للخبر، ولأنه فسخ ثبت بنص ~~السنة، فلم يفتقر إلى حاكم، كفسخ النكاح بالعتق تحت العبد. وفيه وجهان: # أحدهما: أن الخيار على التراخي؛ لأنه رجوع لا يسقط إلى عوض، كان على ~~التراخي كالرجوع في الهبة. # والثاني: هو على الفور. اختاره القاضي؛ لأن في تأخيره إضرارا بالغرماء، ~~لتأخير حقوقهم، ولأنه خيار يثبت في المبيع، لنقص في العوض، أشبه الرد ~~بالعيب، فإن حكم حاكم بسقوط الخيار، فقال أحمد - رضي الله عنه -: ينقض ~~حكمه؛ لأنه يخالف صريح السنة، ويحتمل أن لا ينقض؛ لأنه مختلف فيه. ولو بذل ~~الغرماء لصاحب السلعة ثمنها ليتركها، لم يلزمه قبول؛ للخبر، ولأنه تبرع ~~بدفع الحق من غير من هو عليه، فلم يجبر المستحق على قبوله، كما لو أعسر ~~بنفقة زوجته فبذلها غيره. وسواء ملكها المفلس ببيع أو قرض، لعموم الخبر. ~~ولو أصدق امرأة مالا، وأفلست قبل دخوله بها، ثم ارتدت أو طلقها، ووجد عين ~~ماله فهو أحق بها. ولو استأجر شيئا فأفلس قبل مضي شيء من المدة، فللمؤجر ~~الرجوع فيه؛ لأنه وجد عين ماله، وإن كان بعد مضي المدة، فهو غريم بالأجرة، ~~وإن كان بعد مضي شيء منها، فهو غريم؛ لأن المدة كالمبيع، ومضي بعضها، كتلف ~~بعضه. وقال القاضي: له الفسخ. فإن كان للمفلس زرع فعليه تبقيته بأجرة مثله. # PageV02P099 # فصل # ولا يملك الرجوع إلا بشروط خمسة: # أحدها: أن يجدها سالمة. فإن تلف بعضها، أو باعه المفلس، أو وهبه، أو ~~وقفه، فله أسوة الغرماء؛ لقوله - عليه السلام -: «من أدرك متاعه بعينه فهو ~~أحق ms0525 به» والذي تلف بعضه لم توجد عينه. فإن كان المبيع عبدين، أو ثوبين، ~~فتلف أحدهما أو بعضه، ففي السالم منهما روايتان: # إحداهما: له الرجوع فيه بقسطه؛ لأنه وجده بعينه. # والثانية: لا يرجع؛ لأنه لم يجد المبيع بعينه، أشبه العين الواحدة. وإن ~~كان المبيع شجرة مثمرة، فتلفت ثمرتها، فله أسوة الغرماء؛ لأنهما كالعين ~~الواحدة، إلا أن تكون الثمرة مؤبرة حين البيع، فاشترطها المبتاع، فهما ~~كالعينين؛ لأن الثمرة لا تتبع الأصل، فهي كالولد المنفصل. وإن نقص المبيع ~~صفة، مثل أن هزل، أو نسي صناعة، أو كبر، أو كان ثوبا فخلق، لم يمنع الرجوع؛ ~~لأن فقد الصفة لا يخرجه عن كونه عين المال، فيتخير بين أخذه ناقصا، أو يكون ~~أسوة الغرماء بكل الثمن. وإن فقئت عينه، فهو كتلف بعضه، وإن شج، أو جرح، أو ~~افتضت البكر، فكذلك في قول أبي بكر؛ لأنه نقص جزء ينقص قيمته، فأشبه ما لو ~~فقئت عينه. وقال القاضي: قياس المذهب أن له الرجوع؛ لأنه فقد صفة، فهو ~~كالهزال، ثم إن كان لا أرش له لكونه حصل بفعل الله تعالى، أو فعل المفلس، ~~فلا شيء للبائع مع الرجوع، وإن كان له أرش، فللبائع إذا رجع أن يضرب مع ~~الغرماء بحصة ما نقص من ثمنه، فينظر ما نقص من قيمته فيرجع بقسطه من الثمن؛ ~~لأنه مضمون على المشتري للبائع بالثمن والأرش للمفلس على الجاني. # فصل # فإن كان المبيع زيتا، فخلطه بزيت آخر، أو لت به سويقا، أو صبغا فصبغ به ~~ثوبا، أو مسامير فسمر بها بابا، أو حجرا فبنى به، أو لوحا فجعله في سفينة، ~~أو سقف أو نحو ذلك، لم يكن له الرجوع؛ لأنه لا يقدر على أخذ عين ماله في ~~بعض الصور، ولا يقدر في بعضها إلا بإتلاف مال المفلس، ولا يزال الضرر ~~بالضرر. وإن كانت حنطة، فطحنها أو زرعها، أو دقيقا فخبزه، أو زيتا فعمله ~~صابونا، أو غزلا فنسجه، أو ثوبا فجعله قميصا، أو حبا فصار زرعا، أو بيضا ~~فصار فرخا، أو نوى فنبت شجرا، أو نحوه ms0526 مما يزيل اسمه، فلا رجوع له؛ لأنه لم ~~يجد متاعه بعينه، لتعذر اسمه وصفته. # PageV02P100 # فصل # وإن اشترى ثوبا فصبغه أو قصره، أو سويقا فلته بزيت، فلصاحبهما الرجوع ~~فيهما؛ لأن عين مالهما قائمة مشاهدة، لم يتغير اسمها، ولا صفتها، ويصير ~~المفلس شريكهما بما زاد عن قيمتهما؛ لأن ما حصل من زيادة القيمة بالصبغ ~~وغيره، فهي للمفلس؛ لأنها حصلت بفعله في ملكه. وإن نقص الثوب، لم يمنع ~~الرجوع؛ لأنه نقص صفة، فهو كالهزال. وإن لم يزد بالقصارة، سقط حكمها، لعدم ~~أثرها في الزيادة. وإن اشترى أرضا فزرعها، ثم أفلس، فللبائع الرجوع فيها، ~~لما ذكرنا، ويكون الزرع مبقى إلى الحصاد بغير أجرة؛ لأن العوض في مقابلة ~~الأرض، لا في مقابلة المنفعة فإذا فسخ، عادت إليه الرقبة دون المنفعة ~~المستثناة شرعا، كما لو باعه أمة فزوجها ثم رجع فيها دون منفعة بضعها. # فصل # الشرط الثاني: أن لا يكون البائع قبض من ثمنها شيئا، فإن قبض بعضه، فلا ~~رجوع له، لما روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«أيما رجل باع سلعة، فأدرك سلعته بعينها عند رجل قد أفلس، ولم يكن قبض من ~~ثمنها شيئا، فهي له، وإن كان قد قبض من ثمنها شيئا، فهو أسوة الغرماء» رواه ~~أبو داود، ولأن في الرجوع بالباقي تبعيض الصفقة على المفلس، فلم يجز، كما ~~لو لم يقبض شيئا. # فصل # الشرط الثالث: أن لا يتعلق بها حق غير المفلس، فإن خرجت عن ملكه ببيع أو ~~غيره، لم يرجع؛ لأنه تعلق بها حق غيره، أشبه ما لو أعتقها. وإن رهنها، سقط ~~الرجوع لذلك، وإن تعلق بها أرش جناية، سقط الرجوع؛ لأنه يقدم على حق ~~المرتهن، فهو أولى بالمنع، ويتوجه أن لا يمنع؛ لأنه لا يمنع تصرف المشتري ~~بخلاف الرهن، فعلى هذا إن شاء رجع فيه ناقصه بعيب الجناية، وإن شاء فله ~~أسوة الغرماء، فإن كان دين الرهن، أو أرش الجناية بقدر بعضه، منع الرجوع في ~~الجميع؛ لأنه معنى منع الرجوع في بعضها، فمنعه في جميعها، كبيع ms0527 بعضها. وقال ~~القاضي: يرجع في باقيها بقسطه؛ لأنه لا مانع فيه، وإن كان المبيع شقصا ~~مشفوعا، ففيه وجهان: # أحدهما: للبائع الرجوع، اختاره ابن حامد؛ للخبر، ولأنه إذا رجع فيه، عاد # PageV02P101 # الشقص إليه، فزال الضرر عن المبيع، لعدم شركه غير البائع. # والثاني: الشفيع أحق؛ لأن حقه آكد بدليل أنه ينزع الشقص من المشتري، وممن ~~نقله إليه المشتري، بخلاف البائع. وإن باعه المفلس أو وهبه، ثم عاد إليه، ~~ففيه وجهان: # أحدهما: له الرجوع للخبر، ولأنه وجد عين ماله خاليا عن حق غيره، أشبه إذا ~~لم يبعه. # والثاني: لا يرجع؛ لأن هذا الملك لم ينتقل إليه منه، فلم يملك فسخه. وإن ~~كان المبيع صيدا، فوجده البائع بعد أن أحرم، سقط الرجوع؛ لأنه تملك للصيد، ~~فلم يجز مع الإحرام كشرائه. # فصل # الشرط الرابع: كون المفلس حيا، فإن مات فالبائع أسوة الغرماء، لما روى ~~أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: فإن مات فصاحب المتاع أسوى ~~الغرماء رواه أبو داود. وفي لفظ: «أيما امرئ مات وعنده مال امرئ بعينه، ~~اقتضى من ثمنه شيئا، أو لم يقتض فهو أسوة الغرماء» رواه ابن ماجه. ولأن ~~الملك انتقل عن المفلس، فسقط الرجوع فيه كما لو باعه. # فصل # الشرط الخامس: أن لا يزيد زيادة متصلة، كالسمن والكبر، وتعلم صنعة، فإن ~~وجد ذلك، منع الرجوع، ذكره الخرقي؛ لأنه فسخ بسبب حادث، فمنعته الزيادة ~~المتصلة، كالرجوع في الصداق للطلاق قبل الدخول. وعن أحمد - رضي الله عنه -: ~~له الرجوع للخبر، ولأنه فسخ فلم تمنعه الزيادة، كالرد بالعيب. فأما الزيادة ~~المنفصلة، كالولد والثمرة الظاهرة والكسب، فلا يمنع الرجوع؛ لأنه يمكن ~~الرجوع في العين دونها، والزيادة للمفلس في ظاهر المذهب؛ لأنها نماء ملكه ~~المنفصل، فكانت له، كما لو ردها بعيب، ورجعت إلى الزوج بالطلاق، ولأن قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الخراج بالضمان» رواه أبو داود. يدل على أن ~~النماء للمشتري، لكون الضمان عليه. وقال أبو بكر: هي للبائع قياسا على ~~المتصلة، والفرق ظاهر؛ لأن المتصلة تتبع في الفسوخ دون المنفصلة. # فصل ms0528 # فإن باعها حائلا فحملت، فالحمل زيادة متصلة؛ لأنه يتبع أمه في العقود ~~والفسوخ، ولا يمكن الرجوع فيها دونه، فهو كالسمن، ويحتمل أن يرجع فيها دون # PageV02P102 # ولدها، يتربص به حتى تضع؛ لأنه جزء لانفصاله غاية، فأشبه الثمرة. وإن ~~أفلس بعد وضعها، فهو زيادة منفصلة، له الرجوع في الأم دون الولد، إلا أن ~~تكون أمة، فلا يجوز التفريق بينهما، ويخير بين دفع قيمة الولد ليملكهما، ~~وبين بيعهما معا، فيكون له من الثمن ما يخص الأم. وإن باعها حاملا، فلم تزد ~~قيمتها، فله الرجوع، وإن زادت القيمة لكبر الحمل أو وضعه، فهي زيادة متصلة. ~~وإن زاد أحدهما خرج على الروايتين فيما إذا كان المبيع عينين، فتلفت ~~إحداهما. وقال القاضي: له الرجوع فيهما على كل حال. ومن جعل الحمل لا حكم ~~له، جعل حكمها حكم المبيعة حائلا سواء. # فصل # فإن باع نخلا حائلا فأطلعت، ثم أفلس المشتري قبل تأبيرها، فالطلع زيادة ~~متصلة؛ لأنها تتبع في البيع. وقال ابن حامد: حكمها حكم المنفصل؛ لأنه يمكن ~~فصله، وإفراده بالبيع بخلاف السمن، وإن أفلس بعد تأبيرها، فهي زيادة ~~منفصلة، تكون للمفلس متروكة إلى الجذاذ، كما لو اشترى النخل، وكذلك الحكم ~~في سائر الشجر، وفي الأرض ينبت فيها الزرع، فإن اتفق المفلس والغرماء على ~~تبقيته أو قطعه، فلهم ذلك، وإن اختلفوا، وله قيمته مقطوعا، قدم قول من طلب ~~القطع؛ لأنه أقل عذرا، ولأن الطالب للقطع، إما غريم يطلب حقه، أو مفلس يطلب ~~تبرئة ذمته، فإن أقر المفلس للبائع بالطلع، لم يقبل إقراره؛ لأنه يسقط به ~~حق الغرماء، فلم يقبل كإقراره بغريم آخر، وعلى الغرماء اليمين؛ لأنهم لا ~~يعلمون برجوع البائع قبل التأبير؛ لأن اليمين تثبت في جنبهم ابتداء. وإن ~~أقر الغرماء، لم يقبل؛ لأن الملك للمفلس، ويحلف المفلس، ويثبت الطلع له، ~~ينفرد به دونهم، لإقرارهم أنه لا حق لهم فيه، وله تخصيص بعضهم به، وقسمته ~~بينهم، فمن أباه قيل له: إما أن تأخذه أو تبرئه؛ لأنه للمفلس حكما، فقد ~~قضاهم ما ثبت له، فلزمهم، قبوله، كما لو أدى ms0529 المكاتب نجومه، فادعى سيده ~~تحريمه. فإن قبضوا الثمرة بعينها، لزمهم ردها إلى البائع لإقرارهم له بها، ~~وإن قبضوا ثمنها، لم يلزمهم رده؛ لأنهم إنما اعترفوا له بالعين له بالثمن. ~~وإن شهد الغرماء للبائع بالطلع، وهم عدول، قبلت شهادتهم لأنهم غير متهمين. # فصل # وإن اشترى أرضا فغرسها، أو بنى فيها، ثم أفلس، فللبائع الرجوع في الأرض، ~~ثم إن طلب المفلس والغرماء، قلع الغراس والبناء، فلهم ذلك، وعليهم ضمان ما ~~نقصها القلع وتسوية الحفر؛ لأنه نقص حصل بفعلهم، لتخليص ملكهم، فأشبه ~~المشتري مع الشفيع. وإن أبوا القلع، فللبائع دفع قيمته ويملكه؛ لأنه حصل ~~لغيره في ملكه بحق، فملك ذلك، كالشفيع، فإن أبى ذلك سقط الرجوع؛ لأن فيه ~~ضررا على المشتري، ولأن # PageV02P103 # عين ماله مشغولة بملك غيره، أشبه الحجر المبني عليه، هذا قول ابن حامد. # وقال القاضي: يحتمل أن له الرجوع؛ لأن شغل ملكه بملك غيره لا يمنع الرجوع ~~إذا كان أصلا، كالثوب إذا صبغ، فإذا رجع، فاتفق الجميع على البيع، بيع، ~~وأعطي كل واحد حقه، وإن أبى بعضهم احتمل أن يجبر عليه؛ لأنه معنى ينفصل به ~~أحدهما عن صاحبه، أشبه بيع الثوب المصبوغ، واحتمل أن لا يجبر صاحب الأرض، ~~ويباع الشجر وحده؛ لأنه ممكن بخلاف الصبغ. # فصل # وإن اشترى غراسا فغرسه، ثم أفلس فلم يزد، فللبائع الرجوع فيه، ويقلعه، ~~ويضمن النقص، فإن أتى قلعه فبذل المفلس والغرماء قيمته ليملكوه، فلهم ذلك ~~كالتي قبلها، وإن أرادوا قلعه، فلهم ذلك، ولا ضمان عليهم؛ لأن المفلس ~~اشتراه مقلوعا، فلم يلزمهم مع رده لذلك شيء آخر، ولا إبقاءه في أرضهم بغير ~~استحقاق. وإن زاد سقط الرجوع في قول الخرقي، وعلى رواية الميموني يحتمل ذلك ~~أيضا؛ لأن النماء فيه قد حصل من أرض المفلس، فلم يملك البائع أخذه، ويحتمل ~~أن له الرجوع، كما لو سمن العبد من طعامه. وإن اشترى من رجل أرضا، ومن آخر ~~غرسا، فغرسه فيها، فلصاحب الأرض الرجوع، وفي صاحب الغرس التفصيل الذي ~~ذكرناه، فإن رجعا معا، فالحكم فيهما، كما لو كان الغرس في ms0530 أرض المفلس. # فصل # وإن أفلس، وعليه دين مؤجل لم يحل؛ لأنه التأجيل حق له، فلم يبطل بفلسه، ~~كسائر حقوقه، قال القاضي: لا يحل رواية واحدة. وقال أبو الخطاب: فيه رواية ~~أخرى أنه يحل؛ لأن الفلس معنى يوجب تعلق الدين بماله، فأسقط الأجل كالموت، ~~فإن قلنا: لا يحل اختص أصحاب الديون الحالة بماله دونه؛ لأنه لا يستحق ~~استيفاء حقه قبل أجله، وإن حل دينه قبل القسمة، شاركهم لمساواته إياهم في ~~استيفائه، فأشبه من تجدد له دين بجناية المفلس عليه، وإن أدرك بعض المال، ~~شاركهم فيه لذلك، فإن كان المؤجل برهن خص به؛ لأن حقه تعلق بعينه، فإن وجد ~~عين ماله، فقال أحمد: يكون موقوفا إلى أن يحل فيختار الفسخ أو الترك؛ لأن ~~حقه تعلق بالعين، فقدم على غيره كالمرتهن، فإن كان ماله سلما، فأدرك عين ~~ماله، رجع فيها، وإن لم يدركها، وحل دينه قبل القسمة، ضرب بالمسلم فيه، ~~وأخذ بقسطه من جنس حقه إن كان في المال وإلا اشترى به من جنس حقه، ودفع ~~إليه، ولا يجوز أن يأخذ غير ما أسلم فيه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» رواه ابن ماجه وأبو داود. # PageV02P104 # فصل # فإن مات إنسان، وعليه دين مؤجل، ففيه روايتان: # إحداهما: لا يحل، اختارها الخرقي، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من ترك حقا فلورثته» والتأجيل حق له. فينتقل إلى ورثته؛ لأنه لا يحل به ~~ماله، فلا يحل ما عليه كالجنون. # والثاني: يحل؛ لأن بقاءه ضرر على الميت لبقاء ذمته مرتهنة به، وعلى ~~الوارث لمنعه التصرف في التركة، وعلى الغريم تأخير حقه، وربما تلفت التركة، ~~وعلى كلتا الروايتين يتعلق الحق بالتركة، كتعلق الأرش بالجاني، ويمنع ~~الوارث التصرف فيها إلا برضى الغريم، أو توثيق الحق بضمين مليء، أو رهن ~~يفيء بالحق إن كان مؤجلا، فإنهم قد يكونون أملياء، فيؤدي تصرفهم إلى فوات ~~الحق، فإن تصرفوا قبل ذلك، صح تصرفهم كتصرف السيد في الجاني، ويلزمهم أقل ~~الأمرين من قضاء الدين، أو قيمة ms0531 التركة؛ لأنه لا يلزمهم أكثر من وفاء ~~الدين، ولا أكثر من التركة، ولهذا لو كانت باقية، لم يلزمهم أكثر من ~~تسليمها. وإن تلفت التركة قبل التصرف فيها والتوثيق منها، سقط الحق كما لو ~~تلف الجاني. وإن قضى الورثة الدين من غير التركة أو منها، جاز. وإن أبى ~~الجميع، باع الحاكم من التركة ما يقضي به الدين. وإن مات المفلس وعليه دين ~~مؤجل، فوثق الورثة للمؤجل، اختص أصحاب الحالة بالتركة، وإن أبوا ذلك، حل ~~دينه فشاركهم، لئلا يفضي إلى إسقاط دينه بالكية. # فصل # وإذا حجر على المفلس، وهو ذو كسب يفيء بمؤنته ومؤنة من تلزمه مؤنته، ~~فلذلك في كسبه؛ لأن ماله لا يخرج فيما لا حاجة إلى إخراجه فيه. وإن لم يف ~~كسبه بمؤنته، كملناها من ماله. وإن لم يكن ذا كسب، أنفق عليه وعلى من تلزمه ~~مؤنته من ماله بالمعروف في مدة الحجر؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» وفيمن يعوله من تكون نفقته دينا، كالزوجة. وإذا ~~قدم نفقة نفسه على نفقة الزوجة، وجب تقديمها على سائر الديون، ولأن تجهيز ~~الميت يقدم على دينه اتفاقا، فنفقة الحي أولى؛ لأن حرمته آكد من حرمة ~~الميت. ويقدم نفقة من تلزمه مؤنته من أقاربه؛ لأنهم جروا مجراه، وكذلك ~~عتقوا عليه إذا ملكهم. وكذلك نفقة زوجته؛ لأنها آكد من نفقة أقاربه، وتجب ~~كسوتهم أيضا؛ لأن ذلك مما لا بد منه، ويكون ذلك من أدنى ما ينفق على مثلهم، ~~أو # PageV02P105 # يكتسي مثلهم، فإن كانت له ثياب هي أرفع من كسوة مثله، بيعت واشتري لهم ~~كسوة مثلهم، ورد الفضل على الغرماء. وإن مات منهم ميت، كفن من ماله؛ لأنه ~~يجري مجرى كسوة الحي، ويكفن في ثلاثة أثواب كغيره، ويحتمل أن يكفن في ثوب ~~واحد؛ لأن الزائد فضل يستغنى عنه. ولا تباع داره التي لا غناء له عن ~~سكناها؛ لأنه لا بد منه أشبه الكسوة، فإن كانت واسعة، يكفيه بعضها بيع ~~الفاضل منها إن أمكن وإلا بيعت كلها، واشتري له مسكن مثله، ms0532 وإن لم يكن له ~~مسكن، استؤجر له مسكن؛ لأن ذلك مما لا بد منه. ورد الفضل على الغرماء ولا ~~يباع خادمه الذي لا يستغني عن خدمته. وإن كان مسكنه وخادمه وثيابه أعيان ~~أموال الناس، أفلس بها ووجدوها، فلهم أخذها؛ للخبر، ولأن حقوقهم تعلقت ~~بالعين، فكانت أقوى من غيرها. ويحتمل أن من لم يكن له مسكن، ولا خادم، ~~فاستدان ما اشتراهما به، وأفلس بذلك الدين أن يباع مسكنه وخادمه؛ لأنهما ~~بأموال الغرماء، فتبقيتهما له إضرار بهم، وفتح باب الحيلة للمفاليس في ~~استدانة ما يشترون به ذلك فيبقى لهم. # فصل # وإذا قسم ماله بين غرمائه، ففيه وجهان: # أحدهما: يزول الحجر عنه؛ لأن المعنى الذي حجر عليه من أجله حفظ المال، ~~وقد زال ذلك، فيزول الحجر، لزوال سببه. # والثاني: لا يزول إلا بفك الحاكم له؛ لأنه حجر ثبت بالحاكم فلا يزول إلا ~~به، كالحجر على السفيه. وإذا فك الحجر عنه فلزمته ديون ثم حجر عليه ثانيا، ~~شارك غرماء الحجر الأول غرماء الحجر الثاني، إلا أن الأولين يضربون ببقية ~~ديونهم، والآخرون يضربون بجميع ديونهم. ### | باب الحجر # يحجر على الإنسان لحق نفسه لثلاثة أمور: صغر، وجنون، وسفه؛ لقول الله ~~تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا ~~إليهم أموالهم} [النساء: 6] . # PageV02P106 # فدل على أن لا تسلم إليهم قبل الرشد، وقوله: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} ~~[النساء: 5] . ولأن إطلاقهم في التصرف يفضي إلى ضياع أموالهم، وفيه ضرر ~~عليهم. ويتولى الأب مال الصبي والمجنون؛ لأنها ولاية على الصغير، فقدم فيها ~~الأب، كولاية النكاح. ثم وصيه بعده؛ لأنه نائبه. فأشبه وكيله في الحياة، ثم ~~الحاكم؛ لأن الولاية من جهة القرابة قد سقطت، فثبت للسلطان، كولاية النكاح. ~~ولا تثبت لغيرهم؛ لأن المال محل الخيانة، ومن سواهم قاصر الشفقة، غير مأمون ~~على المال، فلم يله كالأجنبي. ومن شرط ثبوت الولاية العدالة بلا خلاف؛ لأن ~~في تفويضها إلى الفاسق تضييعا لماله، فلم يجز، كتفويضها إلى سفيه. ### | تصرفات الولي في مال المحجور عليه # فصل # وليس لوليه التصرف في ماله بما ms0533 لا حظ له فيه، كالعتق والهبة والتبرعات ~~والمحاباة، لقول الله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} ~~[الأنعام: 152] وقوله - عليه السلام -: «لا ضرر ولا ضرار» من المسند. وفي ~~هذه إضرار، فلا يملكه ولا يأكل من ماله إن كان غنيا؛ لقوله سبحانه: {ومن ~~كان غنيا فليستعفف} [النساء: 6] . ومن كان فقيرا جاز لقول الله تعالى: {ومن ~~كان فقيرا فليأكل بالمعروف} [النساء: 6] وليس له إلا أقل الأمرين من أجرته، ~~أو قدر كفايته؛ لأنه لا يستحقه بالعمل والحاجة معا، فلم يملك إلا ما وجدا ~~فيه. ثم إن كان أبا، فلا شيء عليه؛ لأن له أن يأخذ من مال ولده، وإن كان ~~غيره ففيه روايتان: # إحداهما: يضمن عوض ما أكله إذا أيسر؛ لأنه استباحة للحاجة، فلزمه عوضه ~~كالمضطر. # والثانية: لا شيء عليه؛ لأن الله تعالى أمر بالأكل ولم يذكر عوضا، ولأنه ~~أجيز له الأكل بحق الولاية، فلم يضمنه، كرزق الإمام من بيت المال. وإذا كان ~~خلط مال اليتيم بماله أرفق له، مثل أن يكون ألين في الخبز، وأمكن في الأدم، ~~خلطه. وإن كان إفراده خيرا له أفرده؛ لقول الله تعالى: {ويسألونك عن ~~اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] . # PageV02P107 # فصل # وله أن يتجر بماله؛ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ~~ولي يتيما فليتجر بماله، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة» رواه الترمذي. ولأنه ~~أحظ لليتيم؛ لتكون نفقته من ربحه، كما يفعل البالغ في ماله، ولا يتجر إلا ~~في المواضع الآمنة. لئلا يغرر بماله، والربح كله لليتيم؛ لأن المضارب إنما ~~يستحق بعقد، وليس له أن يعقد مع نفسه لنفسه. فإن أعطاه لمن يضارب له به، ~~جاز؛ لأن العلاء بن عبد الرحمن روى عن أبيه عن جده: أن عمر بن الخطاب أعطاه ~~مال يتيم مضاربة. ولأن ذلك يفعله الإنسان في مال نفسه طلبا للحظ، وللمضارب ~~من الربح ما وافقه الولي عليه؛ لأن الولي نائبه فيما فيه مصلحته، وهذا من ~~مصلحته، فجاز كفعله له في ماله. # فصل # ويجوز أن يشتري له ms0534 العقار؛ لأن الحظ فيه يحصل منه الفضل ويبقى الأصل، فهو ~~أحظ من التجارة، وأقل غررا، وله أن يبنيه؛ لأنه في معنى الشراء، قال ~~أصحابنا: ويبنيه بالآجر والطين، ليسلم الآجر عند انهدامه. والصحيح أنه ~~يبنيه بما جرت عادة أهل بلده؛ لأنه أحظ وأقل ضررا. ولا يجوز تحمل ضرر عاجل، ~~لتوهم نفع عند الهدم فالظاهر أنه لا ينهدم إلا بعد زوال ملكه عنه. ولا يجوز ~~بيع عقاره لغير حاجة، لما فيه من تفويت الحظ الحاصل به، ويجوز للحاجة. قال ~~أصحابنا: لا يجوز إلا لحاجة إلى نفقة، أو قضاء دين، أو غبطة لزيادة كثيرة ~~في ثمنه، كالثلث فما فوقه، والمنصوص: أن للوصي بيعه إذا كان نظرا لهم من ~~غير تقييد بهذين. وقد يكون الحظ في بيعه لغير هذا، لكونه في مكان لا غلة ~~له، أو له غلة يسيرة، فيبيعه ويشتري بثمنه ما يكثر عليه، أو يكون له ~~عقاران، يعمر أحدهما بثمن الآخر، فلا وجه لتقييده بهذين. # فصل # ولا يجوز أن يودع ماله إلا لحاجة، ولا يقرضه إلا لحظه، مثل أن يخاف ~~هلاكه، أو نقصانه ببقائه، فيقرضه ليستوفيه كاملا، لا يقرضه إلا لمليء يأمن ~~جحده، أو مطله. ويأخذ بالعوض رهنا استيثاقا له، وإن لم يأخذ، جاز في ظاهر ~~كلامه، وإن أراد الولي السفر لم يكن له المسافرة بماله؛ لأنه يخاطر به، ~~لكنه يقرضه، أو يودعه أمينا، والقرض أولى؛ لأنه مضمون بخلاف الوديعة. # فصل # وله كتابة رقيقه وعتقه على مال، للحظ فيه، مثل أن يكاتبه، أو يعتقه بمثلي ~~قيمته؛ لأنها معاوضة فتجوز للحظ فيها كالبيع، ولا يجوز ذلك بمثل قيمته؛ ~~لأنه لا حظ # PageV02P108 # فيه. قال أبو بكر: يتوجه جواز العتق بغير عوض للحظ، مثل أن يكون له جارية ~~وابنتها تساويان مائة؛ لأجل اجتماعهما، وتساوي إحداهما مفردة مائتين، ~~فتساوي قيمة الباقية مثلي قيمتها مجتمعتين. # فصل # وينفق عليه نفقة مثله بالمعروف من غير إسراف ولا إقتار؛ لقول الله تعالى: ~~{والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا} [الفرقان: 67] . ويقعده في ~~المكتب بغير إذن الحاكم، ويؤدي أجرته؛ لأن من ms0535 مصالحه العامة فجرى مجرى ~~نفقته. ويشتري له الأضحية إن كان موسرا؛ لأن فيه توسعة للنفقة عليه في يوم ~~جرت فيه العادة بها، وتطييبا لقلبه، فجرى مجرى رفيع الثياب لمن عادته ذلك. # فصل # وللأب بيع ماله بماله؛ لأنه غير متهم عليه، لكمال شفقته، وليس ذلك للوصي ~~ولا للحاكم؛ لأنهما متهمان في طلب الحظ لأنفسهما، فلم يجز ذلك لهما. ### | فصل في اختلاف الولي والحجور عليه # فصل # وإذا زال الحجر عنه فادعى وليه الإنفاق عليه، أو تلف ماله، فالقول قوله؛ ~~لأنه أمين عليه، فقبل قوله، كالمودع. وإن ادعى أنه لا حظ له في بيع عقار لم ~~يقبل إلا ببينة. وإن قال الولي: أنفقت عليك عامين، فقال: ما مات أبي إلا ~~منذ عام، فالقول قول الغلام؛ لأن الأصل حياة أبيه، وقد اختلفا فيما ليس ~~الوصي أمينا فيه، فكان القول قول مدعي الأصل. ### | فصل فيما ينفك به الحجر # فصل # وإن بلغ الصبي، وعقل المجنون، ورشد، انفك الحجر عنهما من غير حاكم، ولا ~~يفك قبل ذلك، لقول الله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ~~آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء: 6] . وقسنا عليهم ~~المجنون؛ لأنه في معناهم. والبلوغ للغلام بأحد ثلاثة أشياء: # أحدها: إنزال المني، لقول الله تعالى: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم ~~فليستأذنوا} [النور: 59] . وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رفع القلم ~~عن ثلاثة: عن الصبي حتى # PageV02P109 # يحتلم» . رواه أبو داود. # والثاني: كمال خمسة عشر سنة؛ لما روى «ابن عمر قال: عرضت على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني في القتال، وعرضت عليه ~~وأنا ابن خمسة عشر فأجازني» متفق عليه. # والثالث: إنبات الشعر الخشن حول القبل؛ لما روى «عطية القرظي. قال: عرضت ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم قريظة، فشكوا في فأمر رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أن ينظر إلي هل أنبت؟ فنظروا فلم يجدوني أنبت، ~~فخلوا عني وألحقوني بالذرية.» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي ~~وقال: حسن صحيح. ولأنه خارج يلازمه البلوغ ms0536 غالبا يستوي فيه الذكر والأنثى، ~~فكان بلوغا كالاحتلام، وبلوغ الجارية بهذه الثلاث. وتزيد بشيئين: الحيض؛ ~~لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا ~~بخمار.» رواه الترمذي. وقال: حديث حسن، ولأنه خارج يلازم البلوغ غالبا، ~~أشبه المني. والثاني: الحمل؛ لأنه لا يكون إلا من المني. فإذا ولدت المرأة، ~~حكمنا ببلوغها حين حكمنا بحملها. فإن كان خنثى مشكل، فحيضه علم على بلوغه، ~~وكونه امرأة، وخروج المني من ذكره، علم على بلوغه، وكونه رجلا؛ لأن الحيض ~~من الرجل ومني الرجل من المرأة مستحيل، أو نادر. وقال القاضي: ليس ذلك ~~بدليل، لجواز أن يكون من خلقة زائدة، لكن إن اجتمعا، فقد بلغ؛ لأنه إن كان ~~رجلا فقد أمنى، وإن كانت امرأة فقد حاضت. # فصل # ويستوي الذكر والأنثى في أنه ينفك عنه الحجر برشده وبلوغه، للآية؛ ولأن ~~المرأة أحد نوعي الآدميين، فأشبهت الرجل. وعنه: لا يدفع إليها مالها حتى ~~تلد، أو تتزوج ويمضي عليها حول في بيت الزوج؛ لأن ذلك يروى عن عمر - رضي ~~الله عنه -، فإن لم تتزوج، فقال القاضي: عندي أن يدفع إليها مالها إذا ~~عنست، وبرزت للرجال. ### | فصل في تعريف الرشد وما يعرف به # فصل # والرشد: الصلاح في المال؛ لأن ابن عباس قال في قوله تعالى: {فإن آنستم ~~منهم رشدا} [النساء: 6] # PageV02P110 # قال: إصلاحا في أموالهم، ولأن الحجر عليه، لحفظ ماله، فيزول بصلاحه، ~~كالعدل. ولأن الفسق معنى، لو طرأ بعد الرشد، لم يوجب الحجر، فلم يمنع من ~~الرشد، كالمرض. فإن كان فسقه يؤثر في تلف ماله، كشراء الخمر ودفعها في ~~الغناء والقمار، فليس برشيد؛ لأنه مفسد لماله. # فصل # وإنما يعرف رشده باختباره؛ لقول الله تعالى: {وابتلوا اليتامى} [النساء: ~~6] . يعني: اختبروهم. واختبارهم: تفويض التصرفات التي يتصرف فيها أمثالهم ~~إليهم، من تجارة أو نيابة. ويفوض إلى المرأة ما يفوض إلى ربة البيت، من ~~استئجار الغزالات، وتوكيلها في شراء الكتان، والاستيفاء عليهن. ووقت ~~الاختيار قبل البلوغ في ظاهر المذهب؛ لقوله سبحانه: {وابتلوا اليتامى حتى ~~إذا بلغوا النكاح} [النساء: 6] . ولأن تأخيره يؤدي ms0537 إلى الحجر على البالغ ~~الرشيد حتى يختبره، ولا يختبر إلا المراهق المميز الذي يعرف البيع والشراء، ~~فإذا تصرف بإذن وليه، صح تصرفه؛ لأنه متصرف بأمر الله تعالى، فصح تصرفه ~~كالرشيد. وفيه رواية أخرى لا يختبر إلا بعد البلوغ؛ لأنه قبله ليس بأهل ~~للتصرف؛ لأنه لم يوجد البلوغ الذي هو مظنة العقل، فكان عقله بمنزلة ~~المعدوم. وفي تصرف الصبي المميزة بإذن وليه روايتان. بناء على هذا. فأما ~~غير المأذون، فلا يصح تصرفه إلا في الشيء اليسير؛ لأن أبا الدرداء اشترى من ~~صبي عصفورا فأرسله. # فصل # ومن لم يؤنس منه رشد، لم يدفع إليه ماله، ولم ينفك الحجر عنه، وإن صار ~~شيخا، للآية. ولأنه غير مصلح لماله، فلم يدفع إليه، كالمجنون. وإن فك الحجر ~~عنه فعاود السفه، أعيد عله الحجر؛ لما روى عروة بن الزبير: أن عبد الله بن ~~جعفر ابتاع بيعا، فأتى الزبير فقال: إني قد ابتعت بيعا، وإن عليا يريد أن ~~يأتي أمير المؤمنين عثمان فيسأله الحجر علي، فقال الزبير: أنا شريكك في ~~البيع، فأتى علي عثمان فقال: إن ابن جعفر قد ابتاع بيع كذا فاحجر عليه، ~~فقال الزبير: أنا شريكه، فقال عثمان: كيف أحجر على رجل شريكه الزبير؟ وهذه ~~قصة يشتهر مثلها، ولم تنكر فتكون إجماعا. ولأن السفه يقتضي الحجر لو قارن، ~~فيقتضيه إذا طرأ، كالجنون. ولا يحجر عليه إلا الإمام، أو # PageV02P111 # نائبه؛ لأن عليا سأل عثمان الحجر على ابن جعفر، ولم يفعله بنفسه. ولأن ~~معرفة التبذير تحتاج إلى نظر؛ لأن الغبن قد يكون تبذيرا، وقد يكون غير ~~تبذير، فيحتاج إلى نائب الإمام، كالحجر للفلس، ولأنه مختلف فيه، أشبه الحجر ~~للفلس، ولا يلي عليه إلا الإمام، أو نائبه؛ لأنه حجر ثبت به، فكان هو ~~الولي، كحجر المفلس. # فصل # ويستحب الإشهاد عليه والجهار بالحجر، لتجتنب معاملته. فمن عامله ببيع، أو ~~قرض، لم يصح، ولم يثبت به الملك. فإن وجد المعامل له مالا، أخذه. وإن أتلفه ~~السفيه، فهو من ضمان مالكه، علم أو لم يعلم؛ لأنه سلطه عليه برضاه. وإن غصب ms0538 ~~مالا أو أتلفه، ضمنه؛ لأن صاحبه لم يرض ذلك، ولأن الحجر على الصبي والمجنون ~~لا يسقط عنهما ضمان المتلف، فهذا أولى. وإن أودع مالا فتلف، لم يضمنه، سواء ~~فرط في الحفظ أو لم يفرط؛ لأنه تلف بتفريط صاحبه بتسليمه إليه. وإن أتلفه، ~~ففيه وجهان: # أحدهما: يضمنه؛ لأن صاحبه لم يرض إتلافه، أشبه المغصوب. # والثاني: لا يضمنه؛ لأن صاحبه فرط في التسليم إليه. وإن أقر بمال، لم ~~يلزمه حال حجره؛ لأنه حجر عليه لحظه، فلم يقبل إقراره بالمال، كالصبي ~~والمجنون. ولأن قبول إقراره يبطل معنى الحجر؛ لأنه يداين الناس، ويقر لهم. ~~قال أصحابنا: ويلزمه ما أقر به بعد فك الحجر عنه، كالمفلس. وفيه نظر؛ لأن ~~الحجر عليه لعدم رشده، فهو كالصبي. ولأن ثبوت إقراره في ذمته لا يفيد الحجر ~~معه إلا تأخير الضرر إلى أكمل حالتيه إلا أن يريدوا أن يلزمه فيما بينه ~~وبين الله تعالى: فإن ما كان ثابتا في ذمته لا يسقط بالحجر عليه. وإن أقر ~~بحد أو قصاص، لزمه؛ لأنه محجور عليه في ماله لا في نفسه. فإن عفا ولي ~~القصاص إلى ماله، ففيه وجهان: # أحدهما: له ذلك؛ لأن من ثبت له القصاص ثبتت له الخبرة. كما لو ثبت ببينة. # والثاني: لا يصح، لئلا يواطئ من يقر له بالقصاص، ليعفو على مال يأخذه. ~~وإن أقر بنسب قبل؛ لأنه ليس بمال، وينفق على الغلام من بيت المال؛ لأن ~~إقرار السفيه بما يوجب المال غير مقبول. وإن طلق امرأته، صح؛ لأن الحجر ~~يحفظ المال، والطلاق يوفره ولا يضيعه. فإن خالع، جاز؛ لأنه إذا جاز الطلاق ~~بغير مال فبالمال أولى ولا تدفع المرأة إليه المال، فإن فعلت، لم يصح ~~القبض، ولم تبرأ منه إلا بالدفع إلى وليه. وإن تلف، كان من ضمانها. # PageV02P112 ### | فصل في تصرفات المحجور عليه # فصل # وإن أذن له في النكاح، صح منه؛ لأن حاجته تدعوه إلى ذلك. وليس بآلة ~~للتبذير. وقال القاضي: يصح من غير إذن الولي؛ لما ذكرنا. وإن أذن له في ~~البيع، ففيه وجهان: # أحدهما: يصح ms0539 منه؛ لأنه عقد معاوضة فصح منه بالإذن. كالنكاح. # والثاني: لا يصح؛ لأن المقصود منه المال وهو محجور عليه فيه. ولأن الحجر ~~عليه لتبذيره، فالإذن له إذن فيما لا مصلحة فيه. وإن حلف، انعقدت يمينه؛ ~~لأنه مكلف. ويكفر بالصوم؛ لأنه ممنوع من التصرف في المال فأشبه العبد. وإن ~~أحرم بالحج، صح. لأنه من أهل العبادات، فإن كان فرضا، لزمه إتمامه ويجب ~~الإنفاق عليه إلى أن يفرغ منه؛ لأنه مال يحتاج إليه لأداء الفرض فوجب. وإن ~~كان تطوعا لا تزيد نفقته على نفقة الإقامة، أو تزيد وله كسب، إذا أضافه ~~إليه، أمكنه الحج، لزمه إتمامه. وإن لم يكن كذلك، ففيه وجهان: # أحدهما: على الولي تحليله؛ لأن في إتمامه تضييعا للمال فيما لا يلزمه. # والثاني: ليس له تحليله، بناء على إحرام العبد بغير إذن سيده، ويتحلل ~~بالصوم كالعبد. # فصل # وإن وجب له القصاص، فله استيفاؤه؛ لأن القصد التشفي ودرك الثأر، وله ~~العفو على مال؛ لأنه تحصيل. فإن عفا إلى غير مال، وقلنا: الواجب القصاص ~~عينا، سقط إلى غير شيء. وإن قلنا: الواجب أحد شيئين، وجبت الدية؛ لأنه ليس ~~له إسقاط المال. # فصل # ولا ينفذ عتقه؛ لأنه إتلاف لماله. وحكي عنه: أنه يصح؛ لأنه مكلف مالك، ~~أشبه الراهن. ويصح تدبيره ووصيته؛ لأنه محض مصلحة، لتقربه به إلى الله ~~تعالى عند غناه عن المال. وإن نذر عبادة بدنية انعقد نذره؛ لأنه لا حجر ~~عليه في بدنه. وإن نذر صدقة مال، لم يصح، ويكفر عن نذره بالصيام. وقياس قول ~~أصحابنا: أنه يلزمه الوفاء به عند فك حجره كالإقرار. # فصل # وهل للمرأة الرشيدة التبرع من مالها بغير إذن زوجها؟ فيه روايتان: # إحداهما: لها ذلك لقوله تعالى: {فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم} [النساء: 6] . # PageV02P113 # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن» ~~وقبوله لصدقتهن حين تصدقن، ولأن من وجب دفع ماله إليه لرشده، نفذ تصرف فيه ~~بغير إذن غيره كالرجل. وعنه: لا تهب شيئا إلا بإذن زوجها، ولا ينفذ عتقها؛ ~~لما روى ms0540 عبد الله بن عمرو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ~~يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها» . رواه أبو داود، وكلام أحمد - رضي الله ~~عنه - عام في القليل والكثير. وقال أصحابنا: لها التبرع بالثلث فما دون، ~~وما زاد فعلى روايتين. # فصل # وهل لها الصدقة من ماله بالشيء اليسير بغير إذنه؟ فيه روايتان: # إحداهما: لها ذلك؛ لأن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «ما أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان لها أجرها، وله مثله بما ~~كسب، ولها بما أنفقت، وللخازن مثل ذلك من غير أن ينتقص من أجورهم شيء» وعن ~~«أسماء أنها قالت: يا رسول الله، ليس لي شيء إلا ما أدخل علي الزبير، فهل ~~علي جناح أن أرضخ مما أدخل علي؟ قال: ارضخي ما استطعت، ولا توعي، فيوعي ~~الله عليك» متفق عليهما. # ولأن العادة السماح بذلك، فجرى مجرى صريح الإذن. # والثانية: لا يجوز؛ لما روى أبو أمامة قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: «لا تنفق المرأة شيئا من بيتها إلا بإذن زوجها، قيل: يا ~~رسول الله، ولا الطعام، قال: ذلك أفضل أموالنا» رواه سعيد والترمذي. ولأنه ~~تبرع بمال غيرها، فلم يجز، كالصدقة بثيابه والله تعالى أعلم. # PageV02P114 ### | كتاب الصلح # وهو ضربان: # أحدهما: الصلح في الأموال وذلك نوعان: # أحدهما: الصلح على الإنكار. مثل أن يدعي على إنسان عينا في يده، أو دينا ~~في ذمته، لمعاملة أو جناية، أو إتلاف أو غصب، أو تفريط في وديعة، أو مضاربة ~~ونحو ذلك، فينكره ثم يصالحه بمال، فإنه يصح إذا كان المنكر معتقدا بطلان ~~الدعوى، فيدفع المال افتداء ليمينه، ودفعا للخصومة عن نفسه. والمدعي يعتقد ~~صحتها، فيأخذه عوضا عن حقه الثابت له؛ لأنه يصح مع الأجنبي، فيصح بين ~~الخصمين، كالصلح في الإقرار ويكون بيعا في حق المدعي؛ لأنه يأخذ المال عوضا ~~عن حقه. فيلزمه حكم إقراره، حتى لو كان العوض شقصا، وجب الشفعة. وإن وجد به ~~عيبا، فله رده ويكون إبراء في حق المنكر، لاعتقاده أن ms0541 ملكه للمدعى لم يتجدد ~~بالصلح، وأنه إنما دفع المال افتداء لنفسه لا عوضا، فلو كان المدعى شقصا، ~~لم تجب فيه شفعة. ولو وجد به عيبا، لم يملك رده، كمن اشترى عبدا قد أقر ~~بحريته، فإن كان أحدهما يعلم كذب نفسه فالصلح باطل في الباطن، وما يأخذه ~~بالصلح حرام؛ لأنه يأكل مال أخيه بباطله، ويستخرجه منه بشره، وهو في الظاهر ~~صحيح؛ لأن ظاهر حال المسلمين الصحة والحق، فإن صالح عن المنكر أجنبي، صح. ~~فإن كان بإذنه، فهو وكيله وقائم مقامه. وإن كان بغير إذنه، فهو افتداء له، ~~وإبراء لذمته من الدين أو الدعوى، وذلك جائز بغير إذنه، بدليل أن أبا قتادة ~~قضى دين الميت. ولا إذن له. لكن إن كان بغير إذنه لم يرجع # PageV02P115 # عليه؛ لأن الدين لم يثبت عليه، ولأنه أدى عنه ما يلزمه أداؤه، فكان ~~متبرعا، وإن كان بإذنه، رجع عليه. لأنه وكيله. # وإن صالح الأجنبي عن نفسه ليصير الحق له من غير اعتراف للمدعي بصحة ~~الدعوى، لم يصح؛ لأنه يشتري ملك غيره. وإن اعترف بصحة دعواه، والمدعى دين، ~~لم يصح؛ لأن بيع الدين لا يصح مع الإقرار، فمع الإنكار أولى. وإن كان عينا ~~لا يقدر المصالح على تخليصها، لم يصح؛ لأن بيعها لا يصح مع الإقرار، فمع ~~الإنكار أولى. وإن كان يقدر على استنقاذها، صح؛ لأنه اشترى منه ماله الممكن ~~تسلمه، فصح كما قلنا في بيع المغصوب. ثم إن قدر على انتزاعها، استقر الصلح، ~~وإن عجز، فله الفسخ؛ لأنه لم يسلم له المعقود عليه، فرجع في بدله. فإن قال ~~الأجنبي للمدعي: أنا وكيل المنكر في صلحك، وهو معترف لك في الباطن، جاحد في ~~الظاهر فصالحه، لم يصح؛ لأن الصلح في هذه الحال لا يصح من المنكر، فكذلك من ~~وكيله. وقال القاضي: يصح. ومتى صدقه المنكر، ملك العين، ولزمه ما أدى عنه. ~~وإن أنكر، حلف وبرئ. وإن دفع المدعي إلى المنكر مالا ليقر له ففعل، ثبت ~~الحق، وبطل الصلح؛ لأنه يجب عليه الإقرار بالحق. فلم يحل له أخذ العوض ms0542 عما ~~وجب عليه. ولو صالح امرأة لتقر له بالزوجية، أو بالرق، لم يصح لذلك، ولأنه ~~يحرم عليها بذل نفسها لمن يطأها بعوض. وإن بذلت عوضا للمدعي عن دعواه، صح؛ ~~لأنها تدفع شره عن نفسها، ويأخذ العوض عن حقه فيها، كعوض الخلع. وقيل: لا ~~يصح في الزوجية؛ لأن الزوج لا يأخذ عوضا عن الزوجية في غير الخلع. ولو صالح ~~شاهدا ليترك الشهادة عليه، أو سارقا، لئلا يرفعه إلى السلطان، فالصلح باطل؛ ~~لأنه لا يحل أخذ العوض عن ترك الشهادة الواجبة، وليس رفعه إلى السلطان حقا ~~يجوز الاعتياض عنه. # فصل # النوع الثاني: الصلح مع الاعتراف، وهو ثلاثة أقسام: # أحدها: أن يعترف له بدين فيبرئه من بعضه، ويستوفي باقيه، فلا بأس بذلك؛ ~~لأن الإنسان لا يمنع من إسقاط حقه، ولا من استيفائه. قال أحمد - رضي الله ~~عنه -: ولو شفع فيه شافع، لم يأثم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كلم ~~غرماء جابر، فوضعوا عنه الشطر. وكلم كعب بن مالك، فوضع عن غريمه الشطر. ~~ويجوز للقاضي فعل ذلك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله. وإن أمكن ~~الغريم الوفاء، فامتنع حتى أبرئ من بعضه، لم يجز؛ لأنه هضم للحق، وأكل مال ~~بالباطل. ولو قال الغريم: أبرأتك من بعضه، بشرط أن توفيني بقيته، أو على أن ~~توفيني، أو لتوفيني باقيه لم يصح؛ لأنه جعل إبراءه عوضا عما أعطاه، فيكون ~~معاوضا # PageV02P116 # لبعض حقه ببعض، ولا يصح بلفظ الصلح؛ لأن معنى صالحني عن المائة بخمسين، ~~أي بعني، وذلك غير جائز، لما ذكرنا، ولأنه ربا. ولو صالحه عن مائة مؤجلة ~~بخمسين حالة، لم يجز لذلك؛ لأن بيع الحلول غير جائز. وإن صالحه عن الحالة ~~بأقل منها مؤجلة، لم يصح؛ لأن الحال لا يتأجل بالتأجيل، وما يسقطه لا مقابل ~~له، إلا أن يسقطه اختيارا منه بغير عوض، ولو اعترف له بداره، فصالحه على أن ~~يسكنه فيها مدة، أو يبني عليها غرفة، ونحو ذلك، لم يصح؛ لأنه لا عوض له. # فصل # القسم الثاني: أن يعترف له بعين في يده، فيهب ms0543 له بعضها، ويستوفي باقيها، ~~فيصح، لما ذكرنا في الإبراء إذا فعل هذا اختيارا من غير منع الغريم، ووهب ~~له بغير شرط، كما ذكرنا في الإبراء. # فصل # القسم الثالث: أن يعترف له بعين، أو دين، فيصالحه على غيره. وذلك ثلاثة ~~أضرب: # أحدها: أن يعترف له بنقد، فيصالحه على نقد، فهذا صرف يعتبر له شروطه. # الثاني: أن يعترف له بنقد، فيصالحه على عرض، أو بعرض فيصالحه على نقد أو ~~عرض، فهذا بيع تثبت فيه أحكامه كلها. # الثالث: أن يعترف له بنقد أو عرض، فيصالحه على منفعة كسكنى دار، أو خدمة، ~~فهذا إجارة تثبت فيه أحكامها. ولو تلفت العين التي صالح عليها، بطل الصلح. ~~فإن كان قد مضى بعض المدة، بطل فيما بقي بقسطه. ولو اعترفت المرأة بدين ~~فصالحته على أن تزوجه نفسها، صح، وكان صداقا لها، ولو اعترفت له بعيب في ~~مبيع، فصالحته على نكاحها، صح. فإن زال العيب، رجعت بأرشه؛ لأنه الصداق ولم ~~يسم الخرقي الصلح في الإنكار صلحا. # فصل # وإذا اعترف له بشيء، لم يجز أن يصالح بأكثر منه من جنسه؛ لأن الزائد لا ~~مقابل له. ولو اعترف بقتل خطأ فصالحه بأكثر من الدية من جنسها، لم يجز. وإن ~~كان من غير جنسها، جاز؛ لأنه معاوضة. ولو أتلف شيئا قيمته مائة، فصالحه على ~~مائة وعشرة، لم يجز لذلك. وإن صالحه على عرض جاز، وإن كثر؛ لأنه بيع. ولو ~~أجل العوض الواجب بالإتلاف، لم يصر مؤجلا بتأجيله. # PageV02P117 ### | فصل في صلح المكاتب والمأذون له من العبيد والصبيان # فصل # وصلح المكاتب والمأذون له، من العبيد والصبيان من دين لهم ببعضه، لا يصح ~~إلا إذا كان لهم به بينة، أو أقر لهم به؛ لأنه تبرع وليس لهم التبرع. فإن ~~كان على الإنكار، صح؛ لأن استيفاءهم للبعض عند العجز عن استيفاء الكل أولى ~~من تركه. ### | فصل في الصلح عن المجهول # فصل # ويصح الصلح عن المجهول الذي لا سبيل إلى معرفته، عينا كان أو دينا؛ لما ~~روي «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في ms0544 رجلين اختصما إليه في ~~مواريث درست: استهما وتوخيا الحق، وليحلل أحدكما صاحبه» رواه أبو دواد. ~~وسواء كان الجهل من الجانبين كالحقوق الدارسة، أو ممن عليه الحق، لأن ~~الحاجة تدعو إليه. فأما ما يمكن معرفته، فلا يجوز، قال أحمد: إن صالحوا ~~امرأة من ثمنها، لم يصح. ولو قال الوارث لبعضهم: نخرجك عن الميراث بألف، ~~أكره ذلك، حتى يعرفه. ويعلم ما هو؟ إنما يصالح الرجل عن الشيء لا يعرفه، ~~ولا يدري ما هو؟ أو يكون رجلا يعلم ماله على الآخر، والآخر لا يعرفه ~~فيصالحه. فأما إذا علم فلم يصالحه إنما يريد أن يهضم حقه. ولأن هذا لا حاجة ~~إليه، فلم يجز كبيع المجهول. ### | باب الصلح فيما ليس بمال # يصح الصلح عن دم العمد بما يزيد على الدية وينقص عنها؛ لأن المال لم ~~يتعين فإن خرج العوض حرا أو مستحقا، رجع بقيمته. ولو صالح عن دار فخرج ~~العوض مستحقا، رجع في الدار؛ لأنه بيع، فإذا فسد عوضه تبينا فساده، والصلح ~~في الدم إسقاط، فلم يعد بعد سقوطه، ورجع ببدل العوض وهو القيمة. ### | فصل حقوق الارتفاق والجوار # فصل # وإذا أراد أن يجري في أرض غيره ماء، له غنى عن إجرائه فيها، لم يجز إلا ~~برضاه لأن فيه تصرفا في أرض غيره بغير إذنه، فلم يجز، كالزرع فيها، فإن ~~صالحه على موضع القناة، جاز، إذا بينا موضعها وطولها وعرضها لأنه بيع لموضع ~~من أرضه، ولا حاجة إلى بيان عمقها؛ لأن قرارها لمشتريها يعمق ما شاء، وإن ~~شرط أن أرضهما لرب الأرض، كان إجارة، يفتقر إلى معرفة عمقها، ومدتها ~~كإجارتها للزرع، فإن كان رب الأرض مستأجرا لها، جاز أن يصالح على إجراء ماء ~~فيها في ساقية محفورة مدة لا تتجاوز مدة إجارته، وليس له حفر ساقية؛ لأنه ~~إحداث شيء لم تتناوله الإجارة، وكذلك إن كانت الأرض وقفا عليه. وإن صالح ~~رجلا على أن يجري على سطحه، أو أرضه ماء المطر، جاز، إذا كان السطح الذي ~~يجري ماؤه معلوما؛ لأن الماء يختلف بصغره، # PageV02P118 # وكبره، ومعرفة موضع الميزاب ms0545 الذي يجري الماء إليه؛ لأن ضرره يختلف. ولا ~~يفتقر إلى ذكر المدة؛ لأن الحاجة تدعو إلى هذا، ولأن هذا لا يستوفي به ~~منافع السطح، بخلاف الساقية. ومن كانت له أرض، لها ماء، لا طريق له، إلا في ~~أرض جاره، وفي إجرائه ضرر بجاره، لم يجز إلا بإذنه؛ لأنه لا يملك الإضرار ~~به، بالتصرف في ملكه، بغير إذنه، وإن لم يكن فيه ضرر، ففيه روايتان: # إحداهما: لا يجوز، لما تقدم. # والثانية: يجوز؛ لما روي أن الضحاك بن خليفة، ساق خليجا من العريض، فأراد ~~أن يمر به على محمد بن مسلمة فمنعه، فقال له عمر: لم تمنع جارك ما ينفعه ~~ولا يضرك، تشربه أولا وآخرا؟ فقال له محمد: لا والله، فقال عمر: والله ~~ليمرن به ولو على بطنك، فأمره عمر - رضي الله عنه - أن يمر به، ففعل. رواه ~~سعيد بن منصور. ولأنه نفع لا ضرر فيه، فأشبه الاستظلال بحائطه. # فصل # ولا يجوز أن يشرع إلى الطريق النافذ جناحا، وهو الروشن، على أطراف خشب ~~مدفونة في الحائط، ولا ساباطا، وهو المستولي على هواء الطريق على حائطين؛ ~~لأنه بناء في ملك غيره، بغير إذنه، فلم يجز، كالبناء في أرض الطريق، ولا ~~ميزابا، ولا يبني فيها دكة لذلك، ولأنه يضر بالمارة، أشبه بناء بيت، ولا ~~يباح ذلك بإذن الإمام؛ لأنه ليس له الإذن فيما يضر المسلمين، وسواء أضر في ~~الحال، أو لم يضر؛ لأن هذا يراد للدوام، وقد يحدث الضرر فيه. وقال ابن ~~عقيل: يجوز أن يأذن الإمام فيما لا ضرر فيه؛ لأنه نائب عن المسلمين، فجرى ~~مجرى إذنه في الجلوس. # فصل # ولا يجوز أن يفعل هذا في ملك إنسان، ولا درب غير نافذ، إلا بإذن أهله؛ ~~لأنه حقهم، فلم يجز التصرف فيه بذلك، بغير إذنهم، فإن صالحه المالك، أو أهل ~~الدرب بشيء معلوم، جاز؛ لأنه يجوز بإذنهم بغير عوض، فجاز بعوض، كما في ~~القرار. وقال القاضي: لا يصح الصلح عن الجناح والساباط؛ لأنه بيع للهواء ~~دون القرار. # فصل # وإذا حصلت أغصان شجرته في هواء ms0546 ملك غيره، فطالبه بإزالتها، لزمه ذلك؛ لأن ~~هواء ملكه ملكه، فإن لم يزله، فلمالك الأرض إزالتها، بالقطع وغيره، كما لو ~~دخلت بهيمة جاره داره، ملك إخراجها، فإن صالحه على تركها بعوض، جاز عند ابن ~~حامد، وابن عقيل؛ لأن الجهالة هاهنا لا تمنع التسليم، فلم تمنع الصحة، ~~كالصلح عن # PageV02P119 # المواريث الدارسة، ولأن هذا مما يحتاج إليه، ويسامح فيه، فجرى سمن ~~المستأجر للركوب، وهزاله. وقال القاضي: يصح في اليابس، المعتمد على حائط، ~~ولا يصح في الرطب؛ لأنه يزيد ويتغير، ولا في غير المعتمد؛ لأنه لا قرار له. ~~وقال أبو الخطاب: لا يصح في الجميع؛ لأن الرطب يزيد ويتغير، واليابس ينقص ~~ويذهب. وإن صالحه بجزء من ثمرتها معلوم، ففيه وجهان: # أحدهما: المنع؛ للجهالة فيه وفي عوضه. # والثاني: يجوز؛ لأن هذا يكثر في الأملاك المتجاورة، وفي القطع إتلاف ~~وإضرار، فدعت الحاجة إلى الصلح بجزء من الثمرة؛ لأنه أسهل، ولو امتدت عروق ~~شجرة، حتى أثرت في بناء غيره، أو بئره، فعليه إزالته؛ لأن قرار ملك الإنسان ~~ملكه، فهو كهوائه، ولو مال حائطه إلى ملك جاره، أو طريق، لزمه إزالته. # فصل # ليس للإنسان أن يفتح في حائط جاره طاقا، ولا يغرز فيه وتدا، ولا مسمارا، ~~ولا يحدث عليه حائطا، ولا سترة بغير إذنه؛ لأنه يصرف في ملك غيره، بما يضر ~~به، فلم يجز، كهدمه. وليس له وضع خشبة عليه، إن كان يضر بالحائط، أو يضعف ~~عن حمله؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضرر ولا ضرار» وإن كان لا ~~يضر، وبه غنى عنه، لم يجز عند أكثر أصحابنا؛ لأنه تصرف في ملك غيره، بما ~~يستغني عنه، فلم يجز، كفتح الطاق، وغرز المسمار، وأجازه ابن عقيل لخبر أبي ~~هريرة. ولأن ما أبيح لا تعتبر له حقيقة الحاجة، كانتزاع الشقص المشفوع، ~~والفسخ بالعيب. وإن احتاج إليه، بحيث لا يمكنه التسقيف إلا به جاز؛ لما روى ~~أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يمنع أحدكم جاره، ~~أن يضع خشبة على جداره» متفق عليه. ولأنه ms0547 انتفاع، لا ضرر فيه، دعت الحاجة ~~إليه، فوجب بذله، كفضل الماء لبهائم غيره، وذكر القاضي، وأبو الخطاب: أنه ~~لا يجوز، إلا لمن ليس له إلا حائط واحد، ولجاره ثلاثة، وقد يتعذر التسقيف ~~على الحائطين غير المتقابلين، فالتفريق تحكم، فأما وضع الخشب في حائط ~~المسجد مع الشرطين، ففيه روايتان: # إحداهما: يجوز؛ لأن تجويزه في ملك الآدمي المبني حقه على الضيق، تنبيه ~~على جوازه في حق الله، المبني على المسامحة والسهولة. # والثانية: المنع، اختارها أبو بكر؛ لأن الأصل المنع، خولف في الآدمي ~~المعين، فيبقى فيما عداه على مقتضى الأصل، ويتخرج من هذه الرواية، أن يمنع ~~من وضعه في ملك الجار إلا بإذنه؛ لما ذكرنا للرواية الأولى، فإن صالحه ~~المالك على وضع خشبه # PageV02P120 # بعوض في الموضع الذي يجوز له وضعه، لم يجز؛ لأنه يأخذ عوض ما يجب عليه ~~بذله، وإن كان في غيره، جاز، سواء كانت إجارة في مدة معلومة، أو على ~~التأبيد، بشرط كون الخشب معلوما برؤية، أو صفة، والبناء معلوم، والآلة ~~معلومة، ومتى زال الخشب، لسقوط الحائط أو غيره، فله إعادته؛ لأنه استحق ~~بقاءه بعوض، ولو كان له رسم طرح خشب، فصالحه المالك بعوض، على أن لا يعيده ~~عليه، أو ليزيله عنه، جاز؛ لأنه لما جاز أن يصالح على وضعه، جاز على نزعه. # فصل # فإن كان له دار، بابها في زقاق غير نافذ، وظهرها إلى الشارع، فله فتح باب ~~إلى الشارع؛ لأن له حقا في الاستطراق فيه، وإن كان بابها إلى الشارع لم يكن ~~له فتح باب إلى الزقاق للاستطراق؛ لأنه لا يجوز له أن يجعل لنفسه حق ~~الاستطراق، في مكان مملوك لأهله، لاحق له فيه، ويحتمل الجواز لما نذكره في ~~الفصل الذي يليه، وله أن يفتح مكانا للضوء والنظر لا يصلح للاستطراق؛ لأن ~~له رفع جميع حائطه، فرفع بعضه أولى. وإن فتحه بابا، يصلح للاستطراق، وقال: ~~لا أجعله طريقا، بل أغلقه وأسمره، ففيه وجهان: # أحدهما: له ذلك؛ لما ذكرنا. # والثاني: لا يجوز؛ لأن الباب دليل على الاستطراق فيجعل لنفسه حقا. ms0548 وإن ~~كان له داران، باب إحداهما أو بابهما في زقاقين غير نافذين، بينهما حائط، ~~فأنفذ إحداهما إلى الأخرى، جاز في أحد الوجهين؛ لأن رفع الحائط من بينهما، ~~وجعلهما دارا واحدة، فرفع بعضه أولى. # والثاني: لا يجوز؛ لأنه يجعل الزقاقين، ويجعل الاستطراق في كل واحد منهما ~~من دار، لاحق لها فيه. وكل موضع لا يجوز إذا صالح أهل الدرب بعوض، أو أذنوا ~~له بغير عوض، جاز لأن المنع لحقهم، فجاز لهم أخذ العوض عنه، كسائر حقوقهم. # فصل # فإن كان بابه في زقاق، غير نافذ، فأراد تقديمه نحو أوله، جاز؛ لأنه يترك ~~بعض حقه، وإن قدمه نحو آخره، لم يجز؛ لأنه يجعل لنفسه الاستطراق في موضع، ~~لم يكن له ويحتمل الجواز؛ لأن له رفع حائطه كله، فيملك رفع بعضه، ولأن ما ~~يلي حائطه فيئا له، فملك فتح الباب فيه، كحالة ابتداء البناء، فإن له في ~~ابتداء البناء جعل بابه حيث شاء، فتركه له لا يسقط حقه منه. ولو تنازع ~~صاحبا البابين في الدرب، ففيه وجهان: # PageV02P121 # أحدهما: يحكم بالدرب من أوله إلى الباب الأول لهما؛ لأن يدهما عليه، ~~واستطراقهما فيه، وسائر الدرب للآخر؛ لأن اليد له لاستطراقه وحده. # والثاني: هو بينهما؛ لأن لهما جميعا يدا وتصرفا، فعلى الوجه الأول لصاحب ~~الباب الصدراني جعل آخر الدرب دهليزا يختص به عن سائر أهل الدرب؛ لأنه ملكه ~~خاصة، وعلى الثاني لا يجوز؛ لأنه مشترك بين الجميع. # فصل # إذا كان بينهما حائط مشترك، فانهدم، فدعا أحدهما صاحبه إلى عمارته فأبى، ~~أجبر؛ لأنه إنفاق على ملك مشترك يزيل الضرر عنهما، فأجبر عليه كإطعام العبد ~~المشترك، ولأن في تركه ضررا فأجبر عليه كالقسمة، فإن لم يفعل، باع الحاكم ~~ماله، وأنفق عليه، فإن لم يكن له مال، اقترض عليه وأنفق، وإن أنفق الشريك ~~بإذنه، أو إذن الحاكم، رجع عليه بالنفقة والحائط بينهما، كما كان قبل ~~انهدامه، وعنه: لا يجبر؛ لأنه إنفاق على ملك لا يجب لو انفرد به، فلم يجب ~~مع الاشتراك، كزرع الأرض، وإن أراد شريكه بناءه، لم يمنع؛ ms0549 لأنه يعيد رسما ~~في مشترك، فلم يمنع كوضع الخشب الذي له رسم، فإن بناه بآلته، عاد بينهما ~~كما كان برسومه وحقوقه؛ لأنه عاد بعينه، وليس للباني فيه إلا أثر تأليفه، ~~وإن بناه بآلة من عنده، فهو للباني ليس لشريكه الانتفاع به، وللباني نقضه ~~إن شاء؛ لأنه ملكه خاصة. ولو بذل له شريكه نصف قيمته لئلا ينقضه، لم يجبر ~~على قبولها؛ لأنه لما لم يجبر على إنشائه، لم يجبر على إبقائه، وعلى ~~الرواية الأولى يجبر على تركه؛ لأنه يجبر على إنشائه، فيجبر على إبقائه. ~~فإن كان للشريك على الحائط رسم انتفاع قلنا للباني: إما أن تأخذ منه نصف ~~القيمة، وتمكنه من إعادة رسمه، وأما أن تأخذ بناءك ليبني معك؛ لأن القرار ~~مشترك بينهما، فلم يجز أن يسقط حق شريكه. # فصل # وإن كان السفل لأحدهما، والعلو للآخر، فانهدم السقف الذي بينهما، فالحكم ~~فيه كالحائط المشترك سواء؛ لأنه ينفعهما فهو كالحائط بينهما، وأيهما هدم ~~الحائط أو السقف، فعليه إعادته إلا أن يخاف سقوطه، ويجب هدمه، فيصير ~~كالمنهدم بنفسه. وإن انهدمت حيطان صاحب السفل، لم يملك صاحبه إجبار صاحب ~~العلو على مباناته؛ لأنه ملكه خاصة، وعنه: يجبر؛ لأنهما ينتفعان به، فأشبه ~~الحائط المشترك. وهل لصاحب العلو إجبار صاحب على بنائه؟ على روايتين. وليس ~~لصاحب السفل منع صاحب العلو من بنائه إن أراده، فإن بناه بآلته، فهو على ما ~~كان لا يملك أحدهما نقضه، وإن بناه بغير # PageV02P122 # آلته، قال أحمد - رضي الله عنه -: لا ينتفع به صاحب السفل حتى يؤدي ~~القيمة، فيحتمل أن ليس له السكنى؛ لأن فائدة الحيطان أكثرها للسكنى، ويحتمل ~~أنه ليس له طرح الخشب، ونصب الوتد ونحوه دون السكنى؛ لأن ذلك هو الانتفاع ~~بالحائط مباشرة ولبانيه نقضه لأنه ملكه، ولا يجبر على إبقائه بالقيمة؛ لأنه ~~لا يجبر على ابتدائه. # فصل # فإن كان بينهما دولاب، أو ناعورة يحتاج إلى عمارة، فذلك كالحائط المنهدم ~~سواء. وإن كان بينهما قناة أو عين، ففي إجبار الممتنع من عمارتها روايتان. ~~فإن بناها أحدهما، لم يملك منع صاحبه ms0550 من نصيبه؛ لأنه ليس له فيها إلا أثر ~~الفعل. # فصل # ليس للمالك التصرف في ملكه بما يضر جاره، نحو أن يبنيه حماما بين الدور، ~~أو مخبزا بين العطارين، أو يجعله دار قصارة تهز الحيطان، أو يحفر بئرا ~~تجتذب ماء بئر جاره؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضرر ولا ضرار» ~~رواه ابن ماجه والدارقطني بنحوه، ولأنه تصرف يضر بجيرانه، فمنع منه، كالدق ~~الذي يهز الحيطان. # وليس له سقي أرضه بما يهدم حيطانهم، وإن كان له سطح أعلى من سطح جاره، ~~فعلى الأعلى بناء سترة بين ملكيهما، ليدفع عنه ضرر نظره إذا صعد سطحه. ### | باب الحوالة # وهو نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. وهي عقد إرفاق منفرد ~~بنفسه ليست بيعا، بدليل جوازها في الدين بالدين وجواز التفرق قبل القبض، ~~واختصاصها بالجنس الواحد واسم خاص، فلا يدخلها خيار؛ لأنها ليست بيعا ولا ~~في معناه؛ لكونها لم تبن على المغابنة. والأصل فيها قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع» متفق عليه. ~~ولا تصح إلا بشروط أربعة: # أحدها: أن يحيل على دين مستقر؛ لأن مقتضاها إلزام المحال عليه الدين ~~مطلقا، ولا يثبت ذلك فيما هو بعرض السقوط، ولا يعتبر استقرار المحال به، ~~لجواز أداء غير المستقر. فلا تجوز الحوالة بدين السلم ولا عليه؛ لأنه لا ~~تجوز المعاوضة عنه به، ولا عنه. ولو أحال الزوج زوجته قبل الدخول بصداقها، ~~صح، وإن أحالت المرأة به عليه، لم يصح؛ لأنه غير مستقر. وإن أحال المشتري ~~البائع بثمن المبيع في مدة الخيار، صح، وإن أحال البائع به عليه، لم يصح ~~لذلك. وإن أحال الكاتب سيده بنجم، فدخل عليه، صح، وإن أحال سيده به عليه، ~~لم يصح لذلك. وإن أحيل على المكاتب بدين # PageV02P123 # غير مال الكتابة، صح؛ لأن حكمه حكم الأحرار في المداينات. وإن أحال من ~~عليه دين على من لا دين عليه. فهو توكيل في الاقتراض، وإن أحال على من له ~~عليه دين، فهو كتوكيل في ms0551 الاستيفاء، وإن أحال من عليه دين على من لا عليه ~~دين، فهو ملتمس إيفاء دينه وليس شيء من ذلك حوالة؛ إذ الحوالة تحول الحق ~~وانتقاله، ولا حق هاهنا يتحول، وإنما جاز التوكيل بلفظ الحوالة لاشتراكهما ~~في معنى، وهو تحول المطالبة من الموكل إلى الوكيل، كتحولها من المحيل إلى ~~المحتال. # فصل # الشرط الثاني: تماثل الحقين؛ لأنها تحويل الحق، فيعتبر تحوله على صفته، ~~ويعتبر التماثل في ثلاثة أشياء: الجنس، فلو أحال من عليه أحد النقدين ~~بالآخر، لم يصح. والصفة، فلو أحال عن المصرية بأميرية، أو عن المكسرة ~~بصحاح، لم يصح. والحلول والتأجيل، فإن كان أحدهما حالا والآخر مؤجلا، أو ~~أجل أحدهما مخالفا لأجل الآخر، لم يصح. وإن صحت الحوالة، فتراضيا على خير ~~مما أحيل به، أو دونه أو تعجيله، تأخيره، أو الاعتياض عنه، جاز؛ لأنه دين ~~ثابت، فجاز فيه ذلك كغير المحال به. # فصل # الشرط الثالث: أن يكون بمال معلوم على مال معلوم؛ لأنه يعتبر فيهما ~~التسليم والتماثل والجهالة تمنعها. ولا يصح فيما لا يصح السلم فيه؛ لأنه لا ~~يثبت في الذمة، وإنما تجب قيمته بالإتلاف. ويصح في كل ما يثبت مثله في ~~الذمة بالإتلاف، من الأثمان والحبوب والأدهان، وفيما يصح السلم فيه غير ~~ذلك، كالمذروع والمعدود وجهان: # أحدهما: لا تصح الحوالة به؛ لأن المثل لا يتحرر فيه، ولهذا لا يضمن ~~بمثله. # والثاني: يصح؛ لأنه يثبت في الذمة، ويحتمل أن يبنى الحكم فيه على القرض، ~~إن قلنا: يقضى في هذا بمثله، صحت الحوالة به؛ لأنه يثبت في الذمة بغير ~~السلم، وإلا فلا؛ لأنه لا يثبت في الذمة إلا بالسلم، ولا تصح الحوالة في ~~السلم. وإن كان عليه إبل من قرض وله مثل ذلك على آخر، صحت الحوالة بها؛ ~~لأنه إن ثبت في الذمة مثلها صحت الحوالة، وإن ثبت قيمتها فالحوالة بها ~~صحيحة. وإن كان له إبل من دية، فأحال بها على من له عليه مثلها، من دية ~~أخرى، صح ويلزمه إعطاؤه أدنى ما يتناوله الاسم. وقال أبو الخطاب: فيه وجه ~~آخر، أنه ms0552 لا يصح. وإن كان عليه إبل من الدية، وله مثلها قرضا، فأحال بها، ~~ففيه وجهان: # PageV02P124 # أحدهما: يصح؛ لأن الخيرة في التسليم إلى المحيل، وقد رضي بتسليم ما له في ~~ذمة المقترض. # والثاني: لا يصح؛ لأن الواجب في القرض في إحدى الروايتين القيمة، فقد ~~اختلف الجنس. وإن أحال المقرض من له الدية بها، لم يصح، وجها واحدا؛ لأننا ~~إن قلنا: الواجب القيمة، فالجنس مختلف، إن قلنا: يجب المثل، فللمقرض مثل ما ~~أقرض في صفاته وقيمته، والذي عليه الدية لا يلزمه ذلك. # فصل # الشرط الرابع: أن يحيل برضاه؛ لأن الحق عليه، فلا يلزمه أداؤه من جهة ~~بعينها، ولا يعتبر رضى المحال عليه؛ لأن للمحيل أن يستوفي الحق بنفسه ~~وبوكيله، وقد أقام المحتال مقام نفسه في القبض، فلزم المحال عليه الدفع ~~إليه، كما لو وكله في الاستيفاء منه. وأما المحتال، فإن كان المحال عليه ~~مليئا، وهو الموسر غير المماطل، لم يعتبر رضاه؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع» ولأن للمحيل إيفاء الحق بنفسه ~~وبوكيله، وقد أقام المحال عليه مقامه في الإيفاء، فلم يكن للمحتال ~~الامتناع. وإن لم يكن مليئا، لم يلزمه أن يحتال؛ للحديث. ولأن عليه ضررا في ~~قبولها، فلم يلزمه. كما لو بذل له دون حقه في الصفة، فإن رضي بها مع ذلك، ~~صحت، كما لو رضي بدون حقه. ### | فصل في آثار الحوالة # فصل # إذا صحت الحوالة برئ المحيل من الدين. لأنه قد تحول من ذمته، فإن تعذر ~~الاستيفاء من المحال عليه، لموت أو فلس حادث، أو مطل، لم يرجع على المحيل، ~~كما لو أبرأه. وإن كان مفلسا حين الحوالة، ولم يرض المحتال بالحوالة، فحقه ~~باق على المحيل؛ لأنه لا يلزمه الاحتيال على مفلس. وإن رضي مع العلم بحاله، ~~لم يرجع؛ لأن الذمة برئت من الحق، فلم يعد إلى الشغل، كما لو كان مليئا. ~~وإن رضي مع الجهل بحاله، ففيه روايتان: # إحداهما: لا يرجع، لذلك. # والثانية: يرجع؛ لأن الفلس عيب في المحال عليه، فكان له الرجوع ms0553 كما لو ~~اشترى معيبا ثم علم عيبه. وإن شرط ملاءة المحال عليه، فله شرطه؛ لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «المؤمنون على شروطهم» رواه أبو داود " والمسلمون ~~" ولأنه شرط شرطا مقصودا، فإذا بان خلافه، ملك الرد. كما لو شرطه في ~~المبيع. # PageV02P125 # فصل # إذا اشترى عبدا، فأحال البائع بثمنه، أو أحال البائع عليه بثمنه، فبان ~~حرا أو مستحقا، فالحوالة باطلة؛ لأن البيع باطل، ولا دين على المشتري يحيل ~~به ولا يحال به عليه، فإن اتفق المحيل والمحال عليه على ذلك، وكذبهما ~~المحتال، لم يسمع قولهما، كما لو باعا عبدا ثم أقرا بحريته، ولا تسمع لهما ~~بينة؛ لأنهما أكذباها بدخولهما في البيع، وإن أقامها العبد سمعت، وبطلت ~~الحوالة. وإن صدقهما المحتال في حرية العبد، وادعى أن الحوالة بدين آخر، ~~فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل صحة الحوالة، فكان صدقه أظهر، فإن أقاما ~~بينة بذلك، سمعت؛ لأنهما لم يكذباها. # فصل # وإن اشترى عبدا وأحال البائع بثمنه، ثم وجده معيبا فرده قبل قبض المحتال ~~من المحال عليه، بطلت الحوالة لأنها بالثمن، وقد سقط بالفسخ، ذكره القاضي. ~~ويحتمل أن لا يبطل؛ لأن المشتري نقل حقه إلى ما في ذمة المحال عليه، فلم ~~يبطل بالفسخ، كما لو أعطاه عن الثمن ثوبا ثم فسخ العقد، لم يرجع في الثوب. ~~وإن كان الرد بعد قبض المحتال، لم تبطل؛ لأن ذمة المحال عليه برئت بالقبض ~~منه، ويرجع المشتري على البائع، وإن اشترى عبدا فأحال البائع عليه أجنبيا ~~بالثمن، فرده المشتري بعيب، لم تبطل الحوالة؛ لأن ذمة المشتري برئت ~~بالحوالة من البائع، فصار كأنه قبض منه، وتعلق به هاهنا حق غير المتعاقدين، ~~وهو المحتال بخلاف التي قبلها، ويرجع المشتري على البائع بالثمن. # فصل # وإذا أمر رجلا بقبض دين له من غريمه، ثم اختلفا، فقال أحدهما: كانت وكالة ~~بلفظها، وقال الآخر: كانت حوالة بلفظها، فالقول قول مدعي الوكالة؛ لأنه ~~يدعي بقاء الحق على ما كان، وينكر انتقاله. وإن اتفقا على أنه قال: أحلتك ~~بالألف، وقال أحدهما: كانت حوالة حقيقية، وقال الآخر: ms0554 كانت وكالة بلفظ ~~الحوالة، ففيه ووجهان: # أحدهما: القول قول مدعي الوكالة لذلك. # والثاني: القول قول مدعي الحوالة؛ لأن الظاهر معه، لموافقته الحقيقة، ~~ودعوى الآخر المجاز، وإن قال: أحلتك بدينك، فهي حوالة بكل حال. # فصل # وإذا قال المدين لغريمه: قد أحلت بدينك فلانا فأنكر، فالقول قوله مع ~~يمينه. فإن أقام المدين بينة بذلك، سمعت ليسقط عنه حق المحيل. فإن كانت ~~بحالها، فادعى # PageV02P126 # أجنبي على المدين أن رب الدين أحاله به، فأنكره فأقام الأجنبي بينة، ثبت ~~في حقه وحق الغائب؛ لأن البينة يقضى بها على الغائب، ولزم دفع الدين إليه، ~~فإن لم تكن له بينة، فاعترف المدين له بصحة دعواه، ففيه وجهان: # أحدهما: يلزمه الدفع إليه؛ لاعترافه له بوجوب حقه عليه، وانتقال دينه ~~إليه، فأشبه ما لو قامت به بينة. # والثاني: لا يلزمه الدفع إليه؛ لأنه لا يأمن إنكار المحيل ورجوعه عليه، ~~فكان له الاحتياط في تخليص نفسه، كما لو ادعى الوكالة، فإن دفعه إليه، ثم ~~أنكر المحيل الحوالة، وحلف ورجع على المحال عليه، فأخذ منه، لم يرجع المحال ~~عليه على المحتال؛ لأنه معترف له أنه استوفى حقه، وإنما المحيل ظلمه. وإن ~~أنكر المدين الحوالة، انبنى على الوجهين، إن قلنا: يلزمه الدفع مع الإقرار، ~~لزمته اليمين على الإنكار، وتكون على العلم؛ لأنها على نفي فعل الغير. وإن ~~قلنا: لا يلزمه الدفع مع الإقرار، لم تلزمه اليمين مع الإنكار، لعدم ~~فائدتها. وليس للمحتال الرجوع على المحيل، لاعترافه ببراءة ذمته، ويسأل ~~المحيل، فإن صدق المحتال، ثبتت الحوالة؛ لأن رضى المحال عليه غير معتبر، ~~وإن كذبه، حلف له، وسقطت الحوالة. وإن نكل المحال عليه عن اليمين فقضى ~~عليه، واستوفى منه، ثم أنكر المحيل الحوالة، فله أن يستوفي من المحال عليه؛ ~~لأنه معترف له بالألف، مدع أن المحتال ظلمه. # فصل # فإن كان عليه دين، فادعى رجل أنه وكيل ربه في قبضه، فصدقه، لم يلزمه دفعه ~~إليه لما ذكرنا في الحوالة. وإن أنكر، لم تلزمه اليمين؛ لأنه لا يلزمه ~~الدفع مع الإقرار، فلم تلزمه اليمين مع الإنكار. ms0555 فإن دفعه إليه، فأنكر رب ~~الدين الوكالة، حلف ورجع على الدافع، ثم رجع الدافع على الوكيل، إن لم يكن ~~اعترف بصدقه؛ لأنه لم يثبت أنه وكيل، وإن كان اعترف له، لم يرجع عليه؛ لأنه ~~اعترف بصحة دعواه، وأن الموكل ظلمه، فلم يرجع على غير ظلمه وإن كان المدفوع ~~وديعة، فوجده ربها، أخذها، وإن تلفت في يد الوكيل تلزمه مطالبة من شاء ~~منهما، فإن طالب الوكيل، لم يرجع على أحد؛ لأن التلف حصل في يده، فاستقر ~~الضمان عليه. وإن طالب المودع، وكان قد اعترف بالوكالة، لم يرجع على أحد ~~لما ذكرناه في الدين، وإن لم يكن اعترف للوكيل رجع عليه. # فصل # فإن كان عند رجل دين أو وديعة، فجاء رجل، فادعى أنه وارث صاحبهما، وقد # PageV02P127 # مات ولا وارث له سواه، فصدقه، لزمه الدفع إليه، لأنه لا يخشى تبعة، وإن ~~كذبه، فعليه اليمين أنه لا يعلم ذلك؛ لأنه لزمه الدفع مع الإقرار، فلزمته ~~اليمين مع الإنكار. # فصل # فإن كان لرجل ألف على اثنين، كل واحد منهما ضامن لصاحبه، فأحاله أحدهما ~~بها، برئا منها؛ لأن الحوالة كالتقبيض. وإن أحال صاحب الألف به على أحدهما، ~~صحت الحوالة؛ لأنها مستقرة في ذمة كل واحد منهما. وإن أحال عليهما جميعا، ~~ليستوفي من كل واحد منهما نصفها، صحت؛ لأن ذلك للمحيل، فملك الحوالة به، ~~وإن أحل عليهما ليستوفي من أيهما شاء، صحت أيضا؛ لأنه لا فضل في نوع ولا ~~عدد ولا أجل، وإنما هو زيادة استيثاق، فأشبه حوالة المعسر على المليء، ~~ولهذا لو أحالاه على واحد، صح # PageV02P128 ### | كتاب الضمان # وهو ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام دينه، فإذا قال لرجل: ~~أنا ضامن ما لك على فلان، أو أنا به زعيم أو كفيل أو قبيل أو حميل، أو هو ~~علي، صار ضامنا له، وثبت في ذمته مع بقائه في ذمة المدين، ولصاحب الدين ~~مطالبة من شاء منهما؛ لقول الله تعالى: {وأنا به زعيم} [يوسف: 72] ، وقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الزعيم غارم» حديث حسن رواه ms0556 أبو داود ~~والترمذي، وروى سلمة بن الأكوع «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي برجل ~~ليصلي عليه فقال: هل عليه دين؟ قالوا: نعم، ديناران، قال: هل ترك لهما وفاء ~~فقالوا: لا فتأخر فقيل: لم لا تصلي عليه؟ فقال: "ما تنفعه صلاتي وذمته ~~مرهونة إلا إن قام أحدكم فضمنه" فقام أبو قتادة فقال: هما علي يا رسول ~~الله، فصلى عليه النبي» . # رواه البخاري، ولا يبرأ المضمون عنه بمجرد الضمان في الحياة، رواية ~~واحدة، وفي الميت روايتان: إحداهما: يبرأ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- صلى على الميت حين ضمنه أبو قتادة. # والثانية: لا يبرأ، وهي أصح لما روى جابر، «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - سأل أبا قتادة عن الدينارين اللذين ضمنهما، فقال: قد قضيتهما، فقال: ~~الآن بردت جلدته» . # رواه أحمد - رضي الله عنه -، ولأنه وثيقة بدين، فلم يسقطه كالرهن، وكحال ~~الحياة، ومتى برئ الغريم بأداء أو إبراء، برئ الضامن؛ لأنه تبع، فزال بزوال ~~أصله كالرهن، وإن أبرأ الضامن، لم يبرأ المضمون عنه؛ لأن الوثيقة انحلت من ~~غير استيفاء، فلم يسقط الدين كالرهن. ### | فصل فيمن يصح منه الضمان # فصل: # ولا يصح إلا من جائز التصرف، فأما المحجور عليه لصغر أو جنون أو سفه # PageV02P129 # فلا يصح ضمانه؛ لأنه تبرع بالتزام مال، فلم يصح منهم، كنذر الصدقة، وخرج ~~بعض أصحابنا ضمان الصبي بإذن وليه، على الروايتين في صحة بيعه، وقال ~~القاضي: يصح ضمان السفيه، ويتبع به بعد فك حجره، وهذا بعيد؛ لأن الضمان ~~مجرد ضرر وتضييع مال، فلم يصح منهما كالعتق، ولا يصح ضمان العبد والمكاتب ~~بغير إذن سيدهما؛ لأنه التزام مال، فلم يصح منهما بغير إذن كالنكاح. # ويصح بإذنه؛ لأن المنع لحقه، فزال بإذنه، ويؤديه المكاتب مما في يده، وهل ~~يتعلق برقبة العبد أو بذمة سيده؟ على وجهين. ### | فصل فيما يصح ضمانه # فصل: # ويصح ضمان دين الميت المفلس وغيره، لحديث أبي قتادة، ولا يعتبر رضى ~~المضمون له ولا المضمون عنه، للخبر، ولا معرفة الضامن لهما؛ لأنه لا يعتبر ~~رضاهما، فأشبها الأجانب، ولأن ms0557 النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسأل أبا ~~قتادة عن معرفتهما، ويحتمل أن تعتبر معرفتهما، ليؤدي إلى أحدهما، ويرجع على ~~الآخر بما غرم عنه، ويحتمل أن تعتبر معرفة المضمون له؛ ليؤدي إليه، ولا ~~تعتبر معرفة المضمون عنه، لعدم المعاملة بينه وبينه، ولا يصح إلا برضى ~~الضامن؛ لأنه التزام مال، فلم يصح من غير رضى الملتزم كالنذر. # فصل: # ويصح ضمان الدين اللازم، لخبر أبي قتادة، وضمان الجعل في الجعالة، لقول ~~الله تعالى: {ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} [يوسف: 72] وضمان كل حق ~~مالي لازم، أو مآله إلى اللزوم، كالثمن في مدة الخيار وبعدها، والأجرة ~~والصداق قبل الدخول وبعده، وأرش الجناية نقدا أو حيوانا؛ لأنها حقوق مالية ~~لازمة، أو مآلها إلى اللزوم، فصح ضمانها كالدين والجعل، ويصح ضمان الأعيان ~~المضمونة، كالغصوب والعواري؛ لأنها مضمونة على من هي في يده، فأشبهت الدين، ~~ويصح ضمان عهدة المبيع عن كل واحد منهما لصاحبه، وهو أن يضمن الثمن الواجب ~~بالبيع قبل تسليمه، وإن ظهر فيه عيب أو استحق أو وجد ذلك في البيع، غرمه ~~الضامن؛ لأن ذلك لازم، فإنه إنما يتعلق بالضامن حكم لعيب أو غصب ونحوهما، ~~وهذا كان موجودا حال الضمان، فصح ضمانه كالدين، وإن استحق الرجوع لأمر ~~حادث، كتلف المبيع قبل قبضه، أو أخذه بشفعة، فلا شيء على الضامن، وإن ضمن ~~البائع أو غيره للمشتري قيمة ما يحدثه من بناء أو غراس، أو ما يلزمه من ~~أجرة إن خرج المبيع مستحقا، صح، ويرجع على الضامن بما لزمه من # PageV02P130 # ذلك؛ لأنه يستند إلى أمر وجودي، ويصح أن يضمن الضامن ضامن ثالث؛ لأن دينه ~~ثابت، فصح كالأول، ويصير الثاني فرعا للضامن، حكمه معه حكم الضامن مع ~~الأصيل. # فصل: # ولا يصح ضمان الأمانات كالوديعة ونحوها؛ لأنها غير مضمونة على من هي في ~~يده، فكذلك على ضامنه، وإن ضمن لصاحبها ما يلزم بالتعدي، فيها صح، نص عليه ~~أحمد - رضي الله عنه -، ولأنها تصير مضمونة على المضمون عنه، ولا يصح ضمان ~~مال الكتابة، وعنه: يصح؛ لأنه يجوز ms0558 أن يضمن عنه دين آخر، والمذهب الأول؛ ~~لأن مال الكتابة غير لازم، ولا يفضي إلى اللزوم، ولأنه يملك تعجيز نفسه، ~~ولأن الضمان لتوثيق الحق، وما لا يلزم لا يمكن توثيقه، وفي ضمان مال السلم ~~روايتان: إحداهما: يصح؛ لأنه دين لازم فأشبه القرض. # والثانية: لا يصح؛ لأنه يفضي إلى استيفائه من غير المسلم إليه، فأشبه ~~الحوالة. # فصل: # ويصح ضمان المعلوم والمجهول قبل وجوبه وبعده؛ لقوله تعالى: {ولمن جاء به ~~حمل بعير وأنا به زعيم} [يوسف: 72] ، وحمل البعير يختلف، فهو غير معلوم، ~~وقد ضمنه قبل وجوبه، ولأنه التزام حق من غير معاوضة، فأشبه النذر، وإن قال: ~~ألق متاعك في البحر، وعلي ضمانه صح؛ لأنه استدعاء إتلاف بعوض لغرض صحيح، ~~فصح كقوله: اعتق عبدك وعلي ثمنه. # فصل: # ويصح ضمان الحال مؤجلا؛ لأن الغريم يلزمه أداؤه في جميع الأزمنة، فجاز ~~للضامن التزام ذلك في بعضه، كبعض الدين، وإن ضمن المؤجل حالا لم يلزمه؛ ~~لأنه لا يلزم الأصيل، فلا يلزم الضامن، ويقع الضمان مؤجلا على صفته في ذمة ~~الضامن، وإن ضمن الدين المؤجل، وقلنا: إن الدين يحل بالموت فمات أحداهما، ~~حل عليه الدين، وبقي في ذمة الآخر إلى أجله، ولا يملك ورثة الضامن الرجوع ~~على المضمون عنه قبل الأجل؛ لأنه لم يحل. # فصل: # وإذا قضى الضامن الدين بإذن المضمون عنه، رجع عليه؛ لأنه قضى دينه بإذنه # PageV02P131 # فهو كوكيله، وإن ضمن بإذنه، رجع عليه؛ لأنه تضمن الإذن في الأداء، فأشبه ~~ما لو أذن فيه صريحا، وإن ضمن بغير إذنه وقضى بغير إذنه معتقدا للرجوع، ~~ففيه روايتان: إحداهما: يرجع أيضا؛ لأنه قضاء مبرئ من دين واجب لم يتبرع ~~به، فكان على من هو عليه، كما لو قضاه الحاكم عند امتناعه. # والثانية: لا يرجع؛ لأنه تبرع فلم يرجع به، كما لو بنى داره أو علف دابته ~~بغير إذنه، فإن اختلفا في الإذن، فالقول قول من ينكره؛ لأن الأصل عدمه. # فصل: # ويرجع الضامن بأقل الأمرين مما قضى، أو قدر الدين؛ لأنه إن قضاه بأقل ~~منه، فإنما يرجع بما غرم، ms0559 وإن أدى أكثر منه، فالزائد لا يجب أداؤه، فقد ~~تبرع به، وإن دفع عن الدين عرضا، رجع بأقل الأمرين عن قيمته، أو قدر الدين، ~~وإن قضى المؤجل قبل أجله، لم يرجع قبل الأجل؛ لأنه تبرع بالتعجيل، وإن أحال ~~به الغريم، رجع بأقل الأمرين مما أحال به أو دينه، سواء قبض الغريم من ~~المحال عليه أم لم يقبض؛ لأن الحوالة كالتقبيض، وإن ضمن الضامن ضامن آخر، ~~فقضى الدين، رجع على الضامن، ثم رجع الضامن على المضمون عنه، وإن قضاه ~~الضامن، رجع على الأصيل وحده، فإن كان الأول، ضمن بلا إذن، والثاني ضمن ~~بإذن، رجع الثاني على الأول، ولم يرجع الأول على أحد في إحدى الروايتين. # فصل: # وإن ضمن بإذنه، فطولب بالدين، فله مطالبة المضمون عنه بتخليصه؛ لأنه لزمه ~~الأداء بأمره، ولا يملك المطالبة قبل ذلك؛ لأنه لا يملك الرجوع قبل ~~الغرامة، فلا يملك المطالبة قبل أن يطالب، وإن ضمن بغير إذنه، لم يملك ~~المطالبة به؛ لأنه لا دين له، ولا هو وكيل صاحب الدين، ولا لزمه الأداء ~~بإذن الغريم، فأشبه الأجانب. # فصل: # وإذا دفع المضمون عنه قدر الدين إلى الضامن عوضا عما يقضيه في الثاني، لم ~~يصح؛ لأنه جعله عوضا عما يجب عليه في الثاني فلم يصح، كما لو دفع إليه شيئا ~~عن بيع لم يعقده، ويكون ما قبضه مضمونا عليه؛ لأنه قبضه على وجه البدل، ~~فأشبه المقبوض ببيع فاسد، وفيه وجه أنه يصح؛ لأن الرجوع بسببين، ضمان وغرم، ~~فإذا وجد أحدهما، جاز تعجيل المال، كتعجيل الزكاة. # فإن قضى الدين، استقر ملكه على ما قبض، وإن برئ قبل القضاء، وجب رد ما ~~أخذ، كما يجب رد الثمن إذا لم يتم البيع. # PageV02P132 ### | فصل في اختلاف الضامن والمضمون عنه # فصل: # وإذا ادعى الضامن القضاء، فأنكره المضمون له، فالقول قوله مع يمينه؛ لأن ~~الأصل معه، وله مطالبة من شاء منهما. # فإن استوفى من الضامن، لم يرجع على المضمون عنه إلا بأحد القضاءين؛ لأنه ~~يدعي أن المضمون عنه ظلمه بالأخذ الثاني، فلا يرجع به على ms0560 غيره، وفيما يرجع ~~به وجهان: أحدهما: بالقضاء الأول؛ لأنه قضاء صحيح، والثاني ظلم. # والوجه الثاني: يرجع بالقضاء الثاني؛ لأنه الذي أبرأ الذمة ظاهرا، فأما ~~إن استوفى من المضمون عنه، فهل للضامن الرجوع عليه؟ ينظر، فإن كذبه المضمون ~~عنه في القضاء، لم يرجع؛ لأنه لم يثبت صدقه، وإن صدقه وكان قد فرط في ~~القضاء، لم يرجع بشيء؛ لأنه أذن له في قضاء مبرئ لم يوجد، وإن لم يفرط رجع، ~~وسنذكر التفريط في الوكالة إن شاء الله. # فإن اعترف المضمون له بالقضاء، فأنكر المضمون عنه لم يلتفت إلى إنكاره؛ ~~لأن الدين حق للمضمون له، فإذا أقر أنه صار للضامن، ولأنه يثبت القضاء ~~بالإقرار، فملك الرجوع به، كما لو ثبت ببينة، وفيه وجه آخر: أن القول قول ~~المضمون عنه لأنه منكر. ### | باب الكفالة # تصح الكفالة ببدن كل من يلزمه الحضور في مجلس الحاكم بحق يصح ضمانه؛ لأنه ~~حق لازم، فصحت الكفالة به كالدين، ولا تصح بمن عليه حد أو قصاص؛ لأنها تراد ~~للاستيثاق بالحق، وهذا مما يدرأ بالشبهات، ولا تصح بالمكاتب؛ لأنه لا يلزمه ~~الحضور، فلا يلزم غيره إحضاره كالأجانب وتصح الكفالة بالأعيان المضمونة، ~~كالغصوب والعواري؛ لأنه يصح ضمانها، ولا تصح في الأمانات إلا بشرط التعدي ~~فيها كضمانها سواء. # فصل: # وإذا صحت الكفالة، فتعذر إحضار المكفول به، لزمه ما عليه؛ لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «الزعيم غارم» ولأنها أحد نوعي الكفالة، فوجب الغرم ~~بها كالضمان. # فإن غاب المكفول به، أمهل كفيله قدر ما يمضي إليه فيعيده؛ لأن ما لزم ~~تسليمه لم يلزم إلا بمكان التسليم، فإن مضى زمن الإمكان، ولم يفعل، لزمه ما ~~عليه، أو بذل العين التي كفل بها، فإن مات، أو تلفت العين بفعل الله تعالى، ~~سقطت الكفالة؛ لأن الحضور سقط عن المكفول به، فبرئ كفيله، كما يبرأ الضامن ~~ببراءة المضمون عنه، ويحتمل أن لا # PageV02P133 # يسقط، ويطالب بما عليه، وإن سلم المكفول نفسه، أو برئ من الحق بأداء، أو ~~إبراء، برئ كفيله؛ لأن الحق سقط عن الأصيل، فبرئ الكفيل كالضمان، ms0561 وإن أبرأ ~~الكفيل، صح كما يصح إبراء الضامن، ولا يبرأ المكفول به كالضمان، وإن قال ~~رجل: أبرئ الكفيل، وأنا كفيل بمن تكفل به، ففيه وجهان: أحدهما: يصح؛ لأنه ~~نقل الضمان إلى نفسه، فصح، كما لو أحال الضامن المضمون له على آخر. # والثاني: لا يصح؛ لأنه شرط في الكفالة أن يبرئ الكفيل، وهو شرط فاسد، ~~فمنع صحة العقد. # فصل: # وإذا قال: أنا كفيل بفلان، أو بنفسه، أو بدنه، أو وجهه، صحت الكفالة، وإن ~~كفل ببعض جسده، فقال القاضي: لا يصح؛ لأن ما لا يسري إذا خص به بعض الجسد، ~~لم يصح كالبيع، وقال غيره: إن كفل بعضو لا تبقى الحياة بدونه، كالرأس ~~والقلب والظهر، صحت؛ لأنه لا يمكن تسليمه بدون تسليم البدن، فأشبه الوجه، ~~وإن كفل بغيرها، كاليد والرجل، ففيه وجهان: أحدهما: لا يصح؛ لأن تسليمه ~~بدون البدن ممكن. # والثاني: يصح لأنه لا يمكن تسليمه على صفته، دون البدن، فأشبه الوجه. ### | تعليق الكفالة على شرط أو إضافتها لوقت # فصل: # إذا علق الكفالة والضمان على شرط، أو وقتهما، فقال: أنا كفيل بفلان شهرا، ~~أو إن قدم الحاج، أو زيد، فأنا كفيل بفلان، أو ضامن ما عليه، فقال القاضي: ~~لا يصح؛ لأنه إثبات حق لآدمي، فلم يجز ذلك فيه، كالبيع. # وقال أبو الخطاب والشريف أبو جعفر: يصح؛ لأنه ضمان أو كفالة، فصح تعليقه ~~على شرط، كضمان العهدة، فعلى هذا لو قال: كفلت بفلان، على أني إن جئت به، ~~وإلا فأنا كفيل بفلان، أو ضامن ما عليه، صح فيهما عندهما، ولم يصح عند ~~القاضي؛ لأن الأول مؤقت، والثاني معلق على شرط. ### | فصل في الكفالة بالبدن # فصل: # وتصح الكفالة ببدن الكفيل، كما يصح ضمان دين الضامن، وتجوز حالة ومؤجلة ~~كالضمان، ولا تجوز إلى أجل مجهول؛ لأنه حق لآدمي، فلم يجز إلى أجل مجهول ~~كالبيع، وتجوز الكفالة مطلقة ومقيدة بالتسليم في مكان بعينه، فإن أطلق، ففي ~~أي # PageV02P134 # موضع أحضره سلمه إليه على وجه لا ضرر فيه برئ. # إن كان عليه ضرر لم يبرأ بتسليمه، وكذلك إذا ms0562 سلمه قبل المحل، قياسا على ~~من سلم المسلم فيه قبل محله، أو غير مكانه، وإن كفل واحد لاثنين، فسلمه إلى ~~أحدهما، أو أبرأه أحدهما لم يبرأ من الآخر؛ لأنه حق لاثنين فلم يبرأ بأداء ~~حق أحدهما، كالضمان، وإن كفل اثنان لرجل فأبرأ أحدهما، لم يبرأ الآخر كما ~~في الضمان، وإن سلمه أحدهما لم يبرأ الآخر؛ لأنه برئ من غير استيفاء الحق، ~~فلم يبرأ صاحبه، كما لو برئ بالإبراء، ويحتمل أن يبرأ، كما لو أدى أحد ~~الضامنين الدين، وإن قال الكفيل أو الضامن: برئت مما كفلت به، لم يكن ~~إقرارا بقبض الحق؛ لأنه قد يبرأ بغير ذلك. # فصل: # إذا طولب الكفيل بإحضار المكفول به، لزمه أن يحضر معه؛ لأنه وكيل في ~~إحضاره، فإن أراد إحضاره من غير طلب، والكفالة بإذنه، لزمه الحضور معه؛ ~~لأنه شغل ذمته من أجله بإذنه، فكان عليه تخليصه، كما لو استعار عبده فرهنه، ~~وإن كفل بغير إذنه، لم يلزمه الحضور معه؛ لأنه لم يشغل ذمته، ولا له قبله ~~حق. # فصل: # إذا كفل إنسانا أو ضمنه، ثم قال: لم يكن عليه حق، فالقول قول خصمه؛ لأن ~~ذلك لا يكون إلا بمن عليه حق، فإقراره به إقرار بالحق، وهل يلزم الخصم ~~اليمين؟ فيه وجهان، مضى توجيههما فيمن أقر بتقبيض الرهن، ثم أنكره، وطلب ~~يمين المرتهن، والله أعلم. # PageV02P135 ### | كتاب الوكالة # يصح التوكيل في الشراء؛ لقول الله تعالى: {فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى ~~المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه} [الكهف: 19] ولما روى ~~عروة بن الجعد قال: «أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دينارا أشتري ~~له به شاة» رواه البخاري أو أضحية، ولأن الحاجة داعية إليها، فإنه لا يمكن ~~كل أحد شراء ما يحتاج إليه، فدعت الضرورة إليها، وتجوز في سائر عقود ~~المعاملات، قياسا على الشراء، وفي تملك المباحات، كإحياء الموات والاصطياد؛ ~~لأنه تملك مال بسبب لا يتعين عليه، فجاز التوكيل فيه كالشراء، وتجوز في عقد ~~النكاح؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكل عمر بن أمية الضمري، فتزوج ms0563 ~~له أم حبيبة،» وتجوز في الطلاق والعتاق والخلع والرجعة؛ لأنها في معنى ~~النكاح، ويجوز في إثبات الأموال والحكومة فيها، حاضرا كان الموكل أو غائبا؛ ~~لما روي أن عليا وكل عقيلا عند أبي بكر - رضي الله عنهم - وقال: وما قضي ~~عليه فعلي، وما قضي له فلي، ووكل عبد الله بن جعفر عند عثمان وقال: إن ~~للخصومة قحما، يعني: مهالك وهذه قضايا في مظنة الشهرة، ولم تنكر فكانت ~~إجماعا، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك، بأن يكون له حق، أو # PageV02P136 # عليه، ولا يحسن الخصومة، أو لا يحب حضورها، ويجوز التوكيل في الإقرار؛ ~~لأنه إثبات حق، فأشبه البيع، ويجوز في إثبات القصاص، وحد القذف، ~~واستيفائهما في حضرة الموكل وغيبته؛ لأنه حق آدمي أشبه المال. وقال بعض ~~أصحابنا: لا يجوز استيفاؤهما في غيبته، وقد أومأ إليه أحمد - رضي الله عنه ~~-: بأنه يجوز أن يعفو الموكل، فيكون ذلك شبهة، ويجوز التوكيل في حقوق الله ~~تعالى المالية؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث عماله لقبض الصدقات ~~وتفريقها، وفي إثبات الحدود واستيفائها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» متفق عليه، ولا ~~تجوز في العبادات البدنية؛ لأن المقصود، فعلها ببدنه، فلا تحصل من فعل غيره ~~إلا في الحج، لما سبق في بابه. # فصل: # ولا تجوز في الأيمان والنذور، ولأنها تتعلق بعين الحالف، فلا تدخلها ~~النيابة، ولا في الإيلاء واللعان والقسامة؛ لأنها أيمان، ولا في الشهادة؛ ~~لأن غيره لا يقوم مقامه في مشاهدته، ولا في الاغتنام؛ لأنه يتعلق بالحضور، ~~فإذا حضر النائب كان السهم له، ولا في الالتقاط؛ لأنه بأخذه يصير لملتقطه. # فصل: # ولا يصح التوكيل في شيء مما لا يصح تصرفه فيه؛ لأن من لا يملك التصرف ~~بنفسه، فبنائبه أولى. # فلا يصح توكيل طفل ولا مجنون ولا سفيه لذلك، ولا توكيل المرأة في النكاح، ~~ولا الفاسق في تزويج ابنته، ولا المسلم لذمي في شراء خمر لذلك. # فأما من يتصرف بالإذن، كالعبد والصبي والوكيل، فإن أذن لهم في التوكيل ms0564 ~~جاز، وإن نهوا عنه، لم يجز، وإن أطلق لهم الإذن، فلهم التوكيل فيما لا ~~يتولون مثله بأنفسهم، أو يعجزون عنه لكثرته؛ لأن تفويضه إليهم مع العلم ~~بهذا، إذن في التوكيل، وفيما سوى ذلك روايتان: إحداهما: لا يجوز لهم ~~التوكيل؛ لأنهم يتصرفون بالإذن، فاختص بما أذن فيه، ولم يؤذن في التوكيل. # والثانية: يجوز؛ لأنهم يملكون التصرف بأنفسهم، فملكوه بنائبهم كالمالك ~~الرشيد. # فإن قال لوكيله: اصنع ما شئت، ملك التوكيل؛ لأنه مما يشاء، وولي اليتيم ~~كالوكيل فيما ذكرناه، ويملك الولي في النكاح التوكيل فيه من غير إذن ~~المرأة؛ لأن ولايته من غير جهتها، فلم يعتبر إذنها في توكيله كالأب، وخرج ~~القاضي ولايته الإجبار على الروايتين في الوكيل، والفرق بينهما ظاهر. # PageV02P137 # فصل: # ومن ملك التصرف لنفسه، جاز له أن يتوكل فيه، ومن لا فلا فيجوز توكيل ~~الفاسق في قبول النكاح، ولا يجوز في الإيجاب؛ لأنه يجوز أن يقبل النكاح ~~لنفسه، وقال القاضي: لا يجوز فيهما؛ لأن من لا يجوز أن يكون وكيلا في ~~إيجابه لا يكون لا يكون وكيلا في قبوله كالمرأة، ويجوز توكيل المرأة في ~~الطلاق؛ لأنه يجوز توكيلها في طلاق نفسها، فجاز في غيرها ولا يجوز للعبد ~~والمكاتب التوكيل إلا بإذن سيدهما، ولا الصبي إلا بإذن وليه، وإن كان ~~مأذونا له في التجارة؛ لأن التوكيل ليس من التجارة، فلا يحصل الإذن فيه إلا ~~بالإذن فيهما. # فصل: # وتصح الوكالة بكل لفظ دل على الإذن، وبكل قول أو فعل دل على القبول، مثل ~~أن يأذن له في بيع شيء فيبيعه، ويجوز القبول على الفور والتراخي، نحو أن ~~يبلغه أن فلانا وكله منذ عام، فيقول: قبلت؛ لأنه إذن في التصرف، فجاز ذلك ~~فيه، كالإذن في الطعام، ويجوز تعليقها على شرط، نحو أن يقول: إذا قدم ~~الحاج، فأنت وكيلي في كذا، أو فبع ثوبي. # فصل: # ولا تصح إلا في تصرف معلوم، فإن وكله في كل قليل وكثير، لم يصح؛ لأنه ~~يدخل فيه كل شيء، فيعظم الغرر، وإن كان وكله في بيع ماله كله، أو ما ms0565 شاء ~~منه، أو قبض ديونه كلها، أو الإبراء منها أو ما شاء منها صح؛ لأنه يعرف ~~ماله ودينه، فيعرف أقصى ما يبيع ويقبض، فيقل الغرر، وإن قال: اشتر لي ما ~~شئت، أو عبدا بما شئت، فقال أبو الخطاب: لا يصح حتى يذكر النوع وقدر الثمن؛ ~~لأن ما يمكن شراؤه يكثر فيكثر الغرر: وإن قدر له أكثر الثمن وأقله، صح؛ ~~لأنه يقل الغرر، وقال القاضي: إذا ذكر النوع، لم يحتج إلى تقدير الثمن؛ ~~لأنه إذن في أعلاه، وقد روي عن أحمد فيمن قال: ما اشتريت من شيء فهو بيننا، ~~إن هذا جائز، وأعجبه، وهذا توكيل في شراء كل شيء، ولأنه إذن في التصرف، ~~فجاز من غير تعيين، كالإذن في التجارة. # فصل: # ولا يملك من التصرف إلا ما يقتضيه إذن الموكل نطقا أو عرفا؛ لأن تصرفه ~~بالإذن، فاختص ما تناوله الإذن، فإن وكله في الخصومة، لم يملك الإقرار ولا ~~الإبراء ولا الصلح؛ لأن إذنه لا يقتضي شيئا من ذلك، وإن وكله في تثبيت حق، ~~لم يملك قبضه؛ لأنه لم يتناوله النطق ولا العرف، فإنه قد يرضى للتثبت من لا ~~يأمنه على القبض. # PageV02P138 # وإن وكل في القبض، فهل يملك تثبيته؟ فيه وجهان: أحدهما: يملكه؛ لأنه طريق ~~القبض، فكان التوكيل في القبض توكيلا فيه. # والثاني: لا يملكه، لما ذكرنا في التي قبلها، وإن وكله في البيع، لم يملك ~~الإبراء من ثمنه، ويملك تسليم المبيع؛ لأن العرف يتناوله، ولأنه من تمام ~~العقد وحقوقه، ولا يتهم فيه، ولا يملك قبض الثمن؛ لأن اللفظ لا يتناوله، ~~وقد يرضى للبيع من لا يرضاه للقبض، إلا أن تقتضيه الحال، بأن يكون بحيث لو ~~ترك ضاع. # فصل: # فإن وكله في البيع في وقت، لم يملكه قبله، ولا بعده؛ لأنه قد يختص غرضه ~~به في زمن لحاجته فيه، وإن وكله في بيعه لرجل، ولم يملك بيعه لغيره؛ لأنه ~~قد يقصد نفعه، أو نفع المبيع بإيصاله إليه، وإن وكله في بيعه في مكان، ~~الثمن فيه أكثر وأجود، لم يملكه في غيره؛ لأنه ms0566 قد يفوت غرضه، وإن تساوت ~~الأمكنة، أو قدر له ثمن، ملك ذلك؛ لأن الغرض فيهما واحد، فالإذن في أحدهما ~~إذن في الآخر، وإن وكله في بيع فاسد، لم يملكه؛ لأنه منهي عنه، ولا يملك ~~الصحيح؛ لأنه لم يأذن له فيه، وإن قدر له الثمن في البيع لم يملك البيع ~~بأقل منه؛ لأنه لا يأذن له فيه نطقا ولا عرفا، ويملك البيع بأكثر منه، ~~وسواء كانت الزيادة من جنس الثمن أو غيره؛ لأنه مأذون فيه عرفا؛ لأنها ~~تنفعه ولا تضره، وإن باع بعضه بدون ثمن جميعه، لم يجز، وإن باعه بجميعه، ~~صح، لما ذكرناه، وله بيع باقيه؛ لأنه إذن فيه، ويحتمل أن لا يملكه؛ لأنه ~~حصل غرضه ببيع بعضه، فلا يبقى الإذن في باقيه، وإن وكله في شراء شيء، لم ~~يملك شراء بعضه؛ لأن اللفظ لا يقتضيه، وإن قال له: بعه بمائة درهم، فباعه ~~بعرض يساوي أكثر منها، لم يجز؛ لأنه لم يأذن فيه نطقا ولا عرفا، وإن باعه ~~بمائة دينار، أو بتسعين درهما وعشرة دنانير، ففيه وجهان: أحدهما: لا ينفذ؛ ~~لأنه خالفه في الجنس، كالتي قبلها. # والثاني: ينفذ؛ لأنه مأذون فيه عرفا؛ لأنه يرضى الدينار مكان الدرهم ~~عرفا، وإن وكله في بيع عبيد أو شرائهم، ملك ذلك صفقة واحدة وصفقات؛ لأن ~~العرف جار بكلا الأمرين، وإن أمره بصفقة واحدة، لم يملك التفريق. # فإن اشتراهم صفقة واحدة من رجلين جاز؛ لأن الصفقة من جهته واحدة. # فصل: # وإن وكله في البيع وأطلق، لم يملك البيع بأقل من ثمن المثل؛ لأن إذنه ~~تقيد # PageV02P139 # بذلك عرفا، لكون غير ذلك تضييعا لماله، وهو لا يرضاه، ولو حضر من يطلبه ~~بأكثر من ثمن المثل، لم يجز بيعه بثمن المثل؛ لأنه تضييع لمال أمكن تحصليه، ~~وإن باع بثمن المثل، فحضر من يزيد في مدة الخيار، لم يلزمه الفسخ؛ لأنها ~~زيادة منهي عنها، ولا يأمن رجوع صاحبها عنها، فإن باع بأقل من ثمن المثل أو ~~بأقل مما قدر له، فعنه: البيع باطل؛ لأنه غير مأذون فيه، وعنه: يصح، ms0567 ويضمن ~~الوكيل النقص؛ لأنه فوته، ويصح البيع؛ لأن الضرر يزول بالتضمين، ولا عبرة ~~بما يتغابن الناس به، كدرهم في عشرة؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، وهل يلزم ~~الوكيل جميع النقص أم بين ما يتغابن الناس به، وما لا يتغابنون به؟ على ~~وجهين، وكل موضع قلنا: لا يملك البيع والشراء، فحكمه فيه حكم الأجنبي، وقد ~~ذكرناه؛ لأن هذا غير مأذون فيه. # فصل: # وإن وكله في الشراء فأطلق، لم يجز أن يشتري بأكثر من ثمن المثل، لما ~~ذكرنا، وإن اشترى بأقل من ثمن المثل، أو أقل مما قدر له، صح؛ لأنه مأذون ~~فيه عرفا. # فإن قال: لا تشتره بأقل من مائة، لم يملك مخالفته؛ لأن نصه مقدم على ~~دلالة العرف، وإن قال: اشتره بمائة، ولا تشتره بخمسين، فله شراؤه بما فوق ~~الخمسين؛ لأنه باق على دلالة العرف، وإن قال: اشتر لي عبدا وصفه بمائة، ~~فاشتراه بدونها جاز، وإن خالف الصفة، لم يلزم الموكل، وإن لم يصفه، فاشترى ~~عبدا يساوي مائة بأقل منها، جاز، وإن لم يساو المائة، لم يلزم الموكل، وإن ~~ساوى ما اشتراه به؛ لأنه خالف غرضه، وإن قال: اشتر لي شاة بدينار، فاشترى ~~شاتين تساوي إحداهما دينارا، صح؛ لحديث عروة، ولأنه ممتثل للأمر بإحداهما، ~~والثانية زيادة نفع، وإن لم تساو دينارا، لم يصح. # فإن باع الوكيل شاة، وبقيت التي تساوي دينارا، فظاهر كلام أحمد صحته، ~~لحديث عروة، ولأنه وفى بغرضه فأشبه إذا زاد على ثمن المثل. # فصل: # وإن وكله في الشراء نسيئة، فاشترى نقدا، لم يلزم الموكل؛ لأنه لم يؤذن له ~~فيه، وإن وكله في الشراء بنقد، فاشترى بنسيئة أكثر من ثمن النقد، لم يجز ~~لذلك، وإن كان بمثل ثمن النقد، وكان فيه ضرر، مثل أن يستضر بحفظ ثمنه، ~~فكذلك، وإن لم يستضر به، لزمه؛ لأنه زاده خيرا، وإن أذن له في البيع بنقد ~~لم يملك بيعه نسيئة، وإن أذن له في البيع نسيئة، فباع بنقد، فهي كمسألة ~~الشراء سواء، وإن عين له نقدا، لم يبع إلا به، وإن أطلق، ms0568 لم يبع إلا بنقد ~~البلد؛ لأن الإطلاق ينصرف إليه. # فإن كان فيه نقدان، باع بأغلبهما، وإن قدر له أجلا، لم تجز الزيادة عليه؛ ~~لأنه لم يرض بها، وإن أطلق الأجل، جاز، وحمل على العرف في مثله؛ لأن مطلق ~~الوكالة يحمل على المتعارف، ولا يملك # PageV02P140 # الوكيل في البيع والشراء شرط الخيار للعاقد معه؛ لأنه لا حظ للموكل فيه، ~~وله شرط الخيار لنفسه ولموكله، ولأنه احتياط له. # فصل: # إذا قال: اشتر لي بعين هذا الثمن، فاشترى له في ذمته، لم يقع للموكل؛ ~~لأنه لم يرض بالتزام شيء في ذمته، فلم يجز إلزامه، وإن قال: اشتر لي في ~~ذمتك، ثم انقد هذا فيه، فاشتراه بعينه، صح للموكل؛ لأنه أمره بعقد يلزمه به ~~دينار مع بقاء الدينار وتلفه، فعقد له عقدا لا يلزمه مع تلفه، فزاده خيرا، ~~ويحتمل أن لا يصح؛ لأنه أراد عقدا لا يبطل باستحقاقه، ولا تلفه ففوت ذلك، ~~وإن أطلق، فله الأمران؛ لأن العرف جار بهما. # فصل: # وإن وكله في شراء موصوف، لم يجز أن يشتري معيبا؛ لأن إطلاق البيع يقضي ~~السلامة، ولذلك يرد بالعيب، فإن اشترى معيبا يعلم عيبه، لم يقع للموكل؛ ~~لأنه مخالف له، وإن لم يعلم بالعيب، فالبيع صحيح، كما لو اشترى لنفسه، فإن ~~علم الموكل فرضي به، فليس للوكيل رده؛ لأن الرد لحقه، فسقط برضاه، وللوكيل ~~الرد قبل علمه؛ لأنها ظلامة حصلت بعقده، فملك دفعها، كالمشتري لنفسه، ولا ~~يلزمه التأخير؛ لأنه حق تعجل له، وله أن يرضى به، ويسقط خياره، فإذا حضر ~~الموكل، فرضي به، استقر العقد، وإن اختار الرد، فله ذلك؛ لأن الشراء له، ~~ولم يرض بالعيب، فإن أنكر البائع كون الشراء للموكل، فالقول قوله، ويرد ~~المبيع على الوكيل في أحد الوجهين؛ لأنه اتباع المعيب، ومنعه الرد لرضاه ~~بعينه، والثاني: ليس له الرد عليه؛ لأنه غير البائع، وللمشتري أرش العيب؛ ~~لأنه فات الرد به من غير رضاه. # فإن تعذر ذلك من البائع، لزم الوكيل؛ لأنه ألزمه المبيع، وإن قال البائع: ~~موكلك قد علم بالعيب فرضي به، ms0569 فالقول قول الوكيل مع يمينه؛ أنه لا يعلم ~~ذلك؛ لأن الأصل عدمه، فإن قال: أخر الرد حتى يعلم موكلك، لم يلزمه التأخير. # فإن أخر، وقلنا: الرد على الفور لم يسقط خياره، ذكره القاضي؛ لأنه لم يرض ~~به، ويحتمل أن يسقط لتركه الرد مع إمكانه، فإن رده، فقال الموكل: قد كنت ~~رضيته معيبا: فصدقه البائع، انبنى على عزل الوكيل قبل علمه؛ لأن هذا كذلك، ~~وإن أنكره البائع، فالقول قوله، أنه لا يعلم ذلك، وإن وكله في شراء شيء ~~عينه، فاشتراه فوجده معيبا ففيه وجهان: أحدهما: يملك الرد؛ لأنه معيب لم ~~يرض به العاقد. # والثاني: لا يملكه بغير رضى الموكل؛ لأنه قطع نظره واجتهاده بالتعيين. # فإن قلنا: يملكه فحكمه حكم غير المعين. # PageV02P141 # فصل: # إذا وكله في قبض حقه من زيد، فمات زيد، لم يملك القبض من وارثه؛ لأنه لم ~~يتناوله إذنه نطقا؛ لأنهم غيره، ولا عرفا؛ لأنه قد يرضى بقاء حقه عندهم ~~دونه، وإن قال: اقبض حقي الذي قبل زيد، فله القبض من وارثه؛ لأن لفظه ~~يتناول قبض الحق من غير تعرض للمقبوض منه، وإن وكل وكيلين في تصرف، لم يكن ~~لأحدهما الانفراد به؛ لأنه لم يرض بأحدهما، وإن وكله في قضاء دين تقيد ~~بالإشهاد؛ لأنه لا يحصل الاحتياط إلا به، فإن قضاه بغير بينة، فأنكر ~~الغريم، ضمن لتفريطه، وإن شهد ببينة عادلة، فماتت أو غابت، لم يضمن؛ لأنه ~~لا تفريط منه، وإن قضاه بحضرة الموكل من غير إشهاد، ففيه وجهان: أحدهما: ~~يضمن؛ لأنه ترك التحفظ. # والثاني: لا يضمن؛ لأنه إذا كان المؤدى عنه حاضرا، فهو التارك للتحفظ، ~~وإن قضاه ببينة مختلف فيها، ففيه وجهان: أحدهما: يضمن؛ لأنه ترك التحفظ. # والثاني: لا يضمن؛ لأنها بينة شرعية، أشبهت المجمع عليها. # فصل: # إذا اشترى لموكله، ثبت الملك للموكل؛ لأنه قبل العقد لغيره، فوجب أن ينقل ~~الملك إلى ذلك الغير، كما لو تزوج لغيره، ويثبت الثمن في ذمته أصلا، وفي ~~ذمة الوكيل تبعا، وللبائع مطالبة من شاء منهما، كالضمان في أحد الوجهين، ~~وفي الآخر لا ms0570 يثبت إلا في ذمة الموكل، وليس له مطالبة غيره. # فإن دفع الثمن فوجد به البائع عيبا، فرده على الوكيل، فتلف في يده، فلا ~~شيء عليه؛ لأنه أمين، وللبائع المطالبة بالثمن؛ لأنه دين له، فأشبه سائر ~~ديونه، وللوكيل المطالبة به؛ لأنه نائب للمالك فيه. # فصل: # والوكالة عقد جائز من الطرفين، لكل واحد منهما فسخها؛ لأنه إذن في ~~التصرف، فملك كل واحد منهما إبطاله، كالإذن في أكل طعامه، وإن أذن لوكيله ~~في توكيل آخر، فهما وكيلان للموكل، لا ينعزل أحدهم بعزل الآخر، ولا يملك ~~الأول عزل الثاني؛ لأنه ليس بوكيله، وإن أذنه في توكيله عن نفسه، فالثاني ~~وكيل الوكيل ينعزل ببطلان وكالة الأول وعزله له؛ لأنه فرعه. # فثبت فيه ذلك، كالوكيل مع موكله، وللموكل عزله وحده؛ لأنه متصرف له فملك ~~عزله كالأول. # PageV02P142 # فصل: # وإذا خرج الموكل عن أهلية التصرف، لموت أو جنون أو حجر أو فسق في ولاية ~~النكاح، بطلت الوكالة؛ لأنه فرعه، فيزول بزوال أصله. # فإن وجد ذلك أو عزل الوكيل، فهل ينعزل قبل علمه؟ فيه روايتان: إحداهما: ~~ينعزل؛ لأنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضاه، فلم يفتقر إلى علمه كالطلاق. # والثانية: لا ينعزل؛ لأنه أمر فلا يسقط قبل علمه بالنهي، كأمر الشارع، ~~وإن أزال الموكل ملكه عن ما وكله فيه، بإعتاق أو بيع أو طلاق التي وكله في ~~طلاقها، بطلت الوكالة؛ لأنه أبطل محليته، وإن وطئ الزوجة، أو دبر العبد أو ~~كاتبه، بطلت الوكالة؛ لأن ذلك يدل على رجوعه، إذ لا يجتمع مقصود هذه ~~التصرفات مع البيع، والوطء يدل على رغبته في زوجته، وإن وكله في الشراء ~~بدينار فتلف، بطلت الوكالة، فإن تلف بتفريطه فغرمه هو أو غيره، لم يملك ~~الشراء ببدله؛ لأن الوكالة بطلت بتلفه. # فصل: # ولا تبطل بالنوم والسكر والإغماء؛ لأنه تثبت الولاية عليه، ولا بالردة ~~لأنها لا تمنع ابتداء وكالته، فلا تمنع استدامتها، ولا بالتعدي فيما وكل ~~فيه، كلبس الثوب، وركوب الدابة؛ لأن العقد يتضمن أمانة وتصرفا. # فإذا بطلت الأمانة، بقي التصرف كالرهن المتضمن وثيقة وأمانة، وإن ms0571 وكله في ~~بيع عبد، ثم باعه المالك بيعا فاسدا، لم تبطل الوكالة؛ لأن ملكه فيه لم ~~يزل، ولا يؤول إلى الزوال وإن وكل زوجته ثم طلقها، لم تنعزل؛ لأن الطلاق لا ~~ينافي الوكالة، ولا يمنع ابتداءها، وإن وكل عبده ثم أعتقه، أو باعه، فكذلك، ~~ويحتمل أن ينعزل؛ لأن أمره لعبده استخدام، وليس بتوكيل في الحقيقة. # فصل: # ويجوز التوكيل بجعل؛ لأنه تصرف لغيره لا يلزمه، فجاز أخذ العوض عنه، كرد ~~الآبق، وإذا وكله في البيع بجعل فباع، استحق الجعل قبل قبض الثمن؛ لأن ~~البيع يتحقق قبل قبضه. # فإن قال في التوكيل: فإذا سلمت إلي الثمن، فلك كذا، وقف استحقاقه على ~~التسليم إليه، لاشتراطه إياه، وإن قال: بع هذا بعشرة، فما زاد فهو لك، صح ~~وله الزيادة؛ لأن ابن عباس كان لا يرى بذلك بأسا. # فصل: # وليس للوكيل في بيع شيء بيعه لنفسه، ولا للوكيل في الشراء أن يشتري من ~~نفسه؛ لأن العرف في العقد أن يعقد مع غيره، فحمل التوكيل عليه، ولأنه تلحقه ~~تهمة # PageV02P143 # ويتنافى الغرضان، فلم يجز كما لو نهاه، وعنه: يجوز؛ لأنه امتثل أمره، ~~وحصل غرضه، فصح كما لو باع أجنبيا، وإنما يصح بشرط أن يزيد على مبلغ ثمنه ~~في النداء، ويتولى النداء غيره لتنتفي التهمة. # قال القاضي: ويحتمل أن لا يشترط ذلك، وكذلك الحكم في بيعه لوكيله، أو طفل ~~يلي عليه أو ولده أو والده، أو مكاتبه أو تزويجه لابنته إذا وكله أن يتزوج ~~له؛ لأنه يتهم في حقه، ويترك الاستقصاء عليهم، وإن أذن له الموكل في هذا، ~~جاز لانتفاء التهمة مع صريح الإذن، وإن وكله رجل في بيع عبده، ووكله آخر في ~~شرائه، فله أن يتولى طرفي العقد، كما يجوز للأب ذلك في حق ولده الصغير. # فصل: # فإذا وكل عبدا في شراء عبد من سيده، جاز لأنه يجوز أن يشتري من غير سيده، ~~فجاز منه كالأجنبي، وإن وكله في شراء نفسه، جاز لأنه يجوز أن يشتري غيره، ~~فجاز أن يشتري نفسه، كالأجنبي، فإن قال السيد: ما اشتريت ms0572 نفسك إلا لنفسك، ~~عتق لإقرار سيده بحريته، والقول قول السيد في الثمن؛ لأن الظاهر ممن باشر ~~العقد أنه له، ولو وكله سيده في إعتاق نفسه، أو وكل غريمه في إبراء نفسه، ~~صح؛ لأنه وكيله في إسقاط حق نفسه، فجاز كتوكيل الزوجة في طلاقها، وإن وكل ~~غريمه في إبراء غرمائه، لم يملك إبراء نفسه، كما لو وكله في حبسهم لم يملك ~~حبس نفسه، وإن وكله في تفرقة صدقة، لم يملك صرفها إلى نفسه؛ لأنه مأمور ~~بإعطاء غيره، قال أصحابنا: لا يملك إعطاء ولده ووالده؛ لأنهم كنفسه، ويحتمل ~~جواز ذلك؛ لأن لفظه يعمهم، ولا قرينة تخرجهم. # فصل: # والوكيل أمين لا ضمان عليه فيما تلف تحت يده بغير تفريط، بجعل وبغير جعل؛ ~~لأنه نائب المالك، أشبه المودع، والقول قوله فيما يدعيه من تلف، وعدم تفريط ~~وخيانة لذلك، والقول قوله في الرد، إن كان متطوعا؛ لأنه قبض المال لنفع ~~مالكه، فهو كالمودع، وإن كان بجعل، ففيه وجهان: أحدهما: يقبل قوله؛ لأنه ~~أمين أشبه المودع. # والثاني: لا يقبل؛ لأنه قبضه لنفع نفسه، أشبه المستعير. # وإن قال: بعت وقبضت الثمن، فتلف في يدي، ففيه وجهان، ذكرناهما في الرهن، ~~وإن اختلفا في أصل الوكالة، فالقول قول من ينكرها؛ لأن الأصل عدمها، وإن ~~اختلفا في دفع المال إلى الوكيل، فالقول قوله لذلك، فإن أنكره، ثم اعترف ~~به، ثم ادعى تلفه أو رده، لم يقبل؛ لأن خيانته ثبتت بجحده، وكذلك الحكم في ~~المودع، وإن أقام بدعواه ببينة، ففيه وجهان: # PageV02P144 # أحدهما: تقبل؛ لأنها شهدت بما لو أقر به لثبت، فقبلت: كما لو لم ينكر. # والثاني: لا تقبل؛ لأنه مكذب بها بجحده، فإن كان جحوده: إنك لا تستحق علي ~~شيئا، لتلفه أو رده، وإن اختلفا في صفة الوكالة، فقال: وكلتني في بيع هذا، ~~فقال: بل في بيع هذا، أو قال: وكلتني في بيعه بعشرين، قال: بل بثلاثين، أو ~~قال: وكلتني في بيعه نسيئة، قال: بل نقدا، فالقول قول الموكل؛ لأنه منكر ~~للعقد الذي يدعيه الوكيل، فأشبه ما لو أنكر أصل الوكالة، ms0573 ولأنهما اختلفا في ~~صفة قول الموكل، فكان القول قوله، كما لو اختلف الزوجان في صفة الطلاق، ونص ~~أحمد - رضي الله عنه - في المضارب على أن القول قوله، والوكيل في معناه؛ ~~لأنه أمين في التصرف، فكان القول قوله في صفته، كما لو اختلفا في بيع الثوب ~~المأذون في بيعه، وإن قال: اشتريت هذا لك بعشرة قال: بل بخمسة، فالحكم فيه ~~كذلك، وإن قال: اشتريت هذه الجارية لك بإذنك بعشرة فأنكر الإذن في شرائها، ~~فالقول قول الموكل، فيحلف ويبطل البيع إن كان بعين المال، ويرد الجارية على ~~البائع إن صدق الوكيل في أنه وكيل، وإن أنكر الشراء لغيره، فالقول قوله، ~~وعلى الوكيل غرامة الثمن لموكله، وتبقى الجارية في يده، ولا تحل له؛ لأنها ~~ليست ملكا له، فإذا أراد استحلالها، اشتراها ممن هي له في الباطن، فإن أبى ~~بيعها استحب للحاكم أن يرفق به، ليبيعه إياها، ولا يجبر؛ لأنه عقد مراضاة، ~~فإن أبى فقد حصلت في يده لغيره، وله في ذمة صاحبها ثمنها، فأقرب الوجوه ~~فيها أن يأذن الحاكم له في بيعها، ويوفيه حقه من ثمنها؛ لأن الحاكم باعها ~~في وفاء دينه، فإن قال صاحبها: إن كانت لي، فقد بعتكها بعشرين، فقال ~~القاضي: لا يصح؛ لأنه بيع معلق على شرط، ويحتمل أن يصح؛ لأن هذا شرط واقع ~~يعلمانه، فلا يضر جعله شرطا، كما لو قال: إن كانت جارية فقد بعتكها. # فصل: # فإن قال: تزوجت لك فلانة بإذنك فصدقته المرأة، وأنكره، فالقول قول ~~المنكر؛ لأن الأصل معه ولا يستحلف؛ لأن الوكيل يدعي حقا لغيره، وإن ادعته ~~المرأة، استحلف؛ لأنها تدعي صداقها عليه فإن حلف، برئ من الصداق، ولم يلزم ~~الوكيل في أحد الوجهين؛ لأن حقوق العقد تتعلق بالموكل، فإن كان الوكيل ضمنه ~~لها، فلها مطالبته به، وليس لها نكاح غيره، لاعترافها أنها زوجته، فتؤخذ ~~بإقرارها، ولا يكلف الطلاق؛ لأنه لم يثبت في حقه نكاح، ويحتمل أن يكلفه، ~~لإزالة احتمال؛ لأنه يحتمل صحة، دعواها، فينزل منزلة النكاح الفاسد، ولو ~~مات أحدهما، لم يرثه الآخر؛ لأنه ms0574 لم يثبت صداقها فترث، وهو ينكر أنها زوجته ~~فلا يرثها. # PageV02P145 ### | باب الشركة # يجوز عقد الشركة في الجملة، لما روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «يقول الله تعالى: أنا ثالث الشركين ما لم يخن أحدهما ~~صاحبه، فإذا خان أحدهما صاحبه، خرجت من بينهما» رواه أبو داود. # وتكره شركة الذمي إلا أن يكون المسلم يتولى البيع والشراء، لما روى ~~الخلال بإسناده عن عطاء قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~مشاركة اليهودي والنصراني إلا أن يكون البيع والشراء بيد المسلم» ولأنه لا ~~يأمن معاملتهم بالربا، والعقود الفاسدة. # فصل: # والشركة على أربعة أضرب: أحدها: شركة العنان، وهو أن يشترك اثنان ~~بماليهما على أن يعملا فيه بأبدانهما، والربح بينهما، فإذا صحت، فما تلف من ~~المالين، فهو من ضمانهما، وإن خسرا، كانت الخسارة بينهما على قدر المالين؛ ~~لأنهما صارا كمال واحد في ربحه، فكذلك في خسرانه، والربح بينهما على ما ~~شرطاه؛ لأن العمل يستحق به الربح، وقد يتفاضلان فيه؛ لقوة أحدهما وحذقه، ~~فجاز أن يجعل له حظ من الربح كالمضارب. # فصل: # وتصح الشركة على الدراهم والدنانير؛ لأنهما أثمان البياعات، وقيم ~~الأموال، ولا تصح بالعروض في إحدى الروايتين؛ لأن قيمة أحدهما ربما تزيد ~~قبل بيعه، فيشاركه الآخر في نماء العين التي هي ملكه، والثانية: تصح الشركة ~~بها ويجعل رأس المال قيمتها وقت العقد؛ لأن مقصودها نفوذ تصرفهما في المال ~~المشترك، وكون ربحه بينهما، وهذا ممكن في العروض، والحكم في النقرة ~~والمغشوش والفلوس، كالحكم في العروض؛ لأن قيمتها تزيد وتنقص، فأشبهت ~~العروض، ولا تجوز الشركة بمجهول ولا جزاف؛ لأنه لا يمكن الرجوع به عند ~~المفاضلة، ولا بدين ولا غائب؛ لأنه مما لا يجوز والتصرف فيه، وهو مقصود ~~الشركة. # PageV02P146 # فصل: # ويجوز في المختلفين، فيكون لأحدهما دنانير وللآخر دراهم، ولأحدهما صحاح، ~~وللآخر مكسرة، أو لأحدهما مائة، والآخر مائتان؛ لأنهما أثمان، فصحت الشركة ~~بهما كالمتفقين، ويرجع كل واحد منهما عند المفاضلة بمثل ماله، نص عليه؛ ~~لأنها أثمان، فيجب الرجوع بمثلها كالمتفقين، وتجوز الشركة، ms0575 وإن لم يخلطا ~~المالين؛ لأنه يقصد بها كون الربح بالمالين، فلم يشترط خلط المال ~~كالمضاربة. # فصل: # ومبناها على الوكالة والأمانة؛ لأن كل واحد منهما بتفويض المال إلى صاحبه ~~أمنه، وبإذنه له في التصرف وكله، ولكل واحد منهما العمل في المالين بحكم ~~الملك في حصته، والوكالة في حصة شريكه، وحكمها في جوازها وانفساخها حكم ~~الوكالة، لتضمنها للوكالة، فإن عزل أحدهما صاحبه قبل أن ينض المال، فذكر ~~القاضي: أن ظاهر كلام أحمد - رضي الله عنه - أنه لا ينعزل حتى ينض، ~~كالمضارب إذا عزله رب المال، وقال أبو الخطاب: ينعزل؛ لأنها وكالة. # فإذا عزله فطلب أحدهما البيع، والآخر القسمة، أجيب طالب القسمة؛ لأنه ~~يستدرك ما يحصل من الربح بالقسمة، فلم يجبر على البيع بخلاف المضارب، وهذا ~~إنما يصح إذا كان الربح على قدر المالين، فإن زاد ربح أحدهما عن ماله، لم ~~يستدرك ربحه بالقسمة، فيتعين البيع كالمضاربة. # فصل: # فإن مات أحدهما، فلوارثه إتمام الشركة، فيأذن للشريك، ويأذن له الشريك في ~~التصرف؛ لأن هذا إتمام للشركة، وليس بابتداء لها، فلا تعتبر شروطها، وكذلك ~~إن مات رب المال في المضاربة، فلوارثه إتمامها في ظاهر كلامه، ويحتمل أن لا ~~يجوز إتمامها إلا أن يكون المال ناضا؛ لأن العقد قد بطل بالموت، وهذا ~~ابتداء عقد، فلا يجوز بالعروض، وإن مات عامل الضاربة، لم يجز إتمامها إلا ~~على الوجه الذي يجوز ابتداءها؛ لأنه لم يخلف أصلا يبنى عليه، ولو كان مال ~~الشركة والمضاربة موصى به، والموصى له كالوارث في هذا، فإن كانت الوصية ~~لغير معين، كالفقراء، فليس للموصي الإذن في التصرف؛ لأنه قد وجب دفعه ~~إليهم. # فصل: # ولكل واحد من الشريكين أن يبيع ويشتري مساومة ومرابحة وتولية ومواضعة، ~~ويقبض المبيع والثمن، ويقبضهما ويطالب بالدين، ويخاصم فيه، ويرد بالعيب في ~~العقد الذي وليه هو أو صاحبه، ويحيل ويحتال ويستأجر، ويفعل كل ما هو من ~~مصلحة # PageV02P147 # التجارة بمطلق الشركة؛ لأن هذا عادة التجار، وقد أذن له في التجارة، وهل ~~لأحدهما أن يبيع نساء أو يبضع أو يودع أو يسافر بالمال؟ ms0576 يخرج على روايتين: ~~إحداهما: له ذلك؛ لأنه عادة التجار، ولأن المقصود الربح، وهو في هذه أكثر. # والأخرى: لا يجوز؛ لأن فيه تغريرا بالمال، وهل له التوكيل؟ يخرج على ~~الروايتين في الوكيل؛ لأنه وكيل، وإذا وكل أحدهما، فللآخر عزله؛ لأنه ~~وكيله، وهل له أن يرهن ويرتهن؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك؛ لأن الرهن يراد ~~للإيفاء والارتهان يراد للاستيفاء، وهو يملكهما، فيملك ما يراد لهما. # والثاني: لا يجوز؛ لأن فيه خطرا، وفي الإقالة وجهان. # أصحهما: أنه يملكها؛ لأنه إن كانت بيعا فقد أذن فيه، وإن كانت فسخا، ففسخ ~~البيع المضر من مصلحة التجارة فملكه، كالرد بالعيب، والآخر لا يملكها؛ ~~لأنها فسخ فلا تدخل في الإذن في التجارة. # فصل: # وليس له أن يكاتب رقيقه، ولا يزوجه، ولا يعتقه بمال، ولا يقرض ولا يحابي؛ ~~لأن ذلك ليس بتجارة، وليس له المشاركة بمال الشركة، ولا المضاربة به، ولا ~~خلطه بماله، ولا مال غيره؛ لأنه يثبت في المال حقوقا، وليس هو من التجارة ~~المأذون فيها، ولا يأخذ به سفتجة ولا يعطيها؛ لأن فيه خطرا، ولا يستدين على ~~مال الشركة، ولا يشتري ما ليس عنده ثمنه؛ لأنه يؤدي إلى الزيادة في مال ~~الشركة، ولم يؤذن فيه، فإن فعل، فعليه ثمن ما اشتراه ويختص بملكه وربحه ~~وضمانه، وكذلك ما استدانه أو اقترضه، ويجوز أن يشتري نساء ما عنده ثمنه؛ ~~لأنه لا يفضي إلى الزيادة فيها، وإن أقر على مال الشركة، قبل في حقه دون ~~صاحبه، سواء أقر بعين أو دين؛ لأن الإقرار ليس من التجارة، وقال القاضي: ~~يقبل إقراره على مال الشركة، ويقبل إقراره بعيب في عين باعها، كما يقبل ~~إقرار الوكيل على موكله به، نص عليه؛ لأنه تولى بيعها، فقبل إقراره بالعيب، ~~كمالكها. # فإن رد عليه المعيب فقبله، أو دفع أرشه، أو أخر ثمنه، أو حط بعضه لأجل ~~العيب، جاز؛ لأن العيب يجوز الرد، وقد يكون ما يفعله من هذا أحظ من الرد، ~~فأما إن حط بعض الثمن ابتداء، أو أسقط دينا عن غريمهما، أو أخره عليه، ms0577 لزم ~~في حقه دون صاحبه؛ لأنه تبرع فجاز في حقه دون شريكه كالصدقة. # فإن قال له: اعمل برأيك فله عمل ما يقع في التجارة من الرهن والارتهان ~~والبيع نساء، والإبضاع بالمال، والمضاربة به والشركة، وخلطه بماله، والسفر ~~به وإيداعه، وأخذ السفتجة ودفعها # PageV02P148 # ونحوه؛ لأنه فوض إليه الرأي في التصرف في التجارة، وقد يرى المصلحة في ~~هذا، وليس له التبرع والحطيطة والقرض وكتابة الرقيق، وعتقه وتزويجه؛ لأنه ~~ليس بتجارة، وإنما فوض إليه العمل برأيه في التجارة. # فصل: # الضرب الثاني: شركة الأبدان، وهو أن يشترك اثنان فيما يكتسبانه ~~بأبدانهما، كالصانعين يشتركان على أن يعملا في صناعتهما أو فيما يكتسبان من ~~مباح كالحشيش والحطب والمعادن، والتلصص على دار الحرب، فما رزق الله فهو ~~بينهما، فهو جائز، لما روى عبد الله بن مسعود قال: «اشتركت أنا وعمار وسعد ~~فيما نصيب يوم بدر، قال: فلم أجئ أنا وعمار بشيء، وجاء سعد بأسيرين» . # رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة، واحتج به أحمد، ومبناها على الوكالة؛ ~~لأن كل واحد منها وكيل صاحبه، وما يتقبله كل واحد من الأعمال، فهو من ~~ضمانهما، يطالب به كل واحد منهما، ويلزمه عمله. # قال القاضي: ويحتمل أن لا يلزم كل واحد منهما ما لزم صاحبه، كالوكيلين، ~~ويصح مع اتفاق الصنائع واختلافها؛ لأنهما اتفقا في مكسب واحد، كما لو اتفقت ~~الصنائع، وقال أبو الخطاب: لا تصح مع اختلافها؛ لأن الشركة تقتضي أن ما ~~يتقبله أحدهما يلزم صاحبه، ولا يمكن أن يلزمه عمل صناعة لا يحسنها. # فصل: # والربح بينهما، على ما شرطاه من مساواة أو تفاضل؛ لأنهما يستحقان بالعمل، ~~والعمل يتفاضل، فجاز أن يكون الربح متفاضلا، وما لزم أحدهما من ضمان لتعديه ~~وتفريطه، فهو عليه خاصة؛ لأن ذلك لا يدخل في الشركة، ولكل واحد منهما طلب ~~الأجرة، وللمستأجر دفعها إلى أيهما شاء، وإن تلفت في يد أحدهما بغير تفريط، ~~فلا ضمان عليه؛ لأنه وكيل. # فصل: # وإن عمل أحدهما دون صاحبه، فالكسب بينهما، لحديث ابن مسعود حين جاء سعد ~~بأسيرين وأخفق الآخران، وإن ترك أحدهما ms0578 العمل لعجز أو غيره، فللآخر مطالبته ~~بالعمل، أو بإقامة من يعمل عنه أو يفسخ. # فصل: # إذا كان لرجلين دابتان، فاشتركا على أن يحملا عليهما، فما رزق الله تعالى ~~من الأجرة، فهو بينهما صح. ثم إن تقبلا حمل شيء في ذمتهما فحملاه عليهما، ~~صح، والأجرة على ما شرطاه؛ لأن تقبلهما الحمل أثبته في ذمتهما وضمانهما، ~~والشركة تنعقد # PageV02P149 # على الضمان كشركة الوجوه، وإن أجراهما على حمل شيء، اختص كل واحد منها ~~بأجرة دابته، ولا شركة؛ لأنه لم يجب الحمل في ذمته، وإنما استحق المكتري ~~منفعة هذه البهيمة التي استأجرها، ولهذا تنفسخ الإجارة بموتها، ولا يصح أن ~~يكون كل واحد منهما وكيل صاحبه في إجارة دابة نفسه، ولهذا لو قال: أجر ~~دابتك وأجرها بيني وبينك، لم يصح. # فإن أعان أحدهما صاحبه في التحميل، فله أجرة مثله؛ لأنها منافع وفاها ~~بشبهة عقد. # فصل: # فإن دفع دابته إلى رجل يعمل عليها، أو عبده ليكتسب، ويكون ما يحصل بينهما ~~نصفين، أو أثلاثا، صح، نص عليه؛ لأنها عين تنمى بالعمل عليها، فجاز العقد ~~عليها ببعض نمائها، كالشجر في المساقاة، ونقل عنه أبو داود فيمن يعطي الفرس ~~على نصف الغنيمة: أرجو أن لا يكون به بأس، ووجهه ما ذكرناه، وإن دفع ثيابا ~~إلى خياط ليخيطها ويبيعها، وله جزء من ربحها، أو غزلا لينسجه ثوبا بثلث ~~ثمنه، أو ربعه، جاز، وإن جعل معه دراهم، لم يجز، وعنه: الجواز، والأول ~~المذهب؛ لأنه لا يجوز أن يشترط في المساقاة دراهم معلومة، وإنما أجاز أحمد ~~ذلك تشبيها بالمساقاة، قال: نراه جائزا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أعطى خيبر على الشطر. # فصل: # وإن دفع رجل بغلة، وآخر راوية إلى رجل، ليستقي وما رزقهم الله بينهم، ~~فقياس المذهب صحته؛ لأن كل واحدة منها عين تنمى بالعمل عليها، فصح دفعها ~~بجزء من النماء كالتي قبلها، وقال القاضي: لا يصح، لأن المشاركة بالعروض لا ~~تصح، والأجرة للعامل؛ لأنه ملك الماء باغترافه في الإناء، ولصاحبيه أجرة ~~المثل؛ لأنه استوفى منافع ملكهما بشبه عقد، ولو اشترك صانعان ms0579 على أن يعملا ~~بأداة أحدهما في بيت الآخر، والكسب بينهما، صح؛ لأن الأجرة على عملهما، وبه ~~يستحق الربح، ولا يستحق بالآلة والبيت شيء، إنما يستعملانها في العمل، ~~فصارا كالدابتين في الشركة، ولو اشترك صاحب بغل وراوية على أن يؤجراهما، ~~والأجرة بينهما، لم يصح؛ لأن حاصله أن كل واحد منهما يؤجر ملكه، ويعطي ~~الآخر من أجرته، وليس بصحيح، والأجرة كلها لمالك البهيمة؛ لأنه صاحب الأصل، ~~والآخر أجرة مثله. # فصل: # الضرب الثالث: شركة الوجوه وهو: أن يشترك رجلان فيما يشتريان بجاههما، ~~وثقة التجار بهما من غير أن يكون لهما رأس مال، على أن ما اشترياه فهو ~~بينهما على ما # PageV02P150 # اتفقا عليه من مساواة، أو تفاضل، ويبيعان فما رزق الله تعالى من الربح، ~~فهو بينهما على ما اتفقا عليه، فهو جائز، سواء عين أحدهما لصاحبه ما ~~يشتريه، أو قال: ما اشتريت من شيء فهو بيننا، نص عليه، والربح بينهما على ~~ما اشترطاه، وقال القاضي: الربح بينهما على قدر ملكيهما في المشترى، ولنا ~~أنهما شريكان في المال فجاز تفاضلهما في الربح، مع تساويهما في الملك. # كشركي العنان، والوضيعة على قدر ملكيهما في المشترى؛ لأنه رأس المال، ~~ومبناها على الوكالة؛ لأن كل واحد منهما وكيل صاحبه فيما يشتريه ويبيعه، ~~وحكمهما في جواز ما يجوز لكل واحد منهما، أو يمنع منه حكم شركة العنان. # فصل: # الضرب الرابع: شركة المفاوضة، وهو أن يشتركا في كل شيء يملكانه، وما يلزم ~~كل واحد منهما من ضمان غصب، أو جناية أو تفريط، وفي ما يجدان من ركاز أو ~~لقطة، فلا يصح؛ لأنه يكثر فيها الغرر، ولأنها لا تصح بين المسلم والكافر، ~~فلا تصح بين المسلمين، كسائر العقود المنهي عنها، ولأنه يدخل فيها أكساب ~~غير معتادة، وحصول ذلك وهم لا يتعلق به حكم. ### | باب المضاربة # وهو أن يدفع إنسان ماله إلى آخر يتجر فيه، والربح بينهما، وهي جائزة ~~بالإجماع، يروى إباحتها عن عمر وعلي وابن مسعود وحكيم بن حزام - رضي الله ~~عنهم - في قصص مشتهرة، ولا مخالف لهم فيكون إجماعا، وتسمى ms0580 مضاربة وقراضا، ~~وتنعقد بلفظهما، وبكل ما يؤدي معناهما؛ لأن القصد المعنى، فجاز بما دل عليه ~~كالوكالة، وحكمها حكم شركة العنان في جوازها وانفساخها، وفي ما يكون رأس ~~المال فيها، وما لا يكون، وما يملكه العالم، وما يمنع منه، وكون الربح ~~بينهما على ما شرطاه؛ لأنها شركة، فيثبت فيها ذلك، كشركة العنان. # فصل: # ويشترط تقدير نصيب العامل، ونصيب كل واحد من الشريكين في الشركة بجزء ~~مشاع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها، ~~والمضاربة في معناها. # فإن قال: خذه مضاربة والربح بيننا، صح وهو بينهما نصفين؛ لأنه أضافه ~~إليهما إضافة واحدة من غير ترجيح لأحدهما، فاقتضى التسوية، كقوله: هذه ~~الدار بيني وبينك، وإن قال: على أن لك ثلث الربح، صح، والباقي لرب المال؛ ~~لأنه يستحقه، لكونه نماء # PageV02P151 # ماله، فلم يحتج إلى شرطه، وإن قال: على أن لي ثلث الربح، ولم يذكر نصيب ~~العامل، ففيه وجهان: أحدهما: لا يصح؛ لأن العامل إنما يستحق بالشرط ولا شرط ~~له. # والثاني: يصح، والباقي للعامل؛ لأنه يدل بخطابه على ذلك كقوله تعالى: ~~{وورثه أبواه فلأمه الثلث} [النساء: 11] دل على أن باقيه للأب، وإن قال: لي ~~النصف ولك الثلث، وترك السدس، فهو لرب المال؛ لأنه يستحقه بماله، وإن قال: ~~خذه مضاربة بالثلث، صح، وهو للعامل؛ لأن الشرط يراد من أجله، ورب المال ~~يأخذه بماله لا بالشرط، ومتى اختلفا لمن الجزء المشروط، فهو للعامل لذلك، ~~واليمين على مدعيه. # فصل: # وإن لم يذكر الربح، أو قال: لك جزء من الربح، أو شركة، لم تصح المضاربة؛ ~~لأن الجهالة تمنع تسليم الواجب، وإن قال: لك مثل ما شرط لفلان وهما ~~يعلمانه، صح، وإن جهلاه أو أحدهما، لم يصح، ولا يجوز أن يشرط لأحدهما دراهم ~~معلومة؛ لأنه يحتمل أن لا يربحها، أو لا يربح غيرها. # فيختص أحدهما بجميع الربح، ولو شرط لأحدهما ربح أحد الألفين، أو أحد ~~الكيسين، أو أحد العبدين، وللآخر ربح الآخر، أو جعل حقه في عبد يشتريه، أو ~~أنه إذا اشترى عبدا، أخذه ms0581 برأس المال، لم يصح، لإفضائه إلى اختصاص أحدهما ~~بالربح. # فصل: # وإن قال: خذه مضاربة والربح كله لك، أو قال: لي، لم يصح؛ لأن موضوعها على ~~الاشتراك في الربح، فشرطه كله له. ينافي مقتضى العقد، فبطل، وإن قال: خذه ~~فاتجر به، والربح كله لك، فهو قرض؛ لأن اللفظ يصلح للقرض، وقد قرن به حكمه، ~~فتعين له، وإن قال: والربح كله لي، فهو إبضاع؛ لأنه قرن به حكمه. # فصل: # فإن قال لغريمه: ضارب بالدين الذي عليك، لم يصح؛ لأن ما في يد الغريم، ~~لنفسه لا يصير لغريمه إلا بقبضه. # فإن عزل شيئا واشترى به، فالشراء له؛ لأنه اشترى بماله، ويحتمل أن تصح ~~المضاربة؛ لأنه اشترى له بإذنه، ودفع المال إلى من أذن له، في دفعه إليه، ~~فبرئت به ذمته، وإن كانت له وديعة، فقال للمودع: ضارب بها، صح؛ لأنه عين ~~ماله، وإن كان عرضا فقال: بعه وضارب بثمنه، صح؛ لأن الثمن عين مال رب # PageV02P152 # المال، وإن قال: اقبض ما لي على فلان، فضارب به ففعل، صح لأنه وكيل في ~~قبضه فيصير كالوديعة. # فصل: # ويصح أن يشرط على العامل أن لا يسافر بالمال، ولا يتجر به إلا في بلد ~~بعينه، أو نوع بعينه أو لا يعامل إلا رجلا بعينه؛ لأنه إذن في التصرف فجاز ~~ذلك فيه كالوكالة، ويصح توقيتها، فيقول: ضاربتك بهذه الدراهم سنة لذلك، نص ~~عليه، وعنه: لا يصح، اختارها أبو حفص؛ لأنه عقد يجوز مطلقا، فلم يجز توقيته ~~كالنكاح، ويصح أن يشرط نفقة نفسه حضرا وسفرا قياسا على الوكيل. # فصل: # ولا يصح أن يشترط ما ينافي مقتضى العقد، نحو أن يشرط لزوم المضاربة، أو ~~لا يعزله مدة بعينها، أو لا يبيع إلا برأس المال، أو أقل، أو يوليه ما ~~يختار من السلع؛ لأنه يفوت المقصود من العقد، وإن شرط أن يتجر له في مال ~~آخر مضاربة، أو بضاعة أو خدمة في شيء، أو يرتفق بالسلع، أو شرط على العامل ~~الضمان، أو الوضيعة أو سهما منها، أو متى باع سلعة، فهو أحق ms0582 بها بالثمن، ~~فالشرط فاسد؛ لأنه ليس في مصلحة العقد ولا مقتضاه. # فصل: # وكل شرط يؤثر في جهالة الربح يبطل المضاربة؛ لأنه يمنع التسليم الواجب، ~~وما لا يؤثر فيه، لا يبطلها في قياس قوله، لنصه فيما إذا شرط سهما من ~~الوضيعة أن المضاربة صحيحة؛ لأنه إذا حذف الشرط، بقي الإذن بحاله ويحتمل ~~البطلان؛ لأنه إنما رضي بالعقد بهذا الشرط، فإذا فسد، فات الرضى به ففسد، ~~كالمزارعة إذا شرط البذر من العامل، وكالشروط الفاسدة في البيع، ومتى فسدت، ~~فالتصرف صحيح؛ لأنه بإذن رب المال والوضيعة عليه؛ لأن كل عقد لا ضمان في ~~صحيحه لا ضمان في فاسده، والربح لرب المال؛ لأنه نماء ماله، وإنما يستحق ~~بالشرط وهو فاسد ها هنا لا يستحق به شيء، وللعامل أجر مثله؛ لأنه بذل ~~منافعه بعوض لم يسلم له، وإن فسدت الشركة، قسم الربح على رؤوس أموالهما، ~~ورجع كل واحد منهما على الآخر بأجر عمله، لما ذكرنا، وقال الشريف أبو جعفر: ~~الربح بينهما على ما شرطاه؛ لأنه عقد يجوز أن يكون عوضه مجهولا، فوجب ~~المسمى في فاسده كالنكاح. # فصل: # وعلى العامل عمل ما جرت العادة بعمله له، من نشر وطي، وإيجاب وقبول # PageV02P153 # وقبض ثمن، ووزن ما خف، كالنقود والمسك والعود؛ لأن إطلاق الإذن يحتمل على ~~العرف، والعرف أن هذه الأمور يتولاها بنفسه، وإن استأجر من يفعلها، فعليه ~~الأجرة في ماله؛ لأنه بذلها عوضا عما يلزمه، وما جرت العادة أن يستنيب فيه، ~~كحمل المتاع، ووزن ما يثقل والنداء، فله أن يستأجر من مال القراض من يفعله؛ ~~لأنه العرف. # فإن فعله بنفسه ليأخذ أجرة لم يستحقها، نص عليه؛ لأنه تبرع بفعل ما لم ~~يلزمه، فلم يكن له أجر كالمرأة التي تستحق على زوجها خادما إذا خدمت نفسها، ~~ويتخرج أن له الأجر؛ لأنه فعل ما يستحق الأجر فيه، فاستحقه كالأجنبي. # فصل: # وليس له أن يشتري بأكثر من رأس المال؛ لأن الإذن لم يتناول غيره. # فإن كان ألفا فاشترى عبدا بألف، فهو للمضاربة؛ لأنه مأذون فيه. # فإن اشترى آخر، لم يدخل ms0583 في المضاربة؛ لأنه غير مأذون فيه، وحكمه حكم ما ~~لو اشترى لغيره شيئا بغير إذنه. # فإن تلف الألف قبل نقده في الأول، فعلى رب المال الثمن؛ لأن الشراء ~~بإذنه، ويصير رأس المال الثمن الثاني؛ لأن الأول تلف قبل تصرفه فيه، وإن ~~تلف قبل الشراء، لم يدخل المشتري في المضاربة؛ لأنها انفسخت قبل الشراء، ~~لتلف رأس المال وزوال الإذن. # فصل: # وليس له التصرف إلا على الاحتياط، كالوكيل؛ لأنه وكيل رب المال إلا أن له ~~شراء المعيب؛ لأن مقصودها الربح، وقد يربح في المعيب بخلاف الوكالة فإن ~~الشراء فيها يراد للقنية. # فإن اشترى شيئا فبان معيبا، فله رده، فإن اختلف هو ورب المال في رده، فعل ~~ما فيه النظر؛ لأن مقصود الحظ لهما، فإذا اختلفا، قدم الأحظ. # فصل: # فإن اشترى من يعتق على رب المال، صح؛ لأنه مال متقوم قابل للعقود فصح ~~شراؤه، كالذي نذر رب المال عتقه، ويعتق، وعلى العامل الضمان، علم أو لم ~~يعلم؛ لأن مال المضاربة تلف بتفريطه، وفي قدر ما يضمن وجهان: أحدهما: ثمنه؛ ~~لأنه فات فيه. # والثاني: قيمته؛ لأنها التالفة، وقال أبو بكر: إن لم يعلم، لم يضمن؛ لأنه ~~معذور، فلم يضمن، كما لو اشترى معيبا لم يعلم عيبه، ويتخرج أن لا يصح ~~شراؤه؛ لأن الإذن تقيد بالعرف لما يمكن بيعه والربح فيه، فلا يتناول غيره، ~~ولأنه تقيد بما يظن الحظ فيه، وهذا لا حظ للتجارة فيه، ولهذا جعلناه مفرطا، ~~وألزمناه الضمان، وإن اشترى زوجة رب المال، أو زوج ربة المال، صح وانفسخ ~~النكاح لملكه إياه فإن كان # PageV02P154 # قبل الدخول، فعلى العامل نصف الصداق؛ لأنه أفسد نكاحه فأشبه من أفسده ~~بالرضاع. # فصل: # فإن اشترى من يعتق على نفسه، ولا ربح في المال، لم يعتق، وإن ظهر فيه ~~ربح، وقلنا: لا يملك العامل إلى بالقسمة، لم يعتق أيضا، وإن قلنا: يملكه ~~بالظهور، عتق عليه قدر حصته منه، وسرى إلى باقيه إن كان موسرا، وغرم قيمته، ~~وإن كان معسرا، لم يعتق عليه إلى ما ملك، وقال أبو بكر: لا ms0584 يعتق بحال؛ لأنه ~~لم يتم ملكه في الربح، لكونه وقاية لرأس المال. # فصل: # وليس له وطء جارية من المال، فإن فعل، فعليه المهر؛ لأنها مملوكة غيره ~~ويعزر، نص عليه، ولا حد عليه لشبهة حقه فيها، وقال القاضي: عليه الحد إن لم ~~يظهر ربح؛ لأنه لا ملك له فيها، والأول أولى؛ لأن ظهور الربح ينبني على ~~التقويم، وهو غير متحقق فيكون شبهة. # فإن ولدت منه، ولم يظهر ربح، فالولد مملوك، ولا تصير به الجارية أم ولد؛ ~~لأنها علقت به في غير ملك، وإن ظهر ربح، فالولد حر، وأمه أم ولد، وعليه ~~قيمتها، ويسقط من القيمة والمهر قدر حصة العامل منها، وإن أذن له رب المال ~~في التسري فاشترى جارية، خرجت من المضاربة، وصار ثمنها قرضا؛ لأن استباحة ~~البضع لا تكون إلا بملك أو نكاح؛ لقول الله تعالى: {إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم} [المؤمنون: 6] . # فصل: # وليس لرب المال وطء جارية من المضاربة؛ لأن لغيره فيها حقا، فإن فعل، فلا ~~حد عليه؛ لأنها ملكه. # وإن لم تعلق منه، فالمضاربة بحالها، وإن علقت منه، فالولد حر، وتصير أم ~~ولد له، وتخرج من المضاربة، وتحسب عليه قيمتها، ويأخذ المضارب حصته من ~~الربح مما بقي. # فصل: # وليس له دفع المال مضاربة؛ لأنه إنما دفع إليه المال ليضارب به، وبهذا ~~يخرج عن كونه مضاربا، فإن فعل فهو مضمون على كل واحد منهما، على الأول ~~لتعديه، وعلى الثاني لأخذه مال غيره بغير إذنه، فإن غرم الأول، ولم يعلم ~~الثاني بالحال، لم يرجع عليه؛ لأنه دفعه إليه أمانة، وإن علم، رجع عليه، ~~وإن غرم الثاني مع علمه، لم # PageV02P155 # يرجع على أحد، وإن لم يعلم فهل يرجع على الأول؟ على وجهين، بناء على ~~المشتري من الغاصب، وإن ربح، فالربح لرب المال؛ لأنه نماء ماله ولا أجرة ~~لواحد منهما؛ لأن الأول لم يعمل، والثاني عمل في مال غيره بغير إذنه، فأشبه ~~الغاصب، وعنه: له أجرة مثله؛ لأنه عمل في المال بشبهة المضارب، فأشبه ~~المضاربة الفاسدة، ويحتمل أنه إن اشترى ms0585 في الذمة، كان الربح له، فأما إن ~~دفعه إلى غيره بإذن رب المال، صح، ويصير الثاني هو المضارب. # فإن شرط الدافع لنفسه شيئا من الربح، لم يستحق شيئا؛ لأن الربح يستحق ~~بمال، أو عمل، وليس له واحد منهما، فإن قال له رب المال: اعمل برأيك، فعن ~~أحمد - رضي الله عنه -: جواز دفعه مضاربة كما ذكرنا في الشركة. # فصل: # إذا تعدى المضارب بفعل ما ليس له، فهو ضامن؛ لأنه تصرف بغير إذن المالك ~~فضمن كالغاصب، والربح لرب المال ولا أجرة له؛ لأنه عمل بغير إذن، أشبه ~~الغاضب، وعنه له أجرة مثله ما لم تحط بالربح، كالإجارة الفاسدة، وعنه: له ~~أقل الأمرين من أجرته أو ما شرط له؛ لأنه رضي بما جعل له فلا يستحق أكثر ~~منه، ولا يستحق أكثر من أجرة المثل؛ لأنه لم يفعل ما جعل له الربح فيه، ~~وقال القاضي: إن اشترى في الذمة، ثم نقد المال، فكذلك، وإن اشترى بعين ~~المال، فالشراء باطل في رواية، والنماء للبائع، وفي رواية يقف على إجازة ~~المالك، فإن لم يجزه، فالبيع باطل أيضا، وإن أجازه، صح والنماء له، وإن أخذ ~~الربح، كان إجازة منه للعقد؛ لأنه دل على رضاه، وفي أجرة المضارب ما ~~ذكرناه. # فصل: # ونفقة العامل على نفسه حضرا وسفرا؛ لأنها تختص به فكانت عليه كنفقة ~~زوجته، ولأنه دخل على أن له جزءا مسمى فلم يستحق غيره، كالمساقي، وإن اشترط ~~نفقته، فله ذلك؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمنون على شروطهم» ~~ويستحب تقديرها؛ لأنه أبعد من الغرر، فإن أطلق، جاز؛ لأن لها عرفا تنصرف ~~إليه، فأشبه إطلاق الدينار في بلد له فيه عرف. # قال أحمد: ينفق على ما كان ينفق غير متعد بالنفقة، ولا مضر بالمال، وله ~~نفقة من المأكول خاصة، إلا أن يكون سفره طويلا يحتاج إلى تجديد كسوة، فله ~~أن يكتسي، فإن كان معه مال آخر، فالنفقة على المالين بالحصص؛ لأن النفقة ~~للسفر، والسفر لهما، وإن مات لم يجب تكفينه؛ لأنه لم يبق عاملا، وإن لقيه ~~رب المال ms0586 في السفر، ففسخ المضاربة، فلا نفقة له لرجوعه لذلك. # PageV02P156 # فصل: # وللمضارب أن يأخذ مضاربة أخرى، إذا لم يكن فيه ضرر على الأولى؛ لأنه عقد ~~لا يملك به منافعه كلها، فلم يملك عقدا آخر كالوكالة. # فإن كانت الثانية، تشغله عن الأولى، لم يجز؛ لأنه تصرف يضر به، فلم يجز ~~كالبيع بغبن، فإن فعل ضم نصيبه من الربح في الثاني إلى ربح الأول، ~~فاقتسماه؛ لأن ربحه الثاني حصل بالمنفعة التي اقتضاها العقد الأول، وإن فعل ~~ذلك بإذن الأول، جاز؛ لأن الحق له فجاز بإذنه. # فإن أخذ مالين من رجلين، واشترى بكل مال عبدا فاشتبها عليه، ففيه وجهان: ~~أحدهما: يكونان شريكين فيهما، كما لو اشتركا في عقد البيع. # والثاني: يأخذهما العامل، وعليه رأس المال؛ لأنه تعذر ردهما بتفريطه، ~~فلزمه ضمانهما كما لو أتلفهما. # فصل: # وإذا دفع إليه ألفا، ثم دفع إليه ألفا آخر، لم يجز له ضم أحدهما إلى ~~الآخر؛ لأنه أفرد كل واحد بعقد له حكم، فلم يملك تغييره، فإن أمره بضمهما ~~قبل التصرف فيهما، أو بعد أن نضا، جاز وصارا مضاربة واحدة، وإن كان بعد ~~التصرف قبل أن ينضا، لم يجز؛ لأن حكم ما تصرف فيه قد استقر، فصار ربحه ~~وخسرانه مختصا به، فضم الآخر إليه يوجب جبر وضيعة أحدهما بربح الآخر، فلم ~~يجز. # فصل: # وليس للمضارب ربح حتى يوفي رأس المال؛ لأن الربح هو الفاضل عن رأس المال. # فلو ربح في سلعة، وخسر في أخرى، أو في سفرة، وخسر في أخرى جبرت الوضيعة ~~من الربح، وإن تلف بعض المال قبل التصرف، فتلفه من رأس المال؛ لأنه تلف قبل ~~التصرف، أشبه التالف قبل القبض، وإن تلف بعد التصرف، حسب من الربح؛ لأنه ~~دار في التجارة، فإن اشترى عبدين بمائة، فتلف أحدهما، وباع الآخر بخمسين، ~~فأخذ منها رب المال خمسة وعشرين بقي رأس المال خمسين؛ لأن رب المال أخذ نصف ~~المال الموجود، فسقط نصف الخسران، ولو لم يتلف العبد، وباعهما بمائة ~~وعشرين، فأخذ رب المال ستين، ثم خسر العامل فيما معه عشرين، ms0587 فله من الربح ~~خمسة؛ لأن سدس ما أخذه رب المال ربح، للعامل نصفه، وقد انفسخت المضاربة ~~فيه، فلا يجبر به خسران الباقي، وإن اقتسما العشرين الربح خاصة، ثم خسر ~~عشرين، فعلى العامل رد ما أخذه، وبقي رأس المال تسعين؛ لأن العشرة الباقية ~~مع رب المال تحسب من رأس المال، ومهما بقي العقد على رأس المال، وجب جبر ~~خسرانه من ربحه وإن # PageV02P157 # قسما الربح قال أحمد: إلا أن يقبض رأس المال صاحبه، ثم يرده إليه، أو ~~يحتسبا حسابا كالقبض، وهو أن يظهر المال، ويجئ به فيحتسبان عليه، فإن شاء ~~صاحبه قبضه، ولا يكون ذلك إلا في الناض، دون المتاع؛ لأن المتاع قد يتغير ~~سعره، وأما قبل ذلك، فالوضيعة تجبر من الربح، ولذلك لو طلب أحدهما قسمة ~~الربح دون رأس المال، لم يلزم الآخر إجابته؛ لأنه لا يأمن الخسران في ~~الثاني، وإن اتفقا على قسمه أو قسم بعضه، أو على أن يأخذ كل واحد منهما كل ~~يوم قدرا معلوما، جاز؛ لأن الحق لهما، ولو تبين للمضارب ربح، لم يجز له أخذ ~~شيء منه إلا بإذن رب المال. # فصل: # ويملك العامل الربح بالظهور، وعنه: لا يملكه؛ لأنه لو ملكه اختص بربحه، ~~والأول المذهب؛ لأنه يملك المطالبة بقسمه فملكه كالمشتري، وإنما لم يختص ~~بربحه؛ لأنه وقاية لرأس المال. # فصل: # ولكل واحد منهما فسخ المضاربة؛ لأنها عقد جائز. # فإذا فسخ والمال عرض فاتفق على قسمه، أو بيعه، جاز، وإن طلب العامل البيع ~~وأبى رب المال وفيه ربح، أجبر عليه؛ لأن حقه في الربح لا يظهر عليه إلا ~~بالبيع، وإن لم يكن فيه ربح، لم يجبر؛ لأنه لا حق له فيه، وإن طلب رب المال ~~البيع، وأبى العامل، أجبر في أحد الوجهين؛ لأنه يستحق عليه رد المال كما ~~أخذه، والآخر لا يجبر؛ لأنه متصرف لغيره بحكم عقد جائز، فلم يلزمه التصرف ~~كالوكيل، وإن كان دينا، لزم العامل تقاضيه؛ لأن المضاربة تقتضي رد المال ~~على صفته. # فصل: # ويجوز أن يدفع المال إلى اثنين مضاربة، فإن شرط لهما ms0588 جزءا من الربح، ولم ~~يبين كيف هو بينهما، فهو بينهما نصفين؛ لأن إطلاق لفظ: لهما، يقتضي ~~التسوية، وإن شرط لأحدهما ثلث الربح، وللآخر سدسه، صح لأن عقد الواحد مع ~~الاثنين عقدان، وإن قارض اثنان واحدا بألف لهما، جاز، وكان بمنزلة عقدين، ~~فإذا شرطا له جزءا من الربح، والباقي لهما على قدر ملكيهما، فإن كان بينهما ~~نصفين، فشرط أحدهما للمضارب نصف ربح نصيبه وشرط له الآخر الثلث، والباقي ~~بينهما نصفين، لم يجز لأن كل وحد منهما يستحق ما بقي من الربح بعد شرطه، ~~فإذا شرطا التسوية، فقد شرط أحدهما جزءا من ربح مال صاحبه بغير عمل، وإن ~~دفع إليه ألفا، وقال: أضف إليها ألفا من مالك، والربح بيننا، لك ثلثاه ولي ~~ثلثه، جاز، وكان شركة وقراضا، وللعامل النصف # PageV02P158 # بماله، والسدس بعمله، وإن قال: والربح بيننا نصفين نظرنا في لفظه، فإن ~~قال: خذه مضاربة، فسد؛ لأنه جعل ربح ماله كله له، وذلك ينافي مقتضى ~~المضاربة، وإن لم يقل مضاربة، صح، وكان إبضاعا، وإن قال: ولي الثلثان، فسد؛ ~~لأنه يشرط لنفسه جزءا من ربح مال صاحبه بغير عمل. # فصل: # وإن أخرج ألفا وقال: أتجر أنا وأنت فيها والربح بيننا، صح، نص عليه، ~~وذكره الخرقي بقوله: أو بدنان بمال أحدهما، وقال ابن حامد والقاضي: لا يصح؛ ~~لأن المضاربة تقتضي تسليم المال إلى العامل، وهذا الشرط ينفي ذلك، والأول ~~أظهر؛ لأن العمل أحد ما تتم به المضاربة، فجاز انفراد أحدهما به، كالمال، ~~ومقتضى المضاربة إطلاق التصرف في المال والمشاركة في الربح، وهذا لا ينفيه. # فإن شرط المضارب أن يعمل معه غلام رب المال، فهو أولى بالجواز؛ لأن عمل ~~الغلام يصح أن يكون تابعا لعمل العامل، كالحمل على بهيمته، وقال القاضي: لا ~~يجوز؛ لأن يد العبد كيد سيده. # فصل: # والعامل أمين لا ضمان عليه فيما تلف بغير تعد؛ لأنه متصرف في المال بإذن ~~المالك لا يختص بنفعه، فأشبه الوكيل، والقول قوله فيما يدعيه من تلف، أو ~~يدعي عليه من جناية لذلك. # إن قال: هذا اشتريته لنفسي، ms0589 أو للمضاربة، أو اختلفا في نهي رب المال له ~~عن شرائه، فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم النهي، وهو أعلم بنيته في الشراء، ~~وإن اختلفا في رد المال، فالقول قول المالك؛ لأنه قبض المال لنفع نفسه، فلم ~~يقبل قوله في الرد، كالمستعير، وإن اختلفا فيما شرط له من الربح، ففيه ~~روايتان: إحداهما: القول قول المالك؛ لأن الأصل عدم ما اختلفا فيه. # والثانية: إن ادعى العامل أجرة المثل، أو قدرا يتغابن الناس به، فالقول ~~قوله؛ لأن الظاهر صدقه، وإن ادعى أكثر، فالقول قول المالك؛ لأن الظاهر ~~صدقه، فأشبها الزوجين إذا اختلفا في المهر. # فصل: # وإن أقر بربح ثم قال: خسرته، أو تلف، قبل قوله، وإن قال: غلطت أو نسيت، ~~لم يقبل؛ لأنه مقر بحق لآدمي، فلم يقبل رجوعه، كالمقر بدين، ولو اقترض ~~العامل شيئا، تمم به رأس المال، ثم عرضه على رب المال فأخذه، لم يقبل رجوع ~~العامل، ولم يملك المقرض مطالبة رب المال؛ لأن العامل ملكه بالقرض، وأقر به ~~لرب المال، ويرجع المقرض على العامل. # PageV02P159 # فصل: # فإن قال المالك: دفعت إليك المال قرضا، قال: بل قراضا، أو بالعكس، أو ~~قال: غصبتنيه قال: بل أودعتنيه، أو بالعكس. # أو قال: أعرتكه قال: أجرتنيه، أو بالعكس، فالقول قول المالك؛ لأنه ملكه، ~~فالقول قوله في صفة خروجه عن يده، وإن قال المضارب: شرطت لي النفقة فأنكره، ~~فالقول قول رب المال؛ لأن الأصل عدمه، وإن اتفقا على الشرط، فقال المضارب: ~~إنما أنفقت من مالي، فالقول قوله؛ لأنه أمين فقبل قوله في الإنفاق، كالوصي، ~~وله الرجوع سواء كان المال في يده أو لم يكن. # فصل: # وإن اشترى رب المال شيئا من مال المضاربة، لم يصح في إحدى الروايتين؛ ~~لأنه ملكه، فلم يجز له شراؤه، كماله الذي مع وكيله، والثانية: يصح؛ لأنه قد ~~تعلق به حق غيره، فأشبه مال مكاتبه، ويصح أن يشتري المضارب من مال المضاربة ~~لنفسه؛ لأنه ملك غيره، فصح شراؤه له، كشراء الوكيل من موكله، ولا يصح شراء ~~السيد من عبده، المأذون؛ لأنه ماله، ويحتمل ms0590 أن يصح إذا ركبته الديون، وإن ~~اشترى أحد الشريكين من مال الشركة، بطل في نصيبه، وفي الباقي وجهان بناء ~~على تفريق الصفقة، ويحتمل أن يصح في الجميع، بناء على شراء رب المال من مال ~~المضاربة، وإن استأجر أحد الشريكين من شريكه دارا ليحرز فيها مال الشركة، ~~أو غرائر، صح، نص عليه، وإن استأجره أو غلامه أو دابته لنقل المتاع، ففيه ~~روايتان: إحداهما: يجوز قياسا على الدار. # والثانية: لا يجوز؛ لأن الحيوان لا تجب له الأجرة إلا بالعمل ولا يمكن ~~إبقاؤه في المشترك لعدم تميز نصيب أحدهما من الآخر، بخلاف الدار، فإن ~~الواجب موضع العين من الدار، فيمكن تسليم العقود عليه. # فصل: # ولا يجوز قسمة الدين في الذمم؛ لأنها لا تتكافأ، والقسمة بغير تعديل بيع، ~~ولا يجوز بيع دين بدين وعنه: يجوز؛ لأن الاختلاف لا يمنع القسمة قياسا على ~~اختلاف الأعيان، ولا يمكن قسمة الدين في ذمة واحدة؛ لأن معناها إفراز الحق، ~~ولا يتصور في ذمة واحدة. # فصل: # إذا كان لاثنين دين في ذمة رجل بسبب واحد، فقبض أحدهما منه شيئا فهو ~~بينهما، إذ لا يجوز أن يكون المقبوض نصيب من قبضه، لما فيه من قسمة الدين ~~في # PageV02P160 # ذمة واحدة، وللشريك القابض مطالبته بنصيبه منه لذلك، وله مطالبة الغريم؛ ~~لأنه لم يبرأ من حقه بتسليمه إلى غيره بغير إذنه، ومن أيهما أخذ، لم يرجع ~~على الآخر؛ لأن حقه ثبت في أحد المحلين. # فإذا اختار أحدهما، سقط حقه من الآخر، وإن هلك المقبوض في يد القابض تعين ~~حقه فيه، ولم يضمنه للغريم؛ لأنه قدر حقه فما تعدى بالقبض، وإنما كان ~~لشريكه مشاركته لثبوته مشتركا، وإن أبرأ أحدهما الغريم، برئ من نصيبه، ولم ~~يرجع عليه الآخر بشيء؛ لأنه كتلفه، وإن أبرأه من نصف حقه ثم قبضا شيئا، ~~اقتسماه أثلاثا، وإن أخر أحدهما حقه، جاز؛ لأنه يملك إسقاطه فتأخيره أولى، ~~وإن اشترى بنصيبه شيئا، فهو كما لو اشترى بعين مال مشترك بينهما، وإن كان ~~الحق ثابتا بسببين، كعقدين، أو إتلافين، فلا شركة بينهما، ولكل ms0591 واحد ~~استيفاء حقه مفردا، فلا يشاركه الآخر فيه. # فصل: # إذا ملكا عبدا، فباعه أحدهما بأمر الآخر، فادعى المشتري أنه قبض ثمنه، ~~فأنكر البائع وصدقه الآخر، برئ من نصف ثمنه لاعتراف صاحبه بقبض وكيله له، ~~والقول قول البائع مع يمينه في أنه لم يقبض؛ لأن الأصل عدمه، ولا تقبل ~~شهادة شريكه عليه؛ لأن له فيها نفعا، فإذا حلف، قبض نصيبه من المشتري، ولم ~~يشاركه شريكه فيه؛ لأنه يدعي أنه يأخذه ظلما، وإن كان البائع ادعى أن شريكه ~~قبض الثمن كله فأنكر، لم تبرأ ذمة المشتري؛ لأنه لم يوكله في القبض، وليس ~~للبائع مطالبة المشتري بأكثر من نصيبه، لاعترافه بأن ذمته برئت من نصيب ~~صاحبه. # فإذا قبض نصيبه، فلصاحبه مشاركته فيه؛ لأن دينهما واحد. # فإذا رجع عليه، لم يكن للمقبوض منه مطالبة المشتري بشيء آخر، لاعترافه ~~بقبضه لجميع حقه، وأن ما يأخذه صاحبه منه ظلم، ويحتمل أنه ليس لصاحبه ~~مشاركته؛ لأنه ملك لاثنين، وعقد الواحد مع الاثنين كعقدين. ### | باب العبد المأذون # لا يجوز للعبد التجارة بغير إذن مولاه؛ لأن منافعه مملوكة له، فلا يملك ~~التصرف فيها بغير إذنه، فإن رآه يتجر فسكت، لم يصر مأذونا له؛ لأنه بيع ~~يفتقر إلى الإذن، فلم يكن السكوت إذنا فيه كبيع مال الأجنبي، وإن اشترى في ~~ذمته، لم يصح؛ لأنه عقد معاوضة، فأشبه النكاح. # فإن قبض المبيع فتلف في يده، تعلقت برقبته، كجنايته؛ لأنه تلف، في يده ~~على وجه يلزمه ضمانه فأشبه ما لو أتلفه. # فصل: # وإذا أذن له المولى، جاز؛ لأن الحجر لحقه فملك إزالته، ولا يملك التجارة ~~إلا # PageV02P161 # فيما أذن فيه؛ لأن تصرفه بالإذن فلم يملك إلا ما دخل فيه، كالوكيل. # فإن عين له نوعا أو قدرا، لم يملك التجارة في غيره، وإن أذن له في ~~التجارة مطلقا، جاز ولم يكن له أن يؤجر نفسه ولا يتوكل؛ لأنه عقد على نفسه ~~فلم يملكه، كبيع نفسه وتزوجه، ولا ينصرف إلا على النظر والاحتياط كالمضارب؛ ~~لأن إطلاق الإذن يحمل على العرف، وهو ما قلناه، ولا يبطل ms0592 الإذن الإباق؛ ~~لأنه لا يمنع ابتداء الإذن فلا يقطع استدامته كما لو غصبه غاصب. # فصل: # ولا يجوز تبرع المأذون له بالدراهم والكسوة؛ لأنه ليس بتجارة ولا من ~~توابعها، فلم يدخل في الإذن فيها، وتجوز هديته المأكول، واتخاذ الدعوة ~~وإعارة دابته ما لم يسرف لما «روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان ~~يجيب دعوة المملوك» ولأن العادة جارية به بين التجار، فجاز، كصدقة المرأة ~~بالكسرة من بيت زوجها. # فصل: # وما كسب العبد من المباح، أو وهب له فقبله، ملكه مولاه؛ لأنه كسب ماله ~~فملكه، كصيد فهده، وإن ملكه سيده مالا، ملكه؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «من باع وله مال، فماله للبائع» ولأنه يملك البضع فملك المال، ~~كالحر، وعنه: لا يملك؛ لأنه مال فلم يملك المال كالبهيمة. # فإن ملكه سيده جارية لم يملك وطأها قبل الإذن فيه؛ لأن ملكه غير تام، فإن ~~أذن له فيه، ملكه. # قال أبو بكر: على كلتا الروايتين؛ لأنه يملك الاستمتاع بالنكاح، فملكه ~~بالشراء كالحر، وقال القاضي: بل هذا بناء على الرواية التي يملك المال، ولا ~~يملك ذلك على الأخرى؛ لقول الله تعالى: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم} [المؤمنون: 6] وإن لزمته كفارة، فكفارته الصيام لا غير إن لم يأذن ~~له سيده في التكفير بالمال، وإن أذن له فيه، انبنى على الروايتين في ملكه. # فإن قلنا: لا يملك، لم يكفر بغير الصيام، وإن قلنا: يملك، فله التكفير ~~بالإطعام والكسوة، وفي العتق وجهان: أحدهما: يملكه، قياسا على الإطعام ~~والكسوة. # والثاني، لا يملكه؛ لأنه يتضمن الولاء، والعبد ليس من أهله. # فعلى الأول إن أذن له في التكفير بإعتاق نفسه فهل يجزئه؟ على وجهين، ~~والله تعالى أعلم. # PageV02P162 ### | باب المساقاة # تجوز المساقاة على النخل، وسائر الشجر بجزء معلوم، يجعل للعامل من الثمر، ~~لما روى ابن عمر: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامل أهل خيبر على ~~شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع» متفق عليه، ولأنه مال ينمى بالعمل عليه، ~~فجازت المعاملة عليه ببعض نمائه، ms0593 كالأثمان، ولا تجوز على ما لا يثمر. # كالصفصاف؛ لأن موضوعها على أن للعامل جزءا من الثمرة، وفي المساقاة بعد ~~ظهور الثمرة روايتان، حكاهما أبو الخطاب. إحداهما: الجواز إذا بقي من العمل ~~ما تزيد به الثمرة؛ لأنها جازت في المعدومة، مع كثرة الغرر، فمع قلته أولى. # والثانية: المنع، لإفضائها إلى أن يستحق جزءا من النماء الموجود قبل ~~العمل، فلم يصح، كالمضاربة بعد الربح، وإن ساقاه على شجر يغرسه، ويعمل عليه ~~حتى يحمل، فيكون له جزء من الثمرة، جاز. نص عليه؛ لأن الثمرة تحصل بالعمل ~~عليها كما تحصل على النخل المغروس، ولا تصح إلا على شجر معين معلوم برؤية، ~~أو صفة؛ لأنها معاوضة يختلف الغرض فيها باختلاف الأعيان، فأشبهت المضاربة، ~~ولو قال: ساقيتك على أحد هذين الحائطين، لم يصح. # فصل: # وظاهر كلام أحمد - رضي الله عنه -: أنها عقد جائز، لما روي عن ابن عمر ~~«أن اليهود سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أن يقرهم بخيبر على أن ~~يعملوها ويكون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - شطر ما يخرج منها من ثمر ~~أو زرع، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نقركم على ذلك ما شئنا» ~~رواه مسلم. # فلو كانت لازمة، لقدر مدتها، ولم يجعل إخراجهم إليه إذا شاء، ولأنه عقد ~~على مال بجزء من نمائه، فكان جائزا كالمضاربة فلذلك لا يفتقر إلى ضرب مدة، ~~وإن وقتاها، جاز، كالمضاربة، وتنفسخ بموت كل واحد منها وجنونه، وفسخه لها. # فإن انفسخت بعد ظهور الثمرة، فهي بينهما؛ لأنها حدثت على ملكهما، وعلى ~~العامل تمام العمل، كعامل المضاربة إذا انفسخت قبل أن ينض المال، وإن ~~انفسخت قبل ظهورها، بفسخ العامل، فلا شيء له؛ لأنه رضي بإسقاط حقه، وإن ~~انفسخت بغير ذلك، فللعامل أجرة مثله؛ لأنه منع إتمام عمله الذي يستحق به ~~العوض، فصار كعامل الجعالة. # PageV02P163 # وقال بعض أصحابنا: هو لازم؛ لأنه عقد معاوضة فكان لازما، كالإجارة، فعلى ~~هذا يفتقر إلى تقدير مدتها كالإجارة، ويجب أن تكون المدة تكمل الثمرة في ~~مثلها؛ لأن المقصود اشتراكهما في الثمرة. ms0594 # فلا يحصل بدون ذلك. # فإن شرطا مدة لا تكمل الثمرة فيها، فعمل العامل، ففيه وجهان: أحدهما: لا ~~شيء له؛ لأنه رضي بالعمل بغير عوض، فأشبه المتطوع. # والثاني: له أجرة مثله؛ لأنه يقتضي العوض، فلم يسقط بالرضى بتركه، كالوطء ~~في النكاح، وإن جعلا مدة تحمل في مثلها، فلم يتحمل، فلا شيء له؛ لأنه عقد ~~صحيح، فيه مسمى صحيح، فلم يستحق غيره. # كعامل المضاربة إذا لم يربح، وإن جعلا مدة قد تكمل فيها، وقد لا تكمل، ~~ففيه وجهان: أحدهما: يصح؛ لأنها مدة يرجى وجود الثمرة فيها، فصح العقد ~~عليها، كالتي قبلها. # والثاني: لا يصح؛ لأنه عقد على معدوم ليس الغالب وجوده، فلم يصح، كالسلم ~~في مثله. # فعلى هذا، إن عمل استحق الأجر؛ لأنه لم يرض بالعمل بغير عوض، ولم يسلم ~~له، فرجع إلى بدله، كالإجارة الفاسدة. # فصل: # ويجوز عقد المساقاة والإجارة على مدة يغلب على الظن بقاء العين فيها، وإن ~~طالت؛ لأنه عقد يجوز عاما، فجاز أكثر منه، كالكتابة. # فإذا عقدها على أكثر من عام، لم يجب ذكر قسط كل سنة، كما لو اشترى أعيانا ~~بثمن واحد، وإن قدر قسط كل سنة، جاز، وإن اختلفت، نحو أن يقول: ساقيتك ~~ثلاثة أعوام على أن لك نصف ثمرة العام الأول، وثلث الثانية، وربع الثالثة. # فإن انقضت المدة قبل طلوع ثمرة العام الآخر، فلا شيء للعامل منها؛ لأنها ~~حدثت بعد موته، وإن ظهرت في مدته تعلق حقه بها لحدوثها في مدته. # فصل: # وحكم المساقاة والمزارعة حكم المضاربة في الجزء المشروط للعامل في كونه ~~معلوما مشاعا من جميع الثمرة، وفي الاختلاف في قدره وفساد العقد بجهله، ~~وشرط دراهم لأحدهما، أو ثمرة شجر معين، أو عمل رب المال، أو غلمانه، في ~~ملكه للنماء بالظهور؛ لأنه عقد على العمل في مال ببعض نمائه، فأشبه ~~المضاربة، ولو شرط له ثمرة عام غير الذي عامله فيه، لم يصح، كما لو شرط ~~للمضارب ربح غير مال المضاربة، وإن قال: إن سقيته سيحا، فلك الثلث، وإن ~~سقيته بنضح، فلك النصف، وإن زرعت ms0595 # PageV02P164 # في الأرض حنطة فلك النصف، وإن زرعت شعيرا، فلك الثلث، لم يصح؛ لأنه عقد ~~على مجهول، فلم يصح، كبيعتين في بيعة، ويتخرج أن يصح بناء على قوله في ~~الإجارة: إن خطته روميا، فلك درهم، وإن خطته فارسيا، فلك نصف درهم. # فصل: # وإن ساقاه على بستانين بالنصف من هذا، والثلث من الآخر صح، أو على أنواع ~~جعله له من كل نوع قدرا، أو جعل له في المزارعة نصف الحنطة وثلث الشعير، ~~وهما يعلمان قدر كل نوع، أو كان البستان لاثنين، فساقياه على نصف ثمرة نصيب ~~أحدهما، وثلث ثمرة الآخر، وهم يعلمونه، صح؛ لأنه معلوم فصح، كما لو كانا في ~~عقدين، وإن لم يعلموا، لم يصح؛ لأنه مجهول، ولو قال: ما زرعت فيها من حنطة ~~فلك نصفه، وما زرعت من شعير فلك ثلثه، لم يصح؛ لأنه مجهول. # فصل: # وينعقد بلفظ المساقاة؛ لأنه موضوعها، وبما يؤدي معناه؛ لأنه المقصود ~~المعنى، ولا يثبت فيها خيار الشرط، وإن قلنا بلزومها؛ لأنه لا يمكن رد ~~المعقود عليه إذا فسخ، وفي خيار المجلس وجهان: أحدهما: لا يثبت؛ لأنه لا ~~يثبت فيها خيار الشرط، فأشبه النكاح. # والثاني: يثبت؛ لأنه عقد لازم يقصد به المال، فأشبه البيع. # فصل: # ويلزم العامل ما فيه صلاح الثمرة وزيادتها، كالحرث وآلته وبقره واستقاء ~~الماء، وإصلاح طرقه وقطع الشوك، والحشيش المضر، واليابس من الشجرة، وزبار ~~الكرم، وتسوية الثمرة، والحفظ والتشميس، وإصلاح موضعه، ونحو ذلك، وعلى رب ~~المال ما فيه حفظ الأصل، كسد الحيطان وإنشاء الأنهار، وحفر بئر الماء، وعمل ~~الدولاب ونصبه، قال أصحابنا: والثور الذي يديره؛ لأن هذا يراد لحفظ الأصل، ~~ولهذا من أراد إنشاء بستان، عمل هذا كله، وقيل: ما يتكرر من كل عام، فعلى ~~العامل، وما لا يتكرر فعلى رب المال، والجذاذ والحصاد واللقاط على العامل، ~~نص عليه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - دفع خيبر إلى يهود، على أن ~~يعملوها من أموالهم، وهذا من العمل مما لا تستغني عنه الثمرة، أشبه ~~التشميس، وعنه: إن الجذاذ عليهما؛ لأنه يوجد بعد تكامل الثمر، ms0596 وهذا ينتقض ~~بالتشميس، فإن شرط على أحدهما ما يلزم الآخر، فقد نص أحمد - رضي الله عنه ~~-: على الجذاذ عليهما، ويصح شرطه على العامل، فيخرج في سائر العمل مثل # PageV02P165 # ذلك، قياسا عليه، وقال القاضي: تفسد المساقاة؛ لأنه ينافي مقتضاها، أشبه ~~ما لو شرط عمل المضاربة على رب المال. # فصل: # والعامل أمين، والقول قوله فيما يدعيه من تلف، أو يدعى عليه من خيانة، أو ~~تفريط، وإن ثبتت خيانته، ضم إليه من يشرف عليه، ولا تزال يده عن العمل؛ ~~لأنه يمكن استيفاؤه منه، فإن لم ينحفظ، استؤجر من ماله من يعمل عنه؛ لأنه ~~تعذر استيفاؤه منه، فاستوفى بغيره، وإن هرب، فهو كفسخه إن قلنا بجواز ~~العقد، وإن قلنا بلزومه، رفع الأمر إلى الحاكم، ليستأجر من ماله من يعمل ~~عنه. # فإن لم يكن له مال، اقترض عليه، فإن لم يجد، فللمالك الفسخ؛ لأنه تعذر ~~استيفاء المعقود عليه، فأشبه ما لو استأجر دارا فتعذر تسليمها، ثم إن فسخ ~~قبل ظهور الثمرة فلا شيء للعامل؛ لأن الفسخ لأمر من جهته، وإن كانت ظاهرة، ~~فهي بينهما، وإن لم يفسخ رب المال، استأذن الحاكم في الإنفاق، ثم رجع بما ~~أنفق، فإن لم يجد حاكما، أشهد على الإنفاق بشرط الرجوع، ورجع به؛ لأنه حال ~~ضرورة، وإن أنفق من غير استئذان الحاكم مع إمكانه، ففي الرجوع وجهان، بناء ~~على قضاء دينه بغير إذنه، وإن عجز العامل عن العمل، لضعفه أو عن بعضه، أقام ~~مقامه من يعمله، فإن لم يفعل، فهو كهربه، وإن استأذن رب المال، فأنفق ~~بإذنه، رجع عليه. # فصل: # فإن مات العامل، أو رب المال، وقلنا: يلزم العقد، قام الوارث مقامه؛ لأنه ~~عقد لازم، أشبه الإجارة. # فإن كان الميت العامل، فأبى الوارث الإتمام، أو لم يكن وارث، استؤجر من ~~التركة من يعمل، فإن لم يجد، تركة، فلرب المال الفسخ، ولا يقترض عليه؛ لأنه ~~لا ذمة له، وإذا فسخ، فالحكم على ما ذكرنا. # فصل: # فإن بان الشجر مستحقا، رجع العامل على من ساقاه بالأجرة؛ لأنه لم يسلم له ~~العوض، فرجع ms0597 على من استعمله. # فإن كانت الثمرة باقية، أخذها ربها، وإن كانت تالفة، ضمنها لمن شاء ~~منهما، فإن ضمنها للغاصب، ضمنه جميعها؛ لأنه حال بينه وبينه، وإن ضمنها ~~العامل، ضمنه النصف؛ لأنه لم يحصل في يده غيره، ويحتمل أن يضمنه الجميع؛ ~~لأن يده ثبتت عليه، وعمل فيه، فضمنه، كالعامل في القراض. # PageV02P166 ### | باب المزارعة # وهي: دفع الأرض إلى من يزرعها بجزء من الزرع، وتجوز في الأرض البيضاء ~~والتي بين الشجر، لخبر ابن عمر - رضي الله عنه -، وما ذكرنا في المساقاة، ~~وأيهما أخرج البذر، جاز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - دفع خيبر ~~معاملة، ولم يذكر البذر، وفي ترك ذكره دليل على جوازه من أيهما كان، وفي ~~بعض لفظ الحديث ما يدل على أنه جعل البذر عليهم؛ لقول ابن عمر: «دفع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نخل خيبر وأرضها إليهم على أن يعملوها من ~~أموالهم» . # رواه مسلم، وفي لفظ: «على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها» ~~وعن عمر - رضي الله عنه -: أنه كان يدفع الأرض على أن من أخرج البذر، فله ~~كذا، ومن لم يخرجه، فله كذا، وظاهر كلام أحمد - رضي الله عنه -: أنه يشترط ~~كون البذر من رب الأرض؛ لأنه عقد يشترك رب المال والعامل في نمائه، فوجب أن ~~يكون رأس المال من رب المال، كالمساقاة والمضاربة، فإن شرطه على العامل أو ~~شرط أن يأخذ رب الأرض مثل بذره ويقتسما ما بقي، فسدت المزارعة، ومتى فسدت، ~~فالزرع لصاحب البذر؛ لأنه من عين ماله، ولصاحبه عليه أجرة مثله. # فصل: # فإن دفع بذرا إلى ذي أرض؛ ليزرعه فيها بجزء، لم يصح؛ لأن البذر لا من ~~العامل ولا من رب الأرض. # فإن قال: أنا أزرع أرضي ببذري وعواملي على أن سقيها من مائك بجزء، لم ~~يصح؛ لأن المزارعة معاملة على الأرض، فيجب أن يكون العمل فيها من غير ~~صاحبها، وعنه: أنه يصح، اختارها أبو بكر؛ لأنه لما جاز أن يكون عوض العمل ~~جزءا مشاعا، جاز أن يكون عوض الماء كذلك، وإن كانوا ms0598 ثلاثة، من أحدهم الأرض، ~~ومن آخر العمل، ومن آخر البذر، والزرع بينهم، فهي فاسدة، لما ذكرنا في أول ~~الفصل. # فصل: # فإن قال: أجرتك هذه الأرض بثلث الخارج منها. # فقال أحمد - رضي الله عنه -: يصح، واختلف أصحابه، فقال أكثرهم: هي إجارة ~~صحيحة، يشترط فيها شروط الإجارة، وقال أبو الخطاب: هذه مزارعة بلفظ ~~الإجارة، فيشترط فيها شروط المزارعة، وحكمها حكمها؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «من كانت له أرض، فليزرعها أو فليزرعها أخاه ولا يكريها ~~بثلث، ولا بربع، ولا بطعام» مسمى رواه أبو داود، ولأن هذا مجهول فلم يجز أن ~~يكون عوضا في الإجارة. # كثلث نماء أرض أخرى. # PageV02P167 # فصل: # وحكم المزارعة حكم المساقاة فيما ذكرناه، ومن الجواز واللزوم، وما يلزم ~~العامل ورب الأرض وغير ذلك من أحكامها؛ لأنها معاملة على الأرض ببعض ~~نمائها، وإن كانت الأرض شجر فقال: ساقيتك على الأرض والشجر بالنصف، أو قال: ~~ساقيتك على الشجر بالنصف، وزارعتك الأرض بالثلث، جاز؛ لأنهما عقدان يجوز ~~إفرادهما، فجاز جمعهما، كعينين. # فصل: # ومتى سقط من الحب شيء، ثم نبت في عام آخر، أو سقط من حب المستأجر، ثم نبت ~~في عام آخر، فهو لصاحب الأرض؛ لأن صاحب الحب أسقط حقه منه بحكم العرف، ~~بدليل أن لكل أحد التقاطه، فسقط، كما لو سقط النوى، فنبت شجرا. # PageV02P168 ### | كتاب الإجارة # وهي بيع المنافع، وهي جائزة في الجملة؛ لقول الله تعالى: {قالت إحداهما ~~يا أبت استأجره} [القصص: 26] . # الآيتين، وقول الله تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] ~~ولأن الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان، فلما جاز عقد البيع على ~~الأعيان، وجب أن يجوز عقد الإجارة على المنافع، وينعقد بلفظ الإجارة ~~والكري؛ لأنه لفظ موضوع لها، وفي لفظ البيع وجهان: أحدهما: ينعقد به؛ لأنها ~~صنف منه. # والثاني: لا تنعقد به؛ لأنها تخالفه في الاسم والحكم، فلم تنعقد بلفظه، ~~كالنكاح. # فصل: # وتجوز إجارة الظئر للرضاع، والراعي لرعاية الغنم، للآيتين، واستئجار ~~الدليل، ليدل على الطريق؛ لأنه ثبت «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا ~~بكر استأجرا رجلا من ms0599 بني الديل هاديا خريتا والخريت الماهر بالهداية وهو ~~على دين كفار قريش، وأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ~~ليال فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث فارتحلا» . # رواه أحمد والبخاري، وإجارة كل عين يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع ~~بقاء عينها دائما، قياسا على المنصوص عليه، وتجوز إجارة النقود للتحلي ~~والوزن، واستئجار شجر ليجفف عليها الثياب، والغنم لتدوس الزرع والطين؛ ~~لأنها منفعة مباحة يجوز أخذ # PageV02P169 # العوض عنها في غير هذه الأعيان، فجاز فيها، كالبيع، ولا يجوز عقدها على ~~ما لا نفع فيه، مثل أن يستأجر للزرع سبخة لا تنبت، أو لا ماء لها يكفي. # فإن كان لها ماء معتاد، كماء العيون والأنهار، والمد بالبصرة، والمطر في ~~موضع يكتفى به، جاز، وإن كانت الأرض على نهر يستقى بزيادته، كالنيل ~~والفرات، وتسقيها الزيادة المعتادة، جازت إجارتها؛ لأن الغالب وجودها، فهي ~~كالمطر لغيرها، وإن كان لا يسقيها إلا زيادة نادرة، فاستأجرها بعد الزيادة، ~~صح؛ لأنها معلومة، وإن استأجرها قبلها، لم يصح؛ لأنه لا يعلم وجودها، فهي ~~كبيع الطير في الهواء، وإن استأجرها، ولم يذكرها للزراعة، وكانت تصلح ~~لغيرها، صح، وإن لم تصلح لغيرها، لم يصح؛ لأن نفعها معدوم، وإن غرقت الأرض ~~فاكتراها لزرع ما لا ينبت في الماء، كالحنطة، وللماء مغيض يمكن فتحه فينحسر ~~الماء، ويمكن زرعها، صح؛ لأنه يمكن زرعها بفتحه، كما يمكن سكنى الدار ~~بفتحها، وإن علم أنه ينحسر عادة، صح؛ لأنه يعلم بالعادة إمكان الانتفاع. # فإن لم يعلم هل ينحسر أو لا؟ لم يصح، لما ذكرنا، وإن اكترى أرضا على نهر ~~تغرق بزيادته المعتادة، لم يصح؛ لأنه غير منتفع بها عادة. # فإن كانت بخلاف ذلك، صح. # فصل: # ولا يجوز عقد الإجارة على المنافع المحرمة، كالغناء والنياحة والزمر، ولا ~~إجارة داره لمن يتخذها كنيسة، أو بيت نار، أو يبيع فيها الخمر ونحوه؛ لأنه ~~محرم، فلم تجز الإجارة لفعله، كإجارة الأمة للزنا، ولا يجوز استئجار رجل ~~ليكتب له غناء أو نوحا، أو شيئا محرما لذلك، ولا يجوز استئجاره ليحمل خمرا، ~~ليشربها ms0600 لذلك، وعنه: فيمن حمل خنزيرا، أو ميتة لنصراني، أكره أكل كرائه، ~~ولكن يقضى له بالكراء، وإذا كان لمسلم، فهو أشد. # قال القاضي: هذا محمول على أنه استأجره ليرقيها، أما للشرب، فمحظور، لا ~~يحل أخذ الأجرة عليه، وإن استأجر حجاما ليحجمه، جاز، «لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حجمه أبو طيبة، فأعطاه أجره صاعين من طعام وكلم مواليه فخففوا ~~عنه» . # متفق عليه. # قال ابن عباس: ولو كان حراما ما أعطاه أجره، ويكره للحر أكل أجره؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كسب الحجام خبيث: وقال: أطعمه عبدك أو ~~خادمك» وقال القاضي: لا تصح إجارته لهذا الحديث. # فصل: # ولا تجوز إجارة الفحل للضراب، لما روى ابن عمر «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى عن عسب الفحل» . # أخرجه البخاري، ولأن المقصود منه الماء الذي يخلق منه الولد، وهو محرم، ~~لا قيمة له، فلم يجز أخذ عوضه، كالدم، ولا يجوز إجارة النقود، ليجمل بها ~~الدكان # PageV02P170 # لأنها لم تخلق لذلك، ولا تراد له، فبذل العوض فيه من السفه، وأخذه من أكل ~~المال بالباطل، وكذلك استئجار الشمع للتجميل به، أو ثوب ليوضع على سرير ~~الميت لا يجوز ذلك. # فصل: # ولا يجوز عقد الإجارة على ما تذهب أجزاؤه بالانتفاع به، كالمطعوم ~~والمشروب، والشمع ليسرجه، والشجر يأخذ ثمرته، والبهيمة يحلبها؛ لأن الإجارة ~~عقد على المنافع، فلا تجوز لاستيفاء عين، كما لو استأجر دينارا لينفقه إلا ~~في الظئر تجوز للرضاع؛ لأن الضرورة تدعو إليه، لبقاء الآدمي، ولا يقوم ~~غيرها مقامها. # فصل: # ولا تجوز إجارة ما يسرع فساده، كالرياحين؛ لأنه لا يمكن الانتفاع بها مع ~~بقاء عينها دائما، فجرت مجرى المطعوم، فإن كانت مما تبقى عينه دائما ~~كالعنبر، جازت إجارته للشم، لما تقدم. # فصل: # وما يخص فاعله أن يكون من أهل القربة، وهم المسلمون، كالحج وتعليم ~~القرآن، ففيه روايتان: إحداهما: يجوز الاستئجار عليه؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» . # رواه البخاري، وأباح أخذ الجعل عليه، ولأنه فعل مباح، فجاز أخذ الأجرة ms0601 ~~عليه، كتعليم الفقه. # والثانية: لا يجوز؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعثمان بن أبي ~~العاص: «واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا» رواه أبو داود، ولأنه لا يقع ~~إلا قربة لفاعله، فلم يجز أخذ العوض عليه كالصلاة. # فأما الاستئجار لتعليم الفقه والشعر المباح فيجوز؛ لأن فاعله لا يختص أن ~~يكون من أهل القربة، فجاز كبناء المساجد، وفي إجارة المصحف وجهان، بناء على ~~بيعه. # فصل: # قال بعض أصحابنا: لا يجوز إجارة المشاع لغير الشريك، إلا أن يؤجراه معا؛ ~~لأنه لا يمكنه تسليم حصته إلى المستأجر، إلا بموافقة الشريك، وقال أبو حفص: ~~يجوز؛ لأنه يصح بيعه ورهنه، فصحت إجارته، كالمفرد. # PageV02P171 # فصل: # ولا بأس أن يؤجر نفسه من الذمي، نص عليه؛ «لأن عليا - رضي الله عنه - أجر ~~نفسه يهوديا، يسقي له كل دلو بتمرة، وأخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فلم ينكره» وأكل أجرته، ولا يؤجر نفسه لخدمته؛ لأنه يتضمن إذلال المسلم ~~للكافر فلم يجز، كبيعه إياه، ويتخرج الجواز؛ لأنه عاوضه عن منفعة، فجاز، ~~كإجارته لعمل شيء. # فصل: # والإجارة على ثلاثة أضرب. # إجارة عين معينة، كالدور، وموصوفة في الذمة، كبعير للركوب، وعقد على عمل ~~في الذمة، كخياطة ثوب وحمل متاع؛ لأن البيع يقع في عين حاضرة وموصوفة، ~~ومقدر معلوم، كقفيز من صبرة، فكذلك الإجارة. # فإن كانت الإجارة لعين معينة، اشترط معرفتها برؤية أو صفة إن كانت تنضبط ~~بالصفات، كالحيوان، فإن لم تنضبط كالدار، والأرض، فلا بد من رؤيتها، كما ~~يشترط ذلك في البيع، وفي استئجار عين لم يرها، ولم توصف له وجهان، بناء على ~~بيعها، ويشترط معرفة المنفعة، فإن كان لها عرف، كسكنى الدار، لم يحتج إلى ~~ذكرها؛ لأنها لا تكترى إلا لذلك، فاستغنى عن ذكرها، كالبيع بثمن مطلق، في ~~موضع فيه نقد معروف، وإن اكترى أرضا، احتاج إلى ذكر ما يكتري له، من غراس ~~أو بناء، أو زرع؛ لأنها تكترى لذلك كله، وضرره يختلف، فوجب بيانه، وإن ~~أجرها للزرع مطاقا صح، وله زرع ما شاء؛ لأنه يجوز أن يستأجرها لأعظم ms0602 الزرع ~~ضررا، فإذا أطلق العقد تناوله بإطلاقه، ودخل فيه ما دونه، وإن قال: ~~لتزرعنها ما شئت، فهو أولى بالصحة، لتصريحه بذلك، وإن اكتراها لزرع معين، ~~فله زرعه ومثله في الضرر ودونه؛ لأن الزرع إنما ذكر لتقدير منفعة الأرض، ~~فلم يتعين، كما لو اكترى للسكنى، كان له أن يسكن غيره، وإن قال: لتزرعها أو ~~تغرسها لم يصح؛ لأنه لم يعين، أشبه ما لو باعه أحد هذين العبدين، وإن قال: ~~لتزرعها وتغرسها ما شئت، صح، وله ما شاء منهما؛ لأنه جعلهما له، فملكهما ~~كالنوع الواحد. # فصل: # وإن اكترى ظهرا للركوب، اشترط معرفته، برؤية أو صفة لأنه يصح بيعه بهما، ~~وذكر المهملج والقطوف من الخيل؛ لأن سيرهما يختلف، ومعرفة ما يركب به من ~~سرج أو غيره؛ لأنه يختلف بالمركوب والراكب، ولا يحتاج إلى ذكر الذكورية ~~والأنوثية؛ لأن التفاوت بينهما يسير، وقال القاضي: يفتقر إلى معرفته ~~لتفاوتهما، ولا بد من معرفة الراكب برؤية أو صفة، ذكره الخرقي؛ لأن الصفة ~~تكفي في بيع مثله، وقال الشريف: لا يجزئ فيه إلا الرؤية؛ لأن الصفة لا تأتي ~~عليه، ولا بد من معرفة المحامل والأغطية، # PageV02P172 # والأوطئة والمعاليق، كالقدر والسطيحة ونحوهما، إما برؤية أو صفة أو وزن، ~~وإن اكترى ظهرا لعمل في مدة، كالحراثة والدياس والسقي والطحن، اشترط معرفة ~~الظهر بالتعيين أو الصفة؛ لأن العمل يختلف باختلافه، وإن استأجره على عمل ~~معين، كحراثة قدر من الأرض، ودياس زرع معين، وطحن قفزان معلومة، لم يحتج ~~إلى معرفة الظهر؛ لأنه لا يختلف، ويحتاج في الطحن إلى معرفة الحجر، وفي ~~السقي إلى معرفة البئر، والدولاب؛ لأنه يختلف، وإن اكترى لحمل متاع، لم ~~يحتج إلى ذكر جنس الظهر، لعدم الغرض في معرفته ويشترط معرفة المتاع برؤية ~~أو صفة، فيذكر جنسه من حديد أو قطن أو نحوه؛ لأن ضرره يختلف، وقدره بالوزن ~~إن كان موزونا، أو بالكيل إن كان مكيلا؛ لأن البيع يصح بكلا الطريقين، وإن ~~ذكر وزن المكيل، فهو أحصر. # وإن دخلت الظروف في وزن المتاع، استغني عن ذكرها، وإن لم تدخل وكانت ms0603 ~~معروفة لا تختلف كثيرا، صح من غير تعيينها؛ لأن تفاوتها يسير، وإن اختلفت ~~كثيرا، اشترط معرفتها بالرؤية، أو الصفة لذلك، ولو اكترى ظهرا ليحمل عليه ~~ما شاء، لم يصح؛ لأنه يدخل في ذلك ما يقتل البهيمة، وإن شرط أن يحمل عليها ~~طاقتها، لم يصح؛ لأنه لا ضابط له. # فصل: # وإن استأجر راعيا مدة، صح؛ لأن موسى - عليه السلام - أجر نفسه لرعاية ~~الغنم ثماني سنين، ويشترط معرفة الحيوان؛ لأن لكل جنس تأثيرا في إتعاب ~~الراعي، ويجوز أن يكون على معين، وعلى موصوف في الذمة، فإن كان على موصوف ~~في الذمة اشترط ذكر العدد؛ لأن العمل يختلف به، وإن استأجر ظئرا، اشترط ~~معرفة الصبي بالتعيين؛ لأن الرضاع يختلف به، ولا تأتي عليه الصفة، وإن ~~استأجر رجلا ليحفر له بئرا، أو نهرا، اشترط معرفة الأرض؛ لأن الغرض يختلف ~~باختلافها ومعرفة الطول والعرض، والعمق؛ لأن الغرض يختلف بذلك كله، وإن ~~استأجره لبناء حائط، اشترط ذكر طوله وعرضه وعلوه، وآلته من لبن أو طين أو ~~غيره؛ لأن الغرض يختلف بذلك كله، وإن استأجره لضرب لبن، اشترط معرفته الماء ~~والتراب والطول والسمك والعرض والعدد، وعلى هذا جميع الأعمال التي يستأجر ~~عليها. # فإن كان في ما يختلف فيها الغرض ما لا يعرفه، رجع فيه إلى أهل الخبرة به، ~~ليعقد على شرطه، كما لو أراد النكاح، من لا يعرف شروطه، رجع إلى من يعرفه ~~ليعرفه شروطه، وإن عجز عن معرفته، وكل فيه من يعرفه ليعقده. # فصل: # ويشترط معرفة قدر المنفعة؛ لأن الإجارة بيع، والبيع لا يصح إلا في معلوم ~~القدر، ولمعرفتها طريقان: # PageV02P173 # أحدهما: تقدير العمل، كخياطة ثوب معين، والركوب، أو حمل شيء معلوم إلى ~~مكان معين. # والثاني: تقدير المدة كسكنى شهر، فإن كانت المنفعة لا تتقدر بالعمل، ~~كالتطيين والتجصيص، فإن مقداره يختلف في الغلظ والرقة، وما يروي الأرض من ~~الماء، يختلف باختلاف الأرض واحتياجها إلى الماء، وما يشبع الصبي في ~~الرضاع، يختلف باختلاف الصبيان، والأحوال، والسكنى ونحوها، فلا يجوز تقديره ~~إلا بالمدة، لتعذر تقديره بالعمل، وما يتقدر بالعمل، ms0604 كاستئجار الظهر للحرث ~~والحمل والطحن والدياس، والعبد للخدمة، جاز تقديره بالعمل، فإن شرط تقديره ~~بالعمل والمدة فقال: استأجرتك لتحرث لي هذه الأرض في شهر، لم يصح؛ لأنه إن ~~حرثها في أقل من شهر، أو فرغ الشهر قبل حرثها، فطولب بتمام ما بقي، كان ~~زيادة على المشروط، وإن لم يتمم، كان نقصا، وعن أحمد ما يدل على الصحة؛ لأن ~~الإجارة معقودة للعمل، والمدة مذكورة للتعجيل، فجاز كالجعالة، ويشترط فيما ~~قدر بمدة، معرفة المدة؛ لأنها الضابطة للمعقود عليه، فإن قدرها بسنة أو ~~شهر، كان ذلك بالأهلة؛ لأنها المعهودة في الشرع، فوجب حمل المطلق عليها، ~~فإن كان ذلك في أثناء شهر، عد باقيه، ثم عد أحد عشر شهرا بالهلال، ثم كمل ~~الأول بالعدد ثلاثين يوما؛ لأنه تعذر إتمامه بالهلال فكمل بالعدد، وحكي فيه ~~رواية أخرى: أنه يستوفي الجميع بالعدد؛ لأنه يجب إتمام الشهر مما يليه، ~~فيصير ابتداء الثاني في أثنائه، وكذلك ما بعده، وإن عقد على سنة رومية، ~~وهي: ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع، وهما يعلمان ذلك، جاز، وإن جهلاها أو ~~أحدهما، لم يصح؛ لأن المدة مجهولة عنده، والحكم في مدة الإجارة، كالحكم في ~~مدة السلم على ما مضى فيه. # فصل: # وتجوز الإجارة مدة لا تلي العقد، مثل أن يؤجره شهر رجب وهو في صفر، سواء ~~كانت فارغة أو مؤجرة مع المستأجر، أو غيره؛ لأنها مدة يجوز العقد عليها مع ~~غيرها، فجاز عليها مفردة، كالتي تلي العقد، ويحتاج إلى ذكر ابتدائها؛ لأنها ~~أحد طرفي المدة، فاحتيج إلى معرفتها كالانتهاء، فإن كانت تلي العقد ~~فابتداؤها منه، ولا يحتاج إلى ذكرها؛ لأنها معلومة. # فصل: # فإن قال: أجرتكها كل شهر بدرهم، فالمنصوص أنه صحيح، وذهب إليه الخرقي ~~والقاضي؛ لكن تصح في الشهر الأول بإطلاق العقد؛ لأنه معلوم يلي العقد ~~وأجرته معلومة، وما بعده يصح العقد فيه بالتلبس به، ولكل واحد منهما الفسخ ~~عند تقضي كل # PageV02P174 # شهر؛ «لأن عليا - رضي الله عنه - أجر نفسه من يهودي يستقي له كل دلو ~~بتمرة، وجاء به إلى النبي - صلى الله ms0605 عليه وسلم - فأكل منه» وذهب أبو بكر ~~وجماعة من أصحابنا إلى بطلانه؛ لأن العقد على كل الشهور، وهي مبهمة مجهولة، ~~فلم يصح، كما لو جعل أجرتها في الجميع شيئا واحدا. # فصل: # ويشترط في صحة الإجارة ذكر الأجرة؛ لأنه عقد يقصد فيه العوض فلم يصح من ~~غير ذكره كالبيع، ويشترط أن تكون معلومة لذلك، ويحصل العلم بالمشاهدة أو ~~بالصفة كالبيع، ويشترط أن تكون معلومة لذلك، ويحصل العلم بالمشاهدة أو ~~بالصفة كالبيع، وفي وجه آخر، لا بد من ذكر قدره وصفته؛ لأنه ربما انفسخ ~~العقد، ووجب رد عوضه بعد تلفه، فاشترط معرفة قدره ليعلم بكم يرجع، كرأس مال ~~السلم، وقد ذكرنا وجه الوجهين في السلم، وتجوز بأجرة حالة ومؤجلة؛ لأن ~~الإجارة كالبيع، وذلك جائز فيه، فإن أطلق العقد وجبت به حالة، ويجب تسليمها ~~بتسليم العين؛ لأنها عوض في معاوضة، فتستحق بمطلق العقد كالثمن، وإن كانت ~~الإجارة على عمل في الذمة، استحق استيفاء الأجرة عند انقضاء العمل؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» ولأنه ~~أحد العوضين، فلزم تسليمه عند تسليم الأجر كالبيع، وإن شرطا تأجيلها، جاز ~~إلا أن يكون العقد على منفعة في الذمة، ففيه وجهان: أحدهما: يجوز لأنه عوض ~~في الإجازة، فجاز تأجيله، كما لو كان على عين. # والثاني: لا يجوز؛ لأنه عقد على ما في الذمة، فلم يجز تأجيل عوضه كالسلم. # فصل: # ويجوز أن يستأجر الأجير بطعامه وكسوته، سواء جعل ذلك جميع الأجرة أو ~~بعضها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «رحم الله أخي موسى، أجر ~~نفسه ثماني سنين، على طعام بطنه وعفة فرجه» رواه ابن ماجة ولأن العادة ~~جارية به من غير نكير، فأشبه الإجماع. # فإن قدر الطعام والكسوة، فحسن، وإن أطلق، جاز، ويرجع في القوت إلى ~~الإطعام في # PageV02P175 # الكفارة، وفي الملبوس إلى أقل ملبوس مثله، ولأن لذلك عرفا في الشرع، فحمل ~~الإطلاق عليه. # فصل: # وإذا استوفى المنفعة، استقرت الأجرة؛ لأنه قبض المعقود عليه، فاستقر ~~بدله، كما لو قبض المبيع، وإن سلم ms0606 إليه العين مدة يمكن الاستيفاء فيها، ~~استقرت الأجرة عليه؛ لأن المعقود عليه تلف تحت يده، فأشبه تلف المبيع تحت ~~يده، وإن عرض عليه العين ومضت مدة، يمكن الاستيفاء فيها، استقرت الأجرة؛ ~~لأن المنافع تلفت باختياره، فأشبه تلف المبيع بعد عرضه على المشتري، وإن ~~كان العقد على عمل في الذمة، لم تستقر الأجرة إلا باستيفاء العمل؛ لأنه عقد ~~على ما في الذمة، فلم يستقر عوضه ببذل التسليم كالمسلم فيه وإن كان العقد ~~فاسدا، لم يستقر ببذل التسليم، كما لا يستقر ببذل المبيع، ويجب باستيفائها؛ ~~لأنه استوفاها بشبهة عقد، وإن قبض العين ومضت مدة يمكن استيفاء المنفعة ~~فيها، ففيه روايتان: إحداهما: لا يجب شيء؛ لأنه عقد فاسد على منفعة لم ~~يستوفها، فلم يجب العوض كالنكاح. # والثانية: يجب أجر المثل؛ لأن البيع الفاسد كالصحيح في استقرار البدل، ~~فكذلك الإجارة. # فصل: # ويجوز أن يكتري الرجلان ظهرا، يتعاقبان عليه، وأن يكتري الرجل عقبة يركب ~~في بعض الطريق إذا كان ذلك معلوما؛ لأنه يجوز العقد على جميعه، فجاز على ~~بعضه، كالزمان، فإن كان في طريق فيه عادة في الركوب والنزول، جاز العقد ~~مطلقا، وحمل على العادة، كالنقد في البيع، وإن لم يكن فيه عادة، اشترط بيان ~~ما يركب؛ لأنه غير معلوم، فوجب بيانه كالثمن، وإن اختلفا في البادئ منهما، ~~أقرع بينهما؛ لأنهما تساويا في الملك، فقدم أحدهما بالقرعة، كما في القسمة. # فصل: # إذا دخل حماما، أو قعد مع ملاح في سفينة، فعليه أجرهما وإن لم يعقدا معه ~~إجارة؛ لأن العرف جار بذلك، فجرى مجرى الشرط، كنقد البلد، وكذلك إن دفع ~~ثوبه إلى خياط، أو قصار، منتصبين لذلك، أو مناد، أو رجل معروف بالبيع ~~بالأجر ليبيعه، فلهم أجر أمثالهم لذلك، وإن دفع كتابا إلى رجل ليحمله إلى ~~صاحب له بأجر، فحمله فوجد صاحبه غائبا فله الأجر للذهاب؛ لأنه فعل ما ~~استأجره عليه، وللرد؛ لأنه بإذنه # PageV02P176 # تقديرا إذ ليس سوى رده إلا تضييعه، وقد علم أنه لا يرضى تضييعه، فتعين ~~رده. # فصل: # إذا آجره مدة تلي العقد، لم ms0607 يجز شرط الخيار؛ لأنه يمنع التصرف فيها أو في ~~بعضها فينقص عما شرطاه، وفي خيار المجلس وجهان: أحدهما،: لا يثبت لذلك. # والثاني: يثبت لأنه يسير، وإن كانت لا تلي العقد، ثبت فيها الخياران؛ ~~لأنها بيع ولا مانع من ثبوته فيها، وكذلك إن كانت على عمل في الذمة، أو على ~~منفعة عين في الذمة ثبتا فيها لذلك. والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | باب ما يجوز فسخ الإجارة وما يوجبه # وهي: عقد لازم ليس لواحد منهما فسخها؛ لأنها بيع فأشبهت بيوع الأعيان، ~~إلا أن يجد العين معيبة، فيملك الفسخ بما يحدث من العيب؛ لأن المنافع لا ~~يحصل قبضها إلا بالاستيفاء، فهي كالمكيل يتعيب قبل قبضه، فإن بادر المكتري ~~إلى إزالة العيب من غير ضرر يلحق المستأجر، كدار تشعثت فأصلحها، فلا خيار ~~للمستأجر لعدم الضرر، وإلا فله الفسخ، فإن سكنها مع عيبها، فعليه الأجرة ~~علم أو لم يعلم؛ لأنه استوفى جميع المعقود عليه معيبا، مع علمه به، فلزمه ~~البدل، كالمبيع المعيب إذا رضيه، وإن كان العقد على موصوف في الذمة فرد ~~بعيب، لم ينفسخ العقد، ويطالب ببدله، فإن تعذر بدله، فله الفسخ، لتعذر ~~المعقود عليه، كما لو وجد بالسلم عيبا فرده، والعيب ما تنقص به المنفعة، ~~كانهدام حائط الدار، وتعيبه وانقطاع ماء بئرها أو تغيره، وانقطاع ماء الأرض ~~أو نقصه، وتغير الظهر في المشي، وعرجه الفاحش وربضه، وكونه عضوضا أو جموحا، ~~وضعف بصر الأجير في الخدمة ومرضه. # فأما كون الظهر خشن المشي، فليس بعيب؛ لأن المنفعة فيه كاملة، وإن اختلفا ~~في العيب، رجع فيه إلى أهل الخبرة. # فصل: # وإن تلفت العين في يده، انفسخت الإجارة، كما لو تلف المكيل قبل قبضه، وإن ~~تلفت قبل مضي شيء من المدة فلا أجرة عليه؛ لأنه لم يقبض شيئا من المعقود ~~عليه، وإن تلفت بعد مضي شيء منها، فعليه من الأجرة بقدر ما استوفى، ويسقط ~~بقدر ما بقي، فإن كان أجرها في بعض المدة أكثر، قسمت على القيمة، وإن كانت ~~الإجارة على موصوف في الذمة، لم تنفسخ بالتلف، ms0608 وله البدل كما لو تعيب. # PageV02P177 # فصل: # إذا اكترى أرضا للزرع، فانقطع ماؤها، أو دارا فانهدمت، انفسخ العقد في ~~أحد الوجهين؛ لأن المنفعة المقصودة منها تعذرت، فأشبه تلف العبد، والآخر: ~~لا ينفسخ؛ لأنه يمكن الانتفاع بها كالسكنى في خيمة، أو يجمع فيها حطبا أو ~~متاعا، لكن له الفسخ؛ لأنها تعيبت، وإن ماتت المرضعة، انفسخت الإجارة، وعن ~~أبي بكر: لا تنفسخ ويجب في مالها أجر رضاعه والمذهب الأول؛ لأن المعقود ~~عليه تلف، فأشبه تلف عبد الخدمة، وإن مات المرتضع، انفسخ العقد؛ لأنه تعذر ~~استيفاء المعقود عليه؛ لأن غيره لا يقوم مقامه لاختلافهم في الرضاع، ولذلك ~~وجب تعيينه، ولم استأجر رجلا ليقلع ضرسه فبرئ، أو ليكحل عينه فبرئت، أو ~~ليقتص له فمات المقتص منه، أو عفي عنه، انفسخ العقد؛ لأنه تعذر استيفاء ~~المعقود عليه فانفسخ، كما لو تعذر بالموت، وإن استأجر للحج فمات، ففيه ~~وجهان: أحدهما: تنفسخ الإجارة؛ لأنه تعذر الاستيفاء بموته، أشبه موت ~~المرتضع. # والثاني: لا تنفسخ، ويقوم وارثه مقامه، كما لو كان المستأجر دارا، وإن لم ~~يمت لكن تلف ماله، لم تنفسخ الإجارة؛ لأن المعقود عليه سليم. # فصل: # فإن غصبت العين المستأجرة، فللمستأجر الفسخ؛ لأن فيه تأخير حقه، فإن فسخ، ~~فالحكم فيه كالفسخ بتلف العين، وإن لم ينفسخ حتى انقضت المدة، خير بين ~~الفسخ والرجوع على المؤجر بالمسمى، ويرجع المؤجر على الغاصب بأجر المثل، ~~وبين إمضاء العقد ومطالبة الغاصب بأجرة المثل؛ لأن المنافع تلفت في يد ~~الغاصب، فأشبه ما لو أتلف المبيع أجنبي، وإن كان العقد على موصوف في الذمة، ~~طولب المؤجر بإقامة عين مقامها، فإن تعذر، فله الفسخ؛ لأن فيه تأخير حقه. # فصل: # فإن أجر نفسه ثم هرب، أو اكترى عينا ثم هرب بها، فللمستأجر الخيار بين ~~الصبر والفسخ؛ لأن فيه تأخير حقه، فأشبه ما لو اشترى مكيلا فمنعه قبضه، وإن ~~كانت الإجارة على موصوف في الذمة، استؤجر من ماله من يعمله، كما لو هرب قبل ~~تسليم المسلم فيه، فإن لم يكن، فللمستأجر الخيار بين الفسخ والصبر إلى أن ~~يقدر ms0609 عليه فيطالبه بالعمل، كما لو تعذر تسليم المسلم فيه، وإن كانت الإجارة ~~على مدة انقضت في هربه، بطلت الإجارة؛ لأنه أتلف المعقود عليه، فأشبه ما لو ~~باعه مكيلا فأتلفه قبل تسليمه. # فصل. # PageV02P178 # وإن أجر عبده، ثم أعتقه، لم تنفسخ الإجارة؛ لأنه عقد على المنفعة فلم ~~تنفسخ بالعتق، كالنكاح، ولا يرجع العبد بشيء؛ لأن منفعته استحقت بالعقد قبل ~~العتق، فلم يرجع ببدله، كما لو زوج أمته، ثم أعتقها، ونفقته على سيده؛ لأنه ~~يملك بدل منفعته، فهو كالباقي على ملكه. # فصل: # وإن أجر عينا، ثم باعها، صح البيع؛ لأنه عقد على المنفعة، فلم يمنع البيع ~~كالنكاح، ولا تبطل الإجارة قياسا على النكاح، وإن باعها من المستأجر، صح ~~لذلك، وفي الإجارة وجهان: أحدهما: تبطل لأنها عقد على المنفعة، فأبطلها ملك ~~الرقبة كالنكاح، فعلى هذا يسقط من الأجرة بقدر ما بقي من المدة. # والثاني: لا تبطل؛ لأنه عقد على الثمرة، فلم تبطل بملك الأصل، كما لو ~~اشترى ثمرة شجرة ثم ملك أصلها، ومتى وجد المستأجر عيبا ففسخ به، رجع على ~~المؤجر؛ لأن عوض الإجارة له، فالرجوع عليه، وإن كان المستأجر هو المشتري ~~فكذلك، إن قلنا: لا تنفسخ الإجارة، وإن قلنا: تنفسخ، لم يرجع على أحد. # فصل: # ولا تنفسخ الإجارة بموت المتكاريين، ولا موت أحدهما؛ لأنه عقد لازم، فلا ~~يبطل بموت المتعاقدين مع سلامة المعقود عليه كالبيع، وإن أجر عينا موقوفة ~~عليه، ثم مات ففيه وجهان: أحدهما: لا تبطل؛ لأنه أجر ما له إجارته شرعا، ~~فلم تبطل بموته كما لو أجر ملكه، ولكن يرجع البطن الثاني في تركة المؤجر ~~بأجر المدة الباقية، إن كان قبضها؛ لأن المنافع لهم فاستحقوا أجرتها. # والثاني: تبطل فيما بقي من المدة؛ لأننا تبينا أنه أجر ملكه وملك غيره، ~~فإن المنافع بعد موته لغيره بخلاف المالك، فإن ورثته إنما يملكون ما خلفه، ~~وما خرج عن ملكه بالإجارة في حياته، غير مخلف فلم يملكوه، والأمر إلى من ~~انتقل إليه الوقف في إجارته أو تركه، فعلى هذا يرجع المستأجر على المؤجر ~~بأجرة بقية ms0610 المدة، وإن أجر الولي الصبي، أو ماله مدة فبلغ في أثنائها، ففيه ~~وجهان أيضا كهذين. # PageV02P179 ### | باب ما يلزم المتكاريين وما لهما فعله # يجب على المكري ما يحتاج إليه من التمكين، من الانتفاع، كمفتاح الدار، ~~وزمام الجمل والقتب والحزام، ولجام الفرس وسرجه؛ لأن عليه التمكين من ~~الانتفاع، ولا يحصل إلا بذلك، وما تلف من ذلك في يد المكتري، لم يضمنه، كما ~~لا يضمن العين، وعلى المكري بدله، لأن التمكين مستحق عليه إلى أن يستوفي ~~المكتري المنفعة. # فأما ما يحتاج إليه لكمال الانتفاع، كالحبل والدلو والمحمل والغطاء، ~~والحبل الذي يقرن به بين المحملين فهو على المكتري؛ لأن ذلك يراد لكمال ~~الانتفاع فأشبه بسط الدار. # فصل: # وعلى المكري رفع المحمل وحطه، ورفع الأحمال وسوق الظهر وقوده؛ لأن ذلك ~~العادة، فحمل العقد عليه. وعليه أن ينزل الراكب للطهارة وصلاة الفرض؛ لأنه ~~لا يمكن فعله راكبا، وليس ذلك عليه للأكل والنفل؛ لأنه ممكن على الظهر، ~~وعليه أن يبرك الجمل للمرأة وللمريض والضعيف، وإن كانت الإجارة على تسليم ~~الظهر، لم يكن عليه شيء من ذلك، فأما أجرة الدليل، فإن كانت الإجارة على ~~تحصيل الراكب في البلد فعلى المكري؛ لأنه من مؤنة التحصيل، وإن كانت على ~~تسليم الظهر، أو على مدة، فهو على المكتري؛ لأن الذي على المكري تسليم ~~الظهر وقد فعل، وعلى المكري تسليم الدار فارغة الحش والبالوعة؛ لأنه من ~~التمكن، فإن امتلأ في يد المكتري، فعليه كسحه؛ لأنه ملأه فكان عليه إزالته، ~~كتنظيف الدار، وعلى المكري إصلاح ما انهدم من الدار، وتكسر من خشب؛ لأنه من ~~التمكين وإذا استأجر ظئرا للرضاع وشرط الحضانة، وهي خدمة الصغير وغسل خرقه ~~لزمها، وإن لم يشترطه عليها، لم يلزمها إلا الرضاع؛ لأنهما منفعتان ~~مقصودتان تنفرد إحداهما عن الأخرى، فلم تلزم إحداهما بالعقد على الأخرى، ~~وعليها أن تأكل وتشرب ما يدر به اللبن ويصلح به، وللمكتري مطالبتها به؛ ~~لأنه من التمكين، ويضر الصبي تركه. # فصل: # وعلى المكتري علف الظهر وسقيه؛ لأنه من التمكين، فإن هرب، وترك جماله، ~~رفع الأمر إلى ms0611 الحاكم ليحكم في مال الجمال بالعلف، فإن لم يجد له مالا، ~~اقترض عليه، فإن اقترض من المكتري، أو أذن له في الإنفاق عليها قرضا، جاز؛ ~~لأنه موضع حاجة، وإن كان في الجمال فضل عن المكتري، باعه وأنفق منه، فإذا ~~رجع الجمال، أو اختلفا في النفقة، فالقول قول المنفق؛ لأنه أمين إذا كانت ~~دعواه لقدر النفقة بالمعروف، وما زاد لا يرجع به؛ لأنه متطوع، فإن أنفق من ~~غير إذن الحاكم مع إمكانه، وأشهد على # PageV02P180 # ذلك، فهل يرجع به؟ على وجهين بناء على من ضمن دينه بغير إذنه، وإن لم يجد ~~من يشهد فأنفق، ففي الرجوع وجهان. # أصحهما: يرجع به؛ لأنه موضع ضرورة فأشبه ما لو أنفق على الآبق في رده، ~~وإذا وصل دفع الجمال إلى الحاكم، ليوفي المنفق نفقته منها، ويفعل في سائرها ~~ما يرى الحظ فيه لصاحبها، من بيعها وحفظ ثمنها، أو بيع بعضها، وإنفاقه على ~~باقيها. # فصل: # وليس على المكتري مؤنة رد العين؛ لأنها أمانة، فلم يلزم مؤنة ردها ~~كالوديعة، ويحتمل أن يلزمه؛ لأنه غير مأذون له في إمساكها بعد انقضاء ~~مدتها، فلزمه مؤنة ردها كالعارية. # فصل: # وللمكتري استيفاء المنفعة بالمعروف؛ لأن إطلاق العقد يقتضي المتعارف، ~~فصار كالمشروط، فإذا استأجر دارا للسكنى، فله وضع متاعه فيها؛ لأنه متعارف ~~في السكنى، ويترك فيها من الطعام ما جرت عادة الساكن به لذلك، وليس له ~~جعلها مخزنا للطعام؛ لأنه غير متعارف وفيه ضرر؛ لأن الفأر تنقب الحيطان ~~للحصول إليه، ولا يجوز أن يربط، فيها الدواب، ولا يطرح فيها الرماد ~~والتراب؛ لأنه غير متعارف به، وإن اكترى قميصا ليلبسه، لم يكن له أن ينام ~~فيه ليلا، وله ذلك نهارا؛ لأن العادة الخلع لنوم الليل دون النهار، وليس له ~~أن يتزر به؛ لأنه يعتمد عليه أكثر من اللبس، وله أن يرتدي به في أحد ~~الوجهين؛ لأنه أخف، والآخر ليس له ذلك؛ لأنه غير المتعارف في لبس القميص، ~~وإن اكترى ظهرا في طريق، العادة السير فيه زمنا دون زمن لم يسر إلا فيه؛ ~~لأنه المتعارف، ms0612 وإن كانت العادة النزول للرواح، وكان رجلا قويا، ففيه ~~وجهان: أحدهما: يلزمه ذلك؛ لأنه المتعارف. # والثاني: لا يلزمه؛ لأنه اكترى للركوب في جميع الطريق، فلم يلزمه تركه في ~~بعضه، وإن اكتره إلى مكة، لم يجز أن يحج عليه؛ لأنه زيادة، وإن اكتراه ليحج ~~عليه، فله الركوب إلى منى، ثم إلى عرفة، ثم إلى مكة، وهل له أن يركبه عائدا ~~إلى منى؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه قد حل من الحج. # والثاني: له ذلك؛ لأنه من تمام الحج. # PageV02P181 # فصل: # وله ضرب الظهر، وكبحه باللجام، وركضه برجله للمصلحة؛ «لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ضرب جمل جابر حين ساقه» ولأنه لا يتوصل إلى استيفاء ~~المنفعة إلا به، فملكه كركوبه، وإن شرط حمل أرطال من الزاد، فله إبدال ما ~~يأكل؛ لأن له غرضا في أن يشتري الزاد من الطريق، ليخفف عليه حمله فملك ~~بدله، كالذي يشرب من الماء. # فصل: # وله أن يستوفي النفع المعقود ومثله ودونه في الضرر، ولا يملك فوقه، ولا ~~ما يخالف ضرر ضرره، لأنه يأخذ فوق حقه، أو غير حقه. # فإن اكترى ظهرا في طريق، فله ركوبه إلى ذلك البلد في مثله، ودونه في ~~الخشونة، والمسافة والمخافة، ولا يركبه في أخشن منه، ولا أبعد، ولا أخوف، ~~وإن اكترى أرضا للغراس والبناء، فله زرعها؛ لأنه أقل ضررا، وإن استأجرها ~~لأحدهما لم يملك الآخر؛ لأن ضرر كل واحد منهما يخالف ضرر الآخر، وإن ~~استأجرها للزرع لم يغرس، ولم يبين؛ لأنهما أضر منه، وإن استأجرها لزرع ~~الحنطة، فله زرعها، وزرع ما ضرره كضررها أو أدنى، كالشعير، والبقلاء، ولا ~~يملك زرع الدخن والذرة والقطن؛ لأن ضررها أكثر، وإن اكترى ظهرا ليحمل عليه ~~قطنا، لم يجز أن يحمل عليه حديدا؛ لأنه أضر على الظهر لاجتماعه وثقله، وإن ~~اكتراه للحديد، لم يحمل عليه قطنا؛ لأنه أضر لتجافيه، وهبوب الريح فيه، وإن ~~اكتراه ليركبه، لم يحمل عليه؛ لأن الراكب يعين الظهر بحركته، وإن اكتراه ~~للحمل، لم يملك ركوبه؛ لأن الراكب يقعد في موضع واحد، والحمل يتفرق ms0613 على ~~جنبيه، وإن شرط ركوبه عريانا، لم يركب بسرج؛ لأنه زيادة، وإن شرط ركوبه ~~بسرج، لم يركبه عريانا؛ لأنه يضر بظهر الحيوان، والعارية كالإجارة في هذا؛ ~~لأنها تمليك للمنفعة، فأشبهت الإجارة. # فصل: # وله أن يستوفي المنفعة بنفسه وبمثله، فإن اكترى دارا، فله أن يسكنها ~~مثله، ومن هو دونه في الضرر، ولا يسكنها من هو أضر منه، وإن اكترى ظهرا ~~يركبه، فله أن يركبه مثله، ومن هو أخف منه، لما ذكرنا في الفصل قبله، فإن ~~شرط أن لا يستوفي غير المنفعة بنفسها، ولا يستوفي مثلها، ولا دونها، ولا ~~يستوفيها بمثله، ولا بدونه، صح الشرط؛ لأنه يملكه المنافع، فلا يملك إلا ما ~~ملكه، ويحتمل أن لا يصح؛ لأنه ينافي موجب الإجارة، ولا يبطل العقد؛ لأن ~~الشرط لا يؤثر المؤجر، فلغي وبقي العقد على مقتضاه. # PageV02P182 # فصل: # وله أن يؤجر العين؛ لأن الإجارة كالبيع، وبيع المبيع جائز، وكذلك إجارة ~~المستأجر، ويجوز أن يؤجرها للمؤجر وغيره، كما يجوز بيع المبيع للبائع ~~وغيره، فإن أجرها قبل قبضها، لم يجز، ذكره القاضي؛ لأنها لم تدخل في ضمانه، ~~فلم تجز إجارتها، كبيع الطعام قبل قبضه، ويحتمل الجواز؛ لأن المنافع لا ~~تصير مقبوضة بقبض العين، فلم يؤثر قبض العين فيها، ويحتمل أن تجوز إجارتها ~~للمؤجر؛ لأنها في قبضه، ولا تجوز من غيره لعدم ذلك، وتجوز إجارتها بمثل ~~الأجرة وزيادة، كالبيع برأس المال وزيادة، وعنه: إن أحدث في العين زيادة، ~~جازت إجارتها بزيادة، وإن لم يفعل لم يؤجرها بزيادة؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «نهى عن ربح ما لم يضمن» فإن فعل تصدق بالزيادة، وعنه: يجوز ~~بإذن المالك، ولا يجوز بغير إذنه، والمذهب الأول. # فصل: # فإن استوفى أكثر من المنفعة بزيادة متميزة مثل إن اكترى إلى مكان، ~~فجاوزه، أو ليحمل قفيزا فحمل اثنين لزمه المسمى، لما عقد عليه، وأجرة المثل ~~للزيادة؛ لأنه استوفى المعقود عليه، فاستقر المسمى ولزمته أجرة الزيادة، ~~كما لو اشترى قفيزا، فقبض اثنين، وإن كانت الزيادة لا تتميز، كرجل اكترى ~~أرضا ليزرع حنطة فزرع دخنا فكذلك ms0614 قال أحمد - رضي الله عنه -: ينظر ما يدخل ~~على الأرض من النقصان، ما بين الحنطة والشعير، فيعطي رب الأرض، فأوجب ~~المسمى وزيادة؛ لأنه لما عين الحنطة تعلق العقد بما يماثله في الضرر، فصار ~~مستوفيا للمعقود عليه وزيادة كالتي قبلها، وقال أبو بكر: عليه أجرة المثل ~~للجميع؛ لأنه عدل عن المعقود عليه إلى غيره، فلزمته أجرة المثل، كما لو زرع ~~غير الأرض، ولرب الأرض منع المستأجر من زرع الأرض، فإن زرع فحكمه في ذلك ~~حكم الغاصب على ما سيأتي. # فصل: # فإن اكترى أرضا للزرع مدة، فليس له زرع ما لا يستحصد فيها؛ لأن عليه ~~تسليمها، فارغة عند انتهائها، وهذا يمنع ذلك، وللمالك منعه من زرعه لذلك، ~~فإن فعل، لم يجبر، على قلعه في المدة؛ لأنه مالك لمنفعة الأرض، فإذا انقضت ~~ولم يحصد، خير المالك بين أخذه، ودفع نفقته، وبين تركه بالأجرة لأنه تعدى ~~بزرعه، فأشبه الغاصب، وإن كان بقاؤه بغير تفريط، إما لشدة برد، أو قلة مطر ~~ونحوه، فعلى المؤجر تركه بالأجرة؛ لأنه زرعه بحق، فكان عليه المسمى للمدة، ~~وأجرة المثل للزائد لا غير. # PageV02P183 # فصل: # فإن اكتراها مدة ليزرع فيها زرعا لا يكمل فيها، وشرط قلعه في آخرها، صح ~~العقد والشرط؛ لأنه قد يكون له غرض صحيح فيه، وإن شرط تبقيته حتى يكمل فسد ~~العقد لجهل المدة، ولأن شرط تبقيته تنافي تقدير مدته، وللمؤجر منعه من ~~الزرع؛ لأن العقد فاسد، فإن زرعه، لزم إبقاؤه بشرطه؛ لأنه زرعه بإذن ~~المالك، وإن أطلق العقد، صح؛ لأن الانتفاع بالأرض في هذه المدة ممكن، فإذا ~~انقضت، والزرع باق، احتمل أن يكون حكمه حكم المفرط لزرعه في مدة الإجارة ما ~~لا يكمل فيها، واحتمل أن يكون حكمه حكم غير المفرط لتفريط المؤجر بإجارة ~~مدة لا يكمل فيها. # فصل: # وأن استأجرها للغراس مدة، جاز، وله الغرس فيها، ولا يغرس بعدها؛ لأن ~~العقد، يقتضي التصرف في المدة دون ما بعدها، فإن غرس، فانقضت المدة، وكان ~~مشروطا عليه القلع عند انقضائها، أخذ بما شرطه، ولم يلزمه تسوية الحفر؛ ~~لأنه ms0615 لما شرط القلع، مع علمه بأنه يحفر الأرض كان راضيا، وإن لم يكن شرط ~~القلع، لم يجب؛ لأن تفريغ المستأجر على حسب العادة، والعادة ترك الغراس حتى ~~ييبس، وللمستأجر قلع غرسه؛ لأنه ملكه، فإن قلعه، لزمه تسوية الحفر؛ لأنه ~~حفرها لتخليص ملكه من ملك غيره بغير إذنه، وإن لم يقلعه، فللمؤجر دفع قيمته ~~ليملكه؛ لأن الضرر يزول عنهما به، أشبه الشفيع في غراس المشتري، وإن أراد ~~قلعه، وكان لا ينقص بالقلع، أو ينقص لكنه يضمن، أرش النقص، فله ذلك؛ لأن ~~الضرر يزول عنهما به، وإن اختار إقراره بأجرة مثله، فله ذلك؛ لأن الضرر ~~يزول عنهما به، ولصاحب الشجر بيعه للمالك ولغيره، فيكون بمنزلته؛ لأن ملكه ~~ثابت عليه، فأشبه الشقص المشفوع، والبناء كالغراس في جميع ما ذكرنا. ### | باب تضمين الأجير واختلاف المتكاريين # الأجير على ضربين: خاص ومشترك، فالخاص: هو الذي يؤجر نفسه مدة، فلا ضمان ~~عليه فيما يتلف في يده بغير تفريط، مثل أن يأمره بالسقي، فيكسر الجرة، أو ~~بكيل شيء، فيكسر الكيل، أو بالحرث، فيكسر آلته نص عليه، أو بالرعي، فتهلك ~~الماشية بغير تفريطه، والمشترك: الذي يؤجر نفسه على عمل، فظاهر كلام ~~الخرقي، أنه يضمن ما تلف بعمله، ونص عليه أحمد - رضي الله عنه - في حائك ~~دفع إليه غزل، فأفسد حياكته يضمن، والقصار ضامن لما يتخرق من مده ودقه ~~وعصره وبسطه، والطباخ ضامن لما أفسد من طبخه، لما روى جلاس بن عمرو: أن ~~عليا - رضي الله عنه - كرم الله وجهه: كان يضمن الأجير، ولأنه قبض العين ~~لمنفعة من غير استحقاق، فكان ضامنا لها # PageV02P184 # كالمستعير، وقال القاضي وأصحابه: إن كان يعمل في ملك المستأجر، كخياط أو ~~خباز، أخذه إلى داره ليستعمله فيها، فلا ضمان عليه ما لم يتعد فيه، مثل أن ~~يسرف في الوقود أو يلزقه قبل وقته، أو يتركه بعد وقته فيضمن؛ لأنه أتلفه ~~بعدوانه، وما لا فلا ضمان عليه؛ لأنه سلم نفس إلى صاحب العمل، فأشبه الخاص، ~~وإن كان العمل في غير ملك المستأجر، ضمن ما جنت يداه لما ms0616 ذكرناه، ولا ضمان ~~عليه فيما تلف من حرزه؛ لأنها أمانة في يده، فأشبه المودع، وإن حبسها على ~~أجرتها فتلفت، ضمنها؛ لأنه متعد بإمساكها إذ ليست رهنا ولا عوضا عن الأجرة. # فصل: # ولا ضمان على المستأجر في العين المستأجرة إن تلفت بغير تفريط؛ لأنه ~~قبضها ليستوفي ما ملكه فيها، فلم يضمنها كالزوجة، والنخلة التي اشتراها ~~ليستوفي ثمرتها، وإن تلفت بفعله بغير عدوان، كضرب الدابة وكبحها، لم يضمن؛ ~~لأنها تلفت من فعل مستحق، فلم يضمنها، كما لو تلفت تحت الحمل، وإن تلفت ~~بعدوان، كضربها من غير حاجة، أو لإسرافه فيه، ضمن؛ لأنه جناية على مال ~~الغير، وإن اكترى إلى مكان، فتجاوزه، فهلك الظهر، ضمنه؛ لأنه متعد، أشبه ~~الغاصب، وإن هلك بعد نزوله عنه، وتسليمه إلى صاحبه، لم يضمنه؛ لأنه برئ ~~بتسليمه إليه إلا أن يكون هلاكه، لتعب الحمل فيضمنه؛ لأنه هلك بعدوانه، وإن ~~حمل عليه أكثر مما استأجره، فتلف، ضمنه لذلك، وإن اكترى دابة ليركبها فركب ~~معه آخر بغير إذن فتلفت، ضمانها الآخر كلها؛ لأن عدوانه سبب تلفها فضمنها، ~~كمن ألقى حجرا في سفينة موقرة فغرقها، وإن تلفت الدابة، بعد عودها إلى ~~المسافة، ضمنها؛ لأن يده صارت ضامنة، فلم يسقط عنه ذلك إلا بإذن جديد، ولم ~~يوجد. # فصل: # ولو قال لخياط: إن كان هذا يكفيني قميصا فاقطعه فقطعه، فلم يكفه، ضمنه؛ ~~لأنه إنما أذن له في قطعه بشرط الكفاية ولم يوجد، وإن قال: هو يكفيك قميصا ~~فقال: اقطعه، فقطعه، فلم يكفه لم يضمنه؛ لأنه قطعه بإذن مطلق. # فصل: # ومن أجر عينا فامتنع من تسليمها فلا أجرة له؛ لأنه لم يسلم المعقود عليه، ~~فلم يستحق عوضه، كالمبيع إذا لم يسلمه، وإن سلمه بعض المدة، ومنعه بعضا، ~~فقال أصحابنا: لا أجرة له؛ لأنه لم يسلم ما تناوله العقد، فأشبه الممتنع من ~~تسليم الجميع، ويحتمل أن يلزمه عوض ما استوفاه، كما باعه مكيلا فسلم إليه ~~بعضه، ومنعه من # PageV02P185 # باقيه، وإن أجر نفسه على عمل، وامتنع من إتمامه، فكذلك، وإن أجر عبده ~~فهرب، أو دابة فشردت ms0617 في بعض المدة فله من الأجرة بقدر ما استوفي من المدة؛ ~~لأن الامتناع بغير فعله، فأشبه ما لو مات، وإن تلف الثوب في يد الصانع بغير ~~تفريطه، فلا أجرة له فيما عمل؛ لأنه لم يسلمه إلى المستأجر، فلم يستحق ~~عوضه، وإن تلف بتفريطه خير المالك بين تضمنه إياه معمولا، ويدفع إليه ~~أجرته، وبين تضمينه إياه غير معمول ولا أجرة له، وإن استأجر الأجير المشترك ~~أجيرا خاصا، فأتلف الثوب، فلا ضمان على الخاص، ويضمنه المشترك. # فصل: # وإذا اختلف المتكاريان في قدر الأجرة أو المنفعة، تحالفا؛ لأنه عقد ~~معاوضة، أشبه البيع، ثم الحكم في فسخ الإجارة، كالحكم في فسخ البيع؛ لأنها ~~بيع، وإن اختلفا في العدوان، فالقول قول المستأجر؛ لأن الأصل عدم العدوان، ~~والبراءة من الضمان، وإن اختلفا في رد العين، ففيه وجهان: أحدهما: القول ~~قول المؤجر؛ لأن الأصل عدم الرد، ولأن المستأجر قبض العين لنفسه، أشبه ~~المستعير. # والثاني: القول قول الأجير؛ لأنه أمين، فأشبه المودع، وإن هلكت العين، ~~فقال الأجير: هلكت بعد العمل، فلي الأجرة، فأنكره المستأجر، فالقول قوله؛ ~~لأن الأصل عدم العمل، وإن دفع ثوبا إلى خياط، فقطعه قباء، وقال: بهذا ~~أمرتني، فلي الأجرة، ولا ضمان علي وقال صاحبه: إنما أمرتك بقطعه قميصا، ~~فالقول قول الأجير، نص عليه؛ لأنه مأذون له في القطع، والخلاف في صفته، ~~فكان القول قول المأذون له كالمضارب ولأن الأصل عدم وجوب الغرم، فكان القول ~~قول من ينفيه، ويتخرج أن يقبل قول المالك؛ لأن القول قوله في أصل الإذن، ~~فكذلك في صفته، ولأن الأصل عدم ما ينفيه، فكان القول قوله فيه. ### | باب الجعالة # وهي أن يجعل جعلا لمن يعمل له عملا من رد آبق أو ضالة، أو بناء، أو ~~خياطة، وسائر ما يستأجر عليه من الأعمال فيجوز ذلك؛ لقول الله تعالى: {ولمن ~~جاء به حمل} [يوسف: 72] # PageV02P186 # {بعير وأنا به زعيم} [يوسف: 72] ولما روى أبو سعيد «أن ناسا من أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتوا حيا من أحياء العرب، فلم يقروهم، ~~فبينا هم كذلك إذ ms0618 لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل فيكم من راق؟ فقالوا: لم ~~تقرونا فلا نفعل، أو تجعلوا لنا جعلا، فجعلوا لهم قطيع شياه، فجعل رجل يقرأ ~~بأم القرآن، ويجمع بزاقة ويتفل فبرئ الرجل، فأتوهم بالشياه، فقالوا: لا ~~نأخذها حتى نسأل عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: وما أدراك ~~أنها رقية خذوها واضربوا لي منها بسهم» . # متفق عليه. # ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك في رد الضالة ونحوها، فجاز كالإجارة، ويجوز عقد ~~الجعالة لعامل غير معين، وعمل مجهول، فيقول: من رد ضالتي فله كذا للآية، ~~ولأن الحاجة داعية إليه مع الجهل، فجاز كالمضاربة، ولا يجوز إلا بعوض ~~معلوم؛ لأنه عقد معاوضة، فاشترط العلم بعوضه كالإجارة، فإن شرط مجهولا فسد، ~~وله أجرة المثل؛ لأنه عقد يجب المسمى في صحيحه، فوجبت أجرة المثل في فاسده ~~كالإجارة. # فصل: # وهي عقد جائز؛ لأنها تنعقد على مجهول، فكانت جائزة كالمضاربة، وأيهما فسخ ~~قبل الشروع في العمل فلا شيء للعامل، وإن فسخه العامل قبل تمام العمل، فلا ~~شيء له، لأنه إنما يستحق بعد الفراغ من عمله وقد تركه، وإن فسخه الجاعل بعد ~~التلبس به، فعليه أجرة ما عمل العامل؛ لأنه إنما عمل بعوض لم يسلم له، وإن ~~تم العمل، لزم العقد ووجب الجعل؛ لأنه استقر بتمام العمل، فأشبه الربح في ~~المضاربة، وإن زاد في الجعل، أو نقص منه قبل الشروع في العمل، جاز؛ لأنه ~~عقد جائز، فجازت الزيادة فيه والنقصان قبل العمل كالمضاربة. # فصل: # ولا يستحق الجعل إلا بعد فراغه من العمل؛ لأنه كذا شرط، وإن جعل له جعلا ~~على رد آبق فرده إلى باب الدار، فهرب، أو مات قبل تسليمه لم يستحق شيئا؛ ~~لأنه لم يأت بما جعل الجعل فيه، وإن قال: من رده من مصر فله دينار، فرده من ~~نصف طريقها، أو قال: من رد عبدي، فله دينار، فرد أحدهما، فله نصف الدينار؛ ~~لأنه عمل نصف العمل، وإن رده من أبعد من مصر، لم يستحق إلا الدينار؛ لأنه ~~لم يضمن لما زاد شيئا، وإن رده جماعة ms0619 اشتركوا في الدينار؛ لأنهم اشتركوا في ~~العمل. # فإن جعل لواحد في رده دينارا، ولآخر اثنين، ولآخر ثلاثة، فلكل واحد منهم ~~ثلث جعله، وإن جعل لواحد منهم ثوبا، فله ثلث أجرة المثل؛ لأنه عوض مجهول، ~~فاستحق ثلث أجرة # PageV02P187 # المثل، وإن جعل لواحد جعلا، فأعانه آخر، فالجعل كله للمجعول له؛ لأن ~~العمل كله له. # فإن قال الآخر: شاركته لأشاركه في الجعل، فللعامل نصف الجعل؛ لأنه عمل ~~نصف العمل ولا شيء للآخر؛ لأنه لم يشرط له شيء. # فصل: # ومن عمل لغيره عملا بغير جعل، فلا شيء له؛ لأنه بذل منفعته بغير عوض، فلم ~~يستحقه، وإن التقط لقطة قبل الجعل، ثم بلغه الجعل لم يستحقه؛ لأنه وجب عليه ~~ردها بالتقاطها، فلم يجز له أخذ العوض عن الواجب، وإن التقطها بعد الجعل، ~~ولم يعلم بذلك لم يستحقه؛ لأنه تطوع بالالتقاط، وإن نادى غير صاحب الضالة: ~~من ردها، فله دينار، فردها رجل، فالدينار على المنادي؛ لأنه ضمن العوض وإن ~~قال في النداء: قال فلان: من رد ضالتي فله دينار، فردها رجل، لم يضمن ~~المنادي؛ لأنه لم يضمن، إنما حكى قول غيره. # فصل # وإن اختلفا في الجعل أو في قدره، أو في المجعول فيه الجعل، فالقول قول ~~المالك؛ لأنه منكر ما يدعى عليه والأصل عدمه. # فصل: # وإن رد آبقا من غير شرط، ففيه روايتان: إحداهما: لا جعل له فيما ذكرنا. # والثانية: له الجعل؛ لأن ذلك يروى عن عمر، وعلي، وابن مسعود - رضي الله ~~عنهم -، ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة، ويروى عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «أنه جعل في الآبق إذا جاء به خارجا من الحرم دينارا» ولأن في ذلك ~~حثا على رد الإباق، وصيانة عن الرجوع إلى دار الحرب، وردتهم عن دينهم، ~~فينبغي أن يكون مشروعا، وقدر الجعل دينارا أو اثني عشر درهما، لما روينا، ~~ولأن ذلك يروى عن عمر وعلي - رضي الله عنهما -، وعن أحمد - رضي الله عنه -: ~~أنه إن رده من خارج المصر فله أربعون درهما، وإن رده من المصر، فله دينار؛ ~~لأنه ms0620 يروى عن ابن مسعود - رضي الله عنه - وسواء كان ذلك كقيمة العبد أو أقل ~~أو أكثر، فإن مات السيد، استحق الجعل في تركته، وما أنفقه على الآبق في ~~قوته، رجع به على سيده، سواء رده أو هرب منه في بعض الطريق. # PageV02P188 ### | باب المسابقة # تجوز المسابقة على الأقدام والدواب وبالسهام والحراب والسفن وغيرها، لما ~~روى ابن عمر - رضي الله عنهما -: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سابق ~~بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع، وبين التي لم تضمر من ثنية ~~الوداع إلى مسجد بني زريق» متفق عليه، «وسابق النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عائشة - رضي الله عنها - على قدميه» وسابق سلمة بن الأكوع رجلا من الأنصار ~~بين يديه، «ومر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوم يربعون حجرا أي يرفعونه ~~بأيديهم ليعلم الشديد منهم، فلم ينكر عليهم» ولا يجوز بعوض إلا في الخيل ~~والإبل والسهام، لما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر» رواه أبو داود. # فتعين حمله على المسابقة بعوض جمعا بينه وبين ما روينا، والمراد بالحافر ~~الخيل خاصة، وبالخف الإبل، وبالنصل السهام؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه ~~بقوسه ونبله» ولأن غير الخيل والإبل لا تصلح للكر والفر والقتال، وغير ~~السهام لا يعتاد الرمي بها، فلم تجز المسابقة عليها كالبقر والتراس. # فصل: # والمسابقة بعوض جعالة فيه؛ لأنه عقد على ما لا يعلم القدرة على تسليمه، ~~فأشبه رد الآبق، ولكل واحد منهما فسخها قبل الشروع في المسابقة، وما لم ~~يظهر فضل أحدهما، فإن ظهر، فللفاضل الفسخ والنقصان والزيادة ولا يجوز ~~للمفضول، لئلا يفوت غرض المسابقة، فإنه متى بان له أنه مسبوق، فسخ، وذكر ~~القاضي وجها آخر، أنها عقد لازم؛ لأن من شرطها العلم بالعوضين فكانت لازمة ~~كالإجارة، ويجوز بذل العوض من بيت المال، ومن السلطان، ومن المتسابقين ~~وآحاد الرعية؛ لأنه إخراج مال لمصلحة، فجاز من الجميع كارتباط ms0621 الخيل في ~~سبيل الله، فإن بذل العوض فيها تحريض على التعلم، والاستعداد للجهاد، ومن ~~شرط العوض كونه معلوما لما ذكرنا في الجعالة له. # فصل: # ولا تجوز المسابقة بين جنسين، كالخيل والإبل؛ لأن تفاضل الجنسين معلوم. # فأما النوعان كالعربي والهجين، والبختي والعرابي، فقال القاضي: تجوز ~~المسابقة بينهما؛ لأن الجنس يشملهما، فأشبها النوع الواحد، وقال أبو ~~الخطاب: لا تصح؛ لأنهما يختلفان في الجري عادة، فأشبها الجنسين، وكذا ~~الخلاف في المناضلة بنوعين من القسي، كالعربي والفارسي وقوس الجرح وقوس ~~النبل لذلك. # فصل: # ويشترط تعيين المركوبين؛ لأن القصد جوهرهما، وتعيين الراميين؛ لأن القصد # PageV02P189 # معرفة حذقهما، ولا يعتبر تعيين الراكبين ولا القوسين؛ لأنهما آلة للمقصود ~~فلم يعتبر تعيينهما، كسرج الدابة، ويعتبر تحديد المسافة، لحديث ابن عمر، ~~ولأنهما إذا أجريا إلى غير غاية، لم يؤمن ألا يسبق أحدهما حتى يعطبا أو ~~أحدهما، ولا يجوز إجراؤهما إلا بتدبير الراكبين؛ لأنهما إذا جريا لأنفسهما، ~~تنافرا ولم يمضيا إلى الغاية، ولا يجوز أن يستبقا على أن من سبق صاحبه ~~بخمسة أقدام، فهو السابق؛ لأن هذا لا ينضبط، فإن الفرسين لا يقفان عند ~~الغاية ليقدر ما بينهما. # فصل: # وإذا كان الجعل من غيرهم فقال: من سبق منكم، فله عشرة، صح، فإن سبق واحد، ~~فهي له؛ لأنه سبق، وإن سبق اثنان أو أكثر، اشتركوا في السبق، وإن جاء الكل ~~معا، فلا شيء لهم؛ لأنهم لا سابق فيهم، وإن جعل السبق للمصلي وحده، أو فضله ~~عن السابق، لم يصح؛ لأن كل واحد منهم يجتهد أن لا يسبق فيفوت الغرض، وكذلك ~~إن جعل للسابق عشرة وللثالث أربعة، ولم يجعل للمصلي شيئا، لم يصح؛ لأن من ~~عدا السابق يجتهد أن لا يسبق صاحبه، وإن سوى بين السابق والمصلي، ولا ثالث ~~معهما، لم يصح لفوات الغرض به، وإن كان معهما ثالث نقص عنهما، صح؛ لأن كل ~~واحد منهم يجتهد في أن لا يكون الثالث، وإن جعل للمجلي وهو الأول مائة، ~~وللمصلي وهو في الثاني تسعين، وللمسلي وهو الثالث ثمانين، وللتالي وهو ~~الرابع سبعين، وللمرتاح وهو ms0622 الخامس ستين، وللعاطف وهو السادس خمسين، وللحظي ~~وهو السابع أربعين، وللمؤمل وهو الثامن ثلاثين، وللطيم وهو التاسع عشرين، ~~وللحظي وهو العاشر عشرة، وللفسكل وهو الأخير خمسة، صح؛ لأن الغرض حاصل وكل ~~واحد يجتهد في سبق الآخر، لينال أعلى من رتبته، وإن جعل كل رتبة يشترك فيه ~~جميع من بلغها، احتمل أن يصح لذلك، واحتمل أن لا يصح؛ لأنه قد يشترك في ~~السبق جماعة، وينفرد المصلي فيفضلهم بكثرة ما جعل له فيفوت الغرض، وإن قال: ~~من بلغ الغاية فله عشرة، لم يكن ذلك مسابقة؛ لأن مقصود المسابقة التحريض ~~على السبق وتعلم الفروسية، وهذا يفوت بالتسوية، ولكنه جعالة محضة؛ لأنه بذل ~~العوض في أمر فيه غرض صحيح، وكذلك إن قال: ارم عشرة اسهم، فإن كانت إصابتك ~~أكثر من خطئك، فلك كذا، أو قال: إن أصبت بهذا السهم، فلك كذا، صح ولم يكن ~~مناضلة لذلك. # فصل: # وإن أخرج الجعل أحد المتسابقين، جاز؛ لأن فيهما من يأخذ ولا يعطي، فلا ~~يكون قمارا. # فإن سبق من أخرج، أحرز سبقه، ولم يأخذ من صاحبه شيئا، وإن سبق الآخر، ~~أحرز الجعل؛ لأنه سابق، وإن جاءا معا فالجعل لصاحبه؛ لأنه لا سبق فيهما. # PageV02P190 # وإن أخرجا معا، لم يجز؛ لأنه يكون قمارا؛ لأنه ليس فيهما إلا من يأخذ إذا ~~سبق، ويعطي إذا سبق، إلا أن يدخلا معهما ثالثا يساوي فرسه فرسيهما، لما روى ~~أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أدخل فرسا بين فرسين ~~وهو لا يؤمن أن يسبق، فليس بقمار، ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن ~~يسبق، فهو قمار» رواه أبو داود، ولأنه مع وجود المحلل المكافئ فيهم من يأخذ ~~ولا يعطي، فيخالف القمار. # فإن كان لا يكافئهما، فوجوده كعدمه؛ لأنه معلوم أنه لا يأخذ شيئا، وسواء ~~كان المحلل واحدا أو أكثر، والمسابقة بين اثنين أو حزبين؛ لأن الغرض الخروج ~~من القمار وقد حصل على أي صفة كان. # فإذا تسابقوا فجاءوا معا، أو جاء المستبقان معا قبل المحلل، أحرز كل واحد ~~منهما سبقه، ms0623 ولا شيء للمحلل؛ لأنه لم يسبق ولم يسبق أحدهما صاحبه، وإن ~~سبقهما المحلل أخذ سبقيهما؛ لأنه سبقهما، وإن سبق أحد المستبقين وحده، أحرز ~~السبقين لسبقه، ولم يأخذ من المحلل شيئا، وإن سبق أحدهما مع المحلل، أحرز ~~المستبق سبق نفسه؛ لأنه غير مسبوق، وكان سبق الآخر بينه وبين المحلل نصفين، ~~لاشتراكهما في سبقه. # فصل: # وترسل الفرسان معا من أول المسافة في حال واحدة، ولا يجوز لأحدهما أن ~~يجنب مع فرسه فرسا يحرضه على العدو، ولا يصلح به ولا يجلب عليه، لما روى ~~عمران بن حصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا جلب ولا جنب في ~~الرهان» رواه أبو داود، وروى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «من أجلب على الخيل يوم الرهان فليس منا» فإن استوى الفرسان في طول ~~العنق فسبق أحدهما برأسه، فهو سابق، وإن اختلفا في طول العنق، أو كان ~~بعيرين اعتبر السبق بالكتف، فمن سبق به أو ببعضه، فهو سابق، ولا عبرة ~~بالعنق، وإن عثر أحدهما، أو ساخت قوائمه في الأرض، أو وقف لعلة، فسبقه ~~الآخر لم يحكم له بالسبق؛ لأن سبقه إياه للعارض، لا لفضل جريه. # فصل: # وإن مات أحد المركوبين، بطلت المسابقة؛ لأن العقد تعلق بعينه، فأشبه تلف ~~المعقود عليه في الإجارة، وإن مات الراكب، لم تبطل؛ لأنه غير المعقود عليه، ~~وللوارث أن يقوم مقامه، وله أن لا يفعل؛ لأن العقد جائز، ومن جعله لازما، ~~ألزمه. أن يقوم مقامه، كالإجارة. # PageV02P191 ### | باب المناضلة # وهي المسابقة بالرمي وتجوز بين اثنين وحزبين، لما روي «عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه خرج على أصحاب له يتناضلون فقال: ارموا وأنا مع بني ~~فلان، فأمسك الآخرون، فقالوا: يا رسول الله، كيف نرمي وأنت معهم فقال: ~~ارموا وأنا معكم كلكم» رواه البخاري ولأنه إذا جاز على اثنين، جاز على ~~ثلاثة كسباق الخيل. # فصل: # ويشترط لصحتها شروط ثمانية: أحدهما: تعيين الرماة؛ لأن الغرض معرفة الحذق ~~في الرمي، فلا يتحقق مع عدم التعيين، كسباق الخيل، فإن عقد اثنان نضالا ms0624 على ~~أن يكون مع كل واحد منهما ثلاثة لم يصح لذلك، وإن عقد جماعة نضالا ~~ليتناضلوا حزبين، احتمل أن لا يصح؛ لأن التعيين لا يتحقق قبل التفاضل، وقال ~~القاضي: يصح ويجعل لكل حزب رئيس، فيختار أحدهما واحدا، ويختار الآخر آخر ~~كذلك حتى يتناضلوا، فإن اختلفا في المبتدئ منهما بالخيار، أقرع بينهما، ولا ~~يجوز أن يقتسموا بالقرعة؛ لأنها ربما وقعت على الحذاق في أحد الحزبين، ولا ~~يجوز أن يجعل زعيم الحزبين واحدا؛ لأنه قد يميل إلى أحدهما فتلحقه التهمة، ~~ولا يجوز أن يجعل الخيرة في تمييز الحزبين إلى واحد، ولا يجوز أن يجعل إلى ~~واحد، والسبق عليه؛ لأنه يختار الحذاق فيبطل معنى النضال. # فصل: # الشرط الثاني: تعيين نوع القسي؛ لأن الأغراض تختلف باختلافها، فقد يكون ~~الرامي أحذق بنوع منه بالنوع الآخر، وإن لم يكن في البلد إلا نوع واحد، لم ~~يحتج إلى التعيين؛ لأن الإطلاق ينصرف إليه كالنقد، فإن عقدا على نوع، فأراد ~~أحدهما أن ينتقلا إلى غيره، أو ينتقل أحدهما، لم يجز لما ذكرناه وإن عقدا ~~على قوس بعينه، فانتقل أحدهما إلى غيره من نوعه، جاز؛ لأن الأغراض لا تختلف ~~باختلاف الأعيان. # وإن شرط عليه أن لا ينتقل خرج على الوجهين فيما إذا شرط في الإجارة أن لا ~~يستوفي المنفعة بمثله. # فصل: # الشرط الثالث: أن يرميا غرضا، وهو ما يقع فيه السهم المصيب من جلد أو ورق ~~أو نحوه، وإن قالا: السبق لأبعدنا رميا لم يصح؛ لأن القصد بالرمي الإصابة ~~لا الإبعاد، فلم يجز أخذ العوض من غير المقصود، والسنة أن يكون لهما غرضان ~~في هدفين متقابلين يرميان من أحدهما الآخر، ثم يرميان من الآخر الأول، فإن ~~أصحاب # PageV02P192 # النبي - صلى الله عليه وسلم - كذلك كانوا يرمون، فروي عن حذيفة، وابن عمر ~~أنهما كانا يشتدان بين الغرضين، إذا أصاب أحدهما خصلة قال: أنا بها في قميص ~~رواه سعيد. ويروى أن «ما بين الهدفين روضة من رياض الجنة» . والهدف: اسم ~~لما ينصب الغرض فيه. # فصل: # الشرط الرابع: أن يكون قدر الغرض معلوما ms0625 طوله وعرضه وانخفاضه وارتفاعه؛ ~~لأن الإصابة تختلف باختلافه، فوجب علمه كتعيين النوع. # فصل: # فإن أطلقا العقد، حمل على إصابته أي موضع كان من الغرض من أطرافه وعراه ~~وغيرها، وإن أصاب علاقته، لم يحسب له؛ لأن العلاقة ما يعلق به، والغرض: هو ~~المعلق. وإن شرطا إصابة موضع من الغرض، كالدارة التي في وسطه، أو الخاتم ~~الذي في الدارة، لم يحتسب بإصابة غيره، ويستحب أن يصفا الإصابة، فيقولا: ~~خواصل، وهو اسم للإصابة كيفما كانت، أو خوارق، وهو ما ثقب الغرض، أم خواسق، ~~وهو ما ثقبه وثبت فيه، أو موارق، وهو ما ثقبه ونفذ منه، أو خوارم وهو ما ~~قطع طرفه. # فإن أطلقا الإصابة حمل على الخواصل، والقرع كالخصل، فإن أصاب سهما في ~~الغرض قد عرق إلى فوقه حسب له؛ لأنه لولاه لوقع السهم في الغرض، وإن كان ~~السهم معلقا بنصله، وباقيه خارج من الغرض، لم يحسب له ولا عليه؛ لأن بينه ~~وبين الغرض طول السهم، فلا يدري أكان يصيب أم لا؟ فإن أطارت الريح الغرض، ~~فأصاب السهم موضعه، حسب له، وإن وقع في الغرض في الموضع الذي انتقل إليه ~~حسب عليه في الخطأ؛ لأنه أخطأ في الرمي، وإنما أصاب بفعل الريح، وإن عرضت ~~ريح شديدة، لم يحسب له السهم في إصابة ولا خطأ؛ لأن ذلك من أجل الريح، وإن ~~كانت لينة حسب في الإصابة والخطأ؛ لأنها لا تمنع. # وإن وقع السهم دون الغرض، ثم ازدلف فأصابه حسب خاطئا؛ لأن هذا لسوء رميه، ~~وإن عرض عارض، من كسر قوس، أو انقطاع وتر، أو ريح في يده، فأصاب، حسب له؛ ~~لأن إصابته مع اختلال الآلة أدل على حذقه، وإن أخطأ لم يحسب عليه؛ لأنه ~~للعارض، وقال القاضي: يحسب له؛ لأنه لا يحسب عليه في الخطأ، فلا يحسب له في ~~الإصابة كما في الريح الشديدة. وإن انكسر السهم فوقع دون الغرض، لم يحسب ~~عليه؛ لأنه لعارض، وإن أصاب بنصله حسب له لما ذكرناه، وإن أصاب بغيره، لم ~~يحسب له، وإن أعرق الرامي في النزع حتى ms0626 أخرج السهم من الجانب الآخر، احتسب ~~له وعليه؛ لأنه لسوء رميه أخطأ، ولحذقه أصاب، ولأن ما حسب عليه في الخطأ ~~حسب له في الإصابة كغيره، وإن مرت بهيمة بين يديه، وتشوش رميه، لم يحسب ~~عليه في الخطأ؛ لأنه لذلك العارض، وإن خرقه وأصاب، حسب له؛ # PageV02P193 # لأن هذا لقوة نزعه، وسداد رميه، وإن شرطا الخسق، فأصاب الغرض، وثبت فيه، ~~حسب له، فإن سقط بعد، لم يؤثر، كما لو نزعه إنسان، وإن ثقب ولم يثبت، ففيه ~~وجهان: # أحدهما: لا يحسب له؛ لأن الخاسق ما ثبت، ولم يوجد. # والثاني: يحسب له؛ لأنه ثقب ما يصلح له، فالظاهر أنه لم يثبت لعارض من ~~سعة الثقب، أو غلظ لقيه، وإن مرق منه، حسب له؛ لأنه لقوة رميه، وإن خدشه، ~~ولم يثبت فيه لمانع من حجر، أو غلظ الأرض، فعلى الوجهين، لكن إن لم يحسب له ~~لم يحسب عليه؛ لأن العارض منعه، وإن لم يكن مانع حسب عليه، فإن اختلفا في ~~العارض، وعلى موضع السهم، وفيه مانع، فالقول قول صاحب السهم، وإلا فالقول ~~قول رسيله، ولا يمين؛ لأن الحال تشهد بصدق المدعي، وإن لم يعلم موضع السهم، ~~ولم يوجد وراء الغرض مانع، فالقول قول رسيله لذلك، وإن كان وراءه مانع، ~~فقال الرسيل: لم يثقب موضع المانع، أو أنكر الثقب، فالقول قوله مع يمينه؛ ~~لأن الأصل عدم ما يدعيه صاحبه، لكنه محتمل فأحلفناه لذلك، وإن كان في الغرض ~~خرق، أو موضع بال، فوقع السهم فيه، وثبت في الهدف، وكان صلابته كصلابة ~~الغرض، حسب له؛ لأنه لولا الخرق لثبت في الغرض، وإن لم يكن كذلك، لم يحسب ~~له ولا عليه؛ لأننا لا نعلم هل كان يثبت في الغرض أو لا؟ وإن ثبت في الهدف، ~~فوجد في نصله قطعة من الغرض، فقال الرامي: هذا الجلد قطعه سهمي لقوته، وقال ~~رسيله: بل هذه جلدة كانت منقطعة من قبل، فالقول قول الرسيل؛ لأن الأصل عدم ~~الخسق، والله أعلم. # فصل: # الشرط الخامس: أن يكون مدى الغرض معلوما مقدرا بما يصيب مثلهما، وفي ms0627 مثله ~~عادة؛ لأن الإصابة تختلف بالقرب والبعد، فاشترط العلم به كالنوع، وإن جعلاه ~~قدرا لا يصيبان في مثله، أو لا يصيبان إلا نادرا، كالزائد على ثلاثمائة ~~ذراع، لم يجز؛ لأن الإصابة تندر في مثل هذا، فيفوت الغرض. # فصل: # الشرط السادس: أن يكون الرشق معلوما، والرشق بكسر الراء: عدد الرمي؛ لأن ~~الحذق في الرمي لا يعلم إلا بذلك. # فصل: # الشرط السابع: أن يكون عدد الإصابة معلوما، كخمسة من عشرين ونحوها، ~~ويعتبر أن يكون إصابة لا يندر مثلها، فإن شرطا إصابة الجميع، أو تسعة من ~~عشرة، لم # PageV02P194 # يصح؛ لأن هذا يندر، فيفوت الغرض. ويستحب أن يبينا حكم الإصابة هل هي ~~مبادرة أو محاطة؟ والمبادرة: أن يقولا: من سبق إلى إصابتين أو نحوهما، فهو ~~السابق، فأيهما سبق إليهما مع تساويهما في الرمي، فهو السابق، فإذا رمى كل ~~واحد عشرة، فأصاب أحدهما إصابتين دون الآخر، فهو السابق. ولا يلزم إتمام ~~الرمي؛ لأن المقصود قد حصل، وإن أصاب كل واحد منهما من العشرة إصابتين، فلا ~~سابق فيهما، وبطل النضال؛ لأن الزيادة على عدد الإصابة غير معتد بها، فإن ~~رميا العشرين، فلم يصب واحدا منهما إصابتين، أو أصاباهما معا، فلا سابق ~~فيهما. # وأما المحاطة، فهي أن يشترطا حط ما تساويا فيه من الإصابة، ثم من فضل ~~صاحبه بإصابة معلومة، فقد سبق، فإن شرطا فضل ثلاث إصابات، فرميا خمسة عشر، ~~أصابها أحدهما كلها، أو أخطأها الآخر، فالمصيب سابق، ولا يجب إتمام الرمي، ~~لعدم الفائدة فيه؛ لأن أكثر ما يحتمل أن يصيب المخطئ الخمسة الباقية، ~~ويخطئها الأول، ولا يخرج الثاني بذلك عن كونه مسبوقا، وإن كان في إتمامه ~~فائدة مثل أن يكون الثاني أصاب من الخمسة عشر تسعة، فإذا أصاب الخمسة ~~الباقية، وأخطأها الأول، لم يكن مسبوقا، وجب إتمام الرمي، فإن أطلقا العقد، ~~انصرف إلى المبادرة؛ لأن العقد على المسابقة، والمبادر سابق، ذكر هذا ~~القاضي، وقال أبو الخطاب: يشترط بيان ذلك في المسابقة؛ لأن الغرض يختلف به، ~~فمن الناس من تكثر إصابته في الأول دون الثاني، فوجب اشتراطه، ms0628 كقدر مدى ~~الغرض. # فصل: # الشرط الثامن: التسوية بين المتناضلين في عدد الرشق والإصابة وصفتها ~~وسائر أحوال الرمي، فإن تفاضلا في شيء منه، أو شرطا أن يكون في يد أحدهما ~~من السهام أكثر أو أن يرمي أحدهما والشمس في وجهه، أو يحسب له خاصل بخاسق، ~~أو لا يحسب عليه سهم خاطئ، لم يصح؛ لأن القصد معرفة حذقهما، ولا يعرف مع ~~الاختلاف؛ لأنه ربما فضله بشرطه لا بحذقه، وإن شرطا بحسب خاسق كل واحد ~~منهما بخاصلين، أو يسقط القريب من إصابة أحدهما ما هو أبعد منها من رمي ~~الآخر، فمن فضل بعد بثلاث إصابات فهو السابق صح؛ لأنه لا فضل لأحدهما في ~~عدد ولا صفة، وهذه نوع محاطة، فصحت كاشتراط حط ما تساويا فيه. # فصل: # وإن كان الرماة حزبين، اشترط كون الرشق يمكن قسمته عليهم، إن كان كل حزب ~~ثلاثة، وجب أن يكون له ثلث صحيح؛ لأنه يجب التسوية بينهما في عدد الرمي، ~~ولا يمكن إلا بذلك، فوجب. وإذا نضل أحد الحزبين صاحبه، فالجعل بين الناضلين ~~سواء من أصاب ومن لم يصب، ويحتمل أن يكون بينهما على قدر إصابتهم؛ لأنهم ~~بها # PageV02P195 # يستحقون، والجعل على المنضولين بالسوية وجها واحدا؛ لأنه لزمهم بالتزامهم ~~لإصابتهم بخلاف الناضلين. # فصل: # فإن كان في أحد الحزبين من لا يحسن الرمي، بطل العقد فيه؛ لأنها لا تنعقد ~~على من لا يحسن الرمي، ويخرج من الحزب الآخر بإزائه، كما إذا بطل البيع في ~~بعض المبيع، بطل في ثمنه، وهل يبطل العقد في الباقين؟ على وجهين بناء على ~~تفريق الصفقة، فإن قلنا: لا يبطل، فلهم الخيار في الفسخ والإمضاء؛ لأن ~~الصفقة تفرقت عليهم، فإن اختاروا إمضاءه، ورضوا بمن يخرج بإزائه وإلا انفسخ ~~العقد. # فصل: # ويرمي واحد بعد الآخر؛ لأن رميهما يفضي إلى التنازع بالمصيب، فإن اتفقا ~~على المبتدئ منهما جاز، وإن كان بينهما شرط عمل به، وإن اختلفا ولا شرط ~~بينهما، قدم المخرج، فإن كان المخرج غيرهما، اختار منهما، فإن لم يختر أقرع ~~بينهما، وإذا بدأ أحدهما في وجه، بدأ الآخر ms0629 في الثاني تعديلا بينهما، فإن ~~شرطا البداية لأحدهما في كل الوجوه، لم يصح؛ لأنه تفضيل، وإن فعلاه بغير ~~شرط جاز؛ لأنه لا أثر له في إصابة، ولا تجويد رمي، ويرميان مراسلة سهما ~~وسهما، أو سهمين وسهمين. وإن اتفقا على غير هذا، جاز لعدم تأثيره في مقصود ~~المناضلة. # فصل: # وإن مات أحد الراميين، أو ذهبت يده، بطل العقد؛ لأن المعقود عليه تلف، ~~فأشبه موت الفرس في السباق، وإن مرض أو رمد لم تبطل؛ لأنه يمكن الاستيفاء ~~بعد زوال العذر، وله الفسخ؛ لأن فيه تأخير المعقود عليه، فملك الفسخ ~~كالإجارة، وإن عرض مطر، أو ريح، أو ظلمة؛ أخر إلى زوال العارض، وإن أراد ~~أحدهما التأخير لغير عذر، فله ذلك إن قلنا: هي جعالة؛ لأنها جائزة، وليس له ~~ذلك إن قلنا: هي إجارة، ويكره للأمين مدح أحدهما أو زجره؛ لأن فيه كسر قلبه ~~أو قلب صاحبه. ### | باب اللقطة # وهي المال المضاع عن ربه وهي ضربان: ضال وغيره، فأما غير الضال فيجوز ~~التقاطه بالإجماع، وهو نوعان: يسير يباح التصرف فيه بغير تعريف؛ لما روى ~~جابر قال: «رخص لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العصا والسوط ~~والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به» رواه أبو داود. # PageV02P196 # ولا تحديد في اليسير إلا أنه ينبغي أن يعفى عما رخص فيه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في الحديث وشبهه، وقال أحمد - رضي الله عنه -: ما كان مثل ~~التمرة والكسرة والخرقة، وما لا خطر له؛ فلا بأس، ويحتمل أن لا يجب تعريف ~~ما لا يقطع فيه السارق؛ لأنه تافه. قالت عائشة - رضي الله عنها -: كانوا لا ~~يقطعون في الشيء التافه. # والنوع الثاني: الكثير؛ فظاهر كلام أحمد - رضي الله عنه - أن ترك التقاطه ~~أفضل؛ لأنه أسلم من خطر التفريط، وتضييع الواجب من التعريف، فأشبه ولاية ~~اليتيم، واختار أبو الخطاب: أن أخذه أفضل إذا وجد بمضيعة، وأمن نفسه عليه، ~~لما فيه من حفظ مال المسلم، فكان أولى كتخليصه من الغرق، ولا يجب أخذه؛ ~~لأنه أمانة، فلم يجب كالوديعة، ومن لم ms0630 يأمن نفسه عليه، ويقوى على أداء ~~الواجب، لم يجز له أخذه؛ لأنه تضييع لمال غيره، فحرم كإتلافه. # فصل: # إذا أخذها، عرف عفاصها، وهو: وعاؤها. ووكاءها وهو: الذي تشد به، وجنسها ~~وقدرها؛ لما روى زيد بن خالد الجهني قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن لقطة الذهب والورق فقال: «اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة، فإن ~~لم تعرف، فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوما من الدهر ~~فادفعها إليه» متفق عليه. نص على الوكاء والعفاص، وقسنا عليهما القدر ~~والجنس، ولأنه إذا عرف هذه الأشياء، لم تختلط بغيرها، وعرف بذلك صدق ~~مدعيها، أو كذبه، وإن أخر معرفة صفتها إلى مجيء مدعيها، أو تصرفه فيها جاز؛ ~~لأن المقصود يحصل، وقد جاء ذلك في حديث أبي. # ولا يحل له التصرف فيها إلا بعد معرفة صفتها؛ لأن عينها تذهب، فلا يعلم ~~صدق مدعيها إلا من حفظ صفتها، ويستحب أن يشهد عليها، نص عليه؛ لما روى عياض ~~بن حمار: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من وجد لقطة فليشهد ذا ~~عدل، أو ذوي عدل، ولا يكتم ولا يغيب» رواه أبو داود. ولأن فيه حفظها من ~~ورثته إن مات وغرمائه إن أفلس، وصيانته من الطمع فيها، ولا يجب ذلك لتركه ~~في حديث زيد، ولأنه أمانة فلا يجب الإشهاد عليها كالوديعة، قال أحمد - رضي ~~الله عنه -: ولا يبين في الإشهاد كم هي، لكن يقول: أصبت لقطة. # فصل: # ويجب تعريفها، لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - به، ولأنه طريق وصولها ~~إلى صاحبها فوجب كحفظها، ويجب التعريف حولا من حين التقاطها متواليا؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به عند وجدانها، والأمر يقتضي الفور، ~~ولأن الغرض وصول الخبر وظهور أمرها، وإنما يحصل # PageV02P197 # بذلك؛ لأن صاحبها إنما يطلبها عقيب ضياعها، ويكون التعريف في مجامع ~~الناس، كالأسواق وأبواب المساجد، وأوقات الصلوات؛ لأن المقصود إشاعة أمرها، ~~وهذا طريقه، ويكثر منه في موضع وجدانها، وفي الوقت الذي يلي التقاطها، ولا ~~يعرفها في المسجد؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه ms0631 وسلم -: «من سمع رجلا ~~ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله تعالى عليك، فإن المساجد لم تبن ~~لهذا» رواه مسلم. ويقول: من ضاع منه كذا، يذكر جنسها: أو يقول: شيء ولا ~~يزيد في صفتها؛ لئلا يفوت طريق معرفة صاحبها، وأجرة المعرف على الملتقط؛ ~~لأن التعريف عليه، ولأنه سبب تملكها، فكان على متملكها، قال أبو الخطاب: إن ~~التقطها للحفظ لصاحبها لا غير، فالأجرة على مالكها يرجع بها عليه. وقاله ~~ابن عقيل فيما لا يملك بالتعريف. # فصل: # فإذا جاء مدعيها، فوصفها بصفاتها المذكورة، لزم دفعها إليه؛ لأمر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - به، ولأنها لو لم تدفع بالصفة لتعذر وصول صاحبها ~~إليها، لتعذر إقامة البينة، فإن وصفها اثنان، أقرع بينهما، فمن قرع صاحبه، ~~حلف وسلمت إليه، كما لو ادعى الوديعة اثنان، وقال أبو الخطاب: تقسم بينهما، ~~وإن وصفها أحدهما وللآخر بينة، قدم ذو البينة؛ لأنها أقوى من الوصف، فإن ~~كان الواصف سبق فأخذها نزعت منه، وإن تلفت في يده، فلصاحبها تضمين من شاء ~~منهما؛ لأن الواصف أخذ مال غيره بغير إذنه، والملتقط دفعه إليه بغير إذن ~~مالكه، ويستقر الضمان على الواصف؛ لأن التلف حصل في يده، فإن ضمن لم يرجع ~~على أحد، وإن ضمن الملتقط رجع عليه، إلا أن يكون الملتقط دفعها بحكم حاكم، ~~فلا يضمن؛ لأنها تؤخذ منه قهرا. وإن أتلفها الملتقط، فغرمه الواصف عوضها، ~~ثم جاء صاحب البينة، لم يرجع إلا على الملتقط؛ لأن الواصف إنما أخذ مال ~~الملتقط ولم يأخذ اللقطة، ثم يرجع الملتقط على الواصف. # فصل: # فإن لم تعرف، دخلت في ملك الملتقط عند الحول حكما، كالميراث؛ لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - في حديث زيد: «وإن لم تعرف فاستنفقها» وفي لفظ: ~~«وإلا فهي كسبيل مالك» ولأنه كسب مال بفعل، فلم يعتبر فيه اختيار التملك ~~كالصيد. واختار أبو الخطاب: أنه لا يملكها إلا باختياره؛ لأنه تملك مال ~~ببدل، فاعتبر فيه اختيار التملك، كالبيع. والغني والفقير سواء في هذا؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفرق، ولأنه ms0632 تملك مال بعوض، أشبه البيع. # فصل: # وما جاز التقاطه ووجب تعريفه، ملك به، نص عليه أحمد - رضي الله عنه - في # PageV02P198 # الصياد يقع في شبكته الكيس والنحاس يعرفه سنة، فإن جاء صاحبه، وإلا فهو ~~كسائر ماله. وهذا ظاهر كلام الخرقي. وقال أكثر أصحابنا: لا يملك غير ~~الأثمان؛ لأن الخير ورد فيها، ومثلها لا يقوم مقامها من كل وجه؛ لعدم تعلق ~~الغرض بعينها، فلا يقاس عليها غيرها، وقال أبو بكر: ويعرفها أبدا، وقال ~~القاضي: هو مخير بين ذلك، وبين دفعها إلى الحاكم. وقال الخلال: كل من روى ~~عن أبي عبد الله أنه يعرفها سنة، ثم يتصدق بها، والذي نقل عنه أنه يعرفها ~~أبدا، قول قديم رجع عنه، والأول أولى؛ لما روى عمر بن شعيب، عن أبيه، عن ~~جده قال: «أتى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ~~كيف ترى في متاع يوجد في الطريق الميتاء، أو في قرية مسكونة؟ قال: عرفه ~~سنة، فإن جاء صاحبه، وإلا فشأنك به» رواه الأثرم. «وقال عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - في عيبة - والعيبة: هي وعاء من أدم توضع فيه الثياب -: ~~عرفها سنة، فإن عرفت وإلا، فهي لك. أمرنا بذلك رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -» ، ولأنه مال يجوز التقاطه، ويجب تعريفه فملك به، كالأثمان وقد دل ~~الخبر على جواز أخذ الغنم مع تعلق الغرض بعينها، فيقاس عليها غيرها. # فصل: # ولقطة الحرم تملك بالتعريف في ظاهر كلامه، لظاهر الخبر، ولأنه أحد ~~الحرمين أشبه المدينة، وعنه: لا تملك بحال، ويجب تعريفها أبدا أو يدفعها ~~إلى الحاكم؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة: «لا تحل ساقطتها ~~إلا لمنشد» متفق عليه. # فصل: # واللقطة مع الملتقط قبل تملكها أمانة، عليه حفظها بما يحفظ به الوديعة، ~~وإن ردها إلى موضعها، ضمنها؛ لأنه ضيعها، وإن تلفت بغير تفريط، لم يضمنا؛ ~~لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ولتكن الوديعة وديعة عندك» ولأنه ~~يحفظها لصاحبها بإذن الشرع، أشبه الوديعة، وإن جاء صاحبها، أخذها بزيادتها ~~المتصلة والمنفصلة؛ لأنها ms0633 ملكه، وإن جاء بعد تملكها أخذها؛ لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه» ويأخذها ~~بزيادتها المتصلة؛ لأنها تتبع في الفسوخ، وزيادتها المنفصلة بعد تملكها ~~لملتقطها؛ لأنها حدثت على ملكه، فأشبه نماء المبيع في يد المشتري، فإن تلفت ~~بعد تملكها، ضمنها؛ لأنها تلفت من ماله، وإن نقصت بعد التملك، فعليه أرش ~~نقصها، وإن باعها أو وهبها بعد تملكها، صح؛ لأنه تصرف صادف ملكه، فإن جاء ~~صاحبها في مدة الخيار، وجب فسخ البيع وردها إليه؛ لأنه يستحق العين، وقد ~~أمكن ردها إليه، وإن جاء بعد لزوم البيع، فهو كتلفها؛ لأنه تعذر ردها. # PageV02P199 # فصل: # الضرب الثاني: الضوال، وهي الحيوانات الضائعة، وهى نوعان: # أحدهما: ما يمتنع من صغار السباع إما بقوته: كالإبل والخيل، أو بجناحه: ~~كالطير، أو بسرعته: كالظباء، أو بنابه: كالفهد، فلا يجوز التقاطه؛ لما روى ~~زيد بن خالد: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن ضالة الإبل، ~~فقال: ما لك ولها، دعها فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء، وتأكل الشجر ~~حتى يجدها ربها» متفق عليه. وللإمام أخذها، ليحفظها لأربابها؛ لأن للإمام ~~ولاية في حفظ أموال المسلمين، ولهذا كان لعمر حظيرة يحفظ فيها الضوال، فإذا ~~أخذها، وكان له حمى ترعى فيه، تركها، وأشهد عليها، ورسمها بسمة الضوال، وإن ~~لم يكن له حمى، خلاها وحفظ صفاتها، ثم باعها، وحفظ ثمنها لصاحبها؛ لأنها ~~تحتاج إلى علف، فربما استغرق ثمنها، وإن أخذها غير الإمام أو نائبه ضمنها ~~ولم يملكها، وإن عرفها، فإن دفعها إلى الإمام برئ من ضمانها؛ لأنه دفعها ~~إلى من له الولاية عليها، أشبه دفعها إلى صاحبها، وإن ردها إلى موضعها، لم ~~يبرأ؛ لأن ما لزمه ضمانه، لا يبرأ منه إلا برده إلى صاحبه أو نائبه ~~كالمسروق. # فصل: # النوع الثاني: ما لا ينحفظ عن صغار السباع، كالشاة وصغار الإبل والبقر ~~ونحوها، فعن أحمد - رضي الله عنه -: لا يجوز التقاطها؛ لأنه روي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا يئوي الضالة إلا ضال» رواه أبو داود. ms0634 ولأنه ~~حيوان أشبه الإبل. والمذهب جواز التقاطها؛ لما روى زيد بن خالد: «أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - سئل عن الشاة، فقال: خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو ~~للذئب» متفق عليه. # وهذا يخص عموم الحديث الآخر، ولأنه يخشى عليها التلف، أشبه غير الضالة، ~~وسواء وجدها في المصر أو في مهلكة؛ لأن الحديث عام فيهما، ولأنه مال يجوز ~~التقاطه، فاستويا فيه، كالأثمان، والعبد الصغير، كالشاة في جواز التقاطه؛ ~~لأنه لا ينحفظ بنفسه، فأما الحمر فألحقها أصحابنا في النوع الأول؛ لأن لها ~~قوة، فأشبهت البقر، وظاهر حديث زيد إلحاقها بالغنم؛ لأنه علل أخذ الشاة ~~بخشية الذئب عليها، والحمر مثلها في ذلك، وعلل المنع من الإبل بقوتها على ~~ورود الماء، وصبرها بقوله: «معها سقاءها» والحمر بخلافها. # ومتى التقط هذا النوع خير بين أكله في الحال، وحفظه لصاحبه وبيعه، وحفظ ~~ثمنه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هي لك» ولم يأمر # ه بحفظها، ولأن إبقاءها يحتاج إلى غرامة، ونفقة دائمة فيستغرق قيمتها، ~~فإن اختار إبقاءها وحفظها لصاحبها، فهو الأولى متفق عليه. وينفق عليها؛ لأن ~~به بقاءها، فإن لم يفعل ضمنها؛ لأنه فرط فيها، وإن أنفق عليها متبرعا، لم ~~يرجع على صاحبها، وإن نوى الرجوع على صاحبها، وأشهد على ذلك، ففي الرجوع به ~~روايتان، بناء على الوديعة، وإن اختار أكلها # PageV02P200 # أو بيعها، لزمه حفظ صفتها، ثم يعرفها عاما، فإذا جاء صاحبها، دفع إليه ~~ثمنها، أو غرمه له إن أكلها، ولا يلزمه عزل ثمنها إذا أكلها؛ لأنه لا يخرج ~~من ذمته بعزله، فلم يلزمه كسائر ما يلزمه ضمانه، وإن أراد بيعها، فله أن ~~يتولى ذلك بنفسه؛ لأن ما ملك أكله، فبيعه أولى. فإذا عرفها حولا، ولم تعرف، ~~ملكها إن كانت باقية، أو ثمنها إن باعها؛ لأن حديث زيد يدل على ملكه لها؛ ~~لأنه أضاف إليها بلام التمليك، ولأنه مال يجوز التقاطه، فيملك بالتعريف، ~~كالأثمان. وعنه: لا يملكها، والمذهب الأول. # فصل: # فإن التقط ما لا يبقى عاما، كالبطيخ والطبيخ، لم يجز تركه ليتلف، فإن فعل ~~ضمنه؛ ms0635 لأنه فرط في حفظه، فإن كان مما لا يبقى بالتجفيف، كالبطيخ خير بين ~~بيعه وأكله، وإن كان يبقى بالتجفيف، كالعنب والرطب، فعل ما فيه الحظ لصاحبه ~~من بيعه وأكله وتجفيفه، فإن احتاج في التجفيف إلى غرامة، باع بعضه فيها، ~~وإن أنفقها من عنده، رجع بها؛ لأن النفقة هاهنا لا تتكرر بخلاف نفقة ~~الحيوان، فإنها تتكرر، فربما استغرقت قيمته، فلا يكون لصاحبها حظ في ~~إمساكها إلا بإسقاط النفقة عنه، وإن أراد بيعها، فله البيع بنفسه لما ذكرنا ~~في الضوال. وعنه: له بيع اليسير، وأما الكثير، فإنه يرفعه إلى السلطان، ~~والقول في تعريفه، وسائر أحكامه كالقول في الشاة. # فصل: # قال أحمد - رضي الله عنه -: من اشترى سمكة، فوجد في بطنها درة، فهي ~~للصياد، وإن وجد دراهم، فهي لقطة؛ لأنها لا تبتلع الدراهم إلا بعد ثبوت ~~اليد عليها، وقد تبتلع درة من البحر مباحة، فيملكها الصياد بما فيها، فإن ~~باعها ولم يعلم بالدرة، لم يزل ملكه عن الدرة، كما لو باع دارا له فيها مال ~~لم يعلم به. # فصل: # فإن وجد اللقطة اثنان، فهي بينهما؛ لأنهما اشتركا في السبب، فاشتركا في ~~الحكم، وإن ضاعت من واجدها، فوجدها آخر ردها على الأول؛ لأنه قد ثبت له ~~الحق فيها، فوجب ردها إليه كالملك، وإن رآها اثنان، فرفعها أحدهما فهي له؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم، فهو ~~له» وإن رآها أحدهما فقال للآخر: ارفعها ففعل، فهي لرافعها؛ لأنه مما لا ~~يصح التوكيل فيه. # فصل: # فإن التقطها صبي أو مجنون أو سفيه، صح التقاطه؛ لأنه كسب بفعل، فصح منه ~~كالصيد، فإن تلفت في يده بغير تفريط لم يضمنها؛ لأنه أخذ ماله، وإن تلفت ~~بتفريط # PageV02P201 # ضمنها، ومتى علم وليه بها، لزمه نزعها منه وتعريفها؛ لأنها أمانة، ~~والمحجور عليه ليس من أهلها، فإن تم تعريفها، دخلت في ملك واجدها حكما، ~~كالميراث. # فصل: # ويصح التقاط العبد بغير إذن سيده؛ لعموم الخبر، ولما ذكرنا في الصبي، ~~ويصح تعريفه لها؛ لأن له قولا ms0636 صحيحا، فصح تعريفه كالحر، فإذا تم تعريفها ~~ملكها سيده؛ لأنها كسب عبده، ولسيده انتزاعها منه قبل تعريفها؛ لأن كسب ~~عبده له، ويتولى تعريفها أو إتمامه، وله إقرارها في يد عبده الأمين، ويكون ~~مستعينا به في حفظها وتعريفها، ولا يجوز إقراراها في يد من ليس بأمين؛ ~~لأنها أمانة وإن فعل، فعليه الضمان، وإن علم العبد أن سيده غير مأمون ~~عليها، لزمه سترها عنه، وتسليمها إلى الحاكم ليعرفها، ثم يدفعها إلى سيده ~~بشرط الضمان، وإن أتلفها العبد، فحكم ذلك حكم جنايته، وإن عتق العبد بعد ~~الالتقاط، فلسيده أخذها؛ لأنها كسبه. # فصل: # والمكاتب كالحر؛ لأن كسبه لنفسه، والمدبر وأم الولد كالقن، ومن نصفه حر ~~فلقطته بينه وبين سيده ككسبه، فإن كانت بينهما مهايأة، لم تدخل في المهايأة ~~في أحد الوجهين؛ لأنهما من الأكساب النادرة، فأشبهت الميراث، والآخر تدخل؛ ~~لأنها من كسبه فهي كصيده، وفي الهدية والوصية وسائر الأكساب النادرة وجهان ~~كاللقطة. # فصل: # والذمي كالمسلم للخبر، ولأنه كسب يصح من الصبي، فصح من الذمي كالصيد، ~~والفاسق كالعدل لذلك، لكن إن أعلم الحاكم بهما، ضم إليه أمينا يحفظها، ~~ويتولى تعريفها؛ لأنها أمانة، فلا يؤمن خيانته فيها، فإذا عرفها، ملكها ~~ملتقطها. # فصل: # ومن التقط لقطة لغير التعريف، ضمنها ولم يملكها، وإن عرفها؛ لأنه أخذها ~~على وجه يحرم عليه، فلم يملكها كالغاصب، ومن ترك التعريف في الحول الأول، ~~لم يملكها وإن عرفها بعد؛ لأن السبب الذي يملكها به قد فات، ولم يبرأ منها ~~إلا بتسليمها إلى الحاكم. # فصل: # ومن ترك دابة بمهلكة، فأخذها إنسان، فخلصها ملكها؛ لما روى الشعبي قال: ~~حدثني غير واحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «ومن وجد دابة عجز عنها أهلها فسيبوها، فأخذها ~~فأحياها فهي له» ولأن فيه إنقاذا للحيوان من الهلاك، # PageV02P202 # مع نبذ صاحبه له، فأشبه السنبل الساقط، فإن كان مكانها عبدا، لم يملكه؛ ~~لأنه في العادة يمكنه التخلص، وإن كان متاعا، لم يملكه؛ لأنه لا حرمة له في ~~نفسه. ### | باب اللقيط ms0637 # وهو الطفل المنبوذ، والتقاطه فرض على الكفاية؛ لأنه إنجاء آدمي من الهلاك ~~فوجب، كتخليص الغريق، وهو محكوم بحريته؛ لما روى سنين أبو جميلة قال: وجدت ~~ملقوطا، فأتيت به عمر - رضي الله عنه - فقال: اذهب فهو حر، ولك ولاؤه، ~~وعلينا نفقته، رواه سعيد في سننه. ولأن الأصل في الآدميين الحرية، ويحكم ~~بإسلامه في دار الإسلام إذا كان فيها مسلم؛ لأنه اجتمع الدار وإسلام من ~~فيها، وإن وجد في بلد فيه كفار، ولا مسلم فيه فهو كافر؛ لأن الظاهر أنه ولد ~~كافرين، وإن وجد في بلد الكفار، وفيه مسلمون، ففيه وجهان: # أحدهما: هو كافر، لأنه في دارهم. # والثاني: هو مسلم تغليبا لإسلام المسلم الذي فيه. # فصل: # وما يوجد عليه من ثياب أو حلي، أو تحته من فراش أو سرير أو غيره، أو في ~~يده من نفقة أو عنان دابة، أو مشدودا في ثيابه، أو ببعض جسده، أو مجعولا ~~فيه، كدار وخيمة، فهو له؛ لأنه آدمي حر فما في يده له كالبالغ، وإن كان ~~مطروحا بعيدا منه، أو قريبا مربوطا بغيره، لم يكن له؛ لأنه لا يد له عليه، ~~وكذلك المدفون تحته؛ لأن البالغ لو جلس على دفين، لم يكن له. وقال ابن ~~عقيل: وإن كان الحفر طريا فهو له؛ لأن الظاهر أنه حفر النابذ له، وإن وجد ~~بقربه مال موضوع، ففيه وجهان: # أحدهما: هو له إن لم يكن له غيره؛ لأن الإنسان يترك ماله بقربه. # والثاني: ليس هو له؛ لأنه لا يد له عليه. # فصل: # وينفق عليه من ماله؛ لأنه حر فينفق عليه من ماله كالبالغ، ويجوز للولي ~~الإنفاق عليه من غير إذن الحاكم؛ لأنه ولي فملك ذلك، كولي اليتيم، ويستحب ~~استئذانه؛ لأنه أنفى للتهمة، فإن بلغ واختلفا في النفقة، فالقول قول ~~المنفق. وإن لم يكن له مال فنفقته في بيت المال؛ لقول عمر - رضي الله عنه - ~~وعلينا نفقته، ولأنه آدمي حر له حرمة، فوجب على السلطان القيام به عند ~~حاجته كالفقير، وليس على الملتقط نفقته؛ لحديث # PageV02P203 # عمر، ولأنه لا نسب بينهما، ms0638 ولا ملك فأشبه الأجنبي. وإن تعذر الإنفاق عليه ~~من بيت المال، فعلى من علم حاله الإنفاق عليه فرض كفاية؛ لأن به بقاءه ~~فوجب، كإنقاذ الغريق، فإن اقترض الحاكم ما أنفق عليه، ثم بان رقيقا، أو له ~~أب موسر، رجع عليه؛ لأنه أدى الواجب عنه، فإن لم يظهر له أحد، وفي من بيت ~~المال. # فصل: # فإن كان الملتقط أمينا حرا مسلما، أقر في يده؛ لحديث عمر - رضي الله عنه ~~-، ولأنه لا بد له من كافل، والملتقط أحق للسبق، وفي الإشهاد عليه وجهان: # أحدهما: لا يجب، كما لا يجب في اللقطة. # والثاني: يجب؛ لأن القصد به حفظ النسب والحرية فوجب، كالإشهاد في النكاح، ~~وإن التقطه فاسق، نزع منه؛ لأنه ليس في حفظه إلا الولاية، ولا ولاية لفاسق. ~~قال القاضي: هذا المذهب، وظاهر قول الخرقي، أنه يقر في يده؛ لقوله: إن لم ~~يكن من وجد اللقيط أمينا منع من السفر به. فعلى هذا يضم إليه أمين يشارفه، ~~ويشهد عليه، ويشيع أمره، لينحفظ بذلك، وليس لكافر التقاط محكوم بإسلامه؛ ~~لأنه لا ولاية لكافر على مسلم، فإن التقطه، نزع منه، وله التقاط المحكوم ~~بكفره، ويقر في يده؛ لثبوت ولايته عليه، وليس للعبد الالتقاط إلا بإذن ~~سيده، فتكون الولاية للسيد، والعبد نائب عنه. # فصل: فإن أراد الملتقط السفر به، وهو ممن لم تختبر أمانته في الباطن، نزع ~~منه؛ لأنه ما لا يؤمن أن يدعي رقه. وإن علمت أمانته باطنا فأراد نقله من ~~الحضر إلى البدو، منع منه؛ لأنه ينقله إلى العيش في الشقاء ومواضع الجفاء. ~~وإن أراد النقلة إلى بلد آخر يقيم فيه، ففيه وجهان: # أحدهما: يقر في يده لأنهما سواء فيما ذكرنا. # والثاني: يمنع منه؛ لأن بقاءه في بلده أرجى لظهور نسبه، وإن كان اللقيط ~~في بدو، فله نقله إلى الحضر؛ لأنه أرفق به، وله الإقامة به في البدو. وفي ~~حلة لا تنتقل عن مكانها؛ لأن الحلة كالقرية، وإن كان متنقلا، ففيه وجهان: # أحدهما: يقر في يده؛ لأنه أرجى لكشف نسبه. # والثاني: ينزع منه؛ لأنه ms0639 يشقى بالتنقل. # PageV02P204 # فصل: # فإن التقطه موسر ومعسر، قدم الموسر؛ لأنه أحظ للطفل، فإن تساويا وتشاحا، ~~أقرع بينهما؛ لقول الله تعالى: {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم} [آل عمران: 44] ، ولأنهما تساويا في الحق، فأقرع بينهما، كالعبدين في ~~العتق، وإن ترك أحدهما نصيبه، كلفه الآخر، والرجل والمرأة في هذا سواء؛ لأن ~~المرأة أجنبية، والرجل يحضنه بأجنبية، فهما سواء. # فصل: # فإن اختلفا في الملتقط، وهو في يد أحدهما، فالقول قوله، وهل يستحلف؟ فيه ~~وجهان. وإن كان في يديهما، قدم أحدهما بالقرعة. وهل يستحلف؟ على وجهين. وإن ~~لم يكن في يد واحد منهما، سلمه السلطان إلى من يرى منهما، أو من غيرهما؛ ~~لأنه لا يد لأحدهما. وإن كان لأحدهما بينة، قضى بها؛ لأنها أقوى، فإن كانت ~~لكل واحد منهما بينة، قدم أسبقهما تاريخا؛ لأنه يثبت بها السبق إلى ~~الالتقاط، وإن تساويا وهو في يد أحدهما انبنى على بينة الداخل والخارج، وإن ~~تساويا في اليد أو عدمها، سقطتا وأقرع بينهما، فقدم بها أحدهما. # فصل: # وإن ادعى نسبه رجل لحق به؛ لأنه أقر له بحق لا ضرر فيه على أحد فقبل، كما ~~لو أقر له بمال، ويأخذ من الملتقط إن كان من أهل الكفالة؛ لأن الوالد أحق ~~بكفالة ولده، وإن كان كافرا، لم يتبعه في الدين؛ لأنه محكوم بإسلامه ~~بالدار، فلا يزول ذلك بدعوى كافر، ولا يدفع إليه؛ لأنه لا ولاية لكافر على ~~مسلم، ويثبت نسبه منه؛ لأن الكافر كالمسلم في ثبوت النسب منه، ولا ضرر على ~~أحد في انتسابه إليه، وإن كانت له بينة بولادته على فراشه، ألحق به نسبا ~~ودينا؛ لأنه ثبت أنه ابنه ببينة، ذكره بعض أصحابنا، وقياس المذهب أنه لا ~~يلحقه في الدين إلا أن تقوم البينة أنه ولد كافرين حيين؛ لأن الطفل يحكم ~~بإسلامه بإسلام أحد أبويه أو موته، وإن ادعت امرأة نسبه، ففيها ثلاث ~~روايات: # إحداهن: يقبل قولها؛ لأنها أحد الأبوين، فثبت النسب بدعواها كالأب، ويلحق ~~بها دون زوجها. # والثانية: إن كان لها زوج، لم تقبل دعواها؛ ms0640 لأنه يؤدي إلى أن تلحق بزوجها ~~نسبا # PageV02P205 # لم يقر به، أو ينسب إليها ما تتعد به وإن لم يكن، قبل لعدم ذلك. # والثالثة: إن كان لها إخوة ونسب معروف، لم تقبل دعوتها؛ لأن ولادتها لا ~~تخفى عليهم وإن لم يكن قبلت. والأمة كالحرة، إلا أننا إذا ألحقنا النسب ~~بها، لم يثبت رق ولدها؛ لأنه محكوم بحريته، فلا يثبت رقه بمجرد الدعوى، كما ~~لم يثبت كفره. # فصل: # فإن ادعى نسبه رجلان، ولأحدهما بينة، فهو ولده؛ لأن له حجة، فإن كان لهما ~~بينتان، أو لا بينة لهما، عرض على القافة معهما، أو من عصبتهما عند فقدهما، ~~فإن ألحقته بأحدهما، ألحق به؛ لما روت عائشة - رضي الله عنها -: «أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - دخل مسرورا تبرق أسارير وجهه، فقال: ألم تري أن ~~مجززا المدلجي نظر آنفا إلى زيد وأسامة، وقد غطيا رءوسهما وبدت أقدامهما، ~~فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض» متفق عليه. # فلولا أن ذلك حق، لما سر به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن ألحقته ~~بهما لحقهما، لما روى سليمان بن يسار: عن عمر في امرأة وطئها رجلان في طهر، ~~فقال القائف: قد اشتركا فيه، فجعله عمر بينهما رواه سعيد. وعن علي مثله. ~~قال أحمد: ويرثهما ويرثانه، ونسبه من الأول قائم لا يزيله شيء، قال: ويلحق ~~بثلاثة، وينبغي أن يلحق بمن ألحقه منهم وإن كثروا؛ لأن المعنى في الاثنين ~~موجود فيما زاد فيقاس عليه، وقال القاضي: لا يلحق بأكثر من ثلاثة. وقال ابن ~~حامد: لا يلحق بأكثر من اثنين؛ لأننا صرنا إلى ذلك للأثر، فيجب أن نقتصر ~~عليه. # فإن لم توجد قافة، أو أشكل عليهم، أو نفته عنهما، أو تعارضت أقوالهما، ~~فقال أبو بكر: يضيع نسبه؛ لأنه لا دليل لأحدهما، فأشبه من لم يدع نسبه أحد. ~~وقال ابن حامد: يترك حتى يبلغ، ويؤاخذان بنفقته؛ لأن كل واحد منهما مقر به، ~~فإذا بلغ أمرناه أن ينتسب إلى من يميل طبعه إليه؛ لأن ذلك يروى عن عمر - ~~رضي الله عنه -، ولأن الطبع ms0641 يميل إلى الوالد ما لا يميل إلى غيره. فإذا ~~تعذرت القافة، رجعنا إلى اختياره. ولا يصح انتسابه قبل بلوغه؛ لأنه قول ~~يتعين به النسب، وتلزم به الأحكام، فلا يقبل من الصبي، كقول القائف. # وسواء كان المدعيان مسلمين حرين، أو كافرين رقيقين، أو مسلما وكافرا، ~~وحرا وعبدا؛ لأن كل واحد منهم لو انفرد صحت دعواه؛ فإن ادعاه امرأتان، ~~وقلنا بصحة دعوتيهما، فهما كالرجلين، إلا أنه لا يلحق بأكثر من واحدة؛ لأنه ~~يستحيل ولد من أنثيين، وإن كانت إحداهما تسمع دعواها دون الأخرى، فهي ~~كالمنفردة به، وإن ألحقته القافة بكافر وأمة، لم يحكم برقه ولا كفره؛ لأنه ~~ثبت إسلامه وحريته بظاهر الدار، فلا يزول ذلك بظن ولا شبهة، كما لم تزل ~~بمجرد الدعوة. # PageV02P206 # فصل: # فإن كان لامرأتين وابن وبنت، فادعت كل واحدة أنها أم الابن، احتمل أن ~~يعرض معهما على القافة، واحتمل أن يعرض لبنهما على أهل الخبرة، فمن كان ~~لبنها لبن ابن، فهو ابنها. وقد قيل: إن لبن الابن ثقيل، ولبن البنت خفيف، ~~فيعتبر ذلك. # فصل: # والقافة: قوم من العرب عرفت منهم الإصابة في معرفة الأنساب، واشتهر ذلك ~~في بني مدلج رهط مجزز، وسراقة بن مالك بن جعشم، ولا يقبل قول القائف إلا أن ~~يكون ذكرا عدلا مجربا في الإصابة؛ لأن ذلك يجري مجرى الحكم، فاعتبر ذلك ~~فيه. قال القاضي: يترك الغلام مع عشرة غير مدعيه، ويرى القائف، فإن ألحقه ~~بأحدهم سقط قوله، وإن نفاه عنهم، جعلناه مع عشرين فيهم مدعيه. فإن ألحقه ~~بمدعيه، علمت إصابته. وهل يكتفى بواحد؟ فيه وجهان: # أحدهما: يكتفى به؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سر بقول مجزز وحده؛ ~~لأنه بمنزلة الحاكم يجتهد ويحكم، كما يجتهد الحاكم ويحكم. # والثاني: لا يقبل إلا اثنان؛ لأنه حكم بالشبه والخلقة، فلا يقبل من واحد، ~~كالحكم بالمثل في جزاء الصيد. # فصل: # فإن ادعى رجل رقه لم يقبل؛ لأن الأصل الحرية، فإن شهدت له بينة بالملك ~~قبلت، وإن لم يذكر السبب، كما لو شهدت له بملك مال. وإن شهدت باليد ~~للملتقط، ms0642 لم يحكم له بالملك؛ لأن سبب يده قد علم. وإن شهدت بها لغيره ثبت. ~~والقول قوله في الملك مع يمينه كما لو كان في يده مال فحلف عليه. # فصل: # ومن حكمنا بإسلامه لإسلام أحد أبويه، أو موته، أو إسلام سابيه، فحكمه حكم ~~سائر المسلمين في حياته وموته، ووجوب القود على قاتله قبل البلوغ أو بعده، ~~وإن كفر بعد بلوغه، فهو مرتد يستتاب ثلاثا، فإن تاب وإلا قتل؛ لأنه محكوم ~~بإسلامه يقينا، فأشبه غيره من المسلمين، ومن حكمنا بإسلامه للدار وهو ~~اللقيط فكذلك؛ لأنه محكوم بإسلامه ظاهرا، فهو كالثابت يقينا، وذكر القاضي ~~وجها آخر: أنه يقر على كفره؛ لأنه لم يثبت إسلامه يقينا. # PageV02P207 # فصل: # فإن بلغ اللقيط فقذفه إنسان، أو جنى عليه، أو ادعى رقه، فكذبه اللقيط، ~~فالقول قول اللقيط؛ لأنه حر في الحكم، ويحتمل أن يقبل قول المدعي في درء حد ~~القذف خاصة؛ لأنه مما يدرأ بالشبهات، بخلاف القصاص. # فصل: # وإن بلغ فتصرف، ثم ثبت رقه، فحكم تصرفه حكم تصرف العبيد؛ لأنه ثبت أنه ~~مملوك، وإن أقر بالرق على نفسه بعد أن كان أقر بالحرية، لم يقبل إقراره ~~بالرق؛ لأنه قد لزمه بالحرية أحكام من العبادات والمعاملات، فلم يملك ~~إسقاطها، وإن لم يتقدم منه إقرار بالحرية، وكذبه المقر له، بطل إقراره؛ ~~لأنه لا يثبت رقه لمن لا يدعيه، فإن أقر بعده لغيره قبل، كما لو أقر له ~~بمال، ويحتمل أن لا يقبل؛ لأن في إقراره الأول اعترافا بأنه ليس لغيره، فلم ~~يقبل رجوعه عنه، كما لا يقبل رجوعه عن الحرية، وإن صدقه الأول، ففيه وجهان: # أحدهما: لا يقبل؛ لأنه محكوم بحريته، فلا يقبل إقراره بما يبطلها، كما لو ~~أقر بها. # والثاني: يقبل؛ لأنه مجهول الحال أقر بالرق فقبل، كما لو قدم رجلان من ~~دار الحرب، فأقر أحدهما لصاحبه بالرق، فعلى هذا يحتمل أن يقبل إقراره في ~~جميع أحكامه؛ لأنه معنى يثبت الرق، فأثبته في جميع أحكامه كالبينة، ويحتمل ~~أن يقبل فيما عليه دون ما له؛ لأنه أقر بما يوجب حقا ms0643 له وعليه، فيثبت ما ~~عليه دون ما له، كما لو قال: لفلان علي ألف على رهن لي عنده، فإن قلنا ~~بالأول وكان قد نكح، فهو فاسد، حكمه حكم ما لو تزوج العبد أو الأمة بغير ~~إذن سيده. # وإن تصرف بغير النكاح، فسدت عقوده كلها، وترد الأعيان إلى أربابها إن ~~كانت باقية، وإن كانت تالفة، ثبتت قيمتها في ذمته؛ لأنها ثبتت برضا ~~أصحابها، وإن قلنا: لا يقبل في ما له وهي أمة، فنكاحها صحيح، ولا مهر لها ~~إن كان قبل الدخول، وإن كان بعده، فلها الأقل من المسمى، أو مهر المثل، ~~ولزوجها الخيار بين المقام معها على أنها أمة، أو فراقها إن كانت ممن يجوز ~~له نكاح الأمة؛ لأنه قد ثبت كونها أمة في المستقبل، وإن كان المقر ذكرا، ~~فسد نكاحه، لإقراره أنه عبد، نكح بغير إذن سيده، وحكمه حكم الحر في وجوب ~~المسمى، أو نصفه إن كان قبل الدخول، ولا تبطل عقوده، وما عليه من الحقوق ~~والأثمان، يؤدى مما في يده، وما فضل ففي ذمته، وما فضل معه فلسيده. وإن جنى ~~جناية توجب القصاص، اقتص منه، حرا كان المجني عليه أو عبدا. وإن كانت خطأ ~~تعلق أرشها برقبته؛ لأنه عبد، وإن جنى عليه حر، فلا قود؛ لأنه عبد. # PageV02P208 ### | باب الوديعة # قبول الوديعة مستحب لمن علم من نفسه الأمانة، لما فيه من قضاء حاجة أخيه ~~ومعونته، وقد أمر الله تعالى ورسوله بهما. وإن كان عاجزا عن حفظها، أو ~~خائفا من نفسه عليها، لم يجز له قبولها؛ لأنه يغرر بها إلا أن يخبر ربها ~~بذلك فيرضاه، فإن الحق له، فيجوز بذله، ولا يجوز قبولها إلا من جائز التصرف ~~في المال، فإن استودع من صبي غير مأذون له، أو سفيه، أو مجنون ضمن؛ لأنه ~~أخذ ماله من غير إذن شرعي فضمنه كما لو غصبه. ولا يبرأ إلا بتسليمه إلى ~~وليه، كما لو غصبه إياه. فإن خاف أنه إن لم يأخذ منهم أتلفوه، لم يضمنه إن ~~أخذه؛ لأنه قصد تخليصه من الهلاك فلم يضمنه، ms0644 كما لو وجده في سيل فأخرجه ~~منه. # فصل: # والوديعة أمانة إذا تلفت من غير تفريط، لم يضمن المودع بالإجماع؛ لما روى ~~عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس ~~على المستودع ضمان» فإن تلفت من بين ماله، ففيها روايتان؛ أظهرهما: لا يضمن ~~للخبر، ولأنه أمين لم تظهر منه خيانة، فلم يضمن، كما لو ذهب معها شيء من ~~ماله. والأخرى: يضمن؛ لأنه روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه ضمن أنسا ~~وديعة، ذهبت من بين ماله. # فصل: # فإن لم يعين لها صاحبها الحرز؛ لزمه حفظها في حرز مثلها، فإن أخر إحرازها ~~فتلفت ضمنها؛ لتركه الحفظ من غير عذر، وإن تركها في دون حرز مثلها ضمن؛ لأن ~~الإيداع يقتضي الحفظ، فإذا أطلق، حمل على المتعارف، وهو حرز المثل، وإن ~~أحرزها في حرز مثلها أو فوقه لم يضمن؛ لأن من رضي بحرز مثلها رضي بما فوقه. # فصل: # فإن عين له الحرز، فقال: أحرزها في هذا البيت، فتركها فيما دونه ضمن؛ ~~لأنه # PageV02P209 # لم يرضه، وإن تركها في مثله، أو أحرز منه فقال القاضي: لا يضمن؛ لأن من ~~رضي شيئا رضي مثله وفوقه. وظاهر كلام الخرقي: أنه يضمن؛ لأنه خالف أمره ~~لغير حاجة، فأشبه ما لو نهاه؛ فإن قال: احفظها في هذا البيت ولا تنقلها ~~عنه، فنقلها لغير حاجة، ضمنها سواء نقلها إلى مثله، أو أحرز منه؛ لأنه خالف ~~نص صاحبها، وإن خاف عليها نهبا أو هلاكا وأخرجها، لم يضمنها؛ لأن النهي ~~للاحتياط عليها، والاحتياط في هذه الحال نقلها، فإن تركها فتلفت ضمنها؛ ~~لأنه فرط في تركها. # ويحتمل أن لا يضمن؛ لأنه امتثل أمر صاحبها، فإن قال: لا تخرجها، وإن خفت ~~عليها، فأخرجها لخوفه عليها، لم يضمن؛ لأنه زاده خيرا، وإن تركها فتلفت لم ~~يضمن؛ لأن نهيه مع خوف الهلاك إبراء من الضمان، فأشبه ما لو أمره بإتلافها ~~فأتلفها، فإن أخرجها فتلفت، فادعى أنني أخرجتها خوفا عليها، فعليه البينة ~~على ما ادعى وجوده من تلك الناحية؛ لأنه مما ms0645 لا يتعذر إقامة البينة عليه، ~~ثم القول قوله في خوفه عليها، وفي التلف مع يمينه لتعذر إقامة البينة ~~عليها، فإن قال: لا تقفل عليها قفلين، ولا تنم فوقها فخالفه؛ فالمذهب أنه ~~لا يضمن؛ لأنه زاد في الحرز، فأشبه ما لو قال له: اتركها في صحن الدار، ~~فتركها في البيت، ويحتمل أن يضمن؛ لأنه نبه اللص عليها وأغراه بها. # فصل: # فإن أودع نفقة، فربطها في كمه، لم يضمن، وإن تركها فيها بغير رباط، وكانت ~~خفيفة لا يشعر بسقوطها ضمن لتفريطه. وإن كانت ثقيلة يشعر بها لم يضمن، وإن ~~تركها في جيبه أو شدها على عضده لم يضمنها؛ لأن العادة جارية بالإحراز ~~بهما. وإن قال: اربطها في كمك، فأمسكها في يده ضمن؛ لأن اليد يسقط منها ~~الشيء بالنسيان، ويحتمل أن لا يضمن؛ لأن اليد لا يتسلط عليها الطرار بالبط. # وقال القاضي: اليد أحرز عند المغالبة، والكم أحرز عند غيرها، فإن تركها ~~في يده عند المغالبة، فلا ضمان عليه؛ لأنه زادها احتياطا، وإلا ضمنها ~~لنقلها إلى أدنى مما أمره به، وهذا صحيح. وإن قال: اجعلها في كمك، فتركها ~~في جيبه، لم يضمن؛ لأنه أحرز، لأنه ربما نسي، فسقطت من الكم، وإن قال: ~~اجعلها في جيبك، فتركها في كمه، ضمن، وإن قال: اتركها في بيتك فشدها في ~~ثيابه، وأخرجها معه ضمن؛ لأن البيت أحرز، وإن شدها على عضده مما يلي جنبه ~~لم يضمن؛ لأنه أحرز من البيت، فإن شدها مما يلي الجانب الآخر ضمن؛ لأن ~~البيت أحرز منه، ولأنه ربما يبطها الطرار. وإن قال: احفظها في البيت، ~~ودفعها إليه في غيره، فمضى بها إليه في الحال لم يضمن، وإن قعد وتوانى ~~ضمنها؛ لأنه توانى عن حفظها فيما أمر به مع الإمكان، فإن قال: احفظ هذا ~~الخاتم في البنصر، فجعله في الخنصر ضمن؛ لأنه دون البنصر، فالخاتم فيها # PageV02P210 # أسرع إلى الوقوع، وإن جعله في الوسطى، وأمكن إدخاله في جميعها لم يضمن؛ ~~لأنها أغلظ، فهي أحفظ، وإن انكسر أو بقي في رأسها، ضمن لتعديه فيه، وإن ms0646 ~~قال: لا تدخل أحدا البيت الذي فيه الوديعة، فخالفه فسرقت ضمن؛ لأن الداخل ~~ربما دل السارق عليها. # فصل: # وإذا أراد المودع السفر، أو عجز عن حفظها، ردها على صاحبها أو وكيله، ولم ~~يجز دفعها إلى الحاكم؛ لأنه لا ولاية للحاكم على حاضر، فإذا سافر بها في ~~طريق مخوف، أو إلى بلد مخوف، أو نهاه المالك عن السفر بها ضمن؛ لأنه مفرط ~~أو مخالف، وإن لم يكن كذلك لم يضمن؛ لأنه نقلها إلى موضع مأمون، أشبه ما لو ~~نقلها في البلد، وإن لم يرد السفر بها، ولم يجد مالكها، دفعها إلى الحاكم؛ ~~لأنه متبرع بالحفظ، فلا يلزمه ذلك في الدوام، والحاكم يقوم مقام صاحبها عند ~~غيبته، فإن دفعها إلى غيره مع قدرته عليه ضمنها؛ لأنه كصاحبها عند غيبته، ~~وإن لم يجد حاكما أودعها ثقة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أراد ~~أن يهاجر أودع الودائع التي كانت عنده لأم أيمن، ولأنه موضع الحاجة. # وعنه: يضمن، قال القاضي: يعني إذا أودعها من غير حاجة، فإن دفنها في ~~الدار، وأعلم بها ثقة يده على المكان، فهو كإيداعها إياه، وإن لم يعلم بها ~~أحد، فقد فرط؛ لأنه لا يأمن الموت في سفره، وإن أعلم بها من لا يد له على ~~المكان، فكذلك؛ لأنه ما أودعها، وإن أعلم بها غير ثقة ضمنها؛ لأنه عرضها ~~للذهاب، وإن حضره الموت، فهو كسفره؛ لأنه يعجز عن حفظها. # فصل: # ولا يجوز أن يودع الوديعة عند غيره لغير حاجة؛ لأن صاحبها لم يرض أمانة ~~غيره، فإن فعل، فتلفت عند الثاني مع علمه بالحال، فله تضمين أيهما شاء؛ ~~لأنهما متعديان، ويستقر ضمانها على الثاني؛ لأن التلف حصل عنده، وقد دخل ~~على أنه يضمن، وإن لم يعلم الحال، فقال القاضي: يضمن أيهما شاء، ويستقر ~~ضمانها على الأول؛ لأن الثاني يدخل على أنه أمين. وظاهر كلام أحمد أنه لا ~~يملك تضمين الثاني لذلك. # وإن دفعها إلى من جرت عادته بحفظ ماله، كزوجته وأمته وخازنه لم يضمن؛ ~~لأنه حفظها بما يحفظ به ماله، ms0647 فأشبه حفظها بنفسه، وإن استعان بغيره في ~~حملها، ووضعها في الحرز، وسقي الدابة وعلفها، لم يضمن؛ لأن العادة جارية ~~بذلك، أشبه فعله بنفسه. # PageV02P211 # فصل: # وإن خلطها بما لا تتميز منه ضمنها؛ لأنه لا يمكنه رد أعيانها، وإن خلطها ~~بما تتميز منه، كصحاح بمكسرة، وسود ببيض لم يضمن؛ لأنها تتميز من ماله، ~~أشبه ما لو تركها مع أكياس له في صندوقه، وعنه فيمن خلط بيضا بسود: يضمن، ~~وهذا محمول على أن السود تؤثر في البيض، فيضمنها لذلك، وخرج أبو الخطاب من ~~هذه الرواية: أنه يضمنها إذا خلطها مع التمييز. وإن أودعه دراهم في كيس ~~مشدود، فحله أو خرق ما تحت الشد، أو كسر الختم ضمن ما فيه؛ لأنه هتك الحرز ~~لغير عذر، فإن كانت من غير وعاء، فأخذ منها درهما، ضمنه وحده؛ لأنه تعدى ~~فيه وحده، فإن رده إليها، لم يزل ضمانه؛ لأنه ثبت بتعديه فيه، فلم يزل إلا ~~برده إلى مالكه، وإن رد بدله، وكان متميزا لم يضمن غيره لذلك، وإن لم ~~يتميز، ضمن الكل لخلطه الوديعة بما لا يتميز، وظاهر كلام الخرقي أنه لا ~~يضمن غيره؛ لأنه لا يعجز عن ردها، ورد ما يلزمه رده معها، ومن لزمه الضمان ~~بتعديه، فترك التعدي، لم يبرأ من ضمانها؛ لأن الضمان تعلق بذمته، فلم يبرأ ~~بترك التعدي، كما لو غصب شيئا من دار، ثم رده إليها، وإن ردها إلى صاحبها، ~~ثم ردها صاحبها إليه برئ؛ لأن هذا وديعة ثانية، وإن أبرأه من الضمان برئ؛ ~~لأن الضمان حقه، فبرئ منه بإبرائه كدينه. # فصل: # فإن أودع بهيمة، فلم يعلفها، ولم يسقها حتى ماتت ضمنها؛ لأن في ذلك ~~هلاكها، فأشبه ما لو لم يحرزها، وإن نهاه المالك عنه فتركه، أثم لحرمة ~~الحيوان، ولم يضمن؛ لأن مالكها أذن في إتلافها، فأشبه ما لو أمره بقتلها، ~~والحكم في النفقة والرجوع كالحكم في نفقة البهائم المرهونة؛ لأنها أمانة ~~مثلها. # فصل: # وإذا أخرج الوديعة من حرزها لمصلحتها، كإخراج الثياب للنشر، والدابة ~~للسقي والعلف على ما جرت به العادة لم ms0648 يضمن؛ لأن الإذن المطلق يحمل على ~~الحفظ المعتاد، وإن نوى جحد الوديعة، أو إمساكها لنفسه، أو التعدي فيها، ~~ولم يفعل، لم يضمن؛ لأن النية المجردة معفو عنها؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «عفي لأمتي عن ما حدثت به أنفسها، ما لم تكلم به أو تعمل به» ~~رواه البخاري ومسلم بمعناه. # وإن أخرجها لينتفع بها ضمنها؛ لأنه تصرف فيها بما ينفي مقتضاها فضمنها، ~~كما لو أحرزها في غير حرزها، إن أخذت منه قهرا لم يضمن؛ لأنه غير مفرط، ~~أشبه ما لو تلفت بفعل الله تعالى، وإن أكره حتى سلمها لم يضمن؛ لأنه مكره، ~~أشبه الأول. # PageV02P212 # فصل: # وإن طولب بالوديعة فأنكرها، فالقول قوله؛ لأن الأصل عدمها، وإن أقر بها ~~وادعى ردها، أو تلفها بأمر خفي، قبل قوله مع يمينه؛ لأنه قبضها لنفع ~~مالكها. وإن كان بأمر ظاهر، فعليه إقامة البينة بوجوده في تلك الناحية، ثم ~~القول قوله مع يمينه. # فصل: # وإن طالبه برد الوديعة، فأخره لعذر لم يضمن؛ لأنه لا تفريط من جهته، وإن ~~أخره لغير عذر، ضمنها لتفريطه، ومؤنة ردها على مالكها؛ لأن الإيداع لحظة. ### | باب العارية # وهي هبة المنافع، وهي مندوب إليها؛ لقول الله تعالى: {وتعاونوا على البر ~~والتقوى} [المائدة: 2] ، ولأن فيها عونا لأخيه المسلم، وقضاء حاجته " ~~«والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» ، وتصح في كل عين ينتفع بها ~~مع بقاء عينها، " لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعار من أبي طلحة ~~فرسا فركبها، «واستعار من صفوان بن أمية أدراعا» رواه أبو داود. وسئل عن حق ~~الإبل فقال: «إعارة دلوها، وإطراق فحلها» فثبتت إعارة ذلك بالخبر، وقسنا ~~عليه سائر ما ينتفع به مع بقاء عينه، فيجوز إعارة الفحل للضراب للخبر، ~~والكلب للصيد قياسا عليه. # فصل: # ولا تجوز إعارة العبد المسلم لكافر؛ لأنه لا يجوز أن يستخدمه، ولا الصيد ~~لمحرم؛ لأنه لا يجوز له إمساكه، ولا الجارية الجميلة لغير ذي محرم منها على ~~وجه يفضي إلى خلوته بها؛ لأنه لا يؤمن عليها، فإن كانت شوهاء، أو ms0649 كبيرة لا ~~يشتهى مثلها فلا بأس؛ لأنه يؤمن عليها، ويكره استعارة والديه للخدمة؛ لأنه ~~يكره له استخدامهما فكره استعارتهما لذلك. # فصل: # فإن قبض العين ضمنها؛ لما روى صفوان بن أمية: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - استعار منه # PageV02P213 # أدراعا يوم حنين، فقال: أغصبا يا محمد؟ قال: «بل عارية مضمونة» ، وروي: ~~«مؤداة» رواه أبو داود. ولأنه قبض مال غيره لنفع نفسه، لا للوثيقة. فضمنه ~~كالمغصوب، وعليه مؤنة ردها لذلك، فإن شرط نفي الضمان، لم ينتف؛ لأن ما يضمن ~~لا ينتفي بالشرط، وقال أبو حفص العكبري: يبرأ؛ لأن الضمان حقه، فسقط ~~بإسقاطه، كالوديعة التي تعدى فيها، فإن استخلق الثوب، أو نقصت قيمتها لم ~~يضمن؛ لأنه مأذون فيه؛ لدخوله فيما هو من ضرورته. ولو تلفت ضمنها بقيمتها ~~يوم تلفها؛ لأن نقصها قبل ذلك غير مضمون، بدليل أنه لو ردها، لم يضمنه، فإن ~~تلفت أجزاؤها بالاستعمال كخمل المنشفة، ففيه وجهان: # أحدهما: لا يضمنه، لما ذكرنا. # والثاني: يضمنه؛ لأنه من أجزائها فيضمنه كسائر أجزائها، وإن تلف ولد ~~العارية، ففيه وجهان: # أحدهما: يضمنه؛ لأنه تابع لما يجب ضمانه، فيجب ضمانه، كولد المغصوب. # والثاني: لا يضمن؛ لأنه لم يدخل في العارية، فلم يدخل في الضمان، بخلاف ~~المغصوب، فإن ولدها داخل في الغصب. # فصل: # والعارية عقد جائز لكل واحد منهما فسخها؛ لأنها إباحة، فأشبهت إباحة ~~الطعام، وعليه ردها إلى المعير، أو من جرت عادته أن يجري ذلك على يديه كرد ~~الدابة إلى سائسها، فإن ردها إلى غيرهما، أو دار المالك، أو إصطبله، لم ~~يبرأ من الضمان؛ لأن ما وجب رده، لم يبرأ برده إلى ذلك، كالمغصوب. # فصل: # ومن استعار شيئا، فله استيفاء نفعه بنفسه، ووكيله؛ لأنه نائب عنه. وليس ~~له أن يعيره؛ لأنها إباحة فلا يملك بها إباحة غيره، كإباحة الطعام؛ فإن ~~أعاره فتلف عند الثاني، فللمالك تضمين أيهما شاء، ويستقر الضمان على ~~الثاني؛ لأنه قبضه على أنه ضامن له، وتلف في يده، فاستقر الضمان عليه، ~~كالغاصب من الغاصب. # فصل: # وتجوز العارية مطلقة ومعينة؛ لأنها إباحة، فأشبهت إباحة ms0650 الطعام، فإن ~~أطلقها، فله أن ينتفع بها في كل ما يصلح له، فإن كانت أرضا، فله أن يبني ~~ويغرس ويزرع؛ لأنها تصلح لذلك كله، وإن عين نفعا، فله أن يستوفيه ومثله ~~ودونه، وليس له استيفاء أكثر منه # PageV02P214 # على ما ذكرنا في الإجارة. # فصل: # وتجوز مطلقة ومؤقتة، فإن أعارها لغراس سنة، لم يملك للغرس بعدها، فإن غرس ~~بعدها، فحكمه حكم غرس الغاصب؛ لأنه بغير إذنه، وإن رجع قبل السنة، لم يملك ~~الغرس بعد الرجوع؛ لأن الإذن قد زال، فأما ما غرسه بالإذن، فإن كان قد شرط ~~عليه قلعه لزمه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المسلمون على شروطهم» ~~حديث حسن صحيح. # وإن شرط عليه تسوية الحفر لزمه للخبر، وإلا لم يلزمه؛ لأنه أذن في حفرها ~~باشتراطه القلع، ولم يشترط تسويتها، وإن لم يشترط عليه قلعه لكن لا تنقص ~~قيمته بقلعه، لزم قلعه؛ لأنه أمكن رد العارية فارغة من غير ضرر فوجب، وإن ~~نقصت قيمته بالقلع فاختار المستعير، فله ذلك؛ لأنه ملكه فملك نقله، وعليه ~~تسوية الأرض؛ لأن القلع باختياره لو امتنع منه، لم يجبر عليه؛ لأنه فعله ~~لاستخلاص ملكه من ملك غيره فلزمته التسوية، كالمشتري مع الشفيع إذا أخذ ~~غرسه. وقال القاضي: لا تلزمه التسوية؛ لأن المعير دخل على هذا بإذنه في ~~الغراس الذي لا يزول إلا بالحفر عليه، وإن أبى قلعه فبذل المعير قيمته ~~ليملكه، أجبر على قبولها؛ لأن غرسه حصل في ملك غيره بحق، فأشبه الشفيع مع ~~المشتري، ولو بذل المستعير قيمة الأرض ليملكها مع غرسه، لم يجبر المعير ~~عليه؛ لأن الغرس يتبع الأرض في الملك، بخلاف الأرض، فإنها لا تتبع للغرس، ~~فإن بذل المعير أرش النقص الحاصل بالقلع، أجبر المستعير على قبوله؛ لأنه ~~رجوع في العارية من غير إضرار، وإن لم يبذل القيمة، ولا أرش النقص، وامتنع ~~المستعير من القلع، لم يقلع؛ لأنه إذن له فيما يتأبد، فلم يملك الرجوع على ~~وجه يضر به، كما لو أذن له في وضع خشبة على حائطه، ولم يذكر أصحابنا عليه ~~أجرة؛ ms0651 لأن بقاء غرسه بحكم العارية، وهي انتفاع بغير أجرة، كالخشب على ~~الحائط، وذكروا في الزرع أن عليه الأجرة لمدة بقاء الزرع من حين الرجوع؛ ~~لأنه لا يملك الانتفاع بأرض غيره بعد الرجوع بغير أجرة، وهذا يقتضي وجوب ~~الأجرة على صاحب الغراس بعد الرجوع، وللمعير دخول أرضه كيف شاء؛ لأن بياضها ~~له، لا حق للمستعير فيها، وللمستعير دخولها، للسقي والإصلاح وأخذ الثمرة؛ ~~لأن الإذن في الغراس إذن بما يعود في صلاحه، وأخذ الثمرة، وليس له دخولها ~~للتفرج ونحوه، ولا يمنع واحد منهما من بيع ملكه لمن شاء يكون بمنزلته؛ لأنه ~~ملكه على الخصوص فملك بيعه، كالشقص المشفوع. # فصل: # وإن رجع في العارية وفي الأرض، زرع مما يحصد قصيلا، حصده؛ لأنه أمكن # PageV02P215 # الرجوع من غير إضرار، وإن لم يمكن، لزم المعير تركه بالأجرة إلى وقت ~~حصاده؛ لأنه لا يملك الرجوع على وجه يضر بالمستعير، وإن حمل السيل بذر رجل ~~إلى أرض آخر فنبت فيه، ففيه وجهان: # أحدهما: حكمه حكم العارية؛ لأنه بغير تفريط من ربه، إلا أن عليه أجرة ~~الأرض؛ لأنه لا يجوز استيفاء نفع أرش إنسان بغير إذنه من غير أجرة، فصار ~~كزرع المستعير بعد رجوع المعير، وقال القاضي: ليس عليه أجرة؛ لأنه حصل بغير ~~تفريطه، أشبه مبيت بهيمته في دار غيره. # والثاني: حكمه حكم الغصب؛ لأنه حصل في ملكه بغير إذنه. # فصل: # وإن أعاره حائطا ليضع عليه أطراف خشبه، لم يكن له الرجوع ما دام الخشب ~~على الحائط؛ لأن هذا يراد للبقاء، وليس له الإضرار بالمستعير، فإن بذل ~~المالك قيمة الخشب ليملكه، لم يكن له؛ لأن معظمه في ملك صاحبه، فإن أزيل ~~الخشب لتلفه أو سقوطه أو هدم الحائط، لم يجز رده إلا بإذن مستأنف؛ لأن ~~الإذن تناول الوضع الأول، فلا يتعدى إلى غيره، وإن وجدت أخشاب على حائط لا ~~يعلم سببها، ثم نقلت جاز إعادتها؛ لأن الظاهر أنها بحق ثابت، وإن استعار ~~سفينة، فحمل متاعه فيها، لم يملك صاحبها الرجوع فيها حتى ترسي. وإن أعاره ~~أرضا للدفن، لم يملك ms0652 الرجوع فيها ما لم يبل الميت لما ذكرنا. # فصل: # وإن استعار شيئا يرهنه مدة معلومة على دين معلوم صح؛ لأنه نوع انتفاع. ~~فإن أطلق الإذن من غير تعيين صح؛ لأن العارية لا يشترط في صحتها تعيين ~~النفع، فإن عين فخالفه، فالرهن باطل؛ لأنه رهنه بغير إذن مالكه، وإن أذن له ~~في رهنه بمائة، فرهنه بأقل منها صح؛ لأن من أذن في شيء فقد أذن في بعضه؛ ~~وإن رهنه أكثر منها بطل في الكل في أحد الوجهين؛ لأنه مخالف، أشبه ما لو ~~خالف في الجنس، وفي الآخر: يصح في المأذون، ويبطل في الزائد، كتفريق ~~الصفقة. # وللمعير مطالبة الراهن بفكاكه في الحال، سواء أجله أو أطلق؛ لأن العارية ~~لا تلزم، وإن حل الدين قبل فكاكه بيع واستوفى الدين من ثمنه؛ لأن هذا مقتضى ~~الرهن، ويرجع المعير على المستعير بقيمته أو مثله إن كان مثليا؛ لأن ~~العارية مضمونة بذلك، ولا يرجع بما بيع به إن كان أقل من القيمة؛ لأن ~~العارية مضمونة فيضمن نقص ثمنها. # وإن بيع بأكثر من قيمته، رجع به؛ لأن ثمن العين ملك لصاحبها، وقيل: لا ~~يرجع # PageV02P216 # بالزيادة. وإن تلف في يد المرتهن، رجع المعير على المستعير، ويرجع ~~المستعير على المرتهن إن كان تعدى، وإلا فلا. # فإن قضى المعير الدين وفك الرهن بإذن الراهن، رجع عليه، وإن كان بغير ~~إذنه متبرعا، لم يرجع. وإن قضاه محتسبا بالرجوع، ففيه روايتان، بناء على ~~قضاء دينه بغير إذنه. # فصل: # إذا ركب دابة غيره ثم اختلفا فقال: أعرتنيها فقال: بل أجرتكها عقيب ~~العقد، والدابة قائمة، فالقول قول الراكب؛ لأن الأصل عدم الإجارة وبراءة ~~ذمته من الأجرة، وإن كان بعد مضي مدة لمثلها أجرة، فالقول قول المالك؛ ~~لأنهما اختلفا في صفة نقل ملكه إلى غيره، فأشبه ما لو اختلفا في العين، ~~فقال: وهبتنيها وقال: بل بعتكها، فيحلف المالك، ويجب له المسمى في أحد ~~الوجهين؛ لأنه ادعاه وحلف عليه. # والآخر تجب أجرة المثل؛ لأنهما لو اتفقا على الإجارة، واختلفا في قدر ~~الأجرة، لم يجب أكثر من ms0653 أجرة المثل، فمع الاختلاف أولى. وإن قال: ~~أكريتنيها. قال: بل أعرتكها، بعد تلفها أو قبله، فالقول قول المالك مع ~~يمينه؛ لأنهما اختلفا في صفة القبض، والأصل فيما يقبضه الإنسان من مال غيره ~~الضمان؛ لقوله - عليه السلام -: «على اليد ما أخذت حتى ترده» حديث حسن. ~~والقول قول الراكب في قدر القيمة مع يمينه، وإن قال: غصبتنيها. قال: بل ~~أعرتنيها أو أكريتنيها، فالقول قول المالك لذلك، ولأن الراكب يدعي انتقال ~~المنافع إلى ملكه بالعارية أو الكراء. والمالك ينكر ذلك والأصل معه. ### | باب الغصب # وهو استيلاء الإنسان على مال غيره بغير حق، وهو محرم بالإجماع، وقد روى ~~جابر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبته يوم النحر: «إن ~~دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا» رواه مسلم، ~~ومن غصب شيئا، لزمه رده؛ لما روى سمرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «على اليد ما أخذت حتى ترده» وإن نقصت لتغير الأسعار لم يضمنها؛ ~~لأن حق المالك في العين، وهي باقية لم تتغير صفتها، فلا حق له في # PageV02P217 # القيمة مع بقاء العين، وإن نقصت القيمة لنقص المغصوب نقصا مستقرا، كثوب ~~استخلق، أو تخرق، وإناء تكسر أو تشقق، وشاة ذبحت، وحنطة طحنت، فعليه رده ~~وأرش نقصه؛ لأنه نقص عين نقصت به القيمة، فوجب ضمانه، كذراع من الثوب، وإن ~~طالب المالك ببدله، لم يملك ذلك؛ لأن عين ماله باق، فلم يملك المطالبة ~~ببدله، كما لو قطع من الثوب جزءا، وإن كان النقص غير مستقر، كطعام ابتل أو ~~عفن، فله بدله في قول القاضي؛ لأنه يتزايد فساده إلى أن يتلف، وقال أبو ~~الخطاب: يخير بين ذلك وبين تركه حتى يستقر فيه الفساد، ويأخذه مع أرشه؛ لأن ~~عين ماله باقية، فلا يمنع من أخذها مع أرشها، كالثوب الذي تخرق. # فصل: # فإن كان النقص في الرقيق مما لا مقدر فيه، كنقصه لكبر، أو مرض، أو شجة ~~دون الموضحة، ففيه ما نقص مع الرد لذلك، وإن كان أرشه مقدرا، كذهاب يده، ~~فكذلك ms0654 في إحدى الروايتين؛ لأنه ضمان مال، أشبه ضمان البهيمة. والأخرى: يرده ~~وما يجب بالجناية؛ لأنه ضمان للرقيق فوجب فيه المقدر، كضمان الجناية، فإن ~~قطع الغاصب يده، فعلى هذه الرواية الواجب نصف قيمته، كغير المغصوب. # وعلى الأولى عليه أكثر الأمرين من نصف قيمته، أو قدر نصفه؛ لأنه قد وجدت ~~اليد والجناية، فوجب أكثرهما ضمانا، وإن غصب عبدا، فقطع أجنبي يده، فللمالك ~~تضمين أيهما شاء، فعلى الأولى: إن ضمن الغاصب، ضمنه أكثر الأمرين، ويرجع ~~الغاصب على القاطع بنصف قيمته لا غير؛ لأن ضمانه ضمان الجناية، وإن ضمن ~~الجاني، ضمنه نصف القيمة، وطالب الغاصب بتمام النقص، وعلى الثانية: يطالب ~~أيهما شاء، ويستقر الضمان على القاطع؛ لأنه المتلف فيكون الرجوع عليه. # فصل: # وروي عن أحمد فيمن قلع عين فرس: أنه يضمنها بربع قيمتها؛ لأنه يروى عن ~~عمر - رضي الله عنه -، والصحيح أن يضمنها بنقصها؛ لأنها بهيمة فلم يكن فيها ~~مقدر، كسائر البهائم أو كسائر أعضائها، ويحمل ما روي عن عمر - رضي الله عنه ~~- على أن عين الدابة التي قضى فيها نقصها ربع القيمة، ولو غصب دابة قيمتها ~~مائة، فزادت فصارت قيمتها ألفا، ثم جنى عليها جناية نقصت نصف قيمتها، لزمه ~~خمسمائة؛ لأن الواجب قيمة ما أتلف يوم التلف، وقد فوت نصفها، فضمن خمسمائة. # فصل: # فإن نقصت العين دون القيمة، وكان الذاهب يضمن بمقدر، كعبد خصاه وزيت # PageV02P218 # أغلاه، فذهب نصفه، ولم تنقص قيمته، فعليه قيمة العبد، ومثل ما نقص من ~~الزيت مع ردهما؛ لأن الواجب فيهما مقدر بذلك، فإن لم يكن مقدرا، كعبد سمين ~~هزل فلم تنقص قيمته، لم يلزمه أرش هزاله؛ لأن الواجب فيه ما نقص من القيمة، ~~ولم تنقص. فإن أغلى عصيرا فنقص، فهو كالزيت؛ لأنه في معناه، ويحتمل أن لا ~~يضمن؛ لأن الغليان عقد أجزائه وجمعها، وأذهب مائيته فقط، بخلاف الزيت، فإن ~~نقصت عينه وقيمته، فعليه مثل ما نقص من العين وأرش نقص الباقي في العصير ~~والزيت؛ لأن كل واحد من النقصين مضمون منفردا، فكذلك إذا اجتمعا، ولو شق ~~ثوبا ينقصه الشق ms0655 نصفين، ثم تلف أحدهما، رد الباقي وتمام قيمة الثوب قبل ~~قطعه، وإن غصب خفين، فتلف أحدهما، فكذلك في أحد الوجهين؛ لأن نقص الباقي ~~بسبب تعديه. والآخر. لا يلزمه إلا رد الباقي، وقيمة التالف؛ لأنه لم يتلف ~~إلا أحدهما. # فصل: # وإن غصب عبدا فمرض، أو ابيضت عينه ثم برئ، لم يلزمه إلا رده؛ لأن نقصه ~~زال، فأشبه ما لو انقلعت سنه، ثم عادت. وإن هزل ثم سمن، أو نسي صناعته ثم ~~علمها، فكذلك في أحد الوجهين؛ لأن نقصه زال، فأشبهت التي قبلها. والآخر: ~~يضمن النقص؛ لأن السمن الثاني غير الأول، فلا يسقط به ما وجب بزوال الأول، ~~فعلى هذا الوجه، لو سمن ثم هزل، ضمنهما معا؛ لأن الثاني غير الأول، وعلى ~~الوجه الأول، يضمن أكثر السمنين قيمة؛ لأن عود السمن أسقط ما قابله من ~~الأرش، فإن كانت الزيادة الثانية، من غير جنس الأولى، كعبد هزل فنقصت ~~قيمته، ثم تعلم فعادت قيمته، ضمن الأولى؛ لأن الثانية من غير جنس الأولى، ~~فلا تنجبر بها، وإن نسي الصناعة أيضا، ضمن النقصين جميعا، لما ذكرنا. # فصل: # فإن جنى العبد المغصوب، لزم الغاصب ما يستوفي من جنايته؛ لأنه بسبب كان ~~في يده، وإن أقيد منه في الطرف، فحكمه حكم ذهابه بفعل الله تعالى؛ لكونه ~~ضمانا وجب باليد لا بالجناية، فإن القطع قصاصا ليس بجناية، وأن تعلق الأرش ~~برقبته، فعليه فداؤه؛ لأنه حق تعلق برقبته في يده، فلزمه تخليصه منه. وإن ~~جنى على سيده، ضمن الغاصب جنايته؛ لأنها من جملة جناياته، فأشبه الجناية ~~على أجنبي. # فصل: # وإن زاد المغصوب في يده، كجارية سمنت، أو ولدت، أو كسبت، أو شجرة أثمرت، ~~أو طالت، فالزيادة للمالك مضمونة على الغاصب؛ لأنها حصلت في يده # PageV02P219 # بالغصب، فأشبهت الأصل، وإن ألقت الولد ميتا، ضمنه بقيمته، يوم الوضع لو ~~كان حيا؛ لأنه غصب بغصب الأم. وإن صاد العبد والجارية صيدا، فهو لمالكهما؛ ~~لأنه من كسبهما. وهل تجب أجرة العبد الكاسب أو الصائد في مدة كسبه، أو ~~صيده؟ فيه وجهان: # أحدهما: لا تجب؛ لأن ms0656 منافعه صارت إلى سيده، فأشبه ما لو كان في يده. # والثاني: تجب؛ لأن الغاصب أتلف منافعه، وإن غصب فرسا، أو قوسا، أو شركا، ~~فصاد به، ففيه وجهان: # أحدهما: هو لصاحبه؛ لأن صيده حصل به، أشبه صيد الجارحة. # والثاني: للغاصب؛ لأنه الصائد، وهذه آلة. وإن غصب منجلا، فقطع به حطبا، ~~أو خشبا، أو حشيشا، فهو للغاصب؛ لأن هذا آلة، فهو كالحبل يربطه به. # فصل: # وإن غصب أثمانا، فاتجر بها، فالربح لصاحبها؛ لأنه نماء ماله، وإن اشترى ~~في ذمته، ثم نقدها فيه، فكذلك في إحدى الروايتين. والأخرى: هو للغاصب؛ لأن ~~الثمن ثبت في ذمته، فكان الشراء له، والمبيع ربحه له؛ لأنه بذل ما وجب ~~عليه، وقياس المذهب: إنه إذا اشترى بعينه كان الشراء باطلا، والسلعة ~~للبائع. # فصل: # وإن غصب عينا، فاستحالت، كبيض صار فرخا، وحب صار زرعا، وزرع صار حبا، ~~ونوى صار شجرا، وجب رده؛ لأنه عين ماله، فإن نقصت قيمته، ضمن أرش نقصه؛ ~~لحدوثه في يده، وإن زاد، فالزيادة لمالكه، ولا شيء للغاصب بعمله فيه؛ لأنه ~~غير مأذون فيه، وإن غصب عصيرا فتخمر، ضمن العصير بمثله؛ لأنه تلف في يده، ~~فإن عاد خلا، رده وما نقص من قيمة العصير؛ لأنه عين العصير، أشبه النوى ~~يصير شجرا. # فصل: # فإن عمل فيه عملا، كثوب قصره، أو فصله وخاطه، أو قطن غزله، أو غزل نسجه، ~~أو خشب نجره، أو ذهب صاغه، أو ضربه، أو حديد جعله إبرا، فعليه رده؛ لأنه ~~عين ماله، ولا شيء للغاصب؛ لأنه عمل في ملك غيره بغير إذنه، فلم يستحق ~~شيئا، كما لو أغلى الزيت. وإن نقص بذلك، فعليه ضمان نقصه؛ لأنه حدث بفعله. ~~وعنه: أنه إن زاد يكون شريكا للمالك بالزيادة؛ لأن منافعه أجريت مجرى ~~الأعيان، أشبه، ما لو صبغ الثوب، والأول أصح. # PageV02P220 # فصل: # فإن غصب شيئا، فخلطه بما يتميز منه، كحنطة بشعير، أو زبيب أحمر بأسود، ~~فعليه تمييزه ورده؛ لأنه أمكن رده، فوجب، كما لو غصب عينا فبعدها، وإن خلطه ~~بمثله مما لا يتميز، كزيت بزيت، لزمه مثل ms0657 كيله منه؛ لأنه قدر على دفع بعض ~~ماله إليه، فلم ينتقل إلى البدل في الجميع، كما لو غصب شيئا، فتلف بعضه. # وهذا ظاهر كلام أحمد - رضي الله عنه -؛ لأنه نص على أنه شريك إذا خلطه ~~بغير جنسه، فنبه على الشركة إذا كان مثله. وقال القاضي: قياس المذهب أنه ~~يلزمه مثله، إن شاء الغاصب منه أو من غيره؛ لأنه تعذر رد عينه، أشبه ما لو ~~أتلفه. وإن خلط بأجود منه، لزمه مثله من حيث شاء الغاصب، فإن دفع إليه منه، ~~لزمه أخذه؛ لأنه أوصل إليه خيرا من حقه من جنسه. وإن خلطه بدونه، لزمه ~~مثله، فإن اتفقا على أخذ المثل منه جاز، وإن أباه المالك، لم يجبر؛ لأنه ~~دون حقه. وإن طلب ذلك، فأباه الغاصب، ففيه وجهان: # أحدهما: لا يجبر؛ لأن الحق انتقل إلى ذمته، فكانت الخيرة إليه في ~~التعيين. # والثاني: يلزمه؛ لأنه قدر على دفع بعض ماله إليه من غير ضرر، فلزمه، كما ~~لو كان مثله. وإن خلطه بغير جنسه، كزيت بشيرج، لزمه مثله من غيره، وأيهما ~~طلب الدفع منه، فأبى الآخر لم يجبر، وقد قال أحمد في رجل له رطل زيت اختلط ~~برطل شيرج لآخر: يباع الدهن كله، ويعطى كل واحد منهما قدر حصته، فيحتمل أن ~~يختص هذا بما لم يخلطه أحدهما، ويحتمل أن يعم سائر الصور؛ لأنه أمكن أن يصل ~~إلى كل واحد بدل عين ماله، فأشبه ما لو غصب ثوبا فصبغه. فإن نقص ما يخصه من ~~الثمن عن قيمته مفردا، ضمن الغاصب نقصه؛ لأنه بفعله، وإن خلطه بما لا قيمة ~~له، كزيت بماء وأمكن تخليصه، وجب تخليصه ورده مع أرش نقصه، وإن لم يمكن ~~تخليصه، أو كان ذلك يفسده، وجب مثله؛ لأنه أتلفه. ولو أعطاه بدل الجيد أكثر ~~منه رديئا، أو أقل منه وأجود صفة، لم يجز؛ لأنه ربا، إلا أن يكون اختلاطه ~~بغير جنسه فيجوز؛ لأن الربا لا يجوز في جنسين. # فصل: # فإن غصب ثوبا فصبغه، فلم تزد قيمة الثوب والصبغ ولم تنقص، فهما شريكان ~~يباع ms0658 الثوب ويقسم ثمنه بينهما؛ لأن الصبغ عين مال، له قيمة، فلم يسقط حقه ~~فيها باتصالها بمال غيره. وإن زادت قيمتهما فالزيادة بينهما؛ لأنها نماء ~~مالهما. وإن نقصت القيمة، ضمنها الغاصب؛ لأن النقص حصل بسببه، وإن زادت ~~قيمة أحدهما لزيادة قيمته في السوق، فالزيادة لمالك ذلك؛ لأنها نماء ماله. ~~وإن بقيت للصبغ قيمة، فأراد # PageV02P221 # الغاصب إخراجه، وضمان النقص، فله ذلك؛ لأنه عين ماله، أشبه ما لو غرس في ~~أرض غيره، ويحتمل أن لا يملك ذلك؛ لأنه يضر بملك المغصوب منه لنفع نفسه، ~~فمنع منه، بخلاف الأرض، فإنه يمكن إزالة الضرر بتسوية الحفر، ولأن قلع ~~الغرس معتاد، بخلاف قلع الصبغ، وإن أراد المالك قلعه، ففيه وجهان: # أحدهما: يملكه ولا شيء عليه، كما يملك قلع الشجر من أرضه. # والآخر: لا يملكه؛ لأن الصبغ يهلك به، أشبه قلع الزرع، وإن بذل المالك ~~قيمة الصبغ ليملكه، لم يجبر الغاصب عليه؛ لأنه بيع ماله، ويحتمل أن يجبر. ~~كما يملك أخذ زرع الغاصب بقيمته، وكالشفيع يأخذ غرس المشتري، وإن وهبه ~~الغاصب لمالكه، ففيه وجهان: # أحدهما: يلزمه قبوله؛ لأنه صار صفة للعين، فأشبه قصارة الثوب. # والآخر: لا يلزمه؛ لأن الصبغ عين يمكن إفرادها فأشبه الغراس، فإن أراد ~~المالك بيع الثوب، فله ذلك؛ لأنه ملكه، فلم يمنع بيعه، وإن طلب الغاصب ~~بيعه، فأباه المالك لم يجبر؛ لأن الغاصب متعد، فلم يستحق بتعديه إزالة ملك ~~صاحب الثوب عنه، كما لو طلب الغارس في أرض غيره بيعها. ويحتمل أن يجبر، ~~ليصل الغاصب إلى ثمن صبغه، وإن غصب ثوبا وصبغا من رجل فصبغه به، فعليه رده ~~وأرش نقصه إن نقص؛ لأنه بفعله والزيادة للمالك؛ لأنه عين ماله ليس للغاصب ~~فيه إلا أثر الفعل. وإن صبغه بصبغ غصبه من غيره، فهما شريكان في الأصل ~~والزيادة، وإن نقص، فالنقص من الصبغ؛ لأنه تبدد، ويرجع صاحبه على الغاصب؛ ~~لأنه بدده. وإن غصب عسلا ونشاء، فعمله حلواء، فحكمه كحكم غصب الثوب وصبغه ~~سواء. # فصل: # وإن غصب أرضا فغرسها، أو بنى فيها، لزمه قلعه؛ لما روى سعيد ms0659 بن زيد: أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس لعرق ظالم حق» قال الترمذي: هذا ~~حديث حسن. ولأنه شغل ملك غيره، بملك لا حرمة له في نفسه فلزمه تفريغه، كما ~~لو ترك فيها قماشا، وعليه تسوية الحفر، ورد الأرض إلى ما كانت عليه، وضمان ~~نقصها إن نقصت؛ لأنه حصل بفعله. # وإن بذل له المالك قيمة غرسه، وبنائه، ليملكه، فأبى إلا القلع، فله ذلك؛ ~~لأنها معاوضة، فلم يجبر عليها. وإن وهبه الغاصب الغراس، أو البناء، لم يجبر ~~على قبوله، إن كان له غرض في القلع؛ لأنه يفوت غرضه، وإن لم يكن فيه غرض، ~~احتمل أن يجبر؛ لأنه يتخلص كل واحد منهما من صاحبه بغير ضرر، واحتمل أن لا ~~يجبر؛ لأن ذلك عين يمكن إفرادها، فلم يجبر على قبولها، كما لو يكن في أرضه، ~~وإن غرسها من # PageV02P222 # ملك صاحب الأرض فطالبه بالقلع، وله فيه غرض لزمه؛ لأنه فوت عليه غرضا ~~بالغرس، فلزمه رده، كما لو ترك فيها حجرا، وإن لم يكن فيه غرض، لم يجبر ~~عليه؛ لأنه سفه، ويحتمل أن يجبر؛ لأن المالك محكم في ملكه، وإن أراد الغاصب ~~قلعه، فللمالك منعه؛ لأنه ملكه، وليس للغاصب فيه إلا أثر الفعل. # فصل: # فإن حفر فيها بئرا، فطالبه المالك بطمها لزمه؛ لأنه نقل ملكه، وهو التراب ~~من موضعه، فلزمه رده، وإن طلب الغاصب طمها لدفع ضرر، مثل إن جعل ترابها في ~~غير أرض المالك، فله طمها؛ لأنه لا يجبر على إبقاء ما يتضرر به، كإبقاء ~~غرسه، وإن جعل التراب في أرض المالك، لم يبرئه من ضمان ما يتلف بها، فله ~~طمها؛ لأنه يدفع ضرر الضمان عنه، وإن أبرأه من ضمان ما يتلف بها، ففيه ~~وجهان: # أحدهما: يبرأ؛ لأنه لما سقط الضمان بالإذن في حفرها، سقط بالإبراء منها، ~~فعلى هذا لا يملك طمها؛ لأنه لا غرض فيه. # والثاني: لا يبرأ بالإبراء؛ لأنه إنما يكون من واجب، ولم يجب بعد شيء ~~فعلى هذا يملك طمها لغرضه فيه. # فصل: # وإن زرعها، وأخذ زرعه، فعليه أجرة الأرض، ms0660 وما نقصها، والزرع له؛ لأنه عين ~~بذره نما، وإن أدركها ربها، والزرع قائم، فليس له إجبار الغاصب على القلع، ~~ويخير بين تركه إلى الحصاد بالأجرة، وبين أخذه، ويدفع إلى الغاصب نفقته؛ ~~لما روى رافع بن خديج قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من زرع ~~في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء، وله نفقته» قال الترمذي: هذا ~~حديث حسن. ولأنه أمكن الجمع بين الحقين بغير إتلاف، فلم يجز الإتلاف، كما ~~لو غصب لوحا، فرقع به سفينة ملججة في البحر، وفارق الغراس؛ لأنه لا غاية له ~~ينتظر إليها. وفيما يرده من النفقة روايتان: # إحداهما: القيمة؛ لأنه بدل عنه، فتقدرت به، كقيم المتلفات. # والثانية: ما أنفق من البذر ومؤنة الزرع في الحرث وغيره؛ لظاهر الحديث، ~~ولأن قيمة الزرع زادت من أرض المالك، فلم يكن عليه عوضها، وإن أدرك رب ~~الأرض شجر الغاصب مثمرا، فقال القاضي: للمالك أخذه، وعليه ما أنفقه الغاصب ~~من مؤنة الثمرة كالزرع؛ لأنه في معناه، وظاهر كلام الخرقي: أنه للغاصب؛ ~~لأنه ثمر شجره، فكان له كولد أمته. # PageV02P223 # فصل: # وإن جصص الدار، وزوقها، فالحكم فيه كالحكم في البناء سواء، وإن وهب ذلك ~~لمالكها، ففي إجباره على قبول الهبة وجهان، كالصبغ في الثوب. # فصل: # وإن غصب عينا فبعدت بفعله أو بغيره، فعليه ردها، وإن غرم أضعاف قيمتها؛ ~~لأنه بتعديه. وإن غصب خشبة، فبنى عليها فبليت، لم يجب ردها، ووجبت قيمتها؛ ~~لأنها هلكت فسقط ردها. وإن بقيت على جهتها، لزم ردها، وإن انتقض البناء؛ ~~لأنه مغصوب يمكن رده، فوجب كما لو بعدها. وإن غصب خيطا فخاط به ثوبا، فهو ~~كالخشبة في البناء. وإن خاط به جرحه، أو جرح حيوان يخاف التلف بقلعه، أو ~~ضررا كثيرا، لم يقلع؛ لأن حرمة الحيوان آكد من حرمة مال الغير، ولهذا جاز ~~أخذ مال الغير بغير إذنه لحفظ الحيوان دون غيره، إلا أن يكون الحيوان مباح ~~القتل كالمرتد والخنزير فيجب رده؛ لأنه لا حرمة للحيوان. وإن كان الحيوان ~~مأكولا للغاصب، فيجب رده؛ لأنه ms0661 يمكن ذبح الحيوان والانتفاع بلحمه، ويحتمل ~~ألا يقلع؛ لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذبح الحيوان لغير مأكله. ~~وإن كان الحيوان لغير الغاصب لم يقلع بحال؛ لأن فيه ضررا بالحيوان وبصاحبه، ~~وإن مات الحيوان، وجب رد الخيط، إلا أن يكون آدميا؛ لأن حرمته باقية بعد ~~موته، والحكم فيما إذا بلع الحيوان جوهرة كالحكم في الخيط سواء. # فصل: # وإن غصب لوحا فرقع به سفينة، وخاف الغرق بنزعه، لم ينزع؛ لأنه يمكنه رده ~~بغير إتلاف ماله، بأن تخرج إلى الشط، فلم يجز إتلافه، سواء كان فيها ماله، ~~أو مال غيره. # فصل: # وإن ادخل فصيلا أو غيره إلى داره، فلم يمكن إخراجه إلا بنقض الباب نقض، ~~كما ينقض البناء لرد الخشبة، وإن دخل الفصيل من غير تفريطه، فعلى صاحب ~~الفصيل ما يصلح به الباب؛ لأنه نقض لتخليص ماله من غير تفريط من صاحب ~~الباب، وهكذا الحكم إن وقع الدينار في محبرة إنسان بتفريط أو غيره. # فصل: # وإن غصب عبدا فأبق، أو دابة فشردت، فللمغصوب منه المطالبة بقيمته؛ لأنه ~~تعذر رده فوجب بدله، كما لو تلف. فإذا أخذ البدل، ملكه؛ لأنه بدل ماله، كما ~~يملك بدل # PageV02P224 # التالف. ولا يملك الغاصب المغصوب؛ لأنه لا يصح تمليكه بالبيع، فلا يملكه ~~بالتضمين كالتالف، فإذا قدر عليه، رده وأخذ القيمة؛ لأنها استحقت ~~بالحيلولة، وقد زالت، فوجب ردها، وزيادة القيمة المتصلة للغاصب؛ لأنها تتبع ~~الأصل، والمنفصلة للمغصوب منه؛ لأنها لا تتبع الأصل في الفسخ بالعيب، وهذا ~~فسخ، فأما المغصوب فيرد بزيادته المتصلة والمنفصلة؛ لأن ملك صاحبه لم يزل ~~عنه. # فصل: # وإن غصب أثمانا، فطالبه مالكها بها في بلد آخر، لزم ردها إليه؛ لأن ~~الأثمان قيم الأموال، فلم يضر اختلاف قيمتها، وإن كان المغصوب من ~~المتقومات، لزم دفع قيمتها في بلد الغصب، وإن كان من المثليات وقيمته في ~~البلدين واحدة، أو هي أقل في البلد الذي لقيه فيه، فله مطالبته بمثله؛ لأنه ~~لا ضرر على الغاصب فيه. وإن كانت أكثر فليس له المثل؛ لأننا لا نكلفه النقل ~~إلى غير ms0662 البلد الذي غصبه فيه، وله المطالبة بقيمته في بلد الغصب، وفي جميع ~~ذلك متى قدر على المغصوب، أو المثل في بلد الغصب، رده وأخذ القيمة كما لو ~~كان عبدا فأبق. # فصل: # إذا تلف المغصوب، وهو مما له مثل، كالأثمان والحبوب والأدهان، فإنه يضمن ~~بمثله؛ لأنه يماثله من حيث الصورة والمشاهدة والمعنى والقيمة مماثلة من ~~طريق الظن والاجتهاد، فكان المثل أولى، كالنص مع القياس، فإن تغيرت صفته ~~كرطب صار تمرا، أو سمسم صار شيرجا، ضمنه المالك بمثل أيهما شاء؛ لأنه قد ~~ثبت ملكه على واحد من المثلين، فرجع بما شاء منهما. وإن وجب المثل وأعوز ~~وجبت قيمته يوم عوزه؛ لأن يسقط بذلك المثل، وتجب القيمة، فأشبه تلف ~~المتقومات. وقال القاضي: تجب قيمته يوم قبض البدل؛ لأن التلف لم ينقل ~~الوجوب إلى القيمة، بدليل ما لو وجد المثل بعد ذلك، وجب رده، وإن قدر على ~~المثل بأكثر من قيمته، لزمه شراؤه؛ لأنه قدر على أداء الوجوب فلزمه، كما لو ~~قدر على رد المغصوب بغرامة. # فصل: # فإن كان مما لا مثل له، وجبت قيمته؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «من أعتق شركا له في عبد، فكان له ما يبلغ ثمن العبد، قوم وأعطي شركاؤه ~~حصصهم» متفق عليه. فأوجب القيمة؛ لأن إيجاب مثله من جهة الخلقة لا يمكن، ~~لاختلاف الجنس الواحد، فكانت القيمة أقرب إلى إبقاء حقه. فإن اختلفت قيمته ~~من حين الغصب إلى حين التلف نظرت، فإن كان ذلك لمعنى فيه وجبت قيمته أكثر ~~ما كانت؛ لأن معانيه مضمونة # PageV02P225 # مع رد العين، فكذا مع تلفها، وإن كان لاختلاف الأسعار، فالواجب قيمته يوم ~~تلف؛ لأنها حينئذ ثبتت في ذمته، وما زاد على ذلك، لا يضمن مع الرد، فكذلك ~~مع التلف، كالزيادة في القيمة. وتجب القيمة من نقد البلد الذي تلف فيه؛ ~~لأنه موضع الضمان، وإن كان المضمون سبيكة، أو نقرة أو مصوغا، ونقد البلد من ~~غير جنسه، أو قيمته كوزنه، وجبت؛ لأن تضمينه بها لا يؤدي إلى الربا، فأشبه ~~غير الأثمان. وإن ms0663 كان نقد البلد من جنسه وقيمته مخالفة لوزنه، قوم بغير ~~جنسه كي لا يؤدي إلى الربا. وإن كانت الصياغة محرمة، فلا عبرة بها؛ لأنها ~~لا قيمة لها شرعا. وذكر القاضي: أن ما زادت قيمته لصناعة مباحة، جاز أن ~~يضمن بأكثر من وزنه؛ لأن الزيادة في مقابل الصنعة، فلا يؤدي إلى الربا. # فصل: # وإذا كانت للمغصوب منفعة مباحة تستباح بالإجارة فأقام في يده مدة لمثلها ~~أجرة، فعليه الأجرة. # وعنه: إن منافع الغصب لا تضمن، والمذهب الأول؛ لأنه يطلب بدلها بعقد ~~المعاينة، فتضمن بالغصب كالعين. وسواء رد العين أو بدلها؛ لأن ما وجب مع ~~ردها، وجب مع بدلها، كأرش النقص. فإن تلفت العين، لم تلزمه أجرتها بعد ~~التلف؛ لأنه لم يبق لها أجرة، ولو غصب دارا فهدمها، أو عرصة فبناها، أو ~~دارا فهدمها ثم بناها وسكنها، فعليه أجرة عوضه؛ لأنه لما هدم البناء لم يبق ~~لها أجرة لتلفها، ولما بنى العرصة كان البناء له، فلم يضمن أجرة ملكه، إلا ~~أن يبنيها بترابها، أو آلة للمغصوب منه فيكون ملكه؛ لأنها أعيان ماله، وليس ~~للغاصب فيه إلا أثر الفعل، فتكون أجرتها عليه. وكل ما لا تستباح منافعه ~~بالإجارة أو تندر إجارته، كالغنم، والشجر، والطير، فلا أجرة له. ولو أطرق ~~فحلا، أو غصب كلبا لم تلزمه أجرة لذلك؛ لأنه لا يجوز أخذ العوض من منافعه ~~بالعقد، فلا يجوز بغيره. # فصل: # وإن غصب ثوبا فلبسه وأبلاه، فعليه أجرته وأرش نقصه؛ لأن كل واحد منهما ~~يضمن منفردا فيضمن مع غيره، ويحتمل أن يضمن أكثر الأمرين من الأجرة وأرش ~~النقص؛ لأن ما نقص حصل بالانتفاع الذي أخذ المالك أجرته، ولذلك لا يضمن ~~المستأجر أرش هذا النقص، وإن كان الثوب مما لا أجرة له كغير المخيط، فعليه ~~أرش نقصه حسب. وإن كان المغصوب عبدا فكسب، ففي أجرة مدة كسبه وجهان، كذلك ~~وإن أبق العبد فغرم قيمته، ثم وجده فرده، ففي أجرته من حين دفع قيمته إلى ~~رده وجهان: # PageV02P226 # أحدهما: لا يلزمه؛ لأن المغصوب منه ملك بدل العين، فلا يستحق ms0664 أجرتها. # والثاني: يلزمه؛ لأن منافع ماله تلفت بسبب كان في يد الغاصب، فلزمه ~~ضمانها، كما لو لم يدفع القيمة. وإن غصب أرضا فزرعها، فأخذ المالك زرعها، ~~لم تكن على الغاصب أجرة؛ لأن منافع ملكه عادت إليه، إلا أن يأخذه بقيمته، ~~فتكون له الأجرة إلى وقت أخذه؛ لأن القيمة زادت بذلك للغاصب، فكان نفعها ~~عائدا إليه. # فصل: # وإذا غصب عينا فباعها لعالم بالغصب، فتلفت عند المشتري، فللمالك تضمين ~~أيهما شاء، قيمتها وأجرتها مدة مقامها في يد المشتري فيضمن الغاصب لغصبه، ~~والمشتري لقبضه ملك غيره بغير إذنه، فإن ضمن الغاصب، رجع على المشتري، وإن ~~ضمن المشتري، لم يرجع على أحد؛ لأنه غاصب تلف المغصوب في يده، فاستقر ~~الضمان عليه، كالغاصب إذا تلف تحت يده. # فأما أجرتها أو نقصها قبل بيعها، فعلى الغاصب وحده، ولا شيء على المشتري ~~منه، وإن كان جارية فوطئها، لزمه الحد والمهر، وردها مع ولدها، وأجرتها، ~~وأرش نقصها، وولده رقيق؛ لأن وطأه زنا، فأشبه الغاصب، وإن لم يعلم المشتري ~~بالغصب، فلا حد عليه، وولده حر، وعليه فداؤه بمثله يوم وضعه؛ لأنه مغرور، ~~فأشبه ما لو تزوجها على أنها حرة، وللمالك تضمين أيهما شاء، لما ذكرنا، فإن ~~ضمن الغاصب، رجع على المشتري بقيمة العين، ونقصها، وأرش بكارتها؛ لأنه دخل ~~مع البائع، على أن يكون ضامنا لذلك بالثمن، فلم يغره فيه، ولا يرجع عليه ~~ببدل الولد إذا ولدت منه ونقص الولادة؛ لأنه دخل معه على أن لا يضمنه فغره ~~بذلك، فأما ما حصلت له به منفعة، ولم يلتزم ضمانه، كالأجرة والمهر، ففيه ~~روايتان: # إحداهما: لا يرجع به؛ لأن المشتري دخل معه في العقد على أن يتلفه بغير ~~عوض، فقد غره فاستقر الضمان على الغاصب، كعوض الولد. # والثانية: يرجع به؛ لأن المشتري استوفى بدل ذلك، فتقرر ضمانه عليه، وإن ~~ضمن المشتري، رجع على الغاصب بما لا يرجع به الغاصب عليه؛ لأنه استقر ضمانه ~~على الغاصب، ولم يرجع بما يرجع به الغاصب عليه؛ لأنه لا فائدة في رجوعه ~~عليه بما يرجع به الغاصب ms0665 عليه. # فصل: # وإن وهب المغصوب لعالم بالغصب، أو أطعمه إياه، استقر الضمان على # PageV02P227 # المتهب، ولم يرجع على أحد؛ لما ذكرنا في المشتري، وإن لم يعلم، رجع بما ~~غرم على الغاصب؛ لأنه غره بدخوله معه، على أنه لا يضمن. # وعنه: فيما إذا أكله أو أتلفه: لا يرجع به؛ لأنه غرم ما أتلف، فعلى هذا ~~إن غرم الغاصب، رجع على الأكل؛ لأنه أتلف، فاستقر الضمان عليه، وإن أجر ~~الغاصب العين، ثم استردها المالك، رجع على من شاء منهما بأجرتها، ويستقر ~~الضمان على المستأجر علم أو جهل؛ لأنه دخل في العقد على أن يضمن المنفعة، ~~ويسقط عنه المسمى في الإجارة، وإن تلفت العين فغرمها، رجع به على الغاصب ~~إذا لم يعلم؛ لأنه دخل معه، على أنه لا يضمن، وإن وكل رجلا في بيعها، أو ~~أودعها، فللمالك تضمين من شاء، لما ذكرنا. وإن ضمنهما، رجعا بما غرما على ~~الغاصب، إلا أن يعلما بالغصب، فيستقر الضمان عليهما. وإن أعارها، استقر ~~الضمان على المستعير، علم أو جهل؛ لأنه دخل معه، على أنها مضمونة عليه، وإن ~~غرمه الأجرة، ففيه وجهان. مضى توجيههما في المشتري. # فصل: # وإن أطعم المغصوب لمالكه فأكله عالما به، برئ الغاصب؛ لأنه أتلف ماله ~~برضاه، عالما به، وإن لم يعلم، فالمنصوص أنه يرجع. قيل لأحمد - رضي الله ~~عنه - في رجل له قبل رجل تبعة فأوصلها إليه على سبيل صدقة أو هدية، ولم ~~يعلم، فقال: كيف هذا؟ هذا يرى أنه هدية. ويقول هذا: لك عندي هدية؛ لأنه ~~بالغصب أزال سلطانه، وبالتقديم إليه لم يعد ذلك السلطان، فإنه إباحة لا ~~يملك بها التصرف في غير ما أذن له فيه. # ويتخرج أن يبرأ؛ لأنه رد إليه ماله فبرئ، كما لو وهبه إياه. ويحمل كلام ~~أحمد - رضي الله عنه -، على أنه أوصل إليه بدله، فأما إذا وهبه إياه، ~~فالصحيح أنه يبرأ؛ لأنه قد تسلمه تسليما صحيحا، ورجع إليه سلطانه به، وزالت ~~يد الغاصب بالكلية، وكذلك إن باعه إياه، وسلمه إليه. فأما إن أودعه إياه، ~~أو أعاره أو أجره ms0666 إياه، فإن علم أنه ماله، برئ الغاصب؛ لأنه عاد إلى يده ~~وسلطانه وإن لم يعلم، لم يبرأ؛ لأنه لم يعد إليه سلطانه، وإنما قبضه على ~~الأمانة، وقال بعض أصحابنا: يبرأ؛ لأنه عاد إلى يده. # فصل: # وأم الولد تضمن بالغصب؛ لأنها تضمن في الإتلاف بالقيمة، فتضمن في الغصب، ~~كالقن، ولا يضمن الحر بالغصب؛ لأنه ليس بمال، فلم يضمن باليد. وإن حبس حرا ~~فمات، لم يضمنه لذلك إلا أن يكون صغيرا، ففيه وجهان: # أحدهما: لا يضمن؛ لأنه حر أشبه الكبير. # PageV02P228 # والثاني: يضمنه؛ لأنه تصرف له في نفسه، أشبه المال، فإن قلنا: لا يضمنه ~~فكان عليه حلي، فهل يضمن الحلي؟ فيه وجهان: # أحدهما: لا يضمنه؛ لأنه تحت يده، أشبه ثياب الكبير. # والثاني: يضمنه؛ لأنه استولى عليه، فأشبه ما لو كان منفردا، وإن استعمل ~~الكبير مدة كرها، فعليه أجرته؛ لأنه أتلف عليه ما يتقوم، فلزمه ضمانه، ~~كإتلاف ماله. وإن حبسه مدة لمثلها أجرة، ففيه وجهان: # أحدهما: تلزمه الأجرة؛ لأنها منفعة تضمن بالإجارة، فضمنت بالغصب، كنفع ~~المال. # والثاني: لا يلزمه؛ لأنها تلفت تحت يده، فلم تضمن، كأطرافه. # فصل: # وإن غصب كلبا يجوز اقتناؤه، لزمه رده؛ لأن فيه نفعا مباحا، وإن غصب خمر ~~ذمي، لزمه ردها إليه؛ لأنه يقر على اقتنائها وشربها، وإن غصبها من مسلم، ~~وجبت إراقتها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بإراقة خمر الأيتام، ~~وإن أتلفها لمسلم أو ذمي لم يضمنها؛ لما روى ابن عباس: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه» ولأنها يحرم الانتفاع ~~بها فلم تضمن، كالميتة. وإن غصبه منهما، فتخلل في يده، لزمه رده إلى صاحبه؛ ~~لأنها صارت خلا على حكم ملكه. فإن تلف ضمنه؛ لأنه مال تلف في يد الغاصب، ~~فإن أراقه صاحبه، فجمعه إنسان فتخلل، لم يلزمه رده؛ لأن صاحبه أزال ملكه ~~عنه بتبديده. # فصل: # فإن غصب جلد ميتة، ففي وجوب رده وجهان، مبنيان على طهارته بالدباغ، إن ~~قلنا: يطهر، وجب رده؛ لأنه يمكن التوصل إلى تطهيره، أشبه الثوب النجس. ms0667 وإن ~~قلنا: لا يطهر، لم يجب رده، ويحتمل أن يجب، إذا قلنا: يجوز الانتفاع به في ~~اليابسات، ككلب الصيد. وإن أتلفه، لم يضمنه؛ لأنه لا قيمة له. # فصل: # وإن كسر صليبا أو مزمارا لم يضمنه؛ لأنه لا يحل بيعه، فأشبه الميتة. وإن ~~كسر أواني الذهب والفضة لم يضمنها؛ لأن اتخاذها محرم، وإن كسر آنية الخمر، ~~ففيه روايتان: # إحداهما: يضمنها؛ لأنه مال غير محرم، ولأنها تضمن إذا كان فيها خل، فتضمن ~~إذا كان فيها خمر، كالدار. # PageV02P229 # والثانية: لا تضمن لما روى ابن عمر: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أمره بتشقيق زقاق الخمر» رواه أحمد - رضي الله عنه - في المسند. # فصل: # ومن أتلف مالا محترما لغيره ضمنه؛ لأنه فوته عليه فضمنه، كما لو غصبه ~~فتلف عنده. وإن فتح قفص طائر فطار، أو حل دابة فشردت، أو قيد عبد فذهب، أو ~~رباط سفينة فغرقت، ضمن ذلك كله؛ لأنه تلف بسبب فعله فضمنه، كما لو نفر ~~الطائر أو الدابة. وإن فعل ذلك، فلم يذهب حتى جاء آخر فنفرهما، فالضمان على ~~المنفر؛ لأن فعله أخص، فاختص الضمان به كالدافع مع الحافر، وإن وقف طائر ~~على جدار، فنفره إنسان فطار لم يضمنه؛ لأن تنفيره لم يكن سبب فواته؛ لأنه ~~كان فائتا قبله، وإن طار في هواء داره فرماه فقتله ضمنه؛ لأنه لا يملك منع ~~الطائر الهواء، فأشبه ما لو قتله في غير داره. # فصل: # وإن حل زقاق فاندفق، أو خرج منه شيء، بل أسفله فسقط، أو سقط بريح، أو ~~زلزلة، أو كان جامدا فذاب في الشمس فاندفق ضمنه؛ لأنه تلف بسببه فضمنه، كما ~~لو دفعه، وقال القاضي: لا يضمنه إذا سقط بريح، أو زلزلة؛ لأن فعله غير ~~ملجئ، فلا يضمنه، كما لو دفعه إنسان آخر. ولنا أنه لم يتخلل بين فعله وتلفه ~~مباشرة يمكن إحالة الضمان عليه، فيجب أن يضمنه، كما لو جرح إنسانا فأصابه ~~الحر فمات به، فأما إن بقي واقفا، فجاء إنسان فدفعه، ضمن الثاني؛ لأنه ~~مباشر، وإن كان يخرج قليلا قليلا، فجاء ms0668 إنسان فنكسه فاندفق، ضمن الثاني ما ~~خرج بعد التنكيس؛ لأنه مباشر له، فهو كالذابح بعد الجارح، ويحتمل أن يشتركا ~~فيما بعد التنكيس، وإن فتح زقا فيه جامد، فجاء آخر فقرب إليه نارا فأذابه ~~فاندفق؛ ضمنه الثاني؛ لأنه باشر الإتلاف. وإن أذابه الأول، ثم فتحه الثاني، ~~فالضمان على الثاني؛ لأن التلف حصل بفعله. # فصل: # وإن أجج في سطحه نارا، فتعدت فأحرقت شيئا لجاره، وكان ما فعله يسيرا جرت ~~العادة به، لم يضمن؛ لأنه غير متعد، وإن أسرف فيه لكثرته، أو كونه في ريح ~~عاصف ضمن. وكذلك إن سقى أرضه فتعدى إلى حائط آخر. # فصل: # وإن أطارت الريح إلى داره ثوبا، لزمه حفظه؛ لأنه أمانة حصلت في يده، ~~فلزمه حفظها كاللقطة. فإن عرف صاحبه، لزمه إعلامه، فإن لم يفعل، ضمنه ~~كاللقطة إذا ترك تعريفها، وإن دخل طائر داره، لم يلزمه حفظه، ولا إعلام ~~صاحبه؛ لأنه محفوظ بنفسه. # PageV02P230 # فإن أغلق عليه بابا ليمسكه ضمنه؛ لأنه أمسكه لنفسه، فضمنه كالغاصب، فإن ~~لم ينو ذلك لم يضمنه؛ لأنه يملك التصرف في داره، فلم يضمن ما فيها. # فصل: # إذا اختلف المالك والغاصب في تلف المغصوب، فالقول قول الغاصب مع يمينه؛ ~~لأنه يعتذر إقامة البينة على التلف، ويلزمه البدل؛ لأنه بيمينه تعذر الرجوع ~~إلى العين، فوجب بدلها، كما لو أبق العبد المغصوب. وإن اختلفا في قيمة ~~المغصوب، فالقول قول الغاصب؛ لأن الأصل براءة ذمته من الزيادة المختلف ~~فيها، فأشبه من ادعى عليه بدين، فأقر ببعضه وجحد باقيه، وإن قال المالك: ~~كان كاتبا قيمته ألف، وقال الغاصب: كان أميا قيمته مائة، فالقول قول ~~الغاصب؛ لما ذكرناه. # وإن قال الغاصب: كان سارقا فقيمته مائة، وقال المالك: لم يكن سارقا ~~فقيمته ألف، فالقول فقول المالك؛ لأن الأصل عدم السرقة، وإن غصبه طعاما ~~وقال: كان عتيقا فلا يلزمني حديث، وأنكره المالك فالقول قول الغاصب؛ لأن ~~الأصل براءة ذمته من الحديث، ويأخذ المغصوب منه العتيق؛ لأنه دون حقه، وإن ~~اختلفا في الثياب التي على العبد المغصوب هل هي للغاصب أو للمالك؟ فهي ms0669 ~~للغاصب؛ لأنها والعبد في يده، فكان القول قوله فيها. وإن غصبه خمرا، فقال ~~المالك: استحالت خلا، فأنكره الغاصب، فالقول قول الغاصب؛ لأن الأصل عدم ~~الاستحالة. # فصل: # إذا اشترى رجل عبدا، فادعى رجل أن البائع غصبه إياه، فأنكره المشتري ~~وصدقه البائع، حلف المشتري، والعبد له، وعلى البائع قيمته، ولا يملك مطالبة ~~المشتري بالثمن؛ لأنه لا يدعيه، أما أن يغرم قيمته مطالبته بأقل الأمرين، ~~من قيمته، أو ثمنه؛ لأنه يدعي القيمة، والمشتري يقر بالثمن فيكون له ~~أقلهما، وللمالك مطالبة المشتري؛ لأنه مقر بالثمن للبائع، والبائع يقر به ~~لمالكه، فإن قلنا بصحة تصرف الغاصب، فله مطالبته بجميع الثمن. # وإن قلنا: لا يصح، فله أقل الأمرين، لما تقدم. وإن صدقه المشتري، فأنكره ~~البائع، حلف البائع وبرئ، ويأخذ المدعي عبده، لما روى سمرة، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «من وجد متاعه عند رجل فهو أحق به» وإن كان ~~المشتري أعتق العبد، فصدق البائع والمشتري المالك، غرم أيهما شاء قيمته، ~~ويستقر الضمان على المشتري؛ لأنه أتلف العبد بعتقه، وإن وافقهما العبد على ~~التصديق فكذلك، ولم يبطل العتق؛ لأنه حق الله تعالى، فلا يقبل قولهم في ~~إبطاله. وفيه وجه آخر: أنه يبطل العتق إذا صدقوه كلهم، ويعود العبد رقيقا ~~للمدعي؛ لأنه إقرار بالرق على وجه لا يبطل به حق أحد فقبل، كإقرار مجهول ~~الحال. # PageV02P231 ### | كتاب الشفعة # وهي استحقاق انتزاع الإنسان صحة شريكه من مشتريها مثل ثمنها، وهي ثابتة ~~بالسنة والإجماع؛ أما السنة فما روى جابر قال: «قضى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بالشفعة في كل شرك لم يقسم، ربعة، أو حائط، لا يحل له أن يبيع ~~حتى يستأذن شريكه، فإن شاء، أخذ. وإن شاء ترك، فإن باع ولم يستأذنه، فهو ~~أحق به» رواه مسلم. وأجمع المسلمون على ثبوت الشفعة في الجملة، ولا تثبت ~~إلا بشروط سبعة. # أحدها: أن يكون المبيع أرضا للخبر، ولأن الضرر في العقار يتأبد من جهة ~~الشريك، بخلاف غيره، فأما غير الأرض فنوعان: # أحدهما: البناء والغراس. فإذا بيعا مع الأرض، ms0670 ثبتت الشفعة فيه؛ لأنه يدخل ~~في قوله حائط، وهو البستان المحوط، ولأنه يراد للتأبيد، فهو كالأرض، وإن ~~بيع منفردا، فلا شفعة فيه؛ لأنه ينقل ويحول، وعن أحمد - رضي الله عنه - أن ~~فيه شفعة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الشفعة فيما لم يقسم» ولأن ~~في الأخذ بها رفع ضرر الشركة، فأشبه الأرض، والمذهب الأول؛ لأن هذا مما لا ~~يتباقى ضرره، فأشبه المكيل. وفي سياق الخبر ما يدل على أنه أراد الأرض؛ ~~لقوله: فإذا طرقت الطرق، فلا شفعة. # النوع الثاني: الزرع والثمرة الظاهرة، والحيوان وسائر المبيعات، فلا شفعة ~~فيه تبعا ولا أصلا؛ لأنها لا تدخل في البيع تبعا، فلا تدخل في الشفعة تبعا، ~~وعن أحمد - رضي الله عنه - أن الشفعة في كل ما لا ينقسم، كالحجر والسيف ~~والحيوان وما في معناه، ووجه الروايتين ما ذكرناه. # PageV02P232 # فصل: # الشرط الثاني: أن يكون المبيع مشاعا؛ لما روى جابر قال: «قضى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أن الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق، ~~فلا شفعة» رواه البخاري. ولأن الشفعة، ثبتت لدفع الضرر الداخل عليه بالقسمة ~~من نقص قيمة الملك، وما يحتاج إلى إحداثه من المرافق، ولا يوجد هذا في ~~المقسوم. # فصل: # الشرط الثالث: أن يكون مما تجب قسمته عند الطلب، فأما ما لا تجب قسمته ~~كالرحى والبئر الصغيرة والدار الصغيرة، فلا شفعة فيه؛ لما روي عن عثمان - ~~رضي الله عنه - أنه قال: لا شفعة في بئر ولا نخل، ولأن إثبات الشفعة إنما ~~كان لدفع الضرر الذي يلحق بالمقاسمة، وهذا لا يوجد فيما لا يقسم، وعن أحمد ~~- رضي الله عنه -: أن الشفعة تثبت فيه؛ لعموم الخبر، ولأنه عقار مشترك، ~~فثبتت فيه الشفعة، كالذي يمكن قسمته. والمذهب الأول. فأما الطريق في درب ~~مملوك. فإن لم يكن للدار طريق سواها، فلا شفعة فيها؛ لأنه يضر بالمشتري ~~لكون داره تبقى بلا طريق. وإن كان لها غيرها، ويمكن قسمتها بحيث يحصل لكل ~~واحد منهم طريق، ففيها الشفعة؛ لوجود المقتضي لها، وعدم الضرر في الأخذ ~~بها، وإن لم ms0671 يمكن قسمتها، خرج فيها روايتان كغيرها. # فصل: # الشرط الرابع: أن يكون الشقص منتقلا بعوض، فأما الموهوب والموصى به فلا ~~شفعة فيه؛ لأنه انتقل بغير بدل، أشبه الموروث، والمنتقل بعوض نوعان: # أحدهما: ما عوضه المال كالمبيع، ففيه الشفعة بالإجماع، والخبر ورد فيه. # الثاني: ما عوضه غير المال: كالصداق، وعوض الخلع، والصلح عن دم العمد، ~~وما اشتراه الذمي بخمر، أو خنزير، فلا شفعة فيه في ظاهر المذهب؛ لأنه انتقل ~~بغير مال، أشبه الموهوب، ولأنه لا يمكن الأخذ بمثل العوض، أشبه الموروث. ~~وقال ابن حامد: فيه الشفعة؛ لأنه عقد معاوضة، أشبه البيع، فعلى قوله يأخذ ~~الشقص بقيمته، لأن أخذه بمهر المثل يفضي إلى تقويم البضع في حق الأجانب، ~~ذكره القاضي. وقال الشريف: يأخذه بمهر المثل؛ لأنه ملكه ببدل لا مثل له، ~~فيجب الرجوع إلى قيمته، كما لو اشتراه بعوض، ولا تجب الشفعة بالرد بالعيب. ~~والفسخ بالخيار أو الاختلاف؛ لأنه فسخ للعقد وليس بعقد، ولا برجوع الزوج في ~~الصداق، أو نصفه قبل الدخول لذلك، ولا بالإقالة إذا قلنا: هي فسخ لذلك. # PageV02P233 # فصل: # الشرط الخامس: الطلب بها على الفور ساعة العلم، فإن أخرها مع إمكانها ~~سقطت الشفعة. قال أحمد: الشفعة بالمواثبة ساعة يعلم؛ لما روي عن عمر - رضي ~~الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الشفعة كحل ~~العقال» رواه ابن ماجه. ولأن إثباتها على التراخي يضر بالمشتري، لكونه لا ~~يستقر ملكه على المبيع، ولا يتصرف فيه بعمارة، خوفا من أخذ المبيع وضياع ~~عمله. وقال ابن حامد: تتقدر بالمجلس وإن طال؛ لأنه كله في حكم حالة العقد، ~~بدليل صحة العقد بوجود القبض؛ لما يشترط قبضه فيه. وعن أحمد: أنه على ~~التراخي، ما لم توجد منه دلالة على الرضا، كقوله: بعني أو صالحني على مال ~~أو قاسمني؛ لأنه حق لا ضرر في تأخيره، أشبه القصاص. والمذهب الأول، لكن إن ~~أخره لعذر، مثل أن يعلم ليلا فيؤخره إلى الصباح، أو لحاجته إلى أكل أو شرب، ~~أو طهارة، أو إغلاق باب، أو خروج من الحمام، أو ms0672 خروج لصلاة أو نحو هذا، لم ~~تبطل شفعته؛ لأن العادة البداءة بهذه الأشياء، إلا أن يكون حاضرا عنده ~~فيترك المطالبة، فتبطل شفعته؛ لأنه لا ضرر عليه في الطلب بها، وإن لقيه ~~الشفيع فبدأه بالسلام، لم تبطل شفعته؛ لأن البداءة بالسلام سنة، وكذلك إن ~~دعا له فقال: بارك الله لك في صفقة يمينك؛ لاحتمال أن يكون دعا له في ~~صفقته؛ لأنها أوصلته إلى شفعته. وإن أخر الطلب لمرض، أو حبس، أو غيبة، لم ~~يمكنه فيه التوكيل ولا الإشهاد، فهو على شفعته؛ لأنه تركه لعذر. وإن قدر ~~على إشهاد من تقبل شهادته، فلم يفعل، ولم يسر في طلبها من غير عذر، بطلت ~~شفعته؛ لأنه قد يترك الطلب زهدا، أو للعذر، فإذا أمكنه تبيين ذلك بالإشهاد، ~~فلم يفعل، بطلت شفعته، كترك الطلب في حضوره، وإن لم يشهد وسار عقيب علمه؛ ~~ففيه وجهان: # أحدهما: تبطل؛ لأن السير قد يكون لطلبها أو لغيره، فوجب بيان ذلك ~~بالإشهاد، كما لو لم يسر. # والثاني: لا تبطل؛ لأن سيره عقيب علمه ظاهر في طلبها، فاكتفي به، كالذي ~~في البلد، وإن أشهد ثم أخر القدوم لم تبطل شفعته؛ لأن عليه في العجلة ضررا؛ ~~لانقطاع حوائجه. وقال القاضي: تبطل إن تركه مع الإمكان، وإن كان له عذر، ~~فقدر التوكيل فلم يفعل، ففيه وجهان: # أحدهما: تبطل شفعته؛ لأنه تارك للطلب مع إمكانه، فأشبه الحاضر. # والثاني: لا تبطل؛ لأنه إن كان بجعل، ففيه غرم، وإن كان بغيره ففيه منة، ~~وقد لا يثق به. وإن أخر المطالبة بعد قدومه وإشهاده، ففيه وجهان. بناء على ~~تأخير السير لطلبها. # PageV02P234 # فصل: # فإن ترك الطلب لعدم علمه بالبيع، أو لكون المخبر لا يقبل خبره، أو لإظهار ~~المشتري أن الثمن أكثر مما هو، أو أنه اشترى البعض، أو اشترى بغير النقد ~~الذي اشترى به، أو أنه اشتراه لغيره، أو أنه اشتراه لنفسه، وكان كاذبا فهو ~~على شفعته، ولو عفا عن الشفعة لذلك لم تسقط؛ لأنه قد لا يرضاه بالثمن الذي ~~أظهره، أو لأنه لا يقدر على النقد، وقد ms0673 يرضى مشاركة من نسب إليه البيع، دون ~~من هو له في الحقيقة، فلم يكن ذلك رضا منه بالبيع الواقع، وإن أظهر الثمن ~~قليلا فترك الشفعة، وكان كثيرا، سقطت؛ لأنه من لا يرضى بالقليل، ولا يرضى ~~بأكثر منه. فإن ادعى أنه لم يصدق المخبر، وهو ممن يقبل خبره الديني، سقطت ~~شفعته، رجلا كان أو امرأة، إذا كان يعرف حاله؛ لأن هذا من باب الإخبار، وقد ~~أخبره من يجب تصديقه، وإن لم يكن المخبر كذلك، فالقول قوله. # فصل: # فإن باع الشفيع حصته عالما بالبيع، بطلت شفعته لأنها ثبتت، لإزالة ضرر ~~الشركة، وقد زال ببيعه، وإن باع قبل العلم فكذلك. عند القاضي: لذلك، ولأنه ~~لم يبق له ملك يستحق به. وقال أبو الخطاب: لا تسقط؛ لأنها ثبتت بوجود ملكه ~~حين البيع، وبيعه قبل العلم لا يدل على الرضا، فلا تسقط. وله أن يأخذ الشقص ~~الذي باعه الشفيع من مشتريه، ولمشتريه أن يأخذ الشقص الذي باعه الشفيع من ~~مشتريه؛ لأنه كان مالكا حين البيع الثاني ملكا صحيحا، فثبتت له الشفعة. ~~وعلى قول القاضي: للمشتري الأول أخذ الشقص من المشتري الثاني. وإن باع ~~الشفيع البعض، احتمل سقوط الشفعة؛ لأنها استحقت بجميعه. وقد ذهب بعضه فسقط ~~الكل، ويحتمل أن لا تسقط؛ لأنه قد بقي من نصيبه ما يستحق به الشفعة في جميع ~~المبيع. # فصل: # الشرط السادس: أن يأخذ جميع المبيع، فإن عفا عن البعض، أو لم يطلبه سقطت ~~شفعته؛ لأن في أخذ البعض تفريقا لصفقة المشتري، وفيه إضرار به، وإنما ثبتت ~~الشفعة على وجه يرجع المشتري بماله، من غير ضرر به، فمتى سقط بعضها، سقطت ~~كلها كالقصاص، فإن كان المبيع شقصين من أرضين فله أخذ أحدهما؛ لأنه يستحق ~~كل واحد منهما بسبب غير الآخر، فجرى مجرى الشريكين، ويحتمل ألا يملك ذلك؛ ~~لأن فيه تفريق صفقة المشتري، أشبه الأرض الواحدة. وإن كان البائع، أو ~~المشتري اثنين من أرض، أو أرضين، فله أخذ نصيب أحدهما؛ لأنه متى كان في أحد ~~طرفي الصفقة اثنان، فهما عقدان، فكان له الأخذ ms0674 بأحدهما، كما لو كانا ~~متفرقين. # PageV02P235 # فصل: # فإن كان للشقص شفعاء، فالشفعة بينهم على قدر حصصهم في الملك، في ظاهر ~~المذهب؛ لأنه حق يستحق بسبب الملك، فيسقط على قدره، كالإجارة والثمرة. # وعنه: أنها بينهم بالسوية، اختارها ابن عقيل؛ لأن كل واحد منهم يأخذ الكل ~~لو انفرد، فإن اجتمعوا تساووا، كسراية العتق، فإن عفا بعضهم توفر نصيبه على ~~شركائه، وليس لهم أخذ البعض؛ لأن فيه تفريق صفقة المشتري، وإن جعل بعضهم ~~حصته لبعض شركائه، أو لأجنبي، لم يصح، وكانت لجميعهم؛ لأنه عفو وليس بهبة، ~~وإن حضر بعض الشركاء وحده، فليس له إلا أخذ الجميع؛ لئلا تتبعض صفقة ~~المشتري، فإن ترك الطلب انتظارا لشركائه، ففيه وجهان: # أحدهما: تسقط شفعته، لتركه طلبها مع إمكانه. # والثاني: لا تسقط؛ لأن له عذرا، وهو الضرر الذي يلزمه بأخذ صاحبيه منه، ~~فإن أخذ الجميع، ثم حضره الثاني قاسمه، فإذا حضر الثالث قاسمهما، وما حدث ~~من النماء المنفصل في يد الأول، فهو له؛ لأنه حدث في ملكه، وإن أراد الثاني ~~الاقتصار على قدر حقه، فله ذلك؛ لأنه لا تتبعض الصفقة على المشتري، إنما هو ~~تارك بعض حقه لشريكه، فإذا قدم الثالث فله أن يأخذ ثلث ما في يد الثاني، ~~وهو التسع فيضمه إلى ما في يد الأول، وهو الثلثان تصير سبع أتساع، ~~يقتسمانها نصفين، لكل واحد منهما ثلاثة أتساع ونصف تسع، وللثاني تسعان، ولو ~~ورث اثنان دارا، فمات أحدهما عن ابنين، فباع أحدهما نصيبه، فالشفعة بين ~~أخيه وعمه؛ لأنهما شريكان للبائع، فاشتركا في شفعته، كما لو ملكا بسبب ~~واحد. # فصل: # وإن كان المشتري شريكا، فالشفعة بينه وبين الشريك الآخر؛ لأنهما تساويا ~~في الشركة، فتساويا في الشفعة، كما لو كان الشريك أجنبيا، فإن أسقط المشتري ~~شفعته ليلزم شريكه أخذ الكل، لم يملك ذلك؛ لأن ملكه استقر على قدر حقه، فلم ~~يسقط بإسقاطه، وإن كان المبيع شقصا وسيفا صفقة واحدة، فللشفيع أخذ الشقص ~~بحصته من الثمن نص عليه. ويحتمل أن لا يجوز، لئلا تتشقص صفقة المشتري، ~~والصحيح الأول؛ لأن المشتري أضر ms0675 بنفسه، حيث جمع في العقدين فيما فيه شفعة، ~~وما لا شفعة فيه. # فصل: # الشرط السابع: أن يكون الشفيع قادرا على الثمن؛ لأن أخذ المبيع من غير ~~دفع الثمن إضرار بالمشتري، وإن عرض رهنا، أو ضمينا، أو عوضا عن الثمن، لم ~~يلزمه # PageV02P236 # قبوله؛ لأن في تأخير الحق ضررا، وإن أخذ بالشفعة، لم يلزم تسليم الشقص ~~حتى يتسلم الثمن، فإن تعذر تسليمه، قال أحمد: يصبر يوما أو يومين، أو بقدر ~~ما يرى الحاكم، فأما أكثر فلا، فعلى هذا إن أحضر الثمن، وإلا فسخ الحاكم ~~الأخذ، ورده إلى المشتري، فإن أفلس بعد الأخذ، خير المشتري بين الشقص وبين ~~أن يضرب مع الغرماء، كالبائع المختار. # فصل: # ويأخذه بالثمن الذي استقر العقد عليه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في حديث جابر: «فهو أحق به بالثمن» رواه أبو إسحاق الجوزجاني. ولأنه استحقه ~~بالبيع، فكان عليه الثمن كالمشتري. فإن كان الثمن مثليا كالأثمان والحبوب ~~والأدهان، وجب مثله، وإن كان غير ذلك، وجب قيمته، لما ذكرنا في الغصب، ~~وتعتبر قيمته حين وجوب الشفعة، كما يأخذ بالثمن الذي وجب بالشفعة، فإن حط ~~بعض الثمن عن المشتري، أو زيد عليه في مدة الخيار؛ لحق العقد، ويأخذه ~~الشفيع بما استقر عليه العقد؛ لأن زمن الخيار كحال العقد. وما وجد بعد ذلك ~~من حط أو زيادة، لم تلزم في حق الشفيع؛ لأنه ابتداء هبة، فأشبه غيره من ~~الهبات، وإن كان الثمن مؤجلا، أخذ به الشفيع إن كان مليا، وإلا أقام ضمينا ~~مليا وأخذ به؛ لأنه تابع للمشتري في قدر الثمن وصفته، والتأجيل من صفته. # وإن كان الثمن عبدا، فأخذ الشفيع بقيمته، ثم وجد به البائع عيبا فأخذ ~~أرشه، وكان الشفيع أخذ بقيمته سليما، لم يرجع عليه بشيء؛ لأن الأرش دخل في ~~القيمة، وإن أخذ بقيمته معيبا، رجع عليه بالأرش الذي أخذه البائع من ~~المشتري؛ لأن البيع استقر بعبد سليم، وإن رد البائع العبد قبل أخذ الشفيع، ~~انفسخ العقد ولا شفعة؛ لزوال السبب قبل الأخذ، ولأن في الأخذ بالشفعة إسقاط ~~حق البائع ms0676 من استرجاع المبيع وفيه ضرر، ولا يزال الضرر بالضرر، وإن رده بعد ~~أخذ الشفيع، رجع بقيمة الشقص، وقد أخذه الشفيع بقيمة العبد، فإن كانتا ~~مختلفتين، رجع صاحب الأكثر على الآخر بتمام القيمة؛ لأن الشفيع يأخذ بما ~~استقر عليه العقد، والذي استقر عليه العقد، قيمة الشقص، وإن أصدق امرأة ~~شقصا، وقلنا: تجب الشفعة فيه، فطلق الزوج قبل الدخول والأخذ بالشفعة، ففيه ~~وجهان: # أحدهما: لا شفعة لما ذكرنا. # والثاني: يقدم حق الشفيع؛ لأنه حق أسبق؛ لأنه ثبت بالعقد، وحق الزوج ~~بالطلاق بخلاف البائع، فإن حقه ثبت بالعيب القديم. # فصل: # فإن اختلف الشفيع والمشتري في قدر الثمن، فالقول قول المشتري مع يمينه؛ ~~لأنه # PageV02P237 # العاقد، فهو أعلم بالثمن، ولأن المبيع ملكه، فلا ينزع منه بدعوى مختلف ~~فيها إلا ببينة، وإن قال المشتري: لا أعلم قدر الثمن، فالقول قوله؛ لأنه ~~أعلم بنفسه، فإن حلف، سقطت الشفعة؛ لأنه لا يمكن الأخذ بغير ثمن، ولا يمكن ~~أن يدفع إليه مالا يدعيه إلا أن يفعل ذلك تحيلا على إسقاطها، فلا تسقط، ~~ويؤخذ الشقص بقيمته؛ لأن الغالب بيعه بقيمته. وإن ادعى أنك فعلته تحيلا ~~فأنكر، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه منكر. وإن كان الثمن عرضا، فاختلفا في ~~قيمته، رجع إلى أهل الخبرة إن كان موجودا، وإن كان معدوما، فالقول قول ~~المشتري في قيمته. وإن اختلفا في الغراس والبناء في الشقص، فقال المشتري: ~~أنا أحدثته، وقال الشفيع: كان قديما، فالقول قول المشتري مع يمينه. ولو ~~قال: اشتريت نصيبك فلي فيه الشفعة، وأنكر ذلك، فقال: بل اتهبته، أو ورثته، ~~فالقول قوله مع يمينه. # فصل: # فإن ادعى عليه الشراء، فقال: اشتريته لفلان سئل المقر له، فإن صدقه، فهو ~~له، وإن كذبه، فهو للمشتري، ويؤخذ بالشفعة في الحالين. وإن كان المقر له ~~غائبا، أخذه الشفيع بإذن الحاكم والغائب على حجته إذا قدم؛ لأننا لو وقفنا ~~الأمر لحضور المقر له، كان ذلك إسقاطا للشفعة؛ لأن كل مشتر يدعي أنه لغائب. ~~وإن قال: اشتريته لابني الطفل، فهو كالغائب في أحد الوجهين. وفي الآخر: لا ~~تجب ms0677 الشفعة؛ لأن الملك ثبت للطفل، ولا يثبت في ماله حق بإقرار وليه عليه. ~~فأما إن ادعى عليه الشفعة في شقص فقال: هذا لفلان الغائب، أو الطفل، فلا ~~شفعة فيه؛ لأنه قد ثبت لهما، فإقراره بذلك إقرار إلى غيره، فلا يقبل. # فصل: # إذا اختلف البائع والمشتري، فقال البائع: الثمن، ألفان، وقال المشتري: هو ~~ألف، فأقام البائع بينة بدعواه، ثبتت، وللشفيع أخذه بألف؛ لأن المشتري يقر ~~أنه لا يستحق أكثر منها، وأن البائع ظلمه، فلا يرجع بما ظلمه على غيره. فإن ~~قال المشتري: غلطت والثمن ألفان، لم يقبل؛ لأنه رجوع عن إقراره فلم يقبل. ~~كما لو أقر لأجنبي. وإن لم يكن بينة تحالفا، وليس للشفيع أخذه بما حلف عليه ~~المشتري؛ لأن فيه إلزاما للعقد في حق البائع، بخلاف ما حلف عليه. فإن بذل ~~ما حلف عليه البائع، فله الأخذ؛ لأن البائع، مقر له بأنه يستحق الشفعة به، ~~ولا ضرر على المشتري فيه. # فصل: # وإن أقر البائع بالبيع فأنكره المشتري، ففيه وجهان: # PageV02P238 # أحدهما: لا تثبت الشفعة؛ لأن الشراء لم يثبت، فلا تثبت الشفعة التابعة ~~له، ولأن البائع إن أقر بقبض الثمن، لم يمكن الشفيع دفعه إلى أحد؛ لأنه لا ~~مدعي له، ولا يمكن الأخذ بغير ثمن، وإن لم يقر البائع بقبضه، فعلى من يرجع ~~الشفيع بالعهدة. # والثاني: تثبت الشفعة؛ لأن البائع مقر بحق للمشتري والشفيع، فإذا لم يقبل ~~المشتري قبل الشفيع، وثبت حقه، ويأخذ الشقص من البائع، ويدفع إليه الثمن. ~~وإن لم يكن أقر بقبضه، والعهدة عليه؛ لأن الأخذ منه. وإن أقر بقبض الثمن ~~عرضناه على المشتري، فإن قبله دفع إليه، وإلا أقر في يد الشفيع في أحد ~~الوجوه، وفي الآخر يؤخذ إلى بيت المال. # والثالث: يقال له: إما أن تقبض، وأما أن تبرئ، وأصل هذا إذا أقبر بمال في ~~يده لرجل، فلم يعترف به. # فصل: # وإذا تصرف المشتري في الشقص قبل أخذ الشفيع، لم يخل من خمس أضرب: # أحدها: تصرف بالبيع، وما تستحق به الشفعة، فللشفيع الخيار بين أن يأخذ ~~بالعقد الثاني، ms0678 وبين فسخه، ويأخذ بالعقد الأول؛ لأنه شفيع في العقدين، فملك ~~الأخذ بما شاء منهما، فإن أخذه بالثاني، دفع إلى المشتري الثاني مثل ثمنه، ~~وإن أخذه بالأول، دفع إلى المشتري الأول مثل الذي اشتري به، وأخذ الشقص، ~~ويرجع الثاني على الأول بما أعطاه ثمنا، وإن كان ثم ثالث، رجع الثالث على ~~الثاني. # الثاني: تصرف برد أو إقالة، فللشفيع فسخ الإقالة والرد، ويأخذ الشقص؛ لأن ~~حقه أسبق منهما، ولا يمكنه الأخذ معهما. # الثالث: وهبه، أو وقفه، أو رهنه، أو أجره ونحوه، فعن أحمد - رضي الله عنه ~~-: تسقط الشفعة؛ لأن في الأخذ بها إسقاط حق الموهوب الموقوف عليه بالكلية، ~~وفيه ضرر، بخلاف البيع؛ لأنه يوجب رد العوض إلى غير المالك، وحرمان المالك، ~~وقال أبو بكر: تجب الشفعة؛ لأن حق الشفيع أسبق، فلا يملك المشتري التصرف ~~بما يسقط حقه، ولأنه ملك فسخ البيع مع إمكان الأخذ به، فلأن يملك فسخ عقد ~~لا يمكنه الأخذ به أولى، فعلى هذا تفسخ هذه العقود، ويأخذ الشقص، ويدفع ~~الثمن إلى المشتري. # الرابع: بناء أو غرس، ويتصور ذلك بأن يكون الشفيع غائبا، فقاسم المشتري ~~وكيله في القسمة أو رفع الأمر إلى الحاكم فقاسمه أو أظهر ثمنا كثيرا أو ~~نحوه، فترك الشفيع الشفعة وقاسمه، فبنى وغرس، ثم أخذ الشفيع بالشفعة، فإن ~~اختار المشتري أخذ # PageV02P239 # بنائه أو غراسه، لم يمنع منه؛ لأنه ملكه، فملك نقله، ولا يلزمه تسوية ~~الحفر، ولا ضمان النقص؛ لأنه غير متعد، ويحتمل كلام الخرقي أنه يلزمه تسوية ~~الحفر؛ لأنه فعله في ملك غيره لتخليص ملكه، فأشبه ما لو كسر محبرة إنسان ~~لتخليص ديناره منها، وإن لم يقلعه، فللشفيع الخيار بين أن يدفع إليه قيمة ~~الغراس والبناء فيملكه، وبين أن يقلعه، ويضمن نقصه؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «لا ضرر ولا ضرار» من المسند، ورواه ابن ماجه، ولا يزول ~~الضرر عنهما إلا بذلك. # الخامس: زرع الأرض، فالزرع يبقى لصاحبه حتى يستحصد؛ لأنه زرعه بحق، فوجب ~~إبقاؤه له كما لو باع الأرض المزروعة. # فصل: # وإن نما المبيع ms0679 نماء متصلا، كغراس كبر، وطلع زاد قبل التأبير، أخذ الشفيع ~~بزيادته؛ لأنها تتبع الأصل في الملك، كما تتبعه في الرد، وإن كان نماء ~~منفصلا كالغلة، والطلع المؤبر، والثمرة الظاهرة، فهي للمشتري؛ لأنها حدثت ~~في ملكه، وليست تابعة للأصل، وتكون مبقاة إلى أوان الجذاذ؛ لأن أخذ الشفيع ~~شراء ثان، فإن كان المشتري اشترى الأصل والثمرة الظاهرة معا، أخذ الشفيع ~~الأصل بحصته من الثمن، كالشقص والسيف. # فصل: # وإن تلف بعض المبيع، فهو من ضمان المشتري؛ لأنه ملكه تلف في يده، وللشفيع ~~أن يأخذ الباقي بحصته من الثمن، ويأخذ أنقاضه؛ لأنه تعذر أخذ البعض، فجاز ~~أخذ الباقي كما لو أتلفه الآدمي. وقال ابن حامد: إن تلف بفعل الله تعالى لم ~~يملك الشفيع أخذ الباقي إلا بكل الثمن ويترك؛ لأن في أخذه بالبعض إضرارا ~~بالمشتري، فلم يملكه كما لو أخذ البعض مع بقاء الجميع. # فصل: # ويملك الشفيع الأخذ بغير الحاكم؛ لأنه حق ثبت بالإجماع، فلم يفتقر إلى ~~الحكم، كالرد بالعيب، ويأخذه من المشتري، فإن كان في يد البائع، فامتنع ~~المشتري من قبضه، أخذه من البائع؛ لأنه يملك أخذه فملكه، كما لو كان في يد ~~المشتري. وقال القاضي: يجبر المشتري على القبض، ثم يأخذه الشفيع؛ لأن أخذه ~~من البائع يفوت به التسليم المستحق، ولا يثبت للمشتري خيار؛ لأنه يؤخذ منه ~~قهرا، ولا للشفيع بعد التملك؛ لأنه يأخذه قهرا، وذلك ينافي الاختيار، ويملك ~~الرد بالعيب؛ لأنه مشتر ثان، فملك ذلك كالأول، وإن خرج مستحقا، رجع بالعهدة ~~على المشتري؛ لأنه أخذه منه على أنه ملكه، # PageV02P240 # فرجع عليه، كما لو اشتراه منه، ويرجع المشتري على البائع. # فصل: # وإذا أذن الشريك في البيع، لم تسقط شفعته؛ لأنه إسقاط حق قبل وجوبه، فلم ~~يصح، كما لو أبرأه مما يجب له، وعن أحمد - رضي الله عنه - أنه قال: ما هو ~~ببعيد أن لا تكون له شفعة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل له ~~أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإذا باع ولم يؤذنه، فهو أحق به» رواه مسلم. يفهم ~~منه ms0680 أنه إذا باعه بإذنه لا حق له، وإن دل في البيع، أو توكل، أو ضمن ~~العهدة، أو جعل له الخيار، فاختار إمضاء البيع، فهو على شفعته. # فصل: # وإذا كان البيع محاباة، أخذ الشفيع بها؛ لأنه بيع صحيح، فلا يمنع الشفعة ~~فيه كونه مسترخصا. وإن كان البائع مريضا، والمحاباة لأجنبي فيما دون الثلث، ~~أخذ الشفيع بها؛ لأنها صحيحة نافذة، وسواء كان الشفيع وارثا، أو لم يكن؛ ~~لأن المحاباة إنما وقعت للأجنبي، فأشبه ما لو وصى لغريم وارثه، ويحتمل ألا ~~يملك الوارث الشفعة هاهنا؛ لإفضائه إلى جعل سبيل للإنسان إلى إثبات حق ~~لوارثه في المحاباة، وإن كانت محاباة المريض لوارثه، أو لأجنبي لزيادة على ~~الثلث، بطلت كلها في حق الوارث، والزيادة على الثلث في حق الأجنبي، وصح ~~البيع في الباقي، وثبت للمشتري الخيار لتفريق صفقته، وللشفيع الأخذ على ذلك ~~الوجه. # فصل: # إذا مات الشفيع قبل الطلب، بطلت شفعته، نص عليه؛ لأنه حق فسخ لا لفوات ~~جزء، فلم يورث، كرجوع الأب في هبته، ويتخرج أن يورث؛ لأنه خيار ثبت لدفع ~~الضرر عن المال فيورث، كالرد بالعيب، فإن مات بعد الطلب، لم يسقط؛ لأنها ~~تقررت بالطلب بحيث لم يسقط بتأخيره، بخلاف ما قبله، فإن ترك بعض الورثة ~~حقه، توفر على شركائه في الميراث، كالشفعاء في الأصل. # فصل: # وإن كان بعض العقار وقفا، وبعضه طلقا، فبيع الطلق، فذكر القاضي أنه لا ~~شفعة لصاحب الوقف؛ لأن ملكه غير تام، فلا يستفيد به ملكا تاما. وقال أبو ~~الخطاب: هذا ينبني على الروايتين في ملك الوقف، إن قلنا: هو مملوك، فلصاحبه ~~الشفعة؛ لأنه يلحقه الضرر من جهة الشريك، فأشبه الطلق، وإن قلنا: ليس ~~بمملوك، فلا شفعة له، لعدم ملكه. # PageV02P241 # فصل: # ولا شفعة في بيع الخيار قبل انقضائه؛ لأن فيه إلزام البيع بغير رضا ~~المتبايعين، وإسقاط حقهما من الخيار، وقيل: يؤخذ بالشفعة؛ لأن الملك انتقل، ~~فإن كان الخيار للمشتري وحده، فللشفيع الأخذ؛ لأنه يملك الأخذ من المشتري ~~قهرا، ويحتمل أن لا يملكه؛ لأن فيه إلزام البيع في حق المشتري ms0681 بغير رضاه. # فصل # وللصغير الشفعة، ولوليه الأخذ بها إن رأى الحظ فيها، فإذا أخذ فيها لم ~~يملك الصغير إبطالها بعد بلوغه، كما لو اشترى له دارا. وإن تركها مع الحظ ~~فيها، لم تسقط، وملك الصغير الأخذ بها إذا بلغ، وإن تركها الولي للحظ في ~~تركها، أو لإعسار الصبي، سقطت في قول ابن حامد؛ لأنه فعل ما تعين عليه ~~فعله، فلم يجز نقضه، كالرد بالعيب. # وظاهر كلام الخرقي: أنها لا تسقط؛ لأن للشفيع الأخذ مع الحظ وعدمه، فملك ~~طلبها عند إمكانه، كالغائب إذا قدم، والمجنون كالصبي؛ لأنه محجور عليه. وإن ~~باع الولي لأحد الأيتام نصيبا، فله الأخذ بها للآخر، وإن كان الولي شريكا، ~~لم يملك الأخذ بها إن كان وصيا؛ لأنه متهم، وإن كان أبا، فله الأخذ؛ لأن له ~~أن يشتري لنفسه مال ولده، وهل لرب المال الشفعة على المضارب فيما يشتريه؟ ~~على وجهين بناء على شرائه منه لنفسه. # فصل: # ولا شفعة لكافر على مسلم؛ لما روى أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «لا شفعة لنصراني» رواه الطبراني في الصغير، ولأنه معنى يختص العقار، ~~فلم يثبت للكافر على المسلم كالاستعلاء، وتثبت الشفعة للمسلم على الذمي، ~~وللذمي على الذمي، للخبر والمعنى. # PageV02P242 ### | باب إحياء الموات # وهي الأرض الداثرة التي لا يعرف لها مالك، وهي نوعان: # أحدهما: ما لم يجر عليه ملك، فهذا يملك بالإحياء؛ لما روى جابر بن عبد ~~الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أحيا أرضا ميتة فهي ~~له» رواه أحمد، والترمذي وصححه. ولا يفتقر إلى إذن الإمام للخبر، ولأنه ~~تملك مباح، فلم يفتقر إلى إذن كالصيد. # الثاني: ما جرى عليه ملك، وباد أهله، ولم يعرف له مالك، ففيه روايتان: # إحداهما: يملك بالإحياء للخبر، ولما روى طاوس: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «عادي الأرض لله ولرسوله، ثم هي لكم بعده» رواه أبو عبيد في ~~الأموال، ولأنه في دار الإسلام فيملك، كاللقطة. # والثانية: لا يملك؛ لأنه إما لمسلم، أو لذمي، أو بيت المال، فلم يجز ms0682 ~~إحياؤه، كما لو تعين مالكه. ويجوز إحياء ما قرب من العامر إذا لم يتعلق ~~بمصالحه، للخبر والمعنى. # وعنه: لا يملك؛ لأنه لا يخلو من مصلحة، فأشبه ما تعلق بمصالحه للخبر، ~~والمذهب الأول. # فصل: # وما تعلقت به مصلحة العامر، كحريم البئر، وفناء الطريق، ومسيل الماء، ~~ويملك بالإحياء، ولا يجوز لغير مالك العامر إحياؤه؛ لأنه تابع للعامر، ~~مملوك لصاحبه، ولأن تجويز إحيائه، إبطال للملك في العامر على أهله، وكذلك ~~ما بين العامر من الرحاب والشوارع، ومقاعد الأسواق لا يجوز تملكه بالإحياء؛ ~~لأنه ليس بموات، وتجويز إحيائه، تضييق على الناس في أملاكهم وطرقهم، وهذا ~~لا يجوز. # فصل: # ويجوز الإحياء من كل من يملك المال للخبر، ولأنه فعل يملك به، فجاز ممن # PageV02P243 # يملك المال كالصيد. ويملك الذمي بالإحياء، في دار الإسلام لذلك. وقال ابن ~~حامد: لا يملك فيها بالإحياء لخبر طاوس. وليس للمسلم إحياء أرض في بلد صولح ~~الكفار على المقام فيه؛ لأن الموات تابع للبلد، فلم يجز تملكه عليهم ~~كالعامر. # فصل: # وفي صفة الإحياء روايتان: # إحداهما: أن يعمر الأرض لما يريدها له، ويرجع في ذلك إلى العرف؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أطلق الإحياء ولم يبين، فحمل على المتعارف. ~~فإن كان يريدها للسكنى، فإحياؤها بحائط جرت عادتهم بالبناء به وتسقف، فإنها ~~لا تصلح للسكنى، إلا بذلك، وإن أرادها حظيرة لغنم أو حطب، فبحائط جرت ~~العادة بمثله، وإن أرادها للزرع، فبسوق الماء إليها من نهر أو بئر، ولا ~~يعتبر حرثها؛ لأنه يتكرر كل عام، فأشبه السكنى، لا يحصل الإحياء به لذلك، ~~وإن كانت أرضا يكفيها المطر، فإحياؤها بتهيئتها للغرس والزرع، إما بقلع ~~أشجارها، أو أحجارها، أو تنقيتها ونحو ذلك مما يعد إحياء. وإن كانت من أرض ~~البطائح، فإحياؤها بحبس الماء عنها؛ لأن إحياءها بذلك، ولا يعتبر في ~~الإحياء للسكنى نصب أبواب؛ لأن السكنى ممكنة بدونه، والرواية الثانية: ~~التحويط إحياء لكل أرض؛ لما روى سمرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «من أحاط حائطا على أرض فهي له» رواه أبو داود. ولأن الحائط ms0683 حاجز ~~منيع، فكان إحياء، كما لو أرادها حظيرة. # فصل: # وإذا أحياها ملكها بما فيها من المعادن والأحجار؛ لأنه تملك الأرض بجميع ~~أجزائها وطبقاتها، وهذا منها. وإن ظهر فيها معدن جاز، كالقير والنفط ~~والماء، ففيه روايتان: # إحداهما: لا يملكه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الناس شركاء في ~~ثلاث: في الماء والكلأ والنار» رواه الخلال. وكذلك الحكم في الكلأ والشجر؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا حمى في الأراك» . # والثانية: يملك ذلك كله؛ لأنه نماء ملكه، فملكه كشعر غنمه. # فصل: # ومن حفر بئرا في موات، ملك حريمها، والمنصوص عن أحمد - رضي الله عنه -: ~~أن حريم البئر البديء خمسة وعشرون ذراعا من كل جانب. ومن سبق إلى بئر عادية ~~فاحتفرها، فحريمها خمسون ذراعا من كل جانب؛ لما روي عن سعيد بن المسيب أنه # PageV02P244 # قال: «السنة في حريم البئر العادي خمسون ذراعا، والبديء خمسة وعشرون ~~ذراعا» رواه أبو عبيد في الأموال. وروى الخلال والدارقطني عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نحوه، وقال القاضي: حريمها ما تحتاج إليه من ترقية الماء ~~منها، كقدر مدار الثور، إن كان بدولاب، وقدر طول البئر إن كان بالسواني، ~~وحمل التحديد في الحديث، وكلام أحمد - رضي الله عنه - على المجاز. والظاهر ~~خلافه، فإنه قد يحتاج إلى حريمها لغير ترقية الماء، لموقف الماشية، وعطن ~~الإبل ونحوه. وأما العين المستخرجة، فحريمها ما يحتاج إليها صاحبها، ويستضر ~~بتملكه عليه، وإن كثر. وحريم النهر: ما يحتاج إليه، لطرح كرايته، وطريق ~~شاويه، وما يستضر صاحبه بتملكه عليه، وإن كثر. # فصل: # ومن تحجر مواتا، وشرع في إحيائه ولم يتم، فهو أحق به؛ لقول رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به» رواه ~~أبو داود. فإن نقله إلى غيره، صار الثاني أحق به؛ لأن صاحب الحق آثره به. ~~فإن مات، انتقل إلى وارثه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ترك ~~حقا، أو مالا فهو لوارثه» وإن باعه ولم يصح؛ لأنه لم يملكه، فلم يصح بيعه، ms0684 ~~كحق الشفعة، ويحتمل جواز بيعه؛ لأنه صار أحق به، فإن بادر إليه غيره ~~فأحياه، لم يملكه في أحد الوجهين؛ لمفهوم قوله - عليه السلام -: «من سبق ~~إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به» ولأن حق المتحجر أسبق، فكان أولى، ~~كحق الشفيع في المشتري. # والثاني: يملكه؛ لأنه أحيا أرضا ميتة، فيدخل في عموم الحديث، ولأن ~~الإحياء يملك به، فقدم على التحجر الذي لا يملك به، وإن شرع في الإحياء ~~وترك، قال له السلطان: إما أن تعمر، وإما أن ترفع يدك؛ لأنه ضيق على الناس ~~في حق مشترك، فلم يمكن منه، كالوقوف في طريق ضيق، فإن سأل الإمهال، أمهل ~~مدة قريبة، كالشهرين ونحوهما، فإن انقضت ولم يعمر، فلغيره إحياؤها وتملكها ~~كسائر الموات. # فصل: # وإذا كان في الموات معدن ظاهر ينتفع به المسلمون كالملح، وعيون الماء ~~والكبريت والكحل والقار، ومعادن الذهب والفضة والحديد ومقالع الطين ونحوها، ~~لم يجز لأحد إحياؤها. ولا تملك بالإحياء؛ لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أقطع أبيض بن حمال معدن الملح، فلما قيل له: إنه بمنزلة الماء العد رده» ~~رواه أبو داود. وقال: «يا رسول الله، ما يحمى هذا الأراك؟ فقال: ما لم تنله ~~أخفاف الإبل» رواه أبو داود والترمذي، ولأن هذا مما يحتاج إليه. فلو ملك ~~بالاحتجار، ضاق على الناس وغلت أسعاره، وكذلك ما # PageV02P245 # نضب عنه الماء من الجزائر عند الأنهار الكبار. قال أحمد - رضي الله عنه - ~~يروى عن عمر - رضي الله عنه -: أنه أباح الجزائر وأنا آخذ به، يعني: ما ~~ينبت فيها، ولأن البناء فيها يرد الماء إلى الجانب الآخر فيضر بأهله، ~~ولأنها منبت الكلأ والحطب فأشبهت المعادن. # فصل: # وكل بئر ينتفع بها المسلمون، أو عين نابعة، فليس لأحد احتجارها؛ لأنها ~~بمنزلة المعادن الظاهرة، ومن حفر بئرا لغير قصد التملك، إما لينتفع بها ~~المسلمون، أو لينتفع بها مدة ثم يتركها لم يملكها، وكان أحق بها حتى يرحل ~~عنها، ثم تكون للمسلمين، ومن حفر بئرا للتملك فلم يظهر ماؤها، لم تملك به؛ ~~لأنه ما تم إحياؤها، وكان ms0685 كالمتحجر الشارع في الإحياء. # فصل: # وإن أحيا أرضا، فظهر فيها معدن ملكه؛ لأنه لم يضيق على الناس به؛ لأنه ~~الذي أخرجه، ولو كان في الموات أرض يمكن فيها إحداث معدن ظاهر، كشط البحر ~~إذا حصل فيه ماؤه، صار ملحا، ملكه بالإحياء؛ لأنه توسيع على المسلمين لا ~~تضييق. # فصل: # ومن سبق إلى معدن ظاهر، وهو الذي يوصل إلى ما فيه من غير مؤنة، كالماء ~~والملح والنفط، أو باطن لا يوصل إلى ما فيه إلا بالعمل، كمعادن الذهب ~~والحديد، كان أحق به للخبر. فإن أقام بعد قضاء حاجته منع منه؛ لأنه يضيق ~~على الناس بغير نفع، فأشبه الوقوف في مشرعة ماء لا يستقى منها وإن طال ~~مقامه للأخذ، ففيه وجهان: # أحدهما: لا يمنع؛ لأنه سبق، فكان أحق، كحالة الابتداء. # والثاني: يمنع؛ لأنه يضر كالمتحجر. فإن سبق إليه اثنان يضيق المكان ~~عنهما، أقرع بينهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على صاحبه، وقال بعض أصحابنا: إن ~~كانا يأخذان للتجارة، هايأه الإمام بينهما. وإن كانا يأخذان للحاجة، ففيه ~~أربعة أوجه: # أحدها: يهايئاه بينهما. # والثاني: يقرع بينهما. # والثالث: يقدم الإمام من يرى منهما. # والرابع: ينصب الإمام من يأخذ لهما، ويقسم بينهما. # PageV02P246 # فصل: # ومن شرع في حفر معدن، ولم يبلغ النيل به، فهو أحق به، كالشارع في الإحياء ~~ولا يملكه، وإن بلغ النيل؛ لأن الإحياء العمارة، وهذا تخريب، فلا يملك به، ~~ولأنه يحتاج في كل جزء إلى عمل، فلا يملك منه إلا ما أخذ. لكن يكون أحق به ~~ما دام يأخذ. وإن حفره إنسان من جانب آخر، فوصل إلى النيل، لم يكن له منعه؛ ~~لأنه لم يملكه. # فصل: # ويجوز الارتفاق بالقعود في الرحاب والشوارع والطرق الواسعة، للبيع ~~والشراء، لاتفاق أهل الأمصار عليه من غير إنكار، ولأنه ارتفاق بمباح من غير ~~إضرار، فلا يمنع منه، كالاجتياز. ومن سبق إليه كان أحق به؛ لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «منى مناخ من سبق» وله أن يظلل عليه بما لا يضر بالمارة؛ ~~لأن الحاجة تدعو إليه من غير ضرر بغيره، وليس له ms0686 أن يبني دكة ولا غيرها؛ ~~لأنها تضيق، ويعثر بها العابر. فإن قام وترك متاعه، لم يجز لغيره أن يقعد؛ ~~لأن يده لم تزل. وإن طال القعود، ففيه وجهان، سبق توجيههما. وإن سبق إليه ~~اثنان، ففيه وجهان: # أحدهما: يقرع بينهما لتساويهما. # والثاني: يقدم الإمام أحدهما؛ لأن له نظرا واجتهادا. # فصل: # في القطائع، هي ضربان: إقطاع، إرفاق، وهي مقاعد الأسواق والرحاب، فللإمام ~~إقطاعها لمن يجلس فيها، فيصير كالسابق إليها، إلا أنه أحق بها، وإن نقل ~~متاعه؛ لأن للإمام النظر الاجتهاد. فإن أقطعه، ثبتت يده عليه بالإقطاع، فلم ~~يكن لغيره أن يقعد فيه. # الضرب الثاني: موات الأرض، فللإمام إقطاعها لمن يحييها؛ لما «روى وائل بن ~~حجر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقطعه أرضا فأرسل معاوية: أن أعطه ~~إياها، أو أعلمها إياه» حديث صحيح. وأقطع بلال بن الحارث المزني، وأبيض بن ~~حمال المازني، «وأقطع الزبير حضر فرسه» رواه أبو داود. # وأقطع أبو بكر وعمر وعثمان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن ~~أقطعه الإمام شيئا، لم يملكه؛ لكن يصير كالمتحجر في جميع ما ذكرناه. ولا ~~يقطع من ذلك إلا ما قدر على إحيائه؛ لأن إقطاعه أكثر منه إدخال ضرر على ~~المسلمين بلا فائدة، وقد روي: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقطع بلال ~~بن الحارث العقيق، فلما كان زمن عمر قال: إن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لم # PageV02P247 # يقطعك لتحتجره على الناس، فخذ ما قدرت على عمارته ودع باقيه» رواه أبو ~~عبيد في الأموال. # فصل: # وليس للإمام إقطاع المعادن الظاهرة، لما ذكرنا في إحيائها. وقال أصحابنا: ~~وكذلك المعادن الباطنة؛ لأنها في معناها، ويحتمل جواز إقطاعها؛ لما روي: أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أقطع بلال بن الحارث معادن القبلية، جلسيها ~~وغوريها» رواه أبو داود. ولأنه يفتقر في الانتفاع بها إلى المؤن، فجاز ~~إقطاعه، كالموات. # فصل في الحمى: لا يجوز لأحد أن يحمي لنفسه مواتا يمنع الناس الرعي فيها؛ ~~لما روى الصعب بن جثامة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ms0687 وسلم - يقول: ~~«لا حمى إلا لله ولرسوله» متفق عليه، ورواه أبو داود. وقال: «الناس شركاء ~~في ثلاث: الماء والكلأ والنار» وللإمام أن يحمي مكانا لترعى فيه خيل ~~المجاهدين، ونعم الجزية، وإبل الصدقة، وضوال الناس التي يقوم بحفظها؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حمى النقيع، لخيل المسلمين؛ لأن عمر وعثمان - ~~رضي الله عنهما - حميا، واشتهر في الصحابة، فلم ينكر، فكان إجماعا. # وقال عمر - رضي الله عنه -: والله لولا ما أحمل عليه في سبيل الله، ما ~~حميت من الأرض شبرا في شبر رواه أبو عبيد. وليس له أن يحمي قدرا يضيق به ~~على الناس؛ لأنه إنما جاز # للمصلحة # ، فلا يجوز ذلك بضرر أكثر منها، وما حماه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فليس لأحد نقضه، ولا يملك بالإحياء؛ لأن ما حماه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نص، فلم يجز نقضه بالاجتهاد، وما حماه غيره من الأئمة، جاز لغيره من ~~الأئمة تغييره في أحد الوجهين، وفي الآخر ليس له ذلك، لئلا ينقض الاجتهاد ~~بالاجتهاد، والأول أولى؛ لأن الاجتهاد في حماها في تلك المدة دون غيرها، ~~ولهذا ملك الحامي لها تغييرها. وإن أحياه إنسان ملكه؛ لأن حمى الأئمة ~~اجتهاد، وملك الأرض بإحيائها نص، فيقدم على الاجتهاد. ### | باب أحكام المياه # وهي ضربان: مباح وغيره، فغير المباح: ما ينبع في أرض مملوكة، فصاحبه أحق ~~به، لأنه يملكه في رواية، وفي الأخرى: لا يملكه، إلا أنه ليس لغيره دخول ~~أرضه بغير إذنه، وما فضل عن حاجته، لزمه بذله لسقي ماشية غيره؛ لما روى أبو ~~هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من منع فضل الماء ليمنع به ~~فضل الكلأ، منعه الله فضل رحمته» ، ولا يلزمه الحبل والدلو؛ لأنه يتلف ~~بالاستعمال فيتضرر به، فأشبه بقية ماله، وهل يلزمه بذل فضل مائه لزرع غيره، ~~فيه روايتان: # PageV02P248 # إحداهما: لا يلزمه؛ لأن الزرع لا حرمة له في نفسه. # والثانية: يلزمه؛ لما روى إياس بن عبد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«نهى عن بيع فضل الماء» رواه أبو داود. وإن ms0688 لم يفضل عنه شيء، لم يلزمه ~~بذله؛ لأن الوعيد على منع الفضل يدل على جواز منع غيره، ولأن ما يحتاج إليه ~~يستضر ببذله، فلم يجب بذله كحبله ودلوه. # الضرب الثاني: الماء النابع في الموات، فمن سبق إلى شيء منه، فهو أحق به؛ ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم، فهو ~~أحق به» ، وإن أراد أن يسقي أرضا، وكان الماء في نهر عظيم لا يستضر أحد ~~بسقيه، جاز أن يسقي كيف شاء؛ لأنه لا ضرر فيه على أحد، وإن كان نهرا صغيرا، ~~أو من مياه الأمطار، بدئ بمن في أول النهر فيسقي، ويحبس الماء حتى يبلغ ~~الكعب، ثم يرسل إلى الذي يليه، كذلك إلى الآخر؛ لما روى عبد الله بن أبي ~~بكر بن عمرو بن حزم: «أنه بلغه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في ~~سيل مهزور ومذينيب: يمسك حتى يبلغ الكعبين، ثم يرسل الأعلى إلى الأسفل» ~~أخرجه مالك في الموطأ. # وعن عبد الله بن الزبير: أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة ~~التي يسقون بها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اسق يا زبير، ثم أرسل ~~الماء إلى جارك: فغضب الأنصاري فقال: كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: يا زبير، اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ إلى ~~الجدر» متفق عليه. # وشراج الحرة: مسايل الماء، جمع شرج، وهو النهر الصغير، ولأن السابق إلى ~~أول النهر كالسابق إلى أول المشرعة، وإن كانت أرض الأول بعضها أنزل من بعض، ~~سقى كل واحدة على حدتها، فإن أراد إنسان إحياء أرض على النهر. بحيث إذا ~~سقاها يستضر أهل الأرض الشاربة منه منع منه؛ لأن من ملك أرضا كانت له ~~حقوقها ومرافقها، واستحقاق السقي من هذا النهر من حقوقها، فلا يملك غير ~~إبطاله. # فصل # فإن اشترك جماعة في استنباط عين، اشتركوا في مائها، وكان بينهم على ما ~~اتفقوا عليه عند استخراجها، فإن اتفقوا على سقي أرضهم منها بالمهايأة ms0689 جاز، ~~وإن أرادوا قسمته بنصب حجر، أو خشبة مستوية في مصدم الماء، فيها نقبان على ~~قدر حق كل واحد منهما جاز، وتخرج حصة كل واحد منهما في ساقيته منفردة، وإن ~~أراد أحدهما أن يسقي نصيبه أرضا لا حق لها في الشرب منه فله ذلك؛ لأن الماء ~~لا حق لغيره فيه، فكان له التصرف فيه كيف شاء، كما لو انفرد بالعين وفيه ~~وجه آخر: أنه لا يجوز؛ لأنه يجعل لهذه الأرض رسما في الشرب منه، فمنع منه، ~~كما لو كان له داران متلاصقتان في دربين، أراد فتح إحداهما إلى الأخرى، ~~وليس لأحدهما فتح ساقية في # PageV02P249 # جانب النهر قبل المقسم، يأخذ حقه فيها، ولا أن ينصب على حافتي النهر رحى ~~تدور بالماء، ولا غير ذلك؛ لأن حريم النهر مشترك، فلم يملك التصرف فيه بغير ~~إذن شريكه. # فصل # ومن سبق إلى مباح كالسنبل الذي ينتثر من الحصادين، وثمر الشجر المباح، ~~والبلح، وما ينبذه الناس رغبة عنه، فهو أحق به للخبر؛ فإن استبق إليه ~~اثنان، قسم بينهما؛ لأنهما اشتركا في السبب، فاشتركا في المملوك به، كما لو ~~ابتاعاه. ### | باب الوقف # ومعناه: تحبيس الأصل، وتسبيل الثمرة، وهو مستحب؛ لما روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ~~ينتفع به من بعده، وولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية» رواه مسلم. # ويجوز وقف الأرض؛ لما روى ابن عمر - رضي الله عنهما -: «أن عمر أتى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب ~~مالا قط أنفس عندي منه، فما تأمرني فيها؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت ~~بها، غير أنه لا يباع أصلها، ولا يبتاع، ولا يوهب، ولا يورث قال: فتصدق بها ~~عمر في الفقراء، وذوي القربى، والرقاب، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على ~~من وليها أن يأكل منها، أو يطعم صديقا بالمعروف، غير متأثل منه أو غير ~~متمول فيه» متفق عليه. # ووقف السلاح والحيوان جائز؛ لقول النبي - صلى الله ms0690 عليه وسلم -: «أما ~~خالد فإنه قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله» متفق عليه. وفي رواية: ~~«وأعتده» ويصح وقف كل عين ينتفع بها مع بقاء عينها دائما، قياسا على ~~المنصوص عليه. ويصح وقف المشاع؛ لأن في حديث عمر أنه أصاب مائة سهم من ~~خيبر، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بوقفها، وهذا صفة المشاع، ولأن ~~القصد تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، وهذا يحصل في المشاع، كحصوله من ~~المفرز، ويصح وقف علو الدار، دون سفلها، وسفلها دون علوها؛ لأنهما عينان ~~يجوز وقفهما، فجاز وقف أحدهما كالدارين. # فصل # ولا يصح وقف ما لا ينتفع به مع بقاء عينه، كالأثمان، والمأكول والمشروب، ~~والشمع؛ لأنه لا يحصل تسبيل ثمرته مع بقائه، ولا ما يسرع إليه الفساد، ~~كالرياحين؛ لأنها لا تتباقى، ولا ما لا يجوز بيعه: كالكلب، والخنزير، ولا ~~المرهون، والحمل # PageV02P250 # المنفرد، ولا أم الولد؛ لأن الوقف تمليك، فلا يجوز في هذه، كالبيع. ولا ~~يجوز في غير معين، كأحد هذين العبدين، وفرس، وعبد؛ لأنه نقل ملك على وجه ~~القربة، فلم يصح في غير معين كالهبة. # فصل # ولا يصح الوقف إلا على بر: كالمساجد، والقناطر، والفقراء، والأقارب، أو ~~آدمي معين، مسلما كان أو ذميا؛ لأنه في موضع القربة، ولهذا جازت الصدقة ~~عليه، ولا يصح على غير ذلك، كالبيع وكتب التوراة والإنجيل؛ لأن هذا إعانة ~~على المعصية، ولأن هذه الكتب منسوخة قد بدل بعضها، وقد غضب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - حين رأى مع عمر شيئا استكتبه منها، ولا على قطاع الطريق؛ ~~لأنه إعانة على المعصية. # والقصد بالوقف القربة، ولا على من لا يملك: كالميت، والملك، والجني؛ لأن ~~الوقف تمليك في الحياة، ولا على عبد، أو أم ولد؛ لأنه لا يملك في رواية، ~~وفي أخرى: ملكه غير لازم، والوقف لا يجوز أن يكون متزلزلا، ولا على حربي أو ~~مرتد؛ لأن ملكهما تجوز إزالته، والوقف يجب أن يكون لازما، ولا على غير ~~معين: كرجل أو امرأة؛ لأن تمليك غير المعين لا يصح، فإن قيل: فكيف جاز ~~الوقف على المساجد؟ ms0691 وهي لا تملك، قلنا: الوقف إنما هو على المسلمين، لكن ~~عين نفعا خاصا لهم. # فصل # ولا يصح تعليقه على شرط مستقبل؛ لأنه عقد يبطل بالجهالة، فلم يجز تعليقه ~~على شرط مستقبل كالبيع، إلا أن يقول: هو وقف بعد موتي فيصح، ويكون وصية ~~يعتبر خروجه من الثلث؛ لأنه تبرع مشروط بالموت فكان وصية، كما لو قال: إذا ~~مت، فهذا صدقة للمساكين. وجعل القاضي وأبو الخطاب: تعليق الوقف على الموت ~~كتعليقه على شرط في الحياة، فلا يصح في الموضعين إلا على قول الخرقي. ~~والأولى التفريق بينهما؛ لأن تعليقه بالموت وصية فجاز. # كما لو قال: إذا مات، فداري لفلان، أو أبرأته من ديني عليه، ولا يلزم من ~~جواز ذلك صحة تعليق الهبة والإبراء، على شرط في الحياة، كذا هاهنا، ولا ~~يجوز الوقف إلى مدة؛ لأنه إخراج مال على سبيل القربة، فلم يجز إلى مدة، ~~كالصدقة، فإن شرط فيه الخيار، أو شرط فيه الرجوع إذا شاء، أو يبيعه إذا ~~احتاج، أو لم يدخل فيه من شاء لم يصح؛ لأنه إخراج ملك على سبيل القربة، فلم ~~يصح مع هذه الشروط، كالصدقة. # فصل # وإن شرط أن يأكل منه أيام حياته، أو مدة يعينها، فله شرطه. نص عليه أحمد # PageV02P251 # - رضي الله عنه -، واحتج بما روى حجر المدري: «أن في صدقة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أن يأكل أهله بالمعروف غير المنكر» ، ولأن عمر - رضي ~~الله عنه - قال في وقفه: لا جناح على من وليها أن يأكل منها أو يطعم صديقا، ~~وكان الوقف في يده إلى أن مات، ولأنه لو وقف وقفا عاما، كالسقاية والمسجد، ~~لكان له أن ينتفع منه، كذلك إذا خصه بانتفاعه. # فصل # وإن وقف على نفسه ثم على أولاده، ففيه روايتان: # إحداهما: لا يصح؛ لأن الوقف تمليك، فلم يصح أن يملك نفسه به كالبيع. # والثانية: يصح؛ لأنه لما جاز أن يشترط لنفسه منه شيئا، جاز أن يختص به ~~أيام حياته كالوصية. # فصل # ولا يكون الوقف، إلا على سبيل غير منقطع: كالفقراء، والمساكين، وطلبة ~~العلم، ms0692 والمساجد، أو على رجل بعينه، ثم على ما لا ينقطع، فإن وقفه على رجل ~~بعينه وسكت، صح وكان مؤبدا؛ لأن مقتضاه التأبيد، فحمل فيما سماه على ما ~~شرطه، وفيما سكت عنه على مقتضاه، ويصير كأنه وقف مؤبد، أو قدم المسمى على ~~غيره. فإذا انقرض المسمى صرف إلى أقارب الواقف؛ لأنهم أحق الناس بصدقته، ~~بدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صدقتك على غير رحمك صدقة، وصدقتك ~~على رحمك صدقة وصلة» . # وعنه: أنه يرجع إلى المساكين؛ لأنها مصارف الصدقات المفروضات، كالزكوات ~~والكفارات. # والأول: ظاهر المذهب، وظاهر كلام أحمد - رضي الله عنه - والخرقي: أنه ~~يرجع إلى الأغنياء، والفقراء من أقاربه؛ لأن الوقف يستوي فيه الغني ~~والفقير، ويحتمل أن يختص الفقراء؛ لأنهم مصرف الصدقات، ويرجع إلى جميع ~~الورثة في إحدى الروايتين؛ لأنه يصرف إليهم ماله عند موته. # والثانية: يرجع إلى أقرب عصبة الواقف؛ لأنه مصرف ولاء معتقه، وعليهم ~~عقله، فخصوا بهذا، ويكون وقفا على من رجع إليه؛ لأنه إنما صرف إليهم بوقف ~~مالكه له، والوقف يقتضي التأبيد، فإذا انقرضوا رجع إلى المساكين، وإن لم ~~يكن له أقارب رجع إلى المساكين ليعيلهم، ولو جعل الانتهاء مما لا يجوز ~~الوقف عليه فقال: وقفت على أولادي، ثم على البيع، فحكمه حكم ما لم يسم له ~~انتهاء؛ لأن ذكر ما لا يجوز كعدمه. وإن قال: وقفت داري ولم يذكر سبلها، صح ~~في قياس المذهب؛ لأنه إزالة ملك على # PageV02P252 # سبيل القربة، فصح مطلقا، كالعتق. وحكمه حكم منقطع الانتهاء. # فصل # فإن قال: وقفت على هذا العبد، ولم يذكر له مالا فهو باطل؛ لأنه منقطع ~~الابتداء والانتهاء. وإن جعل له ما لا يجوز الوقف عليه فقال: ثم على ~~المساكين صح؛ لأنه جمع فيه بين ما يجوز وما لا يجوز فصح، كما لو وقفه على ~~أولاده، ثم على البيع، ويحتمل أن يخرج صحته على الروايتين في تفريق الصفقة، ~~فإن قلنا بصحته، وكان من لا يصح الوقف عليه لا يمكن اعتبار انقراضه، كالميت ~~والمجهول، صرف في الحال إلى من يجوز؛ لأن ذكر ms0693 من لا يجوز كعدمه، وإن أمكن ~~اعتبار انقراضه كعبد معين، احتمل ذلك أيضا لذلك، واحتمل أن يصرف إلى أقارب ~~الواقف إلى أن ينقرض من لا يجوز الوقف عليه، ثم يصرف إلى من يجوز؛ لأن وقفه ~~على من يجوز مشروط بانقراض من لا يجوز، فكان الوقف قبل ذلك لا مصرف له، ~~فصرف إلى الأقارب، كمنقطع الانتهاء. # فصل # ويصح الوقف بالقول والفعل الدال عليه، مثل أن يبني مسجدا، ويأذن للناس في ~~الصلاة فيه، أو مقبرة، ويأذن لهم في الدفن فيها، أو سقاية ويشرع بابها، ~~ويأذن في دخولها؛ لأن العرف جار به، وفيه دلالة على الوقف، فجاز أن يثبت به ~~كالقول، وجرى مجرى من قدم طعاما لضيفانه، أو نثر نثارا، أو صب في خوابي ~~السبيل ماء، وأما القول فألفاظه ستة، ثلاثة صريحة، وهي: وقفت، وحبست، ~~وسبلت، متى أتى بواحدة منها صار وقفا؛ لأنه ثبت لها عرف الاستعمال، وعرف ~~الشرع بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر - رضي الله عنه -: «إن شئت ~~حبست أصلها وسبلت ثمرتها» فصارت كلفظ الطلاق فيه، وثلاثة كناية، وهي: ~~تصدقت، وحرمت، وأبدت، فليست صريحة؛ لأنها مشتركة بين الوقف وغيره من ~~الصدقات والتحريمات، فإن نوى بها الوقف، أو قرن بها لفظا من الألفاظ ~~الخمسة، أو حكم الوقف، بأن يقول: صدقة محبسة، أو محرمة، أو مؤبدة، أو صدقة ~~لا تباع ولا توهب ولا تورث، صار وقفا؛ لأنه لا يحتمل مع هذه القرائن إلا ~~الوقف. # فصل # ولا يجوز التصرف في الوقف بما ينقل الملك في الرقبة؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في حديث عمر: «لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث» ولأن ~~مقتضى الوقف التأبيد، وتحبيس الأصل، بدليل أن ذلك من بعض ألفاظه، والتصرف ~~في رقبته ينافي ذلك. # PageV02P253 # فصل # والوقف يزيل ملك الواقف؛ لأنه يزيل ملكه عن التصرف في العين والمنفعة، ~~فأزال ملكه عن الرقبة، كالعتق، ويزيل الملك بمجرد لفظه؛ لأن الوقف يحصل به. # وعنه: لا يحصل إلا بإخراجه عن يده. # قال أحمد: الوقف المعروف أن يخرجه من يده، ويوكل من يقوم ms0694 به؛ لأنه تبرع، ~~فلم يلزم بمجرده كالهبة والوصية، والأول المشهور؛ لحديث عمر - رضي الله عنه ~~-، ولأنه تبرع يمنع البيع والهبة والميراث، فلزم بمجرده كالعتق، ولا يفتقر ~~إلى قبول، ويحتمل أنه متى كان على آدمي معين، افتقر إلى القبول؛ لأنه تبرع ~~لآدمي معين، أشبه الهبة، فإن لم يقبل أو رده بطل في حقه، ولم يبطل في حق من ~~بعده، وصار كالوقف على من لا يصح، ثم على من يصح، وعلى الظاهر من المذهب ~~أنه لا يفتقر إلى القبول، ولا يبطل برده؛ لأنه إزالة ملك على وجه القربة، ~~أشبه العتق والوقف على غير معين. # فصل # وينتقل الملك في الوقف إلى الموقوف عليه في ظاهر المذهب؛ لأنه سبب نقل ~~الملك، ولم يخرجه عن المالية وجد إلى من يصح تمليكه، أشبه البيع والهبة. # وعنه: لا يملكه، ويكون الملك لله تعالى؛ لأنه حبس للعين، وتسبيل للمنفعة ~~على وجه القربة، فأزال الملك إلى الله سبحانه كالعتق. # فصل # ويملك الموقوف عليه غلته وثمرته، وصوفه ولبنه؛ لأنه من غلته، فهو ~~كالثمرة، ويملك تزويج الأمة؛ لأنه عقد على نفعها، فأشبه إجارتها، ويملك ~~مهرها؛ لأنه بدل نفعها أشبه أجرتها، وإن ولدت، فولدها وقف معها؛ لأن الوقف ~~حكم ثبت في الأم، فسرى إلى الولد، كالاستيلاد والكتابة، ولا يملك الموقوف ~~عليه وطأها؛ لأن ملكه فيها ضعيف، ولا يؤمن إفضاؤه إلى إخراجها من الوقف فإن ~~وطئها، فلا حد عليه؛ لأنها ملكه، ولا مهر عليه لذلك. وإن لم تلد منه، فهي ~~وقف بحالها، وإن ولدت منه، فالولد حر؛ لأنه من مالكها، وعليه قيمته يوم ~~الوضع؛ لأنه فوت رقه، ويشتري بها عبدا يكون وقفا مكانه، وتصير أم ولد له؛ ~~لأنه أحبلها بحر في ملكه، فإذا مات عتقت، ووجبت قيمتها في تركته حينئذ؛ ~~لأنه أتلفها على من بعده، ويشتري بالقيمة جارية تكون وقفا مكانها، وإن ~~قلنا: ليست ملكا له، لم تصر أم ولد بوطئه. # PageV02P254 # فصل # وإن أتلف الوقف أجنبي أو الواقف، أو الموقوف عليه، فعليه قيمته يشتري بها ~~مثله يقوم مقامه؛ لأن الموقوف عليه لا يملك ms0695 التصرف في رقبته، إنما له نفعه، ~~وإن وطئت الجارية بشبهة فولدها حر، وعلى الواطئ قيمته يوم وضعه يشتري بها ~~ما يقوم مقامه، وإن جنى الوقف، تعلقت جنايته بالموقوف عليه؛ لأنه يملكه، ~~ولم تتعلق بالوقف؛ لأن رقبته محلا للبيع، فتعلقت بمالكه كأم الولد. # فصل # وتصرف الغلة على ما شرط الواقف من التسوية، والتفضيل، والتقديم، ~~والتأخير، والجمع، والترتيب، وإدخال من أدخله بصفة، وإخراج من أخرجه بصفة؛ ~~لأنه ثبت بوقفه، فوجب أن يتبع فيه شرطه، ولأن عمر - رضي الله عنه - وقف ~~أرضه على الفقراء، وذوي القربى، والرقاب، وابن السبيل، والضيف، وجعل لمن ~~وليها أن يأكل منها، أو يطعم صديقا. ووقف الزبير على ولده، وجعل للمردودة ~~من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضرا بها، وإذا استغنت بزوج فلا حق لها فيه. # فصل # فإذا قال: وقفت على أولادي، دخل فيه الذكر منهم والأنثى والخنثى؛ لأن ~~الجميع أولاد، وهل يدخل فيه ولد الولد؟ فيه روايتان: # إحداهما: يدخلون؛ لأنهم دخلوا في قول الله تعالى: {يوصيكم الله في ~~أولادكم} [النساء: 11] ، وفي قوله: {وهو يرثها إن لم يكن لها ولد} [النساء: ~~176] ، فعلى هذه الرواية يدخل ولد البنين دون ولد البنات؛ لأن ولد البنين ~~هم الذين دخلوا في النص دون ولد البنات. # قال الشاعر: # بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأجانب # والثانية: لا يدخل ولد الولد؛ لأن ولده حقيقة ولد صلبه، والكلام بحقيقته، ~~إلا أن يقرن به ما يدل على إدخالهم كقوله: وقفت على أولادي، لولد الذكور ~~الثلثان، وولد الإناث الثلث ونحوه. فإن قال: وقفت على أولادي، فإذا انقرض ~~أولاد أولادي، فهو على المساكين، دخل أولاد الأولاد في الوقف؛ لأن قرينة ~~اشتراط انقراضهم دليل على أنهم أريدوا به، وقيل: لا يدخلون أيضا؛ لأن اللفظ ~~لا يتناولهم، بل يكون وقفا # PageV02P255 # منقطع الوسط، يصرف بعد أولاده إلى مصرف الوقف المنقطع، فإذا انقرض أولاد ~~أولاده، صرف إلى المساكين. وإن وصل لفظه بما يقتضي تخصيص أولاده، فقال: ~~وقفت على ولدي لصلبي، أو قال: على أولادي، ثم على أولادهم، اختص بالولد ~~وجها واحدا، ms0696 ومتى كان الوقف على الأولاد مطلقا، سوي فيه بين الذكر والأنثى ~~والخنثى؛ لاقتضاء لفظه التسوية، كقوله تعالى في ولد الأم: {فهم شركاء في ~~الثلث} [النساء: 12] ، وإن كان في لفظه تفضيل بعضهم، فهو كذلك، وإن كان له ~~حمل، لم يدخل في الوقف حتى ينفصل، ثم يستحق ما يحدث من الغلة بعد انفصاله، ~~دون ما كان موجودا قبله، كالثمرة المؤبرة، والزرع المدرك؛ لأنه لا يسمى ~~ولدا قبل الانفصال، وإن نفي ولده بلعان، خرج من الوقف، لخروجه عن كونه ولدا ~~له. # فصل # وإن وقف على بنيه، لم يدخل فيه بنت ولا خنثى؛ لأنه لم يعلم كونه ابنا، ~~وإن وقف على بناته، لم يدخل فيه ذكر ولا خنثى. وإن وقف على ولد فلان أو ~~بنيه أو بناته، فهو كوقفه على ولد نفسه وبنيه وبناته، إلا أن يقف على بني ~~فلان، وهم قبيلة كبني هاشم، فيدخل فيه الذكر والأنثى والخنثى من ولد البنين ~~دون البنات؛ لأن هذا الاسم يقع على القبيلة ذكرهم وأنثاهم، وولد البنات لا ~~يعدون منها. # فصل # وإن وقف على أولاده وأولاد أولاده، دخل في الوقف أولاده الذكور والإناث ~~والخناثى، وأولادهم الذكور والإناث والخناثى من ولد البنين، فأما ولد ~~البنات، فقال الخرقي: لا يدخلون؛ لأنهم لم يدخلوا في قوله سبحانه: {يوصيكم ~~الله في أولادكم} [النساء: 11] ، ولا يدخلون في الوقف على ولد فلان وهم ~~قبيلة، فلا يدخلون هاهنا، ولأنهم إنما ينسبون إلى قبيلة آبائهم دون قبيلة ~~أمهاتهم، وقال أبو بكر وابن حامد: يدخلون في الوقف؛ لأنهم أولاد أولاده. ~~وإن قال: وأولاد أولادي المنتسبين إلي، لم يدخلوا وجها واحدا، وإن قال: ~~لولد الذكر سهمان، ولولد الأنثى سهم دخلوا فيه؛ لأنه صرح بدخولهم، ولو وقف ~~على قوم بأعيانهم، ثم على أولادهم، وكانوا ذكورا وإناثا، دخل أولاد الإناث ~~في الصحيح؛ لأن اللفظ تناولهم، كتناوله ولد البنين، وإن كان جميعهم إناثا، ~~دخل في أولادهن؛ لأن لفظه نص فيهم. # PageV02P256 # فصل # وإذا شرك بين الولد وولد الولد بالواو، اشترك الجميع فيه، وإن رتب فقال: ~~على أولادي، ثم على أولادهم، أو ms0697 قال: الأعلى فالأعلى، أو الأقرب فالأقرب، ~~وجب ترتيبه، وإن رتب بطنين، ثم شرك بين الباقين، أو شرك بين بطنين، ثم رتب ~~الباقين، فهو على ما شرطه، وكيفما شرط فالأمر عليه؛ لأن الوقف ثبت بلفظه، ~~فوجب أن يتبع مقتضاه. # فصل # وإن وقف على قرابته، أو قرابة فلان، فهو لولده وولد أبيه، وجده وجد أبيه ~~الذكر والأنثى. ولا يعطى من بعد ذلك، ولا قرابته من جهة أمه شيئا، لأن الله ~~تعالى جعل خمس الخمس لذوي قربى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأعطى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قرابته إلى بني هاشم، لم يتجاوزهم، ولم يعط بني ~~زهرة شيئا. ويحتمل أن يعطي كل من عرف قرابته من الجهتين، لأن الاسم واقع ~~عليهم لغة وعرفا. # وعنه: إن لم يصل قرابته من جهة أمه في حياته، دخلوا فيه، وإلا فلا، لأن ~~صلته لهم في حياته تدل على إرادتهم بصلته هذه، وإن وجدت قرينة لفظية، أو ~~حالية تدل على إرادتهم أو حرمانهم، عمل عليه، وأهل بيته بمثابة قرابته. ~~وقال الخرقي: إذا أوصى لأهل بيته، أعطي من قبل أبيه وأمه. # فصل # وإن وقف على أقرب الناس إليه، وله أبوان وولد، فهم سواء فيه، لأن كل واحد ~~منهم يليه في القرب من غير حاجز، ولأنه جزء والده، وولده جزؤه، ويحتمل ~~تقديم الابن لتقديمه في التعصيب. وإن عدم بعضهم، فهو للباقين، ويقدم كل ~~واحد من هؤلاء على من سواهم، لأن سواهم يدلي بواسطة. وإن عدموا، فهو لولد ~~الابن، أو الجد أبي الأب، الأقرب منهم فالأقرب، فإن عدموا فهو للإخوة، ~~لأنهم ولد الأب، ويقدم الأخ من الأبوين، ويسوى بين الأخ من الأب، والأخ من ~~الأم، وكذلك الأخوات، فإن عدموا صرف إلى بنيهم على ترتيب آبائهم، ويسوى بين ~~الأخ والجد لاستوائهما في الميراث، ولأن الجد أبو الأب، والأخ ولد الأب، ~~ويحتمل تقديم الجد، لأن له ولادة، وهو أقوى في الميراث، وقيل يقدم الأخ، ~~لأنه ابن الأب، فيكون أقوى من أبيه، لقوة تعصيبه، فإن لم يكن له إخوة، فهو ~~للأعمام، ثم بنيهم ms0698 على ترتيب الميراث. وإن وقف على جماعة من أقرب الناس ~~إليه، صرف إلى ثلاثة منهم، فإن كان بعضهم أقرب من بعض، استوفي ما أمكن من ~~الأقرب، وتمم الباقي من الأبعد، لأنه شرط العدد والأقرب، فوجب # PageV02P257 # اعتبارهما. وإن استوى جماعة في القرب، أعطي الجميع لتساويهم. # فصل # وإن وقف على عترته فهم عشيرته وولده، قاله ابن قتيبة، وقال ابن الأعرابي ~~وثعلب: هم ذريته، والأول أولى، لأنه يروى عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه ~~- أنه قال: نحن عترة النبي - صلى الله عليه وسلم -. وإن وقف على مواليه، ~~وله موال من فوق، وموال من أسفل، فهو لجميعهم، لأن الاسم يشملهم حقيقة. وإن ~~وقف على زيد وعمرو والفقراء، فلهما الثلثان وللفقراء الثلث؛ لأنه جعله ~~لثلاث جهات، فوجب قسمته أثلاثا. وإن وقف عليهما، ثم على الفقراء، فمن مات ~~منهما، رجع نصيبه إلى صاحبه، فإذا ماتا، رجع إلى الفقراء، لأنه جعله لهم ~~مشروطا بانقراضهما. # فصل # وإن وقف نخلة فيبست، أو جذوعا فتكسرت، جاز بيعها، لأنه لا نفع في بقائها، ~~وفيه ذهاب ماليتها، فكانت المحافظة على ماليتها ببيعها أولى، لأنه لا يجوز ~~وقف ما لا نفع فيه ابتداء، فلا يجوز استدامة وقفه، لأن ما كان شرطا لابتداء ~~الوقف، كان شرطا لاستدامته كالمالية، وإذا بيعت، صرف ثمنها في مثلها، وإن ~~حبس فرسا في سبيل الله، فصارت بحيث لا ينتفع بها فيه، بيعت، لما ذكرنا، ~~وصرف ثمنها في حبيس آخر. وإن وقف مسجدا فخرب، وكان في مكان لا ينتفع به، ~~بيع، وجعل في مكان ينتفع به، لما ذكرنا. وكل وقف خرب ولم يرد شيئا بيع، ~~واشتري بثمنه ما يرد على أهل الوقف. وإن وقف على ثغر فاختل صرف إلى ثغر ~~مثله، لأنه في معناه. # فصل # وينفق على الوقف من حيث شرط الواقف؛ لأنه لما اتبع شرط الواقف في سبله ~~كذلك في النفقة عليه، فإن لم يشرط النفقة عليه، أنفق عليه من غلته، لأنه لا ~~يمكن الانتفاع به إلا بالنفقة عليه، فإن لم يكن له غلة، أنفق عليه الموقوف ~~عليه؛ ms0699 لأنه ملكه. # فصل # وينظر في الوقف من حيث شرط الواقف، لأن عمر - رضي الله عنه -: جعل النظر ~~في وقفه إلى حفصة ابنته، ثم إلى ذوي الرأي من أهلها، ولأن سبله إلى شرطه، ~~فكذلك النظر فيه. وإن لم يشرط الناظر، ففيه وجهان: # أحدهما: ينظر فيه الموقوف عليه، لأنه ملكه، وغلته له، فكان نظره إليه ~~كالمطلق. # PageV02P258 # والثاني: إلى حاكم البلد، لأنه يتعلق به حق الموقوف عليه وحق من ينتقل ~~إليه، ففوض الأمر فيه إلى الحاكم، فإن جعله إلى اثنين من أفاضل ولده، جعل ~~إليهما، فإن لم يوجد فيهما إلا فاضل واحد، ضم الحاكم إليه آخر؛ لأن الواقف ~~لم يرض بنظر واحد. # فصل # وإن اختلف أرباب الوقف فيه، رجع إلى الواقف، لأن الوقف ثبت بقوله، فإن لم ~~يكن، تساووا فيه، لأن الشركة ثبتت، ولم يثبت التفضيل، فوجبت التسوية، كما ~~لو شرك بينهم بلفظه. ### | باب الهبة # وهي التبرع بتمليك مال في حياته، وهي مستحبة، لما روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «تهادوا تحابوا» . وهي أفضل من الوصية، لما روى ~~أبو هريرة قال: «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي الصدقة أفضل؟ ~~قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى، وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا ~~بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا» رواه البخاري، ومسلم بمعناه. # وهبة القريب أفضل، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الرحم شجنة ~~من الرحمن، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله» . وفي هبة القريب ~~صلته، ولا يجوز تفضيل بعض ولده على بعض في العطية، لما روى النعمان بن بشير ~~قال: «تصدق علي أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد ~~عليها رسول الله، فجاء أبي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليشهده ~~على صدقتي، فقال: أكل ولدك أعطيت مثله؟ قال: لا، قال: فاتقوا الله، واعدلوا ~~بين أولادكم، قال: فرجع أبي، فرد تلك الصدقة» رواه مسلم، وفي لفظ: «لا ~~تشهدني على جور» متفق عليه. فسماه جورا، والجور حرام، ولأن ms0700 ذلك يوقع ~~العداوة، وقطيعة الرحم، فمنع منه، كنكاح المرأة على عمتها، فإن فعل فعليه ~~التسوية بأحد أمرين: إما رد عطية الأول، أو إعطاء الآخر مثله، لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أمره برده، # PageV02P259 # وأمره يقتضي الوجوب، فإن مات، ولم يسو بينهم، ففيه روايتان: # إحداهما: يثبت ذلك لمن وهب له، ويسقط حق الرجوع، اختاره الخرقي، ولأنه حق ~~للأب، يتعلق بمال الولد، فسقط بموته، كالأخذ من ماله. # والثانية: يجب رده، وهذا اختيار ابن بطة وصاحبه أبي حفص، لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - سماه جورا، والجور يجب رده بكل حال، والتسوية المأمور بها ~~القسمة بينهم على قدر مواريثهم، لأنه تعجيل لما يصل إليهم بعد الموت، فأشبه ~~الميراث. # فصل: # فإن خص بعض ولده لغرض صحيح، من زيادة حاجة، أو عائلة، أو اشتغاله بعلم، ~~أو لفسق الآخر وبدعته، فقد روي عن أحمد - رضي الله عنهما - يدل على جوازه، ~~لقوله في تخصيص بعضهم بالوقف: لا بأس به إذا كان في سبيل الحاجة، وأكرهه ~~إذا كان على سبيل الأثرة. ووجه ذلك، ما روي أن أبا بكر - رضي الله عنه - ~~قال لعائشة: كنت قد نحلتك جذاذ عشرين وسقا، ووددت أنك حزتيه، وإنما هو ~~اليوم مال الوارث، وإنما هما أخواك وأختاك. ويحتمل المنع، لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يستفصل بشيرا. # فصل: # والأم كالأب في التسوية بين الأولاد، لأنها أحد الأبوين، فأشبهت الأب. ~~ولا تجب التسوية بين سائر الوراث، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم أن ~~لبشير زوجة، فلم يأمره بإعطائها، حين أمره بالتسوية بين أولاده. # فصل: # وما جاز بيعه من مقسوم، أو مشاع، أو غيره، جازت هبته، لأنه عقد يقصد به ~~تمليك العين، فأشبه البيع. وتجوز هبة الكلب، وما يباح الانتفاع به من ~~النجاسات، لأنه تبرع، فجاز في ذلك، كالوصية. ولا يجوز في مجهول، ولا معجوز ~~عن تسليمه، ولا في المبيع قبل قبضه، لأنه عقد يقصد به التمليك في الحياة، ~~أشبه البيع، ولا يجوز تعليقها على شرط مستقبل لذلك. والحكم في الإيجاب ~~والقبول فيها، كالحكم ms0701 في البيع على ما ذكر في بابه. # فصل: # ولا يثبت الملك للموهوب له في المكيل والموزون إلا بقبضه، لحديث أبي بكر ~~- رضي الله عنه -. وروي عن عمر - رضي الله عنه - نحوه، فإن مات الموهوب له ~~قبل القبض، بطلت، لأنه غير لازم، فيبطل بالموت كالشركة. وإن مات الواهب، ~~فعنه ما يدل على # PageV02P260 # أن الهبة تبطل لذلك، وهو قول القاضي. وقال أبو الخطاب: لا تبطل، لأنه عقد ~~مآله إلى اللزوم، فلا يبطل بالموت، كبيع الخيار. ويقوم الوارث مقام ~~المورثين في التقبيض والفسخ، فإذا قبض، ثبت الملك حينئذ. والخيرة في ~~التقبيض إلى الواهب، لأنه بعض ما يثبت به الملك فكانت الخيرة له فيه، ~~كالإيجاب، ولا يجوز القبض إلا بإذنه، لأنه غير مستحق عليه، فإن قبض بغير ~~إذنه، لم تتم الهبة. وإن أذن، ثم رجع قبل القبض، أو مات بطل الإذن. # فصل: # وأما غير المكيل والموزون، ففيه روايتان: # إحداهما: لا تتم هبته إلا بالقبض، لأنه نوع هبة، فلم تتم قبل القبض، ~~كالمكيل والموزون. # والثانية: تتم قبل القبض، لما روي عن علي وابن مسعود - رضي الله عنهما - ~~أنهما قالا: الهبة إذا كانت معلومة، فهي جائزة، قبضت أو لم تقبض، ولأن ~~الهبة أحد نوعي التمليك، فكان منها ما يلزم قبل القبض، كالبيع، وقد ذكرنا ~~اختلاف تفسير أصحابنا للمكيل والموزون في البيع، وإن كان الموهوب في يد ~~المتهب، لم يحتج إلى قبض، لأن قبضه مستدام، وهل يفتقر إلى إذن في القبض؟ ~~فيه روايتان. وذكر القاضي: أنه لا بد من مضي مدة يتأتى قبضه فيها لما ذكرنا ~~في الرهن. # فصل: # فإن وهب لابنه الصغير شيئا، وقبضه له، صح ولزم؛ لأنه وليه، فكان له ~~القبض، كما لو كان الواهب أجنبيا، ويكون حكم القبض حكمه فيما إذا وهب له ~~رجل شيئا في يده؛ لأنه في يد الأب. # فصل: # والهبة المطلقة لا تقتضي ثوابا، سواء كانت من مماثل أو أعلى أو أدنى، ~~لأنها عطية على وجه التبرع، فلم تقتض ذلك كالصدقة. وإن شرط ثوابا معلوما ~~صح، وكانت بيعا يثبت فيه الخيار ms0702 والشفعة، وضمان العهدة، وحكي عن أحمد رواية ~~ثانية: أنه يغلب فيها حكم الهبة، فلا تثبت فيها أحكام البيع المختصة به. ~~وإن شرط ثوابا مجهولا، احتمل أنه لا يصح، لأنه عوض مجهول في معاوضة، فلم ~~يصح كالبيع. # وعنه: أنه يصح ويعطيه ما يرضيه أو يردها، ويحتمل أن يعطيه قيمتها، فإن لم ~~يفعل فللواهب الرجوع، لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: من وهب هبة ~~أراد بها # PageV02P261 # الثواب فهو على هبته، يرجع فيها إذا لم يرض منها. قال أحمد: إذا تغيرت ~~العين الموهوبة بزيادة أو نقصان، ولم يثبه منها، فلا أرى عليه نقصان ما ~~نقص، إلا أن يكون ثوبا لبسه، أو جارية استخدمها أو استعملها، فإن اختلفا، ~~فقال: وهبتك ببدل، فأنكر الآخر، فالقول قول المنكر، لأنه ادعى عليه بدلا ~~الأصل عدمه. # فصل: # وإن وهب لغير ولده شيء، وتمت الهبة، لم يملك الرجوع فيه، لما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «العائد من هبته كالعائد في قيئه» ~~متفق عليه. وروى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يحل ~~لرجل أن يعطي عطية، فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده» رواه الترمذي، ~~وقال: حديث حسن. # وإن وهب الرجل لولده، فله الرجوع للخبر؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أمر بشيرا برد ما وهب لولده النعمان؛ ولأن الأب لا يتهم في رجوعه؛ لأنه ~~لا يرجع إلا لضرورة، أو إصلاح الولد. وليس للجد الرجوع؛ لأن الخبر يتناول ~~الوالد حقيقة، وليس الجد في معناه؛ لأنه يدلي بواسطة، ويسقط بالأب، ولا ~~تسقط الإخوة، فأما الأم فيحتمل أن لا رجوع لها، لأنه لا ولاية لها على ~~ولدها، بخلاف الأب، ويحتمل أن لها الرجوع، لأنها أحد الأبوين، فأشبهت الأب، ~~ولأنه يجب عليها التسوية بين ولدها في العطية، فأشبهت الأب. والهبة والصدقة ~~سواء في ذلك، بدليل أن في حديث النعمان بن بشير: فرجع أبي، فرد تلك الصدقة. ~~وعن أحمد - رضي الله عنه - ليس للأب الرجوع في هبته أيضا، لعموم قوله - صلى ~~الله عليه ms0703 وسلم -: «العائد في هبته كالعائد في قيئه» . # فصل: # وللرجوع في الهبة شروط أربعة: # أحدها: أن تكون باقية في ملكه، لأن الرجوع فيها بعد خروجها عن ملكه إبطال ~~لملك غيره، فإن عادت إلى الابن بفسخ العقد، فله الرجوع فيها، لأنه عاد حكم ~~العقد الأول، وإن عادت بسبب آخر، فلا رجوع له، لأنه ما استفاد هذا الملك ~~بهبة أبيه. # الثاني: أن يكون تصرف الابن فيها باقيا. فإن استولد الأمة أو رهنها، أو ~~حجر عليه لفلس، سقط الرجوع لما فيه من إسقاط حق الغرماء والمرتهن، ونقل ملك ~~فيما لا يقبل النقل. فإن زال الحجر والرهن، فله الرجوع لزوال المالك. # الثالث: أن لا يزيد زيادة متصلة، كالسمن والتعلم، فإن زادت ففي الرجوع ~~روايتان. كالروايتين في الرجوع على المفلس، وإن كانت منفصلة، لم يمنع ~~الرجوع، # PageV02P262 # والزيادة للابن؛ لأنها نماء منفصل في ملكه، فكانت له كنماء المبيع ~~المعيب. # الرابع: أن لا يتعلق بها رغبة لغير الولد، نحو أن يرغب الناس في تزويجه، ~~فيزوجوه من أجله أو يداينوه، فإن تعلقت بها رغبة، ففيه روايتان: # إحداهما: لا رجوع فيها؛ لأنه إضرار بالغير، فلم يجز كالرجوع فيها بعد فلس ~~الابن. # والثانية: له ذلك؛ لعموم الحديث؛ ولأن حق الغير لم يتعلق بهذا المال، ~~أشبه ما لو لم يتزوج. # فصل: # وللأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء مع غناه وحاجته بشرطين: # أحدهما: أن لا يجحف بالابن، ولا يأخذ ما تعلقت به حاجته. # الثاني: أن لا يأخذ من مال أحد ولديه، فيعطيه الآخر؛ لأن تفضيل أحد ~~الولدين غير جائز، فمع تخصيص الآخر بالأخذ منه أولى، فإذا وجد الشرطان، جاز ~~الأخذ؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أنت ومالك لأبيك» رواه ~~سعيد وابن ماجه. # وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم» رواه سعيد. والترمذي ~~وقال: حديث حسن. ولأنه يتصرف في مال ولده الصغير بغير تولية، أشبه مال ~~نفسه، وليس للابن مطالبة أبيه بدين له عليه ms0704 لما ذكرنا. قال أحمد - رضي الله ~~عنه -: وإذا مات بطل دين الابن. قال بعض أصحابنا: يعني ما أخذه على سبيل ~~التملك، فأما إن أخذه على غير ذلك، رجع الابن في تركته، وليس للأم الأخذ من ~~مال ولدها بغير إذنه، ولا للجد، ولا سائر الأقارب، لعدم الخبر فيهم، ~~وامتناع قياسهم على الأب، لما بينهما من الفرق، ويحتمل أن يجوز للأم، لدخول ~~ولدها في عموم قوله: أولادكم. # فصل: # وإن تصرف الأب بمال ابنه قبل تملكه، لم يصح تصرفه، نص عليه أحمد، فقال: ~~لا يجوز عتقه لعبد ابنه ما لم يقبضه. وكذلك إبراؤه من دينه وهبته لماله، ~~لأن ملك الابن باق عليه، بدليل صحة تصرفه فيه، ووطئه لجواريه، وجريان الربا ~~بينه وبين أبيه، فأشبه مال الأجنبي. وإن وطئ الأب جارية ابنه قبل تملكها، ~~فلا حد عليه للشبهة، وإن لم تلد، فهي على ملك الابن، وإن ولدت، فولده حر، ~~وتصير أم ولد له. # PageV02P263 # فصل: # فصل في العمرى: وهي أن يقول: أعمرتك هذه الدار حياتك، أو جعلتها لك عمرك، ~~أو عمري. ولها ثلاث صور: # إحداهن: أن يقول: أعمرتك هذه الدار حياتك، ولعقبك من بعدك، فهذه هبة ~~صحيحة؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أعمر عمرى فهي للذي ~~أعمرها حيا وميتا» رواه أحمد ومسلم. # الثانية: أن يقول: أعمرتكها حياتك. ولم يزد، ففيها روايتان: # إحداهما: هي كالأولى للخبر، وجاء في لفظ: «قضى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بالعمرى لمن وهبت له» متفق عليه؛ ولأن الأملاك المستقرة كلها مقدرة ~~بحياة المالك، وتنتقل إلى الورثة، فلم يكن تقديره بحياته منافيا لحكم ~~الإملاك. # والثانية: يرجع بعد موته إلى المعمر، لما روى جابر قال: «إنما العمرى ~~التي أجازها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما ~~إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها» . متفق عليه # الثالثة: أن يقول مع ذلك: فإذا مت عادت إلي إن كنت حيا، أو إلى ورثتي، ~~والرقبى مثل ذلك، إلا أنه يقول: إن مت قبلي، عادت إلي، ms0705 وإن مت قبلك، فهي ~~لك. أو يقول: أرقبتك داري هذه. وقال مجاهد: هي أن يقول: للآخر مني ومنك ~~موتا، ففيها روايتان: # إحداهما: هي لازمة لا تعود إلى الأول؛ لعموم الخبر الأول، ولقول رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ترقبوا، فمن أرقب شيئا فهو له حياته ~~وموته» ولأنه شرط أن يعود إليه بعدما زال ملكه، فلم يؤثر، كما لو شرطه بعد ~~لزوم العقد. # والثانية: ترجع إلى المعمر والمرقب، لحديث جابر، ولقول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «المؤمنون عند شروطهم» وتصح العمرى والرقبى في العقار ~~والثياب والحيوان، لأنها نوع هبة، فجازت في ذلك كله، كسائر الهبات. ولو شرط ~~في الهبة شرطا منافيا لمقتضاها، نحو أن يقول: وهبتك هذا بشرط ألا تبيعه، أو ~~بشرط أن تبيعه أو تهبه، فسد الشرط. وفي صحة العقد وجهان، بناء على الشروط ~~الفاسدة في البيع، وإن قيدها، فقال: وهبتكها سنة، لم يصح لأنه عقد ناقل ~~للملك في الحياة، أشبه البيع، والله أعلم. # PageV02P264 ### | كتاب الوصايا # الوصية: هي التبرع بعد الموت، وهي مستحبة لمن ترك خيرا، لما روي عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله تعالى تصدق عليكم عند وفاتكم ~~بثلث أموالكم زيادة في حسناتكم» . رواه ابن ماجه. وليست واجبة، لأنها عطية ~~لا تجب في الحياة، فلا تجب بعد الموت، كالزائد على الثلث. وحكي عن أبي بكر ~~أنها واجبة للأقارب غير الوارثين، لظاهر قوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر ~~أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين} [البقرة: 180] . # والمستحب فيها الإيصاء بالخمس. وقال القاضي وأبو الخطاب: يستحب لمن كثر ~~ماله الوصية بالثلث لما ذكرنا في الحديث، ووجه ما ذكرنا ما روى عامر بن سعد ~~عن أبيه قال: «مرضت مرضا أشفيت منه على الموت، فأتاني رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يعودني، فقلت: يا رسول الله لي مال كثير، وليس يرثني إلا ~~ابنتي، أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا، قلت: فبالثلثين؟ قال: لا، قلت: فبالشطر، ~~قال: لا، قلت: فبالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير، إنك أن تترك ورثتك ms0706 أغنياء ~~خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» متفق عليه. يعني يطلبون الناس بأكفهم. ~~فاستكثر الثلث مع إخباره إياه بكثرة ماله وقلة عياله، قال ابن عباس: وددت ~~لو أن الناس غضوا من الثلث، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«والثلث كثير» . متفق عليه. وأوصى أبو بكر بالخمس. وقال: رضيت نفسي ما رضي ~~الله به لنفسه. وقال علي: لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالثلث. أما ~~قليل المال ذو العيال، فلا تستحب له الوصية، لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إنك أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» . # PageV02P265 # فصل: # ويستحب لمن رأى موصيا يحيف في وصيته أن ينهاه، لنهي النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - سعدا عن الزيادة في الثلث. وقال بعض أهل التفسير في قوله ~~تعالى: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا} [النساء: 9] هو أن يرى ~~المريض يحيف على ولده فيقول له: اتق الله ولا توص بمالك كله. # فصل: # ولا يجوز لمن له وارث الوصية بزيادة على الثلث، لنهي النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - سعدا عن ذلك، فإن فعل، وقف الزائد على الثلث على إجازة الورثة. ~~فإن أجازوه، جاز. وإن ردوه بطل بغير خلاف، ولأن الحق لهم، فجاز بإجازتهم، ~~وبطل بردهم. وظاهر المذهب أن الإجازة صحيحة. وإجازة الورثة تنفيذ، لأن ~~الإجازة تنفيذ في الحقيقة. ولا خلاف في تسميتها إجازة، فعلى هذا يكتفى فيها ~~بقوله: أجزت، وما يؤدي معناه، وإن كانت عتقا، فالولاء للموصي يختص به ~~عصباته. وقال بعض أصحابنا: الوصية باطلة، والإجازة هبة يفتقر إلى لفظها، ~~وولاء المعتقين لجميع الورثة، وللمجيز إذا كان أبا للموصى له، الرجوع فيها، ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها، والنهي يقتضي الفساد، ولأنه ~~أوصى بمال غيره فلم يصح، كالوصية بما استقر ملك وارثه عليه. ولا يعتبر الرد ~~والإجازة إلا بعد الموت، لأنه لا حق للوارث قبل الموت، فلم يصح إسقاطه، ~~كإسقاط الشفعة قبل البيع. فأما من لا وارث له، ففيه روايتان: # إحداهما: تجوز وصيته بماله ms0707 كله، لأن النهي معلل بالإضرار بالورثة، لقوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة ~~يتكففون الناس» . # والثانية: الوصية باطلة، لأن ماله يصير للمسلمين، ولا مجيز منهم. # فصل: # وإن أوصى بجزء من المال، فأجازها الوارث، ثم قال: إنما أجزتها ظنا مني أن ~~المال قليل، قبل قوله مع يمينه، لأنه مجهول في حقه، فلا تصح الإجازة فيه، ~~ويحتمل أن لا يقبل، لأنه رجوع عن قول يلزمه به حق، فلم يقبل، كالرجوع عن ~~الإقرار، وإن وصى بعبد، فأجازه، ثم قال: ظننت المال كثيرا فأجزته لذلك، ~~ففيه أيضا وجهان. وقيل: يصح هنا وجها واحدا، لأن العبد معلوم. # PageV02P266 # فصل: # ويعتبر خروجه من الثلث بعد الموت، لأنه وقت لزوم الوصية واستحقاقها. فلو ~~وصى بثلث ماله، وله ألفان، فصار عند الموت ثلاثة آلاف، لزمت الوصية في ~~الألف. وإن نقصت فصارت ألفا، لزمت الوصية في ثلث الألف. وإن وصى ولا مال ~~له، ثم استفاد مالا، تعلقت الوصية به، وإن كان له مال، ثم تلف بعضه بعد ~~الموت، لم تبطل الوصية. ### | باب من تصح وصيته والوصية له ومن لا تصح # من ثبتت له الخلافة، صحت وصيته بها، لأن أبا بكر أوصى بها لعمر - رضي ~~الله عنهما -، ووصى عمر إلى أهل الشورى، ولم ينكره من الصحابة منكر. ومن ~~تثبت له الولاية على مال ولده، فله أن يوصي إلى من ينظر فيه، لما روى سفيان ~~بن عيينة عن هشام بن عروة قال: أوصى إلى الزبير تسعة من أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، منهم عثمان، والمقداد، وعبد الرحمن بن عوف، وابن ~~مسعود، فكان يحفظ عليهم أموالهم، وينفق على أبنائهم من ماله. # وللولي في النكاح الوصية بتزويج موليته، فتقوم وصيته مقامه، لأنها ولاية ~~شرعية، فملك الوصية لها كولاية المال. # وعنه: ليس له الوصية بذلك، لأنها ولاية لها من يستحقها بالشرع، فلم يملك ~~نقلها بالوصية كالحضانة. وقال ابن حامد: إن كان لها عصبة، لم تصح الوصية ~~بها لذلك، وإن لم تكن، صحت، لعدمه. # فصل: ms0708 # ومن عليه حق تدخله النيابة، كالدين والحج والزكاة ورد الوديعة، صحت ~~الوصية به، لأنه إذا جاز أن يوصي في حق غيره، ففي حق نفسه أولى. ويجوز أن ~~يوصي إلى من يفرق ثلثه في المساكين وأبواب البر، لذلك. # فصل: # ومن صح تصرفه في المال، صحت وصيته، لأنها نوع تصرف، ومن لا تمييز له، ~~كالطفل والمجنون والمبرسم، ومن عاين الموت، لا تصح وصيته، لأنه لا قول له، ~~والوصية قول، وتصح وصية البالغ المبذر، لأنه إنما حجر عليه لحفظ ماله له، ~~وليس في وصيته إضاعة له، لأنه إن عاش، فهو له. وإن مات، لم يحتج إلى غير ~~الثواب، وقد حصله. وتصح وصية الصبي المميز لذلك. ولأن عمر أجاز وصية غلام ~~من غسان. # PageV02P267 # وقال أبو بكر: إذا جاوز العشر، صحت وصيته. رواية واحدة، ومن دون السبع، ~~لا تصح وصيته، ومن بينهما، ففيه روايتان. ويحتمل أن لا تصح وصية الصبي ~~بحال، لأنه لا يصح تصرفه، أشبه الطفل، فأما السكران، فلا تصح وصيته، لأنه ~~لا تمييز له، ويحتمل أن تصح بناء على طلاقه. # فصل: # ولا تصح الوصية بمعصية، كالوصية للكنيسة، وبالسلاح لأهل الحرب، لأن ذلك ~~لا يجوز في الحياة فلا يجوز في الممات، وتصح الوصية للذمي، لما روي أن صفية ~~زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أوصت لأخيها بثلاثمائة ألف، وكان يهوديا، ~~ولأنه يجوز التصدق عليه في الحياة، فجاز بعد الممات. وتصح الوصية للحربي ~~لذلك، ويحتمل أن لا تصح، لأنه لا يصح الوقف عليه. # فصل: # ولا تجوز الوصية لوارث، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«لا وصية لوارث» وهذا حديث صحيح، فإن فعل صحت في ظاهر المذهب، ووقفت على ~~إجازة الورثة، لما روى ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ~~يجوز لوارث وصية، إلا أن يشاء الورثة» فيدل على أنهم إذا شاؤوا كانت وصية ~~جائزة، وقال بعض أصحابنا: الوصية باطلة، لقول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا وصية لوارث» فإن وصى لغير وارث فصار عند الموت وارثا، لم تلزم ms0709 ~~الوصية. وإن وصى لوارث فصار غير وارث لزمت الوصية، لأن اعتبار الوصية ~~بالموت. # فصل: # ولا تصح الوصية لمن لا يملك، كالميت والملك والجني، لأنه تمليك فلم يصح ~~لهم، كالهبة. وإن وصى لحمل امرأة، ثم تيقنا وجوده حالة الوصية، بأن تضعه ~~لأقل من ستة أشهر منذ أوصى لغاية أربع سنين، وليست بفراش، صحت الوصية، لأنه ~~ملك بالإرث فملك بالوصية، كالمولود. وإن وضعته لستة أشهر فصاعدا وهي فراش، ~~لم # PageV02P268 # تصح الوصية، لأنه لا يتيقن وجوده حال الوصية، وإن ألقته ميتا، لم تصح ~~الوصية له، لأنه لا يرث. وإن أوصى لما تحمل هذا المرأة، لم يصح، لأنه تمليك ~~لمن لا يملك، وإن قال: وصيت لأحد هذين الرجلين، لم يصح، لأنه تمليك لغير ~~معين. وإن قال: أعطوا هذا العبد لأحد هذين، صح، لأنه ليس بتمليك، إنما هو ~~وصية بالتمليك فجاز، كما لو قال لوكيله: بع هذا العبد من أحد هذين. # فصل: # وإن وصى لعبد بمعين من ماله، أو بمائة، لم يصح، لأنه يصير ملكا للورثة ~~فيملكون وصيته. وحكي عنه: أن الوصية صحيحة. وإن وصى له بنفسه، صح وعتق، وإن ~~وصى له بمشاع، كثلث ماله، صح وتعينت الوصية فيه، لأنه ثلث المال، أو من ~~ثلثه. وما فضل من الثلث بعد عتقه، فهو له. وإن وصى لمكاتبه، صح، لأنه يملك ~~المال بالعقود، فصحت الوصية له، كالحر. وإن وصى لأم ولده، صح، لأنها حرة ~~عند الاستحقاق، وإن وصى لمدبره، صح، لأنه إما أن يعتق كله أو بعضه، فيملك ~~بجزئه الحر. وإن وصى لعبد غيره، كانت الوصية لمولاه، لأنه اكتساب من العبد ~~فأشبه الصيد، ويعتبر القبول من العبد، فإن قبل السيد، لم يصح، لأن الإيجاب ~~لغيره، فلم يصح قبوله، كالإيجاب في البيع. ### | باب ما تجوز الوصية به # تصح الوصية بكل ما يمكن نقل الملك فيه، من مقسوم، ومشاع، معلوم ومجهول، ~~لأنه تمليك جزء من ماله، فجاز في ذلك، كالبيع. وتجوز بالحمل في البطن، ~~واللبن في الضرع وبعبد من عبيده، وبما لا يقدر على تسليمه، كالطير في ~~الهواء، والآبق، ms0710 لأن الموصى له يخلف الموصي في الموصى به، كخلاف الورثة في ~~باقي المال، والوارث يخلفه في هذه الأشياء كلها، كذلك الموصى له. وإن وصى ~~بمال الكتابة، صح لذلك. وإن وصى برقبة المكاتب، انبنى على جواز بيعه. فإن ~~جاز، جازت الوصية به، وإلا فلا. وإن وصى له بما تحمل جاريته، أو شاته، أو ~~شجرته، صح، لأن المعدوم يجوز أن يملك بالسلم والمساقاة، فجاز أن يملك ~~بالوصية. # فصل: # وتجوز الوصية بالمنافع، لأنها كالأعيان في الملك بالعقد والإرث، فكذلك في ~~الوصية. وتجوز الوصية بالعين دون المنفعة، وبالعين لرجل والمنفعة لآخر، ~~لأنهما كالعينين، فجاز فيهما ما جاز في العينين. وتجوز بمنفعة، مقدرة المدة ~~ومؤبدة، لأن المقدرة كالعين المعلومة، والمؤبدة كالمجهولة فصحت الوصية ~~بالجميع. # PageV02P269 # فصل: # وتجوز الوصية بما يجوز الانتفاع به من النجاسات، كالكلب، والزيت النجس، ~~لأنه يجوز اقتناؤه للانتفاع، فجاز نقل اليد فيه بالوصية. ولا تجوز بما لا ~~يحل الانتفاع به، كالخمر، والخنزير، والكلب الذي يحرم اقتناؤه، لأنه لا يحل ~~الانتفاع به، فلا تقر اليد عليه. # فصل: # ويجوز تعليقها على شرط في الحياة، لأنها تجوز في المجهول، فجاز تعليقها ~~على شرط، كالطلاق. ويجوز تعليقها على شرط بعد الموت، لأن ما بعد الموت في ~~الوصية كحال الحياة. وإن قال: وصيت لك بثلثي، وإن قدم زيد، فهو له، فقدم ~~زيد في حياة الموصي، فهو له. وإن قدم بعد موته فقال القاضي: الوصية للأول، ~~لأنه استحقها بموت الموصي فلم ينتقل عنه. ويحتمل أنها للثاني، لأنه جعلها ~~له بقدومه وقد وجد. # فصل: # وإن كانت الوصية لغير معين، كالفقراء، أو لمن لا يعتبر قبوله، كسبيل ~~الله، لزمت بالموت، لأنه لا يمكن اعتبار القبول، فسقط اعتباره. وإن كان ~~لآدمي معين، لم تلزم إلا بالقبول، لأنها تمليك، فأشبهت الصدقة. ولا يصح ~~القبول إلا بعد الموت، لأن الإيجاب لما بعده، فكان القبول بعده. فإذا قبل ~~ثبت له الملك حينئذ، لأن القبول يتم به السبب، فلم يثبت الملك قبله، ~~كالهبة. ويحتمل أنه موقوف، إن قبل، بنينا أن ملكه من حين الموت، لأن ما ms0711 وجب ~~انتقاله بالقبول وجب انتقاله من جهة الموجب بالإيجاب، كالبيع والهبة، ~~والمذهب الأول. فما حدث من نماء منفصل قبل القبول، فهو للوارث. وإن وصى ~~لرجل بزوجته، فأولدها قبل القبول، فولده رقيق للوارث. وعلى الاحتمال ~~الثاني، يكون النماء للموصى له، وولده حر. # فصل: # وإن رد الوصية في حياة الموصي، لم يصح الرد، لأنه لا حق له في الحياة، ~~فلم يملك إسقاطه، كالشفيع قبل البيع. وإن ردها بعد الموت قبل القبول، صح، ~~لأن الحق ثبت له فملك إسقاطه، كالشفيع بعد البيع، وإن رد بعد القبول، لم ~~يصح الرد، لأنه ملك ملكا تاما فلم يصح رده، كالعفو عن الشفعة بعد الأخذ ~~بها. فإن لم يقبل ولم يرد، فللورثة مطالبته بأحدهما. فإن امتنع، حكمنا عليه ~~بالرد، لأن الملك متردد بينه وبين الورثة، فأشبه من تحجر مواتا وامتنع من ~~إحيائه، أو وقف في مشرعة ماء يمنع غيره، ولا يأخذ. # PageV02P270 # فصل: # فإن مات الموصى له قبل موت الموصي، بطلت الوصية، لأنه مات قبل استحقاقها. ~~فإن مات بعده قبل القبول، فكذلك في قياس المذهب، واختيار ابن حامد، لأنه ~~عقد يفتقر إلى القبول، فبطل بالموت قبل القبول، كالهبة، والبيع. وقال ~~الخرقي: يقوم الوارث مقام الموصى له في القبول والرد، لأنه عقد لازم من أحد ~~طرفيه فلم يبطل بموت من له الخيار، كعقد الرهن. فإن قبل الوارث، ثبت الملك ~~له، فلو وصى لرجل بأبيه، فمات الموصى له قبل القبول، فقبل ابنه، وقلنا بصحة ~~ذلك، فإن الملك ينتقل إلى الموصى له بموت الموصي، ورث الموصى به من أبيه، ~~السدس، لأنا تبينا أنه كان حرا. وإن قلنا: لا ينتقل إلا بالقبول، لم يرث ~~شيئا، لأنه كان رقيقا. ### | باب ما يعتبر من الثلث # ما وصي به من التبرعات، كالهبة والوقف والعتق والمحاباة، اعتبر من الثلث، ~~سواء كانت الوصية في الصحة، أو المرض، لأن لزوم الجميع بعد الموت. # وعنه: أن الوصية في الصحة من رأس المال، والأول أصح. فأما الواجبات، ~~كقضاء الدين والحج والزكاة، فمن رأس المال، لأن حق الورثة بعد أداء الدين، ms0712 ~~لقوله تعالى: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} [النساء: 12] . وقال علي - رضي ~~الله عنه -: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى أن الدين قبل ~~الوصية» رواه الترمذي. والواجب لحق الله بمنزلة الدين. لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «دين الله أحق أن يقضى» فإن وصى بها مطلقا، أو من رأس ~~ماله، فهي من رأس ماله، فإن قال: أخرجوها من ثلثي، أخرجت من الثلث، وتممت ~~من رأس المال. فإن كان معها وصية بتبرع، فقال القاضي: يبدأ بالواجب، فإن ~~فضل عنه من الثلث شيء، فهو للموصى له بالتبرع، فإن لم يفضل شيء، سقط، إلا ~~أن يجيز الورثة. ويحتمل أن يقسم الثلث بين الوصيين بالحصة، فما بقي من ~~الواجب، تمم من الثلثين، فيدخله الدور، ويحتاج إلى العمل بطريق الجبر، ~~فتفرض المسألة فيمن وصى بقضاء دينه، وهو عشرة، ووصى لآخر بعشرة، وتركته ~~ثلاثون، فاجعل تتمة الواجب شيئا، ثم خذ ثلث الباقي وهو عشرة إلا ثلث شيء، ~~قسمها بين الوصيين، فحصل لقضاء الدين خمسة إلا سدس شيء، إذا أضفت إليه ~~الشيء المأخوذ كان عشرة، فاجبر الخمسة من الشيء بسدسه، يبقى خمسة دنانير ~~وخمسة أسداس شيء تعدل العشرة، فالشيء ستة، وحصل لصاحب الوصية الأخرى أربعة. # PageV02P271 # فصل: # فأما عطيته في صحته، فمن رأس ماله، لأنه مطلق في التصرف في ماله، لا حق ~~لأحد فيه. وإن كان في مرض غير مخوف، فكذلك، لأنه في حكم الصحيح. وإن كان ~~مخوفا اتصل به الموت، فعطيته من الثلث، لما روى عمران بن حصين: «أن رجلا ~~أعتق ستة أعبد له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، فدعاهم فجزأهم ثلاثة أجزاء، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين ~~وأرق أربعة، وقال له قولا شديدا» . رواه مسلم. ولأنه في هذه الحال لا يأمن ~~الموت، فجعل كحال الموت. فإن برئ ثم مرض ومات، فهو من رأس المال، لأنه ليس ~~بمرض الموت. وإن وهب ما يعتبر قبضه وهو صحيح، وأقبضه وهو مريض، اعتبر من ~~الثلث، لأنه لم يلزم ms0713 إلا بالقبض الذي وجد بالمرض. # فصل: # والمرض المخوف كالطاعون، والقولنج، والرعاف الدائم، والإسهال المتواتر، ~~والحمى المطبقة، وقيام الدم، والسل في انتهائه، والفالج في ابتدائه، ~~ونحوها. وغير المخوف، كالجرب ووجع الضرس، والصداع اليسير، والإسهال اليسير ~~من غير دم، والسل قبل تناهيه، والفالج إذا طال. فأما الأمراض الممتدة فإن ~~أضني صاحبها على فراشه، فهي مخوفة، وإلا فلا. وقال أبو بكر: فيها وجه آخر ~~أنها مخوفة على كل حال، فإن أشكل شيء من هذه الأمراض، رجع إلى قول عدلين من ~~أهل الطب، لأنهم أهل الخبرة به. # فصل: # وإن ضرب الحامل الطلق، فهو مخوف، لأنه من أسباب التلف، وما قبل ستة أشهر ~~فهي في حكم الصحيح. فإن صار له ستة أشهر، فقال الخرقي: عطيتها من الثلث، ~~لأنه وقت لخروج الولد، وهو من أسباب التلف. وقال غيره: هي كالصحيح، لأنه لا ~~مرض بها. وإن وضعت الولد وبقيت معها المشيمة، أو حصل مرض، أو ضربان، فهو ~~مخوف، وإلا فلا، ومن كان بين الصفين حال التحام الحرب، أو في البحر في ~~هيجانه، أو أسير قوم عادتهم قتل الأسرى، أو قدم للقتل، أو حبس له، أو وقع ~~الطاعون ببلده، فعطيته من الثلث، لأنه يخاف الموت خوف المريض وأكثر، فكان ~~مثله في عطيته. قال أبو بكر: وفيه رواية أخرى: أن عطاياهم من جميع المال، ~~لأنه لا مرض بهم. # فصل: # فأما بيع المريض بثمن المثل، وتزويجه بمهر المثل، فلازم من جميع المال، ~~لأنه # PageV02P272 # ليس بوصية، إنما الوصية التبرع، وليس هذا تبرعا. وإن حابى في ذلك، اعتبرت ~~المحاباة من الثلث، لأنها تبرع، وإن كاتب عبده، اعتبرت من الثلث، لأن ما ~~يأخذه عوضا من كسب عبده، وهو مال له، فصار كالعتق بغير عوض. وإن وهب له من ~~يعتق عليه، فقبله، عتق من المال كله، لأنه لم يخرج من ماله شيئا بغير عوض. ~~وإن مات ورثه، لأنه ليس بوصية. # فصل: # وإن عجز الثلث عن التبرعات، قدمت العطايا على الوصايا، لأنها أسبق، فإن ~~عجز الثلث عن العطايا، بدئ بالأول فالأول، عتقا كان أو غيره، ms0714 لأن السابق ~~استحق الثلث، فلم يسقط بما بعده، وإن وقعت دفعة واحدة، تحاصوا في الثلث، ~~وأدخل النقص على كل واحد بقدر عطيته، لأنهم تساووا في الحق، فقسم بينهم ~~كالميراث. # وعنه: أن العتق يقدم، لأنه آكد، لكونه مبنيا على التغليب والسراية، فإن ~~كان العتق لأكثر من واحد، أقرع بينهم فكمل العتق في بعضهم، لحديث عمران، ~~ولأن القصد تكميل الأحكام في العبد، ولا يحصل إلا بذلك، وإن قال: إن أعتقت ~~سالما، فغانم حر، ثم أعتق سالما، قدم على غانم، لأن عتقه أسبق. وإن قال: إن ~~أعتقت سالما فغانم حر مع حريته، فكذلك، لأننا لو أعتقنا غانما بالقرعة، لرق ~~سالم، ثم بطل عتق غانم، لأنه مشروط بعتق سالم، فيفضي عتقه إلى بطلان عتقه، ~~وإن كانت التبرعات وصايا، سوي بين المتقدم والمتأخر، لأنها توجد عقيب موته ~~دفعة واحدة، فتساوت كلها. # فصل: # وإذا عتق بعض العبد بالقرعة، تبينا أنه كان حرا من حين الإعتاق فيكون ~~كسبه له. وإن عتق بعضه، ملك من كسبه بقدره. فإن أعتق عبدا لا يملك غيره - ~~قيمته مائة - فكسب في حياة سيده مائة، عتق نصفه، وله نصف كسبه، ويحصل ~~للورثة نصفه، ونصف كسبه، وذلك مثلا ما عتق منه، فطريق عملها أن يقول: عتق ~~منه شيء وله من كسبه شيء، وللورثة شيئان، فيقسم العبد وكسبه على أربعة ~~أشياء، فيخرج للشيء خمسون، وهو نصف العبد. ولو كسب مثلي قيمته، لقلت: عتق ~~منه شيء، وله من كسبه شيئان، وللورثة شيئان، فيعتق منه ثلاثة أخماسه، وله ~~ثلاثة أخماس كسبه، وللورثة الخمسان. # فصل: # وإن وهب المريض مريضا عبدا قيمته عشرة لا يملك غيره، ثم وهبه الثاني # PageV02P273 # للأول، ولا يملك غيره، فقد صحت هبة الأول في شيء، وصحت هبة الثاني في ثلث ~~ذلك الشيء، بقي له ثلثا شيء، ولورثة الأول شيئان، أبسط الجميع أثلاثا، تكن ~~ثمانية والشيء ثلاثة، فلورثة الأول ستة هي ثلاث أرباع العبد، ولورثة الثاني ~~ربعه. # فصل: # ولو تزوج المريض امرأة صداق مثلها خمسة، فأصدقها عشرة لا يملك غيرها، ~~فماتت قبله، ثم مات، فقد صح ms0715 لها بالصداق خمسة وشيء، وعاد إلى الزوج نصف ذلك ~~ديناران ونصف، ونصف شيء، فصار لورثته سبعة ونصف، إلا نصف شيء، تعدل شيئين، ~~أجبرها بنصف الشيء، تصر شيئين ونصف، تعدل سبعة ونصفين، ابسطها، تصر خمسة، ~~تعدل خمسة عشر. فالشيء إذا ثلاثة، فلورثة الزوج ستة، ولورثتها، أربعة. # فصل: # وإن باع المريض عبدا لا يملك غيره قيمته ثلاثون، بعشرة، فأسقط الثمن من ~~قيمته، ثم انسب ثلث العبد كله إلى الباقي من ثمنه، يكن نصفه، فيصح البيع في ~~نصفه بنصف ثمنه. ولو اشتراه بخمسة عشر كانت نسبة الثلث إلى باقيه بثلثين، ~~فيصح البيع في ثلثه بثلثي ثمنه. # فصل: # ومن وصى لرجل بثلث ماله، ومنه حاضر وغائب وعين ودين، فللموصى له ثلث ~~العين الحاضرة، وللورثة ثلثاها، وكلما اقتضى من الدين شيء، أو حضر من ~~الغائب شيء، اقتسموه أثلاثا، لأنهم شركاء فيه. وإن وصى بمائة حاضرة وله ~~مائتان غائبة، أو دين، ملك الموصى له ثلث الحاضرة، وله التصرف فيه في ~~الحال، لأن الوصية فيه نافذة، فلا فائدة في وقفه، ووقف ثلثيها، فكلما حضر ~~من الغائب شيء أخذه الوارث، واستحق الموصى له من الحاضرة قدر ثلثه، وإن ~~تلفت الغائبة، فالثلثان للورثة، وكذلك لو دبر عبده ومات وله دين مثلاه، عتق ~~ثلثه، ووقف ثلثاه لما ذكرناه. # فصل: # وإن وصى له بمنفعة عبد سنة، ففي اعتبارها في الثلث وجهان: # أحدهما: تقوم المنفعة سنة، ويقوم العبد مسلوب المنفعة سنة على الوارث. # والثاني: يقوم العبد كامل المنفعة، ويقوم مسلوب المنفعة سنة، فيعتبر ما ~~بينهما. وإن وصى بنفعه حياته. ففيه وجهان: # أحدهما: يقوم العبد بمنفعته،، ثم يقوم مسلوب المنفعة، فما زاد على قيمة ~~الرقبة # PageV02P274 # المنفردة، فهو قيمة المنفعة. # والثاني: يقوم العبد بمنفعته على الموصى له، لأن عبدا لا نفع فيه لا قيمة ~~له. وإن وصى لرجل بنفعه، ولآخر برقبته، اعتبر خروج العبد بمنفعته من الثلث ~~وجها واحدا. وإن وصى له بثمرة شجرة أبدا، ففي التقويم الوجهان لما ذكرناه. ### | باب الموصى له # إذا أوصى لجيرانه، صرف إلى أربعين دارا من كل جانب، لما ms0716 روى أبو هريرة، ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الجار لأربعون دارا، هكذا، وهكذا، ~~وهكذا، وهكذا» . # وإن أوصى للعلماء، فهو للعلماء بالشرع دون غيرهم، لأنه لا يطلق هذا الاسم ~~على غيرهم، ولا يستحق من يسمع الحديث ولا معرفة له به، لأن مجرد سماعه ليس ~~بعلم. # فصل: # وإن أوصى للأيتام، فهو لمن لا أب له غير بالغ، لأن اليتم فقد الأب من ~~الصغر، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يتم بعد احتلام» رواه ~~أبو داود. ويدخل فيه الغني والفقير، لشمول الاسم لهم. والأرامل: النساء غير ~~ذوات الأزواج. لأن الاسم لا يطلق في العرف على غيرهن، وتستحق منه الغنية ~~والفقيرة لذلك، فإن قيل: فقد قال الشاعر: # هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذه الأرامل الذكر؟ # فسمى الذكر أرملا. قلنا: هذا البيت حجة لنا، فإنه لم يدخل الذكور في لفظ ~~الأرامل، إذ لو دخلوا لكان الضمير ضمير الذكور، فإنه متى اجتمع ضمير المذكر ~~والمؤنث غلب ضمير التذكير، وإنما سمى نفسه أرملا، تجوزا، وكذلك وصفه بكونه ~~ذكرا. والعزاب: من لا أزواج لهم من الرجال والنساء، يقال: رجل عزب. وامرأة ~~عزبة، والأيامى مثل العزاب سواء. قال الشاعر: # PageV02P275 # فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي ... وإن كنت أفتى منكم أتأيم # ويحتمل أن يختص العزاب بالرجال، والأيامى بالنساء، لأن الاسم في العرف ~~لهم دون غيرهم، ولأنه لو كان الأيم مشتركا بينهما لاحتيج إلى الفرق بهاء ~~التأنيث، كقائم وقائمة، فلما أطلق على المؤنث بغيرها، دل على اختصاصها به، ~~كطالق وحائض وشبههما. # فصل: # والغلمان والصبيان: الذكور ممن بلغ، لأن الاسم في العرف لهم دون غيرهم. ~~والفتيان والشبان: اسم للبالغين إلى الثلاثين. والكهول: من جاوز ذلك إلى ~~الخمسين. وقيل في قوله تعالى: {ويكلم الناس في المهد وكهلا} [آل عمران: 46] ~~هو ابن ثلاثين. والشيوخ: من جاوز الخمسين إلى آخر العمر. والعانس من الرجال ~~والنساء: من كبر ولم يتزوج، قال قيس بن رفاعة الواقفي: # فينا الذي ما عدا أن طر شاربه ... والعانسون وفينا المرد والشيب # فصل: # ومن وصى لصنف من ms0717 أصناف الزكاة، صرف إلى من يستحق الزكاة من ذلك الصنف، ~~ويعطى من الوصية والوقف حسب ما يعطى من الزكاة، إلا الفقراء والمساكين، ~~فإنه إذا وصى لأحد الصنفين، دخل الآخر في الوصية، لأنهما صنفان في الزكاة، ~~وصنف في سائر الأحكام، لشمول الاسم للقسمين وإن وصى لأقاربه، أو أهل قريته، ~~لم يدخل الكافر في الوصية إذا كان الموصي مسلما، لأنهم لم يدخلوا في وصية ~~الله تعالى للأولاد بالميراث. وإن كان الموصي كافرا. لم يدخل المسلم في ~~وصيته في أحد الوجهين لذلك، ويدخل في الآخر لعموم اللفظ فيه، وكونه أحق ~~بالوصية له من الكافر. # PageV02P276 # فصل: # فإن وصى لحمل امرأة فولدت ذكرا وأنثى، فهما سواء، لأنه عطية فاستوى فيها ~~الذكر والأنثى، كالهبة. وإن قال: إن ولدت ذكرا، فله ألف. وإن ولدت أنثى، ~~فلها مائة، فولدت ذكرا وأنثى، فلكل واحد منهما ما عين له. وإن ولدت خنثى، ~~فله مائة لأنه اليقين، ويوقف الباقي حتى يتبين. وإن ولدت ذكرين وأنثيين، ~~شرك بين الذكرين في الألف، وبين الأنثيين في المائة، لأنه ليس أحدهما أولى ~~من الآخر. ولو قال: إن كان ما في بطنك ذكر، فله ألف، وإن كان أنثى، فله ~~مائة، فولدت ذكرا وأنثى، فلا شيء لواحد منهما. لأنه شرط أن يكون جميع ما في ~~البطن على هذه الصفة ولم توجد. # فصل: # ومتى كانت الوصية لجمع يمكن استيعابهم، لزم استيعابهم والتسوية بينهم، ~~لأن اللفظ يقتضي التسوية، فأشبه ما لو أقر لهم، وإن لم يمكن استيعابهم، صحت ~~الوصية لهم، وجاز الاقتصار على واحد، لأنه لما أوصى لهم عالما بتعذر ~~استيعابهم، علم أنه لم يرد ذلك، إنما أراد أن لا يتجاوزهم بالوصية، ويحصل ~~ذلك بالدفع إلى واحد منهم، ويحتمل أن لا يجزئ الدفع إلى أقل من ثلاثة، بناء ~~على قولنا في الزكاة: ويجوز تفضيل بعضهم على بعض، لأن من جاز حرمانه جاز ~~تفضيل غيره عليه، سواء كانت الوصية لقبيلة، أو أهل بلدة، أو الموصوفين ~~بصفة، كالمساكين. # فصل: # وإن وصى لزيد والمساكين، فلزيد النصف، وللمساكين النصف، لأنه جعلها ~~لجهتين، فوجب ms0718 قسمها نصفين، كما لو وصى لزيد وعمرو، وإن وصى لزيد والفقراء ~~والمساكين، فلزيد الثلث لذلك. وإن وصى لزيد بدينار، وللفقراء بثلاثة وزيد ~~فقير، لم يعط غير الدينار، لأنه قطع الاجتهاد في الدفع إليه بتقدير حقه ~~بدينار. # فصل: # وإن قال له: ضع ثلثي حيث يريك الله، لم يملك أخذه لنفسه، لأنه تمليك ملكه ~~بالإذن، فلم يملك صرفه إلى نفسه، كالبيع، ولا إلى ولده، ولا إلى والده، ~~لأنه بمنزلته، ولهذا منع من قبول شهادته له، ويحتمل جواز ذلك لعموم لفظ ~~الموصي فيهم، وله وضعها حيث أراه الله، والمستحب صرفها إلى فقراء أقارب ~~الميت ممن لا يرثه، لأنهم أولى الناس بوصية الميت وصدقته، ونقل المروذي عن ~~أحمد - رضي الله عنه - فيمن وصى بثلثه في أبواب البر: يجزئ ثلاثة أجزاء في ~~الجهاد، وجزء يتصدق به في قرابته، وجزء في الحج. ويحتمل أن يصرف في أبواب ~~البر كلها، وهي كل ما فيه قربة، لأن # PageV02P277 # لفظه عام ولا نعلم قرينة مخصصة، فوجب إبقاؤه على العموم. # فصل: # إذا وصى بشيء لله ولزيد، فجميعه لزيد، لأن ذكر الله تعالى للتبرك باسمه،، ~~كقوله سبحانه: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] وإن ~~وصى بشيء لزيد ولمن لا يملك، كجبريل والرياح والميت، فالموصى به كله لزيد، ~~ويحتمل أن له نصف الموصى به، لأنه شريك بينه وبين غيره، فلم يكن له أكثر من ~~النصف، كما لو كان شريكه ممن يملك. وإن أوصى لزيد وعمرو، فبان أحدهما ميتا، ~~فليس لأحدهما إلا نصف الوصية، لأنه قاصد للتشريك بينهما، لاعتقاده حياتهما. ### | باب الوصية بالأنصباء # إذا وصى لرجل بسهم من ماله، فحكى الخرقي فيها روايتين: # إحداهما: للموصى له السدس، لأنه يروى عن ابن مسعود، «أن رجلا وصى لرجل ~~بسهم من ماله، فأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - سدس المال» . وقال إياس ~~بن معاوية: السهم في كلام العرب السدس، فإن كان الورثة عصبة، أعطي سدس جميع ~~المال، والباقي للعصبة، وإن كانوا ذوي فرض، أعيلت المسألة بالسدس، فيصير له ~~السبع، وإن أعيلت الفريضة، أعيل سهمه ms0719 أيضا، لأنه ليس بأحسن حالا من الوارث. # والثانية: يعطى سهما مما تصح منه الفريضة مزادا عليه، لأن وصيته من ~~الفريضة، فيكون سهما على سهمانها. قال القاضي: ويشترط أن لا يزيد على ~~الثلث، فإن زاد عليه، رد إلى السدس. واختار الخلال وصاحبه: أن يعطى أقل سهم ~~من سهام الورثة، فيكون ذلك بمنزلة الوصية بنصيب وارث. # فصل: # وإن وصى له بنصيب، أو حظ، أو جزء من ماله، أعطاه الورثة ما شاؤوا، لأن كل ~~شيء يقع عليه اسم ذلك. # فصل: # وإن وصى له بمثل نصيب أحد ورثته، أعطي مثل ما لأقلهم نصيبا، لأنه اليقين، ~~يزاد ذلك على مسألة الورثة. فإن كان له ابن، فله النصف، لأنه سوى بينهما، ~~ولا # PageV02P278 # تحصل التسوية إلا بذلك، وإن كان له ابنان، فللموصى له الثلث. وإن أوصى ~~بنصيب أحدهما، ففيه وجهان: # أحدهما: يصح ويكون ذلك كناية عن مثل نصيبه بتقدير حذف المضاف وإقامة ~~المضاف إليه مقامه. # والثاني: لا يصح، لأن نصيب الابن له، فلا تصح الوصية به، كما لو وصى ~~بماله من غير الميراث. وإن وصى بمثل نصيب ابنه الكافر، أو الرقيق، فالوصية ~~باطلة، لأنه وصى بمثل نصيب من لا نصيب له. # فصل: # وإن وصى له بضعف نصيب ابنه، فله مثل نصيبه مرتين، لأن ضعف الشيء مثلاه. ~~وإن وصى له بضعفي نصيب ابنه، فقال أصحابنا: له ثلاثة أمثاله، وثلاثة ~~أضعافه، وأربعة أمثاله، لأن ضعف الشيء: هو ومثله، وضعفاه: هو مثلاه. وقال ~~ذلك أبو عبيدة. # واختياري: أن ضعفي الشيء مثلاه، بمنزلة ضعفه، لقوله تعالى: {فآتت أكلها ~~ضعفين} [البقرة: 265] أي مثلين، قاله أهل التفسير. وكذلك: {يضاعف لها ~~العذاب ضعفين} [الأحزاب: 30] وقال هشام بن معاوية النحوي: العربي يتكلم ~~بالضعف مثنى، فيقول: إن أعطيتني درهما، فلك ضعفاه، أي: مثلاه، قال: وإفراده ~~لا بأس به، والتثنية أحسن، فعلى هذا ثلاثة أضعافه: ثلاثة أمثاله. # فصل: # وإن وصى لرجل بجزء مقدر من ماله، كثلث أو ربع، أخذته من مخرجه، فدفعته ~~إليه، وقسمت الباقي على مسألة الورثة، إن انقسم، وإلا ضربت مسألة الورثة، ~~أو وفقها في ms0720 مخرج الوصية، فما بلغ، فمنه تصح. فإن كان أكثر من الثلث، فأجاز ~~الورثة، فكذلك، وإن ردوا، أعطيت الموصى له الثلث، وجعلت للورثة الثلثين، ~~وإن وصى بجزأين، مثل أن يوصي لرجل بثلث ماله، ولآخر بنصفه، أخذت مخرج ~~الوصيتين، وضربت إحداهما في الأخرى، تصير ستة، فأعطيت صاحب النصف ثلاثة، ~~وصاحب الثلث سهمين إن أجاز الورثة، وإن ردوا، قسم الثلث بينهما على خمسة، ~~وضربت ذلك في ثلاثة، تكن خمسة عشر، للوصيين خمسة، وللورثة عشرة، لأن ما قسم ~~متفاضلا عند اتساع المال، قسم متفاضلا عند ضيقه، كالمواريث، وإن أجازوا ~~لأحدهما دون الآخر ضربت مسألة الإجازة في مسألة الرد، أو وفقها إن وافقت، ~~وأعطيت المجاز # PageV02P279 # له سهامه من مسألة الإجازة مضروبة في مسألة الرد، أو وفقها، وأعطيت الآخر ~~سهامه من مسألة الرد مضروبة في مسألة الإجازة أو وفقها. ولو وصى لرجل بجميع ~~ماله، ولآخر بثلثه، قسمت المال على أربعة، لصاحب المال ثلاثة، ولصاحب الثلث ~~سهم، لأن السهام في الوصايا كالسهام في الميراث، تعال بالزائد، وإن لم ~~يجيزوا، قسم الثلث على أربعة، فإن أجازوا لصاحب الكل وحده، فلصاحب الثلث ~~ربع الثلث، لأن ذلك كان له في حال الرد عليهما، وفي صاحب المال وجهان: # أحدهما: له الباقي كله، لأنه موصى له به، وإنما امتنع منه في حال الإجازة ~~لهما، لمزاحمة صاحبه له، فإذا زالت المزاحمة في الباقي، كان له. # والثاني: ليس له إلا ثلاثة أرباع المال التي كانت له في حال الإجازة ~~لهما، والباقي للورثة، لأنه من نصيب صاحب الثلث. وإن أجازوا لصاحب الثلث ~~وحده، ففيه وجهان: # أحدهما: له الثلث كاملا. # والثاني: له الربع، ولصاحب المال الربع، والباقي للورثة، وإن كثرت ~~السهام، كرجل أوصى لرجل بالمال، ولآخر بنصفه، ولآخر بثلثه، ولآخر بربعه، ~~ولآخر بسدسه، أخذت مخرجا يجمع الكسور فجعلته المال، وهو هنا اثنا عشر، ثم ~~زدت عليه نصفه وثلثه وربعه وسدسه، فبلغ الجميع سبعة وعشرين، فيقسم المال ~~بينهم إن أجيز لهم، أو الثلث إن رد عليهم. # فصل: # فإن أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بمثل نصيب أحد ورثته، ms0721 وهما اثنان، ففيها ~~وجهان: # أحدهما: أن يعطي الثلث لصاحبه، ويقسم الباقي بين الاثنين، والوصي الآخر ~~على ثلاثة، فتصح المسألة من تسعة، للموصى له بالثلث ثلثه، وللآخر سهمان، ~~ولكل ابن سهمان. وإن ردا قسمت الثلث بين الوصيين على خمسة. والوجه الآخر: ~~أن صاحب النصيب موصى له بثلث المال، لأننا لا نرتب الوصايا بعضها على بعض، ~~فعلى هذا إن أجيز لهما، فللوصين الثلثان، وللابنين الثلث. فإن ردا، فالثلث ~~بينهما على اثنين، والثلثان للابنين. وتصح من ستة. فإن كانت الوصية الأولى ~~بالنصف، ففيه وجه ثالث. وهو: أن تجعل لصاحب النصيب نصيبه من الثلثين وهو ~~ثلثهما، ولصاحب النصف النصف إن أجاز الورثة. وإن ردوا قسمت الثلث بين ~~الوصيين على ثلاثة عشر سهما، والثلثان للابنين. # PageV02P280 # فصل: # وإن وصى لرجل بمثل نصيب أحد ورثته، ولآخر بجزء مما يبقى من المال، كرجل ~~له ثلاثة بنين أوصى بمثل نصيب أحدهم، ولآخر بثلث ما بقي، فعلى الوجه الذي ~~نقول لصاحب النصيب في المسألة التي قبلها ثلث المال، له هاهنا ربع المال، ~~ويكون للآخر ربع أيضا، يبقى سهمان من أربعة لثلاثة بنين، وتصح من اثني عشر ~~سهما، لكل واحد من الوصيين ثلاثة، ولكل ابن سهمان وإن ردوا عليهما، قسمت ~~الثلث بين الوصيين نصفين، والباقي للبنين، وعلى الوجه الآخر لا يزاد صاحب ~~النصيب على ميراث ابن، لأنه قصد التسوية بينه وبينهم. ولك في عملها طرق: # أحدها: أن تضرب مخرج إحدى الوصيتين في الأخرى، وهو هنا ثلاثة في أربعة، ~~تكن اثني عشر، ثم تنقصه سهما يبقى أحد عشر، فمنه تصح، ثم تأخذ مخرج الجزء ~~وهو ثلاثة تنقصها سهما يبقى سهمان وهو النصيب. # الطريق الثاني: أن تجعل المال ثلاثة أسهم ونصيبا، تدفع النصيب إلى صاحبه، ~~وإلى الوصي الآخر ثلث الباقي سهما، يبقى سهمان بين البنين لكل واحد ثلثا ~~سهم، فتعلم أن النصيب ثلثا سهم. فإذا بسطتها أثلاثا كانت أحد عشر. # الطريق الثالث: أن تقول: ثلاثة أسهم بقية مال ذهب ثلثه، فرد عليه نصفه ~~وسهما، صارت خمسة ونصفا، وإذا بسطتها، كانت أحد عشر. # فصل: ms0722 # وإن وصى لرجل بمثل نصيب أحد ورثته، ولآخر بثلث ما بقي من الثلث، فاجعل ~~المال تسعة أسهم وثلاثة أنصباء، ادفع نصيبا إلى صاحبه، وإلى الآخر سهمان، ~~وادفع نصيبين إلى ابنين، يبقى ثمانية أسهم للابن الثالث، فتبين أن النصيب ~~ثمانية أسهم، والمال ثلاثة وثلاثون. # فصل: # وإن كان له مائتا درهم وعبد قيمته مائة، فأوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر ~~بالعبد، فقد أوصى بثلثي ماله، فإن لم يجز الورثة، رددت وصية كل واحد منهما ~~إلى نصفها، فلصاحب العبد نصفه، وللآخر سدس المائتين وسدس العبد، ويحتمل أن ~~يقتسما الثلث على حسب ما يحصل لهما في الإجازة، فيكون بينهما على عشرين، ~~لصاحب العبد تسعة وهي ربع العبد وخمسه، ولصاحب الثلث أحد عشر وهي سدس المال ~~وسدس عشره، وإن أجازوا لهما، فللموصى له بالثلث ثلث المائتين، لأنه لا ~~مزاحم له فيهما، أو يزدحم هو وصاحب العبد فيه، لأنه قد أوصى لأحدهما ~~بجميعه، وللآخر بثلثه، # PageV02P281 # فيقسم بينهما على أربعة، لصاحبه ثلاثة أرباعه، ولصاحب الثلث ربعه، فإن ~~أجازوا لصاحب الثلث وحده، فله ثلث المائتين. وهل يستحق ثلث العبد أو ربعه؟ ~~على وجهين. ولصاحب العبد نصفه. وإن أجازوا لصاحب العبد وحده، فلصاحب الثلث ~~سدس المائتين وسدس العبد، ولصاحب العبد خمسة أسداس في أحد الوجهين، وفي ~~الآخر ثلاثة أرباعه التي كانت له في حال الإجازة لهما، وباقيه للورثة. # فصل: # وإن أوصى بنصف ماله لوارثه وأجنبي، فأجيز لهما، فهو بينهما، وإن رد ~~عليهما، أو على الوارث وحده، فللأجنبي السدس، والباقي للورثة، وإن وصى لكل ~~واحد بثلث ماله، فأجيز لهما، جاز لهما، وإن رد عليهما، فقال القاضي: إن ~~عينوا وصية الوارث بالإبطال، فالثلث كله للأجنبي، وإن أبطلوا الزائد على ~~الثلث من غير تعيين، فالثلث الباقي بين الوصيين. وقال أبو الخطاب: فيها ~~وجهان: # أحدهما: أن الثلث كله للأجنبي. # والثاني: للأجنبي السدس ويبطل الباقي. # فصل: # وإن وصى له بمثل نصيب أحد ورثته إلا جزءا من المال، مثل أن يوصي لرجل ~~بمثل نصيب أحد بينه - وهم ثلاثة - إلا ربع المال، فاجعل لكل ابن ربع المال، ms0723 ~~واقسم الباقي بينهم وبين الموصى له على أربعة لا تنقسم، واضرب عددهم في ~~مخرج الربع تكن ستة عشر، له سهم، ولكل ابن خمسة، وإن قال: إلا سدسا، فضلت ~~كل ابن بسدس، وقسمت الباقي بينهم وبين الوصي على ما ذكرناه. # فصل: # وإن وصى له بنصف نصيب أحدهم إلا ربع ما يبقى بعد النصيب، فرضت المال بقدر ~~مخرج الجزء المستثنى - وهو أربعة - وزدت عليه نصيبا، واستثنيت من النصيب ~~سهما رددته على السهام، صارت خمسة بين البنين، لكل ابن سهم وثلثان، فهو ~~النصيب، فتبين أن المال خمسة وثلثان، إذا بسطتها تكن سبعة عشر، للموصى له ~~سهمان، ولكل ابن خمسة. فإن كان أوصى بمثل نصيب أحدهم إلا ربع الباقي بعد ~~الوصية، فرضت أقل من مخرج الجزء الموصى به، وذلك ثلاثة، وزدت نصيبا، ثم ~~استثنيت من النصيب سهما، وزدته على الثلاثة، صارت أربعة بين البنين، لكل ~~ابن سهم وثلث، فتبين أن النصيب سهم وثلث، إذا بسطتها، صارت ثلاثة عشر سهما، ~~ومنهما تصح. # PageV02P282 ### | باب جامع الوصايا # إذا أوصى بعبد من عبيده، ولا عبيد له، أو بعبده الحبشي ولا حبشي له، أو ~~بعبده سالم وليس ذلك له، فالوصية باطلة، لأنه وصى له بما لا يملك، أشبه إذا ~~وصى له بداره ولا دار له، وعن أحمد في رجل قال: أعطوا فلانا من كيسي مائة، ~~ولم يكن في الكيس مائة: يعطى مائة درهم، فلم تبطل الوصية، فيخرج هاهنا ~~مثله، لأنه لما تعذرت الصفقة، بقي أصل الوصية، فيشترى له عبد. فإن كان له ~~عبيد أعطي واحدا بالقرعة في إحدى الروايتين، لأنهم تساووا بالنسبة إلى ~~استحقاقه، فيصار إلى القرعة، كما لو أعتق واحدا منهم. # والثانية: يعطيه الورثة ما شاؤوا من سليم ومعيب، وصغير وكبير، لأنه ~~يتناوله الاسم، فيرجع إلى رأي الورثة، كما لو وصى له بحظ أو نصيب، ولا عرف ~~في هبة الرقيق، فرجع إلى ما يتناوله الاسم، فإن مات رقيقه قبل موته أو ~~بعده، بطلت الوصية، لفوات ما تعلقت به الوصية به من غير تفريط. وإن بقي ~~منهم واحد، تعينت ms0724 الوصية فيه، لوجوده منفردا. وإن قتلوا قبل موت الموصي، ~~بطلت الوصية، لأنه جاء وقت الوجوب، ولا رقيق له. وإن قتلوا بعد موته، وجبت ~~له قيمة أحدهم، لأنه بدل ما وجب له، وإن لم يكن له عبيد حين الوصية، ~~فاستحدث عبيدا، احتمل صحة الوصية اعتبارا بحالة الموت، واحتمل أن لا تصح، ~~لأن ذلك يقتضي من عبيده الموجودين حال الوصية. # فصل: # وإن وصى بعتق عبد، وله عبيد، احتمل أن يجزئ عتق ما وقع عليه الاسم، لعموم ~~اللفظ، واحتمل أن لا يجزئ إلا عتق رقبة تجزئ في الكفارة، لأن للعتق عرفا ~~شرعيا، فحملت الوصية عليه، وهل يعتق أحدهم بالقرعة، أو يرجع إلى اختيار ~~الورثة؟ على وجهين. وإن عجز الثلث عن عتق رقبة كاملة، عتق منها قدر الثلث، ~~إلا أن يجيز الورثة عتق جميعه. وإن وصى بعتق عبيد، فلم يخرج من الثلث إلا ~~واحد، عتق واحد منهم بالقرعة. وإن وصى أن يشترى بثلثه رقاب يعتقون، فأمكن ~~شراء ثلاث رقاب بثمن رقبتين غاليتين، فعتق الثلاثة أولى، لأنه تخليص ~~لثلاثة، وإن اتسع لرقبتين وبعض أخرى، زيد في ثمن الرقبتين، لأن «النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - سئل عن أفضل الرقاب. قال: أغلاها ثمنا وأنفسها عند ~~أهلها» وإن قال: أعتقوا أحد رقيقي، جاز إعتاق الذكر والأنثى والخنثى، لأنه ~~أحد رقيقه، وإن قال: أعتقوا عبدا من عبيدي، لم يجزئهم عتق الأنثى ولا ~~الخنثى المشكل، لأنه لا يعلم كونه ذكرا، ويجزئ عتق الخنثى المحكوم ~~بذكوريته، لأنه عبد، وإن قال: أعتقوا أمة، لم يجزئهم إلا أنثى. # PageV02P283 # فصل: # وإن قال أعطوه شاة من غنمي، فهو كالوصية بعبد من عبيده، ويتناول الضأن ~~والمعز. وهل يتناول الذكر؟ فيه وجهان: # أحدهما: يتناوله، لأن الاسم يقع عليه لغة. # والثاني: لا يتناوله، لأنه لا يتناوله الاسم عرفا. قال أصحابنا: ويتناول ~~الصغيرة، ويحتمل أن لا يتناولها، لأنها لا تسمى شاة عرفا، فإن لم يكن له ~~إلا ذكران، أو صغار، لم يعط إلا من جنس ماله، لأنه أضافه إليه فاختص به. ~~وإن قال: أعطوه جملا، لم يعط إلا ذكرا، ms0725 والبعير كالجمل، لأنه في العرف مختص ~~به. وقال أصحابنا: البعير كالإنسان، يتناول الذكر والأنثى، وإن قال: أعطوه ~~ناقة، لم يعط إلا أنثى، وإن قال: أعطوه ثورا، فهو الذكر، والبقرة هي ~~الأنثى. وإن وصى له برأس من الإبل، أو البقر، أو الغنم، جاز فيه الذكر ~~والأنثى، لأن ذلك اسم للجنس. # فصل: # وإن وصى له بدابة، أعطي من الخيل، أو البغال، أو الحمير، لأن اسم الدابة ~~يطلق على الجميع، ويتناول الذكر والأنثى. وإن قال: من دوابي، تعينت الوصية ~~فيما عنده، وإن قرن به ما يصرفه إلى أحدها، تعينت الوصية فيه، فإذا قال: ~~أعطوه دابة يقاتل عليها، فهي فرس، وإن قال: ينتفع بنسلها، خرج منها البغال: ~~وإن قال: أعطوه فرسا، تناول الذكر والأنثى، وإن قال: حصانا، فهو الذكر، وإن ~~قال: حجرة، فهي الأنثى، وإن قال: حمارا، فهو ذكر، وإن قال: أتانا، فهي ~~أنثى. # فصل: # وإن وصى بكلب يباح اقتناؤه، صحت الوصية، لأن فيه نفعا مباحا، وتقر اليد ~~عليه، والوصية تبرع، فجازت فيه. وإن كان له كلب، أو لم يكن له إلا كلب ~~هراش، لم تصح الوصية، لأنه لا يمكن شراؤه، وكلب الهراش، لا يباح اقتناؤه، ~~وإن كان له كلاب ينتفع بها، فللموصى له واحد منها، إلا أن تذكر القرينة على ~~واحد منها بعينه، من صيد، أو حفظ غنم، فيدفع إليه ما دلت القرينة عليه، وإن ~~وصى له بثلاثة أكلب لا مال له سواها، ردت الوصية إلى ثلثها، ويعطى واحدا ~~منها بالقرعة في أحد الوجهين، وفي الآخر يعطيه الورثة أيها شاؤوا، وإن لم ~~يكن له إلا كلب واحد، أعطي ثلثه، وإن كان للموصي مال، ففيه وجهان: # أحدهما: يدفع جميع الكلاب إلى الموصى له، وإن قل المال، لأن أقل المال ~~خير من الكلاب الكثيرة، فأمضيت الوصية، كما لو وصى له بشاة، تخرج من ثلثه. # PageV02P284 # والثاني: يدفع إليه ثلث الكلاب، لأنه لا يجوز أن يكون للوصي شيء إلا ~~وللورثة مثلاه، ولا يمكن اعتبار الكلب من ثلث المال، لأنه لا قيمة له ~~فاعتبر بنفسه. # فصل: # وإن وصى ms0726 له بطبل من طبوله، وله طبول حرب، أعطي واحدا منها، فإن لم يكن له ~~إلا طبول لهو، فالوصية باطلة، لأنها وصية بمحرم، وإن كان له طبل لهو وطبل ~~حرب، أعطي طبل الحرب، لأن طبل اللهو لا تصح الوصية به، فهو كالمعدوم. وإن ~~وصى له بعود من عيدانه، وله عيدان للقسي والبناء، أعطي واحدا منها، وإن لم ~~يكن له إلا عيدان لهو، فالوصية باطلة، لأنها وصية بمحرم، وإن كان له عيدان ~~للهو ولغيره، ففيه وجهان: # أحدهما: الوصية باطلة، لأن العود بإطلاقه ينصرف إلى عود اللهو، ولا تصح ~~الوصية به. والآخر: تصح الوصية ويعطى عودا مباحا، لأن الوصية تعينت فيه ~~لتحريم ما سواه، فأشبه ما لو وصى له بطبل، وله طبل لهو، وطبل حرب. # فصل: # وإن وصى له بقوس وأطلق، انصرف إلى قوس الرمي بالسهام، لأنه الذي يفهم من ~~إطلاق القوس، فإن قال: قوس يرمي عليه، أو يغزو به، كان تأكيدا لذلك، وإن ~~قال: يندف به، أو يتعيش به، انصرف إلى قوس الندف. وإن قال: قوسا من قسيي، ~~وليس له إلا قسي ندف أو بندق، أعطي واحدا منها، لأن الوصية تعينت فيه ~~بإضافتها إلى قسيه، واختصاص قسيه بها. قال القاضي: ويعطى القوس بوتره، لأنه ~~لا ينتفع به إلا به، فجرى مجرى جزئه، ويحتمل أن يعطاه بدون الوتر، لأن ~~الاسم يقع عليه بدونه. # فصل: # وإن أوصى له بعبد، ولآخر بباقي الثلث، دفع العبد إلى صاحبه، وتمام الثلث ~~للآخر، فإن لم يبق من الثلث شيء، بطلت الوصية بالباقي، لأنه لا باقي ها ~~هنا، فإن رد صاحب العبد وصيته، فوصية الآخر بحالها، فإن مات العبد بعد موت ~~الموصي فكذلك، ويقوم العبد حال الموت. وإن مات قبل موت الموصي، قومت التركة ~~بدون العبد، لأنه معدوم. # فصل: # فإن وصى لرجل بمائة، ولآخر بتمام الثلث، ولثالث بالثلث، فأجيز لهم، قسم ~~الثلثان بين الأوصياء على ما ذكر الموصي، فإن كان الثلث مائة، سقطت وصية ~~صاحب الباقي، وقسم الثلثان بين الآخرين نصفين، وإن كان الثلث دون المائة، ~~فرد الورثة، قسم ms0727 # PageV02P285 # الثلث بينهما بالحصة. فإذا كان الثلث خمسين قسم أثلاثا، لصاحب المائة ~~ثلثاها، وللآخر ثلثها، وإن كان الثلث أكثر من المائة، فلم يجز الورثة، دفع ~~إلى صاحب الثلث نصفه، وفي باقيه وجهان: # أحدهما: يقدم صاحب المائة بها، فإن فضل عنها شيء دفع إلى صاحب الباقي، ~~وإلا فلا شيء له، لأنه حق في الباقي بعد المائة، فلا يأخذ شيئا قبل ~~استيفائها، كالعصبة، لا تأخذ شيئا قبل تمام الفرض، ويزاحم صاحب المائة ~~لصاحب الباقي، وإن لم يعطه شيئا، كما يعال ولد الأبوين لجد بولد الأب، ولا ~~يعطيه شيئا. # والثاني: أن السدس يقسم بين صاحب المائة وصاحب الباقي على قدر وصيتهما، ~~فإذا كان الثلث مائتين، أخذا مائة، فاقتسماها نصفين، لأنه إنما أوصى له ~~بالمائة من كل الثلث، لا من بعضه، فلم يجز أن يأخذ من نصف الثلث ما يأخذه ~~من جميعه، كالوراث إذا زاحمهم أصحاب الوصايا. وإن بدأ فوصى لرجل بثلث ماله، ~~ثم وصى لآخر بمائة، ولآخر بتمام الثلث، ففيه وجهان: # أحدهما: هي كالتي قبلها سواء، لأنه إذا أوصى بتمام الثلث بعد وصيته ~~بالثلث، علم أنه لم يرد ذلك الثلث الموصى به، وإنما أراد ثلثا ثانيا، فصارت ~~كالتي قبلها. # والثاني: أن الوصية بتمام الثلث باطلة، لأن الثلث قد استوعبته الوصية ~~الأولى، ولا باقي له، فيكون وجود هذه الوصية كعدمها. # فصل: # إذا وصى لرجل بمنفعة جارية، ولآخر برقبتها، صح، ولصاحب المنفعة منافعها ~~وأكسابها، وله إجارتها، لأنه عقد على منفعتها، ولا يملك واحد منهما وطأها، ~~لأن الوطء إنما يكون في ملك تام، وليس لواحد منهما ملك تام، ولا يملك ~~أحدهما تزويجها لذلك، فإن اتفقا عليه جاز، لأن الحق لا يخرج عنهما، والولي ~~مالك الرقبة، لأنه مالكها، والمهر له، لأنه بدل منفعة البضع التي لا يصح ~~بذلها، ولا وصية بها، وإنما هي تابعة للرقبة، فتكون لصاحبها. وقال أصحابنا: ~~هو لمالك منفعتها لأنه بدل منفعة من منافعها، فإن أتت بولد، فحكمه حكمها، ~~لأنه جزء من أجزائها، فيثبت فيه حكمها كولد المكاتبة، وأم الولد. وإن زنت، ~~فالحكم في الولد ms0728 والمهر على ما ذكرنا. وإن وطئت بشبهة، فالمهر على ما ~~ذكرنا، والولد حر تجب قيمته يوم وضعه لمالك الرقبة في أحد الوجهين، وفي ~~الآخر: يشتري بها عبد يقوم مقامه. وإن قتلت وجبت قيمتها، يشترى بها ما يقوم ~~مقامها، وإن قتل ولدها الرقيق، فكذلك، لأن الواجب قائم مقام الأصل، فكان ~~حكمه حكم الأصل. وإن احتاجت إلى نفقة، احتمل أن تجب على # PageV02P286 # مالك المنفعة، لأنه يملك نفعها على التأبيد، فكانت النفقة عليه، كالزوج. ~~واحتمل أن تجب على صاحب الرقبة، لأنه مالك رقبتها، فوجب عليه نفقتها، كما ~~لو كانت زمنة. واحتمل أن تجب في كسبها، لأنه تعذر إيجابها على كل واحد ~~منهما، فلم يبق إلا إيجابها في كسبها، فإن لم يف كسبها، ففي بيت المال، فإن ~~أعتقها صاحب الرقبة، عتقت لأنه مالك لرقبتها، وتبقى منافعها مستحقة لصاحب ~~المنفعة يستوفيها في حال حريتها. وإن باعها، احتمل أن يصح، لأن البيع يقع ~~على رقبتها وهو مالك لها، واحتمل أن لا يصح لأن ما لا نفع له لا يصح بيعه، ~~كالحشرات. واحتمل أن يصح بيعها لمالك منفعتها دون غيره، لأنه يجتمع لها ~~رقبتها ونفعها بخلاف غيره. فإن وطئها أحد الوصيين، فمن حكمنا له بالمهر، لا ~~مهر عليه، ومن لم نحكم له بالمهر، فهو عليه لصاحبه، ولا حد عليه، لأن له ~~شبهة الملك فيها. # فصل: # ومن أوصي له بشيء، فتلف بعضه أو هلك، فله ما بقي إن حمله الثلث. وإن وصى ~~له بثلث ثلاثة دور، فهلك اثنتان، فليس له إلا ثلث الباقية، لأنه لم يوص له ~~منها إلا بثلثها. وإن أوصى له بثلث عبد، فاستحق ثلثاه، فجميع الثلث الباقي ~~للموصى له إذا حمله ثلث المال، لأنه قد أوصى له بجميعه. # فصل: # إذا أوصى بعتق مكاتبه، أو الإبراء مما عليه، اعتبر من الثلث أقل الأمرين، ~~من قيمته مكاتبا، أو مال كتابته، لأن العتق إبراء، والإبراء عتق، فاعتبر ~~أقلهما، وألغي الآخر، فإن احتمله الثلث، عتق وبرئ، وإن احتمل الثلث بعضه ~~كنصفه، عتق نصفه، وبقي نصفه على الكتابة. وإن لم ms0729 يكن للموصي سوى المكاتب، ~~عتق ثلثه في الحال، وبقي ثلثاه على الكتابة، إن عجز رق، وإن أدى عتق، وإن ~~قال: ضعوا عن مكاتبي أكثر ما عليه، وضع عنه النصف، وأدنى زيادة، لأنه ~~الأكثر. وإن قال: ضعوا عنه أكثر نجومه، وضع عنه أكثر من نصفها لذلك. وإن ~~قال: ضعوا عنه أكبر نجومه، وضع عنه أكثرها مالا، وإن قال: ضعوا عنه أوسط ~~نجومه وهي ثلاثة، وضع الثاني. وإن كانت خمسة، وضع الثالث. وإن كانت أربعة، ~~وضع الثاني والثالث. وعلى هذا القياس. فإن كانت أوسط في القدر، وأوسط في ~~المدة وأوسط في العدد، فللوارث وضع أي الثلاثة شاء، لأن الأوسط يقع على ~~الثلاثة. وإن قال: ضعوا عنه ما قل أو كثر، فللوارث وضع ما شاء، لأن الاسم ~~يتناوله. # PageV02P287 # فصل: # وإن وصى لرجل بمال الكتابة، ولآخر برقبته، صح، فإن أدى، عتق وبطلت الوصية ~~بالرقبة، وإن عجز رق وكان لمالك الرقبة. وإن كانت الكتابة فاسدة فأوصى بما ~~في ذمة المكاتب، لم يصح، لأنه لا شيء في ذمته. وإن وصى بما يقتضي منه صحت ~~الوصية، لأنه أضافه إلى حال يملكه، فصح، كما لو وصى برقبة المكاتب إذا عجز، ~~وإن وصى له برقبته، صحت الوصية، لأنه وصى بمملوكه. # فصل: # وإذا قال: حجوا عني بخمسمائة، وهي تخرج من الثلث، وجب صرفها كلها في ~~الحج، وليس للولي أن يصرف إلى من يحج أكثر من نفقة المثل، لأنه أطلق له ~~التصرف في المعاوضة، فاقتضى عوض المثل، كالوكيل في البيع، ويحج عنه من ~~بلده، لأن حج المستنيب من بلده، فكذلك النائب. فإن فضل ما لا يكفي للحج من ~~بلده، أو كان الموصى به لا يكفي للحج من بلده فقال أحمد: يحج عنه من حيث ~~تبلغ النفقة للراكب، من غير مدينته. # وعنه: أنه يعان به في الحج. فإن لم يمكن ذلك، سقطت الوصية لتعذرها، فإن ~~قال الموصي: أحجوا عني حجة بخمسمائة، صرف جميع ذلك إلى من يحج حجة واحدة، ~~لأن الموصي قصد إرفاق الحاج بذلك، فإن عين الحاج تعين. فإن أبى المعين ms0730 ~~الحج، صرف إلى من يحج عنه نفقة المثل، والباقي للورثة. فإن قال المعين: ~~أعطونى الزائد، لم يقبل منه، لأنه إنما أوصى له بالزيادة بشرط أن يحج، فإذا ~~لم يحج لم يستحق شيئا. وإن لم يعين أحدا فللوصي صرفها إلى من شاء، لأنه فوض ~~إليه الاجتهاد فيه. وإن قال الموصي: أحجوا عني حجة، ولم يذكر المقدار، لم ~~يدفع إلى من يحج عنه إلا قدر نفقة المثل، إلا أن لا يوجد من يحج بذلك، ~~فيعطى أقل ما يوجد من يحج به، وكذلك إن قال: أحجوا عني، ولم يذكر قدر ما ~~يحج به ولا قدر الحج، لم يحج أكثر من حجة واحدة بقدر نفقة المثل، لأنه ~~اليقين. # فصل: # وإذا أوصى ببيع عبده، فالوصية باطلة، لأنه لا نفع فيها، وإن قال: بيعوه ~~لفلان، صحت الوصية، لأنه قد يقصد نفع العبد بإيصاله إلى فلان، أو نفع فلان ~~بإيصال العبد إليه، فإن أبى الآخر شراءه، بطلت الوصية. وإن قال: اشتروا عبد ~~زيد بخمسمائة فأعتقوه، فأبى زيد بيعه بخمسمائة، أو بيعه بالكلية، بطلت ~~الوصية. وإن اشتروه بأقل، فالباقي للورثة، لأن المقصود قد حصل، ويحتمل أن ~~تكون الخمسمائة لزيد، لأنه # PageV02P288 # يحتمل أنه قصد محاباته، فأشبه ما لو قال: يحج عني فلان بخمسمائة. وإذا ~~أوصى بفرسه في سبيل الله، وألف درهم ينفق عليه، فمات الفرس، فالألف للورثة، ~~لأن الوصية بطلت فيها، لعدم مصرفها. وإن أنفق بعضها، رد الباقي إلى الورثة. ### | باب الرجوع في الوصية # يجوز الرجوع في الوصية، لأنها عطية لم تزل الملك، فجاز الرجوع فيها، كهبة ~~ما يعتبر قبضه قبل قبضه. ويجوز الرجوع فيها بالقول والتصرف، لأنه فسخ عقد ~~قبل تمامه، فجاز بالقول والتصرف، كفسخ البيع في الخيار. فإن قال: رجعت ~~فيها، أو: فسختها، فهو رجوع، لأنه صريح فيه، وإن قال: هو حرام عليه، كان ~~رجوعا، لأنه لا يكون حراما وهو وصية. وإن قال: لوارثي، فهو رجوع، لأن ذلك ~~ينافي كونه وصية. # فصل: # وإن قال: هو تركتي، لم يكن رجوعا، لأن الموصى به من تركته، وإن أوصى به ms0731 ~~لآخر، لم يكن رجوعا، لاحتمال أن يكون ناسيا، أو قاصدا للتشريك بينهما. وإن ~~قال: ما وصيت به لفلان، فهو لفلان، كان رجوعا، لأنه صرح برده إلى الآخر. # فصل: # وإن باعه، أو وهبه، أو وصى ببيعه، أو هبته، أو عتقه، أو كاتبه، صار ~~رجوعا، لأنه صرفه عن الموصى له، وإن دبره كان رجوعا، لأنه أقوى من الوصية، ~~لكون عتقه ينجز بالموت، وإن عرضه للبيع، أو رهنه، كان رجوعا، لأنه عرضه ~~لزوال ملكه، وفي الكتابة والتدبير والرهن وجه آخر، أنه ليس برجوع، لأنه لم ~~يخرجه عن ملكه. # فصل: # وإن أوصى بثلث ماله ثم باع ماله، لم يكن رجوعا، لأن الوصية بثلث ماله عند ~~الموت، لا بثلث الموجود. وإن زوجه أو أجره أو علمه صناعة، لم يكن رجوعا، ~~لأنه لا ينافي الوصية به، وإن وطئ الجارية، لم يكن رجوعا، لأنه استيفاء ~~منفعة أشبه الاستخدام. وإن غسل الثوب ولبسه، أو جصص الدار، أو سكنها، لم ~~يكن رجوعا، لأنه لا يزيل الاسم، ولا يدل على الرجوع. وإن جحد الوصية، لم ~~يكن رجوعا، لأنه عقد فلم يبطل بالجحود كسائر العقود، ويحتمل أن يكون رجوعا، ~~لأنه يدل على إرادة الرجوع. # فصل: # وإن وصى بطعام معين فخلطه بغيره، كان رجوعا، لأنه جعله على صفة لا يمكن # PageV02P289 # تسليمه. وقال أبو الخطاب: ليس برجوع. وإن وصى بقفيز من صبرة، ثم خلط ~~الصبرة بأخرى، لم يكن رجوعا، لأنه كان مشاعا، ولم يزل، فهو باق على صفته. # فصل: # وإن وصى بحنطة فزرعها وطحنها، أو بدقيق فخبزه، أو بخبز فثرده، أو جعله ~~فتيتا، أو بشاة فذبحها، أو بثوب فقطعه قميصا، أو بخشب ثم نجره بابا، أو ~~بقطن فغزله، أو بغزل فنسجه، كان رجوعا، لأنه أزال اسمه وهيأه للانتفاع به. ~~وقال أبو الخطاب: ليس برجوع، لأنه لا يمنع التسليم أشبه غسل الثوب. وإن ~~أوصى له بقطن، ثم حشا به فراشا، أو مسامير، ثم سمر بها بابا، أو بحجر وبناه ~~في حائط، كان رجوعا، لأنه شغله بملكه على وجه الاستدامة. وإن أوصى له بعنب ~~فجعله ms0732 زبيبا، ففيه وجهان: # أحدهما: يكون رجوعا، لأنه أزال اسمه. # والثاني: ليس برجوع، لأنه أبقى له وأحفظ على الموصى له. وإن وصى بدار ثم ~~هدمها، كان رجوعا في أحد الوجهين. وفي الآخر: لا يكون رجوعا، بناء على ما ~~إذا طحن الحنطة، وإن انهدمت بنفسها فكذلك إذا زال رسمها، وإن لم يزل اسمها، ~~فالوصية ثابتة فيما بقي، وفيما انفصل وجهان. # فصل: # وإن وصى بأرض ثم زرعها، لم يكن رجوعا، لأنه لا يراد للبقاء، وقد يحصد قبل ~~الموت. فإن غرسها أو بناها، ففيه وجهان: # أحدهما: يكون رجوعا، لأنه جعلها لمنفعة مؤبدة. # والثاني: لا يكون رجوعا، لأنه استيفاء منفعة أشبه الزراعة. وإن أوصى له ~~بسكنى داره سنة، ثم أجرها فمات قبل انقضاء الإجارة، ففيه وجهان: # أحدهما: يسكن سنة بعد انقضاء مدة الإجارة، لأنه موصى له بسنة. # والثاني: تبطل الوصية بقدر ما بقي من مدة الإجارة، وتبقى في الباقي. ### | باب الأوصياء # لا تصح الوصية إلا إلى عاقل، فأما المجنون والطفل، فلا تصح الوصية ~~إليهما، لأنهما ليسا من أهل التصرف في مالهما، فلا يجوز توليتهما على ~~غيرهما، ولا تصح الوصية إلى فاسق، لأنه غير مأمون. # PageV02P290 # وعنه: تصح ويضم إليه أمين ينحفظ به المال. قال القاضي: هذه الرواية ~~محمولة على من طرأ فسقه بعد الوصية، لأنه يثبت في الاستدامة ما لا يثبت في ~~الابتداء. واختار القاضي: أنه إذا طرأ الفسق أزال الولاية. لأن هذه أمانة، ~~والفاسق ليس من أهلها. وقال الخرقي: إذا كان خائنا، ضم إليه أمين، لأنه ~~أمكن الجمع بين حفظ المال بالأمين، وتحصيل نظر الوصي بإبقائه في الوصية، ~~ولا تصح وصية مسلم إلى كافر، لأنه ليس من أهل الولاية على مسلم. وفي وصية ~~الكافر، إلى الكافر وجهان: # أحدهما: يجوز، لأنه يجوز أن يكون وليا له، فجاز أن يكون وصيا له، ~~كالمسلم. # والثاني: لا يجوز، لأنه أسوأ حالا من الفاسق، وتصح وصيته إلى المسلم، لأن ~~المسلم مقبول الشهادة عليه وعلى غيره. # فصل: # وتصح وصية الرجل إلى المرأة، لأن عمر أوصى إلى حفصة، ولأنها من أهل ~~الشهادة، ms0733 فأشبهت الرجل، وإلى الأعمى، لأنه من أهل الشهادة والتصرفات، فأشبه ~~البصير، وإلى الضعيف لذلك، إلا أنه يضم إليه أمين يعينه، وتصح وصية الرجل ~~إلى أم ولده. نص عليه. لأنها حرة عند نفوذ الوصية. وقال ابن حامد: تصح ~~الوصية إلى العبد، سواء كان له أو لغيره، لأنه يصح توكيله، فأشبه الحر، ~~والمكاتب والمدبر والمعلق عتقه بصفة، كالقن، لأنهم عبيد. وفي الوصية إلى ~~الصبي العاقل وجهان: # أحدهما: تصح، لأنه يصح توكيله، فأشبه الرجل. # والثاني: لا يصح، لأنه ليس من أهل الشهادة، فلا يكون وليا، كالفاسق. # فصل: # وتعتبر هذه الشروط حال العقد في أحد الوجهين، لأنها شروط لعقد، فاعتبرت ~~حال وجوده، كسائر العقود. # والثاني: تعتبر حال الموت، لأنه حال ثبوت الوصية ولزومها، فاعتبرت الشروط ~~فيها، كالوصية له، ولأن شروط الشهادة تعتبر عند أدائها، لا عند تحملها، ~~فكذلك ها هنا. ولو كانت الشروط موجودة عند الوصية، ثم عدمت عند الموت، بطلت ~~الوصية إليه، لأنه يخرج بذلك كونه من أهل الولاية. # فصل: # ويجوز أن يوصي إلى نفسين، لما روي أن ابن مسعود كتب في وصيته: إن مرجع ~~وصيتي إلى الله، ثم إلى الزبير وابنه عبد الله، ولأنها استنابة في التصرف، ~~فجازت إلى # PageV02P291 # اثنين، كالوكالة، ويجوز أن يجعل التصرف إليهما جميعا، وإلى كل واحد منهما ~~منفردا، لأنه تصرف مستفاد بالإذن، فجاز ذلك فيه، كالتوكيل، فإن جعل إلى كل ~~واحد منهما، فلكل واحد أن ينفرد بالتصرف والحفظ. فإن ضعف أو فسق أو مات، ~~فالآخر على تصرفه، ولا يقام غير الميت مقامه، لأن الموصي رضي بنظر هذا ~~الباقي. وإن جعل التصرف إليهما جميعا، أو أطلق الوصية إليهما، لم يجز ~~لأحدهما الانفراد بالتصرف، لأنه لم يرض بنظره وحده. وإن فسق أحدهما، أو جن، ~~أو مات، أقام الحاكم مكانه أمينا، لأن الموصي له لم يرض بنظر أحدهما وحده، ~~وليس للحاكم أن يفوض الجميع إلى الباقي؛ لذلك. وإن ماتا معا، فهل للحاكم ~~تفويض ذلك إلى واحد؟ فيها وجهان: # أحدهما: يجوز، لأن حكم وصيتهما سقط بموتهما، فكان الأمر إلى الحاكم، كمن ~~لم ms0734 يكن له وصي. # والثاني: لا يجوز، لأن الموصي لم يرض بنظر واحد. وإن اختلف الوصيان في ~~حفظ المال، جعل في مكان واحد تحت نظريهما، لأن الموصي لم يرض بأحدهما، فلم ~~يجز له الانفراد به، كالتصرف. وإن أوصى إلى رجل، وبعده إلى آخر، فهما ~~وصيان، إلا أن يقول: قد خرجت الأول، أو ما يدل على ذلك، لما ذكرنا في ~~الوصية له. # فصل: # ويجوز أن يوصي إلى رجل، فإن مات فإلى آخر، لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال في جيش مؤتة: «أميركم زيد، فإن قتل فأميركم جعفر، فإن قتل، ~~فأميركم عبد الله بن رواحة» رواه أحمد والنسائي. # والوصية في معنى التأمير. ولو قال: أنت وصيي، فإذا كبر ابني، فهو وصيي، ~~صح، لأنه إذن في التصرف، فجاز مؤقتا، كالتوكيل. ومن أوصي إليه في مدة، لم ~~يكن وصيا في غيرها، لذلك. فإذا أوصى إلى رجل وجعل له أن يوصي إلى من شاء، ~~جاز. وله أن يوصي إلى من شاء من أهل الوصية، لأنه رضي باجتهاده وولاية من ~~ولاه. وإن نهاه عن الإيصاء، لم يكن له أن يوصي، كما لو نهى الوكيل عن ~~التوكيل. وإن أطلق، ففيه روايتان: # إحداهما: له أن يوصي، لأنه قائم مقام الأب فملك ذلك كالأب. # والثانية: ليس له ذلك. اختاره أبو بكر وهو ظاهر كلام الخرقي، لأنه يتصرف ~~بالتولية، فلم يكن له التفويض من غير إذن فيه، كالتوكيل. # PageV02P292 # فصل: # وللوصي التوكيل فيما لم تجر العادة أن يتولاه بنفسه، وهل له التوكيل فيما ~~يتولاه بنفسه؟ على روايتين. # فصل: # ولا يتم إلا بالقبول، لأنه وصية فلا يتم إلا بالقبول، كالوصية له. ويجوز ~~قبولها وردها في حياة الموصي، لأنه إذن في التصرف، فجاز قبوله عقيب الإذن، ~~كالوكالة. ويجوز تأخير قبولها إلى ما بعد الموت، لأنه نوع وصية، فصح قبولها ~~بعد الموت، كالوصية له. ### | فصل في عزل الوصي # فصل: # وللموصي عزل الوصي متى شاء، وللوصي عزل نفسه متى شاء في حياة الموصي، ~~وبعد موته، لأنه إذن في التصرف، فملك كل واحد منهما فسخه كالوكالة. ms0735 وذكر ~~ابن أبي موسى رواية أخرى: ليس للوصي عزل نفسه بعد موت الموصي، لأنه غره ~~بقبول وصيته، فعزل نفسه إضرار به، والضرر مدفوع شرعا. # فصل: # وإذا بلغ الصبي واختلف هو والوصي في النفقة، فالقول قول الوصي، لأنه أمين ~~ويتعذر عليه إقامة البينة عليها، فإذا قال: أنفقت عليك كل سنة مائة، فقال ~~الصبي: بل خمسين، فالقول قول المنفق، إذا كان ما ادعاه قدر النفقة ~~بالمعروف، وإن كان أكثر، ضمن الزيادة لتفريطه بها. وإن قال: أنفقت عليك منذ ~~سنتين، فقال الصبي: ما مات أبي إلا من سنة، فالقول قول الصبي، لأنه لم يثبت ~~كون الوصي أمينا في السنة المختلف فيها، والأصل عدم ذلك. وإن اختلفا في دفع ~~المال إليه بعد بلوغه، فالقول قول الوصي، لأنه أمين في ذلك، فقبل قوله فيه، ~~كالنفقة، وكالمودع. # فصل: # إذا ملك المريض من يعتق عليه. فحكى الحبرمي عن أحمد أنه يعتق ويرث، لأنه ~~إن ملكهم بغير عوض، فلم يضع في عتقهم شيء من ماله، فلم يحتسب وصية لهم، كما ~~لو ورثهم، وإن ملكهم بعوض فلم يصل إليهم، وإنما أتلفه المريض على ورثته، ~~فهو كما لو بنى به مسجدا. وقال القاضي فيما ملكه بعوض: إن خرج من الثلث عتق ~~وورث، وإلا عتق منه بقدر الثلث، وما ملكه بغير عوض عتق بكل حال. # PageV02P293 ### | كتاب الفرائض # وهو علم المواريث. وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بتعلمها، وحث ~~عليها على الخصوص. فروى أبو هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«تعلموا الفرائض وعلموه الناس فإنه نصف العلم وهو ينسى، وهو أول شيء ينزع ~~من أمتي» رواه ابن ماجة. فإذا مات المرء، بدئ بكفنه. وتجهيزه مقدم على سواه ~~كما يقدم المفلس بنفقته على غرمائه. ثم يقضى دينه، لقول الله تعالى: {من ~~بعد وصية يوصي بها أو دين} [النساء: 11] . قال علي: «إن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قضى أن الدين قبل الوصية» . رواه الترمذي وابن ماجة. ولأن ~~الدين تستغرقه حاجته، فقدم، كمؤنة تجهيزه. ثم تنفذ وصيته، للآية، ولأن ~~الثلث بقي على ms0736 حكم ملكه ليصرف في حاجته، فقدم على الميراث كالدين، ثم ما ~~بقي قسم على الورثة للآيات الثلاث في سورة النساء. ### | فصل في أسباب التوارث # فصل: # وأسباب التوارث ثلاثة: رحم، ونكاح، وولاء، لأن الشرع ورد بالتوارث بها، ~~فأما المؤاخاة في الدين، والمولاة في النصرة، وإسلام الرجل على يد الآخر، ~~فلا يورث بها، لأن هذا كان في بدء الإسلام ثم نسخ، لقوله تعالى: {وأولو ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} [الأنفال: 75] . # PageV02P294 # فصل: # والمجمع على توريثهم من الذكور عشرة: الابن، وابنه وإن نزل، والأب، وأبوه ~~وإن علا، والأخ من كل جهة، وابن الأخ إلا من الأم، والعم، وابنه كذلك، ~~والزوج، ومولى النعمة. ومن النساء سبع: الأم، والجدة، والبنت، وبنت الابن، ~~والأخت والزوجة، ومولاة النعمة. والمختلف في توريثهم أحد عشر صنفا: ولد ~~البنات، وولد الأخوات، وبنات الإخوة، وبنو الإخوة من الأم، والعمات، والعم ~~من الأم، والأخوال، والخالات، وأبو الأم، وكل جدة أدلت بأب بين أمين، أو ~~بأب أعلى من الجد، فهؤلاء ومن أدلى بهم يسمون ذوي الأرحام، ويرثون عند عدم ~~المجمع على توريثهم، على ما سنذكره إن شاء الله في بابه. # فصل: # وينقسم الوراث إلى ذوي فرض، وعصبة، وذوي رحم، فالرجال من المجمع عليهم، ~~كلهم عصبة إلا الزوج، والأخ من الأم، والأب، والجد مع الابن، والنساء ~~المنفردات عن إخوتهن، ذوات فرض، إلا مولاة النعمة، والأخوات من البنات، ~~والفرض جزء مقدر، والعصبة يرث المال كله إذا انفرد، فإن كان معه ذو فرض، ~~بدئ به، والباقي للعصبة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألحقوا ~~الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر» متفق عليه. # وإن استغرقت الفروض المال، سقط. فلو خلفت المرأة زوجا، وأما، وإخوة لأم، ~~وإخوة لأبوين أو لأب، كان للزوج النصف، وللأم السدس، وللإخوة للأم الثلث، ~~وسقط الباقون، لأن الله فرض هذه الفروض لأهلها، فوجب دفعها إليهم، وجعل ~~للعصبة الباقي، ولم يبق شيء. وهذه المسألة تسمى: المشركة إذا كان الإخوة ~~لأبوين، لأن عمر شرك بين ولد الأم وولد الأبوين في الثلث، وتسمى: الحمارية، ~~لأن ms0737 بعض الصحابة قال: هب أباهم كان حمارا فما زادهم ذلك إلا قربا. ويقال: ~~إن بعض ولد الأبوين قال ذلك لعمر وقد أسقطهم، فشرك بينهم. ومذهب علي - رضي ~~الله عنه - على ما قلناه. ### | باب أصحاب الفروض # باب ذوي الفروض وهم عشرة: الزوجان، والأبوان، والجد، والجدة، والبنت، ~~وبنت الابن، والأخت من كل جهة، والأخ من الأم. فأما الزوج، فله النصف إذا ~~لم يكن للميتة ولد ولا ولد ابن، والربع إذا كان معه أحدهما، وللزوجة ~~والزوجات الربع مع عدم الولد وولد الابن، والثمن مع أحدهما، لقوله تعالى: ~~{ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع ~~مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن # PageV02P295 # الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما ~~تركتم} [النساء: 12] وولد الابن، ولد، بدليل قوله تعالى: {يا بني آدم} ~~[الأعراف: 26] و {يا بني إسرائيل} [البقرة: 40] والأربع من النساء ~~كالواحدة، لعموم اللفظ فيهن. # فصل: # فأما الأم، فلها ثلاثة فروض: الثلث إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن، أو ~~اثنان من الإخوة والأخوات، لقوله تعالى: {ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ~~ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له ~~إخوة فلأمه السدس} [النساء: 11] وقسنا الأخوين على الإخوة، لأن كل فرض تعين ~~بعدد. كان الاثنان فيه بمنزلة الجماعة، كفرض البنات والأخوات. # الفرض الثالث: لها ثلث الباقي بعد فرض الزوجين، في زوج وأبوين، وامرأة ~~وأبوين، لأن عمر قضى بهذه القضية، فاتبعه عثمان وابن مسعود، وزيد، وتسمى ~~هاتان المسألتان: العمريتان، لقضاء عمر فيهما، ولأن الفريضة جمعت الأبوين ~~مع ذي فرض واحد، فكان للأم ثلث الباقي، كما لو كان معها بنت. # فصل: # وللأم حال رابع، وهو: إذا لاعنها زوجها ونفى ولدها وتم اللعان بينهما، ~~انتفى عنه، وانقطع تعصيبه منه، ولم يرثه هو ولا أحد من عصباته، وترث أمه ~~وذوو الفروض منه فروضهم، والباقي لعصبته، وفيه روايتان: # إحداهما: أن عصبته ms0738 عصبة أمه، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما ~~أبقت الفروض فلأولى رجل ذكر» وأولى الرجال به، أقارب أمه. وعن علي أنه لما ~~رجم المرأة، دعا أولياءها فقال: هذا ابنكم ترثونه ولا يرثكم. حكاه أحمد. # والرواية الثانية: أن أمه عصبته، وإن لم تكن فعصبتها عصبته، لما روى ~~واثلة بن الأسقع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تحوز المرأة ~~ثلاثة مواريث، عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنت عليه» قال الترمذي: هذا ~~حديث حسن، ولأنها قامت مقام أبيه في انتسابه إليها، فقامت مقامه في حيازة ~~ميراثه، فعلى هذه الرواية، لو مات ابن ابن الملاعنة، # PageV02P296 # وخلف أمه وجدته الملاعنة، لكان لأمه الثلث والباقي لجدته. ويعايا بها، ~~فيقال: جدة ورثت مع أم أكثر منها. وإن خلف ابن الملاعنة أمه وأخاه وخاله، ~~فلأمه الثلث، ولأخيه السدس، وباقيه له، لأنه عصبة أمه في إحدى الروايتين، ~~والأخرى: الباقي للأم. وإن لم يكن أخ، فالباقي للخال على إحدى الروايتين. # فصل: # وللأب ثلاثة أحوال. # حال: يرث فيها بالفرض المجرد، وهي مع الابن أو ابنه يرث السدس، لقوله ~~تعالى: {ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد} [النساء: 11] ~~. # وحال: يرث فيها بالتعصيب المجرد، وهي مع عدم الولد، لقوله تعالى: {فإن لم ~~يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث} [النساء: 11] . أضاف الميراث إليهما، ~~ثم خص الأم منه بالثلث، دل على أن باقيه للأب. # والحال الثالث: يجتمع له الأمران، السدس بالفرض، للآية. والباقي ~~بالتعصيب، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما أبقت الفروض فلأولى رجل ~~ذكر» وهي مع إناث الولد. # فصل: # وللجد أحوال الأب الثلاثة، وإن اجتمع مع الأم أحد الزوجين، فللأم الثلث ~~كاملا. وله حال رابع، وهي مع الإخوة من الأبوين، أو من الأب، فإنه لم ~~يسقطهم، لأنهم يدلون بالأب فلم يسقطهم، كأم الأب، ولكنه يقاسمهم، كأخ، ما ~~لم تنقصه المقاسمة من الثلث، فإن نقصته منه، بأن زاد الإخوة على اثنين، أو ~~الأخوات على أربعة، فله الثلث، والباقي لهم. فإن كان معهم ذو فرض، أخذ ~~فرضه، ms0739 وجعل للجد الأحظ من ثلاثة أشياء، المقاسمة، كأخ، أو ثلث الباقي، لأن ~~الفرض كالمستحق، فصار الباقي كجميع المال، أو سدس جميع المال، لأن ولد ~~الصلب لا يمنعونه السدس، فولد الأب أولى، ولا يفرض للأخوات مع الجد، لأننا ~~جعلناه كالأخ فيعصب الأخت، كالأخ. ولا تعول مسائله إلا في مسألة واحدة، ~~تسمى: الأكدرية، لتكديرها أصول زيد، حيث أعال مسائل الجد. وفرض للأخت معه، ~~وهي زوج وأم وأخت وجد، فللزوج النصف، وللأم الثلث، وللجد السدس. ثم يفرض ~~للأخت النصف، لأنه لم يبق لها شيء، ولا مسقط لها ها هنا، ثم يجمع سدس الجد ~~ونصف الأخت، فيقسم بينهما على ثلاثة، لئلا تفضل الأخت الجد، فتضرب الثلاثة ~~في مسألة وعولها، وهي تسعة، # PageV02P297 # صارت من سبعة وعشرين، للأم ستة، وللزوج تسعة، وللجد ثمانية، وللأخت ~~أربعة. ولو كانت أم وأخت وجد، فللأم الثلث، والباقي بين الجد والأخت على ~~ثلاثة أسهم، وتسمى: الخرقاء، لكثرة اختلاف الصحابة فيها. ولو كان مكان ~~الأخت أخ، كان المال بينهم أثلاثا. # فصل في المعادة: ولد الأب إذا انفردوا يقومون مقام ولد الأبوين في مقاسمة ~~الجد، فإن اجتمعوا، فإن ولد الأبوين يعادون الجد بولد الأب، لأن من حجب ~~بولد الأبوين وولد الأب إذا انفردوا، حجب بهما إذا اجتمعا، كالأم، وما حصل ~~لولد الأب، أخذه منهم ولد الأبوين، لأنهم أولى بالإرث منهم، ولا شيء لولد ~~الأب إلا أن يكون ولد الأبوين أختا واحدة، فيردون عليها قدر فرضها، والباقي ~~لهم. ولا يتفق هذا في مسألة فيها فرض إلا أن يكون الفرض السدس. فإن اجتمع ~~أخوان في الجهتين، وجد، اقتسموا أثلاثا، ثم أخذ الأخ للأبوين ما حصل لأخيه، ~~فإن كان مكان الأخوين أختان، اقتسموا أرباعا، ثم أخذت الأخت للأبوين ما حصل ~~لأختها، لتستكمل النصف. فإن كان مع التي من قبل الأب، أخوها، اقتسموا ~~أسداسا، ثم أخذت منهما تمام فرضها، يبقى لهما السدس على ثلاثة، وتصح في ~~ثمانية عشر. فإن كان معهم أم، فلها السدس، وتفعل فيما بقي كما فعلت في أصل ~~المال، فتصح في مائة وثمانية. وإن ms0740 شئت فرضت للجد ثلث الباقي بعد السدس، ولا ~~ثلث له، فتضرب ثلاثة في ستة، تكن ثمانية عشر، للأم ثلاثة، وللجد خمسة، ~~وللأخت النصف تسعة، يبقى سهم بين الأخ وأخته على ثلاثة تضربها في ثمانية ~~عشر، تكن أربعة وخمسين، وتسمى: مختصرة زيد، لاختصارها من مائة وثمانين إلى ~~أربعة وخمسين. ولو كانت: أم، وجد، وأخت لأبوين، وأخوان، وأخت لأب، لصحت في ~~تسعين وتسمى: تسعينية زيد، لصحتها من تسعين على مذهبه. # فصل: # وللجدة السدس - وإن كثرن، لم يزدن على السدس شيئا - فرضا، لما روى قبيصة ~~بن ذؤيب قال: «جاءت الجدة إلى أبي بكر تطلب ميراثها، فقال: ما لك من كتاب ~~الله شيء، وما أعلم لك من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا، ولكن ~~ارجعي حتى أسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، أعطاها السدس، فقال: هل معك غيرك؟ فشهد له محمد بن مسلمة، ~~فأمضاه لها أبو بكر، فلما كان عمر جاءت الجدة الأخرى، فقال عمر: ما لك في ~~كتاب الله شيء، وما كان القضاء الذي قضى به إلا في غيرك، وما أنا بزائد في ~~الفرائض شيئا، ولكن هو ذاك السدس فإن اجتمعتما، فهو لكما، وأيكما خلت به، ~~فهو لها.» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. # PageV02P298 # ولا يرث من الجدات أكثر من ثلاث: أم الأم، وأم الأب، وأم الجد، ومن كان ~~من أمهاتهن وإن علت درجتهن، فلهن السدس إذا تحاذين في الدرجة، لما روى سعيد ~~بإسناده، عن إبراهيم «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ورث ثلاث جدات، ~~ثنتين من قبل الأب، وواحدة من قبل الأم.» قال إبراهيم: كانوا يورثون من ~~الجدات ثلاثا، وهذا يدل على أنه لا يرث أكثر من ثلاث، وأجمع أهل العلم على ~~أن أم أبي الأم لا ترث، وكذلك كل جدة أدلت بأب بين أمين، لأنها تدلي بغير ~~وارث. قال الشعبي: إنما طرحت أم أبي الأم، لأن أبا الأم لا يرث، ولا ترث ~~جدة تدلي بأب أعلى من الجد، لأنها خارجة عن الثلاث ms0741 اللاتي ورثهن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، ويحتمل كلام الخرقي توريثها، لأنها تدلي بوارث. وإن ~~كان بعض الجدات أقرب من بعض، فالميراث لأقربهن، لأن الجدات أمهات يرثن ~~ميراث الأم، وكذلك سقطن بها. فإذا اقترب بعضهن، أسقطت البعدى، كما لو كانت ~~القربى من جهة الأم. # وعنه: أن القربى من جهة الأم تسقط البعدى من جهة الأب، والقربى من جهة ~~الأب لا تسقط البعدى من جهة الأم، لأنها تدلي بمن لا يسقطها، وهو الأب، ~~فأولى أن لا تكون هي مسقطة لها. وترث الجدة وابنها حي، سواء كان أبا أو ~~جدا، لما روى سعيد بن منصور بإسناده عن ابن مسعود: أن أول جدة أطعمت السدس ~~أم أب مع ابنها. ورواه الترمذي، ولفظه قال: «أول جدة أطعمها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - السدس الجدة مع ابنها، وابنها حي.» # وعنه: لا ترث، لأنها تدلي به، فلا ترث معه، كالجد. والجدات المتحاذيات: ~~أم أم أم، وأم أم أب، وأم أبي أب، السدس بينهن أثلاثا. فإن أدلت جدة ~~بقرابتين، وأخرى بقرابة واحدة، فلذات القرابتين ثلثا السدس في قياس قول ~~أحمد، وللأخرى ثلثه، لأنها شخص ذو قرابتين تورث كل واحدة منهما منفردة، ~~فإذا اجتمعا، ولم يرجح بهما ورث بهما، كابن العم إذا كان أخا لأم، أو زوجا. # فصل: # فأما البنات، فلهن الثلثان وإن كثرن، وللواحدة إذا انفردت النصف، لقوله ~~تعالى: {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها ~~النصف} [النساء: 11] . وحكم البنتين حكم ما زاد عليهما، لما روى جابر بن ~~عبد الله قال: «جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل ~~أبوهما # PageV02P299 # معك يوم أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما ولم يدع لهما مالا، ولا ينكحان ~~إلا ولهما مال. قال: يقضي الله في ذلك. فنزلت آية الميراث، فبعث رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعيد الثلثين وأعط أمهما ~~الثمن، فما بقي فهو ms0742 لك» رواه أبو داود. # فصل: # وبنات الابن كبنات الصلب سواء. إن لم يكن للميت ولد من صلبه، للواحدة ~~النصف، وللثنتين فصاعدا الثلثان، لأنهن بنات، لأن كل موضع سمى الله فيه ~~الولد دخل فيه ولد الابن. وإن كان من ولد الصلب بنت واحدة، فلها النصف، ~~ولبنات الابن - واحدة كانت أو أكثر - السدس تكملة الثلثين، لأن الله تعالى ~~لم يفرض للبنات إلا الثلثين، وهؤلاء بنات، وقد سبقت بنت الصلب فأخذت النصف، ~~لأنها أعلى درجة منهن، فكان الباقي لهن السدس، ولهذا يسميه الفقهاء تكملة ~~الثلثين. وقد روى الهزيل قال: «سئل أبو موسى عن بنت، وبنت ابن، وأخت، فقال: ~~للبنت النصف، وللأخت النصف، وائت ابن مسعود. فسئل ابن مسعود - وأخبر بقول ~~أبي موسى - فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين. أقضي فيها ما قضى رسول ~~الله: للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت. ~~فأتينا أبا موسى، فأخبرناه بقول ابن مسعود. فقال: لا تسألوني ما دام هذا ~~الحبر فيكم» ، رواه أحمد والبخاري. # فصل: # وللأخت للأبوين النصف، وللبنتين فصاعدا الثلثان، لقوله تعالى: {إن امرؤ ~~هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن ~~كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك} [النساء: 176] . # وحكم الأخوات من الأب إذا انفردن حكم الأخوات من الأبوين سواء، لدخولهن ~~في لفظ الآية. # وإن اجتمع الأخوات من الجهتين، فحكم ولد الأب مع ولد الأبوين، حكم بنات ~~الابن مع بنات الصلب سواء، لأنهن في معناهن. # وإن اجتمع الأخوات مع البنات، صار الأخوات عصبة، لهن ما فضل، وليس لهن ~~معهن فريضة مسماة، لقوله تعالى: {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ~~ما ترك} [النساء: 176] فشرط في فرضها عدم الولد، فاقتضى ألا يفرض لها مع ~~وجوده، ولما ذكرنا من حديث الهزيل. # PageV02P300 # فصل: # فأما ولد الأم، فلواحدهم السدس، ذكرا كان أو أنثى، وللاثنين السدسان. فإن ~~كثروا، فهم شركاء في الثلث، لقوله تعالى: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ~~وله أخ أو ms0743 أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في ~~الثلث} [النساء: 12] يعني ولد الأم بإجماع أهل العلم. وفي قراءة عبد الله ~~وسعد: وله أخ أو أخت من أم. ### | باب من يسقط من ذوي الفروض # تسقط بنات الابن، بالابن. ويسقطن باستكمال البنات الثلثين، إلا أن يكون ~~معهن أو أنزل منهن ذكر، فيعصبهن فيما بقي، للذكر مثل حظ الأنثيين. وابن ابن ~~الابن يعصب من في درجته، ومن أعلى منه من عماته، وبنات عم أبيه إذا لم يكن ~~لهن فرض، ولا يعصب من أنزل منه. وإذا كان أربع بنات ابن، بعضهن أنزل من ~~بعض. سقطت الثالثة والرابعة، لاستكمال من فرقهما الثلثين. فإن كان مع ~~الرابعة أخوها، أو ابن عمها، فللأولى النصف، وللثانية السدس، والباقي ~~للثالثة والرابعة وأختها وأخيها، بينهم على أربعة، وتصح في اثني عشر. وتسقط ~~الجدات من كل جهة بالأم، لأنهن يرثن من جهتها، لكونهن أمهات، فيسقطن بها ~~كما يسقط الجد بالأب. # فصل: # ويسقط ولد الأبوين بثلاثة: بالابن، وابن الابن، والأب، لأن الله تعالى ~~شرط في توريثهم عدم الولد، بقوله سبحانه: {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت ~~فلها نصف ما ترك} [النساء: 176] فلم يجعل لهما مسمى مع الولد، وإنما أخذت ~~الفاضل عن البنات. والابن لا يفضل عنه شيء فسقطن به، وكذلك ابنه، لأنه ابن. ~~ويسقطون بالأب، لأنهم يدلون به، وكل من أدلى بشخص سقط به، إلا ولد الأم، ~~والجدة من جهة الأب. ويسقط ولد الأب بهؤلاء الثلاثة، لذلك، وبالأخ مع ~~الأبوين، لما روي «عن علي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قضى بالدين ~~قبل الوصية، وأن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات، الرجل يرث أخاه ~~لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه» ، أخرجه الترمذي. # وتسقط الأخوات من الأب، باستكمال الأخوات للأبوين الثلثين، إلا أن يكون ~~معهن أخ لهن، فيعصبهن في الباقي، للذكر مثل حظ الأنثيين، كبنات الابن مع ~~البنات. # PageV02P301 # فصل: # ويسقط ولد الأم بأربعة: الولد، ذكرا كان أو أنثى، وولد الابن، والأب، ~~والجد، لأن الله تعالى ms0744 شرط في توريثهم كون الموروث كلالة، بقوله تعالى: ~~{وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس} ~~[النساء: 12] والكلالة: من لا ولد له ولا والد في قول بعض أهل العلم، وفي ~~قول بعضهم: هو اسم لمن عدا الولد والوالد من الوارث، فيدل على أنهم لا ~~يرثون مع ولد ولا والد. # فصل: # ومن لم يرث لمعنى فيه، وهو الرقيق، والقاتل، والمخالف في الدين، لم يحجب ~~غيره، لأنه ليس بوارث، فلم يحجب، كالأجنبي. ### | باب أصول سهام الفرائض # الفروض المذكورة في كتاب الله تعالى: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، ~~والثلث، والسدس، وهي تخرج من سبعة أصول: أربعة لا تعول، وثلاثة تعول، لأن ~~كل فرض انفرد، فأصله من مخرجه. وإن اجتمع معه فرض من جنسه، فأصلهما من مخرج ~~أقلهما، لأنه مخرج الكبير داخل في مخرج الصغير. وإن اجتمع معه فرض من غير ~~جنسه، ضربت مخرج أحدهما في مخرج الآخر إن لم يتوافقا، فما ارتفع فهو أصل ~~لهما، أو وفق أحدهما في جميع الآخر إن توافقا، فلذلك صارت الأصول سبعة، ~~النصف وحده من اثنين. والثلث أو الثلثان من ثلاثة. والربع وحده، أو مع ~~النصف من أربعة. والثمن وحده، أو مع النصف من ثمانية. وهذه الأربعة التي لا ~~تعول، لأن العول فرع ازدحام الفروض، ولا يوجد ذلك هنا. وإن اجتمع مع الفرض ~~من غير جنسه، كالنصف يجتمع مع أحد الثلاثة، السدس أو الثلث والثلثان، ~~فأصلهما من ستة، لأنك إذا ضربت مخرج النصف في مخرج الثلث، صار ستة، ويدخل ~~العول هذا الأصل، لازدحام الفروض فيه. وإن اجتمع مع الربع أحد الثلاثة، ~~فأصلها من اثني عشر، لأنك إذا ضربت مخرج الربع في مخرج الثلث، أو وفق مخرج ~~السدس، كانت اثنتي عشرة. وإن اجتمع مع الثمن سدس أو ثلثان، فأصلها من أربعة ~~وعشرين، لما ذكرنا. وتعول هذه الأصول الثلاثة. ومعنى العول: نقص الفروض ~~لازدحامها وضيق المال عنها، وقسمته بينهم على قدر فروضهم. وطريق العمل ~~فيها، أن تأخذ لكل ذي فرض فرضه من أصل مسألته، ms0745 ثم تجمع السهام كلها، فتقسم ~~المال عليها، فيدخل النقص على كل ذي فرض بقدر فرضه، # PageV02P302 # كما تصنع مع الوصايا الزائدة على الثلث وفي قسمة مال المفلس على ديونه. ~~وهذا قول عامة الصحابة، إلا ابن عباس - رضي الله عنهما -. # فصل: # وأصل الستة يتصور عوله إلى عشرة، ولا تعول إلى أكثر منها، ومثال العول: ~~زوج وأخت لأبوين وأخت لأب، أصلها ستة، للزوج النصف، ثلاثة، وللأخت للأبوين ~~ثلاثة، وللأخت للأب، السدس، سهم. عالت إلى سبعة. فإن كان مكان الأخت للأب، ~~أم، فلها الثلث، وعالت إلى ثمانية وتسمى: مسألة المباهلة، لأنها أول مسألة ~~عائلة حدثت في زمن عمر، فجمع الصحابة للمشورة فيها، فقال العباس: أرى أن ~~يقسم المال بينهم على قدر سهامهم، فأخذ به عمر، واتبعه الناس علي ذلك، حتى ~~خالفهم ابن عباس. فقال: من شاء باهلته، إن المسائل لا تعول. إن الذي أحصى ~~رمل عالج عددا، أعدل من أن يجعل في مال نصفا، ونصفا، وثلثا، هذان نصفان ~~ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث؟ زوج وأم وثلاث أخوات متفرقات، عالت إلى ~~تسعة، وتسمى: مسألة الغراء. فإن كانت الأخوات ستا، عالت إلى عشرة، وسميت: ~~أم الفروخ، لكثرة عولها، لأنها عالت بثلثيها، فشبهوا أصلها بالأم، والعول ~~بالفروخ. # فصل: # وأصل اثني عشر، تعول على الأفراد إلى ثلاثة عشر، وخمسة عشر، وسبعة عشر، ~~لا تعول إلى أكثر من ذلك، فتقول في زوج وأم وابنتين: أصلها اثنا عشر، وتعول ~~إلى ثلاثة عشر، فإن كان معهم الأب، عالت إلى خمسة عشر، ثلاث زوجات، وجدتان، ~~وأربع أخوات لأم، وثمان لأب، عالت إلى سبعة عشر، ولكل واحدة سهم. وتسمى: أم ~~الأرامل. وأصل أربعة وعشرين، تعول إلى سبعة وعشرين، ولا تعول إلى أكثر ~~منها، وتسمى النحيلة، لقلة عولها، وسميت: المنبرية، لأن عليا سئل عنها على ~~المنبر فقال: صار ثمنها تسعا، ومضى في خطبته، يعني: أن كان للزوجة الثمن، ~~ثلاثة من أربعة وعشرين، فصار لها ثلاثة من سبعة وعشرين، وهي تسع. ### | باب تصحيح المسائل # إذا لم تنقسم سهام فريق من الورثة عليهم قسمة صحيحة، ضربت ms0746 عددهم في أصل ~~المسألة وعولها، إن عالت، فما بلغ، فمنه تصح، إلا أن يوافق عددهم سهامهم، ~~بجزء من الأجزاء، فيجزئك ضرب وفق عددهم في أصل المسألة وعولها، فإذا أردت ~~القسمة، فكل من له شيء من أصل المسألة مضروب في العدد الذي ضربته في ~~المسألة وهو جزء السهم، فما بلغ، فهو له إن كان واحدا، وإن كانوا جماعة، ~~قسمته عليهم، # PageV02P303 # وإن كان الكسر على فريقين، أو أكثر متماثلة، كثلاثة وثلاثة، أجزأك ضرب ~~أحدهما في المسألة، وإن كانت متناسبة. وهو: أن ينتسب القليل إلى الكثير ~~بجزء من أجزائه، كثلاثة أو أربعة، مثل ثلاثة وتسعة، أجزأك ضرب أكثرها في ~~المسألة، وإن كانت متباينة، كثلاثة وأربعة وخمسة، ضربت بعضها في بعض فما ~~بلغ، ضربته في المسألة. وإن كانت متوافقة بجزء من الأجزاء كنصف وثلث، وافقت ~~بين عددين منها، وضربت وفق أحدهما في الآخر وافقت بينه وبين الثلث، وضربت ~~وفق أحدهما في الآخر، فما بلغ، فهو جزء السهم، يضرب في المسألة. وطريق ~~القسمة على ما ذكرنا متقدما. ### | باب الرد في الميراث # باب الرد وإذا لم تستغرق الفروض المال، وفضلت منه فضلة، ولم يكن عصبة، ~~فالفاضل من ذوي الفروض مردود عليهم على قدر سهامهم، لقوله تعالى: {وأولو ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض} [الأنفال: 75] ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «من ترك مالا فلورثته» رواه أحمد، وأبو داود. إلا على الزوج والزوجة، ~~لأنهما ليسا من أولي الأرحام، فلم يدخلوا في قوله تعالى: {وأولو الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض} [الأنفال: 75] وهذا يروى عن عمر وعلي وابن مسعود وابن ~~عباس - رضي الله عنهم -. # وعن أحمد: أنه لا يرد على ولد الأم مع الأم، ولا على الجدة مع ذي سهم، ~~لأنه قول ابن مسعود، والأول المذهب، لعموم الأدلة، ولأنه قول عمر وعلي وابن ~~عباس. # وطريق العمل في الرد أن تأخذ سهام أهل الرد من أصل مسألتهم، وكلها تخرج ~~من ستة، إذ ليس في الفروض ما يخرج عن الستة، إلا الربع والثمن، وليسا لغير ~~الزوجين، وليسا من أهل الرد، فيجعل عدد سهامهم أصل ms0747 مسألتهم، فيقسم المال ~~عليها، وينحصر ذلك في أربعة أصول، فإذا كان معك سدسان، كجدة، وأخ لأم، ~~فأصلهما من اثنين، وإن كان ثلث وسدس، كأم وأخ من أم، فأصلها من ثلاثة، وإن ~~كان نصف وسدس، كابنة وابنة ابن، فأصلها من أربعة، وإن كان نصف وثلث، كأم ~~وأخت، أو ثلثان وسدس، كأختين وأم، أو نصف وسدسان، كثلاث أخوات متفرقات، فهي ~~في خمسة، ولا تزيد أبدا على هذا، لأنها لو زادت سهما لكمل المال، فإن انكسر ~~سهم فريق عليهم، ضربت عددهم في عدد سهامهم، لأنه أصل مسألتهم، فتقول في ~~ثلاث جدات وأخت: هي من أربعة، للجدات سهم على ثلاثة، تضربها في أربعة، تكن ~~اثني عشر، ومنها تصح. # PageV02P304 # فصل: # فإن اجتمع مع أهل الرد أحد الزوجين، أعطيته فرضه من أصل مسألته، ثم ضربت ~~مسألته في مسألة أهل الرد، فما بلغ، انتقلت إليه المسألة، ثم تصحح بعد ذلك، ~~فتقول في زوجة وبنت، وبنت ابن، وجدة: للزوجة الثمن من ثمانية، ومسألة أهل ~~الرد في خمسة، تضربها في ثمانية، تكن أربعين، للزوجة الثمن خمسة، يبقى خمسة ~~وثلاثون بين أهل الرد على خمسة، فإن انكسر على بعضهم، ضربته في أربعين، فما ~~بلغ فمنه تصح. ### | باب ميراث العصبة من القرابة # وهم كل ذكر ليس بينه وبين الميت أنثى، وهم الأب والابن، ومن أدلى بهما من ~~الذكور، فأحقهم بالميراث أقربهم، ويسقط به من بعد، لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «ما أبقت الفروض فلأولى رجل ذكر» وأحقهم الابن وابنه وإن نزل، ~~لأن الله تعالى بدأ بهم بقوله: {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11] ~~والعرب تبدأ بالأهم فالأهم. ثم الأب، لأن سائر العصبات يدلون به، ثم الجد ~~أبو الأب، وإن علا، لأنه أب ثم بنو الأب وهم الإخوة، ثم بنوهم، وإن نزلوا، ~~ثم بنو الجد، وهم الأعمام، ثم بنوهم، وإن نزلوا، ثم بنو جد الأب، وهم أعمام ~~الأب، ثم بنوهم وإن نزلوا. وعلى هذا لا يرث بنو أب أعلى من بني أب أقرب ~~منه، وإن نزلت درجتهم. وأولى ولد كل أب أقربهم ms0748 إليه. فإن استوت درجتهم، ~~فأولاهم من كان لأب وأم، لحديث علي. وليس من فريضة يرث فيها العصبة عول ولا ~~رد، لأن العصبة يأخذ المال كله إذا انفرد، ولقوله تعالى في الأخ: {وهو ~~يرثها إن لم يكن لها ولد} [النساء: 176] أضاف الميراث جميعه إليه، وإن كان ~~معه ذو فرض، أخذ الباقي، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأخي سعد بن ~~الربيع: «أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك» وقوله ~~- عليه السلام -: «فما أبقت الفروض فلأولى رجل ذكر» وإن استغرقت الفروض ~~المال، سقط، لأن حقه في الباقي، ولا باقي هنا. # فصل: # وأربعة من الذكور يعصبون أخواتهم، فيمنعونهن الفرض، ويقتسمون ما ورثوا، ~~للذكر مثل حظ الأنثيين، وهم الابن، وابنه، والأخ من الأبوين، أو من الأب، ~~لقوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] ~~وقوله: {وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 176] ~~ومن عدا هؤلاء من العصبة ينفرد # PageV02P305 # الذكور بالميراث، دون الإناث، كبني الإخوة والأعمام وبنيهم، لأن أخواتهم ~~من أولي الأرحام. # فصل: # وإن اجتمع في شخص واحد سببان يقتضيان الإرث، كزوج هو ابن عم، أو ابن عم ~~هو أخ من أم، ورث بهما جميعا، فإن كان ابنا عم، أحدهما أخ لأم، فللأخ للأم ~~السدس، والباقي بينهما نصفان، وإن كانوا ثلاثة، كبني عم، أحدهم زوج، والآخر ~~أخ لأم، فللزوج النصف، وللأخ السدس، والباقي بينهم أثلاثا، لأن قرابة الأم ~~يرث بها منفردة، فلم يرجع بها، كالزوجية. ### | باب المناسخات في الميراث # باب المناسخات إذا لم تنقسم تركة الميت الأول حتى مات بعض وراثه، فصحح ~~مسألة الأول، ثم صحح مسألة الثاني، وأقسم سهام الثاني من المسألة الأولى ~~على مسألته، فإن انقسمت صحت المسألتان مما صحت منه الأولى، وإن لم تنقسم ~~وافقت بين مسألتها وبين مسألته، وأخذت وفق مسألته، فضربته في المسألة ~~الأولى، فإن لم يتوافقا، ضربت مسألته كلها بالمسألة الأولى، فما بلغ، فمنه ~~تصح المسألتان. فإذا أردت القسمة، فكل من له شيء من المسألة الأولى مضروب ~~في الثانية، ms0749 أو في وفقها، وكل من له شيء من الثانية، مضروب في السهام التي ~~مات عنها الثاني أو في وفقها، فإن مات ثالث، صححت مسألته، وقسمت عليها ~~سهامه من المسألتين. فإن انقسم، صحت، وإلا ضربت مسألته أو وفقها فيما صحت ~~منه الأوليان، وتعمل على ما ذكرنا. # فصل: # فإن خلف الميت تركة معلومة، فانسب سهام كل وارث من المسألة، وأعطه مثل ~~تلك النسبة من التركة، فإن عز عليك ذلك، فاقسم التركة على المسألة، فما خرج ~~بالقسم، فاضربه في سهام كل وارث، فما كان، فهو نصيبه، فإذا خلفت المرأة ~~زوجا وأما وأختا، وأربعين دينارا، فللأم ربع المسألة، فلها ربع التركة ~~عشرة، وللزوج ربع وثمن، فله خمسة عشر، وللأخت مثل ذلك. وإن قسمت الأربعين ~~على المسألة، فلكل سهم خمسة،، فإذا ضربت سهام كل وارث في خمسة، خرج مثل ما ~~ذكرنا. ### | باب ميراث الغرقى ومن عمي موتهم # وإن مات متوارثان فلم يعلم أيهما مات قبل صاحبه، ورث كل واحد منهما من # PageV02P306 # صاحبه من تلاد ماله، دون ما ورثه من الميت معه، لأن ذلك يروى عن عمر وعلي ~~وإياس بن عبد المزني، فتقول في أخوين غرقا، وخلف كل واحد منهما زوجته ~~ومولاه: يقدر أن الأكبر مات أولا، فلزوجته الربع، والباقي لأخيه الأصغر. ثم ~~مات الأصغر عن ثلاثة أسهم، فلزوجته الربع وباقيه لمولاه، فتضرب أربعة في ~~أربعة، تكن ستة عشر، لزوجة الأكبر أربعة، ولزوجة الأصغر ثلاثة، يبقى تسعة ~~لمولى الأصغر. ثم قدر أن الأصغر مات أولا، فلزوجته الربع، وباقيه لأخيه ~~الأكبر، ثم تعمل فيها عملك في الأولى، فترث زوجة كل واحد منهما ربع مال ~~زوجها، وثمنا ونصف ثمن من مال أخيه، ويرث مولى كل واحد منهما نصف مال أخي ~~عتيقه، ونصف ثمنه، ولا يرث من مال عتيقه شيئا، وقد روي عن أحمد فيما إذا ~~ماتت امرأة وابنها، وخلفت زوجا وأخا، فقال زوجها: ماتت فورثناها، ثم مات ~~ابني فورثته، وقال أخوها: مات ابنها فورثته، ثم ماتت فورثناها، أن يحلف كل ~~واحد منهما على إبطال دعوى صاحبه، ويكون ميراث ms0750 الابن لأبيه، وميراث المرأة ~~لأخيها وزوجها نصفين، وذكرها الخرقي في مختصره. وهذا يدل على أنه لا يرث ~~أحدهما صاحبه، بل يقسم ميراث كل واحد منهما على الأحياء من ورثته، دون من ~~مات معه، لأن ذلك يروى عن أبي بكر الصديق وزيد ومعاذ وابن عباس والحسن بن ~~علي، - رضوان الله عليهم -، ولأنه لا يعلم أن أحدهما حي حين مات صاحبه، فلم ~~يرثه، كالحمل إذا سقط ميتا. ولو علم خروج روحيهما معا، لم يرث أحدهما ~~صاحبه، لأنه من شرط توريثه، كونه حيا حين موت الآخر. ### | باب ميراث ذوي الأرحام # وقد ذكرناهم. ويرثون إذا لم يكن عصبة، ولا ذو فرض من أهل الرد، لقوله ~~تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} [الأنفال: 75] وقد ~~روي عن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الخال وارث من لا ~~وارث له» قال الترمذي: هذا حديث حسن. # وروى أبو عبيد بإسناده «أن ثابت بن الدحداح مات، ولم يخلف له إلا ابنة أخ ~~له، فقضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بميراثه لابنة أخيه» ، وقسنا سائرهم ~~على هذين. # فصل: # وطريق توريثهم بالتنزيل، أن تنزل كل واحد منهم منزلة من يدلي به من ~~الوارث، فتجعل بنت البنت بمنزلة البنت، وبنت بنت الابن بمنزلتها، وبنات ~~الإخوة بمنزلة آبائهن، # PageV02P307 # وبنو الأخوات وبناتهن بمنزلة أمهاتهن، والخال والخالة وأبو الأم بمنزلة ~~الأم، والعمات والعم من الأم بمنزلة الأب، وعن أحمد رواية أخرى أنه: تنزل ~~العمة منزلة العم، لأنه روي عن علي - رضي الله عنه -، والأول أولى، لما روى ~~الإمام أحمد بإسناده عن الزهري: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«العمة بمنزلة الأب إذا لم يكن بينهما أب، والخالة بمنزلة الأم إذا لم يكن ~~بينهما أم» ولأن الأب أقوى جهاتها، فنزلت منزلته، كما أن بنت الأخ تدلي ~~بأبيها لا بأخيها، وبنت العم تدلي بأبيها لا بأخيها. وإذا انفرد ذو رحم، ~~ورث المال كله. وإن اجتمع منهم جماعة، فأدلوا بشخص واحد وكانوا في درجة ~~واحدة، فالمال بينهم على حسب مواريثهم ms0751 منه. فإن أسقط بعضهم بعضا، كأبي الأم ~~والأخوال، أسقطت الأخوال بأبي الأم، لأن الأب يسقط الإخوة، وإن كان بعضهم ~~أقرب من بعض، سقط البعيد منهم، كما يسقط بعيد العصبات بقريبهم، وإن لم يسقط ~~بعضهم بعضا، قسمت المال بينهم على حسب مواريثهم منه. فتقول في ثلاث عمات ~~متفرقات: المال بينهن على خمسة، لأنهن أخوات الأب، فكان ميراثهن كميراث ~~ثلاث أخوات للميت متفرقات. وإن كان ثلاث خالات متفرقات، فكذلك، لأنهن أخوات ~~لأم. فإن اجتمع ثلاث خالات متفرقات، وثلاث عمات متفرقات، فكذلك، لأنهن ~~أخوات لأم. فإن اجتمع ثلاث خالات متفرقات، وثلاث عمات متفرقات، نزلت العمات ~~أبا، والخالات أما، فجعلت الثلث للخالات على خمسة، والباقي للعمات على ~~خمسة، فتجتزئ بإحدى الخمسين، وتضربها في ثلاثة، تكن خمسة عشر، للخالة التي ~~من قبل الأبوين ثلاثة أسهم، وللخالة من الأب سهم، وللخالة من الأم سهم، ~~وللعمة من الأبوين ستة، وللعمة من الأب سهمان، وللعمة من الأم سهمان. وإن ~~كان ثلاثة أخوال متفرقين، فللخال من الأم السدس، والباقي للخال من الأبوين، ~~كثلاثة إخوة متفرقين. وإن كان أبوهم واحدا وأمهم واحدة، فالذكر والأنثى ~~سواء، لأنهم يرثون بالرحم المجرد، فاستوى ذكرهم وأنثاهم، كولد الأم. # وعنه: أنهم يقتسمون للذكر مثل حظ الأنثيين، لأنهم فرع على ذوي الفروض ~~والعصابات، فثبت فيهم حكمهم. وقال الخرقي: يفضل الخال على الخالة دون سائر ~~ذوي الأرحام. وإن أدلى جماعة بجماعة، فقسم المال بين المدلى بهم على ما ~~توجبه الفريضة، فما صار لكل وارث فهو لمن أدلى به، فإن سبق بعضهم إلى ~~الوارث، فهو أحق بالمال، ويسقط به البعيد، إن كانا من جهة واحدة. وإن كانا ~~من جهتين نزلت البعيد حتى يلحق بوارثه، سواء سقط به القريب، أو لم يسقط، ~~فتقول في بنت بنت بنت، وبنت أخ، لأم: المال، لبنت بنت البنت، والجهات أربع: ~~الأبوة، والبنوة، والأخوة، والأمومة، وإن اجتمعت بنت أخ وعمة، فالمال ~~للعمة، لأنها بمنزلة أب، وهو يسقط الأخ، ومن نزلها عما، أسقطها ببنت الأخ، ~~لأن الأخ يسقط العم. وإن اجتمع، # PageV02P308 # بنت أخت وابن، وبنت ms0752 أخت أخرى، فللواحدة حق أمها النصف، وللأخرى وأخيها حق ~~أمهما النصف، وإن أدلى ذو رحم بقرابتين، ورث بهما، فتقول في بنت ابن أخ ~~لأم، هي بنت بنت أخت لأب، وبنت بنت أخت الأبوين: للأولى الخمسان بقرابتيها، ~~وللثانية ثلاثة أخماس، لأنهما بمنزلة ثلاث أخوات متفرقات. ولا يعول في ~~مسائل الأرحام إلا واحدة، وشبهها. وهي: خال، وبنات ست أخوات متفرقات. # فصل: # ولا يرث ذو رحم، مع ذي فرض، ولا عصبة، إلا مع الزوج، لأن الرد أولى، ~~والزوج لا يرد عليه، فإن اجتمع معهم زوج، أعطيته فرضه غير محجوب، ولا ~~معاول، وقسمت الباقي بينهم، كما لو انفردوا، فقول في زوج، وبنت بنت، وبنت ~~أخت: للزوج النصف، والباقي بينهما نصفان. امرأة وابنتا بنتين، وابنتا ~~أختين، للزوجة الربع، ولبنتي البنتين ثلثا الباقي، والباقي لبنتي الأختين. ### | باب ميراث الخنثى # وهو الذي له ذكر وفرج امرأة، فيعتبر بمباله، لأنه قد جاء في الأثر: يورث ~~الخنثى من حيث يبول، ولأنها أعم علاماته، لأنها توجد في الصغير والكبير، ~~وقد أجرى الله العادة، أن الذكر يبول من ذكره، والأنثى من فرجها، فاعتبر ~~ذلك. فإن بال من حيث يبول الرجل، فهو ذكر، وإن بال من حيث تبول المرأة، فله ~~حكم المرأة فإن بال منهما، اعتبر بأسبقهما فإن خرجا في حال واحدة، اعتبر ~~أكثرهما، لأن الأكثر أقوى في الدلالة، فإن استويا، فهو مشكل، فإن مات له من ~~يرثه، أعطي هو ومن معه اليقين، ووقف الباقي حتى يبلغ فينكشف الأمر، بأن ~~يظهر فيه علامات الرجال، من خروج المني من ذكره، ونبات اللحية، أو علامات ~~النساء، من تفلك الثدي، والحيض، والحمل، فإن يئس من ذلك، فله نصف ميراث ~~ذكر، ونصف ميراث أنثى، فإن اجتمع ابن وبنت وولد وخنثى، فللذكر أربعة أسهم، ~~وللخنثى ثلاثة، وللبنت سهمان، لأنه يحصل بهذا العمل له نصف ميراث الذكر، ~~ونصف ميراث الأنثى. فإن كان مكان الابن أخ، أو غيره من العصبات، فله السدس، ~~والباقي بين الخنثى والبنت على خمسة. وقال أصحابنا: يعمل المسألة على أنه ~~ذكر، ثم على أنه أنثى، ms0753 ثم يضرب إحداهما في الأخرى إن تباينتا، أو وفق ~~إحداهما في الأخرى إن اتفقتا، أو يجتزئ بإحداهما إن تماثلتا، أو بأكبرهما ~~إن تناسبتا، وتضرب ذلك في اثنين، فما بلغ، فمنه تصح، ثم كل من له شيء من ~~إحداهما، مضروب في الأخرى، أو في وفقها، أو تجمع مال منهما إن تماثلتا، ~~فتعطيه إياه، ففي هذه المسألة إن قدرناه ذكرا، فهي من خمسة، وإن قدرناه ~~أنثى فهي في أربعة، تضرب # PageV02P309 # أربعة في خمسة، تكن عشرين، ثم في الحالين تكن أربعين، فللابن اثنان في ~~خمسة، واثنان في أربعة، ثمانية عشر، وللبنت تسعة، وللخنثى سهم في خمسة، ~~وسهمان في أربعة، ثلاثة عشر، لأن للابن الخمسين بيقين، وذلك ستة عشر، ~~وللبنت الخمس بيقين، ثمانية، وللخنثى الربع بيقين، عشرة، فذلك أربعة ~~وثلاثون، يبقى ستة أسهم يدعيها الخنثى كلها، ليتم له سهم ذكر، ويدعي الابن ~~ثلثيها، ليتم له النصف، والبنت تدعي ثلثها، ليتم لها الربع، فقسمناها بينهم ~~على حسب دعاويهم، للخنثى نصفها ثلاثة، وللابن سهمان، وللبنت سهم، فإن كانا ~~خنثيين، نزلتهم على عدد أحوالهم، فتجعل لهما أربعة أحوال في أحد الوجهين، ~~وفي الآخرين تنزلهم حالين، مرة ذكورا، ومرة إناثا، والأول أصح، لأنه يعطي ~~كلا بحسب ما فيه من الاحتمال، وعلى الطريق الثاني: يفضي إلى حرمان من يحتمل ~~الاستحقاق. ألا ترى أنه لو اجتمع بنت وولد خنثى وولد ابن خنثى وأخ، فنزلتهم ~~حالين، لم تعط ولد الابن شيئا، ومن المحتمل أن يكون ذكرا وحده، فيكون له ~~الباقي بعد البنتين، فعلى هذا تنزل الثلاثة، ثمانية أحوال، وللأربعة ستة ~~عشر، وللخمسة اثنان وثلاثون حالا. ### | باب ميراث الحمل # إذا مات عن حمل يرثه، فطالب بقية الورثة بالقسمة، وقف نصيب ابنين ذكرين، ~~إن كان ميراث الذكور أكثر، وابنتين إن كان أكثر، لأن ما زاد على اثنين نادر ~~جدا، فلم يلتفت إليه، كاحتمال الحمل في الآيسة، ويدفع إلى كل وارث اليقين. ~~فإذا وضعت الحمل، دفع إليه نصيبه، ورد الفضل على من يستحقه، وإن وضعته ~~ميتا، لم يرث، لأننا لا نعلم أنه كان حيا ms0754 حين موت موروثه. وإن وضعته ~~واستهل، ورث، وورث، لما روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «إذا استهل المولود ورث» رواه أبو داود. وظاهر كلام أحمد: أنه لا يرث ~~حتى يستهل، وهو الصوت ببكاء أوعطاس أو نحوه، لتقييده في الحديث بالمستهل، ~~ويحتمل أن يلحق بذلك كل من علمت حياته بارتضاع أو نحوه، لأنه ولد حيا، ~~فأشبه المستهل، فأما الحركة والاختلاج، فلا تدل على الحياة، فإن اللحم ~~يختلج، سيما إذا خرج من ضيق إلى سعة، وإن خرج بعضه فاستهل، ثم انفصل باقيه ~~ميتا، لم يرث، لأنه لم تثبت له أحكام الدنيا وهو حي. وإن ولدت توأمين، ~~فاستهل أحدهما، أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة، حكم بأنه المستهل. # PageV02P310 # ولا يرث حمل إلا أن يعلم بأنه كان موجودا حال الموت، بأن تلده لأقل من ~~ستة أشهر إن كانت ذات زوج، أو لأقل من أربع سنين إن كانت بائنا. ### | باب ما يمنع الميراث # ويمنع الميراث ثلاثة أشياء: اختلاف الدين. فلا يرث مسلم كافرا، ولا كافر ~~مسلما بحال، لما روى أسامة بن زيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر» . متفق عليه. # والمرتد لا يرث أحدا، لأنه ليس بمسلم، فيرث المسلمين، ولا يثبت له حكم ~~الدين الذي انتقل إليه، فيرث أهله، ولا يرثه أحد لذلك. وماله فيء. # وعنه: يرثه ورثته من المسلمين. # وعنه: يرثه أقاربه من أهل دينه الذي اختاره. # وعنه: في الميراث بالولاء روايتان: # إحداهما: يرث الرجل عتيقه وإن اختلف ديناهما، لأن الولاء شعبة من الرق، ~~واختلاف الدين لا يمنع الرجل أخذ مال رقيقه إذا مات. # والثانية: لا يرثه مع اختلاف الدين لعموم الخبر، ولأنه نوع توارث، فمنعه ~~اختلاف الدين، كغيره، ولأنه مانع من الإرث، فمنع الإرث بالولاء، كالقتل. # فصل: # ومن أسلم على ميراث قبل أن يقسم، قسم له، لما روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «من أسلم على شيء فهو له» أخرجه سعيد. # وعنه: لا يقسم له، لأن ms0755 المانع من الإرث وجد حين وجد السبب، وهو الموت، ~~فمنع من الإرث كالرق، ومن كان رقيقا حين موت موروثه، فعتق بعده، لم يرث، ~~لأن العتق ليس من فعله، ولا هو قربة للمعتق، بخلاف إسلامه. ولو ملك ابن ~~عمه، فدبره، فعتق بموته، لم يرثه، لأنه رقيق حين الموت. وإن قال: أنت حر في ~~آخر حياتي، عتق، وورث، لأنه حر حين الموت، ويحتمل أن لا يرث، لأن عتقه وصية ~~له، فيفضي إلى الوصية للوارث. # فصل: # ويرث الكفار بعضهم بعضا، وإن اختلفت أديانهم في إحدى الروايتين، لأن ~~مفهوم # PageV02P311 # قوله - عليه السلام -: «لا يرث مسلم كافرا، ولا كافر مسلما» أن الكفار ~~يتوارثون. # والثانية: لا يرث أهل ملة أهل ملة أخرى، لما روى عبد الله بن عمرو، قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يتوارث أهل ملتين شتى» رواه أبو ~~داود. ولأن الموالاة منقطعة بينهم، فأشبه اختلافهم بالكفر والإسلام. قال ~~القاضي: والكفر ثلاث ملل، اليهودية ملة، والنصرانية ملة، ودين من عداهم ~~ملة، لاجتماعهم في عدم الكتاب. قال: وقياس المذهب عندي أنه لا يرث حربي ~~ذميا، ولا ذمي حربيا، لأنه موالاة بينهما، واحتمل أن يتوارثا، لأنهما من ~~أهل ملة واحدة. # فصل: # وإذا أسلم المجوس، أو تحاكموا إلينا، ورثوا لجميع قراباتهم إذا أمكن ذلك، ~~لأنها قرابات ترث بكل واحدة منفردة ولم ترجح بها، فورث بهما إذا اجتمعا، ~~كابن عم هو زوج، وأخ لأم. فلو تزوج مجوسي بنته، فأولدها بنتا، ثم مات وخلف ~~أخا، فلابنتيه الثلثان، والباقي لأخيه. فإن ماتت بعده الكبرى، فمالها ~~لابنتها، نصفه بكونها بنتا، وباقيه بكونها أختا من أب، وإن ماتت الصغرى قبل ~~الكبرى، فللكبرى الثلث بكونها أما، والنصف بكونها أختا، وباقيه لعمها. فإن ~~كان أولدها بنتين، ثم مات، ثم ماتت إحدى الصغيرتين. فلأختها لأبويها النصف، ~~ولأمها السدس بكونها أما، والسدس بكونها أختا لأب، وحجبت نفسها بنفسها، ~~والباقي لعمها، ولا يرثون بنكاح ذوات المحارم، ولا ما يقرون عليه إذا ~~أسلموا، لذلك لم يورث بنت المجوسي الذي تزوجها منه شيئا. # فصل: # والثاني من الموانع ms0756 الرق، فلا يرث العبد قريبه، ولا يورث، لأنه لا ملك له ~~فيورث. وإن ملك فملكه ضعيف يرجع إلى سيده ببيعه، لقوله - عليه السلام -: ~~«من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع» فكذلك بموته، ~~ولا يرث، لأنه لو ورث شيئا، لكان لسيده، فيكون التوريث لسيده دونه. # فصل: # ومن بعضه حر، يرث ويورث، ويحجب بقدر ما فيه من الحرية، لما روى عبد الله ~~ابن الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال في العبد يعتق بعضه: يرث ويورث على قدر ما عتق منه» ~~ولأن هذا قول علي وابن مسعود - رضي الله عنهما -، فينظر ما له مع الحرية ~~الكاملة، فيعطيه منه بقدر ما فيه من الحرية الكاملة، ويحجب به بقدر ذلك، ~~فتقول في بنت نصفها حر، وأم حرة، وعم: للبنت الربع، # PageV02P312 # لأنه نصف ما تستحقه بالحرية الكاملة، وللأم الربع، لأن حرية البنت تحجبها ~~عن السدس، فنصف حريتها يحجبها عن نصفه، والباقي للعم. فإن كان نصف الأم ~~حرا، فلها الثمن، لأنه نصف ما تستحقه بالحرية الكاملة، والباقي للعم. وإن ~~شئت عملتها بالأحوال، كمسائل الخناثى، فتقول: لو كانتا حرتين، فالمسألة من ~~ستة، ولو كانت الأم وحدها حرة، كانت من ثلاثة، وإن كانت البنت وحدها حرة، ~~كانت من اثنين، وإن كانتا رقيقتين، فهي من سهم، فتجزئ بالستة، لأن سائر ~~المسائل داخلة فيها، وتضربها في أربعة تكن أربعة وعشرين، للبنت النصف في ~~حالين، وذلك ستة، وهو الربع، وللأم الثلث في حال، والسدس في حال، وذلك ~~ثلاثة، وهو الثمن، والباقي للعم. # فصل: # الثالث من الموانع: قتل الموروث بغير حق، يمنع القاتل ميراثه، عمدا كان ~~القتل أو خطأ، لما روي «عن عمر: أنه أعطى دية ابن قتادة المذحجي لأخيه دون ~~أبيه، وكان حذفه بسيف فقتله. وقال عمر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: ليس لقاتل ميراث» رواه مالك في الموطأ. ولأن توريث القاتل ~~ربما أفضى إلى قتل الموروث استعجالا لميراثه، وكل قتل يضمن بقتل، أو دية، ms0757 ~~أو كفارة، يمنع الميراث لذلك، وما لا يضمن كالقصاص والقتل في الحد، لا ~~يمنع، لأنه فعل مباح، فلم يمنع الميراث، كغير القتل، ولأن المنع في العدوان ~~كان حسما لمادة العدوان، ونفيا للقتل المحرم، فلو منع هنا، لكان مانعا من ~~استيفاء الواجب، أو الحق المباح استيفاؤه. # وعنه: لا يرث العادل الباغي إذا قتله. وهذا يدل على أن كل قتل يمنع ~~الميراث، لعموم الخبر، والأول أظهر في المذهب. ### | باب ذكر الطلاق الذي لا يمنع الميراث # إذا طلق الرجل زوجته طلاقا رجعيا، لم ينقطع الميراث بينهما ما دامت في ~~العدة، سواء كان صحيحا، أو مريضا، لأن الرجعية زوجة، وإن أبانها في صحته ~~انقطع التوارث بينهما، لزوال الزوجية التي هي سبب التوارث، وكذلك إن كان في ~~مرض غير مرض الموت، لأن حكمه حكم الصحة، وإن أبانها في مرض موته باختيارها، ~~بأن سألته الطلاق، أو علق طلاقها على فعل لها منه بد، ففعلته، انقطع ~~التوارث لزوال الزوجية بأمر لا يتهم فيه، وكذلك إن علق طلاقها في صحته على ~~شرط وجد في مرضه، لم ترثه كذلك. # وعن أحمد: أنها ترثه في هذه المسائل الثلاث لأنه طلاق في مرض موته. ولو # PageV02P313 # طلقها في مرضه وهي أمة، أو كافرة، فأسلمت أو عتقت، لم ترث، لأنه لا يتهم ~~في طلاقها. وإن أبانها في مرض موته على غير ذلك، لم يرثها، وورثته ما دامت ~~في العدة، لما روي أن عثمان ورث تماضر بنت الأصبغ الكلبية من عبد الرحمن بن ~~عوف، وكان طلقها في مرض موته فبتها، واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكر، فكان ~~إجماعا، ولأنه قصد قصدا فاسدا في الميراث، فعورض بنقيض قصده، كالقاتل. وهل ~~ترثه بعد انقضاء العدة؟ فيه روايتان: # إحداهما: ترثه، لأن عثمان ورث امرأة من عبد الرحمن بعد انقضاء العدة، ~~ولأنه فار من ميراثها فورثته، كالمعتدة. # والثانية: لا ترثه، لأن آثار النكاح زالت بالكلية، فلم ترثه، كما لو ~~تزوجت، ولأن ذلك يفضي إلى توريث أكثر من أربع نسوة، بأن يتزوج أربعا بعد ~~انقضاء عدة المطلقة، وذلك غير ms0758 جائز، وإن تزوجت لم ترثه، لأنها فعلت ~~باختيارها فعلا ينافي زوجية الأول فلم ترثه، كما لو تسببت في فسخ النكاح، ~~وهكذا لو ارتدت في عدتها، أو فعلت ما ينافي نكاح الأول، لم ترثه، وإن ارتدت ~~ثم أسلمت في عدتها، ففيه وجهان: # أحدهما: ترثه، لأنها مطلقة في المرض، أشبه ما لو لم ترتد. # والثاني: لا ترثه لأنها فعلت ما ينافي النكاح، أشبه ما لو تزوجت. # فصل: # وإن طلق امرأة قبل الدخول فهل ترثه؟ فيه روايتان كالتي انقضت عدتها، ولو ~~قال لزوجته في صحته: إذا مرضت فأنت طالق، فحكم طلاقه حكم طلاق المريض. وإن ~~أقر في مرضه بطلاقها في صحته، فحكمه حكم طلاقها في مرضه، وإن علق طلاقها ~~على فعل لا بد لها منه، كالصلاة، ففعلته، فهو كالطلاق ابتداء. وإن قال ~~لزوجته الذمية، أو الأمة وهو مريض: إذا عتقت، أو أسلمت، فأنت طالق، فعتقت ~~الأمة، وأسلمت الذمية، فهو كطلاقه لحرة مسلمة، وإن قال السيد لأمته: أنت ~~حرة غدا، فطلق الزوج اليوم أو غدا عالما بعتق السيد، ورثته، لأنه متهم، وإن ~~لم يعلم، لم ترثه، لعدم التهمة. # فصل: # ولو تسببت الزوجة في فسخ نكاحها في مرضها، برضاع أو غيره، بانت وورثها ~~زوجها، ولم ترثه، لما ذكرنا في طلاق المرض. ولو استكره رجل امرأة أبيه في ~~مرض أبيه على فعل ينفسخ نكاحها به، بانت، ولم يسقط ميراثها لذلك. وإن كان ~~للمريض زوجة أخرى، سقط ميراثها، لأنه غير متهم في قصد توفير نصيبها عليه، ~~لرجوعه إلى الزوجة الأخرى دونه. # PageV02P314 # فصل: # وإن تزوج نساء بعضهن عقدهن فاسد، لم تعلم بعينها، أو طلق بعض نسائه لا ~~بعينها، أو علمها وأنسيها، أقرع بينهن. فمن خرجت قرعتها بفساد العقد، أو ~~الطلاق، فلا ميراث لها، لأنه اشتبه المستحق بغيره. فوجب المصير إلى القرعة، ~~كما لو أعتق في مرضه عبيدا، لم يخرج من ثلثه إلا أحدهم. ### | باب الإقرار بمشارك في الميراث # إذا أقر جميع الورثة بمشارك لهم في الميراث، ثبت نسبه وورث، لأن الورثة ~~يقومون مقام الميت في ماله وحقوقه، وهذا ms0759 من حقوقه، وإن أقروا لمن يسقطهم، ~~كإخوة أقروا بابن، ثبت نسبه وأسقطهم، لأن الجميع ورثة لولا الإقرار، فأشبه ~~ما لو أقروا بمشاركهم. وإن أقر بعضهم، لم يثبت النسب، ودفع المقر إلى المقر ~~له فضل ما في يده عن ميراثه، فإذا خلف ابنين، فأقر أحدهما بأخ، فله ثلث ما ~~في يده، فإن أقر بأخت، فلها الخمس، وإن شئت ضربت مسألة الإقرار أو وفقها في ~~مسألة الإنكار، ودفعت إلى المنكر سهمه من مسألة الإنكار، مضروبا في مسألة ~~الإقرار أو وفقها، وإلى المقر سهمه من مسألة الإقرار، مضروبا في مسألة ~~الإنكار أو وفقها، فما فضل، فهو للمقر به، وإن لم يكن في يد المقر فضل، فلا ~~شيء للمقر به، لأنه يقر على غيره. فإن خلف ابنين فأقر أحدهما بأخوين، فصدقه ~~أخوه في أحدهما، ثبت نسب من اتفقا عليه، فصاروا كثلاثة أقر أحدهم بأخ رابع. ~~فضرب مسألة الإقرار في مسألة الإنكار، تكن اثني عشر، للمقر سهم من مسألة ~~الإقرار في مسألة الإنكار، ثلاثة، وللمنكر سهم في مسألة الإقرار أربعة. ثم ~~إن أقر المتفق عليه بالمختلف فيه، فله مثل سهم المقر، وإن أنكر فله مثل سهم ~~المنكر والفضل للمختلف فيه. وقال أبوالخطاب: إن أقر المتفق عليه بالمختلف ~~فيه، وأنكر المختلف فيه المتفق عليه. فإن المتفق عليه يأخذ من المقرين ربع ~~ما في أيديهما، ويأخذ المختلف فيه من المقر به ثلث ما في يده. وتصح من ~~ثمانية، للمقر بهما سهمان، وللمتفق عليه سهمان، وللمقر بأحدهما ثلاثة، ~~وللمختلف فيه سهم. وإن كان الوارث ابنا فأقر بأخوين بكلام متصل، ثبت ~~نسبهما، سواء تصادقا أو تجاحدا، لأن نسبهم ثبت في حال واحدة بقول الوارث ~~الثابت النسب قبلهم، ويحتمل أن لا يثبت نسبهما إذا تجاحدا، لأنه لم يحصل ~~الإقرار من جميع الورثة، وإن أقر بواحد بعد الآخر، ثبت نسب الأول، وأعطاه ~~نصف ما في يده، ثم إن صدق الثاني بالثالث، ثبت نسبه، ودفعا إليه ثلث ما في ~~أيديهما. وإن أنكره الثاني، لم يثبت نسبه، ودفع إليه المقر ثلث ما في ms0760 يده. # PageV02P315 # فصل: # وإن أقر من أعيلت له المسألة بمن يسقط العول، كزوج وأم وأخت، فأقرت الأخت ~~بأخ لها، فاضرب وفق مسألة الإقرار في مسألة الإنكار، تكن اثنين وسبعين، ~~للأم ربعها ثمانية عشر، وللزوج ربعها وثمنها سبعة وعشرون، وللأخت سهمان في ~~مسألة الإقرار في نصف مسألة الإنكار، وهي ثمانية، يبقى تسع عشر يدعي المقر ~~له منهما ستة عشر. فإن مضى الزوج على الإنكار، أخذ الأخ ستة عشر، وبقيت ~~ثلاثة يقران بها للزوج وهو ينكرها ففيها ثلاثة أوجه: # أحدها: يدفع إلى بيت المال، لأنه مال لا يدعيه أحد، فهو كالمال الضائع. # والثاني: يقر في يد الأخت. # والثالث: يترك حتى يصطلحا عليهما، لأنها لا تعدوهما، وقد جهلنا مستحقها ~~منهما. وإن أقر الزوج بالأخ، فهو يدعي تمام النصف تسعة، والأخ يدعي ستة ~~عشر، فالجميع خمس وعشرون، والمقر به من السهام تسعة عشر، لا تنقسم إلى خمسة ~~وعشرين، فاضرب خمسة وعشرين من أصل المسألة، ثم كل من له شيء من أصل المسألة ~~مضروب في خمسة وعشرين، ومن له شيء من خمسة وعشرين مضروب في تسعة عشر، وعلى ~~هذا تعمل ما ورد عليك من هذا. ### | باب ميراث المفقود # إذا غاب الإنسان وخفي خبره، وغالب سفره السلامة، كالتاجر والسائح، انتظر ~~به تمام تسعين سنة من يوم ولد في أشهر الروايتين، وفي الأخرى: ينتظر به ~~أبدا، أو يرجع إلى اجتهاد الحاكم في تقدير المدة، وإن كان غالب سفره ~~الهلاك، كالذي يفقد بين أهله، أو يفقد في طريق الحج، فإنه ينتظر به تمام ~~أربع سنين، لأنها أكثر مدة الحمل، وتعتد زوجته عدة الوفاة، وتحل للأزواج، ~~قال أحمد: إذا أمرت زوجته أن تتزوج، قسمت ميراثه، وقد روي عنه التوقف، ~~وقال: قد هبت الجواب فيها، وكأني أحب السلامة، والأول المذهب. فإن مات ~~للمفقود من يرثه في مدة غيبته، دفع إلى كل وارث اليقين، ووقف نصيب المفقود، ~~فإن بان حيا، دفع إليه. وإن بان ميتا حين موت مورثه، رد على من يستحقه، ~~وكذلك إن كانت المدة قد مضت، وإن لم تكن مضت ms0761 ولم يتبين أمره، فحكم نصيبه في ~~الميراث حكم سائر ماله، يقسم على ورثته إذا مضت المدة، لأنه محكوم بحياته، ~~ويجوز أن يصطلحوا على الفاضل من نصيب المفقود في الموقف، لأنه حقهم، ولا ~~يجوز أن يصطلحوا على نصيب المفقود، والله أعلم. # PageV02P316 ### | باب الولاء # ومن أعتق مملوكا، ثبت عليه الولاء، لما روت عائشة: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «إنما الولاء لمن أعتق» متفق عليه. فإن عتق عليه بتدبير ~~أو كتابة أو استيلاد أو قرابة، أو بيعه عبده نفسه، أو أعتقه عنه غيره ~~بإذنه، فله عليه الولاء، لأنه عتق عليه، فأشبه ما لو باشر عتقه. وسواء أدى ~~المكاتب إلى السيد، أو إلى ورثته، لأن عتقه بكتابته وهي من سيده. فأما إن ~~أعتق عبده عن ميت، أو حي بغير أمره، فالولاء للمعتق، للخبر، ولأنه أعتقه ~~بغير إذن الآخر، فكان ولاؤه للمعتق، كما لو لم ينو، ولو قال: أعتق عبدك عني ~~وعلي ثمنه، ففعل، فالولاء للمعتق عنه، لأنه نائب عنه في العتق فهو كالوكيل. ~~ولو قال: أعتقه والثمن علي، ففعل، فالولاء للمعتق، لأنه لم يعتقه من غيره، ~~فأشبه ما لو لم يجعل له جعلا. وإن قال: اعتقه عني، ولم يذكر عوضا، ففيه ~~روايتان: # إحداهما: ولاؤه للمعتق، للخبر. # والثانية: للمعتق عليه، لأنه أعتقه عنه بأمره، فأشبه ما لو كان بعوض. # فصل: # ومن أعتق عبده سائبة، أو قال: أعتقتك ولا ولاء لي عليك، أو أعتقه من ~~زكاته، أو كفارته، أو نذره، ففيه روايتان: # إحداهما: له عليه الولاء، لعموم الخبر. # والثانية: لا ولاء عليه، لأنه جعل ولاءه من السائبة، فصح، كرقه. وفي سائر ~~الصور، العتق بمال لا يستحقه، فلم يكن له ولاء كالوكيل. فعلى هذه الرواية، ~~ما رجع من ولائهم، يرد في مثلهم، ويكون حكم ولائهم كحكم ولاء الأولين. # فصل: # وإن أعتق مسلم كافرا، أو كافر مسلما، ثبت له الولاء، للخبر. وهل يرث به؟ ~~فيه روايتان ذكرناهما، فإن قلنا: لا يرث وكان للمعتق عصبة على دين المعتق، ~~ورثه، لأنه يرثه لو كان المعتق ميتا. وكذلك إذا ms0762 كان ممنوعا من ميراثه. وإن ~~أسلم الكافر منهما، # PageV02P317 # ورث المولى، كما لو أسلم القريب الكافر وورثه قريبه المسلم. # فصل: # ولا يجوز بيع الولاء ولا هبته، لما روى ابن عمر قال: «نهى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن بيع الولاء وعن هبته» متفق عليه. ولأن الولاء ~~كالنسب، بدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الولاء لحمة كلحمة ~~النسب» . ### | باب الميراث بالولاء # إذا مات المعتق ولم يخلف وارثا من نسبه، ورثه مولاه، وإن خلف ذا فرض، ~~فللمولى ما فضل عنه، لما روى عبد الله بن شداد قال: «أعتقت ابنة حمزة مولى ~~لها، فمات وترك ابنته وابنة حمزة، فأعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ابنته النصف، وابنة حمزة النصف» . رواه النسائي وابن ماجة. # ولا يرث المولى مع عصبة من النسب، لأنه فرع على النسب، فلا يرث مع وجوده. ~~وإن مات العبد بعد موت مولاه، ورثه أقرب عصبة مولاه دون ذوي الفروض، لأن ~~الولاء كالنسب، والنسب إلى العصبات، ولأنه كنسب المولى من أخ أو عم، فيرثه ~~ابن المولى دون ابنته، كما يرث عمه، ويقدم الأقرب فالأقرب من العصبات، لما ~~روى سعيد بن المسيب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المولى أخ في ~~الدين، وولي النعمة، يرثه أولى الناس بالمعتق» . ولأن عصبات الميت يرث منهم ~~الأقرب فالأقرب، فكذلك عصبات المولى، ولا يرث النساء من الولاء إلا ما ~~أعتق، أو أعتق من اعتقن. وعن أبي عبد الله رواية أخرى في بنت المعتق خاصة: ~~أنها ترث، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ورث بنت حمزة من ~~الذي أعتقه حمزة، والصحيح أنها لا ترث، وأنها هي المعتقة للمولى، كما روى ~~عبد الله بن شداد فيما تقدم، ولا يرث منه ذو فرض إلا الأب والجد، يرثان ~~السدس مع الابن وابنه، لأنهما عصبة. فيقسم بينهما كما يقسم مال المعتق ~~بينهما. فإن اجتمع الجد والأخ أو الإخوة، قسم بينهما كما يقسم ميراث ~~المعتق، ولا يعتد بالأخوات، لأنهن لا يرثن منفردات. ويقدم الأخ للأبوين على ~~الأخ للأب، ms0763 ويعاد الأخ للأبوين الجد بالأخ للأب، لأنه يرث منفردا، ثم ~~الأقرب فالأقرب. فإذا انقرض عصبات المولى من النسب، فلمولاه إن كان ذا ~~مولى، ثم لأقرب عصباته. ولو اشترى رجل وأخته أباهما، أو أخاهما، فعتق ~~عليهما، ثم اشترى عبدا فأعتقه، ثم مات أبوهما أو # PageV02P318 # أخوهما، ثم مات عتيقه، فميراثه للرجل دون أخته، لأنه يرثه بنسبه من ~~معتقه، ولا ترث النساء من الولاء بالنسبة شيئا. # فصل: # وإذا مات رجل عن ابنين ومولى، فمات أحد الابنين بعده عن ابن، ثم مات ~~المولى، فالميراث لابن المولى، لأن الولاء للكبر، ومعناه أنه يرث به أقرب ~~الناس إلى سيده يوم موت العبد. وذلك لأن الولاء لحمة كلحمة النسب لا يورث، ~~وإنما يورث به مع بقائه للمولى، فوجب أن يكون للكبر، لأنه أقرب. ولو مات ~~المعتق وخلف ابنين ومولى، ومات أحدهما وخلف ابنا، ومات الآخر وخلف تسعة، ثم ~~مات المولى، كان الولاء بينهم على عددهم، لكل واحد منهم عشرة، لما ذكرنا. # فصل: # وإذا تزوج عبد معتقة قوم فأولدها، فولاء الولد لمولى أمه، لأن الحرية ~~حصلت له بإعتاق الأم والإنعام عليها. فإن أعتق سيد العبد عبده، أنجر ولاء ~~الولد عن مولى الأم إلى مولى العبد، لما روي عن الزبير أنه رأى بخيبر فتية ~~لعسا فأعجبه ظرفهم وجمالهم، فسأل عنهم فقيل له: موالي لرافع بن خديج وأبوهم ~~مملوك لآل الحرقة، فاشترى الزبير أباهم فأعتقه، وقال لأولاده: انتسبوا لي، ~~فإن ولاءكم لي. فقال رافع بن خديج: الولاء لي، لأنهم عتقوا بعتقي أمهم، ~~فاحتكموا إلى عثمان، فقضى بالولاء للزبير، فأجمعت الصحابة عليه. ولأن ~~الولاء فرع النسب، والنسب معتبر بالأب. وإنما ثبت لمولى الأم، لعدم الولاء ~~من جهة الأب، فإذا ثبت الولاء على الأب، عاد الولاء إلى موضعه، كولد ~~الملاعنة إذا اعترف به الزوج. وإن أعتق الجد، لم ينجر الولاء. # وعنه: ينجر. والأول المذهب، لأن الأصل بقاء الولاء لمن ثبت له، وإنما ~~خولف هذا الأصل في الأب، لإجماع الصحابة عليه فيبقى فيمن عداه على الأصل. # فصل: # وإن تزوج عبد أمة فأولدها، فأعتقها ms0764 سيدها وولدها، ثبت له الولاء عليهم. ~~فإن عتق الأب بعد ذلك، لم ينجر الولاء، لأن الولاء ثبت على الولد ~~بالمباشرة، فكان المنعم عليه بالمباشرة أولى من المنعم على أبيه، وإذا تزوج ~~حر الأصل بمولاة، أو تزوج عبد أو مولى بحرة الأصل، فلا ولاء على ولدهم ~~بحال. وإن تزوج مولى بمولاة، فولاء ولدهما لسيد الأب، لأن الاستدامة أقوى ~~من الابتداء، ثم ابتداء الحرية في الأب يسقط استدامة الولاء لمولى الأم، ~~فلأن يمنع ابتداء الولاء له أولى. # PageV02P319 # فصل: # إذا تزوج عبد معتقة قوم، فأولدها ولدا، فاشترى الولد أباه، ثبت له ولاؤه، ~~وولاء أولاده، ويبقى ولاء المعتق لمولى أبيه؛ لأنه لا يمكن أن يجر ولاء ~~نفسه، لاستحالة ثبوت ولاء الإنسان على نفسه، كما يستحيل أن يكون أبا نفسه. ~~وإن لم يشتر أباه، لكن اشترى عبدا فأعتقه، ثم اشترى هذا العبد أبا سيده، ~~فأعتقه، فإنه ينجر إليه ولاء سيده، ويصير كل واحد منهما مولى صاحبه من فوق ~~ومن أسفل، ويصير هذا كحربي أعتق عبدا فأسلم وأسر سيده ثم أعتقه. # فصل: # ولو تزوج عبد معتقة، فأولدها بنتين، فاشتريا أباهما، عتق عليهما، ولهما ~~عليه الولاء، وتجر كل واحدة منهما إلى نفسها نصف ولاء أختها، لإعتاقها نصف ~~الأب، ويبقى نصف ولاء كل واحدة منهما لمولى أمها. فإن مات الأب، فماله ~~لهما، ثلثاه بالبنوة، وباقيه بالولاء، فإن ماتت إحداهما بعده، فلأختها نصف ~~ما لها بالنسب، ونصف الباقي بكونها مولاة نصفها، ويبقى الربع لمولى أمها. ~~وإن ماتت إحداهما قبل الأب، فمالها لأبيها بالنسب، فإن مات الأب بعدها، ~~فللباقية نصف ميراث أبيها بالنسب، ونصف الباقي بالولاء، يبقى الربع لموالي ~~الميتة، وهم أختها وموالي أمها، لأخيها نصفه، وهو الثمن، صار لها سبعة ~~أثمان المال، ولموالي أم الميتة الثمن، فإذا ماتت هذه بعدهما، فنصف ما لها ~~لموالي أمها بالولاء، ونصفه لموالي أختها الميتة، وهم أختها وموالي أمها، ~~فيكون الربع لموالي أمها، والربع الباقي يرجع إلى هذه الميتة، فهذا الجزء ~~دائر، لأنه خرج من هذه وعاد إليها، فقال القاضي: يجعل في بيت المال، ms0765 لأنه ~~لا مستحق له، وإن مات الأب بعد موتهما، فلموالي أمهما ثلاثة أرباع ماله، ~~وربع دائر يرجع إلى بيت المال. وذكر أبو عبد الله الرقي: أن قياس قول أحمد: ~~أن هذا السهم يرد إلى موالي الأم، فعلى هذا يكون جميع الميراث لموالي الأم. # PageV02P320 ### | كتاب العتق # وهو: قربة مندوب إليها، بدليل ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله: «من ~~أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله بكل إرب منها، إربا منه من النار» رواه مسلم، ~~حتى إنه ليعتق اليد باليد، والرجل بالرجل، والفرج بالفرج. والأفضل عتق من ~~له قوة وكسب، يستغني به، فأما من لا كسب له، فحكي عن أحمد أنه لا يستحب ~~عتقه، لأنه يتضرر بفوات نفقته الواجبة له، وربما صار كلا على الناس. # فصل: # ويحصل العتق بثلاثة، القول، والملك، والاستيلاد، ولا يحصل بالنية ~~المجردة، لأنه إزالة ملك، فلم يحصل بمجرد النية، كالطلاق، وألفاظه تنقسم ~~إلى صريح وكناية، فالصريح: لفظ العتق، والحرية، وما تصرف منهما، لأنه يثبت ~~لهما عرف الشرع والاستعمال، فكانا صريحين، كلفظ الطلاق في الطلاق، فإن أراد ~~بهما غير العتق، كرجل يقول لغلامه: هو حر، يريد أنه عفيف كريم الأخلاق، أو ~~يغالبه فيقول: ما أنت إلا حر، يريد أنك تمتنع من طاعتي امتناع الحر، فقد ~~قال أحمد في رواية حنبل: أرجو أن لا يعتق، وأنا أهاب المسألة، فظاهر هذا ~~أنه لا يعتق، لأنه نوى بلفظه ما يحتمله، فانصرف إليه. كما لو نوى العتق ~~بكنايته. # والكناية: نحو قوله: قد خليتك، واذهب حيث شئت، والحق بأهلك، وحبلك على ~~غاربك، ونحوه. فلا يعتق بذلك حتى ينويه، لأنه يحتمل غير العتق، فأشبه كناية ~~الطلاق فيه، وفي قوله: لا سبيل لي عليك، ولا سلطان لي عليك وأنت سائبة، ~~وفككت رقبتك، ولا رق لي عليك، وأنت لله، وأنت مولاي، وملكتك نفسك. فيه ~~روايتان: # إحداهما: هو صريح في العتق، لأنها تتضمن العتق، وقد جاء في كتاب الله ~~تعالى: {فك رقبة} [البلد: 13] . يعني: العتق، فكانت صريحة، كقوله: أعتقتك. # PageV02P321 # والثانية: هو كناية، لأنها تحتمل غير العتق. وقال القاضي: ms0766 قوله: لا رق لي ~~عليك، ولا ملك لي عليك، وأنت لله، صريح. نص عليه أحمد، في: أنت لله، لأن ~~معناه: أنت حر لله. واللفظان الأولان صريحان في نفي الملك، والعتق من ~~ضرورته. وفي قوله لأمته: أنت طالق، أو أنت حرام علي، روايتان: # إحداهما: هو كناية، تعتق به إذا نوى به العتق، لأن الرق أحد الملكين في ~~الآدمي، فيزول بلفظ الطلاق، كملك النكاح، والحرية يحصل بها تحريمها عليه، ~~فجاز أن يكون كناية فيه. # والثانية: ليس بكناية، لأنه ملك لا يستدرك بالرجعة، فلم يزل بالطلاق، ~~كملك المال. والتحريم صريح في الظهار، فلم يكن كناية في العتق، كقوله: أنت ~~علي كظهر أمي. # فصل: # ولا يصح العتق إلا من جائز التصرف، ولا يصح من صبي، ولا مجنون ولا سفيه، ~~لأنه تبرع في الحياة، فأشبه الهبة. ولا يصح عتق الموقوف، لأنه فيه إبطالا ~~لحق البطن الثاني منه، وليس له ذلك. # فصل: # فإن كان العبد بين شريكين، فأعتق أحدهما نصيبه وهو موسر، عتق كله، ووجب ~~عليه قيمة نصيب شريكه، لما روى ابن عمر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «من أعتق شركا له في عبد، فإن كان له ما يبلغ ثمن العبد، قوم عليه ~~قيمة العدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق العبد وإلا فقد عتق عليه ما عتق» ~~متفق عليه. وفي لفظ «وكان له ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل، فهو عتيق» . وفي ~~لفظ «فقد عتق كله» . # ويعتق كله حال إعتاق الشريك، للخبر، ولأنه سراية قول، فنفذ في الحال ~~كطلاق بعض الزوجة، فإن أعتقه الشريك عقيب عتق الأول وقبل أخذ القيمة، لم ~~يثبت له فيه عتق، لأنه صار حرا بعتق الأول. ولو لم يؤد القيمة حتى أفلس، ~~كانت دينا في ذمته، وعتقه ماض، ووقت التقويم وقت العتق، لأنه وقت الإتلاف، ~~فأشبه الجناية، فإن اختلفا في القيمة، فالقول قول المعتق، لأنه غارم. وإن ~~اختلفا في صناعة تزيد بها قيمته، أو عيب تنقص به قيمته، فالقول قول من ~~ينفيه، لأن الأصل عدمه، وسواء كان المعتق مسلما أو كافرا، لأنه ms0767 تقويم متلف، ~~فاستوى فيه المسلم والكافر، كتقويم المتلفات. ويحتمل أن لا يسري عتق الكافر ~~في المسلم، لأنه لا يجوز أن يتملكه. وإن كان نصيب الشريك وقفا، لم يعتق، ~~لأن الوقف لا يعتق بالمباشرة، فبالسراية أولى. # PageV02P322 # وإن كان المعتق معسرا، عتق نصيبه منه خاصة، وباقيه على الرق، للخبر، ولأن ~~سراية العتق ضرر بالشريك، لتلف ماله بغير رضاه، من غير عوض يجبره. # وعنه: يستسعي العبد في قيمة باقيه، ويعتق كله. لما روى أبو هريرة قال: ~~قال رسول الله: - صلى الله عليه وسلم - «من أعتق شقصا له في مملوكه، فعليه ~~أن يعتقه كله، إن كان له مال، وإلا استسعي العبد غير مشقوق عليه» رواه أبو ~~داود. # والأول أصح، لأن خبر ابن عمر أصح، ولأن الإحالة على السعاية، إحالة على ~~وهم، وفيه ضرر بالعبد بإجباره على الكسب من غير اختياره، فإن كان معه قيمة ~~البعض، عتق منه بقدره، لأن ما وجب بالاستهلاك إذا عجز عن البعض وجب بقدر ما ~~قدر عليه، كقيمة المتلف. # فصل: # فإن أعتق المعسر بعض عبده، عتق كله، لأنه موسر بما يسري إليه، فأشبه ما ~~لو أعتق بعض عبد وهو موسر بقيمة باقيه، فإن أعتق بعضه في مرض موته، عتق منه ~~ما يحتمله الثلث وإن زاد على قدر ما أعتق، لأن عتق بعضه كعتق جميعه، وإن ~~احتمل الثلث جميعه، عتق كله. # فصل: # إذا ملك بعض عبد، فأعتقه في مرض موته أو دبره، فعتق بموته، وكان ثلث ماله ~~يفي بقيمة حصة شريكه، أعطي وكان كله حرا في إحدى الروايتين، لأن ثلثه له، ~~فكان موسرا به، والأخرى: لا يعتق منه إلا ما ملك، لأن حق الورثة تعلق ~~بماله، إلا ما استثناه من الثلث بتصرفه فيه. ذكرهما الخرقي، وأبو الخطاب. ~~قال الخرقي: وكذلك الحكم إذا دبر بعضه وهو مالك لكله، لأن ملكه يزول عما ~~سوى المعتق. وقال القاضي: إن أعتقه في مرض موته وهو موسر، عتق جميعه، لأنه ~~أعتقه وهو موسر بثمن جميعه، فدخل في الخبر، وإن دبره لم يعتق إلا ما ملك، ~~لأن ms0768 ملكه زال بالموت، إلا ما استثناه بوصيته. وصحح الرواية الأولى في العتق ~~في المرض. والثانية في التدبير. # فصل: # وإذا كان العبد لثلاثة، لأحدهم نصفه، وللآخر ثلثه، وللثالث سدسه، فأعتق ~~صاحب النصف وصاحب السدس معا، وهما موسران، عتق عليهما، وضمنا حق شريكهما ~~فيه بالسوية، لأن التقويم المستحق بالسراية، يسقط على عدد الرؤوس، كما لو ~~اشترك اثنان في جراحة رجل، جرحه أحدهما جرحا، والآخر عشرة، ويكون ولاؤه ~~بينهما أثلاثا، لصاحب النصف ثلثاه، ولصاحب السدس ثلثه، ويحتمل أن يقوم ~~عليهما # PageV02P323 # على قدر ملكيهما، لأنه يستحق بالملك، فكان على قدره، كالشفعة، فيكون ~~ولاؤه بينهما أرباعا. # فصل: # وإذا كان العبد لثلاثة، فأعتقوه معا، أو وكل نفسان الثالث، فأعتق حقهما ~~مع حقه، أو أعتقه كل واحد منهم وهو معسر، عتق على كل واحد حقه منهم، وولاؤه ~~بينهم أثلاثا، وإن أعتقه الأول وهو معسر، وأعتقه الثاني وهو موسر، عتق عليه ~~نصيبه ونصيب شريكه، وكان ثلث ولائه للمعتق الأول، وثلثاه للمعتق الثاني. ~~وإن قال اثنان منهم للثالث: إذا أعتقت نصيبك فنصيبنا حر، فأعتق نصيبه وهو ~~معسر عتق كله عليه، وقوم عليه نصيب شريكيه، وولاؤه له دونهما، ويحتمل أن ~~يعتق نصيبهما عليهما، لأن إعتاق نصيبهما يتعقب إعتاق نصيبه، ولا تسبقه ~~السراية، وإن كان معسرا، عتق عليه نصيبه خاصة، وعتق نصيب صاحبيه بالشرط، ~~وولاؤه بينهم أثلاثا، سواء اتفقا في القول، أو سبق به أحدهما، لأن الوقوع ~~بوجود الشرط، وقد استويا فيه، وإن قالا له: إذا أعتقت نصيبك، فنصيبنا حر مع ~~نصيبك، فأعتق نصيبه، عتق نصيب كل واحد على مالكه، لأن عتقه وقع في حالة ~~واحدة. # فصل: # فأما العتق بالملك، فإن من ملك ذا رحم محرم، عتق عليه بمجرد ملكه، لما ~~روى سمرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ملك ذا رحم محرم، فهو ~~حر» رواه أبو داود ولأنه ذو رحم محرم فعتق عليه إذا ملكه الولد. # وعنه: لا يعتق عليه، إلا عمودا النسب، بناء على أن نفقة غيرهم لا تجب. ~~وإن ملك بعض من يعتق عليه بسبب غير ms0769 الميراث، فهو كإعتاقه له في تقويم باقيه ~~عليه مع اليسار، وبقائه على الرق مع الإعسار، لأنه عتق بسبب من جهته، فأشبه ~~إعتاقه بالقول. وإن ملكه بالإرث، لم يعتق منه إلا ما ملك، موسرا كان أو ~~معسرا، لأنه لا اختيار له في إعتاقه، ولا سبب من جهته. ونقل عنه المروذي ما ~~يدل على أنه يعتق نصيب الشريك إذا كان موسرا، لأنه ملك بعضه، أشبه البيع. ~~وإذا ملك ولده من الزنا، لم يعتق عليه على ظاهر كلام أحمد - رضي الله عنه ~~-، لأنه لا تجب عليه نفقته، ويحتمل أن يعتق عليه، لأنه ولد يحرم نكاحه، ~~فعتق، كولد الرشيدة. # فصل: # وإن وهب لصبي من يعتق عليه، أو وصي له به، وكان بحيث لا يجب على الصبي ~~نفقته لكون الصبي معسرا، أو الموهوب صحيحا كبيرا. إذا كسب وجب على # PageV02P324 # الولي قبول الهبة والوصية، لأن فيه نفعا للصبي، وجمالا بحرية قريبه من ~~غير ضرر. وإن كان بحيث تلزمه نفقته، لم يكن له قبوله، لأن فيه ضررا بإلزامه ~~نفقته. وإن وهب له جزء ممن يعتق عليه، وكان ممن لا تجب نفقته، ففيه وجهان ~~مبنيان على أنه: هل يقوم على الصبي باقيه؟ فيه وجهان: # أحدهما: لا يقوم عليه باقيه، لأنه يدخل في ملكه بغير سبب من جهته، أشبه ~~الإرث، فعلى هذا يلزم وليه قبوله، لما فيه من النفع الخالي على الضرر. # والثاني: يقوم عليه، لأن قبول وليه يقوم مقام قبوله، كما لو قبل وكيل ~~البالغ، فعلى هذا لا يملك قبوله. فإن قبل في موضع لا يملك القبول، لم يصح، ~~ولا يملك الولي شراء من يعتق على الصبي، لأنه إذا لم يملك قبول الهبة التي ~~لا عوض فيها، فالبيع أولى. # فصل: # وإذا أعتق في مرضه عبيدا لا مال له غيرهم، أو دبرهم، أو أوصى بعتقهم، أو ~~دبر أحدهم وأوصى بعتق الباقين، لم يعتق منهم إلا الثلث، إلا أن يجيز ~~الورثة، فيقرع بينهم بسهم حرية، وسهمي رق، فمن خرج له سهم حرية، عتق ورق ~~الباقون، لما روى عمران بن حصين: ms0770 «أن رجلا من الأنصار أعتق ستة مملوكين في ~~مرضه لا مال له غيرهم، فجزأهم رسول الله ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين، وأرق ~~أربعة» . أخرجه مسلم. # وإن كان عليه دين يستغرقهم، لم يعتق منهم شيء، لأن عتقهم وصية، وقد «قضى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أن الدين قبل الوصية» . وإن كان يستغرق ~~بعضهم، عتق من باقيهم ثلثه، فيقرع بينهم لإخراج الدين، ثم يقرع بينهم ~~لإخراج الحرية، فإن كان الدين يستغرق نصفهم، جزأناهم جزأين، وأقرعنا بينهم ~~بسهم دين، وسهم تركة، فمن خرج له سهم الدين، بيع فيه، ثم يقرع بين الباقين ~~بسهم حرية، وسهمي رق كما ذكرنا. # فصل: # ولو أعتقهم وثلثه يحتملهم، فأعتقناهم، ثم ظهر عليه دين يستغرقهم، بعناهم ~~فيه، لما ذكرنا. فإن قال الورثة: نحن نقضي الدين ونجيز العتق، احتمل أن لهم ~~ذلك، لأن المانع إنما هو الدين، فإذا قضي زال المانع، فثبت العتق، واحتمل ~~أنه ليس لهم ذلك، لأن الغرماء تتعلق حقوقهم بالتركة، فلم يملك الورثة ~~إبطالها بالقول، لكن إذا قضوا الدين فلهم استئناف العتق. وإن أعتقنا بعضهم ~~بالقرعة، ثم ظهر عليه دين يستغرق بعضهم، احتمل أن يبطل العتق في الجميع، ~~كما لو اقتسم الشركاء، ثم ظهر لهم شريك ثالث، واحتمل أن يبطل بقدر الدين، ~~لأن بطلانه لأجل الدين، فيقدر بقدره، ولو # PageV02P325 # أعتقهم فأعتقنا منهم واحدا يعجز ثلثه عن أكثر منه، ثم ظهر له مال يخرجون ~~من ثلثه، تبينا أن الباقين كانوا أحرارا من حين أعتقهم، فيكون كسبهم لهم، ~~لأنهم يخرجون من الثلث. # فصل: # فإن مات بعضهم، أقرعنا بينهم، فإن خرجت لميت حسبناه من التركة، وقومناه ~~حين العتق، لأنه خرج بذلك من التركة. وإن خرجت لحي، نظرنا في الميت، فإن ~~مات في حياة المعتق أو بعدها قبل قبض الوارث، لم يحسب من التركة، لأنه لم ~~يصل إلى الوارث، فيكون لتركة الحيين، فيكمل ثلثهما ممن وقعت عليه القرعة، ~~وتعتبر قيمته حين إعتاقه، لا حين إتلافه. وحكى أبو الخطاب عن أبي بكر أن ~~الميت يحسب من التركة، ويعتق من تقع عليه القرعة ms0771 إن خرج من الثلث، لأننا ~~حسبناه من التركة إذا وقعت القرعة له، فكذلك إذا وقعت لغيره. فإن مات بعد ~~قبض الوارث، حسب من التركة، لأنه وصل إليه. # فصل # قال أحمد: بأي شيء خرجت القرعة، وقع الحكم به، سواء كانت رقاعا أو ~~خواتيم، وذلك لأن الشرع ورد بالقرعة، ولم يرد بكيفيتها، فوجب ردها إلى ما ~~يقع عليه الاسم مما تعارفه الناس، والأحوط أن تقطع رقاع متساوية يكتب في كل ~~رقعة اسم ذي السهم، ثم يجعل في بنادق طين، أو شمع، متساوية، ثم يغطى بثوب، ~~ويقال لرجل: أدخل يدك، فأخرج بندقة، فيفضها، ويعلم ما فيها، فإن كان القصد ~~عتق الثلث، جزأ العبيد ثلاثة أجزاء، فإن أمكن تجزئتهم بالعدد والقيمة، كستة ~~أعبد قيمتهم متساوية، جعلنا كل اثنين جزءا كما فعل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فيهم. وإن كانت قيمتهم مختلفة، إلا أننا إذا ضممنا قليل القيمة إلى ~~كثيرها، صار أثلاثا، فعلنا ذلك. وإن أمكن تعديلهم بالقيمة دون العدد، كستة ~~قيمة أحدهم الثلث، وقيمة اثنين الثلث، وقيمة ثلاثة الثلث، جزأناهم بالقيمة. ~~وإن لم يمكن تعديلهم بقيمة ولا عدد، كثمانية أعبد قيمتهم مختلفة، أو ~~متساوية، احتمل أن لا نجزئهم، بل نخرج قرعة الحرية لواحد واحد، حتى يستوفى ~~الثلث، واحتمل أن نقارب بينهم، ونجزئهم ثلاثة أجزاء، فنجعل ثلاثة جزءا، ~~وثلاثة جزءا، واثنين جزءا، فإن خرجت القرعة على زائد على الثلث، أقرعنا بين ~~ما وقعت لهم القرعة، فكملنا الحرية في بعضهم، وتممنا الثلث من الباقين. وإن ~~وقعت على ما دون الثلث، عتقوا، وأعدنا القرعة لتكميل الثلث من الباقين. وإن ~~أعتق عبدين، قيمة أحدهما مثلا قيمة الآخر، أقرعنا بينها بسهم حرية، وسهم ~~رق، فإن وقع سهم الحرية للأدنى عتق، وإن وقع للأكثر عتق نصفه. فإن كانت ~~قيمة أحدهما مائتين، والآخر # PageV02P326 # ثلاثمائة، جمعنا قيمتهما، ثم أقرعنا بينهما، فمن خرج له سهم الحرية، ~~ضربنا قيمته في ثلاثة، ونسبنا قيمتها إلى المرتفع بالضرب، فما خرج من ~~النسبة، عتق من العبد قدره، فإذا وقعت على الذي قيمته مائتان، ضربناه في ~~ثلاثة، صار ms0772 ستمائة، ونسبنا قيمتهما إلى ذلك، نجدها خمسة أسداسه، فيعتق منه ~~خمسة أسداسه، وإن وقعت على الآخر، عتق منه خمسة أتساعه لذلك، وهكذا نصنع في ~~أمثال ذلك. # فصل # إذا أعتق الأمة وهي حامل، عتق جنينها، لأنه يتبعها في البيع والهبة، ففي ~~العتق أولى، فإن استثنى جنينها، لم يعتق، لما روي عن ابن عمر: أنه أعتق أمة ~~واستثنى ما في بطنها، ولأنها ذات حمل، فصح استثناء حملها، كما لو باع نخلة ~~لم تؤبر، واشترط ثمرتها. وقال القاضي: يخرج على الروايتين فيما إذا استثنى ~~ذلك في البيع، والمنصوص عن أحمد ما ذكرناه. وإن أعتق جنينها وحده، لم تعتق ~~هي، لأنها ليست تابعة له، فلا تعتق بعتقه، كما لو أعتقه بعد الولادة. # فصل # وإذا كان العبد بين شريكين، فادعى كل واحد منهما أن شريكه أعتق نصيبه، لم ~~يخل من أحوال ثلاثة: # أحدهما: أن يكونا موسرين فيصير العبد حرا، لاعتراف كل واحد منهما بحريته ~~بإعتاق شريكه، ويبقى كل واحد منهما يدعي على شريكه قيمة حقه منه، فإن لم ~~يكن بينة، حلف كل واحد منهما لصاحبه وبرئ. وإن نكل أحدهما، قضي عليه. وإن ~~نكلا جميعا، تساقطا حقاهما، ولا ولاء على العبد، لأنه لا يدعيه أحد. فإن ~~اعترف به أحدهما بعد ذلك، ثبت له، سواء كانا عدلين أو فاسقين. # الحال الثاني: أن يكونا معسرين، فلا يقبل قول كل واحد منهما على صاحبه، ~~لأنه لا اعتراف فيه بالحرية، لعدم السراية في إعتاق المعسر، فإن كانا ~~فاسقين، فلا عبرة بقولهما. وإن كانا عدلين، فللعبد أن يحلف مع كل واحد ~~منهما، ويصير حرا، أو يحلف مع أحدهما ويصير نصفه حرا. فإن كان أحدهما عدلا، ~~والآخر فاسقا، فله أن يحلف مع العدل. هذا إذا قلنا: إن الحرية تثبت بشاهد ~~ويمين، ولا ولاء لواحد منهما أيضا، لأنه لا يدعيه. # الحال الثالث: أن يكون أحدهما موسرا، والآخر معسرا، فيعتق نصيب المعسر ~~وحده، لاعترافه بحريته، لأنه يعترف بعتق الموسر الذي يسري إلى نصيبه، ويبقى ~~نصيب الموسر رقيقا، لأنه إنما اعترف بإعتاق شريكه الذي لا ms0773 يسري، فلا يؤثر. ~~فإن كان المعسر عدلا، فللعبد أن يحلف مع شهادته، ويصير حرا إذا قلنا: إن ~~الحرية تثبت بشهادة ويمين. # PageV02P327 # فصل # وإن ادعى أحد الشريكين أن شريكه أعتق نصيبه وهما موسران، أو المدعى عليه ~~موسر وحده، عتق نصيب المدعي وحده، لاعترافه بحريته، وبقي نصيب المدعى عليه ~~رقيقا. وإن كانا معسرين، أو المدعى عليه معسرا، لم يعتق منه شيء. فإن اشترى ~~المدعي نصيب صاحبه، عتق ولم يسر إلى نصيبه، لأن عتقه باعترافه بحريته، لا ~~بإعتاقه. # فصل # إذا ادعى العبد أن سيده أعتقه، وأقام شاهدا، حلف مع شاهده، وصار حرا في ~~إحدى الروايتين، والأخرى: لا يثبت ذلك بشاهد ويمين، لأنه ليس بمال، ولا ~~المقصود منه المال، فأشبه الطلاق. # فصل # إذا مات رجل وخلف ابنين وعبدين متساويي القيمة، فاعترف كل واحد منهما ~~بعتق أحد العبدين، عتق من كل واحد ثلثه، ولكل واحد من الابنين سدس العبد ~~الذي اعترف بعتقه، ونصف الآخر، لأنه يزعم أن ثلثي العبد الذي اعترف بعتقه ~~حر، ويبقى ثلثه لكل واحد منهما سدسه. وإن قال أحدهما: أبي أعتق هذا. وقال ~~الآخر: أبي أعتق أحدهما لا أدري من منهما، أقرعنا بينهما، فإن وقعت القرعة ~~على الآخر، عتق من كل واحد ثلثه، كالتي قبلها، لأن القرعة قائمة مقام ~~تعيينه. وإن وقعت على الذي اعترف أخوه بعتقه، عتق ثلثاه، إلا أن يجيزا عتقه ~~كاملا، وصار كالمتفق على عتقه. ### | باب تعليق العتق بالصفة # ويجوز تعليق العتق بصفة، نحو قوله: إن دخلت الدار فأنت حر، أو: إن ~~أعطيتني ألفا، فأنت حر، لأنه عتق بصفة، فجاز، كالتدبير، ولا يعتق قبل وجود ~~الصفة بكمالها، لأنه حق علق على شرط، فلا يثبت قبله، كالجعل في الجعالة. ~~وإن قال ذلك في مرض موته، اعتبر من الثلث، لأنه لو أعتقه، اعتبر من الثلث، ~~فإذا عقده، كان أولى، فإن قال في الصحة فهو من رأس المال، سواء وجدت الصفة ~~في الصحة أو المرض، لأنه غير متهم بالإضرار بالورثة في تلك الحال. وقال أبو ~~بكر: إن وجدت الصفة في المرض، فهو ms0774 من الثلث، لأن حق الورثة قد تعلق ~~بالثلثين، فلم ينفذ إعتاقه فيهما، كما لو نجز العتق. وإن مات السيد قبل ~~وجود الصفة، بطلت، لأن ملكه يزول بموته، فيبطل تصرفه بزواله. وإن قال: إن ~~دخلت الدار بعد موتي، فأنت حر، ففيه روايتان: # إحداهما: لا تنعقد هذه الصفة، لأنه علق عتقه على صفة توجد بعد زوال ملكه، # PageV02P328 # فلم تصح، كما لو قال: إن دخلت الدار بعد بيعي إياك، فأنت حر. # والثانية: تنعقد، لأنه إعتاق بعد الموت فصح، كما لو قال: أنت حر بعد ~~موتي. # فصل # وإن علق عتق أمته على صفة وهي حامل، تبعها ولدها في ذلك، لأنه كعضو من ~~أعضائها. فإن وضعته قبل وجود الصفة ثم وجدت، عتق الولد، لأنه تابع في ~~الصفة، فأشبه ما لو كان في البطن. وإن علق عتقها وهي حائل، ثم وجدت الصفة ~~وهي حامل، عتقت هي وحملها، لأن العتق وجد فيها وهي حامل، فتبعها ولدها، ~~كالعتق المطلق. وإن حملت ثم ولدت، ووجدت الصفة، لم يعتق الولد، لأن الصفة ~~لم تتعلق به. وفيه وجه آخر: يتبعها قياسا على ولد المدبرة. وإن بطلت الصفة ~~ببيع أو موت. لم يعتق الولد، لأنه إنما يتبعها في العتق، لا في الصفة. فإذا ~~لم توجد فيها، لم توجد فيه، بخلاف ولد المدبرة، فإنه يتبعها في التدبير. ~~فإذا بطل فيها، بقي فيه. # فصل # وإذا علق العتق بصفة، لم يملك إبطالها بالقول، لأنه كالنذر، ويملك ما ~~يزيل الملك فيه من البيع وغيره. فإذا باعه ثم اشتراه، فالصفة بحالها، لأن ~~التعليق والصفة وجدا في ملكه، فعتق، كما لو لم يزل الملك، فإن وجدت الصفة ~~بعد زوال الملك، ثم اشتراه، فهل تعود الصفة؟ فيه روايتان: # إحداهما: لا تعود، لأنها انحلت بوجودها في ملك المشتري، فلم تعد، كما لو ~~انحلت بوجودها في ملكه. # والثانية: تعود، لأنه لم توجد الصفة التي يعتق بها، فأشبه ما لو عاد إلى ~~ملكه قبل وجود الصفة، ولأن الملك مقدر بالصفة، فكأنه قال: إذا دخلت الدار ~~وأنت في ملكي، فأنت حر، ولم يوجد ms0775 ذلك. # فصل # وإن علق العتق على صفة قبل الملك فقال لعبد أجنبي: إذا دخلت الدار فأنت ~~حر، ثم ملكه ودخل الدار، لم يعتق، لأنه لا يملك تنجيز العتق، فلا يملك ~~تعليقه، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا عتق قبل ملك» رواه أبو ~~داود الطيالسي. وإن قال: إن # PageV02P329 # ملكتك فأنت حر. أو ملكت فلانا، فهو حر، ففيه روايتان: # إحداهما: لا يعتق لذلك. # والثانية: يعتق إذا ملكه، لأنه أضاف العتق إلى حال يملك عتقه فيه، فأشبه ~~ما لو كان التعليق في ملكه. وإن قال الحر: كل مملوك أملكه، فهو حر، ففيه ~~روايتان، لما ذكرنا. وإن قال ذلك العبد، ثم عتق وملك، فهل يعتق عليه؟ على ~~وجهين: # أحدهما: يعتق عليه، كالحر. # والثاني: لا يعتق عليه، لأن العبد لا يملك، فلا يصح منه التعليق. ولو قال ~~الحر: آخر مملوك أشتريه، فهو حر، وقلنا بصحة التعليق، فمتى مات، تبينا حصول ~~الحرية لآخر مملوك اشتراه من حين الشراء فيكون اكتسابه له. فإن أشكل الآخر ~~منهم، أقرع بينهم، لإخراج الحر، وكذلك لو قال لأمته: أول ولد تلدينه فهو ~~حر، فولدت ابنين، أقرع بينهما إذا أشكل أولهما خروجا. ### | باب التدبير # ومعناه: تعليق الحرية بالموت: وصريحه: أنت حر أو عتيق، بعد موتي، أو أنت ~~مدبر، أو قد دبرتك، لأن هذا اللفظ موضوع له، فكان صريحا فيه، كلفظ العتق في ~~الإعتاق، وهو مستحب، لأنه يقصد به العتق، ويعتبر من الثلث، لأنه تبرع ~~بالمال بعد الموت، فهو كالوصية، ونقل عنه حنبل أنه من رأس المال، وليس عليه ~~عمل، وذكر أبو بكر أنه كان قولا قديما، وربما رجع عنه. # فصل # ويجوز مطلقا ومقيدا، فالمطلق كما ذكرنا، والمقيد نحو أن يقول: إن مت من ~~مرضي هذا، أو في هذا البلد، فأنت حر، لأنه تعليق على صفة، فجاز مطلقا ~~ومقيدا. والمقيد: كتعليقه على دخول الدار. وإن قال: إن دخلت الدار فأنت حر ~~بعد موتي، جاز، لأنه تعليق على صفة، فجاز تعليقه على صفة أخرى، كما ذكرنا. ~~فإن دخل الدار # PageV02P330 # في حياة السيد، ms0776 فهو مدبر، وإن لم يدخل حتى مات، بطلت الصفة بالموت، لأنه ~~يزول به الملك، ولم يوجد التدبير، لعدم شرطه. # فصل # ويجوز تدبير المعلق عتقه على صفة وتعليق عتق المدبر على صفة، لأن التدبير ~~تعليق على صفة، فلا يمنع التعليق على صفة أخرى، كغيره من الصفات، فإن وجدت ~~إحداهما، عتق وبطلت الأخرى، لزوال الرق قبل وجودها. ويجوز تدبير المكاتب، ~~كما يجوز تعليق عتقه على صفة، وتجوز كتابة المدبر، كما يجوز أن يبيعه نفسه. ~~فإذا كاتبه ودبره، فأدى كتابته قبل موت سيده، عتق وبطل التدبير. فإن مات ~~السيد قبل الأداء، عتق بالتدبير إن حمل الثلث ما بقي من كتابته، وبطلت ~~الكتابة. وإن لم يحمله الثلث، عتق منه قدر الثلث، وسقط من مال الكتابة بقدر ~~ما عتق، وهو على الكتابة فيما بقي، وما في يده من الكسب له في الحالين، ~~لأنه كان مملوكا له ولم يوجد ما يخرجه عن يده، فبقي له، كما لو أبرأه من ~~مال الكتابة، ويحتمل أن تكون كتابة المدبر رجوعا في تدبيره، إن قلنا: إنه ~~يملك إبطاله بالرجوع فيه، ولا يصح تدبير أم الولد، لأنها تستحق العتق بموت ~~سيدها، بسسب مؤكد، فلا يفيد التدبير. ولو استولد المدبرة، بطل تدبيرها ~~لذلك. # فصل # ويجوز بيع المدبرة، لما روى جابر بن عبد الله «أن رجلا من الأنصار أعتق ~~غلاما له عن دبر منه، ولم يكن له مال غيره، فاحتاج. فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: من يشتريه مني؟ فباعه من نعيم بن عبد الله بثمانمائة ~~درهم، فدفعها إليه وقال: أنت أحوج منه» رواه البخاري ومسلم والنسائي. ولأنه ~~إما وصية، وإما تعليق على صفة، وأيهما كان، لم يمنع البيع. وعن أحمد أنه لا ~~يباع إلا في الدين، أو حاجة صاحبه، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما ~~باعه لحاجة صاحبه. # وعنه: لا يجوز بيع المدبرة خاصة، لأن بيعها إباحة فرجها، والحكم في هبته ~~ووقفه، كالحكم في بيعه واكتسابه ومنافعه. وأرش الجناية عليه لسيده، لأنه ~~كالقن. وإن جنى فسيده بالخيار بين فدائه أو ms0777 تسليمه للبيع، كالقن. فإن مات ~~السيد قبل ذلك، عتق، وأرش جنايته في تركته، لأنه عتق من جهته، فتعلق الأرش ~~بماله كالمنجر. وإن كانت الجناية لا تستغرق قيمته، فبيع بعضه فيها، فباقيه ~~باق على التدبير، لأن المانع اختص ببعضه، فوجب أن يختص المنع به. # فصل # فإذا زال ملكه عن المدبر، ببيع أو غيره، ثم عاد إليه، رجع التدبير بحاله، ~~لأنه # PageV02P331 # علق العتق بصفة، فلم تبطل بالبيع، كالتعليق بدخول الدار. وفيه وجه آخر: ~~أنه يبطل بالبيع، لأنه وصية، فبطل بالبيع، كالوصية له بمال. # فصل # ولو دبره، ثم قال: قد رجعت في تدبيري، أو أبطلته، لم يبطل، لأنه تعليق ~~بصفة، فأشبه تعليقه بدخول الدار. # وعنه: يبطل، لأنه تصرف معلق بالموت يعتبر من الثلث، فأشبه الوصية. وإن ~~قال للمدبر: إن أديت إلى ورثتي ألفا، فأنت حر، فهو رجوع، لأنه وقفه على ~~أداء ألف، وذلك مناف للتدبير، فأشبه قوله: رجعت في تدبيري. والصبي كالبائع ~~في هذا، لأنه مثله في التدبير، فكان مثله في الرجوع فيه. # فصل # وإذا دبر أحد الشريكين نصيبه، لم يسر إلى نصيب شريكه، لأنه تعليق للعتق ~~بصفة، أو وصية، وكلاهما لا يسري، ويحتمل أن يضمن ويصير كله مدبرا له، لأنه ~~سبب يوجب العتق بالموت فسرى، كالاستيلاد. فإن أعتق الآخر نصيبه، سرى العتق ~~إلى جميعه، وقوم عليه نصيب شريكه، لحديث ابن عمر. ويحتمل أن لا يسري العتق ~~فيه، إذا قلنا: إنه يجوز بيعه. # فصل # وما ولدت المدبرة بعد تدبيرها، فولدها بمنزلتها، لأنها تستحق الحرية ~~بالموت، فيتبعها ولدها، كأم الولد. ولا يتبعها ولدها الموجود قبل التدبير، ~~لأنه لا يتبع في حقيقة العتق، ففي تعليقه أولى. وذكر أبو الخطاب فيه رواية ~~أخرى: أنه يتبعها في التدبير. وإن دبر عبده، ثم أذن له في التسري، فولد له ~~ولد، لم يكن مدبرا، لأن أمه غير مدبرة. # وعنه: أنه يصير مدبرا، لأنه ولده من أمته فيتبعه، كولد الحر. وإذا صار ~~الولد مدبرا لتدبير أمه، فبطل تدبيرها لبيعها، والرجوع في تدبيرها، لم يبطل ~~في ولدها، لأنه استحق الحرية، فلم ms0778 يبطل حقه، لمعنى وجد في غيره، كما لو ~~باشره بالتدبير. # فصل # ويصح تدبير الصبي المميز والسفيه، لما ذكرنا في صحة وصيتهما. ويصح تدبير ~~الكافر، لأنه يصح إعتاقه. فإن أسلم مدبره، أمر بإزالة ملكه عنه، لأن الكافر ~~لا يمكن من استدامة الملك على مسلم، مع إمكان بيعه. وفيه وجه آخر: أنه لا ~~يباع، لأنه استحق الحرية بالموت، فأشبه أم الولد إذا أسلمت، ولكن تزال يده ~~عنه، وينفق عليه من كسبه. # PageV02P332 # فإن لم يكن ذا كسب، فنفقته على سيده، كأم الولد إذا أسلمت. وإن دبر ~~المرتد عبده، كان تدبيره موقوفا، كسائر تصرفاته، فإن أسلم، تبينا صحة ~~تدبيره. وإن مات على الردة، تبينا بطلانه. # وعنه: أن ملكه يزول بنفس الردة، فيكون تدبيره باطلا، وهذا قول أبي بكر. ~~وإن ارتد بعد التدبير وقتل بردته، أو مات، بطل التدبير، لأن ملكه زال في ~~حياته. وإن رجع صح تدبيره، لأنا تبينا بقاء ملكه، أو رجوعه إليه بإسلامه ~~بعد زواله. # فصل # فإذا ادعى العبد أن سيده دبره، فأنكر، فالقول قول السيد مع يمينه، لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ولكن اليمين على المدعى عليه» رواه مسلم، ~~والبخاري بمعناه. فإن أقام العبد بينة، ثبت تدبيره. وهل يكفي شاهد ويمين، ~~أو رجل وامرأتان، أم لا يكفي إلا رجلان؟ على روايتين، كما ذكرنا في العتق، ~~ويتخرج أن لا تسمع دعوى العبد بناء على أن السيد له الرجوع في التدبير. وهل ~~يكون إنكار التدبير رجوعا عنه؟ على وجهين، بناء على الوصية. # فصل # وإن قتل المدبر سيده، بطل تدبيره، لأنه استحقاق علق بالموت من غير فعل، ~~فأبطله القتل، كالإرث والوصية. ### | باب الكتابة # وهو مندوب إليها في حق من يعلم فيه خيرا، لقول الله تعالى: {فكاتبوهم إن ~~علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] يعني: كسبا وأمانة، في قول أهل التفسير. # وعنه: رواية أخرى أنها واجبة، إذا دعا العبد الذي فيه خير سيده إليها، ~~لظاهر الآية، ولأن عمر أجبر أنسا على كتابة سيرين، والأول ظاهر المذهب، ~~لأنه إعتاق بعوض، فلم يجب كالاستسعاء، والآية محمولة على الندب، ms0779 وقول عمر ~~يخالفه فعل أنس، فأما من لا كسب له، ففيه روايتان: # إحداهما: تكره كتابته، لأنه يصير كلا على الناس. # والثانية: لا تكره، لعموم الأخبار في فضل الإعتاق. وإذا دعا هذا سيده إلى # PageV02P333 # الكتابة لم يجبر، رواية واحدة. وإن دعا السيد عبده إلى الكتابة، لم يجبر ~~عليها، لأنه إعتاق على مال، لم يجبر عليه كغير الكتابة. # فصل # ولا تنعقد إلا بالقول، وتنعقد بقوله: كاتبتك على كذا، لأنه لفظها الموضوع ~~لها، فانعقدت به، كلفظ النكاح فيه. ويحتمل أن يشترط أن يقول: إذا أديت إلي، ~~فأنت حر، لأنه إعتاق معلق على شرط، فاعتبر ذكره، والأول أولى. # فصل # ولا تصح إلا من جائز التصرف، مسلما كان أو كافرا، لأنها تصرف في المال، ~~فأشبهت البيع. فأما المميز من الصبيان، فيصح أن يكاتب عبده بإذن وليه، ولا ~~يصح بغير إذنه، كما في بيعه، ويحتمل أن لا تصح بحال، لأنه إعتاق. وإن كاتب ~~السيد عبده المميز، صح، لأن إيجاب سيده له إذن منه في قبولها. وإن كاتب ~~عبده المجنون أو الطفل، فهو عقد باطل، وجوده كعدمه، إلا أن القاضي قال: ~~يعتق بالأداء، لأن الكتابة تعليق الحرية بالأداء، فإن بطلت الكتابة كان ~~عتقهما بحكم الصفة المحضة، وقال أبو بكر: لايعتق، لأن الكتابة ليست بصفة، ~~ولا يعتبر ذكر الصفة فيها بحال. # فصل: # ولا تصح إلا على عوض، لأنها عقد معاوضة، فأشبه البيع. ومن شرطه أن يكون ~~مؤجلا، لأن جعله حالا يفضي إلى العجز عن أدائه، وفسخ العقد بذلك، فيفوت ~~المقصود. وأن يكون منجما نجمين فصاعدا في قول أبي بكر، وظاهر كلام الخرقي، ~~لأن عليا قال: الكتابة على نجمين، والإيتاء من الثاني. وقال ابن أبي موسى: ~~يجوز جعل المال كله في نجم واحد، لأنه عقد شرط فيه التأجيل، فجاز على نجم ~~واحد، كالسلم، ولأن القصد بالتأجيل إمكان التسليم عنده، ويحصل ذلك في النجم ~~الواحد، والأحوط نجمان فصاعدا. ويجب أن تكون النجوم معلومة، ويعلم في كل ~~نجم قدر المؤدى، وأن يكون العوض معلوما بالصفة، لأنه عوض في الذمة، فوجب ~~فيه ms0780 العلم بذلك، كالسلم، ولا تصح إلا على عوض يصح السلم فيه، لما ذكرنا. ~~وذكر القاضي: أنه يحتمل أن يصح على عوض مطلق، بناء على قوله في النكاح ~~والخلع، والصحيح ما قدمنا. # فصل: # وتجوز الكتابة على المنافع، لأنها تثبت في الذمة بالعقد، فجازت الكتابة ~~عليها، كالمال، وتجوز على مال أو خدمة، لأن كل واحد منهما، يصح أن يكون ~~عوضا # PageV02P334 # منفردا، فصح في الآخر، كالمالين. فإن كاتبه على خدمة شهر، أو شهرين ~~متواليين، فهو كالنجم الواحد، لأنها مدة واحدة، فإن قال: على أن تخدمني ~~شهرا، ثم تخدمني عقيبه شهرا آخر، صح، لأنهما نجمان. وإن قال: على خدمة شهر ~~ودينار بعده بيوم، صح، لأنهما نجمان. فإن جعل الدينار مع انقضاء الشهر، أو ~~في أثنائه، صح، لأن الخدمة بمنزلة العوض الحال، فصار كالأجلين، ويحتمل أن ~~لا يصح، لأنهما في مدة واحدة فكانا نجما واحدا. وإن جعل الدينار حالا، عقيب ~~العقد، لم يصح، لأنه عوض حال معجوز عنه، بخلاف الخدمة، فإنها وإن كانت في ~~منزلة الحال، فهو قادر عليها. # فصل: # والكتابة عقد لازم لا يملك العبد فسخها بحال. # وعنه: أنه يملكه، ولا يملك السيد فسخها قبل عجز المكاتب، لأنه أسقط حقه ~~منه بالعوض، فلم يملك ذلك قبل العجز عنه، كالبيع. وللعبد الامتناع من ~~الأداء، لأنه جعل شرطا في عتقه، فلم يلزمه، كدخول الدار. ولا تبطل بموت ~~السيد، ولا جنونه، ولا الحجر عليه، ولا جنون العبد لأنه عقد لازم، فأشبه ~~البيع، وينتقل بموت السيد إلى ورثته، لأنه مملوك لمورثهم فانتقل إليهم، ~~كالقن. فإذا أدى إليهم، عتق، وولاؤه لمكاتبه، لأن السبب وجد منه، ولا يجوز ~~شرط الخيار في الكتابة، لأن الخيار شرع لدفع الغبن عن المال، والسيد دخل ~~على بصيرة: أن الحظ لعبده، فلا معنى للخيار. وإن اتفقا على الفسخ، جاز، ~~لأنه عقد يلحقه الفسخ بالعجز عن المال، فجاز فسخه بالتراضي، كالبيع. # فصل: # ويجوز بيع المكاتب، لأن «بريرة قالت لعائشة: يا أم المؤمنين إني كاتبت ~~أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني على كتابتي، فقال ms0781 النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لعائشة: اشتريها» متفق عليه، ولأنه سبب يجوز فسخه، ~~فلم يمنع البيع كالتدبير. # وعنه: لا يجوز بيعه، لأن سبب العتق ثبت له في كل وجه لا يستقل السيد ~~برفعه، فمنع البيع، كالاستيلاد. والأول أظهر، فإن باعه لم تبطل الكتابة، ~~لأنها عقد لازم، فلم تبطل ببيعه كالنكاح، ويكون في يد مشتريه مبقى على ما ~~بقي من كتابته، فإذا أدى عتق، وولاؤه له، وإن عجز فله الفسخ، ويعود رقيقا ~~له، لأن البائع نقل ماله من الحق فيه إلى المشتري فصار بمنزلته، وإن لم ~~يعلم المشتري أنه مكاتب، فله الخيار بين فسخ البيع، وأخذ ما بينه سليما ~~ومكاتبا، لأنه عيب، فأشبه سائر العيوب، والحكم في هبته والوصية به، كالحكم ~~في بيعه، لأنه نقل للملك فيه. ولا يجوز وقفه، لأنه معرض # PageV02P335 # لزوال الرق فيه، والوقف يجب أن يكون مستقرا. # فصل: # وإن اشترى المكاتب مكاتبا آخر، صح، سواء اشتراه من سيده، أو من أجنبي، ~~لأن المشتري أهل للشراء، والمبيع محل له، فصح، كما لو اشترى عبدا. فإن عاد ~~المبيع فاشترى سيده، لم يصح، لأنه لا يصح أن يملك مالكه، والله أعلم. ### | باب ما يملكه المكاتب وما لا يملكه # يملك المكاتب اكتساب المال بالبيع، والإيجار والأخذ بالشفعة، وأخذ ~~الصدقة، والهبة، وكسب المباحات، والسفر، لأنه من أسباب الكسب، وهو مع ~~المولى كالأجنبي في ضمان المال، وبذل المنافع، وأرش الجنايات، وجريان الربا ~~بينهما، لأنه صار بما بذله من العوض كالحر، وقال ابن أبي موسى: لا ربا ~~بينهما، لأنه ملك لسيده. قال أصحابنا: ولا بأس أن يعجل المكاتب لسيده، ويضع ~~عنه بعض كتابته، لأن مال الكتابة ليس بمستقر، ولذلك لا يصح ضمانه، فليس ~~بدين صحيح، فكأن السيد أخذ بعضا، وأسقط بعضا. # فصل: # ويملك التصرف في المال بما يعود لمصلحته ومصلحة ماله، فيجوز أن ينفق على ~~نفسه، لأن هذا من أهم مصالحه، وعلى رقيقه، وحيواناته، وله أن يفدي نفسه ~~ورقيقه في الجناية، # لأن فيه مصلحته # ، وله أن يختن غلامه ويؤدبه، لأنه صلاح للمال، وله أن يقتص ms0782 من الجناية ~~عليه، وعلى رقيقه، ويأخذ الأرش، لأن فيه مصلحته، وذكره القاضي. وقال أبو ~~بكر وأبو الخطاب: لا قصاص له في جناية بعض رقيقه على بعض، لأن فيه إتلاف ~~المال على سيده. # فصل: # وليس له إقامة الحد على رقيقه، لأن طريقه الولاية، والمكاتب ليس من أهل ~~الولاية، وليس له أن يتصدق ولا يتبرع، ولا يعتق الرقيق، ولا يحج بماله، ولا ~~يهب ولا يحابي، ولا يبرئ من الدين، ولا يكفر بالمال، ولا ينفق على أقاربه، ~~ولا يقرض، ولا يسرف في النفقة على نفسه، لأن حق السيد متعلق بإكسابه، فإنه ~~ربما عجز فصار إلى سيده. وإن كانت أمة مزوجة، لم يملك بذل العوض في خلعها، ~~ولا تعجيل قضاء دين مؤجل، لأنه تبرع يمنع التصرف في المال من غير حاجة ~~إليه. وإن كان مكاتبا بين نفسين، لم يكن له تقديم حق أحدهما، لأن ما يقدمه ~~يتعلق به حق الآخر، ولا يملك # PageV02P336 # فداء جناية، أو جناية رقيقه بأكثر من قيمته، لأن الفداء كالابتياع. ولا ~~يملك التزويج ولا التسري، لأنه تلزمه النفقة والمهر في التزويج، ولا يأمن ~~حبل الأمة، فتتلف بالولادة. وما فعل من هذا كله بإذن سيده. جاز. لأن المنع ~~لأجله، فجاز بإذنه، كتصرف الراهن بإذن المرتهن، وإن وهب المولى أو أقرضه، ~~أو حاباه أو فدى جنايته عليه بأكثر من أرشها، جاز لاتفاقهما عليه. # فصل: # وليس له التصرف إلا على وجه الحظ والاحتياط، لأن حق المولى متعلق ~~باكتسابه فلا يبيع نسأ، وإن أخذ به رهنا، أو ضمينا، ويحتمل الجواز لما ~~ذكرنا في المضارب. وإن باع ما يساوي مائة بمائة نقدا وعشرين نسيئة، جاز، ~~لأنه لا ضرر فيه، وليس له أن يضارب بماله، لأنه يخاطر به، ولا يرهنه، لأنه ~~يخرج ماله بغير عوض. وفيه وجه آخر: أنه يجوز له رهنه والمضاربة به، لأنه قد ~~يرى الحظ فيه، بدليل أن لولي اليتيم فعله في مال اليتيم، فجاز، كإجارته. # فصل: # وإذا استولد أمته، صارت أم ولد له، لأنها علقت له في ملكه، وليس له ~~بيعها، نص عليه ms0783 وتكون هي وولدها منه موقوفين. إن عتق بالكتابة عتق الولد، ~~وأمه أم ولد. وإن رق، رقا. وذكر القاضي في موضع آخر: أن الأمة لا تصير أم ~~الولد، لأنها علقت بمملوك، وله بيعها، وليس له مكاتبة رقيقه، لأنه إعتاق. ~~واختار القاضي: أن له ذلك، لأنه معاوضة فملكه كالبيع. وقال أبو بكر: إعتاقه ~~وكتابته موقوفان. وإن أدى وهما في ملكه نفذا، وإلا بطلا، كالقول في ذوي ~~أرحامه. والأول أصح، لأن العتق تبرع، فلم يصح كالهبة، ومن لا يصح إعتاقه لا ~~تصح كتابته، كالمأذون، وليس له تزويج الرقيق. وحكي عن القاضي: أن له تزويج ~~الأمة دون العبد، لأنه معاوضة، وقال أبو الخطاب: له تزويجهما إذا رأى ~~المصلحة فيه، لأنه تصرف في الرقيق بما فيه المصلحة، فجاز، كختان العبد. ~~والأول أصح، لأن في التزويج ضررا في المال ونقصا في القيمة، وليس هو من ~~جهات المكاسب، قال القاضي: وله أن يشتري ذوي رحمه، لأنه لا ضرر على السيد ~~فيهم، فإنه إن عجز فهم عبيد، وإن عتق، لم يضر السيد عتقهم وقال أبو الخطاب: ~~ليس له شراؤهم، لأنه يبذل ماله فيما لا يجوز التصرف فيه، ويلزمه نفقته، لكن ~~يصح أن يملكهم بالهبة والوصية، أو بالشراء بإذن السيد، وعلى كلا القولين ~~إذا ملكهم لم يعتقوا بمجرد ملكه لهم، لأنه لا يملك إعتاقهم بالقول، فلا ~~يحصل العتق بالملك القائم مقامه، ولا يملك بيعهم ولا إخراجهم عن ملكه، لأن ~~من يعتق عليه ينزل منزلة جزئه، فلم يجز بيعه، كبعضه. فإن أدى عتق وكمل ملكه ~~فيهم، فعتقوا حينئذ، وولاؤهم له # PageV02P337 # دون سيده. وإن رق، رقوا ونفقتهم على المكاتب، لأنهم عبيده. وإن أعتقهم ~~السيد لم يصح، لأنهم ليسوا عبيدا له. وإن اشترى المكاتب زوجته أو المكاتبة ~~زوجها، صح، لأنه يملك التصرف فيه، وإذا ملك أحدهما صاحبه، انفسخ النكاح، ~~لأنه لا يجتمع ملك اليمين وملك النكاح. ولو زوج ابنته من مكاتبه، فمات ~~السيد قبل عتقه، انفسخ النكاح، لأنها لما ملكته أو جزأ من أجزائه، انفسخ ~~النكاح، كما لو اشترته. # فصل: # وإن حبس ms0784 المكاتب أجنبي عن التصرف، فعليه أجرة مثله، لأنه فوت منافعه، ~~فلزمه عوضها، كالعبد وإن حبسه سيده، ففيه ثلاثة أوجه: # أحدها: تلزمه أجرة مثله، لما ذكرنا. # والثاني: لا يحتسب عليه بمدة الحبس، لأنه يلزمه تمكينه من التصرف مدة ~~الكتابة، فإذا منعه لم يحتسب بها عليه. # والثالث: يلزمه أرفق الأمرين به، لأنه وجد سببهما، فكان للمكاتب أنفعهما، ~~وإن قهره أهل الحرب فحبسوه، لم يلزم السيد إنظاره، لأن الحبس من غير جهته. # فصل: # وليس للسيد وطء مكاتبته من غير شرط، لأنه زال ملكه عن استخدامها، وأرش ~~الجناية عليها، فلا يحل وطؤها كالمعتقة، وإن شرطه في عقد الكتابة صح الشرط، ~~لأنه شرط منفعتها مع بقاء ملكه عليها، فصح، كما لو شرط خدمتها مدة، فإن ~~وطئها مع الشرط، فلا مهر عليه، لأنه يملكه، فأشبه وطء أم ولده، وإن وطئها ~~من غير شرط أدب، لأنه وطئ وطأ محرما، ولا حد عليه، لأنها مملوكته، ولها ~~عليه مهر مثلها، سواء أكرهها، أو طاوعته، لأنه عوض منفعتها، فوجب لها، كما ~~لو استخدمها، وإن علقت منه، فالولد حر، لأنه ولده من أمته، ولا يلزمه قيمته ~~لذلك، وتصير أم ولد له، لأنه أحبلها بجزء من ملكه، والكتابة بحالها، فإن ~~أدت عتقت، وإن عجزت عتقت بموته، لأنها من أمهات الأولاد، وما في يدها لورثة ~~سيدها، وإن مات السيد قبل عجزها، عتقت، لأنه اجتمع بها سببان يقتضيان ~~العتق، فأيهما سبق عتقت به، وما في يدها لها، ذكره القاضي، لأن العتق إذا ~~وقع في الكتابة، لا يبطل حكمها، ولأن الملك كان ثابتا لها، والعتق لا يقتضي ~~زواله عنها، فأشبه ما لو عتقت بالإبراء من مال الكتابة، وقال الخرقي وأبو ~~الخطاب: ما في يدها لورثة سيدها، لأنها عتقت بحكم الاستيلاد، فأشبه غير ~~المكاتبة، ولو أعتقها سيدها، أو عتقت بالتدبير، احتمل أن يكون كذلك، # PageV02P338 # واحتمل أن يكون ما في يدها لها بكل حال، لأن إعتاقها برضى من المعتق، رضى ~~منه بإعطائها مالها، بخلاف العتق بالاستيلاد. # فصل: # وولد المكاتبة من غير سيدها بعد كتابتها، بمنزلتها، لأنها استحقت ms0785 الحرية ~~بسبب قوي، فتبعها ولدها كأم الولد. وسواء حملت به بعد الكتابة، أو كانت ~~حاملا به عند كتابتها، ونفقته عليها، لأنه تبعها في حكمها، وكسبه لها لذلك، ~~وإن قتل، فقيمته لها، لأنه بمنزلة جزئها، وبذل جزئها لها. فإن أعتقه السيد، ~~نفذ عتقه. نص عليه، لأنه عبد له فصح عتقه، كأمه. فإن كان ولدها جارية، لم ~~يملك السيد وطأها، لأنه لا يملك وطء أمها، وحكمها حكم أمها، وإن وطئها، فلا ~~حد عليه للشبهة، وعليه مهرها، وحكمه حكم كسبها، وإن علقت منه، صارت أم ولد ~~له بشبهة الملك، ولا يلزمه قيمتها، لأن القيمة تجب لمن يملكها، والأم لا ~~تملك رقبتها، إنما هي موقوفة عليها، ويحتمل أن تلزمه قيمتها لأمها، كما لو ~~قتلها، والحكم في وطء جارية المكاتبة، كالحكم في وطء بنتها، إلا أنه يلزمه ~~قيمتها إذا أحبلها لمولاتها، لأنها مملوكتها. ووطء جارية المكاتب، كوطء ~~جارية المكاتبة سواء. # فصل: # إذا كانت الأمة بين شريكين فكاتباها، ثم وطئها أحدهما، أدب ولا حد عليه، ~~لشبهة الملك، وعليه المهر لها، لما قدمناه. فإن أولدها، فولده حر، وتصير أم ~~ولد له، وعليه نصف قيمتها لشريكه، لأنه فوت رقها عليه. فإن كان موسرا أداه، ~~وإن كان معسرا ففي ذمته، هذا ظاهر كلام الخرقي، لأن الإحبال أقوى من ~~الإعتاق، بدليل نفوذه من المجنون، وتصير أم ولد للواطئ ومكاتبة له، كما لو ~~اشترى نصفها من شريكه. وقال القاضي: إن كان الواطئ معسرا، لم يسر إحباله ~~إلى نصيب الشريك، لأنه إعتاق، فلم يسر مع الإعسار، كالقول، ويصير نصفها أم ~~ولد. فإن عجزت، استقر الرق في نصفها، وثبت حكم الاستيلاد لنصفها. وإن كان ~~الواطئ موسرا، فنصفها أم ولد، ونصفها موقوف. إن أدت، عتقت. وإن عجزت، فسخت ~~الكتابة، وقومت حينئذ على الواطئ، وصار جميعها أم ولد له، وأما الولد، فهو ~~حر، ونسبه لاحق بالواطئ، وهل تجب نصف قيمته؟ فيه روايتان: # إحداهما: تجب، لأنه كان من سبيله أن يكون عبدا، فقد أتلف رقه بفعله، فكان ~~عليه نصف قيمته. # والثانية: لا تجب قيمته، لأنه انتقل ms0786 نصيب شريكه إليه حين علقت به، ولا ~~قيمة # PageV02P339 # له في تلك الحال، فلم يضمنه. وقال القاضي: والرواية الأولى أصح على ~~المذهب، ويكون الواجب لأمه إن كانت في الكتابة، لأنه بدل ولدها. وقال أبو ~~بكر: إن وضعته بعد التقويم، فلا شيء على الواطئ، لأنها وضعته في ملكه، وإن ~~كان قبله، غرم نصف قيمته. # فصل: # فإن وطئها الثاني بعد وطء الأول، وكانت باقية على الكتابة، فعليه المهر ~~لها. وإن كانت قد عجزت وقومت على الأول، فالمهر له. وإن لم تقوم على الأول، ~~فمهرها بينهما، فإن أولدها الثاني بعد الحكم بأنها أم ولد الأول، لم تصر أم ~~ولد للثاني، وحكم ولدها حكمها، كما لو ولدت من أجنبي، وإن كان قبل الحكم ~~بأنها أم ولد للأول، صار نصفها أم ولد للثاني، ونصفها أم ولد للأول. # فصل: # ويجب على السيدة إيتاء المكاتب من المال قدر ربع الكتابة، لقول الله ~~تعالى: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] وروى علي - رضي الله ~~عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في هذه الآية: «يحط به الربع» ~~أخرجه أبو بكر. وهذا نص. وروي موقوفا على علي. # ويخير السيد بين وضعه عنه، وبين دفعه إليه، لأن الله تعالى نص على الدفع ~~إليه، فنبه به على الوضع، لكونه أنفع من الدفع، لتحقق النفع به في الكتابة، ~~فإن اختار الدفع، جاز به العقد، للآية. ووقت الوجوب بعد العتق، لقوله ~~تعالى: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] فإذا آتى ما عليه، ~~عتق. وقال علي: الكتابة على نجمين، والإيتاء من الثاني، ويجب الإيتاء من ~~جنس مال الكتابة، للآية. فإن اتفقا على غير ذلك، جاز، لأن الحق لهما، فجاز ~~باتفاقهما. وإن مات السيد بعد العتق وقبل الإيتاء، فذلك دين في تركته يحاص ~~به غرماؤه، لأنه حق لآدمي فلم يسقط بالموت، كسائر حقوقه. ### | باب الأداء والعجز في الكتابة # باب الأداء والعجز لا يعتق المكاتب حتى يبرأ من مال الكتابة، بالأداء أو ~~الإبراء، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي ms0787 - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم» رواه أبو داود. ~~وقال أصحابنا: إذا أدى ثلاث أرباع كتابته وعجز عن الربع، عتق، # PageV02P340 # لأنه حق له، فلا تتوقف حريته على أدائه، كأرش جناية سيده عليه. وإن أبرأه ~~سيده، عتق لأنه لم يبق عليه شيء. # فصل: # وإن عجلت الكتابة قبل محلها وفي قبضها ضرر، لم يلزمه قبضه قبل محله، ~~كالسلم. وإن لم يكن في قبضه ضرر، لزمه قبضه وعتق العبد، لأن الأجل حق لمن ~~عليه الدين. فإذا رضي بإسقاط حقه، يجب أن يسقط كسائر الحقوق. # وعنه: لا يلزمه قبضه، لأن بقاء المكاتب في هذه المدة في ملكه حق له، ولم ~~يرض بزواله، فلم يزل، كما لو علق عتقه بمضي تلك المدة. # وعنه: أنه يعتق إذا ملك ما يؤدي، لما روت أم سلمة أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه» ~~رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. فعلى هذا إن امتنع من الأداء، أجبره ~~الحاكم عليه. # فصل # وإذا حل نجم فعجز عن أدائه، فللسيد الفسخ، لأنه تعذر العوض في عقد ~~معاوضة، ووجد عين ماله، فكان له الرجوع، كما لو باع سلعة فأفلس المشتري قبل ~~تقديمها. # وعنه: لا يعجز حتى يحل نجمان، لأن ما بينهما محل الأداء الأول، فلا يتحقق ~~عجزه حتى يحل الثاني. # وعنه: لا يعجز حتى يقول: قد عجزت، وللسيد الفسخ بغير حاكم، لأنه مجمع ~~عليه، أشبه الرد بالعيب. وإن امتنع العبد من الأداء مع إمكانه، فظاهر كلام ~~الخرقي: أن للسيد الفسخ، وهو قول جماعة من أصحابنا، لأن التعذر حاصل ~~بالامتناع، كحصوله بالعجز. وقال أبو بكر: ليس له الفسخ، لأنه أمكن ~~الاستيفاء بإجباره على ذلك، وتعذر البعض كتعذر الجميع. # فصل: # وإن كان معه متاع يريد بيعه فاستنظره لبيعه، لزمه إنظاره، لأنه أمكن ~~الاستيفاء من غير ضرر. ولا يلزمه إنظاره أكثر من ثلاث، لأنها قريبة، وإن ~~كان له مال غائب، يرجو قدومه فيما دون مسافة القصر، فكذلك، وإن كان ms0788 أبعد، ~~لم يلزمه إنظاره، لأن فيه ضررا. وإن كان له دين حال على مليء، أو في يد ~~مودع، فهو كالغائب القريب. وإن كان على معسر، أو مؤجلا، فهو كالبعيد. وإن ~~حل النجم والمكاتب غائب بغير # PageV02P341 # إذن سيده، فله الفسخ. وإن كان بإذنه، لم يفسخ، ويرفع الأمر إلى الحاكم ~~ليكتب كتابا إلى حاكم ذلك البلد، ليأمره بالأداء، أو يثبت عجزه عنده، فيفسخ ~~حينئذ، وإن حل والمكاتب مجنون معه مال، فسلمه إلى المولى، عتق، لأنه قبض ما ~~يستحقه، فبرئت به ذمة الغريم، فإن لم يكن معه شيء، فلسيده الفسخ. وإن فسخ ~~ثم ظهر له مال، نقض الحكم بالفسخ، لأننا حكمنا بالعجز في الظاهر، وقد بان ~~خلافه، فنقض، كما لو حكم الحاكم، ثم وجد النص بخلافه، وإن كان قد أنفق عليه ~~بعد الفسخ، رجع بما أنفق، لأنه لم يتبرع به، بل أنفق على أنه عبده. وإن ~~أفاق بعد الفسخ فأقام بينة أنه كان قد أدى، نقض الحكم بالفسخ، ولم يرجع ~~السيد بالنفقة، لأنه تبرع بإنفاقه عليه، مع علمه بحريته. # فصل: # وإن أحضر المكاتب المال، فقال السيد: هذا حرام، وأنكر المكاتب ولا بينة، ~~فالقول قول المكاتب مع يمينه، لأنه في يده، فالظاهر أنه له. فإذا حلف، خير ~~المولى بين أخذه أو إبرائه من مال الكتابة. فإن لم يفعل قبضه الحاكم، لأنه ~~حق تدخله النيابة. فإذا امتنع منه، قام الحاكم مقامه، وكذلك إن عجلت ~~الكاتبة قبل محلها - وقلنا: يلزمه أخذه - فامتنع، قام الحاكم مقامه، وروي ~~أن رجلا أتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين إني كاتبت على كذا وكذا، وإني ~~أيسرت بالمال، فأتيته بالمال، فزعم أنه لا يأخذه إلا نجوما، فقال عمر: يا ~~برفأ خذ هذا المال فاجعله في بيت المال، وأد إليه نجوما في كل عام، وقد عتق ~~هذا. رواه الأثرم. # فصل: # فإذا أدى المكاتب ظاهرا فبان مستحقا، تبينا أنه لم يعتق، لأن العتق ~~بالأداء، وما أدى. وإن علم بعد الموت، فتركته لمولاه أو ورثته، لأنه مات ~~على الرق. وإن ظهر به عيب، فللسيد الرد ms0789 والمطالبة بالأرش. فإن رضي به ~~معيبا، استقر العتق. وإن طلب الأرش فأدى إليه، استقر العتق. وإن لم يؤد ~~إليه بطل العتق، لأن ذمته لم تتم براءتها من المال. وإن رد المعيب بطل ~~العتق، إلا أن يعطيه بدله. وقال أبو الخطاب: لا يرتفع العتق، وله قيمة ~~المعيب أو أرشه إن أمسكه. وإن كاتب على خدمة شهر فمرض فيه، لم يقع العتق، ~~لعدم العوض. # فصل: # وإن باع ما في ذمة المكاتب، لم يصح، لأنه بيع دين، لا سيما وهو غير ~~مستقر، فإن قبضه المشتري، لم يعتق المكاتب، لأنه لم يقبضه السيد، ولا وكيله ~~وإنما قبضه # PageV02P342 # المشتري لنفسه، وهو لا يستحقه. وفيه وجه آخر: أنه يعتق، لأن السيد أذن ~~للمشتري في قبضه، فكان قبضه كقبض وكيله. # فصل: # إذا جنى المكاتب بدئ بجنايته قبل كتابته، لأن جنايته تقدم على حق المالك ~~إذا كان قنا، فعلى حقه إذا كان مكاتبا أولى. فإن أداهما، عتق، وإن عجز عن ~~أدائهما، فلكل واحد منهما تعجيزه، فإن عجزه ولي الجناية، بيع فيها إن ~~استغرقته، وإلا بيع منه بقدر جنايته، وباقيه على الكتابة، متى أدى كتابة ~~باقية عتق. وهل يسري عتقه ويقوم على سيده إن كان موسرا؟ على وجهين. وإن ~~عجزه السيد عاد قنا وخير بين فدائه أو تسليمه، كعبده القن، فإن أعتقه ~~السيد، فعليه فداؤه أيضا، لأنه أتلف محل الحق. وإن كان عليه دين من معاملة، ~~بدئ بقضائه مما في يده، لأنه يتعلق بما في يده، ويختص به. والسيد والمجني ~~عليه يرجعان إلى رقبته. فإن فضل شيء، قدم ولي الجناية. وإن لم يكن له مال، ~~لم يملك الغريم تعجيزه، لأن حقه في الذمة، فلا فائدة في تعجيزه، بل تركه ~~على الكتابة أنفع له، لأنه ربما اكتسب بما يعطيه، فكان أولى. ### | باب الكتابة الفاسدة # إذا كاتبه على عوض محرم، أو مجهول، فالعقد فاسد. وإن شرطا شرطا فاسدا، ~~مثل أن يشرط أن يوالي من شاء من ميراثه، فالعقد صحيح، لأن «عائشة - رضي ~~الله عنها - قالت: كان في بريرة ثلاث قضيات، أراد ms0790 أهلها أن يبيعوها ~~ويشترطوا الولاء، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال اشتريها ~~وأعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق» متفق عليه. فحكم بفساد الشرط مع أمره ~~بالشراء، ويتخرج فساد العقد بناء على فساد البيع به، وإن شرط عليه أن لا ~~يسافر ولا يطلب الصدقة، فالعقد صحيح. وفي الشرط روايتان: # إحداهما: هو صحيح، لأن فيه غرضا صحيحا للسيد، وهو صيانته عن أكل الصدقة، ~~وصيانة عبده عن التغرير بالسفر. # والثانية: هو باطل، لأنه ينافي مقتضى العقد، وهو تمكينه من الكسب، وأخذ ~~ما فرض الله له من الصدقات. # فصل: # ومتى فسد العقد، فللسيد الفسخ، لأنه عقد فاسد لا حرمة له، وسواء كان فيه ~~صفة، كقوله: إن أديت إلي، فأنت حر، أو لم تكن، لأن المقصود المعاوضة، فصارت ~~الصفة مثبتة عليها، بخلاف الصفة المجردة. وله فسخ العقد بنفسه، لأنه مجمع ~~عليه، # PageV02P343 # وتنفسخ بموت السيد، وجنونه، والحجر عليه لسفه، لأنه عقد غير لازم فأشبه ~~الوكالة، وقال أبو بكر: لا تنفسخ بذلك، ولا تبطل بجنون العبد، لأنه لازم من ~~جهته، فأشبه العتق المعلق بالصفة. وإن أدى ما كوتب عليه عتق، لأن الكتابة ~~جمعت معاوضة وصفة، فإذا بطلت المعاوضة، بقيت الصفة، فعتق بها. وإن أدى إلى ~~غير كاتبه، أو أبرأه السيد مما عليه، لم يعتق، لأن الصفة لم توجد. وقال أبو ~~بكر: يعتق بالأداء إلى الوارث، لأنه قام مقام المورث. وإذا عتق فله ما فضل ~~في يده من الكسب. ويتبع الجارية ولدها، لأنها أجريت مجرى الصحيحة في العتق، ~~فتجري مجراها فيما ذكرنا. وفيه وجه آخر: لا يتبعها ولدها ولا فضلة كسبها، ~~لأن عتقها بالصفة دون الكتابة. ولا يرجع السيد على العبد بشيء، لأنها إما ~~عتق بصفة، وإما مجراه مجرى الكتابة الصحيحة، وكلاهما لا يثبت فيه التراجع. ### | باب جامع الكتابة # تصح كتابة بعض العبد، لأنه عقد معاوضة على نصيب المكاتب، فصح كبيعه. وإذا ~~كاتبه وكان باقيه حرا فأدى، كملت له الحرية. وإن كان باقيه قنا، لم تسر ~~الكتابة إليه، لأنه عقد معاوضة، فأشبه البيع، ويصير شريكا لمالك باقيه ms0791 في ~~نفسه. فإذا أدى ما كوتب عليه ومثله لمالك باقيه، عتق وسرى العتق إلى سائره ~~إن كان جميعه للمكاتب، وإن كان لغيره والمكاتب موسر، عتق جميعه، وإن كان ~~معسرا، لم يعتق إلا ما كاتبه كالإعتاق المنجز. وإذا أذن له شريك المكاتب في ~~الأداء من جميع كسبه، عتق بأدائه، كما لو أدى إليها. وإن كان باقيه مكاتبا، ~~أو كاتب السيدين معا، جاز، سواء اتفق العوضان أو اختلفا، لأنه عقد معاوضة ~~فأشبه البيع. ولا يملك أن يؤدي إلى أحدهما أكثر مما يؤدي إلى صاحبه، لأنهما ~~سواء في كسبه، إلا أن يأذن أحدهما في تعجيل حق الآخر فيجوز. وذكر أبو بكر ~~وجها آخر: أنه لا يجوز تخصيص أحدهما بالأداء وإن أذن الآخر فيه، لأن حقه في ~~ذمته لا فيما في يده، فلم ينفع إذنه فيه، والأول أصح، لأن المنع لحقه، فجاز ~~بإذنه. فإن أدى إليهما في حال واحدة، عتق عليهما وولاؤه لهما. وإن أدى ~~أحدهما قبل الآخر بإذنه، أو لكون نصيب المؤدى إليه من العوض أقل، عتق نصيبه ~~وسرى إلى نصيب الآخر إن كان موسرا في قول الخرقي، لأنه أعتق شركا له في ~~عبد، وهو موسر، فعتق عليه كله، لحديث ابن عمر. وقال أبو بكر: لا يسري في ~~الحال، لأن في سرايته إبطال نصيب صاحبه من الولاء الذي انعقد سببه، وهكذا ~~الخلاف فيما إذا عتق أحدهما نصيبه بالمباشرة، وفيما إذا كان نصفه قنا ~~فأعتقه صاحب القن. # PageV02P344 # فصل: # ويجوز أن يكاتب جماعة من عبيده صفقة واحدة بعوض واحد، لأن العوض بجملته ~~معلوم، فصح، كما لو باع عبدين بثمن واحد، ويصير كل واحد منهم مكاتبا بحصته ~~من العوض، يقسم بينهم على قدر قيمتهم حين العقد، لأنه عوض، فيسقط على ~~المعوض بالقيمة، كما لو اشترى شقصا وسيفا. قال أبو بكر: ويتوجه لأبي عبد ~~الله قول آخر: إن العوض بينهم على عددهم، لأنه أضيف إليهم إضافة واحدة، ~~فكان بينهم على السواء، كما لو أقر لهم بشيء، والأول أصح. وتعتبر قيمتهم ~~حال العقد، لأنه حال زوال سلطانه عنهم. ms0792 وأيهم أدى عتق، لأنه أدى ما عليه ~~فعتق، كما لو انفرد. وقال ابن أبى موسى: لا يعتق حتى تؤدى جميع الكتابة. ~~وإن مات بعضهم، سقط من مال الكتابة بقدر حصته، والأول أصح. # فصل # وإذا كاتب السيد عبده، فماله لسيده، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«من باع عبدا وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع» ولأنه عقد ~~يزيل ملك السيد عن إكسابه فأشبه البيع. ### | باب اختلاف السيد ومكاتبه # إذا اختلفا في أصل العقد، فالقول قول السيد مع يمينه، لأن الأصل عدمه. ~~وإن اختلفا في قدر مال الكتابة أو أجله، ففيه ثلاث روايات: # إحداهن: القول قول السيد، لأنهما اختلفا في الكتابة، فأشبه ما لو اختلفا ~~في عقدها. # والثانية: القول قول المكاتب، لأن الأصل عدم الزيادة المختلف فيها. # والثالثة: يتحالفان، لأنهما اختلفا في قدر العوض، فيتحالفان، كما لو ~~اختلفا في ثمن المبيع: فإذا تحالفا قبل العتق، فسخنا العقد، إلا أن يرضى ~~أحدهما بما قال صاحبه. وإن كان التحالف بعد العتق، رجع السيد على العبد ~~بقيمته، ورجع العبد بما أداه على سيده. # فصل: # وإن وضع السيد عن العبد بعض نجومه، أو أبرأه منه، واختلفا في أي النجوم ~~هو، فالقول قول السيد، لأنهما اختلفا في فعله. وإن وضع عنه دراهم والكتابة ~~على دنانير، لم يصح، لأنه وضع عنه غير ما عليه. فإن قال العبد: إنما أردت ~~دنانير بقيمة # PageV02P345 # الدراهم، فأنكره السيد، فالقول قول السيد، لأن الظاهر معه، وهو أعلم بما ~~عنى. وإن أدى كتابته، فقال السيد: أنت حر، ثم بان مستحقا، لم يعتق، لأن ~~الظاهر أنه قصد إلى الخبر بناء على ظنه، وقد بان خلافه، فإن قال العبد: ~~أردت عتقي، فأنكر السيد، فالقول قوله، لأنه أعلم بقصده، وإن ادعى العبد ~~وفاء الكتابة فأنكره السيد، فالقول قول السيد، لأن الأصل عدم الوفاء. وإن ~~قال السيد: استوفيت، فادعى المكاتب أنه وفاه الجميع، وقال السيد: إنما ~~وفيتني البعض، فالقول قول السيد، لأن الاستيفاء لا يقتضي الجميع. # فصل: # فإن كان للمكاتبة ولد فقالت: ولدته في الكتابة، فقال ms0793 السيد: بل قبلها، ~~فالقول قول السيد: لأنه اختلاف في وقت الكتابة، والأصل عدمها قبل الولادة. ~~وإن زوج السيد مكاتبه أمته، فولدت منه: واشترى زوجته، فقال السيد: ولدته ~~قبل الشراء، وقال المكاتب: بل بعده، احتمل أن تكون كالتي قبلها، واحتمل أن ~~يكون القول قول العبد، لأن هذا اختلاف في الملك، والظاهر مع العبد، لأنه في ~~يده. بخلاف التي قبلها، لأنهما لم يختلفا في الملك، إنما اختلفا في وقت ~~العقد. # فصل: # فإذا أدى أحد المكاتبين إلى السيد أو أبرأه فادعى كل واحد من المكاتبين ~~أنه المؤدي، أو المبرأ، فالقول قول السيد في التعيين، لأنه لو أنكرهما، كان ~~القول قوله. فإذا أنكر أحدهما، قبل قوله، وعليه اليمين له، فإن نكل قضي ~~عليه، وعتقا جميعا، فإن قال: لا أعلم أيكما المؤدي، فعليه اليمين أنه لا ~~يعلم، فيقرع بينهما، فمن قرع صاحبه، حلف وعتق، وبقي الآخر على الكتابة، ~~وكذلك إن مات السيد قبل التعيين، قرع بينهما، لأنهما تساويا في احتمال ~~الحرية، فأشبه ما لو أعتق أحدهما وأنسيه. # فصل: # إذا كاتب عبيدا كتابة واحدة، فأدوا، عتقوا. فقال من كثرت قيمته: أدينا ~~على قدر قيمنا، وقال الآخر: بل أدينا على السواء، فبقيت لنا على الأكثر ~~بقية، فمن جعل العوض بينهم على عدد رؤوسهم قال: القول قول من ادعى التسوية، ~~ومن جعل على كل واحد قدر حصته، فعنده فيه وجهان: # أحدهما: القول قول من يدعي، التسوية، لأن أيديهم على المال فيتساوون فيه. # والثاني: القول قول الآخر، لأن الظاهر أن الإنسان لا يؤدي إلا ما عليه. # PageV02P346 # فصل: # وإذا كاتب رجلان عبدا بينهما، فادعى أنه أدى إليهما، فصدقه أحدهما، وأنكر ~~الآخر، عتق نصيب المقر، وحلف الآخر، وبقيت حصته على الكتابة، وله مطالبة ~~المقر بنصف ما قبض، لحصول حقه في يده، ومطالبة المكاتب بالباقي، وله مطالبة ~~المكاتب بالجميع، لأنه لم يدفع إليه حقه، ولا إلى وكيله، فإذا قبض، عتق ~~المكاتب، ومن أيهما أخذ، لم يرجع به المقبوض منه على الآخر، لأنه يقر ~~ببراءة صاحبه، ويدعي أن المنكر ظلمه، فلا يرجع بما ms0794 ظلمه به على غيره. فإن ~~عجز المكاتب، عجزه ورق نصفه، ولم يسر عتق الآخر، لأنه لا يعترف بعتقه ولا ~~العبد أيضا، ولا يعترف المنكر بعتق شيء منه، وإن شهد المصدق له. فقال ~~الخرقي: تقبل شهادته له في العتق، لأنه لا نفع له فيه، ولا تقبل شهادته ~~فيما يرجع إلى براءته من مشاركة صاحبه. وقياس المذهب أنه لا تقبل شهادته في ~~العتق أيضا، لأن من شهد بشهادة يجر إلى نفسه نفعا، بطلت شهادته في الكل. ~~وإن ادعى المكاتب، ودفع جميع المال إلى أحدهما، ليأخذ نصيبه منه، ويدفع ~~باقيه إلى شريكه. وقال المدعى عليه: بل دفعت إلى كل واحد منا حقه، فهي ~~كالتي قبلها، إلا أن المنكر يأخذ حصته بلا يمين، لأنه لا يدعي واحد منهما ~~دفع المال إليه، وإن قال المدعى عليه: قبضت المال، ودفعت إلى شريكي حصته، ~~فأنكر شريكه، فعليه اليمين ها هنا، لأنه يدعي التسليم إليه. فإذا حلف، فله ~~مطالبة من شاء منهما بجميع حقه. فإن أخذ من المكاتب، رجع على المقر، لأنه ~~قبض منه، سواء صدقه المكاتب في الدفع إلى شريكه، أو كذبه، لتفريطه في ترك ~~الإشهاد. فإن حصل للمنكر ماله من أحدهما، عتق. وإن عجز المكاتب، فللمنكر ~~استرقاق نصفه، والرجوع على المقر بنصف ما قبض، لأنه استحق نصف كسبه، ويقوم ~~على المقر، لأنه رقه كان بسبب منه، وهو التفريط. # فصل # وإذا خلف رجل ابنين وعبدا، فادعى العبد أن سيده كاتبه، فأنكراه، فالقول ~~قولهما مع أيمانهما، لأن الأصل عدم الكتابة، ويحلفان على نفي العلم، لأنها ~~يمين على فعل الغير. وإن صدقه أحدهما، أو نكل عن اليمين، وحلف الآخر، ثبتت ~~الكتابة لنصفه. ومتى أدى إلى المقر، عتق نصيبه، ولم يسر إلى نصيب شريكه، ~~لأنه لم يباشر العتق، ولم يتسبب إليه، إنما هو مقر بما فعل أبوه، وولاء ~~نصفه الذي عتق للمقر، لأنه لا يدعيه غيره. وإن شهد المقر على المنكر، ~~فشهادته مقبولة إن كان عدلا، لأن لا يجر إلى نفسه نفعا، ولا يدفع ضررا. ~~والله أعلم. # PageV02P347 ### | باب حكم أمهات ms0795 الأولاد # إذا أصاب الرجل أمته، فولدت منه ما يتبين فيه بعض خلق الإنسان، صارت له ~~أم ولد، تعتق بموته من رأس المال، لما روى ابن عباس قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة عن دبر منه» رواه ~~أحمد، وابن ماجة. ولأنه إتلاف حصل بالاستمتاع، فحسب من رأس المال، كإتلاف ~~ما يأكله. فأما إن علقت منه في غير ملكه، لم تعتق عليه، سواء ملكها حاملا ~~أو بعد الوضع، لأنها علقت بمملوك. فإذا كان الولد مملوكا، فأمه أولى. # وعنه: إن ملكها حاملا فولدت عنده، صارت له أم ولد، لعموم الخبر. وقال ~~القاضي: إن لم يطأها بعد ملكه لها، لم تصر أم ولد. وكذلك إن وطئها في ~~ابتداء حملها، أو توسطه بعد ملكه لها، صارت أم ولد، لأن الماء يزيد في سمعه ~~وبصره. وقد قال عمر: أبعدما اختلطت دماؤكم ودماؤهن، ولحومكم ولحومهن، ~~بعتموهن؟ ! فعلل بالاختلاط وقد وجد. وإن ولدت منه في غير ملكه بنكاح، أو ~~زنا، ثم ملكها، لم تصر أم ولد، لأن ولدها مملوك لسيد الأمة. ونقل ابن أبي ~~موسى: أنها تصير أم ولد، لما ذكرناه. والأول المذهب. # فصل # فإن أسقطت ولدا ميتا، فهو كالحي في ذلك، لأنه ولد. وإن أسقطت جزءا منه، ~~كيد، ورجل، فهي أم ولد، لأنه من ولد. وإن ألقت نطفة أو علقة، لم تصر أم ~~ولد، لأنه ليس بولد. وإن وضعت ما يتحقق فيه تخطيط، من رأس، أو يد، أو رجل، ~~أو عين، فهو ولد. وإن ألقت مضغة، فشهدت ثقة من القوابل أنه تخطط، أو تصور، ~~ثبت أنه ولد. وإن لم يتخطط ويتصور، فشهدت أنه بدو خلق آدمي، ففيه روايتان: # إحداهما: لا تصير أم ولد، لأنه ليس بولد، أشبه النطفة، والأخرى هي أم ~~ولد، لأنه بدو خلق بشر، أشبه المتخطط. # فصل # ويملك الرجل استخدام أم ولده، وإجارتها ووطأها، وتزويجها، وحكمها حكم ~~الإماء في صلاتها وغيرها، لأنها باقية على ملكه، إنما تعتق بعد الموت بدليل ~~حديث ابن عباس. # PageV02P348 # فصل # ولا يملك ms0796 بيعها ولا هبتها، ولا التصرف في رقبتها، لما روى سعيد بن منصور ~~بإسناده عن عبيدة. قال: خطب علي الناس فقال: شاورني عمر في أمهات الأولاد، ~~فرأيت أنا وعمر أن أعتقهن، فقضى به عمر حياته، وعثمان حياته، فلما وليت ~~رأيت أن أرقهن. قال عبيدة: فرأي عمر وعلي في الجماعة أحب إلينا من رأي علي ~~وحده، وروي عنه أنه قال: بعث إلي علي وإلى شريح أن اقضوا كما كنتم تقضون، ~~فإني أكره الاختلاف. وروى صالح عن أحمد أنه قال: أكره بيعهن، وقد باع علي ~~بن أبي طالب. قال أبو الخطاب: فظاهر هذا أنه يصح البيع مع الكراهة، والمذهب ~~الأول. # فصل # وإن ولدت من غير سيدها، فله حكمها، يعتق بموت سيدها، سواء عتقت أو ماتت ~~قبله، لأن الاستيلاد كالعتق المنجز، ولا يبطل الحكم فيه بموتها، لأنه استقر ~~في حياتها فلم يسقط بموتها، كولد المدبرة. # فصل # وإن أسلمت أم ولد الذمي، لم تعتق. ونقل عنه منها: أنها تعتق، لأنه لا ~~يجوز إقرار ملك كافر على مسلمة، ولا سبيل إلى إزالته بغير العتق. # وعنه: أنها تستسعى في قيمتها ثم تعتق، والمذهب الأول. قال أبو بكر: الذي ~~تقتضيه أصول أبي عبد الله أنها لا تعتق، لأنه سبب يقتضي العتق بعد الموت، ~~فلم يتجزأ بالإسلام، كالتدبير، ولكن تزال يده عنها، ويحال بينه وبينها، لأن ~~المسلمة لا تحل لكافر، وتسلم إلى امرأة ثقة، ونفقتها في كسبها، وما فضل ~~منه، فهو لسيدها. وإن لم يف بنفقتها، فعلى سيدها تمامها في إحدى الروايتين، ~~وهو قول الخرقي، لأنها مملوكته. # والثانية: لا يلزمه ذلك، لأنه منع الانتفاع بها. فإن أسلم حلت له، وإن ~~مات عتقت. # فصل # وإن جنت، لزم سيدها فداؤها، لأنه منع من بيعها بالإحبال، ولم تبلغ حالا ~~تتعلق بذمتها، فأشبه ما لو امتنع من تسليم عبده القن، ويفديها بأقل الأمرين ~~من قيمتها، أو أرش جنايتها، لأنه لا يمكن بيعها. # وعنه: يفديها بأرش جنايتها بالغة ما بلغت. حكاها أبو بكر، لأنه ممنوع من # PageV02P349 # تسليمها. فإن عادت فجنت، فداها كما وصفت، لأن ms0797 الموجب لفدائها وجد في ~~الثانية كوجوده في الأول، فوجب استواؤهما في الفداء، لاستوائهما في مقتضيه. # فصل # وإن جنت أم ولد على سيدها فيما دون النفس، فهو كجناية القن سواء. وإن ~~قتلته، عتقت، لأنه زال ملكه بموته، ولا يمكن نقل الملك. فإن كانت جنايتها ~~عمدا، فللأولياء القصاص منها. وإن كانت غير موجبة له، فسقط بالعفو، فعليها ~~قيمة نفسها، لأنها جناية أم ولد، فلم يجب أكثر من قيمتها، كالجناية على ~~الأجنبي. وإن ورث ولدها شيئا من القصاص الواجب عليها، سقط كله، لأنه لا ~~يتبعض، وصار الأمر إلى القيمة. # PageV02P350 ### | كتاب النكاح # بسم الله الرحمن الرحيم # كتاب النكاح النكاح مشروع، أمر الله به ورسوله، فقال تعالى: {فانكحوا ما ~~طاب لكم من النساء} [النساء: 3] . وقال سبحانه: {وأنكحوا الأيامى منكم ~~والصالحين من عبادكم وإمائكم} [النور: 32] . # PageV03P003 # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يا معشر الشباب من استطاع منكم ~~الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فليصم، فإن ~~الصوم له وجاء» # وقال - عليه السلام -: «إني أتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» . ~~وقال سعد بن أبي وقاص: «لقد رد النبي - صلى الله عليه وسلم - على عثمان بن ~~مظعون التبتل، ولو أحله له لاختصينا» . متفق عليهما، والتبتل: ترك النكاح. # وقد روي عن أحمد: أن النكاح واجب. اختاره أبو بكر لظاهر هذه النصوص فظاهر ~~المذهب أنه لا يجب إلا على من يخاف بتركه مواقعة المحظور، فيلزمه النكاح؛ ~~لأنه يجب عليه اجتناب المحظور، وطريقه النكاح. ولا يجب على غيره؛ لقوله ~~تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] ولو وجب لم يعلقه على ~~الاستطابة. والاشتغال به أفضل من التخلي للعبادة، لظاهر الأخبار. فإن أقل ~~أحوالها الندب إلى النكاح، والكراهة لتركه. إلا أن يكون ممن لا شهوة له، ~~كالعنين والشيخ الكبير، ففيه وجهان: # أحدهما: النكاح له أفضل؛ لدخوله في عموم الأخبار. # والثاني: تركه أفضل؛ لأنه لا يحصل منه مصلحة النكاح، ويمنع زوجته من ~~التحصن بغيره، ويلزم نفسه واجبات وحقوق لعله يعجز عنها. # فصل: # ولا يصح إلا من جائز ms0798 التصرف؛ لأنه عقد معاوضة فأشبه البيع، ولا يصح نكاح # PageV03P004 # العبد بغير إذن مولاه، لما روى جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر» رواه أبو داود، والترمذي ~~وقال: حديث حسن؛ ولأنه ينقص قيمته، ويوجب المهر والنفقة، وفيه ضرر على ~~سيده، فلم يجز بغير إذنه كبيعه. وعنه: أنه يصح ويقف على إجازة مولاه، بناء ~~على تصرفات الفضولي، ويجوز نكاحه بإذن مولاه؛ لدلالة الحديث، ولأن المنع ~~لحقه فزال بإذنه. # فصل: # ومن أراد نكاح امرأة فله النظر إليها، لما روى جابر قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إذا خطب أحدكم امرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ~~ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل» رواه أبو داود. # وينظر إلى الوجه؛ لأنه مجمع المحاسن، وموضع النظر، وليس بعورة وفي النظر ~~إلى ما يظهر عادة من الكفين والقدمين، ونحوهما روايتان: # إحداهما: يباح؛ لأنه يظهر عادة، أشبه الوجه. # والثانية: لا يباح لأنه عورة، أشبه ما لا يظهر، ولا يجوز النظر إلى ما لا ~~يظهر عادة؛ لأنه عورة، ولا حاجة إلى نظره، ويجوز النظر إليها بإذنها، وبغير ~~إذنها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أطلق النظر، فلا يجوز تقييده. وفي ~~حديث جابر قال: فخطبت امرأة، فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى ~~نكاحها فتزوجتها. # وليس له الخلوة بها؛ لأن الخبر إنما ورد بالنظر، فبقيت الخلوة على أصل ~~التحريم. ويجوز لمن أراد شراء جارية النظر منها إلى ما عدا عورتها، للحاجة ~~إلى معرفتها، ويجوز للرجل النظر إلى وجه من يعاملها لحاجته إلى معرفتها؛ ~~للمطالبة بحقوق العقد. ويجوز ذلك عند الشهادة للحاجة إلى معرفتها للتحمل ~~والأداء. ويجوز للطبيب النظر إلى ما تدعو الحاجة إلى مداواته، من بدنها حتى ~~الفرج؛ لأنه موضع ضرورة، فأشبه الحاجة إلى الختان. # PageV03P005 # فصل: # وله أن ينظر من ذوات محارمه، إلى ما يظهر غالبا، كالرأس، والرقبة، ~~والكفين والقدمين؛ لقوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} [النور: ~~31] وقال تعالى: {لا جناح عليهن في آبائهن} [الأحزاب: 55] . وذات ms0799 المحرم: ~~من تحرم عليه على التأبيد، بنسب أو سبب مباح، كأم الزوجة وابنتها، فأما أم ~~المزني بها والموطوءة بشبهة، وبنتها فلا يباح النظر إليها؛ لأنها حرمت بسبب ~~غير مباح، فلا تلحق بذوات الأنساب. وأما عبد المرأة فليس بمحرم لها؛ لأنها ~~لا تحرم عليه على التأبيد، لكن يباح له النظر إلى ما يظهر منها غالبا؛ ~~لقوله تعالى: {وما ملكت أيمانكم} [النساء: 36] وروت أم سلمة أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا كان لإحداكن مكاتب، فملك ما يؤدي فلتحتجب ~~منه» رواه الترمذي. وقال: حديث صحيح. وفيه دلالة على أنها لا تحتجب منه قبل ~~ذلك؛ ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك لحاجتها لخدمته، فأشبه ذا المحرم. # فصل: # ومن لا تمييز له من الأطفال لا يجب التستر منه في شيء، لقوله تعالى: {أو ~~الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} [النور: 31] . # وفي المميز روايتان: # إحداهما: هو كالبالغ لهذه الآية. والثانية: هو كذي المحرم لقوله تعالى: ~~{ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم} [النور: 58] ~~إلى قوله تعالى: {ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على ~~بعض} [النور: 58] ثم قال: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما ~~استأذن الذين من قبلهم} [النور: 59] ففرق بينه وبين البالغ. وحكم الطفلة ~~التي لا تصلح للنكاح مع الرجال حكم الطفل من النساء، والتي صلحت للنكاح، ~~كالمميز من الأطفال، لما روى أبو بكر بإسناده: «أن أسماء بنت أبي بكر دخلت ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم - في ثياب رقاق، فأعرض # PageV03P006 # عنها وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا ~~هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه» . # فصل: # والعجوز التي لا تشتهى مثلها يباح النظر منها إلى ما يظهر غالبا؛ لقوله ~~تعالى: {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ~~ثيابهن غير متبرجات بزينة} [النور: 60] . قال ابن عباس استثناهن الله تعالى ~~من قوله: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} [النور: 31] ؛ ولأن ما حرم من ~~النظر لأجله معدوم في حقها، ms0800 فأشبهت ذوات المحارم. وفي معناها: الشوهاء التي ~~لا تشتهى. ومن ذهبت شهوته من الرجال لكبر أو مرض، أو تخنيث فحكمه حكم ذي ~~المحرم في النظر؛ لقوله تعالى: {أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال} ~~[النور: 31] أي الذي لا إرب له في النساء، كذلك فسره مجاهد، وقتادة ونحوه ~~عن ابن عباس - رضي الله عنه -. قالت عائشة - رضي الله عنها -: «دخل على ~~أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مخنث، وكانوا يعدونه من غير أولي ~~الإربة، فدخل علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ينعت امرأة قال: "إذا ~~أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان"، فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: ألا أرى هذا يعلم ما هاهنا؟ ‍‍! لا يدخلن عليكم هذا» رواه أبو ~~داود؛ فأجاز دخوله عليهن حين عده من غير أولي الإربة، فلما علم ذلك منه ~~حجبه. # فصل: # ويباح لكل واحد من الزوجين النظر إلى جميع بدن صاحبه ولمسه، وكذلك السيد ~~مع أمته المباحة له؛ لأنه أبيح له الاستمتاع به، فأبيح له النظر إليه، ~~كالوجه. وروى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: «قلت: يا رسول الله عوراتنا ~~ما نأتي منا وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك» . # ويكره النظر إلى الفرج؛ فإن زوج أمته حرم النظر منها إلى ما بين السرة ~~والركبة، # PageV03P007 # لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة ~~وفوق الركبة فإنه عورة» رواه أبو داود. # فصل: # فأما الرجل مع الرجل فلكل واحد منهما النظر من صاحبه إلى ما ليس بعورة؛ ~~لأن تخصيص العورة بالنهي دليل على إباحة النظر إلى غيرها. # ويكره النظر إلى الغلام الجميل؛ لأنه لا يأمن الفتنة بالنظر إليه، ~~والمرأة مع المرأة كالرجل مع الرجل، والمسلمة مع الكافرة كالمسلمتين، كما ~~أن المسلم مع الكافر كالمسلمين. وعنه: إن المسلمة لا تكشف قناعها عند ~~الذمية، ولا تدخل معها الحمام؛ لقوله ms0801 تعالى: {أو نسائهن} [النور: 31] ~~فتخصيصهن بالذكر يدل على اختصاصهن بذلك. # فصل: # وفي نظر المرأة إلى الرجل روايتان: # إحداهما: يحرم عليها من ذلك ما يحرم عليه، لما روت أم سلمة قالت: «كنت ~~قاعدة عند النبي - صلى الله عليه وسلم - أنا وحفصة، فاستأذن ابن أم مكتوم. ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: احتجبن منه فقلت: يا رسول لله، ضرير لا ~~يبصر. فقال: أفعمياوان أنتما، ألا تبصرانه» أخرجه أبو داود وقال النسائي: ~~حديث صحيح. # والثانية: يجوز لها النظر منه إلى ما ليس بعورة، لما روت فاطمة بنت قيس: ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها: «اعتدي في بيت ابن أم مكتوم فإنه ~~رجل أعمى، تضعين ثيابك فلا يراك» وقالت عائشة: «كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد» . متفق ~~عليهما، وهذا أصح. وحديث أم سلمة يحتمل أنه خاص # PageV03P008 # لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -. فإن قدر عمومه، فهذه الأحاديث أصح ~~منه، فتقديمها أولى. وكل من أبيح له النظر إلى من لا يحل له الاستمتاع به ~~لم يجز له ذلك لشهوة وتلذذ؛ لأنه داعية إلى الفتنة. ### | باب شرائط النكاح # وهي خمسة. أحدها: الولي، فإن عقدته المرأة لنفسها، أو لغيرها بإذن وليها، ~~أو بغير إذنه لم يصح، لما روت عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«لا نكاح إلا بولي» قال أحمد ويحيى: هذا حديث صحيح. وقد روي عن أحمد أن ~~للمرأة تزويج معتقها، فيخرج من هذا صحة تزويجها لنفسها بإذن وليها، وتزويج ~~غيرها بالوكالة، لما روت عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أيما ~~امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها ~~باطل، فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي ~~من لا ولي له» رواه أبو داود والترمذي. فمفهومه صحته بإذنه، ولأن المنع ~~لحقه فجاز بإذنه، كنكاح العبد. والأول المذهب، لعموم الخبر الأول؛ ولأن ~~المرأة غير مأمونة على البضع، لنقص عقلها، وسرعة انخداعها، فلم يجز تفويضه ms0802 ~~إليها، كالمبذر في المال، بخلاف العبد، فإن المنع لحق المولى خاصة، وإنما ~~ذكر تزويجها بغير إذن وليها؛ لأنه الغالب، إذ لو رضي لكان هو المباشر له ~~دونها. # فصل: # فإن تزوج بغير إذن ولي، فالنكاح فاسد، لا يحل الوطء فيه، وعليه فراقها؛ ~~وإن وطئ فلا حد عليه في ظاهر كلام أحمد؛ لأنه وطء مختلف في حله، فلم يجب به ~~حد، كوطء التي تزوجها في عدة أختها. وذكر عن ابن حامد: # أنه أوجب به الحد؛ لأنه وطء في نكاح منصوص على بطلانه، أشبه ما لو تزوج ~~ذات زوج. وإن حكم بصحة هذا العقد حاكم ففيه وجهان: # أحدهما: لا يجوز نقضه؛ لأنه حكم مختلف فيه فأشبه الشفعة للجار. # والثاني: ينقض؛ لأنه خالف النص. # PageV03P009 # فصل: # فإن كانت أمة فوليها سيدها؛ لأنه عقد على نفعها، فكان إلى سيدها ~~كإجارتها، فإن كان لها سيدان لم يجز تزويجها إلا بإذنهما. وإن كانت سيدتها ~~امرأة فوليها ولي سيدتها يزوجها بإذن سيدتها لأنه تصرف فيها فلم يجز بغير ~~إذنه، كبيعها. وعنه رواية أخرى: # أن مولاتها تأذن لرجل فيزوجها؛ لأن سبب الولاية الملك، وقد تحقق في ~~المرأة، وامتنعت المباشرة لنقص الأنوثة فكان لها التوكيل، كالولي الغائب، ~~ونقل عنه: أنه قيل له: هل تزوج المرأة أمتها؟ قال: قد قيل ذلك، هي مالها. ~~وهذا يحتمل رواية ثالثة. فإن كانت سيدتها غير رشيدة، أو كانت لغلام أو ~~لمجنون فوليها من يلي مالهم؛ لأنه تصرف في بعضها، أشبه إجارتها. # فصل: # وإن كانت حرة فأولى الناس بها أبوها؛ لأنه أشفق عصباتها، ويلي مالها عند ~~عدم رشدها. ثم الجد أبو الأب وإن علا؛ لأنه أب. وعنه: الابن يقدم على الجد؛ ~~لأنه أقوى تعصيبا منه، وعنه: أن الأخ يقدم على الجد؛ لأنه يدلي ببنوة الأب، ~~والبنوة أقوى. وعنه: أن الجد والأخ سواء، لاستوائهما في الإرث بالتعصيب. ~~والمذهب الأول؛ لأن للجد إيلادا وتعصيبا، فقدم عليهما كالأب، ولأنه لا يقاد ~~بها، ولا يقطع بسرقة مالها بخلافهما. ثم ابنها، ثم ابنه وإن نزل؛ لأنه عدل ~~من عصباتها فيلي نكاحها، كابنها. ms0803 وقدم على سائر العصبات؛ لأنه أقربهم نسبا، ~~وأقواهم تعصيبا فقدم كالأب. ثم الأخ، ثم ابنه، ثم العم، ثم ابنه، ثم الأقرب ~~فالأقرب من عصباتها على ترتيبهم في الميراث؛ لأن الولاية لدفع العار عن ~~النسب، والنسب في العصبات. وقدم الأقرب فالأقرب؛ لأنه أقوى فقدم كتقديمه في ~~الإرث، ولأنه أشفق فقدم كالأب. فإذا انقرض العصبة من النسب، فوليها المولى ~~المعتق، ثم عصابته الأقرب فالأقرب، ثم مولى المولى، ثم عصباته؛ لأن الولاء ~~كالنسب في التعصيب، فكان مثله في التزويج ويقدم ابن المولى على ابنه؛ لأنه ~~أقوى تعصيبا، وإنما قدم الأب المناسب لزيادة شفقته، وتحكم الأصل على فرعه. ~~وهذا معدوم في أبي المولى، فرجع فيه إلى الأصل. وإذا كان المعتق امرأة، ~~فولي مولاتها أقرب عصباتها؛ لأنه لما لم يمكنها مباشرة نكاحها كانت ~~كالمعدومة. وعنه: أنها تولي رجلا في تزويجها، لما ذكرنا في أمتها. ثم ~~السلطان، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإن اشتجروا فالسلطان ولي من ~~لا ولي له» . # PageV03P010 # فصل: # فإن استوى اثنان في الدرجة، وأحدهما من أبوين، والآخر من أب، كالأخوين، ~~والعمين ففيه روايتان: # إحداهما: يقدم ذو الأبوين. اختاره أبو بكر؛ لأنه حق يستفاد بالتعصيب ~~فأشبه الميراث بالولاء. # والثانية: هما سواء. اختارها الخرقي؛ لأن الولاية بقرابة الأب وهما سواء ~~فيها، فإن كانا ابني عم، أحدهما أخ لأم، فذكر القاضي: أنهما كذلك. والصحيح ~~أن الإخوة لا تؤثر في التقديم، لاستوائهما في التعصيب والإرث به، بخلاف ~~التي قبلها من كل وجه، فإن استويا من كل وجه، فالولاية ثابتة لكل واحد ~~منهما، أيهما زوج صح تزويجه؛ لأن السبب متحقق في كل واحدة، لكن يستحب تقديم ~~أسنهما وأعلمهما وأتقاهما؛ لأنه أحوط للعقد في اجتماع شروطه والنظر في ~~الحظ. فإن استويا وتشاحا، أقرع بينهما؛ لأنهما تساويا في الحق، وتعذر ~~الجمع، فيقرع بينهما، كالمرأتين في السفر. فإن قرع أحدهما فزوج الآخر صح؛ ~~لأن القرعة لم تبطل ولايته، فلم يبطل نكاحه. وذكر أبو الخطاب فيه وجها آخر: ~~أنه لا يصح. # فصل: # فإن زوجها الوليان لرجلين دفعة واحدة، فهما باطلان؛ لأن ms0804 الجمع يتعذر ~~فبطلا، كالعقد على أختين، ولا حاجة إلى فسخهما لبطلانهما. وإن سبق أحدهما ~~فالصحيح السابق، لما روى سمرة وعقبة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «أيما امرأة زوجها وليان فهي للأول منهما» رواه أبو داود؛ ولأن الأول: ~~خلا عن مبطل والثاني: تزوج زوجة غيره، فكان باطلا، كما لو علم. فإن دخل بها ~~الثاني وهو لا يعلم أنها ذات زوج، فعليه مهرها؛ لأنه وطء بشبهة، وترد إلى ~~الأول؛ لأنها زوجته، ولا يحل له وطؤها حتى تقضي عدتها من وطء الثاني، فإن ~~جهل الأول منهما ففيه روايتان: # إحداهما: يفسخ النكاحان؛ لأن كل واحد منهما يحتمل أن يكون نكاحه هو ~~الصحيح، ولا سبيل إلى الجمع، ولا إلى معرفة الزوج فيفسخ لإزالة الزوجية، ثم ~~لها أن تتزوج من شاءت منهما، أو من غيرهما. # والثانية: يقرع بينهما. فمن خرجت له القرعة أمر صاحبه بالطلاق ثم يجدد ~~القارع # PageV03P011 # نكاحه، فإن كانت زوجته لم يضره ذلك، وإن لم تكن صارت زوجته بالتجديد، ~~وكلا الطريقين لا بأس به. وسواء علم السابق ثم نسي، أو جهل الحال؛ لأن ~~المعنى في الجميع واحد. وإن أقرت المرأة لأحدهما بالسبق لم يقبل إقرارها؛ ~~لأن الخصم غيرها، فلم يقبل قولها عليه، كما لو أقرت ذات زوج لآخر أنه ~~زوجها. وإن ادعى عليها العلم بالسابق، لم يلزمها يمين؛ لأنه من لا يقبل ~~إقراره لا يستحلف في إنكاره. # فصل: # ويشترط للولي ثمانية شروط. # أحدها: العقل، فلا يصح تزويج طفل، ولا مجنون. # والثاني: الحرية. فلا ولاية لعبد. # الثالث: الذكورية، فلا ولاية لامرأة؛ لأن هؤلاء لا يملكون تزويج أنفسهم، ~~فلا يملكون تزويج غيرهم بطريق الأولى. # الرابع: البلوغ: فلا يلي الصبي بحال. وعنه: أن الصبي المميز إذا بلغ عشرا ~~صح تزويجه؛ لأنه يصح بيعه. والأول أولى؛ لأنه مولى عليه فلا يلي، كالمرأة. # الخامس: اتفاق الدين. فلا يلي كافر مسلمة بحال لقوله تعالى: {والمؤمنون ~~والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} [التوبة: 71] إلا أم الولد الذمي المسلمة ~~ففيها وجهان: # أحدهما: يملك تزويجها؛ لأنه لا يملكها، فأشبه المسلم إذا كان ms0805 سيده كافر. # والثاني: لا يليه للآية، ويليه الحاكم ولا يلي مسلم كافرة، لقوله تعالى: ~~{والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} [الأنفال: 73] إلا السلطان فإنه يلي نكاح ~~الذمية التي لا ولي لها، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «السلطان ولي ~~من لا ولي له» ؛ ولأن ولايته عامة عليهم. وسيد الأمة الكافرة يزوجها وإن ~~كان مسلما؛ لأنه عقد عليها، فوليه كبيعها، وولي سيد الكافرة أو سيدتها ~~يزوجها؛ لأنه يقوم مقامهما. ويلي الكفار أهل دينهم، للآية التي تلوناها. ~~وهل تعتبر عدالتهم في دينهم؟ على وجهين بناء على الروايتين في المسلمين. # السادس: العدالة. فلا يلي الفاسق نكاح قريبته وإن كان أبا في إحدى ~~الروايتين؛ لأنها ولاية نظرية، فنافاها الفسق، كولاية المال. والثانية: يلي ~~لأنه قريب ناظر، فكان # PageV03P012 # وليا كالعدل، ولأن حقيقة العدالة لا تعتبر، بل يكفي كونه مستور الحال. ~~ولو اشترطت العدالة اعتبرت حقيقتها كما في الشهادة. # السابع: التعصيب، أو ما يقوم مقامه، فلا تثبت الولاية لغيرهم، كالأخ من ~~الأم والخال، وسائر من عدا العصبات؛ لأن الولاية تثبت لحفظ النسب، فيعتبر ~~فيها المناسب، ولا تثبت الولاية للرجل على المرأة التي تسلم على يديه. ~~وعنه: أنها تثبت. ووجه الروايتين ما ذكرنا في كتاب الولاء. # الثامن: عدم من هو أولى منه. فلا تثبت الولاية للأبعد مع حضور الأقرب ~~الذي اجتمعت الشروط فيه، لما ذكرنا في تقديم ولاية الأب. فإن مات الأقرب، ~~أو جن، أو فسق انتقلت إلى من بعده؛ لأن ولايته بطلت، فانتقلت إلى الأبعد، ~~كما لو مات. فإن عقل المجنون، وعدل الفاسق عادت ولايته، لزوال مزيلها مع ~~وجود مقتضيها، فإن زوجها الأبعد من غير علم بعود ولاية الأقرب لم تصح ولاية ~~زوجها بعد زوال ولايته، ويحتمل أن تصح، بناء على الوكيل إذا تصرف بعد العزل ~~قبل علمه به. وإن دعت المرأة وليها إلى تزويجها من كفء فعضلها، فللأبعد ~~تزويجها. نص عليه. وعنه: لا يزوجها إلا السلطان وهو اختيار أبي بكر، لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإن اشتجروا، فالسلطان ولي من لا ولي له» ؛ ~~ولأن التزويج ms0806 حق عليه امتنع منه، فقام الحاكم مقامه في إيفائه، كما لو كان ~~عليه دين فامتنع من قضائه، واختار الخرقي الرواية الأولى؛ لأنه تعذر ~~التزويج من جهة الأقرب فوليها الأبعد، كما لو فسق. والحديث دليل على أن ~~السلطان لا يزوج هاهنا، لقوله: «فالسلطان ولي من لا ولي له» وإن غاب الأقرب ~~غيبة منقطعة ولم يوكل في تزويجها، فللأبعد تزويجها، لما ذكرنا. والغيبة ~~المنقطعة: ما لا تقطع إلا بكلفة ومشقة في منصوص أحمد، واختيار أبي بكر. ~~وذكر الخرقي: أنها ما لا يصل الكتاب فيها إليه، أو يصل فلا يجيب عنه؛ لأن ~~غير هذا يمكن مراجعته. وقال القاضي: حدها: ما لا تقطعها القافلة في السنة ~~إلا مرة؛ لأن الكفء ينتظر عاما ولا ينتظر أكثر منه. وقال أبو الخطاب: يحتمل ~~أن يحدها بما تقصر فيه الصلاة؛ لأن أحمد قال: إذا كان الأب بعيد السفر، ~~يزوج الأخ. والسفر البعيد في الشرع: ما علق عليه رخص السفر، والأولى ~~المنصوص. والرد في هذا إلى العرف، وما جرت العادة بالانتظار فيه، والمراجعة ~~لصاحبه، لعدم التحديد فيه من الشارع. فأما القريب فيجب انتظاره ومراجعته؛ ~~لأنه في حكم الحاضر، إلا أن تتعذر مراجعته، لأسر أو حبس لا يوصل إليه ~~ونحوهما، فيكون كالبعيد، لكونه في معناه. ولا يشترط في الولاية البصر؛ لأن ~~شعيبا - عليه السلام - زوج # PageV03P013 # ابنته وهو أعمى لموسى - عليه السلام -، ولأن الأعمى من أهل الرواية ~~والشهادة، فكان من أهل الولاية كالبصير. فأما الأخرس، فإن منع فهم الإشارة ~~أزال الولاية، وإن لم يمنعها لم يزل الولاية؛ لأن الأخرس يصح تزوجه، فصح ~~تزويجه كالناطق. # فصل: # وإذا زوج الأبعد مع حضور الأقرب وسلامته من الموانع، أو زوج أجنبي، أو ~~زوجت المرأة المعتبر إذنها بغير إذنها، أو تزوج العبد بغير إذن سيده، ~~فالنكاح باطل في أصح الروايتين، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ~~تزوج العبد بغير إذن سيده فهو عاهر» وفي لفظ: «فنكاحه باطل» ولأنه نكاح لم ~~تثبت أحكامه من الطلاق، والخلع، والتوارث فلم ينعقد كنكاح المعتدة. ~~والثانية: هو موقوف على إجازة ms0807 من له الإذن. فإن أجازه جاز، وإلا بطل لما ~~ذكرناه في تصرف الفضولي في البيع، ولما روى ابن ماجه: «أن جارية بكرا أتت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -» . رواه أبو داود. وقال: هذا حديث مرسل، رواه ~~الناس عن عكرمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يذكروا ابن عباس. فإن ~~قلنا بهذه الرواية فإن الشهادة تعتبر حالة العقد؛ لأنها شرط له فتعتبر معه ~~كالقبول. ويكفي في إذن المرأة النطق، أو ما يدل على الرضى تقوم مقام النطق ~~به، بدليل «قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لبريرة: إن وطئك زوجك فلا ~~خيار لك» فأما إن زوجت المرأة نفسها، أو زوجها طفل، أو مجنون، أو فاسق، فهو ~~باطل لا يقف على الإجازة؛ لأنه تصرف صادر من غير أهله. وذكر أصحابنا: ~~تزويجها لنفسها من جملة الصور المختلفة في وقوفها. والأولى أنها ليست منها، ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أيما امرأة زوجت نفسها بغير إذن ~~وليها، فنكاحها باطل» ولأنه تصرف لو قارنه الإذن لم يصح، فلم يصح بالإذن ~~اللاحق، كتصرف المجنون. # فصل: # ولكل واحد من الأولياء أن يوكل في تزويج موليته، فيقوم وكيله مقامه حاضرا ~~كان الموكل أو غائبا، ولا يعتبر إذن المرأة في التوكيل. وخرج القاضي ذلك ~~على الروايتين # PageV03P014 # في توكيل الوكيل من غير إذن الموكل، وليس كذلك، فإن الولي ليس بوكيل ~~للمرأة، ولا تثبت ولايته من جهتها، فلم يقف جواز توكيله على إذنها، ~~كالسلطان، ولأنه ولي في النكاح فملك الإذن فيه من غير إذنها، كالسلطان. ~~ويجوز التوكيل في التزويج مطلقا من غير تعيين الزوج؛ لأنه إذن في التزويج ~~فجاز مطلقا، كإذن المرأة. ويجوز التوكيل في تزويج معين، واختلفت الرواية هل ~~تستفاد ولاية النكاح بالوصية؟ على روايتين. ذكرناهما في الوصايا. ولا يصير ~~وصيا في النكاح بالوصية إليه في المال؛ لأنها إحدى الوصيتين فلم تملك ~~بالأخرى، كالأخرى. # فصل: # وإذا لم يكن للمرأة ولي، ولا للبلد قاض ولا سلطان. فعن أحمد: ms0808 ما يدل على ~~أنه يجوز لها أن تأذن لرجل عدل يحتاط لها في الكفء والمهر، ويزوجها فإنه ~~قال في دهقان قرية: يزوج المرأة إذا لم يكن في الرستاق قاض إذا احتاط لها ~~في الكفء والمهر. ووجه ذلك أن اشتراط الولي هاهنا يمنع النكاح بالكلية، ~~فوجب أن لا يشترط. وعنه: لا يصح إلا بولي لعموم الخبر. # فصل: # وإذا أراد ولي المرأة تزوجها، كابن عمها، أو مولاها جعل أمرها إلى من ~~يزوجها منه بإذنها، لما روي أن المغيرة بن شعبة أمر رجلا أن يزوجه امرأة ~~المغيرة أولى بها منه، ولأنه وليها فجاز أن يتزوجها من وكيله، كالإمام. فإن ~~زوج نفسه بإذنها ففيه روايتان # إحداهما: لا يجوز لحديث المغيرة، ولأنه عقد ملكه بالإذن، فلم يجز أن ~~يتولى طرفيه، كالوكيل في البيع. والثانية: يجوز، لما روي عن عبد الرحمن بن ~~عوف: أنه قال لأم حكيم بنت قارظ أتجعلين أمرك إلي؟ قالت: نعم، فقال: قد ~~تزوجتك، ولأنه صدر الإيجاب من الولي، والقبول من الأهل فصح، كما لو زوج ~~الرجل عبده الصغير لأمته. وإن قال السيد: قد أعتقت أمتي وجعلت عتقها ~~صداقها. أو قال: قد جعلت عتق أمتي صداقها، ففيه روايتان: # إحداهما: يصح العتق والنكاح، ويصير عتقها صداقها، لما روى أنس: «أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أعتق صفية وجعل عتقها صداقها» متفق عليه. وفي رواية ~~«أصدقها نفسها» . # PageV03P015 # والثانية: لا يصح حتى يبتدئ العقد عليها بإذنها؛ لأنه لم يوجد إيجاب ولا ~~قبول، فلم يصح العقد، كما لو كانت حرة. فعلى هذا ينفذ العتق وعليها قيمة ~~نفسها؛ لأنه إنما أعتقها بعوض لم يسلم له، ولم يمكن إبطال العتق، فرجعنا ~~إلى القيمة. ولا يجوز لأحد أن يتولى طرفي العقد غير من ذكرنا، إلا السيد ~~يزوج عبده من أمته. فإن كان وكيلا للزوج والولي أو وكيلا للزوج، وليا ~~للمرأة، أو وكيلا للولي، وليا للزوج ففيه وجهان: بناء على ما ذكرنا في ~~الوكيل في البيع. # فصل: # الشرط الثاني من شرائط النكاح: أن يحضره شاهدان، لما روي عن النبي - صلى ~~الله ms0809 عليه وسلم - أنه قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» رواه الخلال. وعن ~~عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا بد في النكاح من أربعة: ~~الولي، والزوج، والشاهدان» . رواه الدارقطني، وعن أحمد: أن الشهادة ليست ~~شرطا فيه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعتق صفية وتزوجها بغير شهود، ~~ولأنه عقد معاوضة، فلم تشترط الشهادة فيه، كالبيع. # فصل: # ويشترط في الشهود سبع صفات: # أحدها: العقل؛ لأن المجنون والطفل ليسا من أهل الشهادة. # والثاني: السمع؛ لأن الأصم لا يسمع العقد فيشهد به. # والثالث: النطق؛ لأن الخرس لا يتمكن من أداء الشهادة. # الرابع: البلوغ؛ لأن الصبي لا شهادة له. وعنه: أنه ينعقد بحضور مراهقين، ~~بناء على أنهما من أهل الشهادة، والأول أصح. # الخامس: الإسلام. ويتخرج أن ينعقد نكاح المسلم للذمية بشهادة ذميين، بناء ~~على قبول شهادة بعضهم على بعض. والأول المذهب، لقوله - عليه السلام -: «لا ~~نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» . # PageV03P016 # السادس: العدالة للخبر، وعنه: ينعقد بحضور فاسقين؛ لأنه تحمل فلم تعتبر ~~فيه العدالة كسائر التحملات. والأول أولى للخبر، ولأن من لا يثبت النكاح ~~بقوله لا ينعقد بشهادته، كالصبي إلا أننا لا نعتبر العدالة باطنا. ويكفي أن ~~يكون مستور الحال. وكذلك العدالة المشروطة في الولي؛ لأن النكاح يقع بين ~~عامة الناس في مواضع لا تعرف فيها حقيقة العدالة، فاعتبار ذلك يشق. # السابع: الذكورية. وعنه: ينعقد بشهادة رجل وامرأتين؛ لأنه عقد معاوضة ~~أشبه البيع. والأول: المذهب، لما روى أبو عبيد في " الأموال " عن الزهري ~~أنه قال: مضت السنة أن لا تجوز شهادة النساء في الحدود، ولا في النكاح، ولا ~~في الطلاق. وهل يشترط عدم العداوة والولادة؟ وهو أن لا يكون الشاهدان عدوين ~~للزوجين، أو لأحدهما، ولا ابنين لهما، أو لأحدهما على وجهين. ولا تشترط ~~الحرية، ولا البصر؛ لأنها شهادة لا توجب حدا، فقبلت شهادتهما فيه، كالشهادة ~~عليه بالاستفاضة. ويعتبر أن يعرف الضرير المتعاقدين، ليشهد عليهما بقولهما. ~~وهل يشترط كون الشاهد من غير أهل الصنائع الرزية، كالحجام ونحوه؟ على وجهين ~~بناء على قبول شهادتهم. ms0810 # فصل: # الشرط الثالث من شروط النكاح: تعيين الزوجين؛ لأن المقصود بالنكاح ~~أعيانهما، فوجب تعيينهما. فإن كانت حاضرة فقال: زوجتك هذه صح؛ لأن الإشارة ~~تكفي في التعيين. فإن زاد على ذلك فقال: ابنتي أو فاطمة كان تأكيدا. وإن ~~سماها بغير اسمها صح؛ لأن الاسم لا حكم له مع الإشارة، فأشبه ما لو قال: ~~زوجتك هذه الطويلة وهي قصيرة. وإن كانت غائبة، فقال: زوجتك ابنتي وليس له ~~غيرها صح لحصول التعيين بتفردها بهذه الصفة المذكورة. وإن سماها باسمها، أو ~~وصفها بصفتها كان تأكيدا. وإن سماها بغير اسمها صح أيضا؛ لأن الاسم لا حكم ~~له مع التعيين، فلا يؤثر الغلط فيه. وإن كان له ابنتان فقال: زوجتك ابنتي ~~لم يصح حتى يسميها، أو يصفها بما تتميز به؛ لأن التعيين لا يحصل بدونه. فإن ~~قال: ابنتي فاطمة، أو ابنتي الكبرى صح؛ لأنها تعينت به. وإن نويا ذلك من ~~غير لفظ لم يصح؛ لأن الشهادة في النكاح شرط، ولا يقع إلا على اللفظ ولا ~~تعيين فيه. وإن خطب الرجل امرأة فزوج غيرها لم ينعقد النكاح؛ لأنه ينوي ~~القبول لغير ما وقع فيه الإيجاب فلم يصح، كما لو قال: قد زوجتك ابنتي ~~فاطمة. فقال: قبلت تزويج عائشة، فإن كان له ابنتان كبرى اسمها عائشة وصغرى ~~اسمها فاطمة، فقال: قبلت تزويج عائشة، فقبله الزوج ينويان الصغرى لم يصح؛ ~~لأنهما لم يتلفظا بما تقع الشهادة عليه، ولم يذكر المنوية بما تتميز به. ~~وإن نوى أحدهما الكبرى، والآخر الصغرى لم يصح؛ لأنه قبل النكاح في غير من ~~وقع عليه # PageV03P017 # الإيجاب. وإن قال: زوجتك حمل امرأتي لم يصح؛ لأنه لم يثبت لها حكم البنات ~~قبل الولادة، ولا يتحقق كونها بنتا. وإن قال: إن ولدت زوجتي بنتا زوجتكها ~~كان وعدا لا عقدا؛ لأن النكاح لا يتعلق على الشروط. # فصل: # الشرط الرابع من شروط النكاح: التراضي من الزوجين، أو من يقوم مقامهما؛ ~~لأن العقد لهما، فاعتبر تراضيهما به كالبيع. فإن كان الزوج بالغا عاقلا لم ~~يجز بغير رضاه. وإن كان عبدا لم ms0811 يملك السيد إجباره عليه؛ لأنه خالص حقه، ~~وهو من أهل مباشرته، فلم يجبر عليه كالطلاق. وإن كان العبد صغيرا فلسيده ~~تزويجه؛ لأنه إذا ملك تزويج ابنه الصغير فعبده أولى. قال أبو الخطاب: ~~ويحتمل أن لا يملكه أيضا قياسا على الكبير، ويملك الأب تزويج ابنه الصغير ~~الذي لم يبلغ، لما روي عن ابن عمر: أنه زوج ابنه وهو صغير فاختصموا إلى ~~زيد، فأجازاه جميعا. رواه الأثرم؛ ولأنه يتصرف في ماله بغير تولية فملك ~~تزويجه، كابنته الصغيرة. وسواء كان عاقلا، أو معتوها؛ لأنه إذا ملك تزويج ~~العاقل فالمعتوه أولى. ويملك الأب أيضا تزويج ابنه البالغ المعتوه في ظاهر ~~كلام أحمد والخرقي لأنه غير مكلف فأشبه الصغير. وقال القاضي: لا يجوز ~~تزويجه، إلا إذا ظهر منه أمارات الشهوة، باتباع النساء ونحوه. فقال أبو ~~بكر: لا يجوز تزويجه بحال؛ لأنه رجل فلم يجز تزويجه بغير إذنه، كالعاقل، ~~والأول أولى؛ لأنه إذا جاز تزويج الصغير مع عدم حاجته إلى قضاء شهوته، ~~وحفظه عن الزنى، فالبالغ أولى. ولا يجوز تزويجه، إلا إذا رأى وليه المصلحة ~~في تزويجه، لاحتياجه إلى الحفظ والإيواء، أو قضاء الشهوة ونحو ذلك، فأما من ~~له إفاقة في بعض أحيانه، فلا يجوز إجباره على النكاح لأنه يمكن استئذانه. ~~ووصي الأب كالأب في تزويج الصغير والمعتوه؛ لأنه نائب عنه فأشبه الوكيل، ~~ولا يملك غير الأب ووصيه تزويج صغير ولا معتوه؛ لأنه إذا لم يملك تزويج ~~الأنثى مع قصورها، فالذكر أولى. وقال ابن حامد: للحاكم تزويج المعتوه الذي ~~يشتهي النساء؛ لأنه يلي ماله، فملك تزويجه، كالوصي. وقال القاضي: له تزويج ~~الصغير الذي يشتهي كذلك. ولا يجوز إذا رأى المصلحة في ذلك؛ لأنه ناظر له في ~~مصالحه، وهذا منها، فأشبه عقده على ماله. # فصل: # فأما المرأة، فإن السيد يملك تزويج أمته بكرا كانت أو ثيبا، بغير رضاها؛ ~~لأنه عقد على منافعها فملكه، كإجارتها. وأما الحرة فإن الأب يملك تزويج ~~ابنته الصغيرة البكر بغير خلاف؛ «لأن أبا بكر الصديق زوج عائشة للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وهي ms0812 ابنة ست» . متفق عليه # PageV03P018 # ولم يستأذنها وروى الأثرم: أن قدامة بن مظعون تزوج ابنة الزبير حين نفست. ~~ولا يملك تزويج ابنته الثيب الكبيرة إلا بإذنها، لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «الأيم أحق بنفسها من وليها» وروى ابن عباس عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس للولي من الثيب أمر» رواهما أبو داود. وفي ~~البكر البالغة روايتان: # إحداهما: له إجبارها، لما روى ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها ~~صماتها» وإثباته الحق للأيم على الخصوص يدل على نفيه عن البكر. # والثانية: لا يجوز تزويجها إلا بإذنها، لقول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تأذن، قالوا: يا ~~رسول الله فكيف إذنها؟ قال: أن تسكت» متفق عليه. وأما الثيب الصغيرة، ففيها ~~وجهان: # أحدهما: لا يجوز تزويجها، لعموم الأحاديث فيها. # والأخرى: يجوز تزويجها؛ لأنها ولد صغير فملك الأب تزويجها، كالغلام. ~~والثيب: هي الموطوءة في فرجها حلالا كان أو حراما؛ لأنه لو أوصى للثيب ~~بوصية دخل فيها من ذكرناه، ولا تدخل في وصيته الأبكار. ووصي الأب إذا نص له ~~على التزويج، كالأب؛ لأنه قائم مقامه. # فصل: # فأما غيرهما، فلا يملك تزويج كبيرة إلا بإذنها، جدا كان أو غيره، لعموم ~~الأحاديث، ولأنه قاصر عن الأب فلم يملك الإجبار، كالعم. وفي الصغيرة ثلاث ~~روايات: # PageV03P019 # إحداهن: ليس لهم تزويجها، لما روي «أن قدامة بن مظعون زوج ابنة أخيه من ~~عبد الله بن عمر، فرفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنها ~~يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها» والصغيرة لا إذن لها. والثانية: لهم تزويجها ~~ولها الخيار إذا بلغت، لقوله تعالى: {كبيرا} [النساء: 2] {وإن خفتم ألا ~~تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] . دلت ~~بمفهومها على أنه له تزوجها إذا أقسط لها، وقد فسرته عائشة بذلك. والثالثة: ~~لهم تزويجها إذا بلغت تسعا بإذنها، ولا يجوز قبل ذلك، لقول النبي - صلى ms0813 ~~الله عليه وسلم -: «تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت ~~فلا جواز عليها» رواه أبو داود. وجمعنا بين الأدلة والأخبار، وقيدنا ذلك ~~بابنة تسع؛ لأن عائشة قالت: «إذا بلغت الجارية تسع سنين، فهي امرأة» . وروي ~~ذلك مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنها تصلح بذلك للنكاح ~~وتحتاج إليه، فأشبهت البالغة. وإذن الثيب الكلام، وإذن البكر الصمات، أو ~~الكلام في حق الأب وغيره، لما تقدم من الحديث، وهو صريح في الحكم. وروى عدي ~~الكندي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الثيب تعرب عن نفسها ~~والبكر رضاها صمتها» رواه الأثرم وابن ماجة. ولا فرق بين الثيوبة بوطء مباح ~~أو محرم، لشمول اللفظ لهما جميعا. # فصل: # الشرط الخامس من شروط النكاح: الإيجاب والقبول. ولا يصح الإيجاب إلا بلفظ ~~النكاح، أو التزويج، فيقول: زوجتك ابنتي، أو أنكحتكها؛ لأن ما سواهما لا ~~يأتي على معنى النكاح، فلا ينعقد به، كلفظ الإحلال، ولأن الشهادة شرط في ~~النكاح، وهي واقعة على اللفظ. وغير هذا اللفظ ليس بموضوع للنكاح، وإنما ~~يصرف إليه بالنية، ولا شهادة عليها، فيخلوا النكاح عن الشهادة. # وأما القبول فيقول: قبلت هذا النكاح. وإن اقتصر على قبلت صح؛ لأن القبول ~~يرجع إلى ما أوجبه الولي، كما في البيع. وإن قيل للولي: أزوجت؟ قال: نعم. ~~قيل للمتزوج: أقبلت؟ قال: نعم انعقد النكاح؛ لأن نعم جواب للسؤال، والسؤال ~~مضمر معاد فيه، ولهذا لو قيل له: أسرقت؟ قال: نعم. كان مقرا بالسرقة، حتى ~~يلزمه القطع # PageV03P020 # الذي يندرئ بالشبهات، فهاهنا أولى. ولا يصح الإيجاب والقبول بغير العربية ~~لمن يحسنها؛ لأنه عدول عن لفظ الإنكاح والتزويج مع إمكانهما فلم يصح، لما ~~ذكرنا. ويصح بمعناهما الخاص بكل لسان لمن يحسنهما؛ لأنه يشتمل على معنى ~~اللفظ العربي، فأشبه ما لو أتى به، وليس عليه تعلمهما بالعربية؛ لأن النكاح ~~غير واجب، فلا يلزم تعلم أركانه، كالبيع، ولأن المقصود المعنى دون اللفظ ~~المعجوز وهو حاصل، بخلاف القراءة. وقال أبو الخطاب: يلزمه التعلم؛ لأن ما ~~كانت العربية شرطا ms0814 فيه عند الإمكان لزمه تعلمه، كالتكبير. وإذا فهمت إشارة ~~الأخرس صح النكاح بها؛ لأنه معنى لا يستفاد إلا من جهته فصح بإشارته، ~~كبيعه. وإن تقدم القبول على الإيجاب لم يصح؛ لأن القبول إنما هو بالإيجاب، ~~فيشترط تأخره عنه. وإن تراخى القبول عن الإيجاب صح ما داما في المجلس ولم ~~يتشاغلا بما يقطعه؛ لأن حكم المجلس حكم حالة العقد، بدليل القبض فيما يشترط ~~القبض فيه، فإن تفرقا قبله، أو تشاغلا بغيره قبل القبول بطل الإيجاب؛ ~~لأنهما أعرضا عنه بتفرقهما، أو تشاغلهما فبطل، كما لو طال التراخي. ونقل ~~أبو طالب عن أحمد في رجل مشى إليه قوم فقالوا: زوج فلانا على ألف، فقال: قد ~~زوجته على ألف، فرجعوا إلى الزوج فأخبروه فقبل، هل يكون هذا نكاحا؟ قال: ~~نعم. فجعل أبو بكر هذا رواية ثانية. وقال القاضي: هذا محمول على أنه وكل من ~~قبل العقد في المجلس. وإن خرج أحدهما عن أهلية العقد بجنون، أو إغماء أو ~~موت قبل القبول بطل؛ لأنه لن ينعقد فبطل بهذه المعاني، كإيجاب البيع. ومتى ~~عقد النكاح هازلا أو تلجئة صح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: الطلاق، والنكاح، والرجعة» رواه الترمذي. وقال: ~~حديث حسن. # فصل: # وفي الكفاءة روايتان: # إحداهما: هي شرط لصحة النكاح، فإذا فاتت لم يصح. وإن رضوا به، لما روى ~~الدارقطني بإسناده عن جابر قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~ينكح النساء إلا الأكفاء، ولا يزوجهن إلا الأولياء» وقال عمر: لأمنعن فروج ~~ذوي الأحساب إلا من الأكفاء؛ ولأنه تصرف يتضرر به من لم يرض به فلم يصح، ~~كما لو زوجها وليها بغير رضاها. # والثانية: ليست شرطا؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - زوج زيدا مولاه ~~ابنة عمته زينب بنت # PageV03P021 # جحش، وزوج أسامة فاطمة بنت قيس الفهرية القرشية» . رواه مسلم وقالت ~~عائشة: إن أبا حذيفة تبنى سالما وأنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة ~~بن ربيعة. أخرجه البخاري. لكن إن لم ترض المرأة، ولم يرض بعض الأولياء ms0815 ففيه ~~روايتان: # إحداهما: العقد باطل؛ لأن الكفاءة حقهم، تصرف فيه بغير رضاهم، فلم يصح ~~كتصرف الفضولي. # والثانية: يصح ولمن لم يرض الفسخ. فلو زوج الأب بغير الكفء فرضيت البنت ~~كان للأخوة الفسخ؛ لأنه ولي في حال يلحقه العار بفقد الكفاءة، فملك الفسخ ~~كالمتساويين. # فصل: # والكفء ذو الدين والمنصب. فلا يكون الفاسق كفئا لعفيفة؛ لأنه مردود ~~الشهادة والرواية، غير مأمون على النفس والمال. ولا يكون المولى والعجمي ~~كفئا لعربية، لما ذكرنا من قول عمر. وقال سلمان لجرير: إنكم معشر العرب لا ~~نتقدم في صلاتكم، ولا ننكح نساءكم، إن الله فضلكم علينا بمحمد - صلى الله ~~عليه وسلم - وجعله فيكم. والعرب بعضهم لبعض أكفاء، والعجم بعضهم لبعض ~~أكفاء؛ لأن المقداد بن الأسود الكندي تزوج ضباعة ابنة الزبير ابن عمة رسول ~~الله. وزوج أبو بكر أخته للأشعث بن قيس الكندي، وزوج علي ابنته أم كلثوم ~~عمر بن الخطاب. # وعنه أن غير قريش لا يكافئهم وغير بني هاشم لا يكافئهم، لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة ~~قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» . واختلفت الرواية ~~في ثلاثة أمور: أحدها: الحرية، فروي أنها ليست شرطا في الكفاءة، «لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال لبريرة حين عتقت تحت عبد، فاختارت فرقته: لو ~~راجعتيه، قالت: أتأمرني يا رسول الله؟ قال: لا إنما أنا شفيع» ومراجعتها له ~~ابتداء نكاح عبد لحرة. روي أنها شرط، وهي أصح؛ لأن «النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - خير بريرة حين عتقت تحت عبد» . فإذا ثبت لها الخيار بالحرية الطارئة ~~فبالسابقة أولى؛ ولأن فيه نقصا في المنصب والاستمتاع والإنفاق، ويلحق به ~~العار فأشبه عدم المنصب. # PageV03P022 # والثاني: اليسار ففيه روايتان: # إحداهما: هو من شروط الكفاءة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «الحسب ~~المال» وقال «إن أحساب الناس بينهم هذا المال» رواه النسائي بمعناه؛ ولأن ~~على الموسرة ضررا في إعسار زوجها، لإخلاله بنفقتها ونفقة ولدها. # والثانية: ليس منها؛ لأن الفقر شرف في الدين. ms0816 وقد قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا» رواه الترمذي. وليس هو ~~أمرا لازما، فأشبه العافية من المرض. واليسار المعتبر: ما يقدر به على ~~الإنفاق عليها حسب ما يجب لها. # والثالث: الصناعة وفيها روايتان: # إحداهما: أن أصحاب الصنائع الدنيئة لا يكافؤون من هو أعلى منهم. فالحائك ~~والحجام والكساح والزبال وقيم الحمام لا يكون كفئا لمن هو أعلى منه؛ لأنه ~~نقص في عرف الناس، وتتعير المرأة به، فأشبه نقص النسب. # والثانية: ليس هذا شرطا؛ لأنه ليس بنقص في الدين، ولا هو بلازم، فأشبه ~~المرض. وقد أنشدوا: # وليس على عبد تقي نقيصة ... إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم # فصل: # ويستحب إعلان النكاح، والضرب عليه بالدف، لما روى محمد بن حاطب قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت ~~في النكاح» رواه النسائي. فإن أسروه وتواصوا بكتمانه كره ذلك، وصح النكاح. ~~وقال أبو بكر: لا يصح للحديث. ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» مفهومه صحته بهما، والحديث محمول على الندب جمعا ~~بين الخبرين، ولأن إعلان النكاح والضرب عليه بالدف إنما يكون بعد العقد ~~وصحته، ولو كان شرطا، لاعتبر حال # PageV03P023 # العقد كسائر شروطه. وقال أحمد: لا بأس بالغزل في العرس، لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - للأنصار: # أتيناكم أتيناكم ... فحيانا وحياكم # ولولا الذهب الأحم ... ر ما حلت نواديكم # ولولا الحنطة السمرا ... ء ما سمنت عذاراكم # فصل: # ويستحب عقده يوم الجمعة؛ لأن جماعة من السلف كانوا يحبون ذلك. والمساية ~~أولي، لما روى أبو حفص بإسناده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«مسوا بالإملاك فإنه أعظم للبركة» . # ويستحب تقديم الخطبة بين يدي النكاح، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ب (الحمد لله) فهو أقطع» ويستحب أن يخطب بخطبة ~~ابن مسعود التي قال: «علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التشهد في ~~الحاجة " إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ms0817 ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ويقرأ ثلاث آيات: ~~{اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] . ~~{واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء: ~~1] . {اتقوا الله وقولوا قولا سديدا} [الأحزاب: 70] {يصلح لكم أعمالكم ~~ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 71] » ~~. رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وهذا ليس بواجب؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال لخاطب الواهبة: «زوجتكها # PageV03P024 # بما معك من القرآن» ولم يذكر خطبة. # فصل: # ويستحب أن يقال للمتزوج ما روى أبو هريرة: «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان إذا رفأ الإنسان - إذا تزوج - قال: بارك الله لك، وبارك عليك ~~وجمع بينكما في خير» رواه أبو داود. وإذا زفت إليه قال ما روى عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا تزوج أحدكم ~~امرأة، أو اشترى خادما فليقل: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، ~~وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه» رواه أبو داود. # وعن أبي سعيد مولى أبي أسيد أنه تزوج، فحضره عبد الله بن مسعود وأبو ذر، ~~وحذيفة، وغيرهم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا له: إذا ~~دخلت على أهلك فصل ركعتين، ثم خذ برأس أهلك فقل: اللهم بارك لي في أهلي ~~وبارك لأهلي في، وارزقني منهم، ثم شأنك وشأن أهلك. # فصل: # ويستحب لمن أراد التزوج أن يختار ذات الدين، لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات ~~الدين تربت يداك» متفق عليه. ويختار الجميلة؛ لأنه أسكن لنفسه، وأغض لبصره، ~~وأدوم لمودته، ولذلك شرع النظر قبل النكاح. وروى سعيد بإسناده أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «خير فائدة أفادها المرء المسلم بعد إسلامه ~~امرأة جميلة، ms0818 تسره إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه في غيبته في ~~ماله ونفسها» ويتخير الحسيبة، لنجب ولدها. وقد روي عن عائشة أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: # PageV03P025 # «تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء وانكحوا إليهم» ويختار البكر لما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها، ~~وأنتق أرحاما وأرضى باليسير» رواه ابن ماجه. ويختار الولود، لما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر ~~بكم يوم القيامة» رواه سعيد. ويختار ذات العقل، ويجتنب الحمقاء؛ لأنه ربما ~~تعدى ذلك إلى ولدها. وقد قيل: اجتنبوا الحمقاء، فإن ولدها ضياع، وصحبتها ~~بلاء. قال أبو الخطاب: ويختار الأجنبية؛ لأن ولدها أنجب، وقد قيل: إن ~~الغرائب أنجب، وبنات العم أصبر. ### | باب ما يحرم من النكاح # المحرمات في النكاح عشر أشياء: # أحدها: المحرمات بالنسب، وهن سبع ذكرهن الله سبحانه وتعالى بقوله: {حرمت ~~عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت} ~~[النساء: 23] فالأمهات: كل امرأة انتسبت إليها بولادة، وهي: الأم، والجدات ~~من جهة الأم وجهة الأب وإن علون. والبنات: كل من انتسب إليك بولادة وهي ~~ابنة الصلب وأولادها وأولاد البنين وإن نزلت درجتهن. والأخت: من الجهات ~~الثلاث. والعمات: كل من أدلت بالعمومة من أخوات الأب وأخوات الأجداد وإن ~~علون من جهة الأب والأم. والخالات: كل من أدلى بالخؤولة من أخوات الأم ~~وأخوات الجدات وإن علون من جهة الأب والأم. وبنات الأخ: كل من ينتسب ببنوة ~~الأخ من أولاده وأولاد أولاده الذكور والإناث وإن نزلت درجتهن، وكذلك بنات ~~الأخ؛ لأن الاسم ينطلق على البعيد والقريب، لقوله تعالى: {يا بني آدم} ~~[الأعراف: 26] . و {يا بني إسرائيل} [البقرة: 40] . وقال: {ملة أبيكم ~~إبراهيم} [الحج: 78] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لبعض أصحابه: ~~«ارموا # PageV03P026 # بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا» . # ولا فرق بين النسب الحاصل بنكاح، أو ملك يمين، أو وطء شبهة أو حرام. ~~فتحرم عليه ابنته في الزنى، لدخولها في عموم اللفظ، ولأنها مخلوقة من مائة ~~فحرمت، كتحريم ms0819 الزانية على ولدها. وتحرم المنفية باللعان؛ لأنها ربيبته، ~~ولاحتمال أنها ابنته. # فصل: # النوع الثاني: المحرمات بالرضاع، وهن مثل المحرمات بالنسب سواء، لقوله ~~تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} [النساء: 23] نص على ~~هاتين، وقسنا عليهما سائر المحرمات بالنسب. وقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» متفق عليه. # فصل: # النوع الثالث: المحرمات بالمصاهرة، وهن أربع: أمهات النساء، لقوله تعالى: ~~{وأمهات نسائكم} [النساء: 23] . فمتى عقد النكاح على امرأة حرم عليه جميع ~~أمهاتها من النسب والرضاع وإن علون على ما ذكرنا. وسواء دخل بالمرأة أو لم ~~يدخل، لعموم اللفظ فيهن، ولما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «أيما رجل نكح امرأة دخل بها أو لم يدخل فلا يحل ~~له نكاح أمها» رواه ابن ماجه. # الثانية: الربائب، وهن بنات النساء. ولا تحرم ربيبته إلا أن يدخل بأمها، ~~فإن فارق أمها قبل أن يدخل بها حلت له ابنتها، لقوله تعالى: {وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا ~~جناح عليكم} [النساء: 23] . # PageV03P027 # وإن ماتت قبل دخوله بها لم تحرم ابنتها، للآية. وعنه: تحرم؛ لأن الموت ~~أقيم مقام الدخول في تكميل الصداق والعدة، فكذلك هاهنا. وإن خلا بها ثم ~~طلقها ولم يطأها، فعنه: تحرم ابنتها كذلك. وقال القاضي: وهذا محمول على أنه ~~حصل نظرا لشهوة أو مباشرة، فيخرج كلامه على إحدى الروايتين، فأما مع عدم ~~ذلك فلا تحرم؛ لأن الدخول كناية عن الجماع ولم يوجد والنسب والرضاع في هذا ~~سواء. # الثالثة: حلائل الأبناء، وهن زوجات أبنائه، وأبناء أبنائه وبناته، وإن ~~سفلوا من نسب أو رضاع، لقوله تعالى: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} ~~[النساء: 23] ويحرمن بمجرد العقد، لعموم الآية فيهن. # الرابعة: زوجات الأب القريب والبعيد من قبل الأب والأم من نسب أو رضاع ~~يحرمن، لقوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف} ~~[النساء: 22] وسواء دخل بهن أو لم يدخل لعموم الآية. ms0820 # فصل: # كل من ذكرنا من المحرمات من النسب والرضاع تحرم ابنتها، وإن نزلت درجتها، ~~إلا بنات العمات والخالات فإنهن محللات، لقول الله تعالى: {وبنات عمك وبنات ~~عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك} [الأحزاب: 50] وكذلك بنات من نكحهن الآباء، ~~والأبناء فإنهن محللات، فيجوز للرجل نكاح ربيبة أبيه وابنه، لقوله: {وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] . # فصل: # ومن حرم نكاحها حرم وطؤها بملك اليمين؛ لأنه إذا حرم النكاح لكونه طريقا ~~إلى الوطء، فتحريم الوطء أولى. وكل من حرمها النكاح من أمهات النساء ~~وبناتهن، وحلائل الآباء والأبناء، حرمها الوطء في ملك اليمين والشبهة ~~والزنى كذلك، ولأن الوطء آكد في التحريم من العقد، وكذلك تحرم به الربيبة، ~~ولأنه سبب للبعضية، أشبه الوطء في النكاح. ولا فرق بين الوطء في القبل ~~والدبر؛ لأن كل واحد منهما وطء في فرج يجب الحد بجنسه، فاستويا في التحريم ~~به. وإن وطئ صغيرة لا يوطأ مثلها، أو ميتة ففيه وجهان: # PageV03P028 # أحدهما: ينشر الحرمة؛ لأنه معنى ينشر الحرمة المؤبدة، أشبه الرضاع. # والثاني: لا ينشرها؛ لأنه ليس بسبب للبعضية، أشبه النظر. وفي القبلة ~~واللمس لشهوة، والنظر إلى الفرج لشهوة روايتان: # إحداهما: يحرم؛ لأنها مباشرة لا تباح إلا بملك، فتعلق بها تحريم ~~المصاهرة، كالوطء. # والثانية: لا تحرم، لقوله تعالى: {فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح ~~عليكم} [النساء: 23] . يريد بالدخول الوطء. وإن تلوط بغلام، فاختار أبو ~~الخطاب: أن حكمه في تحريم المصاهرة حكم المباشرة فيما دون الفرج، لكونه ~~وطئا في غير محله. وقال غيره من أصحابنا: حكمه حكم الزنى. فيحرم على الواطئ ~~أم الغلام وابنته، ويحرم على الغلام أم الواطئ وابنته؛ لأنه وطء في فرج ~~آدمي، أشبه الزنا بالمرأة، وإن وطئ أم امرأته وابنتها انفسخ النكاح؛ لأنه ~~طرأ عليها ما يحرمها، أشبه الرضاع. # فصل: # النوع الرابع: تحريم الجمع وهو ضربان: جمع حرم لأجل النسب بين المرأتين، ~~وهو ثابت في أربع. بين الأختين، لقوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} ~~[النساء: 23] وسواء كانتا من أبوين، أو من أحدهما، أو من نسب أو رضاع، ~~لعموم الآية ms0821 في الجميع. # والثاني: بين الأم وبنتها؛ لأن تحريم الجمع بين الأختين تنبيه على تحريم ~~الجمع بين الأم وبنتها. # والثالث: الجمع بين المرأة وعمتها. # والرابع: الجمع بينها وبين خالتها، لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة ~~وخالتها» متفق عليه؛ ولأنهما امرأتان لو كانت إحداهما ذكرا حرمت عليه ~~الأخرى، فحرم الجمع بينهما، كالأختين؛ ولأنه # PageV03P029 # يفضي إلى قطيعة الرحم المحرم، لما بين الزوجات من التغاير، والتنافر، ~~والقريبة والبعيدة سواء في التحريم، لتناول اللفظ لهما، ولأن المحرمية ~~ثابتة بينهما مع البعد، فكذلك تحريم الجمع. فإن تزوج أختين في عقد واحد بطل ~~فيهما؛ لأن إحداهما ليست أولى بالبطلان من الأخرى فبطل فيهما، كما لو باع ~~درهما بدرهمين. وإن تزوج امرأة وابنتها في عقد واحد ففيها وجهان: # أحدهما: يبطل فيهما كالأختين. # والثاني: يبطل في الأم وحدها؛ لأنها تحرم بمجرد العقد على ابنتها، والبنت ~~لا تحرم بمجرد العقد، فكانت الأم أولى بالبطلان، فاختصت به، وإن تزوجت ~~امرأة، ثم تزوج عليها من يحرم الجمع بينهما لم يصح نكاح الثانية وحدها؛ ~~لأنها اختصت بالجمع. # فصل: # وإن تزوج امرأة، ثم طلقها لم تحل له أختها، ولا عمتها ولا خالتها حتى ~~تنقضي عدتها، رجعية كانت أو بائنة، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع ماءه في رحم أختين» ~~ولأنها محبوسة على النكاح لحقه، فأشبهت الرجعية. ولو قال: أخبرتني بانقضاء ~~عدتها فكذبته لم يقبل قوله في إسقاط نفقتها وسكناها، ويقبل في سقوط رجعتها؛ ~~لأنه يقر بسقوط حقه. وفي جواز نكاح أختها؛ لأنه حق لله تعالى، وهو مقلد ~~فيه. ولو أسلم زوج المجوسية، أو الوثنية لم يحل له نكاح أختها حتى تنقضي ~~عدتها. وإن أسلمت زوجته دونه فنكح أختها، ثم أسلما في عدة الأولى اختار ~~منهما واحدة، كما لو تزوجهما معا. وإن أسلما بعد عدة الأولى بانت منه، ~~والثانية زوجته. # فصل: # وإن ملك أختين جاز؛ لأن الملك لا يختص ms0822 مقصوده بالاستمتاع، ولذلك جاز أن ~~يملك من لا يحل له، كالمجوسية، وأخته من الرضاع. وله وطء إحداهما، أيتهما ~~شاء؛ لأن الأخرى لم تصر فراشا، فلم يكن جامع بينهما في الفراش، فإذا وطئها ~~حرمت أختها. حتى تحرم الموطوءة بإخراج عن ملكه أو تزويج أو يعلم أنها ليست ~~حاملا، لئلا يكون جامعا بينهما في الفراش، أو يكون جامعا ماءه في رحم ~~أختين. فإن عزلها عن فراشه واستبرأها لم تحل له أختها؛ لأنه لا يؤمن عوده ~~إليها، فيكون جامعا # PageV03P030 # بينهما. وإن رهنها، أو ظاهر منها لم تحل أختها؛ لأنه متى شاء فك الرهن ~~وكفر فأحلها. وكذلك إن كاتبها؛ لأنه بسبيل من حلها بما لا يقف على غيرهما، ~~فأشبه ما لو رهنها. وروي عن أحمد: أنه لا يحرم الجمع بين الأختين في الوطء، ~~وإنما يكره لقوله تعالى: {إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] . والمذهب ~~الأول، لكونه إذا حرم الجمع في النكاح لكونه طريقا إلى الوطء ففي الوطء ~~أولى. وإن تزوج امرأة فملك أختها جاز. ولا تحل له الأمة؛ لأن أختها على ~~فراشه. فإن وطئها لم تحل الزوجة حتى يستبرئ الأمة، ويحتمل أن تحرم حتى يخرج ~~الأمة عن ملكه، أو يزوجها؛ لأنها قد صارت فراشا. وإن وطء أمته ثم تزوج ~~أختها، فقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أن النكاح لا يصح؛ لأن النكاح سبب يصير ~~به فراشا، فلم يجز أن يرد على فراش الأخت كالوطء. قال أبو الخطاب: ظاهر ~~كلام أحمد: أنه يصح؛ لأن النكاح سبب يستباح به الوطء، فجاز أن يرد على وطء ~~الأخت كالشراء. ولا تحل المنكوحة حتى تحرم الأمة بإخراج عن ملكه، أو تزويج ~~لما ذكرنا في التي قبلها. وإن باع الموطوءة أو زوجها، ثم تزوج أختها، ثم ~~عادت الموطوءة إلى ملكه لم تحل له، كما لو اشتراها ابتداء. ولا تحرم ~~الزوجة؛ لأن النكاح أقوى. # وعنه: ما يدل على تحريمها أيضا حتى يخرج الأمة عن ملكه؛ لأن هذه فراش، ~~والمنكوحة فراش فلا يحل وطء واحدة منهما، كما لو كانتا أمتين. ولو كانت له ~~أمة ms0823 يطأها، فزوجها أو باعها، ثم تسرى أختها فعادت الأولى إليه لم يبح له ~~واحدة منهما حتى يحرم الأخرى؛ لأن الأولى عادت إلى الفراش فاجتمعتا فيه، ~~فلم يبح له واحدة منهما قبل إخراج الأخرى عن الفراش. فإن ملك أختين فوطئهما ~~فقد أتى محرما، ولا حد عليه؛ لأنه وطئ مملوكته، فأشبه وطء المظاهر منها، ~~ولا تحل له واحدة منهما حتى يحرم الأخرى، كما يحرم وطء الأولى الثانية. # فصل: # إذا تزوج أختين في عقدين، ثم جهل السابقة منهما حرمتا جميعا؛ لأن المحللة ~~اشتبهت بالمحرمة فحرمتا جميعا، كما لو اشتبهت بأجنبية، وعليه فراق كل واحدة ~~منهما بطلقة، لتحل لغيره، ويزول حبسه عنها، إلا أن يريد إمساك إحداهما، ~~فيطلق الأخرى، ويجدد العقد للتي يمسكها. فإن طلقهما معا قبل الدخول، فعليه ~~نصف المهر لإحداهما؛ لأن نكاحها صحيح، ولا يعلم أيتهما هي، فيقرع بينهما ~~فيه؛ لأنهما سواء فيقرع بينهما، كما لو أراد السفر بإحدى زوجتيه، فمن خرجت ~~له القرعة فلها نصف صداقها. وقال # PageV03P031 # أبو بكر: يتوجه ألا يلزمه لهما صداق؛ لأنه مجبر على طلاقهما، فلم يلزمه ~~صداقهما، كما لو فسخ نكاحه برضاع أو غيره. قال: وهذا اختياري. وإن كان دخل ~~بهما، فعليه كمال الصداقين لهما، إلا أن لإحداهما المسمى، وفي الأخرى ~~روايتان: # إحداهما: لها المسمى أيضا. # والثانية: لها مهر المثل؛ لأنه واجب بالإصابة، لا بالعقد. فإن قلنا: يجب ~~مهر المثل أقرعنا بينهما فيه. وإن أراد نكاح إحداهما طلق الأخرى. وعقد ~~النكاح للثانية، إلا أنه إن كان لم يدخل بواحدة منهما، فله أن يعقد النكاح ~~في الحال. وإن كان دخل بها لم يعقده حتى تنقضي عدتها، لئلا يكون نكاحا ~~لإحداهما في عدة أختها، أو ناكحا لمعتدة من وطئه لها في غير ملكه. # فصل: # ولا يحرم الجمع بين ابنتي العم، ولا ابنتي الخال، لقوله تعالى: {وأحل لكم ~~ما وراء ذلكم} [النساء: 24] ولأن إحداهما لو كانت ذكرا حلت له الأخرى، لكن ~~يكره لما روى عيسى بن طلحة قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~تزوج المرأة على ذي ms0824 قرابتها مخافة القطيعة» وهذا محمول على الكراهة لما ~~ذكرناه، ويجوز الجمع بين المرأة وربيبتها للآية. وفعله عبد الله بن جعفر، ~~وعبد الله بن صفوان بن أمية. ويجوز للرجل أن يتزوج ربيبة ابنه وربيبة أبيه، ~~وربيبة أمه للآية؛ ولأنه لا نسب بينهما ولا سبب محرم. # فصل: # الضرب الثاني: تحريم الجمع، لكثرة العدد. فلا يحل للحر أن يجمع بين أكثر ~~من أربع زوجات بلا خلاف، لقوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى ~~وثلاث ورباع} [النساء: 3] يعني اثنتين أو ثلاثا أو أربعا، «ولأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال لغيلان بن سلمة حين أسلم وتحته عشر نسوة: أمسك ~~أربعا وفارق سائرهن» رواه الترمذي. # PageV03P032 # وليس للعبد أن يتزوج أكثر من اثنتين، لما روي عن الحكم بن عيينة أنه قال: ~~أجمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن العبد لا ينكح إلا ~~اثنتين. وروى الإمام أحمد أن عمر سأل الناس عن ذلك، فقال: عبد الرحمن بن ~~عوف: لا يتزوج إلا اثنتين. وهذا كان بمحضر من الصحابة فلم ينكر، فكان ~~إجماعا. والحكم فيمن تزوج خمسا، أو نكح خامسة في عدة الرابعة، ونحو ذلك من ~~الفروع، كالحكم في الجامع بين أختين على ما مضى فيه. # فصل: # ويباح التسري من الإماء من غير حصر، لقوله تعالى: {فإن خفتم ألا تعدلوا ~~فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3] ولأن القسم بينهن غير واجب، فلم ~~ينحصرن في عدد. وللعبد أن يتسرى بإذن سيده، نص عليه أحمد؛ لأن ذلك قول ابن ~~عمر، وابن عباس، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة، ولأن العبد يملك في ~~النكاح، فملك التسري كالحر. وإنما يملك التسري إذا ملكه سيده وأذن له في ~~التسري. قال القاضي: يجب أن يكون تسري العبد مبنيا على الروايتين من ثبوت ~~الملك له بتمليك سيده؛ لأن الوطء لا يباح إلا بنكاح، أو ملك يمين. لقوله ~~تعالى: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} [المؤمنون: 6] والمكاتب كالقن ~~سواء؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم. فأما من بعضه حر، فإن ملك ms0825 بجزئه الحر ~~جارية فملكه تام، وله الوطء بغير إذن السيد، لقوله تعالى: {أو ما ملكت ~~أيمانهم} [المؤمنون: 6] ولأن ملكه عليها تام. فأما تزويجه، فإنه يلزمه حقوق ~~تتعلق بجميعه، فاعتبر رضى السيد به، ليكون راضيا بتعلق الحق بملكه. وإن ~~تسرى العبد بإذن سيده ثم رجع لم يكن له الرجوع نص عليه؛ لأنه يملك به البضع ~~فلم يملك فسخه، كالنكاح. وقال القاضي: ويحتمل أنه أراد التزويج. وله الرجوع ~~في التسري؛ لأنه رجوع فيما ملكه لعبده، فأشبه سائر المال. # فصل: # النوع الخامس: المحرمات لاختلاف الدين، فلا يحل لمسلم نكاح كافرة غير ~~كتابية، لقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] وقوله: ~~{ولا تمسكوا بعصم الكوافر} [الممتحنة: 10] . ولا يحل نكاح مرتدة وإن تدينت ~~بدين أهل الكتاب؛ لأنها لا تقر على دينها، ولا مجوسية. لأنه لم يثبت لهم ~~كتاب، ولا كتابية، أحد أبويها غير كتابي، # PageV03P033 # لأنها لم تتمحض كتابية، أشبهت المجوسية، ولا من يتمسك بصحف إبراهيم وزبور ~~داود، أو كتاب غير التوراة والإنجيل، لقوله تعالى: {أن تقولوا إنما أنزل ~~الكتاب على طائفتين من قبلنا} [الأنعام: 156] ؛ ولأن تلك الكتب ليست ~~بشرائع، إنما هي مواعظ وأمثال. ويباح نكاح حرائر الكتابيات، لقوله تعالى: ~~{والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] وهم اليهود ~~والنصارى ومن وافقهم من أصل دينهم ودان بالتوراة والإنجيل، كالسامرة وفرق ~~النصارى، وفي نصارى بني تغلب روايتان: # إحداهما: إباحة نسائهم؛ لأنهن كتابيات فيدخلن في عموم الآية. # والثانية: تحريمهن؛ لأنه لا يعلم دخولهن في دينهم قبل تبديل كتابهم. ولا ~~يحل لمسلمة نكاح كافر بحال، كتابيا كان أو غير كتابي، لقوله تعالى: {ولا ~~تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} [البقرة: 221] وقوله: {فإن علمتموهن مؤمنات ~~فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} [الممتحنة: 10] . ~~وكل من تحل حرائرهم بالنكاح حل وطء إمائهم بملك اليمين. ومن حرم نكاح ~~حرائرهم، حرم وطء إمائهم بملك اليمين بالقياس على المحرمات بالرضاع. # فصل: # النوع السادس: التحريم لأجل الرق وهو ضربان: # أحدهما: تحريم الإماء، وهن نوعان: كتابيات، فلا يحل لمسلم نكاحهن ولو ms0826 كان ~~عبدا. وعنه: يجوز، والأول: المذهب، لقوله تعالى: {فمن ما ملكت أيمانكم من ~~فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25] . فشرط في إباحتهن إيمانهن، ولأنهن ناقصات ~~من وجهين، أشبه المشركات. # والثاني: الأمة المسلمة، فللعبد نكاحها؛ لأنها تساويه، ولا تحل لحر ~~نكاحها إلا بشرطين: عدم الطول، وهو: العجز عن نكاح حرة، أو شراء أمة. # والثاني: خشية العنت: وهو الزنى، لقوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا ~~أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} ~~[النساء: 25] . إلى قوله: {ذلك لمن خشي العنت منكم} [النساء: 25] فإن أمكنه ~~نكاح حرة كتابية لم تحل له # PageV03P034 # الأمة المسلمة؛ لأنه لا يخشى العنت، ولأنه أمكنه صيانة ولده عن الرق فحرم ~~عليه إرقاقه، كما لو قدر على نكاح مؤمنة. وإن تزوج أمة تحل له، ثم وجد ~~الطول ففيه وجهان: # أحدهما: نكاحه باق، اختاره الخرقي؛ لأن زوال الشرط بعد العقد لا يبطله، ~~كما لو أمن العنت. # والثاني: يبطل؛ لأنه أبيح للضرورة فزال بزوالها، كأكل الميتة. وإن تزوج ~~حرة على أمة فهل يبطل نكاح الأمة؟ على روايتين كذلك، فإن تزوج حرة تعفه ~~وأمة في عقد واحد فسد نكاح الأمة، لعدم شرطه، وهو عدم طول الحرة. وفي نكاح ~~الحرة روايتان. # أصلهما تفريق الصفقة. وكذلك الحكم في كل عقد جمع فيه بين محللة ومحرمة، ~~كأجنبية وأخته من الرضاع. فإن كانت الحرة لا تعفه، ولم يتمكن من نكاحها حرة ~~تعفه ففي نكاح الأمة روايتان: # إحداهما: لا يصح؛ لأنه واجد الطول حرة. # والثانية: يصح؛ لأنه خائف العنت، عادم لطول حرة تعفه، فحلت له الأمة، ~~كالعاجز عن نكاح حرة. فعلى هذا يصح العقد فيهما جميعا، وكذلك الحكم إن كانت ~~تحته حرة لا تعفه، فيتزوج عليها أمة، أو كان تحته أمة لا تعفه فيتزوج عليها ~~ثانية، ففيها روايتان. # قال الخرقي: وله أن ينكح من الإماء أربعا إذا كان الشرطان فيه قائمين. ~~ووجه الروايتين ما تقدم. وإن تزوج أمتين في عقد وإحداهما تعفه بطل فيهما؛ ~~لأن إحداهما ليست بأولى من الأخرى، فبطل فيهما، كما لو جمع بين أختين. ms0827 # فصل: # الضرب الثاني: أنه لا يحل للعبد نكاح سيدته؛ لأن أحكام الملك والنكاح ~~تتناقض، إذا ملكها إياه يقتضي وجوب نفقته عليها، وسفره بسفرها، وطاعته ~~إياها. ونكاحه إياها يوجب عكس ذلك، فيتنافيان. ولا يصح أن يتزوج الحر أمته؛ ~~لأن النكاح يوجب للمرأة حقوقا يمنعها ملك اليمين من القسم والمبيت فبطل. ~~فإن ملكت المرأة زوجها، أو جزءا منه، أو ملك الرجل زوجته أو جزءا منها ~~انفسخ النكاح، لما ذكرنا، ويحرم على الأب نكاح جارية ابنه؛ لأن له فيها ~~شبهة يسقط الحد بوطئها، فلم يحل له نكاحها، كالمشتركة بينه وبين غيره. ~~وللابن أن يتزوج أمة أبيه، لعدم ذلك فيه. وإن تزوج جارية ثم ملكها ابنه، ~~ففيه وجهان: # PageV03P035 # أحدهما: يبطل النكاح؛ لأن ملك الابن كملكه في إسقاط الحد وحرمة ~~الاستيلاد، فكان كملكه في إبطال النكاح. # والثاني: لا يبطل؛ لأنه يملكها بملك الابن، فلم يبطل نكاحها، كما لو ~~ملكها أجنبي. # فصل: # النوع السابع: منكوحة غيره، والمعتدة منه، والمستبرأة منه، لقوله تعالى: ~~{والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] . ولقوله: {ولا ~~تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} [البقرة: 235] ؛ ولأن تزويجها ~~يفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب، وسواء في ذلك المعتدة من وطء ~~مباح، أو محرم، أو من غير وطء؛ لأنه لا يؤمن أن تكون حاملا، فلو جوزنا ~~تزويجها لاختلاط نسب المتزوج بنسب الواطئ الأول. ولا يجوز نكاح المزني بها ~~بالحمل إلا أن تضع. فإن وطئت امرأة الرجل بشبهة أو زنا لم ينفسخ نكاحه؛ لأن ~~النكاح سابق فكان أولى. ولا يحل له وطؤها حتى تنقضي عدتها، لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يوم حنين: «لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر يسقي ~~ماءه زرع غيره» رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وأبو داود، وزاد يعني: إتيان ~~الحبالى؛ ولأنها ربما يأتي بولد من الزنا فينسب إليه. قال أحمد: وإذا علم ~~الرجل من جاريته الفجور فلا يطؤها لعلها تلحق به ولدا ليس منه. # فصل: # ولا يحل التعريض بخطبة الرجعية؛ لأنها زوجته، فأشبهت ما قبل الطلاق، ~~ويجوز التعريض بخطبة ms0828 المعتدة من الوفاة، والطلاق الثلاث، لقوله تعالى: {ولا ~~جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] . وروت «فاطمة بنت ~~قيس: أن أبا عمر بن حفص ابن المغيرة طلقها آخر ثلاث تطليقات، فأرسل إليها ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا تسبقيني بنفسك» . # PageV03P036 # ويحرم التصريح؛ لأن تخصيص التعريض بالإباحة دليل على تحريم التصريح، ولأن ~~التصريح لا يحتمل غير النكاح، فلا يأمن أن يحملها الحرص عليه على الإخبار ~~بانقضاء عدتها قبل انقضائها، بخلاف التعريض. فأما البائن بخلع، فلزوجها ~~التصريح بخطبتها والتعريض؛ لأنه يحل له نكاحها في عدتها، إذ لا يصان ماؤه ~~عن مائه، ولا يخشى اختلاط نسبه بنسب غيره. وهل يحل لغيره التعريض بخطبتها؟ ~~فيه وجهان: # أحدهما: لا يحل؛ لأن الزوج يملك استباحتها في عدتها فأشبهت الرجعية. # والثاني: يحل؛ لأنها بائن أشبهت المطلقة ثلاثا. والمرأة كالرجل فيما يحل ~~لها من الجواب ويحرم. والتصريح أن يقول: زوجيني نفسك إذا انقضت عدتك ونحوه، ~~والتعريض أن يقول: إني في مثلك لراغب، ولا تسبقيني بنفسك، وما أحوجني إلى ~~مثلك ونحوه. وتجيبه: ما يرغب عنك. وإن قضي شيء كان ونحوه. # فصل: # ومن خطب امرأة فأجيب حرم على غيره خطبتها إلا أن يأذن، أو يترك، لما روى ~~أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يخطب الرجل على ~~خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك» متفق عليه. وفي حديث: «أو يأذن له فيخطب» ولأن ~~في ذلك إفسادا على أخيه، وإيقاعا للعداوة بينهما فحرم، كبيعه على بيعه. وإن ~~لم يسكن إليه، فلغيره خطبتها، لما روت «فاطمة بنت قيس أنها أتت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فذكرت: أن معاوية وأبا جهم خطباها، فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا ~~مال له، أنكحي أسامة» متفق عليه. فخطبها بعد خطبتها. وإن لم يعلم هل أجابت ~~أم لا؟ ففيه وجهان: # PageV03P037 # أحدهما: التحريم، لعموم النهي. # والثاني: الإباحة؛ لأن الأصل عدم الإجابة المحرمة. والتعويل في الإجابة ~~والرد عليها إن كانت غير مجبرة، ms0829 وعلى وليها إن كانت مجبرة. # فصل: # النوع الثامن: الملاعنة. تحرم على الملاعن وتذكر في بابه. # النوع التاسع: الزانية، يحرم نكاحها حتى تتوب، لقوله تعالى: {والزانية لا ~~ينكحها إلا زان أو مشرك} [النور: 3] ؛ ولأنه لا يؤمن أن تلحق به ولدا من ~~غيره، فحرم نكاحها كالمعتدة. ويحرم نكاحها في عدتها على الزاني وغيره؛ لأن ~~ولدها لا يلحق نسبه بأحد، فيؤدي تزويجها إلى اشتباه النسب. فأما الموطوءة ~~بشبهة، أو في نكاح فاسد، فهل يحرم؟ فظاهر كلام الخرقي تحريمها على الواطئ، ~~لقوله في الذي تزوج امرأة في عدتها: له أن ينكحها بعد انقضاء العدتين، وذلك ~~أنه وطء من غير ملك. أشبه الوطء المحرم. ويحتمل أن لا تحرم على الواطئ؛ لأن ~~نسب ولدها لاحق به، فأشبهت المعتدة من النكاح. # فصل: # واختلف أصحابنا في الخنثى، المشكل. فقال أبو بكر: لا يصح نكاحه. ونص عليه ~~أحمد - رضي الله عنه - في رواية الميموني؛ لأنه مشكوك في حله للرجال ~~والنساء فلم يحل، كما لو اشتبهت الأجنبية بالأخت. وقال الخرقي: يرجع إلى ~~قوله. فإن قال: إني رجل حل له النساء وإن قال: أنا امرأة لم ينكح إلا رجلا؛ ~~لأنه معنى لا يعرف إلا من جهته. وليس فيه إيجاب حق على غيره فوجب أن يقبل ~~منه، كما يقبل # PageV03P038 # قول المرأة في انقضاء عدتها، فعلى هذا إن عاد بعد نكاح المرأة، فقال: أنا ~~امرأة انفسخ نكاحه، لإقراره ببطلانه، ولزمه نصف المهر إن كان قبل الدخول، ~~وجميعه إن كان بعده، ولا يحل له بعد ذلك أن ينكح؛ لأنه أقر بقوله: أنا رجل ~~بتحريم الرجال، وأقر بقوله: أنا امرأة بتحريم النساء. وإن تزوج رجلا ثم ~~قال: أنا رجل لم يقبل قوله في فسخ نكاحه؛ لأنه حق عليه، فإذا زال النكاح ~~فلا مهر له؛ لأنه يقر أنه لا يستحقه، وسواء دخل به أو لم يدخل. ويحرم عليه ~~النكاح بعد ذلك لما ذكرناه. # فصل: # النوع العاشر: التحريم للإحرام. فلا يحل نكاح محرم ولا محرمة، ولا يجوز ~~عقد المحرم نكاح غيره. ومتى عقد أحد نكاحا لمحرم، أو ms0830 على محرمة، أو عقد ~~المحرم نكاحا لغيره، أو لنفسه فالعقد باطل، لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب» رواه مسلم؛ ولأنه عارض منع ~~الطيب فمنع النكاح، كالعدة. وعنه: أن عقد المحرم النكاح لغيره صحيح؛ لأنه ~~محرم، لكونه من دواعي الوطء، ولا يحصل ذلك بكونه وليا. والأول أصح، لعموم ~~الخبر، فأما إن كان شاهدا في النكاح انعقد بشهادته؛ لأنه من أهل الشهادة، ~~فأشبه الحلال. وتكره له الشهادة والخطبة، للخبر في الخطبة، والشهادة في ~~معناها؛ لأنها معونة على النكاح. ### | باب الشروط في النكاح # وهي قسمان صحيح وفاسد. فالصحيح نوعان: # أحدهما: شرط ما يقتضيه العقد، كتسليم المرأة إليه، وتمكنه من استمتاعها، ~~فهذا لا يؤثر في العقد. ووجوده كعدمه. # والثاني: شرط ما تنتفع به المرأة، كزيادة على مهرها معلومة، أو نقد معين، ~~أو أن لا يتزوج عليها ولا يتسرى، أو لا يسافر بها ولا ينقلها عن دارها ولا ~~بلدها، فهذا صحيح يلزم الوفاء به، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج» متفق عليه. وروي ~~أن رجلا تزوج امرأة وشرط لها دارها، ثم أراد نقلها، فخاصموه إلى عمر، فقال: ~~لها شرطها. فقال الرجل: إذا يطلقننا. فقال # PageV03P039 # عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط، ولأنه شرط لها، فيه نفع ومقصود لا ينافي ~~مقصود النكاح فصح، كالزيادة في المهر. فإن لم يف به فلها فسخ النكاح لأنه ~~شرط لازم في عقد، فثبت حق الفسخ بفواته، كشرط الرهن في البيع. # فصل: # القسم الثاني: فاسد وهو ثلاثة أنواع: # أحدها: ما يبطل في نفسه، ويصح النكاح، مثل أن يشرط عليها أنه لا مهر لها، ~~أو الرجوع عليها بمهرها، أو لا نفقة لها عليه، أو أن نفقته عليها، أو لا ~~يطؤها، أو يعزل عنها، أو يقسم لها دون قسم صاحبتها، أو ألا يقسم لها إلا في ~~النهار، أو ليلة في الأسبوع ونحوه، فهذه الشروط باطلة في نفسها؛ لأنها ~~تتضمن إسقاط حق يجب بالعقد قبل انعقاده ms0831 فلم يصح، كإسقاط الشفعة قبل البيع. ~~وقد نقل عن أحمد في النهاريات والليليات: ليس هذا من نكاح أهل الإسلام، ~~وهذا يحتمل إفساد العقد، فيتخرج عليه سائر الشروط الفاسدة أنها تفسده؛ ~~لأنها شروط فاسدة، فأفسدت العقد، كما لو زوجه وليته بشرط أن يزوجه الآخر ~~وليته. وهذا يحتمل أن يفسد بشرطها عليها ترك الوطء؛ لأنه ينافي مقتضى العقد ~~ومقصوده. ولو شرط عليها ألا يطأها، لم يفسد؛ لأن الوطء حقه عليها وهي لا ~~تملكه. # فصل: # النوع الثاني: ما يفسد النكاح من أصله، وهو أربعة أمور: # أحدهما: أن يشرطا تأقيت النكاح، وذلك نكاح المتعة، مثل أن يقول: زوجتك ~~ابنتي شهرا أو نحوه فالنكاح باطل نص عليه، لما روى الربيع بن سبرة عن أبيه ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نهى عن المتعة في حجة الوداع» وفي ~~لفظ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «حرم متعة النساء» رواه أبو ~~داود؛ ولأنه لم يتعلق به أحكام النكاح من الطلاق وغيره فكان باطلا، كسائر ~~الأنكحة الباطلة. قال أبو بكر: فيه رواية أخرى: أنها مكروهة؛ لأن أحمد قال ~~في رواية ابن منصور يجتنبها أحب إلي، فظاهرها الكراهة، لا # PageV03P040 # التحريم وغيره من أصحابنا يقول: المسألة رواية واحدة في تحريمها. ولو شرط ~~أن يطلقها في وقت بعينه لم يصح النكاح؛ لأنه شرط يمنع بقاء النكاح، فأشبهت ~~التأقيت. ويتخرج أن يصح النكاح ويبطل الشرط؛ لأن النكاح وقع مطلقا، وشرط ~~على نفسه شرطا لا يؤثر فيه، فأشبه ما لو شرط ألا يطأها. # فصل: # الأمر الثاني: أن يزوجه وليته بشرط أن يزوجه الآخر وليته، فهذا نكاح ~~الشغار. ولا تختلف الرواية عن أحمد في فساده، لما روى ابن عمر أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - «نهى عن نكاح الشغار» . والشغار: أن يزوج الرجل ~~ابنته على أن يزوجه ابنته وليس بينهما صداق. متفق عليه؛ ولأنه جعل كل واحد ~~من العقدين سلفا في الآخر فلم يصح، كما لو قال: بعني ثوبك على أن أبيعك ~~ثوبي. فإن سميا مع ذلك صداقا، فقال: زوجتك أختي ms0832 على أن تزوجني أختك، ومهر ~~كل واحدة مائة، فالمنصوص عن أحمد صحته لحديث ابن عمر. وقال الخرقي: لا يصح، ~~لما روى الأعرج «أن العباس بن عبيد الله بن العباس: أنكح عبد الرحمن بن ~~الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته: وكانا جعلا صداقا، فكتب معاوية إلى ~~مروان: يأمره أن يفرق بينهما. وقال في كتابه: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -» رواه أبو داود ولأنه شرط عقد في عقد فلم يصح، ~~كما لو باعه ثوبه بشرط أن يبيعه ثوبه، وإن سمي لإحداهما مهرا، دون الأخرى، ~~فقال أبو بكر: النكاح فاسد فيهما، وقال القاضي: يجب أن يكون في التي سمى ~~لها مهرا روايتان. # فصل: # الشرط الثالث: أن يشرط عليه إحلالها لزوج قبله، ثم يطلقها فيكون النكاح ~~حراما باطلا، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لعن الله ~~المحلل والمحلل له» قال الترمذي: هذا حديث صحيح. فإن تواطآ على ذلك قبل ~~العقد فنواه في العقد ولم يشرطه فالنكاح باطل أيضا. نص عليه. وقال: متى ~~أراد بذلك الإحلال فهو ملعون، # PageV03P041 # لعموم الحديث. وروى نافع: أن رجلا قال لابن عمر: امرأة تزوجتها أحلها ~~لزوجها ولم يأمرني ولم تعلم. قال: لا، إلا نكاح رغبة، إن أعجبتك أمسكتها، ~~وإن كرهتها فارقتها. وإن كنا نعده على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- سفاحا. ولا يزالان زانيين وإن مكثا عشرين سنة. وإن شرط عليه سابقا ~~إحلالها فنوى غير ذلك صح؛ لأنه خلا عن نية التحليل وشرطه. وإن قصدت المرأة ~~التحليل ووليها دون الزوج لم يؤثر في العقد؛ لأنه ليس إليهما إمساك ولا ~~فراق، فلم يؤثر بنيتهما، كالأجنبي. وإن زوجها عبده بنية أن يهبها إياه ~~لينفسخ نكاحه فهو نكاح المحلل؛ لأنه قصد به التحليل. وذكر القاضي: فيما إذا ~~خلا العقد عن شرط التحليل وجها آخر: أنه يصح. وخرجه أبو الخطاب رواية؛ لأنه ~~روي عن أحمد: أنه كرهه فظاهره الصحة مع الكراهة؛ لأن مجرد النية لا يفسد ~~العقد كما لو اشترى عبدا ينوي ms0833 أن يبيعه. # فصل: # النوع الثالث: فاسد وفي فساد النكاح به روايتان: # وهو أن يتزوجها بشرط الخيار، أو إن رضيت أمها، أو إنسان ذكره، أو بشرط ~~ألا يكره فلان، أو إن جاءها بالمهر إلى كذا، وإلا فلا نكاح بينهما. فنقل ~~عنه ابناه وحنبل: نكاح المتعة حرام، وكل نكاح فيه وقت أو شرط فاسد؛ لأن عقد ~~النكاح يجب أن يكون ثابتا لازما، فنافاه هذا الشرط، كالخلع. ونقل عنه: أن ~~العقد صحيح والشرط باطل؛ لأن النكاح يصح في المجهول فلم يفسد بالشرط ~~الفاسد، كالعتق. ونقل عنه فيمن شرط إن جاءها بالمهر في وقت كذا، وإلا فلا ~~نكاح بينهما أن الشرط صحيح؛ لأن لها فيه نفعا أشبه ما لو اشترط ألا يخرجها ~~من دارها. ### | باب الخيار في النكاح # وأسبابه أربعة: # أحدها: أن يجد أحدهما بصاحبه عيبا يمنع الوطء وهو سبعة أشياء: ثلاثة ~~يشترك فيها الرجال والنساء، وهي: الجنون مطبقا كان أو غير مطبق، والجذام، ~~والبرص، واثنان في الرجل: الجب والعنة، واثنان في المرأة: الرتق، وهو ~~انسداد الفرج. والفتق وهو انخراق ما بين مخرج البول والمني. وقيل: انخراق ~~ما بين القبل والدبر، فمن وجد بصاحبه عيبا منها فله الخيار في فسخ النكاح، ~~لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج امرأة من بني غفار فرأى ~~بكشحها بياضا، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: البسي ثيابك والحقي ~~بأهلك» # PageV03P042 # فثبت الرد بالبرص بالخبر، وقسنا عليه سائر العيوب؛ لأنها في معناه في منع ~~الاستمتاع. وإن كان قد بقي من ذكر المجبوب ما يمكن الجماع به، ويغيب منه في ~~الفرج قدر الحشفة فلا خيار لها؛ لأنه لا يمنع الاستمتاع. وإن اختلفا في ~~ذلك، فالقول قول المرأة؛ لأنه يضعف بالقطع، والأصل عدم الوطء. # فصل: # وإن وجد أحدهما الآخر خنثى، أو وجدت زوجها خصيا ففيه وجهان: # أحدهما: لها الخيار؛ لأنه يثير نفرة، وفيه نقص وعار، فأشبه البرص. # والثاني: لا خيار لها؛ لأنه لا يمنع الاستمتاع. واختلف أصحابنا في البخر، ~~وهو نتن الفم. وفي الذي لا يستمسك بوله أو خلاه. ms0834 فقال أبو بكر: يثبت به ~~الخيار؛ لأنه ينفر عن الاستمتاع، ويتعدى ضرره ونجاسته. وقال غيره: لا خيار ~~فيه؛ لأنه لا يمنع الاستمتاع ولا يخشى تعديه، ويتخرج عليه الناصور والباسور ~~والقروح السيالة في الفرج؛ لأنها في معناه. واختلفوا في العفل، وقيل: هي ~~رغوة في الفرج يمنع لذة الوطء، فعده الخرقي مانعا كذلك، ولم يعده القاضي في ~~الموانع؛ لأنه لا يمنع الاستمتاع. وكذلك يخرج في الرائحة الكريهة التي في ~~الفرج تثور عند الوطء. وما عدا هذه العيوب كالقرع والعمى والعرج لا يثبت به ~~خيار؛ لأنه لا يمنع الاستمتاع ولا يخشى تعديه. # فصل: # ومن علم العيب وقت العقد فلا خيار له؛ لأنه دخل على بصيرة بالعيب فأشبه ~~من اشترى ما يعلم عيبه. وإن وجد بصاحبه عيبا به مثله، ففيه وجهان: # أحدهما: لكل واحد منهما الخيار، لوجود سببه، فأشبه العبد المغرور بأمة، ~~ولأنه قد يعاف عيب غيره، وإن كان به مثله. # والثاني: لا خيار له؛ لأنهما متساويان في النقص فأشبها القفيزين. وإن حدث ~~العيب بأحدهما بعد العقد، ففيه وجهان: # أحدهما: لا خيار له، وهو قول أبي بكر: لأنه عيب حدث بعد لزوم العقد أشبه ~~الحادث بالمبيع. # والثاني: يثبت به الخيار. وهو ظاهر قول الخرقي؛ لأنه عيب، لو قارن أثبت ~~الخيار، فإذا حدث أثبته كالإعسار. # PageV03P043 # فصل: # وإذا علم العيب فأخر المطالبة بالفسخ لم يبطل خياره. وقال القاضي: يبطل. ~~وأصلهما ما ذكرنا في خيار الرد بالعيب في المبيع، وإن قال: رضيت به معيبا، ~~أو وجد منه دلالة على الرضى، كالاستمتاع، أو التمكين منه بطل خياره. # فصل: # وإن فسخ قبل المسيس فلا مهر لها؛ لأنه إن كان الفسخ منها فالفرقة من ~~جهتها، فأسقطت مهرها كردتها. وإن كان من الزوج فهو لمعنى من جهتها، لحصوله ~~بتدليسها، فأشبه ما لو باشرتها. وإن كان بعد الدخول استقر المهر ولم يسقط ~~لاستقرار النكاح بالدخول فيه، ويجب المسمى؛ لأنه نكاح صحيح فيه مسمى صحيح، ~~فوجب المسمى فيه. كما لو ارتدت. وذكر القاضي: أن فيه رواية أخرى أنه يجب ~~مهر المثل بناء على ms0835 العقد الفاسد، وليس هذا بفاسد، إذ لو كان فاسدا لما ثبت ~~الخيار فيه، ويرجع بالمهر على من غره، لما روي عن عمر أنه قال: أيما رجل ~~تزوج امرأة بها جنون أو جذام أو برص فمسها فلها صداقها غرم على وليها، ~~ولأنه غره في النكاح بما يجب به المهر فكان المهر عليه، كما لو غره بحرية ~~أمة. وعنه: لا يرجع على أحد؛ لأن ذلك يروى عن علي - رضي الله عنه -. فإن لم ~~يعلم الولي فالغرور من المرأة. وإن طلق الزوج ثم علم بها عيبا فعليه المهر، ~~لا يرجع به على أحد؛ لأنه رضي بالتزامه. # فصل: # ولا يجوز الفسخ إلا بحكم حاكم؛ لأنه مختلف فيه، فافتقر إلى الحاكم، ~~كالفسخ للإعسار. فإن رده الحاكم إلى مستحقه جاز، والفرقة الواقعة بينهما ~~فسخ لا طلاق؛ لأنه رد لعيب، فكان فسخا كرد المشتري. وإن اتفقا على الرجعة ~~لم يجز إلا بنكاح جديد، ويرجع على طلاق ثلاث. وقال أبو بكر: فيها قول آخر: ~~إنها تحرم على التأبيد؛ لأنه فرقة حاكم، فأشبهت فرقة اللعان، ولنا أنها ~~فرقة لعيب أشبهت فرقة المعتقة تحت عبد. # فصل: # وليس لولي صغير ولا صغيرة ولا سيد أمة تزويجهم بمعيب؛ لأن فيه ضررا بهم، ~~وعليه النظر في الحظ لهم. ولا لولي كبيرة تزويجها بمعيب بغير رضاها؛ لأنه ~~فيه ضررا بها. فإن طلبت التزويج بمجبوب أو عنين لم يملك منعها؛ لأن الضرر ~~يختص بها. وإن أرادت التزويج بمعيب غيرهما فله منعها؛ لأن عليه ضررا أو ~~عارا، ويخشى تعديه # PageV03P044 # إليها وإلى ولدها، ويحتمل أنه ليس منعها قياسا على الجب والعنة. فإن رضيا ~~به جاز ويكره. قال أحمد ما يعجبني أن يزوجها بعنين، وإن رضيت الساعة فتكره ~~إذا دخلت. وإن حدث العيب بالرجل، أو وجدته معيبا فرضيت به المرأة لم يكن ~~لوليها إجبارها على الفسخ؛ لأنه حقه في ابتداء العقد لا في دوامه. ولهذا ~~يملك منعها من نكاح العبد، ولو عتقت تحت عبد لم يملك إجبارها على الفسخ. # فصل: # وإذا اختلفا في عيب المرأة أريت النساء الثقات، ms0836 فرجع إلى قولهن. فإن ادعت ~~المرأة أن زوجها عنينا فأنكر فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل السلامة. وإن ~~اعترف أجله الحاكم عاما منذ رافعته، لما روى سعيد بن المسيب: إن عمر أجل ~~العنين سنة. وعن علي والمغيرة مثله؛ ولأن العجز قد يكون لعارض من حرارة، أو ~~برودة، أو يبوسة، أو رطوبة فإذا مضت السنة واختلفت عليه الأهوية ولم يزل ~~علم أنه خلقة. ولا تثبت المدة إلا بالحكم؛ لأنها مدة مختلف فيها بخلاف مدة ~~الإيلاء. فإذا مضت السنة منذ ضربت له المدة ولم يطأها خيرت في المقام معه ~~أو فراقه؛ لأن الحق لها. فإن رضيته عنينا، أو قالت في وقت: قد رضيته عنينا ~~لم يكن لها خيار بعد ذلك؛ لأنها رضيت العيب، فأشبه ما لو رضيت المبيع ~~المعيب. وإن اختارت فراقه فرق الحاكم بينهما. وإن اعترفت أنه وطئها مرة بطل ~~كونه عنينا. وإن ادعى أنه وطئها، فادعت أنها عذراء أريت النساء الثقات، فإن ~~شهدن بما قالت فالقول قولها، وإلا فالقول قوله. وإن اختلفا في ثيب فالقول ~~قوله؛ لأن الأصل السلامة. وعنه: القول قولها؛ لأن الأصل عدم الإصابة. وعنه: ~~يخلى معها في بيت، ويقال: أخرج ماءك على شيء، فإن عجز عن ذلك فالقول قولها. ~~وإن فعل فالقول قوله. فإن ادعت أنه ليس بمني جعل على النار، فإن ذاب فهو ~~مني، وبطل قولها؛ لأنه شبيه ببياض البيض، وذاك إذا وضع على النار تجمع ~~ويبس، وهذا يذوب، فيتميز بذلك أحدهما من الآخر، فيختبر به؛ لأن هذا قول ~~عطاء. وإن اعترفت أنه وطئ غيرها، أو وطئها في الدبر، أو في نكاح آخر لم تزل ~~عنته؛ لأنه قد يعن عن امرأة دون أخرى، وفي نكاح دون نكاح. والدبر ليس بمحل ~~للوطء، فأشبه ما دون الفرج. ويقتضي قول أبي بكر أنها متى اعترفت بوطئه ~~لغيرها، أو لها في أي نكاح كان زالت عنته. وهذا اختيار ابن عقيل؛ لأن العنة ~~جبلة وخلقة، فلا تبقى مع ما ينافيها. وأدنى الوطء الذي يخرج به من العنة، ~~إيلاج الحشفة في الفرج؛ ms0837 لأن الوطء الذي تتعلق به الأحكام دون غيره. وهل ~~يحلف من القول قوله؟ يحتمل وجهين، بناء على الاستحلاف في غير دعوى المال. # PageV03P045 # فصل: # السبب الثاني: إذا عتقت المرأة وزوجها عبد فلها الخيار في فسخ النكاح، ~~لما روت عائشة قالت: «كاتبت بريرة، فخيرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في زوجها وكان عبدا، فاختارت نفسها. قال عروة: ولو كان حرا ما خيرها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -» . رواه مالك في " موطئه " وأبو داود في " ~~سننه ". وإن عتقت وزوجها حر فلا خيار لها، للخبر، ولأنها كملت تحت كامل، ~~فلم يثبت لها خيار، كما لو أسلمت الكتابية تحت مسلم، بخلاف زوجة العبد. ~~ولها الفسخ بنفسها؛ لأنه خيار ثبت بالنص والإجماع، ولما روى الحسن عن عمر ~~بن أمية قال: سمعت رجالا يتحدثون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«إذا أعتقت الأمة فهي بالخيار ما لم يطأها، إن شاءت فارقته، فإن وطئها فلا ~~خيار لها» رواه الإمام أحمد في المسند. وخيارها على التراخي، للخبر ما لم ~~يطأها، فإن أمكنته من وطئها عالمة بالحال بطل خيارها، للخبر؛ ولأنه دليل ~~على رضاها به فبطل خيارها، كما لو نطقت به. وإن لم تعلم بطل خيارها أيضا، ~~نص عليه أحمد للخبر. وقال القاضي وأبو الخطاب: لا يبطل؛ لأن تمكينها مع ~~جهلها لا يدل على رضاها به. وإن لم تعلم بالعتق حتى وطئها، ففيه وجهان ~~كالتي قبلها فعلى هذا إن ادعت الجهل بالعتق وهي ممن يجوز خفاؤه عليها ~~لبعدها عن المعتق فالقول قولها مع يمينها، وإن كانت ممن لا يخفى عليها ذلك ~~لقربه واشتهاره لم يقبل قولها، فإن ادعت الجهل بثبوت الخيار فالقول قولها؛ ~~لأنه لا يعلمه إلا خواص الناس. وإن أعتق العبد قبل اختيارها بطل خيارها؛ ~~لأن الخيار لدفع الضرر الحاصل بالرق، وقد زال بعتقه فزال، كرد المعيب إذا ~~زال عيبه. ولو أعتقا معا فلا خيار لها. وعنه: لها الخيار، والأول أولى؛ ~~لأنها لو عتقت تحت حر لم يثبت لها خيار، لعدم الضرر، فكذا هاهنا. ويستحب ms0838 ~~لمن أراد عتق عبد وجاريته المتزوجين البداءة بعتق الرجل، لئلا يكون للمرأة ~~عليه خيار. وقد روى أبو داود «عن عائشة - رضي الله عنها -: أنه كان غلام ~~وجارية، فقالت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إني أريد أن أعتقهما، فقال ~~لها: فابدئي بالرجل» . # فصل: # فإن أعتقت المجنونة والصغيرة فلا خيار لهما؛ لأنهما لا عقل لهما، ولا قول # PageV03P046 # معتبر، ولا يملكه وليهما؛ لأن هذا طريقه الشهوة، فلا يدخل تحت الولاية، ~~كالقصاص، فإذا بلغت الصغيرة، وعقلت المجنونة فلها الخيار حينئذ، لكونهما ~~صارا على صفة يعتبر كلامهما. والحكم في وطئهما كالحكم في وطء الجاهلة ~~بالعتق. # فصل: # إذا عتق بعض الأمة فلا خيار لها في إحدى الروايتين اختارها الخرقي؛ لأنه ~~لا نص فيها، ولا يصح قياسها على من عتق جميعها؛ لأنها أكمل منها. # والثانية: لها الخيار اختارها أبو بكر؛ لأنها أكمل من زوجها، فأشبهت ~~الكاملة بالعتق. # فصل: # إذا فسخت قبل الدخول سقط مهرها؛ لأن الفسخ من جهتها. وعنه: يجب نصف المهر ~~للسيد؛ لأنه المستحق له، فلا يسقط نصفه من جهة غيره. وإن رضيته فالمهر ~~للسيد؛ لأنه استحقه بالعقد، وروي وإن فسخت بعد الدخول استقر المسمى للسيد؛ ~~لأنه وجب له بالعقد، واستقر بالدخول، فأشبه ما لو ارتدت. وإن طلقها قبل ~~اختيارها وقع طلاقه، ولسيدها نصف المهر، وإن كان قبل الدخول، وجميعه إن كان ~~بعده. وقال القاضي: طلاقه موقوف إن فسخت، تبينا أنه لم يقع، وإن لم تفسخ ~~وقع. ولنا أنه طلاق من زوج جائز التصرف في نكاح صحيح فوقع، كما لو لم يعتق. # فصل: # وإن طلقها الزوج طلاقا بائنا، ثم أعتقت فلا خيار لها؛ لأنه لا نكاح ~~بينهما يفسخ. وإن كان رجعيا فلها الفسخ في العدة؛ لأن نكاحها باق ويمكن ~~فسخه، فإذا فسخت انقطعت الرجعة، وبنت على ما مضى من العدة، كما لو طلقها ~~بائنة. وإن اختارت المقام معه بطل خيارها؛ لأنها حالة صح منها اختيار ~~الفسخ، فصح اختيار المقام، كصلب النكاح. # فصل: # السبب الثالث: الغرر. فلو تزوجت المرأة رجلا مطلقا، أو على أنه حر فبان ~~عبدا ms0839 فلها الخيار في فسخ النكاح؛ لأنها إذا ملكت الفسخ بالحرية الطارئة، ~~فللسابقة أولى. ولها الفسخ من غير حاكم، كما لو عتقت تحت عبد. ومن جعل ~~الحرية من شروط الكفاءة، والكفاءة من شروط النكاح أبطله، لفوات شرطه. # PageV03P047 # فصل: # وإن تزوج أمة على أنها حرة، أو يظنها حرة، وهو ممن لا يحل نكاح الإماء، ~~فالنكاح فاسد، وعليه فراقها متى علم، وحكمه حكم الأنكحة الفاسدة في المهر ~~وغيره. وإن كان ممن تحل له الإماء، فالنكاح صحيح؛ لأن فوات صفة في المعقود ~~عليه لا تفسد العقد، كما لو تزوجها على أنها بيضاء فبانت سوداء. وفي ~~الموضعين متى أصابها فولدت منه فالولد حر، حرا كان الزوج أو عبدا؛ لأنه ~~اعتقد حريتها، وعليه فداء أولاده؛ لأن عمر وعليا وابن عباس قضوا بذلك. ~~وعنه: ليس عليه فداؤهم؛ لأن الولد ينعقد حرا، فلم يضمنه لسيدها؛ لأنه لم ~~يملكه. وعنه: يقال للزوج افتد ولدك وإلا فهم يتبعون الأم. والمذهب الأول. ~~وله فسخ نكاحها إن أحب؛ لأنه غرور بالحرية، أشبه غرور المرأة. فإن فسخ قبل ~~الدخول فلا مهر عليه؛ لأن الفسخ لسبب من جهتها. وإن فارقها بعد الدخول ~~فعليه المهر بما أصاب منها، ويرجع بما غرمه من المهر، وفداء الأولاد في ~~الموضعين على من غره، نص عليه أحمد. وذكره الخرقي؛ لأن الصحابة الذين ~~ذكرناهم قضوا به. وعن أحمد: لا يرجع بالمهر، وهو اختيار أبي بكر؛ لأنه يروى ~~عن علي - رضي الله عنه -؛ ولأنه وجب في مقابلة نفع وصل إليه. وظاهر المذهب ~~الأول؛ لأن العاقد ضمن له سلامة الوطء، كما ضمن له سلامة الولد، فوجب أن ~~يرجع به كقيمة الولد. # فصل: # ويفدي الأولاد بقيمتهم يوم الولادة؛ لأنه يروى عن عمر - رضي الله عنه -؛ ~~ولأنه محكوم بحريتهم يوم وضعهم، فاعتبر فداؤهم يومئذ. وتجب القيمة؛ لأنه ~~ضمان وجب لفوات حرية، فأشبه ضمان حصة شريكه إذا سرى العتق إليه. وعنه: ~~يفديهم بعبيد مثلهم؛ لأنه يروى عن عمر أنه قضى بفداء ولده بغرة غرة، مكان ~~كل غلام غلام، ومكان كل جارية جارية؛ ولأن الولد حر ms0840 فلا يضمن بقيمته، كسائر ~~الأحرار. وعنه: أنه مخير بين فدائهم بمثلهم وقيمتهم؛ لأن الأمرين يرويان ~~جميعا عن عمر. فإن فداهم بمثلهم وجب مثلهم في القيمة. اختاره أبو بكر؛ لأن ~~الحق ينجبر بذلك، ويحتمل أن ينظر إلى صفاتها تقريبا؛ لأن الآدمي ليس من ~~ذوات الأمثال، ولا يفدى منهم إلا من ولد حيا في وقت يعيش مثله، سواء عاش أو ~~مات بعد ذلك؛ لأن غير ذلك لا قيمة له. # فصل: # وإن كان المغرور عبدا فولده أحرار؛ لأنه وطئها يعتقد حريتها فكان ولده ~~حرا، كولد الحر. وعليه فداؤهم؛ لأنه فوت رقهم. وهل يتعلق فداؤهم برقبته، أو ~~بذمته؟ على وجهين: # PageV03P048 # أحدهما: برقبته كأرش جنايته. # والثاني: بذمته، كعوض الخلع من الأمة. ويرجع به على من غره. فإن قلنا ~~برقبته رجع به في الحال؛ لأنه يؤخذ من سيده في الحال. وإن قلنا: يتعلق ~~بذمته لم يلزمه أداؤه حتى يعتق، ولا يرجع به حتى يغرمه؛ لأنه لا يرجع بشيء ~~لم يفت عليه، وتتعجل حريتهم في الحال. وللعبد الخيار إذا علم، ويحتمل أن لا ~~يثبت؛ لأنه فقد صفة لم ينقص بها عن رتبته، فأشبه ما لو شرط نسب امرأة فبان ~~خلافه. والأول ظاهر المذهب؛ لأنه مغرور بحرية فملك الفسخ، كالحر الذي يباح ~~له نكاح الإماء. وإن غرت الأمة بعبد، فتزوجته على أنه حر فلها الخيار أيضا؛ ~~لأنها مغرورة بحرية من ليس بحر، أشبهت المرأة الحرة، والعبد المغرور. ~~ويحتمل ألا يثبت لها خيار؛ لأنه يكافئها، ولا يؤثر رقه في إرقاق ولدها، ~~فأشبه ما لو شرطته أشرف نسبا منها، فتبين أنه مثلها. # فصل: # فإن غرها بنسبة وكان مخلا بالكفاءة، فقد مضى القول فيه، وإن لم يخل بها، ~~ففيه وجهان: # أحدها: لا خيار لها؛ لأن زيادة نسبه عليها، لا يضرها فواته، فأشبه ما لو ~~شرطته جميلا أو فقيها فبان بخلافه. # والثاني: لها الخيار؛ لأنها شرطت ما يقصد، فأشبه شرط الصفة المقصودة في ~~المبيع. # فصل: # وإن شرطها بكرا، فبانت ثيبا أو نسيبة أو جميلة أو بيضاء، فبانت بخلافه ~~ففيه وجهان: # أحدهما: لا ms0841 خيار له؛ لأن النكاح لا يرد فيه بعيب سوى العيوب السبعة، فلا ~~يرد بمخالفة الشرط، كما لو شرطت ذلك في الرجل. # والثاني: له الخيار؛ لأنها صفات مقصودة فصح شرطها، كالحرية. وإن شرطها ~~مسلمة فبانت كافرة، أو تزوجها في دار الإسلام يظنها مسلمة، فبانت كافرة فله ~~الخيار؛ لأنه نقص وضرر يتعدى إلى الولد، فملك الخيار به إذا شرط عدمه، ~~كالرق. وإن تزوجها على أنها كتابية، فبانت مسلمة فلا خيار له؛ لأنها زيادة. ~~وقال أبو بكر: له الخيار؛ لأنه قد يكون له غرض في إسقاط العبادات عنها، ~~فيضره فواته. وإن تزوجها على أنها أمة، فبانت حرة فلا خيار له؛ لأنها ~~زيادة، وكذلك لو شرطها على صفة، # PageV03P049 # فبانت خيرا منها؛ لأنه نفع، فلم يثبت به الخيار، كما لو شرطه في المبيع. # فصل: # والسبب الرابع: الإعسار بالنفقة ونحوها على ما نذكره في موضعه، ومخالفته ~~شرطها اللازم، كاشتراطها دارها ونحوها على ما مضى، والله أعلم. ### | باب نكاح الكفار # أنكحتهم صحيحة إذا اعتقدوا إباحتها في شرعهم، وإن خالفت أنكحة المسلمين ~~فهي صحيحة، إلا أن يتزوج محرمة عليه؛ لأنه أسلم خلق كثير في عصر رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، فأقرهم في أنكحتهم، ولم يكشف عن كيفيتها. ولا ~~يتعرض لهم ما لم يترافعوا إلينا؛ لأننا صالحناهم على إقرارهم على دينهم. ~~وعن أحمد في مجوسي تزوج نصرانية: أو ملك نصرانية يحول بينهما الإمام، فيخرج ~~من هذا أنه يفرق بينهم، وبين ذوات المحارم؛ لأن عمر كتب: أن فرقوا بين كل ~~ذي رحم محرم من المجوس. وإن ملك نصراني مجوسية لم يحل بينهما؛ لأنه أعلى ~~منها. وقال أبو بكر: يمنع من وطئها أيضا، كما يمنع المجوسي من النصرانية، ~~فأما إن أسلموا وترافعوا إلينا لم ينظر في كيفية عقدهم، ونظرنا في الحال، ~~فإن كانت المرأة ممن يجوز عقد نكاحها في الحال أقررناهما. وإن كانت ممن ~~يحرم نكاحها في الحال، كذات محرمة، والمعتدة، والمطلقة ثلاثا، فرقنا ~~بينهما. وإن تزوجها بشرط الخيار مدة، أو في عدتها، ثم أسلما في المدة أو ~~العدة فرقنا ms0842 بينهما كذلك. وإن أسلما بعد انقضائهما أقررناهما عليه. وإن قهر ~~حربي حربية، فوطئها وطاوعته، واعتقداه نكاحا أقررناهما عليه وإلا فلا. وإن ~~أسلما وبينهما نكاح متعة، أو نكاح شرط فيه الخيار متى شاء لم يقرا عليه؛ ~~لأنهما لا يعتقدان لزومه ولا تأبيده. وإن اعتقدا فساد الشرط وحده أقرا ~~عليه. # فصل: # وإذا اسلم الزوجان معا فهما على نكاحهما، سواء أسلما قبل الدخول أو بعده؛ ~~لأن ذلك إجماع، ولأنه لم يوجد بينهما اختلاف دين يقتضي الفرقة. وإن سبق ~~أحدهما صاحبه وكان المسلم زوج كتابية، فالنكاح بحاله؛ لأنه يحل له ابتداء ~~نكاحها. وإن أسلمت المرأة قبله، أو أسلم أحد الزوجين الوثنيين، أو ~~المجوسيين قبل الدخول، بانت منه امرأته، لقوله تعالى: {لا هن حل لهم ولا هم ~~يحلون لهن} [الممتحنة: 10] . وقوله: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} [الممتحنة: ~~10] . # PageV03P050 # وتقع الفرقة بسبق أحدهما الآخر بلفظه؛ لأنه يحصل بذلك اختلاف الدين ~~المحرم، ويحتمل أن يقف على المجلس كالقبض؛ لأن حكم المجلس حكم حالة العقد، ~~ولأنه يبعد اتفاقهما على النطق بكلمة الإسلام دفعة واحدة. فإن كان إسلام ~~أحدهما بعد الدخول ففيه روايتان: # إحداهما: تتعجل الفرقة، لما ذكرنا. # والثانية: تقف على انقضاء العدة. فإن أسلم الآخر فيها فهما على نكاحهما، ~~وإن لم يسلم حتى انقضت تبينا أن الفرقة وقعت حين أسلم الأول، بحيث لو كان ~~وطئها في عدتها ولم يسلم أدب، ولها عليه مهر مثلها، لما روى ابن شبرمة قال: ~~كان الناس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم الرجل قبل المرأة ~~والمرأة قبله، فأيهما أسلم قبل انقضاء عدة المرأة فهي امرأته. وإن أسلم بعد ~~العدة فلا نكاح بينهما. ولم يعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرق ~~بين زوجين أسلما، مع أن جماعة منهم أسلموا قبل أزواجهم، منهم أبو سفيان، ~~وجماعة أسلم أزواجهن قبلهم، منهم صفوان بن أمية وعكرمة وأبو العاص بن ~~الربيع. والفرقة الواقعة بينهما فسخ؛ لأنها فرقة عريت عن الطلاق، فكانت ~~فسخا كسائر الفسوخ. # فصل: # وإن أسلم الحر وتحته أكثر من أربع فأسلمن معه، أو ms0843 كن كتابيات، أمر أن ~~يختار منهن أربعا ويخلي سائرهن، سواء تزوجهن في عقد، أو عقود متفرقة، وسواء ~~اختار أول من عقد عليها أو آخرهن، لما روى «قيس بن الحارث قال: أسلمت وتحتي ~~ثمان نسوة، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت له ذلك. فقال: اختر ~~منهن أربعا» رواه أبو داود. فإن أبى أجبر بالحبس والتعزير؛ لأنه حق عليه ~~يمكنه إيفاؤه فأجبر عليه، كالدين. ولا يملك الحاكم الاختيار عنه؛ لأنه حق ~~لغير معين. فإن جن خلي حتى يفيق، ثم يخير # PageV03P051 # لأنه عجز عن الاختيار، فأشبه العاجز عن الدين بالإعسار، وعليه نفقة ~~الجميع إلى أن يختار؛ لأنهن محبوسات عليه بحكم النكاح. فإن مات قبل ~~الاختيار لم يقم وارثه مقامه، لما ذكرنا. ولزم جميعهن العدة؛ لأن كل واحدة ~~يجوز أن تكون زوجة. وعدة الحامل وضع حملها. وعدة ذوات الأشهر أربعة أشهر ~~وعشرا. وعدة ذوات الأقراء أطول الأجلين من ثلاثة قروء وعدة الوفاء، ليسقط ~~الفرض بيقين، والميراث لأربع منهن بالقرعة، إلا أن يصطلحن عليه فيكون بينهن ~~على ذلك. # فصل: # والاختيار أن يقول: قد اخترت هؤلاء، أو نكاح هؤلاء، أو أمسكتهن، أو نحو ~~هذا. وإن قال: اخترت فسخ نكاح هؤلاء، كان اختيارا لغيرهن. وإن طلق واحدة، ~~كان اختيارا لها؛ لأن الطلاق لا يكون إلا لزوجة. وإن قال: فارقت هذه ففيه ~~وجهان: # أحدهما: يكون اختيارا لنكاحها؛ لأن الفراق طلاق. # والثاني: يكون فسخا لنكاحها واختيارا لغيرها، لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «أمسك منهن أربعا وفارق سائرهن» وهذا يقتضي أن يكون لفظ الفراق ~~صريحا في ترك نكاحها. وإن وطئ إحداهن كان اختيارا لها في قياس المذهب، كما ~~لو وطئ الجارية المعيبة في مدة الخيار. وإن آلى، أو ظاهر منها لم يكن ~~اختيارا لها؛ لأنه يصح في غير زوجة، ويحتمل أنه اختيار لها؛ لأنه لا يؤثر ~~إلا في زوجة. فإن طلق الجميع أقرع بينهن، فإذا وقعت القرعة على أربع منهن ~~فهن المختارات، فيقع طلاقه بهن، وينفسخ طلاق البواقي، وله نكاح من شاء منهن ~~بعد انقضاء عدة المطلقات. وإن ms0844 أسلم قبلهن وقال: كلما أسلمت واحدة منهن، فقد ~~اخترتها أو فقد فسخت نكاحها لم يصح؛ لأن الاختيار والفسخ لا يصح تعليقه على ~~شرط ولا على غير معين؛ لأنه كالعقد، ولأن الفسخ إنما يستحق فيما زاد على ~~الأربع، وقد يجوز ألا يسلم أكثر من أربع، وإن قال: كلما أسلمت واحدة فهي ~~طالق، ففيه وجهان: # أحدهما: يصح؛ لأن الطلاق يصح تعليقه على شرط. وكلما أسلمت واحدة طلقت، ~~وكان اختيارا لها. # والثاني: لا يصح؛ لأنه يتضمن الاختيار الذي لا يصح تعليقه بالشرط. وإن ~~قال: اخترت فلانة، أو فسخت نكاحها قبل إسلامها لم يصح؛ لأنه ليس بوقت ~~لاختيار ولا فسخ. وإن طلقها كان موقوفا إن أسلمت تبينا وقوع طلاقه، وإلا ~~فلا. وإن وطئ # PageV03P052 # واحدة، فأسلمت في عدتها تبينا أنه وطئ زوجته. وإن لم تسلم فقد وطئ ~~أجنبية، وإن طلق الجميع، فأسلمن في العدة، أمر باختيار أربعة منهن، فيتبين ~~وقوع طلاقه بهن، ويعتددن من حين طلاقه، وبان سائرهن بغير طلاق. # فصل: # وإن أسلم عبد وتحته أكثر من اثنتين فأسلمن معه لزمه اختيار اثنتين؛ ~~لأنهما في حقه كالأربع في حق الحر. فإن عتق قبل الاختيار لم يجز له الزيادة ~~على اثنتين؛ لأنه ثبت له الاختيار وهو عبد. وإن أسلم وعتق ثم أسلمن، أو ~~أسلمن ثم عتق، ثم أسلم لزمه نكاح أربع؛ لأنه في وقت الاختيار ممن له نكاح ~~أربع. # فصل: # ومن أسلم وتحته أختان لزمه أن يختار إحداهما، لما روى «الضحاك بن فيروز ~~عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله إني أسلمت وتحتي أختان. قال: طلق أيهما ~~شئت» رواه أبو داود؛ ولأن الجمع بينهما محرم، فأشبه الزيادة على الأربع. ~~وهذا القول في المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها؛ لأن جمعهما محرم. وإن أسلم ~~وتحته امرأة وبنتها ولم يدخل بالأم انفسخ نكاحها؛ لأنها تحرم بمجرد العقد ~~على ابنتها، وثبت نكاح بنتها؛ لأنها لا تحرم قبل الدخول بأمها. وإن كان قد ~~دخل بالأم انفسخ نكاحهما، وحرمتا على التأبيد. # فصل: # ولو أسلم حر وتحته إماء، فأسلمن معه، وهو ممن لا يحل ms0845 له نكاح الإماء ~~انفسخ نكاح الإماء. وإن كان ممن يحل له نكاح الإماء اختار منهن واحدة؛ لأنه ~~يملك ابتداء نكاحها فملك اختيارها كالحرة. ولو أسلم وهو موسر، فلم يسلمن ~~حتى أعسر فله الاختيار منهن؛ لأن وقت الاختيار حين اجتماعهن على الإسلام، ~~فاعتبر حاله حينئذ. وإن أسلم وهو معسر فلم يسلمن حتى أيسر لم يكن له ~~الاختيار منهن كذلك. فإن أسلمت معه واحدة فله اختيارها، وله انتظار ~~الباقيات؛ لأن له غرضا صحيحا فيه، فإن اختار الأولى ثبت نكاحها، وانقطعت ~~عصمة البواقي منذ اختلف دينهن. وإن اختار فسخ نكاح المسلمة لم يكن له ذلك؛ ~~لأن الفسخ إنما يكون في الفضل عمن يثبت نكاحها # PageV03P053 # ولا فضل. فإن فسخ ولم تسلم البواقي لزمه نكاحها وبطل الفسخ. وإن أسلمن ~~فله اختيار واحدة. فإن اختار التي فسخ نكاحها ففيه وجهان: # أحدهما: له ذلك؛ لأن الفسخ كان قبل وقته، فوجوده كعدمه. # والثاني: ليس له ذلك؛ لأننا إنما منعنا الفسخ فيها، لكونها غير فاضلة، ~~وبإسلام غيرها صارت فاضلة، فصح فسخ نكاحها. # فصل: # وإن أسلم وتحته حرة وأمة، فأسلمتا في عدتهما ثبت نكاح الحرة، وبطل نكاح ~~الأمة؛ لأن لا يجوز له ابتداء نكاح أمة وتحته حرة. وإن لم تسلم الحرة في ~~عدتها ثبت له نكاح الأمة إن كان ممن له نكاح الإماء. وإن أسلمتا في العدة، ~~ثم ماتت الحرة، أو عتقت الأمة لم يكن له إمساك الأمة؛ لأن نكاحها انفسخ ~~بإسلام الحرة. وإن عتقت الأمة قبل إسلامها فله إمساكها؛ لأن الاعتبار بحالة ~~اجتماعهم على الإسلام، وهي حرة حينئذ. وإن أسلمت قبله وعتقت، ثم أسلم الزوج ~~فله إمساكها كذلك. ولو أسلم وتحته إماء، فعتقت إحداهن، ثم أسلمن كلهن لزم ~~نكاح الحرة، وانفسخ نكاح الإماء. وإن أسلمت إحداهن، ثم عتقت، ثم أسلم ~~البواقي فله الاختيار منهن؛ لأن الاعتبار بحالة الاختيار، وحالة الاختيار ~~حالة اجتماعهما على الإسلام، وهي أمة حينئذ. # فصل: # وإذا ارتد الزوجان، أو أحدهما قبل الدخول انفسخ النكاح، لاختلاف دينهما، ~~أو كون المرأة بحال لا يحل نكاحها. وإن كان بعده ms0846 ففيه روايتان: # إحداهما: تتعجل الفرقة. # والثانية: تقف على انقضاء العدة. فإن اجتمعا على الإسلام قبل انقضائها ~~فهما على النكاح. وإن لم يجتمعا وقعت الفرقة من حين الردة؛ لأنه انتقال عن ~~دين يمنع ابتداء النكاح، فكان حكمه ما ذكرنا، كإسلام أحد الزوجين. # فصل: # وإن انتقل الكتابي إلى دين غير أهل الكتاب، كالمجوسية وغيرها، ففيه ثلاث ~~روايات: # إحداهن: يجبر على الإسلام، ولا يقبل منه غيره؛ لأن ما سواه باطل اعترف ~~ببطلانه؛ لأنه لما كان على دينه اعترف ببطلان ما سواه، ثم اعترف ببطلان ~~دينه حين انتقل عنه، فلم يبق إلا الإسلام. # PageV03P054 # والثانية: لا يقبل منه إلا الإسلام، أو الدين الذي كان عليه؛ لأننا ~~أقررناه عليه أولا، فنقره عليه ثانيا. # والثالثة: لا يقبل منه إلا الإسلام، أو دين أهل الكتاب؛ لأنه دين أهل ~~كتاب فيقر عليه كغيره من أهل ذلك الدين. وإن انتقل المجوسي إلى دين أهل ~~الكتاب، أو انتقل كتابي إلى دين آخر من دين أهل الكتاب، ففيه ثلاث روايات: # إحداهن: لا يقبل منه إلا الإسلام، لما ذكرنا. # والثانية: يقر على ما انتقل إليه. # والثالثة: لا يقبل منه إلا الإسلام، أو دينه الذي كان عليه، لما تقدم. ~~وإذا قلنا: لا يقبل منه إلا الإسلام ففيه روايتان: # إحداهما: أنه يجبر عليه بالقتل، كالمرتد. # والثانية: أنه إن انتقل إلى المجوسية أجبر بالقتل، وإن انتقل إلى دين أهل ~~الكتاب لم يجبر بالقتل، لكن يجبر بالضرب والحبس؛ لأنه لم يخرج عن دين أهل ~~الكتاب، فلم يقبل كالباقي على دينه. وكل موضع قلنا: لا يقر، فإذا انتقلت ~~الكتابية المتزوجة للمسلم فحكمها حكم المرتدة على ما يبين في موضعه. # فصل: # إذا أسلم الزوجان قبل الدخول، فقالت المرأة: أسلم أحدنا فانفسخ النكاح، ~~وقال: بل أسلمنا معا، ففيه وجهان: # أحدهما: القول قول الزوج؛ لأن الأصل بقاء النكاح. # والثاني: القول قولها؛ لأن الظاهر معها، فإن اجتماع إسلامهما حتى لا يسبق ~~أحدهما الآخر بعيد. وإن اتفقا على سبق أحدهما، وقالت المرأة: أنت السابق ~~فعليك نصف المهر. وقال الزوج: بل أنت سبقت فلا ms0847 مهر لك، فالقول قول المرأة؛ ~~لأن الأصل بقاء المهر وعدم سقوطه. وإن أسلما بعد الدخول فقال الزوج: أسلمت ~~في عدتك فالنكاح باق، وقالت: بل انقضت عدتي قبل إسلامك فالقول قول الزوج؛ ~~لأن الأصل بقاء النكاح. وفيه وجه آخر أن القول قول المرأة؛ لأن الأصل عدم ~~إسلام الثاني. وإن قال: أسلمت قبلك فلا نفقة لك، فقالت: بل أسلمت قبلك فلي ~~النفقة، ففيه وجهان: # أحدهما: القول قولها؛ لأن الأصل وجوب النفقة. # PageV03P055 # والثاني: القول قوله؛ لأن النفقة إنما تجب بالتمكين من الاستمتاع، والأصل ~~عدم وجوبه. # فصل: # إذا أسلم أحد الزوجين الكافرين، ثم ارتد ولم يسلم الآخر في العدة فعدتها ~~من حين أسلم الأول. وإن أسلم الثاني في العدة، فابتداء العدة من حين ارتد؛ ~~لأن الحكم اختلاف الدين بإسلام الأول زال بإسلام الثاني منهما. ولو أسلم ~~رجل وتحته عشر نسوة فأسلمن، ثم ارتددن، أو ارتد دونهن لم يكون له أن يختار ~~منهن؛ لأنه لا يملك العقد عليهن في الحال. # فصل: # ولو أسلم عبد وتحته أمة كافرة فأعتقت، أو أسلمت قبله ثم أعتقت فلها فسخ ~~النكاح؛ لأنها عتقت تحت عبد، فإذا فسخت، ثم أسلم الثاني في العدة بانت بفسخ ~~النكاح. وإن لم يسلم الثاني تبينا أنها بانت باختلاف الدين، وعليها عدة حرة ~~في الموضعين؛ لأنها وجبت وهي حرة، أو عتقت في أثناء عدة يمكن الزوج تلافي ~~نكاحها فيها، فأشبهت الرجعية. وإن أخرت الفسخ حتى أسلم الثاني منهما لم ~~يسقط حقها؛ لأنها تركته اعتمادا على جريانها إلى البينونة، فأشبهت الرجعية. ~~وإن قالت: قد رضيت بالزوج، فذكر القاضي: أنه يسقط حقها؛ لأنها رضيته في حال ~~يمكن فسخه فصح، كحالة اجتماعهما على الإسلام. # PageV03P056 ### | كتاب الصداق # يستحب أن يعقد النكاح بصداق؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتزوج ~~ويزوج بناته بصداق. وعن سهل بن سعد «أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~جاءته امرأة فقالت: إني وهبت نفسي لك، فقال رجل: يا رسول الله زوجنيها إن ~~لم يكن لك بها حاجة، فقال: هل عندك من شيء تصدقها إياه؟ فقال: ms0848 ما عندي إلا ~~إزاري هذا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إزارك إن أعطيتها إياه ~~جلست ولا إزار لك، فالتمس شيئا آخر فقال: لا أجد، فقال: التمس ولو خاتما من ~~حديد فالتمس فلم يجد شيئا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هل معك ~~شيء من القرآن؟ قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا لسور يسميها. فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: زوجتكها بما معك من القرآن» متفق عليه؛ ولأنه أقطع ~~للنزاع فيه. # ويجوز من غير صداق، لقوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم ~~تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن} [البقرة: 236] . فأثبت الطلاق مع عدم ~~الفرض، ولأن القصد بالنكاح الوصلة والاستمتاع، وهو حاصل بغير صداق. # فصل: # ويجوز أن يكون الصداق قليلا، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «التمس ~~ولو خاتما من حديد» ولأنه بدل منفعتها، فكان تقديره إليها، كأجرتها. ويجوز ~~أن يكون كثيرا، لقوله تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم ~~إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} [النساء: 20] . # PageV03P057 # ولا تستحب الزيادة على خمسمائة درهم؛ لأنه صداق أزواج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وبناته. بدليل ما روى أبو سلمة قال: «سألت عائشة عن صداق النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، فقالت: ثنتا عشر أوقية ونش، فقلت: وما نش؟ قالت: ~~نصف أوقية» . رواه مسلم، وأبو داود؛ ولأنه إذا كثر أجحف، ودعا إلى المقت. ~~ويستحب تخفيفه، لما روت عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة» رواه أحمد. # فصل: # وكل ما جاز ثمنا في بيع، أو عوضا في إجارة، من دين وعين، وحال مؤجل، ~~ومنفعة معلومة، من حر أو عبد، كرد عبدها من مكان معين، وخدمتها في شيء ~~معلوم جاز أن يكون صداقا؛ لأن الله تعالى أخبر عن شعيب أنه قال: {إني أريد ~~أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج} [القصص: 27] فجعل ~~الرعي صداقا، ولأنه عقد على المنفعة فجاز ما ذكرنا، كالإجارة. # فصل: # وما لا يجوز أن يكون ثمنا ولا أجرة ms0849 لا يجوز أن يكون صداقا، كالخمر، ~~وتعليم التوراة، والإنجيل، وتعليم الذمية القرآن، والمعدوم، وما لم يتم ~~ملكه عليه، كالمبيع المعتبر قبضه قبل قبضه، وما لا يقدر على تسليمه، ~~كالآبق، والطير في الهواء؛ لأنه عوض في عقد، فأشبه عوض البيع والإجارة. ولا ~~يصح أن يكون مجهولا، كعبد وثوب، هذا اختيار أبي بكر. وقال القاضي: يصح في ~~مجهول جهالة لا تزيد على مهر المثل، كعبد أو فرس أو بعير، أو ثوب هروي، أو ~~قفيز حنطة، أو قنطار زيت؛ لأنه لو تزوجها على مهر مثلها صح مع كثرة الجهل، ~~فهذا أولى. فإن زادت جهالته على جهالة مهر المثل، كثوب ودابة وحكم إنسان، ~~ورد عبدها أين كان، وخدمتها فيما أرادت لم يصح. وقال أبو الخطاب: إن تزوجها ~~على عبد من عبيده صح ولها # PageV03P058 # أحدهم بالقرعة. نص عليه أحمد. وعلى هذا يخرج إذا أصدقها قميصا من قمصانه، ~~أو عمامة من عمائمه، أو دابة من دوابه؛ لأن الجهالة تقل فيه. ولا تصح على ~~عبد مطلق؛ لأن الجهالة تكثير، ولنا أنه عوض في عقد معاوضة، فلم يصح مجهولا، ~~كثمن البيع. وتأول أبو بكر، نص أحمد على أنه عين عبدا فأشكل عليه، فإن ~~أصدقها ما لا يجوز أن يكون صداقا لم يبطل النكاح. ونقل المروذي عن أحمد: ~~إذا تزوج على مال بعينه غير طيب أنه كرهه، وأعجبه استقبال النكاح، وهذا يدل ~~على أن النكاح لا يصح اختاره أبو بكر؛ لأنه عقد معاوضة، ففسد بفساد العوض، ~~كالبيع، والأول أولى؛ لأن فساده ليس بأكثر من عدمه، وعدمه لا يفسد العقد. ~~ويجب لها مهر المثل؛ لأنها لم ترض إلا ببدله، ولم يسلم البدل، وتعذر رد ~~العوض، فوجب رد بدله، كما لو باعه سلعة بخمر فتلفت عند المشتري. وعلى قول ~~القاضي: إذا أصدقها مجهولا وجب لها الوسط، ووسط العبيد السندي، فيجب ذلك ~~لها. وإن جاءها بقيمته لزم قبوله، قياسا على الإبل في الدية. # فصل: # فإن أصدقها عبدا فخرج حرا، أو مستحقا فله قيمته؛ لأن العقد وقع على ~~التسمية؛ لأنها رضيت بقيمته إذ ms0850 ظنته مملوكا، وقد تعذر تسليمه، فكانت لها ~~قيمته، كما لو وجدته معيبا فردته. وإن أصدقها مثليا فخرج مستحقا فلها مثله؛ ~~لأنه أقرب إليه، ولذلك يضمن به في الإتلاف. وإن أصدقها عصيرا فخرج خمرا، ~~فذكر القاضي: أن لها قيمته؛ لأن الخمر ليس من ذوات الأمثال، ويحتمل أن ~~يلزمه مثل العصير المسمى؛ لأنه مثلي، فوجب إبداله بمثله، كما لو أتلف. ~~ويفارق هذا ما إذا قال: أصدقتك هذا الخمر، أو هذا الحر؛ لأنها رضيت بما لا ~~قيمة له، فأشبهت المفوضة، ولم ترض هاهنا بذلك. وإن قال: أصدقتك هذا الخمر ~~أشار إلى الخل، أو هذا الحر وأشار إلى عبده صح ولها المشار إليه؛ لأنه محل ~~يصح العقد عليه، فلم يختلف حكمه باختلاف تسميته، كما لو قال: أصدقتك هذا ~~الأبيض، وأشار إلى الأسود. وإن تزوجها على شيء فخرج معيبا، فهي مخيرة بين ~~أخذ أرشه، وبين رده وأخذ قيمته، أو مثله إن كان مثليا، لما ذكرنا في أول ~~الفصل. # فصل: # وإن تزوج الكافر كافرة بمحرم ثم أسلما، أو تحاكما إلينا قبل الإسلام ~~والقبض سقط المسمى ووجب مهر المثل؛ لأنه لا يمكن إجباره على تسليم المحرم. ~~وإن كان بعد القبض، برئت ذمته كما لو تبايعا بيعا فاسدا وتقابضا. وإن قبضت ~~البعض برئت ذمته من المقبوض، ووجب بقسط ما بقي من مهر المثل. فإن كان ~~الصداق خنزيرين، أو # PageV03P059 # زقي خمر، أو زق خمر وخنزيرا، وقبضت أحدهما ففيه وجهان: # أحدهما: يعتبر العدد؛ لأنه لا قيمة له، فكان الجميع واحدا، فيقسط على ~~عدده، فيسقط نصف الصداق، ويجب نصف مهر الثمل. # والثاني: يعتبر بقيمته عندهم، أو بالكيل إن كان مكيلا لأنه أخصر. # فصل: # وإن تزوج المرأة على أن يشتري لها عبدا بعينه صح؛ لأنه أصدقها تحصيل عبد ~~معين فصح، كما لو أصدقها رد عبدها من مكان معين، فإن لم يبع، أو طلب به ~~أكثر من قيمته فلها قيمته؛ لأنه تعذر تسليم المسمى، فوجبت قيمته، كما لو ~~تلف. وإن تزوجها على أن يعتق أباها صح كذلك. ومتى تعذر إعتاقه وجبت قيمته ~~لما ms0851 ذكرناه، وفي المسألتين إذا أمكن الوفاء بما شرطه، فبذل قيمته لم يلزمها ~~قبوله؛ لأن الحق ثبت لها في معين، فلم يلزم قبول عوضه مع إمكانه، كما لو ~~قال: أصدقتك هذا العبد. وإن تزوجها على عبد موصوف في الذمة صح؛ لأنه يصلح ~~أن يكون عوضا في البيع، ولا يلزمها قبول قيمته؛ لأنها استحقت عبدا بعقد ~~معاوضة، فلم يلزمها قبول قيمته، كالمبيع. وعند القاضي: يلزمها قبولها، ~~قياسا على الإبل في الدية. # فصل: # وإن تزوجها على طلاق زوجته الأخرى لم يصح الصداق؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في صحفتها أو ~~إنائها ولتنكح فإنما رزقها على الله» رواه البخاري ومسلم. # وعنه: يصح لأن لها فيه غرضا صحيحا، أشبه عتق أبيها، فإن فات طلاقها ~~بموتها، فقال أبو الخطاب: قياس المذهب أن لها مهر الميتة؛ لأن عوض طلاقها ~~مهرها، فأشبه قيمة العبد، ويحتمل أن يجب مهر المثل؛ لأن الطلاق لا قيمة له ~~ولا مثل. # فصل: # وإن تزوجها على ألف إن كان أبوها حيا، وألفين إن كان ميتا، فالتسمية ~~فاسدة، # PageV03P060 # لأنه في معنى بيعتين في بيعة. وإن تزوجها على ألف إن لم يكن له زوجة، ~~وعلى ألفين إن كان له زوجة، فقال أحمد: تصح التسمية، قال أبو بكر والقاضي: ~~في المسألتين جميعا روايتان، جعلا نصه في إحدى المسألتين رواية في الأخرى ~~لتماثلهما. # إحداهما: فساد التسمية، اختاره أبو بكر؛ لأنه لم يعين العوض ففسد، ~~كبيعتين في بيعة. # والثانية: يصح؛ لأن الألف معلومة، وإنما جعلت الثانية، وهي معلقة على ~~شرط، فإن وجد كانت زيادة في الصداق، والزيادة فيه صحيحة. # فصل: # فإن أصدقها تعليم شيء مباح، كصناعة، أو كتابة، أو فقه، أو حديث، أو لغة، ~~أو شعر لها أو لغلامها صح، ولأنه أحد عوضي الإجارة فجاز صداقا كالأثمان. ~~فإن أصدقها تعليم شيء لا يحسنه نظرت، فإن قال: أحصل لك تعليمه صح؛ لأنها ~~منفعة في ذمته لا تختص به، فأشبه ما لو أصدقها دينارا لا يقدر عليه، وإن ~~قال: على أن أعلمك، ms0852 فذكر القاضي في الجامع أنه لا يصح؛ لأنه تعين بفعله وهو ~~عاجز عنه، وقال في " المجرد " يحتمل أن يصح؛ لأنه يقع في ذمته فصح لما ~~ذكرنا، فإن تعلمتها من غيره، أو تعذر عليه تعليمها، فعليه أجرة تعليمها، ~~وإن أتته بغيرها ليعلمها مكانها لم يلزمه ذلك؛ لأنهما يختلفان في سرعة ~~التعلم وإبطائه، ويحتمل أن يلزمه إذا أتته بمن يجري مجراها، كمن اكترى شيئا ~~جاز أن يوليه لمن يقوم مقامه. وإن طلقها بعد الدخول قبل تعليمها ففيه ~~وجهان: # أحدهما: يعلمها من وراء حجاب، كما يسمع الحديث من الأجنبية. # والثاني: عليه أجرة التعليم؛ لأنها صارت أجنبية، فلا تؤمن الفتنة عليهما ~~في تعليمها. أما الحديث، فإن الحاجة داعية إلى سماعه؛ لأنه لا بدل له. وإن ~~كان قبل الدخول ففي تعليمه النصف الوجهان. فإن طلقها بعد تعليمها رجع عليها ~~بنصف أجرة التعليم. # فصل: # فإن أصدقها تعليم القرآن أو شيء منه، ففيه روايتان: # إحداهما: يجوز لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «زوجتكها بما معك من ~~القرآن» . # PageV03P061 # والثانية: لا يجوز؛ لأن تعليم القرآن لا يقع إلا قربة لصاحبه، فلم يكن ~~صداقا، كتعليم الإيمان. وقد روى النجاد بإسناده «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - زوج رجلا على سورة من القرآن، ثم قال: لا تكون لأحد بعدك مهرا» ~~فإن قلنا بجوازه، فأصدقها تعليم بعض القرآن، فمن شرطه تعيين ذلك البعض؛ لأن ~~التعليم والمقاصد تختلف باختلافه. وذكر أبو الخطاب وابن عقيل أنه إن كان في ~~البلد قراءات افتقر إلى تعيين أحدها؛ لأن حروف القرآن تختلف، فأشبه تعيين ~~الآيات، والصحيح أنه لا يفتقر إليه؛ لأنه اختلاف يسير، وكل حرف ينوب مناب ~~صاحبه، فأشبه ما لو أصدقها قفيزا من صبرة. # فصل: # ويصح أن يكون الصداق معجلا ومؤجلا. فإن أطلق ذكره كان حالا؛ لأنه عوض في ~~عقد معاوضة أشبه الثمن، فإن شرطه مؤجلا إلى مدة معلومة، فهي إلى أجله. وإن ~~لم يذكر أجله فقال أبو الخطاب: لا يصح، ولها مهر المثل قياسا على الثمن في ~~المبيع. وقال القاضي: يصح، وهو ظاهر كلام ms0853 أحمد؛ لأنه قال: إذا تزوج على ~~العاجل والآجل لا يحل الآجل إلا بموت أو فرقة؛ لأن الصداق يجوز أن يكون ~~مجهولا فيما إذا تزوجها على مهر المثل، فالتأجيل التابع له أولى، فعلى هذا ~~محل الآجل الفرقة بموت أو غيره؛ لأن المطلق يحمل على العرف، والعادة في ~~الآجل تركه إلى الفرقة، فحمل عند الإطلاق عليه. # فصل: # وإذا تزوجها على صداقين، سر وعلانية، فقال الخرقي: يؤخذ بالعلانية؛ لأن ~~الزائد على صداق السر زيادة زادها في الصداق، وإلحاق الزيادة بالصداق ~~جائزة. وقال القاضي: الواجب مهر العقد الذي انعقد به النكاح، سرا كان أو ~~علانية؛ لأنه الذي انعقد به النكاح، فكان الواجب المسمى فيه، كما لو انفرد. # فصل: # وإلحاق الزيادة بالصداق جائزة، فإن زادها في صداقها شيئا بعد انبرام ~~العقد جاز، وكان الجميع صداقا، لقوله تعالى: {فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح ~~عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} [النساء: 24] . # PageV03P062 # فصل: # وإذا تزوج أربعا بصداق واحد صح؛ لأن جملة صداقهن معلومة فصح، كما لو ~~اشترى أربعة أعبد بثمن واحد، ويقسم بينهن على قدر مهورهن، كما يتقسط ثمن ~~الأعبد على قيمتهم. وقال أبو بكر: يخرج فيه وجه آخر، أنه يقسم بينهن على ~~عددهن؛ لأنه أضيف إليهن إضافة واحدة، فأشبه ما لو أقر لهن، وهذا القول فيما ~~إذا خالعهن بعوض واحد، أو كاتب أعبده بعوض واحد. # فصل: # وتملك المرأة المسمى بالعقد إذا كان صحيحا، ومهر المثل في الموضع الذي ~~يجب فيه؛ لأنه عقد يملك فيه المعوض بالعقد، فملك العوض به كالبيع. وعنه ~~رواية أخرى تدل على أنها لا تملك إلا نصفه؛ لأنه لو طلقها لم يجب إلا نصفه، ~~والمذهب الأول فعلى هذا نماؤه وزيادته لها، وزكاته عليها، ونقصانه بعد ~~قبضها إياه عليها. وإن نقص قبل القبض لمنعه إياه من قبض فهو من ضمانه، وإن ~~لم يمنعها فنقص المكيل والموزون عليه؛ لأنه يعتبر قبضه، وما عداه يخرج فيه ~~وجهان بناء على الروايتين في المبيع قبل القبض سواء؛ لأنه منتقل بعقد ينقل ~~الملك، فأشبه المبيع. # والثاني: لها التصرف فيه؛ ms0854 لأنه منتقل بسبب لا ينفسخ بهلاكه قبل قبضه، ~~فجاز التصرف فيه قبل قبضه، كالوصية والميراث، وقد نص أحمد على جواز هبة ~~المرأة زوجها صداقها قبل قبضه، وهو تصرف. # فصل: # ويدفع صداق المرأة إليها إن كانت رشيدة، وإلى من يلي مالها إن كانت غير ~~رشيدة؛ لأنه مال لها، فأشبه ثمن مبيعها. وفي البكر البالغة العاقلة وجهان: # أحدهما: لا يدفع إلا إليها كذلك. # والثاني: يجوز دفعه إلى أبيها؛ لأنه العادة، ولأنه يملك إجبارها على ~~النكاح، فأشبهت الصغيرة. # فصل: # ولها منع نفسها حتى تقبض صداقها المعجل؛ لأن في إجبارها على تسليم نفسها ~~أولا خطر إتلاف البضع، والامتناع عن بذل الصداق، فلا يمكن الرجوع فيه، ~~بخلاف المبيع، ولها النفقة إذا امتنعت؛ لأنه امتناع بحق، فأشبه ما لو ~~امتنعت للإحرام بحجة الإسلام. وإن سلمت نفسها ثم أرادت المنع فقد توقف أحمد ~~عن الجواب. وذهب أبو # PageV03P063 # عبد الله بن بطة وأبو إسحاق بن شاقلا: إلى أنه ليس لها ذلك؛ لأنها سلمت ~~تسليما استقر به العوض برضى المسلم، فلم يكن لها المنع، كما لو سلمت ~~المبيع. وذهب ابن حامد: إلى أن لها ذلك؛ لأنه تسليم بحكم عقد النكاح، فملكت ~~المنع منه قبل قبض صداقها كالأول. فأما إن أكرهها فوطئها لم يسقط حقها من ~~الامتناع؛ لأنه بغير رضاها. وإن قبضت صداقها فوجدته معيبا فردت فلها منع ~~نفسها حتى يبذله؛ لأن صداقها جيد. وإن لم تعلم عيبه حتى سلمت نفسها، ثم ~~أرادت الامتناع ففيه وجهان بناء على ما تقدم. وإن كان صداقها مؤجلا فليس ~~لها منع نفسها قبل قبضه؛ لأن رضاها بالتأجيل رضى منها بتسليم نفسها قبله، ~~كالثمن المؤجل، وإن حل المؤجل قبل تسليم نفسها لم يكن لها منع نفسها أيضا؛ ~~لأنه قد وجب عليها تسليم نفسها واستقر، فلم يسقط بحلوله. # PageV03P064 ### | باب ما يستقر به الصداق وما لا يستقر وحكم التراجع # باب ما يستقر به الصداق وما لا يستقر # وحكم التراجع يستقر الصداق بثلاثة أمور: # أحدها: الخلوة بعد العقد، لما روى الإمام أحمد بإسناده عن زرارة بن أوفى، ~~قال: ms0855 قضى الخلفاء الراشدون المهديون، أن من أغلق بابا، أو أرخى سترا، فقد ~~وجب المهر، ووجبت العدة، وهذه قضايا اشتهرت، فلم تنكر، فكانت إجماعا؛ ~~ولأنها سلمت نفسها التسليم الواجب عليها، فاستقر صداقها، كما لو وطئها. فإن ~~كانت صغيرة لا يمكن وطؤها، أو الزوج صغيرا، أو أعمى لا يعلم دخوله عليها، ~~لم يكمل صداقها؛ لأنه لم يحصل التمكين. وكذلك إن نشزت عليه فمنعته وطأها، ~~لم يكمل صداقها لذلك، ذكره ابن حامد. وإن كان بهما عذر كالإحرام، والصيام ~~الواجب، والمرض. أو بأحدهما، كالحيض والنفاس، والرتق، والجب، والعنة، ففيه ~~ثلاث روايات: # إحداهن: يستقر الصداق؛ لعموم ما ذكرنا؛ ولأن التسليم المستحق قد وجد، ~~والمنع من غير جهتها، فلم يؤثر في المهر، كما لم يؤثر في إسقاط النفقة. # والثانية: لا يستقر؛ لأنه لا يتمكن من تسليمها، فلم يستقر مهرها، كما لو ~~منعت نفسها. # والثالثة: إن كان المانع هو صوم رمضان، لم يكمل الصداق، وفي معناه ما ~~يحرم دواعي الوطء كالإحرام، وما لا يمنع دواعي الوطء، كسائر الموانع لا ~~يمنع استقرار الصداق. # فصل: # والثاني: الوطء يستقر به الصداق وإن كان في غير خلوة؛ لأنه قد وجد ~~استيفاء المقصود، فاستقر العوض، كما لو اشترى طعاما فأكله، وإن استمتع بغير ~~الوطء كقبلة، أو مباشرة دون الفرج، أو نال منها ما لا يحل لغيره، كالنظر ~~إليها عريانة، فقال أحمد: يكمل الصداق به؛ لأنه نوع استمتاع، أشبه الوطء. ~~وقال القاضي: هذا على الرواية التي يثبت بها تحريم المصاهرة، ولا يكمل به ~~الصداق على الرواية الأخرى؛ لأنه لا يحرم المصاهرة، فلم يقرر الصداق، كرؤية ~~الوجه. # فصل: # الثالث: موت أحد الزوجين قبل الدخول يقرر الصداق، سواء مات حتف أنفه، أو ~~قتل نفسه، أو قتل غيره، لما روى معقل بن سنان، «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قضى في بروع # PageV03P065 # بنت واشق، وكان زوجها مات ولم يدخل بها، ولم يفرض لها صداقا، فجعل لها ~~مهر نسائها، لا وكس ولا شطط» . رواه أحمد وأصحاب السنن، وصححه الترمذي؛ ~~ولأنه عقد عمر، فبموت أحدهما ينتهي به ms0856 فيستقر به العوض، كانتهاء الإجارة. # ومتى استقر الصداق، لم يسقط منه شيء بانفساخ النكاح ولا بغيره. # فصل: وإن افترقا قبل استقراره، لم يخل من أربعة أقسام: # أحدها: أن يكون بسبب من المرأة، كردتها، وإسلامها، وإرضاعها من ينفسخ ~~النكاح بإرضاعه، وفسخها لعيب الزوج، أو إعساره، فيسقط مهرها؛ لأنها أتلفت ~~المعوض قبل التسليم فسقط العوض، كما لو أتلف المبيع قبل تسليمه. وفي معناه ~~فسخ الزوج لعيبها، لما مضى في موضعه. # الثاني: أن يكون بسبب من الزوج، كطلاقه وخلعه وإسلامه وردته، واستمتاعه ~~بأم زوجته أو بنتها، فيسقط نصف المسمى، ويجب نصفه؛ لقوله تعالى: {وإن ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} [البقرة: ~~237] وقسنا عليه سائر ما استقل به الزوج؛ لأنه في معناه. وعن أحمد: أنه إذا ~~أسلم لا مهر عليه؛ لأنه فعل الواجب عليه، وحصلت الفرقة بامتناعها من ~~موافقته على الواجب، فكان من جهتها. والأول المذهب؛ لأن فسخ النكاح، ~~لاختلاف الدين، وذلك حاصل بإسلامه، وإنما ينصف المهر بالخلع؛ لأن المغلب ~~فيه جانب الزوج، بدليل أنه يصح به دونها، وهو خلعه مع أجنبي، فصار كالمنفرد ~~به. # الثالث: افترقا بسبب من أجنبي، كرضاع أو غيره فيجب نصف المهر؛ لأنه لا ~~جناية منها تسقط مهرها، ويرجع الزوج بما لزمه على الفاعل؛ لأنه قرره عليه. # الرابع: افترقا بسبب منهما، كشرائها لزوجها ولعانهما، ففيه روايتان. وإن ~~اشتراها زوجها ففيه وجهان: # أحدهما: يسقط الصداق؛ لأنها شاركت في الفسخ فسقط مهرها، كالفسخ بعيب. # PageV03P066 # والثاني: يتنصف؛ لأن للزوج فيه اختيارا، أشبه الخلع. # فصل: # ومتى سقط المهر، أو نصفه بعد تسليمه إليها، فله الرجوع عليها، ولا يخلو، ~~إما أن يكون تالفا، أو غير تالف، فإن كان تالفا، رجع مثله إن كان مثليا، أو ~~بقيمته إن لم يكن مثليا أقل ما كانت من حين العقد، إلى حين القبض، أو ~~التمكين منه؛ لأنه إن زاد بعد العقد، فالزيادة لها، وإن نقص، فالنقص عليه، ~~فلم يرجع بما هو عليه، وإن كان باقيا، لم يخل من خمسة أحوال: # أحدها: أن يكون ms0857 باقيا بحاله لم يتغير، ولم يتعلق به حق غيرها، فإن الزوج ~~يرجع فيه، ويدخل في ملكه حكما، وإن لم يجز ذلك كالميراث في قياس المذهب؛ ~~لقوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما ~~فرضتم} [البقرة: 237] . فعلق تنصيفه بالطلاق وحده، فيجب أن يتنصف به، ~~ويحتمل أن لا يملكه إلا باختياره؛ لأن الإنسان لا يملك شيئا بغير اختياره ~~إلا بالميراث، فعلى هذا الوجه إن زاد بعد الطلاق وقبل الاختيار، فهو ~~للزوجة؛ لأن ملكها لم يزل عنه، فنماؤه لها، وعلى الأول نماء نصيب الزوج له؛ ~~لأنه نماء ملكه، فإذا قال: قد رجعت فيه، أو اخترته، ثبت الملك فيه على ~~الوجهين. وإن نقص في يدها بعد ثبوت ملكه عليه، وكانت قد منعته منه، فعليها ~~ضمان نقصه؛ لأن يدها عادية، فتضمن، كالغاصبة. وإن لم تمنعه، ففيه وجهان. ~~أصلهما، الزوج إذا تلف الصداق المعين في يده قبل مطالبتها به، قال الزوج: ~~نقص قبل الطلاق فهو من ضمانك، فأنكرته، فالقول قولها؛ لأن الأصل السلامة. # فصل: # الحال الثاني: أن تجده ناقصا، كعبد مرض أو نسي صناعته، أو كبر كبرا ينقص ~~قيمته، فالزوج بالخيار بين أخذه ناقصا؛ لأنه يرضى بدون حقه وبين تركه، ~~ومطالبتها بقيمته، أو نصفها يوم وقع العقد عليه؛ لأن النقص حدث في ملكها، ~~فكان من ضمانها. # فصل: # الحال الثالث: أن تجده زائدا، فلا تخلو، إما أن تكون الزيادة منفصلة، ~~كالولد والثمرة واللبن والكسب ونحو ذلك، فله نصف الأصل، والزيادة لها؛ ~~لأنها زيادة متميزة حادثة من ملكها، فلم تتبع الأصل في الرد، كما في الرد ~~بالعيب، وإما أن تكون متصلة، كالسمن والكبر والحمل في البطن، والثمرة على ~~الشجرة، وتعلم صناعة، أو كتابة ونحو # PageV03P067 # ذلك، فالمرأة مخيرة بين دفع النصف زائدا، فيلزمه قبوله؛ لأنه نصف المفروض ~~مع زيادة لا تتميز، وبين دفع قيمة حقه يوم وقع العقد عليه؛ لأن حقه في نصف ~~الفرض، والزائد ليس بمفروض، فوجب أخذ البدل، إلا أن يكون محجورا عليها لسفه ~~أو فلس أو صغر، فليس له إلا ms0858 نصف القيمة؛ لأن الزيادة لها، وليس لها التبرع ~~بما لا يجب عليها. وإن كانت مفلسة، كان غريما بالقيمة. وإن بذلت له أخذ نصف ~~الشجر دون الثمر، لم يلزمه؛ لأن عليه ضررا في بقاء الثمر عليها، فلم يلزمه. ~~وإن قال الزوج: أنا أرجع في نصف الشجر، وأترك الثمر عليه، أو أترك الرجوع ~~حتى تجذي ثمرتك ثم أرجع، ففيه وجهان: # أحدهما: لا تجبر على قبوله؛ لأن الحق انتقل من العين، فلم يعد إليها إلا ~~بتراضيهما. # والثانية: تجبر عليه؛ لأنه لا ضرر عليها، فلزمها كما لو وجدها ناقصة فرضي ~~بها، وإن أصدقها أرضا فزرعتها، فحكمها حكم الشجر إذا أثمر سواء. في قول ~~القاضي، وقال غيره: يفارق الزرع الثمرة في أنها إذا بذلت نصف الأرض مع نصف ~~الزرع، لم يلزمه قبوله؛ لأن الزرع ينقص الأرض ويضعفها؛ ولأنه ملكها أودعته ~~في الأرض، بخلاف الثمرة. وإن أصدقها أرضا فبنتها، أو ثوبا فصبغته، فحكمها ~~حكم الأرض المزروعة. فإن بذل الزوج لها نصف قيمة البناء والصبغ لتملكه، ~~فقال الخرقي: يلزمها قبوله، ويصير له نصف الجميع؛ لأن الأرض له، وفيها بناء ~~لغيره بني بحق، فكان له تملكه بالقيمة، كالشفيع والمعير. وقال القاضي: لا ~~يملكه؛ لأن بيع البناء معاوضة، فلا تجبر عليها، كما لو بذل نصف قيمة الثمرة ~~ليملك نصف الشجر. # فصل: # الحال الرابع: وجده زائدا من وجه ناقصا من وجه، كعبد تعلم صناعة ومرض، أو ~~خشب شقته دفوفا، أو حلي كسرته ثم صاغته على غير ما كان، أو جارية حملت، فإن ~~الحمل نقص في الآدمية من وجه، وزيادة من وجه، بخلاف حمل البهيمة فإنه زيادة ~~محضة، فهو كسمنها، فإذا تراضيا على أخذ نصفه، جاز؛ لأن الحق لهما، وأيهما ~~امتنع من ذلك، لم يجبر عليه؛ لأن عليه ضررا. # الحال الخامس: أن يتعلق به حق غيرهما، وهو ثلاثة أنواع: # أحدها: ما يزيل ملكها كبيع العين، وهبتها المقبوضة وعتقها ووقفها، فحكم ~~ذلك حكم تلفها، فإن عادت العين إلى ملكها ثم طلقها، فله الرجوع في نصفها؛ ~~لعدم المانع منه، وفي معنى ذلك العقد ms0859 اللازم المراد لإزالة الملك، كالرهن ~~والكتابة. # PageV03P068 # النوع الثاني: ما ليس بلازم، كالهبة قبل القبض، والوصية قبل الموت ~~والتدبير، فله الرجوع في نصفها؛ لأنه حق غير لازم فأشبه الشركة. # النوع الثالث: ما لا يزيل الملك، كالنكاح والإجارة، فيخير بين الرجوع في ~~نصفها مع بقاء النكاح والإجارة، وبين الرجوع بنصف القيمة؛ لأنه نقص رضي به، ~~فأشبه نقصها بهزالها. # فصل: # فإن كان الصداق عينا، فوهبتها لزوجها، ثم طلقها قبل الدخول، ففيه ~~روايتان: # إحداهما: يرجع عليها بنصفه؛ لأنه دعا إليه بعقد مستأنف، فلم يمنع استحقاق ~~نصفه بالطلاق، كما لو وهبته أجنبيا، ثم وهبه الأجنبي للزوج. # والثانية: لا يرجع عليها بشيء؛ لأن نصف الصداق تعجل له بالهبة. وإن كان ~~دينا فأبرأته منه ثم طلقها، وقلنا: لا يرجع ثم، فهاهنا أولى. وإن قلنا: ~~يرجع ثم، خرج هاهنا وجهان: # أحدهما: يرجع؛ لأنه عاد إليه بغير الطلاق، فأشبه العين. # والثاني: لا يرجع؛ لأن الإبراء إسقاط وليس بتمليك. وإن أصدقها عينا، ~~فوهبتها له، أو دينا، فأبرأته منه، ثم ارتدت قبل الدخول، ففي رجوعه به ~~عليها وجهان، بناء على الرجوع في النصف بالطلاق. وإن باع رجلا عبدا، أو ~~أبرأه من ثمنه، فوجد به المشتري عيبا فرده، وطالبه بثمنه، أو أمسكه وأراد ~~أرشه، فهل له ذلك؟ على وجهين، بناء على الروايتين في الصداق. وإن أصدقها ~~عبدا فوهبته نصفه، ثم طلقها قبل الدخول انبنى على الروايتين. فإن قلنا: إذا ~~وهبته الكل لا يرجع بشيء، رجع هاهنا في نصف الباقي من العبد. وإن قلنا: ~~يرجع ثم، رجع في النصف الباقي جميعه. # فصل: # والزوج هو الذي بيده عقد النكاح؛ فإذا طلق قبل الدخول، فأي الزوجين عفا ~~لصاحبه عما وجب له من المهر وهو حائز الأمر في ماله، برئ منه صاحبه، وكمل ~~له الصداق جميعه. وعنه: ما يدل على أن الذي بيده عقدة النكاح هو الأب، فيصح ~~عفوه عن نصف مهر ابنته البكر التي لم تبلغ إذا طلقت قبل الدخول؛ لأن الذي ~~بيده عقدة النكاح بعد الطلاق هو الولي؛ ولأن الله خاطب الأزواج بخطاب ~~المواجهة، ms0860 ثم قال تعالى: {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} [البقرة: 237] ~~وهذا خطاب غائب، فاعتبرنا هذه # PageV03P069 # الشروط؛ لأن الأب يلي مالها في صغرها دون غيره، ولا يليه في كبرها، ولا ~~يملك تزويجها إلا إذا كانت بكرا، ولم تكن ذات زوج، والمذهب الأول. قال أبو ~~حفص: ما أرى القول الآخر إلا قولا قديما، ولا يجوز عفو الأب ولا غيره من ~~الأولياء، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «ولي العقدة الزوج» رواه الدارقطني؛ ولأن الله تعالى قال: {وأن ~~تعفوا أقرب للتقوى} [البقرة: 237] وليس عفو الولي عن صداق ابنته أقرب ~~للتقوى، ولا يمنع العدول عن خطاب الحاضر إلى خطاب الغائب كقوله تعالى: {حتى ~~إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها} [يونس: 22] ؛ ولأن صداق ~~المرأة حق لها، فلا يملك الولي العفو عنه كسائر ديونها؛ ولأن الصغير لو رجع ~~إليه صداق زوجته، أو نصفه؛ لانفساخ النكاح، برضاع أو نحوه، لم يكن لوليه ~~العفو عنه، رواية واحدة. فكذلك ولي الصغيرة. ### | باب الحكم في المفوضة # وهو أن يزوج الرجل ابنته بغير صداق برضاها أو رضا أبيها، سواء سكتا عن ~~ذكره، أو شرطا نفيه، فالعقد صحيح، لقوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم ~~النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} [البقرة: 236] . وعن عقبة بن ~~عامر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل: أترضى أن أزوجك فلانة؟ ~~قال: نعم، وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلانا قالت: نعم، فزوج أحدهما ~~صاحبه، فدخل بها الرجل، ولم يفرض لها صداقا، ولم يعطها شيئا فلما حضرته ~~الوفاة قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زوجني فلانة، ولم أفرض ~~لها صداقا، ولم أعطها شيئا، فإني أشهدكم أني قد أعطيتها من صداقها سهمي ~~بخيبر. فأخذت سهما فباعته بمائة ألف» . رواه أبو داود. # ويجب لها مهر نسائها بالعقد؛ لأنه لو لم يجب، لما استقر بالدخول، ولا ~~ملكت المطالبة بفرضه قبله؛ ولأن إخلاء النكاح عن المهر خالص لرسول الله - ~~صلى الله عليه ms0861 وسلم -، ولها # PageV03P070 # المطالبة بفرضه قبل الدخول وبعده، ويلزمه إجابتها إليه. فإن ترافعا إلى ~~الحاكم، لم يفرض لها إلا مهر المثل؛ لأنه الواجب لها، وإن تراضى الزوجان ~~على فرضه، جاز. فإن فرض لها مهر مثلها، فليس لها غيره؛ لأنه الواجب لها. ~~وإن فرض لها الحاكم أكثر منه جاز؛ لأن له أن يزيدها في صداقها. وإن فرض لها ~~أقل منه، فرضيته، جاز؛ لأن الحق لها، فملكت تنقيصه، وما فرض لها من ذلك، ~~صار كالمسمى في التنصيف بالطلاق قبل الدخول، وقراره بالدخول وغيره؛ لأنه ~~مهر مفروض، فأشبه المفروض بالعقد. وإن دخل بها قبل الفرض، استقر مهر المثل؛ ~~لأن الوطء في نكاح خال عن مهر، خالص لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ~~وإن مات أحدهما قبل الإصابة والفرض، وجب لها مهر نسائها في صحيح المذهب، ~~لما روى علقمة «أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا ولم ~~يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود: لها صداق نسائها لا وكس ولا شطط، ولها ~~الميراث، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في بروع ابنة واشق، امرأة منا، مثل ما قضيت» . أخرجه أبو داود ~~والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وعن أحمد: لا يكمل لها الصداق لأنها فرقة ~~قبل فرض ومسيس، فأشبهت الطلاق، فعلى هذا يجب لها نصف مهر المثل. # فصل: # ومهر نسائها: هو مهر نساء عصباتها المساويات لها، ويعتبر الأقرب فالأقرب ~~منهن، فأقربهن الأخوات، ثم بنات الإخوة، ثم العمات، ثم بنات الأعمام، ثم من ~~بعدهن الأقرب فالأقرب، ولا يعتبر ذوات الأرحام، كالأم والخالة والأخت من ~~الأم في إحدى الروايتين؛ لأن المهر يختلف بالنسب، ونسبها مخالف لنسبهن، ~~والأخرى يعتبر؛ لأنهن من نسائها فيدخلن في الخبر. فإن لم يكن لها نساء ~~عصبات، اعتبر هؤلاء على الروايتين. ويعتبر بمن يساويها في صفاتها من سنها ~~وبلدها وعقلها وعفتها وجمالها ويسارها وبكارتها وثيوبتها؛ لأنه عوض متلف، ~~فاعتبرت فيها الصفات. فإن لم يكن مهر نسائها يختلف بهذه الأمور، لم ~~تعتبرها، وإن كان ms0862 يختلف فلم نجد إلا دونها، زيد لها بقدر فضيلتها، وإن لم ~~يوجد إلا أعلى منها، نقصت بقدر نقيصتها، ويجب حالا من نقد البلد، كقيم ~~المتلفات. فإن كان عادة نسائها التأجيل، ففيه وجهان: # أحدهما: يفرض مؤجلا؛ لأنه مهر نسائها. # PageV03P071 # والثاني: يفرض حالا؛ لأنه قيمة متلف. وإن كان عادتهم أنهم إذا زوجوا ~~عشيرتهم، خففوا، وإذا زوجوا غيرهم، أثقلوا أو عكس ذلك، اعتبر؛ لأنه مهر ~~المثل. فإن لم يوجد من أقاربها أحد، اعتبر شبهها من أهل بلدها، فإن عدم ~~ذلك، اعتبر أقرب الناس إليها من نساء أقرب البلدان إليها. # فصل: وإن طلق المفوضة قبل الدخول والفرض، فليس لها إلا المتعة. نص عليه ~~أحمد في رواية جماعة. وعنه: لها نصف مهر المثل؛ لأنه نكاح صحيح يوجب مهر ~~المثل بعد الدخول، فيوجب نصفه بالطلاق قبله، كالتي سمي لها، والأول المذهب، ~~لقوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن ~~فريضة ومتعوهن} [البقرة: 236] . ولا متعة لغيرها في ظاهر المذهب؛ لأنه لما ~~خص بالآية من لم يفرض لها ولم يمسها، دل على أنها لم تجب لمدخول بها، ولا ~~مفروض لها؛ ولأنه حصل في مقابله ابتذال المهر أو نصفه، بخلاف مسألتنا، ~~وعنه: لكل مطلقة متاع، لقوله تعالى: {وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على ~~المتقين} [البقرة: 241] وقال سبحانه: {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من ~~قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا} ~~[الأحزاب: 49] قال أبو بكر: العمل عندي على هذه الرواية لولا تواتر ~~الروايات بخلافها، فإنه لم يرو هذه إلا حنبل، وخالفه سائر من روى عن أبي ~~عبد الله، فيتعين حمل هذه الرواية على الاستحباب، جمعا بين دلالة الآيات ~~المختلفات، ولما ذكرنا من المعنى. فأما المتوفى عنها، فلا متعة لها بغير ~~خلاف؛ لأن الآية لم تتناولها، ولا هي معنى المنصوص عليه. # فصل: # والمتعة معتبرة بحال الزوج {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} [البقرة: ~~236] وحكى القاضي عن أحمد: أنها مقدرة بنصف مهر المثل؛ لأنها بدل عنه، ~~فتقدرت به، والمذهب الأول، لقوله ms0863 تعالى: {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى ~~المقتر قدره} [البقرة: 236] فقدرها بحال الزوج دون حال المرأة؛ ولأنه لو ~~وجب قدر نصف مهر المثل، كان ذلك نصف مهر المثل، وفي قدرها روايتان: # PageV03P072 # إحداهما: يرجع فيها إلى اجتهاد الحاكم، فيفرض لها ما يؤديه اجتهاده إليه؛ ~~لأنه أمر لم يرد الشرع بتقديره ويحتاج إلى الاجتهاد، فرد إلى الحاكم، ~~كالنفقة. # والثانية: أعلى المتعة خادم، وأدناها كسوة تجزئها في صلاتها، وأوسطها ما ~~بين ذلك، لقول ابن العباس: أعلى المتعة خادم، ثم دون ذلك النفقة، ثم دون ~~ذلك الكسوة. وهذا تفسير من الصحابي، فيجب الرجوع إليه. # فصل: # وكل فرقة أسقطت المسمى، أسقطت المتعة، وما نصفت المسمى، أوجبت المتعة؛ ~~لأنها قائمة مقام نصف المسمى، فاعتبر ذلك فيها. وسئل أحمد: عن رجل تزوج ~~امرأة ولم يكن فرض لها مهرا، ثم وهب لها غلاما، ثم طلقها، قال: لها المتعة، ~~وذلك لأن الهبة لا تنقضي بها المتعة، كالمسمى. # فصل: # فأما المفوضة المهر، وهي التي تزوجها على حكمها، أو حكمه، أو حكم أجنبي، ~~أو بمهر فاسد، أو يزوجها غير الأب بغير صداق بغير إذنها، فإنه يتنصف لها ~~مهر المثل بالطلاق في ظاهر المذهب، وهو اختيار الخرقي. وعن أحمد: ليس لها ~~إلا المتعة؛ لأنه نكاح خلا عن تسمية صحيحة، فأشبه نكاح المفوضة البضع. ~~ولنا: أنها لم ترض بغير صداق، ولم يرض أبوها، فلم تجب المتعة، كالتي سمي ~~لها، بخلاف الراضية بغير صداق. # فصل: # وللأب تزويج ابنته بغير صداق مثلها، صغيرة كانت أو كبيرة، بكرا أو ثيبا؛ ~~لأن «عمر خطب الناس فقال: ألا لا تغالوا في صدق النساء، فما أصدق رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أحدا من نسائه أو بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية» ~~، وظاهره صحة تسمية من زوج بمثل ذلك، وإن نقص عن مهر المثل، وزوج سعيد بن ~~المسيب ابنته بدرهمين وهو سيد قرشي؛ ولأنه غير متهم في حقها، فلا يمنع من ~~تحصيل المقصود والحظ لابنته بتفويت غير المقصود، وليس لغيره نقصها عن مهر ~~نسائها إلا بإذنها؛ لأنه متهم. فإن زوج ms0864 بغير صداق، لم يكن تفويضا صحيحا؛ ~~لأنه أسقط ما ليس له التصرف فيه، ويجب مهر المثل، وإن فعله الأب، كان ~~تفويضا صحيحا. # فصل: # وللأب أن يشترط لنفسه شيئا من صداق ابنته؛ لأن الله تعالى أخبر أن شعيبا ~~زوج # PageV03P073 # ابنته لموسى برعاية غنمه. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنت ومالك ~~لأبيك» ، وقال: «إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من أموالهم» ، قال ~~الترمذي: هذا حديث حسن. فإن زوجها على ألف لها، وألف له، ثم طلقت قبل ~~الدخول، رجع الزوج بالألف التي لها؛ لأن ما أخذه الأب محسوب على البنت من ~~صداقها، فكأنها قبضته، ثم وهبته لأبيها، فإن شرط غير الأب شيئا لنفسه، ~~فالكل لها، ولا شيء له؛ لأنه عوض عنها، فكان لها، كالمسمى لها. # فصل: # وإن زوج الرجل ابنه الصغير، فالمهر على الزوج؛ لأنه المعوض له، فكان ~~العوض عليه، كالكبير، وكما لو اشترى له شيئا، فإن كان الابن معسرا، ففيه ~~وجهان: # أحدهما: هو عليه كذلك. # والثاني: على الأب؛ لأنه لما زوجه مع علمه بإعساره ووجوب الصداق عليه، ~~كان رضا منه بالتزامه. # فصل: # وإن تزوج العبد بإذن مولاه، فالمهر على المولى؛ لأنه وجب بإذنه، فكان ~~عليه، كالذي يجب بعقد الوكيل. وإن تزوج بغير إذن سيده، فالنكاح باطل، فإن ~~فارقها قبل الدخول، فلا شيء عليه، وإن دخل بها ففي رقبته صداقها؛ لأنه وجب ~~بجنايته، فكان في رقبته كسائر جناياته. وفي قدره روايتان: # إحداهما: مهر مثلها؛ لأنه وطء يوجب المهر، فأوجب جميعه، كوطء المكرهة. # والثانية: يجب عليه خمسا المهر، لما روى خلاس أن غلاما لأبي موسى تزوج ~~بمولاة تيحان التيمي بغير إذن أبي موسى، فكتب في ذلك إلى عثمان - رضي الله ~~عنه -، فكتب إليه: أن فرق بينهما وخذ لها الخمسين من صداقها، وكان صداقها ~~خمسة # PageV03P074 # أبعرة. رواه أحمد. ولأن المهر أحد موجبي الوطء، فجاز أن ينقص في العبد عن ~~الحر كالحد. وقد روى حنبل عن أحمد أنه لا صداق عليه، ويحتمل هذا أن يحمل ~~على ما إذا فرق بينهما قبل الدخول، ويحتمل أن لا ms0865 يجب شيء في الحالين؛ ولأن ~~المرأة مطاوعة له في غير نكاح صحيح، أشبه الزانية. وهذا مذهب ابن عمر، ~~والمذهب الأول. والسيد مخير بين أن يفديه بأقل الأمرين من قيمته، أو الواجب ~~من المهر، كأرش جناياته. وإذا زوج السيد عبده أمته، وجب الصداق عليه، ثم ~~سقط؛ لأن النكاح لا يخلو من مهر، ولا يثبت للسيد على عبده مال، فسقط. وقال ~~القاضي: لا يثبت مهر أصلا لأنه لا يمكن أن يجب للسيد على عبده مال. وإن ~~تزوج العبد بحرة، أو أمة بغير إذن سيده، ثم باعها العبد، أو باعه لسيد ~~الأمة بثمن في الذمة، صح ويحول صداقها إلى ثمنه، أو نصفه إن كان قبل ~~الدخول، وإن باعها إياه بصداقها، صح؛ لأنه يجوز أن يبيعها به عبدا آخر، ~~فكذلك هذا. وينفسخ النكاح إذا ملكت زوجها. فإن كان قبل الدخول، رجع السيد ~~عليها بما يسقط من صداقها. ### | باب اختلاف الزوجين في الصداق # إذا اختلفا في قدره، ولا بينة على مبلغه، ففيه روايتان: # إحداهما: القول قول من يدعي مهر المثل منهما. فإن ادعت مهر المثل أو أقل، ~~فالقول قولها. وإن ادعى مهر مثلها أو أكثر، فالقول قوله؛ لأن الظاهر أن ~~صداقها مهر مثلها؛ ولأنه موجب العقد بدليل ما لو خلا عن الصداق فكان القول ~~قول مدعيه، كالمنكر في سائر الدعاوى. فإن ادعى أقل من مهر المثل، وادعت ~~أكثر من مهر المثل، ردا إلى مهر المثل. وينبغي أن يحلف الزوج على نفي ~~الزائد عن مهر المثل، وتحلف هي على إثبات ما نقص منه؛ لأن دعوى كل واحد ~~منهما محتملة، فلا تدفع بغير يمين. والرواية الثانية: القول قول الزوج بكل ~~حال؛ لأنه منكر، فيدخل في عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ولكن اليمين ~~على المدعى عليه» فإن مات الزوجان، فورثتهما بمنزلتهما، إلا أن من يحلف ~~منهما على الإثبات، يحلف على البت، ومن يحلف على النفي، يحلف على # PageV03P075 # نفي العلم؛ لأنه يحلف على نفي فعل الغير، وإن اختلف الزوج وأبو الصغيرة ~~أو المجنونة، قام الأب مقامهما في اليمين؛ ms0866 لأنه يحلف على فعل نفسه، فأشبه ~~الوكيل. فإن لم يحلف حتى بلغت الصبية، وعقلت المجنونة، فاليمين عليهما ~~دونه؛ لأنه إنما حلف لتعذر اليمين من جهتهما، فإذا أمكن الحلف منهما، ~~لزمهما، كالوصي إذا بلغ الطفل. # فصل: # وإن أنكر الزوج تسمية الصداق، وادعت تسمية مهر المثل، وكان الخلاف بعد ~~الطلاق قبل الدخول، ففيه وجهان، بناء على الروايتين. فإن قلنا: القول قول ~~الزوج، وجبت المتعة. وإن قلنا بالرواية الأخرى، فلها نصف مهر المثل. وإن ~~اختلفا قبل الطلاق بعد الدخول، فقد استقر لها مهر مثلها، وإن كان قبله، ~~فلها المطالبة بفرض مهر المثل، ولا يشرع التحالف. وإن ادعت أكثر من مهر ~~المثل، حلف على نفي الزيادة. # فصل: # فإن قال: أصدقتك هذا العبد، قالت: بل هذه الأمة، لم تملك العبد؛ لأنها لا ~~تدعيه، ولا الأمة؛ لأنها لا تجب بمجرد الدعوى، لكن إن قلنا: القول قول ~~الزوج، فلها قيمة العبد، وإن قلنا: القول قول من يدعي مهر المثل، وكانت ~~الأمة مهر المثل أو أقل، حلفت ولها قيمتها. وإن كانت أكثر والعبد مهر المثل ~~أو أكثر، حلف الزوج ولها قيمته. وإن كانت الأمة أكثر والعبد أقل، رد إلى ~~مهر المثل على ما ذكرنا فيما تقدم. # فصل: # وإن اختلفا في قبض الصداق، أو إبرائه منه، فالقول قولها؛ لأن الأصل معها. ~~وإن اختلفا فيما يستقر به الصداق بالاستمتاع أو الخلوة، فالقول قوله؛ لأن ~~الأصل معه. وإن اتفقا على أنه دفع إليها مالا، فقال: دفعته صداقا. قالت: بل ~~هبة. فإن كان الخلاف في نيته، فالقول قوله بلا يمين؛ لأنه أعلم بما نواه. ~~وإن اختلفا في لفظه، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه ملكه، فالقول قوله في صفة ~~نقله. # فصل: # وإن نقص الصداق في يدها بعد الطلاق، فقالت: حدث بعد الطلاق، فلا ضمان ~~علي، وقال: بل قبله، فالقول قولها؛ لأن الأصل براءة ذمتها. # فصل: # ويجب المهر للموطوءة في نكاح فاسد، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~التي أنكحت نفسها # PageV03P076 # بغير إذن وليها: «فإن أصابها، فلها المهر بما استحل من فرجها» ويجب ms0867 ~~للموطوءة بشبهة لهذا المعنى. ويجب للمكرهة على الزنا؛ لأنه وطء سقط الحد ~~عنها فيه بشبهة، والواطئ من أهل الضمان في حقها، فأوجب المهر، كالوطء ~~بالشبهة. ولا يجب مع المهر أرش البكارة في هذه المواضع؛ لأنه داخل في ~~المهر. وعنه: للمكرهة الأرش مع المهر؛ لأنه إتلاف جزء فوجب عوضه، كما لو ~~جرحها ثم وطئها. وعن أحمد: لا يجب المهر للمكرهة الثيب قياسا على المطاوعة. ~~وعنه: لا يجب لمحارمه من النسب؛ لأن تحريمهن تحريم أصل، فلا يوجب وطؤهن ~~مهرا، كاللواط. وعنه: من تحرم ابنتها، لا مهر لها كذلك، ومن تحل بنتها، ~~كالعمة والخالة، يجب لها؛ لأن تحريمها أخف، ولنا: أنه أتلف منفعة بضعها ~~بالوطء مكرهة، فأشبهت الأجنبية والبكر. # فصل: # ولا يجب المهر للمطاوعة على الزنا؛ لأنها باذلة لما يوجب البدل لها، فلم ~~يجب لها شيء - كما لو أذنت في قطع يدها - فإن كانت أمة، وجب المهر لسيدها؛ ~~لأنه المستحق له، فلا يسقط ببذلها كيدها، ولا يجب المهر بالوطء في الدبر، ~~ولا اللواط؛ لأنه لا منفعة فيه متقومة في الشرع، بخلاف الفرج. # فصل: # ومن نكاحها باطل بالإجماع، كذات الزوج، والمعتدة، حكمها حكم الأجنبية في ~~وجوب الصداق إن كان الوطء بشبهة أو إكراه، وسقوطه إن كانت مطاوعة عالمة ~~بالتحريم؛ لأنه باطل بالإجماع، فكان وجوده كعدمه. ### | باب الوليمة # وهي: الإطعام في العرس. وهي مستحبة، لما روي أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال لعبد الرحمن بن عوف حين تزوج: «أولم ولو بشاة» متفق عليه. وليست ~~واجبة؛ لأنها طعام لسرور حادث، فأشبه سائر الأطعمة. ويستحب أن يولم بشاة، ~~للخبر. وإن أولم # PageV03P077 # بغيرها أصاب السنة، لما روى أنس قال: «ما أولم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على شيء من نسائه ما أولم على زينب، أولم بشاة» . متفق عليه. # فصل: # وإجابة الداعي إليها واجبة، لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها، وقال أبو هريرة: ~~ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله» رواهما البخاري. وإن كان الداعي ms0868 ذميا، لم ~~تجب إجابته؛ لأن الإجابة للمسلم للإكرام والموالاة، ولا يجب ذلك للذمي، ~~وتجوز إجابته، لما روى أنس «أن يهوديا دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى خبز شعير وإهالة سنخة، فأجابه» . رواه أحمد في (الزهد) , وإنما تجب ~~إجابة المسلم إذا نص عليه. فإن دعا الجفلى، كقوله: أيها الناس أجيبوا، وهلم ~~إلى الطعام، لم تجب الإجابة؛ لأن كل واحد غير منصوص عليه، فلا ينكسر قلب ~~الداعي بتخلفه، وإن دعا ثلاثة أيام، وجبت الإجابة في اليوم الأول، واستحب ~~في الثاني، ولم تستحب في الثالث، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «الوليمة أول يوم حق، والثاني معروف، والثالث رياء وسمعة» رواه ~~أبو داود. فإن دعا اثنان، ولم يمكنه الجمع بينهما، أجاب أسبقهما؛ لأن ~~إجابته وجبت بدعوته، فمنعت من وجوب إجابة الثاني، فإن استويا، أجاب أقربهما ~~بابا، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا اجتمع ~~داعيان، فأجب أقربهما بابا، فإن أقربهما بابا، أقربهما جوارا فإن سبق ~~أحدهما، فأجب الذي سبق» رواه أبو داود. فإن استويا أجاب أقربهما رحما، فإن ~~استويا أجاب أدينهما؛ لأن هذا من أبوب البر، فقدم بهذه المعاني. فإن ~~استويا، أقرع بينهما. # PageV03P078 # فصل: # وإذا دعي الصائم، لم تسقط الإجابة، فإذا حضر وكان الصوم واجبا، لم يفطر. ~~وإن كان تطوعا، استحب له الفطر، ليسر أخاه ويجبر قلبه، ولا يجب لما روى أبو ~~هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا دعي أحدكم فليجب، ~~فإن كان صائما، فليدع، وإن كان مفطرا فليطعم» رواه مسلم، وأبو داود. ويستحب ~~إعلامهم بصيامه؛ لأنه يروى عن عثمان وابن عمر - رضي الله عنهما -؛ ولأن ~~التهمة تزول ويتمهد عذره. وإن كان مفطرا، فالأفضل الأكل، للخبر؛ ولأن فيه ~~جبر قلب الداعي، ولا يجب، لما روى جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إذا دعي أحدكم إلى الطعام، فليجب، فإن شاء طعم وإن شاء ترك» حديث ~~صحيح. # فصل: # والدعاء إلى الوليمة إذن في الأكل والدخول، لما روى جابر قال: ms0869 قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا دعي أحدكم فجاء مع الرسول فذلك إذن له» ~~رواه أبو داود. # فصل: # وإذا دعي إلى وليمة فيها منكر، كالخمر والزمر، فأمكنه الإنكار، حضر ~~وأنكر؛ لأنه يجمع بين واجبين. وإن لم يمكنه، لم يحضر؛ لأنه يرى المنكر ~~ويسمعه اختيارا. وإن حضر فرأى المنكر أو سمعه، أزاله. فإن لم تمكنه إزالته، ~~انصرف، لما روى سفينة: «أن رجلا أضافه علي فصنع له طعاما، فقالت فاطمة: لو ~~دعونا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأكل معنا، فدعوه، فجاء فوضع يده ~~على عضادتي الباب، فرأى قراما في ناحية البيت، فرجع، فقالت فاطمة: الحقه، ~~فقل: ما رجعك يا رسول الله؟ فقال: إنه ليس لي أن أدخل بيتا مزوقا» حديث ~~حسن. ولأنه يشاهد المنكر ويسمعه من غير حاجة، فمنع منه، كالقادر على ~~إزالته. وإن علم المنكر ولم يره ولم يسمعه، لم ينصرف؛ لأنه لم يره، # PageV03P079 # ولم يسمعه، ولا ينصرف لسماع الدف؛ لأنه مشروع، ولا لرؤية نقوش وصور غير ~~الحيوان، كالشجر والأبنية؛ لأنه نقش مباح، فهو كعلم الثوب. وأما صور ~~الحيوان، فإن كانت توطأ أو يتوكأ عليها، كالبسط والوسائد، فلا بأس بها. وإن ~~كانت على حيطان أو ستور، انصرف، لما روت «عائشة قالت: قدم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من سفر وقد سترت لي سهوة بنمط فيه تصاوير، فلما رآه قال: ~~أتسترين الجدر بستر فيه تصاوير فهتكه. قالت: فجعلت منه وسادتين وحشوتهما ~~ليفا، فلم يعب ذلك علي» . فإن قطع رأس الصورة، أو ما لا يبقي الحيوان بعده، ~~كصدر وظهر، ذهبت الكراهة؛ لأنه لا تبقى الحياة فيه، فأشبه الشجر. وإن أزيل ~~منه ما تبقى الحياة بعده، كيد أو رجل، فالكراهة بحالها؛ لأنها صورة حيوان. ~~وإن سترت الحيطان بستور غير مصورة لحاجة من حر أو برد، جاز ولم يكره؛ لأنه ~~يستعمله لحاجة، فأشبه لبس الثياب. وإن كان لغيره حاجة، ففيه وجهان: # أحدهما: هو محرم، لما روي عن علي بن الحسين قال، «نهى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن تستر الجدر» ms0870 . رواه الخلال. والنهي يقتضي التحريم. ~~ودعا ابن عمر أبا أيوب، فجاء فرأى البيت مستورا بنجاد أخضر، فقال: يا عبد ~~الله ‍‍‍‍‍‍! أتسترون الجدر؟ لا أطعم لكم طعاما، ولا أدخل لكم بيتا، ثم ~~خرج. # والثاني: هو مكروه؛ لأن ابن عمر أقر عليه ولم ينكر؛ ولأن كراهته، لما فيه ~~من السرف، فلا يبلغ به التحريم، كالزيادة في الملبوس. ويجوز الرجوع لذلك، ~~لفعل أبي أيوب. # فصل: # فأما سائر الدعوات غير الوليمة، كدعوة الختان، وتسمى: الأعذار، والعذيرة، ~~والخرس والخرسة عند الولادة. والوكيرة: دعوة البناء. والنقيعة: لقدوم ~~الغائب. والحذاق: عند حذق الصبي. والمأدبة: اسم لكل دعوة لسبب كانت أو لغير ~~سبب، ففعلها مستحب، لما فيه من إطعام الطعام وإظهار النعمة، ولا تجب ~~الإجابة إليها، لما روي «عن عثمان بن أبي العاص أنه دعي إلى ختان فأبى أن ~~يجيب، وقال: إنا كنا لا نأتي الختان على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، ولا يدعى إليه» . رواه الإمام أحمد. وتستحب # PageV03P080 # الإجابة، لقوله - عليه السلام -: «إذا دعي أحدكم فليجب عرسا كان أو غير ~~عرس» رواه أبو داود؛ ولأن فيه جبر قلب الداعي وتطييبه. # فصل: # والنثار والتقاطه مباح؛ لأنه نوع إباحة، فأشبه تسبيل الماء والثمرة، وفي ~~كراهته روايتان: # إحداهما: يكره وهي التي ذكرها الخرقي، لما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه «نهى عن النهبة» ، وقال: «لا تحل النهبى» رواه أحمد في المسند. ~~ولأن في التقاطه دناءة وقتالا، وقد يأخذ من غيره أحب إلى صاحب النثار منه. # والثانية: لا يكره، اختارها أبو بكر، لما روى عبد الله بن قرط قال: «قرب ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس بدنات أو ست بدنات، فطفقن يزدلفن ~~إليه بأيتهن يبدأ، فنحرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: من شاء ~~اقتطع» رواه أبو داود. ولا بأس أن يخلط المسافرون أزوادهم ويأكلون جميعا؛ ~~لأن السلف كانوا يتناهدون في الغزو والحج وغيرهما. ومن وقع في حجره شيء من ~~النثار، فهو له؛ لأنه مباح حصل في حجره فملكه، كما لو وثبت سمكة فسقطت ms0871 في ~~حجره. ### | باب عشرة النساء # يجب على كل واحد من الزوجين معاشرة صاحبه بالمعروف، لقول الله تعالى: ~~{وعاشروهن بالمعروف} [النساء: 19] . وقال سبحانه: {ولهن مثل الذي عليهن ~~بالمعروف وللرجال عليهن درجة} [البقرة: 228] ، ويجب على كل واحد منهما بذل ~~ما يجب لصاحبه من الحق عليه، من غير مطل، ولا إظهار الكراهية للبذل، ولا ~~إتباعه بأذى ولا من، وكف أذاه عن صاحبه. ولأن هذا من المعاشرة بالمعروف، ~~ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مطل الغني ظلم» . # PageV03P081 # فصل: # وإذا تزوج امرأة يوطأ مثلها، فطلب تسليمها إليه، وجب ذلك؛ لأنه يطلب حقه ~~الممكن. فإن سألت الإنظار، أنظرت مدة جرت العادة بإصلاح أمرها فيها، ~~كاليومين والثلاثة؛ لأنه يسير جرت العادة بمثله. وإن كانت لا يجامع مثلها، ~~لصغر أو مرض يرجى زواله، لم يجب تسليمها؛ لأنها لا تصلح للاستمتاع المستحق ~~عليها، وإن كان لمرض غير مرجو الزوال، أو لكونها نضوة الخلق، وجب تسليمها؛ ~~لأن المقصود من مثلها الاستمتاع بغير الجماع، وذلك ممكن في الحال. وكل موضع ~~يجب تسليمها إليه إذا طلبها، يلزمه تسلمها إذا عرضت عليه، وما لا فلا. # فصل: # ويجب تسليم الحرة ليلا ونهارا؛ لأنه لا حق لغيره عليها، وللزوج السفر ~~بها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسافر بنسائه. ويجب تسليم الأمة ~~في الليل دون النهار لأنها مملوكة عقد على أحد منفعتيها، فلم يجب التسليم ~~في غير وقتها، كالمستأجرة للخدمة في أحد الزمانين. # فصل: # وله إجبارها على غسل الحيض والنفاس، مسلمة كانت أو ذمية؛ لأن إباحة الوطء ~~يقف عليه، وله إجبار المسلمة على الغسل من الجنابة؛ لأنه واجب عليها. وفي ~~الذمية روايتان: # إحداهما: لا يملك إجبارها عليه؛ لأنه لا يجب عليها، ولا يقف إباحة الوطء ~~عليه. # والثانية: يملك إجبارها؛ لأن كمال الاستمتاع يقف عليه، لكون النفس تعاف ~~من لا تغتسل من جنابة. وفي التنظف والاستحداد وجهان، بناء على هاتين ~~الروايتين. وقال القاضي: له إجبارها على الاستحداد إذا طال الشعر واسترسل، ~~وتقليم الأظافر إذا طالت رواية واحدة. وهل له منعها أكل ما يتأذى برائحته؟ ~~على ms0872 وجهين، لما ذكرنا وله منع المسلمة من كل محرم؛ لأن الله منعها منه، ~~وليس له منع الذمية من يسير الخمر؛ لأنها لا تعتقد تحريمه، وله إجبارها على ~~غسل فيها منه؛ لأن نجاسته تمنع الاستمتاع به، وله منعها من السكر؛ لأنه ~~يجعلها كالزق المنفوخ، ولا يأمن من جنايتها عليه. # فصل: # وله منعها من الخروج من منزله، إلا لما لا بد لها منه؛ لأن حق الزوج ~~واجب، فلا يجوز تركه بما ليس بواجب. وقد روي عن ابن عمر قال: «أتت امرأة ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV03P082 # فقالت: يا رسول الله ما حق الزوج على زوجته؟ قال: حقه عليها ألا تخرج إلا ~~بإذنه» . ويكره منعه إياها من عيادة أحد والديها، أو شهود جنازته؛ لأنه ~~يؤدي إلى النفور، ويغريها بالعقوق. # فصل: # وله الاستمتاع في كل وقت من غير إضرار بها، ولا منعها من فريضة، وقد روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا باتت المرأة مهاجرة فراش ~~زوجها، لعنتها الملائكة حتى ترجع» متفق عليه. # ولا يجوز وطؤها في الحيض ولا في الدبر، لقوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في ~~المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة: 222] . وروى خزيمة بن ثابت أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله لا يستحيي من الحق لا تأتوا ~~النساء في أعجازهن» . وعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«من أتى حائضا أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد» رواهما ~~الأثرم. # ويجوز الاستمتاع بها فيما بين الأليتين، ووطؤها في الفرج مقبلة ومدبرة، ~~وكيف شاء لقوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة: ~~223] قال جابر: من بين يديها ومن خلفها غير ألا يأتيها إلا في المأتى. متفق ~~عليه. # فصل: # وإذا أراد الجماع، استحب أن يقول: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب ~~الشيطان # PageV03P083 # ما رزقتنا، لما روى ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لو أن أحدكم حين يأتي أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان، وجنب ~~الشيطان ما ms0873 رزقتنا، فولد بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدا» متفق عليه. ~~ويستحب التستر عند المجامعة، لما روى عتبة بن عبيد قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتى أحدكم أهله، فليستتر، ولا يتجردا تجرد ~~العيرين» . رواه ابن ماجه. ولا يجامعها بحيث يراهما إنسان، أو يسمع وجسهما. ~~وإذا فرغ قبلها، كره له النزع حتى تفرغ، لما روى أنس قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إذا جامع الرجل أهله، فليصدقها، ثم إذا قضى حاجته ~~قبل أن تقضي حاجتها، فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها» . # فصل: # ويكره العزل، وهو: أن ينزل الماء خارج الفرج، لما فيه من تقليل النسل، ~~ومنع المرأة من كمال استمتاعها، وليس بمحرم، لما روى أبو سعيد قال: «ذكر - ~~يعني العزل - عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فلم يفعل أحدكم؟ - ~~ولم يقل: فلا يفعل - فإنه ليس نفس مخلوقة إلا والله خالقها» متفق عليه. فإن ~~كان ذلك في أمته، فله ذلك بغير إذنها؛ لأن الاستمتاع بها حق له دونها، ~~وكذلك أم الولد، وإن كان في زوجة حرة لم يجز إلا بإذنها، لما روى ابن عمر ~~قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها» ~~. رواه أحمد. وإن كانت أمة فقال أصحابنا: لا يعزل عنها إلا بإذن سيدها؛ لأن ~~الولد له، والأولى جوازه؛ لأن تخصيص الحرة بالاستئذان دليل سقوطه في غيرها؛ ~~ولأن السيد لا حق له في الوطء، فلا يجب استئذانه في كيفيته. ولأن على الزوج ~~ضررا في رق ولده، بخلاف الحرة. ويحتمل أن يكون الاستئذان للحرة والأمة ~~مستحبا غبر واجب؛ لأن # PageV03P084 # حقهما في الوطء لا في الإنزال، بدليل خروجه بذلك من الفيئة والعنة. # فصل: # وإذا كان له زوجتان، لم يجمع بينهما في مسكن واحد إلا برضاهما؛ لأن ~~عليهما فيه ضررا، ويؤدي إلى الخصومة، ولا يطأ إحداهما بحضرة الأخرى؛ لأن ~~فيه دناءة، وسوء عشرة، وإثارة للغيرة. ### | باب القسم بين النساء # باب القسم يجب على الرجل المبيت عند امرأته الحرة ليلة من كل أربع، ms0874 ~~ووطؤها مرة في كل أربعة أشهر، إذا لم يكن عذر. وقال القاضي: لا يجب المبيت ~~ولا الوطء ابتداء إذا لم يقصد الإضرار بتركه؛ لأنه حق فجاز تركه، كسكنى ~~الدار المستأجرة، ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن ~~عمرو: «ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: ~~فلا تفعل صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن ~~لزوجك عليك حقا» متفق عليه. وقال عمر لكعب بن سور: اقض بين هذا وامرأته، ~~قال: فإني أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة وهي رابعتهن، فأقضي لها بثلاث ~~أيام ولياليهن يتعبد فيهن، ولها يوم وليلة. فقال عمر: والله ما رأيك الأول ~~بأعجب إلي من الآخر، اذهب فأنت قاض على البصرة. ولأن الوطء يجب على المولي، ~~ويفسخ النكاح لتركه، وما لا يجب على غير الحالف، لا يجب على الحالف على ~~تركه، كسائر المباحات، وما لا يجب، لا يفسخ النكاح، لتعذره، كزيادة النفقة. ~~فإن لم يفعل فطلبت الفرقة، فرق بينهما. قال أصحابنا: وحق الأمة ليلة من كل ~~سبع؛ لأن أكثر ما يمكنه جمعه معها ثلاث حرائر، لهن ست، ولها السابعة. ~~والصحيح أن لها ليلة من ثمان نصف ما للحرة؛ لأن زيادتها على ذلك يحل ~~بالتنصيف. وزيادة الحرة على ليلة من أربع زيادة على الواجب، فتعين ما ~~ذكرنا. # PageV03P085 # فصل: # فإن كان له امرأتان أو أكثر، وجب التسوية بينهن في القسم، لما روى أبو ~~هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من كانت له امرأتان ~~فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل» رواه أبو داود. ولأن الجور ~~يخل بالعشرة بالمعروف. وليس له البداءة في القسم بإحداهما دون الأخرى من ~~غير رضاها؛ لأنه جور يدعو إلى النفور. فإذا أراد البداءة بالقسم، أقرع ~~بينهما؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرع بين نسائه. وإذا بدأ ~~بواحدة بقرعته أو غيرها، لزمه القضاء للبواقي؛ لأن ترك القضاء ميل. # فصل: # ويجب القسم على المريض، والمجبوب والمظاهر، والمولي ms0875 وزوج المريضة، ~~والمحرمة، والحائض والنفساء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقسم في ~~مرضه؛ ولأن القسم يراد للأنس والإيواء، وذلك أحصل في هذه الأحوال. فأما ~~المجنون والمجنونة، فإن خيف منهما، سقط؛ لأن الأنس لا يحصل منهما، وإن لم ~~يخف منهما، فالمجنونة على حقها في القسم. ويطوف ولي المجنون به؛ لأن الأنس ~~يحصل منهما. # فصل: # وإذا سافرت زوجته بغير إذنه، سقط حقها من القسم والنفقة؛ لأنها منعته ~~القسم لها بغيبتها، فأسقطت نفقتها بنشوزها. وإن بعثها أو أمرها بالنقلة من ~~بلدها، لم يسقط حقها من نفقة، ولا قسم؛ لأن ذلك حاصل بفعله، فلم يسقط حقها، ~~كما لو أتلف المشتري المبيع، لم يسقط ثمنه. وإن سافرت بإذنه لحاجتها، ففيه ~~وجهان: # أحدهما: لا يسقطان؛ لأنها سافرت بإذنه، أشبه ما لو سافرت معه. # الثاني: يسقط. اختاره الخرقي؛ لأن القسم للأنس، والنفقة للتمكين من ~~الاستمتاع، وقد تعذر من جهتها، فسقط، كثمن المبيع إذا تعذر تسليمه، ويحتمل ~~أن يسقط قسمها وجها واحدا؛ لأنه لو سافر عنها لعذر، سقط حقها منه، فإذا ~~سافرت هي، كان أولى. وفي النفقة وجهان؛ لأنها لا تسقط بسفره. # فصل: # وعماد القسم الليل، لقوله تعالى: {وجعلنا الليل لباسا} [النبأ: 10] ~~{وجعلنا النهار معاشا} [النبأ: 11] . # PageV03P086 # ولأن الليل للسكن والإيواء، والنهار للمعاش والانتشار، إلا من معاشه ~~بالليل، كالحارس، فعماد قسمه النهار؛ لأن نهاره كليل غيره. وإذا قسم للمرأة ~~ليلة، كان لها ما يليها من النهار تبعا لليل، بدليل ما روي «أن سودة وهبت ~~يومها لعائشة» . متفق عليه. «وقالت عائشة: قبض رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في بيتي وفي يومي» ، والأولى أن يقسم بين زوجاته ليلة وليلة، اقتداء ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ولأنه أقرب إلى التسوية في إيفاء ~~الحقوق. فإذا زاد على ذلك، لم يجز إلا برضاهن؛ لأنه إذا بات عند واحدة، ~~تعينت الليلة الثانية للأخرى، فلم يجز أن يبيتها عند غيرها بغير رضاها. فإن ~~اتفق الجميع على القسم أكثر من ذلك أو أقل، جاز؛ لأن الحق لا يخرج عنهن. ~~وقال القاضي: له أن ms0876 يقسم ليلتين ليلتين، وثلاثا ثلاثا؛ لأنه يسير، ولا تجوز ~~الزيادة عليه إلا برضاهن. فإن قسم لإحداهما، ثم طلق الأخرى قبل قسمها، أثم؛ ~~لأنه فوت حقها الواجب لها، فإن عادت بعد ذلك إليه، لزمه أن يقضي لها؛ لأنه ~~قدر على إيفائه بعد العجز عنه، فلزمه، كالدين إذا أعسر به ثم أيسر. وإن ~~نشزت إحداهن في ليلتها، وأغلقت بابها دونه، أو ادعت طلاقه، سقط حقها من ~~القسم. فإن طاوعت، استأنف القسم بينهما، ولم يقض لها؛ لأنها أسقطت حق ~~نفسها. # فصل: # والأولى أن يطوف على نسائه في منازلهن، اقتداء برسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ ولأنه أحسن في العشرة وأصون لهن. وله أن يقيم في موضع واحد، ~~ويستدعي واحدة واحدة، وله أن يأتي واحدة ويستدعي واحدة؛ لأن المرأة تابعة ~~للزوج في المكان، ولذلك ملك نقلها إلى حيث شاء. وإن حبس في موضع يمكن ~~حضورها معه، وهو مسكن مثلها، فهي على حقها من القسم. وإن لم يكن مسكن ~~مثلها، لم يلزمها إجابته؛ لأن عليها ضررا. وإن كانت له امرأتان في بلدين، ~~فعليه العدل بينهما؛ لأنه حق لهما، فلا يسقط بتباعدهما، كالنفقة. فإن ~~امتنعت إحداهما من النقلة بعد طلبه لها، سقط حقها. وإن أقام في بلد ~~إحداهما، ولم يقم معها في المنزل، لم يلزمه القضاء؛ لأنه لم يقسم لها، وإن ~~أقام عندها، لزمه القضاء للأخرى. # PageV03P087 # فصل: # يستحب التسوية بين الزوجات في الاستمتاع؛ لأنه أكمل، ولا يجب ذلك؛ لأن ~~الداعي إليه الشهوة والمحبة، ولا سبيل إلى التسوية فيه. قال الله تعالى: ~~{ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} [النساء: 129] . قال ابن ~~عباس: في الحب والجماع. وقالت عائشة: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقسم بين نسائه ويعدل ثم يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما ~~تملك ولا أملك» رواه الترمذي وابن ماجه. # فصل: # وإن خرج في ليلة إحداهن ولم يلبث أن عاد، لم يقض لها؛ لأنه لا فائدة في ~~قضائه، وإن أقام قضى لها، سواء كانت إقامته لعذر، أو لغير عذر؛ لأن ms0877 حقها ~~فات بغيبته عنها. ويستحب أن يقضي لها في مثل الوقت الذي خرج فيه؛ لأنه أقرب ~~إلى المماثلة. وإن قضاه في غيره من الليل، ففيه وجهان: # أحدهما: لا يجوز، لعدم المماثلة. # والثاني: يجوز؛ لأنه قضى في الوقت الذي هو المقصود في القسم، وله الخروج ~~في النهار حيث شاء؛ لأن النهار للمعاش والانتشار. وإن دخل على ضرتها في ~~ليلتها، ولم يلبث أن خرج، لم يقض، لعدم الفائدة في قضائه، فإن جامعها فيه، ~~ففيه وجهان: # أحدهما: لا يقضي أيضا؛ لأن الزمن اليسير لا يقضى، والوطء لا يستحق في ~~القسم. # والثاني: عليه القضاء وهو أن يدخل على صاحبة القسم في ليلة الأخرى ~~فيطأها، ليعدل بينهما. وإن أطال المقام عند الضرة، قضاه في ليلة المدخول ~~عليها بكل حال. فأما الدخول على غيرها في يومها، فيجوز للحاجة، من غير أن ~~يطيل ولا يجامع. وهل له أن يستمتع منها فيما دون الفرج؟ فيه وجهان: # أحدهما: يجوز لما روت عائشة قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يدخل علي في يوم غيري وينال مني كل شيء إلا الجماع» . # PageV03P088 # والثاني: لا يجوز؛ لأنه يحصل به السكن، أشبه الجماع. وإن أطال، قضاه ~~للأخرى. وإن جامع ففيه وجهان. كما ذكرنا في الليل. # فصل: # والكتابية كالمسلمة في القسم؛ لأنه من حقوق النكاح فاستويا فيه، كالنفقة ~~والسكنى. فإن كانت إحداهما حرة، والأخرى أمة، فللحرة ليلتان، وللأمة ليلة، ~~لما روي عن علي أنه كان يقول: إذا تزوج الحرة على الأمة، قسم للأمة ليلة، ~~وللحرة ليلتين. أخرجه الدارقطني واحتج به أحمد. فإن أعتقت الأمة في مدتها ~~أو قبلها، أضاف إلى ليلتها أخرى؛ لأنها صارت حرة، فيجب التسوية بينهما. وإن ~~أعتقت بعد مدتها، استأنف القسم متساويا ولم يقض لها. # فصل: # إذا كان له أربع نسوة، فنشزت إحداهن، وظلم أخرى فلم يقسم لها، وقسم ~~للاثنتين ثلاثين ليلة، ثم أطاعته الناشز، وأراد القضاء للمظلومة، فإنه يقسم ~~لها ثلاثا، وللناشز ليلة، خمس أدوار، فيكمل للمظلومة خمسة عشر، ويحصل ~~للناشز خمس، فتحصل التسوية. فإن كان له ثلاث نسوة، ms0878 فظلم إحداهن، وقسم بين ~~الباقيتين ثلاثين ليلة، ثم تزوج جديدة، وأراد القضاء، فإنه يبدأ فيوفي ~~الجديدة حق العقد، ثم يقسم بينهما وبين المظلومة خمسة أدوار، كما ذكرنا في ~~التي قبلها سواء. # فصل: # ولا قسم عليه في ملك اليمين. فإذا كانت له زوجات وإماء، فله الدخول على ~~الإماء كيف شاء، والاستمتاع بهن؛ لأن الأمة لا حق لها في الاستمتاع، ولذلك ~~لم تملك المطالبة في الإيلاء. # فصل: # وللمرأة أن تهب حقها من القسم لزوجها، فيجعله لمن شاء من زوجاته، ولبعض ~~ضرائرها، أو لهن جميعا إذا رضي الزوج؛ لأن حقه في الاستمتاع بها لا يسقط ~~إلا برضاه، فإذا رضي، جاز، لما روت عائشة «أن سودة وهبت يومها لعائشة، فكان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم لعائشة يومها ويوم سودة» . متفق ~~عليه. ويجوز ذلك في بعض الزمان، لما روت عائشة: «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وجد على صفية بنت حيي في شيء، فقالت # PageV03P089 # لعائشة: هل لك أن ترضي عني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولك يومي؟ ~~قالت: نعم - فأخذت خمارا مصبوغا بزعفران، فرشته بالماء ليفوح ريحه، ثم قعدت ~~إلى جنب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: إليك يا عائشة، إنه ليس يومك قالت: ذلك فضل الله تعالى يؤتيه من يشاء، ~~فأخبرته بالأمر فرضي عنها» . رواه ابن ماجه. ولا يعتبر رضا الموهوبة؛ لأنه ~~حقه عليها عام، وإنما منعه المزاحمة التي زالت بالهبة، ثم إن كانت ليلة ~~الواهبة لا تلي ليلة الموهوبة، لم تجز الموالاة بينهما؛ لأن الموهوبة قائمة ~~مقام الواهبة، فلم يجز تغييرها عن موضعها، كما لو كانت الواهبة باقية، ~~ويحتمل أن يجوز لعدم الفائدة في التفريق. وللواهبة الرجوع في هبتها في ~~المستقبل؛ لأنه لم يقبض، وما مضى فقد اتصل به القبض، فلا حق لها فيه. وإن ~~بذلت ليلتها بمال، لم يصح؛ لأنها ليست مالا، ولا منفعة يستحق بها المال. ~~وإن كان العوض غير المال، كإرضاء زوجها ونحو ذلك، جاز لحديث عائشة. # فصل: # والحق في ms0879 قسم الأمة لها، دون سيدها، فلها هبة ليلتها بغير إذن سيدها، ~~ولها المطالبة بها؛ لأن الإيواء والسكنى حق لها، فملكت إسقاطه والمطالبة ~~به، كالحرة. # فصل: # وإن تزوج صاحب النسوة امرأة جديدة، قطع الدور لحق الجديدة، فإن كانت ~~بكرا، أقام عندها سبعا. وإن كانت ثيبا، أقام عندها ثلاثا، ثم دار، لما روى ~~أبو قلابة «عن أنس قال: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها ~~سبعا، وإذا تزوج الثيب، أقام عندها ثلاثا، ثم قسم. قال أبو قلابة: لو شئت ~~لقلت: إن أنسا رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -» . متفق عليه. # وإن أحبت الثيب أن يقيم عندها سبعا، فعل، ثم قضى جميعها للبواقي، لما روت ~~«أم سلمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما تزوجها، أقام عندها ~~ثلاثا وقال: إن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك سبعت لنسائي» . رواه مسلم. وفي ~~لفظ: «وإن شئت ثلثت ثم # PageV03P090 # درت» والأحرار والرقيق سواء في هذا الحديث، للإيناس وإزالة الاحتشام، ~~فاستوين فيه لاستوائهن في الحاجة إليه، كالنفقة. # فصل: # يكره أن يزف امرأتين في ليلة واحدة؛ لأنه لا يمكن الجمع بينهما في إيفاء ~~حقهما، وتستضر التي يؤخر حقها وتستوحش، فإن فعل، بدأ بالتي تدخل عليه أولا ~~فوفاها حقها؛ لأنها أسبق، فإن أدخلتا عليه معا، أقرع بينهما، فقدم من تخرج ~~لها القرعة، ثم ثنى بصاحبتها، ثم قسم بعد ذلك. # فصل: # وإذا أراد السفر بجميع نسائه، قسم لهن كما يقسم في الحضر. وإن أراد السفر ~~ببعضهن، لم يسافر بهن إلا بقرعة، لما روت عائشة: «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها ~~معه» . متفق عليه. ولا يلزمه القضاء للحاضرات؛ لأن عائشة لم تذكر قضاء؛ ~~ولأن المسافرة اختصت بمشقة السفر، فاختصت بالقسم، والسفر الطويل والقصير ~~سواء في هذا، لعموم الخبر والمعنى. وإن سافر بإحداهن بغير قرعة، أثم، وقضى ~~للبواقي؛ لأنه خصها مدة على وجه تلحقه التهمة، فلزمه القضاء، كالحاضر. فإن ~~خرجت القرعة لإحداهن فامتنعت من السفر ms0880 معه، سقط حقها لامتناعها. وإن آثرت ~~أخرى به، جاز إذا رضي الزوج؛ لأن الحق لها، أشبه ليلتها في الحضر، وإن أحب ~~تركها، والسفر وحده، جاز؛ لأن القرعة لا توجب، وإنما تعين مستحق التقديم. ~~وإن سافر بها بقرعة ثم بدا له فأبعد السفر، فله استصحابها معه؛ لأنه سفر ~~واحد. وإن أقام في بلدة مدة يلزمه فيها إتمام الصلاة، قضى ذلك، فإذا خرج ~~مسافرا، لم يقض ما سافره؛ لأنه سفر واحد قد أقرع له. وإن كانت عنده ~~امرأتان، فتزوج امرأتين، ثم أراد سفرا، أقرع بين الكل، فإن وقعت القرعة ~~لإحدى الأوليين، سافر بها، فإذا قدم، قضى حق العقد للجديدتين، ثم دار. وإن ~~وقعت للجديدة، سافر بها ودخل حق العقد في قسم السفر، فإذا قدم، قضى حق ~~العقد للأخرى، ثم دار؛ لأنه حق وجب عليه قبل سفره. ويحتمل ألا يقضي لها؛ ~~لأن الإيواء في الحضر أكثر منه في السفر، فيحصل تفضيلها على التي سافر بها. ~~ويحتمل أن يقيم عند الأخرى لقضاء حق العقد؛ لأنه حق وجب بالعقد، ولم يوجد ~~له مسقط، فيجب قضاؤه، ثم يقيم مثله عند التي # PageV03P091 # سافر بها، لئلا يفضل الحاضر عليها، فإن العدل يحصل بهذا، فيكون أولى من ~~إسقاط حق العقد بغير مسقط وإن قدم من سفره قبل إتمام حق العقد للتي معه، ~~أتمه في الحضر، والله أعلم. ### | باب النشوز # وهو نوعان. أحدهما: نشوز المرأة، وهو معصيتها زوجها فيما يجب له عليها من ~~حقوق النكاح، فمتى ظهر منها إمارات النشوز، مثل أن يدعوها فلا تجيبه، أو ~~تجيبه مكرهة متبرمة، وعظها وخوفها الله تعالى وما يلحقها من الإثم والضرر ~~بنشوزها من سقوط نفقتها وقسمها وإباحة ضربها وأذاها، لقوله تعالى: {واللاتي ~~تخافون نشوزهن فعظوهن} [النساء: 34] . ولا يجوز ضربها؛ لأنه يجوز أن يكون ~~ذلك لعذر، أو ضيق صدر من غير الزوج، فإن أظهرت النشوز، فله هجرها في ~~المضاجع، لقوله تعالى: {واهجروهن في المضاجع} [النساء: 34] . قال ابن عباس: ~~لا تضاجعها في فراشك. فإن الهجران في الكلام، فلا يجوز أكثر من ثلاثة أيام، ~~لقول النبي ms0881 - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة ~~أيام، أو قال: ثلاث ليال» ، متفق عليه. فإن ردعها ذلك، وإلا فله ضربها، ~~لقوله تعالى: {واضربوهن} [النساء: 34] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إن لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير ~~مبرح» رواه مسلم. ولا يحرج بالضرب، للخبر. قال ثعلب: غير مبرح، أي: غير ~~شديد. وعليه اجتناب المواضع المخوفة، # PageV03P092 # والمستحسنة؛ لأن المقصود التأديب لا الإتلاف والتشويه. وهل له ضربها بأول ~~النشوز؟ فعنه: له ذلك، للآية والخبر؛ ولأنها صرحت بالمعصية، فكان له ضربها، ~~كالمصرة. وظاهر قول الخرقي: أنه ليس له ضربها؛ لأن المقصود بهذه العقوبات ~~زجرها عن المعصية في المستقبل، فيبدأ بالأسهل فالأسهل، كإخراج من هجم على ~~منزله؛ ولأنها عقوبات على جرائم، فاختلفت باختلافها، كعقوبات المحاربين. # فصل: # النوع الثاني: نشوز الرجل عن امرأته، وهو: إعراضه عنها لرغبته عنها، ~~لمرضها، أو كبرها، أو غيرهما، فلا بأس أن تضع عنه بعض حقها تسترضيه بذلك، ~~لقوله تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن ~~يصلحا بينهما صلحا} [النساء: 128] . قالت عائشة - رضي الله عنها -: هي ~~المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها، فيريد طلاقها، ويتزوج عليها، تقول ~~له: أمسكني ولا تطلقني، وأنت في حل من النفقة علي والقسمة لي. رواه ~~البخاري. «وقالت عائشة: إن سودة لما أسنت وفرقت أن يفارقها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، قالت: يا رسول الله يومي لعائشة، فقبل ذلك منها. ففي تلك ~~وأشباهها أراه أنزل الله: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} ~~[النساء: 128] » رواه أبو داود. ومتى صالحته على شيء من حقها، ثم أرادت ~~الرجوع، فلها ذلك. قال أحمد في الرجل يغيب عن زوجته فيقول لها: إن رضيت على ~~هذا وإلا، فأنت أعلم، فتقول: قد رضيت، فهو جائز. وإن شاءت، رجعت. # فصل: # وإذا ادعى كل واحد منهما ظلم صاحبه وعدوانه، أسكنهما الحاكم إلى جانب ثقة ~~يطلع عليهما، ويلزمهما الإنصاف. فإن لم يمكن إنصاف أحدهما من صاحبه، ms0882 وخيف ~~الشقاق بينهما، بعث الحاكم حكما من أهله، وحكما من أهلها، ليفعلا ما رأيا ~~المصلحة فيه من التفريق بعوض أو غيره، أو الإصلاح بترك بعض الحقوق أو غيره، ~~لقوله تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما} [النساء: 35] ويجوز أن يكون الحكمان ~~أجنبيين؛ لأنهما إما وكيلان، # PageV03P093 # أو حكمان، وأي ذلك كان، فلا تشترط له القرابة، والأولى جعلهما من أهلهما، ~~للآية؛ ولأنهما أعرف بالحال وأشفق. ويجب أن يكونا ذكرين، عدلين؛ لأنهما إن ~~كانا وكيلين، فهما يحتاجان إلى الرأي في النظر والتفريق، ولا يكمل بدون ~~هذين الوصفين. وإن كانا حكمين، فهذا شرط فيه، واختلفت الرواية فيهما. فروي: ~~أنهما حكمان، لتسمية الله تعالى إياهما بذلك، فعلى هذا لهما فعل ما رأياه ~~بغير رضا الزوجين؛ لأن الحاكم يحكم بما يراه من غير رضا الخصم. وروي: أنهما ~~وكيلان لا يملكان التفريق، ولا إسقاط شيء من الحقوق إلا بتوكيلهما أو ~~رضاهما؛ لأن الطلاق إلى الزوج، وبذل المال إلى الزوجة، فلم يجز إلا ~~بإذنهما. ومتى كانا حكمين، اشترط كونهما فقيهين حرين؛ لأنهما من شرائط ~~الحكم. وإن كانا وكيلين، جاز أن يكونا عاميين أو عبدين؛ لأن توكيلهما جائز. ~~وقال القاضي: لا يجوز أن يكونا عبدين؛ لأنهما ناقصان. فإن غاب الزوجان، نفذ ~~تصرف الحكمين في حقهما إن قلنا: هما وكيلان، كما ينفذ تصرف الوكيل في غيبة ~~الموكل. وإن قلنا: هما حكمين، لم ينفذ؛ لأنه لا يجوز له الحكم للغائب. وكل ~~واحد منهما محكوم له وعليه. وإن جنى، لم ينفذ تصرف الحكمين بحال؛ لأن ~~الوكالة تبطل بجنون الموكل. # PageV03P094 ### | كتاب الخلع # ومعناه: فراق الزوج امرأته بعوض. فإن خالعها بغير عوض، لم يصح، لكن إن ~~كان بلفظ الطلاق، أو نواه به، فهو طلاق رجعي، ولم يقع به شيء، وعنه: يصح ~~الخلع بغير عوض. اختاره الخرقي. فإذا سألته خلعها، فقال: خلعتك، انفسخ ~~النكاح ولا شيء له؛ لأنه فرقة، فجازت بغير عوض، كالطلاق. فإن قال: خلعتك من ~~غير سؤال الزوجة، لم يكن خلعا، وكان كناية في الطلاق لا غير. قال أبو بكر: ~~لا خلاف عن أبي عبد ms0883 الله أن الخلع ما كان من قبل النساء. فإذا كان من قبل ~~الرجال، فلا نزاع في أنه طلاق يملك به الرجعة. ووجه الرواية الأولى أنه فسخ ~~للنكاح بغير عوض ولا عيب، فلم يملكه الزوج، كما لو لم تسأله المرأة. ### | فصل في حكم الخلع # فصل: # والخلع على ثلاثة أضرب: مباح: وهو أن تكره المرأة زوجها لبعضها إياه، ~~وتخاف ألا تؤدي حقه، ولا تقيم حدود الله في طاعته، فلها أن تفتدي نفسها ~~منه، لقوله تعالى: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما ~~افتدت به} [البقرة: 229] . وروى البخاري بإسناده، قال: «جاءت امرأة ثابت بن ~~قيس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله ما أنقم على ~~ثابت من دين ولا خلق، إلا أني أخاف الكفر في الإسلام، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: أتردين عليه حديقته؟ فالت: نعم. فردت عليه، وأمره ~~ففارقها» . ولأن حاجتها # PageV03P095 # داعية إلى فرقته، ولا تصل إليها إلا ببذل العوض، فأبيح لها ذلك، كشراء ~~المتاع. # الثاني: المخالعة لغير سبب مع استقامة الحال، فذهب أصحابنا إلى أنه صحيح ~~مع الكراهة، لقوله تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} ~~[النساء: 4] . ويحتمل كلام أحمد تحريمه وبطلانه؛ لأنه قال: الخلع مثل حديث ~~سهلة، تكره الرجل، فتعطيه المهر، فهذا الخلع. ووجه ذلك قوله تعالى: {ولا ~~يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} ~~[البقرة: 229] . وروى ثوبان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة» ~~رواه أبو داود. ولا يلزم من الجواز في غير عقد، الجواز في عقد بدليل عقود ~~الربا. # الثالث: أن يعضل الرجل زوجته بأذاه لها، ومنعها حقها ظلما، لتفتدي نفسها ~~منه، فهذا محرم، لقوله تعالى: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} ~~[النساء: 19] . فإن طلقها في هذه الحال بعوض، لم يستحقه لأنه عوض أكرهت على ~~بذله بغير حق، فلم يستحقه، كالثمن في البيع. ويقع الطلاق ms0884 رجعيا. وإن خالعها ~~بغير لفظ الطلاق، وقلنا: هو طلاق، فحكمه ما ذكرنا، وإلا فالزوجية بحالها. ~~فإن أدبها لتركها فرضا أو نشوزها، فخالعته لذلك، لم يحرم؛ لأنه ضربها بحق. ~~وإن زنت فعضلها لتفتدي نفسها منه، جاز وصح الخلع، لقول الله تعالى: {إلا أن ~~يأتين بفاحشة مبينة} [النساء: 19] . والاستثناء من النفي إثبات. وإن ضربها ~~ظلما لغير قصد أخذ شيء منها، فخالعته لذلك، صح الخلع؛ لأنه لم يعضلها ليأخذ ~~مما آتاها شيئا. # فصل: # ويصح الخلع من العبد والسفيه والمفلس، وكل زوج يصح طلاقه؛ لأنه إذا ملك ~~الطلاق بغير عوض، فبعوض أولى. والعوض في خلع العبد لسيده؛ لأنه من كسبه، لا ~~يجوز تسليمه إلى غيره، إلا بإذنه، ولا يجوز تسليم العوض في خلع السفيه إلا ~~إلى # PageV03P096 # وليه، كسائر حقوقه. وقال القاضي: يصح قبضهما؛ لأنه صح خلعهما، فصح ~~قبضهما، كالمفلس. ولا يصح من غير زوج؛ لأنه لا يملك الطلاق إلا أب الصغير. ~~فإن فيه روايتين: # إحداهما: لا يملك طلاق زوجته ولا خلعها، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «الطلاق لمن أخذ بالساق» رواه ابن ماجه. ولأنه إسقاط لحقه فلم يملكه، ~~كإسقاط قصاصه. # والثانية: يملكه؛ لأنه يملك تزويجه، فملك الطلاق والخلع، كالزوج، وكذلك ~~القول في زوجة عبده الصغير. # فصل: # ويصح الخلع من كل زوجة رشيدة؛ لأن استدانتها صحيحة. فإن كانت أمة، فحكم ~~خلعها حكم استدانتها بإذن سيدها، وبغير إذنه، ويرجع على المكاتبة بالعوض ~~إذا عتقت، وعلى المفلسة إذا أيسرت، كاستدانتها. فأما السفيهة والصغيرة ~~والمجنونة، فلا يصح بذل العوض منهن؛ لأنه تصرف في المال وليس من أهله. ويصح ~~بذل العوض في الخلع من الأجنبي. فإذا قال: طلق زوجتك بألف علي، ففعل، لزمته ~~ألف؛ لأنه إسقاط حق لا يفتقر إلى رضا المسقط عنه، فصح بالمالك والأجنبي، ~~كالعتق بمال، فإن قال: طلق زوجتك بمهرها، وأنا ضامن، ففعل، بانت وعليه ~~مهرها، لا يرجع به على أحد. وليس لغير الزوجة خلعها بشيء من مالها، ولو كان ~~أبا الصغيرة؛ لأنه يسقط به حقها من العوض والنفقة والاستمتاع، فإن فعل وكان ~~طلاقا، كان ms0885 رجعيا، وإلا لم يقع به شيء، كالخلع مع العضل. # فصل: # ويجوز الخلع من غير حاكم؛ لأنه قطع عقد بالتراضي، فلم يحتج إلى حاكم، ~~كالإقالة. ويجوز في الحيض؛ لأن تحريم الطلاق فيه يثبت دفعا لضرر تطويل ~~العدة، والخلع يدفع به ضرر سوء العشرة، وهو أعظم وأدوم، فكان دفعه أولى. ### | فصل في ألفاظ الخلع # فصل: # وألفاظ الخلع تنقسم إلى صريح وكناية؛ لأنه أحد نوعي الفرقة، فكان له صريح ~~وكناية، كالطلاق. فالصريح ثلاثة ألفاظ: خالعتك؛ لأنه يثبت له عرف ~~الاستعمال. # PageV03P097 # وفاديتك لورود القرآن به. وفسخت نكاحك؛ لأنه حقيقة فيه. وما عدا هذا، مثل ~~بارأتك وأبرأتك وأبنتك، فكناية. فمتى أتى بالصريح، وقع وإن لم ينو، ولا يقع ~~بالكناية إلا بنية، أو دلالة حال، بأن تطلب الخلع، وتبذل العوض، فيجيبها ~~بذلك؛ لأن دلالة الحال تغني عن النية. ومتى وقع الخلع بلفظ الطلاق، أو نوى ~~به الطلاق، فهو طلاق بائن؛ لأنه لا يحتمل غير الطلاق. وإن خالعها بغير لفظ ~~الطلاق غير ناو به الطلاق، ففيه روايتان: # إحداهما: هو طلاق أيضا؛ لأنه كناية في الطلاق، نوى به فرقتها، فكان ~~طلاقا، كما لو نوى به الطلاق. # والثانية: هو فسخ لقول الله تعالى: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] ثم ذكر ~~الخلع، ثم قال: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: ~~230] . فلو كان طلاقا، كانت أربعا، ولا خلاف في تحريمها بثلاث؛ ولأنه ليس ~~بصريح في الطلاق، ولا نوى به الطلاق، فلم يكن طلاقا، كغيره من الكنايات. ~~فإذا قلنا: هو طلاق، نقص به عدد طلاقها، ومتى خالعها ثلاثا، لم تحل له حتى ~~تنكح زوجا غيره، وإن قلنا: هو فسخ، لم ينقص به عدد طلاقها، وحلت له من غير ~~نكاح زوج ثان، ولو خالعها مرارا. # فصل: # وتبين بالخلع على كلتا الروايتين، فلا يملك رجعتها؛ لأنه عقد معاوضة، فلم ~~يملك الرجوع فيما اعتاض عنه، كالبيع، ولا يلحقها طلاقه، ولو واجهها به؛ ~~لأنها بائن، فلم يلحقها طلاقه، كبعد العدة. فإن طلقها بعوض، وشرط الرجعة، ~~فقال ابن حامد: يصح الخلع ويسقط الشرط؛ ms0886 لأن الخلع لا يفسد بالعوض الفاسد، ~~فلم يفسد بالشرط الفاسد، كالنكاح. قال القاضي: ويسقط المسمى، وله صداقها؛ ~~لأنه إنما رضي به مع الشرط، فإذا فسد الشرط، وجب أن يرجع بما نقص لأجله، ~~فيصير مجهولا، فيفسد ويجب الصداق. ويحتمل أن يجب المسمى؛ لأنه مسمى صحيح، ~~في عقد صحيح، فوجب قياسا على الصداق في النكاح، وفيه وجه آخر: أنه يسقط ~~العوض، وتثبت الرجعة؛ لأن شرط العوض والرجعة يتنافيان، فيسقطان، ويبقى مجرد ~~الطلاق. وإن شرط الخيار في الخلع، بطل الشرط، وصح الخلع؛ لأن الخيار في ~~البيع لا يمنع نقل الملك، ففي الخلع لا يمنع وقوعه. ومتى وقع، فلا سبيل إلى ~~رفعه. # PageV03P098 # فصل: # ويصح الخلع منجزا بلفظ المعاوضة، لما فيه من المعاوضة، ومعلقا على شرط، ~~لما فيه من الطلاق. فأما المنجز بلفظ المعاوضة، فهو أن يوقع الفرقة بعوض، ~~فيقول: خلعتك بألف، أو طلقتك بألف، أو أنت طالق بألف، فتقول: قبلت، كما ~~يقول: بعتك هذا الثوب بألف، فتقول: قبلت. هذا قول القاضي، وقياس قول أحمد: ~~إنه يقع الطلاق رجعيا، ولا شيء له؛ لأنه أوقع الطلاق الذي يملكه، ولم يعلقه ~~بشرط، وجعل عليها عوضا لم تبذله ولم ترض به، فلم يلزمها. فأما المعاوضة ~~الصحيحة، فمثل أن تقول المرأة: اخلعني بألف، أو طلقني بألف، أو على ألف، أو ~~وعلي ألف، فيقول: طلقتك، كما تقول: بعني هذا الثوب بألف، فيقول: بعتك. ولا ~~يحتاج إلى ذكر إعادة الألف في الجواب؛ لأن الإطلاق يرجع إليه، كما يرجع في ~~البيع. ولا يصح الجواب في هذا إلا على الفور. ويجوز للرجل الرجوع في ~~الإيجاب قبل القبول، وللمرأة الرجوع في السؤال قبل الجواب، كما يجوز في ~~البيع. وأما المعلق فيجوز أن يعلق الطلاق على دفع مال، أو ضمانه، فيقول: إن ~~أعطيتني ألفا، أو إذا أعطيتني ألفا، أو متى أعطيتني ألفا، أو متى ضمنت لي ~~ألفا، فأنت طالق، فمتى ضمنتها له، أو أعطته ألفا، طلقت، سواء كان على الفور ~~أو التراخي؛ لأنه تعليق للطلاق على شرط، فوقع بوجود الشرط، كما لو عري عن ~~ذكر ms0887 العوض. ويكفي في العطية أن يحضر المال، ويأذن في قبضه، أخذ أو لم يأخذ؛ ~~لأن اسم العطية يقع عليه. يقال: أعطيته فلم يأخذ. فإن أعطته بعض الألف، لم ~~تطلق؛ لأنه لم يوجد الشرط. وإن قالت: طلقني بألف، فقال: أنت طالق بألف إن ~~شئت، لم تطلق حتى تشاء؛ لأنه علق على المشيئة، فلم يقع إلا بها، وسواء شاءت ~~على الفور، أو التراخي، نص عليه؛ لأنه جعل المشيئة شرطا، فأشبه تعليقه على ~~دخول الدار. # فصل: # فإذا قال: أنت طالق وعليك ألف، طلقت رجعية، ولا شيء له؛ لأنه لم يجعل ~~الألف عوضا للطلقة، ولا شرطا فيها، إنما عطفه على الطلاق الذي يملك إيقاعه، ~~فوقع ما يملكه دون ما لا يملكه. وإن قال: أنت طالق على ألف، أو على أن عليك ~~ألفا، فعن أحمد: فيها مثل ذلك؛ لأن ((على)) ليست حرف شرط، ولا مقابلة، لهذا ~~لا يصح أن تقول: بعتك ثوبي على ألف. وقال القاضي: لا يقع الطلاق بها حتى ~~تقبل ذلك؛ لأنها أجريت مجرى الشرط والجزاء، بدليل قوله تعالى في قصة شعيب: ~~{إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج} [القصص: 27] ~~. وقوله تعالى: # PageV03P099 # {فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا} [الكهف: 94] . فعلى هذا ~~إذا قال أنت طالق على ألف، أو بألف، فقالت: قبلت واحدة بثلث الألف، لم يقع؛ ~~لأنها لم تقبل ما بذله، فأشبه ما لو قال: بعتك عبيدي الثلاثة ألف، فقال: ~~قبلت واحدا بثلث الألف، وإن قالت: قبلت واحدة بألف، وقع الثلاث، واستحق ~~الألف؛ لأنه علق الثلاث على بذلها للألف، وقد وجد. فإن قال: أنت طالق ثلاثا ~~واحدة منها بألف، طلقت اثنتين، ووقعت الثالثة على قبولها. ولو لم يبق من ~~طلاقها إلا طلقة، فقال: أنت طالق اثنتين، الأولى بغير شيء، والثانية بألف، ~~بانت بالثلاث، ولم يستحق شيئا. وإن قال: الأولى بألف، استحق الألف إذا ~~قبلت. # فصل: # وإذا قالت: طلقني بألف، فقال: خلعتك ينوي به الطلاق، أو قلنا: الخلع ~~طلاق، استحق الألف؛ لأنه طلقها. وإن لم ms0888 ينو الطلاق، وقلنا: ليس بطلاق، لم ~~يستحق العوض؛ لأنها استدعت فرقة تنقص عدد طلاقه، فلم يجبها إليه، ويكون ~~كالخلع بغير عوض، ويحتمل أن لا يقع بها شيء؛ لأنه إنما بذل خلعها بعوض، فلم ~~يحصل، فلم يقع، وإن قالت: اخلعني بألف، فقال: طلقتك بألف، وقلنا: الخلع ~~فسخ، ففيه وجهان: # أحدهما: له الألف؛ لأن الطلاق بعوض نوع من الخلع؛ ولأنها استدعت فرقة لا ~~ينقص عدد طلاقها، فأتى بفرقة تنقص عدد طلاقها، وهذا زيادة. # والثاني: لا يستحق شيئا؛ لأنه لم يجبها إلى ما سألت. وإن قالت: طلقني ~~ثلاثا بألف فطلقها واحدة، وقعت رجعية، ولا شيء له؛ لأنه لم يجبها إلى ما ~~سألت، فإنها استدعت فرقة تحرم بها قبل زوج آخر، فلم يجبها إليه، وإن لم يكن ~~بقي من عدد طلاقها إلا واحدة، استحق الألف، علمت أو لم تعلم؛ لأن القصد ~~تحريمها قبل زوج آخر، وقد حصل ذلك. وإن قالت: طلقني واحدة بألف، فطلقها ~~ثلاثا، طلقت ثلاثا، وله الألف؛ لأنه حصل ما طلبته وزيادة. وإن قالت: طلقني ~~عشرا بألف، فطلقها ثلاثا، استحق الألف في قياس المسألة التي قبلها؛ لأنه ~~حصل المقصود. وإن طلقها أقل من ذلك، لم يستحق شيئا؛ لأنه لم يجب سؤالها. # فصل: # فإن قالت: طلقني بألف إلى شهر، فقال: إذا جاء رأس الشهر، فأنت طالق، ~~استحق الألف، ووقع الطلاق عند رأس الشهر بائنا؛ لأنه بعوض. وإن طلقها قبل ~~رأس # PageV03P100 # الشهر، طلقت ولا شيء له، نص عليه؛ لأنه إخبار بإيقاع الطلاق من غير عوض. ~~وإن قالت: لك علي ألف على أن تطلقني متى شئت من الآن إلى شهر، فطلقها قبل ~~رأس الشهر، وقع الطلاق، واستحق الألف؛ لأنه أجابها إلى ما سألت. وقال ~~القاضي: تبطل التسمية وله صداقها؛ لأن زمن الطلاق مجهول. # فصل: # وإن قالت إحدى زوجتيه: طلقني وضرتي بألف، ففعل، صح الخلع فيهما؛ لأن ~~الخلع مع الأجنبي صحيح. وإن طلق إحداهما لم يستحق شيئا؛ لأنه لم يجبها إلى ~~ما سألت، فلم يستحق ما بذلت، كما لو قال في المناضلة: من سبق بسهمين فله ms0889 ~~ألف، فسبق أحدهما. وقال القاضي: تبين المطلقة على الباذلة حصتها من الألف، ~~كما لو قال: من رد عبدي فله ألف، فرد أحدهما، وإن قالت: طلقني بألف على أن ~~تطلق ضرتي بألف، فكذلك سواء. وقال القاضي: إذا لم يف بشرطها، فله الأقل من ~~المسمى في صداقها، أو الألف. # فصل: # وإن قال لزوجتيه: أنتما طالقتان بألف، فقبلتا، طلقتا، وتقسطت الألف ~~بينهما على قدر صداقهما، وعلى قول أبي بكر يكون بينهما نصفين، كقوله فيما ~~إذا تزوجهما بألف. وإن قبلت إحداهما، بانت، ولزمتها حصتها من الألف، وإن ~~كانت إحداهما غير رشيدة، فقبلتا، بانت الرشيدة بحصتها، ولم تطلق الأخرى؛ ~~لأنها بذلها للعوض غير صحيح. وإن قال: أنتما طالقتان بألف إن شئتما، ~~فقالتا: قد شئنا، فهي كالتي قبلها، إلا أن إحداهما إذا شاءت وحدها، لم تطلق ~~واحدة منهما؛ لأن مشيئتهما معا شرط لطلاقهما، فلا يوجد بدون شرطه، فإن ~~قالتا: قد شئنا، وإحداهما صغيرة أو مجنونة، فكذلك؛ لأن مشيئتها غير صحيحة، ~~وإن كانت سفيهة، طلقتا؛ لأن مشيئتهما صحيحة، وعلى الرشيدة حصتها من العوض، ~~ويقع طلاق السفيهة رجعيا، ولا عوض عليها؛ لأن بذلها غير صحيح. ### | فصل في بيان عوض الخلع # فصل: # وكل ما جاز صداقا، جاز جعله عوضا في الخلع، قليلا كان أو كثيرا، وقال أبو ~~بكر: لا يأخذ أكثر مما أعطاها، فإن فعل، رد الزيادة، والأول المذهب، لقول ~~الله تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229] . # وروت الربيع بنت معوذ قالت: اختلعت من زوجي بما دون عقاص رأسي، وأجازه # PageV03P101 # عثمان؛ ولأنه عوض عن ملك منافع البضع، أشبه الصداق. ولا يستحب أن يأخذ ~~منها أكثر مما أعطاها؛ لأنه يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه أمر ~~ثابت بن قيس أن يأخذ من زوجته حديقته ولا يزداد، رواه ابن ماجه. وحكمه حكم ~~الصداق في أنه إذا وجد به عيبا، خير بين قيمته وأخذ أرشه، وفي أنه إذا ~~خالعها على عبد فبان حرا، أو خلا فبان خمرا، فله قيمة العبد، ومثل الخل. ~~وإن خالعها بحر، أو خمر يعلمانه ms0890 وهما مسلمان، فهو كالخلع بغير عوض؛ لأنه ~~رضي منها بما ليس بمال، بخلاف ما إذا لم يعلم، فأنه لم يرض بغير مال، فرجع ~~بحكم الغرور. فإن كانا كافرين فأسلما، أو تحاكما إلينا بعد قبضه، فلا شيء ~~له؛ لأن حكمه مضى قبل الإسلام، فإن أسلما قبله، فظاهر كلام الخرقي أنه يجب ~~له عوض؛ لأنه لم يرض بغير عوض فأشبه المسلم إذا اعتقده عبدا، أو خلا. وقال ~~القاضي في الجامع: لا شيء له؛ لأنه رضي بما ليس بمال، فأشبه المسلم. وقال ~~في المجرد: لها مهر المثل؛ لأن العوض فاسد يرجع إلى قيمة المتلف، وهو مهر ~~المثل، ويحتمل أن يجب لها قيمة الحر لو كان عبدا، وقيمة الخمر عند الكفار؛ ~~لأنه رضي بمالية ذلك، فأشبه المسلم إذا اعتقده عبدا أو خلا. # فصل: # ويصح الخلع على عوض مجهول في ظاهر المذهب. وقال أبو بكر: لا يصح؛ لأنه ~~عقد معاوضة فلا يصح بالمجهول، كالبيع. ولنا أن الطلاق معنى يصح تعليقه ~~بالشرط، فجاز أن يستحق به المجهول، كالوصية، وفيه مسائل خمس: # أحدها: أن تخالعه على ما في يدها من الدراهم، فإن كان في يدها دراهم، فهي ~~له، وإن لم يكن فيها دراهم، فله ثلاثة، نص عليه أحمد؛ لأنه أقل ما يقع عليه ~~اسم الدراهم حقيقة، ولفظها دل على ذلك فاستحقه، كما لو وصى له بدراهم. # الثانية: تخالعه على ما في بيتها من المتاع. فإن كان فيه متاع، فهو له ~~قليلا كان أو كثيرا؛ لأن الخلع على المجهول جائز، فهو كالوصية به، وإن لم ~~يكن فيه متاع، فله أقل ما يقع عليه اسم المتاع كالمسألة قبلها، وكالوصية. ~~وقال القاضي وأصحابه: له المسمى في صداقها؛ لأنها فوتت عليه البضع بعوض ~~مجهول، فيجب قيمة ما فوتت عليه وهو صداقها، وهو تعليل يبطل بالمسألة التي ~~قبلها. # الثالثة: خالعها على دابة، أو حيوان، أو بعير، أو ثوب، ونحو ذلك. أو قال: ~~إن # PageV03P102 # أعطيتني دابة أو بعيرا أو بقرة، فإنها تطلق، ويملك ما أعطته من ذلك. فإن ~~اختلفا فيما يجب له، فالواجب ms0891 أقل ما يقع عليه الاسم في قياس قول أحمد. وفي ~~قول القاضي وأصحابه: يجب له صداقها، ووجه القولين ما تقدم. # الرابعة: خالعها على عبد مطلق، أو قال: إن أعطيتني عبدا، فأنت طالق، ~~فالحكم فيها كالتي قبلها. قال أبو الخطاب: نص أحمد على أنه يملك العبد الذي ~~أعطته. وقال القاضي: له عبد وسط بناء على قوله في الصداق. وقال أبو الخطاب: ~~يجب له صداقها، ووجههما ما تقدم. # الخامسة: خالعها على ما يثمر نخلها، أو على ما تحمل أمتها، أو على ما في ~~بطن الأمة من الحمل، أو ما في ضرع الشاة من اللبن، أو على ما في النخلة من ~~التمر، فله ما سمي له إن وجد منه شيء، وإن لم يوجد منه شيء فقال القاضي في ~~الجامع: لا شيء له؛ لأنهما دخلا في العقد مع تساويهما في العلم بالحال، ~~ورضاه بما فيه من الاحتمال، فلم يكن له شيء، كما لو خالعها على ما ليس ~~بمال. فإذا لم يستحق شيئا، كان كالخلع بغير عوض. وقد قال أحمد: إذا خلع ~~امرأته على ثمر نخلها سنين، فجائز ترضيه بشيء قبل حمل نخلها. قيل له: فإن ~~حمل نخلها؟ قال: هذا أجود من ذاك. قيل له: يستقيم هذا؟ قال: نعم جائز. قال ~~القاضي: قوله: ترضيه بشيء على طريق الاستحباب؛ لأنه لو كان واجبا لتقدر ~~بتقدير يرجع إليه، وقال: وفي معنى هذا إذا خالعها على حكم أحدهما، أو حكم ~~أجنبي، أو على ما في يدها، أو بيتها، أو بمثل ما خالع به فلان زوجته ونحو ~~ذلك. وقال أبو الخطاب: يرجع عليها بصداقها، وقال ابن عقيل: إن خالعها على ~~حمل أمتها، فلم يخرج الولد سليما، فله مهر المثل في هذه المواضع كلها لما ~~تقدم. # فصل: # إذا قال: إذا أعطيتني عبدا، فأنت طالق، فأعطته عبدا لها، ملكه، وطلقت، ~~سليما كان أو معيبا، قنا أو مدبرا؛ لأن اسم العبد يقع عليه، فقد وجد شرط ~~الطلاق، وإن دفعت إليه حرا لم تطلق؛ لأنها لم تعطه عبدا، ولم تملكه شيئا، ~~وإن دفعت ms0892 إليه عبدا مغصوبا، لم تطلق؛ لأن معنى العطية هاهنا التمليك، ولم ~~تملكه شيئا. وإن قال: إن أعطيتني هذا العبد فأنت طالق، فدفعته إليه، فإذا ~~هو حر، أو مغصوب، لم تطلق كذلك. وعنه: تطلق، وله قيمته. وإن خرج معيبا، لم ~~يرجع عليها بشيء، ذكره أبو الخطاب؛ لأنه شرط لوقوع الطلاق، فأشبه ما لو ~~قال: إن ملكته، فأنت طالق، ثم ملكه. وقال القاضي: له رده، والرجوع بقيمته، ~~أو أخذ أرشه؛ لأنها خالعته عليه، أشبه ما لو # PageV03P103 # قالت: اخلعني على هذا العبد، فخلعها. وقال - فيما إذا قال: إن أعطيتني ~~عبدا، فأنت طالق -: يلزمها عبد وسط، كذلك. وإن قال: إن أعطيتني ألف درهم، ~~فأنت طالق، ونويا صنفا من الدراهم، حمل العقد عليها. وإن أطلقا، حمل على ~~نقد البلد، كالبيع. وإن لم يكن للبلد نقد غالب، حمل على ما يقع عليه الاسم. ~~ولا يقع الطلاق بدفع ألف عددا ناقصة الوزن، ولا تدفع نقرة زنتها ألف؛ لأن ~~الدراهم في عرف الشرع المضروبة الوازنة. وإن دفعت إليه مغشوشة تبلغ فضتها ~~ألفا، طلقت بوجود الفضة، وإن نقصت عنها، لم تطلق؛ لأن الدراهم اسم للفضة. # فصل: # فإذا خالعها على رضاع ولده مدة معلومة، صح. وإن أطلق، صح أيضا وينصرف إلى ~~ما بقي من الحولين؛ لأن الله تعالى قيده بحولين، فينصرف الإطلاق إليه. فإن ~~ماتت المرضعة أو الصبي، أو جف لبنها قبل ذلك، فعليها أجرة المثل لما بقي من ~~المدة؛ لأنه عوض معين، تلف قبل قبضه. فوجبت قيمته، أو مثله، كما لو خالعها ~~على قفيز، فهلك قبل قبضه، وإن خالعها على كفالة ولده عشر سنين، صح، ويرجع ~~عند الإطلاق إلى نفقة مثله، كما ذكرنا في الإجارة. فإن مات في أثناء المدة، ~~فله بدل ما يثبت في ذمتها. ### | فصل في التوكيل في الخلع # فصل: # ويجوز التوكيل في الخلع من الزوجين، ومن كل واحد منهما، مع تقدير العوض، ~~وإطلاقه؛ لأنه عقد معاوضة، فجاز ذلك فيه كالبيع. فإن وكل الزوج، فخالع ~~وكيله بما قدر له، أو بزيادة عليه، أو بصداقها عند الإطلاق، أو ms0893 زيادة عليه، ~~صح، ولزم المسمى لأنه امتثل أمره، أو زاد خيرا. وإن خالع بدونه، ففيه ~~وجهان: # أحدهما: لا يصح، اختاره ابن حامد؛ لأنه خالف موكله فلم يصح تصرفه، كما لو ~~وكله في خلع امرأة، فخالع أخرى. # والثاني: يصح، ويرجع على الوكيل بالنقص، اختاره أبو بكر؛ لأنه أمكن الجمع ~~بين تصحيح التصرف، ودفع الضرر، فوجب، كما لو لم يخالف. وذكر القاضي وجهين ~~آخرين: # أحدهما: يتخير الزوج بين قبول العوض ناقصا، وبين رده، وله الرجعة. # والثاني: يسقط المسمى ويجب مهر المثل، وإن عين له جنس العوض، فخالع ~~بغيره، أو خالع عند الإطلاق بغير نقد البلد، أو بمحرم، لم يصح؛ لأنه خالف ~~موكله في الجنس، أشبه ما لو وكله في بيع شيء فباع غيره. فأما وكيل الزوجة ~~فمتى خالع # PageV03P104 # بالمقدر، أو دونه، أو بصداقها عند الإطلاق، أو دونه - صح؛ لأنه امتثل أو ~~زاد خيرا. وإن خالع بزيادة لم تلزمها؛ لأنها لم تأذن فيها، وتلزم الوكيل؛ ~~لأنه التزمها للزوج. وقال القاضي: يلزمها مهر المثل. ### | فصل في اختلاف الزوجين في الخلع # فصل: # إذا ادعى الزوج خلعها فأنكرته، أو قالت: إنما خالعك غيري بعوض في ذمته، ~~بانت بإقراره، والقول قولها في نفي العوض مع يمينها؛ لأنها منكرة. وإن ~~ادعته المرأة فأنكرها، فالقول قوله، ولا شيء عليه؛ لأنه لا يدعيه. وإن ~~اتفقا على الخلع، واختلفا في قدر العوض، أو جنسه أو صفته، أو حلوله، فالقول ~~قول المرأة. نص عليه؛ لأن القول قولها في أصله، فالقول قولها في صفته؛ ~~ولأنها منكرة للزيادة المختلف فيها، والقول قول المنكر، وإن أقرت، وقالت: ~~إنها في ضمان زيد، لزمتها الألف، ولم يلزم زيدا شيء، إلا أن يقر به. # PageV03P105 ### | كتاب الطلاق # وهو على خمسة أضرب: # واجب، هو: طلاق المؤلي بعد التربص إذا أبى الفيئة، وطلاق الحكمين في ~~الشقاق إذا رأياه. # ومكروه، وهو: الطلاق من غير حاجة، لما روى محارب بن دثار عن ابن عمر - ~~رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أبغض الحلال إلى ~~الله الطلاق» رواه أبو داود. وعنه: ms0894 أنه محرم؛ لأنه يضر بنفسه وزوجته. وقد ~~قال - عليه السلام -: «لا ضرر ولا ضرار» . # ومباح، وهو: عند الحاجة إليه، لضرر بالمقام على النكاح، فيباح له دفع ~~الضرر عن نفسه. # ومستحب، وهو: عند تضرر المرأة بالنكاح، إما لبغضه، أو غيره، فيستحب إزالة ~~الضرر عنها. وعند كونها مفرطة في حقوق الله الواجبة عليها، كالصلاة ونحوه. ~~وعجزه عن إجبارها عليه، أو كونها غير عفيفة؛ لأن في إمساكها نقصا ودناءة، ~~وربما أفسدت فراشه، وألحقت به ولدا من غيره. وعنه: أن الطلاق هاهنا واجب. ~~قال في مسألة إسماعيل بن سعيد: هل يحل للرجل أن يقيم مع امرأة لا تصلي، ولا ~~تغتسل من جنابة، ولا تتعلم القرآن؟ أخشى أن لا يجوز المقام معها. وقال: لا ~~ينبغي له إمساك غير العفيفة. # PageV03P106 # ومحظور، وهو: طلاق المدخول بها في حيضها، أو في طهر أصابها فيه، ويسمى: ~~طلاق البدعة، لمخالفته أمر الله تعالى في قوله: {يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] . وروى «ابن عمر أنه طلق امرأته وهي ~~حائض، فسأل عمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال له رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: مره فليراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض ~~ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر ~~الله أن تطلق بها النساء» متفق عليه. ولأن طلاق الحائض يضر بها، لتطويل ~~عدتها. والمصابة ترتاب فلا تدري أذات حمل هي فتعتد بوضعه؟ أم حائل فتعتد ~~بالقرء؟ ويحتمل أن يتبين حملها فيندم على فراقها مع ولدها. فأما غير ~~المدخول بها، فلا يحرم طلاقها؛ لأنها لا عدة عليها تطول. والصغيرة التي لا ~~تحمل، والآيسة، لا يحرم طلاقهما؛ لأنه لا ريبة لهما، ولا ولد يندم على ~~فراقه. وكذلك الحامل التي استبان حملها لا يحرم طلاقها، لما روى سالم عن ~~أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا» ~~أخرجه مسلم. ولأنه لا ريبة لها، ولا يتجدد لها أمر يتجدد به الندم؛ لأنه ~~على ms0895 بصيرة من حملها. # فصل: # ويقع الطلاق في زمن البدعة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ~~بالرجعة، ولا يكون إلا بعد طلاق. ويستحب ارتجاعها، لأمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بها؛ ولأنه يزيل الضرر الحاصل بالطلاق، ولا يجب لأنه بمنزلة ~~ابتداء النكاح، أو استدامته، وكلاهما غير واجب. وعنه: أن الرجعة واجبة ~~لظاهر الأمر. ومتى ارتجعها، أبيح له طلاقها في الطهر الذي يلي الحيضة التي ~~طلق فيها قبل إصابتها؛ لأن في حديث «ابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أمره أن يراجعها حتى تطهر، ثم إن شاء طلق» . متفق عليه. # فصل: # والأولى أن يطلقها واحدة، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، لقول الله تعالى: ~~{فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] إلى قوله: {لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} ~~[الطلاق: 1] # PageV03P107 # {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} [الطلاق: 2] وهذا ~~لا يمكن إذا جمع الثلاث. وقال علي: لو أن الناس أخذوا بما أمر الله تعالى ~~من الطلاق ما يتبع رجل نفسه امرأة أبدا، يطلقها تطليقة، ثم يدعها ما بينها ~~وبين أن تحيض ثلاثا، فمتى شاء راجعها. وهل يحرم جمع الثلاث؟ فيه روايتان: # إحداهما: يحرم، لمخالفته أمر الله في الطلاق واحدة. وروى محمود بن لبيد ~~قال: «أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رجل طلق امرأته ثلاث ~~تطليقات جميعا، فغضب وقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ ‍! حتى قام ~~رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله؟» رواه النسائي. ولأنه حرم بالقول امرأته ~~لغير حاجة، فحرم، كالظهار. # والثانية: لا يحرم؛ لأن في حديث فاطمة بنت قيس أن زوجها أرسل إليها بثلاث ~~تطليقات ولم ينقل إنكاره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولأنه طلاق يجوز ~~تفريقه، فجاز جميعه، كطلاق النسوة، ومتى طلقها ثلاثا بكلمة واحدة، أو ~~بكلمات، حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، لما روي «أن ركانة بن عبد يزيد، طلق ~~امرأته سهيمة البتة، ثم أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا ~~رسول الله لقد طلقت امرأتي سهيمة البتة، والله ما أردت إلا واحدة. فقال ms0896 ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: والله ما أردت إلا واحدة؟ فقال ركانة: ~~والله ما أردت إلا واحدة، فقال: هو ما أردت فردها إليه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -» . رواه الترمذي، والدارقطني، وأبو داود، وقال: الحديث ~~صحيح. فلو لم تقع الثلاث، لم يكن للاستحلاف معنى. # فصل: # ويملك الحر ثلاث تطليقات، لقوله تعالى: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان} [البقرة: 229] . وروى أبو رزين قال: «جاء رجل إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال: قول الله # PageV03P108 # تعالى: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] فأين الثالثة؟ قال: {تسريح بإحسان} ~~[البقرة: 229] » . # ويملك العبد اثنتين، حرة كانت زوجته أو أمة، لما روي أن مكاتبا لأم سلمة، ~~طلق امرأته وكانت حرة تطليقتين، فأراد رجعتها، فذهب إلى عثمان - رضي الله ~~عنه -، فوجده آخذ بيد زيد بن ثابت، فقالا: حرمت عليك، حرمت عليك، والمكاتب ~~والمعتق بعضه كالقن في ذلك؛ لأنه لم تكمل الحرية فيه. # فصل: # وإن طلق العبد زوجته تطليقتين ثم عتق، ففيه روايتان: # إحداهما: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره؛ لأنه استوفى عدد طلاقها، فأشبه ~~الحر إذا طلق ثلاثا. # والثانية: له أن ينكحها وتكون عنده على طلقة واحدة؛ لأنه يروى عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قضى بذلك. رواه النسائي. وهو قول ابن عباس وجابر. # ويصح الطلاق من كل زوج بالغ عاقل مختار. فأما غير الزوج، فلا يصح طلاقه، ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الطلاق لمن أخذ بالساق» وروى الخلال ~~بإسناده عن علي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا طلاق قبل نكاح» ، ~~وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ~~طلاق إلا فيما تملك» رواه أبو داود والترمذي. فلو قال: إذا تزوجت فلانة، أو ~~امرأة، فهي طالق، ثم تزوجها لم تطلق، للخبر؛ ولأنه حل لقيد النكاح قبله، ~~فلم يصح، كما لو قال لأجنبية: إذا دخلت الدار، فأنت طالق، ثم تزوجها. وعن ~~أحمد: ما يدل على أنها تطلق إذا تزوجها؛ لأنه يصح تعليقه على الشرط، فصح ms0897 ~~تعليقه على حدوث الملك كالوصية. وأما الصبي العاقل، ففيه روايتان: # PageV03P109 # إحداهما: لا يقع طلاقه حتى يحتلم، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم» ولأنه غير مكلف، أشبه الطفل. # والثانية: أنه إن كان ابن عشر وعقل الطلاق، صح طلاقه، اختاره الخرقي؛ ~~لأنه يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «كل طلاق جائز إلا ~~طلاق المعتوه والمغلوب على عقله» أخرجه الترمذي. ولأنه عاقل، أشبه البالغ. ~~وأما الطفل، والمجنون، والنائم، والزائل العقل لمرض، أو شرب دواء، أو إكراه ~~على شرب الخمر، فلا يقع طلاقه، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رفع ~~القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون ~~حتى يفيق» ، فثبت في الثلاثة بالخبر، وفي غيرهم بالقياس عليهم. فأما ~~السكران لغير عذر، والشارب لما يزيل عقله لغير حاجة، ففيه روايتان: # إحداهما: يقع طلاقه، اختاره الخلال، والقاضي، لما روى أبو وبرة الكلبي ~~قال: أرسلني خالد إلى عمر فأتيته في المسجد، ومعه عثمان وعلي وطلحة والزبير ~~وعبد الرحمن، فقلت: إن خالدا يقول: إن الناس انهمكوا في الخمر، وتحاقروا ~~عقوبته، فقال عمر: هؤلاء عندك، فسلهم. فقال علي: نراه إذا سكر هذى، وإذا ~~هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون. فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قالوا. فجعلوه ~~كالصاحي في فريته، وأقاموا # PageV03P110 # مظنة الفرية مقامها؛ ولأنه مكلف فوقع طلاقه، كالصاحي. # والثانية: لا يقع طلاقه، اختارها أبو بكر؛ لأن ذلك قول عثمان صح ذلك عنه؛ ~~ولأنه زائل العقل، أشبه المجنون، وفي قتله وقذفه وسرقته وعتقه ونذره وبيعه ~~وشرائه مثل ما في طلاقه، والأولى أنه لا يصح منه تصرف له فيه حظ؛ لأن تصحيح ~~ما عليه إنما كان تغليظا عليه، فيبقى في ماله على الأصل. # فصل: # فأما المكره على الطلاق بحق، كالذي وجب عليه الطلاق، فأكرهه الحاكم عليه، ~~صح منه؛ لأنه قول حمل عليه بحق، فصح، كإسلام المرتد. وإن أكره بغير حق، لم ~~يقع طلاقه، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رفع عن أمتي الخطأ ~~والنسيان وما استكرهوا عليه» ms0898 ولأنه # PageV03P111 # قول حمل عليه بغير حق، أشبه الإكراه على كلمة الكفر. ولا يكون مكرها إلا ~~بشروط ثلاثة: # أحدها: أن يكون المكره قادرا على فعل ما توعده به، لا يمكن دفعه عنه. # الثاني: أن يغلب على ظنه فعل ما توعده به إن لم يفعل. # الثالث: أن يكون ضرره كبيرا غير محتمل، كالقطع والقتل والحبس الطويل، ~~والإخراج من الديار، وأخذ المال، والإحراق بمن يغض ذلك منه، من ذوي ~~الأقدار. فأما من لا يغض ذلك منه، والمهدد بالشتم أو الضرب اليسير ونحوه، ~~فليس بمكره. واختلفت الرواية في نيله بشيء من العذاب، هل يشترط في الإكراه ~~أم لا؟ # فعنه: هو شرط، ولا يكون الوعيد بمجرده إكراها، هذا الذي ذكره الخرقي؛ ~~ولأن عمر قال: ليس الرجل أمينا على نفسه إذا أوجعته، أو أوثقته؛ ولأن ~~الوعيد بمجرده لا يتحقق وقوعه به. # والثانية: ليس بشرط وهو الصحيح؛ لأن الوعيد بالمستقبل هو المبيح دون ما ~~مضى منه، لكون الماضي لا يمكن دفعه، وقد استويا في الوعيد، فيستويان في عدم ~~الوقوع. ولأن المهدد بالقتل إذا امتنع، قتل، فوجب أن تثبت الإباحة بمجرد ~~التهديد دفعا لضرر القتل عنه. # فصل: # وأما السفيه المبذر فيقع طلاقه؛ لأنه زوج مكلف فيقع طلاقه، كالرشيد. ~~والحجر: إنما هو في ماله، لا في غيره. # فصل: # وإن قال العجمي لامرأته: أنت طالق ولا يعلم معناه، لم تطلق لأنه لم يختر # PageV03P112 # الطلاق، لعدم علمه بمعناه، فإن نوى موجبه لم يقع؛ لأنه لم يتحقق اختياره ~~لما لا يعلمه، فأشبه ما لو نطق بكلمة الكفر من لا يعرف معناها. ويحتمل أن ~~تطلق لأنه أتى بالطلاق ناويا مقتضاه، فوقع كما لو علمه. وهكذا العربي إذا ~~نطق بلفظ الطلاق بالعجمية غير عالم بمعناه. # فصل: # وإذا طلق جزءا من زوجته، كثلثها وربعها، أو عضوا منها، كيدها وإصبعها، ~~طلقت؛ لأنه لا يتبعض، فإضافته إلى البعض إضافة إلى الجميع، كالقصاص. وإن ~~أضافه إلى الشعر والسن والظفر، لم يقع؛ لأن هذه تزول، ويخرج غيرها، فلم يقع ~~بإضافته إليها، كالريق. وإن أضافه إلى الريق والدمع والعرق، لم ms0899 يقع؛ لأنه ~~ليس من ذاتها، إنما هو مجاور لها، وإن أضافه إلى سوادها أو بياضها لم يقع؛ ~~لأنه عرض ليس من ذاتها. وإن أضافه إلى روحها. فقال أبو بكر: لا يقع؛ لأنها ~~ليست عضوا، ولا جزءا ولا شيئا يستمتع به، ولا يحل العقد به. وقال أبو ~~الخطاب: يقع بإضافته إلى روحها ودمها؛ لأن دمها من أجزائها فهو كلحمها، ~~وروحها بها قوامها. وإن أضافه إلى الحمل، لم يقع لأنه ليس من أعضائها، ~~وإنما هو مودع فيها. # فصل: # إذا قال لزوجته: أنا منك طالق، لم تطلق لأنه محل لا يقع الطلاق بإضافته ~~إليه من غير نية، فلم يقع بنية كالأجنبي؛ ولأنه لو قال: أنا طالق، لم يقع ~~به طلاق، فكذلك إذا قال: أنا منك طالق، كالأجنبي. وإن قال: أنا منك بائن، ~~أو بريء، ففيه وجهان: # أحدهما: لا يقع طلاقه؛ لأنه لا يقع بإضافة صريحة إليه، فكذلك كنايته. # والثاني: يقع؛ لأن البينونة والبراءة يوصف بها الرجل، فيقال: بان منها، ~~وبانت منه؛ ولأنه عبارة عن قطع الوصلة التي بينهما، فصح إضافته إلى كل واحد ~~منهما. ### | باب صريح الطلاق وكنايته # لا يقع الطلاق بمجرد النية؛ لأنه إزالة ملك، فلا يحصل بمجرد النية، ~~كالعتق. ولو قال: أنت، ونوى الطلاق، وأشار بأصابعه - لم يقع؛ لأنه ليس من ~~كنايات الطلاق ولا صريحه، ولا يقع الطلاق إلا بصريح أو كناية. فالصريح: لفظ ~~الطلاق وما تصرف منه؛ لأنه موضوع له على الخصوص، يثبت له عرف الشرع ~~والاستعمال. فإذا قال: أنت طالق أو مطلقة أو طلقتك، أو يا مطلقة، فهو صريح. ~~وذكر أبو بكر في قوله: أنت مطلقة - رواية أخرى أنه ليس بصريح؛ لأنه يحتمل ~~أن يريد طلاقا ماضيا، والمذهب الأول؛ لأنه متصرف # PageV03P113 # من لفظ الطلاق، فكان صريحا، كقوله: طلقتك. ولو قيل له: أطلقت امرأتك؟ ~~قال: نعم، كان صريحا؛ لأن الجواب يرجع إلى السؤال، فصار كالملفوظ به. ولو ~~قال: قد كان بعض ذلك، وفسره بتعليقه على شرط، قبل؛ لأنه محتمل. وإن قال: ~~أنت الطلاق، فهو صريح. نص عليه؛ لأنه لفظ بالطلاق، ms0900 وهو مستعمل في عرفهم. ~~قال الشاعر: # فأنت الطلاق وأنت الطلاق ... وأنت الطلاق ثلاثا تماما # ويحتمل أن لا يكون صريحا؛ لأنه وصفها بالمصدر، وأخبر به عنها، وهذا تجوز. ~~وفي لفظ الفراق والسراح وجهان: # أحدهما: هو صريح، اختاره الخرقي؛ لأنه ورد في القرآن، فهو كلفظ الطلاق. # والثاني: ليس بصريح، اختاره ابن حامد؛ لأنه موضوع لغيره، يكثر استعماله ~~في غير الطلاق، أشبه سائر كناياته. ما عدا هذا فليس بصريح؛ لأنه لم يثبت له ~~عرف الشرع ولا الاستعمال. وإن لطم زوجته وقال: هذا طلاقك، فهو صريح. ذكره ~~ابن حامد، وذكره القاضي: أنه منصوص أحمد؛ لأنه أتى بلفظ الطلاق، وكذلك على ~~قياسه إن أطعمها، وقال: هذا طلاقك. # فصل: # وإذا أتى بصريح الطلاق وقع، نواه أو لم ينوه، جادا كان أو هازلا، لما روى ~~أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثلاث جدهن جد، وهزلهن ~~جد، الطلاق والنكاح والرجعة» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، وإذا أراد ~~التلفظ بغير الطلاق، فسبق لسانه إليه، كأن أراد: أنت طاهر، فسبق لسانه إلى: ~~أنت طالق، أو أراد: فارقتك بقلبي، أو ببدني، أو سرحتك من يدي أو سرحت رأسك، ~~أو طلقتك من وثاقي، لم تطلق؛ لأنه عنى بلفظه ما يحتمله، فوجب صرفه إليه. ~~فإذا ادعى ذلك، دين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه محتمل. فأما في الحكم، ~~فإن كان ذلك في حال الغضب، أو سؤالها الطلاق، لم يقبل؛ لأنه يخالف الظاهر ~~من وجهين: مقتضى اللفظ، ودلالة الحال. وإن كان في غيرهما، فظاهر كلام أحمد ~~أنه يقبل؛ لأنه فسر كلامه بما يحتمله احتمالا غير بعيد، فقبل، كما لو كرر ~~لفظة الطلاق وأراد بالثانية التأكيد. وعنه: لا يقبل؛ لأنه يخالف الظاهر فلم ~~يقبل، كما لو أقر بدرهم، ثم فسره بدرهم صغير، أو رديء. وإن نطق بهذه # PageV03P114 # الصلاة، لم يقع الطلاق وجها واحدا؛ لأنه وصل كلامه بما يغير مقتضاه، ~~فأشبه ما لو وصله بشرط، أو قال: له علي درهم صغير. وإن قال: طلقت زوجتي، ~~وقال: أردت في نكاح غير هذا، أو ms0901 قال: يا مطلقة، وقال: أردت من زوج قبلي، ~~دين في ذلك. فأما في الحكم فإن لم يكن وجد، لم يقبل؛ لأنه لا يحتمله. وإن ~~كان وجد فهل يقبل؟ على وجهين، لما ذكرناه. # فصل: # وما عدا الصريح من الألفاظ قسمان: # أحدهما: ما لا يشبه الطلاق، ولا يدل على الفراق، كقوله: اقعدي، واقربي، ~~وقومي وكلي واشربي وأطعميني، واسقيني، وما أحسنك، وبارك الله عليك، وأنت ~~جميلة أو قبيحة، ونحو هذا فلا يقع به طلاق وإن نواه؛ لأنه لا يحتمل الطلاق، ~~ولو أوقعناه، لوقع بمجرد النية، ولا سبيل إليه. # والثاني: ما يشبه الطلاق، ويدل على ما معناه، فهو كناية فيه، إن نوى به ~~الطلاق، وقع؛ لأنه نوى بكلامه ما يحتمله. وإن لم ينو شيئا، ولا دلت عليه ~~قرينة، لم يقع؛ لأنه ظاهر في غير الطلاق، فلم يصرف إليه عند الإطلاق، كما ~~لا ينصرف الصريح إلى غيره. وإن كان جوابا لسؤالها الطلاق، وقع. نص عليه، ~~لدلالة الحال عليه، فإن الجواب مبني على السؤال فيصرف إليه، كما لو قيل: ~~أطلقت؟ فقال: نعم. وإن أتى بالكناية حال الخصومة والغضب، ففيه روايتان: # إحداهما: يقع الطلاق لأن دلالة الحال تغير حكم الأقوال والأفعال، لذلك ~~كان قول حسان: # فما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمد # مدحا جميلا، وقول النجاشي: # قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل # هجاء قبيحا، مع استوائهما في الخبر عن الوفاء بالذمة، لدلالة الحال عليه. # والثانية: لا يقع لأنه ليس بصريح في الطلاق، ولا نوى به الطلاق، فلم يقع ~~به الطلاق، كحال الرضا. ويتخرج من جواب السؤال مثل ذلك، ويحتمل التفريق بين ~~الكنايات، فيما كثر استعماله منها في غير الطلاق، كقوله: اذهبي، واخرجي، ~~وروحي، لا يقع بغير نية بحال؛ لأنه أتى بما جرت العادة باستعماله بغير ~~الطلاق كثيرا، فلم يكن طلاقا كحال الرضا، وما ندر استعماله، كقوله: اعتدي، ~~وحبلك على # PageV03P115 # غاربك، وأنت بائن، وبتة، إذا أتى في حال الغضب، أو سؤال الطلاق، كان ~~طلاقا، لدلالة استعماله المخالف لعادته في خصوص هذه ms0902 الحال على إرادة ~~الفراق. فأما إن قصد بالكناية غير الطلاق، لم يقع على كل حال؛ لأنه لو قصد ~~ذلك بالصريح لم يقع، فالكناية أولى. # فصل: # والكنايات ثلاثة أقسام: ظاهرة، وخفية، ومختلف فيها. # فالظاهرة ستة ألفاظ: خلية، وبرية، وبائن، وبتة، وبتلة، وأمرك بيدك، وفيها ~~روايتان: # إحداهما: هي ثلاث وإن نوى واحدة؛ لأن ذلك يروى عن علي وابن عمر وزيد، - ~~رضي الله عنهم -، ولم ينقل خلافهم في عصرهم، فكان إجماعا؛ ولأنه لفظ يقتضي ~~البينونة بالطلاق، فوقع ثلاثا، كما لو طلق ثلاثا. # والثانية: يقع ما نواه. اختاره أبو الخطاب، لحديث ركانة الذي قدمناه؛ ~~ولأنه أحد نوعي الطلاق، فإذا نوى به واحدة، لم يزد عليها، كالصريح، فإن لم ~~ينو شيئا وقع ثلاثا. وروى عن حنبل: أنه يقع به واحدة بائنة؛ لأنه لفظ اقتضى ~~البينونة دون العدد، فوقعت واحدة بائنة كالخلع. # فأما الخفية، فنحو اخرجي، واذهبي، وذوقي، وتجرعي، وأغناك الله، لقوله ~~تعالى: {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته} [النساء: 130] وأشباه هذا. فهذا ~~يقع به ما نواه؛ لأنه محتمل له. وإن لم ينو شيئا، وقعت واحدة؛ لأنه اليقين. # وأما المختلف فيها، فالحقي بأهلك، وحبلك على غاربك، وتزوجي من شئت، ~~واعتدي، وغطي شعرك، وأنت حرة، وقد أعتقتك، ولا سبيل لي عليك، وأنت علي حرج، ~~ففيها روايتان: # إحداهما: هي ظاهرة؛ لأنها في معنى الظاهرة، والأخرى هي خفية؛ لأن «النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - لما دخلت عليه ابنة الجون قال: لقد عذت بعظيم، ~~الحقي بأهلك» متفق عليه. # ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليطلق ثلاثا وقد نهى أمته عنه، وقد ~~روى أبو هريرة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال # PageV03P116 # لسودة بنت زمعة: اعتدي، فجعلها طلقة.» متفق عليه. وفي معنى هذه اللفظات: ~~استبرئي رحمك، وحللت للأزواج، وتقنعي، ولا سلطان لي عليك، فيخرج فيها ~~وجهان. # فصل: # فإن قال: أنت علي حرام، ففيه ثلاث روايات: # إحداهن: أنها ظهار، نوى الطلاق أو لم ينوه، ذكره الخرقي؛ لأن ذلك يروى عن ~~عثمان وابن عباس؛ ولأنه صريح في تحريمها فكان ظهارا كقوله: ms0903 أنت علي كظهر ~~أمي. # والثانية: هو كناية في الطلاق؛ لأنه يروى عن علي وزيد وابن مسعود وأبي ~~هريرة؛ ولأن الطلاق تحريم، فصحت الكناية عنه بالحرام، كقوله: أنت الحرج. ~~فإن لم ينو الطلاق، كان ظهارا، فعلى هذه الروية تكون كناية ظاهرة فيها من ~~الخلاف مثل ما تقدم. # والثالثة: أنه يرجع فيه إلى نيته، إن نوى اليمين كان يمينا؛ لأن ذلك يروى ~~عن الصديق وعمر وعائشة - رضي الله عنهم -؛ ولأنه تحريم لامرأة فكان يمينا، ~~كتحريم الأمة. وإن قال: أنت علي حرام، أعني به الطلاق، ففيه روايتان: # إحداهما: أنه طلاق، وهي المشهورة؛ لأنه صريح بلفظ الطلاق. # والثانية: هي ظهار؛ لأنه لا يصلح كناية في الطلاق، فلم يصير طلاقا لقوله، ~~أعني به الطلاق، كقوله: أنت علي كظهر أمي. وإن قال: أنت علي كظهر أمي ينوي ~~به الطلاق، كان ظهارا، ولم يقع به الطلاق؛ لأنه صريح في الظهار، فلم يكن ~~كناية في غيره. ولو صرح به فقال: أعني به الطلاق، لم يصر طلاقا؛ لأنه لا ~~تصلح الكناية به. # وإن قال: أنت علي كالميتة والدم ونوى به الطلاق، فهو طلاق؛ لأنه يشبه ~~الطلاق، فصح أن يكنى به عنه. وإن نوى الظهار، كان ظهارا؛ لأنه يشبهه. وإن ~~نوى اليمين، كان يمينا؛ لأنه يشبهها، وإن لم ينو شيئا، ففيه وجهان: # أحدهما: يكون ظاهرا؛ لأن معناه: أنت علي حرام، كالميتة. والآخر يكون ~~يمينا ولا يكون طلاقا؛ لأنه ليس بصريح، فلا يقع الطلاق به من غير نية. # PageV03P117 # فصل: # ويجوز للرجل تفويض الطلاق إلى زوجته، لما روت عائشة قالت: «لما أمر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بتخيير أزواجه، بدأ بي فقال: إني لمخبرك خبرا ~~فلا عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك، ثم قال: إن الله تعالى قال: {يا ~~أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها} [الأحزاب: 28] ~~، حتى بلغ: {فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما} [الأحزاب: 29] . فقلت: ~~في أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ثم فعل أزواج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ms0904 ما فعلت» . متفق عليه. وهو على ضربين: # أحدهما: تفويضه بلفظ صريح. فيقول: طلقي نفسك، فلها أن تطلق نفسها واحدة، ~~ليس لها أكثر منها؛ لأن الأمر المطلق يتناول أقل ما يقع عليه الاسم، كما لو ~~وكل فيه أجنبيا، إلا أن يجعل إليها أكثر من ذلك بلفظه أو نيته. نص عليه؛ ~~لأنه نوى بكلامه ما يحتمله. والقول قوله في نيته؛ لأنه أعلم بها. ولها أن ~~تطلق بلفظ الصريح والكناية مع النية لأن الجميع طلاق فيدخل في لفظه. ولها ~~أن تطلق متى شاءت؛ لأنه توكيل في الطلاق مطلق، فأشبه توكيل الأجنبي. وقال ~~القاضي: يتقيد بالمجلس قياسا على التخيير. # والثاني: تفويضه إليها بلفظ الكناية. وهو نوعان: # أحدهما: أن يقول: أمرك بيدك، فيكون لها أن تطلق نفسها ما شاءت، ومتى ~~شاءت؛ لأنه نوع توكيل، بلفظ يقتضي العموم في جميع أمرها، فأشبه ما لو قال: ~~طلقي نفسك ما شئت ومتى شئت، وقد روي عن علي في رجل جعل أمر امرأته بيدها. ~~قال: هو لها حتى ينكل. وعن أحمد ما يدل على أنه إن نوى واحدة، فهي واحدة؛ ~~لأنه نوع تخيير فرجع إلى نيته كالتخيير. # والثاني: أن يقول لها: اختاري، فليس لها أن تختار أكثر من واحدة، إلا أن ~~يجعل إليها أكثر من ذلك بلفظه أو نيته، كما ذكرنا في قوله: طلقي نفسك. وليس ~~لها أن تختار، إلا عقيب تخييره، قبل أن يقطعا ذلك بالأخذ في كلام غيره، أو ~~قيام أحدهما عن مجلسه؛ لأن ذلك يروى عن عمر وعثمان وابن مسعود وجابر - رضي ~~الله عنهم -، # PageV03P118 # ولأنه خيار تمليك فكان على الفور، كخيار القبول. وإن جعل إليها أكثر من ~~ذلك بلفظه، أو نيته، أو قرينة، فهو على ما جعل إليها؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال لعائشة: «فلا عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك» وللزوج ~~الرجوع فيما فوضه إليها قبل تطليقها؛ لأنه نوع تفويض، فملك الرجوع فيه، ~~كتوكيل الأجنبي. وإن وطئها، كان رجوعا، لدلالته على رغبته فيها، ورجوعه عما ~~جعل إليها. # فصل: # ولفظة الخيار، وأمرك بيدك، كناية ms0905 في حق الزوج؛ لأنه ليس بصريح في إرادة ~~الطلاق، فلم ينصرف إليه بغير نية. وإن نوى به إيقاع الطلاق في الحال، وقع؛ ~~لأنه يصلح كناية عن الطلاق، فأشبه سائر كناياته. وإن نوى به التفويض، فطلقت ~~نفسها بلفظ صريح، وقع من غير نية. وإن لم تختر شيئا، لم يقع بها شيء. وكذلك ~~إن اختارت زوجها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خير أزواجه فاخترنه، ~~فلم يكن طلاقا. قالت عائشة - رضي الله عنها -: «خيرنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فلم يكن طلاقا» . ولأنه تفويض للطلاق إليها، فلم يقع به بمجرده ~~طلاق، كقوله: طلقي نفسك. وإن قالت: قبلت، فليس بشيء؛ لأن ذلك ينصرف إلى ~~قبول التفويض، فهو كقبول التوكيل. وإن قالت: اخترت نفسي، أو أهلي، أو أبوي، ~~أو الأزواج، أو ألا تدخل علي، ونحو هذا مما يحتمل إرادة الطلاق، فهو كناية ~~يفتقر إلى النية؛ لأنه ليس بصريح، فاعتبرت النية فيه، كالكنايات. فإن نوت ~~به الطلاق، كان طلاقا، وإلا فلا. ويقع به واحدة إلا أن ينوي الثلاث، إذا ~~جعل إليها ثلاثا. وإن ملكها ثلاث تطليقات بلفظه، أو بنيته، فطلقت ثلاثا، ~~وقع ثلاثا، وإن طلقت أقل منها، وقع؛ لأن من ملك ثلاثا، ملك واحدة كالزوج. ~~وإن قال: اختاري فاختارت نفسها، ونويا ثلاثا، وقع الثلاث. وإن نوى أحدهما ~~طلقة، والآخر أكثر منها، وقعت طلقة؛ لأن الطلاق يفتقر إلى تمليك الزوج ~~وإيقاع المرأة، فالزائد لم يوجد فيه إلا أحدهما، فلم يقع. # فصل: # وإن قال لزوجته: وهبتك لنفسك، أو لأهلك، فهو كناية، وإن نوى به الإيقاع، ~~وقع، وإن لم ينو الإيقاع في الحال، فهو كناية في حقهما يفتقر إلى قبولهم. ~~والنية من الزوج ومنهم؛ لأنه ليس بصريح. فإن نويا الطلاق دون العدد، وقعت ~~واحدة، يملك # PageV03P119 # الرجعة، وإن نويا جميعا عددا، وقع. وإن نوى أحدهما أكثر من الآخر، وقع ~~الأقل، لاتفاقهما عليه. وإن ردوها، لم يقع شيء؛ لأنه تمليك للبضع فافتقر ~~إلى القبول، كقوله: اختاري. وإن باعها لغيره، لم يقع به طلاق، وإن نوى؛ ~~لأنه لا يتضمن معنى ms0906 الطلاق، لكونه معاوضة، والطلاق مجرد إسقاط. # فصل: # ويصح تفويض الطلاق إلى غير الزوجة؛ لأنه إزالة ملك، فصح التوكيل فيه، ~~كالعتق. فإن قال لرجل: طلق زوجتي، أو أمرها بيدك، فالحكم فيها كالحكم في ~~جعل ذلك إلى الزوجة على ما مضى. فإن وكل اثنين، لم يملك أحدهما طلاقها ~~منفردا، وإن جعل إليهما طلاقا ثلاثا، فطلقها أحدهما ثلاثا، والآخر واحدة، ~~وقعت واحدة، لاتفاقهما عليها. ولو لم يبق من طلاقها إلا واحدة، فطلقها ~~الوكيل ثلاثا، وقعت الواحدة؛ لأن المحل لا يتسع لأكثر من هذا. # فصل: # لا يقع الطلاق بغير اللفظ إلا في موضعين: # أحدهما: الأخرس: إن أشار بالطلاق وقع طلاقه؛ لأنه يحتاج إلى الطلاق، ~~فقامت إشارته فيه مقام نطق غيره، كالنكاح. ويقع في العدد ما أشار إليه؛ لأن ~~إشارته كلفظ غيره. وأما غير الأخرس، فلا يقع الطلاق بإشارته؛ لأنه لا ضرورة ~~به إليها، فلم يصح منه بها، كالنكاح. # الثاني: إذا كتب طلاق زوجته ونواه، وقع؛ لأنه حروف يفهم منها صريح ~~الطلاق، أشبه النطق. وإن كتب صريح الطلاق من غير نية، ففيه روايتان: # إحداهما: يقع لذلك. # والثانية: لا يقع؛ لأن الكناية تحتمل الطلاق وامتحان الخط وغيره، فلم ~~تطلق بمجردها، كالكنايات. وإن قصد بالكناية امتحان الخط أو غير الطلاق، لم ~~يقع؛ لأنه لو قصد بالنطق غير الطلاق، لم يقع. فالكناية أولى. وإن قصد غم ~~أهله، فظاهر كلام أحمد أنه يقع؛ لأن ذلك لا ينافي الوقوع، فيغم أهله بوقوع ~~الطلاق بهم. وعنه: فيمن قصد تجويد الخط أنه يقع طلاقه؛ لأنه يتنافى تجويد ~~الخط وإيقاع الطلاق. وإن ادعى إرادة ما ينفي وقوع الطلاق، دين. وهل يقبل في ~~الحكم؟ يخرج على روايتين. وإن كتبه بشيء لا يتبين، ككتابته بإصبعه على ~~وسادة، أو في الهواء، فظاهر كلام أحمد: أنه لا يقع؛ لأن الكتابة بما لا ~~يتبين كالهمس بلسانه بما لا يسمع. وقال أبو حفص: يقع، # PageV03P120 # لأنه كتب حروف الطلاق، أشبه كتابته بما يبين. ### | باب ما يختلف به عدد الطلاق # إذا قال لزوجته: أنت طالق ثلاثا، فهي ثلاث وإن نوى واحدة؛ ms0907 لأن لفظه نص في ~~الثلاث لا يحتمل غيرها، والنية إنما تصرف اللفظ إلى بعض محتملاته. فإن قال: ~~أنت طالق واحدة، فهي واحدة وإن نوى ثلاثا؛ لأن لفظه لا يحتمل أكثر منها، ~~وكذلك إن قال: أنت واحدة. وإن قال: أنت طالق ولم ينو عددا فهي واحدة. وإن ~~نوى ثلاثا أو اثنتين: ففيه روايتان: # إحداهما: لا يقع إلا واحدة؛ لأن لفظه لا يتضمن عددا، ولا بينونة، فلم يقع ~~به ثلاث، كالتي قبلها. # والثانية: يقع به ما نواه؛ لأنه نوى بلفظه ما يحتمله، بدليل أنه يصح ~~تفسيره به، فأشبه الكناية. وإن قال: أنت طالق طلاقا، أو الطلاق، وقع ما ~~نواه؛ لأنه صرح بالمصدر، وهو يقع على القليل والكثير. وإن أطلق، وقع بقوله: ~~أنت طالق طلاقا، واحدة؛ لأنه اليقين. وفي قوله: طالق الطلاق، روايتان: # إحداهما: تطلق ثلاثا؛ لأن الألف واللام للاستغراق. # والثانية: تقع واحدة؛ لأن الألف واللام اشتهر استعمالها في الطلاق لغير ~~الاستغراق، كقوله: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» . وإن قال: فارقتك، لزمه ~~الطلاق، ومن أكره على الطلاق، وكذلك في غيره من الأجناس، كقوله: «اغسليه ~~بالماء» و «عليك بالصعيد» وتيمم بالتراب فيجب حمله على اليقين. وهكذا إن ~~قال: أنت الطلاق، أو الطلاق يلزمني، أو لازم لي، أو علي الطلاق، أو أنت علي ~~حرام أعني به الطلاق، فحكم به على ما ذكرنا. وقد نص أحمد فيمن قال: أنت علي ~~حرام، أعني به الطلاق، أنه ثلاث. ومن قال: أعني به طلاقا، فهي واحدة. # فصل: # فإن قال: أنت طالق كل الطلاق، أو جميعه، أو أكثره، أو منتهاه، طلقت ~~ثلاثا؛ لأن ذلك هو الطلاق الثلاث. وإن قال: أنت طالق كعدد الماء أو الريح، ~~أو التراب، أو كألف، طلقت ثلاثا؛ لأنه يقتضي العدد. فإن قال: أنت طالق طلقة ~~صعوبتها كألف، # PageV03P121 # قبل لأنه يحتمل ما قاله. وإن قال: أنت طالق ملء الدنيا، أو أشد الطلاق، ~~أو أغلظه، أو أطوله أو أعرضه، طلقت واحدة؛ لأن ذلك لا يقتضي عددا، والطلقة ~~الواحدة توصف بكونها ملء الدنيا، ذكرها وإنها أشد الطلاق عليها، لضررها ms0908 به، ~~فلم يقع الزائد بالشك. فإن نوى ثلاثا وقعت؛ لأن اللفظ يحتملها. # فصل: # وإن قال: أنت طالق من واحدة إلى ثلاث، طلقت طلقتين؛ لأن ما بعد الغاية لا ~~يدخل فيها بمقتضى اللفظ، وإن احتمل دخوله، لم نوقعه بالشك. وعنه: تطلق ~~ثلاثا؛ لأن ما بعد "إلى" قد يدخل مع ما قبلها، كقوله: {وأيديكم إلى ~~المرافق} [المائدة: 6] . # فصل: # وإن قال: أنت طالق طلقة في طلقتين ونوى الثلاث، وقع؛ لأن (في) تستعمل في ~~بمعنى (مع) كقوله تعالى: {فادخلي في عبادي} [الفجر: 29] وإن نوى واحدة، لم ~~يقع أكثر منها؛ لأنه إنما أوقع واحدة. وإن أطلق ولا يعرف الحساب، وقعت ~~واحدة، فتطلق بقوله: أنت طالق، ولا يقع بقوله: في ثنتين - شيء؛ لأنه لا ~~يعرف مقتضاه، ويحتمل أنه إن كان في عرفهم استعمال ذلك للثلاث، طلقت ثلاثا؛ ~~لأن الظاهر إرادة ما تعارفوه. فإن نوى موجبه في الحساب، احتمل أن تكون نيته ~~كعدمها. قاله القاضي. واحتمل أن تطلق طلقتين. وهذا قول ابن حامد، ووجه ~~القولين ما ذكرنا فيما إذا نوى العجمي بلفظ الطلاق موجبه عند العرب، فإن ~~كان يعرف الحساب، وقع طلقتان؛ لأن ذلك موجبه عندهم. وإن لم ينو فقال أبو ~~بكر: يقع طلقتان؛ لأنه موضوعه عندهم، ويحتمل أن تقع واحدة، لما ذكرنا في ~~غير الحاسب. # فصل: # فإن قال: أنت طالق طلقة، بل طلقتين، وقع طلقتان. نص عليه؛ لأن ما لفظ به ~~بعد الإضراب يدخل فيه ما لفظ قبله، فلم يلزمه أكثر منه. كما لو قال: له علي ~~درهم، بل درهمان. وإن قال: أنت طالق طلقة، بل طلقة، طلقت واحدة، كما لو ~~قال: له علي درهم، بل درهم. وهكذا إن قال: أنت طالق، بل أنت طالق. نص عليه. ~~ويحتمل أن يقع طلقتان. وإن نوى به طلقتين، وقع طلقتان؛ لأنه قصد إيقاع ~~طلقتين بلفظين. وإن قال: أنت طالق، بل هذه الأخرى، طلقتا معا؛ لأنه أوقعه ~~بكل واحدة # PageV03P122 # منهما، فأشبه ما لو قال: له علي هذا الدرهم، بل هذا. ولو قال: أنت طالق ~~واحدة بل هذه ثلاثا، طلقت الأولى ms0909 واحدة، والثانية ثلاثا. وإن قال: أنت طالق ~~هكذا، وأشار بأصابعه الثلاث، طلقت ثلاثا؛ لأن التفسير يحصل بالإشارة، بدليل ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الشهر هكذا وهكذا وهكذا» فإن قال: أردت ~~بعدد المقبوضتين، قبل منه؛ لأنه يحتمله. # فصل: # وإذا طلقها جزءا من طلقة، طلقت واحدة؛ لأن ذكر بعض ما لا يتبعض، كذكر ~~جميعه، كما لو قال: نصفك طالق. وإن قال: أنت طالق نصفي طلقة، طلقت طلقة؛ ~~لأن ذلك طلقة. وإن قال: ثلاثة أنصاف طلقة. طلقت طلقتين؛ لأنه طلقة ونصف، ~~فيكمل النصف بالسراية، فتصير طلقتين. وإن قال نصف طلقتين، طلقت واحدة؛ لأن ~~نصف الطلقتين طلقة. وإن قال: أدرت من كل واحدة جزءا، طلقت طلقتين؛ لأنه أقر ~~على نفسه بما هو أغلظ. وإن قال نصفي طلقتين، وقعت طلقتان؛ لأن نصفي الشيء ~~كله. وإن قال: ثلاثة أنصاف طلقتين، طلقت ثلاثا؛ لأن نصف الطلقتين طلقة، وقد ~~كرره ثلاثا، ويحتمل أن يقطع طلقتان، ويكون معناه: ثلاثة أنصاف من طلقتين. ~~وإن قال: أنت طالق نصف طلقة، ثلث طلقة، سدس طلقة، أو نصف وثلث وسدس طلقة، ~~طلقت طلقة؛ لأن هذه أجزاء طلقة. وإن قال: نصف طلقة، وثلث طلقة، وسدس طلقة، ~~طلقت ثلاثا؛ لأن عطف جزء الطلقة على جزء آخر يدل على المغايرة، فيقع جزء من ~~كل طلقة، ثم يكمل بالسراية، وإن قال: أنت نصف طالق، طلقت واحدة، كما لو ~~قال: نصفك طالق. وإن قال: أنت نصف طلقة، طلقت واحدة، كما لو قال: أنت ~~الطلاق. # فصل: # فإن قال لأربع نسائه: أوقعت بينكن، أو عليكن طلقة، طلقت كل واحدة طلقة؛ ~~لأن لكل واحدة ربع الطلقة، ثم تكمل. فإن قال: طلقتين، فكذلك عن أبي الخطاب؛ ~~لأنه إذا قسم لم تزد كل واحدة على طلقة، وكذلك إن أوقع بينهن ثلاثا أو ~~أربعا، وإن أوقع بينهن خمسا، طلقت كل واحدة طلقتين؛ لأن لكل واحدة طلقة ~~وربعا، فيكمل الربع طلقة. وروى الكوسج عن أحمد إذا قال: أوقعت بينكن ثلاث ~~طلقات: ما أرى إلا قد بن منه، فظاهره أنه قد أوقع بكل واحدة ثلاثا؛ ms0910 لأن ~~نصيب كل واحدة من كل طلقة # PageV03P123 # ربع، ثم يكمل بالسراية. وهذا قول أبي بكر والقاضي. وعلى هذا يتفرع ما ~~أشبهه. # فصل: # فإن قال: أنت طالق طلقة لا تقع عليك، أو لا ينقص به عدد طلاقك، أو لا شيء ~~أو ليس بشيء، طلقت؛ لأنه أوقع الطلاق، ثم وصفه بما لا يتصف به، فلغت الصفة، ~~وبقي الطلاق بحاله. وإن قال: أنت طالق أو لا؟ لم تطلق؛ لأنه لم يوقعه وإنما ~~استفهم عنه، فلم يقع، والله أعلم. ### | باب ما يختلف به حكم المدخول بها وغيرها # إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، لغير مدخول بها، طلقت واحدة؛ لأنها بانت ~~بالأولى، فلم يقع بها ما بعدها؛ لأنه أوقعه على بائن. وكذلك كل طلاق يترتب ~~في الوقوع، كقوله: أنت طالق ثم طالق، أو طالق فطالق، أو طالق بل طالق ~~وطالق، أو طالق طلقة فطلقة، أو طلقة قبل طلقة، أو بعد طلقة، أو بعدها طلقة، ~~لم يقع إلا واحدة، كذلك. وإن قال: أنت طالق طلقتين، طلقت طلقتين؛ لأنه ~~أوقعهما معا في محل قابل لهما. ولو قال: أنت طالق طلقة معها طلقة، طلقت ~~طلقتين؛ لأن لفظه يقتضي وقوعهما معا. وكذلك لو قال: أنت طالق وطالق، طلقت ~~طلقتين؛ لأن الواو تقتضي الجمع دون الترتيب، فأشبهت ما قبلها، فإن قال: أنت ~~طالق طلقة قبلها طلقة، فكذلك في قول أبي بكر؛ لأنه تعذر وقوع الثانية قبل ~~الأولى، فوقعت معها. وقال القاضي: لا يقع إلا طلقة؛ لأنه أوقعهما مرتبتين، ~~فتقع الأولى وتلغو الثانية، كقوله: طلقة قبل طلقة. ومتى قال شيئا من ذلك ~~لمدخول بها، طلقت طلقتين؛ لأنها لا تبين بالأولى. ولو قال لها: إن قمت، ~~فأنت طالق وطالق وطالق، أو أنت طالق وطالق وطالق إن قمت، أو قال: إن قمت ~~فأنت طالق، إن قمت فأنت طالق، إن قمت فأنت طالق، فقامت، طلقت ثلاثا، مدخولا ~~بها أو غير مدخول بها؛ لأنه لا ترتيب فيه. وإن قال: إن قمت فأنت طالق، ثم ~~طالق، ثم طالق، فقامت، طلقت واحدة إن كانت غير مدخول بها، ms0911 وثلاثا إن كان ~~دخل بها. # فصل: # وإذا قال لمدخول بها: أنت طالق طلقة قبلها طلقة، وقال: أردت أنني طلقتها ~~في نكاح آخر، أو طلقها زوج قبلي، دين. وهل يقبل في الحكم؟ فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: يقبل؛ لأنه يحتمل أن يريد ذلك. # والثاني: لا يقبل لأنه يخالف الظاهر. # PageV03P124 # والثالث: إن كان وجد، قبل؛ لأن احتمال إرادة ذلك شائع، ولا يقبل إن لم ~~يكن وجد؛ لأنه كذب. وإن قال: بعدها طلقة، وقال: أردت طلقة أوقعها فيما بعد، ~~دين. وهل يقبل الحكم؟ على روايتين. وإن قال: أردت بقولي: أنت طالق أنت طالق ~~التأكيد بالثانية، قبل منه؛ لأنه محتمل لما قاله. وإن أطلق، طلقت طلقتين؛ ~~لأنه اللفظ الثاني كالأول، فيقتضي من الوقوع ما اقتضاه الأول، وإن قال: أنت ~~طالق طالق، فهي واحدة؛ لأن اللفظ الثاني لا يصلح وحده للاستئناف، فينصرف ~~إلى التأكيد، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فنكاحها باطل باطل» . ~~وإن قصد بالثاني الإيقاع، طلقت طلقتين، ويقدر له ما يتم الكلام به. وإن ~~قال: أنت طالق وطالق وطالق، فهي ثلاث. فإن قال: أردت بالثانية التوكيد، ~~دين، ولم يقبل في الحكم؛ لأنه غاير بينهما بحرف. وإن أراد بالثالثة ~~التوكيد، قبل في الحكم؛ لأنها مثل الثانية في لفظها، وكذلك إذا قال: أنت ~~طالق، فطالق، فطالق، أو طالق ثم طالق، ثم طالق. وإن قال: أنت طالق وطالق، ~~فطالق، أو طلق فطالق ثم طالق، وقال: أردت التوكيد، لم يقبل؛ لأنه غاير بين ~~الحروف. وإن غاير بين الألفاظ فقال: أنت مطلقة، أنت مسرحة، أنت مفارقة، ~~وقال: أردت بالثانية والثالثة التوكيد، قبل؛ لأنه لم يغاير بين الحروف ~~العاملة في الكلام، بخلاف التي قبلها. ### | باب الاستثناء في الطلاق # يصح الاستثناء في الطلاق؛ لأنه لغة العرب، ونزل به القرآن. وقال أبو بكر: ~~لا يصح في عدد الطلقات؛ لأنه لا سبيل إلى رفع الواقع منها، والمذهب الأول؛ ~~لأنه استثناء في الطلاق، فجاز، كما في عدد المطلقات، وليس الاستثناء رفعا ~~لواقع، إذ لو كان كذلك، لم يصح في الإقرار، ولا في عدد المطلقات. ms0912 وإنما ~~يمنع دخول المستثنى، من الدخول في المستثنى منه، ولا يصح استثناء الكل، ولا ~~الأكثر. وفي استثناء النصف وجهان، لما نذكره في الإقرار. فإذا قال: أنت ~~طالق ثلاثا، إلا ثلاثا، أو إلا طلقتين، طلقت ثلاثا. وإن قال: أنت طالق ~~ثلاثا إلا طلقة وطلقتين، أو إلا طلقة وطلقة، ففيه وجهان: # أحدهما: لا يصح الاستثناء؛ لأن العطف بالواو، يجعل الجملتين جملة واحدة، ~~فيكون مستثنيا للأكثر، أو الكل. # PageV03P125 # والثاني: يصح؛ لأن الاستثناء الأول يمكن تصحيحه، فلا يبطل ببطلان غيره. ~~وإن قال: أنت طالق طلقتين وطلقة إلا طلقة، ففيه وجهان: # أحدهما: يصح الاستثناء لما ذكرنا. # والثاني: لا يصح؛ لأن الاستثناء يعود إلى ما يليه، فيصير مستثنيا للكل؛ ~~ولأن تصحيحه يجعل المستثنى والمستثنى منه لغوا. وإن قال: أنت طالق وطالق ~~وطالق إلا طلقة، أو طالق طلقتين ونصفا إلا طلقة، أو إلا نصف طلقة، فكذلك ~~لما ذكرنا. ولو كان العطف بغير الواو، لغا الاستثناء وجها واحدا. وإن قال: ~~أنت طالق خمسا إلا طلقتين، لم يصح؛ لأنه إن عاد إلى الخمس، بقي بعده ثلاث. ~~وإن عاد إلى الثلاث، لم يصح؛ لأنه استثنى الأكثر، وإن قال: إلا طلقة ففيه ~~وجهان: # أحدهما: لا يصح؛ لأنه استثناء واحدة من خمس، فبقي أربع. # والثاني: يصح، ذكره القاضي، فيقع طلقتان؛ لأن الاستثناء يعود إلى ما ملكه ~~من الطلقات دون ما زاد. ولا يصح الاستثناء من الاستثناء في الطلاق إلا في ~~مسألة واحدة، وهي قوله: أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين، إلا واحدة، في أحد ~~الوجهين، بناء على استثناء النصف. وإن قال: أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا إلا ~~واحدة، لم يصح، لأن الاستثناء الأول باطل، فلا يصح الاستثناء منه، ويحتمل ~~أن يعود استثناء الواحدة إلى أول الكلام، لتعذر عوده إلى ما يليه، فيقع ~~طلقتان. # فصل: # وإن قال: أنت طالق ثلاثا، واستثنى بقلبه إلا واحدة، طلقت ثلاثا؛ لأنه ~~يسقط ما يقتضيه نصفه بالنية، فلم يصح. وإن قال لنسائه: أربعتكن طوالق، ~~واستثنى بقلبه إلا فلانة، لم يصح كذلك. وإن قال: نسائي طوالق، ونوى إلا ~~فلانة، صح، ms0913 ولم تطلق لأنه لم يسقط اللفظ، وإنما يستعمل العموم في الخصوص، ~~وذلك شائع. وإذا ادعى ذلك دين. وهل يقبل في الحكم؟ على روايتين. ### | باب الشروط في الطلاق # يصح تعليق الطلاق بشرط، كدخول الدار، ومجيء زيد، ودخول سنة. فإن علقه ~~بشرط، تعلق به. فمتى وجد الشرط، وقع. وإن لم يوجد، لم يقع؛ لأنه إزالة ملك ~~بني على التغليب والسراية، أشبه العتق. ولو قال: عجلت ما علقته، لم تطلق؛ ~~لأنه تعلق بالشرط فلم يتغير. فإن قال: أردت الطلاق في الحال، وإنما سبق ~~لساني إلى الشرط، طلقت في الحال؛ لأنه أقر على نفسه بما يوجب التغليظ من ~~غير تهمة. وإن قال: أنت # PageV03P126 # طالق، ثم قال: أردت إذا دخلت الدار، دين. وهل يقبل في الحكم؟ يخرج على ~~روايتين. # فصل: # وأدوات الشرط المستعملة في الطلاق والعتاق ستة: إن، ومن، وإذا، ومتى، ~~وأي، وكلما، وليس فيها ما يقتضي التكرار إلا (كلما) فإذا قال: إن قمت، أو ~~إذا قمت، أو متى قمت، أو أي وقت قمت، أو من قام منكن، فهي طالق، فقامت، ~~طلقت. وإن تكرر القيام، لم يتكرر الطلاق؛ لأن اللفظ لا يقتضي التكرار، وإن ~~قال: كلما قمت، فأنت طالق، فقامت - طلقت. وإن تكرر القيام، تكرر الطلاق؛ ~~لأن اللفظ يقتضي التكرار. وقال أبو بكر: في (متى) ما يقتضي تكرارها؛ لأنها ~~تستعمل للتكرار. قال الشاعر: # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد # والصحيح: أنها لا تقتضيه؛ لأنها اسم زمان، فأشبهت إذا، وكل هذه الأدوات ~~على التراخي إذا خلت من حرف "لم"، فإن صحبتها "لم" كانت "إن" على التراخي. ~~و (إذا) فيها وجهان: # أحدهما: هي على الفور؛ لأنها اسم زمان، فأشبهت (متى) . # والثاني: هي على التراخي؛ لأنها أخلصت للشرط، فهي بمعنى (إن) وإن احتملت ~~الأمرين، لم يقع الطلاق بالشك. وسائر الأدوات على الفور؛ لأنها تقتضيه. ~~فإذا قال: إن لم أطلقك، فأنت طالق، ولم ينو وقتا بعينه، ولا دلت عليه ~~قرينة، لم يقع الطلاق إلا عند قربه منه، وذلك في آخر جزء من حياة ms0914 أحدهما. ~~وإن قال: متى لم أطلقك، أو أي وقت لم أطلقك، فأنت طالق، أو من لم أطلقها ~~منكن، فهي طالق، فمضى زمن يمكن طلاقها ولم يطلقها، طلقت. وإن قال: إذا لم ~~أطلقك، فأنت طالق فهل تطلق قي الحال، أو في آخر حياة أحدهما؟ على وجهين. ~~وإن قال: كلما لم أطلقك، فأنت طالق، فمضى زمن يمكن طلاقها ثلاثا، ولم ~~يطلقها، طلقت ثلاثا؛ لأن معناه: كلما سكت عن طلاقك، فأنت طالق، وقد سكت ~~ثلاث سكتات في ثلاثة أوقات. # فصل: # وإن قال: إن دخلت الدار، أنت طالق، لم تطلق حتى تدخل، كما لو قال: أنت ~~طالق إن دخلت الدار. ويحتمل أن يقع في الحال؛ لأن جواب الشرط إذا تأخر عنه، ~~لم يكن إلا بالفاء أو ب "إذا"، وإن قال: إن دخلت الدار وأنت طالق، طلقت في ~~الحال؛ لأن الواو ليست جوابا للشرط. فإن قال: أردت بها الجزاء، أو أردت أن ~~أجعلهما شرطين لشيء، ثم أمسكت، دين؛ لأنه محتمل لما قاله. وهل يقبل في ~~الحكم؟ يخرج على # PageV03P127 # روايتين. فإن قال: أنت طالق وإن دخلت الدار، طلقت؛ لأنه معناه: ولو دخلت، ~~كقوله - عليه الصلاة والسلام -: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى ~~وإن سرق» . وإن قال: أنت طالق لو دخلت الدار، طلقت؛ لأن "لو" تستعمل بعد ~~الإثبات لغير المنع، كقوله تعالى: {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} [الواقعة: ~~76] . وإن قال: أردت الشرط، قبل؛ لأنه محتمل. وإن قال: أنت طالق أن دخلت ~~بفتح الهمزة، طلقت عند أبي بكر؛ لأن (أن) للتعليل لا للشرط، كقوله تعالى: ~~{يمنون عليك أن أسلموا} [الحجرات: 17] . وقال القاضي: قياس قول أحمد أنه إن ~~كان نحويا، وقع طلاقه لذلك، وإن كان عاميا، فهي للشرط؛ لأن العامي لا يريد ~~بها إلا الشرط، فأجرى عليه حكمه. وحكي عن الخلال: أن النحوي إذا لم يكن له ~~نية، فهو كالعامي. # فصل: # فإن قال: أنت طالق إن شربت، إذا أكلت أو متى أكلت، لم تطلق حتى تشرب بعد ~~الأكل؛ لأن إدخال الشرط على الشرط يقتضي تقديم ms0915 المؤخر. وإن قال: أنت طالق ~~إن شربت، إن أكلت، فكذلك، لما ذكرناه. وإن قال: أنت طالق إن شربت فأكلت، أو ~~إن شربت ثم أكلت، لم تطلق حتى تأكل بعد الشرب؛ لأنهما حرفا ترتيب. وإن قال ~~أنت طالق إن شربت وأكلت، طلقت بوجودهما على أي صفة؛ لأن الواو للجمع، ولا ~~تقتضي ترتيبا، ولا تطلق بوجود أحدهما؛ لأنها للجمع. وإن قال: أنت طالق إن ~~أكلت، أو شربت، طلقت بوجود أحدهما؛ لأن (أو) تقتضي تعليق الجزاء على واحد ~~من المذكورين؛ لقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر} [البقرة: 184] . # فصل: # إذا قال: إن حضت فأنت طالق، طلقت بأول جزء من الحيض. فإن رأت دما وتبين ~~أنه ليس بحيض، تبين أن الطلاق لم يقع. فإن قالت: قد حضت فكذبها، قبل قولها ~~بغير يمين. وعنه: لا يقبل قولها، ويختبرها النساء بإدخال قطنة في الفرج، ~~فإن ظهر الدم، فهي حائض، وإلا فلا. والمذهب الأول لقول الله تعالى: {ولا ~~يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} [البقرة: 228] . فلولا أن قولهن ~~مقبول، ما حرم عليهن كتمانه؛ ولأنه لا يعرف إلا من جهتها. وإن قال: قد حضت ~~فأنكرته، طلقت بإقراره. وإن قال: # PageV03P128 # إن حضت فضرتك طالق. فقالت: قد حضت، فكذبها لم تطلق ضرتها؛ لأن قولها يقبل ~~في حقها دون غيرها. وإن قال الزوج: قد حضت فكذبته، طلقت بإقراره. فإن قال: ~~إن حضت فأنت وضرتك طالقتان، فقالت: قد حضت فصدقها، طلقتا. وإن كذبها، طلقت ~~وحدها، ولم تطلق الضرة وإن صدقها. وإن قال: إذا حضتما، فأنتما طالقتان، ~~فصدقهما طلقتا. وإن كذبهما، لم تطلق واحدة منهما؛ لأن طلاق كل واحدة منهما ~~معلق على حيضهما، ولا يقبل قول واحدة منهما في حق ضرتها. وإن صدق إحداهما ~~وحدها، لم تطلق؛ لأن قول المكذبة غير مقبول في حقها، وطلقت المكذبة؛ لأنها ~~مقبولة القول في نفسها، وقد صدق الزوج صاحبتها، فوجد الشرطان في طلاقها ~~فطلقت. وإن قال لأربع نسوة له: إن حضتن، فأنتن طوالق. فقد علق طلاق كل ~~واحدة ms0916 منهن بحيض الأربع، فإن قلن: قد حضنا فصدقهن، طلقن؛ لأنه قد وجد حيضهن ~~بتصديقه، وإن كذبهن، أو كذب ثلاثا أو اثنتين، لم تطلق واحدة منهن؛ لأن قول ~~كل واحدة لا يقبل إلا في حق نفسها، فلم يوجد الشرط. # وإن صدق ثلاثا، طلقت المكذبة، لما ذكرنا في الاثنتين إذا صدق إحداهما. ~~فإن قال: كلما حاضت إحداكن، فضرائرها طوالق، فقد جعل حيض كل واحدة شرطا ~~لطلاق البواقي. فإن قلن: قد حضنا فصدقهن، طلق ثلاثا ثلاثا؛ لأن لكل واحدة ~~ثلاث ضرائر، فتطلق بحيض كل واحدة طلقة. وإن كذبهن، لم تطلق واحدة منهن. # وإن صدق واحدة منهن، طلقت كل واحدة من ضرائرها طلقة؛ لأن حيضها ثبت ~~بتصديقه، ولم تطلق المصدقة؛ لأنه ليس لها صاحبة ثبت حيضها. وإن صدق اثنتين. ~~طلقت كل واحدة منهن طلقة؛ لأن لكل واحدة منهما ضرة مصدقة، وطلقت كل واحدة ~~من المكذبتين طلقتين؛ لأن لكل واحدة منهما ضرتين مصدقتين. فإن صدق ثلاثا، ~~طلقت المكذبة ثلاثا، وطلقت كل واحدة من المصدقات طلقتين، لما ذكرنا. # فصل: # إذا قال لحائض: إذا حضت، فأنت طالق، لم تطلق حتى تطهر ثم تحيض؛ لأن " إذا ~~" اسم لزمن مستقبل، فتقتضي فعلا مستقبلا. وإن قال لها: إذا طهرت فأنت طالق، ~~طلقت بانقطاع الدم. نص عليه؛ لأنه ثبت لها أحكام الطهر من وجوب الغسل، ~~والصلاة، وصحة الصوم. # وذكر أبو بكر قولا آخر: أنها لا تطلق حتى تغتسل؛ لأن بعض أحكام الحيض ~~باقية. وإن قال لطاهر: إذا طهرت فأنت طالق، لم تطلق حتى تحيض ثم تطهر، لما ~~ذكرنا. # وإن قال لها: إذا حضت حيضة فأنت طالق، لم تطلق حتى تحيض، ثم تطهر، نص ~~عليه؛ لأنها لا تحيض حيضة كاملة إلا بذلك. # وإن قال: إن حضت نصف حيضة، فأنت طالق، احتمل أن تطلق إذا مضى نصف عادتها؛ ~~لأن # PageV03P129 # الأحكام تعلقت بالعادة، واحتمل أنه متى مضت حيضتها، تبينا وقوع الطلاق في ~~نصفها. # وحكي عن القاضي: أنه يلغو قوله: نصف حيضة، ويتعلق الطلاق بأول الدم. وقيل ~~عنه: تطلق بمضي سبعة أيام ونصف؛ لأنه نصف ms0917 أكثر الحيض، يعني - والله أعلم - ~~أنه ما دام حيضها باقيا لا يحكم بوقوع طلاقها حتى يمضي نصف أكثر الحيض؛ لأن ~~ما قبل ذلك لا يتيقن به مضي نصف الحيضة، فلا يقع الطلاق بالشك، فإن طهرت ~~بدون ذلك، تبينا وقوع الطلاق، ونصف الحيضة، قلت أو كثرت؛ لأننا تبينا مضي ~~نصف الحيضة بمضيها كلها فإن قال لزوجتيه: إذا حضتما حيضة واحدة، فأنتما ~~طالقتان، لغا قوله: حيضة واحدة، لاستحالة ذلك، وصار كقوله: إذا حضتما ~~فأنتما طالقتان. فإن قال: أردت إذا حاضت كل واحدة منهما حيضة، قبل؛ لأنه ~~محتمل لما قاله. # فصل: # إذا قال لمن لطلاقها سنة وبدعة - وهي المدخول بها من ذوات الأقراء: - أنت ~~طالق للسنة وهي في طهر لم يصبها فيه، طلقت في الحال، لوجود الصفة. وإن كانت ~~حائضا أو في طهر أصابها فيه، لم تطلق في الحال، لعدم الصفة، فإذا طهرت ~~الحائض أو حاضت المصابة، ثم طهرت، طلقت لوجود الصفة حينئذ، وإن قال لها: ~~أنت طالق للبدعة وهي حائض، أو في طهر أصابها فيه، طلقت في الحال. # وإن كانت في طهر لم يصبها فيه، لم تطلق لعدم الصفة، فإذا حاضت أو جامعها، ~~طلقت. وإن قال لها: أنت طالق للسنة إن كنت الآن ممن يطلق للسنة، وكانت في ~~زمن السنة، طلقت، لوجود الصفة، وإلا لم تطلق بحال؛ لأنه شرط لوقوعه كونها ~~الآن ممن يطلق للسنة، ولم يوجد ذلك. وإن قال: أنت طالق طلقة للسنة، وطلقة ~~للبدعة، طلقت في الحال واحدة. فإذا صارت إلى ضد حالها، طلقت الأخرى. وإن ~~قال: طلقة للسنة والبدعة، لغا قوله: للسنة وللبدعة، لاستحالة اجتماعهما، ~~وطلقت في الحال. وإن قال: أنت طالق ثلاثا للسنة، فعلى قول الخرقي، تطلق ~~ثلاثا في طهر لم يصبها فيه؛ لأنه وقت السنة. # وعلى قول أبي بكر، تطلق واحدة في طهر، لم يصيبها فيه، وتطلق الثانية ~~والثالثة في طهرين في نكاحين إن وجدا؛ لأن السنة تطليقة واحدة، ثم يدعها ~~حتى تنقضي عدتها. # وإن قال: أنت طالق ثلاثا، بعضهن للسنة، وبعضهن للبدعة، طلقت طلقتين في ~~الحال، ms0918 والثالثة في الحال الأخرى؛ لأن قسط الحال الأولى طلقة ونصف، فكمل، ~~فصار # PageV03P130 # طلقتين. وإن قال: أردت في هذه الحال واحدة، والباقي في الأخرى، قبل قوله؛ ~~لأن البعض يقع على الطلقة الواحدة حقيقة، فلم تخالف دعواه الظاهر، فقبلت. # فصل: # وإن كان له امرأة صغيرة لا تحيض، أو آيسة، أو حامل، تبين حملها، أو غير ~~مدخول بها فلا سنة لطلاقها، ولا بدعة. فإذا قال: أنت طالق لا للسنة ولا ~~للبدعة، طلقت، لوجود الصفة، وإن قال: أنت طالق للسنة، أو للبدعة، أو للسنة ~~والبدعة، طلقت في الحال؛ لأنه وصفها بصفة لا تتصف بها، فلغت الصفة، ووقع ~~الطلاق. فإن قال: أردت إيقاعه بها إذا صارت من أهل سنة الطلاق وبدعته، دين. ~~وهل يقبل في الحكم؟ يخرج على روايتين. # فصل: # إذا قال لمن لطلاقها سنة وبدعة: أنت طالق أحسن الطلاق، وأجمله، وأعدله، ~~وما أشبه هذا من الصفات الجميلة، طلقت للسنة. وإن قال: أقبح الطلاق، ~~وأسمجه، وما أشبهه من صفات الذم، طلقت للبدعة. # فإن قال: أردت بالأول طلاق البدعة، وبالثاني طلاق السنة؛ لأنه الأليق ~~بها، فإن كان أغلظ عليه، قبل قوله؛ لأنه مقر على نفسه، وإن كان أخف عليه، ~~دين. وهل يقبل في الحكم؟ يخرج على روايتين. # وإن قال: أنت طالق طلاق الحرج، فهو طلاق البدعة؛ لأنه يأثم به. وإن قال: ~~أنت طالق طلقة حسنة قبيحة، طلقت في الحال على أي صفة كانت؛ لأنه وصف الطلقة ~~بما لا تتصف به، فلغت الصفة، ووقع الطلاق. وإن قال لها: أنت طالق في كل قرء ~~طلقة وهي ممن لطلاقها سنة وبدعة، طلقت في كل حيضة طلقة، إلا على قولنا: ~~الأقراء: الأطهار، فإنه يقع في كل طهر طلقة، وإن كانت ممن لا سنة لطلاقها ~~ولا بدعة، طلقت في الحال طلقة، ثم إن كانت ممن يتجدد لها أقراء، طلقت في كل ~~قرء منها طلقة. ويحتمل أن لا تطلق في الحال شيئا؛ لأن القرء والطهر بين ~~الحيضتين، وليس ذلك لها. # فصل: # إذا قال لها: إن كنت حاملا، فأنت طالق، حرم وطؤها. نص ms0919 عليه؛ لأنه يحتمل ~~أن تكون حاملا فيغلب التحريم. وحكى أبو الخطاب رواية أخرى: لا يحرم وطؤها؛ ~~لأن الأصل عدم الحمل، ثم إن ولدت لأقل من ستة أشهر، تبينا وقوع الطلاق؛ ~~لأنها كانت حاملا. وإن ولدت لأكثر من أربع سنين، لم تطلق؛ لأننا علمنا أنها ~~لم تكن حاملا. وإن ولدت فيما بين ستة أشهر وأربع سنين ولم يكن لها من ~~يطؤها، طلقت؛ لأنها كانت حاملا. وإن كان لها زوج يطؤها، فولدت لأقل من ستة ~~أشهر من حين وطء، طلقت؛ لأننا علمنا أنه ليس من الوطء. وإن ولدته لأكثر من ~~ستة أشهر من وطئه، لم # PageV03P131 # تطلق؛ لأن الأصل عدم الحمل والطلاق. وإن قال لها: إن لم تكوني حاملا فأنت ~~طالق، حرم وطؤها قبل استبرائها؛ لأن الأصل عدم الحمل. وكل موضع يقع الطلاق ~~في التي قبلها لا يقع هاهنا، وكل موضع لا يقع ثم وقع هاهنا؛ لأنها ضدها، ~~إلا إذا أتت بولد لأكثر من ستة أشهر وأقل من أربع سنين، فهل يقع الطلاق ~~هنا؟ فيه وجهان: # أحدهما: تطلق؛ لأن الأصل عدم الحمل قبل الوطء. # والثاني: لا تطلق؛ لأن الأصل بقاء النكاح، ويحصل الاستبراء بحيضة. نص ~~عليه. لأن براءة الرحم تحصل بحيضة. وذكر القاضي رواية أخرى: أنها تستبرئ ~~بثلاثة قروء؛ لأنه استبراء حرة، فأشبهت عدتها، والأولى أصح؛ لأن المقصود ~~معرفة براءتها من الحيض، وهو يحصل بحيضة، وأما عدة الحرة بثلاثة قروء، ~~ففيها نوع من التعبد، ولذلك يجب مع علمنا ببراءة الرحم، مثل أن يكون زوجها ~~غائب عنها سنين، وقد حاضت قبل طلاقه حيضات كثيرة، فلا يجوز تعديتها إلى محل ~~لم يرد الشرع بالتعبد فيه، ولهذا كفى استبراؤها قبل يمينه. # وإن استبرأها قبل عقد اليمين، أجزأ؛ لأن معرفة براءة الرحم تحصل به، وهو ~~المقصود. ولو قال: إن كنت حاملا بذكر، فأنت طالق واحدة، وإن كنت حاملا ~~بأنثى، فأنت طالق اثنتين، فولدت ذكرا وأنثى، طلقت ثلاثا. # وإن قال إن كان حملك، أو ما في بطنك ذكرا، فأنت طالق واحدة، وإن كان ~~أنثى، فأنت طالق اثنتين، فولدت ms0920 ذكرا وأنثى، لم تطلق؛ لأن الشرط أن يكون ~~جميع حملها، أو ما في بطنها ذكرا أو أنثى، ولم يوجد. # فصل: # إذا قال: إذا ولدت ولدا فأنت طالق، فولدت ولدا حيا أو ميتا، ذكرا أو ~~أنثى، أو خنثى، طلقت؛ لأنه ولد. وإن قال: كلما ولدت ولدا، فأنت طالق، فولدت ~~ثلاثة دفعة واحدة، طلقت ثلاثا؛ لأن صفة الثلاث قد وجدت وهي زوجة، وإن ~~ولدتهم واحدا بعد واحد، من حمل واحد، طلقت بالأول طلقة، وبالثاني أخرى، ~~وبانت بالثالث، ولم تطلق به، ذكره أبو بكر؛ لأن العدة انقضت بوضعه، فصادفها ~~الطلاق بائنا، فلم يقع، كما لو قال: إذا مت، فأنت طالق. وقال ابن حامد: ~~تطلق به الثالثة؛ لأن زمن الوقوع زمن البينونة، ولا تنافي بينهما، والأول ~~أصح، وعليه التفريع. فلو قال: إن ولدت ذكرا، فأنت طالق واحدة. وإن ولدت ~~أنثى، فأنت طالق اثنتين، فولدتهما دفعة واحدة، طلقت ثلاثا. فإن ولدتهما ~~واحدا بعد واحد، وقع بالأول ما علق عليه، وبانت بالثاني ولم تطلق به. # فإن أشكل الأول منهما، طلقت واحدة بيقين، ولم تلزمه الثانية بالشك. وقال ~~القاضي: قياس المذهب أن يقرع بينهما، فمن خرجت قرعته فهو الأول. ولو قال: ~~إن كان أول ما تلدين ذكرا، فأنت طالق واحدة، وإن كانت أنثى، فأنت طالق ~~اثنتين، فولدتهما # PageV03P132 # دفعة واحدة، لم تطلق؛ لأنه لا أول فيهما. ومتى ادعت الولادة فصدقها، أو ~~ادعى هو ولادتها وأنكرته، طلقت بإقراره. فإن ادعته المرأة فأنكرها، لم تطلق ~~إلا ببينة؛ لأن هذا يمكن إقامة البينة عليه بخلاف الحيض. # فصل: # إذا قال لمدخول بها: إذا طلقتك، فأنت طالق، ثم طلقها، طلقت طلقتين، واحدة ~~بالمباشرة وأخرى بالصفة. فإن قال: أردت أنك تطلقين بما أوقعه من طلاقك ~~لأجعله شرطا، دين. وهل يقبل في الحكم؟ على روايتين؛ لأن الظاهر جعله شرطا. # وإن وكل من طلقها، فهو كمباشرته؛ لأن فعل الوكيل كفعل الموكل. وإن قال: ~~إذا طلقتك، فأنت طالق، ثم قال: إن قمت، فأنت طالق، فقامت، طلقت طلقتين، ~~واحدة بقيامها، وأخرى بالصفة؛ لأن الصفة تطليقة لها، وتعليقه لطلاقها ms0921 ~~بقيامها إذا اتصل به القيام، تطليق لها. # وإن قال مبتدئا: إن قمت فأنت طالق، ثم قال: إذا طلقتك فأنت طالق، فقامت، ~~طلقت واحدة بقيامها، ولم تطلق الأخرى؛ لأن هذا يقتضي ابتداء إيقاع، ووقوع ~~الطلاق هاهنا بالقيام، إنما هو وقوع بصفة سابقة لعقد الطلاق شرطا. # ولو قال: إذا قمت، فأنت طالق، ثم قال: إذا وقع عليك طلاقي، فأنت طالق، ~~فقامت، طلقت طلقتين،؛ لأن الطلاق الواقع بقيامها طلاقه، فقد وجدت الصفة. ~~ولو قال: إذا أوقعت عليك الطلاق فأنت طالق، ثم قال: إذا قمت فأنت طالق، ~~فقامت، طلقت اثنتين؛ لأن قوله: أوقعت عليك الطلاق، كقوله: طلقتك. وقال ~~القاضي: لا تطلق إلا طلقة بقيامها، ولا تطلق بالصفة؛ لأن ذلك يقتضي ~~مباشرتها به، لا وقوعه بالصفة. وإن قال: كلما طلقتك فأنت طالق، ثم قال: أنت ~~طالق، طلقت طلقتين، إحداهما بقوله: أنت طالق، والأخرى بالصفة، ولا تقع ~~الثالثة؛ لأن الصفة إيقاع الطلاق، ولم يتكرر، فلم يتكرر الطلاق. # وإن قال: كلما وقع عليك طلاقي، فأنت طالق، ثم وقع عليها طلاقه بمباشرة، ~~أو صفة، طلقت ثلاثا؛ لأن الثانية طلقة واقعة عليها، فتقع عليها الثالثة. ~~وإن قال: كلما وقع عليك طلاقي، فأنت طالق قبله ثلاثا، ثم قال: أنت طالق، ~~فقال ابن عقيل: تطلق واحدة بالمباشرة، ويلغو ما علق عليها؛ لأنه طلاق في ~~زمن ماض، فأشبه قوله: أنت طالق أمس. وقال القاضي: تطلق ثلاثا؛ لأنه وصف ~~المعلق بصفة يستحيل وصفه بها، فإنه يستحيل وقوعها بالشرط قبله، فلغت صفتها ~~بالقبلية، وصار كأنه قال: إذا وقع عليك طلاقي، فأنت طالق ثلاثا، فإن قال ~~لزوجتيه: كلما طلقت حفصة، فعمرة طالق، وكلما طلقت عمرة فحفصة طالق، ثم طلق ~~إحداهما، طلقتا جميعا، إحداهما بالمباشرة، والأخرى بالصفة. فإن كانت ~~المباشرة به حفصة، لم تزد واحدة منهما على طلقة؛ لأنه ما أحدث في عمرة ~~طلاقا، إنما طلقت بالصفة السابقة، وإن كانت المباشرة عمرة، # PageV03P133 # طلقت أخرى بالصفة الحادثة بعد تعليقه طلاقها، وإن قال لحفصة: كلما طلقت ~~عمرة، فأنت طالق، وقال لعمرة: كلما طلقت حفصة، فأنت طالق، ثم طلق ms0922 عمرة، ~~طلقت كل واحدة واحدة. وإن طلق حفصة طلقة، طلقت طلقتين، وطلقت عمرة واحدة. # وإن قال لأربع نسائه: أيتكن وقع عليها طلاقي، فضرائرها طوالق، ثم وقع ~~بإحداهن طلاقه، طلق الجميع ثلاثا. # فصل: # وإن كان له أربع نساء وعبيد، فقال: كلما طلقت امرأة، فعبد من عبيدي حر، ~~وكلما طلقت اثنتين، فعبدان حران، وكلما طلقت ثلاثا، فثلاثة أحرار، وكلما ~~طلقت أربعا، فأربعة أحرار، ثم طلق الأربع متفرقات أو متجمعات، فإنه يعتق من ~~عبيده خمسة عشر، يعتق بطلاق الواحد واحد، وبطلاق الثانية ثلاثة؛ لأنها ~~واحدة، وهي إلى صاحبتها اثنتان، ويعتق بطلاق الثالثة أربعة؛ لأنها واحدة، ~~وهي مع صاحبتيها ثلاث، ويعتق بطلاق الرابعة سبعة؛ لأنها واحدة وهي مع ~~الثالثة اثنتان، وهي مع صواحبها أربع. # وإن شئت، قلت: فيهن أربع صفات، هن أربع، فيعتق لذلك أربعة وهن أربعة، ~~آحاد، فيعتق بذلك أربعة أخر، وهن اثنتان واثنتان، فيعتق بذلك أربعة أخر، ~~وفيهن ثلاث، فذلك خمسة عشر، وقيل: يعتق عشرة، بالواحدة واحد، وبالثانية ~~اثنان، وبالثالثة ثلاثة، وبالرابعة أربعة، والأول أصح؛ لأن الصفة إذا تكررت ~~تكرر الجزاء، وإن كان في محل واحد، ولذلك لو قال: إن كلمت رجلا، فأنت طالق، ~~وإن كلمت أسود، فأنت طالق، وإن كلمت طويلا فأنت طالق، فكلمت رجلا أسودا ~~طويلا، طلقت ثلاثا. ولو قال: كلما أكلت رمانة فأنت طالق، وكلما أكلت نصف ~~رمانة فأنت طالق، فأكلت رمانة، طلقت ثلاثا واحدة لكونها رمانة، واثنتان ~~بأكلها النصفين. ولو قال: إذا ولدت ولدا، فأنت طالق، وإذا ولدت غلاما، فأنت ~~طالق. وإذا ولدت أسود، فأنت طالق، فولدت غلاما أسود، طلقت ثلاثا. # فصل: # إذا قال لزوجته: إذا حلفت بطلاقك، فأنت طالق، ثم قال: إن خرجت، فأنت ~~طالق، وإن لم تخرجي، فأنت طالق، أو إن لم يكن هذا القول حقا، فأنت طالق، ~~طلقت في الحال؛ لأنه حلف بطلاقها. وإن قال: إن طلعت الشمس، أو قدم الحاج، ~~فأنت طالق، ففيه وجهان: # أحدهما: لا تطلق حتى تطلع الشمس ويجيء الحاج؛ لأن الحلف ما قصد به المنع ~~من الشيء، أو الحنث عليه، أو ms0923 التصديق، وليس في طلوع الشمس، وقدوم الحاج # PageV03P134 # شيء من هذا، هذا قول القاضي في " المجرد " وابن عقيل. # والثاني: أنه حلف؛ لأنه تعليق على شرط فكان حلفا، كما لو قال: إن خرجت ~~فأنت طالق. هذا قول القاضي في " الجامع " وأبي الخطاب. وإن قال: إذا شئت ~~فأنت طالق، أو إذا حضت، أو إذا طهرت، فأنت طالق، لم يكن حلفا، وجها واحدا؛ ~~لأن تعليقه على المشيئة تمليك، وتعليقه على الحيض طلاق بدعة، وتعليقه على ~~الطهر طلاق سنة. # فإن قال: إذا حلفت بطلاقك، فأنت طالق. ثم أعاده ثانية، طلقت واحدة؛ لأنه ~~حلف بطلاقها. فإن أعاده ثالثا، طلقت ثانية. فإن أعاده رابعا، طلقت ثلاثا؛ ~~لأن كل مرة يوجد به صفة طلاق، وتنعقد بها صفة أخرى. ومثله لو قال: إن ~~كلمتك، فأنت طالق، وكرره أربعا، طلقت ثلاثا كذلك. # ولو قال لمدخول بهما: إذا حلفت بطلاقكما فأنتما طالقتان، وكرره أربعا، ~~طلقتا ثلاثا، فإن كانتا غير مدخول بهما، بانتا إذا أعاده مرة ثانية، ولم ~~يقع بهما بعده طلاق، فإن كانت إحداهما مدخولا بها، والأخرى غير مدخول بها، ~~فأعاده مرة، طلقت المدخول بها طلقة رجعية، والأخرى طلقة ثانية. # فإن أعاده ثانيا، لم تطلق واحدة منهما؛ لأن شرط طلاقهما الحلف بطلاقهما ~~ولم يحلف به؛ لأن غير المدخول بها لا يصح الحلف بطلاقها. وإن قال لمدخول ~~بهما، لإحداهما: إن حلفت بطلاق ضرتك، فأنت طالق، ثم قال للأخرى: مثل ذلك، ~~طلقت الأولى، وإن أعاده للأولى، طلقت الأخرى، وكلما أعاده لامرأة طلقت ~~الأخرى. # وإن قال: كلما حلفت بطلاقك، فضرتك طالق، ثم قال مثل ذلك لضرتها، طلقت، ~~فإن أعاده للأولى طلقت الضرة، فإن أعاده للثانية، طلقت الأولى، وكلما أعاده ~~لامرأة، طلقت ضرتها حتى تكمل ثلاثا. وإن كانت إحداهما غير مدخول بها، فطلقت ~~مرة، لم تطلق أخرى، ولم تطلق الأخرى بإعادته لها؛ لأنه ليس بحلف بطلاقها، ~~لكونها بائنا. # فصل: # وإن استعمل الطلاق أو العتاق استعمال القسم، وأجابه بجوابه فقال: أنت ~~طالق، لأقومن، أو ما قمت، أو لقد قمت، أو إني لقائم، وبر، لم يقع الطلاق؛ ms0924 ~~لأنه حلف بر فيه، فلم يحنث، كما لو حلف بالله، وإن حنث، وقع طلاقه. وإن ~~قال: أنت طالق، لولا أبوك لطلقتك، وكان صادقا، لم تطلق. وإن كان كاذبا. ~~طلقت. # فصل: # إذا قال: إن كلمتك، فأنت طالق، فاعلمي ذلك، أو فتحققيه، طلقت؛ لأنه كلمها ~~بعد عقد اليمين، إلا أن يريد بعد انقضاء كلامي هذا ونحوه، وإن زجرها فقال: ~~تنحي أو اسكتي، حنث؛ لأنه كلام. وإن سمعها تذكره فقال: الكاذب لعنه الله، ~~حنث؛ لأنه # PageV03P135 # كلمها. وإن قال: إن بدأتك بالكلام، فأنت طالق، فقالت: إن بدأتك الكلام، ~~فعبدي حر، انحلت يمينه بيمينها؛ لأنها كلمته، فلم يكن كلامه لها بعد ذلك ~~بداية، فإن كلمها، انحلت يمينها؛ لأنها لم تبدأه ما لم يكن لهما نية، وإن ~~قال: إن كلمتما هذين الرجلين، فأنتما طالقتان، فكلمت كل واحدة واحدا، ففيه ~~وجهان: # أحدهما: يطلقان؛ لأن تكليمهما وجد منهما. # والثاني: لا يطلقان حتى تكلم كل واحدة الرجلين معا؛ لأنه علق طلاقهما على ~~فعليهما معا. ولو قال: إن ركبتما هاتين الدابتين، فأنتما طالقتان، طلقتا ~~إذا ركبت كل واحدة دابة؛ لأن العرف في ركوب دابتيهما، أن يركب كل واحد ~~دابته. # ولو قال: أنت طالق إن كلمت زيدا ومحمد مع خالد، لم تطلق حتى تكلم زيدا في ~~حال يكون محمد مع خالد؛ لأن الجملة حال للجملة الأولى إلا أن يريد بكلامه ~~الاستئناف، فتطلق بكلام زيد بكل حال، وقال القاضي: يحنث بكلام زيد؛ لأن ~~الجملة الثانية استئناف، لا تعلق لها بالأولى. وإن قال: من بشرتني بقدوم ~~أخي، فهي طالق، فأخبره بذلك زوجتاه. وهما صادقتان، طلقت الأولى وحدها؛ لأن ~~البشارة خبر يحصل به سرور أو غم، وإنما تحصل بالأول، وإن كانتا كاذبتين لم ~~تطلق واحدة منهما؛ لأنه لا سرور في الكذب. # وإن كانت الأولى كاذبة، والثانية صادقة، طلقت الثانية وحدها لذلك. وإن ~~قال: من أخبرتني بقدوم أخي فهي طالق، فقال القاضي: هي كالتي قبلها سواء؛ ~~لأن المراد من الخبر الإعلام، ولا يحصل إلا بالخبر الأول الصدق. ويحتمل أن ~~تطلق الثانية والكاذبة؛ لأن الخبر يقع ms0925 على الجميع. # فصل: # إذا قال: أنت طالق إن شئت، أو متى شئت، أو غير ذلك من الحروف، فقالت: قد ~~شئت طلقت، سواء شاءت على الفور، أو التراخي؛ لأنه تعليق للطلاق على شرط، ~~فأشبه سائر التعليق. وإن قالت: قد شئت إن شئت، أو إن شاء أبي، لم تطلق وإن ~~شاء؛ لأنها لم تشأ، إنما علقت مشيئتها بمشيئته، كما لو قالت: قد شئت إذا ~~طلعت الشمس. ولو قال: أنت طالق إن شاء زيد، فشاء وهو مجنون أو طفل، لم ~~تطلق؛ لأنه لا مشيئة لهما، وكذلك إن شاء وهو سكران، وخرجه أصحابنا على ~~روايتين في طلاقه، وإن شاء وهو مميز، طلقت؛ لأن له مشيئة، ولذلك صح اختياره ~~لأحد أبويه، وخوطب بالاستئذان في العورات الثلاث. وإن كان أخرس فأومأ ~~بمشيئته، طلقت؛ لأن إشارته كنطق غيره. # وإن كان ناطقا فخرس فكذلك؛ لأنه من أهل الإشارة، ويحتمل أن لا يحنث؛ لأن ~~إشارته لا يعتد بها في تلك الحال في الشرع. وإن مات أو جن، لم تطلق؛ لأنه ~~لم يشأ # PageV03P136 # وحكي عن أبي بكر: أنها تطلق. وإن قال: أنت طالق إن شاءت البهيمة، فهو ~~تعليق للطلاق على المستحيل. وإن قال: أنت طالق لمشيئة أبيك، أو رضاه، طلقت ~~في الحال؛ لأن معناه: ليرضى، أو لكونه شاء، فإن قال: أردت تعليقه بذلك، قبل ~~منه؛ لأن ذلك يستعمل للشرط في قوله: أنت طالق للسنة. # فإن قال: أنت طالق إلا أن تشائي، فشاءت في الحال، لم تطلق، وإن لم تشأ، ~~طلقت؛ لأنه أوقعه عليها، إلا أن ترفعه مشيئتها، فإذا لم يوجد ما يرفعه، ~~وقع. وإن قال: أنت طالق واحدة، إلا أن تشائي ثلاثا، فشاءت ثلاثا، طلقت ~~ثلاثا، وإن لم تشأ، أو شاءت دون الثلاث، وقعت واحدة؛ لأن هذا هو السابق إلى ~~الفهم من ذلك. # وفيه وجه آخر أنها إذا شاءت ثلاثا، لم تطلق؛ لأنه علق وقوع الواحدة على ~~عدم مشيئتها الثلاث، ولم يوقع لمشيئتها شيئا، فأشبه قوله: إلا أن تشائي. ~~وإن قال: أنت طالق إن شئت وشاء أبوك، فشاء أحدهما منفردا، ms0926 لم تطلق؛ لأنه لم ~~يوجد الشرط. # فصل: # وإن قال: أنت طالق، إن كنت تحبين أن يعذبك الله بالنار، أو قال: إن كنت ~~تحبين ذلك [بقلبك] ، فقالت: أنا أحب ذلك، ففيه وجهان: # أحدهما: لا تطلق؛ لأنها لا تحب ذلك، وقولها كذب، لا يلتفت إليه. # والثاني: تطلق لأنه لما لم يوقف على ما في القلب، علق على النطق، ~~كالمشيئة. # فصل: # فإن قال: أنت طالق، أو عبدي حر إن شاء الله، طلقت زوجته، وعتق عبده، لما ~~روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: إذا قال الرجل لزوجته: أنت طالق ~~إن شاء الله، فهي طالق. ولأنه استثناء يرفع جملة الطلاق حالا ومآلا، فلم ~~يصح، كاستثناء الكل. فإن قال: أنت طالق، إن دخلت الدار إن شاء الله، ففيه ~~روايتان: # إحداهما: يقع الطلاق لما ذكرنا، والأخرى: لا يقع؛ لأن الطلاق المعلق بشرط ~~يمين، فيدخل في عموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من حلف على يمين، ~~فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه» رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. وإن ~~قال: أنت طالق، إلا أن يشاء الله، طلقت لما ذكرنا، ولأنه علق رفع الطلاق ~~على مشيئته لا يوقف عليها، وإن قال: أنت طالق ما لم يشأ الله، أو إن لم يشأ ~~الله، طلقت؛ لأنه علقه بمستحيل، فإن # PageV03P137 # وقوع طلاقها إذا لم يشأ الله محال، ويحتمل أن لا يحنث. وإن قال: أنت طالق ~~لتدخلن الدار إن شاء الله، لم يحنث دخلت الدار أو لم تدخل؛ لأنها إن دخلت، ~~فقد شاء الله، وإن لم تدخل، فلم يشأ الله تعالى. # فصل: # لا يصح تعليق الطلاق قبل النكاح، فلو قال لأجنبية: إن دخلت الدار، فأنت ~~طالق، فتزوجها ودخلت الدار، لم تطلق، لما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «لا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك ابن آدم وإن عينها» رواه ~~الدارقطني. وفي لفظ «لا طلاق فيما لا يملك» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. ~~وروى أبو داود والطيالسي نحوه. # وإن قال: كل امرأة أتزوجها، فهي طالق، ms0927 وإن تزوجت فلانة فهي طالق، ثم ~~تزوجها، لم يقع كذلك. قال أبو بكر: لا يختلف قول أبي عبد الله: إن الطلاق ~~إذا وقع قبل النكاح، لا يقع. # وقال غيره عن أحمد: ما يدل على أن الطلاق يقع؛ لأنه يصح تعليقه على ~~الإخطار، فصح تعليقه على الملك، كالوصية. والمذهب الأول، لما ذكرنا، ولأن ~~من لا يقع طلاقه بالمباشرة، لا يصح تعليقه، كالمجنون. # فصل: # إذا علق الطلاق بعد النكاح بوقت، طلقت بأوله؛ لأنه إذا علق بشيء، تعلق ~~بأوله، كما لو قال: أنت طالق، إذا دخلت الدار، طلقت بدخولها أول جزء منها. ~~فلو قال: أنت طالق في رمضان، طلقت بغروب شمس شعبان. وإن قال: أنت طالق ~~اليوم، طلقت في الحال. # وإن قال: أنت طالق غدا، طلقت بطلوع فجره. فإن قال: أردت في آخر الشهر ~~واليوم والغد، دين وهل يقبل في الحكم؟ يخرج على روايتين. وإن قال: أنت طالق ~~في أول رمضان، أو في غرته، طلقت في أوله، ولم يقبل قوله: نويت آخره؛ لأنه ~~لا يحتمله. # وإن قال: أردت بالغرة اليوم الثاني، قبل لأنه محتمل؛ لأن الثلاث الأول من ~~الشهر، تسمى غررا. وإن قال: أنت طالق إذا رأيت هلال رمضان، طلقت بأول جزء ~~منه؛ لأن رؤيته في الشرع عبارة عما يعلم به دخوله، بدليل قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» . فإن قال: أردت إذا ~~رأيته بعينيك، قبل؛ لأنه فسر اللفظ # PageV03P138 # بموضوعه، ويتعلق الحكم برؤيتها إياه بعد الغروب؛ لأن هلال الشهر ما كان ~~في أوله، ويحتمل أن يتعلق برؤيتها إياه قبل الغروب، وبعده؛ لأنه هلال للشهر ~~يتعلق به وجوب الصوم والفطر. وإن لم تره حتى أقمر، لم تطلق؛ لأنه ليس ~~بهلال. # واختلف فيما يقمر به، فقيل بعد ثالثة، وقيل باستدارته، وقبل إذا بهر ~~ضوءه. وإن قال: أنت طالق إلى شهر رمضان، طلقت في أول جزء منه، كقوله: في ~~شهر رمضان؛ لأنه جعل الشهر غاية للطلاق، ولا غاية لآخره، فوجب أن يجعل غاية ~~لأوله. # فإن قال: أردت الإيقاع في الحال، طلقت؛ لأنه ms0928 يقر على نفسه بما هو أغلظ. ~~وإن قال: أنت طالق في آخر أول الشهر، طلقت في آخر أول يوم منه؛ لأنه أوله. ~~وإن قال: في أول آخره، طلقت بطلوع فجر آخر يوم منه؛ لأنه آخره وقال أبو ~~بكر: تطلق في المسألتين. بغروب شمس اليوم الخامس عشر منه؛ لأنه آخر نصف ~~الشهر الأول وأول نصفه الآخر. # فصل: # إذا قال: إذا مضت سنة، فأنت طالق، اعتبر مضي سنة بالأهلة؛ لأنها السنة ~~المعهودة في الشرع. فإن قاله في أثناء شهر، كمل ذلك الشهر بالعدد، ثلاثين ~~يوما، وأحد عشر شهرا بالأهلة. وإن قال: أردت سنة بالعدد، وهي ثلاثمائة ~~وستون يوما، أو شمسية وهي ثلاثمائة وخمس وستون يوما، قبل؛ لأنه سنة حقيقية. ~~وإن قال: إذا مضت السنة، فأنت طالق، طلقت بانسلاخ ذي الحجة؛ لأن التعريف " ~~بالألف واللام " يقتضي ذلك. فإن قال: أردت سنة كاملة، دين. وهل يقبل في ~~الحكم؟ يخرج على روايتين. وإن قال: أنت طالق في كل سنة طلقة، طلقت في ~~الحال. ثم إذا مضت سنة كاملة، طلقت أخرى، وكذلك الثالثة. # وقال أبو الخطاب: تطلق الثانية بدخول المحرم، وكذلك الثالثة. فإن قال: ~~أردت أن تكون ابتداء السنين من أول الجديدة، دين. وهل يقبل في الحكم؟ يخرج ~~على روايتين. # فصل: # وإن قال: أنت طالق، إذا قدم فلان غدا، أو غدا إذا قدم فلان، لم تطلق حتى ~~يقدم؛ لأن الطلاق لا يقع قبل شرطه. فإن مات قبل قدومه، لم تطلق؛ لأنها لم ~~تبق محلا للطلاق. وإن قدم بعد الغد، لم تطلق، لفوات محل الطلاق، وإن قال: ~~أنت طالق يوم يقدم فلان، فقدم ليلا، لم تطلق؛ لأن الشرط لم يوجد، إلا أن ~~يريد باليوم الوقت، فتطلق. قال الله تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره} ~~[الأنفال: 16] . وإن قدم نهارا، طلقت، وهل تطلق في أول اليوم، أو حين ~~قدومه؟ فيه وجهان: # PageV03P139 # أحدهما: تطلق من أوله، كما لو قال: أنت طالق يوم الجمعة. # والثاني: لا تطلق إلا بعد قدومه؛ لأنه جعل قدومه فيه شرطا، فلا تطلق ~~قبله. فإن مات قبل قدومه، ms0929 طلقت على الوجه الأول، ولم تطلق على الثاني. # فصل: # وإن قال: أنت طالق اليوم، إن لم أطلقك اليوم، ولم يطلقها، طلقت في آخر ~~اليوم إذا بقي منه ما لا يتسع، لقوله: أنت طالق؛ لأن معناه إذا فاتني طلاقك ~~اليوم، فأنت طالق، وبهذا يفوت طلاقها. وقال أبو بكر: لا تطلق؛ لأن شرط ~~طلاقها خروج اليوم، وبخروجه يفوت محل طلاقها. # وإن قال: أنت طالق اليوم إذا جاء غد، فقال القاضي في موضع: يقع الطلاق في ~~الحال؛ لأنه علقه بشرط محال، فلغا شرطه، ووقع الطلاق، كما لو قال لآيسة: ~~أنت طالق للبدعة. وقال في " المجرد ": لا تطلق؛ لأنه لا يقع في اليوم، لعدم ~~الشرط وإذا جاء الغد، لم يمكن الطلاق في اليوم؛ لأنه زمن ماض. # فصل: # وإن قال: أنت طالق اليوم، غدا، طلقت واحدة؛ لأن من طلقت اليوم، فهي طالق ~~غدا. وإن قال: أردت طلقة اليوم، وطلقة غدا، طلقت اثنتين؛ لأنه يقر على نفسه ~~بما هو أغلظ. وإن قال: أردت نصف طلقة اليوم، ونصف غدا، فكذلك؛ لأن كل نصف ~~يكمل بالسراية، فيصيران طلقتين. وإن قال: أردت نصف طلقة اليوم، وباقيها ~~غدا، فكذلك في إحدى الوجهين؛ لأن باقيها نصف يكمل بالسراية. # والثاني: لا تطلق إلا واحدة؛ لأنه لما كمل النصف الأول، لم يبق من الطلقة ~~شيء، فلا باقي لها. فإن قال: أنت طالق في اليوم والغد، طلقت واحدة لما ~~ذكرنا. وإن قال: أنت طالق في اليوم وفي الغد، فكذلك في أحد الوجهين. وفي ~~الآخر: تطلق طلقتين؛ لأن إعادة حرف الصلة يقتضي فعلا، فكأنه قال: أنت طالق ~~في اليوم، وأنت طالق في غد. # فصل: # إذا قال: أنت طالق بعد موتي، لم تطلق؛ لأنها بعد موته بائن، فليست محلا ~~للطلاق. وإن قال: أنت طالق مع موتي لم تطلق؛ لأن زمن البينونة زمن الطلاق، ~~فلم يمكن إيقاعه. # وإن تزوج أمة أبيه، ثم قال: إذا مات أبي فأنت طالق، فمات أبوه، لم تطلق؛ ~~لأنه يملكها بموت أبيه، فينفسخ نكاحه، فيجتمع الفسخ والطلاق، فيمتنع وقوعه، ~~كالتي قبلها. وفيه وجه ms0930 آخر، أنها تطلق؛ لأن زمن الطلاق عقيب الموت، وهو # PageV03P140 # زمن الملك، والفسخ بعد الملك، فيتقدم الطلاق الفسخ فيقع. وإن قال: إن ~~اشتريتك، فأنت طالق، واشتراها، فعلى وجهين، كالتي قبلها. وإن قال الأب ~~لجاريته: إذا مت فأنت حرة، وقال الزوج: إذا مات أبي فأنت طالق، فمات الأب، ~~وقعت الحرية والطلاق معا؛ لأن الحرية تمنع ثبوت الملك له، فلا ينفسخ نكاحه، ~~فيقع طلاقه. # فصل: # إذا قال: أنت طالق أمس، أو قبل أن أتزوجك، لم يقع الطلاق. نص عليه؛ لأنه ~~إضافة إلى زمن يستحيل وقوعه فيه، فلم يقع، كما لو قال: أنت طالق قبل موتي ~~بشهر، ومات قبل مضي شهر، وقال القاضي في بعض كتبه: تطلق؛ لأنه وصف الطلقة ~~بما لا تتصف به، فلغت الصفة، ووقع الطلاق، كما لو قال لآيسة: أنت طالق ~~للبدعة. # وحكي عن أبي بكر أن الطلاق يقع في قوله: أنت طالق قبل أن أتزوجك خاصة؛ ~~لأنه يمكن أن يتزوجها بائنا. وهذا الوقت قبله فيقع فيه، بخلاف التي قبلها. ~~وإن قال: أردت طلاقها في الحال، وقع؛ لأنه يقر على نفسه بما هو أغلظ. وإن ~~قال: أردت أني طلقتها أمس، طلقت بإقراره. وإن قال: أردت أني طلقتها في نكاح ~~آخر، أو طلقها زوج قبلي، فقد ذكرنا حكمه فيما مضى. # وإن قال: أنت طالق قبل قدوم أخي بشهر، أو قبل موتي بشهر، فقدم أخوه، أو ~~مات مع مجيء الشهر أو قبله، لم تطلق؛ لأنه زمن ماض. وإن قدم أو مات بعد مضي ~~شهر وجزء يقع الطلاق فيه، تبينا أنه وقع في ذلك الجزء قبل الشهر. فإن خلعها ~~بعد تعليق طلاقها بيوم، ثم مات، أو قدم بعد التعليق بشهر وساعة، وقع الطلاق ~~دون الخلع؛ لأنها بانت بالطلاق، فكان الخلع لبائن. # وإن مات أو قدم بعد الخلع بشهر وساعة، صح الخلع؛ لأنه صادف زوجة ولم يقع ~~الطلاق؛ لأنها بانت بالخلع قبله. وإن قال: أنت طالق قبل موتي، طلقت في ~~الحال؛ لأنه قبل موته، وكذلك إن قال: أنت طالق قبل قدوم زيد، سواء قدم أو ms0931 ~~لم يقدم. ذكره القاضي. وإن قال: أنت طالق قبيل موتي، أو قبيل قدوم زيد، لم ~~يقع الطلاق إلا في الجزء الذي يلي الموت؛ لأن ذلك تصغير يقتضي الجزء ~~اليسير. # فصل: # وإن علقه على مستحيل، كقوله: أنت طالق إن طرت، ففيه وجهان: # أحدهما: لا تطلق؛ لأنه علقه على صفة لم توجد. # والثاني: تطلق؛ لأنه علق طلاقها على ما يرتفع به جملة، فلغا الشرط، ووقع ~~الطلاق، كقوله: أنت طالق طلقة لا تلزمك. ولو قال: أنت طالق إن لم تطيري، أو ~~تقتلي الميت، طلقت في الحال؛ لأنه معلوم عدمه. وإن قال: أنت طالق لتطيرن # PageV03P141 # فكذلك. وحكي عن القاضي أنه لا يحنث. # فصل: # إذا كتب إليها: إذا أتاك كتابي، فأنت طالق، فأتاها الكتاب، طلقت إذا ~~أتاها، وإن ذهبت حواشيه، أو انمحى ما فيه، إلا ذكر الطلاق، طلقت؛ لأنه ~~أتاها كتابه مشتملا على المقصود. وإن انمحى كل ما فيه، أو انمحى ذكر ~~الطلاق، أو ضاع الكتاب، لم تطلق؛ لأن المقصود لم يأت. وإن ذهب الكتاب إلا ~~موضع الطلاق، ففيه وجهان: # أحدهما: تطلق؛ لأن المقصود أتاها. # والثاني: لا تطلق؛ لأن الكتاب لم يأت. وإن قال إذا أتاك طلاقي، فأنت ~~طالق، ثم كتب: إذا أتاك كتابي، فأنت طالق، فأتاها الكتاب، طلقت طلقتين، ~~واحدة بمجيء الكتاب، والأخرى بمجيء الطلاق. # فصل: # إذا قال إن لم تخبريني بعدد حب هذه الرمانة، فأنت طالق، فإنها تعد له ~~عددا يعلم أن عددها داخل فيه، ولا يحنث إذا نوى ذلك. فإن لم ينو، حنث في ~~قياس المذهب؛ لأن الأيمان تنبني على المقاصد، وظاهر قصد الحالف العلم ~~بكميته، ولا يحصل بهذا. فإن قال: إن لم تميزي نوى ما أكلت من نوى ما أكلت، ~~فأنت طالق، فأفردت كل نواة وحدها، فالحكم فيها كالتي قبلها. # ولو وقعت في ماء جار، فقال: إن أقمت فيه، أو خرجت منه فأنت طالق، فقال ~~القاضي في " الجامع ": هي كذلك؛ لأن الظاهر قصده خروجها من النهر. وقال في ~~" المجرد " لا يحنث بحال؛ لأن الماء الذي كانت فيه جرى وصارت في غيره. ms0932 # ولو قال: إن كانت امرأتي في السوق، فعبدي حر، وإن كان عبدي في السوق، ~~فامرأتي طالق، وكانا في السوق، عتق العبد، ولم تطلق المرأة؛ لأن العبد عتق ~~باللفظ الأول، فلما عتق، لم يبق له في السوق عبد. # ولو كان في فيها تمرة فقال: إن أكلتيها، أو أمسكتيها، أو ألقيتيها، فأنت ~~طالق، فأكلت بعضها، ورمت بعضها، انبنى على فعل بعض المحلوف عليه. ولو كانت ~~على سلم، فحلف عليها ألا تنزل عنه، ولا تصعد عنه، ولا تقف عليه، فإنها ~~تنتقل إلى سلم آخر، ثم تنزل أو تصعد؛ لأن نزولها أو صعودها إنما حصل من ~~غيره. # ولو سرقت زوجته منه شيئا، فحلف: لتصدقني أسرقت مني شيئا، أم لا؟ وكانت قد ~~سرقت منه، وخشيت أن تخبره، فإنها تقول: سرقت منك ما سرقت منك. وتكون " ما " ~~هاهنا، بمعنى الذي. # فصل: # ومتى علق طلاق زوجته على صفة، ثم أبانها، ثم تزوجها قبل الصفة، عادت # PageV03P142 # الصفة؛ لأن العقد والصفة وجدا منه في الملك، فأشبه ما لو لم يتخللهما ~~بينونة. وإن وجدت الصفة حال البينونة، لم ينحل اليمين؛ لأنه لم يحنث في ~~يمينه، فلم تنحل، كما لو لم توجد الصفة، ولأن الملك مقدر في يمينه لتقييد ~~الطلاق به، ويتخرج أن تنحل الصفة، بناء على قوله في العتق، وهو اختيار أبي ~~الحسن التميمي؛ لأن الصفة وجدت فانحلت اليمين بها، كما لو وجدت حال الملك. # ولأن اليمين إذا تعلقت بعين، لم تتقيد بالملك، كما لو حلف: لا يدخل هذه ~~الدار وهي ملكه، والله أعلم. ### | باب الشك في الطلاق # . إذا شك هل طلق، أم لا؟ لم تطلق؛ لأن النكاح متيقن، فلا يزول بالشك. وإن ~~طلق فلم يدر، أواحدة طلق أم ثلاثا؟ بنى على اليقين كذلك، نص عليه أحمد. ~~فإذا ارتجعها، فعليه نفقتها. واختلف أصحابنا في حلها، فقال الخرقي: هي ~~محرمة؛ لأنه متيقن للتحريم الحاصل بالطلاق، شاك في حصول الحل بالرجعة، فلا ~~يزول التحريم المتيقن بالشك. # وقال غيره: تحل؛ لأن الرجعة مزيلة لحكم المتيقن من الطلاق، ومنهم من منع ~~حصول التحريم بالطلاق، ms0933 لكون الرجعية مباحة، فلم يكن التحريم متيقنا. والورع ~~أن يلتزم حكم الطلاق الأكثر، فيدعها حتى تقضي عدتها لتحل لغيره، لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» . # فصل: # وإذا قال لنسائه: إحداكن طالق، ولم ينو واحدة بعينها، أقرع بينهن، فأخرجت ~~بالقرعة المطلقة منهن، نص عليه؛ لأن ذلك يروى عن علي وابن عباس - رضي الله ~~عنهم - ولأن الطلاق إزالة ملك بني على التغليب والسراية، فتدخله القرعة، ~~كالعتق. # وإن نوى واحدة بعينها، طلقت وحدها؛ لأنه نوى بلفظه ما يحتمله فانصرف ~~إليه، وقوله في ذلك مقبول؛ لأنه لا يعلم إلا من جهته، فقبل منه، كقول ~~المرأة في حيضها. وإن قال: هذه المطلقة، بل هذه، طلقتا؛ لأن إقراره بطلاق ~~الثانية مقبول، ورجوعه عن طلاق الأولى غير مقبول. # وإن قال: طلقت هذه، بل هذه أو هذه، طلقت الأولى وإحدى الأخريين. وإن قال: ~~هذه، أو هذه، بل هذه طلقت الثالثة وإحدى الأوليين. وإن قال: طلقت هذه وهذه ~~أو هذه، احتمل أن يكون الشك في الجميع؛ لأنه أتى بحرف الشك بعد # PageV03P143 # الأوليين، فيعود إليهما، واحتمل أن يكون الشك في الثانية والثالثة؛ لأن ~~حرف الشك بينهما. وإن قال: طلقت هذه، أو هذه وهذه، ففي أحد الوجهين يكون ~~شاكا في طلاق الجميع، لا يدري أطلق الأولى وحدها، أو الأخريين جميعا؟ وفي ~~الأخرى يكون متيقنا لطلاق الثانية، شاكا في الأوليين. # وكل موضع علم أنه طلق بعضهن، فاشتبهت عليه بغيرها، فحكمها حكم المنسية ~~على ما سنذكره. وإن لم ينو واحدة بعينها، تعينت بالقرعة، وعليه نفقة الجميع ~~حتى تتعين المطلقة؛ لأنهن محبوسات عليه. # فصل: # وإن طلق واحدة بعينها ثلاثا وأنسيها، أو خفيت عليه، بأن طلقها في ظلمة، ~~أو من وراء حجاب، أو يراها في طاقة، فيطلقها وتشتبه عليه، فإنه يحرم عليه ~~الجميع؛ لأنه اشتبهت زوجته بغيرها فحرمتا، كما لو اشتبهت بمن لم يتزوجها. ~~وإن علمها، عينها، وقبل قوله؛ لأنه لا يعلم إلا من جهته. # فإن امتنع مع العلم، حبس حتى يعينها؛ لأنه حق عليه امتنع من إيفائه. ms0934 وإن ~~ادعت غير المعينة عليه أنها المطلقة، فالقول قوله من غير يمين. فإن مات، ~~أقرع بينهن. فمن خرجت لها القرعة فلا ميراث لها. قال إسماعيل بن سعيد: سألت ~~أحمد عن الرجل يطلق امرأة من نسائه، ولا يعلم أيتهن طلق، قال: أكره أن أقول ~~في الطلاق بالقرعة. قلت: أرأيت إن مات بعدها؟ قال: أقول بالقرعة، وذلك لأنه ~~تصير القرعة على المال. وقد روي عن علي - رضي الله عنه - في رجل له أربع ~~نسوة طلق إحداهن ثم مات، لا يدري أيتهن طلق، أقرع بين الأربع، وأنذر منهن ~~واحدة، وقسم بينهن الميراث. وكذلك إن ماتت إحداهن، أو متن جميعا أقرعنا ~~بينهن، فمن خرجت عليها القرعة، حرمناه ميراثها. # وقال الخرقي وكثير من أصحابنا: يقرع بينهن في حياته، فمن خرجت عليها قرعة ~~الطلاق، بانت، وحل له البواقي، احتجاجا بحديث علي - رضي الله عنه -. فإن ~~ذكر بعد ذلك أن المطلقة غيرها، بانت المذكورة؛ لأنها المطلقة، ويكون وطؤه ~~لها وطأ بشبهة، وترد إليه الأخرى، إلا أن تكون قد تزوجت، أو تكون القرعة ~~بحكم حاكم، فلا ترد، نص عليه؛ لأنها إذا تزوجت، فقد تعلق بها حق غيره، فلم ~~يقبل قوله في فسخ نكاح غيره. وقرعة الحاكم كحكمه، لا سبيل إلى نقضه. وقال ~~أبو بكر وابن حامد: لا ترد إليه التي عينتها القرعة بحال؛ لأنه لا يقبل ~~قوله عليها، ولا يرثها إن ماتت، وإن مات هو ورثته. # فصل: # وإن رأى طائرا فقال: إن كان غرابا فحفصة طالق، وإن كان حماما فعمرة طالق، ~~فطار ولم يعرف ما هو، لم يلزمه طلاق؛ لأنه يحتمل أنه غيرهما. ولو قال: إن ~~كان غرابا، فحفصة طالق، وإن لم يكن غرابا، فعمرة طالق، ولم يعرف ما هو، ~~طلقت # PageV03P144 # إحداهما. والحكم فيها على ما ذكرنا في المشتبهة، وإن كان الحالف رجلين، ~~فقد حنث أحدهما، فيحرم الوطء عليهما؛ لأننا علمنا التحريم في إحداهما، ~~فأشبه ما لو كان الحالف واحدا على زوجتين، ويبقى في حق كل واحد منهما أحكام ~~النكاح، من النفقة والكسوة والمسكن؛ لأن نكاحه كان متيقنا، ms0935 وزواله مشكوك ~~فيه. وإن قال أحدهما: إن كان غرابا، فعبدي حر، وقال الآخر: إن لم يكن ~~غرابا، فعبدي حر، لم يعتق واحد منهما؛ لأن الأصل الرق. فإن اشترى أحدهما ~~عبد صاحبه، عتق؛ لأن تمسكه بعبده اعتراف منه بعتق الآخر، وقد ملكه فيعتق، ~~قاله القاضي. وقال أبو الخطاب: يقرع بينهما حينئذ؛ لأن العبدين صارا له، ~~وقد علم عتق أحدهما لا بعينه، فيعتق بالقرعة إلا أن يكون أحدهما قد أقر أن ~~الحانث صاحبه، فيؤخذ بإقراره. # ولو كان الحالف واحدا فقال: إن كان غرابا، فعبدي حر، وإن لم يكن غرابا ~~فأمتي حرة، ولم يعرف، أقرع بينهما، فمن خرجت قرعته، فهو الحر؛ لأن القرعة ~~تستعمل لتعيين الحرية. # فصل: # إن قال لحماته: ابنتك طالق، أو كان اسم زوجته زينب فقال: زينب طالق، طلقت ~~زوجته. فإن قال: أردت ابنتك الأخرى، أو امرأة أجنبية اسمها زينب، دين؛ لأنه ~~يحتمل ما قاله، ولم يقبل في الحكم. نص عليه. لأن غير زوجته ليست محلا ~~لطلاقه، فلم يقبل تفسيره بها. وإن نظر إلى زوجته وأجنبية فقال: إحداكما ~~طالق، فكذلك؛ لما ذكرناه. وقال القاضي: هل يقبل في الحكم؟ على روايتين. # فصل: # فإن كانت له زوجتان، هند وزينب فقال: يا هند، فأجابته زينب، فقال: أنت ~~طالق ينوي المجيبة، أو لم يكن له نية، طلقت المجيبة وحدها؛ لأنها المخاطبة ~~بالطلاق، ولم يرد غيرها به. وإن قال: ظننت المجيبة هندا، فطلقتها، طلقت هند ~~رواية واحدة؛ لأنه أرادها بطلاقه، وفي زينب روايتان: # إحداهما: تطلق، اختارها ابن حامد؛ لأنه خاطبها بالطلاق فطلقت، كما لو لم ~~يكن له نية. # والثانية: لا تطلق؛ لأنه لم يردها بكلامه، فلم تطلق، كما لو أراد أن ~~يقول: أنت طاهر، فسبق لسانه بقوله، أنت طالق، وقال أبو بكر: لا يختلف كلام ~~أحمد: أنها لا تطلق. # وإن قال: علمت أن المجيبة زينب وأردت طلاق هند، طلقتا معا " هند " ~~بإرادته، وزينب بخطابه لها بالطلاق اختيارا. ولو لقي أجنبية ظنها زوجته ~~فقال: أنت طالق، طلقت زوجته؛ لأنه قصد زوجته بلفظ الطلاق، فطلقت، كالتي ~~قبلها. وإن ms0936 لقي زوجته # PageV03P145 # فظنها أجنبية فقال: تنحي يا مطلقة، أو أمته، فقال: تنحي يا حرة يظنها ~~أجنبية، فقال أبو بكر لا يلزمه عتق، ولا طلاق؛ لأنه لم يقصد طلاقا ولا ~~عتقا. ويخرج على قول ابن حامد: أن يقع العتق والطلاق بناء على المسألة في ~~أول الفصل. # PageV03P146 ### | كتاب الرجعة # إذا طلق الحر زوجته بعد الدخول بغير عوض أقل من ثلاث، أو العبد أقل من ~~اثنتين، فله ارتجاعها ما دامت في العدة، لقول الله سبحانه: {والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] إلى قوله تعالى: {وبعولتهن أحق ~~بردهن في ذلك} [البقرة: 228] . يريد الرجعة عند جماعة أهل التفسير. وقال ~~تعالى: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] . وروى ~~ابن عمر قال: «طلقت امرأتي وهي حائض، فسأل عمر - رضي الله عنه - النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال: مره فليراجعها» . متفق عليه. وعن عمر «أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - طلق حفصة وراجعها» . رواه أبو داود. # وإن انقضت عدتها، لم يملك رجعتها، لقوله سبحانه: {أحق بردهن في ذلك} ~~[البقرة: 228] وإن طلق قبل الدخول، فلا رجعة له؛ لأنه لا عدة عليها، فلا ~~تربص في حقها يرتجعها فيه، وكل هذا مجمع عليه بحمد الله. # فصل: # وإذا كانت حاملا باثنين فوضعت أحدهما، فله رجعتها قبل وضع الثاني؛ لأن ~~العدة # PageV03P147 # لا تنقضي إلا بوضع الحمل كله. وإن طهرت ذات القرء من القرء الثالث ولم ~~تغتسل، ففيه روايتان: # إحداهما: له رجعتها. اختاره كثير من أصحابنا؛ لأن ذلك يروى عن أبي بكر ~~وعمر وعلي وغيرهم. # والثانية: لا رجعة له، لقوله تعالى: {يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ~~[البقرة: 228] . وهي الحيض، وقد زال الحيض. وهذا اختيار أبي الخطاب. # فصل: # ويملك رجعتها بغير رضاها، لقول الله تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن ~~بمعروف} [الطلاق: 2] ولا تفتقر الرجعة إلى ولي ولا صداق لأنها إمساك. وهل ~~تفتقر إلى إشهاد؟ فيه روايتان: # إحداهما: تفتقر إلى الإشهاد، لقول الله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} ~~[الطلاق: 2] وظاهر الأمر الوجوب، ولأنه استباحة بضع مقصود، أشبه النكاح. # والثانية: لا يجب؛ لأنه إمساك لا يفتقر ms0937 إلى رضى المرأة، أشبه التكفير في ~~الظهار. # فصل: # والرجعية: زوجة، بدليل أن الله تعالى سمى الرجعة إمساكا، وسمى المطلقين ~~بعولة. فقال سبحانه وتعالى: {وبعولتهن أحق بردهن} [البقرة: 228] فيلحقها ~~طلاقه، وظهاره، ولعانه، وخلعه، ويرثها وترثه؛ لأنها زوجه، فثبت فيها ما ~~ذكرنا، كما قبل الطلاق. # فصل: # والرجعية مباحة لزوجها، فلها التزين والتشرف له، وله السفر بها، والخلوة ~~معها، ووطؤها في ظاهر المذهب، لقول الله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون} ~~[المؤمنون: 5] {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} ~~[المؤمنون: 6] وهذه زوجة. وعنه: أنها محرمة وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لأنها ~~معتدة من طلاقه فحرمت عليه، كالمختلعة. فإن وطئها، فلا حد عليه؛ لأنها ~~زوجته، ولا مهر عليه كذلك. ويحتمل أن يجب المهر على القول # PageV03P148 # بالتحريم، إذا أكرهها على الوطء؛ لأنه وطء حرمه الطلاق، فأشبه وطء ~~المختلعة. # فصل: # وتحصل الرجعة بالوطء في ظاهر المذهب، قصد، أو لم يقصد؛ لأن سبب زوال ~~الملك انعقد مع الخيار، والوطء من المالك يمنع زواله، كوطء البائع في مدة ~~الخيار، ولا يحصل باستمتاع سواه من قبله أو لمس، أو نظر إلى محرم منها، في ~~ظاهر كلام أحمد. وقال ابن حامد: يخرج فيه وجهان: مبنيان على الروايتين في ~~تحريم المصاهرة به. فأما الخلوة بها، فليست رجعة بحال؛ لأن تحريم المصاهرة ~~لا يثبت بها. # وقال بعض أصحابنا: يحصل بها؛ لأنه محرم من غير الزوجة، فأشبه الاستمتاع. ~~وعن أحمد: لا تحصل الرجعة إلا بالقول. وهو ظاهر كلام الخرقي، لقول الله ~~تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] ولا يحصل الإشهاد إلا على ~~القول، ولأنه استباحة بضع مقصود، أشبه النكاح. ### | فصل في ألفاظ الرجعة # فصل: # وألفاظ الرجعة: راجعتك، وارتجعتك، لورود السنة بهما في حديث ابن عمر. ~~واشتهارهما في العرف بهذا اللفظ، ورددتك وأمسكتك لورود الكتب بهما، في ~~قوله: {أحق بردهن} [البقرة: 228] وقوله تعالى: {فأمسكوهن بمعروف} [البقرة: ~~231] ويحتمل أن يكون الصريح لفظ المراجعة وحده، لاشتهاره في العرف دون ~~غيره. وإن قال: نكحتك، أو تزوجتك، ففيه وجهان: # أحدهما: تصح الرجعة به، اختاره ابن حامد؛ لأن ms0938 الأجنبية تحل به فالزوجة ~~أولى. # والثاني: لا يصح؛ لأنه وضع لابتداء النكاح، وهذه لاستدامته، فإن قال: ~~راجعتك للمحبة، أو الإهانة، فهي رجعة صحيحة؛ لأنه أتى بصريح الرجعة، وما ~~قرنه به يحتمل أن يكون بيانا للعلة، ويحتمل غيره، فلا يزول اللفظ عن مقتضاه ~~بالشك. فإن نوى به، أنني راجعتك لمحبتي إياك، أو لأهينك، لم يقدح في ~~الرجعة؛ لأنه ضم إليها بيان علتها. وإن لم يرد الرجعة، وإنما أراد راجعتك ~~إلى الإهانة بفراقي إياك، أو إلى المحبة، فليس برجعة؛ لأنه قصد بلفظه غير ~~الرجعة. # PageV03P149 # فصل: # ولا يصح تعليقها على شرط؛ لأنه استباحة بضع، فأشبهت النكاح. ولو قال: ~~راجعتك إن شئت، أو كلما طلقتك، فقد راجعتك، لم يصح. وإن راجعها في الردة. ~~فقال أبو الخطاب لا يصح؛ لأنه استباحة بضع، فأشبه النكاح. # وقال القاضي: إن قلنا بتعجل الفرقة، فلا يصح. وإن قلنا: لا تتعجل، فهي ~~موقوفة. إن أسلم، صحت، وإن لم يسلم، لم تصح، كما يقف الطلاق والنكاح. وهذا ~~اختيار ابن حامد. # فصل: # وإذا ادعت المرأة انقضاء عدتها بالقروء في زمن يمكن انقضاؤها فيه، أو ~~بوضع الحمل الممكن، فأنكرها الزوج، فالقول قولها، لقول الله تعالى: {ولا ~~يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} [البقرة: 228] فلولا أن قولهن ~~مقبول ما حرم عليهن كتمانه، كالشهود، لما حرم عليهم كتمان الشهادة، دل على ~~قبولها منهم. # وإن ادعت انقضاء عدتها بالشهور، فأنكرها، فالقول قوله؛ لأنه اختلاف في ~~وقت الطلاق، والقول قوله فيه، وإن ادعت انقضاءها في مدة لا يمكن انقضاؤها ~~فيها، لم تسمع دعواها، مثل أن تدعي انقضاءها بالقروء في أقل من ثمانية ~~وعشرين يوما. إذا قلنا: الأقراء: الأطهار. أو في أقل من تسعة وعشرين إذا ~~قلنا: هي الحيض؛ لأننا نعلم كذبها. وإن ادعت انقضاءها بالقروء في شهر، لم ~~يقبل قولها إلا ببينه. نص عليه؛ لأنه يروى عن علي - رضي الله عنه -. ولأن ~~ذلك يندر جدا. وظاهر قول الخرقي: قبول قولها بمجرده لما ذكرناه. # فصل: # وإن ادعى الزوج رجعتها في عدتها، فأنكرته، فالقول قوله؛ لأنه ms0939 يملك ~~رجعتها، فقبل قوله فيه، كالطلاق. فإن ادعى رجعتها بعد العدة، فأنكرته ~~فالقول قولها؛ لأنه في زمن لا يملكها. والأصل عدمها. فإن كان في زمن يمكن ~~انقضاء العدة، فيه. فقالت: قد انقضت عدتي، فقال: قد كنت راجعتك، وأنكرته، ~~لم يقبل قوله؛ لأن قولها في انقضاء عدتها مقبول، فصار دعواه للرجعة بعد ~~الحكم بانقضائها، ولو سبق فقال: قد كنت راجعتك، فقالت: قد انقضت عدتي قبل ~~رجعتك، فأنكرها، فالقول قوله؛ لأنه ادعى الرجعة قبل الحكم بانقضاء عدتها. ~~وظاهر كلام الخرقي: أن القول قولها في # PageV03P150 # الحالين؛ لأن من قبل قوله سابقا، قبل مسبوقا كسائر الدعاوى. وإن ادعى أنه ~~أصابها ليثبت له رجعتها، فأنكرته، فالقول قولها؛ لأن الأصل عدمها. # فصل: # فإن طلقها، فقضت عدتها وتزوجت، ثم ادعى رجعتها، [فصدقته] هي وزوجها، ردت ~~إليه؛ لأننا تبينا أن الثاني نكحها وهي زوجة الأول. وإن صدقه أحدهما دون ~~الآخر، قبل قوله وحده في حقه، فإن صدقه الزوج، انفسخ نكاحه لاعترافه ~~بفساده، ولم تسلم المرأة إليه؛ لأن إقرار الزوج عليها غير مقبول. # وإن كان هذا قبل دخوله بها، فلها عليه نصف المهر. وإن كان بعده، فلها ~~الجميع بمنزلة طلاقها. وإن صدقته المرأة وحدها، لم يقبل قولها في فسخ نكاح ~~الزوج. فإن بانت منه بطلاق أو غيره، ردت إلى الأول؛ لأن المنع الذي كان لحق ~~الثاني قد زال. # وإن طلقها قبل الدخول، فلا مهر لها، لاعترافها أنها ليست زوجة له. فإن ~~أنكراه، فالقول قولهما. فإن أقام بينة بدعواه، قبلت، وردت إليه، سواء دخل ~~بها الثاني، أو لم يدخل؛ لأننا تبينا أن الثاني نكحها وهي زوجة الأول. وعن ~~أبي عبد الله - رحمه الله - رواية أخرى: إن دخل بها الثاني، فهي زوجته، ~~ويبطل نكاح الأول؛ لأنه يروى عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ولأن كل ~~واحد منهما عقد عليها وهي ممن يجوز العقد عليها في الظاهر، ومع الثاني مزية ~~الدخول، والأول المذهب. # فصل: # وإن تزوجت الرجعية في عدتها فوطئها الثاني وحملت منه، انقطعت عدة الأول، ~~فإذا وضعت حملها، أتمت عدة ms0940 الأول، وله رجعتها في هذا التمام؛ لأنها في ~~عدته، وإن راجعها قبل الوضع، ففيه وجهان: # أحدهما: لا يصح؛ لأنها في عدة غيره، لا في عدته. # والثاني: يصح؛ لأن الزوجية باقية وإنما انقطعت عدته لعارض، فهو كما لو ~~وطئت في صلب نكاحه. # فصل: # وإن وطئ الزوج الرجعية، وقلنا: لا تحصل الرجعة به، فعليها استئناف العدة ~~من الوطء ويدخل فيها بقية عدة الطلاق؛ لأنهما عدتان من رجل واحد فتداخلتا ~~وله ارتجاعها في بقية العدة الأولى، وليس له ارتجاعها بعدها؛ لأن عدة ~~الطلاق انقضت. # PageV03P151 # فصل: # إذا طلق الحر زوجته ثلاثا، أو طلق العبد زوجته طلقتين، حرمت عليه، ولم ~~تحل له حتى تنكح زوجا غيره: ويطأها، لقول الله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل ~~له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] ويشترط لحلها الأول شرطان: # أحدهما: نكاح زوج غيره، للآية. فلو كانت أمة فوطئها سيدها، أو وطئت ~~بشبهة، أو استبرأها من سيدها، لم تحل له، ولا بد أن يكون نكاحا صحيحا، فلو ~~نكحها نكاحا فاسدا ووطئها، لم تحل له. وذكر أبو الخطاب وجها آخر، أنه ~~يحلها، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لعن الله المحلل والمحلل له» . ~~فسماه محللا مع فساد نكاحه. والمذهب: الأول؛ لأن النكاح المطلق في الكتاب ~~والسنة إنما يحمل على الصحيح، وإنما سماه محللا، لقصده التحليل فيما لا ~~يحل، كقوله تعالى: {فيحلوا ما حرم الله} [التوبة: 37] . فلو أحل حقيقة، لم ~~يكن هو والزوج ملعونين. # الثاني: أن يطأها الزوج في الفرج، وأدناه تغييب الحشفة مع الانتشار، لما ~~روت عائشة - رضي الله عنها - «أن رفاعة القرظي طلق امرأته فبت طلاقها، ~~فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، فجاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فقالت: إنها كانت عند رفاعة، فطلقها آخر ثلاث تطليقات، فتزوجت بعده بعبد ~~الرحمن بن الزبير، فقالت: والله ما معه إلا مثل هذه الهدبة، فتبسم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا، ~~حتى يذوق عسيلتك، وتذوقي عسيلته» متفق عليه. فإن وطئها في الدبر، أو ms0941 دون ~~الفرج، أو غيب الحشفة من غير انتشار، لم تحل؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - علق الحكم بذواق العسيلة، ولا يحصل بذلك. فإن كان الذكر مقطوعا، ~~فبقي منه قدر الحشفة، فأولجه، أحلها، وإلا فلا. وإن كان خصيا، أو مسلولا، ~~أو موجوءا، حلت بوطئه، لدخوله في عموم الآية. وعنه: لا يحلها؛ لأنه لا تذاق ~~عسيلته. قال أبو بكر: العمل على أنه يحلها؛ لأنه لا # PageV03P152 # يفقد إلا الإنزال، وهو غير معتبر في الإحلال. ولو كانت ذمية فوطئها زوج ~~ذمي، أحلها للمسلم، لدخوله في الآية والخبر. وكذلك المملوك والصبي ~~والمجنون. وقال ابن حامد: لا يحلها المجنون؛ لأنه لا يذوق العسيلة، والأول ~~المذهب، لدخوله في عموم الآية، والخبر. # ولا يصح دعوى أنه لا يذوق العسيلة، فإن المجنون كالصحيح في الشهوة ~~واللذة، وافتراقهما في العقل لا يوجب افتراقهما في ذلك، فإنه يوجد في ~~البهائم مع عدم العقل. وإن وطئها نائمة، أو مغمى عليها، أو وطئها يعتقدها ~~أجنبية، أو استدخلت ذكره وهو نائم، حلت؛ لأن الوطء وجد في نكاح صحيح، ~~ويحتمل ألا تحل بالوطء في الإغماء؛ لأنها لا تذوق عسيلته. # فصل: # واشترط أصحابنا أن يكون الوطء حلالا، فلو وطئها زوجها في حيض، أو نفاس، ~~أو صوم مفروض، أو إحرام، لم تحل؛ لأنه وطء حرم لحق الله تعالى فلم يحلها، ~~كوطء المرتدة. وظاهر النص أنه يحلها، لدخوله في العموم، ولأنه وطء تام في ~~نكاح صحيح تام فأحلها، كما لو كان التحريم لحق آدمي، مثل أن يطأ مريضة ~~تتضرر بوطئه، فإنه لا خلاف في حلها به. فأما الوطء في ردتهما، أو ردة ~~أحدهما، فلا يحلها؛ لأنه إن عاد إلى الإسلام، فقد وقع الوطء في نكاح غير ~~تام؛ لانعقاد سبب البينونة، وإن لم تسلم في العدة، فلم يصادف الوطء نكاحا. # فصل: # وإذا غابت المطلقة ثلاثا، ثم أتت زوجها، فذكرت أنها نكحت من أصابها، وكان ~~ذلك ممكنا، وكان يعرف منها الصدق والصلاح، حلت له؛ لأنها مؤتمنة على ما ~~تدعيه، وقد وجد ما يغلب على ظنه صدقها. # وإن لم يوجد ms0942 ما يغلب على ظنه صدقها، لم تحل له؛ لأن الأصل التحريم ولم ~~يوجد غلبة ظن تنقل عنه، فلم يحل، كما لو أخبره فاسق غيرها. فإن كذبها، ثم ~~غلب على ظنه صدقها فصدقها، حلت له؛ لأنه قد لا يعلم، ثم يتجدد علمه بذلك. ~~وإن تزوجت زوجا ثم طلقها، فادعت أنه أصابها، فأحلها واستقر عليه مهرها ~~فأنكر. فالقول قولها في حلها؛ لأنها لا تدعي عليه حقا، والقول قوله في ~~استقرار مهرها؛ لأنه حق عليه، والأصل عدمه. وإن ادعت عليه طلاقها فأنكرها، ~~لم تحل للأول؛ لأنه لم يثبت طلاقها، فتبقى على نكاح الثاني. # فصل: # وإذا عادت المطلقة ثلاثا إلى زوجها، بعد زوج وإصابة، ملك عليها ثلاث ~~تطليقات؛ لأنه قد استوفى ما كان يملك من الطلاق الثلاث، فوجب أن يستأنفها. ~~وإن # PageV03P153 # كان طلاقها أقل من ثلاث، رجعت إليه على ما بقي من طلاقها؛ لأنها عادت قبل ~~استيفاء العدد، فرجعت بما بقي من العدد، كما لو رجعت قبل نكاح آخر. وعنه: ~~أنها إن رجعت بعد نكاح زوج آخر رجعت على طلاق ثلاث؛ لأنها رجعت بعد زوج ~~وإصابة، فأشبهت المطلقة ثلاثا. # PageV03P154 ### | كتاب الإيلاء # . وهو الحلف على ترك وطء الزوجة أكثر من أربعة أشهر، لقول الله تعالى: ~~{للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} [البقرة: 226] ويصح من كل زوج ~~مكلف قادر على الوطء، ولا يصح من غير زوج، كالسيد يؤلي من أمته، أو من ~~أجنبية، ثم يتزوجها، لقوله تعالى: {من نسائهم} [البقرة: 226] ولا يصح من ~~صبي ولا مجنون؛ لأنه لا حكم ليمينهما. # فأما العاجز عن الوطء، فإن كان لسبب يرجى زواله، كالمرض والحبس، صح ~~إيلاؤه؛ لأنه يمنع نفسه الوطء بيمينه، فأشبه القادر، وإن كان لسبب غير مرجو ~~الزوال، كالجب، والشلل، لم يصح إيلاؤه؛ لأنه حلف ترك مستحيل، فلم يصح، ~~كالحلف على ترك الطيران، ولأن الإيلاء، اليمين المانعة من الجماع، وهذا لا ~~تمنعه منه يمينه، ويحتمل أن يصح إيلاؤه، كالعاجز بالمرض. ويصح إيلاء الذمي، ~~لعموم الآية، ولأن من صح طلاقه ويمينه عند الحاكم، صح إيلاؤه كالمسلم. ### | فصل في ms0943 شروط صحة الإيلاء # فصل: # ويشترط لصحته أربعة شروط: # أحدها: الحلف؛ لقوله تعالى: {للذين يؤلون} [البقرة: 226] والإيلاء: ~~الحلف. فإن حلف بالله تعالى، أو بصفة من صفاته، كان مؤليا بغير خلاف. وإن ~~حلف بالطلاق، أو العتاق، أو الظهار، أو صدقة المال ونحوه، ففيه روايتان: # PageV03P155 # إحداهما: لا يكون مؤليا؛ لأن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال في تفسير ~~الآية: يحلفون بالله. هكذا ذكره الإمام أحمد، ولأنه لم يحلف بالله. فلم يكن ~~مؤليا، كالحالف بالكعبة. # والثانية: يكون مؤليا؛ لأنها يمين يلزم بالحنث فيها حق، فيصح الإيلاء ~~بها، كاليمين بالله تعالى. وقال أبو بكر: ما أوجب الكفارة، كالحرام، كان به ~~مؤليا، وما لا كفارة فيه، كالطلاق والعتاق، لم يكن به مؤليا، ولا يختلف ~~المذهب أنه لا يكون مؤليا بما لا يلزمه به حق، كقوله: إن وطئتك، فأنت ~~زانية؛ لأنه لا يصح تعليق القذف بشرط، فلا يلزمها بالوطء حق، فلا يكون ~~مؤليا. ولو قال: إن وطئتك، فعلي صوم أمس، أو صوم هذا الشهر، لم يصح؛ لأنه ~~يصير عند وجوب الفيئة ماضيا، ولا يصح نذر الماضي. # وإن قال: إن وطئتك، فسالم حر عن ظهاري، صار مؤليا؛ لأنه يلزمه بالوطء حق، ~~وهو تعيين عتق سالم. وإن قال: إن وطئتك فسالم حر عن ظهاري، إن تظاهرت، لم ~~يكن مؤليا في الحال؛ لأنه يمكنه الوطء بغير حق يلزمه. وإن تظاهر، صار ~~مؤليا؛ لأنه لا يمكنه الوطء، إلا بحق يلزمه. # فصل: # الشرط الثاني: أن يحلف على ترك الوطء بالفرج؛ لأنه الذي يحصل الضرر به. ~~وإن حلف على ترك الوطء في الدبر، أو دون الفرج، فليس بمؤل؛ لأنه لا ضرر ~~فيه. وألفاظ الإيلاء تنقسم ثلاثة أقسام: # أحدها: صريح في الظاهر والباطن، وهي قوله: والله لا آتيك، أو لا أدخل، أو ~~أغيب، أو أولج ذكري، أو حشفتي، أو لا أفتضك، للبكر خاصة، فهذه صريحة ولا ~~يدين فيها؛ لأنها لا تحتمل غير الإيلاء. # والقسم الثاني: صريحة في الحكم، ويدين فيها. وهي عشرة ألفاظ: لا وطئتك، ~~لا جامعتك، لا أصبتك، لا باشرتك، لا مسستك، لا ms0944 قربتك، لا أتيتك، لا باضعتك، ~~لا باعلتك، لا اغتسلت منك، فهذه صريحة في الحكم؛ لأنها تستعمل في الوطء ~~عرفا، وقد ورد الكتاب والسنة ببعضها، فلا يقبل تفسيرها بما يحيله، كوطء ~~القدم، والإصابة باليد، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه يحتمل ما ~~قاله. # القسم الثالث: كناية وهو: ما عدا هذه الألفاظ، مما يحتمل الجماع وغيره، ~~كقوله: لأسوأنك، ولا دخلت عليك، لا جمع رأسي ورأسك شيء، فهذا لا يكون مؤليا ~~بها، إلا بالنية؛ لأنها ليست ظاهرة في الجماع، فلم يحمل عليه إلا بالنية، ~~ككنايات الطلاق فيه. فإن قال: والله لا جامعتك إلا جماع سوء، ونوى به ~~الجماع في الدبر، أو دون الفرج، # PageV03P156 # فهو مؤل. وإن نوى جماعا ضعيفا لا يزيد على تغييب الحشفة، فليس بمؤل؛ لأن ~~الضعيف كالقوي في الحكم. # فصل: # الشرط الثالث: أن يكون الحالف زوجا مكلفا، قادرا على الوطء في الجملة، ~~وقد ذكرنا ذلك. # الشرط الرابع: أن يحلف على مدة تزيد على أربعة أشهر. فإن حلف على أربعة ~~فما دونها، لم يكن مؤليا، حرا كان أو عبدا، من حرة أو أمة لقول الله تعالى: ~~{للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} [البقرة: 226] . فدل على أنه لا ~~يكون مؤليا بما دونها، ولأن المطالبة بالطلاق والفيئة، إنما تكون بعدها، ~~فلا تصح المطالبة من غير إيلاء، فإذا قال: والله لا وطئتك، كان مؤليا؛ لأنه ~~يقتضي التأبيد. وكذلك إن قال: حتى تموتي أو أموت؛ لأنه للتأبيد. وكذلك إن ~~علقه على مستحيل فقال: حتى تطيري، ويشيب الغراب، ويبيض القار؛ لأن معناه ~~التأبيد. قال الله تعالى: {ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} ~~[الأعراف: 40] . أي: لا يلج الجمل في سم الخياط، أي: لا يدخلونها، أبدا، ~~وإن علقه على فعل يقين، أو يغلب على ظنه، أنه لا يوجد في أربعة أشهر، كقيام ~~الساعة، وخروج الدجال، ونزول عيسى من السماء، أو موت زيد، فهو مؤل؛ لأنه لا ~~يوجد في أربعة أشهر ظاهرا، فأشبه ما لو صرح به. وإن قال: والله لا وطئتك ~~حتى تحبلي، فهو ms0945 مؤل؛ لأنها لا تحبل من غير وطئه، فهو كالحلف على ترك الوطء ~~دائما، وقال القاضي: إن كانت ممن يحبل مثلها، لم يكن مؤليا، ولا أعلم لهذا ~~وجها؛ لأنه لا يمكن حملها، من غير وطء. # وإن قال: أردت ب " حتى " السببية، أي لا أطؤك لتحبلي، قبل منه؛ لأنه ~~يحتمل ما قاله، ولا يكون مؤليا؛ لأنه يمكن وطؤها لغير ذلك. # وإن علقه على ما يعلم وجوده قبل أربعة أشهر، كجفاف بقل، أو ما يغلب على ~~الطن وجوده قبلها، كنزول الغيث في أوانه، وقدوم الحاج في زمانه، أو ما ~~يحتمل الأمرين على السواء، كقدوم زيد من سفر قريب، لم يكن مؤليا؛ لأنه لم ~~يغلب على الظن وجود الشرط، فلا يثبت حكمه. # وإن قال: والله ليطولن تركي لجماعك، ونوى مدة الإيلاء، فهو مؤل، وإلا ~~فلا. وإن قال: والله لأسوأنك، ولتطولن غيبتي عنك، ونوى ترك الجماع في مدة ~~الإيلاء، فهو مؤل؛ لأنه عنى بلفظه ما يحتمله، وإلا فلا، وإن قال: والله لا ~~وطئتك طاهرا، أو وطأ مباحا، فهو مؤل لأنه حلف على ترك الوطء الذي يطالب به ~~في الفيئة، فكان مؤليا، كما لو قال: والله لا وطئتك إلا في الدبر. # PageV03P157 # فصل: # وإن قال: والله لا وطئتك في هذا البيت، أو البلد، لم يكن مؤليا؛ لأنه ~~يمكنه الوطء بغير حنث. وإن قال: والله لا وطئتك إلا برضاك، أو، إلا أن ~~تشائي، فليس بمؤل كذلك، وكذلك: والله لا وطئتك مريضة، أو محزونة، أو مكرهة، ~~أو ليلا أو نهارا، لم يكن مؤليا كذلك. وإن قال: والله لا وطئتك إن شئت، ~~فشاءت، صار مؤليا، وإلا فلا. ### | فصل في حكم تعليق الإيلاء على شرط # فصل: # ويصح تعليق الإيلاء على شرط؛ لأنه يمين. فإذا قال: إن وطئتك فوالله لا ~~وطئتك، لم يصر مؤليا في الحال؛ لأنه يمكنه وطؤها بغير حنث. فإذا وطئها، صار ~~مؤليا؛ لأنه لا يمكنه الوطء إلا بحنث. وإن قال: والله لا وطئتك في هذه ~~السنة إلا مرة، لم يصر مؤليا في الحال كذلك. # فإذا وطئها وقد بقي من ms0946 السنة أكثر من أربعة أشهر، صار مؤليا؛ لأنه صار ~~ممنوعا من وطئها بيمينه. وإن قال: والله لا وطئتك سنة إلا يوما فكذلك؛ لأن ~~اليوم منكر، فلم يختص يوم بعينه، فصارت كالتي قبلها، ويحتمل أن يصير مؤليا ~~في الحال؛ لأن اليوم المستثنى يكون من آخر السنة، كما في التأجيل. # فصل: # فإن قال: والله لا وطئتك، عاما، ثم قال: والله لا وطئتك نصف عام، دخلت ~~المدة الثانية في الأولى؛ لأنها بعضها، ولم يعقب إحداهما بالأخرى، فتداخلا ~~كما لو قال: له علي مائة، ثم قال: له علي خمسون، فإن قال: والله لا وطئتك ~~عاما، فإذا مضى، فوالله لا وطئتك نصف عام، فهما إيلاأن في زمانين، لا يدخل ~~حكم أحدهما في الآخر. # فإذا انقضى حكم الأول، ثبت حكم الآخر. وإن قال: والله لا وطئتك أربعة ~~أشهر، فإذا مضت فوالله لا وطئتك أربعة أشهر، لم يكن مؤليا؛ لأن كل واحد من ~~الزمانين لا تزيد مدته على أربعة أشهر، ويحتمل أن يكون مؤليا؛ لأنه ممتنع ~~بيمينه من وطئها مدة متوالية أكثر من أربعة أشهر. # فصل: # وإن قال لأربع نسوة: والله لا أطأكن، انبنى على أصل، وهو: هل يحنث بفعل ~~بعض المحلوف عليه، أم لا؟ فيه روايتان: # إحداهما: يحنث فيكون مؤليا في الحال منهن؛ لأنه لا يمكنه وطء واحدة منهن، ~~إلا بحنث، فإذا وطئ واحدة، انحلت يمينه؛ لأنها يمين واحدة، فتنحل بالحنث ~~فيها، كما لو حلف على واحدة. # PageV03P158 # وعلى الأخرى: لا يحنث بفعل البعض، فلا يكون مؤليا في الحال؛ لأنه يمكن ~~وطء كل واحدة بغير حنث. فإذا وطئ ثلاثا، صار مؤليا في الرابعة، وابتداء ~~المدة حينئذ. فإن مات بعضهن، أو طلقها انحل الإيلاء؛ لأنه أمكنه وطء ~~الباقيات بغير حنث. وإن قال: والله لا وطئت واحدة منكن، صار مؤليا في ~~الحال؛ لأنه لا يمكنه الوطء إلا بحنث. # فإن طلق واحدة منهن، أو ماتت، كان مؤليا من الباقيات؛ لأنه تعلق بكل ~~واحدة منفردة. وإن وطئ واحدة، سقط الإيلاء من الباقيات؛ لأنها يمين واحدة، ~~فإذا حنث مرة، لم يعد الحنث ms0947 مرة ثانية، وإن نوى واحدة بعينها، كان مؤليا ~~منها وحدها، ويقبل قوله في ذلك؛ لأن اللفظ يحتمله، وهو أعلم بنيته. # وإن قال: نويت واحدة معينة، قبل؛ لأنه يحتمل ذلك. وقياس المذهب: أن يخرج ~~المؤلي منها بالقرعة، كالطلاق، وذكر القاضي: أن الحكم فيمن أطلق يمينه ولم ~~ينو شيئا، كذلك، والأول أولى؛ لأنه نكرة في سياق النفي، فيكون عاما. # ولو قال: والله لا وطئت كل واحدة منكن، كان مؤليا من جميعهن، ولم يقبل ~~قوله: نويت واحدة؛ لأن لفظه لا يحتمل ذلك، وتنحل اليمين بوطء واحدة، لما ~~ذكرنا. فإن طالبن بالفيئة، وقف لهن كلهن. وإن اختلفت مطالبتهن، وقف لكل ~~واحدة عند طلبها؛ لأنه لا يؤخذ بحقها قبل طلبها، وعنه: يوقف لهن جميعهن عند ~~طلب أولاهن؛ لأنها يمين واحدة، فكان الوقف لها واحدا. وإن قال لزوجتيه، ~~كلما وطئت إحداكما فالأخرى طالق. وقلنا بكونه إيلاء، فهو مؤل منهما. # فصل: # فإن قال: والله لا وطئتك، ثم قال للأخرى: شركتك معها، لم يصر مؤليا من ~~الثانية؛ لأن اليمين بالله، لا يصح إلا بلفظ صريح من اسم، أو صفة، وهذا ~~كناية. وقال القاضي: يكون مؤليا منهما. وإن قال: إن أصبتك. فأنت طالق، وقال ~~للأخرى: أشركتك معها ونوى، وقلنا بكونه إيلاء من الأولى، صار مؤليا من ~~الثانية؛ لأن الطلاق يصح بالكناية. ولو قال: أنت علي كظهر أمي، ثم قال ~~للأخرى: شركتك معها، كان مظاهرا منهما؛ لأن الظهار تحريم، فصح بالكناية ~~كالطلاق. وهل يفتقر إلى نية؟ فيه وجهان: # أحدهما: لا يفتقر إليها لأن التشريك لا بد أن يقع في شيء يوجب صرفه إلى ~~المذكور كجواب السؤال. # والثاني: يفتقر إليها ذكره أبو الخطاب؛ لأنه ليس صريح في الظهار، فافتقر ~~إلى النية، كسائر كناياته. # PageV03P159 # فصل: # ولا يطالب المؤلي بشيء قبل أربعة أشهر، للآية. وابتداء المدة من حين ~~اليمين؛ لأنها تثبت بالنص والإجماع، فلم تفتقر إلى حاكم، كمدة العدة. فإن ~~كان بالمرأة عذر يمنع الوطء، كصغر أو مرض أو نشوز أو جنون أو إحرام أو صوم ~~فرض، أو اعتكاف فرض، لم يحتسب عليه ms0948 بمدته؛ لأن المنع منها. وإن طرأ منه ~~شيء، انقطعت المدة؛ لأنها إنما ضربت لامتناع الزوج من الوطء، ولا امتناع ~~منه مع العذر. # ويستأنف المدة عند زوال العذر؛ لأن من شأنها أن تكون متوالية، ويحتسب ~~بمدة الحيض؛ لأنه عذر معتاد لا ينفك منه، فلو قطع المدة، سقط حكم الإيلاء، ~~وكذلك لا يقطع التتابع في الصيام. وفي النفاس وجهان: # أحدهما: هو كالحيض؛ لأنه مثله في أحكامه. # والثاني: هو كالمرض؛ لأنه عذر نادر، أشبه المرض. وإن كان بالزوج عذر، ~~حسبت عليه مدته، ولم يقطع المدة طريانه؛ لأن الامتناع من جهته، والزوجية ~~باقية، فحسبت عليه المدة. وإن آلى من الرجعية، احتسب عليه المدة، ذكره ابن ~~حامد. وإن طرأ الطلاق الرجعي، لم يقطع المدة؛ لأن الرجعية مباحة، ويحتمل أن ~~تنقطع إذا قلنا بتحريمها. وإن طلقها طلاقا بائنا، انقطعت المدة؛ لأنها حرمت ~~عليه، فإذا تزوجها وقد بقي من مدة الإيلاء أكثر من أربعة أشهر، استؤنفت ~~المدة، سواء كان الطلاق في المدة، أو بعدها. # فصل: # وإن وطئها، حنث وسقط الإيلاء، لزوال اليمين والضرر عنها، سواء وطئها ~~يقظانة، أو نائمة أو عاقلة أو مجنونة. وهكذا إن وطئها في حيض، أو نفاس، أو ~~إحرام، أو صيام، أو ظهار، لما ذكرنا. وقال أبو بكر: قياس المذهب ألا يخرج ~~من حكم الإيلاء، بالوطء الحرام؛ لأنه لا يؤمر به في الفيئة، فهو كالوطء في ~~الدبر، والأول أولى؛ لأن اليمين تنحل به، فيزول الإيلاء بزوالها. وإن وطئها ~~وهو مجنون، لم يحنث؛ لأن القلم عنه مرفوع، ويسقط الإيلاء؛ لأنه وفاها حقها، ~~ويحتمل ألا يسقط؛ لأن حكم اليمين باق، ولو أفاق، لمنعته اليمين الوطء. وقال ~~أبو بكر: يحنث وينحل الإيلاء؛ لأنه فعل ما حلف عليه. وإن وطئها، ناسيا فهل ~~يحنث؟ على روايتين. أصحهما: لا يحنث. فعلى هذا هل يسقط الإيلاء؟ على وجهين ~~كما ذكرنا في المجنون. # وإن استدخلت ذكره وهو نائم، لم يحنث؛ لأنه ما وطئ، وهل يسقط الإيلاء؟ على ~~وجهين، لما ذكرنا. وأدنى الوطء الذي تحصل به الفيئة تغييب الحشفة في الفرج؛ ~~لأن أحكام ms0949 الوطء تتعلق به، وإن # PageV03P160 # وطئها في الدبر، أو دون الفرج، لم يعتد به؛ لأن الضرر واليمين لا يزولان ~~به. # فصل: # وإذا وطئ لزمته الكفارة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من حلف على ~~يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» متفق عليه. ~~وإن كان الإيلاء بتعليق عتق، أو طلاق، وقع؛ لأنه معلق على شرط قد وجد. وإن ~~كان على نذر، خير بين الوفاء به والتكفير؛ لأنه نذر لجاج، وهذا حكمه. # وإن كان معلقا على طلاق ثلاث، لم يحل له الوطء؛ لأنه آخره يقع في أجنبية، ~~ويوقع طلاق البدعة من وجهين جمع الثلاث، ووقوعه بعد الإصابة، وذكر القاضي: ~~أن كلام أحمد يقتضي روايتين. فإن وطئ فعليه النزع حين يولج؛ لأن الحنث حصل ~~به فصارت أجنبية، فإذا فعل هذا، فلا حد عليه، ولا مهر؛ لأنه تارك للوطء، ~~وإن لبث أو أتم الإيلاج، فلا حد أيضا. لتمكن الشبهة منه لكونه وطأ بعضه في ~~زوجة، وفي المهر وجهان: # أحدهما: يجب؛ لأنه وطء في محل غير مملوك، أشبه ما لو وطئ بعد النزع. # والثاني: لا يجب؛ لأنه إيلاج في محل مملوك، فكان آخره تابعا له في سقوط ~~المهر، ويلحق النسب به. وإن نزع، ثم أولج وهما عالمان بالتحريم، فهما ~~زانيان زنا لا شبهة فيه، فعليهما الحد، ولا مهر لها إذا كانت مطاوعة. وإن ~~كانت مكروهة، أو جاهلة بالتحريم، فلا حد عليها، ولها عليه المهر. وإن جهلا ~~التحريم معا، فلا حد، ويجب لها المهر، ويلحقه النسب. وإن قال: إن وطئتك، ~~فأنت علي كظهر أمي، فقال أحمد: لا يطأ حتى يكفر، يريد أنه إذا وطئها مرة، ~~لم يكن له أن يطأها ثانيا، حتى يكفر؛ لأنها تصير محرمة عليه بالظهار، فأما ~~قبل ذلك، فلا يصح منه التكفير؛ لأنه لا يجوز تقديم الكفارة على سببها. # فصل: # وإن انقضت المدة ولم يطأ، فلها المطالبة بالفيئة، أو الطلاق، لقوله ~~تعالى: # PageV03P161 # {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم} ~~[البقرة: 226] {وإن عزموا ms0950 الطلاق فإن الله سميع عليم} [البقرة: 227] فإن ~~سكتت عن المطالبة، لم يسقط حقها، وإن عفت عنها، سقط حقها في أحد الوجهين، ~~كما لو عفت امرأة العنين. والآخر لا يسقط، ولها الرجوع، والمطالبة؛ لأنها ~~ثبتت لدفع الضرر بترك الوطء، وذلك يتجدد مع الأحوال، فأشبه النفقة والقسم ~~وإن طلب الإمهال، ولا عذر له، لم يمهل؛ لأن الحق حال عليه وهو قادر عليه. # وإن كان ناعسا فقال: أمهلوني حتى يذهب النعاس، أو جائعا فقال: أمهلوني ~~حتى أتغدى، أو حتى ينهضم الطعام، أو حتى أفطر من صيامي، أمهل بقدر ذلك. ولا ~~يمهل أكثر من قدر الحاجة، كالدين الحال. فإن وطئها، فقد وفاها حقها. # وإن أبى ولا عذر له أمر بالطلاق إن طلبت ذلك، فإن طلق، وقع طلاقه الذي ~~أوقعه، ولا يطالب بأكثر من طلقة؛ لأنها تفضي إلى البينونة، فإن امتنع، طلق ~~الحاكم عليه؛ لأنه حق تعين مستحقه، ودخلته النيابة، فقام الحاكم مقامه عند ~~امتناعه منه، كقضاء دينه. # وعن أحمد: لا تطلق عليه ولكن يحبس ويضيق عليه حتى يطلق؛ لأن ما خير فيه ~~بين شيئين، لم يقم الحاكم مقامه فيه، كاختيار إحدى الزوجات إذا أسلم على ~~أكثر من أربع. # فإن قلنا: إن الحاكم يملك الطلاق، فله أن يطلق واحدة أو ثلاثا؛ لأنه قائم ~~مقام الزوج، فملك ما يملكه. فإن طلق الزوج، أو الحاكم ثلاثا حرمت عليه، إلا ~~بزوج وإصابة. فإن طلق أحدهما أقل من ثلاث، فله رجعتها. وعن أحمد أنها تكون ~~طلقة بائنة؛ لأنها شرعت لدفع الضرر الحاصل منه، فوجب أن لا يملك رجعتها، ~~كالمختلعة. # وعنه: أن تفريق الحاكم يحرمها على التأبيد؛ لأنه تفريق حاكم، فأشبه فرقة ~~اللعان، والأول أصح؛ لأنه لم يستوف عدد طلاقها، فلم تحرم على التأبيد، كما ~~لو طلق الزوج. وإن قال الحاكم: فرقت بينكما، فهو فسخ للنكاح لا تحل له إلا ~~بنكاح جديد، نص عليه. ومتى وقع الطلاق، ثم ارتجعها، أو تركها ثم انقضت ~~عدتها، ثم تزوجها، أو طلق ثلاثا فتزوجت غيره، ثم تزوجها وقد بقي من مدة ~~الإيلاء أكثر من ms0951 أربعة أشهر، وقف لها؛ لأنه ممتنع من وطئها بيمين في حال ~~الزوجية، فأشبه ما لو راجعها. وإن بقي أقل من أربعة أشهر، لم يثبت حكم ~~الإيلاء، لقصوره عن مدته. # فصل: # وإن انقضت المدة وهي حائض، أو نفساء، لم تطالب بالفيئة؛ لأنها لا تستحق ~~الوطء في هذه الحال. وإن كان مغلوبا على عقله، لم يطالب أيضا؛ لأنه لا يصلح ~~لخطاب، ولا يصح منه جواب، وإن كان مريضا، أو محبوسا لا يمكنه الخروج، طولب # PageV03P162 # بفيئة المعذور، وهو أن يقول: متى قدرت جامعتها، أو نحو ذلك؛ لأن القصد ~~بالفيئة، ترك ما قصده من الإضرار بما أتى به من الاعتذار، فمتى قدر على ~~الوطء، طولب به؛ لأنه تأخر للعذر. فإن زال العذر، طولب به، كالدين. وهذا ~~اختيار الخرقي. وقال أبو بكر: إذا فاء فيئة المعذور، لم يطالب؛ لأنه فاء ~~مرة، فلم يلزمه فيئة أخرى، كالذي فاء بالوطء، لا يلزمه بالفيئة باللسان ~~كفارة؛ لأنه لم يحنث. وإن كان غائبا لا يمكنه القدوم، لخوف أو نحوه، فاء ~~فيئة المعذور. # وإن أمكنه القدوم، فلها أن توكل من يطالبه بالمسير إليها، أو حملها إليه، ~~أو الطلاق، وإن كان محرما، فاء فيئة المعذور في قول الخرقي لأنه عاجز عن ~~الوطء، أشبه المريض، ويتخرج في الاعتكاف المنذور مثله. # وإن كان مظاهرا، لم يؤمر بالوطء؛ لأنه محرم. ولا يحل الأمر بمعصية الله. ~~ويقال له: إما أن تكفر، وتفيء، وإما أن تطلق، فإن طلب الإمهال، ليطلب رقبة ~~يعتقها، أو طعاما يشتريه، أمهل ثلاثة أيام؛ لأنها قريبة. # وإن علم أنه قادر على التكفير، وأن قصده المدافعة. لم يمهل؛ لأن الحق حال ~~عليه، وإنما يمهل للحاجة، ولا حاجة. وإن كان فرضه الصيام، لم يمهل حتى ~~يصوم؛ لأنه كثير. وإن كان قد بقي عليه من الصيام مدة يسيرة، أمهل فيها، ~~ويتخرج أن يفيء المظاهر فيئة المعذور، ويمهل ليصوم كالمحرم، فإن أراد الوطء ~~في حال الإحرام، أو الظهار فمنعته، لم يسقط حقها؛ لأنها منعته مما يحرم، ~~فأشبه ما لو منعته في الحيض. وذكر القاضي: أنه يسقط ms0952 حقها؛ لأنها منعته من ~~إيفائه. وإن انقضت مدة العاجز، لجب، أو شلل، ففيئته: لو قدرت، لجامعتك؛ ~~لأنه لا قدرة له على غير ذلك. # فصل: # ومن طولب بالفيئة فقال: قد وطئتها فأنكرته، فإن كانت ثيبا فالقول قوله؛ ~~لأن الأصل بقاء النكاح، وعدم ما يوجب إزالته. وهل يحلف؟ على روايتين: # إحداهما: يحلف وهو اختيار الخرقي؛ لأن ما تدعيه المرأة محتمل، فوجب نفيه ~~باليمين. # والأخرى: لا يمين عليه اختاره أبو بكر؛ لأنه لا يقضى فيه بالنكول. وإن ~~كانت بكرا، أريت النساء الثقات، فإن شهدن ببكارتها فالقول قولها؛ لأنه يعلم ~~كذبه، وإلا فالقول قوله. وإن ادعى عجزه عن الوطء، ولم يكن علم أنه عنين، ~~ففيه وجهان: # أحدهما: لا يقبل قوله؛ لأن الأصل سلامته، فيؤمر بالطلاق. # والثاني: يقبل قوله؛ لأنه لا يعرف إلا من جهته. وإن اختلفا في انقضاء ~~المدة، فالقول قول الزوج؛ لأنه اختلاف في وقت حلفه، فكان القول قوله فيه. ~~وهل يحلف؟ # PageV03P163 # على روايتين والله أعلم. # فصل: # وإن ترك الزوج الوطء بغير يمين، فليس بمؤل؛ لأن الإيلاء من شرطه الحلف، ~~فلا يثبت بدونه، لكن إن تركه مضرا بها لغير عذر، ففيه روايتان: # إحداهما: لا يلزمه شيء؛ لأنه ليس بمؤل، فلا يثبت له حكم، كما لو تركه ~~لعذر، ولأن تخصيص الإيلاء بحكمه يدل على أنه لا يثبت بدونه. # والثانية: تضرب له مدة الإيلاء، وتوقف بعدها كالمؤلي سواء؛ لأنه تارك ~~لوطئها مضرا بها، فأشبه المؤلي، ولأن ما لا يجب إذا لم يحلف لا يجب إذا حلف ~~على تركه، كالزيادة على الواجب، وثبوت حكم الإيلاء له، لا يمنع من قياس ~~غيره عليه إذا كان في معناه كسائر الأحكام الثابتة بالقياس، والله أعلم. # PageV03P164 ### | كتاب الظهار # وهو قول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، أو ما أشبهه، وهو محرم؛ لقول ~~الله تعالى: {الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا ~~اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا} [المجادلة: 2] ويصح من ~~كل زوج يصح طلاقه؛ لأنه قول يختص النكاح، أشبه الطلاق، إلا الصبي، فلا يصح ms0953 ~~منه؛ لأنه يمين موجبة للكفارة، أشبه اليمين بالله وقال القاضي: ظهاره ~~كطلاقه، لما ذكرناه أولا. # ويصح ظهار الذمي؛ لأنه مكلف يصح طلاقه، فصح ظهاره، كالمسلم. # ولا يصح ظهار السيد من أمته، لقول الله تعالى: {من نسائهم} [البقرة: 226] ~~فخص به الزوجات، فإن ظاهر منها، أو حرمها، فعليه كفارة يمين، كما لو حرم ~~طعامه، وعنه: عليه كفارة ظهار. قال أبو الخطاب: ويتوجه ألا يلزمه شيء، كما ~~لو ظاهرت المرأة من زوجها، فإن ظاهر من أجنبية، ثم تزوجها، أو قال: كل ~~امرأة أتزوجها هي علي كظهر أمي، ثم تزوجها، لم تحل له حتى يكفر، لما روى ~~الإمام أحمد بإسناده عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال في رجل ~~قال: إن تزوجت فلانة، فهي علي كظهر أمي، ثم تزوجها قال: عليه كفارة الظهار، ~~ولأنها يمين مكفرة، فصح عقدها قبل النكاح، كاليمين بالله تعالى. # PageV03P165 # فصل: # فإن قال: أنت علي كظهر أمي، أو ظهر من يحرم عليه على التأبيد، كجدته، ~~وسائر ذوات محارمه من النسب، والرضاع، أو المصاهرة، فهو مظاهر؛ لأنه شبهها ~~بظهر من هي محل للاستمتاع، تحرم عليه على التأبيد، فكان مظاهرا، كما لو ~~قال: أنت علي كظهر أمي. # وإن شبهها بمن يحرم في حال دون حال، كأخت زوجته، وعمتها أو الأجنبية، ~~ففيه روايتان: # إحداهما: هي ظهار، اختاره الخرقي وأبو بكر؛ لأنه تشبيه بمحرم عليه، أشبه ~~تشبيهها بالأم. # والأخرى: ليس بظهار؛ لأنه شبهها بمن لا تحرم عليه على التأبيد، أشبه ~~تحريمها بالمحرمة والصائمة. وإن قال: أنت علي كظهر البهيمة، لم يكن مظاهرا؛ ~~لأنه ليس محلا للاستمتاع. وإن قال: أنت علي كظهر أبي، ففيه روايتان: # إحداهما: هو ظهار؛ لأنه شبهها بمحل محرم على التأبيد. أشبه التشبيه بظهر ~~الأم. # والأخرى: ليس بظهار؛ لأنه ليس بمحل الاستمتاع، أشبه التشبيه بالبهيمة. # فصل: # فإن قال: أنت عندي، أو معي، أو مني، كظهر أمي، فهو ظهار؛ لأنه تقيد بما ~~يفيده قوله: أنت علي كظهر أمي. وإن شبهها بعضو غير الظهر فقال: أنت علي ~~كفرج أمي، أو يدها، أو رأسها، ms0954 فهو ظهار؛ لأن غير الظهر، كالظهر في التحريم، ~~فكذلك في الظهار به، وإن شبه عضوا منها بظهر أمه، أو عضوا من أعضائها فقال: ~~ظهرك علي كظهر أمي، أو رأسك علي كرأس أمي، فهو مظاهر؛ لأنه قول يوجب تحريم ~~الزوجة، فجاز تعليقه على يدها ورأسها، كالطلاق. وما لا يقع الطلاق بإضافته ~~إليه، كالشعر، والسن، والظفر، لا يتعلق الظهار به. لما ذكرنا. # فصل: # فإن قال: أنت علي كأمي، أو مثل أمي، فهو مظاهر. فإن نوى به التشبيه في ~~الكرامة، أو نحوها فليس بظهار؛ لأنه يحتمل مقاله. وعنه: ليس بظهار حتى ~~ينويه؛ لأنه يحتمل غير الظهار، كاحتماله إياه، فليس يصرف إليه إلا بنية، ~~ككنايات الطلاق. وإن قال: أنت كأمي، أو مثلها، فليس بظهار إلا أن ينويه؛ ~~لأنه في غير التحريم أظهر. وقال أبو الخطاب: هي كالتي قبلها، وهكذا يتخرج ~~في قوله: رأسك كرأس أمي، أو يدك # PageV03P166 # كيدها، وما أشبهه، وقياس المذهب، أنه إن وجدت قرينة صارفة إلى الظهار، ~~مثل أن يخرجه مخرج اليمين، كقوله: إن خرجت من الدار، فأنت عندي كأمي، ~~وشبهه، فهو ظهار؛ لأن القرينة صارفة إليه، وإلا لم يكن ظهارا، لتردد ~~الاحتمالات فيه. وإن قال: أنت حرام كأمي، فهو صريح في الظهار؛ لأنه لا ~~يحتمل سوى التحريم. # فصل: # وإن قال: أنت طالق كظهر أمي، طلقت، ولم يكن ظهارا؛ لأنه أوقع الطلاق ~~صريحا، فوقع، وبقي قوله: كظهر أمي، غير متعلق بشيء، فلم يقع. فإن نوى به ~~الطلاق والظهار معا، فهو ظهار وطلاق. وإن نوى بقوله: أنت طالق: الظهار، لم ~~يكن ظهارا؛ لأنه صريح في موجبه، فلم ينصرف إلى غيره بالنية، كما لو نوى ~~بقوله: أنت علي كظهر أمي، الطلاق. ### | فصل في حكم تأقيت الظهار # فصل: # ويصح الظهار مؤقتا، كقوله: أنت علي كظهر أمي شهرا، لما روى سلمة بن صخر ~~قال: «ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ شهر رمضان، فبينا هي تخدمني ذات ليلة، إذ ~~انكشف منها شيء، فلم ألبث أن نزوت عليها، فانطلقت إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فأخبرته الخبر، فقال: ms0955 حرر رقبة» رواه أبو داود. # ولأنه يمين مكفرة صح توقيتها، كاليمين بالله تعالى. فإذا مضى الوقت، مضى ~~حكم الظهار. ويجوز تعليقه بشرط، كدخول الدار لذلك، فإذا وجد الشرط، ثبت حكم ~~الظهار، وإن قال: أنت علي كظهر أمي إن شاء الله، لم يصر مظاهرا لما ذكرناه. # فصل: # وإذا قالت المرأة لزوجها: أنت علي كظهر أبي، لم تكن مظاهرة؛ لقول الله ~~تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم} [المجادلة: 3] فعلقه على الزوج؛ ولأنه ~~قول يوجب تحريم الزوجة، يملك الزوج رفعه، فاختص الرجل، كالطلاق. وفي وجوب ~~الكفارة ثلاث روايات: # إحداهن: عليها كفارة الظهار، لما روى إبراهيم أن عائشة بنت طلحة قالت: إن ~~تزوجت مصعب بن الزبير، فهو علي كظهر أبي، فسألت أهل المدينة، فرأوا: أن ~~عليها # PageV03P167 # الكفارة. رواه الأثرم؛ ولأنها أتت بالمنكر من القول والزور بهذا اللفظ، ~~فلزمتها كفارة الظهار، كالرجل. # والثانية: لا شيء عليها؛ لأنه تشبيه غير ظهار، فلم يوجب الكفارة، كقولها: ~~أنت علي كظهر البهيمة. # والثالثة: عليها كفارة يمين، أومأ إليها بقوله: قد ذهب عطاء مذهبا، جعلها ~~بمنزلة من حرم على نفسه شيئا من الطعام، وهذا أقيس في مذهبه؛ لأنه تحريم ~~لحلال غير الزوجة، فأوجب كفارة يمين، كتحريم الأمة، وعليها التمكين قبل ~~الكفارة؛ لأنه حق عليها، فلا يسقط بيمينها، ولأنه قول غير الظهار، موجب ~~للكفارة، فأشبه اليمين بالله تعالى. # فصل: # وإذا صح الظهار، ووجد العود، وجبت الكفارة؛ لقول الله تعالى: {والذين ~~يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة} [المجادلة: 3] والعود: ~~هو الوطء في ظاهر كلام أحمد والخرقي. قال أحمد: العود: هو الغشيان؛ لأن ~~العود في القول فعل ضد ما قال، كما أن العود في الهبة، هو استرجاع ما وهب، ~~فالمظاهر: منع نفسه غشيانها، فعوده في قوله: غشيانها. # وقال القاضي وأصحابه: العود: العزم على الوطء؛ لأن الله تعالى أمر ~~بالتكفير عقيب العود قبل التماس بقوله سبحانه: {ثم يعودون لما قالوا فتحرير ~~رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 3] وعلى كلا القولين لا يحل له الوطء ~~قبل التكفير؛ لقوله سبحانه: {من قبل أن يتماسا} ms0956 [المجادلة: 3] فإن وطئ ~~قبله، أثم، واستقرت الكفارة عليه، ولم يجب عليه أكثر منها؛ لحديث سلمة حين ~~وطئ، فلم يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بأكثر من كفارة، وتحريمها باق ~~حتى يكفر، لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لسلمة: ما حملك ~~على ما صنعت؟ قال رأيت بياض ساقها في القمر. قال: فاعتزلها حتى تكفر» . # وأما قبل الوطء، فلا كفارة عليه. وإنما أمر بها لكونها شرطا لحل الوطء، ~~كاستبراء الأمة المشتراة. فإن فات الوطء بموت أحدهما، أو فرقتهما، فلا ~~كفارة عليه لذلك. وإن عاد فتزوجها، لم تحل له، حتى يكفر. وقال أبو الخطاب: ~~إن كانت الفرقة # PageV03P168 # بعد العزم، فعليه الكفارة. وهذا مقتضى قول من وافقه. وقد صرح أحمد ~~بإنكاره، وكذلك قال القاضي: لا كفارة عليه. # فصل: # وفي التلذذ بالمظاهر منها قبل التكفير بما دون الجماع، كالقبلة، واللمس، ~~روايتان: # إحداهما: يحرم؛ لأن ما حرم الوطء من القول، حرم دواعيه، كالطلاق. # والثانية: لا تحرم؛ لأنه تحريم يتعلق بالوطء، فيه كفارة، فلم يتجاوز ~~الوطء، كتحريم الحيض؛ ولأن المسيس هنا كناية عن الوطء، فيقتصر عليه. # فصل: # وإذا ظاهر من أربع نسوة بأربع كلمات، فعليه لكل واحدة كفارة؛ لأنها أربع ~~أيمان في محال مختلفة، فأشبه ما لو وجدت في أربعة أنكحة. قال ابن حامد ~~والقاضي: هذا المذهب رواية واحدة. # وقال أبو بكر: فيه رواية أخرى: يجزئه كفارة واحدة؛ لأن ذلك يروى عن عمر - ~~رضي الله عنه -؛ ولأن الكفارة حق الله تعالى، فلم تتكرر بتكرر سببها كالحد. # وإن ظاهر منهن بكلمة واحدة، فكفارة واحدة، رواية واحدة، لما روى ابن ~~عباس: أن عمر سئل عن رجل ظاهر من نسوة، فقال: يجزئه كفارة واحدة؛ ولأنها ~~يمين واحدة فلم توجب أكثر من كفارة، كاليمين بالله تعالى. # وإن ظاهر من امرأة مرارا ولم يكفر، فكفارة واحدة في ظاهر المذهب؛ لأن ~~اليمين الثانية لم تؤثر تحريما في الزوجة، فلم يجب بها كفارة الظهار، ~~كاليمين بالله. # وعن أحمد: ما يدل على أنه إن نوى بالثانية الاستئناف، وجب بها كفارة ~~ثانية؛ لأنه ms0957 قول يوجب تحريما في الزوجة، فإذا نوى به الاستئناف، تعلق به ~~حكم، كالطلاق، والمذهب الأول. # فأما إن كفر عن الأولى، فعليه للثانية كفارة واحدة رواية واحدة؛ لأنها ~~أثبتت في المحل تحريما، أشبهت الأولى. وإن قال: كل امرأة أتزوجها، فهي علي ~~كظهر أمي، ثم تزوج نساء في عقد واحد، فكفارة واحدة. # وإن تزوجهن في عقود، فكذلك في إحدى الروايتين؛ لأنها يمين واحدة. ~~والأخرى: لكل عقد كفارة. فلو تزوج امرأتين في عقد، وأخرى في عقد، لزمته ~~كفارتان؛ لأن لكل عقد حكم نفسه، فتعلق بالثاني كفارة، كالأول. # فصل: # وإن ظاهر من زوجته الأمة، ثم ملكها، فقال الخرقي: لا يطؤها حتى يكفر، ~~يعني: كفارة الظهار؛ لقول الله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون ~~لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 3] . # PageV03P169 # وقال أبو بكر: عليه كفارة يمين لا غير؛ لأنها خرجت عن الزوجات، فلم يجب ~~بوطئها كفارة ظهار، كما لو تظاهر منها وهي أمة، فإن أعتقها عن كفارته، جاز. ~~فإذا تزوجها بعد ذلك، لم يعد حكم الظهار. والله تعالى أعلم. ### | باب كفارة الظهار # . الواجب فيها تحرير رقبة، فمن لم يجد، فصيام شهرين متتابعين، فمن لم ~~يستطع فإطعام ستين مسكينا؛ لقول الله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم ثم ~~يعودون لما قالوا فتحرير رقبة} [المجادلة: 3] . وروى أبو داود بإسناده عن ~~خولة بنت مالك بن ثعلبة. قالت: «تظاهر مني أوس بن الصامت، فجئت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أشكو إليه، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يجادلني فيه، فما برحت حتى نزل القرآن. {قد سمع الله قول التي تجادلك في ~~زوجها} [المجادلة: 1] فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يعتق رقبة ~~قلت: لا يجد، قال: فيصوم شهرين متتابعين قلت: يا رسول الله، إنه شيخ كبير ~~ما به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكينا» فمن ملك رقبة، أو مالا يشتري به ~~رقبة، فاضلا عن حاجته لنفقته وكسوته ومسكنه، وما لا بد له من مؤنة عياله ~~ونحوه، لزمه العتق؛ لأنه واجد، فإن كانت له رقبة لا ms0958 يستغني عن خدمتها لكبره ~~أو لمرضه، أو لكونه ممن لا يخدم نفسه، أو يحتاج إليها لخدمة زوجته التي ~~يلزمه إخدامها، أو يتقوت بغلتها، أو يتعلق بها حاجة لا بد منها، لم يلزمه ~~عتقها؛ لأن ما تستغرقه حاجته، كالمعدوم في جواز الانتقال إلى البدل، كمن ~~معه ماء يحتاج إليه للعطش في التيمم، فإن كانت فاضلة عن حاجته الأصلية، ~~لزمه عتقها؛ لأنه مستغن عنها فإن كان ماله غائبا، ففيه وجهان: # أحدهما: له التكفير بالصيام؛ لأن عليه ضررا في تحريم الوطء إلى حضور ~~المال، فكان له الصوم كالمعسر. # والثاني: لا يجزئه إلا العتق؛ لأنه مالك لما يشتري به رقبة، ولأنه فاضل ~~عن كفايته. ولو كان ذلك في كفارة القتل والجماع، لم يكن له التكفير ~~بالصيام؛ لأنه قادر على التكفير بالعتق من غير ضرر، فلزمه، كمن ماله حاضر، ~~ويحتمل أن يجوز له الصوم؛ لأنه عاجز في الحال فأشبه المظاهر. # PageV03P170 # فصل: # والاعتبار بحال وجوب الكفارة في أظهر الروايتين؛ لأنها تجب على وجه ~~التطهير، فاعتبر فيها حال الوجوب، كالحد. # والثانية: الاعتبار بأغلظ الأحوال من حين الوجوب إلى الأداء، فأي وقت قدر ~~على العتق، لزمه؛ لأنه حق يجب في الذمة، بوجود المال، فاعتبر فيه أغلظ ~~الأحوال، كالحج. فإن لم يقدر حتى شرع في الصيام، لم يلزمه الانتقال إلى ~~العتق؛ لأنه وجد المبدل بعد الشروع في صوم البدل، فأشبه المتمتع يجد الهدي ~~بعد الشروع في الصيام. # وإن أحب الانتقال إليه بعد ذلك أو قبله على الرواية الأولى، فله ذلك؛ ~~لأنه الأصل، فيجزئه كسائر الأصول، إلا العبد إذا أعتق بعد وجوب الكفارة ~~عليه، فليس له إلا الصوم؛ لأنه لم يكن يجزئه غيره عند الوجوب، فكذلك بعده. ### | فصل في شروط الرقبة في كفارة الظهار # فصل: # ولا يجزئ في الكفارات كلها إلا رقبة مؤمنة، لقول الله تعالى: {ومن قتل ~~مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] . نص على المؤمنة في كفارة ~~القتل، وقسنا عليها سائر الكفارات؛ لأنها في معناها. وعنه: يجزئه في سائر ~~الكفارات ذمية، لإطلاق الرقبة فيها. # فصل: # ولا يجزئ إلا ms0959 رقبة سالمة من العيوب المضرة بالعمل ضررا بينا؛ لأن المقصود ~~تمليك العبد منفعته، وتمكينه من التصرف، ولا يحصل هذا مع العيب المذكور، ~~فلا يجزئ الأعمى؛ لأنه يعجز عن الأعمال التي يحتاج فيها إلى البصير، ولا ~~الزمن، ولا مقطوع اليد أو الرجل؛ لأنه يعجز عن أعمال كثيرة، ولا مقطوع ~~الإبهام أو السبابة أو الوسطى من اليد؛ لأن نفعها يبطل بهذا، ولا مقطوع ~~الخنصر والبنصر في يد واحدة كذلك، وقطع أنملتين من أصبع كقطعها؛ لأن نفعها ~~يذهب بذلك، ولا يمنع قطع أنملة واحدة؛ لأنها تصير كالإصبع القصيرة إلا ~~الإبهام، فإنها أنملتان، فذهاب إحداهما كقطعها، لذهاب نفعها، وإن قطعت ~~الخنصر من يد، والبنصر من أخرى، لم يمنع؛ لأن نفع اليد لا يبطل به. ولا ~~يجزئ الأعرج عرجا فاحشا؛ لأنه يضر بالعمل، فهو كقطع الرجل، فإن كان عرجا ~~يسيرا، أجزأ؛ لأنه لا يضر ضررا بينا. # ولا يجزئ الأخرس الذي لا تفهم إشارته، فإن فهمت إشارته، فالمنصوص أن ~~الأخرس لا يجزئ. وقال القاضي وأبو الخطاب: يجزئ، إلا أن يجتمع معه الصمم، ~~فإنهما إذا اجتمعا أضرا ضررا بينا. # PageV03P171 # ولا يجزئ المجنون جنونا مطبقا؛ لأنه لا يصلح لعمل، ولا من أكثر زمنه ~~الجنون؛ لأنه يعجز عن العمل في أكثر زمنه، فإن كان أكثره الإفاقة، ولا ~~يمنعه من العمل، أجزأ لعدم الضرر البين. # فصل: # ويجزئ الأعور؛ لأنه يدرك ما يدركه ذو العينين، وأجدع الأنف والأذنين ~~والأصم؛ لأنه كغيره في العمل. ويجزئ الخصي والمجبوب كذلك، ويجزئ المرهون ~~والجاني والمدبر وولد الزنا كذلك، ويجزئ الأحمق وهو الذي يخطئ ويعتقد خطأه ~~صوابا. # ويجزئ المريض الموجو برؤه، والنحيف القادر على العمل، فأما ما لا يرجى ~~برؤه، أو لا يقدر على العمل فلا يجزئ؛ لأنه لا عمل فيه. ويجزئ عتق الغائب، ~~المعلوم حياته؛ لأنه ينتفع بنفسه حيث كان، وإن شك في حياته، لم تبرأ ذمته؛ ~~لأن الوجوب ثابت بيقين، فلا يزول بالشك، فإن تبين أنه كان حيا، تبينا أن ~~الذمة برئت بعتقه. # فصل: # ولا يجزئ عتق الجنين؛ لأنه لم يثبت له أحكام الرقاب، ms0960 فإن أعتق صبيا، فقال ~~الخرقي: لا يجزئه حتى يصلي ويصوم؛ لأن الإيمان قول وعمل، ولأنه لا يصح منه ~~عبادة، لفقد التكليف، فلم يجزئ في الكفارة كالمجنون. # وقال القاضي: لا يجزئ من له دون السبع في ظاهر كلام أحمد، وقال في موضع ~~آخر: يجزئ عتق الصغير في جميع الكفارات، إلا كفارة القتل، فإنها على ~~روايتين. وقال أبو بكر وغيره: يجزئ الطفل في جميع الكفارات؛ لأنه ترجى ~~منافعه وتصرفه، فأجزأ كالمريض المرجو. ولا يجزئ عتق مغصوب؛ لأنه ممنوع من ~~التصرف في نفسه، فأشبه الزمن. # فصل: # ولا يجزئ عتق أم الولد في ظاهر المذهب؛ لأن عتقها مستحق بسبب آخر، فلم ~~يجزئ كعتق قريبه، ولأن الرق فيها غير كامل، بدليل أنه لا يملك نقل ملكه ~~فيها، وعنه: تجزئ؛ لأنها رقبة، فتتناول الآية بعمومها. وفي المكاتب ثلاث ~~روايات: # إحداهن: يجزئ مطلقا. # والأخرى: لا يجزئ مطلقا، ووجهها ما ذكرنا. # والثالثة: إن أدى من كتابته شيئا، لم يجزئ؛ لأنه حصل العوض عن بعضها، فلم ~~يعتق رقبة كاملة، وإن لم يؤد شيء أجزأ؛ لأنه لم يقتض عن شيء منها، أشبه ~~المدبر. # PageV03P172 # فصل: # وإن اشترى من يعتق عليه ينوي بشرائه العتق عن الكفارة، عتق ولم يجزئه؛ ~~لأن عتقه مستحق في الكفارة، فلم يجزئه، كما لو استحق عليه الطعام في ~~النفقة، فدفعه عن الكفارة. وإن اشترى عبدا بشرط العتق، فأعتقه عن الكفارة، ~~لم يجزه كذلك، ولو قال: إن وطئتك فعلي أن أعتق عبدي، ثم وطئها وأعتق العبد ~~عن ظهاره، أجزأه؛ لأنه لم يتعين عتقه عن الإيلاء، بل هو مخير بين عتقه، ~~وبين كفارة يمين. # فصل: # ولو ملك نصف عبد وهو موسر، فاعتق نصيبه، ونوى عتق الجميع عن كفارته، لم ~~يجزئه في قول الخلال وصاحبه، وحكاه صاحبه عن أحمد؛ لأن عتق النصيب الذي ~~لشريكه استحق بالسراية، فلم يجزئه، كما لو اشترى قريبه ينوي به التكفير. ~~وقال غيرهما: يجزئ؛ لأن حكم السراية حكم المباشرة، بدليل أنه لو جرحه فسرى ~~إلى نفسه، كان كمباشرة قتله، وإن كان معسرا عتق نصيبه، فإن ملك النصف ms0961 الآخر ~~فأعتقه عن الكفارة، أجزأه؛ لأنه أعتق جميعه في وقتين، فأجزأ، كما لو أطعم ~~المساكين في وقتين. # وإن أعتق نصف عبدين، فقال الخرقي: يجزئ؛ لأن أبعاض الجملة كالجملة في ~~الزكاة والفطرة، كذلك في الكفارة. وقال أبو بكر: لا يجزئ؛ لأن المقصود ~~تكميل الأحكام، ولا يحصل بإعتاق نصفين، فعلى قوله، إذا أعتق الموسر نصف ~~عبد، عتق جميعه، ولا يجزئه إعتاق نصف آخر. # فإن أعتق عبده عن كفارة غيره بغير إذنه، لم يجزئه؛ لأنها عبادة، فلم تجز ~~عن غيره بغير أمره مع كونه من أهل الأمر، كالحج، إلا أن يكون ميتا، فيجزئ ~~عنه؛ لأنه لا سبيل إلى إذنه، فصح من غير إذنه، كالحج عنه. # وإن أعتقه عن كفارة حي بأمره، صح، وأجزأ عن الكفارة إذا نواها؛ لأنه أعتق ~~عنه بأمره، فأجزأه، كما لو ضمن له عوضا وعنه: لا يجزئ إلا أن يضمن له عوضا؛ ~~لأن العتق بغير عوض كالهبة، ومن شرطها القبض، ولم يحصل. ### | فصل الصيام في كفارة الظهار # فصل: # ومن لم يجد رقبة وقدر على الصيام، لزمه صيام شهرين متتابعين، فإن شرع في ~~أول شهر، أجزأه صيام شهرين بالأهلة، تامين كانا، أو ناقصين، وإن دخل في ~~أثناء شهر، صام شهرا بالهلال، وأتم الشهر الذي دخل فيه بالعدد ثلاثين يوما ~~لما ذكرنا فيما تقدم. # فإن أفطر يوما لغير عذر، لزمه استئناف الشهرين؛ لأنه أمكنه التتابع، ~~فلزمه. وإن حاضت المرأة أو نفست، أو أفطرت لمرض مخيف، أو جنون، أو إغماء، ~~لم ينقطع التتابع؛ لأنه لا صنع لها في الفطر. وإن أفطر لسفر، فظاهر كلام ~~أحمد: أنه لا ينقطع التتابع؛ لأنه عذر مبيح للفطر، أشبه المرض. ويتخرج في ~~السفر والمرض غير # PageV03P173 # المخوف، أنه يقطع التتابع؛ لأنه أفطر باختياره، فقطع التتابع، كالفطر ~~لغير عذر. وإن أفطرت الحامل والمرضع خوفا على أنفسهما، فهما كالمريض، وإن ~~أفطرتا خوفا على ولديهما، احتمل أن لا ينقطع التتابع؛ لأنه عذر مبيح للفطر، ~~أشبه المرض، واحتمل أن ينقطع؛ لأن الخوف على غيرهما، ولذلك أوجب الكفارة مع ~~قضاء رمضان. # ومن أكل يظن ms0962 أن الفجر لم يطلع، وقد طلع، أو يظن أن الشمس قد غابت، ولم ~~تغب، أفطر. وفي قطع التتابع، وجهان، بناء على ما تقدم وإن نسي التتابع، أو ~~تركه جاهلا بوجوبه، انقطع؛ لأنه تتبع واجب، فانقطع بتركه جهلا أو نسيانا، ~~كالموالاة في الطهارة. # وإن أفطر يوم فطر أو أضحى، أو أيام التشريق، لم ينقطع به التتابع؛ لأنه ~~فطر واجب أشبه الفطر للحيض، ويكمل الشهر الذي أفطر فيه يوم الفطر ثلاثين ~~يوما؛ لأنه بدأ من أثنائه. وإن صام ذا الحجة، قضى أربعة أيام، وحسب بقدر ما ~~أفطر؛ لأنه بدأ من أوله. وإن قطع صوم الكفارة بصوم رمضان، لم ينقطع ~~التتابع؛ لأنه زمن منع الشرع صومه في الكفارة، أشبه زمن الحيض. وإن صام ~~أثناء الشهرين عن نذر، أو قضاء، أو تطوعا، انقطع التتابع؛ لأنه قطع صوم ~~الكفارة اختيارا لسبب من جهته، فأشبه ما لو أفطر لغير عذر. # وإن كان عليه نذر في كل يوم خميس، قدم صوم الكفارة عليه، وقضاه بعدها ~~وكفر؛ لأنه لو صام، لم يمكنه التكفير بحال. # فصل: # وإن وطئ التي ظاهر منها في ليالي الصوم، لزمه الاستئناف، لقول الله ~~تعالى: {فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 4] . أمر بهما ~~خاليين عن التماس، ولم يوجد، وعنه: لا ينقطع التتابع؛ لأنه وطء لا يفطر به. ~~فلم يقطع التتابع، كوطء غيرها، وإن وطئ غيرها ليلا، لم ينقطع التتابع؛ لأنه ~~غير ممنوع منه، وإن وطئها نهارا ناسيا أفطر، وانقطع التتابع وعنه: لا يفطر ~~ولا ينقطع التتابع به. ### | فصل الإطعام في كفارة الظهار # فصل: # ومن لم يستطع الصوم لكبر أو مرض غير مرجو الزوال، أو شبق شديد أو نحوه، ~~لزمه إطعام ستين مسكينا؛ لأن سلمة بن صخر لما أخبر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بشدة شبقه، أمره بالإطعام، وأمر أوس بن الصامت بالإطعام حين قالت ~~امرأته: إنه شيخ كبير ما به من صيام. فإن قدر على ستين مسكينا لم يجزئه أقل ~~منهم، وعنه: يجزئه ترديد الإطعام على واحد ستين يوما؛ لأنه في معنى إطعام ms0963 ~~ستين مسكينا، لكونه قد دفع في كل يوم حاجة مسكين، وعنه: لا يجزئه إلا إطعام ~~ستين مسكينا، سواء وجدهم أو لم يجدهم، # PageV03P174 # لظاهر قوله: {فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] . والمذهب أن ذلك يجزئ ~~مع تعذر المساكين للحاجة، ولا يجزئ مع وجودهم؛ لأنه أمكن امتثال الأمر ~~بصورته ومعناه. # فصل: # والواجب أن يدفع إلى كل مسكين مد بر أو نصف صاع من تمر أو شعير، لما روى ~~الإمام أحمد: بإسناده عن أبي يزيد المدني قال: «جاءت امرأة من بني بياضة ~~بنصف وسق شعير، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمظاهر: أطعم هذا ~~فإن مدي شعير مكان مد بر» وهذا نص، ولأنها كفارة تشتمل على صيام وإطعام، ~~فكان منها لكل فقير من التمر نصف صاع، كفدية الأذى. وأما المد من البر، ~~فيجزئ؛ لأنه قول زيد وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة - رضي الله عنهم -، ~~ويجب أن يملك كل فقير هذا القدر، فإن دفعه إليهم مشاعا، فقال: هذا بينكم ~~بالسوية، فقبلوه، أجزأه لأنه دفع إليهم حقهم، فبرئ منه كالدين. # وقال ابن حامد: يجزئه، وإن لم يقل بالسوية؛ لأن قوله: عن كفارتي يقتضي ~~التسوية، وإن غداهم أو عشاهم ستين مدا، ففيه روايتان: # أحدهما: يجزئ لقول الله تعالى: {فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] . ~~وهذا قد أطعمهم، ولأن أنسا فعل ذلك، وظاهر المذهب أنه لا يجزئ؛ لأنه لا ~~يعلم وصول حق كل فقير إليه، ولأنه حق وجب للفقراء شرعا، فوجب تمليكهم إياه ~~كالزكاة، ولا يجب التتابع في الإطعام لأن الأمر به مطلق لا تقييد فيه. # فصل: # ويجزئه في الإطعام ما يجزئه في الفطرة، سواء كانت قوت بلده أو لم تكن، ~~وإن أخرج غيرها من الحبوب التي هي قوت بلده أجزأه، ذكره أبو الخطاب، لقول ~~الله تعالى: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] ، فإن أخرج غير قوت ~~بلده، خيرا منه، جاز لأنه زاد على الواجب، وإن كان أنقص منه، لم يجزئ وقال ~~القاضي: لا يجزئ إخراج غير ما يجزئ في الفطرة لأنه إطعام للمساكين، فأشبه ~~الفطرة، والأول أجود، لموافقته ms0964 ظاهر النص، ويجوز إخراج الدقيق إذا بلغ قدر ~~مد من الحنطة، وفي الخبز روايتان: # إحداهما: يجزئه، لقول الله تعالى: {فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] . ~~ومخرج الخبز قد أطعمهم، والأخرى لا يجزئه؛ لأنه قد خرج عن حال الكمال، ~~والادخار، فأشبه # PageV03P175 # الهريسة، فإذا قلنا: يجزئه، اعتبر أن يكون من مد بر فصاعدا، فإن أخذ مد ~~حنطة فطحنه وخبزه، أجزأه. وقال الخرقي: لكل مسكين رطلا خبز؛ لأن الغالب ~~أنهما لا يكونان إلا من مد فأكثر، وفي السويق وجهان، بناء على الروايتين في ~~الخبز، ولا تجزئ الهريسة والكبولاء؛ لأنه خرج عن الاقتيات المعتاد، ولا ~~القيمة؛ لأنه أحد ما يكفر به، فلم تجزئ القيمة فيه، كالعتق. # فصل: # ولا يجوز صرفها إلا إلى الفقراء، والمساكين؛ لأنهما صنف واحد في غير ~~الزكاة، ولا يجوز دفعها إلى غني، وإن كان من أصناف الزكاة؛ لأن الله تعالى، ~~خص بها المساكين، ولا إلى مكاتب كذلك، وقال الشريف أبو جعفر: يجوز دفعها ~~إليه؛ لأنه يأخذ من الزكاة لحاجته، فأشبه المسكين، والأول أولى؛ لأن الله ~~تعالى خص بها المساكين، والمكاتب صنف آخر، فأشبه المؤلفة. ولا يجوز دفعها ~~إلى من لا يجوز دفع الزكاة إليه، كالعبد والكافر، ومن تلزمه مؤنته لما ~~ذكرنا في الزكاة. وخرج أبو الخطاب وجها آخر، في جواز الدفع إلى الكافر، ~~بناء على عتقه، ولا يصح؛ لأنه كافر، فلم يجز الدفع إليه كالمستأمن. # فصل: ولا تجزئ كفارة إلا بالنية، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» ولأنه حق يجب على سبيل ~~الطهرة، فافتقر إلى النية كالزكاة، فإن كانت عليه كفارات من جنس، لم يلزمه ~~تعيين سببها، وإن كانت من أجناس، فكذلك؛ لأنها كفارات، فلم يجب تعيين ~~سببها، كما لو كانت من جنس، وقال القاضي: يحتمل أن يلزمه تعيين سببها؛ ~~لأنها عبادات من أجناس، فوجب تعيين النية لها، كأنواع الصيام، فلو كانت ~~عليه كفارة لا يعلم سببها، فأعتق رقبة، أجزأه على الوجه الأول، وعلى الوجه ~~الثاني، ينبغي أن تلزمه كفارات بعدد الأسباب، كما لو نسي ms0965 صلاة من يوم لا ~~يعلم عينها، ولا يلزم نية التتابع في الصيام؛ لأن العبادة هي الصوم، ~~والتتابع شرط فيه، فلم تجب نيته، كالاستقبال في الصلاة. # فصل: # وإن كان المظاهر كافرا، كفر بالعتق والإطعام؛ لأنه يصح منه من غير ~~الكفارة، فصح منه فيها، ولا يكفر بالصوم؛ لأنه لا يصح منه في غيرها، فكذلك ~~فيها، وإن أسلم # PageV03P176 # قبل التكفير، كفر بما يكفر به المسلمون. # فصل: # ولا يجوز تقديم الكفارة على سببها؛ لأن الحكم لا يجوز تقديمه على سببه، ~~كتقديم الزكاة قبل الملك، ولو كفر عن الظهار قبل المظاهرة، أو عن اليمين ~~قبلها، أو عن القتل قبل الجرح، لم يجز كذلك، وإن كفر بعد السبب، وقبل ~~الشرط، جاز، فإذا كفر عن الظهار بعده وقبل العود، وعن اليمين بعدها وقبل ~~الحنث، وعن القتل بعد الجرح وقبل الزهوق؛ جاز؛ لأن الله تعالى قال: {فتحرير ~~رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 3] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها، فكفر عن يمينك، وأت الذي هو ~~خير» ولأنها كفارة فجاز تقديمها على شرطها، ككفارة الظهار، ولأنه حق مالي، ~~فجاز تقديمه قبل شرطه، كالزكاة. # PageV03P177 ### | كتاب اللعان # . ومتى قذف الرجل زوجته المحصنة بزنى، في قبل أو دبر، فقال: زنيت، أو يا ~~زانية، أو رأيتك تزنين، لزمه الحد، إلا أن يأتي ببينة، أو يلاعنها، لقول ~~الله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة} [النور: 4] إلى قوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن ~~لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} [النور: 6] . دلت ~~الآية الأولى على وجوب الحد، إلا أن يسقطه بأربعة شهداء. # والثانية: على أن لعانه يقوم مقام الشهداء في إسقاط الحد، وروى ابن عباس ~~- رضي الله عنهما -: «أن هلال بن أمية قذف امرأته، فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: البينة وإلا حد في ظهرك فقال هلال: والذي بعثك بالحق، إني ~~لصادق، ولينزلن الله في أمري ما يبرئ # PageV03P178 # ظهري من الحد، فنزلت: {والذين يرمون أزواجهم} [النور: 6] » . رواه ~~البخاري. ms0966 ولأن الزوج يبتلي بقذف امرأته، لنفي العار والنسب الفاسد، وتتعذر ~~عليه البينة، ولأنه قد يحتاج إلى نفي النسب الفاسد، ولا ينتفي إلا باللعان، ~~لتعذر الشهادة على نفيه، وله الملاعنة، وإن قدر على البينة كذلك، ولأنهما ~~حجتان، فملك إقامة أيهما شاء، كالرجلين، والرجل والمرأتين في المال. # فصل: # ولا يعرض له حتى تطالبه زوجته؛ لأن الحق لها، فلا يستوفى من غير طلبها، ~~كالدين، فإن عفت عن الحد، أو لم تطالب، لم تجز مطالبته ببينة ولا حد ولا ~~لعان، ولا يملك ولي المجنونة، والصغيرة وسيد الأمة، المطالبة بالتعزيز من ~~أجلهن؛ لأنه حق ثبت للتشفي، فلا يقوم غير المستحق مقامه فيه، كالقصاص. فإن ~~أراد الزوج اللعان من غير طلبها، وليس بينهما نسب يريد نفيه، لم يملك ذلك؛ ~~لأنه لا حاجة إليه، وإن كان بينهما نسب يريد نفيه، فله أن يلاعن؛ لأنه ~~محتاج إليه، فيشرع كما لو طالبته، ولأن نفيه حق له، فلا يسقط برضاها به ~~ويحتمل ألا يشرع اللعان، كما لو صدقته. ### | فصل في شروط المتلاعنين # فصل: # ويصح اللعان بين كل زوجين مكلفين، لعموم قوله تعالى: {والذين يرمون ~~أزواجهم} [النور: 6] ولأن اللعان لدرء عقوبة القذف، ونفي النسب الباطل، ~~والكافر والعبد كالمسلم الحر فيه، وعنه: لا يصح اللعان إلا بين مسلمين، ~~عدلين حرين غير محدودين في قذف؛ لأن اللعان شهادة، بدليل قول الله تعالى: ~~{ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات} [النور: 6] فلا ~~يقبل ممن ليس من أهل الشهادة، وقال القاضي: من لا يحد بقذفها كالذمية ~~والأمة، والمحدودة في الزنا، إن كان بينهما ولد يريد نفيه، فله اللعان ~~لنفيه؛ لأنه محتاج إليه، وإلا فلا لعان بينهما لأن اللعان لإسقاط حد، أو ~~نفي نسب، ولم يوجد واحد منهما. وإن كان أحد الزوجين صبيا، أو مجنونا، فلا ~~لعان بينهما؛ لأن غير المكلف لا حكم لقوله، ونفي حكم الولد، إنما يحصل ~~بتمام اللعان، ولا يتم اللعان مع عدم القول منها. وقال القاضي: له لعان ~~المجنونة، إن كان ثم نسب يريد نفيه؛ لأنه محتاج إليه، فإن ms0967 كان أحدهما أخرس ~~وليست له إشارة مفهومة، ولا كتابة، فهو كالمجنون. لأنه لا يعلم طلبها، ولا ~~يتصور لعانهما. وإن كان له إشارة # PageV03P179 # مفهومة، أو كتابة، صح اللعان منهما؛ لأنه كالناطق في نكاحه وطلاقه، فكذلك ~~في لعانه، وعن أحمد: إذا كانت المرأة خرساء، فلا لعان بينهما؛ لأنه لا يعلم ~~طلبها، فيحتمل أن يحمل على عمومه في كل خرساء؛ لأن إشارتها لا تخلو من تردد ~~واحتمال. # والحد يدرأ بالشبهة، ويحتمل أن يختص بمن لا تفهم إشارتها؛ لأنه علل بأنه ~~لا تفهم مطالبتها. وإن اعتقل لسان الناطق، وأيس من نطقه، فهو كالأخرس، وإن ~~رجي نطقه، لم يصح لعانه؛ لأنه غير مأيوس من نطقه، فأشبه الساكت. # فصل: # ويصح اللعان بين الزوجين قبل الدخول، لعموم قوله تعالى: {والذين يرمون ~~أزواجهم} [النور: 6] . وبعد الطلاق الرجعي؛ لأن الرجعية زوجته، فتدخل في ~~العموم، ولا يصح من غير الزوجين، للآية. فإن قذف من كانت زوجته، فبانت منه ~~بزنا، لم يضفه، إلى حال الزوجية، فلا لعان بينهما؛ لأنه قذف أجنبية، وإن ~~أضافه إلى حال الزوجية، وبينهما ولد يريد نفيه، لاعن لنفيه؛ لأنه محتاج ~~إليه فصح منه، كحال الزوجية. # وإن لم يكن بينهما ولد، حد، ولم يلاعن؛ لأنه لا حاجة به إليه، فأشبه قذف ~~الأجنبية. ولو قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا يا زانية، فنص أحمد: على أنه ~~يلاعن، فنحمله على من بينهما ولد؛ لأنه يتعين إضافة قذفها إلى حال الزوجية. ~~ولو نكح امرأة نكاحا فاسدا ثم قذفها، فالحكم فيها كالمطلقة. إن كان بينهما ~~ولد، لاعن لنفيه، وإلا فلا؛ لأن النسب يلحق في النكاح الفاسد، فيحتاج إلى ~~اللعان لنفيه، وإن قذف أجنبية ثم تزوجها، حد، ولم يلاعن؛ لأنه قذف أجنبية ~~قذفا لا حاجة به إليه. وإن قذفها بزنا، أضافه إلى ما قبل النكاح. فإن كان ~~يتعلق به نفي نسب عنه، فله اللعان، وإلا فلا. ونقل عن أحمد في هذا روايتان: # إحداهما: لا يلاعن؛ لأنه قذفها في حال كونها أجنبية، أشبه ما لو قذفها ~~قبل نكاحه لها. # والثانية: يشرع اللعان؛ لأنه قذف زوجته. ms0968 ### | باب صفة اللعان # . وصفته: أن يقول الرجل بمحضر من الحاكم أو نائبه: أشهد بالله إني لمن ~~الصادقين، فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا، ويشير إليها إن كانت حاضرة، ~~وإن # PageV03P180 # كانت غائبة سماها، ونسبها حتى تنتفي المشاركة، ثم يقول: وإن لعنة الله ~~علي إن كنت من الكاذبين فيما رميت فيه زوجتي هذه من الزنا، ثم تقول المرأة ~~أربع مرات: أشهد بالله إن زوجي هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، ~~وتشير إليه، فإن كان غائبا سمته، ونسبته، ثم تقول: وإن غضب الله عليها إن ~~كان من الصادقين فيما رماني من الزنا، لقول الله تعالى: {والذين يرمون ~~أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم} [النور: 6] . الآيات. # وروى أبو داود بإسناده عن ابن عباس: «أن هلال بن أمية قذف امرأته، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أرسلوا إليها فأرسلوا إليها فجاءت، فتلا ~~عليهم آية اللعان، وذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، ~~فقال هلال: والله لقد صدقت عليها، فقالت: كذب فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: لاعنوا بينهما فقيل لهلال: اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه ~~لمن الصادقين، فلما كانت الخامسة قيل: يا هلال اتق الله، فإن عذاب الدنيا ~~أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال: والله ~~لا يعذبني الله عليها، كما لم يجلدني عليها، فشهد الخامسة، أن لعنة الله ~~عليه إن كان من الكاذبين، ثم قيل لها: اشهدي، فشهدت أربع شهادات بالله إنه ~~لمن الكاذبين، فلما كانت الخامسة قيل لها: اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون ~~من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة، ثم ~~قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة، وأن غضب الله عليها إن كان من ~~الصادقين. ففرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما وقضى أن لا بيت ~~لها من أجل أنهما يتفرقان عن غير طلاق، ولا متوفى عنها» . ### | فصل في شروط صحة اللعان # فصل: # وشروط صحة اللعان ستة: # أحدها أن يكون بمحضر ms0969 من الحاكم، أو نائبه؛ لأنه يمين في دعوى فاعتبر فيه ~~أمر الحاكم، كسائر الدعاوى، وإن كانت المرأة برزة أرسل إليها فأحضرها، كما ~~فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بامرأة هلال. وإن لم تكن برزة، بعث من ~~يلاعن بينهما، كما يبعث من يستخلفها في سائر الدعاوى. # PageV03P181 # الثاني: أن يأتي به بعد إلقائه عليه، فإن بادر به قبل ذلك، لم يعتد به، ~~كما لو حلف قبل أن يستحلفه الحاكم. # الثالث: كمال لفظاته الخمس. فإن نقص منها شيئا، لم يعتد به لأن الله علق ~~الحكم عليها، فلا يثبت بدونها، ولأنها بينة، فلم يجز النقص من عددها، ~~كالشهادة. # الرابع: الترتيب على ما ورد به الشرع. فإن بدأ بلعان المرأة، لم يعتد به؛ ~~لأنه خلاف ما ورد به الشرع، ولأن لعان الرجل بينة، للإثبات، ولعان المرأة ~~بينة للإنكار، فلم يجز تقديم الإنكار على الإثبات. فإن قدم الرجل اللعنة ~~على شيء من الألفاظ الأربعة، أو المرأة الغضب على شيء منها، لم يعتد بها؛ ~~لأن الله تعالى جعلها الخامسة، فلا يجوز تغييره. # الخامس: الإتيان بصورة الألفاظ الواردة في الشرع، فإن أبدل الشهادة ببعض ~~ألفاظ اليمين، كقوله: أقسم، أو أحلف، أو أولي، أو أبدل لفظة اللعنة ~~بالإبعاد، أو الغضب بالسخط، أو غيره، لم يعتد به؛ لأنه ترك المنصوص، ولأنه ~~موضع ورد الشرع فيه بلفظ الشهادة، فلم يجز إبداله، كالشهادة في الحقوق. ~~وفيه وجه آخر: أنه يجزئ؛ لأن معناهما واحد. # وقال الخرقي: يقول الرجل: أشهد بالله لقد زنت، وليس هذا لفظ النص، فيدل ~~ذلك على أنه لم يشترط اللفظ. وإن أبدلت المرأة لفظة الغضب باللعنة، لم يجز؛ ~~لأن الغضب أغلظ، ولذلك خصت به المرأة؛ لأن المعرة والإثم بزناها أعظم من ~~الحاصل بالقذف. وإن أبدل الرجل اللعنة بالغضب، ففيه وجهان: # أحدهما: لا يجوز، لمخالفته المنصوص. # والثاني: يجوز؛ لأنه أبلغ في المعنى. # السادس: الإشارة من كل واحد إلى صاحبه، إن كان حاضرا. أو تسميته ونسبه ~~بما يتميز به إن كان غائبا، ليحصل التميز عن غيره. وقال الوزير يحيى بن ~~محمد بن ms0970 هبيرة - رحمه الله -: الفقهاء يشترطون أن يزاد: فيما رميتها به من ~~الزنا، وفي نفيها عن نفسها: فيما رماني به من الزنا، ولا أراه يحتاج إليه؛ ~~لأن الله تعالى أنزل ذلك وبينه، ولم يذكر هذا، ولم يأت بالخبر في صفة ~~اللعان عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فاشتراطه زيادة. # فصل: # ويشترط في اللعان: العربية لمن يحسنها، ولا يصح بغيرها؛ لأن الشرع ورد به ~~بالعربية، فلم يصح بغيرها، كأذكار الصلاة. وإن لم يحسن العربية، جاز ~~بلسانه؛ لأنه # PageV03P182 # يحتاج إليه، فجاز بلسانه، كالنكاح. فإن عرف الحاكم لسانه، أجزأ، وإن لم ~~يعرف لسانه، أحضر عدلين يترجمان عنه، ولا يقبل أقل منهما؛ لأنه بمنزلة ~~الشهادة عليه. # فصل: # فإن كان بينهما ولد يريد نفيه، لم ينتف إلا بذكره في اللعان. فإن لم ~~يذكره، أعاد اللعان، هذا ظاهر قول الخرقي، واختاره القاضي. وقال أبو بكر: ~~لا يحتاج إلى ذكره، وينتفي بزوال الفراش؛ لأن حديث سهل بن سعد وصف فيه ~~اللعان، ولم يذكر فيه الولد. وقال فيه: «ففرق رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بينهما، وقضى أنه لا يدعى ولدها لأب ولا ترمى، ولا يرمى ولدها» . ~~رواه أبو داود. # والأول أصح؛ لأن ابن عمر قال: «لاعن رجل امرأته في زمن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وانتفى من ولدها، ففرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بينهما، وألحق الولد بالمرأة» متفق عليه والزيادة في الثقة مقبولة. # ولأن من سقط حقه باللعان اشترط ذكره فيه، كالزوجة. وتذكره المرأة في ~~لعانها؛ لأنهما يتحالفان عليه، فاشترط ذكره في تحالفهما، كالمختلفين في ~~الثمن، ويحتمل أن لا يشترط ذكرها له لأنها لا تنفيه. # والأول المذهب. ولا بد من ذكره في كل لفظة، فإذا قال: أشهد بالله إني لمن ~~الصادقين فيما رميتها به من الزنا، يقول: وما هذا الولد ولدي، وتقول هي: ~~وهذا الولد ولده، في كل لفظة. وذكر القاضي: أنه يشترط أن يقول: هذا الولد ~~من زنا وليس مني، لئلا يعني بقوله: ليس مني خلقا وخلقا، ولا يكفيه قوله: هو ~~من زنا؛ ms0971 لأنه قد يعتقد الوطء في النكاح الفاسد زنا، والصحيح الأول؛ لأنه ~~نفى الولد، فينتفي عنه كما لو قال ذلك. ### | فصل ما يسن في اللعان # فصل: # ويسن في اللعان أربعة أمور: # أحدها: أن يتلاعنا قياما؛ لأن في بعض ألفاظ حديث ابن عباس، فقام هلال، ~~فشهد، ثم قامت فشهدت، ولأن فعله في القيام أبلغ في الردع. # الثاني: أن يكون بمحضر من جماعة؛ لأن ابن عباس وابن عمر وسهل بن سعد، ~~حضروه مع حداثة أسنانهم في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما ~~يحضر الصبيان تبعا للرجال، # PageV03P183 # ولأن اللعان بني على التغليظ، للردع والزجر، وفعله في الجماعة أبلغ في ~~ذلك. # والثالث: أن يعظهما الحاكم بعد الرابعة ويخوفهما، كما جاء عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في حديث ابن عباس. # والرابع: أن يضع رجل يده على في الملاعن بعد الرابعة، يمنعه المبادرة إلى ~~الخامسة، إلى أن يعظه الحاكم، ثم يرسلها، وتفعل امرأة بالملاعنة بعد ~~رابعتها كذلك، لما روى ابن عباس في خبر المتلاعنين قال: «فشهد أربع شهادات ~~بالله إنه لمن الصادقين، ثم أمر به فأمسك على فيه، فوعظه وقال: ويحك كل شيء ~~أهون عليك من لعنة الله، ثم أرسل فقال: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ~~ثم دعا بها فقرأ عليها، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، ثم أمر ~~بها فأمسك على فيها فوعظها، وقال: ويلك كل شيء أهون عليك من غضب الله» . ~~أخرجه الجوزجاني. # فصل: # ولا يسن التغليظ بزمن ولا مكان؛ لأنه لم يرد به أثر، ولا فعله رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وإنما دل الحديث على أن لعانهما كان في صدر النهار، ~~لقوله في الحديث: فلم يهجه حتى أصبح، ثم غدا على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وذكر الحديث. والغدو إنما يكون أول النهار. وقال أبو الخطاب: يستحب ~~التغليظ بهما، فيتلاعنان بعد العصر، لقول الله تعالى: {تحبسونهما من بعد ~~الصلاة} [المائدة: 106] يعني: بعد العصر، ويكون في الأماكن الشريفة عند ~~المنابر في الجامع، إلا في مكة بين الركن ms0972 والمقام، وفي المسجد الأقصى عند ~~الصخرة؛ لأنه أبلغ في الردع والزجر، ولله الحمد والمنة. ### | باب ما يوجب اللعان من الأحكام # . وهي أربعة أحكام: # أحدها: سقوط الحد، أو التعزير الذي أوجبه القذف؛ لأن هلال بن أمية قال: ~~والله لا يعذبني الله عليها، كما لم يجلدني عليها، ولأن شهادته أقيمت مقام ~~بينة مسقطة للحد، كذلك لعانه، ويحصل هذا بمجرد لعانه كذلك. وإن نكل عن ~~اللعان، أو عن # PageV03P184 # تمامه، فعليه الحد. فإن ضرب بعضه، ثم قال: أنا ألاعن، سمع ذلك منه؛ لأن ~~ما أسقط جميع الحد، أسقط بعضه، كالبينة. ولو نكلت المرأة عن الملاعنة ثم ~~بذلتها، سمعت منها كالرجل. وإن قذف امرأته برجل سماه، سقط حكم قذفه بلعانه، ~~وإن لم يذكره فيه؛ لأن هلال بن أمية قذف زوجته بشريك بن سحماء، ولم يذكره ~~في لعانه، ولم يحده النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا عزره له. ولأن ~~اللعان بينة في أحد الطرفين، فكان بينة في الآخر كالشهادة. وقال أبو ~~الخطاب: يلاعن، لإسقاط الحد لها وللمسمى. # فصل: # الحكم الثاني: نفي الولد. وينتفي عنه بلعانه على ما ذكرناه لما ذكرنا من ~~الحديث فيه، ولأنه أحد مقصودي اللعان، فيثبت به كإسقاط الحد. # فصل: # فإن نفى الحمل في لعانه، فقال الخرقي: لا ينتفي حتى ينفيه بعد وضعها له، ~~ويلاعن؛ لأن الحمل غير متيقن، يحتمل أن يكون ريحا فيصير اللعان مشروطا ~~بوجوده، ولا يجوز تعليقه على شرط، وظاهر كلام أبي بكر صحة نفيه، لظاهر حديث ~~هلال بن أمية، فإن لاعنها قبل الوضع، بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «أنظروها فإن جاءت به كذا وكذا» ونفى عنه الولد، ولأن الحمل تثبت ~~أحكامه قبل الوضع من وجوب النفقة والمسكن، ونفي طلاق البدعة، ووجوب ~~الاعتداد به، وغير ذلك، فكان كالمتيقن. # فصل: # فإن ولدت توأمين، فنفى أحدهما واستلحق الآخر لحقاه جميعا؛ لأنه لا يمكن ~~جعل أحدهما من رجل، والآخر من غيره، والنسب يحتاط لإثباته، لا لنفيه. وإن ~~نفى أحدهما وترك الآخر، ألحقناهما به جميعا كذلك. # فصل: # وإن أقر بالولد، أو هنأ ms0973 به فسكت أو أمن على الدعاء، أو دعا لمن هنأه به، ~~لزمه نسبه، ولم يملك نفيه؛ لأن هذا جواب الراضي به، وكذلك إن علم فسكت، ~~لحقه؛ لأنه خيار لدفع ضرر متحقق، فكان على الفور، كخيار الشفعة. وهل يتقدر ~~بالمجلس، أو يكون عقيب الإمكان؟ على وجهين: بناء على خيار الشفعة. وإن أخره # PageV03P185 # لعذر، كأداء صلاة حضرت، أو أكل لدفع الجوع، وأشباه هذا من أشغاله، أو ~~للجهل بأن له نفيه، أو بوجوب نفيه على الفور، لم يبطل خياره؛ لأن العادة ~~جارية بتقديم هذه الأمور، والجاهل معذور. وإن ادعى الجهل بذلك قبل منه؛ لأن ~~هذا مما يخفى، إلا أن يكون فقيها، فلا يقبل منه؛ لأنه في مظنة العلم. # وإذا أخره لعذر مدة يسيرة، لم يحتج أن يشهد على نفسه، وإن طالت، أشهد على ~~نفسه بنفيه، كالطلب بالشفعة. وإن قال: لم أصدق المخبر وكان الخبر مستفيضا، ~~أو المخبر مشهور العدالة، لم يقبل قوله. # وإن لم يكن كذلك، قبل. وإن أخر نفي الحمل، لم يسقط نفيه؛ لأنه غير مستحق، ~~وإن استلحقه، لم يلحقه كذلك، إلا على قول أبي بكر. وإن ادعى أنه لم يعلم ~~بالولادة، وأمكن صدقه، فالقول قوله، وإلا فلا. وإن أخر نفيه رجاء موته، ~~ليكفى أمر اللعان، سقط حقه من النفي. # فصل: # الحكم الثالث: الفرقة، وفيها روايتان: # إحداهما: لا تحصل حتى يفرق الحاكم بينهما، لقول ابن عباس في حديثه: ففرق ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما. وفي حديث عويمر: «أنه قذف زوجته، ~~فتلاعنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال عويمر: كذبت عليها يا ~~رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -» . متفق عليه. فدل على أن الفرقة لم تحصل بمجرد اللعان. فعلى ~~هذا، إن طلقها قبل التفريق، لحقها طلاقه، وللحاكم أن يفرق بينهما من غير ~~طلب ذلك منه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرق بينهما من غير ~~استئذانهما، وعليه أن يفرق بينهما؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرق ~~بينهما. # والثانية: تحصل ms0974 الفرقة بمجرد لعانهما؛ لأنه معنى يقتضي التحريم المؤبد، ~~فلم يقف على تفريق الحاكم، كالرضاع. ولأن الفرقة لو وقفت على تفريق الحاكم، ~~لساغ ترك التفريق إذا لم يرضيا به، كالتفريق للعيب، والإعسار، وتفريق النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - بينهما بمعنى: أنه أعلمهما بحصول الفرقة باللعان. ~~وعلى كلتا الروايتين، ففرقة اللعان فسخ؛ لأنها فرقة توجب تحريما مؤبدا، ~~فكانت فسخا، كفرقة الرضاع. # فصل: # الحكم الرابع: التحريم المؤبد يثبت، لما روى سهل بن سعد قال: «مضت السنة # PageV03P186 # في المتلاعنين، أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدا» . رواه الجوزجاني. ~~ولأنه تحريم لا يرتفع قبل الجلد والتكذيب، فلم يرتفع بهما، كتحريم الرضاع. ~~وقد روى عنه حنبل: أنه إذا أكذب نفسه عاد فراشه كما كان وهذه الرواية شذ ~~بها عن سائر أصحابه. # قال أبو بكر: والعمل على الأول. وإن لاعنها في نكاح فاسد، أو بعد ~~البينونة لنفي نسب، ثبت التحريم المؤبد؛ لأنه لعان صحيح، فأثبت التحريم، ~~كاللعان في النكاح الصحيح. ويحتمل أنه لا يثبت التحريم؛ لأنه لم يرفع ~~فراشا، فلم يثبت تحريما، كغير اللعان. # ولو لاعنها في نكاح صحيح وهي أمة، ثم اشتراها، لم تحل له؛ لأنه وجد ما ~~يحرمها على التأبيد، فلم يرتفع بالشراء، كالرضاع. # فصل: # ولا تثبت هذه الأحكام إلا بكمال اللعان، إلا سقوط الحد وما قام مقامه، ~~فإنه يسقط بمجرد لعانه. فإن مات أحدهما قبل كماله منهما، فقد مات على ~~الزوجية؛ لأن الفرقة لم تحصل بكمال اللعان، ويرثه صاحبه كذلك، ويثبت النسب؛ ~~لأنه لم يوجد ما يسقطه. # فإن كان الميت الزوج، فلا شيء على المرأة. وإن ماتت المرأة قبل لعان ~~الزوج، وطلبها بالحد، فلا لعان؛ لأن الحد لا يورث. وإن ماتت بعد طلبها، قام ~~وارثها مقامها في المطالبة، وله اللعان لإسقاط الحد. # فصل: # وإن أكذب نفسه بعد كمال اللعان، لزمه الحد إن كانت محصنة، والتعزير إن ~~كانت غير محصنة، ويلحقه النسب؛ لأنهما حق عليه، فيلزمانه بإقراره بهما، ولا ~~يعود الفراش، ولا يرتفع التحريم المؤبد؛ لأنهما حق له، فلا يعودان بتكذيبه. # فصل: # فإن لاعن الزوج ms0975 ونكلت المرأة عن اللعان، فلا حد عليها؛ لأن زناها لم ~~يثبت، فإنه لو ثبت زناها بلعان الزوج، لم يسمع لعانها، كما لو قامت به ~~البينة، ولا يثبت بنكولها؛ لأن الحد لا يقضى فيه بالنكول؛ لأنه يدرأ ~~بالشبهات، والشبهة متمكنة منه، ولكن تحبس حتى تلتعن، أو تقر. # قال أحمد: أجبرها على اللعان، لقوله تعالى: {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين} [النور: 8] فإن لم تشهد، وجب أن لا ~~يدرأ عنها العذاب وعنه: يخلى سبيلها، وهو اختيار أبي بكر؛ لأنه لم يثبت ~~عليها ما يوجب الحد، فيخلى سبيلها، كما لو لم تكمل البينة. وإن صدقته فيما ~~قذفها به، لم يلزمها الحد حتى تقر أربع مرات؛ لأن الحد لا يثبت بدون إقرار ~~أربع، على ما # PageV03P187 # سنذكره، وحكمها حكم ما لو نكلت، ولا لعان بينهما؛ لأن اللعان إنما يكون ~~مع إنكارها، ولا يستحلف إنسان على نفي ما يقر به. ### | باب ما يلحق من النسب وما لا يلحق # . إذا تزوج من يولد لمثله بامرأة، فأتت بولد لستة أشهر فصاعدا بعد إمكان ~~اجتماعهما على الوطء، لحقه نسبه في الظاهر من المذهب، لقول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «الولد للفراش» ولأن مع هذه الشروط، يمكن كونه منه، ~~والنسب مما يحتاط له، ولم يوجد ما يعارضه، فوجب إلحاقه به. وإن اختل شرط ~~مما ذكرنا، لم يلحق به، وانتفى من غير لعان؛ لأن اللعان يمين، واليمين جعلت ~~لتحقيق أحد الجائزين، أو نفي أحد المحتملين. وما لا يجوز، لا يحتاج إلى ~~نفيه. # فصل: # وأقل سن يولد لمثله في حق الرجل عشر سنين، لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في ~~المضاجع» رواه أبو داود. # وقال القاضي: تسع سنين وأقل مدة الحمل؛ لأن الجارية يولد لها كذلك، فكذلك ~~الغلام. وقال أبو بكر: لا يلحق به الولد حتى يبلغ. قال ابن عقيل: هو أصح؛ ~~لأن من لا ينزل الماء لا يكون منه ولد. وهذا ليس بسديد؛ لأنهم إن أرادوا ~~بالبلوغ ms0976 بلوغ خمس عشرة، فهو باطل؛ لأنه يولد له لدون ذلك. # وقد روي أنه لم يكن بين عمرو بن العاص وبين ابنه عبد الله إلا اثنتا عشرة ~~سنة. وإن أرادوا الإنزال فيما يعلم، فلابد من ضبطه بأمر ظاهر. وإذا ولدت ~~امرأة غلام، سنه دون ذلك، لم يلحق به، ومن كان مجبوبا مقطوع الذكر ~~والأنثيين، لم يلحق به نسب؛ لأنه لا ينزل مع قطعهما. # وإن قطع أحدهما، فقال أصحابنا: يلحق به النسب؛ لأنه إذا بقي الذكر أولج ~~فأنزل. وإن بقيت الأنثيان، ساحق فأنزل. والصحيح أن مقطوع الأنثيين لا يحلق ~~به نسب؛ لأنه لا ينزل إلا ماء رقيقا لا يخلق منه ولد، ولا تنقضي به شهوة، ~~فأشبه مقطوع الذكر والأنثيين. # وإن لم يمكن اجتماع الزوجين على الوطء، بأن يطلقهما عقيب تزويجه بها، أو ~~كان بينهما مسافة لا # PageV03P188 # يمكن اجتماعها على الوطء معها، لم يلحق به الولد. وإن ولدت زوجته لدون ~~ستة أشهر من حين تزوجها لم يلحقه ولدها؛ لأننا علمنا أنها علقت به قبل ~~النكاح. # فصل: # وأقل مدة الحمل ستة أشهر، لما روي أن عثمان أتى بامرأة ولدت لدون ستة ~~أشهر، فشاور القوم في رجمها، فقال ابن عباس: أنزل الله تعالى {وحمله وفصاله ~~ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] وأنزل: {وفصاله في عامين} [لقمان: 14] . ~~فالفصال في عامين، والحمل في ستة أشهر. # وذكر ابن القتبي أن عبد الملك بن مروان: ولد لستة أشهر. وأكثرها أربع ~~سنين. وعنه سنتان، لما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: لا تزيد ~~المرأة على سنتين في الحمل. والأول المذهب، لما روى الوليد بن مسلم قال: ~~قلت لمالك بن أنس: حديث عائشة: لا تزيد المرأة على السنتين في الحمل. # قال مالك: سبحان الله من يقول هذا؟ هذه جارتنا أمرأة محمد بن عجلان تحمل ~~أربع سنين. وقال أحمد نساء بني عجلان يحملن أربع سنين، وامرأة عجلان حملت ~~ثلاثة بطون، كل دفعة أربع سنين. # وغالب الحمل تسعة أشهر؛ لأنه كذلك يقع غالبا. وإذا أتت المرأة بولد بعد ~~فراقها لزوجها، بموت أو طلاق بائن ms0977 بأربع سنين، لم يلحق به، وانتفى عنه بغير ~~لعان؛ لأنها علقت به بعد زوال الفراش. # وإن كان الطلاق رجعيا، فوضعته لأربع سنين منذ انقضت عدتها، فكذلك لذلك. ~~وإن كان لأكثر من أربع سنين من حين الطلاق، ففيه روايتان: # إحداهما: لا يلحق به؛ لأنها علقت به بعد طلاقه، أشبهت البائن. # والثانية: يلحقه؛ لأنها في حكم الزوجات، فأشبهت ما قبل الطلاق. وإن وضعته ~~لأقل من أربع سنين، قبل الحكم بانقضاء عدتها، لحق به؛ لأنه أمكن إلحاقه به، ~~والنسب مما يحتاط لإثباته. # وإن بانت زوجته منه فوضعت ولدا، ثم وضعت آخر بينهما أقل من ستة أشهر، لحق ~~به؛ لأنهما حمل واحد. وإن أتت به لستة أشهر فصاعدا، لم يلحق به؛ لأنه حمل ~~ثان، إذ لا يمكن أن يكونا حملا بينهما مدة الحمل، فيعلم أنها علقت به بعد ~~زوال الزوجية. # وإن اعتدت بالأقراء، ثم أتت بولد لدون ستة أشهر، لحق به، لعلمنا أنها ~~حملته في الزوجية، والدم دم فساد رأته في حملها. وإن كان لأكثر من ستة أشهر ~~فصاعدا، لم يلحق به؛ لأننا حكمنا بانقضاء عدتها، فلا تنقضها بالاحتمال. هذا ~~قول أصحابنا. # PageV03P189 # فصل: # وإذا تزوجت المرأة بعد انقضاء عدتها، ثم ولدت بعد ستة أشهر منذ تزوجها ~~الثاني، فهو ولده في الحكم لا ينتفي عنه إلا باللعان. وإن ولدت لدون ستة ~~أشهر منذ تزوجها الثاني، لم يلحق به، ولا بالأول، وانتفى عنهما بغير لعان. ~~وإن تزوجت في عدتها، وولدت لدون ستة أشهر من نكاح الثاني، فهو ولد الأول؛ ~~لأنه أمكن أن يكون منه، ولم يمكن إلحاقه بالثاني. # وإن أتت به لستة أشهر فصاعدا، فهذا يحتمل أن يكون منهما، فيرى القافة ~~معهما، فيلحق بمن ألحقوه به منهما. فإن ألحقته بالأول، انتفى عن الثاني ~~بغير لعان؛ لأن نكاحه فاسد. إن ألحقته بالثاني، لحق، وهل له نفيه باللعان؟ ~~على روايتين: # إحداهما: له ذلك، والأخرى لا ينتفي عنه بحال. وإن لم توجد قافة، أو أشكل ~~أمره، ففيه روايتان: # إحداهما: يترك حتى يبلغ، فينتسب إلى من شاء منهما، والأخرى يضيع ms0978 نسبه. # فصل: # إذا أتت زوجته بولد يمكن أن يكون منه، فقالت: هذا ولدي منك، فقال: ليس ~~هذا ولدي منك، بل استعرتيه، أو التقطتيه، ففيه وجهان: # أحدهما: القول قولها؛ لأنه خارج تنقضي به العدة، فالقول قولها فيه، ~~كالحيض. # والثاني: القول قوله، ولا يقبل قولها إلا ببينة؛ لأن الولادة يمكن إقامة ~~البينة عليها، والأصل عدمها، فكانت البينة على مدعيها، ويكفي في ذلك امرأة ~~عدلة. # وإذا ثبتت ولادتها، لحق نسبه به؛ لأنه ولد على فراشه. وإن كان خلافهما في ~~انقضاء العدة، فالقول قولها في انقضائها بغير بينة؛ لأن المرجع إليها فيها، ~~وإن قال: هو من زوج قبلي ولم يكن لها قبله زوج، أو كان ولم يمكن إلحاقه به، ~~لحقه، ولم يلتفت إلى قوله. # وإن قال: هو من وطء شبهة، أو قال: لم تزن، ولكن ليس هذا الولد مني، فقال ~~الخرقي: هو ولده في الحكم، ولا حد عليه لها؛ لأنه لم يقذفها، ولا لعان ~~بينهما؛ لأن من شرطه القذف ولم يقذفها. وقال أبو الخطاب: هل له أن يلاعن ~~بنفي الولد؟ على روايتين: # إحداهما: لا يلاعن كذلك. # والثانية: له أن يلاعن؛ لأنه يحتاج إلى نفي النسب الفاسد فشرع، كما لو ~~قذفها. # فصل: # ومن ولدت زوجته بعد وطئه لها بستة أشهر من غير مشاركة غيره له في وطئها، # PageV03P190 # لحقه نسب ولدها، ولم يحل له نفيه، لما روى أبو هريرة: أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال حين نزلت آية الملاعنة: «أيما رجل جحد ولده وهو ينظر ~~إليها، احتجب الله عنه، وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين» . أخرجه أبو ~~داود، وإن علم أنه من غيره، مثل أن يراها تزني في طهر لم يصبها فيه، ~~فاجتنبها حتى ولدت، لزمه قذفها ونفي ولدها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال في الحديث: «وأيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم، فليست من الله ~~في شيء، ولن يدخلها الله جنته» . # فلما حرم عليها أن تدخل عليهم نسبا ليس منهم، دل على أن الرجل مثله؛ ~~ولأنه إذا لم ينفه، زاحم ولده ms0979 في حقوقهم، ونظر إلى حرمه، بحكم أنه محرم ~~لهن. وإن لم يرها تزني، لكن علم أن الولد من غيره، لكونه لم يصبها لزمه نفي ~~ولدها كذلك. # وليس له قذفها، لاحتمال أن تكون مكرهة، أو موطوءة بشبهة وإن كان يطؤها ~~ويعزل، لم يكن له نفي ولدها، لما روى أبو سعيد الخدري قال: «قالوا لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: إنا نصيب النساء ونحب الأثمان فنعزل عنهن، ~~فقال: إن الله إذا قضى خلق نسمة خلقها» ولأنه قد يسبق من الماء ما لا يحس ~~به فتعلق منه. # وإن كان يجامعها دون الفرج، أو في الدبر، فقال أصحابنا: ليس له نفيه؛ ~~لأنه قد يسبق من الماء إلى الفرج ما لا تحس به. # فصل: # وإن ولدت امرأته غلاما أسود وهما أبيضان، أو أبيض وهما أسودان، لم يجز له ~~نفيه. ذكره ابن حامد لما روى أبو هريرة قال: «جاء رجل إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: إن امرأتي جاءت بولد أسود، يعرض بنفيه، فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: هل لك من إبل، قال: نعم قال: فما ألوانها؟ قال: حمر. ~~قال: هل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقا قال: فأنى أتاها ذلك؟! قال: عسى ~~أن يكون نزعة عرق. قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق» . # قال: ولم يرخص له في الانتفاء منه. متفق عليه. ولأن دلالة ولادته على ~~فراشه قوية، ودلالة الشبهة ضعيفة، فلا يجوز معارضة القوي بالضعيف. ولذلك ~~«لما اختلف عبد بن زمعة، وسعد بن أبي وقاص في غلام. فقال سعد: هذا يا رسول ~~الله ابن # PageV03P191 # أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد الله بن ~~زمعة: هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي من وليدته. ورأى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فيه شبها بينا لعتبة. فقال: الولد للفراش وللعاهر الحجر» ~~متفق عليه، فاعتبر الفراش دون الشبه. # وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد، أن له نفيه، لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في امرأة هلال: «انظروها ms0980 فإن جاءت به أبيض سبطا، مضيء العينين، فهو ~~لهلال بن أمية، وإن جاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الأليتين ~~فهو لشريك» رواه أحمد ومسلم. # فجاءت به على النعت المكروه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لولا ~~الأيمان، لكان لي ولها شأن» ، أخرجه أبو داود. فجعل الشبه دليلا على نفيه ~~عن الزوج. # فصل: # وإن رآها تزني ولم يكن له نسب يلحقه، فله قذفها؛ لأن هلالا وعويمرا قذفا ~~زوجتيهما قبل أن يكون ثم نسب ينفى. وله أن يسكت؛ لأنه لا نسب فيه ينفيه، ~~وفراقها ممكن بالطلاق، فيستغني عن اللعان. وإن أقرت عنده بالزنا، فوقع في ~~نفسه صدقها، أو أخبره بذلك ثقة، أو استفاض في الناس أن رجلا يزني بها، ثم ~~رأى الرجل يخرج من عندها في أوقات الريب، فله قذفها؛ لأن الظاهر زناها. # وإن لم ير شيئا، ولا استفاض سوى أنه رأى رجلا يخرج من عندها من غير ~~استفاضة، لم يكن له قذفها؛ لأنه يجوز أن يكون دخل هاربا، أو سارقا، أو ~~ليراودها عن نفسها فمنعته، فلم يجز قذفها بالشك. وإن استفاض ذلك ولم يره ~~يدخل إليها، ففيه وجهان: # أحدهما: يجوز قذفها؛ لأن الاستفاضة أقوى من خبر الثقة. # والثاني: لا يجوز؛ لأنه يحتمل أن عدوا أشاع ذلك عنها. # فصل: # ومن ملك أمة، لم تصر فراشا بنفس الملك؛ لأنه قد يقصد بملكها التمول، أو ~~التجمل، أو التجارة، أو الخدمة، فلم يتعين لإرادة الوطء، فإن أتت بولد ولم ~~يعترف # PageV03P192 # به، لم يلحقه نسبه؛ لأنه لم يولد على فراشه، فإذا وطئها، صارت فراشا له، ~~فإذا أتت بولد لمدة الحمل من حين يوم الوطء، لحقه؛ «لأن سعدا نازع عبد بن ~~زمعة في ابن وليدة زمعة، فقال عبد بن زمعة: هو أخي وابن وليدة أبي ولد على ~~فراشه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هو لك يا عبد بن زمعة، ~~الولد للفراش وللعاهر الحجر» . متفق عليه. فإن ادعى أنه كان يعزل عنها، لم ~~ينتف عنه الولد بذلك: لما ذكرنا في الزوجة. وقد روي عن ms0981 عمر - رضي الله عنه ~~- أنه قال: ما بال قوم يطؤون ولائدهم ثم يعزلونهن، لا تأتيني وليدة يعترف ~~سيدها أنه ألم بها إلا ألحقت به ولدها، فاعزلوا بعد ذلك، أو اتركوا، وإن ~~اعترف بوطئها دون الفرج فقال أصحابنا: يلحقه نسب ولدها؛ لأن الماء قد يسبق ~~إلى الفرج من حيث لا يعلم. وإن انتفى من ولدها بعد اعترافه بوطئها، لم ~~يلاعن؛ لأن اللعان لا يكون إلا بين الزوجين، ولا ينتفي عنه، إلا أن يدعي ~~أنه استبرأها بعد وطئه لها، فإن ادعى ذلك، فالقول قوله، وينتفي ولدها عنه، ~~ويقوم ذلك مقام اللعان في نفي الولد. # PageV03P193 ### | كتاب العدد # إذا فارق الرجل زوجته في حياته قبل المسيس والخلوة، فلا عدة عليها ~~بالإجماع، لقول الله سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب: 49] . ~~ولأن العدة تجب لاستبراء الرحم، وقد علم ذلك بانتفاء سبب الشغل. فإن فارقها ~~بعد الدخول، فعليها العدة بالإجماع، لقول الله تعالى: {والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] . ولأنه مظنة لاشتغال الرحم بالحمل، ~~فتجب العدة لاستبرائه. وإن طلقها بعد الخلوة، وجبت العدة، لما روى الإمام ~~أحمد بإسناده عن زرارة بن أبي أوفى قال: قضى الخلفاء الراشدون أن من أرخى ~~سترا، أو من أغلق بابا، فقد وجب المهر، ووجبت العدة؛ ولأن التمكين من ~~استيفاء المنفعة، جعل كاستيفائها، ولهذا استقرت الأجرة في الإجارة، فجعل ~~كالاستيفاء في العدة. # فصل: # والمعتدات ثلاثة أقسام: معتدة بالحمل فتنقضي عدتها بوضعه، سواء كانت حرة ~~أو # PageV03P194 # أمة، مفارقة في حياة، أو بوفاة؛ لقول الله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن ~~أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] . # «وروت سبيعة الأسلمية: أنها كانت تحت سعد بن خولة، وتوفي عنها في حجة ~~الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها، فلما انقلبت من نفاسها، تجملت ~~للخطاب، فدخل عليها ابن السنابل بن بعكك، فقال: لعلك ترجين النكاح، إنك ~~والله ما أنت ناكح حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت: فأتيت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فسألته ms0982 عن ذلك، فأفتاني بأني حللت حين وضعت حملي، ~~فأمرني بالتزوج إن بدا لي» . متفق عليه. ولأن براءة الرحم لا تحصل في ~~الحامل إلا بوضعه، فكانت عدتها به، ولا تنقضي إلا بوضع جميع الحمل ~~وانفصاله. فإن كان حملها أكثر من واحد، فحتى تضع آخر حملها وينفصل؛ لأن ~~الشغل لا يزول إلا بذلك. وإن وضعت ما يتبين فيه خلق الإنسان، انقضت به ~~عدتها؛ لأنه ولد. وإن لم يتبين فشهد ثقات من القوابل أن فيه صورة خفية، ~~فكذلك؛ لأنه تبين لهن. وإن شهدن أنه مبتدأ خلق آدمي، فالمنصوص أن العدة لا ~~تنقضي به؛ لأنه لم يصر ولدا، فأشبه العلقة. وعنه: أن الأمة تصير به أم ولد، ~~فيجب أن تنقضي به العدة؛ لأنه حمل، فيدخل في عموم الآية. وأقل مدة تنقضي ~~فيها العدة بالحمل، أن تضعه بعد ثمانين يوما، من حين إمكان الوطء؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه فيكون ~~نطفة أربعين يوما ثم يكون مضغة أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك» ولا ~~تنقضي العدة بما دون المضغة، ولا يكون مضغة في أقل من ثمانين. # فصل: # القسم الثاني: معتدة بالقروء: وهي: كل مطلقة أو مفارقة في الحياة وهي ~~حائل ممن تحيض. وهي: نوعان. حرة: فعدتها ثلاثة قروء؛ لقول الله تعالى: ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] وأمة: فعدتها قرآن، ~~لما روى ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه # PageV03P195 # قال: «طلاق الأمة طلقتان، وقرؤها حيضتان» رواه أبو داود. وعن عمر وعلي ~~وابن عمر - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: عدة الأمة حيضتان، وفي القروء ~~روايتان: # إحداهما: الحيض، لهذا الخبر، وقول الصحابة - رضي الله عنهم -؛ ولقوله - ~~عليه السلام -: «تدع الصلاة أيام أقرائها» رواه أبو داود. وقال لفاطمة بنت ~~أبي حبيش: «فإذا أتى قرؤك فلا تصلي. وإذا مر قرؤك فتطهري، ثم صلي ما بين ~~القرء إلى القرء» رواه النسائي؛ ولأنه معنى يستبرأ به الرحم، فكان بالحيض ~~كاستبراء الأمة؛ ولأن الله تعالى جعل العدة ثلاثة قروء، فالظاهر أنها ms0983 تكون ~~كاملة؛ ولا تكون العدة ثلاثة قروء كاملة إلا إذا كانت الحيض. ومن جعل ~~القروء الأطهار، لم يوجب ثلاثة كاملة؛ لأنه يعد الطهر الذي طلقها فيه قرءا. # والثانية: القروء: الأطهار؛ لقول الله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: ~~1] أي في عدتهن، وإنما يطلق في الطهر. فإذا قلنا: هي حيض، لم يحتسب بالحيضة ~~التي طلقها فيها، ولزمها ثلاث حيض مستقبلة، لقوله تعالى: {ثلاثة قروء} ~~[البقرة: 228] فيتناول الكاملة. وإن قلنا هي الأطهار، احتسب بالطهر الذي ~~طلقها فيه قرءا، ولو بقي منه لحظة؛ لقوله سبحانه: {فطلقوهن لعدتهن} ~~[الطلاق: 1] أي: في عدتهن، وإنما يكون من عدتهن إذا احتسب به؛ ولأن الطلاق ~~إنما جعل في الطهر دون الحيض، كيلا يضر بها، فتطول عدتها، ولو لم يحتسب ~~بقية الطهر قرءا، لم تقصر عدتها بالطلاق فيه. فإن لم يبق من الطهر بعد ~~الطلاق جزء، بأن وافق آخر لفظه آخر الطهر، أو قال: أنت طالق في آخر طهرك، ~~كان أول قرئها الطهر الذي بعد الحيض؛ لأن العدة لا تكون إلا بعد وقوع ~~الطلاق. ومتى قلنا: القرء: الحيض. فآخر عدتها انقطاع الدم في الحيضة ~~الثالثة؛ لأن ذلك آخر القروء. وعنه: لا تنقضي عدتها حتى تغتسل من الحيضة ~~الثالثة، اختاره الخرقي؛ لأنه يروى عن الأكابر من أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، منهم أبو بكر الصديق وعثمان بن عفان وعبادة وأبو موسى ~~وأبو الدرداء - رضي الله عنهم -. وإن قلنا: القروء: الأطهار. فآخر العدة ~~آخر الطهر. # PageV03P196 # الثالث: إذا رأت الدم بعده، انقضت عدتها، ويحتمل أن لا تنقضي بانقضائها، ~~حتى ترى الدم يوما وليلة؛ لأن ما دونه لا يحتمل أن يكون حيضا، وليست اللحظة ~~التي ترى فيها الدم من عدتها، ولا يصح ارتجاعها فيها؛ لأن حسبانها من عدتها ~~يفضي إلى زيادتها على ثلاثة قروء، وإنما اعتبرت، ليتحقق انتفاء الطهر. # فصل: # وأقل ما تنقضي به العدة تسعة وعشرون يوما، إن قلنا: القرء: الحيض، وأقل ~~الطهر ثلاثة عشر يوما؛ لأن ثلاث حيضات ثلاثة أيام، وبينها طهران ستة وعشرون ~~يوما. وإن قلنا: أقل الطهر خمسة عشر ms0984 يوما، فأقل العدة ثلاثة وثلاثون يوما. ~~وإن قلنا: الأقراء: الأطهار، والطهر: ثلاثة عشر يوما، فأقلها: ثمانية ~~وعشرون يوما ولحظة. وإن قلنا: أقله خمسة عشر يوما، فأقلها اثنان وثلاثون ~~يوما ولحظة. فأما الأمة فعلى الأول: أقل عدتها خمسة عشر يوما، وعلى الثاني: ~~سبعة عشر، وعلى الثالث: أربعة عشر يوما ولحظة، وعلى الرابع: ستة عشر يوما ~~ولحظة. # فصل: # القسم الثالث: المعتدة بالشهور. وهي: ثلاثة أنواع: # إحداهن: الآيسة من المحيض، والصغيرة التي لم تحض، إذا بانت في حياة زوجها ~~بعد دخوله بها، فإن كانت حرة، فعدتها ثلاثة أشهر، لقول الله تعالى: ~~{واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم ~~يحضن} [الطلاق: 4] . # فإن طلقها في أول الهلال، فعدتها ثلاثة أشهر بالأهلة. وإن طلقها في أثناء ~~شهر، اعتدت شهرين بالهلال وشهرا بالعدد، لما ذكرنا فيما مضى. وإن كانت ~~الأمة، ففيها ثلاث روايات: # إحداهن: عدتها شهران؛ لأن كل شهر مكان قرء، وعدتها بالأقراء قرءان، فتكون ~~عدتها بالشهور شهرين. # والثانية: عدتها شهر ونصف؛ لأن عدتها نصف الحرة، وعدة الحرة: ثلاثة أشهر، ~~فنصفها شهر ونصف. وإنما كملنا الأقراء لتعذر تنصيفها، وتنصيف الأشهر ممكن. # والثالثة: أن عدتها ثلاثة أشهر، لعموم الآية، ولأن اعتبار الشهور لمعرفة ~~براءة الرحم، ولا يحصل بأقل من ثلاثة. # PageV03P197 # فصل: # واختلف عن أحمد في حد الإياس، فعنه: أقله خمسون سنة؛ لأن عائشة - رضي ~~الله عنها - قالت: لن ترى المرأة في بطنها ولدا بعد خمسين سنة. وعنه: إن ~~كانت من نساء العجم فخمسون، وإن كانت من نساء العرب فستون؛ لأنهن أقوى ~~طبيعة. وذكر الزبير في كتاب ((النسب)) : أن هند بنت أبي عبيد بن عبد الله ~~بن زمعة، ولدت موسى بن عبد الله بن حسن بن حسين بن علي بن أبي طالب، ولها ~~ستون سنة. قال: ويقال: لن تلد بعد الخمسين إلا عربية، ولا بعد الستين إلا ~~قرشية. ويحتمل كلام الخرقي أن يكون حده: ستون سنة في حق الكل، لقوله: وإذا ~~رأته بعد الستين، فقد زال الإشكال، وتيقن أنه ليس بحيض. # فصل: # وإن ms0985 شرعت الصغيرة في الاعتداد بالشهور فلم تنقض عدتها حتى حاضت، بطل ما ~~مضى من عدتها، واستقبلت العدة بالقروء؛ لأنها قدرت على الأصل فيه، فبطل حكم ~~البدل، كالمتيمم يجد الماء. وإن قلنا: القروء: الحيض، استأنفت ثلاث حيض. ~~وإن قلنا: هي الأطهار، فهل تعتد بالطهر الذي قبل الحيض قرءا؟ فيه وجهان: # أحدهما: تعتد به؛ لأنه طهر قبل حيض فاعتدت به، كالذي بين الحيضتين. # والثاني: لا تعتد به، كما لو اعتدت قرءين ثم يئست، لم تعتد بالطهر قبل ~~الإياس قرءا ثالثا. وإن لم تحض حتى كملت عدتها بالشهور، لم يلتفت إليه؛ ~~لأنه معنى حدث بعد انقضاء العدة فلم يلتفت إليه. # فصل: # النوع الثاني: المتوفى عنها زوجها، إذا لم تكن حاملا، فعدتها أربعة أشهر ~~وعشرا، إذا كانت حرة، مدخولا بها أو غير مدخول بها؛ لقول الله تعالى: ~~{والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} ~~[البقرة: 234] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل لامرأة تؤمن ~~بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا» ~~متفق عليه. وإن كانت أمة، اعتدت شهرين وخمس ليال؛ لأن # PageV03P198 # الصحابة - رضي الله عنهم - اتفقوا على أن عدة الأمة المطلقة: نصف عدة ~~الحرة، فيجب أن تكون عدة المتوفى عنها نصف عدة الحرة، وهو ما ذكرنا. ومن ~~نصفها حر، فعدتها بالحساب من عدة حرة وعدة أمة، وذلك ثلاثة أشهر وثمان ~~ليال، لأن نصف عدة الحرة شهران وخمس ليال، ونصف عدة الأمة شهر وثلاثة ليال. # فصل: # النوع الثالث: ذات القروء إذا ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه، فعدتها سنة، ~~تسعة أشهر تتربص فيها ليعلم براءتها من الحمل؛ لأنها غالب مدته، ثم تعتد ~~بعد ذلك ثلاثة أشهر. وقال الشافعي - رحمه الله -: هذا قضاء عمر - رضي الله ~~عنه - بين المهاجرين والأنصار، لا ينكره منكر علمناه، فصار إجماعا. فإن ~~حاضت قبل انقضاء السنة ولو بلحظة، لزمها الانتقال إلى القروء؛ لأنها الأصل، ~~فبطل حكم البدل، كالمتيمم إذا رأى الماء. وإن عاد الحيض بعد انقضاء السنة ~~وتزوجها، لم ms0986 تعد إلى الأقراء؛ لأننا حكمنا بانقضاء عدتها وصحة نكاحها، فلم ~~تبطل، كما لو حاضت الصغيرة بعد اعتدادها وتزوجها. وإن حاضت بعد السنة وقبل ~~تزوجها، ففيه وجهان: # أحدهما: لا عدة عليها كذلك. # والثاني: عليها العدة؛ لأنها من ذوات القروء، وقد قدرت على المبدل قبل ~~تعلق حق الزوج بها، فلزمها العود، كما لو حاضت في السنة. وإن كانت أمة، ~~تربصت تسعة أشهر للحمل؛ لأن مدته للحرة والأمة سواء، وتضم إلى ذلك عدة ~~الأمة على ما ذكرنا من الخلاف فيها. وإن شرعت في الحيض، ثم ارتفع حيضها قبل ~~قضاء عدتها، لم تنقض عدتها إلا بعد سنة من وقت انقطاع الحيض؛ لأنها لا ~~تنبني إحدى العدتين على الأخرى، ولو عرفت ما رفع الحيض من المرض أو الرضاع ~~ونحوه، لم تزل في عدة حتى يعود الحيض فتعتد به؛ لأنها من ذوات القروء، ~~والعارض الذي منع الدم يزول، فانتظر زواله، إلا أن تصير آيسة، فتعتد ثلاثة ~~أشهر من وقت أن تصير في عداد الآيسات. # فصل: # إذا أتى على الجارية سن تحيض فيه النساء غالبا، كخمسة عشر، فلم تحض، ~~فعدتها ثلاثة أشهر في إحدى الروايتين، لظاهر قول الله تعالى: {واللائي لم ~~يحضن} [الطلاق: 4] . والأخرى عدتها سنة؛ لأنه أتى عليها زمن الحيض، فلم ~~تحض، فأشبهت # PageV03P199 # من ارتفع حيضها، ولم تدر ما رفعه. ولو ولدت ولم تر دما قبل الولادة، ولا ~~بعدها، ففيه الوجهان، بناء على ما تقدم. فأما المستحاضة، فإن كان لها حيض ~~محكوم به بعادة أو تمييز، فمتى مرت لها ثلاثة قروء، انقضت عدتها؛ لأنه حيض ~~محكوم به، أشبه غير المستحاضة. وإن كانت ممن لا عادة لها ولا تمييز، إما ~~مبتدأة، وإما ناسية متحيرة، ففيها روايتان: # إحداهما: عدتها ثلاثة أشهر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر حمنة ~~ابنة جحش: أن تجلس من كل شهر ستة أيام أو سبعة، فجعل لها حيضة في كل شهر؛ ~~لأننا نحكم لها بحيضة في كل شهر تترك فيها الصلاة والصوم، فيجب أن تنقضي ~~العدة به. # والثانية: تعتد سنة؛ لأنها لم تتيقن ms0987 بها حيضا مع أنها من ذوات الأقراء، ~~فأشبهت التي ارتفع حيضها، والأول أولى. # فصل: # فإذا عتقت الأمة بعد قضاء عدتها، لم يلزمها زيادة عليها؛ لأن عدتها ~~انقضت، فأشبهت الصغيرة إذا حاضت بعد انقضاء عدتها بالأشهر، وإن عتقت في ~~عدتها وكانت رجعية، أتمت عدتها عدة حرة؛ لأن الرجعية زوجة وقد عتقت في ~~الزوجية، فلزمتها عدة حرة، كما لو عتقت قبل الشروع فيها. وإن كانت بائنا، ~~أتمت عدة الأمة؛ لأنها عتقت بعد البينونة، أشبهت المعتقة بعد عدتها. # فصل: # وإن مات زوج المعتدة الرجعية، فعليها عدة الوفاة تستأنفها من حين الموت، ~~وتنقطع عدة الطلاق؛ لأنها زوجة متوفى عنها، فتدخل في عموم قوله تعالى: ~~{والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} ~~[البقرة: 234] . وإن كانت بائنا غير وارثة لكونها مطلقة في صحته، بنت على ~~عدة الطلاق؛ لأنها أجنبية من نكاحه وميراثه، فلم يلزمها، الاعتداد من ~~وفاته، كما لو انقضت عدتها قبل موته، وعلى قياس هذا: المطلقة في المرض التي ~~لا ترث، كالذمية والأمة والمختلعة، وزوجة العبد؛ لأنها غير وارثة. وإن كانت ~~وارثة كالحرة المسلمة، يطلقها زوجها الحر في مرض موته، فعليها أطول الأجلين ~~من ثلاثة قروء، أو أربعة أشهر وعشر؛ لأنها مطلقة بائن، فتدخل # PageV03P200 # في الآية. ومعتدة ترث بالزوجية، فلزمتها عدة الوفاة كالرجعية. فإن كان ~~طلاقه قبل الدخول، أو موته بعد قضاء عدتها، فلا عدة عليها، وعنه: عليهما ~~العدة من الوفاة؛ لأنهما يرثانه بالزوجية. والأول أصح، لقول الله سبحانه ~~وتعالى: {فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب: 49] ، ولأن الأجنبية ~~تحل للأزواج، فلم تلزمها العدة منه، كما لو تزوجت غيره. # فصل: # وإذا وطئت المرأة بشبهة، أو زنا، لزمتها العدة؛ لأن العدة تجب، لاستبراء ~~الرحم، وحفظا عن اختلاط المياه واشتباه الأنساب، ولو لم تجب العدة، لاختلط ~~ماء الواطئ بماء الزوج، ولم يعلم لمن الولد منهما، فيحصل الاشتباه، وعدتها ~~كعدة المطلقة؛ لأنه استبراء لحرة، أشبه عدة المطلقة. وعنه: أن الزانية ~~تستبرأ بحيضة؛ لأن النسب لا يلحق الزاني، وإنما المقصود معرفة براءة رحمها، ~~فكان بحيضة كاستبراء ms0988 أم الولد إذا مات سيدها. # فصل: # وإذا طلق أحد نسائه ثلاثا وأنسيها، ثم مات قبل أن يبين المطلقة، فعلى ~~الجميع الاعتداد بأطول الأجلين من عدة الطلاق والوفاة، ليسقط الفرض بيقين، ~~كمن نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها؛ لأن كل واحدة منهن يحتمل أن تكون ~~المطلقة، فيلزمها ثلاثة قروء، ويحتمل أن تكون غيرها، فتلزمها عدة الوفاة، ~~فلا يحصل حلها يقينا إلا بهما، والمنصوص أنه يقرع بينهن، فتعتد واحدة منهن ~~عدة الطلاق، وسائرهن عدة الوفاة، فأما إن طلق واحدة لا بعينها، فإنه يقرع ~~بينهن، فتخرج بالقرعة المطلقة منهن، فتعتد عدة الطلاق، ويعتد سائرهن عدة ~~الوفاة؛ لأن الطلاق لم يقع في واحدة بعينها، وإنما عينته القرعة، بخلاف ~~التي قبلها. # فصل: # إذا ارتابت المعتدة لرؤيتها أمارات الحمل من حركة أو نحوها، لم تزل في ~~عدة حتى تزول الريبة، فإن تزوجت قبل زوالها، لم يصح نكاحها؛ لأنها تزوجت ~~قبل العلم بقضاء عدتها. وإن حدثت الريبة بعد انقضاء عدتها ونكاحها، فالنكاح ~~صحيح؛ لأننا حكمنا بصحة ذلك بدليله، فلا يزول عنه بالشك، لكن لا يحل وطؤها ~~حتى تزول الريبة؛ لأنا شككنا في حل الوطء. وإن حدثت بعد العدة وقبل النكاح، ~~ففيه وجهان: # PageV03P201 # أحدهما: لا يحل لها أن تنكح؛ لأنها شاكة في انقضاء عدتها. # والثاني: يحل لها؛ لأننا حكمنا بانقضاء عدتها فلا يتغير الحكم بالشك. # فصل: # إذا فقدت المرأة زوجها، وانقطع خبره عنها، لم يخل من حالين: # أحدهما: أن يكون ظاهر غيبته السلامة، كالتاجر وطالب العلم من غير مهلكة، ~~فلا تزول الزوجية ما لم يتيقن موته؛ لأنها كانت ثابتة بيقين، فلا تزول ~~بالشك. وعنه: إذا مضى له تسعون سنة، قسم ماله. وإذا أباح قسمة ماله، أباح ~~لزوجته أن تتزوج. قال أصحابنا: يعني تسعين سنة من حين ولد؛ لأن الظاهر أنه ~~لا يعيش أكثر من ذلك. فإذا اقترن به انقطاع خبره، حكم بموته. والأول أصح؛ ~~لأن هذا تقدير لا يصار إليه بغير توقيف. # الثاني: أن يكون ظاهرها الهلاك، كالذي يفقد من بين أهله، أو في مفازة هلك ~~فيها ms0989 بعض رفقته، أو بين الصفين، أو ينكسر مركبا فيهلك بعض رفقته، وأشباه ~~ذلك، فمذهب أحمد أنها تتربص أربع سنين أكثر مدة الحمل، ثم تعتد للوفاة، ثم ~~تتزوج. قال بعض أصحابنا: لا يختلف قول أحمد في هذا. وقال أحمد: من ترك هذا ~~القول، أي شيء يقول؟ هو عن خمسة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، وقال القاضي: عندي أن فيها رواية أخرى: # أن حكمه حكم من ظاهر غيبته السلامة، والمذهب الأول. قال أحمد: يروى عن ~~عمر من، ثمانية وجوه، ومن أحسنها ما روى عبيد بن عمير قال: فقد رجل في عهد ~~عمر، فجاءت امرأته إلى عمر، فذكرت ذلك له، فقال: انطلقي فتربصي أربع سنين، ~~ففعلت، ثم أتته، فقال: انطلقي فاعتدي أربعة أشهر وعشرا، ففعلت ثم أتته، ~~فقال: أين ولي هذا الرجل؟ فجاء وليه، فقال له: طلقها، ففعل. فقال عمر: ~~انطلقي فتزوجي من شئت، ثم جاء زوجها الأول، فقال عمر: أين كنت؟ قال: ~~استهوتني الشياطين، فخيره عمر: إن شاء امرأته، وإن شاء الصداق، فاختار ~~الصداق. وقضى بذلك عثمان وعلي وابن الزبير، وهو قول ابن عباس - رضي الله ~~عنهم -. وهذه قضايا انتشرت فلم تنكر، فكانت إجماعا. وهل يعتبر ابتداء المدة ~~من حين ضربها الحاكم، أو # PageV03P202 # من حين ينقطع خبره؟ على وجهين: # أحدهما: من حين ضربها الحاكم؛ لأنها مدة ثبتت بالاجتهاد فافتقرت إلى حكم ~~الحاكم، كمدة العنة. # والثاني: من حين انقطع خبره؛ لأن ذلك ظاهر في موته، فأشبه ما لو قامت به ~~بينة. وهل يفتقر بعد انقضاء العدة إلى أن يطلقها وليه؟ فيه وجهان: # أحدهما: يعتبر؛ لأن ذلك يروى عن عمر وعلي. # والثاني: لا يفتقر؛ لأن الحكم بتقدير المدة حكم بالموت بعد انقضائها، ~~ولهذا اعتدت عدة الوفاة، وقول عمر فقد خالفه قول ابن عباس وابن عمر. # فصل: # فإن قدم المفقود قبل تزوجها، فهي زوجته؛ لأننا تبينا حياته، فأشبه ما لو ~~شهد بموته شاهدان، وتبين أنه حي. وإن قدم بعد تزوجها، وقبل دخوله بها، ~~فكذلك لما ذكرناه وقيل عنه: إن حكمها حكم المدخول ms0990 بها، والصحيح الأول. وإن ~~قدم بعد دخول الثاني بها، خير بينها وبين صداقها، لإجماع الصحابة عليه. فإن ~~اختارها، فهي زوجته بالعقد الأول، ولم يحتج الثاني إلى طلاق؛ لأننا بينا ~~بطلان عقده. وإن اختار صداقها، فله ذلك، ويأخذ من الثاني صداقها الذي ساق ~~إليها الأول. اختاره أبو بكر؛ لأن عليا وعثمان - رضي الله عنهما - قالا: ~~يخير بينها وبين صداقها الذي ساق. ولأن الثاني أتلف المعوض، فرجع عليه ~~بالعوض، كشهود الطلاق إذا رجعوا عنه. وعنه: يرجع بالصداق الآخر؛ لأنه بذل ~~عوضا عما هو مستحق للأول، فكان أولى به. وهل يرجع الثاني على المرأة ما ~~غرمه للأول؟ على روايتين. وتكون زوجة الثاني من غير تجديد عقد؛ لأن الصحابة ~~- رضي الله عنهم - لم ينقل عنهم أمر بتجديد العقد، والقياس أن يلزمه تجديد ~~العقد؛ لأننا تبينا بطلان ما مضى من عقده بحياة صاحبه، ولذلك ملك أخذها ~~منه، فعلى هذا الوجه، الأول يؤمر بطلاقها، ثم يعقد عليها الثاني عقدا. وإن ~~رجع الأول بعد موت الثاني، ورثت، واعتدت، ورجعت إلى الأول، قضى بذلك عمر ~~وعثمان - رضي الله عنهما -. رواه الجوزجاني في ((المترجم)) . وقال أبو ~~الخطاب: قياس المذهب أنا إن حكمنا بوقوع الفرقة ظاهرا وباطنا، فهي زوجة ~~الثاني، ولا خيار للأول، ولا ينفذ طلاقه لها، ولا يتوارثان إذا مات أحدهما. ~~فإن لم يحكم بوقوعها باطنا، فهي زوجة الأول بكل حال، ووطء الثاني لها وطء ~~بشبهة. # فصل: # فإن اختارت امرأة المفقود الصبر حتى يتبين أمره، فلها النفقة والمسكن ~~أبدا، سواء # PageV03P203 # ضرب لها الحاكم مدة تتربص فيها، أو لم يضربها؛ لأننا لم نحكم ببينونتها ~~بضرب المدة، فهي باقية على حكم الزوجية. وإن حكم لها بالفرقة، انقطعت ~~نفقتها، لمفارقتها إياه حكما. # فصل: # إذا طلقها زوجها أو مات عنها وهو غائب، فعدتها من يوم مات، أو طلق، وإن ~~لم تجتنب ما تجتنبه المعتدة في أصح الروايتين. والأخرى إن ثبت ذلك بالبينة، ~~فكذلك، وإن بلغها خبره، فعدتها من حين بلغها الخبر. ### | باب اجتماع العدتين # إذا تزوجت المرأة في عدتها رجلا آخر، لم تنقطع ms0991 عدتها بالعقد؛ لأنه عقد ~~فاسد، لا يصير به فراشا، فإن وطئها، انقطعت عدة الأول؛ لأنها صارت فراشا ~~للثاني، فلا تبقى في عدة غيره. فإن فرق بينهما، لزمها إتمام عدة الأول، ~~وعدة الثاني، وتقدم عدة الأول، لسبقها، ولما روى سعيد بن المسيب أن عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - قال: أيما امرأة نكحت في عدتها، لم يدخل بها الذي ~~تزوجها، فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، وكان خاطبا من ~~الخطاب، وإن كان قد دخل بها، فرق الحاكم بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من ~~زوجها الأول، ثم اعتدت من الآخر، ولم ينكحها أبدا. رواه الشافعي في ~~((مسنده)) . فإن كانت حاملا من الأول، انقضت عدتها بوضع الحمل، ثم اعتدت ~~للثاني ثلاثة قروء. وإن حملت من وطء الثاني، انقضت عدتها منه بوضع الحمل، ~~ثم أتمت عدة الأول بالقروء. وتتقدم عدة الثاني هاهنا على عدة الأول؛ لأنه ~~لا يجوز أن تضع حملها منه، ولا تنقضي عدتها منه. وإن أتت بولد يمكن أو يكون ~~منهما، أري القافة، وألحق بمن ألحقوه به منهما، وانقضت عدتها منه به، ~~واعتدت للآخر. وإن ألحقوه بهما، انقضت به عدتها منهما، وإن لم يوجد قافة، ~~أو أشكل عليهم، فعليها الاعتداد بعد وضع حملها بثلاثة قروء؛ لأنه يحتمل أن ~~يكون من الأول، فيلزمها ثلاثة قروء، لعدة الثاني، فلزمها ذلك، لتقضي العدة ~~بيقين. # فصل: # وروي عن أحمد: أنها تحرم على الزوج الثاني على التأبيد، لقول عمر - رضي ~~الله عنه -: ثم لا ينكحها أبدا. والصحيح في المذهب أنها تحل له؛ لأنه وطء ~~بشبهة، فلم # PageV03P204 # يحرمها على التأبيد، كالنكاح بلا ولي. وقد روي أن عليا - رضي الله عنه - ~~قال: إذا انقضت عدتها، فهو خاطب من الخطاب، يعني الزوج الثاني. فقال عمر - ~~رضي الله عنه -: ردوا الجهالات إلى السنة، ورجع إلى قول علي. قال الخرقي: ~~وله أن ينكحها بعد انقضاء العدتين، فعلى هذا كل معتدة من وطء في نكاح فاسد، ~~أو وطء شبهة، لا يجوز للواطئ، ولا لغيره نكاحها حتى تنقضي عدتها؛ لأنها ~~معتدة ms0992 من وطء في غير ملك، فحرمت قبل انقضاء عدتها، كالزانية. ويحتمل أن ~~يباح للواطئ نكاحها في كل موضع يلحقه النسب؛ لأن العدة إنما وضعت لصيانة ~~الماء، وحفظا للنسب عن الاشتباه. والنسب هاهنا لاحق، فلم يمنع الواطئ ~~نكاحها، كالمعتدة من نكاحه الصحيح. # فصل: # وإن وطئت المعتدة بشبهة، أو زنا فلم تحمل، أتمت عدة الأول، ثم اعتدت ~~للثاني؛ لأنها لم تصر فراشا. وإن حملت من الثاني، أو أشكل الأمر، فالحكم ~~على ما ذكرنا في التي تحمل من زوج ثان. # فصل: # وكل حمل لا يلحق بالزوج، كحمل زوجة الطفل، والخصي والمجبوب وأشباههما لا ~~تنقضي عدتها من الزوج به؛ لأننا تبينا أنه ولد لغيره، فلم تنقض به عدة ~~الزوج، كما لو علمنا الواطئ. وعنه: أن عدة زوجة الصغير تنقضي بوضع الحمل. ~~وذكر أصحابنا في التي ولدت بعد أربع سنين، منذ فارقها زوجها: أن عدتها ~~تنقضي به في وجه، والصحيح الأول، لما ذكرنا، ولأننا إن نعلم الواطئ، ~~فالمرأة تعلمه، فلم يسقط عنها الاعتداد، لجهلنا بعينه، كما لو أقرت. فعلى ~~هذا تنقضي عدة الأول بوطء الثاني، وتنقضي عدة الثاني بوضع الحمل. فإذا ~~وضعته، بنت على عدة الأول على ما ذكرنا. وإن كانت حين موت زوجها حاملا، ~~انقضت عدتها بوضعه من الواطئ، ثم تعتد عن الزوج بأربعة أشهر وعشر. # فصل: # إذا طلق الزوج زوجته طلاقا رجعيا، فلم تنقض عدتها حتى طلقها ثانيا، بنت ~~على ما مضى من العدة؛ لأنهما طلاقان لم يتخللهما وطء ولا رجعة، فأشبه ~~الطلقتين في وقت واحد. وإن طلق العبد زوجته الأمة طلقة، ثم أعتقت، وفسخت ~~النكاح، بنت على العدة كذلك. وإن طلق الرجل زوجته، ثم ارتجعها ثم طلقها قبل ~~وطئها، ففيه وجهان: # PageV03P205 # أحدهما: تبني على العدة الأولى؛ لأنهما طلاقان لم يتخللهما وطء، فأشبه ما ~~لو لم يرتجعها. # والثاني: تستأنف عدة كاملة؛ لأنه طلاق نكاح صحيح، وطئ فيه، فأوجب عدة ~~كاملة، كما لو لم يتقدمه طلاق. وإن طلقها بعد دخوله بها، استأنفت العدة. ~~رواية واحدة. وسقطت بقية الأولى؛ لأن حكم الطلقة انقطع بالزوجية والدخول، ms0993 ~~وإن وطئ المطلق زوجته الرجعية في عدتها، وقلنا: ذلك رجعة، فقد عادت ~~الزوجية، فإن طلقها بعد ذلك، استأنفت العدة، وسقط حكم العدة الأولى، كما ~~تقدم. وإن قلنا: ليس هو برجعة، فعليها أن تعتد للوطء؛ لأنه وطء بشبهة، ~~وتدخل فيها بقية العدة الأولى؛ لأنهما من رجل واحد. وإن كانت حاملا، فهل ~~تتداخل العدتان؟ فيه وجهان: # أحدهما: يتداخلان؛ لأنهما من رجل واحد، فتنقضي عدتها من الطلاق والوطء، ~~بوضع الحمل. # والثاني: لا يتداخلان؛ لأنهما من جنسين، بل تعتد للطلاق بوضع الحمل، ثم ~~تستأنف عدة الوطء بثلاثة قروء، كما لو كانا من رجلين، وإن كانت حائلا، ~~فحملت من الوطء. وقلنا: يتداخلان انقضت العدتان بوضع الحمل، وإن قلنا: لا ~~يتداخلان، انقضت عدة الوطء بالوضع، ثم أتمت بقية عدة الطلاق بالقروء. # فصل: # وإذا خلع الرجل زوجته، فله نكاحها في عدتها؛ لأنها لحفظ مائه ونسبه، ولا ~~يصان ماؤه عن مائه، إذا كانا من نكاح صحيح، فإن طلقها بعد أن وطئها، فعليها ~~استئناف العدة؛ لأنه طلاق من نكاح اتصل به المسيس، ويسقط حكم بقية العدة ~~الأولى. وإن طلقها قبل أن يمسها، ففيه روايتان كما ذكرنا في الرجعية، ~~والأولى هاهنا، أنها تبني على عدة الطلاق الأول فتتمها؛ لأن الطلاق الثاني، ~~طلاق من نكاح قبل المسيس فلم يوجب عدة. كما لو لم يتقدمه نكاح. ويلزمها ~~بقية عدة الأول؛ لأنها تنقطع بعقد التزويج، لكونها تصير به فراشا، فلا تبقى ~~معتدة منه مع كونها فراشا له. وإذا طلقها، لزمها إتمامها؛ لأنه لو لم يجب ~~ذلك، أفضى إلى اختلاط المياه، بأن يطأ زوجته، ثم يخلعها، ثم يتزوجها ~~ويطلقها من يومه، فيتزوجها آخر ويطأها في يوم واحد، فإن كانت حاملا حين ~~خلعها، فتزوجها وولدت، ثم طلقها قبل أن يمسها، لم يكن عليها عدة؛ لأنه لم ~~يبق من العدة الأولى شيء؛ لأنها كانت حاملا، فلا تنقضي عدتها بغير الوضع. # PageV03P206 ### | باب مكان المعتدات # وهن ثلاثة: # إحداهن: الرجعية، فتسكن حيث يشاء زوجها من المساكن التي تصلح لمثلها؛ ~~لأنها تجب لحق الزوجية. # الثانية: البائن بفسخ، أو طلاق، تعتد ms0994 حيث شاءت، لما «روت فاطمة بنت قيس: ~~أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، ~~فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فذكرت له ذلك، فقال: ليس لك عليه نفقة ولا سكنى وأمرها أن تعتد في بيت أم ~~شريك. ثم قال: إن تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي في بيت ابن أم مكتوم» ~~متفق عليه. # الثالثة: المتوفى عنها زوجها، عليها أن تعتد في منزلها الذي كانت ساكنة ~~به، حين توفي زوجها، لما روت «فريعة بنت مالك بن سنان أخت أبي سعيد: أنها ~~جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخبرته أن زوجها خرج في طلب ~~أعبد له، فقتلوه بطرف القدوم، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~أرجع إلى أهلي، فإن زوجي لم يتركني في مسكن أملكه، ولا نفقة، فقال: امكثي ~~في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله فاعتدت فيه أربعة أشهر وعشرا، فلما كان عثمان ~~- رضي الله عنه - أرسل إلي فسألني عن ذلك، فأخبرته، فاتبعه وقضى به» . رواه ~~أبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح. # فإن خافت هدما أو غرقا أو عدوا، أو حولها صاحب المنزل، أو لم تتمكن من ~~سكناه إلا بأجرة، فلها الانتقال حيث شاءت؛ لأن الواجب سقط للعذر، ولم يرد ~~الشرع له ببدل فلم يجب، وليس عليها بدل الأجرة، وإن قدرت عليها؛ لأنه إنما ~~يلزمها فعل السكنى، لا تحصيل المسكن. # فصل: # ولا سكنى للمتوفى عنها، إذا كانت حائلا، رواية واحدة، وإن كانت حاملا، ~~فعلى روايتين: # PageV03P207 # إحداهما: لا سكنى لها؛ لأن المال انتقل إلى الورثة، فلم تستحق عليهم ~~السكنى، كما لو كانت حائلا. # والثانية: لها السكنى، لقول الله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج} [البقرة: 240] . ولأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر فريعة بنت مالك، بالاعتداد في المنزل ~~الذي أسكنها فيه زوجها. فإذا قلنا: لا سكنى لها، فتبرع الوارث بإسكانها، أو ~~تبرع غيره بتمكينها من السكنى في منزلها، ms0995 إما بأداء أجرتها، أو غير ذلك، ~~لزمها السكنى به. وإن لم يوجد ذلك، سكنت حيث شاءت. وإن قلنا: لها السكنى، ~~فهي أحق بمسكنها من الورثة والغرماء، ولا يباع في دينه حتى تنقضي عدتها؛ ~~لأنه حقها تعلق بعينه، فقدمت على سائر الغرماء، كالمرتهن. وإن تعذر ذلك ~~المسكن، أو كان المسكن لغير الميت، استؤجر لها من مال الميت، ويضرب بقدر ~~أجرته مع الغرماء، إن لم يف ماله بدينه، فإن كانت عدتها بالحمل، ضربت بأقل ~~مدته؛ لأنه اليقين. فإن وضعت لأقل من ذلك، ردت الفضل على الغرماء. وإن وضعت ~~لأكثر منه، رجعت عليهم بالنقص، كما ترد عليهم الفضل. ويحتمل أن لا ترجع ~~عليهم بشيء؛ لأننا قدرنا ذلك لها مع تجويز الزيادة، فلم ترد عليه. # فصل: # ولهم إخراجها لطول لسانها، وأذاها لأحمائها بالسب، لقول الله تعالى: {ولا ~~يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [الطلاق: 1] . فسره ابن عباس بما ذكرنا. ~~وإن بذئ عليها أهل زوجها، نقلوا عنها؛ لأن الضرر منهم. # فصل: # وليس لها الخروج من منزلها ليلا، ولها الخروج نهارا لحوائجها، لما روى ~~مجاهد قال: «استشهد رجال يوم أحد، فجاء نساؤهم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وقلن: يا رسول الله إنا نستوحش بالليل، أفنبيت عند إحدانا حتى إذا ~~أصبحنا، بادرنا إلى بيوتنا؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تحدثن ~~عند إحداكن ما بدا لكن، فإن أردتن النوم، فلتؤب كل امرأة إلى بيتها» ، ولأن ~~الليل مظنة الفساد، فلم يجز لها الخروج لغير ضرورة. # PageV03P208 # فصل: # وليس لها الخروج للحج؛ لأنه لا يفوت، والعدة تفوت، فإن خرجت للحج، فمات ~~زوجها وهي قريبة، رجعت؛ لأنها في حكم الإقامة. وإن تباعدت، مضت في سفرها؛ ~~لأن عليها في الرجوع مشقة فلم يلزمها، كما لو كان أكثر من ثلاثة أيام. قال ~~القاضي: حج البعيد: ما تقصر فيه الصلاة؛ لأن ما دونه في حكم الحضر، وإن ~~خافت في الرجوع، مضت في سفرها ولو كانت قريبة؛ لأن عليها ضررا في الرجوع. ~~وإن أحرمت بحج أو عمرة في حياة زوجها في بلدها، ثم ms0996 مات وخافت فواته، مضت ~~فيه؛ لأنه أسبق. فإذا استويا في خوف الفوت، كان أحق بالتقديم. وإن لم تخف ~~فوته، مضت في العدة في منزلها؛ لأنه أمكن الجمع بين الواجبين، فلزمها ذلك. ~~وإن أحرمت بعد موته، لزمتها الإقامة؛ لأن العدة أسبق. # فصل: # إذا أذن لها في السفر لغير نقلة، فخرجت، ثم مات، فحكمه حكم الخروج للحج ~~سواء. وإن كان لنقلة فمات بعد مفارقة البنيان، فهي مخيرة بين البلدين؛ لأنه ~~ليس واحد منهما مسكنا لها، لخروجها منتقلة عن الأول، وعدم وصولها إلى ~~الثاني. ويحتمل أن يلزمها المضي إلى الثاني؛ لأنها مأمورة بالإقامة ~~والسكنى، والأول بخلافه، وهذا ضعيف جدا؛ لأن فيه إلزامها السفر مع مشقته، ~~ومؤنته، وإبعادها عن أهلها ووطنها، وربما لم يكن لها محرم سوى زوجها الذي ~~مات، وسفرها بغير محرم حرام، ولا يحصل من سفرها فائدة، ولا حكمة؛ لأن حكمة ~~الاعتداد في منزلها، سترها، وصيانتها لزوم منزلها، وسفرها تبذيل لها وإبراز ~~لها، فهو محصل لضد المقصود، سيما إذا لم يكن معها من يحفظها، ومقامها في ~~البلد الذي يسافر إليه عند الغرباء بين غير أهلها في غير مسكنه، أشد ~~لهلكتها، ثم تحتاج إلى الرجوع وكلفته، وهذا فيه من القبح ما يصان الشرع ~~منه، والله أعلم. وإن وجبت العدة بعد وصولها إلى مقصدها وسفرها لنقلة، ~~لزمها الإقامة به، وتعتد؛ لأنه صار كالوطن الذي تجب العدة فيه. وإن كان ~~لقضاء حاجة، فلها الإقامة إلى أن تقضي حاجتها. وإن كان لزيارة، أو نزهة وقد ~~قدر لها مدة الإقامة، أقامت ما قدر لها؛ لأنه مأذون فيه. وإن لم يقدر لها ~~مدة، فلها إقامة ثلاثة أيام؛ لأنه لم يأذن لها في المقام على الدوام. ثم إن ~~علمت أنه لا يمكنها الوصول قبل فراغ عدتها، لم يلزمها # PageV03P209 # العود لأنها عاجزة عن الاعتداد في مكانها. وإن أمكنها قضاء شيء من عدتها ~~في منزلها، لزمها العود، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أمرتكم ~~بأمر، فأتوا منه ما استطعتم» . وإن خافت من الرجوع، سقط، للعذر. والحكم ~~فيما إذا أذن لها ms0997 في النقلة من دار إلى دار ومات وهي بينهما، كذلك. ### | باب الإحداد # وهو اجتناب الزينة وما يدعو إلى المباشرة، وهو واجب في عدة الوفاة، لما ~~روت أم عطية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تحد المرأة فوق ~~ثلاثة أيام، إلا على زوجها، فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ~~ثوبا مصبوغا، إلا ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تمس طيبا إلا عند أدنى طهرها إذا ~~طهرت من حيضها، بنبذة من قسط، أو أظفار» متفق عليه. # ويجب هذا على الحرة والأمة، والكبيرة والصغيرة، والمسلمة والذمية، لعموم ~~الحديث فيهن، ولا يجب على الرجعية؛ لأنها باقية على الزوجية، فلها أن تتزين ~~لزوجها وترغبه في نفسها، ولا على أم ولد لوفاة سيدها، ولا موطوءة بشبهة ولا ~~زنا، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إلا على زوجها» . وفي المطلقة ~~المبتوتة والمختلعة، روايتان: # إحداهما: لا إحداد عليها لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إلا على زوجها» ~~. فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا، وهذه عدة الوفاة، ولأنها مطلقة أشبهت ~~الرجعية. # والثانية: يجب عليها؛ لأنها معتدة بائن، أشبهت المتوفى عنها زوجها. # فصل: # ويحرم على الحادة: الكحل بالإثمد، للخبر، ولأنه يحسن الوجه، ولا بأس # PageV03P210 # بالكحل الأبيض، كالتوتياء ونحوه؛ لأنه لا يحسن العين، بل يزيدها مرها. ~~وإن دعت الحاجة إلى الاكتحال بالصبر، والإثمد، اكتحلت ليلا وغسلته نهارا، ~~لما روت أم سلمة قالت: دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين توفي ~~أبو سلمة، وقد جعلت على عيني صبرا، فقال: «ما هذا يا أم سلمة؟ فقلت: إنما ~~هو صبر ليس فيه طيب. قال: إنه يشب الوجه، لا تجعليه إلا بالليل، وانزعيه ~~بالنهار» «وعن أم حكيم بنت أسيد أن زوجها توفي، وكانت تشتكي عينها، فأرسلت ~~مولاة لها إلى أم سلمة تسألها عن كحل الجلاء. فقالت: لا تكتحلي إلا لما لا ~~بد منه، فتكتحلين بالليل، وتغسلينه بالنهار» . رواهما النسائي. # فصل: # ويحرم على الحادة: الخضاب، لما روت أم سلمة، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «المتوفى عنها زوجها لا تلبس ms0998 المعصفر من الثياب، ولا ~~الممشقة، ولا الحلي، ولا تختضب، ولا تكتحل» رواه أبو داود والنسائي. ويحرم ~~عليها أن تمتشط بالحناء، ولا يحرم عليها غسل رأسها بالسدر، ولا المشط به، ~~لما روت أم سلمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تمتشطي ~~بالطيب ولا بالحناء، فإنه خضاب قالت: قلت: بأي شيء أمتشط؟ قال: بالسدر ~~تغلفين به رأسك» رواه أبو داود. ولأنه يراد للتنظيف لا للتطيب، ويجوز تقليم ~~الأظفار والاستحداد؛ لأنه يراد للتنظيف لا للتزيين. ويحرم عليها تحمير ~~وجهها بالكلكون، وتبييضه باسفيذاج العرائس؛ لأنه أبلغ في الزينة من الخضاب، ~~فهو بالتحريم أولى. ولها أن تستعمل الصبر في جميع بدنها، إلا وجهها؛ لأنه ~~إنما منع منه في الوجه؛ لأنه يصفر فيشبه الخضاب. # PageV03P211 # فصل: # ويحرم عليها الطيب، للخبر، ولأنه يحرك الشهوة، ويدعو إلى المباشرة. ويحرم ~~عليها استعمال الأدهان المطيبة؛ لأنه طيب. فأما ما ليس بمطيب من الأدهان، ~~كالزيت والشيرج، فلا بأس به؛ لأن التحريم من الشرع، ولم يرد بتحريمه، ولا ~~هو في معنى المحرم. # فصل: # ويحرم عليها الحلي، للخبر، ولأنه يزيد من حسنها ويدعو إلى مباشرتها. ~~ويحرم عليها ما صبغ من الثياب للزينة، كالأحمر، والأصفر، والأزرق الصافي، ~~والأخضر الصافي، للخبر. فإن صبغ غزله، ثم نسج، ففيه وجهان: أحدهما: لا ~~يحرم، لقوله: «إلا ثوب عصب» . والعصب: ما صبغ غزله قبل نسجه. # والثاني: يحرم؛ لأنه أحسن وأرفع، ولأنه صبغ للتحسين، أشبه ما صبغ بعد ~~النسج، وهذا هو الصحيح، وقوله: «إلا ثوب عصب» إنما أريد به ما صبغ بالعصب، ~~وهو نبت ينبت باليمن، فأما كونه مصبوغ الغزل، فلا معنى له في هذا. ولا يحرم ~~الأسود، ولا الأخضر المشبع، والأزرق المشبع؛ لأنه لم يصبغ لزينة، إنما قصد ~~به دفع الوسخ، أو اللبس في المصيبة، ونحو ذلك، ولا بأس بلبس ما نسج من غزله ~~على جهته من غير صبغ وإن كان حسنا من الحرير والقطن والكتان والصوف وغيره؛ ~~لأن حسنه من أصل خلقته، لا لزينة أدخلت عليه، فأشبه حسن المرأة في خلقها. ~~قال الخرقي: وتجتنب النقاب؛ لأن ms0999 المحرمة تمنع منه، فأشبه الطيب. وقال ~~القاضي: كره أحمد النقاب للمتوفى عنها زوجها، دون المطلقة. قال الخرقي: فإن ~~احتاجت إلى ستر وجهها، سدلت عليه كما تفعل المحرمة. ### | باب الاستبراء # ومن ملك أمة بسبب من الأسباب، لم تحل له حتى يستبرئها بوضع الحمل إن كانت ~~حاملا، أو بحيضة إن كانت تحيض، لما روى أبو سعيد أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «نهى عام سبايا أوطاس أن توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض ~~حيضة» . رواه أحمد # PageV03P212 # في ((المسند)) ) . وروى الأثرم عن رويفع بن ثابت قال: سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول في يوم خيبر: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ~~فلا يسق ماءه زرع غيره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يطأ جارية من ~~السبي حتى يستبرئها بحيضة» رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن. ولأنها ~~إذا وطئها قبل استبرائها، أدى إلى اختلاط المياه، وفساد الأنساب. فإن كانت ~~حائضا حين ملكها، لم تعتد بتلك الحيضة، ولزمه استبراؤها بحيضة مستقبلة؛ لأن ~~الخبر يقتضي حيضة كاملة. وإن كانت من الآيسات، أو من اللائي لم يحضن، ففيها ~~ثلاث روايات: # إحداهن: تستبرئ بشهر؛ لأن الشهر أقيم مقام الحيضة في عدة الحرة والأمة. # والثانية: بشهرين، كعدة الأمة. # والثالثة: بثلاثة أشهر، وهي أصح. قال أحمد بن القاسم: قلت لأبي عبد الله: ~~كيف جعلت ثلاثة أشهر مكان الحيضة، وإنما جعل الله في القرآن مكان كل حيضة ~~شهرا؟ فقال: من أجل الحمل، فإنه لا يبين في أقل من ذلك، فإن عمر بن عبد ~~العزيز سأل عن ذلك، وجمع أهل العلم والقوابل، فأخبروا أن الحمل لا يتبين في ~~أقل من ثلاثة أشهر، فأعجبه ذلك. ثم قال: ألا تسمع قول ابن مسعود: إن النطفة ~~أربعين يوما، ثم علقة أربعين يوما، ثم مضغة بعد ذلك، فإذا خرجت الثمانون ~~صار بعدها مضغة، وهي لحمة، فتبين حينئذ. وهذا معروف عند النساء. فأما شهرا، ~~فلا معنى له، ولا أعلم أحدا قاله. فإن ارتفع حيضها لعارض تعلمه، لم تزل في ~~استبراء ms1000 حتى تحيض، أو تبلغ سن الإياس، فتستبرأ استبراء الآيسات، وإن لم ~~تعلم ما رفعه، استبرأت بعشرة أشهر في إحدى الروايتين، وفي الأخرى بسنة، ~~تسعة أشهر للحمل، وثلاثة مكان الحيضة. # فصل: # ويجب استبراء الصغيرة والكبيرة؛ لأنه نوع استبراء فاستويا فيه، كالعدة. ~~وعنه: أن الصغيرة التي لا يوطأ مثلها لا يجب استبراؤها؛ لأنه يراد لبراءة ~~الرحم، ولا يحتمل الشغل في حقها. وإن ملك من لا تحل له - كالمجوسية، ~~والوثنية - فاستبرأها، ثم # PageV03P213 # أسلمت حلت بغير استبراء ثان، للخبر، ولأن الاستبراء يراد لبراءة الرحم، ~~ولا يختلف ذلك بالحل والحرمة. وإن أسلمت قبل الاستبراء، لزمه استبراؤها، ~~للخبر والمعنى. # فصل: # ولا يصح الاستبراء حتى يملكها؛ لأن سببه الملك فلم يتقدم عليه، كما لا ~~تتقدم العدة الفرقة. فإن استبرأها في مدة الخيار، صح؛ لأن الملك ينتقل ~~بالبيع. وإن قلنا: لا ينتقل حتى ينقضي الخيار، لم يصح الاستبراء فيه. وهل ~~يشترط القبض لصحة الاستبراء؟ على وجهين: # أحدهما: يشترط، فلو حاضت بيد البائع بعد البيع، لم يصح الاستبراء؛ لأن ~~المقصود معرفة براءتها من ماء البائع، ولا يحصل ذلك مع كونها في يده. # والثاني: يصح؛ لأن سببه الملك وقد وجد، فيجب أن يعقبه حكمه. وإن اشترى ~~عبده التاجر أمة فاستبرأها، ثم أخذها السيد، لم تحتج إلى استبراء؛ لأن ما ~~في يد عبده ملكه. وإن اشترى مكاتبه أمة، ثم صارت إلى السيد لعجزه، أو قبضها ~~من نجوم كتابته، لم تبح بغير استبراء؛ لأنه يتجدد ملكه بأخذها من مكاتبه، ~~إلا أن يكون ذا رحم محرم للمكاتب، فيحل؛ لأن حكمها حكم المكاتب، وإن رق ~~رقت، وإن عتق عتقت. والمكاتب مملوك، فلو كاتب أمته ثم عجزت، أو رهنها ثم ~~فكها، أو ارتدت ثم أسلمت، أو ارتد سيدها ثم أسلم، حلت بغير استبراء؛ لأنه ~~لم تخرج عن ملكه، وإنما حرمت بعارض زال، فأشبه ما لو أحرمت ثم حلت. # فصل: # وإن باعها السيد، ثم ردت عليه بفسخ أو مقايلة بعد قبض المشتري لها ~~وافتراقهما، وجب استبراؤها؛ لأنه تجديد ملك يحتمل اشتغال الرحم قبله، فأشبه ~~ما لو ms1001 اشتراها. وإن كان قبل افتراقهما، ففيه روايتان: # إحداهما: يجب استبراؤها؛ لأنه تجديد ملك، فأشبه شراء الصغيرة. # والثانية: لا يجب؛ لأن تيقن البراءة معلوم، فأشبه الطلاق قبل الدخول. وإن ~~زوجها سيدها ثم طلقت قبل الدخول، لم يجب استبراؤها؛ لأن ملكه لم يتجدد ~~عليها. وإن فارقها بعد الدخول، أو مات عنها، لم تحل حتى تقضي العدة. # فصل: # وإن اشترى أمة مزوجة فطلقها زوجها قبل الدخول، وجب استبراؤها؛ لأنه تجديد ~~ملك، وإن طلقها بعد دخوله بها، أو مات عنها، فعن أحمد: ما يدل على أنه ~~يكتفي بعدتها؛ لأن براءتها تعلم بها. وقال أبو الخطاب: فيها وجهان: # PageV03P214 # أحدهما: يدخل الاستبراء في العدة كذلك. # والثاني: لا يدخل؛ لأن الطلاق والملك سببان للاستبراء من رجلين، فلم ~~يتداخلا، كالعدتين من رجلين. وإن اشتراها وهي معتدة، فقال القاضي: يلزمه ~~استبراؤها بعد قضاء عدتها، لما ذكرنا. ويحتمل أن تدخل بقية العدة في ~~الاستبراء؛ لأن المقصود يحصل بذلك. # فصل: # ومن ملك زوجته، لم يلزمه استبراؤها؛ لأنه لصيانة الماء وحفظ النسب، ولا ~~يصان ماؤه عن مائه، لكن يستحب ذلك، ليعلم: هل الولد من نكاح عليه ولاء أو ~~من ملك يمينه فلا ولاء عليه؟ . # فصل: # وإن اشترى أمة فأعتقها قبل استبرائها، لم يحل له نكاحها حتى يستبرئها؛ ~~لأنها محرمة عليه بملك اليمين فلم تحل بالإعتاق فحرم نكاحها، كأخته من ~~الرضاع، ولأن ذلك يفضي إلى اختلاط المياه وفساد النسب، بأن يطأها البائع، ~~ثم يبيعها فيعتقها المشتري، ويتزوجها، يطؤها في يوم واحد. ولها أن تتزوج ~~غيره إن لم يكن البائع يطؤها؛ لأنها لم تكن فراشا، فأبيح لها التزويج، كما ~~لو أعتقها البائع بعد استبرائها. وإن أعتق أم ولده، أو أمة كان يصيبها، ~~لزمها استبراء نفسها؛ لأنها صارت بالوطء فراشا له، فلزمها الاستبراء عند ~~زوال الفراش، كالزوجة إذا طلقت. فإن أراد معتقها أن يتزوجها في استبرائها، ~~جاز لأنه لا يحفظ ماؤه عن مائه، وإن أعتق أمة لم يكن يطؤها، فليس عليها ~~استبراء؛ لأنها ليست فراشا. وله أن يتزوجها عقيب عتقها؛ لأنها مباحة لغيره، ~~فله أولى. ms1002 وعنه: لا يتزوجها حتى يستبرئها. وقال ابن عقيل: هذا محمول على ~~الاستحباب. لما ذكرناه. # فصل: # ومن ملك أمة يلزمه استبراؤها، لم يحل له التلذذ بها بالنظر والقبلة ~~ونحوه؛ لأننا لا نأمن كونها حاملا من البائع. فتكون أم ولده، فيحصل مستمتعا ~~بأم ولد غيره، إلا أن يملكها بالسبي، فيكون فيها روايتان: # إحداهما: يباح له ذلك؛ لأنه لا يخشى انفساخ ملكه لها بحملها، فلا يكون ~~مستمتعا إلا بمملوكته. # والثانية: يحرم؛ لأن ما حرم الوطء، حرم دواعيه، كالعدة، وإن وطئت زوجة ~~الرجل أو مملوكته بشبهة، أو زنا، لم يحل له وطؤها حتى تنقضي عدتها. وفي ~~التلذذ بغير الوطء وجهان. بناء على الروايتين. # PageV03P215 # فصل: # ومن أراد بيع أمته ولم يكن يطؤها، لم يلزمه استبراؤها؛ لأنه قد حصل يقين ~~براءتها منه. فإن كان يطؤها، ففيه روايتان: # إحداهما: يجب؛ لأن عمر - رضي الله عنه - أنكر على عبد الرحمن بن عوف حين ~~باع جارية له كان يطؤها قبل استبرائها. قال: ما كنت لذلك بخليق، ولأن فيه ~~حفظ مائه وصيانة نسبه، فوجب عليه، كالمشتري. # والثانية: لا يجب؛ لأنه يجب على المشتري، فأغنى عن استبراء البائع. فأما ~~إن أراد تزويجها، أو تزوج أم ولده، لم يجز قبل استبرائها؛ لأن الزوج لا ~~يلزمه استبراؤها. فإذا لم يستبرئها السيد، أفضى إلى اختلاط المياه واشتباه ~~الأنساب. وله تزويج أمته التي لا يطؤها من غير استبراء؛ لأنها ليست فراشا ~~له. # فصل: # وإن مات عن أم ولده، لزمها الاستبراء؛ لأنها صارت فراشا، وتستبرأ كما ~~تستبرأ المسيبة؛ لأنه استبراء بملك اليمين. وعنه: تستبرأ بأربعة أشهر وعشر، ~~لما روي عن عمرو بن العاص أنه قال: «لا تفسدوا علينا سنة نبينا - صلى الله ~~عليه وسلم -، عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر» ، ولأنه ~~استبراء الحرة من الوفاة، فلزمها أربعة أشهر وعشر، كعدة الزوجة. والصحيح ~~الأول، لما ذكرناه. وخبر عمرو لا يصح، قاله أحمد. # فصل: # وإن مات عنها، أو أعتقها وهي مزوجة، أو معتدة، لم يلزمها استبراء؛ لأنه ~~زال فراشه عنها قبل وجوب الاستبراء، فلم ms1003 يجب، كما لو طلق امرأته قبل ~~الدخول. وإن مات بعد عدتها، لزمها الاستبراء؛ لأنها عادت إلى فراشه. وقال ~~أبو بكر: لا يلزمها استبراء إلا أن يعيدها إلى نفسه؛ لأن الفراش زال ~~بالتزويج، فلا يعود إلا بإعادتها إلى نفسه. فإن مات زوجها وسيدها، ولم يعلق ~~السابق منهما، فعلى قول أبي بكر: عليها بعد موت الآخر منهما عدة الحرة من ~~الوفاة؛ لأنه يحتمل أن سيدها مات أولا، ثم مات زوجها وهي حرة، فلزمتها عدة ~~الحرة، لتبرأ بيقين. وعلى القول الأول: إن كان بينهما دون شهرين وخمسة ~~أيام، فليس عليهما بعد الآخر منهما، إلا عدة الحرة من الوفاة؛ لأن ~~الاستبراء لا يحتمل الوجوب بحال، لكون موت سيدها إن كان أولا، فقد مات وهي ~~مزوجة، وإن كان آخرا، فقد مات وهي معتدة، ولا استبراء عليها في الحالين. ~~وإن كان # PageV03P216 # بينهما أكثر من شهرين وخمسة أيام، فعليها بعد موت الآخر منهما أكثر ~~الأمرين، من عدة حرة من الوفاة، أو الاستبراء؛ لأنه يحتمل أن الزوج مات ~~آخرا، فعليها عدة الحرة، ويحتمل أن السيد مات آخرا، فعليها الاستبراء ~~بحيضة، فوجب الجمع بينهما، ليسقط الفرض بيقين. ولا ترث الزوج؛ لأن الأصل ~~الرق، فلا ترث مع الشك. # فصل: # وإذا كانت الأمة بين نفسين فوطئاها، لزمها استبراءان؛ لأنهما من رجلين، ~~فلم يتداخلا، كالعدتين. # فصل: # إذا اشترى أمة فظهر بها حمل، فقال البائع: هو مني، وصدقه المشتري، لحقه ~~الولد، والجارية أم ولد، والبيع باطل. وإن كذبه المشتري، نظرنا، فإن كان ~~البائع أقر بوطئها عند البيع، وأتت بالولد لدون ستة أشهر، فهو ولده، والبيع ~~باطل. وإن أتت به لستة أشهر فصاعدا، وكان البائع استبرأها قبل بيعها، ولم ~~يطأها المشتري، أو وطئها ولكن ولدته لدون ستة أشهر منذ وطئها، لم يلحق ~~بواحد منهما، وكانت الجارية والولد مملوكين للمشتري، وإن أتت به لستة أشهر ~~فصاعدا، من حين وطء المشتري، فهو ولده والجارية أم ولده. وإن لم يستبرئها ~~واحد منهما، فأتت بولد لدون أربع سنين منذ باعها، ولأكثر من ستة أشهر منذ ~~وطئها المشتري، عرض ms1004 على القافة، وألحق بمن ألحقوه به منهما. وقد روى عبد ~~الله بن عبيد بن عمير قال: باع عبد الرحمن بن عوف جارية كان يقع عليها قبل ~~أن يستبرئها، فظهر بها حمل عند المشتري، فخاصموه إلى عمر، فقال له عمر: كنت ~~تقع عليها؟ قال: نعم. قال: فبعتها قبل أن تستبرئها؟ قال: نعم. قال: ما كنت ~~لذلك بخليق، فدعا القافة فنظروا إليه، فألحقوه به. فإن لم يكن البائع أقر ~~بوطئها حين بيعها، فادعاه بعد ذلك، وكذبه المشتري، لم تقبل دعواه في الولد؛ ~~لأن الملك انتقل إلى المشتري في الظاهر، فلا يقبل قول البائع فيما يبطل ~~حقه، كما لو باع عبدا، ثم أقر أنه كان أعتقه، والقول قول المشتري مع يمينه. ~~وهل يلحقه نسب الولد؟ فيه وجهان: # أحدهما: يلحقه؛ لأنه يجوز أن يكون ابنا لواحد، مملوكا لآخر، كولد الأمة ~~المزوجة. # والثاني: لا يلحق؛ لأن فيه ضررا على المشتري، فإنه لو أعتقه كان أبوه أحق ~~بميراثه منه. والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV03P217 ### | كتاب الرضاع # إذا ثاب للمرأة لبن على ولد، فأرضعت به طفلا دون الحولين، خمس رضعات ~~متفرقات، صارت أمه، وهو ولدها في تحريم النكاح، وإباحة النظر، والخلوة، ~~وثبوت المحرمية، وصارت أمهاتها جداته، وآباؤها أجداده، وأولادها إخوته، ~~وإخوتها أخواله، وأخواتها خالاته لقول الله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي ~~أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} [النساء: 23] . نص على هاتين في المحرمات، ~~فدل على ما سواهما. وروت عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة» . وعن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في ابنة حمزة: «لا تحل لي، يحرم من الرضاع ما يحرم ~~بالنسب، وهي ابنة أخي من الرضاعة» متفق عليهما. # PageV03P218 # فصل: وإن كان الولد الذي ثاب اللبن بولادته، ثابت النسب من رجل، صار ~~الطفل ولدا له، وأولاده أولاد ولده، وصار الرجل أبا له، وآباؤه أجداده، ~~وأمهاته جداته، وأولاده إخوته، وإخوانه وأخواته أعمامه وعماته، لما روت ~~عائشة - رضي الله عنها -: «أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن علي بعدما أنزل ~~الحجاب، فقلت: والله ms1005 لا آذن له حتى أستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فإن أخا أبي القعيس ليس هو الذي أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس، ~~فدخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: يا رسول الله إن الرجل ~~ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أخيه، فقال: ائذني له فإنه عمك تربت ~~يمينك» متفق عليه. ولأن اللبن حدث للولد، والولد ولدهما، فكان المرضع بلبنه ~~ولدهما. فإن لم يكن الولد ثابت النسب من رجل، كولد الزنا، والمنفي باللعان، ~~فمفهومه كلام الخرقي أنه لا ينشر الحرمة بينهما؛ لأن النسب لم يثبت، ~~فالتحريم المتفرع عليه أولى. وهذا قول ابن حامد. ولكن إن كان المرتضع أنثى، ~~حرمت تحريم المصاهرة؛ لأنها ربيبة الملاعن، وابنة موطوءة الزاني، وكذلك ~~أولادها، وأولاد الطفل إن كان ذكرا. وقال أبو بكر: ينشر الحرمة بينه وبين ~~الواطئ، والزوج الملاعن؛ لأن التحريم ثابت بينهما وبين المولود، فكذلك في ~~المرتضع؛ لأنه فرعه، ولأنه أحد المتواطئين، فتنتشر الحرمة إليه، كالمرأة، ~~ويحتمل أن ينشر الحرمة بين الزاني وبين المرتضع لأن الولد منه حقيقة، فكان ~~اللبن منه، لا ينشر من المرتضع والملاعن، فإن اللبن لم يثبت منه حقيقة ولا ~~حكما. # فصل: # وتنتشر الحرمة من الولد إلى أولاده، وإن سفلوا؛ لأنهم أولاد أولاد ~~المرضعة. ولا تنتشر إلى من هو في درجته وأعلى منه، كإخوته، وأخواته، ~~وأمهاته، وآبائه، وأعمامه، وعماته، وأخواله، وخالاته، فللمرضعة نكاح أب ~~الطفل وأخيه، ولزوجها نكاح أمه وأخته، ولإخوته وأخواته من النسب نكاح إخوته ~~وأخواته من الرضاع؛ لأن حرمة النسب تختص به وبأولاده، دون إخوته وأخواته، ~~ومن أعلى منه، كذلك الرضاع المتفرع عليه. # PageV03P219 # فصل: # ولا تثبت الحرمة بالرضاع بعد الحولين، لقول الله تعالى: {والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة: 233] . فجعل ~~تمامها في الحولين، فدل على أنه لا حكم للرضاع بعدهما. وعن أم سلمة - رضي ~~الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحرم من ~~الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام» . قال الترمذي: هذا حديث صحيح. # فصل: ms1006 # واختلفت الرواية في قدر المحرم من الرضاع، فروي: أن قليله وكثيره يحرم، ~~كالذي يفطر الصائم، لقول الله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} [النساء: ~~23] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» ~~. وروي: أن التحريم لا يثبت إلا بثلاث رضعات، لما روت عائشة - رضي الله ~~عنها -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تحرم المصة ولا المصتان» ~~وعن أم الفضل بنت الحارث قالت: قال نبي الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان» رواهما مسلم. وروى: لا يتثبت التحريم إلا ~~بخمس رضعات، وهي ظاهر المذهب، لما روي عن عائشة قالت: «أنزل في القرآن: ~~(عشر رضعات معلومات يحرمن) فنسخ من ذلك خمس، وصار الأمر إلى خمس رضعات ~~يحرمن. فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأمر على ذلك» . رواه ~~مسلم. وهذا الخبر يفسر الرضاعة المحرمة في الآية، ويقدم على الخبر الآخر؛ ~~لأنه إنما يدل بدليل خطابه، والمنطوق أقوى منه. فإن شك في عدد الرضاع، أو ~~في وجوده، لم يثبت التحريم؛ لأن الأصل الإباحة، فلا تزول بالشك. # PageV03P220 # فصل: # واختلف أصحابنا في الرضعة. فقال أبو بكر: متى شرع في الرضاع وخرج الثدي ~~من فيه، فهي رضعة. سواء قطع اختيارا، أو لعارض من تنفس، أو أمر يلهيه، أو ~~انتقال من ثدي إلى آخر، أو قطعت المرضعة عليه. فإذا عاد، فهي رضعة ثانية. ~~وقال ابن أبي موسى: حد الرضعة أن يمص ثم يمسك عن الامتصاص، لنفس، أو غيره، ~~سواء خرج الثدي من فيه، أو لم يخرج؛ لأن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا تحرم المصة ولا المصتان، والإملاجة ولا الإملاجتان» يدل على أن لكل مصة ~~أثرا، ولأنه لو تباعد ما بينهما، كانا رضعتين، فكذلك إذا تقاربا، ولأن ~~القليل من الوجور والسعوط رضعة، فالامتصاص أولى. وقال ابن حامد: إن قطع ~~لعارض، أو قطع عليه ثم عاد في الحال، فهما رضعة واحدة. وإن تباعدا، أو ~~انتقل من امرأة إلى أخرى، فهما رضعتان؛ لأن الآكل لو قطع الأكل للشرب، أو ~~عارض، ms1007 وعاد في الحال، كان أكلة واحدة، فكذلك الرضاع. # فصل: # ويثبت التحريم بالوجور. وهو أن يصب اللبن في حلقه؛ لأنه ينشز العظم وينبت ~~اللحم، فأشبه الارتضاع. وبالسعوط، وهو أن يصب على أنفه؛ لأنه سبيل لفطر ~~الصائم، فكان سبيلا للتحريم بالرضاع، كالفم. وعنه: لا يثبت التحريم بهما؛ ~~لأنهما ليسا برضاع. وإن جمد اللبن فجعل جبنا، وأكله الصبي، فهو كالوجور. ~~ولا يثبت التحريم بالحقنة في المنصوص عنه؛ لأنها تراد للإسهال، لا للتغذي، ~~فلا تنبت لحما، ولا تنشز عظما. وقد روى ابن مسعود: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم رواه أبو داود. ~~وقال ابن حامد وابن أبي موسى: ينشر الحرمة؛ لأنه واصل إلى الجوف، أشبه ~~الواصل من الأنف. وإن قطر في إحليله، لم ينشر الحرمة. وجها واحدا؛ لأنه ليس ~~برضاع ولا في معناه. # فصل: # إذا حلبت في إناء دفعة واحدة، أو في دفعات، ثم سقته صبيا في أوقات خمسة، ~~فهو خمس رضعات. وإن سقته في وقت واحد، فهو رضعة واحدة؛ لأن الاعتبار بشرب ~~الصبي، فإن التحريم يثبت به، فاعتبر تفرقه واجتماعه. وإن سقته الجميع في ~~وقت واحد # PageV03P221 # جرعة بعد جرعة، فعلى قول ابن حامد: هو رضعة واحدة، لما ذكرنا في الرضاع. ~~وإن حلبت امرأتان في إناء واحد، وسقتاه صبيا في خمسة أوقات، صار ابنهما؛ ~~لأن ذلك لا يزيد على اللبن المشوب، وهو ينشر الحرمة. # فصل: # واللبن المشوب كالمحض في نشر الحرمة. ذكره الخرقي. وهذا إذا كانت صفات ~~اللبن باقية، فإن صب في ماء كثير لم يتغير به، لم يثبت التحريم؛ لأن هذا لا ~~يسمى لبنا مشوبا، ولا ينشز عظما، ولا ينبت لحما. وقال أبو بكر: قياس قول ~~أحمد، أن المشوب لا ينشر الحرمة؛ لأنه وجور. وحكي عن ابن حامد: إن غلب ~~اللبن، حرم، وإن غلب خلطه، لم يحرم؛ لأن الحكم للأغلب، ويزول حكم المغلوب، ~~والأول أصح؛ لأن ما تعلق الحكم به غالبا، تعلق به مغلوبا، كالنجاسة، ~~والخمر. وسواء شيب بمائع، كالماء، والعسل، أو بجامد، مثل ms1008 أن يعجن به أقراص، ~~ونحوها؛ لأنه مشوب. # فصل: # ويحرم لبن الميتة؛ لأنه لبن آدمية ثابت على ولد، فأشبه لبن الحية. وقال ~~الخلال: لا ينشر الحرمة؛ لأنه معنى تتعلق به الحرمة في الحياة، فلم تتعلق ~~في حال الموت، كالوطء، وإن حلبته في إناء ثم سقي منه صبي بعد موتها، كان ~~حكمه كحكم ما لو سقي في حياتها؛ لأنه انفصل عنها في الحياة. # فصل: # ولا تثبت الحرمة بلبن البهيمة؛ لأن الأخوة فرع على الأمومة، ولا تثبت ~~الأمومة بهذا الرضاع، فالأخوة أولى. ولا تثبت بلبن رجل؛ لأنه لا يجعل غذاء ~~للمولود، فأشبه لبن البهيمة. ولا بلبن خنثى مشكل؛ لأنه لا يعلم أنه امرأة، ~~فلا يثبت التحريم بالشك. وقال ابن حامد: يقف الأمر حتى ينكشف أمر الخنثى، ~~فإن أيس من انكشافه بموت أو غيره، ثبت الحل، لما ذكرنا، وإن ثاب لامرأة لبن ~~من غير حمل، فقال أبو الخطاب: نص أحمد على أنه لا ينشر الحرمة؛ لأنه نادر، ~~أشبه لبن الرجل. وذكر ابن أبي موسى فيه روايتين: # إحداهما: ينشر الحرمة؛ لأنه لبن آدمية، أشبه لبن ذات الحمل، وهذا قول ابن ~~حامد لأنه جعل لبن الخنثى موقوفا. ولو كان تقدم الحمل شرطا في التحريم، لما ~~وقف أمره؛ لأننا تيقنا عدمه. # فصل: # وإذا ثاب للمرأة لبن من غير حمل، وقلنا: إنه ينشر الحرمة، فأرضعت به ~~طفلا، # PageV03P222 # صار ابنا لها، ولم يصر ابنا لزوجها؛ لأنه لم يثب بوطئه، فلم يكن منه، وإن ~~وطئ رجلان امرأة، فأتت بولد، فأرضعت بلبنه طفلا، صار ولدا لمن ثبت نسب ~~المولود منه، وينتفي عمن ينتفي عنه، سواء ثبت بالقافة أو بغيرها؛ لأن اللبن ~~تابع للولد. فإن ألحقته القافة بهما، فالمرتضع ولدهما. وإن أشكل، أو لم ~~يوجد قافة، ثبتت الحرمة بينه وبينهما؛ لأنه ولد لهما، أو ولد لأحدهما، ~~فتحرم عليه بنات من هو ولد له، وقد اشتبهت الأنساب المحرمة، بغيرها ~~فيحرمان، كما لو اختلطت أخته بأجنبيات. ولا تثبت المحرمية بينه وبين واحدة ~~منهن كذلك. # فصل: # ولو طلق الرجل زوجة له منها لبن، فتزوجت صبيا ms1009 رضيعا، فأرضعته صار ابنها ~~وابن مطلقها، فينفسخ نكاحها لأنها صارت أمه، وتحرم على المطلق؛ لأنها صارت ~~من حلائل أبنائه لما أرضعت الصبي الذي تزوجته. ولو زوج رجل أم ولده صغيرا ~~مملوكا، فأرضتعه بلبن سيدها، انفسخ نكاحها، وحرمت على سيدها كذلك. وإن ~~زوجها صبيا حرا، لم يصح نكاحه؛ لأن من شرط نكاح الإماء خوف العنت، وهو ~~معدوم في الصبي. فإن أرضعته، لم تحرم على سيدها؛ لأنه ليس بزوج في الحقيقة. ~~وإن تزوجت صغيرا، ثم فسخت نكاحه لعيب، ثم تزوجت كبيرا، فأولدها، وأرضعت ~~بلبنه الصغير الذي فسخت نكاحه، حرمت على زوجها على التأبيد؛ لأنها صارت من ~~حلائل أبنائه. # فصل: # وإن طلق الرجل زوجته وهي ذات لبن منه، فتزوجت آخر، ولم تحمل منه، فاللبن ~~للأول، سواء زاد بوطء الثاني، أو لم يزد؛ لأن اللبن للولد. وإن حملت من ~~الثاني، ولم تلد، ولم ينقطع لبن الأول، ولم يزد، فهو للأول أيضا كذلك. وإن ~~ولدت من الثاني، فاللبن له وحده، انقطع لبن الأول أو اتصل، زاد أو لم يزد؛ ~~لأن حاجة المولود إلى اللبن تمنع كونه لغيره. وإن لم تلد من الثاني، واتصل ~~لبن الأول، وزاد بالحمل من الثاني، فاللبن منهما؛ لأن اتصال لبن الأول دليل ~~على أنه منه، وزيادته عند حدوث الحمل، دليل على أنه منه، فيضاف إليهما. وإن ~~انقطع لبن الأول، ثم ثاب بالحمل من الثاني، فقال أبو بكر: هو منهما؛ لأن ~~الظاهر أن لبن الأول عاد، وسببه وطء الثاني، فيضاف إليهما، كالتي قبلها. ~~وقال القاضي: يحتمل أنه من الثاني وحده؛ لأن لبن الأول ذهب حكمه بانقطاعه، ~~وحدث بحمل الثاني فيكون منه. وهذا اختيار أبي الخطاب. # فصل: # إذا كان لرجل خمس أمهات أولاد، لهن لبن منه، فارتضع طفل من كل واحدة # PageV03P223 # منهن رضعة، أو ثلاث زوجات، فارتضع من كل واحدة رضعتين، لم يصرن أمهات له؛ ~~لأنه لم يكمل رضاعه من واحدة منهن، وصار السيد والزوج أبا له في أصح ~~الوجهين؛ لأنه ارتضع من لبنه خمس رضعات، فكمل رضاعه من لبنه، فصار أبا له، ms1010 ~~كما لو أرضعته واحدة خمسا. # والثاني: لا يصير أبا له؛ لأنه رضاع لم تثبت به الأمومة، فلم تثبت به ~~الأبوة، كلبن البهيمة. ولو أرضعته بغير لبن السيد، لم يصر السيد أبا له ~~بحال، ولا يحرم أحدهما على الآخر في أصح الوجهين؛ لأن تحريمه عليه فرع كونه ~~ولدا لهن، ولم يثبت، وفي الآخر يحرم؛ لأنه كمل له الرضاع من موطوءات السيد، ~~فيحرم عليه، كما لو كمل له من واحدة. ولو كان للمرأة خمس بنات لهن لبن، ~~فارتضع طفل من كل واحدة رضعة، لم يصرن أمهات له. وهل تصير المرأة جدة له، ~~وزوجها جدا، وابنها خالا له؟ على الوجهين. فإن قلنا بالوجه الأول، حرمت ~~أمهات الأولاد على الطفل في المسألة الأولى؛ لأنهن موطوءات أبيه، وبنات ~~المرأة في الثانية؛ لأنهن بنات جده وجدته، وإن كن ستا، فارتضع من كل واحدة ~~رضعة، صارت كل واحدة منهن خالته؛ لأنه قد ارتضع من أخواتها خمس رضعات. وإن ~~قلنا بالوجه الثاني، لم يحرمن، لعدم الأسباب المحرمة. وإن كمل الطفل خمس ~~رضعات من أم رجل وأخته وزوجته وابنته وزوجة ابنه وزوجة أبيه، خرج على ~~الوجهين. فأما إن أرضعت امرأة طفلا ثلاث رضعات من لبن زوج، ثم انقطع لبنها، ~~وتزوجت آخر، فصار لها منه لبن، فأرضعت منه الطفل رضعتين، صارت له أما وجها ~~واحدا؛ لأنه كمل رضاعه من لبنها، ولم يصر الرجلان أبوين له؛ لأنه لم يكمل ~~رضاعه من لبن واحد منهما، لكنه يحرم عليهما؛ لأنه ربيبهما. # فصل: # إذا تزوج رجل صغيرة، فأرضعتها زوجة له كبرى بلبنه، حرمتا عليه على ~~التأبيد؛ لأن الصغرى بنته، والكبرى من أمهات نسائه. وإن أرضعتها بلبن غيره ~~بعد دخوله بها، حرمتا أيضا على التأبيد؛ لأن الكبرى من أمهات نسائه، ~~والصغرى ربيبته المدخول بأمها، وإن كان ذلك بعد طلاقهما أو طلاق إحداهما، ~~فكذلك، لما ذكرناه. ولو تزوج رجلان زوجتين كبرى وصغرى، ثم طلقاهما وتزوج كل ~~واحدة منهما زوجة الآخر، فأرضعت الكبرى والصغرى، حرمت الكبرى عليهما؛ لأنها ~~من أمهات نسائهما، وتحرم الصغرى على من دخل بالكبرى؛ ms1011 لأنها ربيبته مدخول ~~بأمها، ولا تحرم على الآخر، لعدم دخوله بأمها. وإن أرضعت زوجته الكبرى ~~زوجته الصغرى بلبن غيره، ولم يكن دخل بالكبرى، حرمت الكبرى، وفي الصغرى ~~وجهان: # PageV03P224 # أحدهما: ينفسخ نكاحها؛ لأنها اجتمعت مع أمها في النكاح، فانفسخ نكاحهما، ~~كما لو صارتا أختين. # والثاني: لا ينفسخ نكاحها، اختاره الخرقي؛ لأن الكبرى أولى بفسخ نكاحها، ~~لتحريمها على التأبيد، فتبقى هذه منفردة به، بخلاف الأختين، فإنه ليس واحدة ~~منهما أولى من الأخرى. # فصل: # وإن أرضعتها بنت الكبرى، فهو كرضاع الكبرى سواء؛ لأنها صارت بنت بنتها. ~~وإن أرضعتها أمها، صارت زوجتاه أختين، فانفسخ نكاحهما كذلك. وإن أرضعتها ~~جدتها، صارت الصغرى خالة الكبرى، أو عمتها، وإن أرضعتها أختها، صارت الكبرى ~~خالتها، وإن أرضعتها امرأة أخيها بلبنه، صارت عمتها، وينفسخ نكاحهما في ~~جميع ذلك، وله نكاح من شاء منهما. # فصل: # وإن تزوج صغيرتين فأرضعتهما امرأة واحدة معا، أو إحداهما بعد الأخرى، ~~انفسخ نكاحهما معا؛ لأنهما صارتا أختين، وله أن ينكح من شاء منهما، وإن ~~أرضعتهما زوجة له كبرى مدخول بها، حرم الكل عليه على الأبد، وإن لم يدخل ~~بها فأرضعتهما معا، انفسخ نكاحهما، وإن أرضعت واحدة بعد الأخرى، ففيه ~~وجهان: # أحدهما: ينفسخ نكاح الأولى؛ لأنها اجتمعت مع أمها في النكاح، ويثبت نكاح ~~الثانية؛ لأنها لم تصر أختا للأولى إلا بعد فسخ نكاحها. # والثاني: لا ينفسخ نكاح الأولى برضاعها، فإذا أرضعت الثانية، صارتا أختين ~~فانفسخ نكاحهما. وإن تزوج ثلاث صغار، فأرضعتهن امرأة معا، أو أرضعت واحدة ~~منفردة واثنتين بعد ذلك معا، انفسخ نكاحهن جميعا؛ لأنهن صرن أخوات، وإن ~~أرضعتهن منفردات، انفسخ نكاح الأوليين؛ لأنهما صارتا أختين في نكاحه، وثبت ~~نكاح الثالثة؛ لأنها لم تصر أختا لهما إلا بعد فسخ نكاحهما. وإن أرضعتهن ~~امرأته الكبرى قبل دخوله بها، فكذلك في قول الخرقي، وفي الوجه الآخر ينفسخ ~~نكاح الجميع. # فصل: # وكل من تحرم عليه ابنتها، كأمه، وابنته، وأخته، وجدته، وزوجة أخيه بلبن ~~أخيه إذا أرضعت زوجته الصغرى، حرمتها عليه على التأبيد، وفسخت نكاحها كذلك؛ ~~لأنها تجعلها بنتا لها. ms1012 ومن لا تحرم ابنتها، كعمته وخالته وامرأة عمه ~~وخاله، لا يضر رضاعها # PageV03P225 # شيئا لأن ابنتها حلال له. ولو تزوج ابنة عمه، أو بنت عمته، أو بنت خاله ~~أو خالته، وهما صغيران، فارتضع أحدهما من جدتهما، انفسخ النكاح بينهما؛ لأن ~~أحدهما يصير عم صاحبه أو خاله. # فصل: # ومن أفسد نكاح امرأة بالرضاع قبل الدخول، فعليه للزوج ما يلزمه من صداقها ~~وهو النصف؛ لأنه قرره عليه بعد أن كان يعرض للسقوط، وفرق بينه وبين زوجته، ~~فلزمه ذلك، كشهود الطلاق إذا رجعوا. وإن اشترك في الإفساد جماعة، فالضمان ~~بينهم مقسوم على عدد الرضعات، لاشتراكهم في السبب. وإن كانت المرأة هي ~~المفسدة لنكاحها، فلا صداق لها. فإن أرضعت زوجته الكبرى الصغرى، ففسد ~~نكاحهما، فلا مهر للكبرى، ويرجع عليها بنصف صداق الصغرى. وإن دبت الصغرى ~~فارتضعت من الكبرى وهي نائمة، فلا مهر للصغرى، ويرجع عليها بنصف صداق ~~الكبرى. وإن ارتضعت منها رضعتين وهي نائمة، ثم انتبهت فأرضعتها ثلاث رضعات، ~~فعليه للصغرى خمس صداقها، وعشره يرجع على الكبرى، وللكبرى خمس صداقها يرجع ~~به على الصغرى. وإن أفسدت نكاح نفسها بعد الدخول، فلها المهر؛ لأنه استقر ~~بالدخول فلم يسقط، كما لو ارتدت. وإن أفسد نكاحها غيرها، فلا شيء عليه ~~كذلك. والمنصوص عن أحمد: أنه يرجع عليه بصداقها؛ لأنه نكاح أفسد، فوجب على ~~المفسد غرامة ما وجب على الزوج، كقبل الدخول. # فصل: # إذا أقر الزوج أن زوجته أخته من الرضاع، انفسخ نكاحه؛ لأنه مقر على نفسه، ~~ثم إن صدقته وكان قبل الدخول، فلا مهر لها؛ لأنه نكاح باطل لا دخول فيه، ~~وإن كذبته، لم يسقط صداقها، ولزمه نصفه؛ لأن الأصل الحل وصحة النكاح. وإن ~~كان بعد الدخول، فلها المهر بما استحل من فرجها، وإن كانت هي التي قالت: هو ~~أخي من الرضاع، فأكذبها، فهي زوجته في الحكم، ولم يقبل قولها في فسخ نكاحه؛ ~~لأنه حق له عليها، لكن إن طلقها قبل الدخول، فلا مهر لها، لاعترافها ~~بسقوطه. وإن قال الزوج: هذه ابنتي من الرضاع، وهي مثله أو أكبر ms1013 منه، لم ~~تحرم عليه؛ لأننا نتحقق كذبه. # PageV03P226 ### | كتاب النفقات # باب نفقة الزوجات يجب على الرجل نفقة زوجته، وكسوتها بالمعروف إذا سلمت ~~نفسها إليه، ومكنته من الاستمتاع بها، لما روى جابر: أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن ~~بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف» رواه مسلم. فإن امتنعت من تسليم نفسها كما يجب عليها، أو مكنت من ~~استمتاع دون استمتاع، أو في منزل دون منزل، أو في بلد دون بلد، ولم تكن ~~شرطت دارها ولا بلدها، فلا نفقة لها؛ لأنه لم يوجد التمكين التام، فأشبه ~~البائع إذا امتنع من تسليم المبيع، أو تسليمه في موضع دون موضع. وإن عرضت ~~عليه، وبذلت له التمكين التام وهو حاضر، لزمته النفقة؛ لأنها بذلت الواجب ~~عليها، وإن كان غائبا، لم تجب حتى يقدم هو أو وكيله، أو يمضي زمن ولو سار، ~~لقدر على أخذها؛ لأنه لا يوجد التمكين إلا بذلك. وإن لم تسلم إليه، ولم ~~تعرض عليه فلا نفقة عليه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج عائشة، ~~فلم ينفق عليها حتى أدخلت عليه. ولأنه لم يوجد التمكين، فلا تجب النفقة، ~~كما لو منعت نفسها. # PageV03P227 # فصل: # ولو عرضت عليه وهي صغيرة، لا يوطأ مثلها، فلا نفقة لها؛ لأنه لم يوجد ~~التمكين من الاستمتاع، لأمر من جهتها. وإن كانت كبيرة والزوج صغير، وجبت ~~نفقتها؛ لأن التمكين وجد من جهتها، وإنما تعذر من جهته، فوجبت النفقة، كما ~~لو سلمت إليه، وهو كبير فهرب منها. وإن سلمت إليه وهو مجبوب، أو مريض لا ~~يمكنه الوطء، وجبت النفقة كذلك. وإن سلمت إليه وهي رقتاء، أو نحيفة، أو ~~مريضة، لا يمكن وطؤها، وجبت نفقتها؛ لأن تعذر الاستمتاع لسبب لا تنسب إلى ~~التفريط فيه. # فصل: # وإن سافرت زوجته بغير إذنه لغير واجب، أو انتقلت من منزله، فلا نفقة لها. ~~وإن كان غائبا؛ لأنها خرجت عن قبضته وطاعته، فأشبهت الناشز. وإن سافرت ~~بإذنه، فعلى ما ذكرناه في القسم. ms1014 وإن أحرمت بحج، أو عمرة في الوقت الواجب ~~من الميقات، لم تسقط نفقتها؛ لأنها فعلت الواجب بأصل الشرع، فأشبه ما لو ~~صامت رمضان. وإن تطوعت بالإحرام بغير إذنه، أو أحرمت بالواجب قبل الوقت، أو ~~قبل الميقات بغير إذنه، فلا نفقة لها؛ لأنها منعته الاستمتاع بما لا يجب ~~عليها، فهو كسفرها بغير إذنه وإن فعلته بإذنه، فهو كسفرها لحاجتها. وإن ~~أحرمت بالحج المنذور، فقال أصحابنا: لها النفقة، وينبغي أن يقال: إن كان ~~النذر قبل النكاح، فلها النفقة؛ لأنه وجب قبل النكاح، فكان مقدما على حقه ~~فيها. وإن كان بعد النكاح بإذن الزوج، فلها النفقة؛ لأنه إذن في إلزامها ~~إياه، فكان راضيا بموجبه. وإن كان بغير إذنه، فلا نفقة لها؛ لأنها فوتت ~~التمكين اختيارا منها بغير رضاه، فأشبه السفر لحاجتها. # فصل: # وصوم رمضان لا يسقط النفقة؛ لأنه واجب معين. والحكم في صوم النذر والتطوع ~~والاعتكاف المنذور والتطوع، كالحكم في الحج الذي كذلك. وأما قضاء رمضان، ~~فإن ضاق وقته، لم يمنع النفقة؛ لأنه واجب مضيق، أشبه رمضان، وإن كان وقتا ~~متسعا، فهو كالإحرام قبل الوقت. # فصل: # وإذا أسلمت زوجة الكافر بعد الدخول، فلها نفقة العدة؛ لأن الإسلام واجب ~~عليها، مضيق، أشبه الإحرام بالحج الواجب في وقته. وإن أسلم هو دونها، وهي ~~غير كتابية، فلا نفقة لها؛ لأنها منعته بمعصيتها، وإقامتها على كفرها. وإن ~~ارتدت مسلمة، فلا نفقة لها كذلك، وإن كان هو المرتد، فعليه النفقة؛ لأنه ~~الممتنع بردته. وإن عادت المرتدة # PageV03P228 # إلى الإسلام، فلها النفقة من حين عادت، ولو كان غائبا؛ لأن سقوط نفقتها ~~لردتها، فعادت بزوالها. وإن نشزت الزوجة، ثم عادت إلى الطاعة والزوج غائب، ~~فلا نفقة لها حتى يمضي زمن لو سار فيه، لقدر على استمتاعها؛ لأن سقوط ~~نفقتها لعدم التمكين، ولم يحصل بعودها إلى الطاعة. # فصل: # وللأمة المزوجة النفقة في الزمن الذي تسلم نفسها فيه، فإن سلمت إليه ليلا ~~ونهارا، فلها النفقة كلها، كالحرة. وإن سلمت ليلا دون النهار، فلها نصف ~~نفقتها؛ لأنها سلمت نفسها في الزمن الذي يلزمها تسليم ms1015 نفسها فيه، فكان لها ~~نفقتها فيه، كالحرة في جميع الزمان. # فصل: # ولا تجب النفقة في النكاح الفاسد؛ لأنه ليس بنكاح شرعي. ### | باب نفقة المعتدة # وهي ثمانية أقسام: أحدها: الرجعية، فلها النفقة السكنى؛ لأنها باقية على ~~الزوجية غير مانعة له من الاستمتاع، أشبه ما قبل الطلاق. # الثاني: البائن بفسخ الطلاق، فإن كانت حاملا فلها النفقة والسكنى، لقول ~~الله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن} ~~[الطلاق: 6] {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} [الطلاق: 6] ~~وهل تجب النفقة للحمل أو للحامل؟ فيه وجهان: # أحدهما: للحمل؛ لأنها تجب بوجوده، وتسقط بعدمه. # والثاني: تجب لها بسببه؛ لأنها تجب مع الإعسار، ونفقة الولد لا تجب على ~~معسر. وإن كانت حائلا، فلا نفقة لها، لدلالة الآية، بدليل خطابها على ~~عدمها. وفي السكنى روايتان: # إحداهما: تجب، للآية. والأخرى: لا تجب، لحديث فاطمة بنت قيس، وهو # PageV03P229 # مفسر للآية فإن قلنا: تجب النفقة للحمل، فلا نفقة لزوجة العبد، ولا للأمة ~~الحامل؛ لأنه لا تجب نفقة ولدهما على أبيه. وإن قلنا: تجب للحامل، وجبت ~~نفقتهما، كما تجب في صلب النكاح. # فصل: # الثالث: المعتدة في الوفاة، فإن كانت حائلا، فلا نفقة لها ولا سكنى؛ لأن ~~ذلك يجب للتمكين من الاستمتاع، وقد فات بالوفاة، وإن كانت حاملا، ففي ~~وجوبهما روايتان: # إحداهما: لا تجبان كذلك. # والثانية: تجبان؛ لأنها معتدة في نكاح صحيح، أشبهت البائن في الحياة. # فصل: # الرابع: المعتدة من اللعان، فإن كانت حائلا، أو منفيا حملها، فلا سكنى ~~لها ولا نفقة، لما روى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فرق بين ~~المتلاعنين. وقضى: أن لا بيت عليه ولا قوت» . رواه أبو داود. ولأنها بائن ~~لا ولد له معها، فأشبهت المختلعة الحائل. وإن كانت حاملا حملا يلحقه نسبه، ~~فلها السكنى والنفقة؛ لأن ذلك يجب للحمل، أو لسببه، وهو موجود، فإن نفاه ~~فأنفقت وسكنت، ثم استلحقه، لحقه ولزمه ما أنفقت، وأجرة رضاعها ومسكنها؛ ~~لأنها فعلت ذلك على أنه لا أب له، وقد بان خلافه. # فصل: # الخامس: ms1016 المعتدة من وطء شبهة، أو نكاح فاسد، إذا فرق بينهما، فلا سكنى ~~لها بحال؛ لأنه إنما تجب بسبب النكاح، ولا نكاح هاهنا، ولا نفقة لها إن ~~كانت حائلا. وإن كانت حاملا، وقلنا بوجوب النفقة للحمل، وجبت؛ لأن الحمل ~~هاهنا لاحق به، فأشبه الحمل في النكاح الصحيح. وإن قلنا: تجب للحامل، فلا ~~نفقة لها؛ لأن حرمته هاهنا غير كاملة. # فصل: # السادس: الزانية: لا نفقة لها، ولا سكنى بحال؛ لأنه لا نكاح بينهما، ولا ~~يلحقه # PageV03P230 # نسب حملها. # فصل: # السابع: زوجة المفقود، لها النفقة لمدة التربص؛ لأنها محبوسة عليه في ~~بيته، فإذا حكم لها بالفرقة، انقطعت نفقتها، لزوال نكاحها حكما، فإذا قدم ~~فردت عليه، فلها النفقة لما يستقبل دون ما مضى؛ لأنها خرجت بمفارقتها إياه ~~عن قبضته، فلا تجب إلا بعودها إليه، وإن لم ترد إليه، فلا نفقة لها بحال. # فصل: # الثامن: زوجة العبد، والأمة المزوجة، وقد تقدم بيان حكمهما. # فصل: # ومن وجبت لها النفقة للحمل، وجب دفعها إليها يوما بيوم، لقول الله تعالى: ~~{فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} [الطلاق: 6] . ولأن الحمل يتحقق حكما في ~~منع النكاح، والأخذ في الزكاة، ووجوب الدفع في الدية، والرد بالعيب، فكذلك ~~في وجوب النفقة لها. وقال أبو الخطاب: ويحتمل أنه لا يجب دفع النفقة إليها، ~~حتى تضع الحمل؛ لأنه لا يتحقق، ولذلك لم يصح اللعان عليه قبل وضعه على إحدى ~~الروايتين، والمذهب: # الأول: فإن أنفق عليها، ثم تبين أنها غير حامل، رجع عليها؛ لأنه دفعها ~~إليها، على أنها واجبة، فرجع عليها، كما لو قضاها دينا، ثم تبين براءته ~~منه. وعنه: لا يرجع عليها؛ لأنه لو كان النكاح فاسدا، فأنفق عليها، ثم فرق ~~بينهما، لم يرجع، كذا هاهنا. وإن لم ينفق عليها لظنه أنها حائل، ثم تبين ~~أنها حامل، رجعت عليه؛ لأننا تبينا استحقاقها له، فرجعت به عليه، كالدين. ~~وإن ادعت الحمل، لتأخذ النفقة، أنفق عليها ثلاثة أشهر، ثم ترى القوابل، فإن ~~بان أنها حامل، فقد أخذت حقها، وإن بان خلافه، رجع عليها. ### | باب قدر النفقة # يجب للمرأة ms1017 من النفقة قدر كفايتها بالمعروف، لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لهند: «خذي ما # PageV03P231 # يكفيك وولدك بالمعروف» . متفق عليه. ولأن الله قال: {وعلى المولود له ~~رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: 233] . والمعروف: قدر الكفاية، ولأنها ~~نفقة واجبة، لدفع الحاجة، فتقدرت بالكفاية، كنفقة المملوك، فإذا ثبت أنها ~~غير مقدرة، فإنه يرجع في تقديرها إلى الحاكم، فيفرض لها قدر كفايتها من ~~الخبز والأدم. وقال القاضي: هي مقدرة برطلي خبز بالعراقي، وما يكفيها من ~~الأدم؛ لأن الواجب للمسكين في الكفارة رطلان. ويجب لها في القوت الخبز؛ ~~لأنه المقتات في العادة. وقال ابن عباس في قوله تعالى: {من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم} [المائدة: 89] . الخبز والزيت، وعن ابن عمر: الخبز والسمن، والخبز ~~والزيت، والخبز والتمر. ومن أفضل ما تطعمهم: الخبز واللحم. ويجب لها من ~~الأدم بقدر ما تحتاج إليه من أدم البلد، من الزيت، والشيرج والسمن واللبن ~~واللحم، وسائر ما يؤتدم به؛ لأن ذلك من النفقة بالمعروف، وقد أمر الله ~~تعالى ورسوله به. # فصل: # ويختلف ذلك بيسار الزوج وإعساره، لقول الله تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته ~~ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} ~~[الطلاق: 7] . وتعتبر حال المرأة أيضا، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» ، فيجب للموسرة تحت الموسر من أرفع خبز ~~البلد وأدمه بما جرت به عادة مثلها ومثله، وللفقيرة تحت الفقير من أدنى خبز ~~البلد وأدمه، على قدر عادتهما، وللمتوسطة تحت المتوسط، أو إذا كان أحدهما ~~غنيا والآخر فقيرا، ما بينهما، كل على حسب عادته؛ لأنه إيجاب نفقة الموسرين ~~على المعسر، وإنفاق الموسر نفقة المعسرين، ليس من المعروف، وفيه إضرار ~~بصاحبه. وحكم المكاتب والعبد حكم المعسر، ولأنهما ليسا بأحسن حالا منه، ومن ~~نصفه حر، إن كان معسرا، فهو كالمعسرين، وإن كان موسرا، فهو كالمتوسطين. # فصل: # فإن دفع إليها قيمة الخبز والأدم، أو الحب والدقيق، لم يلزمها قبوله؛ ~~لأنه طعام وجب في الذمة بالشرع، فلم يجب أخذ عوضه، كالكفارة، وإن اتفقا على ~~ذلك ms1018 جاز؛ لأنه حق آدمي، فجاز أخذ عوضه باتفاقهما، كالقرض. # فصل: # ويجب لها ما تحتاج إليه من المشط والدهن لرأسها، والماء والسدر لغسله، ~~وما # PageV03P232 # يعود بنظافتها؛ لأنه يراد للتنظيف، فيجب عليه، كما يجب على المستأجر كنس ~~الدار وتنظيفها. ولا يلزمه ثمن الخضاب؛ لأنه للزينة، فأشبه الحلي، ولا ثمن ~~الدواء وأجرة الطبيب؛ لأنه ليس من النفقة الراتبة، إنما يحتاج إليه لعارض. ~~وأما الطيب، فما يراد منه لقطع السهك والريح الكريهة والعرق، لزمه؛ لأنه ~~يراد للتنظيف، وما يراد للتلذذ والاستمتاع، لم يلزمه؛ لأن الاستمتاع حق له، ~~فلا يجب عليه. # فصل: # وتجب الكسوة، للآية والخبر، ولأنه يحتاج إليها لحفظ البدن على الدوام ~~فلزمته، كالنفقة. ويجب للموسرة تحت الموسر من مرتفع ما يلبس في البلد، من ~~الإبريسم. والخز والقطن والكتان. وللفقيرة تحت الفقير من غليظ القطن ~~والكتان، وللمتوسطة تحت المتوسط، أو إذا كان أحدهما موسرا، والآخر معسرا، ~~ما بينهما على حسب عوائدهم في الملبوس، كما قلنا في النفقة. وأقل ما يجب ~~قميص وسراويل ومقنعة، ومداس للرجل، وجبة للشتاء؛ لأن ذلك من الكسوة ~~بالمعروف، وملحفة، أو كساء، أو مضربة محشوة للنوم، وبساط، ولبد، أو حصير ~~للنهار. ويكون ذلك من المرتفع للأولى، ومن الأدون للثانية، ومن المتوسط ~~للثالثة؛ لأنه من المعروف. # فصل: # ويجب لها مسكن؛ لأنها لا تستغني عنه للإيواء، والاستتار عن العيون، ~~للتصرف والاستمتاع، ويكون ذلك على قدرهن، كما ذكرنا في النفقة. # فصل: # وإن كانت ممن لا تخدم نفسها، لكونها من ذوات الأقدار، أو مريضة، وجب لها ~~خادم، لقول الله: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء: 19] . وإخدامها في العشرة ~~بالمعروف، ولا يجب لها أكثر من خادم؛ لأن المستحق خدمتها في نفسها، وذلك ~~يحصل بخادم واحد، ولا يجوز أن يخدمها إلا امرأة، أو ذا رحم محرم، أو صغيرا ~~وهل يجوز أن تكون كتابية؟ فيه وجهان: بناء على إباحة النظر لهن، فإن قلنا ~~بجوازه: فهل يلزم المرأة قبولها؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمها قبولها؛ لأنهم ~~يصلحون للخدمة. # والثاني: لا يلزمها؛ لأن النفس تعافهم وإن قالت المرأة: أنا أخدم نفسي، ~~وآخذ أجرة الخادم، ms1019 لم يلزم الزوج لأن القصد بالخدمة ترفيهها، وتوفيرها على ~~حقه، وذلك # PageV03P233 # يفوت بخدمتها. وإن قال: أنا أخدمك بنفسي، ففيه وجهان: # أحدهما: يلزمها الرضى به؛ لأن الكفاية تحصل به. # والثاني: لا يلزمها؛ لأنها تحتشمه، فلا تستوفي حقها من الخدمة، ولا يلزمه ~~أن يملكها خادما، بل إن كان له، أو استأجره، جاز. وإن كان مملوكا لها، ~~فاتفقا على خدمته، لزمه نفقته بقدر نفقة الفقيرين، في القوت والأدم ~~والكسوة، ولا يجب له مشط، ولا سدر، ولا دهن للرأس لأنه يراد للتنظيف ~~والزينة، ولا يراد ذلك من الخادم. ويجب للخادمة خف إذا كانت تخرج إلى ~~الحاجات، لحاجتها إليه. # فصل: # وعليه دفع نفقتها إليها كل يوم إذا طلعت الشمس؛ لأنه أول وقت الحاجة. فإن ~~اتفقا على تعجيلها، أو تأخيرها، أو تسليفها النفقة لشهر، أو عام، أو أكثر، ~~جاز؛ لأن الحق لا يخرج عنهما، فجاز فيه ما تراضيا عليه، كالدين. فإن دفع ~~إليها نفقة يوم، فبانت فيه، لم يرجع بما بقي؛ لأنها أخذت ما تستحقه. وإن ~~أسلفها نفقة أيام، ثم بانت، رجع عليها؛ لأنه غير مستحق لها. وذكر القاضي: ~~ما يدل على أن حكم ذلك حكم الرجوع في معجل الزكاة، على ذكر في موضعه. فأما ~~إن غاب عن زوجته زمنا، ولم ينفق عليها، فإنها ترجع عليه بنفقة ما مضى، لما ~~روي عن عمر - رضي الله عنه -: أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن ~~نسائهم، إن طلقوا: أن يبعثوا بنفقة ما مضى. ولأنه حق لها عليه بحكم العوض، ~~فرجعت به عليه، كالدين. وعنه: لا ترجع عليه إلا أن يكون الحاكم قد فرضها ~~لها؛ لأنها نفقة، فأشبهت نفقة الأقارب. # فصل: # وعليه كسوتها في كل عام مرة في أوله؛ لأنه العادة. فإن تلفت في الوقت ~~الذي يبلى فيه مثلها، لزمه بدلها؛ لأن ذلك من تمام كسوتها، وإن بليت قبله، ~~لم يلزمه بدلها؛ لأنه لتفريطها، فأشبه ما لو أتلفتها. وإن مضى زمن يبلى فيه ~~مثلها ولم تبل، ففيه وجهان: # أحدهما: لا يلزمه بدلها؛ لأنها غير محتاجة إلى الكسوة. ms1020 # والثاني: يجب؛ لأن الاعتبار بالمدة، بدليل أنها لو تلفت قبل انقضاء ~~المدة، لم يلزمه بدلها، وإن كساها ثم أبانها، ففيه وجهان: # أحدهما: لا يرجع؛ لأنه دفع ما تستحق دفعه، فلم يرجع به، كنفقة اليوم. # والثاني: يرجع؛ لأنه دفع لزمن مستقبل، أشبه ما لو سلفها النفقة، ثم ~~أبانها. # PageV03P234 # فصل: # وإذا دفع إليها النفقة، فلها أن تتصرف فيها بما شاءت، من بيع وصدقة ~~وغيرهما. لأنها حق لها، فملكت التصرف فيها، كالمهر، إلا أن يعود ذلك عليها ~~بضرر في بدنها، ونقص في استمتاعها، فلا تملكه؛ لأنه يفوت حقه، وكذلك الحكم ~~في الكسوة في أحد الوجهين. وفي الآخر: ليس لها التصرف فيها بحال؛ لأنه يملك ~~استرجاعها بطلاقها، بخلاف النفقة. # فصل: # وإذا نشزت المرأة، سقطت نفقتها؛ لأنها تستحقها في مقابلة التمكين من ~~استمتاعها، وقد فات ذلك بنشوزها. وإن كان لها ولد، لم تسقط نفقته؛ لأن ذلك ~~حق له، فلا تسقط بنشوزها. ### | باب قطع النفقة # إذا أعسر الزوج بنفقة المعسر، فلها فسخ النكاح، لقول الله تعالى: {فإمساك ~~بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] . وقد تعذر الإمساك بالمعروف، ~~فيتعين التسريح بإحسان. وكتب عمر - رضي الله عنه - إلى أمراء الأجناد في ~~رجال غابوا عن نسائهم: يأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا. فإن طلقوا، بعثوا بنفقة ~~ما مضى، ولأنه إذا ثبت لها الفسخ لعجزه عن الوطء، فلأن يثبت بالعجز عن ~~النفقة أولى؛ لأن الضرر فيه أكثر. وإن أعسر ببعضها، فلها الفسخ؛ لأن البدن ~~لا يقوم بدونها. وإن أعسر بكسوة المعسر، فلها الفسخ؛ لأن البدن لا يقوم ~~بدونها، فأشبهت القوت. وإن أعسر بما زاد على نفقة المعسر، فلا خيار لها؛ ~~لأنها تسقط بإعساره، ولأن البدن يقوم بدونها. ومن لم يجد إلا قوت يوم بيوم، ~~فليس بمعسر بالنفقة؛ لأن هذا هو الواجب. وإن كان يجد في أول النهار ما ~~يغديها، وفي آخره ما يعشيها، فلا خيار لها؛ لأنها تصل إلى كفايتها. وإن كان ~~يجد قوت يوم دون يوم، فلها الخيار؛ لأنها لا تصل إلى كفايتها، وإن كان ~~صانعا يعمل في كل أسبوع ثوبا، ms1021 يكفيه ثمنه للأسبوع كله، فلا خيار لها؛ لأنها ~~تصل إلى كفايتها. ومتى عازه أمكنه الاقتراض، ثم يقضيه، فلا تنقطع النفقة. ~~فإن كانت نفقته من عمل عجز عنه لمرض مرجو الزوال، أو غيبة ماله، وأمكنه ~~الاقتراض إلى زوال العارض وفعل، فلا # PageV03P235 # خيار لها. وإن عجز عن الاقتراض، وكان العارض يزول في ثلاثة أيام فما دون، ~~فلا خيار لها؛ لأن ذلك قريب. وإن كثر، فلها الفسخ؛ لأن الضرر يكثر. وإن ~~أعسر بالمسكن ففيه وجهان: # أحدهما: لا خيار لها؛ لأن البدن يقوم بدونه. # والثاني: لها الخيار؛ لأنه مما لا بد منه، أشبه النفقة والكسوة. # فصل: # فإن منع النفقة من يساره، وقدرت له على مال، أخذت منه قدر كفايتها ~~بالمعروف، لما روي «أن هندا جاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: ~~يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني ~~وولدي، فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» متفق عليه. وإن منعها بعض ~~الكفاية، فلها أخذه، للخبر. ولها أن تأخذ نفقة ولدها الصغير، للخبر، فإن ~~وجدت من جنس الواجب لها، أخذته، وإن لم تجد، أخذت بقدره من غيره متحرية ~~للعدل في ذلك. فإن لم تجد ما تأخذه، رفعته إلى الحاكم، ليأمره بالإنفاق، أو ~~الطلاق، فإن أبى، حبسه. فإن صبر على الحبس، وقدر الحاكم على ماله، أنفق ~~منه. وإن لم يجد إلا عروضا، باعها وأنفق منها، فإن تعذر ذلك، فلها الفسخ ~~لما ذكرنا من حديث عمر - رضي الله عنه -، ولأنه إذا ثبت الفسخ مع العذر ~~دفعا للضرر، فمع عدمه أولى. وإن كان الزوج غائبا، كتب الحاكم إليه، كما كتب ~~عمر إلى الذين غابوا عن نسائهم. فإن لم يعلم خبره، أو تعذرت النفقة منه، ~~ولم يوجد له مال، فلها الفسخ، لما ذكرنا، وهذا اختيار الخرقي، وأبي الخطاب. ~~وذكر القاضي: أن الفسخ لا يثبت مع اليسار؛ لأن الخيار لعيب الإعسار، ولم ~~يثبت ذلك. وما ذكرناه أصح، فإن الإعسار ليس بعيب، وإنما الفسخ لدفع الضرر، ~~وهما فيه سواء، ومن كان له دين يتمكن ms1022 من استيفائه، فهو كالموسر؛ لأنه قادر ~~عليه. وإن لم يتمكن من استيفائه، فهو كالمعدوم؛ لأنه عاجز عنه. # فصل: # فإن كان له عليها دين من جنس الواجب لها من النفقة، فأراد أن يحتسب به ~~عليها وهي موسرة، فله ذلك؛ لأن له أن يقضي دينه من أي ماله شاء، وهذا منه، ~~وإن كانت معسرة، لم يملك ذلك؛ لأن قضاء الدين في الفاضل عن الكفاية، ولا ~~فضل لها. # PageV03P236 # فصل: # ومتى ثبت لها الفسخ، فرضيت بالمقام معه، ثبت لها في ذمته ما يجب على ~~المعسر، من القوت، والأدم، والكسوة، والمسكن، والخادم، تطالبه بها إذا ~~أيسر؛ لأنها حقوق واجبة عجز عنها، فثبتت في ذمته كالدين. وقال القاضي: لا ~~يثبت في ذمته شيء، قياسا على الزائد عن نفقة المعسر، والفرق ظاهر، فإن ~~الزائد غير واجب على معسر، وهذا معسر، بخلاف هذا، ولا يلزمها التمكين من ~~الاستمتاع، ولا الإقامة في منزله؛ لأن ذلك في مقابلة النفقة، فلا يجب مع ~~عدمها، ومتى عن لها الفسخ، فلها الفسخ؛ لأن وجوب النفقة يتجدد كل يوم، ~~فيتجدد حق الفسخ، ولو تزوجت معسرا عالمة بإعساره، ثم بدا لها الفسخ لعسرته، ~~فلها الفسخ لما ذكرنا. وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد، أنه ليس لها الفسخ في ~~الموضعين؛ لأنها رضيت بعيبه، فأشبه امرأة العنين إذا رضيت بعنته. # فصل: # وإن اختارت الفسخ، لم يجز لها ذلك، إلا بحكم حاكم؛ لأنه مختلف فيه، فلم ~~يجز بغير الحاكم، كالفسخ بالعنة، ولها المطالبة بالفسخ في الحال؛ لأنه فسخ ~~لتعذر العوض، فثبت في الحال، كفسخ البيع لفلس المشتري. # فصل: # وإن أعسر زوج الأمة، فلم تختر الفسخ، لم يكن لسيدها الفسخ؛ لأن الحق لها، ~~فلم يكن له الفسخ، كالفسخ للعنة، وإن أعسر زوج الصغيرة والمجنونة، فليس ~~لوليهما الفسخ؛ لأنه فسخ لنكاحهما، فلم يملكها وليهما، كالفسخ للعيب، وحكي ~~عن القاضي: أن لسيد الأمة الفسخ؛ لأن الضرر عليه، ويحتمل أن يملك ولي ~~الصغيرة والمجنونة الفسخ؛ لأنه فسخ لفوات العوض، فملكه كفسخ البيع، لتعذر ~~الثمن. # فصل: # وإذا وجد التمكين الموجب للنفقة، فلم ينفق حتى ms1023 مضت مدة، صارت النفقة دينا ~~في ذمته، سواء تركها لعذر، أو غيره، لحديث عمر، ولأنه مال يجب على سبيل ~~البدل في عقد معاوضة، قلم يسقط بمضي الزمان، كالصداق، وإن أعسر بقضائها، لم ~~تملك الفسخ؛ لأنها دين يقوم البدن بدونه، فأشبهت دين القرض. وعنه: لا يثبت ~~في الذمة، وتسقط ما لم يكن الحاكم قد فرضها؛ لأنها نفقة تجب يوما بيوم، ~~فإذا لم يفرضها الحاكم، سقطت بمضي الزمن، كنفقة الأقارب، فعلى هذا لا يصح ~~ضمانها؛ لأنه ليس مآلها إلى الوجوب، وعلى الرواية الأولى، يصح ضمان ما وجب ~~منها، وما يجب في المستقبل؛ لأن مآله إلى الوجوب. # PageV03P237 # فصل: # وإذا ادعى الزوج، أنه دفع إليها نفقتها، فأنكرته، فالقول قولها مع ~~يمينها؛ لأن الأصل عدم القبض. وإن مضت مدة لم ينفق فيها، فادعت أنه كان ~~موسرا، فأنكرها ولم يعرف له مال قبل ذلك، فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل ~~عدمه، وإن عرف له مال، فالقول قولها؛ لأن الأصل بقاؤه، وإن ادعت التمكين ~~الموجب للنفقة فأنكرها، فالقول قوله؛ لأن الأصل عدمه. وإن قالت: فرض الحاكم ~~نفقتي منذ سنة، فقال: بل منذ شهر، فالقول قوله كذلك، وإن ادعى نشوزها ~~فأنكرته، فالقول قولها كذلك، وإن طلقها طلقة رجعية، وكانت حاملا، فقال ~~الزوج: طلقتك قبل الوضع، فانقضت عدتك به، وقالت: بل بعده، لم يبق له رجعة ~~لإقراره بانقضاء عدتها، ولزمتها العدة، لإقرارها بها، والقول قولها مع ~~يمينها، في وجوب نفقتها؛ لأن الأصل بقاؤها. ### | باب نفقة الأقارب # وهما صنفان: عمود النسب، وهم الوالدان، وإن علوا، والولد وولده وإن سفل، ~~فتجب نفقتهم لقول الله تعالى: {وبالوالدين إحسانا} [البقرة: 83] ومن ~~الإحسان الإنفاق عليهما، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن أطيب ما ~~أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه» . وقال الله تعالى: {وعلى المولود له ~~رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: 233] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» فثبتت نفقة الوالدين والولد، ~~بالكتاب والسنة، وثبتت نفقة الأجداد، وأولاد الأولاد، لدخولهم في اسم ~~الآباء، والأولاد، قال الله تعالى: {ملة ms1024 أبيكم إبراهيم} [الحج: 78] . وقال ~~تعالى: {يا بني آدم} [الأعراف: 26] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~الحسين: «إن ابني هذا سيد» وسواء كان وارثا، أو غير وارث؛ لأن أحمد قال: لا # PageV03P238 # تدفع الزكاة إلى ولد ابنته، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن ابني ~~هذا سيد» وإذا منع دفع الزكاة إليهم لقرابتهم، يجب أن تلزمه نفقتهم. وذكر ~~القاضي ما يدل على هذا، وذكر في موضع آخر، أنه لا تجب النفقة إلا على وارث، ~~وهو ظاهر قول الخرقي وغيره من أصحابنا. # الصنف الثاني: كل موروث سوى من ذكرنا، وسوى الزوج، لقول الله تعالى: ~~{وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: 233] إلى قوله: {وعلى ~~الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] فأوجب على الوارث أجرة رضاع الصبي، فيجب أن ~~تلزمه نفقته. وروي أن «رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من أبر؟ ~~قال: أمك وأباك وأختك وأخاك، ومولاك الذي يلي ذاك، حق واجب، ورحم موصول» ~~رواه أبو داود. وقضى عمر - رضي الله عنه - على بني عم منفوس بنفقته. ولأنها ~~قرابة تقتضي التوريث، فتوجب الإنفاق، كقرابة الولد. # فصل: # فأما ذو الرحم الذين لا يرثون بفرض ولا تعصيب، فلا نفقة عليهم في ~~المنصوص، لعدم النص فيهم، وامتناع قياسهم على المنصوص، لضعف قرابتهم، ~~ويتخرج وجوبها عليهم؛ لأنهم يرثون في حال، فتجب النفقة عليهم في تلك الحال. ~~وإن كان الوارث غير موروث، كالمعتقة، وعم المرأة، وابن عمها، وابن أخيها، ~~والمعتق، وجب عليهم الإنفاق في المنصوص؛ لأنهم وارثون، فيدخلون في العموم. ~~وعنه: لا نفقة عليهم؛ لأنهم غير موروثين، أشبهوا ذوي الأرحام. # فصل: # ويشترط لوجوب الإنفاق على القريب ثلاثة شروط: # أحدها: فقر من تجب نفقته. فإن استغنى بمال، أو كسب، لم تجب نفقته؛ لأنها ~~تجب على سبيل المواساة، فلا تستحق مع الغنى عنها، كالزكاة، وإن قدر على ~~الكسب # PageV03P239 # من غير حرفة، ففيه روايتان: # إحداهما: لا نفقة له؛ لأنه يستغني بكسبه، أشبه المحترف. # والثانية: له النفقة؛ لأنه لا مال له، ولا حرفة، أشبه الزمن. # الثاني: أن يكون للمنفق ما ينفق عليهم ms1025 فاضلا عن نفقة نفسه وزوجته، لما ~~روى جابر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول» ~~قال الترمذي: هذا حديث صحيح. ولأن نفقة القريب مواساة، فيجب أن تكون في ~~الفاضل عن الحاجة الأصلية، ونفقة نفسه من الحاجة الأصلية، وكذلك نفقة ~~زوجته؛ لأنها تجب لحاجته، فأشبهت نفقة نفسه، وكذلك نفقة خادمه الذي لا ~~يستغني عن خدمته، تقدم كذلك. # الثالث: اتفاقهما في الدين والحرية، فلا يجب على الإنسان الإنفاق على من ~~ليس على دينه؛ لأنه لا ولاية بينهما، ولا يرث أحدهما صاحبه؛ لأنها تجب على ~~سبيل المواساة، والصلة، فلمن تجب له مع اختلاف الدين، كالزكاة. وعنه في ~~عمودي النسب: أنها تجب مع اختلاف الدين؛ لأنهم يعتقون عليه. فينفق عليهم، ~~كما لو اتفق دينهما. وأما العبد، فلا نفقة عليه؛ لأنه لا شيء له يواسي به، ~~فلا تجب نفقته على قريبه؛ لأن نفقته على سيده، ولأنه لا توارث بينهما، ولا ~~ولاية، فلم ينفق أحدهما على صاحبه، كالأجانب. # فصل: # ولا يشترط في وجوب النفقة نقصان الخلقة، بزمانة، أو صغر، أو جنون، لعموم ~~الخبر، وعن أحمد أنه يشترط ذلك في غير الوالدين؛ لأن من علم ذلك فيه في ~~مظنة التكسب، فكان في مظنة الغنى. ولا يشترط البلوغ ولا العقل فيمن تجب ~~النفقة عليه، بل يجب على الصبي والمجنون، نفقة قريبهما إذا كانا موسرين؛ ~~لأنها من الحقوق المالية فتجب عليهما، كأرش جنايتهما. # فصل: # ومن كان له أب، لم تجب نفقته على غيره؛ لأن الله تعالى أمر الآباء أن ~~يعطوا # PageV03P240 # الوالدات أجر الرضاع بقوله تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} ~~[الطلاق: 6] . وقوله سبحانه: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} ~~[البقرة: 233] . «وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - هندا: أن تأخذ ما يكفي ~~ولدها من مال أبيهم» . فإن لم يكن لهم أب، ولم يكن له إلا وارث واحد، ~~فالنفقة عليه. وإن كان له وارثان، فالنفقة عليهما على قدر إرثهما. فإذا كان ~~لهم أم وجد، فعلى الأم ثلث النفقة، وعلى الجد الثلثان. وإن كان له جدة وأخ، ms1026 ~~فعلى الجدة سدس النفقة، والباقي على الأخ. وإن كان له أخوان، أو أختان، ~~فالنفقة عليهما نصفين. وإن كان له أخ وأخت، فالنفقة عليهما أثلاثا. وإن كان ~~له أخت وأم، فعلى الأخت ثلاثة أخماس النفقة، وعلى الأم الخمسان؛ لأنه مال ~~يستحق بالقرابة، فكان على ما ذكرناه كالميراث، وإن كان له من الورثة ثلاثة، ~~أو أكثر، فنفقته عليهم على قدر إرثهم، لما ذكرنا، وإن اجتمع أم أم، وأبو ~~أم، فالنفقة على أم الأم؛ لأنها الوارثة. # فصل: # ومن كان وارثه فقيرا، وله قريب موسر محجوب به، كعم معسر، وابن عم موسر، ~~وأخ فقير، وابن أخ موسر، فلا نفقة له عليهما، ذكره القاضي، وأبو الخطاب؛ ~~لأنه علة الوجوب الإرث، فيسقط بحجبه، كما يسقط ميراثه. وإن كانا من عمودي ~~النسب، كأب معسر، وجد موسر، فالنفقة على الجد؛ لأن وجوب النفقة عليه، ~~لقرابته، وهي باقية مع الحجب. ويحتمل أن يجب الإنفاق على الموسر في التي ~~قبلها؛ لأن الموجب للنفقة القرابة الموجبة للميراث، لا نفس الميراث، وهي ~~موجودة مع الحجب، ووجود المعسر كعدمه. # فصل: # ومن لم يفضل عنده إلا نفقة واحدة، بدأ بالأقرب فالأقرب؛ لأنه أولى، فإذا ~~كان له أب وجد، فالنفقة للأب، وإن كان له ابن، وابن ابن، فهي للابن. وإن ~~اجتمع أب وابن صغير، أو زمن، فالنفقة للابن؛ لأن نفقته وجبت بالنص، وإن كان ~~كبيرا، ففيه ثلاثة أوجه: # أحدها: يقدم الابن كذلك. # والثاني: يقدم الأب؛ لأن حرمته آكد. # PageV03P241 # والثالث: هما سواء، لتساويهما في القرب؛ لأن كل واحد يدلي بنفسه. وإن ~~اجتمع أبوان، ففيهما ثلاثة أوجه: # أحدها: هما سواء لتساويهما في القرابة. # والثاني: الأم أحق، لما روي أن «رجلا قال: يا رسول الله من أبر؟ قال: ~~أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أباك» ~~. # والثالث: الأب؛ لأنه ساواها في القرابة وهي الولادة، وانفرد بالتعصيب. ~~وإن اجتمع أخ وجد، احتمل أن يقدم الجد؛ لأنه آكد حرمة، وقرابته قرابة ~~ولادة، ولهذا لا يقاد به، ويحتمل تساويهما، لتساويهما في التعصيب والإرث، ms1027 ~~وإن كان مع الجد عم، أو ابن عم، قدم الجد، لتقديمه في الحرمة والإرث، ~~ولأنهما يدليان به، فقدم عليهما، كالأب مع الأخ. # فصل: # وعلى المعتق نفقة عتيقه، إذا وجدت الشروط؛ لأنه وارثه، ولا نفقة للمعتق ~~على عتيقه؛ لأنه لا يرثه. # فصل: # وتجب نفقة القريب مقدرة بالكفاية؛ لأنها تجب للحاجة، فيجب ما تندفع به. ~~وإن احتاج إلى من يخدمه وجبت نفقة خادمه. وإن كانت له زوجة، وجبت نفقة ~~زوجته؛ لأنه من تمام الكفاية، وعنه: لا يلزم الرجل نفقة زوجة ابنه. فعلى ~~هذه الرواية لا يلزمه نفقة غير القريب؛ لأن الواجب نفقته، لا نفقة غيره. # فصل: # ويلزمه إعفاف أبيه، وجده، وابنه الذين تلزمه نفقتهم إذا طلبوا ذلك؛ لأنه ~~يحتاج إليه ويضره فقده، فأشبه النفقة، وهو مخير بين أن يزوجه حرة، أو يسريه ~~بأمة، ولا يجوز أن يزوجه أمة؛ لأنه بوجوب إعفافه، يستغني عن الأمة ونكاحها. ~~ولا يعفه بعجوز ولا قبيحة؛ لأن القصد الاستمتاع، ولا يحصل ذلك بهما. وإن ~~أعفه بزوجة فطلقها، أو بأمة فأعتقها، لم يلزمه إعفافه ثانيا؛ لأنه ضيع على ~~نفسه، وإن أعفه بأمة فاستغنى عنها، لم يملك استرجاعها؛ لأنه دفعها إليه في ~~حال وجوبها عليه، فم يملك استرجاعها كالزكاة. ويجيء على قول أصحابنا: أن ~~يلزمه إعفاف كل من لزمه نفقته؛ لأنه من تمام كفايته، فأشبه النفقة. # PageV03P242 # فصل: # وإن احتاج الطفل إلى الرضاع، لزم إرضاعه؛ لأن الرضاع في حق الصغير كنفقة ~~الكبير. ولا يجب إلا في حولين، لقول الله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن ~~حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة: 233] فإن امتنعت الأم من ~~رضاعه، لم تجبر. سواء كانت في حبال الأب، أو مطلقة، لقول الله تعالى: {وإن ~~تعاسرتم فسترضع له أخرى} [الطلاق: 6] ولأنها لا تجبر على نفقة الولد مع ~~وجود الأب، فلا تجبر على الرضاع، إلا أن يضطر إليها، ويخشى عليه، فيلزمها ~~إرضاعه كما لو لم يكن له أحد غيرها. ومتى بذلت الأم إرضاعه متبرعة، أو ~~بأجرة مثلها، فهي أحق به، سواء وجد الأب متبرعة برضاعه، أو لم يجد، ms1028 لقول ~~الله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن} [البقرة: 233] إلى قوله: {وعلى ~~المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: 233] ، وقوله سبحانه: {فإن ~~أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] ولأنها أحق بحضانته، فوجب تقديمها. ~~وإن أبت أن ترضعه إلا بأكثر من أجر مثلها، لم يلزمه ذلك، ويسقط حقها؛ لأنها ~~أسقطته باشتطاطها، ولأن ما لا يوجد بثمن المثل، كالمعدوم، مثل الرقبة في ~~الكفارة. وإن كانت ذات زوج أجنبي من الطفل، فمنعها زوجها الرضاع، سقط حقها. ~~وإن أذن لها، فهي على حقها من ذلك. # فصل: # وتفارق نفقة القريب، نفقة الزوجة، في أربعة أشياء: # أحدها: أن نفقة الزوجة تجب مع الإعسار؛ لأنها بدل، فأشبهت الثمن في ~~المبيع، ونفقة القريب مواساة، فلا تجب إلا من الفاضل لقول الله تعالى: ~~{ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} [البقرة: 219] الثاني: أن نفقة الزوجة تجب ~~للزمن الماضي، لما ذكرنا، ونفقه القريب لا تجب لما مضى؛ لأنها وجبت لإحياء ~~النفس، وتزجية الحال، وقد حصل ذلك في الماضي بدونها. # الثالث: إذا دفع إلى الزوجة نفقة يومها، أو كسوة عامها، فمضت المدة ولم ~~تتصرف فيها، فعليه ما يجب للمدة الثانية، والقريب بخلاف ذلك. # PageV03P243 # والرابع: أنه إذا دفع إلى الزوجة ما يجب ليومها، أو لعامها، فسرق، أو ~~تلف، لم يلزمه عوضه، والقريب بخلافه، لما ذكرنا. ### | باب الحضانة # إذا افترق الزوجان وبينهما طفل، أو مجنون، وجبت حضانته؛ لأنه إن ترك، ضاع ~~وهلك، فيجب إحياؤه. وأحق الناس بالحضانة، الأم؛ لأن أبا بكر الصديق قضى ~~بعاصم بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، لأمه أم عاصم، وقال لعمر: ريحها ~~وشمها ولطفها خير له منك. رواه سعيد. واشتهر ذلك في الصحابة - رضي الله ~~عنهم -، فلم ينكر، فكان إجماعا. ولأن الأم أقرب وأشفق، ولا يشاركها في ~~قربها إلا الأب، وليس له شفقتها، ولا يلي الحضانة بنفسه. فإن عدمت الأم، أو ~~لم تكن من أهل الحضانة، فأحقهم بها أمهاتها الأقرب فالأقرب؛ لأنهن أمهات. ~~ولا يشاركهن إلا أمهات الأب، وهن أضعف منهن ميراثا، ثم الأب؛ لأنه أحد ~~الأبوين، ثم أمهاته وإن علون، ثم الجد، ثم ms1029 أمهاته. وعنه: أن أمهات الأب، ~~أولى من أمهات الأم؛ لأنهن يدلين بعصبة، فعلى هذا يكون الأب بعد الأم، ثم ~~أمهاته، ثم أمهات الأم. وعنه: أن الخالة، والأخت من الأم، أحق من الأب، ~~لقوله - عليه السلام -: «الخالة أم» . فعلى هذا، الأخت من الأبوين أحق منه ~~ومنهما؛ لأنها أدلت بالأم وزادت بقرابة الأب. والأول المشهور في المذهب. ~~فإذا انقرض الآباء والأمهات، انتقلت إلى الأخت من الأبوين. ويحتمل أن ينتقل ~~إلى الأخ؛ لأنه عصبة، والأول أولى؛ لأنها امرأة، فتقدم على من في درجتها من ~~الذكور، كالأم والجدة، ولأنها تلي الحضانة بنفسها. ثم الأخت من الأب؛ لأنها ~~تقوم مقام الأخت من الأبوين، وترث ميراثها. ثم الأخت من الأم؛ لأنها ركضت ~~معها في الرحم. ثم الأخ للأبوين، ثم الأخ للأب، ثم بنوهم كذلك. فإذا انقرض ~~الإخوة # PageV03P244 # والأخوات، فالحضانة للخالات. ويحتمل كلام الخرقي تقديم العمات؛ لأنهن ~~يدلين بعصبة فقدمن، كتقديم الأخت من الأب على الأخت من الأم، والأولى أولى؛ ~~لأنهن استوين في عدم الميراث، فكان من يدلي بالأم أولى ممن يدلي بالأب ~~كالجدات، ولأن الخالة أم. ثم العمات، وتقدم التي من الأبوين، ثم التي من ~~الأب، ثم التي من الأم، ثم الأعمام، ثم بنوهم. # فصل: # وللرجال من العصبات حق في الحضانة، بدليل ما روي «أن عليا وجعفرا وزيد بن ~~حارثة تنازعوا في حضانة بنت حمزة، فقال علي: بنت عمي وعندي بنت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. وقال زيد بن حارثة: بنت أخي؛ لأن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - آخى بين زيد وحمزة. وقال جعفر: بنت عمي وعندي خالتها. ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الخالة أم. وسلمها إلى جعفر» . ~~رواه أبو داود. إلا أن العم لا حضانة له على جارية؛ لأنه ليس بمحرم لها، ~~فلا تسلم إليه، وأولاهم بالحضانة أولاهم بالميراث. فأما الرجال من ذوي ~~الأرحام، كالأخ من الأم، والخال، وأبي الأم، والعم من الأم، فلا حضانة لهم ~~مع أحد من أهل الحضانة؛ لأنهم لا يحضنون بأنفسهم، وليس لهم قرابة قوية ~~يستحقون بها، ms1030 ولا حضانة لمن يدلي بهم من النساء؛ لأنه إذا لم يثبت لهم ~~حضانة، فمن أدلى بهم أولى. فإن عدم أهل الحضانة، احتمل أن تنتقل إليهم؛ ~~لأنهم يرثون عند عدم الوارث، فكذلك يحضنون عند عدم من يحضن، واحتمل أن لا ~~يثبت لهم حضانة، وتنتقل إلى الحاكم، لما ذكرناه أولا. # فصل: # ولا حضانة لرقيق، لعجزه عنها بخدمة المولى، ولا لمعتوه، لعجزه عنها، ولا ~~لفاسق؛ لأنه لا يوفي الحضانة حقها، ولا حظ للولد في حضانته؛ لأنه ينشأ على ~~طريقته، ولا لكافر على مسلم كذلك، ولا للمرأة إذا تزوجت أجنبيا من الطفل، ~~لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص: «أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني ~~هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد ~~أن ينزعه مني، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنت أحق به ما لم ~~تنكحي» . رواه أبو داود. ولأنها تشتغل عن الحضانة بالاستمتاع. وقد روي ~~هاهنا عن أحمد: إذا تزوجت الأم وابنها صغير، أخذ # PageV03P245 # منها. قيل له: فالجارية مثل الصبي؟ قال: لا، الجارية تكون معها إلى سبع ~~سنين؛ لأن «رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل بنت حمزة عند خالتها. إلى ~~سبع وهي مزوجة» . والأول: المذهب. وإنما تركت بنت حمزة عند خالتها؛ لأن ~~زوجها من أهل الحضانة. # وإن تزوجت المرأة بمن هو من أهل الحضانة، كالجدة المزوجة بالجد، لم تسقط ~~حضانتها؛ لأن كل واحد منهما له الحضانة منفردا، فمع اجتماعهما أولى. ومتى ~~زالت الموانع منهم، مثل، أن طلقت المرأة المزوجة، أو عتق الرقيق، أو عقل ~~المعتوه، أو أسلم الكافر، أو عدل الفاسق، عاد حقهم من الحضانة؛ لأنه زال ~~المانع، فثبت الحكم بالسبب الخالي من المانع. # فصل: # ومن ثبتت له الحضانة فتركها، سقط حقه منها. وهل يسقط حق من يدلي به؟ على ~~وجهين: # أحدهما: يسقط؛ لأنه فرع عليه. فإذا سقط الأصل، سقط التبع. # والثاني: لا يسقط؛ لأن حق القريب سقط لمعنى اختص به، فاختص السقوط به، ~~كما لو سقط لمانع. فعلى ms1031 هذا إذا تركت الأم الحضانة، فهي لأمها. وعلى الأول: ~~تنتقل إلى الأب. وإذا استوى اثنان من أهل الحضانة، كالأختين، والعمتين، ~~أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة، قدم؛ لأنهما استويا من غير ترجيح، فقدم ~~أحدهما بالقرعة، كالعبدين في العتق، والزوجتين في السفر بإحداهما. # فصل: # وإذا بلغ الغلام سبعا وهو غير معتوه، خير بين أبويه، فكان مع من اختار ~~منهما، لما روى أبو هريرة: أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - خير غلاما بين ~~أبيه وأمه» . رواه سعيد. وروى أبو داود بإسناده عن أبي هريرة قال: «جاءت ~~امرأة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله يريد زوجي أن ~~يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عنبة، وقد نفعني، فقال له النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: # PageV03P246 # هذا أبوك، وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت فأخذ بيد أمه فانطلقت به» ، فإن ~~لم يختر واحدا منهما. أو اختارهما معا، قدم أحدهما بالقرعة؛ لأنهما تساويا ~~وتعذر الجمع، فصرنا إلى القرعة. وإن اختار الأم، أو صار لها بالقرعة، كان ~~عندها ليلا، ويأخذه الأب نهارا، ليسلمه في مكتب أو صناعة؛ لأن القصد حظ ~~الولد، وحظه فيما ذكرنا. وإن اختار أباه، كان عنده ليلا ونهارا، ولا يمنع ~~من زيارة أمه، لما فيه من الإغراء بالعقوق وقطيعة الرحم. وإن مرض صارت الأم ~~أحق بتمريضه؛ لأنه صار كالصغير في حاجته إلى من يقوم بأمره. وإن مرض أحد ~~الأبوين وهو عند الآخر، لم يمنع من عيادته وحضروه عنده، لما ذكرنا. وإن ~~اختار أحدهما، ثم عاد فاختار الآخر، سلم إليه، ثم إن اختار الأول، رد إليه؛ ~~لأن هذا اختيار تشه، وقد يشتهي أحدهما في وقت دون وقت، فأتبع ما يشتهيه، ~~كما يتبع ما يشتهيه من مأكول ومشروب. وإن لم يكن له أب، خير بين أمه ~~وعصبته، لما روى عامر بن عبد الله قال: خاصم عمي أمي، وأراد أن يأخذني، ~~فاختصما إلى علي - رضي الله عنه -، فخيرني علي ثلاث مرات، فاخترت أمي، ~~فدفعني إليها. # فصل: # وإذا بلغت الجارية سبعا، تركت عند الأب ms1032 بلا تخيير؛ لأن حظها في الكون عند ~~أبيها؛ لأنها تحتاج إلى الحفظ، والأب أولى به، ولأنها تقارب الصلاحية ~~للتزويج. وإنما تخطب من أبيها؛ لأنه وليها، والمالك لتزويجها، وتكون عنده ~~ليلا ونهارا؛ لأن تأديبها وتخريجها في البيت. ولا تمنع الأم من زيارتها، من ~~غير أن يخلو بها الزوج. ولا تطيل ولا تتبسط؛ لأن الفرقة بين الزوجين تمنع ~~تبسط أحدهما في منزل الآخر. وإن مرضت فالأم أحق بتمريضها في بيتها لما ~~ذكرناه في الغلام. وإن مرضت الأم، لم تمنع الجارية من عيادتها لما ذكرنا. # فصل: # وإن كان الولد بالغا رشيدا، فلا حضانة عليه. والخيرة إليه في الإقامة عند ~~من شاء منهما. وإن أراد الانفراد وهو رجل، فله ذلك؛ لأنه مستغن عن الحضانة. ~~ويستحب ألا ينفرد عنهما، ولا يقطع بره لهما، لقول الله تعالى: {وبالوالدين ~~إحسانا} [البقرة: 83] . وإن كانت جارية، فلأبيها منعها من الانفراد؛ لأنه ~~لا يؤمن عليها دخول المفسدين. # PageV03P247 # فصل: # وإن أراد أحد أبوي الطفل السفر، والآخر الإقامة، والطريق أو البلد الذي ~~يسافر إليه مخوف، أو كان السفر لحاجة ثم يعود، فالمقيم أحق بالولد؛ لأن في ~~السفر ضررا، وفي تكليفه السفر مع العود إتعاب له، ومشقة عليه. وإن كان ~~السفر لنقلة إلى بلد آمن بعيد في طريق آمن، فالأب أحق بالولد؛ لأن كونه مع ~~أبيه أحفظ لنسبه، وأحوط عليه، وأبلغ في تأديبه وتخريجه. وإن انتقلا جميعا، ~~فالأم على حقها من الحضانة. وإن كانت النقلة إلى مكان قريب، بحيث يمكن الأب ~~رؤيتهم كل يوم، فالأم على حضانتها؛ لأن مراعاة الأب له ممكنة. وإن كان أبعد ~~من ذلك، فظاهر كلام أحمد: انقطاع حق أمه من الحضانة، لعجز الأب عن مراعاة ~~ولده، فهو كالسفر البعيد. وقال القاضي: إن كان دون مسافة القصر، فالأم على ~~حضانتها؛ لأنه في حكم القريب. ### | باب نفقة المماليك # ويجب على الرجل نفقة مملوكه، مما لا غنى عنه، وكسوته، لما روى أبو هريرة ~~- رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «للمملوك طعامه ~~وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل ما ms1033 لا يطيق» متفق عليه. وتجب نفقته من ~~قوت بلده؛ لأنه المتعارف. والمستحب أن يطعمه مما يأكل، ويكسوه مما يلبس، ~~لما روى أبو ذر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إخوانكم خولكم ~~جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه ~~مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم، فأعينوهم عليه» متفق عليه. ~~وإن ولي طعامه، استحب له أن يطعمه منه، لما روى أبو هريرة قال: # PageV03P248 # قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا جاء أحدكم خادمه بطعامه، فإن ~~لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين، فإنه ولي دخانه ~~وحره» رواه البخاري. وهو مخير بين أن يجعل نفقته في كسبه، وبين أن ينفق ~~عليه من ماله، ويأخذ كسبه، أو يجعله برسم خدمته؛ لأن الكل خدمته. فإن جعل ~~نفقته في كسبه وكان وفق الكسب، فحسن. وإن كان في الكسب فضل، فهو لسيده. وإن ~~كان فيه عوز، فعلى سيده تمامه، ويستحب التسوية بين عبيده، وإمائه في النفقة ~~والكسوة، ويجوز له التفضيل. وإن كان في بعض إمائه من يعدها للتسري، فلا بأس ~~بزيادتها في الكسوة؛ لأن ذلك هو العادة. # فصل: # وعلى السيد إعفافه إذا طلب ذلك، فإن امتنع، أجبر على بيعه إذا طلب ذلك. ~~وإن طلبت الأمة التزويج وكان يستمتع بها، لم يجبر على تزويجها؛ لأنه ~~يكفيها، وعليه في تزويجها ضرر. وإن لم يستمتع بها، لزمه إجابتها، أو بيعها. ~~وإن كان لعبده زوجة، مكنه من الاستمتاع بها ليلا؛ لأنه إذنه في النكاح تضمن ~~إذنه في الاستمتاع. # فصل: # ولا يجوز أن يكلفه في العمل ما يغلبه، أو يشق عليه، للخبر. وإن سافر به، ~~أركبه عقبة، ولا يجبر العبد على المخارجة؛ لأنه معاوضة، فلم يجبر عليها، ~~كالكتابة. وإن طلب العبد ذلك، لم يجبر عليه المولى كذلك. وإن اتفقا عليها ~~وله الكسب، جاز، لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حجمه أبو طيبة، ~~فأعطاه أجره، وسأل مواليه أن يخففوا عنه من خراجه» . وإن لم يكن له ms1034 كسب، لم ~~يجز؛ لأنه لا يقدر على أن يدفع إليه من جهة # PageV03P249 # حل، فلم يجز. وإن مرض العبد، أو الأمة، أو زمنا، أو عميا، لزمه نفقتهما؛ ~~لأن نفقتهما بالملك وهو موجود. # فصل: # وليس له أن يسترضع الأمة لغير ولدها، إلا أن يكون فيها فضل عن ريه؛ لأن ~~فيه إضرارا بولدها، واللبن مخلوق له، فوجب أن يقدم فيه على غيره. # فصل: # ومن ملك بهيمة، لزمه القيام بعلفها، لما روي أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «عذبت امرأة في هرة ربطتها حتى ماتت جوعا فدخلت النار، ~~فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض» متفق عليه. ولا يجوز أن ~~يحمل عليها ما لا تطيق؛ لأنه إضرار بها، فمنع منه، كترك الإنفاق. ولا يحلب ~~منها، إلا ما فضل عن ولدها؛ لأنها غذاء للولد، فلم يملك منعه منه. فإن ~~امتنع من الإنفاق عليها، أجبر على بيعها. فإن أبى اكتريت، وأنفق عليها. فإن ~~أمكن وإلا بيعت. كما يزال ملكه عن زوجته إذا أعسر بنفقتها، بلغت القراءة ~~والحمد لله رب العالمين. # PageV03P250 ### | كتاب الجنايات # قتل الآدمي بغير حق محرم، وهو من الكبائر إذا كان عمدا، لقول الله تعالى: ~~{ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها} [النساء: 93] الآية. ويوجب ~~القصاص، لقول الله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة: 178] ~~الآية. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل له قتيل، فهو بخير ~~النظرين، إما أن يقتل، وإما أن يفدى» متفق عليه. # فصل: # والقتل على ثلاثة أضرب. عمد، وهو: أن يقصده بمحدد، أو ما يقتل غالبا، ~~فيقتله. # والثاني: الخطأ وهو: أن لا يقصد إصابته فيصيبه فيقتله، فلا قصاص فيه، ~~لقول الله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى ~~أهله} [النساء: 92] ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رفع عن أمتي ~~الخطأ والنسيان» ولأن القصاص عقوبة، فلا تجب بالخطأ، كالحد. # والثالث: خطأ العمد، وهو: أن يقصد إصابته بما لا يقتل غالبا فيقتله، فلا ~~قصاص فيه، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا ms1035 إن دية الخطأ شبه العمد ~~ما كان بالسوط والعصا مائة # PageV03P251 # من الإبل» . رواه أبو داود. ولأنه لم يقصد القتل، فلا تجب عقوبته، كما لا ~~يجب حد الزنا بوطء الشبهة. # فصل: # يشترط لوجوب القصاص أربعة شروط: أحدها: العمد، لما ذكرنا. # والثاني: كون القاتل مكلفا، فلا يجب على صبي، ولا مجنون، ولا نائم، لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، ~~وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» . ولأنه عقوبة مغلظة، فلم ~~تجب عليهم، كالحد. فإن وجب عليه القصاص، ثم جن، لم يسقط؛ لأنه حق لآدمي، ~~فلم يسقط بجنونه، كسائر الحقوق. # فصل: # الثالث: أن يكون المقتول مكافئا للقاتل، وهو أن يساويه في الدين والحرية. ~~أو الرق، فيقتل الحر المسلم بالحر المسلم، ذكرا كان أو أنثى، ويقتل العبد ~~المسلم، بالعبد المسلم، ذكرا كان أو أنثى، تساوت قيمتاهما، أو اختلفتا. ~~وعنه: لا يجري القصاص بين العبيد، إلا أن تتساوى قيمتهم؛ لأنه بدل مال، ~~فيعتبر فيه التساوي، كالقيمة، والأول: الصحيح، لقوله تعالى: {كتب عليكم ~~القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} [البقرة: 178] ~~ولأنه قصاص، فلا يعتبر فيه التساوي في القيمة، كالأحرار. وعن أحمد: أن ~~الرجل إذا قتل بالمرأة، يدفع إليه نصف ديته؛ لأن ديتها نصف ديته، والمذهب ~~خلاف هذا، لما روى عمرو بن حزم «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى ~~أهل اليمن: أن الرجل يقتل بالمرأة» . رواه النسائي. ولأنه قصاص واجب، فلم ~~يوجب رد شيء، كقتل الجماعة بالواحد. # ويقتل الحر الذمي بالحر الذمي. والعبد الذمي بمثله؛ لأنهم تساووا، ~~فأشبهوا المسلمين، ويقتل الذمي بالمسلم، والعبد بالحر، والأنثى بالذكر، ~~والمرتد بالذمي؛ لأنه إذا قتل بمثله، فبمن هو أعلى منه أولى. # PageV03P252 # فصل: # ولا يقتل مسلم بكافر، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ولا يقتل مسلم بكافر» رواه ~~النسائي. ووافقه على آخره البخاري. # ولا يقتل حر بعبد، لقول الله تعالى: {الحر بالحر والعبد بالعبد} [البقرة: ~~178] فيدل على أنه ms1036 لا يقتل به الحر. وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: ~~«من السنة ألا يقتل حر بعبد» ، وإن قتل ذمي حر عبدا مسلما، فعليه قيمته، ~~ويقتل لنقضه العهد. # فصل: # والاعتبار في التكافؤ بحالة الوجوب؛ لأنه عقوبة على جناية، فاعتبرت بحالة ~~الوجوب، كالحد. فلو قتل ذمي ذميا، ثم أسلم القاتل، أو جرح ذمي ذميا، ثم ~~أسلم الجارح، ومات المجروح، أو قتل عبد عبدا، أو جرحه، ثم عتق الجارح، ومات ~~المجروح، وجب القصاص؛ لأنهما متكافئان حال الجناية، ولأن القصاص قد وجب، ~~فلا يسقط بما طرأ، كما لو جن. # وإن جرح مسلم ذميا، أو حر عبدا، ثم أسلم المجروح، وعتق ومات، لم يجب ~~القصاص، لعدم التكافؤ حال الوجوب. وإن قطع مسلم أو ذمي يد مرتد، أو حربي، ~~ثم أسلم، ومات، فلا قود ولا دية؛ لأنه لم يجن على معصوم. وإن قطع مسلم يد ~~مسلم، فارتد المجروح ومات، فلا قصاص في النفس؛ لأنه حال الموت مباح الدم، ~~وفي اليد وجهان: # أحدهما: يجب القصاص فيها؛ لأن التكافؤ بينهما موجود في حال قطعها. # والثاني: لا قصاص فيها؛ لأننا تبينا أن قطعها، قبل، ولم يوجب القتل، فلا ~~يوجب غيره، ولأن الطرف تابع للنفس، فسقط تبعا لسقوط القصاص فيها. وإن جرح ~~مسلم مسلما، فارتد المجروح، ثم أسلم ومات، وجب القصاص، نص عليه؛ لأنهما ~~متكافئان حال الجناية والموت، أشبه ما لو لم يرتد. وذكر القاضي وجها آخر ~~أنه إن كان زمن الردة مما تسري فيه الجناية، فلا قصاص؛ لأن السراية في حال ~~الردة لا توجب، # PageV03P253 # فقد مات من جرح موجب، وسراية غير موجبة، فلا توجب، كما لو قتله بجرحين ~~خطأ وعمد. # فصل: # ولا قصاص على قاتل حربي، لقول الله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم} [التوبة: 5] ولا على قاتل مرتد كذلك، ولأنه مباح الدم، أشبه ~~الحربي. ولا على قاتل زان محصن كذلك. وسواء كان القاتل مسلما، أو ذميا، فإن ~~قتل من عرفه مرتدا، وكان قد أسلم ولا يعلم إسلامه ففيه وجهان: أحدهما: لا ~~قصاص عليه؛ لأنه لم يقصد قتل ms1037 معصوم، فلم يلزمه قصاص، كما لو قتل في دار ~~الحرب من يعتقده حربيا بعد أن أسلم. # والثاني: عليه القصاص؛ لأنه قتل مكافئا عدوانا عمدا، والظاهر أنه لا يخلى ~~في دار الإسلام إلا بعد إسلامه، بخلاف من في دار الحرب. وإن قتل من يعرفه ~~ذميا، أو عبدا، وكان قد أسلم، وعتق، فعليه القصاص؛ لأنه قصد قتل معصوم وهو ~~مكافئ له، فأشبه من علم حاله. # فصل: # الشرط الرابع: انتفاء الأبوة، فلا يقتل والد بولده وإن سفل، والأب والأم ~~في هذا سواء. وعنه: ما يدل على أن الأم تقتل بولدها، والمذهب: الأول لما ~~روى عمر بن الخطاب وابن عباس - رضي الله عنهم - أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «لا يقتل والد بولده» رواه ابن ماجه. ولأنها أحد ~~الوالدين، فأشبهت الأب، والجد والجدات من قبل الأب، ومن قبل الأم. وإن ~~علوا. يدخلون في عموم الخبر، ولأنه حكم يتعلق بالولادة، فاستوى فيه القريب ~~والبعيد، كالمحرمية. # فصل: # وإذا ادعى رجلان نسب لقيط، ثم قتلاه قبل لحوق نسبه بأحدهما، فلا قصاص ~~فيه؛ لأن كل واحد يجوز أن يكون أباه، ويجوز أن يكونا أبويه. وإن رجع أحدهما ~~عن الدعوة، أو ألحقته القافة بغيره. انقطع نسبه، وعليه القصاص؛ لأنه أجنبي. ~~وإن رجعا # PageV03P254 # جميعا عن الدعوة، لم يقبل رجوعهما؛ لأن النسب حق للولد، وقد ثبت ~~بإقرارهما، فلم يقبل رجوعهما عنه، كما لو أقرا له بمال، بخلاف ما لو رجع ~~أحدهما منفردا، فإن نسب الولد لا ينقطع برجوعه وحده. وإن اشترك اثنان في ~~وطء امرأة، فأتت بولد يمكن أن يكون منهما، فقتلاه قبل لحوقه بأحدهما، فلا ~~قصاص، ولو أنكر أحدهما النسب؛ لأن النسب لا ينقطع عنه بإنكاره، بخلاف التي ~~قبلها. وإن قتل زوجته، ولها منه ولد، لم يجب القصاص؛ لأنه إذا لم يجب عليه ~~بجنايته عليه، لم يجب بجنايته على غيره. وسواء كان لها ولد من غيره، أو لم ~~يكن؛ لأن القصاص لا يتبعض، فإذا سقط نصيب ولده، سقط باقيه، كما لو عفا أحد ~~الشريكين. وإن قتل خال ولده، ms1038 فورثته أمه، ثم ماتت فورثها الولد، سقط القصاص ~~كذلك. وإن اشترى المكاتب أباه، فقتل أبوه عبدا له، لم يجب القصاص كذلك. وإن ~~جنى المكاتب على أبيه، لم يجب القصاص؛ لأنه عبده، فلا يقتص له من سيده. # فصل: # ويقتل الولد بكل واحد من الأبوين، وعنه: لا يقتل؛ لأنه لا تقبل شهادته ~~له، لأجل النسب، أشبه الأب، والمذهب: الأول لظاهر الآية والأخبار والقياس، ~~وقياسه على الوالد ممتنع، لتأكد حرمة الوالد. # فصل: # إذا شارك الإنسان غيره في القتل، لم يخل من أربعة أقسام: # أحدها: أن يشترك جماعة في قتل من يكافئهم عمدا، فيجني كل واحد منهم ~~جناية، يضاف إليه القتل لو انفردت، فيجب القصاص على جميعهم. وعنه: لا يجب ~~على واحد منهم، لقول الله تعالى: {النفس بالنفس} [المائدة: 45] مفهومه أنه ~~لا يؤخذ به أكثر من نفس واحدة. والمذهب الأول، لما روى سعيد بن المسيب: أن ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلا واحدا. ~~وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء، لقتلتهم جميعا. ولم ينكره منكر، فكان ~~إجماعا. ولأنه لو لم يجب القصاص على جميعهم، جعل الاشتراك وسيلة إلى سفك ~~الدماء. # القسم الثاني: أن يقتلوه عمدا، أو بعضهم غير مكافئ، مثل أن يشترك اثنان ~~في قتل ولد أحدهما، أو حر وعبد، في قتل عبد، أو مسلم وذمي في قتل ذمي، ففيه ~~روايتان: # PageV03P255 # أظهرهما: أنه يجب القصاص على المكافئ؛ لأنه شارك في القتل العمد العدوان، ~~فوجب عليه القصاص، كشريك المكافئ. # والثانية: لا يجب؛ لأنه قتل تركب من موجب وغير موجب، فلا يوجب، كما لو ~~كان شريكه خاطئا. # القسم الثالث: أن يقتلا مكافئا وأحدهما عامد، والآخر خاطئ، ففيه روايتان: # أظهرهما: لا قصاص فيه؛ لأنه قتل لم يتمخض عمدا، فلم يوجب القصاص، كعمد ~~الخطأ، وكما لو قتله بجرحين عمد وخطأ. # والثانية: يجب القصاص على العامد؛ لأنه شارك في القتل عمدا عدوانا، فوجب ~~عليه القصاص كشريك العامد. والحكم في شريك الصبي والمجنون، كالحكم في شريك ~~الخاطئ؛ لأن عمدهما خطأ. # القسم الرابع: شارك سبعا، ms1039 أو إنسانا، في قتل نفسه، مثل أن يجرح رجلا عمدا ~~أو يجرح الرجل نفسه عمدا، ففيه وجهان: # أحدهما: يجب القصاص لذلك. # والآخر: لا يجب القصاص؛ لأنه إذا لم يجب على شريك الخاطئ وجنايته مضمونة، ~~فهاهنا أولى. وإن جرحه فتداوى بسم غير موح، إلا أنه يقتل غالبا، أو خاط لحم ~~جرحه في لحم حي، أو خاف التآكل، فقطعه فمات، أو فعل هذا وليه، ففيه وجهان: # أحدهما: الحكم في شريكه، كالحكم فيما لو جرح نفسه عمدا؛ لأنه عمد هذا ~~الفعل. # والثاني: أنه كشريك الخاطئ؛ لأنه لم يقصد الجناية على نفسه، إنما قصد ~~المداواة، فكان فعله عمدا خطأ، فلم يجب القصاص على شريكه. # فصل: # وإن جرح رجلا جرحا، وجرح آخر مائة، فهما سواء؛ لأنه قد يموت من الواحد، ~~ولا يموت من المائة، ولا يمكن إضافة القتل إلى أحدهما بعينه، ولا الإسقاط، ~~فوجب على الجميع. وإن قطع أحدهما من الكوع، والآخر من المرفق، فهما سواء؛ ~~لأنهما جرحان، حصل الزهوق عقيبهما، فأشبه ما لو كانا في يدين. وإن قطع ~~أحدهما يده، ثم ذبحه الآخر، أو شق بطنه وأبان حشوته، فعلى الأول ما على ~~قاطع اليد منفردة. # PageV03P256 # والثاني: هو القاتل؛ لأنه قطع سراية القطع، فصار، كما لو اندمل القطع، ثم ~~قتله. وإن كان قطع اليد آخر فالأول القاتل، ولا ضمان على قاطع اليد؛ لأنه ~~صار في حكم الميت، إنما يتحرك حركة المذبوح، ولا حكم لكلامه في وصيته، ولا ~~غيرها. وإن أجافه جائفة، يتحقق الموت منها، إلا أن الحياة فيه مستقرة، ثم ~~ذبحه آخر، فالقاتل هو الثاني؛ لأن حكم الحياة باق، ولهذا أوصى عمر - رضي ~~الله عنه - بعدما سقي اللبن فخرج من جرحه، وأيس منه فعمل بوصيته، فأشبه ~~المريض المأيوس منه. وإن ألقى رجلا من شاهق، فتلقاه آخر بسيف، فقده قبل ~~وقوعه، فالقصاص على من قده؛ لأنه مباشر للإتلاف، فانقطع حكم المتسبب، ~~كالحافر مع الدافع. ### | باب جنايات العمد الموجبة للقصاص # وهي تسعة أقسام: أحدها: أن يجرحه بمحدد يقطع اللحم والجلد، كالسيف، ~~والسكين، والسنان، والقدوم، وما حدد من ms1040 حجر، أو خشب، أو قصب، أو زجاج، أو ~~غيره، أو بما له مور وغور، كالمسلة والسهم، والقصبة المحددة، فيموت به فهذا ~~موجب للقصاص إجماعا. وإن غرزه بإبرة في مقتل، كالصدر، والفؤاد، والخاصرة، ~~والعين، وأصل الأذن فمات، وجب القود؛ لأن هذا في المقتل، كغيره في غيره. ~~وإن غرزه في غير مقتل، كالألية والفخذ، فبقي منه ضمانا، حتى مات، وجب ~~القود؛ لأن الظاهر موته به. وإن مات في الحال، ففيه وجهان: # أحدهما: لا قود فيه؛ لأنه لا يقتل غالبا أشبه ما لو ضربه بعصاة. # والثاني: فيه القود؛ لأن له مورا وسراية في البدن. وفي البدن مقاتل خفية، ~~أشبه ما لو غرزه في مقتل. # فصل: # القسم الثاني: ضربه بمثقل كبير، يقتل مثله غالبا، سواء كان من حديد أو ~~خشب أو حجر، أو ألقى عليه حائطا، أو حجرا كبيرا، أو رض رأسه بحجر، فعليه ~~القود، لما روى أنس: «أن يهوديا قتل جارية، على أوضاح لها بحجر، فقتله رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بين حجرين» ، متفق عليه وفي مسلم: «فأقاده» ~~ولأنه يقتل غالبا، أشبه المحدد. وإن ضربه بقلم، أو إصبع، أو شبههما، أو مسه ~~بكبير مسا، فلا قود فيه؛ لأنه لم يقتله. وإن كان مما لا يحتمل الموت به، ~~كالعصا والوكزة بيده، فكان في مقتل، أو مرض أو صغر، أو شدة برد، أو حر أو ~~وإلى الضرب به، أو عصر خصيتيه عصرا شديدا، بحيث يقتل # PageV03P257 # غالبا، ففيه القود؛ لأنه يقتل غالبا، أشبه الكبير. وقد وكز موسى - عليه ~~السلام - القبطي، فقضى عليه. وإن لم يكن مثله يقتل غالبا، فهو عمد الخطأ، ~~لا قود فيه، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إلا أن دية القتل شبه ~~العمد ما كان بالسوط والعصا، مائة من الإبل» . رواه أبو داود. # فصل: # القسم الثالث: منع خروج نفسه، إما بخنقه بحبل أو غيره، أو غمه بمخدة، أو ~~وضع يده على فيه مدة يموت فيها غالبا، ونحو هذا، ففيه القود؛ لأنه يقتل ~~غالبا، وإن خلاه حيا متألما فمات، فعليه القود؛ لأنه ms1041 مات من سراية جنايته، ~~أشبه الميت من الجرح. وإن صح منه ثم مات، لم يضمنه؛ لأنه لم يقتله، أشبه ما ~~لو برئ الجرح ثم مات. وإن كان ما فعله به، لا يموت منه غالبا، فمات، فهو ~~عمد الخطأ. # فصل: # القسم الرابع: إلقاؤه في مهلكة، كالنار، والماء الكثير الذي لا يمكنه ~~التخلص منه، لكثرته، أو ضعف الملقى أو ربطه، ونحو ذلك، أو في بئر ذات نفس، ~~أو ألقاه من شاهق، يقتل غالبا، ففيه القود؛ لأنه يقتل غالبا. وإن كان لا ~~يقتل غالبا، أو التخلص منه ممكن، فلا قود فيه؛ لأنه عمد الخطأ، وإن التقمه ~~في الماء القليل حوت، فلا قود فيه كذلك، وإن ألقاه في لجة لا يمكنه التخلص ~~منها، فالتقمه الحوت فيها، أو قبل وصوله إليها، ففيه وجهان: # أحدهما: فيه القود؛ لأنه ألقاه في مهلكة، فهلك، أشبه ما لو هلك بها. # والثاني: لا قود؛ لأنه هلك بغير ما قصد إهلاكه به، أشبه الذي قبله. # فصل: # القسم الخامس: أن ينهشه حية، أو سبعا قاتلا، أو يجمع بينه وبين أسد، أو ~~نمر، أو حية، في موضع ضيق، أو ألقاه مكتوفا بين يدي أسد أو نحوه مما يقتل ~~غالبا، ففعل به السبع فعلا، لو فعله الملقي أوجب القود، ففيه القود؛ لأن ~~فعل السبع كفعله؛ لأنه صار آلة له، والحيات كلها سواء في أحد الوجهين؛ ~~لأنها جنس يقتل سمه غالبا، وفي الآخر إن كانت الحية مما لا يقتل سمها غالبا ~~كحية الماء، وثعبان الحجاز، فلا قود فيها؛ لأن هذا لا يقتل غالبا، أشبه ~~الضرب بمثقل صغير. وإن ألقاه مكتوفا في أرض مسبعة، أو ذات حيات فقتلته، فلا ~~قود فيه؛ لأنه مما لا يقتل غالبا، فكان عمد الخطأ. # PageV03P258 # وقال القاضي: حكمه حكم الممسك للقتل على ما سنذكره؛ لأنه أمسكه بربطه حتى ~~قتلته. # فصل: # القسم السادس: سقاه سما مكرها، أو خلطه بطعامه، أو بطعام قدمه إليه، أو ~~أهداه إليه، فأكله غير عالم بحاله، ففيه القود، لما روي «أن يهودية أهدت ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ms1042 - بخيبر شاة مصلية، فأكل منها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ثم قال: ارفعوها، فإنها قد أخبرتني أنها ~~مسمومة فأرسل إلى اليهودية فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقالت: إن كنت نبيا، ~~لم يضرك، وإن كنت ملكا، أرحت الناس منك. فأكل منها بشر بن البراء بن معرور، ~~فمات، فأرسل إليها فقتلها» ، رواه أبو داود. ولأنه يقتل غالبا، أشبه القتل ~~بالسلاح. وإن خلطه بطعام، وتركه في بيت نفسه، فدخل رجل فأكل فمات، فلا قود؛ ~~لأنه عمد قتل نفسه، فأشبه ما لو قدم إليه سكينا، فقتل بها نفسه، وإن ادعى ~~ساقي السم أنه لم يعلم أنه يقتل، ففيه وجهان: # أحدهما: عليه القود؛ لأن السم يقتل غالبا. # والثاني: لا قود فيه؛ لأنه يجوز خفاء ذلك عليه، فتكون شبهة يسقط بها ~~القود. # فصل: # القسم السابع: قتله بسحر يقتل غالبا، ففيه القود؛ لأنه يقتل غالبا، أشبه ~~السكين. وإن كان مما لا يقتل غالبا، فهو خطأ العمد. وإن ادعى الجهل بكونه ~~يقتل غالبا، وكان مما يجوز خفاؤه عليه فيه، فلا قود عليه؛ لأنه يخل بمتحض ~~العمد. # فصل: # القسم الثامن: حبسه ومنعه الطعام والشراب مدة يموت في مثلها غالبا، فمات، ~~ففيه القود؛ لأنه يقتل غالبا، وإن كانت المدة لا يموت فيها غالبا، فهو شبه ~~عمد. وإن حبسه على ساحل بحر في مكان يزيد عليه الماء غالبا زيادة تقتله، ~~فمات منه، ففيه القود؛ لأنه يقتل غالبا. وإن كانت الزيادة غير معلومة، فهو ~~شبه عمد. وإن أمسكه لرجل ليقتله فقتله، ففيه روايتان: # إحداهما: عليه القصاص؛ لأنه تسبب إلى قتله بما يقتل غالبا، فأشبه شهود ~~القصاص إذا رجعوا. # PageV03P259 # والثانية: لا قصاص، لكن يحبس حتى يموت لما روى ابن عمر: أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «إذا أمسك الرجل، الرجل، وقتله الآخر، يقتل الذي ~~قتل، ويحبس الذي أمسك» . أخرجه الدارقطني. ولأنه حبسه إلى الموت، فيفعل به ~~مثل فعله. وسواء حبسه بيديه، أو بجناية عليه، أو غير ذلك. وإن أمسكه لغير ~~القتل فقتل، فلا ضمان على الممسك؛ لأنه لم يقتله، ms1043 ولا قصد قتله. # فصل: # القسم التاسع: أن يتسبب إلى قتله بما يفضي إليه غالبا، أربعة أنواع: # أحدها: أن يكره غيره على قتله، فيجب القصاص على المكره، والمكره جميعا؛ ~~لأن المكره تسبب إلى قتله بما يفضي إليه غالبا، أشبه ما لو أنهشه حية، أو ~~أسدا، أو رماه بسهم. والمكره قتله ظلما، لاستبقاء نفسه، فلزمه القصاص، كما ~~لو قتله في المجاعة ليأكله. # النوع الثاني: أن يأمر من لا يميز من المجانين والصبيان، أو عبدا أعجميا ~~لا يعلم تحريم القتل بقتله، فيقتله، فعلى الآمر القصاص، دون المأمور؛ لأن ~~المأمور صار كالآلة له، فأشبه الأسد والحية. وإن كان المأمور مميزا فلا قود ~~على الآمر؛ لأن المأمور له قصد صحيح فأشبه ما لو كان رجلا عاقلا. فإن كان ~~العبد يعلم تحريم القتل، فالقصاص عليه؛ لأنه مباشر للقتل، مختار، عالم ~~بتحريمه، فأشبه الحر، ويؤدب السيد، لتسببه إليه. وإن أمر السلطان رجلا بقتل ~~رجل بغير حق، ولم يعلم الحال، فقتله، فالقصاص على الآمر؛ لأن المأمور معذور ~~في قتله، لكونه مأمورا بطاعة السلطان في غير المعصية، والظاهر أنه لا يأمر ~~إلا بحق. وإن علم أنه مظلوم فالقصاص عليه وحده؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» من ((المسند)) . فصار ~~كالقاتل من غير أمر. وإن أمره غير السلطان بالقتل، فقتل، فالقصاص على ~~القاتل وحده، علم أو جهل؛ لأنه لا تلزمه طاعته. # النوع الثالث: أن يشهد رجلان على رجل بما يوجب القتل، فقتل بغير حق، ثم ~~رجعا عن الشهادة، وأقرا أنهما فعلا ذلك ليقتل، فعليهما القود، لما روى ~~القاسم بن عبد الرحمن: أن رجلين شهدا عند علي - رضي الله عنه - على رجل، ~~أنه سرق، فقطعه، ثم رجعا عن الشهادة، فقال: لو أعلم أنكما تعمدتما، لقطعت ~~أيديكما، وغرمهما دية يده. ولأنهما قتلاه بسبب يقتل غالبا، أشبه المكره. # PageV03P260 # الرابع: الحاكم إذا حكم عليه بما يوجب قتله ظلما متعمدا، فقتل، فعليه ~~القصاص لذلك، وكذلك الولي الذي أمر بقتله، إذا أقر أنه علم براءته وأمر ~~بقتله ظلما. ### | باب ms1044 القصاص فيما دون النفس # يجب القصاص فيما دون النفس بالإجماع لقول الله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها ~~أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن ~~والجروح قصاص} [المائدة: 45] . وروى أنس أن «الربيع بنت النضر كسرت ثنية ~~جارية، فعرضوا عليهم الأرش، فأبوا إلا القصاص، فجاء أخوها أنس بن النضر ~~فقال: يا رسول الله. تكسر ثنية الربيع؟ والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها. ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: كتاب الله القصاص. فعفا القوم، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» ~~أخرجه البخاري ومسلم ولأن ما دون النفس، كالنفس في الحاجة إلى الحفظ، فكان، ~~كالنفس في القصاص. # فصل: # ومن لا يقاد بغيره في النفس، لا يقاد به فيما دونها بغير خلاف، ومن يقاد ~~به في النفس يقاد به فيما دونها. وعنه: لا قصاص بين العبيد في الأطراف؛ ~~لأنها أموال. والمذهب: الأول لأن ما دون النفس كالنفس في وجوب القصاص، فكان ~~كالنفس فيما ذكرنا. # فصل: # وإن اشترك جماعة في إبانة عضو دفعة واحدة، مثل أن يتحاملوا على الحديدة ~~تحاملا واحدا حتى يبينوا يده، فعلى جميعهم القصاص، لحديث علي - رضي الله ~~عنه -، ولأنه أحد نوعي القصاص، فيؤخذ فيه الجماعة بالواحد، كالنفس. وإن ~~تفرقت جناياتهم، بأن قطع كل واحد من جانب، أو قطع واحد، وأتمه آخر، أو قطعا ~~بمنشار يمده كل واحد مرة، فلا قصاص؛ لأن فعل كل واحد في بعض العضو، فلم يجز ~~أخذ جميع عضوه، كما لو لم يقطع الآخر. وعنه: لا يؤخذ طرف الجماعة بواحد، ~~كما ذكرنا في النفوس ولأن ذلك مما يجب في النفوس للزجر كي لا يتخذ الاشتراك ~~وسيلة إلى # PageV03P261 # إسقاط القصاص، ولا يوجد ذلك في الأطراف، لندرة الحالة التي يمكن إيجاب ~~القصاص بها. # فصل: # والقصاص فيما دون النفس نوعان: جروح، وأطراف. فأما الجروح: فيجب القصاص ~~في كل جرح ينتهي إلى عظم. سواء كان موضحة في رأس، أو وجه، أو ساعد، أو عضد، ~~أو فخذ، أو ساق، أو ضلع، ms1045 أو غيره، لقول الله تعالى: {والجروح قصاص} ~~[المائدة: 45] ولأنه أمكن الاقتصاص من غير حيف، فوجب كما في الطرف. وما لا ~~ينتهي إلى عظم، كالجائفة، وما دون الموضحة من الشجاج، أو كانت الجناية على ~~عظم، ككسر الساعد، والعضد، والهاشمة، والمنقلة، والمأمومة، لم يجب القصاص؛ ~~لأن المماثلة غير ممكنة، ولا يؤمن أن يستوفى أكثر من الحق، فسقط، إلا إذا ~~كانت الشجة فوق الموضحة، فله أن يقتص موضحة؛ لأنها بعض جنايته، وقد أمكن ~~القصاص، فوجب، كما لو كانت جناية في محلين. وفي وجوب الأرش الباقي وجهان: # أحدهما: يجب، وهو قول ابن حامد؛ لأنه تعذر فيه القصاص فوجب الأرش، كما لو ~~تعذر في جميعها. # والثاني: لا يجب. وهو اختيار أبي بكر؛ لأنه جرح واحد، فلا يجمع فيه بين ~~قصاص وأرش. كالشلاء بالصحيحة. # فصل: # ويجب في الموضحة، قدرها طولا وعرضا، لقول الله تعالى: {والجروح قصاص} ~~[المائدة: 45] والقصاص: المماثلة. ولا يمكن في الموضحة إلا بالمساحة، فإن ~~كانت في الرأس، حلق موضعها من رأس الجانب، وعلم القدر المستحق بسواد، أو ~~غيره، ثم اقتص. فإن كانت في مقدم الرأس، أو مؤخره، أو وسطه، فأمكن أن ~~يستوفي قدرها من موضعها، لم يجز غيره. وإن زاد قدرها على موضعها من رأس ~~الجاني. استوفي بقدرها وإن جاوز الموضع الذي شجه في مثله؛ لأن الجميع رأس. ~~وإن زاد قدرها على رأس الجاني كله، لم يجز أن ينزل إلى الوجه، ولا القفا؛ ~~لأنه قصاص في غير العضو المجني عليه، فيقتص في رأس الجاني كله. وهل له ~~الأرش لما بقي؟ على وجهين، كما تقدم. وإن كانت الموضحة في الساعد، وزاد ~~قدرها على ساعد الجاني، لم ينزل إلى الكف، ولم يصعد إلى العضد. وإن كانت في ~~الساق، لم ينزل إلى القدم، ولم # PageV03P262 # يصعد إلى الفخذ، كما ذكرنا في الرأس. وإن أوضح جميع رأسه ورأس الجاني ~~أكبر، فللمجني عليه أن يبتدئ بالقصاص من أي جانب شاء من رأس الجاني؛ لأن ~~الجميع محل الجناية. وله أن يستوفي بعض حقه من مقدم الرأس، وبعضه من مؤخره، ~~إلا أن ms1046 يكون في ذلك زيادة ضرر أو شين، فيمنع لذلك؛ لأنه لم يجاوز موضع ~~الجناية، ولا قدرها، ويحتمل أن لا يجوز؛ لأنه يأخذ موضحتين بموضحة. وإن ~~أوضحه موضحتين، قدرهما جميع رأس الجاني، فللمجني عليه الخيار، بين أن يوضحه ~~في جميع رأسه موضحة واحدة، وبين أن يوضحه موضحتين يقتص فيهما على قدر ~~الواجب له، ولا أرش له في الباقي وجها واحدا؛ لأنه يترك الاستيفاء مع ~~إمكانه. # فصل: # النوع الثاني: الأطراف. ويجب القصاص فيها، إذا كان القطع ينتهي إلى عظم، ~~فتقلع العين بالعين، لقول الله تعالى: {والعين بالعين} [المائدة: 45] . ~~ولأنه يمكن القصاص فيها؛ لانتهائها إلى مفصل، فوجب، كالموضحة. وتؤخذ عين ~~الشاب الصحيحة الحسناء بعين الشيخ المريضة الرمصاء، كما يؤخذ الشاب الصحيح ~~الجميل بالشيخ المريض. ولا تؤخذ صحيحة بقائمة؛ لأنه يأخذ أكثر من حقه. ~~ويجوز أن يأخذ القائمة بالصحيحة؛ لأنها دون حقه، كالشلاء بالصحيحة. ولا أرش ~~له معها؛ لأن التفاوت في الصفة. وإن جنى على رأسه بلطمة، فأذهب ضوء عينيه، ~~وجب القصاص؛ لأن الضوء لا يمكن مباشرته بالجناية، فوجب القصاص فيه ~~بالسراية، كالنفس، فإن كانت اللطمة لا تفضي إلى تلف العين غالبا، فلا قصاص ~~فيه؛ لأنه شبه عمد، أشبه ما لو قتله. # فصل: # وإن قلع الأعور عين مثله عمدا ففيه القصاص، لتساويهما. وإن قلع عين صحيح، ~~فلا قصاص عليه. وعليه دية كاملة؛ لأن ذلك يروى عن عمر وعثمان - رضي الله ~~عنهما - ولأنه لم يذهب بجميع بصره، فلم يجز أن يذهب بجميع بصره، كما لو كان ~~ذا عينين. ويجب جميع الدية؛ لأنه لما درئ عنه القصاص لفضيلته، ضوعفت الدية ~~عليه، كالمسلم إذا قتل الذمي عمدا. وإن قلع عيني صحيح، خير بين قلع عينه، ~~ولا شيء له سواه؛ لأنه أخذ جميع بصره لجميعه، وبين دية عينيه؛ لأن القصاص ~~لم يتعذر. وإن قلع صحيح عين الأعور فله الاقتصاص من مثلها، ويأخذ نصف ~~الدية. نص عليه؛ لأن عينه كعينين، لاشتمالها على جميع البصر، وقيامها مقام ~~العينين. # PageV03P263 # فصل: # ويؤخذ الجفن بالجفن، لقوله سبحانه: {والجروح قصاص} [المائدة: 45] . ولأنه ~~ينتهي إلى ms1047 مفصل، ويؤخذ جفن كل واحد من الضرير والبصير بالآخر؛ لأنهما ~~متساويان في السلامة، والنقص، وعدم البصر نقص في غيره، فلم يمنع جريان ~~القصاص فيه. # فصل: # ويؤخذ الأنف بالأنف لقول الله تعالى: {والأنف بالأنف} [المائدة: 45] . ~~ولا يجب القصاص إلا في المارن، وهو ما لان منه؛ لأنه ينتهي إلى مفصل. ويؤخذ ~~الشام بالأخشم، والأخشم بالشام، لتساويهما في السلامة، وعدم الشم نقص في ~~غيره، ويؤخذ البعض بالبعض. فيقدر ما قطعه بالأجزاء، كالنصف والثلث. ثم يقتص ~~من مارن الجاني بمثله، ولا يؤخذ بالمساحة؛ لأنه يفضي إلى أخذ جميع أنف ~~الجاني ببعض أنف المجني عليه، ويؤخذ المنخر بالمنخر، والحاجز بين المنخرين ~~بالحاجز، ولا يؤخذ مارن صحيح، بمارن سقط بعضه أو انخرم؛ لأنه يأخذ أكثر من ~~حقه. ولا يؤخذ صحيح بمستحشف كذلك، ويحتمل أن يؤخذ؛ لأنه يقوم مقام الصحيح، ~~ويؤخذ الذي سقط بعضه بالصحيح، وفي الأرش في الباقي وجهان. ويؤخذ المستحشف ~~بالصحيح من غير أرش؛ لأنه نقص معنى، فهو كالشلل. # فصل: # وتؤخذ الأذن بالأذن، لقوله سبحانه: {والأذن بالأذن} [المائدة: 45] . ~~ولأنها تنتهي إلى حد فاصل. وتؤخذ أذن السميع. بأذن الأصم، وأذن الأصم، بأذن ~~السميع، كما ذكرنا في الأنف، والمثقوبة للزينة كالصحيحة؛ لأن الثقب ليس ~~بنقص، ويؤخذ البعض بالبعض. ولا تؤخذ صحيحة بمخرومة، وتؤخذ المخرومة ~~بالصحيحة. وفي الأرش للباقي وجهان. # وتؤخذ المستحشفة بالصحيحة، وفي أخذ الصحيحة بالمستحشفة وجهان، كما ذكرنا ~~في الأنف. وإن شق أذنه فألصقها صاحبها، فالتصقت، فلا قصاص، لتعذر المماثلة. ~~وإن قطعها فأبانها، فألصقها صاحبها فالتصقت، فقال القاضي: له القصاص؛ لأنه ~~وجب بالقطع، فلم يسقط بالإلصاق. وقال أبو بكر: لا قصاص فيها؛ لأنا لم تبن ~~على الدوام أشبه الشق، وله أرش الجرح. فإن سقطت بعد ذلك، قريبا أو بعيدا، ~~رد الأرش، وله القصاص. وإن اقتص من الجاني، فقطع أذنه، فألصقها فالتصقت برئ ~~من حقه؛ لأن الاستيفاء، حصل بالإبانة. وإن لم يبنها قطع بعضها فالتصقت، فله ~~قطع جميعها، # PageV03P264 # لأنه استحق إبانته ولم يفعل، والحكم في السن، كالحكم في الأذن، فيما ~~ذكرنا. # فصل في السن بالسن: وتؤخذ السن ms1048 بالسن، لقوله تعالى: {والسن بالسن} ~~[المائدة: 45] ولحديث الربيع، ولأنه محدود في نفسه يمكن القصاص فيه، فوجب ~~كالأذن، ولا تؤخذ صحيحة بمكسورة، وتؤخذ المكسورة بالصحيحة. وفي الأرش ~~للباقي وجهان. وإن كسر بعض السن، برد من سن الجاني مثله، يقدر بالأجزاء، ~~إلا أن يتوهم انقلاعها أو سوادها، فيسقط القصاص؛ لأن توهم الزيادة، يسقط ~~القصاص. كقطع اليد من غير مفصل. ولا يقتص الحال، كالشعر، وإن مات قبل اليأس ~~من عودها، فلا قصاص، لعدم تحقق الإتلاف، فلا يجوز استيفاؤه مع الشك. فإن لم ~~تعد، ويئس من عودها، وجب القصاص؛ لأن ذلك حصل بالجناية، وإن يئس من عودها ~~فاقتص، أو اقتص من سن كبير، فنبت له مكانها، فعليه دية سن الجاني؛ لأنه قلع ~~سنا بغير سن، فإن نبتت سن الجاني أيضا، أو قلع النابتة للمجني عليه، فلا ~~شيء لواحد منهما. وإن نبتت سن الجاني دون المجني عليه، فله قلعها؛ لأنه ~~أعدم سنه على الدوام، فملك أن يفعل به ذلك، ويحتمل ألا يملكه؛ لأنه قلعت له ~~سن، فلا يملك قلع سنين. # فصل: # وتؤخذ الشفة بالشفة، وهي: ما جاوز حد الذقن والخدين علوا وسفلا، لقوله ~~تعالى: {والجروح قصاص} [المائدة: 45] . ولأنها تنتهي إلى حد معلوم يمكن ~~القصاص فيه، فوجب كالأنف. ويؤخذ البعض بالبعض، يقدر بالأجزاء، كبعض المارن. # فصل: # ويؤخذ اللسان باللسان، للآية، والمعنى، وبعضه ببعضه، لما ذكرنا. ولا يؤخذ ~~أخرس بناطق؛ لأنه أكثر من حقه. ويؤخذ الأخرس بالناطق؛ لأنه دون حقه، ولا ~~أرش معه؛ لأن التفاوت في المعنى، لا في الأجزاء. ويؤخذ لسان الفصيح بلسان ~~الألثغ، ولسان الصغير، كما يؤخذ الكبير الصحيح بالطفل المريض. # فصل: # وتؤخذ اليد باليد، والرجل بالرجل، وكل إصبع بمثلها، وكل أنملة بمثلها، ~~للآية، والمعنى. فإن قطع يده من الكوع، أو المرفق، فله أن يقتص من موضع ~~القطع. وليس # PageV03P265 # له أن يقتص من دونه؛ لأنه أمكنه استيفاء حقه من موضعه، فلم يجز أن يستوفي ~~من غيره. وإن قطعت يده من العضد، أو الساعد، لم يجز الاقتصاص من موضع ~~القطع، بغير خلاف؛ لأنه لا يأمن الزيادة. ms1049 وهل له أن يقتص من مفصل دونه؟ فيه ~~وجهان: # أحدهما: ليس له ذلك، اختاره أبو بكر، لما روى نمران بن جارية عن أبيه: ~~«أن رجلا ضرب رجلا على ساعده بالسيف، فقطعها من غير مفصل، فاستدعى عليه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر له بالدية، فقال: إني أريد القصاص: قال: ~~خذ الدية بارك الله لك فيها ولم يقض له بالقصاص» . رواه ابن ماجه، ولأنه ~~يقتص من غير محل الجناية، فلم يجز. كما لو أمكن القصاص من محل الجناية. # والثاني: له أن يقتص، اختاره بعض أصحابنا. فإذا قطعت من الساعد، فله أن ~~يقتص من الكوع. وإن قطعت من العضد، فله أن يقتص من المرفق؛ لأنه عجز عن ~~استيفاء حقه، وأمكنه أخذ دونه، فجاز، كما لو جرحه مأمومة، فأراد أن يقتص ~~موضحة. وفي أخذ الحكومة للباقي وجهان. وإذا قطعت يده من العضد، لم يملك أن ~~يقطع من الكوع؛ لأنه أمكنه استيفاء الذراع قصاصا، فلم يكن له قطع ما دونه، ~~كما لو قطع من المرفق. وإن قطعها من الكتف، فقال أهل الخبرة. يمكن الاقتصاص ~~من غير جائفة، فله ذلك؛ لأنه مفصل، وليس له أن يقتص مما دونه، وإن قالوا: ~~نخاف الجائفة، فلا قصاص منها؛ لأنها يخاف الزيادة. وفي الاقتصاص من المرفق ~~وجهان. وحكم الرجل في القصاص من مفاصلها، من القدم والركبة والورك حكم ~~اليد، سواء على ما بينا. # فصل: # ولا تؤخذ صحيحة بشلاء؛ لأنها فوق حقه، فأما الشلاء بالصحيحة، أو بالشلاء، ~~فإن قال أهل الخبرة: لا يخاف عليه، اقتص؛ لأنه يأخذ حقه، أو دونه ولا أرش ~~بالشلل؛ لأن الشلاء كالصحيحة في الخلقة، وإنما نقصت في الصفة، فأشبه الذمي ~~مع المسلم، وإن قالوا: إن قطعت، خيف ألا تنسد العروق، ويدخل الهواء البدن ~~فيفسد، لم يجز أن يقتص، لخوف الزيادة. # فصل: # ولا تؤخذ كاملة بناقصة. فلا تؤخذ ذات أظفار بما لا أظفار لها. ولا ذات ~~خمس أصابع، بذات أربع. ولا بذات خمس بعضها أشل؛ لأنه أكثر من حقه. وهل له ~~أن يقطع # PageV03P266 # من أصابع الجاني بقدر ms1050 أصابعه؟ على الوجهين. فإن قلنا: له قطعها. فهل يدخل ~~أرش ما تحت الأصابع من الكف في القصاص؟ فيه وجهان: # أحدهما: تدخل، كما تدخل في ديتها. # والثاني: لا تدخل؛ لأنه جزء يستحق إتلافه، تعذر عليه أخذه فوجب أرشه، ~~كالمنفرد. فإن كانت الزائدة من أصابع الجاني زائدة في الخلقة، لم تمنع ~~القصاص عند ابن حامد؛ لأنها عيب ونقص في المعنى، فلم يمنع وجودها أخذها ~~بالكاملة، كالسلعة فيها. واختار القاضي: أنها تمنع؛ لأنها زيادة في ~~الأصابع، أشبهت الأصلية. فإن قطع ناقص الأصابع يدا كاملة، وجب القصاص؛ لأنه ~~يأخذ دون حقه. وفي وجوب الدية للأصابع الزائدة وجهان. # فصل: # وإن قطع ذو يد كاملة، كفا فيها أربع أصابع أصلية، وإصبع زائدة، لم يجب ~~القصاص؛ لأنه يأخذ أكثر من حقه، وفي جواز الاقتصاص من أصابعه الأصلية ~~وجهان. فإن اقتص منها. فهل له حكومة في الزيادة؟ على وجهين لما تقدم. وإن ~~قطع من له أربع أصابع أصلية، وإصبع زائدة، كفا كاملة الأصابع، ملك القصاص، ~~ولا أرش له، لنقصان الزائدة؛ لأنها كالأصلية في الخلقة، وإنما هي ناقصة في ~~المعنى. وإن كان في يد كل واحد منهما إصبع زائدة، أخذت إحداهما بالأخرى، ~~لتساويهما، وإذا قطع إصبعا فتآكلت إلى جانبها أخرى، وسقطت من مفصل، أو تآكل ~~الكف، وسقط من الكوع، وجب القصاص في الجميع؛ لأنه تلف بسراية قطع مضمون ~~بالقصاص، فوجب فيه القصاص، كالنفس، وإن شلت إلى جانبها أخرى، لم يجب القصاص ~~في الشلاء؛ لأنها لو شلت بجنايته مباشرة، لم يجب القصاص، فهاهنا أولى. # فصل: # وتؤخذ الأليتان بالأليتين، لقوله سبحانه: {والجروح قصاص} [المائدة: 45] ~~ولأنهما ينتهيان إلى حد فاصل، فوجب فيهما القصاص، كالشفتين. # فصل: # وتؤخذ الذكر بالذكر كذلك، ويؤخذ بعضه ببعضه، لما ذكرنا في الأنف، ويؤخذ ~~كل واحد من الأقلف والمختون بمثله؛ لأن زيادة أحدهما على الآخر بجلدة تستحق # PageV03P267 # إزالتها. ولا يؤخذ صحيح بأشل؛ لأن الأشل ناقص، فلم يؤخذ به كامل، كاليد. ~~ولا يؤخذ ذكر الفحل، بذكر الخصي؛ لأنه ناقص، لعدم الإنزال، والإيلاد، ولا ~~بذكر خنثى؛ لأنه لا يعلم أنه ذكر. ms1051 وفي أخذ الصحيح بذكر العنين. وجهان: # أحدهما: لا يؤخذ به، لنقصه. # والثاني: يؤخذ به؛ لأنه غير مأيوس منه، أشبه المريض. # فصل: # وتؤخذ الأنثيين بالأنثيين، للآية والمعنى. فإن قطع إحداهما، وقال أهل ~~الخبرة: يمكن أخذها من غير تلف الأخرى، اقتص منه. وإن قالوا: يخاف تلف ~~الأخرى، لم يقتص منه، لتوهم الزيادة. # فصل: # ولا قصاص في شفري المرأة عند القاضي؛ لأنه لحم لا مفصل له ينتهي إليه، ~~فلم يقتص منه، كلحم الفخذ. وقال أبو الخطاب: فيهما القصاص؛ لأنه يعرف ~~انتهاؤهما، فجرى فيهما القصاص، كالشفتين، وأجفان العينين. # فصل: # وإن قطع ذكر خنثى مشكل، وأنثييه وشفريه، فلا قصاص له حتى يتبين؛ لأننا لا ~~نعلم أن المقطوع فرج أصلي. وإن طلب الدية، وكان يرجى انكشاف حاله، أعطي ~~اليقين، وهو دية شفري امرأة، وحكومة في الذكر والأنثيين. وإن كان مأيوسا من ~~كشف حاله، أعطي نصف دية ذلك كله، وحكومة في نصفه الباقي، وعلى قول ابن ~~حامد: لا حكومة فيه؛ لأنه نقص. # فصل: # وإن اختلف العضوان في صغر، أو كبر، أو طول، أو قصر، أو صحة، أو مرض، لم ~~يمنع القصاص؛ لأن اعتبار التساوي في هذه المعاني، يسقط القصاص، فيسقط ~~اعتبارها، كما في النفس. # فصل: # وما انقسم إلى يمين ويسار، كالعينين والأذنين، والمنخرين، واليدين، ~~والرجلين، أو إلى أعلى وأسفل، كالجفنين، والشفتين، لم يؤخذ شيء منها بما ~~يخالفه في ذلك. ولا تؤخذ سن بسن غيرها، ولا إصبع بإصبع تخالفها، ولا أنملة ~~بأنملة لا تماثلها في # PageV03P268 # موضعها واسمها؛ لأنها جوارح مختلفة المنافع والأماكن، فلم يؤخذ بعضها ~~ببعض، كالعين والأنف. ولا يؤخذ أصلية من الأصابع والأسنان بزائدة، ولا ~~زائدة بأصلية، لعدم التماثل بينهما. وتؤخذ الزائدة بالزائدة، إذا اتفق ~~محلاهما، لتماثلهما، وإن اختلف محلاهما، لم تؤخذ إحداهما بالأخرى؛ لأنهما ~~مختلفتان في أصل الخلقة، أشبه الوسطى بالسبابة، وإن تراضى الجاني والمجني ~~عليه، بأخذ ما لا يجب القصاص فيه، لم يجز؛ لأن الدماء لا تستباح بالإباحة. # فصل: # وإن جرحه جرحا فيه القصاص، فاندمل، ثم قتله، وجب القصاص فيهما؛ لأنهما ~~جنايتان، يجب القصاص في ms1052 كل واحدة منهما منفردة، فوجب عند الاجتماع، ~~كاليدين. وإن قتله قبل اندمال الجرح، ففيه روايتان. # إحداهما: يجب القصاص أيضا. لما ذكرناه. # والثانية: يقتل ولا قصاص في الجرح؛ لأن القصاص في النفس، أحد بدلي النفس، ~~فدخل الطرف في حكم الجملة كالدية. # فصل: # وإن قتل واحد جماعة، أو قطع عضوا من جماعة، لم تتداخل حقوقهم؛ لأنها حقوق ~~مقصودة لآدميين، فلم تتداخل، كالديون، لكن إن رضي الكل باستيفاء القصاص منه ~~جاز؛ لأن الحق لهم، فجاز أن يرضى الجماعة بالواحد، كما لو قتل عبدا عبيدا ~~خطأ فرضوا بأخذه. وإن طلب واحد القصاص، والباقون الدية، فلهم ذلك، وإن طلب ~~كل واحد استيفاء القصاص مستقلا، قدم الأول؛ لأن له مزية السبق، فإن أسقط ~~حقه قدم الثاني، ثم الثالث، ويصير حق الباقين في الدية؛ لأن القود فاتهم، ~~فانتقل حقهم إلى الدية، كما لو مات، وإذا قتلهم دفعة واحدة، أو أشكل ~~السابق، قدم من تقع له القرعة؛ لأن حقوقهم تساوت، فوجب المصير إلى القرعة، ~~كالسفر بإحدى النساء، فإن عفا من له القرعة، أعيدت للباقين، لتساويهم. ومتى ~~ثبت القصاص لأحدهم بالسبق، أو بالقرعة، فبادر غيره فقتله، كان مستوفيا ~~لحقه، ووجب للآخر الدية، كما لو قتل مرتدا، كان مستوفيا لقتل الردة. وإن ~~أساء في الافتئات على الإمام. وإن كان الأول غائبا، أو صغيرا، انتظر؛ لأن ~~الحق له. وإن كان القتل في المحاربة، فهو كالقتل في غيرها؛ لأنه قتل موجب ~~للقصاص، فأشبه غيره. # فصل: # PageV03P269 # وإن قطع طرف رجل، وقتل آخر، قطع لصاحب الطرف، ثم قتل للآخر، تقدم القتل، ~~أو تأخر؛ لأنه أمكن الجمع بين الحقين من غير نقص، فلم يجز إسقاط أحدهما، ~~بخلاف التي قبلها. وإن قطع يد رجل، وإصبعا من آخر، قدمنا السابق منهما، ~~أيهما كان؛ لأن اليد تنقص بنقص الإصبع، ولذلك لا تؤخذ الصحيحة بالناقصة، ~~بخلاف النفس، فإنها لا تنقص بقطع الطرف، بدليل أخذ الصحيح الأطراف ~~بمقطوعها. # فصل: # وإن قتل وارتد، أو قطع يمينا وسرق، قدم حق الآدمي؛ لأن حقه مبني على ~~التشديد، لشحه وحاجته. وحق الله مبني على ms1053 السهولة، لغنى الله وكرمه. ### | باب استيفاء القصاص # إذا قتل الآدمي، استحق القصاص ورثته كلهم، لما روى أبو شريح أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «من قتل له قتيل، فأهله بين خيرتين، أن يأخذوا ~~العقل، أو يقتلوا» . رواه أبو داود. وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قتل له قتيل، فهو بخير النظيرين، ~~إما أن يقتل، وإما أن يفدى» . ولأنه حق يستحقه الوارث من جهة موروثه، فأشبه ~~المال. فإن كان الوارث صغيرا، لم يستوف له الولي. وعنه: للأب استيفاؤه؛ ~~لأنه أحد بدلي النفس، فأشبه الدية. والمذهب الأول؛ لأن القصد التشفي، ودرك ~~الغيظ، ولا يحصل ذلك باستيفاء الأب، فلم يملك استيفاءه، كالوصي، والحاكم. ~~فعلى هذا: يحبس القاتل إلى أن يبلغ الصغير، ويعقل المجنون، ويقدم الغائب؛ ~~لأنه فيه حظا للقاتل بتأخير قتله، وحظا للمستحق بإيصال حقه إليه. فإن أقام ~~القاتل كفيلا، ليخلي سبيله، لم يجز؛ لأن الكفالة بالدم غير صحيحة. وإن وثب ~~الصبي، أو المجنون على القاتل، فقتله، ففيه وجهان: # أحدهما: يصير مستوفيا لحقه؛ لأنه عين حقه أتلفه، فأشبه ما لو كانت وديعة ~~عند رجل. # والثاني: لا يصير مستوفيا لحقه؛ لأنه ليس من أهل الاستيفاء، فتجب له دية ~~أبيه، وعلى عاقلته دية القاتل، بخلاف الوديعة، فإنها لو تلفت من غير تعد، ~~برئ منها المودع، ولو هلك الجاني، من غير فعل، لم يبرأ من الجناية. وإن كان ~~القصاص بين صغير وكبير، أو مجنون وعاقل، أو حاضر وغائب، لم يجز للكبير ~~العاقل الحاضر # PageV03P270 # الاستيفاء؛ لأنه حق مشترك بينهما، فلم يجز لأحدهما الانفراد باستيفائه، ~~كما لو كان بين بالغين عاقلين، وإن قتل من لا وارث له، فالقصاص للمسلمين؛ ~~لأنهم يرثون ماله، واستيفاؤه إلى السلطان. فإن كان له من يرث بعضه، كزوج، ~~أو زوجة، فاستيفاؤه إلى الوارث والسلطان، ليس لأحدهما الانفراد به، لما ~~ذكرنا. # فصل: # فإن بادر بعض الورثة، فقتل القاتل بغير أمر صاحبه، فلا قصاص عليه؛ لأنه ~~مشارك في استحقاق ما استوفاه، فلم تلزمه عقوبته، كما لو وطئ ms1054 أحد الشريكين ~~الجارية المشتركة، ويجب لشركائه حقهم من الدية، وفيه وجهان: # أحدهما: يجب على القاتل. الثاني لأن نفس القاتل كانت مستحقة لهما، فإذا ~~أتلفها أحدهما، لزمه ضمان حق الآخر، كالوديعة لهما يتلفها أحدهما. # والثاني: يجب في تركة القاتل الأول؛ لأنه قود سقط إلى مال، فوجب في تركة ~~القاتل، كما لو قتله أجنبي، ويرجع ورثة القاتل الأول على قاتل موروثهم ~~بدية، ماعدا نصيبه من موروثهم. فلو قتلت امرأة رجلا له ابنان، فقتلها ~~أحدهما، كان للآخر في تركتها نصف دية أبيه، ويرجع ورثتها على قاتلها بنصف ~~ديتها. وإن عفا بعض من له القصاص ثم قتله الآخر غير عالم بالعفو، أو غير ~~عالم أن العفو يسقط القصاص، لم يجب عليه قصاص؛ لأن ذلك شبهة، فدرأت القصاص، ~~كالوكيل إذا قتله بعد العفو، وقبل العلم، وإن قتله بعد العلم، فعليه ~~القصاص؛ لأنه قتل معصوما مكافئا له لا حق له فيه، فوجب عليه القصاص، كما لو ~~حكم بالعفو حاكم. فإن اقتصوا منه، فلورثته عليهم نصيبه من الدية، وإن ~~اختاروا الدية، سقط عنه من الدية ما قابل حقه، ولزمه باقيها، وإن كان عفو ~~شريكه على الدية، فله نصيبه منها، في تركة القاتل؛ لأنه حقه، انتقل من ~~القصاص إلى ذمة القاتل في حياته، فأشبه الدين، بخلاف التي قبلها. # فصل: # ولا يجوز استيفاء القصاص إلا بحضرة السلطان؛ لأنه يفتقر إلى اجتهاد، ولا ~~يؤمن منه الحيف مع قصد التشفي، فإن استوفاه من غير حضرة سلطان، وقع الموقع؛ ~~لأنه استوفى حقه، ويعزر لافتئاته على السلطان. ويستحب أن يكون بحضرة ~~شاهدين، لئلا ينكر المقتص الاستيفاء. وعلى السلطان أن يتفقد الآلة التي ~~يستوفى بها. فإن كانت كالة، أو مسمومة، منعه الاستيفاء بها، لما روى شداد ~~بن أوس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله كتب الإحسان ~~على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد ~~أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» رواه مسلم وأبو داود ولأن # PageV03P271 # المسمومة تفسد البدن، وربما منعت غسله. وإن طلب من له القصاص أن يتولى ms1055 ~~الاستيفاء، لم يمكن منه في الطرف؛ لأنه لا يؤمن أن يجني عليه بما لا يمكن ~~تلافيه. وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد، أنه يمكن منه؛ لأنه أحد نوعي القصاص، ~~أشبه القصاص في النفس، وإن كان في النفس، وكان يكمل الاستيفاء بالقوة ~~والمعرفة، مكن منه، لقوله تعالى: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ~~فلا يسرف في القتل} [الإسراء: 33] . وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين، أن يأخذوا العقل، أو ~~يقتلوا» . ولأن القصد من القصاص، التشفي، ودرك الغيظ، وتمكينه منه أبلغ في ~~ذلك. فإن كان لجماعة فتشاحوا في المستوفى، أقرع بينهم؛ لأنه لا يجوز ~~اجتماعهم على القتل؛ لأن فيه تعذيبا للجاني، ولا مزية لأحدهم، فوجب التقديم ~~بالقرعة. ولا يجوز لمن خرجت له القرعة الاستيفاء إلا بإذن شركائه؛ لأن الحق ~~لهم، فلا يجوز استيفاؤه بغير إذنهم. وإن كان فيهم من يحسن، وباقيهم لا ~~يحسنون أمروا بتوكيله. وإن لم يكن مستحق للقصاص يحسن الاستيفاء، أمر ~~بالتوكيل. فإن لم يوجد من يتوكل بغير عوض، بذل العوض من بيت المال؛ لأنه من ~~المصالح. فإن لم يمكن، بذل من مال الجاني؛ لأن الحق عليه، فكان أجر الإيفاء ~~عليه، كأجر كيل الطعام على البائع، وإن قال الجاني: أنا أقتص لك من نفسي، ~~لم يجب إلى ذلك؛ لأن من وجب عليه إيفاء حق، لم يجز أن يكون هو المستوفي، ~~كالبائع. # فصل: # وإذا وجب القتل على حامل، لم تقتل حتى تضع، لما روى معاذ بن جبل: أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا قتلت المرأة عمدا، لم تقتل حتى تضع ~~ما في بطنها إن كانت حاملا. وحتى تكفل ولدها، وإن زنت، لم ترجم حتى تضع ما ~~في بطنها، وحتى تكفل ولدها» . رواه ابن ماجه ولأن قتلها يفضي إلى قتل ~~ولدها، ولا يجوز قتله. فإذا وضعت، لم تقتل حتى تسقيه اللبأ؛ لأنه لا يعيش ~~إلا به. وإن لم يكن له من يرضعه، لم تقتل حتى ترضعه مدة الرضاع، لقوله - ~~عليه ms1056 السلام -: «حتى تكفل ولدها» # PageV03P272 # ولأنه إذا وجب حفظه وهو حمل، فحفظه وهو مولود أولى. وإن وجدت مرضعة ~~راتبة، قتلت؛ لأنه يستغني بها عن أمه، وإن وجدت مرضعات غير رواتب، أو لبن ~~بهيمة يسقي منه راتب، جاز قتلها؛ لأن له ما يقوم به. ويستحب للولي تأخيره ~~إلى الفطام؛ لأن عليه ضررا، في اختلاف اللبن عليه، وفي شرب لبن البهيمة، ~~فإن ادعت الحمل، حبست حتى تتبين حالها؛ لأن صدقها محتمل. وللحمل أمارات ~~خفية تعلمها من نفسها. وفيه وجه آخر، أنها ترى القوابل، فإن شهدن بحملها ~~أخرت، وإلا قتلت؛ لأن الحق حال عليها، فلا يؤخر بدعواها من غير بينة، فإن ~~أشكل على القوابل، أو لم يوجد من يعرف ذلك، أخرت حتى يتبين؛ لأننا إذا ~~أسقطنا القصاص خوف الزيادة، فتأخيره أولى. # فصل: # ولا يجوز استيفاء القصاص في الطرف، إلا بعد الاندمال، لما روى عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده قال: «طعن رجل رجلا بقرن في رجله، فجاء النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: أقدني، قال: دعه حتى يبرأ فأعادها عليه مرتين أو ~~ثلاثا، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: دعه حتى يبرأ فأبى فأقاده منه، ~~ثم عرج المستقيد، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: برأ صاحبي، ~~وعرجت رجلي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا حق لك فذلك حين نهى أن ~~يستقيد أحد من جرح حتى يبرأ صاحبه» . رواه الدارقطني. ولأنه قد يسري إلى ~~النفس، فيصير قتلا، وقد يشاركه غيره في الجناية فينقص. # فصل: # وإذا اقتص في الطرف على الوجه الشرعي، فسرى، لم يجب ضمان السراية، سواء ~~سرى إلى النفس، أو عضو آخر، لما روي أن عمر وعليا - رضي الله عنهما - قالا: ~~من مات من حد، أو قصاص، لا دية له، الحق قتله. رواه سعيد في ((سننه)) ولأنه ~~قطع مقدر مستحق، فلم تضمن سرايته، كقطع السارق. وإن تعدى في القطع، أو قطع ~~بآلة كالة، أو مسمومة فسرى، ضمن السراية؛ لأنه سراية قطع غير مأذون فيه، ~~أشبه سراية الجناية. وسراية الجناية مضمونة؛ لأنها ms1057 سراية قطع مضمون. فإن ~~اقتص في الطواف قبل الاندمال، ثم سرت الجناية، كانت سرايتها هدرا، لخبر ~~عمرو بن شعيب، ولأنه استعجل ما ليس له استعجاله، فبطل حقه، كقاتل موروثه. ~~وإن سرى القطعان جميعا، فهما هدر كذلك. وإن اقتص بعد الاندمال، ثم انتقض ~~جرح الجناية، فسرى إلى النفس وجب القصاص به؛ لأنه اقتص بعد جواز الاقتصاص، ~~فإن اختار الدية، فله دية إلا دية الطرف # PageV03P273 # المأخوذ في القصاص. فإن كانت دية الطرف كدية النفس، فليس له العفو على ~~مال كذلك. وإن كان الجاني ذميا قطع أنف مسلم، فاقتص منه بعد البرء، ثم سرى ~~إلى نفس المسلم، فلوليه قتل الذمي، وهل له أن يعفو على نصف دية المسلم؟ فيه ~~وجهان: # أحدهما: له ذلك؛ لأن دية أنف اليهودي، نصف دية المسلم، فيبقى له النصف. # والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه استوفى بدل أنفه، أشبه ما لو كان الجاني ~~مسلما. # فصل: # ولا يجوز الاقتصاص فيما دون النفس بالسيف، ولا يجوز إلا بحديدة ماضية ~~تصلح لذلك، سواء كانت الجناية بمثلها أو بغيرها؛ لأنه لا يؤمن أن يهشم ~~العظم، أو يتعدى إلى المحل بما يفضي إلى الزيادة، أو تلف النفس، وإن قلع ~~عينه بأصبع، لم يجز الاستيفاء منه بالإصبع، كذلك. # فصل: # فأما النفس. فإن كان القتل بالسيف، لم يجز قتله إلا بالسيف؛ لأنه آلة ~~القتل، وأوجاه، فإن ضربه مثل ضربته فلم يمت، كرر عليه حتى يموت؛ لأن قتله ~~مستحق، ولا يمكن إلا بتكرار الضرب. وإن قتله بحجر، أو تغريق أو حبس حتى ~~يموت، أو خنق ففيه روايتان: # إحداهما: يقتل بمثل ذلك، لقول الله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به} [النحل: 126] . ولأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - رضخ رأس ~~يهودي رضخ رأس جارية بين حجرين» . متفق على معناه. وروي عنه - عليه السلام ~~-: أنه قال: «من حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه» . ولأن القصاص مشعر ~~بالمماثلة، فيجب أن يعمل بمقتضاه. # والثانية: لا يقتل إلا بالسيف، في العنق، لما روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «لا قود ms1058 إلا بالسيف» رواه ابن ماجه. ونهى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن المثلة. وقال: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة» ولأنه زيادة ~~تعذيب في القتل، فلم تجز المماثلة فيه، كما لو قتله بسيف كال. # وإن قتله بمحرم لعينه، كالسحر وتجريع الخمر، واللواط، قتل بالسيف، رواية ~~واحدة؛ لأن ذلك محرم لعينه، فسقط، وبقي القتل، وإن قتله بسيف كال، لم يقتل ~~بمثله؛ لأن المماثلة فيه لا تتحقق، وإن حرقه، فقال القاضي: فيه روايتان، ~~كالتغريق، # PageV03P274 # وقال بعض أصحابنا: لا يحرق بحال، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~يحرق بالنار إلا رب النار» رواه ابن ماجه. وإن قطع يده من المفصل، أو ~~أوضحه، ثم ضرب عنقه، فهل يفعل به كما فعل، أو يقتصر على ضرب عنقه؟ على ~~روايتين، ذكرهما الخرقي، وإن لم يضرب عنقه، بل سرت الجناية إلى نفسه، ففيه ~~أيضا روايتان: # إحداهما: لا يقتل إلا بالسيف، في العنق، لئلا يفضي إلى الزيادة على ما ~~أتي به. # والثانية: يفعل به كما فعل، فإن مات وإلا ضربت عنقه؛ لأنه لا يمكن أن ~~يقطع منه عضو آخر. والزيادة لضرورة استيفاء الحق محتملة، بدليل تكرار الضرب ~~في حق من قتل بضربة واحدة، وإن جرحه جرحا لا قصاص فيه، كقطع الساعد ~~والجائفة، فمات، أو ضرب عنقه بعده، فقال أبو الخطاب: لا يقتل إلا بالسيف في ~~العنق، رواية واحدة؛ لأنها جناية لا قصاص فيها، فلا يستوفي بها القصاص، ~~كتجريع الخمر، وذكر القاضي فيها روايتين، كالتي قبلها؛ لأن «النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، رض رأس اليهودي بين حجرين» ، ولأن المنع من القصاص فيها ~~منفردة، لخوف سرايتها إلى النفس، وليس بمحذور هاهنا. # فصل: # وكل موضع، قلنا: ليس له أن يفعل مثل فعل الجاني، إذا خالف وفعل، فلا شيء ~~عليه؛ لأنه حقه، وإنما منع منه، لتوهم الزيادة، ولو أجافه أو أمه أو قطع ~~ساعده، فاقتص منه مثل ذلك، ولم يسر، فلا شيء عليه كذلك، وإن سرى، ضمن ~~سرايته؛ لأنها سراية قطع، غير مأذون فيه. # فصل: # وإن جنى عليه جناية ذهب بها ضوء عينيه، ms1059 فكانت مما يجب به القصاص، ~~كالموضحة، اقتص منها، فإن ذهب ضوء عينيه، فقد استوفى حقه، وإن لم يذهب عولج ~~بما يزيل الضوء، ولا يذهب بالحدقة، مثل أن يحمي حديدة، ويقربها منها وإن ~~ذهب ضوء إحداهما، غطيت العين الأخرى، وقربت الحديدة إلى التي يقتص منها، ~~لما روى يحيى بن جعدة: أن أعرابيا، قدم بحلوبة له المدينة، فساومه فيها ~~مولى لعثمان بن عفان - رضي الله عنه -، فنازعه، فلطمه، ففقأ عينه، فقال له ~~عثمان: هل لك أن أضعف لك الدية وتعفو عنه؟ فأبى، فرفعهما إلى علي - رضي ~~الله عنه -، فدعا علي بمرآة، فأحماها ثم # PageV03P275 # وضع القطن على عينه الأخرى، ثم أخذ المرآة بكلبتين، فأدناها من عينه، حتى ~~سال إنسان عينه. فإن لم يمكن إلا بالجناية، على العضو، سقط القصاص. وإن ~~أذهب بصره بجناية لا قصاص فيها، كالهاشمة واللطمة، عولج بصره بما ذكرنا، ~~ولم يقتص منه، للأثر، ولأنه تعذر القصاص في محل الجناية، فعدل إلى أسهل ما ~~يمكن، كالقتل بالسحر، وله أرش الجرح، وذكر القاضي في اللطمة: أنه يفعل به، ~~كما فعل والصحيح: الأول؛ لأن اللطمة لا يقتص منها منفردة، فكذلك إذا أذهب ~~العين، كالهاشمة. # فصل: # ومن وجب له القصاص في النفس، فضرب في غير موضع الضرب عمدا، أساء ويعزر. ~~فإن ادعى أنه أخطأ في شيء يجوز الخطأ فيه، قبل قبوله مع يمينه؛ لأنه يدعي ~~محتملا، وهو أعلم بنفسه، وإن كان لا يجوز في مثله الخطأ، لم قبل قوله، لعدم ~~الاحتمال، فإن أراد العود إلى الاستيفاء، لم يمكنه منه؛ لأنه لا يؤمن منه ~~التعدي ثانيا، وقال القاضي: يمكن؛ لأن الحق له. والظاهر، أنه لا يعود إلى ~~مثله. وإن كان له القصاص في النفس فقطع طرفه، فلا قصاص عليه؛ لأنه قطع طرفا ~~يستحق إتلافه ضمنا، فكان شبهة مسقطة للقصاص ويضمنه بديته؛ لأنه طرف له قيمة ~~حين القطع، قطعه بغير حق، فوجب ضمانه، كما لو قطعه بعد العفو عنه. # فصل: # وإن وجب له القصاص في الطرف، فاستوفى أكثر منه عمدا، وكان الزائد موجبا ~~للقصاص، مثل أن ms1060 وجب له قطع أنملة، فقطع اثنتين، فعليه القود، وإن كان خطأ، ~~أو لا يجب في مثله القود، مثل من وجبت له موضحة، فاستوفى هاشمة، فعليه أرش ~~الزائد، كما لو فعله في غير قصاص، فإن كانت الزيادة لاضطراب الجاني، فلا ~~شيء فيها؛ لأنها حصلت بفعله في نفسه، فهدرت. وإن استوفى من الطرف بحديدة ~~مسمومة فمات، لم يجب القصاص؛ لأنه تلف من جائز وغيره، ويجب نصف الدية؛ لأنه ~~تلف من فعل مضمون وغير مضمون، فقسم ضمانه بينهما. # فصل: # وإن وجب له قصاص في يد، فقطع الأخرى، فقال أبو بكر: يقع الموقع، ويسقط ~~القصاص، سواء قطعها بتراضيهما، أو بغيره؛ لأن ديتهما واحدة، وألمهما واحد، ~~واسمهما ومعناهما واحد، فأجزأت إحداهما عن الأخرى، كالمتماثلتين، ولأن ~~إيجاب القصاص في الثانية، يفضي إلى قطع يدين بيد واحدة، وتفويت منفعة الجنس ~~في حق من لم يفوتها. وقال ابن حامد: لا يجزئ؛ لأن ما لا يجوز أخذه قصاصا، ~~لا يجزئ # PageV03P276 # بدلا، كاليد عن الرجل، فعلى هذا إن أخذها بتراضيهما، فلا قصاص على ~~قاطعها؛ لأنه قطعها بإذن صاحبها، ويسقط القصاص في الأخرى، وفي أحد الوجهين؛ ~~لأن عدوله عن التي يستحقها، رضي بترك القصاص فيها. ولكل واحد على الآخر دية ~~يده. # والثاني: لا يسقط؛ لأنه أخذ الثانية بدلا عن الأولى، ولم يسلم البدل، ~~فبقي حقه في المبدل، فيقتص من اليد الأخرى، ويعطيه دية التي قطعها. وإن ~~قطعها كرها عالما بالحال، فعليه القصاص فيها، وله القصاص في الأخرى. وإن ~~قال: أخرج يمينك لأقتص منها، فأخرج يساره، فقطعها يظنها اليمين، وقال ~~المخرج: عمدت إخراجها عالما أنها لا تجزئ، فلا ضمان فيها؛ لأن صاحبها بذلها ~~راضيا بقطعها، بغير بدل. وإن قال: ظننتها اليمنى، أو أنها الواجب قطع ~~اليسرى. أو أنها تجزئ أو أخرجتها دهشة، فعلى قاطعها ديتها؛ لأنه بذلها ~~لتكون عوضا، فلم تكن عوضا، فوجب بدلها كما لو اشترى سلعة بعوض فاسد، فتلفت ~~عنده، وإن علم المستوفي حال المخرج، وحال اليد، ففيها القود، في أحد ~~الوجهين؛ لأنه تعمد قطع يد معصومة، وفي الثاني: لا ms1061 قود عليه؛ لأنه قطعها ~~ببذل صاحبها ورضاه، وعليه ديتها. وإن جهل الحال، فلا قصاص عليه، وعليه ~~ديتها. وإن كان القصاص على مجنون، فقال له المقتص: أخرج يمينك، فأخرج ~~يساره، فقطعها عمدا، فعليه القصاص. وإن كان جاهلا، فعليه الدية؛ لأن بذل ~~المجنون لا يصح، فصار كما لو بدأ بقطعه. وإن كان القصاص للمجنون، فأخرج ~~إليه يساره، فقطعها، ذهبت هدرا؛ لأنه ليس من أجل الاستيفاء، فإذا سلطه على ~~إتلاف عضوه، لم يضمنه، كما لو أذن له في إتلاف ماله. # فصل: # ومن وجب عليه القصاص في نفس، أو طرف، فمات عن تركة وجبت دية جنايته في ~~تركته؛ لأنه تعذر استيفاء القصاص من غير إسقاط، فوجبت الدية، كقتل غير ~~المكافئ. وإن لم يخلف تركة، سقط الحق، لتعذر استيفائه. # فصل: # ومن قتل، أو أتى حدا خارج الحرم، ثم لجأ إليه، لم يجز الاستيفاء منه في ~~الحرم، لقول الله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97] . ولما روى ~~أبو شريح الكعبي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن مكة حرمها ~~الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يسفك ~~بها دما، ولا يعضد شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول # PageV03P277 # الله - صلى الله عليه وسلم -، فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولن يأذن لكم، ~~وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم، كحرمتها بالأمس، فليبلغ ~~الشاهد الغائب» متفق عليه. ولا يبايع، ولا يشارى، ولا يطعم، ولا يؤوى، ~~ويقال له: اتق الله، واخرج إلى الحل. فإذا خرج استوفي منه؛ لأن ابن عباس ~~قال ذلك، ولأن في إطعامه تمكينا في تضييع الحق الذي عليه، ولا فرق بين ~~القتل وغيره من العقوبات. وروى حنبل عنه: أن الحدود كلها تقام في الحرم، ~~إلا القتل؛ لأن حرمة النفس أعظم. والمذهب: الأول. قال أبو بكر: انفرد حنبل ~~عن عمه بهذه الرواية. ولأن ما حرم النفس، حرم الطرف كالعاصم، فإن خالف ~~واستوفى في الحرم، أساء ووقع الموقع، كما لو استوفى من غير حضرة السلطان. ~~ومن جنى في ms1062 الحرم، جاز الاستيفاء منه في الحرم؛ لأنه انتهك حرمته، فلم ~~ينتهض عاصما له، ولأن أهل الحرم، يحتاجون إلى الزجر عن الجنايات، رعاية ~~لحفظ مصالحهم، كحاجة غيرهم، فوجب أن تشرع الزواجر في حقهم. ### | باب العفو عن القصاص # وهو مستحب لقول الله تعالى: {والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له} ~~[المائدة: 45] . ومن وجب له القصاص، فله أن يقتص، وله أن يعفو عنه مطلقا ~~إلى غير بدل، وله أن يعفو على المال، لقول الله تعالى: {فمن عفي له من أخيه ~~شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} [البقرة: 178] أوجب الاتباع ~~والأداء بمجرد العفو. وروى أبو شريح الكعبي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «ثم أنتم يا خزاعة، قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله، ~~فمن قتل بعده قتيلا، فأهله بين خيرتين، إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا ~~الدية» . رواه أبو داود. وإذا عفا عن القصاص، أو عن بعضه، سقط كله؛ لأنه حق ~~مبناه على الإسقاط لا يتبعض. فإذا سقط بعضه، سقط جميعه، كالرق، وإن وجب ~~لجماعة فعفا بعضهم، سقط كله، لما روى زيد بن وهب، أن عمر - رضي الله عنه - ~~أتي برجل قتل قتيلا، فجاء ورثة المقتول ليقتلوه، فقالت امرأة المقتول، وهي ~~أخت القاتل: # PageV03P278 # قد عفوت عن حقي، فقال عمر: الله أكبر عتق القتيل قبل أن ... رواه أبو ~~داود، ولما ذكرناه في المعنى. ثم إن عفا على مال، انتقل حق الجميع إلى ~~الدية. وإن عفا مطلقا. انتقل حق الباقين إلى الدية. كما يسقط حق أحد ~~الشريكين، إذا أعتق شريكه إلى القيمة. وقد روى زيد بن وهب: أن رجلا دخل على ~~امرأته، فوجد عندها رجلا، فقتلها، فاستعدى عليه إخوتها عمر - رضي الله عنه ~~-. فقال بعض إخوتها: قد تصدقت، فقضى لسائرهم بالدية. # فصل: # ويصح العفو، بلفظ العفو، لقوله تعالى: {فمن عفي له من أخيه} [البقرة: ~~178] . وبلفظ الصدقة، لقوله تعالى: {فمن تصدق به} [المائدة: 45] . وبلفظ ~~الإسقاط؛ لأنه إسقاط للحق، وبكل لفظ يؤدي معناه؛ لأن المقصود المعنى، فبأي ~~لفظ حصل، ثبت حكمه كعقد البيع. ms1063 # فصل: # واختلفت الرواية في موجب العمد. فعنه: موجبه، أحد شيئين. القصاص، أو ~~الدية، لخبر أبي شريح؛ لأن له أن يختار أيهما شاء. فكان الواجب أحدهما، ~~كالهدي والطعام في جزاء الصيد. وعنه: موجبه القصاص عينا، لقوله تعالى: {كتب ~~عليكم القصاص في القتلى} [البقرة: 178] . ولأنه بدل يجب حقا لآدمي، فوجب ~~معينا كبدل ماله، فإن قلنا بهذا، فعفا عنه مطلقا، سقط القصاص، ولم تجب ~~الدية؛ لأنه لم يجب له غير القصاص وقد أسقطه بالعفو. وإن قلنا: موجبه أحد ~~الشيئين، فعفا عن القصاص مطلقا، وجبت الدية؛ لأن الواجب أحدهما، فإن ترك ~~أحدهما، تعين الآخر. وإن اختار الدية، سقط القصاص، وثبت المال. وإن اختار ~~القصاص، تعين، وقال القاضي: وله الرجوع، إلى المال؛ لأن القصاص أعلى، فكان ~~له أن ينتقل إلى الأدنى، ولهذا قلنا: له المطالبة بالدية وإن كان القصاص ~~واجبا عينا، ويحتمل أنه ليس له ذلك؛ لأنه تركها فلم يرجع إليها، كما لو عفا ~~عنها وعن القصاص. ولو جنى عبد على حر جناية موجبة للقصاص، فاشتراه بأرشها، ~~سقط القصاص؛ لأن شراءه بالأرش اختيار للمال، ثم إن كان أرشها مقدرا بذهب، ~~أو فضة، صح الشراء؛ لأنه ثمن معلوم. وإن كان إبلا، لم يصح؛ لأن صفتها ~~مجهولة، فلم يصح جعلها عوضا، كما لو اشترى بها غير الجاني. # PageV03P279 # فصل: # ويصح عفو المفلس والسفيه عن القصاص؛ لأن الحجر عليهما في المال، وليس هذا ~~بمال. فإن عفوا إلى مال، ثبت. وإن عفوا إلى غير مال، وقلنا: الواجب أحد ~~شيئين، ثبت المال؛ لأنه واجب، وليس لهما إسقاط المال، وإن قلنا: الواجب ~~القصاص عينا، صح عفوهما؛ لأنه لم يجب إلا القصاص وقد أسقطاه. # فصل: # وإن وجب القصاص لصغير، فليس لوليه العفو على غير مال؛ لأنه تصرف لا حظ ~~للصغير فيه. وإن عفا على مال، وللصغير كفاية من ماله، أو له من ينفق عليه، ~~لم يصح عفوه؛ لأنه يسقط القصاص من غير حاجة. وإن لم يكن له ذلك، صح عفوه؛ ~~لأن للصغير حاجة إليه، لحفظ حياته، ويحتمل أن لا يصح؛ لأن نفقته في ms1064 بيت ~~المال. وإن قتل من لا ولي له، فالأمر إلى السلطان، إن رأى قتل، وإن رأى عفا ~~على مال؛ لأن الحق للمسلمين فكان على الإمام فعل ما يرى المصلحة فيه. وإن ~~أراد أن يعفو على غير مال، لم يجز لأنه لا حظ للمسلمين فيه. ويحتمل جواز ~~العفو على غير مال؛ لأنه روي عن عثمان أنه عفا عن عبيد الله بن عمر لما قتل ~~الهرمزان، ولم ينكره أحد من الصحابة، ولأنه ولي الدم، فجاز له العفو على ~~غير مال، كسائر الأولياء. # فصل: # وإذا وكل من يستوفي له القصاص، ثم عفا عنه، ثم قتله الوكيل قبل علمه ~~بالعفو، ففيه وجهان: # أحدهما: لا يصح العفو؛ لأنه عفا في حال لا يمكن تلافي ما وكل فيه، فلم ~~يصح، كالعفو بعد رمي الحربة إلى الجاني. # والثاني: يصح؛ لأنه حق له، فصح عفوه عنه بغير علم الوكيل، كالدين، ولا ~~قصاص على الوكيل؛ لأنه جهل تحريم القتل، وعليه الدية؛ لأنه قتل معصوما، ~~ويرجع بها على العافي في أحد الوجهين؛ لأنه غره، فرجع عليه بما غرم، ~~كالمغرور بحرية الأمة. # والثاني: لا يرجع عليه؛ لأنه محسن بالعفو، بخلاف الغار بالحرية. # فصل: # وإذا جنى عليه جناية، توجب القصاص فيما دون النفس، فعفا عنها، ثم سرت إلى ~~نفسه، فلا قصاص فيها؛ لأن القصاص لا يتبعض، وقد سقط في البعض، فسقط في # PageV03P280 # الكل. وإن كانت الجناية لا توجب القصاص، كالجائفة، وجب القصاص في النفس؛ ~~لأنه عفا عن القصاص فيما لا قصاص فيه، فلم يؤثر العفو. وإن كان عفوه على ~~مال، فله الدية كاملة في الموضعين. وإن عفا عن دية الجرح، صح عفوه؛ لأن ~~ديته تجب بالجناية، بدليل أنه لو جنى على طرف عبد، فباعه سيده، ثم برأ، كان ~~أرش الجناية للبائع دون المشتري، وإنما تتأخر المطالبة به، كالدين المؤجل، ~~فعلى هذا تجب له دية النفس إلا دية الجرح. وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه ~~لا يجب شيء؛ لأن القطع غير مضمون، فكذلك سرايته. والأول أولى؛ لأن القطع ~~موجب، وإنما سقط الوجوب بالعفو، ms1065 فيختص السقوط بمحل العفو. وإن قال: عفوت عن ~~الجناية وما يحدث منها، صح عفوه، ولا قصاص في سرايتها ولا دية؛ لأنه إسقاط ~~للحق بعد انعقاد سببه، فصح، كالعفو عن الشفعة بعد البيع. ولا يعتبر خروج ~~ذلك من الثلث. نص عليه؛ لأن الواجب القصاص عينا، أو أحد شيئين، فما تعين ~~إسقاط أحدهما. وعنه: أنه إن مات من سرايتها، لم يصح العفو؛ لأنها وصية ~~لقاتل، وعنه: تصح وتعتبر من الثلث. # فصل: # وإن قطع إصبعا، فعفا عنها، ثم سرى إلى الكف، ثم اندمل، فالحكم فيه على ما ~~فصلناه في سرايته إلى النفس. فإن قال الجاني: عفوت عن الجناية وما يحدث ~~منها، فأنكر الولي العفو عن سرايتها، فالقول قوله؛ لأنه منكر، والأصل معه. # فصل: # وإن قطع يده، فعفا عن القصاص، وأخذ نصف الدية، فعاد الجاني فقتله، فلوليه ~~القصاص في النفس؛ لأن القتل انفرد عن القطع، فوجب القصاص فيه، كما لو قتله ~~غير القاطع. فإن اختار الدية، فقال أبو الخطاب: له الدية كلها؛ لأن القتل ~~منفرد عن القطع، فلم يدخل حكمه في حكمه، كما لو كان القاطع غيره، ولأن من ~~ملك القصاص في النفس، ملك العفو عن الدية كلها، كسائر أولياء المقتولين. ~~وقال القاضي: له نصف الدية؛ لأن القتل إذا تعقب الجناية قبل برئها، كان ~~بمنزلة سرايتها، ولو سرى القطع، لم يجب إلا نصف الدية، كذا هاهنا. # فصل: # إذا قطع يد إنسان، فسرى إلى نفسه، فاقتص وليه في اليد، ثم عفا عن النفس ~~على غير مال، جاز، ولا شيء عليه، سواء سرى القطع، أو وقف؛ لأن العفو يرجع ~~إلى ما بقي، دون ما استوفي، فأشبه ما لو قبض بعض ديته، ثم أبرأه من باقيها، ~~وإن عفا على مال، فوجب له نصف الدية؛ لأنه أخذ ما يساوي نصف الدية. وإن قطع ~~يدي # PageV03P281 # رجل فسرى إلى نفسه، فاستوفى من يديه، ثم عفا عن النفس، لم يجب له شيء؛ ~~لأنه لم يبق من الدية شيء. وإن قطع نصراني يد مسلم، فسرى، فقطع الولي يده، ~~ثم عفا عن نفسه ms1066 على مال، ففيه وجهان: # أحدهما: له نصف دية مسلم؛ لأنه رضي بأخذ يد النصراني بدل يد وليه، فبقي ~~له النصف. # والثاني: يجب له ثلاثة أرباعها؛ لأنه استوفى يدا قيمتها ربع دية مسلم، ~~فبقي له ثلاثة أرباعها. وإن قطع يديه فسرى إلى نفسه، فاستوفى من يديه وعفا ~~عن نفسه، فعلى الوجه الأول: لا شيء له؛ لأنه رضي بيده بدلا من يديه، فيصير ~~كما لو استوفى ديته. وعلى الثاني: له نصف الدية؛ لأنه أخذ ما يساوي نصفها، ~~وبقي له نصفها. وإن كان الجاني امرأة على رجل، فعلى ما ذكرنا من التفصيل. # PageV03P282 ### | كتاب الديات # بسم الله الرحمن الرحيم # كتاب الديات تجب الدية بقتل المؤمن، والذمي، والمستأمن ومن بيننا وبينه ~~هدنة؛ لقول الله سبحانه: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة ~~إلى أهله} [النساء: 92] إلى قوله تعالى: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] فأما من لم ~~تبلغه الدعوة فلا يضمن؛ لأنه لا إيمان له ولا أمان، فأشبه الحربي. # وقال أبو الخطاب: تجب ديته؛ لأنه محقون الدم من أهل القتال، أشبه الذمي، ~~وإن قتل في دار الحرب مسلما كاتما لإسلامه يظنه حربيا، ففيه روايتان: # إحداهما: لا دية فيه؛ لقول الله تعالى: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ~~فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] ولم يذكر دية. # والثانية: يضمنه؛ لأنه قتل مؤمنا معصوما خطأ، وإن أرسل سهمه إلى حربي، ~~فتترس بمسلم، فقتله ففيه روايتان: # إحداهما: يضمنه كذلك. # والثانية: لا يضمنه؛ لأنه مضطر إلى رميه غير مفرط في فعله. # فصل: # وإن قطع طرف مسلم، فارتد ومات، ففيه وجهان: # PageV04P003 # أحدهما: لا يضمن شيئا؛ لأن القطع صار قتلا لنفس لا ضمان فيها. # والثاني: تجب دية الطرف؛ لأن الجناية أوجبت ديته، والردة قطعت سرايته، ~~فلا يسقط ما تقدم وجوبه، كما لو قطع يده، فقتل المجروح نفسه، وفي قدر ~~الواجب وجهان: # أحدهما: أرش الجرح بالغا ما بلغ، كما لو قتل الرجل نفسه. # والثاني: أقل الأمرين من أرشه، أو دية النفس؛ ms1067 لأنه لو لم يرتد، لم يجب ~~أكثر من دية النفس، فإذا ارتد، كان أولى ألا يريد ضمانه. # فصل: # وإن قطع يد مسلم فارتد، ثم أسلم ومات، وزمن الردة مما لا تسري فيه ~~الجناية، ففيه دية كاملة؛ لأنه زمن الردة لا أثر له، وإن كان مما تسري فيه ~~الجناية، فكذلك على ظاهر كلامه؛ لأنه مسلم في حالة الجرح والموت. وقال ~~القاضي: يحتمل وجوب دية كاملة اعتبارا بحال استقرار الجناية، ويحتمل أن يجب ~~نصفها؛ لأنه مات من جرح مضمون وسراية غير مضمونة، أشبه من مات من جرح نفسه ~~وأجنبي. # فصل: # وإن قطع يد مرتد أو حربي فأسلم ومات لم يضمن؛ لأنه مات من سراية جرح ~~مأذون فيه، فلم يضمن كالسارق، إذا سرى قطعه، ولو رمى حربيا أو مرتدا، فلم ~~يقع به السهم حتى أسلم، فلا ضمان فيه؛ لأنه وجد السبب منه في حال هو مأمور ~~بقتله، على وجه لا يمكن تلافيه، أشبه ما لو جرحه، ثم أسلم. # ويحتمل كلام الخرقي وجوب ديته؛ لأنه قال: لو رمى إلى كافر أو عبد، فلم ~~يقع به السهم، حتى عتق وأسلم، فعليه دية حر مسلم؛ ولأن الاعتبار في الضمان ~~بحال الجناية دون حال السبب، بدليل ما لو حفر بئرا لحربي، فوقع فيها بعدما ~~أسلم، ويحتمل التفريق بين الحربي والمرتد؛ لأن قتل الحربي مأمور به، وقتل ~~المرتد إلى الإمام، وإن أرسل سهمه إلى مسلم، فأصابه بعد أن ارتد، لم يضمنه؛ ~~لأن الجناية حصلت وهو غير مضمون، أشبه ما لو أرسله على حي، فأصابه بعد ~~موته. # فصل: # وإذا اشترك الجماعة في القتل، فعليهم دية واحدة تقسم على عددهم؛ لأنه بدل ~~متلف يتجزأ، فيقسم بين الجماعة على عددهم، كغرامة المال، وإن جرحه أحدهم ~~جراحات، وسائرهم جرحا واحدا، فهم سواء لما تقدم، وإن كان القتل عمدا، ~~فالدية # PageV04P004 # واحدة، وقال ابن أبي موسى: إذا قلنا: له أن يقتص من جميعهم، ففيه ~~روايتان: # أظهرهما: أن على كل واحد دية كاملة، بدلا عن نفسه. # والثانية: تجب دية واحدة، وهذا أصح؛ لأن الدية بدل ms1068 المحل، فلا يختلف ~~بكثرة المتلفين وقلتهم، كبدل المال، وإن أراد الولي أن يقتص من بعضهم، ~~ويعفو عن البعض، ويأخذ الدية من الباقين فله ذلك، ويأخذ منهم حصتهم من ~~الدية، لما ذكرنا، والمكره والمكره مشتركان في القتل، حكمهما ما ذكرنا، ~~وكذلك حكم الشاهدين إذا رجعا عن الشهادة؛ لما ذكرناه من حديث علي - رضي ~~الله عنه -، ومن المعنى فيه. # فصل: # وإن طرح إنسانا في ماء يسير، يمكنه التخلص منه، فأقام فيه قصدا حتى هلك، ~~لم يجب ضمانه؛ لأن طرحه لم يهلكه، وإنما هلك بإقامته، فكان هو المهلك ~~لنفسه، وإن طرحه في نار يمكنه الخلاص منها، فلم يفعل حتى هلك، ففيه وجهان: # أحدهما: لا يضمنه كذلك. # والثاني: يضمنه؛ لأن تركه التخلص لا يسقط ضمان الجناية، كما لو جرحه، ~~فترك مداواة نفسه حتى هلك به وفارق الماء؛ لأن الناس يدخلونه للسباحة ~~وغيرها. # وإن شده في موضع، فهلك بزيادة الماء ضمنه. فإن كانت الزيادة معلومة، كمد ~~البصرة، فهو عمد محض، وإن كانت تحتمل ويحتمل، فهو شبه عمد، وإن كانت نادرة ~~فهو خطأ، وإن ألقاه في ماء يسير، فالتقمه حوت، فهو خطأ محض، وإن كان الماء ~~كثيرا، فهو شبه عمد، وإن ألقاه مكتوفا فأكله سبع، فهو شبه عمد؛ لأنه عمد ~~إلى فعل لا يهلك به غالبا فهلك به، أشبه ما لو وكزه. # فصل: # وإن صاح بصبي، أو تغفل غافلا فصاح به، فسقط عن شيء هلك به ضمنه؛ لأنه هلك ~~بسببه، فإن قصده بالصياح، فهو شبه عمد، وإن لم يقصده فهو خطأ، وإن كان ~~العاقل متيقظا لم يضمنه؛ لأن ذلك لا يقتله، وإن اتبع إنسانا بسيف، فوقع في ~~شيء هلك به ضمنه؛ لأنه تسبب إلى إهلاكه، وكذلك إن طرده إلى موضع؛ فأكله به ~~سبع. # فصل # وإن بعث السلطان إلى امرأة ليحضرها، ففزعت فألقت جنينا ميتا وجب ضمانه؛ ~~لما روي: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أرسل إلى امرأة مغيبة كان يدخل ~~عليها، فقالت: يا ويلها، ما لها ولعمر؟ ! فبينا هي في الطريق إذ فزعت، ~~فضربها الطلق، ms1069 فألقت ولدا، فصاح الصبي صيحتين؛ ثم مات، فاستشار عمر أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأشار # PageV04P005 # بعضهم: أن ليس عليك شيء، إنما أنت مؤدب، فصمت علي، فأقبل عليه عمر، فقال: ~~ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطئوا رأيهم، وإن ~~كانوا قالوا في هواك، فلم ينصحوا لك، إن ديته عليك؛ لأنك أفزعتها، فألقت. # وإن هلكت المرأة بسبب وضعها ضمنها أيضا؛ لأنه سبب لإتلافها، وإن فزعت ~~فماتت، لم يضمنها؛ لأنه ليس بسبب لهلاكها غالبا، ويحتمل أن يلزمه ضمانها؛ ~~لأنها هلكت بفعله فضمنها، كما لو ضربها سوطا فماتت، وإن زنى بامرأة مكرها ~~فأحبلها، فماتت من الولادة ضمنها؛ لأنها ماتت بسبب تعدى به. # فصل: # وإن رمى إنسانا من علو، فتلقاه آخر بسيف، فقتله، فالضمان على القاتل؛ ~~لأنه مباشر، والملقي متسبب، فكان الضمان على المباشر، كالحافر والدافع. # فصل # وإن حفر بئرا في الطريق، أو وضع حجرا أو حديدة، أو قشر بطيخ أو ماء، فهلك ~~به إنسان ضمنه؛ لأنه تعدى به، ولزمه ضمان ما هلك به، كما لو جنى عليه، فإن ~~دفعه آخر في البئر أو على الحجر أو الحديدة، فالضمان على الدافع؛ لأنه ~~مباشر، والآخر صاحب سبب، وإن حفر بئرا، أو نصب حديدة، ووضع آخر حجرا، فعثر ~~بالحجر، فوقع في البئر، أو على الحديدة فمات، فالضمان على واضع الحجر؛ لأنه ~~الذي ألقاه، فأشبه ما لو ألقاه بيده. # فصل # ومن حفر بئرا في طريق لنفسه، ضمن ما هلك بها؛ لأنه ليس له أن يختص بشيء ~~من طريق المسلمين، وكذلك إن حفرها في ملك غيره بغير إذنه؛ لأنه متعد ~~بحفرها، وإن حفرها في الطريق لمصلحة المسلمين، وكانت في طريق ضيق، ضمن ما ~~تلف بها؛ لأنه ليس له ذلك، وإن كانت في طريق واسع لم يضمن؛ لأنه لم يتعد ~~بها، فلم يضمن ما تلف بها، كما لو أذن فيها الإمام. # وعنه: إن حفرها بغير إذن الإمام ضمن؛ لأن ما يتعلق بمصلحة المسلمين يختص ~~الإمام بالنظر فيه، فمن افتأت عليه، كان متعديا به، ms1070 فضمن ما هلك به، وإن ~~بنى مسجدا في موضع لا ضرر فيه، أو علق قنديلا في مسجد، أو بابا، أو فرش فيه ~~حصيرا، لم يضمن ما تلف به؛ لأن هذا من المصالح التي يشق استئذان الإمام ~~فيها، فملك فعله بغير إذنه، كإنكار المنكر، وذكر القاضي: أنه كحفر البئر في ~~الطريق، وإن حفر بئرا في موات لينتفع بها، أو لينتفع بها المسلمون، أو ~~ليتملكه، لم يضمن ما تلف بها؛ لأنه غير متعد بحفرها، وإن كان في داره بئر، ~~أو كلب عقور، # PageV04P006 # فدخل إنسان بغير إذنه، فهلك بها، أو عقره الكلب لم يضمنه؛ لأن التفريط من ~~الداخل، وإن دخل بإذنه والبئر مكشوفة في موضع يراها الداخل لم يضمنه، وإن ~~كانت مغطاة، أو في ظلمة، أو الداخل ضريرا ضمنه؛ لأنه فرط في ترك إعلامه، ~~وإن وضع حجرا في ملكه، وحفر آخر بئرا في الطريق، فتعثر بالحجر، فوقع في ~~البئر، فالضمان على الحافر؛ لأن العدوان منه، فكان الضمان عليه، والواضع في ~~ملكه لا عدوان منه فلم يضمن، وإن وضع جرة على سطحه، فألقتها الريح على شيء ~~فأتلفته لم يضمنه؛ لأنه غير متعد بالوضع، ولا صنع له في إلقائها. # فصل: # وإن بنى حائطا مائلا إلى الطريق، أو إلى ملك غيره، فسقط على شيء أتلفه ~~ضمنه؛ لأنه تلف بسبب تعدى به، وإن بناه في ملكه مستويا، فمال إلى الطريق، ~~أو إلى ملك غيره، فأمره المالك بنقضه، أو أمره مسلم أو ذمي بنقص المائل إلى ~~الطريق، وأمكنه ذلك فلم يفعل، ضمن ما تلف به أحد الوجهين؛ لأن ذلك يضر ~~المالك والمارة، فكان لهم المطالبة بإزالته، فإذا لم يزله ضمن، كما لو بناه ~~مائلا. والثاني: لا يضمن؛ لأنه وضعه في ملكه، وسقط بغير فعله، فأشبه الجرة ~~التي ألقتها الريح، ويحتمل أن يضمن، وإن لم يطالب بنقضه؛ لأن بقائه مائلا ~~يضر، فلزمه إزالته وإن لم يطالب به، كالذي بناه مائلا. وإن لم يمكنه نقضه ~~لم يضمن؛ لأنه غير مفرط. وإن أخرج جناحا، أو ميزابا إلى الطريق، فوقع على ~~إنسان ms1071 ضمنه؛ لأنه تلف بسبب تعدى به. فأشبه ما لو بنى حائط مائلا. # فصل: # وإذا رمى إلى هدف، فمر صبي فأصابه السهم، فقتله أو مرت بهيمة فأصابها، ~~ضمن ذلك؛ لأنه أتلفه وإن قدم إنسان الصبي، أو البهيمة إلى الهدف فأصابهما ~~السهم، فالضمان على من قدمهما؛ لأن الرامي كالحافر، والآخر كالدافع. وإن ~~أمر من لا يميز أن ينزل بئرا، أو يصعد نخلة، فهلك بذلك ضمنه؛ لأنه تسبب إلى ~~إتلافه. وإن أمر من يميز بذلك فهلك به لم يضمنه؛ لأنه يفعل ذلك باختياره. ~~فإن كان الآمر السلطان، ففيه وجهان: # أحدهما: لا يضمنه كذلك. # PageV04P007 # والثاني: يضمنه؛ لأن عليه طاعة السلطان، فأشبه ما لو أكرهه على فعله، وإن ~~غصب صبيا، فأصابته عنده صاعقة، أو نهشته حية ضمنه؛ لأنه تلف في يده ~~العادية. # وإن مرض فمات، ففيه وجهان: # أحدهما: يضمنه كذلك، فأشبه العبد الصغير. # والثاني: لا يضمنه؛ لأنه حر لا تثبت اليد عليه في الغصب، فأشبه الكبير، ~~وإن أدب المعلم صبيانه، أو الرجل ولده أو زوجته، أو السلطان رعيته، الأدب ~~المأمور به، لم يضمن ما تلف به؛ لأنه أدب مأمور به، فلم يضمن ما تلف به ~~كالحد، ويحتمل أن يضمن، كما لو أرسل إلى امرأة ليحضرها، فأجهضت جنينها. # فصل: # وما أتلفت الدابة بيدها أو فمها، ضمنه راكبها وقائدها وسائقها، وما أتلفت ~~برجلها أو ذنبها لم يضمنه؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «الرجل جبار» رواه سعيد. فمفهومه أن جناية اليد مضمونة، والفم في ~~معناها؛ ولأن اليد يمكن حفظها، فضمن ما تلف بها، بخلاف الرجل، وعنه: في ~~السائق أنه يضمن جناية الرجل والذنب؛ لأنه يشاهدهما، فأشبه اليد في حق ~~القائد، وإن بالت في الطريق، ضمن ما تلف به؛ لأنه كما لو صبه فيها، ويحتمل ~~أن لا يضمن في هذا؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، أشبه جناية الرجل، وإن كان ~~على دابة راكبان، فالضمان على الأول منهما؛ لأنه المتصرف فيها، وإن كان لها ~~قائد وسائق اشتركا في الضمان؛ لاشتراكهما في تمشيتها، وإن كان معهما ms1072 راكب، ~~فالضمان بينهم أثلاثا كذلك، ويحتمل أن يختص به الراكب؛ لأنه أقوى منهما ~~يدا، والجمل المقطور إلى جمل عليه راكب، كالذي في يده؛ لأن يده عليه، وليس ~~عليه ضمان ما جنى ولد البهيمة؛ لأنه لا يمكنه حفظه، وكذلك ما جنت الدابة، ~~إذا لم يكن عليها يد، لم يضمن مالكها كذلك. # فصل: # وإذا اصطدم نفسان فماتا، فعلى عاقلة كل واحد منهما دية صاحبه؛ لأن كل ~~واحد منهما مات من صدمة صاحبه، وإنما هو قرب نفسه إلى محل الجناية عن غير ~~قصد، وإن ماتت دابتاهما، ضمن كل واحد منهما قيمة دابة الآخر، وإذا كان ~~أحدهما يسير والآخر واقفا، فعلى السائر دية الواقف وضمان دابته؛ لأنه ~~قتلهما بصدمته، ولا ضمان على الواقف؛ لأنه لا فعل منه، إلا أن يقف في طريق ~~ضيق، فيكون الضمان عليه؛ لأنه # PageV04P008 # تعدى بالوقوف فيه، فأشبه واضع الحجر فيه، وإن تصادما عمدا، وذلك مما يقتل ~~غالبا، فدماؤهما هدر؛ لأن ضمان كل واحد منهما يلزم الآخر في ذمته، فيتقاصان ~~ويسقطان. وإن ركب صبيان، أو أركبهما وليهما فاصطدما، فهما كالبالغين. # وإن أركبهما من لا ولاية له عليهما، فعليه ضمان ما تلف منهما؛ لأنه تلف ~~بسبب جنايته، وإن أركب الصبي من لا ولاية له، فصدمه كبير فقتله، فالضمان ~~على الصادم؛ لأنه مباشر، فيقدم على المتسبب، وإن مات الكبير فقتله، فضمانه ~~على الذي أركب الصبي؛ لأنه تلف بسبب جنايته، وإن اصطدمت امرأتان حاملان، ~~فحكمهما في أنفسهما ما ذكرنا، وعلى كل واحد منهما نصف ضمان جنينها، ونصف ~~ضمان جنين الأخرى؛ لأنهما اشتركا في قتلهما لجنايتهما عليهما، وإن تصادم ~~عبدان فماتا، فهما هدر؛ لأن جناية كل واحد منهما تتعلق برقبته، فتفوت ~~بفواته، فإن مات أحدهما فقيمته في رقبة الآخر، كسائر جناياته. # فصل: # وإن اصطدمت سفينتان فغرقتا، لتفريط من القيمين، مثل تقصيرهما في آلتهما، ~~وتركهما ضبطهما مع إمكانه، أو تسييرهما إياهما في ريح شديدة لا تسير السفن ~~في مثلها، ضمن كل واحد منها سفينة الآخر بما فيها، كالفارسين إذا اصطدما، ~~فإن لم يفرطا، فلا ضمان عليهما؛ ms1073 لأنه تلف حصل بأمر لا صنع لهما فيه، ولا ~~تفريط منهما، أشبه التلف بصاعقة، وإن فرط أحدهما دون صاحبه، ضمن المفرط ~~وحده. وإن فرطا جميعا، وكان أحدهما منحدرا، والآخر مصعدا، فعلى المنحدر ~~ضمان المصعد؛ لأن المنحدر كالسائر، والمصعد كالواقف، فيختص المنحدر بالضمان ~~كالسائر. ومن غرق سفينة فيها ركبان بسبب يقتل مثله غالبا عمدا، فعليه ~~القصاص، وإن كان خطأ، فعلى عاقلته دية الركبان. وإن كان عمدا بسبب لا يقتل ~~مثله غالبا، فقتلهم شبه عمد. # فصل: # وإذا قال بعض ركبان السفينة لرجل: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه، وجب ~~عليه ضمانه؛ لأنه استدعى منه إتلاف ماله بعوض، لغرض صحيح، فأشبه ما لو قال: ~~أعتق عبدك وعلي ثمنه، وإن قال: ألقه وضمانه علي، وعلى ركبان السفينة ففعل، ~~فعليه بحصته من الضمان. إن كانوا عشرة فعليه العشر، ويسقط سائره؛ لأنه جعل ~~الضمان على الجميع، فلم يجب عليه أكثر من حصته، وإن قال: ألق ونحن نضمنه ~~لك، وعلي تحصيله لك لزمه؛ لأنه تكفل له بتحصيل عوضه، وكذلك إن قال: قد ~~أذنوا لي في الضمان عنهم، فألقه ونحن ضمنا لك، ضمن جميعه؛ لأنه غره. # PageV04P009 # فصل: # وإذا رمى أربعة بالمنجنيق، فقتل الحجر رجلا، فعلى كل واحد منهم ربع ديته، ~~وإن قتل الحجر أحدهم، ففيه وجهان: # أحدهما: يسقط ربع ديته، ويلزم شركاءه ثلاثة أرباعها؛ لأنه مات بفعله ~~وفعلهم، فهدر ما قابل فعله، ولزم شركاءه الباقي، كما مات من جراحاتهم، ~~وجراح نفسه. # الثاني: يلزم شركاءه جميع ديته، ويلغو فعل نفسه، قياسا على المصطدمين. # وإن كانوا ثلاثة فما دون، ففيه وجه ثالث، وهو أن يجب ثلث دية المقتول على ~~عاقلته لورثته، ويجب على عاقلة الآخرين ثلثا ديته. # فصل: # إذا وقع رجل في بئر، ووقع آخر خلفه من غير جذب ولا دفع فمات الأول، وجبت ~~ديته على الثاني؛ لما روى علي بن رباح اللخمي: أن بصيرا كان يقود أعمى، ~~فخرا في بئر، ووقع الأعمى فوق البصير فقتله، فقضى عمر بعقل البصير على ~~الأعمى، فكان الأعمى ينشد في الموسم: # يا أيها الناس ms1074 لقيت منكرا ... هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا # خرا معا كلاهما تكسرا # ولأن الأول مات بوقوع الثاني عليه، فوجبت ديته عليه، وإن مات الثاني هدرت ~~ديته؛ لأنه لا صنع لغيره في هلاكه، وإن ماتا معا، فعليه ضمان الأول، ودمه ~~هدر كذلك، وإن وقع عليهما ثالث، فدية الأول على الثاني والثالث؛ لأنه مات ~~بوقوعهما عليه، ودية الثاني على الثالث؛ لأنه انفرد بالوقوع عليه، فانفرد ~~بديته، ودم الثالث هدر، هذا إذا كان الوقوع عليه هو الذي قتله، فإن كان ~~البئر عميقا يموت الواقع بمجرد وقوعه، لم يجب الضمان على أحد؛ لأن كل واحد ~~منهم مات بوقعته، لا بفعل غيره. وإن احتمل الأمرين فكذلك؛ لأن الأصل عدم ~~الضمان. # فصل: # فإن خر رجل في زبية أسد، فجذب ثانيا، وجذب الثاني ثالثا، وجذب الثالث ~~رابعا، فقتلهم الأسد، فدم الأول هدر؛ لأنه لا صنع لأحد في إلقائه، وعليه ~~دية الثاني؛ لأنه السبب في قتله، وعلى الثاني دية الثالث كذلك، وعلى الثالث ~~دية الرابع، كذلك. # PageV04P010 # وفيه وجه آخر: أن دية الثالث على الأول، والثاني نصفين؛ لأن جذب الأول ~~الثاني سبب في جذب الثالث، ودية الرابع على الثلاثة أثلاثا كذلك، وقد روي ~~عن أحمد: أنه ذهب فيها إلى قضية علي - رضي الله عنه - وهو ما روى حنش ~~الصنعاني: «أن قوما من أهل اليمن حفروا زبية للأسد فوقع فيها، فاجتمع الناس ~~على رأسها، فهوى فيها واحد، فجذب ثانيا، فجذب الثاني ثالثا، ثم جذب الثالث ~~رابعا، فقتلهم الأسد، فرفع ذلك إلى علي - رضي الله عنه - فقال: للأول ربع ~~الدية؛ لأنه هلك فوقه ثلاثة، وللثاني ثلث الدية؛ لأنه هلك فوقه اثنان، ~~وللثالث نصف الدية؛ لأنه هلك فوقه واحد، وللرابع الدية كاملة، وقال: وإني ~~أجعل الدية على من حفر رأس البئر، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: هو كما قال» رواها سعيد بن منصور بإسناده، وذكرها أحمد. واحتج بها، ~~وذهب إليها، فإن كان هلاكهم لوقوع بعضهم على بعض، فلا شيء على الرابع؛ لأنه ~~لا صنع له، وتجب ديته على الثالث في ms1075 إحدى الوجهين؛ لأنه المباشر لجذبه. # وفي الثاني: ديته على الثلاثة أثلاثا، وتجب دية الثالث على الثاني في أحد ~~الوجوه، والثاني تجب ديته على الأول والثاني نصفين، ويلغى فعل نفسه، ~~والثالث يهدر ما قابل فعله في نفسه، ويجب على عاقلة الآخرين ثلثا ديته، ~~والرابع يهدر نصف ديته، ويجب على عاقلة الثاني نصفها، وأما الثاني: ففيه ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: تجب ديته على الأول والثالث نصفين. # والثاني: يهدر من ديته ثلثها؛ لأنه قابل فعل نفسه، ويجب ثلثاها على الأول ~~والثالث. # والثالث: تجب الدية على عواقلهم ثلاثتهم. # وفي الأول ثلاثة أوجه: # أحدها: تجب ديته على الثاني والثالث نصفين. # والثاني: يجب عليهما ثلثاها ويسقط ثلثها. # والثالث: تجب الدية على عواقلهم كلهم. # فصل: # إذا تجارح رجلان، وزعم كل واحد منهما، أنه جرح الآخر دفعا عن نفسه، وجب ~~على كل واحد منهما ضمان صاحبه؛ لأن الجرح قد وجد، وما يدعيه من القصد لم ~~يثبت فوجب الضمان، والقول قول كل واحد منهما مع يمينه في نفي القصاص؛ لأن ~~ما يدعيه محتمل فيندرئ به القصاص؛ لأنه يندرئ بالشبهات. # PageV04P011 # فصل # ومن اضطر إلى طعام إنسان، أو شرابه، فمنعه مع غناه عنه فهلك ضمنه؛ لأن ~~عمر - رضي الله عنه - قضى بذلك، ولأنه قتله بمنعه طعاما يجب دفعه إليه ~~فضمنه، كما لو منعه طعامه فهلك بذلك. وإن رآه في مهلكة فلم ينجيه لم يضمنه؛ ~~لأنه لم يتسبب إلى قتله بخلاف التي قبلها، وقال أبو الخطاب - رحمه الله -: ~~يلزمه ضمانه على قياس التي قبلها، ولا يصح؛ لأنه في الأول منعه من تناول ما ~~تبقى حياته به، فنسب هلاكه إليه، بخلاف هذا، فإنه لا صنع له فيه. ### | باب مقادير الديات # دية الحر المسلم: مائة من الإبل؛ لما روى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن ~~حزم، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى أهل ~~اليمن، بكتاب فيه الفرائض والسنن: «وإن في النفس الدية؛ مائة من الإبل» ~~رواه مالك في الموطأ، والنسائي في السنن. # فصل: # ودية العمد المحض، وشبه ms1076 العمد أرباع، خمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون حقة، ~~وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون بنت مخاض، في إحدى الروايتين؛ لما روى ~~الزهري، عن السائب بن يزيد قال: «كانت الدية على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أرباعا، خمسا وعشرين جذعة، وخمسا وعشرين حقة، وخمسا وعشرين بنت ~~لبون، وخمسا وعشرين بنت مخاض» ، ولأنه قول ابن مسعود - رضي الله عنه -. # والثانية: يجب ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، أي حاملا؛ لما ~~روى عبد الله بن عمرو: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألا في ~~قتيل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها ~~أولادها» رواه أبو داود. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «من قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول إن ~~شاءوا قتلوا، وإن شاءوا، أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، ~~وأربعون خلفة، وما صولحوا عليه، فهو لهم» رواه الترمذي. وقال: حديث # PageV04P012 # حسن. والخلفة: الحامل. وعن عمرو بن شعيب: أن رجلا يقال له: قتادة، حذف ~~ابنه بالسيف فقتله، فأخذ منه عمر ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة ~~رواه مالك في الموطأ. وهل يعتبر في الأربعين، أن تكون ثنايا؟ على وجهين: # أحدهما: لا يعتبر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أطلق الخلفات، ~~فاعتبار السن تقييد لا يصار إليه إلا بدليل. # والثاني: يجب أن تكون ثنايا؛ لأن في بعض الألفاظ، منها أربعون خلفة، ما ~~بين ثنية عامها إلى بازل، ولأن سائر الأنواع مقدرة السن، فكذلك الخلفات. # فصل: # ودية الخطأ وما أجري مجراه أخماس، عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، ~~وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة؛ لما روى ابن مسعود: أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «في دية الخطأ عشرون جذعة، وعشرون حقة، ~~وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون بني مخاض» رواه أبو داود. وعمد ~~الصبي، والمجنون جار مجرى الخطأ، وحكمه حكمه؛ لأنه لا يوجب قصاصا بحال، ~~وكذلك فعل النائم، مثل أن ينقلب ms1077 على شخص فيقتله، والقتل بالسبب مثل حفر ~~البئر، ووضع الحجر، وسائر ما ذكرناه حكمه حكم الخطأ. # فصل: # وتجب الإبل صحاحا، غير مراض، ولا عجاف، ولا معيبة؛ لأنه بدل متلف من غير ~~جنسه، فلم يقبل فيه معيب، كقيمة المال. ومتى أحضرها على الصفة المشروطة، ~~لزم قبولها، سواء كانت من جنس ماله، أو لم تكن؛ لأنها بدل متلف، فلم يعتبر ~~كونها من جنس ماله، كسائر قيم المتلفات. # فصل: # وظاهر كلام الخرقي: أنه لا يعتبر قيمة الإبل، بل متى وجدت الصفة المشروطة ~~وجب أخذها، قلت قيمتها أو كثرت؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أطلق ~~الإبل، فتقييدها بالقيمة يخالف ظاهر الخبر، ولأنه خالف بين أسنان دية العمد ~~والخطأ، تخفيفا لدية الخطأ عن دية العمد، واعتبارها بقيمة واحدة تسوية ~~بينهما، وإزالة للتخفيف المشروع. # PageV04P013 # وعن أحمد: أنه يعتبر أن تكون قيمة كل بعير مائة وعشرين درهما؛ لأن عمر ~~قومها باثني عشر ألف درهم، ولأنها إبدال محل واحد، فيجب أن تستوي قيمتها، ~~كالمثل والقيمة في المتلفات. # فصل: # وظاهر كلام الخرقي: أن الإبل هي الأصل في الدية، قال أبو الخطاب: هذا ~~إحدى الروايتين عن أحمد؛ لما روينا من الأخبار. والرواية الأخرى: أن الأصول ~~ستة أنواع: الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والورق، والحلل؛ لما روي في ~~كتاب عمرو بن حزم: «وإن في النفس المؤمنة مائة من الإبل، وعلى أهل الذهب ~~ألف دينار» رواه النسائي. # وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن عمر قام خطيبا فقال: إن الإبل قد ~~غلت، قال: فقوم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا، ~~وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي ~~حلة رواه أبو داود. وهذا كان بمحضر من الصحابة فكان إجماعا. وقال القاضي: ~~لا يختلف المذهب في أن هذه الأنواع أصول في الدية، إلا الحلل، فإن فيها ~~روايتين، فأي شيء منها أحضره من عليه الدية، لزم الولي قبوله؛ لأنها أبدال ~~فائت، فكانت الخيرة إلى المعطي، كالأعيان في الجنس الواحد، وإذا قلنا: ms1078 ~~الأصل الإبل خاصة، وجب عليه تسليمها، وأيهما أراد العدول إلى غيرها، فللآخر ~~منعه؛ لأن الحق متعين فيها، كالمثل في المثليات، فإن أعوزت، أو لم توجد إلا ~~بأكثر من ثمن مثلها، فله الانتقال إلى أحد هذه الأنواع؛ لأنها أبدال عنها، ~~فيصار إليها عند إعوازها، كالقيمة في بدل المثليات. # فصل: # وقدرها من هذه الأنواع على ما جاء في حديث عمر - رضي الله عنه -: وهي ألف ~~مثقال من الذهب الخالص، أو اثنا عشر ألف درهم من دراهم الإسلام التي كل ~~عشرة منها وزن سبعة مثاقيل، أو مائتا بقرة، أو ألفا شاة مقدرة بما تجب في ~~الزكاة، ففي البقر، النصف مسنات، والنصف أتبعة، وفي الغنم يجب النصف ثنايا، ~~والنصف أجذعة، إذا كانت من الضأن. # ويجب في الحلل المتعارف من حلل اليمن، كل حلة بردان، ويجب أن يكون كل نوع ~~منها تبلغ قيمته اثني عشر ألف درهم على الرواية التي تعتبر فيها قيمة ~~الإبل، فيكون قيمة كل بقرة أو حلة ستين درهما، وقيمة كل شاة ستة دراهم؛ # PageV04P014 # لما ذكرنا، ولما روى ابن عباس: «أن رجلا من بني عدي قتل، فجعل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ديته اثني عشر ألفا» رواه أبو داود. # فصل: # وذهب أصحابنا إلى أن الدية تغلظ بالقتل في الحرم والإحرام والشهر الحرام، ~~وقال أبو بكر: وتغلظ أيضا بالرحم المحرم، وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنها ~~لا تغلظ به، ومعنى التغليظ: أن يزاد لكل واحد من هذه الحرمات ثلث الدية، ~~فإن اجتمعت الحرمات الثلاث، وجب ديتان، وعلى قول أبي بكر: إذا اجتمعت ~~الأربع، وجبت ديتان وثلث؛ لما روي، عن عثمان - رضي الله عنه -: أن امرأة ~~وطئت في الطواف، فقضى عثمان - رضي الله عنه - فيها بستة آلاف، وألفين ~~تغليظا للحرم. # وعن ابن عمر أنه قال: من قتل في الحرم، أو ذا رحم، أو في شهر الحرام، ~~فعليه دية وثلث. وعن ابن عباس: أن رجلا قتل رجلا في الشهر الحرام، وفي ~~البلد الحرام. فقال: ديته اثنا عشر ألفا، وللشهر الحرام أربعة آلاف، وللبلد ~~الحرام أربعة ms1079 آلاف، ولم يظهر خلاف هذا، فكان إجماعا، ولا تغلظ لغير ما ~~ذكرنا؛ لعدم الأثر فيه، وامتناع قياسه على ما ورد الأثر فيه، وظاهر كلام ~~الخرقي أنها لا تزاد على مائة من الإبل؛ لقوله الله تعالى: {ومن قتل مؤمنا ~~خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} [النساء: 92] وهذا عام في كل ~~قتيل، وفسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الدية بمائة من الإبل، وإخبار ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في تقدير الواجب بالقتل بمائة من الإبل أو ~~غيرها، مطلقة في الأمكنة والأزمنة والقرابة. وقد قتلت خزاعة قتيلا من هذيل ~~بمكة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وأنتم يا خزاعة، قد قتلتم هذا ~~القتيل من هذيل؟ وأنا والله عاقله، فمن قتل له قتيل بعد ذلك، فأهله بين ~~خيرتين، إما أن يقتلوا، وإما أن يأخذوا الدية» ولم يزد. # وقتل قتادة ابنه فلم يأخذ منه عمر أكثر من مائة، ولأنه بدل متلف، فلم ~~يختلف بهذه المعاني، كسائر المتلفات. # فصل: # ودية الحرة المسلمة نصف دية الرجل؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، في كتاب عمرو بن حزم أنه قال: «دية المرأة على النصف من دية الرجل» ~~، ولأنه إجماع الصحابة؛ روي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد، وابن عمر، ~~وابن عباس - رضي الله عنهم -، ولا مخالف لهم، وتساوي جراحها جراح الرجل إلى ~~ثلث الدية، فإذا زادت، صارت على النصف، لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ~~جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عقل المرأة مثل # PageV04P015 # عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها» رواه النسائي. «وعن ربيعة قال: قلت ~~لسعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ قال: عشر. قلت: ففي إصبعين؟ قال: ~~عشرون. قلت: ففي ثلاث أصابع؟ قال: ثلاثون. قلت: ففي أربع أصابع؟ قال: ~~عشرون. قلت: لما عظمت مصيبتها، قل عقلها؟ قال: هكذا السنة يا ابن أخي» رواه ~~سعيد بإسناده، وهذا يقتضي سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # فصل # ودية الكاتبي: نصف دية المسلم؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن ms1080 أبيه، عن جده، ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «دية المعاهد نصف دية المسلم» ~~رواه أبو داود. وروي عنه: أن ديته ثلث الدية، لما روي أن عمر: جعل دية ~~اليهودي والنصراني أربعة آلاف، إلا أنه رجع عن هذه الرواية. وقال: كنت أذهب ~~إلى أن دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، فأنا اليوم أذهب إلى نصف دية ~~المسلم. فإن قتله المسلم عمدا، أضعفت الدية على قاتله، لإزالة القود؛ لأن ~~عثمان - رضي الله عنه - حكم بذلك، ولو قتله الكافر لم تضعف ديته؛ لأن القود ~~واجب، ونساؤهم على النصف من دياتهم، كما أن نساء المسلمين على النصف منهم، ~~ودية المجوسي: ثمانمائة درهم؛ لما روي عن عمر، وعثمان، وابن مسعود - رضي ~~الله عنهم - أنهم قالوا: ديته ثمانمائة درهم، والمستأمن: كالذمي، وإن كان ~~وثنيا فديته: دية المجوسي؛ لأنه كافر، لا يحل نكاح نسائه، فأما من لم تبلغه ~~الدعوة، إن لم يكن له عهد، فلا ضمان فيه؛ لأنه كافر لا عهد له، أشبه نساء ~~أهل الحرب، وقال أبو الخطاب: يضمن بما يضمن به أهل دينه؛ لأنه محقون الدم ~~من أهل القتال، أشبه المستأمن. # فصل: # وإذا قطع طرف ذمي فأسلم، ثم مات، ففيه وجهان: # أحدهما: تجب دية مسلم. اختاره ابن حامد؛ لأن الاعتبار بحال استقرار ~~الجناية، بدليل ما لو قطع يديه ورجليه فمات، وجبت دية واحدة، اعتبارا بحال ~~الاستقرار. # والثاني: يجب دية ذمي، وهو ظاهر قول أبي بكر والقاضي؛ لأن الجناية يراعى ~~فيها حال وجودها، بدليل عدم وجوب القصاص فيها، وهو في حالة الجناية ذمي، ~~فأما إن رمى إلى ذمي، فلم يقع به السهم حتى أسلم، فعليه دية مسلم؛ لأن ~~الإصابة لمسلم. # PageV04P016 # فصل # ودية الخنثى المشكل: نصف دية ذكر، ونصف دية أنثى. وذلك ثلاثة أرباع دية ~~الذكر؛ لأنه يحتمل الذكورية والأنوثية احتمالا على السواء، فيجب التوسط ~~بينهما كالميراث، والحكم في جراحه، كالحكم في ديته، فإن كانت دون الثلث ~~استوى الذكر والأنثى، وفيما زاد ثلاثة أرباع دية حر ذكر. # فصل: # ودية العبد والأمة: قيمتهما بالغة ما بلغ ms1081 ذلك؛ لأنه مال مضمون بالإتلاف ~~لحق الآدمي بغير جنسه، فأشبه الفرس. وإن جنى عليه جناية غير مقدرة في الحر، ~~ففيه ما نقصه بعد التئام الجرح، كسائر الأموال، وإن كانت مقدرة في الحر، ~~فهي مقدرة في العبد من قيمته، فما وجبت فيه الدية: كالأنف، واللسان، ~~والذكر، والأنثيين، ضمن من العبد بقيمته، وما يجب فيه ديتان، كإذهاب سمعه ~~وبصره، ففيه مثلا قيمته، وما ضمن بجزء من الدية، كاليد والرجل والإصبع، ضمن ~~من العبد بمثله من قيمته؛ لأن ذلك يروى عن علي - رضي الله عنه -، ولأنه ~~ساوى الحر في ضمان الجناية بالقصاص والكفارة، فساواه في اعتبار ما دون ~~النفس ببدل النفس، كالرجل والمرأة، وعن أحمد رواية أخرى: أن الجناية على ~~العبد بما نقص من قيمته، سواء كانت مقدرة في الحر، أو لم تكن مقدرة؛ لأن ~~ضمانه ضمان الأموال، فيجب فيه ما نقص كالبهائم، والحكم في المكاتب وأم ~~الولد، كالحكم في القن؛ لأنهم رقيق. فأما من بعضه حر، ففيه بالحساب، من دية ~~حر وقيمة عبد، فإن كان نصفه حرا، ففيه نصف دية حر لورثته، ونصف قيمته ~~لسيده، وهكذا في جراحه؛ لأن الضمان يتجزأ، فوجب أن يقسم على قدر ما فيه ~~منهما كالكسب. # فصل: # إذا فقأ عيني عبد قيمته ألفان فاندمل، ثم أعتق ومات، وجبت قيمته بكاملها ~~لسيده؛ لأنه استقر حكم الجرح وهو مملوك، وكذلك إن اندمل بعد العتق؛ لأن ~~الضمان يجب بالجناية، وهو حينئذ مملوك، وإن سرى الجرح إلى نفسه، فروى حنبل ~~عن أحمد، أن على الجاني قيمته السيد. وهذا اختيار أبي بكر والقاضي؛ لأن ~~الضمان يجب بالجناية، وهو حينئذ مملوك، فأشبه ما لو اندمل الجرح، وقال ابن ~~حامد: يجب فيه دية حر؛ لأن اعتبار مقدار الواجب بحال الاستقرار، بدليل ما ~~لو فقأ عينه، وقطع أنفه، # PageV04P017 # فمات من سراية الجرح، لم يجب إلا قيمة واحدة، ويصرف ذلك إلى السيد؛ لأن ~~الجناية في ملكه، فإن فقأ إحدى عينيه، فسرى إلى نفسه بعد العتق، فعلى الوجه ~~الأول تجب القيمة بكمالها للسيد، اعتبارا بحال وجودها، وعلى قول ms1082 ابن حامد: ~~يجب دية حر، لسيده منها أقل من الأمرين، من نصف القيمة، أو كمال الدية؛ ~~لأنه إن كان نصف القيمة أقل، فهو الذي وجب له، والزيادة حصلت حال الحرية، ~~وإن كانت الدية أقل، فنقصها بسبب من جهته وهو العتق. # فصل: # وإن قطع يد عبد فأعتق، ثم قطع آخر يده الأخرى ومات، فلا قصاص على الأول، ~~لعدم التكافؤ في حال الجناية، وعليه نصف القيمة لسيده على قول أبي بكر. ~~وعلى قول ابن حامد: عليه نصف ديته، لسيده منها الأقل من نصف قيمته يوم ~~القطع، أو نصف الدية؛ لأن نصف القيمة إن كان أقل، فهو أرش الجناية الموجودة ~~في ملكه، وإن كان أكثر، فالحرية نقصت ما زاد عليه. وأما الثاني: فعليه ~~القصاص في الطرف. إن وقف قطعه، وفي النفس إن سرى؛ لأنه شارك في القتل العمد ~~العدوان، فأشبه شريك الأب، ويتخرج أن لا قصاص عليه، بناء على الرواية ~~الأخرى في شريك الأب، والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها، أن الجناية ثم ~~من واحد، فكانت الدية جميعها عليه، وهاهنا من اثنين، فقسمت الدية عليهما. # فإن عاد الأول، فذبحه بعد اندمال الجرحين، فعليه القصاص للورثة، ونصف ~~القيمة للسيد، وعلى الثاني: القصاص في الطرف، أو نصف الدية، وإن كان قبل ~~الاندمال، فعلى الأول القصاص في النفس دون الطرف، فإن اقتصوا، سقط حق ~~السيد. وإن عفوا على مال، فلهم الدية لا غير، وللسيد أقل الأمرين من نصف ~~القيمة، أو أرش المقطوع، وعلى الثاني: القصاص في الطرف، أو نصف الدية؛ لأن ~~الذبح، قطع سرايتها، فصارت كالمندملة. فإن كان قاطع اليد الأخرى، هو قاطع ~~الأولى، ولم يقتل، فلا قصاص في اليد الأولى لما ذكرنا. # ويجب في الثانية إن وقف القطع. وإن سرى القطعان، فلا قصاص في النفس؛ لأن ~~أحد الجرحين موجب، والآخر غير موجب، ولكن له القصاص من اليد الثانية، فإن ~~عفا عنه على مال، وجب عليه مثل ما يجب على القاطعين في المسألة الأولى، ~~للسيد منه نصف القيمة على قول أبي بكر، وأقل الأمرين من نصف ms1083 القيمة، أو نصف ~~الدية على قول ابن حامد، وإن اقتص منه في اليد الثانية، فعليه في اليد ~~الأولى نصف القيمة، أو نصف الدية على اختلاف الوجهين، وإن قطع يد عبد ~~فأعتق، ثم قطع آخر يده الأخرى، ثم قطع آخر رجله، فمات من الجراحات، فلا ~~قصاص على الأول؛ لعدم التكافؤ حال الجناية، وعلى الآخرين القصاص في النفس ~~في ظاهر المذهب، بناء على شريك الأب، فإن عفا على # PageV04P018 # مال، فالدية عليهم أثلاثا، وفيما يستحقه السيد وجهان: # أحدهما: أقل الأمرين من نصف قيمته، أو ثلث ديته؛ لأنه بالقطع استحق ~~النصف، فإذا صارت نفسا، صار الواجب ثلث الدية، فله أقلهما، وعلى الآخر له ~~أقل الأمرين من ثلث الدية، أو ثلث القيمة، اعتبارا للجناية بما آلت إليه. # فصل: # وإذا جنى على عبد في رأسه، أو وجهه من دون الموضحة، فزاد أرشها على ~~الموضحة، ففيه وجهان: # أحدهما: يرد إلى أرش الموضحة، كالجناية على الحر. # واحتمل أن يجب ما نقص من قيمته بالغا ما بلغ، لأن ذلك الأصل في ضمان ~~العبيد، خولف فيما قدر الشرع أرشه، ففيما عداه يرد إلى الأصل. # فصل: # ودية الجنين الحر المسلم: غرة عبد أو أمة، قيمتها خمس من الإبل، وهو: نصف ~~عشر الدية؛ لما «روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه استشار الناس في إملاص ~~المرأة، فقال المغيرة بن شعبة: شهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قضى ~~فيه بغرة: عبد أو أمة، وهو: نصف عشر الدية. قال: لتأتين بمن يشهد معك، فشهد ~~له محمد بن مسلمة» متفق عليه. وروي عن عمر، وزيد - رضي الله عنهما -: أنهما ~~قالا في الغرة: قيمتها خمس من الإبل، ولأنه أقل ما قد في الشرع في ~~الجنايات، وهو دية السن والموضحة، ولا يقبل في الغرة معيبة، وإن قل العيب، ~~ولا خصي وإن كثرت قيمته؛ لأنه عيب، ولا قيمة الغرة مع وجودها، كما لا يجبر ~~على قبول ما ليس بأصل في الدية فيها، فإن أعوزت، وجبت قيمتها من أحد الأصول ~~في الدية، وسواء كان الجنين ذكرا أو أنثى؛ ms1084 لأن الخبر مطلق، ولأن المرأة ~~تساوي الذكر فيما دون الثلث. # فصل: # وإنما يجب ضمانه إذا علم تلفه بالجناية، ولو ضرب بطنا منتفخا، أو فيه ~~حركة فزالت، ولم يسقط لم يجب شيء؛ لأنه يحتمل أن ذلك ريح ذهبت، وإن قتل ~~حاملا، فلم تسقط، لم يضمن جنينها؛ لعدم التيقن لحملها، وإن ضرب بطن امرأة، ~~فألقت يدا، # PageV04P019 # أو رجلا، أو غيرها من أجزاء الآدمي، وجبت الغرة؛ لأننا تيقنا أنه جنين. ~~والظاهر تلفه بالجناية، فأشبه ما لو ألقته، وإن ألقت رأسين، أو أربعة أيد، ~~لم يجب أكثر من غرة؛ لأن ذلك يحتمل أن يكون من واحد، فلا يجب الزائد بالشك. ~~وإن ألقت جنينين، فعليه غرتان؛ لأن في كل جنين غرة، فأشبه ما لو كانا من ~~امرأتين. # فصل: # وإن ألقت جنينا حيا، ثم مات من الضربة. وكان سقوطه لوقت يعيش مثله، ففيه ~~دية كاملة، لما ذكرنا من حديث عمر في التي أجهضت جنينها فزعا منه، ولأننا ~~تيقنا حياته، وعلمنا موته بالجناية، فأشبه غير الجنين، وإن سقط لوقت لا ~~يعيش مثله، ففيه الغرة؛ لأنه لم يعلم منه حياة يتصور بقاؤه بها، فالواجب ~~فيه غرة، كالذي ألقته ميتا. # فصل: # وإنما يجب ضمانه إذا علم أنه سقط بالضربة ومات بها، بأن تلقيه عقيب ~~الضرب، أو تبقى متألمة إلى أن تلقيه، ويموت عقيب وضعه، أو يبقى متألما إلى ~~أن يموت، فإن بقي مدة سالما لا ألم به ثم مات، لم يضمنه الضارب؛ لأن الغالب ~~أنه لم يمت من الضربة، وإن ألقته حيا فيه حياة مستقرة، فقتله غير الضارب ~~فضمانه عليه؛ لأنه القاتل. وإن كانت حركته حركة المذبوح، فالقاتل هو الأول، ~~وعليه كمال ديته. # فصل # وإن كان الجنين كافرا، فألقته ميتا، ففيه غرة، قيمتها عشر دية أمه، فإن ~~كان أحد أبويه كتابيا، والآخر مجوسيا، ففيه عشر دية كتابية؛ لأن الضمان إذا ~~وجد في أحد أبويه ما يوجب، وفي الآخر ما يسقط غلب الإيجاب، بدليل ما لو قتل ~~المحرم صيدا متولدا من مأكول وغيره. وإن ضرب بطن كتابية حاملا من كتابي ms1085 ~~فأسلمت، ثم ألقته، ففيه غرة قيمتها: خمس من الإبل على قول ابن حامد؛ لأن ~~الضمان معتبر بحالة الاستقرار. وعلى قياس قول أبي بكر: قيمتها عشر دية ~~كتابية، اعتبارا بحال الجناية، وما وجب في الجنين الحر ورثه ورثته؛ لأنه ~~بدل حر، فورث عنه كدية غيره. # فصل: # وإن ألقت مضغة لا صورة فيها، لم يجب ضمانها؛ لأنه لا يعلم أنها جنين، وإن ~~شهد ثقات من القوابل: أن فيها صورة خفية، ففيها غرة؛ لأنه جنين، وإن شهدن ~~أنه مبتدأ خلق آدمي، لو بقي تصور، ففيه وجهان: # أحدهما: فيه الغرة؛ لأنه بدء خلق آدمي، أشبه المصور. # PageV04P020 # والثاني: لا شيء فيه؛ لأنه غير متصور، أشبه العلقة. # فصل: # إذا شربت الحامل دواء، فأسقطت جنينا، فعليها غرة لا ترث منها شيئا؛ لأن ~~القاتل لا يرث، وتعتق رقبة. # فصل: # وإن ضرب بطن مملوكة، فألقت جنينا ميتا، ففيه عشر قيمة أمه؛ لأنه جنين ~~آدمية، فوجب فيه عشر دية أمة، كجنين الحرة، ولأنه جزء منها متصل بها، فقدر ~~بدله من ديتها، كسائر أعضائها، وتعتبر قيمتها يوم الجناية كموضحتها، وإن ~~ضرب بطنها وهي أمة، فأعتقت ثم ألقت، فعلى قول ابن حامد: فيه غرة اعتبارا ~~بحالة الاستقرار، وعلى قول أبي بكر: فيه عشر قيمة أمه؛ لأن الجناية على ~~عبد، وفي جنين المعتق نصفها: نصف غرة، ونصف عشر قيمة أمه؛ لأن نصفه حر ~~ونصفه عبد، ويستوي الذكر والأنثى؛ لأنه جنين مات بالجناية في بطن أمه، فلم ~~يختلف بالذكورية والأنوثية، كجنين الحرة. # فصل: # إذا غر بحرية أمة فوطئها، فحملت منه، ثم ضربها ضارب، فألقت جنينا، ففيه ~~غرة؛ لأنه حر، وريثها ورثته كذلك، وعلى الواطئ عشر قيمة أمه لسيدها؛ لأنه ~~لولا اعتقاده الحرية، لوجب لسيدها عشر قيمتها على الضارب، فقد حال بين ~~سيدها وبين ذلك، فألزمناه إياه، سواء كان بقدر الغرة، أو أقل أو أكثر. ولو ~~ضرب السيد بطن أمته، ثم أعتقها، فأسقطت جنينا، ففي قياس قول أبي بكر: لا ~~ضمان على الضارب؛ لأنه جنى على مملوكه، وعلى قياس قول ابن حامد عليه غرة؛ ~~لأنه ms1086 حر حين استقرار الجناية. ### | باب ديات الجروح # وهي نوعان: شجاج وغيرها. فالشجاج: جروح الرأس والوجه خاصة، وهي عشر: ~~أولها: الحارصة: وهي التي تشق الجلد قليلا، ثم البازلة: وهي الدامية التي ~~يخرج منها دم يسير، ثم الباضعة: وهي التي تشق اللحم بعد الجلد، ثم ~~المتلاحمة: وهي التي تنزل في اللحم، ثم السمحاق: وهي التي تشق اللحم كله ~~حتى ينتهي إلى قشرة رقيقة بين العظم واللحم، تسمى السمحاق، فسميت الشجة ~~بها، فهذه الخمس لا توقيت فيها، وعنه: في الدامية بعير، والباضعة بعيران. ~~وفي المتلاحمة ثلاثة، وفي # PageV04P021 # السمحاق أربعة؛ لأن هذا يروى عن زيد بن ثابت ورواه سعيد، عن علي، وزيد في ~~السمحاق. والأول: ظاهر المذهب؛ لأنها جروح لم يرد الشرع فيها بتوقيت، فكان ~~الواجب فيها الحكومة، كجروح البدن، قال مكحول: «قضى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في الموضحة، بخمس من الإبل، ولم يقض فيما دونها» ، ثم الموضحة: ~~وهي التي تنتهي إلى العظم، فتبدي وضحه أي بياضه، ثم الهاشمة التي تهشم ~~العظم بعد إيضاحه، ثم المنقلة، وهي التي تنقل العظم من مكان إلى غيره، ثم ~~المأمومة وتسمى الأمة، وهي التي تصل إلى أم الدماغ، وهي جلدة رقيقة تحيط ~~به، ثم الدامغة، وهي التي تنتهي إلى الدماغ. # فهذه الخمس فيها مقدر، ففي الموضحة خمس من الإبل، لما ذكرنا، ولما روى ~~عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«في المواضح خمس خمس» رواه أبو داود. وسواء في ذلك الكبيرة والصغيرة، ~~وموضحة الرأس والوجه، وعنه: في موضحة الوجه عشر من الإبل؛ لأن شينها أكثر، ~~ولا تسترها العمامة، والأول: المذهب للخبر، ولأننا سوينا الصغرى والكبرى مع ~~اختلاف شينهما، كذا هاهنا. وإن أوضحه موضحتين بينهما حاجز، ففيهما عشر، فإن ~~أزال الحاجز بينهما بفعله، أو ذهب بالسراية، ففيهما أرش موضحة؛ لأنهما صارا ~~موضحة واحدة بفعله أو سرايته، وسراية الفعل كالفعل، وإن أزال الحاجز بعد ~~اندمالهما، فهي ثلاث مواضح؛ لأن استقر أرش الأوليين باندمالهما، وإن أزال ~~الحاجز أجنبي، فعليه أرش موضحة، ms1087 وعلى الأول أرش موضحتين. # سواء أزاله قبل اندمالهما أو بعده؛ لأن فعل أحدهما لا ينبني على الآخر، ~~فصار كل واحد كالمنفرد بجنايته، وإن أزاله المجني عليه، فعلى الأول أرش ~~موضحتين كذلك، وإن أوضحه موضحتين، وحرق ما بينهما في الظاهر دون الباطن، ~~فهما موضحتان، لأن ما بينهما ليس بموضحة، وإن حرق ما بينهما في الباطن دون ~~الظاهر، فكذلك في أحد الوجهين، وفي الثاني: هما موضحة واحدة، لا تصالهما في ~~الباطن، وإن أوضحه في رأسه، ونزل إلى وجهه، ففيه وجهان: # أحدهما: فيها أرش موضحتين؛ لأنها في عضوين. # والثاني: هي موضحة واحدة؛ لأن الجميع إيضاح لا حاجز فيه، أشبه ما كان في ~~عضو واحد، وإن أوضحه في هامته، فنزل إلى قفاه، ففيه أرش موضحة، وحكومة لجرح ~~القفا؛ لأنه ليس بمحل للموضحة، فانفرد الجرح فيه بالضمان. ولو شق جميع رأسه ~~سمحاقا إلا موضعا منه أوضحه، لم يلزمه إلا دية موضحة؛ لأنه لو أوضح الجميع ~~لم يجب إلا دية موضحة، فهاهنا أولى، وإن أوضحه في جميع رأسه ورأس الشاج قدر # PageV04P022 # ثلاثة أرباع رأس المشجوج، فاقتص منه، فله ربع أرش الموضحة؛ لأن الباقي ~~بعد القصاص ربعها، فوجب ربع أرشها، وقال أبو بكر: لا يجب مع القصاص شيء؛ ~~لئلا يجمع بين قصاص ودية في جرح واحد، وفي الهاشمة عشر من الإبل؛ لما روي ~~عن زيد بن ثابت أنه قال: في الهاشمة عشر من الإبل، وإن هشمه هاشمتين بينهما ~~حاجز، ففيهما دية هاشمتين، وسائر فروعها على ما ذكرنا في الموضحة، وإن ضربه ~~بمثقل فهشم العظم من غير إيضاح، ففيه وجهان: # أحدهما: فيه حكومة؛ لأنه كسر عظم من غير إيضاح، أشبه كسر عظم الساق. # والثاني: فيه خمس من الإبل؛ لأنه لو أوضحه وهشمه وجب عشر، ولو أوضحه ولم ~~يهشمه، وجب خمس؛ فدل على أن الخمس الأخرى وجبت في الهشم، فيجب ذلك فيه، وإن ~~انفرد على الإيضاح، وفي المنقلة خمسة عشر من الإبل، وفي المأمومة ثلث ~~الدية؛ لما روي عن عمرو بن حزم: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms1088 - كتب ~~إلى أهل اليمن: «في الموضحة خمس من الإبل، وفي المأمومة ثلث الدية» رواه ~~النسائي. فأما الدامغة، ففيها ما في المأمومة؛ لأن الزيادة لم يرد الشرع ~~بإيجاب شيء فيها. وقيل: يجب للزيادة حكومة مع أرش المأمومة، لتعديه بخرق ~~جلدة الدماغ، وإن أوضحه رجل ثم هشمه آخر، ثم جعلها آخر منقلة، ثم جعلها ~~الرابع مأمومة، فعلى الأول أرش موضحة، وعلى الثاني خمس تمام أرش الهاشمة، ~~وعلى الثالث خمس تمام أرش المنقلة، وعلى الرابع ثماني عشر وثلث تمام أرش ~~المأمومة. # فصل: # النوع الثاني: غير الشجاج، وهي جروح سائر البدن، وذلك قسمان: # أحدهما: الجائفة، وهي الجراحة الواصلة إلى الجوف من بطن، أو ظهر، أو ورك، ~~أو صدر، أو ثغرة نحر، فيجب فيها ثلث الدية؛ لما روى عمرو بن حزم: أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى أهل اليمن: «في الجائفة ثلث الدية» ~~رواه النسائي. والكبيرة والصغيرة سواء، لما ذكرنا في الموضحة، وإن أجافه ~~جائفتين بينهما حاجز، أو طعنه في جوفه، فخرج من جانب آخر، أو من ظهره، فهما ~~جائفتان؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن عمر قضى في الجائفة ~~إذا نفذت في الجوف، فهي جائفتان، ولأنهما جراحتان نافذتان إلى الجوف، فوجب ~~فيهما أرش الجائفتين كالواصلتين من خارج، وإن أجافه رجل، ووسع آخر الجائفة، ~~فعلى كل واحد منهما أرش جائفة؛ لأن فعل الثاني لو انفرد كان جائفة، وإن ~~وسعها في الظاهر دون الباطن، أو في الباطن دون الظاهر، فعليه # PageV04P023 # حكومة، لأن جنايته لم تبلغ الجائفة، وإن أجافه، ونزل بالسكين إلى الفخذ، ~~فعليه دية جائفة، وحكومة لجرح الفخذ؛ لأنه في غير محل الجائفة؛ فأشبه ما لو ~~أوضحه، ومد السكين إلى القفا، وإن خزق شدقه، فليس بجائفة؛ لأن حكم الفم حكم ~~الظاهر، فإن طعنه في وجنته، فكسر العظم، ووصل إلى فيه، فليس بجائفة كذلك، ~~وعليه دية هاشمة، لكسر العظم، وفيما زاد حكومة. وإن خاط الجائفة، ففتقها ~~آخر قبل التحامها عزر، وعليه ضمان ما أتلف من الخيوط، وأجرة الخياط. # ولا يلزمه ms1089 دية الجائفة؛ لأنه لم يجفه، وإن كانت قد التحمت، فعليه دية ~~جائفة؛ لأنها بالالتحام عادت إلى ما كانت، وإن التحم بعضها دون بعض، ففتق ~~ما التحم، فعليه دية جائفة كذلك. وقال القاضي: ليس عليه إلا حكومة، فإن ~~أدخل خشبة في دبر إنسان، ففتح جلده في الباطن، ففيه وجهان بناء على من وسع ~~الموضحة في الباطن وحده، فإن وطئ مكرهة، أو امرأة بشبهة، أو زوجته الصغيرة ~~ففتقها، وهو أن يجعل مسلك البول والمني واحدا، فعليه ثلث الدية؛ لما روي عن ~~عمر - رضي الله عنه - أنه قضى في الإفضاء بثلث الدية، ولأنها جناية تجرح ~~جلدة تفضي إلى جوف، أشبه الجائفة، وإن وطئ زوجته التي يوطأ مثلها، ففتقها ~~لم يلزمه شيء؛ لأنه من أثر فعل مباح، أشبه أرش البكارة، وإن زنى بامرأة ~~مطاوعة، فلا شيء عليه؛ لأنه فعل مأذون فيه، فلم يلزمه أرش لذلك، كما لو ~~أذنت في قطع عضوها. # فصل # والقسم الثاني: غير الجائفة مثل إن أوضح عظما، أو هشمه أو نقله، فلا يجب ~~سوى الحكومة؛ لأنه لا تقدير فيها، ولا يمكن قياسها على المقدر، لعدم ~~المشاركة في الشين والخوف عليها منها، وإن لطم إنسانا في وجهه أو غيره فلم ~~يؤثر، فلا أرش عليه، وإن سود وجهه أو خضره، وجبت عليه دية كاملة؛ لأنه أذهب ~~الجمال على الكمال، فلزمته دية كما لو قطع أنفه. وإن سود غيره من الأعضاء ~~أو خضره، ففيه حكومة، وكذلك إن حمر وجهه أو صفره، أو سود بعضه، ففيه حكومة؛ ~~لأنه لم يذهب بالجمال على الكمال. وإن صعره وهو أن يصير وجهه في جانب، ففيه ~~الدية؛ لما روى مكحول، عن زيد بن ثابت أنه قال: في الصعر الدية، ولأنه أذهب ~~الجمال والمنفعة، فوجبت عليه الدية، كإذهاب البصر، وإن لم يبلغ الصعر، لكن ~~يشق عليه الالتفات، أو ابتلاع الماء، فعليه حكومة كذلك؛ لأنه لم يذهب ~~بالمنفعة كلها، فأشبه ما لو قلل بصره. # فصل # ومعنى الحكومة أن يقوم المجني عليه، كأنه عبد لا جناية به، ثم يقوم وهي ~~به قد ms1090 # PageV04P024 # برأت، فما نقص من القيمة، فله بقسطه من الدية، كأن قيمته وهو عبد لا ~~جناية به مائة، وقيمته بعد الجناية تسعة وتسعون، فيجب فيه عشر عشر ديته؛ ~~لأن الجناية نقصته عشر عشر قيمته؛ لأنه لما عدم النص في أرشه، وجب المصير ~~فيه إلى الاجتهاد بما ذكرنا، كالصيد الحرمي، إذا لم يوجد نص في مثله، رجع ~~فيه إلى ذوي عدل، ليعرف مثله، ولا يقبل التقويم إلا من عدلين من أهل الخبرة ~~بقيم العبيد، كما في تقويم سائر المتلفات، ويجب بقدر ما نقص من الدية؛ لأنه ~~مضمون بها، كما يجب أرش المعيب من الثمن، لكونه مضمونا به، وإذا نقصته ~~الجناية عشر قيمته، وجب عشر ديته، إلا أن تكون الجناية في رأس، أو وجه ~~فتزيد الجراح بالحكومة على أرش موضحة، أو على عضو، فتزيد على ديته، فإن يرد ~~إلى أرش الموضحة ودية العضو، وينقص عنه بقدر ما يؤدي إليها اجتهاد الحاكم؛ ~~لأنه لا يجوز أن يجب فيما دون الموضحة ما يجب فيها؛ لأن من جرح الموضحة، ~~فقد أتى على ما دونها، وزاد عليه، وكذلك لا يجوز أن يجب في جراح الإصبع فوق ~~ديتها. # فصل: # وإن لم يحصل بالجناية نقص في جمال ولا نفع، مثل قطع إصبع زائدة، أو قلع ~~سن زائدة، أو لحية امرأة، فاندمل الموضع من غير نقص، أو زاده جمالا وقيمة، ~~ففيه وجهان: # أحدهما: لا يجب شيء؛ لأنه لم يحصل بفعله نقص، فلم يجب شيء، كما لو لكمه ~~فلم يؤثر. # والثاني: يجب ضمانه؛ لأنه جزء من مضمون، فوجب ضمانه كغيره، فعلى هذا ~~يقومه في أقرب أحواله إلى الاندمال؛ لأنه لما سقط اعتباره بعد اندماله، قوم ~~في أقرب أحواله إليه كولد المغرور يقوم في أول حال يمكن فيها التقويم بعد ~~العلوق، وهي عند الوضع، فإن لم ينقص في تلك الحال، قوم حين جريان الدم، وإن ~~قلع سنا زائدة، قوم وليس خلفها سن أصلية، وإن قلع لحية امرأة، قومت كرجل لا ~~لحية له، ثم يقوم وله لحية، ويجب ما بينهما. # فصل: # وإن جنى ms1091 عليه جناية لها أرش، ثم ذبحه قبل اندمال الجرح، دخل أرش الجرح في ~~دية النفس؛ لأنه مات بفعله قبل استقرار الجناية، أشبه ما لو مات من سراية ~~الجرح. # PageV04P025 # وإن قتله غيره وجب أرش الجرح؛ لأنه لا ينبني فعل غيره على فعله، أشبه ما ~~لو اندمل الجرح. ### | باب دية الأعضاء والمنافع # كل ما في الإنسان منه شيء واحد: كاللسان، والأنف، والذكر، ففيه الدية ~~كاملة، وما فيه منه شيئان كالعينين وغيرهما ففيهما الدية، وفي أحدهما ~~نصفها، وما فيه منه أربعة، كأجفان العينين، ففيهن الدية، وفي إحداهن ربعها، ~~وما فيه منه عشر، كأصابع اليدين والرجلين، ففيها الدية، وفي الواحدة عشرها، ~~وفي إتلاف منفعة الحس: كالسمع، أو البصر، أو الشم، أو العقل ونحوه الدية؛ ~~لأن ذلك يجري مجرى تلف الآدمي، فجرى مجراه في ديته. # فصل: # يجب في العينين الدية؛ لأن في كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر بن ~~حزم: «وفي العينين الدية» ولأنه إجماع، وفي إحداهما نصف الدية؛ لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «وفي العين خمسون من الإبل» رواه مالك في الموطأ. ~~وسواء في ذلك الصحيحة والمريضة، وعين الصغير والكبير كذلك، وفي عين الأعور ~~دية كاملة؛ لأنه يروى عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر - رضي الله عنهم -: ~~أنهم قضوا بذلك، ولم نعرف لهم مخالفا في عصرهم؛ فكان إجماعا، ولأنه يحصل ~~بها ما يحصل بالعينين، فكانت مثلهما في الدية، وإن قلع الأعور عيني صحيح، ~~ففيها الدية، لما تقدم، وإن قلع عينه التي لا تماثل عين القالع، ففيها نصف ~~الدية كذلك. وإن قلع المماثلة لعينه خطأ فكذلك، وإن قلعها عمدا، فلا قصاص، ~~وعليه دية كاملة؛ لأنه يروى عن عمر وعثمان - رضي الله عنهما -، ولأنه منع ~~القصاص مع وجود سببه، فأضعفت الدية، كقاتل الذمي عمدا. # فصل: # وفي البصر الدية؛ لأنه النفع المقصود بالعين، وفي ذهابه من إحداهما ~~نصفها، فإن ذهب بالجناية على رأسه أو عينيه، أو بمداواة الجناية، وجبت ~~الدية؛ لأنه بسببه، فإن ذهب ثم عاد، لم تجب الدية. فإن كان قد أخذها ردها؛ ~~لأن ms1092 عوده يدل على أنه لم يذهب، إذ لو ذهب لما عاد. وإن ذهب، فقال عدلان من ~~أهل الخبرة: إنه يرجى عوده إلى مدة، انتظر إليها، فإن مات قبلها، وجبت ~~الدية؛ لأنه لم يعد، وإن بلغ المدة ولم يعد وجبت؛ لأننا تبينا ذهابه، وإن ~~قالا: يرجى عوده، ولم يقدرا مدة، لم ينتظر؛ لأنه ذاهب في الحال، وانتظاره ~~لا إلى مدة، إسقاط لموجب الجناية بالكلية، وكذلك الحكم في السمع والشم ~~والسن. # PageV04P026 # فصل # وإن نقص الضوء، وجبت الحكومة، وإن نقص ضوء إحداهما، عصبت العليلة، وأطلقت ~~الصحيحة، ونصب له شخص، كما فعل علي - رضي الله عنه - برجل ادعى نقص ضوء ~~عينه، فأمر بها فعصبت، وأعطى رجلا بيضة، فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى ~~بصره، ثم أمر فخط عند ذلك، ثم أمر بعينه الأخرى فعصبت، وفتحت العليلة، ~~وأعطى رجلا بيضة، فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى بصره، ثم خط عنه ذلك، ثم ~~حول إلى مكان آخر، ففعل مثل ذلك، فوجده سواء، فأعطاه بقدر نقص بصره من مال ~~الآخر، وإنما يمتحن بذلك مرتين، ليعلم صدقه بتساوي المسافتين، وكذبه ~~باختلافهما، والجناية على الصبي والمجنون، كالجناية على غيرهما، إلا أن ~~وليهما خصم عنهما، فإن توجهت اليمين عليهما، لم يحلفا، ولم يحلف وليهما، ~~حتى إذا بلغ الصبي، وعقل المجنون، حلفا حينئذ، وإن جنى عليه، فأحول عينه أو ~~شخصت ففيه حكومة؛ لأنه نقص لم يذهب بالمنفعة كلها، فأشبه ما لو قل بصره. # فصل # ويجب في جفون العينين الدية؛ لأن فيها جمالا كاملا، ونفعا كثيرا؛ لأنها ~~تقي العينين ما يؤذيهما وسواء في هذا البصير والأعمى؛ لأن العمى عيب في غير ~~الجفون، وفي الواحد منهما ربع الدية؛ لأنه ربع ما فيه الدية، وإن قلع ~~العينين بجفونهما، لزمته ديتان؛ لأنهما جنسان يجب في كل واحد منهما دية، ~~فيجب فيهما ديتان، إذا أتلفا، كاليدين والرجلين، ويجب في أهداب العينين ~~الدية؛ لأن فيها جمالا ظاهرا، ونفعا كاملا؛ لأنها وقاية للعين، فأشبهت ~~الجفون، وفي الواحد منها ربع الدية، فإن قلع الجفون بأهدابها، لم يجب أكثر ~~من ms1093 دية؛ لأن الشعر يزول تبعا لزوال الأجفان، فلم يجب فيه شيء، كالأصابع إذا ~~زالت بقطع الكف. # فصل # وفي الأذنين الدية؛ لأن في كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن ~~حزم: «وفي الأذنين الدية» ولأن فيهما جمالا ظاهرا، ونفعا كاملا، يجمعان ~~الصوت، ويوصلانه إلى الدماغ، فأشبها العينين. وفي إحداهما نصفها؛ لأنه نصف ~~ما فيه الدية، فأشبهت العين، ودية أذن الأصم، كدية أذن الصحيح؛ لأن الصمم ~~نقص في غير الأذن، فلا يؤثر في ديتها، كما لم يؤثر العمى في دية الجفون، ~~وإن جنى عليها، فاستحشفت فعليه حكومة؛ لأن نفعها لا يزول بذلك، إن قطعت بعد ~~استحشافها وجبت ديتها؛ لأنها أذن فيها الجمال والمنفعة، فأشبهت الصحيحة، ~~وفي قطع بعض الأذن بقسطه، يقدر بالأجزاء؛ لأن ما وجبت فيه الدية وجب في ~~بعضه بقسطه، كالأصابع. # PageV04P027 # فصل # وفى السمع الدية؛ لما روى أبو المهلب، عن أبي قلابة: أن رجلا رمى رجلا ~~بحجر في رأسه، فذهب بصره، وسمعه، وعقله، ولسانه، فقضى فيه عمر بأربع ديات ~~وهو حي، ولأن جنايته تختص بمنفعة، فأشبه البصر، وفي سمع إحدى الأذنين نصف ~~الدية، كبصر إحدى العينين. وإن قطع الأذنين فذهب السمع، وجب ديتان؛ لأن ~~السمع في غير الأذنين، فلم تدخل دية أحدهما في الآخر، كالبصر والجفون، وإن ~~قل السمع أو ساء ففيه حكومة، وإن نقص سمع إحدى الأذنين، سدت العليلة، ~~وأطلقت الصحيحة. وأمر الرجل يصيح من موضع يسمعه ويعمل كما عمل في نقص البصر ~~من إحدى العينين، ويؤخذ من الدية بقدر نقصه. # فصل # وفي مارن الأنف، وهو ما لان منه الدية؛ لأنه في كتاب عمرو بن حزم، ولما ~~روى طاوس قال: كان في كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «في الأنف ~~إذا أوعب مارنه جدعا الدية» رواه النسائي. ولأن فيه جمالا ظاهرا، ونفعا ~~كاملا، فإنه يجمع الشم، ويمنع وصول التراب ونحوه إلى الدماغ، والأخشم ~~كالأشم؛ لأن الشم في غير الأنف، وفي قطع جزء من الأنف بقسطه، كما في الأذن. ~~وفي كل واحد من المنخرين ثلث الدية، وفي الحاجز بينهما ms1094 ثلثها؛ لأنه يشتمل ~~على ثلاثة أشياء، فتوزعت الدية عليها، ويحتمل أن يجب في كل واحد من ~~المنخرين نصف الدية؛ لأنه يذهب بذهاب أحدهما نصف الجمال والنفع، فإن قطع ~~أحدها والحاجز، ففيهما ثلث الدية، على الأول، وعلى الاحتمال الثاني، يجب ~~نصف الدية، وحكومة. وفي الحاجز وحده حكومة. وإن قطع المارن وشيئا من ~~القصبة، ففيه دية للمارن، وحكومة للقصبة، وقياس المذهب: أن الواجب دية ~~واحدة، كقطع اليد من الذراع. # فصل # وفي الشم الدية، وفي ذهابه من أحد المنخرين نصفها، وفي نقصه حكومة، وإن ~~نقص من أحد المنخرين، قدر بمثل ما يقدر به، نقص السمع من إحدى الأذنين، وإن ~~قطع أنفه، فذهب شمه، وجبت ديتان، لما ذكرنا في السمع. # فصل # وفي ذهاب العقل الدية؛ لأن في كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو ~~بن حزم: «وفي العقل # PageV04P028 # الدية» ، ولما ذكرنا من حديث عمر - رضي الله عنه -، ولأن العقل أشرف ~~الحواس، به يتميز عن البهيمة، ويعرف حقائق المعلومات، ويدخل في التكليف، ~~فكان أحق بإيجاب الدية، وإن نقص عقله نقصا يعرف قدره، مثل من يجن نصف ~~الزمان، ويفيق نصفا، وجب من الدية بقدره، وإن لم يعرف قدره، بأن صار ~~مدهوشا، أو يفزعه الشيء اليسير، ففيه حكومة؛ لأنه تعذر إيجاب مقدر، فيصير ~~إلى الحكومة، فإن كانت الجناية المذهبة للعقل لها أرش كالموضحة، أو أذهبت ~~سمعه وعقله وجبت ديتهما؛ لحديث عمر - رضي الله عنه - ولأنها جناية أذهبت ~~نفعا في غير محل الجناية، مع بقاء النفس فلم يتداخلا، كما لو أوضحه فذهب ~~بصره، وإن شهر سيفا على صبي، أو بالغ مضعوف، أو صاح عليه صيحة شديدة، فذهب ~~عقله، فعليه ديته؛ لأن ذلك سبب لزوال عقله، وكذلك إن أفزعه بشيء، مثل أن ~~دلاه في بئر أو من شاهق، أو قدم إليه حية، أو أسدا لما ذكرنا. # فصل # وفي الشفتين الدية؛ لأن في كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن ~~حزم: «وفي الشفتين الدية» ، ولأن فيهما نفعا كبيرا، وجمالا ظاهرا، فإنهما ~~يقيان الفم ما يؤذيه، ويردان الريق، وينفخ بهما، ms1095 ويمسك بهما الماء، ويتم ~~بهما الكلام، ويستران الأسنان، وفي إحداهما نصف الدية، وعنه: في العليا ~~ثلثها، وفي السفلى ثلثاها؛ لأن ذلك يروى عن زيد بن ثابت، ولأن النفع ~~بالسفلى أعظم؛ لأنها تدور وتتحرك، وتحفظ الريق والطعام، والأول المذهب؛ ~~لأنه قول أبي بكر الصديق وعلي - رضي الله عنهما -، ولأن كل شيئين وجبت ~~الدية فيهما، وجب في إحداهما نصفها كاليدين، ولا عبرة بزيادة النفع، بدليل ~~اليمنى مع اليسرى والأصابع، وإن ضربهما فأشلهما، أو تقلصتا بحيث لا ينطبقان ~~على الأسنان، أو التصقتا بحيث لا ينفصلان عنها، ففيهما ديتهما؛ لأنه عطل ~~نفعهما، فأشبه ما أشل يده، وإن تقلصتا بعض التقلص، ففيهما حكومة. # فصل # وفي اللسان الدية؛ لأن في كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن ~~حزم: «وفي اللسان الدية» ولأن فيه جمالا ظاهرا، ونفعا كثيرا؛ لأنه يقال: ~~جمال الرجل في لسانه، والمرء بأصغريه: قلبه ولسانه، ولأنه يبلغ به الأغراض، ~~ويقضي به الحاجات، ويتم به العبادات، ويذوق به الطعام والشراب، ويستعين به ~~في مضغ الطعام، وفي الكلام الدية؛ لأنه من أعظم المنافع، فإن جنى على لسانه ~~فخرس، وجبت عليه الدية؛ لأنه أذهب المنفعة به، فأشبه ما لو جنى على عينه ~~فعميت، وإن ذهب بعض الكلام، وجب بقدر ما ذهب؛ لأن ما ضمن جميعه بالدية، ضمن ~~بعضه بقدره منها، كالأصابع. # PageV04P029 # ويقسم على الحروف الثمانية والعشرين، ويحتمل أن يقسم على حروف اللسان، ~~وهي ثمانية عشر حرفا، يسقط منها حروف الحلق الستة؛ وهي: العين والغين، ~~والحاء والخاء، والهاء والهمزة، وحروف الشفة وهي أربعة: الباء، والفاء، ~~والميم، والواو، ولأن اللسان لا عمل له فيها، والأول أولى؛ لأن هذه الحروف ~~ينطق بها اللسان أيضا، بدليل أن الأخرس لا ينطق بشيء منها، وإن ذهب حرف ~~فعجز عن كلمة، وجب أرش الحرف وحده؛ لأن الضمان وجب لما تلف، وإن صار ألثغ ~~وجب دية الحرف الذاهب؛ لأنه عجز عن النطق بحرف، وإن حصل في كلامه ثقل، أو ~~تمتمة، أو عجلة، لم تكن، ففيه حكومة لما حصل من النقص؛ لأنه لم يمكن إيجاب ms1096 ~~مقدر. وإن قطع جزءا من لسانه فذهب جزء من كلامه وجب دية الأكثر، فإن قطع ~~ربع اللسان فذهب نصف الكلام، أو نصف اللسان فذهب ربع الكلام وجب نصف الدية؛ ~~لأن ما يتلف من كل واحد منهما مضمون، فوجبت دية أكثرهما، وإن قطع ربع ~~اللسان، فذهب نصف الكلام، ثم قطع آخر بقيته، فعلى الأول نصف الدية، وعلى ~~الثاني نصفها، وحكومة لربع اللسان؛ لأنه شل، فكانت فيه حكومة. # وإن قطع نصف اللسان، فذهب ربع الكلام، وقطع آخر باقيه، فعلى الثاني ثلاثة ~~أرباع الدية؛ لأنه ذهب بثلاثة أرباع الكلام، ولو جنى عليه، فذهب ثلاث أرباع ~~كلامه من غير قطع، وجب ثلاثة أرباع الدية، فمع قطع نصفه أولى، وإن جنى على ~~لسانه فاقتص مثل جنايته، فذهب من الجاني مثل ما ذهب من المجني عليه، فقد ~~استوفى حقه، وإن ذهب من الجاني أكثر، فكذلك؛ لأن الزائد ذهب من سراية ~~القود، وإن ذهب من كلام المجني عليه أكثر، أخذ من الجاني بقدر ما نقص عنه ~~الجاني من الدية؛ ليحصل تمام حقه، وإن كان لسان رجل ذا طرفين، فقطع أحدهما ~~ولم يذهب من الكلام شيء، وكانا متساويين في الخلقة، فهما كلسان مشقوق، ~~فيهما الدية، وفي أحدهما نصفها، وإن كان أحدهما تام الخلقة، والآخر ناقصا، ~~فالتام هو الأصلي فيه الدية كاملة، والناقص زائد فيه حكومة. # فصل # وإن قطع لسان طفل يتحرك بالبكاء، وبما يعبر به الأطفال، كقوله: بابا ~~ونحوه، ففيه الدية؛ لأنه لسان ناطق، وإن كان لا يتحرك بشيء، وقد بلغ حدا ~~يتحرك به، ففيه ما في لسان الأخرس؛ لأن الظاهر أنه لو كان ناطقا لتحرك بما ~~يدل عليه، فإن قطع قبل مضي زمن يتحرك فيه اللسان، ففيه الدية؛ لأن الظاهر ~~السلامة، فضمن كما تضمن أطرافه، وإن لم يظهر فيها بطش. # PageV04P030 # فصل # وإن جنى على لسانه فذهب ذوقه، فلا يحس بشيء من المذاق، وهي خمس: الحلاوة، ~~والمرارة، والحموضة، والعذوبة، والملوحة، وجبت الدية؛ لأنه أتلف حاسة ~~لمنفعة مقصودة، فلزمته الدية كالبصر، وإن نقص الذوق نقصا يتقدر بأن لا يدرك ms1097 ~~أحدها وحدها، ففيها الخمس، وفى الاثنين الخمسان، وفي الثلاثة ثلاثة أخماس؛ ~~لأنه تقدر المتلف، فيتقدر الأرش كالأصابع، وإن لم يتقدر بأن يحس المذاق ~~كلها، لكن لا يدركها على كمالها، وجبت الحكومة لتعذر التقدير، وإن أذهب ذوق ~~الأخرس، فعليه الدية كذلك، وإن جنى على لسان ناطق، فأذهب كلامه وذوقه مع ~~بقاء اللسان، فعليه ديتان؛ لأنهما منفعتان تضمن كل واحدة منهما منفردة، ~~فيضمنان إذا اجتمعتا كالسمع والبصر، فإن قطع لسانه، لم يلزمه إلا دية ~~واحدة؛ لأن نفع العضو لا يفرد بضمان مع ذهابه، كالبطش في اليد. # فصل # وفي كل سن خمس من الإبل، سواء قلعت دفعة واحدة أو في دفعات؛ لأن في كتاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، لعمرو بن حزم: «وفي السن خمس من الإبل» رواه ~~النسائي. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «وفي الأسنان خمس» رواه أبو داود. # والأضراس والأنياب والرباعيات سواء؛ لما روى ابن عباس: أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، قال: «الأصابع سواء، والأسنان سواء، والثنية والضرس ~~سواء، هذه وهذه سواء» رواه أبو داود. ولأنه جنس ذو عدد، فلم تختلف ديته ~~باختلاف منافعه كالأصابع. وإن قلع السن بسنخها، أو كسر ما ظهر منها، وخرج ~~من لحم اللثة، ففيها دية السن؛ لأن النفع والجمال فيما ظهر، فكملت الدية ~~فيه كالإصبع، وإن قلع السنخ وحده ففيه حكومة، ككف لا أصابع له. وإن كسر بعض ~~السن طولا أو عرضا، وجب من دية السن بقدر ما كسر بقدر الأجزاء من الظاهر ~~كالأصابع، وإن ظهر السنخ المعيب بعلة، اعتبر بما كان ظاهرا قبل العلة؛ لأن ~~الدية تجب بما كان ظاهرا، فاعتبر المكسور منه، وإن قلع سنا فيها داء أو ~~أكلة، ولم يذهب شيء من أجزائها، كملت ديتها، كاليد المريضة. وإن ذهب منهما ~~جزء، سقط من ديتها بقدر الذاهب، وإن كانت إحدى ثنيتيه أقصر من الأخرى، # PageV04P031 # فقلع القصيرة نقص من ديتها بقدر نقصها؛ لأنهما لا يختلفان عادة فإذا ~~اختلفا، كانت القصيرة ناقصة فنقصت ms1098 ديتها، كالإصبع الناقصة، وإن قلع سنا ~~مضطربة لكبر، أو مرض، وبعض نفعها باق، كملت ديتها، كاليد المريضة، ويد ~~الكبير، وإن ذهب نفعها، فهي كاليد الشلاء، وإن جنى على سنه فاحمرت أو ~~اصفرت، ففيها حكومة؛ لأن نفعها باق، وإنما ذهب جمالها، وإن اخضرت أو اسودت، ~~ففيها روايتان: # إحداهما: فيها ديتها؛ لأنه يروى عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه -، ولأنه ~~سود ما له دية، فوجبت ديته كالوجه. # والأخرى: فيها حكومة، اختارها القاضي؛ لأنه لم يذهب منها إلا الجمال، ~~فأشبه ما لو حمرها، وإن نقصتها الجناية، ففيها حكومة لنقصها، وإن جنى على ~~سنه، فأذهب نفعها كله، من المضغ وحفظ الريق والطعام، ففيها ديتها، كما لو ~~أشل يده. # فصل # وإن قلع سن صبي لم يثغر، لم يلزمه شيء في الحال؛ لأن العادة عودها، فأشبه ~~ما لو نتف شعره، فإن لم تنبت وأيس من نباتها، وجبت ديتها. قال أحمد: ينتظر ~~عاما؛ لأنه الغالب في نباتها. وقال القاضي: إذا أسقطت أخواتها ثم نبتن ولم ~~تنبت، وجبت ديتها، فإن مات قبل اليأس منها، ففيه وجهان: # أحدهما: تجب ديتها؛ لأنه قلع سنا لم تعد. # والثاني: لا يجب؛ لأن الظاهر عودها، وإنما فات بموته، فأشبه نتف شعره، ~~وإن عادت لا نقص فيها، لم يجب شيء. وإن نبتت خارجة عن صف الأسنان لا ينتفع ~~بها، ففيها ديتها. وإن كان ينتفع بها، ففيها حكومة للنقص، وإن نبتت قصيرة، ~~ففيها من ديتها بقدر النقص؛ لأنه نقص حصل بجنايته، وإن نبتت أطول من ~~نظيرتها أو حمر أو صفر، ففيها حكومة، للشين الحاصل بجنايته، ويحتمل أن لا ~~يجب شيء لطولها؛ لأن الظاهر أن الزيادة لا تكون من الجناية، وإن نبتت ~~سوداء، ففيها روايتان، ذكرهما القاضي: # إحداهما: فيها ديتها. # والثانية: فيها حكومة، كما لو جنى عليها فسودها، وهكذا الحكم فيمن قلع سن ~~كبير، إلا أنه إذا مات قبل عودها، وجبت ديتها؛ لأن الظاهر أنها لا تعود، ~~وتجب ديتها حين قلعها، إلا أن يقول عدلان من أهل الطب: إنه يرجى عودها إلى ~~مدة، فينتظر إليها، ms1099 وإن قلع سنا فردها صاحبها، فنبتت في موضعها، لم تجب ~~ديتها نص عليه، وهو اختيار أبي بكر، وإن قلعها آخر بعد ذلك، فعليه ديتها. # PageV04P032 # وقال القاضي: على الأول الدية، ويؤمر صاحبها بقلعها؛ لأنها صارت ميتة، ~~ولا شيء على الثاني في قلعها؛ لأنه محسن به، وإن جعل مكانها سن حيوان مأكول ~~أو ذهبا، فثبت، فقلعه قالع، احتمل أن لا يلزمه شيء؛ لأنه ليس من بدنه، ~~واحتمل أن يلزمه حكومة؛ لأنه أزال جماله ومنفعته، فأشبه عضوه. # فصل # وفي اللحيين الدية، وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان السفلى؛ لأن فيهما ~~جمالا كاملا، ونفعا كثيرا، وفي أحدهما نصفها، وإن قلعهما مع الأسنان، وجبت ~~ديتهما، ودية الأسنان؛ لأنهما جنسان مختلفان، يجب في كل واحد منهما دية ~~مقدرة، فلم تدخل دية أحدهما في الآخر، كالشفتين مع الأسنان، بخلاف الكف مع ~~الأصابع. # فصل # وفى اليدين الدية كاملة؛ لما روى معاذ: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «في اليدين الدية، وفي إحداهما نصفها» ، لأن في كتاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لعمرو بن حزم: «وفي اليد خمسون من الإبل» ولأن فيهما جمالا ~~ظاهرا، ونفعا كثيرا، أشبها العينين، وسواء قطعهما من الكوع، أو المرفق، أو ~~المنكب، أو مما بين ذلك، نص عليه؛ لأن اليد اسم للجميع، بدليل قوله تعالى: ~~{وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: 6] . # ولما نزلت آية التيمم، مسح الصحابة إلى المناكب، وفي كل إصبع عشر الدية؛ ~~لما روى ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «دية أصابع ~~اليدين والرجلين عشر من الإبل لكل إصبع» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ~~وفى لفظ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هذه وهذه سواء يعني ~~الإبهام والخنصر» أخرجه البخاري، ولأنه جنس ذو عدد، تجب فيه الدية، فلم ~~يختلف باختلاف منافعه كاليدين، وفي كل أنملة ثلث دية الإصبع إلا الإبهام، ~~فإنها مفصلان، ففي كل أنملة منها خمس من الإبل؛ لأنه لما قسمت دية اليد على ~~عدد الأصابع، وجب أن تقسم دية الإصبع على عدد الأنامل، وإن جنى على ms1100 اليد أو ~~الإصبع فأشلها، فعليه ديتها؛ لأنه ذهب بنفعها، فلزمه ديتها، كما لو جنى على ~~عين فأعماها، أو لسان فأخرسه. # فصل # وفي الرجلين الدية، وفي إحداهما نصفها، وفي كل إصبع عشر الدية، وفي كل ~~أنملة ثلث عقلها إلا الإبهام، لما ذكرنا في اليدين. # PageV04P033 # فصل # وفي قدم الأعرج، ويد الأعسم السالمتين الدية؛ لأن العيب في غيرهما؛ لأن ~~العرج لقصور أحد الساقين، والعسم لاعوجاج الرسغ، أو قصر العضد أو الذراع، ~~أو اعوجاج فيه، فلم يمنع كمال الدية في القدم والكف، كأذن الأصم، وإن كسر ~~ساعده، أو ساقه، أو خلع كفه، أو قدمه، فجبرت وعادت مستقيمة، لم يجب شيء، ~~وإن حصل نقص، وجبت الحكومة لجبر النقص، وإن عادت معوجة، كانت الحكومة أكثر، ~~فإن قال الجاني: أنا أعيد خلعها، وأجبرها مستقيمة، منع منه؛ لأنه استئناف ~~جناية، فإن كابره وخلعها فعادت مستقيمة، لم تسقط الحكومة؛ لأنها استقرت ~~باندمالها، وما حصل من الاستقامة، حصل بجناية أخرى، وتجب حكومة أخرى للخلع ~~الثاني؛ لأنه جناية ثانية. # فصل # فإن كان لرجل كفان في ذراع لا يبطش بها، فهي كاليد الشلاء؛ لأن نفعها غير ~~موجود، فإن كان يبطش بأحدهما دون الآخر، فالباطش هو الأصلي، فيه القود، أو ~~الدية، والآخر خلقة زائدة، وإن كان يبطش بهما إلا أن أحدهما أكثر بطشا، فهو ~~الأصلي والآخر زائد؛ لأن اليد خلقت للبطش، فاستدل به على الأصلي منهما، كما ~~يرجح في الخنثى إلى بوله، وإن استويا في البطش، وأحدهما مستو على الذراع، ~~والآخر منحرف، فالمستوي هو الأصلي، وإن استويا في ذلك، وأحدهما ناقص، ~~والآخر تام، فالتام هو الأصلي فيه القصاص أو الدية، ولا يرجح بالإصبع ~~الزائدة؛ لأن الزيادة نقص في المعنى، وإن استويا في جميع الدلائل، فهما يد ~~واحدة، فيهما الدية، وفي إحداهما نصفها. وفي إصبع إحداهما نصف دية إصبع، ~~ولا قصاص في أحدهما، لعدم المماثلة، وإن قطعهما قاطع، وجب القود أو الدية؛ ~~لأننا علمنا أنه قد قطع يدا أصلية، وحكومة للزيادة، ويحتمل أن لا يجب ~~حكومة؛ لأن هذه الزيادة نقص في المعنى، فأشبه السلعة ms1101 والحكم في القدمين على ~~ساق، كالحكم في الكفين على ذراع واحد، وإن كانت إحداهما أطول من الأخرى، ~~فقطع الطولى، وأمكنه المشي على القصيرة، فهي الأصلية، وإلا فهي الزائدة. # فصل # وإن قطع يد أقطع أو رجله، ففيها نصف الدية، لما ذكرنا، وعنه: إن كانت ~~الأولى ذهبت في سبيل الله، ففي الثانية ديتهما؛ لأنه عطل منافعه من ~~العضوين، ولم يأخذ عوضا عن الأولى، فأشبه ما لو قلع عين أعور، والأول أصح؛ ~~لأن إحداهما لا يحصل بها من النفع والجمال ما يحصل بالعضوين، فلم تجب فيه ~~ديتهما، كأحد الأذنين والمنخرين، وكما لو ذهبت في غير سبيل الله، وفارق عين ~~الأعور؛ لأنه # PageV04P034 # يحصل بها من النفع، والنظر وتكميل الأحكام ما يحصل بالعينين. # فصل # وفي الثديين الدية، وفي أحدهما نصفها؛ لأن فيهما جمالا ظاهرا، ونفعا ~~كثيرا، وإن أشلهما، ففيهما الدية؛ لأنه أذهب نفعهما، فأشبه ما لو أشل ~~اليدين، وإن جنى عليهما، فأذهب لبنهما، فقال أصحابنا: تجب حكومة لنقصهما، ~~ويحتمل أن تجب ديتهما؛ لأن ذلك معظم نفعهما، فأشبه البطش، وإن جنى على ثدي ~~صغيرة، ثم ولدت فلم ينزل لها لبن، وقال أهل الخبرة: إن الجناية قطعت اللبن، ~~فعليه ضمانه، وإن قالوا: قد ينقطع من غير الجناية لم يضمن؛ لأنه يحتمل أن ~~يكون انقطاعه لغير الجناية، فلا يجب الضمان بالشك، وفي حلمتي الثديين ~~الدية؛ لأن نفعهما بالحلمتين؛ لأن بهما يمتص الصبي، فيبطل نفعهما بذهابهما، ~~فأشبه أصابع اليدين، وفي الثندوتين الدية، وهما ثديا الرجل؛ لأن ما وجبت ~~الدية فيه من المرأة، وجبت فيه من الرجل إذا اشتركا فيه كاليدين. # فصل # وفي الأليتين الدية؛ لأن فيهما جمالا ظاهرا، ونفعا كبيرا، فأشبها اليدين، ~~وفي إحداهما نصفها، وفي قطع بعضها بقدره من الدية، فإن جهل قدره، وجبت ~~الحكومة، كنقص ضوء العين. # فصل # وفي الذكر الدية؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في كتاب عمرو بن ~~حزم: «وفي الذكر الدية» وفي حشفته الدية؛ لأن نفعه يكمل بها، كما يكمل نفع ~~اليد بأصابعها، والثدي بحلمته، وسواء في هذا ذكر الشيخ والطفل، والخصي ~~والعنين؛ ms1102 لأنه سليم في نفسه وعنه: في ذكر العنين والخصي حكومة؛ لأن معظم ~~نفع الذكر بالإنزال، والإحبال، وهو معدوم فيهما، فأشبها الأشل. وإن جنى على ~~الذكر فأشله، لزمته ديته؛ لأنه أذهب نفعه، فأشبه ما لو أشل يده. وإن قطع ~~بعض حشفته، وجب من الدية بقدر ما قطع منها، يقسط عليها وحدها، كما تقسط دية ~~اليد على الأصابع. # فصل # وفي الأنثيين الدية؛ لأن في كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن ~~حزم: «في الأنثيين الدية» وفي إحداهما نصفها؛ لأن ما وجبت الدية فيهما، ~~وجبت في أحدهما نصفها، كاليدين، فإن قطع الذكر والأنثيين معا، أو قطع ~~الذكر، ثم قطع الأنثيين، فعليه ديتان، كما لو قطع يديه ورجليه، وإن قطع ~~الأنثيين، ثم قطع الذكر، فعليه دية الأنثيين، وحكومة لقطع # PageV04P035 # الذكر، نص عليه؛ لأنه ذكر خصي، وعنه فيه دية، على ما ذكرنا في ذكر الخصي. # فصل # وفي أسكتي المرأة الدية، وهما اللحم المحيط بالفرج، كإحاطة الشفتين ~~بالفم؛ لأن فيهما جمالا ونفعا في المباشرة، فأشبها الأنثيين، وفي إحداهما ~~نصفها لما ذكرناه، وفي قطع بعض إحداهما بقدره من ديته، إن أمكن تقديره، ~~وإلا فحكومة. # فصل # وإن جنى على مثانته، فلم يستمسك بوله، وجبت الدية؛ لأنها منفعة مقصودة، ~~ليس في البدن من جنسها، فوجبت الدية بتفويتها كسائر المنافع، وإن جنى عليه، ~~فلم يستمسك غائطه، فعليه الدية كذلك، وإن أذهب المنفعتين، لزمته ديتان، كما ~~لو أذهب سمعه وبصره، وإن جنى على صلبه أو غيره، فعجز عن المشي، فعليه الدية ~~كذلك، وإن عجز عن الوطء لزمته كذلك دية، وإن جنى على صلبه، فبطل مشيه ~~ونكاحه، لزمته ديتان؛ لأن في كل واحد منهما دية منفردا، فوجبت فيهما ديتان ~~عند الاجتماع، كسمعه وبصره، وعنه: عليه دية واحدة؛ لأنهما منفعة عضو واحد، ~~فأشبه ما لو قطع أنثييه، فذهب جماعه ونسله، وإن ضعف المشي أو الجماع أو ~~نقص، فعليه حكومة. وإن كسر صلبه فانجبر وعاد إلى حاله، ففيه الحكومة للكسر، ~~وإن احدودب فعليه حكومة للشين، وعنه: في الحدب الدية؛ لما روى الزهري، عن ms1103 ~~سعيد بن المسيب أنه قال: «مضت السنة أن في الصلب الدية» ، ولأنه أبطل عليه ~~منفعة مقصودة، فأشبه ما ذكرناه. # فصل # وفي الصلع بعير، وفي الترقوة بعير، وفي الترقوتين بعيران؛ لما روى أسلم ~~مولى عمر، عن عمر - رضي الله عنه -: أنه قضى في الترقوتين بجمل، وفي الضلع ~~بجمل، ويجب في كل زند بعيران؛ لما روى عمرو بن شعيب: أن عمرو بن العاص كتب ~~إلى عمر - رضي الله عنه - في أحد الزندين إذا كسر، فكتب إليه عمر أن فيه ~~بعيرين، ولأن في الزند عظمين، ففي كل عظم بعير، وإن كسر الزندين، ففيهما ~~أربعة أبعرة، وظاهر كلام الخرقي أنه لا توقيف في سائر العظام؛ لأن التقدير ~~إنما يثبت بالتوقيف، ولا توقيف فيها. وقال القاضي في عظم الساق: بعيران، ~~وفي عظم الفخذ مثله، قياسا على الزند. # فصل # وفي اليد الشلاء، والسن السوداء، والعين القائمة ثلث ديتها؛ لما روى عمرو ~~بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: «قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~العين القائمة السادة لمكانها بثلث الدية، وفي اليد الشلاء إذا قطعت بثلث ~~ديتها، وفي السن السوداء إذا قلعت بثلث ديتها» # PageV04P036 # رواه النسائي. وقضى عمر - رضي الله عنه - بمثل ذلك، وعنه رواية أخرى في ~~ذلك كله حكومة؛ لأنه تعذر إيجاب دية كاملة بعد ذهاب نفعه، فوجبت الحكومة ~~فيه، كاليد الزائدة، وهكذا الروايتان في كل عضو ذهب نفعه، وبقيت صورته، ~~كالرجل الشلاء، والإصبع الشلاء، والشفة الشلاء، والذكر الأشل، وذكر الخصي، ~~ولسان الأخرس، قياسا على ما تقدم، وفي الكف الذي لا أصابع عليه روايتان، ~~مثل ما ذكرنا؛ لأنه قد ذهب نفعه وبقي جماله، وعلى قياسه ساق لا قدم له، ~~وذراع لا كف له، وذكر لا حشفة له. فأما اليد الزائدة والإصبع الزائدة، ~~ففيها حكومة؛ لأنه لا مقدر فيها، ولا يمكن قياسها على ما ذكرنا؛ لأن هذه ~~الأعضاء يبقى جمالها لبقاء صورتها، والزائد يشين ولا يزين، وذكر القاضي أنه ~~في معنى الأشل، فيقاس عليه، فيكون فيه وجهان. # فصل # وفي الأذن الشلاء والأنف الأشل دية ms1104 كاملة، كدية الصحيح؛ لأن نفعهما ~~وجمالهما باق بعد شللها، فإن نفع الأذن جمع الصوت، ومنع دخول الماء والهوام ~~في صماخه، ونفع الأنف جمع الرائحة، ومنع وصول شيء إلى دماغه، وهذا باق بعد ~~الشلل بخلاف سائر الأعضاء. # فصل # ويجب في الحاجبين إذا لم ينبت الشعر الدية، وفي أحدهما نصفها؛ لأن فيهما ~~جمالا ونفعا؛ لأنهما يردان العرق والماء عن العين ويفرقانه، فوجبت الدية ~~فيهما كالجفون. وفي قرع الرأس إذا لم ينبت الشعر الدية، وفي اللحية إذا لم ~~تنبت الدية؛ لأن فيها جمالا كاملا، فوجبت الدية فيها، كأنف الأخشم، وأذن ~~الأصم، وفي ذهاب نقص ذلك بقسطه من ديته يقدر بالمساحة، فإن بقي منها ما لا ~~جمال فيه، كاليسير من لحيته، ففيه وجهان: # أحدهما: يؤخذ بالقسط كما لو بقي من أذنه يسيرا. # والثاني: تجب الدية بكمالها؛ لأنه أذهب المقصود منها، فأشبه ما لو أذهب ~~وضوء العين، ومتى عاد شيء من هذه الشعور، سقطت الدية، كما ذكرنا في عود ~~السن. # فصل # وذكر أبو الخطاب: أن في الظفر خمس دية الإصبع إذا قلعه، أو سوده، فإن عاد # PageV04P037 # فنبت على صفته، رد أرشه. وعنه: أن له خمسة دنانير، وإن نبت أسود فله ~~عشرة، نص عليه. وهذا إنما يصار إليه بالتوقيف، وما لا توقيف فيه من سائر ~~الجروح، تجب فيه الحكومة؛ لأن القياس يقتضيها في جميع الجروح، وخولف ذلك ~~فيما ورد الشرع بتقديره، ففي ما عداه يجب البقاء على مقتضى القياس، والله ~~أعلم. ### | باب ما تحمله العاقلة وما لا تحمله # إذا قتل الحر حرا خطأ، أو شبه عمد، وجبت ديته على عاقلته؛ لما روى أبو ~~هريرة قال: «اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما ~~في بطنها، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدية المرأة على عاقلتها» ~~متفق عليه. ولأن القتل بذلك يكثر، فإيجاب ديته على القاتل يجحف به، وقال ~~أبو بكر: لا تحمل العاقلة عقل شبه العمد؛ لأنه موجب مثل قصده، فأشبه العمد ~~المحض، فأما الجناية على ما دون النفس، فإن العاقلة تحمل منه ms1105 ما بلغ الثلث ~~فصاعدا، ولا تحمل ما دونه؛ لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قضى في ~~الدية: أن لا تحمل منها العاقلة شيئا حتى تبلغ الدية عقل المأمومة، ولأن ~~الأصل وجوب الضمان على الجاني، وخولف الأصل في الثلث لإجحافه بالجاني ~~لكثرته، فما عداه يبقى في الأصل، وتحمل العاقلة دية المرأة والذمي، وما بلغ ~~من جراحهما ثلث دية الحر المسلم، ولا تحمل ما دونه لما ذكرنا، وتحمل دية ~~الجنين إن مات مع أمه؛ لأن ديتهما وجبت بجناية واحدة، وهي زائدة على الثلث، ~~ولا تحمله إذا مات منفردا؛ لأن ديته دون الثلث. # فصل # ولا تحمل العاقلة عمدا، ولا عبدا، ولا صلحا، ولا اعترافا؛ لما روي عن ابن ~~عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تحمل العاقلة عمدا، ~~ولا صلحا، ولا اعترافا» وروي ذلك موقوفا على ابن عباس، ولأن حمل العاقلة ~~ثبت على خلاف الأصل، للتخفيف عن الجاني المعذور، والعامد غير معذور، ولا ~~يليق به التخفيف، وضمان العبد مال، فلم تحمله العاقلة، كقيمة البهيمة، وما ~~صالح عليه، أو اعترف به، ثبت بقوله فلا يلزم غيره، ولأنه يتهم في أن يواطئ ~~غيره بصلح أو اعتراف ليوجب العقل على عاقلته، ثم يقاسمه. # فصل # وجناية الصبي والمجنون حكمهما حكم الخطأ، وتحملهما العاقلة، وإن عمدا؛ ~~لأنه # PageV04P038 # لم يتحقق منهما كمال المقصود، ولا توجب جنايتهما قصاصا، فصارت كشبه ~~العمد، ومن اقتص بحديدة مسمومة من الطرف، ففيه وجهان: # أحدهما: لا تحمله العاقلة؛ لأنه قصد القطع بما يقتل غالبا، فأشبه العمد ~~المحض. # والثاني: تحمله؛ لأنه ليس بعمد محض، ولا يوجب قصاصا، فأشبه شبه العمد، ~~ولو وكل وكيلا يستوفي له القصاص، ثم عفا عن الجاني، فلم يعلم الوكيل حتى ~~اقتص، فقال القاضي: لا تحمله العاقلة؛ لأنه عمد محض، وقال أبو الخطاب: ~~تحمله العاقلة؛ لأنه لم يقصد الجناية. # فصل # ومن جنى على نفسه، أو طرفه خطأ، ففيه روايتان: # إحداهما: هي هدر؛ لأن عامر بن الأكوع بارز مرحبا يوم خيبر، فرجع سيفه على ~~نفسه فقتلها، فلم يقض فيه ms1106 النبي - صلى الله عليه وسلم - بشيء، ولأنه جنى ~~على نفسه فلم يضمن كالعمد؛ لأن حمل العاقلة إنما كان معونة له على الضمان ~~للغير، ولا يتحقق هاهنا. # والثانية: ديته على عاقلته لورثته، ودية طرفه على عاقلته لنفسه؛ لما روي: ~~أن رجلا ساق حمارا بعصا كانت معه، فطارت منها شظية، فأصابت عينه، ففقأتها ~~فجعل عمر ديته على عاقلته، وقال: هي يد من أيدي المسلمين لم يصبها اعتداء، ~~ولأنها جناية خطأ، فأشبه جنايته على غيره، فإن كانت العاقلة هي الوارثة، لم ~~يجب شيء؛ لأنه لا يجب شيء للإنسان على نفسه، وإن كان بعضهم وارثا، سقط ما ~~عليه وحده. # فصل # وما يجب بخطأ الإمام والحاكم في اجتهاده من الديات، ففيه روايتان: # إحداهما: يجب على عاقلته؛ لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال لعلي ~~كرم الله وجهه في جنين المرأة التي أجهضت لما بعث إليها: عزمت عليك، لا ~~تبرح حتى تقسمها على قومك. # والثانية: في بيت المال؛ لأن خطأه يكثر في أحكامه واجتهاده، فإيجاب ما ~~يجب به على عاقلته يجحف بهم، فأما الكفارة ففي ماله على كل حال؛ لأنها لا ~~تتحمل في موضع، ويحتمل أن تجب في بيت المال؛ لأنها تكثر فأشبهت الدية. # فصل # وكل ما لا تحمله العاقلة من دية العمد، وما دون الثلث وغيره، يجب حالا؛ ~~لأنه # PageV04P039 # بدل متلف لا تحمله العاقلة، فوجب حالا كغرامة المتلفات. وما يجب بجناية ~~الخطأ، وعمد الخطأ مما تحمله العاقلة، يجب مؤجلا؛ لأنه يروى عن عمر وعلي - ~~رضي الله عنهما -: أنهما قضيا بالدية في ثلاث سنين، ولا يعرف لهما مخالف في ~~عصرهما، فإن كان الواجب دية كاملة، كدية الحر المسلم، أو دية سمعه، أو ~~بصره، أو يديه، أو رجليه، قسمت في ثلاث سنين، لما ذكرنا، ووجب في آخر كل ~~حول ثلثها. # وإن كان الواجب ثلث دية، كدية المأمومة، والجائفة، وجب ذلك عند آخر الحول ~~الأول، وإن كانت نصف الدية، كدية اليد، أو العين أو ثلثي الدية، كدية ~~مأمومتين، أو جائفتين، وجب في رأس الحول الأول الثلث، ms1107 والباقي في الحول ~~الثاني، وإن زاد على الثلثين، وجب الزائد في الحول الثالث، وإن وجب بجنايته ~~ديتان، كدية سمعه، وبصره، وجب في ست سنين في كل سنة ثلثها؛ لأنها جناية على ~~واحد، فلم يجب له في كل حول أكثر من ثلث دية، كما لو لم تزد على دية، وإن ~~وجب بجنايته ديتان لاثنين بأن قتلهما، وجب لكل واحد منهما في كل حول ثلث؛ ~~لأنهما يجبان لمستحقين، فلم ينقص واحد منهما من الثلث، كما لو انفرد، وإن ~~كان الواجب دية نفس ناقصة، كدية المرأة والذمي، ففيه وجهان: # أحدهما: تقسم في ثلاث سنين؛ لأنه بدل نفس، أشبه الدية الكاملة. # والثاني: يجب منها في العام الأول قدر ثلث الدية، وباقيها في العام ~~الثاني؛ لأنها تنقص عن الدية، أشبه دية اليد، ويعتبر ابتداء الحول في دية ~~النفس من وقت الموت؛ لأنه حق مؤجل، فاعتبرت المدة من حين وجود سببه كالدين، ~~وإن كان دية طرف اعتبرت المدة من حين الجناية؛ لأنه وقت الوجوب، فأشبه أرش ~~المأمومة، وإن تلف شيء بالسراية، فابتداء مدته حين الاندمال؛ لأن ما تلف ~~بالسراية، اعتبر بحالة الاستقرار كالنفس. # فصل # والعاقلة: العصبة من كانوا من النسب والولاء؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن ~~أبيه، عن جده قال: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أن عقل المرأة ~~بين عصبتها من كانوا لا يرثون منها شيئا إلا ما فضل عن ورثتها» رواه ابن ~~ماجه. وهذا اختيار أبي بكر، وعن أحمد رواية أخرى: أن الآباء والأبناء لا ~~يعقلون مع العاقلة؛ لما روى جابربن عبد الله قال: «فجعل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - دية المقتولة على عاقلتها، وبرأ زوجها وولدها، فقال عاقلة # PageV04P040 # المقتولة: ميراثها لنا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ميراثها ~~لزوجها وولدها» رواه أبو داود. # فثبت هذا في الابن؛ لأنه ولد، وقسنا عليه الأب لتساويهما في العصبية، ~~ولأن الدية جعلت على العاقلة، كيلا يكثر على القاتل فيجحف به، ومال والده ~~وولده كماله، وجعل الخرقي الإخوة في هذا كالأبناء وغيره من أصحابنا ms1108 يخص ~~الروايتين بالأب والأبناء؛ لأنهم الذين لا تقبل شهادتهم له، وشهادته لهم، ~~وبينهم قرابة جزئية، وبعضية، فإن كان الابن من بني العم، حمل من العقل؛ ~~لأنه من بني عمه فيعقل، كما لو لم يكن ابنا. # فصل # ولا عقل على من ليس بعصبة، كالإخوة من الأم، والمولى من أسفل؛ لأنهم من ~~غير العصبات، فلا يعقلون كالنساء، ومن لم يكن له عاقلة، ففيه روايتان إن ~~كان مسلما: # إحداهما: عقله في بيت المال؛ لأن ماله يصرف إليه فيعقله، كعصبته. # والثاني: لا يعقله؛ لأن فيه حقا للنساء والصبيان والفقراء، ولا عقل عليهم ~~فأما الذمي، فلا يعقل من بيت المال؛ لأنه للمسلمين، والذمي ليس منهم، فإن ~~لم يكن له عاقلة، فقال القاضي: يؤخذ من ماله، فأما المسلم فإن تعذر إيجاب ~~ديته على العاقل أو بعضها، ولم يؤخذ من بيت المال شيء، فقال أصحابنا: لا ~~يلزم القاتل شيء؛ لأنه حق يجب على العاقلة ابتداء، فلم يجب على غيرهم ~~كالدين، ويحتمل أن يجب عليه؛ لأنه هو الجاني، فإذا تعذر أداء موجب جنايته ~~من غيره لزمه كالذمي، والمضمون عنه إذا تعذر الاستيفاء من الضامن، ~~وكالمسائل التي تلي هذا. # فصل # ويتعاقل أهل الذمة، وعنه: لا يتعاقلون. وهل يتعاقلون مع اختلافهم دينهم؟ ~~على وجهين بناء على الروايتين في توريثهم، ولا يعقل مسلم عن كافر، ولا كافر ~~عن مسلم، ولا حربي عن ذمي، ولا ذمي عن حربي؛ لأنه لا يرث بعضهم بعضا، فلا ~~يعقل بعضهم بعضا كغير العصبات. فإن رمى نصراني صيدا، ثم أسلم، ثم أصاب ~~السهم إنسانا فقتله، وجبت الدية عليه؛ لأنه لا يمكن إيجابها على عاقلته من ~~النصارى؛ لأنه قتل وهو مسلم، ولا على عاقلته من المسلمين؛ لأنه رمى وهو ~~نصراني، وإن قطع نصراني يد رجل، ثم أسلم فمات المقطوع، فديته على عاقلته ~~النصارى؛ لأن الجناية وجدت # PageV04P041 # وهو نصراني، ولهذا يجب القصاص، ولا يسقط بالإسلام، وإن رمى مسلم سهما، ثم ~~ارتد، فقتل إنسانا، وجبت الدية في ذمته لما تقدم، وإن قطع يدا، ثم ارتد، ثم ~~مات المجروح، فعقله على ms1109 عاقلته المسلمين لما ذكرنا. # ويحتمل أن لا تحمل العاقلة أكثر من أرش الجراح في هذه المسألة، وفيما إذا ~~قطع نصراني يد رجل، ثم أسلم، فما زاد على أرش الجراح في مال الجاني؛ لأنه ~~حصل بعد مخالفته لدين عاقلته، فأشبه ما ذكرنا من المسائل، ولو جنى حر أمه ~~مولاة، وأبوه عبد، عقله موالي أمه؛ لأن ولاءه لهم، فإن حصل سراية الجناية ~~بعد عتق أبيه، فالدية في مال الجاني؛ لأنه تعذر إيجابه على مولى أمه؛ لأن ~~السراية حصلت بعد زوال تعصيبهم، ولا يجب على موالي الأب؛ لأن الجناية صدرت ~~وهو مولى غيرهم، ولو حفر العبد بئرا، ثم أعتقه سيده، ثم وقع فيها إنسان، ~~فضمانه على الحافر، لما ذكرناه. # فصل # وليس على فقير من العاقلة، لا امرأة، ولا صبي، ولا زائل العقل حمل شيء من ~~الدية؛ لأن وجوبها للنصرة والمواساة، وليس هؤلاء من أهل النصرة، والفقير ~~ليس من أهل المواساة، وحكى أبو الخطاب في الفقير المعتمل رواية أخرى أنه ~~يعقل، والمذهب الأول، لما ذكرناه، ولذلك لا تجب عليه الزكاة، ويعقل الشيخ ~~ما لم يهرم، والمريض الذي لم يزمن، وأما الشيخ الهرم والزمن، ففيهما وجهان: # أحدهما: يعقلان؛ لأنهما من أهل المواساة، وتجب عليهما الزكاة، أشبها ما ~~قبل ذلك. # والثاني: لا يعقلان؛ لأنهما ليسا من أهل النصرة، أشبها المجنون، وتعتبر ~~صفاتهم عند الحول، فمن مات، أو افتقر، أو جن قبل الحول، سقط ما عليه، فإن ~~بلغ، أو عقل، أو استغنى عند الحول لزمه؛ لأنه معنى يعتبر له الحول، فاعتبر ~~في آخره كالزكاة، ومن مات أو تغير حاله بعد الحول، لم يسقط ما عليه ~~كالزكاة. # فصل # والحاضر والغائب سواء في العقل؛ لأنهم تساووا في إرثه، فيتساوون في عقله، ~~ويقدم الأقرب فالأقرب من العصبات؛ لأنه حكم يتعلق بالعصبات، فقدم فيه ~~الأقرب فالأقرب، كالولاية والتوريث، فيبدأ بإخوة القاتل وبنيهم، وأعمامه ~~وبنيهم، وأعمام أبيه وبنيهم كذلك، حتى ينقرض المناسبون، فيجب على مولاه، ثم ~~عصباته، ثم مولى مولاه، ثم عصباته، كالميراث بالولاء سواء، فإذا كان القاتل ~~هاشميا، عقله بنو هاشم، ms1110 فإن فضل شيء، دخل معهم بنو عبد مناف، فإن فضل شيء، ~~دخل بنو قصي، وهل # PageV04P042 # يقدم ولد الأبوين على ولد الأب؟ على وجهين بناء التقديم في الولاية، ومتى ~~اتسع الأقربون لحمل العقل، لم يدخل معهم من بعدهم، وإن كثرت العاقلة في ~~درجة، قسم الواجب بينهم بالسوية؛ لأنه حق يستحق بالتعصيب، فيستوون فيه، ~~كالميراث. # فصل # ولا يجب على واحد من العاقلة ما يجحف به ويشق عليه، ولأنه حق لزمهم من ~~غير جنايتهم على سبيل المواساة، فلا يجب ما يضر بهم كالزكاة؛ لأنه وجب ~~للتخفيف عن الجاني، ولا يزال الضرر بالضرر، ويرجع إلى اجتهاد الحاكم في قدر ~~الواجب، فيفرض على كل واحد منهم قدرا يسهل ولا يؤذي؛ لأن التقدير لا يصار ~~إليه إلا بتوقيف، ولا توقيف هاهنا، فوجب المصير إلى الاجتهاد، وعنه: أنه ~~يفرض على الموسر نصف مثقال، وعلى المتوسط ربع مثقال، وهذا اختيار أبي بكر؛ ~~لأن أقل مال وجب على الموسر على سبيل المواساة نصف مثقال في الزكاة، وأول ~~مقدار يخرج به المال عن حد التافه ربع مثقال، فوجب على المتوسط، ولهذا قالت ~~عائشة - رضي الله عنها -: كانوا لا يقطعون في الشيء التافه، وهل يتكرر هذا ~~الواجب في الأحوال الثلاثة؟ فيه وجهان: # أحدهما: يتكرر لأنه قد يتعلق بالحول على سبيل المواساة، فيتكرر بالحول ~~كالزكاة. # والثاني: لا يتكرر؛ لأنه يفضي إلى إيجاب أكثر من أقل الزكاة، فيكون مضرا، ~~ويعتبر الغنى والتوسط عند حلول الحول كالزكاة. # فصل # وإذا جنى العبد جناية توجب المال، تعلق أرشها برقبته؛ لأنه لا يجوز ~~إيجابها على المولى؛ لعدم الجناية منه، وإلا إهدارها؛ لأنها جناية من آدمي، ~~ولا تأخيرها إلى العتق؛ لإفضائه إلى إهدارها، فتعلقت برقبته، والمولى مخير ~~بين فدائه وتسليمه على ما ذكرناه فيما تقدم، وإن قتل عبدان رجلا عمدا، فقتل ~~الولي أحدهما، وعفا عن الآخر، تعلق برقبته نصف ديته؛ لأنه قتل واحدا بنصف، ~~وبقي له النصف. ### | باب القسامة # إذا وجد قتيل، فادعى وليه على إنسان قتله، لم تسمع الدعوى إلا محررة على ~~معين؛ لأنها دعوى في حق، ms1111 فاشترط لها تعيين المدعى عليه، كسائر الدعاوى، ~~فإذا حرر الدعوى، ولم يكن بينهم لوث، فالقول قول المدعى عليه؛ لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لو # PageV04P043 # يعطى الناس بدعاويهم، لادعى قوم دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على ~~المدعى عليه» رواه مسلم. ولأن الأصل براءة ذمته، فكان القول قوله، كدعوى ~~المال، وهل يستحلف؟ فيه روايتان: # إحداهما: يستحلف للخبر، ولأنه دعوى في حق آدمي، أشبهت دعوى المال. # والأخرى: لا يستحلف، ويخلى سبيله؛ لأنها دعوى فيما لا يجوز بدله، فلم ~~يستحلف فيها، كالحدود، وإذا قلنا: يستحلف، حلف يمينا واحدة؛ لأنها يمين ~~يعضدها الظاهر والأصل، فلم تغلظ بالعدد، كاليمن في المال. # وإن كان بينهما لوث، فادعى أنه قتله عمدا، حلف المدعي خمسين يمينا، ~~واستحق القصاص؛ لما روى سهل بن أبي حثمة، ورافع بن خديج: «أن محيصة بن ~~مسعود، وعبد الله بن سهل انطلقا قبل خيبر، فتفرقا في النخل، فقتل عبد الله ~~بن سهل، فاتهموا اليهود، فجاء عبد الرحمن، وابنا عمه حويصة ومحيصة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، فتكلم عبد الرحمن في أمر أخيه، وهو أصغرهم، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: كبر الكبر فتكلما في أمر صاحبهما، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع إليكم ~~برمته فقالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم ~~فقالوا: يا رسول الله، قوم كفار ضلال. قال: فوداه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من قبله» متفق عليه. # ولأن اللوث يقوي جنبة المدعي، ويغلب على الظن صدقه، فسمعت يمينه أولا، ~~كالزوج في اللعان، وإذا حلف استحق القصاص؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«فيدفع إليكم برمته» وفي لفظ: «تحلفون وتستحقون دم صاحبكم» ولأنها حجة يثبت ~~بها القتل العمد، فيجب بها القود كالبينة، وليس له القسامة على أكثر من ~~واحد؛ لقوله: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع إليكم برمته» ولأنها ~~بينة ضعيفة خولف بها الأصل في قتل الواحد، فيقتصر عليه. # فصل # ويقسم الورثة دون غيرهم في إحدى الروايتين؛ لأنها يمين ms1112 في دعوى، فلم تشرع ~~في حق غير المتداعيين، كسائر الأيمان. # والثانية: يقسم من العصبة الوارث وغيرهم خمسون رجلا؛ لقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم» فعلى هذا يحلف أولياؤه - ~~الأقرب منهم فالأقرب، كقولنا في تحمل العقل - كل واحد يمينا واحدة، وعلى ~~الرواية الأولى يفرض على ورثة المقتول على قد ميراثهم، فإن كان له ابنان، ~~حلف كل واحد منهما خمسة وعشرين يمينا، وإن كان فيها كسر جبر وكملت يمينا في ~~حق كل واحد، فإذا كانوا # PageV04P044 # ثلاثة بنين، حلف كل واحد سبعة عشر يمينا، وإن كان له أب وابن، حلف الأب ~~تسعة أيمان، وحلف الابن اثنين وأربعين يمينا؛ لأن اليمين لا تتبعض، فوجب أن ~~تكمل. # فصل # وإن نكل المدعون، حلف المدعى عليه خمسين يمينا وبرئ؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم» ، وعن أحمد - رحمه ~~الله -: أنهم يحلفون ويغرمون الدية؛ لأن ذلك يروى عن عمر - رضي الله عنه -، ~~والأول المذهب للخبر. وفي لفظ منه قال: «فيحلفون خمسين يمينا، ويبرءون من ~~دمه» ، ولأنها أيمان مشروعة في حق المدعى عليه، فبرئ بها كسائر الأيمان، ~~فإن لم يحلف المدعون، ولم يرضوا بيمين المدعى عليه، فداه الإمام من بيت ~~المال؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فدى الأنصاري بمائة من الإبل، إذ ~~لم يحلفوا ولم يرضوا بيمين اليهود، فإن تعذرت ديته، لم يكن لهم إلا يمين ~~المدعى عليهم، كسائر الدعاوى، وإن نكل المدعى عليهم، ففيه ثلاث روايات: # إحداهن: يخلى سبيلهم؛ لأنها يمين في حق المدعى عليه، فلم يحبس عليها ~~كسائر الأيمان، قال القاضي: ويديه الإمام من بيت المال، كالتي قبلها. # والثانية: يحبسوا حتى يحلفوا أو يقروا؛ لأنها أيمان مكررة يبدأ فيها ~~بيمين المدعي، فيحبس المدعى عليه في نكولها كاللعان. # والثالثة: تجب الدية على المدعى عليه؛ لأنه حكم يثبت بالنكول، فثبت ~~بالنكول هاهنا، كما لو كانت الدعوى قتل خطأ. # فصل # ومن مات ممن عليه الأيمان، قام ورثته مقامه، ويقسم حصته من الأيمان ~~بينهم، ويجبر كسرها عليهم، كورثة القتيل، فإن ms1113 مات بعد حلفه البعض، بطل ما ~~حلفه، وابتدءوا الأيمان؛ لأن الخمسين جرت مجرى يمين واحدة، ولا يجوز أن ~~يبني الوارث على بعض يمين الموروث، وإن جن ثم أفاق، بنى على ما حلفه؛ لأن ~~الموالاة غير مشترطة في الأيمان. # فصل # وتشرع القسامة في كل قتل موجب القصاص، سواء كان المقتول مسلما أو كافرا، ~~أو حرا أو عبدا؛ لأنه قتل موجب للقصاص، أشبه قتل المسلم الحر، وظاهر كلام ~~الخرقي: أنها لا تشرع في قتل غير موجب للقود كالخطأ، وشبه العمد، وقتل ~~المسلم الكافر، والحر العبد، والوالد الولد؛ لأن الخبر يدل على وجوب القود ~~بها، فلا # PageV04P045 # تشرع في غيره، ولأنها مشروطة باللوث، ولا تأثير له في الخطأ، فعلى هذا ~~يكون حكمه حكم الدعوى مع عدم اللوث سواء. وقال غيره: تجري القسامة في كل ~~قتل؛ لأنها حجة تثبت العمد الموجب للقصاص، فيثبت بها غيرها كالبينة، فعلى ~~قولهم تسمع الدعوى على جماعة إذا كان القتل غير موجب للقصاص، وإذا ردت ~~الأيمان عليهم، حلف كل واحد منهم خمسين يمينا، وقال بعض أصحابنا: تقسم ~~الأيمان عليهم بالحصص؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فتبرئكم يهود بخمسين ~~يمينا» لم يزد عليها. والأول: أقيس؛ لأنه لا يبرئ المدعى عليه حال الاشتراك ~~إلا ما يبرئه حال الانفراد كسائر الدعاوى، وإن كانت الدعوى على جماعة في حق ~~بعضهم لوث، حلف المدعون على صاحب اللوث، وأخذوا حصته من الدية، وحلف المدعى ~~عليه يمينا واحدة وبرئ. ولا تشرع القسامة فيما دون النفس من الجروح ~~والأطراف؛ لأنها تثبت في النفس لحرمتها، فاختصت بها كالكفارة. # فصل # ويشترط للقسامة اتفاق المستحقين على الدعوى، فإن ادعى بعضهم القتل، فكذبه ~~البعض، لم يجب قسامة؛ لأن المكذب منكر لحق نفسه، فقبل كالإقرار. وإن قال ~~بعضهم: قتله هذا، وقال بعضهم: قتله هو وآخر، فعلى قول الخرقي: لا قسامة، ~~وعلى قول غيره: يقسمان على المتفق عليه، ويأخذان نصف الدية، ويحلف الآخر ~~ويبرأ، وإن قال أحدهما: قتله زيد، وآخر لا أعرفه، وقال الآخر: قتله عمرو، ~~وآخر لا أعرفه، فقال أبو بكر: ليس هاهنا ms1114 تكذيب؛ لأنه يمكن أن يكون المجهول ~~في حق أحدهما هو الذي عرفه أخوه، ويحلف كل واحد منهما على الذي عينه خمسين ~~يمينا، وله ربع الدية، فإن عاد كل واحد منهما، فقال: الذي جهلته، هو الذي ~~عينه أخي، حلف خمسا وعشرين يمينا، واستحق عليه ربع الدية، وإن قال: الذي ~~جهلته قد عرفته هو غير الذي عينه أخي، بطلت القسامة وعليه رد ما أخذ؛ لأن ~~التكذيب يقدح في اللوث، وإن رجع الولي عن الدعوى بعد القسامة بطلت، ولزمه ~~رد ما أخذ؛ لأنه يقر على نفسه، فقبل إقراره، وعليه رد ما أخذه. # فصل # وإن كان في ورثة القتيل صبي، أو غائب، وكانت الدعوى عمدا لم تثبت القسامة ~~حتى يبلغ الصبي، ويقدم الغائب؛ لأن حلف أحدهما غير مفيد، وإن كانت موجبة ~~للمال كالخطأ ونحوه، فللحاضر المكلف أن يحلف ويستحق حصته من الدية، وفي قدر ~~أيمانه وجهان: # أحدهما: يحلف خمسين يمينا، هذا قول أبي بكر: لأننا لا نحكم بوجوب الدية # PageV04P046 # إلا بالأيمان الكاملة، ولأن الخمسين في القسامة، كاليمين الواحدة في ~~غيرها. # والآخر: يحلف خمسا وعشرين يمينا، هذا قول ابن حامد؛ لأنه لو كان أخوه ~~كبيرا حاضرا، لم يحلف إلا خمسا وعشرين، فكذلك إذا كان صغيرا أو غائبا، ~~ولأنه لا يستحق أكثر من نصف الدية، فلا يلزمه أكثر من نصف الأيمان، فإذا ~~قدم الغائب، وبلغ الصغير، حلف نصف الأيمان وجها واحدا؛ لأنه يبني على يمين ~~غيره، ويستحق قسطه من الدية، فإن كانوا ثلاثة، فعلى قول ابن حامد: يحلف كل ~~واحد سبعة عشر يمينا، وعلى قول أبي بكر: يحلف الأول خمسين. وإذا قدم الثاني ~~حلف خمسا وعشرين، فإذا قدم الثالث حلف سبعة عشر يمينا. # فصل # قال أصحابنا: ولا مدخل للنساء في القسامة؛ لأنه لا مدخل لهن في العقل، ~~فإذا كان في الورثة رجال ونساء، أقسم الرجال دون النساء، فإن كانت المرأة ~~مدعى عليها، فينبغي أن تقسم؛ لأن اليمين لا تشرع في حق غير المدعى عليه، ~~ولو كان جميع ورثة القتيل نساء، احتمل أن يقسم المدعى عليهم؛ لتعذر ms1115 الأيمان ~~من المدعين، واحتمل أن يقسم من عصبات القتيل خمسون رجلا، ويثبت الحق للنساء ~~إذا قلنا: إن القسامة تشرع في حق غير الوارث، فإن لم يوجد من عصبته خمسون، ~~قسمت على من وجد منهم. # فصل # واللوث المشترط في القسامة: هو العداوة الظاهرة بين القتيل والمدعى عليه، ~~كنحو ما بين الأنصار ويهود خيبر، وما بين القبائل المتحاربين، وما بين أهل ~~البغي والعدل، وما بين الشرطة واللصوص؛ لأن اللوث إنما ثبت بحكم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في الأنصاري المقتول بخيبر عقيب قول الأنصار: عدي على ~~صاحبنا فقتل، وليس لنا بخيبر عدو إلا يهود، فقضى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لهم باليمين، فوجب أن يعلل بذلك، ويعدى إلى مثله، ولا يلحق به ما ~~يخالفه. وعنه: أن اللوث ما يغلب على الظن صدق المدعي في أن المدعى عليه ~~قتله؛ إما العداوة المذكورة، أو تفرق جماعة عن قتيل، أو وجود قتيل عقيب ~~ازدحامهم، أو في مكان عنده في رجل معه سيف أو حديدة ملطخة بدم، أو يقتتل ~~طائفتان، فيوجد في إحداهما قتيل، أو يشهد بالقتل من لا تقبل شهادته من: ~~النساء، والصبيان، والعبيد، والفساق، أو عدل واحد؛ لأن العداوة إنما كانت ~~لوثا، لتأثيرها في غلبة الظن بصدق المدعي، فنقيس عليها ما شاركها في ذلك، ~~فأما قول القتيل: دمي عند فلان، فليس بلوث؛ لأن قوله غير مقبول على خصمه، ~~ولو شهد عدلان أن أحد هذين هو القاتل، لم يكن لوثا؛ لأنهم لم يعينوا واحدا، ~~ومن شرط القسامة التعيين. # PageV04P047 # فصل # ولا يشترط في اللوث أن يكون بالقتيل أثر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لم يسأل الأنصار عن هذا، ولو اشترط، لاستفصل - عليه السلام -، وسأل عنه، ~~ولأنه قد يقتل بما لا يظهر أثره، كغم الوجه، وعصر الخصيتين. وقال أبو بكر: ~~يشترط ذلك، وقد أومأ إليه أحمد؛ لأن الغالب أن القتل لا يحصل إلا بما يؤثر، ~~فإذا لم يكن به أثر، فالظاهر أنه مات بغير قتل. # فصل # وإذا ادعى رجل على رجل قتل وليه وبينهما لوث، ms1116 فجاء آخر فقال: أنا قتلته، ~~ولم يقتله هذا، لم تسقط القسامة بإقراره؛ لأنه قول أجنبي، ولا يثبت القتل ~~على المقر؛ لأن الولي لم يدعه، وعن أحمد: أن الدعوى تبطل على الأول؛ لأنها ~~عن ظن، وقد بان خلافه. وله الدية على الثاني؛ لأنه مقر على نفسه بها ولا ~~قصاص عليه، ولأن دعوى الولي على الأول شبهة في تبرئة الثاني، فيمتنع ~~القصاص، ويحتمل أن لا يملك مطالبته بالدية كذلك، وإن كان قد أخذ الدية من ~~الأول، ردها عليه، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | باب اختلاف الجاني والمجني عليه # إذا قتل رجلا، وادعى أنه قتله وهو عبد، فأنكر وليه، فالقول قول الولي مع ~~يمنيه؛ لأن الأصل الحرية، والظاهر في الدار الحرية، ولهذا يحكم بإسلام ~~لقيطها وحريته، وإن ادعى أنه كان قد ارتد، فأنكر الولي؛ فالقول قوله كذلك. ~~وإن قد ملفوفا في كساء، وادعى أنه كان ميتا، فالقول قول الولي؛ لأن الأصل ~~حياته، وكونه مضمونا، فأشبه ما ذكرنا، وإن جنى على عضو، وادعى أنه كان أشل ~~بعد اتفاقهما على أنه كان سليما، فالقول قول المجني عليه، وإن لم يتفقا على ~~ذلك. فإن كان من الأعضاء الباطنة، فالقول قول المجني عليه؛ لأن الأصل ~~السلامة، وإن كان من الأعضاء الظاهرة، ففيه وجهان: # أحدهما: القول قول الولي؛ لأن الأصل السلامة. # والثاني: القول قول الجاني؛ لأن العضو يظهر ويعرف حاله، فلو كان سليما، ~~لم تتعذر إقامة البينة عليه، وهذا اختيار القاضي. # فصل # وإذا زاد المقتص على حقه، وادعى أنه أخطأ، وقال الجاني: تعمد، فالقول قول ~~المقتص مع يمينه؛ لأنه أعلم بقصده، إلا أن يكون مما لا يجوز الخطأ في مثله، ~~فلا يقبل قوله فيه لعدم الاحتمال، وإن قال: هذه الزيادة حصلت باضطرابه، ~~فأنكر الجاني، # PageV04P048 # فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم الاضطراب، وفيه وجه آخر: أن القول قول ~~المقتص؛ لأن الأصل براءة ذمته. # فصل # وإذا جرح ثلاثة رجلا فمات، فادعى أحدهم أن جرحه برأ، وأنكره الآخران، ~~فصدق الولي المدعي في موضع يريد القصاص، قبل تصديقه، وليس على المدعي إلا ~~ضمان الجرح؛ ms1117 لأنه لا ضرر على الآخرين في تصديقه؛ لأن القصاص يلزمهما في ~~الحالين، وإن أراد أخذ الدية، لم يقبل تصديقه في حقهما؛ لأن عليهما ضررا، ~~فإنه إذا حصل القتل من ثلاثة، وجب على كل واحد ثلث الدية، وإذا برأ جرح ~~أحدهم، كان القتل من اثنين، فلزم كل واحد نصفها، ويقبل تصديقه في حق نفسه، ~~ويسقط عن المدعي ثلث الدية، ويلزمه أرش الجرح، ويجب على الآخرين ثلثا ~~الدية. # فصل # وإن أوضحه موضحتين بينهما حاجز، فأزيل الحاجز، فقال الجاني: تأكل ~~بالسراية، فلا يلزمني إلا دية موضحة، وقال المجني عليه: أنا أزلته، فالقول ~~قول المجني عليه؛ لأن الأصل بقاء أرش موضحتين، وإن قال الجاني: ما أوضحتك ~~إلا واحدة، وقال المجني عليه: بل أوضحتني اثنتين، فخرقت ما بينهما، فصارا ~~واحدة، فالقول قول الجاني؛ لأن الأصل براءة ذمته من أرش أخرى، وإن قطع ~~أصابع امرأة، فقال: قطعت من أصابعك أربعا، فقالت: إنما قطعت ثلاثا، ~~والرابعة قطعها غيرك، فالقول قولها؛ لأن الأصل وجوب دية ثلاث. # فصل # وإن قطع أنف رجل وأذنيه فمات، فقال الجاني: مات من الجناية، فلا يلزمني ~~إلا دية نفسه، وقال وليه: بل اندملت الجنايتان، فالقول قول وليه؛ لأن الأصل ~~وجوب ديتين، فلا يسقط بالاحتمال، وإن قطع ذلك، ثم ضرب عنقه في مدة لا يحتمل ~~البرء فيها، فليس عليه إلا دية واحدة، وإن كان بينهما مدة تحتمل البرء ~~فادعاه الولي، فالقول قوله وعلى الجاني ثلاث ديات لما ذكرنا. وإن ضرب عنقه ~~أجنبي آخر، فعلى الأول ديتان، وعلى الثاني: دية، وإن كان قبل الاندمال؛ لأن ~~جناية الثاني قطعت سراية الأول، فإن قال القاطع: أنا قتلته، وقال الولي: بل ~~قتله غيرك، فالقول قول الولي: لما ذكرنا. # فصل # وإن جنى على عين، فأذهب ضوءها، ثم مات المجني عليه، فقال الجاني: عاد ~~بصره قبل موته، وأنكر الولي، فالقول قوله؛ لأن الأصل معه. وإن قلع العين ~~آخر، # PageV04P049 # وادعى أنه قلعها قبل عود بصرها، فأنكر الولي والجاني الأول، فالقول قول ~~الثاني؛ لأن الأصل معه، فإن صدق الولي والمجني عليه الأول، قبل ms1118 قوله في ~~إبرائه؛ لأنه يسقط حقه، ولم يقبل على الثاني؛ لأنه يوجب عليه حقا الأصل ~~عدمه. # فصل # وإذا ادعى المجني عليه ذهاب سمعه بالجناية، فأنكر الجاني، امتحن في أوقات ~~غفلاته بالصياح مرة بعد أخرى، فإن ظهر منه انزعاج، أو إجابة، أو أمارة ~~للسماع، فالقول قول الجاني؛ لأن الظاهر معه ويحلف؛ لئلا يكون ما ظهر من ~~أمارة السماع اتفاقا، وإن لم يظهر منه أمارة السماع، فالقول قول المجني ~~عليه؛ لأن الظاهر معه ويحلف، لئلا يكون ذلك لجودة تحفظه، وإن ادعى ذهاب ~~شمه، امتحن في أوقات غفلاته بالرائحة الطيبة والمنتنة، فإن ظهر منه تعبيس ~~من المنتنة، وارتياح للطيبة، فالقول قول الجاني مع يمينه، وإلا فالقول قول ~~المجني عليه مع يمينه. وإن ادعى ذهاب سمع إحدى أذنيه، أو الشم من أحد ~~منخريه، سد الصحيح، وامتحن بما ذكرنا. وإن ادعى نقص سمعه، أو شمه، فالقول ~~قوله مع يمينه؛ لأنه يدعي محتملا لا يعرف إلا من جهته، ولا سبيل إلى إقامة ~~البينة عليه، فيقبل قوله مع يمينه، كقول المرأة في حيضها، ومتى حكم له ~~بالدية ثم انزعج عند صوت، أو غطى أنفه عند رائحة منتنة، فطولب بالدية فادعى ~~أنه فعل ذلك اتفاقا، فالقول قوله؛ لأنه يحتمل ما قاله، فلا ينقض الحكم ~~بالاحتمال، وإن تكرر منه ذلك، بحيث تعلم صحة سمعه وشمه، رد ما أخذ؛ لأننا ~~تبينا كذبه، ولو كسر صلبه، فادعى ذهاب جماعه، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه ~~محتمل لا يعرف إلا من جهته. # فصل # وإن ضرب بطن امرأة، فألقت جنينا، وقالت: هو من ضربك فأنكرها، وكان ~~الإسقاط عقيب الضرب، أو بقيت متألمة إلى أن أسقطت، فالقول قولها؛ لأن ~~الظاهر معها، وإن بقيت مدة غير متألمة، فالقول قوله؛ لأنه يحتمل ما قاله، ~~احتمالا ظاهرا، والأصل براءة ذمته. وإن اختلفا في التألم، فالقول قول ~~الجاني؛ لأن الأصل عدم التألم، وهو مما يظهر، ويمكن إقامة البينة عليه، وإن ~~أسقطت الجنين حيا ثم مات، فقالت المرأة: مات من ضربك فأنكرها، وكان موته ~~عقب الإسقاط، أو بقي متألما إلى ms1119 أن مات، فالقول قولها؛ لأن الظاهر معها، ~~وإن بقي مدة صحيحا ثم مات، فالقول قول الجاني، وإن اختلفا في تألمه، فالقول ~~قوله لما ذكرنا، وإن قالت المرأة: استهل ثم مات، فأنكرها، فالقول قوله؛ لأن ~~الأصل عدمه، وإن اتفقا على استهلاله، وقالت: كان ذكرا، وقال: بل أنثى، ~~فالقول قوله؛ لأن الأصل براءة ذمته من الزائد على دية أنثى. # PageV04P050 # وإن صدق الجاني المرأة في حياته، وكونه ذكرا، وأنكرت العاقلة، وجبت الدية ~~في مال الجاني؛ لأن العاقلة لا تحمل اعترافا، وإن مات الجنين مع أمه، ~~واعترف الجاني، أنه سقط حيا، ثم مات، وأنكرت العاقلة، فعلى العاقلة غرة؛ ~~لأنها لم تعترف بأكثر منها وما زاد على الجاني؛ لأن قوله مقبول على نفسه ~~دون العاقلة. # فصل # وإن اصطدمت سفينتان، فتلفت إحداهما، فادعى صاحبها أن القيم فرط في ضبطها ~~فأنكر، فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم التفريط، ومتى اختلفا في وجود ~~جناية غير ما يوجب القسامة، كالجناية على الأطراف وغيرها، فالقول قول ~~الجاني؛ لأن الأصل براءة ذمته، وعدم الجناية. # فصل # وإذا سلم دية العمد ثم اختلفا، فقال الولي: لم يكن فيها خلفات، وقال ~~الجاني: كانت فيها، ولم تكن، رجع فيه إلى أهل الخبرة، فالقول قول الولي؛ ~~لأن الأصل عدم الحمل، وإن رجع في الدفع إليهم، فالقول قول الدافع؛ لأننا ~~حكمنا بأنها خلفات بقولهم، فلا ينقض ما حكمنا به إلا بدليل. ### | باب كفارة القتل # تجب الكفارة، على كل من قتل نفسا محرمة مضمونة خطأ، بمباشرة أو تسبب، ~~كحفر البئر، وشهادة الزور؛ لقول الله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير ~~رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} [النساء: 92] ، وتجب على من قتل في بلاد ~~الروم مسلما يعتقده كافرا؛ لقول الله تعالى: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو ~~مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] ، وكذلك يلزم من رمى صف الكفار فقتل ~~مسلما، قياسا عليه، ومن ضرب بطن امرأة، فألقت جنينا حيا أو ميتا، فعليه ~~كفارة؛ لأنه آدمي محقون الدم لحرمته، فوجبت فيه الكفارة كغيره، وإن قتله ~~وأمه، فعليه كفارتان؛ ms1120 لأنه قتل نفسين، وإن قتل نفسه أو عبده خطأ، فعليه ~~كفارة؛ لأنها تجب لحق الله تعالى، وقتل نفسه وعبده كقتل غيرهما في التحريم، ~~لحق الله تعالى، وإن اشترك جماعة في قتل واحد، فعلى كل واحد منهم كفارة؛ ~~لأنها كفارة لا تجب على سبيل البدل، اشتركوا في سببها فلزم كل واحد # PageV04P051 # كفارة، كالطيب في الإحرام، وعنه: على الجميع كفارة؛ لأنها تجب بالقتل، ~~فإذا كان واحدا، وجبت كفارة واحدة، كقتل الصيد. # فصل # ولا تجب الكفارة بالعمد المحض، سواء أوجب القصاص أو لم يوجبه؛ لقول الله ~~تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] فتخصيصه بها ~~يدل على نفيها في غيره، ولأنها لو وجبت في العمد، لمحت عقوبته في الآخرة؛ ~~لأنها شرعت لستر الذنب، وعقوبة القاتل عمدا ثابتة بالنص لا تمحى بها، فوجب ~~ألا تجب الكفارة فيه، وعنه: أنها تجب؛ لأنها إذا وجبت في الخطأ مع قلة ~~إثمه، ففي العمد أولى. # وأما شبه العمد، فتجب فيه الكفارة؛ لأنه أجري مجرى الخطأ في نفي عقوبته، ~~وتحمل العاقلة ديته وتأجيلها، فكذلك في الكفارة، ولأنه لو لم تجب الكفارة، ~~لم يلزم القاتل شيء؛ لأن الدية تحملها العاقلة، وتجب الكفارة في مال الصبي ~~والمجنون إذا قتلا وإن تعمدا؛ لأن عمدهما أجري مجرى الخطأ في أحكامه، وهذا ~~من أحكامه، وتجب على النائم إذا انقلب على شخص فقتله، وعلى من قتلت بهيمته ~~بيدها، أو فمها إذا كان قائدها، أو راكبها، أو سائقها؛ لأن حكم القتل لزمه، ~~فكذلك كفارته. # فصل # ولا يجب بالجناية على الأطراف كفارة، ولا بقتل غير الآدمي؛ لأن وجوبها من ~~الشرع، وإنما أوجبها في النفس، وقياس غيرها عليها ممتنع؛ لأنها أعظم حرمة، ~~ولذلك اختصت بالقسامة، ولا تجب بقتل مباح، كقتل الزاني المحصن، والقصاص، ~~وقتل أهل البغي، والصائل، ومن ضرب الحد فمات فيه أو في التعزير، أو قطع ~~بالسرقة، أو القصاص، فسرى إلى نفسه، ونحو ذلك؛ لأن الكفارة شرعت للتكفير ~~والمحو، وهذا لا شيء فيه يمحى. # فصل # والكفارة تحرير رقبة مؤمنة، فمن لم يجد، فصيام شهرين متتابعين ms1121 للآية، فإن ~~لم يستطع؛ ففيه روايتان: # إحداهما: يلزمه إطعام ستين مسكينا؛ لأنها كفارة فيها العتق وصيام شهرين، ~~فوجب فيها إطعام ستين مسكينا إذا عجز عنهما، ككفارة الظهار، والجماع في ~~رمضان. # PageV04P052 # والأخرى: لا يجب فيها الإطعام؛ لأن الله تعالى لم يذكره، وصفة الرقبة ~~والصيام والإطعام، كصفة الواجب في كفارة الظهار على ما ذكر فيه، ومن عجز عن ~~الكفارة، بقيت في ذمته؛ لأنها كفارة تجب بالقتل، فلا تسقط بالعجز، ككفارة ~~قتل الصيد الحرمي. # PageV04P053 ### | كتاب قتل أهل البغي # كل من ثبتت إمامته، حرم الخروج عليه وقتاله، سواء ثبتت بإجماع المسلمين ~~عليه، كإمامة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، أو بعهد الإمام الذي قبله ~~إليه، كعهد أبي بكر إلى عمر - رضي الله عنهما -، أو بقهره للناس حتى أذعنوا ~~له ودعوه إماما، كعبد الملك بن مروان؛ لقول الله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] ، وروى ~~أبو ذر، وأبو هريرة - رضي الله عنهما -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات، فميتته جاهلية» رواه ~~مسلم من حديث أبي هريرة. # فصل # والخارجون على الإمام على ثلاثة أقسام: قسم لا تأويل لهم، فهؤلاء قطاع ~~طريق، نذكر حكمهم فيما بعد إن شاء الله، وكذلك إن كان لهم تأويل، لكنهم عدد ~~يسير لا منعة عندهم، وقال أبو بكر: هم بغاة؛ لأن لهم تأويلا، فأشبه العدد ~~الكثير. # والأول: أصح؛ لأن عليا - رضي الله عنه - لم يجر ابن ملجم مجرى البغاة، ~~ولأن هذا يفضي إلى إهدار أموال الناس. # القسم الثاني: الخوارج الذين يكفرون أهل الحق وأصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، ويستحلون دماء المسلمين، فذهب فقهاء أصحابنا إلى أن ~~حكمهم حكم البغاة؛ لأن عليا - رضي الله عنه - قال في الحرورية: لا تبدءوهم ~~بالقتال، وأجراهم مجرى البغاة، وكذلك عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -، ~~وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنهم كفار، # PageV04P054 # حكمهم حكم المرتدين؛ لما روى أبو سعيد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال فيهم: ms1122 «إنهم يقرءون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما ~~يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن ~~قتلهم يوم القيامة» رواه البخاري. وفي لفظ: «لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، لئن ~~أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» ، فعلى هذا يجوز قتلهم ابتداء، وقتل أسيرهم، ~~واتباع مدبرهم، ومن قدر عليه منهم استتيب كالمرتد، فإن تاب، وإلا قتل. # القسم الثالث: قوم من أهل الحق خرجوا على الإمام بتأويل سائغ، وراموا ~~خلعه، ولهم منعة وشوكة، فهؤلاء بغاة، وواجب على الناس معونة إمامهم في ~~قتالهم؛ لقول الله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ~~فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} ~~[الحجرات: 9] ، ولأن الصحابة - رضي الله عنهم - قاتلوا مانعي الزكاة، وقاتل ~~علي - رضي الله عنه - أهل البصرة يوم الجمل، وأهل الشام بصفين، ولا يقاتلهم ~~الإمام حتى يسألهم ما ينقمون منه، فإن اعتلوا بمظلمته أزالها، أو شبهة ~~كشفها؛ لقول الله تعالى: {فأصلحوا بينهما} [الحجرات: 9] وفي هذا إصلاح، ~~ولأن عليا - رضي الله عنه - راسل أهل البصرة يوم الجمل قبل الوقعة، وأمر ~~أصحابه ألا يبدءوهم بقتال، وقال: إن هذا يوم، من فلج فيه، فلج يوم القيامة. # وروى عبد الله بن شداد: أن عليا لما اعتزلته الحرورية، بعث إليهم عبد ~~الله بن عباس، فواضعوه كتاب الله ثلاثة أيام، فرجع منهم أربعة آلاف، فإذا ~~راسلهم فأبوا وعظهم. وخوفهم القتال، فإن أبوا قاتلهم، فإن استنظروه مدة، ~~نظر في حالهم، فإن بان له أن قصدهم تعرف الحق، وكشف اللبس، والرجوع إلى ~~الطاعة، أنظرهم؛ لأن في هذا إصلاحا، وإن علم أن قصدهم الاجتماع على حربه، ~~أو خديعته، عاجلهم لما في التأخير من الضرر، فإن أعطوه مالا على إنظارهم أو ~~رهنا لم يقبل؛ لأنه لا يؤمن جعل ذلك طريقا إلى قهره وقهر أهل العدل. # فصل # وإذا قوتلوا لم يتبع لهم مدبر، ولم يجز على جريح، ولم يقتل لهم أسير، ولم ~~يغنم لهم مال، ولم يسب لهم ذرية؛ لما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه ms1123 -: ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: «يا ابن أم عبد، ما حكم من بغى ~~على أمتي؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، # PageV04P055 # فقال: لا يقتل مدبرهم، ولا يجاز على جريحهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يقسم ~~فيئهم» ، وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال يوم الجمل: لا يذفف على جريح، ~~ولا يهتك ستر، ولا يفتح باب، ومن أغلق بابا أو بابه، فهو آمن. وعن أبي ~~أمامة قال: شهدت صفين، فكانوا لا يجيزون على جريح، ولا يطلبون موليا، ولا ~~يسلبون قتيلا، ولأن المقصود دفعهم، فإذا حصل لم يجز قتلهم كالصائل، وإن حضر ~~معهم من لا يقاتل لم يجز قتله؛ لأن عليا - رضي الله عنه - قال: إياكم وصاحب ~~البرنس، يعني محمد بن طلحة السجاد، وكان قد حضر طاعة لأبيه، ولم يقاتل، ~~ولأن القصد كفهم، وهذا قد كف نفسه، ومن أسر منهم فدخل في الطاعة، خلي ~~سبيله، وإن أبى ذلك وكان رجلا جلدا، حبس حتى تنقضي الحرب؛ لئلا يعين أصحابه ~~على قتال أهل العدل، فإذا انقضت الحرب، خلي سبيله، وإن لم يكن من أهل ~~القتال خلي سبيله ولم يحبس؛ لأنه لا يخشى الضرر من تخليته، وقال أبو ~~الخطاب: فيه وجه آخر: أنه يحبس كسرا لقلوب أصحابه، والأول أصح، وحكم النساء ~~والصبيان حكم الرجال، إن قاتلوا، جاز دفعهم بالقتل، وإلا فلا، ومن قتل أحدا ~~ممن منع من قتله ضمنه؛ لأنه قتل معصوما لم يؤمر بقتله، وهل يلزمه القصاص؟ ~~فيه وجهان: # أحدهما: يلزمه؛ لأنه قتل مكافئا عمدا. # والثاني: لا يجب؛ لأن في قتلهم اختلافا، فكان ذلك شبهة دارئة للقصاص. # فصل # ولا يجوز قتالهم بالنار، ولا رميهم بالمنجنيق، وما يعم إتلافه؛ لأنه يعم ~~من لا يجوز قتله، ومن يجوز. فإن دعت إليه ضرورة جاز، كما يجوز قتل الصائل، ~~ولا يستعين على قتالهم بكافر، ولا بمن يستبيح قتلهم؛ لأن القصد كفهم لا ~~قتلهم، وهؤلاء يقصدون قتلهم، فإن دعت الحاجة إلى الاستعانة بهم، فقدر على ~~كفهم عن فعل ما لا يجوز، جازت الاستعانة بهم، وإلا فلا، وإن اقتتلت طائفتان ms1124 ~~من أهل البغي، فقدر الإمام على قهرهما، لم يعن واحدة منهما؛ لأنهما على ~~الخطأ، وإن لم يقدر، ضم إليه أقربهما إلى الحق، فإن استويا، اجتهد، في ضم ~~إحداهما إلى نفسه، يقصد بذلك الاستعانة بها على الأخرى، فإذا قهرها، لم ~~يقاتل المضمومة إليه حتى يدعوها إلى الطاعة؛ لأنها حصلت في أمانة ~~بالاستعانة بها. # فصل # ولا يجوز أخذ مالهم لما تقدم، ولأن الإسلام عصم مالهم، وإنما أبيح قتالهم ~~للرد إلى الطاعة، فبقي المال على العصمة، كمال قاطع الطريق، ولا يجوز ~~الاستعانة # PageV04P056 # بكراعهم وسلاحهم من غير ضرورة لذلك، فإن دعت إليه ضرورة جاز، كما يجوز ~~أكل مال الغير في المخمصة. # فصل # ومن أتلف من الفريقين على الآخر مالا أو نفسا في غير القتال ضمنه؛ لأن ~~تحريم ذلك كتحريمه قبل البغي، فكان ضمانه كضمانه قبل البغي، وما أتلف ~~أحدهما على الآخر حال الحرب بحكم القتال من نفس أو مال لم يضمنه؛ لما روى ~~الزهري قال: كانت الفتنة العظمى، وفيهم البدريون، وأجمعوا على أن لا يجب حد ~~على رجل ارتكب فرجا حراما بتأويل القرآن، ولا يقتل رجل سفك دما حراما ~~بتأويل القرآن، ولا يغرم مالا أتلفه بتأويل القرآن، ولأن العادل مأمور ~~بإتلافه فلم يضمنه، كما لو قتل الصائل عليه، والبغاة: طائفة ممتنعة بالحرب ~~بتأويل، فلم تضمن ما أتلفت على الأخرى بحكم الحرب، كأهل العدل، ولأن ~~تضمينهم ذلك يفضي إلى تنفيرهم عن الطاعة فسقط، كأهل الحرب، وعنه: يلزم ~~البغاة الضمان؛ لأنهم أتلفوه بغير حق، فضمنوه كقطاع الطريق. # فصل # وإن استعان أهل البغي بأهل الحرب، فأمنوهم بشرط المعاونة، لم ينعقد ~~أمانهم؛ لأن من شرط الأمان ألا يقاتلوا المسلمين، فلم ينعقد بدون شرطه وإن ~~أعانوهم، فلأهل العدل قتلهم، وغنيمة أموالهم، كما قبل الاستعانة، ولا يجوز ~~لأهل البغي قتلهم، ولا يحل لهم مالهم؛ لأنهم أمنوهم، فلزمهم الوفاء به، وإن ~~استعانوا بأهل الذمة، فقاتلوا معهم طائعين عالمين بتحريم ذلك، فيه وجهان: # أحدهما: ينتقض عهدهم؛ لأنهم قاتلوا المسلمين من غير عذر، فانتقض عهدهم، ~~كما لو كانوا منفردين. # والثاني: لا ينتقض عهدهم؛ ms1125 لأنهم تابعون لأهل البغي، فعلى هذا حكمهم حكم ~~البغاة في قتل مقاتلتهم دون مدبرهم وأسيرهم، وتذفيف جريحهم، ولكنهم يضمنون ~~ما أتلفوا من نفس أو مال، في الحرب وفي غيره؛ لأن سقوط التضمين عن البغاة ~~كيلا يفضي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة، ولا يخاف تنفير أهل الذمة، ~~وإن قالوا: كنا مكرهين، أو ظننا أنه يجوز لنا معاونتهم، لم تنتقض الذمة؛ ~~لأن ما ادعوه محتمل، فلا ينقض العهد مع الشبهة، وإن استعانوا بمستأمن، ~~فحكمه حكم أهل الحرب إلا أن يقيم بينة على الإكراه. # فصل # وإن ولوا قاضيا يستبيح دماء أهل العدل وأموالهم، لم ينفذ حكمه؛ لأن ~~العدالة # PageV04P057 # شرط للقضاء، وليس هذا بعدل، وإن كان عدلا مجتهدا، نفذ من حكمه ما ينفذ من ~~حكم قاضي الإمام، ورد منه ما يرد منه؛ لأن له تأويلا يسوغ فيه الاجتهاد، ~~فأشبه قاضي أهل العدل، وإن كتب إلى قاضي أهل العدل، استحب ألا يقبل كتابه ~~كسرا لقلوبهم، فإن قبله جاز؛ لأن حكمه ينفذ، فجاز قبول كتابه، كقاضي ~~الإمام. # فصل # وإن استولوا على بلد، فأقاموا الحدود، وأخذوا الزكاة والخراج والجزية ~~احتسب به؛ لأن عليا - رضي الله عنه - لم يتتبع ما فعله أهل البصرة وأخذه. ~~وكان ابن عمر يدفع زكاته إلى ساعي نجدة الحروري، ومن ادعى دفع زكاته إليهم، ~~قبل منه، ولم يستحلف؛ لأن الناس لا يستحلفون على صدقاتهم، ومن ادعى من أهل ~~الذمة دفع جزيته إليهم، لم يقبل إلا ببينة؛ لأنها عوض، فأشبهت الأجرة، ومن ~~ادعى دفع خراجه إليهم، ففيه وجهان: # أحدهما: لا يقبل؛ لأنه أجرة للأرض، فأشبه أجرة الدار، ولأنه خراج أشبه ~~الجزية. # والثاني: يقبل قوله؛ لأن الدافع مسلم، فقبل قوله في الدفع كالزكاة. # فصل # وإن أظهر قوم رأي الخوارج، ولم يخرجوا عن قبضة الإمام، فقال أبو بكر: لا ~~يتعرض لهم؛ لأن عليا - رضي الله عنه - سمع رجلا يقول: لا حكم إلا لله - ~~تعريضا به في التحكيم - فقال: كلمة حق أريد بها باطل، لكم علينا ثلاث: لا ~~نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا ms1126 نمنعكم الفيء ما دامت ~~أيديكم معنا، ولا نبدأكم بقتال. وحكمهم في ضمان النفس والمال والحد حكم أهل ~~العدل؛ لأن ابن ملجم جرح عليا - رضي الله عنه - فقال: أطعموه واسقوه ~~واحبسوه، فإن عشت فأنا ولي دمي، أعفو إن شئت، وإن شئت استقدت، وإن مت ~~قتلتموه، ولا تمثلوا به، ولا يتحتم القصاص إذا قتلوا مسلما؛ لقول علي - رضي ~~الله عنه -: وإن شئت عفوت، وفيه وجه آخر أنه يتحتم؛ لأنه قتل بإشهار السلاح ~~في غير المعركة، فتحتم قتله، كقاطع الطريق، وإن سبوا الإمام أو غيره من أهل ~~العدل، عزروا؛ لأنه محرم لا حد فيه، ولا كفارة، فشرع التعذير فيه، وإن ~~عرضوا بالسب، ففيه وجهان: # أحدهما: يعزرون كيلا يصرحوا به ويخرقوا الهيبة. # والثاني: لا يعزرون؛ لما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه كان في صلاة ~~الفجر، # PageV04P058 # فناداه رجل من الخوارج: {لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} ~~[الزمر: 65] ، فأجابه علي - رضي الله عنه -: {فاصبر إن وعد الله حق} ~~[الروم: 60] ولم يعزره، فأما من ذهب من أصحابنا إلى تكفيرهم، فإنهم متى ~~أظهروا رأي الخوارج استتيبوا، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم، كسائر ~~المرتدين. # فصل # وإن اقتتلت طائفتان، لطلب ملك أو رئاسة أو عصبية، ولم تكن إحداهما في ~~طاعة الإمام، فهما ظالمتان، يلزم كل واحدة منهما ضمان ما أتلفت على الأخرى، ~~فإن كانت إحداهما في طاعة الإمام تقاتل بأمره، فهي المحقة، وحكم الأخرى حكم ~~من يقاتل الإمام؛ لأنهم يقاتلون من أذن له الإمام، فأشبه المقاتل لجيشه. ### | باب أحكام المرتد # وهو: الراجع عن دين الإسلام، ولا يصح الإسلام والردة إلا من عاقل، فأما ~~المجنون والطفل، فلا يصح إسلامهما ولا ردتهما؛ لأنه قول له حكم، فلا يصح ~~منهما، كالبيع وغيره من العقود، وأما الصبي المميز، فيصح إسلامه وردته؛ لأن ~~عليا - رضي الله عنه - أسلم وهو ابن سبع، فصح إسلامه، وثبت إيمانه، وعد ~~بذلك سابقا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كل مولود يولد على ~~الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه حتى يعرب عنه لسانه، فإما ~~شاكرا، ms1127 وإما كفورا» ، ولأن الإسلام عبادة محضة، فصح منه، كالصلاة والحج، ~~ومن صح إسلامه صحت ردته، كسائر الناس. # وعنه: لا تصح ردته؛ لقوله - عليه السلام -: «رفع القلم عن ثلاثة» ، ولأنه ~~قول يثبت به عقوبة، فلم يصح منه، كالإقرار بالحد، واختلف في السن المعتبرة ~~لصحة إسلامه وردته، فقال الخرقي: هي عشر سنين؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أمر بضربهم على الصلاة والتفريق بينهم في المضاجع لعشر، وعن أحمد: ~~أنه إذا كان ابن سبع سنين، صح إسلامه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «مروهم بالصلاة لسبع» ، وعن عروة: أن عليا والزبير أسلما وهما ابنا ~~ثمان سنين، ولأنه تصح عباداته، فصح إسلامه كابن عشر، وفي ردة السكران ~~روايتان، كطلاقه. # PageV04P059 # فصل # ولا تصح الردة من المكره؛ لقول الله تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان} [النحل: 106] ، وإن لفظ بالكفر وهو أسير، فثبت أنه لفظ به وهو ~~آمن كفر. وإن لم يثبت، لم يحكم بردته؛ لأنه في محل المخافة، وإن لفظ بها ~~غير الأسير، حكم بردته، إلا أن يثبت إكراهه، ومن ثبت عليه أنه أكل لحم ~~الخنزير، أو شرب خمرا، لم يحكم بردته؛ لأنه قد يأكله معتقدا تحريمه، ~~والأفضل للمكره على كلمة الكفر ألا يقولها؛ لما روى خباب، عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن كان الرجل ممن كان قبلكم يحفر له في ~~الأرض، ثم يجاء بمنشار فيوضع على رأسه، ويشق باثنين ما يمنعه ذلك عن دينه، ~~ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم ما يصرفه ذلك عن دينه» . # فصل # والردة تحصل بجحد الشهادتين، أو إحداهما، أو سب الله تعالى، أو رسوله - ~~صلى الله عليه وسلم -، أو قذف أم النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو جحد ~~كتاب الله تعالى، أو شيء منه، أو شيء من أنبيائه، أو كتاب من كتبه، أو ~~فريضة ظاهرة مجمع عليها، كالعبادات الخمسة، أو استحلال محرم مشهور أجمع ~~عليه: كالخمر، والخنزير، والميتة، والدم، والزنا ونحوه، فإن كان ذلك لجهل ~~منه، لحداثة عهده بالإسلام، أو لإفاقة من ms1128 جنون ونحوه لم يكفر، وعرف حكمه ~~ودليله، فإن أصر عليه كفر؛ لأن أدلة هذه الأمور الظاهرة ظاهرة في كتاب الله ~~وسنة رسوله، فلا يصدر إنكارها إلا من مكذب لكتاب الله وسنة رسوله. # فصل # ومن ارتد عن الإسلام، وجب قتله؛ لما روى ابن عباس: أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «من بدل دينه فاقتلوه» رواه البخاري. وعن عثمان بن ~~عفان - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~«لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد ~~إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس» . # فصل # وتقتل المرتدة للخبر، ولأنها بدلت دين الحق بالباطل، فتقتل كالرجل. # فصل # ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثا يدعى فيها إلى الإسلام، وعنه: أنه يقتل من غير # PageV04P060 # استتابة للخبر، ولأنه يروى: أن معاذا قدم على أبي موسى، وعنده رجل محبوس ~~على الردة، فقال معاذ: لا أنزل حتى يقتل فقتل. والأول ظاهر المذهب؛ لما روى ~~مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري، عن أبيه: ~~أنه قدم على عمر رجل من قبل أبي موسى، فقال له عمر: هل من مغربة خبر؟ قال: ~~نعم. رجل كفر بعد إسلامه، فقال: ما فعلتم به؟ قال: قدمناه، فضربنا عنقه، ~~قال عمر: فهل حبستموه ثلاثا فأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه لعله يتوب، ~~أو يراجع أمر الله؟ اللهم إني لم أحضر، ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني، ولو لم ~~تجب الاستتابة، لما تبرأ من فعلهم ولأن الردة في الغالب إنما تكون لشبهة ~~عرضت له، فإذا تأنى عليه، وكشفت شبهته، رجع إلى الإسلام، فلا يجوز إتلافه ~~مع إمكان استصلاحه، فعلى هذا يضيق عليه في مدة الاستتابة ويحبس، ويدعى إلى ~~الإسلام، وتكشف شبهته، ويبين له فساد ما وقع له، فإن قتل قبل الاستتابة، لم ~~يجب ضمانه؛ لأن عصمته قد زالت بردته، وإن ارتد وهو سكران، لم يقتل قبل ~~إفاقته؛ لأنه لا يمكن إزالة شبهته في حال سكره، فإذا صحا، وتمت ms1129 له ثلاثة ~~أيام من وقت ردته، قتل وإن ارتد صبي، لم يقتل قبل بلوغه؛ لأن القتل عقوبة ~~متأكدة، فلا تشرع في حق الصبي، كالحد، وإذا بلغ، استتيب ثلاثا؛ لأن البلوغ ~~مظنة كمال العقل، فاعتبرت الاستتابة فيه، فإن لم يتب قتل، وإن ارتد عاقل ~~فجن، لم يقتل في جنونه؛ لأن القتل يجب بالإصرار على الردة، والمجنون لا ~~يوصف بالإصرار، ومن قتل أحد هؤلاء، عزر؛ لارتكابه القتل المحرم ولم يضمن؛ ~~لأنه قتل كافرا لا عهد له، فأشبه قتل نساء أهل الحرب. # فصل # فإذا تاب المرتد قبلت توبته، وخلي سبيله؛ لقول الله تعالى: {والذين لا ~~يدعون مع الله إلها آخر} [الفرقان: 68] إلى قوله: {إلا من تاب} [الفرقان: ~~70] ، وروى أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإذا قالوها ~~عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» ، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كف عن المنافقين حين أظهروا الإسلام مع إبطانهم الكفر، وعن أحمد: أنه لا ~~تقبل توبة الزنديق المستسر بكفره؛ لأنه كان مستسرا به دهره، فلا يزيد ~~بتوبته عن الاستسرار الذي كان قبل الظهور عليه، ولا توبة من تكررت ردته؛ ~~لقول الله تعالى: {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا ~~كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا} [النساء: 137] . # وقال أحمد: لا تقبل توبة # PageV04P061 # من سب النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال الخرقي: ومن قذف أم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قتل، مسلما كان أو كافرا، وقال أبو الخطاب: هل تقبل ~~توبة من سب الله تعالى ورسوله؟ على روايتين: # إحداهما: لا تقبل؛ لأن قتله موجب السب والقذف، فلا يسقط بالتوبة، كحد ~~القذف. # والثانية: تقبل لأنه لا يزيد على اتخاذ الصاحبة والولد لله سبحانه ~~وتعالى، وقد سماه الله تعالى شتما، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما ~~يخبر عن ربه تعالى أنه قال: «شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني، أما ~~شتمه إياي فقوله: إن لي ms1130 صاحبة وولدا» والتوبة من هذا مقبولة بالاتفاق. # فصل # وتثبت التوبة من الردة والكفر الأصلي، بأن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن ~~محمدا رسول الله؛ لخبر أنس، إلا أن يكون ممن يعتقد أن محمدا بعث إلى العرب ~~خاصة، أو يزعم أن محمدا نبي يبعث غير نبينا - صلى الله عليه وسلم -، فلا ~~يصح إسلامه حتى يشهد أن نبينا محمدا نبي بعث إلى الناس كافة، أو يتبرأ مع ~~الشهادتين من كل دين خالف الإسلام؛ لأنه يحتمل أن يريد بالشهادة ما يعتقده. ~~وإن شهد أن محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقط، ففيه روايتان: # إحداهما: يحكم بإسلامه؛ لأنه لا يقر برسالته، إلا وهو مقر بمن أرسله. # والثانية: إن كان ممن يقر بالتوحيد كاليهود، حكم بإسلامه؛ لأن كفره بجحده ~~لرسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان ممن لا يوحد الله تعالى ~~كالنصراني، لم يحكم بإسلامه، حتى يشهد أن لا إله إلا الله؛ لأنه غير موحد، ~~فلا يحكم بإسلامه حتى يوحد الله تعالى، ويقر بما كان يجحده، وإن ارتد بجحد ~~فرض، أو استحلال محرم، لم يصح إسلامه، حتى يرجع عما اعتقده، ويعيد ~~الشهادتين؛ لأنه كذب الله تعالى ورسوله بما اعتقده، وإن صلى الكافر، حكمنا ~~بإسلامه، سواء صلى جماعة، أو فرادى في دار الحرب، أو الإسلام؛ لأنها ركن ~~يختص به الإسلام، فحكم بإسلامه، بها كالشهادتين، ولأن ما كان إسلاما في دار ~~الحرب، كان إسلاما في دار الإسلام، كالشهادتين، وإن قال: أنا مؤمن، أو ~~مسلم، حكم بإسلامه، وإن لم يلفظ بالشهادتين، ذكره القاضي؛ لأن ذلك اسم ~~لشيء، فإذا أخبر به، فقد أخبر بذلك الشيء. # فصل # وإن أصر على الردة قتل بالسيف؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وإذا ~~قتلتم فأحسنوا القتلة» # PageV04P062 # ولا يقتله إلا الإمام؛ لأنه قتل يجب لحق الله تعالى، فكان إلى الإمام، ~~كرجم الزاني، وإن قتله غيره بغير إذنه أساء، ويعزر لافتئاته على الإمام، ~~ولا ضمان عليه؛ لأنه أتلف محلا غير معصوم. # فصل # وإذا ارتد، لم يزل ملكه؛ لأنه سبب مبيح لدمه، فلم ms1131 يزل ملكه، كزنا المحصن، ~~وإن وجد منه سبب يقتضي الملك، كالاصطياد، والابتياع، ملك به كذلك، ويرفع ~~الحاكم يده عن ماله، ويمنعه التصرف فيه، ويقضي ديونه من ماله، وأرش ~~جناياته، وينفق على من يلزمه الإنفاق عليه، وإن تصرف المرتد في ماله، ببيع ~~أو هبة ونحوها، كان تصرفه موقوفا، إن أسلم تبينا وقوعه صحيحا، وإن لم يسلم ~~كان باطلا؛ لأنه تعلق به حق جماعة المسلمين بردته، فأشبه تبرع المريض ~~لوارثه، وقال أبو بكر: يزول ملكه بردته؛ لأن المسلمين ملكوا إراقة دمه، ~~فوجب أن يملكوا ماله كالأصلي؛ لأنه زالت عصمته بردته، فوجب أن تزول عصمة ~~ماله، فلا تصح تصرفاته، ولا تملك بأسباب الملك، ولا تنفق على أهله منه، فإن ~~أسلم رد إليه تمليكا مستأنفا، وإن قتل أو مات قضيت ديونه؛ لأن موته لا يمنع ~~قضاء دينه. # فصل # ولا يجوز استرقاق المرتد؛ لأنه لا يجوز إقراره على ردته، وإن ارتد وله ~~ولد، لم يجز استرقاق ولده؛ لأنه محكوم بإسلامه بإسلام والده، فإذا بلغ، ~~استتيب ثلاثا، فإن تاب وإلا قتل. والحمل كالولد الظاهر؛ لأنه يحكم له ~~بالإسلام، ولهذا نورثه من والده المسلم دون المرتد، وإن ولد للمرتد ولد بعد ~~ردته من كافرة، جاز استرقاقه؛ لأنه كافر ولد بين كافرين، فجاز استرقاقه، ~~كولد الحربيين، ونقل الفضل بن زياد عن أحمد في المرتد: إذا تزوج في دار ~~الحرب، وولد له، ما يصنع بولده؟ قال: يردون إلى الإسلام، ويكونون عبيدا ~~للمسلمين، فظاهر هذا أنه لا يجوز إقرار ولده على الكفر، ولا يقبل منه إلا ~~الإسلام، وإذا أسلم بعد سبيه رق؛ لأنه ولد من لا يقر على كفره، فلا يقر على ~~كفره، كوالده الذي كان موجودا قبل ردته. # فصل # وما يتلفه المرتد مضمون عليه؛ لأنه التزم حكم الإسلام بإسلامه واعترافه ~~به، فلا يسقط عنه بجحده، كمن جحد الدين بعد إقراره به، فإن لحق بدار الحرب، ~~فقد روي عن أحمد: أنه إذا لحق بدار الحرب، فقتل أو سرق، قال: قد زال عنه ~~الحكم؛ يعني: لا يؤخذ بجنايته، ثم توقف بعد ms1132 ذلك، فيحتمل أن يضمن ما أتلفه ~~لما ذكرناه، ويحتمل أن لا يضمن؛ لأنه ممتنع بكفره في دار الحرب فلم يضمن، ~~كالكافر الأصلي. # PageV04P063 # وإن ارتدت طائفة وامتنعت، وجب على الإمام قتالها؛ لأن أبا بكر الصديق ~~قاتل أهل الردة، ولأنهم كفار لا عهد لهم، فوجب قتالهم كالأصليين، وما ~~أتلفوه في حال الحرب لم يضمنوه؛ لما روى طارق بن شهاب قال: جاء وفد بزاخة ~~وغطفان إلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - يسألونه الصلح، فقال: تدون ~~قتلانا، ولا ندي قتلاكم، فقال عمر - رضي الله عنه -: إن قتلانا قتلوا على ~~أمر الله، ليس لهم ديات، فتفرق الناس على قول عمر - رضي الله عنه -، رواه ~~البخاري. # وإن أتلفوا في غير دار الحرب شيئا، ففيه وجهان؛ كالواحد إذا لحق بدار ~~الحرب، وذكر ابن أبي موسى، والقاضي، وأبو الخطاب: أن ما أتلفه المرتد، فهو ~~مضمون عليه، سواء كان واحدا، أو جماعة ممتنعة بالحرب، ويحتمل في الجماعة ~~الممتنعة ألا تضمن ما أتلفت. # فصل # ومن أكره على الإسلام بغير حق كالذمي والمستأمن، لم يصح إسلامه، ولم يثبت ~~له أحكامه حتى يوجد منه ذلك، بعد زوال الإكراه. وإن أكره عليه بحق كالمرتد، ~~ومن لا يجوز إقراره على دينه حكم بإسلامه، ومن أسلم ثم قال: لم أعتقد ~~الإسلام، أو: لم أدر ما قلت، لم يقبل منه، وصار مرتدا، نص عليه أحمد - رضي ~~الله عنه -، وعنه أنه يقبل منه. والمذهب: الأول. ### | باب الحكم في الساحر # السحر: عزائم ورقى وعقد تؤثر في الأبدان، والقلوب، فيمرض، ويقتل، ويفرق ~~بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه، قال الله تعالى: {فيتعلمون ~~منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} [البقرة: 102] ، وقال الله سبحانه: ~~{قل أعوذ برب الفلق} [الفلق: 1] إلى قوله: {ومن شر النفاثات في العقد} ~~[الفلق: 4] يعني: السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن، وينفثن في عقدهن، ولولا ~~أن للسحر حقيقة، لم يأمر بالاستعاذة منه، وروت عائشة - رضي الله عنها -: ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، سحر حتى إنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء ~~ولم يفعله، وأنه قال ms1133 لها ذات يوم: أتاني ملكان، فجلس أحدهما عند رأسي، ~~والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، ~~قال: ومن طبه؟ قال: # PageV04P064 # لبيد بن الأعصم في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر في بئر ذي أروان» رواه ~~أحمد، والبخاري، ومسلم. # وتعلم السحر، والعمل به حرام، فإن فعله رجل، وجب قتله إذا كان مسلما؛ لما ~~روي عن بجالة قال: كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم الأحنف بن قيس؛ إذ جاءنا ~~كتاب عمر - رضي الله عنه - قبل موته بسنة: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، ~~فقتلنا ثلاث سواحر في يوم، رواه أحمد وأبو داود. وقتلت حفصة أمة لها ~~سحرتها. ورأى جندب بن كعب رجلا يعمل سحرا بين يدي الوليد بن عقبة، فضربه ~~بالسيف. وأما ساحر أهل الكتاب، فلا يقتل. نص عليه أحمد. وقال: الشرك أعظم ~~من ذلك. وقد سحر لبيد بن الأعصم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلم يقتله. # قال أصحابنا: ويكفر بتعلم السحر، والعمل به؛ لقول الله تعالى: {وما كفر ~~سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل ~~هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر} ~~[البقرة: 102] . فدل هذا على أنه يكفر بتعلمه. وهل يستتاب؟ فيه روايتان: # إحداهما: لا يستتاب؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - لم يستتيبوهم، ولأن ~~علم السحر لا يزول بالتوبة. # والثانية: يستتاب. فإن تاب، قبلت توبته، وخلي سبيله؛ لأن دينه لا يزيد ~~على الشرك. # والمشرك يستتاب، وتقبل توبته، فكذا الساحر. وعلمه بالسحر لا يمنع توبته، ~~بدليل ساحر أهل الكتاب إذا أسلم، ولذلك صح إيمان سحرة فرعون وتوبتهم. # فصل # الكاهن - الذي له رئي من الجن - والعراف، وقد نقل عن أحمد: أن حكمهما ~~القتل أو الحبس حتى يتوبا؛ لأنهما يلبسان أمرهما، وليس هو من أمر الإسلام. ~~قال أحمد: العراف طرف من السحر، والساحر أخبث؛ لأنه شعبة من الكفر. # فصل # فأما المعزم الذي يعزم على المصروع، ويزعم أنه يجمع الجن، وأنها تطيعه ~~والذي يحل السحر، فذكرهما أصحابنا من السحرة ms1134 الذين ذكرنا حكمهم. وقد توقف # PageV04P065 # أحمد لما سئل عن رجل، يزعم أنه يحل السحر فقال: قد رخص فيه بعض الناس. ~~قيل: إنه يجعل في الطنجير ماء، ويغيب فيه، ويفعل كذا، فنفض يده كالمنكر، ~~وقال: ما أدري ما هذا؟ قيل له: فترى أن يؤتى مثل هذا يحل السحر؟ قال: ما ~~أدري ما هذا. # وسئل ابن سيرين عن امرأة تعذبها السحرة، فقال رجل: أخط خطا عليها، وأغرز ~~السكين عند مجمع الخط، وأقرأ عليها القرآن، فقال محمد: ما أعلم بقراءة ~~القرآن بأسا على حال، ولا أدري ما الخط والسكين. وسئل سعيد بن المسيب عن ~~رجل يؤخذ عن امرأته يلتمس من يداويه. قال: إنما نهى الله تعالى عما يضر، ~~ولم ينه عما ينفع. إن استطعت أن تنفع أخاك، فافعل. وهذا يدل على أن مثل ~~هذا، لا يكفر صاحبه، ولا يقتل. # PageV04P066 ### | كتاب الحدود ### | باب المحارب # كتاب الحدود باب حد المحارب وهو الذي يقطع الطريق، ويخيف السبيل، وعلى ~~الإمام طلبه؛ ليدفع عن الناس شره، فإن ظفر به قبل أن يقتل، ويأخذ مالا، ~~ففيه روايتان: # إحداهما: ينفيه، فلا يتركه يأوي بلدا. # والثانية: يعزره بما يرى من حبس، وغيره. # ووجه الرواية الأولى قول الله تعالى: {أو ينفوا من الأرض} [المائدة: 33] ~~وظاهر اللفظ وجوب نفيهم، ووجه الثانية: أنه قد قيل: إن نفيهم طلبهم ~~لتعزيرهم، وإقامة حد الله تعالى فيهم. فروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ~~أنه قال: نفيهم إذا هربوا أن يطلبوا حتى يؤخذوا، فتقام عليهم الحدود، ولأن ~~نفيهم من البلد يفضي إلى إغرائهم بما كانوا فيه. # وإن شهر السلاح في الصحراء، فقتل وأخذ مالا، قتل حتما وإن عفا ولي الدم؛ ~~لأنه حد، فلا يدخله عفو، كسائر الحدود، ثم يصلب قدر ما يشتهر أمره، ولا ~~توقيت فيه؛ لأن التوقيت طريقه التوقيف، ولا توقيف فيه، ولا يصلب قبل القتل، ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة» ثم ينزل ~~ويصلى عليه، ويدفن. وإن مات قبل قتله، لم يصلب؛ لأنه تابع للقتل، فسقط ~~بفواته. وإن قتل، ولم يأخذ ms1135 مالا قتل حتما، ولم يصلب. وإن أخذ المال ولم ~~يقتل، قطعت يده اليمنى، ورجله اليسرى في مقام واحد، ثم حسمتا، وخلي؛ لقول ~~الله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ~~أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض} ~~[المائدة: 33] . # PageV04P067 # وروى أبو داود بإسناده عن ابن عباس قال: «وادع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أبا بردة الأسلمي، فجاء أناس يريدون الإسلام، فقطع عليهم أصحابه، ~~فنزل جبريل - عليه السلام - بالحد فيهم: أن من قتل وأخذ المال، قتل وصلب. ~~ومن قتل ولم يأخذ المال، قتل، ومن أخذ المال ولم يقتل، قطعت يده ورجله من ~~خلاف» ، وهذا نص. # وحكم الردء حكم المباشر في جميع هذه الجنايات؛ لأنها محاربة، فاستوى فيها ~~الردء والمباشر، كالجهاد يستوي الردء والمباشر في استحقاق الغنيمة. وذكر ~~القاضي فيمن قتل وأخذ المال رواية أخرى: أنه يقطع، ثم يقتل؛ لأن القتل جزاء ~~القتل، والقطع جزاء أخذ المال مفردا، وإذا اجتمعا، وجب حدهما، كالزنا ~~والسرقة. والأول أولى؛ لأنه متى كان في الحدود قتل، سقط ما دونه، كالرجم في ~~الزنا، والقطع في السرقة. # فصل # ومن شرط المحارب أن يكون مع سلاح، أو يقاتل بسلاح؛ لأن من لا سلاح له لا ~~منعة له. وإن قاتل بالعصا والحجارة، فهو محارب؛ لأنه سلاح يأتي على النفس ~~ولأطرف، أشبه الحديد، وهل من شروطه أن يكون في الصحراء؟ فيه وجهان: # أحدهما: لا يكون محاربا حتى يشهر السلاح في الصحراء، فإن شهره في مصر أو ~~قرية، وسعى فيها بالفساد، فليس بمحارب، هذا ظاهر كلام الخرقي؛ لأن الواجب ~~على المحاربين يسمى: حد قطاع الطريق، وقطع الطريق إنما يكون في الصحراء، ~~ولأن المصر يلحق فيه الغوث غالبا، فتذهب شوكتهم، ويكونون مختلسين. وقال ~~جماعة من أصحابنا: هم محاربون حيث كانوا، لعموم الآية فيهم، ولأن ضررهم في ~~المصر أعظم، فكانوا بالحد أولى. وقال القاضي: إن كبسوا دارا في مصر بحيث ~~يلحقهم الغوث عادة لم يكونوا محاربين. وإن حضروا قرية، أو بلدا؛ بحيث لا ms1136 ~~يلحقهم الغوث، لكثرة العدد، أو بعد البلد من الغوث، فهم قطاع طريق؛ لأن ~~الغوث لا يلحقهم عادة فأشبهوا من في الصحراء. # فصل # ويشترط لتحتم القتل أن يقتل قاصدا لأخذ المال، فإن قتل لغير ذلك فليس # PageV04P068 # بمحارب، وحكمه حكم القاتل في المصر. وإن قتل المحارب من لا يكافئه، كحر ~~قتل عبدا، أو مسلم قتل ذميا، ففيه روايتان: # إحداهما: يقتل ويصلب؛ لعموم ما روينا؛ ولأنه حد لله تعالى، فلم تعتبر فيه ~~المكافأة. كقطع السارق. # والثانية: لا تقتل به؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقتل مسلم ~~بكافر» . وإن جرح إنسانا جرحا يجب في مثله القصاص، وجب القصاص. وهل يتحتم؟ ~~فيه وجهان: # أحدهما: يتحتم؛ لأنه نوع قود، أشبه القود في النفس. # والثاني: لا يتحتم؛ لأن الله تعالى ذكر حدود المحاربين، فذكر القتل ~~والصلب، والقطع، ولم يذكر الجرح، فيكون حكمه حكم الجرح في غير المحاربة. # فصل # ويشترط لوجوب القطع في المحاربة ثلاثة أشياء: # أحدها: أن يأخذ المال مجاهرة وقهرا، فإن أخذه مختفيا فهو سارق. وإن ~~اختطفه وهرب به، فهو منتهب، لا قطع عليه؛ لأن عادة قطاع الطريق القهر، ~~فيعتبر ذلك فيهم. # والثاني: أن يأخذ ما يقطع السارق في مثله؛ لأنه قطع يجب بأخذ المال، ~~فاعتبر النصاب، كقطع السارق. فإن أخذ جماعتهم ما يجب به القطع، قطعوا ~~كالمشتركين في السرقة. # والثالث: أن يأخذ من حرز، فإن أخذ منفردا عن القافلة، أو من جمال ترك ~~القائد تعهدها، لم يقطع لما ذكرناه. # فصل # وإذا كان المحارب معدوم اليد اليمنى، والرجل اليسرى، وأخذ المال، انبنى ~~ذلك على الروايتين في السارق، إن قلنا: يؤتى على أطرافه كلها، قطعت هنا يده ~~اليسرى، ورجله اليمنى، وإن قلنا: لا يؤتى عليها، سقط القطع. وإن وجد أحد ~~طرفيه دون الآخر، قطع الموجود حسب؛ لأن ما يتعلق به الفرض معدوم، فسقط، ~~كغسلها في الوضوء. وإن قطع القاطع يد المحارب اليسرى، ورجله اليمنى مع وجود ~~الطرفين الآخرين، أساء، وأجزأ؛ لأننا لو أوجبنا قطع الطرفين الآخرين، أفضى ~~إلى قطع أربعته بمحاربة واحدة. # PageV04P069 # فصل # وإن تاب ms1137 المحارب قبل القدرة عليه، سقط عنه حد المحاربة؛ لقول الله تعالى: ~~{إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم} ~~[المائدة: 34] . فيسقط عنه انحتام القتل، والصلب، والقطع، والنفي، ولا يسقط ~~حق الآدمي من القصاص، وغرامة المال، وحد القذف؛ لأنه حق للآدمي، فلم يسقط ~~بالتوبة، كالضمان. وإن تاب بعد القدرة عليه، لم يسقط عنه شيء مما وجب عليه؛ ~~لأن الله تعالى شرطه في المغفرة لهم، كون التوبة قبل القدرة، فيدل على ~~عدمها بعدها، ولأن إسقاطه بالتوبة بعد القدرة يفضي إلى إسقاطه بالكلية؛ ~~لأنه يخبر بتوبته متى قدرنا عليه، ولا نأمن أن يكون تقية، فلا يسقط ما ~~تيقنا وجوبه بالشك. # فصل # ومن وجب عليه حد لله تعالى فتاب، فهل يسقط عنه؟ فيه روايتان: # إحداهما: يسقط؛ لقول الله تعالى: {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله ~~يتوب عليه إن الله غفور رحيم} [المائدة: 39] وقال في الزانيين: {فإن تابا ~~وأصلحا فأعرضوا عنهما} [النساء: 16] ولأنه حد فسقط بالتوبة، كحد المحارب. # والثانية: لا يسقط؛ لقوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ~~مائة جلدة} [النور: 2] وقال سبحانه: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} ~~[المائدة: 38] ؛ ولأن ماعزا والغامدية جاءا مقرين تائبين. فأقام النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عليهما الحد. # قال أصحابنا: ولا يعتبر إصلاح العمل مع التوبة في إسقاط الحد؛ لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «التوبة تجب ما قبلها» ولأنها توبة من ذنب، فلم ~~يعتبر في حكمها إصلاح العمل، كالإسلام. ويحتمل أن يعتبر إصلاح العمل مدة ~~يتبين فيها أمره؛ لقول الله: {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح} [المائدة: 39] . ~~وقال: {فإن تابا وأصلحا} [النساء: 16] علق الحكم على شرطين، فلا يثبت ~~بدونهما، ولأنه لا يؤمن أن يكون إظهار التوبة تقية، فلا يتحقق وجودها، فلا ~~يثبت الحكم بها بمجردها، كتوبة المحارب بعد القدرة. # PageV04P070 ### | باب حد السرقة # وحد السرقة: قطع اليد اليمنى؛ لقول الله تعالى: {والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] ويعتبر في وجوبه أمور تسعة: # أحدها: السرقة: وهو أخذ المال مختفيا، فإن اختطفه، أو اختلسه، فلا قطع ms1138 ~~عليه؛ لما روى جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس على ~~المنتهب قطع» وروي عنه - عليه السلام - أنه قال: «ليس على الخائن، ولا ~~المختلس قطع.» رواهما أبو داود، ولأن الله تعالى إنما أوجب القطع على ~~السارق، وليس هؤلاء بسراق. وفي جاحد العارية روايتان: # إحداهما: لا قطع عليه؛ لأنه خائن، فلا يقطع للخبر، ولأنه ليس بسارق، فلا ~~يقطع، كجاحد الوديعة. وهذا اختيار أبي إسحاق بن شاقلا، وأبي الخطاب. # والثانية: يجب عليه القطع؛ لما روي عن عائشة - رضي الله عنها -: «أن ~~امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقطع ~~يدها.» متفق عليه. # فصل # الثاني: أن يكون مكلفا، فلا يجب الحد على صبي، ولا مجنون؛ لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن ~~المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» ولأنه إذا سقط عنهما التكليف في ~~العبادات، والإثم في المعاصي، فالحد المبني على الدرء والإسقاط أولى. ولا ~~قطع على مكره؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عفي لأمتي عن الخطأ ~~والنسيان وما استكرهوا عليه» ويخرج في قطع السكران وجهان، بناء على ~~الروايتين في طلاقه. وقال القاضي: حكمه حكم الصاحي فيما يجب عليه من ~~العقوبات. ويجب القطع على السارق من أهل الذمة، والمستأمنين، ويقطع المسلم ~~بسرقة مالهما؛ لأنهم التزموا حكم الإسلام، فأشبهوا المسلم مع المسلم. # فصل # الثالث: أن يكون المسروق نصابا، فلا قطع فيما دونه؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا» متفق عليه. # PageV04P071 # وفي قدر النصاب روايتان: # إحداهما: ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الورق، أو ما قيمته ذلك ~~من غيرهما؛ لما روت عائشة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «تقطع ~~اليد في ربع دينار فصاعدا» . وروى ابن عمر «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم.» متفق عليهما. وقال - عليه السلام -: ~~«فما بلغ ثمن المجن، ففيه القطع» وعنه: أن ما عدا الأثمان تعتبر ms1139 قيمته ~~بالدراهم خاصة؛ لهذا الخبر. # والثانية: الأصل الدراهم خاصة، ويقوم الذهب بها؛ لحديث ابن عمر، والأول ~~أولى؛ لخبر عائشة، ولأن ما كان فيه أحد النقدين أصلا، كان الآخر فيه أصلا، ~~كالديات، ونصب الزكوات. وسواء في هذا الصحاح، والمكسرة، والتبر، والمضروب، ~~للخبر. فإن اشترك اثنان في هتك حرز، وسرقة نصاب منه، فعليهما القطع؛ لأنه ~~قطع يجب على المنفرد، فوجب على المشتركين فيه، كالقصاص، ويحتمل ألا يجب؛ ~~لأن كل واحد لم يسرق نصابا، فلا يجب عليه القطع، للخبر، وكما لو انفرد ~~بسرقته، فإن كان أحد الشريكين مما لا قطع عليه، كالأب والصبي، وكانت سرقة ~~الأجنبي البالغ، نصابا، فالقطع واجب عليه؛ لأن المانع اختص بأحدهما، فاختص ~~السقوط به، كالقصاص، ويحتمل ألا يجب قطعه؛ لأن سرقتهما علة قطعهما، وسرقة ~~الأب لا تصلح علة للقطع، فلم يجب على واحد منهما. وإن كانت سرقة الأجنبي، ~~لم تبلغ نصابا، لم يجب قطعه؛ لأن ما سرقه لم يجب به القطع، ولا يمكن بناء ~~فعله على فعل شريكه؛ لأن فعل الشريك لا يوجب، ويحتمل أن يجب قطعه، كما في ~~القصاص. ومن هتك حرزا، فأخذ منه درهمين ثم عاد فسرق منه درهما في ليلة ~~أخرى، أو وقتين متباعدين، فلا قطع عليه؛ لأن كل سرقة منهما منفردة، لا تبلغ ~~نصابا، وإن تقاربا، وجب القطع؛ لأنهما سرقة واحدة من حرز هتكه، فأشبه ما لو ~~أخرجهما معا. وإذا بني فعل أحد الشريكين على فعل شريكه، فعلى فعل نفسه ~~أولى، ومتى شككنا في المسروق، هل يبلغ نصابا أو لا؟ لم يجب القطع؛ لأن ~~الأصل عدمه، فلا يجب الشك. # فصل # والشرط الرابع: أن يكون المسروق مما يتمول في العادة؛ لأن القطع شرع ~~لصيانة الأموال، فلا يجب في غيرها، وسواء في ذلك ما يبقى زمنا كالثياب، وما ~~يفسده طول بقائه، كالفاكهة، والأطعمة الرطبة، وما أصله الإباحة، كالصيود، ~~والفخار، والآجر، واللبن، والخشب؛ لأنه مال يتمول به عادة، فوجب القطع ~~بسرقته كالأثمان. فإن سرق حرا صغيرا، فلا قطع عليه؛ لأنه ليس بمال. وعنه: ~~يقطع. فإن قلنا: لا يقطع ms1140 وكان # PageV04P072 # عليه حلي يبلغ نصابا، ففيه وجهان: # أحدهما: يقطع؛ لأنه سرق نصابا من المال. # والثاني: لا قطع عليه؛ لأن يد الصبي ثابتة على ما عليه، بدليل أن اللقيط ~~يحكم له بما عليه، فأشبه ما لو سرق جملا، صاحبه راكب عليه. وإن سرق عبدا ~~صغيرا أو مجنونا قطع؛ لأنه مال ممكن سرقته، وإن كان كبيرا عاقلا، فلا قطع ~~عليه؛ لأن سرقته غير ممكنة، فإن قهره وأخذه، كان غاصبا، لا سارقا، إلا أن ~~يكون نائما، أو غريبا لا يميز بين سيده وغيره، فيقطع؛ لأن سرقته ممكنة. فإن ~~كانت أم ولد كذلك، ففي قطع سارقها وجهان: # أحدهما: يقطع؛ لأنها مضمونة بالقيمة، أشبهت القن. # والثاني: لا يقطع؛ لأن بيعها محرم، أشبهت الحرة، ويقطع سارق الوقف؛ لأنه ~~مملوك للموقوف عليه، ويحتمل أن لا يقطع؛ لأنه لا يحل بيعه، ولأنه غير مملوك ~~على إحدى الروايتين. # فإن سرق إناء يساوي نصابا فيه خمر، أو ماء، ففيه وجهان: # أحدهما: يقطع؛ لأنه سرق نصابا فلزمه القطع، كما لو كان فيه بول. # والثاني: لا يقطع؛ لأن الإناء يراد وعاء لما فيه، فصار تابعا لما لا قطع ~~فيه، أشبه ثياب الحر إذا سرقه. وإن سرق آلة لهو، كالطنبور والمزمار وشبهه، ~~فلا قطع عليه؛ لأنه آلة معصية، فأشبه الخمر. وسواء بلغ قيمة خشبه مكسورا ~~نصابا، أو لم يبلغ؛ لأن معظم المقصود منه كونه آلة المعصية، فصار المباح ~~فيه تابعا. وإن سرق إناء ذهب أو فضة تبلغ زنته نصابا، قطع؛ لأن جوهره هو ~~المقصود، والصناعة مغمورة فيه، فصارت تابعة له، بخلاف التي قبلها. وإن سرق ~~صليبا، أو صنما من ذهب أو فضة، فقال أبو الخطاب: فيه القطع، لما ذكرنا. ~~وقال القاضي: لا قطع فيه؛ لأنه مجمع على تحريمه، أشبه الطنبور. # فصل # وإن سرق مصحفا، فقال أبو الخطاب: عليه القطع، للآية، ولأنه متقوم يبلغ ~~نصابا، أشبه كتب الفقه. وقال أبو بكر والقاضي: لا قطع فيه؛ لأن المقصود منه ~~كلام الله تعالى. فإن كان محلى بحلية تبلغ نصابا، ففيه وجهان: # أحدهما: يقطع، وهو قول القاضي؛ ms1141 لأنه سرق نصابا يجب به القطع منفردا، فيجب ~~به مع غيره، كما لو كانت الحلية منفصلة عنه. # PageV04P073 # والثاني: لا قطع فيها؛ لأنها تابعة لما لا قطع فيه، أشبه ثياب الحر، ~~ويقطع بسرقة سائر الكتب المتقومة المباحة؛ لأنه يجوز بيعها، أشبهت الثياب. ~~فإن كانت محرمة، ككتب البدع، والشعر المحرم، فلا قطع فيها؛ لأنها محرمة، ~~أشبهت المزامير، ولا يقطع بسرقة الماء؛ لأنه لا يتمول عادة، ولا بسرقة ~~السرجين، وإن كان طاهرا لذلك، ولأنه يوجد كثيرا مباحا، فلا تكثر تعلق ~~الرغبات به، فلا حاجة إلى الزجر عنه. وإن سرق كلأ، أو ملحا، فقال أبو بكر: ~~لا قطع عليه؛ لأنه مما ورد الشرع باشتراك الناس فيه، أشبه الماء. وقال أبو ~~إسحاق بن شاقلا: يقطع؛ لأنه يتمول عادة أشبه الصيد، والثلج مثله. وقال ~~القاضي: هو كالماء؛ لأنه ماء جامد. # فصل # الشرط الخامس: أن يكون المسروق مما لا شبهة للسارق فيه؛ لأن الحدود تدرأ ~~بالشبهات، فلا يقطع الوالد بسرقة مال ولده وإن سفل؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أنت ومالك لأبيك» رواه أبو داود. والأم كالأب في هذا؛ لأنها ~~أحد الأبوين أشبهت الأب ولا يقطع الابن بسرقة مال والده وإن علا في إحدى ~~الروايتين؛ لأن بينهما قرابة تمنع شهادة أحدهما لصاحبه، أشبهت الأب. ويقطع ~~سائر الأقارب بسرقة مال أقاربهم، لعدم ذلك فيهم، ولا يقطع العبد بسرقة مال ~~سيده؛ لما روي أن عبد الله بن عمرو بن الحضرمي قال لعمر: إن عبدي سرق مرآة ~~امرأتي، ثمنها ستون درهما، فقال: أرسله، لا قطع عليه، غلامكم أخذ متاعكم؛ ~~ولأن يده كيد مولاه، بدليل أنه لو كان في يده مال، فتنازعه السيد وأجنبي، ~~كان لسيده. وإن سرق أحد الزوجين من مال الآخر الذي لم يحرزه عنه، لم يقطع؛ ~~لأنه غير محرز عنه. وإن سرق مما أحرزه عنه ففيه روايتان: # إحداهما: لا قطع عليه؛ لقول عمر: غلامكم أخذ متاعكم؛ ولأن أحدهما يرث ~~صاحبه من غير حجب، وترد شهادته له، أشبه الولد، وهذا اختيار الخرقي وأبي ~~بكر. # والأخرى: يقطع، لعموم الآية، ms1142 ولأنه سرق مالا محرزا عنه، لا شبهة له فيه، ~~أشبه الأجنبي، ولا قطع على من سرق مالا له فيه شركة؛ لأن له فيه حقا، فكان ~~ذلك شبهة، ولا قطع على مسلم بالسرقة من بيت المال لذلك، ولأن عمر - رضي ~~الله عنه - قال لابن مسعود حين سأله عمن سرق من بيت المال: أرسله، فما من ~~أحد إلا وله في هذا المال حق. وإن سرق منه ذمي قطع؛ لأنه لا حق له فيه. # ومن سرق من الغنيمة ممن له فيها حق، أو لولده، أو لسيده، لم يقطع لذلك. ~~وإن لم يكن كذلك، فسرق منها بعد إخراج الخمس، قطع؛ لأنه لا حق له فيها. وأن ~~سرق قبل إخراج الخمس، لم يقطع؛ لأن له حقا في خمس الخمس. وإن سرق مسكين # PageV04P074 # من وقف المساكين لم يقطع؛ لأن له فيه حقا، وإن سرق منه غني، قطع؛ لأنه لا ~~حق له فيه، وإن سرق حصير مسجد، أو قنديله، أو نحوه مما جعل لنفع المصلين، ~~لم يقطع؛ لأن له فيه حقا. وإن سرق بابه، أو تأزيره، أو شيئا من خشب سقفه، ~~ففيه وجهان: # أحدهما: يقطع؛ لأنه لا حق له فيه وهو محرز بحرز مثله، أشبه سارق ذلك من ~~بيت آدمي. # والثاني: لا قطع عليه؛ لأن المسجد كله إنما يراد لنفع المصلين، ولأنه ليس ~~له مالك من المخلوقين. والكعبة وغيرها في هذا سواء، ولا يقطع بسرقة ستارتها ~~الخارجة منها؛ لأنها غير محرزة. وقال القاضي: إن كانت مخيطة عليها، قطع ~~سارقها لأن هذا حرز مثلها. # فصل # ولا قطع على الزوجة إذا منعت نفقتها فأخذت بقدرها؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» ولا على الضيف إذا منع قراه، ~~فأخذ بقدره؛ لأن له حقا. وإن سرق غير ذلك من البيت الذي هو فيه، لم يقطع؛ ~~لأنه غير محرز عنه، وإن كان محرزا عنه، فعليه القطع، لعدم الشبهة. ولا قطع ~~على المضطر إذا سرق ما يأكله إذا لم يقدر على ذلك إلا بالسرقة؛ لأنه فعل ما ~~له ms1143 فعله. قال أحمد: لا قطع في المجاعة؛ لأن عمر - رضي الله عنه - قال: لا ~~قطع في عام سنة. قيل لأحمد. تقول به؟ قال: أي لعمري لا أقطعه إذا حملته ~~الحاجة والناس في شدة ومجاعة. ولا قطع على الغريم إذا جحده غريمه، أو منعه ~~ولم يقدر على استيفاء دينه، فأخذ بقدره في أحد الوجهين، وهو اختيار أبي ~~الخطاب؛ لأن طائفة من أهل العلم أباحت له ذلك، فيكون شبهة. وفي الآخر عليه ~~القطع، وهو قول القاضي؛ لأنه ليس له الأخذ. فإن كان غريمه باذلا له، قطع؛ ~~لأنه لا شبهة له في السرقة، لإمكان التوصل إلى أخذه. وإن سرق المسروق منه ~~مال السارق، والمغصوب منه مال الغاصب من حرز فيه ماله، ففيه وجهان: # أحدهما: لا قطع عليه؛ لأنه هتك حرزا له هتكه، لأخذ ماله. # والثاني: يقطع؛ لأنه لما أخذ غير ماله، علم أنه قصد سرقة مال غيره. وإن ~~سرق ماله من حرز لا مال له فيه، فحكمه حكم السارق من غريمه، وإن أحرز ~~المغصوب أو المسروق، فسرقه أجنبي، لم يقطع؛ لأنه حرز لم يرضه مالكه. وإن ~~غصب دارا، فأحرز # PageV04P075 # فيها متاعه لم يقطع سارقه؛ لأنه لا حكم لحرزه حيث كان متعديا به ظالما ~~فيه. وإن سرق المعير من الدار المستعارة أو المؤجر من الدار المستأجرة ~~شيئا، قطع؛ لأنه محرز عنه فأشبه الأجنبي. # فصل # السادس: أن يسرق من حرز؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن رجلا ~~من مزينة سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الثمار فقال: ما أخذ في ~~أكمامه فاحتمل ففيه قيمته ومثله معه، وما كان في الجرين ففيه القطع إذا بلغ ~~ثمن المجن» رواه أبو داود. # ويعتبر الحرز بما يتعارفه الناس، فما عدوه حرزا، فهو حرز، وما لا فلا؛ ~~لأن الشرع لما اعتبر الحرز، ولم يبينه، علمنا أنه رده إلى العرف، كالقبض، ~~والتفرق. وإحياء الموات. هذا ظاهر قول أصحابنا، وإليه ذهب ابن حامد، ~~والقاضي. وذكر أبو بكر كلاما يدل على أن الإحراز لا يختلف، فقال: إذا أفرد ms1144 ~~الشيء في الملك، فهو محرز، والعمل على الأول. فحرز الأثمان، والجواهر، ~~ونحوها في الخانات الحريزة. والدور في العمران دونها الأغلاق والأقفال، أو ~~حافظ مستيقظ، أو حمل صاحبها لها معه على ما جرت به العادة في جيبه، أو كمه، ~~أو وسطه، أو معضدته ونحن ذلك. ونقل حنبل عن أحمد في الذي يأخذ من جيب ~~الرجل، أو كمه: لا قطع عليه، وهذا محمول على من اختلس دون من سرق؛ لأنه قد ~~بينه في رواية ابن منصور، فقال: الطرار يقطع إذا كان يطر سرا. # وإن اختلس، لم يقطع، فأما الجواسق في البساتين، والخانات في البرية، فإن ~~كانت مغلقة وفيها حافظ، فهي حرز، نائما كان أو يقظان، وإن كانت مفتوحة، فلا ~~تكون حرزا إلا أن يكون الحافظ يقظان. وإن لم يكن فيها حافظ، فليست حرزا ~~بحال؛ لأن المال لا يحرز فيها من غير حافظ. # والخيمة والخركاه المنصوبة، كالجواسق فيما ذكرنا. ويقطع سارقها متى كان ~~فيها حافظ. وإن كان نائما؛ لأنها تحرز بهذا، وحرز متاع الباعة من العطارين، ~~وغيرهم بالدكاكين في الأسواق وراء الأغلاق والأقفال، وإن كانت مفتوحة، ~~فبحافظ يقظان. # وحرز قدور الباقلا في الدكاكين، وشرائح القصب، وما جرت العادة بإحرازها ~~به. وحرز # PageV04P076 # باب الدار والدكان نصبه في موضعه. وحرز حلقة الباب تسميرها فيه وحرز آجر ~~الحائط وحجارته كونه مبنيا في الحائط. وحرز الخشب والحطب بالحظائر، وتغيبه ~~بعضه على بعض، مقيد فوقه بحيث يعسر أخذ شيء منه. وإن كان في فندق مغلق، أو ~~فيه حافظ، فهو محرز، وإن لم يقيد. وحرز متاع الباعة وأشباههم كونه بين ~~أيديهم؛ لأنه محفوظ بذلك، فإن نام عنه أو اشتغل، أو جعله خلفه بحيث تناله ~~اليد، خرج عن الحرز؛ لأنه غير محفوظ. وإن نام إنسان على ثوبه، أو متاعه، ~~فقد أحرزه؛ لما «روى صفوان بن أمية أنه نام في المسجد، وتوسد رداءه، فأخذ ~~من تحت رأسه، فجاء بسارقه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر به أن ~~يقطع، فقال صفوان: يا رسول الله، لم أرد هذا، ردائي عليه صدقة، فقال ms1145 رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: فهلا قبل أن تأتيني به» رواه ابن ماجه. فإن ~~تدحرج عنه، خرج من الحرز. # فصل # وحرز المواشي الراعية بنظر الراعي إليها، فما استتر عنه بحائل، أو نوم ~~الراعي، خرج عن الحرز؛ لأنه غير محفوظ، وحرز البارك من الإبل المعلقة ~~بالحافظ، نائما كان أو يقظان؛ لأن العادة أن صاحبها يعقلها إذا نام، وإذا ~~لم تكن معقلة فحرزها بحافظ يقظان، لما ذكرنا. وحرز الحمولة بسائق يراها، أو ~~قائد يكثر الالتفات إليها، ويراها إذا التفت؛ لأنها لا تنحفظ إلا بذلك. # فصل # ومن ترك ثيابه في الحمام لا حافظ لها، فليست محرزة. وإن استحفظها إنسانا، ~~فحفظها، فعن أحمد أنها غير محرزة أيضا، إلا أن يتوسدها، أو يجلس عليها؛ لأن ~~الحمام مستطرق، وقال القاضي في موضع: يخرج في المسألة روايتان، وفي موضع ~~آخر: تصير محرزة بذلك، كالقماش بين يدي الباعة. وإن نام الحافظ أو اشتغل، ~~فعليه الضمان، ولا قطع على السارق؛ لأنها خرجت عن الحرز. وإن لم يفرط في ~~الحفظ، فلا ضمان عليه؛ لأنه مؤتمن. # فصل # وحرز الكفن كونه على الميت في القبر، فمن نبشه وسرقه، قطع؛ لأنه سارق، ~~بدليل قول عائشة - رضي الله عنها -: " سارق أمواتنا، كسارق أحيائنا "؛ ولأن ~~القبر حرز الكفن؛ لأنه يوضع فيه عادة، ولا يعد واضعه مفرطا، ولا مضيعا وقد ~~سرق منه، وما زاد # PageV04P077 # على الكفن المشروع، كاللفافة الرابعة، لم يكن القبر حرزا له؛ لأن تركه ~~فيه تضييع، فأشبه الكيس المدفون معه. وإن أكل الضبع الميت وبقي الكفن، فلا ~~قطع على سارقه؛ لأنه غير محرز، ويكون للورثة؛ لأن لهم ما فضل عن حاجته من ~~ماله. # فصل # السابع: أن يخرجه من الحرز، سواء أخرجه بيده، أو بفيه، أو رماه إلى خارج، ~~أو اجتذبه بمحجن، أو بيده، أو تركه على ظهر بهيمة وساقها، أو على ماء جار، ~~أو في مهب ريح فأطارته، أو على ماء راكد وحركه، أو فجره فخرج به، أو أمر ~~صبيا مميزا فأخرجه، أو فتح طاقا فانهال الطعام إليه، أو بط جيبه إنسان، أو ms1146 ~~كمه فسقط المال، فأخذه، فعليه القطع في هذا كله؛ لأنه بسبب فعله، فأشبه ما ~~أخرجه بيده، فإن جمعه في الحرز ثم تركه ومضى، أو أخذ منه، أو تركه في ماء ~~راكد، ففجره غيره فخرج به، أو أخرج النباش الكفن من اللحد إلى القبر فتركه ~~فيه، أو أتلف المتاع في الحرز، لم يقطع؛ لأنه لم يسرق. وإن ترك المتاع على ~~دابة، فخرجت به بنفسها، أو في ماء راكد فانفجر، فخرج به، أو على حائط في ~~غير مهب ريح، فهبت ريح فأطارته، ففيه وجهان: # أحدهما: عليه القطع؛ لأن فعله سبب خروجه، أشبه ما لو ساق البهيمة. # والثاني: لا قطع عليه؛ لأن ذلك لم يكن آلة للإخراج وإنما خرج بسبب حادث، ~~أشبه ما لو فجر الماء آدمي آخر، أو ساق البهيمة غيره. وإن أخرجه من الحرز، ~~فألقاه خارج الحرز، أو رده إلى الحرز لخوف، أو غيره، فعليه القطع؛ لأنه وجب ~~بإخراجه. وإن أخرج خشبة، فألقاها ومنها شيء في الحرز، لم يقطع؛ لأن بعضها ~~لا ينفرد عن البعض، ولذلك لو أمسك عمامة، وطرفها في يد صاحبها، لم يضمنها. ~~وإن أخرج المتاع من البيت إلى صحن الدار، وكان البيت مغلقا، ففتحه أو نقبه، ~~قطع؛ لأنه أخرج المتاع من الحرز، وإن لم يكن كذلك، فلا قطع عليه؛ لأنه لم ~~يخرجه من الحرز. # فصل # وإن دخل الحرز، فأكل طعاما فيه وخرج منه، لم يقطع؛ لأنه أتلفه، ولم ~~يخرجه. وإن ابتلع دينارا فلم يخرج منه، فلا قطع عليه كذلك. وإن خرج منه، ~~ففيه وجهان: # أحدهما: يقطع؛ لأنه أخرجه في وعاء، أشبه ما لو أخرجه في كمه. # والثاني: لا قطع عليه؛ لأنه ضمنه بالبلع. فكان ذلك إتلافا. # وإن دخل، فشرب لبن ماشية، فلا قطع عليه؛ لأنه أتلفه. وإن احتلب نصابا # PageV04P078 # وأخرجه، قطع؛ لأنه محرز بحرز الماشية. وإن ذبح الشاة وشق الثوب، ثم أخرجه ~~وقيمته بعد ذلك نصابا، قطع؛ لأنه أخرج نصابا من الحرز، وإلا فلا قطع فيه؛ ~~لأنه لم يخرج نصابا. وإن تطيب بطيب في الحرز، ثم خرج وعليه ms1147 من عين الطيب، ~~ما إذا لو جمع بلغ نصابا، ففيه وجهان: # أحدهما: يقطع؛ لأنه أخرج من الحرز نصابا. # والثاني: لا قطع عليه؛ لأنه أتلفه بالاستعمال. # وإن لم يبق من عينه نصاب، لم يقطع وجها واحدا؛ لأنه لم يخرج نصابا، أشبه ~~ما لو أكله. # فصل # وإن أخرج نصابا، فنقصت قيمته عن النصاب قبل القطع، قطع؛ لأنه وجد شرط ~~القطع فيه وقت الوجوب، فلم يسقط القطع بفواته بعد ذلك، كالحرز إذا تغير، ~~وإن ملك المسروق بهبة أو غيرها، لم يسقط القطع؛ لحديث سارق رداء صفوان؛ ~~ولأن ملكه لمحل الجناية لا يسقط الحد، كما لو زنى بأمة ثم اشتراها. # فصل # وإن نقب الحرز، ثم دخل آخر، فأخرج المتاع، فلا قطع عليهما؛ لأن الأول لم ~~يسرق. # والثاني: سرق من حرز هتكه غيره. ويحتمل أن يقطعا إذا كانا شريكين. وإن ~~نقبا معا، ودخل أحدهما فأخرج المتاع، قطع الداخل؛ لأنه نقب وسرق، ولم يقطع ~~الآخر؛ لأنه لم يسرق. وكذلك إذا رمى المتاع إلى خارج الحرز، فأخذه الآخر، ~~أو خرج هو، فأخذه. وإن نقبا ودخلا، فأخرج أحدهما المتاع، فالقطع عليهما؛ ~~لأن المخرج أخرجه بقوة صاحبه ومعونته، وإن دخل أحدهما، فقرب المتاع من ~~النقب، فمد الخارج يده فأخرجه، أو شده الداخل بحبل، فمده الخارج، فأخرجه، ~~قطعا، لاشتراكهما في هتك الحرز، وإخراج المتاع. # فصل # الثامن: أن تثبت السرقة عند الحاكم؛ لأنه المتولي لاستيفاء الحدود، فلا ~~يجوز له استيفاء حد قبل ثبوته، ولا يثبت إلا ببينة، أو إقرار. فأما البينة ~~فيشترط أن يكون فيها شاهدين ذكرين حرين مسلمين عدلين، فإذا وجب القطع ~~بشهادتهما، ثم غابا، أو ماتا، لم يسقط القطع على ما سنذكره إن شاء الله ~~تعالى. وأما الإقرار، فيعتبر أن يقر مرتين، لما روى أبو أمية المخزومي: «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بلص قد اعترف، فقال له: ما إخالك # PageV04P079 # سرقت؟ قال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا، فأمر به فقطع.» رواه أبو ~~داود. ولو وجب القطع بأول مرة، لم يؤخره، وعن القاسم بن عبد الرحمن: أن ~~عليا ms1148 - رضي الله عنه - أتاه رجل، فقال: إني سرقت، فطرده، ثم عاد مرة أخرى، ~~فقال: إني سرقت، فأمر به علي أن يقطع، وقال: شهدت على نفسك مرتين، وقطع ~~يده. رواه الجوزجاني، ولأنه حد يتضمن إتلافا، فاعتبر في إقراره التكرار، ~~كحد الزنا. # فصل # قال أحمد: لا بأس بتلقين السارق ليرجع عن إقراره؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - للمقر بالسرقة: «ما إخالك سرقت» وطرد علي له. وروي عن عمر - ~~رضي الله عنه - أنه أتي برجل فقال: أسرقت؟ قل: لا، فقال: لا، فتركه. # ولا بأس بالشفاعة في السارق قبل أن يبلغ الإمام؛ لما روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد ~~وجب» وقال الزبير بن العوام - رضي الله عنه - في الشفاعة في الحد: يفعل ذلك ~~دون السلطان، فإذا بلغ الإمام، فلا أعفاه الله إن أعفاه. وإذا بلغ الإمام، ~~حرمت الشفاعة فيه كذلك؛ لما روي: أن «أسامة بن زيد شفع في المخزومية التي ~~سرقت، فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: أتشفع في حد من حدود الله» ~~. وقال ابن عمر: من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ضاد الله في ~~حكمه. # فصل # التاسع: أن يأتي مالك المسروق ويدعيه سواء ثبتت سرقته ببينة، أو إقرار. ~~وقال أبو بكر: ليس بشرط؛ لأن موجب الحد قد ثبت، فوجب من غير طلب، كالزنا. # والأول: أولى؛ لأن المال يباح بالبذل والإباحة، فيحتمل أن مالكه أباحه ~~إياه، أو أذن له في دخول حرزه، أو وقفه على طائفة السارق منهم، فاعتبر ~~الطلب لنفي هذا الاحتمال، بخلاف الزنا. فإن حضر المالك وطالب، لكنه خالف ~~المقر، فقال: لم تسرق مني، لكن غصبتني، أو انتهبت مني، أو خنتني، أو جحدت ~~وديعتي، لم يقطع؛ لأنه لم يوافق دعوى المدعي. وإن كان النصاب لاثنين، ~~فخالفه أحدهما في إقراره، لم يقطع؛ لأنه لم يوافق على سرقة النصاب، وإن كان ~~لمن وافقه نصاب قطع، لموافقته على # PageV04P080 # سرقة نصاب. وإن كان المالك غائبا وله وكيل حاضر، قام ms1149 مقامه في الطلب. وإن ~~لم يحضر له وكيل، فقال القاضي: يحبس حتى يحضر، وإن كانت العين في يده، ~~حفظها الحاكم للغائب. # فصل # وإن ثبتت السرقة ببينة، فأنكر السارق، لم يلتفت إلى إنكاره؛ لأن الإنكار ~~شرط سماع البينة في مواضع فلم يقدح فيها. وإن قال: إنما أخذت ملكي، أو لي ~~فيه ملك، أو دخلت بإذن المالك، فالقول قول المسروق منه مع يمينه. وإن نكل، ~~قضي عليه، وإن حلف، ففي القطع ثلاث روايات: # إحداهن: لا يقطع؛ لأنه يحتمل صدقه، ولذلك أحلفنا خصمه، وهذا شبهة يندرئ ~~بها الحد. # والثانية: يقطع، لئلا يتخذ ذلك وسيلة إلى إسقاط القطع، فتفوت مصلحته. # والثالثة: إن كان معروفا بالسرقة، لم تقبل دعواه؛ لأننا نعلم كذبه. وإن ~~لم يعرف بالسرقة، قبلت دعواه، لاحتمال صدقه، فيصير ذلك شبهة، والأول أولى. ~~فإن أقر العبد بسرقة مال في يده، وادعى ذلك المسروق منه، وكذبه السيد، ~~وقال: بل هذه الدراهم لي، قطع العبد، وكانت الدراهم للسيد، نص عليه أحمد؛ ~~لأن الموجب للقطع الإقرار مع مطالبة المدعي، وقد وجد ذلك، وتكون الدراهم ~~للسيد؛ لأن ما في يد العبد محكوم به لسيده؛ لأن يده كيده. ويحتمل ألا يجب ~~القطع؛ لأن المال محكوم به لسيده، فلا يجب القطع بأخذه، كما لو ثبت له ~~ببينة، ولأنه لم تثبت المطالبة من المالك، فيكون ذلك محكوما به للسيد. وإن ~~طالب المالك وثبت القطع، ثم عفا عن المطالبة بعد ذلك، لم يسقط القطع، بدليل ~~أن صفوان عفا عن الطلب من سارق ردائه، فلم يدرأ النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- عنه القطع، ولأنه قد وجب، فلم يسقط، كما لو وهبه إياه. وإن أكذب المدعي ~~نفسه، وقال: لم يكن هذا المال لي، ولم يسرق مني شيئا، أو أنا أذنت له في ~~أخذه، ونحو هذا، سقط القطع؛ لأنه رجع عن شرط الوجوب، فأشبه رجوع البينة عن ~~الشهادة، أو المقر عن الإقرار. # فصل # وإذا وجب القطع قطعت يده اليمنى من مفصل الكوع؛ لأن في قراءة عبد الله بن ~~مسعود: " فاقطعوا أيمانهما " ولما روي عن ms1150 أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - ~~أنهما قالا: إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه من مفصل الكوع، ولا مخالف لهما ~~في الصحابة؛ ولأن البطش باليمنى وهو حاصل بالكف، وما زاد من الذراع تابع، ~~لهذا تجب الدية فيه # PageV04P081 # وحده، ويحسم موضع القطع، وهو: أن يغلى الزيت غليا جيدا، ثم تغمس فيه، ~~لتحسم العروق، وينقطع الدم؛ لما روى أبو هريرة: «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أتي بسارق فقال: اذهبوا به، فاقطعوه، ثم احسموه، ثم ائتوني به ~~فقطع وأتي به، فقال: تب إلى الله تعالى فقال: تبت إلى الله. فقال: تاب الله ~~عليك» . # ولا يجب الحسم؛ لأنه مداواة، فلم يجب على القاطع، كالمقتص، وثمن الزيت، ~~وأجرة القاطع من بيت المال؛ لأنه من المصالح، فإن لم يكن للسارق يد يمنى، ~~قطعت رجله اليسرى؛ لأنه معدوم اليمنى، فقطعت رجله اليسرى، كالسارق في المرة ~~الثانية. وإن كانت يده ناقصة الأصابع، قطعت؛ لأن اسم اليد يقع عليها. فإن ~~ذهبت الأصابع كلها، ففيه وجهان: # أحدهما: يقطع الكف؛ لأنه بعض ما يقطع في السرقة، فوجب قطعه، كما لو كان ~~عليه بعض الأصابع. # والثاني: لا يقطع؛ لأنه تجب فيه دية اليد، أشبه الذراع، وإن كانت اليمنى ~~شلاء، لم تقطع، نص عليه؛ لأنها ذاهبة النفع، فأشبه كفا لا أصابع عليه، ~~وينتقل إلى الرجل. وعنه: يسأل أهل الطب، فإن قالوا: إنها إذا قطعت، رقأ ~~دمها، وانسدت عروقها، قطعت؛ لأن اسم اليد يقع عليها، فهي كالصحيحة. وإن ~~قالوا: لا يرقأ دمها، لم تقطع؛ لأن ذلك يؤدي إلى تلفه. ويعدل إلى الرجل. ~~وإن سرق وله يد صحيحة، فلم تقطع حتى ذهبت بآكلة، أو نحوها، سقط الحد؛ لأن ~~الحد تعلق بها، فسقط بذهابها، كما لو مات من عليه الحد. # فصل # فإن سرق ثانيا، قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب وحسمت؛ لما روي عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن سرق، فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا ~~رجله» ؛ ولأنه في المحاربة تقطع يده اليمنى، ورجله اليسرى كذا هاهنا، وإنما ~~قطعت اليسرى للرفق به؛ ms1151 لأنه يتمكن من المشي على خشبة. ولو قطعت يمناه، لم ~~يمكنه ذلك. وموضع القطع المفصل؛ لأنه يروى عن عمر - رضي الله عنه -، ولأنها ~~أحد المقطوعين فتقطع من المفصل. كاليد. # فصل # فإن سرق ثالثة، ففيه روايتان: # إحداهما: يحبس، ولا يقطع غير يد ورجل؛ لما روي عن علي - رضي الله عنه - ~~أنه # PageV04P082 # قال: إني لأستحيي من الله ألا أدع له يدا يبطش بها، ولا رجلا يمشي عليها؛ ~~ولأن قطعها يفوت منفعة الحبس، فلم يشرع، كالقتل. # والثانية: تقطع يده اليسرى، فإن عاد، فسرق مرة رابعة، قطعت رجله اليمنى؛ ~~لما روى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من سرق ~~فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق ~~فاقطعوا رجله» ؛ ولأنها يد تقطع قودا، فجاز قطعها في السرقة كاليمنى، ولأن ~~أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - قطعا اليد اليسرى في المرة الثالثة. فإن ~~سرق بعد قطع يديه ورجليه، حبس وعزر، وكذلك إن سرق ثالثة على الرواية ~~الأولى، فإنه يحبس ولا يقطع؛ لما روى سعيد بن منصور: حدثنا أبو الأحوص، عن ~~سماك، عن عبد الرحمن بن عائذ قال: أتي عمر بن الخطاب برجل أقطع اليد والرجل ~~قد سرق، فأمر به عمر أن تقطع رجله، فقال علي: إنما قال الله تعالى: {إنما ~~جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} [المائدة: 33] إلى آخر الآية. وقد قطعت يد ~~هذا ورجله، فلا ينبغي أن تقطع رجله فتدعه ليس له قائمة يمشي عليها، إما أن ~~تعزره، أو تستودعه السجن، فاستودعه السجن. # فصل # فإن سرق ويده اليمنى صحيحة، واليسرى مقطوعة، أو شلاء، انبنى على ~~الروايتين، فإن قلنا: إن يسراه تقطع في المرة الثالثة، قطعت يمناه هاهنا؛ ~~لأنها موجودة، وسبب قطعها متحقق. وإن قلنا: لا تقطع يسراه، لم تقطع يمينه؛ ~~لأن قطعها يفوت منفعة الحبس، ويتركه لا يد له يبطش بها، وكذلك إن كانت ~~يسراه صحيحة فقطعت، أو شلت قبل يمينه، فالحكم على ما ذكرنا. وإن كانت اليد ~~قد قطعت أصابعها، أو معظمها، فهو ms1152 كقطعها؛ لأنه يفوت منفعة البطش. # فصل # وإذا وجب قطع يمنيه، فقطع القاطع يساره، أساء، وأجزأ، ولا تقطع يمينه، ~~لئلا تقطع يداه بسرقة واحدة، ولأن قطعها يفوت منفعة البطش، ويتخرج على ~~الرواية التي تقول: تقطع أربعته، أن تقطع يمناه، كما لو قطعت يسراه عدوانا، ~~فعلى هذا إن كان السارق أخرجها عمدا عالما أنها لا تجزئ، فلا ضمان على ~~قاطعها؛ لأنه قطعها بإذنه. وإن أخرجها دهشة، أو ظنا أنها تجزئه، فعلى ~~القاطع ضمانها بالقصاص إن تعمد، وبالدية إن كان جاهلا بالحال؛ لأنه قطع يدا ~~معصومة عمدا، فضمنها، كما لو قطع يد غير السارق. # PageV04P083 # فصل # ومتى تكررت منه السرقة ولم يقطع، أجزأ قطع يده عن جميعها. وذكر القاضي ~~فيما إذا طالب الجماعة متفرقين رواية أخرى: أنها لا تتداخل، والصحيح الأول ~~ويقطع للثانية؛ لأنها أسباب حد تكررت قبل استيفائه فيجزئ حد واحد، كسائر ~~الحدود. فأما إن قطع بسرقة، ثم عاد فسرق، قطع ثانية، سواء سرق العين التي ~~قطع بها، أو لا أو غيرها، من المسروق منه الأول أو من غيره؛ لأنه حد يجب ~~بفعل في عين، فكان تكرره في عين واحدة كتكرره في أعيان، كالزنا. # فصل # ويسن تعليق يد السارق بعد قطعها في عنقه؛ لما روى فضالة بن عبيد: «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بسارق فقطعت يده، ثم أمر بها فعلقت في ~~عنقه» رواه أبو داود. وفعل ذلك علي - رضي الله عنه - بالذي قطعه؛ ولأنه ~~أبلغ في الزجر. ولو قال السارق: أنا أقطع نفسي، لم يمكن؛ لأنه حق عليه، فلم ~~يمكن من استيفائه من نفسه، كالقصاص. # فصل # وإذا قطع، فإن كان المسروق قائما، رد إلى مالكه؛ لأنه ملكه، فرد إليه، ~~كما قبل القطع. وإن كان تالفا، فعلى السارق ضمانه؛ لأنه مال آدمي تلف تحت ~~يد عادية، فوجب ضمانه، كالذي تلف في يد الغاصب، ولأن الضمان يجب للآدمي، ~~والحد لحق الله تعالى، فوجبا جميعا، كالدية، والكفارة في قتل الآدمي. ### | باب حد الزنا # الزنا حرام، وهو من الكبائر العظام، بدليل قول الله تعالى: {ولا ms1153 تقربوا ~~الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} [الإسراء: 32] . «وروى عبد الله بن مسعود ~~- رضي الله عنه - قال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -: أي الذنب أعظم؟ ~~قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن ~~يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك» . متفق عليه. # فصل # والزنا: هو الوطء في الفرج لا يملكه، ولا يجب الحد بغير ذلك، لما روى ابن # PageV04P084 # عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لماعز: «لعلك قبلت، أو ~~غمزت قال: لا. قال: أفنكتها لا يكني. قال: نعم. قال: فعند ذلك رجمه» . رواه ~~البخاري. وفي رواية عن أبي هريرة قال: «أنكتها. قال: نعم، قال: حتى غاب ذاك ~~منك في ذاك منها قال: نعم. قال: كما يغيب المرود في المكحلة، والرشاء في ~~البئر؟ قال: نعم» . رواه أبو داود. # وأدناه أن تغيب الحشفة في الفرج؛ للخبر، ولأن أحكام الوطء تتعلق بذلك، لا ~~بما دونه، وسواء كان الفرج قبلا، أو دبرا؛ لأن الدبر فرج مقصود، فتعلق الحد ~~بالإيلاج فيه كالقبل، ولأنه إذا وجب الحد بالوطء في القبل وهو مما يستباح، ~~فلأن يجب الوطء في الدبر الذي لا يستباح بحال أولى، ولو تلوط بغلام، لزمه ~~الحد كذلك، وفي حده روايتان: # إحداهما: يجب عليه حد الزنا، يرجم إن كان ثيبا، ويجلد إن كان بكرا؛ لأنه ~~زان، بدليل ما روى أبو موسى: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا ~~أتى الرجل الرجل، فهما زانيان. وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان» ولأنه ~~حد يجب بالوطء، فاختلف فيه البكر والثيب، كالزنا بالمرأة. # والثانية: حده القتل، بكرا كان أو ثيبا؛ لما روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل ~~والمفعول به» . رواه أبو داود. وفي لفظ: «فارجموا الأعلى والأسفل» واحتج ~~أحمد بعلي - رضي الله عنه - أنه كان يرى رجمه؛ ولأن الله تعالى عذب قوم لوط ~~بالرجم، فينبغي أن يعاقب بمثل ذلك. وإن وطئ الرجل امرأة ms1154 ميتة، ففيه وجهان: # أحدهما: يلزمه الحد؛ لأنه إيلاج في فرج محرم لا شبهة له فيه، أشبه الحية. # والثاني: لا يجب؛ لأنه لا يقصد، فلا حاجة إلى الزجر عنه. # وإن وطئ بهيمة ففيه روايتان: # إحداهما: يحد؛ لما روى ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه» رواه أبو داود. ولما ذكرنا فيما ~~تقدم. # PageV04P085 # والثانية: لا يحد، ولكن يعزر؛ لأن الحد يجب للزجر عما يشتهى وتميل إليه ~~النفس، وهذا مما تعافه وتنفر عنه. # فإن قلنا: يحد، ففي حده وجهان: # أحدهما: القتل للخبر. # والثاني: كحد الزنا؛ لما ذكرنا في اللائط. وإن تدالكت المرأتان، فهما ~~زانيتان، للخبر، ولا حد عليهما؛ لأنه لا إيلاج فيه، فأشبه المباشرة فيما ~~دون الفرج، وعليهما التعزير؛ لأنها فاحشة لا حد فيها، أشبهت المباشرة دون ~~الفرج. # فصل # ولا يجب الحد إلا بشروط خمسة: # أحدها: أن يكون الزاني مكلفا، كما ذكرنا في السرقة، فإن كان أحد الزانيين ~~غير مكلف، أو مكرها، أو جاهلا بالتحريم، وشريكه بخلاف ذلك، وجب الحد على من ~~هو أهل للحد، دون الآخر؛ لأن أحدهما انفرد بما يوجب الحد، وانفرد الآخر بما ~~يسقطه، فثبت في كل واحد منهما حكمه، دون صاحبه كما لو كان شريكه فذا. وإن ~~كان أحدهما محصنا، والآخر بكرا. فعلى المحصن حد المحصنين، وعلى البكر حد ~~الأبكار كذلك. وإن أقر أحدهما بالزنا، دون الآخر، حد المقر وحده؛ لما روى ~~سهل بن سعد «عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن رجلا أتاه فأقر عنده أنه ~~قد زنى بامرأة، فسماها له، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~المرأة فسألها عن ذلك، فأنكرت أن تكون قد زنت، فجلده الحد، وتركها.» رواه ~~أبو داود؛ ولأن عدم الإقرار من صاحبه لا يبطل إقراره، كما لو سكت. # فصل # الشرط الثاني: أن يكون مختارا، فإن أكرهت المرأة، فلا حد عليها، سواء ~~أكرهت بالإلجاء أو بغيره، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عفي لأمتي ~~عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» . وروى سعيد بإسناده ms1155 عن طارق بن شهاب ~~قال: أتي عمر بامرأة قد زنت، قالت: إني كنت نائمة فلم أستيقظ إلا برجل قد ~~جثم علي، فخلى سبيلها ولم يضربها. وروي: أنه أتي بامرأة قد استسقت راعيا، ~~فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها. فقال لعلي: ما ترى فيها؟ فقال: إنها ~~مضطرة، فأعطاها شيئا وتركها. فأما الرجل إذا أكره بالتهديد، فقال أصحابنا: ~~يجب عليه الحد؛ لأن الوطء لا يكون إلا بالانتشار الحادث عن الشهوة، # PageV04P086 # والاختيار، بخلاف المرأة، ويحتمل أن لا يجب عليه حد، لعموم الخبر، ولأن ~~الحد يدرأ بالشبهات، وهذا من أعظمها. فأما إن استدخلت امرأة ذكره وهو نائم، ~~فلا حد عليه؛ لأنه غير مكلف، ولم يفعل الزنا. # فصل # والثالث: أن يكون عالما بالتحريم، ولا حد على من جهل التحريم؛ لما روي عن ~~عمر وعلي - رضي الله عنهما -، أنهما قالا: لا حد إلا على من علمه. وروى ~~سعيد بن المسيب قال: ذكر الزنا بالشام، فقال رجل: زنيت البارحة، قالوا: ما ~~تقول؟ قال: ما علمت أن الله حرمه، فكتب بها إلى عمر - رضي الله عنه -، ~~فكتب: إن كان يعلم أن الله حرمه، فحدوه، وإن لم يكن علم، فأعلموه، فإن عاد ~~فارجموه. وسواء جهل تحريم الزنا، أو تحريم عين المرأة، مثل أن تزف إليه غير ~~زوجته، فيظنها زوجته، أو يدفع إليه غير جاريته، فيظنها جاريته، أو يجد على ~~فراشه امرأة يحسبها زوجته أو جاريته، فيطأها، فلا حد عليه؛ لأنه غير قاصد ~~لفعل المحرم. ومن ادعى الجهل بتحريم الزنا، ممن نشأ بين المسلمين، لم يصدق؛ ~~لأننا نعلم كذبه. وإن كان حديث عهد بالإسلام، أو بإفاقة من جنون، أو ناشئا ~~ببادية بعيدة عن المسلمين، صدق؛ لأنه يحتمل الصدق، فلم يجب الحد مع الشك في ~~الشرط. وإن ادعى الجهل بتحريم شيء من الأنكحة الباطلة، كنكاح المعتدة، أو ~~وطء الجارية المرهونة بإذن الراهن، وادعى الجهل بالتحريم قبل؛ لأن تحريم ~~ذلك يحتاج إلى فقه، ويحتمل أن لا يقبل، إلا ممن يقبل قوله في الجهل بتحريم ~~الزنا؛ لأنه زنا، والأول أصح؛ لما ms1156 روي عن عبيد بن نضلة قال: رفع إلى عمر - ~~رضي الله عنه - امرأة تزوجت في عدتها، فقال: هل علمتما؟ فقالا: لا. قال: لو ~~علمتما لرجمتكما، فجلده أسواطا، ثم فرق بينهما. وإن ادعى الجهل بانقضاء ~~العدة، قبل إذا كان يحتمل ذلك؛ لأنه مما يخفى. # فصل # الرابع: انتفاء الشبهة، فلا حد عليه بوطء الجارية المشتركة بينه وبين ~~غيره، أو وطء مكاتبته، أو جاريته المرهونة، أو المزوجة، أو جارية ابنه، أو ~~وطء زوجته أو جاريته في دبرها، ولا بوطء امرأة في نكاح مختلف في صحته، ~~كالنكاح بلا ولي أو بلا شهود، ونكاح الشغار، والمتعة، وأشباه ذلك؛ لأن الحد ~~مبني على الدرء والإسقاط بالشبهات، وهذه شبهات فيسقط بها. # فصل # فأما الأنكحة المجمع على بطلانها، كنكاح الخامسة، والمعتدة، والمزوجة، # PageV04P087 # ومطلقته ثلاثا، وذوات محارمه من نسب، أو رضاع، فلا يمنع وجوب الحد، لما ~~ذكرنا من حديث عمر - رضي الله عنه -. وروى أبو بكر بإسناده عن خلاس عن علي ~~- رضي الله عنه -: أنه رفع إليه امرأة تزوجت ولها زوج، فكتمته، فرجمها وجلد ~~زوجها الآخر مائة جلدة، ولأنه وطء محرم بالإجماع في غير ملك، ولا شبهة ملك، ~~أشبه وطأها قبل العقد. وفي حد الواطئ لذات محرمه بعقد أو بغير عقد، ~~روايتان: # إحداهما: حده حد الزنا؛ لعموم الآية والخبر فيه. # والثانية: يقتل بكل حال، لما «روى البراء قال: لقيت عمي ومعه الراية، ~~قال: فقلت: إلى أين تريد؟ فقال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى رجل نكح امرأة أبيه من بعده، أن أضرب عنقه، وآخذ ماله.» قال الترمذي: ~~هذا حديث حسن. وروى ابن ماجه بإسناده عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من وقع على ذات محرم فاقتلوه» . # فصل # فإن ملك من يحرم عليه بالرضاع، كأمه، وأخته، فوطئها، ففيه وجهان: # أحدهما: عليه الحد؛ لأنها لا تستباح بحال، فأشبهت المحرمة بالنسب. # والثاني: لا حد عليه؛ لأنها مملوكته، فأشبهت مكاتبته. بخلاف ذات محرمه من ~~النسب. فإنه لا يثبت ملكه عليها، ولا يصح عقد تزويجها. # فصل # وإن استأجر أمة ليزني بها، ms1157 أو لغير ذلك، فزنى بها، فعليه الحد؛ لأنه لا ~~تصح إجارتها للزنا، فوجوده كعدمه، ولا تأثير لعقد الإجارة على المنافع في ~~إباحة الوطء فكان كالمعدوم. ومن وطئ جارية غيره، أو زوجته بإذنه، فهو زان ~~عليه الحد؛ لأنه لا يستباح بالبذل والإباحة، سواء كانت جارية أبيه، أو أمه، ~~أو أخته، أو غيرهم، إلا جارية ابنه، لما ذكرنا، وذكر ابن أبي موسى قولا في ~~الابن يطأ جارية أبيه: لا حد عليه؛ لأنه لا يقطع بسرقة ماله، فلا يلزمه حد ~~بوطء جاريته، كالأب، وجارية زوجته، إذا أذنت له في وطئها، فإنه يجلد مائة، ~~ولا يرجم بكرا كان، أو ثيبا، ولا تغريب عليه؛ لما روى حبيب بن سالم أن عبد ~~الرحمن بن حنين وقع على جارية امرأته، فرفع إلى النعمان بن بشير وهو أمير ~~على الكوفة، فقال: لأقضين فيك بقضية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ إن ~~كانت أحلتها لك، جلدتك مائة، وإن لم تكن أحلتها لك، رجمتك بالحجارة، فوجدوه ~~قد أحلتها له، # PageV04P088 # فجلده مائة. رواه أبو داود. # فإن علقت منه. فهل يلحقه نسبه؟ فيه روايتان: # إحداهما: يلحق به؛ لأنه وطء لا حد فيه، أشبه وطء الأمة المشتركة. # والثانية: لا يلحق به؛ لأنه وطء في غير ملك، ولا شبهة ملك، أشبه ما لو لم ~~تأذن له. # فصل # الخامس: ثبوت الزنا عند الحاكم؛ لما ذكرنا في السرقة، ولا يثبت إلا بأحد ~~شيئين: إقرار، أو بينة؛ لأنه لا يعلم الزنا الموجب للحد إلا بهما، ويعتبر ~~في الإقرار ثلاثة أمور: # أحدها: أن يقر أربع مرات، سواء كان في مجلس واحد، أو مجالس؛ لما روى أبو ~~هريرة قال: «أتى رجل من الأسلميين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في ~~المسجد، فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه، فقال: ~~يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه، حتى ثنى ذلك أربع مرات، فلما شهد على ~~نفسه أربع شهادات، دعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أبك جنون ~~قال: لا، قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم. ms1158 فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: ارجموه» متفق عليه. ولو وجب الحد بأول مرة، لم يعرض عنه. وفي حديث آخر: ~~«حتى قالها أربع مرات، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنك قد ~~قلتها أربع مرار، فبمن؟ قال: بفلانة» . رواه أبو داود. وفي حديث، «فقال أبو ~~بكر الصديق - رضي الله عنه - له عند النبي: إن أقررت أربعا، رجمك رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -» . # الأمر الثاني: أن يذكر حقيقة الفعل؛ لما روينا في أول الباب، ولأنه يحتمل ~~أن يعتقد أن ما دون ذلك زنا موجب للحد، فيجب بيانه. فإن لم يذكر حقيقته، ~~استفصله الحاكم، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بماعز. # الثالث: أن يكون ثابت العقل. فإن كان مجنونا، أو سكرانا، لم يثبت بقوله؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لماعز: «أبك جنون» وروي أنه استنكهه، ~~ليعلم أبه سكر، أم لا، ولأنه إذا لم يكن عاقلا، لا تحصل الثقة بقوله. # فصل # وإن ثبتت ببينة، اعتبر فيهم ستة شروط: # PageV04P089 # أحدها: أن يكونوا أربعة؛ لقول الله تعالى: {لولا جاءوا عليه بأربعة ~~شهداء} [النور: 13] . وقال: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] . # الثاني: أن يكونوا رجالا كلهم؛ لأن في شهادة النساء شبهة، والحدود تدرأ ~~بالشبهات. # والثالث: أن يكونوا أحرارا؛ لأن شهادة العبيد مختلف فيها، فيكون ذلك شبهة ~~فيما يدرأ بالشبهات. # الرابع: أن يكونوا عدولا؛ لأن ذلك مشترط في سائر الحقوق، ففي الحد أولى. # الخامس: أن يصفوا الزنا، فيقولوا: رأينا ذكره في فرجها، كالمرود في ~~المكحلة؛ لما ذكرنا في الإقرار. # السادس: مجيء الشهود كلهم في مجلس واحد، سواء جاءوا جملة، أو سبق بعضهم ~~بعضا؛ لأن عمر - رضي الله عنه - لما شهد عنده أبو بكرة ونافع وشبل بن معبد ~~على المغيرة، حدهم حد القذف، ولو لم يشترط المجلس، لم يجز أن يحدهم؛ لجواز ~~أن يكملوا برابع في مجلس آخر، ولأنه لو جاء الرابع بعد حد الثلاثة، لم تقبل ~~شهادته، ولولا اشتراط المجلس، لوجب أن يقبل. # فصل # وإن ms1159 حبلت امرأة لا زوج لها، ولا سيد، لم يلزمها حد؛ لما روي عن عمر - رضي ~~الله عنه - أنه: أتى بامرأة ليس لها زوج وقد حملت، فسألها عمر - رضي الله ~~عنه -، فقالت: إني امرأة ثقيلة الرأس، ووقع علي رجل، وأنا نائمة، فما ~~استيقظت حتى فرغ، فدرأ عنها الحد؛ ولأنه يحتمل أن يكون من وطء شبهة، أو ~~إكراه. والحد يدرأ بالشبهات. ولا يجوز للحاكم أن يقيم الحد بعلمه؛ لأن ذلك ~~يروى عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، ولأنه متهم في حكمه بعلمه، فوجب ~~أن لا يتمكن منه مع التهمة فيه. # فصل # ومن وجب عليه حد الزنا، لم يخل من أحوال أربعة: # أحدها: أن يكون محصنا، فحده الرجم حتى الموت؛ لما روي عن عمر بن # PageV04P090 # الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: إن الله بعث محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم -، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأتها، ~~وعقلتها، ووعيتها، ورجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجمنا بعده، ~~فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا ~~بترك فريضة أنزلها الله تعالى. فالرجم حق على من زنى وقد أحصن من الرجال ~~والنساء إذا قامت ببينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف. وقد قرأتها: الشيخ ~~والشيخة إذا زنيا، فارجموهما البتة، متفق عليه؛ ولأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - رجم ماعزا والغامدية، ورجم الخلفاء بعده. وهل يجب الجلد مع الرجم؟ ~~فيه روايتان: # إحداهما: يجب؛ لقول الله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ~~مائة جلدة} [النور: 2] فلما وجب الرجم بالسنة، انضم إلى ما في كتاب الله ~~تعالى، ولهذا قال علي - رضي الله عنه - في شراحة: جلدتها بكتاب الله، ~~ورجمتها بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وروى عبادة بن الصامت: أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن ~~سبيلا؛ البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام. والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» ~~. رواه مسلم. # والثانية: لا جلد عليه؛ لأن النبي - صلى الله ms1160 عليه وسلم - رجم ماعزا ~~والغامدية، ولم يجلدهما. وقال: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت ~~فارجمها» . ولم يأمره بجلدها، ولو وجب لأمر به، ولأنه معصية توجب القتل، ~~فلم توجب عقوبة أخرى، كالردة. # الثاني: الحر غير المحصن، فحده مائة جلدة وتغريب عام؛ للآية وخبر عبادة. # الثالث: المملوك، فحده خمسون جلدة بكرا كان أو ثيبا، رجلا أو امرأة، لقول ~~الله تعالى: {فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} ~~[النساء: 25] . والعذاب المذكور في الكتاب مائة جلدة، فنصف ذلك خمسون، ولا ~~تغريب عليه؛ لأن تغريبه إضرار بسيده دونه، ولأن «النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن. فقال: إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت ~~فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير» متفق عليه. ولم يأمر بتغريبها. # PageV04P091 # الرابع: من بعضه حر، فحده بالحساب من حد حر وعبد. فالذي نصفه حر، حده خمس ~~وسبعون جلدة، وتغريب نصف عام؛ لأنه يتبعض، فكان في حقه بالحساب، كالميراث. # والمكاتب، وأم الولد، والمدبر حكمهم حكم القن في الحد؛ لأنهم عبيد، ومن ~~لزمه حد وهو رقيق، فعتق قبل إقامته، فعليه حد الرقيق؛ لأنه الذي وجب عليه. ~~ولو زنى ذمي حر، ثم لحق بدار الحرب، فاسترق، حد حد الأحرار كذلك. # فصل # والمحصن: من كملت فيه أربعة أشياء: # أحدها: الإصابة في القبل؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الثيب ~~بالثيب جلد مائة والرجم» . ولا يكون ثيبا إلا بذلك. # الثاني: كون الوطء في نكاح. فلو وطئ بشبهة، أو زنا، أو تسرية، لم يصر ~~محصنا، للإجماع، ولأن النعمة إنما تكمل بالوطء في ذلك. ولو وطئ في نكاح ~~فاسد، لم يصر محصنا؛ لأنه ليس بنكاح في الشرع، ولذلك لا يحنث به الحالف على ~~اجتناب النكاح. # الثالث: كون الوطء في حال الكمال بالبلوغ، والعقل، والحرية؛ لقول رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «الثيب بالثيب جلد مائة والرجم» . فلو كان ~~الوطء بدون الكمال إحصانا، لما علق الرجم بالإحصان؛ لأنه من لم يكمل بهذه ~~الأمور، لا يرجم، ولأن الإحصان كمال، فيشترط ms1161 أن يكون في حال الكمال. # الرابع: أن يكون شريكه في الوطء مثله في الكمال؛ لأنه إذا كان ناقصا لم ~~يحصل الإحصان، فلم يحصل لشريكه كوطء الشبهة. # ولا يشترط الإسلام في الإحصان؛ لما روى ابن عمر: «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أتي بيهوديين زنيا فرجمهما» . # وإن تزوج مسلم ذمية، فأصابها، صارا محصنين؛ لكمال الشروط الأربعة فيهما. # فصل # ومن حرمت مباشرته بحكم الزنا واللواط، حرمت مباشرته فيما دون الفرج ~~لشهوة، وقبلته، والتلذذ بلمسه لشهوة، أو نظرة؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا يخلون رجل بامرأة، فإن ثالثهما الشيطان» . فإذا حرمت الخلوة ~~بها، فمباشرتها أولى؛ لأنها أدعى إلى الزنا، ولا # PageV04P092 # حد في هذا؛ لما روى ابن مسعود «أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فقال: إني وجدت امرأة في البستان، فأصبت منها كل شيء غير أني لم ~~أنكحها، فافعل بي ما شئت، فقرأ عليه: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من ~~الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} [هود: 114] .» متفق ~~عليه، وعليه التعزير؛ لأنها معصية ليس فيها حد ولا كفارة، فأشبهت ضرب الناس ~~والتعدي عليهم. # فصل # ويحرم وطء امرأته وجاريته في دبرهما؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن» رواه ابن ماجه، ~~ولأنه ليس بمحل للولد أشبه دبر الغلام، ولا حد فيه؛ لأنه في زوجته وما ملكت ~~يمينه، فيكون شبهة، ولكن يعزر، لما ذكرناه، ويحرم الاستمناء باليد؛ لأنها ~~مباشرة تفضي إلى قطع النسل، فحرمت كاللواط، ولا حد فيه؛ لأنه لا إيلاج فيه، ~~فإن خشي الزنا، أبيح له؛ لأنه يروى عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم -. # فصل # ومن أتى بهيمة، وقلنا: لا يحد، فعليه التعزير، ويجب قتل البهيمة؛ لحديث ~~ابن عباس، فإن كانت مأكولة، ففيها وجهان: # أحدهما: تذبح، ويحل أكلها؛ لقول الله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} ~~[المائدة: 1] . # والثاني: تحرم؛ لأن ابن عباس قال: ما أرى أنه أمر بقتلها إلا لأنه كره ~~أكلها، وقد عمل بها بذلك العمل؛ ولأنه ms1162 حيوان أبيح قتله لحق الله تعالى، ~~فحرم أكله، كالفواسق. فإن كانت البهيمة لغيره، وجب عليه ضمانها إن منعناه ~~أكلها؛ لأنه سبب تلفها. إن أبيح أكلها، لزمه ضمان نقصها. # فصل # ولا يؤخر حد الزنا، لمرض ولا شدة حر، ولا برد؛ لأنه واجب فلا يجوز تأخيره ~~لغير عذر، وقد روي عن عمر أنه أقام الحد على قدامة بن مظعون وهو مريض؛ لأنه ~~إن كان رجما فالمقصود قتله، فلا معنى لتأخيره، وإن كان جلدا أمكن الإتيان ~~به بسوط يؤمن معه التلف في حال المرض، فلا حاجة إلى التأخير. ويحتمل أن ~~يؤخر الجلد عن # PageV04P093 # المريض المرجو زوال مرضه؛ لما «روى علي أن جارية لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن أنا ~~جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي، فقال: أحسنت» رواه مسلم. # فصل # ولا يحفر للمرجوم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحفر لماعز، ~~وسواء كان رجلا أو امرأة. قال أحمد: أكثر الأحاديث على أنه لا يحفر ~~للمرجوم. وقال القاضي: إن ثبت زنا المرأة بإقرارها، لم يحفر لها لتتمكن من ~~الهرب إن أرادت، وإن ثبت ببينة، حفر لها إلى الصدر؛ «لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - رجم امرأة، فحفر لها إلى الثندوة.» رواه أبو داود. # ولأنه أستر لها، وعلى كل حال يشد على المرأة ثيابها، لئلا تتكشف، ويدور ~~الناس حول المرجوم، ويرجمونه حتى يموت، فإن هرب المحدود والحد ببينة أتبع ~~حتى يقتل؛ لأنه لا سبيل إلى تركه، وإن ثبت بإقراره، ترك؛ لما روي «أن ماعز ~~بن مالك لما وجد مس الحجارة خرج يشتد، فلقيه عبد الله بن أنيس وقد عجز عنه ~~أصحابه، فنزع له بوظيف بعير، فرماه به، فقتله، ثم أتى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، فذكر ذلك له، فقال: هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله ~~عليه» رواه أبو داود؛ ولأنه يحتمل أن ذلك لرجوعه عن الإقرار، ورجوعه مقبول. ~~فإن لم يترك، وقتل، فلا ضمان فيه؛ لحديث ماعز، ولأن إباحة دمه متيقنة، فلا ms1163 ~~يجب ضمانه بالشك، وإن ترك، ثم أقام على الإقرار، أقيم عليه الحد. # فصل # وإن كان الحد جلدا، لم يمد المحدود، ولم يربط؛ لما روي عن عبد الله بن ~~مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: ليس في هذه الأمة مد، ولا تجريد، ولا غل، ~~ولا صفد، ويفرق الضرب على أعضائه كلها إلا وجه، والرأس، والفرج، وموضع ~~القتل؛ لما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال للجلاد: اضرب، وأوجع، واتق ~~الرأس والوجه والفرج. وقال: لكل موضع من الجسد حظ إلا الوجه والفرج؛ ولأن ~~القصد الردع، لا القتل. ويضرب الرجل قائما، ليتمكن من تفريق الضرب على ~~أعضائه، والمرأة جالسة؛ لأنه أستر لها، وتشد عليها ثيابها، وتمسك يداها ~~لئلا تتكشف. # فصل # فإن كان مريضا، أو نضو الخلق. أو في شدة حر، أو برد، أقيم الحد بسوط # PageV04P094 # يؤمن التلف معه، فإن كان لا يطيق الضرب لضعفه وكثرة ضرره، ضرب بضغث فيه ~~مائة شمراخ ضربة واحدة، أو ضربتين، أو بسوط فيه خمسون شمراخا؛ لما روى أبو ~~أمامة بن سهل بن حنيف «عن بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~الأنصار: أنه اشتكى رجل منهم حتى أضنى، فعاد جلدا على عظم، فدخلت عليه ~~جارية لبعضهم، فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك، ~~وقال: استفتوا لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكروا ذلك لرسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، وقالوا: ما رأينا بأحد من الضر مثل ما به، لو ~~حملناه إليك لتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم، فأمر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يؤخذ له مائة شمراخ، فيضربونه بها ضربة واحدة.» أخرجه ~~أبو داود والنسائي. # فصل # ومن لزمه التغريب، غرب عاما إلى مسافة القصر؛ لأن أحكام السفر من القصر ~~والفطر لا تثبت بدونه. وعنه في المرأة: إنها تغرب إلى ما دون مسافة القصر؛ ~~لتقرب من أهلها، فيحفظونها، ويحتمل مثل ذلك في الرجل؛ لأنه يسمى نفيا ~~وتغريبا، فيتناوله لفظ الخبر. وحيث رأى الإمام أن يغربه فله ذلك، وإن ms1164 كان ~~بعيدا؛ لأن عمر - رضي الله عنه - غرب إلى الشام والعراق. وإن رأى الزيادة ~~على الحول لم يجز؛ لأن مدة الحول منصوص عليها، فلم يدخلها الاجتهاد، ~~والمسافة غير منصوص عليها فرجع فيها إلى الاجتهاد. ومتى عاد قبل الحول رد ~~إلى التغريب حتى يكمل الحول. فإن زنى الغريب غرب إلى غير بلده، فإن زنى في ~~البلد الآخر غرب إلى غيره؛ لأن الأمر بالنفي يتناوله حيث كان. # فصل # لا تغرب المرأة إلا مع ذي محرم؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ليلة إلا مع ذي حرمة من ~~أهلها» فإن أعوز المحرم، خرجت مع امرأة ثقة، فإن أعوز، استؤجر لها من مالها ~~محرم لها، فإن أعوز، فمن بيت المال، فإن أعوز، نفيت، بغير محرم؛ لأنه حق لا ~~سبيل إلى تأخيره، فأشبه الهجرة. ويحتمل سقوط النفي هاهنا؛ لئلا يفضي إلى ~~إغرائها بالفجور، وتعريضها للفتنة، ومخالفة خبر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في السفر بغير محرم، ويخص عموم حديث النفي بخبر النهي عن السفر بغير ~~محرم، ويحتمل أن تنفى إلى دون مسافة القصر جمعا بين الخبرين. # PageV04P095 # فصل # ويجب أن يحضر حد الزنا طائفة؛ لقول الله تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة من ~~المؤمنين} [النور: 2] . وقال أصحابنا: أقل ذلك واحد مع الذي يقيم الحد؛ لأن ~~اسم الطائفة يقع على واحد، بدليل قول الله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فأصلحوا} [الحجرات: 9] إلى قوله تعالى: {بين أخويكم} [الحجرات: 10] ~~وقد فسره ابن عباس بذلك. والمستحب أن يحضر أربعة؛ لأن بهم يثبت الحد، والله ~~أعلم. ### | باب حد القذف # باب حكم القذف وهو الرمي بالزنا، وهو محرم وكبيرة؛ لقول الله تعالى: {إن ~~الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب ~~عظيم} [النور: 23] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اجتنبوا السبع ~~الموبقات قالوا: يا رسول الله، ما هي؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم ~~الزحف، وقذف المحصنات» متفق ms1165 عليه. # فصل # ويجب الحد على القاذف بشروط أربعة: # أحدها: أن يكون مكلفا لما تقدم. # والثاني: أن يكون المقذوف محصنا؛ لقول الله تعالى: {والذين يرمون ~~المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] . ~~مفهومه أنه لا يجلد بقذف غير المحصن. والمحصن: هو الحر المسلم العاقل ~~العفيف عن الزنا الذي يجامع مثله، فلا يجب الحد على قاذف الكافر، والمملوك، ~~والفاجر؛ لأن حرمتهم ناقصة، فلم تنتهض لإيجاب الحد، ولا يجب على قاذف ~~الجنون؛ لأن زناه لا يوجب الحد عليه، فلم يجب الحد بالقذف به، كالوطء دون ~~الفرج، ولا يجب الحد على قاذف الصغير الذي لا يجامع مثله كذلك، ولأنه يتيقن ~~كذب القاذف فيلحق العار به، دون المقذوف. وهل يشترط البلوغ؟ فيه روايتان: # PageV04P096 # إحداهما: يشترط؛ لما ذكرنا في المجنون. # والثانية: لا يشترط، بل متى قذف من يجامع مثله، فعليه الحد؛ لأنه عاقل حر ~~عفيف، يتعير بالقذف، أشبه البالغ. وإن قذف مجبوبا، أو رتقاء، فعليه الحد، ~~لعموم الآية؛ ولأن تعذر الوطء في حقهما بأمر خفي لا يعلم به، فلا ينتفي ~~العار عنه. # فصل # الثالث: أن يكون القاذف والدا، فإن قذف والد ولده وإن سفل، فلا حد عليه، ~~أبا كان أو أما؛ لأنها عقوبة تجب لحق الآدمي، فلم تجب لولد على والده، ~~كالقصاص. ولو قذف زوجته، فماتت وله منها ولد، أو قذفت زوجها ولها منه ولد، ~~سقط الحد؛ لأنه لما لم يثبت له على والده بقذفه، فلم يثبت له عليه بالإرث. ~~وإن كان للميت ولد آخر من غيره، ثبت الحد؛ لأنه يثبت لكل واحد من الورثة ~~على الانفراد. # فصل # الرابع: أن يقذف بالزنا الموجب للحد، فإن قذف بالوطء دون الفرج والقبلة، ~~لم يجب الحد به، لما تقدم. # والقذف صريح وكناية؛ فالصريح أن يقول: زنيت، أو يا زاني، أو زنى فرجك، أو ~~دبرك أو ذكرك، ونحوه مما لا يحتمل غير القذف، فهذا يجب به الحد، ولا يقبل ~~تفسيره بما يحيله؛ لأنه صريح فيه، أشبه التصريح بالطلاق. وإن قال: يا لوطي، ~~فقال أكثر أصحابنا: هو صريح، ms1166 وقال الخرقي: إذا قال: أردت أنك من قوم لوط، ~~فلا حد عليه، وهذا بعيد؛ لأن قوم لوط أهلكهم الله فلم يبق منهم أحد. وإن ~~قال: زنى فلان، وأنت أزنى منه، فهو قاذف لهما؛ لأنه وصف هذا بالزنى على وجه ~~المبالغة؛ لأن لفظة أفعل للتفضيل. وإن قال: أنت أزنى من فلان، أو أزنى ~~الناس، فهو قاذف للمخاطب كذلك، وليس بقاذف لفلان؛ لأن لفظة أفعل يستعمل ~~للمنفرد بالفعل، كقوله تعالى: {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع} [يونس: 35] ~~وإخباره عن قوم لوط: {هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} [هود: 78] وقال القاضي: هو ~~قذف لهما؛ لأن لفظة أفعل يقتضي اشتراكهما في الفعل، وانفراد أحدهما بمزية. ~~وإن قال: زنأت بالهمزة، فهو قذف في قول أبي بكر وأبي الخطاب؛ لأن العامة لا ~~تفهم منه إلا القذف. وقال ابن حامد: إن كان القاذف عاميا فهو قاذف، وإن كان ~~يعلم العربية، فليس بقاذف؛ لأن معناه طلعت، كما قال الشاعر: # PageV04P097 # وارق إلى الخيرات زنأ في الجبل # وسواء قال في الجبل، أو لم يقل؛ لأن معناها لا يختلف بذلك وعدمه. وإن قال ~~لرجل: يا زانية، أو لامرأة: يا زاني، فهو قاذف لهما؛ لأن اللفظ صريح في ~~الزنا وزيادة هاء التأنيث في المذكر، وحذفها من المؤنث خطأ لا يغير المعنى، ~~فلم يمنع الحد كاللحن، هذا قول أبي بكر. وقال ابن حامد: ليس بقذف يوجب ~~الحد؛ لأنه يحتمل أن يريد بذلك أنك علامة في الزنا، كالراوية والحفظة. وإن ~~قال لامرأة: زنيت بفتح التاء، ولرجل زنيت بكسرها، فهو قاذف لهما؛ لأنه ~~خاطبهما بنسبة الزنا إليهما، فأشبه ما لو لم يلحن. وإن قذف رجلا. فقال آخر: ~~صدقت، ففي المصدق وجهان: # أحدهما: يكون قاذفا؛ لأن تصديقه ينصرف إلى الكلام الذي قبله، كما لو قال: ~~لي عليك ألف. قال: صدقت. والثاني: لا يكون قذفا؛ لأنه يحتمل بتصديقه في غير ~~هذا. وإن قال: أخبرني فلان أنك تزني، فكذبه الآخر، فليس بقاذف؛ لأنه إنما ~~أخبر عن غيره، فأشبه ما لو صدقه الآخر، ويحتمل أنه قاذف، ذكره أبو الخطاب؛ ms1167 ~~لأنه نسب إليه الزنا. وإن قال رجل لامرأة: زنيت، فقالت: بك، فلا حد عليهما؛ ~~لأنها صدقته، فسقط الحد عنه، ولا حد عليها؛ لأنها لم تقذفه؛ لأنه يتصور ~~زناها به من غير أن يكون زانيا، بأن تكون عالمة بأنه أجنبي، وهو يظنها ~~زوجته، أو نائما، استدخلت ذكره ونحو ذلك. وإن قال: زنت يداك، أو رجلاك، لم ~~يكن قاذفا في ظاهر المذهب، وهو قول ابن حامد؛ لأن زنا هذه الأعضاء لا يوجب ~~الحد، بدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «العينان تزنيان وزناهما ~~النظر، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، يصدق ~~ذلك الفرج، أو يكذبه» . ويحتمل أن يكون قاذفا؛ لأنه أضاف الزنا إلى عضو ~~منه، فأشبه ما لو قال: زنى فرجك. وإن قال: زنى بدنك، ففيه وجهان: # أحدهما: هو كقوله: زنت يداك؛ لأن الزنا بجميع البدن يكون بالمباشرة، فلم ~~يكن قذفا. # والثاني: عليه الحد؛ لأنه أضاف الزنا إلى جميع البدن والفرج منه. # فصل # وأما الكناية، فنحو قوله: يا قحبة، يا فاجرة، يا خبيثة، أو يقول للرجل: ~~يا مخنث، أو يا نبطي يا فارسي وليس هو كذلك، أو يقول لزوجة رجل: قد فضحتيه، # PageV04P098 # وجعلت له قرونا، ونكست رأسه، أو يقول لمن يخاصمه: يا حلال ابن الحلال ما ~~يعرفك الناس بالزنا، ما أنا بزان، ولا أمي بزانية، فهذا ليس صريح في القذف؛ ~~لأنه يحتمل الفجور، والخبث بغير الزنا. والقحبة المتعرضة للزنا وإن لم ~~تفعله، والمخنث المتطبع بطباع التأنيث، وسائر ما ذكرنا يحتمل غير الزنا، ~~فلم يجب به الحد مع الاحتمال. # وعنه: أن الحد يجب بذلك كله؛ لما روى سالم عن أبيه: أن رجلا قال: ما أنا ~~بزان، ولا أمي بزانية، فجلده عمر الحد. وروى الأثرم: أن عثمان جلد رجلا قال ~~لآخر: يا ابن شامة الوذر، يعرض بزنا أمه؛ ولأن هذه الألفاظ يراد بها القذف ~~عرفا فجرت مجرى الصريح، ولأن الكناية مع القرينة كالصريح في إفادة الحكم، ~~بدليل الطلاق والعتاق، كذا هاهنا. وفيما إذا قال: يا نبطي قد نفاه عن نسبه، ~~فيكون قاذفا ms1168 لأمه أو لإحدى جداته. وإن قال لثابت النسب: لست بابن فلان، فهو ~~قذف لأمه في الظاهر من المذهب؛ لما روي عن ابن مسعود أنه قال: لا حد إلا في ~~اثنين، قذف محصنة، أو نفي رجل عن أبيه؛ ولأنه لا يكون لغير أبيه إلا بزنا ~~أمه. ويحتمل ألا يكون قذفا؛ لأنه يحتمل أنه لا تشبهه في كرمه وأخلاقه. # وإن كان الولد منفيا باللعان، فليس بقذف؛ لأن الشرع نفاه. وإن قال لابنه: ~~لست بابني، فقال القاضي: ليس بقذف؛ لأن الإنسان يغلظ لولده في القول ~~تأديبا. # فصل # ومن قال لامرأة: أكرهت على الزنا، فلا حد عليه؛ لأنه لم يقذفها بالزنا ~~وعليه التعزير؛ لأنه ألحق بها العار. وكل موضع لا يجب فيه الحد مما ذكرنا، ~~يوجب التعزير؛ لأنه أذى لمن لا يحل أذاه. وإذا تقاصر عن الحد، أوجب ~~التعزير، كالزنا فيما دون الفرج. # فصل # وحد القذف ثمانون جلدة إن كان القاذف حرا؛ لقول الله تعالى: {فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة} [النور: 4] وإن كان عبدا، فأربعون؛ لما روى يحيى بن سعيد ~~الأنصاري قال: ضرب أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم مملوكا افترى على حر ~~ثمانين، فبلغ عبد الله بن عامر بن ربيعة، فقال: أدركت الناس زمن عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - إلى اليوم، فما رأيت أحدا ضرب المملوك المفتري ~~ثمانين قبل أبي بكر بن محمد بن عمرو؛ ولأنه حد يتبعض. فكان المملوك على ~~النصف من الحر، كحد الزنا. وإن كان القاذف بعضه حر، فعليه بالحساب لما ~~ذكرنا. # PageV04P099 # فصل # والحد في القذف والتعزير الواجب بما دونه حق للمقذوف، يستوفى إذا طالب، ~~ويسقط إذا عفا عنه؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم، كان إذا خرج يقول: تصدقت بعرضي» والصدقة ~~بالعرض لا تكون إلا بالعفو عما يجب له، ولأنه جزاء جناية عليه لا يستوفى ~~إلا بمطالبته، فكان له، كالقصاص. وعنه: أنه حق لله تعالى؛ لأنه حد فكان حقا ~~لله كسائر الحدود. فعلى هذا لا يستوفى إلا بمطالبة ms1169 الآدمي، ولا يسقط بعد ~~وجوبه بالعفو، كالقطع في السرقة. ولو قال لغيره: اقذفني، فقذفه، لم يجب ~~الحد؛ لأنه إذن في سبه، فلم يوجب الحد كالقصاص، والقطع في السرقة. # فصل # وإن جن من له الحد، لم يكن لوليه المطالبة به؛ لأنه يجب للتشفي، ودرك ~~الغيظ، فأخر إلى الإفاقة، كالقصاص. وإن قذف مملوكا، فالطلب بالتعزير والعفو ~~عنه له، دون سيده؛ لأنه ليس بمال، ولا بدل مال، فأشبه فسخ النكاح للمعتقة ~~تحت العبد. وإن مات العبد، سقط؛ لأنه لو ملكه السيد بحق الملك، لملكه في ~~حياته، والعبد لا يورث. وإن سمع الإمام رجلا يقذف آخر في حضرته، أو غيبته، ~~لم يلزمه أن يسأله عن ذلك ويحققه؛ لأن القذف لا يوجب حدا حتى يطالب به ~~صاحبه، ولأن الحدود تدرأ بالشبهات فلا يجب المبالغة في إثباتها. # فصل # ومن قذف جماعة لا يتصور الزنا من جميعهم، كأهل البلدة الكبيرة، فلا حد ~~عليه؛ لأنه لا عار على المقذوف بذلك، للقطع بكذب القاذف، وإن قذف جماعة ~~يمكن زناهم بكلمات، فعليه لكل واحد حد. وإن قذفهم بكلمة واحدة. ففيه ثلاث ~~روايات: # إحداهن: عليه حد واحد؛ لأن كلمة القذف واحدة، فلم يجب بها أكثر من حد ~~واحد، كما لو كان المقذوف واحدا، ولأنه بالحد الواحد يظهر كذبه، ويزول عار ~~القذف عن جميعهم، فعلى هذا إن طلبه الجميع أقيم لهم، وإن طلبه واحد، أقيم ~~له، أيضا، ولا مطالبة لغيره. وإن أسقط أحدهم حقه، لم يسقط حق غيره؛ لأنه ~~ثابت لهم على سبيل البدل، فأشبه ولاية النكاح. # والثاني: عليه لكل واحد حد؛ لأنه قذفه، فلزمه الحد له، كما لو قذفه بكلمة ~~مفردة. # والثالث: إن طلبوه جملة، فحد واحد؛ لأنه يقع استيفاؤه لجميعهم. وإن طلبوه # PageV04P100 # متفرقا، أقيم لكل مطالب مرة؛ لأن استيفاء المطالب الأول له خاصة، فلم ~~يسقط به حق الباقين. وإن قال لامرأة: زنى بك فلان، فهي كالتي قبلها؛ لأنه ~~قذفهما بكلمة واحدة ويحتمل ألا يجب إلا حد واحد، وجها واحدا؛ لأن القذف ~~لهما بزنا واحد، يسقط حده ببينة واحدة، ولعان واحد ms1170 إن كانت المرأة زوجته. # فصل # ومن وجبت عليه حدود قذف لجماعة، فأيهم طالب بحده، استوفي له، ثم إذا طالب ~~غيره استوفي له، كالديون. فإن اجتمعا في الطلب قدم أسبقهما حقا؛ لأن السابق ~~أولى. فإن تساويا، أقرع بينهما إن تشاحا. ولو قال: يا زاني ابن الزانية، ~~كان قاذفا لهما بكلمتين. فأيهما طالب حد له. فإن اجتمعا وتشاحا، حد للابن ~~أولا؛ لأنه بدأ بقذفه، ثم يحد لأمه. ومتى حد مرة، لم يحد لآخر حتى يبرأ ~~ظهره؛ لأنه لا يؤمن مع الموالاة التلف. فإن كان القاذف عبدا فكذلك؛ لأنهما ~~حدان، فأشبها حدي الحر. ويحتمل أن لا يوالى بينهما، ولأنهما جميعا كحد حر، ~~فيوالى بينهما، كما يوالى بينه. # فصل # وإن قذف واحدا مرات، ولم يحد، فحد واحد؛ لأنها من جنس واحد لمستحق واحد. ~~فإذا كانت قبل الإقامة، تداخلت، كسائر الحدود، وإن حد مرة، ثم قذفه بذلك ~~الزنا، عزر ولم يحد؛ لأن أبا بكرة شهد على المغيرة بالزنا، فجلده عمر، ثم ~~أعاد أبو بكرة القذف، فأراد عمر جلده، فقال علي: إن كنت تريد أن تجلده ~~فارجم صاحبه، فترك عمر جلده. يعني: إن نزلته منزلة أجنبي شهد بزناه، فقد ~~كملت شهادة أربعة. فإن لم تجعله كشاهد آخر، فلا تحده، ولأنه قد حصل التكذيب ~~بالحد، فاستغني عما سواه. وإن قذفه بزنا آخر عقيب الحد، ففيه روايتان: # إحداهما: يحد؛ لأنه قذف بعد الحد، لم يظهر كذبه فيه بحد، فلزمه الحد، كما ~~لو قذفه بعد زمن طويل. # والثانية: لا حد عليه؛ لأنه قد حد له مرة، فلا يحد له ثانيا، كما لو قذفه ~~بالزنا الأول. وإن قذفه بعد طول الفصل، حد؛ لأنه لا تسقط حرمة عرض المقذوف ~~بإقامة الحد له، وذكر القاضي فيها روايتين كالتي قبلها: # فصل # وإذا قال الرجل: يا ولد الزنا، أو يا ابن الزانية، فهو قاذف لأمه. فإن ~~كانت حية، فهو قاذف لها دونه؛ لأن الحق لها، ويعتبر فيها شروط الإحصان؛ ~~لأنها المقذوفة. وإن كانت أمه ميتة، فالقذف له؛ لأنه قدح في نسبه. وعلى ~~سياق هذا، ms1171 لو قذف جدته، ملك # PageV04P101 # المطالبة بالحد؛ لما روى الأشعث بن قيس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «لا أوتى برجل يقول: إن كنانة ليست من قريش إلا جلدته» لقول ابن ~~مسعود: لا حد إلا في قذف محصنة، أو نفي رجل عن أبيه. فعلى هذا، يعتبر ~~الإحصان في الرجل، دون أمه. فلو كانت أمه ميتة أو مشركة، أو أمة، وهو محصن، ~~لوجب له. وهذا اختيار الخرقي، وقال أبو بكر: لا حد على قاذف ميت؛ لأنه لا ~~يطالب فلم يحد قاذفه كما لو قذف غير الأم، ولا خلاف في أنه لو قذف أباه أو ~~أخاه، لم يلزمه حد؛ لأنه لم يقدح في نسبه، بخلاف مسألتنا، ولو مات المقذوف ~~قبل المطالبة بالحد، لم يجب. وإن مات بعد المطالبة به، قام وارثه مقامه؛ ~~لأنه حق له يجب بالمطالبة، فأشبه رجوع الأب فيما وهب لولده. # فصل # وإذا شهد على إنسان بالزنا دون الأربعة، فعليهم الحد، لقول الله تعالى: ~~{والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} ~~[النور: 4] ولأن أبا بكرة، ونافعا وشبل بن معبد، شهدوا على المغيرة بن ~~شعبة، ولم يكمل زياد شهادته، فحد عمر - رضي الله عنه - الثلاثة بمحضر من ~~الصحابة، فكان ذلك إجماعا، وكذلك إن لم يكمل الرابع شهادته، فعليهم الحد ~~كذلك. وإن شهد ثلاثة، وزوج المرأة، حد الثلاثة؛ لأن الزوج غير مقبول ~~الشهادة على زوجته بالزنا، لإقراره على نفسه بعداوتها، لجنايتها عليه، ~~بإفساد فراشه، وإلحاق العار به، وعلى الزوج الحد، إلا أن يسقطه عنه بلعانه. ~~وإن شهد أربعة، فبانوا فساقا، أو عبيدا، أو عميانا، أو بعضهم، ففيهم ثلاث ~~روايات: # إحداهن: عليهم الحد؛ لأن شهادتهم بالزنا لم تكمل، فلزمهم الحد، كما لو ~~شهد ثلاثة. # والثانية: لا حد عليهم؛ لقول الله تعالى: {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} ~~[النور: 4] وهؤلاء أربعة؛ ولأنه أحرزوا ظهورهم بكمال عددهم، فأشبه ما لو ~~شهد أربعة بزناها، فشهد ثقات أنها عذراء. # والثالثة: إن كانوا عميانا، فعليهم الحد، وإن كانوا فساقا، أو عبيدا، فلا ~~حد عليهم؛ ms1172 لأن الأعمى يشهد بما لم يره يقينا، فيكون شاهد زور يقينا، وغيرهم ~~بخلاف # PageV04P102 # ذلك. وإن كان فيهم صبي، أو مجنون، أو من لا تقبل شهادته، فكذلك، والأولى ~~أصح؛ لأن من لا شهادة له، وجوده كعدمه، فأشبه نقص العدد. ولو شهد ثلاثة ~~رجال وامرأتان، حد الجميع؛ لأن شهادة النساء في هذا الباب، كعدمها. # فصل # وإن شهد أربعة بالزنا، ثم رجع أحدهم، فعليهم الحد؛ لأنه نقص عدد الشهود، ~~فلزمهم الحد، كما لو كانوا ثلاثة. وعنه: يحد الثلاثة دون الرابع، اختارها ~~أبو بكر، وابن حامد؛ لأن رجوعه قبل الحد، كالتوبة قبل تنفيذ الحكم، فيسقط ~~الحد عنه، وإن رجعوا كلهم، فعليهم الحد؛ لأنهم يقرون على أنفسهم أنهم قذفة، ~~ويحتمل أن لا يجب عليهم الحد، كالتي قبلها، وإن شهد أربعة، فلم تكمل ~~شهادتهم، لاختلافهم في المكان أو الزمان. أو كونهم لم يأتوا في مجلس واحد، ~~أو لم يصفوا الزنا، أو بعضهم، فهم قذفة، عليهم الحد؛ لأن شهادة الأربعة لم ~~تكمل، فلزمهم الحد، كما لو نقص عددهم. وإن شهد أربعة بالزنا على امرأة، ~~فشهد ثقات من النساء أنها عذراء، فلا حد على واحد منهم؛ لأن ثبوت عذرة ~~المرأة، دليل على براءتها، فينتفي الحد عنها. لظهور براءتها، وصدق الشهود ~~محتمل، لجواز أن يطأها، ثم تعود عذرتها، فانتفى الحد عنهم لاحتمال صدقهم. # فصل # وإذا قذف امرأة، وقال: كنت زائل العقل حين قذفتها، ولم يعرف له زوال عقل ~~قبل ذلك، فالقول قولها؛ لأن الظاهر عقله، فأشبه ما لو ضرب ملفوفا، وادعى ~~أنه كان ميتا. وإن عرف له زوال عقل، بجنون، أو تبرسم، أو نحوه، فالقول ~~قوله؛ لأن الأصل براءته من الحد، وصدقه محتمل، ولأن الحد يدرأ بالشبهات. ~~وإن قال: زنيت إذ كنت مشركة، أو أمة، ولم تكن كذلك، حد؛ لأنه يعلم كذبه في ~~وصفها بذلك. وإن كانت مشركة أو أمة، لم يحد؛ لأنه أضاف قذفها إلى حال فيها ~~غير محصنة. وعنه: يحد، حكاها أبو الخطاب؛ لأن القذف في حال لمحصنة. وإن ~~قال: زنيت أنت مشركة، وقال: أردت أنك زنيت ms1173 في تلك الحال، فقالت: بل قذفتني، ~~ونسبتني إلى الشرك في هذه الحال، فقال القاضي: يحد؛ لأنه خاطبها بالقذف في ~~الحال، فالظاهر إرادة القذف في الحال. واختار أبو الخطاب: أنه لا يحد؛ ~~لأنهما اختلفا في إرادته بكلامه، وهو أعلم بمراده، واللفظ محتمل لما ادعاه، ~~بأن تكون الواو للحال. وإن قال لها: زنيت، ثم قال: أردت في الحال التي كنت ~~غير محصنة، وقالت: أردت قذفي في الحال، حد؛ لأنه قذفها في الحال، فلا يقبل ~~قوله فيما يحيله، وإن قال: إنما كان قذفي لك قبل إحصانك، وقالت: بل بعده. ~~فإن ثبت أنها كانت غير محصنة، فالقول قوله؛ لأن الأصل # PageV04P103 # براءة ذمته. وإن لم يثبت ذلك، فالقول قولها؛ لأن الأصل في الدار، الإسلام ~~والحرية، وكذلك إن كانت مسلمة، فادعى أنها ارتدت، فالقول قولها؛ لأن الأصل ~~بقاؤها على دينها. # فصل # وإن ادعت امرأة أو زوجها قذفها، فأنكر، فقامت عليه ببينة، فله أن يلاعن؛ ~~لأن إنكار القذف، لا يكذب ما يلاعن عليه من الزنا؛ لأن القذف الكذب، وهو ~~يدعي أنه صادق، فجاز أن يلاعن، كما لو ادعى عليه وديعة، فقال: ما لك عندي ~~شيء، ثم ادعى تلفها، قبل منه، لكون إنكاره لم يمنع الإيداع، كذا هاهنا. ### | باب الأشربة # كل شراب أسكر كثيره، فقليله حرام؛ لقول الله تعالى: {إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} [المائدة: ~~90] وكل مسكر خمر، فيدخل في عموم الآية. وقد روى عبد الله بن عمر، أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» رواه مسلم وأبو ~~داود، وقال عمر - رضي الله عنه -: نزل تحريم الخمر. وهي: من العنب، والتمر، ~~والعسل، والحنطة، والشعير. والخمر: ما خامر العقل. متفق عليه. وروت عائشة: ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما أسكر الفرق منه، فملء الكف ~~منه حرام» رواه أبو داود؛ ولأنه شراب يسكر كثيره، فحرم قليله، كعصير العنب. # فصل # وكل عصير غلى، وقذف بزبده، فهو حرام، لما روى الشالنجي بإسناده عن النبي ~~- صلى الله ms1174 عليه وسلم - أنه قال: «اشربوا العصير ثلاثا ما لم يغل» . «وعن ~~أبي هريرة قال: علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان صائما، ~~فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دباء، ثم أتيته به فإذا هو ينش، فقال: اضرب ~~بهذا الحائط، فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر» رواه أبو داود # PageV04P104 # والنسائي؛ ولأنه إذا غلى واشتد، صار مسكرا. فإن علم من شيء أنه لا يسكر، ~~كالفقاع، فلا بأس به وإن غلى؛ لأن العلة في التحريم الإسكار، فلا يثبت ~~الحكم بدونها. وإن أتى على العصير ثلاث، فقال أصحابنا: يحرم وإن لم يغل؛ ~~للخبر. «وروى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينبذ له ~~الزبيب، فيشربه اليوم، والغد، وبعد الغد إلى مساء الثالثة، ثم يأمر به ~~فيهراق أو يسقى الخدم» ؛ ولأن الشدة تحصل في الثلاث غالبا، وهي خفية تحتاج ~~إلى ضابط. والثلاث تصلح ضابطا لها. وقد قال ابن عمر: اشربه ما لم يأخذه ~~شيطانه. قال: وفي كم يأخذه شيطانه؟ قال: في الثلاث. والنبيذ، كالعصير فيما ~~ذكرنا. وهو: ماء ينبذ فيه تمرات، أو زبيب، ليجتذب ملوحته، كان أهل الحجاز ~~يفعلونه. # فصل # ويكره الخليطان. وهو: أن ينبذ في الماء شيئين؛ لما «روي عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن ينتبذ البسر والرطب جميعا. ونهى أن ينتبذ ~~الزبيب والتمر جميعا.» رواه أبو داود. وفي رواية: «وانتبذوا كل واحد على ~~حدة.» قال أحمد: الخليطان حرام. قال القاضي: يعني: إذا اشتد وأسكر. وإنما ~~نهي عنه؛ لأنه يسرع إلى السكر. فإذا لم يسكر، لم يحرم؛ لما «روي عن عائشة ~~قالت: كنا ننبذ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنأخذ قبضة من تمر ~~وقبضة من زبيب، فنطرحها فيه، ثم نصب عليه الماء، فننبذه غدوة، فيشربه عشية، ~~وننبذه عشية، فيشربه غدوة.» أخرجه أبو داود. ويجوز الانتباذ في الأوعية ~~كلها؛ لما روي عن بريدة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «كنت ~~نهيتكم عن الأشربة في ظروف الأدم، فاشربوا في كل وعاء، غير أن ms1175 لا تشربوا ~~مسكرا» رواه مسلم. # وما لا يسكر من الدبس، والخل، ورب الخروب، وسائر المربيات، فهو حلال؛ لأن ~~تخصيص المسكر بالتحريم دليل على إباحة ما سواه؛ لأن الله تعالى قال: {أحل ~~لكم الطيبات} [المائدة: 4] . وهذا منها. # فصل # ومن شرب مسكرا - وهو مسلم مكلف - مختار، يعلم أنها تسكر، لزمه الحد، لما # PageV04P105 # روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من شرب الخمر فاجلدوه» رواه ~~أبو داود؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه جلدوا فيه الحد، وفي ~~قدره روايتان: # إحداهما: أربعون؛ لما روى حصين بن المنذر أن عليا - رضي الله عنه - جلد ~~الوليد بن عقبة في الخمر أربعين، ثم قال: جلد النبي أربعين، وأبو بكر ~~أربعين، وعمر ثمانين. وكل سنة. وهذا أحب إلي. رواه مسلم. # والثانية: ثمانون؛ لما روى أنس، أن عمر استشار الناس في حد الخمر، فقال ~~عبد الرحمن: اجعله كأخف الحدود، فضرب عمر ثمانين. متفق عليه. وكان ذلك ~~بمحضر من الصحابة، فاتفقوا عليه، فكان إجماعا. # وحد العبد نصف حد الحر؛ لأنه حد يتبعض، فأشبه الحد في الزنا والقذف. ~~ويجلد بالسوط، ولأن عمر وعليا - رضي الله عنهما - جلدا بالسياط، ولأنه حد ~~فيه ضرب، فكان بالسوط، كحد الزنا. # فصل # ولا يثبت إلا ببينة، أو إقرار. فالبينة شاهدان عدلان. ويقبل فيه إقرار ~~مرة؛ لأنه حد ليس فيه إتلاف بحال، فأشبه حد القذف، ولا يحد بوجود الرائحة ~~منه؛ لأنه يحتمل أنه تمضمض بها، أو ظنها لا تسكر، والحد يدرأ بالشبهات. ~~عنه: أنه يحد؛ لأن عمر وابن مسعود - رضي الله عنهما - حدا بالرائحة، وإن ~~وجد سكران، أو تيقنا المسكر، فعن أحمد: أنه لا يحد؛ لأنه يحتمل أن يكون ~~مكرها، أو ظن أنها لا تسكر، وعلى الرواية التي يحد بالرائحة، يجب أن يحد ~~هاهنا؛ لأن حصينا قال: شهدت عثمان وأتي بالوليد بن عقبة فشهد عليه حمران ~~ورجل آخر، فشهد أحدهما أنه رآه شربها، وشهد الآخر أنه رآه يتقيأها، فقال ~~عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها، فقال لعلي: أقم عليه الحد، ففعل. وقال ~~عثمان: لقد تنطعت ms1176 في الشهادة. ### | باب إقامة الحد # لا يجوز لأحد إقامة الحد إلا للإمام، أو نائبه؛ لأنه حق الله تعالى. ~~ويفتقر إلى الاجتهاد. ولا يؤمن في استيفائه الحيف، فوجب تفويضه إلى نائب ~~الله تعالى في خلقه، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقيم الحد في ~~حياته، ثم خلفاؤه بعده. ولا يلزم الإمام حضور إقامته؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت # PageV04P106 # فارجمها» وأمر برجم ماعز ولم يحضر. وأتي بسارق، فقال: «اذهبوا فاقطعوه» . ~~وجميع الحدود في هذا سواء، حد القذف وغيره؛ لأنه لا يؤمن فيه الحيف، ~~والزيادة على الواجب. ويفتقر إلى الاجتهاد، فأشبه سائر الحدود، إلا أن ~~للسيد إقامة الحد على رقيقه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا زنت ~~أمة أحدكم فليجلدها الحد» . وروى علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» . ولا يملك إقامته إلا بشروط ~~أربعة: # أحدها: أن يكون مكلفا، عالما بالحدود وكيفية إقامتها؛ لأنه إذا لم يعلم، ~~لا يمكنه الإتيان به على وجهه. وهل تشترط عدالته؟ فيه وجهان: # أحدهما: تشترط؛ لأنه ولاية، فنافاها الفسق، كولاية التزويج؛ ولأنه لا ~~يؤمن من الفاسق التعدي بزيادة أو نقص. # والثاني: لا يشترط؛ لأنها ولاية ثبتت بالملك، أشبهت ولاية التأديب. وفي ~~اشتراط الذكورية وجهان، كما ذكرنا في العدالة. فإن قلنا: تشترط، ففي أمة ~~المرأة وجهان: # أحدهما: يفوض حدها إلى وليها، كتزويجها. # والثاني: يفوض إلى الإمام، كأمة الصغير. وهل تشترط الحرية؟ فيه وجهان. ~~ووجههما ما تقدم. فإن قلنا: تشترط، لم يثبت لمكاتب؛ لأنه ليس من أهل ~~الولاية، ويفوض إلى الإمام. # الشرط الثاني: أن يختص بالمملوك، فأما المشترك، والأمة المزوجة، ~~والمكاتبة، فلا يقيم الحد عليهم إلا الإمام؛ لأن ابن عمر قال ذلك، ولا ~~مخالف له في الصحابة، ولأنه لم تكمل ولايته عليهم، فأشبهوا من بعضه حر. # الشرط الثالث: أن يكون الحد جلدا، كحد الزنا والشرب والقذف. فأما القطع ~~والقتل في الردة، فلا يملكه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما ms1177 أمر ~~بالجلد، فلا يثبت في غيره؛ ولأن الجلد تأديب، فيملكه السيد، كتأديبه على ~~حقوقه. وفي تفويضه إليه ستر على عبده، كيلا يفتضح بإقامة الإمام له، فتنقص ~~قيمته. وهذا منتف في القطع والقتل؛ ولأن فيهما إتلافا فيحتاج إلى مزيد ~~احتياط. قال القاضي: وكلام أحمد يقتضي رواية أخرى: أنه يقيمهما؛ لعموم قوله ~~- عليه السلام -: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» ولأن ابن عمر قطع ~~عبدا سرق. وحفصة قتلت أمة سحرتها. # PageV04P107 # الشرط الرابع: أن يثبت عنده سببه بإقرار، أو بينة. فإن ثبت بإقرار، ~~فللسيد أن يسمعه، ويقيم الحد به إذا كان عالما بشروط الإقرار وكيفيته. وإن ~~ثبت ببينة، اعتبر ثبوتها عند الحاكم؛ لأن للحاكم ولاية البحث عن العدالة، ~~والاجتهاد فيها، ومعرفة شروطها، بخلاف غيره. وذكر القاضي: أن السيد إن عرف ~~شروطها، وأحسن استماعها، ملك سماعها، وإقامة الحد بها، كالإقرار. ولا يقيم ~~الحد بعلمه ورؤيته؛ لأن الإمام لا يقيمه بعلمه، فالسيد أولى. وعن أحمد: أنه ~~يقيمه بعلمه؛ لأنه ثبت عنده أشبه ما لو أقر به عنده. # فصل # ولا يقام الحد على حامل حتى تضع، سواء كان الحد رجما أو غيره؛ لأنه لا ~~يؤمن تلف الولد. وقد روى بريدة: «أن امرأة أتت النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، فقالت: إني فجرت، فوالله إني لحبلى، فقال لها: ارجعي حتى تلدي فرجعت، ~~فلما ولدت أتته بالصبي، فقال: ارجعي فأرضعيه حتى تفطميه. فجاءت به وقد ~~فطمته وفي يده شيء يأكله، فأمر بالصبي، فدفع إلى رجل من المسلمين، وأمر بها ~~فحفر لها، وأمر بها فرجمت.» رواه أبو داود. فإن كان الحد قتلا، فالحكم فيه ~~على ما ذكرنا في القصاص في الحامل. وإن كان جلدا، وكانت عقيب الولادة قوية ~~يؤمن تلفها، أقيم عليها الحد، وإن كانت ضعيفة أو في نفاسها، فقال أبو بكر: ~~يقام حدها بشيء يؤمن معه تلفها، ولا تؤخر، كالمريض. # وقال القاضي: ظاهر كلام الخرقي، تأخيرها حتى تطهر من نفاسها، ويؤمن معه ~~تلفها؛ لما روي عن علي قال: «فجرت جارية لآل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: يا ms1178 علي انطلق فأقم عليها الحد فانطلقت، فإذا بها دم يسيل لم ~~ينقطع، فأتيته فأخبرته، فقال: دعها حتى ينقطع عنها الدم، ثم أقم عليها.» ~~رواه مسلم بنحو هذا المعنى. # ولا يجلد السكران حتى يصحو؛ لأن المقصود زجره وتنكيله، ولا يحصل في حال ~~سكره. # فصل # ولا يقام الحد في المسجد، جلدا كان أو غيره؛ لما روى حكيم بن حزام، «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يستقاد في المسجد، وأن تنشد فيه ~~الأشعار، وأن تقام فيه الحدود» ؛ ولأنه لا يؤمن أن يحدث من المحدود شيء، ~~فيتلوث به المسجد، فإن أقيم به سقط الفرض؛ لأن المقصود حاصل. والمرتكب ~~للنهي غير المحدود، فلم يمنع # PageV04P108 # ذلك سقوط الفرض عنه، كما لو اقتص في غير المسجد. # فصل # ومن أقيم عليه الحد، فمات منه، فالحق قتله، ولا شيء على من حده جلدا كان ~~أو غيره؛ لأنه حد وجب لله، فلم يود من مات به، كالقطع في السرقة. وإن زاد ~~على الحد، فمات، وجب ضمانه؛ لأنه تعدى تعديا أعان على تلفه، فوجب عليه ~~ضمانه، كما لو ضربه أجنبي. وفي قدره روايتان: # إحداهما: الدية كلها؛ لأنه قتل حصل بأمر من جهة الله، وعدوان، فكان ~~الضمان على العادي الدية، كما لو ضرب مريضا سوطا فقتله. # والثانية: نصف الدية؛ لأنه مات بفعل مضمون وغيره، فكان على العادي، نصف ~~الدية، كما لو جرح نفسه، وجرحه آخر، فمات. وسواء زاد سوطا، أو أكثر، وسواء ~~زاد خطأ، أو عمدا؛ لأن الخطأ يضمن، كالعمد. ومتى كانت الزيادة من قبل ~~الجلاد، فالضمان على عاقلته في الخطأ، وشبه العمد. وإن كان له من يعد عليه، ~~إما الإمام، أو غيره، فلم يخبره بانتهاء العدد، فالضمان على من يعد؛ لأن ~~الخطأ منه. وإن أمره الإمام بالزيادة، فزاد جاهلا بتحريم الزيادة، فالضمان ~~على الإمام، كما لو أمره بقتل معصوم يجهل المأمور حاله. وإن علم تحريم ذلك، ~~فالضمان عليه. وقال القاضي: هو على الإمام، كما لو جهل الحال، ومتى كانت ~~الزيادة من الإمام عمدا، فالضمان على عاقلته؛ لأنه عمد ms1179 الخطأ، إلا أن يكون ~~مما يقتل غالبا، فعليه في ماله؛ لأنه عمد. وإن كان خطأ، ففيه روايتان: # إحداهما: الضمان على عاقلته؛ لأنها جناية خطأ تحمل مثلها العاقلة، فكانت ~~على عاقلته، كما لو أخطأ في غير الحكم. # والثانية: هي في بيت المال؛ لأنه نائب الله تعالى، فيتعلق الحكم بمال ~~الله، ولأن خطأه يكثر، فإيجاب عقله على عاقلته إجحاف بهم. # فصل # وإذا اجتمع عليه حدود من جنس، مثل أن زنى مرات، أو شرب الخمر مرات، ولم ~~يحد، فحد واحد؛ لأنها طهرة سببها واحد، فتداخلت، كالطهارة. وإن اجتمعت حدود ~~من أجناس لا قتل فيها، أقيمت كلها؛ لأن أسبابها مختلفة، فلم تتداخل، ~~كالطهارات المختلفة، ويبدأ بالأخف فالأخف؛ لأننا إذا بدأنا بالأغلظ، لم ~~نأمن أن يموت فيفوت به سائرها، وأخفها حد الشرب إن قلنا: هو أربعون، فيبدأ ~~به، ثم بحد # PageV04P109 # القذف. وإن قلنا: هو ثمانون، بدئ بحد القذف؛ لأنه كحد الشرب في عدده، ~~ويرجح لكونه حق آدمي، ثم بحد الشرب، ثم بحد للزنا، ثم بقطع للسرقة، ولا ~~يقام الثاني حتى يبرأ من الأول؛ لأننا لا نأمن من تلفه بموالاتها، والمقصود ~~زجره لا قتله. وإن اجتمع قطع السرقة، وقطع المحاربة، قطعت يده لهما؛ لأن ~~محلهما واحد، ثم تقطع رجله في الحال؛ لأن قطعهما حد واحد، فتجب الموالاة ~~فيه، كالجلدات في الزنا، فأما إن كان في الحدود لله تعالى قتل، كالرجم في ~~الزنا، أو القتل للمحاربة، قتل، وسقط سائرها؛ لأن ذلك يروى عن ابن مسعود - ~~رضي الله عنه -، ولأنها حدود لله تعالى فيها قتل، فاجتزئ به عنها، كما لو ~~قطع في المحاربة، وأخذ المال، ولأن زجره يحصل بالقتل، فلا حاجة إلى غيره. # فصل # وإن اجتمعت حدود للآدميين، استوفيت كلها، سواء كان فيها قتل، أو لم يكن. ~~ويبدأ بأخفها، لما ذكرنا. وإن اجتمعت حدود لله تعالى، وللآدمي، ولا قتل ~~فيها استوفيت كلها، إلا أن يتفق الحقان في محل واحد، كالقطع للقصاص ~~والسرقة، فإنه يقدم القصاص؛ لأنه حق آدمي، ويسقط الحد لفوات محله. وإن كان ~~فيها قطع، سقط ما ms1180 سواه من حدود الله، وتستوفى حقوق الآدميين، ثم يقتل، لما ~~ذكرناه. # فصل # والضرب في الزنا أشد منه في سائر الحدود؛ لأن الله تعالى، خصه بمزيد ~~تأكيد بقوله تعالى: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} [النور: 2] ولأن ~~الفاحشة به أعظم، فكانت عقوبته أشد، ثم بعده الضرب في حد القذف؛ لأنه يليه ~~في العدد، وهو حق آدمي، ثم الضرب في الشرب؛ لأنه أخف الحدود، وهو محض حق ~~الله تعالى، ثم التعزير؛ لأنه لا يبلغ به الحد. وذكر الخرقي: أن العبد يضرب ~~بدون سوط الحر؛ لأن حده أقل عددا، فيكون أخف سوطا، كالشرب مع الزنا. ويحتمل ~~التسوية بينهما في السوط؛ لأن الله تعالى قال: {فعليهن نصف ما على المحصنات ~~من العذاب} [النساء: 25] . ولا يتحقق النصف إذا نصفنا العدد، إلا مع تساوي ~~السوطين. # فصل # ويضرب في جميع الحدود بسوط وسط، لا جديد، ولا خلق، لما روي «أن رجلا ~~اعترف عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالزنا، فدعا له رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بسوط، فأتي بسوط مكسور، # PageV04P110 # فقال: فوق هذا وأتي بسوط جديد لم تكسر ثمرته، فقال: بين هذين.» رواه مالك ~~عن زيد بن أسلم مرسلا. وقال علي - رضي الله عنه -: ضرب بين ضربين، وسوط بين ~~سوطين، وهكذا الضرب يكون وسطا، لا شديد فيقتل، ولا ضعيف فلا يردع، ولا يرفع ~~باعه كل الرفع، ولا يحطه كل الحط، قال أحمد - رضي الله عنه -: لا يبدي إبطه ~~في شيء من الحدود. يعني: لا يبالغ في رفع يده؛ لأن المقصود أدبه، لا قتله. ### | باب التعزير # وهو مشروع في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، كوطء جاريته المشتركة، أو ~~المزوجة، ومباشرة الأجنبية فيما دون الفرج، وسرقة ما لا يوجب الحد، ~~والجناية بما لا يوجب القصاص ونحوه؛ لما روي عن علي - رضي الله عنه -، أنه ~~سئل عن قول الرجل للرجل: يا فاسق، يا خبيث. قال: هن فواحش، فيهن تعزير، ليس ~~فيهن حد. ويجوز بالضرب، وبالحبس، والتوبيخ. ولا يجوز قطع شيء من أعضائه، ~~ولا جرحه؛ لأنه ms1181 لم يرد الشرع بذلك، ولا يتعين الجلد، إلا في وضعين: # أحدهما: إذا وطئ جارية زوجته بإذنها، فإنه يجلد مائة؛ لما ذكرنا من حديث ~~النعمان بن بشير. # والثاني: إذا وطئ الأمة المشتركة، فإنه يجلد مائة إلا سوطا؛ لما روى سعيد ~~بن المسيب عن عمر في أمة بين رجلين وطئها أحدهما يجلد الحد إلا سوطا، ولا ~~تقدير فيما عداهما، إلا أنه لا يزاد على عشر جلدات؛ لما روى أبو بردة قال: ~~«سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ولا يجلد أحد فوق عشرة أسواط ~~إلا في حد من حدود الله» متفق عليه. # وعنه: أن وطء الجارية المشتركة، لا يزاد فيه على عشر جلدات، للخبر. وعنه: ~~ما يدل على أن ما كان سببه الوطء يجلد مائة إلا سوطا؛ لخبر عمر. وما كان ~~سببه غير الوطء، لم يبلغ به أدنى الحدود، فلا يعزر الحر بما يجلد به في ~~الخمر، ولا يبلغ بالعبد حده؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «من بلغ حدا في غير حد، فهو من المعتدين» # فصل # ويجب التعزير في الموضعين اللذين ورد الخبر فيهما، وما عداهما يفوض إلى ~~اجتهاد الإمام؛ لما «روي أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ~~إني لقيت امرأة، فأصبت منها # PageV04P111 # ما دون أن أطأها، فقال: أصليت معنا؟ قال: نعم. فتلا عليه: {إن الحسنات ~~يذهبن السيئات} [هود: 114] .» فإن جاء تائبا معترفا يظهر منه الندم ~~والإقلاع، جاز ترك تعزيره للخبر. وإن لم يكن كذلك، وجب تعزيره؛ لأنه أدب ~~مشروع لحق الله تعالى، فوجب كالحد. # فصل # وإن مات من التعزير، لم يجب ضمانه؛ لأنه مات من عقوبة مشروعة للردع ~~والزجر، فلم يضمن ما تلف بها، كالحد. وإن تجاوز التعزير المشروع، ضمن، كما ~~لو تجاوز الحد في الحد. ### | باب دفع الصائل # كل من قصد إنسانا في نفسه، أو أهله، أو ماله، أو دخل منزله بغير إذنه، ~~فله دفعه؛ لما روى عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه ms1182 قال: «من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل، فهو شهيد» . ~~رواه الخلال بإسناده. وقال الحسن: من عرض لك في مالك، فقاتله، فإن قتلته ~~فإلى النار، وإن قتلك فشهيد؛ ولأنه لو لم يدفعه لاستولى قطاع الطرق على ~~أموال الناس، واستولى الظلمة والفساق على أنفس أهل الدين وأموالهم. ولا يجب ~~الدفع؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في الفتنة: «اجلس ~~في بيتك، فإن خفت أن يبهرك شعاع السيف، فغط وجهك» . وفي لفظ: «فكن كخير ~~ابني آدم» وفي لفظ: «فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل» ؛ ولأن ~~عثمان - رضي الله عنه - لم يدفع عن نفسه، إلا أن يراد أهله، فيجب الدفع؛ ~~لأنه لا يجوز إقرار المنكر مع إمكان دفعه، وللمسلمين عون المظلوم، ودفع ~~الظالم؛ لقول الله تعالى: {فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي ~~حتى تفيء إلى أمر الله} [الحجرات: 9] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«انصر أخاك ظالما أو مظلوما قال: كيف أنصره إذا كان ظالما؟ قال: ترده عن ~~ظلمه» وقوله - عليه السلام -: «المؤمنون يتعاونون على الفتان» ولأنهم لو لم ~~يتعاونوا على دفع الظلم، لقهرهم الظلمة وقطاع الطريق. # فصل # ويدفع الصائل بأسهل ما يمكن الدفع به، فإن أمكن دفعه بيده، لم يجز ضربه # PageV04P112 # بالعصا، وإن اندفع بالعصا، لم يجز ضربه بحديدة، وإن أمكنه دفعه بقطع عضو، ~~لم يجز قتله، وإن لم يمكن إلا بالقتل، قتله ولم يضمنه؛ لأنه قتل بحق فلم ~~يضمنه، كالباغي. وإن قتل الدافع، فهو شهيد، وعلى الصائل ضمانه، للخبر ولأنه ~~قتل مظلوما، فأشبه ما لو قتله في غير الدفع. فإن أمكنه دفعه بغير قطع شيء ~~منه، فقطع منه عضوا، ضمنه، وإن أمكنه دفعه بقطع عضو، فقتله، أو قطع زيادة ~~على ما يندفع به، ضمنه؛ لأنه جنى عليه بغير حق، أشبه الجاني ابتداء، ولأنه ~~معصوم أبيح منه ما يندفع به شره، ففيما عداه يبقى على العصمة. فإذا ضربه ~~فعطله، لم يجز أن يضربه أخرى؛ لأنه قد انكف أذاه وهو المقصود. وإن قطع يده، ms1183 ~~فولى عنه، فضربه، فقطع رجله، ضمن رجله؛ لأنها قطعت بغير حق، ولم يضمن اليد؛ ~~لأنها قطعت بحق. وإن مات منهما، فلا قصاص في النفس؛ لأنه من مباح ومحظور، ~~ويضمن نصف ديته. # فصل # وإن عض يد إنسان، فانتزعها من فيه، فانقلعت ثناياه، لم يضمنها؛ لما روى ~~عمران بن حصين «أن يعلى بن أمية قاتل رجلا، فعض أحدهما يد صاحبه، فانتزع ~~يده من فيه، فانتزع ثنيته، فاختصما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فقال: أيعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل لا دية له» متفق عليه؛ ولأن فعله ~~ألجأه إلى الإتلاف، فلم يضمنه، كما لو رماه بحجر، فعاد عليه فقتله. # وإن أراد رجل امرأة فقتلته دفعا عن نفسها، لم تضمنه، نص عليه أحمد، وذكر ~~حديثا عن عبيد بن عمير أن رجلا ضاف ناسا من هذيل، فأراد رجل منهم امرأة عن ~~نفسها، فرمته بحجر فقتلته، فقال عمر: والله لا يودى أبدا. ولو وجد رجل رجلا ~~يزني بامرأته فقتلهما لم يضمنهما؛ لما روى سعيد بإسناده عن إبراهيم أن قوما ~~قالوا لعمر: يا أمير المؤمنين، إن هذا قتل صاحبنا مع امرأته، فقال عمر: ما ~~يقول هؤلاء؟ قال: ضرب الآخر فخذي امرأته بالسيف، فإن كان بينهما أحد فقد ~~قتله، فقال له عمر: ما تقول؟ قالوا: ضرب بسيفه، فقطع فخذي المرأة، فأصاب ~~وسط الرجل، فقطعه باثنين، فقال عمر: إن عادوا فعد. إلا أن تكون المرأة ~~مكرهة، فلا يحل قتلها. وإن قتلها، ضمنها؛ لأنه قتلها بغير حق. # فصل # ومن اطلع في بيت غيره من ثقب، أو شق باب، أو باب غير مفتوح. فرماه # PageV04P113 # صاحب البيت بحصاة، أو طعنه بعود، فقلع عينه، لم يضمنها؛ لما روى أبو ~~هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو أن امرأ اطلع عليك ~~بغير إذن فحذفته بحصاة، ففقأت عينه، لم يكن عليك جناح» . وعن سهل بن سعد: ~~«أن رجلا اطلع في جحر من باب النبي - صلى الله عليه وسلم - ورسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يحك رأسه بمدرى في يده، فقال رسول ms1184 الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: لو علمت أنك تنظرني، لطعنت بها في عينك» متفق عليهما. ظاهر ~~كلام أحمد أنه لا يعتبر أن لا يمكن دفعه إلا بذلك، لظاهر الخبر. قال ابن ~~حامد: يدفعه أولا بأسهل ما يمكن دفعه به، كالصائل سواء. وليس له رميه بحجر ~~كبير يقتله، ولا بحديدة، فإن فعل، ضمنه؛ لأنه إنما يملك ما يقلع بع العين ~~المبصرة التي حصل الأذى منها. فإن لم يمكن دفعه بالشيء اليسير، جاز بالكبير ~~حتى يأتي ذلك على نفسه، ولا ضمان عليه؛ لأنه تلف بفعل جائز. وسواء كان في ~~البيت حرمة ينظر إليها، أو لم يكن، لعموم الخبر. # وإن كان المطلع أعمى، لم يجز رميه؛ لأنه لا ينظر، فصار وجهه، كقفا غيره. # وإن اطلع ذو محرم لأهله، لم يجز رميه؛ لأنه غير ممنوع من النظر إلا أن ~~تكون المرأة متجردة، فيجوز رميه؛ لأنه يحرم عليه النظر إليها متجردة ~~كالأجنبي. ولو تجرد إنسان في طريق، لم يجز له رمي من نظر إليه؛ لأنه هتك ~~نفسه بتجرده في غير موضع التجرد. # فصل # وإن صالت عليه بهيمة، فله دفعها بأسهل ما تندفع به، فإن لم يمكن إلا ~~بالقتل فقتلها، لم يضمنها؛ لأنه إتلاف بدفع جائز، فلم يضمنه، كدفع الآدمي ~~الصائل ولأنه حيوان قتله لدفع شره. أشبه الآدمي. # فصل # ومن قتل إنسانا، أو بهيمة، أو جنى عليهما، وادعى أنه فعل ذلك للدفع عن ~~نفسه، أو حرمته، أو قتل رجلا وامرأته، وادعى أنه وجده معها، فأنكر الولي، ~~فالقول قول الولي، وله القصاص؛ لما روي أن عليا - رضي الله عنه - سئل عن ~~رجل قتل امرأته ورجلا معها، وادعى أنه وجده معها، فقال علي: إن جاء بأربعة ~~شهداء، وإلا دفع برمته، ولأن القتل متحقق، وما يدعيه خلاف الظاهر. وإن أقام ~~بينة أنه قصده بسلاح مشهور، فضربه هذا، لم يضمنه؛ لأن الظاهر أنه قصد قتله. ~~وإن شهدت أنه دخل بسلاح غير مشهور، لم يسقط الضمان؛ لأنه ليس هاهنا ما ~~يدفعه. # PageV04P114 # فصل # ومن اقتنى كلبا عقورا، فأطلقه حتى عقر إنسانا أو ms1185 دابة، أو اقتنى هرة تأكل ~~الطيور، فأكلت طير إنسان، ضمنه؛ لأنه مفرط باقتنائه وترك حفظه. وإن دخل ~~إنسان داره بغير إذنه، فعقره الكلب، لم يضمنه؛ لأنه متعد بالدخول، متسبب ~~إلى إتلاف نفسه، فلم يضمنه، كما لو سقط في بئر فيها. # فصل # وما أتلفت البهائم من الزرع ليلا، فضمانه على صاحبها. وما أتلفت منه ~~نهارا، لم يضمنه إلا أن تكون يده عليها؛ لما روى الزهري عن حرام بن سعد بن ~~محيصة: «أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وما أفسدت بالليل، ~~فهو مضمون عليهم.» رواه أبو داود؛ ولأن عادة أهل المواشي إرسالها بالنهار ~~للرعي، وحفظها ليلا، وعادة أهل الحوائط حفظها نهارا دون الليل، فكان ~~التفريط من تارك الحفظ في وقت عادته. وذكر القاضي: أنه متى لم يكن في ~~القرية مرعى إلا بين زرعين، لا يمكن حفظ الزرع فيه من البهيمة، كساقية ~~ونحوها، فليس لصاحبها إرسالها ليلا، ولا نهارا، فإن فعل، فهو مفرط، وعليه ~~الضمان. ومتى كان التفريط في إرسال البهيمة من غير المالك، مثل أن أرسلها ~~غيره، أو فتح بابها لص، أو غيره، فالضمان عليه دون المالك؛ لأنه سبب ~~الإتلاف. # فصل # وإن أتلفت البهيمة غير الزرع، ولا يد لصاحبها عليها، لم يضمنه ليلا كان ~~أو نهارا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «العجماء جبار» . يعني ~~هدرا؛ لأن البهيمة لا تتلف ذلك عادة، فلم يجب حفظها عنه. فإن ابتلعت جوهرة ~~إنسان، فطلب ذبحها ليأخذ جوهرته، فعليه ضمان ما نقص بالذبح؛ لأنه فعل ذلك ~~لتخليص ماله، وليس على صاحب البهيمة ضمان نقص الجوهرة؛ لأنها نقصت بفعل غير ~~مضمون. وإن كانت يد صاحبها عليها، ضمن الجوهرة؛ لأن فعلها منسوب إليه، ~~ويخير بين ذبحها، ورد الجوهرة، وأرش نقصها، وبين غرمها بقيمتها، كمن غصب ~~خيطا فخاط به جرح حيوان. فإن عاد فذبحها رد الجوهرة إلى صاحبها، واسترجع ~~القيمة، كما لو غصب عبدا فأبق، فرد قيمته، ثم قدر عليه. # PageV04P115 ### | كتاب الجهاد # وهو ms1186 فرض؛ لقول الله تعالى: {كتب عليكم القتال} [البقرة: 216] . وقوله ~~سبحانه: {انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} ~~[التوبة: 41] وقوله تعالى: {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما} [التوبة: 39] . ~~وهو من فروض الكفايات. إذا قام به من فيه كفاية، سقط عن الباقين؛ لقول الله ~~سبحانه: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل ~~الله} [النساء: 95] إلى قوله: {وكلا وعد الله الحسنى} [النساء: 95] . ولو ~~كان فرضا على الجميع، لما وعد تاركه الحسنى. وقال سبحانه: {وما كان ~~المؤمنون لينفروا كافة} [التوبة: 122] ؛ ولأنه لو فرض على الأعيان لاشتغل ~~الناس به عن العمارة، وطلب المعاش، والعلم، فيؤدي إلى خراب الأرض، وهلاك ~~الخلق. ولا يجب إلا بشروط خمسة: # أحدها: التكليف، فلا يجب على صبي، ولا مجنون، ولا كافر؛ لما تقدم؛ ولأن ~~هذه من شرائط التكليف بسائر الفروع. وقد روي «عن ابن عمر أنه قال: عرضت على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد وأنا ابن أربع عشر سنة، فلم ~~يجزني في المقاتلة.» متفق عليه. # ولأن المجنون لا يستطيع الجهاد، والكافر غير مأمون، والصبي ضعيف البنية. # الثاني: السلامة من الضرر؛ لقوله سبحانه: {غير أولي الضرر} [النساء: 95] ~~وهو العمى، والعرج، والمرض، والضعف؛ لقول الله سبحانه: {ليس على الأعمى حرج ~~ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج} [النور: 61] . وقوله تعالى: {ليس ~~على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج} ~~[التوبة: 91] . ومن كان في بصره سوء يمنعه من رؤية عدوه، وما يتقيه من ~~سلاح، لم يلزمه الجهاد؛ لأنه في معنى الأعمى، في # PageV04P116 # عدم إمكان القتال، وإن لم يمنعه من ذلك، لم يسقط عنه فرضه، ويجب على ~~الأعشى الذي يبصر في النهار دون الليل، وعلى الأعور؛ لأنهما يتمكنان من ~~القتال. ولا يجب على أقطع اليد، أو الرجل؛ لأنه إذا سقط عن الأعرج، فالأقطع ~~أولى، ولأنه يحتاج إلى الرجلين في المشي، واليدين ليتقي بأحدهما، ويضرب ~~بالأخرى، والأشل، كالأقطع. ومن أكثر أصابعه ذاهب، أو إبهامه، أو ما لا تبقى ~~منفعة إليه بعد ذهابه، ms1187 فهو كالأقطع كذلك. ومن كان عرجه يسيرا أو مرضه ~~يسيرا، لا يمنعه الركوب والمشي، والعدو والقتال، لم يسقط عنه الجهاد؛ لأنه ~~متمكن منه. # الثالث: الحرية. فلا يجب على العبد؛ لقوله سبحانه: {ولا على الذين لا ~~يجدون ما ينفقون حرج} [التوبة: 91] . والعبد لا يجد ما ينفق، ولأنه عبادة ~~تتعلق بقطع مسافة، فلم يجب على العبد كالحج. # الرابع: الذكورية: فلا يجب على المرأة؛ لما روي «عن عائشة - رضي الله ~~عنها - أنها قالت: قلت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال: جهاد لا ~~قتال فيه، الحج والعمرة» ولأن الجهاد القتال، والمرأة ليست من أهله لضعفها ~~وخورها. ولا يجب على خنثى مشكل؛ لأنه لا يعلم كونه رجلا. # الخامس: الاستطاعة؛ لقول الله تعالى: {ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون ~~حرج} [التوبة: 91] ؛ ولأنه يحتاج إلى قطع مسافة، فأشبه الحج. وإن كان ~~القتال قريبا من البلد، لم يشترط ذلك؛ لأنه لا يحتاج إلى ركوب، ولا نفقة ~~طريق، والاستطاعة: وجدان الزاد، والسلاح، وآلة القتال، ومركوب يبلغه إذا ~~كان على مسافة القصر؛ لقول الله تعالى: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ~~قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ~~ينفقون} [التوبة: 92] . # فصل # ويتعين الجهاد في موضعين: # إحداهما: إذا التقى الزحفان، تعين الجهاد على من حضر؛ لقول الله تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا} [الأنفال: 45] . وقوله ~~سبحانه: {إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار} [الأنفال: 15] # PageV04P117 # الآية. # الثاني: إذا نزل الكفار ببلد المسلمين، تعين على أهله قتالهم، والنفير ~~إليهم، ولم يجز لأحد التخلف، إلا من يحتاج إلى تخلفه لحفظ الأهل، والمكان، ~~والمال، ومن يمنعه الأمير الخروج؛ لقول الله تعالى: {انفروا خفافا وثقالا} ~~[التوبة: 41] ولأنهم في معنى حاضر الصف، فتعين عليهم، كما تعين عليه. # فصل # وأقل ما يفعل الجهاد مرة في كل عام؛ لأن الجزية تجب على أهل الذمة في كل ~~عام مرة، وهي بدل عن النصرة، فكذلك مبدلها، وهو الجهاد، إلا لعذر من ضعف ~~بالمسلمين، أو انتظار ms1188 مدد، أو مانع في الطريق من قلة علف أو غيره، أو طمعه ~~في إسلامهم بتأخير قتالهم، ونحو هذا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ~~صالح قريشا عشر سنين، وأخر قتالهم حتى نقضوا عهده، وإن دعت الحاجة إلى فعله ~~في العام أكثر من مرة، وجب؛ لأنه فرض كفاية، فكان على حسب الحاجة. # فصل: # ومن كان أحد أبويه مسلما، لم يجز له الجهاد إلا بإذنه؛ لما روى ابن ~~العباس قال: «جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول ~~الله أجاهد؟ قال: لك أبوان قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد» ، قال الترمذي: ~~هذا حديث صحيح؛ ولأن الجهاد فرض كفاية، وبرهما فرض عين، فوجب تقديمه. فإن ~~كانا كافرين، فلا إذن لهما؛ لأن أبا بكر الصديق، وأبا حذيفة بن عتبة - رضي ~~الله عنهما -، وغيرهما كانوا يجاهدون بغير إذن آبائهم، ولأنهما متهمان في ~~الدين. وإن كانا رقيقين، ففيه وجهان: # أحدهما: يعتبر إذنهما؛ لأنهما كالحرين في البر والشفقة والدين. # والثاني: لا إذن لهما؛ لأنه لا ولاية لهما، ولا نفقة ولا إذن لهما في ~~أنفسهما، ففي غيرهما أولى، ولا إذن لغيرهما من الأقارب، كالجدين، وسائر ~~الأقارب؛ لأن الشرع لم يرد بذلك، ولا هو في معنى المنصوص عليه، لتأكيد حرمة ~~الوالدين في البر، والتقديم في الإرث، والنفقة، والحجب، والولاية وغيرها. ~~ومتى تعين الجهاد، فلا إذن لأبويه، لأنه صار فرض عين، فلم يعتبر إذنهما ~~فيه، كالحج الواجب. وكذلك كل الفرائض، لا طاعة لهما في تركه؛ لأن تركه ~~معصية، ولا طاعة لمخلوق في معصية الله # PageV04P118 # تعالى، كالسفر لطلب العلم الواجب الذي لا يقدر على تحصيله في بلده، ونحو ~~ذلك. وإن أراد سفرا غير واجب، فمنعاه منه، لم يجز له؛ لما روي عن عبد الله ~~بن عمرو قال: «جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: جئت ~~أبايعك على الهجرة، وتركت أبوي يبكيان، قال: ارجع إليهما فأضحكهما، كما ~~أبكيتهما» . من المسند. # فصل: # ولا يجوز لمن عليه دين الجهاد إلا بإذن غريمه إلا أن يقيم به كفيلا، ms1189 أو ~~يعطي به رهنا، أو يكون له من يقضيه عنه؛ لما روى أبو قتادة «أن رجلا جاء ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إن قتلت في سبيل ~~الله، كفر الله خطاياي؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن قتلت في ~~سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر كفر الله عنك خطاياك، إلا الدين ~~كذلك قال جبريل» رواه مسلم؛ ولأن فرض أداء الدين متعين عليه، فلا يجوز تركه ~~لفرض على الكفاية يقوم غيره فيه مقامه. # والمؤجل، كالحال؛ لأنه يعرض نفسه للقتل، فيضيع الحق. فإن كان له مال ~~غائب، فهو كالمعسر؛ لأنه قد يتلف، فيضيع الحق. وإن تعين عليه الجهاد، فلا ~~إذن لغريمه؛ لما ذكرنا في الوالدين. وإن أذن له الغريم، جاز له الجهاد؛ لأن ~~الحق له، فجاز بإذنه. فإن رجع عن الإذن، أو أذن له أبواه في الغزو، ثم ~~رجعا، أو كانا كافرين فأسلما، أو رقيقين فعتقا قبل التقاء الزحفين، لم يجز ~~الخروج إلا بإذن مستأنف. وإن كان بعده، فلا إذن لهما؛ لأنه صار متعينا، ~~فقدم؛ لما ذكرناه. # فصل: # وأفضل التطوع الجهاد في سبيل الله، نص عليه أحمد، وذكر له أمر الغزو، ~~فجعل يبكي ويقول: ما من أعمال البر أفضل منه، وأي عمل أفضل منه؟ والذين ~~يقاتلون في سبيل الله: هم الذين يدفعون عن الإسلام، وعن حريمهم، وقد بذلوا ~~مهج أنفسهم، الناس آمنون، وهم خائفون. وقد روى أبو سعيد الخدري قال: «قيل: ~~يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله» . ~~متفق عليه. وعن أبي هريرة قال: «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي ~~الأعمال أفضل؟ أو أي الأعمال خير؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم أي؟ ~~قال: الجهاد سنام العمل، قيل: ثم أي؟ قال: ثم حج مبرور» حديث صحيح؛ ولأن ~~نفعه عظيم، وخطره كبير، فكان أفضل مما دونه. # PageV04P119 # وغزو البحر أفضل من غزو البر؛ لما روى أبو داود عن أم حرام عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «المائد ms1190 في البحر الذي يصيبه القيء، له أجر شهيد، ~~والغرق له أجر شهيدين» وروى ابن ماجه بإسناده عن أبي أمامة قال: سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «شهيد البحر مثل شهيدي البر، والمائد في ~~البحر، كالمتشحط في دمه في البر، وما بين الموجتين، كقاطع الدنيا في طاعة ~~الله، وإن الله وكل ملك الموت بقبض الأرواح، إلا شهيد البحر، فإنه يتولى ~~قبض أرواحهم، ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها، إلا الدين، ولشهيد البحر ~~الذنوب والدين» ولأن غزو البحر أعظم خطرا، فإنه بين خطر القتل والغرق، ولا ~~يمكنه الفرار دون أصحابه. # فصل: # وفي الرباط فضل عظيم: وهو المقام بالثغر مقويا للمسلمين. والثغر: كل مكان ~~يخيف العدو ويخافه. قال أحمد: ليس يعدل الرباط والجهاد شيء. وعن سلمان قال: ~~سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «رباط يوم وليلة خير من صيام ~~شهر وقيامه فإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن ~~الفتان» أخرجه مسلم. # وعن عثمان - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: «رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل» . حديث ~~صحيح. وليس لأقله وأكثره حد، وتمامه أربعون يوما؛ لأنه يروى عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «تمام الرباط أربعون يوما» أخرجه أبو الشيخ في ~~كتاب الثواب. ويروى ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة - رضي الله عنهم -. وأفضل ~~الرباط المقام بأشد الثغور خوفا؛ لأنه أنفع للمسلمين، وأشد خطرا، ولا يستحب ~~نقل أهله إلى الثغر المخوف. نص عليه أحمد وقال: أخاف عليه الإثم؛ لأنه يعرض ~~ذريته للمشركين. وقد قال عمر: لا تنزلوا المسلمين ضفة البحر. ويستحب لأهل ~~الثغر أن يجتمعوا في المسجد الأعظم لصلواتهم، ليكون أجمع لهم إذا حضر ~~النفير. فيبلغ الخبر جميعهم، وتراهم عين الكفار، فتخافهم وتخوف منهم. قال ~~الأوزاعي: لو أن لي ولاية على المساجد، يعني التي في الثغر، لسمرت أبوابها، ~~يريد أن تكون صلاتهم في موضع واحد. # PageV04P120 # فصل # ويقاتل كل قوم من يليهم ms1191 من العدو؛ لقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} [التوبة: 123] ولأنهم أهم، فتجب البداءة ~~بهم، إلا أن تدعو الحاجة إلى البداءة بغيرهم. إما لانتهاز فرصة فيهم أو خوف ~~الضرر بتركهم، أو لمانع من قتال الأقرب، فيبدأ بالأبعد لذلك، ويستحب ~~التحريض على القتال؛ لقول الله تعالى: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا ~~نفسك وحرض المؤمنين} [النساء: 84] ويستحب ذكر الله، والدعاء؛ لقوله تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون} [الأنفال: 45] ، ويستحب أن يدعو الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم؛ ~~لما روى سهل بن سعد الساعدي قال: «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لعلي كرم الله وجهه يوم خيبر: إذا نزلت بساحتهم فادعهم إلى الإسلام، ~~وأخبرهم بما يجب عليهم فوالله لأن يهدي الله بهداك رجلا واحدا خير لك من ~~حمر النعم» متفق عليه. ولا تجب الدعوة. نص عليه أحمد. وقال: إن الدعوة قد ~~بلغت كل أحد، ولا أعرف اليوم أحدا يدعى، إنما كانت الدعوة في أول الإسلام. ~~وقد روى ابن عمر: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أغار على بني المصطلق ~~وهم غارون آمنون، وإبلهم تسقى على الماء، فقتل المقاتلة، وسبى الذرية.» ~~متفق عليه، وإن اتفق في الجزائر البعيدة، من لم تبلغه الدعوة، وجبت دعوته؛ ~~لقول الله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] . فلا ~~يجوز قتالهم على ما لا يلزمهم. # فصل # ولا يحل لمسلم أن يهرب من كافرين، ولا لجماعة أن يفروا من مثليهم؛ لقول ~~الله تعالى {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة ~~يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين} [الأنفال: 66] . وهذا أمر ~~بلفظ الخبر؛ لأنه لو كان خبرا بمعناه، لم يكن تخفيفا، ولوقع الخبر بخلاف ~~المخبر، والأمر يقتضي الوجوب {إلا متحرفا لقتال} [الأنفال: 16] وهو أن ~~ينصرف من ضيق إلى سعة، أو من سفل إلى علو، أو من مكان منكشف إلى مستتر، أو ~~من استقبال ريح أو شمس إلى استدبارهما، ms1192 ونحو ذلك مما هو أمكن له في القتال ~~{أو متحيزا إلى فئة} [الأنفال: 16] ينضم إليهم ليقاتل معهم؛ لقول الله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم ~~الأدبار} [الأنفال: 15] {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا ~~إلى فئة فقد باء بغضب من الله} [الأنفال: 16] . # PageV04P121 # وسواء قربت الفئة أو بعدت؛ لما «روى ابن عمر: أنه كان في سرية من سرايا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فحاص المسلمون حيصة عظيمة، وكنت فيمن ~~حاص، فلما برزنا قلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بغضب من الله؟! ~~فجلسنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا ~~فقلنا له: نحن الفرارون. فقال: لا بل أنتم العكارون أنا فئة كل مسلم» أخرجه ~~الترمذي وقال: حديث حسن. وعن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: أنا فئة كل ~~مسلم، وقال: لو أن أبا عبيد تحيز إلي، لكنت له فئة وكان أبو عبيد بالعراق. ~~وإن كان العدو أكثر من المثلين، لم تجب مصابرتهم؛ لأن الله تعالى لما فرض ~~مصابرة المثلين، دل على إباحة الفرار من الزائد عليهما. وقال ابن عباس: من ~~فر من اثنين، فقد فر. ومن فر من ثلاثة، فما فر. لكن إن غلب على ظنهم الظفر، ~~فالأولى لهم الثبات، ليحصل لهم الأجر والغنيمة ومسرة المسلمين بظفرهم. وإن ~~غلب على ظنهم الهلاك بالإقامة، والنجاة في الفرار. فالفرار أولى؛ لئلا ~~يكسروا قلوب المسلمين بهلاكهم. وإن ثبتوا جاز؛ لأن لهم غرضا في الشهادة. ~~وإن غلب على ظنهم الهلاك في الإقامة والانصراف، فالأولى الثبات؛ ليحصل لهم ~~ثواب الشهداء الصابرين المقبلين؛ ولأنه يجوز أن يظفروا فيسلموا ويغنموا، ~~فإن الله تعالى يقول: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع ~~الصابرين} [البقرة: 249] وإن خشوا الأسر، قاتلوا حتى يقتلوا لينالوا شرف ~~الشهادة، ولا يتسلط الكفار على إهانتهم وتعذيبهم. وإن استأسروا جاز؛ لأن ~~عاصم بن ثابت وخبيب بن عدي وزيد بن الدثنة في عشرة رهط كانوا سرية لرسول ~~الله - صلى ms1193 الله عليه وسلم -، فنفرت إليهم هذيل بقريب من مائة رجل رام، ~~فعرضوا عليهم أن يستأسروا فأبوا، فقتلوا عاصما في سبعة، ونزل إليهم خبيب ~~وزيد على العهد والميثاق، فلم يذم أحدا منهم. وإن ألقى الكفار نارا في ~~سفينة فيها مسلمون، فما غلب على ظنهم السلامة فيه، فالأولى فعله؛ لأن فيهم ~~صيانتهم عن الهلاك. وإن ثبتوا جاز. قال أحمد: كيف شاء صنع. وإن تساوى ~~الأمران، فهم بالخيار بين المقام بالسفينة، وإلقاء نفوسهم في الماء؛ لأنهما ~~موتتان، فيختار أيسرهما. وعنه: أنه يلزمهم المقام، لئلا يكون موته بفعله، ~~فيكون معينا على نفسه. ### | باب ما يلزم الإمام وما يجوز له # يجب عليه أن يشحن ثغور المسلمين بجيوش يكفون من يليهم، ويقويها بالعدد، ~~والآلات ويؤمر عليهم أميرا ذا رأي، وشجاعة، ودين؛ لأنه إذا لم يفعل، لم ~~يأمن # PageV04P122 # دخول الكفار من بعض الثغور، فيصيبون المسلمين. وإن احتاج إلى بناء حصن، ~~أو حفر خندق، فعل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حفر خندق على المدينة ~~في غزوة الأحزاب. وإذا بعث جيشا، أو سرية، لزمه أن يولي عليهم أميرا على ~~الصفة المذكورة، ويوصيه بجيشه؛ لما روى بريدة قال: «كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا بعث أميرا على سرية، أو جيش، أمره بتقوى الله في خاصته، ~~ومن معه من المسلمين» ، ولما بعث أبو بكر - رضي الله عنه - جيوشه إلى ~~الشام، خرج مع أمرائهم يشيعهم، ويوصيهم، ويعهد إليهم. # فصل # وإذا أراد الإمام، أو الأمير الغزو، لزمه أن يعرض جيشه، ويتعاهد الخيل ~~والرجال، فلا يدع فرسا حطما، وهو الكسير، ولا قحما، وهو الكبير، ولا ضرعا ~~وهو الصغير، ولا هزيلا يدخل معه أرض العدو، لئلا ينقطع فيها، وربما كانت ~~سببا للهزيمة. ولا يأذن لمخذل من الناس، وهو الذي يفند الناس عن الغزو، ولا ~~لمرجف، وهو الذي يحدث بقوة الكفار، وضعف المسلمين، وهلاك بعضهم، ويخيل لهم ~~أسباب ظفر عدوهم بهم، ولا لمن يعين العدو بمكاتبتهم، بأخبار المسلمين، ~~والتجسس لهم، ولا لمن يضر المسلمين بإيقاع الاختلاف بينهم، ولا لمن يعرف ~~بالنفاق والزندقة؛ لقول الله ms1194 تعالى: {فإن رجعك الله إلى طائفة منهم ~~فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا} [التوبة: ~~83] . وقوله تعالى: {ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع ~~القاعدين} [التوبة: 46] . وقوله تعالى: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ~~ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة} [التوبة: 47] قيل: معناه: لأوقعوا بينكم ~~الاختلاف، وقيل: لأسرعوا في تفريق جمعكم؛ ولأن في حضورهم ضررا، فيجب صيانة ~~المسلمين عنه. ولا يأذن لطفل ولا مجنون؛ لأن دخولهم تعرض للهلاك، لغير ~~فائدة. ويجوز أن يأذن لمن اشتد من الصبيان؛ لأن فيهم معونة ونفعا، ولا يأذن ~~لمشرك؛ لما روت عائشة - رضي الله عنها - «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - خرج إلى بدر، فتبعه رجل من المشركين، قال: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: ~~لا. قال: فارجع فلن نستعين بمشرك» . حديث حسن. فإن دعت حاجة إليه، ولم يكن ~~حسن الرأي في المسلمين، لم يستعن به أيضا؛ لأن ما يخشى من ضرره أكثر مما ~~يرجى من نفعه، وإن كان حسن الرأي فيهم، جاز؛ لأن صفوان بن أمية شهد حنينا ~~مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على شركه. ولا يأذن للمرأة الشابة ~~الجميلة؛ لأنها ليست من # PageV04P123 # أهل القتال، ولا يؤمن الضرر عليها وبها، ويجوز أن يأذن للطاعنة في السن، ~~لسقي الماء، ومعالجة الجرحى؛ لما روى أنس قال: «كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يغزو بأم سليم ونسوة معها من الأنصار، يسقين الماء، ويداوين ~~الجرحى.» وهذا حديث صحيح. # فصل # ويستحب أن يخرج يوم الخميس؛ لما روى كعب بن مالك قال: «قلما كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج في سفر إلا يوم الخميس.» ويعبئ جيشه، ~~ويرتب في كل جانب كفؤا؛ لما «روى أبو هريرة قال: كنت مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فجعل خالدا على إحدى المجنبتين، وجعل الزبير في الأخرى، وجعل ~~أبا عبيدة على الساقة» ؛ ولأن ذلك أحوط للحرب، وأبلغ في إرهاب العدو. ويعقد ~~الألوية والرايات، ويجعل لكل طائفة لواء؛ لما روى ابن عباس: «أن أبا سفيان ~~حين أسلم ms1195 قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للعباس - رضي الله عنه -: احبسه ~~على الوادي حتى تمر به جنود الله فيراها قال: فحبسته على الوادي، حيث أمرني ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومرت به القبائل على راياتها. وهو متحير ~~في ألوانها» . لكنه يغاير ألوانها، ليعرف كل قوم راياتهم، ويعرف عليهم ~~العرفاء، ويجعل لكل طائفة أميرا، ويكلفهم من السير ما يقدر عليه ضعيفهم؛ ~~لئلا ينقطع عنهم، أو يشق عليه إلا أن تدعو حاجة إلى الجد في السير لمصلحة ~~رآها، فيجوز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، جد في السير حين بلغه قول ~~عبد الله بن أبي: ليخرجن الأعز منها الأذل. ليشغل الناس عن الخوض فيه. ~~ويتخير لهم من المنازل أصلحها لهم، ويتتبع مكامنها فيحوطها عليهم، ولا يغفل ~~الحرس والطلائع، ليحفظهم من البيات. وقد «روى سهل بن الحنظلية: أنهم ساروا ~~مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين، فأطنبوا السير حتى إذا كان ~~عشية، قال: من يحرسنا الليلة؟ فقال أنس بن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول ~~الله، قال: فاركب فركب فرسا له، وجاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: فقال له: استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه، ولا نغرن من قبلك الليلة، ~~فلما أصبحنا، خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مصلاه، فركع ~~ركعتين، ثم قال: هل أحسستم فارسكم قالوا: لا، فثوب بالصلاة، فجعل رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يصلي وهو يلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - صلاته قال: أبشروا فقد جاءكم فارسكم فإذا هو قد جاء، ~~حتى وقف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلم، فقال: إني انطلقت، حتى ~~كنت في أعلى هذا الشعب، حيث أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما ~~أصبحت، اطلعت الشعبين كليهما فنظرت، فلم أر أحدا، فقال له رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: هل نزلت الليلة قال: لا، إلا مصليا، أو قاضيا حاجة، فقال ~~له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قد وجبت، ms1196 فلا عليك ألا تعمل بعدها.» ~~رواه أبو داود. ويذكي العيون، ليعلم أخبار # PageV04P124 # عدوه، فيتحرز منهم، ويتمكن من الفرصة فيهم، ويستشير ذوي الرأي من أصحابه؛ ~~لقول الله تعالى: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] . وكان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أكثر الناس مشاورة لأصحابه. ويمنع جيشه من المعاصي، ~~والتشاغل بالتجارة المانعة لهم من القتال، ويقوي نفوسهم بما يخيل إليهم من ~~أسباب الظفر، ويعد ذا الصبر منهم بالأجر والنفل، ويخفي من أمره ما أمكن ~~إخفاؤه؛ لئلا يعلم به عدوه، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد ~~غزوة، ورى بغيرها، ولا يميل مع أهله وموافقيه في مذهبه على مخالفيه؛ لئلا ~~تنكسر قلوبهم، فيخذلوه عند الحاجة، ويعد لهم الزاد، ويراعي من معه، ويرزق ~~كل واحد بحسب حاجته. # فصل # ويقاتل أهل الكتاب والمجوس، حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون؛ لقول الله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ~~ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب ~~حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] . ويقاتل من سواهم من ~~الكفار حتى يسلموا، في ظاهر المذهب. ولا يجوز قتل نسائهم، وصبيانهم؛ لما ~~روى ابن عمر «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن قتل النساء ~~والصبيان» ، متفق عليه؛ ولأنهما يصيران رقيقا ومالا للمسلمين، فقتلهما ~~إتلاف لمال المسلمين. # ولا قتل شيخ فإن؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا ~~تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولا امرأة» رواه أبو داود؛ ولأنه لا نكاية له ~~في الحرب، أشبه المرأة. # ولا قتل زمن ولا أعمى؛ لأنهما في معنى الشيخ الفاني. ولا راهب؛ لما روي ~~عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -: أنه أوصى يزيد بن أبي سفيان حين بعثه ~~إلى الشام، فقال: لا تقتلوا الولدان، ولا النساء، ولا الشيوخ، وستجدون قوما ~~حبسوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما حبسوا له أنفسهم، ولا قتل خنثى مشكل، ~~لأنه يحتمل أنه امرأة، فلا يجوز قتله مع الشك. ومن ms1197 قاتل من هؤلاء كلهم، ~~قتل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل يوم قريظة امرأة ألقت حجرا على ~~محمود بن مسلمة. ومن كان ذا رأي يعين به في الحرب، جاز قتله؛ لأن الرأي في ~~الحرب، أبلغ من القتال؛ لأنه الأصل. وعنه يصدر القتال. قال المتنبي: # الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني # PageV04P125 # فإذا هما اجتمعا لنفس حرة ... بلغت من العلياء كل مكان # ولربما طعن الفتى أقرانه ... بالرأي قبل تطاعن الفرسان # وإن تترس الكفار بصبيانهم ونسائهم، جاز رميهم، بقصد المقاتلة؛ لأن المنع ~~من رميهم، يفضي إلى تعطيل الجهاد. وإن تترسوا بأسارى المسلمين، أو أهل ~~الذمة، لم يجز رميهم إلا في حال التحام الحرب، والخوف على المسلمين؛ لأنهم ~~معصومون لأنفسهم، فلم يبح التعرض لإتلافهم من غير ضرورة. وفي حال الضرورة، ~~يباح رميهم؛ لأن حفظ الجيش أهم. # فصل # ويجوز بيات الكفار، ورميهم بالمنجنيق والنار، وقطع المياه عنهم، وإن تضمن ~~ذلك إتلاف النساء والصبيان؛ لما «روى الصعب بن جثامة، قال سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يسأل عن الدار من ديار المشركين، نبيتهم فنصيب من ~~نسائهم وذراريهم؟ فقال: هم منهم» متفق عليه. وروي عن علي - رضي الله عنه - ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نصب منجنيقا على أهل الطائف.» والتغريق ~~بالماء في معناه. # فإن كان فيهم مسلمون، فأمكن الفتح بدون ذلك، لم يجز رميهم؛ لأنه تعريض ~~لقتلهم من غير حاجة، وإن لم يمكن بدونه، جاز؛ لأن تحريمه يفضي إلى تعطيل ~~الجهاد. # فصل # ويجوز قتل ما يقاتلون عليه من دوابهم؛ لأن قتلها وسيلة إلى الظفر بهم، ~~فإذا صارت إلينا، لم يجز قتلها؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ~~قتل شيء من الدواب صبرا» ولأنها مال المسلمين. ولا يجوز ذبحها إلا لأكل لا ~~بد لهم منه. ولا يجوز تحريق النحل، ولا تغريقه؛ «لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى عن قتل النحلة.» وقال أبو بكر: لا تحرقن نحلا ولا تغرقنه. ويجوز ~~أخذ الشهد، وفي أخذه كله روايتان: # إحداهما: لا يجوز؛ لأن ms1198 فيه قتل النحل وهلاكه. # والثانية: يجوز؛ لأن هلاكه إنما يحصل ضمنا غير مقصود، فأشبه قتل النساء ~~في البيات. # ويجوز هدم بنيانهم، وقطع شجرهم، وحرق زرعهم إذا احتيج إليه، للتمكن من ~~قتالهم ونحوه، ولا يجوز إذا كان فيه ضرر بالمسلمين، لحاجتهم إلى الاستظلال ~~أو الاستتار به، أو الأكل منه، أو علف دوابهم. وما عدا ذلك، ففيه روايتان: # إحداهما: جوازه؛ لقول الله تعالى: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة ~~على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين} [الحشر: 5] . # PageV04P126 # وروى ابن عمر «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرق نخل بني النضير ~~وقطع، وهي البويرة، فأنزل الله تعالى: {ما قطعتم من لينة} [الحشر: 5] ولها ~~يقول حسان - رضي الله عنه -: # وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير # رواه مسلم. # » وروى أسامة «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان عهد إليه فقال: ~~أغر على أبنى صباحا وحرق» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. # والثانية: لا يجوز إلا أن يكونوا يفعلون ذلك بنا؛ لما روي أن أبا بكر ~~الصديق - رضي الله عنه - قال ليزيد وهو يوصيه حين بعثه أميرا: يا يزيد لا ~~تقتل صبيا، ولا امرأة، ولا هرما، ولا تخربن عامرا، ولا تعقرن شجرا مثمرا، ~~ولا دابة عجماء، ولا شاة إلا لمأكلة، ولا تحرقن نحلا ولا تغرقنه، ولا تغلل، ~~ولا تجبن. رواه سعيد. فإن كانوا يفعلونه في بلدنا، جاز فعله بهم، لينتهوا، ~~وإن أخذنا منهم مالا، فعجزنا عن تخليصه إلى دار الإسلام. جاز إتلافه كيلا ~~ينتفعوا به. # فصل # ويخير الإمام في الأسرى من أهل القتال بين أربعة أشياء؛ القتل، والفداء، ~~والمن، والاسترقاق. فأما الفداء والمن، فقول الله تعالى: {فإذا لقيتم الذين ~~كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء} ~~[محمد: 4] ؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - من على أبي عزة الجمحي ~~الشاعر ومن على أبي العاص بن الربيع، ومن على ثمامة بن أثال الحنفي. وفادى ~~أسيرا برجلين من أصحابه أسرتهما ثقيف، وفادى أسارى بدر بالمال. وأما القتل، ~~«فلأن النبي ms1199 - صلى الله عليه وسلم - قتل يوم بدر النضر بن الحارث، وعقبة بن ~~أبي معيط صبرا» ، «وقتل يوم أحد أبا عزة الجمحي» ، وقتل قريظة؛ ولأنه أنكى ~~فيهم وأبلغ في إرهابهم، فيكون أولى. وأما الاسترقاق فيجوز في أهل الكتاب ~~والمجوس؛ لأنه يجوز إقرارهم على كفرهم بالجزية، فالرق أولى؛ لأنه أبلغ في ~~صغارهم، وإن كان من غيرهم، ففيه روايتان: # PageV04P127 # إحداهما: لا يجوز إرقاقه. اختارها الخرقي؛ لأنه لا يقر بالجزية، فلم يجز ~~إرقاقه، كالمرتد. # والثانية: يجوز؛ لأنه كافر أصلي، فأشبه الكتابي. وإن أسلم الأسير، حرم ~~قتله؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ~~ثلاث» ويتخير فيه بين المن عليه؛ لأنه إذا جاز المن عليه حال كفره، ففي حال ~~إسلامه أولى، بين إرقاقه وفدائه. # وقال أصحابنا: يصير رقيقا بنفس الإسلام، ويسقط التخيير؛ لأنه ممن يحرم ~~قتله، فأشبه المرأة. # وأما النساء والصبيان، فإنهم يصيرون رقيقا بنفس السبي؛ لأنهم مال لا ضرر ~~في اقتنائه، فأشبهوا البهائم. # وأما الرجال الذين يحرم قتلهم، كالشيخ الفاني ونحوه، فلا يجوز سبيهم؛ ~~لأنه لا نفع من استرقاقهم، ولا يحل قتلهم. إذا ثبت هذا. فإن التخيير الثابت ~~في الأسرى تخيير مصلحة واجتهاد، لا تخيير شهوة، # فمتى رأى المصلحة للمسلمين في إحدى الخصال، تعينت عليه # ، ولم يجز له غيرها؛ لأنه ناظر للمسلمين فلم يجز له ترك ما فيه الحظ لهم، ~~كولي اليتيم، فمتى رأى القتل، ضرب عنقه بالسيف؛ لقول الله تعالى: {فضرب ~~الرقاب} [محمد: 4] ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالذين قتلهم، ~~فضربت أعناقهم، ولا يجوز التمثيل به؛ لما روى بريدة، «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كان إذا أمر أميرا على جيش، أو سرية قال: اغزوا بسم الله، ~~قاتلوا من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تمثلوا ولا تغلوا» وإن اختار الفداء، ~~جاز أن يفاديهم بأسارى المسلمين، وجاز بالمال؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فعل الأمرين. وقال أبو الخطاب: لا يجوز فداؤهم بالمال في أحد ~~الوجهين، فإن فادى بالمال، أو استرقهم، كان الرقيق، والمال للغانمين. ms1200 وليس ~~له إطلاق الأسارى ولا المال إلا برضاهم؛ لما روى مروان بن الحكم والمسور بن ~~مخرمة «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما جاءه وفد هوازن مسلمين ~~قال: إن إخوانكم جاءوا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد عليهم سبيهم، فمن أحب ~~أن يطيب ذلك، فليفعل، ومن أحب أن يكون على حقه حتى نعطيه إياه من أول ما ~~يفيء الله علينا، فليفعل فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله.» أخرجه ~~البخاري. # PageV04P128 # فصل: # ومنع أحمد - رضي الله عنه - فداء النساء بالمال؛ لأن في بقائهن في الرق ~~تعريضا لهن للإسلام، لمعاشرتهن للمسلمين، وجوز أن يفادى بهن أسارى ~~المسلمين؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فادى بالمرأة التي أخذها من ~~سلمة بن الأكوع رجلين من المسلمين؛ ولأن في ذلك استنقاذ مسلم متحقق إسلامه. ~~وإن أسلمت لم يجز ردها إلى الكفار، بفداء ولا غيره، لقول الله تعالى: {فلا ~~ترجعوهن إلى الكفار} [الممتحنة: 10] ، ولا يجوز المفاداة بالصبيان بحال؛ ~~لأنهم يصيرون مسلمين بإسلام سابيهم. # فصل: # ولا يجوز بيع رقيق المسلمين لكافر. نص عليه أحمد - رضي الله عنه -، لما ~~روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، أنه كتب إلى أمراء الأمصار: ينهاهم ~~عنه؛ ولأن في بقائهم رقيقا للمسلمين، تعريضا لهم للإسلام، وفي بيعهم لكافر، ~~تفويت ذلك، فلم يجز. # فصل: # وإن أسر من يقر بالجزية فبذلها، لم يلزم قبولها؛ لأنه قد ثبت حق التخيير ~~فيه بين الأمور الأربعة، فلم يسقط ببذله، ويجوز للإمام إجابته إليها إذا ~~رأى ذلك؛ لأنه بمنزلة المن عليه. # فصل: # ويكره نقل رءوس الكفار من بلد إلى بلد، ورميها في المنجنيق؛ لأن فيه ~~مثلة، وقد روى عقبة بن عامر: أنه قدم على أبي بكر برأس بناق البطريق، فأنكر ~~ذلك، فقيل: يا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إنهم يفعلون بنا ~~هذا، قال: فاستنان بفارس والروم؟ لا يحمل رأس، وإنما يكفي الكتاب والخبر. ~~رواه سعيد. # فصل: # إذا حصر الإمام حصنا، فرأى المصلحة في مصابرته، لزمه ذلك؛ لأن عليه فعل ~~ما فيه الحظ للمسلمين. ms1201 وإن كانت المصلحة في الانصراف، انصرف لذلك. وقد روي ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حاصر أهل الطائف فلم ينل منهم شيئا، ~~فقال: إنا قافلون إن شاء الله غدا فقال المسلمون: أنرجع ولم نفتتحه؟ فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اغدوا على القتال فغدوا عليه، فأصابهم ~~جراح، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنا قافلون غدا فأعجبهم، ~~فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» . متفق عليه. # PageV04P129 # وإن أسلم أهل الحصن قبل فتحه، عصموا دماءهم وأموالهم؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا ~~قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» . # وإن طلبوا النزول على حكم حاكم، جاز؛ «لأن بني قريظة حين حصرهم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم: بقتل ~~مقاتليهم، وسبي ذراريهم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لقد حكمت فيهم ~~بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. # » ويجب أن يكون الحاكم بالغا عاقلا حرا مسلما ذكرا عدلا عالما؛ لأنه ~~ولاية حكم، فأشبه ولاية القضاء، ولا يشترط أن يكون بصيرا؛ لأن الذي يقتضي ~~الحكم فيهم هو الذي يشتهر من حالهم، وذلك يدرك بالسمع، فأشبه الشهادة فيما ~~طريقه السمع. # ويكره أن يكون حسن الرأي فيهم؛ لأنه يخشى ميله إليهم. ويجوز حكمه؛ لأنه ~~عدل في دينه. فإن نزلوا على حكم من يختاره الإمام، جاز؛ لأنه لا يختار إلا ~~من يجوز حكمه. ولا يجوز أن ينزلوا على حكم من يختارونه؛ لأنهم قد يختارون ~~من لا يصلح. ويجوز أن ينزلوا على حكم اثنين، أو أكثر؛ لأنه تحكيم في مصلحة ~~طريقها الرأي، فأشبه التحكيم في اختيار الإمام. وإن نزلوا على حكم من لا ~~يجوز حكمه، أو حكم من يجوز، فمات قبل الحكم، وجب ردهم إلى حصنهم؛ لأنهم ~~نزلوا على أمان، فلا يجوز أخذهم، ولا يجوز للحاكم الحكم إلا بما فيه الحظ ~~للمسلمين؛ لأنه نائب الإمام، فقام مقامه في اختيار الأحظ من الأمور ~~الأربعة. فإن حكم بالمن، فقال ms1202 القاضي: يلزم حكمه كذلك. وقال أبو الخطاب: لا ~~يلزم؛ لأن الإمام إذا لم يره، تبين أنه لا حظ فيه، فلم يلزم حكمه به. فإن ~~حكم بعقد الذمة، ففيه وجهان: # أحدهما: يلزم حكمه؛ لأنهم رضوا بحكمه. # والثاني: لا يجوز؛ لأنه عقد معاوضة، فلم يجز إلا برضا الفريقين، فإن حكم ~~بالقتل والسبي، جاز؛ لأن سعدا حكم به في بني قريظة، فصادف حكم الله تعالى. # وللإمام أن يمن على من حكم عليه بالقتل؛ لأن ثابت بن قيس بن شماس سأل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يهب له الزبير بن باطا اليهودي بعد ~~الحكم عليهم، فوهبه له، وأطلق له أهله وماله. # وإن حكم باسترقاقهم، لم يجز أن يمن عليهم، إلا برضا الغانمين؛ لأنهم ~~صاروا مالا لهم. وإن حكم بالقتل فأسلموا، عصموا دماءهم؛ لأن قتل المسلم ~~حرام، ولم يعصموا أموالهم؛ لأنها صارت للمسلمين قبل إسلامهم. وفي استرقاقهم ~~روايتان: # PageV04P130 # إحداهما: لا يسترقون، ذكره القاضي؛ لأنهم أسلموا قبل استرقاقهم، فأشبه ما ~~لو أسلموا قبل القدرة عليهم. # والثانية: يسترقون؛ لأنهم أسلموا بعد القدرة عليهم، ووجوب قتلهم، فأشبهوا ~~الأسير إذا أسلم بعد اختيار الإمام قتله. # فصل: # ومن أسلم قبل القدرة عليه، عصم نفسه وماله، وأولاده الصغار، للخبر ~~المذكور. # ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، حاصر بني قريظة، فأسلم ابنا سبيعة، ~~فأحرز إسلامهما أموالهما وأولادهما؛ ولأن الأولاد تبع لوالدهما في الإسلام، ~~فكذلك في العصمة. وإن كان للمسلم منفعة بإجارة، لم تملك عليه؛ لأنها مال. ~~ولا يعصم زوجته؛ لأن النكاح ليس بمال. ولا يجري مجراه، وإن كانت حاملا منه، ~~فولده مسلم معصوم. ويجوز استرقاقها؛ لأنها حربية، لا أمان لها ولا يعصم ~~أولاده البالغين؛ لأنهم لا يتبعونه في دينه فكذلك في عصمته. وإذا ادعى ~~الأسير أنه أسلم قبل الأسر. لم يقبل إلا ببينة. فإن شهد له مسلم وحلف معه، ~~ثبت ذلك له؛ لأن ابن مسعود شهد لسهيل بن بيضاء أنه سمعه يذكر الإسلام، فقبل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - شهادته وأطلقه من الأسر. # فصل: # ومن أسلم من الأبوين، كان أولاده ms1203 الأصاغر تبعا له في الإسلام، رجلا كان ~~أو امرأة، لقول الله تعالى: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا ~~بهم ذريتهم} [الطور: 21] ، ويتبعه الحمل؛ لأنه لا يصح إسلامه بنفسه، فتبعه ~~كالولد. وإن لم يسلم واحد منهما، فولدهما كافر؛ لأنه لا حكم لنفسه، فتبع ~~أبويه، كولد المسلم. فإن مات الأبوان أو أحدهما في دار الإسلام، حكم بإسلام ~~الولد، لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» ~~فجعل التبعية لأبويه معا. فإذا مات أحدهما، انقطعت التبعية، فوجب بقاؤه على ~~حكم الفطرة؛ ولأن الدار يغلب فيها حكم الإسلام، بدليل الحكم بإسلام لقيطها. ~~وإنما منع ظهور حكمها اتباعه لأبويه، فإذا مات أحدهما، اختل المانع، فظهر ~~حكم الدار. والحكم في المجنون الذي يبلغ مجنونا، كالحكم في الصبي؛ لأنه لا ~~حكم لقوله، فتبع في الإسلام كالطفل؛ ولأنه يتبع والديه في الكفر، ففي ~~الإسلام أولى؛ وإن بلغ عاقلا ثم جن، ففيه وجهان: # PageV04P131 # أحدهما: يتبع أباه؛ لأنه لا حكم لقوله. # والثاني: لا يتبع؛ لأنه زال حكم التبعية، ببلوغه عاقلا، فلا يعود. # فصل: # وإن سبي الطفل منفردا عن أبويه، تبع سابيه في الإسلام؛ لأنه زال حكم ~~أبويه، لإفراده عنهما، واختلاف الدار بهما، فأشبه ما لو ماتا؛ ولأن سابيه، ~~كأبيه في حضانته، فكان مثله في استتباعه، وإن سبي معهما، تبعهما، لخبر أبي ~~هريرة؛ ولأنه لم ينفرد عنهما، أشبه ما لو كان ذميا. وإن سبي مع أحد أبويه، ~~حكم بإسلامه؛ لأنه انقطع اتباعه لأحد أبويه، فأشبه ما لو أسلم، أو مات، ~~وقال أبو الخطاب: يتبع أباه، وقال القاضي: فيه روايتان: # أشهرهما: أنه يحكم بإسلامه، لما ذكرنا. # والثانية: يتبع أباه. # فصل: # ولا يجوز التفريق في السبي بين الوالدة وولدها، ولا بين الوالد وولده، ~~ولا بين ذوي رحم محرم، إذا كان أحدهما صغيرا. فإن كانا بالغين، فعلى ~~روايتين، ذكرناهما في البيع. فإن اشترى من المغنم اثنين على أنه يحرم ~~التفريق بينهما، فتبين أنه جائز، وجب رد الفضل ms1204 الذي حصل بإباحة التفريق؛ ~~لأنه تبين له فضل لم يعلم به البائع، فوجب رده، كما لو قبض الثمن على أنه ~~عشرة، فبان أحد عشر. ولو اشترى من المغنم جارية معها مال، أو حلي، أو ثياب ~~غير لباسها، لزمه رده. نص عليه؛ لقوله - عليه السلام -: «من باع عبدا وله ~~مال، فماله للبائع» لأن البيع إنما وقع عليها دونه. # فصل: # إذا سبيت المرأة دون زوجها، انفسخ نكاحها، لقول الله تعالى: « {والمحصنات ~~من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] . قال أبو سعيد الخدري: نزلت ~~هذه الآية في سبي أوطاس، أصبنا سبايا ولهن أزواج في قومهن، فذكر ذلك لرسول ~~الله، فنزلت الآية» . قال الترمذي: هذا حديث حسن؛ ولأنه استولى على محل حق ~~الكافر الحربي، فأزاله، كما لو سبيت أمته. وقال أبو الخطاب: عندي لا ينفسخ. ~~وإن سبي الرجل وحده، لم ينفسخ نكاحه؛ لأنه لم يستول على محل حقه، أشبه ما ~~لو لم يسب؛ وإن سبي الزوجان، لم # PageV04P132 # ينفسخ نكاحهما؛ لأن الرق لا يمنع ابتداء النكاح، فلم يقطع استدامته، ~~كالعتق. ويحتمل أن ينفسخ نكاحهما؛ لأنه استولى على محل حقه، فزال ملكه عنه، ~~كماله، أو كما لم يسب معها. # فصل: # وإن أسلم عبد الحربي ولم يخرج إلينا، فهو على رقه؛ لأن يد سيده لم تزل ~~عنه، فلم يزل ملكه، كما لو لم يسلم، وإن خرج إلينا، صار حرا؛ لأنه أزال يد ~~سيده قهرا، فزال ملكه، كما لو استولى عليه مسلم. وإن أسر سيده، وأخذ ماله ~~وعياله، فالمال له، والسبي رقيقه؛ لأن دار الحرب دار قهر، فما استولى عليها ~~فيها، فهو للمستولي. وقد روى أبو سعيد الأعشم قال: «قضى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن العبد، إذا أخرج من دار الحرب قبل سيده، أنه حر، فإن ~~خرج سيده بعد، لم يرد إليه، وقضى أن السيد إذا خرج قبل العبد ثم خرج العبد، ~~رد على سيده» ، رواه سعيد. # فصل: # وليس للإمام أن يقيم حدا في أرض الحرب، ولا يستوفي قصاصا، لما روي عن بسر ~~بن أرطاة، أنه ms1205 «أتى برجل في الغزاة، قد سرق بختية، فقال: لولا أني سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا تقطع الأيدي في الغزو لقطعتك» . ~~رواه أبو داود. # وروى سعيد بإسناده عن عمر - رضي الله عنه - أنه كتب إلى الناس: أن لا ~~يجلدن أمير جيش، ولا سرية، رجلا من المسلمين حدا وهو غاز، حتى يقطع الدرب ~~قافلا، لئلا تلحقه حمية الشيطان، فيلحق بالكفار؛ ولأنا لا نأمن أن يحمله ~~الخوف من الحد، فيلحق بالكفار، فيجب تأخيره. فإذا قفل وخرج من دار الحرب، ~~أقيم عليه حد ما فعل في دار الحرب؛ لأنه واجب لوجود سببه، تأخر لعارض زال ~~بقفوله، فتجب إقامته، كما لو أخر لمرض. وأما الثغور، فتقام بها الحدود ~~والقصاص؛ لأنها دار إسلام. وقد كتب عمر إلى أبي عبيدة - رضي الله عنهما -: ~~أن يجلد من شرب الخمر عنده ثمانين. وكتب إلى خالد يأمره بمثل ذلك. ### | ما يلزم الجيش من طاعة الإمام # باب ما يلزم الجيش من طاعة الإمام يلزم الجيش طاعة أميرهم، وامتثال ~~أوامره، والانتهاء عن مناهيه، لقول الله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من أطاعني فقد # PageV04P133 # أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى ~~أميري، فقد عصاني» رواه النسائي. ولا يجوز الخروج إلى الغزو إلا بإذنه؛ ~~لأنه أعلم بمصالح الحرب، والطرقات، ومكامن العدو، وكثرتهم وقلتهم، فيجب ~~الرجوع إلى رأيه، إلا أن يعرض ما يمنع، من استئذانه من مفاجأة عدو يخاف ~~الضرر بتأخير حربه، أو فرصة يخاف فوتها بانتظار رأيه، فيجوز من غير إذنه. ~~قال أحمد: وإذا نادى الإمام: الصلاة جامعة، لأمر يحدث يشاور فيه، لم يتخلف ~~أحد إلا من عذر. وإن غضب على رجل، فقال: اخرج، عليك ألا تصحبني، فلا يصحبه ~~حتى يأذن له. # فصل: # ويغزى مع كل بر وفاجر، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الجهاد ~~واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا.» رواه أبو داود؛ ولأن تركه مع ~~الفاجر يفضي ms1206 إلى تعطيل الجهاد وظهور العدو. # وقال أحمد: لا يعجبني أن يخرج مع القائد إذا عرف بالهزيمة، وتضييع ~~المسلمين، فإن كان القائد يعرف بشرب الخمر، والغلول، يغزى معه إذا كان له ~~شفقة وحيطة على المسلمين. إنما فجوره على نفسه، ويروى عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» متفق عليه # فصل: # وإذا غزا الأمير بالناس، لم يجز لأحد أن يخرج من المعسكر لتعلف، ولا ~~احتطاب، ولا غارة، ولا غير ذلك إلا بإذنه، لقول الله تعالى: {وإذا كانوا ~~معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} [النور: 62] ؛ ولأن الأمير أعرف ~~بحال الناس، ومكامن العدو، وقربه وبعده، ومواضع الأمن، فلا يأذن لهم، إلا ~~مع أمنه عليهم، وإن خرجوا من غير أمره، لم يأمنوا كمينا للعدو. أو مهلكة ~~يهلكون بها، وربما رحل الجيش فيضيع الخارج. # فصل: # وتجوز المبارزة في الحرب، وهو: أن يخرج الرجل من المسلمين، إلى الرجل من ~~الكافرين بين الصفين، ليقاتل كل واحد منهما صاحبه؛ لأن حمزة وعليا وعبيدة ~~بن الحارث - رضي الله عنهم -، بارزوا يوم بدر عتبة وشيبة ابني ربيعة، ~~والوليد بن عتبة، بأمر # PageV04P134 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله فيهم: {هذان خصمان اختصموا ~~في ربهم} [الحج: 19] الآيات ولا يجوز إلا بإذن الأمير؛ لأن أمر القتال ~~موكول إليه، وهو أعلم برجاله، فلا يؤمن مع مخالفته، أن يتم ما ينكسر به ~~الجيش. ومتى خرج كافر يطلب البراز، جاز رميه وقتله؛ لأنه مشرك لا أمان له، ~~إلا أن تجري العادة بينهم بترك التعرض لمن يطلب البراز، فلا يجوز التعرض ~~له؛ لأن ذلك يجري مجرى الشرط، ويستحب لمن يعلم من نفسه الشدة والشجاعة ~~مبارزته؛ لأن في ترك مبارزته كسرا على المسلمين. ويكره للضعيف الخروج إليه ~~لأن القصد إظهار القوة. والظاهر من مبارزة الضعيف خلاف ذلك. فإن طلب الشجاع ~~المبارزة ابتداء، أبيح له؛ لأن فيه إظهار القوة، ولا يستحب؛ لأنه لا حاجة ~~إليه، ولا يأمن الغلبة، فيكسر قلوب المسلمين. ومتى تبارزا بشرط أن لا يعين ~~واحدا ms1207 أصحابه، لم يجز رمي الكافر، وفاء بشرطه. فإن ولى مثخنا، أو محتازا، ~~أو ولى عنه المسلم، جاز رميه؛ لأنه شرط الأمان حال القتال، وقد انقضى ~~القتال فزال الأمان. وإن استنجد الكافر أصحابه، أو بدءوا بإعانته، فلم ~~يمنعهم، انتقض أمانه لنقضه إياه. وإن منعهم فلم يقبلوا منه، فهو على أمانه؛ ~~لأنه لم ينقضه. وإن شرط أن لا يرميه أحد حتى يرجع إلى صفه، وفي له بشرطه. ~~فإن ولى عنه المسلم فتبعه ليقتله، جاز رميه؛ لأنه نقض الشرط، فسقط أمانه. # فصل: # ومن أسر أسيرا، لم يكن له قتله حتى يأتي به الإمام، فيرى فيه رأيه؛ لأنه ~~إذا صار أسيرا فالخيرة فيه إلى الإمام. وعنه: ما يدل على إباحة قتله؛ لأنه ~~في وقت الحرب، فأشبه قتله حال القتال. وإن امتنع الأسير أن ينقاد معه. فله ~~إكراهه بالضرب وغيره، فإن لم يمكنه إكراهه، أو خافه على نفسه، أو خاف ~~انقلابه، فله قتله؛ لأنه كافر لا أمان له، يخاف شره، فأبيح قتله، كما قبل ~~الأسر. وإن كان امتناعه لمرض، أبيح قتله، كما يجوز أن يذفف على جريحهم. وقد ~~توقف أحمد عن قتله، والأولى إباحته. ومتى قتل أسيره، أو أسير غيره قبل ~~بلوغه إلى الإمام، أو بعده قبل الحكم باسترقاقه، لم يضمنه؛ لأنه ليس بمال، ~~ولذلك أبيح للأمير إتلافه. وإن قتل امرأة أو صبيا قبل الاستيلاء عليهم، لم ~~يضمنهم؛ لأنهم لم يصيروا مالا للمسلمين وإن قتلهم بعد الاستيلاء عليهم ~~ضمنهم لأنهم يصيرون رقيقا بنفس السبي. # PageV04P135 # فصل: # وإذا وجد المسلمون بأرض الحرب طعاما أو علفا، فلهم الأكل منه، وعلف ~~دوابهم مع الحاجة وعدمها من غير إذن الإمام، لما روى عبد الله بن أبي أوفى ~~قال: أصبنا طعاما يوم خيبر، فكان الرجل يجيء فيأخذ منه قدر ما يكفيه، ثم ~~ينصرف. وروي أن صاحب جيش الشام كتب إلى عمر - رضي الله عنه -: إنا فتحنا ~~أرضا كثيرة الطعام والعلف، وكرهنا أن نقدم في شيء من ذلك. فكتب إليه: دع ~~الناس يعلفون، ويأكلون، فمن باع منهم شيئا، بذهب أو فضة، ففيه ms1208 خمس الله، ~~وسهام المسلمين. رواهما سعيد؛ ولأن الحاجة تدعو إليه، ففي المنع ضرر ~~بالجيش؛ لأنه يشق عليهم حمل الزاد والعلف. ولآخذه أن يعطيه لمن يحتاج إليه، ~~فيكون أحق به. وليس له بيعه؛ لأن الحاجة تدعو إلى الأكل دون البيع، فإن ~~باعه لبعض الغانمين، صار الآخذ أحق به؛ لأنه صار في يده، وهو من الغانمين ~~الذين لهم الأكل منه. وله أخذ ما دفع من ثمنه؛ لأنه دفعه إلى من لا يستحق، ~~فإن رد الطعام إلى البائع، صار البائع أحق به؛ لأنه صار إليه. وإن باعه ~~لغير الغانمين، فالبيع باطل، ويرد المبيع إلى الغنيمة؛ لأنه لا يملك بيعه. ~~فإن تعذر رده، رد ثمنه، لخبر عمر؛ ولأنه تعذر رد المبيع، فوجب رد قيمته، ~~كالمغصوب. وإن وجد دهنا مأكولا، فله أكله؛ لأنه من الطعام. وقد روى عبد ~~الله بن مغفل قال: «دلي جراب من شحم يوم خيبر، فأتينه فالتزمته وقلت: هذا ~~لي، فالتفت فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبتسم لي، فاستحييت منه» ~~. متفق عليه. # وإن أراد أن يدهن به، أو يدهن به دابته، فقال أحمد: إذا كان من ضرورة، أو ~~صداع، فلا بأس، وإن كان للزينة، فلا يعجبني. وذلك لأن ما تدعو الحاجة إليه ~~من هذا، فهو مثل الطعام في الحاجة إليه، فأبيح، ولا حاجة إلى الزينة، فلم ~~تبح، كلبس الثوب. وليس له غسل ثيابه بالصابون؛ لأنه للزينة والتحسين , قال ~~القاضي: وليس له إطعام الجوارح، كالفهد والكلب، والصقر؛ لأنه لا حاجة إليه. ~~وما يحتاج إليه من المشروبات للدواء، أبيح له تناوله؛ لأنه طعام احتاج ~~إليه، فأشبه الفاكهة. # فصل: # وإن أحرزت الغنيمة، فقال الخرقي: لا يؤكل منها إلا أن تدعو الضرورة، بأن ~~لا يجدوا ما يأكلون. ونص عليه أحمد؛ لأن المسلمين ملكوها بحيازتها، فلم يجز ~~الأكل منها، كما لو حيزت إلى بلد الإسلام. وقال القاضي: لهم الأكل منها ما ~~لم تحرز بدار الإسلام، أو تقسم؛ لأن الحاجة تدعو إلى الأكل منها، فأشبه ما ~~قبل الحيازة. ويحتمل أن الخرقي أراد بالإحراز إدخالها دار الإسلام، ms1209 فيكون ~~معنى القولين واحدا. وإذا وجد في دار الحرب حيوانا مأكولا، فقال الخرقي: لا ~~تعقر شاة، ولا دابة إلا لأكل لا بد # PageV04P136 # منه؛ لأنها تقتنى لغير الأكل، فأشبهت الفرس. وقال القاضي: يجوز ذبح ما ~~جرت العادة بذبحه للأكل، كالشاة وما دونها؛ لأنها مما تؤكل عادة، فأشبه ~~الطعام. فأما الطيور، كالدجاج ونحوها، فيباح ذبحها وأكلها. نص عليه أحمد؛ ~~لأن هذا مما لا يمكن حمله إلى دار الإسلام. فأشبه الطعام. # فصل: # ومن فضل معه من الطعام والعلف كثير، فأدخله البلد، فعليه رده إلى المغنم؛ ~~لأنه إنما أبيح للحاجة وقد زالت الحاجة. وإن كان يسيرا، ففيه روايتان: # إحداهما: يجب رده؛ لأنه أبيح للحاجة وقد زالت. # والثانية: له أخذه؛ لأنه أخذ ما له أخذه، فلم يجب رده، كالسلب؛ ولأن ~~اليسير تجري المسامحة فيه. قال الأوزاعي: أدركت الناس يقدمون من أرض العدو. ~~بفضل الطعام والعلف، فيعلفون دوابهم، ويهديه بعضهم إلى بعض، لا ينكره إمام، ~~ولا عامل ولا جماعة، وكانوا يقدمون بالقديد فيهديه بعضهم إلى بعض. # فصل: # ولا يجوز أخذ إبرة، ولا خيط، ولا شعر، ولا صوف، لما روي «أن رجلا أتى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكبة من شعر الغنم، فقال: يا رسول الله، ~~إنا نعمل الشعر فهبها لي، قال: نصيبي منها لك» رواه سعيد. ولا يجوز أخذ ~~جلد، سواء كان جلد ما نذبحه، أو غيره؛ لأنه إذا لم يجز أخذ الشعر، فالجلد ~~أولى؛ ولأنه ليس بمأكول، أشبه الثياب. ولا يجوز ركوب دابة من المغنم، ولا ~~لبس ثوب، لما روى رويفع بن ثابت الأنصاري أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يركب دابة من فيء ~~المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا ~~يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلق رده فيه» وذكر أبو الخطاب رواية ~~أخرى: أن له ركوب الفرس عند الحاجة حتى تنقضي الحرب، ثم يردها؛ لأنها من ~~آلات الحرب، فأشبهت السلاح. # فصل: # ومن أخذ من مباحات دار ms1210 الحرب شيئا، كالصيد، والحجر، والحشيش والشجر ~~ونحوها، فاحتاج إليه للأكل والعلف، انتفع به. وإن لم يحتج إليه لذلك، وله ~~قيمة في موضعه، فهو غنيمة؛ لأنه وصل إليه بقوة الجيش. وإن لم يكن له قيمة ~~في موضعه، # PageV04P137 # وإنما يصير له قيمة بنقله، فهو لآخذه؛ لأنه إنما صارت له قيمة بفعله، ~~وكذلك الركاز. # وإن وجد لقطة يعلم أنها للكفار، فهي غنيمة. وإن احتمل أن تكون لمسلم، ~~عرفها حولا، ثم ردها في الغنيمة إن لم تعرف لذلك. وإن ترك صاحب المغنم شيئا ~~عجز عن حمله، فقال: من أخذ منه شيئا، فهو له، فهو لمن أخذه. نص عليه؛ لأنه ~~بمنزلة ما لا قيمة له في دارهم. وإن لم يقل ذلك، فأكثر الروايات عن أحمد ~~أنه لآخذه كذلك. وعنه: يكون غنيمة؛ لأنه ذو قيمة، فهو كالصيد. # فصل: # ومن وجد كتبا فيها كفر، فعليه إتلافها؛ لأن قراءتها والنظر فيها معصية، ~~وكذلك كتب التوراة والإنجيل؛ لأنها مبدلة منسوخة منهي عن قراءتها. وإن أمكن ~~الانتفاع بجلودها، أو رقها إذا غسل، فعل ذلك. وإن وجد خمرا، وجبت إراقته؛ ~~لأن شربه معصية. وإن وجد خنزيرا، قتله. وإن وجد كلبا لا يباح اقتناؤه تركه، ~~وإن أبيح اقتناؤه، فله أخذه لنفسه ودفعه إلى من ينتفع به من الغانمين، أو ~~أهل الخمس؛ لأن الكلب لا قيمة له. وإن وجد فهدا معلما، أو بازيا، فهو ~~غنيمة؛ لأن له قيمة. ### | باب الأنفال والأسلاب # النفل: ما يعطاه زيادة على سهمه. وهو نوعان: # أحدهما: ما يستحق بالشرط، وهو ضربان: # أحدهما: أن الأمير إذا دخل دار الحرب غازيا، بعث سرية بين يديه تغير على ~~العدو، ويجعل لهم الربع بعد الخمس. فإذا قفل، بعث سرية تغير، ويجعل لهم ~~الثلث بعد الخمس، فما قدمت به السرية خمسه، ثم أعطى السرية ما جعل لها، ثم ~~قسم الباقي في الجيش والسرية معه، لما روى حبيب بن مسلمة الفهري قال: «شهدت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفل الربع في البدأة، والثلث في الرجعة» ~~. وفي لفظ: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms1211 - كان ينفل الربع بعد ~~الخمس، والثلث بعد الخمس، إذا قفل» ، رواهما أبو داود. وعن عبادة بن الصامت ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينفل في البدأة الربع، وفي القفول ~~الثلث» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. وروى الأثرم عن عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه - أنه قال لجرير بن عبد الله لما قدم عليه في قومه يريد الشام: هل ~~لك أن تأتي الكوفة ولك الثلث بعد الخمس # PageV04P138 # من كل أرض وسبي؟ ولا تجوز الزيادة على الثلث؛ لأن نفل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - انتهى إليه ويجوز النقص منه؛ لأنه إذا جاز أن لا ينفل شيئا، ~~فلأن يجوز تنفيل القليل أولى، ولا يستحق هذا النفل إلا بالشرط. نص عليه؛ ~~لأن استحقاقه بغير شرط إنما يثبت بالشرع، ولم يرد الشرع باستحقاقه على ~~الإطلاق. # الضرب الثاني: أن يجعل الأمير جعلا لمن يعمل عملا فيه غناء عن المسلمين، ~~مثل أن يقول: من طلع هذا الحصن، فله كذا أو من نقبه، أو من جاء بأسير، فله ~~كذا، ومن جاء بعشرة رءوس، فله رأس، وأشباه هذا مما يراه الإمام مصلحة ~~للمسلمين، فيجوز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قتل قتيلا، ~~فله سلبه» ويجوز أن يجعل الجعل من مال المسلمين، ومما يؤخذ من المشركين، ~~فإن جعله من مال المسلمين لم يجز إلا معلوما مقدرا، كالجعل في المسابقة، ~~ورد الضالة. وإن كان من الكفار، جاز مجهولا؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - جعل الثلث والربع، وسلب المقتول، وهو مجهول؛ ولأنه ضرر فيه على ~~المسلمين، فجاز مع الجهالة، كسلب القتيل. # النوع الثاني: أن يخص الإمام بعض الغانمين بشيء، لغنائه وبأسه، أو لمكروه ~~تحمله، ككونه طليعة، أو عينا، فيجوز من غير شرط، لما روى سلمة بن الأكوع ~~قال: «أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فتبعتهم، وذكر الحديث إلى قوله: فأعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~سهم الفارس والراجل» ، وعنه: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أبا ~~بكر، فبيتنا عدونا، ms1212 فقتلت منهم تسعة أهل أبيات، فأخذت منهم امرأة، فنفلنيها ~~أبو بكر - رضي الله عنه -، فلما قدمت المدينة استوهبها مني رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، فوهبتها له» ، رواهما أبو داود؛ ولأن في هذا تحريضا على ~~القتال، ونفعا للمسلمين، والدفع عنهم، فجاز، كإعطاء السهم. # فصل: # إذا قال: من دلني على القلعة الفلانية، أو من دلني على طريق سهل، ونحو ~~ذلك، فله كذا - جاز. فإن كان الجعل جارية من القلعة، جاز أن تكون معينة، ~~وغير معينة كجارية مطلقة. فإن لم تفتح القلعة، فلا شيء له؛ لأن تقدير ~~الكلام: من دلني على القلعة ففتحها الله علينا، فله جارية منها، لتعذر ~~تسليمه جارية منها قبل فتحها، فإن فتحت، فلم يكن فيها جارية، أو لم يكن ~~فيها المعينة، فلا شيء له؛ لأنه شرط # PageV04P139 # معدوما. وإن كانت فيها فماتت قبل الفتح، فلا شيء له؛ لأنها غير مقدور ~~عليها، أشبهت المعدومة. وإن كانت باقية، سلمت إليه؛ لأنه استحقها بالشرط. ~~فإن كانت قد أسلمت قبل الفتح، عصمت نفسها بإسلامها، وله قيمتها؛ لأنه تعذر ~~تسليمها مع وجودها، والقدرة عليها. وإن أسلمت بعد الفتح، سلمت إليه إن كان ~~مسلما، وإن كان مشركا، انتقل إلى قيمتها، لتعذر تسليمها إليه مع القدرة ~~عليها فإن أسلم بعد ذلك، احتمل أن لا يستحقها؛ لأن حقه انتقل إلى قيمتها، ~~واحتمل أن يستحقها؛ لأن تعذر تسليمها إليه لمانع زال فأشبه من غصب عبدا، ~~فأبق، ثم قدر عليه. وإن فتحت القلعة صلحا، فاستثنى الأمير الجارية وسلمها، ~~جاز. وإن وقع مطلقا، فرضي مستحقها بقيمتها، أعطيها. وإن أبى وامتنع صاحب ~~القلعة من بذلها بقيمتها، فسخ الصلح، لتعذر إمضائه، لسبق حق الدال، وتعذر ~~إيصاله إليه مع تمام المصلحة، ويحتمل أن يعطى مستحقها قيمتها؛ لأنه تعذر ~~دفعها إليه، فأشبه ما لو أسلمت. # فصل: # ومن قتل في وقت الحرب كافرا، فله سلبه، لما روى أبو قتادة، «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: من قتل قتيلا له عليه بينة، فله سلبه» متفق ~~عليه. وعن أنس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ms1213 يوم حنين: من قتل ~~كافرا فله سلبه فقتل أبو طلحة عشرين رجلا، وأخذ أسلابهم» . # ولا يقبل دعوى القتل إلا ببينة، للخبر. ولا يقبل فيه إلا شهادة رجلين، نص ~~عليه؛ لأنه دعوى القتل، فأشبه قتل المسلم. وقياس المذهب أن يقبل فيها ما ~~يقبل في الأموال؛ لأن مقصوده المال، فأشبه الشهادة على الغصب، والجناية ~~الموجبة للمال. ويحتمل أن يقبل فيه قول واحد؛ لأن أبا قتادة، لما شهد له ~~الرجل الذي أخذ سلبه، دفعه إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله وحده، ~~ولا يخمس السلب؛ لأن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فله سلبه» يتناول ~~جميعه. وقد روى عوف بن مالك، وخالد بن الوليد - رضي الله عنهما -: «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في السلب للقاتل، ولم يخمس السلب» . رواه ~~أبو داود. # فصل: # ولا يستحقه إلا بشروط أربعة: # أحدها: أن يكون القاتل ذا حق في المغنم، حرا كان أو عبدا، رجلا أو صبيا، ~~أو امرأة لعموم الخبر. وإن لم يكن ذا حق، كالمخذل، والمرجف، والكافر إذا ~~حضر # PageV04P140 # بغير إذن، لم يستحقه؛ لأنه لا حق له في السهم الثابت، فغيره أولى. # والثاني: أن يغرر بنفسه في قتله، كالمبارز، فإن قتله بسهم رماه من صف ~~المسلمين ونحوه، لم يستحقه؛ لأنه إنما ورد الخبر في المبارز ونحوه. # الثالث: أن يقتله وهو مقبل على الحرب، فإن قتل أسيرا، أو مثخنا، أو ~~منهزما إلى غير فئة، لم يستحقه؛ لأن ابن مسعود ذفف على أبي جهل يوم بدر، ~~فلم يعط سلبه؛ ولأن استحقاق السلب للمخاطرة، والتغرير بالنفس، ولا خطر ~~هاهنا. وإن قتل موليا ليكر، أو متحيزا إلى فئة، فله سلبه؛ لأن سلمة بن ~~الأكوع، أدرك طليعة للكفار موليا، فقتله، «فقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: من قتله؟ قالوا: ابن الأكوع، قال: فله سلبه أجمع» ؛ ولأن القتال كر وفر. # الرابع: أن يقتله لأن الخبر خص القاتل بالسلب، فاختص به دون غيره، فإن ~~أسره لم يستحق سلبه كذلك. وقال القاضي: له سلبه، سواء قتله الإمام، أو من ~~عليه، أو ms1214 فاداه، وله فداؤه؛ لأن مال حصل بسبب تغريره في تحصيله، أشبه سلب ~~القتيل. وظاهر كلام أحمد أنه يشترط أن ينفرد بقتله؛ لأنه قال في رواية حرب: ~~له سلبه إذا انفرد بقتله؛ ولأنه يستحق للتغرير بالنفس، ولا يحصل مع ~~الاشتراك، وإن قطع أحدهما يده، أو رجله وقتله الآخر، فكذلك؛ لأنهما شريكان ~~فيه. وإن قطع أحدهما أربعته وقتله الآخر، فسلبه للقاطع؛ لأن معاذ بن عمرو ~~بن الجموح أثبت أبا جهل، وتمم عليه ابن مسعود، فقضى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بسلبه لمعاذ؛ ولأن القاطع كفى شره، فأشبه القاتل، وإن قطع يديه أو ~~رجليه، فكذلك لأنه قد عطله، ويحتمل أن لا يستحقه؛ لأنه إن قطع رجليه، قاتل ~~بيديه، وإن قطع يديه فهو يعدو، ويكثر ويهيب، فما كفى شره. وإن عانق رجلا ~~فقتله الآخر فالسلب للقاتل للخبر؛ ولأنه قاتل لمن لم يكف المسلمون شره، ~~أشبه المطلق. وظاهر المذهب أنه يستحق، وإن لم يشرطه الإمام له، للخبر، إلا ~~أنه أعجب أحمد أن لا يأخذه إلا بإذن الإمام؛ لأنه أمر مجتهد فيه، فلا يأخذه ~~إلا بإذنه كالسهم. وعنه: لا يستحقه إلا بجعل الإمام قبل قتله، أو تنفيله ~~بعده؛ لأنه نفل فلا يستحقه إلا بإذنه، كسائر الأنفال. # فصل: # والسلب: ما على القتيل من ثيابه، وحليه، وسلاحه، وإن كثر، لما روي أن ~~عمرو بن معديكرب حمل على أسوار، فطعنه، فدق صلبه، فصرعه، فنزل إليه، فقطع # PageV04P141 # يديه، وأخذ سوارين كانا عليه، ويلمقا من ديباج وسيفا ومنطقة، فسلم ذلك ~~له. وبارز البراء مرزبان الزارة، فقتله، فبلغ سواراه ومنطقته ثلاثين ألفا. # وفي الدابة وآلتها روايتان: # إحداهما: هي من السلب، اختارها الخرقي؛ لأنها يستعان بها في الحرب، فهي ~~كالسلاح. # والثانية: ليست منه، اختارها الخلال، وأبو بكر؛ لأن السلب ما كان على ~~البدن، والدابة ليست كذلك. فإن كان يقاتل وهو ممسك بعنانها، فعن أحمد أنها ~~من السلب؛ لأنه يركبها إذا احتاج إليها. وعنه: ليست منه؛ لأنه ليس بمستعين ~~بها في حال قتاله، أشبهت التي في رحله. فإن كان معه فرس مجنوبة إلى فرسه، ms1215 ~~فليست من السلب كذلك، وكذلك المال الذي في كمرانه، وغيره، ورحله، وسلاحه ~~الذي ليس معه حال قتله، ليس من السلب؛ لأن سلبه ما عليه حال قتله، أو ما ~~يستعان به في القتال. ### | باب قسمة الغنائم # الغنيمة: ما أخذ من مال الكفار بإيجاف، فخمسها لأهل الخمس، وأربعة ~~أخماسها للغانمين، لقول الله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله ~~خمسه} [الأنفال: 41] الآية. فأضافها إليهم ثم جعل خمسها لله فدل على أن ~~أربعة أخماسها لهم. ثم قال الله تعالى: {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا} ~~[الأنفال: 69] ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم الغنائم كذلك. ~~والإمام مخير بين قسمتها في دار الحرب، وبين تأخير القسمة إلى دار الإسلام، ~~أي ذلك رأى المصلحة فيه فعل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل الأمرين ~~جميعا، فقسم غنائم بدر بشعب من شعاب الصفراء، قريبا من بدر، وغنائم بني ~~المصطلق على مياههم، وغنائم حنين بأوطاس واد من حنين، وقسم فداء أسارى بدر ~~بالمدينة، وهو غنيمة؛ ولأن المسلمين قد ملكوا الغنيمة بالاستيلاء التام في ~~دار الحرب، فجازت قسمتها، كما لو جاوزها إلى دار الإسلام. # فصل: # فإذا أراد القسمة بدأ بالأسلاب، فدفعها إلى أهلها وإن كان فيها مال ~~المسلم، دفع إليه لأنه استحقه بسبب سابق، ثم يدفع منه أجرة الحافظ، ~~والناقل، والقاسم، # PageV04P142 # والحاسب؛ لأنه لمصلحة الغنيمة. وفي الرضخ وجهان: # أحدهما: هو من أصل الغنيمة؛ لأنه يستحقه للمعاونة في تحصيلها، أشبه أجرة ~~النقال. # والثاني: من أربعة الأخماس؛ لأنه استحق بحضور الوقعة، أشبه السهمان. فعلى ~~الأول يعطى الرضخ لأهله، ثم يقسم الباقي على خمسة أسهم، سهم منها لأهل ~~الخمس، ثم يدفع الأنفال مما بقي، ثم يقسم الباقي بين الغانمين، للراجل سهم، ~~وللفارس ثلاثة أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه، لما روى ابن عمر: «أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أسهم يوم خيبر، للفارس ثلاثة أسهم، سهمان لفرسه، ~~وسهم له» . متفق عليه، وعن ابن عباس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى ~~الفارس ثلاثة أسهم، وأعطى الراجل سهما» . رواه الأثرم. # فصل: # ويقسم ms1216 ما بين الغانمين، كقسمة المتاع بين الشركاء، فيقوم ما عدا الأثمان، ~~ويدفعها إليهم بقيمتها، فإن أمكن تخصيص كل إنسان بعين، كجارية وفرس وثوب، ~~فعل، وإن لم يمكن، شرك بين الجماعة في العين الواحدة. ويقسم الغنيمة بين من ~~شهد الوقعة من أهل القتال، من قاتل ومن لم يقاتل، لما روي عن عمر - رضي ~~الله عنه - أنه قال: الغنيمة لمن شهد الوقعة. ولأن غير المقاتل ردء له ~~ومعين فيشاركه، كرد المحارب. فأما غير أهل القتال، كالطفل، والمجنون، ومن ~~ينبغي للإمام منعه كالمرجف والمخذل، والمعين للعدو، فلا شيء له وإن قاتل؛ ~~لأن ضره أكثر من نفعه. ومن كان مريضا مرضا يمنعه القتال، فلا سهم له، ~~كالمجنون، وإن لم يمنعه القتال، كالحمى الخفيفة والصداع، والسعال، أسهم له؛ ~~لأنه من أهل القتال. # فصل: # ولا يسهم لفرس ينبغي للإمام منعه كالقحم، والحطم، والضرع، والأعجف لما ~~ذكرنا في الرجل، ولا لغير الخيل من البغال والحمير، والإبل لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يسهم لغير الخيل؛ ولأنها لا تلحق بالخيل في التأثير في ~~الحرب والكر والفر، فلم تلحق بها في السهم. وهذا اختيار أبي الخطاب. وروي ~~عن أحمد فيمن غزا على بعير لا يقدر على غيره، قسم له ولبعيره سهمان، لقول ~~الله تعالى: {فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} [الحشر: 6] ولأنه حيوان ~~تجوز المسابقة عليه بعوض، أشبه الفرس. # PageV04P143 # فصل: # وفي غير العربي من الخيل أربع روايات: # إحداهن: أنه كالعربي في سهمه، اختارها الخلال؛ ولأن اسم الفرس شامل له؛ ~~ولأنه حيوان ذو سهم، فاستوى العربي وغيره، كالرجال. # والثانية: له سهم واحد، اختارها الخرقي، لما روى أبو الأقمر قال: غارت ~~الخيل على الشام، فأدركت العراب من يومها، وأدركت الكوادن ضحى الغد، وعلى ~~الخيل رجل من همدان يقال له: المنذر بن أبي حميضة فقال: لا أجعل التي أدركت ~~من يومها مثل التي لم تدرك، ففضل الخيل، فقال عمر: هبلت الوداعي أمه، ~~امضوها على ما قال. أخرجه سعيد؛ ولأنهما تختلف غناؤهما فاختلفت سهمانهما، ~~كالفارس والراجل. # الثالثة: ما أدرك منها إدراك ms1217 العراب، فله سهمها؛ لأنه عمل عملها، وساواها ~~في جنسها، فساواها في سهمها، كما لو اتفق نوعهما. # والرابعة: لا سهم له؛ لأنه لا يعمل عمل العراب أشبه البغال. # فصل: # ومن غزا على فرسين، قسم لهما أربعة أسهم، ولصاحبهما سهم، ولا يسهم لأكثر ~~من فرسين، لما روى الأوزاعي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسهم ~~للخيل، وكان لا يسهم للرجل فوق فرسين وإن كان معه عشرة أفراس» . وعن أزهر ~~بن عبد الله: أن عمر كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح: أن أسهم للفرس سهمين، ~~وللفرسين أربعة أسهم، ولصاحبهما سهما، فذلك خمسة أسهم. وما كان فوق ~~الفرسين، فهو جنائب. # فصل: # ومن غزا على فرس حبيس، فله سهمه؛ لأنه استحق نفعه، فملك سهمه، كالمستعار. ~~ومن غصب فرسا، فقاتل عليه، فسهم الفرس لمالكه؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - جعل للفرس سهمين، فكانا لمالكها، كما لو كان راكبها. وإن كان الفرس ~~عارية أو بأجرة، فسهمها لراكبها لأنه ملك نفعه. وهذا من نفعه. وعنه: أن سهم ~~المستعار لمالكه؛ لأنه من نمائه، أشبه ولده. وإن قاتل العبد على فرس سيده، ~~قسم للفرس لأنه قوتل عليه في الحرب فاستحق السهم، كما لو قاتل عليه حر، ~~ويكون سهمه لمالكه. ومن دخل أرض الحرب فارسا، وحضر الوقعة غير فارس لموت ~~فرسه، أو بيعه، أو إجارته، أو إعارته أو غصبه أو ضيعته، فله سهم راجل. وإن ~~دخل راجلا، فملك فرسا، أو استأجره فحضر به الوقعة فله سهم فارس؛ لأن الفرس ~~حيوان ذو سهم، فاعتبر وجوده # PageV04P144 # حال القتال فيسهم له مع وجوده، ولا يسهم له مع العدم، كالآدمي. # فصل: # ولا يسهم لامرأة ولا صبي ولا مملوك؛ لأنهم من غير أهل القتال. ويرضخ لهم ~~دون السهم، لما روى ابن عباس قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يغزو بالنساء فيداوين الجرحى، ويحذين من الغنيمة. وأما سهم، فلم يضرب لهن» ~~. رواه مسلم. وقال سعيد بن المسيب: كان الصبيان والعبيد يحذون من الغنيمة ~~في صدر هذه الأمة. وقال تميم بن قرع: كنت ms1218 في الجيش الذي فتح الإسكندرية في ~~المرة الآخرة، فلم يسهم لي عمرو شيئا وقال: غلام لم يحتلم، فسألوا أبا بصرة ~~الغفاري، وعقبة بن عامر، فقالا: انظروا، فإن كان قد أشعر فاقسموا له، فنظر ~~إلي بعض القوم، فإذا أنا قد أنبت، فقسم لي. وقال الجوزجاني: هذا من مشاهير ~~حديث مصر، وجيده. وعن عمير مولى آبي اللحم قال: «شهدت خيبر مع سادتي، ~~فكلموا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأمرني فقلدت سيفا، فإذا أنا ~~أجره، فأخبر أني مملوك، فأمر لي بشيء من خرثي المتاع.» رواه أحمد، وأبو ~~داود والترمذي. # والمكاتب والمدبر، كالقن؛ لأنه عبد، فأما المعتق بعضه، فظاهر كلام أحمد ~~أنه يرضخ له؛ لأنه لم تكمل له الحرية، أشبه القن. وقال أبو بكر: يسهم له ~~بقدر ما فيه من الحرية والرق؛ لأنه يتجزأ، فقسم على قدر ما فيه كالميراث. ~~قال ابن أبي موسى: هذا هو الصحيح. ومن أعتق قبل انقضاء الحرب، أو بلغ، أسهم ~~له؛ لأنه صار من أهل الاستحقاق، فأشبه المدد إذا لحق. والرضخ غير مقدر لكنه ~~يرجع فيه إلى اجتهاد أمير الجيش، فيفضل ذا الغناء على من دونه في النفع؛ ~~لأن الشرع لم يرد بتقديره، فرجع في تقديره إلى الاجتهاد كالتعزير. ولا يبلغ ~~بالرضخ لراجل سهم راجل؛ لأنه تابع لمن له سهم فنقص عنه، كالتعزير عن الحد. ~~والحكومة لا يبلغ بها أرش العضو. ويكون الرضخ من أربعة أخماس الغنيمة؛ ~~لأنهم من المجاهدين، فكان حقهم من أربعة الأخماس، كذوي السهمان. # فصل: # وإذا غزا الكافر معنا من غير إذن الأمير فلا سهم له؛ لأنهم ممن يستحق ~~المنع من الغزو، فأشبه المخذل. وإن غزا بإذنه ففيه روايتان: # PageV04P145 # إحداهما: لا سهم له؛ لأنه من غير أهل الجهاد، فلم يسهم له، كالعبد. فعلى ~~هذا يرضخ له كالعبد. # والثانية: يسهم له. اختارها الخرقي، لما روى سعيد بإسناده عن الزهري «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعان بناس من اليهود في حربه، فأسهم ~~لهم» . وروي «أن صفوان بن أمية خرج مع النبي - صلى الله عليه ms1219 وسلم - يوم ~~حنين وهو على شركه، فأسهم له» ؛ ولأن الكفر نقص دين، فلم يمنع استحقاق ~~السهم كالفسق. # فصل: # ومن استؤجر على الجهاد من غير أهل القتال، كالكافر والعبد، لم يستحق غير ~~الأجرة. وهكذا الأجير للخدمة، والذي يكري دابته. فأما المسلم الحر إذا ~~استؤجر للجهاد، فقال القاضي: لا يصح استئجاره؛ لأن الغزو يتعين بحضوره على ~~من هو من أهله، فلا يصح أن يفعله عن غيره، كالحج. فعلى هذا: يرد الأجرة وله ~~سهمه؛ لأن غزوه بغير أجرة. وظاهر كلام أحمد والخرقي صحة الإجارة لمن لم ~~يتعين عليه الجهاد؛ لأنه مما لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، فجاز ~~استئجار الحر المسلم عليه، كبناء المساجد؛ ولأن ما صحت إجارة العبد والكافر ~~عليه، صح إجارة الحر المسلم عليه، كالبناء. فعلى هذا إذا حضر القتال، فظاهر ~~نص أحمد والخرقي أنه لا يسهم له، لما روى «يعلى بن منية أنه استأجر أجيرا ~~يكفيه من الغزو، قال: فسميت له ثلاثة دنانير، فلما حضرت غنيمة، أردت أن ~~أجري له سهمه، فذكرت الدنانير، فجئت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له ~~أمره، فقال: ما أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلا دنانيره التي ~~سمى» رواه أبو داود؛ ولأن غزوه بعوض، فكأنه واقع من غيره، فلم يثبت له حكمه ~~وفائدته، كما له حج عن غيره. واستحقاق الغنيمة من أحكامه وفوائده، وروي عن ~~أحمد أنه يسهم له. قال الخلال: وهو الذي أعتمد عليه من قول أبي عبد الله، ~~لما روى عبد الله بن عمرو أن رسول الله قال: «للغازي أجره، وللجاعل أجره ~~وأجر الغازي» . رواه أبو داود. وعن جبير بن نفير قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «مثل الذين يغزون عن أمتي، ويأخذون الجعل، ويتقوون به ~~على عدوهم مثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها» . رواه سعيد؛ ولأنه حاضر ~~للوقعة من أهل القتال، فأشبه أهل الديوان. # فأما التاجر والصانع وأشباههما، فيسهم لهم إذا حضروا القتال، نص عليه ~~أحمد، # PageV04P146 # لقول عمر - رضي الله عنه -: الغنيمة لمن حضر ms1220 الوقعة. قال القاضي: هذا إذا ~~كان قصدهم الجهاد، ويقاتلون إذا احتيج إليهم وأمكنهم، وكذلك من يكري دابته. ~~ومن لم يكن كذلك، لم يسهم له؛ لأنه لا نفع في حضوره، أشبه المخذل. # فصل: # وإذا لحق الجيش مدد، أو أسير أفلت، أو فودي به قبل انقضاء الحرب، أسهم ~~لهم، وإن كان بعد انقضاء الحرب وحيازة الغنيمة لم يسهم لهم، لقول عمر - رضي ~~الله عنه -: الغنيمة لمن شهد الوقعة. ولما روى أبو هريرة «أن أبان بن سعيد ~~وأصحابه قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر بعد أن فتحها، ~~فقال: اقسم لنا يا رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اجلس ~~يا أبان ولم يقسم له» . رواه أبو داود؛ ولأنهم إذا قدموا قبل انقضاء الحرب، ~~فقد شاركوا الغانمين في السبب، فشاركوهم في الاستحقاق، كما لو قدموا قبل ~~الحرب. وإذا قدموا بعد ذلك، فلا شيء لهم؛ لأنهم لم يشاركوهم في السبب ~~ولأنهم حضروا بعد أن صارت الغنيمة للغانمين، فأشبه ما لو حضروا بعد القسمة. ~~وإن حضروا بعد تقضي الحرب، وقبل إحراز الغنيمة، فظاهر كلام الخرقي أنهم ~~يشاركونهم؛ لأن الغنيمة تملك بحيازتها، والاستيلاء عليها، ولا يتم إلا ~~بحيازتها، وظاهر قول القاضي: أنهم لا يشاركونهم؛ لأنه ذكر أن الغنيمة تملك ~~بتقضي الحرب قبل الحيازة؛ لأنها صارت مقدورا عليها بإزالة يد الكفار عنها، ~~فأشبه ما بعد الحيازة، وإن حازها الغانمون، ثم جاءهم الكفار يقاتلونهم ~~عليها فأدركهم المدد، فقاتلوا معهم حتى سلموا الغنيمة، فنص أحمد: أنه لا ~~شيء للمدد؛ لأن الأولين ملكوها، والمدد يقاتلون عن الغانمين بعد ملكهم ~~للغنيمة، فأشبهت سائر أموالهم، وإن استنقذها الكفار من أيديهم، ثم جاءهم ~~المدد، فقاتلوا معهم حتى استنقذوها، فقال أحمد: أعجب إلي أن يصطلحوا. # فصل: # وإذا غزا الأمير بجيش، فأسرى سرية، أو سرايا إلى جهة مقصده، أو غيره، ~~فغنمت، شاركهم الجيش وإن غنم الجيش، شارك سراياه؛ لأنه يروى أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - حين هزم هوازن بحنين، أسرى قبل أوطاس سرية، فغنمت، فقسم ~~غنائمهم بين الجميع. وفي تنفيل ms1221 النبي - صلى الله عليه وسلم - السرية الثلث ~~والربع، دليل على مقاسمة الجيش لها الباقي؛ ولأن الجميع جيش واحد، فلم يختص ~~بعضهم بغنيمة، كأحد جانبي الجيش، وإن بعث السرايا، وأقام الجيش في بلد ~~الإسلام، فلكل سرية غنيمتها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث السرايا ~~من المدينة، فلم يشاركهم أهل المدينة في غنائمهم. وإن خلف الأمير قوما في ~~بلد # PageV04P147 # العدو لضعف، أو غيره، وغزا فغنم، فأقاموا في بلد العدو حتى رجع، شاركوهم. ~~نص عليه. سواء رجع عليهم، أو من غير طريقهم؛ لأنهم كالسرية، وإن رجعوا إلى ~~حصون المسلمين، أو بلادهم، فلا سهم لهم؛ لأنهم برجوعهم صاروا كالمقيمين ~~بدار الإسلام. # فصل: # ومن بعثه الأمير لمصلحة الجيش، كالبريد، والطليعة، والجاسوس، فلم يحضر ~~الغنيمة أسهم له؛ لأنه في مصلحة الجيش، أشبه السرية؛ ولأنه إذا أسهم ~~للمتخلف عن الجيش، فلهؤلاء أولى. وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أسهم لعثمان - رضي الله عنه - من بدر ولم يحضرها، لاشتغاله بتمريض رقية ~~ابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # فصل: # ومن مات بعد إحراز الغنيمة قام وارثه مقامه في سهمه؛ لأنه ثبت ملكه فيه، ~~فقام وارثه مقامه، كما بعد القسمة. وإن أسر، فله سهمه كذلك. وإن أسر، أو ~~مات قبل تقضي الحرب، فلا شيء له لأنه لم يملك شيئا. # فصل: # وإذا قال الإمام: من أخذ شيئا، فهو له، ففيه روايتان: # إحداهما: يجوز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم بدر: «ومن أخذ ~~شيئا فهو له» ولأنهم غزوا على هذا ورضوا به. # والثانية: لا يجوز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقسم الغنائم، ~~والخلفاء بعده؛ ولأن ذلك يفضي إلى اشتغالهم بالنهب عن القتال، فيفضي إلى ~~ظفر العدو بهم، وقصة بدر منسوخة بقول الله تعالى: {يسألونك عن الأنفال قل ~~الأنفال لله والرسول} [الأنفال: 1] . # فصل: # فأما تفضيل بعض الغانمين على بعض، فإن كان على سبيل التنفيل لبعضهم، فقد ~~ذكرناه. وإن كان على غير ذلك، لم يجز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~سوى بينهم؛ ولأنهم اشتركوا في ms1222 الغنيمة على سبيل التسوية، فيجب التسوية ~~بينهم، كسائر الشركاء. # فصل: # ومن غل من الغنيمة وهو أن يكتم ما غنمه، أو شيئا منه، وجب إحراق رحله، # PageV04P148 # إلا السلاح والمصحف، وما فيه روح، لما روى صالح بن محمد بن زائدة قال: ~~دخلت مع مسلمة أرض الروم، فأتي برجل قد غل فسأل سالما عنه، فقال: سمعت أبي ~~يحدث عن عمر بن الخطاب عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: قال: «إذا وجدتم ~~الرجل قد غل، فأحرقوا متاعه واضربوه» قال: فوجدنا في متاعه مصحفا، فسألنا ~~سالما عنه، فقال: بعه وتصدق بثمنه. # ولا يحرق المصحف والحيوان لحرمته، ولا ثيابه؛ لأنه يبقى عريانا، ولا ما ~~غله لأنه للمسلمين. وإن مات قبل إحراق متاعه، لم يحرق؛ لأنه عقوبة فسقط ~~بموته، كالحد؛ ولأن ماله ينتقل إلى وارثه فيصير إحراقه عقوبة لغير الجاني، ~~ولا يحرم الغال سهمه؛ لأن سبب استحقاقه متحقق. # فصل: # وإذا كان في السبي، من يعتق على بعض الغانمين بالملك، أو عتق عبدا من ~~الغنيمة عتق عليه كله، وعليه قيمته، يرد في المقسم إن كان موسرا؛ لأنه ملك ~~جزءا منه بفعله، فعتق عليه جميعه، كما لو اشترى جزءا منه. وإن كان معسرا، ~~لم يعتق عليه، إلا ما ملك منه كذلك. ومن وطئ جارية من المغنم، ممن له فيها ~~حق أو لولده، فلا حد عليه للشبهة ويعزر، وعليه مهرها؛ لأنه وطء سقط فيه ~~الحد عن الواطئ للشبهة، فوجب به المهر، كالوطء في نكاح فاسد، وإن أحبلها، ~~ثبت نسب الولد، وينعقد حرا للشبهة، وتصير أم ولد له، وعليه قيمتها ترد في ~~المغنم. وهل يلزمه قيمة الولد؟ فيه روايتان: # إحداهما: تلزمه لأنه فوت رقه. # والثانية: لا يجب؛ لأنه ينعقد حرا، فلم يدخل في ملك الغانمين. # فصل: # ويجوز للأمير البيع من الغنيمة قبل القسمة للغانمين، ولغيرهم إذا رأى ~~المصلحة فيه؛ لأن الولاية ثابتة له عليها، وقد تدعو الحاجة إلى ذلك لإزالة ~~كلفة نقلها، أو لتعذر قسمتها بعينها، ويجوز لكل واحد من الغانمين، بيع ما ~~يحصل له بعد القسم، والتصرف فيه كيف شاء؛ ms1223 لأن ملكه ثابت فيه. فإن باع ~~الأمير، أو بعض الغانمين في دار الحرب شيئا، فغلب عليه العدو قبل إخراجه ~~إلى دار الإسلام، ففيه روايتان: # PageV04P149 # إحداهما: هو من ضمان المشتري. اختارها الخلال وصاحبه؛ لأنه مال مقبوض ~~أبيح لمشتريه التصرف فيه، فكان من ضمانه، كما لو اشتراه في دار الإسلام. # والثانية: ينفسخ البيع، ويسقط الثمن عن المشتري، أو يرد إليه إن كان أخذ ~~منه. اختارها الخرقي؛ لأنه لم يكمل قبضه، لكونه في دار الحرب، في خطر قهر ~~العدو، فلم يضمنه المشتري كالثمر في الشجر. هذا إذا أخذ بغير تفريط من ~~المشتري، فإن أخذ منه لخروجه من العسكر، فهو من ضمانه؛ لأنه ذهب بتفريطه، ~~أشبه ما لو أتلفه. # فصل: # قال أحمد [- رضي الله عنه -] : ولا يجوز لأمير الجيش، أن يشتري من مغنم ~~المسلمين شيئا؛ لأنه يحابي؛ ولأن عمر [- رضي الله عنه -] رد ما اشتراه ~~ابنه، في غزوة جلولاء، فأما إن وكل من يشتري له، ممن لا يعرف أنه وكيله، صح ~~الشراء، لعدم المحاباة. ورخص أبو عبد الله، فيما إذا قوم أصحاب المقاسم، ~~فقالوا: جلود الماعز بكذا، والخرفان بكذا، فاحتاج أحد الغانمين إلى أخذ شيء ~~منه بتلك القيمة أن يأخذه، ولا يأتي المقاسم، لأجل المشقة في استئذانهم في ~~جميع ذلك. # فصل: # وما أخذه أهل الحرب من أموال المسلمين، أو أهل الذمة، ثم ظهر عليه ~~المسلمون، فأدركه صاحبه قبل قسمه، وجب رده إليه، لما روى ابن عمر أنه ذهب ~~فرس له، فأخذه العدو، فظهر عليه المسلمون فرد عليه في زمن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. وعنه: «أن غلاما له أبق إلى أرض العدو، فظهر عليه المسلمون، ~~فرده النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ابن عمر، ولم يقسم» . رواهما أبو ~~داود. # فإن لم يرده إليه الإمام، وقسمه مع العلم، لم تصح قسمته؛ لأنه قسم مال ~~مسلم، يجب رده إليه فأشبه المغصوب، ولصاحبه أخذه بغير شيء. فأما إن أدركه ~~صاحبه بعد القسم ففيه روايتان: # إحداهما: لا حق له فيه، لما روي أن أبا عبيدة كتب إلى عمر ms1224 بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - فيما أحرز المشركون من المسلمين، ثم ظهر المسلمون عليهم ~~بعد، قال: من وجد عين ماله بعينه، فهو أحق به ما لم يقسم. وقال سلمان بن ~~ربيعة: إذا قسم، فلا حق له فيه. رواهما سعيد. وروى أصحابنا عن ابن عمر، أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أدرك ماله قبل أن يقسم، فهو له. ~~وإن أدركه بعد أن قسم فليس له فيه شيء» . # PageV04P150 # والثانية: هو أحق به بالثمن الذي حسب به على آخذه، لما روى ابن عباس - ~~رضي الله عنهما -: «أن رجلا وجد بعيرا له، كان المشركون أصابوه، فقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: إن أصبته قبل القسمة، فهو لك، وإن أصبته بعدما ~~قسم، أخذته بالقيمة» ؛ ولأن امتناع أخذه خشية ضياع حق آخذه من الغنيمة أو ~~تضييع الثمن على المشتري، وهذا ينجبر بأداء الثمن، فوجب أن يأخذه بالثمن، ~~كالشقص المشفوع. وإن أخذ أحد الرعية مال المسلم من الكفار بغير عوض، ~~كالهبة، والسرقة، فصاحبه أحق به، لما روي: «أن قوما أغاروا على سرح النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فأخذوا ناقته، وجارية من الأنصار، فأقامت عندهم ~~أياما، ثم خرجت في بعض الليل، قالت: فما وضعت يدي على ناقة، إلا رغت، حتى ~~وضعتها على ناقة ذلول، فامتطيتها، ثم توجهت إلى المدينة ونذرت إن نجاني ~~الله عليها أن أنحرها، فلما قدمت المدينة استعرفت الناقة، فإذا هي ناقة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذها، فقلت: يا رسول الله، إني نذرت أن ~~أنحرها، فقال: بئس ما جازيتها، لا نذر في معصية» وفي لفظ: «لا نذر فيما لا ~~يملك ابن آدم» ؛ ولأنه حصل في يده بغير عوض ولا قسمة، أشبه ما لو أدركه في ~~الغنيمة، قبل القسمة. وإن أخذه من الكفار بثمن فحكمه حكم المقسوم. هل يكون ~~صاحبه أحق به بالثمن، أو لا يستحقه؟ يحتمل وجهين؛ لما روى الشعبي قال: أغار ~~أهل ماه وأهل جلولاء على العرب، فأصابوا سبايا العرب، فكتب السائب بن ~~الأقرع، إلى عمر في سبايا المسلمين ورقيقهم ms1225 قد اشتراه التجار من أهل ماه، ~~فكتب عمر فيمن أصاب رقيقه، ومتاعه في أيدي التجار بعدما اقتسم، فلا سبيل ~~إليه، وأيما حر اشتراه التجار، فإنه ترد إليهم رءوس أموالهم. فإن الحر لا ~~يباع، ولا يشترى. رواه سعيد. # فصل: # وإن استولى حربي على مال مسلم، ثم أسلم، أو دخل إلينا بأمان، فهو له. نص ~~عليه أحمد. وإن كان قد أتلفه أو باعه فلا شيء عليه، لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «من أسلم على شيء فهو له» ، وإن كان أخذه من المستولي عليه ~~بسرقة، أو هبة، أو شراء، فكذلك في إحدى الروايتين؛ لأنه قد حصل منه ~~الاستيلاء، والأخرى صاحبه أحق به بالقيمة؛ لأنه كالمقسوم. فإن استولى على ~~جارية، فاستولدها، فهي أم ولد له. فإن غنمها المسلمون فأدركها صاحبها، ~~أخذها، وكان أولادها غنيمة؛ لأنهم أولاد كافر حدثوا بعد ملك الكافر لها. # PageV04P151 # فصل: # وإن استولى الكفار على حر من المسلمين، أو أهل الذمة، لم يملكوه. وإن ~~اشتراه رجل منهم فعلى الأسير أداء ما اشتراه به، لما ذكرنا من خبر عمر. وإن ~~استولوا على عبد، فحكمه حكم الأموال، قنا كان أو مدبرا، أو مكاتبا أو ~~مدبرا؛ لأنه يضمن بالقيمة. وهل يكون سيده أحق به بالثمن بعد القسمة؟ على ~~الروايتين. وإن استولوا على أم ولد، فأدركها صاحبها بعد القسمة، أو في يد ~~مشتريها من الكفار، فهو أحق بها بالقيمة بكل حال؛ لأنه قد حصل فيها سبب ~~للحرية لازم، فأثر ذلك في منع إقرار اليد عليها. فإن لم يحب سيد المكاتب ~~أخذه. فهو في يد مشتريه، أو من أعطيه من الغانمين فبقي على ما بقي عليه من ~~كتابته، يعتق بالأداء. وولاؤه لمن يؤدي إليه. # فصل: # وإن غنم المسلمون من الكفار شيئا عليه علامة المسلمين، ولم يعرف صاحبه، ~~فهو غنيمة، تجوز قسمته؛ لأنه قد وجد سبب الملك وهو الاستيلاء، ولم يتحقق ما ~~يمنعه. فإن كان فيها شيء موسوم عليه، حبيس، رد إلى أهله؛ لأنه قد عرف ~~مصرفه، وإن كان فيها عبد فقال: أنا لفلان، قبل منه ورد ms1226 إلى صاحبه، وإن ~~أصابوا مركبا، كان للمسلمين، وفيه النواتية، فقالوا: هذا لفلان، وهذا ~~لفلان، لم يقسم. نص أحمد - رضي الله عنه - على هذا كله. # فصل: # وإذا دخل قوم لا منعة لهم دار الحرب بغير إذن الإمام، فغنموا، ففي ~~غنيمتهم ثلاث روايات: # إحداهن: فيها الخمس وسائرها لهم؛ لعموم قوله سبحانه: {واعلموا أنما غنمتم ~~من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] . # والثانية: هي لهم من غير خمس؛ لأنه اكتساب مباح من غير جهاد، فأشبه ~~الاحتطاب. # والثالثة: هي فيء لا شيء لهم فيها؛ لأنهم عصاة بفعلهم، فلم يملكوه، ~~كالسرقة من المسلمين. وإن كانت الطائفة ذات منعة فكذلك، لما ذكرنا من ~~التعليل، وقيل: لا يكون لهم بغير خمس، رواية واحدة لأنها غنيمة، فلا ~~يستحقونها بغير خمس للآية، وكسائر الغنائم. # PageV04P152 # فصل: # ومن أجر نفسه على حفظ الغنيمة أو سوق دوابها، أو رعيها أو حملها، فله ~~أجرته؛ لأنه فعل بالمسلمين إليه حاجة لم يتعين عليه فعله، فأبيح له إجارة ~~نفسه فيه، كالدلالة على الطريق. وليس له ركوب دابة من المغنم، ولا حبيس؛ ~~لأنه يستعمل دابة المسلمين فيما يختص نفعه به، فلم يجز، كما لو أجر نفسه ~~لأجنبي. فإن فعل فعليه أجرة مثل الدابة، يرد في المغنم إن كانت من الغنيمة، ~~أو تصرف في نفقة دابة الحبيس، إن كانت حبيسا. وإن شرط له في الإجارة ركوب ~~دابة من المغنم، جاز؛ لأن ركوبها من الأجرة، فجازت من المغنم، كما لو أجر ~~نفسه بدابة من المغنم. # فصل: # وما أهداه أهل الحرب لأمير الجيش، أو غيره من أهل الجيش في دار الحرب، ~~فهو غنيمة؛ لأنه يغلب على الظن أنه بذله خوفا من المسلمين. وإن كانت الهدية ~~من دار الحرب إلى دار الإسلام، فهي لمن أهدي إليه؛ لأنه تبرع له بذلك من ~~غير خوف، فأشبه هدية المسلمين. # فصل: # وإن عدم الإمام لم يؤخر الجهاد، وإن حصلت غنائم، قسمها أهلها بينهم على ~~موجب الشرع؛ لأنها مال لهم مشترك، فجاز لهم قسمته كسائر الأموال. فإن كان ~~فيها إماء، أخروا قسمتهن حتى يظهر إمام؛ لأن ms1227 في قسمتهن إباحة الفروج، ~~فاحتيط في بابها. ### | باب قسمة الخمس # يقسم الخمس على خمسة أسهم: سهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسهم ~~لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل، لقول الله ~~تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الأنفال: 41] . فسهم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يصرف في مصالح المسلمين، لما روى جبير بن مطعم «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - تناول بيده وبرة من بعير ثم قال: والذي نفسي ~~بيده ما لي مما أفاء الله إلا الخمس، والخمس مردود عليكم» فجعله لجميع ~~المسلمين. ولا يمكن صرفه إلى جميعهم إلا بصرفه في مصالحهم، من سد الثغور، ~~وكفاية أهلها، وشراء # PageV04P153 # الكراع والسلاح، ثم الأهم فالأهم، على ما سنذكره في الفيء. وعنه: أن سهم ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - يختص بأهل الديوان؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - استحقه لحصول النصرة، فيكون لمن يقوم مقامه في النصرة. وعنه: ~~أنه يصرف في الكراع والسلاح. # فصل: # وسهم ذي القربى لبني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف، لما روى جبير بن ~~مطعم، قال: «لما كان يوم خيبر، وضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهم ~~ذي القربى في بني هاشم وبني المطلب، جئت أنا وعثمان، فقلنا: يا رسول الله، ~~إن إخواننا بني هاشم لا ننكر فضلهم، لمكانك الذي وضعك الله به منهم، أرأيت ~~إخواننا من بني المطلب، أعطيتهم وتركتنا؟ وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة، ~~فقال: إنهم لم يفارقوني في جاهلية وإسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء ~~واحد ثم شبك بين أصابعه» . رواه أبو داود. # ويجب تعميمهم به حيث كانوا، لعموم قوله تعالى: {ولذي القربى} [الأنفال: ~~41] ولأنه حق يستحق بالقرابة، فوجب تعميمهم به كالميراث. ويعطى الغني ~~والفقير والذكر والأنثى كذلك؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى منه ~~العباس وهو غني، وأعطى صفية عمته. ويقسم للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأنه يستحق ~~بقرابة الأب بالشرع، أشبه الميراث، ويحتمل أن يسوى بينهما، كالمستحق ~~بالوصية ms1228 للقرابة. # فصل: # وأما سهم اليتامى، فهو لصغير لا أب له، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «لا يتم بعد احتلام» . ويعتبر أن يكون فقيرا؛ لأن غناه بالمال أكثر من ~~غناه بالأب، وسهم المساكين للفقراء، أو المساكين الذين يستحقون من الزكاة؛ ~~لأنه متى أفرد لفظ المساكين أو الفقراء، تناول الصنفين، بدليل مصرف ~~الكفارات، والوصايا والنذور. وسهم ابن السبيل للصنف المذكور في أصناف ~~الزكاة. # فصل: # ولا حق في الخمس لكافر؛ لأنه عطية من الله، فلم يكن لكافر فيه حق ~~كالزكاة، ولا للعبد؛ لأن ما يعطاه لسيده، فكانت العطية لسيده دونه. # PageV04P154 ### | باب قسمة الفيء # باب قسم الفيء # فصل: # وهو: كل مال أخذ من المشركين بغير قتال كالجزية، والخراج، والعشور ~~المأخوذة من تجارهم، وما تركوه فزعا وهربوا، أو بذلوه لنا في الهدنة، ونحو ~~ذلك، فذكر الخرقي: أنه يخمس، فيصرف خمسه إلى من يصرف إليه خمس الغنيمة، ~~لقول الله تعالى: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الحشر: 7] وهؤلاء أهل الخمس، وهذا ~~إحدى الروايتين عن أبي عبد الله - رحمه الله -. وظاهر المذهب أنه لا يخمس، ~~لقول الله تعالى: {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ~~ولا ركاب} [الحشر: 6] ... الآيات. فجعله كله لجميع المسلمين. قال عمر - رضي ~~الله عنه -، لما قرأها: هذه استوعبت المسلمين، ولئن عشت ليأتين الراعي وهو ~~بسرو حمير نصيبه منها لم يعرق فيها جبينه. وعلى كلتا الروايتين يبدأ فيه ~~بالأهم فالأهم. وأهم المصالح كفاية أجناد المسلمين بأرزاقهم، وسد الثغور ~~بمن فيه كفاية. وكفايتهم بأرزاقهم، وبناء ما يحتاج إلى بنائه منها، وحفره ~~الخنادق، وشراء ما يحتاج إليه من الكراع والسلاح، ثم الأهم فالأهم من عمارة ~~القناطر والطرق والمساجد، وكري الأنهار، وسد البثوق، وأرزاق القضاة، ~~والأئمة، والمؤذنين، ومن يحتاج إليه المسلمون، وكل ما يعود نفعه إلى ~~المسلمين، ثم ما فضل قسمه على المسلمين، لما ذكرنا من الآية، وقول عمر - ~~رضي الله عنه -. وذكر القاضي: أن الفيء لأهل الجهاد خاصة دون غيرهم من ms1229 ~~الأعراب، ومن لا يعد نفسه للجهاد؛ لأنه ذلك كان للنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لحصول النصرة به، فلما مات أعطي لمن يقوم مقامه في ذلك، وهم المقاتلة دون ~~غيرهم. # فصل: # ويفرض للمقاتلة من المسلمين قدر كفايتهم؛ لأنهم كفوا المسلمين أمر الجهاد ~~فيجب أن يكفوا المؤنة، ويتعاهد عدد عيالهم لأنهم قد يزيدون وينقصون، ويتعرف ~~أسعار ما يحتاجون إليه من الطعام والكسوة؛ لأنه قد يغلو ويرخص، لتكون ~~أعطيتهم على قدر كفايتهم، ولا يفرض في المقاتلة لصبي ولا مجنون، ولا عبد ~~ولا امرأة، ولا ضعيف عاجز عن الجهاد، ولا لمريض لا يرجى برؤه؛ لأنهم من غير ~~أهل الجهاد. ويفرض للمريض المرجو برؤه؛ لأن أحدا لا يخلو من عارض. وإن مات ~~مجاهد وله # PageV04P155 # عائلة، أجري عليهم قدر كفايتهم؛ لأن فيه تطييب قلوب المجاهدين، فمتى ~~علموا أن عيالهم يكفون المؤنة بعد موتهم، توفروا على الجهاد. وإن علموا ~~خلاف ذلك، توفروا على الكسب، وآثروه على الجهاد. فإذا بلغ الذكور منهم، ~~فاختاروا أن يكونوا من المقاتلة، فرض لهم. وإن لم يختاروا، تركوا. ومتى ~~تزوجت المرأة، سقط حقها؛ لأنها خرجت من عيال الميت. ومن مات بعد حلول وقت ~~العطاء، دفع إلى ورثته حقه؛ لأنه مات بعد الاستحقاق، فانتقل حقه إلى وارثه، ~~كسائر الموروثات. # فصل: # وينبغي للإمام أن يضع ديوانا يكتب فيه أسماء المقاتلة، وقدر أرزاقهم لما ~~روي عن أبي هريرة قال: قدمت على عمر - رضي الله عنه - ثمانمائة ألف درهم، ~~فلما أصبح، أرسل إلى نفر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال ~~لهم: قد جاء للناس مال لم يأتيهم مثله منذ كان الإسلام، أشيروا علي بمن ~~أبدأ؟ قالوا: بك يا أمير المؤمنين، إنك ولي ذلك. قال: لا، ولكن ابدءوا بأهل ~~بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الأقرب فالأقرب، فوضع الديوان على ~~ذلك، ويجعل لكل طائفة عريفا يقوم بأمرهم ويجمعهم وقت العطاء، ووقت الغزو؛ ~~لأنه يروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل عام خيبر على كل عشرة ~~عريفا، ويجعل العطاء في كل عام مرة أو ms1230 مرتين. ولا يجعل في أقل من ذلك، لئلا ~~يشغلهم عن الغزو، ويبدأ ببني هاشم؛ لأنهم أقارب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لما ذكرنا من خبر عمر، ثم ببني المطلب، لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» وشبك بين أصابعه. ثم ببني ~~عبد شمس؛ لأنه أخو هاشم لأبيه وأمه. قال آدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد ~~العزيز: عبد شمس كان يتلو هاشما، وهما بعد لأم وأب، ثم ببني نوفل؛ لأنه أخو ~~هاشم لأبيه، ثم يعطى بنو عبد العزى، وعبد الدار ويقدم عبد العزى؛ لأن فيهم ~~أصهار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن خديجة منهم، فعلى هذا: يعطى ~~الأقرب فالأقرب، حتى تنقضي قريش، وهم بنو النضر بن كنانة، ثم يقدم الأنصار ~~على سائر العرب لسابقتهم وآثارهم الجميلة، ثم سائر العرب، ثم العجم، وإن ~~استوى اثنان في الدرجة، قدم أسنهما، ثم أقدمهما هجرة وسابقة. # فصل: # واختلفت الرواية عن أحمد في جواز تفضيل بعضهم على بعض، فروي عنه: أنه ~~يسوى بينهم في العطاء، ولا يجوز التفضيل؛ لأن أبا بكر الصديق - رضي الله ~~عنه - سوى بينهم فيه، وقال: فضائلهم عند ربهم؛ ولأن الغنائم تقسم بين من ~~حضر الوقعة على السواء، فكذلك الفيء. وعنه: أن للإمام تفضيل قوم على قوم؛ ~~لأن عمر - رضي الله عنه - قسم بينهم على السوابق، وقال: لا أجعل من قاتل ~~على الإسلام كمن قوتل عليه ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم النفل ~~بين أهله متفاضلا، وهذا في معناه. # PageV04P156 # فصل: # ومن ضل من أهل الحرب الطريق، فوقع في دار الإسلام، أو حملته الريح في ~~المركب إلينا، أو شرد من دوابهم فحصل في أيدينا، ذكر أبو الخطاب، فيه ~~روايتين: # إحداهما: يكون فيئا؛ لأنه مال مشرك ظهر عليه بغير قتال، أشبه ما تركوه ~~فزعا وهربوا. # والثانية: هو لمن أخذه؛ لأنه مباح ظهر عليه بغير جهاد، فكان لآخذه ~~كمباحات دار الإسلام. وقد روي عن أحمد فيمن ضل الطريق منهم، فدخل إلى قرية، ~~قال: هو لأهل ms1231 القرية كلهم، وقال في عبد أبق إلى أرض الروم، ثم رجع ومعه ~~متاع: فالعبد لمولاه، وما معه من المتاع والمال فهو للمسلمين. قال القاضي: ~~هذا على الرواية التي تجعل غنيمة الذين دخلوا أرض الحرب بغير إذن الإمام ~~فيئا، فأما على الرواية الأخرى، فيكون المال لسيده؛ لأنه كسب عبده، وفي ~~تخميسه روايتان. ولو أسر الكفار رجلا، فغنم منهم شيئا، وخرج به إلى دار ~~الإسلام، كان له؛ لأنه كسبه، ويحتمل أن يجب فيه الخمس؛ لأنه غنيمة. وقد روى ~~الأوزاعي أنه لما أقفل عمر بن عبد العزيز الجيش الذين كانوا مع مسلمة، كسر ~~مركب بعضهم، فأخذ المشركون ناسا من القبط، فكانوا خدما لهم ثم خرجوا إلى ~~عبد لهم، وخلف القبط في مركبهم، ورفع القبط القلع، وفي المركب متاع الآخرين ~~وسلاحهم، فلم يضعوا قلعهم حتى أتوا بيروت، فكتب في ذلك إلى عمر بن عبد ~~العزيز، فكتب إليهم عمر: نفلوهم القلع وكل شيء جاءوا به، إلا الخمس. رواه ~~سعيد. ويحتمل أن يكون فيئا، استدلالا بقول عمر: نفلوهم الذي جاءوا به، ولو ~~كان لهم، لم يكن نفلا. ### | باب حكم الأرضين المغنومة # الأرض التي بأيدي المسلمين تنقسم قسمين: # أحدهما: ما هو مملوك لأهله، لا خراج عليه، وهو ما أسلم عليه أهله، كأرض ~~مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو غنمه المسلمون فقسم بينهم، كأرض ~~خيبر التي قسمها النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أصحابه الذين افتتحوها، ~~أو ما صالح أهله على أن الأرض لهم، كأرض اليمن، والحيرة وبانقيا، وأليس من ~~العراق، أو ما أحياه المسلمون من موات الأرض، كأرض البصرة، كانت سبخة، ~~فأحياها عتبة بن غزوان، وعثمان بن أبي العاص، فهذا ملك لأهله، لهم التصرف ~~فيه، بالبيع وسائر التصرفات؛ لأنه مملوك لهم، أشبه الثياب والسلاح. # PageV04P157 # القسم الثاني: ما وقفه الأئمة على المسلمين ولم يقسموه، كأرض الشام كلها، ~~ما خلا مدنها، والعراق كله إلا ما ذكرنا منه، والجزيرة ومصر، والمغرب وسائر ~~ما افتتح عنوة، فهذا وقفه عمر - رضي الله عنه - ومن بعده من الأئمة، ولم ~~ينقل عن النبي ms1232 - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من أصحابه - أنه قسم أرضا ~~عنوة غير خيبر. وروى أبو عبيد بإسناده عن عمر - رضي الله عنه -: أنه قدم ~~الجابية، فأراد قسمة الأرض بين المسلمين، فقال له معاذ: والله إذا ليكونن ~~ما تكره، إنك إن قسمتها اليوم، صار الريع العظيم في أيدي القوم، ثم يبيدون، ~~فيصير ذلك إلى الرجل الواحد، والمرأة الواحدة، ثم يأتي من بعدهم قوم يسدون ~~من الإسلام مسدا، وهم لا يجدون شيئا، فانظروا أمرا يسع أولهم وآخرهم، فصار ~~عمر إلى قول معاذ. # ولما افتتح عمرو بن العاص مصر، طلب منه الزبير قسمتها، فكتب في ذلك إلى ~~عمر، فكتب عمر: أن دعها حتى يغزو منها حبل الحبلة. وروي عن بكير بن عامر، ~~قال: اشترى عتبة بن فرقد أرضا من أرض الخراج، فأتى عمر فأخبره، فقال عمر: ~~ممن اشتريتها؟ قال: من أهلها، قال: فهؤلاء أهلها، للمسلمين، أبعتموه شيئا؟ ~~قالوا: لا، قال: فاذهب فاطلب مالك. # وعن عبد الله بن المغفل أنه قال: لا تشتر من أرض السواد، إلا من أهل ~~الحيرة، وبانقيا، وأليس. روى هذا كله أبو عبيد. وقد اشتهرت قصة عمر - رضي ~~الله عنه - في ضرب الخراج على أرض السواد، وإقراره في يد أهله بالخراج الذي ~~ضربه، وجعل ذلك أجرة له، ولم يقدر مدته، لعموم المصلحة فيه، فهذا لا يجوز ~~بيعه، ولا شراؤه، لخبر عتبة بن فرقد؛ ولأنه موقوف للمسلمين كلهم، فلم يجز ~~بيعه، كسائر الوقوف. فأما إجارته فجائزة؛ لأنه مستأجر في أيدي أربابه ~~بالخراج. وإجارة المستأجر جائزة. وذكر القاضي في إجارته روايتين، والصحيح ~~ما ذكرناه. وعن أحمد - رحمه الله - رواية أخرى: أنه كره بيعها، وأجاز ~~شراءها؛ لأنه استنقاذ لها، فجاز، كشراء الأسير. ومن كانت في يده أرض، فهو ~~أحق بها بالخراج، كالمستأجر. وتنتقل إلى وارثه بعده، على وجه الذي كانت في ~~يد موروثه. وإن آثر بها أحدا، صار الثاني أحق بها. وإن عجز رب الأرض عن ~~عمارتها، وأداء خراجها، أجبر على رفع يده عنها، ودفعت إلى غيره؛ لأن الأرض ~~للمسلمين، فلا ms1233 يجوز تعطيلها عليهم. # فصل: # ويجب الخراج في العامر الذي يمكن زرعه، والانتفاع به، فأما الموات الذي ~~لا يمكن زرعه، فلا خراج فيه؛ لأن الخراج أجرة الأرض، ولا أجرة لهذا. وعنه: ~~يجب فيه الخراج إذا كان على صفة يمكن إحياؤه، ليحييه من هو في يده، أو يرفع ~~يده عنه فيحييه غيره، وينتفع به. وما كان من الأرض لا يمكن زرعها حتى تراح ~~عاما، وتزرع # PageV04P158 # عاما، فخراجها على النصف من خراج غيرها؛ لأن نفعها على النصف، وحكم ~~الخراج حكم الدين يطالب به الموسر، وينظر به المعسر؛ لأنه أجرة، فأشبه أجرة ~~المساكن. وإن رأى الإمام المصلحة في ترك خراج إنسان له، أو تخفيفه، جاز له؛ ~~لأنه فيء، فكان النظر فيه إلى الإمام. ويجوز لصاحب الأرض أن يرشو العامل، ~~ليدفع عنه الظلم في خراجه؛ لأنه يتوصل بماله إلى كف اليد العادية عنه. ولا ~~يجوز له ذلك، ليدع له من خراجه شيئا؛ لأنه رشوة، لإبطال حق، فحرمت على ~~الآخذ والمعطي، كرشوة الحاكم، ليحكم له بغير الحق. # فصل: # ولا يسقط خراج هذه الأرض بإسلام أهلها، أو انتقالها إلى مسلم؛ لأنه أجرة، ~~فأشبه أجرة المساكن. قال أحمد: ما كان من أرض عنوة، ثم أسلم صاحبها، وضعت ~~عنه الجزية وأقر على أرض الخراج. وقال أيضا: أرض أهل الذمة فيها الخراج، ~~فإن اشتراها المسلم، ففيها الخراج؛ لأنه حق على الأرض. قال: ويكره للمسلم ~~أن يشتري من أرض الخراج والمزارع؛ لأن في الخراج معنى الذلة، وبهذا وردت ~~الأخبار عن عمر وغيره. ومعنى الشراء هاهنا: أن يتقبل الأرض بما عليها من ~~خراجها؛ لأن شراء هذه الأرض غير جائز، أو يكون على الرواية التي أجاز ~~شراءها، لكونه استنقاذا لها، فهو كاستنقاذ الأسير. # فصل: # ويعتبر الخراج بما تحمله الأرض من القليل والكثير، والمرجع فيه إلى ~~اجتهاد الإمام، في إحدى الروايات، وهي اختيار الخلال وعامة شيوخنا؛ لأنها ~~أجرة، فلم تتقدر بمقدار ما لا يختلف، كأجرة المساكن. # والثانية: يرجع فيه إلى ما فرض عمر - رضي الله عنه -، لا تجوز الزيادة ~~عليه، ولا النقصان منه؛ لأن ms1234 اجتهاد عمر أولى من قول غيره. # والثالثة: تجوز الزيادة عليه، ولا يجوز النقصان، لما روى عمرو بن ميمون: ~~أنه سمع عمر - رضي الله عنه - يقول لحذيفة، وعثمان بن حنيف: لعلكما حملتما ~~الأرض ما لا تطيق، فقال عثمان: والله لئن زدت عليهم، لا تشق عليهم ولا ~~تجهدهم. فدل على إباحة الزيادة ما لم يجهدهم. # واختلف عن عمر - رضي الله عنه - في قدر الخراج، إلا أنه روي عن عمرو بن ~~ميمون: أنه وضع على كل جريب، من أرض السواد قفيزا ودرهما. قال أحمد: أعلى ~~وأصح حديث في أرض السواد، حديث عمرو بن ميمون في الدرهم والقفيز. وهذا يدل ~~على أنه أخذ به. # PageV04P159 # فصل: # قال أحمد - رضي الله عنه -: قدر القفيز، صاع قدره ثمانية أرطال. قال ~~القاضي: عندي أن ثمانية أرطال بالمكي، فيكون ستة عشر رطلا بالعراقي. وقال ~~أبو بكر: قد قيل: إن قدره ثلاثون رطلا، وينبغي أن يكون من جنس ما تخرجه ~~الأرض؛ لأنه روي عن عمر - رضي الله عنه -: أنه ضرب على الطعام درهما، وقفيز ~~حنطة، وعلى الشعير درهما وقفيز شعير. # فصل: # والجريب: عشر قصبات في عشر قصبات. والقصبة: ستة أذرع بذراع عمر - رضي ~~الله عنه -، وهو ذراع وسط، لا أطول ذراع ولا أقصرها، وقبضة وإبهام قائمة، ~~وما بين الشجر من بياض الأرض تبع لها. ومن ظلم في خراجه، لم يحتسبه من ~~العشر؛ لأنه ظلم، فلم يحتسبه من العشر، كالغصب. وعنه: يحتسبه من العشر؛ لأن ~~الآخذ لهما واحد، وهذا اختيار أبي بكر. # فصل: # وما فتح عنوة، فالإمام مخير بين قسمته بين الغانمين، فيصير ملكا لهم، لا ~~خراج عليه، وبين وقفها على المسلمين، وضرب الخراج عليها؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فعل الأمرين في خيبر، فقسم نصفها، ووقف نصفها، وعمر وقف ~~كل شيء فتحه ولم يقسمه، فدل على جواز الأمرين، وليس له إلا فعل ما يرى ~~المصلحة فيه، فما فعل من ذلك، لزم. قال أحمد - رحمه الله -: هم على ما يفعل ~~الفاتح، إذا كان من أئمة الهدى. وعنه: أن الأرض تصير ms1235 وقفا بنفس الظهور ~~عليها؛ لأن الأئمة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقسموا أرضا ~~افتتحوها؛ ولأن في قسمتها المحذور الذي ذكره معاذ - رضي الله عنه -. وإنما ~~قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - نصف خيبر في بدء الإسلام، لضعفهم ~~وحاجتهم. وذكر أبو الخطاب رواية ثالثة: أنها تقسم بين الغانمين من غير ~~تخيير، لعموم قوله سبحانه: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} ~~[الأنفال: 41] ؛ لأن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى من فعل غيره، ~~والأول أولى؛ لأن عمر - رضي الله عنه - ومن بعده، لم يقسموا الأرض، وتابعهم ~~علماء الصحابة عليه، فحصل إجماعا. وما وقفه الإمام، فهو مخير بين إقرار ~~أهله فيه بالخراج وبين إجلائهم، وجلب غيرهم؛ لأن الأرض قد ملكت عليهم. فأما ~~ما جلا عنها أهلها خوفا من المسلمين، فتصير وقفا بنفس الظهور عليها؛ لأنها ~~ليست غنيمة، فتقسم. وعنه: لا # PageV04P160 # تصير وقفا حتى يقفها الإمام؛ لأن الوقف لا يثبت بنفسه. وحكمها حكم العنوة ~~إذا وقفت، وكذلك الحكم فيما صالحونا عليه، على أن الأرض للمسلمين، وتقر في ~~أيديهم بالخراج. فأما إن صالحناهم على أن الأرض لهم، ولنا عليها الخراج، ~~فهذه ملك لأربابها، متى أسلموا، سقط عنهم؛ لأنه بمنزلة الجزية، فيسقط ~~بالإسلام، كالجزية. ولهم بيعها والتصرف فيها. وإن انتقلت إلى مسلم، لم يؤخذ ~~خراجها، لما ذكرناه. ### | باب الأمان # يحوز عقد الأمان لجميع الكفار وآحادهم، لقول الله تعالى: {وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 6] . وروى علي - رضي ~~الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ذمة المسلمين واحدة ~~يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما، فعليه لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل.» رواه البخاري. # وتصح من كل مسلم بالغ عاقل مختار، ذكرا كان أو أنثى، حرا أو عبدا للخبر، ~~وقالت عائشة - رضي الله عنها -: إن كانت المرأة لتجير على المؤمنين، فيجوز. ~~وعن فضيل بن يزيد الرقاشي قال: جهز عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - جيشا ~~فكنت فيه، فحضرنا موضعا، فرأينا أنا ms1236 سنفتحها اليوم، وجعلنا نقبل ونروح، ~~فبقي عبد منا، فراطنهم وراطنوه، فكتب لهم الأمان في صحيفة، وشدها على سهم، ~~ورمى بها إليهم، فأخذوها، وخرجوا، فكتب بذلك إلى عمر، فقال: العبد المسلم ~~رجل من المسلمين يجوز أمانه. رواهما سعيد، ويصح أمان الأسير المسلم إذا ~~عقده غير مكره، كذلك. # فصل: # ولا يصح من كافر، لقوله - عليه السلام -: «يسعى بها أدناهم» وليس الكافر ~~منهم؛ ولأنه متهم في الدين. ولا من مجنون، ولا طفل؛ لأنه لا حكم لقولهما، ~~ولا مكره؛ لأنه عقد أكره عليه بغير حق، فلم يصح، كالبيع، وفي الصبي المميز ~~روايتان: # إحداهما: لا يصح منه؛ لأن القلم مرفوع عنه، ولا يلزمه بقوله حكم، فلا ~~يلزم غيره كالمجنون. # والثانية: يصح، لعموم الخبر؛ ولأنه مسلم عاقل فصح أمانه، كالبالغ، فإن ~~دخل مشرك بأمان من لا يصح أمانه، عالما بفساده، جاز قتله، وأخذ ماله؛ لأنه ~~حربي لا أمان # PageV04P161 # له وإن لم يعرف، عرف ذلك، ورد إلى مأمنه، ولم يجز قتله؛ لأنه دخل على أنه ~~بأمان. # فصل: # وللإمام عقده لجميع الكفار؛ لأن له الولاية على جميع المسلمين، وللأمير ~~عقده لمن أقيم بإزائه؛ لأن إليه الأمر فيهم. وأما سائر الرعية، فلهم عقده ~~للواحد، والعشرة، والحصن الصغير، لحديث عمر في أمان العبد. ولا يصح لأهل ~~بلدة ورستاق ونحوهم؛ لأن ذلك يفضي إلى تعطيل الجهاد، والافتئات على الإمام. ~~وللإمام والأمير أمان الأسير؛ لأن عمر - رضي الله عنه - أمن الهرمزان وهو ~~أسير؛ ولأن له المن عليه، فالأمان أولى، وليس ذلك لغيره؛ لأن أمر الأسير ~~إلى الإمام، فلم يجز لغيره الافتئات عليه. وذكر أبو الخطاب: أن ذلك لكل ~~مسلم؛ لأن زينب ابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجارت زوجها أبا ~~العاص بن الربيع بعد أسره، فأمضاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # فصل: # ومن طلب الأمان ليسمع كلام الله، ويعرف الشريعة، وجب أن يعطاه، ثم يرد ~~إلى مأمنه، لقول الله سبحانه: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع ~~كلام الله ثم أبلغه مأمنه} [التوبة: 6] . ويجوز عقده للمستأمن غير مقيد ~~بمدة؛ ms1237 لأن ذلك لا يفضي إلى ترك الجهاد. قال القاضي: يجوز أن يقيموا في ~~دارنا مدة الهدنة، بغير جزية، وهو ظاهر كلام أحمد - رحمه الله - لأن من جاز ~~إقراره بغير جزية فيما دون السنة، جاز فيما زاد كالمرأة، وقال أبو الخطاب: ~~عندي لا يجوز أن يقيموا سنة فصاعدا بغير جزية، لقول الله تعالى: {حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] . # فصل: # ويحصل الأمان بما يدل عليه من قول وغيره، فالقول مثل: أمنتك، أو أنت آمن، ~~أو أجرتك، أو أنت مجار، أو في جواري، أو في ذمتي، أو في أماني، أو في ~~خفارتي، أو لا بأس عليك، أو لا خوف عليك، أو لا تخف، أو مترس بالفارسية، ~~ونحو ذلك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم الفتح: «من دخل دار ~~أبي سفيان، فهو آمن» . وقال لأم هانئ: «قد أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت» . ~~وقال أنس لعمر في قصة الهرمزان: ليس لك إلى قتله سبيل، قد قلت: تكلم لا بأس ~~عليك، فأمسك عمر. وروى # PageV04P162 # زر عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إن الله يعلم كل لسان، فمن أتى منكم ~~أعجميا، فقال له: مترس، فقد أمنه، وإن أشار إليه بالأمان، فهو أمان، لما ~~روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى السماء ~~إلى مشرك، فنزل إليه، فقتله، لقتلته به، فإن قال المسلم: لم أرد به الأمان، ~~فالقول قوله؛ لأنه أعلم بنيته، ويرد المشرك إلى مأمنه؛ لأنه نزل على أنه ~~آمن. وإن قال له: قف، أو قم، أو ألق سلاحك، فقال أصحابنا: هو أمان؛ لأن ~~الكافر يعتقده أمانا، فأشبه قوله: لا تخف. ويحتمل أن يرجع فيه إلى النية، ~~فإن نوى به الأمان، كان أمانا لأنه يحتمله. وإن لم ينو، لم يكن أمانا؛ لأنه ~~يستعمل للإرهاب والتخويف والتهديد، فلم ينصرف إلى الأمان بغير نية، وإذا ~~اختلفا في نيته، فالقول قول المسلم، لما ذكرنا، وإن قال الكافر: أنت آمن، ~~فرد الأمان، لم ينعقد؛ لأنه إيجاب حق بعقده، ms1238 فلم يصح مع الرد، كالبيع. وإن ~~قبله ثم رده انتقض؛ لأنه حق له، فسقط بإسقاطه، كالرق. # وأما الفعل، فإذا دخل الحربي دار الإسلام، رسولا أو تاجرا، وقد جرت ~~العادة بدخول تجارهم إلينا، كان أمانا له، ولم يجز التعرض له؛ «لأن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرسولي مسيلمة: لولا أن الرسل لا تقتل ~~لقتلتكما» رواه أبو داود والنسائي بمعناه؛ ولأنهم دخلوا يعتقدون الأمان، ~~فأشبه ما لو دخلوا بإشارة المسلم. # وإن دخل مسلم دار الحرب رسولا، أو تاجرا وقد جرت العادة بدخول تجارنا ~~إليهم، صار في أمانهم، وصاروا في أمان منه؛ لأن الأمان إذا انعقد من أحد ~~الطرفين، انعقد من الآخر، فلا تحل خيانتهم في أموالهم، ولا معاملتهم ~~بالربا؛ لأن من حرم ماله عليك، ومالك عليه، حرمت معاملته بالربا، كالمسلم ~~في دار الإسلام. وإذا أخذ المسلمون حربيا، فادعى أنه جاء مستأمنا نظرنا، ~~فإن كان بغير سلاح، قبل قوله؛ لأن تركه السلاح دليل على قصد الأمان. وإن ~~كان معه سلاح، لم يقبل منه، نص عليه أحمد؛ لأن حمله لآلة الحرب دليل على ~~أنه محارب. وقال أحمد: إذا لقي الرجل العلج، فطلب منه الأمان، لم يعطه. وإن ~~كان المسلمون جماعة أعطوه الأمان؛ لأن الواحد لا يأمن غدر العلج عند خلوته ~~به، والجماعة يأمنون ذلك. # فصل: # ومن جاء بحربي، فادعى الحربي أنه أمنه، فأنكر المسلم، ففيه ثلاث روايات: # إحداهن: القول قول المسلم؛ لأن الأصل معه. وهو إباحة دم الحربي، وعدم ~~الأمان. # PageV04P163 # والثانية: القول قول الأسير؛ لأنه يدعي حقن دمه، فيكون ذلك شبهة في درء ~~القتل. # والثالثة: القول قول من يدل ظاهر الحال على صدقه، فمتى كان أقوى من ~~المسلم ومعه سلاحه، فالقول قوله: لأن الظاهر معه، وإن كان ضعيفا مأخوذا ~~سلاحه، فالقول قول المسلم؛ لأن الظاهر معه. # فصل: # وإذا دخل حربي دار الإسلام بأمان، ثبت الأمان لنفسه وماله الذي معه؛ لأن ~~الأمان يقتضي ترك التعرض له بما يضره، وأخذ ماله يضره، فإن أودع ماله، أو ~~أقرضه مسلما، أو ذميا، ثم عاد إلى دار ms1239 الحرب رسولا، أو تاجرا، أو متنزها ~~ليعود إلى دار الإسلام، فهو على أمانه. وإن دخل مستوطنا، أو محاربا، انتقض ~~الأمان في نفسه؛ لأنه تركه وبقي في ماله؛ لأنه بطل في نفسه بعوده، ولم يوجد ~~ذلك في المال؛ ولأن الأمان ثبت للمال بأخذ المودع والمقترض له، فأشبه ما لو ~~استودعه في دار الحرب، ودخل به دار الإسلام. فإن طلبه صاحبه، بعث به إليه، ~~وإن مات، بعث إلى وارثه، وكذلك إن مات المستأمن في دار الإسلام، بعث ماله ~~إلى وارثه؛ لأن الأمان حق لازم تعلق بالمال. فإذا انتقل إلى الوارث، انتقل ~~بحقه، كسائر ماله، وإن لم يكن له وارث، فهو فيء؛ لأنه مال انتقل عن الكافر ~~ولا مستحق له، فأشبه مال الذمي الذي يموت ولا وارث له، وإن سبي مالكه، كان ~~موقوفا، فإن عتق، رد إليه، وإن مات في الرق، أو قتل، فماله فيء؛ لأنه لا ~~يورث، فأشبه مال من لا وارث له. # فصل: # وإن أخذ المسلم من الحربي في دار الحرب مالا، مضاربة، أو وديعة، ودخل به ~~دار الإسلام، فهو في أمان، حكمه مثل ما ذكرنا، وإن أخذه ببيع في الذمة، أو ~~اقتراض، فالثمن في ذمته، عليه أداؤه إليه. وإن اقترض حربي من حربي مالا، ثم ~~دخل إلينا فأسلم، فعليه رد البدل؛ لأنه أخذه على سبيل المعاوضة، فأشبه ما ~~لو تزوج حربية، ثم أسلم، فإنه يلزمه مهرها. # فصل: # وإن حصر المسلمون حصنا، فطلب رجل منهم الأمان، ليفتح لهم الحصن، جاز ~~إعطاؤه. وكذلك إن طلبه لجماعة معينين، جاز، لما روي أن المهاجر بن أبي أمية ~~لما حصر النجير، بعث إليه الأشعث بن قيس: تعطيني الأمان لعشرة وأفتح لك ~~الحصن؟ ففعل. فإن فتح الحصن، فادعى الأمان منهم جماعة، كل واحد يقول أنا ~~المعطى، # PageV04P164 # وأشكل، لم يجز قتل واحد منهم؛ لأنه اشتبه المباح بالمحرم، فوجب تغليب ~~التحريم، كما لو اختلطت أخته بأجنبيات، وفي استرقاقهم وجهان: # أحدهما: لا يسترق واحد منهم كذلك، قال القاضي: هذا المنصوص عليه. # والثاني: يقرع بينهم، فيخرج صاحب الأمان بالقرعة، ويسترق ms1240 الباقون، ~~اختارها أبو بكر؛ لأنه اشتبه الحر بالرقيق، فوجب أن يخرج بالقرعة، كما لو ~~أعتق عبدا من عبيده وأشكل، وإن أسلم واحد في الحصن قبل فتحه، ثم فتح، فادعى ~~كل واحد منهم أنه المسلم، خرج فيها ما في التي قبلها؛ لأنها في معناها. # فصل: # وإذا أسر الكفار أسيرا، فأطلقوه بشرط أن يقيم عندهم مدة، كانوا في أمان ~~منه، ولم يكن له أن يهرب منهم، ولا أن يخونهم في أموالهم؛ لأنهم على هذا ~~أطلقوه. وإن أطلقوه ولم يشرطوا عليه شيئا، فله أن يقتل، ويسرق، ويهرب؛ لأنه ~~لم يصدر منه ما يثبت به الأمان. وكذلك إن أطلقوه على أن يكون رقيقا لهم، ~~وملكا؛ لأنه حر لا يثبت عليه الملك، ولم يصدر منه أمان. فإن أطلقوه وأمنوه، ~~ولم يشرطوا عليه شيئا، كان له الهرب؛ لأنه ليس بمال لهم، ولم يكن له ~~خيانتهم في أموالهم وأنفسهم؛ لأن أمانهم له يقتضي سلامتهم منه، وإن شرطوا ~~عليه الإقامة عندهم، فالتزمه، لزمه الوفاء لهم. نص عليه، لقوله تعالى: ~~{وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} [النحل: 91] . وقوله - عليه السلام -: ~~«المؤمنون عند شروطهم» . وإن شرطوا عليه أن يبعث إليهم فداءه من دار ~~الإسلام، لزمه ذلك، لما ذكرنا؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صالح ~~أهل الحديبية على رد من جاء، وفى لهم، وقال: «إنا لا يصلح في ديننا الغدر» ~~، فإن عجز عن الفداء، كان في ذمته، يبعثه إليهم متى قدر، كثمن المبيع. # وإن شرطوا عليه أنه إن لم يقدر على الفداء، رجع عليهم، فلم يقدر عليه، ~~وكان رجلا لزمه الوفاء في إحدى الروايتين، لما ذكرناه. # والثانية: لا يعود إليهم؛ لأن العود إليهم معصية، فلم يلزم بالشرط. وإن ~~كانت امرأة، لم ترجع إليهم رواية واحدة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لما صالح أهل الحديبية على رد من جاءه، منعه الله تعالى رد النساء؛ ولأن في ~~ردها تسليطا على وطئها حراما، فلم يجز. وإن كان الأسير شرط لهم ذلك مكروها ~~بضرب وتعذيب، لم يلزمه الوفاء لهم بشرط مما شرطه. وإن ms1241 اشترى الأسير منهم ~~شيئا مختارا، أو اقترضه، لزمه الوفاء لهم؛ لأنه عقد # PageV04P165 # معارضة، فأشبه غير الأسير. وإن كان مكروها لم يصح، فإن أكرهوه على قبضه، ~~لم يلزمه ضمانه وإن تلف، وعليه رده إن كان باقيا؛ لأنهم دفعوه إليه بحكم ~~عقد فاسد، وإن قبضه باختياره، فعليه ضمانه كذلك، والله أعلم. ### | باب الهدنة # ومعناها: موادعة أهل الحرب، ولا يجوز ذلك إلا على وجه النظر للمسلمين، ~~وتحصيل المصلحة لهم، لقول الله تعالى: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم ~~الأعلون} [محمد: 35] ؛ ولأن هدنتهم من غير حاجة، ترك للجهاد الواجب لغير ~~فائدة، فإن رأى الإمام المصلحة فيها، جازت، لقول الله تعالى: {وإن جنحوا ~~للسلم فاجنح لها} [الأنفال: 61] ، وقوله تعالى: {إلا الذين عاهدتم من ~~المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم ~~إلى مدتهم} [التوبة: 4] ، وروى مروان ومسور بن مخرمة: «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - صالح سهيل بن عمرو بالحديبية، على وضع القتال عشر سنين» ، ~~ووادع النبي - صلى الله عليه وسلم - قبائل من المشركين، وقريظة، والنضير؛ ~~ولأنه قد تكون المصلحة في الهدنة لضعف المسلمين عن قتالهم، أو طمع في ~~إسلامهم، أو التزامهم الجزية، أو غير ذلك. ولا يجوز عقدها إلا من الإمام، ~~أو نائبه؛ لأنه عقد يقتضي الأمان لجميع المشركين، فلم يجز لغيرهما، كعقد ~~الذمة. # فصل: # ولا يجوز عقد الهدنة مطلقا غير مقدرة بمدة؛ لأن إطلاقها يقتضي التأبيد، ~~فيفضي إلى ترك الجهاد أبدا. ويرجع في تقديرها إلى رأي الإمام على ما يراه ~~من المصلحة في قليل وكثير. وقال القاضي: وظاهر كلام أحمد أنه لا يجوز أكثر ~~من عشر سنين. وهو اختيار أبي بكر؛ لأن الأمر بالجهاد يشمل الأوقات كلها، خص ~~منه مدة العشر بصلح النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل الحديبية على عشر، ~~ففيما زاد يبقى على العموم. # ووجه الأول: أنه عقد يجوز في العشر، فجاز فيما زاد عليها، كالإجارة. فإن ~~هادنهم أكثر من قدر الحاجة، بطل في الزائد، وهل يبطل في قدر الحاجة على # PageV04P166 # وجهين، بناء على تفريق الصفقة. وكذلك ms1242 إذا هادنهم أكثر من عشر على الرواية ~~الأخرى بطل في الزيادة، وفي مدة العشر وجهان. فإن قال هادنتكم ما شئتم، لم ~~يصح؛ لأنه جعل الكفار متحكمين على المسلمين، وإن قال: هادنتكم ما شئنا، أو ~~ما شاء فلان، أو شرط أن له نقضها متى شاء، لم يصح؛ لأنه ينافي مقتضى العقد؛ ~~ولأنه عقد مؤقت، فلم يجز تعليقه على مشيئة أحدهما، كالإجارة. وقال القاضي: ~~يصح لأنه جعل التحكم إليه. وإن قال: إلى أن يشاء الله، أو نقركم ما أقركم ~~الله، لم يجز؛ لأنه لا طريق إلى معرفة ما عند الله. # فصل: # وتجوز الهدنة على غير مال؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صالح أهل ~~الحديبية، وغيرهم بغير مال. وتجوز على مال يأخذه منهم؛ لأنه إذا جازت بغير ~~مال، فعلى مال أولى، فأما مصالحتهم على مال يدفعه إليهم، فقد أطلق أحمد ~~المنع منه؛ لأن فيه صغارا على المسلمين. وهذا محمول على غير حال الضرورة. ~~فأما عند الحاجة، مثل أن يخاف على المسلمين قتلا، أو أسرا، أو تعذيب من ~~عندهم من الأسارى، فيجوز، لما روى الزهري قال: «أرسل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى عيينة بن حصن وهو مع أبي سفيان: أرأيت إن جعلت لك ثلث ثمر ~~الأنصار، أترجع بمن معك من غطفان وتخذل بين الأحزاب فأرسل إليه عيينة: إن ~~جعلت لي الشطر، فعلت.» فلولا أنه جائز، لما جعله له النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ ولأن الضرر المخوف أعظم من الضرر ببذل المال. فجاز دفع أعلاهما ~~بأدناهما. # فصل: # ويجوز في عقد الصلح شرط رد من جاء من أهل الحرب من الرجال؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - شرط ذلك في صلح الحديبية. ولا يجوز شرط رد النساء ~~المسلمات، لقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات ~~مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى ~~الكفار} [الممتحنة: 10] . ولما عقد النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلح في ~~الحديبية، جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فجاء أخواها يطلبانها، ~~فأنزل الله ms1243 تعالى: {فلا ترجعوهن إلى الكفار} [الممتحنة: 10] ، فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إن الله منع الصلح في النساء» ؛ ولأنه لا يؤمن أن ~~تتزوج بمشرك، فيصيبها، أو تفتن في دينها. # ولا يجوز رد الصبيان العقلاء؛ لأنهم بمنزلة المرأة في ضعف قلوبهم، وقلة ~~معرفتهم، فلا يؤمن أن يفتتنوا عن دينهم. وإن شرط رد الرجال بها، لزم الوفاء ~~لهم، # PageV04P167 # بمعنى أنهم إن جاءوا في طلب من جاء منهم، لم يمنعوا من أخذه ولا يجبره ~~الإمام على الرجوع معهم وله أن يأمره سرا بالفرار منهم وقتالهم؛ لأن أبا ~~بصير جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلح الحديبية، فجاء الكفار ~~في طلبه، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنا لا يصلح في ديننا ~~الغدر، وقد علمت ما عاهدناهم عليه، ولعل الله أن يجعل لك فرجا ومخرجا» ، ~~فرجع معهم، فقتل أحدهم، ورجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلم يلمه، ~~ولم ينكر عليه. # وإن جاءت امرأة مسلمة، لم يجز ردها، ولا يجب رد مهرها؛ لأن بضعها لا يدخل ~~في الأمان. وإنما رد النبي - صلى الله عليه وسلم - المهر؛ لأنه شرط رد ~~النساء، فكان شرطا صحيحا، فلما نسخ ذلك، وجب رد البدل، لصحة الشرط، بخلاف ~~حكم من بعده. # فصل: # وإن شرط في الهدنة شرطا فاسدا، كرد المرأة أو مهرها، أو السلاح، أو ~~إدخالهم الحرم، أو شرط لهم مالا، فهل يبطل عقد الهدنة؟ على وجهين؛ بناء على ~~الشروط الفاسدة. ومتى وقع العقد باطلا، فدخل بعض الكفار دار الإسلام معتقدا ~~للأمان، كان آمنا؛ لأنه دخل بناء على العقد. ويرد إلى دار الحرب. ولا يقر ~~في دار الإسلام؛ لأن الأمان لم يصح. # فصل: # وإن عقدت الهدنة على مدة، وجب الوفاء بها، لما ذكرنا في أول الباب؛ ~~ولأننا لو نقضنا عهدهم عند قدرتنا عليهم، لنقضوا عهدنا عند قدرتهم علينا، ~~فيذهب معنى الصلح. وإن مات الإمام أو عزل وولي غيره، لزمه إمضاؤه؛ لأنه عقد ~~لازم، فلم يجز نقضه بموت عاقده، كعقد الذمة. وعلى الإمام منع من يقصدهم من ~~أهل ms1244 دار الإسلام من المسلمين، وأهل ذمتهم؛ لأن الهدنة عقدت على الكف عنهم. ~~ولا يجب منعهم ممن يقصدهم من أهل الحرب، ولا منع بعضهم من بعض؛ لأن الهدنة ~~لم تعقد على ذلك. فإن سباهم قوم، لم يكن للمسلمين شراؤهم؛ لأنهم في عهدهم، ~~فلم يملكوهم، كأهل الذمة. وإن أتلف عليهم المسلمون شيئا، لزمهم ضمانه؛ ~~لأنهم في عهد، فأشبه أهل الذمة. وإن جاءنا منهم عبد أو أمة، مسلما، لم يرد ~~إليهم؛ لأنه صار حرا بقهره سيده، وإزالة يده بدخوله دار الإسلام. # فصل: # ومن أتلف منهم شيئا على مسلم، لزمه ضمانه، وإن قتله، فعليه القصاص. وإن ~~قذفه فعليه الحد؛ لأن الهدنة تقتضي أمان المسلمين منهم، وأمانهم من ~~المسلمين، في النفس، والمال، والعرض، فلزمهم ما يجب في ذلك. ومن شرب منهم ~~خمرا أو زنى، # PageV04P168 # لم يحد لأنه حق الله تعالى ولم يلتزموه بالهدنة. وإن سرق مال مسلم، ففيه ~~وجهان: # أحدهما: لا يقطع؛ لأنه حق خالص لله تعالى، أشبه حد الزنا. # والثاني: يقطع؛ لأنه يجب لصيانة حق الآدمي، فأشبه حد القذف. # فصل: # وإن نقض أهل الذمة العهد بقتال، أو مظاهرة عدو، أو قتل مسلم، أو أخذ مال، ~~انتقض عهدهم؛ لقول الله تعالى: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في ~~دينكم فقاتلوا أئمة الكفر} [التوبة: 12] ... الآية، والتي بعدها، وقوله ~~تعالى: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا ~~عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم} [التوبة: 4] ، وقوله سبحانه: ~~{فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين} [التوبة: 7] ؛ ولأن ~~الهدنة تقتضي الكف، فانتقضت بتركه، ولا يحتاج في نقضها إلى حكم الإمام؛ ~~لأنه إنما يحتاج إلى حكمه في أمر محتمل، وفعلهم لا يحتمل غير نقض العهد. ~~وإن نقض بعضهم، وسكت سائرهم، انتقضت الهدنة في الجميع؛ لأن ناقة صالح عقرها ~~واحد، فلم ينكر عليه قومه، فعذبهم الله سبحانه جميعا. ولما هادن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قريشا، دخلت خزاعة مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وبنو بكر مع قريش، فعدت بنو بكر على خزاعة، وأعانهم ms1245 نفر من قريش، وأمسك ~~سائر قريش، فكان ذلك نقض عهدهم، فسار إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- حتى فتح مكة. فإن أنكر الممسك على الناقض، أو اعتزلهم، أو راسل الإمام ~~به، لم ينتقض عهده؛ لأنه لم ينقض، ولا رضي بالنقض. ويؤمر بتسليم الناقض، أو ~~التميز عنه. فإن لم يفعل مع القدرة عليه، انتقضت هدنته أيضا؛ لأنه صار ~~مظاهرا للناقض. وإن لم يقدر على ذلك، فحكمه حكم الأسير. فإذا أسر الإمام ~~منهم قوما، فادعوا أنهم ممن لم ينقض، وأشكل، قبل قولهم؛ لأنه لا يتوصل إلى ~~معرفة ذلك إلا من جهتهم. # فصل: # وإن خاف الإمام نقض العهد منهم، جاز أن ينبذ إليهم عهدهم، لقول الله ~~تعالى: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء} [الأنفال: 58] ، ~~يعني: أعلمهم بنقض العهد، حتى تصير أنت وهم على سواء في العلم، ولا يكفي ~~بمجرد الخوف حتى تظهر أمارة النقض. ولا يفعل ذلك إلا الإمام؛ لأن نقضها ~~لخوف الخيانة، يحتاج إلى نظر واجتهاد # PageV04P169 # فافتقر إلى الحكم، وإن خاف خيانة أهل الذمة، لم ينبذ إليهم عهدهم؛ لأن ~~النظر في عقدها إليهم. وكذلك إذا طلبوا الذمة، لزمته إجابتهم إليه. والنظر ~~في الهدنة إلى الإمام، فكان النظر إليه عند الخوف. ومتى نقضها في دارنا ~~منهم أحد، وجب ردهم إلى مأمنهم لأنهم دخلوا بأمان، فوجب ردهم إلى مأمنهم، ~~كما لو أفردهم بالأمان، وإن كان عليهم حق، استوفي منهم. ### | باب عقد الذمة # ولا يجوز عقد الذمة إلا من الإمام، أو نائبه؛ لأنه عقد مؤيد تتعلق به ~~المصالح العامة، فلم يصح من غير الإمام ونائبه. ويجوز عقدها لأهل الكتاب، ~~والمجوس، لقول الله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ~~ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب ~~حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] ، ولما روى عبد الرحمن بن ~~عوف - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المجوس: ~~سنوا بهم سنة أهل الكتاب» ؛ ولأن النبي - صلى الله عليه ms1246 وسلم - أخذ الجزية ~~من مجوس هجر. وسواء كانوا عربا أو عجما؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بعث معاذا إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا، أو عدله معافر» . ~~رواه أبو داود. وكانوا عربا. # وأهل الكتاب: هم اليهود والنصارى، ومن وافقهم في أصل دينهم، وآمن بنبيهم ~~وكتابهم، كالسامرة الموافقة لليهود في موسى والتوراة، والفرنج يوافقون ~~النصارى في عيسى والإنجيل. وليس المجوس بأهل كتاب، لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» ، ولا المتمسك بدين إبراهيم وشيث وداود ~~بكتابي، ولا تعقد له ذمة، لقول الله سبحانه: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب ~~على طائفتين من قبلنا} [الأنعام: 156] ، ولا يجوز عقد الذمة لغير أهل ~~الكتاب والمجوس، كعبدة الأوثان، ومن عبد ما استحسن، والدهرية، ونحوهم، لقول ~~الله تعالى: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] . ثم خص أهل الكتاب بإعطاء ~~الجزية، وألحق بهم - صلى الله عليه وسلم - المجوس، فبقي من عداهم على مقتضى ~~العموم؛ ولأنهم تغلظ كفرهم، لكفرهم بجميع أنبياء الله تعالى وكتبه. وروى ~~الحسن بن ثواب عن أحمد: أن الجزية تقبل من جميع الكفار، إلا من عبدة ~~الأوثان من العرب؛ لأنه تغلظ كفرهم # PageV04P170 # بدينهم وجنسهم، لكونهم رهط النبي - صلى الله عليه وسلم -، وغيرهم لم ~~يتغلظ كفرهم من الجهتين، فقبلت الجزية منهم، كالمجوس. # وأما الصابئون، فينظر فيهم. فإن كانوا يوافقون أحد أهل الكتابين، في ~~نبيهم وكتابهم، فهم فرقة منهم. وإن لم يوافقوا واحدا منهم، فهم غير أهل ~~الكتاب، حكمهم حكم عبدة الأوثان. # فصل: # ومن دخل في دين أهل الكتاب، أو المجوس من سائر الكفار، صار منهم، وحكمه ~~حكمهم. سواء دخل قبل بعث نبينا - صلى الله عليه وسلم -، أو بعده، لعموم ~~النصوص فيهم. قال القاضي: هذا ظاهر كلام أحمد. وقال أبو الخطاب: من دخل بعد ~~بعث نبينا - صلى الله عليه وسلم -، أو قبل بعثه، وبعد تبديل كتابهم، لم ~~تعقد له الذمة؛ لأنه دخل في دين باطل. ومن كان أحد أبويه ممن تعقد له ~~الذمة، والآخر ممن لا تعقد له، عقدت له الذمة، لما ذكرنا؛ ولأنه ms1247 تبع لمن ~~يؤخذ منه الجزية؛ لأنه تبعه في الدين، فتبعه في الجزية، وقال أبو الخطاب: ~~فيه وجهان. # وإن ظهر المسلمون على قوم لا يعرف دينهم، فادعوا أنهم أهل كتاب، قبل ~~منهم؛ لأنهم لا يعرف دينهم إلا من جهتهم. فإن أسلم منهم اثنان، وشهدا أنهم ~~من غير أهل الكتاب، وكانا عدلين نبذ إليهم عهدهم؛ لأنه بان بطلانهم دعواهم. # فصل: # ومن عقدت له الذمة، أخذت منه الجزية. وفي قدرها ثلاث روايات. # إحداهن: يرجع إلى ما فرضه عمر - رضي الله عنه - عليهم، على الموسر ثمانية ~~وأربعون درهما، وعلى المتوسط أربعة وعشرون درهما، وعلى الفقير المعتمل اثنا ~~عشر درهما، لا يزاد على ذلك ولا ينقص منه؛ لأن عمر - رضي الله عنه - فرضها ~~كذلك بمحضر من الصحابة، وتابعه سائر الخلفاء بعده، فكان إجماعا. # والثانية: يرجع إلى اجتهاد الإمام، في الزيادة على ذلك والنقصان منه، على ~~ما يراه من المصلحة بعد أن لا يكلفهم فوق طاقتهم؛ «لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لما بعث معاذا إلى اليمن، قال له: خذ من كل حالم دينارا» رواه ~~أبو داود. وعمر زاد عليهم، فدل على جواز الزيادة والنقصان. # PageV04P171 # والثالثة: يجوز الزيادة، ولا يجوز النقصان؛ لأن عمر - رضي الله عنه - زاد ~~على ما فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ينقص. فإذا قلنا: لا تجوز ~~الزيادة، فمتى بذلوا القدر الواجب، لزم قبوله، وحرم قتالهم، لقول الله ~~تعالى: {حتى يعطوا الجزية} [التوبة: 29] . فمد قتالهم إلى إعطائها، أي: ~~بذلها. وإن قلنا له الزيادة، فله أن يزيد بقدر ما يراه. ولا يحرم قتالهم، ~~إلا أن يبذلوا ما طلب منهم. # فصل: # ويؤخذ من نصارى بني تغلب، مكان الجزية الزكاة، مثلي ما يؤخذ من المسلمين، ~~من جميع أموالهم الزكاتية، لما روى: أن عمر - رضي الله عنه - دعاهم إلى بذل ~~الجزية، فأبوا، وأنفوا، وقالوا: نحن عرب، خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض ~~باسم الصدقة، فقال عمر: لا آخذ من مشرك صدقة، فلحق بعضهم بالروم، فقال ~~النعمان بن زرعة: يا أمير المؤمنين، إن القوم لهم ms1248 بأس وشدة، وهم عرب يأنفون ~~من الجزية، فلا تعن عليك عدوك بهم، خذ منهم الجزية باسم الصدقة، فبعث عمر ~~في طلبهم، فردهم وضعف عليهم من كل خمس من الإبل شاتين، ومن كل ثلاثين بقرة ~~تبيعين، ومن كل عشرين دينارا دينارا، ومن كل مائتي درهم عشرة دراهم، ومما ~~سقت السماء الخمس، وفيما سقي بنضح، أو غرب، أو دولاب، العشر. فاستقر ذلك من ~~قول عمر، ولم يخالفه غيره من الصحابة فكان إجماعا. # قال أصحابنا: حكم المأخوذ منهم حكم الزكاة، في أنه يؤخذ من مال كل من ~~تؤخذ منه الزكاة لو كان مسلما. فعلى هذا يؤخذ من نسائهم وصبيانهم ~~ومجانينهم، وزمناهم، ومكافيفهم، وشيوخهم؛ لأنهم سألوا عمر أن يأخذ منهم ما ~~يأخذ بعضكم من بعض، فأجابهم؛ ولأنهم صينوا عن السبي بهذا الصلح، فجاز أن ~~يدخلوا في الواجب به، كالرجال. ولا يؤخذ من مال لم يبلغ نصابا، ولا من مال ~~غير زكاتي كذلك. ومن كان المأخوذ منه أقل من دينار، أجزأ عنه. ومن ليس له ~~نصاب زكاتي، فلا شيء عليه؛ لأن عمر - رضي الله عنه - صالحهم على هذا. ~~واختلف أصحابنا في مصرفه، فقال القاضي: مصرفه مصرف الفيء؛ لأنه جزية باسم ~~الزكاة. ومعنى الشيء أخص به من اسمه؛ ولأنه مال مشرك أخذ بغير قتال، فكان ~~فيئا كالجزية. # وقال أبو الخطاب: مصرفه مصرف الصدقة؛ لأنه سلك به مسلكها في قدر المأخوذ، ~~والمأخوذ منه: فكذلك في المصرف. فإن بذل تغلبي الجزية، مكان المفروض عليهم، ~~وكان حربيا، قبل منه؛ لأنه كتابي لم يصالح على غير الجزية، فحقن دمه بها ~~كغيره. وإن كان ممن عقد الذمة، لم يقبل منه؛ لأن الصلح وقع على غير ذلك، ~~فلم يجز تغييره. # PageV04P172 # فصل: # فأما سائر أهل الكتاب من النصارى وغيرهم، فلا يقبل منهم إلا الجزية، ولا ~~يؤخذون بما يؤخذ به بنو تغلب. نص عليه أحمد، للآية والأخبار. والعرب وغيرهم ~~في هذا سواء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذا إلى اليمن، وأمره ~~أن يأخذ من كل حالم دينارا، وهم عرب. وإنما خص بنو ms1249 تغلب بالصدقة، لصلحهم، ~~فبقي من عداهم على مقتضى النصوص. وذكر القاضي: أن تنوخ وبهرا، كبني تغلب، ~~وأن عمر صالحهم. وقال أبو الخطاب: وكذلك الحكم فيمن تنصر من تنوخ وبهرا، أو ~~تهود من كنانة، وحمير، أو تمجس من تميم؛ لأنهم عرب، فأشبهوا بني تغلب. ~~والصحيح الأول. ولم يصح عن عمر ولا غيره مصالحة غير بني تغلب على غير ~~الجزية. # فصل: # ولا جزية على صبي، لقوله - عليه السلام - لمعاذ: «خذ من كل حالم دينارا» ~~، وروى أسلم أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى أمراء الأجناد: لا تضربوا ~~الجزية على النساء والصبيان، ولا تضربوها إلا على من جرت عليه المواسي. ~~رواه سعيد؛ ولأنها تجب لحقن الدم، وهو محقون بدونها، ولا على امرأة كذلك، ~~ولا على خنثى مشكل؛ لأنه لا يعلم كونه رجلا، فلم تجب عليه مع الشك، ولا على ~~مجنون؛ لأنه في معنى الصبي، فنقيسه عليه، ولا على زمن، ولا أعمى، ولا شيخ ~~فان، ولا راهب؛ لأن دماءهم محقونة، فأشبهوا الصبي والمرأة، ولا على فقير ~~عاجز عن أدائها، لقول الله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: ~~286] . # فأما المعتمل الذي يقدر على كسب ما يقوم بكفايته، فعليه الجزية؛ لأنه في ~~حكم الأغنياء، ولا تجب على مملوك، لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه ~~قال: لا جزية على مملوك؛ ولأنه لا يقتل بالكفر، أشبه الصبي. وعن أحمد: أن ~~على الذمي أداء الجزية عن مملوكه. وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه ذكر مكلف قوي ~~مكتسب، أشبه الحر. ومن كان بعضه حرا، فعليه من الجزية بقدر ما فيه من ~~الحرية؛ لأن حكمه يتبعض، فقسم على قدر ما فيه من الحرية والرق، كالميراث. # فصل: # ومن بلغ من صبيانهم، أو أفاق من مجانينهم، أو عتق من عبيدهم، فهو من ~~أهلها بالعقد الأول؛ لأنه تبع من عليه الجزية في الأمان، فيتبعه في الذمة، ~~وتعتبر جزيته بحاله # PageV04P173 # لا بحال غيره؛ لأنه حكم يختلف باختلاف الحال، فاعتبر بحاله، كالزكاة. فإن ~~كان في أثناء الحول، أخذ في آخر الحول بقدر ما ms1250 أدرك منه، لئلا تختلف ~~أحوالهم، فيشق ضبطها. ومن كان يجن ويفيق إفاقة مضبوطة، كيوم ويوم، أو نصف ~~الحول ونصفه، ففيه وجهان: # أحدهما: يعتبر بالأغلب منهما؛ لأن الاعتبار في الأصول بالأغلب. # والثاني: تلفق إفاقته، فإذا بلغ حولا، أخذت الجزية، فإن كان سواء، ففيه ~~وجهان: # أحدهما: يؤخذ في كل حول نصف جزية؛ لأن الجزية تؤخذ في كل حول، فيؤخذ منه ~~بقدر ما عليه. # والثاني: تلفق إفاقته، فإذا بلغت حولا، أخذت منه؛ لأن حوله لا يكمل إلا ~~حينئذ. # فصل: # وإذا كان في الحصن نساء أو من لا جزية عليه، فطلبوا عقد الذمة بغير جزية، ~~أجيبوا إليها؛ لأنهم محقونون بدونها. وإن بذلوا جزية، أخبروا أنه لا جزية ~~عليهم، فإن تبرعوا بها، كانت هبة، متى امتنعوا منهم، لم يحوجوا إليها. # فصل: # وتجب الجزية في آخر كل حول؛ لأنه مال يتكرر بتكرر كل الحول، فوجب في ~~آخره، كالزكاة، والدية. فإن جن قبل انقضائه جنونا مطبقا، أو مات أو أسلم، ~~فلا جزية عليه؛ لأنه خرج عن أهلية الوجوب قبل الوجوب فلم يجب عليه، كما لو ~~مات بعض العاقلة قبل الحول، وإن جن أو مات بعد الحول، لم تسقط عنه؛ لأنه ~~دين وجب عليه في حياته، فأشبه العقل ودين الآدمي. وإن أسلم بعد الحول، سقطت ~~عنه، لما روى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس على ~~المسلم جزية» رواه الخلال. وقال أحمد: قد روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه ~~قال: إن أخذها في كفه، ثم أسلم، ردها. وروى أبو عبيد: أن يهوديا أسلم، ~~فطولب بالجزية، وقيل: إنما أسلمت تعوذا، قال: إن في الإسلام معاذا، فرفع ~~إلى عمر، فقال: إن في الإسلام معاذا، فكتب أن لا تؤخذ منه الجزية؛ ولأن ~~الجزية عقوبة تجب بسبب الكفر، فيسقطها الإسلام، كالقتل. وإن اجتمعت على ~~الذمي جزية سنين، أخذت منه، ولم تتداخل؛ لأن الحق مالي يجب في آخر كل حول، ~~فلم تتداخل، كالدية والزكاة. # PageV04P174 # فصل: # ويجوز أن يشرط عليهم مع الجزية ضيافة من يمر بهم من المسلمين، لما روى ms1251 ~~الأحنف بن قيس: أن عمر - رضي الله عنه - شرط على أهل الذمة ضيافة يوم ~~وليلة، وأن يصلحوا القناطر، وإن قتل رجل من المسلمين بأرضهم، فعليهم ديته، ~~رواه الإمام أحمد؛ ولأن فيه مصلحة، فإنه ربما تعذر الشراء على المسلمين، ~~ولا يلزمنهم ذلك إلا برضاهم؛ لأنه أداء مال فلم يلزمهم بغير رضاهم، ~~كالجزية، وإن امتنعوا من قبول الشرط، لم تعقد لهم الذمة؛ لأنه شرط سائغ، ~~فإذا امتنعوا منه، لم تعقد لهم، كالجزية. فإن لم تشترط عليهم الضيافة، لم ~~تجب؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ: خذ من كل حالم دينارا» ~~ولم يذكر الضيافة. ومن أصحابنا من قال: تجب بغير شرط، كما تجب على ~~المسلمين. وتقسم الضيافة عليهم على قدر جزيتهم، والأولى أن يبين عدد أيام ~~الضيافة من السنة، وعدد من يضاف من الرجال والفرسان، وقدر الطعام والإدام ~~والعلوفة؛ لأنه أبعد من اللبس. فإن أطلق ذلك، جاز. ولا يجب عليهم في ~~الضيافة أكثر من يوم وليلة؛ لأن ذلك الواجب على المسلم، ولا يكلفون إلا من ~~طعامهم وإدامهم، لما روى أسلم أن أهل الجزية من أهل الشام أتوا عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - فقالوا: إن المسلمين إذا مروا بنا، كلفونا ذبح ~~الغنم والدجاج في ضيافتهم، فقال: أطعموهم مما تأكلون، ولا تزيدوهم على ذلك. ~~ولا تزاد الضيافة على ثلاثة أيام، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«الضيافة ثلاثة أيام» . وذكر القاضي: أن تقدير أيام الضيافة، وعدد من يضاف، ~~والطعام، والإدام، والعلوفة شرط؛ لأنه من الجزية، فاعتبر العلم به، ~~كالنقود. والأول أولى؛ لأن عمر لم يقدره، ولما شكوا إليه اعتداء الأضياف، ~~قال: أطعموهم مما تأكلون. وللمسلمين النزول في الكنائس، والبيع؛ لأن عمر ~~صالح أهل الشام على أن يوسعوا أبواب كنائسهم، وبيعهم لمن يجتاز بهم من ~~المسلمين، ليدخلها المسلمون ركبانا. فإن لم يجدوا مكانا، فلهم النزول في ~~الأفنية، وفضول المنازل من غير أن يحولوا ذا منزل عن منزله. فإن لم يسعهم، ~~فالسابق أحق، فإن تساووا، وتشاحوا، أقرع بينهم. فإن امتنع أهل الذمة مما ~~شرط ms1252 عليهم، أجبروا عليه، فإن لم يمكن إلا بالمقاتلة، قوتلوا، فإن قاتلوا، ~~انتفض عهدهم. # فصل: # ويثبت الإمام عدد أهل الذمة، وأسماءهم، وأنسابهم، ودينهم، وحلاهم التي لا ~~تتغير بالأيام، كالطول، والقصر، والبياض، والسواد، والسمرة، فيكتب أدعج ~~العينين، # PageV04P175 # أقنى الأنف، مقرون الحاجبين. ويثبت ما يأخذ منهم، ويجعل لكل طائفة عريفا، ~~يجمعهم عند أداء الجزية، ويعرف من يبلغ من غلمانهم، ويفيق من مجانينهم، ~~ويقدم من غائبهم، ومن يموت أو يسلم؛ لأنه أمكن لاستيفاء الجزية وأحوط. ~~وتؤخذ الجزية مما تيسر من أموالهم، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لمعاذ: «خذ من كل حالم دينارا، أو عدله معافر» . # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأخذ من أهل نجران ألفي حلة، وكان علي ~~يأخذ من كل ذي صناعة من صناعته التي عنده، ومن قبضت جزيته، كتب له براءة، ~~لتكون له حجة إذا احتاج إليها، ويمتهنون عند أخذ الجزية منهم، ويطال ~~قيامهم، وتجر أيديهم عند أخذها. ومن بعثها منهم، لم تقبل حتى يحضر فيؤديها، ~~لقول الله تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] . # فصل: # إذا مات الإمام، أو عزل وولي غيره، لم يحتج إلى تجديد عقد؛ لأن الخلفاء ~~لم يجددوا لمن كان في زمنهم عقدا؛ ولأنه عقد لازم، فأشبه الإجارة، فإن عرف ~~الثاني مبلغ المشروط عليهم، أقرهم عليه، وإن لم يعرف رجع إلى قولهم فيما ~~يسوغ جعله جزية؛ لأنه لا يمكن معرفته إلا من جهتهم. فإن ثبت بعد ذلك أنهم ~~نقصوا من الشروط التي عليهم شيئا، رجع عليهم فيما نقص. وإن قال بعضهم: كنا ~~نؤدي دينارا، وقال بعضهم: كنا نؤدي دينارين، أخذ كل واحد منهم بإقراره، ولم ~~يقبل قول بعضهم على بعض؛ لأن أقوالهم غير مقبولة. ### | باب المأخوذ من أحكام أهل الذمة # لا يجوز عقد الذمة إلا بشرطين، بذل الجزية، والتزام أحكام الملة من حقوق ~~الآدميين في العقود والمعاملات، وأروش الجنايات، وقيم المتلفات. فإن عقد ~~على غير هذين الشرطين، لم يصح، لقوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون} [التوبة: 29] . قيل: الصغار: جريان أحكام المسلمين ms1253 عليهم. ومن ادعى ~~منهم كتابا من عمر أو علي - رضي الله عنهما - بالبراءة من الجزية، لم يصدق؛ ~~لأنه لا أصل له، ولم يذكره علماء الإسلام، وأخبار أهل الذمة لا تقبل. # PageV04P176 # فصل: # ويلزمهم التميز عن المسلمين في أربعة أشياء: لباسهم، وشعورهم، وركوبهم، ~~وكناهم؛ لما روى إسماعيل بن عياش، عن غير واحد من أهل العلم قالوا: كتب أهل ~~الجزيرة إلى عبد الرحمن بن غنم: إنا شرطنا على أنفسنا أن لا نتشبه ~~بالمسلمين في لبس قلنسوة، ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا في ~~مراكبهم، ولا نتكلم بكلامهم، وأن لا نتكنى بكناهم، وأن نجز مقادم رءوسنا، ~~ولا نفرق نواصينا، ونشد الزنانير في أوساطنا، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية ~~ولا نركب السروج، ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله، ولا نتقلد السيوف. ~~وذكر سائره. رواه الخلال بإسناده. # وذكر في آخره: فكتب بذلك عبد الرحمن بن غنم إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه ~~عمر: أن أمض لهم ما سألوا. فيجعلون فيما يظهر من ثيابهم ثوبا يخالف لونه ~~لون سائر ثيابهم، كالعسلي والأدكن، والأزرق، والأصفر. ويشدون الزنانير في ~~أوساطهم فوق ثيابهم، وإن لبسوا العمائم، أو القلانس، جعلوا فيها خرقة تخالف ~~لونها، ويختم في رقاب رجالهم ونسائهم خواتيم من رصاص، أو حديد، ليتميزوا في ~~الحمام عن المسلمين. وتأخذ نساؤهم بالغيار والزنار تحت ثيابهن، لئلا تنكشف ~~رءوسهن إن شددنه فوق ثيابهن، لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كتب إلى ~~أهل الآفاق: مروا نساء أهل الأديان أن يعقدن زنانيرهن. وإن لبسن الخفاف، ~~جعلن الخفين من لونين، ليتميزن عن نساء المسلمين. فإن شرط عليهم الجمع بين ~~الزنار والغيار، أخذوا به. وإن شرط أحدهما، اكتفي به، ولا يمنعون من لبس ~~فاخر الثياب، والطيلسان؛ لأن التمييز حصل بما ذكرناه. وأما التميز في ~~الشعور، فبأن يحذفوا مقاديم رءوسهم، ولا يفرقون شعورهم؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فرق شعره. # وأما التميز في الركوب، فلا يركبون الخيل؛ لأن ركوبها عز، ولهم ركوب ما ~~سواها على غير السروج، وروي عن ابن عمر: أن ms1254 عمر أمر أن يركبوا عرضا على ~~الأكف بالعرض، ولا يتكنون بكنى المسلمين، كأبي القاسم، وأبي بكر، وأبي عبد ~~الله، ونحوها، ولا يمنعون من الكنى بالكلية؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال لأسقف نجران: «أسلم أبا الحارث» ، وقال عمر لنصراني: يا أبا ~~حسان، أسلم تسلم. ذكرهما أحمد. # فصل: # ولا يتصدرون في المجالس عند المسلمين؛ لأن في كتابهم لعبد الرحمن بن غنم: ~~وأن نوقر المسلمين في مجالسهم، ونرشد الطريق، ونقوم لهم عن المجالس إذا ~~أرادوا # PageV04P177 # المجالس، ولا نطلع عليهم في منازلهم. ولا يبدءون بالسلام، لما روى أبو ~~هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا لقيتم اليهود في ~~الطريق فاضطرهم إلى أضيقها، ولا تبدءوهم بالسلام» . # وإن سلموا عليه، قال: وعليكم، لما روى أبو بصرة قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إنا غادون، فلا تبدءوهم بالسلام، وإن سلموا عليكم، ~~فقولوا: وعليكم» . قيل لأحمد: فإنا نأتيهم في منازلهم وعندهم قوم مسلمون، ~~أفنسلم عليهم؟ قال: نعم، ننوي السلام على المسلمين. # فصل: # ويمنعون من إحداث بناء يعلو بناء جيرانهم المسلمين، لقولهم في شروطهم: ~~ولا نطلع عليهم في منازلهم، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الإسلام ~~يعلو ولا يعلى» ، وفي مساواتهم وجهان: # أحدهما: يجوز؛ لأنه لا يفضي إلى علو الكفر. # والثاني: لا يجوز؛ لأن القصد علو الإسلام، ولا يحصل مع المساواة. فإن لم ~~يكن لهم جار مسلم، لم يمنعوا من تعلية بنيانهم؛ لأنه لا يضر المسلمين. وإن ~~ملكوا دارا عالية من مسلم، لم يؤمروا بنقضها؛ لأنهم ملكوها على هذه الصفة. # فصل: # ويمنعون من إظهار المنكر، كالخمر، والخنزير، وضرب الناقوس، ورفع أصواتهم ~~بكتابهم، وإظهار أعيادهم، وصلبهم، لما روي في شروطهم لعبد الرحمن بن غنم: ~~إنا شرطنا على أنفسنا أن لا نضرب نواقيسنا إلا ضربا خفيا في جوف كنائسنا، ~~ولا نظهر عليها صليبا، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة، ولا القراءة في صلاتنا ~~فيما يحضره المسلمون، وأن لا نخرج صليبا ولا كتابا في سوق المسلمين، وأن لا ~~نخرج باعوثا، ولا شعانين، ولا نرفع أصواتنا مع ms1255 موتانا، ولا نظهر النيران ~~معهم في أسواق المسلمين، ولا نجاورهم بالخنازير، ولا نظهر شركا، ولا نرغب ~~في ديننا، ولا ندعو إليه أحدا. # والباعوث: عيد يجتمعون له، كما يخرج المسلمون يوم الفطر والأضحى. # فصل: # ويمنعون من إحداث البيع، والكنائس والصوامع في بلاد المسلمين، لما روي في # PageV04P178 # شروطهم لعبد الرحمن بن غنم: إن شرطنا لك على أنفسنا، أن لا نحدث في ~~مدينتنا كنيسة ولا فيما حولها ديرا، ولا قلاية، ولا صومعة راهب، ولا نجدد ~~ما خرب من كنائسنا، ولا ما كان منها في خطط المسلمين. وما كان فيها قبل ~~الفتح في بلد فتح صلحا، أقر؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - أقروهم على ~~كنائسهم، وبيعهم، وما فتح عنوة فكذلك؛ لأن الكنائس والبيع، موجودة في جميع ~~بلاد المسلمين من غير نكير، ولم تهدمها الصحابة في بلد فتحوه. وفيه وجه ~~آخر، أنها تهدم لأنها بلاد مملوكة للمسلمين، فلم يجز أن يكون فيها بيعة، ~~كالتي مصرها المسلمون، ويجوز رم ما تشعث من بيعهم وكنائسهم رواية واحدة؛ ~~لأنه أبقى لها فأشبه تطيين سطوحها. وأما تجديد ما خرب منها فلا يجوز؛ ~~لقولهم: ولا نجدد ما خرب من كنائسنا؛ ولأنه بناء كنيسة في دار الإسلام، ~~فمنع منه كابتداء بنائها. وعنه: يجوز؛ لأنه أبقى لها، أشبه لم ما تشعث. وإن ~~عقدت لهم الذمة في بلد ينفردون به، لم يمنعوا من شيء مما ذكرناه، ولم ~~يأخذوا بغيار، ولا زنار؛ لأنهم في بلدانهم، فلم يمنعوا من إظهار دينهم. # فصل: # وينعون من سكنى الحجاز؛ لما روى أبو عبيدة بن الجراح: أن «آخر ما تكلم به ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أخرجوا اليهود من الحجاز» ، رواه أحمد ~~وأبو داود. وعن عمر - رضي الله عنه - «أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب» رواه مسلم. والمراد ~~الحجاز، بدليل أن أحدا من الخلفاء لم يخرج أحدا من اليمن، ولا أهل تيماء، ~~فدل على أن المراد به الحجاز، وهو مكة، والمدينة، واليمامة، وخيبر، وفدك، ~~وما والاها - سمي حجازا؛ لأنه ms1256 حجز بين تهامة ونجد - وليس نجران من الحجاز، ~~وإنما أجلاهم عمر منه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صالحهم على ألا ~~ياكلوا الربا فأكلوه، ونقضوا العهد، فأمر بإجلائهم، فأجلاهم عمر. ويجوز ~~تمكينهم من دخول الحجاز لغير إقامة؛ لأنهم كانوا يدخلونه في زمن عمر، ~~وعثمان، والخلفاء بعدهم. ولا يجوز لهم الدخول، إلا بإذن الإمام؛ لأن دخولهم ~~إنما أجيز لحاجة المسلمين، فوقف على رأي الإمام، كدخول الحربي دار الإسلام، ~~فمن استأذن منهم في الدخول فيما للمسلمين فيه نفع، كتجارة، ورسالة، ونحوها، ~~أذن له لما فيه من المصلحة، فإذا دخل، لم يقم في موضع أكثر من ثلاثة أيام؛ ~~لأن عمر - رضي الله عنه - أذن لمن دخل # PageV04P179 # منهم تاجرا، في إقامة ثلاثة أيام. فإذا انتقل إلى موضع آخر، فله أن يقيم ~~فيه ثلاثة أخر؛ لأنه لا يصير مقيما في موضع، فأشبه المسافر، وإن مرض فعجز ~~عن الخروج، أقام حتى يبرأ؛ لأنه موضع ضرورة، وإن مات دفن فيه؛ لأنه موضع ~~حاجة. # فصل: # ويمنعون من دخول الحرم؛ لقول الله تعالى: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا ~~المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] . والمسجد الحرام: الحرم، بدليل ~~قوله سبحانه: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام} [الإسراء: 1] ~~وأراد مكة؛ لأنه أسري به من بيت أم هانئ. فإن جاء رسولا، خرج إليه من يسمع ~~منه، فإن لم يكن له بد من لقاء الإمام، خرج إليه، ولم يأذن له، فإن دخله ~~عالما بالمنع، عزر، وإن كان جاهلا، أخرج ونهي وهدد، وإن كان مريضا، أو ~~ميتا، أخرج ولم يدفن فيه، فإن دفن نبش وأخرج إلا أن يكون قد بلي؛ لأنه إذا ~~لم يجز دخوله في حياته، فدفن جيفته فيه أولى. # وحد الحرم: من طريق المدينة، على ثلاثة أميال، ومن طريق العراق على سبعة ~~أميال، ومن طريق الجعرانة تسعة أميال، ومن طريق عرفة سبعة أميال، ومن طريق ~~جدة عشرة أميال، فإن صالحهم على دخوله لم يجز، وإن كان بعوض لم يجز. فإن ~~دخلوا إلى الموضع الذي صالحهم عليه، أخذ منهم العوض؛ ms1257 لأنهم استوفوا المعوض، ~~فلزمهم العوض. فإن دخلوا إلى بعضه، أخذ منهم بقدره. # فصل: # وليس لهم دخول مساجد الحل، بغير إذن مسلم. فإن دخل عزر، لما روت أم غراب ~~قالت: رأيت عليا - رضي الله عنه - على المنبر وبصر بمجوسي، فنزل، فضربه، ~~وأخرجه من أبواب كندة. # فإن أذن له مسلم في الدخول، جاز في الصحيح من المذهب؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قدم عليه وفد الطائف، فأنزلهم المسجد قبل إسلامهم. # وعنه: لا يجوز؛ لما روى عياض الأشعري: أن أبا موسى قدم على عمر ومعه ~~نصراني، فأعجب عمر خطه، وقال: قل لكاتبك هذا يقرأ علينا كتابه، قال: إنه لا ~~يدخل المسجد. قال: لم؟ أجنب هو؟ قال: هو نصراني، فانتهره عمر؛ ولأن الجنب ~~يمنع المسجد، فالمشرك أولى. # PageV04P180 # فصل: # وعلى الإمام حفظ أهل الذمة، ومنع من يقصدهم بأذى، من المسلمين والكفار، ~~واستنقاذ من أسر منهم، بعد استنقاذ أسارى المسلمين، واسترجاع ما أخذ منهم؛ ~~لأنهم بذلوا الجزية لحفظهم، وحفظ أموالهم، وإن أخذ منهم خمر، أو خنزير، لم ~~يجب استرجاعه؛ لأنه محرم، لا يحل اقتناؤه. وإن أخذ منهم أهل الحرب مالا، ثم ~~قدر عليه المسلمون، رد إليهم إذا علم به قبل القسمة، كمال المسلم. وحكم ~~أموالهم في الضمان حكم أموال المسلمين. # فصل: # وإذا تحاكم مسلم وذمي إلى الحاكم، لزمه الحكم بينهما؛ لأن إنصاف المسلم ~~والإنصاف منه واجب. وإن تحاكم ذميان إليه، ففيه روايتان: # إحداهما: يلزمه الحكم بينهما، لقول الله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل ~~الله} [المائدة: 49] ؛ ولأن دفع الظلم عنهم واجب، والحكم طريق له، فوجب ~~كالحكم بين المسلمين. # والثانية: لا يجب، بل يخير بين الحكم بينهم وبين تركهم، لقول الله تعالى: ~~{فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} [المائدة: 42] ؛ ولأنهما كافران، فلم ~~يجب الحكم بينهما كالمستأمنين، ولا يحكم بينهما إلا بحكم الإسلام، لقول ~~الله تعالى: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} [المائدة: 42] ، وإن دعي أحدهما ~~إلى الحكم، لزمته الإجابة، وإن تحاكم إليه مستأمنان، خير بين الحكم بينهما ~~وبين تركهما، للآية. وإن دعاهما إلى الحكم أو أحدهما، ms1258 لم يلزمهما الحضور؛ ~~لأن قوله تعالى: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} [المائدة: 42] نزلت ~~في المعاهدين قبل الولاية. # فصل: # ومن أتى محرما من أهل الذمة، مما يعتقد تحريمه في دينه، كالقتل، والزنا، ~~والسرقة، والقذف، وجب عليه ما يجب على المسلم؛ لما روى أنس: «أن يهوديا، ~~قتل جارية على أوضاح لها، فقتله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين ~~حجرين» . متفق عليه. # وروى ابن عمر: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى بيهوديين قد فجرا ~~بعد إحصانهما، فرجمهما» ؛ ولأنه محرم في دينه، وقد التزم حكم الإسلام، فثبت ~~في حقه حكمه، كالمسلم. # PageV04P181 # فأما ما لا يعتقد تحريمه، كشرب الخمر، ونحوه، فلا حد عليه فيه؛ لأنه ~~يعتقد حله، فلم يجب عليه عقوبة، كالكفر، ولا يمكن من التظاهر به؛ لأنه ~~منكر، فلا يمكن من إظهاره، فإن أظهره عزر. ### | باب العشور # من اتجر من أهل الذمة إلى غير بلده ثم عاد، أخذ منه نصف عشر ما معه من ~~المال، لما روى أنس بن سيرين قال: بعثني أنس بن مالك إلى العشور، فقلت: ~~تبعثني إلى العشور من بين عمالك؟ فقال: ألا ترضى أن أجعلك على ما جعلني عمر ~~بن الخطاب - رضي الله عنه -؟ أمرني أن آخذ من المسلمين ربع العشر، ومن أهل ~~الذمة نصف العشر. رواه الإمام أحمد. # والذكر والأنثى سواء في هذا؛ للخبر؛ ولأنه حق مال التجارة، فوجب على ~~الأنثى كالزكاة، وقال القاضي: لا يجب على النساء؛ لأنه لا جزية عليهن، فعلى ~~قوله لا تؤخذ إلا ممن تجب عليه الجزية من أهل الذمة، والأول أصح. وسواء كان ~~تغلبيا، أو غيره، لعموم هذا الخبر؛ ولأن الواجب على التغلبي ضعف ما على ~~المسلم، وذلك نصف العشر. وعن أحمد: أن الواجب عليه العشر، لما روى زياد بن ~~حدير، قال: بعثني عمر - رضي الله عنه - مصدقا، فأمرني أن آخذ من نصارى بني ~~تغلب العشر، ومن نصارى أهل الكتاب نصف العشر. رواه أحمد أيضا. # وإن دخل إلينا تاجر حربي، أخذ منه العشر، لما روى لاحق بن حميد، قال: ~~قالوا ms1259 لعمر: كيف نأخذ من أهل الحرب إذا قدموا علينا؟ قال: كيف يأخذون منكم؟ ~~قالوا: العشر. قال: فكذلك خذوا منهم. # وإن رأى الإمام التخفيف عليهم، أو الترك لمصلحة، فعل ذلك؛ لأنه فيء، فملك ~~تخفيفه كالخراج. وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يأخذ من النبط من ~~القطنية العشر، ومن الحنطة والزبيب نصف العشر، ليكثر الحمل إلى المدينة. ~~وذكر القاضي: أنهم إذا دخلوا بميرة، لم يؤخذ منهم شيء؛ لأنهم لنفع ~~المسلمين. وظاهر كلام أحمد - رحمه الله - أنه يؤخذ من الكل، وحديث عمر دليل ~~عليه؛ لأنه أخذ من الحنطة والزبيب. فإن كانت تجارته في الخمر وخنزير، ففيه ~~روايتان: # إحداهما: يؤخذ من ثمنها حقها. قال أحمد في حديث سويد بن غفلة في قول عمر: ~~ولوهم بيع الخمر والخنزير لعشرها. هذا إسناد جيد، ولا يكون ذلك إلا على ~~الآخذ منها. # والثانية: لا يؤخذ منها شيء، لما روى أبو عبيد بإسناده: أن عتبة بن فرقد ~~بعث # PageV04P182 # إلى عمر بأربعين ألف درهم صدقة الخمر، فكتب إليه عمر: بعثت إلي بصدقة ~~الخمر وأنت أحق بها من المهاجرين، فأخبر بذلك الناس، وقال: والله لا ~~استعملتك على شيء بعدها، فنزعه، وقول عمر: ولوهم بيعها وخذوا من ثمنها في ~~الخراج؛ لأن بلالا قال لعمر: إن عمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج، ~~فقال: لا تأخذوها منهم وخذوا أنتم من الثمن. # فصل: # ولا يؤخذ في السنة إلا مرة، نص عليه أحمد، وقال ابن حامد: يؤخذ من الحربي ~~كلما دخل إلينا؛ لأننا لو لم نأخذ منه كل مرة، لم نأمن أن لا يدخل إذا جاء ~~وقت السنة فيتعذر الأخذ، والأول أصح، لما روي أن نصرانيا جاء إلى عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه -، فقال: إن عاملك عشرني مرتين. قال عمر: ومن أنت؟ ~~قال: أنا الشيخ النصراني. قال عمر: وأنا الشيخ الحنيف، ثم كتب إلى عامله أن ~~لا تعشر في السنة إلا مرة، رواه الإمام أحمد. # ولأنه حق مال التجارة فلا يؤخذ في السنة إلا مرة، كالزكاة. وما ذكره ابن ~~حامد لا يلزم؛ ms1260 لأنه يوجد منه أول مرة، ثم لا يؤخذ منه شيء حتى يحول عليه ~~الحول. وينبغي أن يكتب له كتابا بما أخذ منه، ووقت الأخذ، وقدر المال؛ ~~ليكون حجة له حتى لا يؤخذ منه عشر ما أدى عشره قبل انقضاء الحول. # فصل: # ولا يجب في أقل من عشرة دنانير. نص عليه. وهل يجب العشر في العشرة، أو في ~~العشرين؟ على روايتين: # إحداهما: تجب في العشرة؛ لأنها مال يبلغ واجبه نصف مثقال، فوجب فيه ~~كالعشرين للمسلم. # والثانية: لا يجب إلا في عشرين؛ لأنه لا يجب في أقل منها زكاة على مسلم، ~~ولا تغلبي، فلم يجب فيه على ذمي شيء، كاليسير. وقال ابن حامد: يجب في ~~القليل والكثير؛ لأن عمر - رضي الله عنه - قال: خذ من كل عشرين درهما ~~درهما. # فصل: # وإن مر على العاشر منتقل بماله، لم يؤخذ منه لأنه لغير التجارة، وإن كانت ~~معه تجارة، وعليه دين، فظاهر كلام أحمد أنه يمنع الأخذ منه؛ لأنه حق مال ~~يتعلق بالتجارة، فمنع الدين وجوبه كالزكاة. ولا تقبل دعوى الدين إلا ببينة؛ ~~لأن الأصل براءة # PageV04P183 # ذمته منه وإن كانت معه جارية، فادعى أنها ابنته، ففيه روايتان: # إحداهما: يقبل؛ لأن الأصل عدم الملك فيها. # والثانية: لا يقبل؛ لأنه يمكنه إقامة البينة عليها. ### | باب ما ينتقض به عهد الذمة # باب ما ينتقض به العهد ينتقض عهد الذمي بأحد ثلاثة أشياء: الامتناع من ~~بذل الجزية، والامتناع من التزام أحكام الإسلام، وقتال المسلمين، سواء شرط ~~عليهم أو لم يشرط؛ لأن الله أمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية، ويلتزموا أحكام ~~الملة، فإذا امتنعوا من ذلك وجب قتالهم. فإذا قاتلوا فقد نقضوا العهد؛ لأن ~~العقد يقتضي الأمان من الجانبين، والقتال ينافيه، فانتقض العهد به. فأما ما ~~سوى ذلك فقسمان: # أحدهما: ما فيه ضرر بالمسلمين، وهو ثمانية أشياء: قتل مسلم، أو فتنه عن ~~دينه، أو قطع الطريق عليه، أو الزنا بمسلمة أو إصابتها باسم نكاح، أو إيواء ~~جاسوس، أو دلالة على عورات المسلمين، أو ذكر الله تعالى أو رسوله أو كتابه ~~بسوء، ms1261 ففيه روايتان: # إحداهما: ينتقض العهد به، سواء شرط أو لم يشرط، لما روي عن عمر - رضي ~~الله عنه -: أنه رفع إليه رجل أراد استكراه مسلمة على الزنا، فقال: ما على ~~هذا صالحناكم، وأمر به، فصلب في بيت المقدس. وقيل لابن عمر: إن راهبا يشتم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: لو سمعته لقتلته، إنا لم نعط ~~الأمان على هذا. وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه أمر عبد الرحمن بن غنم: ~~أن يلحق في كتاب صلح الجزيرة: ومن ضرب مسلما فقد خلع عهده؛ ولأنه لم يف ~~بمقتضى الذمة، وهو الأمن من جانبه، فانتقض عهده، كما لو قاتل المسلمين. # والثانية: لا ينتقض العهد به، ويقام عليه حد ذلك؛ لأن ما يقتضيه العهد من ~~التزام أداء الجزية، وأحكام المسلمين، والكف عن قتالهم - باق، فوجب بقاء ~~العهد، فأما سائر الخصال، كالتميز عن المسلمين، وترك إظهار المنكر، ونحوه، ~~فإن لم يشترط عليهم، لم ينتقض عهدهم به؛ لأن العقد لا يقتضيها، ولا ضرر على ~~المسلمين فيها، وإن شرطت عليهم، فظاهر كلام الخرقي أن عهدهم ينتقض ~~بمخالفتها، لقوله: ومن نقض العهد بمخالفة شيء مما صولحوا عليه، حل دمه ~~وماله. ووجهه: أن في كتاب صلح الجزيرة لعبد الرحمن بن غنم، بعد استيفاء ~~الشروط: وإن نحن غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا، وقبلنا الأمان ~~عليه، فلا ذمة لنا، وقد حل لك منا ما يحل من أهل # PageV04P184 # المعاندة والشقاق؛ ولأنه عقد بشرط، فزال بزوال شرطه، كما لو امتنع من بذل ~~الجزية. وقال غيره من أصحابنا: لا ينتقض العهد به؛ لأنه لا ضرر على ~~المسلمين فيه، ولا ينافي عقد الذمة، ولكنه يعزر، ويلزم ما تركه. # فصل: # ومن نقض العهد، خير الإمام فيه بين أربعة أشياء، كالأسير الحربي؛ لأن عمر ~~- رضي الله عنه - صلب الذي أراد استكراه المرأة؛ ولأنه كافر لا أمان له، ~~فأشبه الحربي. ولا ينتقض عهد نسائه وأولاده بنقضه؛ لأن النقض وجد منه ~~دونهم، فاختص حكمه به، ولو هرب بأهله وذريته إلى دار الحرب، لم ينتقض عهد ms1262 ~~ذريته، ولم يجز سبيهم لذلك، فأما المرأة فإن هربت طائعة انتقض عهدها؛ لأن ~~النقض وجد منها، وإن لم تكن طائعة لم ينتقض عهدها؛ لأنه لم يوجد منها. ومن ~~ولد له بعد دخوله دار الحرب، فلا عهد له. والله تعالى أعلم. # تم، والحمد لله على تمامه، والله المسئول الزيادة من إنعامه، فرغ من ~~تصنيفه عشية يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر صفر سنة ست وتسعين وخمسمائة ~~بمدينة دمشق المحروسة، والله المحمود المشكور. # PageV04P185 ### | كتاب الأيمان # لا تنعقد اليمين إلا من مختار، فأما الصبي، والمجنون، والنائم، فلا تنعقد ~~أيمانهم، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رفع القلم عن ثلاثة» ... ~~الحديث. # وفي السكران وجهان، بناء على طلاقه. ولا تنعقد يمين المكره؛ لأنه قول ~~أكره عليه بغير حق، فلم يصح، ككلمة الكفر. وتنعقد اليمين من الكافر، وتلزمه ~~الكفارة بالحنث، سواء حنث في الكفر أو الإسلام؛ «لأن عمر - رضي الله عنه - ~~قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، ~~فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: أوف بنذرك» ؛ ولأنه من أهل القسم، ~~يصح استحلافه عند الحاكم، فانعقدت يمينه كالمسلم. # فصل: # واليمين على أربعة أضرب: يمين منعقدة تجب الكفارة بالحنث فيها، وهي ~~اليمين على مستقبل متصور، عاقدا عليه قلبه، فتوجب الكفارة، لقول الله ~~تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] . # الضرب الثاني: لغو اليمين، فلا كفارة فيه، لقول الله تعالى: {لا يؤاخذكم ~~الله باللغو في أيمانكم} [المائدة: 89] ، واللغو نوعان: # أحدهما: أن تجري اليمين على لسانه من غير قصد إليها، لما روت عائشة - رضي ~~الله عنها - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يعني اللغو في ~~اليمين هو كلام الرجل في بيته: لا والله، وبلى والله» رواه البخاري وأبو ~~داود. # PageV04P186 # وقال القاضي: هو أن يريد أن يقول: والله، فيجري على لسانه: لا والله، أو ~~عكس ذلك. # والثاني: أن يحلف على شيء، يظنه كما حلف، فيتبين بخلافه. وعنه: في هذا ~~النوع الكفارة؛ لأن ظاهر حديث عائشة حصر اللغو في النوع الأول، وظاهر ms1263 ~~المذهب الأول؛ لأن هذا يمين على ماض فلم يوجب الكفارة، كالغموس. # الضرب الثالث: يمين الغموس، وهي التي يحلفها كاذبا، عالما بكذبه، فلا ~~كفارة فيها في ظاهر المذهب؛ لأنها يمين غير منعقدة لا توجب برا، ولا يمكن ~~فيها فلم توجب كفارة، كاللغو. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «خمس من الكبائر لا كفارة لهن» ، ذكر منهن: «الحلف على يمين فاجرة ~~يقتطع بها مال امرئ مسلم» . # وعن أحمد: أن الكفارة تجب فيها؛ لأنه حالف مخالف مع القصد، فلزمته ~~الكفارة كالحالف على مستقبل. # الضرب الرابع: أن يحلف على مستحيل، كصوم أمس، والجمع بين الضدين، وشرب ~~ماء إناء لا ماء فيه، فلا كفارة فيها؛ لأنها غير منعقدة، لعدم تصور البر ~~فيها، كيمين الغموس. وقال القاضي: قياس المذهب أن تجب فيها الكفارة؛ لأنها ~~يمين على مستقبل. وإن حلف على مستحيل عادة، كإحياء الميت، وقلب الأعيان، ~~فقال القاضي وأبو الخطاب: فيها كفارة؛ لأنه متوهم التصور. وقياس المذهب ~~أنها كالتي قبلها؛ لأنها لا توجب برا، ولا يمكن فيها. # فصل: # فإن استثنى عقيب يمينه، فقال: إن شاء الله، لم يحنث، لما روى عن «النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من حلف فقال إن شاء الله - لم يحنث» ، رواه ~~أبو داود؛ لأنه علق المحلوف عليه بشرط يلزم من وجوده وجوده، ومن عدمه عدمه، ~~فلم يتصور الحنث فيها. ويشترط أن يكون متصلا باليمين، ولا يفصل بينهما ~~بكلام أجنبي، ولا سكوت يمكن الكلام فيه؛ لأن الاستثناء من تمام الكلام، ~~فاعتبر اتصاله به كالشرط وخبر المبتدأ. وعنه: يجوز الاستثناء ما لم يطل ~~الفصل، لما روى ابن عباس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لأغزون ~~قريشا، ثم سكت، ثم قال: إن شاء الله» رواه أبو داود. # PageV04P187 # وقال بعض أصحابنا: يجوز الاستثناء ما دام في المجلس، واشترط القاضي أن ~~يقصد الاستثناء، فإن سبق لسانه إليه من غير قصد كالعادة، لم يصح الاستثناء؛ ~~لأن اليمين يعتبر لها القصد، فكذلك ما يرفع حكمها، ولا ينفعه الاستثناء ~~بقلبه حتى يقول بلسانه، ms1264 لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن ~~شاء الله فعلقه بالقول؛ ولأن اليمين لا تنعقد بالنية، فكذلك الاستثناء، إلا ~~أن أحمد قال: إن كان مظلوما، فاستثنى في نفسه، رجوت أن يجوز إذا حلف على ~~نفسه، وذلك لأنه بمنزلة التأويل، يجوز للمظلوم دون غيره. # فصل: # ولا تنعقد اليمين إلا باسم من أسماء الله تعالى، أو صفة من صفاته، لما ~~روى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحف بالله، أو ~~ليصمت» متفق عليه. وعن ابن عمر: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~من حلف بغير الله فقد أشرك» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. # فلو حلف بالكعبة أو بنبي، أو عرش، أو كرسي، أو غير ذلك، لم تنعقد يمينه. # وعنه: من حلف بحق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحنث، فعليه الكفارة؛ ~~لأنه أحد شرطي الشهادة، فأشبه الحلف باسم الله، والأول أولى، لدخوله في ~~عموم الأحاديث وشبهه، كسائر الأنبياء - عليهم السلام -. # فصل: # وأسماء الله ثلاثة أقسام: # أحدها: ما لا يشارك الله تعالى فيه غيره، نحو: الله، والرحمن، ومالك يوم ~~الدين، ورب العالمين، والحي الذي لا يموت، فالحلف بها يمين بكل حال. # الثاني: ما يسمى به غير الله، وإطلاقه ينصرف إليه، كالملك، والجبار ~~والسلطان والرحيم، والقادر، فهذا إن نوى اليمين، أو أطلق، كان يمينا؛ لأنه ~~بإطلاقه ينصرف إليه، وإن نوى به غير الله، لم يكن يمينا؛ لأنه نوى ما ~~يحتمله، مما لو صرح به لم يكن يمينا. قال طلحة العاقولي: إذا قال: والخالق ~~والرزاق والرب، كان يمينا بكل حال؛ لأنها لا تستعمل مع لام التعريف، إلا في ~~اسم الله تعالى، فأشبهت القسم الأول. # الثالث: ما لا ينصرف بالإطلاق إلى اسم الله تعالى، كالحي، والعالم، ~~والموجود، والمؤمن، والكريم. فهذا إن أطلق لم يكن يمينا؛ لأنه لا ينصرف مع ~~الإطلاق إليه، وإن قصد باليمين اسم الله، كان يمينا. وقال القاضي: لا يكون ~~يمينا، # PageV04P188 # لأن اليمين ms1265 إنما تنعقد لحرمة الاسم، ومع الاشتراك لا حرمة له، والأول ~~أصح؛ لأنه أقسم بالله قاصدا للحلف به، فكان يمينا كالذي قبله. # فصل: # وصفات الله تعالى تنقسم قسمين: # أحدهما: ما هو صفة لذات الله تعالى لا يحتمل غيرها، كعظمة الله، وعزته، ~~وجلاله، وكبريائه، فالقسم بها يمين منعقدة؛ لأنها صفة من صفات ذات الله لم ~~يزل موصوفا بها، أشبهت أسماءه. # والثاني: ما هو صفة حقيقية، ويعبر به عن غير ذلك مجازا، كعلم الله ~~وقدرته، فإن أطلق كان يمينا، فإن نوى بعلم الله معلومه، وبقدرته مقدوره، ~~فالمنصوص عن أحمد أنه يمين؛ لأنه موضوع لليمين، فلا يقبل منه غيره، ويحتمل ~~أن لا يكون يمينا؛ لأنه نوى بكلامه ما يحتمله مما ليس بيمين، فأشبه القسم ~~بالقادر. وإن أقسم بحق الله، كان يمينا؛ لأنه إذا اقترن به عرف الاستعمال ~~باليمين، انصرف إلى ما يستحقه لنفسه من العظمة والكبرياء، فأشبه قدرة الله. ~~وإن قال: لعمر الله، كان يمينا؛ لأنه أقسم بصفة من صفات الله، فهو كالحالف ~~ببقاء الله. ويقال: العمر والعمر واحد، فهو قسم ببقاء الله. وقد ثبت لها ~~عرف الاستعمال. قال الله تعالى: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} [الحجر: ~~72] . # وقال النابغة: # فلا لعمر الذي قد زرته حججا ... وما هريق على الأنصاب من جسد # وإن قال: وايم الله، أو وايمن الله، فهو يمين، كما ذكرنا في الذي قبله، ~~وإن حلف بالقرآن، أو بكلام الله، فهي يمين منعقدة؛ لأن كلام الله صفة من ~~صفاته، والقرآن هو كلام الله. وإن حلف بسورة منه، فهي يمين؛ لأنها من ~~القرآن، وكذلك إن حلف بالمصحف؛ لأن القرآن فيه. قال الله تعالى: {إنه لقرآن ~~كريم} [الواقعة: 77] {في كتاب مكنون} [الواقعة: 78] . # وإن حلف بعهد الله، أو ميثاقه، أو أمانته، فهو يمين؛ لأنه يحتمل كلام ~~الله الذي أمرنا به ونهانا، كقول تعالى: {ألم أعهد إليكم} [يس: 60] ، ~~وقرينة الاستعمال صارفة إليه. وإن قال: والعهد والميثاق والأمانة، ونوى ذلك ~~كان يمينا. وإن أطلق ففيه روايتان: # PageV04P189 # إحداهما: يكون يمينا كذلك؛ ولأن اللام إن كانت للتعريف، صرفته إلى عهد ms1266 ~~الله وميثاقه، وإن كانت للاستغراق، دخل ذلك فيه. # والثانية: لا كفارة فيه؛ لأنه يحتمل غير ما تجب به الكفارة. # فصل: # وحروف القسم ثلاثة: الباء وهي الأصل تدخل على المظهر والمضمر، والواو وهي ~~بدل منها، تدخل على المظهر وحده، والتاء وهي بدل من الواو. وتدخل على اسم ~~الله تعالى وحده، فبأيها أقسم كان قسما صحيحا. وإن أقسم بغير حرف، فقال: ~~الله لأقومن، بالنصب، أو الجر - كان صحيحا؛ لأنه لغة صحيحة. وقد ورد به عرف ~~الاستعمال في الشرع. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لركانة بن عبد يزيد: ~~«الله ما أردت إلا واحدة، قال: الله ما أردت إلا واحدة» . فإن قال: الله - ~~بالرفع - لأقومن، ونوى اليمين، كان يمينا مع لحنه، وإن لم يرد اليمين لم ~~يكن يمينا؛ لأنه لم يأت بالموضوع، ولا قصده. وقال أبو الخطاب: يكون يمينا، ~~إلا أن يكون من أهل العربية. وإن قال: لاها الله، ونوى اليمين، كان يمينا؛ ~~لأن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - قال في سلب قتيل أبي قتادة: لاها ~~الله، إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله، يقاتل عن الله وعن رسوله، فيعطيك ~~سلبه، وإن قال: أشهد بالله، أو أقسم بالله أو أحلف بالله، أو أقسمت بالله، ~~أو شهدت بالله، ونوى اليمين، أو أطلق، كان يمينا؛ لأنه قد ثبت له عرف الشرع ~~والاستعمال. فإن قصد بذلك الخبر عما يفعله ثانيا، أو عما فعله ماضيا، لم ~~يكن يمينا. وكذلك القول في: أعزم بالله، وعزمت بالله، في ظاهر كلام الخرقي. ~~وقال أبو بكر: إن أطلق، لم يكن يمينا؛ لأنه لم يثبت له عرف الشرع ولا ~~الاستعمال. وإن قال: قسما بالله، أو ألية بالله، فهو يمين؛ لأن تقديره: ~~أقسمت قسما، وآليت ألية. فإن قال: أقسمت، أو آليت، أو حلفت، أو شهدت ~~لأفعلن، ونوى اليمين بالله - فهو يمين؛ لأنه نوى ما يحتمله مما هو يمين. ~~وإن أطلق، ففيه روايتان: # إحداهما: هو يمين؛ لأنه ثبت له عرف الشرع والاستعمال، «فإن أبا بكر - رضي ~~الله عنه - قال: أقسمت عليك يا ms1267 رسول الله لتخبرني بما أصبت مما أخطأت، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا تقسم يا أبا بكر» . # وقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو: # آليت لا تنفك عيني حزينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا # PageV04P190 # والثانية: تنعقد اليمين؛ لأنه يحتمل القسم بغير اسم الله تعالى. وإن قال: ~~حلفت بالله وأراد الخبر، لم يكن يمينا، اختاره أبو بكر. وعنه: عليه الكفارة ~~لإقراره على نفسه، والأول المذهب؛ لأنه حكم بينه وبين الله تعالى، فلا ~~يلزمه ما لم يوجد سببه. وإن قال: علي يمين، فكذلك. فإن أراد عقد اليمين، لم ~~يكن يمينا؛ لأنه لم يأت باسم الله، ولا صفته، فلم يكن يمينا، كسائر الكلام. # فصل: # ويجاب القسم بأحرف خمسة: إن، واللام في الإيجاب، كقول الله: {قل إي وربي ~~إنه لحق} [يونس: 53] ، وقوله تعالى: {قل بلى وربي لتبعثن} [التغابن: 7] ، ~~و"ما" و"لا" و"إن" الخفيفة في النفي كقول الله تعالى: {والليل إذا سجى} ~~[الضحى: 2] {ما ودعك ربك} [الضحى: 3] ، وقوله تعالى: {وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم لا يبعث الله من يموت} [النحل: 38] ، وقوله سبحانه: {يحلفون بالله ~~إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} [النساء: 62] ، وتحذف "لا" وهي مرادة، كقول ~~الله تعالى: {تالله تفتأ تذكر يوسف} [يوسف: 85] . وقال امرؤ القيس: # فقلت يمين الله أبرح قاعدا # أي: لا أبرح. فإن قال: بالله صل لم تنعقد يمينه؛ لأنه لم يجبه بجواب ~~القسم، وإن قال: تالله لتفعلن، انعقدت يمينه، والكفارة على الحالف؛ لأنه ~~الحانث. # فصل: # وإن حرم على نفسه شيئا، وقال: ما أحل الله علي حرام، فهي يمين. سواء أطلق ~~ذلك، أو علقه على شرط، لقول الله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل ~~الله لك} [التحريم: 1] إلى قوله تعلى: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} ~~[التحريم: 2] يعني: التكفير. قالت عائشة: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- يمكث عند زينب، ويشرب عندها عسلا، فتواطأت أنا وحفصة أيتنا دخل عليها ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير، فدخل على ~~إحدانا، فقالت ذلك، فقال: لا، بل شربت عسلا ولن أعود له، فنزلت: ms1268 {يا أيها ~~النبي لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: 1] » . متفق عليه. # PageV04P191 # وإن حرم أمته، أو أم ولده، فهو كتحريم ماله؛ لأنها مال له. وقد قال ~~الحسن: إن الآية نزلت في تحريم مارية القبطية. # فصل: # وإن حلف بالخروج من الإسلام، فقال: هو بريء من الإسلام، أو كافر، أو ~~يهودي، إن فعل - أثم؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«من حلف بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا، فهو كما قال.» متفق عليه. # وفي لفظ: «من حلف أنه بريء من الإسلام، فإن كان قد كذب، فهو كما قال، وإن ~~كان صادقا لم يرجع إلى الإسلام سالما» . # وهل تنعقد يمينه موجبة للكفارة؟ # فيه روايتان: # إحداهما: تنعقد، لما روى أبو بكر بإسناده عن زيد بن ثابت عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «أنه سئل عن الرجل يقول: هو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، ~~أو بريء من الإسلام في اليمين يحلف بها، فيحنث في هذه الأشياء، قال: عليه ~~كفارة يمين» . # والثانية: لا كفارة عليه؛ لأنه لم يحلف باسم الله، ولا صفته، فأشبه ~~الحالف بمحو المصحف. # وإن حلف باستحلال الزنا والخمر، أو ترك الصلاة، أو الصيام، فهو كالحالف ~~بالكفر؛ لأن ذلك كفر. وإن حلف بمحو المصحف، وقتل النفس التي حرم الله ~~ومعصيته في كل ما أمر، أو لعن نفسه، فلا كفارة فيه، نص عليه؛ لأنه لا يوجب ~~الكفر. وإن قال: لا يراني الله في موضع كذا، فذكر القاضي: أن أحمد نص على ~~أنه موجب للكفارة. # فصل: # وإن حلف رجل، فقال آخر: يميني في يمينك، يريد أنه يلزمني من اليمين ما ~~يلزمك، لم تنعقد يمينه؛ لأن اليمين بالله لا تنعقد بالكناية؛ لأن تعلق ~~الكفارة بها لحرمة اللفظ، ولا يوجد في الكناية. وإن كان ذلك في الطلاق، ~~انعقدت يمينه؛ لأن الطلاق ينعقد بالكناية. وإن قال: أيمان البيعة تلزمني ~~ولا يعرفها، أو لا نية له، لم يلزمه حكمها؛ لأن هذا كناية، فيعتبر له ~~النية. ولا تصح النية لما لا يعرفه. وإن عرفها، ونوى التزام ما فيها، ms1269 ~~انعقدت يمينه بالطلاق، والعتاق؛ لأن اليمين بها تنعقد بالكناية، ولم تنعقد ~~باليمين بالله؛ لأنها لا تنعقد بالكناية. # PageV04P192 # وأيمان البيعة أيمان رتبها الحجاج، تشتمل على اليمين بالله تعالى ~~والعتاق، والطلاق، والحج، وصدقة المال، يستحلف بها الناس عند عقد البيعة. # فصل: # والحالف مخير في يمينه بين البر، وبين التكفير. ولا يحرم المحلوف عليه ~~بها، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها ~~خيرا منها، فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك» . # وإن فعل المحلوف عليه ناسيا، أو مكرها، لم يحنث، لقول الله تعالى: {وليس ~~عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم} [الأحزاب: 5] وقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما ~~استكرهوا عليه» رواه ابن ماجه والدارقطني؛ ولأنه غير قاصد للمخالفة، فلم ~~يحنث، كالنائم. # وعنه: أنه يحنث؛ لأنه فعل المحلوف عليه قاصدا لفعله، أشبه غير الناسي. ~~وإن فعله جاهلا، كرجل حلف لا يكلم فلانا، فكلمه يظنه غيره، أو سلم على ~~جماعة هو فيهم ولم يعلم به، أو حلف لا يفارقه حتى يقضيه حقه. فأعطاه قدر ~~حقه، ففارقه، فوجده رديئا، ففيه روايتان، كالناسي؛ لأنه غير قاصد للمخالفة. ~~ومن حلف على غيره، ألا يفعل وكان المحلوف عليه ممن يمتنع بيمينه، فهو في ~~الجهل والنسيان، كالحالف. وإن كان ممن لا يمتنع بيمينه، كالسلطان، والحاج، ~~استوى في الحنث العلم والجهل والنسيان؛ لأنه مما لا يؤثر اليمين في ~~امتناعه، فأشبه تعليق الطلاق بطلوع الشمس. ### | باب كفارة اليمين # ومن حلف، فهو مخير في التكفير قبل الحنث أو بعده، سواء كانت الكفارة صوما ~~أو غيره، لما روى عبد الرحمن بن سمرة قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «يا عبد الرحمن بن سمرة، إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها، ~~فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير» متفق عليه. وفي لفظ: «ثم ائت الذي هو ~~خير» رواه أبو داود؛ لأنه كفر بعد سببه، فجاز ككفارة الظهار، والقتل بعد ~~الجرح. # PageV04P193 # فصل: # وهو مخير في أن يطعم عشرة مساكين ms1270 أو يكسوهم، أو يعتق رقبة. فإن لم يجد ~~صام ثلاثة أيام، لقول الله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم} [المائدة: 89] . وقد شرحنا العتق ~~والإطعام في كفارة الظهار. # فأما الكسوة، فلا يجزئه أقل من كسوة عشرة مساكين، للآية. وتقدر الكسوة ~~بما يجزئ في الصلاة، وهو ثوب للرجل، وللمرأة درع وخمار يستر جميعها. ولا ~~يجزئ السراويل، ولا إزار وحده؛ لأن التكفير عبادة تعتبر فيها الكسوة، ~~فأشبهت الصلاة. وتجزئه كسوتهم من القطن والكتان والصوف، وسائر ما يسمى ~~كسوة؛ لأن الله تعالى لم يعين جنسها، فوجب أن لا يتعين. وتجوز كسوتهم من ~~الجديد واللبيس، إلا أن يكون مما ذهبت منفعته باللبس، فلا يجزئ؛ لأن ذلك ~~معيب، فأشبه الحب المعيب. وإن كسا بعض المساكين من جنس وباقيهم من جنس آخر، ~~أو أطعمهم من جنس، جاز؛ لأنه قد أطعم وكسا عشرة، فجاز، كما لو كان من جنس ~~واحد. وإن أطعم بعضهم، وكسا باقيهم، جاز؛ لأنه أخرج من جنس المنصوص عليه ~~بعدة العدد الواجب، فأجزأ، كما لو أخرجه من جنس واحد؛ ولأن كل واحد من ~~النوعين يقوم مقام صاحبه في جميع العدد، فقام مقامه في بعضه كالتيمم مع ~~الماء. وإن أعتق نصف عبد. وأطعم خمسة مساكين، أو كساهم، لم يجزئه؛ لأن ~~مقصودهما مختلف متباعد، فلم يكمل أحدهما بصاحبه، كالإطعام والصيام. ويشترط ~~التتابع في صوم الأيام الثلاثة، وعنه: لا يشترط؛ لأن الأمر بها مطلق، فلم ~~يجز تقييده بغير دليل، فظاهر المذهب الأول؛ لأن في قراءة أبي وابن مسعود ~~(فصيام ثلاثة أيام متتابعات) فالظاهر أنهما سمعاه من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فيكون خبرا. # فصل: # وإن حلف العبد أجزأه الصيام؛ لأن ذلك فرض الحر المعسر، وهو أحسن من العبد ~~حالا، وإذا أذن له سيده في التكفير بالمال، لم يلزمه؛ لأنه غير مالك له. ~~وظاهر كلام ms1271 الخرقي: أنه لا يجزئه غير الصيام. وقال غيره: فيه روايتان: # إحداهما: لا يجزئه إلا الصيام؛ لأنه لا يملك المال، فلم يجز له التكفير ~~به، كالحر يكفر بمال غيره. # PageV04P194 # والثانية: له التكفير بالمال إذا أذن له سيده فيه. وملكه قدر ما يكفر به؛ ~~لأنه قدر على التكفير بالمال، فصح تكفيره به، كالمعسر يملك ما يكفر به، ~~فعلى هذا له التكفير بالإطعام. وهل له التكفير بالعتق؟ على روايتين: # إحداهما: له ذلك؛ لأنه من صح تكفيره بالإطعام، صح تكفيره بالعتق، كالحر. # والثانية: لا يجوز؛ لأن العتق يقتضي الولاية والإرث، وليس ذلك للعبد. فإن ~~قلنا: يجوز، فأذن له في إعتاق نفسه عن كفارته، ففعل، ففيه وجهان: # أحدهما: يجوز؛ لأنها رقبة تجزئ عن غيره. فأجزأت عنه كغيره. # والثاني: لا تجزئه؛ لأنه لا يملك نفسه، فلا يجزئه التكفير بها، كما لو لم ~~يؤذن له؛ ولأن الكفارة عنه، لم يجز صرفها إلى نفسه، كالحر. فأما إن أذن في ~~العتق مطلقا، لم يجز أن يعتق نفسه، كما لو وكل غريما في إبراء بعض غرمائه، ~~لم يملك إبراء نفسه. وقال أبو بكر: فيه وجه آخر أنه يجزئه. فإن حنث وهو ~~عبد، فعتق، فقال الخرقي: لا يجزئه غير الصيام؛ لأنه حين الوجوب لا يجزئه ~~غيره؛ ولأنه حكم تعلق بالعبد، فلم يتغير بحريته كالحد. ومن جعل للعبد ~~التكفير بالمال في حال رقه، فهنا أولى. ومن اعتبر أغلظ الأحوال وكان موسرا، ~~لم يجز له التكفير بغير المال. # فصل: # ومن حلف أيمانا كثيرة على شيء واحد، فحنث، لم يلزمه أكثر من كفارة؛ لأنها ~~أسباب كفارات من جنس، فتداخلت، كالحدود. وإن حلف يمينا واحدة على أفعال ~~مختلفة، فحنث في الجميع، أجزأه كفارة واحدة؛ لأنها يمين واحدة، فلم يحنث ~~بها أكثر من كفارة، كما لو حلف على فعل واحد. وإن حنث بفعل واحد، انحلت ~~يمينه في الباقي. وإن حلف أيمانا على أفعال فقال: والله لا أكلت، والله لا ~~شربت، والله لا لبست، ففيه روايتان: # إحداهما: يجزئه عن الجميع كفارة واحدة، اختارها أبو بكر والقاضي؛ لأنها ms1272 ~~كفارات من جنس واحد، فتداخلت، كالحدود. # والثانية: يجب في كل يمين كفارة، وهو ظاهر قول الخرقي؛ لأنها أيمان لا ~~يحنث في إحداهن بالحنث في الأخرى، فوجبت في كل يمين كفارتها، كالمختلفة ~~الكفارة. قال أبو بكر: المذهب الأول، وقد رجع أحمد عن الرواية الأخرى. ولو ~~حلف على شيء واحد بيمينين مختلفي الكفارة، كالظهار واليمين بالله، لزمته في ~~كل يمين كفارتها؛ لأنها أجناس، فلم تتداخل، كالحدود من أجناس. # PageV04P195 # فصل: ومن حلف بالقرآن، فحنث، فقياس المذهب أن عليه كفارة واحدة؛ لأن ~~الحلف بصفات الله تعالى وتكرر اليمين بها، لا يوجب أكثر من كفارة واحدة، ~~فهذا أولى. والمنصوص عنه أن عليه بكل آية كفارة؛ لأن ابن مسعود قال ذلك. ~~قال أحمد: ما أعلم شيئا يدفعه. ويحتمل أن ذلك ندب غير واجب؛ لأنه قال: عليه ~~بكل آية كفارة يمين، فإن لم يمكنه، فعليه كفارة يمين. ورده إلى كفارة واحدة ~~عند العجز، دليل على أن الزائد عليها غير واجب؛ إذ لو وجب، لم يسقط بالعجز، ~~كالواحدة. ### | باب جامع الأيمان # ومبنى الأيمان على النية، فمتى نوى بيمينه ما يحتمله، تعلقت يمينه بما ~~نواه، دون ما لفظ به، سواء نوى ظاهر اللفظ أو مجازه، مثل أن ينوي موضوع ~~اللفظ، أو الخاص بالعام، أو العام بالخاص، أو غير ذلك؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «وإنما لكل امرئ ما نوى» فتدخل فيه الأيمان؛ ولأن ~~كلام الشارع يصرف إلى ما دل الدليل على أنه أراده دون ظاهر اللفظ، فكلام ~~المتكلم مع اطلاعه على تعين إرادته أولى. فلو حلف ليأكلن لحما أو فاكهة، أو ~~ليشربن ماء، أو ليكلمن رجلا، أو ليدخلن دارا، أو لا يفعل ذلك، وأراد بيمينه ~~معينا، تعلقت يمينه به دون غيره، وإن نوى الفعل أو الترك في وقت بعينه، ~~اختص بما نواه. وإن حلف لا يشرب له الماء من العطش، يريد قطع منته، تناولت ~~يمينه كل ما يمتن به؛ لأن ذلك للتنبيه على ما هو أعلى منه، كقول الله ~~تعالى: {ولا تظلمون فتيلا} [النساء: 77] . يريد: ولا تظلمون ms1273 شيئا. وقال ~~الشاعر: # ولا يظلمون الناس حبة خردل # وإن حلف: لا يلبس شيئا من غزلها، يريد قطع منتها، فباعه وانتفع بثمنه، ~~حنث، ولا يتعدى الحكم إلى كل ما فيه منة؛ لأن لكونه من غزلها أثرا في داعية ~~اليمين، فلم يجز حذفه. وإن حلف: لا يأوي معها في دار، ينوي جفاءها، ولم يكن ~~للدار أثر في القصد، فأوى معها في غيرها، حنث، ولا يحنث بصلتها بغير ~~الإيواء؛ لأن له أثرا فلا يحذف. وإن قال: إن رأيتك تدخلين الدار، فأنت ~~طالق، يقصد منعها الدخول بالكلية، حنث بدخولها وإن لم يرها، وإن لم يرد ~~ذلك، لم يحنث حتى يراها تدخل اتباعا للفظه. وإن حلف: ليقضينه حقه في غد، ~~يريد ألا يتجاوزه بالقضاء، فقضاه قبله، لم # PageV04P196 # يحنث. وإن حلف: لا يبيع ثوبه بمائة. يريد ألا ينقصه، فباعه بأقل، حنث. ~~وإن حلف: لا يتزوج، حنث بالعقد الصحيح. وإن حلف: ليتزوجن، بر بذلك، إلا أن ~~يقصد بيمينه غيظ زوجته، أو يكون سبب يمينه يقتضي ذلك، فلا يبر إلا بتزويج ~~يغيظها. فإن واطأها على التزوج والطلاق قبل الدخول، ليحل يمينه، أو يتزوج ~~من لا يغيظها تزوجها، لم يبر. وقال أصحابنا فيمن حلف: ليتزوجن على امرأته، ~~لا يبر حتى يتزوج نظيرتها، ويدخل بها، والصحيح أن هذا لا يعتبر؛ لأن غيظها ~~يحصل بدونه. # فصل: # وإن تأول الظالم في يمينه، لم ينفعه تأويله، لما روى أبو هريرة قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» . رواه ~~مسلم وأبو داود؛ ولأنه لو ساغ له التأويل لبطل المعنى المبتغى باليمين، وهو ~~تعريف الحالف ليرتدع عن جحوده، خوفا من عاقبة اليمين الكاذبة. وإن كان ~~مظلوما، فله تأويله، نص عليه أحمد في رجل له امرأتان، اسم كل واحدة فاطمة، ~~فماتت إحداهما: فحلف بطلاق فاطمة ينوي الميتة، إن كان المستحلف ظالما، ~~فالنية نية صاحب الطلاق، وإن كان الحالف ظالما، فالنية نية الذي أحلفه، لما ~~روى أبو داود بإسناده عن سويد بن حنظلة قال: «خرجنا نريد رسول الله - صلى ~~الله ms1274 عليه وسلم - ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له، فتحرج القوم أن يحلفوا ~~فحلفت: أنه أخي، فخلى سبيله، فأتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فذكرنا ذلك له، فقال: أنت كنت أبرهم وأصدقهم، المسلم أخو المسلم» ؛ ولأنه ~~نوى بكلامه ما يحتمله على وجه لا يبطل حق أحد، فجاز كما لو عنى به الظاهر. ~~وإن لم يكن ظالما، ولا مظلوما، فظاهر كلام أحمد: أن له تأويله كذلك، ولقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب» . وكان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يمزح ولا يقول إلا حقا. وقال لرجل: «إنا ~~حاملوك على ابن ناقة. فقال الرجل: ما أصنع بولد الناقة؟ فقال: وهل تلد ~~الإبل إلا النوق» . رواه أبو داود. # وقال بعض أهل العلم: الكلام أوسع من أن يكذب ظريف، يعني: التأويل. # فصل: # ومن لم تكن له نية، وكان ليمينه سبب هيجها، يقتضي معنى أعم من اللفظ، مثل ~~من امتنت عليه زوجته، فحلف لا يشرب لها الماء من العطش، أو لا يلبس ثوبا من # PageV04P197 # غزلها، أو حلف: لا يأوي معها في دار، لسبب يقتضي جفاءها، فحكمه حكم ~~القاصد كذلك؛ لأن السبب دليل على النية والقصد، فقام مقامه. وإن كان اللفظ ~~أعم من السبب، كرجل امتنت عليه زوجته ببيتها، فحلف لا يسكن بيتا، أو دعاه ~~إنسان إلى غداء، فحلف لا يتغدى، ففيه وجهان: # أحدهما: يحمل اللفظ على عمومه؛ لأن كلام الشارع إذا ورد على سبب خاص، حمل ~~على عمومه، ولم يختص محل سببه، فكذلك اليمين. # والثاني: يختص بمحل السبب؛ لأن قرينة حاله دالة على إرادة الخاص، أشبه ما ~~لو نواه؛ ولأننا أقمنا السبب مقام النية في التعميم، فكذلك في التخصيص. ولو ~~حلف على شيء لسبب فزال، مثل من حلف لا يدخل بلدا، لظلم فيه، فزال، ثم دخله، ~~فقال القاضي: يحنث. وذكر أن أحمد نص عليه. وإن حلف على زوجته أو عبده: ألا ~~يخرجها إلا بإذنه، فخرجا عن ملكه، فقال القاضي: تنحل يمينه؛ لأن قرينة ~~الحال تقتضي تخصيصهما بحالة الملك، فأشبه ms1275 ما لو صرح به، فيخرج في هذه ~~المسألة، وفي التي قبلها وجهان، قياسا لكل واحدة منهما على صاحبتها. وإن ~~حلف لعامل: لا يخرج إلا بإذنه، فعزل، أو حلف: لا يرى منكرا إلا رفعه إلى ~~القاضي فلان، فعزل، وأشباه هذا، ففيه وجهان كذلك. فإن قلنا: لا تنحل اليمين ~~بعزله، فرفعه إليه بعد عزله، بر. وإن قلنا: تنحل بذلك، فرأى منكرا في ~~ولايته وأمكنه رفعه إليه، فلم يرفعه إليه حتى عزل، ثم رفعه إليه، لم يبر. # فصل: # فإن عدم ذلك، تعلقت يمينه بما عينه، فمتى حلف لا أكلت هذا الرطب، أو هذا ~~العنب، فصار دبسا، أو خلا، أو ناطفا، أو: لا أكلت هذا الحمل، فصار كبشا، ~~أو: لا أكلت هذا البر، فصار دقيقا أو خبزا أو هريسة، أو ما تولد من المحلوف ~~عليه، فأكل منه، حنث، وإن حلف: لا كلمت هذا الصبي، فصار شيخا، فكلمه، أو: ~~لا دخلت هذه الدار، فصارت فضاء، أو مسجدا، أو حماما، فدخلها، أو: لا لبست ~~هذا الرداء، فلبسه قميصا، أو سراويل، أو اعتم به، أو: لا ركبت هذه السفينة، ~~فنقضت، ثم أعيدت وركبها، أو: لا كلمت زوجة فلان هذه، ولا عبده هذا، أو: لا ~~دخلت داره هذه، أو: لا كلمت بكرا عند زيد، ولا هندا زوجته، أو: لا كلمت ~~زيدا سيد بكر، أو زوج هند، أو زيدا صديق سعد، فزال ملكه عنهن، وفعل ما حلف ~~عليه، حنث؛ لأن عين المحلوف عليه باقية، فحنث به، كما لو حلف: لا أكلت هذا ~~الكبش، فذبحه، وأكل من لحمه، ويحتمل أن لا يحنث في هذا كله. وإن استحالت ~~العين، مثل أن حلف على # PageV04P198 # هذا البر، فصار زرعا، أو بيضة، فصارت فرخا، أو على خمر، فصار خلا، لم ~~يحنث؛ لأن الأعيان استحالت، فزال حكم اليمين، ومتى كانت نية الحالف على شيء ~~مقيد بصفة، تقيدت يمينه بذلك. ومتى حلف: لا يدخل دار فلان، ولا يكلم عبده ~~ولا زوجته، ولا يركب دابته، وقصد معينا، تعلقت اليمين بعينه، سواء بقي ~~لفلان، أو انتفل عنه، ولا ms1276 تتناول يمينه غير تلك الدار والعبد والدابة ~~والزوجة؛ لأنه تعين بنيته. وإن لم يعين حنث بكلام كل عبد وزوجة له، ودخول ~~كل دار مضافة إليه بملك أو إجارة أو سكنى؛ لأن الدار تضاف إلى ساكنها. قال ~~الله تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن} [الطلاق: 1] . يريد: بيوت أزواجهن التي ~~تسكنها. ولا يحنث بكلام عبد زال عنه ملك فلان، ولا دار. ولو حلف: لا يدخل ~~دار عبد فلان، ولا يركب دابته، ولا يلبس ثوبه، فركب، أو لبس، أو سكن، أو ~~ركب ما جعل برسمه، حنث، لما ذكرنا؛ ولأن إضافة الملكية هنا غير متحققة، ~~فتعين صرفها إلى غير الملكية. # فصل: # وإن عدم التعيين، تعلقت يمينه بما تناوله الاسم، والأسماء ثلاثة أقسام: # أحدها: الأسماء العرفية، وهي أسماء اشتهر في العرف استعمالها في غير ~~موضوعها، وهي أربعة أنواع: # أحدها: ما صارت الحقيقة فيه مغمورة، لا يعرفها أكثر الناس، كالراوية: ~~للمزادة، وحقيقتها: البعير الذي يسقى عليه. والغائط والعذرة: للفضلة ~~المستقذرة. وحقيقة الغائط: المكان المطمئن. والعذرة: فناء الدار. فهذا ~~تنصرف اليمين عليه إلى الاسم العرفي دون الحقيقي؛ لأنه يعلم أنه لا يريد ~~غيره، فصار كالمصرح به، ولو حلف: لا يأكل شواء، اختصت يمينه اللحم المشوي، ~~دون المشوي من البيض وغيره، لاختصاص الشوي باللحم المشوي، دون غيره. وإن ~~حلف على الدابة، لم تتناول يمينه آدميا، ولا ما لا يسمى دابة في العرف، وإن ~~حلف: لا استظل بسقف، لم تتناول يمينه السماء، وإن كان الله تعالى قد قال: ~~{وجعلنا السماء سقفا محفوظا} [الأنبياء: 32] . ولو حلف على السراج، لم ~~يتناول الشمس، لعدم تسميتها عرفا. وإن اختلف أهل بلدين في تسمية عين، ~~انصرفت يمين الحالف إلى تسمية أهل بلده؛ لأنه لا يريد غيره، فأشبه ما لو ~~اختلفت اللغات. # النوع الثاني: ما يزيل الاسم عن الحقيقي، مثل اسم اللحم، يتناول في ~~الحقيقة # PageV04P199 # لحم السمك. قال الله تعالى: {لتأكلوا منه لحما طريا} [النحل: 14] ولا ~~يفهم ذلك عند إطلاق الاسم، فذكر الخرقي أنه إذا حلف: لا يأكل لحما، فأكل من ~~لحم السمك، حنث لأن الله ms1277 تعالى سماه لحما؛ ولأنه لحم حيوان، فأشبه لحم ~~الطير. وقال ابن أبي موسى: لا يدخل إلا أن ينويه؛ لأنه لا يطلق عليه اسم ~~اللحم، أشبه الجراد؛ ولأن الظاهر أن الحالف لم يرده بيمينه، فأشبه النوع ~~الذي قبله. وإن حلف: لا يدخل بيتا، فنص أحمد على أن يمينه تتناول المسجد ~~والحمام؛ لأن الله سمى المساجد بيوتا، فقال سبحانه: {في بيوت أذن الله أن ~~ترفع ويذكر فيها اسمه} [النور: 36] . وفي الأثر: «بئس البيت الحمام» . وإذا ~~كان بيتا في الحقيقة، ويسميه الشارع، حنث بدخوله كغيره، ويحتمل ألا يحنث؛ ~~لأنه لا يسمى في العرف بيتا، أشبه النوع الأول. ويدخل في يمينه بيت الشعر ~~والمدر؛ لأنه بيت حقيقة وعرفا، ولا تدخل فيه الخيمة؛ لأنها لا تسمى بيتا، ~~ولا يدخل الدهليز، ولا الصفة، ولا صحن الدار كذلك. وإن حلف على الريحان، ~~فقال القاضي. تختص يمينه الريحان الفارسي؛ لأنه المسمى عرفا. وقال أبو ~~الخطاب. تتناول كل نبت أو زهر طيب الريح، كالورد، والبنفسج، والنرجس، ~~والمرزنجوش، ونحوه؛ لأنه يتناول اسم الريحان حقيقة. ولو حلف: لا يشم وردا، ~~ولا بنفسجا، حنث بشمهما، رطبين كانا أو يابسين. فإن شم دهنهما، لم يحنث عند ~~القاضي؛ لأنه لم يشمهما، ويحنث عند أبي الخطاب؛ لأن الشم إنما هو للرائحة، ~~وريحهما في دهنهما. وإن حلف: لا يشتريهما، فاشترى دهنهما، لم يحنث وجها ~~واحدا. # النوع الثالث: ما يتناوله الاسم حقيقة وعرفا، لكن أضاف إليه فعلا لم تجر ~~العادة بإضافته إلا إلى بعضه، ففيه وجهان: # أحدهما: يتناول الاسم جميع المسمى، لعموم الاسم فيه. # والثاني: يختص بما جرت العادة بإضافة الفعل إليه؛ لأن هذا قرينة دالة على ~~اختصاصه بالإرادة، فأشبه ما لو خصه بنيته. فإذا حلف: لا يأكل رأسا، فقال ~~القاضي: يحنث بأكل رأس كل حيوان من النعم، والطير، والصيد، والحيتان، ~~والجراد، لعموم الاسم فيه حقيقة وعرفا، فأشبه ما لو حلف: لا يشرب ماء، فإنه ~~يحنث بشرب الماء الملح، والماء النجس. ومن حلف: لا يأكل خبزا، حنث بأكل خبز ~~الذرة والدخن، وإن لم تجر عادة أهل بلد ms1278 الحالف بأكله. ولو حلف: لا يأكل ~~لحما، تناول يمينه لكل اللحم المحرم. وقال أبو الخطاب: لا يحنث بأكل رأس لم ~~تجر العادة بأكله منفردا لأنه # PageV04P200 # لا ينصرف إليه اللفظ عرفا فلم يحنث بأكله، كما لو حلف: لا يأكل شواء، ~~فأكل بيضا مشويا، وإن حلف: لا يأكل بيضا، فعند القاضي: يحنث بأكل بيض كل ~~حيوان، وعند أبي الخطاب: لا يحنث بأكل بيض لا يزايل بائضه في حياته، كبيض ~~السمك والجراد. # النوع الرابع: أسماء يقصد بها في الغالب معنى، فإذا أطلقها في اليمين، ~~تعلقت يمينه بما يحصل ذلك المعنى. فإذا حلف: لا يضربه، فخنقه، أو نتف شعره، ~~أو عصر ساقه، حنث؛ لأنه يقصد ترك تأليمه. وإن حلف ليضربنه، بر بفعل ذلك؛ ~~لأنه يحصل مقصوده، ويسمى ضربا. وإن ضربه بعد موته، لم يبر؛ لأنه لا يحصل ~~مقصوده، وإن حلف: لا وطئت مدينة كذا راكبا، حنث؛ لأن ذلك يراد به اجتنابها. # فصل: # القسم الثاني: الأسماء الشرعية، وهي التي لها موضوع شرعي، كالوضوء، ~~والطهارة، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، والبيع. فتعلق اليمين بالموضوع ~~الشرعي؛ لأنه الظاهر. وتعلق اليمين بالصحيح منه دون الفاسد؛ لأنه المشروع. ~~وقال ابن أبي موسى: من حلف لا يتزوج، لم يحنث إلا بتزويج صحيح. ومن حلف لا ~~يشتري، فاشترى شراء فاسدا، ففيه روايتان. وإن تزوج تزويجا مختلفا فيه، أو ~~اشترى شراء مختلفا فيه، حنث؛ لأنه يطلق عليه الاسم. وقال أبو الخطاب: إن ~~باع وقت النداء، أو تزوج بغير ولي، ففيه وجهان. وإن حلف: لا يبيع خمرا ولا ~~حرا، حنث بفعل ذلك؛ لأنه يتعذر حمل يمينه على عقد صحيح، فيتعين الفاسد ~~محملا لها، ويحتمل أن لا يحنث؛ لأنه ليس ببيع في الشرع. وإن حلف: ليصلين ~~وليصومن، فأقل ذلك صوم يوم، وصلاة ركعتين، كما لو نذر ذلك، وإن حلف: لا ~~يصلي، ولا يصوم، فكذلك عند أبي الخطاب؛ لأن ما دونه لا يبر به، فلا يحنث ~~بفعله، كغيره من الأفعال. وقال القاضي: يحنث بابتدائهما؛ لأنه يسمى مصليا، ~~وصائما. ويحتمل أن يخرج هذا على الروايتين فيمن حلف ms1279 لا يفعل شيئا، ففعل ~~بعضه. وإن حلف: لا يبيع، لم يحنث، حتى ينعقد البيع بالإيجاب والقبول. وإن ~~حلف: لا يهبه. أو لا يعيره، فأوجب ذلك، فلم يقبل الآخر، حنث؛ لأن المقصود ~~من الهبة فعل الواهب، لعدم العوض فيها، بخلاف البيع. فإن مقصود البائع لا ~~يتم إلا بالقبول. وإن حلف: لا يتصدق عليه، فوهبه، لم يحنث؛ لأن الصدقة تختص ~~بوصف زائد، بدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هو عليها صدقة ولنا ~~هدية» . # PageV04P201 # وإن حلف: لا يهبه، فتصدق عليه تطوعا، لم يحنث عند أبي الخطاب كذلك. وقال ~~القاضي: يحنث؛ لأنه تبرع بعين في حياته، أشبه ما لو أهدى إليه، والصدقة نوع ~~من الهبة فتتناولها يمين الحالف على الهبة، ولم تدخل الهبة في يمين الحالف ~~على الصدقة، ولا يحنث بالصدقة الواجبة، وجها واحدا؛ لأنه ليس بتبرع. # وإن أهدى إليه، أو أعمره، حنث؛ لأنه هبة. وإن وصى له، لم يحنث؛ لأن الملك ~~إنما يثبت بعد انحلال اليمين بالموت. وإن أعاره، لم يحنث؛ لأنها لا تسمى ~~هبة؛ ولأن الهبة تمليك الأعيان. وقال أبو الخطاب: يحنث؛ لأنها هبة المنافع. ~~وإن حاباه في البيع لم يحنث، لما ذكرنا في العارية. وقال أبو الخطاب: فيه ~~وجه آخر؛ أنه يحنث؛ لأنه تبرع عليه. وإن وقف عليه، ابتنى على ملك الموقوف ~~عليه. وإن قلنا: يملك، حنث. وإلا، فلا. وقال أبو الخطاب. يحنث؛ لأنه تبرع ~~عليه، ويحتمل أن لا يحنث بحال؛ لأنه لا يسمى هبة. # فصل: # القسم الثالث: ما له موضوع لغوي، لم يغلب استعماله في غيره، فتتناوله ~~يمينه، مثل أن يحلف: لا يأكل لبنا، فيحنث بأكل ما يسمى لبنا، حليبا كان أو ~~مخيضا، مائعا أو جامدا. ولا يحنث بأكل الخبز، والزبد والسمن والأقط والكشك؛ ~~لأنه لا يسمى لبنا. # وإن حلف على الزبد، لم تتناول يمينه سمنا ولا لبنا لم يظهر زبده. فإن ظهر ~~زبده تناولته يمينه، وإن حلف على السمن، لم تتناول يمينه زبدا ولا لبنا، ~~ويحنث بأكل ما حلف عليه مفردا، وفي طبيخ يظهر طعمه فيه؛ لأنه أكل ms1280 المحلوف ~~عليه وغيره، وإن لم يظهر طعمه في الطبيخ لم يحنث بأكله؛ لأنه زال اسمه ~~وطعمه، فلم يحنث بأكله، كالكشك. وإن حلف لا يأكل حنطة، فأكلها خبزا، أو ~~طبيخا، حنث؛ لأن الحنطة لا تؤكل حبا عادة، فانصرفت يمينه إلى أكلها في جميع ~~أحوالها، وإن أكل شعيرا فيه حبات حنطة، ففيه وجهان: # أحدهما: يحنث؛ لأنه أكل حنطة، فأشبه ما لو حلف لا يأكل رطبا، فأكل منصفا. # والثاني: لا يحنث؛ لأنها مستهلكة في الشعير، أشبه السمن في الخبيص. # فصل: # وإن حلف لا يأكل فاكهة، تناولت يمينه كل ثمرة مأكولة تخرج من الشجر، ~~كالعنب، والزبيب، والرطب، والتمر، والجوز، واللوز؛ لأنه يسمى فاكهة، ولا ~~تتناول # PageV04P202 # القثاء، والخيار، والباذنجان؛ لأنها من الخضر. وفي البطيخ وجهان: # أحدهما: فاكهة؛ لأنه ينضج ويحلو، أشبه العنب. # والثاني: ليس بفاكهة؛ لأنه ثمر بقلة، أشبه القثاء. # فصل: # والإدام: ما يؤكل مع الخبز عادة، سواء كان مما يصطبغ به، كالمرق، واللبن، ~~والدهن والخل، أو مما لا يصطبغ به، كالشواء، والجبن، والزيتون؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «نعم الإدام الخل» وقال: «اللحم سيد الإدام في ~~الدنيا والآخرة» . فنص على هذين. وقسنا عليهما سائر ما ذكرنا؛ لأنه يؤتدم ~~به عادة. وفي التمر وجهان: # أحدهما: هو إدام، لما روى يوسف بن عبد الله بن سلام قال: «رأيت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وضع تمرة على كسرة وقال: هذه إدام هذه» . رواه أبو ~~داود. # والثاني: أنه ليس بأدم؛ لأنه فاكهة أشبه الزبيب. # وأما الطعام، فهو: اسم لكل مأكول، ومشروب على سبيل الاختيار. قال الله ~~تعالى: {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه} [آل ~~عمران: 93] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما تحرز لهم ضروع ~~مواشيهم أطعمتهم» . # والحلال والحرام سواء في اليمين. وفي الماء والدواء وجهان: # أحدهما: هو طعام، لقول الله تعالى في النهر: {ومن لم يطعمه فإنه مني} ~~[البقرة: 249] ؛ ولأنه مشروب، والدواء مأكول ومشروب، أشبه العسل. # والثاني: ليس بطعام؛ لأنه لا يطلق عليه اسمه، والدواء إنما يؤكل عند ~~الضرورة. ms1281 وأما القوت: فما تبقى به البنية، كالخبز، والتمر، والزبيب، واللحم ~~واللبن؛ لأن كل واحد من هذه يقتاته أهل بلد، ويحتمل ألا يدخل في يمينه ما ~~لا يقتاته أهل بلده؛ لأن يمينه تنصرف إلى المتعارف عندهم. # فصل: # ومن حلف على اللحم، تناولت يمينه لحم الأنعام والصيد والطير والسباع، # PageV04P203 # وكل ما يسمى لحما، ولا تتناول يمينه الشحم، والألية، والمخ، والدماغ، ~~والكبد، والطحال، والقلب، والرئة، والكلية، والكرش، والمصران، والقانصة، ~~والكارع؛ لأنه ليس بلحم. ولا ينفرد عنه باسمه وصفته، فأشبه الجلد، وفي ~~اللسان وجهان: # أحدهما: يدخل؛ لأنه لحم حقيقة. # والثاني: لا يدخل؛ لأنه ينفرد باسمه وصفته، أشبه القلب. وفي لحم الرأس ~~وجهان: # أحدهما: لا يدخل في يمينه. أومأ إليه أحمد فيمن حلف لا يشتري لحما، ~~فاشترى رأسا، أو كارعا، لا يحنث إلا أن ينوي؛ لأن اسم اللحم، لا ينصرف عند ~~الإطلاق إليه. # والثاني: يحنث؛ لأنه لحم، وفي المرق وجهان: # أحدهما: لا تتناوله يمينه؛ لأنه لا يسمى لحما. # والثاني: تتناوله يمينه. اختاره القاضي؛ لأن خاصية اللحم فيه، ولا تخلو ~~من أجزائه. وفي اللحم الأبيض الذي على الظهر والجنب، وفي تضاعيف اللحم ~~الأحمر، وجهان: # أحدهما: هو لحم. وهذا قول القاضي، وأبي الخطاب؛ لأنه يسمى لحما، ويسمى ~~بائعه لحاما، ولا يفرد عن اللحم. # والثاني: هو شحم، هذا ظاهر قول الخرقي. واختيار طلحة العاقولي؛ لأنه يشبه ~~الشحم في لونه وذوبه، ولا يسمى لحما بمفرده، فعلى هذا يكون هذا، والألية، ~~وشحم البطن، شحم تتناوله يمين الحالف على الشحم. وعلى قول القاضي: الشحم: ~~اسم لشحم البطن خاصة، لا يتناوله غيره. ومن حلف لا يأكل شحما، فأكل لحما ~~أحمر وحده، لم يحنث؛ لأنه لا يسمى شحما، ولا يظهر فيه شحم. وقال الخرقي: ~~يحنث؛ لأنه لا يخلو من شحم. # فصل: # ومن حلف على العنب، لم تتناول يمينه حصرما، ولا زبيبا، ولا ما يتولد من ~~العنب. ومن حلف على الزبيب، لم تتناول يمينه عنبا. ومن حلف لا يأكل رطبا، ~~فأكل منصفا، وهو الذي أرطب نصفه، أو أكل القدر الذي أرطب منه، حنث؛ لأنه ms1282 ~~أكل رطبا. وإن أكل القدر الذي لم يرطب، لم يحنث ومن حلف لا يكلم شيخا، ولا ~~عبدا، ولا يشتري جديا، ولا يأكل لحما طريا، ولا رطبا جنيا، لم يحنث بغير ~~الموصوف بتلك الصفة؛ لأن يمينه لم تتناول غيره. # PageV04P204 # فصل: # ومن حلف على الحلي، تناولت يمينه الخواتيم، والأسورة، والخلاخيل وكل ما ~~يسمى حليا، وتتناول اللؤلؤ والجواهر في المخنقة، لقول الله تعالى: ~~{وتستخرجوا منه حلية تلبسونها} [النحل: 14] . ولا تتناول العقيق، والسبج؛ ~~لأنه ليس بحلي، أشبه الودع والخرز. ولا تتناول السيف المحلى؛ لأن السيف ليس ~~بحلية. والحلية إنما هي للسيف، وفي المنطقة المحلاة وجهان: # أحدهما: هي كالسيف. # والثاني: تتناولها اليمين؛ لأنها من حلي الرجال. وإن لبس الخاتم في أي ~~أصابعه كان، حنث؛ لأنه قد لبسه، فأشبه لبسه في الخنصر. # فصل: # والحين عند إطلاقه: اسم لستة أشهر؛ لأن ذلك يروى عن ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - وقال عكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو عبيد في قول الله تعالى: {تؤتي ~~أكلها كل حين} [إبراهيم: 25] . هو ستة أشهر، فيحمل مطلق كلام الآدمي على ~~المطلق من كلام الله سبحانه. والحقب: ثمانون عاما. قاله ابن عباس في تفسير ~~قول الله تعالى: {لابثين فيها أحقابا} [النبأ: 23] . # وإن حلف لا يكلمه وقتا، أو دهرا، أو مليا، أو طويلا، أو قريبا، تناول أقل ~~الزمان؛ لأن الاسم تناوله، وكذلك إذا حلف لا يكلمه زمنا، عند أبي الخطاب؛ ~~لأنه في معنى وقت. وقال ابن أبي موسى: هو ثلاثة أشهر، وقال العاقولي: هو ~~كالحين. والأول أصح. وقوله: عمرا، كقوله: وقتا، عند أبي الخطاب، وعند ~~العاقولي، هو كالحين، ويحتمل أن يحمل على أربعين عاما، لقول الله تعالى: ~~{فقد لبثت فيكم عمرا من قبله} [يونس: 16] . ويعني: مدة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قبل بعثه، وكان أربعين عاما. # وإن حلف لا يكلمه الدهر، أو الأبد، أو الزمان، تناول الدهر؛ لأن الألف ~~واللام تستغرق الجميع. # وإن # PageV04P205 # حلف على أشهر، أو أيام، فهي ثلاثة؛ لأنها أقل الجمع. وإن حلف على شهور، ~~فكذلك عند أبي الخطاب؛ لأنها جمع. وقال غيره: هي ms1283 اثنا عشر، لقول الله ~~تعالى: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا} [التوبة: 36] ولأن هذا جمع ~~كثرة، فلا يحمل على ما يحمل عليه جمع القلة. وإن حلف لا يأوي معه بيتا. ~~فدخلا بيتا، حنث وإن قل لبثهما، لقول الله تعالى: {إذ أوينا إلى الصخرة} ~~[الكهف: 63] . قال أحمد: ما كان ذلك إلا ساعة. # فصل: # وإن حلف لا يدخل دارا، فدخلها مختارا، حنث، راكبا كان أو ماشيا، أو ~~محمولا، أو على مأمن بابها، أو من ثقب فيها، أو من فوق جدارها؛ لأنه قد ~~دخلها. وإن رقى على سطحها، حنث؛ لأنها منها. وكذلك يصح الاعتكاف في سطح ~~المسجد، ويمنع الجنب اللبث فيه، إلا أن تكون بينة أو قرينة حالة تقتضي ~~إخراج السطح من اليمين. وإن قال: على حائطها، أو عتبة بابها، ففيه وجهان: # أحدهما: يحنث؛ لأنه دخل في حدها. # والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا يسمى داخلا. وإن تعلق على غصن شجرة منها حتى ~~صار بين حيطانها، حنث. وإن صار مقابلا لها، احتمل وجهين. وإن حلف لا يدخل ~~من بابها، فحول بابها، ودخل من الثاني، حنث؛ لأنه بابها. وإن حلف لا يضع ~~قدمه فيها، أو لا يطأها، فدخلها راكبا، أو حافيا، أو منتعلا، حنث لأن ~~معناه، أن لا يدخلها. # فصل: # وإن حلف على دار ليخرجن منها، اقتضت يمينه الخروج بنفسه، وأهله، وإن حلف ~~ليخرجن من هذه البلد، اقتضت يمينه الخروج بنفسه؛ لأن الدار يخرج منها ~~صاحبها كل يوم عادة. وظاهر حاله، إرادة خروج غير المعتاد، بخلاف البلد. وهل ~~يحنث بالعود إليها؟ فيه روايتان: # إحداهما: يحنث؛ لأن ظاهر حاله قصد هجرانها، ولا يحصل ذلك مع العود. # والثانية: لا يحنث؛ لأن يمينه على الخروج وقد فعله، ولذلك لو حلف لا يخرج ~~منها، حنث بمجرد الخروج. وحمل اليمين على المقصد مع عدمه وعدم سبب يقتضيه، ~~لا يصح. # PageV04P206 # فصل: # وإن حلف على زوجته، أن لا تخرج إلا بإذنه، أو بغير إذنه، أو إلى أن يأذن ~~لها، أو إلا أن يأذن لها، أو حتى يأذن لها، فخرجت بغير ms1284 إذنه، حنث وانحلت ~~يمينه. وإن خرجت بإذنه، لم يحنث، ولم تنحل يمينه؛ لأنها فعلت غير المحلوف ~~عليه، فأشبه ما لو فعلت غير الخروج. وإن أذن لها، ثم نهاها، فخرجت، حنث؛ ~~لأن إذنه زال، فأشبه من لم يأذن وإن أذن لها من حيث لا تعلم، فخرجت، ففيه ~~وجهان: # أحدهما: يحنث؛ لأن الإذن الإعلام، ولم يتحقق، قال الله تعالى: {وأذان من ~~الله ورسوله} [التوبة: 3] أي إعلام. وآذنتكم. أي: أعلمتكم. # والثاني: لا يحنث؛ لأنه قد أذن، وكذلك ينعزل الوكيل بعزله قبل علمه. وإن ~~حلف ألا تخرجي إلا بإذن زيد، فمات زيد، ثم خرجت، حنث؛ لأنها خرجت قبل إذنه، ~~وإن حلف ألا تخرج إلى غير الحمام، فخرجت إلى الحمام وغيره، حنث؛ لأنها خرجت ~~إلى غيره. وإن قال: إن خرجت إلا إلى الحمام، فأنت طالق، فخرجت إليه وإلى ~~غيره، لم تطلق؛ لأنها خرجت إليه. وإن خرجت إلى الحمام، ثم عدلت إلى غيره، ~~ففيه وجهان: # أحدهما: لا يحنث؛ لأنها لم تخرج إلى غيره. # والثاني: يحنث؛ لأن قصده في الظاهر صيانتها من غيره ولم يحصل ذلك. # فصل: # ومن حلف: لا يسكن دارا هو ساكنها، وأقام فيها زمنا يمكنه الخروج، حنث، ~~إلا أن تكون إقامته لنقل متاعه، فلا يحنث، ويكون نقله على ما جرت به العادة ~~قليلا. وإن خرج بنفسه دون أهله وماله، مع إمكان نقلهم، حنث؛ لأنه يقال: ~~فلان ساكن الدار، مع كونه خارجا منها، إلا أن يريد بخروجه السكنى منفردا في ~~غيرها، فلا يحنث، فإن أقام في الدار لإكراه، أو خوف، أو ليل، أو لأنه يحول ~~بينه وبين الخروج أبواب مغلقة، أو لعدم ما ينقل عليه متاعه، أو منزلا ينتقل ~~إليه، أياما وليالي في طلب النقلة، لم يحنث؛ لأن إقامته لدفع الضرر، ~~وانتظار السكنى. وإن أقام غير ناو للنقلة، حنث. ولو وهب رحله، أو أعاره، أو ~~أودعه وخرج بنفسه لا يريد العود، لم يحنث، وإن تردد إلى الدار لنقل متاعه، ~~أو عيادة مريض، لم يحنث؛ لأنه ليس بسكنى. وإن امتنعت زوجته من الخروج معه، ~~فخرج وتركها، ms1285 لم يحنث. # PageV04P207 # فصل: # وإن حلف لا يساكن فلانا، فاستدام المساكنة، حنث. وإن سكنا في دارين ~~متجاورتين، لم يحنث إلا أن ينوي، أو يكون سبب يمينه، يقتضي ذلك. وإن سكنا ~~في دار واحدة، حنث، سواء سكنا بيتين، أو أحدهما بيتا والآخر صفة. وإن كانا ~~متساكنين، فأقاما حتى بنيا بينهما حاجزا، وقسماها دارين، حنث، فإن خرجا ~~منها، أو أحدهما، وقسماها دارين ثم سكناها، لم يحنث. # فصل: # وإن حلف لا يأكل شيئا، فشربه، أو لا يشربه، فأكله، فقال الخرقي. يحنث؛ ~~لأن هذه اليمين يقصد بها اجتناب الشيء، بدليل قوله تعالى: {تأكلوا أموالهم} ~~[النساء: 2] . يتناول اجتنابها، ونهي الطبيب المريض عن أكل شيء يمنع ~~تناوله، فحملت اليمين عليه، ونقل منها عن أحمد: لا يحنث؛ لأن الأفعال ~~أنواع، كالأعيان. فالحالف على نوع، لا يحنث بفعل آخر، كالأعيان. قال ~~القاضي: إنما الروايتان فيما إذا عين المحلوف عليه. فإن لم يعين، لم يحنث ~~رواية واحدة. فأما إن حلف لا يطعمه، أولا يذوقه، تناول الأمرين. فإن حلف لا ~~يأكله، ولا يشربه، فذاقه، لم يحنث. وإن حلف لا يأكل سكرا، فتركه في فمه حتى ~~ذاب فبلعه، خرج على الروايتين. وإن حلف لا يشرب، فمص قصب السكر، لم يحنث. ~~نص عليه. وكذلك إن حلف لا يأكله. قاله ابن أبي موسى. ويجيء على قول الخرقي ~~أنه يحنث. والأكلة بالفتح: المرة من الأكل. والأكلة: اللقمة. # فصل: # وإن حلف لا يكلمه، ثم وصل بيمينه كلاما، مثل أن يقول: فتحقق ذلك، أو: ~~فاذهب، أو: فاسمع، حنث ثم؛ لأنه كلمة بعد يمينه. إلا أن ينوي أن لا يكلمه ~~كلاما منفصلا، ويحتمل أن لا يحنث وإن أطلق؛ لأن إتيانه بكلام متصل يدل على ~~قصده الكلام المنفصل. وإن كلم إنسانا ليسمع المحلوف عليه، حنث، نص عليه؛ ~~لأن ذلك تكليم له في المعنى. قال الشاعر: # إياك أعني فاسمعي يا جارة # وإن ناداه بحيث يسمع، فلم يسمع، حنث. نص عليه؛ لأنه أراد تكليمه بما لفظ ~~به. وإن زجره، فقال: تنح، أو اسكت. أو سمعه يتكلم، فقال: على الكاذب لعنة ~~الله، ms1286 حنث؛ لأنه كلمه. وإن سلم عليه، أو على جماعة هو فيهم يقصده معهم، # PageV04P208 # حنث؛ لأنه كلمه. وإن قصدهم دونه، لم يحنث؛ لأن اللفظ العام يصح استعماله ~~في الخصوص. وإن أطلق، حنث؛ لأن العام يحمل على عمومه ما لم يخصه مخصص. ~~ويحتمل أن لا يحنث؛ لأنه يصلح للبعض، فلا يحنث بالاحتمال. وإن كاتبه، أو ~~راسله، ففيه روايتان: # إحداهما: يحنث، لقول الله تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ~~أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا} [الشورى: 51] . فاستثنى ذلك من التكليم؛ ~~ولأن ظاهر حاله قصد هجرانه، فتحمل يمينه عليه. # والثانية: لا يحنث؛ لأنه ليس بتكليم، ولهذا صح نفيه، إلا أن ينويه، أو ~~يكون سبب يمينه يقتضي مقاطعته وجفاءه. وفي الإشارة وجهان. بناء على ~~الرسالة. فإن ناداه وهو غائب، أو ميت، أو أصم، أو مغمى عليه، لم يحنث؛ لأنه ~~ليس بتكليم له. وقال أبو بكر: يحنث بتكليم الميت؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كلمهم. والأول أصح؛ لأنه قد بطلت حواسه، وذهبت نفسه، وتكليم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم من خصائصه، فلا يقاس عليه. وإن حلف ~~لا يتكلم، فقرأ، أو سبح، لم يحنث، لقول الله سبحانه: {قال آيتك ألا تكلم ~~الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار} [آل ~~عمران: 41] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله قد أحدث أن لا ~~تكلموا في الصلاة» . متفق عليه. # فإن حلف على ترك كلامه أياما متتابعة، دخلت الليالي التي بين الأيام في ~~يمينه؛ لأن الله تعالى: جعل آية زكريا ترك الكلام في الأيام، فدخلت الليالي ~~فيه. # فصل: # فإن حلف على غريمه: لا افترقنا حتى أستوفي حقي منك، فهرب منه، حنث؛ لأن ~~يمينه تقتضي ألا يحصل بينهما فرقة وقد حصلت. وإن حلف: لا فارقتك، فهرب منه، ~~لم يحنث؛ لأن اليمين على فعل نفسه، ولم توجد المفارقة إلا من غريمه. وعنه: ~~يحنث، كما ذكرنا في التي قبلها، وإن فارقه الغريم بإذنه، أو قدر على منعه ~~من الهرب فلم يفعل، حنث؛ ms1287 لأن معنى يمينه لألزمنك ولم يلزمه اختيارا، وإن ~~أحاله ففارقه، حنث؛ لأنه فارقه قبل استيفاء حقه. فإن ظن أنه قد بر خرج على ~~الروايتين في الجاهل. وإن قضاه عن حقه من غير جنسه، ففارقه، فقال ابن حامد: ~~لا يحنث؛ لأنه وصل إلى حقه من غريمه. وقال القاضي: إن كان لفظه: لا فارقتك ~~ولي قبلك حق، لم يحنث؛ لأنه لم يبق له قبله حق. وإن قال: حتى أستوفي حقي ~~منك، حنث؛ لأن يمينه على نفس # PageV04P209 # الحق، فإن فلسه الحاكم، وألزمه فراقه، فهو كالمكره وإن لم يلزمه فراقه، ~~ففارقه، حنث؛ لأنه فارقه اختيارا، وإن أبرأه، ثم فارقه وكان لفظه: لا ~~فارقتك ولي قبلك حق، لم يحنث. وإن قال: حتى أستوفي حقي منك، حنث. والفراق: ~~ما عده الناس فراقا، كالفرقة في البيع، وغيره. # فصل: # ومن حلف ليضربنه عشرة أسواط، فجمعها، وضربه بها ضربة واحدة، لم يبر؛ لأن ~~السوط أقيم مقام المصدر، تقديره: عشر ضربات بسوط، ولذلك لم يلزمه الضرب ~~بعشرة أسواط، ولا يبر إلا بضرب يؤلم؛ لأن هذا في العرف يقصد به التأليم، ~~فانصرفت اليمين إليه، كما لو صرح به. فإن مات المحلوف عليه قبل ضربه، أو ~~حلف ليشربن ماء، فتبدد، أو مات الحالف بعد إمكان الفعل، حنث؛ لأنه فاته ~~المحلوف عليه بعد الإمكان، فحنث كما لو حلف ليحجن العام ففاته الحج، وإن ~~تلف المحلوف عليه قبل الإمكان، حنث لما ذكرنا. ويتخرج ألا يحنث؛ لأنه عجز ~~بغير فعله. أشبه المكره. وإن حلف ليضربنه في غد. فمات العبد اليوم، ففيه ~~الوجهان. وإن مات الحالف اليوم، فلا حنث عليه؛ لأنه لم يفته فعله في وقته ~~إلا بعد خروجه عن أهلية التكليف. وإن ضربه اليوم لم يبر. وقال القاضي: يبر ~~كما لو حلف ليقضينه حقه غدا، فقضاه اليوم. والأول أصح؛ لأنه لم يفعل ~~المحلوف في وقته، أشبه ما لو حلف ليصومن يوم الخميس، فصام الأربعاء. ويفارق ~~قضاء الحق؛ لأنه يراد به ألا يتجاوز الوقت. وإن لم يبين وقت الضرب ولم ~~ينوه، لم يحنث حتى يموت أحدهما؛ ms1288 لأنه لا يفوته المحلوف عليه إلا به، بدليل ~~قوله تعالى: {قل بلى وربي لتأتينكم} [سبأ: 3] . وهو حق وصدق ولم يأت بعد. # فصل: # إذا حلف ليفعلن شيئا، لم يبر إلا بفعل جميعه. وإن حلف لا يفعله، ففعل ~~بعضه. ففيه روايتان: # إحداهما: لا يحنث؛ لأنه لا يبر بفعل البعض، فلا يحنث بفعله، كما لو نوى ~~الجميع. # والثانية: يحنث؛ لأن اليمين على الترك تقتضي المنع من فعله، فاقتضت المنع ~~من فعل البعض، كالنهي، واليمين على الفعل يقتضي فعل الكل، كالأمر، وإذا حلف ~~لا يأكل رغيفا، فأكل بعضه، أو لا يكلم زيدا وعمرا، فكلم أحدهما، أو لا يدخل ~~دارا، # PageV04P210 # فأدخل بعض جسده، ففيه الروايتان. وإن حلف لا يلبس ثوبا اشتراه زيد، أو ~~نسجه، أو خاطه، أو من غزل امرأته، أو لا يدخل داره، فلبس ثوبا اشتراه زيد ~~وبكر، أو خاطاه، أو نسجاه، أو فيه من غزل امرأته، أو دخل دارا لهما، ففيه ~~وجهان بناء على الروايتين، وإن حلف لا يأكل طعاما اشتراه زيد، فأكل طعاما ~~اشترياه، حنث؛ لأن زيدا اشترى نصفه وقد أكله، بخلاف الثوب الذي اشتراه، فإن ~~الاسم لجميعه، ونصفه ليس بثوب، ونصف الطعام طعام. ولو حلف لا يلبس ثوبا من ~~غزل امرأته، فلبس ثوبا فيه من غزلها، حنث؛ لأنه لبس من غزلها. ولو اشترى ~~زيد طعاما فخلطه بطعام آخر، فأكل الحالف أكثر مما اشتراه الآخر، حنث؛ لأنه ~~أكل مما اشتراه زيد. وإن أكل بقدره، أو دونه، ففيه وجهان: # أحدهما: يحنث؛ لأنه يستحيل في العادة انفراد ما اشتراه أحدهما مما اشتراه ~~الآخر، فيحنث ظاهرا. # والأخر: لا يحنث؛ لأنه يحتمل أن يكون المأكول مما اشتراه غيره، فلا يحنث ~~بالشك. وإن اشترى زيد نصفه مشاعا، واشترى الآخر باقيه، فأكل منه، حنث؛ لأن ~~كل جزء فيه من شراء زيد. وإن أكل طعاما اشتراه زيد لغيره، حنث؛ لأنه فعل ~~المحلوف عليه. وإن اشتراه زيد، ثم باع نصفه، فأكل منه، حنث أيضا. ومن نوى ~~بيمينه الجميع، أو البعض، أو لفظ به، أو دلت القرينة عليه، تقيدت يمينه ~~بذلك ms1289 وجها واحدا. فلو قال: والله لا أكلت هذا الطعام كله، أو: لا صمت هذا ~~الشهر جميعه، أو نوى ذلك بقلبه، لم يحنث إلا بفعل الجميع. وإن حلف لا شربت ~~ماء هذا النهر، ولا أكلت التمر، ولا كلمت الرجال، حنث بفعل البعض رواية ~~واحدة؛ لأن فعل الجميع ممتنع بغير يمينه. ولو حلف ليفعلن ذلك، بر بفعل ~~بعضه. وإذا حلف لا يشرب ماء النهر، فغرف منه بإناء، وشرب أو كرع فيه، حنث؛ ~~لأنه شرب منه. وإن شرب من نهر يأخذ منه، ففيه احتمالان: # أحدهما: يحنث؛ لأنه منه، أشبه ما في الإناء. # والثاني: أنه إن زال عنه الاسم، لم يحنث؛ لأنه زال اسمه، فأشبه من حلف لا ~~يأكل رطبا، فأكل تمرا. # فصل: # وإن حلف لا يفعل شيئين، ففعل أحدهما، ففيه الروايتان. # ويحتمل أن يفرق بين اليمين بالله تعالى، والطلاق؛ لأن اليمين بالطلاق ~~تعليق على شرط، وما علق على شرط لا يوجد قبل تمامه، وما علق على شرطين لا ~~يوجد عند أحدهما، ولهذا إذا قال لزوجتيه: إذا حضتما فأنتما طالقتان، فحاضت ~~إحداهما، لم تطلق واحدة منهما. ولو # PageV04P211 # قال: إن كلمتك ودخلت دارك فأنت طالق، أو إن كلمتك، فدخلت دارك، أو ثم ~~دخلت دارك، لم يحنث بفعل أحدهما وجها واحدا. # فصل: # ومن حلف لا يفعل شيئا، فوكل من يفعله حنث؛ لأن الفعل يطلق على الموكل فيه ~~والآمر به، فيحنث به، كما لو حلف لا يحلق رأسه فأمر من حلقه. ### | باب النذر # وهو أن يقول: لله علي أن أفعل كذا، أو: إن رزقني الله مالا، لأتصدقن أو: ~~فعلي صوم شهر، لقول الله تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله ~~لنصدقن ولنكونن من الصالحين} [التوبة: 75] {فلما آتاهم من فضله بخلوا به} ~~[التوبة: 76] وقال ابن عمر في الرجل يقول: علي المشي إلى الكعبة: هذا نذر، ~~فليمش. وهو سبعة أقسام: # أحدها: نذر اللجاج، والغضب، وهو الذي يخرج مخرج اليمين للمنع من شيء، أو ~~الحث عليه، كقوله: إن دخلت الدار، فلله علي الحج، أو صوم سنة، أو عتق ms1290 عبدي، ~~أو صدقة مالي، فهذا يمين يخير الناذر بين فعله وبين كفارة يمين، لما روى ~~عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا نذر ~~في معصية، وكفارته كفارة يمين» رواه سعيد في سننه، وعن أحمد أنه تتعين ~~الكفارة، ولا يجزئه غيرها، للخبر، والأول ظاهر المذهب؛ لأنه يمين، فيخير ~~فيها بين الأمرين، كاليمين بالله تعالى؛ ولأن هذا جمع الصفتين، فيخرج عن ~~العهد بكل واحد منهما. وإن قال: إن فعلت كذا، فعبدي حر، ففعله، عتق العبد؛ ~~لأن العتق يصح تعليقه بالشرط، فأشبه الطلاق. # فصل: # القسم الثاني: النذر المبهم، أن يقول: لله علي نذر، فيجب كفارة اليمين، ~~لما روى عقبة بن عامر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «كفارة ~~النذر - إذا لم يسم - كفارة يمين» . قال الترمذي: هذا حديث صحيح. # فصل: # القسم الثالث: نذر المباح، كنذر لبس ثوبه، وأكل طعامه، وطلاق زوجته، ~~فيتخير # PageV04P212 # بين الوفاء به وكفارة اليمين، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله» رواه أبو داود. # فإن لم يف، فعليه كفارة، لما روت عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين» . رواه أبو داود. # وإذا وجبت الكفارة في المعصية، ففي المباح أولى. وإن وفى به أجزأه، لما ~~روي «أن امرأة قالت: يا رسول الله إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، فقال ~~رسو الله - صلى الله عليه وسلم -: أوفي بنذرك» رواه سعيد. # ويتخرج أنه لا كفارة فيه؛ لأنه لو نذر الاعتكاف أو الصلاة في موضع بعينه، ~~جاز له الاعتكاف في غيره، ولا كفارة عليه. وقد روى ابن عباس قال: «بينا ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: ~~أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس، ولا يستظل، ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: مروه فليجلس، وليستظل، وليتكلم، وليتم صومه» رواه ~~البخاري. # ولم يأمره بكفارة. فإن جمع بين مباح ومندوب، لزمه ms1291 الوفاء بالمشروع، وحكمه ~~في المباح كما لو انفرد، ولحديث أبي إسرائيل. وإن تضمن خصالا كثيرة، أجزأته ~~كفارة واحدة، كاليمين. وإن نذر مكروها، كره له الوفاء به، وإن وفى به ~~أجزأه. # فصل: # القسم الرابع: نذر المعصية، كنذر شرب الخمر، وقتل النفس المحرمة، وظلم ~~الناس، فلا يحل الوفاء به. ويوجب كفارة يمين، لحديث عائشة، ولما روى عمران ~~بن حصين قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «النذر نذران، ~~فما كان من نذر في طاعة الله، فذلك لله وفيه الوفاء، وما كان من نذر في ~~معصية الله، فلا وفاء فيه، ويكفره ما يكفر اليمين» رواه الجوزجاني؛ ولأن ~~النذر كاليمين، واليمين على المعصية توجب الكفارة، فكذلك النذر. # وعن أحمد ما يدل على أنه لا كفارة فيه، لحديث أبي إسرائيل ولقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: # PageV04P213 # «ليس على الرجل نذر فيما لا يملك» متفق عليه. وفي لفظ: «لا نذر في معصية ~~الله ولا فيما لا يملك العبد» رواه مسلم؛ ولأنه نذر غير منعقد، فلم يوجب ~~شيئا، كيمين اللغو. # وسواء كان النذر مطلقا، أو معلقا بشرط. وإن نذر ذبح ولده، ففيه روايتان: # إحداهما: لا يوجب كفارة؛ لأنه نذر معصية، فأشبه نذر قتل أخيه. # والثانية: عليه ذبح كبش؛ لأن الله تعالى أمر إبراهيم - عليه السلام - ~~بذبح ولده، فخرج عن عهدة الأمر بذبح كبش، فكذا نذر الآدمي يخرج عن عهدته ~~بكبش؛ لأنه يقتضي الإكرام، كالأمر. فإذا ذبحه، فرقه على المساكين؛ لأن ما ~~وجب كفارة، فرق على المساكين، كسائر الكفارات. # وإن نذرت المرأة صوم يوم حيضها أو نفاسها، أو صوم يوم العيد، فهو نذر ~~معصية موجبة كفارة، كشرب الخمر. وإن نذرت صوم يوم الخميس، فصادف حيضها أو ~~يوم العيد، لم تصمه، وعليها القضاء؛ لأنها إنما قصدت الطاعة في محل يحتمل ~~الطاعة، وهل تلزمها الكفارة مع القضاء؟ فيه وجهان: # أحدهما: يلزمها لإخلالها بالمنذور في وقته، فأشبه ما لو حلفت على ذلك. # والثاني: لا كفارة عليها؛ لأن المنذور محمول على المشروع. ولو أفطرت في ~~رمضان لحيض، أو لمرض لم ms1292 يلزمها إلا القضاء، فكذا هاهنا، ويتخرج أن لا ~~يلزمها إلا الكفارة، كالتي قبلها، وإن نذر فعل طاعة على صفة محرمة، أو ~~مكروهة، كنذر المرأة الحج حاسرة، وجب فعل الطاعة. وفي الكفارة لترك المعصية ~~والمكروه وجهان: # أحدهما: يجب، لما روى عقبة بن عامر قال: «نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله ~~حافية غير مختمرة. فذكر ذلك عقبة لرسول الله فقال: مر أختك فلتركب، ~~ولتختمر، ولتصم ثلاثة أيام» رواه الترمذي. # والثاني: لا كفارة عليه، لما ذكرناه. وإن نذر أن يطوف على أربع، فقياس ~~المذهب، أن يطوف طوافا واحدا. # وفي الكفارة وجهان. والمنصوص عن أحمد: أنه يطوف طوافين، لما روي عن ابن ~~عباس - رضي الله عنهما - أنه قال ذلك. وروي أيضا عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، أخرجه الدارقطني في سننه. # PageV04P214 # فصل: # القسم الخامس: نذر الواجب كنذر صوم رمضان وصلاة الفرض، فقال أصحابنا: لا ~~يوجب شيئا لأنه التزام للازم، فلم يصح لاستحالته، كنذر المحال. وقياس ~~المذهب أن ينعقد موجبا للكفارة إن تركه، كنذر المباح؛ لأن النذر كاليمين. # فصل: # وإن نذر صوم يوم يقدم فلان، فصادف رمضان، فحكمه حكم ما لو صادف يوم ~~العيد. وقال الخرقي: يجزئه صيامه لرمضان ونذره؛ لأنه قد فعل الصيام. # فصل: # القسم السادس: نذر المستحيل، كصوم أمس، فلا ينعقد؛ لأنه لا يتصور انعقاده ~~والوفاء به، فأشبه اليمين على المستحيل. ويحتمل أن يوجب الكفارة، كيمين ~~الغموس. # فصل: # القسم السابع: نذر الطاعة تبررا، فيلزم الوفاء به، سواء نذره مطلقا، مثل ~~أن يقول: لله علي صوم يوم. أو علقه على شرط، مثل أن يقول: إن شفاني الله من ~~مرضي فلله علي صدقة درهم، فإذا وجد شرطه لزمه ما نذر. سواء كان للمنذور أصل ~~في الوجوب، كالصلاة، والصوم، أو لم يكن له أصل في الوجوب، كالاعتكاف، لما ~~روت عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من نذر أن يطيع الله، فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله، فلا يعصه» رواه ~~البخاري. # وإن نذر الصدقة بجميع ماله، أجزأته الصدقة بثلثه، لما ms1293 روى كعب بن مالك ~~قال: «قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ~~ورسوله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يجزئك الثلث» رواه أبو ~~داود. وفي لفظ: «أمسك عليك مالك» متفق عليه؛ ولأن الصدقة بجميع المال ~~مكروهة، بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، نهى عنها كعبا، وأبا ~~لبابة، ولا ينهى عن القرب. # فإن نذر الصدقة بمعين، وكان المعين يستغرق ماله، فهي كالتي قبلها. وإن ~~كان بعض ماله، ففيه روايتان: # إحداهما: تجزئه الصدقة بثلث؛ لأنه مال نذر الصدقة به، فأشبه جميع المال. # PageV04P215 # والثانية: تلزمه الصدقة بجميعه، لحديث عائشة - رضي الله عنها -، والقياس ~~على سائر المنذورات، ويحتمل أنه إن كان الثلث فما دونه، لزمه. وإن كان ~~أكثر، أخرج ثلث المال؛ لأنه حكم اعتبر فيه ثلث المال، فكان حكمه ما ذكرنا، ~~كالوصية. # فصل: # ومن نذر صياما، ولم يسم عددا، ولم ينوه، لزمه صوم يوم؛ لأنه أقل صوم يصح ~~في الشرع. # وإن نذر صلاة، ففيه روايتان: # إحداهما: يجزئه ركعة؛ لأن الوتر ركعة مشروعة. # والثانية: لا يجزئه إلا ركعتان؛ لأن الركعة لا تجزئ في الفرض، فلا تجزئ ~~في النذر كالسجدة. # وإذا نذر عتق رقبة، فهي التي تجزئ عن الواجب؛ لأن المطلق يحمل على ~~المعهود في الشرع، وذلك هو الواجب في الكفارة. # وإن نذر هديا، لم يجزئه إلا ما يجزئ في الأضحية كذلك. وعليه إيصاله إلى ~~فقراء الحرم؛ لأن إطلاق الهدي يقتضي ذلك. قال الله تعالى: {هديا بالغ ~~الكعبة} [المائدة: 95] . # وإن نذر المشي إلى بيت الله الحرام أو إتيانه، لزمه المشي في حج أو عمرة؛ ~~لأن المشي إلى البيت المعهود شرعا هو المشي في أحد النسكين، فحمل النذر ~~المطلق عليه، ويلزمه المشي من دويرة أهله كذلك، وإن نذر المشي إلى البلد ~~الحرام، أو بقعة منه، فهو كنذر المشي إلى البيت الحرام؛ لأن الحرم كله محل ~~النسك، ولذلك صح إحرام المكي بالحج منه. وإن نذر المشي إلى غير الحرم، ~~كعرفة وغيرها، لم يلزمه، وكان كنذر المباح، وكذلك إن نذر ms1294 إتيان مسجد من ~~مساجد الحل، لم يلزمه إلا مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والمسجد ~~الأقصى، فإنه يلزمه إتيانهما، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا» ~~منفق عليه. ويلزمه صلاة ركعتين فيهما؛ لأن القصد بنذره القربة، ولا يحصل ~~إلا بالصلاة، فتضمنها نذره، كتضمن نذر المشي إلى المسجد الحرام أحد ~~النسكين، وإن نذر الصلاة في مسجد. هو كنذر إتيانه، إلا أنه تلزمه الصلاة ~~دون الإتيان، في غير المساجد الثلاثة، وتجزئ الصلاة في المسجد الحرام عن ~~الصلاة في المسجدين الآخرين. والصلاة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عن الصلاة في المسجد الأقصى، لما ذكرنا في الاعتكاف. # PageV04P216 # فصل: # ومن عين بنذره أو بنيته شيئا من عدد الصيام، أو الصلاة، أو الهدي، أو ~~الرقاب، أجزأه ما عينه، صغيرا كان أو كبيرا، صحيحا أو معيبا، مما يجزئ في ~~الواجب، ومما لا يجزئ؛ لأن الوجوب ثبت بقوله، فيجب أن تتبع فيه صفته، ~~كأوامر الشرع. وعنه فيمن قال: إن قدم فلان لأتصدقن بمال، هو في نفسه مال، ~~يخرج ما شاء. وهذا يدل على أنه إنما يلزمه ما لفظ به دون ما نواه؛ لأن ~~النذر باللفظ دون النية، والأولى أولى؛ لأنه نوى بلفظه ما يحتمله فتقيد به، ~~كاليمين. # فإن عين الهدي بغير الحيوان، جاز، ويتصدق به، أو بثمنه على مساكين الحرم؛ ~~لأنه محل الهدي. وإن نذر هدي ما لا ينقل، كالدر ونحوه، بيع، وتصدق بثمنه. ~~وإن عين نذر الهدي بموضع غير الحرم، لزمه ما عينه، ويتصدق به على فقراء ذلك ~~الموضع إن لم يتضمن معصية، لما روي: «أن رجلا نذر على عهد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أن ينحر إبلا ببوانة، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: أكان فيها وثن من أوثان الجاهلية؟ قالوا: ~~لا، قال: هل كان فيها عيد من أعيادهم، قالوا: لا، قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: أوف بنذرك» . رواه أبو داود؛ ولأن ms1295 معهود الشرع تفرقة اللحم ~~بالمكان الذي نذر الذبح به، فكأنه نذر فرقة اللحم على فقراء أهله. # فصل: # إذا نذر صيام ثلاثين يوما، لم يلزمه التتابع. نص عليه؛ لأن لفظه لا يقتضي ~~التتابع. وعنه فيمن نذر صيام عشرة أيام: يلزمه التتابع؛ لأن الصيام الواجب ~~بأصل الشرع متتابع. والأول أولى، وهذا محمول على من نوى التتابع أو شرطه، ~~لما ذكرناه. وإن نذر صيام شهر، ففيه روايتان: # إحداهما: لا يلزمه التتابع؛ لأن الشهر يقع على ما بين الهلالين، وعلى ~~ثلاثين يوما، فلا يلزمه ما بين الهلالين، فصار كنذر ثلاثين يوما. # والثانية: يلزمه التتابع؛ لأن الشهر اسم لأيام متتابعة. فإن صام ما بين ~~الهلالين، أجزأه، تاما كان أو ناقصا؛ لأنه شهر، وإن بدأ من أثناء شهر، لزمه ~~ثلاثون يوما؛ لأن الشهر العادي ثلاثون يوما. وإن نذر صيام أشهر متتابعة، ~~فبدأ من أول شهر، صامهن بالأهلة. وإن بدأ من أثناء شهر، صام شهرا بالعدد، ~~وباقيها بالأهلة، لما ذكرنا في صوم الظهار. # PageV04P217 # فإن أفطر بالصيام المتتابع لغير عذر، لزمه الاستئناف؛ لأنه أمكنه الإتيان ~~بالمنذور على صفته، فلزمه، كحال الابتداء. وإن أفطر لعذر يوجب الفطر، ~~كالمرض المخوف، والحيض، خير بين الاستئناف؛ لأنه يجزئه مع عدم العذر، فمع ~~العذر أولى، وبين البناء والتكفير؛ لأن الفطر لعذر لا يقتضي التتابع حكما، ~~بدليل فطر المظاهر في الشهرين لعذر، ويكفر لترك صفة النذر؛ لأن النذر ~~كاليمين. # وإن أفطر لعذر يبيح الفطر، كالسفر، ففيه وجهان: # أحدهما: يقطع التتابع؛ لأنه أفطر باختياره، أشبه غير المعذور. # والثاني: لا يقطعه؛ لأنه عذر للفطر في رمضان، فأشبه المرض. فأما إن نذر ~~صوم شهر بعينه، فأفطر لغير عذر، ففيه روايتان: # إحداهما: يلزمه الاستئناف؛ لأنه صوم يجب متتابعا، أشبه المنذور متتابعا. # والثانية: لا يلزمه وجوب التتابع من جهة الوقت، لا للنذر، فلم يبطله ~~الفطر كشهر رمضان. وإن أفطر لعذر، بنى، وعليه كفارة في الموضعين، لتركه صفة ~~نذره. # وعنه: لا تجب الكفارة مع العذر؛ لأنه تركه بأمر الشرع، فلم يلزمه كفارة، ~~كما لو نذر الصدقة بجميع ماله، وتصدق بثلثه. ms1296 # فصل: # وإن نذر صيام سنة معينة، لم يدخل في نذره رمضان، ويوما العيدين؛ لأنه لا ~~يقبل الصوم عن النذر، فلم يدخل في نذره، كالليل. وفي أيام التشريق روايتان. ~~وإن نذر صوم سنة، فهل يلزمه سنة متتابعة؟ فيه روايتان على ما ذكرنا في ~~الشهر. فإن قلنا: يلزمه التتابع، فحكمها حكم المعينة، وإن قلنا: لا يلزمه ~~التتابع، لزمه اثنا عشر شهرا بالأهلة، إلا أن يبتدئ صوم شهر من أثنائه، أو ~~لا يوالي بينه، فيلزمه ثلاثون يوما، فإن صام سنة متوالية، قضى عن شهر رمضان ~~ويومي العيدين. # فصل: # وإن نذر صوم يوم يقدم فلان، فقدم ليلا، لم يلزمه شيء؛ لأنه لم يتحقق ~~شرطه، فلم يجب نذره. وإن قدم نهارا، لم يخل من ثلاثة أحوال: # أحدها: قدم والناذر مفطر، فيه روايتان: # إحداها: لا يلزمه شيء؛ لأنه قدم في وقت لا يصح فيه صومه شرعا، أشبه ما لو ~~قدم ليلا. # PageV04P218 # والثانية: يلزمه القضاء والكفارة؛ لأنه علق نذره بزمن المستقبل ولم يف ~~به، فلزمه القضاء والكفارة، كما لو نذر صوم يوم الخميس فأفطره. # الثاني: قدم والناذر صائم من رمضان، أو فرضا غيره، ففيه روايتان: # إحداهما: يجزئه صومه عنهما؛ لأنه نذر صومه وقد وفى به. # والثانية: حكمه حكم من أفطره؛ لأنه لم يصمه عن نذره. # الثالث: قدم والناذر صائم تطوعا، أو ممسك، ففيه وجهان: # أحدهما: يتم صومه، ويجزئه؛ لأن سبب الوجوب وجد في أثنائه قبل فطره، فأشبه ~~ما لو قال: لله علي صوم بقية يومي. # والثاني: يلزمه القضاء والكفارة؛ لأنه صوم واجب، فلم يصح بنية من النهار، ~~كالقضاء. # فصل: # وإذا نذر الحج العام، وعليه حجة الإسلام، ففيه روايتان: # إحداهما: يجزئه الحج عنهما. # والثانية: يلزمه حجة أخرى، أصلها إذا نذر صوم يوم، فوافق يوما من رمضان. # فصل: # وإذا عجز عن الوفاء بالنذر، لم يخل من خمسة أحوال: # أحدها: أن يعجز عجزا لا يرجى زواله، لكبر، أو مرض غير مرجو الزوال أو ~~غيره، فعليه كفارة يمين لا غير، لما روى عقبة بن عامر قال: «نذرت أختي أن ~~تمشي إلى ms1297 بيت الله حافية، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، فاستفتيته، فقال: لتمش ولتركب» متفق عليه؛ ولأن النذر كاليمين إلا ~~فيما لا يطيق. قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: من نذر نذرا لا يطيقه، ~~فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا يطيقه، فليف لله بما نذر. وسواء كان ~~عاجزا وقت النذر، أو تجدد العجز؛ لأنهما سواء في فوات النذر. # وعن أحمد فيمن نذر صوما، فعجز عنه لكبر، أو مرض لا يرجى برؤه: أنه يطعم ~~عن كل يوم مسكينا. اختاره الخرقي؛ لأنه صوم وجد سبب إيجابه عينا، فأشبه صوم ~~رمضان، والأول أقيس. # PageV04P219 # الثاني: أن يعجز عجزا مرجو الزوال نحو المرض. فإذا كان النذر غير موقت، ~~أخره حتى يزول العارض ثم يأتي به، وإن كان موقتا، كصوم شهر معين. فإذا زال ~~العجز قضاه؛ لأنه صوم واجب يلزمه قضاؤه كرمضان، وعليه كفارة اليمين؛ لأن ~~النذر كاليمين. وعنه: لا كفارة عليه؛ لأن المنذور محمول على المشروع، ولو ~~أفطر في رمضان لعذر، لم يلزمه كفارة، كذا هاهنا. # الثالث: أن يمنعه الشرع من الوفاء بنذره، مثل أن يصادف عيدا، أو حيضا ~~ففيه وجهان. بناء على الروايتين فيما قبلها. وإن صادف أيام التشريق، فكذلك ~~في إحدى الروايتين، وفي الأخرى، يصح صيامها للفرض، لما ذكرنا في صيامها عن ~~دم المتعة، وإن صادف رمضان لم يجزئ صومه عن النذر، وكان حكمه كما لو صادف ~~يوم العيد. وقال الخرقي: يجزئه صيامه لرمضان، ونذره، وقد ذكر ذلك. # الرابع: أن يصادفه النذر مجنونا، فلا شيء عليه؛ لأنه خرج عن أهلية ~~التكليف قبل وقت النذر، أشبه ما لو فاته. # الخامس: أن يموت، فإن كان ذلك قبل وقت النذر، فلا شيء عليه؛ لأنه خرج عن ~~أهلية التكليف. وإن كان بعده، أو كان النذر غير موقت، فعل ذلك وليه، لما ~~روت عائشة - رضي الله عنها -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«من مات وعليه صيام، صام عنه وليه» متفق عليه. # وعن ابن عباس قال: «أتى رجل النبي - صلى الله عليه وسلم ms1298 - فقال: إن أختي ~~نذرت أن تحج، وإنها، ماتت، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: لو كان ~~عليها دين، أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فاقض الله، فهو أحق بالقضاء» . رواه ~~البخاري. فثبت القضاء للصوم والحج بالنص. وقسنا عليه غيره للمعنى المشترك ~~بينهما. # وفي الصلاة روايتان: # إحداهما: تقضى عنه لما ذكرناه. # والثانية: لا تقضى؛ لأنها لا تدخلها نيابة، ولا كفارة، فلم تقض عنه، ~~كحالة الحياة وكل موضع قلنا: يقضي عنه الولي، فإنه على سبيل الندب، لا ~~الوجوب؛ لأن قضاء دينه لا يجب على وليه. فكذلك النذر المشبه به. # PageV04P220 ### | كتاب الأقضية # القضاء فرض على الكفاية، بدليل قول الله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل ~~الله} [المائدة: 49] ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم بين الناس، ~~وبعث عليا إلى اليمن للقضاء، وحكم الخلفاء الراشدون، وولوا القضاة في ~~الأمصار؛ ولأن الظلم في الطباع، فيحتاج إلى حاكم ينصف المظلوم، فوجب نصبه، ~~فإن لم يكن من يصلح للقضاء إلا واحدا، تعين عليه، فإن امتنع أجبر عليه؛ لأن ~~الكفاية لا تحصل إلا به، وعن أحمد: أنه سئل هل يأثم القاضي إذا لم يوجد ~~غيره ممن يوثق به؟ قال: لا يأثم. وهذا يدل على أنه لا يجب عليه الدخول فيه؛ ~~لأن عليه في التولي خطرا وغررا، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ~~جعل قاضيا، فقد ذبح بغير سكين» . رواه الترمذي وقال: حديث حسن. فلم يلزمه ~~الإضرار بنفسه لنفع غيره، فعلى هذا القول يكره له طلبه، لما فيه من الخطر؛ ~~ولأن السلف - رضي الله عنهم - كانوا يأبون القضاء أشد الإباء ويفرون منه. ~~وإن طلب فالأولى أن لا يدخل فيه؛ لأنه أسلم له. وقال ابن حامد: إن كان ~~خاملا، إذا ولي نشر علمه، فالأفضل الدخول فيه، لما يحصل من نشر العلم. وإن ~~كان ينشر علمه بغير ولاية، فالأفضل أن لا يدخل فيه؛ لأن الاشتغال بنشر ~~العلم مع السلامة أفضل. فأما من يوجد غيره ممن يصلح للقضاء، فلا يجب عليه ~~الدخول فيه، ويكره له طلبه، لما روى أنس أن ms1299 النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «من ابتغى القضاء وسأل فيه شفعاء وكل إلى نفسه، ومن أكره عليه أنزل ~~الله عليه ملكا يسدده» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. # وإن طلب، فالأفضل له الامتناع إلا على قول ابن حامد على التفصيل الماضي. ~~وأما من لا يحسن القضاء، فيحرم عليه الدخول فيه؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «القضاة ثلاثة: # PageV04P221 # واحد في الجنة، واثنان في النار، إلى قوله: ورجل قضى بين الناس بجهل فهو ~~في النار» رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه # فصل: # ويجوز للقاضي أخذ الرزق عند الحاجة، لما روي أن أبا بكر - رضي الله عنه ~~-، لما ولي الخلافة، أخذ الذراع، وخرج إلى السوق، فقيل له: لا يسعك هذا، ~~فقال: ما كنت لأدع أهلي يضيعون من أجلكم، ففرضوا له كل يوم درهمين. وبعث ~~عمر - رضي الله عنه - إلى الكوفة عمار بن ياسر واليا، وابن مسعود قاضيا، ~~وعثمان بن حنيف ماسحا، وفرض لهم كل يوم شاة، نصفها لعمار، والنصف الآخر بين ~~عبد الله وعثمان. وكتب إلى معاذ، وأبي عبيدة في الشام: أن انظروا رجالا من ~~صالحي من قبلكم، فاستعلموهم على القضاء، وارزقوهم وأوسعوا عليهم من مال ~~الله. فأما مع عدم الحاجة. ففيه وجهان: # أحدهما: الجواز، لما ذكرنا؛ ولأنه يجوز للعامل الأخذ على العمالة مع ~~الغنى، فكذلك القضاء. # والثاني: لا يجوز؛ لأنه يختص أن يكون فاعله من أهل القربة، فلم يجز أخذ ~~الأجرة عليه؛ كالصلاة. قال أحمد: ما يعجبني أن يأخذ على القضاء أجرا، وإن ~~كان فبقدر شغله، مثل ولي اليتيم. وإذا قلنا: يجوز أخذ الرزق، فلم يجعل له ~~شيء، فقال: لا أقضي بينكما إلا بجعل، جاز. # فصل: # ويشترط للقضاة عشرة أشياء: أن يكون مسلما، عدلا، بالغا، عاقلا؛ لأن هذه ~~شروط الشهادة، فأولى أن تشترط للقضاء. # الخامس: الذكورية، فلا يصح تولية المرأة؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» رواه البخاري؛ ولأن المرأة ناقصة ~~العقل، غير أهل لحضور الرجال ومحافل الخصوم. ولا يصح تولية الخنثى؛ لأنه لم ms1300 ~~يعلم كونه ذكرا. # السادس: الحرية. فلا يصح تولية العبد؛ لأنه منقوص برقه، مشغول بحقوق ~~سيده، لا تقبل شهادته في جميع الأشياء، فلم يكن أهلا للقضاء، كالمرأة. # السابع: أن يكون متكلما، لينطق بالفصل بين الخصوم. # PageV04P222 # الثامن: أن يكون سميعا ليسمع الدعوى، والإنكار، والبينة، والإقرار. # التاسع: أن يكون بصيرا، ليعرف المدعي من المدعى عليه، والمقر من المقر ~~له، والشاهد من المشهود عليه. # العاشر: أن يكون مجتهدا، وهو العالم بطرق الأحكام، لما روي أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «القضاة ثلاثة واحد في الجنة، واثنان في النار. ~~فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق فقضى به، فهو في الجنة. ورجل عرف الحق ~~فحكم فجار في الحكم، فهو في النار. ورجل قضى للناس على جهل، فهو في النار» ~~. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه؛ ولأنه إذا لم يجز أن يفتي الناس وهو ~~لا يلزمهم الحكم، فلئلا يقضي بينهم وهو يلزمهم الحكم أولى. ولا يشترط كونه ~~كاتبا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سيد الحكام، وهو أمي. وقيل: ~~يشترط؛ ليعلم ما يكتبه كاتبه، فيأمن تحريفه. # فصل: # ينبغي أن يكون قويا من غير عنف، لئلا يطمع فيه الظالم، فينبسط عليه. لينا ~~من غير ضعف، لئلا يهابه صاحب الحق، فلا يتمكن من استيفاء حجته بين يديه. ~~حليما ذا أناة وفطنة ويقظة، لا يؤتى من غفلة ولا يخدع لغرة. ذا ورع وعفة، ~~ونزاهة، وصدق. قال علي - رضي الله عنه -: لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضيا ~~حتى يكون فيه خمس خصال: عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي ~~الألباب، لا يخاف في الله لومة لائم. # فصل: # ولا تصح ولاية القضاة إلا بتولية الإمام، أو من فوض إليه الإمام؛ لأنه من ~~المصالح العظام، فلم يصح إلا من جهة الإمام، كعقد الذمة. ومن شرط صحة ~~التولية، معرفة المولي للمولى، وأنه على صفة تصلح للقضاء. فإن كان يعرفه، ~~وإلا سأل عنه، فإذا علم ذلك ولاه. # وألفاظ التولية تنقسم إلى صريح وكناية، فصريحها سبعة: وليتك الحكم، ~~وقلدتك، واستنبتك، واستخلفتك، ورددت إليك ms1301 الحكم، وفوضت إليك، وجعلت إليك، ~~فإذا أتى بواحدة منها واتصل بها القبول، انعقدت الولاية. # وأما الكناية، فهي أربعة: اعتمدت عليك في الحكم، وعولت عليك، ووكلت # PageV04P223 # إليك وأسندت إليك الحكم، فلا تنعقد التولية بها حتى تقترن بها قرينة، ~~نحو: فاحكم فيما وكلت إليك، وانظر فيما أسندت إليك وتول فيما عولت عليك ~~فيه؛ لأن هذه الألفاظ تحتمل التولية وغيرها، من كونه يأخذ برأيه، وغير ذلك، ~~فلا تنصرف إلى التولية إلا بقرينة. # فصل: # فإن تحاكم رجلان إلى من يصلح للقضاء، فحكماه ليحكم بينهما، جاز، لما روى ~~أبو شريح أنه «قال: يا رسول الله إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني، فحكمت ~~بينهم، فرضي علي الفريقان، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما أحسن ~~هذا» . رواه النسائي؛ ولأن عمر وأبيا - رضي الله عنهما -، تحاكما إلى زيد ~~بن ثابت وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم. فإذا حكم بينهما، لزم حكمه؛ ~~لأن من جاز حكمه، لزم، كقاضي الإمام. # فإن رجع أحد الخصمين عن تحكيمه، قبل شروعه في الحكم، فله ذلك؛ لأنه إنما ~~صار حكما لرضاه به، فاعتبر دوام الرضى. وإن رجع بعد شروعه فيه، وقبل تمامه، ~~ففيه وجهان: # أحدهما: له ذلك؛ لأن الحكم لم يتم، أشبه ما قبل الشروع. # والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه يؤدي إلى أن كل واحد منهما، إذا رأى من الحكم ~~ما لا يوافقه، رجع، فيبطل المقصود بذلك. واختلف أصحابنا فيما يجوز فيه ~~التحكيم، فقال أبو الخطاب: ظاهر كلام أحمد أن تحكيمه يجوز في كل ما يتحاكم ~~فيه الخصمان، قياسا على قاضي الإمام. وقال القاضي: يجوز حكمه في الأموال ~~الخاصة. فأما النكاح والقصاص، وحد القذف، فلا يجوز التحكيم فيها؛ لأنها ~~مبنية على الاحتياط، فيعتبر للحكم فيها قاضي الإمام، كالحدود. # فصل: # ويجوز أن يولي في البلد الواحد قاضيين فأكثر، على أن يحكم كل واحد منهما ~~في موضع، وأن يجعل إلى أحدهما القضاء في حق، وإلى الآخر في حق آخر، أو إلى ~~أحدهما في زمن، وإلى الآخر في زمن آخر؛ لأنه نيابة عن ms1302 الإمام، فكان على حسب ~~الاستنابة. وهل يجوز أن يجعل إليهما القضاء في مكان واحد وزمن واحد، وحق ~~واحد؟ فيه وجهان: # PageV04P224 # أحدهما: يجوز؛ لأنه نيابة، فجاز جعلها إلى اثنين، كالوكالة. # والثاني: لا يجوز، فقد يختلفان، فتقف الحكومة. # فصل: # ولا يجوز تقليده القضاء على أن يحكم بمذهب معين، لقول الله تعالى: {فاحكم ~~بين الناس بالحق} [ص: 26] . وإنما يظهر له الحق بالدليل، فلا يتعين ذلك في ~~مذهب بعينه. فإن قلد على هذا الشرط، بطل الشرط. وفي فساد التولية وجهان، ~~بناء على الشروط الفاسدة في البيع. # فصل: # إذا ولاه قاضيا في غير بلده، كتب إليه العهد بما ولاه؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كتب لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن. # وروى حارثة بن مضرب، أن عمر كتب إلى أهل الكوفة: أما بعد، فإني بعثت ~~إليكم عمارا أميرا، وعبد الله قاضيا وأميرا، فاسمعوا لهما وأطيعوا، فقد ~~آثرتكم بهما. فإن كان البلد الذي ولاه بعيدا، أشهد على التولية شاهدين ~~لتثبت التولية بهما. وإن كان قريبا، فإن شاء أشهد، وإن شاء اكتفى ~~بالاستفاضة؛ لأنها تثبت الولاية. ويستحب للقاضي السؤال عن حال البلد الذي ~~وليه، ومن فيه من العلماء والأمناء؛ لأنه لا بد له منهم، فاستحب تقدم العلم ~~بهم. # ويستحب أن يدخل البلد يوم الخميس؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يفعل ذلك. فإذا دخل قصد الجامع، فصلى فيه ركعتين، وأمر بجمع الناس، فقرأ ~~عليهم عهده ليعلموا التولية، وما فوض إليه، ويعد الناس يوما لجلوسه، ثم ~~يصير إلى منزله، ويجعل منزله في وسط البلد إن أمكن ليتساووا في قربه. # فصل: # وإن نهاه الذي ولاه عن الاستخلاف، لم يكن له ذلك؛ لأنه نائب فيتبع قول من ~~استنابه. وإن لم ينهه، جاز له الاستخلاف؛ لأن الغرض من القضاء الفصل بين ~~المتخاصمين وإيصال الحق إلى مستحقه، فجاز أن يليه بنفسه وبغيره. فإذا ~~استخلف القاضي خليفة، انعزل بموته وعزله؛ لأنه نائبه، فأشبه الوكيل. وإن ~~ولى الإمام قاضيا، فهل ينعزل بموته وعزله؟ فيه وجهان: # PageV04P225 # أحدهما: ينعزل كذلك، ولما روي عن ms1303 عمر - رضي الله عنه - أنه قال: لأعزلن ~~أبا مريم - يعنى عن قضاه البصرة - وأولي رجلا إذا رآه الفاجر فرقه، فعزله ~~وولى كعب بن سوار. وولى علي أبا الأسود، ثم عزله فقال: لم عزلتني وما خنت ~~ولا جنيت؟ فقال: إني رأيتك يعلو كلامك على الخصمين. # والثاني: لا ينعزل؛ لأنه عقده لمصلحة المسلمين، فلم يملك عزله مع سداد ~~حاله، كما لو عقد الولي النكاح على موليته، لم يملك فسخه. وإن اختل أحد ~~الشروط، بأن يفسق، أو يختل عقله، أو بصره، انعزل بذلك؛ لأنه فات الشرط، ~~فانتفى المشروط كالصلاة. # فصل: # وليس له أن يقضي ولا يولي ولا يسمع البينة، ولا يكاتب قاضيا في حكم في ~~غير عمله، ولا يعتد بذلك إن فعله؛ لأنه لا ولاية له في غير عمله، أشبه سائر ~~الرعية. # فصل: # ولا يجوز له أن يحكم لنفسه؛ لأنه لا يجوز أن يكون شاهدا لها، ويتحاكم هو ~~وخصمه إلى قاض آخر. ويجوز أن يحاكمه إلى بعض خلفائه؛ لأن عمر حاكم أبيا إلى ~~زيد. وحاكم عثمان طلحة إلى جبير. ولا يجوز أن يحكم لوالده وإن علا، ولا ~~لولده وإن سفل؛ لأنه متهم في حقهما، فلم يجز حكمه لهما، كنفسه. وقال أبو ~~بكر: يجوز حكمه لهما؛ لأنهما من رعيته، فجاز حكمه لهما، كالأجانب، وإن ~~اتفقت حكومة بين والديه، أو ولديه، أو والده وولده، فالحكم فيهما، كما لو ~~انفرد أحدهما؛ لأن ما منع منه في حق أحدهما إذا كان خصمه أجنبيا، منع منه ~~إذا ساواه خصمه، كالشهادة. ويجوز له استخلاف والده وولده في أعماله؛ لأن ~~غاية ما فيه أنهما يجريان مجراه. # فصل: # ولا يجوز له أن يرتشي في الحكم، لما روى عبد الله بن عمرو قال: «لعن رسول ~~- صلى الله عليه وسلم - الراشي والمرتشي» . قال الترمذي: هذا حديث صحيح؛ ~~ولأنه أخذ مال على حرام، فكان حراما، كمهر البغي. # ولا يجوز له قبول الهدية ممن لم تجر عادته بها قبل الولاية، لما روى أبو ~~حميد قال: «بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا من الأزد ms1304 يقال له: ~~ابن اللتبية على الصدقه، فقال: هذا لكم، وهذا أهدي إلي، فقام النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - على المنبر، فقال: ما بال العامل نبعثه فيقول: # PageV04P226 # هذا لكم وهذا أهدي إلي، ألا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه شيء ~~أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا يبعث أحد منكم فيأخذ شيئا إلا جاء يوم ~~القيامة يحمله على رقبته» . متفق عليه. فدل على أن أهدي إليه مما كانت ~~الولاية سببا له محرم عليه. # فأما من كانت عادته الهدية إليه قبل الولاية، فجائز قبولها؛ لأن قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه ~~أم لا» . يدل على تعليل تحريم الهدية، لكون الولاية سببها، وهذه لم تكن ~~سببها الولاية فجاز قبولها إلا أن تكون في حال الحكومة بينه وبين خصم له، ~~فلا يجوز قبولها؛ لأنه يتهم، فهي كالرشوة. والأولى الورع عنها في غير حال ~~الحكومة؛ لأنه لا يأمن أن تكون الحكومة منتظرة. # فصل: # ويكره أن يباشر البيع والشراء بنفسه، لما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «ما عدل وال اتجر في رعيته» . # وقال شريح: شرط علي عمر حين ولاني القضاء: أن لا أبيع، ولا أبتاع، ولا ~~أرشي، ولا أقضي وأنا غضبان؛ ولأنه يعرف، فيحابى، فيجري مجرى الهدية. # ويستحب أن يوكل من لا يعرف أنه وكيله. فإذا عرف استبدل به حتى لا يحابى، ~~فإن لم يمكنه الاستنابة، تولاه بنفسه؛ لأن أبا بكر الصديق أخذ الذراع وقصد ~~السوق ليتجر فيه؛ ولأنه لا بد له منه. فإن كان لمن بايعه حكومة، استخلف من ~~يحكم بينه وبين خصمه، كيلا يميل إليه. # فصل: # ويجوز للقاضي حضور الولائم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بإجابة ~~الداعي. ولا يخص بإجابته قوما دون قوم؛ لأنه جور. فإن كثرت عليه وشغلته، ~~ترك الجميع؛ لأنه يشتغل بها عما هو أوكد منها. وله عيادة المرضى، وشهود ~~الجنائز، ويأتي مقدم الغائب؛ لأنه قربة وطاعة. وله أن يخص بذلك قوما دون ~~قوم؛ لأن ms1305 هذه الأمور لحق نفسه طلبا لثواب الله تعالى، فكان له فعل ما أمكن ~~منها دون ما لم يمكن. وحضور الوليمة لحق الداعي. فإذا خص بعضهم بها، حصل ~~مراعيا لبعضهم دون بعض، فكان ذلك ميلا. # فصل: # ولا يقضي في حال الغضب، ولا الجوع، والعطش، والحزن، والفرح المفرط، # PageV04P227 # والنعاس الشديد، والمرض المقلق، ومدافعة الأخبثين، والحر المزعج، والبرد ~~المؤلم، لما روى أبو بكرة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: «لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان» . متفق عليه. فثبت النص في الغضب، ~~وقسنا عليه سائر المذكور؛ لأنه في معناه؛ ولأن هذه الأمور تشغل قلبه، فلا ~~يتوفر على الاجتهاد في الحكم وتأمل الحادثة. فإن حكم في هذه الأحوال، ففيه ~~وجهان: # أحدهما: ينفذ حكمه، لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اختصم إليه ~~الزبير، ورجل من الأنصار في شراج الحرة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~للزبير: اسق زرعك ثم أرسل الماء إلى جارك فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك؟ ~~فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال للزبير: اسق زرعك ثم احبس ~~الماء حتى يبلغ الجدر» . متفق عليه. فحكم في غضبه. # والثاني: لا ينفذ حكمه؛ لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، ~~وقيل: إنما يمنع الغضب الحكم قبل أن يتضح حكم المسألة؛ لأنه يشغله عن ~~استيضاح الحق. أما إذا حدث بعد اتضاح الحكم، لم يمنع حكمه فيها، كقصة ~~الزبير. # فصل: # ويستحب للحاكم الجلوس للحكم في موضع بارز واسع يصل إليه كل أحد، ولا ~~يحتجب من غير عذر، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من ~~ولي من أمر الناس شيئا فاحتجب دون حاجتهم وفاقتهم، احتجب الله دون حاجته ~~وفقره» رواه الترمذي # ويكون موضعا لا يتأذى فيه بحر ولا برد ولا دخان ولا رائحة منتنة؛ لأن عمر ~~- رضي الله عنه - كتب إلى أبي موسى: إياك والقلق والضجر. وهذه الأشياء تفضي ~~إلى الضجر، وتمنعه من التوفر على الاجتهاد، ويمنع الخصوم من استيفاء الحجة، ~~ولا بأس بالقضاء في ms1306 المساجد، لما روي عن عمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - ~~أنهم كانوا يقضون في المسجد. وقال مالك: هو من أمر الناس القديم. فإن اتفق ~~لأحد الخصمين مانع من دخول المسجد، كالحيض، والكفر، وكل له وكيلا أو انتظره ~~حتى يخرج، فيحاكم إليه. # فصل: # وإن احتاج إلى أعوان لإحضار الخصوم، اتخذ أمناء كهولا أو شيوخا من أهل ~~الدين، # PageV04P228 # ويوصيهم بالرفق بالخصوم. وإن دعت الحاجة إلى اتخاذ حاجب اتخذه أمينا ~~بعيدا من الطمع، ويوصيه بما يلزمه من تقديم من سبق. # فصل: # ويتخذ حبسا؛ لأن عمر - رضي الله عنه - اشترى دارا بمكة بأربعة آلاف ~~اتخذها سجنا. واتخذ علي سجنا؛ ولأنه قد يحتاج إليه للتأديب واستيفاء الحق ~~من المماطل، والاحتفاظ بمن عليه قصاص أو حد، حتى يستوفى. # فصل: # وينبغي أن يتخذ كاتبا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استكتب زيدا ~~وغيره؛ ولأن الحاكم يكثر اشتغاله ونظره فلا يتمكن من الجمع بينهما وبين ~~الكتابة. فإن أمكنة ولاية ذلك بنفسه، جاز. ومن شرط الكاتب أن يكون عارفا ~~بما يكاتب به القضاة من الأحكام. وما يكتبه من المحاضر، والسجلات؛ لأنه إذا ~~لم يعرفه، أفسد ما يكتبه بجهله. وأن يكون عدلا لأن الكتابة موضع أمانة، ولا ~~تؤمن خيانة الفاسق. وأن يكون مسلما؛ لأن الإسلام من شروط العدالة، ويستحب ~~أن يكون ورعا نزها، لئلا يستمال بالطمع. جيد الحفظ، ليكون أكمل. حرا، ليخرج ~~من الخلاف. فإن كان عبدا، جاز؛ لأنه من أهل الشهادة. # فصل: # ولا يتخذ شهودا معينين، لا يقبل غيرهم؛ لأنه من ثبتت عدالته وجب قبول ~~شهادته، فلم يجز تخصيص قوم بالقبول دون قوم. # فصل: # ويتخذ أصحاب مسائل يتعرف بهم أحوال من جهل عدالته من الشهود. ويجب أن ~~يكونوا عدولا برآء من الشحناء، بعداء من العصبية في نسب أو مذهب، كيلا ~~يحملهم ذلك على تزكية فاسق، أو جرح عدل. وأن يكونوا وافري العقول ليصلوا ~~إلى المطلوب. ولا يسألوا عدوا ولا صديقا؛ لأن الصديق يظهر الجميل ويستر ~~القبيح. والعدو بخلاف ذلك. فإذا شهد عنده من يعرفه بالعدالة، قبل شهادته. ~~وإن علم ms1307 فسقه لم يقبلها، ويعمل بعلمه في العدالة والفسق. وإن جهل إسلامه ~~سأل عنه، ولم يعمل بظاهر الدار؛ لأن أعرابيا شهد عند النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - برؤية الهلال، فلم يحكم بشهادته حتى سأله عن إسلامه؛ ولأنه يتعلق ~~بشهادته حق على غيره، فلم يعمل بظاهر الدار. ويقبل قوله في إسلام نفسه؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل قول الأعرابي في ذلك؛ ولأنه بقوله يصير ~~مسلما. وإن لم تعرف عدالته لم يحكم حتى تثبت عدالته. # PageV04P229 # وعنه: يحكم بشهادة من جهل عدالته ما لم يقل المشهود عليه: هو فاسق، لقول ~~عمر - رضي الله عنه -: المسلمون عدول بعضهم على بعض؛ ولأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لما شهد عنده الأعرابي برؤية الهلال، لم يسأل عن عدالته؛ ولأن ~~العدالة تخفى ويدل عليها الإسلام، فاكتفى به. والأول: المذهب لقول الله ~~تعالى: {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: ~~282] . وقال سبحانه: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] وروى سليمان بن ~~حرب قال: شهد رجل عند عمر - رضي الله عنه -، فقال له عمر: إني لست أعرفك، ~~ولا يضرك أنني لا أعرفك، فائتني برجل يعرفك، فقال رجل: أنا أعرفه يا أمير ~~المؤمنين. قال: بأي شيء تعرفه. قال: بالعدالة. قال: فهو جارك الأدنى تعرف ~~ليله ونهاره، ومدخله ومخرجه؟ قال: لا، قال: فمعاملك بالدينار والدرهم ~~اللذين يستدل بهما على الورع؟ قال: لا، قال: فصاحبك في السفر الذي يستدل به ~~على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، قال: فلست تعرفه. ثم قال للرجل: ائتني بمن ~~يعرفك؛ ولأنه لا يؤمن أن يكون فاسقا. فإذا أراد أن يعرف عدالته، كتب اسمه، ~~ونسبه، وكنيته، وحليته، وصنعته، ومسكنه، حتى لا ينسبه، ومن شهد له وعليه، ~~لئلا يكون ممن لا تقبل شهادته للمشهود له، من والد أو ولد، ولا تقبل شهادته ~~على المشهود عليه من عدو، وقدر ما يشهد به لئلا يكون ممن يقبل قوله في ~~القليل دون الكثير. ويبعث ما كتبه مع أصحاب المسائل، ويجتهد أن لا يعرفهم ~~المشهود له، ولا المشهود عليه، لئلا ms1308 يحتالا في تعديل الشهود أو جرحهم، ولا ~~المسؤولون، لئلا يحتال أعداؤهم في جرحهم، وأصدقاؤهم في تعديلهم. ويجتهد أن ~~لا يعلم بعض أهل المسائل ببعض، كيلا يجمعهم الهوى على التواطؤ على جرح أو ~~تعديل. ويأمرهم القاضي: أن يسألوا عنه معارفه من أهل سوقه، ومسجده، ~~وجيرانه. فإذا عاد أهل المسائل بجرح أو تعديل، ففيه وجهان: # أحدهما: يكتفي بقولهم؛ لأن الجيران لا يلزمهم الحضور للشهادة بما عندهم، ~~فعلى هذا: يشهد أصحاب المسائل عند الحاكم بلفظ الشهادة، ويعتبر عدولهم كما ~~في سائر المعدلين. # والثاني: لا يكتفي بهم؛ لأنهم شهود فرع، فلا يكتفى بهم مع القدرة على ~~شهود الأصل. لكن يعينون من أخبرهم بالجرح أو العدالة، ليستحضر الحاكم اثنين ~~منهم، فيسمع منهم الجرح والتعديل بلفظ الشهادة والعدد، فعلى هذا: لا يعتبر ~~العدد في أصحاب المسائل، بل يجوز أن يكون واحدا؛ لأنه مخبر عن شاهد، ليس ~~بشاهد. # PageV04P230 # فصل: # ولا يقبل الجرح والتعديل من أقل من اثنين؛ لأنه إخبار عن صفة من يبنى ~~الحكم على صفته، فأشبه الإحصان. وعنه: يكتفى بواحد. اختارها أبو بكر؛ لأنه ~~إخبار عن حال من لا حق له، فأشبه أخبار الديانات؛ ولأنه يكتفى في تعديل ~~راوي الحديث وجرحه بقول واحد، فكذلك في غيره. والأول: المذهب، لما ذكرنا. ~~وإنما اكتفي في تعديل الراوي بواحد؛ لأنه فرع على الرواية المنقولة من ~~واحد، بخلاف الشهادة، ويعتبر فيه اللفظ بالشهادة؛ لأنه شهادة إلا على ~~الرواية التي قلنا: هو خبر، فلا يعتبر فيه لفظ الشهادة، ويكفي في التعديل ~~قوله: أشهد أنه عدل. وإن لم يقل: علي ولي؛ لأنه لا يكون عدلا، إلا له ~~وعليه. ولا يكفي أن يقول: لا أعلم فيه إلا الخير؛ لأنه لم يصرح بالتعديل. ~~وإن شهد بالجرح واحد، وبالتعديل اثنان، ثبتت العدالة؛ لأن بينة الجرح لم ~~تكمل. وإن شهد بالجرح اثنان، قدم الجرح على التعديل؛ لأن الشاهد به يخبر عن ~~أمر باطني خفي على المعدل، وشاهد العدالة يخبر عن أمر ظاهر، فقدم من يخبر ~~عن الباطن؛ ولأن الجارح مثبت، والمعدل ناف، فقدم الإثبات. وإن شهد ms1309 بالجرح ~~اثنان، وبالعدالة أربعة، قدم الجرح؛ لأن بينته كملت، ولا يقبل الجرح إلا ~~مفسرا بأن يذكر السبب الذي به جرح، ولا يكفي أن يشهد أنه فاسق، أنه ليس ~~بعدل، وعنه: يكتفى بذلك، كما يكتفى في التعديل أن يشهد أنه عدل. والأول: ~~المذهب؛ لأن الناس يختلفون فيما يفسق به الإنسان، فيحتمل أن يعتقد الشاهد ~~فسقه بما لا يعتقده الحاكم فسقا. والجرح والتعديل إلى الحاكم، فوجب بيانه، ~~لينظر فيه. ولا يجوز أن يشهد بالجرح إلا من يعلم ذلك بمشاهدة الأفعال، ~~كالسرقة، وشرب الخمر. أو بالسماع في الأقوال، كالقذف، والبدعة، أو ~~بالاستفاضة بالخبر؛ لأنه شهادة عن علم. فإن قال: بلغني كذا، أو قيل لي، لم ~~يجز أن يشهد به، لقول الله تعالى: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف: ~~86] ولا يقبل التعديل إلا من أهل الخبرة الباطنة ممن تقدمت معرفته، وطالت ~~صحبته، لحديث عمر - رضي الله عنه -. وأن المقصود علم عدالته في الباطن، ولا ~~يعلم ذلك إلا من تقدمت معرفته، ولا يقبل الجرح والتعديل من النساء؛ لأنه ~~شهادة بما ليس بمال، ولا المقصود منه المال، ويطلع عليه الرجال في غالب ~~الأحوال، أشبه الحدود. # فصل: # وإذ لم تثبت عدالته، فقال المشهود عليه: هو عدل، حكم بشهادته؛ لأن البحث # PageV04P231 # عن عدالته لحق المشهود عليه، وإنه ممن يثبت بالحق بقوله، فوجب الحكم به. ~~وفيه وجه آخر: إنه لا يثبت؛ لأن اعتبار العدالة في الشاهد حق لله تعالى، ~~ولهذا لو رضي المشهود عليه، أن يحكم عليه بشهادة فاسق، لم يحكم عليه بها. # فصل: # ومن ثبتت عدالته، ثم شهد عند الحاكم بعد ذلك بزمن قريب، حكم بشهادته. وإن ~~كان بعده بزمن طويل، ففيه وجهان: # الوجه الأول: يحكم بشهادته؛ لأن عدالته قد ثبتت، والأصل بقاؤها. # والثاني: يعيد السؤال؛ لأن مع طول الزمان تتغير الأحوال. وإن شهد عنده ~~عدول، فارتاب بشهادتهم، استحب له تفريقهم، وسؤال كل واحد منهم على الانفراد ~~عن صفه التحمل، ومكانه، وزمانه. فإن اختلفوا سقطت شهادتهم. وإن اتفقوا، ~~وعظهم، لما روى أبو حنيفة - رحمه الله - قال: كنت ms1310 عند محارب بن دثار، وهو ~~قاضي الكوفة، فجاءه رجل، فادعى على رجل حقا، فأنكره، فأحضر المدعي شاهدين، ~~فشهدا له، فقال المشهود عليه: والذى تقوم به السماوات والأرض لقد كذبا علي، ~~وكان محارب بن دثار متكئا، فاستوى جالسا، وقال: سمعت ابن عمر يقول: سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الطير لتخفق بأجنحتها، وترمى ~~بما في حواصلها من هول يوم القيامة، وإن شاهد الزور لا تزول قدماه حتى ~~يتبوأ مقعده من النار» . فإن صدقتما فاثبتا، وإن كذبتما، فغطيا رؤوسكما ~~وانصرفا، فغطيا رؤوسهما وانصرفا. # فصل: # ويستحب أن يحضر مجلسه الفقهاء من أهل كل مذهب، يشاورهم فيما يشكل عليه، ~~لقول الله تعالى: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] قال الحسن: إن كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مشاورتهم لغنيا، ولكن أراد أن يستن ~~بذلك الحكام. وروى عبد الرحمن بن القاسم: أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه ~~-، كان إذا نزل به أمر يريد فيه مشاورة أهل الرأي والفقه، دعا رجالا من ~~المهاجرين والأنصار، دعا عمر، وعثمان، وعليا، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن ~~جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، فمضى أبو بكر على ذلك، ثم ولي عمر، فكان ~~يدعو هؤلاء النفر - رضي الله عنهم -، فإذا اتفق أمر مشكل شاورهم. فإن اتضح ~~له الحق، حكم به. وإن لم يتضح له أخره، ولم يقلد غيره، ضاق الوقت أو اتسع؛ ~~لأنه مجتهد فلم يقلد غيره، كما لو اتسع الوقت. وإن فوض الحكم في # PageV04P232 # الحادثة إلى من اتضح له الحق، فحكم فيها، جاز. وإن حكم باجتهاده ثم تبين ~~له الخطأ بنص أو إجماع، نقضه، لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: ~~ردوا الجهالات إلى السنة. وكتب إلى أبي موسى: لا يمنعنك قضاء قضيت به، ثم ~~راجعت نفسك، فهديت لرشدك، أن تراجع الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شيء، وإن ~~الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل؛ ولأنه مفرط في حكمه، غير معذور ~~فيه، فوجب نقضه. وإن تغير اجتهاده، ولم يخالف ms1311 نصا، ولا إجماعا، لم ينقض ~~حكمه، لما روي عن عمر - رضي الله عنه -، أنه حكم في المشركة بإسقاط ولد ~~الأبوين، ثم شرك بينهم بعد، وقال: تلك على ما قضينا، وهذه على ما قضينا. ~~وقضى في الحد بقضايا مختلفة، ولم يرد الأولى؛ ولأنه لو نقض الحكم بمثله، ~~لأدى إلى نقض النقض، والى أن لا تثبت قضية. # فصل: # وليس على القاضي تتبع قضايا من قبله؛ لأن الظاهر أنه لا يولى للقضاء إلا ~~من يصلح، والظاهر إصابته الحق. وإن علم أن القاضي قبله لا يصلح للقضاء، نقض ~~من أحكامه ما خالف الحق، وإن لم يخالف نصا ولا إجماعا؛ لأنه ممن لا يجوز ~~قضاؤه، أشبه حكم بعض الرعية، ويبقي ما وافق الحق؛ لأن الحق وصل إلى مستحقه، ~~فلا حاجة إلى نقضه. وقال أبو الخطاب: ينقضه أيضا ليحكم به. وإن كان يصلح ~~للقضاء، لم يجز أن ينقض من قضاياه، إلا ما خالف نصا أو إجماعا، لما ذكرنا ~~في حكم نفسه. وإن تظلم متظلم من القاضي قبله وسأل إحضاره، لم يحضره حتى ~~يسأله عما بينهما؛ لأنه ربما قصد تبديله. فإن قال: لي عليه مال من معاملة، ~~أو غصب، أو رشوة، أحضره، وإن قال: حكم علي بشهادة فاسقين، أو عدوين، أو جار ~~علي في الحكم، وله بينة، أحضره، أو وكيله، وحكم له بها. وإن لم يكن له ~~بينة، ففيه وجهان: # أحدهما: يحضره، كما لو ادعى عليه مالا. # والثاني: لا يحضره لأنه لا تتعذر إقامة البينة عليه. فإن أحضره فاعترف، ~~حكم عليه، وإن أنكر، قبل قوله بغير يمين؛ لأن قوله مقبول بحال ولايته. # فصل: # ويخرج القاضي إلى مجلس قضائه على أعدل أحواله، ويقول عند خروجه: بسم ~~الله، آمنت بالله، واعتصمت بالله وتوكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله. ويدعو بما روت أم سلمة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، إذا خرج من بيته قال: «اللهم إني أعوذ بك أن أزل أو أزل، ~~أو أضل أو أضل، أو أظلم أو أظلم، أو ms1312 أجهل أو يجهل علي» رواه أبو داود ~~والترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي حديث حسن # PageV04P233 # صحيح، ويسأله أن يعصمه، ويعينه. # ويجلس مستقبل القبلة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خير المجالس ~~ما استقبل به القبلة» ويكون عليه سكينة ووقار في مشيه وجلوسه، ويبسط تحته ~~شيئا يجلس عليه، ليكون أوقر له، ويترك القمطر مختوما بين يديه، ليترك فيه ~~ما يجتمع من المحاضر، والسجلات، ويجلس الكاتب قريبا منه، ليرى ما يكتبه فإن ~~غلط رد عليه. # فصل: # ويبدأ في نظره بالمحبوسين؛ لأن الحبس عقوبة، وربما كان فيهم من يجب ~~إطلاقه، فاستحب البداءة بهم، فيكتب أسماء المحبوسين، وينادي في البلدان: ~~القاضي ينظر في أمرهم يوم كذا، فليحضر من له محبوس، فإذا حضروا، أخرج رقعة، ~~فأخرج صاحبها فنظر بينه وبين خصمه، فإن وجب إطلاقه أطلقه، وإن وجب حبسه ~~أعيد. فإن قال: حبست بدين أنا معسر به، فصدقه خصمه، أو ثبت إعساره ببينة، ~~أطلقه، وإن كذبه ولم يثبت إعساره، أعيد إلى الحبس. فإن ادعى خصمه أن له ~~دارا، وأقام بها بينة، فقال المحبوس: هي لزيد، فكذبه زيد، بيعت الدار، وقضي ~~الدين؛ لأن إقراره سقط بإكذابه، وإن صدقه زيد وله بينة، فهي له؛ لأن بينته ~~قويت بإقرار صاحب اليد. # وإن قال: حبست في ثمن كلب، أو خمر أرقته لذمي. فقال القاضي: يطلقه لأن ~~غرمه ليس بواجب. وفيه وجه آخر: أن الثاني ينفذ حكم الأول؛ لأنه ليس له نقض ~~حكم غيره باجتهاده، ويحتمل أن يتوقف ويجتهد في أن يصطلحا على شيء؛ لأنه لا ~~يمكنه فعل الأمرين المتقدمين. وإن قال: حبست ظلما، ولا حق علي، نادى الحاكم ~~بذلك. فإن لم يظهر له خصم، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه لا خصم له، ولا حق ~~عليه، ويخلي سبيله، والله أعلم. # فصل: # ثم ينظر في أمر الأوصياء والأمناء؛ لأنهم يتصرفون في حق من لا يملك ~~المطالبة بماله. فإن ادعى رجل أنه وصي ميت، لم يقبل إلا ببينة؛ لأن الأصل ~~عدم الوصية. فإن أقام بينة، وكان عدلا قويا، أقره على الوصية، وإن كان ms1313 ~~فاسقا أو ضعيفا، ضم إليه أمينا يتقوى به، أو أبدله إن رأى إبداله. وإن أقام ~~بينة أن الحاكم الذي قبله أنفذ الوصية، أنفذها، ولم يسأل عن عدالته؛ لأن ~~الظاهر أنه لا ينفذ ذلك إلا لمن هو أهل. وإن كان وصيا في تفرقة ثلثه، ففرقه ~~وهو عدل، فلا شيء عليه. وإن كان فاسقا والوصية لمعينين، فلا شيء عليه أيضا؛ ~~لأنه دفعه إلى مستحقه، وإن كان لغير معين، ففيه وجهان: # PageV04P234 # أحدهما: لا غرم عليه؛ لأنه دفعه إلى مستحقه بإذن الميت، أشبه ما لو كان ~~لمعينين. # والثاني: يغرم لأنه فرقه ولم تكن له تفرقته، فغرمه، كما لو جعلت تفرقته ~~إلى غيره، والله تعالى أعلم ### | باب ما على القاضي في الخصوم # يلزمه أن يسوي بين الخصمين في الدخول عليه، والمجلس، والخطاب، والإقبال ~~عليهما، والسماع منهما، لما روت أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «من ابتلي بالقضاء بين المسلمين، فليعدل بينهم في لحظه، وإشارته، ~~ومقعده، ولا يرفعن صوته على أحد الخصمين، ما لا يرفعه على الآخر» رواه عمر ~~بن شيبة في كتاب قضاة البصرة. # وكتب عمر إلى أبي موسى - رضي الله عنهما -: واس الناس في وجهك ومجلسك ~~وعدلك، حتى لا ييأس الضعيف من عدلك، ولا يطمع شريف في حيفك. # وجاء رجل إلى شريح وعنده السري، فقال: اعدل بي على هذا الجالس إلى جنبك، ~~فقال شريح للسري: قم فاجلس مع خصمك. قال: إني أسمعك من مكاني، قال: لا. قم ~~فاجلس مع خصمك، إن مجلسك برتبته، وإني لا أدع النصرة وأنا عليها قادر؛ ولأن ~~إيثار أحد الخصمين في بعض ما ذكرنا يكسر خصمه. والمستحب أن يجلسهما بين ~~يديه، لما روى ابن الزبير قال: «قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يجلس الخصمان بين يدي القاضي» . رواه أبو داود ولأنه أمكن لخطابهما، فإن ~~كان أحدهما مسلما والآخر ذميا، جاز رفع المسلم عليه، لما روى إبراهيم ~~التيمي: أن عليا - رضي الله عنه - حاكم يهوديا إلى شريح، فقام شريح من ~~مجلسه، فأجلس عليا فيه، فقال علي ms1314 - رضي الله عنه -: لو كان خصمي مسلما ~~لجلست معه بين يديك، ولكني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~«لا تساووهم في المجالس» . ولا ينبغي أن يضيف أحد الخصمين دون صاحبه، لما ~~روي عن علي كرم الله وجهه أنه نزل به رجل، فقال: ألك خصم؟ قال: نعم. قال: ~~تحول عنا، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تضيفوا ~~أحد الخصمين إلا ومعه خصمه» . # ولا يسار أحدهما، ولا يلقنه حجته، ولا يأمره بإقرار ولا إنكار، لما فيه ~~من الضرر. فإن لم يحسن الدعوى، ففيه وجهان: # PageV04P235 # أحدهما: لا يجوز له تلقينه كيف يدعي؛ لأن في تلقينه ما يثبت حقه به، أشبه ~~تلقينه الحجة. # والثاني: يجوز؛ لأنه لا ضرر على الآخر في تصحيح دعواه، وله أن يزن عن ~~أحدهما ما وجب عليه؛ لأنه نفع لخصمه، ولا يكون إلا بعد انقضاء الحكم، وله ~~أن يشفع لأحدهما إلى الآخر؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - شفع إلى كعب ~~بن مالك في أن يحط عن ابن أبي حدرد بعض دينه» . متفق عليه. # وإن أحب غلبة أحدهما ولم يظهر منه ذلك بقول، ولا فعل، فلا شيء عليه؛ لأن ~~التسوية في المحبة والميل بالقلب لا يستطاع، فأشبه التسوية بين النساء. ولا ~~ينتهر خصما دون الآخر، لئلا يكسره، إلا أن يظهر منه لدد، أو سوء أدب، ~~فينهاه فإن عاد زجره. فإن عاد، عزره. ولا يزجر شاهدا، ولا يتعيبه؛ لأن ذلك ~~يمنعه أداء الشهادة على وجهها ويدعوه إلى ترك القيام بتحملها وأدائها، وفيه ~~تضييع للحقوق. # فصل: # وإذا حضر القاضي خصوم كثيرة، قدم الأول، فالأول؛ لأن الأول سبق إلى حق ~~له، فقدم، كما لو سبق إلى موضع مباح. فإن حضروا دفعة واحدة أو أشكل السابق، ~~أقرع بينهم، فمن قرع، قدم؛ لأنهم تساووا، فقدم أحدهم بالقرعة، كالنساء إذا ~~أراد السفر بإحداهن. وإن ثبت السبق لأحدهم، فآثر غيره بسبقه، جاز؛ لأن الحق ~~له، فجاز إيثاره به، كما لو سبق إلى مباح. ولا يقدم السابق في أكثر من ~~حكومة واحدة، ms1315 كيلا يستوعب المجلس بدعاويه، فيضر بغيره. وإن حضر مقيمون ~~ومسافرون قليل في وقت واحد، وهم على الخروج، قدموا؛ لأن عليهم ضررا في ~~المقام، وإن كانوا مثل المقيمين. ولا يزال ضرر بمثله. وإن تقدم خصمان، ~~فادعى أحدهما حقا على الآخر فقال الآخر: أنا جئت به، وأنا المدعي، قدم ~~السابق بالدعوى؛ لأن ما يدعيه كل واحد منهما محتمل، وللسابق حق السبق، ~~فقدم. # فصل: # وإذا كان بين اثنين خصومة، فدعا أحدهما صاحبه إلى مجلس الحكم، لزمته ~~إجابته، لقول الله تعالى: {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ~~ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا} [النور: 51] . فإن لم يحضر فاستعدي ~~عليه، لزم الحاكم أن # PageV04P236 # يعديه؛ لأن تركه يفضي إلى تضييع الحقوق. فإن استدعاه الحاكم، لزمته ~~الإجابة، فإن أبى تقدم إلى صاحب الشرط ليحضره. وإن استعدى على غائب، وكان ~~الغائب في بلد فيه حاكم، كتب إليه، لينظر بينهما، وإن لم يكن ثم حاكم، وكان ~~ثم من يتوسط بينهما، كتب إليه لينظر بينهما. فإن لم يكن ثم من ينظر بينهما، ~~لم يحضره حتى يحقق الدعوى؛ لأنه يجوز أن يكون المدعى ليس بحق، كثمن الكلب، ~~والخمر، فلا يكلفه مشقة الحضور، كما لا يقضي به فإذا حقق الدعوى أحضره، ~~بعدت المسافة أو قربت، لما روي أن أبا بكر - رضي الله عنه - كتب إلى ~~المهاجر بن أبي أمية: أن ابعث إلي بقيس بن المكشوح في وثاق، فأحلفه خمسين ~~يمينا، على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ما قتل داذويه؛ ~~ولأننا لو لم نلزمه الحضور، جعل البعد طريقا إلى إبطال الحقوق. وإن استعداه ~~على امرأة برزة، فهي كالرجل؛ لأنها مثله في الخروج إلى الحاجات. وإن كانت ~~غير برزة. لم تكلف الحضور، وتوكل من يحاكم عنها. فإن توجهت اليمين عليها، ~~بعث إليها من يحلفها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «واغد يا أنيس ~~إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» ولم يكلفها الحضور. ### | باب صفة القضاء # إذا حضر القاضي خصمان، فادعى أحدهما على الآخر شيئا تصح دعواه، فللقاضي ms1316 ~~مطالبة الخصم بالخروج من دعواه قبل سؤاله؛ لأن شاهد الحال يدل على طلب ~~المطالبة، فيقول له الحاكم: ما تقول فيما يدعى عليك؟ فإن أقر لزمه الحق. ~~ولا يحكم به إلا بمطالبة المدعي؛ لأن الحكم حق له، فلم يجز استيفاؤه بغير ~~إذنه. فإذا طالبه حكم له. فيقول: قد ألزمتك ذلك، أو قضيت عليك، أو أخرج له ~~منه. ويحتمل جواز الحكم من غير مطالبة؛ لأن قرينة حاله تدل على إرادة ذلك؛ ~~ولأن أكثر الناس لا يعلمون توقف الحكم على طلبهم، فتوقف الحكم عليه يفضي ~~إلى فوات حقه؛ ولأنه لم ينقل هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن ~~خلفائه، فاشتراطه يخالف ظاهر حالهم. وإن أنكر، فلم يعرف المدعي وقت البينة، ~~قال له القاضي: ألك بينة؟ وإن كان يعلم فللقاضي أن يقول ذلك، وله أن يسكت. ~~فإن قال: ما لي بينة، قال له الحاكم: فلك يمينه. فإن سأله إحلافه، أحلفه. ~~ولا يجوز إحلافه قبل مطالبة المدعي، فإن فعل لم يعتد بها؛ لأنها يمين قبل ~~وقتها، وللمدعي المطالبة بإعادتها. وإن أمسك المدعي عن إحلافه. ثم أراد ~~إحلافه، فله ذلك؛ لأن حقه لم يسقط بالتأخير. وإن قال: أبرأتك من اليمين، ~~سقط حقه # PageV04P237 # منها في هذه الدعوى. وله استئناف الدعوى، والطلب باليمين فيها؛ لأن حقه ~~لم يسقط بالإبراء من اليمين. وهذه الدعوى غير التي أبرأه من اليمين فيها. ~~فإذا حلف سقطت الدعوى، لما روى وائل بن حجر: «أن رجلا من حضرموت ورجلا من ~~كندة أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال الحضرمي: إن هذا غلبني ~~على أرضي ورثتها من أبي، وقال الكندي: أرضي وفي يدي لا حق له فيها، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: شاهداك أو يمينه، فقال: إنه لا يتورع من ~~شيء، فقال: ليس لك إلا ذلك.» رواه مسلم بمعناه. # فإن امتنع عن اليمين لم يسأل عن سبب امتناعه، فإن بدا فقال: أريد أن أنظر ~~في حسابي، أمهل ثلاثة أيام؛ لأنها قريبة، ولا يمهل أكثر منها؛ لأنه كثير. ~~وقال أبو الخطاب: لا ms1317 يمهل لأن الحق توجه عليه حالا، فلا يمهل به، كالمال. ~~وإن لم يذكر عذرا لامتناعه، قال له الحاكم: إن حلفت وإلا جعلتك ناكلا وقضيت ~~عليك، ويكرر ذلك عليه ثلاثا، فإن حلف، وإلا حكم عليه، لما روى أحمد أن ابن ~~عمر باع زيد بن ثابت عبدا، فادعى عليه زيد أنه باعه إياه عالما بعيبه، ~~فأنكر ابن عمر، فتحاكما إلى عثمان، فقال له عثمان: احلف أنك ما علمت به ~~عيبا، فأبى ابن عمر أن يحلف، فرد عليه العبد؛ ولأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «اليمين على المدعى عليه» فحصرها في جنبته، فلم يشرع لغيره. ~~واختار أبو الخطاب أنه لا يحكم بالنكول، ولكن ترد اليمين على خصمه، وقال: ~~قد صوبه أحمد، وقال: ما هو ببعيد، يحلف ويستحق، فيقول الحاكم لخصمه: أتحلف ~~وتستحق؟ لما روى ابن عمر: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد اليمين على ~~صاحب الحق» . رواه الدارقطني. وروي أن المقداد اقترض من عثمان مالا، ~~فتحاكما إلى عمر، فقال عثمان: هو سبعة آلاف، وقال المقداد: هو أربعة آلاف، ~~فقال المقداد لعثمان: احلف أنه سبعة آلاف، فقال عمر: أنصفك. فإن حلف المدعي ~~حكم له، وإن نكل سئل عن سبب نكوله؛ لأنه لا يجب بنكوله لغيره حق، بخلاف ~~المدعى عليه. فإن قال: امتنعت؛ لأن لي بينة أقيمها، أو حسابا أنظر فيه، فهو ~~على حقه من اليمين، ولا يضيق عليه في المدة؛ لأنه لا يتأخر بتركه إلا حقه، ~~بخلاف المدعى عليه. فإن قال: لا أريد أن أحلف، فهو ناكل. فإن عاد فبذل ~~اليمين، لم تسمع منه في هذه الدعوى؛ لأنه أسقط حقه منها. فإن عاد في مجلس ~~آخر، واستأنف الدعوى، أعيد الحكم بينهما، كالأول. فإن بذل اليمين هاهنا حكم ~~بها؛ لأنها يمين في دعوى أخرى. # PageV04P238 # فصل: # وإن كان للمدعي بينة عادلة، قدمت على يمين المدعى عليه، للخبر؛ ولأنها لا ~~تهمة فيها؛ لأنها من جهة غيره، واليمين بينهم فيها. ولا يجوز سماع البينة ~~والحكم بها إلا بمسألة المدعي؛ لأنه حق له، فلا يستوفى إلا بإذنه. ms1318 فإن شهدت ~~البينة، فقال المدعى عليه: أحلفوه أنه يستحق ما شهدت به البينة، لم يحلف؛ ~~لأن في ذلك طعنا في البينة. وإن قال: قضيته، أو: أبرأني منه، أو: أحلته به، ~~فأنكر المدعي، فسأل إحلافه، أحلف له؛ لأن ذلك ليس بتكذيب للبينة. فإن كانت ~~البينة غير عادلة، قال له الحاكم: زدني شهودا، فإن قال المدعي: لي بينة ~~غائبة فأحلف المدعى عليه، أحلف؛ لأن الغائبة كالمعدومة، لتعذر إقامتها. ~~ومتى حضرت بينته وطلب سماعها وجب سماعها والحكم بها، لما روي عن عمر - رضي ~~الله عنه - أنه قال: البينة العادلة أحق من اليمين الفاجرة؛ ولأن البينة ~~كالإقرار، ثم يجب الحكم بالإقرار بعد اليمين كذلك بالبينة، وإن قال: لي ~~بينة حاضرة، ولكني أريد يمينه ثم أقيم بينتي، لم يستحلف؛ لأنه أمكن فصل ~~الخصومة بالبينة وحدها، فلم يشرع معها غيرها، كما لو أقامها. وإن قال: ~~أحلفوه ولا أقيم بينتي، حلف؛ لأن له في هذا غرضا وهو أن يخاف، فيقر، فيثبت ~~الحكم بإقراره، وهو أسهل من إثباته بالبينة. فإذا حلف فهل يمكن المدعي من ~~إقامة البينة؟ على وجهين. وإن قال: ما لي بينة، ثم جاء ببينته، لم تسمع؛ ~~لأنه أكذبها بإنكاره. وإن قال: ما أعلم لي بينة، ثم أقام بينة، أو قال ~~شاهدان: نحن نشهد لك، فقال: هذان بينتي، سمعت؛ لأنه لم يكذب بينته. وإن ~~قال: ما أريد أن تشهدا لي، وأريد يمينه، حلف لما ذكرناه. وإن قال: لي بينة، ~~وأريد ملازمة خصمي، أو حبسه حتى أقيمها، لم يكن له ذلك، لقول رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك» . # فصل: # وإذا شهد شاهدان، فلم يعلم خصمه أن له جرحهما، قال له الحاكم: قد أطردتك ~~جرحهما. وإن كان يعلم، فله أن يقول له ذلك، وله أن يسكت. فإن سأل خصمه ~~الإنظار ليجرحهما، أنظر ثلاثا، لما روي عن عمر - رضي الله عنه -، أنه قال ~~في كتابه إلى أبي موسى: واجعل لمن ادعى حقا غائبا أمدا ينتهي إليه، فإن ~~أحضر بينة، أخذت له حقه، ms1319 وإلا استحللت القضية عليه، فإنه أنفى للشك، وأجلى ~~للعمى. وإن قال: لي بينة بالقضاء أو الإبراء، أمهل ثلاثا، فإن لم يأت بها، ~~حلف المدعي على نفي ذلك، وقضى له، وله ملازمته إلى أن يقيم بينة بالجرح أو ~~القضاء؛ لأن الحق قد ثبت في الظاهر. وإن شهد شاهدان، ولم تثبت عدالتهما في ~~الباطن، فسأل المدعي حبس الخصم إلى أن يسأل عن عدالة الشهود، حبس؛ لأن ~~الظاهر العدالة، وعدم الفسق، # PageV04P239 # ويحتمل أن لا يحبس؛ لأن الأصل براءة ذمته. وإن شهد له واحد، فسأله حبسه ~~حتى يقيم له شاهدا آخر، ففيه وجهان: # أحدهما: يحبس كما لو جهل عدالة الشهود. # والثاني: لا يحبس؛ لأن البينة لم تتم. # فصل: # وإن علم الحاكم الحال، لم يجز أن يحكم بعلمه، في حد ولا غيره، في ظاهر ~~المذهب، لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه تداعى عنده رجلان، فقال له ~~أحدهما: أنت شاهدي، فقال: إن شئتما شهدت ولم أحكم، أو أحكم ولا أشهد. وقال ~~أبو بكر - رضي الله عنه -: لو رأيت رجلا على حد، لم أحده حتى تقوم البينة ~~عندي؛ ولأنه متهم في الحكم بعلمه، فلم يجز، كالحكم لولده. وعنه: يجوز له ~~الحكم بعلمه سواء علمه في ولايته أو قبلها، «ولأن هندا قالت: يا رسول الله ~~إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني لي ولولدي. فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» فقضى بعلمه؛ ولأنه حق ~~علمه، فجاز الحكم به، كالتعديل والجرح، وكما لو ثبت بالبينة. # فصل: # وإن كان للمدعي شاهد واحد عدل، في المال، أو ما يقصد به المال، حلف ~~المدعي مع شهادته، وحكم له به؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قضى ~~بشاهد ويمين» . رواه مسلم. # فإن أبى أن يحلف، وقال: أريد يمين المدعى عليه أحلفناه. فإن نكل المدعى ~~عليه، قضي عليه. ومن قال: ترد اليمين، فهل ترد هاهنا؟ يحتمل وجهين: # أحدهما: لا ترد؛ لأنها كانت في جنبته، وقد أسقطها بنكوله عنها، وصارت في ~~جنبة غيره، فلم تعد ms1320 إليه، كالمدعى عليه إذا نكل عن اليمين، فردت على ~~المدعي، فنكل عنها. # والثاني: ترد عليه؛ لأن هذه غير اليمين الأولى؛ ولأن سبب الأولى قوة جنبة ~~المدعي بالشاهد. وسبب الثانية نكول المدعى عليه، فسقوط إحداهما لا يوجب ~~سقوط الأخرى. فإن سكت المدعى عليه، فلم ينكر ولم يقر، حبسه الحاكم حتى ~~يجيب، ولم يجعله بذلك ناكلا. ذكره القاضي في المجرد. وذكر أبو الخطاب أن ~~الحاكم # PageV04P240 # يقول له: إن أجبت وإلا جعلتك ناكلا، وحكمت عليك، ويكرر ذلك ثلاثا، فإن ~~أجاب وإلا حكم عليه؛ لأنه ناكل عما يلزمه جوابه، فأشبه الناكل عن اليمين. # فصل: # ومتى اتضح الحكم للقاضي، لزمه الحكم به، ولم يجز ترديد الخصمين؛ لأن ~~الحكم لازم، وأداء الحق واجب، فلم يجز تأخيره. وإن كان فيه لبس أمرهما ~~بالصلح، فإن أبيا، أخرهما، ولا يحكم حتى يزول اللبس، ويتضح وجه الصواب؛ لأن ~~الحكم بالجهل حرام. ### | باب القضاء على الغائب وحكم كتاب القاضي # إن حضر رجل يدعي على رجل غائب عن البلد ولا بينة معه، لم تسمع دعواه؛ لأن ~~سماعها لا يفيد. وإن كانت له بينة، سمع الدعوى، والبينة وحكم بها؛ لأنها ~~بينة مسموعة، فيحكم بها، كما لو شهدت على حاضر. وعن أحمد: لا يجوز القضاء ~~على الغائب. وهو اختيار ابن أبي موسى؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال لعلي - رضي الله عنه -: «إذا تقاضى إليك رجلان، فلا تقض للأول حتى تسمع ~~كلام الآخر، فإنك لا تدري بما تقضي» . رواه الترمذي. وقال: حديث حسن؛ ولأنه ~~قضى لأحد الخصمين وحده، فلم يجز، كما لو كان الآخر في البلد؛ ولأنه يحتمل ~~القضاء والإبراء، وكون الشاهد مجروحا، فلم يجز الحكم، كالأصل. ولو ادعى على ~~حاضر لم تسمع البينة، حتى يحضر، لما ذكرنا؛ ولأنه يمكن سماع قوله، فلم يحكم ~~قبل سماعه، كحاضر المجلس. وتعتبر الغيبة إلى مسافة القصر؛ لأنها الغيبة ~~التي تبنى عليها الأحكام. فإن امتنع الخصم في البلد من الحضور عند الحاكم، ~~وتعذر إحضاره، حكم عليه؛ لأنه لو لم يحكم عليه، لجعل الامتناع والاستتار ~~طريقا إلى تضييع ms1321 الحقوق، ويكون حكمه حكم الغائب. وإن هرب المدعى عليه بعد ~~الدعوى، فهو كما لو هرب قبلها في الحكم عليه. ولو كانت الدعوى على صبي أو ~~مجنون، لحكم عليه بالبينة؛ لأنه لا يعبر عن نفسه، فهو كالغائب، ولا يمين ~~على المدعي في هذه المواضع كلها؛ لأنه أقام البينة بحقه فلم يستحلف، كما لو ~~كان خصمه حاضرا. وعنه: يستحلف؛ لأنه يجب الاحتياط. ويحتمل أن يكون قد قضاه ~~أو أبرأه، أو غير ذلك، وكذلك لو كان حاضرا، فادعى بعض ذلك وطلب اليمين، ~~أجيب إليها، فمع الغيبة أولى، وكذلك الحكم إن كانت الدعوى على مجنون، أو ~~صبي؛ لأنه لا يعبر عن نفسه، فهو كالغائب. # فصل: # ويجوز للقاضي أن يكتب إلى قاض آخر بما ثبت عنده، ليحكم به، وبما حكم به # PageV04P241 # لينفذه، لما روى الضحاك بن سفيان قال: «كتب إلي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها» . أخرجه أبو داود ~~والترمذي؛ ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك. فإن كتب بما حكم به لينفذه، جاز في ~~المسافة القريبة والبعيدة؛ لأن إمضاء حكم القاضي لازم لكل قريب وبعيد. وإن ~~كتب بما ثبت عنده ليحكم به، لم يجز إلا إذا كان بينهما مسافة القصر؛ لأن ~~القاضي الكاتب فيما حمل شهود الكتاب، كشاهد الأصل، وشهود الكتاب كشاهد ~~الفرع. ولا تقبل شهادة الفرع مع قرب الأصل. # فصل: # ولا يقبل الكتاب إلا أن يشهد به شاهدان عدلان لأن ما أمكن إثباته ~~بالشهادة، لم يجز الاقتصار فيه على الظاهر، كالمفقود. ويتخرج أن يجوز قبوله ~~بغير شهادة، إذا عرف المكتوب إليه خط القاضي الكاتب وختمه، كقولنا في ~~الوصية. والأول أولى؛ لأن الخط يشبه الخط، والختم يشبه الختم، فلا يؤمن ~~التزوير عليه. فإذا أراد إنفاذ كتاب، أحضر شاهدين وقرأ الكتاب عليهما، أو ~~يقرؤه غيره وهو يسمعه، والمستحب أن ينظر الشاهدان في الكتاب حتى لا يحرف ما ~~فيه. وإن لم ينظرا جاز؛ لأنهما يؤديان ما سمعا. فإذا وصلا إلى القاضي ~~المكتوب إليه، قرآ الكتاب عليه، وقالا: نشهد أن هذا ms1322 كتاب فلان إليك سمعناه ~~وأشهدنا به، كتب إليك بما فيه. فإن قالا: نشهد أن فلانا هذا كتب إليك بما ~~في هذا الكتاب، وسلماه إليه من غير قراءته عليه، لم يقبله؛ لأنه ربما زور ~~عليهما، وإن لم يختم الكتاب، أو ختمه فانكسر الختم، لم يضر؛ لأن المعول على ~~ما فيه. وإن انمحى بعضه وهما يحفظان ما فيه، أو معهما نسخة أخرى، شهدا، ~~وقبل الحاكم. وإن لم يحفظاه، ولا معهما نسخة أخرى، لم يشهدا؛ لأنهما لا ~~يعلمان ما انمحى منه. # فصل: # وإن مات الكاتب، أو عزل، جاز للمكتوب إليه قبول الكتاب، والعمل به؛ لأنه ~~إن كان الكتاب بما حكم به، وجب تنفيذه عل كل أحد، وإن كان فيما ثبت لينفذ، ~~فالكاتب كشاهد الأصل. وموت شاهد الأصل لا يمنع قبول شاهد الفرع. وإن فسق ~~الكاتب، ثم وصل كتابه، وجب قبوله فيما حكم به؛ لأن الحكم لا يبطل بالفسق ~~بعده، ولم يقبل فيما ثبت عنده؛ لأنه كشاهد الأصل. وشاهد الأصل إذا فسق قبل ~~الحكم، لم يحكم بشهادة الفرع. وإن مات المكتوب إليه أو عزل، أو ولي غيره، ~~قبل الثاني الكتاب؛ لأن المعول عل ما حفظه الشهود وتحملوه. ومن تحمل شهادة ~~وشهد بها، وجب على كل قاض الحكم بشهادته. # PageV04P242 # فصل: # وإذا وصل الكتاب إليه، فأحضر الخصم، فقال: لست فلان ابن فلان، فالقول ~~قوله مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته. فإن أقام المدعي بينة أنه فلان ابن ~~فلان، ثبت ذلك، فإن قال: المحكوم عليه غيري، لم يقبل قوله إلا ببينة تشهد ~~أن له من يشاركه في جميع ما سمي ووصف به؛ لأن الأصل عدم المشاركة. فإن قامت ~~بالمشاركة بينة، توقف عن الحكم حتى يثبت من المحكوم عليه منهما. فإذا ثبت، ~~حكم به. فإن قال المحكوم عليه: اكتب إلى الحاكم الكاتب أنك حكمت علي حتى لا ~~يدعى ثانيا، ففيه وجهان. أحدهما: تلزمه إجابته ليخلص مما يخافه. والثاني: ~~لا يلزمه؛ لأن الحاكم إنما يكتب بما حكم به، أو ثبت عنده، والحاكم هو الذي ~~حكم به، أو ثبت عنده ms1323 دون غيره. # فصل: # إذا ثبت عنده حق بالإقرار، فسأله المقر له أن يشهد على نفسه بما ثبت عنده ~~من الإقرار، لزمه ذلك؛ لأنه لا يؤمن أن ينكر المقر، فلزمه الإشهاد، ليكون ~~حجة له إذا أنكر. وإن ثبت عنده الحق بنكول المدعى عليه، فسأله المدعي أن ~~يشهد على نفسه بثبوت النكول، لزمه؛ لأنه لا يؤمن أن ينكر بعد ذلك، ويحلف. ~~وإن ثبت عنده بيمين المدعي بعد نكول المدعى عليه، فسأله أن يشهد على نفسه ~~بذلك، لزمه؛ لأنه لا حجة للمدعي غير الإشهاد. وإن ثبت ببينة، فسأله المدعي ~~الإشهاد، ففيه وجهان: # أحدهما: لا يجب عليه؛ لأن له بالحق بينة، فلم يلزم القاضي تجديد بينة ~~أخرى، وإن ادعى عليه حقا. # الثاني: يلزمه؛ لأن في الشهادة على نفسه تعديلا لبينته، وإثباتا لحقه، ~~وإلزاما لخصمه. وإن ادعى عليه حقا، فأنكره، وحلف عليه، وسأله الحالف أن ~~يشهد على براءته، لزمه، ليكون حجة له في سقوط الدعوى، حتى لا يطالبه بالحق ~~مرة أخرى. وإن سأله في هذه المسائل أن يكتب له محضرا بما جرى، وما ثبت له ~~به الحق. فإن لم يكن قرطاس من بيت المال، ولم يأته المكتوب له بقرطاس، لم ~~يلزمه أن يكتب له؛ لأن عليه الكتاب دون الغرم. وإن كان عنده قرطاس من بيت ~~المال، أو أتاه صاحبه بقرطاس. فهل يلزمه كتابة المحضر؟ فيه وجهان: # أحدهما: يلزمه لأنه وثيقة بالحق، فلزمه كالإشهاد على نفسه. # والثاني: لا يلزمه؛ لأن الحق يثبت باليمين، أو البينة دون المحضر. وإن ~~سأله أن يسجل به، وهو أن يذكر ما يكتبه في المحضر، ويشهد على إنفاذه أسجل ~~له. وهل يلزمه ذلك؟ على وجهين كما ذكرنا في المحضر. # PageV04P243 # فصل: # وصفة المحضر: حضر القاضي فلان ابن فلان، قاضي عبد الله الإمام على كذا. ~~وإن كان خليفة قاض قال: خليفة فلان: قاضي الإمام فلان، بمجلس حكمه وقضائه، ~~فلان ابن فلان الفلاني، وأحضر معه فلان ابن فلان الفلاني، ويرفع في نسبهما، ~~حتى يتميزا، وإن ذكر حليتهما، كان آكد. وإن كان الحاكم لا يعرف الخصمين، ms1324 ~~قال: مدع ذكر أنه فلان ابن فلان الفلاني، وأحضر معه مدعى عليه، ذكر أنه ~~فلان ابن فلان الفلاني، ويرفع في نسبهما، ويذكر حليتهما؛ لأن الاعتماد ~~عليهما، فادعى عليه كذا، فأقر له به. ولا يحتاج أن يذكر بمجلس حكمه وقضائه؛ ~~لأن الإقرار يصح في غير مجلس الحكم. وإن كتب أنه شهد على إقراره شاهدان، ~~كان آكد. وإن أنكر وحلف، قال: فأنكر فسأل الحاكم المدعي: ألك بينة؟ فلم يكن ~~له بينة، فقال: لك يمينه، فسأله أن يستحلفه، فأحلفه في مجلس حكمه وقضائه في ~~وقت واحد؛ لأن الاستحلاف لا يكون إلا في مجلس الحكم. وإن قضى بالنكول قال: ~~فعرض اليمين على المدعى عليه، فنكل عنها، فسأل خصمه أن يقضي عليه بالحق، ~~فقضى عليه في مجلس حكمه وقضائه في وقت كذا. وإن رد اليمين على المدعي فحلف، ~~وحكم له، ذكر ذلك، ويعلم في رأس المحضر: الحمد لله رب العالمين، أو نحوه، ~~وإن ثبت الحق ببينة، كتب الحاكم في آخر المحضر: شهد عندي بذلك فلان مع ~~علامته في رأس المحضر. وصفة السجل أن يكتب: هذا ما أشهد عليه القاضي فلان ~~ابن فلان، قاضي الإمام فلان، في موضع كذا في وقت كذا، أنه ثبت عنده، بشهادة ~~فلان وفلان، وينسبهما، وقد عرفهما بما ساغ له به قبول شهادتهما عنده، بما ~~في كتاب نسخته، وينسخ الكتاب، ثم يكتب بعد ذلك: فحكم به وأنفذه وأمضاه، بعد ~~أن سأله فلان ابن فلان أن يحكم له به. ولا يحتاج أن يذكر له بمحضر المدعى ~~عليه؛ لأن القضاء على الغائب جائز. فإن ذكره احتياطا، قال: بعد أن أحضر من ~~ساغ له للدعوى عليه، ويكتب المحضر، أو المسجل نسختين، يدفع إحداهما إلى ~~صاحب الحق، والأخرى في ديوان الحكم، فإن هلكت إحداهما وجدت الأخرى. وما ~~يحصل عنده من المحاضر والسجلات في كل شهر، أو أسبوع على قدر كثرتها أو ~~قلتها، يشد عليها إضبارة، ويكتب عليها: سجلات كذا، ومحاضر كذا، في شهر كذا، ~~في سنة كذا، ليسهل إخراجه عند طلبه. فإن تولى ذلك بنفسه، وإلا ms1325 وكل أمينه. ~~فإن حضر رجلان عند الحاكم، فادعى أحدهما أن له في ديوان الحكم حجة على ~~خصمه، فوجدها وكان حكما حكم به غيره، لم يحكم به، إلا أن يشهد شاهدان أن ~~هذا حكم حكم به فلان القاضي، ولا يكفي الخط والختم؛ لأنه يحتمل التزوير في ~~الخط والختم. وإن كان حكما حكم هو به، فذكر الحكم وعلم به، عمل به، وألزم # PageV04P244 # خصمه حكمه. وإن لم يذكر الحكم به، ففيه روايتان: # إحداهما: لا يجوز له الحكم به؛ لأنه يحتمل التزوير في الخط والختم، فلم ~~يجز له الحكم به. كحكم غيره. # والثانية: يجوز الحكم به؛ لأنه إذا كان بخطه تحت ختمه، لم يحتمل أن يكون ~~غير صحيح إلا احتمالا بعيدا، كاحتمال كذب الشاهدين، فلا يعول على مثله. فإن ~~شهد به شاهدان، وجب الحكم به؛ لأنه حكم شهد به عدلان، فوجب قبوله، كحكم ~~غيره، أو كما لو شهدا به عند غيره. # فصل: # وإذا قال: حكمت لفلان بكذا، قبل قوله؛ لأنه يملك الحكم به فملك الإقرار ~~به، كالزوج لما ملك الطلاق، ملك الإقرار به. وإن قال ذلك بعد عزله، قبل ~~أيضا؛ لأن عزله لا يمنع قبول قوله كما لو كتب إلى غيره، فوصل الكتاب بعد ~~عزله؛ ولأنه أخبر بما حكم به، وهو غير متهم، فيجب قبوله، كحال الولاية. ~~ويحتمل أن لا يقبل قوله؛ لأنه لا يملك الحكم، فلم يملك الإقرار به. ### | باب القسمة # الأصل في القسمة، الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب، فقوله تعالى: ~~{وإذا حضر القسمة أولو القربى} [النساء: 8] . وأما السنة: فقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق، ~~فلا شفعة» . وقسم النبي - صلى الله عليه وسلم - الغنائم بين أصحابه، وأجمعت ~~الأمة على جوازها. والعبرة تقتضيها لحاجة الشركاء، ليتخلصوا من سوء ~~المشاركة وكثرة الأيدي، ويتصرف كل واحد في المال على الكمال، على حسب ~~الاختيار. # فصل: # ويجوز للشركاء أن يقتسموا بأنفسهم، وأن ينصبوا قاسما يقسم بينهم، وأن ~~يسألوا الحاكم قاسما يقسم بينهم؛ لأن الحق لهم، فجاز ما تراضوا عليه. ms1326 ويجب ~~أن يكون القاسم عالما بالقسمة، ليوصل إلى كل ذي حق حقه، كما يجب أن يكون ~~الحاكم عالما # PageV04P245 # بالحكم، ليحكم بالحق. فإن كان منصوبا من جهة الحاكم، فمن شرطه أن يكون ~~عدلا؛ لأنه نصبه لإلزام الحكم، فاشترطت عدالته، كالحاكم. وإن كان منصوبا من ~~جهتهما، لم تشترط عدالته؛ لأنه نائبهما، فأشبه الوكيل، إلا أنه إن كان ~~عدلا، كان القاسم كالحاكم في لزوم قسمته؛ لأنه يصير بتراضيهما، كالمنصوب من ~~جهة الحاكم، وإن لم يكن عدلا، لم تلزم قسمته إلا بتراضيهما، كما لو اقتسما ~~بأنفسهما. ويجزئ قاسم واحد، إن خلت القسمة من تقويم؛ لأنه حكم بينهما، ~~فأشبه الحاكم. وإن كان فيها تقويم، لم يجز أقل من قاسمين؛ لأن التقويم لا ~~يثبت إلا باثنين. # فصل: # وعلى الإمام أن يرزق القاسم من بيت المال؛ لأنه من المصالح. وقد روي أن ~~عليا - رضي الله عنه -، اتخذ قاسما جعل له رزقا في بيت المال؛ ولأن هذا من ~~المصالح، فأشبه رزق الحاكم. فإن لم يعط من بيت المال شيئا، فأجرته على ~~الشركاء على قدر أملاكهم، سواء طلباها معا، أو أحدهما؛ لأنها مؤنة تتعلق ~~بالملك، فكانت على قدر الأملاك، كنفقة العبد. وإن كان الشركاء نصبوا قاسما، ~~فأجرته بينهم على ما شرطوه؛ لأنه أجيرهم. # فصل: # وإذا كان في القسمة رد عوض، فهي بيع، لأن صاحب الرد بذل المال عوضا عما ~~حصل له من حق شريكه، وهذا هو البيع. وإن لم يكن فيها رد، فهي إفراز ~~النصيبين، وتميز الحقين، وليست بيعا، ولذلك جاز تعليقها على القرعة، وتقدرت ~~بقدر الحق، ودخلها الإجبار. ولو كانت بيعا حتما لم يجز ذلك فيها، كما في ~~سائر البيوع. وحكي عن أبي عبد الله بن بطة: أنها بيع؛ لأن أحدهما يبذل ~~نصيبه من أحد السهمين بنصيب صاحبه من السهم الآخر، وهذا حقيقة البيع. ~~والمذهب الأول. فيجوز قسمة الثمار على الشجر خرصا، وقسمة المكيل وزنا، ~~والموزون كيلا، والتفرق قبل القبض. ولا يحنث بها من حلف أن لا يبيع. وإن ~~كان العقار وقفا أو نصفه، جازت القسمة، وإن قلنا: ms1327 هي بيع، لم يجز شي من ~~ذلك؛ لأن بيعه غير جائز. وإن كان فيها رد، لم تجز قسمة الوقف؛ لأنه لا يجوز ~~بيع شيء منه، وإن كان بعضه طلقا، وبعضه وقفا، والرد من صاحب الطلق، لم يجز؛ ~~لأنه يشتري بعض الوقف. وإن كان صاحب الوقف، جاز؛ ولأنه يشتري بعض الطلق. # فصل: # إذا طلب أحد الشريكين القسمة، فأبى الآخر من غير ضرر، كالحبوب والأدهان، # PageV04P246 # والثياب الغليظة، والأراضي، والدور التي يمكن قسمتها بالتعديل من غير رد ~~عوض، ولا ضرر، أجبر الممتنع عليها؛ لأن طالبها يطلب إزالة الضرر عنه وعن ~~شريكه من غير ضرر بأحد، فوجب إجابته إليه. وسواء كانت الأرض متساوية الأجر، ~~أو مختلفة، بعضها عامر، وبعضها خراب، أو بعضها ذو بناء، أو شجر، أو بئر، ~~وبعضها بياض، أو يسقى بعضها سيحا، وبعضها بناضح. وإن كان عليهما ضرر في ~~القسمة، كالجواهر، والثياب التي ينقصها القطع، والرحى الواحدة، والبئر، ~~والحمام الصغير، لم يجبر الممتنع، لما روى مالك في موطئه عن عمرو بن يحيى ~~المازني عن أبيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا ضرر ولا ~~ضرار» . من المسند؛ ولأنه إتلاف مال، وسفه يستحق به الحجر، فلم يجبر عليه، ~~كهدم البناء. وإن كان على أحدهما ضرر دون الآخر، كدار لأحدهما ثلثاها ~~وللآخر ثلثها، يستضر صاحب الثلث بالقسمة دون شركائه، فطلبها المستضر، ففيه ~~وجهان: # أحدهما: يجبر الممتنع؛ لأنه مطالب بقسمة لا ضرر عليه فيها، فلزمته ~~الإجابة، كالتي قبلها. # والثاني: لا يجبر؛ لأن طلب المستضر سفه، فلم تلزم إجابته، كما لو استضرا ~~معا. وإن طلبها غير المستضر، فقال أبو الخطاب: لا يجبر الممتنع. وهذا ظاهر ~~كلام أحمد؛ لأنه قال: كل قسمة فيها ضرر لا أرى قسمتها. وذلك، لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «لا ضرر ولا ضرار» ؛ ولأنها قسمة تضره، فلم يجبر ~~عليها، كما لو استضر. وقال القاضي: يجبر؛ لأنه يطالب بحق ينفع الطالب، ~~فوجبت إجابته، كقضاء الدين. وفي الضرر المانع روايتان: # إحداهما: هو أن لا يتمكن أحدهما من الانتفاع بنصيبه مفردا، كالدار ms1328 ~~الصغيرة التي لا يمكن سكنى نصيب أحدهما منفردا. وهذا قول الخرقي؛ لأن ضرر ~~نقص القيمة ينجبر بزوال ضرر الشركة، فيصير كالمعدوم. # والثانية: هو أن تنقص قيمة نصيب أحدهما بالقسمة عن حال الشركة؛ لأنه ضرر، ~~فمنع وجوب القسمة، للخبر، والقياس الأول. # فصل: # وإن كان بينهما أرض مختلفة الأجزاء، وأمكنت التسوية، بأن يكون الجيد في ~~مقدمها، والرديء في مؤخرها، فيقسمانها نصفين فيحصل في كل قسم من الجيد ~~والرديء مثل ما في الآخر، قسم كذلك. وإن لم يمكن، لكون الجيد في أحد ~~النصفين، وأمكن التعديل بجعل ثلثيها في المساحة في مقابلة ثلثها الجيد، ~~أجبر الممتنع؛ لأنه # PageV04P247 # يوجب التساوي بالتعديل من غير رد، فأشبه ما لو تساويا في الذرع، وأجرة ~~القاسم بينهما سواء، لتساويهما في أصل الملك. ويحتمل أن يجب على صاحب الثلث ~~ثلثها، وعلى الآخر ثلثاها، لتفاضلهما بالمأخوذ بالقسمة. فإن أمكن القسمة ~~بالتعديل والرد فدعى كل واحد منهما إلى أحدهما، أجيب من طلب قسمة التعديل؛ ~~لأن ذلك مستحق. ولا يلزم إجابة الآخر؛ لأنه بيع، فلا يجبر عليه غيره. # فصل: # وإن كان بينهما دور، أو أرض مختلفة في بعضها نخل، وفي بعضها شجر، وبعضها ~~يسقى سيحا، وبعضها يسقى بالنواضح، فطلب أحدهما قسمتها أعيانا بالقيمة، وطلب ~~الآخر قسمة كل عين على حدة، قسمت كل عين على حدة؛ لأن لكل واحد منهما حقا ~~في الجميع، فجاز له طلبه من الجميع. وإن كانت بينهما عضائد متلاصقة، فطلب ~~أحدهما قسمتها أعيانا، وطلب الآخر قسمة كل واحدة منهما، لم يجبر واحد ~~منهما؛ لأن كل واحدة مسكن منفرد في قسمته ضرر. وإن كانت كبارا يمكن قسمتها ~~بغير ضرر، قسمت كل واحدة على حدتها، كالدور المتفرقة. # وإن كانت بينهما دار، لها علو وسفل، فطلب أحدهما أن يجعل العلو لأحدهما، ~~والسفل للآخر، فأبى الآخر، لم يجبر؛ لأن العلو تابع للعرصة، فلا يجوز جعله ~~في القسمة متبوعا. وإن طلب قسمة السفل وحده، أو العلو وحده، لم تجب إجابته؛ ~~لأن القسمة تراد للتمييز، ومع بقاء الإشاعة في أحدهما لا يحصل التمييز. وإن ~~طلب قسمة ms1329 السفل منفردا والعلو منفردا، لم تجب إجابته؛ لأنه قد يحصل لكل ~~واحد منهما علو سفل الآخر، أو بعضه، فلا يتميز الحقان. وإن طلبا قسمتهما ~~معا وكانت لا تضر، أجبر الممتنع، لما تقدم. # فصل: # وإن كان بين ملكيهما عرصة حائط، فطلب أحدهما قسمتها طولا، ليحصل لكل واحد ~~منهما نصف الطول في كمال العرض، فقال أصحابنا: يجبر الممتنع؛ لأنه لا ضرر. ~~ويحتمل أن لا يجبر؛ لأنه يفضي إلى بقاء ملكه الذي يلي نصيب صاحبه بغير ~~حائط. وإن طلب قسمتها عرضا، ليحصل لكل واحد نصف العرض في كمال الطول، وكان ~~يحصل لكل واحد منهما ما لا يمكن أن يبنى فيه حائط، لم يجبر الممتنع؛ لأنه ~~يتضرر. وإن حصل له ما يمكنه بناء حائط فيه، أجبر الممتنع؛ لأنه ملك مشترك ~~يمكن كل واحد منهما الانتفاع به مقسوما، ويحتمل أن لا يجبر؛ لأنه لا تدخله ~~القرعة خوفا من أن يحصل لكل واحد منهما ما يلي ملك الآخر. وإن كان بينهما ~~حائط، فطلب # PageV04P248 # أحدهما قسمته طولا في كمال العرض، ففيه وجهان: # أحدهما: تجب إجابته، لما ذكرنا في العرصة. # والثاني: لا تجب؛ لأنه إن قطع الحائط، ففيه إتلاف. وإن لم يقطع أفضى إلى ~~الضرر؛ لأن في تجميل أحدهما له ثقلا على نصيب صاحبه. وإن طلب قسمته عرضا في ~~كمال الطول، لم يجبر الممتنع؛ لأن فيه إفسادا، وفي جميع ذلك متى اتفقا على ~~القسمة، جاز. # فصل: # وإن كان بينهما أرض مزروعة، فطلب أحدهما قسمة الأرض دون الزرع لزم ~~إجابته؛ لأن الزرع لم يمنع جواز القسمة، فلم يمنع وجوبها، كالقماش في ~~الدار، فإذا قسماها بقي الزرع بينهما مبقى إلى الحصاد. ذكره أصحابنا، ~~والأولى أنها لا تجب؛ لأنه يلزم منها إبقاء الزرع المشترك في الأرض ~~المقسومة إلى الحصاد، بخلاف القماش، كما لو بيعت الأرض. وإن طلب قسمة الزرع ~~منفردا، لم يلزم إجابته؛ لأنه لا يمكن تعديله. ويشترط بقاؤه في الأرض ~~المشتركة. وإن طلب قسمة الأرض مع الزرع، وكان قصيلا، لزمته إجابته؛ لأن ~~الزرع، كالشجر في الأرض، فلم يمنع الإجبار. وإن ms1330 كان سنابل مشتدا حبها ~~فكذلك، إلا عند من جعل له القسمة بيعا، فلا يجوز؛ لأنه يبيع بعضه ببعض من ~~غير كيل. وإن كان بذرا لم تجز قسمته؛ لأنه مجهول، لا يمكن تعديله، فيكون ~~قسمة مجهول ومعلوم، ويحتمل الجواز؛ لأنه بيع لا يمنع البيع إذا اشترطه ~~المبتاع، فكذلك لا يمنع القسمة. # فصل: # إذا كان بينهما ثياب، أو حيوانات، أو خشب، أو عمد، أو أحجار متفاضلة، ~~فطلب أحدهما قسمتها أعيانا بالقيمة، لم تجب إجابته؛ لأن ذلك بيع. وإن كانت ~~متماثلة، فقال القاضي: تجب إجابته؛ لأنها متماثلة، أشبهت أجزاء الأرض ~~المتماثلة، ويحتمل أن لا يلزم إجابته؛ لأنها أعيان متفرقة، فأشبهت العضائد ~~والدور المتفرقة. # فصل: # إذا كانت بينهما عين، فأرادا قسمة منافعها بالمهايأة، بأن تجعل في يد ~~أحدهما مدة، وفي يد الآخر مثلها، جاز؛ لأن المنافع كالأعيان، فجازت قسمتها. ~~وإن امتنع أحدهما، لم يجبر؛ لأن حق كل واحد منهما معجل، فلم يجبر على ~~تأخيره بالمهايأة، فإن تهايآه، اختص كل واحد منهما بمنفعته في مدته، وكسبه. ~~وفي الأكساب النادرة، كاللقطة، والهبة، والركاز، وجهان: # PageV04P249 # أحدهما: يدخل فيها؛ لأنها كسب، أشبه المعتاد. # والثاني: لا يدخل؛ لأن المهايأة، كالبيع، فلا يدخل فيها، إلا ما يقدر ~~عليه في العادة، والنادر لا يقدر عليه عادة، فلا يدخل فيها، ويكون بينهما. ~~ونفقة الحيوان في مدة كل واحد منهما عليه؛ لأن نفعه له، فكانت مؤنته عليه، ~~كالمنفرد به. # فصل: # وصفة القسمة أن يحصي القاسم عدد أهل [السهمان] ثم يعدل السهمان بالأجزاء، ~~أو بالقيمة، أو بالرد، وإن كانت تقتضيه. ثم لا يخلو من حالين: # أحدهما: أن تتساوى سهمانهم، كأرض بين ستة، لكل واحد سدسها. فهذا يخير فيه ~~بين إخراج الأسماء على السهام، بأن يكتب اسم كل واحد في رقعة، ويدرجها في ~~بنادق شمع متساوية، ويطرح عليها ثوبا، ويقال لمن لم يحضر ذلك: أدخل يدك ~~فأخرج بندقة على هذا السهم الأول. فمن خرج اسمه، فهو له: ثم على الثاني، ~~والثالث، والرابع، والخامس، ويتعين السهم السادس للسادس. وبين إخراج السهام ~~على الأسماء، بأن يكتب في ms1331 رقعة السهم الأول، وفي أخرى الثاني حتى يستوفي ~~جميع السهام، ثم يأمر بإخراج بندقة على اسم أحد الشركاء، فما خرج، فهو له، ~~كذلك إلى آخرها. # الحال الثاني: أن تختلف سهمانهم، مثل أن يكون لأحدهم نصفها، ولآخر ثلثها، ~~ولآخر سدسها، فإنه يعدل السهام بعدد أقلها، ويجعلها ستة، ويخرج الأسماء على ~~السهام لا غير، فيخرج بندقة على السهم الأول. فإن خرج اسم صاحب النصف أخذه، ~~والثاني، والثالث. ثم يخرج بندقة على السهم الرابع. فإن خرجت لصاحب الثلث ~~أخذه، والخامس. ويتعين السادس لصاحب السدس. وإنما قلنا: يأخذه والذي يليه، ~~ليجتمع حقه، ولا يتضرر بتفرقته. ولا يخرج في هذا القسم السهام على الأسماء، ~~لئلا يخرج السهم الرابع لصاحب النصف، فيقول: خذه وسهمين قبله، فيقول ~~صاحباه: يأخذه وسهمين بعده، فيختلفان؛ ولأنه لو خرج لصاحب السدس السهم ~~الثاني، ثم خرج لصاحب النصف السهم الأول، لتفرق نصيبه. # فصل: # وإذا قسم بينهما قاسم الحاكم قسمة إجبار، فأقرع بينهما، لزمت قسمته بغير ~~رضاهما؛ لأن رضاهما لا يتعين في ابتداء القسمة، فلا يتعين في أثنائها. وإن ~~نصبا عدلا عالما يقسم بينهما، لزمتهما قسمته بالقرعة؛ لأن الحاكم الذي ~~ينصبانه كحاكم الإمام في لزوم حكمه، فقاسمهما كقاسم الإمام في لزوم قسمته. ~~وإن كان فاسقا، أو جاهلا بالقسمة، أو قسما بأنفسهما لم يلزم إلا بتراضيهما؛ ~~لأن رضاهما معتبر في الأول، ولم # PageV04P250 # يوجد ما يزيله، فوجب استمراره. وإن كان في القسمة رد، فتولاها قاسم ~~الحاكم، ففيها وجهان: # أحدهما: لا يلزم إلا بالتراضي كذلك؛ ولأنها بيع، فلا يلزم بغير التراضي، ~~كسائر البيع. # والثاني: يلزم بالقرعة؛ لأن القاسم، كالحاكم. وقرعته كحكمه، وإن تراضيا ~~على أن يأخذ كل واحد منهما، سهما بغير قرعة، أو خير أحدهما صاحبه، فاختار ~~أحد السهمين، جاز ويلزم بتراضيهما وتفرقهما، كالبيع. # فصل: # وإن ادعى أحدهما غلطا في قسمة الإجبار، لم يقبل إلا ببينة؛ لأن القاسم ~~كالحاكم، فلم تقبل دعوى الغلط عليه بغير بينة، كالحاكم. فإن أقام البينة ~~نقصت القسمة. وإن لم يكن له بينة، وطلب يمين شريكه، أحلف له. وإن ادعى ~~الغلط في ms1332 قسمة لا تلزم إلا بتراضيهما، لم تسمع دعواه؛ لأنه رضي بذلك، ورضاه ~~بالزيادة في نصيب شريكه تلزمه. # فصل: # وإن ظهر بعض نصيب أحدهما مستحقا، بطلت القسمة؛ لأنه بقي له حق في نصيب ~~شريكه، فعادت الإشاعة. وإن كان المستحق في نصيبهما على السواء وكان معينا، ~~لم تبطل القسمة؛ لأن الباقي مع كل واحد قدر حقه، ويحتمل أن تبطل القسمة؛ ~~لأنه لم يتعين الباقي لكل واحد منهما في مقابلة ما بقي للآخر. وإن كان ~~مشاعا بطلت القسمة؛ لأن الثالث شريكهما لم يأذن في القسمة، ولم يحضر، فأشبه ~~ما لو علما به. وإن قسما أرضا نصفين، وبنى أحدهما في نصيبه دارا، ثم استحق ~~ما في يده، ونقض بناؤه، رجع على شريكه بنصف البناء؛ لأن القسمة كالبيع. ولو ~~باعه نصف الدار، رجع عليه بنصف ما غرم، كذا ها هنا. # فصل:. # إذا اقتسم الوارثان، فظهر على الميت دين متعلق بالتركة، انبنى ذلك على أن ~~الدين، هل يمنع تصرف الورثة في التركة؟ وفيه وجهان: # أحدهما: يمنع، فلا تصح القسمة. # والثاني: لا يمنع، فتكون القسمة صحيحة، هذه هي المذهب؛ لأن تعلق الدين ~~بالتركة لا يمنع صحة التصرف فيها، لكن إن امتنعا من وفاء الدين، بيعت في ~~الدين # PageV04P251 # وبطلت القسمة، هذا هو المذهب. وإن وفى أحدهما دون الآخر، صح في نصيب من ~~وفى، وبطل في نصيب الآخر. # فصل: # وإذا سأل أحد الشريكين الحاكم القسمة بينه وبين شريكه فيما تدخله قسمة ~~الإجبار، لم يجبه إلى ذلك حتى يثبت عنده ملكها؛ لأن في قسمة الإجبار حكما ~~عليه، فلا يثبت إلا بما يثبت به الملك. وإن سأله الشريكان القسمة أجابهما ~~إليها، ولم يحتج إلى إثبات الملك؛ لأن يدهما دليل ملكهما، ولا منازع لهما، ~~فيثبت لهما من حيث الظاهر. ولكنه يثبت في القضية أن قسمه إياه بينهما ~~بإقرارهما، لا ببينة شهدت لهما بملكهما، وكل ذي حجة على حجته، لئلا يتخذ ~~القسمة حجة على من ينازعه في الملك. ### | باب الدعاوى # لا تصح دعوى المجهول في غير الوصية والإقرار؛ لأن القصد في الحكم فصل ms1333 ~~الخصومة والتزام الحق، ولا يمكن ذلك في المجهول. فإن كان المدعى دينا، ذكر ~~الجنس والنوع والصفة. وإن كان عينا باقية ذكر صفتها. وإن ذكر قيمتها، كان ~~أحوط. وإن كانت تالفة لها مثل، ذكر صفتها. وإن ذكر القيمة كان أحوط. وإن لم ~~يكن لها مثل ذكر قيمتها. وإن كان سيفا محلى بذهب، أو فضة، قومه بغير جنس ~~حليته. وإن كان محلى بهما، قومه بما شاء منهما للحاجة. وإن ادعى حقا من ~~وصية أو إقرار، جاز أن يدعي مجهولا؛ لأنهما يصحان بالمجهول. وإذا ادعى ~~مالا، لم يحتج إلى ذكر سببه الذي ملك به؛ لأن أسبابه كثيرة، فيشق معرفة كل ~~درهم منه. # فصل: # وإن ادعى عقد نكاح، لزم ذكر شروطه، فيقول: تزوجتها بولي مرشد، وشاهدي ~~عدل، وإذنها، إن كان إذنها معتبرا؛ لأنه مبني على الاحتياط. وتتعلق العقوبة ~~بجنسه، فاشترط ذكر شروطه، كالقتل. وإن ادعى استدامة النكاح، ففيه وجهان: # أحدهما: لا يلزمه ذكر الشروط؛ لأنه يثبت بالاستفاضة التي لا يعلم معها ~~اجتماع الشروط. # والثاني: يلزم؛ لأنها دعوى في النكاح، أشبه العقد. وإن ادعى عقدا يستحق ~~به المال، كالبيع والإجارة، لم يحتج إلى ذكر شروطه؛ لأن مقصوده المال، أشبه ~~دعوى العين. ويحتمل أن يفتقر إلى ذلك لأنه عقد، فأشبه النكاح. وإن ادعى ~~قصاصا في # PageV04P252 # نفس أو طرف، فلا بد من ذكر صفة الجناية، وأنها عمد، منفردا بها، أو ~~مشاركا فيها، ويذكر صفة العمد؛ لأنه قد يعتقد ما ليس بعمد عمدا. والقتل مما ~~لا يمكن تلافيه، فلا يؤمن أن يقتص ممن لا يجب القصاص فيه، وهو ما لا يمكن ~~تلافيه، فوجب الاحتياط فيه. # فصل: # وما لزم ذكره في الدعوى، فلم يذكره، سأله الحاكم عنه ليذكره، فتصير ~~الدعوى معلومة، فيمكن الحكم بها، والله أعلم. # فصل: # واذا ادعت المرأة النكاح على رجل، وذكرت معه حقا من حقوق النكاح، سمعت ~~دعواها؛ لأن حاصل دعواها دعوى الحق من المهر، والنفقة، ونحوهما، وذكر ~~النكاح لبيان السبب. وإن لم تذكر معه حقا، فذكر القاضي أن دعواها تسمع ~~أيضا؛ لأن النكاح يتضمن حقوقا، ms1334 فصح دعواها له، كالبيع. وقال أبو الخطاب: ~~فيه وجه آخر، أن دعواها لا تسمع؛ لأنه حق عليها، فدعواها له إقرار، ولا ~~يسمع مع إنكار المقر له. # فصل: # وإذا ادعى مالا مضافا إلى سببه، فقال: أقرضته ألفا، أو أتلف علي ألفا، ~~فقال: ما أقرضني، وما أتلفت عليه، صح الجواب؛ لأنه نفى ما ادعى عليه. وإن ~~قال: لا يستحق علي شيئا، ولم يتعرض لما ذكر المدعي، صح الجواب أيضا؛ لأنه ~~إذا لم يستحق عليه شيئا، برئ منه. # فصل: # وإذا ادعى على رجل عينا في يده، أو دينا في ذمته، فأنكره، ولا بينة له، ~~فالقول قول المنكر مع يمينه، لما روى ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو أن الناس أعطوا بدعواهم، لادعى ناس ~~دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» . رواه البخاري ومسلم. ~~وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة الحضرمي والكندي: «شاهداك أو ~~يمينه» ؛ ولأن الأصل براءة ذمته من الدين، والظاهر من اليد الملك. وإذا ~~تداعيا عينا في أيديهما، ولا بينة، حلفا، وجعلت بينهما نصفين، لما روى أبو ~~موسى الأشعري: «أن رجلين تداعيا دابة ليس لأحدهما بينة، فجعلها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بينهم» . رواه مسلم. # ولأن يد كل واحد منهما على نصفها، فكان القول قوله فيه، كما لو كانت ~~العين في يد أحدهما. # PageV04P253 # وإن تداعيا عينا في يد غيرهما، ولا بينة لواحد منهما، أقرع بينهما، فمن ~~خرجت له القرعة، حلف أنها له وسلمت إليه، لما روى أبو هريرة «أن رجلين ~~تداعيا عينا لم يكن لواحد منهما بينة، فأمرهما النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أن يستهما على اليمين، أحبا أم كرها» . رواه أبو داود؛ ولأنهما تساويا، ~~ولا بينة لهما، فيقرع بينهما، كالزوجتين إذا أراد الزوج السفر بإحداهما. ~~وإن كانت للمدعي أو لأحد المتداعيين بينة، حكم له بها، لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في حديث الحضرمي: «ألك بينة؟ قال: لا. قال: فلك يمينه» ؛ ~~ولأن البينة حجة صريحة في إثبات الملك، لا ms1335 تهمة فيها، فكانت أولى من اليمين ~~التي يتهم فيها. # فصل: # وإن ادعيا عينا في يد غيرهما، فأقام كل واحد منهما بينة، ففيها ثلاث ~~روايات، إحداهن، تقدم بينة المدعي، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر» فجعل البينة للمدعي؛ ولأن بينة ~~المدعي أكثر فائدة؛ لأنها تثبت شيئا لم يكن. وبينة المنكر إنما تثبت ظاهرا ~~دلت اليد عليه، فلم تفد؛ ولأنه يجوز أن يكون مستند بينة المنكر، رؤية ~~التصرف، ومشاهدة اليد، فأشبهت اليد المفردة. # والثانية: تقدم بينة المنكر؛ لأنهما تعارضتا، ومع صاحب اليد ترجيح بها، ~~فقدمت، كالنصين إذا تعارضا والقياس مع أحدهما. # والثالثة: إن شهدت بينة المدعى عليه بالسبب من نتاج، أو نسج، أو قطيعة، ~~أو كانت أقدم تاريخا، قدمت وإلا فلا، لما روى جابر «أن رجلين اختصما إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دابة، أو بعير، فأقام كل واحد منهما ~~البينة أنها له أنتجها، فقضى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للذي هي ~~في يده» ؛ ولأنها إذا شهدت بالسبب، أفادت ما لا تفيد اليد، وترجحت باليد، ~~فوجب ترجيحها، وكل من قضي له ببينة، لم يستحلف معها؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «شاهداك، أو يمينه، ليس لك إلا ذلك» ؛ ولأن اليمين تكفي ~~وحدها في حق من شرعت في حقه، فالبينة أولى؛ لأنها أقوى. وسواء كان الخصم ~~ممن يعبر عن نفسه، كالمكلف، أو ممن لا يعبر عن نفسه، كغيره، لما ذكرنا. # فصل: # فإن ادعى الخارج أن الدابة ملكه، أودعها إياه، أو أجره إياها، وأنكر ~~الآخر، وأقاما بينتين، فبينة الخارج أولى. وقال القاضي: بينة الداخل أولى؛ ~~لأنه الخارج في المعنى، ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «البينة ~~على المدعي» ؛ ولأن اليمين على الداخل، فكانت بينة الخارج مقدمة، كما لو لم ~~يدع الوديعة. # PageV04P254 # فصل: # وإن تداعيا عينا في يديهما، وأقام كل واحد منهما بينة أنها ملكه، ~~تعارضتا، وقسمت العين بينهما نصفين، لما روى أبو موسى: «أن رجلين اختصما ~~إلى النبي - صلى الله ms1336 عليه وسلم - في بعير، فأقام كل واحد منهما شاهدين، ~~فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبعير بينهما نصفين» . رواه أبو ~~داود؛ ولأن بينة الداخل أو الخارج مقدمة، فكل واحد خارج في نصفها، داخل في ~~نصفها الآخر، فقدمت بينته في أحد النصفين. وهل يلزم اليمين كل واحد منهما ~~في النصف المحكوم له به؟ فيه روايتان: # إحداهما: لا يلزم، لما ذكرنا. # والثانية: تجب اليمين؛ لأن البينتين تساوتا فتساقطتا، فصارا كمن لا بينة ~~لهما. # وذكر أبو الخطاب رواية أخرى: أنه يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة، حلف ~~وأخذها؛ لأنهما لما تساويا وجب المصير إلى القرعة، كالعبيد في العتق؛ ~~والأول أولى؛ للخبر والمعنى. # فصل: # وإن تداعيا عينا في يد غيرهما، فاعترف أنه لا يملكها، وأقام كل واحد ~~منهما البينة أنها له، ففيه ثلاث روايات: # إحداهن: تسقط البينتان، ويقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة، حلف أنها له ~~وسلمت إليه؛ لأنهما تساويا من غير ترجيح بيد ولا غيرها، فوجب أن يسقطا، ~~كالنصين ويصار إلى القرعة، كالعبيد إذا تساووا. وقد روى الشافعي حديثا رفعه ~~إلى ابن المسيب «أن رجلين اختصما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في أمر، ~~وجاء كل واحد منهما بشهود عدول على عدة واحدة، فأسهم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بينهما» . # والثانية: تقسم العين بينهما، لحديث أبي موسى؛ لأنهما تساويا في الدعوى ~~والبينة واليد، فوجب أن تقسم العين بينهما، كما لو كانت في أيديهما. # والثالثة: يقرع بينهما، فمن قرع صاحبه، أخذها بغير يمين؛ لأن القرعة ~~أوجبت العمل بإحدى البينتين، ولا حاجة إلى اليمين مع البينة. # فصل: # وإذا ادعى عينا في يد إنسان، فأقر بها لغيره وصدقه المقر له، حكم له؛ ~~لأنه مصدق فيما بيده، وقد صدقه المقر له، فصار كصاحب اليد، وتنتقل الخصومة ~~إليه، وعلى المقر اليمين لأنه لا يعلم أنها للمدعي لأنه لو أقر بها له، ~~لزمه غرمها، ومن لزمه # PageV04P255 # الغرم مع الإقرار، لزمته اليمين مع الإنكار. فإن نكل عنها مع طلبها منه، ~~قضي عليه بالغرم وإن أكذبه المقر له، وقال: ليست ms1337 لي، وكان للمدعي بينة حكم ~~له. # وإن لم يكن له بينة، ففيه وجهان: # أحدهما: تدفع إليه؛ لأنه يدعيها ولا منازع له فيها، أشبه التي في يده؛ ~~ولأن صاحب اليد لو ادعاها ثم نكل، قضي عليه، فمع عدم ادعائه لها أولى. # والثاني: لا تدفع إليه؛ لأنه ليس له إلا مجرد الدعوى، فلا يحكم بها، كما ~~لو أنكره الآخر، فعلى هذا يأخذها الإمام، يحفظها حتى يظهر صاحبها؛ لأنه لم ~~يثبت لها مستحق، فهي كالضالة. ويحتمل أن تقر في يد المقر؛ لأنه لم يثبت صحة ~~إقراره. فإن أقر المقر له بها للمدعي، سلمت إليه؛ لأنه قام مقام صاحب اليد ~~لو ادعاها، فقام مقامه في الإقرار بها. # وإن أقر بها صاحب اليد لغائب معين، صار الغائب الخصم فيها. فإن أقام ~~المقر بينة أنها للغائب، سمعها الحاكم لإزالة التهمة، وإسقاط اليمين عنه، ~~ولم يحكم بها للغائب؛ لأنه إنما يقضي بها إذا أقامها المدعي أو وكيله. وليس ~~المدعي واحدا منهما. ومتى لم يكن للمدعي بينة، لم يقض له بها؛ لأنه لا يقضى ~~على الغائب بغير حجة. فإن أقام بينة سمعها الحاكم، وقضى بها. والغائب على ~~خصومته متى حضر، فإذا حضر فأقام بينة أنها ملكه، تعارضت البينتان، وأقرت في ~~يد المدعي إن قلنا: إن بينة الخارج مقدمة؛ لأنه خارج. وإن قلنا: تقدم بينة ~~الداخل، فهي للغائب؛ لأنه صاحب اليد، وإن ادعى الحاضر أنها معه بأجرة، أو ~~عارية، وأقام بينة، لم يقض له بها؛ لأن ثبوت الإجارة والعارية يترتب على ~~الملك، ولا يثبت الملك بها، فكذلك فرعها. وإن أقر الحاضر بها لمجهول، لم ~~تسمع. وقيل: إن أقررت بها لمعروف، وإلا جعلناك ناكلا، وقضينا عليك له. فإن ~~أصر، قضي عليه بنكوله. فإن قال بعد ذلك: هي لي، لم يقبل في أحد الوجهين؛ ~~لأنه اعترف أنها ليست له. # والثاني: تسمع؛ لأن قوله ذلك لم يصح، فلم يمنع صحة الدعوى لنفسه. # فصل: # وإن ادعى أن هذه العين كانت ملكه، لم تسمع دعواه حتى يدعي ملكها في ~~الحال؛ لأن الخلاف في ملكه ms1338 لها في الحال. وإن ادعى ملكها في الحال، فشهدت ~~بينته أنها كانت ملكه أمس، أو أنها كانت في يده أمس، لم تسمع لأنها شهدت ~~بغير ما ادعاه. ويحتمل أن تسمع، ويقضى بها؛ لأنها تثبت الملك في الزمن ~~الماضي، فيجب استدامته حتى يعلم زواله. فإن انضم إليها بيان سبب يد الثاني، ~~فقالت: نشهد أنها ملك # PageV04P256 # هذا أمس، فغصبها هذا منه، أو سقطت، فالتقطها هذا، حكم له بها؛ لأنه تثبت ~~أن يد الثاني عدوان، ليست دليلا للملك، فيجب القضاء باستدامة الملك الماضي، ~~وإن ادعى جارية أو ثمرة، فشهدت بينة أن الجارية بنت أمته، والثمرة ثمرة ~~شجرته، لم يحكم له بها؛ لأنه يجوز أن تلدها، أو تثمرها قبل ملكه. فإن قالت ~~مع ذلك: ولدتها في ملكها، وأثمرتها في ملكه، حكم له بها؛ لأنها شهدت أنها ~~نماء ملكه، فصار كما لو شهدت أن الغزل من قطنه، وإن شهدت بينة أن الغزل من ~~قطنه، أو الطير من بيضته، أو الدقيق من حنطته، حكم له بها؛ لأن الجميع عين ~~ماله، وإنما تغيرت صفته. # فصل: # وإن كانت في يد زيد دار، فادعى آخر أنه ابتاعها من غيره وهي ملكه، فأقام ~~ذلك بينة، حكم له بها؛ لأنه ابتاعها من مالكها. وإن شهدت أنه باعه إياها، ~~وسلمها إليه، حكم له بها؛ لأنه لم يسلمها إليه إلا وهي في يده. وإن لم يذكر ~~الملك ولا التسليم، لم يحكم بها؛ لأنه لا يمكن أن يبيعه ما لا يملكه، فلا ~~تزال يد صاحب اليد. وإن ادعاها رجلان، فشهد لأحدهما رجلان، أن صاحب اليد ~~غصبه إياها، وشهد للآخر شاهدان، أن صاحب اليد أقر له بها، حكم للمغصوب منه؛ ~~لأنه ثبت أن صاحب اليد غاصب، وإقرار الغاصب غير مقبول. # فصل: # وإذا تداعى رجلان دارا ذكر كل واحد منهما أنه ابتاعها من زيد، ونقده ~~ثمنها، أو ادعى أحدهما أنه اشتراها من زيد وهي ملكه، وادعى آخر أنه اشتراها ~~من عمرو وهي ملكه، ولكل واحد منهما بينة بدعواه، واختلف تاريخهما، فهي ~~للأول؛ لأنه ابتاعها من مالكها، ms1339 وإن استوى تاريخهما أو أطلقتا، أو أطلقت ~~إحداهما وأرخت الأخرى، تعارضتا، فإن كانت الدار في يد أحدهما، ابتنى على ~~بينة الداخل والخارج، وإن كانت في يد غيرهما، فادعاها لنفسه، وقلنا: تسقط ~~البينتان، حلف لكل واحد منهما يمينا وأخذها. وإن قلنا: يستعملان، بأن يقرع ~~بينهما، قرع بينهما، فمن قرع صاحبه، حلف، وأخذها. وإن قلنا: تقسم بينهما، ~~فلكل واحد منهما نصفها بنصف الثمن. وقد نص أحمد - رحمه الله - في رواية ~~الكوسج، في رجل أقام البينة أنه اشترى سلعة بمائة، فأقام الآخر بينة أنه ~~اشتراها بمائتين، فكل واحد منهما يستحق نصف السلعة بنصف الثمن، فيكونان ~~شريكين. فإن لم يدعها صاحب اليد، فإن قلنا: تسقط البينتان، رجع إليه، فإن ~~أقر بها لأحدهما، سلمت إليه، ويحلف كل واحد منهما للذي أنكره. وإن أقر بها ~~لهما، قسمت بينهما، ويحلف لكل واحد منهما يمينا، ويحلف كل واحد منهما ~~لصاحبه على النصف المحكوم له به، وإن قلنا: تستعمل البينتان، لم يفد إقراره ~~شيئا؛ لأنه قد ثبت زوال # PageV04P257 # ملكه، وأن يده لا حكم لها، فصار كالأجنبي، ولو كان في يده عبد، فادعى رجل ~~أنه اشتراه منه، وادعى العبد أنه أعتقه، وأقاما بينتين، فالحكم على ما مضى ~~من التفصيل، ومتى قلنا: تقسم العين بينهما، عتق نصف العبد، وللآخر نصفه ~~بنصف الثمن. # فصل: # فإن كان في يده دار، فادعى رجل أنه باعه إياها بمائة في رمضان، وأنه ~~يستحق ثمنها عليه، وادعى آخر أنه باعه إياها في شوال، وأنه استحق عليه ~~ثمنها، ولا بينة لهما، فأنكرهما حلف لكل واحد منهما يمينا، وبرئ. وإن أقاما ~~بينتين بدعواهما، لزمه اليمين لكل واحد منهما؛ لأنه يمكن أن يشتريها من ~~الأول في رمضان، ثم تصير للثاني، فيبيعها الآخر في شوال. وإن اتفق تاريخهما ~~تعارضتا. فإن قلنا بسقوطهما، صارا كمن لا بينة لهما. وإن قلنا: يستعملان، ~~قسم الثمن بينهما على رواية، ويقدم أحدهما بالقرعة رواية أخرى. وإن أطلقتا، ~~أو أطلقت إحداهما وأرخت الأخرى، لزمه الثمنان لهما؛ لأنه أمكن صدق البينتين ~~بأن يكونا في زمنين، فوجب تصديقهما كالمختلفي ms1340 التاريخ، ويحتمل تعارضهما، ~~لاحتمال استواء تاريخهما. والأصل براءة الذمة. والأول أولى. # فصل: # إذا قال لعبده: إن قتلت، فأنت حر، فادعى العبد أنه قتل، وادعى الوارث أنه ~~مات، ولا بينة لهما، فالقول قول الوارث مع يمينه. وإن أقام كل واحد منهما ~~بينة، ففيه وجهان: # أحدهما: يتعارضان، ويبقى العبد رقيقا لأن كل واحدة منهما تثبت ما شهدت ~~به، وتنفي ما شهدت به الأخرى، فهما سواء. # والثاني: تقدم بينة العبد؛ لأنها تثبت القتل، وهو صفة زائدة على الموت، ~~فقد تضمنت زيادة أثبتتها. وقول المثبت مقدم. وإن قال لأحد العبدين: إن مت ~~في رمضان، فأنت حر، وقال للآخر: إن مت في شوال، فأنت حر، ولا بينة لهما، ~~فأنكرهما الوارث، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه يحتمل موته في غيرهما. والأصل ~~بقاء الرق. وإن اعترف لهما، فالقول قول من يدعي موته في شوال؛ لأن الأصل ~~بقاء الحياة. وإن أقام كل واحد منهما بينة بموجب عتقه، ففيه وجهان: # أحدهما: يتعارضان؛ لأن موته في أحد الزمانين ينفي موته في الآخر، فيبقى ~~العبدان على الرق. ذكره أصحابنا. وقياس المذهب أن يقرع بينهما ويعتق ~~أحدهما؛ لأنا علمنا حرية أحدهما لا بعينه. # PageV04P258 # والوجه الثاني: تقدم بينة رمضان؛ لأنه يحتمل أنه خفي موته في رمضان على ~~البينة الأخرى، وعلمته الأولى. # وإن قال لعبد: إن مت من مرضي هذا، فأنت حر، وقال لآخر: إن برئت، فأنت حر، ~~ولا بينة لهما، فالقول قول الأول؛ لأن الأصل عدم البرء، وإن أقام كل واحد ~~منهما بينة بموجب عتقه، تعارضتا، والحكم فيها كالتي قبلها؛ لأن كل واحدة ~~منهما تنفي ما أثبتته الأخرى، ويحتمل تقديم بينة البرء، ولأنه يجوز أن ~~تعلمه إحداهما، وتخفى على الأخرى. # فصل # وإذا كان في يد رجل عين، فادعاها نفسان، وعزيا الدعوى إلى سبب يقتضي ~~اشتراكهما فيها، كالإرث، والشراء في صفقة واحدة، فأقر لأحدهما بنصفها، ~~شاركه الآخر فيه؛ لأن دعواهما تقتضي اشتراكهما في كل جزء منها، وكذلك لو ~~كان طعاما، فهلك بعضه، كان باقيه بينهما، فيجب أن يكون المجحود، والمقر به ~~بينهما، وإن لم ms1341 يعزيا الدعوى إلى سبب يقتضي الاشتراك، فأقر لأحدهما بنصفها، ~~لم يشاركه الآخر؛ لأن دعواه لا تقتضي الاشتراك في كل جزء، وإن أقر له ~~بجميعها، وكان المقر له قد أقر لشريكه في الدعوى بنصفها، لزمه دفعه إليه؛ ~~لأنه أقر له به، فإذا وصل إليه، لزمه حكم إقراره، وإن لم يكن أقر له، وادعى ~~جميعها، حكم له به، وانتقلت الخصومة في النصف إليه؛ لأنه يجوز أن يكون ~~الجميع له، ويخص النصف بالدعوى؛ لأن له عليه بينة، أو يظن أنه يقر له به، ~~ومن يملك الجميع، فهو يملك النصف، فإن قال: النصف لي، والباقي لا أعلم ~~صاحبه، أعطي النصف الذي ادعاه، وفي النصف الباقي ثلاثة أوجه، تقدم ذكرها ~~فيمن ادعى عينا في يد رجل، فأقر بها لغيره، وكذبه المقر له. # فصل # فإن كان في أيديهما دار، ادعى أحدهما نصفها، وادعاها الآخر كلها، ولا ~~بينة لهما، فهي بينهما نصفين، وعلى مدعي النصف اليمين لصاحبه؛ لأن يده على ~~نصفها، فالقول قوله فيه مع يمينه، ولا منازع لصاحبه في نصفها الآخر وهو في ~~يده، فإن أقام كل واحد منهما بينة، تعارضتا، وأيهما يقدم؟ ينبني على الخلاف ~~في تقديم بينة المدعي والمنكر. # وظاهر المذهب تقديم بينة المدعي، فتكون الدار كلها لمدعي الكل، وإن كانت ~~الدار في يد ثالث لا يدعيها، فلصاحب الكل نصفها الذي لا ينازع فيه، فإن لم ~~يكن لهما بينة، أقرع بينهما، فمن قرع صاحبه، حلف، وأخذ النصف الآخر، وإن ~~كان لأحدهما بينة، حكم بها، وإن كانت لكل واحد منهما بينة، تعارضتا، ~~وسقطتا، وصارا كمن لا بينة لهما، يقرع بينهما، فمن قرع صاحبه، حلف وأخذ ~~النصف، وعنه: تقسم بينهما، فيصير لمدعي الكل ثلاثة أرباعها، على ما مضى ~~فيمن تداعيا عينا في يد غيرهما. # PageV04P259 # فصل # ولو ادعى إنسان أن أباه مات، وخلفه وأخا له غائبا، أو صغيرا أو مجنونا، ~~وخلف عينا لهما في يد إنسان، فأنكر المدعى عليه، فأقام المدعي بينة بدعواه، ~~ثبتت العين للميت، وانتزعت من يد المنكر، ودفع نصفها إلى المدعي، وحفظ ~~الحاكم نصيب ms1342 الغائب له، ولو ادعى الدار له ولأجنبي، لم ينزع الحاكم نصيب ~~الأجنبي من المنكر؛ لأن الشريك ينوب عن نفسه، وها هنا يثبت الحق للميت، ~~فتقضى ديونه منه، وتنفذ وصاياه، ولأن الأخ ها هنا يشارك أخاه فيما أخذه إذا ~~تعذر عليه أخذ الباقي، بخلاف الأجنبي، وإن كان المدعى دينا في ذمة إنسان، ~~فهل يقبض الحاكم نصيب أخي المدعي؟ فيه وجهان: أحدهما: يقبضه؛ لأنه أنفع ~~لصاحبه؛ إذ قد تتعذر البينة عليه عند قدومه، أو يعزل الحاكم، فوجب أن يقبضه ~~كالعين. # والثاني: لا يقبضه؛ لأن الذمة أحوط له من يد الأمين؛ لأنه قد يتلف إذا ~~قبضه. # فصل # إذا مات رجل وخلف ولدين، مسلما وكافرا، فادعى كل واحد منهما أن أباه مات ~~على دينه، ليرثه دونه أخيه، فإن علم أصل دينه، فالقول قول من يبقيه عليه مع ~~يمينه؛ لأنه الأصل، فلا يزال بالشك، وإن لم يعرف أصل دينه، فقال الخرقي: ~~القول قول الكافر؛ لأنه لو كان مسلما أصليا، لم يقر ولده على الكفر في دار ~~الإسلام، فيكون ذلك دليلا على أنه كان كافرا، قال ابن أبي موسى: وعن أحمد - ~~رحمه الله - رواية أخرى: أن الميراث بينهما نصفين، فإن أقام كل واحد منهما ~~بينة أن أباه مات على دينه، فقال الخرقي وابن أبي موسى: يكونان كمن لا بينة ~~لهما، وقد ذكرنا أن البينتين إذا تعارضتا، قدم أحدهما بالقرعة في وجه، ~~وتقسم العين بينهما في وجه، ويحتمل أن تقدم بينة المسلم ها هنا؛ لأنه يجوز ~~أن تكون اطلعت على أمر خفي على البينة الأخرى، وإن قالت إحدى البينتين: ~~نعرفه مسلما، وقالت الأخرى: نعرفه كافرا، واختلف تاريخهما، عمل بالآخرة ~~منهما؛ لأنه ثبت بها أنه انتقل عما شهدت به الأولى، وإن اتفق تاريخهما، ~~تعارضتا، وإن أطلقتا، أو أطلقت إحداهما، قدمت بينة المسلم؛ لأن الإسلام ~~يطرأ على الكفر، وذكر القاضي أن قياس المذهب فيهما إذا لم يكن لهما بينة، ~~مثل ما إذا تداعيا عينا، وإن كانت التركة في أيديهما، تحالفا، وكانت ~~بينهما، وإن كانت في يد غيرهما، أقرع بينهما، ms1343 والأول أولى؛ لأن صاحب اليد ~~معترف أن هذه تركة للميت، فلا تدل يده على الملك، وإن ادعى كل واحد منهما ~~أن هذه التركة لي ورثتها عن أبي، ولم يعترف # PageV04P260 # أحدهما بأخوة الآخر، فهي كما قال القاضي، سواء ذكرا أبا واحدا أو أبوين، ~~وإن خلف ابنا مسلما، أو أخا كافرا، فاختلف في دينه عند موته، فالحكم على ما ~~ذكرناه، وإن خلف أبوين وابنين، فادعى الأبوان، أنه مات على دينهما، وادعى ~~الابنان، أنه مات على دينهما، فذلك بمنزلة معرفة أصل دينه؛ لأن الولد قبل ~~بلوغه محكوم له بدين أبويه، فيكون القول قولهما ما لم تقم بينة بخلافه. # فصل # وإن خلف ابنين، كان أحدهما عبدا، فادعى أنه عتق قبل موت أبيه، وأنكره ~~أخوه، فالقول قول المنكر؛ لأن الأصل عدم العتق، فإن اتفقا على أنه عتق في ~~رمضان، واختلفا في وقت موت الأب، فقال الحر: مات في شعبان، وقال الآخر: مات ~~في شوال، فالقول قول المعتق؛ لأن الأصل بقاء الحياة، وكذلك إن مات مسلم، ~~وله ولدان مسلم وكافر، فأسلم الكافر، واختلفا في وقت إسلامه. # فصل # وإذا مات رجل، فادعى إنسان أنه وارثه، لم تسمع الدعوى حتى يبين سبب ~~الإرث، لجواز أن يعتقد أنه وارث بسبب لا يرث به، ولا يقبل إلا ببينة تشهد ~~أنه وارثه، لا نعلم له وارثا سواه، ويبين السبب، كما يبين المدعى، فيدفع ~~إليه ميراثه؛ لأن الظاهر عدم وارث، فإن لم يقولا: لا وارث له سواه، وكان ~~للمشهود له فرض، لا يمكن إسقاطه، أعطي اليقين كالزوج يعطى ربعا عائلا، ~~والزوجة تعطى ربع تسع، وكل واحد من الأبوين يعطى سدسا عائلا، ولا يعطى من ~~سوى هؤلاء شيئا؛ لأنه يحتمل أن يكون محجوبا، أو لا يعلم ماله بيقين كالولد، ~~فإن قالا: نشهد أن هذا ولد فلان، ولا نعلم له ولدا سواه، قبلت شهادتهما، ~~ويدفع إليه ربع وسدس، إن كان ذكرا؛ لأنه أقل ما يرث، مع زوج وأبوين، ~~والخمسان إن كان أنثى؛ لأنه أقل ما يرث مع زوج وأبوين وبنت ابن، فإن كان ~~الميت ms1344 رجلا، فأقل ما يرث الابن نصف وثلث ثمن، والبنت النصف عائلا، ويبعث ~~الحاكم إلى البلدان التي دخلها الميت، فيسأل عن أحواله، ويستكشف، فإن لم ~~يظهر له وارث، توقف مدة بحيث لو كان له وارث، ظهر، فإن لم يظهر له غيره، ~~دفع إليه كمال ميراثه؛ لأن البحث مع هذه الشهادة، كشهادة أهل الخبرة، أنهم ~~لا يعلمون وارثا سواه. # فصل # ولو مات رجل، وخلف ابنا وزوجة ودارا، فادعت الزوجة أنه أصدقها إياها، ~~وأنكر الابن، فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الصداق، فإن أقامت بينة ~~بدعواها # PageV04P261 # وأقام الابن بينة، أن أباه تركها ميراثا، قدمت بينة الزوجة؛ لأنها تشهد ~~بأمر حادث على الملك خفي على بينة الإرث، وكذلك إن ادعت هي أو غيرها ~~شراءها، أو اتهابها، فالحكم كذلك لما ذكرنا. # فصل # وإذا تنازع الزوجان في متاع البيت حال الزوجية، أو بعد الفرقة، أو تنازع ~~ورثتهما بعد موتهما، أو أحدهما وورثة الآخر، ولا بينة لهما، حكم بما يصلح ~~للرجال من ثيابهم، وعمائمهم، وسلاحهم، ونحو ذلك للرجل، وما يصلح للنساء من ~~ثيابهن، ومقانعهن، وحليهن، ومغازلهن، ونحو ذلك للمرأة، وما يصلح لهما من ~~الفرش، والحصر، والآنية، ونحو ذلك، فهو بينهما؛ لأن الظاهر أن من يصلح له ~~شيء، فهو له، فرجح قوله فيه، كصاحب اليد. # قال القاضي: هذا إذا كانت أيديهما عليه من طريق الحكم، بأن يكون في ~~منزلهما، فإن كان في يد أحدهما المشاهدة، فهو له، وإن كان في أيديهما، فهو ~~بينهما؛ لأن اليد المشاهدة أقوى، فرجح بها. # فصل # وإن اختلف صانعان في دكان في الآلات التي فيه، حكم بآلة كل صناعة ~~لصاحبها؛ لأن الظاهر معه، وإن تنازعا في شيء خارج من الدكان، لم يرجح دعوى ~~أحدهما، بصلاحية المدعى له؛ لأنه إنما يصلح للترجيح مع اليد الحكمية، ولا ~~يكفي مع انفراده، كما لو اختلف الزوجان في متاع خارج من البيت. # فصل # وإن تنازع رب الدار، والمكتري في شيء في الدار المكتراة، وكان مما يتبع ~~الدار في البيع، كالسلم المسمر، والرف المسمر، والخابية المنصوبة، ~~والمفاتيح، فهو لرب ms1345 الدار؛ لأنه من توابعها، فأشبه الشجرة المغروسة فيها، ~~فإن كان مما لا يتبعها، كالفرش، والأواني، فهو للمكتري؛ لأن يده عليه، ~~والعادة أن الإنسان يؤجر داره فارغة، وإن تنازعا في رفوف موضوعة على أوتاد ~~فعن أحمد: أنه لرب الدار؛ لأن الظاهر أنه يترك الرفوف فيها، فأشبه المتصلة، ~~وقال القاضي: يتحالفان ويكون بينهما؛ لأن هذا الظاهر معارض بكون الرفوف لا ~~تتبع الدار في البيع، فاستويا. # وقال أبو الخطاب: إن كان لها شكل منصوب في الدار فهو لصاحبها؛ لأن أحدهما ~~له، فكان الآخر له، وإن لم يكن لها شكل منصوب، فهو للمكتري؛ لأن يده عليه، ~~وهو مما لا يتبع الدار، فأشبه الفرس. # وإن اختلفا في مصرع باب مقلوع، فالحكم فيه، كالحكم في الرف، إلا أن ~~القاضي قال: إن كان له شكل في الدار، فالقول قول رب الدار، وإلا فالقول قول ~~المكتري. # PageV04P262 # فصل # وإن اختلف رب الدار والخياط الذي فيها، في الإبرة والمقص، فهما للخياط؛ ~~لأن تصرفه فيهما أظهر، وإن اختلفا في الثوب، فهو لصاحب الدار؛ لأن الظاهر ~~أنه لا يحمل قميصه يخيطه في دار غيره، وإن اختلف النجار ورب الدار، فالقول ~~قول النجار في القدوم والمنشار، والقول قول رب الدار في الرفوف والخشب، لما ~~ذكرناه، وإن تنازع رجلان دابة، أحدهما راكبها، أو له حمل عليها، والآخر آخذ ~~بزمامها، فهي لراكبها؛ لأن تصرفه فيها أقوى، ويده آكد، فإن كان لأحدهما ~~عليها حمل، والآخر راكبها، فهي للراكب؛ لأن يده عليها وعلى الحمل، وإن ~~اختلف صاحب الدابة وراكبها في حملها، فهو لراكبها؛ لأن يده على الدابة، ~~فتكون يده على حملها، وإن تنازعا في رحل الدابة وسرجها، فهو لصاحبها؛ لأنه ~~تابع للدابة، والعادة جارية بأن ذلك يكون لصاحبها. # فصل # وإن تنازعا حائطا معقودا ببناء أحدهما عقدا، لا يمكن إحداثه، فالقول قوله ~~فيه؛ لأن الظاهر أنه بناه مع ملكه، وإن كان له عليه أزج فهو له؛ لأن الظاهر ~~أنه لا يضع أزجه إلا على ملكه، ولا يرجح أحدهما بوضع خشبه عليه؛ لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أمر ms1346 أن لا يمنع المرء جاره من وضع خشبه على حائطه، ~~وإن كان معقودا ببناء كل واحد منهما، أو محلولا منهما، أو لكل واحد منهما ~~عليه أزج، أو لا أزج لواحد منهما تحالفا، وكان بينهما؛ لأنهما استويا فيه ~~مع ثبوت يديهما عليه، فأشبه ما لو تنازعا دارا في يديهما. # وإن تنازع صاحب العلو والسفل السقف الذي بينهما، فهو بينهما؛ لأنه حاجز ~~توسط بين ملكيهما، أشبه الحائط بين الملكين، وإن تنازعا درجة تحتها مسكن، ~~فهي بينهما؛ لأنهما تساويا في الانتفاع بها، وإن لم يكن تحتها مسكن، أو ~~تنازعا سلما منصوبا، فهو لصاحب العلو؛ لأنها وضعت لنفعه، وإن كانت تحتها ~~جب، فهي لصاحب العلو؛ لأن المقصود بها نفعه، وإن تنازعا حائط العلو، فهو ~~لصاحبه؛ لأنه مختص بنفعه، وإن تنازعا حائط السفل، احتمل أن يكون بينهما؛ ~~لأنه لنفعهما، فهو كالسلم تحته مسكن واحتمل أن يكون لصاحب السفل؛ لأنه لم ~~تجر العادة ببيت لا حائط له، وإن تنازعا صحن الدار والدرجة فيه، فهو ~~بينهما؛ لأن لكل واحد منهما عليه يدا، وإن لم يكن فيه درجة، فهو لصاحب ~~السفل، ولهذا يملك منع صاحب العلو من الاستطراق فيه، وإن تنازعا مسناة بين ~~أرض أحدهما، ونهر الآخر، فهي بينهما؛ لأنه حائط بين ملكيهما، ينتفع به كل ~~واحد منهما، أشبه الحائط بين الدارين، وإن تنازعا عمامة في يد أحدهما ~~طرفها، وباقيها في يد الآخر، تحالفا وكانت بينهما؛ لأن يد كل واحد منهما ~~ثابتة عليها. # وإن كان # PageV04P263 # أحدهما لابسها، والآخر آخذ بطرفها، أو تنازعا قميصا، أحدهما لابسه، ~~والآخر آخذ بكمه، فهو للابسه؛ لأن المنتفع به المتصرف فيه، وإن تنازعا ~~عبدا، عليه ثياب لأحدهما، فهما سواء؛ لأن نفع الثياب تعود إلى العبد لا إلى ~~صاحبه. # فصل # وإن كان في يده غلام بالغ عاقل، فادعاه عبدا له، فصدقه، حكم له بملكه، ~~وإن كذبه، فالقول قوله؛ لأن الظاهر الحرية، وإن كان طفلا لا يميز، فهو ~~للمدعي؛ لأنه لا يعبر عن نفسه، أشبه البهيمة، فإن بلغ فقال: إني حر، لم ~~يقبل منه؛ لأنه حكم ms1347 برقه قبل دعواه، وإن لم يدع ملكه، لكنه كان في يده ~~يتصرف فيه، فهو كما لو ادعى رقه؛ لأن اليد دليل الملك، فإن ادعى أجنبي ~~نسبه، ثبت ولم يزل ملك سيده؛ لأنه يجوز أن يكون ولده وهو مملوك إلا أن يكون ~~المدعي امرأة، فتثبت حرية ولدها، أو يكون رجلا عربيا، فإن فيه روايتين: ~~إحداهما: لا يسترق ولده فيحكم بحريته حينئذ، وإن كان الصبي مميزا، فأنكر رق ~~نفسه، ففيه وجهان: أحدهما: لا يثبت رقه؛ لأنه معرب عن نفسه في دعوى الحرية، ~~فأشبه البالغ. # والثاني: يثبت الملك عليه؛ لأنه لا قول له، فأشبه الطفل، ولو ادعى رجلان ~~رق كبير في أيديهما، فأقر لأحدهما، فهو لمن أقر له؛ لأن رقه إنما يثبت ~~بإقراره، وإن جحدهما، فالقول قوله، فإن أقام كل واحد منهما بينة بملكه ~~تعارضتا، فإن قلنا بسقوطهما، رجع إلى قوله، وإن قلنا بقسمته بينهما أو ~~بقرعته بينهما، عمل على حسب ذلك. # فصل # ولو كان في يده صغيرة، فادعى نكاحها، لم تقبل دعواه، ولا يخلى بينه ~~وبينها إلا أن تكون بينة؛ لأن النكاح لا يثبت إلا بعقد وشهادة، بخلاف الرق، ~~فإذا كبرت، واعترفت له بالنكاح، قبل إقرارها والله أعلم. # فصل # ومن كان له حق على من يقر به ويبذله، لم يكن له أن يأخذ من ماله إلا ما ~~يعطيه؛ لأن الخيرة إلى الغريم في تعيين ما يقضيه، فإن أخذ من ماله شيئا ~~بغير اختياره، لزمه رده؛ لأنه لا يجوز أن يتملك غير ماله بغير ضرورة، فإن ~~أتلفه، صار دينا في ذمته، فإن كان من جنس حقه تقاص الدينان، وتساقطا، وإن ~~كان من غير جنسه، صار دين كل واحد منهما فى ذمة الآخر. # وإن كان من عليه الدين مانعا له، بجحد، أو تعد، فالمذهب أنه ليس له الأخذ ~~أيضا؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا # PageV04P264 # تخن من خانك» والأخذ من ماله بغير علمه خيانة، ولأنه إن أخذ من غير جنس ~~حقه، فهي معاوضة بغير تراض منهما، فلا يجوز؛ ms1348 لقول الله تعالى: {إلا أن تكون ~~تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] ، وإن أخذ من جنسه، فليس له تعيين الحق ~~بغير رضى صاحبه، كحالة البذل، قال ابن عقيل: وجعل أصحابنا المحدثون لجواز ~~الأخذ وجها، وخرجه أبو الخطاب احتمالا؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» حين أخبرته أن أبا سفيان رجل شحيح، لا ~~يعطيها ما يكفيها، ولقوله - عليه السلام -: «الرهن محلوب ومركوب بنفقته» ، ~~فعلى هذا إن أخذ من جنس حقه، أخذ قدره، وإن أخذ من غير جنسه، اجتهد في ~~تقويمه، كقولنا في المرتهن: يركب ويحلب بقدر العلف. # فصل # وإذا ادعى حقا على إنسان، وأقام به شاهدين، فلم يعرف الحاكم عدالتهما، ~~فسأل حبس غريمه حتى تثبت عدالة شهوده، أجيب إليه؛ لأن الظاهر عدالة المسلم، ~~ولأن الذي على الشاهد قد أتى به، وإنما بقي ما على الحاكم، وهو الكشف عن ~~عدالة الشهود. # وإن أقام شاهدا واحدا في حق، لا يثبت إلا بشاهدين، وسأل حبس غريمه، ليقيم ~~آخر، لم يحبس؛ لأن الحبس عذاب، فلا يتوجب قبل تمام البينة، وإن كان الحق ~~مما يثبت بشاهد واحد، احتمل أن يحبس؛ لأن الشاهد حجة فيه، واليمين إنما هي ~~مقوية، واحتمل أن لا يحبس؛ لأن الحجة ما تمت، ويحتمل أنه إن كان المدعي ~~باذلا لليمين، ولم تثبت عدالة الشاهد، حبس؛ لأنها في معنى التي قبلها، وإن ~~كان التوقف عن الحكم لغير ذلك، لم يحبس؛ لأنه إن حبس ليقيم شاهدا آخر، فهي ~~كالتي لا تثبت إلا بشاهدين، وإن حبس ليحلف الخصم، فلا حاجة إلى الحبس مع ~~إمكان اليمين في الحال، وكل موضع حبس على تعديل الشهود، استديم حبسه حتى ~~تثبت عدالتهم، أو فسقهم، وإن حبس، ليقيم شاهدا آخر، حبس ثلاثا، فإن أقام ~~الخصم شاهدا، وإلا خلي سبيله، وإن ادعى العبد أن سيده أعتقه، وأقام شاهدين، ~~فلم يعدلا، فسأل الحاكم أن يحول بينه وبين سيده إلى أن يبحث الحاكم عن ~~عدالة شهوده، فعل ذلك، ويؤخره الحاكم، وينفق عليه من كسبه لما ذكرنا فيما ~~تقدم. # PageV04P265 ### | باب ms1349 اليمين في الدعاوى # ومن ادعى حقا من المال، أو يقصد به المال، كالبيع، والإجارة، فأنكر ~~المدعى عليه، فعليه اليمين؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو يعطى ~~الناس بدعواهم، لادعى قوم دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين، على المدعى ~~عليه» رواه مسلم ورواه البخاري بمعناه. # ولحديث الحضرمي والكندي، فأما غير ذلك من الحقوق، وهو ما لا يثبت إلا ~~بشاهدين، وهو القصاص، والقذف، والنكاح، والطلاق، والرجعة، والنسب، ~~والاستيلاد، والرق، والعتق، والولاء، ففيه روايتان: إحداهما: لا يستحلف ~~فيها؛ لأن البدل لا يدخلها، فلم يستحلف فيها، كحقوق الله تعالى. # والثانية: يستحلف في الطلاق، والقصاص، والقذف. # وذكر الخرقي: أنه يستحلف في مدة الإيلاء، وتستحلف المرأة إذا ادعت انقضاء ~~عدتها، قبل رجعة زوجها، وذكر أبو الخطاب: أنه يستحلف في كل حق لآدمي، لعموم ~~الخبر، وهو ظاهر في القصاص؛ لقوله - عليه السلام -: «لادعى قوم دماء رجال ~~وأموالهم» ، ولأنها دعوى صحيحة في حق آدمي فيستحلف عليه، كدعوى المال، فإذا ~~توجهت اليمين عليه في المال، فحلف، برىء، وإن نكل، قضي عليه بعد أن يقول له ~~الحاكم: إن حلفت، وإلا قضيت عليك ثلاثا. # ولا ترد اليمين على المدعي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«اليمين على المدعى عليه» ، فحصرها في جانبه. # وادعى زيد بن ثابت على ابن عمر: أنه باعه عبدا يعلم عيبه عند عثمان - رضي ~~الله عنه -، فقال له: أحلف أنك ما بعته وبه عيب علمته، فأبى ابن عمر أن ~~يحلف، فرد عليه العبد، ولم يرد اليمين، وقال أبو الخطاب: ترد اليمين على ~~المدعي، فيحلف، ويحكم له بما ادعاه. # PageV04P266 # وقال: قد صوبه أحمد، وقال: ما هو ببعيد، يحلف ويستحق، لما روى ابن عمر أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «رد اليمين على طالب الحق» رواه الدارقطني. # ولا ترد إلا أن يردها المدعى عليه، فإن نكل المدعي عن اليمين أيضا، أخر ~~الحكم حتى يحتكما في مجلس آخر. # فإن كانت الدعوى في غير المال، فنكل المدعى عليه، لم يقض بالنكول، وهل ~~يحبس حتى يقرأ ويحلف، أم يخلى سبيله؟ على وجهين: ms1350 أصلهما إذا نكلت الزوجة عن ~~اللعان، وروي عن أحمد في القذف والقصاص فيما دون النفس: أنه يقضى فيه ~~بالنكول، إلا أن أبا بكر قال: هو قول قديم، المذهب على خلافه. # فصل # واليمين المشروعة التي يبرأ بها المطلوب هى اليمين بالله تعالى؛ لقوله ~~تعالى: {تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله} [المائدة: 106] ، وقال ~~سبحانه: {فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} [النور: 6] ، وقال تعالى: ~~{وأقسموا بالله جهد أيمانهم} [الأنعام: 109] «وقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لركانة بن عبد يزيد في الطلاق: الله ما أردت إلا واحدة؟ قال: الله ~~ما أردت إلا واحدة» . # وسواء كان الحالف مسلما، أو كافرا، عدلا أو فاسقا؛ «لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال للحضرمي المدعي على الكندي: ليس لك إلا يمينه، فقال ~~الحضرمي: إنه رجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، قال: ليس لك منه إلا ذلك» ~~. # «وقال الأشعث بن قيس: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني فقدمته ~~إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~هل لك بينة؟ قلت لا، قال لليهودي: احلف ثلاثا، قلت: إذا يحلف، فيذهب بمالي، ~~فأنزل الله تعالى: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك ~~لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا ~~يزكيهم ولهم عذاب أليم} [آل عمران: 77] » رواه أبو داود وأين حلف، ومتى ~~حلف، أجزأ، لظاهر ما روينا، وحلف عمر - رضي الله عنه - في حكومة لأبي في ~~النخل في مجلس زيد، فلم ينكره أحد. # واختار الخرقي تغليظها في حق الكافر خاصة في المكان واللفظ، فقال: ~~واليمين التي يبرأ بها المطلوب، هي اليمين بالله، إلا أنه إن كان # PageV04P267 # يهوديا، قيل له: قل: والله الذي أنزل التوراة على موسى، وإن كان نصرانيا، ~~قيل له: قل: والله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، وإن كان لهم مواضع ~~يعظمونها، ويتوقون أن يحلفوا فيها كاذبين، حلفوا فيها، لما روى أبو هريرة ~~قال: «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني لليهود: نشدتكم بالله ms1351 الذي ~~أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة على من زنى؟» رواه أبو داود. # وعلى هذا يحلف المجوسي: قل: والله الذي خلقني ورزقني، ويحلف الوثني، ومن ~~لا يعبد الله، بالله وحده، واختار أبو الخطاب: أن الحاكم إن رأى تغليظها في ~~حق المسلم والكافر في اللفظ، والمكان، والزمان، فعل وتغليظها في حق المسلم ~~باللفظ، مثل قوله: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن ~~الرحيم الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية. # وفي الزمان أن يحلف بعد العصر؛ لقوله تعالى: {تحبسونهما من بعد الصلاة} ~~[المائدة: 106] ويحلف بين الأذانين، وفي المكان: أن يحلف بين الركن والمقام ~~بمكة، وعند منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، وعند الصخرة ~~بالقدس، وعند المنبر في سائر المساجد، لما روى مالك في الموطأ عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من حلف على منبري هذا بيمين آثمة فليتبوأ ~~مقعده من النار» ولأنه ثبت التغليظ في أهل الذمة، فنقيس عليهم غيرهم، ولا ~~تغلظ إلا فيما له خطر، كالنصاب من المال، والقصاص، والطلاق، والعتق ونحوه. # فصل # ويستحلف على حسب جوابه، فإذا ادعى عليه قرضا، أو بيعا فأجاب بأنه: ما ~~أقرضني، ولا باعني، حلف على ذلك، وإن أجاب: بأنه لا يستحق علي شيئا، حلف ~~عليه؛ لأن اليمين شرعت لتحقيق جوابه، وتأكيد صدقه فيما أخبر به، فكانت على ~~حسبه، فإن ادعى ألفا، فجوابه لا يستحق علي الألف، ولا شيئا منها، أو لا ~~يستحق علي شيئا، ويحلف كذلك، ولا يكتفى منه بأنه لا يستحق علي الألف؛ لأن ~~ذلك لا ينفي استحقاقه بعضها، وإن ادعى على معسر حقا هو عليه، لم يجز له أن ~~يحلف أنه لا يستحق علي شيئا؛ لأنه كذب، فإن الحق في ذمته. # فصل # ومتى كانت الدعوى على الخصم في نفسه، حلف على البتات في النفي # PageV04P268 # والإثبات، لما روى ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «استحلف ~~رجلا، فقال: قل: والله الذي لا إله إلا هو ما له عندي شيء، رواه» أبو ms1352 داود ~~ولأن له طريقا إلى العلم به، فلزمه القطع بنفيه. # فإن كانت الدعوى عليه في حق غيره في الإثبات، حلف على البت؛ لأن له طريقا ~~إلى العلم به، وفي النفي يحلف على نفي علمه، نص عليه أحمد وذكر حديث القاسم ~~بن عبد الرحمن عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تضطروا الناس في ~~أيمانهم أن يحلفوا على ما لا يعلمون. # » وفي حديث الحضرمي: «ولكن أحلفه: والله ما يعلم أنها أرضي اغتصبنيها ~~أبوه» رواه أبو داود: ولأنه لا يمكنه الإحاطة بنفي فعل غيره، فلم يكلف ذلك، ~~وذكر ابن أبي موسى عنه: أنه قال: على كل حال اليمين على العلم فيما يدعي ~~عليه في نفسه، أو فيما يدعي على ميته، قال: وبالأول أقول، قال: وعنه فيمن ~~باع سلعة، فظهر المشتري على عيب بها، وأنكره البائع، هل اليمين على علمه، ~~أو على البتات؟ على روايتين. # وإن باع عبدا فأبق عند المشتري، هل يحلف على علمه، أو على أنه لم يأبق ~~عنده؟ على روايتين. # فصل # وإذا ادعى عليه جماعة حقا، فأنكر، لزمه لكل واحد يمين؛ لأنه منكر لحق كل ~~واحد منهم، فإن قال: أنا أحلف للجميع يمينا واحدة، لم يقبل منه، وإن رضي ~~الجماعة بيمين واحدة، جاز؛ لأن الحق لهم، لا يخرج عنهم. # PageV04P269 ### | كتاب الشهادات # تحملها وأداؤها فرض؛ لقول الله تعالى: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} ~~[البقرة: 282] . # وقوله سبحانه: {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} [البقرة: ~~283] ، ولأنها أمانة، فيلزمه أداؤها عند طلبها، كالوديعة، وهي فرض كفاية، ~~إن لم يوجد من يكتفى به غير اثنين، تعين عليهما؛ لأن المقصود لا يحصل إلا ~~بهما، وإن قام بها من يكفي، سقطت عمن سواهم؛ لأن القصد حفظ الحقوق، وقد ~~حصل. # ويستحب الإشهاد على العقود كلها؛ لقول الله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم} ~~[البقرة: 282] ، وقوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282]- ~~يعني: في المداينة -. # ولا يجب في عقد غير النكاح والرجعة؛ لأن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كانوا يتبايعون في عصره في الأسواق من غير ms1353 إشهاد، فلم ينكر عليهم، ~~ولأن في إيجابه حرجا، فسقط بقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} ~~[الحج: 78] . # فصل # ومن كانت عنده شهادة لآدمي عالم بها، لم يشهد حتى يسأله صاحبها، لما روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «خير الناس قرني، ثم الذين ~~يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم ينذرون ولا يوفون، ويشهدون ولا ~~يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون» ، متفق عليه. # وإن لم يعلم بها، استحب إعلامه بها، وله أداؤها قبل إعلامه؛ لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «ألا أنبئكم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن ~~يسألها» رواه أبو داود، فتعين حمل الحديث على هذه الصورة، جمعا بين ~~الخبرين. # PageV04P270 # ومن كانت عنده شهادة في حد الله، لم يستحب أداؤها؛ لقول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «من ستر عورة مسلم، ستره الله في الدنيا والآخرة» . # وتجوز الشهادة به؛ لقول الله تعالى: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ ~~لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} [النور: 13] ، والله أعلم. ### | باب من تقبل شهادته ومن ترد # يعتبر في الشاهد المقبول شهادته ستة شروط: أحدها: العقل، فلا تقبل شهادة ~~طفل، ولا مجنون، ولا سكران، ولا مبرسم؛ لأن قولهم على أنفسهم لا يقبل، فعلى ~~غيرهم أولى. # والثاني: البلوغ، فلا تقبل شهادة صبي؛ لقول الله تعالى: {واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] ، والصبي ليس من رجالنا، ولأنه ليس بمكلف، ~~أشبه المجنون، وعنه: تقبل شهادة ابن العشر إذا كان عاقلا؛ لأنه يؤمر ~~بالصلاة، ويضرب عليها، أشبه البالغ. # وعنه: تقبل شهادته في الجروح خاصة، إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحال التي ~~تجارحوا عليها؛ لأنه قول ابن الزبير، والمذهب الأول. # والثالث: الضبط فلا تقبل شهادة من يعرف بكثرة الغلط والغفلة؛ لأنه لا ~~تحصل الثقة بقوله، لاحتمال أن يكون من غلطه، وتقبل شهادته من يقبل ذلك منه؛ ~~لأن أحدا لا يسلم من الغلط. # والرابع: النطق، فلا تقبل شهادة الأخرس بالإشارة؛ لأنها محتملة، فلم ~~تقبل، كإشارة الناطق، وإنما قبلت في أحكامه المختصة به، للضرورة، وهي ها ms1354 ~~هنا معدومة. # والخامس: الإسلام، فلا تقبل شهادة كافر بحال؛ لقوله تعالى: {وأشهدوا ذوي ~~عدل منكم} [الطلاق: 2] ، وقال تعالى: {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] ~~، والكافر ليس بعدل، ولا مرضي، ولا هو منا، إلا أن شهادة أهل الكتاب، تقبل ~~في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم، ويستحلف مع شهادته بعد العصر؛ لقوله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ~~اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] الآيات، نزلت في ~~تميم الداري وعدي وكانا نصرانيين، شهدا بوصية مولى # PageV04P271 # لعمرو بن العاص، روى هذه القصة أبو داود وغيره، وروى حنبل عن أحمد: أن ~~شهادة بعضهم على بعض جائزة، لما روى جابر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أجاز شهادة بعض أهل الذمة على بعض» ، رواه ابن ماجة، ولأن بعضهم يلي بعضا، ~~فتجوز شهادتهم عليهم، كالمسلمين، والمذهب الأول. # قال الخلال: غلط حنبل فيما رواه لا شك فيه، والخبر يرويه مجالد، وهو ~~ضعيف، ويحتمل أنه أراد اليمين فإنها شهادة. # فصل # الشرط السادس: العدالة، فلا تقبل شهادة فاسق؛ لقول الله تعالى: {إن جاءكم ~~فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة} [الحجرات: 6] ، وقوله سبحانه ~~وتعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] ، وقوله تعالى: {والذين يرمون ~~المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} [النور: 4] ، إلى قوله تعالى: {ولا ~~تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} [النور: 4] ، وروى عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تجوز شهادة ~~خائن، ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه» ، رواه أبو داود. # ويعتبر في العدالة شيئان: أحدهما: اجتناب الكبائر، والإدمان على الصغائر، ~~والكبائر كل ما فيه حد، أو وعيد، فمن فعل كبيرة، أو أكثر من الصغائر، فلا ~~تقبل شهادته؛ لأنه لا يؤمن من مثله شهادة الزور، ولأن الله تعالى نص على ~~القاذف، فقسنا عليه مرتكب الكبائر، واعتبرنا في مرتكب الصغائر الأغلب؛ لأن ~~الحكم للأغلب، بدليل قوله تعالى: {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون} ~~[الأعراف: 8] ، والآية التي بعدها. # ولا ms1355 يقدح فيه في عمل صغيرة نادرا؛ لأن أحدا لا يسلم منها، ولهذا روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد ~~لك لا ألما» والثاني: المروءة، فلا تقبل شهادة غير ذي المروءة، كالمغني، ~~والرقاص، والطفيلي، والمتمسخر، ومن يحدث بمباضعة أهله، ومن يكشف عورته في ~~الحمام، أو غيره، أو يكشف رأسه في موضع لا عادة بكشفه فيه، ويمد رجليه في ~~مجمع الناس # PageV04P272 # وأشباه ذلك مما يجتنبه أهل المروءات؛ لأنه لا يأنف من الكذب، بدليل ما ~~روى أبو مسعود البدري، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن مما ~~أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح، فاصنع ما شئت» ، وفي أصحاب ~~الصنائع الدنيئة، كالكساح، والزبال، والقمام، والقراد، والكباش، والمشعوذ، ~~والحجام وجهان: أحدهما: لا تقبل شهادته؛ لأن هذا دناءة يجتنبه أهل ~~المروءات، فأشبه ما قبله. # والثاني: تقبل شهادتهم إذا حسنت طريقتهم في دينهم؛ لأن الله تعالى قال: ~~{إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13] ، وألحق أصحابنا بهذه الصنائع، ~~الحياكة، والدباغة، والحراسة، لدناءتها، والأولى في هذه قبول الشهادة؛ لأنه ~~قد تولاها كثير من الصالحين وأهل المروءة. # ومن كانت صناعته محرمة، كصانع المزامير، والطنابير، لا تقبل شهادته؛ لأنه ~~مدمن على المعاصي، ساقط المروءة، وكذلك المقامر؛ لأن القمار من الميسر الذي ~~أمر الله باجتنابه، وفيه دناءة، وسفه، وأكل مال بالباطل. # فصل # ويحرم اللعب بالنرد والشطرنج، وإن خلا من القمار، لما روى أبو موسى قال: ~~سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من لعب بالنردشير، فقد عصى ~~الله ورسوله» ، رواه أبو داود. # وعن واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن ~~لله تعالى ثلاثمائة وستين نظرة، ليس لصاحب الشاه فيها نصيب» ، رواه أبو ~~بكر. # ومر علي - رضي الله عنه - على قوم يلعبون بالشطرنج، فقال: {ما هذه ~~التماثيل التي أنتم لها عاكفون} [الأنبياء: 52] ، ولأنه لعب يصد عن ذكر ~~الله، وعن الصلاة، فأشبه القمار، والنرد أشد من الشطرنج، نص عليه أحمد ~~للاتفاق عليه، وثبوت الخبر. ms1356 # PageV04P273 # فأما اللعب بالحمام، فإن كان يقصد به تعليمها حمل الكتب ونحوها مما تدعو ~~الحاجة إليه، فلا بأس به؛ لأنه كتأديب الفرس، وإن كان لغرض محرم من القمار، ~~أو أخذ حمام غيره ونحوه، فهو محرم، وإن كان عبثا، فهو دناءة وسفه، فما دام ~~عليه صاحبه من المحرم والسفه، لم تقبل شهادته، لزوال عدالته، وما ندر لم ~~يمنع؛ لأنه من الصغائر، فأما اللعب بآلات الحرب، كالمناضلة، وتأديب الفرس، ~~والثقاف، فمندوب إليه، لما فيه من القوة للجهاد، وقد لعب الحبشة بالحراب ~~والدوق، بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجده. # فصل # وهي نوعان: محرم: وهي الآلات المطربة، من غير غناء كالمزمار، وسواء كان ~~من عود أو قصب، كالشبابة، أو غيره، كالطنبور، والعود، والمعزفة، لما روى ~~أبو أمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله بعثني رحمة ~~للعالمين، وأمرني بمحق المعازف والمزامير» رواه سعيد في " سننه "، ولأنها ~~تطرب، وتصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، فحرمت كالخمر. # النوع الثاني: مباح، وهو: الدف في النكاح؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالدف» رواه الترمذي، وابن ماجة. # وفي معناه، ما كان في حادث سرور، ويكره في غيره، لما روي عن عمر - رضي ~~الله عنه -، أنه كان إذا سمع صوت الدف، بعث فنظر، فإن كان في وليمة سكت، ~~وإن كان في غيره، عمد بالدرة، وهو مكروه للرجل على كل حال، لتشبهه بالنساء. # وأما الضرب بالقصب، فليس بمطرب، فلا يحرم، وإنما هو تابع للغناء، فيتبعه ~~في الكراهة، ومن أدمن على شيء من ذلك، ردت شهادته؛ لأنه إما معصية، وإما ~~دناءة وسقوط مروءة. # فصل # قال أحمد - رضي الله عنه -: لا يعجبني الغناء؛ لأنه ينبت النفاق في ~~القلب، وقال: من خلف ولدا يتيما له جارية مغنية تباع ساذجة، واختلف أصحابنا ~~فيه، فذهب طائفة إلى تحريمه؛ لأنه يروى عن ابن عباس، وابن مسعود، عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الغناء ينبت النفاق في القلب» ، وذهب أبو ~~بكر والخلال، إلى إباحته ms1357 مع الكراهة، وهو # PageV04P274 # قول القاضي: «لأن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كانت عندي جاريتان ~~تغنيان، فدخل أبو بكر، فقال: مزمور الشيطان في بيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -؟! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: دعهما فإنها أيام ~~عيد» . # قال أبو بكر: الغناء والنوح واحد، مباح ما لم يكن معهما منكر، ولا فيه ~~طعن، وفي الجملة، من اتخذه صناعة يؤتى له، أو اتخذ غلاما أو جارية مغنيين ~~يجمع عليهما الناس، فلا شهادة له؛ لأنه سفه وسقوط مروءة، ومن كان يغشى بيوت ~~الغناء، أو يغشاه المغنون للسماع متظاهرا به، وكثر منه، ردت شهادته، ومن ~~استتر بذلك، أو غنى لنفسه قليلا، لم ترد شهادته، فإن كثر مع الاستتار به، ~~ردت شهادة صاحبه عند من حرمه؛ لأنه معصية، ومن أباحه، لم يردها؛ لأنه لا ~~معصية فيه، ولم يتظاهر به، وأما الحداء، فمباح، لما روي عن عائشة - رضي ~~الله عنها -، قالت: «كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر، وكان ~~عبد الله بن رواحة جيد الحداء، وكان مع الرجال، وكان أنجشة مع النساء، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن رواحة: حرك بالقوم، فاندفع يرتجز فتبعه ~~أنجشة، فأعنقت الإبل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنجشة: رويدك، ~~رفقا بالقوارير» . # ونشيد الأعراب لا بأس به؛ لأنه كالحداء، وكذلك سائر الأصوات، إلا القراءة ~~بالألحان، قال القاضي: هي مكروهة، وقال غيره: إن فرط فيها، فأشبع الحركات، ~~حتى صارت الفتحة ألفا، والضمة واوا، والكسرة ياء، حرم، لما فيه من تغيير ~~القرآن، وإن لم يكن كذلك، فلا بأس به، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ~~قرأ ورجع، وقال: «ما أذن الله لشيء، كإذنه لنبي حسن الصوت، يتغنى بالقرآن، ~~يجهر به» أي: استمع. # «وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستمع إلى أبي موسى، وقال: لقد أوتيت ~~مزمارا، من مزامير آل # PageV04P275 # داود فقال أبو موسى: لو علمت أنك تستمع، لحبرته لك تحبيرا» . # فصل # والشعر كالكلام، حسنه كحسنه، وقبيحه كقبيحه؛ لأنه كلام موزون مشغوله، وقد ~~روى عمرو بن ms1358 العاص: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الشعر كالكلام ~~حسنه كحسنه، وقبيحه كقبيحه» ، وقول الشعر مباح؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان له شعراء، ويأتيه الشعراء فيسمع منهم. # فصل # وتمنع التهمة قبول الشهادة، وهي ستة أنواع؛ أحدها: كونه والدا وإن علا، ~~أو ولدا وإن سفل، لما روت عائشة - رضي الله عنها -، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، أنه قال: «لا تجوز شهادة خائن، ولا خائنة، ولا ذي غمر على ~~أخيه ولا ظنين في قرابة، ولا ولاء» ، والظنين المتهم، وكل واحد منهما، متهم ~~في حق صاحبه؛ لأنه يميل إليه بطبعه، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «فاطمة بضعة مني، يريبني ما أرابها» . # ويستحق أحدهما النفقة على صاحبه، ويعتق عليه إذا ملكه، وعنه: تقبل ~~شهادتهما؛ لأنهما عدلان من رجالنا، فيدخلان في عموم الآيات والأخبار، وعنه: ~~تقبل شهادة الولد لوالده، لدخوله في العموم، ولا تقبل شهادة الأب لابنه؛ ~~لأن ماله كماله؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنت ومالك لأبيك» ~~فكانت شهادته لنفسه، فأما شهادة أحدهما على صاحبه، فمقبولة؛ لأنه لا يتهم ~~عليه، ولذلك قال الله تعالى: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على ~~أنفسكم أو الوالدين والأقربين} [النساء: 135] . # وحكى القاضي رواية أخرى عن أحمد: أن شهادته عليه لا تقبل؛ لأن من لم تقبل # PageV04P276 # شهادته له، لم تقبل عليه، كغير العدل، والمذهب الأول كما ذكرنا، ولأن ~~شهادته له ردت للتهمة، ولا تهمة في الشهادة عليه. # الثاني: لا تقبل شهادة أحد الزوجين لصاحبه؛ لأنه ينتفع بشهادته لتبسط كل ~~واحد منهما في مال الآخر عادة، واتساعه سعته، وإضافة مال كل منهما إلى ~~الآخر. # قال ابن مسعود لرجل قال له: إن غلامي سرق مرآة امرأتي قال: غلامكم سرق ~~مالكم، لا قطع عليه، ولأنه إن كان الزوج الشاهد، فهو يجر إلى نفسه نفعا؛ ~~لأن قيمة بضع المرآة المملوك له، يزداد بيسارها، وإن كان الشاهد المرأة، ~~فنفقتها تزداد بيساره، وعنه: أن شهادة أحدهما للآخر مقبولة، لدخوله في ~~العموم. # الثالث: الجار إلى نفسه، أو الدافع عنها، ms1359 كشهادة الغرماء للمفلس أو الميت ~~بدين، أو عين، فإنه لو ثبت له، تعلقت حقوقهم به بخلاف غيرهما من الغرماء، ~~فإنه لا يتعلق حق الشاهد بما يشهد به، وكذلك لا تقبل شهادة الورثة للمورث، ~~للجرح قبل الاندمال؛ لأنه قد يسري إلى نفسه، فتجب الدية لهم، ولا شهادة ~~الوصي بمال الميت؛ لأنه يثبت له فيه حق التصرف، وكذلك شهادة الشريك لشريكه ~~بمال الشركة، ولا الوكيل لموكله، فيما هو موكل فيه، ولا الشفيع ببيع الشقص ~~المشفوع، ولا السيد لعبده المأذون، ولا لمكاتبه. # قال القاضي: ولا تقبل شهادة الأجير لمستأجره، نص عليه أحمد. # وأما الدافع عن نفسه، فمثل شهادة المشهود عليه بجرح الشهود، أو شهادة ~~العاقلة بجرح شهود القتل الذين يحملون عقله، وشهادة الضامن بقضاء الدين، أو ~~البراءة منه، فلا تقبل شهادة أحد؛ لقوله - عليه السلام -: «ولا ظنين في ~~قرابة» ولا الظنين المتهم. # فإن شهد الشريك لشريكه بغير مال الشركة، أو الوكيل بغير ما وكل به، أو ~~العاقلة بما لا تحمل عقله، قبلت شهادتهم، لعدم التهمة فيهم، وإن شهد من ~~العاقلة بجرح شهود قتل الخطأ من لا يحمل العقل، لفقره أو بعده، احتمل أن ~~تقبل شهادته كذلك، واحتمل أن لا تقبل؛ لأنه قد يوسر عند الحول فيحمل، أو ~~يموت القريب فيحمل البعيد. # الرابع: من ترد شهادته لفسقه، ثم أعادها بعد عدالته، لم تقبل للتهمة في ~~أدائها، لكونه تعير بردها، فربما قصد بأدائها أن تقبل لإزالة العار الذي ~~لحقه بردها، ولأنها ردت بالاجتهاد، فقبولها ينقض لذلك الاجتهاد، وإن شهد ~~عبد فردت شهادته، ثم عتق، وأعادها، ففيه روايتان: # PageV04P277 # إحداهما: لا تقبل؛ لأنها شهادة مجتهد فيها، فإذا ردت لم تقبل مرة أخرى، ~~كشهادة الفاسق. # والثانية: تقبل؛ لأن العتق يظهر، وليس من فعله فيتهم في إظهاره، بخلاف ~~العدالة، وإن شهد السيد لمكاتبه، أو الوارث لمورثه بالجرح قبل الاندمال، ~~فردت شهادتهم، ثم زالت الموانع، فأعادوا الشهادة، ففي قبولها وجهان، ~~كالروايتين والأولى أنها لا تقبل؛ لأنها شهادة ردت للتهمة، فلا تقبل إذا ~~أعيدت، كالمردود للفسق. # الخامس: من شهد بشهادة ترد ms1360 في البعض، ردت في الكل، مثل من شهد على رجل، ~~أنه قذفه وأجنبيا، أو قطع الطريق عليه، أو على أجنبي، أو شهد الأب لابنه ~~وأجنبي بدين، أو لشريكه وأجنبي، فلا تقبل؛ لأنها شهادة متهم فيها، فلم ~~تقبل. # السادس: العداوة تمنع قبول شهادة العدو على عدوه؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه» ولأنه ~~يتهم في إرادة الضرر بعدوه، فلا تقبل شهادة الرجل على زوجته بالزنا؛ لأنه ~~يقر بعدواته لها، ولأنه دعوى جناية في حقه، فلم تقبل؛ لأنه خصم، ولا تقبل ~~شهادة المقطوع عليه الطريق على القاطع، ولا المقذوف على القاذف؛ لأنه عدو، ~~فأما المتحاكمان على مال، فلا يمنع ذلك قبول شهادة أحدهما على صاحبه؛ لأنه ~~ليس بعدواة. # فصل # وتقبل شهادة العدو لعدوه؛ لأنه غير متهم في شهادته له وشهادة الرجل لأبيه ~~من الرضاع، وابنه، وسائر أقاربه، جائزة؛ لأنه لا نسب بينهما يوجب الإنفاق ~~والصلة، وعتق أحدهما على صاحبه، بخلاف قرابة النسب، وتقبل شهادة الأخ من ~~النسب لأخيه؛ لأنه عدل غير متهم، فيدخل في عموم الآيات والأخبار، ولا يصح ~~قياسه على الوالد والولد، لما بينهما من التقارب، وتقبل شهادة الصديق ~~الملاطف، وسائر الأقارب، لما ذكرنا، وتقبل شهادة ولد الزنى، والجندي، إذا ~~سلما في دينهما كذلك، وتقبل شهادة الوصي والوكيل بعد العزل في أحد الوجهين ~~كذلك، إلا أن يكونا قد خاصما فيما شهدا به؛ لأنهما صارا خصمين فيه، وتقبل ~~شهادة الوارث بالجرح بعد الاندمال، لما ذكرناه. # فصل # ومن شهد شهادة زور، فسق، وردت شهادته؛ لأنها من الكبائر؛ لقول رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قلنا: بلى يا رسول ~~الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق # PageV04P278 # الوالدين وكان متكئا فجلس، فقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور، فما زال ~~يكررها، حتى قلنا: ليته سكت» متفق عليه. # ويثبت أنه شاهد زور بأحد ثلاثة أشياء: أحدهما: أن يقر بذلك. # والثاني: أن تقوم البينة به. # الثالث: أن يشهد بما يقطع بكذبه، مثل أن يشهد بموت ms1361 من تعلم حياته، أو ~~يقتله في مكان، والمشهود عليه في ذلك الوقت في بلد آخر. # ولا يثبت ذلك بتعارض الشهادتين؛ لأنه ليس تكذيب إحداهما أولى من الأخرى، ~~ومتى ثبت أنه شاهد زور، عزره الحاكم، بما يراه من الضرب أو الحبس، وشهره، ~~بأن يقيمه للناس في موضع يشتهر أنه شاهد زور؛ لأن فيه زجرا له ولغيره عن ~~فعل مثله، فأما الغلط والنسيان، فلا يصير به شاهد زور؛ لأنه لم يتعمده، ولو ~~غير العدل شهادته بحضرة الحاكم، فزاد فيها، أو نقص، قبلت ما يحكم بشهادته؛ ~~لأنه يجوز أن يكون نسيه. # فصل # ومن قذف، أو فعل معصية توجب رد شهادته، فتاب، قبلت شهادته؛ لقول الله ~~تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين ~~جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} [النور: 4] {إلا الذين ~~تابوا} [النور: 5] ، نص على قبول شهادة القاذف إذا تاب، وقسنا عليه سائر من ~~ذكرنا. # إن قذف ولم يتب، لم تقبل شهادته، سواء جلد أو لم يجلد، للآية، ولأن عمر - ~~رضي الله عنه - قال لأبي بكرة: تب، أقبل شهادتك، ولأن القذف معصية توجب ~~حدا، فوجب أن ترد بها الشهادة قبل التوبة، وتقبل بعد التوبة، كالزنا، ~~والتوبة من الذنب: الاستغفار، والندم على الفعل، والعزم على أن لا يعود، ~~والإقلاع عن الذنب؛ لقول الله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا ~~أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} [آل عمران: 135] ، الآية، والتي ~~بعدها، وإن كانت مظلمة لآدمي، فالإقلاع عنها، والتخلص # PageV04P279 # منها، بإيفاء صاحبها، أو التحلل منه؛ لأن الحق لأدمي، فلا يبرأ منه إلا ~~بأدائه أو إبرائه، وإن عجز عن ذلك، عزم على إيفائه متى قدر، وإن كان قذفا ~~فإقلاعه عنه، إكذابه لنفسه؛ لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: توبة ~~القاذف إكذابه نفسه، ولأنه بالقذف ألحق العار به، فإكذابه نفسه يزيله، فإن ~~لم يكن كاذبا، قال: قذفي لفلان كان باطلا، وقد ندمت عليه، ولا يعتبر مع ~~التوبة إصلاح العمل؛ لأن عمر - رضي الله عنه - قال لأبي بكرة: تب، ms1362 أقبل ~~شهادتك، ويحتمل أن يعتبر مضي مدة تعلم توبته فيها؛ لأن الله تعالى قال: ~~{إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} [النور: 5] ، ~~وقال: {فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما} [النساء: 16] . # فصل # وتقبل شهادة العبد، فيما خلا الحد، والقصاص لقول الله تعالى: {وأشهدوا ~~ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] ، والعبد عدل تقبل روايته، وفتياه، وأخباره ~~الدينية، فيدخل في العموم. # وعن عقبة بن الحارث، أنه قال: «تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة ~~سوداء، فقالت: أرضعتكما، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ~~كيف وقد زعمت ذلك» متفق عليه، ولأنه عدل غير متهم، فأشبه الحر، ولا تقبل ~~شهادته في الحد؛ لأنه يدرأ بالشبهات، وفي شهادة العبد شبهة، لوقوع الخلاف ~~فيها، وفي القصاص احتمالان: أحدهما: لا تقبل فيه كذلك. # والثاني: تقبل؛ لأنه حق آدمي، لا يصح الرجوع عن الإقرار به، فأشبه ~~الأموال، وذكر الشريف، وأبو الخطاب في جميع العقوبات روايتين. # فصل # وتجوز شهادة الأمة، فيما تجوز به شهادة النساء، لحديث عقبة بن الحارث، ~~وحكم المدبر، والمكاتب، وأم الولد، حكم القن في ذلك؛ لأنهم أرقاء. # فصل # ويعتبر استمرار شروط العدالة حتى يتصل بها الحكم، فإن شهد عند الحاكم، ~~فلم يحكم بشهادته، حتى حدث منه ما لا تجوز معه شهادته، لم يحكم بها؛ لأن ~~العدالة أن الإنسان يستبطن الفسق، ويظهر العدالة، فلا يؤمن أن يكون فاسقا ~~حين أداء شهادته، فلم يجز الحكم بها مع الشك فيها، وإن حدث ذلك منه بعد ~~الحكم وقبل الاستيفاء، فإن # PageV04P280 # كان ذلك حدا لله تعالى، لم يستوف؛ لأنه يدرأ بالشبهات ولا مطالب به، وهذه ~~شبهة، وإن كان مالا، استوفي؛ لأن الحكم قد تم، وثبت الاستحقاق بأمر ظاهر ~~الصحة، فلا نبطله بأمر محتمل، وإن كان حد قذف، أو قصاص، ففيه وجهان: ~~أحدهما: يستوفى؛ لأنه حق آدمي له مطالب، فأشبه المال. # والثاني: لا يستوفى؛ لأنه عقوبة على البدن، تدرأ بالشبهات، أشبه الحد، ~~فأما إن أديا الشهادة وهما من أهلها، ثم ماتا قبل الحكم بها، أو جنا، أو ~~أغمي عليهما، ms1363 حكم بها؛ لأن ذلك لا يؤثر في شهادتهما، فلا يدل على الكذب ~~فيها. ### | باب عدد الشهود # والحقوق تنقسم ستة أقسام؛ أحدها: ما لا يكفي فيه إلا أربعة شهداء وهو ~~الزنا؛ لقول الله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] . # واللواط زنا، فلا يقبل فيه إلا أربعة كذلك، ولأنه فاحشة، بدليل قول الله ~~تعالى لقوم لوط: {أتأتون الفاحشة} [الأعراف: 80] ، فيعتبر فيه الأربعة؛ ~~لقوله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة ~~منكم} [النساء: 15] ، فأما إتيان البهيمة، فإن قلنا: يجب به الحد، فهو ~~كالزنا في الشهادة؛ لأنه فاحشة موجبة للحد، فأشبه الزنا، وإن قلنا: الواجب ~~به التعزير، ففيه وجهان: أحدهما: يعتبر فيه الأربعة؛ لأنه فاحشة. # والثاني: يثبت بشاهدين؛ لأنه لا يوجب الحد، فأشبه قبلة الأجنبية، وفي ~~الإقرار بالزنا، وجهان: أحدهما: تعتبر له الأربعة؛ لأنه سبب يثبت به الزنا، ~~فاعتبر فيه أربعة، كالشهادة. # والثاني: يثبت بشاهدين؛ لأنه إقرار، فثبت بشاهدين، كسائر الأقارير، وإن ~~كان المقر أعجميا، ففي الترجمة وجهان، كالشهادة على الإقرار، فأما المباشرة ~~دون الفرج، وسائر ما يوجب التعزير، فيكتفى فيه بشاهدين؛ لأنه ليس بزنا موجب ~~للحد، فأشبه ظلم الناس. # PageV04P281 # فصل # الثاني: سائر العقوبات كالقصاص وسائر الحدود، فلا يقبل فيه إلا شهادة ~~رجلين، لما روي عن الزهري قال: «جرت السنة، من عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، ألا تقبل شهادة النساء في الحدود،» ولأنها عقوبة مشروعة، فلا ~~يقبل فيها إلا شهادة الرجال الأحرار، كحد الزنا، وسواء كان القصاص في ~~النفس، أو ما دونها، كالموضحة، والأطراف،، فأما جنايات العمد التي لا توجب ~~القصاص، كالجائفة، والمأمومة، وجناية الأب، فقال الخرقي: يقبل فيه رجل ~~وامرأتان، أو رجل ويمين، وهذا ظاهر المذهب؛ لأنه لا يوجب إلا المال، فأشبه ~~البيع، وقال ابن أبي موسى: فيه روايتان: إحداهما: كما ذكرنا. # والثانية: لا يقبل إلا رجلان، قال: وهذا اختياري، وهو قول أبي بكر؛ لأنه ~~جناية عمد، فأشبه الموضحة، وقيل: يقبل في الجائفة؛ لأنها لا توجب قصاصا ~~بحال، ولا يقبل في المأمومة ms1364 وشبهها؛ لأنها لا توجب القود في الموضحة، ومن ~~قال بالأول، لم يوجب القصاص في الموضحة، حتى يشهد بها من يثبت القصاص ~~بشهادته. # فصل # القسم الثالث: المال وما يوجبه، كالبيع، والإجارة، والهبة، والوصية له، ~~والضمان، والكفالة، فيقبل فيه شهادة رجل وامرأتين؛ لقول الله تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين} [البقرة: 282] إلى قوله: {فإن لم يكونا ~~رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] ، نص على ~~المداينة، وقسنا عليه سائر ما ذكرنا. # وقال ابن أبي موسى: لا تثبت الوصية إلا بشاهدين؛ لقول الله سبحانه: {يا ~~أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا ~~عدل منكم} [المائدة: 106] . # فصل # القسم الرابع: ما ليس بمال ولا عقوبة، كالنكاح، والطلاق، والرجعة، ~~والعتق، والوكالة، والوصية إليه، والولاية، والعزل وشبهه، ففيه روايتان: ~~إحداهما: لا يقبل فيه إلا رجلان؛ لقول الله تعالى في الرجعة: {وأشهدوا ذوي ~~عدل منكم} [الطلاق: 2] فنقيس عليه سائر ما ذكرنا، ولأنه ليس بمال، ولا ~~المقصود منه المال، أشبه العقوبات. # PageV04P282 # والثانية: يقبل فيه رجل وامرأتان، أو يمين؛ لأنه ليس بعقوبة، ولا يسقط ~~بالشبهة، أشبه المال، وقال القاضي: النكاح وحقوقه لا يثبت إلا بشاهدين، وما ~~عداه يخرج فيه روايتان، وكل ما يثبت بشاهد ويمين، لا يقبل فيه شهادة ~~امرأتين ويمين، ولا أربع نسوة؛ لأن شهادة النساء ناقصة، وإنما انجبرت ~~بانضمام الذكر إليهن، فلا يقبلن منفردات وإن كثرن. # فصل # وإن اختلف الزوجان في الصداق، ثبت بشهادة رجل وامرأتين؛ لأنه مال، وإن ~~اختلفا في الخلع فادعاه الرجل، وأنكرته المرأة، قبل فيه رجل وامرأتان؛ لأنه ~~بينة لإثبات المال، فإن ادعته المرأة وأنكره الرجل، لم يقبل فيه إلا رجلان؛ ~~لأنه بينتهما لإثبات الفسخ، وإن اختلفا في عوضه خاصة، ثبت برجل وامرأتين؛ ~~لأن الخلاف في المال، وإن شهد رجل وامرأتان بسرقة، ثبت المال دون القطع، ~~وإن شهدوا بقتل عمد، لم يجب قصاص ولا دية؛ لأن السرقة توجب المال والقطع، ~~فإذا قصرت عن أحدهما، ثبت الآخر، والقتل يوجب القصاص، والمال بدل، فإذا لم ~~يثبت الأصل، لم ms1365 توجب بدله، وإن قلنا: موجبه أحد شيئين، لم يتعين أحدهما إلا ~~بالاختيار، فلو أوجبنا الدية وحدها، أوجبنا معينا، وقال ابن أبي موسى: لا ~~يجب المال فيما إذا شهدوا بالسرقة؛ لأنها شهادة لا توجب الحد، وهو أحد ~~موجبيها، فإذا بطلت في أحدهما، بطلت في الآخر ولو كان في يد رجل جارية ذات ~~ولد، فادعى رجل أنها أم ولده، وولدها منه، وشهد بذلك رجل وامرأتان، قضي له ~~بالجارية؛ لأنها مملوكته، فثبت ذلك برجل وامرأتين، وإذا مات عتقت بإقراره، ~~وفي الولد وجهان: أحدهما: يثبت نسبه وحريته؛ لأن الولد نماء الجارية، وقد ~~ثبتت له، فتبعها الولد في الحكم، ثم ثبت نسبه وحريته بإقراره. # والثاني: لا يثبتان؛ لأنهما لا يثبتان إلا بشاهدين، فإن ادعى أنها كانت ~~ملكه فأعتقها، لم يثبت ذلك بشاهد وامرأتين؛ لأن البينة شهدت بملك قديم، فلم ~~يثبت، والحرية لا تثبت برجلين وامرأتين، ويحتمل أن تثبت كالتي قبلها. # فصل # القسم الخامس: ما لا يطلع عليه الرجال، من الولادة، والرضاع، والعيوب تحت ~~الثياب، والحيض، والعدة، فيقبل فيه شهادة امرأة عدلة، لحديث عقبة بن ~~الحارث، ولأنه معنى يقبل فيه قول النساء المنفردات، فأشبه الرواية، وعنه: ~~لا يقبل فيه إلا شهادة امرأتين؛ لأن الرجال أكمل منهن، ولا يقبل منهم إلا ~~اثنان، فالنساء أولى، وتقبل شهادة # PageV04P283 # النساء في الاستهلال؛ لأنه يكون عند الولادة، ولا يحضرها الرجال، وتقبل ~~شهادة المرضعة على الرضاع، لحديث عقبة، وإن شهد الرجل الواحد بما تقبل فيه ~~شهادة المرأة الواحدة، فقال أبو الخطاب: يكتفى به؛ لأنه أكمل منها، ولأن ما ~~يقبل فيه قول المرأة، يقبل فيه قول الرجل، كالرواية. # فصل # القسم السادس: ما لا يعرفه إلا أهل الطب، كالموضحة وشبهها، وداء الدواب ~~الذي لا يعرفه إلا البيطار، فإذا لم يقدر على اثنين، قبل فيه قول الواحد ~~العدل من أهل المعرفة؛ لأن مما يعسر عليه إشهاد اثنين، فيقبل فيه قول ~~الواحد، كالمسألة قبلها، وإن أمكن إشهاد اثنين، لم يكتف بدونهما؛ لأنه ~~الأصل. ### | باب تحمل الشهادة وأدائها # لا يجوز تحملها، وأداؤها، إلا عن علم؛ لقول الله ms1366 تعالى: {ولا تقف ما ليس ~~لك به علم} [الإسراء: 36] ، وقوله سبحانه: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} ~~[الزخرف: 86] ، فإن كانت الشهادة على فعل، كالخيانة والغصب، لم تجز إلا عن ~~مشاهدة؛ لأنه لا يعمل إلا بها، فإن أراد أن ينظر إلى فرجي الزانيين، ليتحمل ~~الشهادة عليهما، جاز؛ «لأن سعد بن عبادة قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجلا، أمهله حتى آتي بأربعة شهداء قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: نعم» ولأن أبا بكرة، ونافعا، وشبل بن معبد، شهدوا على ~~المغيرة بالزنا عند عمر - رضي الله عنه -، فلم ينكر عليهم نظرهم. # فصل # وإن كانت الشهادة على قول، كالبيع، والنكاح، والطلاق، والرجعة، والإقرار، ~~لم يجز التحمل فيها إلا بسماع القول، ومعرفة القائل يقينا؛ لأن العلم لا ~~يحصل بدونهما، وإن لم يحصل العلم إلا بمشاهدة القائل، اعتبر ذلك، لتوقف ~~العلم عليه، وإن حصل العلم بدونه، لمعرفته صوت القائل، كفى؛ لأنه علم ~~المشهود عليه، فجازت الشهادة عليه، كما لو رآه. # فصل # وتجوز الشهادة بما علمه بالاستفاضة، في تسعة أشياء: النسب، والنكاح، ~~والملك المطلق، والوقف، ومصرفه، والموت، والعتق، والولاية، والعزل؛ لأننا ~~نشهد أن فاطمة # PageV04P284 # - رضي الله عنها -، ابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وزوج علي - ~~رضي الله عنه -، وأن نافعا مولى ابن عمر، وأنهم قد ماتوا، ونعلم ذلك يقينا، ~~ولم نشاهده، قال مالك: ليس عندنا أحد يشهد على أجناس أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إلا على السماع، ولأن هذه الأمور، يتعذر في الغالب معرفة ~~أسبابها، ويحصل العلم فيها بالاستفاضة، فجاز أن يشهد عليها بها، كالنسب، ~~وظاهر كلام أحمد والخرقي، أنه لا يشهد بذلك، حتى يسمعه من عدد كثير يحصل له ~~به العلم؛ لأن الشهادة لا تجوز إلا على ما علمه، وقال القاضي: يكفي أن يسمع ~~من عدلين يسكن قلبه إلى خبرهما، فإن الحق يثبت بقول اثنين، فإن سمع رجلا ~~يقر بنسب أب، أو ابن، وصدقة المقر به، جاز أن يشهد به؛ لأنها شهادة على ~~إقرار، وإن سكت، شهد ms1367 به أيضا؛ لأن السكوت في النسب إقرار به، بدليل أن من ~~بشر بولد فسكت، كان مقرا به، ويحتمل أن لا يشهد به حتى يكرر؛ لأن السكوت ~~محتمل، فاعتبر له التكرار، ليزول الاحتمال، وإن كذبه المقر به، لم يشهد به. # فصل # وإن سمع إنسانا يقر بحق، جاز أن يشهد عليه، وإن لم يقل له: اشهد علي؛ ~~لأنه سمع إقراره يقينا، فجاز أن يشهد به، كما يشهد على الفعل برؤيته، وعنه: ~~لا يشهد حتى يستدعيه المقر ذلك، فيقول: اشهد علي، قياسا على الشهادة، وعنه: ~~إن سمعه يقر بالدين، شهد عليه؛ لأنه معترف بثبوته، وإن سمعه يقر بسببه، ~~كالقرض ونحوه، لم يشهد به؛ لأنه يجوز أن يكون قد وفاه، وعنه: يجوز أن يشهد ~~بما سمعه، ولا يجب أداؤه حتى يقول له: اشهد علي، فإذا قاله، وجب عليه ~~الأداء، إذا دعي لقول الله تعالى: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: ~~282] ، قال: إذا أشهدوا، والأول المذهب؛ لأنه يشهد بما سمعه يقينا، فأشبه ~~الشهادة بالاستفاضة، وفارق الشهادة على الشهادة؛ لأنها ضعيفة، فاعتبر ~~تقويتها، بالاستدعاء. # فصل # ومن رأى في يد إنسان شيئا مدة يسيرة، لم يجز أن يشهد له بالملك؛ لأن ملك ~~غيره قد يكون في يده، ويجوز أن يشهد له باليد؛ لأنه شاهدها، وإن رآه في يده ~~مدة طويلة يتصرف فيه تصرف الملاك، من النقص، والبناء، والسكنى، والاستغلال ~~ونحوه، جاز أن يشهد له بالملك في قول ابن حامد؛ لأن اليد دليل الملك، ~~واستمرارها من غير منازع يقويها، فجرت مجرى الاستفاضة، ويحتمل أن لا يشهد ~~له إلا باليد؛ لأن اليد قد # PageV04P285 # تكون من غصب، وتوكيل، وإجارة، وعارية، فلم تحصر في الملك، فلم تجز ~~الشهادة به مع الاحتمال. # فصل # وتجوز شهادة الأعمى بالاستفاضة؛ لأنه يحصل له العلم بها، كالبصير، ~~وبالترجمة؛ لأنه يترجم ما يسمعه عند الحاكم، وفيما طريقه السماع، إذا عرف ~~القائل يقينا؛ لأنه تجوز روايته بالسماع، واستمتاعه بزوجته، فجازت شهادته، ~~كالبصير، ولا يجوز أن يشهد على ما طريقه الرؤية؛ لأنه لا رؤية له، فإن تحمل ~~الشهادة ms1368 عليها وهو بصير، ثم عمي، جاز أن يشهد، إذا عرف الفاعل باسمه ونسبه؛ ~~لأنه يشهد على ما يعلمه، فإن لم يعرفه إلا بعينه، لم يشهد عليه، إلا أن ~~يتيقن صوته، فيجوز أن يشهد عليه، لعلمه به. # قال القاضي: يجوز أن يشهد عليه إذا وصفه بما يتميز به، ويحتمل ألا يشهد؛ ~~لأن هذا مما لا ينضبط غالبا. # فصل # ولا تجوز الشهادة حتى يعرف المشهود عليه، والمشهود له، نص عليه أحمد، ~~وقال: لا يشهد على امرأة، حتى ينظر إلى وجهها، ويعرف كلامها، فإن كانت ممن ~~عرف اسمها، ودعيت، وذهبت، وجاءت فليشهد، وإلا فلا يشهد، ولا يجوز أن يقول ~~لرجل: أتشهد أن هذه فلانة؟ ويشهد على شهادته. # قال القاضي: يجوز أن يحمل هذا على الاستحباب، لتجويز الشهادة بالاستفاضة. # قال: ولا يشهد على امرأة إلا بإذن زوجها، ولا يشهد لرجل على رجل بحق وهو ~~لا يعرف اسميهما، إلا إذا كانا شاهدين، فقال أشهد أن لهذا على هذا كذا، ~~فأما إذا كانا غائبين، فلا. # فصل # ولا يجوز أن يشهد إلا بما يعلم، قال أحمد: لا يشهد على الوصية المختومة ~~حتى يقرأها، فإن حضر جماعة، فقرأ الكتاب بعضهم، وسمعه بعضهم، جاز لجميعهم ~~الشهادة به. # فصل # ويعتبر في أداء الشهادة الإتيان بلفظها فيقول: أشهد بكذا، فإن قال: أعلم ~~وأتيقن، أو أحق ونحوه، لم يعتد به؛ لأنها مشتقة من اللفظ، وإذا شهد بأرض، ~~أو دار، فلا بد من ذكر حدودها؛ لأنها لا تعلم إلا بذلك، وإن شهد بنكاح، ~~اشترط ذكر شروطه، من الولي، والشهود، والإيجاب، والقبول؛ لأن الناس يختلفون ~~فيها، وإن شهد بالرضاع، احتاج إلى وصفه، وأنه ارتضع من ثديها، أو من لبن ~~حلب منه، وذكر عدد الرضعات # PageV04P286 # وأنه في الحولين، ولو شهد أنه ابنها من الرضاع، لم يكف، لاختلاف الناس ~~فيما يصير به ابنا. # وإن رأى امرأة أخذت صبيا تحت ثيابها فأرضعته، لم يجز أن يشهد برضاعه؛ ~~لأنه يجوز أن يتخذ شيئا على هيئة الثدي يمتصه، غير الثدي، وإن شهد ~~بالجناية، ذكر صفتها، فيقول: ضربه بالسيف، فقتله، ms1369 أو أماته، أو فمات منه، ~~أو فضربه فأوضحه، وإن قال: ضربه بالسيف، فمات، أو فاتضح، أو فوجدته ميتا، ~~أو موضحا، لم تصح شهادته؛ لأنه قد يموت، أو يتضح من غير ضربة، وإن قال: ~~ضربه فسال دمه، لم تثبت البازلة كذلك، وإن قال: فأسال دمه، ثبتت، وإن قال: ~~ضربه فأوضحه، فوجدت في رأسه موضحتين، وجب دية موضحة؛ لأنه قد أثبتها، ولم ~~يجب قصاص؛ لأننا لا ندري أيتهما التي شهد بها. # فصل # ومن شهد بالزنا، فلا بد من ذكر الزاني والمزني بها، لئلا يراه على بهيمة، ~~أو جارية ابنه، فيعتقده زنا، ويحتمل أن لا يقتصر إلى ذكر المزني بها؛ لأنه ~~لا يفتقر إليه في الإقرار، ويفتقر إلى ذكر صفة الزنا، وأنه رأى ذكره في ~~فرجها؛ لأن زيادا شهد على المغيرة، فلم يذكر ذلك، فلم يقم الحد عليه، فإن ~~لم يذكر الشهود ذلك، سألهم الحاكم عنه، وهل يفتقر إلى ذكر الزمان والمكان؟ ~~يحتمل وجهين: أحدهما: لا يفتقر إلى ذكرهما؛ لأن الأزمنة في الزنا واحد، فلا ~~تختلف. # والثاني: يفتقر إلى ذكره، لتكون شهادتهم على فعل واحد، لئلا يكون ما شهد ~~به أحدهما غير ما شهد به الآخر، ولأن الناس اختلفوا في الشهادة بالحد مع ~~تقادم الزمان، فقال ابن أبي موسى: لا تقبل؛ لأن عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - قال: من شهد على رجل بحد، فلم يشهد عليه حين يصيبه، فإنما يشهد على ~~ضغن، وقال غيره من أصحابنا: تقبل؛ لأنها شهادة بحق، فجازت مع تقادم الزمان، ~~كالقصاص، ولأنه قد يعرض ما يمنعه الشهادة في حينها، ويتمكن منها بعد ذلك، ~~ومن شهد على سرقة، ذكر السارق، والمسروق منه، الحرز، والنصاب؛ لأن الحكم ~~يختلف باختلافها. # ومن شهد بالردة بين ما سمع منه لاختلاف الناس فيما يصير به مرتدا، فلم ~~يجز الحكم به قبل البيان، كما لا يجوز الحكم بجرح الشاهد قبل بيان الجرح. # فصل # ويجوز للحاكم أن يعرض للشهود بالوقوف عن الشهادة في حدود الله تعالى؛ لأن # PageV04P287 # عمر - رضي الله عنه - عرض لزياد في شهادته على ms1370 المغيرة، فقال: إني لأرجو ~~أن لا يفضح الله على يدك أحدا من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقال ~~أبو الخطاب: في ذلك وجهان. # فصل # وكل حق لله تعالى، كالحدود، والحقوق المالية، وما كان حقا لآدمي غير ~~معين، كالوقوف على الفقراء، والمساجد، والمقبرة المسبلة، فلا يفتقر أداء ~~الشهادة فيه إلى تقدم دعوى؛ لأنه لا يستحقها آدمي معين فيدعيها، وكذلك شهد ~~أبو بكرة وأصحابه من غير دعوى، وما عدا ذلك، فلا تسمع الشهادة فيه إلا بعد ~~تقدم الدعوى؛ لأن الشهادة فيه حق لآدمي، فلا يستوفى إلى بمطالبة وإذنه. # فصل # ومن كان له على غيره حق، فقضى بعضه، وأشهد البينة بقضائه، ثم جحد الباقي، ~~شهد الشهود للمدعي بالدين، وعليه بما اقتضى، وإن قال: أشهد أن عليه ألفا، ~~ثم قال: قضاه منه بعضه، أفسد شهادته؛ لأن ما قضاه لم يبق عليه، وإن لم يقبض ~~منه شيئا، فقال المدعي للشاهد: اشهد لي ببعض الدين، فعنه: أنه لا يشهد إلا ~~كما تحمل؛ لقول الله تعالى: {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها} ~~[المائدة: 108] ، وقال أبو الخطاب: عندي يجوز ذلك؛ لأن من شهد بألف، فهو ~~شاهد بخمسمائة، وإن غير العدل شهادته بحضرة الحاكم، فزاد، أو نقص، قبلت ما ~~لم يحكم بشهادته، وإن ادعت عنده شهادة، فأنكر، ثم شهد بها وقال: كنت ~~أنسيتها، قبلت؛ لأن ما قاله محتمل، فلا يجوز تكذيبه مع إمكان تصديقه. ### | باب الشهادة على الشهادة # تجوز الشهادة على الشهادة فيما يثبت بشاهد وامرأتين؛ لأنه مبني على ~~المساهلة، فجازت فيه الشهادة، كالأموال، ولا يقبل في حد الله تعالى؛ لأن ~~مبناه على الدرء بالشبهات، وهذه لا تخلو من شبهة، ولهذا اشترطنا لها عدم ~~شهود الأصل، وظاهر كلام أحمد: أنها لا تقبل في قصاص، ولا حد قذف؛ لأنه ~~عقوبة، فأشبه سائر الحدود. # ونص على قبولها في الطلاق؛ لأنه لا يدرأ بالشبهات، فيخرج من هذا، وجوب ~~قبولها في كل ما عدا الحدود والقصاص كذلك، وقال ابن حامد: لا تقبل في ~~النكاح، ونحوه قول أبي بكر، فعلى قولهما: لا ms1371 تقبل في غير المال، وما قصد به ~~المال؛ لأنه لا يثبت إلا بشاهدين، فأشبه الحد، وما ثبت بالشهادة على ~~الشهادة ثبت بكتاب القاضي إلى القاضي # PageV04P288 # وما لا فلا؛ لأن الكتاب لا يثبت إلا بتحمل الشهادة من جهة القاضي فكان ~~حكمه، حكم الشهادة على الشهادة. # فصل # ولها أربعة شروط # أحدهما: تعذر شهود الأصل، لموت، أو مرض، أو غيبة، أو خوف، أو غيره؛ لأن ~~شهادة الأصل أقوى؛ لأنها تثبت بنفس الحق وهذه لا تثبته ولأن سماع القاضي ~~منهما متيقن، وصدق شاهدي الفرع عليهما مظنون فلم يقبل الأدنى مع القدرة على ~~الأقوى، وفي قدر الغيبة وجهان: أحدهما: مسافة القصر؛ لأن من دونها في حكم ~~الحاضر، ذكره أبو الخطاب. # والثاني: أن يكون بمكان لا يمكنه الرجوع إلى منزله من يومه؛ لأن في ~~تكليفه الحضور مع ذلك ضررا، وقد نفاه الله تعالى بقوله: {ولا يضار كاتب ولا ~~شهيد} [البقرة: 282] ، وما دون ذلك؛ لا مشقة فيه فوجب حضورهما منه. # والشرط الثاني: أن يتحقق شروط الشهادة، من العدالة، وغيرها، في كل واحد ~~من شهود الأصل والفرع؛ لأن الحكم ينبني على الشهادتين معا، فإن عدل شهود ~~الفرع شهود الأصل، فشهدوا على شهادتهم وعدالتهم، كفى ذلك؛ لأن شهادتهما ~~بالحق مقبولة، فكذلك في العدالة، وإن لم يشهدوا بعدالتهم، تولى الحاكم ذلك. # الشرط الثالث: أن يعين شهود الفرع شهود الأصل بأسمائهم، وأنسابهم، ولو ~~قالوا: نشهد على شهادة عدلين، لم تقبل؛ لأنهما ربما كانا عدلين عندهما غير ~~عدلين عند الحاكم، ولأنه يتعذر على الخصم جرحهما إذا لم يعرف عينهما. # الشرط الرابع: أن يسترعيه شاهد الأصل الشهادة، فيقول: اشهد على شهادتي، ~~آني أشهد لفلان على فلان بكذا، أو أقر عندي بكذا، نص عليه، ولو سمع رجلا ~~يقول: أشهد أن لفلان على فلان كذا، لم يجز أن يشهد به؛ لأنه يحتمل أنه أراد ~~أن له ذلك عليه من وعد، فلم يجز أن يشهد مع الاحتمال بخلاف ما إذا استرعاه؛ ~~لأنه لا يسترعيه إلا على واجب، وإن سمعه يسترعي غيره، جاز أن يشهد به كذلك، ms1372 ~~ويحتمل ألا يجوز؛ لأن في الشهادة على الشهادة معنى النيابة، فلا ينوب عنه ~~إلا بأذنه، وإن سمعه يشهد عند الحاكم، أو سمعه يشهد بحق يعزيه إلى سببه ~~كقوله: أشهد أن لفلان على فلان ألفا، من ثمن مبيع، ففيه روايتان: # PageV04P289 # إحداهما: لا يشهد به لما ذكرنا. # والثانية: يجوز أن يشهد به؛ لأنه لا يحتمل مع ذلك إلا الوجوب، فيزول به ~~الاحتمال، ويرتفع به الإشكال، فجاز أن يشهد به، كما لو استرعاه. # فصل # ويعتبر دوام هذه الشروط، إلى حين الحكم، فلو شهد الفروع عند الحاكم، فلم ~~يحكم حتى حضر شهود الأصل، أو صحوا من المرض، وقف الحكم على سماع شهادتهم؛ ~~لأنه قدر على الأصل قبل العمل بالبدل فأشبه المتيمم يقدر على الماء، وإن ~~فسق شهود الأصل، أو رجعوا عن الشهادة قبل الحكم، لم يحكم بها؛ لأن الحكم ~~ينبني عليها، فأشبه ما لو فسق شهود الفرع، أو رجعوا. # فصل # واختلفت الرواية، في شرط خامس: هو اعتبار الذكورية في شهود الفرع، فعنه: ~~لا يشترط؛ لأن الغرض إثبات المال، فجاز أن يثبت بشهادة النساء مع الرجال، ~~كشهادة الأصل، والثانية يشترط؛ لأنه شهادتهم على شهادة الشاهدين، وليس ذلك ~~بمال، ولا المقصود منه المال، ويطلع عليه الرجال، أشبه النكاح، وأما شهود ~~الأصل، فلا تعتبر فيهم الذكورية؛ لأنها شهادة بمال، وعنه: أنها تعتبر؛ لأن ~~في الشهادة على الشهادة ضعفا، فاعتبر تقويتها باعتبار الذكورية فيها. # فصل # ويجوز أن يشهد على كل واحد من شهود الأصل، شاهد فرع، فيشهد شاهدا فرع، ~~على شاهدي أصل؛ لأن شهود الفرع، بدل من شهود الأصل، فاكتفي بمثل عددهم، ~~وذكر ابن بطة أنه يشترط أن يشهد على كل واحد من شاهدي الأصل، شاهدا فرع؛ ~~لأن شاهدي الفرع، يثبتان شهادة شاهدي الأصل، فلا يثبت كل واحد منهما إلا ~~باثنين، كما لو كانت الشهادة على إقراره، لكن إن شهد شاهدا الفرع على كل ~~واحد من شاهدي الأصل، جاز؛ لأنه إثبات قول اثنين، فجاز بشاهدين، كالشهادة ~~على إقرار نفسين. # فصل # ويؤدي الشهادة على الصفة التي تحملها، فيقول: أشهد ms1373 أن فلانا يشهد أن ~~لفلان على فلان كذا، وأشهدني على شهادته، وإن سمعه يشهد عند الحاكم، أو ~~يعزي الحق إلى سبب، ذكره. # PageV04P290 ### | باب اختلاف الشهود # إذا ادعى ألفين على رجل فشهد له شاهد بهما، وشهد له آخر بألف، ثبت له ~~الألف بشهادتهما، لاتفاقهما، ويحلف مع شاهده على الألف الآخر؛ لأن له بها ~~شاهدا، وسواء شهدت البينة، بإقرار الخصم، أو ثبوت الحق عليه، وسواء ادعى ~~ألفا، أو أقل منه؛ لأنه يجوز أن يكون له حق فيدعي بعضه، ويجوز أن لا يعلم ~~أن له من يشهد له بجميعه والله أعلم. # فصل # وإن شهد اثنان أنه زنى بها في بيت، وشهد آخران أنه زنى بها في بيت آخر، ~~أو شهد اثنان أنه زنى بها غدوة، وشهد اثنان أنه زنى بها عشيا، فهم قذفة، ~~وعليهم الحد، وقال أبو بكر: تكمل شهادتهم، ويحد المشهود عليه، وحكاه عن ~~أحمد؛ لأنه قد شهد عليه أربعة بالزنا، فيدخل في عموم قوله سبحانه: ~~{فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت} [النساء: 15] ، ~~والأول المذهب؛ لأنه لم يشهد الأربعة على فعل واحد، فأشبه ما لو شهد اثنان ~~على رجل أنه زنا بامرأة، وشهد اثنان أنه زنا بامرأة أخرى، فيلزم الشهود ~~الحد، دون المشهود عليه، وإن شهد اثنان أنه زنا بها في هذه الزاوية، واثنان ~~أنه زنا بها في الزاوية الأخرى، وهما متباعدتان، فكذلك؛ لأنهما فعلان، وإن ~~كانتا متقاربتين، كملت الشهادة؛ لأنه أمكن صدقهم، بأن تكون كل بينة نسبية ~~إلى إحدى الروايتين، لقربه منهما. # وإن شهد اثنان، أنه زنا بها مطاوعة، واثنان أنه زنا بها مكرهة، فلا حد ~~على المرأة، ولا على الرجل؛ لأن الشهادة لم تكمل على واحد من الفعلين، فإن ~~زنا المكرهة غير الزنا من المطاوعة، فأشبهت التي قبلها هذا قول أبي بكر ~~والقاضي، واختار أبو الخطاب: أن الحد يجب على الرجل دون المرأة لاتفاق ~~الأربعة على الشهادة بزناه، ولا حد على الشهود في قوله لكمالها، وعلى قول ~~أبي بكر: فيهم وجهان: أحدهما: عليهم الحد؛ لأن البينة لم ms1374 تكمل على فعل ~~واحد، أشبه ما لو اختلفوا في البيت. # والآخر أن الحد على شهود المطاوعة؛ لأنهم قذفوا المرأة، ولم تكمل البينة ~~عليها. # فصل # وإن شهد أحدهما أنه قتله عمدا، وشهد الآخر أنه قتله خطأ، ثبت القتل، ~~لاتفاقهما # PageV04P291 # عليه، ولم يثبت العمد، والقول قول المشهود عليه مع يمينه في أنه خطأ، ولا ~~تحمله العاقلة؛ لأنه لم يثبت ببينة، وإن شهد أحدهما أنه قتله غدوة، وشهد ~~الآخر أنه قتله عشيا، أو شهد أحدهما أنه قتله بسيف، وشهد الآخر أنه قتله ~~بسكين، لم يثبت القتل، اختاره القاضي؛ لأنهما لم يشهدا بفعل واحد، وعند أبي ~~بكر: يثبت كالتي قبلها، فإن شهد شاهد أنه قذفه غدوة، وشهد آخر أنه قذفه ~~عشيا، أو اختلفا في المكان، أو شهد أحدهما أنه قذفه بالعربية، وشهد الآخر ~~أنه قذفه بالعجمية، لم تكمل شهادتهما؛ لأن البينة لم تكمل على قذف واحد، ~~وكذلك إن كانت الشهادة بالنكاح أو بفعل، كالقتل، والسرقة، والغصب فاختلفا ~~في المكان، أو الزمان، لم تكمل البينة كذلك، إلا على قول أبي بكر فإنها ~~تكمل، ويثبت المشهود به، والمذهب: الأول، وإن شهد أحدهما أنه أقر بقذفه، أو ~~بقتله يوم الجمعة، وشهد الآخر: أنه أقر بذلك يوم الخميس، أو اختلفا في ~~المكان، أو شهد أحدهما أنه أقر بالعربية، وشهد الآخر أنه أقر بالعجمية، ثبت ~~المشهود به؛ لأنه المشهود به واحد وإن اختلفت العبارة، وإن كانت الشهادة ~~بعقد غير النكاح، كالبيع، والطلاق، والرجعة، فقال أصحابنا: تكمل الشهادة؛ ~~لأن المشهود به، قول، فأشبه الإقرار، ويحتمل أن لا تكمل الشهادة؛ لأن كل ~~بيع أو طلاق لم يشهد به إلا واحد، فلم تكمل البينة، كالنكاح، وإن شهد ~~أحدهما أنه غصبه هذا، وشهد الآخر أنه أقر بغصبه، كملت الشهادة، نص عليه ~~أحمد في القتل؛ لأنه يجوز أن يكون الإقرار بالغصب الذي شهد به الآخر، فتكمل ~~البينة على شيء واحد. # وقال القاضي: لا تكمل؛ لأن ما شهد به أحدهما غير ما شهد به الآخر. # فصل # وإن شهد أحدهما أنه سرق ثوبا غدوة، وشهد الآخر ms1375 أنه سرقه بعينه عشيا، لم ~~يجب الحد؛ لأن البينة لم تكمل على سرقة واحدة، وله أن يحلف مع أحدهما، ~~ويغرم المشهود عليه؛ لأن الغرم يثبت بشاهد ويمين، فإن كان مكان كل شاهد ~~شاهدان، تعارضت البينتان. # ذكره القاضي لأن كل شاهدين بينة، والتعارض إنما يكون في البينة، بخلاف ~~التي قبلها، فإن كل شاهد، ليس بينة، فلا يتعارضان، ويحتمل أن لا يتعارضا ~~هاهنا؛ لأنه يمكن الجمع بينهما بأن يسرقه غدوة، ثم يعود إلى مالكه فيسرقه ~~عشية، ومع إمكان الجمع لا تعارض، فعلى هذا يجب على السارق الحد والغرم، وإن ~~لم تعين البينة الثوب، فلا تعارض بينهما وجها واحدا، ويجب للمسروق منه ~~الثوبان، وعلى السارق القطع، وإن شهد أحدهما أنه سرق ثوبا قيمته ثمن دينار، ~~وشهد الآخر أنه سرق ذلك الثوب وقيمته ربع دينار. # لم تكمل بينة الحد، لاختلافهما في النصاب، ووجب للمشهود له ثمن دينار، ~~لاتفاقهما عليه، وحلف مع الآخر على الثمن الآخر إن أحب؛ لأن الغرم # PageV04P292 # يثبت بشاهد واحد ويمين، وإن كان مكان كل شاهد شاهدان، تعارضت البينتان، ~~ولا حد، ووجب ما اتفقوا عليه، وسقط الزائد، لتعارض البينتين فيه. # فصل # وإذا شهد عدلان على ميت أحدهما شهد) أنه أعتق سالما في مرضه: وهو ثلث ~~ماله، وشهد الآخر أنه أعتق غانما، وهو ثلث ماله، عتق السابق منهما، فإن جهل ~~السابق منهما، أقرع بينهما فأعتق من تخرج له القرعة، كما لو أعتقهما بكلمة ~~واحدة، وإن شهدت إحداهما أنه وصى بعتق سالم، وشهدت الأخرى أنه وصى بعتق ~~غانم، أقرع بينهما، فأعتق أحدهما بالقرعة، سواء تقدمت وصيته أو تأخرت؛ لأن ~~الوصية يستوي فيها المقدم والمؤخر. # وقال أبو بكر وابن أبي موسى: يعتق من كل واحد منهما نصفه؛ لأنهما سواء في ~~الوصية، فيجب أن يتساويا في الحرية، والأول قياس المذهب، بدليل ما لو ~~أعتقهما بكلمة واحدة، وإن كانت إحدى البينتين وارثة عادلة، ولم تطعن في ~~شهادة الأجنبية، فالحكم كذلك، وإن كذبت الأجنبية، وقالت: ما أعتق إلا سالما ~~وحده، عتق سالم كله، لإقرار الورثة بحريته، ولم يقبل ms1376 تكذيبهم، لأنه نفي ~~فيكون حكم غانم على ما تقدم، في أنه يعتق إذا تقدم تاريخ عتقه، ويرق إذا ~~تأخر ويقرع بينهما إذا استويا، أو جهل الحال، وإن كانت الوارثة غير عادلة، ~~عتق غانم كله، ولم يزاحمه من شهدت به الوارثة؛ لأن شهادة الفاسق كعدمها، ثم ~~إن طعنت في شهادة الأجنبية، عتق سالم كله، لإقرارها بحريته، وإن لم تطعن ~~فيها، فذكر القاضي: أنه يعتق من سالم نصفه؛ لأنه ثبت عتقه بإقرارهم، وعتق ~~غانم بالبينة، فصار كأنه أعتق العبدين معا إلا في أنه لا ينتقض عتق غانم، ~~لشهادة الوارثة لفسقها. # فصل # فإن شهد اثنان على اثنين بقتل رجل، فشهد الآخران أن الأولين قتلاه، فصدق ~~الولي الأولين، حكم بشهادتهما؛ لأنهما غير متهمين، وإن صدق الآخرين وحدهما، ~~لم يحكم له بشيء؛ لأنهما متهمان، لكونهما يدفعان عن أنفسهما القتل، وإن صدق ~~الجميع، فكذلك لأنهما متعارضتان، فلا يمكن الجمع بينهما. # فصل # وإن ادعى على رجل، أنه قتل وليه عمدا، وأقام شاهدا، فأقر بقتله خطأ، ثبت ~~قتل الخطأ بإقراره، وعليه الدية، ولم يثبت العمد؛ لأنه لا يثبت إلا ~~بشاهدين، وهل يحلف على نفيه؟ على وجهين، وإن قتل رجل رجلا عمدا، وله ~~وارثان، فشهد أحدهما على الآخر أنه عفا عن القود والمال، سقط القود، وإن ~~كان الشاهد فاسقا؛ لأنه شهادته تضمنت # PageV04P293 # الإقرار بسقوطه، ويثبت نصيب الشاهد من الدية؛ لأنه ما عفا، وأما نصيب ~~المشهود عليه، فإن كان الشاهد فاسقا، حلف: ما عفوت، واستحق نصيبه من الدية، ~~وإن كان عدلا، حلف القاتل معه، وسقط نصف الدية؛ لأن ما طريقه المال يثبت ~~بشاهد ويمين، وفي كيفية اليمين وجهان: أحدهما: أنه قد عفا عن المال؛ لأن ~~القود سقط بغير يمين. # والثاني: يحلف أنه قد عفا عن القود والمال؛ لأنه قد يعفو عن الدية ولا ~~يسقط حقه منها، إذا قلنا: موجب العمد القصاص عينا. # فصل # وإذا ادعى على رجلين، أنهما رهناه عبدا لهما بدين له عليهما، فأنكراه ~~وشهد كل واحد منهما، على صاحبه، فشهادتهما صحيحة، وله أن يحلف مع كل واحد ~~منهما ms1377 ويصير رهنا، أو مع أحدهما ويصير نصفه رهنا؛ لأن إنكاره لا يقدح في ~~شهادته، كما لو كانت الدعوى في عين أخرى، ويحتمل أن لا تقبل شهادتهما؛ لأنه ~~يدعي أن كل واحد منهما كاذب. ### | باب الرجوع عن الشهادة # إذا رجع الشاهدان قبل الحكم بشهادتهما، لم يحكم بها؛ لأنها شرط الحكم، ~~فيشترط استدامتها إلى انقضائه، كعدالتهما. # فإن رجعا بعد الحكم بها في حد، أو قصاص، قبل الاستيفاء، لم يجز استيفاؤه؛ ~~لأنه يدرأ بالشبهات، وهذا من أعظمها، وإن كان المشهود به غير ذلك، وجب ~~استيفاؤه؛ لأن حق المشهود له قد وجب وحكم به، فلم يسقط بقولهما المشكوك ~~فيه، وإن رجعا بعد الاستيفاء في حد، أو قصاص، وقالا: عمدنا ذلك ليقتل، ~~فعليهما القصاص، لما ذكرنا في الجنايات، وإن قالا: عمدنا الشهادة، ولم نعلم ~~أنه يقتل، فعليهما دية مغلظة؛ لأنه شبه عمد وإن قالا: أخطأنا، فعليهما ~~الدية مخففة، ولا تحملها العاقلة؛ لأنها وجبت باعترافهما، وإن اتفقا على أن ~~أحدهما عامد، والآخر مخطىء، فلا قصاص عليهما، وعلى العامد نصف دية مغلظة، ~~وعلى الآخر نصفها مخففة، وإن قال أحدهما: عمدنا جميعا. # وقال الآخر: أخطأنا جميعا، فعلى العامد القود، لإقراره بما يوجبه، وعلى ~~المخطئ نصف الدية مخففا، وإن قال كل واحد منهما: عمدت، وأخطأ صاحبي، ففيه ~~وجهان: أحدهما: لا قود عليهما؛ لأنه لا يؤاخذ كل واحد منهما إلا بإقراره، ~~ولم يقر بما يوجب القصاص؛ لأنه أقر بعمد فيه شركة خطأ. # PageV04P294 # والثاني: عليهما القود؛ لأن كل واحد منهما مقر بالعمد، وإن قال أحدهما: ~~عمدنا معا، وقال الآخر: عمدت وأخطأ صاحبي فعلى الأول القود. # وفي الثاني وجهان. # وإن قال: كل واحد منهما عمدت، ولا أدري ما فعل صاحبي فعليهما القود؛ ~~لأننا تبينا وقوعهما عمدا، وإن رجع أحدهما وحده، فحكمه حكم ما لو رجع صاحبه ~~معه. # فصل # إذا شهد خمسة بالزنا على رجل، فقتل ثم رجعوا وقالوا: عمدنا، قتلوا كلهم، ~~وإن قالوا: أخطأنا غرموا الدية أخماسا؛ لأن القتل حصل بقول جميعهم، وإن رجع ~~واحد منهم، وقال: عمدنا اقتص منه، وإن قال: ms1378 أخطأنا فعليه خمس الدية، لأنه ~~يقر بما لو وافقه أصحابه عليه، لزمهم القود أو قسطه من الدية، فلزمه ذلك ~~وإن لم يوافقوه، كما لو كانوا أربعة، وإن رجع اثنان، فعليهما خمسا الدية، ~~وإن كانوا ثلاثة، فعليهم ثلاثة أخماس الدية؛ لأن الإتلاف حصل بشهادتهم، ~~فأشبه ما لو رجعوا كلهم، وإن شهد أربعة بالزنا واثنان بالإحصان، فقتل، ثم ~~رجعوا عن الشهادة، فالضمان على الجميع؛ لأن القتل حصل بقولهم، فأشبه ما لو ~~شهد الجميع بالزنا. # وفي كيفية الضمان وجهان: أحدهما: توزع الدية على عددهم؛ لأن القتل حصل ~~بجميعهم، أشبه ما لو اتفقت شهادتهم. # والثاني: على شهود الإحصان النصف، وعلى شهود الزنا النصف؛ لأنه قتل ~~بنوعين من البينة، فقسمت الدية عليهما، وإن شهد أربعة بالزنا، واثنان منهم ~~بالإحصان، فعلى الوجه الأول على شهود الإحصان ثلثا الدية، وعلى الآخر ثلاثة ~~أرباعها، ويحتمل أن لا يجب عليهما إلا النصف، لأنهم كأربعة أنفس، جنى اثنان ~~جنايتين، وجنى الآخران أربع جنايات. # فصل # وإن شهدا بمال، ثم رجعا بعد الحكم به، غرماه، ولا يرجع على المحكوم له به ~~سواء كان المال تالفا، أو قائما؛ لأنهما حالا بينه وبين ماله بعدوان، ~~فلزمهما الضمان، كما لو غصباه، فإن رجع أحدهما غرم النصف، وإن كانوا ثلاثة، ~~فالضمان بينهم على عددهم، وإن رجع أحدهم، فعليه بقسطه، لما ذكرنا. # وإن شهد رجل وامرأتان، ثم رجعوا، فعلى الرجل النصف، وعلى كل واحدة منهما ~~الربع؛ لأنهما كرجل، وإن شهد رجل وعشر نسوة، ثم رجعوا، فعلى الرجل السدس، ~~وعليهن خمسة أسداس، وإن رجع بعضهم، فعلى الراجع بقسطه، لما ذكرناه، وإن حكم ~~له بشاهد ويمين، ثم رجع الشاهد، فعليه غرامة المال كله في أحد الوجهين؛ لأن ~~الحكم بشهادته، وإنما اليمين مقوية له. # PageV04P295 # والثاني: يلزمه نصف المال؛ لأن الملك استند إلى شهادته ويمين المدعي، ~~فتوزع الحق عليهما، كالشاهد والمرأتين. # فصل # وإن شهد اثنان بحرية عبد، فحكم بشهادتهما، ثم رجعا، غرما للسيد قيمته، ~~لما ذكرنا، وإن شهدا بطلاق قبل الدخول، فحكم به، ثم رجعا، فعليهما نصف ~~الصداق المسمى؛ لأنهما أغرماه ms1379 للزوج، فلزمهما ذلك، كما لو شهدا بالنصف، وإن ~~كان ذلك بعد الدخول، فلا ضمان عليهما لأن خروج البضع من ملك الزوج غير ~~متقوم، فلم يضمناه، كما لو أخرجته عن ملكه بالردة، أو بالقتل، وإن شهدا ~~بكتابة عبده، فحكم بها، ثم رجعا، فعليهما ما بين قيمته سليما ومكاتبا، فإن ~~أدى وعتق، فعليهما ما بين قيمته وكتابته، لأنهما فوتاه ذلك، ويحتمل أن يرجع ~~عليهما بجميع قيمته؛ لأن ما أداه كان من كسبه الذي يملكه، وإن لم يعتق، لم ~~يرجع عليهما بشيء، وإن شهدا لأمة بالاستيلاد، فرجعا، فعليهما ما نقص من ~~قيمتها، فإن عتقت بموت سيدها، ضمنا تمام قيمتها؛ لأنهما فوتا رقها على ~~الورثة. # فصل # وإذا حكم بشهادة الفروع، ثم رجعوا عن الشهادة، ضمنوا ولو رجع شهود الأصل، ~~لم يضمنوا، ذكره القاضي؛ لأنه لم يلجئوا الحاكم إلى الحكم، ويحتمل أن ~~يضمنوا؛ لأنهم سبب في الحكم، فيضمنوا كالمزكيين، وشهود الإحصان. # فصل # وإذا شهد الشهود بحد فزكاهم اثنان، فبان أنهم ممن لا تقبل شهادتهم، لفسق، ~~أو كفر، فالضمان على المزكيين، لأنهم شهدوا بشهادة زور أفضت إلى الحكم، ~~فلزمهم الضمان، كالشهود إذا رجعوا عن الشهادة، ولا شيء على الشهود؛ لأنهم ~~يقولون: شهدنا بحق، ولا على الحاكم؛ لأن المزكيين ألجآه إلى الحكم، وقال ~~القاضي: الضمان عليه؛ لأنه فرط في الحكم بمن لا يجوز الحكم بشهادته، ولا ~~شيء على المزكيين؛ لأنهما لم يشهدا بالحق، وقال أبو الخطاب: الضمان على ~~الشهود؛ لأنهم فوتوا الحق على مستحقه بشهادتهم الباطلة، فلزمهم الضمان، كما ~~لو رجعوا عن الشهادة، والأول أصح؛ لأن الحاكم أتى بما عليه، والشهود لم ~~يعترفوا ببطلان شهادتهم، وإنما التفريط من المزكيين، فكان الضمان عليهما. # فإن تبين أن المزكيين فاسقان، أو كافران، فالضمان على الحاكم لتفريطه، ~~وكذلك إن حكم بشهادة فاسقين، أو كافرين، من غير تزكية، فالضمان عليه كذلك، ~~وإن كانت الشهادة بمال، نقض # PageV04P296 # الحكم، وأمر برد المال إن كان قائما، أو قيمته إن كان تالفا؛ لأنهما ليسا ~~من أهل الشهادة، فوجب نقض الحكم، كما لو كانا صبيين، وعنه: أنه ms1380 لا ينقض ~~الحكم إذا كانا فاسقين، ويغرم الشاهدان المال؛ لأنهما سبب الحكم بشهادة ~~ظاهرها الزور، فأشبه ما لو رجعا. # والأول أولى؛ لأنهما لم يعترفا ببطلان شهادتهما، لكن تبين فقد شرط الحكم، ~~فوجب أن يقضى بنقضه، كما لو تبين أن حكمه بالقياس مخالف للنص. # فصل # ومن حكم له بمال، أو بضع، أو غيرهما بشهادة زور أو يمين فاجرة، لم يحل له ~~ما حكم به، لما روت أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنكم ~~تختصمون إلي وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له ~~بما أسمع، وأظنه صادقا، فمن قضيت له، بشيء من حق أخيه، فإنما أقطع له قطعة ~~من النار فليأخذها أو يدعها» متفق عليه، ولأنه يقطع بتحريم ما حكم له به ~~قبل الحكم، فلا يحل له بالحكم كما لو حكم له بما يخالف النص، أو الإجماع، ~~وحكي عن أحمد رواية أخرى: أن حكم الحاكم ينفذ في الفسوخ، والعقود؛ لأنه حكم ~~باجتهاده، فنفذ حكمه، كما لو حكم في المجتهدات. # PageV04P297 ### | كتاب الإقرار # والحكم به واجب؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «واغد يا أنيس على ~~امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» . # ورجم النبي - صلى الله عليه وسلم - ماعزا والغامدية، والجهنية، بإقرارهم، ~~ولأنه إذا وجب الحكم بالبينة، فلأن يجب بالإقرار مع بعده من الريبة أولى، ~~فإن كان المقر به حقا لآدمي، أو لله تعالى، لا يسقط بالشبهة، كالزكاة، ~~والكفارة، ودعت الحاجة إلى الإقرار به لزمه ذلك؛ لقول الله تعالى: {كونوا ~~قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم} [النساء: 135] ، وقوله: {فإن كان ~~الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل} ~~[البقرة: 282] ، والإملال: الإقرار وإن كان حدا لله، لم يلزمه الإقرار به؛ ~~لأنه مندوب إلى الستر على نفسه. # فصل # ولا يصح الإقرار إلا من عاقل مختار، فأما الطفل والمجنون، والنائم، ~~والمبرسم، فلا يصح إقرارهم؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رفع القلم ~~عن ثلاثة» ولأنه التزام حق بالقول، فلم يصح منهم كالبيع، ms1381 فإن قال: أقررت ~~قبل البلوغ، فالقول قوله مع يمينه إذا كان اختلافهما بعد بلوغه في أحد ~~الوجهين، فأما السكران بسبب مباح، فهو كالمجنون؛ لأنه غير عاقل، والسكران ~~بمعصية، حكم إقراره حكم طلاقه، ولا يصح إقرار المكره؛ لقول # PageV04P298 # النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا ~~عليه» رواه سعيد، ولأنه قول أكره عليه بغير حق، فلم يصح كالبيع. # وإذا ادعى أنه أقر مكرها، لم يقبل إلا ببينة؛ لأن الأصل السلامة. # فإذا ثبت أنه كان مقيدا، أو محبوسا، أو موكلا به، فالقول قوله مع يمينه؛ ~~لأن هذه دلالة الإكراه، وإن ادعى أنه كان زائل العقل، لم يقبل إلا ببينة؛ ~~لأن الأصل السلامة، فإن أكره على الإقرار بشيء، فأقر بغيره، لزمه إقراره؛ ~~لأنه غير مكره على ما أقر به، وكذلك إن أكره على الإقرار لإنسان، فأقر ~~لغيره، ولا يصح إقرار الصبي المحجور عليه، وإن كان عاقلا؛ لأنه لا يصح ~~بيعه، وإن كان العاقل مأذونا له في التجارة، جاز إقراره فيما أذن له فيه، ~~وقال أبو بكر: لا يصح إقراره إلا في الشيء اليسير، والأول أصح؛ لأنه يصح ~~تصرفه فيه، فصح إقراره به كالبالغ. # فصل # ويصح إقرار العبد بالحد والقصاص فيما دون النفس؛ لأن الحق له، دون مولاه، ~~ولأن إقرار مولاه عليه به لا يصح، فلو لم يقبل إقراره به لتعطل، وأما ~~القصاص في النفس، فظاهر قول الخرقي أنه يصح إقراره به، وهو اختيار أبي ~~الخطاب كذلك. # وعن أحمد: أنه لا يصح إقراره به؛ لأنه يسقط به حق سيده، أشبه الإقرار ~~بقتل الخطأ، ولأنه متهم في أن يقر لمن يعفو على مال، فتستحق رقبته ليتخلص ~~من سيده، ولا يقبل إقراره بجناية الخطأ، ولا بعمد موجبه المال؛ لأنه إيجاب ~~حق في رقبة مملوكة لمولاه، فلم يقبل كإقراره على عبد سواه، ويقبل إقرار ~~المولى عليه بذلك؛ لأنه يقر بحق في ماله، فأشبه ما لو أقر لرجل بملك العبد، ~~ولا يقبل إقراره عليه بحد ولا قصاص؛ لأنه لا يملك منه إلا المال، لكن ms1382 إن ~~أقر عليه بقصاص قبل إقراره فيما يتعلق بالمال، فيملك المقر له مطالبته ~~بالمال؛ لأنه أقر بما يضمن وجوب المال، فلزمه، كما لو أقر الموسر بعتق ~~نصيبه من العبد المشترك، وإن أقر العبد المشترك بسرقة موجبها المال، لم ~~يقبل، ويقبل إقرار المولى عليه لذلك، وإن كان موجبها القطع دون المال، قبل ~~إقرار العبد بها دون المولى، وإن كان موجبها القطع والمال، فأقر بها العبد، ~~وجب قطعه دون المال، سواء كان في يده أو يد سيده، باقيا، أو تالفا، لما ~~تقدم وإن أقر العبد غير المأذون له بدين، لم يقبل، ويتعلق بذمته، يتبع به ~~بعد العتق، وإن أقر المأذون له قبل إقراره في دين المعاملة في قدر ما أذن ~~له فيه، وإن أقر بقرض أو أرش جناية، لم يقبل؛ لأنه أقر بغير مأذون له فيه، ~~فلم يقبل، كغير المأذون له. # وإن حجر السيد عليه، ثم أقر بدين، لم يقبل؛ لأنه محجور عليه بالرق، فلم # PageV04P299 # يصح إقراره، كما لو كان عليه دين يحيط بتركته، وإن أقر السيد أنه باع عبد ~~نفسه، فكذبه العبد، عتق، ولم يلزمه شيء سوى اليمين على الثمن؛ لأن السيد ~~أقر بحريته وادعى الثمن، فإن ادعى أنه باعه أجنبيا فأعتقه، فأنكره، عتق ~~العبد على سيده، وحلف المنكر على الثمن. # فأما المكاتب، فحكمه حكم الحر في إقراره؛ لأن تصرفه صحيح، وحكم أم الولد ~~والمدبر حكم القن؛ لأن تصرفه بغير إذن سيده لا يصح. # فصل # وإقرار المريض بدين الأجنبي صحيح؛ لأنه غير متهم في حقه، وعنه: لا يقبل ~~في مرض موته؛ لأن حق الورثة تعلق بماله، فلم يقبل إقراره به، كالمفلس، ~~وعنه: يقبل إقراره بثلث المال دون ما زاد؛ لأنه يملك التصرف فيه بالوصية، ~~فملك الإقرار به، والأول: ظاهر المذهب، لما ذكرنا، فإن ثبت عليه دين في ~~الصحة، ثم أقر بدين في مرض موته، واتسع ماله لهما، تساويا، وإن ضاق عنهما، ~~فظاهر كلام الخرقي، والتميمي، أنهما يتحاصان فيه؛ لأنهما حقان يجب قضاؤهما ~~من رأس المال، فتساويا كدين الصحة، وقال القاضي: قياس ms1383 المذهب، أنه يقدم ~~الدين الثابت على الدين الذي أقر به في المرض؛ لأنه أقر بعد تعلق حق ~~الأجنبي بماله، فلم يشارك المقر له من ثبت حقه قبل التعلق، كما لو أقر بعد ~~الفلس، وإن أقر لهما جميعا في المرض، تساويا، ولم يقدم السابق منهما؛ ~~لأنهما تساويا في الحال، فأشبه غريمي الصحة، وإن أقر المريض لوارث، لم يقبل ~~إلا ببينة؛ لأنه إيصال للمال إلى الوارث بقوله، فلم يصح، كالوصية، إلا أن ~~يقر لزوجته بمهر مثلها فما دون، فيصح؛ لأن سببه ثابت، وهو النكاح وإن أقر ~~لوارثه، فلم يمت حتى صار غير وارث، لم يصح، وإن أقر لغير وارث، فصار وارثا ~~قبل الموت، صح إقراره له، نص عليهما أحمد - رحمه الله -؛ لأنه إقرار لوارث ~~في الأولى، ولغير وارث في الثانية، متهم في الأولى، غير متهم في الثانية، ~~فأشبه الشهادة، وذكر أبو الخطاب في المسألتين رواية أخرى خلاف ما قلنا؛ ~~لأنه معنى يعتبر فيه عدم الميراث، فاعتبر بحالة الموت، كالوصية، فإن أقر ~~المريض بوارث، ففيه روايتان: إحداهما: يصح؛ لأنه عند الإقرار غير وارث. # والثانية: لا يصح؛ لأنه حين الموت وارث، ويمكن أن تكون هذه مبنية على ~~المسألتين قبلها، وإن ملك ابن عمه، وأقر أنه كان أعتقه في صحته، وهو أقرب ~~عصبته، عتق ولم يرثه؛ لأنه توريثه يوجب إبطال الإقرار بحريته، لكونه إقرارا ~~لوارثه، وإذا بطلت حريته، سقط ميراثه، فيفضي توريثه إلى إسقاط ميراثه، ~~ويحتمل أن يرث؛ لأنه حين الإقرار غير وارث، فأشبه الإقرار بوارث. # PageV04P300 # فصل # ويصح الإقرار لكل من يثبت له الحق المقر به، فإن أقر لعبد بالنكاح، أو ~~القصاص، أو تعزير القذف، صح الإقرار به وإن كذبه المولى؛ لأن الحق له دون ~~المولى، وإن أقر له بمال، فالإقرار لمولاه، يلزم بتصديقه، ويبطل برده؛ لأن ~~يد العبد كيد سيده، وإن أقر لبهيمة لم يصح، ولم يكن لمالكها، لأن البهيمة ~~لا تملك ولا لها أهلية الملك، وإن أقر لحمل بمال، وعزاه إلى إرث، أو وصية، ~~صح؛ لأنه يملك بهما، وإن لم يعزه، فقال ابن ms1384 حامد: يصح أيضا؛ لأنه يجوز أن ~~يملك بوجه صحيح، فصح له الإقرار المطلق، كالطفل، وقال أبو الحسن التميمي: ~~لا يصح؛ لأنه لا يثبت له الملك بغيرهما، فعلى قول ابن حامد: إن ولدت ذكرا ~~وأنثى، كان بينهما نصفين؛ لأنه شرك بينهما في الإقرار، فأشبه ما لو أقر ~~لهما بعد الولادة، وإن قال: لهذا الحمل علي ألف أقرضتها، فقياس المذهب، صحة ~~إقراره؛ لأنه وصله بما يسقطه، فسقطت الصلة دون الإقرار، كما لو قال: له علي ~~ألف لا يلزمني، وإن قال: أقرضني ألفا، لم يصح؛ لأن القرض إذا سقط، لم يبق ~~شيء يصح به الإقرار، ومتى أقر لحمل بمال وعزاه إلى وصية، فخرج الطفل ميتا، ~~عاد إلى ورثة الموصي، وإن عزاه إلى إرث، عاد إلى شركائه في الميراث، وإن ~~أطلق، كلف ذكر السبب ليعمل به، فإن مات قبل التفسير، بطل الإقرار، كالمقر ~~لرجل لا يعرف مراد إقراره، وإن أقر لمسجد، أو مصنع وعزاه إلى سبب صحيح، من ~~غلة وقفه ونحوه صح، وإن أطلق، فيه وجهان بناء على ما تقدم. # فصل # ومن أقر لرجل بمال في يده وكذبه المقر له، بطل إقراره له؛ لأنه لا يقبل ~~قوله عليه في ثبوت ملكه، ويقر المال في يد المقر في أحد الوجهين؛ لأنه كان ~~في يده، فإذا بطل إقراره، بقي كأنه لم يقر به، وفي الآخر يأخذه الإمام، ~~فيحفظه حتى يظهر مالكه؛ لأنه بإقراره خرج عن ملكه، ولم يدخل في ملك المقر ~~له، وكل واحد منهما ينكر ملكه، فهو كالمال الضائع، فإن ادعاه ثالث، فأقر له ~~المقر له، صح؛ لأنه صار بمنزلة صاحب اليد. # فصل # إذا قال: لي عليك ألف، فقال: نعم، أو أجل أو صدقت، أو إي لعمري، كان مقرا ~~بها؛ لأن هذه الألفاظ وضعت للتصديق، وإن قال: أعطني عبدي هذا، أو اقضني ~~الألف التي لي عليك، فقال: نعم، كان مقرا؛ لأنه تصديق، وإن قال: أنا مقر ~~بدعواك، كان مقرا؛ لأنه صدقه، وإن لم يقل: بدعواك، ففيه وجهان: # PageV04P301 # أحدهما: يكون مقرا؛ لأنه جواب الدعوى، فانصرف إليها. ms1385 # والثاني: لا يكون مقرا؛ لأنه يحتمل أنه أراد: إني مقر ببطلان دعواك، وإن ~~قال: أنا أقر، لم يكن مقرا؛ لأنه وعد بالإقرار، وإن قال: أنا لا أنكر، لم ~~يكن مقرا؛ لأنه يحتمل: لا أنكر بطلان دعواك، وإن قال: لا أنكر أن تكون ~~محقا، لم يكن مقرا؛ لأنه يحتمل أن يريد: محقا في اعتقادك، ويحتمل أن يكون ~~مقرا؛ لأنه جواب الدعوى، فانصرف إليها، وإن قال: لا أنكر أنك محق في دعواك، ~~كان مقرا؛ لأنه لا يحتمل إلا الدعوى التي عليه، وإن قال: "لعل" أو "عسى" لم ~~يكن مقرا؛ لأنهما للترجي، وإن قال: "أظن" أو أحسب أو أقدر لم يكن مقرا؛ لأن ~~هذه وضعت للشك، وإن قال: لك علي ألف في علمي، كان مقرا بها؛ لأن ما عليه في ~~علمه لا يحتمل غير الوجوب، وإن ادعى عليه ألفا، وقال: خذ، أو اتزن، أو افتح ~~كمك، لم يكن مقرا؛ لأنه يحتمل ضد الجواب، أو اتزن من غيري، أو افتح كمك ~~للطمع، وإن قال: خذها، أو اتزنها، فكذلك؛ لأنه لم يقر أنه واجب، ويحتمل أن ~~يكون مقرا؛ لأن هذه الكناية ترجع إلى المذكور في الدعوى، وإن قال: هي صحاح، ~~ففيها وجهان، كالتي قبلها، وإن قال: له علي ألف إن شاء الله، كان مقرا؛ ~~لأنه وصل إقراره بما يسقط جملة، فسقطت الصلة وحدها، كما لو قال: له علي ألف ~~لا تلزمني، وإن قال: له علي ألف إلا أن يشاء الله، صح إقراره كذلك، وإن ~~قال: له علي ألف إن شاء زيد، فقال القاضي: يكون إقراره صحيحا كذلك؛ ولأن ~~الحق الثابت في الحال لا يقف على شرط مستقبل، فسقط الاستثناء، ويحتمل أن لا ~~يكون إقرارا؛ لأنه علقه على شرط مقيد، يمكن الوقوف عليه، أشبه ما لو قال: ~~له علي ألف إن شهد بها فلان، وإن قال: له علي ألف إن شهد بها فلان، أو إن ~~شهد علي فلان بها فهو صادق، ففيه وجهان: أحدهما: يكون مقرا؛ لأنه أقر بها ~~عند الشرط، ولا تكون عند الشرط إلا ms1386 وهي عليه في الحال وإن قال: إن شهد بها ~~فلان صدقته، لم يكن مقرا؛ لأنه قد يصدقه بما لم يصدق فيه، وإن قال: له علي ~~ألف إذا جاء رأس الشهر، كان مقرا؛ لأنه بدأ بالإقرار، وبين بالثاني المحل، ~~وإن قال: إذا جاء رأس الشهر، فله علي ألف، فليس بإقرار؛ لأنه بدأ بالشرط، ~~وأخبر أن الوجوب إنما يوجد عند رأس الشهر، والإقرار لا يتعلق على شرط. # فصل # إذا قال: له علي ألف قضيتها إياه، لزمه الألف، ولم تسمع دعوى القضاء؛ ~~لأنه أقر أن الألف عليه في الحال، وقوله قضيتها، يرفع ما أقر به كله، فلم ~~يقبل، كاستثناء # PageV04P302 # الكل، ولأنه بدعوى القضاء يكذب نفسه في الإقرار، فلم تسمع، كما لو قال: ~~له علي ألف، ولا شيء له علي، وقال القاضي: يقبل؛ لأنه ما أقر به بكلام ~~متصل، أشبه استثناء البعض، وإن قال: قضيته منها مائة، ففيه روايتان: ~~إحداهما: يقبل؛ لأنه رفع بعض ما أقر به بكلام متصل، أشبه استثناء المائة. # والثانية: لا يقبل؛ لأنه يكذب نفسه؛ لأنه لو قضاه مائة، لم يكن له عليه ~~ألف، والاستثناء لا يرفع ما أقر به، وإنما يمنع دخول ما استثناه في ~~المستثنى منه، وإن قال: كان له علي ألف فقضيتها ففيه روايتان: إحداهما: لا ~~تقبل دعوى القضاء؛ لأنه أقر بالدين وادعى براءته منه، فقبل إقراره، ولا ~~تسمع دعواه إلا ببينة، كما لو ادعى ذلك بكلام منفصل. # والثانية: يقبل، اختاره الخرقي؛ لأنه قول يمكن صحته، ولا تناقض فيه من ~~جهة اللفظ، فوجب قبوله، كاستثناء البعض. # قال القاضي: المذهب أن هذا ليس بإقرار، وإن قال: لي عليك ألف، فقال: ~~قضيتك منها مائة، فقال القاضي: ليس هذا إقرارا بشيء؛ لأن المائة قد رفعها ~~بقوله، والباقي لم يقر به، وقوله: منها، يحتمل أنه أراد مما يدعيه، وإن ~~قال: كان له علي ألف وسكت، فهو مقر بها؛ لأنه أقر بوجوبها عليه، وثبوتها في ~~ذمته، والأصل بقاؤه حتى يوجد ما يرفعه. ### | باب الاستثناء في الإقرار # باب الاستثناء الاستثناء يمنع أن يدخل في ms1387 الإقرار ما لولاه لدخل، ولا ~~يرفع ما ثبت؛ لأنه لو ثبت بالإقرار شيء، لم يقدر المقر على رفعه، فيصح ~~استثناء ما دون النصف؛ لأنه لغة العرب، قال الله تعالى: {فلبث فيهم ألف سنة ~~إلا خمسين عاما} [العنكبوت: 14] ولا يصح استثناء أكثر من النصف، لأنه ليس ~~من لسانهم، قال أبو إسحاق الزجاج: لم يأت الاستثناء إلا في القليل من ~~الكثير. # ولو قال: له علي مائة إلا تسعة وتسعين، لم يكن متكلما بالعربية، وفي ~~استثناء النصف وجهان: أحدهما: يصح؛ لأنه ليس بالأكثر. # والثاني: لا يصح لأنه لم يأت في لسانهم إلا في القليل من الكثير، فإذا ~~قال: له # PageV04P303 # علي عشرة إلا درهمين، لزمته ثمانية، وإن قال: إلا ثمانية، لزمته العشرة، ~~وإن قال: إلا خمسة، ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه خمسة. # والآخر: يلزمه عشرة. # فصل # ولا يصح الاستثناء من غير الجنس، ولا من غير النوع، فلو قال: له علي عشرة ~~دراهم إلا ثوبا، لزمته العشرة، وإن قال: له علي قفيز تمر معقلي، إلا مكوكا ~~برنيا، لزمه القفيز كله، ولم يصح الاستثناء؛ لأن الاستثناء صرف اللفظ بحرف ~~الاستثناء عما كان يقتضيه لولاه، ولأنه مشتق من: ثنيت فلانا عن رأيه، إذا ~~صرفته عما كان عازما عليه، وثنيت عنان دابتي، إذا رددتها عن وجهها الذي ~~كانت ذاهبة إليه، ولا يوجد هذا في غير الجنس والنوع، ولأن الاستثناء من غير ~~الجنس لا يكون إلا في الجحد بمعنى "لكن" والإقرار إثبات، فإن استثنى أحد ~~النقدين من الآخر، لم يصح في إحدى الروايتين، اختارها أبو بكر، لما ذكرنا. # والأخرى: يصح، اختارها الخرقي؛ لأنهما كالجنس الواحد، لاجتماعهما في ~~أنهما قيم المتلفات، وأروش الجنايات، ويعبر بأحدهما عن الآخر، وتعلم قيمته ~~منه، فأشبها النوع الواحد، بخلاف غيرهما. # فصل # وإن أقر بدار إلا بيتا منها عينه، لم يدخل البيت في إقراره؛ لأنه ~~استثناه، وإن قال: هذا البيت لي، وهذه الدار له أو هذه الدار له وهذا البيت ~~لي، صح؛ لأنه في معنى الاستثناء، لكونه أخرج بعض ما دخل في اللفظ بكلام ~~متصل، وإن قال: ms1388 إلا ثلثها، أو إلا ربعها، صح، وكان مقرا بالباقي، فإن قال: ~~له هذه الدار إلا نصفها، صح، وكان مقرا بالنصف؛ لأن هذا بدل البعض، وهو ~~سائغ. # قال الله تعالى: {قم الليل إلا قليلا} [المزمل: 2] {نصفه أو انقص منه ~~قليلا} [المزمل: 3] ، ويصح ذلك فما دون النصف، كقوله: له هذه الدار إلا ~~ربعها، أو أقل، كقولهم: رأيت زيدا وجهه، وإن قال: له هذه الدار سكناها، أو ~~قال: هي له سكنى، أو عارية، صح، وهذا بدل الاشتمال، كقوله سبحانه: {يسألونك ~~عن الشهر الحرام قتال فيه} [البقرة: 217] ، فهو في معنى الاستثناء في كونه ~~إخراجا للبعض، ويفارقه في جواز إخراج أكثر من النصف. # PageV04P304 # فصل # وإن قال: له هؤلاء العبيد إلا هذا، كان مقرا بمن دون المستثنى، وإن قال: ~~إلا واحدا، رجع في تعيين المستثنى إليه؛ لأنه لا يعرف إلا من جهته، وكذلك ~~إن قال: غصبتك هؤلاء العبيد إلا واحدا، رجع في تفسير الواحد إليه، فإن ~~هلكوا إلا واحدا، ففسر به المستثنى، قبل في الغصب، وجها واحدا؛ لأنه يلزمه ~~غرامة ما تلف، وفي الإقرار وجهان: أحدهما: يقبل أيضا؛ لأنه يحتمل ما قاله. # والثاني: لا يقبل، ذكره أبو الخطاب؛ لأنه يرفع جميع ما أقر به، وإن قتلوا ~~إلا واحدا، قبل تفسيره به، وجها واحدا؛ لأنه، لا يرفع جملة الإقرار، لوجوب ~~قيمة الباقين للمقر له. # فصل # إذا استثنى بعد الاستثناء بحرف العطف، كان مضافا إلى الاستثناء الأول، ~~فإذا قال: له علي عشرة إلا ثلاثة، وإلا درهمين، كان مستثنيا لخمسة من ~~العشرة، وإن كان الثاني غير معطوف، كان مستثنيا من الاستثناء، فيكون ~~استثناؤه من الإثبات نفيا، ومن النفي إثباتا، وهو جائز في اللغة. # قال الله تعالى: {قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين} [الحجر: 58] {إلا آل ~~لوط إنا لمنجوهم أجمعين} [الحجر: 59] {إلا امرأته} [الحجر: 60] . # فأذا قال: له علي عشرة إلا ثلاثة، إلا درهما، كان مقرا بثمانية، وإن قال: ~~له علي عشرة إلا خمسة، إلا ثلاثة، إلا درهمين، إلا درهما، لم يصح على قول ~~من منع استثناء النصف، ولزمته عشرة، وعلى ms1389 قول غيره يصح، ويكون مقرا بسبعة، ~~ولو قال: عشرة إلا ستة، إلا أربعة، إلا درهمين، فهو مقر بستة؛ لأنه أثبت ~~عشرة، ثم نفى ستة، ثم أثبت أربعة، ثم نفى درهمين، بقي ستة. # فصل # وإن عطف جملة على جملة بالواو، ثم استثنى، ففيه وجهان: أحدهما: يعود ~~الاستثناء إليهما جميعا؛ لأن العطف جعل الجملتين كالجملة الواحدة، فعاد ~~الاستثناء إليهما، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن الرجل ~~الرجل في بيته، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه» . # PageV04P305 # والثاني: لا يعود إلا إلى التي تليه؛ لأن عوده إلى ما يليه متيقن، وما ~~زاد مشكوك فيه، فلا يثبت بالشك، كقوله تعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة ودية ~~مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا} [النساء: 92] . # فلو قال: علي أربعة وثلاثة، إلا درهمين، صح على الوجه الأول، وبطل على ~~الثاني؛ لأنه استثناء الأكثر، فإن وجدت قرينة صارفة إلى أحد الاحتمالين، ~~انصرف إليه، وكذلك إن عطف على المستثنى، مثل قوله: له علي عشرة إلا أربعة ~~وثلاثة، ففيه وجهان: أحدهما: يصيران كجملة واحدة، فيبطل الاستثناء كله ~~لزيادته على النصف. # والثاني: لا يصيران كجملة واحدة فيبطل الاستثناء الثاني وحده. # فصل # وإذا قال: له عندي تمر في جراب، أو سكين في قراب، أو دراهم في كيس، أو في ~~صندوق، وثوب في منديل: وزيت في زق، وفص في خاتم، فقال ابن حامد: يكون مقرا ~~بالمظروف وحده؛ لأن إقراره، لم يتناول الظرف، فيحتمل أنه أراد: في ظرف لي، ~~وفيه وجه آخر: أنه يكون مقرا بالجميع؛ لأنه ذكره في سياق الإقرار، فكان ~~مقرا به، كالمظروف، وقال: له عندي جراب فيه تمر، أو قراب فيه سكين، وسائر ~~ما مثلنا، أو دابة عليه سرج، أو عبد عليه عمامة، فعلى الوجهين كما ذكرنا، ~~وإن قال: له عندي ثوب مطرز، أو خاتم بفص، أو سرج مفضض، وأطلق، لزمه الثوب ~~بتطريزه، والخاتم بفصه، والسرج بفضته؛ لأنه صفة له. # فصل # وإذا قال: له علي ألف درهم زيوف، أو ناقصة، أو مكسرة، أو إلى شهر، بكلام ~~متصل، لزمه ما أقر به على ms1390 صفته؛ لأنه إنما يلزمه بقوله، فأتبع قوله فيه، ~~إلا أن يفسر الزيوف بما لا قيمة له، فلا يقبل؛ لأنه أثبت في ذمته شيئا، وما ~~لا قيمة له لا يثبت في الذمة، وذكر أبو الخطاب: احتمالا في أنه لا يقبل ~~قوله: مؤجلة؛ لأن التأجيل يمنع استيفاء الحق في الحال، والمذهب: أنه يقبل؛ ~~لأنه يحتمل ما قاله، فوجب اتباعه، كما لو قال: ناقصة، فأما إن سكت سكوتا ~~يمكنه الكلام فيه، ثم وصفها بشيء من هذه الصفات، لم يقبل، ولزمه ألف جياد ~~وازنة صحاح حالة؛ لأن إطلاقها يقتضي ذلك، بدليل ما لو باعه: بألف درهم ~~وأطلق، فإنها تلزمه كذلك: فإذا سكت، استقرت في ذمته # PageV04P306 # كذلك، فلا يتمكن من تغييرها، ولا فرق بين الإقرار بها من غصب، أو وديعة، ~~أو قرض، أو غيره، وإن كان المقر في بلد أوزانهم ناقصة، أو مغشوشة، ففسر ~~إقراره، بدراهم البلد، قبل؛ لأن إطلاقه ينصرف إليها، بدليل إيجابها في ثمن ~~المبيع، ويحتمل أن لا يقبل تفسيره بها؛ لأن إطلاق الدراهم تنصرف إلى دراهم ~~الإسلام، وهو: ما كان عشرة منه وزن سبعة مثاقيل، وتكون فضة خالصة، وهي: ~~التي قدر بها الشرع نصب الزكوات، والديات، والجزية، ونصاب القطع في السرقة، ~~ويخالف الإقرار البيع من حيث إنه أقر بحق سابق، والبيع إيجاب في الحال، وإن ~~أقر بدراهم صغار، فظاهر كلام الخرقي: أنه يقبل تفسيره بدراهم ناقصة؛ لأن ~~الصغر في الذات وصف لا يثبت في الذمة، فلا ينصرف الإقرار إليه؛ لأنه إخبار ~~عما في الذمة، ويحتمل أن لا يقبل تفسيره بناقص؛ لأنه يحتمل صغيرا في ذاته، ~~وهو وازن، وإن أقر بدرهم كبير، لزمه درهم من دراهم الإسلام؛ لأنه كبير في ~~العرف، وإن قال: له علي دراهم عددا، لزمته وازنة؛ لأن الدراهم تقتضي أن ~~تكون وازنة، وذكر العدد لا ينفي كونها وازنة، فوجب الجميع، وإن فسر الدراهم ~~بسكة البلد، أو سكة تزيد عليها، قبل؛ لأنه غير متهم، وإن كانت تنقص عنها، ~~ففيه وجهان: أحدهما: لا يقبل؛ لأن إطلاقه يحمل على دراهم البلد، كما في ms1391 ~~البيع. # والثاني: يقبل؛ لأنه فسرها بدراهم الإسلام، وإن قال: له علي دريهم، لزمه ~~درهم وازن؛ لأنه هو المعروف، والتصغير قد يكون لقلته عنده، أو لمحبته، أو ~~غير ذلك، وإن قال: له علي دراهم، لزمه ثلاثة؛ لأنها أقل الجمع، وإن قال: ~~دراهم كثيرة، لم يلزمه أكثر من ثلاثة؛ لأنها كثيرة بالإضافة إلى ما دونها، ~~ويحتمل أنها كثيرة عنده، أو في نفسه، وإن قال: له علي ما بين درهم إلى ~~عشرة، لزمه ثمانية؛ لأنها الذي بينهما. # وإن قال: من درهم إلى عشرة، ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه تسعة؛ لأن الواحد ~~أول العدد، فيدخل فيه، ولا يدخل العاشر؛ لأنه غاية ينتهي إليها، فلم يدخل. # والثاني: يلزمه عشرة؛ لأن العاشر أحد الطرفين، فيدخل فيه كالأول، ويحتمل ~~أن يلزمه ثمانية كالتي قبلها. # فصل # وإذا قال: له علي ألف لا يلزمني، أو من ثمن خمر، أو خنزير، أو تكفلت به ~~عن فلان على أني بالخيار، لزمه ما أقر به، وسقط ما وصله به؛ لأنه يسقط ما ~~أقر به، فلم يقبل، كاستثناء الكل، وإن قال: هذا العبد لفلان رهن عندي على ~~دين لي عليه، فأنكر # PageV04P307 # المقر له الدين، لزمه العبد، والقول قول المالك في نفي الدين مع يمينه؛ ~~لأن العين ثبتت له بالإقرار، وادعى المقر دينا، فكان القول قول من ينكره، ~~وكذلك لو أقر بدار، وقال: قد استأجرتها، أو بثوب، وادعى أنه قصره أو خاطه ~~بأجرة، أو بعبد، وادعى استحقاق خدمته، أو أقر بسكنى دار غيره، فادعى أنه ~~سكنها بإذنه، فالقول قول المالك مع يمينه لما ذكرناه. # وإن قال: له علي ألف من ثمن مبيع لم أقبضه، ففيه وجهان: أحدهما: القول ~~قول المالك كما ذكرنا. # والثاني: القول قول المقر؛ لأنه أقر بحق في مقابلة حق لا ينفك أحدهما عن ~~الآخر، فإذا لم يسلم له ماله، لم يسلم ما عليه، كما لو قال لرجل: بعتك هذا ~~بألف، وقال بل ملكتنيه بغير شيء، وفارق ما لو قال: لك عندي رهن، فقال ~~المالك: بل وديعة؛ لأن الدين بنفسك عن الرهن، والثمن ms1392 لا ينفك عن المبيع، ~~ولو قال: له علي ألف من ثمن مبيع، ثم سكت، ثم قال: لم أقبضه قبل، كالمتصل؛ ~~لأن إقراره تعلق بالمبيع، والأصل عدم القبض، فقبل قوله فيه، ولو قال: له ~~علي ألف، ثم سكت، ثم قال: من ثمن مبيع لم أقبضه، لم يقبل؛ لأنه فسر إقراره ~~بما يمنع وجوب التسليم بكلام منفصل، كما لو قال: له علي ألف، ثم سكت، ثم ~~قال قبضتها. # فصل # وإذا قال: له عندي ألف، ثم قال: هي وديعة، قبل تفسيره، سواء قال ذلك ~~متصلا أو منفصلا؛ لأنه فسر لفظه بما يقتضيه، فقبل، كما لو قال: له علي ألف ~~وفسره بدين، فعند ذلك تثبت أحكام الوديعة، بحيث لو ادعى تلفها، كان القول ~~قوله، ولو قال: له عندي ألف فطالبه به بعد مدة، فقال: كانت وديعة، فتلفت، ~~أو قال: رددتها عليك، فالقول قوله، نص عليه أحمد، كما ذكرنا، ولو قال: لك ~~عندي وديعة وقد تلفت، فقال القاضي: يقبل قوله كذلك، ويتوجه أن لا يقبل ها ~~هنا؛ لأن الألف المردود والتالف ليس عنده، ولا هي وديعة: وإن قال: كانت ~~عندي فظننتها باقية، ثم عرفت أنها هلكت، فالحكم فيها كالتي قبلها. # ولو قال: له عندي ألف، ثم فسره بدين عليه، قبل؛ لأنه يقر بما هو أغلظ، ~~وإن قال: له علي ألف، ثم قال: وديعة، وقال المقر له: بل هي دين، فالقول قول ~~المقر له؛ لأن "علي" للإيجاب في الذمة، والإقرار يؤخذ فيه بظاهر اللفظ، ~~بدليل أنه لو أقر بدراهم، أخذ بثلاثة، فعند ذلك تثبت أحكام الدين، فلا تسمع ~~دعواه تلفها. # وإن قال: لك علي ألف، ثم أحضرها وقال: هذه التي أقررت بها، وهي وديعة، ~~فقال المقر له: هذه وديعة، والمقر به غيرها، دين عليك، فالقول قول المقر ~~له، لما ذكرناه. # هذا ظاهر كلام الخرقي وقال القاضي: القول قول المقر، إلا أن يكون قال: # PageV04P308 # علي ألف في ذمتي، فيكون القول قول المقر له، قال: وقد قيل: القول قول ~~المقر؛ لأنه يحتمل أنه أراد: في ذمتي أداؤها، أو ms1393 يكون وديعة تعدى فيها، ~~وإذا لم يقل: في ذمتي، قبل قوله؛ لأن الوديعة عليه حفظها وأداؤها؛ لأن حروف ~~الصلة يخلف بعضها بعضا، قال الله تعالى إخبارا عن موسى - عليه السلام -: ~~{ولهم علي ذنب} [الشعراء: 14] أي: عندي. # وإن قال: له علي ألف وديعة، قبل؛ لأنه وصل كلامه بما يحتمله، فصح، كما لو ~~قال: ألف نقص، وإن قال: له علي ألف وديعة دينا، أو مضاربة دينا، صح؛ لأنه ~~قد يتعدى فيها فتكون دينا. ### | باب الرجوع عن الإقرار # ومن أقر بحق لآدمي، أو حق لله تعالى، لا تسقطه الشبهة، كالزكاة، ~~والكفارة، ثم رجع عن إقراره لم يقبل رجوعه؛ لأنه حق ثبت لغيره، فلم يسقط ~~بغير رضاه، كما لو ثبت ببينة، وإن أقر بحد، ثم رجع عنه، قبل رجوعه؛ «لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أتاه ماعز، فشهد على نفسه أربع شهادات، ~~دعاه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: هل بك جنون» ؟ متفق عليه، فلو لم ~~يسقط بالرجوع، لما عرض له به، ولو أقيم عليه بعض الحد، ثم رجع، قبل رجوعه، ~~ويخلى سبيله، لما روي «أن ماعزا هرب في أثناء رجمه، قال جابر: فأدركناه ~~بالحرة، فرجمناه حتى مات، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فهلا تركتموه ~~يتوب، فيتوب الله عليه» ، ولأنه إذا سقط جميعه بالرجوع، فبعضه أولى وإن هرب ~~في أثناء الحد ترك، لما رويناه، ولأنه يحتمل الرجوع، فإن لم يتركوه حتى ~~قتلوه، لم يضمنوه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يضمنهم ديته، ولأن ~~الهرب ليس بصريح في الرجوع، فلم يسقط به المتيقن. # فصل # وإذا قال: هذه الدار لزيد، بل لعمرو، أو غصبتها من زيد، بل من عمرو، حكم ~~بها لزيد؛ لأن إقراره له بها، ولم يقبل رجوعه عن إقراره له؛ لأنه حق لآدمي، ~~ويلزمه أن يغرم قيمتها لعمرو؛ لأنه حال بينه وبين ماله، لإقراره به لغيره، ~~فلزمه ضمانه، كما لو أتلفه، وإن قال: غصبتها من أحدهما، طولب بالتعيين، فإن ~~عين أحدهما، لزمه دفعها إليه، وعليه اليمين للآخر، فإن نكل عنها، غرم ms1394 له، ~~لما ذكرنا. # وإن قال: غصبتها من زيد، وملكها لعمرو، لزمه دفعها إلى زيد، لإقراره له ~~باليد، ولا يقبل قوله: ملكها لعمرو؛ لأنه إقرار على غيره، ولا يغرم لعمرو ~~شيئا؛ لأنه لا تفريط منه، إذ يجوز أن يكون ملكها لعمرو، وهي في يد زيد ~~بإجارة، أو غيرها. # وإن قال: ملكتها لزيد # PageV04P309 # وغصبتها من عمرو، فالحكم فيها كالتي قبلها. # لا فرق بين التقديم والتأخير، ويحتمل أن يلزمه تسليمها إلى زيد، ويلزمه ~~ضمانها لعمرو، كما لو قال: غصبتها من زيد، بل من عمرو. # وإذا مات رجل وخلف ألفا، فادعاها رجل، فأقر له بها الوارث، ثم ادعاها ~~آخر، فأقر له بها، فهي للأول، ويغرمها للثاني، لما ذكرنا في أول الفصل، وإن ~~ادعى رجل على ميت ألفا، فصدقه الوارث، ثم ادعى آخر على الميت ألفا، فصدقه ~~الوارث، فقال الخرقي: إن كان في مجلس واحد، فهي بينهما؛ لأن حكم المجلس ~~الواحد حكم الحال الواحد. # وإن كان في مجلسين، فهي للأول؛ لأنه استحق تسليمها كلها بالإقرار له، فلا ~~يقبل إقرار الوارث بما يسقط حقه؛ لأنه إقرار على غيره. ### | باب الإقرار بالمجمل # إذا قال: له علي شيء، أو كذا، قيل له: فسره، فإن أبى، حبس حتى يفسره؛ ~~لأنه أقر بالحق، وامتنع من أدائه، فحبس عليه، وقال القاضي: إذا امتنع من ~~البيان، قيل للمقر له: فسره أنت، ثم يسأل المقر: فإن صدقه، ثبت عليه، وإن ~~أبى، جعل ناكلا، وقضي عليه، وإذا مات، أخذ ورثته بمثل ذلك، وإن فسره بمال ~~قبل وإن قل؛ لأنه شيء، وإن فسره بقشر جوزة، وحبة حنطة، ونحوهما مما لا ~~يتمول عادة، لم تقبل؛ لأن إقراره اعتراف بحق عليه، وهذا لا يثبت في الذمة، ~~وكذلك إن فسره بكلب، أو حيوان يحرم اقتناؤه، وإن فسره بكلب يجوز اقتناؤه أو ~~جلد ميتة، غير مدبوغ، ففيه وجهان: أحدهما: يقبل؛ لأنه يجب عليه رده، ~~فالوجوب ثابت عليه. # والثاني: لا يقبل؛ لأن إقراره يقتضي وجوب ضمانه عليه، وهذا لا يضمنه، وإن ~~فسره بحد قذف، أو شفعة، قبل؛ لأنه حق عليه ms1395 في ذمته، وإن قال: غصبتك لم ~~يلزمه شيء؛ لأنه قد يغصبه نفسه، وإن قال: غصبتك شيئا، لزمه حق يؤخذ بتفسيره ~~على ما بيناه. # فصل # وإن أقر بمال، قبل تفسيره بالقليل والكثير؛ لأن اسم المال يقع عليه، وإن ~~قال له علي مال عظيم، أو كثير، أو جليل، أو خطير، فكذلك؛ لأنه ما من مال ~~إلا وهو عظيم كثير بالنسبة إلى ما دونه، ويحتمل أنه أراد عظمه عنده، لقلة ~~ماله، وفقر نفسه. # وإن قال: له علي أكثر من مال فلان، قبل تفسيره بالقليل والكثير؛ لأنه ~~يحتمل أنه أراد أكثر بقاء نفعا، أو لكونه حلالا، سواء علم مال فلان، أو ~~جهله، هذا قول أصحابنا. # والأولى أنه يلزمه أكثر منه قدرا؛ لأنه ظاهر اللفظ السابق إلى الفهم، ~~فلزمه، كما لو أقر # PageV04P310 # بدراهم، لزمه ثلاثة، ولم يقبل تفسيره بما دونها. # فصل # إذا قال: له علي كذا درهم بالجر، قبل تفسيره بجزء من درهم؛ لأن "كذا" ~~يحتمل، أن يكون جزءا مضافا إلى درهم، وإن قال: كذا درهم مرفوعا، لزمه درهم؛ ~~لأن تقديره: شيء هو درهم، وإن قال: كذا درهما، فكذلك، ويكون نصبه على ~~التمييز. # وإن قال: كذا كذا درهم، فالحكم فيها كغير المكررة؛ لأن التكرير للتأكيد، ~~وإن قال: كذا وكذا درهم، فكذلك؛ لأنه بمنزلة قوله: شيئان هما درهم، وفي ~~الخفض بمنزلة: جزء درهم، وفي النصب وجهان: أحدهما: يلزمه درهم، اختاره ابن ~~حامد والقاضي؛ لأن الدرهم الواحد يجوز أن يكون تفسيرا لشيئين، كل واحد بعض ~~درهم. # والثاني: يلزمه درهمان، اختاره التميمي؛ لأنه ذكر جملتين فسرهما بدرهم، ~~فيعود التفسير إلى كل واحد منهما، كقوله: عشرون درهما، وحكي عن التميمي ~~أيضا: أنه يلزمه، أكثر من درهم، جعل الدرهم تفسيرا لما يليه، ورجع في تفسير ~~الأولى إليه. # فصل # وإن قال: له علي ألف، رجع في تفسير جنسها إليه، فإن فسرها بأجناس، قبل ~~منه؛ لأنه يحتمل ذلك، وإن قال: له علي ألف ودرهم، أو درهم وألف، ففيه ~~وجهان: أحدهما: الجميع دراهم، اختاره ابن حامد، والقاضي؛ لأنه ذكر مبهما مع ~~مفسر، فكان ms1396 المبهم من جنس المفسر، كما لو قال: مائة وخمسون درهما، ولأن ~~العرب تكتفي بتفسير إحدى الجملتين عن الأخرى، كقول الله تعالى: {ولبثوا في ~~كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا} [الكهف: 25] . # والثاني: يرجع في تفسير الألف إليه؛ لأن العطف لا يقتضي التسوية بين ~~المعطوفين في الجنس، بدليل أنه يجوز أن يقول: رأيت رجلا وحمارا، وإن قال: ~~له علي ألف، إلا خمسين درهما، فعلى الوجهين. # أحدهما: يكون الجميع دراهم؛ لأن الاستثناء، المطلق، ينصرف إلى الاستثناء ~~من الجنس، بدليل ما لو قال: له علي ألف درهم إلا خمسين. # PageV04P311 # والثاني: يرجع في تفسير الألف إليه؛ لأنه يحتمل أنه أراد الاستثناء من ~~غير الجنس، وإن قال: له علي ألف وخمسون درهما، أو ألف وثلاثة دراهم، ~~فالجميع دراهم؛ لأن الدرهم المفسر في كلامهم يفسر جميع ما قبله، كقوله ~~سبحانه: {تسع وتسعون نعجة} [ص: 23] وقوله: {أحد عشر كوكبا} [يوسف: 4] ~~والفرق بينها وبين التي قبلها أن الدرهم هاهنا للتفسير، لا يجب به زيادة ~~على العدد، وفي التي قبلها، ذكر للإيجاب، ولهذا يجب به زيادة على الألف، ~~ويحتمل أن يرجع في تفسير الألف إليه، لما ذكرنا في التي قبلها. # فصل # وإذا أقر بألف في وقت، ثم أقر بألف في وقت آخر، لزمه ألف واحد؛ لأنه خبر، ~~فيجوز أن يكون الثاني خبرا عما أخبر به في الأول، وإن قال: ألف من قرض، ثم ~~قال ألف من ثمن مبيع، لزمه الألفان؛ لأن الثاني غير الأول، وإن قال: ألف ~~وألف، أو فألف، أو ثم ألف، لزمه ألفان؛ لأن العطف يقتضي كون المعطوف غير ~~المعطوف عليه. # وإن قال: له علي درهم ودرهمان، لزمه ثلاثة كذلك، وإن قال: له علي درهم، ~~ودرهم، ودرهم، لزمه ثلاثة كذلك، وقال بعض أصحابنا: إن قال: أردت بالثالث ~~التوكيد، قبل؛ لأنه في لفظ الثاني وكذلك الحكم إن قال: له علي درهم، فدرهم، ~~فدرهم، أو درهم، ثم درهم، ثم درهم، وإن قال: له علي درهم، ودرهم، ثم درهم، ~~لزمته ثلاثة؛ لأن الثالث لا يصلح للتأكيد، لمخالفته للثاني، وإن قال: له ms1397 ~~علي درهم، بل درهم، لزمه درهم؛ لأنه لم يقر بأكثر منه، ويحتمل أن يلزمه ~~درهمان؛ لأنه أضرب عن الأول، فلم يسقط بإضرابه، وأثبت الثاني معه، ذكره أبو ~~بكر، وابن أبي موسى. # وإن قال: له علي درهم، بل درهمان، لزمه درهمان، وإن قال: له علي درهم، بل ~~دينار، لزمه درهم ودينار؛ لأنه أضرب عن الدرهم فلم يسقط، وأثبت معه دينارا، ~~فلزماه، وإن قال: له علي هذا الدرهم، بل هذان الدرهمان، لزمه ثلاثة كذلك، ~~وإن قال: له علي قفيز حنطة بل، قفيزا شعير، لزمه الثلاثة كذلك، وإن قال: له ~~علي درهم، نصفه، لزمه نصف درهم؛ لأن هذا بدل البعض، وهو سائغ، فينزل منزلة ~~الاستثناء. # وإن قال: له علي درهم، أو دينار لزمه أحدهما، يرجع في تعيينه إليه، ويؤخذ ~~به؛ لأنه أقر بأحدهما. # وإن قال: له علي درهم في دينار، لزمه درهم؛ لأنه يجوز أن يريد: في دينار ~~لي، وإن قال: له علي درهم فوق درهم، أو تحت درهم، فقال القاضي: يلزمه درهم؛ ~~لأنه يحتمل فوق درهم، أو تحته في الجودة، فلم يلزمه زيادة مع الاحتمال، ~~وقال أبو # PageV04P312 # الخطاب: يلزمه درهمان؛ لأنه إقرار بدرهم، مقرون بآخر، فلزماه جميعا، وإن ~~قال: له علي درهم مع درهم، أو معه درهم، أو قبله درهم، أو بعده درهم، لزمه ~~درهمان؛ لأن "قبل" و "بعد" يستعملان للتقديم والتأخير في الوجوب، فحمل ~~عليه، وإن قال: له علي درهم في عشرة، وفسره بإرادة الحساب، لزمه عشرة، وإن ~~فسره بدرهم مع عشرة، لزمه أحد عشر، وإن لم يفسره لزمه درهم؛ لأنه يحتمل: في ~~عشرة لي، إلا أن يكون عرفهم استعمالهم "في" ذلك، بمعنى "مع" فيحتمل وجهين. # فصل # وإن قال: له في هذا العبد شركة، أو هو شركة بيننا أو هو لي وله، كان مقرا ~~بجزء من العبد، يؤخذ بتفسيره، ويقبل بتفسيره بالقليل والكثير؛ لأن اللفظ ~~يقع عليه، وإن قال: له في هذا العبد ألف، طولب بالبيان. # فإن قال: وزن في ثمنه ألفا عني، كانت قرضا، وإن لم يقل: عني، كان شريكا ms1398 ~~بقدرها، وإن قال: أوصي له بألف من ثمنه، قبل، وإن فسرها: بألف من جناية ~~جناها العبد، قبل أيضا؛ لأنه يحتمل ذلك، وإن قال: هو رهن عندي بألف ففيه ~~وجهان: أحدهما: يقبل؛ لأن الدين يتعلق بالرهن، فصح تفسيره به، كالجناية. # والثانية: لا يقبل؛ لأن حق المرتهن في الذمة لا في العبد، وإن قال: له في ~~ميراث أبي ألف، لزمه تسليمها إليه؛ لأن حق المرتهن في الذمة لا في العبد، ~~وإن قال له في ميراث أبي ألف لزمه تسليمها إليه، وإن قال: له في ميراثي من ~~أبي ألف، وقال: أردت هبة، وبدا لي من تقبيضها، قبل منه؛ لأنه أضاف الميراث ~~إلى نفسه، ولا ينتقل ماله إلى غيره إلا من جهته وإن قال: له في هذا المال ~~ألف، لزمه، وإن قال: له في مالي هذا ألف، أو من مالي هذا ألف، وفسره بدين، ~~أو وديعة، قبل منه؛ لأنه يحتمل صدقه فقبل كالأول. # فصل # ومن شهد بحرية عبد غيره، أو أقر بها، ثم اشتراه، عتق عليه، لاعترافه ~~بحريته، ويكون بيعا في حق البائع، واستخلاصا في حق المشتري، وولاؤه موقوف؛ ~~لأن أحدا لا يدعيه، فإذ مات وخلف مالا، فقال القاضي: للمشتري منه قدر ثمنه ~~عوضا عما استخصله به، كما لو استنقذ أسيرا من بلد الروم بثمن، وإن رجع ~~البائع فصدق المشتري في إعتاقه، لزمه رد الثمن عليه، والولاء له؛ لأنه ~~إقرار بسبب للميراث لا منازع له فيه، فقبل، كالإقرار بالنسب، وإن رجع ~~المشتري عن الشهادة بالحرية، لم يقبل في الحرية؛ لأنه حق لغيره، وقيل في ~~الولاء لعدم المنازع له. # PageV04P313 ### | باب الإقرار بالنسب # إذا أقر رجل بنسب مجهول النسب يمكن كونه منه، وهو صغير، أو مجنون، ثبت ~~نسبه منه؛ لأنه أقر له بحق، فثبت، كما لو أقر له بمال، فإن بلغ الصبي، ~~وأفاق المجنون، وأنكر النسب، لم يسقط؛ لأنه نسب حكم بثبوته، فلم يسقط برده، ~~كما لو قامت به بينة. # وإن كان المقر به بالغا عاقلا لم يثبت نسبه حتى يصدقه؛ لأن له فيه قولا ~~صحيحا، ms1399 فاعتبر تصديقه، كما لو أقر له بمال، وإن كان المقر به ميتا، ثبت ~~نسبه وإن كان بالغا؛ لأنه لا قول له، أشبه المجنون. # ومتى ثبت نسب المقر له به، فرجع المقر عن الإقرار، لم يقبل رجوعه؛ لأنه ~~حق لغيره، وإن صدقه المقر له في الرجوع، ففيه وجهان. # أحدهما: لا يسقط؛ لأن النسب إذا ثبت، لم يسقط بالاتفاق على نفيه، كالثابت ~~بالفراش. # والثاني: يقبل؛ لأنهما اتفقا على الرجوع عن الإقرار، أشبه الرجوع عن ~~الإقرار بالمال. # فصل # وإن أقر على أبيه أو غيره بنسب في حياته، لم يقبل إقراره؛ لأن إقرار ~~الرجل على غيره غير مقبول، وإن أقر بعد موته وكان الميت قد نفاه، لم يثبت؛ ~~لأنه يحمل على غيره نسبا قد حكم بنفيه، وإن لم يكن نفاه، ولكن المقر غير ~~وارث، لم يقبل إقراره؛ لأنه لا يقبل إقراره في المال، فكذا في النسب، وإن ~~كان وارثا ومعه شريك في الميراث لم يثبت النسب بقوله؛ لأنه لا يثبت في حق ~~شريكه، فوجب أن لا يثبت في حقه، وإن كان هو الوارث وحده، ثبت النسب بقوله، ~~لما روت عائشة - رضي الله عنها - قالت: «اختصم سعد بن أبي وقاص، وعبد بن ~~زمعة في ابن وليدة زمعة، فقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي؛ ولد على ~~فراشه، وقال سعد: ابن أخي عهد إلي فيه أخي، فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش» ، متفق عليه؛ ولأن الوارث ~~يقوم مقام موروثه في حقوقه، وهذا من حقوقه، وإن كان المقر بنتا واحدة، ثبت ~~النسب بقولها؛ لأنها ترث المال كله بالفرض والرد، وإن خلف زوجة، فأقرت بابن ~~لزوجها، فوافقها الإمام، ثبت نسبه، وإلا فلا. # وإن خلف ابنين عاقلا، ومجنونا، فأقر العاقل بأخ، لم يثبت النسب؛ لأنه لا ~~يرث المال كله، فإن مات المجنون، وله وارث غير أخيه، لم # PageV04P314 # يثبت النسب إلا باتفاقهم جميعا، وإن لم يخلف وارثا إلا أخاه، قام مقامه ~~في الإقرار، وإن كانا عاقلين، فأقر أحدهما بنسب صغير ثم ms1400 مات الآخر، ففيه ~~وجهان: أحدهم: يثبت النسب؛ لأن المقر صار جميع الورثة. # والثاني: لا يثبت؛ لأن تكذيبه لشريكه يبطل الحكم بنسبه، فلم يثبت، كما لو ~~أنكر الأب نسبه في حياته، فأقر به الوارث، وإن خلف ابنا، فأقر بأخ، ثبت ~~نسبه. فإن أقر الثالث، ثبت نسبه أيضا، فإن أنكر الثالث الثاني ففيه وجهان: ~~أحدهما: يسقط نسبه؛ لأن الثالث ابن، فاعتبر إقراره في ثبوت نسب الثاني. # والثاني: لا يسقط؛ لأنه ثبت نسبه: قبل الثالث، ولأن الثالث فرع على نسب ~~الثاني، فلا يسقط الفرع أصله، وإن خلف أبنا، فأقر بأخوين له في وقت واحد، ~~فصدق كل واحد منهما لصاحبه، ثبت نسبهما، وإن تكاذبا، لم يثبت نسب واحد ~~منهما في أحد الوجهين؛ لأنه لم يجتمع كل الورثة على الإقرار لهما، وفي ~~الآخر يثبت نسبهما؛ لأنه ثبت بقول ثابت النسب قبلهما، فلم يؤثر إنكارهما، ~~وإن صدق أحدهما بصاحبه، وكذب به الآخر، ثبت نسب المصدق به، وفي الآخر ~~وجهان، وإن أقر ابن الوارث، بنسب أحد التوأمين، ثبت نسبهما، فإن كذب أحدهما ~~بصاحبه، لم يؤثر التكذيب لأنهما لا يفترقان في النسب، وإن أقر الوارث بنسب ~~من يحجبه، كأخ أقر بابن للميت، ثبت نسبه، وورث دونه؛ لأن حجبه لو منع ~~إقراره، لما صح إقرار الابن بأخ؛ لأنه يخرج بإقراره عن كونه كل الورثة. # فصل # إذا كان لرجل أمة لها ثلاثة أولاد، ولم يقر بوطئها، ولا زوج لها فقال: ~~أحد أولادها ابني، أخذ ببيان النسب والتعيين، فإذا عين أحدهما، ثبت نسبه ~~وحريته، فإن قال: هو من نكاح فعليه الولاء لأبيه؛ لأنه قد مسه رق، والأمة ~~وولداها الآخران رقيق قن؛ لأنها لم تعلق منه بحر في ملكه، وإن قال: من وطء ~~شبهة، فالولد حر الأصل، وأمه وأخواه مملوكون، وإذا قال: استولدتها في ملكي، ~~فالولد حر الأصل، ولا ولاء عليه، والجارية أم ولد، فإن كان المعين الأكبر، ~~فأخواه ابنا أم ولد، حكمهما حكمها؛ لأنها ولدتهما بعد استيلادهما وثبوت حكم ~~أم الولد لها، وإن عين الأوسط، فالأكبر رقيق، والأصغر له حكم أمه، ms1401 وإن عين ~~الأصغر، فأخواه رقيق؛ لأنها ولدتهما قبل كونها أم ولده وإن مات قبل البيان، ~~أخذ ورثته بالبيان، ويقوم بيانهم مقام بيانه، فإن بينوا النسب دون ~~الاستيلاد، ثبت النسب وحرية الولد، ولم تصر الأمة أم ولد؛ لاحتمال كونه من ~~نكاح وغيره، وإن لم يعينوا أحدا منهم، عرضوا على القافة، فإن ألحقوا به ~~واحدا # PageV04P315 # ألحقناه به، ولا يثبت حكم الاستيلاد لغيره، وإن لم يكن قافة، وأشكل، ~~أقرعنا بينهم، لتميز الحرية، فمن وقعت عليه القرعة، عتق، وورث، ويحتمل أن ~~تصير الأمة أم ولد في هذه المواضع؛ لأنه أقر بولدها وهي في ملكه، فالظاهر ~~أنه استولدها في ملكه. # فصل # فإن كان له أمتان لكل واحدة منهما ولد، ولا زوج لواحدة منهما، ولم يقر ~~بوطئها، فقال: أحد هذين ابني، أخذ بالبيان، فإن عين أحدهما، ثبت نسبه ~~وحريته، ويطالب ببيان الاستيلاد فإن قال: استولدتها في ملكي، فالولد حر ~~الأصل، وأمه أم ولد، وإن قال: من نكاح، أم وطء شبهة، فالأمة رقيق قن، وترق ~~الأخرى وولدها. # فإن ادعت الأخرى أنها المستولدة، فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم ~~استيلادها، وإن مات قبل البيان، قام وارثه مقامه على ما بينا في المسألة ~~التي قبلها، فإن لم يكن له وارث،، أو لم يعين الوارث، عرضا على القافة، ~~فألحق بمن ألحقته به القافة، وإن لم يكن قافة، أو أشكل أقرع بينهما، فيعتق ~~أحدهما بالقرعة، وقياس المذهب أنه يثبت نسبه ويرث أيضا. # فصل # وإن خلف رجل ابنين، فأقر أحدهما بدين على أبيه لأجنبي، وكان عدلا، ~~فللغريم أن يحلف مع شهادته، ويأخذ دينه، وإن لم يكن عدلا، حلف المنكر، ~~وبرئ، ويلزم المقر من الدين بقدر ميراثه؛ لأنه لو لزمه بإقراره جميع الدين، ~~لم تقبل شهادته على أخيه، لكونه يدفع بها عن نفسه ضررا، ولأنه لا يرث إلا ~~نصف التركة، فلم يلزمه أكثر من نصف الدين، كما لو وافقه أخوه، وإن لم يخلف ~~الميت تركة، لم يلزم الوارث من الدين شيء؛ لأنه لا يلزمه أداء دينه إذا كان ~~حيا مفلسا، فكذلك إذا ms1402 كان ميتا. # وإن كانت له تركة، تعلق الدين بها، فإن أحب الوارث تسليمها في الدين، لم ~~يلزمه سوى ذلك، وإن أحب استخلاصها وإيفاء الدين من ماله، فله ذلك، ويلزمه ~~أقل الأمرين من قيمتها، أو قدر الدين بمنزلة دين الجناية في رقبة الجاني، ~~وإذا قال الرجل في مرضه: هذه الألف لقطة، فتصدقوا بها، ولا مال له سواها، ~~فقال أبو الخطاب: يلزمهم التصدق بثلثها؛ لأنها جميع ماله، والأمر بالصدقة ~~بها وصية بجميع المال، فلا يلزمهم منها إلا الثلث، وقال القاضي: يلزمهم ~~الصدقة بجميعها؛ لأن أمره بالصدقة بها يدل على تعديه فيها على وجه تلزمهم ~~الصدقة بجميعها، فيكون ذلك إقرارا منه لغير وارث، فيجب امتثاله والله أعلم. # تم بحمد الله ومنته الجزء الرابع من الكافي في فقه الإمام أحمد وبه تمام ~~الكتاب والحمد لله رب العالمين. PageV04P316 ms1403