######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_002183 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد الله بن قدامه #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 620 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: كتاب التوابين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر الحديث السنية ـ القسم العام #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_002183 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/2183_كتاب-التوابين-عبد-الله-بن-قدامه #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد القادر الأرناؤوط #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # كتاب التوابين تأليف الامام موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن ~~محمد بن قدامة المقدسي ولد سنة 541 ه‍ وتوفي سنة 620 ه‍ رحمه الله تعالى حق ~~نصوصه وعلق عليه عبد القادر الأرناؤوط الناشر مكتبة الشرق الجديد - بغداد ~~PageV0MP001 # بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة المحقق إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ~~ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا ~~مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. # وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد ان محمدا عبده ورسوله. # وبعد: فهذا كتاب التوابين للامام الفقيه الزاهد شيخ الاسلام موفق الدين ~~أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي نقدمه للناس ~~في وقت أحوج ما تكون فيه إلى التوبة من الذنوب بالرجوع إلى الله تعالى ستار ~~العيوب وغفار الذنوب، فإن التوبة مبدأ طريق السالكين، ورأس مال الفائزين، ~~وأول إقدام المريدين، ومفتاح استقامة المائلين - استعرض فيه المؤلف أخبار ~~التائبين، وقصص المنيبين ممن كانوا في مختلف العصور القديمة والحديثة، من ~~عهد آدم عليه السلام إلى أوائل القرن السابع الهجري الذي كان فيه المؤلف ~~رحمه الله. # وافتتحه بذكر توبة الملائكة عليهم السلام - وسرد قصة هاروت وماروت على ~~أنهما ملكان - ثم ذكر توبة بعض الأنبياء والمرسلين الذين PageV0MP003 # ورد ذكر توبتهم في كتاب ربنا التواب الرحيم، وسنة نبينا محمد عليه أفضل ~~السلاة وأتم التسليم، كما ذكر توبة بعض ملوك الأمم الماضية والقرون الحالية ~~وبعض أتباع الأنبياء المتقدمين، من بني إسرائيل قبل البعثة المحمدية، ثم من ~~تاب من أصحاب نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وغير واحد من ملوك هذه ~~الأمة وسلاطينها وأمرائها حتى زمنه، ممن تاب من اعتقاد فاسد، أو مذهب غير ~~صحيح، أو اقلع عن الوقيعة في الناس، وشرب الخمر، وارتكاب الفواحش، وعمل ~~السحر، والتأنث والتخنث، والزنا، وغير ذلك مما يجرى في كل عص ومصر وزمان ~~ومكان. # وحتم الكتاب بأخبار بعض أهل الكتاب الذين اعتنقوا الاسلام وآمنوا بدعوة ~~محمد عليه الصلاة والسلام. وقد ms001 استمد رحمه الله اخبار كتاب هذا مما قصه ~~الله تعالى علينا في كتابه المبين، ومما تحدث به نبينا الكريم، مما هو مدون ~~في الصحاح والسنن والمسانيد، كما اعتمد بعض الكتب التي تعنى بالرقائق ~~والوعظ، مثل مصنفات الحافظ ابن أبي الدنيا المتوفى سنة (281 ه‍) وتنبيه ~~الغافلين للامام أبي الليث السمرقندي المتوفي سنة (373 ه‍) وملتقط الحكايات ~~للإمام ابن الحوزي المتوفي سنة (579 ه‍) وما سمعه من أستاذه المشهود له ~~بالفضل والعلم والمعرفة الشيخ عبد القادر الجيلاني المتوفي سنة (561 ه‍) ~~فكان هذا الكتاب أوفى وأوسع وأجمع من الكتب التي سبقته في موضوعه. # وغير خاف أن طريقة العرض التي اختارها المؤلف لسرد الاخبار في كتابه هذا ~~مشوقة محببة، تحكيها صورة جذابة، وتشرحها جمل سهلة مألوفة، يجني القاري ~~منها العبرة والفائدة في لطف ويسر واشتياق. # ولا شك ان مطالعته بحرارة وشوق توقظ في الانسان التقوى التي PageV0MP004 # تحمله على التقرب من الله وحده بما يقوم به من انسلاخ عن الرذائل وبعد عن ~~أسبابها، ومن تحل بالفضائل والتماس أسبابها وميسراتها، جعلنا الله بمن ~~يستمعون القول فيتبعون أحسنه (ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم نغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاصرين). # الباعث على طبع الكتاب: # القد عثرت أثناء مطالعاتي في دار الكتب الظاهرية على مخطوطة جيدة لكتاب ~~التوابين، ونظرت في قسم المطبوعات، فوجدته قد طبع سنة (1961 م) باشراف ~~المعهد الفرنسي للدراسات العربية، وبتحقيق الأستاذ جورج المقدسي، فأخذت ~~أقلب صفحاته، وأقرا بعض فصوله، فأثار إعجابي، وملك علي مشاعري وترك في نفسي ~~اثرا طيبا، وقدرت في نفسي انني أستطيع ان اقتني منه نسخة مطبوعة، لكنني ~~فوجئت بما لم أكن أتوقعه حينما طلب مني صاحب المكتبة فمنه (40) ليرة سورية، ~~وأيقنت أن الانتفاع به محصور في نفر قليل من الناس لا يتجاوزون عد الأصابع ~~من ذوي اليسار والجدة، فنشأت عندي رغبة في تحقيقه ونشره بثمن ميسر ليعم ~~نفعه ويكون في متناول كل الطبقات، سيما وان بعض أهل العلم ممن له اطلاع ~~ومعرف شجعني على ذلك، ومن ثم صورت النسختين ms002 الموجودتين في دار الكتب ~~الظاهرية، وشرعت في تحقيقه بعد الاتفاق مع صاحب دار البيان السيد بشير ~~عيون، الذي أبدى استعداده ورغبته، وقدم كافة التسهيلات الميسرة لاخراجه، ~~فجزاء الله تعالى خير، وسدد خطاه وشكر مسعاه. # وصف النسخ التي اعتمدنا في الطبع: # لقد اعتمدنا في طبع هذا الكتاب على نسختين خطيتين في دار الكتب الظاهرية ~~العامرة بدمشق الشام المحروسة. PageV0MP005 # النسخة الأولى تحت رقم عام (5603) وعدد صفحاتها (275) صفحة، في كل صفحة ~~(15) سطرا، في كل سطر (10) كلمات تقريبا، مقياس 24 * 16 رسم خطها حسن مقرره ~~واضح، وهي موشحة ببعض التصحيحات والتصويبات، كتبت سنة (737 ه‍ (قابلها بعض ~~علماء الشام على نسخة خطبة كانت في جامع الحنابلة في قربة دوما، وقد كتب في ~~آخرها ما لصه: # الحمد لله، بلغ مقابلة على نسخة مرقومة في يوم الثلاثاء رابع جمادى ~~الأولى سنة (795 ه‍) وهي من أوقاف الشيخ أبي عثمان الحنبلي في جامع ~~الحنابلة في قرية دوما في حجرة الشيخ المذكور رحمه الله، وكانت المقابلة في ~~دار الشيخ توفيق الأيوبي بمساعدة الشيخ فيض الله الأفغاني، في ذي القعدة ~~سنة (1316 ه‍) والحمد لله رب العالمين، وكتب محمد ابن محمد المبارك الحسني ~~الجزائري الشاذلي غفر الله ولوالديه ولجميع المسلمين، آمين آمين. # وقد رمزنا لها ب‍ (أ). # النسخة الثانية تحت رقم عام (532 ه‍) وعدد ورقاتها (130) ورقة، في كل ~~صفحة منها (15) سطرا في كل سطر (12) كلمة تقريبا، مقياس 26 * 17 مم، خطها ~~مقروء حسن، ومشكول في بعض المواطن، وهي فيما يظهر أقدم من الأولى، ولكنها ~~ناقصة الصفحة الأولى والأخيرة وبعض صفحات متفرقات، وقد تمم هذا النقص من ~~النسخة الأولى بخط حديث، وكتب في آخرها: كانت هذه النسخة ناقصة (7) ورقات ~~فأتممناها من نسخة كتبت في الأحد رابع شهر رمضان المبارك سنة (737 ه‍) وعلى ~~هذه النسخة أيضا تصحيحات وتعليقات بخطوط متنوعة يستدل منها على أنها مقابلة ~~على غيرها من النسخ، ولعلها قوبلت PageV0MP006 # على نسخة المؤلف، لان ناسخها يقول في بعض المواطن عند تتمة أجزائها: # من أصل مؤلفه وحده لا غير، ms003 وفي مكان آخر، الجزء الخامس من أصل المؤلف. ~~وعلى كل فهي نسخة لا بأس بها، ولكن لدى التحقيق تبين أن النسخة الأولى أجود ~~وأضح على الجملة. # وقد رمزنا لهذه النسخة ب‍ (ب). # هذا وقد ذكر الأستاذ جورج المقدسي الذي عني بتحقيق هذا الكتاب ونشره لأول ~~مرة في مقدمته الطويلة باللغة الفرنسية ان لكتاب التوابين ثلاث عشرة نسخة ~~خطية في العالم، وقد أتى على وصفها جميعها، واعتمد على ثلاث نسخ منها، وهو ~~مشكور على ما أنفق من جهد في نشر هذا الكتاب لأول مرة، وقد استفدنا منه بعض ~~الشيء في المقابلة، إلا اننا عثرنا على تحريفات وأخطاء أشرنا إلى بعضها في ~~مواضعها من طبعتنا هذه، والخطأ والعثار لا ينجو منهما إنسان. # عملنا في الكتاب: # لقد قابلنا النسخ الخطية في دار الكتب الظاهرية على بعضها، وعلى مطبوعة ~~المعهد الفرنسي للدراسات العربية، وأثبتنا ما كان منها صوابا، وأشرنا في ~~التعليق إلى ذلك غالبا، وضبطنا النص، وفصلناه ورقمنا آياته، وخرجنا أحاديثه ~~وذكرنا بعض الفوائد المستنبطة منه، وعلقنا على بعض القصص التي لا تنفق وما ~~جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسول صلى الله عليه وسلم، وأثبتنا في مطلع كل ~~قصة عنوانا يناسبها، وشرحنا بعض الكلمات الغريبة، وترجمنا بايجاز لبعض ~~الاعلام والبلدان، ونرجو الله تعالى أن تكون قد وفقنا إلى إخراج هذا الكتاب ~~إخراجا صحيحا يقع موقع القبول والرضى من كافة القراء الكرام. وآخر دعوانا ~~أن الحمد لله رب العالمين. # دمشق الخميس 14 1389 ه‍ 1 أيار 1969 م عبد القادر الأرناؤوط PageV0MP007 # ترجمة المؤلف هو الامام الفقيه الزاهد شيخ الاسلام أبو محمد عبد الله بن ~~أحمد ابن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي ولد في شعبان سنة (541 ه‍) ببلدة ~~جماعيل من أعمال نابلس قرب بيت المقدس من أرض فلسطين المقدسة، وكان ~~الصليبيون في ذلك الوقت قد استولوا على بيت المقدس وما حوله من البقاع، ~~فهاجر والده أبو العباس أحمد بن محمد بن قدامة - رئيس هذا البيت المبارك ~~وهذه الشجرة الطيبة - بأسرته إلى دمشق مع ابنيه ms004 أبي عمر، وموفق الدين، وابن ~~خالتهما عبد الغني المقدسي، حوالي سنة (551 ه‍) وللحافظ ضياء الدين المقدسي ~~كتاب في سبب هجرة المقادسة إلى دمشق - فنزلوا في مسجد أبي صالح بدمشق ظاهر ~~الباب الشرقي، ثم انتقلت الأسرة بعد سنتين من مسجد أبي صالح إلى جبل قاسيون ~~في صالحية دمشق، وفي خلال هذه المدة كان الموفق يحفظ القرآن ويتلقى مبادئ ~~علومه على أبيه أبي العباس (وهو من أهل العلم والفضل والصلاح والزهد) ثم ~~تتملذ على شيوخ دمشق وعلمائها وحفظ مختصر الحرقي، في الفقه، وغيره من ~~الكتب، وما زال يتقدم حتى بلغ العشرين من عمره فقام برجلة إلى بغداد يصحبه ~~ابن خالته عبد الغني المقدسي، وكانا في سن واحدة، فأقام الموفق في بداية ~~امره مدة يسيرة عند الشيخ عبد القادر الجيلاني ببغداد، وكان الشيخ في ~~التسعين من عمره، فقرأ عليه مختصر الحرقي PageV0MP008 # قراءة فهم وتدقيق، لأنه كان يحفظه في دمشق، ثم توفي الشيخ عبد القادر ~~الجيلاني رحمه الله، فلازم الشيخ ناصح الاسلام أبا الفتح ابن المني، وقرأ ~~عليه المذهب والخلاف، ولبث في بغداد أربع سنين، وسمع بها أيضا من هبة الله ~~بن الدقاق وغيره، ثم رجع إلى دمشق فأقام في أهله مدة وعاد إلى بغداد سنة ~~(567 ه‍) فأمضى سنة أخرى سمع فيها من أبي الفتح ابن المني، ورجع إلى دمشق، ~~ثم قام بأداء فريضة الحج سنة (574 ه‍) ثم عاد إلى دمشق وبدا يصنف كتابه ~~المغني شرح مختصر الحرقي في الفقه وهو من أعظم الكتب المؤلفة في الفقه ~~الاسلامي عامة، وفي فقه مذهب الإمام أحمد خاصة، ولقد قال سلطان العلماء ~~العز بن عبد السلام فيه: لم تطب لي الفشيا حتى كانت عندي نسخة من المغني. # وكان طلبة العلم يتلقون عليه الدروس في الحديث والفقه وغير ذلك من ~~العلوم، وقد تفقه عليه خلق كثير، منهم ابن أخيه قاضي القضاة شمس الدين بن ~~أبي عمر وطبقته. # وكان إلى ذلك يواصل التاليف والتصنيف في أنواع شتى من الفنون، لا سيما ~~الفقه الذي حذفه وصنف فيه ms005 العديد من الكتب التي تشهد بعلو كعبه فيه، حتى ~~أصبح علما يشار اليه بالبنان، وتتحدث بفضائل ومناقبه وعلومه الركبان. # قال الشيخ الاسلام ابن تيمية: ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من الموفق. # وقال ابن الصلاح: ما رأيت مثل الموفق. # وقال سبط بن الجوزي: من رأى الموفق فكأنما رأى بعض الصحابة وكان النور ~~يخرج من وجهه. PageV0MP009 # وكان امام في فنون كثيرة، ولم يكن في زمانه بعد أخيه أبي عمرو العماد ~~ازهد ولا أورع ولا اعلم منه، وكان كثير الحياء، عزوفا عن الدنيا وأهلها، ~~هينا، لينا، متواضعا، محبا للمساكين، حسن الاخلاق، جوادا، سخيا، وكان كثير ~~العبادة، غزير الفضل، ثابت الذهن، شديد التثبت في علمه، دائم السكون، قليل ~~الكلام، كثير العمل، يستأنس الانسان برؤيته قبل كلامه ومناقبه كثيرة. # وقد ألف الحافظ ضياء الدين المقدسي في سيرته كتابا، وكذلك الحافظ الذهبي ~~ولم يقتصر أمره - رحمه الله - على العلم والتقوى، بل كان مجاهدا في سبيل ~~الله مع البطل المسلم صلاح الدين الأيوبي الذي جند المسلمين سنة (583 ه) ~~لقمع الصليبين وتطهير الأرض المقدسة من رجسهم فقد ذكر من ترجم له انه هو ~~واخوه أبو عمر وتلاميذهما وبعض افراد أسرتهما كانوا تحت هذه الألوية ~~المظفرة، وكان لهما ولتلاميذهما خيمة يتنقلون بها مع المجاهدين في سبيل ~~الله حيثما حلوا. # وقد ترك رحمه الله من المصنفات المفيدة والمؤلفات النافعة في الفقه ~~وغيره، الشيء الكثير. # ففي الفقه العمدة للمبتدئين والمقنع للمتوسطين، والكافي ذكر فيه من ~~الأدلة ما يتوصل الطلبة للعمل بالدليل، والمغني شرح مختصر الحرقي ذكر فيه ~~مذاهب العلماء والأدلة ليعلم من كان عنده أهلية طرق الاجتهاد وروضة الناظر ~~في في أصول الفقه ومختصر في غريب الحديث والبرهان في مسالة القرآن والقدر و ~~فضائل الصحابة والمتحابين في الله والرقة والبكاء وذم الموسوسين وذم ~~التأويل والتبيين PageV0MP010 # في نسب القرشيين ومناسك الحج ولمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد ~~وغيرها. # توفي رحمه الله يوم السبت يوم عيد الفطر سنة 620 ه‍ ودفن في سفح جبل ~~قاسيون في صالحية دمشق فوق جامع الحنابلة. ms006 PageV0MP011 # راموز الصفحة الأولى من النسخة (أ) PageV0MP012 # راموز الصفحة الأخيرة من النسخة (أ) PageV0MP013 # راموز الصفحة الثانية من النسخة (ب) PageV0MP014 # راموز الصفحة الأخيرة من النسخة (ب) PageV0MP015 # التوابين PageV00P002 # ذكر التوابين من الملائكة عليهم السلام 1 - [قصة هاروت وماروت] * أخبرنا ~~أبو بكر عبد الله بن محمد بن أحمد بن النقور رحمه الله أنبأ الأمين أبو ~~طالب عبد القادر بن محمد اليوسفي، أنبأ ابن المذهب، أنبأ أبو بكر القطيعي، ~~ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا أبي رحمه الله ثنا، يحيى أبن أبي بكير ثنا زهير ~~بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه سمع نبي الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: " إن آدم عليه السلام لما أهبطه الله إلى الأرض ~~قالت الملائكة: أي ربنا: * (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن ~~نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون) * [البقرة: 30]. # قالوا: ربنا! نحن أطوع لك من بني آدم. قال الله تعالى للملائكة: ~~PageV00P003 # هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض فتنظروا كيف يعملان. ~~قالوا: ربنا! هاروت وماروت. فأهبطا إلى الأرض ومثلت لهما الزهرة امرأة من ~~أحسن البشر، فجاءتهما، فسألاها نفسها، قالت: لا والله! حتى تتكلما بهذه ~~الكلمة من الإشراك. # فقالا: لا والله! لا نشرك بالله شيئا أبدا. فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي ~~تحمله، فسألاها نفسها، فقالت: لا والله! حتى تقتلا هذا الصبي، فقالا: لا ~~والله! لا نقتله أبدا، فذهبت ثم رجعت بقدح خمر تحمله، فسألاها نفسها، ~~فقالت: لا والله حتى! تشربا هذا الخمر، فشربا حتى سكرا، فوقعا عليها وقتلا ~~الصبي. فلما أفاقا، قالت المرأة: والله ما تركتما شيئا مما أبيتماه إلا ~~فعلتماه حين سكرتما، فخيرا بين عذاب الدنيا والآخرة، فاختارا عذاب الدنيا ~~". PageV00P004 # أخبرنا أبو العباس أحمد بن المبارك بن سعد، أنا جدي لأمي أبو المعالي ~~ثابت بن بندار، أنا أبو علي بن دوما، أنا أبو علي الباقرحي أنا الحسن بن ~~علوية، أنا إسماعيل، أنا إسحاق بن بشر، عن جويبر عن الضحاك عن مكحول عن ~~معاذ، قال: ms007 # لما أن أفاقا جاءهما جبريل عليه السلام من عند الله عز وجل وهما يبكيان، ~~فبكى معهما وقال لهما: ما هذه البلية التي أجحف بكما بلاؤها وشقاؤها؟ فبكيا ~~إليه فقال لهما: إن ربكما يخيركما بين عذاب الدنيا وأن تكونا عنده في ~~الآخرة في مشيئته، إن شاء عذبكما، وإن شاء رحمكما، وإن شئتما عذاب الآخرة. ~~فعلما أن الدنيا منقطعة، وأن الآخرة دائمة، وأن الله بعباده رؤوف رحيم. ~~فاختارا عذاب الدنيا، وأن يكونا في المشيئة عند الله. قال: فهما ببابل فارس ~~معلقين بين جبلين في غار تحت الأرض، يعذبان كل يوم طرفي النهار إلى الصيحة. ~~ولما رأت ذلك الملائكة خفقت بأجنحتها في البيت، ثم قالوا: اللهم اغفر لولد ~~آدم، عجبا كيف يعبدون الله ويطيعونه على ما لهم من الشهوات واللذات!. ~~PageV00P005 # وقال الكلبي: فاستغفرت الملائكة بعد ذلك لولد آدم، فذلك قوله سبحانه: * ~~(والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض) * [الشورى: 5]. # وروي عن ابن عباس أن الله تعالى قال للملائكة: انتخبوا ثلاثة من أفاضلكم. ~~فانتخبوا عزرا وعزرايل وعزويا. عند فكانوا إذا هبطوا إلى الأرض كانوا في حد ~~بني آدم وطبائعهم. فلما رأى ذلك عزرا وعرف الفتنة، علم أن لا طاقة له ~~فاستغفر ربه عز وجل واستقاله فأقاله. فروي أنه لم يرفع رأسه بعد حياء من ~~الله تعالى. # قال الربيع بن أنس: لما ذهب عن هاروت وماروت السكر عرفا ما وقعا فيه من ~~الخطيئة وندما، وأرادا أن يصعدا إلى السماء فلم يستطيعا ولم يؤذن لهما. ~~فبكيا بكاء طويلا وضاقا ذرعا بأمرهما. # ثم أتيا إدريس عليه السلام وقالا له: ادع لنا ربك فإنا سمعنا بك تذكر ~~بخير في السماء. فدعا لهما فاستجيب له، وخيرا بين عذاب الدنيا والآخرة. ~~PageV00P006 # وروي أن الملائكة، لما قالوا لله تبارك وتعالى، * (أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء) * [البقرة: 30]، طافوا حول العرش أربعة آلاف عام ~~يعتذرون إلى الله عز وجل من اعتراضهم. PageV00P007 # ذكر التوابين من الأنبياء عليهم السلام 2 - توبة آدم عليه السلام أخبرنا ~~أبو الفضل مسعود بن عبيد الله بن ms008 النادر قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن ~~الحسين، أنا أبو بكر محمد بن علي الخياط، أنا أبو عبد الله بن دوست، ثنا ~~الحسين بن صفوان، ثنا ابن أبي الدنيا، ثنا يعقوب بن إسحاق ابن دينار، ثنا ~~محمد بن معاذ العنبري عن ابن السماك قال: حدثني عمر ابن ذر عن مجاهد: # أن آدم عليه السلام لما أكل من الشجرة، تساقط عنه جميع زينة الجنة، ولم ~~يبق عليه من زينتها إلا التاج والإكليل. وجعل لا يستتر بشئ من ورق الجنة ~~إلا سقط عنه، فالتفت إلى حواء باكيا، وقال استعدي للخروج من جوار الله، هذا ~~أول شؤم المعصية. قالت: # يا آدم! ما ظننت أن أحدا يحلف بالله كاذبا. وذلك أن إبليس قاسمهما على ~~الشجرة وآدم في الجنة هاربا استحياء من رب العالمين، فتعلقت به شجرة ببعض ~~أغصانها، فظن آدم أنه قد عوجل بالعقوبة، فنكس PageV00P008 # رأسه يقول: العفو! العفو. فقال الله عز وجل: يا آدم! أفرارا مني؟ # قال: بل حياء منك سيدي. # فأوحى الله إلى الملكين: أن أخرجا آدم وحواء من جواري، فإنهما قد عصياني. ~~فنزع جبريل عليه السلام التاج عن رأسه، وحل ميكائيل عليه السلام الإكليل عن ~~جبينه، فلما هبط من ملكوت القدس إلى دار الجوع والمسغبة بكى على خطيئته ~~مائة سنة، قد رمى برأسه على ركبتيه حتى نبتت الأرض عشبا وأشجارا من دموعه ~~حتى نقع الدمع في نقر الجلاميد وأقعيتها. # أخبرنا أبو الفتح محمد بن عبد الباقي، أنا أبو الفضل أحمد بن الحسن ابن ~~خيرون، أنا أبو علي بن شاذان، أنا أبو علي عيسى بن محمد الطوماري، أنبأ ~~محمد بن أحمد بن البراء أنبأ عبد المنعم بن إدريس، أنبأ أبي عن وهب بن ~~منبه: # أن آدم عليه السلام لبث في السخطة سبعة أيام. ثم إن الله تعالى أطلعه في ~~اليوم السابع، وهو منكس محزون كظيم. فأوحى الله إليه: يا آدم! ما هذا الجهد ~~الذي أراك فيه اليوم! وما هذه البلية التي PageV00P009 # قد أجحف بك بلاؤها وشقاؤها! قال آدم: عظمت مصيبتي يا إلهي، ms009 وأحاطت بي ~~خطيئتي. وخرجت من ملكوت ربي، فأصبحت في دار الهوان بعد الكرامة، وفي دار ~~الشقاوة بعد السعادة، وفي دار العناء والنصب بعد الخفض والدعة، وفي دار ~~البلاء بعد العافية، وفي دار الظعن والزوال بعد القرار والطمأنينة، وفي دار ~~الفناء بعد الخلد والبقاء، وفي دار الغرور بعد الأمن. إلهي! فكيف لا أبكي ~~على خطيئتي؟ # أم كيف لا تحزنني نفسي، أم كيف لي أن أجتبر هذه البلية والمصيبة يا إلهي؟ # قال الله تعالى: له ألم أصطفك لنفسي، وأحللتك داري، واصطفيتك على خلقي، ~~وخصصتك بكرامتي، وألقيت عليك محبتي، وحذرتك سخطي؟ ألم أباشرك بيدي، وأنفخ ~~فيك من روحي، وأسجد لك ملائكتي؟ ألم تك جاري في بحبوحة جنتي، تتبوأ حيث ~~تشاء من كرامتي، فعصيت أمري، ونسيت عهدي، وضيعت وصيتي؟ فكيف تستنكر نقمتي، ~~فوعزتي وجلالي لو ملأت الأرض رجالا كلهم مثلك * (يسبحون الليل والنهار لا ~~يفترون) * [الأنبياء: 20] ثم عصوني لأنزلتهم منازل العاصين! وإني قد رحمت ~~ضعفك وأقلتك عثرتك وقبلت توبتك وسمعت تضرعك وغفرت ذنبك. فقل: لا إله إلا ~~أنت، سبحانك اللهم وبحمدك ظلمت نفسي وعملت السوء، فتب علي إنك أنت ~~PageV00P010 # التواب الرحيم، فقالها آدم، ثم قال له ربه: قل: لا إله إلا أنت، سبحانك ~~اللهم وبحمدك ظلمت نفسي وعملت السوء فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم. ~~فقالها آدم، ثم قال له ربه، قل: لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك ظلمت ~~نفسي، وعملت السوء، فارحمني إنك أرحم الراحمين. # قال، وكان آدم قد اشتد بكاؤه وحزنه لما كان من عظم المصيبة، حتى أن كانت ~~الملائكة لتحزن لحزنه وتبكي لبكائه. فبكى على الجنة مائتي سنة، فبعث الله ~~اليه بخيمة من خيام الجنة، فوضعها له في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة. ~~PageV00P011 # 3 - توبة نوح عليه السلام أخبرنا أبو الحسن علي بن عساكر، أنا عبد القادر ~~بن محمد، أخبرنا الحسن بن علي، أنا أبو بكر القطيعي، ثنا عبد الله، حدثني ~~أبي، ثنا عبد الرزاق، ثنا وهيب بن الورد، قال: # لما عاتب الله تعالى نوحا في ابنه فأنزل عليه ms010 * (إني أعظك أن تكون من ~~الجاهلين) * [هود: 46]، قال: فبكى ثلاثمائة عام حتى صار تحت عينيه مثل ~~الجداول من البكاء. # 4 - توبة موسى عليه السلام أخبرنا أحمد بن المبارك، أنا جدي ثابت، أنا ~~أبو علي بن دوما، أنا مخلد بن جعفر، أنا الحسن بن علوية، انا إسماعيل بن ~~عيسى، أنا إسحاق بن بشر، أنا أبو إلياس عن وهب بن منبه، قال: # لما سمع موسى عليه السلام كلام ربه عز وجل طمع في رؤيته. PageV00P012 # فقال: * (رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر ~~مكانه فسوف تراني) * [الأعراف: 143]. # قال محمد بن إسحاق: حدثني بعض من لا أتهم قال: قال الله تعالى: # يا ابن عمران! إنه لا يراني أحد فيحيا. قال موسى: رب لا شريك لك، إني أن ~~أراك وأموت أحب إلي من أن لا أراك وأحيا، رب أتمم علي نعماك وفضلك وإحسانك ~~بهذا الذي أسألك، وأموت على أثر ذلك. # قال: وأخبرنا جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، قال: لما رأى الله الرحيم ~~بخلقه من حرص موسى على أن يعطيه سؤله قال: انطلق فانظر الحجر الذي في رأس ~~الجبل فاجلس عليه، فإني مهبط عليك جندي، ففعل موسى. فلما استوى عليه، عرض ~~الله تعالى عليه جنود سبع سماوات، فأمر ملائكة سماء الدنيا أن يعرضوا عليه. ~~فمروا بموسى عليه السلام ولهم أصوات مرتفعة بالتسبيح والتهليل كصوت الرعد ~~الشديد، ثم أمر ملائكة السماء الثانية أن يعرضوا عليه ففعلوا، فمروا به على ~~ألوان شتى، ذوو وجوه وأجنحة، منهم ألوان الأسد، رافعي أصواتهم بالتسبيح. ~~ففزع موسى منهم وقال: أي رب! إني ندمت على مسألتي، رب! هل أنت منجي من ~~مكاني الذي أنا فيه؟ قال له رأس الملائكة: يا موسى! اصبر على ما سألت، ~~فقليل من كثير ما رأيت. # ثم أمر الله ملائكة السماء الثالثة أن اهبطوا فاعترضوا على موسى. ~~PageV00P013 # فأقبل ما لا يحصى عددهم على ألوان شتى، ألوانهم كلهب النار، لهم بالتسبيح ~~والتهليل زجل. فاشتد فزع موسى عليه السلام وساء ظنه ويئس من الحياة. ms011 فقال ~~له رأس الملائكة: يا ابن عمران! اصبر حتى ترى ما لا تصبر عليه. ثم أوحى ~~الله تعالى إلى ملائكة السماء الرابعة أن اهبطوا إلى موسى بالتسبيح، ~~فهبطوا، ألوانهم كلهب النار وسائر خلقهم كالثلج، لهم أصوات عالية بالتسبيح ~~والتقديس لا تشبه أصوات الذين مروا به. فقال له رأس الملائكة: يا موسى! ~~اصبر على ما سألت. # فكذلك أهل كل سماء إلى السماء السابعة ينزلون إليه بألوان مختلفة وأبدان ~~مختلفة، وأقبلت ملائكة يخطف نورهم الأبصار ومعهم حراب، الحربة كالنخلة ~~الطويلة العظيمة كأنها نار أشد ضوءا من الشمس. وموسى عليه السلام يبكي ~~رافعا صوته يقول: يا رب! اذكرني ولا تنسني أنا عبدك، ما أظن أن أنجو مما ~~أنا فيه، إن خرجت احترقت، وإن مكثت مت. قال له رأس الملائكة قد أوشكت أن ~~تمتلئ خوفا وينخلع قلبك، هذا الذي جلست لتنظر إليه. # قال: ونزل جبريل وميكائيل وإسرافيل ومن في سبع سماوات وحملة العرش ~~والكرسي وأقبلوا عليه يقولون: يا خاطئ ابن الخاطئ! ما الذي رقاك إلى هاهنا! ~~وكيف اجترأت أن تسأل ربك أن تنظر إليه؟ وموسى عليه السلام يبكي وقد اصطكت ~~ركبتاه PageV00P014 # وتخلعت مفاصله. فلما رأى الله عز وجل ذلك من عبده أراه قائمة عرشه، فتعلق ~~بها فاطمأن قلبه. فقال له إسرافيل: يا موسى! والله إنا لنحن رؤساء الملائكة ~~لم نرفع أبصارنا نحو العرش منذ خلقنا خوفا وفرقا، فما حملك أيها العبد ~~الضعيف على هذا؟ فقال موسى: # يا إسرافيل! - وقد اطمأن - أحببت أن أعرف من عظمة ربي ما عرفت. ثم أوحى ~~الله عز وجل للسماوات: إني متجل للجبل. فارتعدت السماوات والأرض والجبال ~~والشمس والقمر والنجوم والسحاب والجنة والنار والملائكة والبحار، وخروا ~~كلهم سجدا، وموسى ينظر إلى الجبل. (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا، وخر موسى ~~صعقا [الأعراف: # 143] ميتا من نور رب العزة جل وعلا، فوقع عن الحجر وانقلب عليه، فصار ~~عليه مثل القبة لئلا يحترق. # قال الحسن: فبعث الله تعالى جبريل عليه السلام، فقلب! الحجر عن موسى ~~وأقامه. فقام موسى عليه السلام فقال: (سبحانك! تبت ms012 إليك) [الأعراف: 143] ~~مما سألت، (وأنا أول المؤمنين) [الأعراف: 143] أي أنا أول من آمن أنه لا ~~ينظر إليك أحد إلا مات، وقيل: أنا أول من آمن أنه لا يراك أحد في الدنيا. ~~PageV00P015 # 5 - توبة داود عليه السلام أخبرنا أحمد بن المبارك قال: أنبأ ثابت، أنا ~~أبو علي، انا مخلد، انا الحسن ابن علي، انا إسماعيل، انا إسحاق قال: وأنبأ ~~الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # كان داود عليه السلام قد قسم الدهر على أربعة أقسام، فيوم لبني إسرائيل ~~يدارسهم العلم ويدارسونه، ويوم للمحراب، ويوم للقضاء، ويوم للنساء. # فبينا هو مع بني إسرائيل يدارسهم إذ قال بعضهم: لا يأتي على ابن آدم يوم ~~إلا يصيب فيه ذنبا. فقال داود في نفسه: اليوم الذي أخلو فيه للمحراب تتنحى ~~عني الخطيئة. فأوحى الله إليه: يا داود! خذ حذرك حتى لا ترى بلاءك. # قال إسحاق: وأخبرنا ابن بشر عن قتادة عن الحسن، قال: # فبينا هو في محرابه منكب على الزبور يقرؤها، إذ دخل عليه طائر من الكوة ~~فوقع بين يديه، جسده من ذهب، وجناحاه من ديباج، مكلل بالدر، ومنقاره زبرجد ~~وقوائمه فيروزج. فوقع بين يديه فنظر إليه PageV00P016 # فحسب أنه من طير الجنة، فجعل يتعجب من حسنه. وكان له ابن صغير، فقال: لو ~~أخذت هذا فنظر اليه ابني. فأهوى اليه فتباعد منه، ويطمعه أحيانا من نفسه ~~حتى تكاد تقع يده عليه، فتباعد منه أيضا. فما زال كذلك يدنو ويتباعد حتى ~~قام من مجلسه وأطبق الزبور. فطلبه فوقع في الكوة، فطلبه في الكوة فرمى ~~بنفسه في بستان، فاطلع داود فإذا بامرأة تغتسل. # قال قتادة عن بلال بن حسان: فأخرج رأسه من الكوة، فإذا هو بامرأة تغتسل، ~~فنظر إلى أحسن خلق الله. ونظرت المرأة وإذا وجه رجل، فنشرت شعرها فغطت ~~جسدها. # رجع إلى حديث الحسن قال: فزاده ذلك إعجابا. فرجع إلى مكانه وفي نفسه منها ~~ما في نفسه. فبعث لينظر من هي؟ فرجع إليه الرسول فقال: هي ms013 تشايع ابنة ~~حنانا، وزوجها أوريا ابن صورا، وهو في البلقاء مع ابن أخت داود محاصري ~~قلعة. فكتب داود إلى ابن أخته كتابا: إذا جاءك كتابي هذا فمر أوريا بن صورا ~~فليحمل التابوت وليتقدم أمام الجيش. وكان الذي يتقدم لا يرجع حتى يقتل أو ~~يفتح الله عليه. فدعا صاحب الجيش أوريا فقرأ عليه الكتاب، فقال: سمعا ~~وطاعة. فحمل التابوت وسار أمام أصحابه فقتل، وكتب ابن أخت داود بذلك إلى ~~داود. فلما انقضت عدة المرأة أرسل إليها داود فخطبها فتزوجها. PageV00P017 # قال: وأخبرنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، قال: إن داود لما تزوج تشايع بنت ~~حنانا، وكان يخلو للعبادة في المحراب، فبينا هو في المحراب، إذ سمع صوتا ~~عاليا، ثم تسور عليه رجلان حتى اقتحما عليه فلما رآهما فزع منها. قالا: (لا ~~تخف! خصمان بغى بعضنا على بعض) - يعني اعتدي بعضنا على بعض فظلمه، (فاحكم ~~بيننا بالحق ولا تشطط) - يعني لا تجر، (واهدنا إلى سواء الصراط) - يعني إلى ~~قصد السبيل. # فقال داود: قصا علي قصتكما. قال: (إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي ~~نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب) - يعني قهرني وظلمني - وأخذ ~~نعجتي فضمها إلى نعاجه، وعزني في الخطاب. # يعني إذا تكلم كان أبلغ في المخاطبة مني، وإذا دعا كان أسرع إجابة مني، ~~وإذا خرج كان - يعني أكثر تبعا مني. فقال داود: * (لقد PageV00P018 # ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض ~~إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم) * [سورة ص: 21 - 24] قال: ~~فضحك المدعى عليه. فقال داود: تظلم وتضحك؟ ما أحوجك إلى قدوم يرض منك هذه ~~وهذه - يعني جبهته وفاه. قال الملك: بل أنت أحوج إلى ذلك منه، وارتفعا. وفي ~~رواية قال: فتحولا في صورتهما وعرجا وهما يقولان: قضى الرجل على نفسه. # وعلم داود أنه إنما عني به هو. فخر ساجدا أربعين يوما لا يرفع رأسه إلا ~~لحاجة لا بد منها، ثم يعود فيسجد، لا يأكل ولا يشرب، وهو يبكي حتى نبت ~~العشب حول ms014 رأسه، وهو ينادي ربه عز وجل ويسأله التوبة. # وكان يقول في سجوده: سبحان خالق النور الحائل بين القلوب! # سبحان خالق النور! إلهي خليت بيني وبين عدوي إبليس فلم أقم لفتنته إذ ~~نزلت بي. سبحان خالق النور! إلهي لم أفارق الزبور ولم أتعظ بما وعظت به ~~غيري. إلهي! أمرتني أن أكون لليتيم كالأب الرحيم، وللأرملة كالزوج الرحيم، ~~فنسيت عهدك! سبحان خالق النور! إلهي! بأي عين أنظر إليك يوم القيامة، وإنما ~~الظالمون من طرف خفي. سبحان خالق النور! إلهي! الويل لداود من الذنب العظيم ~~الذي أصاب! سبحان خالق PageV00P019 # النور! إلهي! الويل لداود إذا كشف عنه الغطاء فيقال: هذا داود الخاطئ! ~~سبحان خالق! النور! إلهي! أنت المغيث وأنا المستغيث! # فمن يدعو المستغيث؟ إلا المغيث؟ سبحان خالق النور! إلهي! إليك فررت ~~بذنوبي واعترفت بخطيئتي، فلا تجعلني من القانطين، ولا تخزني يوم الدين، - ~~في مناجاة كثيرة قال: فأتاه نداء: أجائع أنت فتطعم؟ أظمآن قد أنت فتسقى؟ # أمظلوم أنت فتنصر؟ ولم يجبه في ذكر خطيئته. قال: فصاح صيحة هاج ما حوله، ~~ثم نادى: يا رب! الذنب الذي أصبت؟ فنودي: # يا داود! ارفع رأسك فقد غفرت لك. # قال: وأخبرنا أبو إلياس عن وهب بن منبه أن داود أتى قبر أوريا فقام عنده ~~وجعل التراب على رأسه، ثم نادى فقال: الويل لداود، ثم الويل الطويل لداود! ~~سبحان خالق النور! الويل لداود، ثم الويل لداود إذا نصبت الموازين! سبحان ~~خالق النور! الويل لداود، ثم الويل الطويل لداود، يوم يقتص للمظلوم من ~~الظالم! سبحان خالق النور! الويل لداود، ثم الويل الطويل لداود يوم يسحب ~~على وجهه مع الخاطئين إلى النار! سبحان خالق النور! الويل لداود، ثم الويل ~~الطويل لداود! # قال: فأتاه نداء من السماء: يا داود! قد غفرت لك ذنبك، ورحمت بكاءك، ~~وأقلت عثرتك. قال: يا رب! كيف تعفو عني وصاحبي لم PageV00P020 # يعف عني؟! قال: يا داود أعطيه يوم القيامة من الثواب ما لم تر عيناه ولم ~~تسمع أذناه، فأقول: رضي عبدي؟ فيقول: يا رب! من أين لي هذا ولم ms015 يبلغه عملي؟ ~~فأقول له: هذا عوض من عبدي داود، فأستوهبك منه، فيهبك لي. قال: يا رب! الآن ~~عرفت أنك قد غفرت لي. # [6] توبة سليمان عليه السلام قال إسحاق: وأخبرنا جويبر، عن الضحاك، عن ~~ابن عباس، قال: كان سليمان عليه السلام رجلا غزاء يغزو في البر والبحر، ~~فسمع بملك في جزيرة من جزائر البحر، فركب سليمان الريح وجنوده من الجن ~~والإنس حتى نزل تلك الجزيرة، فقتل ملكها وسبى من فيها وأصاب جارية لم ير ~~مثلها حسنا وجمالا، وكانت ابنة ذلك الملك، فاصطفاها لنفسه. فكان يجد بها ما ~~لا يجد بأحد، وكان يؤثرها على جميع نسائه. # فدخل عليها يوما، فقالت: إني أذكر أبي وملكه وما أصابه، فيحزنني ذلك، فإن ~~رأيت أن تأمر بعض الشياطين فيصورون لي صورة أبي في داري فأراه بكرة وعشيا، ~~رجوت أن يذهب عني حزني ويسلي عني بعض ما أجد في نفسي. فأمر سليمان صخرا ~~المارد، فمثل لها أباها في هيئته في ناحية دارها، لا تنكر منه شيئا إلا أنه ~~لا روح فيه. فعمدت إليه فزينته وألبسته حتى تركته في هيئة أبيها ولباسه. ~~فإذا خرج سليمان عليه السلام من دارها تغدو عليه كل غدوة مع جواريها فتطيبه ~~PageV00P021 # وتسجد له وتسجد جواريها وتروح بمثله. وسليمان لا علم له بذلك، حتى أتى ~~لذلك أربعون يوما. وبلغ الناس، وبلغ آصف بن برخيا وكان صديقا له، فدخل عليه ~~فقال: يا نبي الله! قد أحببت أن أقوم مقاما أذكر فيه من مضى من أنبياء ~~الله، وأثني عليهم بعلمي فيهم. قال: # فجمع سليمان الناس. فقام فيهم فذكر من مضى من أنبياء الله، وأثنى على كل ~~نبي بما فيه، وذكر ما فضلهم الله به، حتى انتهى إلى سليمان، فذكر فضله وما ~~أعطاه الله في حداثة سنه وصغره ثم سكت، فامتلأ سليمان غيظا. فلما دخل، أرسل ~~إليه فأتاه، فقال: يا آصف! # ذكرت من مضى من أنبياء الله، فأثنيت عليهم بما كانوا عليه في زمانهم كله، ~~فلما ذكرتني جعلت تثني علي بخير في صغري وسكت عما سوى ذلك ms016 من أمري في كبري، ~~فما الذي أحدثت في كبري؟ قال: أحدثت أن غير الله يعبد في دارك منذ أربعين ~~يوما في هوى امرأة. قال: # في داري؟ قال: في دارك. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! عرفت، ما قلت هذا ~~إلا عن شئ بلغك. ثم رجع إلى داره، وكسر ذلك الصنم، وعاقب تلك المرأة ~~وولائدها. ثم دعا بثياب الطهر فلبسها. # ثم خرج إلى فلاة من الأرض، ففرش له الرماد. ثم أقبل تائبا إلى الله ~~تعالى، فجلس على ذلك الرماد يتمعك فيه متذللا متضرعا، يبكي ويستغفر الله ~~ويقول: يا رب! ما هذا بلاؤك عند آل داود أن يعبدوا PageV00P022 # غيرك وأن يقروا في دارهم وأهلهم عبادة غيرك؟!. فلم يزل كذلك حتى أمسى، ثم ~~رجع وكانت له جارية سماها الأمينة. وكان إذا أتى الخلاء أو أراد إتيان ~~امرأة، وضع خاتمه عندها. وكان لا يمسه إلا وهو طاهر. # وكان الله تعالى جعل ملكه في خاتمه. قال وهب: فجاء يوما يريد الوضوء، ~~فدفع الخاتم إليها. وجاء صخر المارد، فسبق سليمان فدخل المتوضأ، فدخل ~~سليمان لحاجته، وخرج الشيطان على صورة سليمان ينفض لحيته من الوضوء، لا ~~تنكر من سليمان شيئا. فقال: خاتمي يا أمينة! فناولته إياه لا تحسب إلا أنه ~~سليمان، فجعله في يده. ثم جاء حتى جلس على سرير سليمان، وعكف عليه الطير ~~والجن والإنس. وخرج سليمان، فقال للأمينة: خاتمي. قالت: ومن أنت؟ قال: أنا ~~سليمان بن داود. # وقد تغير عن حاله وذهب عنه بهاؤه، قالت: كذبت إن سليمان قد أخذ خاتمه، ~~وهو جالس على سريره في ملكه. فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته. قال الحسن: ~~فخرج سليمان هاربا مخافة على نفسه فمضى على وجهه بغير حذاء ولا قلنسوة في ~~قميص وإزار. فمر بباب شارع على الطريق، وقد جهده الجوع والعطش والحر. فأتى ~~الباب فقرعه، فخرجت امرأة فقالت: ما حاجتك؟ فقال: ضيافة ساعة، فقد ترين ما ~~أصابني من الحر والرمضاء، قد احترقت رجلاي وبلغ مجهودي من الجوع والعطش. ~~قالت المرأة: زوجي غائب، وليس يسعني أن أدخل ms017 رجلا غريبا علي، فادخل البستان ~~فإن فيه ماء PageV00P023 # وثمارا، فأصب من ثماره، وتبرد فيه، فإذا جاء زوجي استأذنته، في ضيافتك، ~~فإن أذن لي فذاك، وإن أبى أصبت ما رزق الله ومضيت. فدخل البستان فاغتسل ~~ووضع رأسه فنام. فآذاه الذباب، فجاءت حية سوداء فأخذت ريحانة من البستان ~~بفيها وجاءت سليمان، فجعلت تذب عنه الذباب حتى جاء زوج المرأة. فقصت عليه ~~القصة، فدخل إلى سليمان. فلما رأى الحية وصنيعها، دعا امرأته فقال لها: # تعالي فانظري إلى العجب! فنظرت، ثم مشيا إليه فأيقظاه، ثم قالا له: يا ~~فتى! هذا منزلنا، لا يسعنا شئ يعجزك، وهذه ابنتي قد زوجتكها. # وكانت من أجمل نساء زمانها، فتزوجها، وأقام عندهم ثلاثا، ثم قال: # لا يسعني إلا طلب المعيشة لي ولأهلي، فانطلق إلى الصيادين، فقال لهم: # هل لكم في رجل يكون معكم يعينكم، وترضخون له من صيدكم، وكل يأتيه الله ~~برزقه؟ فقالوا: قد انقطع عنا الصيد، وليس عندنا فضل نعطيكه، فمضى إلى ~~غيرهم. فقال لهم مثل هذه المقالة. فقالوا له: نعم وكرامة، نواسيك بما ~~عندنا. فأقام عندهم يختلف كل ليلة إلى أهله بما أصاب من الصيد، حتى أنكر ~~الناس قضاء سليمان وفعاله. فلما رأى الخبيث أن الناس قد فطنوا له، انطلق ~~بالخاتم فألقاه في البحر. قال الحسن: أمسك الخاتم أربعين يوما. PageV00P024 # وروي أنه قعد على كرسي سليمان، فاجتمع له الجن والإنس والشياطين. وملك كل ~~شئ كان يملكه سليمان عليه السلام إلا أنه لم يسلط على نسائه. وخرج سليمان ~~يسأل الناس ويتضيفهم، ويقوم على باب الرجل والمرأة، ويقول: أطعموني فإني ~~سليمان بن داود. # فيطردونه، ويقولون له: ما يكفيك ما أنت فيه حتى تكذب على سليمان، وهذا ~~سليمان على ملكه، حتى أصابه الجهد واشتد عليه البلاء. # فلما تم عليه أربعون يوما، قال آصف: يا معشر بني إسرائيل! هل رأيتم من ~~خلاف حكم ابن داود ما رأيت؟ قالوا: نعم، فعمد عند ذلك الخبيث فألقى الخاتم ~~في البحر. فاستقبله جري فابتلع الخاتم فصار في جوفه مثل الحريق من نور ~~الخاتم. فاستقبل جرية ms018 الماء، فوقع في شباك الصيادين الذين كان سليمان معهم. ~~فلما أمسوا قسموا السمك، فأسقطوا الجري فجعلوه لسليمان. فذهب به إلى أهله، ~~فأمرهم أن يصنعوه. فلما شقوا بطنه أضاء البيت نورا من خاتمه. # فدعت المرأة سليمان، فأرته الخاتم. فتختم به، وخر لله ساجدا، وقال: # إلهي! لك الحمد على قديم بلائك، وحسن صنيعك إلى آل داود. إلهي! # أنت ابتدأتهم بالنعم، وأورثتهم الكتاب والحكم والنبوة، فلك الحمد. # إلهي! تجود بالكبير وتلطف بالصغير، فلك الحمد، نعماؤك ظهرت PageV00P025 # فلا تخفى، وبطنت فلا تحصى، فلك الحمد. إلهي لم تسلمني. # بذنوبي، فلك الحمد، تغفر الذنوب وتستجيب الدعاء فلك الحمد. # إلهي! لم تسلمني بجريرتي، فلك الحمد، ولم تخذلني بخطيئتي، فلك. # الحمد. إلهي فأتم نعمتك علي، واغفر لي ما سلف، وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد ~~من بعدي. فذلك قوله تعالى: * (ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم ~~أناب) * [ص: 34]. # وروي عن عكرمة أن سليمان، لما أصاب الملك، أمر بحمل أهل ذلك البيت، ~~فوضعهم في وسط المملكة. ولم يكن سليمان عليه السلام نال تلك المرأة حتى رد ~~الله عليه ملكه [7] توبة يونس عليه السلام قال إسحاق بن بشر: وأخبرنا سعيد ~~عن قتادة عن الحسن أن يونس عليه السلام كان مع نبي من أنبياء بني إسرائيل، ~~فأوحى الله إليه أن ابعث يونس إلى أهل نينوى يحذرهم عقوبتي. قال: فمضى يونس ~~على كره، منه وكان رجلا حديدا شديد الغضب. قال: فأتاهم PageV00P026 # فحذرهم وأنذرهم، فكذبوه وردوا عليه نصيحته، ورموه بالحجارة وأخرجوه، ~~فانصرف عنهم. فقال له نبي بني إسرائيل: ارجع إلى قومك. فرجع إليهم، فرموه ~~بالحجارة وأخرجوه. فقال له النبي: # ارجع إلى قومك، فرجع فكذبوه، وأوعدهم العذاب، فقالوا: كذبت، فلما كذبوه ~~وكفروا بالله وجحدوا كتابه، دعا عند ذلك ربه على قومه، فقال: يا رب! إن ~~قومي أبوا إلا الكفر، فأنزل عليهم نقمتك. فأوحى الله تعالى إليه:: إني أنزل ~~بقومك العذاب. قال: فخرج عنهم يونس، وأوعدهم العذاب بعد ثلاثة. أيام وأخرج ~~أهله وانطلق فصعد جبلا ينظر إلى أهل نينوى، ويترقب العذاب. فجاءهم العذاب ms019 ~~وعاينوه، فتابوا إلى الله تعالى فكشف عنهم العذاب. فلما رأى ذلك، فجاءه ~~إبليس فقال: يا يونس! إنك إن رجعت إلى قومك اتهموك وكذبوك. فذهب مغاضبا ~~لقومه. فانطلق حتى أتى شاطئ دجلة، فركب سفينة. فلما توسطت به الماء أوحى ~~الله إليها أن اركدي. # فركدت السفينة، والسفن تمر يمينا وشمالا. فقالوا: ما بال سفينتكم؟ # فقالوا: لا ندري. قال يونس: أنا أدري. قالوا: فما حالها؟ قال: فيها عبد ~~آبق من ربه، فلا تسير حتى تلقوه في الماء. قالوا: ومن هو؟ # قال: أنا، وعرفوه. قالوا: أما أنت فليس نلقيك، والله ما نرجو النجاة منها ~~إلا بك! قال: فاقترعوا، فمن قرع فألقوه في الماء. قال: # فاقترعوا، فقرعهم يونس، فأبوا أن يلقوه قال: فاقترعوا الثانية، فقرعهم، ~~قال: فاقترعوا الثالثة، فقرعهم. قال: ألقوني في الماء. PageV00P027 # وفي رواية قال: يا قوم! اطرحوني في الماء وانجوا. فقام القوم، فاحتملوه ~~شبه المشفقين عليه. فقال: ائتوا بي صدر السفينة. ففعلوا، فلما أشرفوا ~~ليلقوه، فإذا الحوت فاتح فاه. فلما رأى ذلك، قال: # يا قوم! ردوني إلى مؤخر السفينة. ففعلوا، فلما أشرفوا، ذهبوا يطرحونه، ~~فاستقبله الحوت فاتحا فاه. فلما رأى جوفه وهوله قال: يا قوم! ردوني إلى وسط ~~السفينة. ففعلوا، فاستقبله، فقال: # ردوني إلى الجانب الآخر. فاستقبه غير فاتحا فاه ليأخذه. فقال: اطرحوني ~~وانجوا فلا منجا من الله. فطرحوه، والتقمه الحوت قبل أن يبلغ الماء، وتصوب ~~به. # رجع الحديث إلى الحسن، قال: فانطلق به الحوت إلى مسكنه من البحر، ثم ~~انطلق به إلى قرار الأرض، فطاف به البحار أربعين يوما. فسمع يونس تسبيح ~~الحصى وتسبيح الحيتان. قال: فجعل يسبح ويهلل ويقدس. وكان يقول في دعائه: ~~سيدي! في السماء مسكنك، وفي الأرض قدرتك وعجائبك. سيدي! من الجبال أهبطتني، ~~وفي البلاد سيرتني، وفي الظلمات الثلاث حبستني. إلهي سجنتني بسجن لم تسجن ~~به أحدا قبلي. إلهي! عاقبتني بعقوبة لم تعاقب بها أحدا قبلي. فلما كان تمام ~~أربعين يوما وأصابه الغم، (فنادى في المظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني ~~كنت من الظالمين) [الأنبياء: 87] قال: فسمعت ms020 الملائكة بكاءه وعرفوا صوته، ~~وبكت الملائكة PageV00P028 # لبكاء يونس، وبكت السماء والأرض والحيتان، فقال الجبار: # يا ملائكتي! مالي أراكم تبكون؟ قالوا: ربنا! صوت ضعيف حزين نعرفه في مكان ~~غريب. قال: ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. فقالوا: يا ~~رب! العبد الصالح الذي كان يصعد له في كل يوم وليلة العمل الصالح الكثير؟ ~~قال ابن عباس، قال الله تعالى: نعم. قال: فشفعت له الملائكة والسماوات ~~والأرض. فبعث الله تعالى جبريل عليه السلام، فقال: انطلق إلى الحوت الذي ~~حبست يونس في بطنه، فقل له: إن لي في عبدي حاجة، فانطلق به إلى الموضع الذي ~~ابتلعته فيه فاقذفه به، فانطلق جبريل إلى الحوت فأخبره. فانطلق الحوت ~~بيونس، وهو يقول: يا رب! استأنست في البحر بتسبيح عبدك، واستأنست به دواب ~~البحر، وكنت أزكي شئ به، وجعلت بطني له مصلى يقدسك فيه، فقدست بعد به وما ~~حولي من البحار. فتخرجه عني بعد أنس كان به؟! قال الله تعالى: إني أقلته ~~عثرته ورحمته فألقه. # قال: فجاء به إلى حيث ابتلعه ببلد على شاطئ دجلة، فدنا جبريل من الحوت ~~وقرب فاه من فم الحوت، فقال: السلام عليك يا يونس! رب العزة يقرئك السلام. ~~فقال يونس: مرحبا بصوت كنت خشيت أن لا أسمعه أبدا مرحبا بصوت كنت أرجوه ~~قريبا من سيدي! ثم قال جبريل للحوت: اقذف يونس PageV00P029 # بإذن الله الرحمن! فقذفه مثل الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش فاحتضنه ~~جبريل عليه السلام. # قال الحسن: فأنبت الله عليه شجرة من يقطين، وهو الدباء، فكان لها ظل واسع ~~يستظل به، وأمرت أن ترضعه أغصانها، فكان يرضع منها كما يرضع الصبي. # وعن الحسن، قال: بعث الله إلى يونس وعلة من وعول الجبل يدر ضرعها لبنا، ~~حتى جاءت إلى يونس وهو مثل الفرخ، ثم ربضت وجعلت ثديها في يونس. فكان يمصه ~~كما يمص الصبي، فإذا شبع انصرفت. فكانت تختلف اليه حتى اشتد ونبت عليه شعره ~~خلقا جديدا، ورجع إلى حاله قبل أن يقع في بطن الحوت. فمرت به مارة ms021 فكسوه ~~كساء. فبينا هو ذات يوم نائم، إذ أوحى الله إلى الشمس أن احرقي شجرة يونس، ~~فأحرقتها. فأصابت الشمس جلده فأحرقته فقال، يا رب! نجيتني من الظلمات، ~~ورزقتني ظل شجرة كنت أستظل بها فأحرقتها، أفتحرمني يا رب؟ وبكى، فأتاه ~~جبريل عليه السلام فقال: يا يونس! إن الله تعالى يقول: أنت زرعتها أم أنت ~~أنبتها؟! قال: لا قال فبكاؤك حين تعلم أن الله قد أعطاكها، فكيف دعوت على ~~مائة ألف وزيادة عشرين ألفا أردت أن تهلكهم؟! # وقال ابن عباس: قال له جبريل: أتبكي على شجرة أنبتها الله لك PageV00P030 # ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم في غداة واحدة؟! # فعند ذلك عرف يونس ذنبه، واستغفر ربه فغفر له. # وعن الزهري، قال. لما قوي يونس، كان يخرج من الشجرة يمينا وشمالا، فأتى ~~على رجل يصنع الجرار، فقال يونس: يا عبد الله ما عملك؟ قال: أصنع الجرار ~~وأبيعها وأطلب فيها فضل الله. فأوحى الله إلى يونس: أن قل له يكسر جراره، ~~فقال يونس ذلك له، فغضب الجرار وقال: إنك رجل سوء! تأمرني بالفساد وتأمرني ~~أن أكسر شيئا صنعته وعملته ورجوت خيره. فأوحى الله إلى يونس: # ألا ترى إلى هذا الجرار كيف غضب حين أمرته بكسر ما صنع؟ # وأنت تأمرني بهلاك قومك! فما الذي يشق عليك أن يصلح من قومك مائة ألف أو ~~يزيدون! قال الله سبحانه: (فلولا أنه كان من المسبحين) يعني من المصلين من ~~قبل أن تنزل البلية، (للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) [الصافات: 143]. # قال ابن عباس: من كان ذاكرا لله في الرخاء، ذكره الله في الشدة واستجاب ~~له، ومن يغفل عن الله في الرخاء وذكره في الشدة، لم يستجب له. وقال الله ~~تعالى: * (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات ~~أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) *. فقال الله عز وجل: * ~~(فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك PageV00P031 # ننجي المؤمنين) * [الأنبياء: 87]. يقول الله تعالى: كذلك نفعل بالصالحين، ~~إذا وقعوا في ms022 الخطيئة، ثم تابوا إلي، قبلت منهم. # قال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعا أخي يونس بهذه ~~الدعوة في الظلمات، فأنجاه الله. فلا يدعو بها مؤمن مكروب إلا كشف الله عز ~~وجل ذلك عنه. إنها عدة من الله لا خلف لها. " PageV00P032 # ذكر التوابين من ملوك الأمم الماضية 8 - [توبة طالوت] أخبرنا أحمد بن ~~المبارك، أنا ثابت، أنا أبو علي بن دوما، أخبرنا مخلد بن جعفر، أنا الحسن ~~بن علوية، أنا إسماعيل بن عيسى، أنا إسحاق ابن بشر، أنا أبو إلياس، عن وهب ~~بن منبه: أن داود عليه السلام لما قتل جالوت، وانصرف طالوت ببني إسرائيل ~~مظفرا، فزوج ابنته من داود وقاسمه نصف ملكه واجتمعت بنو إسرائيل، وقالوا: # نخلع طالوت ونجعل علينا داود فإنه من آل يهوذا وهو أحق بالملك. # فلما أحس طالوت بذلك. وخاف على ملكه، أراد أن يغتال داود فيقتله. فأشار ~~عليه بعض وزرائه: إنك لا تقدر على قتله إلا أن تساعدك ابنتك. فدخل طالوت ~~على ابنته، فقال لها: يا بنية! إني أريد أمرا وأحب أن تساعديني عليه. قالت: ~~وما ذاك؟ قال: أريد أن أقتل داود، فإنه قد فرق علي الناس. فقالت: يا أبت إن ~~داود له صولة، شديد الغضب، فلست آمن عليك إن لم تستطع قتله، PageV00P033 # أن يظفر بك فيقتلك، فإذا أنت قد لقيت الله قاتلا لنفسك مستحلا لداود! ~~وعجب منك ومما أعرف من حلمك وسداد رأيك! # كيف أسلمك إلى هذا الرأي القصير وهذه الحيلة الضعيفة بالتقدم إلى داود، ~~وأنت تعلم أنه أشد أهل الأرض نفسا وأبسلهم عند الموت؟!. # فقال طالوت: إني لا أسمع قول مفتونة بزوج، قد منعها حبها إياه أن تقبل من ~~أبيها وتناصحه، واعلمي أني لم أدعك إلى ما دعوتك اليه إلا وقد وطنت نفسي ~~على قطع صهره. إما أن أقتلك، وإما أن تقتليه. # قالت: فأمهلني حتى إذا وجدت فرصة أعلمتك. # قال: وأخبرنا جويبر الضحاك عن ابن عباس، أنها انطلقت فأخذت زقا، ثم ملأته ~~خمرا، ثم طيبته بالمسك والعنبر وأنواع الطيب، ثم ms023 أضجعت الزق على سرير داود ~~ولحفته بلحاف داود، وأفشت إلى داود ذلك، وأدخلته المخدع، وأعلمت طالوت، ~~وقالت: # هلم إلى داود فاقتله. فجاء حتى دخل البيت ومعه السيف. ثم قالت: # هو ذاك، فشأنك وشأنه. فوضع السيف على قلبه ثم اتكأ عليه حتى أنفذه، ~~فانتضح الخمر ونفح منه ريح المسك والطيب. قال: يا داود! # ما أطيبك ميتا، وكنت وأنت حي أطيب منك ميتا، وكنت طاهرا PageV00P034 # نقيا! وندم، فبكى وأخذ السيف فأهوى به إلى نفسه ليقتلها، فاحتضنته ابنته ~~وقالت: يا أبت! مالك؟ قد ظفرت بعدوك وقتلته، وأراحك الله منه، وصفا لك ~~الملك. قال: يا بنية! قد علمت أن الحسد والغيرة حملاني على قتله وصرت من ~~أهل النار، وإن بني إسرائيل لا يرضون بذلك، فأنا قاتل نفسي. قلت: يا أبت ~~أفكان يسرك أن لم تكن قتلته؟ قال: نعم. قال: فأخرجت داود من البيت، فقالت: ~~يا أبت! إنك لم تقتله، وهذا داود! قال: وندم طالوت. # قال إسحاق: وأخبرنا ابن سمعان عن مكحول، قال، زعم أهل الكتاب أن طالوت ~~طلب التوبة إلى الله تبارك وتعالى، وجعل يلتمس التنصل من ذنوبه، وأنه أتى ~~عجوزا من عجائز بني إسرائيل كانت تحسن لاسم الذي به يدعى الله فيجيب. فقال: ~~لها إني قد أخطأت خطيئة لا يخبرني عن كفارتها إلا إليسع، فهل أنت منطلقة بي ~~إلى قبره فتدعين الله عز وجل ليبعثه حتى أسأله عن خطيئتي ما كفارتها؟ # قالت: نعم. فانطلق بها حتى أتى قبره. قال: فصلت ركعتين ثم دعت الله عز ~~وجل، فخرج اليه إليسع، فقال: يا طالوت! ما بلغت PageV00P035 # خطيئتك أن أخرجتني من مضجعي الذي أنا فيه؟! قال: يا نبي الله! # ضاق علي أمري فلم يكن لي بد من مسألتك عنه. قال: فإن كفارة خطيئتك أن ~~تجاهد بنفسك وأهل بيتك حتى لا يبقى منكم أحد. ثم رجع إليسع إلى مضجعه، وفعل ~~ذلك طالوت حتى قتل هو وأهل بيته. # 9 - [توبة ابن ملك من ملوك بني إسرائيل] أخبرنا أبو المعالي عبد الله بن ~~عبد الرحمن بن صابر السلمي، أنا ms024 أبو القاسم علي بن إبراهيم بن العباس ~~الحسني، أنا أبو الحسن رشأ ابن نظيف المقرئ، أنا أبو محمد الحسن بن إسماعيل ~~الضراب، أنا أبو بكر أحمد بن مروان المالكي، حدثنا الحارث بن أبي أسامة، ~~ثنا مروان بن معاوية بن عمرو ثنا أبو بكر العجلي، ثنا أبو عقيل الدورقي عن ~~بكر بن عبد الله المزني، قال: # كان رجل من ملوك بني إسرائيل، قد أعطي طول عمر وكثرة أموال وكثرة أولاد. ~~وكان أولاده إذا كبر أحدهم لبس ثياب الشعر، ولحق بالجبال، وأكل من الشجر، ~~وساح في الأرض حتى يأتيه الموت. ففعل ذلك جماعتهم رجل بعد رجل ثم تتابع ~~بنوه على ذلك. # وأصاب ولدا بعد كبر، فدعا قومه، فقال: إني قد أصبت ولدا بعد ما كبرت، ~~وترون شفقتي عليكم، وإني أخاف أن يتبع هذا سنة إخوته. وأنا أخاف عليكم إن ~~لم يكن عليكم أحد من ولدي بعدي أن تهلكوا، فخذوه الآن في صغر سنه، فحببوا ~~إليه الدنيا، فعسى أن يبقى من بعدكم عليكم. فبنوا له حائطا فرسخا في فرسخ، ~~فكان فيه دهرا من دهره. PageV00P036 # ثم ركب يوما فإذا عليه حائط مصمت، فقال: إني أحسب ان خلف هذا الحائط ناسا ~~وعالما آخر، فأخرجوني أزدد علما وألقى الناس. # فقيل ذلك لأبيه، ففزع وخشي أن يتبع سنة إخوته، فقال: اجمعوا عليه كل لهو ~~ولعب، ففعلوا ذلك. # ثم ركب في السنة الثانية. فقال: لا بد من الخروج. فأخبر بذلك الشيخ، ~~فقال: أخرجوه. فجعل على عجلة وكلل بالزبرجد والذهب وصار حوله حافتان من ~~الناس. فبينا هو يسير إذا هو برجل مبتلى فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل مبتلى. ~~فقال: أيصيب ناسا دون ناس أو كل خائف له؟ قالوا: كل خائف له. قال: وأنا ~~فيما انا فيه من السلطان؟ قالوا: نعم، قال: أف لعيشكم هذا! هذا عيش كدر. ~~فرجع مغموما محزونا، فقيل لأبيه، فقال: انشروا عليه كل لهو وباطل حتى ~~تنزعوا من قلبه هذا الحزن والغم. # فلبث حولا، ثم قال: أخرجوني، فأخرج على مثل حاله الأول. # فبينا هو يسير إذا ms025 هو برجل قد هرم، ولعابه يسيل من فيه. # فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل قد هرم. قال: يصيب ناسا دون ناس أو كل خائف له ~~إن هو عمر؟ قالوا: كل خائف له. قال: أف لعيشكم هذا! هذا عيش لا يصفو لأحد. ~~فأخبر بذلك أبوه، فقال: # احشروا عليه كل لهو وباطل. فحشروا عليه. PageV00P037 # فمكث حولا، ثم ركب على مثل حاله. فبينا هو يسير إذا هو بسرير تحمله ~~الرجال على عواتقها. فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل مات. # قال لهم: وما الموت؟ إيتوني به! فأتوه به. فقال: أجلسوه. فقالوا. # إنه لا يجلس. قال: كلموه. قالوا: إنه لا يتكلم. قال. فأين تذهبون. # به؟ قالوا: ندفنه تحت الثرى. قال: فيكون ماذا بعد هذا؟ قالوا: # الحشر. قال لهم: وما الحشر؟ قالوا: (يوم يقوم الناس لرب العالمين) ~~[المطففين: 5]، فيجزى كل واحد على قدر حسناته وسيئاته. قال: # ولكم دار غير هذه تجازون فيها؟ قالوا: نعم. فرمى بنفسه من الفرس وجعل ~~يعفر وجهه في التراب، وقال لهم: من هذا كنت أخشى! كاد هذا يأتي علي وأنا لا ~~أعلم به، أما ورب يعطي ويحشر ويجازي! إن هذا آخر العهد بيني وبينكم، فلا ~~سبيل لكم علي بعد هذا اليوم. # فقالوا: لا ندعك حتى نردك إلى أبيك. # قال: فردوه إلى أبيه، وكاد ينزف دمه. فقال: يا بني! ما هذا الجزع؟ قال: ~~جزعي ليوم يعطي فيه الصغير والكبير مجازاتهما ما عملا من الخير والشر. فدعا ~~بثياب فلبسها، وقال: إني عازم في الليل أن أخرج. فلما كان في نصف الليل، أو ~~قريبا منه، خرج. فلما خرج من باب القصر، قال: الهم! إني أسألك أمرا ليس لي ~~منه قليل ولا كثير، قد سبقت فيه المقادير. إلهي! لوددت أن الماء كان في ~~PageV00P038 # الماء، وأن الطين كان في الطين، ولم أنظر بعيني إلى الدنيا نظرة واحدة. # قال بكر بن عبد الله: فهذا رجل خرج من ذنب واحد لا يعلم ماذا عليه، فكيف ~~بمن يذنب وهو يعلم ما عليه فيه، ولا يتحرج ولا يجزع ولا يتوب؟! # 10 - [توبة صاحب ms026 الخورنق] أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن، انا علي بن ~~إبراهيم، انا رشأ، انا الحسن ابن إسماعيل، انا أحمد بن مروان قال: ثنا محمد ~~بن عبد العزيز، ثنا أبي عن بهلول بن حسان عن إسحاق بن زياد عن شبيب بن شبة ~~عن خالد بن صفوان بن الأهتم، قال: # إن ملكا من الملوك خرج إلى الخورنق والسدير في عام قد بكر وسميه وتتابع ~~وليه، وأخذت الأرض فيه زخرفها وزينتها. وكان قد أعطي بسطة في الملك مع ~~الكثرة والغلبة والقهر. فنظر فأبعد النظر، فقال لجلسائه: لمن هذا؟ قالوا ~~للملك. قال: فهل رأيتم أحدا أعطي مثل ما أعطيت؟ PageV00P039 # قال: وكان عنده رجل من بقايا حملة الحجة، ولم تخل الأرض من قائم لله ~~بحجته في عباده: فقال: أيها الملك! إنك قد سألت عن أمر، أفتأذن لي بالجواب ~~عنه؟ قال: نعم: قال أرأيت ما أنت فيه، أشئ لم تزل فيه، أم شئ صار إليك ~~ميراثا، وهو زائل عنك، وصائر إلى غيرك كما صار إليك؟ قال: كذلك هو. قال: ~~فلا أراك إلا أعجبت بشئ يسير لا تكون فيه إلا قليلا وتنقل عنه طويلا، فيكون ~~غدا عليك حسابا. قال: ويحك! فأين المهرب وأين المطلب؟ وأخذته القشعريرة ~~قال؟ إما أن تقيم في ملكك فتعمل فيه بطاعة الله على ما ساءك وسرك وأمضك ~~وأرمضك، وإما أن تنخلع عن ملكك وتضع تاجك وتلقي عليك أطمارك، وتعبد ربك في ~~هذا الجبل حتى يأتيك أجلك. فقال: # إني مفكر الليلة وأوافيك في السحر فأخبرك بإحدى المنزلين. # فلما كان في السحر قرع عليه بابه، فقال: إني اخترت هذا الجبل وفلوات ~~الأرض وقفر البلاد، وقد لبست علي أمساحي ووضعت تاجي، فإن كنت رفيقا فلا ~~تخالف. فلزما والله الجبل حتى أتاهما أجلهما جميعا. وهو الذي يقول فيه أخو ~~بني تميم عدي بن زيد العبادي: PageV00P040 # أيها الشامت المعير بالدهر * أأنت المبرأ الموفور أم لديك العهد الوثيق ~~من الأيام * بل أنت جاهل مغرور من رأيت المنون خلدن أم من * ذا عليه من أن ~~يضام خفير أين كسرى كسرى ms027 الملوك * أنوشروان أم أين قبله سابور وبنو الأصفر ~~الكرام ملوك * الروم لم يبق منهم مذكور وأخو الحضر إذ بناه وإذ * دجلة تجبى ~~إليه والخابور شاده مرمرا وجلله كلسا * فللطير في ذراه وكور لم يهبه ريب ~~المنون فباد * الملك عنه فبابه مهجور PageV00P041 # وتذكر رب الخورنق إذ أشرف * يوما وللهدى تفكير سره ماله وكثرة ما يملك * ~~والبحر معرضا والسدير فارعوى قلبه وقال وما غبطه * حي إلى الممات يصير 11 - ~~[توبة النعمان بن امرئ القيس الأكبر] قال أحمد بن مروان: وحدثنا أحمد بن ~~يوسف حدثنا محمد بن سلام الجمحي عن الأصمعي أن النعمان بن امرئ القيس ~~الأكبر، وهو الذي بنى الخورنق، ركب يوما فأشرف على الخورنق، فنظر إلى ما ~~حوله فقال لمن حضره: هل علمتم أحدا أوتي مثل ما أوتيت؟ فقالوا: لا، إلا رجل ~~منهم ساكت لا يتكلم، وكان من حكمائهم. فقال له: مالك لا تتكلم؟ # فقال: أيها الملك، إن أذنت لي تكلمت. فقال: تكلم. قال: أرأيت ما جمعت، ~~أشئ هو لك لم يزل ولا يزول، أم هو شئ كان لمن كان قبلك وزال عنه وصار إليك ~~وكذلك يزول عنك؟ قال: لا بل كان لمن قبلي فزال عنه وصار إلي وكذلك يزول ~~عني. قال: فسررت بشئ تزول PageV00P042 # عنك لذته غدا وتبقى تبعته عليك؟! تكون فيه قليلا وترتهن فيه كثيرا ~~طويلا؟! # قال: فبكى وقال له: أين المهرب؟ قال: إلى أحد أمرين: إما أن تقيم فتعمل ~~بطاعة ربك، وإما أن تلقي عليك أمساحا هو، ثم تلحق بجبل وتفر من الناس وتقيم ~~وحدك وتعبد ربك حتى يأتيك أجلك. # قال: فإذا فعلت ذلك فما لي؟ فقال: حياة لا تموت: وشباب لا يهرم، وصحة لا ~~تسقم، وملك جديد لا يبلى. فقال له: أيها الحكيم! فكل ما أرى إلى فناء ~~وزوال؟ # قال: نعم. قال: فأي خير فيما يفنى؟ والله لأطلبن عيشا لا يزول أبدا. # قال: فانخلع من ملكه ولبس الأمساح وسلم وسار في الأرض. وتبعه الحكيم، ~~فعبدا الله جميعا حتى ماتا. وهو الذي يقول فيه عدي بن زيد الشاعر: ms028 # وتذكر رب الخورنق إذ * أشرف يوما وللهدى تفكير سره ماله وكثرة ما يملك * ~~والبحر معرضا والسدير فارعوى قلبه فقال وما غبطة * حي إلى الممات يصير ~~PageV00P043 # وفيهم يقول الأسود بن يعفر: # ماذا أؤمل بعد آل محرق * تركوا منازلهم وبعد إياد أهل الخورنق والسدير ~~وبارق * والقصر ذي الشرفات من سنداد نزلوا بأنقرة يسيل عليهم * ماء الفرات ~~يجيء من أطواد أرض تخيرها لطيب مقيلها * كعب بن مامة وابن أم دؤاد جرت ~~الرياح على محل ديارهم * فكأنما كانوا على ميعاد PageV00P044 # فأرى النعيم وكل ما يلهى به * يوما يصير إلى بلى ونفاد 12 - [توبة ملك من ~~الملوك] وذكر محمد بن أحمد بن البراء في كتاب " الروضة " قال: حدثنا أحمد ~~ابن إبراهيم ثنا جويبر بن أسماء عن أبي معدان عن عون بن عبد الله ابن عتبة ~~قال: حدثت عمر بن عبد العزيز بحديث، فكأن معناه وقع منه، حدثته أن ملكا ممن ~~كان قبلنا ابتنى بنية فتنوق في بنائها. ثم صنع طعاما ودعا الناس إليه، ~~وأقعد على أبوابها ناسا يسألون كل من خرج: # هل رأيتم عيبا؟ فيقولون: لا، حتى جاء ناء في آخر ما جاء، عليهم أكسية، ~~فسألوهم: هل رأيتم عيبا؟ قالوا: عيبين اثنين. قال: # فحبسوهم، ودخلوا على الملك فقالوا: قد دخل الناس فسألناهم، فذكروا أنهم ~~لم يروا عيبا، حتى جاء قوم عليهم أكسية - أظنه قال: شباب - فسألناهم، ~~فقالوا: رأينا عيبين اثنين. قال: ما كنت أرضى بواحد، PageV00P045 # فائتوني بهم قال: فأدخلوهم عليه. قال: هل رأيتم عيبا؟ قالوا عيبين اثنين. ~~قال وما هما؟ قالوا: تخرب ويموت صاحبها. قال وهل تعلمون دارا لا تخرب ولا ~~يموت صاحبها؟ [قالوا: نعم، قال: # وما هي؟ قالوا: دار الآخرة] قال: فدعوه، فاستجاب لهم. # قال: فقال لهم: إن جئت معكم علانية لم يدعني أهل مملكتي، ولكن. ميعادكم ~~موضع كذا وكذا. قال: فكان معهم زمانا. ثم قال لهم ذات يوم: عليكم السلام. ~~قال: فقالوا: ما لك؟ أرأيت منا شيئا تكرهه؟ قال: لا. قالوا: فما حملك على ~~هذا؟ قال. أنتم تعرفوني فأنتم تكرمونني لحالي التي كنت ms029 عليها. قال: فكأن ~~معناه وقع من عمر موقعا. فذهبت إلى مسلمة فأخبرته. قال: فدخل مسلمة على عمر ~~وقد كان حدثه بهذا الحديث. قال: فقال ويحك يا مسلمة. أرأيت رجلا حمل مالا ~~يطيق ففر إلى ربه عز وجل، فهل ترى عليه بذلك بأسا؟ قال: # فاتق الله، يا أمير المؤمنين في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فوالله لئن ~~فعلت ليقتتلن بأسيافهم. قال: ويحك يا مسلمة! حملت ما لا أطيق! فرددها، وجعل ~~مسلمة يناشده حتى سكن. PageV00P046 # 13 - [توبة امرئ القيس] وروى المرزباني عن الأزدي، قال: كان امرؤ القيس ~~الكندي، وهو مخرق الأول، طويل المصاحبة للهو واللذات، كثير العكوف على ~~اللعب. فركب يوما إما متبديا وإما متصيدا، فانقطع عن أصحابه. فإذا هو برجل ~~جالس قد جمع عظاما من عظام الموتى وهي بين يديه يقلبها. فقال: ما قصتك أيها ~~الرجل وما بلغ بك إلى ما أرى من سوء الحال وشسوف الجسم وتلويح اللون ~~والانفراد في هذه الفلاة؟ فقال: أما ذلك فلأني على جناح سفر بعيد، وبي ~~موكلان مزعجان يحدوان بي إلى منزل ضنك المحل، مظلم القعر، كريه المقر. # ثم يسلماني إلي مصاحبة البلى ومجاورة الهلكى تحت أطباق الثرى. فلو تركت ~~بذلك المنزل مع جفائه وضيقه ووحشته وارتعاء خشاش الأرض في لحمي وعصبي حتى ~~أعود رفاتا وتصير أعظمي رمما، كان للبلاء انقضاء وللشقاء نهاية، ولكني أدفع ~~بعد ذلك إلى صبيحة الحشر وأرد لهول مواقف الجزاء. ثم لا أدري إلى أي ~~الدارين PageV00P047 # يؤمر بي. فأي حال يلتذ به من يكون إلى هذا الأمر مصيره؟ # فلما سمع الملك كلامه ألقى نفسه عن فرسه وجلس بين يديه، وقال أيها الرجل! ~~لقد كدر مقالك علي صفو عيشي، وملك الاشفاق قلبي، فأعد علي بعض قولك واشرح ~~لي دينك. فقال له: أما ترى هذه التي بين يدي؟ قال: بلى. قال: هذه عظام ملوك ~~غرتهم الدنيا بزخرفها، واستحوذت على قلوبهم بغرورها. فألهتهم عن التأهب ~~لهذه المصارع حتى فاجأتهم الآجال وخذلتهم الآمال وسلبتهم بهاء النعمة. ~~وستنشر هذه العظام فتعود أجسادا، ثم تجازى بأعمالها، ms030 فإما إلى دار القرار، ~~وإما إلى محل البوار. # ثم اختلس الرجل فلم ير له أثر. # وتلاحق أصحاب الملك، وقد امتقع لونه وتواصلت عبراته وركب وقيذا. فلما جن ~~عليه الليل، نزع ما عليه من لباس الملك، ولبس طمرين، وخرج تحت الليل، فكان ~~آخر العهد به. PageV00P048 # 14 - [توبة ملك من ملوك اليمن] وروي أنه احترب ملكان من ملوك اليمن، فغلب ~~أحدهما صاحبه وقتله وشرد أصحابه، وزينت له السرر ودار الملك، وتلقاه الناس ~~ليدخل. فبينا هو في بعض السكك يقصد دار الإمارة بها، وقف له رجل كان ينسب ~~للجنون، فأنشده: # تسمع من الأيام إن كنت حازما * فإنك فيها بين ناه وآمر فكم ملك قد ركم ~~الترب فوقه * وعهدي به بالأمس فوق المنابر إذا كنت في الدنيا بصيرا فإنما * ~~بلاغك منها مثل زاد المسافر إذا أبقت الدنيا على المرء دينه * فما فاته ~~منها فليس بضائر فقال له: صدقت، ونزل عن فرسه، وفارق أصحابه، ورقي الجبل ~~وأقسم على أصحابه أن لا يتبعه أحد، فكان آخر العهد به. وبقيت اليمن شاغرة ~~أياما اختير لها من عقدوا له الملك عليها. # 15 - [توبة ملك من ملوك بني إسرائيل] وقرأت في " الملتقط " عن عبد الواحد ~~بن زيد، قال: كان في بني إسرائيل عابد لم يكن له إلا جبة صوف وقربة يستقي. ~~فيها الماء PageV00P049 # للناس، فلما حضره الموت، قال لأصحابه، إني لم أدع من الدنيا شيئا إلا ~~جبتي وهذه القربة ما أطيق حملها يوم القيامة، فإذا مت فادفعوها إلى فلان ~~الملك ليحملها مع ما تحمل من دنياه. فلما مات العابد أخبروا الملك بما ~~قاله. فقال الملك: هذا العابد عجز عن حمل جبة وقربة وأنا تحملت من الدنيا ~~ما تحملته! فأخذ الجبة فلبسها وأخذ القربة وخرج من ملكه فجعل يستقي للناس ~~الماء. # 16 - [توبة ملك من ملوك بني إسرائيل] أخبرنا شيخ الإسلام محيي الدين أبو ~~محمد عبد القادر بن أبي صالح ابن عبد الله الجيلي أخبرنا أبو بكر أحمد بن ~~المظفر بن سوسن التمار، أنا أبو علي بن شاذان، أنا أبو ms031 بكر محمد بن العباس ~~بن نجيح البزاز، ثنا يعقوب بن يوسف القزويني، ثنا محمد بن سعيد، ثنا عمرو ~~بن أبي. قيس، عن سماك، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه عن عبد الله بن ~~مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: # " إن بني إسرائيل استخلفوا خليفة عليهم بعد موسى، فقام يصلي في القمر فوق ~~بيت المقدس. قال: فذكر أمورا كان يصنعها. قال: # فخرج فتدلى بسبب، فأصبح السبب متعلقا في المسجد وقد ذهب PageV00P050 # قال: فانطلق حتى أتى قوما على شاطئ البحر بديار مصر، فوجدهم يصنعون لبنا ~~فسألهم كيف يأخذون هذا اللبن، قال: فأخبروه فلبن معهم. وكان يأكل من عمل ~~يده. فإذا كان حين الصلاة تطهر فصلى، فرفع ذلك العمال إلى قهرمانهم ان فينا ~~رجلا يفعل كذا وكذا، فأرسل. إليه، فأبى أن يأتيه ثلاث مرات. ثم إنه جاءه ~~بنفسه يسير على دابته فلما رآه فر واتبعه فسبقه، فقال: أنظرني أكلمك. قال: ~~فقام حتى كلمه، فأخبره خبره. فلما أخبره خبره، وأنه كان ملكا، وأنه فر من ~~رهبة ربه عز وجل، قال: إني لأظن أني لاحق بك. # قال: فلحقه، فعبدا الله عز وجل حتى ماتا ب‍ " رميلة " مصر. قال عبد الله: ~~إني لو كنت ثم لاهتديت إلى قبريهما من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~التي وصف 17 - [توبة رجل من بني إسرائيل كان يعبد الأصنام] أخبرنا أبو ~~العباس بن المبارك قال: أخبرنا أبو المعالي بن بندار، قال: أخبرنا أبو علي ~~النعالي، أخبرنا مخلد بن جعفر الباقر حي، أنا الحسن أنا إسماعيل بن عيسى، ~~أنا إسحاق بن بشر، أنا علي بن عاصم، عن داود بن أبي هند، عن عبد الله بن ~~عبيد بن عمير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: # كان في بني إسرائيل عابد قد أعجبوا به، فذكروه يوما عند PageV00P051 # نبيهم، فأثنوا عليه، فقال: إنه لكما تقولون، لكنه تارك لشئ من السنة فبلغ ~~العابد فقال: فعلام أدئب نفسي قال: فهبط من مكانه فأتى النبي وعنده الناس، ~~والنبي لا ms032 يعرفه بوجهه. فسلم عليه، ثم قال: يا نبي الله! بلغني أني ذكرت ~~عندك فقلت: إنه لكذلك، لولا أنه تارك لشئ من السنة، ففيم أدئب نفسي بالليل ~~والنهار وأعتزل الناس، وإنما أطلب سنة الرب عز وجل! قال: أنت فلان؟ قال: ~~نعم. قال: أما والله ما هو شئ أحدثته في الإسلام ولكنك لم تتزوج. قال له ~~العابد: وليس إلا هذا قال: لا. قال: فلما رأى النبي استهانته قال: أرأيت لو ~~فعل الناس مثل الذي فعلت من كان يتقي العدو عن المسلمين، ومن كان يأخذ ~~للمظلوم من الظالم؟ قال: وذكر الصلاة. قال له العابد: صدقت يا نبي الله! ما ~~أحرمه، ولكني أكره أن أتزوج امرأة مسلمة وأنا فقير فأعضلها، وليس عندي ما ~~أنفق عليها، وأما الأغنياء فلا يزوجونني. PageV00P052 # فقال له النبي: ما بك إلا هذا؟ قال، فما بي إلا هذا. قال: أنا أزوجك ~~ابنتي، قال: قد فعلت. قال: فزوجه، فولدت له غلاما. قال ابن عباس: فوالله ما ~~ولد في بني إسرائيل مولود ذكر قط كانوا أشد فرحا به من ذلك الغلام. قال، ~~قالوا: ابن نبينا وابن عابدنا! إنا لنرجو أن يبلغ بنا ما بلغ رجل. قال: ~~فلما بلغ الغلام انقطع إلى عبدة الأوثان، وانقطعوا إليه، وكثروا عنده. قال: ~~فبينا هم عنده يوما إذ قال: إني أراكم كثيرا، فما بال القوم قاهرين لكم؟ ~~فقالوا: # إن لهم رأسا يجمعهم وليس لنا رأس. قال: فما يمنعكم إلا هذا؟ قالوا: # نعم. قال: فأنا رأسكم. قالوا: وتفعل؟ قال: نعم. قال: فخرج وخرجوا معه. ~~قال: فبلغ ذلك النبي وبلغ أباه، فاجتمع بنو إسرائيل إلى النبي وأبوه معهم، ~~فأرسل إليه يذكره بالله، وأن يرجع إلى الإسلام، فأبى. فخرج إليه النبي، ~~وخرج أبوه معه، فالتقى القوم واقتتلوا حتى كثرت الدماء فيهم، وقتل النبي ~~وقتل أبوه مع النبي. وانهزم بنو إسرائيل، واتبعهم يفنيهم ويبعث في آثارهم ~~يقتلهم. قال: فلحق أحبارهم بالجبال، واستقام له الناس. قال: فجعلت نفسه لا ~~تدعه وظن أن ذلك الملك لا يستقيم له حتى يفني بني إسرائيل. قال: فجعل ms033 ~~PageV00P053 # يبعث في طلبهم في الجبال يقتلهم، فاستقام له الناس، واشتد ملكه فلما رأى ~~أحبار بني إسرائيل ما يفعل بهم، قالوا: خلينا عن هذا الرجل وعن ملكه وليس ~~يدعنا! لقد بؤنا بغضب من الله، فررنا عن نبينا وعابدنا حتى قتلا وليس ~~يدعنا، فتعالوا نتوب إلى الله عز وجل ونلقى هذا الرجل فنقاتل ونحن تائبون. ~~قال: فولوا رجلا منهم أمرهم، وبايعوا له، وهبطوا وقد وطنوا أنفسهم على ~~الموت، وتابوا إلى الله عز وجل، قال: فخرج إليهم، فاقتتلوا أول يوم من أول ~~النهار حتى حال بينهم الليل. ثم غدوا فاقتتلوا حتى كثرت الدماء في ~~الفريقين، حتى حال بينهم الليل. قال ابن عباس: فغدوا اليوم الثالث وقد ~~صبروا أنفسهم لله فاقتتلوا قتالا شديدا. وقال لهم صاحبهم: إني لأرجو أن ~~يكون الله قد تاب عليكم وقبل توبتنا، فإني أرى الصبر قد أنزل علينا، وصارت ~~الريح لنا، فإن ظفرتم به، فإن استطعتم أن تأخذوه سليما فلا تقتلوه. قال: ~~فاقتتلوا إلى قريب من الليل، لا هؤلاء يفرون ولا هؤلاء يهربون. فلما كان في ~~آخر النهار وعرف الله منهم الصدق، أنزل عليهم النصر، فهزموهم بإذن الله، ~~وقتلوهم، وأخذوه سليما فأتوا به. قال: فاجتمع بنو إسرائيل إلى صاحبهم، فقال ~~لهم: # ما جزاء رجل من أنفسنا قتل نبينا وقتل والده وأدخل علينا عبدة الأوثان ~~حتى قتلونا وشردونا ثنا في البلاد؟ فقائل يقول: أحرقوه! PageV00P054 # وقائل يقول: قطعوه وقائل يقول: عذبوه! فكلما قالوا له شيئا من هذا قال: ~~هذا يأتي على نفسه. قالوا: فأنت أعلم. قال: فإني أرى أن نأخذه فنصلبه به ~~حيا ولا نطعمه ولا نسقيه ولا نقتله وندعه حتى يموت. قالوا له: افعل. فصلب ~~حيا وجعلوا عليه الحرس. قال: # فمكث يومه ومن الغد واليوم الثالث حتى أمسى فلما أمسى رأى الموت. فدعا ~~آلهته التي كان يعبد من دون الله عز وجل. قال: # فبدأ بأفضلها في نفسه، فيدعوه، فإذا لم يجبه جاوزه، ودعا الآخر. # فأتى على آلهته جميعا يدعوهم فلا يجيبونه، وذلك في جوف الليل. قال: # اللهم إله جدي وأبي! إني ms034 قد ظلمت نفسي ودعوت هذه الآلهة التي كنت أعبدها ~~من دونك، فلو كان عندها خير لأجابتني، هذا فاغفر لي وخلصني مما أنا فيه. ~~فتحللت عنه العقد فإذا هو في أسفل الجذع وفي حديث آخر، قال: فجعل يدعو صنما ~~صنما، فلا يجيبه أحد، قال: فنظر إلى السماء وقال: يا حنان! يا منان! أشهد ~~أن كل معبود من لدن عرشك إلى قرار أرضك باطل إلا وجهك الكريم أنت فأغثني. ~~قال: فبعث الله عز وجل ملكا، فحله عن خشبته فأنزله. قال ابن عباس: فأخذه ~~الحرس فأتوا به صاحبهم، واجتمع بنو إسرائيل، فقال: ما تأمرون في هذا؟ ~~قالوا: ما ترى فيه، الله عز PageV00P055 # وجل حله وتقول لنا: ما تأمرون فيه! قال: صدقتم، ولكن أحببت أن أستأمركم. ~~قال: فخلوا عنه. # قال سعيد بن جبير: سمعت ابن عباس يقول: والله ما كان في بني إسرائيل بعده ~~رجل خيرا منه ولا أفضل. # 18 - [توبة ملك من الملوك] أخبرنا الإمام أبو الحسين علي بن عساكر بن ~~المرحب البطائحي المقرئ، أنبأ أبو طالب اليوسفي، أنبأ ابن المذهب، أنبأ أبو ~~بكر القطيعي، ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا هدبة، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت ~~وحميد، عن بكر بن عبد الله المزني، قال: # كان فيمن كان قبلكم ملك، وكان متمردا على ربه عز وجل، فغزاه المسلمون ~~فأخذوه سليما، فقالوا: بأي قتلة نقتله؟ فأجمع رأيهم على أن يجعلوا له قمقما ~~عظيما، ويؤججوا تحته النار، ولا يقتلوه حتى يذيقوه طعم العذاب. ففعلوا ذلك ~~به. قال: فجعل يدعو آلهته واحدا واحدا: يا فلان! بما كنت أعبدك به وأصلي لك ~~وأمسح وجهك، فأنقذني مما أنا فيه. فلما رآهم لا يغنون عنه شيئا، رفع رأسه ~~إلى السماء، وقال. # لا إله إلا الله! ودعا مخلصا، فصب عليه مثعبا من السماء فأطفأ ~~PageV00P056 # تلك النار، وجاءت ريح فاحتملت ذلك القمقم فجعلت تدور بين السماء والأرض، ~~وهو يقول: لا إله إلا الله! فقذفه الله إلى قوم لا يعبدون الله عز وجل وهو ~~يقول: لا إله إلا الله! فاستخرجوه فقالوا ms035 ويحك! مالك؟ فقال: أنا ملك بني ~~فلان، كان من أمري، وكان من أمري. فقص عليهم القصة فآمنوا. # 19 - [توبة الملك كنعان] أخبرنا أحمد بن المبارك، أنا ثابت، أنا أبو علي ~~بن دوما، أنا مخلد، أنا الحسن، ثنا إسماعيل بن عيسى، أنا إسحاق بن بشر قال: # وحدثت عن ابن سمعان عن بعض أهل العلم بالكتب: # أن ذا الكفل كان إليسع بن خطوب الذي كان مع إلياس، وليس باليسع الذي ذكر ~~الله تبارك وتعالى في القرآن، وإليسع ذو الكفل كان قبل داود. وذلك أن ملكا ~~جبارا يقال له: كنعان، وكان لا يطاق في زمانه لظلمه وطغيانه، وكان ذو الكفل ~~يعبد الله سرا منه، ويكتم إيمانه وهو في مملكته. فقيل للملك: إن في مملكتك ~~رجلا يفسد عليك أمرك ويدعو الناس إلى غير عبادتك، فبعث إليه ليقتله، فأتي ~~به. # فلما دخل عليه، قال له الملك، ما هذا الذي بلغني عنك أنك تعبد غيري؟ فقال ~~له ذو الكفل: اسمع مني وتفهم ولا تغضب، فإن PageV00P057 # الغضب عدو للنفس يحول بينها وبين الحق ويدعوها إلى هواها، وينبغي لمن قدر ~~ألا يغضب فإنه، قادر على ما يريد. قال: تكلم. قال: # فبدأ ذو الكفل وافتتح الكلام بذكر الله عز وجل، والحمد لله، ثم قال ذو ~~الكفل: أتزعم أنك إله؟ فإله من تملك؟ أو إله جميع الخلق؟ # فإن كنت إله من تملك، فإن لك شريكا فيما لا تملك، وإن كنت إله الخلق، فمن ~~إلهك؟ قال له: ويحك! فمن إلهي؟ قال: إله السماء والأرض وهو خالقهما وهذه ~~الشمس والقمر والنجوم، فاتق الله واحذر عقوبته، فإن أنت عبدته ووحدته رجوت ~~لك ثوابا والخلود في جواره. # قال له الملك: أخبرني، من عبد إلهك فما جزاؤه؟ قال: # الجنة إذا مات. قال: وما الجنة؟ قال: دار خلقها الله تبارك وتعالى بيده، ~~فجعلها مسكنا لأوليائه، يبعثهم يوم القيامة شبابا مردا أبناء ثلاث وثلاثين ~~سنة، فيدخلهم الجنة في نعيم وخلود. شباب لا يهرمون، مقيمون لا يظعنون، ~~أحياء لا يموتون، في نعيم وسرور وبهجة. قال: # فما جزاء من ms036 لم يعبده وعصاه؟ قال: النار، مقرونين مع الشياطين، مغلغلين ~~بالأصفاد، لا يموتون أبدا، في عذاب مقيم وهوان طويل، تضربهم الزبانية ~~بمقامع من حديد، طعامهم الزقوم والضريع، وشرابهم الحميم. فرق الملك وبكى ~~لما كان قد سبق له. فقال له: إن أنا آمنت بالله فما لي؟ قال: الجنة. قال: ~~فمن لي بذلك؟ قال: أنا لك الكفيل، وأكتب لك على الله تبارك وتعالى كتابا، ~~فإذا أتيته تقاضيته بما في كتابك، وفي لك، فإنه قادر قاهر يوفيك ويزيدك. ~~ففكر الملك في PageV00P058 # ذلك، فأراد الله به الخير، فقال له: اكتب لي على الله عز وجل كتاب. # فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب كتبه فلان الكفيل على الله تعالى ~~لكنعان الملك ثقة منه بالله تبارك وتعالى، إن الله لا يضيع أجر من أحسن ~~عملا، ولكنعان على الله عز وجل بكفالة فلان، إن تاب ورجع وعبد الله، أن ~~يدخله الجنة ويبوئه ولا منها حيث يشاء، وإن له على الله ما لأوليائه، وأن ~~يجيره من عذابه; فإنه رحيم بالمؤمنين، واسع الرحمة، سبقت رحمته غضبه، ثم ~~ختم الكتاب ودفعه إليه. ثم قال له: أرشدني كيف أصنع. قال: قم فاغتسل والبس ~~ثيابا جددا، ففعل. ثم أمره أن يتشهد بشهادة الحق، وأن يبرأ من الشرك، ففعل. ~~ثم قال له: كيف أعبد ربي؟ فعلمه الشرائع والصلاة. فقال له يا ذا الكفل! ~~استر هذا الأمر ولا تظهره حتى ألحق بالنساك. قال: فخلع الملك وخرج سرا، ~~فلحق بالنساك فجعل يسيح في الأرض. وفقده أهل مملكته فطلبوه. فلما لم يقدروا ~~عليه قالوا: اطلبوا ذا الكفل! فإنه هو الذي غر إلهنا. قال: فذهب قوم في طلب ~~الملك، وتوارى ذو الكفل. فقدروا على الملك على مسيرة شهر من بلادهم. فلما ~~نظروا اليه قائما يصلي خروا له سجدا. فانصرف إليهم، فقال: اسجدوا لله ولا ~~تسجدوا لأحد من الخلق; فإني آمنت برب السماوات والأرض والشمس والقمر. ~~فوعظهم وخوفهم، PageV00P059 # قال: فعرض له وجع، وحضره الموت. فقال لأصحابه: # لا تبرحوا فإن هذا آخر عهدي بالدنيا، فإذا مت فادفنوني. وأخرج كتابه ms037 ~~فقرأه عليهم حتى حفظوه وعلموا ما فيه. وقال لهم: هذا كتاب كتبه لي على ربي ~~عز وجل، أستوفي منه ما فيه، فادفنوا هذا الكتاب معي. فلما مات جهزوه، لم ~~ووضعوا الكتاب على صدره، ودفنوه. # فبعث الله تبارك وتعالى ملكا، فجاء به إلى ذي الكفل فقال يا ذا الكفل إن ~~ربك قد وفى لكنعان بكفالتك وهذا الكتاب الذي كتبته له، وإن الله عز وجل ~~يقول: هكذا أفعل بأهل طاعتي. # فلما أن جاءه الملك بالكتاب ظهر للناس، فأخذوه. فقالوا له أنت الذي غررت ~~ملكنا وخدعته؟ فقال لهم: لم أغره ولم أخدعه، ولكن دعوته إلى الله، وتكفلت ~~له بالجنة. وقد مات ملككم اليوم في ساعة كذا وكذا ودفنه أصحابكم. وهذا ~~الكتاب الذي كنت كتبته له على الله عز وجل بالوفاء، وقد وفاه الله عز وجل ~~حقه، وهذا الكتاب تصديق لما أقول لكم. فانتظروا حتى يرجع أصحابكم. # فحبسوه حتى قدم أصحابهم فسألوهم، فقصوا عليهم القصة. # فقالوا لهم: تعرفون الكتاب الذي دفنتموه معه؟ قالوا: نعم. # فأخرجوه إليهم، فقرؤوه، فقالوا: هذا الكتاب الذي كان معه، ودفناه في يوم ~~كذا وكذا. # فنظروا وحسبوا، فإذا ذو الكفل كان قد قرأ عليهم الكتاب وأعلمهم بموت ~~الملك في اليوم الذي مات فيه. فآمنوا PageV00P060 # به واتبعوه. فبلغ من آمن به مائة ألف وأربعة وعشرين ألفا وتكفل لهم مثل ~~الذي تكفل لملكهم على الله عز وجل، فسماه الله ذا الكفل. PageV00P061 # ذكر التوابين من الأمم 20 - [توبة قوم موسى عليه السلام] وبه عن إسحاق بن ~~بشر، عن سعيد، عن قتادة عن الحسن، قال: # أقبل موسى عليه السلام يسأل ربه عز وجل أن يتوب على قومه من عبادة العجل. ~~فقال: يا موسى! لا توبة لهم إلا أن يقتلوا أنفسهم. # فرجع موسى عليه السلام إلى قومه، فقال: يا قوم! إن الله أبى أن يقبل منكم ~~توبتكم إلا أن تقتلوا أنفسكم، فتلك توبتكم * (ذلكم خير لكم عند بارئكم) * ~~[البقرة: 54] - يعني خالقكم. # قالوا: يا موسى! نصبر لأمر الله عز وجل. وندم القوم على ما صنعوا. # فأخذ موسى ms038 عليه السلام منهم الميثاق ليصبرن للقتل والقضاء. فقالوا: ~~PageV00P062 # نعم. فأصبحوا غدوة بأفنية البيوت، كل بني أب على حيالهم. فأمر موسى الذين ~~لم يكونوا عبدوا العجل من بني إسرائيل أن يأخذوا السيوف فيقتلوا من لقوا. ~~فمشوا في العسكر، فقالوا: رحم الله من لم يحل حبوته، ولم يرفع بصره، ولم ~~يمتنع بيده ولا رجله، ولم يقم من. # مجلسه حتى يقضي الله قضاءه. # قال: فقتلوا حتى إن كان الرجل من بني إسرائيل ليأتي قومه وهم بأفنية ~~بيوتهم جلوس، فيقول: إن هؤلاء إخوانكم أتوكم شاهرين السيوف، فاتقوا الله ~~واصبروا، فإن لعنة الله وملائكته على رجل حل حبوته، أو قام من مجلسه، أو ~~حدد إليهم طرفه، أو اتقاهم بيد أو رجل، فيقولون: آمين. # وعن ابن عباس، قال: قال القوم حين أمروا أن يقتل بعضهم بعضا: يا رسول ~~الله: كيف نقتل الآباء والأبناء والإخوة؟ قال: فأنزل الله عليهم ظلمة لا ~~يرى بعضهم بعضا فقتلوهم. فقالوا: يا موسى! ما آية توبتنا؟ قال: أن تقوم ~~السيوف والسلاح فلا تقتل وترفع عنكم الظلمة. قال: فقتلوا حتى بلغت الدماء ~~المئزر وخاضوا فيها. وصاح الصبيان إلى موسى يقولون: يا موسى! العفو! العفو! ~~وبكى موسى إلى الله عز وجل، فأنزل الله عز وجل الرحمة وقام السلاح. ونادى ~~موسى أن ارفعوا عن إخوانكم فقد نزلت الرحمة وارتفعت عنهم الظلمة فتكشفت عن ~~القتلى. قال ابن عباس: فقتلاهم شهداء وأحياؤهم مغفور لهم. PageV00P063 # 21 - [توبة قوم يونس عليه السلام] قال إسحاق: وأخبرنا جويبر ومقاتل عن ~~الضحاك عن ابن عباس قال: لما أيس يونس عليه السلام من إيمان قومه دعا ربه ~~عليهم فقال: يا رب! إن قومي أبوا إلا الكفر فأنزل عليهم نقمتك فأوحى الله ~~عز وجل اليه: إني أنزل بقومك العذاب. قال: فخرج عنهم يونس وأوعدهم العذاب ~~بعد ثلاثة أيام. وأخرج أهله ومع ابناه صغيران، فانطلق حتى خرج عنهم. فصعد ~~جبلا ينظر إلى أهل " نينوى " ويترقب العذاب. وبعث الله عز وجل جبريل، فقال: ~~انطلق إلى مالك خازن النار فقل له يخرج من سموم جهنم على قدر ms039 مثقال شعيرة، ~~ثم انطلق به فأحط به أهل مدينة " نينوى ". قال: # فانطلق جبريل ففعل ما أمره ربه عز وجل. وعاين قوم يونس العذاب لما هبط ~~للوقت الذي وقت لهم يونس. # قال أبو الجلد: إن العذاب لما هبط على قوم يونس فجعل يحوم على رؤوسهم مثل ~~قطع الليل المظلم. قال ابن عباس: فلما استيقنوا بالعذاب سقط في أيديهم ~~وعلموا أن يونس قد صدقهم، فطلبوه فلم يقدروا عليه. فقالوا: نجتمع إلى الله ~~ونتوب إليه. # قال: فخرجوا إلى موضع يقال له: تل الرماد، وتل التوبة PageV00P064 # وإنما سمي: تل الرماد، لأنهم خرجوا جميعا الرجال والنساء والعواتق ~~وأخرجوا معهم أنعامهم وبهائمهم، فميزوا بين المراضع وأولادها، والبهائم ~~وأولادها، وجعلوا الرماد على رؤوسهم، ووضعوا الشوك من تحت أرجلهم، ولبسوا ~~المسوح والصوف، ثم استجاروا بالله ورفعوا أصواتهم بالبكاء والدعاء. فعلم ~~الله عز وجل منهم الصدق. # فقالت الملائكة: يا رب! رحمتك وسعت كل شئ، فهؤلاء الأكابر من ولد آدم ~~تعذبهم، فما بال الأصاغر والبهائم؟ فقال الله عز وجل: يا جبريل! ارفع عنهم ~~العذاب، فقد قبلت توبتهم. يقول الله عز وجل: * (فلو لا كانت قرية آمنت ~~فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة ~~الدنيا ومتعناهم إلى حين) * [يونس: 98]. PageV00P065 # أخبرنا علي بن عساكر، أنا أبو طالب، أنا أبو علي التميمي، أنا أبو بكر ~~القطيعي، ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا أبي، ثنا هشيم ثنا صالح، عن أبي عمران ~~الجوني، عن أبي الجلد، قال: # إن العذاب لما هبط على قوم يونس فجعل يحوم على رؤوسهم مثل قطع الليل ~~المظلم، فمشى ذوو العقول منهم إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا: إنا قد نزل ~~بنا ما ترى، فعلمنا دعاء ندعو به، عسى الله أن يرفع عنا العقوبة. فقال ~~قولوا: يا حي حين لا حي، ويا حي محيي الموتى، ويا حي لا إله إلا أنت! قال: ~~فكشف الله عز وجل عنهم وعن الحسن أن يونس عليه السلام بعد ما أنجاه الله من ~~بطن الحوت رجع فمر براع من رعاة ms040 قومه وهو في برية يرعى غنما، فقال يونس ~~للراعي: من أنت يا عبد الله؟ قال: أنا من قوم يونس بن متى. قال يونس: فما ~~فعل يونس؟ قال: لا ندري ما حاله، غير أنه كان خير الناس وأصدق الناس، ~~أخبرنا عن العذاب، فجاءنا على ما قال، فتبنا إلى الله فرحمنا، فنحن نطلب ~~يونس ولا ندري أين هو ولا نسمع له بذكر PageV00P066 # قال يونس: هل عندك من لبن؟ قال: لا، والذي أكرم يونس ما مطرت السماء ولا ~~أعشبت الأرض منذ فارقنا يونس. قال: ألا أراكم تحلفون بإله يونس؟ قال: لا ~~نحلف بغير إله يونس، من فعل في مدينتنا فحلف بغير إله يونس نزع لسانه من ~~قفاه. فقال له يونس: متى استحدثتم هذا؟ قال: لما كشف الله عنا العذاب. قال ~~يونس: ائتني بنعجة. قال: فأتاه بنعجة مسلوبة، فمسح يده على بطنها، ثم قال ~~لها: # دري بإذن الله. فدرت، فاحتلبها يونس، فشرب يونس والراعي. # فقال الراعي: إن كان يونس حيا فأنت هو! قال: أنا يونس، فأت قومك فاقرئهم ~~مني السلام. قال: إن الملك قال: من أتاني فأعلمني أنه رأى يونس، وجاءني ذلك ~~ببرهان، خلعت له ملكي وجعلته مكاني ولحقت بيونس. فلا أستطيع [أن] أبلغه ذلك ~~إلا بحجة، فإني أخاف أن يقال لي: إنما قلت هذا لقول الملك وطمعت في ملكه ~~وكذبت، وليس أحد منا يكذب اليوم كذبة إلا قتلوه، وأنت أعظم في أعينهم من ~~ذلك أن أجيئهم بما يكذبوني ويقتلوني. قال يونس تشهد لك الشاة التي شربنا ~~منها لبنا، وهو مستند إلى صخرة، فقال للصخرة: اشهدي له. # قال ابن سمعان: إن يونس قال للراعي: انطلق إلى قومك فبلغهم عني السلام ~~وأخبرهم أنك قد رأيتني. قال: فانطلق الراعي فأخبرهم، فكذبوه. فلما شهدت ~~الصخرة والشاة، اجتمعوا فبكوا على ذكر يونس ولم يروه، وقالوا للراعي: أنت ~~خيرنا وسيدنا حين رأيت يونس. PageV00P067 # فملكوه عليهم، وقالوا: لا ينبغي أن يكون فينا أحد أرفع منك، ولا نعصي لك ~~أمرا بعدما رأيت يونس رسول الله. فكان ذلك آخر العهد بيونس. قال: ms041 وملكهم ~~الراعي أربعين سنة. # 22 - [توبة قوم نبي من الأنبياء] أخبرنا عبد الرحمن بن جامع الفقيه، أنا ~~أحمد بن أحمد المتوكلي، أنا أبو بكر الخطيب، أنا محمد بن موسى بن الفضل، ~~أنا محمد بن عبد الله الصفار، أنا ابن أبي الدنيا، أنا سعيد بن سنان ~~الحمصي، قال: # أوحى الله عز وجل إلى نبي من الأنبياء: إن العذاب حائق بقومك. قال: فذكر ~~ذلك النبي لقومه وأمرهم أن يخرجوا أفاضلهم فيتوبوا. قال: فخرجوا، فأمرهم أن ~~يخرجوا ثلاثة من أفاضلهم وفدا إلى الله تعالى. قال: فخرجت الثلاثة أمام ~~القوم. قال: فقال أحد الثلاثة: # اللهم إنك أمرتنا في التوراة التي أنزلت على عبدك موسى أن لا ترد السؤال ~~إذا قاموا بأبوابنا، وإنا سؤال من سؤالك قمنا بباب من أبوابك فلا ترد ~~سؤالك. وقال الثاني: اللهم! إنك أمرتنا في التوراة التي أنزلت على عبدك ~~موسى أن نعفو عمن ظلمنا. وإنا ظلمنا أنفسنا فاعف عنا. وقال الثالث: اللهم! ~~إنك أمرتنا في التوراة التي أنزلت على عبدك موسى أن نعتق أرقاءنا، وإنا ~~عبيدك وأرقاؤك فأوجب لنا عتقنا. فأوحى الله إلى نبيه أنه قد قبل منهم وعفا ~~عنهم. PageV00P068 # ذكر التوابين من آحاد الأمم الماضية 23 - [توبة أصحاب الغار] أخبرنا أبو ~~الحسين عبد الحق بن عبد الخالق اليوسفي، أنا أبو الحسن ابن العلاف، أنا أبو ~~القاسم بن بشران، أنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم ابن علي الكندي، أنا أبو ~~بكر محمد بن جعفر السامري، ثنا نصر بن داود بن مهران، ثنا داود بن عبد ~~الرحمن العطار عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # بينما ثلاثة نفر يمشون إذ أخذهم المطر، فأووا إلى غار في جبل فانحطت ~~عليهم في غارهم صخرة من الجبل فأطبقت عليهم باب الغار. PageV00P069 # فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالا عملتموها صالحة فادعوه بها. # فدعوا الله عز وجل، فقال بعضهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران ~~وامرأة وصبيان، فكنت أرعى عليهم. فإذا رحت إليهم حلبت. # فبدأت بوالدي ms042 أسقيهما قبل بني. وإنه نأى بي طلب الشجر فلم آت حتى أمسيت ~~فوجدتهما قد ناما. فحلبت كما كنت أحلب، فجئت فقمت عند رؤوسهما أكره أن ~~أوقظهما وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما. # فجعلوا يتضاغون عند قدمي. فلم أزل كذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر. فإن ~~كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة نرى منها السماء، ففرج ~~الله عز وجل لهم فرجة. # وقال الآخر: اللهم! إنه كانت لي ابنة عم فأحببتها كأشد ما يحب الرجل ~~النساء. فطلبت إليها نفسها فأبت علي حتى آتيها بمائة دينار. # فسعيت حتى جمعت مائة دينار فجئتها بها. فلما قعدت بين رجليها، قالت: يا ~~عبد الله! اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه. فقمت عنها. PageV00P070 # فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا فرجة نرى منها السماء! ~~ففرج الله لهم فرجة. # وقال الآخر: اللهم! إني استأجرت أجيرا، فلما قضى عمله قال: # أعطني حقي. فعرضته عليه فتركه ورغب عنه، فثمرته. # حتى اشتريت به بقرا ورعاءها. فجاءني بعد حين، فقال: اتق الله ولا تظلمني ~~حقي، فقلت: انطلق فخذ تلك ورعاءها، فقال: اتق الله ولا تستهزئ بي. فقلت: ~~إني لا أستهزئ بك. فخذ تلك البقر ورعاءها. فأخذها وذهب. فإن كنت تعلم أني ~~فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا ما بقي. ففرجها الله عنهم. PageV00P071 # 24 - [توبة الكفل] قال محمد بن جعفر: وأخبرنا عبد الرزاق بن منصور ~~الضرير، ثنا أسباط بن محمد عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله عن سعد مولى ~~طلحة عن ابن عمر قال: لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا، ~~قال: PageV00P072 # كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله. فأتته امرأة فأعطاها ~~ستين دينارا على أن يطأها. فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته ارتعدت ~~وبكت. فقال لها: ما يبكيك؟ أكرهتك؟ # قالت: لا، ولكن هذا عمل لم أعمله قط. قال: فلم تفعلين هذا ولم تكوني ~~فعلتيه قط؟ قالت: حملتني عليه الحاجة. # قال: فتركها، ثم قال: اذهبي والدنانير لك. ms043 ثم قال: والله لا يعصي الله ~~الكفل أبدا. فمات من ليلته، فأصبح مكتوبا على بابه: غفر الله للكفل. ~~PageV00P073 # 25 - [توبة العابد والمرأة البغي] أنبأنا الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن ~~علي الإمام أنا عبد الملك ابن أبي القاسم، قال: أنا محمد بن علي بن عمير، ~~أنا محمد بن محمد بن عبد الله الفامي، أنا محمد بن أحمد المرواني، قال: ~~حدثني محمد بن المنذر شكر، قال: حدثني الفضل بن عبد الجبار الباهلي، أنا ~~إبراهيم بن الأشعث، ثنا معتمر بن سليمان، عن أبي كعب صاحب الحرير عن الحسن، ~~قال: # كانت امرأة بغي، لها ثلث الحسن، لا تمكن من نفسها إلا بمائة دينار. وإنه ~~أبصرها عابد فأعجبته. فذهب فعمل بيديه وعالج فجمع مائة دينار. ثم جاء ~~إليها، فقال: إنك أعجبتني فانطلقت فعملت بيدي، وعالجت حتى جمعت مائة دينار. ~~فقالت له: ادخل. فدخل، وكان لها سرير من ذهب، فجلست على سريرها، ثم قالت ~~له: هلم. # فلما جلس منها مجلس الخاتن ذكر مقامه بين يدي الله، فأخذته رعدة. فقال ~~لها: اتركيني أخرج ولك المائة دينار. قالت: ما بدا لك وقد زعمت أنك رأيتني ~~فأعجبتك فذهبت فعالجت وكددت حتى جمعت مائة دينار فلما قدرت علي فعلت الذي ~~فعلت؟ فقال PageV00P074 # فرقا من الله ومن مقامي بين يديه، وقد بغضت إلي، فأنت أبغض الناس إلي. ~~فقالت: إن كنت صادقا فما لي زوج غيرك. فقال: # دعيني أخرج. فقالت: لا، إلا أن تجعل لي أن تزوج بي، قال: لا، حتى أخرج. ~~قالت: فلي عليك إن أنا أتيتك أن تتزوجني؟ قال: # لعل. فتقنع بثوبه، ثم خرج إلى بلده. وارتحلت تائبة نادمة على ما كان منها ~~حتى قدمت بلده. فسألت عن اسمه ومنزله، فدلت عليه فقيل له: إن الملكة قد ~~جائتك. فلما رآها شهق شهقة فمات وسقط في يدها. وقالت: أما هذا فقد فاتني، ~~فهل له من قريب؟ قالوا: أخوه رجل فقير. قالت: فإني أتزوجه حبا لأخيه. ~~فتزوجته، فنشر الله منها سبعة أنبياء. # 26 - [توبة القصاب والجارية] أخبرنا الفقيه أبو محمد عبد ms044 الرحمن بن جامع ~~بن غنيمة بن البنا، حدثنا أبو السعادات أحمد بن أحمد المتوكلي، أنا أبو بكر ~~الخطيب، أنا أبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل، أنا أبو عبد الله محمد بن عبد ~~الله الصفار، أنا أبو بكر بن أبي الدنيا، ثنا الحسن بن الصباح، ثنا زيد ابن ~~الحباب، ثنا محمد بن نشيط الهلالي، ثنا بكر بن عبد الله المزني. # أن قصابا ولع بجارية لبعض جيرانه. فأرسلها أهلها في حاجة لهم إلى قرية ~~أخرى، فتبعها، فراودها عن نفسها. فقالت: لا تفعل! PageV00P075 # لأنا أشد حبا لك منك لي، ولكني أخاف الله. قال: فأنت تخافينه وأنا لا ~~أخافه؟! فرجع تائبا، فأصابه العطش حتى كاد ينقطع عنقه فإذا هو برسول لبعض ~~أنبياء بني إسرائيل، فسأله، قال: ما لك؟ قال: # العطش. قال: تعال حتى ندعو الله حتى تظلنا سحابة حتى ندخل القرية. قال: ~~ما لي من عمل. قال: فأنا أدعو وأمن أنت. # قال: فدعا الرسول، وأمن هو. فأظلتهم سحابة حتى انتهوا إلى القرية، فأخذ ~~القصاب إلى مكانه، ومالت السحابة فمالت عليه. # فرجع الرسول، فقال: زعمت أن ليس لك عمل، وأنا الذي دعوت وأنت الذي أمنت، ~~فأظلتنا سحابة ثم تبعتك، لتخبرني. ما أمرك. # فأخبره، فقال الرسول: التائب إلى الله بمكان ليس أحد من الناس بمكانه. # 27 - [توبة صاحب الرغيف] أخبرنا أبو الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن ~~سلمان، أنا أبو الفضل أحمد بن أحمد، ثنا أبو نعيم الحافظ، ثنا عبد الله بن ~~محمد بن شبل، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، ثنا ~~أبو عثمان، عن أبي بردة، قال: # لما حضرت أبا موسى الوفاة، قال: يا بني! اذكروا صاحب الرغيف، كان رجل ~~يتعبد في صومعة أراه سبعين سنة لا ينزل إلا في PageV00P076 # يوم واحد. قال: فشبه أو شب الشيطان في عينه امرأة، فكان معها سبعة أيام ~~أو سبع ليال، ثم كشف عن الرجل غطاؤه، فخرج تائبا. # وكان كلما خطا خطوة صلى وسجد. فآواه الليل إلى دكان عليه اثنا ms045 عشر ~~مسكينا. فأدركه العياء، فرمى بنفسه بين رجلين منهم. وكان ثم راهب يبعث ~~إليهم كل ليلة أرغفة فيعطي كل إنسان رغيفا. فجاء صاحب الرغف، فأعطي كل ~~إنسان رغيفا، ومر على ذلك الرجل الذي خرج تائبا فظن أنه مسكين فأعطاه ~~رغيفا، فقال له المرتوك: ما لك لم تعطني رغيفي؟ فقال: تراني أمسكت عنك؟ سل ~~هل أعطيت أحدا منكم رغيفين؟ قالوا: لا. فقال: والله لا أعطيك الليلة شيئا! ~~فعمد التائب إلى الرغيف الذي دفعه إليه فدفعه إلى الرجل الذي ترك، فأصبح ~~التائب ميتا، قال: فوزنت السبعون بالسبع ليال فرجحت الليالي. فوزن الرغيف ~~بالسبع ليال فرجح الرغيف. فقال أبو موسى: # يا بني! اذكروا صاحب الرغيف. # 28 - [توبة راهب من بني إسرائيل] أخبرنا أبو الحسن علي بن عساكر ~~البطائحي، أنا الأمين أبو طالب اليوسفي، أنا ابن المذهب، أنا القطيعي، ثنا ~~عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن أبي سفيان، ~~عن مغيث ابن سمي، قال. PageV00P077 # تعبد راهب من بني إسرائيل في صومعة ستين سنة، فنظر يوما في غب سماء، ~~فأعجبته الأرض. فقال: لو نزلت فمشيت في الأرض ونظرت فيها. قال: فنزل معه ~~برغيف. فعرضت له امرأة فتكشفت له، فلم يملك نفسه أن وقع. عليها فأدركه ~~الموت على تلك الحال. قال. وجاء سائل فأعطاه الرغيف ومات. قال: فجئ بعمل ~~ستين سنة فوضع في كفة قال: وجئ بخطيئته فوضعت في كفة فرجحت بعمله. قال: وجئ ~~بالرغيف فوضع مع عمله فرجح بخطيئته. # 29 - [توبة عابد من العبدة] أخبرنا محمد بن عبد الباقي، أنا أبو الحسن ~~علي بن محمد بن محمد بن محمد الخطيب الأنباري، أنا أبو الحسين بن بشران، ~~أنا أبو علي بن صفوان، أنا ابن أبي الدنيا، ثنا المثنى بن معاذ العنبري، ~~ثنا أبي عن شعبة، عن منصور عن: إبراهيم: # أن رجلا من العباد كلم امرأة، فلم يزل حتى وضع يده على فخذها. فذهب فوضع ~~يده في النار حتى نشت. PageV00P078 # 30 - [توبة ذي الرجل] أخبرنا محمد، أنا علي بن محمد، أنا علي ms046 بن محمد بن ~~عبد الله بن بشران، أنا الحسين بن صفوان، أنا عبد الله بن محمد، حدثني محمد ~~بن الحسين، عن موسى بن داود، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، قال: # كان في بني إسرائيل رجل يتعبد في صومعته، فمكث بذلك زمانا طويلا. فأشرف ~~يوما، فإذا هو بامرأة فافتتن بها وهم بها. فأخرج رجله لينزل إليها، فأدركه ~~الله بسابقة. فقال: ما هذا الذي أريد أن أصنع؟ ورجعت إليه نفسه وجاءته ~~العصمة، فندم. فلما أراد أن يعيد رجله في صومعته، قال هيهات! هيهات! رجل ~~خرجت تريد أن تعصي الله تعود معي في صومعتي؟ لا يكون والله ذلك أبدا! # فتركها والله معلقة من الصومعة تصيبها الرياح والأمطار والشمس والثلج حتى ~~تقطعت فسقطت. فشكر الله عز وجل له، فأنزل في بعض الكتب: " وذو الرجل "، ~~يذكره بذلك. # 31 - [توبة برخ العابد] وذكر ابن البراء في " الروضة ": أنبأنا الفضل بن ~~حازم، حدثني يوسف بن عزولا، حدثني مخلد بن ربيعة الربعي، عن كعب، قال: # قحطت بنو إسرائيل على عهد موسى عليه السلام فسألوه أن PageV00P079 # يستسقي لهم. فقال: اخرجوا معي إلى الجبل، فخرجوا، فلما صعد الجبل قال ~~موسى: لا يتبعني رجل أصاب ذنبا. فانصرف أكثر من نصفهم. ثم قال الثانية: لا ~~يتبعني من أصاب ذنبا، فانصرفوا جميعا إلا رجلا واحدا أعور يقال له: برخ ~~العابد. فقال له موسى: ألم تسمع ما قلت؟ قال: بلى. قال: فلم تصب ذنبا؟ قال: ~~ما أعلمه إلا شيئا أذكره، فإن كان ذنبا رجعت. قال: ما هو؟ قال: مررت في ~~طريق، فإذا باب حجرة مفتوح، فلمحت بعيني هذه الذاهبة شخصا لا أعلم ما هو. ~~فقلت لعيني: أنت من بين بدني سارعت إلى الخطيئة، لا تصحبيني بعدها! فأدخلت ~~أصبعي فقلعتها، فإن كان هذا ذنبا رجعت. فقال موسى ليس هذا ذنبا. قال له: ~~استسق يا برخ، فقال: قدوس! # قدوس! ما عندك لا ينفذ، وخزائنك كان لا تفنى، وأنت بالبخل لا ترمى، فما ~~هذا الذي لا تعرف به؟ اسقنا الغيث الساعة الساعة. # قال: ms047 فانصرفا يخوضان الوحل. # 32 - [توبة العبد العاصي] وروي أنه لحق بني إسرائيل قحط على عهد موسى ~~عليه السلام فاجتمع الناس إليه، فقالوا: يا كليم الله! ادع لنا ربك أن ~~يسقينا الغيث، فقام معهم، وخرجوا إلى الصحراء وهم سبعون ألفا أو يزيدون. ~~فقال موسى عليه السلام: إلهي! اسقنا غيثك: وانشر علينا رحمتك، PageV00P080 # وارحمنا بالأطفال الرضع، والبهائم الرتع، والمشايخ الركع فما زادت السماء ~~إلا تقشعا، والشمس إلا حرارة. فقال موسى إلهي إن كان قد خلق جاهي عندك، ~~فبجاه النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم الذي تبعثه في آخر الزمان! ~~فأوحى الله إليه: ما خلق جاهك عندي، وإنك عندي وجيه، ولكن فيكم عبد يبارزني ~~منذ أربعين سنة بالمعاصي، فناد في الناس حتى يخرج من بين أظهركم، فبه ~~منعتكم. فقال موسى إلهي وسيدي! أنا عبد ضعيف، وصوتي ضعيف، فأين يبلغ وهم ~~سبعون ألفا أو يزيدون؟ فأوحى الله إليه: منك النداء، ومني البلاغ فقام ~~مناديا وقال: يا أيها العبد العاصي الذي يبارز الله منذ أربعين سنة! # اخرج من بين أظهرنا، فبك منعنا المطر. فقام العبد العاصي، فنظر ذات ~~اليمين وذات الشمال، فلم ير أحدا خرج. فعلم أنه المطلوب; فقال في نفسه: إن ~~أنا خرجت من بين هذا الخلق افتضحت على رؤوس بني إسرائيل، وإن قعدت معهم ~~منعوا لأجلي. فأدخل رأسه في ثيابه نادما على فعاله، وقال: إلهي وسيدي! ~~عصيتك أربعين سنة وأمهلتني، وقد أتيتك طائعا فاقبلني. فلم يستتم الكلام حتى ~~ارتفعت سحابة بيضاء فأمطرت كأفواه القرب، فقال موسى: إلهي وسيدي! بماذا ~~سقيتنا وما خرج من بين أظهرنا أحد؟ فقال: يا موسى! # سقيتكم بالذي به منعتكم. فقال موسى: إلهي! أرني هذا العبد PageV00P081 # الطائع. فقال يا موسى! إني لم أفضحه وهو يعصيني، [أ] أفضحه وهو يطيعني؟! ~~يا موسى! إني أبغض النمامين عليه، [أ] فأكون نماما؟! # 33 - [توبة شاب مسرف على نفسه] وعن وهب بن منبه، قال: كان في زمن موسى ~~عليه السلام شاب عات مسرف على نفسه، فأخرجوه من بينهم لسوء فعله. فحضرته ~~الوفاة في خربة ms048 على باب البلد، فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: # إن وليا من أوليائي حضره الموت، فأحضره وغسله وصل عليه، وقل لمن كثر ~~عصيانه يحضر جنازته لأغفر لهم، واحمله إلي لأكرم مثواه. # فنادى موسى في بني إسرائيل، فكثر الناس. فلما حضروه عرفوه، فقالوا: يا ~~نبي الله! هذا هو الفاسق الذي أخرجناه. فتعجب موسى من ذلك. فأوحى الله ~~إليه: صدقوا وهم شهدائي، إلا أنه لما حضرته الوفاة في هذه الخربة نظر يمنة ~~ويسرة فلم ير حميما ولا قريبا، ورأى نفسه غريبة وحيدة ذليلة، فرفع بصره ~~إلي، وقال: إلهي! عبد من عبادك غريب في بلادك، لو علمت أن عذابي يزيد في ~~ملكك، وعفوك عني ينقص من ملكك لما سألتك المغفرة، وليس لي ملجأ ولا رجاء ~~إلا أنت، وقد سمعت فيما أنزلت أنك قلت: إني أنا الغفور الرحيم، فلا تخيب ~~رجائي. يا موسى! أفكان يحسن بي أن أرده وهو غريب على هذه الصفة، وقد توسل ~~إلي بي وتضرع بين يدي! وعزتي، لو PageV00P082 # سألني في المذنبين من أهل الأرض جميعا لوهبتهم له لذل غربته. # يا موسى! أنا كهف الغريب وحبيبه وطبيبه وراحمه. # 34 - [توبة رجلين من بني إسرائيل] أخبرتنا شهدة ابنة أحمد بن الفرج ~~الابري قالت: أنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن طلحة، أنا أبو ~~الحسن محمد عبيد الله الحنائي، أنا ابن السماك، أنا أبو القاسم إسحاق بن ~~إبراهيم الختلي، أنا علي بن مسلم، ثنا سيار، ثنا جعفر، ثنا مالك بن دينار، ~~عن معبد الجهني عن أبي العوام سادن بيت المقدس عن كعب الأحبار، قال: # انطلق رجلان من بني إسرائيل إلى مسجد من مساجدهم، فدخل أحدهما وجلس ~~الآخر، خارجا فجعل يقول: ليس مثلي يدخل بيت الله وقد عصيت الله، فكتب ~~صديقا. # قال: وأصاب رجل من بني إسرائيل ذنبا، فحزن عليه وجعل يجئ ويذهب ويجئ ~~ويقول: بم أرضي ربي؟ بم أرضي ربي؟ بم أرضي ربي؟ فكتب صديقا. # 35 - [توبة عاص من العصاة] أخبرنا الشيخ أبو الفرج فيما كتب إلي به، أنا ms049 ~~عبد الملك بن أبي القاسم، أنا محمد بن علي بن عمير، أنا محمد بن محمد بن ~~عبد الله القاضي، PageV00P083 # ثنا محمد بن أحمد المرواني، قال: حدثني محمد بن المنذر، أنا الربيع بن ~~سليمان، أنا عبد الله بن وهب، قال: حدثني ابن زيد، عن ربيعة بن عثمان ~~التيمي، قال: # كان رجل على معاصي الله تعالى، ثم إن الله أراد به خيرا وتوبة. فقال ~~لزوجته: إني لملتمس شفيعا إلى الله تعالى. فخرج إلى الصحراء، فجعل يصيح: يا ~~سماء! اشفعي لي، يا جبال! اشفعي لي، يا أرض! اشفعي لي، يا ملائكة! اشفعي ~~لي. فأدركه الجهد فخر مغشيا عليه، فبعث الله إليه ملكا، فأجلسه ومسح رأسه ~~وقال له: # أبشر، فقد قبل الله توبتك، قال: رحمك الله! من كان شفيعي إلى الله عز ~~وجل؟ قال: خشيتك شفعت لك إلى الله تعالى. # 36 - [توبة الخارج من القرية الظالمة] أخبرنا أبو القاسم يحيى بن ثابت، ~~أنا طراد بن محمد الزينبي، أنا أبو الحسين بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد ~~الصفار، ثنا أحمد ابن منصور، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أبي إسحاق، عن ~~أبي الأحوص، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: # كانت قريتان إحداهما صالحة، والأخرى ظالمة، فخرج رجل من القرية الظالمة ~~يريد القرية الصالحة، فأتاه ملك الموت حيث شاء الله PageV00P084 # عز وجل، فاختصم فيه الملك والشيطان، فقال الشيطان: والله ما عصاني قط! ~~فقال الملك: إنه خرج يريد التوبة! فقضي بينهما أن ينظر إلى أيهما هو أقرب، ~~فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر، فغفر له: # 37 - [توبة من قتل مائة نفس] أخبرنا أبو بكر بن النقور، أنا أبو طالب ~~اليوسفي، أنا أبو علي ابن المذهب، أنا أبو بكر القطيعي، ثنا عبد الله بن ~~أحمد، ثنا أبي، ثنا يزيد، ثنا همام بن يحيى، ثنا قتادة، عن أبي الصديق ~~الناجي، عن أبي سعيد الخدري، قال: لا أحدثكم إلا ما سمعت من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، سمعته أذناي، ووعاه قلبي: # أن عبدا قتل تسعة وتسعين نفسا، فعرضت ms050 له التوبة، فسأل عن أعلم أهل الأرض، ~~فدل على رجل، فأتاه فقال: إني قتلت تسعة وتسعين نفسا، فهل لي من توبة؟ ~~فقال: بعد قتل تسعة وتسعين نفسا! # قال: فانتضى سيفه فقتله به، فأكمل به المائة. ثم عرضت له التوبة، فسأل عن ~~أعلم أهل الأرض، فدل على رجل، فأتاه فقال: إني قتلت: # مائة نفس، فهل لي من توبة؟ قال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ # اخرج من القرية الخبيثة التي أنت فيها إلى القرية الصاحلة. [قرية ~~PageV00P085 # كذا وكذا فاعبد ربك فيها، قال: فخرج إلى القرية الصالحة] فعرض له أجله في ~~الطريق. قال: فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. قال: فقال إبليس: ~~أنا أولى به، إنه لم يعصني ساعة قط. قال: فقالت ملائكة الرحمة: إنه خرج ~~تائبا. # قال همام: فحدثني حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع، ~~قال: فبعث الله - عز وجل - [له] ملكا، فاختصموا إليه. ثم رجع إلى حديث ~~قتادة، قال: فقال: انظروا إلى أي القريتين كان أقرب إليها فألحقوه بأهلها. # قال قتادة: فحدثنا الحسن أنه لما عرف الموت، احتفز بنفسه. # فقرب الله منه القرية الصالحة، وباعد منه القرية الخبيثة، فألحقوه بأهل ~~القرية الصالحة. PageV00P086 # 38 - [توبة لص من بني إسرائيل] أخبرنا أبو الفتح محمد بن عبد الباقي، أنا ~~أبو الفضل أحمد بن أحمد الحداد، أنا أحمد بن عبد الله بن إسحاق، ثنا أبو ~~محمد بن حيان، ثنا PageV00P087 # أحمد بن الحسين، ثنا أحمد بن إبراهيم، حدثني محمد بن يزيد بن خنيس، عن ~~وهيب بن الورد، قال: بلغنا أن عيسى عليه السلام مر هو ورجل من بني إسرائيل ~~من حواريه بلص في قلعة له. فلما رآهما اللص ألقى الله في قلبه التوبة. قال: ~~فقال لنفسه: هذا عيسى بن مريم عليه السلام، روح الله وكلمته وهذا حواريه، ~~ومن أنت يا شقي؟ لص بني إسرائيل! قطعت الطريق، وأخذت الأموال، وسفكت ~~الدماء! ثم هبط إليهما تائبا نادما على ما كان منه. فلما لحقهما، قال ~~لنفسه: تريد أن تمشي معهما؟ لست لذلك بأهل؟ امش ms051 خلفهما كما يمشي الخطاء ~~المذنب مثلك! # قال: فالتفت إليه الحواري فعرفه. فقال في نفسه: انظر إلى هذا الخبيث ~~الشقي ومشيه وراءنا! قال: فاطلع الله سبحانه وتعالى على ما في قلوبهما من ~~ندامته وتوبته ومن ازدراء الحواري إياه وتفضيله نفسه عليه. قال: فأوحى الله ~~تعالى إلى عيسى بن مريم أن مر الحواري ولص بني إسرائيل أن يأتنفا العمل ~~جميعا، أما اللص فقد غفرت له ما قد مضى لندامته وتوبته، وأما الحواري فقد ~~حبط عمله لعجبه بنفسه وازدرائه هذا التواب 39 - [توبة ثلاث بنات من البغايا ~~وغواة قرية] أخبرنا المبارك بن علي، أنا أحمد بن الحسين بن قريش، أنا ~~إبراهيم ابن عمر البرمكي، أنا أبو بكر محمد بن زكريا الدقاق، ثنا عبد الله ~~بن PageV00P088 # سليمان، ثنا عبد الملك بن محمد بن عبد الله، ثنا ابن عائشة، ثنا سعيد ابن ~~عامر قال: حدثني حسن أبو جعفر، قال: # كان لقمان الحبشي عبدا لرجل جاء به إلى السوق يبيعه. قال: # فكان كلما جاء إنسان يشتريه قال له لقمان: ما تصنع بي؟ فيقول: أصنع بك ~~كذا وكذا. قال: حاجتي إليك أن لا تشتريني، حتى جاء رجل، فقال: ما تصنع بي؟ ~~قال: أصيرك بوابا على بابي، قال: أنت اشترني. # قال: فاشتراه وجاء به إلى داره. # قال: وكان لمولاه ثلاث بنات يبغين في القرية، وأراد أن يخرج إلى ضيعة له، ~~فقال له: إني قد أدخلت إليهن طعامهن وما يحتجن إليه، فإذا خرجت فاغلق الباب ~~واقعد من ورائه ولا تفتحه لا حتى أجئ. # قال: فقلن له: افتح الباب! فأبى عليهن، فشججنه، فغسل الدم وجلس. فلما قدم ~~سيده لم يخبره. ثم عاد مولاه بعد للخروج، فقال: # إني قد أدخلت إليهن ما يحتجن إليه، فلا تفتحن الباب. فلما خرج، خرجن إليه ~~فقلن له: افتح الباب، فأبى، فشججنه ورجعن، فجلس، فلما أن جاء مولاه لم ~~يخبره بشئ. # قال: فقالت الكبيرة: ما بال هذا العبد الحبشي أولى بطاعة الله عز وجل ~~مني؟ والله لأتوبن! قال: فتابت. فقالت الصغرى: ما بال هذا العبد الحبشي ms052 ~~وهذه الكبرى أولى بطاعة الله عز وجل مني؟ والله لأتوبن! فتابت. فقالت ~~الوسطى: ما بال هاتين وهذا العبد الحبشي PageV00P089 # أولى بطاعة الله عز وجل مني؟ والله لأتوبن! فتابت. قال: فقال غواة ~~القرية: ما بال هذا العبد الحبشي وبنات فلان أولى بطاعة الله منا؟ فتابوا ~~إلى الله عز وجل وكانوا عوابد القرية. # 40 - [توبة صاحب فاحشة] أخبرنا أبو منصور جعفر بن الدامغاني: أنا محفوظ ~~بن أحمد الكلوذاني، أنا أبو علي الجازري، أنا المعافى بن زكريا الجريري، ~~ثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، ثنا أبو يوسف يعقوب بن إسحاق القاضي. # ثنا يحيى بن صالح الوحاظي، ثنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان ابن عمرو، عن ~~شريح بن عبيد الحضرمي، عن كعب الأحبار: # أن رجلا من بني إسرائيل أتى فاحشة، فدخل نهرا يغتسل فيه، فناداه الماء: # يا فلان! أما تستحيي؟ ألم تتب من هذا الذنب وقلت: # إنك لا تعود فيه؟! فخرج من الماء فزعا وهو يقول: لا أعصي الله! # فأتى جبلا فيه اثنا عشر رجلا يعبدون الله عز وجل. فلم يزل معهم حتى قحط ~~موضعهم، فنزلوا يطلبون الكلأ، فمروا على ذلك النهر. # فقال لهم الرجل: أما أنا فلست بذاهب معكم. قالوا: لم؟ قال: لأن ثم من قد ~~اطلع مني على خطيئة، فأنا أستحيي منه أن يراني. فتركوه ومضوا، فناداهم ~~النهر: يا أيها العباد! ما فعل صاحبكم؟ قالوا: زعم أن له هاهنا من قد اطلع ~~منه على خطيئة فهو يستحيي منه أن يراه. PageV00P090 # قال: يا سبحان الله! إن أحدكم يغضب على ولده أو على بعض قراباته، فإذا ~~تاب ورجع إلى ما يحب أحبه، وإن صاحبكم قد تاب ورجع إلى ما أحب، فأنا أحبه. ~~فأتوه فأخبروه، واعبدوا الله على شاطئي، فأخبروه، فجاء معهم، فأقاموا ~~يعبدون الله زمانا. ثم إن صاحب الفاحشة توفي. # فناداهم النهر: يا أيها العباد والعبيد الزهاد! غسلوه من مائي وادفنوه ~~على شاطئي حتى يبعث يوم القيامة من قربي. ففعلوا ذلك به، وقالوا: # نبيت ليلتنا هذه على قبره نبكي، فإذا أصبحنا سرنا. فباتوا على قبره ms053 ~~يبكون، فلما جاء وجه السحر غشيهم النعاس، فأصبحوا وقد أنبت الله على قبره ~~اثنتي عشرة سروة، وكان أول سرو أنبته الله عز وجل على وجه الأرض. فقالوا: ~~ما أنبت الله هذا الشجر في هذا المكان إلا وقد أحب الله عبادتنا فيه. ~~فأقاموا يعبدون الله عز وجل على قبره، كلما مات رجل دفنوه إلى جانبه. ~~فماتوا بأجمعهم. قال كعب: # فكان بنو إسرائيل يحجون إلى قبورهم PageV00P091 # أخبار التائبين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم 41 - [توبة أبي ~~خيثمة رضي الله عنه] أخبرنا أبو محمد عبد الله بن منصور بن هبة الله ~~الموصلي، أنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي، أنا أبو الحسن ~~محمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر، أنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن الحسن ~~ابن شاذان، أنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن المغلس، أنا أبو عثمان سعيد ~~ابن يحيى الأموي قال: حدثني أبي قال: قال ابن إسحاق: # تخلف أبو خيثمة أحد بني سالم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ~~تبوك، حتى إذا سار رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع أبو خيثمة ذات يوم إلى ~~أهله في يوم حار. فوجد امرأتين له في عريشين له في حائط لهما، قد رشت كل ~~واحدة منهما عريشها، وبردت له فيه ماء، وهيأت له طعاما. # فلما دخل، قام على باب العريش ينظر ثم قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في الضح والريح والحر - يعني بالضح: الشمس وأبو خيثمة في ظل وماء ~~PageV00P092 # بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء. ما هذا بالنصف! والله لا أدخل عريش واحدة ~~منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فهيئا لي زادا. ففعلتا، ثم ~~قدم ناضحة فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركه حين ~~نزل تبوك. # قال: وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطريق يطلب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة ms054 ~~لعمير بن وهب: إن لي ذنبا فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. ففعل، ثم سار حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~بتبوك. # فلما طلع قال الناس: هذا راكب مقبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~كن أبا خيثمة! فلما دنا قال الناس: يا رسول الله! هذا والله أبو خيثمة! # فلما أناخ سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أولى لك، أبا خيثمة! ثم أخبره الخبر، فقال له خيرا! ودعا ~~له. # قال: وقد كان رهط من المنافقين، منهم مخشن بن حمير، رجل من أشجع، حليف ~~لبني سلمة، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك. قال: ~~أتحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم؟ والله لكأنا غدا مقرنون في الحبال! ~~فأطلع الله تعالى نبيه عليهم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون. ~~وقال مخشن بن حمير: يا رسول الله! قعد بي اسمي واسم أبي. فعفا الله عنه ~~بقوله: * (إن نعف عن طائفة منكم) * [التوبة: 68] قال: وهي الطائفة التي عفا ~~عنها. فمسي عبد الرحمن بن حمير، PageV00P093 # قال: وسأل الله تعالى أن يقتل شهيدا لا يعلم مكانه. فأصيب يوم اليمامة ~~ولم يوجد له أثر. # 42 - [توبة كعب بن مالك رضي الله عنه] أخبرنا أبو الفتح محمد بن عبد ~~الباقي، أنا أبو الفضل جعفر بن يحيى المكي، أنا محمد بن الحسين بن يوسف ~~الأصفهاني، أنا محمد بن أحمد ابن البغوي، أنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، أنا ~~عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: أخبرني ابن كعب بن مالك عن أبيه، قال: # لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها حتى كانت غزوة ~~تبوك إلا بدرا. ولم يعاتب النبي صلى الله عليه وسلم أحدا تخلف عن غزوة بدر، ~~إنما خرج يريد العير، فخرجت قريش مغوثين لعيرهم، فالتقوا على غير موعد كما ~~قال الله تعالى. ولعمري إن أشرف مشاهد رسول ms055 الله صلى الله عليه وسلم في ~~الناس لبدر، وما أحب أني كنت شهدتها مكان بيعتي ليلة العقبة حيث تواثقنا ~~على الإسلام. ثم لم أتخلف بعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة ~~غزاها، حتى إذا كانت غزوة تبوك، وهي آخر غزاة غزاها، وآذن النبي صلى الله ~~عليه وسلم الناس بالرحيل، وأراد أن يتأهبوا أهبة غزوهم. PageV00P094 # وذلك حين طابت الظلال وطابت الثمار وكان قلما أراد غزوة إلا ورى بغيرها. ~~وكان يقول: " الحرب خدعة " - إلا غزوة تبوك، فإنه جلى للناس أمرهم. فأراد ~~النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أيتأهب الناس أهبته. وأنا أيسر ما ~~كنت، قد جمعت راحلتين، وأنا أقدر شئ في نفسي على الجهاد وخفة الحاذ، وأنا ~~في ذلك أصغي إلى الظلال وطيب الثمار. فلم أزل كذلك حتى قام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم غاديا بالغداة، وذلك يوم الخميس، وكان يحب أن يخرج يوم ~~الخميس فأصبح غاديا. فقلت: أنطلق غدا إلى السوق فأشتري جهازي ثم ألحق بهم، ~~فانطلقت إلى السوق من الغد، فعسر علي بعض شأني، فرجعت. فقلت: أرجع غدا إن ~~شاء الله فألحق بهم، فعسر علي بعض شأني أيضا. فقلت: أرجع غدا إن شاء الله، ~~فلم أزل كذلك حتى ألبس بي الذنب، وتخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فجعلت أمشي في الأسواق وأطوف بالمدينة، فيحزنني أني لا أرى أحدا تخلف إلا ~~رجلا مغموصا عليه في النفاق. وكان ليس أحد تخلف إلا رأى أن ذلك. # سيخفى له، وكان الناس كثيرا لا يجمعهم ديوان، وكان جميع من تخلف ~~PageV00P095 # عن النبي صلى الله عليه وسلم بضعة وثمانين رجلا، ولم يذكرني النبي صلى ~~الله عليه وسلم حتى بلغ تبوكا قال: ما فعل كعب بن مالك؟ قال رجل من قومي: ~~خلفه يا رسول الله، برداه والنظر في عطفيه! فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت! ~~والله يا نبي الله ما علمنا عليه إلا خيرا. قال: # فبينما هم كذلك إذا هم برجل يزول به السراب. فقال النبي صلى الله ms056 عليه ~~وسلم: # كن أبا خيثمة! فإذا هو أبو خيثمة. فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم ~~غزوة تبوك وقفل ودنا من المدينة جعلت أتذكر بماذا أخرج به من سخط النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، حتى إذا قيل: # النبي صلى الله عليه وسلم هو مصبحكم غدا بالغداة - زاح عني الباطل وعرفت ~~أني لا أنجو إلا بالصدق. فدخل النبي صلى الله عليه وسلم ضحى، فصلى في ~~المسجد. وكان إذا جاء من سفر فعل ذلك: دخل المسجد فصلى فيه ركعتين ثم ~~PageV00P096 # جلس، فجعل يأتيه من تخلف، فيحلفون له ويعتذرون إليه، فيستغفر لهم ويقبل ~~علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله عز وجل. فدخلت المسجد، فإذا هو جالس. فلما ~~رآني تبسم تبسم المغضب، فجئت فجلست بين يديه، فقال: " ألم تكن ابتعت ظهرك؟ ~~" فقلت: بلى، يا نبي الله! قال: " فما خلفك؟ " فقلت: والله لو بين يدي أحد ~~من الناس غيرك جلست لخرجت من سخطه علي بعذر، ولقد أوتيت جدلا ولكن قد علمت ~~يا نبي الله أني إن أخبرتك اليوم بقول تجد علي فيه وهو حق فإني أرجو فيه ~~عقبى الله، وإن حدثتك اليوم حديثا ترضى عني فيه وهو كذب أوشك الله أن يطلعك ~~علي، والله يا نبي الله ما كنت قط أيسر ولا أخف حاذا مني حين تخلفت عنك ~~قال: " أما هذا فقد صدقكم الحديث، فقم حتى يقضي الله فيك ". # فقمت، فثار على إثري أناس من قومي يؤنبونني. فقالوا: والله ما نعلمك ~~أذنبت ذنبا قط قبل هذا، فهلا اعتذرت إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم بعذر ~~يرضى عنك فيه! وكان استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم سيأتي من وراء ~~ذنبك، ولم تقف نفسك موقفا لا تدري ماذا يقضى لك فيه. فلم يزالوا يؤنبونني ~~حتى هممت أن أرجع فأكذب نفسي. # فقلت: هل قال هذا القول أحد غيري؟ قالوا: نعم قاله هلال بن أمية، ~~PageV00P097 # ومرارة بن ربيعة. فذكروا رجلين صالحين قد شهدا بدرا، لي فيهما أسوة. ~~فقلت: والله لا ms057 أرجع إليه في هذا أبدا ولا أكذب نفسي. # قال: ونهى النبي صلى الله عليه وسلم الناس عن كلامنا أيها الثلاثة، قال: ~~فجعلت أخرج إلى السوق فلا يكلمني. أحد وتنكر لنا الناس حتى ما هم بالذين. # نعرف، وتنكرت لنا الحيطان حتى ما هي بالحيطان التي نعرف. # وتنكرت لنا الأرض حتى ما هي بالأرض التي نعرف. وكنت أقوى أصحابي، فكنت ~~أخرج وأطوف في السوق وآتي المسجد، فأدخل وآتي النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأسلم عليه، فأقول: هل حرك شفتيه بالسلام؟ # إذا قمت أصلي إلى السارية فأقبلت قبل صلاتي نظر إلي بمؤخر عينيه، وإذا ~~نظرت إليه أعرض عني. قال: واستكان صاحباي فجعلا يبكيان الليل والنهار ولا ~~يطلعان رؤوسهما. فبينما أنا أطوف في السوق إذا رجل نصراني جاء بطعام له ~~يبيعه، يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إلي. فأتاني ~~بصحيفة من ملك غسان فإذا فيها: أما بعد، فإنه بلغني أن صاحبك قد جفاك ~~وأقصاك، ولست بدار مضيعة. ولا هوان، فالحق بنا نواسك. # قال: فقلت: هذا أيضا من البلاء والشر. فأسجرت الله لها التنور وأحرقتها. ~~فلما مضت أربعون ليلة إذا رسول من النبي صلى الله عليه وسلم قد PageV00P098 # أتاني. فقال: اعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها؟ قال: لا ولكن لا تقربها، وأرسل ~~إلى صاحبي بمثل ذلك. فجاءت امرأة هلال بن أمية. # فقالت: يا رسول الله! إن هلال بن أمية شيخ كبير ضعيف، فهل تأذن لي أن ~~أخدمه؟ قال: نعم ولكن لا يقربنك! قالت: يا نبي الله! والله ما به من حركة ~~لشئ، ما زال مكتئبا يبكي الليل والنهار منذ كان من أمره ما كان. # قال كعب: فلما طال علي البلاء اقتحمت على أبي قتادة حائطه وهو ابن عمي - ~~فسلمت عليه فلم يرد علي. فقلت: أنشدك الله، يا أبا قتادة! أتعلم أني أحب ~~الله ورسوله؟ فسكت. ثم قلت أيضا: يا أبا قتادة! أتعلم أني أحب الله ورسوله؟ ~~فسكت. ثم قلت: أنشدك الله، يا أبا قتادة! أتعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: ~~الله ورسوله ms058 أعلم. قال: # فلم أملك نفسي أن بكيت. ثم اقتحمت الحائط خارجا، حتى إذا مضت خمسون ليلة ~~من حين نهى النبي صلى الله عليه وسلم الناس عن كلامنا صليت على ظهر بيت لنا ~~صلاة الفجر. ثم جلست وأنا في المنزلة التي قال الله عز وجل: # قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت إذ سمعت نداء PageV00P099 # من ذروة سلع: أبشر يا كعب بن مالك! فخررت ساجدا وعرفت أن الله تعالى قد ~~جاء بالفرج. ثم جاء رجل يركض على فرس يبشرني، فكان الصوت أسرع من فرسه فلما ~~جاءني الذي سمعت صوته أعطيته ثوبي بشارة ولبست ثوبين آخرين. قال: وكانت ~~توبتنا نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ثلث الليل، فقالت أم سلمة: يا ~~نبي الله! ألا نبشر كعب ابن مالك؟ قال: إذا يحطمكم الناس ويمنعونكم النوم ~~سائر الليلة قال: وكانت أم سلمة محسنة في شأني تحزن بأمري. فانطلقت إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هو جالس في المسجد، وحوله المسلمون، وهو ~~يستنير كاستنارة القمر، وكان إذا سر استنار، فجئت فجلست بين يديه، فقال: " ~~أبشر، يا كعب بن مالك بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك! " قال: قلت، يا نبي ~~الله أمن عند الله، أم من عندك؟ # قال: بل من عند الله. ثم تلا عليهم * (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين ~~والأنصار) * حتى بلغ * (التواب الرحيم) *. التوبة، 117، 118] قال: وفينا ~~نزلت: * (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) * [التوبة: 119] قال: فقلت: يا ~~نبي الله! إن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا، وأن أتخلع قال من مالي كله ~~صدقة إلى الله وإلى رسوله. فقال: " أمسك بعض PageV00P100 # مالك فهو خير لك ". فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. قال: # فما أنعم الله علي نعمة بعد الإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين صدقته أنا وصاحباي أن لا نكون كذبناه فهلكنا كما هلكوا، ~~وإني لأرجو أن لا يكون ابتلى الله أحدا في الصدق مثل الذي ابتلاني، ما ~~تعمدت لكذبة بعد وإني ms059 لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. PageV00P101 # 43 - [توبة أبي لبابة رضي الله عنه] قال الزهري: وكان أبو لبابة ممن تخلف ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فربط نفسه بسارية، ثم قال: ~~والله لا أحل نفسي منها ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله ~~علي، فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاما ولا شرابا حتى كاد يخر مغشيا عليه، ~~ثم تاب الله عليه، فقيل له: قد تيب عليك، فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني بيده. قال: فجاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم فحله بيده. ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله! إن من توبتي أن ~~أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى ~~رسوله. قال: " يجزئك الثلث، يا أبا لبابة ". # أخبرنا أبو صالح سعد الله بن نجا بن الوادي، أنا القاضي أبو بكر محمد بن ~~عبد الباقي، أنا أبو محمد الجوهري، أنا أبو عمر بن حيويه، أنا عبد الوهاب ~~بن أبي حية، عن محمد بن شجاع البلخي، أنا محمد بن عمر الواقدي قال: فحدثني ~~ربيعة بن الحارث عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن السائب بن أبي لبابة عن ~~أبيه، قال: PageV00P102 # لما أرسلت قريظة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يرسلني ~~إليهم - حين اشتد عليهم الحصر - دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ~~اذهب إلى حلفائك فإنهم أرسلوا إليك من بين الأوس. قال: فدخلت عليهم وقد ~~اشتد عليهم الحصار. فهشوا إلي وقالوا: يا أبا لبابة! نحن مواليك دون الناس ~~كلهم. فقام كعب بن أسد، فقال: أبا بشير! قد عرفت ما صنعنا في أمرك وأمر ~~قومك يوم الحدائق ويوم بعاث وكل حرب كنتم فيها، وقد اشتد علينا الحصار ~~وهلكنا ومحمد يأبى أن يفارق حصننا حتى ننزل على حكمه، فلو رال عنا لحقنا ~~بأرض الشام أو خيبر ولم نكثر عليه جمعا أبدا، فما ترى فإنا ms060 قد اخترناك على ~~غيرك إن محمدا قد أبى إلا أن ننزل على حكمه. قال: نعم، فانزلوا. وأومأ إلى ~~حلقه: فهو الذبح. قال: فندمت فاسترجعت. فقال كعب: مالك يا أبا لبابة؟ فقلت: ~~خنت الله ورسوله. فنزلت وإن لحيتي لمبتلة بالدموع والناس ينتظرون رجوعي ~~إليهم، حتى أخذت من وراء الحصن طريقا آخر حتى أتيت المسجد فارتبطت. وبلغ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهابي وما صنعت. فقال: " دعوه حتى يحدث الله ~~فيه ما يشاء، لو كان جاءني استغفرت له، فأما إذ لم يأتني وذهب فدعوه ". # قال: فحدثني معمر عن الزهري. قال: وارتبط أبو لبابة سبعا PageV00P103 # في حر شديد لا يأكل ولا يشرب. وقال: لا أزال هكذا حتى أفارق الدنيا أو ~~يتوب الله علي. قال: فلم يزل كذلك حتى يسمع الصوت من الجهد، ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ينظر إليه بكرة وعشية. ثم تاب الله عليه، فنودي: إن الله قد ~~تاب عليك. وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ليطلق عنه رباطه، فأبى ~~أن يطلقه عنه أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # قال: الزهري فحدثتني هند بنت الحارث عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحل رباطه، وإن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليرفع صوته يكلمه ويخبره بتوبته، وما يدري كثيرا مما ~~يقول له من الجهد والضعف. ولقد كان الرباط حز في ذراعه، وكان من شعر، وكان ~~يداويه بعد ذلك دهرا. # 44 - [توبة أبي هريرة رضي الله عنه عن فتواه في امرأة زانية وقرأت في " ~~تنبيه الغافلين " عن أبي هريرة، قال: خرجت ذات ليلة بعد ما صليت العشاء مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أنا بامرأة متنقبة قائمة على الطريق. ~~فقالت: يا أبا هريرة! إني قد ارتكبت ذنبا PageV00P104 # عظيما، فهل لي من توبة؟ فقلت: وما ذنبك؟ قالت: إني زنيت وقتلت ولدي من ~~الزنا. فقلت لها: هلكت، وأهلكت، والله مالك ms061 من توبة. فشهقت شهقة خرت مغشيا ~~عليها، ومضت. فقلت في نفسي: # أفتي ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا؟! فلما أصبحت غدوت إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقلت: يا رسول الله! إن امرأة استفتتني ~~البارحة بكذا وكذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنا لله وإنا ~~إليه راجعون! أنت والله هلكت وأهلكت،، أين كنت عن هذه الآية: * (والذين لا ~~يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون) * إلى قوله: * (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا ~~رحيما) *؟ [الفرقان: 68 - 70] " قال: فخرجت من عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأنا أعدو في سكك المدينة وأقول: من يدلني على امرأة استفتتني البارحة ~~كذا وكذا؟ والصبيان يقولون: جن أبو هريرة! حتى إذا كان الليل، لقيتها في ~~ذلك الموطن فأعلمتها بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن لها التوبة. ~~فشهقت شهقة من السرور وقالت: # إن لي حديقة وهي صدقة للمساكين لذنبي. # 45 - [توبة ثعلبة بن عبد الرحمن رضي الله عنه] أخبرنا الشيخ الصالح أبو ~~عبد الله بن محمد بن أحمد بن النقور، أنا أبو الحسن علي بن محمد بن العلاف، ~~أنا أبو القاسم بن بشران، أنا PageV00P105 # أحمد بن إبراهيم الكندي، أنا أبو بكر محمد بن جعفر السامري: قال حدثني ~~أحمد بن جعفر بن محمد، ثنا إبراهيم بن علي الأطروش، ثنا سليم بن منصور بن ~~عمار قال: حدثني أبي عن المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر بن عبد ~~الله الأنصاري، قال: # أسلم فتى من الأنصار يقال له: ثعلبة بن عبد الرحمن قال: وكان يخدم النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويخف له. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه في ~~حاجة له، فمر بباب رجل من الأنصار، فرأى امرأة من الأنصار تغتسل. وخاف أن ~~ينزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما صنع، فخرج هاربا على ~~وجهه. # فأتى جبالا بين مكة والمدينة فولجها. ففقده النبي صلى ms062 الله عليه وسلم ~~أربعين يوما. وإن جبريل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا محمد! إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن رجلا من أمتك بين هذه ~~الجبال يتعوذ بي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عمر، ويا سلمان! انطلقا ~~فأتياني بثعلبة بن عبد الرحمن. فخرجا من أنقاب المدينة فلقيا راعيا من رعاة ~~المدينة يقال له: ذفافة. فقال له عمر: هل لك علم بشاب بين هذه الجبال يقال ~~له: ثعلبة؟ قال: لعلك تريد الهارب من جهنم. فقال له: وما علمك بأنه هارب من ~~جهنم؟ قال: لأنه إذا كان جوف الليل خرج علينا من بين هذه الجبال واضعا يده ~~على أم رأسه وهو ينادي: يا ليتك PageV00P106 # قبضت روحي في الأرواح، وجسدي في الأجساد، ولم تجردني لفصل القضاء! فقال ~~عمر: إياه نريد. فانطلق بهما. فلما كان في جوف الليل خرج عليهم من بين تلك ~~الجبال واضعا يده على أم رأسه وهو ينادي: # يا ليتك قبضت روحي في الأرواح، وجسدي في الأجساد، ولم تجردني لفصل ~~القضاء! قال: فغدا عليه عمر فاحتضنه. فقال: يا عمر! هل علم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بذنبي؟ قال: لا علم لي، إلا أنه ذكرك بالأمس فأرسلني وسلمان ~~في طلبك. قال: يا عمر! لا تدخلني عليه إلا وهو في الصلاة. فابتدر عمر ~~وسلمان. الصف فلما سمع ثعلبة قراءة النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا ~~عليه. فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يا عمر! يا سلمان! # ما فعل ثعلبة؟ " قالا: ها هو ذا، يا رسول الله! فقام النبي صلى الله عليه ~~وسلم فحركه فانتبه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما غيبك عني؟ ~~" قال: ذنبي، يا رسول الله! قال: " أفلا أدلك على آية تمحو الذنوب ~~والخطايا؟ " قال: بلى، يا رسول الله! قال: " قل: * (ربنا آتنا في الدنيا ~~حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) * [البقرة: 201]. قال: ذنبي، يا ~~رسول الله، أعظم. قال: " بل كلام الله أعظم ". ثم أمره ms063 بالانصراف إلى ~~منزله، فمرض ثمانية أيام. ثم إن سلمان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله! هل لك في ثعلبة، فإنه لما به قد هلك. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم " قوموا بنا إليه ". فدخل عليه فأخذ رأسه فوضعه في ~~حجره. فأزال رأسه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له: " لم أزلت ~~رأسك عن PageV00P107 # حجري؟ " قال: لأنه ملآن من الذنوب. قال: ما تشتكي؟ قال: مثل دبيب النمل ~~بين عظمي ولحمي وجلدي. قال: ما تشتهي؟ قال: مغفرة ربي. قال: فنزل جبريل ~~عليه السلام، فقال: يا محمد! إن ربك يقرئك السلام ويقول لك: لو أن عبدي هذا ~~لقيني بقراب الأرض خطيئة لقيته بقرابها مغفرة. قال: فأعلمه النبي صلى الله ~~عليه وسلم. قال: فصاح صيحة فمات. قال: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بغسله وكفنه. فلما صلى عليه جعل يمشي على أطراف أنامله. فلما دفنه، قيل له: ~~يا رسول الله! # رأيناك تمشي على أطراف أناملك. قال: " والذي بعثني بالحق نبيا! # ما قدرت أن أضع قدمي على الأرض من كثرة من نزل من الملائكة لتشييعه ". # 46 - [توبة مالك الرؤاسي رضي الله عنه] أخبرنا محمد بن عبد الباقي، أنا ~~محمد بن أحمد، أنا أحمد بن عبد الله الحافظ، ثنا محمد بن محمد، ثنا محمد بن ~~عبد الله الحضرمي، ثنا سفيان بن وكيع، حدثني أبي، عن جدي، عن طارق عن عمرو ~~بن مالك الرؤاسي عن أبيه. PageV00P108 # أنه أغار هو وقوم من بني كلاب على قوم من بني أسد، فقتلوا فيهم وعبثوا ~~بالنساء. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فدعا عليهم ولعنهم. فبلغ ذلك ~~مالكا فغل يده، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! ارض ~~عني رضي الله عنك. فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم. ثم دار إليه، فقال: ~~ارض عني رضي الله عنك. فأعرض عنه. ثم أتاه الثالثة، فقال: ارض عني رضي الله ~~عنك، فوالله إن الرب تعالى ليترضى فيرضى. فأقبل عليه ms064 النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: تبت مما صنعت واستغفرت الله؟ قال: نعم. قال: # " اللهم! تب عليه وارض عنه ". # 47 - [توبة غني من أغنياء الصحابة] أخبرنا الإمام أبو الحسن المقرئ، أنا ~~أبو طالب اليوسفي، أنا أبو علي التميمي، أنا أبو بكر القطيعي، ثنا عبد الله ~~قال: حدثني أبي، ثنا يزيد، أنا أبو الأشهب قال: حدثني سعيد بن أيمن مولى ~~كعب بن سور، قال: # بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه، إذ جاء رجل من الفقراء، ~~فجلس إلى جنب رجل من الأغنياء. فكأنه قبض من ثيابه عنه، وتغير رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا فلان! # أخشيت أن يعدو غناك عليه أو أن يعدو فقره عليك؟ قال: # يا رسول الله! وشر الغنى؟ قال: نعم، إن غناك يدعوك إلى النار PageV00P109 # وإن فقره يدعوه إلى الجنة. قال: فما ينجيني منه؟ قال: تواسيه منه. قال: ~~إذا أفعل. فقال الآخر: لا أرب لي فيه. قال: فاستغفر لأخيك وادع له. # 48 - [توبة أبي سفيان بن الحارث رضي الله عنه] أخبرنا سعد الله بن نجا، ~~أنا القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي، أنا الحسن بن علي الجوهري، أنا أبو ~~عمر بن حيويه، أنا عبد الوهاب ابن أبي حية، أنا محمد بن شجاع البلخي، ثنا ~~محمد بن عمر الواقدي حدثني سعيد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن سابط وغيره، ~~قال: # كان أبو سفيان بن الحارث أخا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، ~~أرضعته حليمة. وكان يألف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان له تربا. # فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عاداه عداوة لم يعاد أحد قط ~~مثلها، وهجا، سول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فمكث عشرين سنة عدوا ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم يهجو المسلمين ويهجونه، ولا يتخلف عن موضع ~~تسير فيه قريش لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم إن الله ألقى في ~~قلبه الإسلام. PageV00P110 # قال أبو سفيان: فقلت: ms065 من أصحب ومع من أكون؟ قد ضرب الإسلام بجرانه. فجئت ~~زوجتي وولدي فقلت: تهيئوا للخروج فقد أظل قدوم محمد. قالوا: قد آن لك أن ~~تبصر أن العرب والعجم قد تبعت محمدا، وأنت موضع في عداوته، وكنت أولى الناس ~~بنصره. # فقلت لغلامي مذكور: عجل بأبعرة وفرس. قال: ثم سرنا حتى نزلنا " الأبواء " ~~وقد نزلت مقدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم " الأبواء ". # فتنكرت وخفت أن أقتل. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نذر دمي. # فخرجت على قدمي نحوا من ميل، وأقبل الناس رسلا رسلا فتنحيت فرقا من ~~أصحابه، فلما طلع في موكبه تصديت له تلقاء وجهه، فلما ملأ عينيه مني اعرض ~~عني بوجهه إلى الناحية الأخرى، فتحولت إلى ناحية وجهه الأخرى، فأعرض عني ~~مرارا، فأخذني ما قرب وما بعد; وقلت: أنا مقتول قبل أن أصل إليه! وأتذكر ~~بره ورحمه فيمسك ذلك مني، وقد كنت لا أشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه سيفرحون بإسلامي فرحا شديدا لقرابتي برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فلما رأى المسلمون إعراض رسول الله صلى الله عليه وسلم عني أعرضوا ~~عني جميعا، PageV00P111 # فلقيني ابن أبي قحافة معرضا عني، ونظرت إلى عمر يغري بي رجلا من الأنصار، ~~فقال لي: يا عدو الله! أنت الذي كنت تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتؤذي أصحابه، قد بلغت مشارق الأرض ومغاربها في عداوته. فرددت بعض الرد عن ~~نفسي، واستطال علي ورفع صوته حتى جعلني في مثل الحرجة من الناس يسرون بما ~~يفعل بي. # قال: فدخلت على عمي العباس، فقلت: يا عم! قد كنت أرجو أن يفرح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بإسلامي لقرابتي وشرفي، وقد كان منه ما رأيت، فكلمه في ~~ليرضى عني. قال: لا والله لا أكلمه كلمة أبدا بعد الذي رأيت إلا أن أرى ~~وجها. إني أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهابه، فقلت: يا عم! إلى من ~~تكلني؟ قال: هو ذاك! قال: فلقيت عليا فكلمته، فقال لي مثل ذلك. فرجعت ms066 إلى ~~العباس، فقلت: يا عم! # فكف عني الرجل الذي يشتمني. قال: صفه لي. فقلت: هو رجل آدم شديد الأدمة ~~قصير دحداح بين عينيه شحة. # قال: ذاك نعيمان بن: الحارث النجاري. فأرسل إليه، فقال: يا نعيمان! إن ~~أبا سفيان ابن PageV00P112 # عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن أخي، وإن يكن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ساخطا عليه فسيرضى عنه، فكف عنه. فبعد لأي ما، كف وقال: # لا أعرض له. # قال أبو سفيان: فخرجت فجلست على باب منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى راح إلى الجحفة وهو لا يكلمني ولا أحد من المسلمين. وجعلت لا ينزل ~~منزلا إلا أنا على بابه ومعي ابني جعفر قائم. فلا يراني إلا أعرض عني. ~~فخرجت على هذه الحال حتى شهدت معه فتح مكة، وأنا في خيله التي تلازمه حتى ~~نزل الأبطح. فدنوت من باب قبته، فنظر إلي نظرا هو ألين من ذلك النظر الأول، ~~ورجوت أن يبتسم. ودخل عليه نساء بني عبد المطلب ودخلت معهن زوجتي فرققته ~~علي، وخرج إلى المسجد وأنا بين يديه لا أفارقه على حال، حتى خرج إلى هوازن ~~فخرجت معه وقد جمعت العرب جمعا لم تجمع مثله قط، وخرجوا بالنساء والذرية ~~والماشية. فلما لقيتهم، قلت: اليوم يرى أثري إن شاء الله. # فلما لقيناهم حملوا الحملة التي ذكر الله: (ثم وليتم مدبرين) [التوبة: ~~26]. # وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته الشهباء وجرد سيفه فاقتحمت ~~عن PageV00P113 # فرسي وبيدي السيف صلتا قد كسرت جفنه، والله يعلم أني أريد الموت، دونه ~~وهو ينظر إلي. وأخذ العباس بلجام البغلة فأخذت بالجانب الآخر. فقال: من ~~هذا! فقال العباس: أخوك وابن عمك أبو سفيان بن الحارث، فارض عنه أي رسول ~~الله! قال: قد فعلت، فغفر الله له كل عداوة عادانيها. فأقبل رجله في ~~الركاب، ثم التفت إلي، فقال: أخي لعمري! # ثم أمر العباس فقال: ناد يا أصحاب سورة (البقرة)! يا أصحاب السمرة! يا ~~للمهاجرين! يا للأنصار! يا للخزرج! فأجابوا: لبيك داعي الله! وكروا ms067 كرة رجل ~~واحد، قد حطموا الجفون وشرعوا الرماح وخفضوا عوالي الأسنة وأرقلوا إرقال ~~الفحول. # فرأيتني وإني لأخاف على رسول الله صلى الله عليه وسلم: شروع رماحهم، حتى ~~أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " تقدم فضارب القوم، فحملت حملة أزلتهم عن موضعهم، وتبعني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قدما في نحور القوم، ما يألو ما تقدم. فما قامت لهم ~~قائمة حتى طردتهم قدر PageV00P114 # فرسخ وتفرقوا في كل وجه. # وروي عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، قال: لقد رأيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يؤمئذ وما معه إلا أبو سفيان بن الحارث، فأتيته حتى أخذت ~~بحكمة بغلته، وكنت رجلا صيتا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عباس! ~~أصرخ: يا معشر الأنصار! يا أصحاب السمرة! # فناديت: يا معشر الأنصار! يا أصحاب السمرة. قال: فأقبلوا كأنهم الإبل إذا ~~حنت إلى أولادها، يقولون: يا لبيك! يا لبيك! # وروي أنهم عطفوا عطفة البقر على أولادها، قد شرعوا الرماح، حتى إني لأخاف ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم رماحهم أشد من خوفي رماح المشركين، يؤمون ~~الصوت يقولون: يا لبيك! يا لبيك! PageV00P115 # قال: والتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ إلى أبي سفيان بن ~~الحارث، وهو مقنع بالحديد، وهو آخذ بثغر بغلة النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: من هذا؟ قال: ابن أمك يا رسول الله! ويقال، إنه قال: أخوك، فداك أبي ~~وأمي، أبو سفيان بن الحارث. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم أخي، ~~ناولني حصى من الأرض، فناوله، فرمى بها في وجوه القوم وقال: شاهت الوجوه! ~~فمرت كأنها عنانة، فدخلت في أعينهم كلهم فانهزموا. # وذكر ابن عبد البر بإسناده عن عائشة رضي الله عنها، قالت: مر علينا أبو ~~سفيان بن الحارث، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلمي يا عائشة، ~~حتى أريك ابن عمي الشاعر الذي كان يهجوني، أول من يدخل المسجد وآخر من يخرج ~~منه، لا ms068 يجاوز طرفه شراك نعله. # وروي أنه كان لا يرفع رأسه إلى النبي صلى الله عليه وسلم حياء منه. وقال ~~عند موته: لا تبكوا علي، فما تنطفت بخطيئة منذ أسلمت. وبكى على النبي صلى ~~الله عليه وسلم كثيرا ورثاه، فقال: # أرقت وبات ليلي لا يزول * وليل أخي المصيبة فيه طول وأسعدني البكاء وذاك ~~فيما * أصيب المسلمون به قليل PageV00P116 # لقد عظمت مصيبتنا وجلت * عشية قيل قد قبض الرسول فأضحت أرضنا مما عراها * ~~تكاد بنا جوانبها تميل فقدنا الوحي والتنزيل فينا * يروح به ويغدو جبرئيل ~~وذاك أحق ما سالت عليه * نفوس الناس أو كادت تسيل نبي كان يجلو الشك عنا * ~~بما يوحى إليه وما يقول ويهدينا فلا يخشى علينا * ضلالا والرسول لنا دليل ~~أفاطم إن جزعت فذاك عذر * وإن لم تجزعي فهو السبيل فقبر أبيك سيد كل قبر * ~~وفيه سيد الناس الرسول 49 - [توبة عبد الله بن الزبعرى الشاعر رضي الله ~~عنه] وهرب يوم الفتح هبيرة بن أبي وهب المخزومي زوج أم هانئ بنت أبي طالب، ~~وعبد الله بن الزبعرى، إلى نجران. وكانا شاعرين يهجوان المسلمين. ويقال: إن ~~ابن الزبعرى أشعر شعراء قريش. فأرسل حسان بن ثابت أبياتا يريد بها ابن ~~الزبعري، أنشدنيها ابن أبي الزناد: # لا تعد من رجلا أحلك بغضه * نجران في عيش أحذ لئيم بليت قناتك في الحروب ~~فألفيت * خمانة جوفاء ذات وصوم PageV00P117 # غضب الإله على الزبعرى وابنه * وعذاب سوء في الحياة مقيم فلما جاءه شعر ~~حسان تهيأ للخروج. فقال له هبيرة أين تريد يا ابن عمي؟ قال: أردت والله ~~محمدا. قال: أتريد أن تتبعه؟ قال: إي والله! قال هبيرة: يا ليت أني رافقت ~~غيرك! والله ما ظننت أنك تتبع محمدا أبدا؟ قال ابن الزبعري: فعلى أي شئ ~~تقيم مع بني الحارث ابن كعب - وأترك ابن عمي وخير الناس وأبره - ومع قومي ~~وداري؟ # فانحدر ابن الزبعري حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ~~أصحابه. فلما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه قال: هذا ابن ms069 الزبعري ~~ومعه وجه فيه نور الإسلام. فلما وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~السلام عليك يا رسول الله! شهدت أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، ~~والحمد لله الذي هداني للإسلام، لقد عاديتك وأجلبت عليك وركبت البعير ~~والفرس ومشيت على قدمي في عداوتك، ثم هربت منك إلى نجران وأنا أريد أن لا ~~أقرب الإسلام أبدا، ثم أرادني الله منه بخير وألقاه في قلبي وحببه إلي، ~~وذكرت ما كنت فيه من الضلالة، واتباع ما لا ينفع ذا عقل، من حجر يعبد ويذبح ~~له، لا يدري من يعبده ومن لا يعبده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~الحمد لله الذي هداك للإسلام، إن الإسلام يجب ما كان قبله ". PageV00P118 # وقال ابن الزبعرى حين أسلم: # منع الرقاد بلابل وهموم * والليل معتلج الرواق بهيم مما أتاني أن أحمد ~~لامني * فيه فبت كأنني محموم يا خير من حملت على أوصالها * عيرانة سرح ~~اليدين غشوم إني لمعتذر إليك من الذي * أسديت إذ أنا في الضلال أهيم أيام ~~تأمرني بأغوى خطة * سهم وتأمرني بها مخزوم فاليوم آمن بالنبي محمد * قلبي ~~ومخطئ هذه محروم مضت العداوة وانقضت أسبابها * ودعت أواصر بيننا وحلوم ~~فاغفر فدى لك والدي كلاهما * زللي فإنك راحم مرحوم وعليك من علم المليك ~~علامة * نور أغر وخاتم مختوم أعطاك بعد محبة برهانه * شرفا وبرهان الاله ~~عظيم ولقد شهدت بأن دينك صادق * حق وأنك في العباد جسيم PageV00P119 # والله يشهد أن أحمد مصطفى * متقبل في الصالحات كريم قرم تفرع في الذرى من ~~هاشم * فرع تمكن في الذرى وأروم 50 - [توبة هبار بن الأسود رضي الله عنه] ~~قال الواقدي: حدثني واقد بن أبي ياسر عن يزيد بن رومان، قال: قال الزبير بن ~~العوام: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر هبارا - يعني ابن - ~~الأسود قط إلا تغيظ عليه، ولا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية ~~قط إلا قال: إن ظفرتم بهبار فاقطعوا يديه ورجليه ثم اضربوا عنقه، والله لقد ~~كنت ms070 أطلبه وأسأل عنه، والله يعلم لو ظفرت به قبل أن يأتي إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لقتلته. ثم طلع على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ~~جالس، فجعل يعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن جبير بن مطعم، قال: ~~كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه في مسجده منصرفه من ~~الجعرانة. فطلع هبار بن الأسود. فلما PageV00P120 # نظر القوم اليه، قالوا: يا رسول الله! هبار بن الأسود! قال رسول صلى الله ~~عليه وسلم: " قد رأيته ". فأراد بعض القوم القيام إليه، فأشار إليه، رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم " أن اجلس ". فوقف عليه هبار، فقال: السلام عليك ~~يا رسول الله! إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ولقد هربت منك ~~في البلاد فأردت اللحوق بالأعاجم، ثم ذكرت عائدتك وفضلك وبرك وصفحك عمن جهل ~~عليك، وكنا يا رسول الله أهل شرك، فهدانا الله بك وأنقذنا بك من الهلكة، ~~فاصفح عن جهلي وعما كان يبلغك مني فإني مقر بسوأتي، معترف بذنبي. # قال الزبير: وقال: فقد كنت موضعا في سبك وأذاك، وكنت مخذولا، وقد بصرني ~~الله وهداني للإسلام. قال الزبير: فجعلت أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وإنه ليطأطئ قبل رأسه مما يعتذر هبار. وجعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: " قد عفوت عنك، والإسلام يجب ما كان قبله ". # وكان لسنا. وكان - يعني بعد ذلك - يسب حتى يبلغ منه، فلا ينتصف. فبلغ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حلمه وما يحمل عليه من الأذى، فقال: # " يا هبار! سب من سبك ". PageV00P121 # 51 - [توبة عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه] وذكر سعيد بن يحيى الأموي ~~قال: حدثني أبي، ثنا الأعمش، عن أبي إسحاق السبيعي قال: لما دخل النبي صلى ~~الله عليه وسلم مكة، قال عكرمة: # والله لا أسكن أرضا أرى فيها قاتل أبي الحكم! فانطلق يركب البحر. وعمد ~~ختنه أبو امرأته فأمر زوجته فتعصبت. ثم تلقته فقالت: # أين تذهب يا سيد فتيان ms071 قريش؟ تذهب إلى أرض لا تعرف بها؟ # فأبى أن يطيعها. # وعن عبد الله بن الزبير، قال: لما كان يوم الفتح أسلمت هند بنت عتبة، ~~وأسلمت أم حكيم بنت الحارث بن هشام امرأة عكرمة، في عشر نسوة من قريش. ~~فأتين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالأبطح فبايعنه. PageV00P122 # فدخلن عليه وعنده زوجتاه وابنته فاطمة ونساء من نساء بني عبد المطلب. ~~فتكلمت هند بنت عتبة، فقالت: يا رسول الله! الحمد لله الذي أظهر الدين الذي ~~اختار لنفسه لتمسني رحمك، يا محمد! إني امرأة مؤمنة بالله مصدقة. ثم كشفت ~~عن نقابها، فقالت: هند بنت عتبة. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مرحبا بك ". فقالت: والله، يا رسول ~~الله، ما كان على الأرض أهل خباء أحب إلي أن يذلوا من خبائك، ولقد أصبحت ~~وما على الأرض من أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من خبائك. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وزيادة أيضا ". ثم قرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عليهن القرآن وبايعهن. # ثم قالت أم حكيم امرأة عكرمة: يا رسول الله! قد هرب عكرمة منك إلى اليمن، ~~وخاف أن تقتله فأمنه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو آمن. فخرجت أم ~~حكيم في طلبه. فأدركته وقد انتهى إلى ساحل من سواحل تهامة. فجعل نوتي ~~السفينة يقول له:: أخلص! # قال: أي شئ أقول؟ قال: قل: لا إله إلا الله. قال عكرمة: ما هربت إلا من ~~هذا! فجاءت أم حكيم على هذا من الأمر، فجعلت تقول: # يا ابن عم! جئتك من عند أفضل الناس وأبر الناس وخير الناس، لا تهلك نفسك! ~~وقالت: إني قد استأمنت لك رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: # أنت فعلت؟ قالت: نعم، أنا كلمته فأمنك. فرجع معها. PageV00P123 # قال: وجعل عكرمة يطلب امرأته ليجامعها، فتأبى عليه وتقول: # إنك كافر وأنا مسلمة. فيقول: إن أمرا منعك مني لأمر كبير! # فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم عكرمة وثب إليه، وما على النبي صلى ~~الله عليه وسلم رداء، ms072 فرحا بعكرمة. ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فوقف عكرمة بين يديه ومعه امرأته متنقبة. ثم قال عكرمة: فإني أشهد أن لا ~~إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فسر بذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم قال: # يا رسول الله! علمني خير شئ أقوله. فقال: " تقول: أشهد أن لا إله إلا ~~الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ". فقال عكرمة: ثم ماذا؟ قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " تقول: أشهد الله وأشهد من حضر أني مسلم مهاجر فقال ~~عكرمة ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تسألني اليوم شيئا ~~أعطيه أحدا إلا أعطيتكه ". فقال عكرمة: فإني أسألك أن تستغفر لي كل عداوة ~~عاديتكها، أو مسير أوضعت فيه، أو مقام لقيتك فيه، أو كلام قلته في وجهك أو ~~أنت غائب عنه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اغفر له كل ~~عداوة عادانيها، وكل مسير سار فيه إلي موضعا يريد بذلك المسير إطفاء نورك، ~~واغفر له كل ما نال مني من عرض في وجهي أو وأنا غائب عنه. فقال عكرمة: رضيت ~~يا رسول الله! أما والله، يا رسول الله، لا أدع نفقة كنت أنفقها في صد عن ~~سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قتال كنت أقاتل في صد عن سبيل ~~PageV00P124 # الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله. ثم أجتهد في القتال حتى أقتل، قال: ~~فما زال يقاتل في سبيل الله حتى قتل رحمه الله. # وروي أنه لما كان يوم اليرموك ترجل عكرمة، فقال له خالد: # لا تفعل، فإن مصابك على المسلمين شديد. فقال: دعني يا خالد! # فإنه كانت لك سابقة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قاتل قتالا ~~شديدا حتى قتل، فوجد به بضع وسبعون من بين طعنة وضربة ورمية وقال عبد الله ~~بن مصعب: استشهد يوم اليرموك الحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن ~~عمرو. فأتوا بماء وهم صرعى، فتدافعوه. كلما دفع إلى رجل منهم ms073 قال: اسق ~~فلانا، حتى ماتوا ولم يشربوه. قال: طلب الماء عكرمة، فنظر إلى سهيل ينظر ~~إليه، فقال: # ادفعه إليه، فنظر إلى الحارث ينظر اليه، فقال: ادفعه اليه. فلم يصل اليه، ~~حتى ماتوا، رحمة الله عليهم. # 52 - [توبة سهيل بن عمرو والحارث بن هشام رضي الله عنهما] ويروى عن ~~الحسن، قال: حضر الناس باب عمر بن الخطاب رضي PageV00P125 # الله عنه وفيهم سهيل بن عمرو وأبو سفيان بن الحارث وأولئك الشيوخ. # فخرج آذنه فجعل يأذن لأهل بدر لصهيب وبلال وأهل بدر، وكان يحبهم وكان قد ~~أوصى بهم. فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم، إنه ليؤذن لهؤلاء العبيد ونحن ~~جلوس لا يلتفت الينا. فقال سهيل - قال الحسن: # ويا له من رجل ما كان أعقله! -: أيها القوم! قد أرى الذي في وجوهكم، فإن ~~كنتم غضابا فاغضبوا على أنفسكم، دعي القوم ودعيتم، فأسرعوا وأبطأتم، أما ~~والله لما سبقوكم به من الفضل أشد عليكم فوتا من بابكم هذا الذي تتنافسون ~~عليه، أيها القوم! إن هؤلاء قد سبقوكم بما ترون، ولا سبيل لكم إلى ما ~~سبقوكم اليه، فانظروا هذا الجهاد فالزموه عسى أن يرزقكم الله الشهادة. ثم ~~نفض ثوبه فقام، فلحق بالشام وخرج بأهله إلا بنته هندا. فماتوا كلهم إلا ~~هندا وفاختة بنت عتبة بن سهيل. وقتل سهيل شهيدا باليرموك، فقدم بفاختة على ~~عمر. وكان الحارث بن هشام خرج بأهله فلم يرجع منهم إلا ولده عبد الرحمن. ~~فقال عمر: زوجوا الشريد الشريدة. وأقطعهما عمر بالمدينة خطة وأوسع لهما. ~~فقيل له: # أكثرت لهما. فقال: عسى الله أن ينشر منهما ولدا كثيرا رجالا ونساء فولد ~~لهما أبو بكر وعمر وعثمان وعكرمة وخالد ومخلد. فأبو بكر أحد الفقهاء ~~السبعة، فقهاء المدينة، وكان يدعى: راهب قريش. PageV00P126 # وروى ابن المبارك عن الأسود بن شيبان عن نوفل بن أبي عقرب، قال: خرج ~~الحارث بن هشام من مكة، فجزع أهل مكة جزعا شديدا. # فلم يبق أحد يطعم الطعام إلا خرج معه يشيعه، حتى إذا كان بأعلى البطحاء ~~أو حيث شاء الله من ذلك، وقف ms074 ووقف الناس. فقال: يا أيها الناس! إني والله ~~ما خرجت رغبة بنفسي عن أنفسكم ولا اختيار بلد على بلدكم، ولكن كان هذا ~~الأمر فخرجت فيه رجال من قريش، والله ما كانوا من ذوي أنسابها ولا في ~~بيوتها، فأصبحنا والله ولو أن جبال مكة ذهبا أنفقناها في سبيل الله ما ~~أدركنا يوما من أيامهم، والله لئن فاتونا في الدنيا لنلتمس أن نشاركهم في ~~الآخرة، فاتقى الله امرؤ. فتوجه إلى الشام واتبعه ثقله، فيقال: إنه قتل يوم ~~اليرموك رحمه الله. # 53 - [توبة الأنصار رضي الله عنهم] أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن ~~أحمد بن النقور، قال: أنا أبو طالب عبد القادر بن محمد اليوسفي، أنا أبو ~~علي بن المذهب، أنا أبو بكر القطيعي، ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا أبي، ثنا ~~عارم، ثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي يقول: ثنا السميط السدوسي، عن ~~أنس ابن مالك، قال: # فتحنا مكة ثم إنا غزونا حنينا، فجاء المشركون بأحسن صفوف رئيت أو رأيت. ~~قال: فلم نلبث أن انكشفت خيلنا وفرت الأعراب PageV00P127 # ومن تعلم من الناس. قال: فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا ~~للمهاجرين! # يا للمهاجرين! يا للأنصار! يا للأنصار! " قال: قلنا: لبيك، يا رسول الله! ~~قال: فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وأيم الله ما أتيناهم حتى ~~هزمهم الله. قال: فقبضنا ذلك المال. قال: فنزلنا، فجعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يعطي الرجل المائة ويعطي الرجل، قال: فتحدثت الأنصار بينها: أما ~~من قاتله فيعطيه، وأما من لم يقاتله فلا يعطيه. قال: فرفع الحديث إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأمر بسراة المهاجرين والأنصار أن يدخلوا عليه، ثم ~~قال: " لا يدخلن علي إلا أنصاري ". قال: فدخلنا حتى ملأنا القبة. فقال نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " يا معشر الأنصار! ما حديث أتاني؟ " قالوا: ما أتاك يا رسول الله؟ # قال: " ألا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون برسول الله حتى تدخلوه ~~بيوتكم؟ " قالوا: رضينا يا رسول الله! فقال ms075 رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو أخذ الناس شعبا وأخذت الأنصار شعبا لأخذت شعب الأنصار ". # قالوا: رضينا يا رسول الله! # وروى هذا الحديث محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص قال: حدثني أبو سلمة بن ~~عبد الرحمن وغيره، قال: بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن الأنصار قد قالت. ~~قال: فدخلوا عليه، فقال لهم: ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ PageV00P128 # قالوا: بلى! قال: ألم أجدكم عالة فأغناكم الله بي؟ قالوا: بلى. قال: ألم ~~أجدكم أعداء فألف الله بين قلوبكم بي؟ قالوا: بلى! قال: أما إنكم لو شئتم ~~قلتم فصدقتم: جئتنا طريدا فآويناك، قالوا: الله ورسوله أمن. # قال: ولو شئتم قلتم: قد جئتنا مخذولا فنصرناك، قالوا: الله ورسوله أمن. ~~قال: ولو شئتم قلتم: جئتنا عائلا فآسيناك، قالوا: الله ورسوله أمن. قال: ~~أفلا ترضون أن ينقلب الناس بالشاة والبعير وتنقلبون برسول الله إلى رحالكم؟ ~~قالوا: بلى، رضينا. قال: ولو أن الناس سلكوا واديا أو شعبا لسلكت وادي ~~الأنصار وشعبهم، ولولا الهجر لكنت امرءا من الأنصار، الناس دثار والأنصار ~~شعار 54 - [توبة أبي محجن الثقفي رضي الله عنه] أخبرنا الرئيس العالم ~~الأديب أبو العز محمد بن محمد بن مواهب ابن الخراساني قال: أنا أبو غالب ~~محمد بن عبد الواحد القزاز، أنا أبو الحسن علي بن عمر البرمكي وأبو الحسين ~~بن النقور قالا: أنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص، أنا أبو بكر أحمد ~~بن عبد الله بن سيف، أنا أبو عبيدة السري بن يحيى، أنا شعيب بن إبراهيم، ~~قال: أنبأ سيف بن عمر التميمي عن محمد وطلحة وابن مخراق وزياد، قالوا: ~~PageV00P129 # لما اشتد القتال بالسواد - يعني في القادسية - وكان أبو محجن قد حبس وقيد ~~فهو في القصر، فأتى سلمى بنت حفصة امرأة سعد، فقال: # يا بنت آل حفصة! هل لك إلى خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: تخلين عني وتعيرينني ~~البلقاء، فلله علي إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في قيدي، وإن أصبت ~~فما أكثر من أفلت. فقالت: ما أنا ms076 وذاك؟ # فرجع يوسف في قيوده ويقول: # كفى حزنا أن تردي الخيل بالقنا * وأترك مشدودا علي وثاقيا إذا قمت عناني ~~الحديد وغلقت * مصاريع دوني قد تصم المناديا وقد كنت ذا مال كثير وإخوة * ~~فقد تركوني واحدا لا أخاليا ولله عهد لا أخيس بعهده * لئن فرجت أن لا أزور ~~الحوانيا فقالت سلمى: إني استخرت الله ورضيت بعهدك. فأطلقته. # فاقتاد الفرس فأخرجها من باب القصر فركبها، ثم دب عليها حتى إذا كان ~~بحيال الميمنة كبر، ثم حمل على ميسرة القوم يلعب برمحه وسلاحه بين الصفين. ~~ثم رجع من خلف المسلمين إلى الميسرة، فكبر على ميمنة القوم يلعب بين الصفين ~~برمحه وسلاحه، ثم رجع خلف المسلمين إلى القلب فبدر أمام الناس فحمل على ~~القوم يلعب بين الصفين برمحه وسلاحه. وكان يقصف الناس ليلتئذ قصفا منكرا، ~~وتعجب الناس منه وهم لا يعرفونه ولم يروه من النهار. # فقال بعضهم: أوائل أصحاب هاشم، أو هاشم نفسه. وقال بعضهم: PageV00P130 # إن كان الخضر يشهد الحروب فنظن صاحب البلقاء الخضر. وقال بعضهم: والله ~~لولا أن الملائكة لا تباشر لقلت: ملك بيننا. # ولا يذكره الناس ولا يأبهون له لأنه بات في محبسه. وجعل سعد يقول: # والله لولا محبس أبي محجن لقلت: إن هذا أبو محجن وهذه البلقاء. فلما ~~انتصف الليل تحاجز الناس وتراجع المسلمون. وأقبل أبو محجن حتى دخل من حيث ~~خرج، فوضع عن نفسه ودابته وأعاد رجليه في قيديه وذكر عبد الرزاق قال: ~~وأخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين، قال: كان أبو محجن الثقفي لا يزال يجلد ~~في الخمر، فلما أكثر عليهم سجنوه وأوثقوه. فلما كان يوم القادسية فكأنه رأى ~~أن المشركين قد أصابوا في المسلمين. فأرسل إلى أم ولد سعد أو امرأة سعد: إن ~~أبا محجن يقول لك: إن خليت سبيله وحملته على هذا الفرس ودفعت إليه سلاحا ~~ليكونن أول من يرجع إليك إلا أن يقتل. وأنشأ يقول: # كفى حزنا أن تلتقي الخيل بالقنا * وأترك مشدودا علي وثاقيا إذا قمت عناني ~~الحديد وغلقت * مصاريع من دوني تصم المناديا ms077 فحلت عنه قيوده وحمل على فرس ~~كان في الدار وأعطي سلاحا. # ثم خرج يركض حتى لحق بالقوم، فجعل لا يزال يحمل على رجل فيقتله ويدق ~~صلبه. فنظر إليه سعد فجعل يتعجب ويقول: من ذاك الفارس؟ # قال: فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى هزمهم الله. ورجع أبو محجن ورد ~~PageV00P131 # السلاح وجعل رجليه في القيود كما كان. فجاء سعد، فقالت له امرأته: # كيف كان قتالكم؟ فجعل يخبرها ويقول: لقينا ولقينا، حتى بعث الله رجلا على ~~فرس أبلق، لولا أني تركت أبا محجن في القيود لقلت: # إنها بعض شمائل أبي محجن. فقالت: والله إنه لأبو محجن، كان من أمره كذا ~~وكذا. فقصت عليه قصته. # فدعا به، فحل قيوده وقال: لا نجلدك على الخمر أبدا. قال أبو محجن: وأنا ~~والله لا أشربها أبدا، كنت آنف أن أدعها من أجل جلدكم. # قال: فلم يشربها بعد ذلك. # وقيل: قال أبو محجن: قد كنت أشربها إذ يقام علي الحد وأطهر منها، فأما إذ ~~بهرجتني، فوالله لا أشربها أبدا. وكان أبو محجن أسلم حين أسلمت ثقيف. وسمع ~~من النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه. واسمه مالك، وقيل: عبد الله بن ~~حبيب، وقيل: اسمه كنيته. # 55 - [توبة طليحة بن خويلد رضي الله عنه] أخبرنا أبو منصور جعفر بن عبد ~~الله بن الدامغاني، أنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي، أنا أبو ~~منصور بن السواق، أنا أبو القاسم إبراهيم بن أحمد الخرقي، أنا أبو بكر أحمد ~~بن الحسين بن سفيان، PageV00P132 # أنا أبو جعفر أحمد بن عبيد بن ناصح، أنا محمد بن الواقدي، وذكر أمر طليحة ~~بن خويلد حين تنبأ وقتاله إلى أن كسر عسكره، قال: # فحدثني موسى بن محمد إبراهيم التميمي عن أبيه، قال: # لما رأى طليحة أن الناس يقتلون ويؤسرون أعد فرسه وهيأ امرأته، عنده فوثب ~~على فرسه وحمل امرأته فنجا بها، وقال: من استطاع منكم أن يفعل كما فعلت ~~فليفعل. ثم هرب حتى قدم الشام، فأقام عند بني جفنة الغسانيين حتى فتح الله ~~أجنادين وتوفي أبو بكر. ms078 # فقدم في خلافة عمر مكة محرما. فلما رآه عمر قال: يا طليحة! # لا أحبك بعد قتلك الرجلين الصالحين عكاشة وثابت بن أقرم. وكان قتلهما هو ~~وأخوه. قال: يا أمير المؤمنين! رجلان أكرمهما الله بيدي ولم يهني بأيديهما، ~~وما كل البيوت بنيت على الحب ولكن صفحة جميلة فإن الناس يتصافحون على ~~الشنآن. # وأسلم إسلاما صحيحا ولم يغمص عليه في إسلامه. وقال يعتذر ويذكر ما كان ~~منه: # ندمت على ما كان من قتل ثابت * وعكاشة الغنمي ثم ابن معبد وأعظم من هاتين ~~عندي مصيبة * رجوعي عن الإسلام فعل التعمد وتركي بلادي والحوادث جمة * ~~طريدا وقدما كنت غير مطرد فهل يقبل الصديق أني مراجع * ومعط بما أحدثت من ~~حدث يدي PageV00P133 # وأني من بعد الضلالة شاهد * شهادة حق لست فيها بملحد بان إله الناس ربي ~~وأنني * ذليل وأن الدين دين محمد قال الواقدي: وحدثني محمد بن يعقوب أن ~~طليحة خرج غازيا هو وأصحابه يريدون الروم. فركبوا البحر، فبينما هم ملججين ~~فيه، إذ ناداهم قادس من تلك القوادس، فيه ناس من الروم. فقالوا لهم: إن ~~شئتم أن تقفوا لنا حتى نثب في سفينتكم، وإن شئتم وقفنا لكم حتى تثبوا علينا ~~في سفينتنا. قال طليحة: لأصحابه: ما يقولون؟ فأخبروه. # فقال طليحة: لأضربنكم بسيفي ما استمسك في يدي أو لتقربن سفينتنا إليهم. ~~قال: فدنا القوم بعضهم من بعض. قال طليحة لأصحابه: اقذفوني في سفينتهم، ~~فرموا به في سفينتهم، فغشيهم بسيفه حتى تطايروا منه. فغرق من غرق واستسلم ~~من استسلم. فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فأعجبه. # وذكر سيف بن عمر عن أبي عمرو عن أبي عثمان النهدي، قال: # أخرج سعد طليحة في خمسة، وعمرو بن معدي كرب في خمسة - يعني عيونا له - ~~صبيحة قدم رستم الجالينوس وذا الحاجب. فرجع عمرو وأصحابه وأصحاب طليحة لما ~~رأوا كثرة عدوهم. ومضى طليحة حتى دخل عسكر رستم وبات فيه يجوسه. فلما أدبر ~~الليل خرج وقد أتى أفضل من توسم في ناحية العسكر فإذا فرس لم ير في خيل ~~القوم مثله، وفسطاط أبيض ms079 لم ير مثله. فانتضى سيفه فقطع مقود الفرس، فركبه ~~PageV00P134 # ونذر به الرجل والقوم، فركبوا الصعبة والذلول في طلبه. # فأصبح وقد لحقه فارس. فلما غشيه وبوأ له الرمح ليطعنه عدل طليحة فرسه، ~~فندر الفارسي بين يديه، فكر عليه طليحة فقصم ظهره بالرمح. ثم لحقه آخر، ~~ففعل به مثل ذلك. ثم لحق به آخر، ففعل به مثل ذلك. فلما كر عليه طليحة، عرف ~~أنه قاتله فاستأسر. # فأمره طليحة أن يركض بين يديه، ففعل حتى غشيا عسكر المسلمين وهم على ~~تعبئة. فأفزع الناس وجوزوه إلى سعد فأخبره بما صنع. # وجئ بالترجمان فأقيم بين يدي سعد والفارسي. # فقال الفارسي: أخبركم عن صاحبي هذا قبل أن أخبركم عما قبلي. # باشرت الحروب وغشيتها وسمعت بالأبطال ولقيتها منذ أنا غلام إلى أن بلغت ~~ما ترى. فلم أسمع بمثل هذا، أن رجلا قطع عسكرين لا تجترئ عليهما الأبطال ~~إلى عسكر فيه سبعون ألفا يخدم الرجل منهم الخمسة والعشرة إلى ما دون ذلك. ~~فلم يرض أن يخرج كما دخل حتى سلب فارس الجند وهتك أطناب بيته، فأنذره ~~وأنذرنا به، فأدركه فارس الناس يعدل بألف فارس فقتله. ثم أدركه الثاني وهو ~~نظيره فقتله. # ثم أدركته، ولا أظنني خلفت بعدي من يعدلني، وأنا الثائر بالقتيلين وهما ~~ابنا عمي، فرأيت الموت فاستأسرت. # ثم أخبره عن أهل فارس أن الجند عشرون ومائة ألف. وأسلم الرجل، وعاد ~~طليحة، وقال: والله لا تغلبون ما دمتم على ما أرى من الوفاء والصدق ~~والإصلاح. فكان من أهل البلاء يومئذ. PageV00P135 # ذكر التوابين من ملوك هذه الأمة 57 - [توبة ذي الكلاع] ذكر محمد بن أحمد ~~بن البراء في كتاب " الروضة ": أنا محمد بن الرصافي، ثنا سليمان بن معبد، ~~ثنا سعيد بن عفير المصري، ثنا علوان بن داود عن رجل من قومه، قال: # بعثني أهلي في الجاهلية إلى ذي الكلاع بهدية. فأقمت ببابه سنة لا أصيل ~~إليه. ثم اطلع اطلاعة من قصره فلم يبق حول قصره أحد إلا خر له ساجدا. ثم ~~أمر بهديته فقبلت. ثم رأيته في الإسلام، قد ms080 PageV00P136 # اشترى لحما بدرهم وهو على فرس، قد سمط اللحم على فرسه، وهو يقول: # أف للدنيا إذا كانت كذا * كل يوم أنا منها في أذى ولقد كنت إذا ما قيل: ~~من * أنعم الناس معاشا؟ قيل: ذا ثم بدلت بعيشي شقوة * حبذا هذا شقاء حبذا ~~وروى ابن دريد عن الرياشي عن الأصمعي، قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كاتب ذا الكلاع من ملوك الطوائف على يد جرير بن عبد الله يدعوه إلى ~~الإسلام، وكان قد استعلى أمره حتى ادعى الربوبية وأطيع حتى مات النبي صلى ~~الله عليه وسلم قبل عودة جرير، وأقام ذو الكلاع على ما هو عليه إلى أيام ~~عمر، ثم رغب في الإسلام، فوفد على عمر ومعه ثمانية آلاف عبد، فأسلم على يده ~~وأعتق من عبيده أربعة آلاف. فقال له عمر: # يا ذا الكلاع! بعني ما بقي من عبيدك حتى أعطيك ثلث أثمانهم هاهنا، وثلثا ~~باليمن. وثلثا بالشام. قال: أجلني يومي هذا أفكر فيما قلت، ومضى إلى منزله ~~فأعتقهم جميعا. فلما غدا على عمر، قال: له ما رأيك فيما قلت لك في عبيدك؟ ~~قال: قد اختار الله ولي ولهم خيرا مما رأيت. # قال: وما هو؟ قال: هم أحرار لوجه الله. قال: قد أصبت والله، يا ذا ~~الكلاع! قال: يا أمير المؤمنين! لي ذنب ما أظن أن الله يغفره لي. ~~PageV00P137 # قال: وما هو؟ قال: تواريت عمن يتعبد لي ثم أشرفت عليهم من مكان عال، فسجد ~~لي زهاء مائة ألف إنسان. فقال عمر: التوبة بالإخلاص والإنابة بالإقلاع يرجى ~~بهما مع رأفة الله الغفران. قال الله تعالى: * (لا تقنطوا من رحمة الله) * ~~[الزمر: 53]. # 58 - [توبة أمير وتاجر] أخبرنا الشيخ أبو الفرج أنا أبو القاسم هبة الله ~~بن أحمد قال: # أنا أبو بكر محمد بن علي الخياط، أنا أحمد بن محمد بن العلاف، ثنا الحسين ~~بن صفوان، ثنا أبو بكر القرشي، حدثني محمد بن الحسين، أخبرني أبو عمر ~~العمري، حدثني عبيد الله بن صدقة بن مرداس البكري عن أبيه، قال: # نظرت إلى ms081 ثلاثة أقبر على شرف من الأرض مما يلي بلاد أنطاكية فإذا على ~~أحدها مكتوب: PageV00P138 # وكيف يلذ العيش من هو عالم * بأن إله الخلق لا بد سائله فيأخذ منه ظلمه ~~لعباده * ويجزيه بالخير الذي هو فاعله وإذا على القبر الثاني: # وكيف يلذ العيش من كان موقنا * بأن المنايا بغتة ستعاجله فتسلبه ملكا ~~عظيما ونخوة * وتسكنه البيت الذي هو آهله وإذا على القبر الثالث إلى ~~جنبهما: # وكيف يلذ العيش من كان صائرا * إلى جدث تبلي الشباب مناهله ويذهب رسم ~~الوجه من بعد صونه * سريعا ويبلى جسمه ومفاصله وإذا هي قبور مسنمة على قدر ~~واحد مصطفة. فقلت لشيخ جلست إليه: لقد رأيت في قريتكم عجبا. قال: وما رأيت؟ # فقصصت عليه قصة القبور. قال: فحديثهم أعجب مما رأيت على قبورهم. # قال: فقلت: حدثني. قال: كانوا ثلاثة إخوة، أمير يصحب السلطان ويؤمر على ~~المدائن والجيوش، وتاجر موسر مطاع في خاصته، PageV00P139 # وزاهد قد تخلى لنفسه وتفرد لعبادته. قال: فحضرت أخاهم العابد الوفاة، ~~فاجتمع عنده أخواه. وكان الذي يصحب السلطان منهم قد ولي بلادنا هذه، أمره ~~عليها عبد الملك بن مروان، وكان ظالما غشوما متعسفا. فاجتمعا عند أخيهما ~~لما احتضر، فقالا له: # أوص. قال: لا والله ما لي من مال فأوصي فيه، ولا لي على أحد دين فأوصي ~~به، ولا أخلف من الدنيا شيئا فأسلبه. بين فقال له أخوه ذو السلطان: أي أخي! ~~قل لي ما بدا لك، فهذا مالي بين يديك، فأوص منه بما أحببت، وأنفذ منه ما ~~بدا لك، واعهد إلي بما شئت. قال: # فسكت عنه. فقال أخوه التاجر: أي أخي! قد عرفت مكسبي وكثرة مالي، فلعل في ~~قلبك غصة من الخير لم تكن تبلغها إلا بالإنفاق فيها، فهذا مالي بين يديك، ~~فاحتكم فيه فما أحببت ينفذ لك أخوك. # فأقبل عليهما، فقال: لا حاجة لي في مالكما، ولكني سأعهد أهل إليكما عهدا ~~فلا تخالفا عهدي. قالا: اعهد. قال: إذا مت فغسلاني وكفناني وادفناني على ~~نشز من الأرض واكتبا على قبري: # وكيف يلذ العيش من هو ms082 عالم * بأن إله الخلق لا بد سائله PageV00P140 # فيأخذ منه ظلمه لعباده * ويجزيه بالخير الذي هو فاعله فإذا أنتما فعلتما ~~ذلك فأتياني كل يوم مرة لعلكما أن تتعظا. قال: ففعلا ذلك لما مات. # قال: وكان أخوه يركب في جنده حتى يقف على القبر. فينزل فيقرأ ما عليه ~~ويبكي. فلما كان في اليوم الثالث جاء كما كان يجئ مع الجند، فنزل فبكى كما ~~كان يبكي. فلما أراد أن ينصرف سمع هدة من داخل القبر كاد ينصدع لها قلبه، ~~فانصرف مذعورا فزعا. فلما كان الليل رأى أخاه في منامه. فقال: أي أخي! ما ~~الذي سمعت من قبرك؟ قال: تلك هدة المقمعة. قيل لي: رأيت مظلوما فلم تنصره. # قال: فأصبح مهموما. فدعا أخاه وخاصته وقال: ما أرى أخي أراد بما أوصانا ~~أن نكتب على قبره غيري، وإني أشهدكم أني لا أقيم بين ظهرانيكم أبدا. قال: ~~فترك الإمارة ولزم العبادة. وكتب إلى عبد الملك ابن مروان في ذلك، فكتب أن ~~خلوه وما أراد. فكان إنما يأوي الجبال والبراري حتى حضرته الوفاة في هذا ~~الجبل وهو مع بعض الرعاة. فبلغ ذلك أخاه، فأتاه فقال: أي أخي! ألا توصي؟ ~~قال: بم أوصي؟ ما لي من مال فأوصي به; ولكن أعهد إليك عهدا; إذا أنا مت ~~فبوأتني يا قبري فادفني إلى جنب أخي واكتب على قبري: PageV00P141 # وكيف يلذ العيش من كان موقنا * بأن المنايا بغتة ستعاجله فتسلبه ملكا ~~عظيما ونخوة * وتسكنه القبر الذي هو آهله ثم تعاهدني ثلاثا، فادع لي لعل ~~الله أن يرحمني. # قال: فمات، ففعل به أخوه ذلك. فلما كان اليوم الثالث من إتيانه إياه، ~~فدعا له وبكى عند قبره. فلما أراد أن ينصرف سمع وجبة من القبر كادت تذهل ~~عقله، فرجع متقلقلا. فلما كان من الليل إذا بأخيه في منامه قد أتاه. قال ~~ذلك الرجل: فلما رأيت أخي وثبت إليه، فقلت: أي أخي! أتيتنا زائرا؟ قال: ~~هيهات أخي! بعد المزار واطمأنت بنا الديار. قلت: أي أخي! كيف أنت؟ قال: ~~بخير، ما أجمع التوبة لكل خير! ms083 قال: قلت: فكيف أخي؟ قال: ذلك مع الأئمة ~~الأبرار. قال. قلت: فما أمرنا قبلكم؟ قال: من قدم شيئا من الدنيا والآخرة ~~وجده، فاغتنم وجدك قبل فقرك. قال: فأصبح أخوه معتزلا للدنيا قد انخلع منها، ~~ففرق ماله وقسم رباعه وأقبل على طاعة الله تعالى. قال: ونشأ له ابن كأهيأ ~~الشباب وجها وجمالا. فأقبل PageV00P142 # على التجارة حتى بلغ منها. وحضرت أباه الوفاة، فقال له ابنه: # يا أبت ألا توص؟ قال: والله يا بني! ما لأبيك مال فيوصي فيه ولكني أعهد ~~إليك عهدا، إذا أنا مت فادفني مع عمومتك واكتب على قبري هذين البيتين: # وكيف يلذ العيش من هو صائر * إلى جدث تبلي الشباب منازله ويذهب رسم الوجه ~~من بعد صونه * سريعا ويبلى جسمه ومفاصله فإذا فعلت ذلك فتعاهدني يكون بنفسي ~~ثلاثا، فادع لي. # ففعل الفتى ذلك. # فلما كان اليوم الثالث سمع من القبر صوتا اقشعر له جلده وتغير له لونه، ~~فرجع منه محموما إلى أهله. فلما كان من الليل أتاه أبوه في منامه، فقال له: ~~أي بني! أنت عندنا عن قليل، والأمر بآخره، والموت أقرب من ذلك، فاستعد ~~لسفرك وتأهب لرحيلك وحول جهازك من المنزل الذي أنت عنه ظاعن إلى المنزل ~~الذي أنت فيه مقيم، ولا تغتر بما اغتر به المبطلون قبلك من طول آمالهم ~~فقصروا عن أمر معادهم فندموا عند الموت أشد الندامة، وأسفوا على تضييع ~~العمر أشد الأسف، فلا الندامة عند الموت تنفعهم، ولا الأسف على التقصير ~~أنقذهم من شر ما وافى به المغبونون مليكهم يوم القيامة أي بني! فبادر! ثم ~~بادر! ثم بادر!. # قال عبيد الله بن صدقة: قال الشيخ الذي حدثني بهذا الحديث: PageV00P143 # فدخلت على هذا الفتى صبيحة ليلته من هذه الرؤيا، فقصها علينا، وقال: ما ~~أرى الأمر إلا كما قال أبي، ولا أرى الموت إلا قد أظلني. # قال: فجعل يفرق ماله ويقضي ما عليه من الدين ويستحل خلطاءه ومعامليه ~~ويحللهم ويسلم عليهم ويودعهم ويودعونه، كهيئة رجل قد أنذر بأمر فهو يتوقعه. ~~وكان يقول: قال أبي: فبادر! ثم ms084 بادر! ثم بادر! فهذه ثلاث، فهي ثلاث ساعات ~~قد مضت فليست بها، أو ثلاثة أيام وأنى لي بها، أو ثلاثة أشهر وما أراني ~~أدركها، أو ثلاث سنين فهو أكثر من ذلك، وما أحب أن يكون ذلك كذلك. # قال: فلم يزل يعطي ويقسم ويتصدق ثلاثة أيام، حتى إذا كان في آخر اليوم ~~الثالث من صبيحة هذه الرؤيا دعا أهله وولده فودعهم وسلم عليهم. ثم استقبل ~~القبلة، فمدد نفسه وأغمض عينيه وتشهد شهادة الحق، ثم مات رحمه الله تعالى. ~~قال: فمكث الناس حينا ينتابون قبره من الأمصار فيصلون عليه. # 59 - [توبة ملك من ملوك البصرة] وأنبأنا المبارك بن علي، أنا هبة الله بن ~~أحمد الجريري، أنا أبو طالب العشاري، أنا محمد بن عبد الله الدقاق، أنا ~~الحسن بن صفوان، PageV00P144 # قال: أنا ابن أبي الدنيا قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثني سليمان ~~بن أيوب قال: سمعت عباد بن عباد المهلبي يقول: # إن ملكا من ملوك أهل البصرة تنسك. ثم مال إلى الدنيا والسلطان، فبنى دارا ~~وشيدها، وأمر بها ففرشت له ونجدت، واتخذ مائدة وصنع طعاما ودعا الناس. ~~فجعلوا يدخلون عليه ويأكلون ويشربون وينظرون إلى بنيانه ويعجبون من ذلك ~~ويدعون له ويتفرقون. قال: فمكث بذلك أياما حتى فرغ من أمر الناس. ثم جلس ~~ونفر من خاصة إخوانه، فقال: قد ترون سروري بداري هذه، وقد حدثت نفسي أن ~~أتخذ لكل واحد من ولدي مثلها، فأقيموا عندي أياما أستمتع بحديثكم وأشاوركم ~~فيما أريد من هذا البناء لولدي. # فأقاموا عنده أياما يلهون ويلعبون، ويشاورهم كيف يبني لولده، وكيف يريد ~~أن يصنع. # فبينا هم ذات ليلة في لهوهم ذلك إذ سمعوا قائلا من أقاصي الدار: # يا أيها الباني [و] الناسي منيته * لا تأملن فإن الموت مكتوب على الخلائق ~~إن سروا وإن فرحوا * فالموت حتف لذي الآمال منصوب PageV00P145 # لا تبنين ديارا لست تسكنها * وراجع النسك كيما يغفر الحوب قال: ففزع لذلك ~~وفزع أصحابه فزعا شديدا وراعهم ما سمعوا من ذلك. فقال لأصحابه: هل سمعتم ما ~~سمعت؟ قالوا: نعم. ms085 قال: # فهل تجدون ما أجد؟ قالوا: وما تجد؟ قال: أجد والله مسكة على فؤادي وما ~~أراها إلا علة الموت. قالوا: كلا، بل البقاء والعافية. # قال: فبكى، ثم أقبل عليهم، فقال: أنتم أخلائي وإخواني، فماذا لي عندكم؟ ~~قالوا: مرنا بما أحببت من أمرك. قال: فأمر بالشراب فأهريق، ثم أمر بالملاهي ~~فأخرجت، ثم قال: اللهم! إني أشهدك ومن حضرني من عبادك أني تائب إليك من ~~جميع ذنوبي، نادم على ما فرطت في أيام مهلتي، وإياك أسأل إن أقلتني أن تتم ~~نعمتك علي بالإنابة إلى طاعتك، وإن أنت قبضتني إليك أن تغفر لي ذنوبي تفضلا ~~منك علي. واشتد به الألم، فلم يزل يقول: الموت والله! الموت والله! # حتى خرجت نفسه. فكان الفقهاء يرون أنه مات على توبة. # 60 - [توبة ملك من ملوك البصرة وجاريته] وروي عن مالك بن دينار رحمه ~~الله. أنه كان يوما ماشيا في أزقة البصرة. فإذا هو بجارية من جواري الملوك ~~راكبة ومعها الخدم، فلما PageV00P146 # رآها مالك، نادى: أيتها الجارية! أيبيعك مولاك؟ قالت: كيف قلت يا شيخ؟ ~~قال: أيبيعك مولاك؟ قالت: ولو باعني كان مثلك يشتريني؟ قال: نعم، وخيرا ~~منك. فضحكت وأمرت أن يحمل إلى دارها، فحمل، فدخلت إلى مولاها فأخبرته. فضحك ~~وأمر أن يدخل إليه. فدخل، فألقيت له الهيبة في قلب السيد، فقال: # ما حاجتك؟ قال: بعني جاريتك، قال: أو تطيق أداء ثمنها؟ قال: # فثمنها عندي نواتان مسوستان. وفي فضحكوا، وقالوا: كيف كان ثمنها عندك ~~هذا؟ قال: لكثرة عيوبها. قالوا: وما عيوبها؟ قال: إن لم تتعطر زفرت، وإن لم ~~تستك بخرت، وإن لم تمتشط وتدهن قملت وشعثت، وإن تعمر عن قليل هرمت، ذات حيض ~~وبول وأقذار جمة، ولعلها لا تودك إلا لنفسها، ولا تحبك إلا لشغفها كل بك، ~~لا تفي بعهدك، ولا تصدق في ودك، ولا يخلف عليها أحد من بعدك إلا رأته مثلك; ~~وأنا آخذ بدون ما سألت في جاريتك من الثمن جارية خلقت من سلالة الكافور، لو ~~مزج بريقها أجاج لطاب، ولو دعي بكلامها ميت لأجاب، ولو ms086 بدا معصمها للشمس ~~لأظلمت دونه، ولو بدا في الليل لسطع نوره، ولو واجهت الآفاق بحليها وحللها ~~لتزخرفت، نشأت بين رياض المسك والزعفران، وقصرت في أكنان النعيم، وغذيت ~~بماء التسنيم، فلا تخلف عهدها، ولا يتبدل منه ودها; فأيهما PageV00P147 # أحق برفعة الثمن؟ قال: التي وصفت. قال: فإنها الموجودة الثمن القريبة ~~المخطب. قال: فما ثمنها رحمك الله؟ قال: اليسير المبذول، أن تفرغ ليلك ~~فتصلي ركعتين تخلصهما لربك، وأن يوضع طعامك فتذكر جائعك فتؤثر الله على ~~شهوتك، وأن ترفع عن الطريق حجرا أو قذرا، وأن تقطع أيامك بالبلغة وترفع ~~همتك عن دار الغفلة، فتعيش في الدنيا بعز القنوع، وتأتي غدا إلى موقف ~~الكرامة آمنا، وتنزل غدا في الجنة مخلدا. # فقال الرجل: يا جارية! أسمعت ما قال شيخنا هذا؟ قالت: نعم. # قال: أفصدق أحمد أم كذب؟ قالت: بل صدق وبر ونصح. قال: فأنت إذا حرة لوجه ~~الله، وضيعة كذا وكذا صدقة عليك، وأنتم أيها الخدام أحرار، وضيعة كذا وكذا ~~لكم، وهذه الدار بما فيها صدقة مع جميع مالي في سبيل الله. ثم مد يده إلى ~~ستر خشن كان على بعض أبوابه فاجتذبه، وخلع جميع ما كان عليه واستتر به. # قالت الجارية: لا عيش لي بعدك يا مولاي! فرمت بكسوتها ولبست ثوبا خشنا ~~وخرجت معه. فودعهما بعد مالك ودعا لهما، وأخذ طريقا وأخذا غيره. فتعبدا ~~جميعا حتى جاء الموت فنقلهما على حال العبادة - رحمة الله عليهما. ~~PageV00P148 # 61 - [توبة أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان] أخبرنا أبو الفتح محمد بن ~~عبد الباقي قال: أنا محمد بن أبي نصر الحميدي قال: أنا الخضر بن ميمون ~~البابي، أنا أبو بكر أحمد بن عمر البزاز، أنا أبو منصور محمد بن عيسى بن ~~عبد العزيز، ثنا علي بن الحسن بن الربيع، ثنا أبو علي الحسن بن يزيد الدقاق ~~عن يعقوب بن إسحاق قال: سمعت إبراهيم بن الجنيد، قال: نا مموس القطان، ثنا ~~أحمد بن محمد، ثنا أبو علي، ثنا محمد بن علي الزعفراني قال: سمعت أحمد بن ~~رياح الكاتب يحكي ms087 عن الهيثم بن عدي عن مروان بن محمد، قال: # دخلت عزة صاحبة كثير على أم البنين بنت عبد العزيز ابن مروان أخت عمر، ~~فقالت لها: يا عزة! ما معنى قول كثير: # قضى كل ذي دين علمت غريمه * وعزة ممطول معنى غريمها PageV00P149 # ما هذا الدين الذي يذكره؟ قالت: اعفيني. قالت: لا بد من إعلامك إياي. ~~فقالت عزة: كنت وعدته قبلة، فأتاني لينتجزها فتحرجت عليه ولم أف له، فقالت ~~لها أم البنين: أنجزيها منه، وعلي إثمها. ثم راجعت نفسها فاستغفرت الله، ~~وأعتقت لكلمتها هذه أربعين رقبة. وكانت إذا ذكرت ذلك بكت حتى تبل خمارها، ~~وتقول: # يا ليتني خرس لساني عندما تكلمت بها! وتعبدت عبادة ذكرت بها في عصرها من ~~شدة اجتهادها. فرفضت فراش المملكة تحيي ليلها وكانت كل جمعة تحمل على فرس ~~في سبيل الله. وكانت تبعث إلى نسوة عابدات يجتمعن عندها ويتحدثن، فتقول: ~~أحب حديثكن، فإذا قمت إلى صلاتي لهوت عنكن. وكانت تقول: البخيل كل البخيل ~~من بخل على نفسه بالجنة. وكانت: تقول جعل لكل إنسان نهمة في شئ، وجعلت ~~نهمتي في البذل والإعطاء، والله للعطية والصلة والمواصلة في الله أحب إلي ~~من الطعام الطيب على الجوع والشراب البارد على الظمأ، وهل ينال الخير إلا ~~بالاصطناع؟ وكانت على مذهب جميل حتى توفيت رحمها الله تعالى. # 62 - [توبة هشام بن عبد الملك] قال مموس: وحدثنا أحمد بن محمد بن ~~إبراهيم، ثنا القاسم بن جعفر، PageV00P150 # ثنا علي بن حجر الواسطي قال: حدثني عيسى بن الفضل بن موسى أنه سمع إسحاق ~~بن إبراهيم الموصلي يقول: حدثني محمد بن عبد الرحمن الهاشمي عن أبيه عن ~~سليمان بن خالد: # أن هشام بن عبد الملك ذكرت له ربيبة لبعض عجائز الكوفة، موصوفة مشهورة ~~ببارع الجمال، فائقة الحسن والكمال، قارئة لكتاب الله عز وجل، راوية ~~للأشعار مع عقل وأدب، فأمر أن يبرد إلى والي الكوفة أن تبتاع له بحكم ~~مولاتها، ويعجل حملها إليه، وبعث في ذلك خادما. فلما ورد الكتاب على الوالي ~~بعث إلى العجوز، فابتاع منها الربيبة ms088 بمائتي ألف درهم وحديقة نخل تستغل ~~منها كل سنة خمسمائة مثقال. وجهز الجارية وحملها إلى هشام. وفرغ لها مقصورة ~~مفردة أنزلها فيها مع وصائف، وأمر لها بأنواع اللباس وفاخر الحلي والفرش. ~~فبينا هو ذات يوم قد خلا بها في مستشرف قد أعدت فيه الفرش والطيب، فتذاكرا ~~فيه طرائف الأخبار وبلاغة الآثار، فازداد بها سرورا، واجتمعت مسرته، إذا ~~صوارخ، فاستشرف هشام، فإذا PageV00P151 # بجنازة معها فئام من الناس ووراء الجنازة نسوة صارخات، ونادبة فيما بينهن ~~تقول: بأبي المحمول على الأعواد، المنطلق به إلى الأموات، المخلى في قبره ~~فريدا، والمكون في لحده غريبا، ليت شعري، أيها المنقول! أنت ممن يناشد ~~حملته: أسرعوا بي! أم أنت ممن يناشدهم ارجعوا بي! إلى م تقدموني؟ قال: ~~فأهملت عينا هشام دموعا، فلها عن لذته وجعل يقول: كفى بالموت واعظا. فقالت ~~غضيض: قد قطعت نياط قلبي هذه النادبة. قال هشام: الأمر جد. فنادى الخادم، ~~فنزل عن مستشرفه فمضى، فأغفت غضيض في مجلسها، فأتاها آت في منامها، وقال ~~لها: أنت المفتنة تعالى بجمالك، والملهية بدلالك! كيف أنت إذا نقر في ~~الناقور، وبعثرت القبور، وخرجوا منها إلى النشور، وقوبلوا بالأعمال التي ~~قدموها؟ فاستيقظت مرتاعة وراحت من شرابها، فنادت بعض وصائفها ودعت بماء ~~فاغتسلت، وألقت عنها لباسها وحليها وتدرعت بمدرعة صوف وحزمت وسطها بخيط، ~~وتناولت عصا وألقت في عنقها جرابا. واقتحمت مجلس هشام، PageV00P152 # فلما رآها أنكرها. فنادت: أنا غضيض أمتك، أتاني النذير فقرع مسامعي ~~وعيده، وقد قضيت مني وطرا وقد أتيتك لتعتقني من رق الدنيا. فقال هشام: شتان ~~ما بين الطربين وأنت في طربك! اذهبي، فأنت حرة لوجه الله تعالى، قال: أي ~~موضع تقصدين؟ كما قالت: أؤم بيت الله الحرام. قال انطلقي، فلا سبيل لأحد ~~عليك. فخرجت من دار الخلافة زاهدة في الدنيا، راغبة في الآخرة، سائحة على ~~وجهها حتى بلغت مكة. وأقامت مجاورة صائمة قائمة تعود على نفسها بالغزل في ~~قوتها. فإذا أمست طافت، ثم تدخل الحجر وتقول: يا ذخري أنت عدتي، لا تقطع ~~رجائي وأنلني مناي وأحسن منقلبي وأجزل ms089 عطائي. فلم تزل في الاجتهاد حتى غير ~~مر الجديدين الليل والنهار بشرتها، وطول القيام جسمها، وكثرة البكاء ~~عينيها، وأقرح المغزل بنانها، حتى توفيت - رحمة الله عليها - على ذلك. # 63 - [توبة الأمير حميد بن جابر] أخبرنا أبو الفتح محمد بن عبد الباقي، ~~أنا أحمد بن أحمد، أنا أحمد ابن عبد الله الحافظ قال: حدثني إبراهيم بن ~~نصر، أنا جعفر بن محمد ابن نصير قال: حدثني إبراهيم بن بشار، قال: ~~PageV00P153 # كنت يوما مارا مع إبراهيم - يعني بن أدهم - في صحراء، فأتينا على قبر ~~مسنم، فترحم عليه وبكى. فقلت: قبر من هذا؟ فقال: # هذا قبر حميد بن جابر أمير هذه المدن كلها. كان غرقا في بحار الدنيا، ~~فأخرجه الله تعالى منها واستنقذه. ولقد بلغني أنه سر يوما بشئ من ملاهي ~~ملكه ودنياه وغروره وفتنته. ثم نام في مجلسه ذلك مع من يخصه من أهله، فرأى ~~في منامه رجلا واقفا على رأسه، بيده كتاب. فناوله، ففتحه، فإذا فيه كتاب ~~بالذهب مكتوب: لا تؤثرن فانيا على باق، ولا تغترن بملكك وقدرتك وسلطانك ~~وخدمك وعبيدك ولذاتك وشهواتك، فإن الذي أنت فيه جسيم لولا أنه عديم، وهو ~~ملك لولا أن بعده هلك، وهو فرح وسرور لولا أنه لهو وغرور، وهو يوم لو كان ~~يوثق له بغد، فسارع إلى أمر الله تعالى، فإن الله تعالى قال: # (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين) ~~[آل عمران: 133] قال: فانتبه فزعا، وقال: هذا تنبيه من الله عز وجل وموعظة. # فخرج من ملكه لا يعلم به، وقصد هذا الجبل، فتعبد فيه، فلما بلغني قصته ~~وحدثت بأمره، قصدته، فسألته، فحدثني ببدء أمره، PageV00P154 # وحدثته ببدء أمري، فما زلت أقصده حتى مات، ودفن هاهنا، فهذا قبره رحمه ~~الله. # 64 - [توبة إبراهيم بن أدهم] أخبرنا محمد، أنا أحمد، ثنا إبراهيم بن عبد ~~الله بن إسحاق، ثنا محمد بن إسحاق السراج قال: سمعت إبراهيم بن بشار خادم ~~إبراهيم بن أدهم يقول: # قلت: يا أبا إسحاق! كيف كان أوائل امرك؟ قال: كان أبي من ms090 أهل " بلخ "، ~~وكان من ملوك خراسان، وحبب إلينا الصيد، فخرجت راكبا فرسي وكلبي معي، ~~فبينما أنا كذلك، ثار أرنب أو ثعلب، فحركت فرسي فسمعت نداء من ورائي: ليس ~~لذا خلقت ولا بذا أمرت! فوقفت أنظر يمنة ويسرة، فلم أر أحدا، فقلت: # لعن الله إبليس! ثم حركت فرسي فأسمع نداء أجهر من ذلك. يا إبراهيم ليس ~~لذا خلقت ولا بذا أمرت! فوقفت أنظر يمنة ويسرة، فلا أرى أحدا، فقلت: لعن ~~الله إبليس! ثم حركت فرسي فأسمع نداء من قربوس سرجي: يا إبراهيم! ما لذا ~~خلقت ولا بذا أمرت! # فوقفت، فقلت: أنبهت! أنبهت! جاءني نذير من رب العالمين، PageV00P155 # والله لا عصيت الله بعد يومي هذا ما عصمني ربي. فرجعت إلى أهلي ثم جئت ~~إلى أحد رعاة أبي، فأخذت منه جبة وكساء، وألقيت ثيابي إليه، ثم أقبلت إلى ~~العراق، أرض ترفعني، وأرض تضعني، حتى وصلت إلى العراق. فعملت بها أياما، ~~فلم يصف لي منها - يعني الحلال - فسألت بعض المشايخ، فقال لي: إذا أردت ~~الحلال فعليك ببلاد الشام، فصرت إلى بلاد الشام، فسرت إلى مدينة يقال لها: # المنصورة وهي المصيصة. فعملت بها أياما فلم يصف لي شئ من الحلال، فسألت ~~بعض المشايخ. فقالوا لي: إن أردت الحلال الصافي، فعليك بطرسوس، فإن فيها ~~المباحات والعمل الكثير، فتوجهت إلى طرسوس فعملت بها أياما أنظر البساتين ~~وأحصد الحصاد. فبينا أنا قاعد على باب البحر، جاءني رجل فاكتراني أنظر له ~~بستانه. فكنت في البستان أياما كثيرة، فإذا أنا بخادم قد أقبل ومعه أصحابه. ~~فقعد في مجلسه، ثم صاح: يا ناطور! فقلت: هو ذا أنا. فقال: اذهب فأتنا بأكبر ~~رمان تقدر عليه وأطيبه. فذهبت فأتيته بأكبر رمان، فأخذ الخادم رمانة ~~فكسرها، فوجدها حامضة، فقال: يا ناطور! PageV00P156 # أنت في بستاننا منذ كذا وكذا، تأكل فاكهتنا وتأكل رماننا، ولا تعرف الحلو ~~من الحامض؟ # قال إبراهيم: قلت: والله ما أكلت من فاكهتك هو شيئا ولا أعرف الحلو من ~~الحامض، فأشار الخادم إلى أصحابه، فقال: أما تسمعون. # كلام هذا؟ أتراك لو أنك إبراهيم ms091 بن أدهم ما زاد على هذا؟ فانصرف، فلما ~~كان من الغد ذكر صفتي في المسجد، فعرفني بعض الناس، فجاء الخادم ومعه عنق ~~من الناس. فلما رأيته قد أقبل مع الناس اختفيت خلف الشجر والناس داخلون، ~~فاختلطت معهم وهم داخلون وأنا خارج هارب. فهذا كان أوائل أمري وخروجي من ~~طرطوس إلى بلاد الرمال. # [إبراهيم بن أدهم والشيخ الحاج] أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أحمد ~~بن النقور، قال، أنا أبو PageV00P157 # القاسم علي بن أحمد بن بيان، أنا أبو القاسم بن بشران، أنا أبو بكر محمد ~~بن الحسين الآجري، ثنا أبو الفضل العباس بن يوسف الشكلي قال: ثنا إبراهيم ~~بن زياد المقرئ، ثنا عبد الله بن الفرج، قال: حدثني إبراهيم بن أدهم ~~بابتدائه كيف كان، قال: # كنت يوما في مجلس لي، له منظرة إلى الطريق، فإذا أنا بشيخ عليه أطمار. ~~وكان يوما حارا، فجلس في فيئ القصر ليستريح. # فقلت للخادم: اخرج إلى هذا الشيخ فأقرئه مني السلام وسله أن يدخل إلينا، ~~فقد أخذ بمجامع قلبي. فخرج إليه، فقام معه، فدخل إلي فسلم، فرددت عليه ~~السلام، واستبشرت بدخوله وأجلسته إلى جنبي، وعرضت عليه الطعام، فأبى أن ~~يأكل. فقلت له: من أين أقبلت؟ فقال: من وراء النهر. فقلت: أين تريد؟ قال: ~~الحج - إن شاء الله تعالى. قال: وكان ذلك في أول يوم من العشر أو الثاني. # فقلت: في هذا الوقت؟ فقال: بل يفعل الله ما يشاء. فقلت: الصحبة. # فقال: إن أحببت ذلك، حتى إذا كان الليل، قال لي: قم، فلبست ما يصلح ~~للسفر، وأخذ بيدي. وخرجنا من " بلخ " فمررنا بقرية لنا. فلقيني رجل من ~~الفلاحين، فأوصيته ببعض ما أحتاج إليه. فقدم إلينا خبزا وبيضا، وسألنا أن ~~نأكل، فأكلنا، وجاء بماء فشربنا. PageV00P158 # وقال لي: بسم الله قم، فأخذ بيدي، فجعلنا نسير وأنا أنظر إلى الأرض تجذب ~~من تحتنا كأنها الموج. فمررنا بمدينة بعد مدينة، فجعل يقول: # هذه مدينة كذا، هذه مدينة كذا، هذه " الكوفة ". ثم قال: # الموعد هاهنا في مكانك هذا في الوقت ms092 من الليل، حتى إذا كان الوقت إذا به ~~قد أقبل، فأخذ بيدي وقال: بسم الله. قال: فجعل يقول: # هذا منزل كذا، هذا منزل كذا، وهذه " فيد "، وهذه المدينة، وأنا أنظر إلى ~~الأرض تجذب من تحتنا كأنها الموج. فصرنا إلى قبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فزرناه. ثم فارقني، وقال: الموعد في الوقت من الليل في المصلى، حتى ~~إذا كان الوقت خرجت فإذا به في المصلى. فأخذ بيدي، ففعل كفعله في الأولى ~~والثانية حتى أتينا مكة في الليل. # ففارقني، فقبضت عليه وقلت: الصحبة. فقال: إني أريد الشام. # " فقلت: أنا معك. فقال لي: إذا انقضى الحج فالموعد هاهنا عند زمزم، حتى ~~إذا انقضى الحج إذا به عند زمزم. فأخذ بيدي، فطفنا بالبيت، ثم خرجنا من ~~مكة. ففعل كفعله الأول والثاني والثالث. فإذا نحن ببيت المقدس. فلما دخل ~~المسجد، قال لي: عليك السلام! أنا على المقام - إن شاء الله - هاهنا. ثم ~~فارقني، فما رأيته بعد ذلك، ولا عرفني PageV00P159 # اسمه. قال إبراهيم: فرجعت إلى بلدي، فجعلت أسير سير الضعفاء منزلا بعد ~~منزل حتى رجعت إلى " بلخ "، فكان ذلك أول أمري. # [إبراهيم بن أدهم والبحر الهائج] قال الشكلي: حدثنا علي بن سعيد، قال: ~~ثنا إبراهيم بن بشار، قال: # ركبنا البحر مع إبراهيم بن أدهم، فبينا نحن نسير بريح طيبة، وكانت مراكب ~~كثيرة، فعصفت ريح شديدة على المراكب فتقطعت، وإبراهيم ملتف في عباءة مستلق. ~~فجاء أهل المركب إليه، فقالوا: # يا هذا! ما ترى ما نحن فيه وأنت مستلق غير مكترث؟ فجلس وهو يقول: لا أفلح ~~من لم يكن استعد لمثل هذا اليوم! ثم حرك شفتيه، وإذا هاتف ينادي من اللجة: ~~تخافون وفيكم إبراهيم بن أدهم؟ أيها الريح والبحر الهائج، اسكنا بإذن الله! ~~فسكن البحر وذهبت الريح حتى صار البحر كأنه دف - يعني لوح خشب. # 65 - [توبة شقيق البلخي] أخبرنا أبو الفتح بن عبد الباقي، قال: ثنا أبو ~~الفضل الحداد، أنا أبو نعيم الحافظ، ثنا أبو بكر محمد بن أحمد البغدادي، ~~ثنا عباس بن أحمد PageV00P160 # الشاشي، ms093 ثنا أبو عقيل الرصافي، ثنا أحمد بن عبد الله الزاهد، قال: قال ~~علي بن محمد بن شقيق: # كان لجدي ثلاثمائة قرية، ولم يكن له يوم مات كفن يكفن فيه، قدمه كله بين ~~يديه، قال: وكان خرج إلى بلاد الترك لتجارة - وهو حدث - إلى قوم يقال لهم: ~~الخلوخية وسلم يعبدون الأصنام. فدخل إلى بيت أصنامهم، وعالمهم قد حلق رأسه ~~ولحيته ولبس ثيابا حمرا أرجوانية، فقال له شقيق: إن هذا الذي أنت فيه باطل، ~~ولهؤلاء ولك ولهذا الخلق خالق صانع ليس كمثله شئ، له الدنيا والآخرة، قادر ~~على كل شئ، رازق كل شئ. فقال له الخادم: ليس يوافق قولك فعلك. فقال له ~~شقيق: كيف ذلك؟ قال: زعمت أن لك خالقا قادرا على كل شئ; وقد تعنيت إلى ~~هاهنا لطلب الرزق، ولو كان كما تقول كان الذي يرزقك هاهنا يرزقك ثم فتربح ~~العناء. # قال شقيق: فكان سبب زهدي كلام التركي. فرجع فتصدق بجميع ما ملك وطلب ~~العلم. PageV00P161 # 66 - [عبد الله بن مرزوق] وروي أبو سعيد بإسناد له أن عبد الله بن مرزوق ~~كان مع المهدي في دنيا واسعة. فشرب ذات يوم على لهو وسماع، فلم يصل الظهر ~~والعصر والمغرب، وفي كل ذلك تنبهه جارية حظية عنده، فلما جاز وقت العشاء ~~جاءت الجارية بجمرة فوضعتها على رجله، فانزعج وقال: # ما هذا؟ قالت: جمرة من نار الدنيا، فكيف تصنع بنار الآخرة؟ فبكى بكاء ~~شديدا، ثم قام إلى الصلاة. # ووقع في نفسه مما قالت الجارية، فلم ير شيئا ينجيه إلا مفارقة ما هو فيه ~~من ماله. فأعتق جواريه وتحلل من معامليه وتصدق بما بقي، حتى صار يبيع ~~البقل، وتبعته على ذلك الجارية. فدخل عليه سفيان بن عيينة وفضيل بن عياض ~~فوجدا تحت رأسه لبنة وليس تحته شئ. فقال له سفيان: إنه لم يدع أحد لله شيئا ~~إلا عوضه الله منه بدلا، فما عوضك مما تركت له؟ قال: الرضى بما أنا فيه. ~~PageV00P162 # 67 - [جعفر بن حرب] وذكر أبو القاسم التنوخي عن أبيه أن جعفر بن حرب كان ms094 ~~يتقلد كبار الأعمال للسلطان. وكانت نعمته تقارب نعمة الوزارة في غاية ~~الوفور، ومنزلته بحالها في الجلالة. فسمع رجلا يقرأ: * (ألم يأن للذين ~~آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق) * [الحديد: 16]. فصاح: ~~اللهم بلى! فكررها دفعات، وبكى. PageV00P163 # ثم نزل عن دابته ونزع ثيابه، ودخل إلى دجلة واستتر بالماء. # ولم يخرج منه حتى فرق جميع ماله في المظالم التي كانت عليه وردها وتصدق ~~بالباقي. فاجتاز رجل فرآه في الماء قائما - وسمع بخبره - فوهب له قميصا ~~ومئزرا، فاستتر بهما وخرج. وانقطع إلى العلم والعبادة حتى مات. # 68 - [توبة هارون الرشيد] أخبرنا محمد، ثنا حمد، قال: أنبأ أحمد بن ~~سليمان بن أحمد، قال: أنبأ سليمان بن أحمد، قال: أنبأ محمد بن زكريا ~~الغلابي، ثنا أبو عمر الجرمي النحوي، ثنا الفضل بن الربيع، قال: # حج أمير المؤمنين هارون الرشيد. فبينا أنا نائم بمكة إذ سمعت قرع الباب، ~~فقلت: من هذا؟ قال: أجب أمير المؤمنين. فخرجت PageV00P164 # مسرعا، فقلت: يا أمير المؤمنين! لو أرسلت إلي لأتيتك. فقال: # ويحك، قد خطر في نفسي شئ، فانظر لي رجلا أسأله. فقلت: # هاهنا سفيان بن عيينة. فقال: امض بنا إليه. فأتيناه، فقرعت الباب، فقال: ~~من ذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين! فخرج مسرعا، فقال: # يا أمير المؤمنين! لو أرسلت إلي لأتيتك. فقال له: خذ لما جئناك له - رحمك ~~الله - فحدثه ساعة، ثم قال له: عليك دين؟ قال: نعم. # قال: اقض دينه. فلما خرجنا، قال: ما أغنى عني صاحبك شيئا، انظر لي رجلا ~~أسأله. فقلت: هاهنا عبد الرزاق بن همام. فقال: # امض بنا إليه. فأتيناه، فقرعت عليه الباب، فقال: من هذا؟ فقلت: # أجب أمير المؤمنين! فخرج مسرعا، فقال: يا أمير المؤمنين! لو أرسلت إلي ~~لأتيتك. قال: خذ لما جئناك له - رحمك الله - فحادثه ساعة، ثم قال: أعليك ~~دين؟ قال: نعم. قال: يا عباسي! اقض دينه. ثم انصرفنا، فقال لي: ما أغنى عني ~~صاحبك شيئا، انظر لي رجلا أسأله. قلت: هاهنا الفضيل بن عياض. فقال: امض بنا ~~إليه. # فأتيناه وإذا هو ms095 قائم يصلي يتلو آية من القرآن يرددها. قال: أقرع الباب! ~~فقرعته. فقال: من هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين! فقال: # ما لي ولأمير المؤمنين؟ فقلت: سبحان الله! أما عليك طاعته؟ فنزل ~~PageV00P165 # ففتح الباب، ثم ارتقى إلى الغرفة فأطفأ السراج، ثم التجأ إلى زاوية من ~~زوايا البيت. فدخلنا فجعلنا نجول عليه بأيدينا، فسبقت كف هارون قبلي إليه. ~~فقال: يا لها من كف ما أنعمها وألينها إن نجت غدا من عذاب الله، فقلت في ~~نفسي: ليكلمنه الليلة بكلام نقي من قلب نقي. فقال له: خذ لما جئناك له - ~~رحمك الله - فقال: إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة دعا سالم بن عبد ~~الله ومحمد بن كعب القرظي ورجاء بن حياة فقال لهم: قد ابتليت بهذا البلاء، ~~فأشيروا علي. فعد الخلافة بلاء، وعددتها أنت وأصحابك نعمة؟! # فقال له سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة من عذاب الله فصم عن الدنيا ~~وليكن إفطارك منها الموت. وقال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة PageV00P166 # من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أبا، وأوسطهم عندك أخا، وأصغرهم ~~عندك ولدا، فوقر أباك، وأكرم أخاك، وتحنن على ولدك. # وقال له رجاء بن حياة إن أردت النجاة من عذاب الله فأحب للمسلمين ما تحب ~~لنفسك، وأكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مت إذا شئت. وإني لأقول لك هذا، وإني ~~لأخاف عليك أشد الخوف في يوم تزل فيه الأقدام! فهل معك - رحمك الله - مثل ~~هؤلاء من يشير عليك أو يأمرك بمثل هذا؟ فبكى هارون بكاء شديدا حتى غشي ~~عليه. # فقلت له. ارفق بأمير المؤمنين. قال: يا ابن أم الربيع! تقتله أنت وأصحابك ~~وأرفق به أنا؟ ثم أفاق، فقال: زدني رحمك الله! فقال: # بلغني يا أمير المؤمنين، أن عاملا لعمر بن عبد العزيز شكي إليه. # قال: فكتب إليه عمر: يا أخي: اذكر طول سهر أهل النار في النار مع خلود ~~الأبد، فإن ذلك يطرد بك إلى باب الرب نائما ويقظان، وإياك أن ينصرف بك من ~~عند الله إلى النار فيكون ms096 آخر العهد ومنقطع الرجاء. قال فلما قرأ الكتاب ~~طوى البلاد حتى قدم على عمر. فقال له: ما أقدمك؟ قال: خلعت قلبي بكتابك، لا ~~وليت لك ولاية حتى ألقى الله. فبكى هارون بكاء شديدا، ثم قال له: زدني - ~~رحمك الله - فقال: يا أمير المؤمنين! إن العباس، عم المصطفى صلى الله عليه ~~وسلم، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: أمرني. فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم " يا عباس: يا عم النبي! نفس تنجيها خير من إمارة لا ~~تحصيها " إن الإمارة حسرة PageV00P167 # وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تتأمرن على أحد فافعل ". قال: ~~PageV00P168 # فبكى هارون بكاء شديدا، ثم قال له: زدني - رحمك الله - قال: يا حسن ~~الوجه! أنت الذي يسألك الله عن هذا الخلق، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من ~~النار فافعل، وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لرعيتك، فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: " من أصبح لهم غاشا لم يرح رائحة الجنة ". # فبكى هارون بكاء شديدا، ثم قال: عليك دين؟ قال: نعم، دين لربي لم يحاسبني ~~عليه، فالويل لي إن ساءلني، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم ألهم ~~حجتي! قال: فقال: إنما أعني من دين العباد. قال: إن ربي لم يأمرني بهذا، إن ~~ربي أمرني أن أصدق وعده وأطيع أمره، فقال: * (وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون. # ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو PageV00P169 # الرزاق ذو القوة المتين) * [الذاريات: 56 - 58] فقال له: هذه ألف دينار، ~~خذها فأنفقها وتقو بها على عبادة ربك. فقال: يا سبحان الله: أنا أدلك على ~~النجاة وأنت تكافيني بمثل هذا؟ - سلمك الله ووفقك - ثم صمت، فلم يكلمنا. ~~فخرجنا من عنده، فلما أن صرنا على الباب، قال لي هارون. # يا عباسي! إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا، هذا سيد المسلمين ~~اليوم. قال غير أبي عمر: فبينا نحن كذلك إذ دخلت عليه امرأة من نسائه، ~~فقالت: يا هذا! قد ترى سوء ما نحن ms097 فيه من ضيق الحال، فلو قبلت هذا المال ~~تفرجنا به؟! قال: مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما ~~كبر نحروه، وأكلوا لحمه. فلما سمع هارون الكلام، قال: نرجع فعسى أن يقبل ~~المال، قال: فدخل. فلما علم فضيل، خرج فجلس على تراب في السطح على باب ~~الغرفة. وجاء هارون فجلس إلى جنبه، فجعل يكلمه فلم يجبه. فبينا نحن كذلك إذ ~~خرجت جارية سوداء: فقالت يا هذا! قد آذيت الشيخ منذ الليلة، فانصرف - رحمك ~~الله - قال: فانصرفنا. # 69 - [توبة ابن هارون الرشيد] قرأت على الشيخ الصالح أبي المكارم المبارك ~~بن محمد بن المعمر البادرائي، أخبركم أبو غالب بن أحمد الباقلاني، وقرئ على ~~أبي القاسم هبة الله بن الحسن بن هلال الدقاق وأنا أسمع، أخبركم أبو طاهر ~~عبد الملك بن أحمد السيوري، قالا: أنبأ أبو القاسم بن بشران، أنبأ أبو بكر ~~PageV00P170 # الآجري، قال: سمعت أبا بكر بن أبي الطيب يقول: بلغنا عن عبد الله بن ~~الفرج العابد، قال: # احتجت إلى صانع يصنع لي شيئا من أمر الروزجاريين، فأتيت السوق فإذا ~~بأواخرهم شاب مصفر، بين يديه زنبيل كبير ومر. # وعليه جبة صوف ومئزر صوف، فقلت له: تعمل؟ قال، نعم. # قلت: بكم؟ قال: بدرهم ودانق. فقلت له: قم حتى تعمل قال: على شريطة. قلت: ~~ما هي؟ قال: إذا كان وقت الظهر فأذن المؤذن خرجت فتطهرت وصليت في المسجد ~~جماعة ثم رجعت فإذا كان وقت العصر فكذلك. فقلت: نعم. فقام معي، فجئنا ~~المنزل، فوافقته على ما ينقله من موضع إلى موضع. فشد وسطه وجعل يعمل ولا ~~يكلمني بشئ حتى أذن المؤذن الظهر. فقال: يا عبد الله قد أذن المؤذن. قلت: ~~شأنك، فخرج فصلى، فلما رجع عمل أيضا عملا جيدا إلى العصر. فلما أذن المؤذن، ~~قال لي: يا عبد الله! قد أذن المؤذن. # قلت: شأنك. فخرج فصلى العصر، ثم رجع. فلم يزل يعمل إلى آخر النهار، فوزنت ~~له أجرته وانصرف. # فلما كان بعد أيام احتجنا إلى عمل. فقالت لي زوجتي: اطلب لنا ذاك ms098 الصانع ~~الشاب، فإنه قد نصحنا في عملنا. فجئت السوق، فلم أره. فسألت عنه، فقالوا: ~~تسأل عن ذاك المصفر المشؤوم الذي لا نراه PageV00P171 # إلا من سبت إلى سبت، لا يجلس إلا وحده في آخر الناس؟ قال: # فانصرفت; فلما كان يوم السبت أتيت السوق فصادفته. فقلت: # تعمل؟ فقال: قد عرفت الأجرة والشرط. قلت: أستخير الله تعالى. # فقام فعمل على النحو الذي كان يعمل. قال: فلما وزنت له الأجرة زدته، فأبى ~~أن يأخذ الزيادة. فألححت عليه، فضجر وتركني ومضى. # فغمني ذلك، فاتبعته وداريته حتى أخذ أجرته فقط. فلما كان بعد مدة احتجنا ~~أيضا إليه. فمضيت في يوم السبت فلم أصادفه. فسألت فقيل لي: هو عليل. وقال ~~لي من يخبر أمره: إنما كان يجئ إلى السوق من سبت إلى سبت يعمل بدرهم ودانق، ~~ويتقوت كل يوم بدانق، وقد مرض، فسألت عن منزله فأتيته وهو في بيت عجوز. ~~فقلت لها: # هنا الشاب الروزجاري؟ فقالت: هو عليل منذ أيام. فدخلت عليه، فوجدته لما ~~به، وتحت رأسه لبنة. فسلمت عليه، وقلت: لك حاجة؟ قال! نعم إن قبلت، قلت: ~~أقبل إن شاء الله. قال: إذا مت فبع هذا المر، واغسل جبتي هذه الصوف وهذا ~~المئزر وكفني بهما، وافتق جيب الجبة فإن فيها خاتما، وانظر يوم يركب هارون ~~الرشيد فقف له في موضع يراك، فكلمه وأره الخاتم; فإنه سيدعو بك، فسلم إليه ~~الخاتم ولا يكون هذا إلا بعد دفني. قلت: نعم. فلما مات فعلت به ما أمرني. ~~ثم نظرت اليوم الذي يركب فيه الرشيد، PageV00P172 # فجلست له على الطريق. فلما مر، ناديته: يا أمير المؤمنين! لك عندي وديعة. ~~ولوحت بالخاتم; فأمر بي، فأخذت وحملت حتى أدخلت إلى داره. ثم دعاني، ونحى ~~جميع من عنده، وقال: من أنت؟ قلت: # عبد الله بن الفرج. فقال: هذا الخاتم من أين لك؟ فحدثته قصة الشاب. فجعل ~~يبكي، حتى رحمته; فلما أنس إلي قلت: يا أمير المؤمنين! من هو منك؟ قال: ~~ابني. قلت: كيف صار إلى هذه الحال: # قال: ولد لي قبل أن أبتلى بالخلافة، ms099 فنشأ نشوءا حسنا وتعلم القرآن ~~والعلم. فلما وليت الخلافة تركني، ولم ينل من دنياي شيئا. فدفعت إلى أمه ~~هذا الخاتم - وهو ياقوت يسوى مالا كثيرا - فدفعته إليها، وقلت: تدفعين هذا ~~إليه - وكان برأ بأمه - وتسألينه أن يكون معه، فلعله أن يحتاج إليه يوما من ~~الأيام فينتفع به. وتوفيت أمه; فما عرفت له خبرا إلا ما أخبرتني به أنت. ثم ~~قال: إذا كان الليل اخرج معي إلى قبره. فلما كان الليل خرج وحده معي يمشي ~~حتى أتينا قبره، فجلس إليه، فبكى بكاء شديدا. فلما طلع الفجر قمنا فرجع. ثم ~~قال: تعاهدني في الأيام حتى أزور قبره، فكنت أتعاهده في الليل، فنخرج حتى ~~نزوره، ثم نرجع. قال عبد الله بن الفرج: ولم أعلم أنه ابن الرشيد حتى ~~أخبرني الرشيد أنه ابنه - أو كما قال ابن أبي الطيب. PageV00P173 # 70 - [توبة المأمون] وذكر إبراهيم بن الجنيد في كتاب " زهد الملوك " ~~بإسناده عن صالح بن عبد العزيز قال: أخبرني عمي عبد الحميد بن محمد: # أن المأمون كان يجد بابنه علي وجدا شديدا، ويقدمه على جميع أولاده. وكان ~~من أحسن الناس وأجملهم مع أدب وفصاحة. قال عبد الحميد: وكنت إذا دخلت الدار ~~أميل إليه فأسلم عليه; فأرى معه حياء وبشاشة ولا أرى فيه كبرا ولا عزا، ~~يضاحك خدمه ويلاطف جلساءه; ثم أسخى من رأت عيناي وأحسنه خلقا وأطيبه نفسا. # وكنت إذا رأيته لا أكاد أصرف وجهي عنه من حسنه وجماله. # وكان سبب تزهده فيما أخبرني به شاكر مولاه، قال. كان في يوم صائف شديد ~~الحر له سموم في قبة الجيش; فأتاه يمن الخادم، فقال: # يا سيدي! أمير المؤمنين يدعوك، قد دعا بطعامه وهو ينتظرك. قال: # ويحك! الحر شديد ويؤذيني، وأكره الخروج، فارجع فأعلمه أنك PageV00P174 # وجدتني نائما. فمضى، فلم يكن بأسرع من أن رجع، فقال: قد قال: # ادخل عليه ونبهه. وكان لا يصبر عنه ساعة. فقام وهو كاره، فحضر الطعام. ثم ~~قعد أمير المؤمنين للشراب مع ندمائه. فقام علي وخرج من المجلس; وكان لا ~~يشرب شيئا من ms100 الأنبذة. فانصرف إلى قصره، وأمر أن يفرش له في بعض مستشرفه ~~على دجلة، وألقى فيه الماء والثلج والخلاف، وقعد على سرير عليه غلالة ينظر ~~إلى الناس وإلى دجلة. ودعا بقيانه وندمائه. فبينا هو كذلك، إذ نظر إلى حمال ~~قد أقبل عند الزوال، عليه دراعة صوف بيضاء بالية بلا قميص تحتها ولا سراويل ~~عليه; وقد شد على رجليه خرقا من الحر ولبس نعلين متخرقين، وعلى رأسه خرقة، ~~وعلى عنقه كرزنه وطبقه، فأتى دجلة وقعد في بعض السفن، والأمير ينظر إليه ~~مستشرف عليه لا يصرف بصره عنه. فوضع طبقه وكرزنه، وخلع نعليه، وألقى الخرق ~~عن رجليه، ودنا من دجلة وغسل يديه ورجليه; وانصرف إلى موضعه فأخرج جرابا له ~~ففتحه وأخرج منه كسرا يابسة مختلفة الألوان وأخرج منه قصعة خشب فغسل قصعته ~~وجعل فيها ماء وألقى تلك الكسر في الماء الذي في القصعة، ثم أخرج صرة ~~ففتحها وأخرج منها ملحا فنثره على الخبز وقليل سعتر وتركها مقدار ما بل ~~الكسر. ثم تربع على الرمل وسمى الله تبارك وتعالى وأكل أكل رجل يشتهي ~~الطعام، وهو مع ذلك يشكر الله تعالى; والأمير عيناه اليه. # حتى فرغ وغسل القصعة فردها إلى جرابه مع كسيرات بقيت، وشد PageV00P175 # خرقة الملح. ودنا من الشط فاغترف بكفيه من الماء، وقال: # يا سيدي ومولاي! لك الحمد على هذه النعمة التي تفضلت بها علي، فلك الحمد ~~على أياديك عندي، فلك الحمد ولك الشكر. # ثم وضع رأسه على كرزنه وتمدد على الرمل ساعة. ثم قام فتهيأ للصلاة وقام ~~يصلي للزوال. فقال الأمير للغلمان الوقوف عنده: ليذهب بعضكم إلى الرجل ~~القائم المصلي فيأتيني به مع طبقه وكرزنه، ولا يرعبه، وعليه باللطف حتى ~~يأتيني به. فمضى بعض الغلمان فأتاه فأقام عنده حتى سلم، ثم قال له: قم معي ~~حتى تحمل لي متاعا من قصر الأمير. فقال: اطلب غيري فإني متعوب البدن. قال: ~~الموضع قريب والحمل خفيف. قال: # يا حبيبي! قد عرفت ذلك وأنت تصيب غيري، فاعفني فإني أكره دخول الدار. ~~قال: لا بد منه، فإن ms101 قمت وإلا أقمت. وغلظ له في الكلام. فقام الرجل وألقى ~~كرزنه في عنقه وحمل الطبق، وقرأ: # * (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم) * [البقرة: 216] * (فعسى أن تكرهوا ~~شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) * [النساء: 19] فأدخله الغلام القصر، ثم ~~أصعده حتى أوقفه بين يدي الأمير على هيئته، فأمره بالقعود. فقال له ~~الندماء: أيها الأمير! من هذا حتى تأمره بالقعود مع وسخه ونجاسته؟ قال ~~اسكتوا! ثم قال: # من أهلها أنت؟ قال: نعم. قال: ما صناعتك؟ قال: ما ترى، الحمل. # قال: وكم عيالك؟ قال: نحن عيال الله، لي والدة عجوز مقعدة، وأخت عمياء ~~زمنة. قال: فأهل وولد؟ قال: مالي أهل ولا ولد. PageV00P176 # قال: فكم يكون الكسب؟ قال: على قدر ما أرزق، إلا أنه لا ينصرم يوم إلا ~~ونحن في كفاية من فضل الله تعالى. قال: فتطيق الحمل كل يوم؟ # قال: إذا صليت الفجر خرجت فتعرضت للرزق إلى وقت الزوال، ثم أتفرغ لنفسي ~~إلى فراغي من صلاة العصر، وأجم نفسي من العصر إلى الليل. قال: أفليس تكون ~~بالليل جماما؟ قال: إن أجممت نفسي بالليل تركني فقيرا يوم القيامة. ففطن ~~لها علي، فقال: إني رأيتك تأكل وحدك، كيف لا تأكل مع والدتك وأختك؟ قال: ~~إنهما يصومان فأجعل عشائي مع فطرهما. قال: أخرج الكسر. ففتح جرابه فأخرج ~~منه كسرا يابسة، أسود وأحمر وأبيض. فنظر إليها الأمير ساعة يتأملها متفكرا، ~~ثم قال: يا شاكر! إيتني بخمسة آلاف درهم صحاح فأدفعها إليه ليصلح بها حاله. ~~قال: أيها الأمير! أنا غني عنها، لا حاجة لي فيها. فجهد به على أن يأخذها، ~~فأبى. # قال الأمير: فلي إليك حاجة. قال: ما حاجة مثلك إلى مثلي؟ قال: # هي حاجة مهمة. فأخذ بيده فأدخله بعض غرفه وخلا معه، وقال: # يا هذا! قد عرفت حالي وقصتي وموضعي وما أنا فيه من هذا الملك نعيم الدنيا ~~ولذاتها، فادع الله تبارك وتعالى أن يزهدني في الدنيا ويرغبني في الآخرة. ~~فقال له الحمال: يا حبيبي! مالي عند الله من المنزلة ما أدعوه، إلا أن بعض ~~الحكماء يقول: ms102 من خاف شيئا أدلج; افرض على نفسك كل يوم وساعة شيئا معلوما ~~من خصال الخير; فإنك إذا فعلت لك جاءتك العزيمة بالعون من الله تعالى على ~~ذلك; ولا تؤخر عمل PageV00P177 # يومك لغد; ولا تكلف نفسك ما لا طاقة لها به; وأكثر ذكر الموت، فإن ذكره ~~يكثر القليل ويقلل الكثير; وعليك بتقوى الله تعالى وطاعته واجتناب معاصيه. ~~ثم رفع يديه وطأطأ رأسه ودمعت عيناه، وقال: يا من رفع السماء بقوته، ودحا ~~الأرض بمشيئته، وخلق الخلائق بإرادته، واستوى على العرش بقدرته. يا مالك ~~الملك، وجبار الجبابرة، وإله العالمين، ومالك يوم الدين! أسألك برحمتك ~~وجودك وقدرتك أن تخرج حب الدنيا من قلب عبدك عبد الله علي، وتوفقه لطاعتك ~~من الأعمال التي تقر به إلى مرضاتك وتجنبه معاصيك وتختم لنا وله برضوانك ~~أنه وعفوك، يا أرحم الراحمين! قال: فدمعت عينا علي وبكى فأكثر. ثم قال ~~للحمال: لو قبلت منا شيئا! قال: لا أريده، وحاجتي أن تعجل سراحي. فأمره ~~بالخروج، فخرج الحمال; وانصرف الأمير إلى موضعه وهو متفكر قد ذهب نشاطه. ثم ~~التفت إلى ندمائه، فقال: يا قوم! لو شهدتم طعام أمير المؤمنين ورأيتم ما ~~يرفع ويوضع من صنوف الأطعمة. ثم جعل يصف ذلك الطعام، ثم قال: لو رأيتم ~~الطعام الذي يخبز قد تنوق في بياضه وجودته وطحنه، ثم ينخل بالشعر ثم ينخل ~~بالكرابيس ثم ينخل بالحرير حتى يبقى مخه فقط توقد ناره بالقصب، فإذا سكن ~~وهجه وهو بخر التنور بالعود القماري وخبز بصنوف الطعام; - ثم وصف ما يتخذ ~~له من صنوف الألوان من الحار والبارد والرطب واليابس والحلو وغير ذلك - ~~وهذا الحمال طعامه ما قد رأيتم ومائدته طبق من سعف النخل. ثم طأطأ ~~PageV00P178 # رأسه وجعل ينكت بأصبعه على الحصير ساعة. ثم قال: يا غلام! # إئت منيبا خازن الكتب فمره يخرج لي سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ~~فأتاه به، فجعل ينظر فيه، فقال: اسمعوا ما كان طعام أمير المؤمنين عمر بن ~~الخطاب: عراق لحم الإبل مطبوخ بماء وملح، وأقراص من شعير غير منخول. ms103 فقيل ~~له: يا أمير المؤمنين! لو أكلت غير هذا الطعام فقد وسع الله على المسلمين! ~~فقال: هاه! إن الله تبارك وتعالى عير قوما بأكلهم بقوله: * (أذهبتم طيباتكم ~~في حياتكم الدنيا) * [الأحقاف: 20]. فجعل يصف لهم سيرة عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه وتدمع عيناه. فلما فرغ قال: يا غلام! قل لمنيب يخرج لي سيرة عمر ~~بن عبد العزيز. فأخرج إليه، فجعل ينظر فيه ويصف لندمائه. ثم قال: أبعد الله ~~بطنا يعقب صاحبه ندما يوم الحسرة في عرصة القيامة; هذا عبد الله بن عمر، ~~زين أبناء الصحابة، اشتهى عنبا فلم يذقه; هذا سعيد بن المسيب زين التابعين ~~يقول: ليت أن الله جعل رزقي في مص حصاة، فقد استحييت من كثرة الاختلاف إلى ~~الحش; هذا الربيع بن خيثم اشتهى خبيصا; فلم يذقه هذا مالك بن دينار، هذا ~~فلان، هذا فلان. فجعل يذكر وتدمع عيناه، ثم قال: ترى القوم لم يشتهوا طيب ~~الطعام؟! ولكنهم زهدوا عن الفاني للباقي، وباعوا القليل بالكثير، وصبروا في ~~دنياهم فنالوا الذي طلبوا; خرجوا من الدنيا PageV00P179 # خماصا جياعا حفاة عراة، فلم تأكل الأرض منهم شحما ولا لحما، بليت الجلود ~~على العظام والعروق. ثم أخرج ساعدا كأنه قضيب فضة مستديرة شحما ولحما، ~~فقال: إن هذا الساعد مع هذا البدن ربي بالأطعمة والأشربة التي وصفت لكم من ~~الطعام والشراب ليبلى في التراب كما يبلى ساعد الحمال. ثم أرسل عينيه فبكى ~~فأكثر البكاء ونحن قيام على رأسه. ثم قال: يا غلام! ارفع هذه الآلة قبحها ~~الله فما أموتها للقلوب وأضرها وأذلها. فرفعت وصرف الندماء والخدم والغلمان ~~وبقي وحده متفكرا لا يأذن لأحد عليه; حتى إذا مضى بعض الليل، ناداني: يا ~~شاكر! قلت: لبيك أيها الأمير! قال: دونك الخزائن فاحفظها مع جميع ما في ~~الدار، فإني منطلق إلى سيدي، وأنا أظن أنه يعني بسيده أباه. فخرج علي وعليه ~~إزار قد أخذه على رأسه، ونعل طاق قد وضعها في رجله، وقال: لا يتبعني منكم ~~أحد بشمع. فخرج ومعه غلام صغير، وتخلف عنه الخدم والغلمان. فلما ms104 أصبحنا ~~افتقدنا الغلام إلى ارتفاع النهار. فجاء الغلام فسألته عنه، فقال: لم يدخل ~~دار أمير المؤمنين ولكنه أخذ نحو الدجلة، وقال لي: قف موضعك هذا، لا تبرح. ~~فلا أدري أين ذهب، إلا أنه دنا من ملاح فناوله دنانير، وقال: # لي حاجة مهمة ب‍ " واسط " فتعجل بي، وهو لا يعرفه، فأدخله الزورق ومضى به ~~إلى " واسط ". ثم لم يقم ب‍ " واسط " حتى خرج إلى " البصرة " وتنكر ولبس ~~الخشن على ذلك الجلد النقي; واشترى طبقا كهيئة ما رأى من زي الحمال، وجعل ~~الطبق على عاتقه، يعمل على مقدار قوته; PageV00P180 # يحمل على رأسه بالقطع والكسر، لا يرد ما أعطى; بالنهار صائم يحمل على ~~رأسه، وبالليل قائم يصلي، يمشي حافيا حتى تقطعت رجلاه، يبيت في المساجد ~~يتخللها كي لا يفطن به. فلم يزل كذلك يعمل ويعبد ربه سنين. وأمير المؤمنين ~~لما وقف على أمره كتب في جميع الآفاق إلى العمال في كل بلدة أن يطلب وتوضع ~~عليه العيون; فلم يوقف على أمره. قال: فمرض في بعض المساجد وتغيرت حاله. ~~فلما اشتدت به العلة دخل بعض الخانات بالبصرة فاكترى غرفة وألقى نفسه على ~~بارية. فلما أيس من نفسه دعا صاحب الخان فناوله خاتمه ورقعة مختومة فقال: ~~يا هذا! إذا أنا قضيت نحبي فاخرج إلى صاحبكم - يعني الوالي - فأره خاتمي ~~وعرفه موضعي وناوله هذه الرقعة. فمات رحمه الله، فلما قضى سجاه وخرج نحو ~~باب الأمير، فنادى: النصيحة، فأدخل، فأراه الخاتم فلما نظر إليه الوالي ~~عرفه، وقال: ويحك، أين صاحب الخاتم؟ قال: في الغرفة في الخان ميت. وناوله ~~الرقعة مختومة مكتوبا عليها: لا يفكها إلا المأمون أمير المؤمنين. فركب ~~الأمير حتى أتى الخان، وحوله إلى قصره وطلى عليه الكافور والمسك والعنبر ~~ولفه في قباطي مصر وحمله في الماء إلى المأمون. وكتب إليه يعرفه قصته وأنه ~~وجده في غرفة على بارية في بعض الخانات، ما تحته مهاد، ولا عنده باكية، ~~مسجى مغمض العينين مستنير الوجه طيب الرائحة. # قال: وبعث إليه خاتمه ورقعته. فلما وصل كتابه إلى أمير المؤمنين، ms105 وأدخل ~~[علي] عليه قام فكشف عن وجهه وانكب عليه يقبله ويبكي. PageV00P181 # ووقعت الصيحة والضجيج في الدار. ثم فك الرقعة فإذا فيها مكتوب بخطه: يا ~~أمير المؤمنين! اقرأ سورة الفجر إلى رابع عشرة آية فاعتبر بها، واعلم أن ~~الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، ثم أمر المأمون فغسل وكفن وأخرج ~~ليدفن; والمأمون يمشي حتى صلى عليه. فلما وضع في حفرته أمر الخدم، فقال: ~~اخرجوا من القبر. ثم اطلع في القبر، فقال: يا بني! رحمك الله وأعطاك أمنيتك ~~ورجاءك; إذا إني لأرجو أن يكون الله تعالى قد أسعدك ونفعني بك; فنعم الولد ~~كنت; جمع الله بينك وبين ابن عمي المصطفى صلى الله عليه وسلم، ورزقني الصبر ~~عليك. ثم قال: سوؤا عليه. فدخل الخدم فأطبقوا عليه ألواحه. ثم قال: أهيلوا ~~عليه التراب. وهو واقف يصيبه الغبا والخدم قيام معهم المناديل يردون عنه ~~الغبار. فقال: # إليكم عني! يبلى علي في التراب وتردون عني الغبار؟! ثم قال: اللهم! # ثبته بالقول الثابت، وأشهدك أني راض عنه يا أرحم الراحمين! # والرقعة في يده لا يضعها. فدعا محمد بن سعد الترمذي فأمره أن يقرأ سورة ~~(الفجر). فجعل يقرأ والمأمون يبكي حتى بلغ (إن ربك لبالمرصاد) [الفجر: 14]، ~~فأمسك. # فتصدق عنه بألف ألف درهم، وأمر بعرض السجون وأطلق عنهم، وكتب إلى العمال ~~بإنصاف الرعية ورد المظالم، ونزع عن أمور كثيرة. وبقي بعده لا يذكر إلا ~~بكى، وهو مكروب لا يرتاح للذة ولا لشهوة. وينتاب مجلسه الفقهاء يبصرونه ~~ويعظونه. فما زالت هذه حاله حتى مات رحمه الله. PageV00P182 # 71 - [توبة موسى بن محمد بن سليمان الهاشمي] قال عبد الحميد بن محمد: ~~وسمعت محمد بن السماك يقول: إن موسى ابن سليمان الهاشمي كان من أنعم بني ~~أبيه عيشا وأرخاه بالا، يعطي نفسه شهوتها من صنوف اللذات في المأكل والمشرب ~~والملبس والطيب والجواري والغلمان. ليست له فكرة ولا همة إلا فيما هو من ~~عيشه ولذته. وكان شابا جميلا، وجهه كاستدارة القمر في صفاء مع بياض وملاحة ~~مشربا حمرة، شديد سواد الشعر، جعدا، أقنى ms106 الأنف، أكحل العينين، أدعج مثل ~~عين الظبية، يسحر بعينيه الناظر إليه، طويل الأشفار، مقرون الحاجبين كأنما ~~خطا بالقلم، صغير الفم، رقيق الشفتين، أبلج الثنايا، مفلج الأسنان، فصيح ~~اللسان، حلو الكلام، خافض الصوت. وكانت نعمة الله عليه سابغة، يستغل من ~~ضياعه وعقاره ومما أقطعه من الضياع ويجري PageV00P183 # عليه من الرزق كل حول نحوا من ثلاثة آلاف ألف وثلاثمائة ألف، يصرف هذا ~~كله فيما هو فيه من النعيم. وقد أعجبته نفسه وشبابه ودنياه المواتية له في ~~جميع ما يشتهي. # وكان له مستشرف عال يقعد فيه العشيات يشرف على الناس، له أبواب مشرعة إلى ~~الجادة، وأبواب مشرعة إلى بساتينه، قد ضرب فيه قبة عاج مخروطة من أنياب ~~الفيل مضببة بالفضة قد طلي بالذهب، وغشي القبة بالديباج الأخضر، وحشاه ~~بالخز المندوف، وعلق من القبة سلسلة ذهب منظومة بالجواهر واللؤلؤ، تضئ ~~القبة من الياقوت الأحمر، والزبرجد الأخضر، والعقيق الأصفر، كل حبة ~~كالجوزة، وعلق على الأبواب المشرعة الستور المضربة الموشاة المنسوجة ~~بالذهب، ووضع حول القبة ثلاثين شمعة، في ثلاثين طستا من فضة، وزن كل طست ~~ألف درهم، على كل خمس طسوت غلام قائم بيده مقطعة من ذهب من مائة مثقال، ~~عليهم من أنواع الثياب والمناطق المرصعة بالجواهر، وعلق على كل باب خارج من ~~الشباكات قناديل بسلاسل الفضة، وجعل دهنها الزئبق الخالص. وهو على سرير ~~عليه غلالة قصب معلم منسوج، وعلى رأسه عمامة مكللة باللآلئ، ومعه في القبة ~~ندماؤه وإخوانه. والمجامر منصوبة لا ترفع على البخور، وقد وقف على رأسه ~~PageV00P184 # الخدم بأيديهم المراوح والمذاب، والقينات بحذائه في مجلس خارج من القبة ~~يراهن. فإذا نظر عن يمينه رأى نديما قد اصطفاه وأنس بمادثته، وإن نظر عن ~~يساره رأى أخا وصفيا قد واده واجتباه، وإن رفع طرفه نظر إلى خدم قيام قد ~~اختارهم، وإن رمى بطرفه إلى حواشيه رأى مطربيه وقيانه كلهم يفدونه، أسماعهم ~~مصغية إليه، وأعينهم قبله لا يشتغلون بغيره. فإن تكلم سكتوا، وإن قام ~~قاموا. إذا اشتهى سماع القيان نظر نحو الستارة، وإن أراد سكوتهم أومأ بيده ms107 ~~إلى الستارة فأمسكوا، قد عرفوا ذلك منه. # هذا دأبه إلى أن يذهب الليل ويذهب عقله، فيخرج الندماء ويخلوا مع ~~الوصفاء. فإذا أصبح اشتغل بالنظر إلى اللعابين بين يديه بالشطرنج والنرد. ~~لا يذكر بين يديه موت ولا سقم ولا مرض، ولا شئ فيه ذكر الغم إلا ذكر الفرح ~~والسرور والنوادر التي يضحك منها. ويطرف كل يوم بأنواع الطيب والشمامات ثنا ~~ما يكون في أوانه، حتى مضت له سبع وعشرون سنة. # فبينا هو ذات يوم في قبته، وقد مضى بعض الليل، إذ سمع نغمة من حلق ندي ~~شجي خلاف ما يسمع من مطربيه; فأخذت بمجامع بقلبه ولها عما كان فيه. فأومأ ~~إليهم أن أمسكوا، وأخرج رأسه من بعض تلك الشباكات المشرعة إلى الجادة يتسمع ~~الذي وقع بقلبه; فإذا النغمة ربما سمعها، وربما خفيت. فصاح بغلمانه: اطلبوا ~~صاحب هذا الصوت! PageV00P185 # وكان قد عمل فيه الشراب. فخرج الغلمان يطوفون; فإذا هم بشاب نحيل الجسم، ~~دقيق العنق، مصفر اللون، ذابل الشفتين، شعث الرأس، قد لصق بطنه بظهره، عليه ~~طمران ما يتوارى بغيرهما، حافي القدمين، قائم في بعض المساجد يناجي ربه ~~تعالى. فأخرجوه من المسجد وانطلقوا به لا يكلمونه، حتى أوقفوه بين يديه. ~~فنظر إليه فقال: من هذا؟ قالوا: صاحب النغمة التي سمعت. قال: أين أصبتموه؟ # قالوا: في المسجد قائما يصلي ويقرأ. فقال: أيها الشاب! ما كنت تقرأ؟ قال: ~~كلام الله. قال: فأسمعني بتلك النغمة. فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ~~* (إن الأبرار لفي نعيم) * إلى قوله: # * (يشرب بها المقربون) * [المطففين: 22 - 28]; أيها المغرور! # إنها خلاف مجلسك ومستشرفك به وفرشك; إنها أرائك مفروشة بفرش مرفوعة * ~~(بطائنها من إستبرق) * [الرحمن: 54]، * (على رفرف خضر وعبقري حسان) * ~~[الرحمن: 76] يشرف ولي الله منها على عينين تجريان في جنتين * (فيهما من كل ~~فاكهة زوجان) * [الرحمن: 52] * (لا مقطوعة ولا ممنوعة) * الواقعة: 33] * ~~(في عيشة راضية) * [الحاقة: 21] * (في جنة عالية) * إلى قوله: # * (وزرابي مبثوثة) * [الغاشية: 10 - 16] * (في ظلال وعيون) * [المرسلات: ~~41] * (أكلها دائم وظلها تلك عقبي PageV00P186 # الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار) * [الرعد: 35]. لا يفتر عنهم ms108 وهم فيه ~~مبلسون) * [الزخرف: 74]، * (في ضلال وسعر. يوم يسحبون في النار على وجوههم ~~ذوقوا مس سقر) * [القمر: 47 - 48] * (يود المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ ~~ببنيه) * إلى قوله: * (وجمع فأوعى) * [المعارج: 11 - 18] في جهد جهيد وعذاب ~~شديد ومقت من رب العالمين * (وما هم منها بمخرجين) * [الحجر: 48]. # فقام الهاشمي من مجلسه وعانق الشاب وبكى; وصاح بندمائه: # انصرفوا عني. وخرج إلى صحن داره. وقعد على حصير مع الشاب ينوح ويبكي على ~~شبابه ويندب نفسه، والشاب يعظه، إلى أن أصبح وقد عاهد الله أن لا يعود إلى ~~معصية أبدا. فلما أصبح أظهر توبته ولزم المسجد والعبادة. وأمر بالذهب ~~والفضة والجواهر والملابس فبيعت كلها وتصدق بها، وقطع الإجراء عن نفسه ورد ~~الضياع المقطعة، وباع ضياعه وعبيده وجواريه، وأعتق من اختار العتق وتصدق به ~~كله. ولبس الصوف الخشن وأكل الشعير. وكان يحيى الليل، ويصوم النهار، حتى ~~كان ينتابه الصالحون والأخيار ويقولون له: ارفق بنفسك فإن المولى كريم، ~~يشكر اليسير، ويثيب على الكثير. فيقول: يا قوم! أنا أعرف بنفسي، إن جرمي ~~عظيم، عصيت مولاي بالليل والنهار. ويبكي ويكثر البكاء. ثم خرج حاجا ~~PageV00P187 # على قدميه حافيا ما عليه إلا خيشة، وما معه إلا ركوة وجراب، حتى قدم مكة ~~وقضى حجه وأقام بها. وكان يدخل الحجر بالليل ينوح على نفسه ويقول: سيدي! لم ~~أراقبك ثم في خلواتي; سيدي! # ذهبت شهواتي وبقيت تبعاتي; فالويل لي يوم ألقاك، والويل كل الويل من ~~صحيفتي إذا نشرت مملوءة من فضائحي وخطاياي; بل حل بي الويل من مقتك إياي ~~وتوبيخك لم لي في إحسانك إلي ومقابلة نعمتك بالمعاصي; وأنت مطلع على ~~أفعالي; سيدي! إلى من أهرب إلا إليك، وإلى من التجئ إلا إليك؟ سيدي! إني لا ~~أستأهل أن أسألك الجنة، بل أسألك بجودك وكرمك وتفضلك أن تغفر لي وترحمني، ~~فإنك أهل التقوى وأهل المغفرة. # قال محمد بن السماك: فبينا أنا ذات ليلة في الطواف إذ سمعت نغمته ونوحه ~~وبكاءه، فحركني وأقلقني. فقطعت الطواف ودخلت الحجر، وأنا لا أثبته، فقلت ~~له: حبيبي! من أنت؟ ms109 فإني أراك صغير السن، قريح القلب، مكروبا مغموما، حزين ~~النوح، كثير الدموع; فما القصة؟ فإني حامل الخطيئة مع شيبتي، صاحب ذنوب. ~~فنظر إلي فعرفني; فقال: ألست الواعظ لي وأنا منهمك في ضلالتي، سكران في ~~حيرتي، لا أقبل عليك بوجهي؟ أنا موسى بن محمد بن سليمان بن علي الذي رأيتني ~~بالبصرة. قال: فأصابتني من قوله دهشة; فدنوت منه PageV00P188 # فعانقته وقبلت بين عينيه، وقلت: بأبي أنت أبو القاسم! ما القصة؟ # فأخبرني قال: استر أمري فلا أحب - رحمك الله - أن أعرف وأعلم; إن المولى ~~المنعم المتفضل المحسن أنبهني من غفلتي وبصرني بعيب نفسي، فتركت جميع ما ~~كنت فيه مما رأيت، وأقبلت إلى ربي; فهل تراه يقبلني؟ فإني خائف أن يكون قد ~~صرف وجهه عني، قال: فأبكاني كلامه، وقلت: حبيبي! أبشر فقد بلغني أنه ما من ~~شئ أحب إلى الله تبارك وتعالى من شاب تائب. فلما أن سمعها أراد أن يضبط ~~نفسه من البكاء، وخاف أن يجتمعوا عليه إذا سمعوا بكاءه. فقام وهو يقول: # أيها الطبيب! اتبعني. فتبعته حتى خرج من باب الحناطين وهو يمشي ويلتفت ~~إلي، وقد أمسك على بطنه، حتى انتهى إلى باب. ثم دخل وأدخلني معه وأصعدني ~~غرفة وقعد، وقال: ما زلت متشوقا إلى لقائك لتداوي قرحي بمرهم كلامك. فقلت ~~له: يا أبا القاسم! قد أسعدك بلطفه إله العالمين فأنبهك من رقدة الغافلين; ~~فأشكره على توفيقه إياك وكن من الشاكرين، وبما أنعم عليك فكن من الحامدين، ~~فإن الله تعالى معوضك ذلك برحمته أفضل مما تركت له من مخافته. أبا القاسم! ~~اجعل الموت نصب عينيك، واعلم أن بين يديك عقبة عليها المسلك غدا لا يقطعها ~~إلا الورعون عن محارم الله تعالى، وقناطر لا يجوزها إلا المخفون من ~~المظالم، يتردى منها في نار * (أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء ~~كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت PageV00P189 # مرتفقا) * [الكهف: 29]. فكن على عدة، وأعد الجواب فإنك قادم لا محالة. ~~وعلى من القدوم؟ على أحكم الحاكمين، والعدل الذي لا يجوز، وديان يوم الدين، ~~يوم لا ينفع ms110 مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وهو منصت يسمع; ثم ~~أطرق شبه المفكر، فتوهمت أنه لا يعلم ما أقول، فقمت من عنده وخرجت. فلما ~~أصبحت تصرفت في حوائجي. فلما دخل وقت الظهر وأنا في الطواف وإذا الناس ~~يتعادون نحو باب الصفا. قلت: ما الخبر؟ قالوا: جنازة غريب. فخرجت وصليت ~~عليه. وضرب على قلبي، فصرت من فوري إلى تلك الدار، فسألت عنه: فقالوا: آجرك ~~الله! ألم تشهد جنازته؟ قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون! سبحان الفعال لما ~~يريد! # قالوا: ألست صاحبه البارحة؟ قلت: نعم. قالوا: إنك لما خرجت لم يزل يقول: ~~فؤادي! فؤادي! ذنبي! ذنبي!، إلى أن مضى عامة الليل وهو يبكي، ثم سكن; فلما ~~أصبح أنبهناه للصلاة فإذا هو قد فارق الدنيا، لم يشهد خروج روحه أحد ولم ~~يغمض. قلت لهم: عرفتموه؟ # قالوا: لا، كان غريبا من الحاج نزل عندنا، ما رأينا ولا سمعنا بمثله; ~~ليله قائم يصلي وينوح على نفسه كأن ذنوب العباد هو المطالب بها، لا يوقف ~~على كسبه ومطعمه، ولا يقبل بر أحد. قلت: كم له منذ نزل عندكم؟ قالوا: ~~حجتين. قلت: معرفة الله خير من معرفتكم إياه. PageV00P190 # 72 - [توبة جعفر البرمكي] قال عبد الحميد: كنت في مجلس جعفر بن يحيى بن ~~خالد بن برمك أعرض عليه متاع مصر، وهو في قبة من عاج مركب قد غشاها بملحم، ~~إذ دخل عليه محمد بن السماك، فقال: أسمعني بعض كلامك - يرحمك الله - فقال: ~~يا أبا الفضل! لا أحدثك عن الماضيين ولا عن الملوك السابقة ولا الأكاسرة، ~~ولكن أخبرك بما شهدت وعاينت منذ أعوام من ابن عم لأمير المؤمنين موسى بن ~~محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس، وحدثه في هذا الحديث. فرأيت ~~جعفرا جعل يبكي ويكثر البكاء، ويقول: هذا كله من توفيق الله تعالى إياه ~~وسعادته له. اللهم فكما أسعدته بطاعتك ووفقته لرضاك وعصمته حتى نال ذلك كله ~~بإرادتك، وفقنا للعمل الصالح برحمتك، واختم لنا بعفوك ومغفرتك يا أرحم ~~الراحمين! ثم إنه في ms111 مجلسه ذلك تصدق بمائة ألف على أهل الحاجة والمسكنة. ~~فما لبث بعد ذلك إلا القليل حتى غضب عليه هارون أمير المؤمنين وأمر بقتله ~~وأن يجعل أرباعا PageV00P191 # ويصلب. ففعل به ذلك. فكان يرجى لجعفر ذلك الدعاء لعل الله تعالى استجاب ~~له; لأنه مثل به. وكان كثير الصنائع المحمودة، معطيا للمال، قاضيا للحوائج، ~~حسن العشرة، عارفا بحق الإخوان رحمه الله. # 73 - [توبة جارية من بنات الكبار على يد أبي شعيب البراثي] أخبرنا أبو ~~الفتح محمد، أنبأ أبو الفضل المقرئ، أنبأ أبو نعيم، أخبرني جعفر بن محمد بن ~~نصير في كتابه قال: سمعت الجنيد بن محمد يقول: # كان أبو شعيب البراثي أول من سكن براثى في كوخ يتعبد فيه. # فمرت بكوخه جارية من بنات الكبار كانت ربيت في قصور الملوك. PageV00P192 # فنظرت إلى أبي شعيب فاستحسنت حاله وما كان عليه، فصارت كالأسير له، فعزمت ~~على التجرد من الدنيا والاتصال بأبي شعيب، فجاءت إليه، وقالت: أريد أن أكون ~~لك خادمة. فقال لها: إن أردت ذلك فغيري من هيئتك وتجردي عما أنت فيه حتى ~~تصلحي لما أردت. فتجردت عن كل ما تملكه ولبست ثياب النساك وحضرته، فتزوجها، ~~فلما دخلت الكوخ رأت قطعة خصاف في مجلس أبي شعيب تقيه الندى. فقالت: ما أنا ~~بمقيمة فيها حتى تخرج ما تحتك، لأني سمعتك تقول: إن الأرض تقول: يا ابن ~~آدم! تجعل اليوم بيني وبينك حجابا وأنت غدا في بطني؟ فما كنت لأجعل بيني ~~وبينها حجابا. # فأخذ أبو شعيب الخصاف فرمى بها. فمكثت معه سنين كثيرة تتعبد أحسن عبادة، ~~وتوفيا على ذلك متعاونين. PageV00P193 # 74 - [توبة الواثق بالله وابنه المهتدي بالله] أخبرنا الشيخ الإمام ~~العالم أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي قال: أخبرنا أبو منصور عبد ~~الرحمن بن محمد القزاز، وأبو السعود أحمد ابن علي بن المجلي قالا: أنا أحمد ~~بن علي بن ثابت، أنا محمد بن أحمد بن رزق، أنا أحمد بن سندي الحداد قال: ~~قرئ على أحمد بن المنيع وأنا أسمع قيل له: أخبركم صالح بن علي ms112 بن يعقوب ~~الهاشمي قال: # حضرت المهتدي بالله أمير المؤمنين وجلس للنظر في أمور المظلومين في دار ~~العامة. فنظرت إلى قصص الناس تقرأ عليه من أولها إلى آخرها; فيأمر بالتوقيع ~~عليها، وينشأ الكتاب عليها وتحرر، وتختم وترفع إلى صاحبها بين يديه. فسرني ~~ذلك; واستحسنت ما رأيت. فجعلت أنظر إليه; ففطن ونظر إلي، فغضضت عنه، حتى ~~كان ذلك مني ومنه مرارا ثلاثا: إذا نظر غضضت، وإذا شغل PageV00P194 # نظرت. فقال لي: يا صالح! قلت: لبيك يا أمير المؤمنين! وقمت قائما. فقال: ~~في نفسك منا شئ تريد - أو قال. تحب أن تقوله؟ قلت: نعم يا سيدي! فقال لي: ~~عد إلى موضعك. فعدت; حتى إذا قام، قال للحاجب: لا يبرح صالح. فانصرف الناس; ~~ثم أذن لي فدخلت فدعوت له، فقال لي: اجلس. فجلست، فقال: يا صالح تقول لي ما ~~دار في نفسك أو أقول أنا ما دار في نفسي أنه دار في نفسك؟ # قلت: يا أمير المؤمنين! ما تعزم عليه وتأمر به، قال: أقول أنا: إنه دار ~~في نفسي أنك استحسنت ما رأيت منا، فقلت: أي خليفة خليفتنا إن لم يكن يقول: ~~القرآن مخلوق؟ فورد على قلبي أمر عظيم; ثم قلت: يا نفس! هل تموتين قبل ~~أجلك؟ وهل تموتين إلا مرة؟ وهل يجوز الكذب في جد أو هزل؟ فقلت: يا أمير ~~المؤمنين! ما دار في نفسي إلا ما قلت: ثم أطرق مليا وقال: ويحك! اسمع مني ~~ما أقول، فوالله لتسمعن الحق، فسري عني فقلت: يا سيدي! ومن أولى بقول الحق ~~منك وأنت خليفة رب العالمين وابن عم سيد المرسلين؟ فقال: # ما زلت أقول: إن القرآن مخلوق صدرا من أيام الوثائق، حتى أقدم ~~PageV00P195 # أحمد بن أبي داود علينا شيخا من أهل الشام من أهل " أذنة ". # فادخل الشيخ على الواثق مقيدا، وهو جميل الوجه تام القامة حسن الشيبة. ~~فرأيت الواثق قد استحيى منه ورق له. فما زال يدنيه ويقربه حتى قرب منه. ~~فسلم الشيخ فأحسن، ودعا فأبلغ. فقال له الواثق: # اجلس، فجلس، فقال له: يا شيخ! ناظر ms113 ابن أبي داود على ما يناظرك عليه. ~~فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين! ابن أبي داود يصبي ويضعف عن المناظرة. فغضب ~~الواثق وعاد مكان الرقة غضبا عليه. قال الواثق: أبو عبد الله بن أبي دؤاد ~~يصبى ويضعف عن مناظرتك أنت؟ فقال الشيخ: # هون عليك يا أمير المؤمنين ما بك، فائذن في مناظرته. فقال الواثق: ما ~~دعوتك إلا للمناظرة. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين! إن رأيت أن تحفظ علي ~~وعليه ما نقول. قال: أفعل. # قال الشيخ: يا أحمد! أخبرني عن مقالتك هذه، هي مقالة واجبة داخلة في عقد ~~الدين فلا يكون الدين كاملا حتى يقال فيه بما قلت: # قال: نعم. قال الشيخ: يا أحمد! أخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين بعثه الله إلى عباده، هل ستر شيئا مما أمره الله به في أمر دينهم؟ قال: # لا. فقال الشيخ: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمة إلى مقالتك ~~هذه؟ فسكت PageV00P196 # إلى أبي دواد. فقال الشيخ: تكلم! فسكت. فالتفت إلى الواثق، فقال: # يا أمير المؤمنين! واحدة. فقال الواثق: واحدة. # فقال الشيخ: يا أحمد! أخبرني عن الله عز وجل حين أنزل القرآن على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) *، [المائدة: 3] هل كان الله تعالى الصادق ~~في إكمال دينه أو أنت الصادق في نقصانه حتى يقال فيه بمقالتك هذه؟ فسكت ابن ~~أبي دواد. فقال الشيخ: أجب يا أحمد! فلم يجب; فقال الشيخ: يا أمير ~~المؤمنين! # اثنتان. فقال الواثق. اثنتان، فقال الشيخ: يا أحمد! أخبرني عن مقالتك ~~هذه، هل علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم جهلها؟ فقال ابن أبي دواد: ~~علمها قال: فدعا الناس إليها؟ فسكت; فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين! # ثلاث. فقال الواثق: ثلاث. فقال الشيخ: يا أحمد! فاتسع لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن علمها وأمسك عنها كما زعمت ولم يطالب أمته بها؟ قال: # نعم. قال الشيخ: واتسع لأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان ابن ms114 عفان ~~وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم؟ قال ابن أبي دواد: # نعم. فأعرض الشيخ عنه وأقبل على الواثق، فقال: يا أمير المؤمنين! # قد قدمت القول: إن أحمد يصبي ويضعف عن المناظرة; يا أمير المؤمنين! إن لم ~~يتسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة بما زعم هذا أنه اتسع لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فلا وسع الله PageV00P197 # على من لم يتسع له ما اتسع لهم. فقال الواثق: نعم، إن لم يتسع لنا من ~~الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر ~~وعمر وعثمان وعلي فلا وسع الله علينا; اقطعوا قيد الشيخ! فلما قطع القيد ~~ضرب الشيخ بيده إلى القيد حتى يأخذه، فجاذبه الحداد عليه. فقال الواثق: دع ~~الشيخ يأخذه! فأخذه فوضعه في كمه. فقال له الواثق: يا شيخ! لم جاذبت الحداد ~~عليه؟ قال: لأني نوديت أن أتقدم إلى من أوصي إليه إذا أنا مت أن يجعله بيني ~~وبين كفني حتى أخاصم به هذا الظالم عند الله يوم القيامة، وأقول: يا! رب سل ~~عبدك هذا لم قيدني وروع أهلي وولدي وإخواني بلا حق أوجب ذلك علي. وبكى ~~الشيخ وبكى الواثق وبكينا. ثم سأله الواثق أن يجعله في حل وسعة بما ناله. ~~فقال الشيخ: والله يا أمير المؤمنين. # لقد جعلتك في حل وسعة من أول يوم إكراما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~إذ كنت رجلا من أهله. فقال الواثق: لي إليك حاجة. فقال الشيخ: # إن كانت ممكنة فعلت. فقال له الواثق: تقيم قبلنا فننتفع بك وتنتفع بنا. ~~فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين! إن ردك إياي إلى الموضع الذي أخرجني عنه هذا ~~الظالم أنفع لك من مقامي عليك; وأخبرك بما في ذلك: أصير إلى أهلي وولدي ~~فأكف دعاءهم عليك، فقد خلفتهم على ذلك. فقال له الواثق: فتقبل منا صلة ~~تستعين بها على دهرك؟ فقال: PageV00P198 # يا أمير المؤمنين! لا تحل لي، أنا عنها غني وذو مرة سوي. فقال: # سل حاجة. فقال: ms115 أو تقضيها يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: تأذن أن يخلى ~~لي السبيل الساعة إلى الثغر. قال: قد أذنت لك فسلم وخرج. # قال المهتدي بالله: فرجعت عن هذه المقالة، وأظن أن الواثق رجع عنها منذ ~~ذلك الوقت PageV00P199 # ذكر سبب توبة جماعة من الأمة رحمة الله عليهم 75 - [توبة حبيب أبي محمد] ~~أخبرنا أبو الفتح محمد بن عبد الباقي، أنبأ أبو الفضل أحمد بن أحمد الحداد، ~~أنبأ أبو نعيم الحافظ، قال: # كان سبب إقبال حبيب أبي محمد على الآجلة وانتقاله عن العاجلة حضوره مجلس ~~الحسن. فوقعت موعظته في قلبه، فخرج عما كان يتصرف فيه ثقة بالله ومكتفيا ~~بضمانه; فاشترى نفسه من الله، فتصدق بأربعين ألف درهم في أربع دفعات: تصدق ~~بعشرة آلاف PageV00P200 # ثم أتبعها بعشرة آلاف أخرى، فقال: هذه شكرا لما وفقتني له; ثم أخرج عشرة ~~آلاف أخرى فقال: يا رب! إن لم تقبل مني الأولى والثانية فاقبل مني هذه; ثم ~~تصدق بعشرة آلاف أخرى، فقال: يا رب! # إن قبلت مني الثالثة فهذه شكرا لها. # 76 - [توبة زاذان الكندي] وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه مر ~~ذات يوم في موضع من نواحي الكوفة فإذا فتيان فساق قد اجتمعوا يشربون، وفيهم ~~مغن يقال له: زاذان يضرب ويغني، وكان له صوت حسن. PageV00P201 # فلما سمع ذلك عبد الله قال: ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب الله! ~~وجعل الرداء على رأسه ومضى، فسمع زاذان قوله فقال: # من كان هذا؟ قالوا: عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # قال: وأي شئ قال؟ قالوا: إنه قال: ما أحسن هذا الصوت لو كان بقراءة كتاب ~~الله تعالى. فقام وضرب بالعود على الأرض فكسره ثم أسرع فأدركه وجعل المنديل ~~في عنق نفسه وجعل يبكي بين يدي عبد الله بن مسعود. فاعتنقه عبد الله بن ~~مسعود، وجعل يبكي كل واحد منهما. ثم قال عبد الله: كيف لا أحب من قد أحبه ~~الله - عز وجل -! # فتاب إلى الله - عز وجل - من ms116 ذنوبه; ولازم عبد الله بن مسعود حتى تعلم ~~القرآن، وأخذ حظا من العلم حتى صار إماما في العلم، وروى عن عبد الله بن ~~مسعود وسلما وغيرهما. # 77 - [توبة مالك بن دينار] وروى عن مالك بن دينار أنه سئل عن سبب توبته، ~~فقال: كنت شرطيا وكنت منهمكا على شرب الخمر. ثم إنني اشتريت جارية نفيسة; ~~PageV00P202 # ووقعت مني أحسن موقع، فولدت لي بنتا. فشغفت بها; فلما دبت على الأرض ~~ازدادت في قلبي حبا، وألفتني وألفتها. قال: فكنت إذا وضعت المسكر بين يدي ~~جاءت إلي وجاذبتني كان عليه وهرقته من ثوبي، فلما تم لها سنتان ماتت; ~~فأكمدني حزنها. فلما كانت ليلة النصف من شعبان، وكانت ليلة الجمعة، بت ثملا ~~من الخمر; ولم أصل فيها عشاء الآخرة. فرأيت فيما يرى النائم كأن القيامة قد ~~قامت. ونفخ في الصور، وبعثرت القبور، وحشر الخلائق، وأنا معهم. فسمعت حسا ~~من ورائي، فالتفت، فإذا أنا بتنين. أعظم ما يكون أسود أزرق قد فتح فاه ~~مسرعا نحوي. فمررت بين يديه هاربا فزعا مرعوبا. فمررت في طريقي بشيخ نقي ~~الثوب طيب الرائحة; فسلمت عليه فرد السلام. # فقلت: أيها الشيخ! أجرني من هذا التنين أجارك الله، فبكى الشيخ وقال لي: ~~أنا ضعيف وهذا أقوى مني وما أقدر عليه; ولكن مر وأسرع فلعل الله أن يتيح لك ~~ما ينجيك منه. فوليت هاربا على وجهي، فصعدت على شرف من شرف القيامة، فأشرفت ~~على طبقات النيران، فنظرت إلى هولها، وكدت أهوي فيها من فزع التنين; فصاح ~~بي صائح: ارجع فلست من أهلها! فاطمأننت إلى قوله ورجعت، ورجع التنين في ~~طلبي. فأتيت الشيخ فقلت: يا شيخ! سألتك أن PageV00P203 # تجيرني من هذا التنين فلم تفعل. فبكى الشيخ، وقال: أنا ضعيف ولكن سر إلى ~~هذا، الجبل فإن فيه ودائع المسلمين، فإن كان لك فيه وديعة فستنصرك. قال: ~~فنظرت إلى جبل مستدير من فضة، وفيه كوى مخرمة وستور معلقة، على كل خوخة ~~وكوة مصراعان من الذهب الأحمر، مفصلة باليواقيت مكوكبة بالدر، على كل مصراع ~~ستر من الحرير. # فلما ms117 نظرت إلى الجبل وليت إليه هاربا والتنين من ورائي; حتى إذا قربت منه ~~صاح بعض الملائكة: ارفعوا الستور وافتحوا المصاريع وأشرفوا! فلعل لهذا ~~البائس فيكم وديعة تجيره من عدوه. فإذا الستور قد رفعت والمصاريع قد فتحت، ~~فأشرف علي من تلك المخرمات أطفال بوجوه كالأقمار. وقرب التنين مني. فتحيرت ~~في أمري. فصاح بعض الأطفال: ويحكم! أشرفوا كلكم فقد قرب منه عدوه. فأشرفوا ~~فوجا بعد فوج، وإذا أنا بابنتي التي ماتت قد أشرفت علي معهم. فلما رأتني ~~بكت وقالت: أبي والله! ثم وثبت في كفة من نور كرمية السهم حتى مثلت بين ~~يدي. فمدت يدها الشمال إلى يدي اليمنى فتعلقت بها، ومدت يدها اليمنى إلى ~~التنين فولى هاربا. # ثم أجلستني وقعدت في حجري وضربت بيدها اليمنى إلى لحيتي وقالت: يا أبت * ~~(ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) *. [الحديد: 16] فبكيت ~~وقلت: يا بنية! وأنتم تعرفون القرآن؟ فقالت: يا أبت! نحن أعرف به منكم. ~~قلت: فأخبريني عن PageV00P204 # التنين الذي أراد أن يهلكني. قالت: ذلك عملك السوء قويته فأراد أن يغرقك ~~في نار جهنم. قلت: فأخبريني عن الشيخ الذي مررت به في طريقي. قالت: يا أبت! ~~ذلك عملك الصالح أضعفته حتى لم يكن له طاقة بعملك السوء. قلت: يا بنية! وما ~~تصنعون في هذا الجبل؟ قالت: # نحن أطفال المسلمين قد أسكنا فيه إلى أن تقوم الساعة ننتظركم تقدمون ~~علينا فنشفع لكم. # قال مالك: فانتبهت فزعا وأصبحت فأرقت المسكر وكسرت الآنية وتبت إلى الله ~~عز وجل. وهذا كان سبب توبتي. PageV00P205 # 78 - [توبة داود الطائي] أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن السلمي، أنبأ أبو ~~القاسم الحسيني، أنبأ رشأ بن نظيف المقرئ، أنبأ الحسن بن إسماعيل، أنبأ ~~أحمد بن مروان، ثنا محمد بن حاتم البغدادي، قال: سمعت الحماني يقول: # كان بدء توبة داود الطائي أنه دخل المقبرة فسمع امرأة عند قبر وهي تقول: # مقيم إلى أن يبعث الله خلقه * لقاؤك لا يرجى وأنت قريب تزيد بلى في كل ~~يوم وليلة * وتسلى كما تبلى وأنت حبيب ms118 وقال أبو نعيم: قدم داود من السواد ~~ولا يفقه; فلم يزل يتعلم ويتعبد PageV00P206 # حتى ساد أهل الكوفة. وقال يوسف بن أسباط: ورث داود عشرين دينارا فأكلها ~~في عشرين سنة. قال أبو نعيم: كان داود يشرب الفتيت ولا يأكل الخبز. وقال: ~~بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية. ودخل إليه يوما رجل، فقال: إن ~~في سقف بيتك جذعا قد انكسر. فقال: يا ابن أخي! إني في هذا البيت منذ عشرين ~~سنة، ما نظرت إلى السقف. وكانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام. # 79 - [توبة الفضيل بن عياض] أنبأنا الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ~~أنا عبد الرحمن بن أبي غالب، أنا أحمد بن علي قال: أخبرني الحسن بن علي بن ~~محمد الواعظ، ثنا محمد بن العباس، قال: أنبأ علي بن الحسين بن حرب، ثنا ~~إبراهيم بن الليث النخشبي، ثنا علي بن خشرم قال: أخبرني رجل من جيران ~~الفضيل بن عياض، قال: # كان الفضيل يقطع الطريق وحده. فخرج ذات ليلة ليقطع PageV00P207 # الطريق، فإذا هو بقافلة قد انتهت اليه ليلا، فقال بعضهم لبعض: اعدلوا بنا ~~إلى هذه القرية فان أمامنا رجلا يقطع الطريق يقال له: الفضيل. قال: فسمع ~~الفضيل، فأرعد، فقال: يا قوم! أنا الفضيل، جوزوا، والله لأجتهدن أن لا أعصي ~~الله أبدا! فرجع عما كان عليه. # وروي من طريق أخرى أنه أضافهم تلك الليلة; وقال: أنتم آمنون من الفضيل. ~~وخرج يرتاد لهم علفا; ثم رجع فسمع قارئا يقرأ: # * (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) *. [الحديد: 6] قال: ~~بلى والله قد آن. فكان هذا مبتدأ توبته. # وقال إبراهيم بن الأشعث: سمعت فضيلا ليلة وهو يقرأ سورة محمد صلى الله ~~عليه وسلم ويبكي ويردد هذه الآية * (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين ونبلوا أخباركم) * [محمد: 31] وجعل يقول: # ونبلو أخباركم! ويردد ويقول: وتبلو أخبارنا! إن بلوت أخبارنا فضحتنا ~~وهتكت أستارنا! إن بلوت أخبارنا أهلكتنا وعذبتنا! # وسمعته يقول: تزينت للناس وتصنعت لهم وتهيأت لهم، ولم تزل ترائي حتى ~~عرفوك فقالوا: رجل ms119 صالح! فقضوا لك الحوائج، ووسعوا لك في المجلس، وعظموك، ~~خيبة لك; ما أسوأ حالك إن كان هذا شأنك! # وسمعته يقول: إن قدرت أن لا تعرف فافعل; وما عليك أن لا تعرف، وما عليك ~~إن لم يثن عليك، وما عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت عند الله ~~محمودا. PageV00P208 # 78 - [توبة علي بن الفضيل بن عياض] أخبرنا الحافظ أبو موسى محمد بن أبي ~~بكر الأصبهاني في كتابه، أنا عبد الرزاق بن محمد بن الشرابي، أنا سعيد بن ~~محمد بن سعيد الولي، أنا علي بن أحمد بن علي الواقدي، أنا أبو إسحاق أحمد ~~بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد ~~ابن يحيى قال: سمعت أبي يقول: سمعت محمد بن إسحاق السراج يقول: # سمعت محمد بن خلف يقول: حدثني يعقوب بن يوسف، قال: # كان الفضيل بن عياض إذا علم أن ابنه عليا خلفه - يعني في الصلاة - مر ولم ~~يقف ولم يخوف; وإذا علم أنه ليس خلفه تنوق في القرآن وحزن وخوف. فظن يوما ~~أنه ليس خلفه، فأتى على ذكر هذه الآية: * (ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا ~~قوما ضالين) *. # [المؤمنون: 106]. قال فخر علي مغشيا عليه. فلما علم أنه خلفه وأنه قد ~~سقط، تجوز في القراءة. فذهبوا إلى أمه فقالوا: أدركيه. # فجاءت فرشت عليه ماء، فأفاق. فقالت لفضيل: أنت قاتل هذا الغلام علي فمكث ~~ما شاء الله. فظن أنه ليس خلفه، فقرأ: * (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون) *. [الزمر: 47] فخر ميتا. # وتجوز أبوه في القراءة. وأتيت أمه فقيل لها: أدركيه. فجاءت فرشت عليه ~~ماء، فإذا هو ميت رحمه الله. PageV00P209 # 79 - [توبة بشر بن الحارث الحافي] أخبرنا محمد بن عبد الباقي، أنا حمد بن ~~أحمد قال: سمعت عبد الله ابن محمد بن جعفر يقول: سمعت عبد الله بن محمد ~~يقول: سمعت محمد ابن الدينوري يقول: سمعت بشر بن الحارث وسئل: ما كان بدء ~~أمرك، لأن اسمك بين الناس كأنه اسم نبي؟ قال: هذا من فضل الله، ms120 وما أقول ~~لكم؟ كنت رجلا عيارا صاحب عصبية، فجزت يوما، فإذا أنا بقرطاس في الطريق، ~~فرفعته فإذا فيه: * (بسم الله الرحمن الرحيم) *. فمسحته وجعلته في جيبي. ~~وكان عندي درهمان ما كنت أملك غيرهما. فذهبت إلى العطارين فاشتريت بهما ~~PageV00P210 # غالية. ومسحته في القرطاس. فنمت تلك الليلة; فرأيت في المنام كأن قائلا ~~يقول: يا بشر بن الحارث! رفعت اسمنا عن الطريق وطيبته، لأطيبن اسمك في ~~الدنيا والآخرة! ثم كان ما كان. # وحكي أن بشرا كان في زمن لهوه في داره، وعنده رفقاؤه يشربون ويطيبون. ~~فاجتاز بهم رجل من الصالحين، فدق الباب. # فخرجت إليه جارية، فقال: صاحب هذه الدار حر أو عبد؟ فقالت: # بل حر! فقال: صدقت، لو كان عبدا لاستعمل أدب العبودية وترك اللهو والطرب. ~~فسمع بشر محاورتهما فسارع إلى الباب حافيا حاسرا وقد ولى الرجل. فقال ~~للجارية: ويحك! من كلمك على الباب؟ # فأخبرته بما جرى. فقال: أي ناحية أخذ الرجل؟ فقالت: كذا، فتبعه بشر حتى ~~لحقه; فقال له: يا سيدي! أنت الذي وقفت بالباب وخاطبت الجارية؟ قال: نعم. ~~قال: أعد علي الكلام. فأعاده عليه. # فمرغ بشر خديه على الأرض وقال: بل عبد! عبد! ثم هام على وجهه حافيا حاسرا ~~حتى عرف بالحفاء. فقيل له: لم لا تلبس نعلا؟ قال. # لأني ما صالحني مولاي إلا وأنا حاف. فلا أزول عن هذه الحالة حتى الممات. ~~PageV00P211 # أنبأنا الشيخ أبو الفرج قال: أنا محمد بن عبد الله بن حبيب، أنا علي ابن ~~عبد الله بن أبي صادق، ثنا محمد بن عبد الله بن باكويه، قال: # حدثني مفرج بن الحسين الصعيدي قال: حدثتني فاطمة بنت أحمد أخت أبي علي ~~الروذباري، قالت: # كان ببغداد عشرة فتيان معهم عشرة أحداث. فوجهوا واحدا من الأحداث في حاجة ~~لهم; فأبطأ، فحردوا عليه. فجاء وهو يضحك، وبيده بطيخة. فقالوا له: تبطئ ~~وتجئ وأنت تضحك؟! فقال: # جئتكم بأعجوبة; وضع بشر يده على هذه البطيخة فاشتريتها بعشرين درهما. ~~فأخذ كل واحد منهم يقبلها ويضعها على عينه. فقال واحد منهم: بأي شئ بلغ بشر ms121 ~~هذه المرتبة؟ فقالوا: بالتقوى: فقال: هو يشهدكم أنه تائب إلى الله تعالى، ~~فقال القوم كلهم مثله. ويقال: إنهم خرجوا إلى طرسوس فاستشهدوا كلهم - رحمة ~~الله عليهم. PageV00P212 # أنبأنا الإمام الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي قال: أنا أبو الحسين ~~بن الطيوري، أنا أبو القاسم عبد العزيز بن أحمد بن الفضل، أنا أبو الحسن ~~علي بن عبد الله بن الحسن بن جهضم، ثنا علي بن هارون، ثنا محمد بن مخلد ~~قال: حدثني أبو الفتح بن مخرق، قال: # تعلق رجل بامرأة من بنات الشام فتعرض لها بيده سكين، لا يدنو منه أحد إلا ~~عقره. وكان الرجل شديد البدن. فبينا الناس كذلك، والمرأة تصيح من يده، إذ ~~مر بشر بن الحارث; فدنا منه وحك كتفه بكتف الرجل. فوقع الرجل إلى الأرض، ~~ومضى بشر. فدنوا من الرجل وهو يرشح عرقا كثيرا; ومضت المرأة بحالها. ~~فسألوه: # ما حالك؟ فقال: ما أدري، ولكني حاكني شيخ وقال: إن الله ناظر إليك وإلى ~~ما تعمل! فضعفت لقوله قدمي وهبته هيبة شديدة، لا أدري من ذاك الرجل. فقالوا ~~له: ذاك بشر بن الحارث. فقال: # وا سوءتاه! كيف ينظر إلي بعد اليوم؟ وحم الرجل من يومه، ومات اليوم ~~السابع. PageV00P213 # 80 - [توبة تاجر من تجار بغداد من الوقيعة في الناس] أنبأنا محمد، قال: ~~أنا أحمد، قال: أخبرني محمد بن خفيف فيما كتب إلي قال: حدثني عبد الله بن ~~الفضل، حدثني أبو عبد الله القاضي قال: حدثني أبي، قال: # كان عندنا ببغداد رجل من التجار صديق لي; وكان كثيرا ما أسمعه يقع في ~~الصوفية. قال، فرأيته بعد ذلك يصحبهم، وأنفق عليهم جميع ما ملك. قال: فقلت ~~له: أليس كنت تبغضهم؟ قال: فقال لي: ليس الأمر على ما توهمت. قلت له: كيف؟ ~~قال: صليت الجمعة يوما من الأيام، وخرجت فرأيت بشرا الحافي يخرج من المسجد ~~مسرعا. قال: # فقلت في نفسي: انظر إلى هذا الرجل الموصوف بالزهد، ليس يستقر في المسجد ~~قال: فتركت حاجتي، فقلت: انظر أين يذهب. قال: # فتبعته فرأيته تقدم إلى الخباز ms122 واشترى بدرهم خبز الماء. قال: قلت: # انظر إلى هذا الرجل يشتري خبز الماء! قال: فتقدم إلى الشواء فأعطاه درهما ~~وأخذ شواء; فزادني عليه غيظا. قال: وتقدم إلى الحلاوي واشترى فالوذجا ~~بدرهم. فقلت في نفسي: والله لأنغصن عليه PageV00P214 # حين يجلس ويأكل! قال: فخرج إلى الصحراء، وأنا أقول: يريد الخضرة والماء. ~~قال: فما زال يمشي إلى العصر وأنا خلفه. قال: فدخل قرية، وفي القرية مسجد ~~وفيه مريض. قال: فجلس عند رأسه وجعل يلقمه. قال: فقمت لأنظر القرية. قال: ~~فبقيت ساعة، ثم رجعت فقلت للعليل: أين بشر؟ قال: ذهب إلى بغداد. قال: فقلت: ~~وكم بيني وبين بغداد؟ فقال: أربعون فرسخا. فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون! ~~أيش عملت بنفسي وليس معي ما أكتري ولا أقدر على المشي! قال: اجلس حتى يرجع. ~~فجلست إلى الجمعة القابلة. قال: # فجاء بشر في ذلك الوقت ومعه شئ يأكل المريض. فلما فرغ، قال له العليل: يا ~~أبا نصر! هذا رجل صحبك من بغداد وبقي عندي منذ الجمعة، فرده. قال: فنظر إلي ~~كالمغضب، وقال: لم صحبتني؟ # قال: فقلت: أخطأت. قال لي: قم امش. قال: فمشيت إلى قرب المغرب. قال: فلما ~~قربنا، قال لي: أين محلتك من بغداد؟ قلت: في موضع كذا. قال: اذهب ولا تعد. ~~قال: فتبت إلى الله - عز وجل - وصحبتهم، وأنا على ذلك. PageV00P215 # 81 - [توبة أبي عبد رب] أخبرنا محمد، قال: ثنا حمد، أنا أحمد، ثنا أبو ~~بكر محمد بن أحمد بن محمد، ثنا الحسن بن محمد، ثنا أبو زرعة، ثنا إبراهيم ~~بن العلاء بن الضحاك، ثنا الوليد بن مسلم. عن ابن جابر: # أن أبا عبد رب كان من أكثر أهل دمشق مالا، فخرج إلى أذربيجان في تجارة; ~~فأمسى إلى جانب مرج ونهر فنزل به. قال أبو عبد رب: # فسمعت صوتا يكثر حمد الله في ناحية من المرج، فاتبعته. فوافيت رجلا في ~~حفير من الأرض ملفوفا في حصير. فسلمت عليه، وقلت: PageV00P216 # من أنت يا عبد الله؟ قال: رجل من المسلمين. قال: قلت: ما حالك هذه؟ قال: ~~حال ms123 نعمة يجب علي حمد الله فيها. قال: قلت: كيف وإنما أنت في حصير؟ قال: ~~وما لي لا أحمد الله أن خلقني فأحسن خلقي وجعل مولدي ومنشئي في الإسلام، ~~وألبسني العافية في أركاني، وستر علي ما أكره ذكره أو نشره؟! فمن أعظم نعمة ~~ممن أمسى في مثل ما أنا فيه؟ قال: قلت: رحمك الله! إن رأيت أن تقوم معي إلى ~~المنزل فإنا نزول على النهر. قال: ولمه؟ قلت: لتصيب من الطعام ولنعطيك ما ~~يغنيك عن لبس الحصير. قال: ما بي حاجة. # قال الوليد: فحسبت أنه قال: إن لي في أكل العشب كفاية عما قال أبو عبد ~~رب، قال: فأردته على أن يتبعني; فأبى، قال: # ما لي به من حاجة. # قال أبو عبد رب: فانصرفت وقد تقاصرت إلي نفسي ومقتها أني لم أخلف بدمشق ~~رجلا في الغنى يكاثرني وأنا ألتمس الزيادة فيه وقلت: اللهم! إني أتوب إليك ~~من سوء ما أنا فيه. قال: فبت ولم يعلم إخواني بما قد أجمعت به. فلما كان من ~~السحر رحلوا كنحو من رحيلهم فيما مضى; وقدموا إلي دابتي فركبتها وصرفتها ~~إلى دمشق. # وقلت: ما أنا بصادق التوبة إن أنا مضيت في متجري هذا، فسألني القوم ~~فأخبرتهم; وعاتبوني على المضي فأبيت. PageV00P217 # قال ابن جابر: فلما قدم تصدق بصامت ماله وتجهز به في سبيل الله. قال ابن ~~جابر: فحدثني بعض إخواني قال: ما كست صاحب عباءة في عباءة، أعطيته ستة وهو ~~يقول: سبعة. فلما أكثرت قال: ممن أنت؟ قلت: من أهل دمشق. قال: ما تشبه شيخا ~~وفد علي أمس، يقال له: أبو عبد رب اشترى مني سبعمائة كساء بسبعة سبعة; ما ~~سألني أن أضع له درهما، فسألني أن أحملها له، فبعثت أعواني; فما زال يفرقها ~~بين فقراء الجيش، فما دخل إلى منزله منها بكساء قال ابن جابر: وباع عقدة ~~وتصدق بها، وباع داره بمال عظيم وفرقه; وكان مع ذلك موته. فما وجدوا منها ~~إلا قدر ثمن الكفن. وكان يقول: # والله لو أن نهركم هذا - يعني بردى - سال ذهبا ms124 وفضة، من شاء خرج إليه ~~فأخذ منه، ما خرجت إليه; ولو قيل: من مس هذا العمود مات، لسرني أن أقوم ~~إليه شوقا إلى الله وإلى رسوله. PageV00P218 # 82 - [توبة القعنبي] أنبأنا الإمام أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي قال: ~~أنا أبو علي أحمد ابن محمد بن أحمد البرداني، أنا الحسن بن أحمد بن عبد ~~الله المقرئ، أنا هلال بن محمد الحفار، ثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن ~~الصباح البزاز قال: لم يرو القعنبي عن شعبة غير هذا الحديث الواحد وله شرح: # حدثني بعض القضاة عن بعض ولد القعنبي بالبصرة، قال: # كان أبي يشرب النبيذ ويصحب الأحداث. فدعاهم يوما، وقد قعد على الباب ~~ينتظرهم. فمر شعبة على حماره والناس خلفه يهرعون. فقال: من هذا؟ قيل: شعبة. ~~قال: وأيش شعبة؟ # قالوا: محدث. # فقام إليه وعليه إزار أحمر، فقال له: حدثني. فقال له: ما أنت من أصحاب ~~الحديث فأحدثك. فأشهر سكينه وقال: تحدثني أو PageV00P219 # أجرحك؟ عبد فقال له: حدثنا منصور عن ربعي عن أبي مسعود قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " إذا لم تستحي فاصنع ما شئت " فرمى PageV00P220 # سكينه ورجع إلى منزله. فقام إلى جميع ما كان عنده من الشراب فهراقه، عليه ~~وقال لأمه: الساعة أصحابي يجيئون، فأدخليهم وقدمي الطعام إليهم; فإذا أكلوا ~~فخبريهم بما صنعت بالشراب حتى ينصرفوا. # ومضى من وقته إلى المدينة، فلزم مالك بن أنس، فأثر عنه. ثم رجع إلى ~~البصرة وقد مات شعبة، فما سمع منه غير هذا الحديث PageV00P221 # 83 - [توبة عكبر الكردي] قرأت في " الملتقط " عن بشر بن الحارث الحافي ~~أنه قال: # اعترضت عكبر الكردي، فقلت له: أيش كان أصل رجوعك إلى الله: # تعالى؟ فقال: كنت في بعض الدحال أقطع الطريق، وكان فيها ثلاث نخلات نخلة ~~منهن لا تحمل. وإذا بعصفور يأخذ من حمل النخلة التي تحمل رطبة فيدعها في ~~التي لا تحمل. فلم أزل أعد عليه عشر مرار; فخطر بقلبي: قم وانظر! فنهضت، ~~فإذا في رأس النخلة حية عمياء - يعني، وهو يضع الرطبات في فيها. ms125 # فبكيت، وقلت: سيدي! هذه حية قد أمر نبيك بقتلها; أعميتها وأقمت لها ~~عصفورا يقوم لها بالكفاية; وأنا عبدك، أقر بأنك واحد، أقمتني لقطع الطريق ~~وإخافة السبيل؟! فوقع في قلبي: يا عكبر! بابي مفتوح. فكسرت سيفي، ووضعت ~~التراب على رأسي، وصحت: # الإقالة! الإقالة! فإذا بهاتف يقول: قد أقلناك! قد أقلناك! فانتبه ~~رفقاتي، فقالوا: ما لك؟ قد أزعجتنا! لا فقلت: كنت مهجورا، وقد صولحت. ~~فقالوا: ونحن أيضا كنا مهجورين، وقد صولحنا. فرمينا PageV00P222 # ثيابنا وأحرمنا كلنا. فما زلنا كذلك ثلاثة أيام نصيح ونبكي ونحن سكارى ~~حيارى. فوردنا اليوم الثالث على قرية; وإذا بامرأة عمياء جالسة على باب ~~القرية. فقالت: فيكم عكبر الكردي؟ فقال أحدنا: نعم، لك حاجة؟ قالت: نعم; لي ~~ثلاث ليال أرى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، وهو يقول: أعط عكبر ~~الكردي ما خلفه ولدك. فأخرجت لنا ستين شقة. فائتزرنا ببعضها ودخلنا البادية ~~إلى أن أتينا البيت. # 84 - [توبة صدقة بن سليمان الجعفري] وذكر ابن أبي الدنيا قال: حدثني محمد ~~بن الحسين، ثنا خالد ابن عمرو القرشي، ثنا صدقة بن سليمان الجعفري، قال: # كانت بي شرة سمجة; فمات أبي; فأبت وندمت على PageV00P223 # ما فرطت، ثم زللت زلة فرأيت أبي في المنام; فقال: أي بني! # ما كان أشد فرحي بك وأعمالك تعرض علي فنشبهها بأعمال الصالحين! # قال خالد: وكان عبد ذلك قد خشع ونسك. وكنت أسمعه يقول في دعائه في السحر ~~- وكان لنا جارا بالكوفة -: اللهم أسألك إنابة لا رجعة فيها ولا حور يا ~~مصلح الصالحين وهادي المضلين وراحم المذنبين 85 - [توبة ذي النون المصري] ~~أنبأنا الشيخ أبو الفرج، أنا محمد بن عبد الله بن حبيب، أنا علي ابن عبد ~~الله بن أبي صادق، ثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن باكويه، قال: سمعت ~~الحسن بن علوية، قال: سمعت يوسف بن الحسين يقول: # لما استأنست بذي النون المصري قلت: أيها الشيخ! ما كان بدء شأنك؟ قال: ~~كنت شابا صاحب لهو ولعب. ثم تبت وتركت ذلك، وخرجت حاجا إلى بيت ms126 الله الحرام ~~ومعي بضيعة فركبت في PageV00P224 # المركب مع تجار من مصر، وركب معنا شاب صبيح كأن وجهه يشرق. فلما توسطنا ~~فقد صاحب المركب كيسا فيه مال. فأمر بحبس المركب، ففتش من فيه وأتعبهم. ~~فلما وصلوا إلى الشاب ليفتشوه، وثب وثبة من المركب حتى جلس على أمواج ~~البحر، وقام له الموج على مثال سرير، ونحن ننظر إليه من المركب. وقال: يا ~~مولاي! إن هؤلاء اتهموني; وإني أقسم يا حبيب قلبي، أن تأمر كل دابة في هذا ~~المكان أن تخرج رأسها وفي أفواهها جوهر. # قال ذو النون: فما تم كلامه حتى رأينا دواب البحر أمام المركب قد أخرجت ~~رؤوسها، وفي فم كل واحدة منها جوهرة تتلألأ وتلمع. ثم وثب الشاب من الموج ~~إلى البحر وجعل يتبختر على متن الماء ويقول: # * (إياك نعبد وإياك نستعين) * [الفاتحة: 5]! حتى غاب عن بصري: فهذا الذي ~~حملني على السياحة. وذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يزال في هذه ~~الأمة ثلاثون، قلوبهم على قلب إبراهيم خليل الرحمن; كلما مات واحد أبدل ~~الله مكانه واحدا ". PageV00P225 # 87 - [توبة سكران] قال ابن باكويه: وحدثنا بكران بن أحمد قال: سمعت يوسف ~~ابن الحسين يقول: كنت مع ذي النون المصري على شاطئ غدير فنظرت إلى عقرب ~~أعظم ما يكون على شط الغدير واقفة. فإذا بضفدع قد خرجت من الغدير، فركبتها ~~العقرب فجعلت الضفدع تسبح حتى عبرت. فقال ذو النون: إن لهذه العقرب لشأنا، ~~فامض بنا، فجعلنا نقفوا أثرها; فإذا رجل نائم سكران، وإذا حية قد جاءت ~~فصعدت من ناحية سرته إلى صدره وهي تطلب أذنه، فاستحكمت العقرب من الحية ~~فضربتها: فانقلبت وانفسخت. ورجعت العقرب إلى الغدير، فجاءت الضفدع فركبتها ~~فعبرت، فحرك ذو النون الرجل PageV00P226 # النائم، ففتح عينيه; فقال: يا فتى! انظر مما نجاك الله: هذه العقرب جاءت ~~فقتلت هذه الحية التي أرادتك. الله ثم أنشأ ذو النون يقول: # يا غافلا والجليل يحرسه * من كل سوء يدب في الظلم كيف تنام العيون عن ملك ~~* تأتيه منه فوائد النعم فنهض الشاب وقال: إلهي! ms127 هذا فعلك بمن عصاك، فكيف ~~رفقك بمن يطيعك؟ ثم ولى; فقلت: إلى أين؟ قال: إلى البادية; والله لا عدت ~~إلى المدن أبدا! # 88 - [توبة المرتعش] أنبأنا أبو علي ضياء بن أبي القاسم، أنا القاضي أبو ~~بكر محمد بن عبد الباقي، أنا هناد بن إبراهيم، قال: سمعت أبا عبد الرحمن ~~السلمي يقول: # سمعت جدي يقول: # كان المرتعش دهقان نيسابور يذكر بدء أمره أنه كان جالسا على باب داره. ~~قال: فإذا أنا بشاب عليه مرقعة وعلى رأسه خرقة. فأشار إلي متعرضا إشارة ~~لطيفة. فقلت في نفسي: شاب جلد صحيح PageV00P227 # الجسم، ولم أرد عليه جوابه. فصاح الشاب صيحة هالتني وقال: # أعوذ بالله مما خطر في سرك! قال المرتعش: فغشي علي; فخرجت جارية لنا ~~ورأتني، قال واجتمع حولي خلق. فما أفقت إلا بعد حين. # فلما أفقت لم أر الشاب، فتحسرت على ما كان مني. فرأيت أمير المؤمنين علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه في المنام، وهو يقول: إن الله - عز وجل - لا يجيب ~~سؤال مانع سائله. قال المرتعش: فانتبهت وفرقت ما نالت يدي; وخرجت فسمعت ~~وفاة والدي وأخي بعد خمس عشرة سنة; وما رجعت إلى نيسابور بعد ذلك. وصار ~~الشاب يتبعني أحيانا، فما فارقني ولا تفارقنا إلى اللقاء. # 89 - [توبة عبد الرحمن القس] أخبرنا أبو بكر أحمد بن المقرب بن الحسين ~~الكرخي، أنا طراد بن محمد الزينبي، أنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو علي ~~بن صفوان، أنا عبد الله بن محمد، حدثني أبو زيد النميري قال: حدثني خلاد بن ~~يزيد قال: سمعت شيوخنا من أهل مكة - منهم سليمان - يذكرون: PageV00P228 # أن القس كان عند أهل مكة من أحسنهم عبادة، وأظهرهم تبتلا وأنه مر يوما ~~بسلامة جارية كانت لرجل من قريش، فسمع غناءها. فوقف يستمع; فرآه مولاها ~~فقال: هل لك أن تدخل فتسمع؟ # فتأبى عليه، فلم يزل به حتى تسمح وقال: أقعدني في موضع لا أراها ولا ~~تراني. قال: أفعل. فدخل، فتغنت، فأعجبته. فقال مولاها: # هل لك أن أحولها إليك؟ فتأبى، ثم تسمح. فلم ms128 يزل يسمع غناءها حتى شغف بها ~~وشغفت به; وعلم ذلك أهل مكة. فقالت له يوما: # أنا والله أحبك. قال: وأنا والله أحبك. قالت: وأحب أن أضع فمي على فمك. ~~قال: وأنا والله. قالت: أحب أن ألصق صدري بصدرك، وبطني ببطنك. قال: وأنا ~~والله. قالت: فما يمنعك؟ فوالله إن الموضع لخال. قال: إني سمعت الله تعالى ~~يقول: * (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) * [الزخرف: 67]; وأنا ~~أكره أن تكون خلة ما بيني وبينك تؤول بنا إلى عداوة يوم القيامة. # قالت: يا هذا! أتحسب أن ربي وربك لا يقبلنا إذا تبنا إليه؟ قال: بلى! # ولكن لا آمن أن أفاجأ. ثم نهض وعيناه تذرفان، فلم يرجع بعد، وعاد إلى ما ~~كان عليه من النسك. PageV00P229 # 90 - [توبة أبي الحارث الاولاسي] وروى أبو سعيد قال: حكى بعض الزهاد قال: ~~قال لي أبو الحارث الأولاسي: تدري كيف كان بدء أمر توبتي؟ فقلت: لا. # فقال: كنت شابا صبيحا وضيئا. فبينا أنا في غفلتي رأيت عليلا مطروحا على ~~قارعة الطريق. فدنوت منه، فقلت: هل تشتهي شيئا؟ # قال: نعم، رمان. فجئته برمان. فلما وضعته بين يديه رفع بصره إلي وقال: ~~تاب الله عليك. فما أمسيت حتى تغير قلبي عن كل ما كنت فيه من اللهو; ولزمني ~~خوف الموت، فخرجت عن جميع ما أملك وخرجت أريد الحج، فكنت أسير بالليل ~~وأختفي بالنهار مخافة الفتنة فبينا أنا أسير بالليل إذا بقوم على الطريق ~~يشربون، فلما رأوني ذهلوا وأجلسوني وعرضوا علي الطعام والشراب. فقلت: أحتاج ~~إلى البول فأرسلوا معي غلاما ليدلني على الخلاء. فلما تباعدت عنهم قلت ~~للغلام: # انصرف، فإني أستحي منك. فانصرف; ووقعت في غابة، فإذا أنا بسبع; فقلت: ~~اللهم إنك تعلم ما تركت ومن ماذا خرجت، فاصرف عني شر هذا السبع. فولى ~~السبع، ورجعت إلى الطريق فوصلت إلى مكة. ولقيت بها من انتفعت بهم، منهم ~~إبراهيم بن سعد العلوي PageV00P230 # 91 - [توبة أبي الفضل محمد بن ناصر السلامي عن اعتقاد المبتدعة] قرأت على ~~الشيخ أبي عبد الله مظفر بن أبي نصر ms129 البواب وابنه أبي محمد عبد الله بن ~~مظفر ببغداد، قلت لهما: حدثكما الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر بن ~~محمد بن علي بن عمر السلامي، قال: # كنت أسمع الفقهاء من أصحاب الشافعي في " النظامية " يقولون - يعني -: ~~القرآن معنى قائم بالذات، والحروف والأصوات عبارات ودلالات على الكلام ~~القديم القائم بالذات. فحصل في قلبي شئ من ذلك حتى صرت أقول بقولهم موافقة. ~~وكنت إذا صليت أدعو الله تعالى أن يوفقني لأحب المذاهب والاعتقادات إليه. ~~فبقيت على ذلك مدة طويلة أقول: اللهم وفقني لأحب المذاهب إليك وأقربها ~~عندك، فلما كان في أول ليلة من رجب سنة أربع وتسعين وأربعمائة رأيت في ~~المنام كأني قد جئت إلى مسجد الشيخ أبي منصور محمد بن أحمد المقرئ الخياط ~~في مسجد ابن جردة والناس على باب المسجد PageV00P231 # مجتمعون، وهم يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم عند الشيخ أبي منصور. # فدخلت المسجد وقصدت إلى الزاوية التي كان يجلس فيها الشيخ أبو منصور، ~~فرأيت الشيخ أبا منصور قد خرج من زاويته وجلس بين يدي شخص، فما رأيت شخصا ~~أحسن منه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي وصف لنا; وعليه ثياب ما ~~رأيت أشد بياضا منها، وعلى رأسه عمامة بيضاء. والشيخ أبو منصور مقبل عليه ~~بوجهه. فدخلت فسلمت، فرد علي السلام ولم أتحقق من الراد علي لدهشتي برؤية ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وجلست بين أيديهما. فأتلفت إلي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من غير أن أسأله عن شئ أو أستفتحه بكلام أصلا، وقال لي: ~~عليك بمذهب هذا الشيخ، عليك بمذهب هذا الشيخ، عليك بمذهب هذا الشيخ، ثلاثا. # قال الحافظ أبو الفضل; وانا أقسم بالله ثلاثا، وأشهد بالله ثلاثا، لقد ~~قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا، ويشير في كل مرة بيده اليمنى ~~إلى الشيخ أبي منصور. قال: فانتبهت وأعضائي ترعد، فناديت والدتي رابعة بنت ~~الشيخ أبي حكيم الخبري وحكيت لها ما رأيت. PageV00P232 # فقالت: يا بني! هذا منام وحي، فاعتمد عليه. فلما أصبحت ms130 بكرت إلى الصلاة ~~خلف الشيخ أبي منصور. فلما صلينا الصبح قصصت عليه المنام، فدمعت عيناه وخشع ~~قلبه. وقال لي: يا بني! # مذهب الشافعي حسن; فتكون على مذهب الشافعي في الفروع وعلى مذهب أحمد ~~وأصحاب الحديث في الأصول. فقلت له: أي سيدي! ما أريد أن أكون لونين! وأنا ~~أشهد الله وملائكته وأنبياءه، وأشهدك علي أني منذ اليوم لا أعتقد ولا أدين ~~الله ولا أعتمد إلا على PageV00P233 # مذهب أحمد في الأصول والفروع. فقبل الشيخ أبو منصور رأسي، وقال: وفقك ~~الله، فقبلت يده. # وقال لي الشيخ أبو منصور: أنا كنت في ابتداء أمري شافعيا، وكنت أتفقه على ~~القاضي الإمام أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري وأسمع الخلاف عليه. فحضرت ~~يوما عند الشيخ أبي الحسن علي بن عمر القزويني الزاهد الصالح لأقرأ عليه ~~القرآن، فابتدأت أقرأ عليه القرآن، فقطع علي القراءة مرة أو مرتين. ثم قال: ~~قالوا وقلنا، وقلنا وقالوا! فلا نحن نرجع إليهم ولا هم يرجعون إلى قولنا; ~~ورجعنا إلى عاداتنا; فأي فائدة في هذا؟ ثم كرر علي هذا الكلام. فقلت في ~~نفسي: والله ما عنى الشيخ بهذا أحدا غيري. فتركت الاشتغال بالخلاف، وقرأت " ~~مختصر أبي القاسم الخرقي " على رجل كان يقرئ القرآن. PageV00P234 # قال الحافظ: ورأيت بعد ذلك ما زادني يقينا، وعلمت أن ذلك تثبيت من الله ~~لي وتعليم لأعرف حق نعمة الله علي وأشكره، إذ أنقذني من اعتقاد البدعة إلى ~~اعتقاد السنة، والله المسؤول الخاتمة بالموت على الإسلام والسنة. # 92 - [توبة أبي الحسن الهرقاني عن مذهب المتكلمين] قال الحافظ أبو الفضل: ~~وحدثني الشيخ الصالح أبو الحسن علي بن المختار بن علي الهرقاني، قال: كان ~~لي رفيق يعرف بمحمد بن خنيس، يقرأ على أبي عبد الله القيرواني المتكلم شيئا ~~من الكلام من كتاب ابن الباقلاني. فوافقته في ذلك. فرأيت ليلة في منامي كأن ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على سطح رباط الشيخ أبي سعد ~~الصوفي وهو جالس وحوله حلقة دائرة. فقلت لبعضهم: ما هذا الجمع؟ فقال لي: ~~هذا أمير ms131 المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه! ما تسلم عليه؟ فجئت ~~ففضضت الحلقة ووقفت تلقاء وجهه، وقلت: السلام عليك يا مولاي أمير المؤمنين ~~ورحمة الله وبركاته! فقال لي: وعليك السلام ورحمة الله PageV00P235 # وبركاته، ورأيته وهو جالس مواز لرؤوس القيام، فبدأني وقال: # تريد أن تعتقد؟ قلت: نعم يا مولاي! فقال: عليك باعتقاد أحمد. # فقلت: السمع والطاعة. فلما جاءني رفيقي الذي كنت أسمع معه الكلام، ومعه ~~أصحاب له. قالوا: تعال حتى نمضي إلى أبي عبد الله نقرأ عليه. قلت: اليوم لي ~~شغل. ثم إني اجتمعت بالشيخ أبي منصور في مسجد، فقصصت عليه هذه الرؤيا; فسر ~~بها وقال: ادن مني. # فدنوت منه، فقبل بين عيني وقال: أنت مراد. ودعا بأصحابه وقال: # أقصص عليهم الرؤيا، فقصصت عليهم الرؤيا، فقالوا: يجب عليه الشكر، فقال ~~الشيخ: أنا أفديه، والشكر علي، وأخرج ذهبا فاشترى به خبزا وتمرا، ففرق على ~~كل خاتم القرآن رغيفين ورطل تمر، ومن كان يحفظ البعض أعطاه رغيفا ونصف رطل ~~تمر. قال: وقطعت المضي إلى القيرواني، ثم اعتقدت من يومئذ اعتقاد أحمد بن ~~حنبل وأصحاب الحديث، وأنا أدين الله تعالى به إلى يوم القيامة. PageV00P236 # أخبار جماعة من التوابين 93 - [توبة منازل بن لاحق] أنبأنا الشيخ أبو ~~الحسين أحمد بن حمزة السلمي في جماعة قالوا: # أنا أبو علي الحسن بن أحمد المقرئ الأصبهاني، أنا أبو نعيم الحافظ قال: ~~ثنا محمد بن حميد، قال: ثنا عبد الله بن سعيد الرقي، قال: ثنا يزيد بن محمد ~~بن سنان عن أبيه عن جده قال: حدثني الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: # بينا أنا أطوف مع أبي حول البيت في ليلة ظلماء، وقد رقدت PageV00P237 # العيون، وهدأت الأصوات، إذ سمع أبي هاتفا يهتف بصوت حزين شجي، وهو يقول: # يا من يجيب دعا المضطر في الظلم * يا كاشف الضر والبلوى مع السقم قد نام ~~وفدك حول البيت وانتبهوا * وأنت عينك يا قيوم لم تنم هب لي بجودك فضل العفو ~~عن جرمي * يا من إليه أشار الخلق في الحرم إن ms132 كان عفوك لا يدركه ذو سرف * ~~فمن يجود على العاصين بالكرم قال: فقال أبي: يا بني! أما تسمع صوت النادب ~~لذنبه المستقيل لربه؟ # الحقه فلعل أن تأتيني به. فخرجت أسعى حول البيت أطلبه، فلم أجده حتى ~~انتهيت إلى المقام، وإذا هو قائم يصلي، فقلت: أجب ابن عم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فأوجز في صلاته واتبعني، فأتيت أبي، فقلت: # هذا الرجل يا أبت! فقال له أبي: ممن الرجل؟ قال: من العرب. # قال: وما اسمك؟ قال: منازل بن لاحق قال وما شأنك وما PageV00P238 # قصتك؟ قال: وما قصة من أسلمته ذنوبه وأوبقته سنة عيوبه فهو مرتطم في بحر ~~الخطايا. فقال له أبي: علي ذلك، فاشرح لي خبرك. # قال: كنت شابا على اللهو والطرب لا أفيق عنه، وكان لي والد يعظني كثيرا ~~ويقول: يا بني! احذر هفوات الشباب وعثراته، فإن لله سطوات ونقمات ما هي من ~~الظالمين ببعيد. وكان إذا ألح علي بالموعظة ألححت عليه بالضرب، فلما كان ~~يوم من الأيام ألح علي بالموعظة، فأوجعته ضربا; فحلف بالله مجتهدا ليأتين ~~بيت الله الحرام فيتعلق بأستار الكعبة ويدعو علي، فخرج حتى انتهى إلى ~~البيت، فتعلق بأستار الكعبة، وأنشأ يقول: # يا من إليه أتى الحجاج قد قطعوا * عرض المهامه من قرب ومن بعد إني أتيتك ~~يا من لا يخيب * من يدعوه مبتهلا بالواحد الصمد PageV00P239 # هذا منازل لا يرتد عن عققي * فخذ بحقي يا رحمان من ولدي وشل منه بحول منك ~~جانبه * يا من تقدس لم يولد ولم يلد قال: فوالله ما استتم كلامه حتى نزل بي ~~ما ترى، ثم كشف عن شقه الأيمن فإذا هو يابس. قال: فأبت ورجعت; ولم أزل ~~أترضاه وأخضع له وأسأله العفو عني، إلى أن أجابني أن يدعو لي في المكان ~~الذي دعا علي. قال: فحملته على ناقة عشراء وخرجت أقفو أثره، حتى إذا صرنا ~~بوادي الأراك طار طائر من شجرة، فنفرت الناقة، فرمت به بين أحجار، فرضخت ~~رأسه فمات، فدفنته هناك وأقبلت PageV00P240 # آيسا، وأعظم ما بي ما ألقاه من ms133 التعيير أني لا أعرف إلا بالمأخوذ بعقوق ~~والديه. فقال له أبي: أبشر فقد أتاك الغوث، فصلى ركعتين، ثم أمره فكشف عن ~~شقه بيده، ودعا له مرات يرددهن; فعاد صحيحا كما كان، وقال له أبي: لولا أنه ~~قد كان سبقت إليك من أبيك في الدعاء لك بحيث دعا عليك لما دعوت لك. قال ~~الحسن: وكان أبي يقول لنا: # احذروا دعاء الوالدين! فإن في دعائهما النماء والانجبار، والاستئصال ~~والبوار. # 94 - [توبة امرأة من دومة الجندل عن عمل السحر] قرأت على أبي المعالي عبد ~~الله بن عبد الرحمن السلمي، أخبركم هبة الله بن أحمد بن محمد الأكفاني، ~~قال: أنبأنا أبو الفتح عبد الجبار بن عبد الله ابن إبراهيم بن برزة، قال: ~~أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد بن عمر الفقيه، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي ~~حاتم، قال: ثنا الربيع ابن سليمان ثنا عبد الله بن وهب، ثنا ابن أبي الزناد ~~حدثني هشام PageV00P241 # ابن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أنها قالت: # قدمت امرأة من " دومة الجندل " تبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~موته، حداثة ذلك، تسأله عن شي دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به. قالت ~~عائشة لعروة: يا ابن أختي! فرأيتها تبكي حتى إني لأرحمها; تقول: إني أخاف ~~أن أكون قد هلكت، كان لي زوج، فغاب عني، فدخلت علي عجوز فشكوت ذلك إليها، ~~فقالت: إن فعلت ما آمرك به تجعليه يأتيك. فلما أتانا الليل جاءتني بكلبين ~~أسودين، فركبت أحدهما وركبت الآخر، ولم يكن كشئ حتى وقفنا ب‍ " بابل ". ~~فإذا برجلين معلقين بأرجلهما، فقالا: ما جاء بك؟ # فقلت: أتعلم السحر. فقالا: إنما نحن فتنة، فلا تكفري وارجعي، فأبيت وقلت: ~~لا. قالا: فاذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت ففزعت فلم أفعل، فرجعت ~~إليهما. فقالا: أفعلت؟ فقلت: نعم، فقالا: # هل رأيت شيئا؟ قلت: لم أر شيئا، فقالا، لم تفعلي! ارجعي إلى بلدك ولا ~~تكفري، فأبيت، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، ثم إني ذهبت ms134 فاقشعر ~~جلدي وخفت; ثم رجعت إليهما، فقلت: قد فعلت. # فقالا: ما رأيت؟ فقلت: لم أر شيئا، فقالا: كذبت، لم تفعلي; PageV00P242 # فارجعي إلى بلدك ولا تكفري، فإنك على رأس أمرك فذهبت فبلت فيه; فرأيت ~~فارسا متقنعا بحديد خرج مني فذهب في السماء وغاب عني حتى ما أراه. وجئتهما ~~فقلت: قد فعلت، فقالا: ما رأيت؟ قلت: # رأيت فارسا متقنعا بحديد خرج مني فذهب في السماء حتى ما أراه. # فقالا: صدقت! ذلك إيمانك خرج منك; اذهبي. فقلت للمرأة: والله ما أعلم ~~شيئا، وما قالا لي شيئا. فقالت: بلى! لن تريدي شيئا إلا كان; خذي هذا القمح ~~فابذري. فبذرت، فقلت: أطلعي، فأطلعت، فقلت: الحقي، فلحقت. ثم قلت: افركي ~~ففركت، فقلت: ايبسي، فيبست. ثم قلت: اطحني، فطحنت. ثم قلت: اخبزي فخبزت. ~~فلما رأيت أني لا أريد شيئا إلا كان، سقط في يدي وندمت، والله يا أم ~~المؤمنين، ما فعلت شيئا قط ولا أفعله أبدا، فسألت أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، حداثة وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم متوافرون، فما ~~دروا ما يقولون لها، وكلهم هاب وخاف أن يفتيها بما لا يعلمه; إلا أنه قد ~~قال لها ابن عباس، أو بعض من كان عنده: لو كان أبواك حيين أو أحدهما! قال ~~ابن أبي الزناد: وكان هشام يقول: إنهم PageV00P243 # كانوا أهل ورع وخشية من الله، وبعداء من التكلف والجرأة على الله ثم يقول ~~هشام: ولو جاءتنا مثلها لوجدت نوكى أهل حمق وتكلف بغير علم. # 95 - [توبة شاب عن اللهو واللعب] أخبرنا الإمام أبو الحسن البطائحي قال: ~~أنبأنا أبو طالب اليوسفي، أنا الحسن بن علي التميمي، قال: أنبأنا أبو بكر ~~بن مالك، قال: ثنا عبد الله بن أحمد، حدثني هارون بن عبد الله، ثنا ثابت ~~البناني، قال: # كان صلة بن أشيم يخرج إلى الجبان فيتعبد فيها. فكان يمر على شباب يلهون ~~ويلعبون. قال: فيقول لهم: أخبروني عن قوم أرادوا سفرا فجازوا النهار عن ~~الطريق وناموا الليل، متى يقطعون سفرهم؟ # قال: فكان كذلك يمر بهم ms135 ويعظهم قال: فمر بهم ذات يوم، فقال لهم هذه ~~المقالة. فقال شاب منهم: يا قوم! إنه والله ما يعني بهذا غيرنا PageV00P244 # نحن بالنهار نلغو يحيى وبالليل ننام. ثم اتبع صلة، فلم يزل يختلف معه إلى ~~الجبان ويتعبد معه حتى مات، رحمهما الله. # 96 - [توبة شاب عن الانهماك في الدنيا] أنبأنا الشيخ أبو الفرج قال: ثنا ~~أبو بكر الصوفي، قال: أنبأنا علي بن عبد الله، قال: أنبأنا أبو عبد الله ~~محمد بن عبد الله بن باكويه: # قال: ثنا إبراهيم بن محمد الفقيه المالكي، قال: ثنا يوسف بن أحمد الواعظ ~~قال: ثنا العباس بن محمد المطهري، قال: ثنا الحسن بن أبي مريم العسكري، ~~حدثني جعفر بن سليمان، قال: # مررت أنا ومالك بن دينار بالبصرة. فبينا نحن ندور فيها مررنا بقصر يعمر. ~~وإذا شاب جالس ما رأيت أحسن وجها منه، وإذا هو يأمر ببناء القصر، ويقول: ~~افعلوا، واصنعوا. فقال لي مالك: # ما ترى إلى هذا الشاب وإلى حسن وجهه وحرصه على هذا البناء؟ # ما أحوجني إلى أن أسأل ربي أن يخلصه، فلعله يجعله من شباب الجنة! # يا جعفر! ادخل بنا إليه. قال جعفر: فدخلنا فسلمنا، فرد السلام ولم يعرف ~~مالكا. فلما عرفوه إياه قام إليه، فقال: حاجة؟ قال: كم نويت أن تنفق على ~~هذا القصر؟ قال: مائة ألف درهم. قال: ألا تعطيني هذا المال فأضعه في حقه، ~~وأضمن لك على الله تعالى قصرا خيرا من هذا PageV00P245 # القصر، بولدانه وخدمه، وقبابه وخيمه من ياقوتة حمراء، مرصع بالجواهر، ~~ترابه الزعفران، وملاطه وكان المسك; أفيح من قصرك هذا، لا يخرب، لا تمسه ~~يدان ولم يبنه بناء، قال له الجليل: كن! # فكان؟ قال: أجلني الليلة وبكر علي غدوة. قال جعفر: فبات مالك وهو يفكر في ~~الشاب، فلما كان في وقت السحر دعا وأكثر من الدعاء. فلما أصبحنا غدونا، ~~فإذا بالشاب جالس، فلما عاين مالكا هش إليه، ثم قال: ما تقول في ما قلت ~~بالأمس؟ قال: تفعل؟ قال: # نعم. فأحضر البدر ودعا بدواة وقرطاس، ثم كتب: # بسم الله ms136 الرحمن الرحيم، هذا ما ضمن مالك بن دينار لفلان بن فلان: # إني ضمنت لك على الله قصرا بدل قصرك بصفته كما وصفت والزيادة على الله; ~~واشتريت لك بهذا المال قصرا في الجنة أفيح من ظل ظليل PageV00P246 # بقرب العزيز الجليل. ثم طوى الكتاب ودفعه إلى الشاب وحملنا المال. # فما أمسى مالك وقد بقي عنده مقدار قوت ليلة. فما أتى على الشاب أربعون ~~ليلة، حتى صلى مالك ذات يوم الغداة، فلما انفتل، فإذا بالكتاب في المحراب ~~موضوع، فأخذه مالك فنشره، فإذا في ظهره مكتوب بلا مداد: # هذه براءة من الله العزيز الحكيم لمالك بن دينار: إنا وفينا الشاب القصر ~~الذي ضمنت له وزيادة سبعين ضعفا. قال: فبقي مالك متعجبا; وأخذ الكتاب، ~~فقمنا فذهبنا إلى منزل الشاب، فأقبلنا، فإذا الباب مسود والبكاء في الدار، ~~فقلنا: ما فعل الشاب؟ قالوا: مات بالأمس. # فأحضرنا الغاسل، فقلنا: أنت غسلته؟ قال: نعم. قال مالك: # فحدثنا كيف صنعت؟ قال: قال لي قبل الموت: إذا أنا مت وكفنتني اجعل هذا ~~الكتاب بين كفني وبدني. فجعلت الكتاب بين كفنه وبدنه، ودفنته معه، فأخرج ~~مالك الكتاب; فقال الغاسل: هذا الكتاب بعينه والذي قبضه، لقد جعلته بين ~~كفنه وبدنه بيدي. قال: فكثر البكاء; فقام شاب، فقال: يا مالك! خذ مني مائتي ~~ألف درهم واضمن لي مثل هذا، قال: هيهات! كان ما كان، وفات ما فات; والله ~~يحكم ما يريد! # فكلما ذكر مالك الشاب بكى ودعا له. PageV00P247 # 97 - [توبة جندي صاحب قصر عن الغناء والملاهي] قال ابن باكويه: حدثنا عبد ~~الواحد بن بكر، ثنا محمد بن داود الدينوري قال: سمعت أبا إسحاق الهروي ~~يقول: # كنت مع ابن الخيوطي بالبصرة، فأخذ بيدي، وقال: قم حتى نخرج إلى " الأبلة ~~". فلما قربنا إلى " الأبلة " ونحن نمشي على شاطئ " الأبلة " في الليل ~~والقمر طالع، مررنا بقصر لجندي فيه جارية تضرب بالعود; وفي جانب القصر في ~~ظل القمر فقير بخرقتين. # فسمع الفقير الجارية وهي تقول: # كل يوم تتلون * غير هذا بك أجمل فصاح الفقير وقال: أعيديه! فهذا حالي ms137 مع ~~الله تعالى. قال: فنظر صاحب الجارية إلى الفقير، فقال لها: اتركي العود ~~وأقبلي ولم عليه فإنه صوفي. فأخذت تقول، والفقير يقول: هذا حالي مع الله; ~~والجارية تردد، إلى أن صاح الفقير صيحة وخر مغشيا عليه، فحركناه، فإذا هو ~~ميت. فلما سمع صاحب القصر بموته نزل فأدخله إلى القصر، واغتممنا وقلنا: هذا ~~يكفنه من غير وجهه، فصعد الجندي وكسر كل ما كان بين يديه، فقلنا: ما بعد ~~هذا إلا خير، ومضينا إلى " الأبلة " PageV00P248 # فبتنا وأعلمنا الناس. فلما أصبحنا رجعنا إلى القصر، وإذا الناس مقبلون من ~~كل وجه إلى الجنازة كأنما نودي في " البصرة "، حتى خرج القضاة والعدول ~~وغيرهم. وإذا الجندي يمشي خلف الجنازة حافيا حاسرا حتى دفن، فلما هم الناس ~~بالانصراف قال الجندي للقاضي والشهود: اشهدوا أن كل جارية لي حرة لوجه الله ~~تعالى، وكل ضياعي وعقاري حبيس في سبيل الله، ولي في صندوق أربعة آلاف ~~دينار، وهي في سبيل الله. ثم نزع الثوب الذي كان عليه فرمى به وبقي في ~~سراويله. # فقال القاضي: عندي مئزران من وجههما، تقبلهما؟ فقال: شأنك، فأخذهما فاتزر ~~بواحد، واتشح بالآخر، وهام على وجهه. فكان بكاء الناس عليه أكثر منه على ~~الميت 98 - [توبة رجل من أعوان السلطان عن الفواحش] وحكي عن مالك بن دينار، ~~قال: كان لي جار يتعاطى الفواحش، فأتى إلي الجيران يشكون منه. فأحضرناه ~~وقلنا له: إن الجيران يشكونك، فسبيلك أن تخرج من المحلة. فقال: أنا في ~~منزلي، لا أخرج. # قلنا: تبيع دارك! قال: لا أبيع ملكي. قلنا: نشكوك إلى السلطان. # قال: أنا من أعوانه. قلنا: ندعو الله عليك. قال: الله أرحم بي منكم. # قال: فلما أمسينا قمت وصليت ودعوت عليه، فهتف بي هاتف: # لا تدع عليه فإنه من أولياء الله تعالى، فجئت إلى باب داره ودققت ~~PageV00P249 # الباب، فخرج، فظن أني جئت لأخرجه من المحلة، فتكلم كالمعتذر، فقلت: ما ~~جئت لهذا، ولكن رأيت كذا وكذا، فوقع عليه البكاء، وقال: إني تبت بعد ما كان ~~هذا، ثم خرج من البلد فلم أره بعد ms138 ذلك. # واتفق أني خرجت إلى الحج، فرأيت في المسجد الحرام حلقة فتقدمت إليهم، ~~فرأيته مطروحا عليلا، فلم ألبث أن قالوا مات الشاب رحمه الله. # 99 - [توبة فتى من الأزد كان عن التأنث والتخنث] أخبرنا أبو طالب المبارك ~~بن علي الصيرفي، أنا أبو غالب شجاع ابن فارس الذهلي، أنا أبو بكر الخياط، ~~قال: أنا أحمد بن محمد بن دوست، قال: أنبأنا الحسين بن صفوان،، قال: أنبأنا ~~أحمد بن محمد، قال: أنبأنا أبو بكر بن أبي الدنيا قال: وحدثت عن محمد بن ~~الحسين عن يحيى بن راشد، ثنا رجاء بن ميسور المجاشعي، قال: # كنا في مجلس صالح المري وهو يتكلم. فقال لفتى بين يديه اقرأ يا فتى! فقرأ ~~الفتى: * (وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب PageV00P250 # لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع) * [المؤمن: 18]. ~~فقطع صالح عليه القراءة وقال: كيف يكون لظالم حميم أو شفيع، والمطالب له رب ~~العالمين؟ إنك والله لو رأيت الظالمين وأهل المعاصي يساقون في السلاسل ~~والأنكال إلى الجحيم، حفاة عراة، مسودة وجوههم، مزرقة عيونهم، ذائبة ~~أجسادهم، ينادون: يا ويلنا يا ثبورنا! عند ماذا نزل بنا؟ ماذا حل بنا؟ أين ~~يذهب بنا؟ ماذا يراد منا؟ # والملائكة تسوقهم بمقامع النيران، فمرة يجرون على وجوههم ويسحبون عليها ~~منكبين، ومرة يقادون إليها مقرنين، من بين باك دما بعد انقطاع الدموع، ومن ~~بين صارخ طائر القلب مبهوت - إنك والله لو رأيتهم على ذلك لرأيت منظرا لا ~~يقوم له بصرك، ولا يثبت له قلبك، ولا تستقر لفظاعة هوله على قرار قدمك! ثم ~~نحب وصاح يا: سوء منظراه! يا سوء منقلباه! وبكى، وبكى الناس. فقام فتى من ~~الأزد كان، به تأنيث، فقال: أكل هذا في القيامة يا أبا بشر؟ قال: # نعم والله يا ابن أخي، وما هو أكثر! لقد بلغني أنهم يصرخون في النار حتى ~~تنقطع أصواتهم، فما يبقى منهم إلا كهيئة الأنين من المدنف. فصاح الفتى: إنا ~~لله! وا غفلتاه عن نفسي أيام الحياة، وا أسفا PageV00P251 # على تفريطي في طاعتك يا سيداه! وا ms139 أسفا على تضييعي عمري في دار الدنيا! ~~ثم بكى، واستقبل القبلة، فقال: اللهم! إني أستقبلك في يومي هذا بتوبة لا ~~يخالطها رياء لغيرك; اللهم! فاقبلني على ما كان في، واعف عما تقدم من فعلي، ~~وأقلني عثرتي، وارحمني ومن حضرني، وتفضل علينا بجودك وكرمك; يا أرحم ~~الراحمين! لك ألقيت معاقد الآثام من عنقي، وإليك أنبت بجميع جوارحي صادقا ~~لذلك قلبي، فالويل لي إن لم تقبلني! ثم غلب فسقط مغشيا عليه، فحمل من بين ~~القوم صريعا، فمكث صالح وإخوته يعودونه أياما، ثم مات - والحمد لله - فحضره ~~خلق كثير يبكون عليه ويدعون له، فكان صالح كثيرا ما يذكره في مجلسه فيقول: ~~بأبي قتيل القرآن، وبأبي قتيل المواعظ والأحزان! قال: فرآه رجل في منامه، ~~قال: ما صنعت؟ قال: # عمتني بركة مجلس صالح فدخلت في سعة رحمة الله التي وسعت كل شئ. # 100 - [توبة امرأة وهي تطوف حول الكعبة] أخبرنا محمد بن عبد الباقي، قال: ~~أنبأنا علي بن محمد الخطيب الأنباري، قال: أنبأنا أبو الحسين بن بشران، ~~قال: أنبأنا الحسين بن صفوان، قال: أنبأنا ابن أبي الدنيا، ثنا سعيد بن ~~سليمان الواسطي، عن محمد بن يزيد بن خنيس قال: قال وهيب بن الورد: ~~PageV00P252 # بينما امرأة في الطواف ذات يوم وهي تقول يا رب! ذهبت اللذات، وبقيت ~~التبعات; يا رب! سبحانك، وعزتك إنك أرحم الراحمين; يا رب! ما لك عقوبة إلا ~~النار; فقالت صاحبة لها كانت معها: أخية! دخلت بيت ربك اليوم؟ فقالت: والله ~~ما أرى هاتين القدمين أهلا للطواف حول بيت ربي، فكيف أراهما أهلا أطأ بهما ~~بيت ربي وقد علمت حيث مشتا وأين مشتا؟ # 101 - [توبة رجل عما جنت يداه] أخبرنا أبو الفضل مسعود بن عبيد الله بن ~~النادر، قال: أنا أبو سعد أحمد بن محمد البغدادي، قال: أنبأنا أبو العباس ~~أحمد بن محمد الظهراني وعبد الوهاب بن مندة قالا: أنبأنا أبو محمد الحسن بن ~~محمد ابن يوه قال: أنبأنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عمر البناني، قال: # أنبأنا عبد الله بن محمد ms140 قال: كتب إلي أبو عبد الله الباهلي: قال: أنبأنا ~~عبد الله بن محمد عن إبراهيم بن الحارث، قال: # كان رجل كثير البكاء; فقيل له في ذلك، فقال: أبكاني تذكري ما جنيت على ~~نفسي حين لم أستحي ممن شاهدني وهو يملك عقوبتي، فأخرني إلى يوم العقوبة ~~الدائمة وأجلني إلى يوم الحسرة الباقية; والله لو خيرت: أيما أحب إليك، ~~تحاسب ثم يؤمر بك إلى الجنة، أو يقال لك: كن ترابا؟ - لاخترت أن أكون ~~ترابا. PageV00P253 # 102 - [توبة ملهي أهل المدينة عن اللهو على يد والدته] ومن " الملتقط ": ~~قال صالح بن عمر: وحدثني أبي، قال: كان بالمدينة امرأة متعبدة ولها ولد ~~يلهو، وهو ملهي أهل المدينة. وكانت تعظه وتقول: يا بني! اذكر مصارع ~~الغافلين قبلك، وعواقب البطالين قبلك، أذكر نزول الموت. فيقول إذا ألحت ~~عليه: # كفي عن التعذال أخبرنا واللوم * واستيقظي من سنة النوم إني وإن تابعت في ~~لذتي * قلبي وعاصيتك في لومي أرجو من أفضاله توبة * تنقل من قوم إلى قوم ~~فلم يزل كذلك حتى قدم أبو عامر البناني واعظ أهل الحجاز، ووافق قدومه ~~رمضان، فسأله إخوانه أن يجلس لهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~فأجابهم، وجلس ليلة الجمعة بعد انقضاء التراويح، واجتمع الناس، وجاء الفتى ~~فجلس مع القوم، فلم يزل أبو عامر يعظ وينذر ويبشر، إلى أن ماتت القلوب ~~فرقا، واشتاقت النفوس إلى الجنة، فوقعت الموعظة في قلب الغلام فتغير لونه. ~~ثم نهض إلى أمه، فبكى عندها طويلا، ثم قال: # زممت للتوبة أجمالي * ورحت قد طاوعت عذالي وأبت والتوبة قد فتحت * من كل ~~عضو لي أقفالي PageV00P254 # لما حدا الحادي بقلبي إلى * طاعة ربي فك. أغلالي أجبته لبيك من موقظ * ~~نبه بالتذكار أغفالي يا أم هل يقبلني سيدي * على الذي قد كان من حالي وا ~~سوءتا إن ردني خائبا * ربي ولم يرض بإقبالي! # ثم شمر في العبادة وجد، وكان لا يفطر إلا بعد التراويح، ولا ينام إلا بعد ~~طلوع الشمس. فقربت اليه أمه ليلة إفطاره، فامتنع وقال: أجد ألم الحمى، ms141 فأظن ~~أن الأجل قد أزف. ثم فزع إلى محرابه ولسانه لا يفتر من الذكر. فبقي أربعة ~~أيام على تلك الحال. # ثم استقبل القبلة يوما، وقال: إلهي عصيتك قويا، وأطعتك ضعيفا، وأسخطتك ~~جلدا وخدمتك نحيفا، فليت شعري هل قبلتني؟ ثم سقط مغشيا عليه، فانشج وجهه، ~~فقامت إليه أمه، فقالت: يا ثمرة فؤادي، وقرة عيني! رد جوابي. فأفاق فقال: ~~يا أماه! هذا اليوم الذي كنت تحذريني، وهذا الوقت الذي كنت تخوفيني; فيا ~~أسفي على الأيام الخوالي! يا أماه! إني خائف على نفسي أن يطول في النار ~~حبسي; بالله عليك يا أماه، قومي فضعي رجلك على خدي حتى أذوق طعم الذل لعله ~~يرحمني، ففعلت وهو يقول: هذا جزاء من أساء، ثم مات رحمه الله. PageV00P255 # قالت أمه: فرأيته في المنام ليلة الجمعة وكأنه القمر، فقلت يا ولدي! ما ~~فعل الله بك؟ فقال: خيرا، رفع درجتي. قلت: فما كنت تقول قبل موتك؟ قال: هتف ~~بي هاتف: أجب الرحمن! فأجبت قلت: فما فعل أبو عامر؟ فقال: هيهات! أين نحن ~~من أبي عامر؟ # حل أبو عامر في قبة * وطدها ذو العرش للناس بين جوار كالدمى خرد * يسقينه ~~بالكاس والطاس يقلن بالترخيم خذها فقد * هنيتها يا واعظ الناس 103 - [توبة ~~دينار العيار عن المعاصي على يد والدته] وروي أن رجلا كان يعرف ب‍ " دينار ~~العيار " كانت له والدة تعظه ولا يتعظ، فمر في بعض الأيام بمقبرة كثيرة ~~العظام، فأخذ منها عظما نخرا فانفت في يده، ففكر في نفسه، وقال لنفسه: ~~ويحك! # كأني بك غدا قد صار عظمك هكذا رفاتا والجسم ترابا، وأنا اليوم أقدم على ~~المعاصي، فندم وعزم على التوبة، ورفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي! إليك ~~ألقيت مقاليد أمري، فاقبلني وارحمني. ثم مضى نحو أمه PageV00P256 # متغير اللون، منكسر القلب، فقال يا أماه! ما يصنع بالعبد الآبق إذا أخذه ~~سيده؟ فقالت: يخشن ملبسه ومطعمه ويغل يده وقدمه. # فقال: أريد جبة من صوف وأقراصا من شعير، وتفعلين بي كما يفعل بالآبق، لعل ~~مولاي يرى ذلي فيرحمني. ففعلت ما طلب. ms142 فكان إذا جنه الليل أخذ في البكاء ~~والعويل، ويقول لنفسه: ويحك يا دينار! # ألك قوة على النار؟ كيف تعرضت لغضب الجبار؟ وكذلك إلى الصباح، فقالت له ~~أمه في بعض الليالي: ارفق بنفسك، فقال: # دعيني أتعب قليلا لعلي أستريح طويلا; يا أمي! إن لي موقفا طويلا بين يدي ~~رب جليل، ولا أدري أيؤمر بي إلى الظل الظليل، أو إلى شر مقيل; إني أخاف ~~عناء لا راحة بعده، وتوبيخا لا عفو معه، قالت: فاسترح قليلا، فقال: الراحة ~~أطلب؟ أتضمنين لي الخلاص؟ # قالت: فمن يضمنه لي؟ قال: فدعيني وما أنا عليه; كأنك يا أماه غدا ~~بالخلائق يساقون إلى الجنة وأنا أساق إلى النار! فمرت به في بعض الليالي في ~~قراءته * (فوربك لنسألنهم أجمعين. عما كانوا يعملون) * [الحجر: 92 - 93]. ~~ففكر فيها، وبكى وجعل يضطرب كالحية حتى خر مغشيا عليه، فجاءت أمه إليه ~~ونادته، فلم يجبها، فقالت: # قرة عيني! أين الملتقى؟ فقال بصوت ضعيف: إن لم تجديني في عرصة القيامة ~~فاسألي مالكا عني. ثم شهق شهقة مات فيها. فجهزته PageV00P257 # وغسلته، وخرجت تنادي: أيها الناس! هلموا إلى الصلاة على قتيل النار! فجاء ~~الناس; فلم ير أكثر جمعا ولا أغزر دمعا من ذلك اليوم. # 104 - [توبة رجل عن حب مغنية شغلته عن الله] وقال علي بن الحسين: كان لنا ~~جار من المتعبدين قد برز في الاجتهاد، فصلى حتى تورمت قدماه وبكى حتى مرضت ~~عيناه، فاجتمع إليه أهله وجيرانه فسألوه أن يتزوج، فاشترى جارية وكانت تغني ~~وهو لا يعلم، فبينا هو ذات يوم في محرابه يصلي، رفعت الجارية صوتها ~~بالغناء، فطار لبه، فرام ما كان عليه من العبادة فلم يطق، فأقبلت الجارية ~~عليه، فقالت: يا مولاي! لقد أبليت شبابك ورفضت لذات الدنيا أيام حياتك; فلو ~~تمتعت بي! فمال إلى قولها واشتغل باللذات عما كان فيه من التعبد. فبلغ ذلك ~~أخا له كان يوافقه على العبادة; فكتب اليه: # بسم الله الرحمن الرحيم، من الناصح الشفيق، والطبيب الرفيق، إلى من سلب ~~حلاوة الذكر، والتلذذ بالقرآن، والخشوع والأحزان; بلغني أنك اشتريت ms143 جارية ~~بعت بها من الآخرة حظك; فإن كنت بعت الجزيل بالقليل والقرآن بالقيان، فإني ~~محذرك هادم اللذات ومنغص الشهوات وموتم الأولاد; فكأنه قد جاء على غرة ~~فأبكم منك اللسان، وهدم منك الأركان، وقرب منك الأكفان، واحتوشك الأهل ~~PageV00P258 # والجيران; وأحذرك من الصيحة إذا جثت الأمم لهول ملك جبار; فاحذر يا أخي ~~ما يحل بك من ملك غضبان. ثم طوى الكتاب وأنفذه إليه. فوافاه الكتاب وهو في ~~مجلس سروره، فغص بريقه وأذهله ذلك. فنهض مبادرا من مجلس سروره وكسر انيته ~~وهجر جاريته، وآلى أن لا يطعم الطعام ولا يتوسد المنام. # قال الذي وعظه: فلما مات رأيته في المنام بعد ثلاث، فقلت: # ما فعل الله بك؟ قال: قدمنا على رب كريم أباحنا الجنة. وقال: # الله عوضني ذو العرش جارية * حوراء تسقيني طورا وتهنيني تقول لي اشرب بما ~~قد كنت تأملني * وقر عينا مع الولدان والعيين يا من تخلى عن الدنيا وأزعجه ~~* عن الخطايا وعيد في الطواسين PageV00P259 # 105 - [توبة شاب وامرأته على يد سري السقطي] وعن سري السقطي، قال: كنت ~~يوما أتكلم بجامع المدينة، فوقف علي شاب، حسن الشباب، فاخر الثياب، ومعه ~~أصحابه، فسمعني أقول في وعظي: عجبا لضعيف يعصي قويا! فتغير لونه وانصرف. ~~فلما كان من الغد جلست في مجلسي، وإذا بالفتى قد أقبل، فسلم، وصلى ركعتين، ~~وقال: يا سري! سمعتك بالأمس تقول: # عجبا لضعيف يعصي قويا! فما معناه؟ فقلت: لا أقوى من الله، ولا أضعف من ~~العبد وهو يعصيه، فنهض، فخرج; ثم أقبل من الغد وعليه ثوبان أبيضان، وليس ~~معه أحد، فقال: يا سري! كيف الطريق إلى الله؟ فقلت: إن أردت العبادة فعليك ~~بصيام النهار وقيام الليل; وإن أردت الله فاترك كل شئ سواه تصل إليه، وليس ~~إلا المساجد والخراب والمقابر، فقام وهو يقول: والله لا سلكت إلا أصعب ~~الطرق، وولى خارجا. فلما كان بعد أيام أقبل إلي غلمان كثير، فقالوا: ما فعل ~~أحمد بن يزيد الكاتب؟ فقلت: لا أعرفه; إلا أن رجلا جاءني، من صفته كذا ~~وكذا، فجرى لي معه كذا ms144 كذا، ولا أعلم حاله، فقالوا: # نقسم عليك بالله متى عرفت حاله فعرفنا، ودلوني على داره. فبقيت ~~PageV00P260 # سنة لا أعرف له خبرا، فبينا أنا ذات ليلة بعد عشاء الآخرة جالسا في بيتي، ~~إذا بطارق يطرق الباب، فأذنت له بالدخول، فإذا بالفتى عليه قطعة من كساء في ~~وسطه، وأخرى على عاتقه، ومعه زنبيل فيه نوى. # فقبل بين عيني، وقال لي: يا سري! أعتقك الله من النار كما أعتقتني من رق ~~الدنيا. فأومأت إلى صاحبي أن امض إلى أهله فأخبرهم. فمضى وإذا بزوجته قد ~~جاءت ومعها ولده وغلمانه. فدخلت وألقت ولده في حجره وعليه حلي وحلل، وقالت ~~له: يا سيدي! أرملتني علي وأنت حي، وأيتمت ولدك وأنت حي. قال سري: فنظر إلي ~~وقال: # يا سري! ما هذا وفاء، ثم أقبل عليها، فقال: والله إنك لثمرة فؤادي وحبيبه ~~قلبي، وإن هذا ولدي لأعز الخلق علي، غير أن هذا سري أخبرني أن من أراد الله ~~قطع كل ما سواه. ثم نزع ما على الصبي، فقال: # ضعي هذا في الأكباد الجائعة والأجساد العارية، وخرق قطعة من كسائه فلف ~~فيها الصبي. فقالت المرأة: لا أرى ولدي في هذه الحال! # وانتزعته منه; فحين رآها قد اشتغلت به، نهض وقال: ضيعتم علي ليلتي، بيني ~~وبينكم الله، وولى خارجا، وضجت الدار بالبكاء; فقالت: # إن عدت سمعت له خبرا فأعلمني، فقلت: نعم. فلما كان بعد أيام أتت عجوز، ~~فقالت: يا سري! بالشونيزية غلام يسألك الحضور، PageV00P261 # فمضيت فإذا به مطروح في تربة، تحت رأسه لبنة. فسلمت عليه، ففتح عينيه ~~وقال: يا سري! ترى تغفر تلك الجنايات؟ فقلت: نعم. # قال: يغفر لمثلي؟ قلت: نعم. قال: أنا غريق! قلت: هو منجي الغرقى. فقال: ~~علي مظالم، فقلت: في الخبر " أنه يؤتى بالتائب يوم القيامة، معه خصومه، ~~فيقال لهم: خلوا عنه فإن الله تعالى يعوضكم " فقال: يا سري! معي دراهم من ~~لقط النوى، إذا أنا مت فاشتر لي ما أحتاج إليه وكفني، ولا تعلم أهلي لئلا ~~يغيروا كفني بحرام. قال سري: فجلست عنده قليلا، ففتح عينيه، ms145 فقال: # * (لمثل هذا فليعمل العاملون) * [الصافات: 61] ثم مات. # فأخذت الدراهم، وجئت فاشتريت ما يحتاج إليه، وسرت نحوه; فإذا الناس ~~يهرعون، فقلت: ما الخبر؟ فقيل: مات ولي من أولياء الله نريد أن نصلي عليه. ~~فجئت فغسلته ودفناه. فلما كان بعد مدة نفذ أهله يستعلمون خبره، فأخبرتهم ~~بموته، فأقبلت امرأته باكية فأخبرتها بحاله، فسألتني أن أريها قبره. فقلت: ~~أخاف أن تغيروا أكفانه، قالت: لا والله! فأريتها القبر، فبكت، وأمرت بإحضار ~~شاهدين، فأحضرتهما، وأعتقت جواريها وأوقفت عقارها وتصدقت بمالها، ولزمت ~~قبره حتى ماتت. # 106 - [توبة امرأة بارعة الجمال أرادت أن تفتن الربيع بن خيثم] أنبأنا ~~محمد بن عبد الباقي قال: أنبأنا جعفر بن أحمد قال: أنا أحمد PageV00P262 # ابن علي، قال أنا محمد بن عبد الله الدقاق قال: أنا الحسين بن صفوان، ~~قال: أنا عبد الله بن محمد، حدثني الحسين بن عبد الرحمن، قال: # أنبأنا أبو القاسم محرز الجلاب قال: حدثني سعدان، قال: # أمر قوم امرأة ذات جمال بارع أن تتعرض للربيع بن خيثم لعلها تفتنه، ~~وجعلوا لها، إن فعلت ذلك، ألف درهم، فلبست أحسن ما قدرت عليه من الثياب، ~~وتطيبت بأطيب ما قدرت عليه، ثم تعرضت له حين خرج من مسجده. فنظر إليها، ~~فراعه أمرها. # فأقبت عليه وهي سافرة، فقال لها الربيع: كيف بك لو قد نزلت الحمى بجسمك ~~فغيرت ما أرى من لونك وبهجتك؟ أم كيف بك لو قد نزل بك ملك الموت فقطع منك ~~حبل الوتين؟ أم كيف بك لو سألك منكر ونكير؟ فصرخت صرخة فسقطت مغشيا عليها، ~~فوالله لقد أفاقت، وبلغت من عبادة ربها ما أنها كانت يوم ماتت كأنها جذع ~~محترق PageV00P263 # 107 - [توبة جار لأحمد بن حنبل] حدثنا الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ~~أنا الحافظ أبو الفضل ا بن ناصر، أنا أبو طالب اليوسفي، أنا أبو إسحاق ~~البرمكي، أنا أبو عبد الله بن بطة قال: حدثني أبو بكر الآجري قال: سمعت ابن ~~أبي الطيب يقول: حدثنا جعفر الصائغ، قال: # كان في جيران أبي عبد الله أحمد بن ms146 محمد بن حنبل رجل ممن يمارس المعاصي ~~والقاذورات، فجاء يوما إلى مجلس أحمد يسلم عليه، فكأن أحمد لم يرد عليه ردا ~~تاما وانقبض منه. فقال له: يا أبا عبد الله! لم تنقبض مني؟ فإني قد انتقلت ~~عما كنت تعهدني برؤيا رأيتها. قال: # وأي شئ رأيت؟ قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم كأنه على علو ~~من الأرض وناس كثير أسفل جلوس. قال: فيقوم رجل رجل منهم إليه، فيقول: ادع ~~لي! فيدعو له، حتى لم يبق من القوم غيري. قال: فأردت PageV00P264 # أن أقوم فاستحيت من قبيح ما كنت عليه. قال لي: يا فلان! لم لا تقوم إلي ~~فتسألني عمر أدعو لك؟ قال: قلت: يا رسول الله! يقطعني الحياء لقبيح ما أنا ~~عليه، فقال: إن كان يقطعك الحياء فقم فسلني أدع لك، فإنك لا تسب أحدا من ~~أصحابي. قال: فقمت فدعا لي فانتبهت وقد بغض الله إلي ما كنت عليه. قال: ~~فقال لنا أبو عبد الله: يا جعفر! # يا فلان! حدثوا بهذا واحفظوه فإنه ينفع. # 108 - [توبة أبي عمر بن علوان عن نظره إلى امرأة] أنبأنا الإمام العلامة ~~أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي أخبر عبد الرحمن بن محمد القزاز، أنا أحمد ~~بن علي بن ثابت قال: حدثني محمد بن الحسن الساحلي، أنا عمار بن عبد الله ~~الصوفي قال: سمعت محمد ا بن حماد الرحبي يقول: سمعت أبا عمرو بن علوان ~~يقول: # خرجت يوما في حاجة فرأيت جنازة فتبعتها لأصلي عليها. # ووقفت في جملة الناس حتى تدفن. فوقعت عيني على امرأة مسفرة، PageV00P265 # من غير تعمد، فلمحت بالنظر واسترجعت واستغفرت الله تعالى وعدت إلى منزلي. ~~فقالت لي عجوز: يا سيدي! مالي أرى وجهك أسود؟ فأخذت المرآة فنظرت، فإذا ~~وجهي أسود. فرجعت إلى سري أنظر من أين دهيت، فذكرت النظرة. فانفردت في موضع ~~أستغفر الله تعالى وأسأله الإقالة أربعين يوما. فخطر في قلبي أن زر شيخك ~~الجنيد. فانحدرت إلى بغداد. فلما جئت الحجرة التي هو فيها طرقت الباب، ~~فقال: ادخل، يا أبا ms147 عمرو! تذنب بالرحبة ويستغفر لك ببغداد. # 109 - [توبة فتى شاب وجارية جميلة أحب كل منهما الآخر] أخبرنا أبو الحسين ~~عبد الحق بن عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر ابن يوسف، أنا أبو الحسن علي ~~بن محمد بن العلاف، أنا أبو القاسم عبد الملك بن محمد بن بشران الواعظ، ثنا ~~أبو العباس أحمد بن إبراهيم ابن علي الكندي، أنا أبو بكر محمد بن جعفر بن ~~سهل السامري، أنا أبو العباس محمد بن يزيد المبرد عن ابن أبي كامل، عن ~~إسحاق بن إبراهيم، عن رجاء بن عمر النخعي، قال: PageV00P266 # كان بالكوفة فتى جميل الوجه، شديد التعبد والاجتهاد، وكان أحد الزهاد، ~~فنزل في جوار قوم من النخع، فنظر إلى جارية منهم جميلة، فهويها وهام بها ~~عقله، ونزل بها مثل الذي نزل به. فأرسل يخطبها من أبيها، فأخبره أبوها أنها ~~مسماة لابن عم لها. واشتد عليهما ما يقاسيان النبي من ألم الهوى، فأرسلت ~~إليه الجارية: قد بلغني شدة محبتك لي، وقد اشتد بلائي بك لذلك، مع وجدي بك. ~~فإن شئت زرتك وإن شئت سهلت لك أن تأتيني إلى منزلي. فقال للرسول: لا واحدة ~~من هاتين الخصلتين; (إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم) [الزمر: 13]، ~~أخاف نارا لا يخبو سعيرها ولا يخمد لهبها فلما انصرف الرسول إليها فأبلغها ~~ما قال، قالت: وأراه مع هذا زاهدا يخاف الله تعالى؟! # والله ما أحد أحق بهذا من أحد; وإن العباد فيه لمشتركون. # ثم انخلعت من الدنيا، وألقت علائقها خلف ظهرها، ولبست المسوح، وجعلت ~~تعبد، وهي مع ذلك تذوب وتنحل حبا للفتى وأسفا عليه، حتى ماتت شوقا إليه. ~~فكان الفتى يأتي قبرها. فرآها في منامه وكأنها في أحسن منظر، فقال: كيف ~~أنت، وما لقيت بعدي؟ فقالت: PageV00P267 # نعم المحبة يا حبيبي حبكا * حب يقود إلى خير وإحسان فقال على ذلك: إلى ما ~~صرت؟ فقالت: # إلى نعيم وعيش لا زوال له * في جنة الخلد ملك ليس بالفاني فقال لها: ~~اذكريني هناك فإني لست. أنساك. فقالت: ولا أنا والله أنساك، ms148 ولقد سألتك ~~ربي، مولاي ومولاك، فأعانني على ذلك بالاجتهاد. # ثم ولت مدبرة، فقلت لها: متى أراك؟ قالت: ستأتينا عن قريب، فلم يعش الفتى ~~بعد الرؤيا إلا سبع ليال حتى مات، رحمهما الله. # 110 - [توبة رجل عن الشراب والعود بسماع آيات من القرآن] أنبأنا الشيخ ~~أبو الفرج، أنا الحافظ أبو الفضل بن ناصر، أنا محمد ابن أبي نصر الحميدي، ~~قال: أنا محمد بن سلامة القضاعي، قال: أنا محمد بن أحمد الكاتب قال: أنا ~~أبو مسلم، قال أنا محمد بن الحسين بن دريد قال: أخبرنا الحسن بن خضر، ~~أخبرني رجل من أهل بغداد عن أبي هاشم المذكر، قال: PageV00P268 # أردت البصرة، فجئت إلى سفينة أكتريها، وفيها رجل ومعه جارية، فقال الرجل: ~~ليس هاهنا موضع. فسألته الجارية أن يحملني فحملني. فلما سرنا دعا الرجل ~~بالغداء فوضع، فقال: أنزلوا ذلك المسكين ليتغدى فأنزلت على أني مسكين. فلما ~~تغدينا، قال: # يا جارية! هاتي شرابك. فشرب وأمرها أن تسقيني، فقلت: رحمك الله! إن للضيف ~~حقا، فتركني; فلما دب في النبيذ، قال: يا جارية! # هاتي العود وهاتي ما عندك. فأخذت العود وغنت تقول وكنا كغصني بانة ليس ~~واحد * يزول على الخلان عن رأي واحد تبدل بي خلا فخاللت غيره * وخليته لما ~~أراد تباعدي فلو أن كفي لم تردني أبنتها * ولم يصطحبها بعد ذلك ساعدي ~~PageV00P269 # ألا قبح الرحمن كل مماذق * يكون أخا في الخفض لا في الشدائد ثم التفت إلي ~~فقال: أتحسن مثل هذا؟ فقلت: أحسن خيرا منه. # فقرأت: * (إذا الشمس كورت، وإذا النجوم انكدرت، وإذا الجبال سيرت) *. ~~[التكوير: 1 - 3] فجعل الشيخ يبكي; فلما انتهيت إلى قوله: * (وإذا الصحف ~~نشرت) * [التكوير: 10] قال الشيخ: يا جارية! اذهبي! فأنت حرة لوجه الله ~~تعالى. وألقى ما معه من الشراب في الماء وكسر العود. ثم دنا إلي فاعتنقني ~~وقال: # يا أخي! أترى الله يقبل توبتي؟ فقلت: * (إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين) * [البقرة: 222]. # قال: فواخيته بعد ذلك أربعين سنة حتى مات قبلي. فرأيته في المنام، فقلت ~~له: إلى م صرت؟ قال: إلى الجنة. ms149 قلت: بم صرت إلى الجنة؟ قال: بقراءتك علي: ~~* (وإذا الصحف نشرت) * [التكوير: 10]. PageV00P270 # 111 - [توبة شيخ مهلبي وجاريته عن الشراب والضرب بالعود] أخبرنا الإمام ~~الحافظ أبو موسى محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى المديني إجازة، قال: أنا أبو ~~الفتح عبد الرزاق بن محمد الشرابي، قال: أنا سعيد بن محمد بن سعيد الولي، ~~أنا علي بن أحمد الواقدي، أنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، ~~قال: أخبرني أبو محمد عبد الرحمن بن محمد الغازي، قال: أخبرني أبو محمد عبد ~~الله بن محمد الأصبهاني ثنا الحسن بن محمد البلخي، ثنا أحمد بن الليث، ثنا ~~عمر ابن محمد، ثنا أبو عياش الخولاني قال: حدثني صالح بن عبد الله الخزاز، ~~حدثني إسماعيل بن عبد الله الخزاعي، قال: # قدم رجل من المهالبة من البصرة أيام البرامكة في حوائج له، فلما فرغ منها ~~انحدر إلى البصرة ومعه غلام له وجارية. فلما صار في دجلة إذا بفتى على ساحل ~~دجلة، عليه جبة صوف وبيده عكازة ومزود، قال: فسأل الملاح أن يحمله إلى ~~البصرة ويأخذ منه الكراء. قال: # فأشرف الشيخ المهلبي; فلما رآه رق له، فقال للملاح: قرب واحمله معك على ~~الظلال، إن فحمله. فلما كان في وقت الغداء دعا الشيخ PageV00P271 # بالسفرة، وقال للملاح: قل للفتى ينزل إلينا، فأبى عليه; فلم يزل يطلب ~~إليه حتى نزل. فأكلوا. حتى إذا فرغوا ذهب الفتى ليقوم، فمنعه الشيخ حتى ~~توضؤوا; ثم دعا بزكرة فيها شراب، فشرب قدحا، ثم سقى الجارية، ثم عرض على ~~الفتى. فأبى وقال: أحب أن تعفيني. قال: قد أعفيناك، اجلس معنا، وسقى ~~الجارية، وقال: # هاتي ما عندك، فأخرجت عودا لها في كيس، فهيأته وأصلحته، ثم أخذت فغنت: ~~فقال: يا فتى! تحسن مثل هذا؟ قال: أحسن ما هو أحسن من هذا. فافتتح الفتى: * ~~(بسم الله الرحمن الرحيم) *; * (قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ~~ولا تظلمون فتيلا. أين ما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) *. ~~[النساء: # 77، 78] وكان الفتى حسن الصوت. قال: فرج الشيخ بالقدح ms150 في الماء، وقال: ~~أشهد أن هذا أحسن مما سمعت! فهل غير هذا؟ قال: نعم، * (وقل الحق من ربكم ~~فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها ~~وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا) * ~~[الكهف: 29] قال: فوقعت من قلب الشيخ موقعا. قال: فأمر بالزكرة فيه فرمى ~~بها وأخذ العود فكسره. ثم قال: يا فتى! هل هاهنا فرج؟ قال: نعم، ~~PageV00P272 # * (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله ~~يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) * [الزمر: 53] قال: فصاح الشيخ ~~صيحة خر مغشيا عليه. فنظروا فإذا الشيخ قد ذاق الموت، وقد قاربوا " البصرة. ~~قال: فضج القوم بالصراخ واجتمع الناس - وكان رجلا من المهالبة معروفا - ~~فحمل إلى منزله، فما رأيت جنازة كانت أكثر جمعا منها. قال: فبلغني أن ~~الجارية المغنية تدرعت الشعر، وفوق الشعر جبة صوف، وجعلت تقوم الليل وتصوم ~~النهار. فمكثت بعده أربعين ليلة. ثم مرت بهذه الآية في بعض الليالي: * (وقل ~~الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط ~~بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت ~~مرتفقا) * [الكهف: 29] قال: فأصبحوا، فأصابوها ميتة. # 112 - [توبة اعرابي لسماع آية من القرآن] قال الثعلبي: وحدثنا أبو القاسم ~~الحسن بن محمد بن الحسن بن جعفر المذكر، ثنا الحاكم أبو محمد يحيى بن ~~منصور، ثنا أبو رجاء PageV00P273 # محمد بن أحمد القاضي، ثنا أبو الفضل العباس بن أبي الفرج الرياشي قال: # سمعت الأصمعي يقول: # أقبلت ذات يوم من المسجد الجامع بالبصرة. فبينا أنا في بعض سككها، إذ طلع ~~أعرابي جلف جاف على قعود له متقلد سيفه وبيده قوس، فدنا وسلم وقال لي: ممن ~~الرجل؟ قلت: من بني الأصمع، قال: أنت الأصمعي؟ قلت: نعم. قال: ومن أين ~~أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن. قال: وللرحمن كلام يتلوه ~~الآدميون! # قلت: نعم. قال: أتل علي شيئا منه. فقلت له: انزل عن قعودك. # فنزل; ms151 وابتدأت بسورة الذاريات. فلما انتهيت إلى قوله تعالى: * (وفي ~~السماء رزقكم وما توعدون) * [الذاريات: 22]، قال: يا أصمعي! # هذا كلام الرحمن؟ قلت: إي والذي بعث محمدا بالحق إنه لكلامه أنزله على ~~نبيه محمد صلى الله عليه وسلم! فقال لي: حسبك! ثم قام إلى ناقته فنحرها ~~وقطعها بجلدها، وقال: أعني على تفريقها. ففرقناها على من أقبل وأدبر. ثم ~~عمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وجعلهما تحت الرحل. وولى مدبرا نحو البادية وهو ~~يقول: * (وفي السماء رزقكم وما توعدون) * [الذاريات: PageV00P274 # 22]. فأقبلت على نفسي باللوم، وقلت: لم تنتبه لما انتبه له الأعرابي، ~~فلما حججت مع الرشيد دخلت مكة، فبينا أنا أطوف بالكعبة، إذ هتف بي هاتف ~~بصوت دقيق. فالتفت فإذا أنا بالأعرابي نحيلا مصفارا فسلم علي وأخذ بيدي ~~وأجلسني من وراء المقام، وقال لي: أتل كلام الرحمن; فأخذت في سورة ~~(الذاريات). فلما انتهيت إلى قوله تعالى: # * (وفي السماء رزقكم وما توعدون) * [الذاريات: 22]، صاح الأعرابي: # وجدنا ما وعدنا ربنا حقا. ثم قال: وهل غير هذا؟ قلت: نعم، يقول الله عز ~~وجل * (فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) * [الذاريات: 23]. ~~فصاح الأعرابي وقال: يا سبحان الله! من الذي أغضب الجليل حتى حلف؟! ألم ~~يصدقوه حتى ألجؤوه إلى اليمين؟! قالها ثلاثا، وخرجت فيها روحه. # 113 - [توبة أمير من امراء الأعراب بسبب الصوم] وحكي عن ابن سمعون قال: ~~سمعت الشبلي يقول: كنت في PageV00P275 # قافلة بالشام، فخرج الأعراب فأخذوها وجعلوا يعرضونها على أميرهم. # فخرج جراب فيه سكر ولوز، فأكلوا منه والأمير لا يأكل، فقلت له: لم لا ~~تأكل؟ فقال: أنا صائم. فقلت: تقطع الطريق، وتأخذ الأموال، وتقتل النفس، ~~وأنت صائم؟! فقال: يا شيخ! أجعل للصلح موضعا. فلما كان بعد حين رأيته يطوف ~~حول البيت وهو محرم كالشن البالي. فقلت: أنت ذاك الرجل؟ فقال: ذاك الصوم ~~بلغ بي هذا المقام. # 114 - [توبة لبيب العابد عن قتل الحيات] وذكر القاضي أبو علي التنوخي، ~~قال: كان ينزل بباب الشام من الجانب الغربي ببغداد رجل مشهور بالزهد ~~والعبادة يقال له: لبيب العابد. ms152 وكان الناس ينتابونه. فحدثني لبيب، قال: ~~كنت مملوكا روميا لبعض الجند، فرباني وعلمني العمل بالسلاح، فصرت رجلا، ~~ومات مولاي بعد أن أعتقني، فتوصلت إلى أن جعلت رزقه لي، PageV00P276 # وتزوجت امرأته. وقد علم الله تعالى أني لم أرد بذلك إلا صيانتها. # وأقمت معها مدة. فاتفق أني رأيت يوما حية داخلة إلى جحرها. # فأمسكت ذنبها لأقتلها، فوثبت علي فنهشت يدي فشلت، ومضى زمن طويل على هذا ~~فشلت يدي الأخرى بغير سبب أعرفه، ثم جفت رجلاي، ثم عميت ثم خرست. فكنت على ~~هذه الحال سنة كاملة; لم يبق لي جارحة صحيحة إلا سمعي أسمع به ما أكره; ~~وأنا طريح على ظهري لا أقدر على كلام ولا إيماء ولا حركة; أسقى وأنا ريان، ~~وأترك وأنا عطشان، وأطعم وأنا شبعان، وأمنع وأنا جائع. فلما كان بعد سنة ~~دخلت امرأة على زوجتي، فقالت: كيف أبو علي لبيب؟ فقالت لها زوجي: لا حي ~~فيرجى ولا ميت فيسلى، فأقلقني ذلك وآلم قلبي ألما شديدا، فبكيت وضججت إلى ~~الله تعالى في سري ودعوت، وكنت في جميع تلك العلل لا أجد ألما في نفسي. ~~فلما كان في بقية ذلك اليوم ضرب علي جسدي ضربانا شديدا كاد يتلفني، ولم يزل ~~على ذلك إلى أن دخل الليل وانتصف، أو جاز فسكن الألم قليلا، فنمت، فما ~~أحسست إلا وقد انتبهت وقت السحر وإحدى يدي على صدري، وقد كانت طول السنة ~~مطروحة على الفراش لا تنشال، أو تشال. # فحركتها فتحركت، ففرحت فرحا شديدا، وقوي طمعي في تفضل PageV00P277 # الله بالعافية، فحركت الأخرى فتحركت، فقبضت إحدى رجلي فانقبضت، فرددتها ~~فرجعت; وفعلت بالأخرى مثل ذلك، فرمت الانقلاب، فانقلبت وجلست; ورمت القيام ~~فقمت، ونزلت عن السرير الذي كنت مطروحا عليه، وكان في بيت من الدار، فمشيت ~~ألتمس الحائط في الظلمة إلى أن وقعت يدي على الباب، وأنا لا أطمع في بصري. ~~فخرجت إلى صحن الدار، فرأيت السماء والكواكب تزهر، فكدت أموت فرحا، وانطلق ~~لساني بأن قلت: يا قديم الإحسان! # لك الحمد. ثم صحت بزوجتي، فقالت: أبو علي؟ فقلت: ms153 الساعة صرت أبا علي! ~~اسرجي! فأسرجت; فقلت: جيئيني بمقراض فجاءت به، فقصصت شاربا كان لي على زي ~~الجند. فقالت لي زوجتي: ما تصنع؟ # الآن يعيبك رفقاؤك! فقلت: بعد هذا لا أخدم أحدا غير ربي. # فانقطعت إلى الله - عز وجل - وخرجت من الدار ولزمت عبادة ربي. # قال: وكانت هذه الكلمة: " يا قديم الإحسان لك الحمد " قد صارت عادته ~~يقولها في حشو كلامه. وكان يقال: إنه مجاب الدعوة. # 115 - [توبة المعتصم ورجوعه عن قتل تميم بن جميل] قال: ووجدت في بعض ~~الكتب: قال أحمد بن أبي دواد PageV00P278 # ما رأيت رجلا قط أشرف على الموت; فما شغله ولا أذهله عما يريد حتى بلغه ~~وخلصه الله - عز وجل - إلا تميم بن جميل، فإني رأيته بين يدي المعتصم وقد ~~بسط له النطع وانتضي له السيف وكان رجلا جسيما وسيما. فأحب المعتصم أن ~~يستنطقه لينظر أين منظره من مخبره، فقال له: تكلم! فقال: أما إذ أذن أمير ~~المؤمنين، فالحمد لله * (الذي أحسن كل شئ خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين. ثم ~~جعل نسله من سلالة من ماء مهين) * [السجدة: 87] يا أمير المؤمنين! # جبر الله بك صدع الدين، ولم بك شعث المسلمين، إن الذنوب تخرس الألسنة ~~وتخلع الأفئدة; وأيم الله! لقد عظمت الجريرة وانقطعت الحجة، وساء الظن، ولم ~~يبق إلا عفوك أو انتقامك ثم أنشأ يقول: # أرى الموت بين السيف والنطع كامنا * يلاحظني من حيث ما أتلفت PageV00P279 # وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي * وأي امرئ مما قضى الله يفلت وأي امرئ يدلي ~~بعذر وحجة * وسيف المنايا بين عينيه مصلت وما جزعي من أن أموت فإنني * ~~لأعلم أن الموت شئ مؤقت ولكن خلفي صبية قد تركتهم * وأكبادهم من حرها تتفتت ~~فإن عشت عاشوا سالمين بغبطة * أذود العدى عنهم وإن مت موتوا كأني أراهم حين ~~أنعى إليهم * وقد لطموا تلك الخدود وصوتوا قال: فاستعبر المعتصم، ثم قال: ~~يا تميم! قد عفوت عن الهفوة، ووهبتك للصبية. ثم أمر به ففك خد يده وخلع ~~عليه وعقد له على سقي الفرات. # 116 - [توبة ms154 لص من اللصوص عن التعرض للناس] أنبأنا الإمام أبو طاهر أحمد ~~بن محمد السلفي، أنا أبو الحسين بن PageV00P280 # الطيوري، أنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي بن أحمد بن الفضل، أنا أبو ~~الحسن علي بن عبد الله بن الحسين بن جهضم، ثنا حبيب، ثنا الفضل بن أحمد، ~~ثنا محمد بن مرزوق قال: حدثني أبي قال: حدثتني أمة الملك بنت هشام بن حسان، ~~قالت: # خرج عطاء الأزرق إلى الجبان يصلي بالليل، فعرض له لص; فقال: اللهم ~~اكفنيه. قال: فجفت يداه ورجلاه. قال: فجعل يبكي ويصيح: والله لا أعود أبدا! ~~قال: فدعا الله له فأطلق. قال: # فاتبعه اللص، فقال له: أسألك بالله من أنت؟ قال: أنا عطاء، فلما أصبح، ~~سأل: تعرفون رجلا صالحا يخرج بالليل إلى الجبان يصلي؟ # قالوا: نعم، عطاء السلمي. قال: فذهب إلى عطاء السلمي إلى الخربة فدخل ~~عليه، وقال: إني جئتك تائبا من قصتي كذا وكذا، فادع الله لي، قال: فرفع ~~عطاء السلمي يديه إلى السماء، وجعل يبكي ويقول: ويحك، ليس أنا! ذاك عطاء ~~الأزرق. # 117 - [توبة يوسف بن أسباط على يد شاب كان يعمل نباشا] أخبرنا عبد الله ~~بن عبد الرحمن السلمي، أنا أبو القاسم الحسيني، PageV00P281 # أنا رشأ بن نظيف، أنا الحسن بن إسماعيل، أنا أبو بكر أحمد بن مروان، ثنا ~~عمرو بن حفص الشيباني، ثنا ابن خبيق، ثنا أبي، قال: # صحب يوسف بن أسباط فتى من أهل الجزيرة; فلم يكلمه إلا بعد عشر سنين، وكان ~~يوسف يرى من جزعه وفزعه وعبادته آناء الليل والنهار، فقال له يوسف: ما كان ~~عملك؟ فإني لا أراك تهدأ من البكاء. فقال له: كنت نباشا. فقال له يوسف: فأي ~~شئ كنت ترى إذا وصلت إلى اللحد؟ قال: كنت أرى أكثرهم قد حولوا وجوههم عن ~~القبلة إلا قليلا. قال يوسف: إلا قليلا! فاختلط يوسف على المكان، وذهب عقله ~~حتى كان يحتاج أن يداوى. # قال ابن خبيق: قال أبي: دعونا سليمان الطبيب ليداوي يوسف; وكان يرجع إليه ~~عقله أحيانا فيقول: إلا قليلا! فلم يزل ms155 به حتى داواه وصح، فلما فرغ وأراد ~~أن يخرج سليمان الطبيب، قال يوسف: أي شئ تعطونه؟ قلنا: لا يريد منك شيئا. ~~قال: سبحان الله! جئتم بطبيب الملوك، ولا أعطيه شيئا؟ قلنا: أعطه دينارا. # فقال: خذ هذا فادفعه إليه، وأعلمه أني لا أملك غيره لئلا يتوهم أني أقل ~~مروءة من الملوك، فدفع إليه صرة فيها خمسة عشر دينارا. قال: # فأخذتها فدفعتها إليه، وجعل يوسف يعمل الخوص بيده حتى مات. PageV00P282 # قال أحمد بن مروان: ثنا محمد بن أحمد، ثنا ابن خبيق، ثنا الهيثم ابن جميل ~~قال: حدثني حبيب قال: قال يوسف بن أسباط: # ورثت عن أبي ضياعا بخمسمائة ألف بالكوفة. فجرى بيني وبين عمومتي كلام. ~~فشاورت الحسن بن صالح، فقال لي، ما أرى لك أن تخاصمهم; إنها من أرض الخراج، ~~فتركتها لله - عز وجل - وأنا محتاج إلى فلس، أو كما قال. # 118 - [توبة نباش عن نبش القبور] أنبأنا عبد الرحمن بن علي الإمام، قال ~~أنا إبراهيم بن دينار الفقيه، أنا إسماعيل بن محمد بن ملة، أنا عبد العزيز ~~بن أحمد، أنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان، ثنا إبراهيم بن محمد بن ~~الحسين، ثنا أبو موسى الطرسوسي، ثنا هارون بن زياد المصيصي، ثنا أبو إسحاق ~~الفزاري، قال: PageV00P283 # كان رجل يكثر الجلوس إلينا ونصف وجهه مغطى، فقلت له: # إنك تكثر الجلوس إلينا ونصف وجهك مغطى، أطلعني على هذا؟ # فقال: تعطيني الأمان؟ قلت: نعم. قال: كنت نباشا فدفنت امرأة، فأتيت ~~قبرها، فنبشت حتى وصلت إلى اللبن. ثم رفعت اللبن، فضربت بيدي إلى الرداء; ~~ثم ضربت بيدي إلى اللفافة فمددتها. فجعلت تمدها هي; فقلت: أتراها تغلبني؟ ~~فجثيت على ركبتي; فمددت، فرفعت يدها فلطمتني، أي وكشف وجهه فإذا أثر خمس ~~أصابع في وجهه، فقلت له: ثم مه؟ قال: ثم رددت عليها لفافتها وإزارها، ثم ~~رددت التراب; وجعلت على نفسي أن لا أنبش ما عشت. قال: فكتبت بذلك إلى ~~الأوزاعي. فكتب إلي الأوزاعي: ويحك! سله عمن مات من أهل التوحيد ووجهه إلى ~~القبلة، أحول وجهه ms156 أم ترك وجهه إلى القبلة؟ قال: فجاءني الكتاب; فقلت له: ~~أخبرني عمن مات من أهل الإسلام، أترك وجهه على ما كان، أم ماذا؟ فقال: أكثر ~~ذلك حول PageV00P284 # وجهه عن القبلة. فكتبت بذلك إلى الأوزاعي. فكتب إلي: إنا لله وإنا إليه ~~راجعون! - ثلاث مرات -: أما من حول وجهه عن القبلة فإنه مات على غير السنة. # 119 - [توبة شاب مسرف على نفسه على يد إبراهيم بن أدهم] وروي أن رجلا جاء ~~إلى إبراهيم بن أدهم، فقال له: يا أبا إسحاق! # إني مسرف على نفسي، فاعرض علي ما يكون لها زاجرا ومستنقذا لقلبي. قال: إن ~~قبلت خمس خصال وقدرت عليها لم تضرك معصية، ولم توبقك ثنا لذة. قال: هات يا ~~أبا إسحاق! # قال: أما الأولى، فإذا أردت أن تعصي الله عز وجل فلا تأكل رزقه. # قال: فمن أين آكل وكل ما في الأرض من رزقه؟ قال له: يا هذا! # أفيحسن أن تأكل رزقه وتعصيه؟ قال: لا; هات الثانية! # قال: وإذا أردت أن تعصيه فلا تسكن شيئا من بلاده. قال الرجل: # هذه أعظم من الأولى! يا هذا! إذا كان المشرق والمغرب وما بينهما له، فأين ~~أسكن؟ قال: يا هذا! أفيحسن أن تأكل رزقه وتسكن بلاده وتعصيه؟ قال: لا; هات ~~الثالثة! # قال: إذا أردت أن تعصيه، وأنت تحت رزقه وفي بلاده، فانظر موضعا لا يراك ~~فيه مبارزا له فاعصه فيه. قال: يا إبراهيم! كيف هذا PageV00P285 # وهو مطلع على ما في السرائر؟ قال: يا هذا! أفيحسن أن تأكل رزقه وتسكن ~~بلاده وتعصيه وهو يراك ويرى ما تجاهره به؟! قال: لا; هات الرابعة! # قال: إذا جاءك ملك الموت ليقبض روحك فقل له: أخرني حتى أتوب توبة نصوحا ~~وأعمل لله عملا صالحا. قال: لا يقبل مني! قال: # يا هذا! فأنت إذا لم تقدر أن تدفع عنك الموت لتتوب، وتعلم أنه إذا جاء لم ~~يكن له تأخير، فكيف ترجو وجه الخلاص؟! قال: # هات الخامسة! # قال: إذا جاءتك الزبانية يوم القيامة ليأخذونك إلى النار فلا تذهب معهم. ~~قال: لا يدعونني ms157 ولا يقبلون مني. قال: فكيف ترجو النجاة إذا؟! قال له: يا ~~إبراهيم! حسبي حسبي! أنا أستغفر الله وأتوب إليه. # ولزمه في العبادة حتى فرق الموت بينهما. # 120 - [توبة صاحب مقثأة على يد شاب دمشقي] أنبأنا الحافظ أبو طاهر السلفي ~~إجازة، أنا أبو الحسين بن الطيوري، أنا مسعود بن ناصر السجستاني، أنا أبو ~~حازم عمر بن أحمد العدوي أنا علي بن عبد الله بن جهضم، أنا أبو الطيب محمد ~~بن جعفر، ثنا PageV00P286 # يحيى بن الحسن الرازي، ثنا معروف الكرخي قال: # رأيت في البادية شابا حسن الوجه له ذؤابتان حسنتان، وعلى رأسه رداء قصب، ~~وعليه قميص كتان، وفي رجليه نعل طاق. قال معروف: فتعجبت منه في مثل ذلك ~~المكان، ومن زيه. فقلت: # السلام عليك ورحمة الله وبركاته! فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ~~يا عم! فقلت: الفتى من أين؟ قال: من مدينة دمشق. قلت: متى خرجت منها؟ قال: ~~ضحوة النهار. قال معروف: فتعجبت، وكان بينه وبين الموضع الذي رأيته فيه ~~مراحل كثيرة. فقلت له: وأين المقصد؟ # قال: مكة. فعلمت أنه محمول، فودعته ومضى، ولم أره حتى مضت ثلاث سنين. ~~فلما كان ذات يوم وأنا جالس في منزلي أتفكر في أمره وما كان منه، إذا ~~بإنسان يدق الباب، فخرجت إليه، فإذا بصاحبي فسلمت عليه وقلت: مرحبا وأهلا! ~~فأدخلته المنزل فرأيته منقطعا والها تالفا، عليه زر مانقة، حافيا حاسرا. ~~فقلت: هيه! PageV00P287 # أيش الخبر؟ قال: يا أستاذ! لاطفني حتى أدخلني الشبكة فرماني; فمرة ~~يلاطفني، ومرة يهددني، ويجيعني ثم مرة، ويكرمني أخرى، فلمة أوقفني على بعض ~~أسرار أوليائه، ثم ليفعل بي ما يشاء! # قال معروف: فأبكاني كلامه، فقلت له: فحدثني ببعض ما جرى عليك منذ ~~فارقتني. قال: هيهات أن أبديه وهو يريد أن يخفيه! ولكن بديا ما فعل بي في ~~طريقي إليك يا مولاي وسيدي، ثم أستفرغه البكاء. فقلت: وما فعل بك؟ قال: ~~جوعني ولا ثلاثين يوما; ثم دخلت إلى قرية فيها مقثأة، وقد نبذ منها المدود ~~وطرح، فقعدت آكل منه. فبصر بي صاحب المقثأة، فأقبل ms158 إلي يضرب ظهري وبطني، ~~ويقول: يا لص! ما خرب مقثأتي غيرك! منذ كم أنا أرصدك حتى وقعت عليك! فبينا ~~هو يضربني إذ أقبل فارس نحوه مسرعا، وقلب السوط في رأسه، وقال، تعمد إلى ~~ولي من أولياء الله تعالى تقول له: # يا لص؟ فأخذ صاحب المقثأة بيدي فذهب بي إلى منزله، فما بقي من الكرامة ~~شيئا إلا عمله بي; واستحلني وجعل مقثأته لله ولأصحاب معروف، فقلت له: صف لي ~~معروفا، فوصفك لي، فعرفتك بما كنت شاهدته من صفتك. # قال معروف: فما استتم كلامه حتى دق صاحب المقثأة الباب PageV00P288 # ودخل، وكان موسرا، فأخرج جميع ماله وأنفقه على الفقراء، وصحب الشاب سنة، ~~وخرجا إلى الحج، فماتا في " الربذة " رحمة الله عليهما. # 121 - [توبة عاصي في جوف الليل وموته لسماع آية من القرآن فيها ذكر ~~النار] أخبرنا محمد، أنا حمد، ثنا إبراهيم بن عبد الله قال: حدثني محمد ابن ~~إسحاق الثقفي، حدثني أحمد بن موسى الأنصاري، عن منصور ابن عمار، قال: # حججت حجة، فنزلت سكة من سكك الكوفة. فخرجت في ليلة مظلمة، فإذا بصارخ ~~يصرخ في جوف الليل وهو يقول: إلهي! # وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، وقد عصيتك إذ عصيتك وما أنا ~~بنكالك جاهل، ولكن خطيئة عرضت لي أعانني عليها شقائي وغرني سترك المرخى ~~علي، وقد عصيتك بجهدي وخالفتك بجهلي، ولك الحجة علي; فالآن من عذابك من ~~يستنقذني؟ وبحبل من أتصل إذا قطعت حبلك مني؟ وا شباباه! وا شباباه! قال: ~~فلما فرغ من قوله تلوت آية من كتاب الله: * (نارا وقودها الناس والحجارة ~~PageV00P289 # عليها ملائكة غلاظ شداد) * [التحريم: 6]... الآية. فسمعت حركة شديدة، ثم ~~لم أسمع بعدها حسا، فمضيت. فلما كان من الغد رجعت في مدرجتي، إذا بجنازة قد ~~وضعت، وإذا بعجوز كبيرة، فسألتها عن أمر الميت، ولم تكن عرفتني، فقالت: هذا ~~رجل لا جزاه الله إلا جزاءه! مر بابني البارحة، وهو قائم يصلي، فتلا آية من ~~كتاب الله; فلما سمعها ابني تفطرت مرارته فوقع ميتا. # 122 - [توبة امرأة عن الغناء والعود وتوبة مولاها ms159 على يدها] وجدت في كتاب ~~عن سري السقطي أنه قال: ضاقت علي نفسي يوما، فقلت في نفسي: أخرج إلى ~~المارستان وأنظر إلى المجانين فيه، وأعتبر بأحوالهم. فخرجت إلى بعض ~~المارستانات، وإذا بامرأة مغلولة يدها إلى عنقها وعليها ثياب حسان وروائح ~~عطرة، وهي تنشد: # أعيذك أن تغل يدي * بغير جريمة سبقت تغل يدي إلى عنقي * وما خانت ولا ~~سرقت وبين جوانحي كبد * أحس بها قد احترقت وحقك يا مدى أملي * يمينا برة ~~صدقت PageV00P290 # فلو قطعتها قطعا * وحقك عنك لا نطقت فقلت لصاحب المارستان: ما هذه؟ فقال: ~~مملوكة خبل عقلها فحبست لتصلح. فلما سمعت كلامه أنشدت: # معشر الناس ما جننت ولكن * أنا سكرانة وقلبي صاح لم غللتم يدي ولم آت ~~ذنبا * غير هتكي في حبه وافتضاحي أنا مفتونة بحب حبيب * لست أبغي عن بابه ~~من براح فصلاحي الذي زعمتم فسادي * وفسادي الذي زعمتم صلاحي ما على من أحب ~~مولى الموالي * وارتضاه لنفسه من جناح قال سري: فسمعت كلاما أبكاني. فلما ~~رأت دموعي قالت: # يا سري! هذه دموعك على الصفة، فكيف لو عرفته حق المعرفة؟ # فقلت: هذا أعجب! من أين عرفتني؟ قالت: ما جهلت منذ عرفت أن أهل الدرجات ~~يعرف بعضهم بعضا فقلت: يا جارية أراك تذكرين المحبة، فلمن تحبين؟ قالت: لمن ~~تعرف PageV00P291 # إلينا بآلائه، وتحبب إلينا بنعمائه، وجاد علينا بجزيل عطائه; فهو قريب، ~~إلى القلوب مجيب; تسمى بأسمائه الحسنى، وأمرنا أن ندعوه بها; فهو حكيم ~~كريم، قريب مجيب. قال: فقلت لها: فيم حبست؟ # فقالت: قومي عابوا علي ما سمعت منهم فقلت لصاحب المارستان: # أطلقها. ففعل; فقلت: اذهبي حيث شئت. فقالت: إن حبيب قلبي قد ملكني لبعض ~~مماليكه، فإن رضي مالكي وإلا صبرت واحتبست. # فقلت: هذه والله أعقل مني! فجاء مالكها ومعه ناس كثير، فقال لصاحب ~~المارستان: وأين البدعة؟ فقال: دخل عليها سري فأطلقها. # فلما رآني عظمني; فقلت: هي والله بالتعظيم مني! فما الذي تنكر منها؟ # فقال: كثرة فكرتها، وسرعة عبرتها وزفرتها وحنينها; فهي باكية راغبة، لا ~~تأكل مع من يأكل، ولا تشرب ms160 مع من يشرب; وهي بضاعتي اشتريتها بكل مالي - ~~بعشرين ألف درهم - وأملت أن أربح فيها مثل ثمنها. فقلت: وما كانت صنعتها؟ ~~قال: مطربة. قلت: ومنذ كم كان بها هذا الداء؟ فقال: منذ سنة. قلت: ما كان ~~بدؤه؟ قال: كان العود في حجرها وهي تغني وتقول: # وحقك لا نقضت الدهر عهدا * ولا كدرت بعد الصفو ودا PageV00P292 # ملأت جوانحي والقلب وجدا * فكيف أقر أو أسلو وأهدا فيا من ليس لي مولى ~~سواه * تراك تركتني في الناس عبدا قال: فكسرت العود وقامت وبكت. فاتهمتها ~~عبد بمحبة إنسان. فكشفت عن ذلك فلم أجد له أثرا. قال: فقلت لها: هكذا كان؟ ~~فقالت: # خاطبني الوعظ من جناني * وكان وعظي على لساني قربني منه بعد بعد * وخصني ~~الله واصطفاني أجبت لما دعيت طوعا * ملبيا للذي دعاني وخفت مما جنيت قدما * ~~فوقع الحب بالأمان قال: فقلت: له علي الثمن وأزيدك. قال: فصاح: وا فقراه! ~~من أين لك ثمن هذه؟ فقلت: لا تعجل علي، تكون في المارستان حتى آتي بثمنها، ~~ثم مضيت وعيني تدمع وقلبي يخشع. وبت ولم أطعم غمضا، ووالله ما عندي درهم من ~~ثمنها وبقيت طول ليلتي أتضرع إلى الله تعالى وأقول: يا رب! إنك تعلم سري ~~وجهري، وقد اتكلت على فضلك وعولت عليك فلا تفضحني. فيما أنا عند السحر إذا ~~بقارع عليه يقرع PageV00P293 # الباب. فقلت: من بالباب؟ فقال: حبيب من الأحباب، أتى في سبب من الأسباب، ~~من الملك الوهاب. ففتحت الباب، فإذا برجل معه خادم وشمعة. فقال: يا أستاذ! ~~أتأذن لي بالدخول؟ فقلت: ادخل! # من أنت؟ قال: أنا أحمد بن المثنى، قد أعطاني مالك الدار فأكثر; كنت ~~الليلة نائما فهتف بي هاتف في المنام: احمل خمس بدرات إلى سري يعطيها لمولى ~~بدعة يفكها من الأسر ومن رق العبودية الساعة; فلنا بها عناية. فجئت مبادرا ~~بهذا المال، فاصنع به ما شئت. قال: # فخررت لله ساجدا وارتقبت الصبح. فلما تعالى ضوء النهار أخذت بيد أحمد ~~ومضيت به إلى المارستان. فإذا الموكل به يلتفت يمينا وشمالا. فلما رآني ~~قال: ms161 مرحبا! ادخل! فإن لها عند الله عناية; هتف بي البارحة هاتف، وهو يقول: # إنها منا ببال * ليس تخلو من نوال قربت ثم تسمت * وعلت في كل حال فحفظت ~~هذا القول وكررته إلى أن أتيتم. فدخلت عليها وهي تقول: # قد تصبرت إلى أن * عيل في حبك صبري ضاق من غلي وقيدي * وامتهاني فيك صدري ~~PageV00P294 # ليس يخفى عنك أمري * يا منى قلبي وذخري أنت لي تعتق رقي * وتفك اليوم ~~أسري قال: وأقبل مولاها يبكي ويخشع، فقلت له: قد جئناك بما ورثت وربح خمسة ~~آلاف. فقال: لا والله! فقلت: بربح عشرة آلاف فقال: لا. فقلت: بربح المثل. ~~فقال: لو أعطيتني الدنيا ما قبلت! # وهي حرة لوجه الله تعالى. فقلت له: ما القصة؟ فقال: يا أستاذ! # وبخت البارحة، أشهدك أني خارج من جميع مالي وهارب إلى الله تعالى; اللهم ~~كن لي بالسعة كفيلا وبالرزق جميلا. فالتفت إلى ابن المثنى فرأيته يبكي، ~~فقلت له: ما بكاؤك؟ فقال: ما رضي بي المولى لما ندبني إليه; أشهدك أني قد ~~تصدقت بجميع مالي لوجه الله تعالى. # فقلت: ما أعظم بركة بدعة على الجميع! فقامت بدعة، فنزعت ما كان عليها، ~~ولبست مدرعة من الشعر، وخرجت وهي تقول: # هربت منه إليه * بكيت منه عليه وحقه فهو مولى * لا زلت بين يديه حتى أنال ~~وأحظى * بما رجوت لديه قال سري: فأقمت بعد ذلك مدة حتى مات مولاها. فبينا ~~أنا أطوف بالكعبة وإذا أنا بصوت محزون من كبد مقروحة، وهو يقول: # قد تشهرت لا بحبك * كيف لي منك بقربك كيف بي يا نفس إن وا * خذك الله ~~بذنبك PageV00P295 # لم يقاسي أحد يا * نفس كربا مثل كربك فسلي ربك يأتيك * الرضى من عند ربك ~~قال: فتبعت الصوت فإذا امرأة كالخيال. فلما رأتني قالت: السلام عليك يا ~~سري! فقلت: وعليك السلام! من أنت؟ فقالت: لا إله إلا الله! وقع التناكر بعد ~~المعرفة! أنا بدعة. فقلت: ما الذي أفادك الحق بعد انفرادك عن الخلق؟ فقالت: ~~أفادني كل المنى. وأنشدت: # يا من رأى وحشتي فآنسني * بالقرب ms162 من قربه فأنعشني هربت من مسكني إلى سكني ~~* نعم ومن موطني إلى وطني يا سكني لا خلوت من سكني * دهري ويا عدتي على ~~الزمن أوحشني ما فقدت منه فقد * عاد بإحسانه فآنسني وعدت أيضا وعاد منعطفا ~~* كذلك مذ كان منه عودني ثم قالت: لا حاجة لي بالبقاء، فخذني إليك! قال: ~~فحركتها فإذا هي ميتة - رحمة الله عليها. # * * * PageV00P296 # ذكر خبر جماعة ممن أسلم 123 - [توبة أبي إسماعيل النصراني واسلامه] ~~أنبأتنا شهدة بنت أحمد بن الفرج الابري قالت: أنا جعفر بن أحمد السراج، ثنا ~~جعفر الخلدي، ثنا أحمد بن مسروق، ثنا محمد بن الحسين، ثنا عبد الله بن ~~الفرج العابد، قال: # كان بالموصل رجل نصراني يكنى أبا إسماعيل. قال: فمر ذات ليلة برجل وهو ~~يتهجد على سطحه، وهو يقرأ: * (وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~وإليه يرجعون) * [آل عمران: 83] قال: فصرخ أبو إسماعيل صرخة غشي عليه، فلم ~~يزل على حاله تلك حتى أصبح; فلما أصبح أسلم، ثم أتى فتحا الموصلي فاستأذنه ~~في صحبته; فكان يصحبه ويخدمه. قال: فبكى أبو إسماعيل حتى ذهبت إحدى عينيه ~~وعشي من الأخرى. فقلت له يوما: حدثني ببعض أمر " فتح " قال: فبكى، ثم قال: ~~أخبرك عنه، كان والله كهيئة الروحانيين، معلق القلب بما هناك، ليست له في ~~الدنيا راحة. PageV00P297 # قلت: علي ذاك. قال: شهدت العيد معه ذات يوم، ورجع بعد ما تفرق الناس، ~~ورجعت معه. فنظر إلى الدخان يفور من نواحي المدينة، ثم بكى، ثم قال، قد قرب ~~الناس قربانهم، فليت شعري ما فعلت في قرباني عندك أيها المحبوب؟ ثم سقط ~~مغشيا عليه. فجئت بماء فمسحت به وجهه فما أفاق، حتى دخل بعض أزقة المدينة، ~~فرفع رأسه إلى السماء، ثم قال: قد علمت طول غمي وحزني وتردادي في أزقة ~~الدنيا، فحتى متى تحبسني أيها المحبوب؟ ثم سقط مغشيا عليه. فجئت بماء ~~فمسحته على وجهه، فأفاق، فما عاش بعد ذلك إلا أياما حتى مات - رحمه الله. # 124 - [توبة شاب نصراني واسلامه] أنبأنا الحافظ أبو طاهر السلفي، أنا ms163 أبو ~~الحسين بن الطيوري، أنا عبد العزيز بن علي، أنا علي بن عبد الله الصوفي، ~~ثنا محمد بن داود، قال: حدثني حامد الأسود صاحب إبراهيم الخواص، قال: # كان إبراهيم، إذا أراد سفرا، لم يحدث به أحدا ولم يذكره; وإنما يأخذ ~~ركوته ويمشي. فبينا نحن معه في مسجده تناول ركوته ومشى. PageV00P298 # فاتبعته، فلم يكلمني، حتى وافينا الكوفة. فأقام بها يومه وليلته، ثم خرج ~~نحو القادسية. فلما وافاها، قال لي: يا حامد! إلى أين؟ قلت: # يا سيدي! خرجت بخروجك. قال: أنا أريد مكة إن شاء الله! # قلت: وأنا إن شاء الله أريد مكة، فمشينا يومنا وليلتنا. فلما كان بعد ~~أيام إذا شاب قد انضم إلينا في بعض الطريق. فمشى يوما وليلة لا يسجد لله - ~~عز وجل - سجدة. فعرفت إبراهيم، وقلت: إن هذا الغلام لا يصلي. فجلس، وقال ~~له: يا غلام! مالك لا تصلي، والصلاة أوجب عليك من الحج. فقال: يا شيخ! ما ~~علي صلاة. قال: # ألست برجل مسلم؟ قال: لا. قال: أي شئ أنت؟ قال: نصراني، ولكن إشارتي في ~~النصرانية إلى التوكل; وادعت نفسي أنها قد أحكمت حال التوكل فلم أصدقها ~~فيما ادعت، حتى أخرجتها إلى هذه الفلاة التي ليس فيها موجود غير المعبود، ~~أثير ساكني وأمتحن خاطري. # فقام إبراهيم ومشى، وقال: دعه يكون معك. فلم يزل يسايرنا إلى أن وافينا " ~~بطن مر " فقام إبراهيم ونزع خلقانه قال وطهرها بالماء، ثم جلس وقال له: ما ~~اسمك؟ قال: عبد المسيح. فقال: يا عبد المسيح! # هذا دهليز مكة، وقد حرم الله على أمثالك الدخول إليه وقرأ * (إنما ~~المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) * PageV00P299 # [التوبة: 28] والذي أردت أن تستكشف من نفسك فقد بان لك، فاحذر أن تدخل ~~مكة! فإن رأيناك بمكة أنكرنا عليك. قال حامد: # فتركناه ودخلنا مكة، وخرجنا إلى الموقف. فبينا نحن جلوس بعرفات إذا هو قد ~~أقبل وعليه ثوبان وهو محرم، يتصفح الوجوه حتى وقف علينا، فأكب على إبراهيم ~~يقبل رأسه. فقال له: ما وراءك يا عبد المسيح؟ فقال: هيهات! ms164 أنا اليوم عبد ~~من المسيح عبده! فقال: # له إبراهيم: حدثني حديثك. فقال: جلست مكاني حتى أقبلت قافلة الحاج، فقمت ~~وتنكرت في زي المسلمين كأني محرم. فساعة وقعت عيني على الكعبة اضمحل عندي ~~كل دين سوى الإسلام، فأسلمت واغتسلت وأحرمت. وها أنا أطلبك يومي، فالتفت ~~إلينا إبراهيم وقال: يا حامد! انظر إلى بركة الصدق في النصرانية كيف هداه ~~إلى الإسلام وصحبنا حتى مات بين الفقراء - رحمه الله. # 125 - [توبة عابد صنم واسلامه] وحكي عن عبد الواحد بن زيد، قال: كنت في ~~مركب، فطرحتنا عن الريح إلى جزيرة، وإذا فيها رجل يعبد صنما. فقلنا له: يا ~~رجل! # من تعبد؟ فأومأ إلى الصنم. فقلنا: إن معنا في المركب من يسوى PageV00P300 # مثل هذا، وليس هذا إله يعبد. قال: فأنتم لمن تعبدون؟ قلنا: الله. # قال: وما الله؟ قلنا: الذي في السماء عرشه، وفي الأرض سلطانه، وفي ~~الأحياء والأموات قضاؤه. فقال: كيف علمتم به؟ قلنا: وجه إلينا هذا الملك ~~رسولا كريما فأخبر بذلك. قال: فما فعل الرسول؟ # قلنا: أدى الرسالة ثم قبضه الله. قال: فما ترك عندكم علامة؟ قلنا: # بلى، ترك عندنا كتاب الملك. فقال: أروني كتاب الملك، فينبغي أن تكون كتب ~~الملوك حسانا فأتيناه بالمصحف، فقال: ما أعرف هذا. فقرأنا عليه سورة من ~~القرآن، فلم نزل نقرأ ويبكي حتى ختمنا السورة. فقال: ينبغي لصاحب هذا ~~الكلام أن لا يعصى! ثم أسلم، وحملناه معنا وعلمناه شرائع الإسلام وسورا من ~~القرآن. وكنا حين جننا الليل وصلينا العشاء وأخذنا مضاجعنا، قال لنا: يا ~~قوم! هذا الإله الذي دللتموني عليه، إذا جنه الليل ينام؟ قلنا: لا، يا عبد ~~الله! هو عظيم قيوم لا ينام. قال: بئس العبيد أنتم، تنامون ومولاكم لا ~~ينام؟ فأعجبنا كلامه. فلما قدمنا " عبادان " قلت لأصحابي: هذا قريب عهد ~~بالإسلام. فجمعنا له دراهم وأعطيناه. فقال: ما هذا؟ قلنا: تنفقها. # فقال: لا إله إلا الله! دللتموني على طريق ما سلكتموها; أنا كنت ~~PageV00P301 # في جزائر البحر أعبد صنما من دونه ولم يضيعني، يضيعني وأنا أعرفه؟! فلما ~~كان بعد ms165 أيام قيل: لي إنه في الموت. فأتيته، فقلت له: هل من حاجة فقال: قضى ~~حوائجي من جاء بكم إلى جزيرتي. قال عبد الواحد: # فحملتني عيني، فنمت عنده. فرأيت مقابر " عبادان " روضة وفيها قبة، وفي ~~القبة سرير عليه جارية لم ير أحسن منها. فقالت: سألتك بالله إلا ما عجلت ~~به، فقد اشتد شوقي إليه. فانتبهت، وإذا به قد فارق الدنيا. فقمت إليه ~~فغسلته وكفنته وواريته. فلما جن الليل نمت، فرأيته في القبة مع الجارية، ~~وهو يقرأ: * (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم بما صبرتم فنعم ~~عقبى الدار) * [الرعد: 23، 24] 126 - [توبة مجوسي واسلامه وأهل داره] وقرأت ~~في " الملتقط " أن بعض العلويين كان نازلا ب‍ " بلخ " وله امرأة علوية ولها ~~بنات قد أصابهم الفقر. ومات الرجل، فخرجت PageV00P302 # المرأة بالبنات إلى " سمر قند " خوفا من شماتة الأعداء. فاتفق خروجها في ~~شدة البرد، فلما دخلوا البلد أدخلتهم مسجدا ومضت تحتال لهم في القوت، فمرت ~~بجمعين; جمع على رجل مسلم وهو شيخ البلد، وجمع على مجوسي هو ضامن البلد، ~~فبدأت بالمسلم، فشرحت له حالها، وقالت: أريد قوت الليلة، فقال: أقيمي عندي ~~البينة أنك علوية، فقالت: ما في البلد من يعرفني، فأعرض عنها، فمضت إلى ~~المجوسي، فأخبرته بالخبر وحدثته ما جرى لها مع المسلم، فبعث معها أهل داره ~~إلى المسجد، فجاؤوا بأولادها إلى داره، فألبسهم الحلل الفاخرة. فلما انتصف ~~الليل رأى ذلك المسلم في منامه كأن القيامة قد قامت، واللواء على رأس محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وإذا قصر من الزمرد الأخضر. فقال له: # يا رسول الله! لمن هذا القصر؟ فقال: لرجل مسلم موحد، فقال: # يا رسول الله! فأنا مسلم موحد. فقال: أقم عندي البينة بأنك مسلم موحد، ~~فبقي الرجل متحيرا. فقال له: لما قصدتك العلوية قلت لها: أقيمي عندي ~~البينة; فهكذا أنت أقم عندي البينة. فانتبه يبكي ويلطم. وخرج يطوف البلد ~~على المرأة حتى عرف أين هي، فأرسل إلى المجوسي فأتاه، فقال له: أين ~~العلوية؟ قال: عندي، قال: # أريدها. قال: ما إلى هذا من ms166 سبيل. قال: خذ مني ألف دينار وسلمهم إلي. ~~قال: ما أفعل! قد استضافوني من ولحقني من بركاتهم. قال: لا بد PageV00P303 # منهم! قال: الذي تطلبه أنا أحق به، والقصر الذي رأيته لي خلق! # أتدل علي بإسلامك؟ والله ما نمت ولا أهل داري حتى أسلمنا على يد العلوية. ~~ورأيت مثل منامك الذي رأيت; وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: # العلوية عندك وبناتها؟ قلت: نعم. قال: القصر لك ولأهل دارك، وأنت وأهل ~~دارك من أهل الجنة; خلقك الله مؤمنا في الأزل 127 - [توبة يهودي محسن ~~واسلامه] وروي عن ختن أبي عمران اللؤلؤي، وكان رجلا صالحا يخدم الفقراء ~~وبيته بيت ضيافة، أنه نزل به قوم، فمضى إلى الحاكم يطلب لهم شيئا، فلم ~~يعطه، فمضى إلى يهودي، فبعث إلى داره ما يحتاج إليه. فلما نام الحاكم رأى ~~كأنه على باب قصر من لؤلؤة حمراء، فهم أن يدخله، فمنع منه وقيل له: إن هذا ~~كان لك فدفع إلى فلان اليهودي، فلما أصبح الحاكم مضى إلى ختن أبي عمران، ~~فسأله عن القصة فأخبره، فاستحضر الحاكم اليهودي وقال: لك قصر في الجنة، ~~تبيعه بعشرة آلاف درهم؟ فقال: لا، فزاده، فأبى; وسأله عن القصة، فقص عليه ~~الرؤيا، فقال اليهودي لختن أبي عمران: أعرض علي الاسلام فأسلم 128 - [توبة ~~مجوسي كريم واسلامه مع أولاده ورهطه] وعن أبي حفص النيسابوري أنه قال ~~لأصحابه يوما في وقت الربيع: PageV00P304 # تعالوا نخرج إلى التنزه، فخرجوا; فمروا بمحلة، فإذا شجرة كمثرى قد أثمرت ~~في دار، فوقف ينظر إليها، فخرج من تلك الدار رجل مجوسي شيخ كبير، فقال له: ~~يا مقدم الأخيار! هل تكون ضيفا لمقدم الأشرار؟ فدخل أبو حفص مع أصحابه، ~~وكان معهم من قراء القرآن. فأخرج المجوسي كيسا فيه دراهم، وقال: أعلم أنكم ~~تتنزهون مما تصل أيدينا إليه من الطعام، فمر من يشتري لكم شيئا من السوق، ~~ففعلوا، فلما أراد أبو حفص أن يخرج قال له المجوسي: لا يمكنك أن تخرج إلا ~~وأنا معك! فأسلم، وأسلم أولاده ورهطه بضعة عشر نفسا. # 129 ms167 - [توبة مجوسي بغدادي واسلامه مع ابنه وابنته وكثير من أصحابه] وجدت ~~في كتاب " الجوهري " قال: حدث ابن أبي الدنيا أن رجلا نام، فرأى المصطفى ~~صلى الله عليه وسلم وهو يقول له: امض إلى المجوسي الذي في بغداد، وقل له: ~~قد أجيبت الدعوة، فلما أصبحت قلت: كيف أمضى إلى مجوسي؟! فنمت الليلة ~~الثانية، فرأيت مثل ذلك. ثم رأيت مثل ذلك في الليلة الثالثة، فلما أصبحت ~~تحملت إلى بغداد، وأتيت المجوسي، فوجدته في نعمة عريضة ودنيا واسعة. قال: ~~فدخلت إليه وسلمت عليه وجلست. فقال: ألك حاجة؟ قلت: نعم. قال: # تكلم. قلت: في خلوة. فانصرف الناس وبقي أصحابه; فقلت: PageV00P305 # وهؤلاء فصرفهم، وقال: قل. قلت: أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إليك. # وهو يقول لك: قد أجيبت الدعوة. فقال: أتعرفني؟ قلت: نعم. # قال: إني أنكر الاسلام، وأنكر رسالة محمد عليه السلام. قلت: كذلك قلت، ~~وهو أرسلني إليك، قال: أرسلك إلي؟ قلت: نعم. قال: أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله. # ثم دعا أصحابه وقال: قد كنت في ضلال وقد رجعت إلى الحق; فمن أسلم فما في ~~يديه له، ومن لم يسلم فلينزع مما لي عنده، فأسلم القوم إلا قليلا. ثم دعا ~~ابنه، فقال: يا بني! إني كنت في ضلال وقد أسلمت; فما أنت صانع؟ قال: يا ~~أبت! أسلم. فأسلم. ثم دعا ابنته، وقال: # يا بنية! قد أسلمت وأسلم أخوك، فإن أنت أسلمت فرقت بينكما. # فقالت: يا أبت! والله لقد كنت كارهة لاجتماعي به، وأسلمت. فقال لي: # أتدري الدعوة التي أجيبت؟ قلت: لا. قال: لما زوجت ابنتي بولدي وصنعت له ~~طعاما ودعوت الناس كلهم، فأجابوا لما خولني الله من الدنيا. فلما أكل الناس ~~تعبت; فقلت للخادم: افرش لي حصيرا في أعلى الدار أنام شيئا. فطلعت; وكان ~~بجوارنا قوم أشراف فقراء. # فسمعت صبية وهي تقول لأمها: يا أماه! قد آذانا هذا المجوسي برائحة طعامه. ~~قال: فنزلت وحملت لهم طعاما كثيرا، ودنانير كثيرة; وكسوة لكل من في الدار. ~~فقالت الواحدة: حشرك الله ms168 مع جدي! وقال الباقون: آمين فتلك الدعوة التي ~~أجيبت. PageV00P306 # 130 - [توبة طبيب نصراني محسن واسلامه] وروي أن بعض مشايخ الصوفية خرج ~~على أصحابه، وكانوا أربعين رجلا وقد أقاموا ثلاثة أيام لم يفتح لهم بطعام، ~~فقال لهم: يا قوم! # إن الله قد أباح التسبب للعباد; فقال تعالى: * (فامشوا في مناكبها وكلوا ~~من رزقه) * [تبارك: 15]; فانظروا من يخرج منها فليأتنا بشئ، قال: فخرج فقير ~~فمشى في جانبي بغداد، فلم يجد من يسأله في شئ، فأخذه الجوع والتعب، فجلس ~~على دكان طبيب نصراني والناس عليه خلق عظيم يصف لهم الدواء. فقال له ~~النصراني: ما بك؟ فلم ير أن يشكو إلى نصراني حاله، بل مد يد إليه، فمس يده. ~~فقال النصراني عند ذلك: هذه علة أنا أعرف دواءها; يا غلام! امض إلى السوق ~~وائتني برطل خبز ورطل شواء ورطل حلواء فقال الفقير: فهذه العلة بأربعين ~~رجلا. فقال: يا غلام! ائتني بأربعين مثل ذلك. # فأتى الغلام بذلك. فسلمه النصراني إلى الفقير، وقال: خذه لمن ذكرت. فأخذ ~~معه الحمال ومضى معه إلى الدويرة. وقام النصراني يختبر صدق الفقير. فلما ~~أتى الدويرة وقف خارجا منها خلف طاق، PageV00P307 # حتى دخل الفقير فوضع الطعام، واجتمع الشيخ والفقراء. وقدموا الطعام، ~~فأمسك الشيخ عن الطعام، وقال: يا فقير! ما قصة هذا الطعام؟ فحكى له القصة ~~بكمالها. فقال الشيخ: أترضون أن تأكلوا طعام نصراني وصلكم به دون مكافأة؟ ~~قالوا: ما مكافأته؟ قال: تدعون الله له قبل أكل طعامه بالنجاة من النار، ~~فدعوا له وهو يسمع. فلما رأى النصراني إمساكهم عن الطعام مع حاجتهم إليه، ~~وسمع ما قال الشيخ، قرع الباب، ففتح له ودخل، وقطع الزنار، وقال: أشهد أن ~~لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. # * * * تم - بعون الله تعالى وتوفيقه - كتاب التوابين للإمام موفق الدين ~~بن قدامة المقدسي رحمه الله . آخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين.# ~~PageV00P308 #####ENDNOTES# ms169