######OpenITI# #META# bkid: 120146 #META# bk: أنس المسجون وراحة المحزون #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: أنس المسجون وراحة المحزون #META# المؤلف: صفيّ الدين، أبو الفتح عيسى بن البحتري الحلبي (المتوفى: بعد 625هـ) #META# المحقق: محمد أديب الجادر #META# الناشر: دار صادر، بيروت #META# الطبعة: الأولى، 1997 م #META# عدد الأجزاء: 1 #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: None #META# auth: صفي الدين الحلبي #META# authinf: مؤلف كتاب «أنس المسجون وراحة المحزون»، كان حيا سنة 625. لا تعرف له ترجمة، لكنه قال في كتابه (أنس المحزون): «حدّثني الشيخ الصالح أوحد الدين الكرماني». وأوحد الدين الكرماني هذا ممن يقول بوحدة الوجود وله صداقات مع (ابن عربي) بل ذكره ابن عربي في فتوحاته وأخذ عنه. وقد ذكر المؤلف- أيضا - في نفس الكتاب خبرا عن ابن سينا: أنه أمر عند وفاته أن يغنوا عنده بأبيات آخرها:. وبقيت لا شيئا أشاهده … إلاّ أقول بأنّه ربّي. وقد مر المؤلف على هذا الخبر مرورا عابرا بل محتفيا به #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 120146 #META# over: 1 #META# seal: 1205F458 #META# oauth: 2611 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 1 #META# vername: None #META# cat: الأدب والبلاغة #META# lng: صفيّ الدين، أبو الفتح عيسى بن البحتري الحلبي #META# higrid: بعد 625 #META# ad: 625 #META# aseal: D977B0C9 #META# blnk: None #META# pdfcs: 2 #META# shrtcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/120146 #META#Header#End# ### | AUTO [مقدمة] # بسم الله الرحمن الرحيم # اللهم صل على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما الحمد لله مولى الأنام. . . . ~~. (¬1) والشكر والثناء، ومجلي النقم ومزيلها بالصبر والدعاء، الذي جعل ~~النقم قصاصا وجزاء، ولم يجعل نقمة إلا بعد نعمة ذهل صاحبها عن أداء واجب ~~الشكر، وغفل عن إقامة وظائف الحمد والذكر، فأسعد النعم طوالع، وأعذبها ~~مشارع، وأكرمها مناقب، وأحمدها عواقب نعمة وقعت بعد محنة، وعطية حصلت بعد ~~رزية، خلص صاحبها خلوص الإبريز، وصعد من مطرح الذل إلى محط العزيز، وعرف ~~وجوب شكر باريه، ولزم حمد خالقه ومنشيه، إذ الأثبت عقلا ودينا، والأوفر ~~فضلا ويقينا من يتصدى لما يولي الله من نعمه تصدي الشاكر، ويتلقى ما يبلى ~~به من محنة تلقي الصابر. # ولما امتحنت بالمحن، وصرفت إلى صروف الزمن، واعتقل مخدومي الذي رضعت من ~~لبون نعمه، ونشأت في حمى إحسانه وكرمه، وأصبت بوفاة الوالد والأخ، وحصلت ~~بعدهما وبعد ذهاب المال في كفة الحدثان والفخ. # بالمال طورا وبالأهلين آونة ... ما أضيع المرء بعد الأهل والمال # وتواترت علي محن تشيب الوليد، وتخلق ريعان كل جديد، أنفقت فيها شرخ ~~الشباب، وسويداء القلب، وأفنيت معها ماء الحياة ولباب اللب، فكان حالي كما ~~قلت: PageV01P029 # .... (¬1) شرخ الشباب ... وفي النائبات رماني الزمان # ودوني كل ضعيف يباح ... ومالي يصاب ونفسي تهان # فيا رب قد طال وقع الأذى ... أما لي من صرف دهري أمان # وأصبح السجن لي ربع أنس، والأشجان راحة قلب وقوت نفس. # رأيت أن أجمع تذكرة تكون لي في حال النعم مذكرة بالشكر، وفي حال النقم ~~باعثة على العزاء والصبر، ووسمتها ب «أنس المسجون وراحة المحزون» وجعلتها ~~تسعة فصول، ومن الله أستمد العصمة والتأييد، وإليه أرغب في حسن المزيد. # ذكر الفصول # الفصل الأول: في الشكر واستدامته النعم، وصرفه المحن والنقم. # الفصل الثاني: في الصبر والرضا، والتسليم والعزا. # الفصل الثالث: في الموت وانقطاع الأسباب بين الأهلين والأصحاب. # الفصل الرابع: في السجن والتعويق، ومن خرج إلى سعة من ضيق. # الفصل الخامس: في نفاق الأصحاب والإخوان، وتغيرهم مع تغير الزمان. # الفصل السادس: في القناعة ms001 والياس، والزهادة فيما بأيدي الناس. # الفصل السابع: في مكارم الأخلاق والكرم، ومحاسن المناقب والشيم. # الفصل الثامن: في التقوى والأمانة، وقمع الهوى، والديانة. # الفصل التاسع: في ذم الدنيا والزهادة فيها، وتقلب أحوالها بأهاليها. # وما قيل من تنبيه ووعظ، بأحسن إشارة وأفصح لفظ. PageV01P030 ### | AUTO الفصل الأول # في الشكر واستدامته النعم # وصرفه المحن والنقم # 1 - قال بعض العلماء لابنه: يا بني، عليك بالشكر، فإنه يديم النعمة ويزيل ~~المحنة، وأكثر من الدعاء؛ فإنه يمحص الذنوب. # 2 - وقيل: من صفة المؤمن أن يكون في الرخاء شكورا، وفي البلاء صبورا. # 3 - وقيل: الكمال في ثلاث: الشكر مع الفقر، والصبر عند المصيبة، وحسن ~~التدبير في المعيشة. # 4 - وقال بعض الرهبان: طوبى لمن شغل قلبه بشكر النعم عن البطر بها. # 5 - وقيل: قد عجز من لم يعد لكل بلاء صبرا، ولكل نعمة شكرا، ومن لم يعلم ~~أن مع العسر يسرا. # 6 - وقيل: النعمة عروس مهرها الشكر. # 7 - وقال الجنيد (¬1): دخلت على السري السقطي (¬2)، فقال لي: PageV01P031 # ما الشكر يا غلام؟. فقلت: ألا نستعين بنعم الله على معاصيه. # 8 - وقيل: علامة الشكر دوام النعمة. # 9 - وقيل: تألفوا النعم بحسن مجاورتها، والتمسوا الزيادة فيها بالشكر عليها. # 10 - وقيل: من شكر الباري فقد وجب عليه شكران: شكر النعمة، وشكر (¬1) إذ ~~وفقه لشكره. وهذا شكر الشكر. # 11 - محمود الوراق (¬2): # إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... علي له في مثلها يجب الشكر # فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتسع العمر # إذا عم بالسراء عم سرورها ... وإن عم بالضراء أعقبها الأجر # فما منهما إلا له فيه نعمة ... تطول بها الأوهام والبر والبحر # 12 - وقالت هند بنت المهلب (¬3): إذا رأيتم النعم مستدرة فبادروا بالشكر ~~قبل حلول الزوال. # 13 - وقال الحسن البصري (¬4): نعم الله أكثر [من] PageV01P032 # أن تشكر إلا ما أعان عليه. وذنوب ابن آدم أكثر من أن يسلم منها إلا ما ~~عفا عنها. # 14 - وكان بعض النساك يقول في دعائه: اللهم، اجعلني أواصل شكرك، وأكثر ~~ذكرك، وأطيع أمرك؛ فإنني أعلم إذا واصلتك بالشكر واصلتني ms002 بالإحسان، وإذا ~~أكثرت ذكرك ذكرتني في شدتي، وإذا أطعت أمرك جعلتني في الآخرة من الطائعين. # 15 - وقال بعض الفضلاء: الشكر تجارة رابحة، ومكسبة فاضلة جعله الله تعالى ~~مفتاحا لخزائن رزقه، وبابا إلى مزيد فضله فأقيموا تجارة الشكر تقم لكم ~~أرباح المزيد. # 16 - وقيل: من أعطي أربعا لم يعدم أربعا: من أعطي الشكر لم يعدم المزيد، ~~ومن أعطي التوبة لم يعدم القبول، ومن أعطي الاستخارة لم يعدم الخيرة، ومن ~~أعطي المشورة لم يعدم الصواب. # 17 - وقيل: على قدر الشكر يكون دوام النعمة، وعلى قدر المؤنة تكون ~~المعونة، وعلى قدر المصيبة يكون الصبر. # 18 - وقال عمر بن الخطاب: قيدوا النعم بالشكر، والعلم بالكتاب. # 19 - العلم صيد والكتابة قيده ... قيد صيودك بالحبال الواثقه PageV01P033 # فمن الحماقة أن تصيد غزالة ... وتركتها مثل الحليلة طالقه (¬1) # 20 - وقيل: لا زوال للنعمة إذا شكرت، ولا دوام لها إذا كفرت. # 21 - شعر: # لو شكروا النعمة زادتهم ... لكنه كفرهم غالها # لئن شكرتم لأزيدنكم ... مقالة الله التي قالها (¬2) # 22 - وقيل: ليس يخلو الإنسان من ذنب ومن نعمة، وليس يصلحه إلا الاستغفار ~~من هذا والشكر على هذه. # 23 - وقيل: من أضاع الشكر فقد خاطر بالنعمة. # 24 - وقيل: شكرك نعمة سالفة تقتضي لك نعمة مستأنفة. # 25 - وقال المأمون لثمامة (¬3): أيما أفضل الشاكر أو المنعم؟ فقال: # المنعم أمن فعلا، وأعلى في فعله فضلا، لأن الإنعام لقاح الشكر وبه يستهل ~~سبيل الشاكر إلى جميل البشر؛ فجالب الشكر أوكد سببا من الشكر. فقال ~~المأمون: ما علمت (¬4) شيئا، بل الشكر أفضل والقول بتقديمه أعدل، لأن الشكر ~~يمتري (¬5) المزيد، ويحكم عقد النعمة بالتوطيد، وموجب PageV01P034 # النعمة أفضل من النعمة [النعمة] (¬1) إلى نفاد، ويسير الشكر (¬2) باق إلى ~~المعاد. ومن فضله ندب الله عباده إليه، وحضهم عليه، وأوجب لهم المزيد ~~بإدامته. # 26 - وقال الشاعر: # فلو كان يستغني عن الشكر ماجد ... لعزة ملك وارتفاع مكان # لما أمر الله العباد بشكره ... فقال اشكروا لي أيها الثقلان # 27 - وقيل: من أراد أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله تعالى، ومن أحب ~~أن يكون أكرم ms003 الناس فليثق بالله تعالى، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن ~~بما في يد الله أوثق منه بما في يده، ومن أحب بقاء جميع ذلك فليشكر الله ~~تعالى دائما. # 28 - وقيل: الشكر عصمة من النقمة. # 29 - وقيل: الشكر قيد النعمة؛ وأحسن كل حسن نعمة مشكورة. # 30 - وقيل: لا راحة إلا في بدن صابر، ولسان ذاكر، وقلب شاكر. # 31 - وقيل: الشكر نعمة في الدنيا وشرف (¬3) في الآخرة. # 32 - وقيل: أفضل الخصال: الشكر عند النعمة، والصبر عند البلية. PageV01P035 # 33 - وقال الحسن البصري: الخير الذي لا شر فيه الصبر مع النازلة، والشكر ~~مع النعمة. # 34 - وقال الشاعر: # لئن ساءني دهر لقد سرني دهر ... وإن مسني عسر لقد مسني يسر # لكل من الأيام عندي عادة ... فإن ساءني صبر، وإن سرني شكر # 35 - وقيل: من تلقى أوائل النعم بالشكر ثم أمضاها في سبل البر فقد حصنها ~~من الزوال، وحرسها من الانتقال. # 36 - وقال إبراهيم بن هلال الصابئ (¬1): إن للنعم من الشكر شرطا (¬2) ما ~~يريم (¬3) ما وجدته، ولا يقيم ما فقدته. # 37 - وقيل: من كانت فيه ثلاث خلال رزقه الله التوفيق في الدنيا والنعيم ~~في الآخرة: إذا أعطى شكر، وإذا منع صبر، وإذا قدر غفر. # 38 - وقال بعض الرهبان: الصلاة التامة حمد الله وشكره والتسليم لأمره. # 39 - وأوصى بعض الحكماء ولده فقال: يا بني، كن كريم القدرة إذا قدرت، ~~شريف الهمة إذا ظفرت، صبورا إذا امتحنت؛ لا تردن حوض لئيم PageV01P036 # لظمئك (¬1)، ولا تأتين دنية لضيق حالك، واستجلب النعم بالشكر، واستدفع ~~البلاء بالصبر. # 40 - وقيل: الشكر مغنم، والكف [عنه] (¬2) مغرم. # 41 - وقيل: ثمرة المعروف الشكر، وثمرة الشكر الرضا. # 42 - وقال بعض الصالحين: إني لأصاب بالمصيبة فأشكر الله تعالى عليها أربع ~~مرار: شكرا إذ (¬3) لم تكن أعظم مما هي، وشكرا إذ رزقني الصبر عليها، وشكرا ~~لما أرجوه من زوالها، وشكرا إذ لم تكن في ديني. # 43 - اشكر فإنك واجد ... أبدا مع الشكر الزياده # لا تتكل في الرزق منك-م- ... على التصرف والجلاده # 44 - وقيل: حق الله في العسر الرضى والصبر، ms004 وفي اليسر البر والشكر. # 45 - وقيل: إذا أحببت نعمة وأحببت طول مجاورتها فتعهدها بالحمد، واستدمها ~~(¬4) بالشكر. # 46 - وقال بعض العلماء: ما رأيت أثبت أركانا، ولا أشرف بنيانا ولا أحدث ~~لنعمة، ولا أصرف لنقمة من الشكر لله تعالى. # 47 - وقيل: ثلاثة يبلغ بها الإنسان ما يحب: حسن الظن بالله تعالى، ~~والمكافأة على القبيح بالجميل، وشكر الله على الشدة. PageV01P037 # 48 - وقال أبو الفرج الببغاء (¬1): # صبرت ولم أحمد على الصبر شيمتي ... لأن مآلي لو جزعت إلى الصبر # ولله في أثناء كل ملمة ... وإن آلمت لطف يحض على الشكر # 49 - وقيل: من أخلاق المؤمن الفضل في الغنى، والقنوع في الفاقة والصبر في ~~الشدة، والشكر في الرخاء. # 50 - وقيل: من شكر النعمة فليثق بالزيادة والدوام، ومن كفرها فليثق ~~بالزوال والنقصان. # 51 - وقيل: إن الشكر وإن قل ثمن لكل نوال وإن جل. # 52 - وكان المأمون إذا رفع الطعام من بين يديه يقول: الحمد لله الذي جعل ~~أرزاقنا أكثر من أقواتنا. # 53 - وزعم الأصمعي (¬2) أن حربا كانت بالبادية، ثم اتصلت بالبصرة، فتفاقم ~~الأمر ثم مشي بين الناس بالصلح، فاجتمعوا في المسجد الجامع. # قال: فبعثت وأنا غلام إلى عبد الله بن عبد الرحمن العقفاني (¬3) فاستأذنت PageV01P038 # عليه، فأذن لي، فدخلت فإذا هو في شملة (¬1) يخلط بزرا لعنز له حلوب، ~~فخبرته بمجتمع الناس، فأمهل حتى أكلت العنز، ثم غسل الصحفة، وصاح: يا ~~جارية، غدينا. فأتته بزيت وتمر، قال: فدعاني، فقذرته أن آكل معه (¬2)، حتى ~~إذا قضى من أكله، وثب إلى طين ملقى في الدار، فغسل به يده، ثم صاح: يا ~~جارية، اسقيني ماء. فأتته بماء، فشربه، ومسح فضله على وجهه، ثم قال: الحمد ~~لله ماء الفرات، بتمر البصرة، وزيت الشام، متى نؤدي شكر هذه النعمة! ثم ~~قال: علي بردائي. فأتته برداء عدني فارتدى به على تلك الشملة. # قال الأصمعي: فتجافيت عنه استقباحا لزيه، فلما دخل المسجد صلى ركعتين، ثم ~~مشى إلى القوم، فلم تبق حبوة (¬3) إلا حلت إعظاما له، ثم جلس فتحمل جميع ما ~~كان بين الأحياء (¬4) في ماله، وانصرف. ms005 # 54 - وقال بعض الحكماء: إن عندنا من نعم الله ما لا نحصيه مع كثرة ما ~~نعصيه، فما ندري ما نشكر له: جميل ما نشر، أم قبيح ما ستر، أم عظيم ما ~~أبلى، أم كثير ما أعفى؟ PageV01P039 # 55 - وقيل: احتمل ما تكره لما ترجو، أو دع ما تهوى لما تخشى، وكما تهادي ~~أكفاءك فواس أتباعك، وكما تشكر لمن أنعم عليك فأنعم على من شكرك. # 56 - وقال الشاعر: # يد المعروف غنم حيث كانت ... تحملها كفور (¬1) أم شكور # فعند الشاكرين لها جزاء ... وعند الله ما كفر الكفور # 57 - وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو كان الصبر والشكر بعيرين ما ~~باليت أيهما ركبت. # 58 - وقيل: لا انقطاع للنعم مع الشكر، ولا دوام لها مع الكفر. # 59 - وسئل بعض الفضلاء: من أحق بالصنيعة؟ فقال: الذي إذا أعطي شكر، وإذا ~~منع عذر، وإذا موطل صبر. # 60 - وقيل: إن بعض الرهبان أصابته محنة، فقال: يا رب، ليت شعري، أي شيء ~~عملت لك حتى شكرتني عليه فأبليتني بما أرى حتى أدوم لك عليه. # 61 - وقال الأحنف (¬2): كنت في إبل لي فاشتكيت بطني، فتمنيت من PageV01P040 # أشكو له علتي، فمر بي عمي (¬1) صعصعة بن معاوية يريد إبلا له، فركبت ~~بعيرا لي وتبعته لأشكو إليه، وتفوهت لأتكلم فأسكتني، وقال: يا ابن أخي، إذا ~~نزل بك أمر فلا تشكه (¬2) إلى مخلوق مثلك؛ فإنه ما يقدر أن يدفع عن نفسه ~~مثل الذي نزل بك، بل اشكه (¬3) إلى الذي ابتلاك به، فهو يقدر على دفعه عنك، ~~واعلم أنك تشكو إلى أحد رجلين: إما عدو فتسره، أو صديق فتسوءه، يا ابن أخي، ~~أما ترى عيني هذه قد ذهبت مذ أربعين سنة ما أعلمت بها زوجتي (¬4) ولا أهلي ~~ولا ولدي، وشكري لله بعد ذهابها يزيد على أيام سلامتها، لأنه أدبني تأديبا ~~انتفعت به من حيث لم يكشفه لغيري، ولا أوقف (¬5) شيئا من أمري. # 62 - وقيل: إن صوفيا خرج من بغداد مسافرا فلقيه صوفي (¬6) قد ورد من بلخ، ~~فقال البلخي للبغدادي: كيف خلفت إخوانك ببغداد؟ ms006 فقال: إن أعطوا شكروا، وإن ~~منعوا صبروا. فقال: كذا خلفت الكلاب ببلخ. فقال: فكيف PageV01P041 # خلفت إخوانك ببلخ؟ فقال: إن أعطوا آثروا، وإن منعوا شكروا. # 63 - وقال الحجاج بن يوسف: ما سلبت نعمة إلا بكفرها، ولا تمت إلا بشكرها. # 64 - اشكر ولا تكفر تزد نعمة ... واتل مقالا من حكيم مجيد # لئن شكرتم لأزيدنكم ... وإن كفرتم إن عذابي شديد (¬1) # 65 - وأوصى عبد الله بن شداد بن الهاد (¬2) ولده فقال: يا بني، إني أرى ~~الموت لا يقلع، ومن مضى فليس يرجع، ومن بقي فإليه يسرع، وإني أوصيك بوصية ~~فاحفظها: اتق الله، وليكن أولى الأمور بك الشكر لله، وحسن النية في السر ~~والعلانية، فإن الشكر مزاد، والتقوى خير زاد. # 66 - وقال بعض الرهبان: الحزن على فقد الغنيات الدنياوية دليل على فقد ~~غيرها؛ والشكر والرضا بفقدها دليل على سرعة خلفها. # 67 - وقيل: الشكر تميمة لتمام النعمة. # 68 - وقيل: كان الحسن بن سهل (¬3) إذا قلل الشيء، يقول: هو أعز من نعمة ~~مشكورة. # 69 - وقيل: هو أحلى في عيني من نعمة مشكورة. PageV01P042 # 70 - وقيل: الشكر أكثر من النعمة؛ لأن النعمة تفنى والشكر يبقى. # 71 - لا يغلون عليك الشكر في ثمن ... فليس شكر وإن أقصرت بالغالي # الشكر يبقى على الأيام ما بقيت ... ويذهب الدهر والأيام بالمال # 72 - وقيل: سمع ثلاثة أنفس كلاما بليغا، فقال أحدهم: حق هذا الكلام أن ~~يكتب بالغوالي على خدود الغواني. وقال الآخر: حق هذا الكلام أن يكتب بأنامل ~~الحور في ورق النور. وقال الآخر: حق هذا الكلام [أن] يكتب بقلم الشكر في ~~ورق النعم. # 73 - وقال بعضهم: إن الشكر من الله بأحسن المواضع، فازدد منه تزدد به، ~~وحافظ عليه تحفظ له. # 74 - وقيل: من أنعم الله عليه، وأنعم [هو] على الناس فقد شكر النعمة وأمن ~~من المحنة. # 75 - وقيل: اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك. # 76 - وقال الحسن البصري: لا زوال للنعم إذا شكرتها، ولا إقامة لها إذا ~~كفرتها، والشكر زيادة في النعم، وأمان من النقم. # 77 - منصور الفقيه (¬1): # أعارك ما له ms007 لتقوم فيه ... بطاعته وتعرف فضل حقه # فلم تشكر لنعمته ولكن ... قويت على معاصيه برزقه PageV01P043 # 78 - ولأبي إسحاق هلال الصابئ (¬1) ابتداء رسالة: أما بعد، فإن لله قضايا ~~نافذة وأقدارا ماضية فيهن النعم السوابغ والنقم الدوامغ، فأما النعم فإنه ~~يؤتيها عباده أجمعين بادئة، ثم يجزي بها الشاكرين عائدة؛ وأما النقم فلا ~~تقع سلفا وابتداء لكن قصاصا وجزاء بعد إمهال وإنظار، وتحذير وإنذار؛ وإذا ~~حلت بالقوم الظالمين فقد طوي في إثباتها صنع لآخرين معتبرين. # 79 - وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: الشكر أمنة من الزوال، وجنة من ~~الانتقال. # 80 - وقيل: الشكر يتم النعم. # 81 - وقال الصابئ: الشكر قيد النعم وشكالها (¬2)، وحبسها وعقالها. # 82 - وقال: موضع الشكر من النعمة موضع القرى من الضيف، إن وجدته لم ترم، ~~وإن فقدته لم تقم. # 83 - وقال إسحاق الموصلي (¬3): العفاف زينة الفقر، والشكر زينة PageV01P044 # الغنى. # 84 - وشكا رجل إلى بشر بن الحارث (¬1) كثرة العيال، فقال: فرغك فلم ~~تشكره، فعاقبك بالشغل. # 85 - وكتب محمد بن عبد الملك (¬2) إلى عبد الله بن طاهر (¬3): لو لم يكن ~~من فضل الشكر إلا أنه يرى بين نعمة عليه مقصورة أو زيادة منتظرة. فقال عبد ~~الله لكاتبه: كيف تسمع هذه (¬4) الكلمتين؟ فقال: كلاهما قرطان بينهما وجه حسن. # 86 - وقال الفضل بن سهل (¬5): من أحب الازدياد من النعمة فليشكر، ومن أحب ~~المنزلة عند سلطانه فليكفه، ومن أحب بقاء عزه فليسقط الدالة، PageV01P045 # ومن أحب السلامة فليلزم الحذر. # 87 - وقال الحسن البصري لفرقد (¬1): بلغني يا أبا يعقوب أنك لا تأكل ~~الفالوذج. فقال: يا أبا سعيد، أخاف [أ] لا أؤدي شكره. فقال الحسن: # يا لكع، فهل تؤدي شكر الماء البارد؟!. # 88 - وقال يحيى بن أكثم (¬2): كنت عند المأمون يوما وقد أتي برجل ترعد ~~فرائصه، فلما مثل بين يديه، قال له: كفرت نعمتي، ولم تشكر معروفي. # فقال: يا أمير المؤمنين، وأين يقع شكري في جنب ما أنعم الله بك (¬3) علي. # فنظر المأمون، وأنشد متمثلا ببيتين-تقدم (¬4) ذكرهما-: # فلو كان يستغني عن الشكر ماجد # وأطلق سبيله. # 89 - وقيل: لو ms008 لم يعذب الله على معصية، لكان ينبغي ألا يعصى في شكر نعمة. # 90 - وكان يقال: احذروا ثلاثا (¬5): النعمة تقول: يا رب، كفرت؛ PageV01P046 # والأمانة تقول: يا رب، أكلت، والرحم تقول: يا رب، قطعت. # 91 - وقال عمر بن عبد العزيز: تذاكر النعمة شكر. # 92 - وقال أبو حازم (¬1): إذا رأيت ربك يتابع نعمة عليك، وأنت تعصيه، ~~فاحذره. # 93 - وقال الربيع بن خثيم (¬2): نظرت ما خير لا شر فيه فما وجدته إلا أن ~~يعافى رجل فيشكر. # 94 - وكان يقال: حسب من منعه عدم القدرة عن الجزاء أن يبسط خده للشكر ~~والثناء. # 95 - وقيل لأعرابي: إنك لجيد الكدنة (¬3). قال: ذلك عنوان نعم الله عندي. # 96 - وكان يقال: نعمة لا تشكر لسيئة. # 97 - وكان يقال: الشكر ثلاثة منازل منها: ضمير القلب، وثناء اللسان، ~~والمكافآت بالعقل، والضمير مع خفائه أعظم ذلك وأجدر أن يكمل بنفسه، ولا ~~يكمل غيره إلا به، وفي الثناء وفاء لا يطاق إلا باللسان، والمكافآت غاية ~~الشكر. PageV01P047 # 98 - وكان يقال: من كفر النعمة استوجب السلب، ومنع المزيد. # 99 - وكتب رجل إلى أخيه: أما بعد، فليكن افتخارك بذكر الشكر إذا ذكرته ~~أعظم من استحيائك لذكره بخمول صاحبه؛ فإن الشكر يرفعك إن كنت وضيعا، والكفر ~~يضعك إن كنت شريفا. # 100 - وعن أنس بن عياض (¬1) عن هشام (¬2) عن محمد بن كعب القرظي (¬3): أن ~~نوحا عليه السلام كان إذا أكل قال: الحمد لله، وإذا شرب قال: الحمد لله. ~~وإذا لبس قال: الحمد لله، فسماه الله: عبدا شكورا (¬4). # 101 - وكان العتابي (¬5) يقول: سبحان الله الذي جعل معرفة العارفين ~~بالتقصير عن شكره شكرا لهم، كما جعل علم العالمين بأنهم لا يدركونه إيمانا ~~به. PageV01P048 # 102 - وقيل: للطاعم الشاكر أجر الصائم القائم. # 103 - وكان يقال: من بذل بعض عنايته لك فابذل له جميع شكرك. # 104 - وكان الحسن (¬1) يقول: معرفة النعمة [شكر (¬2)] والحمد زيادة. # 105 - وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أهل الشكر في مزيد من الله تعالى. # **** PageV01P049 ### | AUTO الفصل الثاني # في # الصبر والرضا والتسليم والعزا # 106 - قال علي بن أبي طالب ms009 كرم الله وجهه: عليكم بالصبر؛ فإنه لا إيمان ~~لمن لا صبر له. # 107 - وكان يقال: أفضل الصبر التصبر. # 108 - وقيل: الكمال في ثلاث: الثبات في الدين، وإصلاح المال، والصبر على ~~النوائب. # 109 - وقيل: كتب بزرجمهر (¬1) إلى أبرويز الملك (¬2) لما سخط عليه وحبسه: ~~أما إذ كان معي الجد فقد كنت أنتفع بثمرة عقلي، وأما الآن إذ لا جد معي فقد ~~أنتفع بثمرة الصبر، وإن فقدت كثيرا من الخير لقد استرحت من كثير من الشر. PageV01P050 # 110 - وقيل: الصبر مفتاح النجاح. # 111 - وقيل: من علامة حسن النية الصبر على الرزية. # 112 - وقال علي بن الجهم (¬1): # سهل على نفسك الأمورا ... وكن على مرها صبورا # وإن ألمت صروف دهر ... فاستعن الواحد القديرا # فكم رأينا أخا هموم ... أعقب من بعدها سرورا # ورب عسر أتى بيسر ... فصار معسوره يسيرا # 113 - وقال بعض الرهبان: من احتمل المحنة وصبر، ورضي بتدبير الله وشكر، ~~كشف الله له عن منفعتها حتى يقف على المستور عنه من مصلحتها. # 114 - وكان يقال: لا تلقى العاقل إلا نافيا للهم عن قلبه بأحد أمرين ~~منهما؛ إن كان لما أتاه من المكروه مدفع فاحتال له بعقل مشغول بحزن، وإن لم ~~يكن لما أتاه مدفع كان الحيلة فيه الصبر. # 115 - وقيل: الصبور يدرك أحمد الأمور، ومع العسر يكون اليسر، والصبر على ~~المصيبة مصيبة الشامت بها. # 116 - وقيل: من اتبع الصبر اتبعه النصر. PageV01P051 # 117 - وقال أحمد بن الليث الرقي (¬1): # هي حالان شدة وبلاء ... وسجالان نعمة ورخاء # والفتى الحازم اللبيب إذا ما ... خانه الصبر لم يخنه العزاء # إن ألمت ملمة بي فإني ... في الملمات صخرة صماء # صابر للبلاء طب (¬2) بأن لي ... س على أهله يدوم البلاء # عالم أن كل خير وشر ... لهما حد مدة وانقضاء # فالتداني يتلو التنائي والإعدا ... م يأتي من بعده الإثراء # وإذا ما الرجاء أسقط بين ... -م-الناس فالناس كلهم أكفاء ### || AUTO حكمة # 118 - وقيل: يتعزى العاقل فيما ينزل به من المكروه بأمرين [الأول] منهما: ~~السرور بما يبقى له من الأجر، والآخر رجاء الفرج. ويجزع الجاهل فيما ms010 ينزل ~~به لأمرين: خوف الشماتة، وضيق الحال (¬3). [ويخاف التقي] فيما ينزل به ~~بأمرين [الأول] منهما: في مصيبته استكباره ما أتى به، والآخر خوف ما هو أشد منه. # 119 - وقيل: للمحن أوقات، ولأوقاتها غايات. # 120 - علي بن الجهم: # هي النفس ما حملتها تتحمل ... وللدهر أيام تجور وتعدل PageV01P052 # وعاقبة الصبر الجميل جميلة ... وأفضل أخلاق الرجال التفضل # ولا عار إن زالت عن المرء نعمة ... ولكن عارا (¬1) أن يزول التجمل # 121 - وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: إن صبرت جرت عليك المقادير ~~وأنت مأجور، وإن جزعت جرت عليك المقادير وأنت مأزور. # 122 - وعزى رجل المهدي (¬2) عن ابنة له جزع عليها جزعا شديدا فقال: # يا أمير المؤمنين، ما عند الله خير (¬3) لها مما عندك، وثواب الله خير لك منها. # وإن أولى ما يجب أن تصبر عليه ما لا تستطيع رده. فتعزى عنها. # 123 - وكان يقال: إنكم ما تدركون ما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون. # 124 - وقال عبد الله بن ثابت (¬4): # الصبر من كرم الطبيعة ... والمن مفسدة الصنيعه # والحر أمنع جانبا ... من ذروة الجبل المنيعه PageV01P053 # ترك التعاهد للصدي ... ق يجر أسباب القطيعه # 125 - وقيل: لن يبلغ المرء ما يأمل إلا بالصبر على ما يكره. # 126 - وقال المدائني (¬1) أخبرني شيخ من أهل البصرة، قال: شهدت امرأة من ~~أهل البادية وبين يديها ابن يجود بنفسه، فلما خرجت نفسه، قامت إليه فغمضت ~~عينيه وعصبته، وترحمت عليه، ثم تنحت عنه، وقالت: # يا بني (¬2)، ما أحق من ألبس النعمة، وأطيلت له النظرة ألا يعجز عن ~~التوفيق (¬3) لنفسه، والاستعداد ليوم ظعنه قبل نزول الموت بعقوته (¬4)، ~~وحلوله بساحته وقبل أن يحال بينه وبين نفسه، فيندم حين لا تنفعه الندامة. # قال: وقال لها رجل من حيها: إنا كنا نسمع أن الجزع للنساء، ورأيتك قد حسن ~~صبرك عن ابنك، وما أشبهت النساء. فقالت: ما ميز مميز بين صبر وجزع إلا رأى ~~بينهما منهجين متفاوتين، أما الصبر فحسن العلانية، محمود العاقبة؛ وأما ~~الجزع فغير معوض صاحبه عوضا مع الذي يكسبه من المأثم، ولو ms011 كانا رجلين في ~~الصورة لكان الصبر أولاهما بغلبة في حسن الصورة وكرم الطبيعة لما في عاجله ~~من الزين، وفي آجله من الثواب. PageV01P054 # 127 - وقيل: عدة المكروه عدتان: الصبر على ما لا يدفع مثله إلا بالصبر. ~~والصبر على ما لا يجدي عليه الجزع. # 128 - عثمان بن عفان رضي الله عنه: # خليلي لا والله ما من ملمة ... تدوم على حي وإن هي جلت # فإن نزلت يوما فلا تخضعن لها ... ولا تكثر الشكوى إذا النعل زلت # 129 - وقال الأصمعي: رأيت امرأة تتبع ميتا على شرجع (¬1) وهي تقول: # رحمك الله يا هيثم، فلقد كان مالك لغيرك، وأمرك لغير عرسك (¬2)، وكنت كما ~~قال الشاعر: # رحيب ذراع بالذي لا يشينه ... وإن كانت الفحشاء ضاق بها ذرعا (¬3) # فقلت: يا أم الهيثم، هل لك من الهيثم خلف؟ وأنا أعني ولد. # فقالت: نعم، ثواب الله، وهو أجل العوض وأحسن الخلف. # 130 - وقيل: انتظار الفرج بالصبر عبادة. # 131 - ونظر رجل إلى روح بن قبيصة بباب المنصور، فقال له: قد طال وقوفك في ~~الشمس. قال: ليطول جلوسي في الظل. PageV01P055 # 132 - وحكي عن زوجة فتح الموصلي (¬1) بأنها عثرت، فانقطع ظفرها فضحكت. ~~فقيل لها: ويحك، أما تجدين ألم الوجع، وأنت تضحكين؟ فقالت: إن لذة الثواب ~~أزالت عني مرارة الوجع. رضي الله عنها. # 133 - علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: # إني أقول لنفسي وهي ضيقة ... وقد أناخ عليها الدهر بالعجب # صبرا على شدة الأيام إن لها ... عقبى وما الصبر إلا عند ذي حسب # سيفتح الله عن قرب يعقبه (¬2) ... فيها لمثلك راحات من التعب # 134 - وقيل: # إذا ما عرى خطب من الدهر فاصطبر ... فإن الليالي بالخطوب حوامل # وكل الذي يأتي به الدهر زائل ... سريعا فلا تجزع لما هو زائل # 135 - حدث بعض تجار المدينة قال: كنت أختلف إلى جعفر بن محمد (¬3) و ~~[كنت] (¬4) له خليطا، وكان يعرفني بحسن الحال. فتغيرت PageV01P056 # حالي، فأتيته أشكو إليه سوء حالي، فرق لي، ثم أنشدني: # ولا تجزع وإن أعسرت يوما ... فقد أيسرت في الزمن الطويل # ولا تيأس فإن اليأس ms012 كفر ... لعل الله يغني عن قليل # ولا تظنن بربك ظن سوء ... فإن الله أولى بالجميل # قال: فخرجت من عنده وأنا أغنى الناس. # 136 - وقيل: إن وزيرا لملك نفاه لموجدة وجدها عليه، فاغتم لذلك غما ~~شديدا، فبينما هو ذات ليلة في مسيره إذ لقيه رجل، فأنشده: # أحسن الظن برب عودك ... حسنا أمس وسوى أودك # إن ربا كان يكفيك الذي ... كان منك الأمس يكفيك غدك # 137 - وقيل: ما من مصيبة إلا ومعها أعظم منها: إن جزعت فالوزر، وإن صبرت ~~فالأجر. # 138 - وقيل: ثمرة القناعة الراحة، وثمرة التواضع المحبة، وثمرة الصبر الظفر. # 139 - أما والذي لا خلد إلا لوجهه ... ومن ليس في العز المبين له كفو # لئن كان طعم الصبر مر مذاقه ... لقد يجتنى من غبه (¬1) الثمر الحلو PageV01P057 # 140 - وكان ابن المقفع (¬1) يقول: إذا نزل بك أمر مكروه إن كان لك حيلة ~~فلا تجزع، وإن كان مما لا حيلة فيه فلا تجزع. # 141 - لا تجزعن لصرف حادثة ... حكمت عليك به يد الدهر # واصبر إذا نابتك نائبة ... فالصبر خير عواقب الأمر # 142 - وقال بعض الحكماء: من شكا ضرا نزل، فإنما يكشو الله. # 143 - وقال الحسن البصري: وجدت خير الدنيا والآخرة صبر ساعة. # 144 - وقال بعض الحكماء: بالصبر على ما تكره تنال ما تحب، وبالصبر عما ~~تحب تنجو مما تكره. # 145 - فلا جزع إن راب دهر بصرفه ... وبدل حال فالخطوب كذلك # فما العيش إلا مدة ثم تنقضي ... وما المال إلا هالك في الهوالك # 146 - واعتل ذو الريا ستين (¬2) بخراسان مدة طويلة، ثم أبل واستقل، وجلس ~~للناس، فدخلوا عليه وهنوه بالعافية فأنصت لهم حتى انقضى كلامهم، ثم اندفع ~~فقال: إن في العلل نعما لا ينبغي للعقلاء أن يجهلوها منها: تمحيص للذنب، ~~وتعريض (¬3) للثواب ثواب الصبر، PageV01P058 # وإيقاظ (¬1) من الغفلة، وإذكار بالنعمة في حال الصحة، واستدعاء للتوبة ~~(¬2)، وحض على الصدقة، وفي قضاء الله وقدره يعد الخيار (¬3). فانصرف الناس ~~بكلامه، ونسوا ما قال غيره. # **** PageV01P059 ### | AUTO الفصل الثالث # في # الموت وانقطاع الأسباب بين الأهلين والأصحاب # 147 - وللنفوس وإن كانت على ms013 وجل ... من المنية آمال تقويها # فالمرؤ يبسطها والدهر يقبضها ... والنفس تنشرها والموت يطويها # 148 - وقيل: إن الحسن نظر إلى رجل يجود بنفسه، فقال: إن أمرا هذا آخره ~~لجدير أن يزهد في أوله، وإن أمرا هذا أوله لجدير أن يخاف من آخره. # 149 - وقال بعض الرهبان: من صور الموت بين عينيه كفاه الله مؤونة ~~الاهتمام بالأرضيات. # 150 - وقيل: كفى بالتجارب تأدبا، وبتقلب الأيام عظة، وبذكر الموت زاجرا. # 151 - وقال الحسن بن علي: ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه ~~من الموت. PageV01P060 # 152 - وقالت الهند: لو علمت البهائم بالموت ما وجد فيها سمين. # 153 - علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. # تراع لذكر الموت ساعة ذكره ... وتعترض الدنيا فتلهو وتلعب # يقين كأن الشك أغلب أمره ... عليه وعرفان إلى الجهل ينسب # وقد ذمت الدنيا إلي صروفها ... وخاطبني أعجامها (¬1) وهو معرب # ولكنني منها خلقت لغيرها ... وما كنت منه فهو شيء محبب (¬2) # وفي كل يوم يفقد المرء بعضه ... ولا شك أن الكل منه سيذهب # 154 - وقال بعض الرهبان: أبلغ العظات النظر إلى محل الأموات. # 155 - وقال أبو محرز: كفتك القبور مواعظ الأمم السالفة. # 156 - وقال المزني (¬3): دخلت على الشافعي غداة وفاته، فقلت: كيف PageV01P061 # أصبحت يا أبا عبد الله؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلا، ولإخواني مفارقا، ~~[ولسوء أفعالي ملاقيا] (¬1) وبكأس المنية شاربا، ولا أدري إلى الجنة تصير ~~روحي فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها؟ ثم قال: # ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت الرجا مني لعفوك سلما # تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما (¬2) # 157 - وقيل: لما حضر بشر بن مروان (¬3) الموت فرح، فقيل له: أتسر بالموت؟ ~~فقال: أتجعلون قدومي على خالق أرجوه كمقامي مع مخلوق أخافه؟ # 158 - وقال سهل بن هارون (¬4): من طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى توفيه ~~رزقه فيها (¬5)، ومن طلب الدنيا طلبه الموت حتى يخرجه منها. # 159 - أبو العتاهية: # نسيت الموت فيما قد نسيت ... كأني لا أرى أحدا يموت # أليس الموت غاية كل حي ... فما لي لا أبادر ما ms014 يفوت # 160 - وقيل لأبي بكر رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه: لو أرسلت إلى ~~الطبيب؟ قال: قد رآني. قيل له: فما قال لك؟ قال: إني فعال لما أريد. PageV01P062 # 161 - وروي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: دخلت على عمرو بن العاص وقد ~~احتضر، فقلت له: يا أبا عبد الله، كنت تقول: أشتهي أرى رجلا عاقلا يموت حتى ~~أسأله كيف يجد، وقد نزل بك، فأخبرني كيف تجدك؟ فقال: أجد السماء كأنها ~~مطبقة على الأرض وأنا بينهما وأراني كأنما أتنفس من خرت إبرة. ثم قال: # اللهم، خذ مني حتى ترضى. ثم رفع يده، وقال: اللهم، أمرت فعصينا، ونهيت ~~فركبنا، فلا بريء فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، ولكن مذنب أستغفر. # 162 - وقال أبو بكر بن أبي الفرات: قرأت على قبر: يا من أبطرهم الغنى، ~~وأسكرتهم شهوات الدنيا، استعدوا للسفرة العظمى، فقد دنا نزولكم على أهل ~~البلاء. # 163 - لبعضهم: # يوشك من فر من منيته ... في بعض غراته يوافقها # من لا يمت عبطة يمت هرما ... الموت كأس والمرء ذائقها (¬1) # 164 - وقيل: لما مات المهدي لبست جاريته حسنة (¬2) وغيرها من حشمه PageV01P063 # المسوح السود جزعا عليه، فقال أبو العتاهية (¬1) في ذلك: # رحن في الوشي وأصبح ... ن عليهن المسوح # كل نطاح وإن عا ... ش له يوما نطوح (¬2) # لست بالباقي ولو عمر ... ت ما عمر نوح # فعلى نفسك نح إن ... كنت لا بد تنوح # 165 - وقيل: اجتاز النعمان (¬3) على مقبرة، فقال له عدي بن زيد (¬4): # أتدري ما يقولون؟ قال: لا. قال: إنهم يقولون: # أيها الركب المخبو ... ن على الأرض مجدون # فكما أنتم كنا ... وكما نحن تكونون # 166 - وقيل: وجد على قبر مكتوب: من أمل البقاء وقد رأى مصارعنا فهو مغرور. # 167 - وقيل لرجل من أشراف العجم في علته التي مات فيها: ما بك؟ قال: فكر ~~عجيب، وحسرة طويلة. فقيل: مم ذاك؟. فقال: ما ظنكم بمن يقطع سفرا قفرا بلا ~~زاد، ويسكن قبرا موحشا بلا مؤنس، ويقدم على حكم عدل بلا حجة. PageV01P064 # 168 - قس بن ساعدة (¬1): # في الذاهبين ms015 الأولي ... ن من القرون لنا بصائر # لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر # ورأيت قومي نحوها ... يمضي الأكابر والأصاغر # لا يرجع الماضي ولا ... يبقى من الباقين غابر # أيقنت أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر # 169 - وقال بعض الحكماء الذين حضروا وفاة الإسكندر (¬2): لقد حركنا ~~بسكونه. # 170 - أبو العتاهية: # يا علي بن ثابت بان مني ... صاحب جل فقده يوم بنتا # قد (¬3) لعمري حكيت لي غصص المو ... ت وحركتني لها وسكنتا # 171 - وروي عن الأصمعي قال: دخلت على الرشيد ودموعه تنحدر على خديه، وهو ~~ينظر في كتاب، فظللت قائما حتى سكن، فحانت منه التفاتة فقال: اجلس يا ~~أصمعي. فجلست، فقال: أرأيت ما كان؟ فقلت: PageV01P065 # نعم، يا أمير المؤمنين. فقال: أما إنه لو كان لأمر الدنيا ما رأيت هذا، ~~ثم رمى بالقرطاس إلي، فإذا فيه شعر لأبي العتاهية بخط جليل: # هل [أنت] معتبر بمن خربت ... منه غداة قضى دساكره (¬1) # وبمن أذل الموت مصرعه ... فتبرأت منه عشائره # وبمن خلت منه أسرته ... وبمن خلت منه منابره # درست محاسن وجهه ونفى ... عنه السرور كرى يباشره (¬2) # أين الملوك وأين عزهم ... صاروا مصيرا أنت صائره # يا مؤثر الدنيا بلذته ... والمستعد لمن يفاخره (¬3) # نل ما بدا لك أن تنال من الد ... نيا فإن الموت آخره # ثم قال: كأني والله أنا المخاطب بذلك دون الناس. ولم يلبث بعد ذلك إلا ~~قليلا حتى مات. # 172 - أبو حية النميري (¬4): # وإن تمس وحشا داره فلربما ... تناطح أفواجا بهن الركائب # وما غائب من كان يرجى إيابه ... ولكنه من ضمن القبر غائب PageV01P066 # 173 - وقيل: خرج عمر بن عبد العزيز مع جماعة من أصحابه، فمر بالمقبرة ~~فقال: قفوا حتى أرى قبور الأحبة. فلما توسطها، وقف فسلم، وتكلم وانصرف إلى ~~أصحابه، فقال: ألا تسألوني ماذا قلت، وماذا قيل لي؟ فقالوا: ماذا؟ فقال: ~~مررت بقبور الأحبة، فسلمت فلم يردوا، ودعوت فلم يجيبوا، فبينما أنا كذلك إذ ~~نوديت: يا عمر، أتعرفني؟ أنا الذي غير محاسن وجوههم [أنا] التراب (¬1)، ~~ومزقت الأكفان عن جلودهم، وقطعت أيديهم، وابتتت [أكفهم] (¬2) من ms016 سواعدهم. ~~ثم بكى حتى كادت نفسه تطفأ. فو الله ما مضت الأيام حتى لحق بهم. # 174 - أبو العتاهية: # وعظتك أجداث صمت ... وبكتك ساكنة خفت # وتكلمت عن أعظم ... تبلى وعن صور سبت # وأرتك قبرك في القبو ... ر وأنت حي لم تمت # 175 - وحدث الفضل بن الربيع (¬3) قال: كنت مع المنصور في السفرة PageV01P067 # التي مات فيها، فنزل منزلا في بعض المواضع، فبعث إلي وهو في قبته ووجهه ~~إلى الحائط، فقال: ألم أنهكم [أن] تدعوا العامة يدخلوا هذه المنازل فيكتبوا ~~ما لا خير فيه؟ فقلت: وما هو يا أمير المؤمنين؟ فقال: ألا ترى ما على ~~الحائط مكتوب: # أبا جعفر جاءت عليك ونقصت ... سنوك وأمر الله لا بد نازل (¬1) # أبا جعفر هل كاهن أو منجم ... يرد قضاء الله أم أنت جاهل (¬2) # قال: فقلت: والله، ما أرى على الحائط شيئا، وإنه لنقي أبيض. قال: # آلله؟ قلت: آلله. قال: والله إنها نفسي نعيت إلي، الرحيل، بادر بي إلى ~~حرم ربي وأمنه هاربا من ذنوبي، وإسرافي على نفسي. فرحلنا وقد ثقل حتى بلغنا ~~بئر ميمون (¬3). فقلت: هذه بئر ميمون وقد دخلت الحرم. فقال: الحمد لله. # وقبض في يومه. رحمة الله عليه. # 176 - فهبك ملكت أهل الأرض طرا (¬4) ... ودان لك العباد فكان ماذا # أليس تصير في لحد عميق ... ويحثو الترب هذا ثم هذا PageV01P068 # 177 - وقيل: نزل بدير الخنافس (¬1) أخوان من العراق، فمات أحدهما ودفن ~~قريب الدير، فقال أخوه لما سار عنه: # بجنبك يا دير الخنافس حفرة ... بها صاحب رحب الذراع كريم # فكن حافظا حق الجوار فإنني ... غدا راحل عنه وأنت مقيم # 178 - وتوفي ابن لعون بن عبد الله (¬2)، فكتب له عمر بن عبد العزيز: # أما بعد، فإنا أناس من أهل الآخرة أسكنا الدنيا، فنحن أموات وأبناء ~~أموات، والعجب من ميت يعزي (¬3) عن ميت. # 179 - وإذا قيل مات يوما فلان ... راعنا ذاك ساعة ما نحير # نذكر الموت عند ذاك وننسا ... ه إذا غيبته [عنا] القبور PageV01P069 # 180 - وعزى رجل عمر بن عبد العزيز لما مات ولده فقال: # تعز أمير المؤمنين ms017 فإنه ... لما قد ترى يغذى الصغير ويولد # هل ابنك إلا من سلالة آدم ... لكل على حوض المنية مورد # 181 - وقيل: لما ثقل المأمون في غزوة الروم وبلغ الموت، قال: # أخرجوني أشرف على عسكري، وأنظر إلى رجالي، وأتبين ملكي. وذلك ليلا، ~~فأخرج، وأشرف على الجيش وانتشاره وما قد أوقد من النيران، فقال: يا من لا ~~يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه. ثم رد إلى مرقده. # وأجلس المعتصم رجلا يلقنه الشهادة، فرفع الرجل صوته؛ ليقولها المأمون. # فقال ابن ماسويه (¬1): لا تصح (¬2)، فو الله ما يفرق الآن بين ربه وبين ~~ماني (¬3). # ففتح المأمون عينيه وبهما من التورم والاحمرار ما بهما ما لم ير مثله، ~~ورام PageV01P070 # البطش بابن ماسويه فعجز، ورمى بطرفه إلى السماء، وقد امتلأت عيناه دموعا، ~~وانطلق لسانه، وقال: يا من لا يموت ارحم من يموت. ثم قضى من ساعته، وكان ~~كثيرا ما ينشد هذه: # ومن لم يزل عرضا للمنو ... ن يتركنه ذات يوم عميدا # فإن هن أخطأنه مرة ... فيوشك مخطئها أن يعودا # وبينا يحيد فيخطئنه ... قصدن فأعجلنه أن يحيدا (¬1) # 182 - وقيل: سافر رجل وولد له في حاجة له، فمات الرجل فدفنه ولده في بعض ~~الطرقات، ومضى لقضاء حاجته، فلما عاد مر بقبر أبيه فلم يعج عليه، فسمع ~~هاتفا من جانب القبر يقول: # رأيتك تطوي الدوم عمدا ولا ترى ... عليك لثاوي الدوم أن تتكلما (¬2) # وبالقبر ثاو لو ثويت مكانه ... ومر بأهل الدوم عاج فسلما # 183 - وقيل: سار المأمون إلى أم الفضل بن سهل (¬3) ليعزيها عنه فبكت، ~~فقال لها: لا تبكي عليه، ولا تجزعي لفقده؛ فإن الله قد أخلف عليك مني ولدا ~~يقوم مقامه. فقالت: يا أمير المؤمنين، حق لولد أكسبني ولدا مثلك (¬4) أن ~~يبكى عليه. # 184 - أطاقت يد الدهر انتزاعك من يدي ... ولم يطق الموت انتزاعك من صدري PageV01P071 # لأنك مخطوط المحاسن في الحشا ... كما أنت ممحو المحاسن في القبر (¬1) # فلا وصل إلا بين جفني والبكا ... ولا هجر إلا بين قلبي والصبر # 185 - صفية الباهلية: # كنا غصينين في جرثومة نميا ... حينا بأحسن ms018 ما ينمي له الشجر (¬2) # حتى إذا قيل قد طالت فروعهما ... وطاب ظلاهما واستنظر الثمر # أخنى على واحدي ريب المنون وما ... يبقي الزمان على شيء ولا يذر (¬3) # كنا كأنجم ليل بيننا قمر ... يجلو الدجى فهوى من بيننا القمر # 186 - وقيل: وقف سليمان بن عبد الملك ومعه يزيد بن المهلب (¬4) على امرأة ~~عند قبر تبكي، فجاء سليمان، فرفعت البرقع عن وجهها فجلت شمسا عن متون ~~غمامة، فوقفا متعجبين، فقال لها يزيد: يا أمة الله، هل لك في أمير المؤمنين ~~بعلا؟ فقالت وهي تنظر إلى القبر: # فإن تسألاني عن هواي فإنه ... بحوماء هذا القبر يا فتيان (¬5) PageV01P072 # وإني لأستحييه والترب بيننا ... كما كنت استحييه وهو يراني (¬1) # 187 - وقيل: لما دفن سليمان بن عبد الملك سمع بعض كتابه وهو يقول: # وما سالم عما قليل بسالم ... وإن كثرت أحراسه وكتائبه # [ومن يك ذا باب شديد ومنعة ... فعما قليل يهجر الباب حاجبه] (¬2) # ويصبح بعد الحجب للناس مبغضا (¬3) ... رهينة بيت لم تسر جوانبه (¬4) # فما كان إلا الدفن حتى تفرقت ... إلى غيره أجناده وكتائبه # وأصبح مسرورا به كل كاشح ... وأسلمه أحبابه وأقاربه # بنفسك فاكسبها السعادة جاهدا ... فكل امرئ رهن بما هو كاسبه # 188 - وقال علي بن يقطين (¬5): كنت مع المهدي بماسبذان (¬6)، فقال لي ~~يوما: أصبحت جائعا فأتني بأرغفة ولحم بارد. ففعلت، ثم دخل البهو فنام ونمنا ~~في الرواق، فانتبهنا لبكائه، وبادرنا إليه مسرعين، فقال: أما رأيتم ما ~~رأيت؟ وقف علي رجل لو أنه في ألف رجل ما خفي علي صوته ولا صورته PageV01P073 # فقال: # كأني بهذا القصر قد باد ملكه ... وأوحش منه ربعه ومنازله (¬1) # وصار عميد الملك من بعد بهجة ... وملك إلى قبر عليه جنادله (¬2) # ولم يبق إلا ذكره وحديثه ... تنادي عليه معولات حلائله # فما أتت على المهدي بعد رؤياه هذه إلا عشرة أيام حتى مات. # 189 - أبو العتاهية: # ألا يا موت لم أر منك بدا ... أبيت فلا تحيف ولا تحابي # كأنك قد هجمت على مشيبي ... كما هجم المشيب على شبابي # 190 - ابن الرومي: # رأيت الدهر يجرح ثم يأسو ... يعرض ms019 أن يسلي أو ينسي (¬3) # أبت نفسي الهلوع لفقد شيء ... كفى رزءا لنفسي فقد نفسي (¬4) # 191 - وقيل: لما تأتى الملك للمأمون كان يقول: هذا الملك لولا أن بعده ~~الهلك، وهذا سرور لولا أن بعده غرور، وهذا يوم لو كان يؤمن غده. PageV01P074 # 192 - محمد بن بشر (1): # ويل لمن لم يرحم الله ... ومن تكون النار مثواه # يا حسرتي [في] كل يوم مضى (¬1) ... يذكرني الموت وأنساه # من طال في الدنيا به عمره ... وعاش فالموت قصاراه # 193 - وقيل لما مات أبو فراس بن حمدان (¬2) أنشد عند موته يقول: # أبنيتي لا تجزعي ... كل الأنام إلى ذهاب # أبنيتي صبر جمي ... ل للجزيل من المصاب (¬3) # نوحي علي وعددي ... من خلف سترك والحجاب (¬4) # قولي إذا ناديتني ... فعييت عن رد الجواب # زين الشباب أبو فرا ... س لم يمتع بالشباب # 194 - وقيل: اجتمع ذات يوم عند الواثق جماعة من الفلاسفة والمتطببين ~~وغيرهم، فجرى بحضرته أنواع من العلوم من الطبيعيات، وما بعد ذلك من ~~الإلهيات، وأطالوا الكلام في كل فن، فقطع الواثق عليهم الكلام وأجاز سائر PageV01P075 # من حضره منهم، ثم أمر الجميع أن يتكلموا في الزهد في هذا العالم الذي هو ~~عالم الدثور والفناء والغرور، فذكر كل واحد منهم ما سنح له من الأخبار عن ~~الفلاسفة والمتقدمين والحكماء اليونانيين كسقراط وذوجانس (¬1)، فقال ~~الواثق: قد أكثرتم فيما ذكرتم، وأحسنتم الحكاية فيما وصفتم، فليخبرني مخبر ~~منكم ما أحسن ما سمع من كلام الذين حضروا وفاة الإسكندر لما جعل في تابوت ~~الذهب؟ فقال بعض من حضره: كل يا أمير المؤمنين حسن فيما ذكره، وأحسن ما نطق ~~به من حضر ذلك المشهد من الحكماء ذوجانس، وقد قيل إنه لبعض (¬2) حكماء ~~الهند فقال: إن الإسكندر أمس أنطق منه اليوم، وإنه اليوم أوعظ منه أمس. # وقد أخذ هذا أبو العتاهية (¬3) فقال: # كفى حزنا بدفنك ثم إني ... نفضت تراب قبرك من يديا # وكانت في حياتك لي عظات ... فأنت اليوم أوعظ منك حيا # فاشتد بكاء الواثق، وعلا نحيبه، وبكى من حضره، ثم قام من فوره وأنشد: PageV01P076 # لصروف الدهر في تغييره ms020 ... خطة (¬1) فيها ارتفاع وانحدار # بينما الناس على عليائها ... إذ هووا في حطة منها فغاروا # إنما متعة قوم ساعة ... وحياة المرء ثوب مستعار # 195 - وقيل: إن الرشيد كان يتمثل عند مرضه بهذه الأبيات: # إن الطبيب بطبه ودوائه ... لا يستطيع دفاع مكروه أتى (¬2) # ما للطبيب يموت بالداء الذي ... قد كان يبرىء مثله فيما مضى (¬3) # 196 - وقيل: كان نجدة بن الأسود موصوفا بالحسن في خلقه وخلقه وفعله، فمات ~~فأقبلت زوجته دلفاء، وألقت نفسها على قبره وقالت: # سئمت حياتي يوم فارقت نجدة ... ورحت ودمع العين منهل هامله # وقال نساء الحي قد مات قبله ... رجال فلم تهتك عليه حلائله # صدقتم لقد مات الرجال وما أرى ... لنجدة في أضرابهم من يعادله # فتى لم يضق عن جسمه لحد قبره ... ولم تسع الأرض الفضاء فضائله # وزارته بعد مدة فأكبت على قبره، وقالت منشدة: # يا قبر نجدة لم أهجرك قالية ... ولا قطعتك من صبر ولا جلد # لكن بكيتك حتى لم أجد مددا ... من الدموع ولا عونا على الكمد # وأيئستني جفوني من مدامعها ... فقلت للعين فيضي من دم الكبد # ولم أزل بدم أبكيك جاهدة ... حتى بقيت بلا روح ولا جسد # والله يعلم لولا الله ما رضيت ... روحي بذاك سوى قتلي لها بيدي PageV01P077 # 197 - وكتب بعض الفضلاء عند وفاة بعض الأكابر: كان منزله مألف الأضياف، ~~ومأنس الأشراف، ومنتجع الراكب، ومقصد الوافد، فاستبدل بالأنس وحشة، ~~وبالنضارة عبرة، وبالضياء ظلمة، واعتاض من تزاحم الملوك تلادم (¬1) المآتم، ~~ومن ضجيج النداء والصهيل عجيج البكاء والعويل. # 198 - سأبكيك ما فاضت دموعي وإن تغض ... فحسبك مني ما تجن الجوانح (¬2) # لئن حسنت فيك المراثي وذكرها ... لقد حسنت من قبل فيك المدائح # 199 - ويحكى عن فاطمة الزهراء كرمها الله تعالى أنها قالت ترثي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # كنت السواد لناظري ... فبكى عليك الناظر # من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر PageV01P078 # 200 - وقالت أيضا: # ماذا على مشتم تربة أحمد ... ألا يشم مدى الزمان غواليا # صبت علي مصائب لو أنها ... صبت على الأيام صرن لياليا # 201 - علي بن أبي ms021 طالب: # أين الألى جمعوا الأموال واحتشدوا ... في الجمع لا عدد أغنى ولا عدد # شادوا وقادوا وذادوا عن حريمهم ... حتى إذا اخترموا لم يحمهم أحد # كانوا مصابيح للأبصار تتقد ... حتى إذا ما انتهت أعمارهم خمدوا # فلا ترى لهم عين ولا أثر ... سرعان ما وجدوا سرعان ما فقدوا # يا ويح للموت لا يبقي على أحد ... لا والد منه ينجو له، ولا ولد # كأنه أسد ضار على رصد ... وكلهم نشبا أظفاره تقد # هون عليك فكل للهوى رصد ... يبلى ويفنى ويبقى الواحد الصمد # 202 - وقيل: وقف سليمان بن عبد الملك على قبر ولده أيوب (¬1)، فقال: ~~اللهم، إني أرجوك له، وأخافك عليه فحقق رجائي وآمن خوفي. # 203 - الخنساء: # ألا يا صخر لا أنساك حتى ... أفارق مهجتي وأزور رمسي (¬2) PageV01P079 # يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأذكره بكل غروب شمس (¬1) # ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي # وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي # 204 - الحنظلي: # لكل جديد لذة غير أنني ... رأيت جديد الموت غير لذيذ # 205 - قيل إن الرئيس أبا علي بن سينا لما حضرته الوفاة قال له صهره أبو ~~علي القرموي الصوفي: اذكر ربك. ففتح عينيه وقال: يا أبا علي، ومتى خلا قلبي ~~من ذكر ربي طرفة عين؟! ائتوني بسماع: أوتار وشبابة. فاستدعوا لذلك، فقال: ~~شدوا طبقة لطيفة معتدلة وغنوا بهذه الأبيات إلى أن تفارق روحي جسدي. وهي هذه: # هبت نسيم وصالكم سحرا ... بحدائق للشوق في قلبي # فاهتز غصن الوصل من طرب ... وتناثرت درر من الحب # وغدت خيول الهجر شاردة ... مطرودة بعساكر القرب # وبدت شموس الوصل خارقة ... بشعاعها لسرادق الحجب # وبقيت لا شيئا أشاهده ... إلا أقول بأنه ربي # فغنوه وهو ملقى بين أيديهم، وروحه تشرئب إلى مفارقة جسده، ثم أصرف (¬2) ~~أولاده ومن يصبو قلبه إليه، وبقي عنده صهره أبو علي فلما فارقت روحه جسده، ~~قال عند ذلك: رب توفني مؤمنا وألحقني بالصالحين (¬3). PageV01P080 # ومات من وقته مقدس الروح مطهرا. # 206 - [يا] رحم الله إخوانا لنا ذهبوا ... أفناهم حدثان الدهر والأبد # نمدهم كل يوم من بقيتنا ms022 ... ولا يؤوب إلينا منهم أحد # 207 - وقيل: قدم إلى ميافارقين (¬1) رجل متصرف من بغداد في أيام ناصر ~~الدولة ابن مروان (¬2) ليتصرف بها فمات ودفن ظاهر ميافارقين. فرأى ناصر ~~الدولة في منامه كأن ذلك الميت قائم في قبره، ويشير إليه: # أبا الحسن بن الفضل يممت نحوكم ... طلوبا لصفو العيش لما تكدرا # أردت ثراء المال لما عدمته ... ولم أدر أني قد نقلت إلى الثرى # فلا يغترر بالعيش بعدي شامت ... فإن مصير الشامتين كما ترى # 208 - وقيل: لما مات عاصم بن عمر جزع عليه عبد الله (¬3) جزعا شديدا وقال منشدا: # فإن يك أحزان وفائض عبرة ... أثرن دما من داخل الجوف منقعا (¬4) PageV01P081 # تجرعتها من عاصم واحتسيتها ... لأعظم منها ما احتسى وتجرعا (¬1) # فليت المنايا كن خلفن عاصما ... فعشنا جميعا أو ذهبن بنا معا # 209 - وقال المنصور للربيع (¬2): يا ربيع، ما أطيب الدنيا لولا الموت! ~~فقال الربيع: يا أمير المؤمنين، ما طابت الدنيا إلا بالموت. قال: وكيف ذلك؟ ~~قال: لولا الموت لم تقعد في هذا الموضع الذي أنت فيه. قال: # صدقت. # 210 - لقد أفسد الموت الحياة وقد أتى ... على يومه علق (¬3) إلي حبيب # أتى دون حلو العيش حتى أمره ... نكوب على أثارهن نكوب # 211 - وقيل لما احتضر معاذ بن جبل (¬4) رئي وقد دمعت عيناه، فقيل له: لم ~~تبكي وقد حضرك من الله ما ترى؟ فقال: أما أنا فلا أبكي أسفا على دنياكم ~~هذه، ولكني أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام الليل، وعلى مهبط طريق PageV01P082 # ما أدري إلى جنة أم إلى نار. # 212 - وذكر أن بعض الصالحين مات له ابن فلم ير به جزع عليه. فقيل له في ~~ذلك. فقال: هذا أمر كنا نتوقعه فلما وقع لم ننكره. # 213 - خويلد بن خالد الهذلي (¬1): # أودى بني وأعقبوني حسرة ... بعد الرقاد وعبرة ما تقلع # سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم ... فتخرموا ولكل جنب مصرع (¬2) # وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع # وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع # 214 - وقيل إن إبراهيم بن عبد الملك بكى في مرضه الذي ms023 مات فيه، فقيل له: ~~ما يبكيك؟ قال: قلة الزاد، وبعد السفر، وصعود عقبة لا أدري هبطتي منها إلى ~~جنة أم إلى نار. # 215 - ومات صديق (¬3) للمبرد (¬4) فلم يمل سنة إلا المراثي والتعازي، PageV01P083 # ثم ختم كتابه بعد سنة بقول الشاعر: # إلى الحول ثم اسم السلام (¬1) عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر (¬2) # 216 - الخنساء: # وما كر إلا كان أول طاعن ... وما أبصرته الخيل إلا اقشعرت # فيدرك ثأرا وهو لم تخطه القنا ... فمثل أخي يوما به العين قرت (¬3) # ولست أرزى بعده برزية ... فأذكره إلا سلت وتجلت # 217 - وقال عبد العزيز بن مسلم العقيلي: مررت بقبر أبي محجن (¬4) ~~بأرمينية (¬5) تحت شجرات من كرم، فذكرت أبياته، وعجبت من الاتفاق في PageV01P084 # قوله: # إذا مت فادفني إلى جنب كرمة ... تروي عظامي بعد موتي عروقها # ولا تدفنني في الفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها # 218 - ومات ابن لابن عباس في سفر، فأنشد يرثيه: # حانت منيته بتثوى غربة ... والميت ثاو حيث حل غريب # 219 - وقال الخريمي: # يذكرني شمس الضحى نور وجهه ... فلي لحظات نحوها حين تطلع # ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع # وإني وإن أظهرت مني جلادة ... وصانعت أعدائي عليك لموجع (¬1) # ملكت دموع العين حين رددتها ... إلى ناظري إذ أعين القلب تدمع (¬2) # وأعددته ذخرا لكل كريهة ... وسهم المنايا بالذخائر مولع # 220 - وقيل: مرت الخنساء على هند بنت عتبة بن شيبة (¬3) وهي تنشد مراثي ~~في أهل بيتها، فقالت لها: على ما تبكين؟ قالت: أبكي سادات مضر. قالت: ~~فأنشديني بعض ما قلت. فقالت: PageV01P085 # أبكي عمود الأبطحين كليهما ... ومانعها من كل باغ يريدها (¬1) # أبي عتبة الفياض ويحك فاعلمي ... وشيبة والحامي الديار وليدها (¬2) # أولئك أهل العز من آل غالب ... وللحرب يوم حين عد عديدها (¬3) # فقالت الخنساء: مرعى ولا كالسعدان (¬4)، وأنشدت تقول: # أبكي أبي عمرا (¬5) بعين غزيرة ... قليل إذا تغفى العيون رقودها # وصخرا ومن من مثل صخر إذا بدا ... تساميه الأبطال قبا يقودها (¬6) # 221 - وحدث أبو البراء ثمامة بن الوضين قال: رأيت باليمامة جارية تبكي ms024 ~~عند قبر وتقول: # كفى حزنا أني أروح بحسرة ... وأغدو على قبر ومن فيه لا يدري # فيا نفس شقي جيب عمرك بعده ... ولا تبخلي بالله يا نفس بالعمر # فما كان يأبى أن يجود بنفسه ... ليفديني لو كنت صاحبة القبر # فسألتها عنه، فقالت: رفيقته منذ ثلاثين سنة، والله، لأبكينه أو تلحق PageV01P086 # نفسي به. # 222 - وقيل إن ليلى الأخيلية (¬1) مرت في ركب بقبر توبة بن الحمير (¬2) ~~فلم تقف عليه، فقيل لها: والله، ما وفيت له، هلا وقفت وسلمت. فقالت: # كرهت أن لا يرد سلامي فأكذبه حيث يقول: # ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... علي ودوني تربة وصفائح # لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح # 223 - أبو الغطريف: # قد زرت قبرك يا علي مسلما ... ولك الزيارة من أقل الواجب # ولو استطعت حملت عنك ترابه ... فلطالما عني حملت نوائبي # ودمي فلو أني علمت بأنه ... يروي ثراك سقاه صوب الصائب # لسفكته أسفا عليك وحسرة ... وجعلت ذاك مكان دمعي الساكب # 224 - وحدث عبد الله بن سكين (¬3) قال: رأيت جارية بصحار (¬4) تبكي عند ~~قبر، وتقول: PageV01P087 # يا قريب المدى بعيد المآب ... بأبي أنت يا سليب الشباب # لم تدع وجهك المنية حتى ... وهبت حسنه قبيح التراب # 225 - قيل: ماتت جارية للرشيد كان مشغوفا بها، فقال للعباس (¬1): # ارثها، فإنها اختلست من يدي. فقال: علمني يا أمير المؤمنين، كيف أقول ~~فيها. فقال: # اختلست ريحانتي من يدي ... أبكي عليها آخر المسند (¬2) # كانت هي الأنس إذا استوحشت ... نفسي من الأقرب والأبعد # وروضة لي لم تزل مرتعي ... ومنهلا كان به موردي # كانت يدي كانت بها قوتي ... فاختلس الدهر يدي من يدي (¬3) # 226 - وقال الرقاشي (¬4) وقد انتهى إليه موت جعفر بن يحيى البرمكي: # الآن استرحنا واستراح ركابنا ... وأمسك من يحدي ومن كان يحتدي (¬5) PageV01P088 # فقل للمطايا قد أمنت من السرى ... وطي الفيافي فدفدا (¬1) بعد فدفد # وقل للعطايا بعد فضل تبددي ... وقل للرزايا كل يوم تجددي (¬2) # وقل للمنايا قد ظفرت بجعفر ... ولن تظفري من بعده بمسود # 227 - وذكر المبرد: أن يعقوب بن الربيع (¬3) أحب جارية، ms025 فطلبها سبع سنين، ~~وبذل فيها جاهه وماله وإخوانه حتى ملكها، فأقامت عنده ستة أشهر ثم ماتت، ~~فقال فيها أشعارا كثيرة، ولم يزل يرثيها حتى مات. # وذكر الصولي أنه أعطي فيها مئة ألف دينار [فلم يبعها] (¬4)، ومن أحسن ما ~~قال فيها: # رأيت ثياب الناس في كل مأتم ... إذا اختلفوا (¬5) زرق الثياب وسودها # وإني على ملك لبست ملاءة ... من الحزن لا يبلي الزمان جديدها # وله فيها (¬6): # يا ملك إن كنت تحت الأرض بالية ... فإنني فوقها بال من الحزن # يا ملك لم تجدي مس البلى ولقد ... وجدت مس البلى والضر في بدني PageV01P089 # 228 - وعن [ابن] أبي فنن (¬1) قال: لم يقل في وصف ميت أحسن من قول يعقوب ~~بن الربيع يصف جاريته عند موتها: # ظلت تكلمني كلاما مطمعا ... لم أسترب منه بشيء مؤيس # حتى إذا فتر اللسان (¬2) وأصبحت ... للموت قد ذبلت ذبول النرجس # وتسهلت منها محاسن (¬3) وجهها ... وعلا الأنين تحثه بتنفس # رجع اليقين مطامعي يأسا كما ... رجع اليقين مطامع المتلمس (¬4) # 229 - وقيل: إن أبا المعالي بن عبد القاهر بن المنذر شرع في عمارة دار ~~واهتم بها، فلما تم بناؤها مرض ومات، وعمل هذين البيتين عند موته بعد ما ~~أوصى أن يدفن في الدار: # لهفي على غصن شباب ذوت ... أوراقه من أول العرس # ومنزل أملت عمرانه ... أصبح في جانبه رمسي # 230 - ومات ولد لشيخ من بني أسد فاشتد جزعه عليه، فقيل له: # اصبر؛ فإنه فرط أفرطته، وخير قدمته، وذخر أحرزته. فقال مجيبا: ولد PageV01P090 # دفنته، وثكل تعجلته، وغيب وعدته، والله، إن لم أجزع من النقص لم أفرح ~~بالمزيد. # 231 - وقال العتبي (¬1) يذكر ولدا له مات: # أضحت بخدي للدموع رسوم ... أسفا عليك وفي الفؤاد كلوم # والصبر يحمد في المصائب كلها ... إلا عليك فإنه مذموم # 232 - وأنشد سليمان بن عبد الملك (¬2) عند وفاة بعض ولده: # إذا ما دعوت الصبر بعدك والبكا ... أجاب البكا طوعا ولم يجب الصبر # فإن ينقطع منك الرجاء فإنه ... سيبقى عليك الحزن ما بقي الدهر (¬3) # 233 - وقيل لأعرابي مات أخوه: ما سبب موته؟ قال: كونه. ms026 # 234 - وقيل لفيلسوف: من الذي لا عيب فيه؟ قال: الذي لا يموت. # 235 - إذا نحن زرنا قبره ودموعنا ... يكاثرها أفضاله وفضائله # لزمنا له حكم الوقار كأنما ... تلوح لنا تحت التراب شمائله PageV01P091 # 236 - ومات ابن (¬1) لعبيد الله بن الحسن (¬2) فعزاه صالح المري (¬3) فقال: # إن كانت مصيبتك في ابنك أحدثت لك عظة في نفسك فنعم المصيبة مصيبتك، وإن ~~لم تكن أحدثت لك عظة في نفسك، فمصيبتك في نفسك أعظم من المصيبة في ميتك. # 237 - وقالوا رزقت الأجر يوم مصابه ... فقلت لهم: يا ليتني فاتني الأجر # أأبغي ثوابا في الذي كل كربة ... لها من معاليه إذا أظلمت فجر # 238 - وعزى سهل بن هارون لرجل فقال: مصيبة في غيرك لك أجرها خير من مصيبة ~~فيك لغيرك ثوابها. # 239 - وعزى رجل أخاه عن ابن له فقال: ذهب أبوك وهو أصلك، وذهب ابنك وهو ~~فرعك، فما حال الباقي بعد ذهاب أصله وفرعه؟ # 240 - لكل أناس مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد PageV01P092 # وما إن تزال الدار منهم قد اقفرت ... وقبر لميت بالفناء جديد (¬1) # هم جيرة الأحياء أما مزارهم ... فدان وأما الملتقى فبعيد # 241 - ولو كان في الدنيا خلود لواحد ... لكان رسول الله فيها المخلدا # ومن ذا الذي يبقى من الدين سالما ... وسهم المنايا قد أصاب محمدا (¬2) # 242 - وقيل لأعرابية مات ولدها: ما أحسن عزاءك! فقالت: إن فقدي إياه ~~أمنني المصائب بعده، وفي ذلك يقول الشاعر (¬3): # وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لي شيء عليه أحاذر # 243 - وقال آخر: # عش ما بدا لك أن تعيش فإنما ... طرف الحياة من الممات قريب # 244 - وقيل: دخلت الخنساء على عائشة وعليها صدار من شعر وقد وضعت خمارها، ~~فقالت لها عائشة: ألم ينه النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس الصدار ووضع PageV01P093 # الخمار؟! فقالت: بلى، ولكن زوجي قامر فقمر (¬1) فأتيت أخي صخرا، فشاطرني ~~ماله، وأتيت به زوجي، فقامر ثم قمر، فأتيت أخي صخرا فشاطرني ماله، فأتيت به ~~زوجي، فقامر فقمر، فعدت إلى أخي فشاطرني ماله، فقالت له زوجته، أكل هذا ~~تفعله ms027 مع هذه؟. فقال: نعم، # لو فقدتني وضعت خمارها ... واتخذت من شعر صدارها # فلما فقدته وضعت الخمار، ولبست الصدار. # 245 - وقال الأصمعي: حضر بعض العرب الموت فرأى جزع أخيه عليه، فقال له: ~~هون عليك يا أخي، فيوشك أن تحدث عني وأنت تضحك. # 246 - وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى ... من الأجر لي فيه وإن سرني الأجر # وأجزع أن ينأى به بين ليلة ... فكيف ببين صار موعده الحشر # 247 - ولأعرابي: # وما نحن إلا مثلهم غير أننا ... أقمنا قليلا بعدهم وتقدموا # 248 - أبو نواس: # سبقونا إلى الرحي ... ل وإنا على الأثر PageV01P094 # 249 - وقيل: دخل عمر بن ذر (¬1) على ابنه ذر وهو يجود بنفسه، فقال: # يا بني، إنه ما علينا غضاضة، ولا بنا إلى أحد سوى الله حاجة، فلما قضى ~~وواراه، وقف على قبره، وقال: يا ذر، إنه قد شغلنا الحزن لك على الحزن عليك، ~~لأنا لا ندري ما قلت ولا ما قيل لك، اللهم إني قد وهبت له ما قصر فيه بما ~~افترضته عليه من حقي، فهب له ما قصر فيه من حقك، واجعل ثوابي عليه له، وهب ~~لي من فضلك، إني إليك من الراغبين. # 250 - وقال آخر لابنه: # ومن عجب أن بت مستشعر الثرى ... وبت بما زودتني متمتعا # ولو أنني أنصفتك الود لم أقم ... خلافك حتى ننطوي في الثرى معا # 251 - وذكر المسعودي قال: رأيت (¬2) ببلاد سرنديب-وهي جزيرة من جزائر ~~البحر-إذا مات ملكهم صير على عجلة قريبة (¬3) من الأرض صغيرة البكر معدة ~~لهذا المعنى وشعرته تنجر على الأرض (¬4)، وامرأة بيدها مكنسة تحثو التراب ~~بها على رأسه، وتنادي بأعلى صوتها: يا أيها الناس هذا ملككم، PageV01P095 # [بالأمس قد ملككم] (¬1) وجاز فيكم أمره ونهيه، وقد صار إلى ما ترون، وقبض ~~روحه ملك الملوك الحي الذي لا يموت، فلا تغتروا بعده بالحياة؛ فالحياة في ~~هذه الدنيا متاع الغرور. # 252 - وقال أبو الحسن المدائني (¬2): حدثني عمرو بن مسعدة (¬3) قال: # قال لي المأمون يوما: ألا أفيدك مصون الروم واليونانية من الحكمة؟ قلت: # بلى يا أمير المؤمنين. قال: إني ms028 قرأت في صحف من كتبهم أن الإسكندر لما ~~مرض مرضه الذي مات فيه أرسل إلى أرسطاطاليس (¬4) وكان معلمه الذي يصدر عن ~~رأيه، ويعرف علمه وحق فضله، فقال له: أيها الحكيم المؤتمن، خفف عن الطبيعة ~~ما عليها من الثقل بكتاب تكتبه إلى الشفيقة والدتي أرفية (¬5) تحضها فيه ~~على الصبر، وتذكرها فيه بمن سلف من الملوك خلفوا ما خلفت، وصرت إلى عرصاتهم ~~وميدان حلبتهم، قد انقطعت أخبارهم، ودرست آثارهم، فعادت الحركة سكونا، ~~والأجسام همودا، والأرواح خفوتا؛ واقرأه PageV01P096 # علي قبل موتي. # فكتب أرسطاطاليس كتابا هذه نسخته (¬1): من الإسكندر رفيق أهل الأرض بجسده ~~قليلا، ورفيق أهل السماء بروحه كثيرا إلى والدته أرفية الصفية والحبيبة ~~التي تحب التمتع بولدها في دار الغر الغرور، وتزهد في مجاورته غدا في دار ~~النشور. يا ذات الحلم الراجح، أسألك من قربي من قلبك أن تستمعي لقراءة ~~كتابي هذا وتتفهميه وترفعي نفسك عن شبه النساء وضعفهن في الرقة، كما لم يكن ~~ابنك يرضى بشبه الرجال في كثير من أمورهم، وانظري وتأملي في جميع ما أحاط ~~به العالم. هل رأيت لشيء قرارا ثابتا، أو حالا دائما؟ ألم تري أن (¬2) ~~الشجرة كيف تهتز أغصانها، وتخرج ثمارها وتلتف ورقها، ثم إن يلبث أن ينهشم ~~الغصن، ويتساقط الثمر، ويتناثر الورق. أو لم ترى إلى النهار المضيء النير ~~البهي كيف تخلفه الظلمة في مكانه؟، أو لم تري القمر أبهى ما يكون ليلة ~~البدر يكسفه الكسوف فيذهب بنوره فيظلم ما ظهر من نوره وبهجته وحسنه، أو لم ~~تري الكواكب الزاهرة كيف يغشاها الطموس فيخمد نورها؟ أو لم تري إلى شهب ~~النيران المتوقدة ما أسرع ما يخبو ضوءها ولهبها؟ بل انظري إلى الماء العذب ~~ما أسرع جريته إلى البحار المالحة التي تحوله إلى طبيعتها ومرارة ذوقها؟ ~~وإلى هذا الخلق العجيب الذي ينافس في PageV01P097 # الدنيا، ويحرص على عمارة ما يخلق آخره، ويدرس أثره؛ قد امتلأت به الآفاق، ~~وشغلت به الأمكنة، وقد مالت إليه الحواس بكليتها فرجعت عن إدراكه كالة ~~حائرة. وإنهما شيئان اثنان شيء يولد فينمو وشيء ينبت ms029 فينمو وكلاهما مقرون ~~به الهلاك. أو لم يبلغك أنه قيل لهذا الدار حين بنيت: # يا والدة الموتى، ومرتجعة العطية، وناقضة كل مبروم، أو لم تري كل مخلوق ~~يجري على ما ليس يدري؟ وأن كل مستقر منهم غير راض باستقراره، أم هل رأيتم ~~معطيا لا يأخذ، ومقرضا لا يتقاضى، ومستودعا لا يرد وديعته؟ ولئن يكن أحد ~~حقيقا بالبكاء فلتبك السماء على نجومها، ولتبك البحار على حيتانها، وليبك ~~الجو على أجناس الطير المختلفة في الهواء، ولتبك الأرض على سكانها، وليبك ~~الإنسان على نفسه التي تموت في كل ساعة ولحظة وطرفة، وأجلها يطلبها، بل ~~علام يبكي الباكي؟ لفقد من فقد من قبل أن يفارقه فأتاه ما لم يكن يحسب، ~~وتوقع ما لم يكن يحذر؛ فيحدث له البكاء والحزن. يا أماه، إن الموت والفناء ~~لا يبقيان العزيز، ولا يتركان الذليل. # وقد عرفت سبيل المنهج والطريق الواضح الذي ما عنه معدل، بل إليه كل يصير، ~~ولا يتعبنك الحزن والبكاء من بعدي؛ فإنك لم تكوني جاهلة بأني من الذين ~~يموتون. وقد كتبت كتابي هذا أرجو أن تتعزي (¬1) به وأن يحسن منك موقعه، فلا ~~تخلفي ظني، ولا تحزني روحي، فإني قد علمت يقينا أن الذي أذهب إليه خير (¬2) ~~من المكان الذي كنت فيه، وأكرم وأطهر وأحسن من الحزن والنصب والهم والألم، ~~فاغتبطي بمذهبي واستعدي للقائي. # يا أماه أرفية، اذكري أن ذكري قد انقطع عن أهل الدنيا بما كنت أذكر من عز ~~سلطاني وملكي فاجعلي لي من بعد ذكري صبرك على عظيم ما نزل بك من PageV01P098 # فقد ولدك. # يا أماه، المقام في هذه الدار قليل زائل والمقام في دار الأبد دائم. # فلما مات الإسكندر جعل جسده في تابوت من ذهب، وحمل إلى الإسكندرية إلى ~~دار الملك، وجعل التابوت في وسط إيوانه الذي كان يجلس فيه على السرير، وقيل ~~لحكماء اليونانية والعظماء: ادنوا منه، وأحد قوا به، وتكلموا على هذا الجسد ~~الساكن (¬1). # فقال فلليمون الحكيم: هذا يوم عظيم العبر أقبل من شره ما كان مدبرا (¬2)، ~~وأدبر من خيره ما ms030 كان مقبلا. فمن كان باكيا على زوال ملكه فليبك (¬3). # وقال ميلاطوس الحكيم الأول: أيها الساعي المغتصب، ما خانك عند الاجتماع ~~وودعك عند الاحتياج، فلا قرابة يزورك، ولا وزير يتفقدك. # وقال الحكيم الثاني: هذا الإسكندر قد ذهب زهرة بهجته كما أذهب الشعاع من ~~الشمس نور النبات. # وقال الحكيم الثالث: هذا الإسكندر صاحب الأسرى قد أصبح أسيرا. # وقال الرابع: انظروا إلى حلم النائم كيف انقضى، وإلى ظل الغمام كيف ~~انجلى؟. PageV01P099 # وقال الخامس: قد كان هذا الشخص يسأل عما قبله وما يسأل عما بعده. # وقال السادس: هذا الجسد صدر وهو ناطق، وورد وهو صامت. # قال السابع: ما كان آمن هذا الجسد لما يستبقيه، وأشد حفظه لما يستودعه. # قال الثامن: ما أرغبنا فيما فارقت، وأغفلنا عما عاينت. # قال التاسع: ما أبعد شبه مكانك الذي أنت فيه اليوم، من مكانك الذي كنت ~~فيه أمس. # قال العاشر: لم يقض هذا نهمته من الدنيا حتى قضت نهمتها منه. # قال الحادي عشر: أما ترون أيها الحكماء إلى هذا الجسد كيف حركنا بسكونه. # قال الثاني عشر: يا عظيم الشأن اضمحل سلطانك كما اضمحل السحاب، وعفت آثار ~~ملكك كما عفت آثار الرباب. # وقال آخر: [أيها] (¬1) الشخص، باد عرف طيبك كما باد الهبوب، وصرت منها ~~خلوا كالأسير المحجوب. # وقال آخر: أيها الساعي المغتصب، جمعت ما خذلك وولى عنك، ولزمتك أوزاره ~~وعاد على غيرك هناؤه. # وقال آخر: إن الآمر في الذهب قد ساوى الذهب، فهل ترجو أن ينفذ لك بعد ~~أمرك أمر (¬2)؟. PageV01P100 # وقال آخر: يا من طالت عليه الأرض طولا، ليت شعري كيف حالك فيما احتوى ~~عليك منها؟. # وقال آخر: لا تعجبوا ممن لم يعظنا فصار موته لنا واعظا. # وقال آخر: اعجبوا لمن كان هذا سبيله كيف شرهت نفسه لجمع الحطام الهامد، ~~والهشيم البائد (¬1). # وقال آخر: أيها الجمع الحافل والملتقى الفاضل، لا ترغبوا فيما لا يدوم ~~سروره، وينقطع لذيذه؛ فقد بان لكم الصلاح والرشاد من الغي والفساد. # وقال آخر: قد كنا أيها الشخص بالأمس نراك تقدر على الاستماع والقول، فهل ~~تسمع منا ms031 ما نقول؟ # وقال آخر: هذا كان يعطي اليسير مما جمع، ليحمد، فقد خلفه الآن على من لا يشكره. # وقال آخر: قتل هذا الشخص خلقا لئلا يموت، ومات كيف لم يدفع الموت عن نفسه؟. # وقال آخر (¬2): يا من كان غضبه الموت، هلا غضبت على الموت؟ # وقال آخر: قد كان فيه صمم عن الحق وهو حي، كيف بصممه الآن وقد مات؟ # وقال آخر: لو منعوا هذا الشخص مما سفك من الدماء لجمع الذهب، لكانوا قد ~~أصابوا به من الحكمة. # وقال آخر: لم يؤدبنا الإسكندر بكلامه مثل ما أدبنا بنفسه. PageV01P101 # وقال الآخر: لو عرف هذا الشخص ضعفه بالأمس كان اليوم مغبوطا. # وقال آخر: إن هذا جمع الذهب فلم ينفعه حيا، فمات فلم ينفعه الآن وهو ميت. # وقال آخر: من رأى هذا الشخص اليوم فليقنع ويمسك عن طلب الرغائب؛ فإن ~~عاجلها قاتلة وآجلها مهلكة. # وقال آخر: يا من كان بالأمس تزهو النفوس بالدنو منه، صرت اليوم يعاف ~~القرب منك. # وقال آخر: يا من فارق الظالمين جهرا، أتزودت ما يبلغك إلى الصالحين سرا؟. # وقال آخر: يا من كانت الأعين له خاضعة، والألسن منه ساكنة، من الذي جرأها ~~فاجترأت؟ # وقال آخر: من رأى هذا الشخص، فليثق وليعلم أن الذنوب هكذا يكون قضاؤها. # وقال آخر: قد كان بالأمس طلعته إلينا حياة، فاليوم النظر إليه سقم. # وقال آخر: لو عني هذا الشخص بعلم ما يكون بعده كسؤاله عما كان قبله لقلل ~~من سعيه. # وقال آخر: قل للإسكندر: الآن يسدي إليك كل امرئ مما أوليت نصيبا. # وقال آخر: هذا وقت ذهب عنك السرار وبرز فيه الجهار، إن كنت تسمع. # وقال آخر: أحسن بالإسكندر لو استعمل بعض هذا الحلم والصمت في PageV01P102 # حياته. # وقال آخر: هذا المتعظم الذي لم تسعه المدن العظام قد طوي في ذراعين من الأرض. # وقال آخر: لا يعظم عندكم من يعلم غيره، لكن العظيم من يعلم نفسه. # وقال الآخر: ما أزهد الناس أيها الملك فيك، وأرغبهم في تابوتك. # وقال آخر: من اشتد جوعه وحرصه على الارتفاع، كذلك ms032 عظمت صرعته. # وقال آخر: لو تيقن حاله في هذا اليوم، لتواضع للناس بالأمس عن قدرة. # وقال آخر: صدر عنا الإسكندر ناطقا، وقدم صامتا. # وقال آخر: هذه سفرة ما سافر الإسكندر مثلها بلا زاد ولا أعوان. # وقال آخر: لو علم أنه يزول ملكه، لكان للحكماء أطوع. # وقال آخر: لو كان ذكيا في حياته لكان مفلحا في موته. # وقال آخر: لو علم أنه يقبر لم ينصب نفسه لجميع ما تخلف عنه. # وقال آخر: إن كان قد أسف على حركته الآن فطالما تمني له السكون. # وقال آخر: خافتك حضرتك أيها الشخص، وأمنت الحضور خائفتك. # وقال آخر: ليس العجب من غروب الشمس، العجب من شروقها. # وقال آخر: ما أصدق الموت لأهله، غير أنهم يكذبون أنفسهم ويصمون آذانهم. # وقال آخر: إن كان لا يبكى إلا عند جدته، فالموت في كل يوم جديد. PageV01P103 # وقال آخر: زالت الأمور عنك، وانقطعت منك، وأقبلت المكاره عليك إن كنت لا تعلم. # وقال آخر: لئن كنت أمس رفيعا مغبوطا، لقد أصبحت اليوم مرحوما. # وإن كنت أمس رفيعا قد أصبحت اليوم وضيعا. # وقال آخر: يا من ساس الأمور وقهر، أليس قد ساويت الدناة إصغارا؟ # وقال آخر: يا ذا الذي عظم في العز حتى هلك، وأفرط في العلو حتى سقط. ما ~~الذي زهدك في الرأفة وهذه غايتك؟ # وقال آخر: عهدي بك وكنت ترغب بنفسك عن رحب البلاد، كيف صبرك الآن على ضيق ~~المكان؟ # وقال آخر: أيها المرغوب بك، ما الذي أزهد فيك جندك، ورغب عنك حرسك، وهتك ~~عنك حجاب سترك؟ # وقال آخر: إن الذي أحل بالإسكندر ما أرى لقوي جدا. # وقال آخر: قل للملوك (¬1): هذه الطريقة لا بد من سلوكها، فارغبوا في ~~الباقية رغبتكم في الفانية. # وقال آخر: كفى العامة (¬2) بموت الملوك أسوة. # وقال آخر: كفاك بهذه عبرة، إن الذهب كان بالإمس كنزا للإسكندر، فقد أصبح ~~اليوم فيه مكنوزا. # وقال آخر: قل للملوك: ليس بعد الحياة إلا الموت، ولعل بعد الموت PageV01P104 # أشد من الموت. # وقال آخر: يا للعجب، أن القوي مغلوب مرتهن، والضعيف ms033 الأهون غار (¬1). # وقال آخر: يا ويح الملوك، لو كانوا يحذرون المنايا، لقصروا في طلب ~~الأموال. # وقال آخر: ما الحياة بباقية فيرجى غبها، ولا الموت بعابر فيوثق منه. # وقال آخر: تعالوا بنا الآن نطلب عزا لا يذل؛ فإن الذي كنا نعتز به قد أفل. # وقال آخر: إن للرعية قبلك ديونا عليك، فكيف صبرك الآن على قضاء الديون؟. # وقال آخر: ما كان أصلح الإسكندر لو بنى موضع الإسكندرية كوخا. # وقال آخر: لولا غشاوة اعترت الإسكندر، لكان أبصر رشده. # وقال آخر: خرجنا إلى الدنيا جاهلين، وأقمنا غافلين، ونخرج منها كارهين. # وقال آخر: هذا الإسكندر طوى الدنيا العريضة، وطوي منها في ذراعين. # وقال آخر: قد كنت لنا واعظا، وما وعظتنا بوعظ أوعظ من وفاتك. # وقال آخر: كانت حياة الإسكندر لله ووفاته لنفسه. PageV01P105 # وقال آخر: ما سافر الإسكندر سفرا بلا أعوان ولا آلة غير هذا. # وقال آخر: هذا الإسكندر كان يحكم على الرعية، صارت الرعية تحكم عليه. # وقال آخر: رب هائب لك كان يعبأ بك من ورائك، وهو اليوم لا يخافك بحضرتك. # وقال آخر: رب حريص على سكوتك، وهو اليوم حريص على كلامك إذ لا تتكلم. # وقال آخر: كم من جسم أمات هذا الجسم لئلا يموت وقد مات. # وقال آخر: لئن كان يحب الذهب، لقد أصبح الذهب اليوم له معانقا. # وقال آخر: نعم المضطجع هذا لمن كان يسعى لنفسه. # وقال آخر: قد أباد هذا الميت خلقا كثيرا لئلا يموت، ولو كان حريصا على ~~حياتهم كحرصه على موتهم لم يمنعهم من أن يموتوا كما مات. # وقال آخر: كان هذا واعظا بليغا، وما وعظنا قط موعظة أبلغ من موعظته بنفسه ~~وسكونه. # وقال آخر: كان حريصا على الارتفاع، ولم يعلم أن ذلك أشد لصرعته في ~~المهواة. # وقال آخر: كان الإسكندر يخافه من ينظر إليه، واليوم لا يهابه من يجترئ عليه. # وقال آخر: كان الإسكندر بالأمس يشيقنا إليه، وهو اليوم مشتاق إلى المعزي إليه. # وقال آخر: كان بالأمس يخافه عدوه، فهو اليوم لا يرجوه صديقه. PageV01P106 # وقال آخر: الذي كان ms034 يقود الجنود في دار عزه، اليوم تشيعه تلك الجنود إلى ~~دار مذلته. # وقال آخر: هذا الذي قتل النفوس يرجو الراحة، فاليوم يجدها أمامه تطلبه. # وقال آخر: لئن كان المطلوب غفل، فما أغفل الطالب. # وقال آخر: هذا الذي كان عدوه يكره قربه، فخاصته اليوم لقربه أكره. # وقال آخر: هذا الذي يندم على ما فاته من الدنيا، فهو اليوم على ما أدرك ~~منها أندم. # وقال آخر: هذا الذي تخلفت عنه آثاره، ولحقت به أعماله. # وقال آخر: ارفعوا أصواتكم أيها الحكماء بالمواعظ؛ فإن الإسكندر لا يسمع، ~~ولعل الصم يقدرون أن يسمعوا. # وقال آخر وهو رأس الحكماء: أيها العزيز أمس، والذليل اليوم، كأنك لست ~~صاحبي أمس. أهلك صحبوك ظاعنا، وفارقوك مقيما. لئن كان الإسكندر نسوه، فما ~~أصبح يذكرهم. بئس الورثة ورثتك، أخذوا مالك وتركوا الأثقال عليك والذنوب. ~~بئس الخلان خلانك، تبعوك سالبا، وفارقوك مسلوبا. بئس الجنود جنودك؛ نصروك ~~آمنا وخذلوك خائفا، بئس الحصون حصونك بنيت لجندك، حصنتها لمن تحتك وسهلتها ~~لمن فوقك. # بئس الخزن خزانك، ائتمنتهم على مالك وشهدوا به لغيرك لما قبضت، للعواري ~~بدت عاريتك. كانت دنياك العريضة لا تملأ بطنك، وأنت اليوم في بطنها. # هذا صارع الجبابرة أصبح مصروعا. لقد استبدلت بتاج الملك دار الفناء. # كان تاجرا رابحا فأصبح اليوم قد خسر نفسه. ما أسرع ما هاجت الزهرة ونضجت ~~الثمرة. PageV01P107 # وقال صاحب خزانته: قد كنت تأمرني أن لا أتباعد عنك، فأنا اليوم لا أقدر ~~على الدنو منك. # وقالت زوجته بنت دارا (¬1): لئن كان هذا الكلام شماتة، لقد خلف الكأس ~~الذي شرب به لجماعتكم. # وقالت أمه: لئن فقدت من ابني أمره، فما (¬2) فقدت من ابني ذكره. # وقد كان الإسكندر كتب إليها كتابا يأمرها فيه باتخاذ وليمة (¬3) تستدعي ~~فيها إلى طعامها من لم تلحقه مصيبة. فتقدمت لذلك وبادرت لحضور الطعام على ~~الشرط، فما صار إليها أحد صغير ولا كبير فعلمت أن ابنها أراد تعزيتها ~~وتسليتها. # ثم جعل التابوت على أيد حتى أودع حفرته. # 253 - كلام من حكم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ms035 # قال عليه السلام: أعجب ما في الإنسان قلبه، وله مواد من الحكمة وأضداد من ~~خلافها، فإن سنح له الرجاء أذله الطمع، وإن هاج به الطمع أهانه الحرص، وإن ~~ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغيظ اشتد به الغضب، وإن أمتع بالرجاء ~~نسي التحفظ، وإن ناله الخوف شغله الحذر، وإن اتسع له الأمن سلبته الغرة، ~~وإن أصابته مصيبة فضحه العجز، وإن تجددت له نعمة أخذته العزة، وإن نال مالا ~~أطغاه الغنى، وإن عضته الفاقة PageV01P108 # شغله البلاء، وإن جهده الجوع قعد به الضعف، وإن أسرف في الشبع لحظته ~~البطنة، فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد. # 254 - ولبعضهم: # تنكر لي دهري ولم يدر أنني ... أعز وأكرام الزمان يهون # وبات يريني الهم كيف اعتداؤه ... وبت أريه الصبر كيف يكون (¬1) # 255 - وقيل: الصبر ثلاثة فنون. الأول: الصبر بالعمل على طاعة الله عز ~~وجل، والثاني: الصبر على ترك ما نهى الله تعالى عنه من المعاصي، والثالث: ~~الصبر على المحن والمصائب، واحتمال المكاره والشدائد، والرضا بما تجري به ~~المقادير. # 256 - أبو فراس: # أحمد الله على ما ... سر من أمري وساء # رب أمر لا يرى في ... ه سوى الصبر دواء (¬2) # 257 - سعيد بن حميد الكاتب (¬3): # لا تعتبن على النوائب ... فالدهر يرغم كل عاتب # واصبر على حدثانه ... إن الأمور لها عواقب PageV01P109 # ما كل من أنكرته ... ورأيت جفوته تعاتب # فلكل صافية قذى ... ولكل خالصة شوائب # والدهر أولى ما صبر ... ت له على رنق (¬1) المشارب # كم نعمة مطوية ... لك بين أبناء النوائب (¬2) # ومسرة قد أقبلت ... من حيث تنتظر النوائب # 258 - آخر: # أما علمت بأن العسر يتبعه ... يسر كما الصبر مقرون به الفرج # 259 - وقال بعض الحكماء: يا بني، إن تغلبوا عن الظفر، فلن تغلبوا عن الصبر. # 260 - آخر: # فصبرا على حلو الزمان ومره ... فإن اعتياد الصبر أدعى إلى الرشد # 261 - وقيل: الصبر جنة من الفاقة. # 262 - وقيل: لكل شيء ثمن، وثمن الصبر الظفر. # 263 - ولآخر: # وخير الأمور خيرهن عواقبا ... وكم قد أتاك النفع من جانب الضر PageV01P110 # ومن عصم ms036 الله: الرضا بقضائه ... ومن لطفه توفيقه العبد للصبر # 264 - ولآخر: # ليس لما ليست له حيلة ... موجودة خير من الصبر # الصبر مر ليس يقوى به ... غير رحيب الذرع والصدر # فالق فضول الهم من جانب ... قد فرغ الله من الأمر (¬1) # 265 - وقيل: أربعة توصلك إلى أربعة: الصبر إلى المحبوب، والجد إلى ~~المطلوب، والزهد إلى التقى، والقناعة إلى الغنى. # 266 - لبعضهم: # الصبر مفتاح ما ترجي ... فكل صعب به يهون (¬2) # فاصبر وإن طالت الليالي ... فربما طاوع الحزون (¬3) # وربما نيل باصطبار ... ما قيل هيهات أن يكون (¬4) # 267 - وقال بزرجمهر: ما أحسن الصبر لولا أن النفقة عليه من العمر. # 268 - آخر: # فكم من كريم قد بلي بمصائب ... فصابرها حتى مضت واضمحلت PageV01P111 # وكم محنة هاجت بأمواج محنة ... تلقيتها بالصبر حتى تجلت # وكانت على الأيام نفسي عزيزة ... فلما رأت صبري على الذل ذلت # فقلت لها يا عز كل مصيبة ... إذا وطنت (¬1) يوما لها النفس ذلت # 269 - وقيل: الموفق إذا امتحن آلت محنته إلى سعادة، وإذا غلط أدت غلطته ~~إلى إصابة. # 270 - وقيل: من حسنت نيته حسنت ديانته، ومن حسنت ديانته حسن صبره، ومن ~~حسن صبره حسن توفيقه، ومن حسن توفيقه قل همه وكثر صوابه. # 271 - وقال بعض الرهبان: من أيد بالعز الروحاني على ما يلحقه من المحن ~~فقد نجا من فخ الشيطان وكيده. # 272 - لعبيد بن الأبرص (¬2): # يا قليل العزاء في الأهوال ... وكثير الهموم والأوجال (¬3) # صبر النفس عند كل مهم ... إن في الصبر راحة المحتال PageV01P112 # لا تضيقن في الأمور، فقد ... يكشف غماؤها بغير احتيال # ربما تجزع النفوس من الأمر ... لها فرجة كحل العقال # 273 - وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: عليكم بالصبر، فإنه به يأخذ ~~العاقل، وإليه يرجع الجاهل. # 274 - وأصيب جرير بن عبد الله البجلي (¬1) بمصيبة، فعزي عنها فقال: # ما وقع شيء بقلبي مما عزيت به حتى دخل علي مجوسي، فقال: انظر إلى ما كنت ~~تعزي به الناس فعز به نفسك، واحتسب. # 275 - وأنشد عمر بن عبد العزيز: # اصبر هديت فإن الصبر مكرمة ... وإن جزعت ms037 فحظ الجازع الجزع # 276 - وقال بعض الرهبان: متى عدم الإنسان الصبر والرجاء، عدم السكون ~~والفرج. # 277 - وقال الجاحظ: رأيت بهلول المجنون (¬2) بجامع الكوفة يبكي، فقلت له: ~~ما يبكيك؟ فقال: أنا جائع. فقلت: عليك بالصبر. فقال منشدا: # يقولون لي في الصبر روح وراحة ... ولا عهد لي بالصبر مذ خلق الصبر # ولا شك أن الصبر كالصبر طعمه ... وإني رأيت الصبر ممتنع وعر # ثم عطف وأنشد: # الصبر جارك فاحتفظ بجواره ... عند الحوادث والملم النازل PageV01P113 # فلتعطين جزاءه متعجلا ... ولتحمدن ثوابه في الآجل # 278 - وحكي عن أنوشروان العادل (¬1) أنه قال: جميع مكاره الدنيا تنقسم ~~على قسمين وضربين: فضرب فيه حيلة والاضطراب دواؤه، وضرب لا حيلة فيه والصبر شفاؤه. # 279 - نصر بن الحسن (¬2): # أحسن إلى الناس ما واتتك مقدرة ... واستصحب الصبر يوما إن أسا عات # فصبر قلبك مكف كل معضلة ... ونصر ربك آت بعد ساعات # 280 - آخر: # وعودت نفسي الصبر حتى ألفته ... وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر (¬3) # وصيرني يأسي من اليأس واثقا ... بحسن صنيع الله من حيث لا أدري (¬4) # 281 - أعرابي: # خلقان لا أرضى فعالهما ... تيه الغنى ومذلة الفقر PageV01P114 # فإذا غنيت فلا تكن بطرا ... وإذا افتقرت فته على الدهر # واصبر فلست بواجد خلفا ... أدنى إلى فرج من الصبر # 282 - الشريف الرضي (¬1): # إذا سيم ضرا زاد صبرا كأنه ... هو المسك ما بين الصلاية والفهر (¬2) # لأن فتيت المسك يزداد طيبه ... على السحق والحر اصطبارا على الضر # 283 - وقيل: قدم عروة بن الزبير (¬3) على الوليد بن عبد الملك ومعه ابنه ~~محمد (¬4)، فدخل محمد دار الدواب فرمحه دابة فمات، ووقع بعد ذلك في رجل ~~عروة الأكلة (¬5) -نسأل الله العافية منها-إلى ساقه. فقيل له: اقطعها وإلا ~~انفسد جميع جسدك، فقطعها بمنشار، وهو شيخ كبير، ولم يمسكه أحد، ومع ذلك ~~أجمع، لم ير به جزع، ولا قطع ورده تلك الليلة إلا أنه قال: PageV01P115 # لقد لقينامن سفرناهذانصبا [الكهف:62]. # وقدم على الوليد في تلك الأيام قوم من عبس وفيهم رجل ضرير محطوم الوجه، ~~فسأله الوليد عن حاله. فقال: بت ليلة في بطن واد وأنا ms038 لا أعلم أن في بني ~~عبس رجلا أكثر مني مالا. فطرقنا سيل، فذهب بما كان لي من أهل ومال وولد، ~~وما بقي لي غير بعير واحد وابن صغير، وكان البعير صعب القياد فند (¬1)، ~~فأقعدت الصبي وتبعت البعير لأرده فما بعدت حتى سمعت صياح الصبي فانصرفت ~~فإذا رأس الذئب في بطنه وقد مات، فرجعت إلى البعير لآخذه فلما دنوت منه ~~رمحني فأصاب وجهي فحطمه وذهب بعينيي (¬2)، فأصبحت ولا مال لي ولا أهل ولا ~~ولد ولا بصر. فقال الوليد: انطلقوا بهذا الرجل إلى عروة ليخبره بخبره، حتى ~~يعلم أن في الأرض من هو أعظم بلاء منه. فانطلقوا به وأخبره. ثم إن عروة شخص ~~إلى المدينة، فأتته قريش والأنصار يعزونه في ولده ورجله، فقال له عيسى بن ~~طلحة (¬3): أبشر، فإن الله يعوضك من ذلك أعظم الأجر وأجزل الثواب (¬4). ~~فقال عروة: كانوا أربعة -يعني بنيه-فأبقى الله ثلاثة، وأخذ واحدا. وكن ~~أربعا-يعني يديه ورجليه- فأخذ واحدة وأبقى ثلاثا، فلئن أخذت يا رب لقد ~~أبقيت، ولئن ابتليت لقد عافيت. ثم نظر إلى الناس، وقال: إن كنتم تعدونني ~~للسباق والصراع فقد PageV01P116 # فاتني ذلك، وإن كنتم تعدونني للسان والجاه فقد أبقى الله خيرا كثيرا. # 284 - وأنشدوا: # صبرا فكم مدركا بالصبر بغيته ... من حيث لم يحتسب أو حيث يحتسب # ما دام خير ولا شر على أحد ... يوما وللدهر حالات ومنقلب # 285 - ولمؤلفه عيسى بن البحتري عفا الله عنه: # إني أقول لنفسي حين ألبسها ... ريب الزمان لباس الخوف والفرق # صبرا على نكبة أوهتك شدتها ... وحادث حدث منه قوى الحرق # 286 - قال بعض الرهبان: عند حلول النعمة اعمل الخير، واشكر الله وفي ~~الإضافة واظب على الدعاء والاستقالة (¬1). # 287 - ولبعضهم: # إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا ... ندمت على التفريط في زمن البذر # إذا شئت أن تستقرض المال منفقا ... على شهوات الدهر في زمن العسر # فسل نفسك الإقراض من ليس صبرها ... عليك وإنظارا إلى زمن اليسر # فإن فعلت كنت الغني وإن أبت ... فكل منوع بعدها واسع العذر # 288 - أبو تمام الطائي: # خلقنا رجالا للتجلد ms039 والأسى ... وتلك الغواني للبكا والمآتم (¬2) PageV01P117 # ومن قبله ما قد أصيب نبينا ... أبو القاسم النور المبين بقاسم (¬1) # وقال علي في التعازي لأشعث ... وخاف عليه بعض تلك المآثم # أتصبر للبلوى عزاء وحسبة ... فتؤجر أم تسلو سلو البهائم # 289 - أبو عبادة البحتري يخاطب محمد بن يوسف الثغري (¬2): # جعلت فداك الدهر ليس بمنفك ... من الحدث المشكو والنازل المشكي (¬3) # وما هذه الأيام إلا منازل ... فمن منزل رحب إلى منزل ضنك # وقد هذبتك الحادثات وإنما ... صفا الذهب الإبريز قبلك بالسبك # أما في رسول الله يوسف أسوة ... لمثلك محبوسا على الظلم والإفك (¬4) # أقام جميل الصبر في السجن برهة ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك # 290 - وقيل إن الإسكندر أصيب بمصيبة فحضره أرسطاطاليس معزيا، فقال له: ~~أيها الملك، لم آتك معزيا لكن متعلما الصبر منك لعلمي أن الصبر على الملمات ~~فضيلة، وطبيعتك منافية لكل رذيلة، فكيف تحض على عادتك، وتعلم سنتك؟. PageV01P118 # 291 - ولبعضهم: # اصبر على مضض الزما ... ن وإن رمى بك في اللجج (¬1) # فلعل طرفك لا يعو ... د إليك إلا بالفرج # 292 - آخر: # أيها المغتر (¬2) صبرا ... إن بعد العسر يسرا # كم رأينا اليوم حرا ... لم يكن بالأمس حرا # لزم الصبر فأمسى ... مالكا خيرا وشرا # 293 - آخر: # اصبر لدهر نال من ... ك فهكذا مضت الدهور # فرح وحزن واقع ... لا الحزن دام ولا السرور # 294 - آخر: # سأصبر للزمان وإن رماني ... بأحداث تضيق لها الصدور # وأعلم أن بعد العسر يسرا ... يدور به القضاء ويستدير # 295 - ابن التلميذ (¬3): PageV01P119 # لا تشكون من الخمول فربما ... كان الخمول إلى السلامة سلما # واصبر ففي بعض الحوادث عصمة ... فالعين يؤمنها من الرمد العمى # 296 - وآخر: # رضينا بالخمول فما استرحنا ... فهل بعد الخمول سبيل ذل # ومع ذا ضيقوا والله صدري ... أيرضى مثلها بالله قل لي # 297 - وقال بعضهم: السلامة في الخمول خير من العطب في المعالي. # 298 - وقيل: عزى رجل كسرى فقال: أغناك الله عن الحاجة إلى الصبر بحسن ~~العزاء، ولا أنساك مصيبتك بأعظم منها، ولا أحرمك جزيل الثواب عليها. # 299 - ولأبي الحسن الأطروش المصري من أبيات: # ما ms040 زلت أدفع شدتي بتصبري ... حتى استرحت من الأيادي والمنن # فاصبر على نوب الزمان تكرما ... فكأن ما قد كان منها لم يكن # 300 - لا تقنطن وثق بالله [إن له] ... لطفا يدق عن الأفهام وا [لفطن] # يأتيك من لطفه ما ليس [تعرفه] ... حتى كأن الذي قد كان لم يكن PageV01P120 # 301 - وقيل إن إنسانا رأى في نومه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهو ~~ينشد أبياتا فانتبه، ولم يبق على خاطره من الأبيات إلا قوله: # وحميد ما يرجوه ذو أمل ... فرج (¬1) يعجله له الصبر # 302 - أبو العتاهية: # الدهر لا يبقى على حالة ... لا بد أن يقبل أو يدبرا (¬2) # فإن تلقاك بمكروهه ... فاصبر فإن الدهر لا يصبرا (¬3) # 303 - آخر: # ولله لطف يرتجى ولعله ... سيعقبنا من كسر أيدي الأذى خيرا (¬4) # 304 - ولمؤلفه: # لا تجزعن من حادث إن عرا ... واقن عزاء فهو عين الصلاح # واصبر وإن طالت ليالي الأذى ... فالصبر مفتاح لباب النجاح # 305 - آخر: # والدهر كالطيف بؤساه وأنعمه ... من غير قصد فلا تمدح ولا تذم # لا يحمد الدهر في بأساء يكشفها ... فلو أردت دوام البؤس لم يدم PageV01P121 # 306 - قيل: كان ابن شبرمة (¬1) إذا نزلت به نازلة قال: # سحابة صيف عن قليل تقشع (¬2) # 307 - وكان يقال: أربع من كنوز الجنة: كتمان المصيبة، وكتمان الصدقة، ~~وكتمان الفاقة، وكتمان الوجع. # 308 - ولصالح بن عبد القدوس: (¬3) # إن يكن ما به أصيب جليلا ... فذهاب العزاء عنه أجل (¬4) # كل آت لا شك آت وذو الجه ... ل معنى والغم والحزن فضل # 309 - علي بن أبي طالب: # إن يكن نالني الزمان ببلوى ... عظمت شدة علي وجلت # وأتت بعدها نوائب أخرى ... خضعت دونها الرقاب وذلت # وتلتها قوارع نازلات ... سئمت عندها الحياة وملت # فاصطبر وانتظر بلوغ مداها ... فالرزايا إذا توالت تولت # 310 - وقيل: دخلت أم جعفر على المأمون عند قدومه بغداد، فقالت: # الحمد لله الذي ادخرك لي بعد ما أثكلني بولدي. فقال المأمون: ما ظننت أن PageV01P122 # أحدا جبل على جلدها، وحسن عزائها، وصبرها. # 311 - وأنشد الثوري (¬1) يقول: # يمثل ذو العقل في نفسه ... مصائبه قبل ms041 أن تنزلا # فإن نزلت بغتة لم ترعه ... لما كان في نفسه مثلا # وذو الجهل يأمن أيامه ... وينسى مصارع من قد خلا # فإن نكبته صروف الزمان ... ببعض نوائبه أعولا # ولو قدم الحزم في أمره ... لعلمه الصبر عند البلا (¬2) # رأى الهم يفضي إلى آخر ... فصير آخره أولا (¬3) # 312 - وقال بعض الرهبان: كل يوم لا يعرض فيه للعبد وجع أو غم فيقبله ~~بالصبر ويحمد الله عليه فلا يحسبه من أيام حياته. # 313 - ولأبي دلف (¬4): PageV01P123 # صبرت عن اللذات حتى تولت ... وألزمت نفسي صبرها فاستمرت # وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى ... فإن أطمعت تاقت وإلا تسلت # 314 - وقيل: وقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه على قوم قد أصيبوا بمصيبة، ~~فقال: إن تجزعوا فحق الرحم بلغتم، وإن تصبروا فحق الله أديتم. # 315 - ومن خطبه كرم الله وجهه: يا قوم، الصبر على طاعة الله خير من الصبر ~~على عذاب الله. # 316 - ولمحمود الوراق: # صابر الصبر على كر النوائب ... من كنوز البر كتمان المصائب # والبس الدهر على علاته ... تجد الدهر مليا بالعجائب # 317 - قال بعض الرهبان: من لم يؤدب في الدنيا، وقع به الضرر الوجيع في ~~الآخرة. # 318 - وقيل: الصبر مفتاح الفرج. # 319 - ولبعضهم: # إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر # وقل من جد في أمر يحاوله ... واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر PageV01P124 # 320 - وقيل: وصف مالك بن أسماء بن خارجة (¬1) بالحلم والصبر، فأراد قوم ~~من الشام امتحانه، فكتبوا إليه على لسان بعض أهله: إن ولديك قد توفيا. فأخذ ~~الكتاب وهو محتب فقرأه ووضعه من يده، ولم يحل حبوته ولم يبين ذلك فيه. فقيل ~~له: ما في هذا الكتاب؟ فقال: أخبرت أن ولدي نزلا منزلا سبقاني إليه، وأنا ~~لا بد نازله. PageV01P125 ### | AUTO الفصل الرابع # في # السجن والتعويق # ومن خرج إلى سعة من ضيق # 321 - قيل: إن السجن محك العقول، وتجربة المأمول، به يمتحن الصبر من ~~الأحرار، ويكشف مكنون العقل والوقار. # 322 - وقيل: السجن قبور الأحياء، ومنزل أهل البلوى، وشماتة الأعداء، ~~وتجربة الصديق. # 323 - ومما قيل ms042 فيه عن الشيخ عمر ابن الشحنة الموصلي (¬1): # الحبس أصبح مثل النار مضرمة ... والحر فيه إذا فكرت كالذهب # يصلى بنار هموم في جوانبه ... تنفي المآثم من جد ومن لعب # 324 - لإبراهيم ابن المدبر (¬2): PageV01P126 # تسل فليس طول الحبس عار ... وفيه لنا من الله الخيار # فلولا الحبس ما بلي اصطبار ... ولولا الليل ما عرف النهار # فما الأيام إلا معقبات ... وما السلطان إلا مستعار # وعن قدر حبست فلا تراعي ... فما يغني من القدر الحذار # سيفرج ما ترى عما قليل ... معقبه وإن طال الإسار # 325 - وقيل: كتب أبو محمد القاسم بن يحيى المريمي إلى أبي البشر كاتب أبي ~~الجيش ابن طولون (¬1)، وهو في الحبس: # هي الأيام من نعمى وبوس ... وكرات السعود على النحوس # فلا تجزع فليس الحبس عارا ... وهل عار بتأديب الرئيس # فبدر الأنبياء غدا عزيزا ... عظيما ملكه بعد الحبوس # 326 - لعمر ابن الشحنة: # لا عار في السجن للأحرار إن سجنوا ... بغير جرم ولكن سجنهم شرف # كالسيف والدرة الزهراء سجنهما ... خوفا وضنا بها الأغماد والصدف # 327 - ولمؤلفه عيسى بن البحتري لما حبس مخدومه: # إن يحجبوك عن الأبصار لا عجب ... اللؤلؤ الرطب قد تكتنه الصدف # أو يظلموك فصبرا وانتظار غد ... فإن رب الورى لا شك ينتصف # 328 - وقيل: وجد في صدر الحبس بالبصرة مكتوب: # لا تيأسن من الفرج ... من كان قبلك قد خرج PageV01P127 # 329 - أبو الحسين بن أبي البغل (¬1): # حزنت وذو الأحزان يحرج صدره ... ألا رب حزن جاء من بعده الفرج # كأنك بالمحبوب قد لاح نجمه ... وباليسر من بين المضائق قد خرج # 330 - وقيل: حبس الحجاج إبراهيم التيمي (¬2) بواسط، فلما دخل السجن وقف ~~على مكان مشرف، ونادى بأعلى صوته: يا أهل بلاء الله في عافيته، ويا أهل ~~عافية الله في بلائه، اصبروا. فنادوه جميعا: لبيك لبيك لبيك. # 331 - وللأمير أحمد بن عضد الدولة (¬3) وهو يومئذ في الحبس: # هل الدهر أرضاني وأعتب صرفه ... وأعقب بالحسنى من القيد والأسر # فمن لي بأيام الشباب الذي مضت ... ومن لي بمن قد فات في الحبس من عمري (¬4) # 332 - ولعلي بن الجهم ms043 الأبيات المشهورة: PageV01P128 # قالوا (¬1): حبست. فقلت: ليس بضائري ... حبسي وأي مهند لا يغمد # 333 - وقيل: إن أنو شروان حبس بزرجمهر بن البختكان الحكيم-وكان وزيره-عند ~~غضبه عليه في بيت كالقبر ظلمة وضيقا، وصفده بالحديد، وألبسه الخشن من ~~الصوف، وأمر أن لا يزاد كل يوم على قرصين خبزا شعيرا وكف ملح جريشا وشربة ~~ماء، وأن تحصى ألفاظه فتنقل إليه. فأقام بزرجمهر شهورا لا يسمع له كلمة. ~~فقال أنوشروان: أدخلوا إليه أصحابه ومروهم أن يسألوه، ويفاتحوه الكلام، ~~واسمعوا ما يجري بينهم وعرفونيه. فدخل إليه جماعة من المختصين به، فقالوا: ~~أيها الحكيم، نراك في هذا الضيق والحديد والصوف والشدة التي دفعت إليها، ~~ومع هذا فإن سحنة (¬2) وجهك، وصحة جسمك على حالهما لم يتغيرا، فما السبب في ~~ذلك؟ فقال: إني عملت جوارش (¬3) من ستة أخلاط [آخذ منه كل يوم شيئا] (¬4) ~~فهو الذي أبقاني على ما ترون. قالوا: فصفه لنا، فعسى أن نبتلى بمثل بلواك ~~أو أحد من إخواننا فنصفه له، أو نستعمله. قال: الخلط الأول: الثقة بالله تعالى. # الثاني: علمي بأن كل مقدور كائن. الثالث: الصبر خير ما استعمله الممتحن. ~~الرابع: إن لم أصبر فأي شيء أعمل. الخامس: قد يمكن أن أكون في شر مما أنا ~~فيه. السادس: من ساعة إلى ساعة فرج. PageV01P129 # 334 - المبرد: # إذا اشتملت على اليأس القلوب ... وضاق لما به الصدر الرحيب # وأوطنت المكاره واطمأنت ... وأرست في أماكنها الخطوب # ولم تر لانكشاف الضر وجها ... وقد أعيا بحيلته الأريب (¬1) # أتاك على قنوط منك غوث ... يمن به اللطيف المستجيب # فكل الحادثات وإن تناهت ... فمقرون بها فرج قريب (¬2) # 335 - ولسلم بن قتيبة لما حبسه مصعب بن الزبير من أبيات: # تحدث (¬3) من لاقيت أنك عائذ ... بل العائذ المظلوم في سجن عازم (¬4) # فما ورق الدنيا بباق لأهلها ... ولا شدة الدنيا بضربة لازم (¬5) # 336 - آخر: # يضيق صدري بغم عند حادثة ... وربما خير لي في الغم أحيانا PageV01P130 # ورب يوم يكون الغم أوله ... وعند آخره روحا وريحانا # ما ضقت ذرعا بغم عند حادثة ... إلا ولي فرج قد حل أو حانا # 337 ms044 - وقال الحسن بن يحيى الكاتب: لقيت محمد بن العلوي الحماني بعد خلاصه ~~من حبس الموفق (¬1) فهنأته بالسلامة، وقلت: قد عدت إلى وطنك الذي تألفه، ~~وإخوانك الذين تحبهم. فقال: يا أبا علي، وكيف!؟ وقد ذهب الأتراب والأصحاب ~~والشباب، ثم أنشد: # هبني بقيت على الأيام والأبد ... ونلت ما شئت من مال ومن ولد # من لي برؤية من قد كنت آلفه ... وبالشباب الذي ولى ولم يعد # 338 - وقال الشيخ عمر ابن الشحنة: كنت آوي إلى كوخ أيام محبسي بقلعة ~~الموصل، فسمعت حمامة تهتف في أعلى ذلك الموضع، وعارضني عارض وجدت معه راحة ~~بالبكاء، فقلت لله در غيلان (¬2) كأنما أوحي إليه حيث يقول (¬3): # لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد، أو يشفي نجي البلابل (¬4) PageV01P131 # ومثله: # فقلت لها: إن البكاء لراحة ... به يشتفي من ظن أن لا تلاقيا # وعملت في الحال أبياتا، وكتبتها على حائط ذلك الموضع وهي: # وحمائم غنين في دار الضحى ... طربا فقلت مقالة المحزون # غنين فالوجد الذي تبدينه ... وجدي المكتم والشجون شجوني # ما جامدات الدمع كالجاري ولا ... حال الطليق كحالة المسجون # 339 - ولأبي فراس بن حمدان في أسره، وقد سمع حمامة تهتف على شجرة عالية: # أقول وقد ناحت بقربي حمامة ... أيا جارتي هل بات حالك حالي (¬1) # معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى ... ولا خطرت منك الهموم ببال (¬2) # أيحمل محزون الفؤاد قوادم ... إلى غصن نائي المسافة عال (¬3) # أيا جارتي ما أنصف الدهر بيننا ... تعالي أقاسمك الهموم تعالي # تعالي تري روحا لدي ضعيفة ... تردد في جسم يعذب بال # أيضحك مأسور وتبكي طليقة ... ويسكت محزون ويندب سال # لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة ... ولكن دمعي في الحوادث غال # 340 - ولبعضهم: PageV01P132 # إلى الله فيما نابنا نرفع الشكوى ... ففي يده كشف المصيبة والبلوى (¬1) # خرجنا من الدنيا ونحن من اهلها ... فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا (¬2) # إذا دخل السجان يوما لحاجة ... فرحنا وقلنا: جاء هذا من الدنيا (¬3) # 341 - آخر: # ما يدخل السجن إنسان فنسأله ... ما بال سجنك؟ إلا قال: مظلوم # 342 - لمؤلفه ابن البحتري: # ما حل بالسجن امرؤ ms045 ساعة ... إلا وكانت بالأذى ألف عام # ولا غدا ألفا أخو غبطة ... إلا وكانت غبطة كالمنام # 343 - وله: # جزى الله ربع السجن عني كرامة ... وأخلى ببعدي عن حماه مكاني # فإن له حقا علي لأنني ... كشفت به أهلي وصحبي وإخواني PageV01P133 # 344 - وقيل: دخل الفرزدق على يزيد بن المهلب وهو في الحبس فأنشده: # أصبح في قيدك السماحة وال ... جود وحمل الديات والإفضال (¬1) # فقال له: أتمدحني وأنا على هذه الحال؟ فقال: نعم، وجدتك رخيصا فأسلفتك. # 345 - ولمؤلفه ابن البحتري: # بكت حرقة لما رأتني مقيدا ... وقد قل مني جمعها وعديدها # فقلت لها: لا تحزني ويك وانظري ... إلى فرجة تؤدي ليحسن سعودها # فإن خلاليل النساء تزينها ... وزينة سوق الأوفياء قيودها # 346 - وقيل إن عبيد الله بن زياد (¬2) أتي برجل فشتمه، وقال: أحروري أنت ~~(¬3)؟ فقال الرجل: لا والله، ما أنا بحروي. فقال: أما والله لأفعلن بك PageV01P134 # ولأصنعن، انطلقوا به إلى السجن، فانطلقوا به، فلما ولى سمعه ابن زياد وهو ~~يهمس بشيء، فرده وقال له: ماذا قلت؟ قال: عن لي بيتان من الشعر. # قال: إنك لفارغ، أنت قلتهما أم شيء سمعته؟ قال: بل أنا قلتهما. قال: ما ~~قلت؟ قال: # عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كل يوم في خليقته أمر # إذا اشتد عسر فارج يسرا فإنه ... قضى الله أن العسر يتبعه يسر (¬1) # قال: فسكت ابن زياد ساعة، ثم قال: قد أتاك الله عز وجل بالفرج، خلوا سبيله. # 347 - وللأعرابي: # قل وجه يضيق إلا ... ودونه مذهب فسيح # من فرج الله عنه هبت ... من كل وجه إليه ريح # 348 - ولسعيد بن بيضاء الأسدي: # فما نوب الحوادث باقيات ... ولا البوسا تدوم ولا النعيم # كما يمضي سرورك وهو جم ... كذلك ما يسؤوك لا يدوم # فلا تهلك على ما فات وجدا ... ولا تعروك بالأسف الهموم # 349 - وقيل: كان المأمون غضب على فرج الرخجي (¬2)، وحبسه فكلمه PageV01P135 # عبد الله بن طاهر (¬1)، ومسرور الخادم (¬2) في أمره وسألاه إطلاقه، فأمر ~~بذلك. قال فرج: بت ليلتي تلك وأنا مفكر، إذ أتاني آت في منامي فقال لي: # لما ms046 أتى فرجا من ربه فرج ... جئنا إلى فرج نبغي به الفرجا # فلما أصبحت لم أشعر إلا واللواء عقد لي على الأهواز وفارس ولاية، وأطلق ~~لي معونة خمس مئة ألف درهم، وإذا أبو الينبغي (¬3) الشاعر قائم على باب ~~داري، وقد كتب هذا البيت في رقعة ودفعها لي. فقلت له: متى قلت هذا البيت؟ ~~فقال لي: في هذا الوقت الذي رضي عنك. فازددت بذلك تعجبا، وأمرت له بعشرة ~~آلاف (¬4) درهم. # 350 - ولمولاي ركن الدين أحمد بن قرطاء (¬5)، وهو يومئذ محبوس: PageV01P136 # أأحبابنا ذاك المتيم مالكم ... على البعد والتفريق لا تذكرونه # تناسيتم مذ طال في السجن عهده ... كأنكم ما كنتم تعرفونه # لئن خنتم منه الوداد فإنه ... مقيم على العهد الذي تعرفونه # 351 - ولمؤلفه: # قالت حبيبة قلبي حين أحزنها ... وقد رأت سجنا في السجن مأسور # في محبس لا يرى حيا يلم به ... من لم يعش فيه يوما فهو معذور # في السجن أوطنت أو في القبر؟ قلت لها ... سيان عندي مسجون ومقبور # إذ ساكن القبر قد حلت سكينته ... وساكن السجن مرعوب ومذعور # والناس في ترك من بالسجن مسكنه ... كترك من هو وسط القبر محصور # وجاهل ظن سكنى السجن عن زلل ... قبحا له ذاك في المقدور مقدور # غاض الوقار ومات الجود قاطبة ... فالغدر متبع والجود مهجور # والخل في اليسر معك الدهر منتظم ... وفي الشقاوة سلك الود منثور # جرب جميع الورى تحظى (¬1) بتجربة ... فكل خل إذا جربته زور # ولا تعرج عن العلياء خوف ردى ... فليس في الموت تقديم وتأخير # والله في كل ما يجري القضاء به ... إن ساء أو سر محمود ومشكور # 352 - ولأبي فراس بن حمدان وهو مأسور: # مصابي جليل والعزاء جزيل ... وظني بأن الله سوف يديل (¬2) # جراح تحاماها الأساة مخوفة ... وسقمان باد منهما ودخيل (¬3) PageV01P137 # وأسرا أقاسيه وليل نجومه ... أرى كل شيء غيرهن يزول # تطول به الساعات وهي قصيرة ... وفي كل دهر لا يسرك طول (¬1) # تجافاني الأصحاب إلا عصيبة ... ستلحق بالأخرى غدا وتحول (¬2) # ومن ذا الذي يبقى على العهد إنهم ... وإن كثرت دعواهم لقليل # أقلب طرفي لا ms047 أرى غير صاحب ... يميل مع النعماء حيث تميل # فيا حسرتي من لي بخل موافق ... أقول بشجوي مرة ويقول (¬3) # 353 - وذكر موسى بن عبد الملك (¬4) قال: رأيت وأنا في الحبس [كأن] (¬5) ~~قائلا يقول لي: # لا زلت تعلو بك الجدود ... نعم وحفت بك السعود # أبشر فقد آن ما تريد ... يبيد أعداءك المبيد (¬6) # لم يمهلوا ثم لم يقالوا ... والله يقضي بما يريد # فاصبر فصبر الفتى حميد ... والشكر ففي شكرك المزيد # قال: فما مضت علي تلك الأيام حتى أطلقت. # 354 - وحدث خالد بن يزيد قال: حدثنا عبد الله بن يعقوب بن داود قال: PageV01P138 # قال أبي (¬1): لما حبسني المهدي في بئر، وبنى علي قبة، فمكثت فيها خمس ~~عشرة (¬2) سنة حتى مضى صدر من خلافة الرشيد، وكان يدلى لي في كل يوم رغيف ~~وكوز ماء، وأوذن بأوقات الصلاة، فلما كان في رأس ثلاث عشرة (¬3) حجة أتاني ~~آت في منامي فقال: # حنا على يوسف رب فأخرجه ... من قعر بئر وجب حوله غمم # قال: فحمدت الله تعالى وقلت: أتى الفرج. قال: فمكثت حولا لا أرى شيئا، ~~فلما كان في رأس الثاني أتاني ذلك الآتي فقال: # عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كل يوم في خليقته أمر (¬4) # ثم أقمت حولا لا أرى شيئا، ثم أتاني ذلك الآتي في رأس الحول الثالث فقال: # عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه الفرج القريب # فيأمن خائف ويفك عان ... ويأتي أهله الرجل الغريب (¬5) # فلما أصبحت نوديت، فظننت أني أوذن للصلاة، ودلي لي حبل، فقيل: شد به ~~وسطك. ففعلت ما قالوا، وأخرجوني من البئر، فلما تأملت PageV01P139 # الضوء عشي بصري، فانطلقوا بي، فلما دخلت على الرشيد، قيل لي: سلم على ~~أمير المؤمنين. فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين [ورحمة الله] (¬1) ~~وبركاته، المهدي. قال: من أمير المؤمنين؟ قلت: المهدي. قال: لست به. فقلت: ~~الهادي؟ قال: لست به. قلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين [ورحمة الله] (1) ~~وبركاته الرشيد؟ فقال الرشيد: يا يعقوب بن داود، إنه والله ما شفع إلي فيك ~~أحد، غير أني حملت البارحة صبية ms048 لي على عنقي، فذكرت حملك إياي على عنقك ~~فرثيت لك من المحل الذي كنت فيه فأخرجتك. قال: ثم أكرمني وقرب مجلسي، فتنكر ~~يحيى بن خالد (¬2) كأنه خاف أن أغلب على الرشيد دونه، فخفته، واستأذنت في ~~الحج، فأذن ولم أزل مقيما بمكة. # 355 - ولبعضهم: # لا تيأسن فربما ... عظم البلاء وفرجا # قد ينسخ الخوف الأما ... ن ويغلب اليأس الرجا # 356 - لسعد بن محمد بن [علي المعروف ب] الوحيد (¬3): PageV01P140 # إن راعني منك الصدود ... فلعل أيامي تعود # ولعل عهدك باللوى (¬1) ... يحيا فقد تحيا العهود # فالعود ييبس تارة ... وتراه مخضرا يميد # إني (¬2) لأرجو عطفة ... يبكي لها الواشي الحسود # فرجا تقر به العيون ... فينجلي عنها السهود # 357 - وقال عبد الله بن المعتز (¬3): لما أمر المكتفي بحبسي في بغداد، ~~نالني خوف عظيم، وبقيت محبوسا إلى أن قدم المكتفي إلى بغداد، وازداد خوفي ~~بقدومه ولم أنم تلك الليلة خوفا وقلقا بوروده، فمرت بي في السحر طيور، ~~فتمنيت أن أكون مخلى مثلها، لما يجري علي من النكبات، ثم فكرت في نعم الله ~~تعالى، وما حازه لي من الإسلام، والقربة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وما أؤمله من البقاء الدائم في الآخرة. وقلت في الحال: # يا نفس صبرا فإن الخير عقباك (¬4) ... خانتك من بعد طول الأمن دنياك # مرت بنا سحرا طير فقلت لها ... طوباك يا ليتني إياك طوباك # لكن هو الدهر فالقيه على حذر ... فرب مثلك تنزو تحت أشراك (¬5) # فما أصبحت إلا قد سأل المكتفي عني، وأمر باطلاقي، وأطلق لي مالا. PageV01P141 # وأنشدت لمعاوية بن أبي سفيان متمثلا بقوله: # فلا تيأسن واستغن بالله إنه ... إذا شاء [يوما] حل عقد تيسرا (¬1) # 358 - لأبي العتاهية: # إنما الدنيا هبات ... وعوار مسترده (¬2) # شدة بعد رخاء ... ورخاء بعد شده # 359 - وروي عن أحمد بن أبي دواد قال: كنت بحضرة المعتصم، وقد أحضر تميم ~~بن جميل الطوسي (¬3) مصفدا بالحديد، وقد بسط له النطع وانتضي السيف وأمر ~~بضرب عنقه. وكان رجلا جسيما وسيما، فأحب المعتصم أن يستنطقه لينظر أين ~~مخبره من منظره (¬4)، فقال له: تكلم. فقال ms049 أما إذ أذن لي أمير المؤمنين في ~~الكلام: فالحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين* ثم ~~جعل نسله من سلالة من ماء مهين [السجدة:7] يا أمير المؤمنين، جبر الله بك ~~صدع الدين، ولم بك شعث المسلمين. إن الذنوب تخرس الألسنة، وتخلع الأفئدة، ~~وايم الله لقد عظمت الجريرة، وانقطعت الحجة، وساء الظن ولم يبق إلا عفوك ~~وإبقاؤك (¬5). ثم قال: PageV01P142 # أرى الموت بين السيف والنطع كامنا ... يلاحظني من حيث ما أتلفت # وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... وأي امرىء مما قضى الله يفلت # وأي امرىء يدلي بعذر وحجة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت # وما جزعي أني أموت وإنني ... لأعلم أن الموت حق موقت (¬1) # ولكن خلفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتت # كأني أراهم حين أنعى إليهم ... وقد خدشوا تلك الخدود وصوتوا (¬2) # فإن عشت عاشوا خافضين (¬3) بغبطة ... أذود الردى عنهم وإن مت موتوا # فاستعبر المعتصم، وقال: قد عفوت عن الهفوة، ووهبتك للصبية، ثم أمر به ففك ~~قيده، وخلع عليه، وعقد له على سقي الفرات (¬4) # 360 - أبو العتاهية: # هي الأيام والغير (¬5) ... وأمر الله ينتظر # أتيأس أن ترى فرجا ... فأين الله والقدر # 361 - وقيل: كان أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابئ (¬6) محبوسا فزاره أبو ~~الفرج الببغاء (¬7) في محبسه، وخفف الزورة عنده، فكتب أبو إسحاق من PageV01P143 # الحبس إليه (¬1): # أبا الفرج (¬2) اسلم وابق وانعم ولا تزل ... يزيدك صرف الدهر حظا إذا نقص # مضت مدة تستام ودي غاليا (¬3) ... فأرخصته والبيع غال ومرتخص # وآنستني في محبسي بزيارة ... شفت قرما من صاحب لك قد خلص (¬4) # ولكنها كانت كحسوة طائر ... فواقا كما يستفرص السارق الفرص # وأحسبك استوحشت من ضيق محبسي ... وعادك عيد من تذكرك القفص (¬5) # كذا الكرز اللماح ينجو بنفسه (¬6) ... إذا عاين الأشراك تنصب للقنص # فحوشيت يا قس الطيور بلاغة ... إذا ذكر المنظوم أو درس القصص # من المنسر الأشغى ومن حزة المدى ... ومن بندق الرامي ومن قصة المقص (¬7) # ومن صعدة فيها من الدبق لهذم ... لفرسانكم يوم الطعان بها قعص # فهذي دواهي الطير وقيت شرها ... إذا الدهر ms050 من أحداثه جرع الغصص # فأجابه أبو الفرج الببغاء جواب رسالته (¬8): # أيا ماجدا مذ يمم الجود ما نكص (¬9) ... وبدر تمام مذ تكمل ما نقص # ستخلص من هذا السرار وأيما ... هلال توارى في السرار وما خلص PageV01P144 # بإقبال تاج الملة الملك الذي (¬1) ... بسؤدده في خطة المشتري حصص # تقنصت شكري بالجميل ولم أكن ... علمت بأن الحر بالبر يقتنص # وآنست أسنى فرصة فانتهزتها (¬2) ... بلقياك إذ بالحزم تنتهز الفرص # وإن كنت بالببغا قديما ملقبا ... فكم لقب بالجور لا العدل مخترص (¬3) # وبعد فما أخشى تقنص جارح ... وقلبك لي وكر وصدرك لي قفص (¬4) # قال: فلما سمع أمير المؤمنين بقصتهما، فكانت خلاص الصابئ (¬5). # 362 - وقيل: سمع المأمون يوما إبراهيم بن مهدي (¬6) عمه لما حبسه ينشد في ~~محبسه بصوت طرب (¬7): # ولو أن خدا من وكوف مدامع (¬8) ... يرى معشبا لا خضر خدي وأعشبا # على أنني لم أبك إلا مودعا ... بقية روح فارقتني لتذهبا # قال: فرق له واستشار أحمد بن محمد بن خالد (¬9) في أمره، فقال: إن PageV01P145 # عاقبت وجدت مثلك قد عاقب مثله كثيرا، وإن عفوت لم تجد مثلك عفا عن مثله. ~~فعفا عنه، وأمر بإطلاقه. # 363 - وقيل: لما ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدي أحب أن يوبخه على رؤوس ~~الأشهاد، فأمر بإحضاره من محبسه فجيء به يحجل في قيوده، حتى وقف على طرف ~~الإيوان، وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال المأمون: لا سلم الله ~~عليك، ولا رعاك ولا كلأك يا إبراهيم. فقال له إبراهيم: على رسلك يا أمير ~~المؤمنين، فلقد أصبحت ولي ثأري، والقدرة تذهب الحفيظة، ومن مد له الاغترار ~~في الأمل هجمت به الأناة على التلف. # وقد أصبح ذنبي فوق كل ذي ذنب، كما أن عفوك فوق كل ذي عفو، فإن تعاقب ~~فبحقك، وإن تعف (¬1) فبفضلك. قال: فأطرق المأمون مليا، ثم رفع رأسه وقال: ~~إن هذين أشارا علي بقتلك وإذا المعتصم والعباس بن المأمون (¬2). فقال: يا ~~أمير المؤمنين، أما حقيقة الرأي في معظم تدبير الخلافة والسياسة فقد أشارا ~~عليك به، وما غشاك إذ كان مني ما كان، ولكن الله عز ms051 وجل عودك من العفو عادة ~~جريت عليها، دافعا مما تخاف بما ترجو، فكفاك الله. فتبسم المأمون، وأقبل ~~على ثمامة وقال: إن من الكلام ما يفوق الدر، ويغلب السحر، وإن كلام عمي ~~منه، أطلقوا عن عمي حديده وردوه PageV01P146 # لي مكرما. فلما رد إليه قال: يا عمي طب نفسا، وارجع إلى الأنس فلن ترى ~~مني أبدا إلا ما تحب. # 364 - ولأبي عبادة البحتري يخاطب محمد بن يوسف الثغري وهو محبوس: # جعلت فداك الدهر ليس بمنفك ... من الحدث المشكو والنازل المشكي # وما هذه الأيام إلا منازل ... فمن منزل رحب إلى (¬1) منزل ضنك # وقد هذبتك الحادثات وإنما ... صفا الذهب الإبريز يظهر بالسبك (¬2) # أما في رسول الله يوسف أسوة ... لمثلك محبوسا على الظلم والإفك # أقام جميل الصبر في السجن برهة ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك # 365 - وحبس الرشيد رجلا فكتب إليه: إن كل يوم يمضي من ملكك يمضي من بؤسي ~~مثله، والأمد قريب، والحكم لله. فأمر بإطلاقه. # 366 - وحبس الرشيد أبا العتاهية فكتب إليه من السجن: # تفديك نفسي من كل ما كرهت ... نفسك إن كنت مذنبا فاغفر # يا ليت قلبي مصور لك ما ... فيه لتستيقن الذي أضمر # فلما وقف الرشيد على ذلك أمر بإطلاقه. # 367 - وحدث محمد بن عباد قال: دخل حمزة بن بيض (¬3) على يزيد بن PageV01P147 # المهلب في السجن فأنشده: # أغلق دون السماح والجود والن ... نجدة باب حديده أشب (¬1) # ابن ثلاث وأربعين مضت ... لا ورع واهن ولا نكب (¬2) # لا بطر إن تتابعت نعم ... وصابر في البلاء محتسب # برزت سبق الجواد في مهل ... وقصرت دون سعيك العرب # فقال: والله، يا حمزة، لقد أسأت حين نوهت باسمي في وقت غير تنويه. ثم رفع ~~مقعدا تحته، فرمى إليه بخرقة مصرورة، وعنده صاحب خبر [واقف] (¬3). فقال: خذ ~~هذا الدينار فو الله ما أملك ذهبا غيره. فأخذه حمزة، وأراد رده. فقال له ~~سرا: خذه، ولا تخدع عنه. قال حمزة: # فعلمت أنه غير ذهب، فلما خرجت، قال لي صاحب الخبر: ما أعطاك يزيد؟ فقلت: ~~أعطاني دينارا، واستحييت أن أرده. ms052 فلما صرت إلى منزلي حللت الصرة وإذا فص ~~ياقوت أحمر كأنه سقط زند، فقلت: والله، لئن عرضت هذا بالعراق ليعلمن أني ~~أخذته من يزيد فيؤخذ مني. فخرجت به إلى خراسان فبعته من (¬4) رجل يهودي ~~بثلاثين ألفا، فلما قبضت المال [وصار الفص في يده] (¬5)، قال لي: والله، لو ~~أبيت إلا خمسين ألفا، لأخذته منك بها. فكأنه قذف في قلبي جمرة، فلما رأى ~~تغير وجهي قال: لست أشك أني قد غممتك. قلت: إي والله، وقتلتني. فأخرج إلي ~~مئة دينار وقال: أنفق هذه في طريقك؛ ليتوفر عليك المال. PageV01P148 # 368 - وقال القاضي التنوخي (¬1): من طريف ما شاهدناه: أن أبا تغلب (¬2) ~~فضل الله بن ناصر الدولة أبي محمد (¬3) استوحش من أخيه محمد (¬4) بعد موت ~~أبيهما، فقبض عليه واستصفى ماله، ونعمته، وقبض عقاره وضيعه، وثقله بالحديد، ~~وأنفذه إلى القلعة المعروفة بأردمشت (¬5)، وهي مشهورة من أعمال الموصل ~~حصينة، فحبسه فيها في مطمورة ووكل بحفظه وإطعامه عجوزا جلدة ضابطة يقال لها ~~نازيانوا (¬6) وأمرها أن لا توصل إليه أحدا (¬7)، ولا تعرفه خبرا، وأن تخفي ~~موضعه عن جميع شحنة (¬8) القلعة وحفظها. ففعلت ذلك، وأقام على حاله تلك نحو ~~ثمان سنين. PageV01P149 # ثم اتفق أن انحدر أبو تغلب معاونا لعز الدولة أبي منصور بختيار بن معز ~~الدولة (¬1) ومعهما العساكر يقصدان بغداد لمحاربة عضد الدولة (¬2) وقد خرج ~~للقائهما فكانت بينهما الوقعة العظيمة المشهورة بقرب قصر الجص (¬3)، فقتل ~~فيها عز الدولة، وانهزم أبو تغلب، فدخل الموصل وخاف أن يتخلص محمد، فكتب ~~إلى غلام له كانت القلعة مسلمة له يقال له طاشتم (¬4): في أن يمكن رئيسا من ~~رؤوساء الأكراد يقال له صالح كان كالشريك لطاشتم في حفظ القلعة من محمد ~~ليمضي فيه ما أمره به. وكتب إلى صالح يأمره بقتل محمد أخيه. فمكن طاشتم ~~صالحا، فلما أراد الدخول على محمد ليقتله، منعت نازيانوا من ذلك وقالت: لا ~~أمكن من هذا إلا بكتاب يرد علي من الأمير. # وشارف عضد الدولة الموصل، فانجفل عنها أبو تغلب وكردته (¬5) العساكر ~~فاشتد عليه الطلب، وورد عليه كتاب صالح بما قالت ms053 نازيانوا. فإلى أن أجاب ~~عنه أحاطت بعض عساكر عضد الدولة بقلعة أردمشت ونازلوها فانقطعت الأخبار ما ~~بينهما وبين أبي تغلب، ولم يصل له إليها كتاب، ثم فتحها عضد PageV01P150 # الدولة بعد شهور، بأن واطأه صالح على قبض طاشتم وكتب إليه يعرفه عمل ~~(¬1)، ويستأذنه فيما يعمله. # وكان لمحمد خادم خصي يلي أمر داره أسود يسمى ناصحا وكان بعد القبض على ~~محمد قد وقع إلى عضد الدولة وهو بفارس، فصار من وجوه خدمه، فلما ورد الخبر ~~بفتح القلعة أذكره ناصح بوعد كان له عليه في إطلاق مولاه محمد إذا فتح ~~القلعة. فكتب يطلبه في القلعة، فإن وجد حيا أن يطلق عنه، وينفذ إليه مكرما. ~~فحين دخل صالح ومعه بعض من صعد إلى القلعة من أصحاب عضد الدولة إلى محمد في ~~محبسه جزع جزعا شديدا، ولم يشك أنهم دخلوا بأمر أبي تغلب لقتله، فأخذ يتضرع ~~ويقول: ما يدعو أخي إلى قتلي؟. # فقالوا له: لا خوف عليك. فإنما أمرنا الملك أن نطلق عنك، وتمضي إليه ~~مكرما، فقد ملك هذه البلاد. فقال: أغلب ملك الروم على هذه النواحي، وفتحت ~~له القلعة؟ قالوا: لا، ولكن الملك عضد الدولة. قال: # الذي كان بشيراز؟ قالوا: نعم. قال محمد: فأين بختيار؟ قالوا: قتل. # قال: فأين أبو تغلب؟ قالوا: انهزم ودخل بلد الروم. قال: فالملك عضد ~~الدولة أين هو؟ قالوا: بالموصل، وقد أمر أن نحملك إليه مكرما. فسجد حينئذ، ~~وبكى بكاء شديدا، وحمد الله تعالى كثيرا، وجاؤوا ليفكوا قيده، فقال: لا ~~أمكن من ذلك إلا بعد أن يشاهد حالي الملك. # فحمل إلى الموصل فرأيته وقد أصعد به مقيدا من [المعبر الذي عبر فيه في] ~~(¬2) دجلة إلى دار أبي تغلب التي نزلها عضد الدولة، وأنا إذ ذاك أتولاها ~~له، فرأيت محمدا يمشي في أقياده حتى دخل فقبل الأرض بين يديه، ودعا له ~~وأخرج إلى حجرة من الدار، فأخذ حديده، وحمل على فرس فاره بمركب PageV01P151 # ذهب، وقيد بين يديه خمس (¬1) دواب بمراكب فضة وخمس بجلالها، وثلاثون بغلا ~~بوكفها (¬2) محملة مالا صامتا، ومن صنوف ms054 الثياب الفاخرة وغيرها إلى دار قد ~~فرغت له، وفرشت، وملئت بجميع ما يحتاج إليه، ثم أقطعه بعد أيام إقطاعا ~~بثلاث مئة ألف درهم، وولاه إمارة بلد (¬3) وأعمالها. # وهو ما كان يتولاه لأخيه أبي تغلب. # 369 - قال (¬4): وقيل: كان موسى الهادي قد طالب أخاه الرشيد أن يخلع نفسه ~~من العهد ليصيره لابنه بعده (¬5). ويخرج هارون [من الأمر] (¬6) فلم يجب إلى ~~ذلك. فأحضر يحيى بن خالد البرمكي ولطف به وداراه، ووعده ومناه، وسأله أن ~~يشير على هارون بالخلع، فلم يجب يحيى إلى ذلك، ودافعه عنه، فتهدده وتوعده، ~~وجرت بينهما في ذلك خطوب عظيمة، وأشرف يحيى معه على الهلاك، وهو مقيم على ~~مدافعته عن صاحبه إلى أن اعتل الهادي علته التي مات فيها، واشتدت به، فدعا ~~يحيى وقال له: # ليس ينفعني معك شيء (¬7)، وقد أفسدت أخي علي، وقويت نفسه حتى امتنع مما ~~أريده، وو الله، لأقتلنك، ثم دعا بالسيف والنطع، وأبرك يحيى ليضرب عنقه، ~~فقال إبراهيم بن ذكوان الحراني (¬8): يا أمير المؤمنين، إن ليحيى عندي PageV01P152 # يدا (¬1) أريد أن أكافئة عليها، وأحب أن تهبه لي الليلة، وأنت في غد أعلى ~~عينا (¬2) وما تراه في أمره. فقال: وما فائدة حياة ليلة؟ فقال: إما أن يقود ~~صاحبه إلى إرادتك، أو يعهد في أمر نفسه وولده. فأجابه إلى ذلك. قال يحيى: ~~فأقمت من النطع، وقد أيقنت بالموت، وأنه لم يبق لي من أجلي إلا بقية ~~الليلة، فما اكتحلت غمضا إلى السحر (¬3)، ثم سمعت صوت الأقفال. # فلم أشك أن الهادي قد استدعاني للقتل لما [انصرف كاتبه. و] (¬4) انقضت ~~الليلة، فإذا خادم قد دخل، فقال: أجب السيدة. فقلت: مالي والسيدة؟ # فقال: قم. فقمت، وأتت الخيزران (¬5) فقالت: إن موسى قد مات، ونحن نساء، ~~فادخل وأصلح شأنه. وأنفذ إلى هارون فجىء به. فدخلت فرأيته قد مات (¬6) فوق ~~فراشه، فشددت لحيته، وحمدت الله على لطيف صنعه، وتفريجه ما كنت فيه، وبادرت ~~إلى هارون فوجدته نائما، فأيقظته، فلما رآني عجب وقال: ما الخبر؟ فقلت: قم ~~يا أمير المؤمنين، إلى دار الخلافة. فقال: مات ms055 موسى؟ قلت: نعم. فقال: الحمد ~~لله، هاتوا PageV01P153 # ثيابي، فإلى أن لبسها جاءني سرا من عرفني أنه ولد له ابن من مراجل. # فقلت: أقر الله عينك يا أمير المؤمنين بابن من مراجل. ولم يكن عرف الخبر. ~~فحمد الله كثيرا، وسماه عبد الله وهو المأمون، وركب وأنا معه إلى دار ~~الخلافة. # 370 - قال (¬1): وحدث أبو الحسن بن أبي طاهر محمد بن الحسن الكاتب قال: ~~قبض أبو جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله (¬2) في وزارته على أبي وعلي معه ~~فحبسنا في حجرة من داره ضيقة وأجلسنا على التراب وشدد علينا، وكان يخرجنا ~~كل يوم فيطالب أبي بمال المصادرة، وأضرب بحضرته ولا يضرب هو، ولا قينا من ~~ذلك شدائد صعبة، فلما كان بعد أيام قال أبي: # إن هؤلاء الموكلين بنا قد صارت لهم بنا حرمة فتوصل (¬3) إلى مكاتبة أبي ~~بكر الصيرفي-وكان صديقه-لينفذ لنا ثلاثة آلاف درهم نفرقها عليهم. ففعلت ~~ذلك، وأنفذ الدراهم من يومه. # فقلت للموكلين في عشاء ذلك اليوم: قد وجبت لكم علينا حقوق فخذوا هذه ~~الدراهم فانتفعوا بها. فامتنعوا، فقلت: ما سبب امتناعكم؟ فوروا (¬4) عن ~~ذلك. فقلت: إما قبلتم (¬5) الدراهم، وإما عرفونا السبب. # فقالوا: نشفق عليكم من ذكره، ونستحي. فقلت لأبي، فقال: قل لهم اذكروه على ~~كل حال. فقلت لهم، فقالوا: قد عزم الوزير على أن يقتلكما PageV01P154 # الليلة، ولا نستحسن أن نأخذ شيئا منكما مع هذا. فقلقت، ودخلت إلى أبي في ~~غير تلك الصورة، فقال: مالك؟ فأخبرته الخبر. فقال: اردد الدارهم على أبي ~~بكر. فدفعتها إلى من جاء بها فردها عليه. # وكان أبي يصوم تلك الأيام كلها، فلما غابت الشمس تطهر ولم يفطر، وصلى ~~المغرب، وصليت معه، ثم أقبل على الصلاة والدعاء إلى أن صلى عشاء الآخرة، ثم ~~دعاني، فقال لي: اجلس يا بني جاثيا على ركبتيك. # ففعلت، وجلس هو كذلك، ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: يا رب، محمد بن ~~القاسم ظلمني، وحبسني على ما ترى، وأنا بين يديك، وقد استعديت إليك، وأنت ~~أحكم الحاكمين، فاحكم بيننا، فاحكم بيننا. # لا ms056 يزيد عليها، ثم صاح بها إلى أن ارتفع صوته ولم يزل يكررها بصياح ~~وبكاء، واستغاثة إلى أن ظننت أنه قد مضى ربع الليل، فو الله ما قطعها حتى ~~سمعت صوت الباب يدق فذهب علي أمري، ولم أشك في أنه القتل، وفتحت الأبواب ~~(¬1)، ودخل قوم بشموع، فتأملت فإذا فيهم سابور (¬2) غلام القاهر بالله، ~~فقال: أين أبو الطاهر؟ فقام أبي، وقال: ها أنا ذا. فقال: أين ابنك؟ فقال: ~~هو ذا. فقال: انصرفا إلى منزلكما. فخرجنا وإذا هو قد قبض على الوزير محمد ~~بن قاسم، وحدره إلى دار القاهر فانصرفنا. # وعاش محمد بن القاسم في الاعتقال ثلاثة أيام، ثم مات. # 371 - وقال الأصمعي: أتي عبد الملك بن مروان برجل قد قامت عليه PageV01P155 # البينة بسرقة، فأمر بقطع يده، فقال الرجل: # يدي يا أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك من عار عليها يشينها # ولا خير في الدنيا ولا في نعيمها ... إذا ما شمال فارقتها يمينها (¬1) # قال: هذا حد من حدود الله، ولا بد من إقامته. فقامت أمه، وكانت عجوزا ~~كبيرة فقالت: يا أمير المؤمنين، ولدي، وكادي وكاسبي وواحدي. فقال: بئس ~~الولد ولدك والكاد والكاسب والواحد، يا غلام، اقطع يده. فقالت: يا أمير ~~المؤمنين، أما لك ذنوب تستغفر الله عليها؟ قال: نعم. قالت: فهبه لي واجعله ~~من الذنوب التي تستغفر الله عليها. قال: خلوه. فأطلق. # 372 - وذكر أبو عبد الله الباقطائي (¬2) قال: سمعت عبيد الله بن سليمان ~~(¬3) يحدث في وزارته قال: [قال لي أبي] (¬4): أصبحت يوما وأنا في حبس محمد ~~بن عبد الملك الزيات في خلافة الواثق آيس ما كنت من الفرج، وأشد محنة وغما، ~~حتى وردت علي ورقة أخي الحسن بن وهب (¬5) وفيها شعر بعد رسالة: PageV01P156 # خطب أبا أيوب جل محله ... فإذا جزعت من الخطوب فمن لها (¬1) # إن الذي عقد الذي انعقدت به ... عقد المكاره فيك يحسن حلها # فاصبر فإن الله يعقب راحة ... ولعلها أن تنجلي ولعلها (¬2) # وعسى تكون قريبة من حيث لا ... ترجو ويمحو عز جدك ذلها (¬3) # فكتبت إليه: # صبرتني ووعظتني وأنا لها ... وستنجلي بل لا ms057 أقول لعلها # ويحلها من كان صاحب حلها ... ثقة به إذ كان يحسن حلها # قال: فلم يكن العتمة من ذلك اليوم إلا وأنا في داري مطلقا. # 373 - وذكر منارة صاحب الخلفاء قال: رفع إلى هارون الرشيد أن رجلا بدمشق ~~من بقايا بني أمية، عظيم الجاه، واسع الدنيا، كثير المال والأملاك، مطاعا ~~في البلد، له جماعة مماليك وأولاد وموال يركبون الخيل، ويحملون السلاح، ~~ويغزون الروم، وأنه سمح جواد كثير الضيافة، وأنه لا يؤمن منه فتق يتعذر ~~رتقه، فعظم ذلك على الرشيد. # قال منارة: وكان وقوف الرشيد على هذا وهو بالكوفة في بعض خرجاته إلى الحج ~~سنة ست وثمانين ومئة، وقد عاد من الموسم وبايع للأمين والمأمون PageV01P157 # والمؤتمن (¬1) أولاده، فدعاني وهو على حال (¬2)، فقال: إني دعوتك لأمر ~~يهمني قد منعني النوم، فانظر كيف تعمل وتكون؟ ثم قص علي قصة الأموي، وقال: ~~اخرج الآن فقد أعددت لك الراحلة وأزحت علتك في الزاد والراحلة والنفقة ~~والآلات، وضم إليك مئة غلام فاسلك البرية، وهذا كتابي إلى أمير دمشق، [وهذه ~~قيود] (¬3) فادخل، فابدأ بالرجل، فإن سمع وأطاع، فقيده بها وائتني به، وإلا ~~فتوكل به أنت ومن معك لئلا يهرب، وأنفذ الكتاب إلى أمير دمشق ليركب في ~~جيشه، واقبضوا عليه، وتجيئني به، وقد أجلتك لذهابك ستا ولعودك ستا، ويوما ~~لمقامك، وهذا محمل تجعله في شقة وأنت في الأخرى، ولا تكل حفظه إلى غيرك حتى ~~تأتيني به في اليوم الثالث عشر، وإذا دخلت داره فتفقدها وجميع ما فيها، ~~وولده وأهله وحاشيته وغلمانه، وما يقولون، وقدر النعمة والحال والمحل، ~~واحفظ ما يقوله الرجل حرفا حرفا، وإياك أن يشكل عليك شيء من أمره. # قال منارة: فودعته وانصرفت وخرجت، فركبت الإبل، وسرت أطوي المنازل، وأسير ~~الليل والنهار، ولا أنزل إلا للجمع بين الصلاتين والبول وتنفيس (¬4) الناس ~~قليلا، إلى أن وصلت دمشق في أول الليلة السابعة، وأبواب البلد مغلقة، فكرهت ~~طرقها، فنمت بظاهر البلد إلى أن فتح بابه من غد، فدخلت على هيئتي حتى أتيت ~~باب الرجل، وعليه صفف (¬5) كثير عظيم، PageV01P158 # وحاشية كثيرة، ms058 فلم أستأذن، ودخلت بغير إذن، فلما رأى القوم ذلك، سألوا ~~بعض من كان معي عني، فقال: هذا منارة رسول أمير المؤمنين الرشيد إلى ~~صاحبكم. فأمسكوا فلما صرت في صحن الدار نزلت ورأيت مجلسا فيه جماعة جلوسا، ~~فظننت الرجل فيهم، فقاموا إلي ورحبوا بي وأكرموني، فقلت: أفيكم فلان؟ ~~قالوا: لا، نحن أولاده، وهو في الحمام، قلت: استعجلوه. # فمضى بعضهم يستعجله، وأنا أتفقد الدار والأحوال والحاشية فوجدتها قد ماجت ~~بأهلها موجا شديدا، فلم أزل كذلك حتى خرج الرجل بعد أن أطال، واستربت به، ~~واشتد قلقي وخوفي من أن يتوارى، إلى أن أقبل شيخا بزي (¬1) الحمام، يمشي ~~وحوله جماعة كهول وأحداث وصبيان هم أولاده وغلمان كثير فعلمت أنه الرجل، ~~فجاء حتى جلس، وسلم علي سلاما خفيفا، وسألني عن أمير المؤمنين، واستقامة ~~أمر حضرته. فأخبرته بما وجب، وما قضى كلامه حتى جاؤوه بأطباق فاكهة، فقال ~~لي: تقدم يا منارة، فكل معنا. فقلت: ما بي إلى ذلك حاجة. فلم يعاودني، ~~وأقبل يأكل هو والحاضرون عنده، ثم غسل يده، ودعا بالطعام، فجاؤوا بمائدة ~~(¬2) حسنة عظيمة لم أر مثلها إلا للخليفة، فقال: تقدم يا منارة، فساعدنا ~~على الأكل. لا يزيدني على أن يدعوني باسمي، كما يدعوني الخليفة، فامتنعت، ~~فلم يعاودني، وأكل هو وأولاده، وكانوا تسعة عددهم، وجماعة كثيرة من أصحابه ~~وحاشيته، وجماعة من أولاد أولاده، وتأملت أكله من نفسه، فوجدته أكل الملوك، ~~وذلك الاضطراب الذي في داره قد سكن، ورأيت جأشه رابطا (¬3) ووجدته لا يرفع ~~من بين يديه شيء إلا PageV01P159 # نهب (¬1). # وقد كانوا غلمانه (¬2) أخذوا لما نزلت الدار الجمال وجميع الغلمان الذي ~~معي، فعدلوا بهم إلى دار له فما طاقوا ممانعتهم، وبقيت وحدي ليس بين يدي ~~إلا ستة غلمان وقوف على رأسي، فقلت في نفسي: هذا جبار عنيد، وإن امتنع علي ~~من الشخوص لم أطق إشخاصه بنفسي ولا بمن معي، ولا حفظه، إلا أن يلحقني أمير ~~البلد، وجزعت، ورابني منه تهاونه بي، واستخفافه، يدعوني باسمي، ولا يفكر في ~~امتناعي من الأكل، ولا يسألني فيما جئت له، ويأكل ms059 مطمئنا، وأنا أفكر في ذلك ~~حتى فرغ من طعامه، وغسل يده، واستدعى بالبخور، فتبخر، وقام إلى الصلاة، ~~فصلى الظهر وأكثر من الدعاء والابتهال، ورأيت صلاة حسنة، فلما انفتل من ~~المحراب أقبل علي، وقال: ما أقدمك يا منارة؟ فقلت: أمر لك من أمير ~~المؤمنين. # ودفعت إليه الكتاب ففضه، وقرأه، فلما استتم قراءته، دعا أولاده وحاشيته ~~فاجتمع منهم خلق عظيم، فلم أشك أنه يريد أن يوقع بي، فلما تكاملوا ابتدأ ~~فحلف أيمانا عظيمة فيها الطلاق والعتاق والحج والصدقة والوقف والحبس إن ~~اجتمع منهم اثنان في موضع، وأن ينصرفوا فيدخلوا منازلهم، فلا يظهر منهم أحد ~~إلى أن يظهر له أمر يعمل عليه. وقال: هذا كتاب أمير المؤمنين يأمرني ~~بالمسير إلى بابه، ولست أقيم بعد نظري فيه لحظة واحدة، فاستوصوا بمن ورائي ~~من الحرم خيرا، وما بي حاجة أن يصحبني غلام، هات أقيادك يا منارة. # فدعوت بها وكانت في سفط، وأحضرت حدادا، ومد ساقيه فقيدته، PageV01P160 # وأمرت غلماني بحمله حتى حصل في المحمل، وركبت في الشق الآخر. # وسرت من وقتي لم ألق أمير البلد ولا غيره، وسرت بالرجل ليس معه أحد إلى ~~أن صرنا بظاهر دمشق، فابتدأ يحدثني بانبساط إلى أن أتينا إلى بستان حسن في ~~الغوطة، فقال: ترى هذا؟ قلت: نعم. فقال: إنه لي، وفيه غرائب من الأشجار. ثم ~~انتهينا إلى آخر، فقال لي مثل ما قال في الأول ثم انتهينا إلى مزارع حسان ~~وقرى سرية، فأقبل يقول: هذا لي. ويصف لي كل شيء من ذلك، فاشتد غيظي منه، ~~وقلت: أعلمت أني شديد التعجب منك؟ قال: ولم تعجب؟ قلت: أولم تعلم أن أمير ~~المؤمنين قد أهمه أمرك، حتى أرسل إليك من انتزعك من بين أهلك وولدك ومالك، ~~وأخرجك عن جميع حالك وحيدا فريدا مقيدا لا تدري إلى ما تصير إليه، ولا كيف ~~تكون، وأنت فارغ البال، تصف بساتينك وضياعك، هذا بعد أن رأيتك وقد جئت وأنت ~~لا تعلم فيم جئت. وأنت ساكن القلب، ولقد كنت عندي شيخا فاضلا. # فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ms060 أخطأت فراستي فيك، ظننت أنك رجل كامل ~~العقل، وأنك ما حللت من الخلفاء بذا المحل إلا بعد أن عرفوك بذلك، فإذا ~~عقلك وكلامك يشبه عقل العوام وكلامهم، الله المستعان، أما قولك في أمير ~~المؤمنين وإزعاجه لي وإخراجه إياي على صورتي هذه، فإني على ثقة بالله عز ~~وجل الذي بيده ناصية أمير المؤمنين، ولا يملك لنفسه معه ضرا ولا نفعا إلا ~~بإذن الله ومشيئته، ولا ذنب لي عند أمير المؤمنين أخافه، وبعد ذا إذا عرف ~~أمري وعلم سلامتي وصلاح ناحيتي، وأن الحسدة والأعداء رموني (¬1) بما لست من ~~طريقه، وتقولوا علي الأباطيل الكاذبة، لم يستحل دمي، وتحرج من إيذائي ~~وإزعاجي يردني مكرما، أو أقامني ببابه معظما، وإن كان سبق في علم الله ~~تعالى أنه تبدر إلي منه بادرة سوء، وقد حضر أجلي، وحان سفك PageV01P161 # دمي على يده، فلو اجتمع أهل الأرض والسماء على صرف ذلك عني لما استطاعوه، ~~فلم أتعجل الهم والغم وأتسلف الفكر فيما قد فرغ الله منه؟ وإني حسن الظن ~~بالله الذي خلق ورزق، وأمات وأحيا، وفطر وجبل، وأحسن وأجمل، وأين الصبر ~~والرضا، والتفويض والتسليم إلى من يملك الدنيا والآخرة؟ وقد كنت أحسب أنك ~~تعرف هذا، فإذا قد عرفت مبلغ فهمك فإني لا أكلمك كلمة حتى تفرق بيننا حضرة ~~أمير المؤمنين قريبا إن شاء الله. # ثم أعرض عني فما سمعت له لفظة بغير القرآن والتسبيح إلا أن يطلب ماء أو ~~حاجة تجري مجراه، حتى شارفنا الكوفة في اليوم الثالث عشر بعد الظهر وإذا ~~النجب قد استقبلتني على فراسخ من الكوفة يتحسسون خبري، فلما رأوني رجعوا ~~متقدمين بالخبر إلى الرشيد، فانتهيت إلى الباب في آخر النهار، وحططت. # ودخلت على الرشيد، فقبلت الأرض بين يديه ووقفت، فقال: هات ما عندك، وإياك ~~أن تغفل منه لفظة واحدة. فسقت الحديث من أوله إلى آخره حتى انتهيت من فراغ ~~الأموي من الفاكهة والطعام والغسل والطهور والبخور والصلاة، وما حدثت به ~~نفسي من امتناعه. والغضب في وجه أمير المؤمنين يتزايد حتى انتهيت إلى فراغه ~~من الصلاة، ms061 وانفتاله إلي، ومسألته عن سبب قدومي، ودفعي الكتاب إليه، ~~ومبادرته إلى إحضار ولده وأسبابه، وحلفه ألا يتبعه أحد منهم، وصرفه إياهم، ~~ومد رجليه حتى قيدته. فما زال وجه الرشيد يسفر حتى انتهيت إلى ما خاطبني به ~~عند توبيخي إياه. فقال: صدق والله، صدق، ما هذا إلا رجل محسود على النعمة، ~~مكذوب عليه؛ لتزول نعمته. # ولعمري، لقد آذيناه وأزعجناه وروعناه ورعبنا أهله. فبادر بنزع قيوده عنه، ~~وائتني به. # فخرجت، فنزعت قيوده، وأدخلته فما هو إلا أن رآه حتى رأيت ماء PageV01P162 # الحياء يجول في وجهه ووجه الرشيد. فدنا الأموي، وسلم بالخلافة، فرد عليه ~~الرشيد ردا جميلا، وأمره بالجلوس، فجلس، وأقبل عليه الرشيد يسائله عن حاله، ~~ثم قال له: بلغنا عنك فضل هيئة، وأمور أحببنا معها أن نراك، ونسمع كلامك، ~~ونحسن إليك، فاذكر حاجتك. فأجاب الأموي جوابا جميلا وشكر ودعا وقال: مالي ~~إلا حاجة واحدة. فقال: مقضية، فما هي؟ فقال: يا أمير المؤمنين، تردني إلى ~~بلدي وأهلي وولدي. قال: نحن نفعل ذلك، ولكن سل ما تحتاج إليه من مصالح جاهك ~~ومعاشك؛ فإن مثلك لا يخلو أن يحتاج إلى شيء من هذا. فقال: عمال أمير ~~المؤمنين منصفون، وقد استغنيت بعدله عن مسألته من ماله، وأموري مستقيمة، ~~وأحوالي منتظمة، وكذلك أحوال أهل بلدي بالعدل الشامل في ظل دولة أمير ~~المؤمنين، وما أغتنم ماله. فقال الرشيد: انصرف محفوظا إلى بلدك، واكتب ~~إلينا بأمر إن عن لك. فودعه الأموي. فلما ولى خارجا، قال الرشيد: يا منارة، ~~احمله من وقتك وسر به راجعا حتى إذا أوصلته إلى المجلس الذي أخذته منه، ~~فدعه فيه وانصرف. ففعلت ما أمر به. # 374 - قال: وقيل: كان الأفشين (¬1) نقم على أبي دلف العجلي (¬2)، وهو ~~مضموم إليه في حرب بابك (¬3) أشياء، فلما ظفر ببابك، وقدم من سر من رأى PageV01P163 # شكاه إلى المعتصم بالله ليأمر بحبسه، فأمر بحبسه والتضييق عليه، ثم سأله ~~أن يطلق يده عليه، فلم يفعل، وكان أحمد بن أبي دواد (¬1) متعصبا لأبي دلف، ~~يقول للمعتصم: إن الإفشين ظالم له، وإنه إنما نقم ms062 عليه نصيحته (¬2) في ~~محاربة بابك، ودفعه ما كان الإفشين يذهب إليه من مطاولة الأيام، وإنفاق ~~الأموال، وانبساط اليد في الأعمال، وتركه متابعته على ذلك، فألح الإفشين ~~على المعتصم في إطلاق يده عليه، وكان للإفشين قدر جليل عند المعتصم يدخل ~~إليه بغير إذن. # قال أحمد بن أبي دواد: ودخلت على المعتصم يوما فقال لي: يا أبا عبد الله، ~~لم يدعني اليوم أبو (¬3) الحسن الإفشين حتى أطلقت يده على القاسم بن عيسى، ~~فقمت من بين يديه وما أبصر شيئا جزعا على أبي دلف، ودخلني أمر عظيم، وخرجت، ~~فركبت دابتي، وخرجت أسير أشد سير (¬4) من الجوسق (¬5) إلى دار الإفشين أؤمل ~~أن أدرك أبا دلف قبل أن يحدث عليه الإفشين حادثة. PageV01P164 # فلما وقفت ببابه كرهت أن أستأذن، فيعلم أني حضرت بسبب أبي دلف فيعجل ~~عليه، فدخلت على دابتي إلى الموضع الذي كنت أنزل فيه، وأوهمت حاجبه أني جئت ~~برسالة المعتصم. ثم نزلت ورفع الستر، فدخلت فوجدت الإفشين في مجلسه، وأبو ~~دلف بين يديه مصفدا بالحديد، في نطع. وهو يقرعه، ويخاطبه بأشد غضب وأغلظ ~~مخاطبة. فحين قربت منه أمسك، فسلمت وأخذت مجلسي، ثم قلت: قد عرفت حرمتي من ~~أمير المؤمنين، ومكاني منه، وخدمتي إياه وموضعي عنده، وتفرده بالصنيعة عندي ~~والإحسان، وعلمت أيضا ميلي إليك ومحبتي لك، وقد رغبت [إليك] فيما يرغب ~~[فيه] (¬1) مثلي إلى مثلك ممن قد رفع الله قدره، وأجل خطره، وأعلى همته. ~~فقال: كل ما قلت كما قلت، وكل ما أردت مني فهو مبذول لك خلا هذا الجالس، ~~وإني لا أشفعك فيه أبدا. فقلت: ما جئتك إلا في أمره، ولا ألتمس منك غيره، ~~ولولا شدة غضبك وما تتوعده (¬2) به من القتل لكان في جميل عفوك ما أغنى عن ~~كلامك، ولكني لما عرفت غيظك وما تنقمه عليه احتجت-مع موقعه مني-إلى كلامك ~~في أمره، واستيهاب عظيم جرمه؛ إذ مثلك في جلالتك إنما يسأل جلائل الأمور. ~~فقال: يا أبا عبد الله، هذا رجل طلب دمي فلم يقنعه إزالة نعمتي، فلا سبيل ~~إلى تشفيعك فيه، ولكن هذا ms063 بيت مالي، وهذه ضياعي وكل ما أملك بين يديك، فخذ ~~من ذلك كله ما أردت. # فقلت: بارك الله لك في أموالك وضياعك وثمرها، لم آتك في هذا، وإنما أتيتك ~~في مكرمة يبقى فضلها وحسن أحدوثتها، وتعتقد بها منة (¬3) في عنقي لا أزال ~~مرتهنا بشكرها. فقال: ما عندي في هذا شيء البتة. فقلت: # القاسم بن عيسى فارس العرب وشريفها، فاستبقه وأنعم عليه، فإن لم تره PageV01P165 # لهذا أهلا فهبه للعرب كلها، فأنت تعلم أن ملوك العجم لم تزل تفضل على ~~ملوك العرب، ومن ذلك ما كان من كسرى إلى النعمان حتى ملكه، وأنت اليوم نقية ~~(¬1) العجم وشريفها، والقاسم شريف العرب فكن اليوم شريفا من العجم أنعم على ~~شريف من العرب وعفا عنه. فقال: ما عندي في هذا جواب إلا ما سمعته مني. ~~وتنكر وتبينت الشر في وجهه، فقلت في نفسي: # أنصرف، وأدع هذا يقتل، لا والله، ولكني أمثل بين يديه قائما [وأكلمه] ~~(¬2) فلعله يستحي. فقمت، وتوهمني أريد الانصراف فتحفز لي. فقلت: لست أريد ~~الانصراف، وإنما مثلت بين يديك قائما طالبا ضارعا سائلا مستوهبا هذا الرجل ~~منك. وكان جوابه أغلظ فتحيرت، وقلت في نفسي، أقبل رأس هذا الأقلف (¬3) لا ~~يكون هذا أبدا. ثم راجعتني الشفقة على أبي دلف، فقبلت رأسه وضرعت إليه، فلم ~~يجبني، فأخذت فيما قدم وحدث (¬4)، وعدت فجلست، وقلت: يا أبا الحسن، قد طلبت ~~إليك وضرعت ووضعت خدي لك ومثلت بين يديك وقبلت رأسك، فشفعني، واصرفني شاكرا ~~فهو أجمل بك. فقال: # لا والله، ما عندي إلا ما قلت لك. فقلت: فإني رسول أمير المؤمنين إليك، ~~وهو يقول لك: لا تحدثن في القاسم بن عيسى حدثا، فإنك إن قتلته، قتلت به. ~~فقال: أمير المؤمنين يقول هذا بعد أن أطلق يدي عليه؟ قلت: نعم، أنا رسول ~~أمير المؤمنين إليك بما قلته لك، فإن تكن في الطاعة فاسمع وأطع، وإن كنت قد ~~خلعت، فقل: لا طاعة، ونفضت في وجهه يدي، وقمت. # فاضطرب حتى إنه لا يقدر أن يدعو إلي دابتي (¬5)، وركبت وأغذذت السير إلى ms064 PageV01P166 # المعتصم لأخبره بالخبر، وبما اضطررت إليه من تأدية رسالة باطلة عنه، لأني ~~علمت أنه لم يقل لي ما قاله إلا وهو يحب استبقاء أبي دلف. # فانتهيت إلى الجوسق في وقت حار، والحجاب جميعا نيام، والدار خالية، فدخلت ~~حتى انتهيت إلى ستر الدار التي فيها المعتصم، وجلست وقلت: إن جاء الإفشين ~~دخلت معه وتكلمت، وإن سهل الوصول أخبرت أمير المؤمنين بالخبر كله. # فبينا أنا كذلك إذ خرج خادم صغير من وراء الستر، ثم دخل وخرج، فقال: ~~ادخل. فدخلت، وقلت: يا أمير المؤمنين، ما لي حرمة؟! مالي ذمام؟! أمالي حق؟! ~~أما في فضل أمير المؤمنين ونعمته علي ما تجب رعايته؟! فقال: مالك يا أبا ~~عبد الله، ما قصتك؟ اجلس اجلس. # فجلست. ثم قلت: يا أمير المؤمنين، قلت اليوم لي في القاسم بن عيسى قولا ~~علمت معه أنك أردت استبقاءه، وحقن دمه، فمضيت من فوري إلى أبي الحسن ~~الإفشين، ثم قصصت عليه القصة إلى أول الرسالة التي أديتها عنه، وهو في كل ~~ذلك يتغيظ، ويفتل سباله حتى [إذا] (¬1) أردت أن أعرفه الرسالة، قطع علي، ~~وقال: يمضي قاضي، وصنيعتي أحمد بن أبي دواد إلى خيذر فيخضع له، ويقف بين ~~يديه، ويقبل رأسه فلا يشفعه، قتلني الله إن لم أقتله. يكررها فما استوفى ~~كلامه حتى رفع الستر، ودخل الإفشين فلقيه بأكبر اللين واللقاء، وقال: في ~~هذا الوقت الحار يا أبا الحسن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، رجل عرفت ما نالني ~~منه، وأنه طلب دمي، وقد أطلقت يدي عليه، يجيء هذا ويقول: إنك بعثت إلي ~~تأمرني أن لا أحدث فيه حدثا، وإني إن قتلته قتلت به. قال فغضب المعتصم، ~~وقال: نعم، أنا أرسلته إليك فلا تحدث على القاسم حدثا. فنهض الإفشين مغضبا ~~يدمدم. واتبعته لأتلافاه، فصاح بي PageV01P167 # المعتصم: ارجع، يا أبا عبد الله. فرجعت وقلت: يا أمير المؤمنين، إنه كان ~~بقي شيء قطعتني بكلامك عن ذكره لك. قال: تعني الرسالة؟ قلت: نعم. # قال: قد فهمتها، والقاسم يوافيك العشية، فاحذر أن تتفوه بكلمة مما جرى. # ومضى الإفشين، فأطلق ms065 القاسم وخلع عليه، وجاءني القاسم من عشية، وما أخبرت ~~بالحديث حتى قتل الإفشين، ومات المعتصم. # 375 - ولأبي دلف يشكر أحمد بن أبي دواد على استنقاذه من القتل: # ما زلت في غمرات الموت مطرحا ... قد غاب عني وجوه الأمن والحيل # فلم تزل دائبا تسعى بجهدك لي ... حتى اختلست حياتي من يدي أجلي # 376 - وقيل: إن عاملا كان للمنصور على فلسطين كتب إليه: أن بعض أهلها وثب ~~عليه، واستغوى جماعة، وعاث في العمل. فكتب إليه المنصور: دمك مرتهن به إن ~~لم توجه به إلي. فصمد له العامل، وأخذه ووجه به إليه. فلما مثل بين يديه، ~~قال له: أنت المتوثب (¬1) على أمير المؤمنين؟! لأنثرن من لحمك أكثر مما ~~يبقى على عظمك. قال: وكان شيخا ضئيل الصوت (¬2) فقال بين يديه: # أتروض عرسك (¬3) بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم (¬4) # فلم يفهم المنصور ما قال، فقال: يا ربيع (¬5)، ما يقول؟ قال: إنه يقول: PageV01P168 # العبد عبدكم والمال مالكم ... فهل عذابك عني اليوم مصروف (¬1) # فقال المنصور: يا ربيع، قد عفوت عنه؛ فخل سبيله، واحتفظ به، وأحسن إليه. # **** PageV01P169 ### | AUTO الفصل الخامس # في # نفاق الأصحاب والإخوان # وتغيرهم مع تغير الزمان # 377 - قال بعضهم: اعرف أخاك عند نائبة تنوبك، أو نعمة تتجدد له؛ فهما ~~الحالتان اللتان يمتحن بهما الإخوان، فيكشف خيارهم عن النصرة والتواضع، ~~وشرارهم عن الجفوة والتكبر. # 378 - أبو هفان (¬1): # ألا إن إخوان الصفاء قليل ... فهل لي إلى ذاك القليل سبيل (¬2) # قس الناس تعرف غثهم وسمينهم ... فكل عليه شاهد ودليل (¬3) # 379 - وقال محمد بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: لا يكون الصديق صديقا ~~حتى يحفظ صديقه في نكبته، وفي غيبته، وبعد وفاته. # 380 - وقال بزرجمهر: من تغير عليك في مودته، فدعه حيث كان قبل معرفته. PageV01P170 # 381 - [محمد بن] أحمد بن حمدان الخباز البلدي (¬1): # ألا إن إخواني الذين عهدتهم ... أفاعي رمال لا تقصر في لسعي # ظننت بهم خيرا فلما بلوتهم ... نزلت بواد منهم غير ذي زرع # 382 - وقيل: لا يكون الجواد جوادا حتى يجود على إخوانه في شدتهم، ms066 ويكفيهم ~~في غيبتهم، وبعد وفاتهم. # 383 - عبد الله بن محمد المصري: # ما سمعنا باسم الصديق فطالب ... نا بمعناه فاكتسبنا صديقا # أتراه في الأرض يوجد لكن ... نحن لا نهتدي إليه طريقا # أم ترى قولهم «صديق» مجاز ... لا ترى تحت لفظه تحقيقا # 384 - وقيل لبعض العلماء: ما أشد ما بليت به؟ قال: تجربة الصديق، والحاجة ~~إلى لئيم. قال: قيل: فأي أخلاق الرجال أوضع؟ قال: # كثرة الكلام، وإضاعة الأسرار. # 385 - هي توبة من أن أظن جميلا ... أو أن أعد مصاحبا وخليلا # كشفت لي الأيام كل خبيئة ... فرأيت إخوان الصفاء قليلا # والناس سلم ما رأوك مسلما ... ورأوا نوالك فيهم مبذولا # وإذا افتقرت إليهم ألفيتهم ... سيفا عليك مع الزمان صقيلا PageV01P171 # 386 - وقيل: خير إخوانك من واساك، وخير منه من كفاك؛ وخير مالك ما أغناك، ~~وخير منه ما وقاك. # 387 - وقال أبو العتاهية: # إن أخاك الصدق من يسعى معك ... ومن يضر نفسه لينفعك # ومن إذا ريب الزمان صدعك ... شتت شمل نفسه ليجمعك # 388 - وقيل لخالد بن صفوان (¬1): أي إخوانك أحب إليك؟ قال: # الذي يسد خلتي، ويغفر زلتي، ويقيل عثرتي. # 389 - ولبعضهم: # إذا ما خليل لم يدم لي وصاله ... ويكتم أسراري ويحسن صحبتي # فبعدا وسحقا من خليل موارب ... فلست ببذال لذاك مودتي # 390 - وقال العتابي: إذا كان لك أخ تحبه، فلا تفسدن حبه بإدخال الدنيا ~~بينك وبينه، وإذا أردت أن تصفو لك مودة الأصحاب والإخوان فاحذر أن تكون لهم ~~عليك نعمة. # 391 - الرقاشي: # وليس صد لذات الخال يمرضني ... لكنما الموت عندي صد إخواني (¬2) PageV01P172 # إذا رأيت ازورارا من أخي ثقة ... ضاقت علي برحب الأرض أوطاني # فإن صددت بوجهي كي أكافئه ... فالعين غضبى وقلبي غير غضبان # 392 - وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة ~~مواطن: لا يعرف الشجاع إلا في الحرب، ولا الحليم إلا عند الغضب، ولا الصديق ~~إلا عند الحاجة. # 393 - لبعضهم: # وآخ إذا آخيت ذا الدين والتقى ... ففي من ترى ذئب وآخر ثعلب # صديقك من أحببت في الله مخلصا ... ولكن ms067 إخوان المصافاة غيب # 394 - وقال محمد بن يحيى: لما ولي يحيى بن علي الوزارة في الدفعة الثانية ~~دخلت إليه والناس يهنئونه، فحين رآني أنشد: # ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها ... فحيث ما انقلبت يوما به انقلبوا # يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت ... يوما عليه بما لا يشتهوا (¬1) وثبوا # 395 - وقال بزرجمهر: آخ ذا كرم، واسترسل إليه، وإياك ومفارقته، ولا عليك ~~أن تصحب إلا العاقل، وإن لم يكن كريما، فتنفعه بكرمك، وتنتفع بعقله، واهرب ~~كل الهرب من اللئيم الأحمق. # 396 - وإذا صاحبت فاصحب صاحبا ... ذا حياء وعفاف وكرم (¬2) PageV01P173 # قوله للشيء «لا» إن قلت «لا» ... وإذا قلت «نعم» قال «نعم» # 397 - آخر: # إذا ما خليل باع ودك مرة ... فبعه ولو طرحا بحبة خردل # أهنه، أهان الله مثواه والتمس ... لنفسك حرا ليس بالمتنقل # 398 - وقال جعفر بن محمد: إذا آخيت أخا فهب له نفسك ومالك، ولا تخدعن ~~أحدا بصحبتك؛ فإن الخيانة في كل شيء قبيحة، وأقبح الخيانات خيانة الأخ في ~~ماله ومودته وأهله. # 399 - علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: # أغمض عيني عن صديقي تعاميا ... كأني بما يأتي من القبح جاهل # وما بي جهل غير أن خليقتي ... تطيق احتمال الكره فيما أحاول # وإن أقطع الإخوان في كل عثرة ... بقيت وحيدا لم أجد من أواصل # متى ما يربني مفصل لي قطعته ... بقيت ومالي في النهوض مفاصل # ولكن أداريه فإن صح سرني ... وإن هو أعيى كان مني التحامل # 400 - وقيل: من كان له صديق ولم ينتفع به، فليصور مثله على الحائط، ويبصق عليه. # 401 - وقيل: الصديق من صفا في مودته، وأصفى خله خالص خلته. # 402 - أخوك الذي إن سرك الأمر سره ... وإن غبت يوما ظل وهو حزين # يقرب من قربت من ذي مودة ... ويقصي إذا أقصيته ويهين # 403 - وقيل: حقيقة الإخاء: المواساة في الشدة والرخاء. PageV01P174 # 404 - ابن الرومي: # تخذتكم ترسا ودرعا لتدفعوا ... سهام العدا عني فكنتم نصالها # وقد كنت أرجو منكم خير ناصر ... على حين خذلان اليمين شمالها # إذا كنتم لا تدفعون ملمة ... عن النفس ms068 كونوا لا عليها ولا لها (¬1) # 405 - الصولي: # من رأى في الأنام مثل أخ لي ... كان أنسي في كل حال وخلي (¬2) # رفعته حال فحاول حطي (¬3) ... وأبى أن يعز إلا بذلي # 406 - وقيل: أفضل الإخوان: أحضرهم معونة على الشدة. # 407 - وقيل: أحق من شركك في النعم شركاؤك في المكاره. # 408 - إبراهيم بن العباس الكاتب: PageV01P175 # أولى البرية طرا أن تواسيه ... عند السرور الذي وافاك في الحزن (¬1) # إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن (¬2) # 409 - وقال المأمون: الإخوان ثلاث طبقات: طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه، ~~وطبقة كالدواء يحتاج إليه أحيانا، وطبقة كالداء لا يحتاج إليه. # 410 - لبعضهم: # إن الكريم الذي تبقى مودته ... ويحفظ الود إن صافى وإن صرما # ليس الكريم الذي إن زل صاحبه ... بث الذي كان من أسراره علما # 411 - وقيل لرجل: أيما أحب إليك صديقك أم أخوك؟ قال: أخي إذا كان صديقي. # 412 - لأبي الشيص (¬3): # لعمري لقد كنت لي صاحبا ... أسر به أيما صاحب # وكنت وكنا وأيامنا ... نقطعها بالهوى الغالب PageV01P176 # تعظم حقي وتعبا به ... وما كان حقي بالواجب # فلما استقامت لك الترهات ... قذفت بحبلي على غاربي # فإن كنت تنكر ما قلته ... وأنزلتني منزل الكاذب # فما بال عينك مطروفة ... إذا ما نظرت إلى جانبي # 413 - آخر: # إذا رأيت امرأ في حال عسرته ... مصافيا لك ما في وده دغل (¬1) # فلا تمن له أن يستفيد غنى ... فإنه بانتقال الحال ينتقل # 414 - وقيل: شرط الصديق أن لا يضن بماله عليك، وإن ضن بماله فهو بنفسه ~~أضن (¬2)، ومن ضن بنفسه وماله فلبعد معرفة لا صداقة، وما أكثر في التصاوير مثله. # 415 - المهلبي لنفسه (¬3): # عاشر أخاك على ما كان من خلق ... واحفظ مودته بالغيب ما وصلا # فأطول الناس غما من يريد أخا ... ذا خلة لا يرى في وده خللا # 416 - وسئل بعض الحكماء: أي الكنوز خير؟ فقال: بعد تقوى الله الأخ ~~الصالح. PageV01P177 # 417 - طلبت امرأ محضا صحيحا مسلما ... نقيا من الآفات في كل موسم (¬1) # لأمنحه ودي فلم أدرك الذي ... طلبت ومن لي بالصحيح ms069 المسلم # فلما بدا لي أنني لست مبتلى ... من الناس إلا بالمريض المسقم # صبرت ومن يصبر يجد غب صبره ... ألذ وأحلى من جنى النحل في الفم # ومن لا يطب نفسا ويستبق صاحبا ... ويغفر لأهل الود يصرم ويصرم # 418 - وقيل: إن بزرجمهر رأى رجلين لا يفترقان، فسأل عنهما، فقيل له: ~~إنهما صديقان. فقال: فما بال أحدهما غني والآخر فقير. # 419 - جحظة (¬2): # قعدت عن الإخوان من غير ما قلى ... وإن عجيبا ما أتيت على عمد # وجهد الفتى أن يستر البيت حاله ... إذا لم يجد حرا يعين على الجهد # 420 - آخر # بلوت وجربت الزمان وأهله ... وأدبني منهم مسيء ومحسن # من الحزم أن تحتاط فيما وليته ... وتحكم ما تخشاه والأمر يمكن # 421 - وسأل الإسكندر ذيوجانس قال: بم يعرف الصديق؟ قال: عند PageV01P178 # الشدة، فكل الناس في الرخاء صديق. # 422 - ولبعضهم: # أهل ودي ومن عليه اعتمادي ... لم تجنبتم وخنتم عهدي # ألذنب فعلته أم تبعتم ... فعل دهر في حكمه متعدي # 423 - أبو العتاهية: # كل من أحوجك الدهر إليه ... فتعرضت له هنت عليه # فدع المخلوق لا تسألنه (¬1) ... واسأل الخالق مما في يديه # 424 - وافتقد عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (¬2) صديقا له من مجلسه، ثم ~~جاءه فقال: أين كانت غيبتك؟ فقال: خرجت إلى عرض من أعراض المدينة مع صديق ~~لي. فقال: إن لم تجد بدا من صحبة الرجال، فعليك بصحبة من إن صحبته زانك. # 425 - آخر: # اتق الأحمق لا تصحبه (¬3) ... إنما الأحمق كالثوب الخلق # كلما رقعت منه جانبا ... عاد فيه الريح طورا فانخرق # 426 - ابن المعتز: # إذا نائبات الدهر يسرن للفتى ... ثلاث خلال قل ما يتيسر # كفاف يصون المرء عن بذل وجهه ... فيضحي ويمسي وهو حر موقر PageV01P179 # وكأس تسليه إذا الهم ضاقه ... ومسمعة أسماعها ليس تنكر # ورابعة عزت وقل وجودها ... صديق على الأيام لا يتغير # 427 - الرضي: # من كشف الناس لا يسلم له أحد ... الناس داء فخل الداء مستورا # 428 - آخر: # إذا أنكرت أخلاق الصديق ... فلست من التغير في مضيق # طريق كنت تسلكه زمانا ... تغير فاجتنبه إلى طريق ms070 (¬1) # 429 - آخر: # إذا ما صديقي أسا مرة ... وقد كان في ما مضى مجملا # ذكرت المقدم من فعله ... ولم يفسد الآخر الأولا # 430 - أبو بكر الخوارزمي (¬2): # إن شئت أن تعرف يا صاحبي ... مالك في قلبي من الواجب # فانظر إلى فعلك لي أولا ... وقس على الشاهد بالغائب # 431 - آخر: # ما من أخ يحنو عليكا ... إلا لشيء في يديكا PageV01P180 # وأخوك نظرته إليكا ... بقدر رغبته إليكا # فإن اتسعت فلن يهم ... ك من يطيف بجانبيكا (¬1) # والناس إخوة نعمة ... لله ما دامت عليكا (¬2) # 432 - منصور الفقيه: # من يغب وهو حافظ العهد وافي ... هو خير من حاضر وهو جافي # رب دان بقلبه وهو ناء ... ومقيم وقلبه في انصراف # 433 - ابن الخازن (¬3): # يا إخوة الدهر في أخلاقه نسبا ... ينمي إلى كل واهي العهد محلول # إن لان لنتم وإن أبدى تهجمه ... كشرتم عن نيوب الأسد في الغيل # لم اختصرتم سلاما كنت أعهده ... في غاية الطيب بل في غاية الطول # أكل من نال مالا مال جانبه ... وكان معتدل الأعطاف كالميل # أشكو من النيل والدنيا بأجمعها ... إذا تأملتها سوداء كالنيل # 434 - آخر: # ويئست حتى لو بصرت بنارهم ... للضيف تبدو قلت: نار حريق # لا يضحك الأيام سوء مطامعي ... إلا إذا طالبتها بصديق # 435 - وقيل: إذا انقطع رجاؤك من صديقك، فألحقه بعدوك. # 436 - لبعضهم: PageV01P181 # اسمع مقالة ناصح ... جمع النصيحة والمقه (¬1) # إياك واحذر أن تكو ... ن من الثقات على ثقه # 437 - آخر: # في سعة الأرض وفي أهلها ... مستبدل بالخل والجار # فمن دنا منك فأهلا به ... ومن تولى فإلى النار # 438 - آخر: # برمت بالناس وأخلاقهم ... فصرت أستأنس بالوحده # ما أكثر الناس لعمري وما ... أقلهم في موضع الشده # 439 - وقيل: إن أبا مسلم الخراساني (¬2) رحمه الله أهدى له بعض أصحاب ~~الأطراف فرسا سابقا متكامل الصفة، فقال لجلسائه: لماذا يصلح هذا الفرس؟ ~~فقال أحدهم: للأمير، أطال الله بقاءه، يدرك عليه ما يرومه، ويبعد مما ~~يكرهه. وقال آخر: بل يتحف به الأمير الخليفة، فلا يكون عنده مثله، ولا يقدر ~~أحد على ما هو خير منه. فقال: ما قصدتما ms071 مرادي. # فقالا: الأمير أعلم بالرأي. فقال: يركب ويهرب عليه من الجار السوء PageV01P182 # والخل المنافق. # 440 - لبعضهم: # وليس خليلي بالملول ولا الذي ... إذا غبت عنه باعني بخليل # ولكن خليلي من يدوم وفاؤه ... ويحفظ سري عند كل دخيل # 441 - ابن ناقيا (¬1): # وجربت بالغيب ود الصديق ... فلم أره بالوفي الأمين # فقد قام عندي بغدر (¬2) العدو ... إذا هو مثل الصديق الخؤون # 442 - ابن خلف: # وإذا ما الصديق أعرض عني ... قاطعا حبل وصله بالتجني # لم أكن نادما على تركه الوص ... ل ولا قارعا على الهجر سني # 443 - لأبي علي بن الشبل (¬3): # لله در الفقر من منصف ... مؤلف بين خليلين # ولا رعى الله الغنى إنه ... مزيل ما بين الصفيين # كم من صديق لي في فقره ... كالروح كنا بين جسمين # أبطره تيه الغنى فانثنى ... يقسمني باللحظ شطرين PageV01P183 # يكسر مني العين من كبره ... وكنت منه موضع العين # 444 - نفطويه (¬1): # وما الناس بالناس الذين عهدتهم ... وما الدار بالدار التي كنت تعرف # ولا كل من صافيته الود مخلص ... ولا كل من صاحبته لك منصف # 445 - أبو العتاهية: # إن للمعروف أهلا ... وقليل فاعلوه # أفضل المعروف ما لم ... تبتذل فيه الوجوه # رب محبوب لقوم ... غاب عنهم فنسوه (¬2) # وأبو الأبناء لا يب ... قى ولا يبقى بنوه # أنت ما استغنيت عن صا ... حبك الدهر أخوه (¬3) # وإذا احتجت إليه ... ساعة مجك فوه # لو رأى الترك نبيا ... سائلا ما وصلوه (¬4) # بل همو لو طمعوا في ... زاد كلب أكلوه (¬5) PageV01P184 # نحن في دهر على المع ... دم لا يجدي أبوه # 446 - أبو فراس: # بمن يثق الإنسان فيما ينوبه ... ومن أين للحر الكريم صحاب # وقد صار هذا الناس إلا أقلهم ... ذئابا على أجسادهن ثياب # 447 - وقيل: اثنتان قد أعوزا وعزا، درهم حلال، وأخ في الله. # 448 - المتنبي: # إذا ما الناس جربهم لبيب ... فإني قد أكلتهم وذاقا (¬1) # فلم أر ودهم إلا خداعا ... ولم أر دينهم إلا نفاقا # 449 - ابن المعتز: # بلوت أخلاء هذا الزمان ... فأقللت بالهجر منهم نصيبي # فكلهم إن تأملتهم ... صديق العيان عدو المغيب (¬2) # 450 - امرؤ القيس: PageV01P185 # إذا قلت هذا ms072 صاحب قد رضيته ... وقرت به عيني تبدلت آخرا (¬1) # وذاك لأني لا أصاحب صاحبا ... من الناس إلا خانني وتنكرا (¬2) # 451 - السري الرفاء (¬3): # وأخ رخصت عليه حتى ملني ... والشيء مملول إذا ما يرخص # يا ليته إذ باع ودي باعه ... فيمن يزيد عليه لا من ينقص # ما في زمانك ما يعز وجوده ... إن رمته إلا صديق مخلص # 452 - آخر: # عفاء على هذا الزمان فإنه ... زمان عقوق لا زمان حقوق # فكل رفيق فيه غير موافق ... وكل صديق فيه غير صدوق # 453 - أبو فراس: # أقلب طرفي لا أرى غير صاحب ... يميل مع النعماء حيث تميل PageV01P186 # 454 - منصور الفقيه: # كل من أصبح من ده ... رك ممن قد تراه # هو من خلفك مقرا ... ض وفي الوجه مراه (¬1) # 455 - آخر: # ألفت انفرادي عن بني الدهر غيرة ... على حسبي من أن أكون لهم إلفا # وجربت أهليه فكل وجدته ... سقاني كؤوس الغدر مترعة صرفا # 456 - العتبي من أول شعره: # وصاحب لي أبنيه ويهدمني ... لا يستوي هادم يوما وبناء # 457 - وقال بعض الحكماء: لا أعرف ضرا أوصل إلى نياط القلب من الحاجة إلى ~~من لا تثق بمودته ولا ترضاه، ولا تأمن رده. وأعظم المصائب فقد كل خليل لا ~~عوض منه. وكان يقال: شر الإخوان: الواصل في الرخاء، الخاذل عند البلاء. ~~وكان يقال: من لم يرض [من] صديقه إلا بإيثاره إياه على نفسه دام سخطه، ومن ~~عاتب على كل ذنب كثر عدوه، ومن لم يؤاخ من الإخوان إلا من لا عيب فيه قل ~~صديقه. وكان يقال: الصفح عن الإخوان مكرمة، ومكافأتهم على الذنوب دناءة. # 458 - إبراهيم بن العباس الكاتب: # نعم الزمان زماني ... الشأن في الخلان # ومن ذخرت لنفسي ... فعاد ذخر الزمان # لو قيل لي خذ أمانا ... من أعظم الحدثان # لما أخذت أمانا ... إلا من الإخوان PageV01P187 ### | AUTO الفصل السادس # في القناعة والياس # مما بأيدي الناس # 459 - أصيب حجر بإرمينية مكتوب فيه: # اليأس عما بأيدي الناس نافلة ... والمال يعجز والأخلاق تتسع # لا تجزعن على ما فات مطلبه ... هذا جزعت فماذا أحدث الجزع # إن السعادة ms073 يأس إن ظفرت به ... فدونك اليأس إن الشقوة الطمع # 460 - وقيل: لا ينبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان: الاستغناء عما في أيدي ~~الناس، والتجاوز عما يكون منهم. # 461 - وأنشد بعضهم: # إن التنزه عما خس مطلبه ... للمرء عز وقد يزري به الطمع # 462 - وقال أفلاطون: الاستغناء عن الشيء خير من الاستغناء به. # 463 - بعضهم: # إذا لم يكن للمرء جدي (¬1) يناله ... ولا تحف فيما تحوز الموائد PageV01P188 # وكان له خبز وملح ففيهما ... له مقنع حتى تجيء الفوائد # فما هي إلا جوعة قد سددتها ... وكل طعام بين جنبي واحد # 464 - آخر: # لا تغبطن أخا الدنيا بمقدرة ... فيها وإن كان ذا عز وسلطان # إن الليالي لم تحسن إلى أحد ... إلا أساءت إليه بعد إحسان # 465 - وقيل: إن عمر بن عبد العزيز أمسى في خلافته صائما، فاشترى بدانقين ~~عنبا، وأكل هو وزوجته فاطمة بنت عبد الملك بن مروان (¬1)، وقال لها: يا ~~فاطمة، كان يأتي إلى أهلي وأهلك من هذا وقار البغال فلم يكن ينالنا منه إلا ~~ما نالنا من هذين الدانقين. # 466 - وقيل: من عف وقنع عز واستغنى، ومن شره وطمع ذل وافتقر. # 467 - وأحسن للفتى من يوم عار ... ينال به الغنى كرم وجوع # 468 - وقيل لبعض الصالحين: ما يمنعك من التزويج؟ قال: مكابدة العفة أيسر ~~من الاحتيال لمصلحة العيال. # 469 - وقال بعضهم: العري القادح خير من الزي الفاضح. # 470 - وقيل: من ملك الملوك؟ قال: من ملك شهواته. # 471 - لعمرو بن كلثوم: PageV01P189 # وكنت امرأ لو شئت أن تبلغ المدى (¬1) ... بلغت بأدنى نعمة تستديمها # ولكن فطام النفس أثقل محملا ... من الصخرة الصماء حين ترومها # 472 - وقيل لرجل كان يعمل في المعادن: كيف اخترت هذه الصناعة؟ فقال: ~~استخراج الدرهم من الحجارة أيسر من استخراجه من أيدي الناس. # 473 - ولبعضهم: # لا ينبغي أن أرى بعيني ... مكان من لا يرى مكاني # ولي إلى أن أموت رزق ... لو جهد (¬2) الخلق ما عداني # الحر حر ولو تعدت ... عليه يوما يد الزمان # رضيت بالقوت من زماني ... وصنت عرضي عن الهوان # خوفا على أن ms074 يقال يوما ... فضل فلان على فلان # 475 - آخر: # وإنك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا # 476 - وكان يقال: سخاء النفس عما بأيدي الناس أكثر من السخاء بالبذل، ~~ومروءة الرضا خير من مروءة الإعطاء. # 477 - وقال الأصمعي: مررت بكناف وهو ينشد: # أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغري (¬3) PageV01P190 # فقلت: أما سداد الكنف فأنت أحرى به، وأما الثغر فلا علم لنا بك، فكيف أنت ~~فيه؟ قال: فانعطف علي وأنشد: # وأكرم نفسي إنني إن أهنتها ... وحقك لم تكرم على أحد بعدي # فقلت: يا هذا، والله ما يكون من الهوان شيء أكثر مما بذلتها له. # فقال: بلى، من الهوان لشر مما أنا فيه. فقلت: وما هو؟ فقال: الحاجة إلى ~~مثلك وأمثالك. فانصرفت عنه خجلا. # 478 - ومن أمثال العرب: أقلل طعاما تحمد مناما. # 479 - وقيل: القناعة راحة الأبدان. # 480 - وقيل: الحرص من سبل المتالف. # 481 - إبراهيم بن المهدي: # قد شاب رأسي، ورأس الحرص لم يشب ... إن الحريص من الدنيا لفي تعب # قد يرزق المرء لم تنصب (¬1) رواحله ... ويحرم الرزق من لم يؤت من طلب # 482 - وقال بعض الرهبان: من أراد الحياة الهنية قنع ولم يستكثر. # 483 - وقيل: القناعة رأس مال لا ينفد. # 484 - وقيل: اليأس حر، والرجاء عبد. PageV01P191 # 485 - وقيل: برد اليأس خير من حر الطمع. # 486 - وقال عبد الله بن المعتز عفا الله عنه: # ومن شر أيام الفتى بذل وجهه (1) ... إلى غير من حفت إليه الصنائع # متى يدرك الإحسان من لم يكن له ... إلى طلب الإحسان نفس تنازع # 487 - وقيل: إذا طالبتك نفسك برزق غد، فاطلب منها كفيلا بحياة اليوم. # 488 - وشكى رجل إلى الشبلي (¬1) كثرة عياله، فقال: ارجع إلى بيتك، ومن لم ~~يكن رزقه على الله؛ فأخرجه منه. # 489 - وقيل: لو قسمت الأرزاق على قدر العقول ما عاشت البهائم. # 490 - أبو تمام الطائي: # ينال الفتى من عيشه وهو جاهل ... ويكدي الفتى من دهره وهو عالم # ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا ... هلكن إذا من جهلهن البهائم # 491 - وقيل: أحرص ms075 الحيوان الذباب، وأقنعه العنكبوت؛ لا يطلب الرزق وإنما ~~ينتظره ليقصده في بيته؛ وقد جعل الله أحرصها رزقا لأقنعها. # 492 - وقيل: القناعة سيف لا ينبو. PageV01P192 # 493 - وقيل: من عدم القناعة لم يزده المال غنى. # 494 - الرزق يأتيك وإن لم تطلبه (¬1) ... مالك من حرصك إلا تعبه # 495 - وقيل: من كثرت شهواته دامت حسراته. # 496 - وقال أبو تمام الطائي: لما دخلت خراسان لم أفرح بها كفرحي ببيت ~~سمعته (¬2) بها وهو: # لو لم تكن لله متهما ... لم تمس محتاجا إلى أحد (¬3) # 497 - وقال بزرجمهر: لا شرف إلا شرف العقل، ولا غنى إلا غنى النفس. # 498 - أبو فراس بن حمدان: # غنى النفس لمن يعق ... ل خير من غنى المال # وفضل الناس في الأنف ... س ليس الفضل في الحال # 499 - وقيل: الطامع في وثاق الذل. # 500 - رب معرق (¬4) قد خاب، ومقتصد قد فاد. PageV01P193 # 501 - وقيل: عبد الشهوة أذل من عبد الرق. # 502 - هشام بن إبراهيم البصري: # وكم ملك جانبته عن كراهة ... لإغلاق باب أو لتشديد حاجب # ولي في غنى نفسي مراد ومذهب ... إذا انصرفت عني وجوه المذاهب # 503 - وروي أن شاعرا أتى أبا البختري وهب بن وهب (¬1)، وكان من أجود ~~الناس، وكان إذا سمع مدح المادح ضحك وسرى السرور في جوانحه، فأتاه هذا ~~الشاعر وأنشده (¬2): # لكل أخي فضل فعال من العلا ... ورأس العلا طرا عقيد الندى وهب # وما ضر وهبا عيب من جحد العلا ... كما لا يضر البدر ينبحه كلب # فثنى له الوسادة وهش إليه ورفده، وحمله وأضافه، فلما أراد الرحلة لم ~~يخدمه أحد من غلمان أبي البختري ولا عقد ولا حل. فأنكر ذلك مع جميل ما فعل ~~به، وأنه قد تجوز به أمله، فعاتب بعضهم، فقال الغلام: إنما نعين النازل على ~~الإقامة، ولا نعين الراحل على الفراق. فبلغ هذا الكلام رجلا من القرشيين ~~فقال: لفعل هذا العبيد [على] (¬3) هذا القصد أحسن من رفد سيدهم. # 504 - وقال الحسن والحسين لعبد الله بن جعفر: إنك قد أسرفت في PageV01P194 # بذل المال. فقال: بأبي أنتما وأمي، إن الله قد ms076 عودني أن يفضل (¬1) علي، ~~وعودته أن أفضل (¬2) على عباده، فأخاف أن أقطع العادة، فيقطع عني المادة. # 505 - قال رجل لإبراهيم بن هرمة الشاعر (¬3): بأي شيء استحق منك عبد ~~الواحد بن سليمان أن تقول فيه: # أعبد الواحد المأمول إني ... أغص حذار سخطك بالقراح (¬4) # وجدنا غالبا كانت جناحا ... وكان أبوك قادمة الجناح (¬5) # قال: إن ذهبت أعدد صنائعه التي استحق بها طال القول مني وأطلت، ولكني ~~أخبركم بأصغر صنيعة له عندي: كنت منقطعا إليه بالمدينة أيام كان يتولاها، ~~فأغناني عمن سواه، ثم عزل فظننت أن من يلي يكون مثله، فأقمت بالمدينة أغدو ~~وأروح إلى الوالي طمعا فيه إلى أن لم يبق لي شيء، فقلت لأختي: ويحك، أما ~~ترين ما أنا فيه من الشدة، وتعذر القوت؟ فقالت: هذا أيسر اختيارك (¬6). ~~قلت: فبم تشيرين علي؟ قالت: ما أعرف لك غير عبد الواحد بن سليمان. قلت: ومن ~~لي به، وهو بدمشق، وأنا بالمدينة؟ قالت: أنا أعينك (¬7)، وأحسن صحبتك. قلت: ~~افعلي. فباعت حليا كان PageV01P195 # لها، واشترت لي راحلة، وزودتني. فسرت عليها إلى دمشق فوافيتها بعد اثنتي ~~عشرة (¬1) ليلة، وأنخت عشيا على باب عبد الواحد، وعقلت ناقتي، ودخلت المسجد ~~فحططت رحلى فيه، فلما أذن المؤذن، خرج عبد الواحد فتطوع ثم أقيمت الصلاة، ~~فصلى ثم جلس يسبح، ثم حول وجهه إلى جلسائه يحدثهم فلمح الناقة والرحل فقال: ~~من هذا؟ فوثبت، وقبلت يده، وقلت: # أنا يا سيدي عبدك ابن هرمة. فقال: أبا إسحاق، كيف خبرك؟ قلت: بشر خبر ~~بعدك أيها الأمير، تلاعبت بي المحن، وجفاني الصديق، ونبا بي الوطن، فلم أجد ~~معولا إلا عليك. فو الله، ما بادرني إلا بدموعه، ثم قال: # ويحك، بلغ بك الجهد إلى ما ذكرت؟ فقلت: إي والله أيها الأمير، وما أخفيته ~~أكثر. فقال: اسكن، ولا ترع. ثم نظر إلى فتية بين يديه جلوس كأنهم الصقور ~~فوثبوا، ثم استدعى أحدهم، وهمس إليه بشيء، فمضى مسرعا ثم أومأ إلى الثاني ~~فهمس إليه، ومضى، وفعل كذلك بالثالث. ثم أقبل الأول ومعه خادم في يده كيس، ~~فصبه في حجري، ms077 فقال له أبوه: كم هذا؟ فقال: ألف وسبع مئة دينار، والله، ما ~~كان في بيت مالك غيرها. ثم أقبل الثاني وبين يديه عبد على كتفه مثل الكاره ~~(¬2)، فصبها بين يدي فإذا هو حلي مختلع من حلي بناته ونسائه، وقال لأبيه: ~~والله، ما أبقيت لهما (¬3) حليا غير ما ترى. وأقبل الثالث ومعه غلامان ~~معهما كارتان من فاخر ثيابه، فوضع ذلك بين يدي، ثم قال: يا ابن هرمة، أنا ~~أعتذر إليك من قلة ما حبوتك به، مع بعد هذه الشقة، وطول العهد، وسعة الأمل، ~~ولكنك جئتنا في آخر السنة، وقد تقسمت أموالنا الحقوق، ونسفتها (¬4) أيدي ~~المؤملين، فلن يبقى PageV01P196 # لنا غير هذه الصبابة، فآثرناك بها على أنفسنا، واستللناها لك من أفواهنا، ~~ولو بعثت (¬1) إلي لأنفذت إليك منها ما يكفيك، فأتاك عفوا ولم تتجشم إلينا ~~سفرا ولا مشقة، ولم تحتج إلى سوانا، وذلك لك مني أبدا ما بقيت. # فأقسمت عليك لما أصبحت [إلا] (¬2) على ظهر ناقتك، وتداركت أهلك فخلصتهم ~~من هذه المحنة. فقمت إلى ناقتي فإذا هي قد ضعفت فقال: # ما أرى في ناقتك فضلا، يا غلام، ناقتي الفلانية. فجاء بها برحلها فكانت ~~والله أحب إلي من كل ما ساقه إلي، ثم دعا بناقتين فأوقرهما بالمال والثياب ~~وزاد يكفيني لطريقي، ووهب لي عبدين، وقال: هما يسقيان لك، ويرعيان إلى أن ~~ترد، فإن شئت ترتبطهما وإن شئت تبيعهما. أفألام أن أغص حذار سخط هذا بريقي ~~فضلا عن الماء القراح؟ # 506 - مر يزيد بن المهلب بأعرابية في خروجه من سجن عمر بن عبد العزيز ~~فقرته عنزا، فقبلها، ثم قال لابنه معاوية: ما معك من النفقة؟ فقال: ثمان ~~مئة دينار. فقال: ادفعها إليها. فقال: يا أبه، إنك تريد الرجال ولا يكون ~~الرجال إلا بالمال، وبعد فهذه يرضيها اليسير، وهي لا تعرفك. فقال: إن كانت ~~ترضى باليسير فأنا لا أرضى إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف ~~نفسي. ادفع إليها المال. # 507 - وذكر العتبي قال: أشرف عمر بن هبيرة الفزاري (¬3) من قصره يوما PageV01P197 # فإذا هو بأعرابي يقصد ms078 نحو قصره، فقال لحاجبه: إن قصدني هذا، فأوصله إلي. ~~فلما دنا سأله، قال: قصدت الأمير. فأدخله عليه، فلما مثل بين يديه قال له ~~عمر بن هبيرة: ما خطبك؟ فقال: # أصلحك الله قل ما بيدي ... فما أطيق العيال إذ كثروا # ألح دهر رمى بكلكله (¬1) ... فأرسلوني إليك وانتظروا # قال: فأخذت عمر الأريحية، وجعل يهتز في مجلسه، ثم قال: # أرسلوك إلي وانتظروا؟ إذن والله، لا تجلس حتى تعود إليهم غانما. وأمر له ~~بألف دينار، وأعاده على بعيره لوقته. # 508 - وذكر رجل من الأعراب قال: نزلت برجل من طيئ فنحر لي ناقة فأكلت ~~منها، فلما كان الغد نحر أخرى، فقلت له: إن عندك من اللحم ما يكفي ويغني. ~~فقال: والله، إني لا أطعم ضيفي إلا لحما عبيطا (¬2) قال: # وفعل ذلك في اليوم الثالث. وفي كل ذلك آكل شيئا، ويأكل الطائي أكل جماعة، ~~ثم يؤتى باللبن فأشرب شيئا، ويشرب هو غاية الوطب (¬3). فلما كان في اليوم ~~الثالث ارتقبت غفلته، فاضطجع فلما امتلأ نوما استقت قطيعا من إبله، وأقبلت ~~به الفج، فانتبه واحتظر علي الطريق حتى وقف لي في مضيق منه، وألقم وتره فوق ~~سهمه (¬4)، ثم ناداني: أتطيب نفسك عنها؟ قال: فقلت له: أرني آية. قال: انظر ~~إلى ذلك الضب، إني واضع سهمي في مغرز ذنبه. # ورماه، فأندر ذنبه. قلت له: زدني. فقال: انظر إلى أعلى PageV01P198 # فقاره (¬1). ورماه، فأثبت سهمه في الموضع، ثم قال لي: الثالثة والله في ~~كبدك. فقال: فقلت: شأنك إبلك. فقال: كلا، حتى تسوقها إلى حيث كانت. فلما ~~انتهيت بها، قال: إني فكرت في أمرك، فلم أجد لك عندي ترة تطالبني بها، وما ~~أحسب الذي حملك على أخذ إبلي إلا الحاجة. فقلت: هو والله ذاك. قال: فاعمد ~~إلى عشرين من خيارها فخذها. فقلت: إذن والله لا أفعل حتى تسمع مدحك: والله، ~~ما رأيت رجلا أكرم ضيافة، ولا أهدى لسبيل، ولا أرمى كفا، ولا أوسع صدرا، ~~ولا أرغب خوفا، ولا أكرم عفوا منك. فاستحيا، وصرف وجهه عني، ثم قال: انصرف ~~بالقطيع مباركا لك فيه. ms079 # 509 - وقال المازني (¬2): دخلت على الواثق، فقال لي: با اسمك؟ -وهي لغة ~~للحارث بن كعب-فقلت: بكر. قال: هل لك من ولد؟ قلت: # أخية تحل مني محل الولد. قال: فما كان من قولها لك عند رحيلك إلينا؟ قلت: ~~قالت قول الأعشى (¬3): # تقول ابنتي حين جد الرحيل ... أرانا سواء ومن قد يتم # أبانا فلا رمت من عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم # ترانا إذا أضمرتك البلا ... د نجفى وتقطع منا الرحم # فقال: والله، لقد ذكرتك بنفسها، فأحسنت، فبماذا أجبتها؟ قال: # قلت: PageV01P199 # ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح (¬1) # فقال: والله، لقد أحسنت، ثق بالله ثم بالنجاح، يا غلام، أنجحه بألف ~~دينار. فأخذتها وانصرفت. # 510 - وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: حضرت يوما بباب الرشيد فقيل لي: هو ~~نائم. فلقيني جعفر بن يحيى، وقال: ما الخبر؟ قلت: أمير المؤمنين نائم. ~~فقال: قف مكانك. ومضى إلى دار الخليفة، وخرج الحاجب فأعلمه أنه نائم، ورجع ~~فقال: سر بنا إلى دارنا حتى نخلو بقية يومنا ونأخذ في شأننا من وقتنا. ~~فقلت: نعم. وسرنا (¬2) إلى داره، ونزعنا ثيابنا، ودعي بالطعام فأكلنا وأمر ~~بإخراج الجواري، وقال: لتبرزن، فليس عندنا من نحتشمه. فلما وضع الشراب دعا ~~بقميص جديد فلبسه، ودعا بخلوق (¬3) فتخلق به، ودعا لي بمثل ذلك، وجعل ~~يغنيني وأغنيه، ثم دعا بالحاجب فتقدم إليه وأمره أن لا يأذن لأحد من الناس ~~كافة، وإن جاء رسول أمير المؤمنين أعلمه أنه مشغول، واحتاط في ذلك، وتقدم ~~فيه إلى جميع الحجاب والخدم. ثم قال: إن جاء عبد الملك ائذنوا له-يعني رجلا ~~كان يأنس به ويمازحه ويحضر خلواته-ثم أخذنا في شأننا. فو الله إننا على حال ~~سارة عجيبة إذ رفع الستر فإذا عبد الملك بن صالح الهاشمي (¬4) قد أقبل، ~~وغلط الحاجب PageV01P200 # ولم يفرق بين عبد الملك الذي عناه جعفر وبينه، وكان من جلالة القدر ~~والتقشف والامتناع من منادمة الرشيد على أمر جليل، وكان الرشيد قد اجتهد أن ~~يشرب قدحا معه فلم يقدر ولم يفعل رفعا لسبقه (¬1). # فلما رأيناه مقبلا، أقبل كل ms080 واحد منا ينظر لصاحبه، وكاد جعفر أن ينشق ~~غيظا. وفهم الرجل حالنا، فأقبل نحونا حتى إذا صار إلى الرواق الذي نحن فيه ~~نزع قلنسوته فرمى بها مع طيلسانه جانبا، ثم قال: أطعمونا شيئا. فدعا جعفر ~~بالطعام، وهو منتفخ غيظا وغضبا، فطعم ثم دعا برطل فشربه ثم أقبل إلى المجلس ~~الذي نحن فيه، وأخذ بعضادتي الباب (¬2)، وقال: أشركونا فيما أنتم فيه. فقال ~~له جعفر: ادخل. فدخل، ثم دعا بقميص جديد، وخلوق، فلبس وتخلق، ثم دعا برطل ~~فشربه ورطل حتى شرب عدة أرطال، ثم اندفع فغنى، فكان والله أحسننا جميعا ~~غناء، فلما طابت نفسه ونفس جعفر وسري عنه ما كان به التفت إليه، وقال له: ~~ارفع حوائجك. فقال: ليس هذا موضع حوائج. فقال: لتفعلن. ولم يزل يلح عليه ~~حتى قال: أمير المؤمنين علي واجد، وأريد أن تترضاه. قال: فإن أمير المؤمنين ~~قد رضي عنك، فهات حوائجك كما أقول. قال: علي دين فادح. قال: هذه أربعة آلاف ~~ألف درهم، فإن أحببت أن تقبضها من مالي الساعة فاقبضها، فإنه ما يمنعني ~~إعطاءك إياها إلا أن قدرك يجل أن يصله مثلي، ولكني ضامن لك إياها من مال ~~أمير المؤمنين غدا، فسل أيضا. قال: أحب أن تكلم أمير المؤمنين بولدي لينوه ~~باسمه. فقال: قد ولاه أمير المؤمنين مصر، وزوجه الغالية ابنته، PageV01P201 # وأمهرها عنه ألفي ألف درهم. قال إسحاق: فقلت في نفسي: قد سكر الرجل-أعني جعفرا- # فلما أصبحت لم يكن لي همة إلا حضور دار الرشيد، فلما دخلتها رأيت في ~~الدار جلبة، وإذا أبو يوسف القاضي (¬1) ونظراؤه قد دعي بهم، ودعي بعبد ~~الملك بن صالح وابنه وأدخلا على الرشيد، فقال لعبد الملك: إن أمير المؤمنين ~~كان عليك واجدا وقد رضي عنك، وأمر لك بأربعة آلاف ألف درهم، فاقبضها من ~~جعفر بن يحيى الساعة، ثم دعا بابنه، فقال: اشهدوا أني زوجته الغالية ابنة ~~أمير المؤمنين وأمهرتها عنه من مالي ألفي ألف درهم، ووليته مصر. قال: فلما ~~خرج جعفر بن يحيى سألته عن الخبر. قال: بكرت إلى أمير المؤمنين، وحكيت ms081 له ~~جميع ما جرى وما كنا فيه حرفا حرفا ووصفت له دخول عبد الملك وما صنع، فعجب ~~لذلك، وسر به فقلت له: قد ضمنت له عن أمير المؤمنين ضمانا. فقال: وما هو؟ ~~فأعلمته، فقال: أحضره لتفي بضمانك. وأمر بإحضاره فكان ما رأيت. # 511 - قال: وقيل: كان بالجزيرة رجل يقال له خزيمة بن بشر الأسدي وكان رب ~~نعمة يفضل على إخوانه ومن يقصده، فلم يزل به ذلك حتى أنفد ماله، واحتاج إلى ~~إخوانه فواسوه حينا ثم ملوه. فلما ظهرت له منهم ملالة، قال لزوجته: إني ~~رأيت من إخواني تغيرا، وظهرت لي منهم جفوة، وقد رأيت أن ألزم بيتي، وأغلق ~~بابي حتى يأتي الله برزق، أو أموت. قالت: PageV01P202 # وفقك الله. فلزم بيته وجعل ينفق مما في يده. # وولي الجزيرة رجل يقال له عكرمة الفياض من ربيعة، وصادف يوم دخوله ~~الجزيرة نفاد ما كان يتقوت به خزيمة بن بشر فعند ذلك ذكر (¬1) عكرمة ابن ~~بشر في مجلسه، وقال: ما فعل خزيمة بن بشر الأسدي؟ فقيل له: قد صار من سوء ~~الحال إلى ما لا يوصف. قال: فما وجد له من إخوانه كافيا ولا مواسيا؟ فقيل ~~له: واساه بعضهم ثم ملوه. فقال: واسوأتاه لهذه الأخلاق. ثم دعا خادما له ~~يثق به، وأمره أن يتعرف منزل خزيمة، ففعل ذلك، ثم أحضر قهرمانه وأمره أن ~~يأتيه بأربعة آلاف دينار. ففعل ذلك، فلما كان بعد هدأة من الليل دعا بذلك ~~الخادم، وأمره أن يحمل ذلك الكيس بين يديه. وركب دابته بغير ضوء ولا سراج، ~~وليس معه غير الخادم، وقصدا دار خزيمة حتى أوقفه الخادم على بابها، فأخذ ~~الكيس ووضعه على قربوس (¬2) سرجه، وأمر أن يبعد عنه الخادم، ثم قرع الباب ~~على خزيمة، ففتح وخرج إليه، فقال له عكرمة: أنت خزيمة بن بشر؟ قال: نعم، ~~أصلحك الله. # قال: خذ هذا فأصلح به من شأنك. فتناول منه الكيس، وقال له: من أنت جعلت ~~فداك؟ فقال: ما جئتك في ذا الوقت وأنا أريد أن تعلم من أنا. فأخذ بعنان ~~فرسه ms082 وقال: ما كنت لأقبل معروف من لم أعرفه. فأبى عكرمة، وألح عليه خزيمة، ~~فقال: أما إذ أبيت فأنا جابر عثرات الكرام. قال: زدني، جعلت فداك. قال: ما ~~عندي غير ذلك. وجذب عنان فرسه، وانصرف ودخل خزيمة منزله، فقالت له زوجته: ~~ما وراءك؟ فقال لها: قد أتانا الله بخير عظيم، فإن كان فلوسا فهي كثيرة، ~~فهل من سبيل إلى سراج؟ فقالت: # لا والله، مالي إليه من سبيل، ولا أقدر عليه. فحل الكيس، ولمس خشونة PageV01P203 # الدنانير، فلم يصدق لكثرتها، وبات بليلة طويلة. # ورجع عكرمة إلى منزله، وقد سألت عنه زوجته وهي ابنة عمه، فأخبرت أنه ركب ~~وليس معه أحد بغير ضوء ولا سراج. فقالت: أمير الجزيرة يركب في مثل هذا ~~الوقت على مثل هذه الحالة؟! والله ما ركب إلا لجارية اشتراها، أو امرأة ~~تزوجها، وبكت وشقت ثوبها، ولطمت وجهها. فدخل عليها عكرمة، وقال: ما وراءك؟ ~~فقالت: أمير الجزيرة يركب في مثل هذا الوقت على مثل هذه الحالة؟! والله، ما ~~ركبت إلا لجارية اشتريتها أو امرأة تزوجتها. فقال: والله، ما كان ركوبي ~~لشيء ظننتيه. فقالت: والله، لا أزال على هذا أو تخبرني بما ركبت له. ~~فأخبرها، فقالت: قد وقع لي أن الأمر كذلك كان. وسكتت. # ثم أصبح خزيمة وقد رأى ما أتاه به من الرزق، فعمد إلى السوق واشترى ~~الكسوة والخدم والدواب والفرش، وتجهز للمسير إلى سليمان بن عبد الملك وهو ~~يومئذ خليفة، وكانت له به حرمة متقدمة فوصل إليه وهو بفلسطين فلما وقف ~~ببابه استأذن عليه، فأذن له. فلما رآه قال: خزيمة بن بشر؟! قال: # نعم، خزيمة يا أمير المؤمنين. قال: ما الذي أبطأ بك عنا؟ قال: سوء الحال. ~~قال: فكيف قدرت الآن على الوصول؟ فأخبره بالقصة، فقال له: # فما عرفت الرجل؟ فقال: لا والله، يا أمير المؤمنين. فقال: والله، لو ~~عرفنا من هو لجبرنا منه أضعاف ما جبر منك. ثم دعا بقناة، وعقد له على ~~الجزيرة، وأمره بالخروج إليها. # فقيل لعكرمة: قد ولي خزيمة بن بشر البلد. فقال: بارك الله له ms083 فيها. # فلما قرب من البلد خرج الناس للقائه، وخرج عكرمة فيمن خرج. فلما دخل تقدم ~~إلى حاجبه أن يمنع عكرمة من الانصراف إلى منزله. ففعل به ذلك باقي يومه، ثم ~~دعا به من الغد وأمر بمحاسبته، فوجد عليه مالا كثيرا فقال: أد هذا المال. ~~فقال: ما هو عندي، أصلح الله الأمير، ولا أقدر عليه. فقال: PageV01P204 # لا بد من ذلك. فقال: والله، ما أنا ممن يصون ماله بعرضه ونفسه. فأمر به ~~إلى الحبس وثقله بالحديد، وضيق عليه في محبسه، فأقام في ذلك حتى أجهده ~~الأمر وبلغ منه الضر (¬1). # واتصل خبره بابنة عمه فدعت مولدة (¬2) لها ذات عقل وأدب وقالت لها: # امضي إلى باب الأمير، وقولي للحاجب: عندي نصيحة للأمير تسره. وإذا سألك ~~عنها فقولي: ما أخبر بها إلا الأمير. فإذا دخلت إليه فقولي: هذا جزاء جابر ~~عثرات الكرام منك؟ فبئس ما جزيته وكافيته بالحبس والضيق والحديد. # قال: فلما فعلت ذلك وقصت عليه القصة، فلما سمع ذلك قال: # وا سوأتاه، وكأنه هو (¬3)؟ قالت: إي والله. فأمر من وقته بدابته فأسرجت، ~~وبعث إلى وجوه أهل البلد فجمعهم، وأتى بهم إلى باب السجن، ففتح ودخل عليه ~~هو ومن معه، وإذا بعكرمة في قاع السجن متغيرا، وقد أضناه الضر. فلما نظر ~~إليه عكرمة وإلى الناس معه احتشمه، ونكس رأسه، وجعل يبكي. وأقبل خزيمة على ~~رجليه يقبلها (¬4)، وهو يبكي، وأقبل يقول: # وا سوأتاه من الله ومن الناس. فقال عكرمة: وما سبب هذا منك؟ قال خزيمة: # كريم فعلك، وسوء مكافأتي. فقال عكرمة: يغفر الله لنا ولك. ثم أمر الحداد ~~ففك القيد من رجله، وأخذ خزيمة يضع القيد في رجله، فقال عكرمة: أقسم بالله ~~لا تفعل. فخرجا جميعا إلى دار خزيمة، فودعه عكرمة وأراد الانصراف فلم يفعل ~~خزيمة. وأمر بالحمام فأخليت، ودخلا جميعا وخرجا، فخلع عليه وحمله إلى ~~منزله، وحمل إليه مالا كثيرا، ثم سار معه إلى داره، واستأذنه في الاعتذار ~~من ابنة عمه، واعتذر إليها وتذمم من ذلك، PageV01P205 # ثم إن خزيمة سأله أن يسير معه إلى الخليفة ms084 وكان بالرملة، فسارا جميعا حتى ~~قدما على سليمان فدخل الحاجب، فأعلمه بقدوم خزيمة فراعه ذلك، وقال: # والي الجزيرة يقدم بغير إذن، ما هذا إلا لحادث عظيم. # فلما دخل عليه قال له سليمان قبل أن يسلم عليه: ما وراءك يا خزيمة؟ قال: ~~خير يا أمير المؤمنين. قال: فما الذي أقدمك علينا؟ قال: ظفرت بجابر عثرات ~~الكرام، فأحببت أن يسرك لما رأيت من تلهفك وشوقك إليه. # قال: ومن هو؟ قال: عكرمة الفياض. فأذن له بالدخول، فدخل وسلم، وأدناه ~~ورحب به، فقال: يا عكرمة، ما كان إحسانك إليه إلا وبالا عليك. # فقال: لا والله يا أمير المؤمنين، أليس كان السبب إلى النظر إلى وجهك؟ ~~فقال: اكتب لنا بجميع حوائجك. ففعل، فأمر سليمان بقضاء ذلك كله، وأمر له ~~بعشرة آلاف دينار وسفطين (¬1) [من] ثياب، ثم أمر بإحضار قناة وعقد له على ~~الجزيرة وإرمينية وأذربيجان، وقال: أمر خزيمة إليك إن شئت أن تبقيه، وإن ~~شئت أن تعزله. قال: بل أرده على (¬2) عمله. ثم انصرفا فلم يزالا عاملين مدة ~~خلافة سليمان بن عبد الملك. # ثم تمام باب القناعة واليأس. # 512 - للشافعي: # ألا يا نفس إن ترضي بقوت ... فأنت عزيزة أبدا غنيه # دعي عنك المطامع والأماني ... فكم أمنية جلبت منيه # 513 - الخريمي: PageV01P206 # العيش لا عيش إلا ما قنعت به ... قد يكثر المال والإنسان مفتقر # يا حبذا لذة الدنيا وزهرتها ... لولا السقام ولولا الموت والكبر # 514 - البستي (¬1): # دعوني ورسمي في عفافي فإنني ... جعلت عفافي في حياتي ديدني # فأعظم من وقع اليدين على الفتى ... صنيعة بر نالها من يدي دني (¬2) # 515 - آخر: # أعز الناس نفسا من تراه ... يعز النفس عن ذل السؤال # ويقنع بالكفاف ولا يبالي ... بفضل فات من جدة ومال # فكم شقت ودقت واسترقت ... فضول العيش أعناق الرجال # 516 - وقيل: خير الغنى القنوع، وشر الفقر الخضوع. # 517 - أبو الفتح البستي: # يا آمري باقتناء المال مجتهدا ... كيما أعيش بمالي في غد رغدا # هبني بجهدي قد حصلت رزق غد (¬3) ... فمن ضميني بتحصيل الحياة غدا # 518 - وقال علي بن أبي طالب: ms085 من قنع بالرزق استغنى عن الخلق، ومن رضي ~~بالمقدور قنع بالميسور. PageV01P207 # 519 - بعضهم # أتظن رزقك تحتويه بقوة ... هيهات أنت بباطل مشغوف # رعت النسور بقوة جيف الفلا ... ورعى الذباب الشهد وهو ضعيف # 520 - آخر: # هون عليك بكون ما هو كائن ... قضي القضاء وجفت الأقلام # ما الرزق من عجز ولا بجلادة ... لكن بما سبقت به الأقسام # 521 - آخر: # هي القناعة لا تطلب بها بدلا ... لو لم ينلك سوى الترفيه في البدن # وانظر إلى من حوى الدنيا بأجمعها ... هل راح منها بغير القطن والكفن # 522 - وقال أردشير: إصلاح الشيم بالقناعة، ونمو الفضل بالعلم. # 523 - وسئل بزرجمهر عن الرزق فقال: إن كان قسم فلا تعجل، وإن لم يكن قد ~~قسم فلا تتعب. # 524 - الرزق يبغيك كما تبغيه # وأنت ميت حين تستوفيه # والدهر فيه أبدا وفيه # من لم يكن يغنيه ما يكفيه # فكل ما في الأرض لا يغنيه # 525 - وقال أرسطاطاليس في وصيته للإسكندر وعهده إليه: إذا أردت PageV01P208 # الغنى، فاطلبه في القناعة؛ فإنه من لم يكن له قناعة فليس المال مكفيه وإن ~~كثر. وقد قال أوميرس (¬1) الشاعر: # لا مال يكفي عند ترك القناعة # ولا خير في المرء إذا لم يكن قنوعا. # 526 - ومن وصية أكثم بن صيفي (¬2): من قنع بما هو فيه قرت عينه. # 527 - وقال بعض الحكماء الذين حضروا وفاة الإسكندر: من رأى هذا الشخص ~~فليقنع ويمسك عن طلب الرغائب، فإن عاجلها قاتل، وآجلها مهلك. # 528 - وقيل: أقل ما في القناعة الراحة. # 529 - أبو ذؤيب (¬3): PageV01P209 # والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع # 530 - ويقال: # العبد حر إذا قنع ... والحر عبد إذا طمع # 531 - منصور الفقيه المقرئ: # إذا القوت تأتى ل ... ك والصحة والأمن # وأصبحت أخا حزن ... فلا فارقك الحزن # 532 - وقيل: سأل عبد الملك بن مروان الهيثم بن الأسود (¬1): [ما] (¬2) ~~مالك؟ فقال: القوام من العيش، والغنى عن الناس. # 533 - وقال بشر بن الحارث: خرج فتى في طلب الرزق فبينما هو يمشي إذ أعيا، ~~فأوى إلى خراب يستريح فيه، فبينما هو يدير بصره، ms086 إذا وقعت عينه على بناء ~~فيه كتاب: # إني رأيتك قاعدا مستقبلي ... فعلمت أنك للهموم قرين # هون عليك وكن بربك واثقا ... وأخو التوكل شأنه التهوين PageV01P210 # طرح الأذى عن نفسه في رزقه (¬1) ... لما تيقن أنه مضمون # قال: فرجع الفتى إلى منزله، وقال: اللهم، أدبنا أنت. # 534 - وقال أبو حازم: ثلاث من كن فيه كمل عقله: من عرف نفسه، وملك لسانه، ~~وقنع بما رزقه ربه. # 535 - ومن أمثال الترك: انتقم من الحرص بالقناعة كما تنتقم من العدو ~~بالقصاص. # 536 - ووجد في كتاب لجعفر بن يحيى أربعة أسطر مكتوبة بالذهب: # الرزق مقسوم، والحريص محروم، والحسود مغموم (¬2). # 537 - وقال سعيد بن المسيب: من استغنى بالله احتاج إليه الخلق. # 538 - وكان يقال: ما قل وكفى خير مما كثر وألهى. # 539 - وقال الحسن البصري: الحريص الجاهد، والقانع الزاهد كلاهما مستوف ~~أكله غير منتقص شيئا قدر، فعلام التهافت في النار؟. # 540 - وقيل: ما استرق الرجل بأمر يشبه الطمع. # 541 - وكان يقال: أصل العفاف القناعة، وثمرتها الأحزان. # 542 - وكان يقال: من قنع مات فقره، والذي يقنط يموت وروحه في بدنه. # 543 - وقال بعض الحكماء: اليأس حر، والرجاء عبد. # 544 - وقال: ما الحرص بأذهب بعقول الرجال من الطمع. PageV01P211 # 545 - وقال بعض الحكماء: الغنى والعز خرجا فلقيا القناعة فاستترا. # 546 - وقال مجاهد (¬1): كان يقال: عز المؤمن استغناؤه عن الناس. # 547 - وقال إبراهيم بن أدهم (¬2): لا تجعل بينك وبين الله منعما، واعدد ~~النعم منهم عليك مغرما. # 548 - وخطب يوما عمر بن الخطاب، فقال: أيها الناس، من يئس من شيء استغنى عنه. # 549 - ويقال: الاستكثار من الدنيا بعد البلغة هو الحرص. # 550 - ولبعضهم: # إذا كنت تأتي المرء تعرف حقه ... ويجهل منك الحق فالترك أجمل # وفي الأرض منجاة، وفي الصبر راحة ... وفي اليأس عمن لا يوافيك مرحل (¬3) # 551 - وقيل: من رضي بالقليل من الرزق، رضي منه بالقليل من العمل. PageV01P212 # 552 - إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر # وقل من جد في أمر يطالبه ... واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر # **** PageV01P213 ### | AUTO الفصل السابع # في ms087 # مكارم الأخلاق والكرم # ومحاسن الأخلاق والشيم # 553 - قال عبد الملك بن مروان لأسماء بن خارجة الفزاري (¬1): بلغني عنك ~~أخلاق شريفة، فصفها لي. فقال: يا أمير المؤمنين، هي من غيري أحسن. فقال: ~~أقسمت عليك لتفعلن. فقال: يا أمير المؤمنين، ما قدمت ركبتي أمام جليسي قط؛ ~~كراهة أن يظن ذلك تطاولا مني عليه، ولا دعوت أحدا إلى طعامي إلا لم أزل ~~بفضله عارفا، ولا بذل رجل لي وجهه في حاجة فرأيت أن شيئا من الدنيا صغيرا ~~أو كبيرا عوضا عن بذل وجهه، ولا شتمني أحد أو سفه علي إلا حملته: إما أن ~~يكون لئيما فلا أساويه، أو كريما زل فأنا أحق باحتماله، أو نظيرا فأفضل ~~عليه بحلمي عنه. فضرب عبد الملك بيده على PageV01P214 # فخذه، وقال: حق لك أن تكون سيدا. # 554 - سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب ... وإن عظمت منه علي الجرائم # وما الناس إلا واحد من ثلاثة ... شريف ومشروف ومثل مقاوم # فأما الذي فوقي فأعرف فضله ... وألزم نفسي ظلمه وهو ظالم (¬1) # وأما الذي مثلي فإن زل أو هفا ... تفضلت إن الفضل بالعز حاكم (¬2) # وأما الذي دوني فإن قال منكرا ... أجانبه عرضي وإن لام لائم (¬3) # 555 - أبو بكر العروضي: # إذا لم يكن للمرء فضل ولم يكن ... يدافع عن أقوامه لم يسود # وكيف يسود القوم من هو مثلهم ... بلا منة منه عليهم ولا يد # 556 - وقيل: لما هرب يزيد بن المهلب من الحجاج حيث عزله عن خراسان، وغرمه ~~ستة آلاف ألف درهم، وقيده وطالبه بها، وعذبه، فهرب ليلا وكان أعد دوابا ~~ضمرا في مواضع من الطريق، فكان كلما وقفت به فرس استقبلته أخرى حتى قدم ~~فلسطين، فنزل على سليمان بن عبد الملك، فكتب سليمان إلى أخيه الوليد يعرفه ~~قدومه عليه، واستجارته به، ويسأله أن يؤمنه، وكتب: إن بعثت به إليك، قدمت ~~معه عليك، فأنشدك الله أن تفضحني أو تحقرني (¬4). فكتب إليه الوليد: لو ~~قدمت معه لم أؤمنه، فابعثه في وثاق. PageV01P215 # فقال يزيد لسليمان: ابعث بي إليه، والطف في الكتاب، فلست أحب أن أوقع ms088 ~~بينك وبين أخيك حربا. فبعث به إليه مع ابنه في سلسلة، فلما دخلا على الوليد ~~ونظر إلى ابن أخيه في الوثاق، فقال: والله، لقد أبلغنا من سليمان. # فقال الغلام: نفسي فداؤك، لا تخفرن ذمة أبي، فإنك أحق من منعها، ولا تقطع ~~[منا] رجاء من رجا السلامة بجوارنا لمكاننا منك، ولا تذلن من أمل العز في ~~انقطاعه إلينا بك. ثم دفع إليه كتاب أبيه، فلما وقف عليه، قال: لقد أشفقنا ~~على سليمان. وتكلم يزيد فأمنه، وأجلسه. # 557 - لخليلي علي مني ثلاث ... واجبات أبيحها إخواني # حفظه في المغيب إن غاب عني ... ولقاه بالبشر إن لاقاني # ثم بذلي لما حوته يميني ... مسعدا (¬1) في الخطوب أنى دعاني # هذه عادة الصديق فإن خان ... فعندي عوائد الإحسان # 558 - وقيل: من مكارم الأخلاق: الصون للعرض، والقيام بالفرض، والأخذ ~~بالفضل، والوفاء بالعهد، والإنجاز بالوعد. # 559 - وقيل: في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق. # 560 - وقال الأصمعي: سمعت [سيدا] (¬2) من قيس يقول لقومه: إنما أنا رجل ~~منكم، ليس لي فضل عليكم، ولكن أبسط لكم وجهي، وأبذل لكم مالي، وأحفظ ~~حريمكم، وأقضي حقوقكم، وأعود مرضاكم، وأتبع جنائزكم، فمن فعل هذا فهو مثلي، ~~ومن زاد عليه فهو خير مني، ومن قصر عنه فأنا خير منه. قيل له: فما حملك على ~~هذا؟ قال: أبعثكم على مكارم الأخلاق. PageV01P216 # 561 - وقال بزرجمهر: خير الناس أكرمهم عند الضيق (¬1)، وأعدلهم عند ~~الغضب، وأبعدهم من الظلم إذا قدروا، وأرحمهم إذا سلطوا، وأبسطهم وجها عند ~~المسألة، وأشكرهم على النعمة، وأصبرهم على الشدة. # 562 - وقيل لأنوشروان العادل: من أطول الناس عمرا؟ قال: من كثر معروفه ~~فشرف به عقبه، ومن كثرت معرفته فيتأدب به غيره. # 563 - وقيل أيضا لأنوشروان: من أشكر الناس؟ قال: من حمد على كل حال، ورضي به. # 564 - وقال عبد الملك لقومه: يا بني مروان، كفوا أذاكم، وابذلوا نداكم، ~~واعفوا إذا قدرتم، ولا تخلفوا إذا وعدتم. # 565 - وجاء قوم إلى سلم (¬2) بن قتيبة، فقالوا: جئناك فيما لا يشق عليك. ~~قال: هذه أبغض الحوائج إلي. # 566 - وروي عن الواقدي قال: ms089 كان لي صديقان أحدهما هاشمي [والآخر نبطي] ~~(¬3)، وكنا كنفس واحدة، فنالتني ضائقة شديدة، وحضر العيد فقالت لي امرأتي: ~~يا هذا، أما نحن فنصبر على البؤس والشدة، وأما صبياننا فقد قطعوا قلبي رحمة ~~لهم، لأنهم يرون (¬4) صبيان جيرانهم قد تزينوا في عيدهم، وأصلحوا من شأنهم، ~~وهم على هذه الحال، فلو احتلت في شيء PageV01P217 # نصرفه في كسوتهم. قال: فكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة علي بما ~~حضر. فوجه إلي كيسا مختوما، وذكر أن فيه ألف درهم. فما استقر قراره عندي ~~حتى كتب إلي الصديق الآخر يشكو إلي مثل ما شكوت إلى صاحبي. فوجهت إليه ~~بالكيس كهيئته، وخرجت إلى المسجد، فأقمت ليلتي مستحيا من امرأتي، فلما دخلت ~~عليها استحسنت ما كان مني، ولم تعنفني عليه، فبينما أنا كذلك إذا وافى ~~صديقي الهاشمي ومعه الكيس بحاله، وقال: # اصدقني عما [فعلته فيما] (¬1) وجهت به إليك. فعرفته الخبر على جهته (¬2)، ~~فقال: إنك وجهت إلي وما أملك على وجه الأرض غير الذي بعثت به إليك، وكتبت ~~إلى صديقنا أسأله المواساة، فوجه إلي بالكيس وهو بختمي. قال: # فتواسينا الألف درهم فيما بيننا أثلاثا بعد أن أخرجنا للمرأة مئة درهم. ~~ونما خبرنا إلى المأمون، فأمر لنا بسبعة آلاف دينار، لكل منا ألفا (¬3) ~~دينار، وللمرأة ألف دينار. # 567 - قال: وسأل معاوية خالد بن قيس عن الأحنف (¬4)، فقال خالد: # إن شئت أخبرناك به ثلاثة، وإن شئت اثنتين، وإن شئت واحدة. قال: هات ~~الثلاثة. قال: كان لا يشره، ولا يحسد، ولا يمنع. قال: هات الاثنتين. # قال: كان موفقا للخير، معصوما عن الشر. قال: فهات الواحدة. قال: # كان أقوى الناس سلطانا على نفسه. # 568 - وقال ثمامة بن أبي ثمامة: كنت في موكب يحيى بن خالد يوما إذ عرض له ~~رجل فسبه وذمه، فتبادرت إليه الحجاب ليوقعوا به. فقال لهم PageV01P218 # يحيى: دعوه، وكفوا عنه. ثم دعا به، وقال: أتعلم أني قادر على الإساءة ~~عليك؟ قال: نعم. قال: قدرتي تمنعني عنك. # 569 - وقال بعض أهل الفضل: إنه يعرض الإنسان (¬1) إلي حاجة، فأبادر إلى ~~قضائها مخافة ms090 أن يستغني عنها، فتذهب حلاوة الكرم. # 570 - وقال معاوية لعرابة بن أوس (¬2): بم سدت على قومك؟ قال: # بإعراضي عن جاهلهم، وإعطائي سائلهم، وإسراعي في حوائجهم. # 571 - وقال بعض العقلاء: ما ذللت إلا لأحد رجلين: رجل له عندي صنيعة، ~~ورجل لي عنده صنيعة، فأما الذي له عندي صنيعة فيذلني له الشكر، وأما الذي ~~لي عنده صنيعة فيذلني الخوف من فسادها. # 572 - وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: إذا أقبلت الدنيا عليك فأنفق، ~~فإنه لا يفنى، وإذا أدبرت، فأنفق فإنه لا يبقى. # وأخذ هذا المعنى شاعر فقال: # أنفق ولا تخش إقلالا فقد قسمت ... بين العباد مع الآجال أرزاق # لا ينفع البخل مع دنيا مولية ... ولا يضر مع الإقبال إنفاق # 573 - وقال المأمون: بلوت رعيتي بالكرم والسيف، فكان الكرم أنجع PageV01P219 # فيهم من السيف. # 574 - وقيل: ما استعبد الكريم بمثل الإكرام. # 575 - وسئل بعض مشايخ العرب: أي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟ قال: إدخال ~~السرور على قلوب الناس. قيل: فما بقي من لذاتك؛ قال: # التفضل على الإخوان. # 576 - وأوصى رجل بنيه، فقال: يا بني، اقصدوا العدل وما هو خير منه. ~~قالوا: وما هو الذي خير من العدل؟ قال: التفضل. # 577 - وقال الأصمعي: نزلت على رجل من جعدة في سنة مجاعة فقدم لي كسيرات ~~وتميرات، وأقبل يعتذر ويقول: إن الله عز وجل يقول في كتابه: # ما كلف الله نفسا فوق طاقتها ... ولا تجود يد إلا بما تجد (¬1) # فقلت: يا هذا، ليس هذا من كتاب الله، فقال: إنه حسن فألصقوه به. # 578 - إبراهيم بن هرمة: # قوم لهم شرف الدنيا وسؤددها ... صفوا على الناس لم يخلط بهم رنق (¬2) # إن حاربوا وضعوا أو سالموا رفعوا ... أو عاقدوا ضمنوا أو حدثوا صدقوا # 579 - وقال: أيها الناس، لا تملوا المعروف؛ فإن صاحبه يعوض خيرا: إما ~~شكرا في الدنيا، أو ثوابا في الآخرة. # 580 - وقال بعض أهل الكرم: ما أصبحت ذا صباح قط ولم أر ببابي أحدا يطلب ~~حاجة أو يستعين بي على أمر إلا وكان ذلك علي من ms091 المصائب التي PageV01P220 # أسأل الله العون عليها. # 581 - وقال بعض أهل الكرم: أيها الناس، لا يعدن أحدكم المعروف معروفا إذا ~~لم يخرج عنه وهو في إخراجه مسرور، والله لو رأيتم المعروف لرأيتموه حسنا ~~جميلا، ولو رأيتم البخل لرأيتموه قبيحا دميما، وأنشد: # ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو وأما وجهه فجميل # 582 - وسأل معاوية الأحنف بن قيس، فقال له: أنت سيد قومك؟ فقال: ألجأهم ~~الدهر إلي. فقال معاوية: هكذا تكون مخادعة الكريم وأهل الشرف. # 583 - وقيل: إن أخت شرف الدولة بن حمدان (¬1) خرجت من بلد قاصدة إلى ~~الموصل في هودج ومعها إماؤها وخدمها، فلقيها الصياد الشاعر البلدي في بعض ~~الطريق، فأنشدها: # ته كيف شئت وسر على مهل ... كل الجمال عليك يا جمل # وعلي أن لا تشتكي كللا ... ما دام فوقك هذه الكلل # فألقت إليه جميع ما عليها من الحلي والحلل، وكان ينيف على ثلاثة آلاف ~~دينار. فلما وصلت إلى الموصل وأخبر شرف الدولة بذلك عاتبها على فعلها، ~~وقال: الكرم في الرجال محمود، وفي النساء مذموم. قالت: # صدقت، بأعجازهن لا بأموالهن. فلم يحر جوابا. # 584 - ووصف بعض العرب صديقا له، قال: بلغ من كرمه على قومه أنه كان يعتذر ~~إليهم إذا جاد عليهم، ويشكرهم (¬2) إذا سلم منهم. # 585 - وقيل لبعض الحكماء: بأي خلة نكبت عدوك؟ قال: بأن أزداد PageV01P221 # فضلا في نفسي، وتفضلا على غيري. # 586 - وقيل إن رجلا زور عن الحسن بن سهل كتابا إلى بعض أصحابه وأوصله ~~إليه. وشك فيه، وأنفذه إلى صاحبه الحسن فكتب إليه وهو يعلم أن الكتاب مزور: ~~أما بعد، أما كان في كثرة نعمائنا عليك ما تصدق به مخيلة من توسل بنا إليك ~~وإن كان مبطلا، فكيف وهو محق؟ فلما وقف الرجل على الكتاب أحسن إلى موصله، ~~وقضى حوائجه وصرفه مسرورا. # 587 - وكان مخلد بن يزيد (¬1) من أجود أهل زمانه، فقال لأبيه: # ما الجود؟ فقال له أبوه: العطية لمن سأل. فقال: هذا ثمن السؤال. فقال له ~~أبوه: فما الجود يا بني؟ قال: العطية قبل السؤال. # 588 - أبو فراس ms092 بن حمدان: # ليس جودا عطية بسؤال ... قد يهز السؤال غير الجواد # إنما الجود ما أتاك ابتداء ... لم تذق فيه ذلة الترداد # 589 - وقيل: سأل رجل عبد الملك بن مروان الخلوة معه، فلما أخليا ابتدأ ~~الرجل يكلمه، فقال عبد الملك: إياك أن تمدحني، فإني أعرف بنفسي منك، أو ~~تكذبني فإني لا أرى الكذب، أو تسعى إلي بأحد فإن السعاية عندي كاسدة، وإن ~~شئت إقالتك أقلتك. قال: أقلني. قال: امض راشدا. # 590 - ووشى واش برجل إلى الإسكندر، فقال: أتحب أن أقبل منك PageV01P222 # فيه على أن أقبل منه فيك؟ قال: لا. قال: فكف عن الشر يكف عنك. # 591 - وقيل: قدم رجل رجلا في حكومة إلى زياد بن أبيه، فقال: # يا زياد، خصمي هذا يدل بخاصة منك. فقال زياد: صدق، وسأخبرك بما ينفعه ~~باختصاصه مني، إن يكن الحق له عليك، أخذتك به أخذا عنيفا، وإن يكن الحق لك ~~عليه قضيت لك عليه، ثم قضيت عنه. # 592 - وقيل: ولي محمد بن علي إرمينية، فاجتمع يوما إلى كاتبه جماعة ~~وقالوا: إن هاهنا ضياعا قد انقطعت، وحقوقا قد بطلت، وأموالا قد احتجنت. ~~فكتب رقعة بما ذكره القوم إلى محمد بن علي، فقرأها ووقع على ظهرها: قرأت ~~هذه الرقعة المذمومة وأنكرتها، وأنا أنهاك إلى مثلها، لأن سوق السعاية ~~عندنا كاسدة، وتجائرها بائرة، وألسنتهم في أيامنا معقولة. # فذم (¬1) التكشف والتتبع؛ فإنهما يعقبان ذما وإثما، وأجر الناس على ~~عوائدهم وقوانينهم، وسهل رسومهم التي جرت عادتهم بها؛ فإنا لم نرد إلى ~~ناحية لإحياء الرسوم العافية، والنظر في السنن الخالية، فإنما هي أيام تمضي ~~ومدة تنقضي، فإما ذكر جميل أو جزاء طويل، وإياك وقول جرير (¬2): # وكنت إذا حللت بدار قوم ... رحلت بخزية وكشفت عارا (¬3) # فأجهر الدعاء لنا ولا علينا، والسلام. # 593 - وقيل: شتم رجل الشعبي، فقال: إن كنت صادقا فغفر الله لي، وإن كنت ~~كاذبا فغفر الله لك. PageV01P223 # 594 - وقيل: دعا علي بن أبي طالب خادما له فلم يجبه، وهو يسمع، فلما ~~أتاه، قال: ما لك لم تجب دعوتي؟ قال: لأني أمنت ms093 عقوبتك. # فقال: الحمد لله الذي جعلني مأمن (¬1) عقوبتي. # 595 - وقال الرشيد لمعن بن زائدة: أعطيت على بيت من الشعر عشرين ألف درهم ~~(¬2)؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين، نالتني يدك فأحببت أن أريها الناس كثير ~~شكرها فيك، ويبقى ذكرها لك. فقال الرشيد: أعطوه على هذا الكلام ما أعطى على البيت. # 596 - وقيل: دخلت ابنة زهير على عائشة وعندها ابنة هرم (¬3) تسأل عائشة، ~~فقالت ابنة هرم لابنة زهير: أوما أعطى أبي أباك ما أغناه، وأغناك عن ~~المسألة؟! فقالت ابنة زهير: إن أباك أعطى أبي ما يفنى، وأبي أعطى أباك ما ~~يبقى، ثم قالت: # فإنك إن ذوقتني ثمن الغنى ... حمدت الذي أوليك من ثمن الشكر (¬4) PageV01P224 # وإن يفن ما تعطيه في اليوم أو غد ... فإن الذي أعطيك يبقى على الدهر # 597 - حدثني الشيخ الصالح أوحد الدين الكرماني (¬1) قال: كان بهراة (¬2) ~~رجل (¬3) قد خصه الله بتشبيه الخطوط، وحكاية خط من شاء، قال: فكتب هذا ~~الرجل توقيعا عن السلطان شهاب الدين الغوري (¬4)، صاحب هراة إلى النواب بها ~~بمبلغ خمس مئة دينار لنفسه، وحكى خط الكاتب، وتوقيع السلطان، وأحضره إلى ~~النواب، فلما وقف النائب عليه قبله وقبله بالسمع والطاعة، وهم ليوصله ~~المبلغ في وقته، فتناول الناظر التوقيع ليشاهده، وكان يعرف الرجل بالتزوير، ~~فلما شاهده شك فيه، وتقدم إلى النائب، وقال له مسرا: # المصلحة تأخير المبلغ إلى حيث معاودة السلطان في ذلك، فإن هذا الرجل ~~معروف بالتزوير. وكان السلطان منتزحا عن هراة في بعض حروبه، فقال له ~~النائب: تؤخرنا أياما إلى حين تحصيل المبلغ. فعلم الرجل أنه قد علم بحاله، ~~فقام وهو لا يعلم أين يهتدي، وركب لوقته وقصد السلطان، فلما وصل مخيمه طلب ~~الإذن في الحضور، فلما أذن له، طلب الخلوة، فلما خلا الموضع، قال: يا ~~مولانا، قد فعلت كيت وكيت، وذكر قصة التوقيع، وقد حضرت مقرا بذنبي، فإن ~~قتلتني فحق لك، وإن عفوت عني فبفضلك. PageV01P225 # فأطرق شهاب الدين مليا، وقال: اخرج؛ لأفكر في أمرك. فلما خرج أحضر الكاتب ~~وقال: اكتب كتابا للنواب بهراة، وقل لهم: نكتب ms094 توقيعا بخمس مئة دينار ~~تماطلوه بها، كيف جسرتم على فعل ذلك؟ ومرهم أن يعطوه المبلغ لوقته. # فحين كتب الكاتب التوقيع وقع عليه، وتركه بين يديه، وأمر أن يعطى الرجل ~~خلعة سنية، وبغلة بسرجها ولجامها، فلما أعطي ذلك أحضره بين يديه، وقال له: ~~ذنبك عظيم، والعفو عن مثلك من مكارم الأخلاق، ولكني لو أظهرت العفو عن جرمك ~~لكان سمة عليك وعلى عقبك إلى يوم القيامة، وأصعب من القتل، فيقال: هذا الذي ~~زور عن السلطان وعفا عنه، فتتسم بذلك مدى الأيام، ولكن خذ التوقيع، وامض خذ ~~المبلغ في كل سنة لك علينا بمثله. وكلما احتجت إلى شيء فعرفنا نوصله إليك، ~~ولا تعاود فعل شيء مما كان منك. فقبل الرجل الأرض بين يديه، ودعا له ~~بالبقاء، وأخذ التوقيع وعاد إلى هراة، وأوصله إلى النائب، فلما وقف عليه ~~أوصله المبلغ وصرفه مسرورا. # 598 - وقيل: أخذ مصعب بن الزبير رجلا من أصحاب المختار (¬1)، فأمر بضرب ~~عنقه، فقال: أيها الأمير، ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه ~~الحسنة، ووجهك هذا الجميل الذي يستضاء به فأتعلق بك، ثم PageV01P226 # أقول: يا رب، سل مصعبا فيم قتلني؟ فقال مصعب: قد عفوت عنك. # فقال: أيها الأمير، اجعل ما وهبت لي من حياتي في خفض، فإنه لا عيش ~~للفقير. فقال: ردوا عليه عطاءه، وأعطوه مئة ألف درهم. فقال: أشهد الله أني ~~قد جعلت نصفها لابن قيس الرقيات (¬1). قال: ولم ذلك؟ قال: لقوله فيك (¬2): # إنما مصعب شهاب من الل ... ه تجلت عن وجهه الظلماء # ملكه ملك رحمة ليس فيه ... جبروت ولا به كبرياء (¬3) # يتقي الله في الأمور وقد أف ... لح من كان همه الاتقاء (¬4) # فضحك مصعب وقال: إني أرى فيك موضعا للصنيعة. وجعله في جملة ندمائه، وأحسن صلته. # 599 - وقيل: كان داود كاتب أم جعفر (¬5) قد حبس وكيلا لها وجب لها عليه ~~مئتا ألف درهم، فكتب الوكيل إلى عيسى بن هلال (¬6)، وسهل بن PageV01P227 # الصباح وكانا له صديقين، ليسألهما الركوب إلى داود في أمره. فركبا ~~فلقيهما الفيض بن أبي صالح ms095 (¬1)، فسألهما عن خبرهما، فأخبراه، فقال: أتحبان ~~أن أكون معكما؟ فقالا: نعم. وصاروا إلى داود وكلموه في إطلاق الرجل، فقال: ~~أنا أكتب إلى أم جعفر. وكتب إليها يعلمها حضور القوم ومسألتهم. # فكتبت في الرقعة: أن تعرفهم ما وجب لنا من المال عليه، وتعلمهم أنه لا ~~سبيل إلى إطلاقه دون المال. فأقرأهم التوقيع، واعتذر إليهم. فقال عيسى ~~وسهل: قد قضينا حق الرجل، وقد أبت أم جعفر أن تطلقه إلا بالمال، فقوموا ~~ننصرف. فقال لهما الفيض: كأنا إنما (¬2) جئنا لنؤكد حبس الرجل!؟ قالا له: ~~فماذا نصنع؟ قال: نؤدي عنه المال. ثم أخذ الدواة، وكتب إلى وكيله بحمل ~~المال عن الرجل، ودفع الكتاب إلى داود، وقال له: قد أزحنا العلة في المال، ~~فادفع إلينا الرجل. فقال: لا سبيل إلى ذلك حتى أعرفها الخبر. # وكتب إليها بذلك فوقعت: أنا أولى بهذه المكرمة من الفيض، فاردد عليه ~~كتابه بالمال، وادفع إليه الرجل، وقل له: لا يعاود إلى مثل ما كان منه. # قال: ولم يكن الفيض يعرف الرجل، وإنما ساعد عيسى وسهلا على الكلام في أمره. # 600 - أراك تؤمل حسن الثناء ... ولم يرزق الله ذاك البخيلا # وكيف يسود أخو بطنة ... يمن كثيرا ويعطي قليلا # 601 - قال أرسطو: الأخلاق ثمان، وهي: من الناس من يفعل الخير PageV01P228 # طبعا وهي خلق الأحرار، ومنهم من يحسن إلى من أحسن إليه وهو خلق الشاكرين، ~~ومنهم من ينكر المحسن إحسانه وهو خلق كافري النعمة، ومنهم من يسيء إلى من ~~أحسن إليه وهو خلق الأنذال، ومنهم من يقترف الشر طبعا وهو خلق الحيوان ~~السمي، ومنهم من يسيء إلى من أساء إليه وهو خلق ذوي الحقد، ومنهم من يصبر ~~وإن أسيء إليه وهو خلق ذوي العقول، ومنهم من يحسن إلى من أساء إليه وذلك ~~خلق الملائكة العلويين. # 602 - من «أمالي ثعلب»: # همته في كل حالاته ... معونة الجار وفك العناه (¬1) # يحسن حتى يتمنى الذي ... أمسى مطيعا أنه في عماه # 603 - وأخبرت أن الملك الناصر صلاح الدين يوسف تغمده الله برحمته كان ~~نازلا بحلب، ووصله كتاب نائبه ms096 بمصر يذكر فيه أن أحد المعاملين عنده تخلف ~~عليه في حسابه نيف وعشرون (¬2) ألف دينار، وأنه هرب، ويسأل تطلبه من بلاد ~~الشام وغيرها، والبحث عنه. ولم يستتم قراءة الكتاب حتى دخل بعض الحجاب، ~~وقال: يا مولانا، فلان المبقى عليه المال بالباب. فقال صلاح الدين: النائب ~~بمصر قد يتطلبه، فليتوار (¬3) عنه، ولا يتوقع في يده. ولم يتعرض له. # 604 - وقيل: إن ابن حيوس (¬4) الشاعر قصد حلب، ومالكها يومئذ ابن PageV01P229 # صالح (¬1) فأقام بها مدة، ولم يتهيأ له مدح ابن صالح ولا الاجتماع به، ~~فقفل عن حلب، فلما سار عنها أخبر ابن صالح به، فأنفذ من رده، وتقدم إلى ~~القاصد أن يستعلم ما عنده من حمد أو ذم، فلما لحقه القاصد سأله عن صناعته، ~~قال: أقول الشعر والأدب. فقال له: لم لا مدحت الأمير مع محبته للأدب؟ قال: ~~لم أجد لي عنده وجها. قال: فهلا هجوته؟ قال: لم يسىء فأذمه، ولا أحسن ~~فأشكره، وإنما أنا صاحب سلعة إن نفقت عنده وإلا نفقت عند غيره. ثم أعاده ~~واجتمع بابن صالح، ومدحه بقصيدة أثابه عليها ألف دينار (¬2)، وأقطعه أقطاعا ~~تغل في كل سنة جملة، وأقام في خدمته، ثم درات دوائر الدهر، وتقلبت صروف ~~الزمان، وانقرض ملك آل صالح (¬3). # وملك حلب شرف الدولة (¬4)، وطلب ابن حيوس الحضور بين يديه وامتداحه، فقيل ~~لشرف الدولة: هذا لا ينشد شعره إلا وهو جالس، والأمير ملك عن كثب، ولا بد ~~من إقامة الحرمة. قال: فما الحيلة؟ قال: يفرش PageV01P230 # للأمير بساط (¬1) لا يفضل عنه، وإذا حضر ولم ير له ما يجلس عليه ينشد قائما. # فلما حضر ابن حيوس ورأى ذلك علم أنه قد عمل لأجله، فوقف قائما وأنشد (¬2): # ما أدرك العزمات مثل مصمم ... إن أحجمت أعداؤه لم يحجم # فلما بلغ إلى قوله: # أنت الذي نفق الثناء بسوقه ... وجرى الندى بعروقه قبل الدم # اهتز شرف الدولة، وحركته الأريحية العربية، فأوسع له في البساط، وأجلسه ~~إلى جانبه، وتمم إنشاده القصيدة، ثم سأل شرف الدولة عما أعطاه ابن صالح، ~~فقيل له: ألف دينار. فقال: ms097 ابن صالح مع بخله يعطيه ألف دينار! أعطوه ألفي ~~دينار. وضاعف أقطاعه، وأقام في خدمته، ثم توفي ابن حيوس وخلف مالا كثيرا ~~ولم يكن له وارث. فأشار بعض أصحاب شرف الدولة عليه بحمله إلى خزانته، فقال ~~له: يا ويلك، أتشير علي أن أعمد إلى مال قد سمحت به أكف الكرم، وجمع من ~~فضلات عطاياهم، فأحمله إلى خزانتي، اغرب عني، لا حاجة لي في خدمتك. ثم أمر ~~بحرز المال فبقي مدة محروزا، ثم بلغ شرف الدولة أن له ببلد الجزيرة بنت بنت ~~أخت (¬3) وهي غير مستحقة للميراث، فأمر بدفع المال إليها. PageV01P231 ### | AUTO الفصل الثامن # في # التقوى والأمانة # وقمع الهوى والديانة # 605 - قيل: أوصى بعض ملوك اليمن ولده، فقال: يا بني، أوصيك بتقوى الله، ~~فإنك إذا اتقيته رضي عنك، وإذا رضي عنك أرضاك. # 606 - وقيل لأبي هريرة رضي الله عنه: ما التقوى؟ قال: هل مشيت في أرض ~~فيها شوك؟ قال: نعم، قال: فكيف صنعت؟ قال: توقيته بجهدي. قال: فتوق الخطايا بجهدك. # 607 - وقيل: الشرف في ثلاث: التقوى والتواضع والكرم. # 608 - وقيل: من جعل التقوى زاده حل. . . . الدنيا (¬1) حيث تحب الخطيئة. PageV01P232 # 609 - ولست أرى السعادة جمع مال ... ولكن التقي هو السعيد # وتقوى الله خير الزاد ذخرا ... وعند الله للأتقى مزيد # وما لا بد أن يأتي قريب ... ولكن الذي يمضي بعيد # 610 - وقيل: من ترك الدنيا، وطلب الآخرة أعطاه الله خير الدنيا، ونعيم ~~الآخرة. # 611 - وقال لقمان لابنه: يا بني، اتخذ طاعة الله تجارة تأتك (¬1) الأرباح ~~من غير بضاعة. # 612 - وقيل لبعض النساك: على ماذا عولت في نسكك من الخصال الحميدة؟ قال: ~~على أربع. قيل: وما هن؟ قال: علمت أن لي ربا لا يدعني بلا رزق فوثقت به، ~~وعلمت أن لي أجلا فأنا أتوقعه، وعلمت أن علي فرضا فأنا أشتغل به، وعلمت أن ~~عين الله تراني حيثما كنت فأنا أستحي أن أفعل ما يكره. # 613 - وقيل: أوصى أسلم بن أفصى (¬2) بنيه فقال: يا بني، اتقوا ربكم في ~~الليل إذا [أ] دجى (¬3)، وفي النهار إذا ms098 أضحى يكفكم كل ما يخاف ويتقى، ~~وإياكم ومعصيته فإنه ليس وراءه لكم وزر (¬4)، ولا دونه معتصم. PageV01P233 # 614 - قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في خطبة: أيها الناس، اتقوا ~~الله اللطيف الخبير، الذي إن قلتم سمع، وإن أضمرتم علم، وبادروا الموت الذي ~~إن هربتم منه أدرككم، وإن أقمتم أخذكم. # 615 - وقال محمد بن عبد الرحمن الهاشمي صاحب صلاة الكوفة: # دخلت على والدتي يوم نحر، فوجدت عندها امرأة متكلمة برزة (¬1) في أثواب ~~رثة، فقالت لي والدتي: أتعرف هذه؟ هذه عتابة بنة [محمد أم جعفر] (¬2) بن ~~يحيى. فأقبلت عليها بوجهي، وأعظمتها وتحادثنا مليا، ثم قلت لها: # حدثينا أعجب ما رأيت. فقالت: يا بني، لقد أتى علي عيد مثل هذا وإن على ~~رأسي أربع مئة وصيفة، ولقد أتى علي هذا العيد وما منامي إلا على جلد شاتين ~~أفترش بالواحدة، وألتحف الأخرى (¬3). قال: فدفعت لها خمس مئة درهم، فكادت ~~تموت فرحا، ولم تزل تختلف إلينا حتى فرق الموت بيننا. # 616 - وقيل: حج عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلما كان بضجنان (¬4) قال: لا ~~إله إلا الله العلي العظيم، المعطي ما شاء لمن شاء، كنت أرعى إبل PageV01P234 # الخطاب في هذا الوادي في مدرعة صوف، وكان فظا يتعبني إذا [عملت]، ويضربني ~~إذا [قصرت] (¬1)، وقد أمسيت أمير المؤمنين (¬2). # **** PageV01P235 ### | AUTO الفصل التاسع # في # ذم الدنيا والزهادة فيها # وتقلب أحوالها بأهاليها # وما # قيل من تنبيه ووعظ # 617 - قيل لأعرابي: صف الدنيا. فقال: جمة المصائب، سريعة النوائب، كثيرة ~~العجائب. # 618 - وذكر المدائني قال: كتب مطرف إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: ~~أما بعد، فإن الدنيا دار عقوبة، لها يجمع من لا عقل له، وبها يغتر من لا ~~علم له، فكن فيها كالمداوي جرحه، واصبر على شدة [الدواء] (¬1)، PageV01P236 # لما تخاف من عاقبة الداء. # 619 - وقيل للحسن البصري: كيف ترى الدنيا؟ قال: شغلني توقع بلائها عن ~~الفرح برخائها. # 620 - وقال رجل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وهو يخطب: ~~صف الدنيا. فقال: ما أصف من دار ms099 أولها عناء، وآخرها فناء، في حلالها حساب، ~~وفي حرامها عقاب. من صح منها أمن، ومن مرض فيها ندم، ومن استغنى فيها فتن، ~~ومن افتقر فيها حزن. # 621 - أبو الفرج الساوي: # هي الدنيا تقول بملء فيها ... حذار حذار من بطشي وفتكي # فلا يغرركم حسن ابتسامي ... فقولي مضحك والفعل مبكي # 622 - وقيل: كتب [الإسكندر] (¬1) ملك الشرق والغرب لأرسطاطاليس: اكتب لي ~~بعظة موجزة تنفع وتردع. فكتب إليه: إذا استولت (¬2) عليك السلامة فجدد ذكر ~~العطب، وإذا أهنأتك العافية فحدث نفسك بالبلاء، وإذا اطمأن بك الأمن ~~فاستشعر الخوف، وإذا بلغت نهاية الأمل فاذكر الموت، وإذا أحببت نفسك فلا ~~تجعل لها في الدنيا نصيبا. PageV01P237 # 623 - ابن الرومي: # لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد # وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأفسح مما كان فيه وأرغد # 624 - لغيره: # أرى طالب الدنيا وإن طال عمره ... ونال من الدنيا سرورا وأنعما # كبان بنى بيتا له فأتمه ... فلما استوى ما قد بناه تهدما # 625 - وقيل: باع عبد الله بن العباس أرضا بثمانين ألفا، فقيل له: لو ~~اتخذت لولدك من هذا المال ذخرا. فقال: أنا أجعل هذا المال ذخرا عند الله، ~~وأجعل الله ذخرا لولدي، وقسم المال، وتصدق به. # 626 - وقيل: دخل عمرو بن عبيد (¬1) على المنصور، وكان إذا دخل أرسل إلى ~~المهدي ليسمع كلامه. فتكلم عنده إلى أن خرج إلى ذكر الشعر، فقال له ~~المنصور: أنشدني أبياتا حسانا. فقال (¬2): # يا أيهذا الذي قد غره الأمل ... ودون ما تأمل التنغيص والأجل (¬3) # أما ترى إنما الدنيا وزينتها ... كمنزل الحي دارا نمت فارتحلوا (¬4) # حتوفها رصد وعيشها نكد ... وصفوها كدر وملكها دول # تظل تقرع بالروعات ساكنها ... فما يسوغ لهم لين ولا جدل PageV01P238 # كأنها للمنايا والردى رصد ... تظل فيها بنات الدهر تنتضل (¬1) # يديره ما أدارته دوائرها ... منها المصيب ومنها المخطئ الزلل # والمرؤ يسعى وما يسعى لوارثه (¬2) ... والقبر وارث ما يسعى به الرجل # قال: فرأيت وجهه قد تغير، وقال: هكذا الدنيا. ومرض المنصور ثم برئ، وإذا ~~هاتف يهتف جوف الليل: # أتطمع أن تبقى ms100 وتترك سالما ... وهيهات ما للمرء في ذاك مطمع # ألم تر عادا كيف أضحت ديارها ... ومن بعد عاد كيف دمر تبع # 627 - وقيل: لبس سليمان بن عبد الملك في يوم جمعة من ولايته لباسا تشهر ~~به (¬3)، وتعطر، ودعا بتخت (¬4) فيه عمائم، وبيده مرآة فلم يزل يتعمم ~~بواحدة بعد أخرى حتى رضي بواحدة منها، وأرخى سدولها، وأخذ بيده مخصرة، وعلا ~~منبره (¬5) ناظرا في عطفيه، وجمع حشمه، وخطب خطبته التي أرادها، فأعجبته ~~نفسه، وقال: أنا الملك الوهاب الكريم المجاب (¬6). # فتمثلت له جارية من جواريه، وكان يتحظاها، فقال لها: كيف ترين أمير ~~المؤمنين؟ قال: أراه منى النفس، وقرة العين لولا ما قال الشاعر. قال: # وما قال؟ قالت: قال (¬7): # أنت نعم البقاء لو كنت تبقى (¬8) ... غير أن لا بقاء للإنسان PageV01P239 # ليس أنا يريبنا فيك عيب ... علم الله غير أنك فان (¬1) # فدمعت عيناه، وخرج إلى الناس، فلما عاد دعا (¬2) بالجارية، فقال: ألا ما ~~قلت لأمير المؤمنين؟ فقالت: ما رأيت أمير المؤمنين، ولا دخلت عليه. # فأكبر ذلك، ودعا بقية جواريه فصدقنها في قولها. فراع ذلك سليمان، ولم ~~يمكث بعدها قليلا حتى مات. # 628 - وقال هشام لأبي حازم: عظني. قال: آمرك بكلمتين ولك الجنة. فكان ~~متكئا فاستوى جالسا، قال: احتمال ما تكره فيما يحب الله، واجتناب ما تحب ~~فيما يكره الله. # 629 - وقيل: دخل أبو حازم الأعرج على سليمان بن عبد الملك، فقال له ~~سليمان: ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم عمرتم دنياكم، وأخربتم آخرتكم، ~~فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب. قال: فأخبرني كيف القدوم؟ قال: ~~أما المحسن فالغائب أتى أهله مسرورا، وأما المسيء فالعبد الآبق يأتي مولاه ~~محزونا. قال: فأي الأعمال أفرض؟ قال: أداء الفرائض مع اجتناب المحارم. قال: ~~فأي القول أعدل؟ قال: كلمة حق عند من تخاف وترجو. قال: فأي الناس أعقل؟. ~~قال: من عمل بطاعة الله. # قال: فأي الناس أجهل؟ قال من باع آخرته بدنيا غيره. قال عظني وأوجز. # قال: يا أمير المؤمنين، احذر (¬3) ربك أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث PageV01P240 # أمرك. فبكى ms101 سليمان بكاء شديدا، فلما خرج أبو حازم، أنفذ له بمال، فرده، ~~وقال للرسول: قل له: ما لا أرضاه لك كيف أرضاه لنفسي!؟ # 630 - ابن الجوزي الواعظ (¬1): # دار سوء أعطشت أحبابها ... وبحار الري فيها قد طمت # أرضعت أبناءها حتى إذا ... ما حلا الإرضاع منها فطمت # قبلت خاطبها حتى إذا ... عقد العقد عليها لطمت # 631 - وقيل: سعي إلى المتوكل بأبي الحسن علي بن محمد (¬2) أن في منزله ~~سلاحا وكتبا وغيرها من أهل قم وغيرهم من شيعته والقائلين بإمامته، وأنه قد ~~عزم بالخروج والوثوب بالدولة في دار الملك. فوجه المتوكل إليه ليلا بعدة من ~~الأتراك وغيرهم ممن هجم عليه في منزله على غفلة، فوجد في بيت مغلق عليه ~~وحده، وعليه مدرعة صوف من الشعر، ولا بساط في البيت إلا الرمل والحصى، وعلى ~~رأسه ملحفة من الصوف، وهو متوجه إلى ربه يتلو آيات الله تعالى في الوعد ~~والوعيد فأخذ كهيئة ما وجد عليه، وحمل إلى المتوكل في جوف الليل، والمتوكل ~~يشرب، وفي يده كأس، فلما رآه أعظمه وأجلسه إلى جانبه، ولم يكن وجد في منزله ~~شيء مما قيل عنه، ولا حالة يتعلق بها عليه (¬3). فناوله المتوكل الكأس PageV01P241 # الذي كان في يده. فقال: يا أمير المؤمنين، ما خامر لحمي ودمي قط فاعفني. ~~فأعفاه، ثم قال: أنشدني شعرا. فقال: إني لقليل الرواية للأشعار. فقال: لا ~~بد. فأنشده (¬1): # باتوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلب الرجال فلم تنفعهم القلل # واستنزلوا بعد عز من أماكنهم ... وأودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا # ناداهم صارخ من بعد ما قبروا ... أين الأسرة والتيجان والحلل (¬2) # أين الوجوه التي كانت منعمة ... من دونها تضرب الأستار والكلل (¬3) # فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم ... تلك الوجوه عليها الدود تقتتل # قد طالما أكلوا دهرا وما شربوا ... فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا # قال: فأشفق من حضر على علي بن محمد، وظنوا أن بادرة ستبدر إليه من ~~المتوكل، فو الله لقد بكى المتوكل بكاء طويلا حتى بل لحيته بدموعه، وبكى من ~~حضره، وأمر برفع الشراب، وقال: يا أبا الحسن، ms102 لقد لينت منا قلوبا قاسية، ~~وذكرتنا ما أنساناه النعم، فأقسم بالله عليك، أعليك دين؟ فقال: نعم، أربعة ~~آلاف درهم. فأمر بدفعها إليه، وأمر برده إلى منزله من ساعته مكرما. # 632 - عدي بن زيد العبادي: PageV01P242 # أيها الشامت المعير بالد ... هر أأنت المبرأ الموفور # أم لديك العهد الوثيق من ال ... أيام أم أنت جاهل مغرور # من رأيت المنون أخلدن أم من ... ذا عليه [من] أن يضام خفير (¬1) # أين كسرى الملوك أنوشروا ... ن أم أين قبله سابور # وبنو الأصفر الكرام ملوك الر ... وم لم يبق منهم مذكور # وأخو الحصن إذ بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور # شاده مرمرا وخلله كل ... سا فللطير في ذراه وكور (¬2) # لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور # وتذكر رب الخورنق (¬3) إذ أش ... رف يوما وللهدى تفكير # سره ماله وكثرة ما يم ... لك والبحر معرض والسدير (¬4) # فارعوى قلبه [وقال] (¬5) وما غب ... طة حي إلى الممات يصير # ثم بعد الحياة والملك والإم ... مة وارتهم هناك القبور (¬6) # ثم ساروا كأنهم ورق جف م ... فألوت به الصبا والدبور (¬7) # 633 - وقيل: بينما عيسى بن موسى (¬8) يساير أبا مسلم صاحب الدولة في PageV01P243 # مقدمه على المنصور، إذ أنشد عيسى (¬1): # لينهك (¬2) ما أفنى القرون التي مضت ... وما حل في أكناف عاد وجرهم # ومن كان أنأى منك عزا ورفعة ... وأنهد بالجيش اللهام العرمرم (¬3) # قال له أبو (¬4) مسلم: على ما أعطيتني عهدا لله يا أبا موسى؟ فقال: أعتق ~~ما يملك إن كان أرادك بما قال (¬5)، وإنما هو خاطر جرى على لساني. فقال: # ذكر شر يعظهم. # 634 - يا أيها الناس إن الدهر ذو دول ... يحلو قليلا ويأتي بالمرارات # لا تسرفوا إن رزقتم فيه مقدرة ... واخشوا تقلب أيام وساعات # 635 - وقيل: دخل مسلمة بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز في مرضته التي ~~مات فيها، فقال: ألا توصي يا أمير المؤمنين؟ قال: فيما أوصي، فو الله أنى ~~لي من مال (¬6). قال: فهذه مئة ألف دينار فمر فيها بما PageV01P244 # أحببت. قال: أو تقبل مني؟ قال: نعم. ms103 قال: فردها على من أخذتها منه ظلما. ~~فبكى مسلمة، ثم قال: يرحمك الله، لقد ألنت منا قلوبا قاسية، وأبقيت لنا في ~~الصالحين ذكرا # 636 - ألم تر أن الدهر يهدم ما بنى ... ويأخذ ما أعطى ويفسد ما أسدى # فمن سره ألا يرى ما يسوءه ... فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا # 637 - وقيل: إن المنصور كان جالسا بمدينته التي بناها، إذ جاء سهم فوقع ~~بين يديه، فذعر منه ذعرا شديدا ثم أخذه فجعل يقلبه وإذا مكتوب بين ~~الريشتين: # أتطمع في الحياة إلى التنادي ... وتحسب أن مالك من معاد # ستسأل عن ذنوبك والخطايا ... وتسأل بعد ذاك عن العباد # ثم قرأ عند الثانية (¬1): # أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتي به القدر # وساعدتك (¬2) الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر # ثم في الثالثة (¬3): # هي المقادير تجري في أعنتها ... فاصبر فليس لها صبر على حال PageV01P245 # يوما تريك خسيس الحال ترفعه ... إلى السماء ويوما تخفض العالي (¬1) # وإذا على جانب السهم مكتوب: همذاني رجل متهم (¬2) مظلوم في حبسك. # فبعث من فوره بعدة من خواصه، ففتشوا الحبس، والمطبق (¬3) فوجدوا شيخا في ~~بيت من الحبس فيه سراج تسرج، وعلى بابه بارية (¬4) مسبلة، وهو موثق بالحديد ~~متوجة نحو القبلة يردد هذه الآية وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ~~[الشعراء: 227] فسئل عن بلده، فقال: همذان. فحمل إلى بين يدي المنصور، ~~فسأله عن حاله، فذكر أنه رجل من أبناء مدينة همذان وأرباب نعمها، وأن عاملك ~~دخل بلدنا ولي ضيعة تساوي ألف ألف درهم، فأراد أخذها فامتنعت، فكبلني ~~بالحديد، وحملني إلى هنا، وكتب أني عاص. فقال له المنصور منذكم؟ قال: منذ ~~أربع (¬5) سنين. فأمر بفك قيوده عنه، والإحسان إليه، وأنزله أحسن منزل، ~~ورده إليه، وقال: يا شيخ، قد رددنا إليك ضيعتك بخراجها ما عشت وعشنا، وأما ~~مدينتك فقد وليناك عليها، وأما الوالي فقد حكمناك فيه، وجعلنا أمره إليك. ~~فجزاه الشيخ خيرا، ودعا له بالبقاء، وقال: أما الضيعة فقد قبلتها، وأما ~~الولاية فلا أصلح لها، وأما الوالي فقد عفوت عنه. ms104 فأمر له المنصور بمال ~~جزيل، واستحله وأعاده إلى بلده بعدما صرف الوالي وعاقبه على فعله. # 638 - وقيل: نزل النعمان بن المنذر تحت شجرة مؤنقة ليلهو هناك PageV01P246 # فتمايلت، وتحركت أغصانها، فقال له عدي: أيها الملك، أبيت اللعن، أتدري ما ~~تقول هذه الشجرة؟ قال: وما تقول؟ قال: تقول (¬1): # رب شراب أناخوا حولنا ... يمزجون الخمر بالماء الزلال # والأباريق عليها فدم (¬2) ... وعتاق الخيل تردي بالجلال # ثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر حال بعد حال (¬3) # قال: فبكى النعمان وتنغص عليه يومه. # 639 - وقيل: لما حج الرشيد، بينما هو سائر وهو على هودجه إذ وقعت عينه ~~على بهلول مع المشاة، فاستدعى به، وقال: يا بهلول، تشهى وتمنى. # فقال: على من؟ قال: علي. قال: تغفر لي؟ قال: لا قدرة لي على ذلك، ولا هو ~~في وسعي، ولا في طوقي. قال: فهب لي العافية. قال: ولا قدرة لي على ذلك. قال ~~بهلول: ما في الآخرة شيء أفضل من المغفرة، ولا في الدنيا شيء أفضل من ~~العافية، ولا أجل، وإذا لم تقدر عليهما فأي شيء أتمنى؟ قال: # تمن أن أعطيك وأقطعك. قال: كلانا في خرابة واحدة. وتركه وانصرف. # 640 - وقال جبرائيل لآدم: قل اللهم هب لي العافية كي تهنئني بالمعيشة، ~~واختم لي بالمغفرة حتى لا تضرني الذنوب. # 641 - وقيل: صار المغيرة بن شعبة وهو والي الكوفة إلى دير هند بنت ~~النعمان بن المنذر (¬4) وهي عمياء مترهبة، فاستأذن عليها، فقيل: أمير هذه PageV01P247 # المدرة (¬1) بالباب. قالت: فقولوا: من أولاد جبلة بن الأيهم أنت؟ قال: # لا. قالت: أفمن أولاد المنذر بن ماء السماء؟ قال: لا. قالت: فمن أنت؟ ~~قال: أنا المغيرة بن شعبة الثقفي. قالت: فما حاجتك؟ قال: جئتك خاطبا. قالت: ~~لو كنت جئتني لكمال أو جمال لأطلبتك ولكنك أردت أن تتشرف بي في محافل ~~العرب، وتقول: نكحت بنت النعمان، وإلا فأي خير في اجتماع أعور وعمياء؟ فبعث ~~إليها: كيف كان أمركم؟ قالت: سأختصر الجواب، أمسينا مساء وليس في الأرض ~~عربي إلا وهو يرغب إلينا فيرهبنا، وأصبحنا وليس في الأرض عربي ms105 إلا ونحن ~~نرهبه ونرغب إليه. # 642 - لا يغرنك عشاء ساكن ... قد يوافي بالمنيات السحر # 643 - وقال علي بن الهيثم: رأيت من تقلب الزمان، وتصاريف الدهر ما لم أر ~~مثله ولا أعجب منه: رأيت ثقل (¬2) الفضل بن الربيع على ألف بعير، ثم رأيت ~~جميع ما يملك في زنبيل، ونحن مستترون، وفيه أدوية له، ورأيت الحسن بن سهل ~~وكل ما يملك في زنبيل، ثم رأيت ثقله على ألف بعير. # 644 - هذا الزمان على ما فيه من كدر ... يحكي انقلاب لياليه بأهليه # غدير ماء تراءى في أسافله ... أشخاص قوم قيام في أعاليه PageV01P248 # 645 - وقال عبد الملك بن عمر الليثي: رأيت من تقلب أحوال الدنيا ما لم أر ~~أعجب منه: دخلت على عبد الملك بن مروان بالكوفة وهو جالس في بهو على سرير، ~~وبين يديه رأس مصعب بن الزبير، فلما رأيته قلت متعجبا: # لا إله إلا الله، رأيت من الزمان عجبا، تذكرت به عجيبا. فقال: وما ذاك؟ ~~قلت: رأيت عبيد الله بن زياد في هذا البهو جالسا على هذا السرير وبين يديه ~~رأس الحسين بن علي صلوات الله عليهما، ثم دخلت بعد ذلك على المختار وهو ~~جالس في هذا البهو على هذا السرير، وبين يديه رأس عبيد الله بن زياد، ثم ~~دخلت على مصعب في هذا البهو على هذا السرير، وبين يديه رأس المختار، وقد ~~دخلت عليك يا أمير المؤمنين، في هذا البهو على هذا السرير، وبين يديك رأس ~~مصعب بن الزبير. # فقال: لا إله إلا الله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنا لله ~~وإنا إليه راجعون. وقام مبادرا، ونزل عن السرير، وخرج من البهو، وأمر بهدمه لوقته. # 646 - لبعضهم: # ما جاءت الدنيا إلى أحد ... تركته ملتفتا إلى أحد # إن عرست في السبت مقبلة ... فطلاقها في ليلة الأحد # **** PageV01P249 # تم الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه على يدي أقل عباد الله، وأحوجهم ~~إلى رحمة الله تعالى، الراجي رحمة ربه ومغفرته أويس بن خليل بن علي بن محمد ~~بن إبراهيم بن حسن بن ms106 صالح المحمدي الأويراتي (¬1) عامله الله بألطافه ~~الخفية، وبلغه في الدارين غاية الأمنية، وغفر له ولوالديه ولإخوانه ~~ولأحبابه ولمشايخه وجميع المسلمين بمنه وسعة رحمته، وذلك بتاريخ نهار ~~الخميس المبارك سادس عشرين شهر ربيع الأول الأنور عام سنة تسع وثمانين ~~وثمان مئة، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ~~وأزواجه وذريته وسلم تسليما كثيرا، وأسألك اللهم بجاههم عندك عجائب لطفك في ~~أمورنا، وأن تنجينا ببركتهم من كل ظالم وسوء ومحنة، ومما نخافه ونحذره ~~برحمتك يا أرحم الراحمين إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وحسبنا الله ~~ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، يا فتاح يا رزاق يا ~~ودود. ms107