######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0037031 #META# 000.BookURI :: #0629.IbnNuqta.IfadaWaIctibar #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد اللطيف بن يوسف بن محمد بن علي البغدادي، موفق الدين، ويعرف بابن اللباد، وبابن نقطة (المتوفى: 629هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 629 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: البلدان والجغرافيا والرحلات #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0037031 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-37031 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/37031 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1286 هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مطبعة وادي النيل #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المقالة الأولى ### | الفصل الأول في # خواص مصر العامة # إن أرض مصر من البلاد العجيبة الآثار، الغريبة الأخبار، وهي واد يكتنفه ~~جبلان شرقي وغربي، والشرقي أعظمهما يبتديان من أسوان ويتقاربان بأسنا حتى ~~يكادا يتماسان، ثم ينفرجان قليلا قليلا، وكلما امتدا طولا انفرجا عرضا، حتى ~~إذا حاذيا الفسطاط كان بينهما مسافة يوم فما دونه، ثم يتباعدان أكثر من ذلك ~~والنيل ينساب بينهما ويتشعب بأسافل الأرض وجميع شعبه تصب في البحر المالح، # وهذا النيل له خاصتان: الأولى، بعد مرماه، فإنا لا نعلم في المعمورة نهرا ~~أبعد مسافة منه، لأن مباديه عيون تأتي من جبل القمر وزعموا أن هذا الجبل ~~وراء خط الاستواء بإحدى عشرة درجة، وعرض أسوان وهي مبدأ أرض مصر اثنتان ~~وعشرون درجة ونصف درجة، وعرض دمياط وهي أقصى أرض مصر إحدى وثلاثون درجة ~~وثلث درجة، فتكون مسافة النيل على خط مستقيم ثلاثا وأربعين درجة تنقص سدسا ~~ومساحة ذلك تقريبا تسعمائة فرسخ، هذا سوى ما يأخذ من التعريج والتوريب فإن ~~اعتبر ذلك تضاعفت المساحة جدا. # والخاصة الثانية، أنه يزيد عند نضوب سائر الأنهار ونشيش المياه، لأنه ~~يبتدئ بالزيادة عند انتهاء طول النهار وتتناهى زيادته عند الاعتدال ~~الخريفي، وحينئذ تفتح الترع وتفيض على الأراضي، وعلة ذلك أن مواد زيادته ~~أمطار غزيرة دائمة وسيول متواصلة تمده في هذا الأوان، فأن أمطار الإقليم ~~الأول والثاني إنما تغزر في الصيف والقيظ. # وأما أرض مصر فلها أيضا خواص منها، أنه لا يقع بها مطر إلا ما لا احتفال ~~به وخصوصا صعيدها، فأما أسافلها فقد يقع بها مطر جود لكنه لا يفي بحاجة # الزراعة، وأما دمياط والاسكندرية وما داناهما فهي غزيرة المطر ومنه ~~يشربون وليس بأرض مصر عين ولا نهر سوى نيلها. # PageV01P005 # ومنها أن أرضها رملية لا تصلح للزراعة، لكنه يأتيها طين أسود علك فيه ~~دسومة كثيرة يسمى الإبليز، يأتيها من بلاد السودان مختلطا بماء النيل عند ~~مده فيستقر الطين وينضب الماء فيحرث ويزرع، وكل سنة يأتيها طين جديد، ولهذا ~~يزرع جميع أراضيها ولا يراح شيء منها كما ms01 يفعل في العراق والشام، لكنها ~~يخالف عليها الأصناف، وقد لحظت العرب ذلك فأنها تقول: إذا كثرت الرياح جادت ~~الحراثة، لأنها تجيء بتراب غريب، وتقول أيضا: إذا كثرت المؤتفكات زكا ~~الزرع، ولهذه العلة تكون أرض الصعيد زكية كثيرة الأتاء والريع إذا كانت ~~أقرب إلى المبدأ، فيحصل فيها من هذا الطين مقدار كثير بخلاف أسفل الأرض، ~~فإنها أسافة مضوية إذا كانت رقيقة ضعيفة الطين، لأنه يأتيها الماء وقد راق ~~وصفا، ولا أعرف شبيها بذلك إلا ما حكي لي عن بعض جبال الإقليم الأول، أن ~~الرياح تأتيه وقت الزراعة بتراب كثير، ثم يقع عليه المطر فيتلبد فيحرث ~~ويزرع، فإذا حصد، جاءته رياح أخرى فنسفته حتى يعود أجود كما كان أولا، ~~ومنها أن الفصول بها متغيرة عن طبيعتها التي لها فإن أخص الأوقات باليبس في ~~سائر البلاد، أعني الصيف والخريف تكثر فيه الرطوبة بمصر بمد نيلها وفيضه ~~لأنه يمد في الصيف ويطبق الأرض في الخريف. # فأما سائر البلاد فأن مياهها تنش في هذا الأوان، وتغزر في أخص الأوقات ~~بالرطوبة - أعني الشتاء والربيع - ومصر إذ ذاك تكون في غاية القحولة واليبس ~~ولهذه العلة تكثر عفونتها واختلاف هوائها وتغلب على أهلها الأمراض العفنية ~~الحادثة عن أخلاط صفراوية وبلغمية، وقلما تجد فيهم أمراضا صفراوية خالصة، ~~بل الغالب عليهم البلغم حتى في الشباب والمحرورين، وكثيرا ما يكون مع الصفر # أخام، وأكثر أمراضهم في آخر الخريف وأول الشتاء لكنها يغلب عليها حميد ~~العاقبة، وتقل فيهم الأمراض الحادة والدموية الوحية، وأما أصحاؤهم فيغلب ~~عليهم الترهل والكسل وشحوب اللون وكمودته، وقلما ترى فيهم مشبوب اللون ظاهر ~~الدم، وأما صبيانهم فضاوون يغلب عليهم الدمامة وقلة النضارة وإنما تحدث لهم ~~البدانة والقسامة غالبا بعد العشرين. # وأما ذكاؤهم وتوقد أذهانهم وخفة حركاتهم، فلحرارة بلدهم الذاتية لأن ~~رطوبته عرضية، ولهذا كان أهل الصعيد أفحل جسوما وأجف أمزجة، والغالب عليهم ~~السمرة وكان ساكنو الفسطاط إلى دمياط أرطب أبدانا، والغالب عليهم البياض، # PageV01P006 # ولما رأى قدماء المصريين أن عمارة أرضهم إنما هي بنيلها، جعلوا أول سنتهم ~~أول الخريف ms02 وذلك عند بلوغ النيل الغاية القصوى من الزيادة. # ومنها أن الصبا محجوبة عنهم بجبلها الشرقي المسمى المقطم، فإنه يستر عنها ~~هذه الريح الفاضلة وقلما تهب عليهم خالصة اللهم إلا نكبا، ولهذا اختار ~~قدماء المصريين أن يجعلوا مستقر الملك منف ونحوها مما يبعد عن هذا الجبل ~~الشرقي إلى الغربي واختار الروم الإسكندرية وتجنبوا موضع الفسطاط، لقربه من ~~المقطم فإن الجبل يستر عما في لحفه أكثر مما يستر عما بعد منه، ثم إن الشمس ~~يتأخر طلوعها عليهم فيقل في هوائهم النضج ويبقى زمانا على نهوة الليل، ~~ولذلك تجد المواضع المنكشفة للصبا من أرض مصر أحسن حالا من غيرها ولكثرة ~~رطوبتها يتسارع العفن إليها، ويكثر فيها الفأر ويتولد من الطين والعقارب ~~وتكثر بقوص كثيرا ما تقتل بلبسها والبق المنتن والذباب والبراغيث تدوم ~~زمانا طويلا. # ومنها أن الجنوب إذا هبت عندهم في الشتاء والربيع وفيما بعد ذلك، كانت ~~باردة جدا ويسمونها المريسي لمرورها على أرض المريس وهي من بلاد السودان، ~~وسبب بردها، مرورها على برك ونقائع، والدليل على صحة ذلك أنها إذا دامت # أياما متوالية، عادت إلى حرارتها الطبيعية وأسخنت الهواء وأحدثت فيه ~~يبسا. ### | الفصل الثاني # فيما تختص به من النبات # من ذلك البامية وهي ثمر بقدر إبهام اليد كأنه جرأ القثاء شديد الخضرة، ~~إلا أن عليه زيبر مشوكا وهو مخمس الشكل، يحيط به خمسة أضلاع فإذا شق أنشق ~~عن خمسة أبيات بينها حواجز، وفي تلك الأبيات حب مصطف مستدير أبيض، أصفر من ~~اللوبيا هش يضرب إلى الحلاوة وفيه قبض ولعابية كثيرة يطبخ أهل مصر به اللحم ~~بأن يقطع مع قشوره صغارا ويكون طعاما لا بأس به، الغالب على طبعه الحرارة ~~والرطوبة، ولا يظهر في طبيخه قبض بل لزوجة. # ومن ذلك الملوخية ويسميها الأطباء الملوكية، ولعمري هي الخبازى البستاني، ~~والخطمي أيضا نوع من الخبازى البري، والملوخية أشد مائية ورطوبة من الخبازى ~~وهي باردة # PageV01P007 # رطبة في الأولى تزرع في الباقل ويطبخ لها اللحم، وهي كثيرة اللعابية ~~وتزرع أيضا بالشام قليلا ويطبخ بها عندهم في الندرة ms03 وهي ردية للمعدة، لكنها ~~تسكن الحرارة وتبرد ويسرع انحدارها لتزلقها، قال الإسرائيلي: رأيت نوعا ~~ثالثا من الخبازى يسمى بمصر ملوخية السودان، ويعرف بالعراق بالشوشنديبا ~~وقوته وفعله وسط بين الملوخية والخبازى، لأنه أقل غذاء من الملوخية وأكثر ~~من الخبازى، # ومن ذلك اللبخ وشجرته - كالسدرة - ريا نضرة وثمرته بقدر الخلال الكبار ~~وفي لونه، إلا أنه مشبع الخضرة كلون المسن، وما دام فجا ففيه قبض كما في ~~البلح فإذا نضج طاب وحلا وعادت فيه لزوجته، ونواته كنواة الأجاص أو كقلب ~~اللوزة بيضاء إلى الغبرة وتكسر بسهولة، فتنفلق عن لوزة ريا بيضاء لينة وإذا ~~بقيت # ثلاثة أيام ضمرت وصلبت، وكلما تطاول عليها الزمن اضمحل اللب وبقي القشر ~~فارغا أو كالفارغ، غير أنه لا يتشنج بل يتقلقل اللب فيه لسعة المكان عليه، ~~وتجد في طعم اللب مرارة ظاهرة ولذعا يبقى أثره في اللسان مدة، وقد حدثت على ~~أنه أحد ضروب الدند الثلاثة، فقد قال أرسطو وغيره أن اللبخ كان بفارس سما ~~قاتلا فنقل إلى مصر فصار غذاء، وقال نيقولاوس: وأما اللبخ فقد كان في أرض ~~فارس قاتلا فنقل إلى الشام وإلى مصر فصار جيدا مأكولا وهو قليل غال، وإنما ~~تكون في البلاد منه شجرات معدودات، وأما خشبه ففي غاية الجودة صلب حجري ~~وأسود وهو عزيز ثمين، وأهل مصر يحضرون اللبخ من الفواكه والأنقال - وقال ~~أبو حنيفة الدينوري: اللبخ شجرة عظيمة مثل الأثاب إذا عظم، وورقها كورق ~~الجوز ولها جنى كجنى الحماط مر إذا أكل أعطش وإذا شرب عليه الماء نفخ ~~البطن، وهو من شجر الجبال، ثم روى عن رجل من صعيد مصر أن اللبخ شجر عظام ~~أمثال الدلب، له ثمر أخضر يشبه الثمر حلو جدا، إلا أنه كريه جيد لوجع ~~الأضراس، قال: وإذا نشر أرعف ناشره وينشر فيبلغ ثمن اللوح خمسين دينارا ~~ويجعله أصحاب المراكب في بناء السفن لبعض العلل، وزعم أنه إذا ضم منه لوحان ~~ضما شديدا وجعلا في الماء سنة التحما وصارا لوحا واحدا، وأكثر ما حكاه ~~الدينوري لا أعرف صحته، وقال ابن ms04 سمجون: اللبخ يكون بمصر وثمرته جيدة ~~للمعدة وقد يوجد عليه صنف من الرتيلاء وورقه إذا جفف قطع الدم ذرورا، ~~والإسهال شربا، وفيها قبض بين، قال: وأما نوى ثمره، فيزعم أهل مصر أن أكله ~~يحدث صمما، # PageV01P008 # ومن ذلك الجميز وهو بمصر كثير جدا ورأيت منه شيئا بعسقلان والساحل، وكأنه ~~تين بري وتخرج ثمرته في الخشب لا تحت الورق ويخلف في السنة سبعة بطون ويؤكل ~~أربعة أشهر ويحمل وقرا عظيما وقبل أن يجيء بأيام يصعد رجل إلى # الشجرة معه حديدة يسم بها حبة حبة من الثمرة فيجري منها لبن أبيض، ثم ~~يسود الموضع وتحلو الثمرة بذلك الفعل، وقد يوجد منه شيء شديد الحلاوة أحلى ~~من التين، لكنه لا ينفعك في أواخر مضغه من طعم خشبية ما، وشجرته كبيرة ~~كشجرة الجوز العاتية ويخرج من ثمره وغصنه إذا فصد لبن أبيض إذا طلي على ثوب ~~أو غيره صبغه أحمر، وخشبه تعمر به المساكن ويتخذ منه الأبواب وغيرها من ~~الآلات الجافية وله بقاء على الدهر وصبر على الماء والشمس، وقلما يتآكل هذا ~~مع أنه خشب خفيف قليل اللدونة ويتخذ من ثمرته خل حاذق ونبيذ حاذ. # قال جالينوس: الجميز بارد رطب فيما بين التوت والتين وهو رديء للمعدة ~~ولبن شجرته له قوة ملينة تلصق الجراح وتفش الأورام ويلطخ على لسع الهوام، ~~ويحلل حساة الطحال وأوجاع المعدة ضمادا، ويتخذ منه شراب للسعال المتقادم ~~ونوازل الصدر والريه، وعمله بأن يطبخ في الماء حتى تخرج فيه قوته ويطبخ ذلك ~~الماء مع السكر حتى ينعقد ويرفع، وقال أبو حنيفة، ومن أجناس التين تين ~~الجميز وهو تين حلو رطب له معاليق طوال ويزبب، وضرب آخر من الجميز حملة ~~كالتين في الخلقة وورقه أصفر من ورق التين وتينه أصفر صغار وأسود ويكون ~~بالقور ويسمى التين الذكر، والأصفر منه حلو والأسود يدمي الفم وليس لتينه ~~علاقة بل لاصق بالعود. # ومن ذلك البلسان، فأنه لا يوجد اليوم إلا بمصر بعين شمس في موضع محاط ~~عليه محتفظ به مساحته نحو سبعة أفدنة وارتفاع شجرته نحو ms05 ذراع وأكثر من ذلك، ~~وعليها قشران الأعلى أحمر خفيف والأسفل أخضر ثخين، وإذا مضغ ظهر في الفم ~~منه دهنيته ورائحة عطرة وورقه شبيه بورق السنداب، ويجتني دهنه عند طلوع ~~الشعرى بأن تشدخ السوق بعد ما يحت عنها جميع ورقها وشدخها يكون بحجر يتخذ ~~محددا، ويفتقر شدخها إلى صناعة بحيث يقطع القشر الأعلى ويشق # الأسفل لا ينفذ إلى الخشب فإن نفذ إلى الخشب لم يخرج منه شيء، فإذا شدخه ~~كما وصفنا أمهله ريثما يسيل لثاه على العود فيجمعه بإصبعه مسحا إلى قرن ~~فإذا امتلأ صبه في قناني زجاج ولا يزال كذلك حتى ينتهي جناه وينقطع لثاه، ~~وكلما كثر الندى # PageV01P009 # في الجو كان لثاه أكثر وأغزر، وفي الجدب وقلة الندى يكون اللثا أنزر ~~ومقدار ما أخرج منه في سنة ست وتسعين وخمسمائة، وهي عام جدب، نيف وعشرون ~~رطلا، ثم تؤخذ القناني فتدفن إلى القيظ وحمارة الحر وتخرج من الدفن وتجعل ~~في الشمس، ثم تتفقد كل يوم فيوجد الدهن وقد طفا فوق رطوبة مائية وأثقال ~~أرضية، فيقطف الدهن ثم يعاد إلى الشمس ولا يزال كذلك يشمسها ويقطف دهنها ~~حتى لا يبقى فيها دهن فيؤخذ ذلك الدهن ويطبخه قيمه في الخفية لا يطلع على ~~طبخه أحدا ثم يرفعه إلى خزانة الملك، ومقدار الدهن الخالص من اللثا ~~بالترويق نحو عشر الجملة، وقال لي بعض أرباب الخبرة أن الذي يحصل من دهنه ~~نحو من عشرين رطلا ورأيت جالينوس يقول: أن أجود دهن البلسان ما كان بأرض ~~فلسطين وأضعفه ما كان بمصر، ونحن فلا نجد اليوم منه بفلسطين شيئا البتة، ~~وقال نيقولاس في كتاب النبات: ومن النبات ما له رائحة طيبة في بعض أجزائه ~~ومنها ما رائحته الطيبة في جميع أجزائه كالبلسان الذي يكون في الشام بقرب ~~بحر الزفت، والبير التي يسقى منها تسمى بير البلسم وماؤها عذب، وقال ابن ~~سمجون إنما يوجد في زماننا هذا بمصر فقط، ويستخرج دهنه عند طلوع كلب ~~الجبار، وهو الشعرى، وذلك في شباط ومقدار ما يخرج ما بين خمسين رطلا إلى ms06 ~~ستين ويباع في مكانه بضعفه فضة، وكانت هذه الحال قد كانت في زمن ابن سمجون، ~~وحكى عبد الرازق أن بدله دهن الفجل وهذا بعيد، والبلسان الدهني لا يثمر ~~وإنما تؤخذ منه فسوخ فتغرس في شباط فتعلق وتنمى وإنما الثمر للذكر البري ~~ولا دهن له ويكون بنجد وتهامة وباري العرب وساحل اليمن، # وبأرض فارس ويسمى البشام ويربى قشره قبل استخراج دهنه فيكون نافعا من ~~جميع السموم، وأما خواصه ومنافعه فالأليق بها غير هذا الكتاب. # ومن ذلك القلقاس، وهو أصول بقدر الخيار ومنه صغار كالأصابع يضرب إلى حمرة ~~خفيفة يقشر ثم يشقق على مثل السلجم وهو كشف مكتنز يشابه الموز الأخضر الفج ~~في طعمه وفيه قبض يسير مع حرافة قوية وهذا دليل على حرافته ويبسه، فإذا سلق ~~زالت حرافته جملة وحدث له مع ما فيه من القبض اليسير لزوجة مغرية كانت فيه ~~بالقوة، إلا أن حرافته كانت تخفيها وتسترها، ولذلك صار غذاؤه غليظا بطيء ~~الهضم ثقيلا في المعدة، إلا أنه لما فيه من القبض والغلاصة صار مقويا ~~للمعدة حابسا للبطن إذا لم يكثر منه، ولما فيه من # PageV01P010 # اللزوجة والتغرية صار نافعا من سجج المعا، وقشره أقوى على حبس البطن من ~~جرمه، لأن قبضه أشد ويطبخ في السماقية وغيرها فيعود في المرقة لزوجة يعافها ~~من لا يعتادها، ولكن إذا سلق وصبت سلاقته ثم قلي بالدهن حتى يتورد فلا بأس ~~به، والغالب على مزاجه الحرارة والرطوبة، ويظهر من حاله أنه مركب من ~~جوهرين: جوهر حار حريف يذهب بالطبخ، وجوهر أرضي مائي ينمو بالطبخ، وذلك كما ~~في البصل والثوم وما كان كذلك فهو نيئا دوائي ومطبوخا غذائي وقد رأيته ~~بدمشق لكن قليلا، ورأيته إذا يبس يرجع خشبيا كالقسطل سواء، وأما ورقه فورق ~~مستدير واسع على شكل خف البعير سواء، لكنه أكبر منه ويكون قطر الورقة ما ~~بين شبر أو شبرين، أو ورقة قضيب مفرد في غلظ الإصبع، وطول شبرين أو أزيد، ~~ونبات كل قضيب من الأصل الذي في الأرض، إذ ليس لهذا النبات ساق ولا ms07 ثمر ~~أيضا، وورق القلقاس، شديد الخضرة رقيق القشرة شبيه بورق الموز في خضرته ~~ونعومته ورونقه ونضارته، وقال ديوسقوريدس: إن لهذا النبات زهرا على لون ~~الورد، فإذا عقد، عقد شيئا شبيها بالحراب كأنه تفاحة الماء وفيه باقلي صغير # أصغر من الباقلي اليوناني يعلو موضعه المواضع التي ليس فيها باقلي فمن ~~أراد أن يزرعه قائما، يأخذ ذلك الباقلي ويصيره في كتل طين ويلقيها في الماء ~~فينبت، ورغم أنه يؤكل طريا ويابسا، فإنه يعمل منه دقيق يشرب كالسويق، ويعمل ~~منه حسو فيقوي المعدة وينفع من الإسهال المريء وسجوج الأمعاء، وأن الشيء ~~الأخضر الذي في وسطه المر الطعم إذا سحق وخلط بدهن وقطر في الأذن سكن ~~وجعها، # وقال الإسرائيلي: أما نحن فشاهدنا له زهرا، قال: ورأيت أصل هذا النبات ~~إذا خزن في المنازل وجاء وقت نباته تفرع من الباقلي اللاصق به فروع وأنبت ~~من غير أن يظهر له زهر ولا ثمر، لكن لون الباقلاء نفسها كلون زهر الورد، ~~لأنها حين تبرز وتأخذ في النبات يخرج ما يبرز منها حسن البياض يعلوه تورد ~~يسير، قال: وما وجدنا له جفافا يمكن معه أن يكون منه سويق ولا رأيناه السنة ~~كلها إلا رطبا مثل بصل النرجس وبصل الزعفران ونحوه، قال: ولم نر وسطه هذا ~~الأخضر الذي ذكره ديوسقوريدس ولا وجدناه السنة كلها إلا كالموز الأخضر، ~~أقول: كلا، بل الحق ما قاله ديوسقوريدس وأنه حتى يقبل السبحق ويمكن أن يتخذ ~~منه السويق وهذا رأيناه عيانا وأنه إذا جف لا فرق بينه وبين # PageV01P011 # الزنجبيل في المنظر، سوى أن القلقاس أكبر، وتجد في طعمه حدة ولذعا، وأقول ~~عن حدس صناعي مبدؤه المشاهدة والسماع أن القلقاس زنجبيل مصري أكسبته الأرض ~~رطوبة فقلت حرارته وحدته، كما أن الزنجبيل الزنجي والهندي أقوى وأحد من ~~اليمني، وأهل اليمن يطبخون به كما يطبخ المصريون القلقاس، لكن لا يستكثر ~~منه جدا، ولقد سألت جماعة التجار وأرباب المعرفة عن منبته باليمن وشكله، ~~فكلهم زعم أنه كالقلقاس، غير أن القلقاس أكبر وكذلك ورقه أكبر من ورق ~~الزنجبيل وقد ms08 شاهدته إذا يبس، لا فرق بينه وبين الزنجبيل في الصورة مع حدة، ~~ولذع يسير، # وقال له آخر أن نبات الزنجبيل يشبه نبات البصل، مع أن القلقاس يكون في ~~تلك البلاد وكأنه بستاني، وقال علي بن رضوان: القلقاس أسرع الأغذية استحالة ~~إلى السوداء، وقال غيره من أطباء مصر أن القلقاس يزيد في الباءة، وفي كل ~~نظر لا يليق بهذا الكتاب. # ومن ذلك الموز وهو كثير باليمن والهند ورأيته بالغور وبدمشق مجلوبا، ~~وكونه من فراخ تظهر من أصل شجرته كما تظهر الفسلان من النخلة، وتسمى ~~المثمرة الأم، فإذا أخذت ثمرتها قطعت هي أيضا وخلفها أكبر نباتها وترتفع ~~قامته إلى قامتين وكأنها نخلة لطيفة، وزعموا أن شجر الموز في الأصل مركب من ~~قلقاس ونوى النخل تجعل النواة في جوف القلقاسة وتغرس، وهذا القول وإن كان ~~ساذجا من دليل يشهد له فالحس يسوغه، وذلك أنه تجد لشجرته سعفا كسعف النخل ~~سواء، إلا أنك ينبغي أن تتخيل الخوص اتصل بعضه ببعض، حتى صار كأنه ثوب حرير ~~أخضر قد نشر أوراقه خضرا ترف ريا وطراءة، وكأن الرطوبة اكتسبها من القلقاس ~~والشكل اكتسبه من النخل، وأنت تعلم أن تشقق سعف النخل إلى الخوص إنما كان ~~من قبل اليبس الغالب على مزاج النخل، ولكثرة رطوبة الموز بقي سعفه متصل ~~الخوص ولم يتشقق، فعلى هذا يكون القلقاس له بمنزلة الماء، والنخل بمنزلة ~~الصورة، وأنت إذا تأملت خشب الموز وورقه بعد يبسه ألفيت به تلك الشظايا ~~والخيوط التي تجدها في جذع النخل وسعفه، إلا أنك تجدها مشوبة برطوبة قد ~~ألحمت بينها، وملأت فرجها وإن كان القلقاس لا ينفك من ذلك أيضا ويتبينه ~~آكله مقلوا، وأما الثمر فأنك تراه أعذاقا كأعذاق النخل قد تحمل شجرته ~~خمسمائة موزة فصاعدا، ويكون في منتهى العذق موزة تسمى الأم ليس فيها لحم ~~ولا تؤكل، وإذا شققت وجدت مؤلفة من قشور كالبصل كل قشرين منها متقابلان ~~يحتوي كل واحد منهما على نصفها طولا وتحت كل قشر عند القاعدة # زهر أبيض بقدر الفستق أو كزهر النارنج عدده ms09 إحدى عشرة في صفين لا ينقص عن ~~هذا العدد ولا يزيد إلا واحدا نادرا، فهذا القشر بمنزلة كفري الطلع، والزهر ~~بمنزلة الطلع نفسه وتنشق هذه القشور من تلقاء أنفسها على التدريج الأعلى ~~فالأعلى، فيظهر ذلك الزهر أبيض بمنزلة البلح وفيه رطوبة حلوة فيتساقط وتعقد ~~عنه الموزة صغيرة فإذا أخذت في النمو قليلا انشق قشر آخر على الرسم، ولا ~~يزال كذلك حتى ينتهي العذق، وتجد قشر الموزة كقشر الرطبة، إلا أنه غليظ جدا ~~بما اكتسبه من مادة القلقاس، ولحمها حلو فيه تفاهة كأنه رطب مع خبز ~~فالحلاوة له من الرطب والتفاهة من القلقاس، وأما شكلها ففي شكل الرطبة، إلا ~~أنها بقدر الخيارة الكبيرة تميل إلى الصفرة والبياض فالصفرة من الرطب ~~والبياض من القلقاس، وحيث ما يقطع يكون شديد الخضرة جدا لا يصلح للأكل فإذا ~~دفن أياما اصفر وصلح للأكل، ثم أنك تجده شحمة واحدة ليس فيها نوى ولا ما ~~يرمي سوى القشر فقط بل تراه كأنه قطعة خبيص ناعم المضغ يسترط بسهولة، وإذا ~~أنت تأملته في ضياء، ألفيت في وسطه حبا كثيرا أصفر من الخردل، يضرب إلى ~~السواد والشقرة شبيه بحب التين، لكنه في غاية اللين فهذا كأنه رسم نوى ~~الرطب، إلا أنه لزيادة رطوبته لان وتفرق واختلط باللحم، وإن ساغ معه في ~~الأكل، وله رائحة عطرة لا بأس بها فيها خمرة ما، والجشأ العارض لأكله بعد ~~أخذه في الهضم طيب الرائحة، وهو حار رطب، ورطوبته أزيد من حرارته وكأنه حار ~~في الأول رطب في الثانية يزيد في الماء ويدر البول ويحدث نفجا، ولا يبعد في ~~طبعه هذا عن الرطب إلا بكثرة رطوبته التي اكتسبها من القلقاس، فهذا إن كان ~~من تركيب الصناعة فقد صدق الخبر الخبر، وإن كان من تركيب الطبيعة فإن لها ~~أيضا تركيبات عجيبة متقنة من أصناف الحيوان والنبات، فتكون الموز من ~~جملتها، وقال أبو حنيفة: الموز معادته عمان وتنبت الموزة نبات البردية لها # عنفرة غليظة وورقة عريضة نحو ثلاث أذرع في ذراعين ليست بمنخرطة على نبات ~~السعف ms10 لكن شبه المربعة، وترتفع الموزة قامة باسطة ولا تزال فراخها تنبت ~~حولها واحدة أصغر من الأخرى، فإذا أجرت وذلك إدراك موزها، قطعت الأم حينئذ ~~من أصلها، وتؤخد قنوها ويطلع أكبر فراخها فيصير هو الأم # PageV00P000 # وتبقى البواقي فراخا لها ولا تزال على هذا أبد الدهر، ولذلك قال أشعب ~~لابنه فيما يروي عنه الأصمعي: يا بني لم لا تكون مثلي؟ فقال أنا مثل الموز ~~لا تصلح حتى تموت أمها، ومن نبات الموز إلى أثمارها شهران وبين أطلاعها إلى ~~أجرائها أربعون يوما، والموز موجود في أوطانه السنة كلها ويكون في القنو من ~~أقنائها ما بين ثلاثين موزة إلى خمسمائة موزة، ورأيت عند بعض تجار الهند ~~حصرا حسنة لطيفة موشاة ذات وجهين ألوانها أحسن الألوان وأصباغها زهر خالصة ~~كأنها ألوان الحرير، عرض الحصير منها نحو ذراعين ونصف وهو أسلة واحدة ليس ~~فيه وصل فجعلت أعجب من طول الأسل الذي يسمى بمصر السمار، فذكر لي أنه ليس ~~به وإنما هو متخذ من ورق الموز الهندي بأن يؤخذ العسيب فيشقق ويجفف ثم يصبغ ~~وينسج منه هذه الحصير، ويباع الحصير منها في المعبر بدينارين وفيها ما يباع ~~بدرهمين وأراني من كلا الصنفين. # وأما المحمضات فيوجد بأرض مصر منها أصناف كثيرة لم أرها بالعراق، من ذلك ~~أترج كبار يعز وجود مثله ببغداد، ومن ذلك أترج حلو ليس فيه حماض، ومن ذلك ~~الليمون المركب وهو أصناف أيضا، ويوجد فيه ما هو بقدر البطيخة ومن ذلك ~~الليمون المختم وهو أحمر شديد الحمرة أقنى حمرة من النارنج شديد الاستدارة ~~مفلطح من رأسه وأسفله مفضوخ فيها بختمين. # ومن ذلك ليمون البلسم وهو في قدر الإبهام وكالبيضة المطلولة، وفيه ما هو ~~مخروط صحيح يبتدئ من قاعدة وينتهي إلى نقطة، وأما لونه وريحه وشحمه # وحماضه فلا يغادر من الأترج شيئا. # وقد يوجد أترج في جوفه أترج بقشر أصفر أيضا، وخبرني صادق أنه وجد في جوف ~~أترجة سبع أترجات صغار كل واحدة يحيط بها قشر تام والذي رأيته أنا أترجة في ~~جوفها أترجة ليست تامة، ms11 وقد رأيت منه شيئا بالغور وهذا الأترج المداخل إنما ~~يكون في ذي الحماض، ثم أن هذه الأنواع يركب بعضها على بعض فيتولد منها ~~أصناف كثيرة جدا. # ومن ذلك صنف من التفاح يوجد بالإسكندرية ببستان واحد يسمى بستان القطعة ~~وهو صغار جدا قاني الحمرة، وأما رائحته فتفوق الوصف وتعلو على المسك وهو ~~قليل جدا. # وأما القرط فيسمى بالعراق الرطبة وبالشام الفضة وبالفارسية أسفست. # PageV01P014 # وأما النخل فكثير، لكن إذا قيست ثمرته بثمرة نخل العراق وجدت كأنها قد ~~طبخت طبخة، خرج بها معظم حلاوتها وبقيت ناقصة القوة، ومما يسميه أهل العراق ~~القسب يسميه أهل مصر التمر، وأما التمر بالعراق فيسمونه العجوة وقلما تجد ~~عندهم ما يشابه تمر العراق إلا نادرا ويكون ذلك نخيلا معدودة تهدى تحفة. # وأما الماش هو المج، فلا يزرع بمصر أصلا وإنما يوجد عند العطارين مجلوبا ~~من الشام ويباع بالأواقي للمرضى، وأما الذرة والدخن فلا يعرفان بمصر اللهم ~~إلا بالصعيد الأعلى وخاصة الدخن، # ومما تختص به مصر الأفيون وهو يجتني من الخشخاش الأسود بالصعيد وكثيرا ما ~~يغشه جناته، وربما غشوه بالعذرة وعلامة الخالص منه أن يذوب في الشمس ويقد ~~في السراج بلا ظلمة، وإذا طفي تكون رائحته قوية والمغشوش يسوس سريعا، ~~وأرسطو ينهى عن خلطه بدواء العين والأذن لأنه يعمي ويصم. # ومن ذلك الأقاقيا، وهو عصارة ورق شجر القرظ وثمره يستخرج ماؤه بالدق # والعصر، ويجعل في أوان مرحرحة تلقاء الشمس حتى يغلظ ثم يقرص، هذا هو ~~الخالص الخاص، وأما العام يجلب إلى البلاد، فأنه يؤخذ القرظ فيطحن ويعجن ~~بماء الصمغ ثم يقبض ويختم ويجفف، وشجرته هي السنط وتسمى الشوكة المصرية، ~~وورقها هو القرظ بالحقيقة ويدبغ به الجلود، وعصارة القرظ التي يتخذ منها ~~الأقاقيا تسمى رب القرظ ونساء مصر يشربن عصارته ونقيعه للإسهال. # والسنط شجر عظام جدا، له شوك كثير حديد صلب أبيض، وله ثمر يسمى خروب ~~القرظ مدور مسطوح مشاكل لحب الترمس، إلا أنه متصل كقرون اللوبيا وفي داخله ~~حب صغار، وإذا اتخذ الأقاقيا من القرظ قبل كمال نضجه كان ms12 أكثر قبضا وأقوى ~~على حبس الطبيعة، وإذا اتخذ مما استحكم نضجه، لم يقو على حبس البطن، ~~وعلامته أن يكون شديد السواد مشرق اللون، وقال الدينوري: القرظ شجر عظام ~~كشجر الجوز وخشبه صلب كالحديد وإذا قدم اسود كالأبنوس، وورقه يشبه ورق ~~التفاح، وله حبلة مثل قرن اللوبيا داخلها حب يوضع في الموازين، ويدبغ بورقه ~~وثمره، ومنابته القيعان والجبال وحبلة القرظ أصغر من علف الطلح، وإذا رعته ~~الإبل احمرت أفواهها وأدبارها حتى أبعارها، فتحسبها عصفرا قد جمع وتسمن ~~عليه، وما كان من القرظ # PageV01P015 # بأرض مصر فهو السنط وهو ذكي الوقود قليل الرماد، وله برمة صفراء ليس لها ~~رائحة زكية كبرم العراق. # ومن ذلك الفقوص وهو قثاء صغار لا يكبر ولا يعدو أطوله الفتر وأكثره في ~~طول الإصبع، وهو أنعم من القثاء وأحلى ولا شك في أنه صنف منه وكأنه ~~الضغاييس، أما القتد فهو الخيار، ويوجد بمصر بطيخ يسمى العبدلي والعبدلاوي، ~~قيل أنه نسب إلى عبد الله بن طاهر والي مصر عن المأمون. # وأما المزارعون فيسمونه البطيخ الدميري، منسوبا إلى دميرة قرية بمصر له ~~أعناق ملتوية وقشره خفيف وطعمه مسخ قلما يوجد فيه حلو، ويندر فيه ما وزنه # ثلاثون رطلا وأكثر، والغالب عليه ما بين رطل إلى عشرة أرطال، وأهل مصر ~~يستطيبونه على البطيخ المولد المسمى عندهم بالخراساني والصيني ويزعمون أنه ~~نافع، ويأكلونه بالسكر وطعمه أشبه شيء بالصنف المسمى بالعراق الشلنق: لكنه ~~ألذ منه وأنعم وشكله شكل يقطين العراق، إلا أن لونه حسن الصفرة جدا وفي ~~ملمسه حراشة وتخييش، وصغاره قبل أن تبلغ تكون كلون اليقطين وشكله وكطعم ~~القثاء، لها بطون وأعناق، وتباع بالفقوص وتسمى العجوز، وأخبرني مزارعه أن ~~العادة جارية بأن ينقى حقله كل يوم، فما يرى مزارعه أن يقطعه صغيرا أخضر ~~قطعه وباعه بالعجور، وما يرى أنه يتركه حتى يكبر ويبلغ ويصفر كان منه ~~البطيخ العبدلي، وقلما تجد في بطيخ مصر ما هو صادق الحلاوة، لكنه لا يوجد ~~فيه مدود ولا فاسد بل الغالب عليه التفاهة المائية، وجميع أصناف البطيخ بها ms13 ~~يباع بالميزان سوى البطيخ الأخضر، وأما البطيخ الأخضر، فإنه يسمى بالغرب ~~الدلاع وبالشام البطيخ الرنشي وبالعراق البطيخ الرقي، ويسمي أيضا الفلسطيني ~~والهندي، وأما اليقطين الذي يقصره الجمهور على الدباء، فيكون بمصر مستطيلا ~~وفي شكل القثاء ويبلغ في طوله إلى ذراعين وفي قصره إلى شبر، وأما الباقل ~~الأخضر المسمى عندهم بالفول، فإنه يتواصل نحو ستة أشهر، وكذلك الورد ~~والياسمين يدوم جميع السنة ولا تزال شجرته مزهرة، ومنه أبيض وأصفر والأبيض ~~أكثر وأعطر، ومنه يتخذ دهن الزنبق بدمياط خاصة، وكذلك الليمون وإنما يقل ~~ويكثر فقط، والبنفسج بمصر عطر جدا، لكن لا يحسنون اتخاذ # PageV01P016 # دهنه ولا معجونه، فلا بأس به وإن كان رديا، وأما رمانها ففي غاية الجودة، ~~إلا أنه ليس بصادق الحلاوة. # وأما القراسيا، فلا يوجد بمصر بل بالشام وبلاد الروم وغيرهما، وإنما بمصر ~~صنف من الأجاص صغار حامض يسمونه القراسيا ومثل هذا الصنف بدمشق يسمونه خوخ ~~الدلب، لأن الأجاص بالشام يسمى خوخا والخوخ دراقنا والكمثرى # أجاصا. # ومما يكثر بمصر شجر خيار شنبر وهو شجر عظام شبيه بشجر الخروب الشامي، ~~وزهره كبير أصفر ناضر ذو رواء وبهجة، فإذا عقد تدلى ثمره كالمقارع الخضر، ~~وبها شجر اللوز، والسدر بها كثير وثمره النبق حلو جدا، والتيل يكثر بها ~~ولكنه دون الهندي. ### | الفصل الثالث # فيما تختص به من الحيوان # من ذلك حضانة الفراريج بالزبل، فإنه قلما ترى بمصر فراريج عن حضان ~~الدجاجة وربما لم يفرقوه أيضا، وإنما ذلك عندهم صناعة ومعيشة يتجر فيها ~~ويكتسب منها وتجد في كل بلد من بلادهم مواضع عدة تعمل ذلك، ويسمى الموضع ~~معمل الفروج، وهذا المعمل ساحة كبيرة يتخذ فيها من البيوت التي يأتي ذكرها ~~ما بين عشرة أبيات إلى عشرين بيتا في كل بيت ألفا بيضة ويسمى بيت الترقيد، ~~وصفته أن يتخذ بيت مربع طوله ثمانية أشبار في عرض ستة في ارتفاع أربعة، ~~ويجعل له باب في عرضه سعته شبران وعقد في مثله وتجعل فوق الباب طاقة ~~مستديرة قطرها شبر، ثم تسقف بأربع خشبات وفوقها سدة قصب يعني نسيجا ms14 منه ~~وفوقه ساسي وهو مشاقة الكتان وحطبه، ومن فوق ذلك الطين ثم يرصص بالطوب ~~ويطين سائر البيت ظاهره وباطنة وأعلاه وأسفله، حتى لا يخرج منه بخار وينبغي ~~أن تتخذ في وسط السقف شباكا سعته شبر في شبر فهذا السقف يحكي صدر الدجاجة، ~~ثم تتخذ حوضين من الطين المخمر بساسي طول الحوض ستة أشبار وعرضه شبر ونصف ~~وسمكه عقدة إصبع وحيطانه نحو أربع أصابع، ويكون هذا الحوض لوحا واحدا تبسطه ~~على أرض معتدلة، هذا الحوض يسمى الطاجن فإذا جف الطاجنان ركبتهما على طرف ~~السقف أحدهما على وجه الباب والآخر قباله على الطرف الآخر تركيبا محكما، ~~وأخذت وصولهما بالطين آخذا # PageV01P017 # متفقا وينبغي أن يكون قعود الطاجنين على خشب السقف بحيث يماسانه، وهذان ~~الطاجنان تحاكي بهما جناحا الدجاجة، ثم يفرش البيت بقفة تبن ويمهد ويفرش ~~فوقه ضب أو ديس، يعني حصيرا برديا على مقداره سواء، ثم يرصف فوقه البيض ~~رصفا حسنا بحيث يتماس ولا يتراكب لتتواصل الحرارة فيه، ومقدار # ما يسع هذا البيت، المفروض ألفا بيضة وهذا الفعل يسمى الترقيد وإن ضاقت ~~الحضانة تبتدئ وتسد الباب بأن ترسل عليه لبدا مهندما، ثم تسد الطاقة بساسي ~~والشباك أيضا بساسي وفوقه زبل حتى لا يبقى في البيت منفس للبخار، وتلقي في ~~الطاجنين من زبل البقر اليابس قفتين وذلك ثلاث ويبات وتوقد فيه نار سراج من ~~جميع جهاته وتهمله ريثما يرجع رمادا وأنت تتفقد البيض ساعة بعد أخرى بأن ~~تضعه على عينك، وتعتبر حرارته، وهذا الفعل يسمى الذواق فأن وجدته يلذع ~~العين قلبته ثلاث تقليبات في ثلاث دفعات تجعل أسفله أعلاه وأعلاه أسفله، ~~وهذا يحاكي تقليب الدجاجة للبيضة بمنقارها وتفقدها إياها بعينها وهذا يسمى ~~السماع الأول، فإذا صار الزبل رمادا أزلته وتركته بلا نار إلى نصف النهار ~~إن كان ترقيده بكرة، وإن كان ترقيده من أول الليل حرسته إلى أن تحمي وتسمع ~~النار كالسياقة المتقدمة ثم تخلي الطاجنين من النار إلى بكرة، ثم تجعل في ~~الطاجن الذي على باب البيت من الزبل ثلاثة أقداح وفي الطاجن ms15 الذي على صدر ~~البيت قدحين ونصفا، ومد الزبل بمرود غليظ واطرح في كل منهما النار في ~~موضعين منه وكلما خرجت من البيت بعد تفقده فارخ الستر، وإياك وأن تغفل عنه ~~لئلا يخرج البخار ويدخل الهواء فيفسد العمل، وإذا كان وقت العشاء وصار ~~الزبل رمادا ونزل الدفء إلى البيض، أسفل البيت، فغير الرماد من الطاجن بزبل ~~جديد مثل الأول، وأنت كل وقت تلمس البيض وتذوقه بعينك، فإن وجدت حرارته ~~زائدة عن الاعتدال تلذع العين، فاجعل مكان ثلاثة أكيال لطاجن الباب كيلين ~~وربما، وفي طاجن الصدر كيلين فقط ولا تزال تواصل تغيير الرماد وتجديد الزبل ~~والإيقاد حتى لا ينقطع الدفء مدة عشرة أيام بمقدار ما تكمل الشخوص بمشيئة ~~الله وقدرته، وذلك نصف عمر الحيوان، ثم تدخل البيت بالسراج وترفع البيض ~~واحدة واحدة وتقيمها بينك وبين السراج، فالتي تراها سوداء ففيها الفرخ، ~~والتي تراها # شبه شراب أصفر في زجاج لا عكر فيه فهي لاح بلا بذر وتسمى الأرملة # PageV01P018 # فأخرجها بلا منفعة فيها، ثم عدل البيض في البيت بعد تنقيته وأخرج اللاح ~~عنه وهذا الفعل يسمى التلويح، ثم تصبح بعد التلويح تنقص الزبل من العيار ~~الأول ملء كفك من كل حوض بكرة ومثله عشية حتى ينصرم اليوم الرابع عشر ولم ~~يبق من الزبل شيء، فحينئذ يكمل الحيوان ويشعرن ويتفتح، فاقطع إذ النار عنه ~~فأن وجدته زائد الحرارة يحرق العين فافتح الطاقة التي على وجه الباب وأبقها ~~كذلك يومين ثم ذقه على عينك فأن وجدته غالب الحرارة، فافتح نصف الشباك وأنت ~~مع ذلك تقلبه وتخرج البيض الذي في الصدر إلى جهة الباب والبيض الذي في جهة ~~الباب ترده إلى الصدر حتى يحمى البارد الذي كان في جهة الباب ويستريح الحار ~~الذي في الصدر، يشم الهواء فيصير في طريقة الإعتدال ساعة يحمي وساعة يبرد، ~~فيعتدل مزاجه وهذا الفعل يسمى الحضانة كما يفعل الطير سواء، وتستمر على هذا ~~التدبير دفعتين في النهار، ودفعة في الليل إلى تمام تسعة عشر أيضا، فإن ~~الحيوان ينطق في البيض بقدرة الله ms16 تعالى، وفي يوم العشرين يطرح بعضه ويكسر ~~القشر ويخرج وهذا يسمى التطريح، وعند تمام اثنين وعشرين يوما يخرج جميعه، ~~وأحمد الأوقات لعمله أمشير وبرمهات وبرمودة، وذلك في شباط وآذار ونيسان، ~~لأن البيض في هذه المدة يكون غزير الماء، كثير البذرة صحيح المزاج، والزمان ~~معتدل صالح للنشأة والتكوين، وينبغي أن يكون البيض طريا وفي هذه الأشهر ~~يكثر البيض أيضا. # ومن ذلك الحمير، والحمير بمصر فارهة جدا، وتركب بالسروج وتجري مع الخيل ~~والبغال النفيسة لعلها تسبقها، وهي مع ذلك كثيرة العدد، ومنها ما هو غال ~~بحيث إذا ركب بسرج اختلط مع البغلات، يركبه رؤساء اليهود والنصارى ويبلغ ~~ثمن الواحد منها عشرين دينارا إلى أربعين. # وأما بقرهم فعظيمة الخلق حسنة الصور، ومنها صنف هو أحسنها وأغلاها قيمة ~~يسمى (البقر الخيسية) وهي ذوات قرون كأنها القسي غزيرات اللبن. # وأما خيلها فعتاق سابقة ومنها ما يبلغ ثمنه ألف دينار إلى أربعة آلاف، ~~وهم ينزون الخيل على الحمير والحمير على الخيل، فتأتي البغلة وأمها أتان، ~~ولكن هذه البغال لا تكون عظيمة الخلق كالتي أمهاتها مهورة، لأن الأم هي ~~التي تعطي المادة. # PageV01P019 # ومن ذلك التماسيح، والتماسيح كثيرة في النيل وخاصة في الصعيد الأعلى وفي ~~الجنادل فإنها تكون في الماء وبين صخور الجنادل كالدود كثرة، وتكون كبارا ~~أو صغارا، وتنتهي في الكبر إلى نيف وعشرين ذراعا طولا، وتوجد في سطح جسده ~~مما يلي بطنه سلعة كالبيضة تحتوي على رطوبة دموية وهي كنافجة المسك في ~~الصورة والطيب، وخبرني الثقة أنه يندر فيها ما يكون في غلو المسك لا ينقص ~~عنه شيئا والتمساح يبيض بيضا شبيها ببيض الدجاج، ورأيت في كتاب منسوب إلى ~~أرسطو ما هذه صورته، قال: التمساح كبده تهيج الجماع وكليتاه وشحمه في ذلك ~~أبلغ، ولا يعمل في جلده الحديد ومن فقار رقبته إلى ذنبه عظم واحد، ولهذا ~~إذا انقلب على ظهره لم يقدر أن يرجع، قال: ويبيض بيضا طويلا كالإوز ويدفنه ~~في الرمل، فإذا أخرج كان كالحراذين في جسمها وخلقتها، ثم يعظم حتى يكون عشر ~~أذرع ويبيض ms17 ستين بيضة، لأن خلقته تجري على ستين سنا وستين عرقا وإذا سفد ~~منى ستين مرة، وقد يعيش ستين سنة. # ومن ذلك الدلفين، ويوجد في النيل وخاصة قرب تنيس ودمياط. # ومن ذلك الاسقنقور ويكون بالصعيد وبأسوان كثيرا ويكون من نتاج التمساح في ~~البر، وهو صنف من الورل بل هو ورل إلا أنه قصير الذنب، والورل والتمساح ~~والحرذون وإلاسقنقور وسميكة صيدا لها كلها شكل واحد، وإنما تختلف بالصغر # والكبر والتمساح أعظمها، وسميكة صيدا أصغرها تكون بقدر الإصبع وتصلح لما ~~يصلح له الاسقنقور من تسخين الأعضاء والأنعاظ، وكأن التمساح ورل بحري، ~~والورل تمساح بري والجميع يبيض بيضا، السقنقور يكون بشطوط النيل ومعيشته في ~~البحر السمك الصغار وفي البر القطا ونحوه، ويسترط غذاءه استراطا ويوجد ~~لذكورته خصيان كخصي الديكة وفي مقدارهما ومواضعهما، وإناثه تبيض فوق ~~العشرين بيضة، وتدفنها في الرمل فيكمل كونها بحرارة الشمس فعلى هذا إنما هو ~~نوع برأسه، وقال ديوسقوريدس: أنه يكون بنواحي القلزم وبمواضع من بلاد الهند ~~وبلاد الحبشة، ويفارق الورل بمأواه فإن الورل جبلي والسقنقور بري مائي، ~~لأنه يدخل في ماء النيل، ثم أن ظهر الورل خشن صلب وظهر السقنقور لين ناعم، ~~ولون الورل أصفر أغبر ولون السقنقور مدبج بصفرة وسواد، والمختار من ~~الاسقنقور إنما هو الذكر دون الأنثى ويصاد في الربيع، لأنه وقت هيجانه ~~للسفاد، فإذا # PageV01P020 # أخذ ذبح في مكانه وقطعت أطرافه ولا يستقصى قطع ذنبه، ويشق جوفه ويخرج ~~حشوه إلا كشيته وكلاه. ثم يحشى ملحا ويخاط ويعلق في الظل حتى يجف، ويرفع ~~ويسقى من كلاه ومتنه وشحمه وسرته من مثقال إلى ثلاثة مثاقيل بماء العسل، أو ~~بمطبوخ أو بصفرة بيض نيمرشت وحده أو مع بزر جرجير وخصى ديوك مجفف مدقوق، ~~وقد يفعل ملحه ذلك إذا خلط بالأدوية البائية، وقد يركب مع غيره من الأدوية ~~إلا أن استعماله مفردا أقوى له. # ومن ذلك فريس البحر وهذه توجد بأسافل الأرض وخاصة ببحر دمياط، وهو حيوان ~~عظيم الصورة، هائل المنظر شديد البأس، يتبع المراكب فيغرقها ويهلك من ظفر ~~به منها، وهو ms18 بالجاموس أشبه منه بالفرس لكنه ليس له قرن وفي صوته صهلة تشبه ~~صهيل الفرس بل البغل، وهو عظيم الهيئة، هريت الأشداق، حديد الأنياب، عريض ~~الكلكل، منتفخ الجوف، قصير الأرجل، شديد الوثب، قوي الدفع، # مهيب مخوف الغائلة، وخبرني من اصطادها مرات وشقها وكشف عن أعضائها ~~الباطنة والظاهرة أنه خنزير كبير وأن أعضاءها الباطنة والظاهرة، لا تغادر ~~من صورة الخنزير شيئا إلا في عظم الخلقة، ورأيت في كتاب ينطواليس في ~~الحيوان ما يعضد ذلك وهذه صورته، قال: خنزيرة الماء تكون في بحر مصر وهي ~~تكون في عظم الفيل ورأسها يشبه رأس البغل ولها شبه خف الجمل، قال: وشحم ~~متنها إذا أذيب ولت بسويق وشربته امرأة أسمنها حتى تحوز المقدار، وكانت ~~واحدة ببحر دمياط قد ضربت على المراكب تغرقها وصار المسافر في تلك الجهة ~~مغررا، وضربت أخرى بجهة أخرى على الجواميس والبقر وبني آدم تقتلهم وتفسد ~~الحرث والنسل وأعمل الناس في قتلها كل حيلة من نصب الحبائل الوثيقة وحشد ~~الرجال بأصناف السلاح وغير ذلك فلم يجد شيئا، فاستدعى بنفر من المريس - صنف ~~من السودان - زعموا أنهم يحسنون صيدها وأنها كثيرة عندهم ومعهم مزاريق ~~فتوجهوا نحوها فقتلوها في أقرب وقت وبأهون سعي، وأتوا بها إلى القاهرة ~~فشاهدتها فوجدت جلدها أسود أجرد ثخينا وطولها من رأسها إلى ذنبها عشرة ~~خطوات معتدلات، وهي في غلظ الجاموس نحو ثلاث مرات، وكذلك رقبتها ورأسها وفي ~~مقدم فمها اثنا عشر نابا ستة من فوق وستة من أسفل، المتطرفة منها نصف ذراع ~~زائد والمتوسط أنقص بقليل، وبعد الأنياب أربعة صفوف من الأسنان على خطوط ~~مستقيمة في طول # PageV01P021 # الفم في كل صف عشرة كأمثال بيض الدجاج المصطف، صفان في الأعلى وصفان في ~~الأسفل على مقابلتهما، وإذا فغر فوها وسع شاة كبيرة وذنبها في طول نصف ذراع ~~زائد أصله غليظ وطرفه كالإصبع، أجرد كأنه عظم شبيه بذنب الورل وأرجلها قصار ~~طولها نحو ذراع وثلث ولها شبه بخف البعير، إلا أنه مشقوق الأطراف بأربعة ~~أقسام وأرجلها في غاية الغلظ وجملة جثتها كأنها مركب ms19 مكبوب لعظم منظرها، # وبالجملة، هي أطول وأغلظ من الفيل، إلا أن أرجلها أقصر من أرجل الفيل ~~بكثير ولكن في غلظها أو أغلظ منها، # ومن ذلك السمكة المعروفة بالرعاد، لأنه من أمسكها وهي حية ارتعد رعدة لا ~~يمكنه معها أن يتماسك، وهي رعدة بقوة وخدر شديد وتنمل في الأعضاء وثقل بحيث ~~لا يقدر أن يملك نفسه ولا أن يمسك بيده شيئا أصلا ويتراقى الخدر إلى عضده ~~وكتفه وإلى جنبه بأسره حينما يلمسها أيسر لمس في أسرع وقت، وخبرني صيادها ~~أنها إذا وقعت في الشبكة، اعترى الصياد ذلك إذا بقي بينها وبينه مقدار شبر ~~أو أكثر من غير أن يضع يده عليها وهي إذا ماتت بطلت هذه الخاصة منها، وهي ~~من السمك الذي لا تفليس له ولحمه قليل الشوك كثير الدسم، ولها جلد ثخين في ~~ثخن الإصبع، ينسلخ منها بسهولة ولا يمكن أكله، ويوجد فيها الصغير والكبير ~~ما بين رطل إلى عشرين رطلا وذكر من يكثر السباحة بنواحيها أنها إذا مست بدن ~~السابح خدر الموضع أين كان ساعة بحيث يكاد يسقط، وتكثر بأسافل الأرض ~~وبالإسكندرية. # وأما أصناف السمك عندهم فكثيرة، لأنه يجتمع إليهم سمك النيل وسمك البحر ~~الملح ولا يفي القول بنعتها لكثرة أصنافها واختلاف أشكالها وألوانها، ومنها ~~الصنف المسمى عندهم ثعبان الماء وهي سمكة الحية سواء، طولها ما بين ذراع ~~إلى ثلاث أذرع. # ومنها السرب، وهي سمكة تصاد من بحر الإسكندرية يحدث لأكلها أحلام ردية ~~مفزعة، ولا سيما الغريب ومن لم يعتدها، والأحدوثات المضحكة فيها مشهورة، # ومن ذلك الترسة - وتسمى لجاة - وهي سلحفاة عظيمة وزنها نحو أربعة قناطير، ~~إلا أن جفنتها - أعني عظم ظهرها - كالترس له أفاريز خارجة عن جسمها نحو ~~شبر، ورأيتها بالإسكندرية يقطع لحمها ويباع كلحم البقر. # وفي لحمها ألوان مختلفة ما بين أخضر وأحمر وأصفر وأسود وغير ذلك من ~~الألوان، وتخرج من جوفها نحو أربعمائة بيضة كبيض الدجاج سواء، # PageV01P022 # إلا أنه لين القشر، واتخذت من بيضها عجة فلما جمد، صار الوأنا ما بين ~~أخضر وأحمر وأصفر شبيها بالوان ms20 اللحم، ومن ذلك السرلينس، وهو صدف مستدير ~~إلى الطول أكبر من الظفر ينشق عن رطوبة مخاطية بيضاء ذات نكتة سوداء يعافها ~~الناظر وفيه ملوحة عذبة زعموا ويباع بالكيل. ### | الفصل الرابع في # اختصاص ما شوهد من آثارها القديمة # أما ما يوجد بمصر من الآثار القديمة فشيء لم أر ولم أسمع بمثله في مثلها ~~فأقتصر على أعجب ما شاهدته. # فمن ذلك الأهرام، وقد أكثر الناس من ذكرها ووصفها ومساحتها، وهي كثيرة ~~العدد جدا وكلها بين الجيزة وعلى سمت مصر القديمة وتمتد في نحو مسافة ~~يومين، وفي بوصير منها شيء كثير وبعضها كبار وبعضها صغار وبعضها طين ولبن ~~وأكثرها حجر وبعضها مدرج وأكثرها مخروط أملس، قد كان منها بالجيزة عدد كثير ~~لكنها صغار فهدمت في زمن صلاح الدين، يوسف بن أيوب، على يدي قراقوش وكان ~~خصيا روميا سامي الهمة فكان يتولى عمائر مصر، وهو الذي بنى السور من ~~الحجارة محيطا بالفسطاط والقاهرة وما بينهما وبالقلعة التي على المقطم، وهو ~~أيضا الذي بنى القلعة وأنبط فيها البيرين الموجودتين اليوم، وهما أيضا من ~~العجائب وينزل إليهما بدرج نحو ثلثمائة درجة، وأخذ حجارة هذه الأهرام ~~الصغار وبنى بها القناطر الموجودة اليوم بالجيزة، وهذه القناطر من الأبنية ~~العجيبة أيضا ومن أعمال الجبارين وتكون نيفا وأربعين قنطرة، وفي هذه السنة # وهي سنة سبع وتسعين وخمسمائة تولى أمرها من لا بصيرة عنده فسدها رجاء أن ~~يحتبس الماء فيروي الجيزة، فقويت عليها جرية الماء فزلزلت منها ثلاث قناطر ~~وانشقت، ومع ذلك فلم يرو ما رجا أن يروي، وقد بقي من هذه الأهرام المهدومة ~~قلبها وحشوتها وهي ردم وحجارة صغار لا تصلح للقناطر، فلأجل ذلك تركت. # وأما الأهرام المتحدث عنها المشار إليها الموصوفة بالعظم، فثلاثة أهرام ~~موضوعة على خط مستقيم بالجيزة قبالة الفسطاط، وبينها مسافات يسيرة زواياها ~~متقابلة نحو الشرق واثنان منها عظيمان جدا وفي قدر واحد وبهما أولع الشعراء ~~وشبهوهما بنهدين # PageV01P023 # قد نهدا في صدر الديار المصرية وهما متقاربان جدا ومبنيان بالحجارة ~~البيض، وأما الثالث فينقص عنهما بنحو الربع لكنه ms21 مبني بحجارة الصوان الأحمر ~~المنقط الشديد الصلابة ولا يؤثر فيه الحديد إلا في الزمن الطويل وتجده ~~صغيرا بالقياس إلى ذينيك، فإذا قربت منه وأفردته بالنظر هالك مرآه وحسر ~~الطرف عند تأمله، وقد سلك في بناية الأهرام طريق عجيب من الشكل والإتقان، ~~ولذلك صبرت على مر الزمان بل على مرها صبر الزمان، فأنك إذا تبحرتها وجدت ~~إلاذهان الشريفة قد استهلكت فيها والعقول الصافية قد أفرغت عليها مجهودها، ~~والأنفس النيرة قد أفاضت عليها أشرف ما عندها والملكات الهندسية قد أخرجتها ~~إلى الفعل مثلا هي غاية إمكانها، حتى أنها تكاد تحدث عن قومها وتخبر بحالهم ~~وتنطق عن علومهم وأذهانهم، وتترجم عن سيرهم وأخبارهم، وذلك أن وضعها على ~~شكل مخروط يبتدىء من قاعدة مربعة وينتهي إلى نقطة، ومن خواص الشكل المخروط ~~أن مركز ثقله في وسطه وهو يتساند على نفسه ويتواقع على ذاته ويتحامل بعضه ~~على بعض فليس له جهة أخرى خارجة عنه يتساقط عليها، ومن عجيب وضعه أنه شكل ~~مربع قد قوبل بزواياه مهاب الرياح # الأربع، فإن الريح تنكسر سورتها عند مصادمتها الزاوية وليست كذلك عندما ~~تلقى السطح، ولنرجع إلى ذكر الهرمين العظيمين فإن المساح ذكروا أن قاعدة ~~كلذ منهما أربعمائة ذراع طولا في مثلها عرضا، وارتفاع عمودها أربعمائة ذراع ~~وذلك كله بالذراع السوداء وينقطع المخروط في أعلاه عند سطح مساحته عشر أذرع ~~في مثلها، وأما الذي شاهدته من حالهما فإن راميا كان معنا رمى سهما في قطر ~~أحدهما وفي سمكه فسقط السهم دون نصف المسافة، وخبرنا أن في القرية المجاورة ~~لها قوما قد اعتادوا ارتقاء الهرم بلا كلفة، فاستدعينا رجلا منهم ورضخنا له ~~بشيء فجعل يصعد فيها كما يرقى أحدنا في الدرج بل أسرع، ورقى بنعليه وأتوا ~~به، وكانت سابقة كنت أمرته أنه إذا استوى على سطحه قاسه بعمامته، فلما نزل ~~ذرعنا من عمامته مقدار ما كان قاس فكان إحدى عشرة ذراعا بذراع اليد، ورأيت ~~بعض أرباب القياس قال: ارتفاع عمودها ثلثمائة ذراع ونحو سبع عشرة ذراعا ~~يحيط به أربعة سطوح مثلثات ms22 الأضلاع، طول كل ضلع منها أربعمائة ذراع # PageV01P024 # وستون ذراعا. وأرى هذا القياس خطأ، ولو جعل العمود أربعمائة ذراع، لصح ~~قياسه، وإن ساعدت المقادير توليت قياسه بنفسي، وفي أحد هذين الهرمين مدخل ~~يلجه الناس يفضي بهم إلى مسالك ضيقة، وأسراب متنافذة، وآبار ومهالك وغير ~~ذلك مما يحكيه من يلجه ويتوغله، فإن ناسا كثيرين لهم غرام به وتخيل فيه، ~~فيوغلون في أعماقه ولا بد أن ينتهوا إلى ما يعجزون عن سلوكه، وأما المسلوك ~~فيه المطروق كثيرا فزلاقه تفضي إلى أعلاه، فيوجد فيه بيت مربع فيه ناووس من ~~حجر، وهذا المدخل ليس هو المتخذ له في أصل البناء وإنما هو منقوب نقبا صودف ~~اتفاقا، وذكر أن المأمون هو الذي فتحه، وجل من كان معنا ولجوا فيه وصعدوا ~~إلى البيت الذي في أعلاه فلما نزلوا، حدثوا بعظيم ما شاهدوا وأنه مملوء ~~بالخفافيش وأبوالها حتى يكاد يمنع السالك ويعظم فيها الخفاش حتى # يكون في قدر الحمام وفيه طبقات، وروازنه نحو أعلاه وكأنها جعلت مسالك ~~للريح ومنافذ للضوء، وولجته مرة أخرى مع جماعة وبلغت نحو ثلثي المسافة ~~فأغمى علي من هول المطلع فرجعت برمق. # وهذه الأهرام مبنية بحجارة جافية يكون طول الحجر منها ما بين عشر أذرع ~~إلى عشرين ذراعا وسمكه ما بين ذراعين إلى ثلاث وعرضه نحو ذلك، والعجيب في ~~وضع الحجر بهندام ليس في الإمكان أصح منه بحيث لا تجد بينهما مدخل إبرة ولا ~~خلل شعرة، وبينهما طين كأنه الورقة لا أدري ما صفته ولا ما هو، وعلى تلك ~~الحجارات كتابات بالقلم القديم المجهول الذي لم أجد بديار مصر، من يزعم أنه ~~سمع بمن يعرفه، وهذه الكتابات كثيرة جدا حتى لو نقل ما على الهرمين فقط إلى ~~صحف، لكانت زهاء عشرة آلاف صحيفة، وقرأت في بعض كتب الصابئة القديمة أن أحد ~~هذين الهرمين هو قبر عاذيمون، والآخر قبر هرميس ويزعمون أنهما نبيان ~~عظيمان، وأن (عاذيمون) أقدم وأعظم. # وأنه كان يحج إليهما ويهوى نحوهما من أقطار الأرض، وقد وسعنا القول في ~~المنقول من الكتاب الكبير ms23 فمن أراه التوسعة فعليه، فإن هذا الكتاب مقصور ~~على المشاهد. # وكأن الملك العزيز عثمان بن يوسف لما استقل بعد أبيه، سول له جهلة أصحابه ~~أن يهدم هذه الأهرام فبدأ بالصغير الأحمر وهو ثالثة الأثافي. # PageV01P025 # فأخرج إليه الحلبية والنقابين والحجارين وجماعة من عظماء دولته وأمراء ~~مملكته وأمرهم بهدمه ووكلهم بخرابه فخيموا عندها وحشروا عليها الرجال ~~والصناع ووفروا عليهم النفقات، وأقاموا نحو ثمانية أشهر بخيلهم ورجلهم ~~يهدمون كل يوم بعد بذل الجهد واستفراغ الوسع الحجر والحجرين، فقوم من فوق ~~يدفعونه بالأسافين والأمخال، وقوم من أسفل يجذبونه بالقلوس والأشطان، فإذا ~~سقط سمع # له جلبة عظيمة من مسافة بعيدة حتى ترتجف له الجبال وتزلزل الأرض ويغوص في ~~الرمل فيتعبون تعبا آخر حتى يخرجوه ثم يضربون فيه الأسافين، بعد ما ينقبون ~~لها موضعا ويبيتونها فيه، فيتقطع قطعا فتسحب كل قطعة على العجل حتى تلقى في ~~ذيل الجبل وهي مسافة قريبة، فلما طال ثواؤهم ونفذت نفقاتهم وتضاعف نصبهم ~~ووهنت عظامهم وخارت قواهم، كفوا محسورين مذمومين لم ينالوا بغية ولا بلغوا ~~غاية، بل كانت غايتهم أن شوهوا الهرم وأبانوا عن عجز وفشل، # وكان ذلك في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، ومع ذلك فإن الرائي لحجارة الهدم ~~يظن أن الهرم قد استؤصل، فإذا عاين الهرم ظن أنه لم يهدم منه شيء وإنما ~~جانب قد كشط بعضه، وحينما شاهدت المشقة التي يجدونها في هدم كل حجر، سألت ~~مقدم الحجارين، فقلت له: لو بذل لكم ألف دينار على أن تردوا حجرا واحدا إلى ~~مكانه وهندامه، هل كان يمكنكم ذلك، فأقسم بالله تعالى أنهم ليعجزون عن ذلك ~~ولو بذل لهم أضعافه. # وبإزاء الأهرام من الضفة الشرقية مغاير كثيرة العدد كبيرة المقدار عميقة ~~الأغوار متداخلة، وفيها ما هو ذو طبقات ثلاث وتسمى المدينة، حتى لعل الفارس ~~يدخلها برمحه ويتخللها يوما أجمع ولا ينهيها لكثرتها وسعتها وبعدها، ويظهر ~~من حالها أنها مقاطع حجارة الأهرام، وأما مقاطع حجارة الصوان الأحمر فيقال ~~أنها بالقلزم وبأسوان، وعند هذه الأهرام آثار أبنية جبارة ومغاير كثيرة ~~متقنة وقلما ترى ms24 من ذلك شيئا إلا وترى عليه كتابات بهذا القلم المجهول. # وعند هذه الأهرام بأكثر من غلوة صورة رأس وعنق بارزة من الأرض في غاية ~~العظم، يسميه الناس أبا الهول، ويزعمون أن جثته مدفونة تحت الأرض، ويقتضي ~~المقياس أن تكون جثته بالنسبة إلى رأسه سبعين ذراعا، وفي وجهه حمرة ودهان ~~أحمر يلمع، عليه رونق الطراءة # PageV01P026 # وهو حسن الصورة مقبولها، عليه مسحة بهاء # وجمال كأنه يضحك تبسما، وسألني بعض الفضلاء: ما أعجب ما رأيت؟، فقلت: ~~تناسب وجه أبي الهول فأن أعضاء وجهه بالأنف والعين والأذن متناسبة كما تصنع ~~الطبيعة الصور متناسبة، فإن أنف الطفل مثلا مناسب له وهو حسن به حتى لو كان ~~ذلك الأنف لرجل كان مشوها به، وكذلك لو كان أنف الرجل للصبي لتشوهت صورته، ~~وعلى هذا سائر الأعضاء فكل عضو ينبغي أن يكون على مقدار وهيئة، بالقياس إلى ~~تلك الصورة وعلى نسبتها فإن لم توجد المناسبة تشوهت الصورة، والعجب من ~~مصوره، كيف قدر أن يحفظ نظام التناسب في الأعضاء مع عظمها، وأنه ليس في ~~أعمال الطبيعة ما يحاكيه وينقله. # ومن ذلك الآثار التي بعين شمس، وهي مدينة صغيرة يشاهد سورها محدقا بها ~~مهدوما، ويظهر من أمرها أنها قد كانت بيت عبادة، وفيها من الأصنام الهائلة ~~العظيمة الشكل من نحيت الحجارة يكون طول الصنم زهاء ثلاثين ذراعا، وأعضاؤه ~~على تلك النسبة من العظم، وقد كان بعض هذه الأصنام قائما على قواعد، وبعضها ~~قاعدا بنصبات عجيبة، وإتقانات محكمة، وباب المدينة موجود إلى اليوم، وعلى ~~معظم تلك الحجارة وتصاوير الإنسان وغيره من الحيوان، كتابات كثيرة بالقلم ~~المجهول، وقلما يرى حجر غفلا من كتابة أو نقش أو صورة، وفي هذه المدينة ~~المسلتان المشهورتان، وتسميان مسلتي فرعون، وصفة المسلة أن قاعدة مربعة ~~طولها عشر أذرع في مثلها عرضا في نحوها سمكا، قد وضعت على أساس ثابت في ~~الأرض ثم أقيم عليها عمود مربع، ينيف طوله على مائة ذراع، يبتدىء من قاعدة ~~لعل قطرها خمس أذرع وينتهي إلى نقطة، وقد لبس رأسها بقلنسوة نحاس إلى ms25 ثلاث ~~أذرع منها كالقمع وقد تزنجر بالمطر، وبطول المدة أخضر وسال من خضرته على ~~بسيط المسلة، والمسلة كلها عليها كتابات بذلك القلم، ورأيت إحدى المسلتين ~~وقد خرت وأنصدعت من نصفها لعظم الثقل، # وأخذ النحاس من رأسها، ثم أن حولها من المسال شيئا كثيرا لا يحصى عددها، ~~مقاديرها على نصف تلك العظمى أو ثلثها، وقلما تجد في هذه المسال الصغار ما ~~هو قطعة واحدة، بل فصوصا بعضها على بعض، وقد تهدم أكثرها وإنما بقيت ~~قواعدها. # PageV01P027 # ورأيت بالإسكندرية مسلتين على سيف البحر في وسط العمارة أكبر من هذه ~~الصغار وأصغر من العظيمتين. # وأما البرابي بالصعيد، فالحكاية من عظمها وإتقان صنعتها، وإحكام سورها ~~وعجائب ما فيها من الأشكال والنقوش والتصاوير والخطوط، مع إحكام البناء ~~وجفاء الآلات والأحجار، مما يفوت الحصر وهي من الشهرة بحيث تغني عن الإطالة ~~في الصفة. # ورأيت بالإسكندرية عمود السواري، وهو عمود أحمر منقط من الحجر المانع ~~الصوان، عظيم الغلظ جدا، شاهق الطول، لا يبعد أن يكون طوله سبعين ذراعا ~~وقطره خمس أذرع، وتحته قاعدة عظيمة تناسبه، وعلى رأسه قاعدة أخرى عظيمة ~~وارتفاعها عليه بهندام يفتقر إلى قوة في العلم برفع الأثقال، وتمهر في ~~الهندسة العملية، وخبرني بعض الثقات أنه قاس دوره فكان خمسا وسبعين شبرا ~~بالشبر التام. # ثم أني رأيت بشاطىء البحر مما يلي سور المدينة أكثر من أربعمائة عمود ~~مكسورة أنصافا وأثلاثا، حجرها من جنس حجر عمود السواري على الثلث منه أو ~~الربع، وزعم أهل الإسكندرية قاطبة أنها كانت منتصبة حول عمود السواري، وأن ~~بعض ولاة الإسكندرية واسمه قراجا، كان واليا عن يوسف ابن أيوب، فرأى هدم ~~هذه السواري وتكسيرها وألقاها بشاطىء البحر، زعم أن ذلك يكسر سورة الموج عن ~~سور المدينة، أو يمنع مراكب العدو أن تستند إليه، وهذا من عبث الولدان # ومن فعل من لا يفرق بين المصلحة والمفسدة. # ورأيت أيضا حول عمود السواري من هذه الأعمدة، بقايا صالحة بعضها صحيح ~~وبعضها مكسور ويظهر من حولها أنها كانت مسقوفة والأعمدة تحمل السقف، وعمود ~~السواري عليه قبة ms26 هو حاملها وأرى أنه الرواق الذي كان يدرس فيه أرسوطاليس ~~وشيعته من بعده، وأنه دار العلم التي بناها الإسكندر، حين بنى مدينته وفيها ~~كانت خزانة الكتب التي أحرقها عمر بن العاص بإذن عمر رضي الله عنه. # وأما المنارة فحالها مشهور يغني عن وصفها وذكر ذو العناية، أن طولها ~~مائتا ذراع وخمسون ذراعا. # PageV01P028 # وقرأت بخط بعض المحصلين، أنه قاس العمود بقاعدتيه فكان اثنتين وستين ~~ذراعا وسدس ذراع، وهو على جبل طوله ثلاث وعشرون ذراعا ونصف ذراع فصارت جملة ~~ذلك خمسا وثمانين ذراعا وثلثي ذراع، وطول القاعدة السفلى اثنتا عشرة ذراعا، ~~وطول القاعدة العليا سبع أذرع ونصف ذراع، وقاس أيضا المنارة فوجدها مائتي ~~ذراع وثلاثا وثلاثين ذراعا وهي ثلاث طبقات: الطبقة الأولى مربعة وهي مائة ~~ذراع وإحدى وعشرون ذراعا، والطبقة الثانية مثمنة وطولها إحدى وثمانون ذراعا ~~ونصف ذراع، والطبقة الثالثة مدورة وطولها إحدى وثلاثون ذراعا ونصف ذراع، ~~وفوق ذلك مسجد ارتفاعه نحو عشر أذرع. # ومن ذلك، الآثار التي بمصر القديمة، وهذه المدينة بالجيزة وهي منف التي ~~كان يسكنها الفراعنة وكانت مستقر مملكة ملوك مصر، وإياها عني بقوله تعالى ~~عن موسى عليه السلام: [ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها]، وبقوله تعإلى: ~~[فخرج منها خائفا يترقب] لأن مسكنه عليه السلام كان بقرية بالجيزة قريبة من ~~المدينة تسمى دموة وبها اليوم دير لليهود، ومقدار خرابها اليوم مسيرة نصف ~~يوم أو نحوه، وقد كانت عامرة في زمن إبراهيم ويوسف وموسى عليهم السلام، # وقبلهم بما شاء الله تعالى، وبعدهم إلى زمن بختنصر، فإنه أخرب ديار مصر ~~وبقيت على خرابه أربعين سنة، وسبب خرابه إياها أن ملكها عصم منه اليهود، ~~حين التجأوا إلى مصر، ولم يمكن منهم بختنصر فقصده بختنصر وأباد دياره، ثم ~~جاء الاسكندر بعد ذلك واستولى عليهم، وعمر بها الإسكندرية وجعلها مقر ~~الملك، ولم تزل على ذلك إلى أن جاء الإسلام ففتحت على يد عمرو بن العاص، ~~وجعل مقر الملك بالفسطاط، ثم جاء المعز من المغرب، وبنى القاهرة وجعلها مقر ~~الملك إلى اليوم، وقد ذكرنا ms27 ذلك مشروحا مفصلا في الكتاب الكبير، ولنرجع إلى ~~وصف منف المسماة مصر القديمة: # فهذه المدينة مع سعتها وتقادم عهدها وتداول الملل عليها واستئصال الأمم ~~إياها، من تعفية آثارها ومحو رسومها ونقل حجارتها وآلاتها، وإفساد أبنيتها ~~وتشويه صورها، مضافا إلى ما فعلته فيها أربعة آلاف سنة فصاعدا تجد فيها من ~~العجائب ما يفوت فهم الفطن المتأمل، ويحسر دون وصفه البليغ اللسن، وكلما ~~زدته تأملا، زادك عجبا، وكلما زدته نظرا زادك # PageV01P029 # طربا، ومهما استنبطت منه معنى، أنبأك بما هو أغرب، ومهما استثرت منه علما ~~دلذك على أن وراءه ما هو أعظم. # فمن ذلك البيت المسمى بالبيت الأخضر، وهو حجر واحد تسع أذرع ارتفاعا في ~~ثمان طولا في سبع عرضا، قد حفر في وسطه بيت، قد جعل سمك حيطانه وسقفه وأرضه ~~ذراعين والباقي فضاء البيت، وجميعه ظاهرا أو باطنا منقوش ومصور ومكتوب ~~بالقلم القديم، وعلى ظاهره صورة الشمس مما يلي مطلعها وصور كثير من الكواكب ~~والأفلاك، وصور الناس والحيوان على اختلاف من النصبات والهيئات، فمن بين ~~قائم وماش وماد رجليه وضامهما ومشمر للخدمة وحامل آلات ومشير بها، ينبي ~~ظاهر الأمر أنه قصد بذلك محاكاة أمور جليلة، وأعمال شريفة وهيئات فاضلة ~~وإشارات إلى أسرار غامضة، وأنها لم تتخذ عبثا # ولم يستفرغ في صنعتها الوسع لمجرد الزينة والحسن، وقد كان هذا البيت ~~ممكنا على قواعد من حجارة الصوان العظيمة الوثيقة، فحفر تحتها الجهلة ~~والحمقى طمعا في المطالب، فتغير وضعه وفسد هندامه واختلف مركز ثقله بعضه ~~على بعض فتصدع صدوعا طفيفة يسيرة، وهذا البيت قد كان في هيكل عظيم مبني ~~بحجارة عاتية جافية على أتقن هندام وأحكم صنعة، وفيها قواعد على عمد عظيمة، ~~وحجارة الهرم متواصلة في جميع أقطار هذا الخراب، وقد بقي في بعضها حيطان ~~ماثلة تبلك الحجارة الجافية وفي بعضها أساس وفي بعضها أطلال، ورأيت عقد باب ~~شاهقا ركناه حجران فقط، وأزحجة حجر واحد قد سقط بين يديه، وتجد هذه الحجارة ~~مع الهندام المحكم والوضع المتقن قد حفر بين الحجرين منها نحو شبر في ms28 ~~ارتفاع اصبعين وفيه صدأ النحاس وزنجرته، فعلمت أن ذلك قيود لحجارة البناء ~~وتوثيق لها ورباطات، بينها بابان يجعل بين الحجرين، ثم يصب عليه الرصاص، ~~وقد تتبعها الأنذال المغرورون، فقلعوا منها ما شاء الله تعالى وكسروا ~~لأجلها كثيرا من الحجارة حتى يصلوا إليها، ولعمر الله قد بذلوا الجهد في ~~استخلاصها وأبانوا عن تمكن من اللؤم وتوغل في الخساسة، وأما الأصنام وكثرة ~~عددها وعظم صورها فأمر يفوت الوصف ويتجاوز التقدير، وأما إتقان أشكالها ~~وإحكام هيئاتها والمحاكاة بها الأمور الطبيعية فموضع التعجب بالحقيقة، فمن ~~ذلك صنم ذرعناه سوى قاعدته فكان نيفا وثلاثين ذراعا، وكان مداه من جهة ~~اليمين # PageV01P030 # إلى اليسار نحو عشر أذرع، ومن جهة الخلف إلى الأمام على تلك النسبة، وهو ~~حجر واحد من الصوان الأحمر وعليه من الدهان الأحمر كأنه لم يزده تقادم ~~الأيام إلا جدة. # والعجب كل العجب كيف حفظ فيه مع عظم النظام الطبيعي والتناسب الحقيقي، # وأنت تعلم أن كل واحد من الأعضاء الآلية والمتشابهة له في نفسه مقدار ما ~~وله إلى سائر الأعضاء نسبة ما بذلك المقدار، وبتلك النسبة تحصل حسن الهيئة ~~وملاحة الصورة، فإن اختل شيء من ذلك حدث من القبح بمقدار الخلل، وقد أحكم ~~في هذه الأصنام هذا النظام إحكاما أي إحكام، فمن ذلك مقادير الأعضاء في ~~نفسها ثم نسب بعضها إلى بعض، فأنك ترى الصنم قد يبتدىء بانفصال صدره عن ~~عنقه عند الترقوة بتناسب بليغ ثم يأخذ الصدر في ارتفاع الترائب إلى ~~الثندوتين، فيرتفعان عما دونهما ويبرزان من سائر الصدر بنسبة عجيبة، ثم ~~يعلوان إلى حد الحلمة، ثم تصور الحلمة مناسبة لتلك الصورة الهائلة، ثم ~~تنحدر إلى الموضع المطمئن عند القص وفرجة الزور وزور القلب وإلى تجعيد ~~الأضلاع والتوائها، كما هو موجود في الحيوان الحقيقي، ثم تنحدر إلى مقاط ~~الأضلاع ومراق البطن والتواء العصب وعضل البطن يمينا وشمالا، وتوترها ~~وارتفاعها وانخفاض ما دون السرة مما يلي الأقراب، ثم تحقيق السرة وتوتر ~~العضل حولها، ثم الانحدار إلى الثنة والحالبين وعروق الحلب والخروج منه إلى ~~عظمي الوركين، ms29 وكذلك تجد انفصال الكتف واتصالها بالعضد ثم بالساعد وانفتال ~~حبل الذراع والكوع والكرسوع وإبرة المرفق ونهري مفصل الساعد من العضد وعضل ~~الساعد ورطوبة اللحم وتوتر العصب وغير ذلك مما يطول شرحه، وقد صور كف بعضها ~~قابضا على عمود قطره شبر كأنه كتاب، وصورت الغضون والأسارير التي تحدث في ~~جلدة الكف مما يلي الخنصر عند ما يقبض الإنسان كفه، وأما حسن أوجهها ~~وتناسبها فعلى أكمل ما في القوى البشرية أن تفعله، وأتم ما في المواد ~~الحجرية أن تقبله ولم يبق إلا صورة اللحم والدم، وكذلك صورة الأذن وحتارها ~~وتعاريجها على غاية التمثيل والتخييل. # ورأيت أسدين متقابلين بينهما أمد قريب وصورهما هائلة جدا، وقد حفظ فيهما # النظام الطبيعي والتناسب الحيواني، مع كونهما أعظم جثة من الحيوان ~~الحقيقي جدا جدا وقد تكسرا وردما بالتراب. # PageV01P031 # ووجدنا من سور المدينة قطعة صالحة مبنية بالحجارة الصغار والطوب، وهذا ~~الطوب كبير جاف متطاول الشكل ومقداره نصف الآجر الكسرى بالعراق، كما أن طوب ~~مصر اليوم نصف آجر العراق اليوم أيضا. # وإذا رأى اللبيب هذه الآثار عذر العوام في اعتقادهم عن الأوائل بأن ~~أعمارهم كانت طويلة وجثثهم عظيمة أو أنه كان لهم عصا إذا ضربوا بها الحجر ~~سعى بين أيديهم، وذلك أن الأذهان تقصر عن مقدار ما يحتاج إليه في ذلك من ~~علم الهندسية واجتماع الهمة وتوفر العزيمة ومصابرة العمل والتمكن من الآلات ~~والتفرغ للأعمال والعلم بمعرفة أعضاء الحيوان وخاصة الإنسان ومقاديرها، ~~ونسب بعضها من بعض، وكيفية تركيبها ونصباتها ومقادير وضع بعضها من بعض، فإن ~~النصف الأسفل من الإنسان أعظم من النصف الأعلى منه أعني التنور بمقدار ~~معلوم، بخلاف سائر الحيوان، والإنسان المعتدل طوله ثمانية أشبار بشبر نفسه ~~وطول يده إلى طي مرفقه شبران بشبره وعضده شبر وربع وهكذا جميع عظام الصغار ~~والكبار والقصب والسناش والسلاميات حافظة للنظام في مقاديرها ونسب بعضها ~~إلى بعض، وكذلك سائر الأعضاء الباطنة والظاهرة كانخفاض اليافوخ عن ذروة ~~الرأس ونتوئه عما دونه، وامتداد الجبهة والجبينين وتطامن الصدغين، ونتوء ~~عظمي الوجنتين وسهولة الخدين، وانخراط الأنف ms30 ولين المارن وانفراج المنخرين، ~~وامتداد الوتر ودقة الشفتين واستدارة الحبك وانخراط الفكين، وغير ذلك مما ~~تضيق عنه العبارة، وإنما يدرك بالمشاهدة وبالتشريح والتأمل، وقد ذكر ~~أرسطوطاليس فصلا في المقالة الحادية عشرة من كتاب الحيوان له، يدل على أن ~~القوم كان لهم حذاقة وإتقان لمعرفة أعضاء الحيوان وتناسبها، وأن جميع ما # أدركوه وإن جل فهو حقير تافه، بالقياس إلى الأمر الحقيقي المطبوع، وإنما ~~يستعظم ما عرفه الإنسان منه بالقياس إلى ضعف قوته وبالقياس إلى باقي نوعه ~~ممن يعجز عما قدر عليه، كما يتعجب من النملة إذا حملت حبة شعير ولا يتعجب ~~من الفيل إذا حمل قناطير، وهذا نص كلامه بإصلاحي قال: من العجب أن نستحب ~~علم أحكام التصاوير وعمل الأصنام وإفراغها ونتبين حكمته، ولا نستحب معرفة ~~الأشياء المقومة بالطبيعة، ولا سيما إذا قوينا على معرفة عللها، ولذلك لا ~~ينبغي لنا أن نكره النظر في طباع الحيوان الحقيقي الذي ليس بكريم، # PageV01P032 # ولا يثقل ذلك علينا كما يثقل على الصبيان، ففي جميع الأشياء الطباعية شيء ~~عجيب، ولذلك ينبغي لنا أن نطلب معرفة طباع كل واحد من الحيوان ونعلم أن في ~~جميعه شيئا طباعيا كريما، لأنه لم يطبع شيء منها على وجه الباطل ولا كما ~~جاء واتفق ولا بالبخت، بل كل ما يكون من قبيل الطباع قائما، يكون لشيء أعنى ~~لحال التمام، ولذلك صار له مكان ومرتبة وفضيلة صالحة، فتبارك الله أحسن ~~الخالقين!! # وأما باطن الحيوان وتجويفاته وما فيها من العجائب التي تشتمل على وصفها ~~كتب التشريح لجالينوس وغيره وكتاب منافع الأعضاء له، فأن أيسر اليسير منه ~~يبهت دونه المصور حسيرا ولا يجد له على ذلك ظهيرا ويعلم مصداق قوله تعالى: ~~[وخلق الإنسان ضعيفا]. # وأقول أن التعجب من الأمور الصناعية أيضا هو التعجب من الأمور الطباعية، ~~لأن الأمور الصناعية هي بوجه ما طباعية، وذلك أنها حادثة عن قوى طباعية، ~~كما أن المهندس إذا حرك ثقلا عظيما استحق أن يتعجب منه، فكذلك إذا صنع صورة ~~من خشب مثلا تحرك تلك الصورة ثقلا ما، كان ذلك ms31 المهندس أحرى أن يتعجب منه، ~~والله خلقكم وما تعملون فتبارك من هذا ملكوته، ثم تردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة، وفي أنفسكم أفلا تبصرون، ونور جلاله ساطع فلا يحجبه # حجاب، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. # ومن أشباح الموجودات بقدرته قائمة وبإرادته متحركة وساكنة وبنفاذ أمره ~~فيها فرحة، وباقترابها من حضرة قدسه مبتهجة، ولتكثرها تشهد بوحدانيته ~~وبتغيرها تقر بقدرته وإن من شيء إلا يسبح بحمده. # ولنرجع إلى حديثنا الأول فنقول، هذه الأصنام مع كثرتها قد تركتها الأيام ~~إلا الأقل منها جذاذا وغادرتها رمادا، ولقد شاهدت كبيرا منها وقد نحت من ~~صلعته رحا ولم يظهر في صورته كبير تشويه ولا تغير بين،، ورأيت صنما وبين ~~رجليه صنم متصل به صغير كأنه مولود بالقياس إليه، وهو مع ذلك كأعظم رجل ~~يكون، وعليه من الملاحة والجمال ما يشوق الناظر إليه لا يمل من ملاحظته، ~~واتخاذ الأصنام قد كان في ذلك الزمان شائعا في الأرض عاما في الأمم ولهذا ~~قال تعالي في حق إبراهيم عليه السلام: [إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ~~ولم يك من المشركين] أي # PageV01P033 # كان وحده في زمنه موحدا فهو أمة بنفسه لاعتزاله إياهم وانفراده برأي ~~يخالف آراءهم، ولما رأى بنو إسرائيل تعظيم القبط هذه الأصنام وتبجيلهم ~~إياها وعكوفهم عليها وألفوا ذلك وأنسوا به لطول مقامهم بينهم، ثم رأوا قوما ~~من أهل الشام عاكفين على أصنام لهم قالوا: يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم ~~آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون، ولما كان النصارى معظمهم وجمهورهم أقباطا ~~وصابئة، نزعوا إلى الأصل ومالوا إلى سنة آبائهم القديمة في اتخاذ التصاوير ~~في بيعهم وهياكل عبادتهم وبالغوا في ذلك وتفننوا فيه، وربما تراموا في ~~الجهالة حتى يصوروا إلههم والملائكة حوله بزعمهم، وجميع ذلك لبقايا فيهم من ~~سنن أوائلهم، وإن كان الأوائل يكبرون الإله أن يدخل تحت إدراك عقلي وحسيذ ~~فضلا عن تصوير، وإنما سهل على النصارى ذلك وأجرأهم عليه اعتقادهم الإلهية ~~للبشر، وقد حققنا القول في ذلك في مقالاتنا عليهم. # وما زالت الملوك تراعي بقاء ms32 هذه الآثار وتمنع من العبث فيها والعبث بها ~~وأن كننوا أعداء لأربابها، وكانوا يفعلون ذلك لمصالح منها لتبقى تاريخا ~~يتنبه بها على الأحقاب، ومنها أنها تكون شاهدة للكتب المنزلة فإن القرآن ~~العظيم ذكرها وذكر أهلها ففي رؤيتها خبر الخبر وتصديق الأثر، ومنها أنها ~~مذكرة بالصبر ومنبهة على الملل، ومنها أنها تدل على شيء من أحوال من سلف ~~وسيرتهم وتوافر علومهم وصفاء فكرهم وغير ذلك وهذا كله مما تشتاق النفس إلى ~~معرفته وتؤثر الإطلاع عليه، وأما في زمننا هذا فترك الناس سدى وسرحوا هملا ~~وفوضت إليهم شئونهم، فتحركوا بحسب أهوائهم، وجروا نحو ظنونهم وأطماعهم، ~~وعمل كل امرئ منهم على شاكلته وبموجب سجيته وبحسب ما تسول له نفسه ويدعو ~~إليه هواه، فلما رأوا آثارها هائلة راعهم منظرها وظنوا ظن السوء بمخبرها، ~~وكان جل انصراف ظنونهم إلى معشوقهم وأجل الأشياء في قلوبهم وهو الدينار ~~والدرهم كما قيل. # وكل شيء رآه ظنه قدحا وإن رأى ظل شخص ظنه الساقي، فهم يحسبون كل علم يلوح ~~لهم أنه علم على مطلب، وكل شيء مفطور في جبل أنه يفضي إلى كنز، وكل صنم ~~عظيم أنه حاصل لمال تحت قديمه وهو ملك عليه، فصاروا يعملون الحيلة # PageV01P034 # في تخريبه ويبالغون في تهديمه ويفسدون صور الأصنام إفساد من يرجو عندها ~~المال ويخاف منها التلف، وينقبون الأحجار نقب من لا يتمارى أنها صناديق ~~مقفلة على ذخائر ويسربون في فطور الجبال سروب متلصص قد أتى البيوت من غير ~~أبوابها وانتهز فرصة لم يشعر غيره بها. # وهذه الفطور منها ما يدخل حبوا ومنها ما يدخل زحفا، ومنها ما يدخل سحبا ~~على الوجوه ومنها مضايق لا ينسحب فيها إلا الضرب الضئيل وأكثر ذلك إنما هو ~~فطور طبيعة الجبال. # ومن كان من هؤلاء له مال أضاعه في ذلك، ومن كان فقيرا قصد بعض المياسير ~~وقوي طمعه وقرب أمله بأيمان يحلفها له وعلوم يزعم أنه استأثر بها دونه ~~علامات يدعي أنه شاهدها حتى يخسر ذلك عقله وماله، وما أقبح بعد ذلك مآله!. # ومما يقوي أطماعهم ويديم ms33 إصرارهم أنهم يجدون نواويس تحت الأرض فسيحة ~~الأرجاء محكمة البناء، وفيها من موتى القدماء الجم الغفير والعدد الكثير، ~~قد لفوا بأكفان من ثياب القنب لعله يكون على الميت منها زهاء ألف ذراع، وقد ~~كفن كل عضو على إنفراده، كاليد والرجل والإصبع في قطع دقاق، ثم بعد ذلك تلف ~~جثة الميت جملة حتى يرجع الحمل العظيم، ومن كان يتتبع هذه النواويس من ~~الأعراب وأهل الريف وغيرهم، يأخذ هذه الأكفان فما وجد فيه تماسكا، اتخذه ~~ثيابا أو باعه للوراقين يعملون منه ورق العطارين، ويوجد بعض موتاهم في ~~توابيت من خشب الجميز ثخين، ويوجد بعضهم في نواويس من حجارة إما رخام وإما ~~صوان وبعضهم في أزيار مملوءة عسلا، وخبرني الثقة أنهم بينما كانوا يتقفون ~~المطالب عند الأهرام، صادفوا دنا مختوما ففضوه فإذا به عسل، فأكلوا منه ~~فعلق في إصبع أحدهم شعر فجذبه فظهر له صبي صغير متماسك الأعضاء رطب البدن ~~عليه شيء من الحلي والجوهر، وهؤلاء الموتى قد يوجد على جباههم وعيونهم ~~وأنوفهم ورق من الذهب كالقشر، وقد يوجد منه أيضا على فرج المرأة وربما وجد ~~قشر من الذهب على جميع الميت كالغشاء، وربما وجد عنده شيء من الذهب والحلي ~~والجوهر، وربما وجد عنده آلته التي كأن يزاول بها العمل في حياته، وخبرني ~~الثقة أنه وجد عند ميت منهم آلة مزين، مسنا وموسى، وعند آخر آلة الحجام، ~~وعند آخر آلة الحائك، ويظهر من حالهم أنه قد كان # PageV01P035 # من سنتهم أن يدفنوا مع الرجل آلته وماله. # وسمعت أن طوائف من الحبشة هذه سنتهم يتطيرون بمتاع الميت أن يمسوه أو # يتصرفوا فيه وكان لنا قريب دخل الحبشة واكتسب مالا منه مائتا أوقية من ~~الذهب، وأنه لما مات أكرهوا رجلا مصريا كان معه على أخذ ماله فأخذه ممتنا ~~عليهم. # وقد كان من سنتهم، والله أعلم، أن يجعل مع الميت شيء من الذهب، فخبرني ~~بعض قضاة بوصير وهي مجاورة لمدافنهم أنهم نبشوا ثلاثة قبور فوجدوا على كل ~~ميت قشرا رفيعا من الذهب لا يكاد يجتمع فيه، وفي ms34 كل منها سبيكة من الذهب ~~فجمع السبائك الثلاث فكان وزنها تسعة مثاقيل، والحكايات في ذلك أوسع من أن ~~يحصرها هذا الكتاب. # وأما ما يوجد في أجوافهم وأدمغتهم من الشيء الذي يسمونه موميا فكثير جدا، ~~يجلبه أهل الريف إلى المدينة ويباع بالشيء النزر ولقد اشتريت ثلاثة رؤوس ~~مملوءة منه بنصف درهم مصري. # وأراني بائعه جولقا مملوءا من ذلك فيه الصدر والبطن وحشوه من هذا ~~الموميا، ورأيته قد داخل العظام وتشربته وسرى فيها حتى صارت كأنها جزء منه، ~~ورأيت أيضا على قحف الرأس أثر ثوب الكفن وأثر النساجة قد أنتقش فيه كما ~~يرسم على الشمع إذا ختمت به على ثوب وهذا المومياء هو أسود كالقار، ورأيته ~~إذا اشتد عليه حر الصيف يجري ويلصق بما يدنو منه، وإذا طرح على الجمر غلي ~~ودخن منه رائحة القار أو الزفت، والغالب أنه زفت ومر. # وأما الموميا بالحقيقي فشيء ينحدر من رؤوس الجبال مع المياه، ثم يجمد ~~كالقار ويفوح منه رائحة زفت مخلوط بمر، وقال جالينوس: الموميا يخرج من ~~العيون كالقار والنفط، وقال غيره: هو صنف من القار ويسمى حيض الجبال، وهذا ~~الذي يوجد في تجاويف الموتى بمصر لا يبعد عن طباع الموميا وأن يستعمل بدله ~~إذا تعذر. # ومن أعجب ما يوجد في مدافنهم أصناف الحيوان من الطير والوحش والحشرات، ~~وقد كفن الواحد منها في كذا وكذا ثوبا وهو محتاط عليه محتفظ به، وخبرني ~~الثقة أنهم وجدوا بيتا تحت الأرض محكما ففتحوه فوجدوا فيه لفائف ثياب # PageV01P036 # القنب وقد تقمطت فأزالوها مع كثرتها فوجدوا تحتها عجلا صحيحا قد أحكم ~~تقميطه، وحدثني آخر أنهم وجدوا صقرا لم تسقط منه ريشة، وحكى لي مثل ذلك عن ~~هر وعن عصفور وعن خنفساء وغير ذلك مما يطول شرحه ويهجن ذكره. # وحكى لي الأمير الصادق أنه كان بقوص، فجاء إليه من يبحث عن المطالب ~~فذكروا له أنهم انخسفت بهم هوة، موهمة أن فيها دفينا، فخرج معهم بجماعة ~~متسلحين وحفروا فوجدوا زيرا كبيرا موثق الرأس بالجص، ففتحوه بعد الجهد ~~فوجدوا فيه كالأصابع مكفنا ms35 بخرق فحلوه فوجدوا تحتها صيرا وهو سمك صغار وقد ~~صار كالهباء إذا نفخ طار، فنقلوا الزير إلى مدينة قوص بين يدي الوالي ~~واجتمع عليه نحو مائة رجل فحلوا الجميع حتى أتوا على آخره وهو كله صير مكفن ~~ليس فيه سوى ذلك. # ورأيت أنا بعد ذلك في مدافنهم ببوصير من العجائب ما لا يفي به هذا ~~الكتاب، فمن ذلك أني وجدت في هذه المدافن مغائر تحت الأرض مبنية بإتقان ~~وفيها رمم مكفنة، وفي كل مغارة عدد لا يحصى، ومن المغائر ما هو مملوء برمم ~~الكلاب، ومنها ما هو مملوء برمم البقر، ومنها ما فيه رمم السنانير والجميع ~~مكفن بخرق القنب، ورأيت شيئا من عظام بني آدم وقد تمشق حتى صار كالليف ~~الأبيض لقدمه، ومع ذلك فأكثر الرمم التي رأيتها صلبة متماسكة جدا يظهر ~~عليها من الطراءة أكثر من رمم الهالكين سنة سبع وتسعين وخمسمائة التي ذكرها ~~آخر كتابنا هذا، وسيما ما كان من الرمم القديمة قد انصبغ بالزفت والقطران ~~فأنك تجدها في لون الحديد وصلابته ورزانته، ورأيت من جماجم البقر ما شاء ~~الله وكذلك جماجم # الغنم وفرقت بين رؤوس المعز والضأن وبين رؤوس البقر والثيران، ووجدت لحم ~~البقر قد التصق بالأكفان حتى صار قطعة واحدة حمراء تقرب إلى السواد، ويخرج ~~العظم من تحتها أبيض وبعض العظام أحمر وبعضها أسود، وكذلك في عظام الآدمي، ~~ولا شك في أن الأكفان كانت تبل بالصبر والقطران وتشرب به ثم يكفن بها فلذلك ~~يصبغ اللحم ويبقيه وما نال منها العظم صبغته فاحمر واسود، ووجدت في عدة ~~مواضع تلالا من رمم الكلاب لعله يكون في جملتها مائة ألف رأس كلب أو يزيد ~~وذلك مما يثير الباحثين عن المطالب، فإن جماعة يجعلون مكاسبهم من هذه ~~القبور وأخذ ما سنح # PageV01P037 # لهم من الخشب والخرق وغيره، واستقريت جميع المواضع المحكمة فلم أجد فيها ~~رأس فرس ولا جمل ولا حمار، فبقي ذلك في نفسي، فسألت مشايخ بوصير فبادروا ~~إلى إخباري بأنهم قد تقدمت فكرتهم في ذلك واستقراؤهم إياه فلم يجدوه، وأكثر ms36 ~~توابيتهم من خشب الجميز وفيه القوي الصلب ومنه ما صار في درجة الرماد، ~~وخبرني قضاة بوصير بعجائب منها أنهم وجدوا ناووسا من حجر ففضوه فلقوا فيه ~~ناووسا، ففضوه فوجدوا فيه تابوتا، ففتحوه فوجدوا فيه سحلية وهي سام أبرص ~~مكفنة محتاطا عليها معنيا بها، ووجدنا عند بوصير أهراما كثيرة منها هرم قد ~~انهدم وبقي قلبه فقسناه من مبدأ أساسه فوجدناه لا يتقاصر عن هرمي الجيزة. # وجميع ما حكيناه من أحوال مدافنهم ببوصير يوجد نحوه وأمثاله بعين شمس ~~وبالبرابي وبغيرها. # واعلم أن الأهرام لم أجد لها ذكرا في التوراة ولا في غيرها ولا رأيت ~~أرسطو ذكرها، وإنما قال في أثناء قوله في السياسة: كما كان من سنة المصريين ~~البناء، وللإسكندر الأفروديسي تاريخ صغير ذكر فيه اليهود والمجوس والصابئة ~~وتعرض بشيء من أخبار القبط، وأما جالينوس فرأيته ذكر الأهرام في موضع واحد ~~وجعله # من هرم الشيخوخة، وقال في كتاب شرح الأهوية والبلدان لبقراط: فمن أراد أن ~~يتعلم صناعة النجوم فعليه بمصر، فإن أهلها قد عنوا بذلك عناية تامة، هذا ~~معنى قوله، وقال في كتاب عمل التشريح: فمن أراد أن يشاهد كيفية تركيب ~~العظام وهيئتها، فينبغي له أن يقصد الإسكندرية ويشاهد موتى القدماء. # واعلم أن القبط بمصر نظير النبط بالعراق، ومنف نظيرة بابل، والروم ~~والأقاصر بمصر نظير الفرس والأكاسرة بالعراق، والإسكندرية نظير المدائن، ~~والفسطاط نظير بغداد، والجميع اليوم بعد الإسلام وتشمله دعوة بني العباس. ### | الفصل الخامس # فيما شوهد بها من غرائب الأبنية والسفن # وأما أبنيتهم ففيها هندسة بارعة وترتيب في الغاية، حتى أنهم قلما يتركون ~~مكانا غفلا خاليا عن مصلحة ودورهم أفيح وغالب سكناهم في الأعالي ويجعلون ~~منافذ منازلهم تلقاء الشمال والرياح الطيبة، وقلما تجد منزلا إلا وتجد فيه ~~باذاهيج وباذاهيجاتهم كبار واسطة للريح # PageV01P038 # عليها تسلط ويحكمونها غاية الإحكام، حتى أنه يقوم على عمارة الواحد منها ~~مائة دينار إلى خمسمائة، وإن كانت بإذاهيجات المنازل الصغار يغرم على ~~الواحد منها دينار وأسواقهم وشوارعهم واسعة وأبنيتهم شاهقة ويبنون بالحجر ~~النحيت والطوب الأحمر وهو الآجر، شكل طوبهم ms37 على نصف طوب العراق. # ويحكمون قنوات المراحيض، حتى أنه تخرب الدار والقناة قائمة، ويحفرون ~~الكنف إلى المعين فتغير عليها برهة من الدهر طويلة ولا يفتقر إلى كسح، وإذا ~~أرادوا بناء ربع أو دار ملكية أو قيسارية استحضر المهندس وفوض إليه العمل، ~~فيعمد إلى العرصة وهي تل تراب أو نحوه فيقسمها في ذهنه ويرتبها بحسب ما ~~يقترح عليه، ثم يعمد إلى جزء جزء من تلك العرصة فيعمره ويكمله بحيث ينتفع ~~به على انفراده ويسكن، ثم يعمد إلى جزء آخر ولا يزال كذلك حتى تكمل الجملة ~~بكمال الأجزاء من غير خلل ولا استدراك. # وأما المسناة فيسمونها الرزينة ولهم في بنائها إتقان حسن، وصفته أن يحفر ~~الأساس حتى تظهر النداوة وثرير الماء، فحينئذ يوضع ملبن من خشب الجميز أو ~~نحوه على تلك الأرض الندية بعد ما تمهد، ويكون عرضه نحو ثلثي ذراع وقطر ~~حلقته نحو ذراعين مثل الذي يجعل في قعر الآبار، ثم يبنى عليه بالطوب والجير ~~نحو قامتين فيصير بمنزلة التنور، فيأتي الغواصون وينزلون هذه البير، ~~يحفرونها # وكلما نبع الماء نزحوه من الطين والرمل، ويحفرون أيضا تحت ذلك الملبن ~~فكلما تخلخل ما تحته وثقل بما عليه من البناء نزل وكلما غاصوا عليه وحفروا ~~تحته والبناء في أثناء ذلك يبني عليه ويرفعه، ولا يزال البناء يرفع والفاعل ~~تحته يحفر وهو بثقله يغوص حتى يستقر على أرض جلدة ويصل إلى الجد الذي ~~يعرفونه، فحينئذ ينتقلون إلى عمل آخر مثله على سمته وعلى بعد أربع أذرع منه ~~أو نحوها، ولا يزالون يفعلون ذلك في جميع طول الأساس المفروض ثم يبنون ~~الأساس كالعادة بعد ردم هذه الآبار، فترجع أوتادا راسية للبناء وعمدا تدعمه ~~وتوثقه. # وأما حماماتهم فلم أشاهد في البلاد أتقن منها وصفا، ولا أتم حكمة ولا ~~أحسن منظرا ومخبرا أما أولا، فإن أحواضها يسع الواحد منها ما بين روايتين ~~إلى أربع روايا وأكثر من ذلك، يصب فيه ميزابان ثجاجان حار وبارد وقبل ذلك ~~يصبان في حوض صغير جدا مرتفع، # PageV01P039 # فإذا اختلطا فيه جرى منه إلى ms38 الحوض الكبير وهذا الحوض نحو ربعه فوق الأرض ~~وسائره في عمقها ينزل إليه المستحم فيستنقع فيه، وداخل الحمام مقاصير ~~بأبواب، وفي المسلح أيضا مقاصير لأرباب التخصص، حتى لا يختلطوا بالعوام ولا ~~يظهروا على عوراتهم، وهذا المسلح بمقاصيره حسن القسمة مليح البنية وفي وسطه ~~بركة مرخمة وعليها أعمدة وقبة، وجميع ذلك مزوق السقوف مفوف الجدران مبيضا ~~مرخم الأرض بأصناف الرخام مجزع باختلاف ألوانه، وترخيم الداخل يكون أبدا ~~أحسن من ترخيم الخارج وهو مع ذلك كثير الضياء مرتفع الازاج، جاماته مختلفة ~~الألوان ضافية الأصباغ بحيث إذا دخله الإنسان لم يؤثر الخروج منه، لأنه إذا ~~بالغ بعض الرؤساء في أن يتخذ دارا لجلوسه وتناهى في ذلك لم تكن أحسن منه. # وفي موقده حكمة عجيبة، وذلك أن يتخذ بيت النار وعليه قبة مفتوحة بحيث يصل ~~إليها لسان النار، ويصف على أفاريزها أربع قدور رصاص كقدور الهراس لكنها # أكبر منها، وتتصل هذه القدور قرب أعاليها بمجار من أنابيب، فيدخل الماء ~~من مجرى البير إلى فسقية عظيمة، ثم منها إلى القدر الأولى فيكون فيها باردا ~~على حاله ثم يجري منها إلى الثانية فيسخن قليلا، ثم إلى الثالثة فيسخن أكثر ~~من ذلك ثم إلى الرابعة فيتناهى حره، ثم يخرج من الرابعة إلى مجاري الحمام ~~فلا يزال الماء جاريا وحارا بأيسر كلفة وأهون سعي وأقصر زمان وهذا العمل ~~حاكوا به فعل الطبيعة في بطون الحيوان وطبخها الغذاء، فإن الغذاء يتنقل في ~~الأمعاء وآلات الغذاء التي هي لكل حيوان، وكلما صار الغذاء إلى مصير، حصل ~~على صنف من الهضم ومقدار من النضج حتى يصل إلى المعاء الأخير وقد تناهى. # واعلم أن هذه القدور كل حين تحتاج إلى تجديد ما ينقصها فتوجد القدر ~~الأولى التي هي وعاء البارد قد نقصت أكثر من نقصان القدر التي هي وعاء ~~الحار بمقدارين ولذلك علة طبيعية ليس هذا موضعها. # ويفرشون أرض الأتون التي هي مقر النار بنحو خمسين أردبا ملحا وهكذا ~~يفعلون بأرض الأفران، لأن الملح من طبعه حفظ الحرارة. # وأما سفنهم فكثيرة الأصناف ms39 والأشكال، وأغرب ما رأيت فيها مركب يسمونها ~~العشري شكله شكل شبارة داخلة، إلا أنه أوسع منها بكثير وأطول وأحسن هنداما ~~وشكلا، قد سطح # PageV01P040 # بألواح من خشب ثمينة محكمة، وأخرج منها أفاريز كالرواشن نحو ذراعين، وبني ~~فوق هذا السطح بيت من خشب وعقد عليه قبة وفتح له طاقات ورواذن بأبواب إلى ~~البحر من سائر جهاته، ثم تعمل في هذا البيت خزانة مفردة ومرحاض، ثم يزوق ~~بأصناف الأصباغ ويدهن بأحسن دهان. # وهذا يتخذ للملوك والرؤساء بحيث يكون الرئيس جالسا في وسادته وخواصه حوله ~~والغلمان، والمماليك قيام بالمناطق والسيوف على تلك الرواشن وأطعمتهم ~~وحوائجهم في قعر المركب، والملاحون تحت السطح أيضا وفي باقي المركب # يقذفون به لا يعلمون شيئا من أحوال الركاب، ولا الركاب تشتغل خواطرهم ~~بهم، كل فريق بمعزل عن الآخر ومشغول بما هو بصدده، وإذا أراد الرئيس ~~الاختلاء بنفسه عن أصحابه دخل المخدع، وإذا أراد قضاء حاجته دخل المرحاض، ~~والملاحون بمصر يقذفون إلى ورائهم فهم في قذفهم يشبهون الحبالين في مشيهم ~~القهقرى ويشبهون في تحريكهم السفن من يجذب ثقلا بين يديه ويمشي به إلى ~~خلفه، وأما ملاحو العراق فهم بمنزلة من يدفع الثقل أمامه ويدسر به فسفنهم ~~تتوجه حيث الملاح متجه، وأما سفن مصر فهي تتحرك إلى ضد الجهة التي إليها ~~الملاح متوجه، وأما أي الحالتين أسهل والبرهان عليها فموضعه العلم الطبيعي ~~وعلم تحريك الأثقال. ### | الفصل السادس في # غرائب أطعمتها # فمن ذلك النيدة وهي بمنزلة الخبيص حمراء إلى السواد وهي حلوة لا في ~~الغاية وتتخذ من القمح بأن ينبت ثم يطبخ حتى يخرج نشاه وقوته في الماء، ثم ~~يصفى ويطبخ ذلك الماء حتى يغلظ، ثم يذر عليه الدقيق ويعقد ويرفع فيباع بسعر ~~الخبز وهذه تسمى نيدة البوش، وقد يطبخ ذلك الماء وحده حتى ينعقد من غير ~~دقيق وتسمى النيدة المعقودة وهي أغلى من الأولى وأعلى. # ويختصون أيضا باستخراج دهن بزر الفجل والسلجم والخس، ويستصبحون به ~~ويعملون منه الصابون، وصابونهم رطب أحمر وأصفر وأخضر وبه شبهت الصابونية ~~وإليه نسبت. # PageV01P041 # وأما أطبختهم فالحوامض ms40 منها والسواذج هي المعهودة أو قريبة من المعهودة، ~~وأما المحليات فغريبة وذلك أنهم يتخذون الدجاج بأصناف من الحلويات، وسبيل ~~ذلك # أن تسلق الدجاج ثم ترمى في الجلاب ويلقى عليه بندق مدقوق أو فستق أو ~~خشخاش أو بزر رجلة أو ورد ويطبخ حتى ينعقد ثم يتبل ويرفع، وتسمى هذه ~~الأطبخة بالفستقية والبندقية والخشخشية والوردية وست المنوية للتي تعقد ~~ببزر الرجلة لسوادها ويتفننون في ذلك تفننا يحتاج إلى شرح أكثر من هذا. # أما الحلويات المتخذة من السكر، فأصناف كثيرة، يؤدي استقصاؤها إلى الخروج ~~عن الغرض ويحوج إلى وضع كتاب مفرد، وقد يتخذ منها ما يصلح لمداواة الأمراض ~~ولأرباب الحمية من المرضى والناقهين إذا تاقت أنفسهم إلى الحلوى، فمن ذلك ~~خبيص اليقطين وخبيص الجزر والوردية المتخذة بالورد والزنجبيلية المتخذة ~~بالزنجبيل، وكأقراص العود وأقراص الليمون والأقراص الممسكة وغير ذلك، ~~وكثيرا ما يستعملون الفستق في أطبختهم وحلوائهم عوض اللوز وهو الفستق، وهي ~~لذيذة جدا مسمنة وموادها لحم دجاج مسلوق منسر جزء، وجلاب جزءان ومثل ثمن ~~الجميع أو تسعة فستق مقشور مهروس، وكيفية عمله أن يمسح اللحم المنسر ~~بالسيرج ويجعل بالدست بحيث يشم النار ويسكب عليه الجلاب ويضرب حتى ينعقد ثم ~~يلقى على الفستق ويضرب حتى يختلط ثم يرفع. # ومن غريب ما يتخذونه رغيف الصينية وصفته أن يؤخذ من الدقيق الحواري ~~ثلاثون رطلا بالبغدادي، ويعجن مع خمسة أرطال ونصف سيرجا عجين خبز الخشكنان ~~ثم يقسم بقسمين ويبسط أحدهما رغيفا في صينية نحاس قد اتخذت لذلك سعة قطرها ~~نحو أربعة أشبار ولها عرى وثيقة، ثم يعبى على الرغيف ثلاثة أخرفة مشوية ~~محشوة الأجواف بلحم مدقوق ومقلو بالسيرج والفستق المهروس والأفاويه العطرة ~~الحارة بالفلفل والزنجبيل والقرفة والمصطكى والكزبرة والكمون والهال الجوزة ~~ونحو ذلك، ويرش عليه ماء ورد قد أذيب فيه مسك، ثم يجعل على الخرفان وبين ~~خلالها عشرون دجاجة وعشرون فروجا وعشرون فرخا # بعضه مشوي محشو بالبيض وبعضه محشو باللحم وبعضه مطجن بماء # PageV01P042 # الحصرم أو بماء الليمون أو بنحو ذلك، ثم يشور بالسنبوسك والقماقم المحشوة ~~باللحم بعضها وبالسكر ms41 والحلوى بعضها، وإن شئت أن تزيده خروفا آخر تتخذه ~~شرائح فلا بأس وكذا جنبا مقلوا، فإذا نضد ذلك وصار كالفتة تضع عليه ماء ورد ~~قد أذيب فيه مسك وعود، ثم غطي بالقسم الثاني من العجين بعد أن يمد رغيفا ~~ويلحم بين الرغيفين كما يلحم الخشكنان بحيث لا يخرج منه نفس أصلا، ثم يقرب ~~إلى رأس التنور حتى يتماسك عجينه ويبتدئ في النضج فحينئذ ترسل الصينية في ~~التنور بعراها رويدا رويدا، ويصبر عليه ريثما ينضج الخبز ويتورد ويحمر ثم ~~يخرج ويمسح بإسفنجة، فيرش عليه ماء ورد ومسك ويرفع للأكل، وهذا الصنيع يصلح ~~أن يحمل مع الملوك وأرباب الترف إلى منضدياتهم النائية ومتنزهاتهم النازحة، ~~فإنه وحده جملة فيها تفصيل سهل المحمل عسر التشعث، جميل المنظر مشكور ~~المخبر يحفظ الحرارة مدة طويلة. # وأما عوامهم فقلما يعرفون شيئا من ذلك، وأكثر أغذيتهم الصبر والصحناة ~~والدلينس والخبز والنيدة ونحو ذلك، وشرابهم البوظة وهو نبيذ يتخذ من القمح، ~~ومنهم أصناف يأكلون الفأر المتولد في الصحارى والغيطان عند انحطاط النيل ~~ويسمونه سماني الغيط، وبالصعيد قوم يأكلون الثعابين والميتان من الحمير ~~والدواب، وبأسافل الأرض قد يتخذ نبيذ من البطيخ الأخضر، وبدمياط يكثر أكل ~~السمك ويطبخ بكل ما يطبخ به اللحم من الرز والسماق والمدققات وغير ذلك. # آخر المقالة الأولى والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيد المرسلين. # PageV01P043 ### | المقالة الثانية ### | الفصل الأول في # النيل وكيفية زيادته ونقصانه # وقوانين ذلك # اعلم أن نيل مصر يمد وقت نضوب مياه الأرض وذلك في شمس السرطان والأسد ~~السنبلة، فيعلو على الأرض ويقيم أياما فإذا نزل عنها حرثت وزرعت، ثم يكثر ~~الندى في الليل جدا وبه يتغذى الزرع إلى أن يحصد، ونهاية ما تدعو إليه ~~الحاجة من الزيادة ثماني عشرة ذراعا فإن زاد على ذلك، فإنه يروي أمكنة ~~مستعلية وكأنه نافلة، وعلى جهة التبرع ونهاية ما يزيد على جهة الندرة أصابع ~~من عشرين ذراعا وعند ذلك تستبحر أمكنة يدوم مكث الماء عليها، فتفوت زراعتها ~~ويبور من البلاد مما عادته أن يزرع نحو مما ms42 روى مما عاداته أن يشرق، ولنسم ~~الثماني عشرة نهاية الضروري ولنسم العشرين نهاية الإفراط وكل نهاية بين ~~هاتين فلهما ابتداء يقابلها، فابتداء الضروري ست عشرة ذراعا ويسمى ماء ~~السرطان، إذ عنده يستحق الخراج ويدوي به نحو نصف البلاد ويغل من القوت ~~بمقدار ما يحان أهل البلاد سننهم جمعا مع توسع ويروي سائر البلاد المعتادة ~~بالري بما زاد على ست عشرة ذراعا إلى ثماني عشرة، وهذا يقل بمقدار ما يمير ~~أهل البلاد سنتين فصاعدا، وأما ما نقص عن ست عشرة ذراعا فيروي به ما هو دون ~~الكفاية ولا تحصل منه ميرة سنتهم، ويكون تعذر القوت بمقدار نقصانه عن ست ~~عشرة ذراعا. # وحينئذ يقال أن البلاد قد شرقت، واشتقاقها من قولهم شرقت الشمس إذا لمعت ~~وظهرت، وشرقت اللحم إذا نشرته ليجف، ومنه قيل أيام التشريق لأن لحوم # الأضاحي تشرق فيها أي تبسط، ومنه أيضا قولهم شرق بالماء وبالشراب لأن ~~الماء عند الاغتصاص وانسداد الحلق يظهر ويبرز ولا يلج، ولما كانت الأرض في ~~السنة التي يوفي نيلها بارزة لا يسترها الماء ولا يخفيها الغمر قيل شرقت ~~ولم تتغط ولم ينلها النيل ويجوز أن يكون التشريق ريحا شرقية، لأن الريح ~~الشرقية والقبلية وهي الجنوب هما عندهم دليل نقص الماء وسببه والغربية ~~البحرية وهي الشمال هما عندهم دليل # PageV01P044 # الزيادة وسببها، فيكون معنى قولهم شرقت البلاد أي كثر هبوب الرياح ~~الشرقية حتى نسفت الماء وأظهرت الأرض، ثم سميت الأرض شرقية باسم الريح ~~وجمعت على شراقي مثل كرسي وكراسي وبختي وبخاتي، وأما النيل فهو فعل من نال ~~نيلا ومن نال ينول نولا، يقال نولته تنويلا ونلته نولا إذا أعطيته، والنيل ~~اسم ما ينال مثل الرعي للمصدر والرعي لما يرعى وليس هذا من غرضنا ولكنه أمر ~~عن فقلنا فيه. # فمتى نقص عن الست عشرة ذراعا فهو ابتداء التفريط المقابل للإفراط، وكنا ~~قد سقنا في الكتاب الكبير سني الإفراط والتفريط منذ الهجرة إلى سنتنا هذه، ~~وأما هنا فإنما قص ما شاهدناه على ما شرطنا. # واتفق أن زيادة النيل بلغت ms43 سنة ست وتسعين وخمسمائة اثنتي عشرة ذراعا ~~وإحدى وعشرين إصبعا، وهذا المقدار نادر جدا، فأنه لم يبلغنا منذ الهجرة إلى ~~الآن، أن النيل وقف على هذا الحد قط إلا في سنة ست وخمسين وثلثمائة، فإنه ~~وقف على دون هذا المقدار بأربع أصابع، وأما وقوفه على ثلاث عشرة ذراعا ~~وأصابع، فإنه وقع نحو ست مرات في هذه المدة الطويلة، وأما أربع عشرة ذراعا ~~وأصابع، فأنه وقع نحو عشرين مرة، وأما خمس عشرة ذراعا فأكثر من ذلك كثيرا ~~ونحن نسوق أحوال زيادته في هذه السنة أعني سنة ست وتسعين وخمسمائة، ثم نتبع ~~ذلك بما حصل عندنا من علل ذلك وقوانينه، فنقول أن العادة # جارية أن تبتدئ الزيادة من أبيب وتعظم في مسرى وتتناهى في توت أو بابه ثم ~~تنحط، فدخل أبيب في هذه السنة وابتدأ النيل يتحرك بالزيادة وكان قبل ذلك ~~بنحو شهرين قد بدت في مائه خضرة سلقية، ثم كثرت وظهرت في رائحته ذفرة كريهة ~~وعفونة طحلبية كأنه عصارة السلق إذا بقي أياما حتى يعفن، وجعلت منه وعاء ~~ضيق الرأس فعلاه سحابة خضراء فرفعتها برفق وتركتها تجف إذا بها طحلب لا شك ~~فيه، ويبقى الماء بعد رفع هذه السحابة غير صاف لا خضرة فيه إلا أن طعمه ~~وريحه باقيان، وتجد فيه أيضا أجساما صغارا نباتية مبثوثة كالهباء ولا ترسب ~~وصار أرباب الحمية يتجنبون شربه وإنما يشربون ماء الآبار، وأغليته بالنار ~~ظنا مني أنه يصلح بذلك كما وصى الأطباء أن يفعل بالمياه المتغيرة فزاد طمعه ~~وريحه كراهة وسهكا فوجدت عليه، ذلك أن الأجزاء النباتية التي هي مبثوثة فيه # PageV01P045 # يلطف الطبخ جوهرها فيختلط بالماء اختلاطا أشد عن الأول فيظهر التغير في ~~ريحه وطعمه أكثر، ويصير ذلك بمنزلة الماء إذا طبخ فيه سلق أو فجل أو نحوه، ~~فإن النار تمزج بين الماء ولطيف النبات، وأما الماء الذي يصلح بالطبخ وإياه ~~قصد الأطباء، فهو الذي تغيره بمخالطته أجزاء أرضية، فإنها تنفصل عنه بالطبخ ~~لأن الماء حينئذ يلطف فترسب فيه. # ثم أنه دامت خضرته أياما من ms44 رجب وشعبان ورمضان، واضمحلت في شوال، وكان ~~يصحب الخضرة دود وحيوانات، وهذا التغير في الماء يكون بالصعيد أكثر لأنه ~~أقرب إلى المبدأ والمعدن، وانتهت زيادته في الحادي عشر من توت إلى اثنتي ~~عشرة ذراعا وإحدى وعشرين إصبعا ثم أنحط، وورد في شوال رسول ملك الحبشة ومعه ~~كتاب يتضمن موت مطرانهم ويلتمس عوضه، وذكر فيه أن مطرهم في هذه السنة ضعيف ~~وأن النيل قليل المد لذلك. # وكنا اقتصصنا في ذلك الكتاب حال النيل في هذه السنة وفي السنين الخوالي، # رجاء أن نعثر على نسب بينها، وأعراض لها نقف منها على المتجددات من أحوال ~~النيل في سني النقصان، فيمكننا تقدمة المعرفة وأخذ الأهبة والإنذار ~~بالحوادث المتوقعة، فإن أقباط الصعيد يزعمون أنهم يتكهنون على مقدار ~~الزيادة في السنة من طين معلوم الوزن ينجمونه في ليلة معروفة ويزنونه غدوة ~~فيجدونه قد زاد فيحكمون من مقدار زيادته على مقدار زيادة النيل، وقوم ~~يتكهنون من حمل النحل، وقوم من تعسيل النحل. # فرأيت في الغالب من حال القاع إذا كان أقل من المعتاد كانت الزيادة في ~~تلك السنة أقل من المعتاد هذا حكمه الأكثري، فإن أتت الخضرة في أول زيادته ~~وقبيلها، قوي الظن بضعف جريته، فإن طالت أيام الخضرة وضعف مقدار الزيادة ~~قوي الظن جدا بقلته، فإن دامت الخضرة في أبيب أذن بقلة المد وعلة هذا ~~ظاهرة، أما كون قلة القاع دليلا على قلة الزيادة، فلأن المطر الذي هو على ~~الزيادة ينبغي أن يكون فيه من الكثرة ما يرد القاع إلى الحالة المعتادة ~~يزيد عليها الزيادة المعتادة وهذه كثرة لا تفي بها أمطار كل سنة ولا توجد ~~كل وقت، مثاله أن القاع إذا كان ذراعا مثلا فينبغي أن تكون الزيادة إلى عشر # PageV01P046 # أذرع وكون هذا أيسر من الأول، وأيضا، فأن جرية النيل الأصلية مادتها ~~عيون، وأما زيادته فمادتها أمطار، ونقصان العيون دليل على احتراق السنة ~~ويبس الهواء وقلة البخار فيقل المطر لذلك، وأيضا فإن المد الزائد على القاع ~~أكثره في الغالب ثلاث عشرة ذراعا فإذا، كأن القاع ms45 ذراعا أو ذراعين ثم زاد ~~عليه أكثر المد وهو ثلاث عشرة ذراعا، لم يلحق ماء السرطان. # وأما كون الخضرة دليلا على قلة الزيادة، فلأن النيل الماضي يغادر نقائع ~~وغدرانا بعضها ينضب وبعضها يطحلب ويعطن ويأسن، فإذا مرت بها أمطار ضعيفة ~~اختلطت بها وصبتها إلى النيل، ولم يكن فيها من الكثرة ما يغلب على النقائع # فيصلحها، بل النقائع تغلب على الأمطار المتصلة بها فتحيلها إلى الفساد ~~وينحط منها مقدار بعد مقدار ويتواصل إلينا، وكلما كانت الأمطار أضعف وأقل، ~~كانت أيام جري الخضرة أطول فإذا كانت أمطار قوية، غسلت تلك المستنقعات ~~وغلبت عليها وحورتها بسرعة، مغمورة بطين تجرفه بقوتها فيخفي منظرها، ويتعفى ~~أثرها، وأيضا فإن الأنهار الخارجة من جبل القمر تجتمع بأخرى إلى بركة عظيمة ~~ذات مساحة فسيحة ومن هذه البركة يخرج هذا النيل، ولا شك في أن هذه البركة ~~ملؤها دائم فيطحلب ولا سيما شطوطها وضحاضحها، فإذا وقع الوسمي وجرى إليها ~~سيوله، أثارت ما في قعرها وحركت ما كان ساكنا فيها وانكسح أيضا ما في ~~الشطوط إلى الأوساط وانسحبت إلى حمل الجرية فاستصحبته، وأما كون الخضرة في ~~أبيب دليل النقصان فلأن أبيب مظنة الزيادة وغلبة الماء على هذه الأوشاب، ~~فإذا بقي على خضرته إبان زيادته أذن بقلته، وهذه الأجزاء النباتية التي ~~تصحب الماء إنما هي حطام النبات المتكون في الماء وحوله كالبردي والديس ~~والسمار المطحلب وغير ذلك، فتعفن فيه وتصفر أجزاؤه وتنبعث معه، ومما يوجب ~~انبعاثها أيضا نقصان الماء من تلك البركة فإن ماءها إذا قل اتصلت الجرية ~~بقعرها فانسحب كدرها وراسبها، وإذا كانت غمرا كانت الجرية من أعلاها وصفوها ~~فاعرف ذلك، ولهذا لا تأتي هذه الخضرة إلا في السنة التي يحترق فيها النيل ~~وكلما كان احتراقه أشد، كان ظهور الخضرة أكثر، وفي السنة التي كون نيلها ~~غمرا لا يحترق لا ترى الخضرة، لأن كثرته لكثرة مبدية وارتفاع جريه عن مقر ~~كدورته، # فإذا اجتمعت هذه الدلائل كلها أو جلها في سنة، فظن ظنا قويا بأن الزيادة ~~قليلة فيها فهذه # PageV01P047 # فائدة هذا ms46 الاقتصاص، وفيه فوائد أخر منها أن من يأتي بعد إذا أضافه إلى ~~ما يشاهده، يوشك أن يعثر منه على مناسبة أو دلالة أخرى على مقدار الزيادة # والنقصان في كل سنة، ومنها أن أصحاب الأحكام النجومية إذا تأملوا المدد ~~التي بين النقصانات والزيادات، واعتبروا أحوال الكواكب والاقترانات فيها ~~وطوالع مصر وبلاد السودان وأرباب الولايات فيها من الكواكب ومزجوا ذلك، ~~أمكن أن تقوم لهم مما يتكرر صورة تجريبية في مقدار الزيادة والنقصان، فإني ~~إلى الآن لم أر لمنجمي مصر بذلك عناية، ولم أجد عندهم ما تسكن إليه النفس ~~سوى كسر ولا ينبني على أصل. # فإنه بهذا الطريق استخرج معظم أحكام النجوم، وذلك أنهم شاهدوا حوادث ~~أرضية تقترن بنصبات فلكية وحركات علوية ورصدوا ذلك فألفوه يتكرر، فنسبوا ~~تلك الحوادث إلى تلك الهيئات والنصبات فصاروا متى عثروا في تسييرهم لحركات ~~الأشخاص العلوية على مثل تلك النصبة والهيئة حكموا بوقوع مثل تلك الحادثة، # ويروى عن أهل التجربة من قدماء الأقباط أنه إذا كان الماء في اثني عشر ~~يوما من مسرى اثنتي عشرة إصبعا من اثنتي عشرة ذراعا فهي سنة ماء وإلا ~~فالماء ناقص، ورأيت بعض من شرح الثمرة لبطليموس، ذكر في تفسير الكلمة ~~الأخيرة التي يقول في أولها: النيازك تدل على جفاف الأبخرة فإذا كان في جهة ~~واحدة دلت على رياح تعرض في تلك الجهة، وإذا كانت شائعة في الجهات كلها، ~~دلت على نقصان المياه واضطراب الهواء وعلى جيوش تختلف، فقال هذا المفسر: ~~إني لأذكر في سنة تسعين ومائتين أن الشهب بمصر انتثرت وعمت الجو بأسره، ~~فارتاع الناس ولم تزل تكثر فلم يمض لذلك جزء من السنة يسير، حتى ظمئ الناس ~~وبلغ نيل مصر ثلاث عشرة ذراعا واضطرب الناس اضطرابا، زالت به دولة الطولوني ~~من مصر وانتشرت في سنة ثلثمائة من سائر جهات الجو فنقص النيل أيضا ووقعت ~~همرجات واضطراب في المملكة، وهذه لعمري دلائل قوية ولكنها عامة لجميع ~~الأقاليم وليست خاصة بمصر فقط، على أنه أيضا قد وقع هذا # الحادث بعينه في سنتنا هذه ms47 من تناثر الكواكب في أولها ونشيش الماء في ~~آخرها وتغير ملك لمصر فيها بعمه الملك العادل بعد حرب كانت بينهما. # PageV01P048 ### | الفصل الثاني في # حوادث سنة خمس وتسعين وخمسمائة # ودخلت سنة سبع مفترسة أسباب الحياة، وقد يئس الناس من زيادة النيل ~~وارتفعت الأسعار وأقحطت البلاد وأشعر أهلها البلاء وهرجوا من خوف الجوع ~~وانضوى أهل السواد والريف إلى أمهات البلاد وانجلى كثير منهم إلى الشام ~~والمغرب والحجاز واليمن وتفرقوا في البلاد ومزقوا كل ممزق، ودخل إلى ~~القاهرة ومصر منهم خلق عظيم، واشتد بهم الجوع ووقع فيهم الموت، وعند نزول ~~الشمس الحمل وبئ الهواء ووقع المرض والموتان، واشتد بالفقراء الجوع حتى ~~أكلوا الميتات والجيف والكلاب والبعر والأرواث، ثم تعدوا ذلك إلى أن أكلوا ~~صغار بني آدم فكثيرا ما يعثر عليهم ومعهم صغار مشويون أو مطبوخون، فيأمر ~~صاحب الشرطة بإحراق الفاعل لذلك والآكل. # ورأيت صغيرا مشويا في قفة، وقد أحضر إلى دار الوالي ومعه رجل وامرأة يزعم ~~الناس أنهما أبواه فأمر بإحراقهما. # ووجد في رمضان وبمصر رجل وقد جردت عظامه عن اللحم، فأكل وبقي قفصا كما ~~يفعل الطباخون بالغنم، ومثل هذا أعوز جالينوس مشاهدته ولذلك تطلبه بكل ~~حيلة، وكذلك كل من آثر الإطلاع على علم التشريح، وحينما نشم الفقراء في آكل ~~بني آدم كأن الناس يتناقلون أخبارهم ويفيضون في ذلك استفظاعا لأمره وتعجبا ~~من ندوره، ثم اشتد قربهم إليه واعتيادهم عليه بحيث اتخذوه معيشة ومطية ~~ومدخرا وتفننوا فيه، وفشا عنهم ووجد بكل مكان من ديار مصر، فسقط حينئذ # التعجب والاستبشاع واستهجن الكلام فيه والسماع له. # ولقد رأيت امرأة يسحبها الرعاع في السوق وقد ظفر معها بصغير مشوي تأكل ~~منه، وأهل السوق ذاهلون عنها ومقبلون على شئونهم وليس فيهم من يعجب لذلك أو ~~ينكره، فعاد تعجبي منهم أشد وما ذلك إلا لكثرة تكرره على إحساسهم حتى صار ~~في حكم المألوف الذي لا يستحق أن يتعجب منه. # ورأيت قبل ذلك بيومين صبيا نحو الرهاق مشويا وقد أخذ به شابان أقرا بقتله ~~وشيه وأكل بعضه. # PageV01P049 # وفي بعض ms48 الليالي بعد صلاة المغرب كان مع جارية فطيم تلاعبه لبعض المياسير ~~فبينما هو إلى جانبها، اهتبلت غفلتها عنه صعلوكة فبقرت بطنه، وجعلت تأكل ~~منه نيا، وحكى لي عدة نساء أنه يتوثب عليهن لاقتناص أولادهن ويحامين عنهم ~~بجهدهن. # ورأيت مع امرأة فطيما لحيما فاستحسنته وأوصيتها بحفظه، فحكت لي أنها بينا ~~تمشي على الخليج أنقض عليها رجل جاف ينازعها ولدها، فترامت على الولد نحو ~~الأرض حتى أدركها فارس وطرده عنها، وزعمت أنه كان يهم بكل عضو يظهر منه أن ~~يأكله وأن الولد بقي مدة مريضا لشدة تجاذبه بين المرأة والمفترس، وتجد ~~أطفال الفقراء وصبيانهم ممن لم يبق له كفيل ولا حارس منبثين في جميع أقطار ~~البلاد وأزقة الدروب كالجراد المنتشر، ورجال الفقراء ونساؤهم يتصيدون هؤلاء ~~الصغار ويتغذون بهم وإنما يعثر عليهم في الندرة وإذا لم يحسنوا التحفذظ. # وأكثر ما كان يطلع من ذلك مع النساء وما أظن العلة فيه إلا أن النساء أقل ~~حيلة من الرجال وأضف عن التباعد والاستتار، ولقد أحرق بمصر خاصة في أيام ~~يسيرة ثلاثون امرأة كل منهن تقر أنها أكلت جماعة، فرأيت امرأة قد أحضرت إلى ~~الوالي وفي عنقها طفل شوي، فضربت أكثر من مائتي سوط على أن تقر فلا # تحير جوابا، بل تجدها قد انخلعت عن الطباع البشرية ثم سحبت فماتت. # وإذا أحرق آكل أصبح وقد صار مأكولا لأنه يعود شواء ويستغني عن طبخه، # ثم فشا فيهم أكل بعضهم بعضا حتى فني أكثرهم، ودخل في ذلك جماعة من ~~المياسير والمساتير منهم من يفعله حاجة ومنهم من يفعله إستطابة، وحكى لنا ~~رجل أنه كان له صديق أدقع في هذه النازلة فدعاه صديقه هذا إلى منزله ليأكل ~~عنده على ما جرت به عادتهما قبل، فلما دخل منزله وجد عنده جماعة عليهم ~~رثاثة الفقر وبين أيديهم طبيخ كبير اللحم وليس معه خبز، فرابه ذلك وطلب ~~المرحاض فصادف عنده خزانة مشحونة برمم الآدمي وباللحم الطري فارتاع وخرج ~~فارا. # وظهر من هؤلاء الخبثاء من يصيد الناس بأصناف الحبائل ويجتلبونهم إلى ~~مكانهم بأنواع ms49 المخاتل، وقد جرى ذلك لثلاثة من الأطباء ممن ينتابني، أما ~~أحدهم فإن أباه خرج فلم يرجع، وأما الآخر فإن امرأة أعطته درهمين على أن ~~يصحبها إلى مريضها، فلما توغلت به # PageV01P050 # مضايق الطرق استراب وامتنع عنها وشنع عليها فتركت درهميها، وأما الثالث ~~فإن رجلا استصحبه إلى مريضه في الشارع بزعمه، وجعل في أثناء الطريق يصدف ~~بالكسر ويقول اليوم يغتنم الثواب ويتضاعف الأجر ولمثل هذا فليعمل العاملون، ~~ثم كثر حتى ارتاب منه الطبيب ومع ذلك فحسن الظن بقلبه وقوة الطمع تجذبه، ~~حتى أدخله دارا خربة فزاد استشعاره وتوقف في الدرج وسبق الرجل فاستفتح، ~~فخرج اليه رفيقه يقول له: هل مع إبطائك حصل صيد ينفع، فخرج الطبيب لما سمع ~~ذلك، وألقى نفسه إلى إصطبل من طاقة صادفها السعادة فقام إليه صاحب الإصطبل ~~يسأله عن قضيته فأخفاها عنه خوفا منه أيضا، فقال: قد علمت حالك فإن أهل هذا ~~المنزل يذبحون الناس بالحيل. # ووجد بأطفيح عند عطار، عدة خوابي مملوءة بلحم الآدمي وعليه الماء والملح ~~فسألوه عن علة اتخاذه والاستكثار منه، فقال: خفت إذا دام الجدب أن يهزل ~~الناس # وكان جماعات من الفقراء قد آووا إلى الجيزة وتستروا ببيوت طين، يتصيدون ~~فيها الناس وفطن لهم وطلب قتلهم فهربوا، ووجد في بيوتهم من عظام بني آدم ~~شيء كثير، وخبرني الثقة الذي وجد في بيوتهم أربعمائة جمجمة. # ومما شاع وسمع من لفظ الوالي أن امرأة أتته سافرة مذعورة تذكر أنها ~~قابلة، وأن قوما استدعوها وقدموا لها صحنا فيه سكباج محكم الصنعة مكمل ~~التوابل فألفته كثير اللحم، مباينا اللحم المعهود، فتقززت منه ثم وجدت خلوة ~~ببنت صغيرة فسألتها عن اللحم، فقالت أنها فلانة السمينة دخلت لتزورنا ~~فذبحها أبي وها هي معلقة إربا، فقامت القابلة إلى الخزانة فوجدتها أنابير ~~لحم فلما قصت على الوالي القصة أرسل معها من هجم الدار وأخذ من فيها وهرب ~~صاحب المنزل ثم صانع عن نفسه في خفية بثلثمائة دينار ليحقن بذلك دمه. # ومن غريب ما حدث من ذلك، أن امرأة ذات مال ويسار كانت ms50 حاملا وزوجها غائب ~~في الخدمة وكان يجاورها صعاليك، فشمت عندهم رائحة طبخ فطلبت منه كما هي ~~عادة الحبالى فالفته لذيذا فاستزادتهم، فزعموا أنه نفذ فسألتهم عن كيفية ~~عمله فأسروا إليها أنه لحم بني آدم فواطأتهم على أن يتصيدوا لها الصغار ~~وتجزل لهم العطاء فلما تكرر ذلك منها فضريت وغلبت عليها الطباع السبعية، ~~وشى بها جواريها خوفا منها، # PageV01P051 # فهجم عليها فوجد عندها من اللحم والعظام ما يشهد بصحة ذلك فحبست مقيدة ~~وأرجئ قتلها احتراما لزوجها وإبقاء على الولد في جوفها. # ولو أخذنا نقص كل ما نرى ونسمع لوقعنا في التهمة أو في الهذر، وجميع ما ~~حكيناه مما شاهدناه لم نتقصده ولا تتبعنا مظانه وإنما هو شيء صادفناه ~~اتفاقا بل كثيرا ما كنت أفر من رؤيته لبشاعة منظره. # وأما من يتحين ذلك بدار الوالي فإنه يجد منه أصنافا تحضر مع آناء الليل ~~والنهار، وقد يوجد في قدر واحدة اثنان وثلاثة وأكثر، ووجد بعض الأيام قدر ~~فيها # عشر أيد كما تطبخ أكارع الغنم، ووجد مرة أخرى قدر كبيرة وفيها رأس كبير ~~وبعض الأطراف مطبوخا بقمح وأصناف من هذا الجنس تفوت الإحصاء. # وكان عند جامع ابن طولون قوم يتخطفون الناس، ووقع في حبالتهم شيخ كتبي ~~بدين ممن يتبيعنا الكتب فأفلت بجريمة الذقن، وكذلك بعض قوام جامع مصر وقع ~~في حبالة قوم آخرين بالقرافة فتداركه الناس فخلص من الوهق وله حصاص وأما من ~~خرج من أهله فلم يرجع إليهم فخلق كثير وحكى لي من أثق به أنه اجتاز على ~~امرأة تجرية وبين يديها ميت قد أنتفخ وتفجر وهي تأكل من أفخاده فأنكر عليها ~~فزعمت أنه زوجها، وكثير ما يدعي الآكل أن المأكول ولده أو زوجه أو نحو ذلك، ~~ورئي مع عجوز صغير تأكله فاعتذرت بأن قالت إنما هو ولد ابنتي وليس بأجنبي ~~مني ولإن آكله خير من أن يأكله غيري. # وأشباه هذا كثير جدا حتى أنك لا تجد أحدا في ديار مصر إلا وقد رأى شيئا ~~من ذلك، حتى أرباب الزوايا والنساء في خدورهن. # ومما ms51 شاع أيضا نبش القبور وأكل الموتى وبيع لحمهم، وهذه البلية التي ~~شرحناها وجدت في جميع بلاد مصر ليس فيها بلد إلا وقد أكل فيه الناس أكلا ~~ذريعا من أسوان وقوص واليوم والمحلة والإسكندرية ودمياط وسائر النواحي، # وخبرني بعض أصحابي وهو تاجر مأمون حين ورد من الإسكندرية بكثرة ما عاين ~~بها من ذلك، وأعجب ما حكى لي أنه عاين أرؤس خمسة صغار مطبوخة في قدر واحدة ~~بالتوابل الجيدة، # PageV01P052 # وهذا المقدار من هذا الاقتصاص كاف فإني وإن كنت قد أسهبت أعتقد أني قد ~~قصرت. # وأما القتل والفتك في النواحي فكثير فاش في كل فج ولا سيما طريق الفيوم ~~والإسكندرية، وقد كان بطريق الفيوم ناس في مراكب يرخصون الأجرة على الركاب ~~فإذا توسطوا بهم الطرق ذبحوهم وتساهموا أسلابهم، وظفر الوالي منهم # بجماعة فمثل بهم، وأقر بعضهم عندما أوجع ضربا أن الذي خصه دون رفقائه ستة ~~آلاف دينار. # وأما موت الفقراء هزلا وجوعا، فأمر لا يطيق عمله إلا الله سبحانه وتعالى ~~وإنما نذكر منه كالأنموذج يستدل به اللبيب على فظاعة الأمر. # فالذي شاهدناه بمصر والقاهرة وما تاخم ذلك أن الماشي أين كان لا يزال يقع ~~قدمه أو بصره على ميت ومن هو في السياق أو على جمع كثير بهذا الحال، وكان ~~يرفع عن القاهرة خاصة إلى الميضأة كل يوم ما بين مائة إلى خمسمائة، وأما ~~مصر فليس لموتاها عدد ويرمون ولا يوارون، ثم بآخرة عجز عن رميهم فبقوا في ~~الأسواق بين البيوت والدكاكين وفيها الميت منهم قد تقطع وإلى جانبه الشواء ~~والخباز ونحوه. # وأما الضواحي والقرى، فإنه هلك أهلها قاطبة إلا ما شاء الله، وبعضهم ~~انجلى عنها اللهم إلا الأمهات والقرى الكبار كقوص والاشمونين والمحلة ونحو ~~ذلك، ومع هذا أيضا فلم يبق فيها إلا محلة القسم وإن المسافر ليمر بالبلدة ~~فلا يجد فيها نافخ ضرمة ويجد البيوت مفتحة وأهلها موتى متقابلين، بعضهم قد ~~رم وبعضهم طري وربما وجد في البيت أثاثه وليس له من يأخذه. # حدثني بذلك غير واحد كل منهم حكى ما يعضد ms52 به قول الآخر، قال أحدهم: دخلنا ~~مدينة فلم نجد فيها حيوانا في الأرض ولا طائرا في السماء فتخللنا البيوت، ~~فألفينا أهلها كما قال الله عز وجل: [جعلناهم حصيدا خامدين] فتجد ساكني كل ~~دار موتى فيها الرجل وزوجته وأولاده، قال: ثم انتقلنا إلى بلد آخر ذكر لنا ~~أنه كان فيه أربعمائة دكان للحياكة فوجدناها كالتي قبلها في الخراب، وأن ~~الحائك ميت وأهله موتى حوله، # PageV01P053 # فحضرني قوله تعالى: [إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون] قال: ثم ~~انتقلنا إلى بلد آخر فوجدناه كالذي قبله ليس به أنيس وهو مشجون بموت # أهله، قال: واحتجنا إلى الإقامة به لأجل الزراعة فاستأجرنا من ينقل ~~الموتى مما حولنا إلى النيل كل عشرة بدرهم، قال: ولكن قد بدلت البلاد ~~بالذئاب والضباع ترفع لحوم أهلها. # ومن عجيب ما شاهدت أني كنت يوما مشرفا على النيل مع جماعة فاجتاز علينا ~~في نحو ساعة نحو عشرة موتى كأنهم القرب المنفوخة هذا من غير أن نتصدى ~~لرؤيتهم ولا أحطنا بعرض البحر، وفي غد ذلك اليوم ركبنا سفينة فرأينا أشلاء ~~الموتى في الخليج وسائر الشطوط كما شبهها ابن حجر بأنابيش العنصل وخبرت عن ~~عياد بفرضة تنيس أنه مر به في بعض نهار أربعمائة غريق يقذف بهم النيل إلى ~~البحر الملح، وأما طريق الشام فقد تواترت الأخبار أنها صارت مزرعة لبني آدم ~~بل محصرة، وأنه عادت مأدبة بلحومهم للطير والسباع وأن طلابهم التي صحبتهم ~~من منجلاهم هي التي تأكل فيهم. # وأول من هلك في هذه الطريق أهل الحرف عندما انتجعوا إلى الشام وانتشروا ~~في هذه المسافة مع طولها كالجراد المحسوس، ولم تزل تتواصل هلكاهم إلى الآن ~~وانتهى انتجاعهم إلى الموصل وبغداد وخراسان وإلى بلاد الروم والمغرب واليمن ~~ومزقوا كل ممزق. # وكثيرا ما كانت المرأة تملص من صبيتها في الزحام فيتضورون حتى يموتوا. # وأما بيع الأحرار فشاع وذاع عند من لا يراقب الله، حتى تباع الجارية ~~الحسناء بدراهم معدودة، وعرض علي جاريتان مراهقتان بدينار واحد، ورأيت مرة ~~أخرى جاريتين إحداهما بكر ينادى عليها ms53 بأحد عشر درهما. # وسألتني امرأة أن أشتري ابنتها وكانت جميلة دون البلوغ، بخمسة دراهم ~~فعرفتها أن ذلك حرام، فقالت خذها هدية، وكثيرا ما يترامى النساء والولدان ~~الذين فيهم صباحة على الناس بأن يشتروهم أو يبيعوهم، وقد استحل ذلك خلق ~~عظيم ووصل # سبيهم إلى العراق وأعماق خراسان وغير ذلك. # PageV01P054 # وأعجب من جميع ما اقتصصناه أن الناس مع ترادف هذه الآيات عاكفون على ~~أصنام شهواتهم لا يرعوون منغمسون في بحر ضلالاتهم، كأنهم هم المستثنون، فمن ~~ذلك اتخاذهم بيع الأحرار متجرا ومكتسبا، ومنه عهارتهم بهؤلاء النسوة حتى أن ~~منهم من يزعم أنه افتض خمسين بكرا ومنهم من يقول سبعين كل ذلك بالكسر. # وأما خراب البلاد والقرى وخلو المساكن والدكاكين، فهو مما يلزم هذه ~~الجملة التي اقتصصناها وناهيك أن القرية التي كانت تشتمل على زهاء عشرة ~~آلاف نسمة تمر عليها فتراها دمنة وربما وجد فيها وربما لم يوجد، وأما مصر ~~فخلا معظمها وأما بيوت الخليج وزقاق البركة وحلب والمقس وما تاخم ذلك، فلم ~~يبق فيها بيت مسكون أصلا بعد ما كان كل قطر منها قدر مدينة زحمة من الناس، ~~حتى أن الرباع والمساكن والدكاكين التي في سرة القاهرة وخيارها أكثرها حال ~~خراب، وإن ربعا في أعمر موضع بالقاهرة فيه نيف وخمسون بيتا كلها خالية سوى ~~أربعة بيوت أسكنت من يحرس الموضع. # ولم يبق لأهل المدينة وقود في تنانيرهم وأفرانهم وبيوتهم إلا خشب السقوف ~~والأبواب والزروب. # ومما يقضي منه العجب أن جماعة من الدين ما زالوا مجدودين سعدوا في دنياهم ~~هذه السنة فمنهم من أثرى بسبب متجره في القمح، ومنهم من أثرى بسبب مال ~~انتقل اليه بالإرث، ومنهم من حسنت حاله لا بسبب معروف، فتبارك من بيده ~~القبض والبسط ولكل مخلوق من عنايته قسط. # وأما خبر النيل في هذه السنة، فإنه احترق في برمودة احتراقا كثيرا وصار ~~المقياس في أرض جزر وانحسر الماء عنه نحو الجيزة، وظهر في وسطه جزيرة # عظيمة طويلة ومقطعات أبنية وتغير الماء في ريحه وطعمه ثم تزايد التغير ثم ~~انكشف أمره ms54 عن خضرة طحلبية كلما تطاولت الأيام ظهرت وثرت كالتي ظهرت في ~~أبيب السنة الخالية، ولم تزل الخضرة تتزايد إلى آخر شعبان، ثم تناقصت إلى ~~أن ذهبت وبقي في الماء أخيرا نباتية منبثة فقط، وطاب طعمه وريحه ثم أخذت في ~~رمضان تنمى وتقوى جريته إلى اليوم السادس عشر منه، فقاس فيه ابن أبي الرداد ~~قاع البركة فكان ذراعين وأخذ في زيادة ضعيفة بأضعف من # PageV01P055 # السنة الخالية، ولم يزل في زيادة ضعيفة إلى ثامن ذي القعدة وهو السابع ~~عشر من مسرى فزاد إصبعا ثم وقف ثلاثة أيام، فأيقن الناس بالبلاء واستسلموا ~~للهلكة ثم أخذ في زيادات قوية أكثرها ذراع إلى ثالث ذي الحجة وهو السادس من ~~توت فبلغ خمس عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا ثم أنحط من يومه وأنهزم على فوره ~~ومس بعض البلاد محلة القسم فكأنما زارها طيف خياله في الحلم. # وإنما انتفع به ما كان من البلاد مطمئنا فأروى المنخفضات كالغربية ~~ونحوها، غير أن القرى خالية من فلاح أو حراث أصلا فهم كما قال الله تعالى: ~~[فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم]، وإنما أرباب الحراث يجمعون شذاذهم ويلتقطون ~~أفرادهم، وقد عز الحراث والبقر جدا حتى يباع الثور الواحد بسبعين دينارا ~~والهزيل بدون ذلك، وكثير من البلاد ينحسر عنه الماء بغير حقه ولغير وقته، ~~إذ ليس لها من يمسك الماء ويحبسه فيها فتبور لذلك مع ريه، اوكثير مما روي ~~يبور لعجز أهله عن تقاويه والقيام عليه، وكثير مما زرع أكلته الدودة وكثير ~~مما سلم منها ضوي وعطب. # ونهاية سعر القمح في هذه السنة خمسة دنانير، وأما بقوص والإسكندرية فبلغ ~~ستة دنانير. # ومن الله سبحانه يرجى الفرج وهو المتيح للخير بمنه وجوده. ### | الفصل الثالث في # حوادث سنة ثمان وتسعين وخمسمائة # ودخلت هذه السنة والأحوال التي شرحناها في السنة الخالية على ذلك النظام ~~أو في تزايد، إلى زهاء نصفها فتناقص موت الفقراء لقلتهم لا لارتفاع السبب ~~الموجب وتناقص أكل بني آدم ثم أنقطع خبره أصلا. # وقل خطف الأطعمة من الأسواق وذلك لفناء الصعاليك وقلتهم ms55 من المدينة، ~~وانحطت الأسعار حتى عاد الأردب بثلاثة دنانير لقلة الآكلين لا لكثرة ~~المأكول، وصفت المدينة بأهلها، واختصرت واختصر جميع ما فيها على تلك النسبة ~~وألف الناس البلاء واستمروا على البلاء حتى عاد ذلك كأنه مزاج طبيعي. # PageV01P056 # وحكي لي أنه كان بمصر تسعمائة منسج للحصر، فلم يبق إلا خمسة عشر منسجا، ~~وقس على هذا سائر ما جرت العادة أن يكون بالمدينة من باعة وخبازين وعطارين ~~وأساكفة وخياطين وغير ذلك من الأصناف، فإنه لم يبق من كل صنف من هؤلاء إلا ~~نحو ما بقي من الحصريين أو أقل من ذلك. # وأما الدجاج فعدم رأسا لولا أنه جلب منه شيء من الشام، وحكي لي أن رجلا ~~مصريا شارف الفقر فألهم أن اشترى من الشام دجاجا بستين دينارا، وباعها ~~بالقاهرة على القماطين بنحو ثمانمائة دينار، ولما وجد البيض بيع بيضة بدرهم ~~ثم بيضتين ثم ثلاثا ثم أربعا واستمر على ذلك، وأما الفراريج فبيع الفروج ~~بمائة درهم ولبث برهة يباع الفروج بدينار فصاعدا. # وأما الأفران فإنها توقد بأخشاب الدور، فيشتري الفران الدار بالثمن البخس ~~ويقد زروبه وأخشابه أياما ثم يشتري آخر، وربما كان فيهم من تنشطه نذالته ~~فيخرج ليلا يجوس خلال الديار فيحتطبها ولا يجد ذاعرا. # وكثيرا ما تقفر الدار بمالكها ولا يجد لها مشتريا فيفصل أخشابها وأبوابها ~~وسائر آلاتها فيبيعها ثم يطرحها مهدومة وكذلك أيضا يفعلون بدور الكسرا. # وأما الهلالية ومعظم الشارع ودور الخليج وحارة الساسة والمقس وما تاخم ~~ذلك فلم يبق فيها أنيس، وإنما ترى مساكنهم خاوية على عروشها وكثيرا من ~~أهلها موتى فيها، ومع ذلك فالقاهرة بالقياس إلى مصر في غاية العمارة وأهلها ~~في غاية الكثرة. # وأما الضواحي وسائر البلاد فيباب رأسا، حتى أن المسافر يسير في كل جهة ~~أياما لا يصادف حيوانا إلا الرمم ما خلا البلاد الكبار كقوص وأخميم والمحلة ~~ودمياط والإسكندرية، فإن فيها بقايا، وأما ما عدا هذه وأمثالها فإن البلد ~~الذي كان يحتوي على ألوف خال أو كالخالي. # وأما الأملاك ذوات الآجر المعتبرة، فأن معظمها خلا أو ms56 لم يبق دأب أهلها ~~إلا حراستها بسد أبوابها وتحصين مسالكها أو إسكانها من يحرسها بأجرة، اللهم ~~إلا ما كان من الملك في قصبة المدينة فإن بعضه مسكون بأخف أجرة، وأعرف ربعا ~~في أعمر موضع بالمدينة كانت أجرته في الشهر مائة وخمسين دينارا، فعادت في ~~هذه السنة إلى نحو عشرين دينارا، وآخر في مثل موضعه كانت أجرته في الشهر ~~ستة عشر دينارا، فعادت إلى فويق الدينار، وجميع ما لم نذكره على هذا القياس ~~أفهمه. # والذي دخل تحت الإحصاء من الموتى ممن كف وجرى له اسم في الديوان وضمته ~~الميضات في مدة اثنين وعشرين شهرا أولها شوال من سنة ست وتسعين، وآخرها رجب ~~من سنة ثمان وتسعين، مائة ألف وإحدى عشرة ألفا إلا آحادا وهذا مع كثرته نزر ~~في جنب الذين هلكوا في دارهم وفي أطراف المدينة وأصول الحيطان، وجميع ذلك ~~نزر في جنب من هلك بمصر وما تاخمها، وجميع ذلك نزر # في جنب من أكل في البلدين، وجميع ذلك نزر جدا في جنب من هلك وأكل في سائر ~~البلاد والنواحي والطرقات وخاصة طريق الشام، فإنه لم يرد أحد من ناحية ~~فسألته عن الطرق إلا ذكر أنها مزروعة بالأشلاء والرمم وهكذا ما سلكته منها. # ثم أنه وقع بالفيوم والغربية ودمياط والإسكندرية موتان عظيم ووباء شديد ~~لا سيما عند وقت الزراعة، فلعله يموت على المحراث الواحد عدة فلاحين، وحكي ~~لنا أن الذين بذروا غير الذين حرثوا وكذلك الذين حصدوا. # وباشرنا زراعة لبعض الرؤساء فأرسل من يقوم بأمر الزراعة فجاء الخبر ~~بموتهم أجمعين، فأرسل عوضهم فمات أكثرهم، هكذا مرات في عدة جهات وسمعنا من ~~الثقات عن الإسكندرية أن الإمام صلى يوم الجمعة على سبعمائة جنازة، وأن ~~تركة واحدة انتقلت في مدة شهر إلى أربعة عشر وارثا، وأن طائفة كبيرة من ~~أهلها تزيد على عشرين ألفا انتقلوا إلى برقة وأعمالها فعمروها وقطنوها، ~~وهذه برقة كانت مملكة عظيمة وخربت في زمن اليازوري وعلى يديه، وكان وزيرا ~~ظالما، فجلا عنها أهلها وسكن كثير منهم بالإسكندرية، وكان هذا ms57 الحادث تقاص ~~في الطبيعة. # ومن عجيب ما اتفق لشيخ من أطباء يهود مصر ممن ينتابني سوى من سبق ذكرهم، ~~أن استدعاه رجل زبونه ذو شارة وشهرة بستر ودين وجدة، فلما حصل في المنزل ~~أغلق الباب ووثب عليه فجعل في عنقه وهقا ومرت المريض خصيتيه غير أنه لم تكن ~~له معرفة بالقتل فطالت المناوشة وعلا ضجيجه فتسامع الناس ودخلوا، فخلصوا ~~الشيخ وبه رمق يسير وقد كسرت ثنيتاه وحمل إلى منزله مغشيا عليه وأحضروا ~~الفاعل إلى الوالي فسأله ما حملك على ما فعلت، فقال: الجوع فضربه ونفاه. # واتفق سحرة يوم الاثنين السادس والعشرين من شعبان وهو الخامس والعشرون من ~~بشنس، أن حدثت زلزلة عظيمة اضطرب لها الناس، فهبوا من مضاجعهم # مدهوشين، وضجوا إلى الله سبحانه، ولبثت مدة طويلة كانت حركتها كالغربلة ~~أو كخفق جناح الطائر وانقضت على ثلاث رجفات قوية مادت بها الأبنية واصطفقت ~~الأبواب وصرصرت السقوف والأخشاب، وتداعى من الأبنية ما كان واهيا أو مشرفا ~~عاليا ثم عاودت في نصف نهار يوم الاثنين، إلا أنها لم يحس بها أكثر الناس ~~لخفائها وقصر زمانها وكان في هذه الليلة برد شديد يحوج إلى دثار خلاف ~~العادة، وفي نهار ذلك اليوم تبدل بحر شديد وسموم مفرط يضيق الأنفاس ويأخذ ~~بالكظم وقلما تحدث زلزلة بمصر بهذه القوة. # ثم أخذت الأخبار تتواتر بحدوث الزلزلة في النواحي النائية والبلاد ~~النازحة في تلك الساعة بعينها، ولذا صح عندي أنها حركت في ساعة واحدة طابقة ~~من قوص إلى دمياط والإسكندرية ثم بلاد الساحل بأسرها والشام طولا وعرضا ~~وتعفت بلاد كثيرة بحيث لم يبق لها أثر وهلك من الناس خلق عظيم وأمم لا ~~تحصى، ولا أعرف في الشام بلدا أحسن سلامة من القدس فإنها لم تنك فيه إلا ما ~~لا بال، كانت نكاية الزلزلة ببلاد الإفرنج أكثر منها في بلاد الإسلام ~~كثيرا. # وسمعنا أن الزلزلة وصلت إلى أخلاط وتخومها وإلى جزيرة قبرص، وأن البحر ~~ارتطم وتموج وتشوهت مناظره فانفرق في مواضع وصارت فرقه كالأطواد وعادت ~~المراكب على الأرض وقذف سمكا ms58 كثيرا على ساحله. # ووردت كتب من الشام ودمشق وحماه تتضمن خبر الزلزلة، ومما اتصل لي من ذلك ~~كتابان أوردتهما بلفظهما، ### | نسخة الكتاب الوارد من حماه # ولما كان سحرة يوم الاثنين السادس والعشرين من شعبان حدثت الزلزلة، وكادت ~~الأرض تسير سيرا والجبال تمور مورا، وما ظن أحد من الخلق إلا أنها زلزلة ~~الساعة، وأتت دفعتين في ذلك الوقت، أما الدفعة الأولى فاستمرت مقدار ساعة ~~أو # تزيد عليها، وأما الثانية فكانت دونها ولكن أشد منها وتأثر منها بعض ~~القلاع فأولها فقلعة حماه مع إتقانها وعمارتها وبارين مع اكتنازها ~~ولطافتها، وبعلبك مع قوتها ووثاقتها، ولم يرد عن البلاد الشاسعة والقلاع ~~النازحة إلى الآن ما أذكره. # ثم حدث في يوم الثلاثاء السابع والعشرين منه عند صلاة الظهر زلزلة استوى ~~في علمها اليقظان والنائم، وتزعزع لها القاعد والقائم، ثم حدثت في هذا ~~اليوم أيضا وقت صلاة العصر وصل الخبر من دمشق بأن الزلزلة أفسدت فيها منارة ~~الجامع الشرقية وأكثر الطوسة والبيمارستان جميعه وعدة مساكن تساقطت على ~~أهلها وهلكوا. ### | نسخة الكتاب الوارد من دمشق # المملوك ينهي حدوث زلزلة ليلة الاثنين سادس وعشرين شعبان وقت انفجار ~~الفجر وأقامت مدة، قال بعض الأصحاب: أنها مقدار ما قرأ سورة الكهف، وذكر ~~بعض المشايخ بدمشق أنه لم يشاهد مثلها فيما تقدم، ومما أثرت في البلد سقوط ~~ست عشرة شرفة من الجامع وإحدى المآذن وتشقق أخرى وفيه الصاحي يعني النسر ~~وانخساف الكلاسة ومات فيها رجلان ورجل آخر على باب جيرون وتشقق بالجامع ~~مواضع كثيرة وسقط بالبلد عدة دور. # وذكر عن بلاد المسلمين أن بانياس سقط بعضها وصفد كذلك ولم يبق بها إلا من ~~هلك سوى ولد صاحبها وكذلك تبنين ونابلس لم يبق لها جدار قائم سوى حارة ~~السمرة ويذكر أن القدر سالم والحمد لله. # وأما بيت جن فلم يبق منه إلا الأساس والجدران وقد أتى عليها الخسف وكذلك ~~أكثر بلاد حوران غارت لا يعرف لبلد منها موضع يقال فيه هذه القرية ~~الفلانية، ويقال أن عكله سقط أكثرها وصدر ثلثها وغرفة خسف ms59 بها وكذلك ~~صافينا، # PageV00P000 # وأما جبل لبنان فهو موضع يدخل الناس إليه بين جبلين يجمع منه الريباس # الأخضر، فيقال أن الجبلين انطبقا على من بينهما وكانت عدتهم تناهز مائتي ~~رجل وقد أكثر الناس في حديثها. # وأقامت بعد ذلك أربعة أيام في النهار والليل، ونسأل الله لطفه وتدبيره ~~وهو حسبنا ونعم الوكيل. # ومن عجيب ما شاهدنا أن جماعة ممن ينتابني في الطب وصلوا إلى كتاب ~~التشريح، فكان يعسر أفهامهم، وفهمهم لقصور القول عن العيان فأخذنا أن ~~بالمقس تلاقيه رمم كثيرة فخرجنا إليه فرأينا تلا من رمم له مسافة طويلة، ~~يكاد يكون ترابه أقل من الموتى به، نحدس ما يظهر منهم للعيان بعشرين ألفا ~~فصاعدا وهم على طبقات في قرب العهد وبعده. # فشاهدنا من شكل العظام ومفاصلها وكيفية اتصالها وتناسبها وأوضاعها ما ~~أفادنا علما لا نستفيده من الكتب، إما أنها سكتت عنها أو لا يفي لفظها ~~بالدلالة عليه أن يكون ما شاهدناه مخالفا لما قيل فيها، والحس أقوى دليلا ~~من السمع، فإن جالينوس وإن كان في الدرجة العليا من التحري والتحفظ فيما ~~يباشره ويحكيه، فإن الحس أصدق منه. # ثم بعد ذلك يتخيل لقوله مخرج إن أمكن، فمن ذلك عظم الفك الأسفل، فإن الكل ~~قد أطبقوا على أنه عظمان بمفصل وثيق عن الحنك، وقولنا الكل إنما نعني به ها ~~هنا جالينوس وحده، فإنه هو الذي باشر التشريح بنفسه وجعله دأبه ونصب عينيه ~~وصنف فيه عدة كتب معظمها موجود لدينا والباقي لم يخرج إلى لسان العرب. # والذي شاهدناه من حال هذا العضو أنه عظم واحد وليس فيه مفصل ولا درز ~~أصلا، واعتبرناه ما شاء الله من المرات في أشخاص كثيرة تزيد على ألفي جمجمة ~~بأصناف من الاعتبارات فلم نجده إلا عظما واحدا من كل وجه، ثم أننا استعنا ~~بجماعة مفترقة اعتبروه بحضرتنا وفي غيبتنا، فلم يزيدوا على ما شاهدوه # منه وحكيناه، وكذلك في أشياء أخرى غير هذه وليت مكنتنا المقادير ~~بالمساعدة ووضعنا مقالة في ذلك تحكي في ما شاهدناه وما علمنا من كتب ~~جالينوس، ثم ms60 أني اعتبرت هذا العظم أيضا بمدافن بوصير القديمة المقدم # PageV01P061 # ذكرها، فوجدته على ما حكيت ليس فيه مفصل ولا درز، ومن شأن الدروز الخفية ~~والمفاصل الوثيقة إذا تقادم عليها الزمان أن تظهر وتتفرق وهذا الفك الأسفل ~~لا يوجد في جميع أحواله إلا قطعة واحدة. # وأما العجز مع العجب ذكر جالينوس أنه مؤلف من ستة أعظم ووجدته أنا عظما ~~واحدا واعتبرته بكل وجه من الاعتبار فوجدته عظما واحدا، ثم أني اعتبرته في ~~جثة أخرى فوجدته ستة أعظم كما قال جالينوس وكذلك وجدته في سائر الجثث على ~~ما قال إلا في جثتين فقط فإني وجدته فيهما عظما واحدا وهو في الجميع موثق ~~المفاصل ولست واثقا بذلك كما أنا واثق باتحاد الفك الأسفل. # ثم أننا دخلنا مصر فرأينا منها دروبا وأسواقا عظيمة كانت مغتصة بالزحام، ~~والجميع خال ليس فيه حيوان إلا عابر سبيل في بعض الأحايين، وأن المار فيها ~~ليستوحش ومع ذلك، فقلما ينفك قطر منها عن جثة وعظام متفرقة حتى خرجنا إلى ~~موضع يسمى إسكرجة فرعون، فرأينا الأقطار كلها مغتصة بالجثث والرمم وغلبت ~~على الآكام بحيث جللتها وكادت تغلب على ترابها ورأينا في هذه الإسكرجة وهي ~~وهدة عظيمة حينما أشرفناعليها الجماجم بيضا وسودا، ووجدنا بعضها على بعض ~~طبقات، وقد أخفى كثرتها وتراكمها سائر العظام حتى كأنها رءوس لم يكن معها ~~أبدان، يشبهها من ينظرها ببطيخ قد قطع وجمع حتى صار كالبيدر، ثم رأيتها بعد ~~أيام وقد عرقتها الشمس وابيضت فشبهتها ببيض النعام المتراكم. # ووجدت في ذي الحجة بمصر امرأة ذبحت صبيا لتأكله، فأخذت وغرقت وقد # ارتفعت هذه الحال وانقطع خبرها ومشاهدتها لم يوجد سوى هذه المرأة، ومن ~~عجيب الكائنات في هذه المدة أن مولودا في سبع وتسعين ولد برأسين وولد مولود ~~آخر أبيض الشعر، ورأيته وليس هو كبياض الشيب، بل يحيل إلى صهوية ما، # PageV01P062 # ولدت في هذه السنة بغلة ولدت ميتا وبقي في دار الوالي أياما كثيرة، وفي ~~سنة ثمان وتسعين وجدت سخلة ذات لبن كان يخرج من حلمتها كأنه خيط دقيق ~~وأحضرت ms61 بدار الوالي مرات، وآخر ما أحضرت وعمرها أربعة أشهر. # وأما خبر النيل في هذه السنة فنحن نسوقه باختصار أما أولا، فإنه احترق في ~~طوبة، ثم تزايد احتراقه حتى صار مخاضات للناس والدواب، وظهرت الحفرة فيه في ~~جمادى الآخرة الكائن في برمهات، وتزايدت جدا في رجب حتى ظهرت في طعمه ولونه ~~وريحه ثم تناقصت حتى ذهبت أصلا وانتهى احتراقه في رمضان، وأنحسر عن المقياس ~~نحو ثمانمائة ذراع، وأطالع أبي الرداد باستقرار الماء يوم الثلاثاء لخمس ~~بقين من بؤونة وأربع بقين من رمضان من سنة ثمان وتسعين فكان القاع ذراعا ~~ونصفا وكان في السنة الخالية ذراعين، وابتدأ في الزيادة في السنة الخالية ~~من هذا اليوم، فأما في هذه السنة فإن زيادته تأخرت إلى الخامس والعشرين من ~~أبيب، لم يزد في هذه المدة سوى أصابع، حتى ساءت ظنون الناس وشملهم اليأس ~~وظنوا أن حادثا وقع بفوهته وعند مبدأ جريته، ثم أخذ في الزيادة حتى أنسلخ ~~أبيب وهو على ثلاث أذرع ووقف يومين، فاشتد هلع الناس لخروجه في التوقف عن ~~المعتاد، ثم أنه أندفع بقوة وزيادات متداركة وجبال من المياه متدافعة، فزاد ~~ثماني أذرع في مدة عشرة أيام منها ثلاث أذرع متوالية، وانتهى في رابع توت ~~وهو الثاني عشر من ذي الحجة إلى ست عشرة ذراعا تنقص إصبعا وقام يومين، ثم ~~أخذ ينحط متباطئا وينصرف رويدا، فهذا ما قصدت اقتصاصه من أحواله هذه ~~الكائنة، فليكن آخر المقالة ومنتهى الكتاب. # والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيد المرسلين محمد النبي الأمي ~~وعلى آله الطيبين الطاهرين. # كتبه مؤلفه الفقير إلى الله تعالى عبد اللطيف بن يوسف ابن محمد البغدادي ~~في رمضان سنة ستمائة بالقاهرة. PageV01P063 ms62